صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: العقيدة - أصول الفقه - تراث
------------------------------------------
العنوان: كتاب التحف المخزونة
المؤلف: سليمان بن يخلف الوسلاتي المزاتي النفطي القابسي أبو الربيع
دراسة وتحقيق: محمود بن جمعة الأندلوسي
تصدير: أحمد مصلح
مقدمة: أحمد بن حمد الخليلي
الناشر: مكتبة خزائن الآثار - موقع بصيرة الإلكتروني
مكان النشر: بركاء - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1438ه/ 2017م
الطبعة: 1
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=6908&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/434
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 19 رجب 1446ه/ 19 - شهر 01 - 2025م. كتاب
التحف المخزونة
لأبي الربيع سُلَيْمَانَ بْنِ يَخْلفَ الوسلاتي المزَاتِي النَّفْطِيُّ القَابِسِي
(ت:471 هـ / 1079 م)
دِرَاسَة وتحقيق
محمود بن جمعة الأندلوسي (1/1)
صفحة 2
كتاب
التحف المخزونة
دِرَاسَة وتحقيق (1/3)
صفحة 3
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى 1438 هـ / 2017 م
توزيع
مكتبة خزائن الآثار
سلطنة عُمان - بركاء
نقال: 0096898177789 - 0096896602319
basee
الراعي الإعلامي:
موقع بصيرة الإلكتروني
موسوعة إلكترونية في العلوم الإسلامية
السماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عُمان
للتواصل: www.baseera.net - info@baseera.net (1/4)
صفحة 4
كِتَابُ
التُحقِّ المَخْرُونَة
في إجماع الأصول الشرعيّة ومعانيها بابا بابا مما يحتاج إليه ولا يستغنى عنه بصحة قوله وعذوبة مقاله وتقريض بيانه وانحصار قوله ومعانيه بفوائد مجملة واضحة التبيان مشرقة لها فصول وبيان ومعان
لأبي الربيع سُلَيْمَانَ بْنِ يَخلَفَ الوِسْلَاتِي المَزَاتِي النَّفْطِيُّ الْقَابِسِي
(ت: 471 هـ / 1079 م)
دراسة وتحقيق
محمود بن جمعة الهند لوسي (1/5)
صفحة 5
الإهداء
أهدي هذا الجهد المتواضع وباكورة أعمالي إلى: والدي العزيز جمعة الأندلوسي الذي أكن له كل التوقير
- زوجتي الوفية المصابرة زهرة بنت يوسف الشماخي
- أبنائي البررة: سامي وإلياس وعبد الرحمن
-
المشايخ بجربة (تونس) وميزاب (الجزائر) ومسقط (عمان)
طلبة العلم بمعهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد بروي
زملائي المدرسين الجربيين بسلطنة عمان الحبيبة (1/7)
صفحة 6
شكر وتقدير
أتقدم بخالص الشكر وعظيم الامتنان ووافر التقدير إلى من كان له فضل في ظهور هذا العمل سواء بالإشراف والتوجيه والمتابعة، أو بتوفير المخطوطات والمراجع: الدكتور فرحات الجعبيري.
وأعترف بالجميل لكل من ساعد وشد الأزر ونصح
وراجع من زملائي الأوفياء. (1/8)
صفحة 7
تصدير
الحمد الله المتفضل بالنعم أرسل محمد صلى الله عليه وسلم ليعلم الأمم، العقيدة والشريعة والقيم، فبلغ الجملة وتفسيرها وعلم وبلغ الأمانة وأتم، جازاه الله بأفضل ما جازى نبيا أمته. عن
أحسست بسعادة غامرة وأنا أشرف بتقديم كتاب (التحف المخزونة والجواهر المصونة) لأبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، بتحقيق أخي المرحوم محمود الأندلوسي، واستمتعت بالدرر التي كشف عنها من خلال مسائل العقيدة المتقنة العرض. وكان الأستاذ محمود سباقا لإبراز تراث السلف، فنفض الغبار عن هذا المخطوط القيم، وأثرى بدراسته المعمقة المكتبة الإباضية وأروى المتعطشين إلى المعرفة. قدر الله أن ينتقل الأستاذ محمود إلى الرفيق الأعلى قبل أن يناقش رسالته فعسى أن يتوجه المولى بتاج العالم العامل. هذه الرسالة محاولة رائدة من ابن جربة البار لتحقيق كنز مدفون من تراثنا الذي تزخر به مكتبات الجزيرة، وينتظر همم الباحثين لمواصلة الدرب في الدراسة والتحقيق وحسن العرض. وترجع أهمية (التحف المخزونة إلى ما يمثله الكتاب من تبلور ونضج في عرض مسائل
العقيدة وشمول وتكملة لما سبقه من جهود العلماء. ولم يأل المرحوم (1/9)
صفحة 8
قسم | الدراسة
محمود جهدا في دراسته للمؤلف وعصره، وتحقيقه لمسائل الولاية والبراءة والجملة وتفسيرها ونظرية المعرفة وغيرها من الموضوعات، نفع الله بجهده. وقد اعتمد المحقق الباحث على مصادر كثيرة ومتنوعة وخلص إلى نتائج مفيدة تنفع المبتدئ والمتخصص. لا أطيل على القارئ وأدعه يتفحص التحف ويكتشف اللآلي التي رضع بها المحقق سفره وليكن الباحث رحمه الله قدوة للجيل الغيور على العقيدة وتراث الأمة
رفيق دربه أحمد مصلح (1/10)
صفحة 9
مقدمة سماحة الشيخ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله أهل الحمد والمجد والجود والفضل والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي سعد بوجوده الوجود، وأشرق بطلعته الكون وانشرحت بدعوته الصدور، وعلى آله وصحبه الذين كانوا مطالع رشد وخزائن علم ومصابيح هداية، وعلى من تبعهم بإحسان.
أما بعد ..
فإن علم أصول الدين من أجل العلوم وأشرفها وأجمعها لخير الدنيا والآخرة، لأنها تصل المخلوق بخالقه، وتعرّفه بمبدئه ومصيره وتبصره برسالته في الوجود وتكاليفه في الحياة، لذلك تبارت الهمم وتنافست القرائح في بحثها بين إيجاز وإطناب، وكان لعلمائنا رحمهم الله القدح المعلى سلفا وخلفا في تجلية أسرارها وكشف خباياها بإيضاح براهينها وحججها وتأصيل قواعدها وتقييد شواردها.
وإن ممن سبح بأشقره المجلي في هذا الميدان الإمام الأصولي الفقيه أبا الربيع سليمان بن يخلف المزاتي والله المتوفى في القرن الخامس (1/11)
صفحة 10
12
قسم الدراسة
الهجري، ومما جادت به قريحته في هذا الفن الشريف كتابه القيم «التحف المخزونة» الذي تحركت همة فقيد العلم والفضل أخينا العزيز الشيخ محمود بن جمعة الأندلوسي رحمةالله لنفض غبار الزمن عنه وإخراجه من زوايا الإهمال وإعطائه من العناية ما يستحقه ليتجلى في حلة قشيبة وصورة مشرقة وجمال آخذ بمجامع الألباب، فأولاه ما هو جدير به من التحقيق والدراسة حتى خرج بهذه الصورة الزاهية.
فإلى طلبة العلم الشريف نبعا فياضا بالعلم تجري جداوله رقراقة صافية من كل ما يشوب الينابيع ويكدر الموارد، وللمؤلف العلامة والمحقق الماهر دعاؤنا بالرحمة وحسن الجزاء وللناشر دعاؤنا بالتوفيق والمثوبة الحسنة. والله من واء القصد
أحمد
بن
حمد الخليلي
مسقط 9/ ذي القعدة 1436 هـ (1/12)
صفحة 11
مقدمة الباحث عصر المؤلّف
تمهيد:
إنَّ من شأن الدارس لكتب التُّراث الإنساني أن يُعَرَّفَ بالمؤلّف، ويضعه في إطاره التاريخي؛ لتكون الدراسة أكثر شمولا ووضوحا وواقعية. ولقد سبقت الإشارة في مقدمة هذا الكتاب أنه من مشاهير علماء الإباضية المغاربة في القرن الخامس للهجرة. وقبل التعريف به وبشخصيَّته العلميّة نشير إلى جانب من أحوال عصره على المستويين العام والخاص. فما الدولة التي عاصرها أبو الربيع سليمان بن يخلف ـ صاحب هذا الكتاب ـ، وما هي الظروف السياسية والثقافية التي عرفتها الدولة؟ وما هي الأوضاع الأمنية والاجتماعية للإباضية في هذا القرن؟ وما مدى تأثير ذلك كله في حياة المؤلف وفى
حركته العلمية؟.
هي (1/13)
صفحة 12
14
قسم الدراسة
1) الحياة السياسية في هذا العصر
إنَّ الدَّولة الصنهاجية هي التي حكمت البلاد التونسية خلال الفترة التي تعنينا في هذه الدراسة؛ ذلك أنَّ المعز لدين الله الفاطمي لما رحل إلى القاهرة
(1)
سنة 362 هـ عيَّن بلكين بن زيري) (362) - (373 هـ) أميرًا على إفريقية والمغرب عدا صقلية وطرابلس ()، وبلكين هذا لم يتجاوز في الواقع منزلة أول تابع للفاطميين (3).
وبعد وفاته ولي الحكم ابنه المنصور (373 - 386 هـ)، ثُمَّ ابنه باديس (386 - 406 هـ) الأخير ثارت قبيلة زناتة (4)، فسيَّرَ إليها جيسا كثيفًا بقيادة عمه حماد، ولما انتصر حماد بنى لنفسه قلعة اتَّخذها مقرًا لمُلْكه، وعندئذ ثارت ثائرة باديس، وأعلن الحرب بينه وبين عمّه، وقد انتهت هذه الحرب بموت باديس، وانقسام الدولة الصَّنهاجيَّة إلى إمارة شرقية: وعاصمتها القيروان، وغربية وقاعدتها قلعة بني حماد. ولما توفي باديس خلفه ابنه المعز (406 ـ 453 هـ)، ومن بعده تميم (453 - 501 هـ)، ثم علي بن تميم
(1) وقد سماه: يوسف بَدَلَ بلكين وكناه أبا الفتوح، ولقبه سيف الدولة، ووصله بالأكسية الفاخرة، وأوصاه بثلاث ألّا يرفع الشيف عن البربر، ولا يرفع الجباية عن أهل البادية، ولا يولي أحدًا من أهل بيته. انظر ابن خلدون التاريخ، مجلد 6. وانظر ابن أبي دينار:
المؤنس: 75.
(2) كانت صقلية لبني أبي الحسين الكلبي وطرابلس لعبد الله بن يخلف الكاتمي. انظر ابن
خلدون نفس الكتاب والصفحة
(3) انظر جوليان: تاريخ إفريقيا الشمالية: 89.
(4) يذهب أغلب المؤرخين إلى أن اسم هذه القبيلة مأخوذ من اسم جانا أو شانا، الجد الأول لها، أو الرئيس الأول لها، وقد كان لهذه القبيلة حضور هام في تاريخ المغرب العربي في العهد الإسلامي، وأكثر الزناتيين يسكنون بالمغرب الأوسط، ولها فروع وبطون كثيرة. انظر محمد بن عميرة: دور زناتة في الحركة المذهبية بالمغرب الإسلامي، ط الجزائر 1984 م. (1/14)
صفحة 13
كتاب التحف المخزونة
15
(501 ـ 515 هـ)، وأخيرًا الحسين بن علي (515 - 543 هـ)، وبذلك انقرضت
دولة صنهاجة.
والملاحظ أن هذه الدولة عاشت عصرين أولهما عصر ذهبي عرف بازدهار الحضارة في مختلف نواحي الحياة، وأحرزت فيه الدولة على سمعة طيبة، فقد تهاطلت الهدايا على المعز من قبل الفاطميين والأمراء الأجانب، وقد امتدت هذه الفترة إلى سنة 435 هـ.
أما العصر الثاني فقد عرفت فيه الدولة اضطرابات وقلاقل وحروبا وفتنا أورثت نتائج سلبية على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية. وهذه الفترة هي التي تهمنا بصفة خاصة في هذا البحث؛ وذلك لمعاصرة أبي الربيع سليمان بن يخلف لها ()، ومعايشته لكثير من أحداثها، وقد كان لها الأثر البالغ في عرقلة مسيرة نشاطه العلمي، بالإضافة إلى العوامل الداخلية، والظروف التي مر بها الإباضية وقتئذ.
وإذا كانت البلاد لم تهنأ بالاستقرار السياسي خلال هذا العهد ـ خاصة زمن المعز وابنه تميم - فما هو السبب الرئيسي لهذا التوتر؟.
وللجواب على هذا السؤال لا بُدَّ من الإشارة إلى أنَّ المذهب الرَّسمي كان وقتئذ المذهب الشيعي، فقد حرص العبيديون تمام الحرص على نشره في إفريقية طيلة استيلائهم عليها، غير أنَّ أهل القيروان (المالكية) ثاروا على الشيعة زمن المعز (وذلك سنة 439 هـ) فقتلوهم شر تقتيل، والذي شجعهم على ذلك تأييد المعز لهم تأييدا مطلقا، بل إنه تجاوز حد النصرة إلى إعلان خلع طاعة الفاطميين، وحمل الناس على اتباع المذهب
هذا
(1) ذلك أن المؤلّف قد وُلد في بداية هذا القرن القرن الخامس) كما سنثبته فيما يلي من. البحث (انظر صفحة (17، وبذلك تكون الفترة المذكورة في المرحلة الهامة من حياته، وهي مرحلة القوة والنشاط والعطاء. (1/15)
صفحة 14
قسم الدراسة
الدتي. وتتعء للعباسيين (في الخطب والحكم بأحكامهم وضرب سدرة باسم خنيفتهم مما جعل الأخير يعترف له باستقلال البلاد وسيادة ندولة الصنهاجية عليها. لكن الأمر لم يستقر له ذلك أنَّ الخليفة الفاطمي بالقاهرة أراد أن ينتقم لنفسه من الصنهاجيين فأرسل أعراب بني هلال (2) إلى إفريقية فهجموا على القيروان وخرّبوها ممّا ألجأ المعزّ إلى الفرار إلى مدينة المهديّة وبذلك ضعف ملكه وساءت حاله واشتدت الأزمات عليه (3) ولما أحسّ بالانهيار تنازل عن الملك لابنه تميم الذي انحصرت دولته في المناطق الساحلية (4) وقد ازدادت الدولة في عهده ضعفًا (5) إلى أن سقطت فصارت مقسومة بين النورمان في السواحل وأمراء الطوائف في الداخل. وإذا كانت البلاد قد عاشت هذين العصرين المختلفين فما هي آثار ذلك في الحياة المادّيّة والفكرية عموما؟ وما علاقة ذلك بحياة المؤلّف وبيئته؟.
(1) يقول ابن أبي دينار في كتاب المؤنس ص 82: وكانت بإفريقية مذاهب الصفرية والشيعة والإباضية، والمعتزلة، ومن مذاهب أهل السنة الحنفية والمالكية فلم يبق في أيامه إلا مذهب الإمام مالك». (2) وهم قبائل بدوية استقروا بالصعيد وعرفوا بأعراب الصعيد كانوا يعيشون على النهب والإغارة ويقطعون الطريق على قوافل الحجاج إلى مكة وقد اشتركوا في فتنة القرامطة ضدّ الدولة العباسية. انظر ألفرد بيل: الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي» 211. (3) يقول ابن أبي دينار في كتاب المؤنس ص 83 - 85: «وفي أيام المعزّ خرج غالب البلاد عن طاعته وكثرت عليه المخالفون وخالفت سوسة وقفصة وباجة وخرج جلّ البلاد الغربية ... وكان من الكرم إلى جانب عظيم ... إلا أن أيامه كثرت فيها الفتن ... ». (4) وذلك من سوسة إلى قابس أما الداخل كتونس والقيروان والجريد فقد كان بيد أمراء صغار من الأعراب وغيرهم أعلنوا الاستقلال لضعف الدولة. انظر حسن حسني عبد الوهاب:
المنتخبات: 93
(ه) فقد كثرت القلاقل وهاجم النّصارى المهديّة ونهبوها وذلك سنة 480 هـ) واستولى النورمان على صقلية وذلك سنة 484 هـ). انظر أحمد بن عامر: تونس عبر التاريخ: 150 - 163. (1/16)
صفحة 15
كتاب التحف المخزونة
17
2) الظروف المادية والثقافية في هذا العصر
أما العصر الأول ـ وهو المعروف بعصر الازدهار ـ فقد شهدت فيه الفلاحة والصناعة والتجارة نموا ملحوظا (1) وتطوّرت البلاد من الناحية العمرانية تطوّرًا لم يشهد له مثيل).
وقد أثر هذا الازدهار المادي في الحياة الفكرية، فكثر الأدباء والشعراء (ابن أبي زيد القيرواني، وابن عبدون الوراق، وابن رشيق، وتميم ابن المعز، وإبراهيم وعلي الحصريان كما ارتقى الطب وانتشر التعليم بين العامة والخاصة، وصار جامع عقبة كُليَّة كبرى يَفِدُ إليها الطلبة من مختلف الأنحاء. يقول حسن حسني عبد الوهاب: «فازدهى سوق الأدب، وظهرت عندئذ حركة فكريَّة لم تَرَ إفريقية مثلها قبل ولا بعد» (3).
ولقد عاش الإباضية كغيرهم من النَّاس في إطار هذا النشاط الفكري العام، فانتظمت حلقاتهم العلميَّة، ورحل الكثير من طلبتهم إلى القيروان لتعلم النحو وقواعد اللغة العربية، وخير مثال على ذلك؛ سفر أبي عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي إلى القيروان لغرضين، أحدهما التَّعمق في الدراسات اللغوية، وثانيهما: علاج العينين).
(1) ففي ميدان الفلاحة تضخم إنتاج الحبوب إلى حد أن باجة صارت حتاج إلى ألف من الإبل كُل يوم لحمل الحبوب. (انظر جوليان: تاريخ إفريقيا الشمالية: 92).
وفي ميدان الصناعة عُرِفت الزرابي الفاخرة والمنسوجات الصوفية والحريرية، وأواني الزجاج. وفي قطاع التجارة صار دخل الدولة من المكوس 400 ألف دينار. (انظر: حسن حسني عبد الوهاب: خلاصة تاريخ تونس: 94 ـ 95).
(2) لقد شيدت الحصون والقلاع والأسوار والمدن (كمدينتي الجزائر ومليانه) والمتنزهات و مُدَّت الطرقات في مختلف الجهات. انظر ن. م. السابق.
(3) حسن حسني عبد الوهاب: خلاصة تاريخ تونس: 95. (4) انظر الوسياني: السير: 50
ص (1/17)
صفحة 16
18
قسم الدراسة
أما العصر الثاني فقد تأثرت فيه الحياة الاقتصادية بالظروف السياسية التي مرت بها من اضطرابات وقلاقل - سبقت الإشارة إليها ـ مما أدى إلى ركود نسبي في الحياة الثقافية، وكان من الممكن أن يستمر هذا الازدهار الفكري في نموه فتشهد البلاد حركة علمية أوسع نطاقا لولا هذه التقلبات السياسية.
- وضع الإباضية في هذا العصر
إذا ركزنا البحث على الإباضية وحركتهم العلمية في ذلك العصر بفترتيه؛ فإنَّنا نلاحظ تأثرًا واضحًا للإباضيَّة بهذه التوترات السياسية)، فضلا عن
الأوضاع الداخلية الخاصة.
أ ـ التأثيرات الخارجية:
لقد سبقت الإشارة إلى أنَّ الخليفة الفاطمي أرسل أعراب بني هلال إلى إفريقية للانتقام من الصنهاجيين، وفعلا عاثوا في الأرض فسادا فرؤعوا الأهالي، وهتكوا الأعراض، وسلبوا الأموال. وكان الإباضية ممَّن تأثر بهذا الهجوم، فعاشوا فترات من الخوف والرُّعب من ذلك: أنَّ أبا الرَّبيع سليمان بن يخلف وتلاميذه لما كانوا بتمولست (2) لحقهم خوف شديد، واعتداءات متكررة من قبل هؤلاء الأعراب إلى حد أنَّ أبا القاسم بن زكرياء لما بلغه الخبر أمر بتفرقتهم (3)، ولا يخفى ما لذلك من أثر سلبي في نمو حركتهم العلمية وإنتاجهم الفكري. كما أن غارة الهلاليين على
(1) أما العصر الأول فلاحظنا أثره الإيجابي في حركتهم العلمية، وأما العصر الثاني فقد بينا آثاره السلبية خلال تحليلنا لعنصر التأثيرات الخارجية.
(2) تقع هذه القرية تحت جبل دمر وسط بلاد تسكنها الوهبية من زنزقة ولماية ومزاته. انظر: محمد حسن في دراسة تعريف الكاتب سير الشماخي ص 532/ 531.
(3) انظر الدّرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب: 193/ 1. (1/18)
صفحة 17
كتاب التحف المخزونة
19
جزيرة جربة (سنة 459 هـ) مشهورة في كتب السيرة، فقد روى الوسياني (1) مثلا أن أعراب بني هلال دخلوا الجزيرة، وغصبوا البنات، وحاولوا الوقوع بهن لولا حفظ الله ورعايته لعباده المتقين (2)، وبالإضافة إلى هجمات الهلاليين وقطعهم الطريق على الإباضية أثناء رحلاتهم وتنقلاتهم بالإضافة إلى ذلك؛ فإنَّ الإباضيَّة لم يسلموا أيضًا من غزو الصنهاجيين، وعلى سبيل المثال: نذكر محاصرتهم لقلعة بني درجين عام 440 هـ، وتخريبها، وقتل أهاليها، واستباحة نسائهم (3)، كما أنَّ هجوم عسكر المعز على جزيرة جربة (سنة 431 هـ)، وتقتيل مشاهير العلماء (4) كان له الأثر العميق في نفوس الإباضية ذلك أنَّ مثل هذا الحدث يُعد كارثة عظمى تترتب عليها آثار سلبية، خاصة في الميدان العلمي. بل حتَّى النَّصارى كان لهم نصيب في الهجوم على جزيرة جربة، ذلك أن أمير صقليَّة بعث إليها سنة 453 هـ أسطولا عظيمًا فاحتلت البلاد، وقتلت الأنفس البشرية، وغنمت الأموال، النساء والأطفال، وفرضت الجزية على من بقي من أهلها)، هذا بالإضافة إلى الصراع المذهبي الذي يحتدُّ من حين لآخر، فيتجاوز حد النقاش والجدل إلى القتال الفعلي، كما حدث في منطقة ورجلان بين الأشعرية والإباضيَّة وذلك سنة 432 هـ (6).
وسبي
(1) أبو الربيع سليمان بن عبد السَّلام بن حسان بن عبد الله الوسياني، أحد كبار مؤرّخي الإباضية، من علماء الطبقة الثانية عشر (550 - 600 هـ). عُمدة الدرجيني في طبقاته، له تأليف في السير، وصفه الشَّمَّاخي بأنه حَسَنٌ. انظر الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب
512/ 2، وانظر الشماخي: السير 113/ 2.
(2) انظر الوسياني: السير 48.
(3) انظر الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب: 407/ 2.
(4) انظر الوسياني السير،31 وانظر أمثلة أخرى ن م ص 48، 128، 156.
(0) انظر ابن خلدون تاريخ ابن خلدون مج 5 ص 1
428 0429
(6) انظر الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب،472/ 2، 473 وانظر مثلا آخر في نفس المصدر 482/ 2. (1/19)
صفحة 18
قسم الدراسة
فالمتأمل في هذه الأوضاع يرى أن الإباضية عاشوا وقتئذ ظروفًا سياسية سيئة فهذه فتن مذهبية وتلك هجومات من قبل الصنهاجيين أو الهلاليين وتلك غزوات من قبل الطامعين من غير المسلمين ولا ريب أنَّ مثل هذه الظروف لا بد أن تكون لها انعكاسات سلبية على نشاط الإباضية من الناحية الثقافية وبالفعل فقد أنتج ذلك الاضطراب توقف الحلقات وتفرّق الطلبة الدارسين عن أخذ العلم وحسن الاستفادة من أساتذتهم بل قد يضطرّ جميعهم إلى التخلّي عن العلم والتفرغ للقتال ومقاومة الأعداء.
ب - التأثيرات الداخلية
القوى
إن المتتبع للأحوال السّياسيّة التي مر بها الإباضية قبل هذا العصر (أي قبل القرن الخامس للهجرة يرى أنها جد عسيرة ذلك أنهم شاركوا (في القرنين الثالث والرابع في ثورتين عارمتين) استنزفتا جميع وسحقتا عددا وافرا من العلماء ممّا جعل الإباضيَّة يحسّون بالضعف والعجز عن الاشتغال بشؤون السياسة والتفكير في الحكم والثورة على الأعداء حينئذ غيروا مسار حياتهم واهتموا بتكوين أنفسهم تكوينا اجتماعيا وعلميا في إطار نظام العزّابة الذي أتسه أبو عبد الله محمد بن بكر فأقاموا حلقات العلم في مختلف الفنون (3) وعملوا على تنظيمها تنظيمًا دقيقا وقد أنتجت
منهم
(1) وهما معركتا مانو وباغاي أما وقعة مانو فقد كانت أيام المتوكل ببغداد ذلك أنه أرسل عسكرا إلى المغرب فتوجه إلى تاهرت ولما قرب من طرابلس سمعت نفوسة فاجتمعوا وقرروا صدّه عنها فاقتتل الفريقان وانتهت بهزيمة الإباضية حيث قتل منهم اثنا عشر ألفا أربعمائة عالم (انظر الدّرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب 87/ 1 - 91) وأما وقعة باغاي فقد كانت لثأر أبي القاسم يزيد بن مخلد (القائد الإباضي الثائر) الذي قتله المعزّ لدين الله الفاطمي وكان من قواد هذه المعركة أبو خزر وأبو نوح غير أنها انتهت بهزيمة الإباضية وقتل الكثير منهم. انظر ن. م (2) منها حلقة أصول الدين وحلقة الفقه في جزيرة جربة زمن المؤلّف وسنتحدث عنهما فيما
يلي من هذا البحث.
131 - 128/ 1 (1/20)
صفحة 19
كتاب التحف المخزونة
21
هذه الحلقات علماء كان لهم الأثر البالغ في ازدهار الإنتاج الفكري الإباضي في العصور اللاحقة).
ولئن كانت الهزيمة التي مني بها الإباضيَّة في الثورتين المذكورتين نكسة وكارثة سياسية، فإنَّها لم تنتج جمودا فكريًا وعلميا، بل على العكس من ذلك دفعت هم همم العلماء إلى التفرُّغ للعلم والدراسة، وتنظيم الحياة الاجتماعية تنظيما داخليا يضمن المحافظة على الكيان الإباضي)، ولولا الاضطراب، وعدم الاستقرار الأمني، والفتن المتنوعة التي تعرض لها الإباضية والتي عرقلت سير حركتهم العلميَّة لكان عطاء العلماء أوفر، وإنتاجهم أعظم، ونشاطهم أوسع، ورغم كل ذلك فإنَّ حلقات الدرس ظلت مستمرة (3) ومثمرة، ومعبرة عن التفاني في طلب العلم وخدمته.
وفي خضم هذه الأحداث، استطاع أبو الرَّبيع سليمان بن يخلف
أخذا
وهو واحد من أبرز علماء الإباضية - أن يمارس نشاطه العلمي وعطاء رغم كُلَّ العقبات والعراقيل، وبذلك احتل المرتبة المرموقة بين علماء مذهبه، بل صار علمًا من أعلامه، خاصة في علم الكلام، كما
(1) أمثال: أبي الربيع، وأبي محمد ويسلان، ومن بعدهما: تبغورين بن عيسى الملشوطي، وأحمد بن أبي بكر الفرسطائي، وأبو عمار عبد الكافي، وأبو يعقوب الوارجلاني، وغيرهم من أقطاب العلم. (2) ونعني به نظام العزابة الذي أنشأه أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي في أوائل القرن الخامس، وقد ألف فرحات الجعبيري رس الة تفصيلية في هذا الموضوع بعنوان: «نظام
العزابة عند الإباضية الوهبية». (3) نعم قد تتوقف أحيانًا؛ وذلك عند تأزم الأوضاع، لكنها سرعان ما تستأنف نشاطها، بل قد يتحيل على هذه الظروف فتنقل الحلقات إلى الغيران، وإذا كان الغار لا يتّسـ الجميع الطلبة؛ فإنَّ مدرّسهم يقسمهم إلى حلقتين في غارين مختلفين يتنقل بينهما، كما حدث لأبي الربيع سليمان بن يخلف وطلبته.
ع (1/21)
صفحة 20
22
قسم الدراسة
سنبينه في الفقرات اللاحقة لكن قبل الانتقال إلى بيان منزلته العلمية يجدر التعريف به مولدا ونسبًا ونشأة وتعلّمًا وما إلى ذلك مما يتصل بتفاصيل حياته في حدود ما جادت به كتب التاريخ والشير من معلومات في هذا الموضوع. (1/22)
صفحة 21
حياة أبي الربيع سليمان بن يخلف
1) اسمه ونسبه
هو أبو الربيع سليمان بن يخلف الوسلاتي المزاتي من ناحية تمولست. يقول الدرجيني متحدثًا عن إحدى رحلات أبي عبد الله محمد بن بكر: وقرب تمولست التقوا (أي: عبد الله وتلاميذه بالفقيه أبي الربيع سليمان بن
(1)
يخلف، ومحمد بن عيسى الهواري قادمين من البادية في موضع يقال له: «أضريكم» (3)، ولهما به أهل وأنعام ... » (3). ومما يدلُّ أيضا على أنه أصيل منطقة تمولست ما ذكره أبو زكرياء في سيره عند حديثه عن مبدإ تأسيس الحلقة «فمرُّوا بتمولست، وليس فيها من
أهل الدعوة إلا يصليتن ـ عم أبي الربيع والنساء والأطفال ... » (4).
وقبيلة مزاتة فرع من لواتة البربرية (5)، وقد عُرف أهلها بالثورة والجهاد والمال؛ ولذلك يُذْكَرُ عن الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (3)
(1) لم نعثر له على ترجمة.
(2) لم نعثر على تحديد موقعه.
(3) الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب 185/ 1.
(4) أبو زكرياء: السيرة: 264 وانظر الدّرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب 168/ 1.
بيروت 1968.
(ه) انظر ابن خلدون: تاريخ مج 179/ 6 ط. (6) هو ثاني أئمة الرستميين، تولى الحكم سنة 171 هـ، وتوفي سنة 190 هـ. انظر ترجمة: الباروني
الأزهار الرياضية 151 - 220. (1/23)
صفحة 22
24
قسم الدراسة
قوله: «إنّما قام هذا الدين بسيوف نفوسة، وأموال مزاتة)، وقد ذكرها البكري (2) فعدّها من بين القبائل البربرية التي كانت تعيش حوالي قابس في
(3)
(0)
العهد العبيدي (3). ولقد كانت مزاتة في القرن الرابع زمن أبي نوح (4)، وأبي خزر وأبي يزيد) في قوة عظيمة، وكان بها اثنا عشر ألف فارس، وكان أهلها شديدي الحبّ لأبي يزيد، ولذلك أمر أبو تميم واليه على الحامة بقتله خشية تألبهم عليه).
(1) ملحق كتاب سير الشماخي، لأبي اليقظان: 590.
(2) انظر: الشماخي: السير 41/ 2 - 45.
من
أبو عبيد عبد ا الله بن عبد العزيز بن محمد البكري (ت (487 هـ مؤرّخ وجغرافي أندلسي، له الكتب: «المسالك والممالك»، وهو الذي طبع جزء منه باسم «المغرب في ذكر إفريقيا والمغرب»، وله: «معجم ما استعجم» ط. و «أعلام النبوة»، و «شرح أمالي القالي»، وغيرها. انظر الزركلي: الأعلام 233/ 4.
(3) انظر البكري: المغرب،18، 19، وانظر الجعبيري: نظام العزابة: 169.
سعيد بن زنغيل، من علماء الطبقة الثامنة (350 - 400 هـ)، يُذْكَرُ عنه لما اقترح عليه
-
(4) أبو نوح أبو تميم مرافقته إلى مصر: تمارض، ثُمَّ هرب قاصدًا وارجلان. كان معاصرًا لأبي خزر. (5) أبو خزر يغلا بن أيوب المشهور بابن زلتاف ت (380 هـ)، من أشهر علماء القرن الرابع عده الوارجلاني من الأئمة العشرة الذين انفردوا بآراء في علم الكلام، بويع له إمام دفاع لما أعلن الثورة على العبيديين لمقتل أبي القاسم يزيد، لكن ثورته أخفقت، ثُمَّ انتقل مع المعز إلى مصر سنة 362 هـ وبها، توفي له كتاب «الرد على جميع المخالفين»، وقد قام عمرو خليفة النامي بتحقيقه، ولا يزال مرقونًا. انظر عبد الرحمن بكلي في تعليقه على كتاب «قواعد الإسلام للجيطالي 13/ 1، 14. (6) من علماء الطبقة السابعة (300 - 350 هـ)، أبو القاسم يزيد بن مخلد الوسياني، كان عالما مشهورًا بالغنى والكرم، وكان زميلا ملازما لأبي نوح سعيد بن زنغيل، ذكر الشماخي أنه فأسر إليه بعزمه على الثورة، فلما بلغ الخبر أبا تميم أمر بقتله.
ذم أبا تميم. عند يهودي
انظر الشماخي: السير 33/ 2. (7) انظر: الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب: 124/ 1. (1/24)
صفحة 23
كتاب التحف المخزونة
25
2) ولادته
لا نستطيع ضبط سنة ميلاده على وجه التحديد؛ لأنَّ المصادر لم تسعفنا بذلك، وغاية ما نجده في كتب السيرة هو أنه من علماء الطبقة العاشرة)، لكننا قد نتوصل إلى اكتشاف الفترة التي وُلِدَ فيها على وجه التقريب إذا تتبعنا الأخبار التاريخية وربطنا بعضها ببعض. ذلك أن الوسياني روى عن أبي محمد ماكسن بن الخير (3) قوله: «قالت لي أُمّي وُلِدتُ عام لالوت يطوفت بن بلغين (كذا)» (3)، فما هو هذا الحدث الذي وقع في لالوت (4)؟ وما علاقة ولادة ماكسن بن الخير بالمؤلف؟.
إنّ المتأمل في هذه العبارة يمكنه أن يفهم أحد الأمرين:
إما أن كلمة «يطوفت» اسم شخص معلوم له علاقة بلالوت وحينئذ يتبين أن في العبارة خلل في التركيب ونقصا في الألفاظ ولعلّ أصل الجملة: «قالت لي أُمّي وُلدت عام هجوم يطوفت بن بلكين على لالوت».
أما بالنسبة للاحتمال الأول، فإنَّ كتب التاريخ تروي أن باديس بن المنصور كان له ابن عم اسمه يطوفت بن، بلكين، وقد عينه باديس واليا على «تاهرت «و «أشير»)، ولا يبعد أن يكون يطوفت قد هجم في عام من الأعوام
(1) انظر ن. 425/ 2 والطبقة العاشرة من 450 هـ إلى 500 هـ.
(2) انظر ترجمته فيما يلي من هذا البحث.
(3) الوسياني سير: 58 و «لالوت» هي إحدى قرى جبل نفوسة، وابن بلغين هو ابن بلكين، كما
(4)
هو مثبت في التاريخ.
هي
من
أكبر قرى جبل نفوسة، وهي المركز الاقتصادي والسياسي والثقافي لغرب الجبل
على الطريق التجارية صبرا راطة ـ غدامس - انظر محمد حسن: تحقيق ودراسة لكتاب السير
للشماخي:
ص
0553
(ه) انظر ابن خلدون التاريخ 157/ 6 وانظر ابن الأثير: الكامل 152/ 9.
وتاهرت: مدينة بالجزائر على الحد الشرقي لمركز وهران أسسها عبد الرحمن بن = (1/25)
صفحة 24
26
قسم الدراسة
على لالوت لكننا لا ندري متى: كان ذلك على وجه التحقيق غير أننا نستطيع أن نجزم أن هذا الحدث إنّما كان بعد سنة 386 هـ وذلك لأنَّ باديس بن منصور لم يتول الحكم إلا سنة 386 هـ.
وأما الاحتمال الثاني فيفهم منه أن حماد بن بلكين) هو الذي هجم على لالوت وأيا ما كان الأمر فالنتيجة واحدة وهي أنَّ ماكسن بن الخير لم تصح ولادته قبل سنة 386 هـ والذي يؤكد لنا ذلك بل يجعلنا نرجح أن ولادة ماكسن لا يمكن أن تكون قبل سنة 399 هـ هو ما رواه كتاب السير من أنَّ: ماكسن أصيب بصره وهو ابن سبع سنوات (وقيل سبعة أيام) فحملته أمه إلى زوج المعز بن باديس فلاحظت عليه علامات الذكاء فأمرتها بردّه إلى الكتاب) ولا يخفى أن المعز تولى الحكم سنة 406 هـ.
وبما أنه تأكد لدينا ولادة ماكسن بعد سنة 399 هـ فإنّه يترجح لدينا أن تكون ولادة أبي الربيع بعد الأربعمائة للهجرة بناءً على أن الوسياني يقرر أنَّ أبا الربيع أصغر سنًا من صديقه ماكسن (3).
=
324
سنة 160 هـ ثم جعلها عاصمة للدولة الرستمية وظلّت كذلك إلى أن خربها أبو رستم عبد الله الشيعي سنة 296 هـ. انظر دائرة المعارف الإسلامية 160/ 9، 161. وأشير: مدينة حصينة تقع جنوب شرقي «مدية بالجزائر بناها زيري بن مناد ما بين و 334 هـ. لم يبق منها اليوم إلا آثار تدلّ على ما كان لها من. عظمة. ينتسب إليها أبو محمد عبد ا الله بن محمد بن عبد الله الصنهاجي صاحب تاج العروس. انظر دائرة المعارف
الإسلامية 444/ 3 - 446.
(1) حماد بن بلكين هو أخو يطوفت بن بلكين. انظر الشماخي السّير 476 وانظر ابن خلدون: التاريخ 157/ 6.
(2) انظر: الوسياني سير: 58 وانظر الدّرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب 430/ 2. (3) انظر: الوسياني سير: 59 وانظر الدّرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب 431/ 2. (1/26)
صفحة 25
كتاب التحف المخزونة
27
3) شيوخه
لقد أخذ العلم عن أساتذة كثيرين نذكر منهم أبا عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي وأبا محمد ويسلان ابن أبي صالح وأبا زكرياء يحيى بن ويجمن وأبا بكر بن يحيى وزكرياء ويونس ابني فصيل ابن أبي مسور.
وأشهر هؤلاء على الإطلاق هو أبو عبد الله محمد بن بكر فقد كان ملازما له منذ صغره مرافقاً له في رحلاته حتى أخذ عنه علم الأصول فأتقنه وبلغ فيه مبلغا عظيما ().
(2)
لقد ولد أبو عبد الله سنة 345 هـ وهو أصيل منطقة جبل نفوسة. بدأ دراسته الابتدائية بمسقط رأسه ثمّ انتقل إلى جربة ليتتلمذ على أبي زكرياء فصيل ابن أبي مسور (3) ثم رحل إلى الحامة فأخذ الأصول عن أبي نوح سعيد بن زنغيل ثم سافر إلى القيروان ليتزوّد من علوم اللغة العربية ثم انتقل إلى قسطيلية) فتعلم الفروع عن أبي عمران موسى بن زكرياء (9) وأبو عبد الله
(3)
(1) انظر أبو زكرياء السيرة وأخبار الأئمة: (281، الدرجيني طبقات المشائخ بالمغرب: 191/ 1. (2) انظر: عمرو خليفة النامي ملامح عن الحركة العلمية بوارجلان: 21. من علماء الطبقة الثامنة (350 - 400 هـ). كان كثير الاهتمام بطلبته يسهر على مصالحهم ويعينهم سرّا وكان يطعم الجبابرة تقية ويتبرع بمثله للفقراء انظر الدرجيني طبقات المشائخ بالمغرب 361/ 2 - 364 وانظر الشماخي السير 51/ 2. (4) قسطاليا أرض الجريد التونسي وأعظم مدنها توزر والحامة وتقيوس ونفطة وتكتب أيضا قصطاليا وقصطالية. انظر عبد الرحمن أيوب في تحقيقه لكتاب السيرة وأخبار الأئمة لأبي زكرياء
الوارجلاني ص 169 تع 5. وانظر إسماعيل العربي في تحقيقه لنفس الكتاب تع 9 ص 212. (ه) انظر أبو زكرياء السيرة وأخبار الأئمة: 144 - 158، الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب: 190/ 1، الشماخي السير 277، 392، أبو اليقظان ملحق سير الشماخي 582، الجعبيري: نظام العزابة 31 32 وأبو عمران معاصر لأبي نوح سعيد بن زنغيل وهو الذي تولى نسخ الديوان المشهور الذي ألفه الفقهاء السبعة بغار مجماج بجربة وهو المعروف بديوان الأشياخ. انظر الشماخي: السير 73/ 2، 74. (1/27)
صفحة 26
28
قسم الدراسة
يعرف في تاريخ الإباضية بمؤسس نظام العزابة (1) ويرجع تأسيسه لهذا النظام
إلى سببين رئيسيين:
الأوّل: فشل كل المحاولات السياسية لإعادة بناء الدولة الإباضية وذلك بعد النكستين العظيمتين اللتين أنهكتا قوى الإباضية).
(3)
الثاني: الاستجابة لرغبة شيخه أبي زكرياء فصيل فقد طلب منه إنشاء نظام متكامل يتماشى مع الكتمان وحينئذ صرف جهده لإقامة حركة علمية منظمة وبعد دراسة وتأمل أسس ما يعرف بنظام الحلقة وذلك سنة 409 هـ بمسجد المنية بتقيوس" وكان أبو عبد الله رحالة ينتقل - صحبة تلاميذه ـ من مكان إلى آخر حسب الظروف الطبيعية والأمنية والسياسية والاجتماعية (4). وكان في رحلاته يتفقد أهل دعوته ويعظهم ويوجههم ويفتيهم فيما استعصى عليهم) ويجالس
(1) انظر تفاصيل نظام العزابة: الجعبيري نظام العزابة كامل الكتاب، سالم بن يعقوب تاريخ
جزيرة جربة: 106 - 110.
(2) ونعني بهما الثورتين المشهورتين اللتين كلّفتا الإباضية خسائر فادحة خاصة في الأرواح انظر ما سبق ص 12.
(3) هي من بلاد الجريد التونسي: انظر محمد حسن: تحقيق ودراسة لكتاب السير للشماخي: 529 وانظر إسماعيل العربي في تحقيقه لكتاب سير الأئمة لأبي زكرياء ص 276. (4) انظر في تفاصيل رحلاته أبو زكرياء: السيرة وأخبار الأئمة 263 - 270، الدرجيني الطبقات
169/ 1 - 183
(ه) يقول الدرجيني في وصفه لإحدى زياراته لتمولست: «فلما اكتفوا من الطعام وصلوا أطاف التلامذة بالشيخ وأطاف به أهل الحي يسألون عن مسائل دينهم حتى مضى وقت من الليل وقضوا حاجتهم من السؤال والجواب وغلب عليهم النّوم فتفرق مجلس الرجال واجتمعت نسوة الحي فأطفن بالشيخ يسألنه كما كان الرّجال يسألونه والشيخ يجيب يتكلّم في الفقه وتارة يتكلّم في المواعظ حتى طلع الفجر» (الدرجيني: طبقات المشائخ
بالمغرب 185/ 1).
وهو تارة (1/28)
صفحة 27
كتاب التحف المخزونة
29
(1)
علماءهم وكان أبو الربيع كثير التنقل معه والذي يدل على ذلك هو أن ابنة خاله لما أعجبت بعلم أبي عبد الله وسعة اطلاعه قالت له: «لأجل هذه الفوائد طالت غيبتك عنا يا سليمان» (2).
ولا شك أن طول مكثه مع أبي عبد الله سيكون له الأثر الفعال في تكوين شخصيته العلمية خاصة وأنه أبرز تلاميذه المصاحبين له في الحل والترحال.
ولا ريب أن الآراء الكلامية التي عرضها أبو الربيع في كتاب التحف قد أخذها ـ في معظمها ـ عن شيخه أبي عبد الله لا سيما أنه في جلّ الكتاب يصرح بالرّواية عنه وينسب إليه آراءه.
كما أنَّ أبا الربيع يروي عن شيخه الكثير من الفضائل والكرامات (3) بل شدة إعجابه به يقول: «هو نذير من النذر الأولى وليس بنذير نبوّة بل من الذين ولوا إلى قومهم منذرين» (4).
من
ولقد كانت وفاته سنة 440 هـ وقبره مشهور في مقبرة آجلو بدائرة
توقرت (0)
وبقدر التوسع في التعريف بأبي عبد الله تتضح شخصية أبي الربيع لأنَّ التلميذ النبيه والملازم لأستاذه لا بد أن ينال زادا وافرا من ثقافته. وفعلا
(1) مثال ذلك لقاؤه بأبي محمد وارسفلاس وعبد الله بن الأمير في لماته وأبي عبد الله محمد السدراتي في وارجلان انظر أبو زكرياء السيره 269، 270 - الدرجيني: الطبقات 187/ 1.
(2) الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب 185/ 1.
(3) انظر الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب 383/ 2 - 385.
(4) انظر الوسياني: السيرك 40، الجعبيري: نظام العزابة 57. (5) مقبرة آجلو موضع معروف إلى الآن في مسجد في قرية بليدة اعمر بدائرة توقرت وهو اسم مشهور باسم سيدي محمد السائح وقد لقب بذلك لكثرة رحلاته انظر الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب 392/ 2 وانظر تع ا ن. م. والصفحة وانظر الجعبيري: نظام العزابة: 34. (1/29)
صفحة 28
قسم الدراسة
كانت لأبي الربيع المكانة العلمية الراقية في عصره وصار فيما بعد العمدة في الأصول والفروع.
أما شيخه أبو محمد ويسلان ابن أبي صالح اليهراسني فقد حفظ القرآن على كبر سنه ثم انتقل إلى جبل نفوسة فتعلم الفروع ثم استقر بجزيرة جربة حيث أسس نظام الحلقة وقعد لتدريس الفقه فاجتمع إلى تلاميذه من داخل الجزيرة ومن خارجها. وكانت رحلة أبي الربيع وأصحابه إلى جربة لغرض تلقي الفقه على مشائخ بني يهراسن وكان أبو محمد أكثرهم اعتناء بهؤلاء التلامذة وكان أبو الرَّبيع مواظبا على حلقته الفقهية رغم اشتغاله بتعليم الأصول).
ومما يؤثر عن أبي محمد انّه كان مستاء لحال أهل زمانه رغم تفاؤل أصحابه الذين يرون أنهم أحسن حالا من السابقين المعتزلين في الجبال والمغارات والصحاري وكان يردّ عليهم بقوله: «هيهات لم يمر زمان إلا لهم إمام ظهور أو دفاع أو شراء» (2).
ولقد توفّي هذا العالم في بداية القرن الخامس بعد أن أفنى عمره في الإفتاء والتعليم والإصلاح (3).
وأما أبو زكرياء يحيى بن ويجمن فقد كان عالما يرجع إليه في المسائل
قد
العويصة ولذلك كان يدعى بصاحب الغوامض (4) ولا شك أن أبا الربيع أخذ عنه شيئًا من علم الفروع كواحد من مشائخ بني يهراسن الذين قصدهم
(1) انظر: أبو زكرياء: السيرة: 281، 282.
(2) الوسياني: السير 108 وانظر الدرجيني: طبقات المشائخ. 478/ 2.
(3) انظر سالم بن يعقوب تاريخ جزيرة جربة: 79.
(4) انظر الدرجيني: طبقات المشائخ 416/ 2. (1/30)
صفحة 29
كتاب التحف المخزونة
31
لأجل هذا الغرض ولما وجدهم مشتغلين ببعض الأمور الضرورية قرروا القعود له يوما بعد. يوم بالتناوب).
وأما أبو يحيى زكرياء وأبو القاسم يونس أبناء أبي زكرياء فصيل ابن أبي مسور اليهراسني وأبو بكر يحيى فقد كانوا من أجلة العلماء في الجزيرة وقتئذ وكان كلّ منهم يترأس حلقة للعلم فأبو زكرياء مثلا كان يشرف على حلقة علم الكلام بل تذكر المصادر أنَّ حلقته اكتظت بالطلبة إلى حد أن المشائخ اقترحوا
على الطلبة الوافدين (أبي الربيع وأصحابه) مساعدة الشّيخ في التدريس (2
(2)
ومهما يكن من أمر فإنّ أبا الرَّبيع قد تتلمذ على جميع هؤلاء الشيوخ ولهم جميعا فضل عليه غير أنَّ أخص أساتذته بلا منازع هو أبو عبد الله محمد بن بكر بالدرجة الأولى وأبو محمد ويسلان ابن أبي صالح بالدرجة الثانية.
4) رحلاته
لقد سبق أن أشرنا إلى أنَّ أبا الرَّبيع أخذ علم الأصول عن أبي عبد الله ثمّ توجه نحو جزيرة جربة لتعلّم الفقه عند مشائخ بني يهراسن. وقد كانت بها حلقتان كبيرتان إحداهما للفقه برئاسة أبي محمد ويسلان والأخرى للكلام بقيادة أبي زكرياء.
ولما كثر طلبة علم الكلام اقترح المشائخ على تلاميذ أبي عبد الله (أبي الربيع وأصحابه) مساعدتهم في إلقاء دروس كلامية لكنهم رفضوا جميعًا سوى أبي الربيع فقد قبل الاقتراح وأبدى استعدادًا لذلك استحياء من شيوخه واعترافا بفضلهم ولعله كان أكفأهم وأقدرهم على التصدي للتدريس ولذلك لم يتقدمه أحد من زملائه حينئذ اجتمع التلاميذ حوله بكل شغف
(1) انظر ن. م. 192/ 1.
(2) انظر الدرجيني: طبقات المشائخ 196/ 1 وانظر ترجمتها: الشماخي: السير 68/ 2. (1/31)
صفحة 30
32
قسم الدراسة
واهتمام وظلوا على هذه الحال إلى أن رحل عنهم إلى جبال زنزفة) ولا المدة الزمنية التي قضوها هنالك غير أنَّ الرّوايات التاريخية تذكر أنهم ندري توجهوا بعدئذ إلى تمولست ـ بلد الربيع حيث أقيمت حلقة كبرى للعلم
تجمع فيها عدد وافر من التلاميذ من قبائل شتى (زنزفة ولماية وزناتة). لكن الظروف الأمنية لم تساعدهم على الاستقرار ذلك أن تمولست
كانت طريق أعراب بني هلال عند مرورهم من طرابلس إلى إفريقيا وكانوا يستفزون كلّ من يلاقيهم لذلك اضطر التلاميذ إلى التفرّق في لماية وجبال زنزفة بأمر من شيخهم أبي القاسم يونس ابن أبي زكرياء. ثم اجتمعوا من جديد بجبال زنزفة فقصد بهم أبو الرَّبيع قلعة بني علي) حيث استقروا في غار وتوافد عليهم الطلبة إلى أن غص الغار فاضطر أبو الربيع إلى تقسيم طلبته على فوجين يلقي عليهما دروسه بالتناوب (3).
وفي سنة 449 هـ قاموا بزيارة لأصحابهم بأسوف (4) مرورًا بقسطاليا وقنطراره) ثم ساروا إلى وغلانه (1) ومنهما إلى تساسين) ومنها إلى
(6)
(1) زنزفة: قبيلة بربريّة إباضية جنوب شرقي البلاد التونسية، ذكر من بين قرى بلاد زنزفة أو جبل زنزفة في القرن الخامس الهجري قلعة بني علي. انظر محمد حسن: تحقيق ودراسة
ص
0543
كتاب السير للشماخي. (2) تقع بين زنزفة وتمولست في الجبل جنوب شرقي القطر التونسي. عامر في القرن الخامس
الهجري انظر ن. ن م ص 551.
(3) انظر: الدرجيني: طبقات المشائخ
(4) تقع في الجنوب الشرقي من القطر الجزائري جنوب غربي الجريد، انظر محمد حسن: تحقيق ودراسة لكتاب السير للشماخي: 545. (5) بلد في الجريد شرقي درجين يسكنه قسم من لواته. انظر ن م ... هي بلد وواحة في وادي أريغ. انظرم ص:
(6)
524
ص
0552
(7) تقع بجوار توقرت حاليا بالجزائر. انظر عبد الرحمن أيوب في تحقيقه لكتاب السيرة لأبي
زكرياء ص 272 تع 19. (1/32)
صفحة 31
كتاب التحف المخزونة
33
وارجلان وقد استقبلهم أهلها ومن حولها استقبالا مشهودا قال أبو زكرياء: وكذلك تلقاهم من يليهم من منازل وارجلان بعدة عظيمة عجيبة حتّى قال قائل منهم لم أر مثل هذه العدّة في صنهاجة ولا في غيرها).
وبعد جولة طويلة استغرقت سنة كاملة (2) عاد أبو الربيع وتلاميذه إلى تمولست ومكثوا بها إلى أن هاجم منجار بن عقيل (3) يريد اغتيال أبي الربيع ففرّ إلى موضع يقال له توتين) فنزل فيه مع أصحابه وهم في خوف ورعب حتى توفي متأثرا بجراحه (5).
والملاحظ أنَّ معظم هذه الرحلات إنّما كانت بعد تخرجه أما قبل ذلك فقد ذكرنا أنه كان ملازما لأستاذه أبي عبد الله محمد بن بكر فمن المحتمل أن يكون مرافقا له في جلّ رحلاته التي سبق أن أشرنا إليها عند التعريف
بأبي عبد الله (6).
ه أصدقاؤه ومعاصروه
أ - إن أشهر أصدقائه هو أبو محمد ماكسن بن الخير الوسياني فقد كان يحبّه كثيرًا ويعامله بإخلاص ووفاء تامين ولا يألو جهدا في خدمته
(1) أبو زكرياء: السيرة: 286.
(2) ذلك أنهم خرجوا من تمولست سنة 449 هـ ومروا بالبكرات عند عودتهم إلى تمولست سنة 450 هـ انظر ن م: 386 (3) لم نعثر على ترجمة
(4)
موضع فيه عيون ماء في الجبل جنوب شرقي البلاد التونسيّة قرب تمولست ومعناها آبار. انظر محمد حسن في تحقيقه لكتاب السير للشماخي ص 534.
(5) انظر أبو زكرياء: السيرة: 283 - 288.
(1) انظر ما سبق من هذا البحث وقد استدللنا على ملازمة أبي الربيع لأستاذه بمقالة
ابنة خاله. (1/33)
صفحة 32
34
قسم الدراسة
(1)
ومراعاة مصالحه) كان ملازما له في مطالعاته يقرأ عليه الكتب ويتابع معه المسائل فيعرضها عليه مسألة مسألة. وكان ماكسن يبادله نفس الشعور إلى حد أنه صار يدعوه بالخؤولة رغم كونه أصغر منه سنا إظهارًا للمحبة والاحترام (").
(2)
ولقد روى الدرجيني عنهما قصة طريفة تدلّ على شدة احتكاكهما ببعضهما ذلك أنهما تنازعا يوما حتى تشاكسا وكان ماكسن يصلّي بثوب لأبي الربيع فأراد نزعه فقال له صاحبه صلّ به عافاك الله فإنّه ليس في نفسي شيء (3) ولا أدل من هذا على صفاء القلوب والتسامح الأصدقاء. بين
ولقد ذكر عنه أبو الربيع أنه كان من أعاجيب الزمان كل من يراه يندهش لفرط ذكائه وبراعته وسرعة حفظه غير أنَّ أترابه كثيرًا ما يعيبون عليه حدّة كلامه وسرعة غضبه إلى حد أنهم يقترحون أحيانا على أستاذهم الحلقة لكنه يأبى ذلك منهم قائلًا: «ألم تعلموا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له لم تكون الخفّة في المؤمن فقال لغزارة في قلبه» (4) وفي هذا دلالة على شدّة تقدير شيوخه له وتعلّق آمالهم بمستقبله الزاهر وبالفعل نال المرتبة العالية والمنزلة الرّفيعة في العلم يقول الدرجيني: «فأعجب بيتيم
طرده من
عديم مكفوف البصر ينتهي إلى هذه الغاية في أسرع وقت» (5).
(1) ذلك أن ماكسن في حاجة إلى من يلازمه ويخدمه نظرًا لفقدان بصره. انظر الدرجيني
طبقات المشائخ 430/ 2.
(2) انظر م: 431/ 2.
(3) انظر ن. م.
(4) انظر الدّرجيني: طبقات المشائخ في المغرب: 430/ 2.
(5) انظر ن م 431/ 2. (1/34)
صفحة 33
كتاب التحف المخزونة
35
ب
العلماء المعاصرون له: إنّ القرن الخامس من أرقى العصور العلمية عند الإباضيَّة فقد كثر العلماء ونشطوا في تحرّكاتهم وحلقاتهم ومن هؤلاء العلماء عمرو بن عبد الله الزّواغي ويعقوب بن يعدل ومصالة بن يحيى وأبو عبد الله محمد بن سودرين وأبو محمد عبد الله بن الأمير وأبو محمد وارسفلاس بن مهدي).
ومن العلماء الذين كان أبو الربيع يجلّهم أيما إجلال أبو سليمان داود ابن أبي يوسف المتوفّي سنة 462 هـ ... يذكر الدّرجيني أن جملة من المشائخ (إبراهيم بن يوسف وعليّ بن منصور وغيرهما لما بلغهم خبر وفاة داود تحرّجوا من مصادمة أبي الرَّبيع بالخبر فتناجوا أيهم يجسر على مخاطبته بذلك وخشوا أن يدخلوا عليه روعة إذا لم يتقدّم عنده علم فدنا أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف والشيخ حينئذ راكب على فرس لرجل من بني زنزفة فقال له أحسن الله عزاك في الشيخ وآجرك في المصيبة فيه ... فلما سمع نزل على الفرس فقال إنا لله وإنا إليه راجعون» (2).
(6) وفاته
لقد سبق أن بينا أنَّ منجار بن عقيل لمّا هجم على تمولست فرّ أبو الربيع وأصحابه إلى غار فلحقهم به وهنالك أهين أبو الربيع فنزعت كسوته وجرح ثم انتقل بصحبة تلاميذه إلى موضع يقال له «توتين» فنزل فيه حتى توفّي وذلك سنة 471 هـ (3). ويذكر سالم بن يعقوب - مؤرّخ الإباضية في جربة ـ أنه شاهد قبره بمدينة ورقلة الجزائرية ولمّا توفّي حزن التلاميذ والأصدقاء
(1) انظر ن م 185/ 1 - 194.
(2) انظر ن م 403/ 2. (3) انظر الشماخي: السير 82/ 2. (1/35)
صفحة 34
36
قسم الدراسة
ذلك
واشتد بكاؤهم عليه إلى حدّ أن بعض العلماء لامهم على المبالغة في مبينا لهم أن الوفاء له إنما يكون بالمحافظة على ما أخذوه عنه قائلًا: «كونوا أوفياء له كما كان إبراهيم ابن إبراهيم) وفيا لأمانة رجل أعطاه دينارا ليسلّمه إلى غيره بعد أن حذره من سقوطه فقال له: تسقط هاتان (أي عينيه) ولا يسقط (أي الدينار) يا عماه» (2).
(7) صفاته ومآثره:
كان رصينا متريّئًا لا يعجل بتخطئة أحد ولا يسمعه جفاء.
(3)
مظاهر ومن
ذلك أنه مرة أبا يعقوب بن يدر (سمع يفتي بأن العمل بالفرائض لا يوجب العلم بها فلم يعارضه ولم يصادمه بل اكتفى بعرض موقف أستاذه أبي
عبد الله محمد بن بكر وذلك بكل أدب وتقدير للمدرس (4).
كما أنه كان ذا ورع وتقوى وصاحب كرامات مأثورة. حكى الدرجيني ن أبي الربيع أنه دعا مرّة على أحد الذامين للوهبية والمستهزئين بعلمائهم فأصيب بوجع شديد أودى بحياته (ه).
عن
بهم
ومن خصاله أنه كان كثير الصحبة لتلاميذه شديد الاعتناء لا يفتأ ينصحهم ويوصيهم بالخير في الحل والترحال. يذكر الدرجيني أن مجموعة من تلاميذ أبي الربيع خرجوا مرّة مسافرين عائدين إلى بلدانهم في إجازات فوقف لتوديعهم قائلا: «امضوا بالسّلام فإذا وصلتم إن شاء الله منازلكم فإياكم
(1) انظر الشماخي: السير 82/ 2.
(2) الدّرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب 428/ 2، 429.
(3) لم أجد ترجمته.
(4) انظر الدّرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب 428/ 2.
(0) انظر م ن 425/ 2، 426. (1/36)
صفحة 35
كتاب التحف المخزونة
37
والدنيا أن تستقبلوها بوجوهكم فإن من استقبلها أغرقته ومن استدبرها فلا بدّ أن تأخذ منه وعليكم بالألفة والنصيحة والتزاور وحفظ مجالس الذكر وإياكم
وأمور الناس والتقصير فيمن يرد عليكم من أهل دعوتكم والسلام). وكان من عادته ألا يقوم من مجلس علم حتى يجري بين تلاميذه ثلاث مسائل (2) تقدّم في شكل مباراة ثقافية والغرض منها اختبار مدى استيعاب الطلبة وشد عزائمهم وتربيتهم على البحث والتنقيب والمراجعة والتنافس
في الخير.
وممّا يؤثر عنه أيضا أنه كان عند قيامه من كلّ مجلس يقول: «نعوذ بالله من تهوين رأي المسلمين وتخطئتهم ومن الترك بعد الاجتهاد ومن الحور بعد الكور ومن ذمّ ما يأتي ومن تحسين القول وتقبيح الفعل (3).
8) مؤلّفاته
إذا كانت هذه هي خصال أبي الربيع وكانت له هذه المكانة عند علماء عصره وتلاميذه فماذا ترك من آثار؟ وما قيمتها بالنسبة للتراث الإباضي خاصة والثقافة الإسلامية عامة؟.
إننا من خلال تتبعنا لكتب السير والطبقات نتبين أن أبا الربيع ترك ثلاثة التحف المخزونة (وهو الذي سنعرض نصه في هذا البحث)
مؤلّفات وهي: وكتاب السيرة (وهو) كتاب يشتمل على باب واحد تحت عنوان: «باب في طلب العلم وآداب العالم والمتعلّم وكتاب الفضائل والتعريف بالخير.
(1) ن م 426/ 2، 427.
(2) انظر الوسياني: السير: 193.
(3) الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب 479/ 2. (1/37)
صفحة 36
38
قسم الدراسة
أما الكتابان الأولان فلا يزالان موجودين ومتداولين بين علماء الإباضية خاصة الكتاب الثاني. وأما الكتاب الأخير فلا يعرف عنه شيء سوى ما ذكره البرادي في رسالة أحصى فيها جملة من كتب الإباضية المشارقة والمغاربة غير أنه لم يرد على ذكر عنوانه).
والكتاب الأول هو أشهر مؤلّفاته بلا منازع لما فيه من مادة علمية غزيرة في التوحيد والفقه وأصوله وسنعود إلى تحليله وبيان سبب تأليفه ومنزلته بين سائر كتب أصول الدين على وجه الخصوص.
وإذا كنا قد قررنا أنَّ كتاب التحف هو أشهر مؤلّفاته فإنّ كتاب السيرة له أيضا أهمية لا يستهان بها بل يمكن أن يعد دستورا لطالب العلم والمعلّم في نفس الوقت لما فيه من إرشادات ومواعظ وتوعية بالواجبات والمسؤوليات ولذلك كان جديرا بالدراسة والتحليل فما هي أهم موضوعاته وما الفرق بينه وبين كتاب التحف؟.
إن المسائل التي عرضها في هذا الكتاب يمكن تلخيصها في
خمس نقاط:
أ - حكم طلب العلم وقد بيّن فيه وجوبه على كل بالغ صحيح مستدلا على ذلك بنصوص من القرآن والسنة النبوية الشريفة.
العقل
ب - صفات طالب العلم: وهي الإخلاص والاجتهاد والصبر والتواضع والعمل بالعلم والصمت وحسن الاستماع وخفّة المؤونة على المعلم والحفظ والرعاية للعلم.
(1) انظر: عمار الطالبي: آراء الخوارج الكلامية 294/ 2 كما أن عبد الرحمن بكلي في تعليقه على كتاب القواعد يشير إلى هذا التأليف مصرّحًا بالتفرقة بينه وبين كتاب السيرة المعروف
انظر: الجيطالي: قواعد الإسلام 14/ 1. (1/38)
صفحة 37
كتاب التحف المخزونة
39
ج - منزلة العالم وواجباته: لا يكون العالم رفيع الشأن عند الله وعند الناس إلا إذا كان زاهدا في الدنيا، راغبا في الآخرة حريصا على فعل الخير، بعيدا عن الشر جادًا في نشر العلم بقدر حاجة الناس إليه، صبورا، لطيفا بطلبته حسن التأدب معهم باذلا كل الجهد في سبيل توضيح المسائل وتبسيطها لهم راجيا بذلك كله ثواب الله تعالى دون أن يكون
د.
هـ
متكسبا بدينه.
وسائل إحياء القلب: فقد عدّد في هذا العنصر جملة من الأساليب المقوية للجانب الروحي نذكر منها الذكر والعبادة والدعاء والإنفاق والتفكير في الموت وما بعده.
مواعظ عامة: كوجوب التشاور والتناصح والدعوة إلى طلب الحلال والاعتماد على النفس. ولقد ذمّ في هذا العنصر الطمع وحذر من الرياء والاشتغال بما لا يعني والإكثار من مجالسة النساء كما تذمّر من أهل زمانه واستاء لحالهم بسبب ضياع العلم وقلة الورع
(1)
وقسوة القلوب وكثرة الذنوب فهو يقول مثلا: «زمان شديد غليظ ونوازله أشد وأعظم وقلت فيه أسباب النجاة وكثرت فيه الهلكة أدبر فيه الخير وأقبل فيه الشّرّ واندرس فيه العلم وقلّ فيه الورع وذهب فيه الخوف من قلوب النّاس وقست القلوب وخمدت العيون وما خمدت العيون إلا وقست القلوب وما قست القلوب إلّا وكثرت الذنوب (2).
(1) لقد أشرنا فيما سبق رغم العراقيل والعقبات إلى أن عصره قد وجد فيه العلماء ونمت حلقات العلم فحكمه هذا إنّما بالمقارنة مع بعض الفترات الزاهرة التي عرفها الإباضية
كعهد الدولة الرستمية.
(2) بن يخلف السيرة (1/39)
صفحة 38
قسم الدراسة
والملاحظ أنَّ هذا الكتاب يختلف تماما عن كتاب التحف في حجمه وفي محتواه ذلك أن كتاب التحف تفوق صفحاته خمسة أضعاف هذا الكتاب (1) كما أننا لا نجد فيه تحليلا لمسائل علمية في الكلام والتوحيد والفقه وأصوله الشأن بالنسبة إلى كتاب التحف ـ وإنّما هو مجرد عرض عام لجملة
كما هو
من الرقائق والآداب التي على العالم والمتعلم التقيد بها.
ولقد تم طبع هذا الكتاب ـ دون تحقيق ـ.
هذا بالنسبة إلى كتاب السيرة أما كتابه التحف المخزونة فسنحاول إلقاء بعض الأضواء عليه من جوانب متعدّدة.
أ ـ عنوانه:
إننا لا ندري في الحقيقة هل كانت هذه التسمية لهذا الكتاب من اختيار المؤلّف نفسه أم من وضع تلاميذه أم أنه أسند إليه فيما بعد.
أما أبو زكرياء في سيره والدّرجيني وطبقاته فقد ذكرا هذا المؤلف غير
(2)
أنهما لم يسميا عنوانه (").
وأما البرادي فقد سماه «التحف المخزونة والجواهر المصونة» (3) بينما
الشماخي يطلق عليه «كتاب المتحف في الأصول» (4).
(1) فكتاب التحف يشتمل على 110 صفحة بينما كتاب السيرة يحتوي على 19 صفحة مع الملاحظة أن الصفحات مختلفة في الحجم والقياس.
(2) انظر أبو زكرياء: السيرة وأخبار الأئمة: 285 وانظر الدّرجيني: الطبقات 194/ 1، 195. (3) انظر البرادي: البحث الصادق ورقة 15 وجه والنسخة ناقصة أولها وآخرها خ المكتبة
البارونية.
(4) انظر الشماخي: السير 82/ 2. (1/40)
صفحة 39
كتاب التحف المخزونة
41
والنسخة التي بين
أيدينا
هي بعنوان «التحف المخزونة في إجماع الأصول الشرعيّة ومعانيها ولم نجد من المؤرّخين من ذكر الكتاب بهذا العنوان والذي يرجّحه عمرو خليفة النامي هو أن العنوان الصحيح لهذا الكتاب) هو ما أثبته البرادي في كتابه البحث الصادق غير أنه لم يذكر سبب الترجيح والذي يغلب على النّص هو أنَّ العنوان ليس من وضع المؤلّف نفسه وإنّما حدث بعد أبي زكرياء لأنَّ الأخير اكتفى بقوله: يقال لأحدهما (أي الجزء الأول) الأوّل وللثاني (أي الجزء الثاني) الثاني (2) فلو
كان معروفًا وقتئذ باسمه لذكره.
وبقطع النظر عن واضع العنوان وعصره فإنّ الصيغ - وإن اختلفت - تشترك في كلمة «التحف أو في صفة «التحافة» وهي تعبير عما في الكتاب من أفكار ومعلومات قيمة تعدّ جواهر ثمينة بالنسبة إلى طالب العلم يندر وجود مثلها في غيره من الكتب وهذه المعلومات القيمة أتحف التي بها المؤلّف تلاميذه وخصهم بها (3).
هي
وهذه التسمية ليست خاصة بهذا الكتاب وإنّما عرفت كتب كثيرة بهذا العنوان قديمًا وحديثًا وكلّها يراد بها الرفع من منزلة الكتاب وإبراز علو شأنه وهو مظهر من مظاهر الاعتزاز بالكتاب.
(1) انظر عمرو خليفة النامي في مقال له بمجلّة الدراسات السامية الصادرة باللغة الإنجليزية
مجلد 15 رقم 1، 1970.
ص
73
(2) أبو زكرياء السيرة وأخبار الأئمة: 288.
(3) جاء في جمهرة اللغة لابن دريد مادة «ت حف»: أتحفت الرّجل بالشيء أتحفه إتحافًا وهو أن تضبط بالشيء أو يخصه به. وفي لسان العرب لابن منظور مادة «تحف» والتحفة
ما أتحفت به الرجل من البر واللطف. (1/41)
صفحة 40
42
قسم الدراسة
ب - صحة نسبة الكتاب إلى مؤلّفه:
لقد أثبت أبو زكرياء الوارجلاني - وهو أقرب المؤرّخين إلى المؤلّف (1)
(2)
أن أبا الربيع وضع كتابا في دفتر يقال لأحدهما الأوّل وللقاني الثّاني (2)
(?)
كما أنَّ كلا من الدرجيني (3) والبرادي (4) والشماخي) اطلعوا على جزء منه فيقول البرادي: «وكتاب الشيخ أبي الرَّبيع سليمان بن يخلف المزاتي في مجلدين الأول والثاني في علم الكلام وفي أصول الفقه وقفت على الثاني ولم أقف على الأول»).
غير أنَّ ذلك وحده لا يقوم دليلا على أنَّ هذا الكتاب الذي بين أيدينا
هو
(1) هو أبو زكرياء يحيى ابن أبي بكر الوارجلاني من علماء الطبقة العاشرة (450 ـ 500) فهو معاصر للمؤلّف لكنّه توفّي بعده لأنه روى سيرته حتى وفاته انظر الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب 448/ 2.
(2) انظر أبو زكرياء السيرة وأخبار الأئمة: 288
من
(3) انظر كتابه الطبقات 194/ 1 والدّرجيني هو أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني (ت 670 هـ) من أسرة علم وكفاح أصيل منطقة نفطة بالجريد التونسي أخذ العلم عن أبي سهل يحيى بن إبراهيم أحد علماء وارجلان أشهر كتبه كتاب طبقات المشائخ بالمغرب في جزأين. انظر إبراهيم طلاي في مقدمة كتاب طبقات المشائخ بالمغرب 1/ك. (4) انظر كتابه الجواهر 219 220 البرادي هو أبو القاسم بن إبراهيم البرادي (ت 1407/ 810 م) مؤرّخ علماء الإباضية. أشهر كتبه «الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به کتاب الطبقات» و «البحث الصادق والاستكشاف عن حقائق وأسرار كتاب العدل والإنصاف انظر الزركلي: الأعلام 171/ 5. (0) أبو العباس أحمد بن أبي عثمان سعيد بن عبد الواحد الشماخي (ت 928 هـ) لقب ببدر الدين وإذا أطلق البدر أريد به الشماخي أخذ العلم عن أبي عفيف صالح ابن نوح التندميرتي من نفوسة بليبيا ثم عن يونس بن محمد وأبو زكرياء يحيى بن عامر بن إبراهيم وغيرهما من تأليفه «السير (ط) في تراجم علماء الإباضية «مختصر العدل والإنصاف» (ط) «شرح مختصر العدل والإنصاف (خ) انظر أحمد بن سعود السيابي: مقدمة كتاب السير للشماخي الجزء الأول. (6) البرادي: رسالة في تقييد كتب الإباضية ملحقة بكتاب الموجز لأبي عمار، تحقيق عمار الطالبي 289/ 2. (1/42)
صفحة 41
=
43
كتاب التحف المخزونة
نفسه الذي ألفه أبو الربيع وهو الذي يتحدّث عنه هؤلاء المؤرخون. لذلك كان لزاما علينا البحث عن براهين أخرى مؤكّدة نسبة الكتاب لصاحبه.
كاملا بنصه
كما هو
إن المتتبع لكتاب الدليل والبرهان) يجد فقرات كاملة نقلها عن أبي الربيع ثم شرحها وعلّق عليها (2) بل إنه أحيانا يورد الباب الحال بالنسبة لباب «ما لا يسع النّاس جهله فهو يقول: «ونحن نورد قول الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف فيما لا جهله قال في باب ما لا يسع الناس جهله وممّا يجب على كلّ بالغ عند بلوغه وصحة عقله حرّا كان أو عبدا ذكرا كان أو أنثى ... » ويمضي في نقل الباب بأكمله ثم يشرع في شرحه فقرة بعد فقرة (3).
يس
كما أنَّ تبغورين بن عيسى (وهو من أشهر تلاميذه) في كتاب الجهالات وأبا عمار (4) في شرحه لهذا الكتاب والوارجلاني (9) في كتاب العدل والإنصاف
(1)
(4)
وهو الكتاب الذي ألفه أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (ته 157) في ثلاثة أجزاء طبعت في مجلدين ويحتوي على جملة من المسائل في أصول الدين.
(2) انظر على سبيل المثال كتابه الدليل والبرهان مج 1، 37/ 2، 57 ـ 61. (3) الوارجلاني: الدليل والبرهان، مج 20/ 2 - 22 أمّا شرح الباب فمن ص 23 إلى ص 36 من
نفس الجزء.
(4) أبو عمار عبد الكافي بن أبي يعقوب التناوتي الوارجلاني (570 هـ) عده الدرجيني من علماء الطبقة الثانية عشر (550 - 600 هـ) رحل إلى تونس للدراسة فبقي بها أعواما ثم عاد إلى وارجلان كان من علماء الكلام والمنطق والجدل له من التأليف كتاب شرح الجهالات حققه ونيس بن عامر ولا يزال مرقونا. «الموجز» في مجلدين ط (تحقيق عمار الطالبي) كتاب في اختصار المواريث والفرائض». ط «رسالة في ذكر طبقات المشائخ». ط. انظر ونيس بن عامر في مقدمة تحقيقه لكتاب الجهالات 10 - 21. وانظر الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب 485/ 2 - 491. (5) أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي الوارجلاني (500 - 570 هـ) حفظ القرآن وتفقه في الدين بوارجلان ثم رحل إلى الأندلس فنبغ في التفسير والحديث والتنجيم. من أشهر
تأليفه الدليل والبرهان في جزأين وله قصيدة حجازية طويلة أبياتها عدد أيام السنة. انظر (1/43)
صفحة 42
44
قسم الدراسة
والبرادي في شرحه لكتاب العدل والإنصاف والسوفي) في كتاب السؤالات والشماخي في شرح مختصر العدل والإنصاف قد أوردوا جميعا جملة كبيرة من أفكار أبي الربيع المثبتة في كتاب التحف ولقد ذكرنا أمثلة متعدّدة عند تحقيقنا للنص (") وإذا كان الكتاب قد ثبتت نسبته للمؤلّف بالبراهين القاطعة للشك فما الدافع الرئيسي لتأليفه ومتى كان ذلك؟ وما هي أهم الموضوعات التي يشتمل عليها؟.
- سبب تأليف الكتاب: ج -
لقد سبق أن أشرنا إلى أنَّ أبا الرَّبيع تولّى رئاسة حلقة في أصول الدين في جزيرة جربة وذلك استجابة لرغبة مشايخ بني يهراسن ومضى يلقي دروسه الكلامية على تلاميذه ولمّا أعجب الطلبة بكفاءته العلمية ومهارته في هذا الفنّ اقترحوا عليه تأليف كتاب شامل في الكلام فامتنع أوّل الأمر لكنّ إلحاح تلاميذه على ذلك دفعه إلى الاستجابة لهذه الرغبة. يروي أبو زكرياء في هذا المضمار ـ أن أحد تلاميذه رأى في منامه أنه يستخرج من بطن أبي الربيع قطعتين مملوءتين عسلا فيسأل عن رؤياه أحد المشهورين بتعبير الرؤى بمدينة قابس فبشره بأن هذا العالم سيؤخذ منه علمه كرها (3).
=
الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب /491 - 495. وانظر علي يحيى معمر: الإباضية في
الجزائر: 237.
من
(1) أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي المارغني أخذ العلم عن أبي العباس أحمد بن بكر وهو علماء القرن السادس ذكره الباروني في الطبقة الحادية عشرة من تلاميذه ميمون التنكنيصي له من التأليف كتاب السؤالات انظر علي يحيى معمر: الإباضية في الجزائر 234/ 231. وانظر الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب 483/ 2 - 485.
(2) خاصة ما ورد منها في كتاب السؤالات فإنّ أفكار أبي الربيع وعبارته منتشرة في كامل الكتاب. (3) انظر أبو زكرياء السيرة وأخبار الأئمة: 288/ 287. (1/44)
صفحة 43
كتاب التحف المخزونة
بجمع
45
ولما لم يجد مناصًا من تنفيذ هذا الاقتراح شرع في التأليف فأخذ يملي على تلاميذه في كلّ يوم جملة من المسائل حتى تم الكتاب وحينئذ قام الطلبة هذه الدروس من الألواح ثمّ تولوا ترتيبها وعرضها على مؤلّفها لمراجعتها فأثبت منها ما رآه مناسبًا وأسقط منها ما تبينت له ضرورة الاستغناء عنه وصحح ما ظهر له من أخطاء. وبعد تنقيحها أمر باستنساخها فكانت في مجلدين وبعدئذ عرض الكتاب على أبي عبد الله محمد بن سودرين (2) للنظر فيه والتعليق عليه فلم يدخل عليه إلّا تعديلات طفيفة جدا يقول الدرجيني: فاستنسخها وجعلها ديوانا في مجلدين الأول والثاني وعرضهما بعد ذلك على أبي عبد الله بن سودرين فلم يزد فيهما إلا حرفين» (3).
)
د - وقت تأليفه:
يبدو
أن تأليف أبي الرَّبيع لهذا الكتاب إنّما كان بعد سنة 449 هـ أي في
فترة النضج العقلي التام. والذي يدلّ على ذلك هو أنَّ الدرجيني يشير إلى أن أبا الربيع وتلاميذه وجملة من العلماء قاموا بزيارة لأهل دعوتهم في مناطق متعدّدة) وذلك سنة 449 هـ ثمّ ثبت أن التلاميذ بعد هذه الزيارة اقترحوا على شيخهم تأليف كتاب في الأصول وإن كان الدرجيني لم يصرح بأنَّ هذه الزيارة كانت قبل تأليف الكتاب فإنّ عبارته توحي بذلك إذ يقول
(1) انظر من.
(2) من
علماء الإباضية في القرن الخامس للهجرة كان إماما معروفا بالورع. عاصر أبا الربيع سليمان بن يخلف. انظر الشماخي: السير 70/ 2.
(3) الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب 194/ 1، 195 ولسنا ندري موضع هذه الزيادة البسيطة لأن كتاب السير لم يحدّد ذلك.
(4) لأنه وقتئذ في حدود سن الخمسين. انظر تاريخ تحقيق ولادته فيما سبق ص 17. (5) لقد ذكرنا عند حديثنا عن رحلاته المناطق التي زاروها والمناطق التي مروا بها. انظر ما سبق. (1/45)
صفحة 44
???
قسم الدراسة
-
بعد روايته لتفاصيل الرحلة: «ثم إنّ التلاميذ رغبوا إلى أبي الربيع أن يؤلّف لهم كتابا في علم الأصول ليرووه عنه ... » (1) ولعلّ هذه العبارة نفسها هي التي دعت عمرو خليفة النامي إلى استخلاص نفس الاستنتاج الذي توصلنا إليه (2) وبناء على ذلك يترجّح لدينا أنَّ تأليفه للكتاب كان بعد سنة 449 هـ.
هـ ـ محتويات الكتاب
لقد جعل المؤلف كتابه مشتملا على خمسة وعشرين بابا في التوحيد والكلام والفقه وأصوله غير أن المقصود بالذات من هذا التأليف هو تحرير مسائل الكلام ولذلك كانت قضايا الفقه وأصوله قليلة (3) والسبب في ذلك راجع إلى تخصصه في ميدان الكلام وهذا لا يعني عدم إلمامه بالفقه وفروعه بل إنّ الدرجيني يثبت أن أبا الرَّبيع ما تصدّر لحلقة العلم حتى تعمّق في الفقه وأخذ نصيبا وافرًا منه (4).
ورغم قلة الموضوعات الفقهية والأصولية (5) فإنّنا نشير إلى أهم المسائل
التي تعرّض لها. أما في مجال أصول الفقه فإنّ أبرز ما تناوله:
الأمر والنهي والإلزام والتكليف وقد خصص لهذه المسألة الباب الرابع فعرّف فيه التكليف وبين شروطه كما عرض معنى الأمر وأقسامه وأشار إلى مسألة الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضدّه، والنهي عن الشيء هل هو أمر بضده.
(1) الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب 194/ 1.
(2) انظر عمرو خليفة النّامي: تطوّر الفكر الإباضي (الأطروحة) ص 289.
(3) وذلك بالمقارنة مع قضايا التوحيد والكلام.
(4) انظر الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب: 194/ 1.
(5) أي في أصول الفقه. (1/46)
صفحة 45
كتاب التحف المخزونة
47
-
بإجمال
مصادر التشريع وهي ثلاثة القرآن والسُّنَّة والرّأي وقد أورد هذه المسألة في ختام الباب الخامس فقال: «فإن قال كم وجه جاء عليه الدين فقل على ثلاثة أوجه التنزيل والسُّنَّة ورأي المسلمين ومن أنكر التنزيل والسنة ورأي المسلمين فهو كافر»). ولم يتعرّض إلى تفصيل هذه المصادر سوى ما ذكره من بيان لأقسام السُّنَّة وإشارة إلى ما فيها من محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وعام وخاص لكنه في موضع آخر (2) يورد قضية الاجتهاد (3) مركّزا على شروط المجتهد وملحا على وجوب إبقاء باب الاجتهاد مفتوحًا.
وهي
والملاحظ أنّه عند تناوله لهذه الموضوعات غالبًا ما تسيطر عليه النزعة الكلامية ففي مسألة الأمر والنهي والإلزام والتكليف يبيّن أنها أفعال الله عدل منه ويفتر معنى قولنا «أمر الله بهذا» فيقول: «خلقه لا أحد من تعرّضه لشروط التكليف يركّز على مسألة إثبات جسمانية العقل والدليل على
عقل العاقل».
وعند
ورغم عرضه لهذه المسائل عرضا عقائديا ورغم خلق كتابه من التحليلات الأصولية الدقيقة فإنّنا نجد آثارا لآرائه الأصولية وتحليلاً لمواقفه واستدلالا عليها في كتب أصول الفقه اللاحقة. فالوارجلاني مثلا قد اعتمد بعض هذه الآراء وناقش بعضها ثم سار على هذا الدرب كلّ من البرادي والشماخي،
(1) أبو الربيع سليمان بن يخلف: التحف: 16. (2) أورد هذه المسألة في الباب الثالث عشر تحت عنوان: باب اختلاف الناس في اجتهاد الرأي كما أشار في هذا الباب إلى بعض ما اختص به النبي صلى الله عليه وسلم وما اختصت به أمته دونه انظر ص 31، 32 من المخطوط.
(3) وإن كان الاجتهاد قسما من أقسام الرّأي لكنه يخصص له بابا إشارة إلى أهمية التركيز
عليه. (1/47)
صفحة 46
??
قسم الدراسة
وبذلك يمكن أن يعد كتاب التحف مصدرا من مصادر الأصوليين على قلة مسائلة وتحليلاته في هذا الفنّ.
هذا بالنسبة لأصول الفقه أمّا بالنسبة للفقه فإنّنا نجد مسائل فقهية كثيرة مبثوثة في عدد من الأبواب خاصة باب اختلاف الناس في اجتهاد الرأي. والملاحظ أن جملة الأحكام الفقهيّة التي أوردها في هذا الكتاب غالباً ما تكون مجردة عن الاستدلال أو الاختلاف بين الفقهاء وإنّما اكتفى بعرض الرأي المتبنّى لديه. وهذه الأحكام منها ما يتعلّق بالطهارة والصلاة وأحكامهما (1) ومنها ما هو متصل بالآداب العامة (2) وما يترتب على مخالفتها من محظورات (3). كما تعرض إلى حقوق الوالدين والأرحام والجيران والأصحاب والعبيد وأهل الذمة (4).
وفي أواخر الباب الحادي عشر (باب) اختلاف الناس في الحرام المجهول) أشار إلى بعض أحكام العقوبات (5).
وبما أنَّ الكتاب لم يؤلّف لدراسة الفقه وأصوله فإنّ صاحبه لم يتعمق في
(1) أما بالنسبة للطهارة فقد عرض حكم كلّ من الاستنجاء والوضوء والغسل وأما بالنسبة للصلاة فقد اهتم بصفة أخص بقضية صلاة الجمعة والاستدلال على وجوبها والردّ على مانعي أدائها وراء أئمة الجور. انظر ص 40 من هذا المخطوط وبالنسبة لبعض أحكام الطهارة انظر ص 69 من هذا المخطوط.
(2) كإلقاء السلام وردّه وحرمة سفور المرأة وإبداء العورة والنظر إليها وما يتصل بذلك من جزئيات انظر ص 2 32، 33، 63، من المخطوط.
(3) كالزنا واللواط.
(4) انظر أبو الربيع التحف: 33، 34. من المخطوط. (5) انظر أبو الربيع التحف 27، 28
من
المخطوط. (1/48)
صفحة 47
كتاب التحف المخزونة
49
-
تحليل هذه الموضوعات. ولمّا كان القصد من تأليف الكتاب تحرير مسائل أصول الدين فإن المؤلّف لم يأل جهدا في تتبع مختلف قضايا العقيدة من
حيث التحليل والاستدلال والرّد على المخالفين ومناقشة حججهم.
ولم يكتف بذلك بل خصص ما يقرب من ثلث (ربع) الكتاب) لمسائل
كلامية صرفة كالجواهر والأعراض والحركات والسكون والحواس.
وإذا كانت مسائل أصول الدين قد أخذت من المؤلف كلّ هذا الاهتمام باعتبارها المحور الأساسي للكتاب فما هي أهم هذه القضايا بصنفيها العقلي والكلامي؟.
إن هذه الموضوعات يمكن تلخيصها فيما يلي من النقاط:
النقطة الأولى: ما يسع وما لا يسع جهله (3).
أما فيما لا يسع النّاس جهله فقد شدّد المؤلّف على المكلفين فأوجب عليهم معرفة سبع عشرة مسألة بمجرد بلوغهم شريطة أن يكونوا صحيحي العقول ولم يفرّق في ذلك بين الذكر والأنثى ولا بين الحر والعبد.
وأما ما يسع جهله فقد جعله ثلاثة أقسام:
ما
يسع
جهله إلى الورود (3) أو قيام الحجّة به كمعرفة صفات الله تعالى؟.
يسع. جهله إلى مجيء وقته كالصلاة والصيام والحج قبل وصول
أوقاتها فإذا وجب الفعل لزم العلم.
(1) الكتاب مشتمل على 110 من
الصفحات.
(2) وقد حللنا هذه المسألة تحليلا موجزا فيما يلي من.
هذا
(3) المقصود بالورود ورود الفكرة على الذهن أي أن تخطر على البال. (1/49)
صفحة 48
قسم الدراسة
جهله أبدا ما لم يتقوّل فيه الفرد على الله الكذب أو يقارف ما يسع
حرم الله مثل قسمة المواريث وجزئيات الربا والقصاص).
النقطة الثانية: الولاية والعداوة والوقوف
لقد خصص المؤلّف الباب الثالث من الكتاب لتناول هذه القضية التي تعتبر من أهم القضايا المطروحة عند الإباضية (2) فقد عرف كلا من الولاية والبراءة والوقوف وذكر موجبات كلّ منها والأدلّة على فريضتها من الكتاب على وجه الخصوص ثمّ قدّم أقسام الولاية والبراءة وأولى اهتماما خاصا بالأطفال على اختلاف أصنافهم (3) وما يتصل بهم من أحكام.
كما عرض في هذا الباب مسائل جزئيّة كثيرة أوردها في شكل
أسئلة وأجوبة.
النقطة الثالثة: الجملة والتفسير
لقد
بين المؤلف في الباب الخامس من هذا الكتاب قسمي الجملة وشرح كل قسم منها شرحًا موجزا وعلّل تسمية الجملة والتفسير ثم أوضح أنَّ الدين في جملته منه ما هو محدود كالصلاة والصيام والحج) ومنه ما هو غير محدود (كالخوف والرجاء وبر الوالدين) مبينا الحكمة العباد بما لا حد له (4).
(1) لقد عرض المؤلّف هذه النقطة الأولى في البابين الأولين من الكتاب. (2) وقد خصصنا فصلا لهذه المسألة حلّلنا فيه مختلف جوانب هذه القضية.
من
تكليف
(3) قد ذكر حكم أطفال المسلمين وأطفال الكافرين وعبيد المتولى إذ كانوا أطفالا والموالي إذ كانوا أطفالا وكان من أعتقهم من أهل الولاية أو أهل الجملة والعبيد الأطفال إذ كانوا شركة بين المتولى وغيره وأطفال المرتد أو من دخل من الشرك إلى الإسلام والأطفال المجانين. (4) لقد حلّلنا هذا الموضوع أيضا في فصل نظرية المعرفة. (1/50)
صفحة 49
كتاب التحف المخزونة
51
النقطة الرابعة: كلام الله وقضية خلق القرآن
لقد كان الحديث في الباب السادس من هذا الكتاب يدور حول محورين
أساسيين:
أن
-المحور الأول: كلام الله لموسى بدأ أولا بتعريف الكلام تعريفا عاما غير دقيق) ثمّ ردّ على المشبهة القائلين إنّ كلام الله لموسى كان بلسان وشفتين ولهوات ثمّ أورد مقابل ذلك قول الإباضية ومن وافقهم وهو كلام الله لموسى لا يعني سوى إحداث الله لكلام الله الذي سمعه موسى. وقد نقل في هذا العدد أقوالا ثلاثة للعلماء:
القول الأوّل: خلق الله التقطيع فقام عنه المقطع فسمعه موسي
القول الثاني: أظهر الله جسما من أجسام الموتى فقام عنه الكلام فسمعه موسي
القول الثالث: كلّم الله موسى بوحي كسائر الأنبياء وإنّما ميّزه بالذكر على وجه الاستخصاص كما سمّى عيسى روح الله وإبراهيم خليل الله والحال أنَّ الأرواح كلّها الله وأنَّ أنبياء الله كلّهم أحباؤه وأنَّ البيوت كلها الله).
المحور الثاني قضيّة خلق القرآن وقد عرض أدلة خلق القرآن من ثمّ استخلص منها جملة من الاستنتاجات العقلية (3) وفي نهاية الباب أشار إلى بعض المسائل الجزئية المتعلقة بهذا الموضوع كمسألة الحكم على القائل بقدم القرآن (4) وقضية الاستدلال على أنَّ القرآن عرض من الأعراض).
(1) «الكلام هو بيان وكل بيان هو كلام
(2) انظر ص 16، 17 من
(3) انظر ص)
17 من
المخطوط
هذا المخطوط.
(4) حكم عليه بالكفر دون الشرك.
ذلك (5) وحجته في
هي.
التحف ص 16
من
المخطوط.
وجود القرآن في أمكنة متعددة في نفس الوقت. (1/51)
صفحة 50
52
(2)
قسم الدراسة
وإذا كان القرآن) محدثًا فإنّه لا يصح أن يعد صفة الله في ذاته كالعلم والقدرة (") وهذا لا يعني أنه لا يوصف بأنه متكلّم بل هو متكلّم في ذاته وبذاته ولذاته وذلك بمعنى نفي الخرس عنه لا بمعنى إحداثه الكلام (3).
النقطة الخامسة: الإيمان والكفر
وفي هذا المجال عرض المؤلّف أوّلا اختلاف الفرق الإسلامية (من مرجئة وصفرية ومعتزلة وأشعريّة في تعريف الإيمان ثم أردف ذلك بذكر موقف الإباضية قاطبة فبين أنّها تقول بأنَّ الإيمان هو كل ما أمر الله به من. قول وعمل وكلّ من أتى بالقول وضيّع العمل هو كافر كفر نفاق وليس بمشرك ولا بمسلم) كما عرف الكفر بأنه الاستفساد إلى ولي النعمة وأثبت
أنه يستحق بخصلة واحدة بخلاف الإيمان فإنّه لا يستحق إلا بجميعه. كما تبنّى موقف الترادف بين الدين والإسلام والإيمان وذلك جمعًا بين الآيات.
كما تعرض في كتابه لكيفية معاملة كلّ من المنافقين والمخالفين وأهل الكتاب والمشركين والمرتدين.
أما المنافقون) فقد صرّح بوجوب إجراء أحكام الإسلام عليهم من جواز مناكحتهم وموارثتهم وأكل ذبائحهم والصلاة معهم واحترام جميع حقوقهم باستثناء ولايتهم وتسميتهم بالإيمان.
(1) وهو بلا شك كلام الله كذلك التوراة والإنجيل والزبور.
(2) انظر ص 17 من المخطوط.
(3) الملاحظ أن هذه المسألة لم يوردها في نفس الباب وإنّما أوردها في الباب العشرين من
الكتاب «باب في الحبّ» ص 68.
(4) انظر ص 18 من المخطوط.
(ه) وهم الذين خالف عملهم قولهم فأتوا بالشهادتين وضيّعوا العمل انظر تعريف النفاق من
هذا البحث. (1/52)
صفحة 51
كتاب التحف المخزونة
53
وأما المخالفون فإنّهم يدعون إلى ترك ما تبنوه من مواقف اعتقادية مخالفة للإباضية وإلى ولاية أئمة الإباضية وأتباعهم من المتولين والبراءة مما برئوا منه فإنّ أبوا وسفهوا مقالة الإباضية وطعنوا فيهم وبرئوا من أئمتهم جاز قتالهم وسفك دمائهم دون إباحة أموالهم وسبي ذراريهم.
وأما شهادة المخالفين فلم يبد رأيًا صريحًا في شأنها وإنّما اكتفى بعرض الخلاف الوارد بين العلماء مبينًا أنَّ المجيزين لها إنّما أجازوها في أحكام الأحوال الشخصية والبيوع وما شابه ذلك ومنعوها في الحدود والدماء والولاية والبراءة والتكفير.
وأما أهل الكتاب فتؤخذ منهم الجزية فإن أبوا فحكمهم حكم المشركين الذراري وغنيمة الأموال غير أنه لا يقتل إلّا الرّجال
وسبي
في إباحة الدماء المقاتلون ومن أعان على قتال المسلمين. وأمّا نكاح نسائهم فقد أباحه كما هو مبين في الذكر الحكيم وأمّا المرتدّون فإنّهم يقتلون إن أصروا بعد استتابتهم وفيما يخص أموالهم لم يبد رأيا معينا وإنما اكتفى بالإشارة إلى اختلافات العلماء فيها).
النقطة السادسة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لقد أكد المؤلّف وجوبهما على المكلفين بقدر الطاقة والقوة وهو بذاك يشير إلى الحديث المشهور: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه). كما بين أن الأمر بالمنكر أو الموسع لما ضيق الله أو المضيّق لما وسع الله أو نافي الكفر والفسق عن
أهله
(1) الملاحظ أن المسائل المذكورة في هذه النقطة لم يجمعها المؤلف في باب واحد وإنما تناول بعضها في الباب السابع (باب) اختلاف النّاس في الإيمان والكفر) والبعض الآخر
في الباب السابع عشر وقد أوردناها معا لاتصالها ببعضها.
(2) انظر تخريج الحديث فيما يلي من هذا البحث. (1/53)
صفحة 52
54
قسم الدراسة
ذلك عد
(أو العكس) أو جاعل الصغير كبيرًا (أو العكس) كلّ من فعل ذلك ضال وهالك أما الآمر بالشرك فهو مشرك بلا منازع. وعلى النقيض من الأمر بالفرائض أو النوافل طاعة غير توحيد).
النقطة السابعة الإمامة ومسالك الدين
أما بالنسبة للإمامة فقد بيّن وجوبها على العباد عند القدرة عليها مثبتا أنَّ استطاعة الإمامة إنما تكون بتوفّر عدّة الرّجال والأموال والسلاح ووجود الإمام العادل (2) ثم أورد بعضا من واجبات الإمام وحقوقه دون تفصيل للموضوع أو استدلال أما مسالك الدين فقد اكتفى بسردها دون أي شرح أو
تعليق أو تمثيل لها.
والملاحظ أنه لم يفرد لهذه المسألة بابا ولم يتعمق في تفصيلها وتحليلها (3) وإنّما أورد هذه العموميات ضمن المسائل التي يدين بها الإباضية (4).
النقطة الثامنة: المعرفة ووسائلها (ه)
لقد عرف العلم بأنه الدرك والإحاطة (6) وهو تعريف يمس جانبا من معاني مفردة العلم، وبين أنَّ أوّل العلم التوحيد وسبيله التعليم (7) وقدم
(1) وقد حلّل هذه المسائل في الباب الثامن تحت عنوان «باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».
(2) انظر ص)
39
من هذا المخطوط.
(3) خلافا لأبي عمار مثلا الذي أولى هذه المسألة اهتمامًا خاصًا فاستدل على وجوب الإمامة
وردّ على الزيدية والنجدات والمعتزلة والنكار.
(4) وذلك في الباب الثالث عشر اختلاف الناس في اجتهاد الرأي.
(ه) وقد أفردنا لهذه المسألة فصلا في قسم الدراسة ..
(6) انظر ص: 24 من هذا البحث.
(7) انظر
ص
24 من هذا البحث. (1/54)
صفحة 53
كتاب التحف المخزونة
00
بعضا من الأدلة على وجوب طلب العلم وذلك بعد إشارته إلى الصلة المتينة بين العلم من جهة، وبين العلم والجهل والتوحيد والشرك من جانب آخر (1).
والعلم والجهل محلهما القلب وهما على وجهين:
-
-
اضطرار: وهو علم ما أدركته الحواس.
اكتساب وهو علم ما دلّ عليه ما أدركته الحواس.
والفرق بين العلم المكتسب والجهل المكتسب هو أن العلم يقصد إليه العباد بينما الجهل يكون عن أسباب منهم فهم لا يقصدون إليه وإنّما يكون مسببًا عن الدواعي التي يقصدون إليها (3).
وإذا كانت الحواس الوسيلة الأولى للمعرفة فإنّ المؤلّف قد خصص لها بابا عرف فيه بالحواس والمحسوسات أجسام ما خلا الصوت وإنّ الحواس ليست من جنس واحد كما أشار إلى تعطّل عملية الإحساس عند حدوث العوائق (3).
النقطة التاسعة: الجواهر والأعراض
الجوهر هو الجسم عند أبي الربيع وهو ما كان في عينه غير واحد وله جهات ست أمام وخلف ويمين وشمال وفوق وتحت وهو لا ينفك من الكون في المكان إمّا متحرّكًا وإما ساكنا (4) أما العرض فهو ما كان
(1) انظر ص 24 من هذا البحث.
(2) لقد بسط هذه المسائل في الباب التاسع باب المعرفة والجهل» ص 23، 24. (3) لقد حلّل هذه المسائل في الباب الرابع والعشرين باب في الحواس» انظر من ص 88 إلى
ص
93 في المخطوط. (4) انظر 69 من هذا المخطوط. ص. (1/55)
صفحة 54
قسم الدراسة
متعرضا في الجوهر ويختلف عنه في كونه لا تمرّ عليه الأحوال وهو موجود ولا وجود له إلّا حال حدثه ويعدم في الحال التالية وهو غير قابل للتعديد والتبعض ولا يجري عليه الكون في المكان ولا يوصف بالحدود والعرض والطول).
وبعد بيان مفهومي الجسم والعرض أشار إلى صفات كلّ منهما (2) ثم إلى العلاقة بين حدث الشيء وفنائه (3) وإمكانية إدراك الجسم بالحواس بخلاف حدثه وفنائه اللذين يدركان بالدلائل والنظائر دون الحواس (4). وحينئذ تطرّق إلى مفهوم كلّ من الدليل والمدلول والاستدلال والمدلّ والمدلّ له مبينًا أنَّ الاستدلال اكتساب من المستدلّ
وليس اضطرارًا ولا طبعا (5).
النقطة العاشرة: الحركات والسكون
الحركة هي ما لا يفعل منه أجزاء في مكان (6) والسكون ضدّها (7).
والحركة قسمان نقلة وغير نقلة. فالنقلة هي زوال من مكان إلى مكان
وغير النقلة عكسها (8).
(1) انظر ص 69 من هذا المخطوط.
(2) انظر ص 69، 70 من هذا المخطوط.
(3) انظر ص 71 من هذا المخطوط.
(4) انظر ص 72 من هذا المخطوط.
(5) انظر ص 72 من هذا المخطوط.
(6) انظر ص 78 من هذا المخطوط.
(7) انظر ص 81 من هذا المخطوط.
(8) انظر ص 78 من هذا المخطوط. (1/56)
صفحة 55
كتاب التحف المخزونة
57
والسكون كذلك قسمان لبث وغير لبث فاللبث هو مكان في المكان بعد
مرور حالتين عليه وهو في نفس المكان وعكسه غير اللبث).
النقطة الحادية عشر: الخوف والرجاء
لقد أوجب التعادل بين الخوف والرجاء وبين أنَّ ذلك إنّما يكون برجاء بلوغ الحد المطلوب في الطاعات التي لا تعرف حدودها (كير الوالدين) مع الخوف من عدم بلوغ هذا الحدّ أو الوقوع في الذنوب التي لا تعرف أكبائر هي أم صغائر.
ولاحظ في نهاية الباب أنَّ الأنبياء وإن كانوا عارفين بمصيرهم فهم
متعبّدون بالخوف والرجاء (2).
النقطة الثانية عشرة: التوبة والإصرار
الذنب
انطلق المؤلّف في هذا الباب ـ وهو الخامس عشر من الكتاب ـ من تعريف كلّ من التوبة والإصرار فأثبت أن التوبة هي الإقلاع عن وتوطين النفس على عدم العودة إليه والتنصل من التبعات. أما الإصرار فهو الإباء من التوبة والعزم على عدم مفارقة الذنب أبدا (3).
وبعد عرض هذين التعريفين استدلّ على وجوب التوبة وحرمة الإصرار بآيات من القرآن وأقول السلف (4) وبين وقت وجوب التوبة) ثمّ
(1) انظر ص 78 من هذا المخطوط والملاحظ أنه خصص الباب الواحد والعشرين لتناول هذا
الموضوع بعنوان «باب في الجواهر والأعراض».
(2) انظر ص
29 28
من هذا المخطوط.
(3) انظر ص 28، 29 من هذا المخطوط.
(4) انظر ص
28، 29 من هذا المخطوط.
(0) انظر ص
29،28
من هذا المخطوط. (1/57)
صفحة 56
58
قسم الدراسة
عرض بعض المسائل الجزئية المتعلّقة بالتوبة والإصرار والكفر
والمعصية (1).
النقطة الثالثة عشر: النبوة والرسالة
عرض المؤلّف في هذا الباب - وهو الباب العاشر ـ مفهوم النبوة والفرق بين النبي والرسول مبينا أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا كما أثبت في هذا المضمار أنَّ النّبوّة اضطرار والرسالة اكتساب ذلك أنَّ النبوة تحلّ في الأنبياء دون اختيار منهم بخلاف تبليغ الرسالة.
كما تحدث في هذا الباب عن كيفية تلقي الوحي ثمّ عن عصمة الأنبياء من الكبائر دون الصغائر بعد النّبوّة. كما أشار إلى شروط النبي (2) وذكر في ختام الباب بعض خصائص الملائكة وصفاتهم".
النقطة الرابعة عشرة: صفات الله تعالى
لقد
ختم المؤلّف أبواب كتابه بالحديث عن صفات الله تعالى وعنوان
يسع
لهذا الموضوع «باب التوحيد ونفي الإشارة والمساواة عن الله» بدأ تحليله للموضوع بتمهيد ذكر فيه قاعدة عامة لا جهلها أن الصفات كلّها وهي داخلة في قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ) [الشورى: (41) وبناء على ذلك لم يكلف الناس معرفة الصفات على وجه التفصيل متى لم تعلم أو يخطر
(1) كالاختلاف في مؤاخذة العبد على الذنوب التي تاب منها والحال أنه لم يمت على الوفاء بدينه والاختلاف فيمن هو أشد عذابا المشرك أم المنافق وما يقال لمرتكب الصغيرة وما لا
يقال له.
(2) وذلك ألا يكون عبدًا أو امرأة أو طفلاً أو بدويا.
(3) من ذلك أنهم أقوى بنية من بني آدم
(4) انظر
93
ص من هذا المخطوط. (1/58)
صفحة 57
كتاب التحف المخزونة
59
بالبال) ثم عرض جملة من الصفات المستحيلة على الله تعالى كالذكورة والأنوثة والحركة والسكون والظلمة والنور والحلول في المكان والملاصقة له وتفاصيل الإثناء في قدرته وبالمناسبة ذكر بعض ما يجوز أن يقال في حق الله تعالى (3) ثمّ أثبت أن صفاته تعالى هي عين ذاته وليست زائدة على ذاته (3) وأنها قديمة). ثم تولى تفسير كثير من الصفات (9) وفي النهاية اشتغل بتأويل بعض الأخبار التي يفيد ظاهرها التشبيه (6).
و - تقييم الكتاب
وبعد عرض خلاصة عامة لأهم ما اشتمل عليه الكتاب من موضوعات فقهية وكلامية نرى من المفيد تقييم الكتاب وإبراز مدى أهميته ولا يأتي ذلك إلا بمعرفة ميزته من الناحية العلميّة ومقارنته بغيره من الكتب السابقة واللاحقة له.
أما من حيث المادة العلميّة فإنّه يمكّن من عرض صورة تفصيلية عن آراء الإباضية ومواقفهم الكلامية وذلك في الطور الأخير من مرحلة تبلور الآراء
العقدية لدى الإباضية وتركيزها.
والمتتبع لأبواب الكتاب ومسائله يدرك مدى إحاطة المؤلّف بالقضايا الكلامية إذ قلّما نجد مسألة لم يتعرّض إليها إما بالتحليل و مناقشة المخالفين من المسلمين وغيرهم وهو
والدراسة وعرض الأدلة
(1) انظر ص:
(2) انظر
(3) انظر
ص
94
من
هذا المخطوط. هذا المخطوط. من
97،95
100
ص هذا المخطوط. من
(4) انظر ص
(5) انظر
ص
101
من هذا المخطوط.
هذا المخطوط. من
(6) انظر ص 109 - 110 فقد أوّل الاستواء واليد والوجه والخبب والقبضة والساق واليمين. (1/59)
صفحة 58
7.
قسم الدراسة
الغالب على الكاتب، وإمّا بالاكتفاء بسرد الرّأي المتبنّى من غير استدلال ولا تحليل).
وأما أهميته التاريخيّة فتظهر في كونه أقدم كتب الإباضية في أصول الدين بعد كتابي «الدينونة الصافية العمروس بن فتح) و «الردّ على جميع المخالفين» لأبي خزر يغلا بن زلتاف.
والجدير بالذكر أن هذا الكتاب هو أكثر أهمّيّة من الكتابين المذكورين رغم تقدمهما عليه، تاريخيا، ذلك لأنه يفوقهما من حيث التوسع في التحليل والاستدلال من جهة ومن حيث كثافة المسائل المطروحة من
جهة ثانية.
أما كتاب الدينونة الصافية فإنّه وإن كان أوّل مخطوط إباضي وصل إلينا ـ في هذا الفنّ فإنه لا يعطي صورة واضحة وشاملة عن الآراء الكلامية الإباضية في طور النشأة وذلك راجع إلى نقصان النسخة التي بين أيدينا وإلى قلة التحليلات والاستدلالات (3) كما أننا لا نجد فيه ردودًا على المخالفين سوى
(1) كما جاء في باب اختلاف النّاس في اجتهاد الرأي فقد أورد جملة كبيرة من المسائل التي تدين بها الإباضية. وهذا لا أن كتابه حوى كلّ مسائل الكلام (فإنّ بعضا من القضايا لم يتعرض لها أصلا كعذاب القبر والرزق والميزان والصراط وإنما أردنا بذلك أنه أورد
معظم المسائل.
يعني
(2) عمروس بن فتح النفوسي من علماء الطبقة السادسة (280 هـ). ولاه أبو منصور إلياس
القضاء.
يروي
أنه قال لإلياس: إن لم تأذن لي بقتل ثلاثة فخذ خاتمك قتل مانع الحق،
والطاعن في دين | الله، والدال على عورات المسلمين. سمّي سارق العلم لاستنساخه مدونة أبي غانم الخرساني دون علمه اتصل بمحمد بن محبوب عالم المشرق ـ بمكة فأكبره أيما إكبار. انظر الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب 320/ 2 - 325.
(3) هذه النسخة التي لا تزال موجودة لا تتجاوز عشر صفحات تناول فيها عناصر قليلة كمسألة (1/60)
صفحة 59
كتاب التحف المخزونة
?
بعض الإشارات الخفيفة). وأما كتاب الرّدّ على جميع المخالفين فإنّ صاحبه قد اقتصر فيه على بعض الموضوعات كأسماء الله وصفاته وخلق الأفعال وحقيقة الإيمان وحكم مرتكب الكبيرة وما يسع وما لا جهله. ولذلك يسع لا يمكن اعتبار هذا الكتاب في مرتبة كتاب التحف الذي عرض فيه جلّ مسائل الكلام.
(0)
أما من حيث التحليل والاستدلال فإنّ أبا خزر وإن كان قد عرض مواقف المخالفين من مرجئة (3) وصفرية (3) ومعتزلة (4) وناره) وتولى الردّ عليهم نقلية وعقلية فإنّه لم يبلغ بذلك درجة أبي الربيع في التوسع في بحجج تحليل كثير من المسائل مثال ذلك ما أورده في قضية الإيمان والكفر فقد تعرّضا إلى موقف كل من المرجئة والصفرية والإباضية غير أنَّ أبا الرَّبيع لم يقتصر على ذلك بل أضاف موقفي الأشاعرة والمعتزلة كما تعرض إلى العلاقة بين الدين والإسلام والإيمان والعلاقة بين الدين والملة وبين العبادة والطاعة وبين الملة والشريعة كما تحدّث عن أحكام المنافقين في الدنيا وعرّف ببعض المصطلحات كالكفر والفسق والضلال والصغيرة والمعصية كما عرض مسائل جزئية أخرى كثيرة لم يتطرّق إليها أبو خزر لا بالبحث والتحليل ولا بمجرد الإشارة إليها.
التوحيد والشرك والاستدلال على تسمية الضال بالكافر وما يسع وما لا يسع جهله كما
عرض جانبًا من قضية الوعد والوعيد.
(1) كما هو
الشأن بالنسبة ما يعني الخلود في النار لمرتكب الكبيرة. انظر ص 4 من
المخطوط.
(2) وذلك خاصة في قولهم إنّ الإيمان قول انظر ص 57 ـ 61. (3) وذلك خاصة في حكم مرتكب الكبيرة في الدنيا انظر ص 64. (4) وذلك في نسبتهم خلق الأفعال للعبد انظر ص.
(5) وذلك في قولهم إن أسماء الله وصفاته مخلوقة.
071 - 70 (1/61)
صفحة 60
62
قسم الدراسة
على أن هذا لا يكون حكمًا عاما بل قد نجد بعض المواضع التي أشبعها أبو خزر تحليلا واستدلالا - أكثر من أبي الربيع كما هو الشأن بالنسبة للمرأة التي تؤتى دون فرجها.
ومهما يكن من أمر فإنّ كتابي أبي خزر وعمروس بن فتح وما سبقهما من كتب تعدّ جميعًا تقريرًا لأصول الإباضية ويراد بها تركيز هذه القواعد وترسيخها في الأذهان دون الاعتماد على الاستدلال.
أما كتاب التحف فهو بداية الطريق للتوسع في التحليل والاحتجاج على صحة هذه الأفكار والمبادئ التي رسخها الأسبقون على أنَّ طبيعة الكتاب تقتضي ذلك التوسع، لأنه جملة دروس مقدمة إلى طلبة متخصصين في هذا الميدان. لكنّ هذا التوسع نسبي إذا قيس الكتاب بما جاء بعده خلال القرن السادس للهجرة الذي اكتملت فيه الأفكار العقدية وبلغت مرحلة النضج التام وذلك في إطار النموّ الفكري العام للثقافة الإسلامية التي بلغت أوجها في هذا العصر في مختلف الفنون الإسلامية ولذلك جاء كتاب الموجز لأبي عمار (3) مثلا متين العبارة محتويا على مناقشات كلامية عرضت بأسلوب جدلي يقصد به محاججة المخالفين من الإسلاميين (3) وغيرهم من الدهريين (4).
(1) فقد استدل على أن فعلها كبيرة بنصوص من القرآن والحديث ونفى أن يكون كل ما تجب فيه البراءة يجب فيه الحدّ انظر ص 19 - 22 من كتابه الرد على جميع المخالفين بينما أبو الربيع لم يشر إلى هذه القضية أصلا. (2) وعنوانه الكامل: الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الرد على أهل الخلاف. (3) كالكرامية والحنابلة والأشعرية والمعتزلة والزيدية والنجدات.
(4)
وهم
القائلون بقدم العالم ذلك لأنهم أنكروا حدوث الأشياء وقالوا لا أوّل لها وهم أقسام: المنجمون والسفسطائية والسمنية وأصحاب أرسطو طاليس وأصحاب الطبائع انظر أبو عمار
الموجز 256/ 1 - 283. (1/62)
صفحة 61
كتاب التحف المخزونة
63
فعرف بمختلف مقالات أصحاب الملل والأهواء التي انتشرت في البلاد الإسلامية والتي أنتجت مناظرات ... والقنوية) والبراهمة (2) وأهل الكتاب وهذا ما لا نجد أثره أصلا في كتاب التحف سوى مناقشة بعض الفرق الإسلامية والسبب في ذلك راجع إلى اختلاف البيئتين فقد عاش أبو الربيع هذه التيارات بينما أبو عمار درس في جامع الزيتونة وله مناظرات بين المسلمين وغيرهم ولدت ثورة فكرية صارت مدوّنة بعد ذلك في الكتب وإذا كان كتاب التحف وسطا بين مرحلتين من مراحل الإنتاج العقيدي لدى إباضية المغرب فما هي مرتبته بين كتب الإباضيَّة المشارقة من جهة وكتب غيرهم من جهة أخرى؟.
بعيدا عن
أما بالنسبة لكتب الإباضيَّة المشارقة فإنّ أشهر ما عرف منها في ذلك العهد:
کتاب الجامع لابن جعفر ()
(3)
کتاب الاستقامة وكتاب المعتبر لأبي سعيد الكدمي (4).
(1) القنوية وهم القائلون إنّ للكون إلهين اثنين وهم أقسام المانوية والديصانية والمرقيونية انظر أبو عمار: الموجز 284/ 2 - 297.
(2)
طائفة وهم ينتسبون إلى رجل يقال له إبراهيم أو إلى ملك اسمه براهما وهم هنود عاشوا قبل الميلاد بحوالي ثمانية قرون وأشهر ما يعرفون به هو إنكارهم للنبوة انظر أبو عمار:
الموجز 297/ 1 - 312. (3) أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي: عاش في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع للهجرة وهو من المدرسة الرستاقية من بلدة أزكى من أشهر مصنّفاته كتاب «الجامع» (ط) في ثلاثة أجزاء انظر: عبد المنعم عامر في تحقيقه لكتاب الجامع 10/ 1 - 13. وانظر عبد الرحمن بكلي في تحقيقه لكتاب قواعد الإسلام 91/ 1، 92. (4) أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي: عاش في زمان راشد بن سعيد الذي بقى في الإمامة إلى سنة 445 هـ. من أشهر كتبه «الاستقامة» (ط) في جزئين «المعتبر» (طبع قسم منه في أربعة أجزاء) وهو شرح لكتاب الجامع لابن جعفر انظر سالم بن حمد الحارثي: العقود
الفضية 257. (1/63)
صفحة 62
64
قسم الدراسة
كتاب الجامع لأبي الحسن البسيوي.
وهذه الكتب الأربعة تختلف عن كتاب التحف في محدودية موضوعاتها ذلك أن أصحابها اقتصروا فيها على بعض المسائل التي تتصل خاصة بالولاية والبراءة ونظرية المعرفة فكتاب الجامع لأبي الحسن البسيوي هو مجموعة أجوبة على أسئلة متعلقة بالولاية والبراءة والإيمان والكفر والقدر والصفات والشفاعة وكتاب الاستقامة ألف لغرض معين وهو تفصيل القول في أحكام الولاية والبراءة كما أن كتاب المعتبر في أجزائه الأولى المخصصة للعقيدة قد غلبت عليها مسائل الولاية والبراءة وكذلك الشأن بالنسبة لكتاب الجامع لابن جعفر.
وإذا كانت هذه طبيعة الكتب المشرقية في هذا العصر فإنّ كتاب التحف يتميز عليها بخاصية الشمول لأنه حاو لجلّ موضوعات الكلام وجامع لما تبناه الإباضية من مواقف حتى ذلك الحين كما أنه يفوقها أهمية من حيث كثرة الاستدلال ويسر العبارة وسهولة التناول.
ز - مصادره:
ثلاثة.
إن الدارس لكتاب التحف يلاحظ أن مؤلّفه قد اعتمد على مصادر رئيسية
أما المصدر الأوّل فهو جملة المعلومات والأفكار التي تلقاها بالرواية عن شيخه أبي عبد الله محمد بن بكر الذي يعد أستاذه الأوّل في علم الكلام
على
وجه الخصوص.
(1) أبو الحسن علي بن محمد علي البسياني: هو من أهل بسيا من أعمال بهلا بأرض عُمان. أخذ العلم عن أبيه ثمّ عن ابن بركة. عاش في زمان الإمام راشد بن سعيد الذي بقى في الإمامة إلى سنة 445 هـ من أشهر مؤلّفاته مختصر البسيوي» (ط) «جامع أبي الحسن البسيوي» (مطبوع في أربعة أجزاء) انظر: سالم بن حمد الحارثي: العقود الفضية. (1/64)
صفحة 63
كتاب التحف المخزونة
70
ولقد كانت لأبي عبد الله المكانة العلمية المرموقة كما أسلفناغير أن كتب السير لا تروي وجود كتاب منسوب إليه ولعلّه قضى حياته في إعداد تلاميذه وتنظيم الحياة الدراسية والاجتماعية في إطار ما يعرف بنظام العزابة ولذلك لم يتفرغ للتأليف والمهم أن جلّ أفكاره قد رواها عنه تلميذه أبو الربيع وكان غالبا ما ينسب إليه هذه المعلومات والآراء فتارة يقول: «قال الشيخ») وتارةً قيل عن الشيخ» (2) أو ذكر عن الشيخ» (3) أو (والذي حفظناه عن الشيخ (1) أو حينا آخر: «سألت الشيخ () أو (جواب الشيخ.
وأما المصدر الثاني فهو كتاب الروايات التي وصلته عن أبي نوح
(V)
سعيد بن زنغيل إما عن طريق أبي مسعود صابر بن عيسى وإما عن طريق
يونس بن سابل (8) وقد ينسب الرأي مباشرة إلى أبي نوح ولعلّ ذلك راجع إلى اطلاع أبي الربيع المباشر على كتب أبي نوح لأن كتب السير تشير إلى وجود كتاب له في التوحيد غير أنه لا يزال مفقودًا وقد وصفه البرادي في كتاب شفاء الحائم فذكر أنَّ مؤلّفه عرض فيه أهم قضايا العقيدة كمسألة ما يسع جهله وما لا يسع جهله ورؤية الله تعالى والاستطاعة وخلق القرآن وكلام
(3) من هذا المخطوط).
(2) انظر مثلا (2) من هذا المخطوط.
(1) انظر مثلا ص
ص
(3) انظر مثلا. ص
(4) انظر مثلا ص
(5) انظر مثلا ص
19)
70)
هذا المخطوط). من
من هذا المخطوط).
من هذا المخطوط).
(6) انظر مثلا ص (20) من هذا المخطوط.
(7) أبو مسعود صابر بن عيسى كان في زمان أبي نوح أي من علماء الطبقة الثامنة
مسألة
(350 ـ 400 هـ) وهو من العلماء المشهورين ذكر الشماخي أن تلامذته سألوه عن وهي «هل أراد الله نفسه» فقال نعم فخرجوا عنه ثم رجعوا إليه فقال لهم: لم لَمْ تستتيبوني
فإني لست إبليس انظر الشماخي: السير: 97/ 2. (8) لم نعثر على ترجمة. (1/65)
صفحة 64
قسم الدراسة
الله تعالى واكتفى في رسالة تقييد كتب الإباضيَّة بالإشارة إلى وجوده في الدفاتر وقد امترش أوّله).
والمصدر الثالث لكتاب التحف كتاب مجهول يبدو أنه كان مشهورًا وكلما ذكره أبو الربيع أحال عليه بصيغة وذكر في الكتاب» (2) كما أنه كثيرًا ما يروي عن أبي خزر بصيغة «روي» و «يروى وليس لنا ما يدلّ على أنه اطلع على كتابه اطلاعا مباشرًا غير أنَّ ذلك غير مستبعد على أساس أن الاتصالات بين إباضية جبل نفوسة وإباضيّة جربة وإباضية الجريد كانت مكتفة بفضل الزيارات والرحلات العلميّة خاصة وأن جربة كانت مقصدا لطلاب العلم (في تلك الآونة من مختلف الأنحاء. فلا يبعد أن يكون أبو الربيع قد وصله هذا الكتاب فاعتمده لا سيما وأنَّ كثيرًا من عباراته قد أوردها أبو الربيع في كتابه بل أنه أحيانًا يتقيّد بألفاظها أما ردوده على المعتزلة والأشاعرة والصفرية والنكار فيفهم منها أنه اطلع على آراء الفرق إما من خلال كتابات أصحابها وإما من خلال ما كتبه عنها مخالفوها من الإباضية أو غيرهم وأما بواسطة السماع والأخبار الشفوية ولا نستطيع أن نرجّح طريقا من هذه الطرق فنعتبرها مصدره في شيء من ذلك لأننا لا نجد في كتابه ما يمكننا من الترجيح. وأما آراؤه الطبيعية فليس لنا ما يدلّ على أنه استقاها من هذا المصدر أو ذاك كما أننا لا ندري كيف وصلته آراء الجاحظ والنظام وغيرهما وغاية ما نجده في الكتاب مناقشة نظرياتهم في المسائل الطبيعية من غير نسبتها إلى أصحابها.
(1) وقد طبعت هذه الرسالة محققة في آخر كتاب آراء الخوارج الكلامية تحت عنوان ملحق كتب الإباضية انظر عمّار الطالبي: آراء الخوارج الكلامية 289/ 2. (2) كذلك في ديوان الأشياخ نجد إحالات كثيرة عليه بصيغة وفي كتاب» انظر مثلا كتاب الأحكام 4/ 1. (1/66)
صفحة 65
كتاب التحف المخزونة
67
أسلوبه:
إنّ الأسلوب الذي اختاره المؤلّف في هذا الكتاب هو أسلوب تعليمي ذلك أنَّ الكتاب هو جملة من الدروس التي ألقاها على طلبته ولقد توخى طريقة التبسيط والتوضيح ولذلك كانت عباراته وألفاظه سهلة لا تحتاج إلى أي شرح أو تعليق.
والصيغ الدالة على هذا الأسلوب التعليمي كثيرة نذكر منها: «فإن قال ... الجواب». «وسئل عن ... الجواب ... » وسئلت عن ... الجواب ... » «فإن قال قائل ... » «فإن سأل سائل ... ».
أما طريقته في التحليل فإنّه يورد مختلف الأقوال في المسألة الواحدة ويتبعها غالبا بقول الإباضيَّة ويسميهم أهل العدل والصواب ويعلق على قولهم بعبارة «وهو العدل والصواب وهو حين إيراده للأقوال ينسب بعضها لأصحابها ويترك نسبة البعض الآخر فيكتفي بقوله: قيل أو قال بعضهم وقد يترك بعض الأقوال فلا يوردها بل يشير إليها بقوله وقيل في هذا غير ما ذكرناه».
وقد يرجح أحيانًا رأيا من الآراء أو يستقلّ برأيه فيقول: «والذي أقول به» وقد يكتفي بإيراد الأقوال دون ترجيح وفي هذه الحالة يقول «والله أعلم» وقد يذكر الحكم في المسألة من غير إيراد الخلاف.
أما الاستدلال فأحيانًا يركّز على الاحتجاج بالقرآن الكريم وحينا آخر يستند إلى أدلة العقل وقد يتوسع في ذلك إلى أبعد حد على التحليلات العقلية فمثلا أبواب الحكمة» «الجواهر والأعراض» «الحركات» «والحواش» «السكون لا نجد أي أثر للآيات والأحاديث وإنّما كلّ ما فيها مباحث عقلية مجرّدة ولعلّ ذلك راجع إلى طبيعة هذه الموضوعات. كما أنه أحيانًا بسرد جزئيات كثيرة في المسألة الواحدة فيذكر أحكامها من غير أدلة كما
يعتني (1/67)
صفحة 66
68
قسم الدراسة
يخلط في بعض الأحيان بين موضوعات متفرقة فيورد مسائل في التوحيد
وأخرى في الفقه ومعظمها من غير استدلال.
(1)
كما يلاحظ الدارس للكتاب شدّة في اللهجة على أحمد الحسين" بن بصفة أخص فيتهجم عليه ويصفه بأنه أتبع قياس عقله وأعجب برأيه وترك كتاب الله وسنّة نبيه وسعى في خلاف من كان قبله من خيار المسلمين ومما قال فيه: «والذي احتج به أصحابنا في فساد مذهبه ونقض علله وكشف عوار ما ذهب إليه كتاب الله وسنّة نبيه اللذين ترك الاقتداء بهما واستعمل القياس في خلافهما». وفي الصفحة الموالية يقول: «فنعوذ بالله هذا القول أو من لما يجر إليه من البدع ... وكذلك يكون من خذله الله وأوكله إلى نفسه ... » (3).
الإيمان والكفر
من القضايا التي
إن الدارس لهذا الموضوع تعترض سبيله جملة. محلّ نقاش بين علماء الكلام والمتتبع لمحاوراتهم في هذا المجال
تدور حول النقاط التالية:
(1)
- هل الإيمان اعتقاد وقول وعمل؟
حكم مرتكب الكبيرة.
- الفرق بين الدين والإيمان والإسلام.
كانت
يري
أنها
هو أحمد بن الحسين الطرابلسي وهو الذي تنسب إليه فرقة الحسينية. من مقالاته إنّ العقلاء يتفاضلون في التكليف والاستطاعة ولا يتفاضلون في العقل وقال في الولاية والبراءة بالشطريّة وقال خوف الرسل خوف إجلال لا خوف عقاب وأهل الجنة يخافون ويرجون. انظر السوفي: رسالة الفرق 58 59.
(2)
(3)
ص
ص
45
من هذا المخطوط.
46 من هذا المخطوط. (1/68)
صفحة 67
كتاب التحف المخزونة
69
فما هي مواقف الإباضية من كلّ ذلك وغيرهم في كل مسألة من
المسائل المذكورة؟.
1) هل الإيمان اعتقاد وقول وعمل؟
أنه
لقد اختلفت الأمة في ذلك على أربعة مذاهب:
الاعتقاد
وهو
أ ـ الإيمان معرفة بالقلب فقط وتشمل هذه المعرفة كل ما علم بالضرورة من دين محمد صلى الله عليه وسلم من تصديق بالله ورسوله وما إلى ذلك من مسائل أحد قولي أبي الحسن الأشعري (260 ـ 324 هـ) وبه قال الطوسي (ت 460 هـ) (1). وعن البغدادي هذا القول أيضا (2) إلى ابن الراوندي والحسن بن الفضل البجلي). كما تبنّى هذا الموقف أيضا كلّ من الرّازي (5) والجويني) والماتريدي).
(3)
وحجة هؤلاء قوله تعالى: (قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ) [المائدة: 41] وقوله: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَنُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] وقوله: {إِلَّا مَنْ
(1) هو محمد بن الحسين المعروف بالمحقق الطوسي من علماء الشيعة من علماء القرن الخامس من أشهر تصانيفه: تلخيص الشّافي في علم الكلام والإمامة والاقتصاد في ما يتعلق بالاعتقاد. انظر الزركلي. الأعلام 84/ 6. وقد قال بذلك في كتابه الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد: 227. (2) انظر كتابه أصول الدين: 249. (3) هو أحمد بن يحيى بن إسحاق أبو الحسين الراوندي أو ابن الراوندي فيلسوف مجاهر سكّان بغداد له عدة كتب منها اثنا عشر كتابا في الطعن على الشريعة
بالإلحاد من
الإسلامية مات سنة 298 هـ وقيل سنة 245 هـ انظر الزركلي: الإعلام 252/ 1، 253.
(4) ترجمة (الإحالة).
(5) انظر كتابه التفسير الكبير 25/ 2.
(6) انظر كتابه: الإرشاد 397.
(7) انظر كتابه التوحيد: 373 - 393 وقد أطنب في إيراد الحجج العقلية والنقلية على أن الإيمان
تصديق بالقلب. (1/69)
صفحة 68
70
قسم الدراسة
أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَنُ بِالْإِيمَنِ) (النحل: 106) وقوله: «الإسلام علانية والإيمان في القلب) وقوله لمن قتل المقرّ بالشهادة: «هلا شققت عن قلبه» (3). ولقد عارض ابن حزم هذا الاتجاه معارضة شديدة مثبتا أنَّ اللغة العربية تقتضي أن يكون التصديق بالقلب واللسان معا (3).
(4)
لا
ب ـ الإيمان إقرار باللسان فقط وينسب هذا القول إلى غيلان بن مسلم الدمشقي ومحمد بن كرام السجستاني). أما غيلان فالاعتقاد عنده شرط في الإيمان وليس جزء من ماهيته وأما ابن كرام فإنّه لا ينكر أنَّ النّجاة لا تكون إلا بالتصديق القلبي لكنّه يرى أن تسمية الشخص بأنه «مؤمن» تكون إلا حسب ظاهره ولا يتأتى ذلك إلا بنطقه وتلفظه ولذلك كان الإيمان عنده إقرار باللسان أما القلب فلا دخل له في تعريف الإيمان لأننا لا نقدر على الاطلاع عليه).
ومن أدلة هذا الفريق قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ) [البقرة: 136) وقوله:
(1) أخرجه أحمد بن حنبل: المسند 135/ 3.
?
(2)
439/ 4، 207/ 5
إيمان 158 ـ د. جهاد 95 - جه فتن 1 - حم (3) انظر ابن حزم الفصل 188/ 3، 190 وانظر مناقشة أبي عمار لهم: الموجز 92/ 2 ـ 95. (4) هو ثاني من تكلّم في القدر. تنسب إليه فرقة الغيلانية. كان يقول بالقدر خيره وشره من العبد. قيل قتله الحجّاج وقيل صلبه عبد الملك بن مروان توفّي بعد 105 هـ. انظر الزركلي:
(0)
الأعلام 177/ 8.
هو أبو عبد الله محمد بن كرام (190 - 255 هـ). فارسي الموطن. تعلم اللغتين العربية والفارسية سجن وأحرقت مؤلّفاته بسبب قوله إنّ الإيمان إقرار باللسان فقط. كان له أنصار يسمون بالكرامية بقوا إلى أوائل القرن الثالث عشر. انظر تفاصيل حياته لسهير. محمد مختار. كتاب التجسيم عند المسلمين ص: / (6) راجع الرازي: التفسير الكبير،25/ 2 سهير محمد مختار التجسيم عند المسلمين 298، 299.
47 - 61 (1/70)
صفحة 69
كتاب التحف المخزونة
أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله مني ماله ونفسه إلا بحقها وحسابه على الله).
71
عصم
ج ـ الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وقد قال بذلك أبو حنيفة وبه قال أكثر الإمامية وأبو الحسن الأشعري في أحد قوليه (2) وحجّة هؤلاء الجمع بين النصوص التي استدلّ بها الفريق الأوّل والنصوص التي عرضها أصحاب الفريق الثاني. ولقد ألح ابن عاشور على أنَّ الأعمال لا يمكن أن تكون جزء من الإيمان متتبّعا في ذلك نصوصًا كثيرة من الكتاب والسُّنَّة تدلّ على أنَّ الإيمان تصديق بالقلب واللسان (3).
د ـ الإيمان اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح وهو قول الإباضية والصفرية والأزارقة والزيدية والمعتزلة (4) وبعض من الأشاعرة (5).
والجدير بالذكر أن الإباضية والمعتزلة والزيدية والصفرية والأزارقة يعتبرون الأعمال جزء من ماهية الإيمان وشرط صحة فيه بينما الأشاعرة يذهبون إلى أنَّ الأعمال شرط كمال (1) ولقد عاب المحشي (7) عليهم هذه المقالة
(1) خ ديات 66 م قسامه 25، 26 ـ د حدود 1 ـ ت حدود 15 ديات 10 ـ ن قسامة 6، تحريم 6 تحريم 5 ـ جه حدود 1.
(2) انظر علي عبد المنعم: الإيمان كما يصوره الكتاب والسنة 184. (3) انظر ابن عاشور: التحرير والتنوير 272/ 1 قارن بابن حازم الفصل 91/ 1/90/ 3 في رده على أصحاب هذا الفريق وانظر مناقشة أبي عمّار لهم: الموجز 95/ 2، 96.
(4) انظر أبو عمار: الموجز 91/ 2.
(5) انظر ابن حجر، فتح الباري 46/ 11 وانظر البغدادي: أصول الدين 251 (فإنّ سياق كلامه يفيد بتبنيه لهذا الموقف) وانظر عبد المنعم الإيمان كما يصوّره الكتاب والسنة 202 ناقلا عن
أبي عبيد القاسم بن سلام (157 ـ 224 هـ)
(6) انظر ابن حجر: فتح الباري 46/ 1. (7) انظر المحشي: حاشته الوضع 55. (1/71)
صفحة 70
72
قسم الدراسة
وعدها اقترابا من قول المرجئة الذين يرون أنَّ الإيمان اعتقاد ونطق فقط مصرحا
(1)
بأن الاختلاف بينهم شكلي ما دام العمل لا يؤثر في الإيمان ولو كان مخالفا لأوامر الإله ونواهيه وحجّة أصحاب هذا الفريق جملة من الآيات والأحاديث نذكر منها: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَنكُمْ} [البقرة: 143) وقد فسر الإيمان في الآية بالصلاة " قوله تعالى: الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. ثُمَّ لَم يَرْتَابُوا وَجَهَدُوا بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَبِكَ هُمُ الصدقون) (الحجرات: 15] فقد عدّت الآية الجهاد جزء من الإيمان الصادق (3). قوله: «ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل وإن قوما غرتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا نحن نحسن الظن بالله وكذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل» (4).
والمتأمل في القضيّة يرى أنَّ الإيمان الصحيح يقتضي بطبيعته العمل الصالح لأن الإيمان بالله وصفاته يستلزم حبّه والخوف منه وهذان حافزان قويان إلى الطاعة واجتناب المعصية (). فالمسألة ليست مجرد ادعاء باللسان
(1) هو محمد بن عمر القصبي بن أبي ستة الجربي المشهور بالمحشي (ت 1088 هـ) من علماء الإباضية في القرن الحادي عشر وهو من الذين ترأسوا الحلقة في جربة من أشهر كتبه حاشية الترتيب طبع بعمان في 8 أجزاء وهو شرح لمسند الربيع بن حبيب انظر الجعبيري: نظام العزابة 225.
(2) انظر أبو عمار: عبد الكافي: الموجز 97/ 2 وانظر اطفيش: تيسير التفسير. (3) قال القرطبي في تفسير هذه الآية (349/ 8): أي صدّقوا ولم يشكوا وحققوا ذلك بالجهاد
والأعمال الصالحة». (4) البخاري: التاريخ الكبير.
(ه) لقد توسع أحمد بن حمد الخليلي في تحليل هذا المعنى وذلك عند تفسيره لقوله تعالى: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة: 2، 3] فبين فضلا عما ذكرناه أن الإيمان بكل ركن من أركان العقيدة الإسلامية له أثره العملي إذ الإيمان بالملائكة الحافظين لأعمال الإنسان يدفع إلى التيقظ وحذر النفس والإيمان بالكتب يفضي إلى الاهتداء بها ... انظر کتابه: جواهر التفسير 129/ 2. (1/72)
صفحة 71
كتاب التحف المخزونة
73
وإنما العبرة بتصديق ذلك بالعمل الصالح قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31] ولقد أحسن أبو الأعلى المودودي حين قال فليس الإيمان في هذا النظام بمنزلة عقيدة دينية فحسب بل هو الذي تتوقف عليه أخلاق الأفراد وأعمالهم وسيرتهم في الحياة» ().
ومتى ثبت أن الارتباط وثيق بين الإيمان والعمل أصبح الاختلاف في اعتبار العمل جزء من الإيمان أم لا شكليا.
وإذا كان الاعتقاد أساس كل طاعة فإنّ الإنسان لا قيمة لإيمانه إن لم يثمر عملا صالحا إذ بعصيانه وعدم تقيده بالأوامر والنواهي يستحق غضب
الله وعذابه. لكن ما هو الحكم الذي ينطبق عليه؟ هل هو مؤمن رغم تفريطه في الواجبات أم هو كافر كسائر المشركين أم حكمه يختلف عن هذا وذاك؟
(2) حكم مرتكب الكبيرة
أما الأشاعرة فقد رأوا أنه مؤمن عاص بفعله الكبائر باعتبار أن الكفر لا يطلق إلا على غير الموحد (3). وأمّا المعتزلة فقالوا بالمنزلة بين المنزلتين (3) بينما الصفرية يحكمون عليه بالشرك إطلاقا (4).
(1) المودودي: الحضارة الإسلامية أسسها ومبادئها: 293 دار الغلافة والطباعة والنشر. (2) وقد احتجوا على ذلك بأدلة كثيرة منها قوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَتْهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ} [الحجرات: 9]
انظر ابن حزم الفصل 235/ 3.
(3) انظر الإسفراييني: التبصير في الدين 173 وبمثل ذلك قال الشّيعة الإمامية. انظر الطوسي: الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد 233.
(4) انظر أبو عمار: الموجز 119/ 2 فقد ناقش الصفرية في مقالتهم هذه بشيء من التفصيل. (1/73)
صفحة 72
74
قسم الدراسة
وأما الإباضية فقد نفوا عنه الشرك والإيمان في نفس الوقت وأثبتوا له كفر النعمة (1) ذلك أنه ومعنى موحد غير أنه لم يشكر نعمة الله تعالى بل كفر بهذه النعمة بواسطة مخالفته أوامر الله تعالى والإباضية حينما يستعملون هذا المصطلح إنما يستدلون عليه بآيات وأحاديث نذكر منها:
قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97) ولما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم أفي كل عام يا رسول الله؟ قال: «والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لما فعلتموها ولو لم تفعلوا إذا لكفرتم ... ».
قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَتَبِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ} [المائدة: 44].
قوله: «ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة» (3).
قوله: «من أتى امرأة في دبرها أو كاهنا فقد كفر» (4).
(1) لقد حكم عبد الله بن إباض على من سفك الدماء واتبع هواه بغير سنة بالكفر وعبر عن ذلك بكفر النعمة انظر رسالته إلى عبد الملك بن مروان في كتاب العقود الفضية سالم الحارثي 1235 - 1238. (2) الترمذي: تفسير سورة 5، 15 - النسائي: مناسك 1 ـ ابن ماجه: مناسك 2 - ا 2 ـ الدارمي: مناسك 4 ـ ابن حنبل،255/ 1، 291، 371، 372، 508/ 2 - الربيع ابن حبيب الجامع الصحيح
حديث 394.
الدارمي:
(3) مسلم: إيمان 134 - أبو داود سنة 15 - الترمذي: إيمان 9 - ابن ماجه إقامة 77 - ال صلاة 29 - ابن حنبل 370/ 3، 389 - الربيع بن حبيب الجامع الصحيح رقم 303. (4) الترمذي: طهارة 102 - ابن ماجه طهارة 122 - الدارمي: وضوء 114 ـ ابن حنبل 408/ 2، 476 أما الربيع بن حبيب) فلم يخرجه بهذا النص، إنّما أخرج حديث 748 «من أتى رجلًا شهوة من دون النساء أو أتى النساء في إعجازهنّ فقد كفر» الأخبار المقاطيع عن جابر بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أتى عريفا أو كاهنًا أو ساحرًا فصدقه فيما يقول فهو بريء مما أنزل الله
على محمد صلى الله عليه وسلم حديث 971 (1/74)
صفحة 73
كتاب التحف المخزونة
VO
قوله: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض).
وإذا كان الإباضية قد أخذوا بظاهر هذه النّصوص (2) فإنّ كثيرًا من
العلماء
من غير الإباضية حملوها إما على التغليظ وإما على التخصيص باعتبارها خاصة بالمستهترين بأحكام الله أو المنكرين لها (3).
هذه
قال
والجدير بالملاحظة أنَّ بعض العلماء - من غير الإباضية استعملوا أيضا هذا المصطلح مصطلح كفر النعمة) وذلك عند تعرضهم التفسير النصوص وأمثالها فابن حجر يعتبر الكفر قسمين: «كفر شرك» و «كفر نعمة» وذلك عند شرحه لقوله: «أصبح من عبادي مؤمن وكافر فأما من مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب وإما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكواكب» (4). ويفسر ذلك بأن العبد إن اعتقد أنَّ للنّوء صنعا فقد أشرك وإن قال ذلك من قبيل التجربة فقد كفر كفر نعمة» (5).
(1) البخاري: علم،43، حج،132، مغازي،77، أدب،95، حدود 9، فتن 8 ـ مسلم: إيمان 118 ـ 120 أبو داود سنة 15 - الترمذي فتن،28، النسائي تحريم 29 - ابن ماجه: فتن 5 ـ الدارمي:
مناسك 76 ...
(2) انظر الربيع بن حبيب الجامع الصحيح حديث رقم 756، عقيدة أبي سهل: 69 -
عمروس بن فتح: الدينونة الصافية: 7 - المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: 27. (3) انظر الأحوذي عارضة بشرح صحيح الترمذي 79/ 10 ـ الماتريدي: التوحيد 334 ـ ابن حزم الفصل 236/ 3، 237.
(4) الربيع بن حبيب الجامع الصحيح باب في ذكر الشرك والكفر حديث رقم 62. البخاري: أذان 156، استسقاء 28، توحيد 35 - مسلم إيمان 125 ـ الموطأ: استسقاء: 4.
(5) انظر ابن حجر: فتح الباري 523/ 2 524. ولقد علّق أبو ستة على هذا الكلام فقال: «وهو کلام مناسب لما عليه الأصحاب» أبو ستة حاشية الترتيب 97/ 1. (1/75)
صفحة 74
76
قسم الدراسة
الأحاديث
كما أنَّ ابن منظور عند تعداده لأنواع الكفر يورد كثيرًا من ويحملها على كفر النعمة) كذلك الأحوذي في شرحه لصحيح الترمذي
(2)
يقول في تفسير قوله: «من ترك الصلاة فقد كفر» (2) يقول: «أو فقد كفر كفر نعمة البدن كما أن من ترك الزّكاة فقد كفر كفر نعمة المال وقد قال أيما عبد أبق من مواليه فقد كفره (3).
ولئن كان الإباضية قد سمّوا مرتكب الكبيرة كافرا كفر نعمة فقد جوزوا إطلاق الإسلام عليه باعتباره موحدا تجري عليه أحكام المسلمين في الدنيا من موارثة ومناكحة وصلاة عليه سوى ولايته وقبول شهادته (4).
كما أن امحمد اطفيش وإن كان يستعمل هذا المصطلح كغيره من الإباضية ويمنع تسمية الفاسق بالمؤمن على وجه الإطلاق فإنّه يجوز أن يقال في شأنه مؤمن ناقص الإيمان () أو هذه العبارة تعني أنه موحد محقق لبعض أجزاء الإيمان مخلّ بأجزاء أخرى منه ولا يخفى أنَّ هذا الإخلال يخرجه إلى الكفر (كفر النعمة خلافًا لابن حزم الذي استعمل نفس المصطلح (مؤمن ناقص (الإيمان ولم يحكم إطلاقا على الفاسق بالكفر رغم نقصان إيمانه (6).
(1) انظر ابن منظور لسان العرب مادة «كفر».
(2) انظر الترمذي: إيمان 9 - النسائي: صلاة 8 - ابن ماجه إقامة 77 ـ ابن حنبل 346/ 5. (3) الأحوذي عارضة الأحوذي شرح صحيح الترمذي: 79/ 10 والحديث أخرجه مسلم: إيمان 122 ـ ابن حنبل 365/ 4 وبمثل ذلك قال الزيدية انظر الطوسي: الاقتصاد: 233. (4) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول 330 وانظر الرواحي نثار الجوهر 52/ 1. (5) انظر امحمد اطفيش: هميان الزاد 202/ 1.
(6) انظر ابن حزم: الفصل 211/ 3. (1/76)
صفحة 75
كتاب التحف المخزونة
VV
زيادة الإيمان ونقصانه (1)
لقد تباينت آراء العلماء أيضا في هذه المسألة قديمًا وحديثًا إلّا أنَّ أقوالهم جميعا يمكن حصرها في ثلاثة مواقف:
أ ـ الإيمان يزيد وينقص
أما الإباضية فإنّ المغاربة منهم يتبنّون هذا الرأي منذ القرن الرابع للهجرة. فأبو خزر مثلا عند تعرضه لقوله تعالى: {فَأَتَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا) [المائدة: 85] ينبه إلى زيادة الإيمان ونقصانه محتجّا بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَنًا مَّعَ إِيمَنِهِمْ} [الفتح: 4].
والشوفي في القرن السادس يذهب نفس المذهب غير أنه ينفي الزيادة
والنقصان عن التوحيد ذاته لمحدودية خصاله (2).
ان
(1) لم يشر أبو الربيع سليمان بن يخلف إلى هذه القضية رغم طرحها عند بعض علماء الإباضية السابقين (أبو خزر (مثلا) ولعلّه عدّها جزئية لا تستحق الذكر ولربما ترك ذكرها من باب السهو عنها ولا شكّ أنَّ الكتاب لا يمكن أن يستوعب كل مسائل الكلام بشكل تفصيلي. والذي يفهم من التعريف الذي اختاره للإيمان. هو أنه يقول بزيادة الإيمان ونقصانه إذ الإيمان عنده كلّ ما أمر الله به من قول وعمل وبما أن الأمر يتضمن ما أثبته في باب الأمر والنهي - لم يبق إلا أن الوجوب والندب حسب نستنتج | الطاعات كلّها إيمان بل صرّح بذلك في ختام باب الإيمان والكفر فقال: «وبمنّ الله وفضله أن جعل الطاعة كلّها إيمانًا». وقد قسم الطاعة في غير هذا الموضع إلى فريضة ونافلة وإذا كانت النوافل من الإيمان فإنّ النّاس يتفاوتون فيها بل الفرد قد يكثر أحيانًا منها وقد يقلل منها حينا آخر فالإيمان إذن يزداد بكثرة النوافل وينقص بقلتها. والذي يرجح ما استنتجناه هو أن علماء المغرب من الإباضية سواء قبله أو بعده لم يؤثر عنهم القول بخلاف ذلك.
(2) انظر الشوفي: السؤالات 64 وانظر أبو عمار: الموجز 98/ 2. (1/77)
صفحة 76
VA
قسم الدراسة
ومن المتأخرين المنتصرين لهذا الرّأي نجد عالمين ـ أحدهما مشرقي (وهو الشقصي)) والآخر مغربي (وهو امحمد اطفيش) (2) وهذان العالمان وإن كانا متفقين في القول بزيادة الإيمان ونقصانه فإنّهما مختلفان في كيفية ذلك أمّا الشقصي فقد رأى أنَّ الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية والجهل إذ يقول: «فالإيمان اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالجوارح ويزيد بالطاعة والعلم ويضعف بالمعصية والجهل ... والإيمان باطن في القلب وظهور العمل الصالح يدل على زيادته» (3).
وأمّا امحمد اطفيش فإنّ الزّيادة والنقصان عنده متعلقان بالتصديق لا بالعمل إذ الإيمان يقوى بالنظر والتأمل ويضعف بترك التدبّر (4) والناس مراتب في الإيمان إذ تصديقنا ليس كتصديق أبي بكر وتصديقه ليس كتصديق الأنبياء (3).
(1) خميس بن سعيد الشقصي غالب الظَّنّ أنّه من مواليد آخر القرن العاشر وذكره مشهور إلى سنة 1060 هـ في إمامة سلطان بن سيف ثاني إمام اليعاربة أشهر كتبه «منهج الطالبين وبلاغ الراغبين في عشرين جزءا وله كتاب «الإمامة العظمى». انظر الشقصي: منهج الطالبين 7/ 1، 8، من مقدّمة المحقق سالم بن حمد الحارثي وانظر سالم بن حمد الحارثي: العقود
الفضية 260، 279.
(2) امحمد بن يوسف اطفيش الجزائري (1236 - 1332 هـ) (1820 - 1914 م) مفسر وفقيه وأديب. له أكثر من ثلاثمائة مؤلّف من أشهرها «تيسير التفسير» (ط حجرية) في 7 أجزاء «هميان الزاده «الذهب الخالص» (ط) شامل الأصل والفرع» (ط) جزآن «وفاء الضمانة» (ط) جتمع الشمل» (ط) «شرح عقيدة التوحيد» «شرح النيل في 17 جزء (ط) انظر الزركلي:
الأعلام 157/ 156/7.
(3) الشقصي: منهج الطالبين 575/ 1.
(4) انظر امحمد اطفيش: هميان الزاد 207/ 1.
(0) انظر ن م 208/ 1 وانظر الرواحي نثار الجواهر: 54/ 1، 55، فقد تبنى نفس الموقف. (1/78)
صفحة 77
كتاب التحف المخزونة
79
والملاحظ أن رأي الشقصي مطابق لما ذكره ابن حجر حيث يقول: «الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية» (). وموقف امحمد اطفيش موافق لما رواه ابن حجر أيضا عن أحد شيوخه (").
والجدير بالذكر أن كثيرًا من العلماء من غير الإباضية إضافة إلى ما ذكره عن ابن حجر يتبنون نفس المذهب مستدلّين بنصوص من القرآن والسنة وأقوال الصحابة وقد أورد البخاري جانبًا كبيرًا منها (3).
ب ـ الإيمان يزيد ولا ينقص
فقال:
وبه قال
جمهور المشارقة من الإباضيَّة نذكر منهم على الخصوص
عن
ص
أبا سعيد الكدمي (من المتقدمين والسالمي (من المتأخرين) أما أبو سعيد فلم يفصح. رأيه وإنّما اكتفى برواية القول بزيادة الإيمان دون نقصانه أنه قد قيل إيمانه يزيد وليس ينقص لأنه إذا نقص إيمانه ذهب معي إيمانه» (4). وبما أنه لم يورد رواية مخالفة لها أمكن الحكم بترجيحه لهذا القول خاصة وأنه عرضه معللا.
ولقد وافق السالمي أبا سعيد على هذا الموقف بل أعرب عن رأيه دون أي التباس لكنّه فسّر الزيادة بزيادة التكاليف أي كلّما قامت الحجة على المكلف بأمر من أمور الدين فآمن به ازداد إيمانه لأنَّ الأصل في الإيمان
(1) ابن حجر: فتح الباري 46/ 11 وانظر علي عبد المنعم الإيمان كما يصوّره الكتاب والسنة 199 فقد روى نفس الموقف عن أبي القاسم اللالكئي في كتابه شرح اعتقاد أهل السنة
والجماعة حيث ينسب ذلك القول إلى كثير من الصحابة والتابعين.
(2) انظر ن م. (3) البخاري: كتاب الإيمان باب قول النبي: بني الإسلام على خمس (تخريج حديث) وانظر البغدادي: أصول الدين 253 ابن حزم الفصل 197/ 3، 204 ـ عارضة الأحوذي شرح
صحيح الترمذي 84/ 10.
(4) الكدمي: الجامع المفيد 15/ 1. (1/79)
صفحة 78
قسم الدراسة
الإقرار بالجمل الثلاث وكلّما قامت الحجّة بمسألة من مسائل العقيدة وآمن بها المكلف ازداد إيمانه. أما النقصان فغير ممكن عنده لأن ما قامت به الحجة لا يمكن تركه بحال من الأحوال إذ الإخلال به هدم للإيمان كله). والسالمي بعد تقريره لهذا الرأي ينبه إلى أمرين:
جواز استعمال عبارة ناقص الإيمان بالنسبة للمكلف إذا أريد بذلك التعبير عن سقوط بعض الفرائض عنه لعذر من الأعذار وقد جاء في الحديث النساء ناقصات عقل ودين» (3) إذ فسّر نقصان دينهنّ بتركهن الصلاة والصوم أثناء الحيض. لا مانع من القول بتفاوت الإيمان بالنسبة للأفراد لا الفرد الواحد إذ إيمان زيد مثلا ناقص بالنسبة لإيمان عمرو إذا كان زيد قد كلّف بفرائض دون ما كلّف.
به عمرو
(4)
والجدير بالملاحظة أنَّ القول بزيادة الإيمان دون نقصانه لم يتفرد به الإباضية وإنّما قال به أيضا غيرهم من العلماء نذكر منهم على سبيل المثال
مالك بن أنس (4).
ج - الإيمان لا يزيد ولا ينقص:
وهذا القول لم يتبنّه أحد من الإباضيَّة على حد علمنا ـ وإنّما قال به بعض من علماء الأشاعرة كالجويني (5) والرازي) وحجتهم في ذلك أنَّ
(1) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول: 334، 335. (2) خ حيض 16 - زكاة 44 - م إيمان 132 ـ د سنة 15 - ت إيمان 6 ـ جه فتن 19 ـ حم 67/ 2،
373، 374
(3) انظر السالمي: ن م.
(4) انظر علي عبد المنعم الإيمان كما يصوّره الكتاب والسنة: 191.
(5) انظر الجويني: الإرشاد 399، 400.
(6) انظر الرازي: التفسير الكبير. (1/80)
صفحة 79
كتاب التحف المخزونة
الإيمان هو
81
التصديق الجازم وهذا لا يتصوّر فيه الزيادة والتفاصيل ولا
يعتريه النقصان (1).
وبعد استقراء جملة الآراء في هذه المسألة. لنا أنَّ حجج الفريق الأول يتبين هي الأقوى لأنَّ واقع الإنسان يؤكّد أنَّ الإيمان يزداد عند مداومة النظر والتأمل في مخلوقات الله وعظمته والاعتبار بالحوادث ومضاعفة الطاعات والنوافل
وبالعكس من ذلك يضعف عند الغفلة والتخلّي عن الكثير من الفضائل. وإذا كان الاختلاف حاصلًا. بين الإباضية في المسألة الأخيرة دون المسألتين السابقتين لها فماذا يمكن أن يكون موقفهم من قضية الدين والإيمان والإسلام هل هي مصطلحات ذات معان متعدّدة أم أن مدلولها
واحد رغم اختلاف ألفاظها.؟
الدين والإيمان والإسلام
يذهب جمهور الإباضيَّة إلى أنَّ الإيمان والإسلام والدين بمعنى واحد وهو الوفاء بجميع ما جاء به الدين الإسلامي وكلهم قد احتج بما أورده أبو الربيع سليمان بن يخلف من آيات مع تفاوت بينهم في التحليل والربط بينها ودعمها بآيات أخرى وأحاديث نبوية (2).
ولقد خالف في ذلك بعض الإباضيَّة فتبنّوا الاختلاف في مدلولي الإيمان والإسلام فالشقصي مثلا يرى أن الإسلام أعم من الإيمان فكل
(1) لأن احتمال النقصان هو احتمال النقيض واحتمال النقيض في الإيمان شك.
فليس بمؤمن.
ومن
كان شائًا
(2) انظر الجناوني: الوضع 16 - أبو عمار: شرح الجهالات: 311 - السوفي: السؤالات 183 - المحشي حاشية الوضع 44 - السالمي: مشارق أنوار العقول: 329، 330. (1/81)
صفحة 80
82
قسم الدراسة
مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا ولمثل هذا ذهب الباقلاني) من الأشاعرة والشيخ المفيد من الشيعة الإمامية) والمتأمل في هذه المسألة يرى أن كلمتي الإيمان والإسلام - بصفة أخص ـ جاءتا مترادفتين ومتباينتين ومتداخلتين (3).
(4)
أما الترادف فيظهر في قوله تعالى: {إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُسْلِمِينَ) (يونس: 84) وفي قوله: (فَأَخَرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [الذاريات: 35، 36]. وفي قوله: «بني الإسلام على خمس وسئل مرة أخرى عن الإسلام فقال: «أن نشهد أن لا إله إلا الله وتشهد أني رسول الله وتؤمن بالأقدار خيرها وشرها حلوها ومرها» (5). كما ورد عنه أنه قال: «أتدرون ما الإيمان؟ قالوا لا قال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا. رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا الخمس من المغنم). فبالجمع بين هذه الأحاديث يتبين أنَّ الإسلام
مرادف للإيمان.
كما أن الدين مرادف للإسلام والإيمان بدليل قوله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ} [آل عمران: 85] وقوله: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) [آل عمران: 19].
(1) انظر عبد الرحمن بدوي: مذاهب الإسلاميين 627/ 1. (2) انظر محمد علي ناصر: أصول الدين الإسلامي: 7 - 10. وقد وافقه المؤلّف على ذلك وقدم جملة من الأدلة على صحة مذهبه. وبالنسبة للشقصي انظر كتابه: منهج الطالبين 566/ 1.
(3) وهذا هو السبب في اختلاف الأقوال في هذه المسألة. (4) البخاري: إيمان،1، 2، تفسير سورة،2، 30 - مسلم أيمان 19 - 22 الترمذي إيمان 3، النسائي
13 ابن حنبل 26/ 2، 93، 120 364/ 4.
(0) أخرجه بن ماجه مقدّمة 10. (1) أبو داود: سنة 16 حديث رقم 4677. (1/82)
صفحة 81
كتاب التحف المخزونة
83
وأما الاختلاف فيبدو خاصة في قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَنُ فِي قُلُوبِكُمْ) [الحجرات: 13]. ومقتضى الآية أنَّ الإيمان هو التصديق بالقلب والإسلام إظهار الخضوع والاستسلام
كما أن حديث جبريل في الإيمان والإسلام والإحسان) يدلّ على أنَّ الإيمان استعمل بمعنى تصديق القلب والإسلام بمعنى القول والعمل كما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رجلا عطاء ولم يعط آخر فقال له أحد الصحابة تركت فلانًا ولم تعطه وهو مؤمن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مسلم» (2).
وكل هذه النصوص دالة على التغاير بين الإيمان والإسلام في مدلوليهما. وأما التداخل (3) فمنه أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم سئل أي الأعمال أفضل؟ فقال: الإسلام فقيل أي الإسلام أفضل؟ فقال: الإيمان (4).
ولقد بين المحشي والجيطالي () أنَّ هذه الوجوه الثلاثة قد استعملت في
(1) وهو حديث طويل فصل فيه أركان الإيمان والإسلام والإحسان: البخاي إيمان 34، 37، شهادات 26، تفسير سورة 31 ـ مسلم إيمان،5، 7، 8، أبو داود سنة 16 ـ الترمذي إيمان 4 النسائي إيمان،5 6 صلاة 4 - ابن ماجه مقدّمة 9، 10 ابن حنبل 27/ 1 وغيرها من
الصفحات.
(2) مسلم: إيمان 236 ـ أبو داود سنة 15 - النسائي إيمان 7 ابن حنبل 176/ 1. (3) وهو أن يكون أحدهما متضمنا في الآخر. (4) البخاري إيمان 5، 6، 20 - استئذان 9 مسلم إيمان 3، 6، 65 أبو داود أدب 131 النسائي إيمان 11، 12 ابن ماجه أطعمة 1 الدارمي رقاق 4 ـ ابن حنبل 372/ 3.
(0) أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي (ت 752 هـ) أخذ العلم عن أبي موسى عيسى بن عيسى الطرميسي المتوفى سنة 722 هـ. كان هو وعامر الشماخي كفرسي رهان (1/83)
صفحة 82
??
قسم الدراسة
القرآن والحديث تارة بالمعنى اللغوي وتارةً بالمعنى الشرعي فإذا استعمل المعنى اللغوي كان التغاير أو التداخل وإذا أريد المعنى الشرعي كان الترادف. يقول أبو ستة:
«فإذن للترادف والتداخل والتباين وجه صحيح في اللغة وإطلاق
في الشرع».
العلماء والاختلاف بين
في هذه المسألة لم يترتب عليه أي ضرر
بل ساعد على تتبع النصوص وتحليلها ومقارنة بعضها ببعض ولم يكن النقاش في هذا الموضوع محصورًا بين الإباضية وإنّما أثير في مختلف كتب التوحيد والتفسير والحديث وجمهور العلماء يذهب إلى
القول بالترادف (2).
=
من تأليفه «قواعد الإسلام في جزئين (ط) «قناطير الخيرات» في ثلاثة أجزاء (طبعة حجرية) «شرح النونية» (خ) انظر تعليق عبد الرّحمن بكلي على قواعد الإسلام. (1) أبو ستة: حاشية الترتيب 85/ 1 وانظر الجيطالي قناطر الخيرات 283/ 1، 284، 285، وانظر الشقصي: منهج الطالبين 574/ 1) وإن لم يعرض الوجوه الثلاثة فإنّه يقول: ولكل قول أصل يبنى عليه). ويقول الأحوذي في نفيه التفريق بين الإيمان والإسلام: «ولكن وضع للفرق بين من يظهر ما يعتقد وبين من يبطن خلاف ما يعتقد». عارضة الأحوذي على صحيح الترمذي 77/ 10. كما أن ابن حزم يخرج المسألة تخريجًا لطيفا فيوضح أنه إذا قصد بالإسلام خلاف الكفر والفسق فالمسلم هو المؤمن وإذا قصد به مجرد الاستسلام للملة فالمسلم غير المؤمن (انظر كتابه الفصل 226/ 3).
(2) انظر: الماتريدي: التوحيد 394 - 401، الرازي: التفس الكبير 208/ 7، 210/ 25 القاء محاسن التأويل 51472/ 15 يقول في رده على من استدلّ بقوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا ... ) [الحجرات: 13] يقول: «وهذا الاستدلال في غاية الضعف لأن ترادفهما شرعا لا يمنع من إطلاقهما بمعناهما اللغوي في بعض المواضع» وانظر النسفي: العقائد النسفية 184 وانظر محمد علي ناصر: أصول الدين الإسلامي 7 - 10 (فقد نقل عن الشيعة الإمامية وعن الطبرسي قولهم بالترادف). (1/84)
صفحة 83
85
كتاب التحف المخزونة
والملاحظ أن واقع النّاس أنهم لا يفرقون في التسمية بين المسلم والمؤمن فمن أطلقوا عليه اسم «الإيمان أجروا عليه أحكام المسلمين وبذلك يتبين أنَّ المؤمن فإن كان ظاهره مطابقا لباطنه استحق اسم الإيمان والإسلام
المسلم
هو
وإن كان باطنه مخالفًا لظاهره فلا شيء علينا في تسميته بالمؤمن لأننا أمرنا أن نحكم بالظاهر والله يتولّى السرائر. (1/85)
صفحة 84
نفي رؤية الله تعالى
تمهيد
اتفقت الأمة الإسلامية على أنَّ الله خالق وسواه مخلوق والخالق منزّه عن جميع صفات الحوادث قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11]. هذا المنطلق قال الإباضيَّة إنّ الله منزّه عن أن تكون ومن له يد أو وجه أو جسم أو أية جارحة من الجوارح. وبناء على ذلك لم يجوزوا أن يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة واستدلوا على صحة ما اعتقدوه بالعقل
والنقل.
1) الأدلة العقلية:
لقد احتج الإباضية بجملة من الأدلة العقلية نوجزها فيما يلي:
أ ـ عدم توفر شروط الرؤية:
لقد نظروا إلى واقع الرؤية فرأوها مقيدة بشروط تسعة وهي:
سلامة الحاشة ـ كون الشّيء جائز الرّؤية مع حضوره للحاسة ـ مقابلته للباصرة في جهة من الجهات أو كونه في حكم المقابلة كما في المرئي بالمرآة ـ عدم غاية الصغر (1) ـ عدم غاية اللطافة - عدم غاية البعد ـ عدم غاية
(1) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول: 198. (1/86)
صفحة 85
كتاب التحف المخزونة
87
القرب ـ عدم الحجاب الحائل - أن يكون مضيئا بذاته أو بغيره ـ ذلك لأنَّ هذه الشروط لا يمكن أن تتوفّر إلا في. وبما أنّه منزّه عن الجسميّة سم كانت رؤيته مستحيلة.
ب ـ استحالة التحيّز والإحاطة
يراه
إن الناظر لا يخلو من أن يرى الله في كل مكان أو يراه في مكان دون آخر فإن كان يراه في مكان دون مكان فهو محدود كالمخلوق وإن كان في كل مكان فالمخلوق أعظم من الخالق لأنه يناله ببصره أينما كان. كما أنَّ الناظر لا يخلو من أن يراه فلا يخفى منه شيء أو يخفى عليه منه شيء فإن كان لا يخفى عليه منه شيء فهو محيط به من كل جانب فالمحاط محدود وهذا باطل وإن كان يخفى عليه منه شيء فالذي يخفى عليه غير الذي لم يخف عليه وهذا يقتضي التغاير الذي صفة للمحدود).
هو
وإذا كان المثبتون للرؤية قد أجازوها عقلا على أساس أنَّ كلّ موجود يصح أن يرى (2) أو على أساس أنَّ الله يقوي في الناظر حاسة البصر (3) أو أنه يخلق له حاسة سادسة فيراه بها (4) أو أنّه يراه بلا كيف (5) فإنّ النّافين للرؤية قد ناقشوا كل هذه الأدلة وضعفوها ورأوا وجوب الإعراض عنها صفحا لشدّة ضعفها.
(1) انظر: الشقصي: منهج الطالبين 411/ 1.
(2) انظر: الايجي: المواقف 302. (3) انظر: الأشعري: الإبانة: 16.
(4) انظر ابن حزم الفصل 4/ 3 وتقول عزّة عبد المنعم في الرّدّ على هذا الدليل:» ... فهذا أمر
افتراضي وتخيّلي ذهب إليه بعض أهل السنة دون دليل عقلي يثبته أو دليل نقلي يؤيده والعقائد لا تبنى على الافتراض بل على الثبوت واليقين» رؤية الله تعالى بين ا المثبتين
والنافين: 72.
(0) انظر الجعبيري: الأطروحة ص 277 فقد أورد قول أصحاب البلكفة والردّ عليهم. (1/87)
صفحة 86
88
قسم الدراسة
والحقيقة أن الأدلة العقلية - نفيًا أو إثباتا - مهما قويت فإنّها لا يمكن أن تكون حجة للنافين أو المثبتين لأنَّ المسألة عقدية لا تثبت إلّا بالدليل القطعي يقول السدويكشي: «وقد ضعف دليل العقل من الجانبين (أي جانب الإباضية وجانب غيرهم) ولم يبق إلا الدليل النقلي).
(2) الأدلة النقلية
أما الأحاديث النبوية فهي متعارضة في هذا الموضوع (2) وفضلا عن ذلك فهي أخبار آحاد لا يتأتى الاعتماد عليها يقول الجويني في موضوع الصفات: «الأحاديث التي يتمسكون بها آحاد لا تفضي إلى العلم ولو أضربنا عن جميعها لكان سائغا ("). وإذا كان الأمر كذلك فإنّ التعويل في الاستدلال لا يكون إلا على النص القطعي ونحن في هذا المجال نكتفي بإيراد حجتين من القرآن الكريم:
الحجة الأولى:
قوله تعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)
[الأنعام: 103]. والبحث في هذه الآية من عدة وجوه أهمها:
أ ـ الآية لا تفيد الإحاطة تقول العرب أدركت حياة فلان أي ولدت في الزمن الأخير من حياته كما تسمى المطر المتوالي متداركا للدلالة على تلاحق الديم. وقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا أَذَارَكُوا فِيهَا} [الأعراف: 38] وقول القائل «أدركه السهم لا دلالة فيهما على الإحاطة فالإحاطة إذن ليست الحقيقي للإدراك وإنّما هي معنى مجازي له لا ينتقل إليه إلا بقرينة ولا قرينة
(1) التدويكشي حاشية على الديانات 2 وانظر الماتريدي: التوحيد 77. (2) فيما يخص الأحاديث المثبتة للرؤية انظر: عزّة عبد المنعم رؤية الله 49 - 52 وفيما يتعلّق بالأحاديث المعارضة لها انظر ن م ص: 74. (3) الجويني: الإرشاد 161.
هي
المعنى
بين المثبتين والنافين: (1/88)
صفحة 87
كتاب التحف المخزونة
89
في هذه الآية توجب صرف المعنى الحقيقي (وهو الإبصار) إلى المعنى المجازي (وهو الإحاطة (1)).
ب ـ الآية تفيد عموم التلب: فالألف واللام في لفظ «الأبصار» تفيد الاستغراق والعموم الشمولي وبذلك يصير معنى الآية: لا تدركه جميع
الأبصار سواء بذلك أبصار المؤمنين أو أبصار الكافرين (2).
ج - الآية تفيد المدح: إذ الآيات السابقة (3) في نفي الولد والصاحبة عن الله تعالى وذلك مدحة له كذلك هذه الآية مدحة له وما كان مدحًا لله لا يجوز زواله عنه واتصافه بضده (4).
(4)
ولقد عرض الايجي هذه الوجوه الثلاثة وتولّى الرّدّ عليها من عدة جوانب (ه) وبالمقابل نجد الجعبيري قد حلّل هذه الآية تحليلا ضافيا عرض
فيه تفسيرات الإباضيَّة للآية ومختلف الاعتراضات والردود).
الحجة الثانية:
قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَيْنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ، قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَينِي وَلَكِن أَنظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ, فَسَوْفَ تَرَينِي فَلَمَّا تَجَلَّى
(1) انظر أحمد بن حمد الخليلي في تعليقه على كتاب مشارق أنوار العقول للسالمي ص 202، 203. (2) انظر أمحمد اطفيش تيسير التفسير،372/ 2 عبيد إبراهيم جواب سؤال لبعض المالكية: 20. (3) قال تعالى: {بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام: 101].
(4) انظر التدويكشي: حاشية على الديانات 2 وانظر الجصاص أحكام القرآن 514/ 3 فقد وافق الإباضية في إثبات هذه الوجوه الثلاثة بنفس الطريقة.
(5) انظر الايجي: المواقف 308، 309. (6) انظر الجعبيري: التراث الإباضي: 280 - 288 وانظر عزّة عبد المنعم: رؤية الله تعالى بين المثبتين والنافين 69 - 64. (1/89)
صفحة 88
قسم الدراسة
ربه الجيل جعله دَكَّا وَخَرٌ مُوسَى صَعِقَا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَنَكَ تُبْتُ
إلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143].
عن
أن
قال الإباضيَّة إن «لن» تفيد هنا التأبيد والقرينة هي تنزيه الله تدركه الحواس لأنه ليس بجسم مستقر في مكان حتى تستطيع حاشة البصر رؤيته. ومثاله في التأبيد ما جاء في قوله تعالى: {لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} [الحج: 73]. وأما ما احتج به الأشاعرة في هذه الآية على إمكان الرؤية بسبب طلبها من قبل موسى فقد ردّه إنما كان إقامة للحجة على قومه وتأكيدا على
الإباضية مثبتين أنَّ الطل ب
استحالتها (2).
وما قيل من أن الرؤية ممكنة بسبب تعليقها بأمر ممكن (وهو استقرار الجبل) فقد ردّ عليه بأن استقرار الجبل مستحيل في علم الله والتعليق بالمستحيل مستحيل (3).
وأما الدليل النقلي الرئيسي الذي احتج به الأشاعرة على وقوع الرؤية يوم القيامة هو قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَذٍ نَاضِرَةُ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة: 22،: 23] فلم يعتبره الإباضية حجّة داحضة لمذهبهم استنادا إلى دلالات النظر المختلفة في اللغة والتي من أهمها الانتظار. ولقد أورد الربيع بن حبيب في مسنده روايات متعدّدة عن الصحابة والتابعين في تفسير هذه الآية (4) ثم عقب عليها بتحليل لغوي يؤكّد صحة هذا التفسير مبينا أنَّ النظر بمعنى الانتظار وارد في القرآن الكريم وفي استعمالات العرب من ذلك
(1) انظر المصعبي: حاشية علي تبغورين 88.
(2) انظر الجعبيري: التراث الإباضي 308 - 309.
(3) انظر عزّة عبد المنعم رؤية الله تعالى بين المثبتين والنافين: 39 - 42. (4) انظر الربيع بن حبيب الجامع الصحيح: باب 17 أو باب 18 ج 3. (1/90)
صفحة 89
كتاب التحف المخزونة
91
قول الله تعالى: {وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً) [ص: 15] وقول القائل: إنما أنظر إلى الله ثم إليك (1) وفي نفس النسق يمضي الوارجلاني والشماخي والسالمي مبينين معاني النظر في اللغة ومستدلين عليها بنصوص من القرآن وأشعار العرب (2).
وما ذكره البغدادي أن نظر الانتظار لا يقرن بحرف «إلى» فقد ردّ عليه بقوله تعالى: {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة) ويقول الشاعر:
وجوه يوم بدر ناظرات إلى الرحمن يأتي بالفلاح
ويقول الشاعر:
وجوه بها ليل الحجازي على الهوى إلى ملك ركن المعارف ناظرة (3)
كما احتج الإباضية على منع الرؤية الحسّيّة بأن سياق الآيات هو ذكر الثواب والعقاب فلفظ «ناضرة» يقابله لفظ «باسرة» ولفظ ناظرة (بمعنى منتظرة القواب يقابله لفظ فاقرة (بمعنى متوقعة أمرًا فظيعا يقصم فقار الظهر) ولو كان النظر بمعنى الرؤية لكان من المناسب أن يذكر بعد ذلك حرمان الكافر من الرؤية (4).
وأما بقية الآيات التي تمسك بها الأشاعرة في إثبات الرؤية فقد أوّلها الإباضية على النحو التالي:
(1) انظر: الربيع بن حبيب الجامع الصحيح: باب 19 حديث رقم 859.
(2) انظر: الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 1، 78/ 1 79 - الشماخي: الرد على الغدامسي 21 - انظر السالمي: المشارق 191 - 193 (غير أنه فسّر الرؤية الواردة في الأحاديث على فرض
صحتها فترها بالعلم).
(3) انظر أحمد بن حمد الخليلي في تعليقه على كتاب المشارق للسالمي تع 1 ص 193. (4) انظر المصبي: حاشية على تبغورين 84. (1/91)
صفحة 90
92
قسم الدراسة
أ - قوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَذٍ مَحْجُوبُونَ) [المطففين: 15]: قالوا
المحجوب عنه جنته ومنعوا الحجاب الحسّي لما يقتضيه من الجهة الله
تعالى وما قاله الأشاعرة من أنَّ
أعدائه
عن رؤيته يفيد تجليه
لأوليائه لم يقبله الإباضية على أساس أنه استدلال بمفهوم مرفوض في الاعتقاديات).
المخالفة وهو
ب ـ قوله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلَقُوا رَبِّهِمْ} [البقرة: 46] قالوا: المقصود باللقاء هنا البعث ومنعوا تفسير اللقاء بالرؤية لأنَّ ذلك مجاز لا يصار إليه إلّا بالدليل بل الدليل على خلافه وذلك لاشتراك المؤمن والكافر في اللقاء قال تعالى: {يَتَأَيُّهَا الْإِنسَنُ إِنَّكَ كَادِعُ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَقِيهِ} [الانشقاق: 6] (2).
ج - قوله تعالى: {عَلَى الْأَرَابِكِ يَنظُرُونَ} [المطففين: 23] قالوا لم يذكر المنظور في الآية فلماذا يفسر بالنظر إلى الله تعالى؟ بل جاء في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِمَما ومُلكًا كَبِيرًا) الإنسان: 20] ما يدل على أنهم ينظرون إلى ما أعد لهم من خيرات (3).
د.
د - قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةُ) [يونس: 26] قالوا المقصود بالزيادة زيادة القواب والنعيم لأنَّ الزّيادة لا تكون إلا من جنس المزيد عليه ولذلك رفضوا تفسير الزيادة بالنظر إلى الله تعالى (4).
(1) انظر السالمي: المشارق 194.
(2) ن م الصفحة.
(3) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول: 194، 195.
(4) انظر م: 193. (1/92)
صفحة 91
كتاب التحف المخزونة
93
وبعد عرض موجز لمختلف التحليلات والمناقشات في هذا الموضوع نتبين أنَّ القول بنفي الرؤية إنّما منطلقه تنزيه الله تعالى عن كلّ مظاهر التجسيم وهذا الأمر هو الذي دعا مثبتي الرؤية إلى اعتبارها بلا
كيف أو تأويلها بالعلم.
(1) انظر الغزالي: إحياء علوم الدين،187/ 1، الجصاص: 5/ 3. غير أن الغزالي يبدو أنه متردّد في ذلك فمرة يفسّر الرؤية بأنها نوع من العلم ومرة يصرح بأنه تعالى مرئي بالأعين في الآخرة. بالنسبة للمعتزلة انظر القاضي عبد الجبّار: المغني: 32/ 4 وما بعدها. وبالنسبة للشيعة انظر: محمد علي ناصر: أصول الدين الإسلامي.112/ 111. وبالنسبة للإباضية انظر إلى جانب المصادر المذكورة دائمًا: أبو عمار: الموجز 1. (1/93)
صفحة 92
خلق القرآن
لقد أخذت قضية كلام الله وخلق القرآن صدى واسعا وشأنًا كبيرًا في الأوساط الإسلامية عبر التاريخ، ولم تقف عند حدود الجدل الكلامي بل تجاوزت إلى العنف والتعذيب في بعض الأطوار. وهذا ما جعل بعض هذه القضية ويعتبرها من المسائل المعضلة التي حار فيها
العلماء يهوّل من المتكلمون واضطرب فيها أهل الأرض"".
وسبب الاختلاف في هذا المجال راجع إلى أصول ثلاثة:
1 - أصل لغوي: ويتمثل في علاقة اللفظ بالمعنى هل اللفظ هو الأساس أم المعنى؟ وللجواب على هذا السؤال ظهرت أربعة مواقف:
أ - اللفظ هو الأساس وحينئذ قال أصحاب هذا الفريق بالخلق. ب ـ المعنى وما يجول في النفس هو الأساس ونتج عن ذلك القول
بالقدم.
ج - الجمع بين الموقفين السابقين باعتبار أن اللفظ مخلوق والمعنى قديم.
(1) مثال ذلك الفتنة التي تعرض لها أحمد ابن حنبل وهي مشهورة في كتب التاريخ. (2) انظر ابن تميمة: الفتاوى الكبرى 315 و نظر مقابل دست تبغورين: أصول الدين 63 فهو يقول: «إن كان بعض الناس يقينون مسـ فيه مندمون وإنما يحار فيها من قل
فهمه وضاق صدره. (1/94)
صفحة 93
95
كتاب التحف المخزونة
2?
د-
التوقف والإمساك عن الجواب على هذا السؤال على أساس أن القرآن كلام الله وصحيحه وتنزيله بقطع النظر عن كونه مخلوق أو غير مخلوق.
أصل فلسفي وذلك راجع إلى الاختلاف في أي الأمرين أسبق الفكر أم اللغة فالقائلون بأسبقية الفكر ذهبوا إلى أنَّ القرآن قديم.
والقائلون بأسبقية اللغة سنّوا فكرة الخلق.
- أصل كلامي: ذلك أن الاختلاف في الصفات هل هي عين الذات أو لا ترتب عليه الاختلاف في هذه المسألة:
فالذين قالوا عين الذات حكموا بخلق القرآن.
هي
- والذين قالوا هي غير الذات ذهبوا إلى أنه غير مخلوق). وإذا كانت هذه هي القضية فمتى نشأ الخوض وما علاقة ذلك بالإباضية ومواقفهم منها؟. أما من حيث الإطار العام للقضيّة فإنّ البصرة والكوفة كانتا مسرحًا لهذا الحدث ذلك أنَّ أبا شاكر الديصاني (2) كان قد ألقى بين الناس فكرة جديدة استوحاها من قوله بقدم الأشياء وتتمثل هذه الفكرة في اعتبار القرآن قديمًا. ولمّا صارت المشكلة مطروحة للنقاش أدلى كلّ عالم بدلوه فاختلفت وجهات النظر وأسفرت عن نزاعات كلامية في
الأسباب الرئيسية للاختلاف بين المسلمين في هذه
الموضوع.
وأما من حيث الإطار الخاص فإنّ الإباضية قد نقلت إليهم المسألة من البصرة التي كانت مقصدا للمتعلمين من إباضية المشرق والمغرب في نفس
(1) انظر الجعبيري: التراث الإباضي 363 - 365. (2) يهودي تظاهر بالإسلام لأجل الدّس وإلقاء الفتنة بين المسلمين انظر السالمي: 105. (1/95)
صفحة 94
96
قسم الدراسة
الوقت ففي عُمان لما كثر الحوار بين الناس في هذا الموضوع اجتمع العلماء وبعد أخذ وردّ وقع الاتفاق بصفة نهائية على ترك الخوض في هذا الموضوع ذلك والاكتفاء بالقول إنّ الله خالق كل شيء والقرآن كلام الله ووحيه ومع أمروا بالتشديد على من يقول بالخلق).
(1)
وفي بلاد المغرب شاع القول بخلق القرآن منذ إمامة أبي اليقظان الرستمي (241 - 281 هـ) (3) ولم يذهب أحد من علماء الإباضية هنالك إلى القول بالقدم إلا ما ذكر. عن عبد الله بن يزيد الفزاري (3) أنه يميل إلى ذلك غير أنه لم يكن لقوله هذا أي أثر في البيئة الإباضية.
والمتتبع لآراء الإباضية في هذا الموضوع سواء في المشرق أم في المغرب
يجدها محصورة في خمسة مواقف:
أ - القرآن مخلوق وهو قول المغاربة وجمهور المشارقة.
ب ـ القرآن قديم وأبرز من قال به القلهاتي. ج - التوقف دون قطع عذر القائلين بالخلق أو القدم وهو قول محمد بن
(3) عبد الله
(1) انظر السالمي. (2) لقد ألف رسالة في هذا الغرض وهي مطبوعة في آخر كتاب الجواهر للبرادي من (183 - (200) وهو محمد بن أفلج بن عبد الوهاب (241 - 281 هـ) خامس الأئمة الرستميين. ولد ونشأ في تاهرت أيام إمارة أبيه. له رصيد علمي وافر. انظر الزركلي: الأعلام 265/ 6. بن يزيد الفزاري من علماء القرن الثالث وأواخر القرن الثاني. عاش في الكوفة كان متكلّما وهو الذي أظهر مقالات النّكار وألّف فيها كتبا متعدّدة من تأليفه «كتاب التوحيد» كتاب الرد على المعتزلة» كتاب الرّدّ على الرافضة» كتاب الاستطاعة» وقد ذكر عمرو خليفة النامي أنه عثر على قطعة مخطوطة لإحدى مؤلّفاته تحمل عنوان كتاب الردود. انظر عمرو خليفة النامي: أجوبة ابن خلفون: 115. (4) أبو عبد الله محمد بن محبوب بن الرّحيل بن هبيرة القرشي (ت 260 هـ) أقام بمكة ثم انتقل: (1/96)
صفحة 95
كتاب التحف المخزونة
97
د - الاكتفاء بالإجمال دون التفصيل وذلك بأن نقول: الله خالق كل شيء وما سواه مخلوق والقرآن كلامه ووحيه وتنزيله وهو قول محمد ابن هاشم وغيره من المشارقة.
(1)
هـ
القرآن كلام الله وليس صفة فعلية ولا ذاتية وهو قول أبي عليّ موسى بن علي).
ورغم الاختلاف الواقع بين الإباضيَّة في هذا الموضوع فإنّ المتأخرين منهم شرقا وغربا قد أجمعوا على القول بخلق القرآن واعتبروا الخلاف الحاصل خلافًا جزئيا والتمسوا له الأعذار. فالسالمي مثلا يري أنَّ القائلين بالقدم إنّما أرادوا إثبات صفة نفي الخرس عن الله تعالى وهي بلا شك صفة أزلية لخالق الوجود (3). وامحمد اطفيش يحمل قول بعض أهل عمان بقدم القرآن على أنَّ مقصدهم إثبات علم الله بالقرآن إجمالا وتفصيلا لفظا ومعنى) ومن بعده أبو إسحاق اطفيش (0) يؤكّد على التقارب بين القائلين بالخلق ويبين
(4)
إلى عمان وبها توفّي في صحار. كان إمام أهل الحل والعقد الذين نصبوا الإمام الصلت بن مالك (238 - (272 هـ) له كتاب الجامع في أكثر من سبعين جزءا. انظر عبد الرحمن بكلي: تحقيق كتاب قواعد الإسلام. وانظر عمرو خليفة النامي: أجوبة ابن خلفون 112 (1) محمد بن هاشم بن غيلان من علماء الإباضيَّة في القرن الثاني من أهل سيجا من أعمال سمائل وقبره عند قبر أبيه أبي الوليد هاشم بن غيلان انظر عبد المنعم عامر في تحقيقه
لكتاب الجامع لابن جعفر: تع
(1)
ص ??? من
الجزء الأول.
(2) أبي علي موسى بن علي بن عزرة الأزكوي (ت (230 هـ) من علماء الإباضية المشارقة في القرن الثاني عاش زمن الإمام عبد الملك بن حميد الذي ولّي الإمامة ما بين 207 و 226 هـ. وأدرك إمامة المهنا بن جيفر الذي بويع 226 هـ. انظر سالم بن حمد الحارثي: العقود الفضية
254، 255
(3) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول 245، 246.
(4) انظر امحمد اطفيش: شرح الدعائم 223/ 1، 224.
(0) أبو إسحاق إبراهيم اطفيش (1305 - 1385 هـ) حفظ القرآن على شيخه عم والده محمد بن = (1/97)
صفحة 96
98
قسم الدراسة
أنَّ الأوائل نظروا إلى أنَّ القرآن علمه وصفته وكلامه بينما نظر الآخرون إلى المكتوب في المصاحف والمتلو بالألسن والمحفوظ في الصدور فحكموا
عليه بالحدث).
عصر
ومهما دار من خلاف في هذه القضيّة بين علماء الإسلام فالظاهر أنَّ هذه المسألة ليست من المسائل التي تعبّدنا الله بها إذ إنها ليست مما جاء فيها دليل قاطع يوجب القول بالخلق أو القدم بل أنَّ القضية لم تطرح للنقاش في التشريع ولا في عصر الصحابة وصدق السيابي (2) حين قال: «أنا إلى الآن لا علم لي فيه أنه مخلوق أو قديم إذ لم أجد فيه نصا أتبعه فيكون حجة علي وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبلغني عنه أنه قال فيه شيئًا وكذا الخلفاء الراشدون وكذلك مضى قرن الصحابة والتابعين ولم يقولوا شيئًا في ذلك فنحن يكفينا ما كفاهم ويسعنا ما التكلّف» (3).
والكف خير من
وسعهم
=
يوسف ولازمه إلى أن توفّي سنة 1332 هـ فانتقل إلى تونس فدرس بجامع الزيتونة ثم توجه إلى القاهرة عام 1340 هـ فأنشأ مجلة المنهاج وصنّف كتابه «الدّعاية إلى سبيل المؤمنين» (ط) وعمل بدار الكتب المصرية فشارك في تحقيق بعض الكتب كتفسير القرطبي توفّي بالقاهرة سنة 1385 هـ انظر الزركلي: الأعلام 73/ 1.
(1) انظر تعليق لأبي إسحاق اطفيش على شرح عقيدة التوحيد لا محمد اطفيش. (2) خلفان بن جميل السيابي (ت (1392 هـ) هو أبو يحيى خلفان بن جميل بن مهيل السيابي الشمائلي من أشهر شيوخه نور الدين السالمي. اشتغل مدرّسًا ثم قاضيا ثم عكف على التأليف. من أشهر تأليفه سلك الدرر الحاوي غرر الأثر» (ط) 28 ألف بيت في جزئين وكتاب جلاء العمى منظومة ميمية مع شرحها في الدّماء والجروح «كتاب فصول الأصول» في أصول الفقه كتاب فصل الخطاب في المسألة والجواب». من مقدمة الجزء الأول من
كتاب فصل الخطاب. (3) السيابي: فصل الخطاب: 10/ 1. (1/98)
صفحة 97
نظرية المعرفة
الصحف الكون
تعريف العلم والفرق بينه وبين المعرفة
تمهيد:
إن المتأمل في الفلسفة كبرى ثلاث:
وموضوعاتها وأقسامها يجدها تدور حول مسائل
أ - فلسفة الوجود وهي التي تبحث في الوجود من حيث مصدره وأحواله وماله ويسمى هذا القسم من الفلسفة بمبحث الأنطلوجيا.
ب
-
فلسفة القيم الأخلاقية وهي التي يطلق عليها مصطلح الأسيلوجيا.
ج - فلسفة المعرفة: وهي المسماة بالابستمولوجيا.
وهذا المبحث الأخير يعدّ قضيّة جوهرية في الفلسفة ولذلك اهتم به القدامى والمحدثون اهتمامًا خاصًا وتناولوه من جوانب متعدّدة نذكر منها:
النظر في مصدر العلم الإنساني ووسائله ومقاييسه.
كشف العلاقة الذات بين العارفة والموضوع الذي يراد معرفته.
البحث في إمكان المعرفة وحدودها).
(1) انظر بو عزيزي نظرية المعرفة 3 - 5. (1/99)
صفحة 98
قسم الدراسة
والجدير بالذكر أنَّ هذا المبحث مرتبط ارتباطا وثيقا بفلسفة الوجود لأنه يدور حول إمكانية معرف رفة هذا الوجود ووسائل إدراكه ومن هذا المنطلق تعدّدت تعريفات نظرية المعرفة فقال قوم: «هي البحث في صفحة المعرفة» وقال قوم: «هي البحث في صحة معرفة الأشياء وحدودها وعلاقاتها بحقائق الأشياء» وقال آخرون: «هي النظر في مطلق العلم».
(2)
ولقد بحثت مسألة المعرفة من جوانبها المتعدّدة منذ العهد اليوناني ولما شغف المسلمون بترجمة المعارف اليونانية كانت هذه المسألة من أهم القضايا التي نقلت إليهم فتناولوها بالدّراسة والتحليل وصبغوها بالصبغة الإسلامية غير أنَّ أوّل من حلّل هذه القضيّة تحليلا مستفيضا هو القاضي
عبد الجبار فقد خصص لهذا الموضوع كتابًا كاملا (3) ثم تبعه بعد ذلك العلماء فصار باب العلم والنظر مقدّمة لكلّ كتاب في أصول الدين))
(4)
ومن أهم عوامل بحث علماء المسلمين في هذا الموضوع، إلى جانب ما ذكرنا ـ هو تركيز الإسلام على العلم والمعرفة وحثّه على العناية بهما ورفعه من شأن العلماء فقد قال عزّ وعلا: وَهَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [الزمر: 9) وقال: {إِنَّمَا يَخشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَموا} [فاطر: 28 (9)
(1) النظر ن م 5، 137، 140.
(2) فقد بحثت من قبل سقراط وأفلاطون وأرسطو والزواتيين والأبيقوريين. انظر ن م 156. (3) وهو الجزء الثاني عشر ويقع في 532 صفحة من الحجم الكبير دون الفهرس وهو تحت
عنوان «النظر والمعارف
(4) في الركن الأول من كتاب محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من الفلاسفة في العلم والنظر، وكذلك الموقف الأول من كتاب المواقف للإيجي وكذلك القسم الأول من كتاب مشارق أنوار العقول للسالمي وهكذا. (5) وانظر العلق 1 - 5، الرحمن 1 - 4، الزمر 9، المجادلة،11 آل عمران 18، فاطر 28، البقرة
31 - 34 (1/100)
صفحة 99
كتاب التحف المخزونة
1.1
ولا أدل على رفع الإسلام من منزلة العلم من ذكره في القرآن حوالي خمسين
وثمانمائة مرّة).
ولقد بالغ العلماء في هذا العصر في التركيز على نظرية المعرفة إلى حدّ أنهم عدوها نصف الفلسفة بل صارت هدفًا لا وسيلة وكان من الأنسب أن توظف هذه النظرية في البحث عن الوسائل المؤدية إلى تحقيق أهداف
الإنسان وآماله (2).
وإذا كانت للعلم هذه المنزلة عندهم فما هي حقيقته وما الفرق بينه
وبين المعرفة؟
1) مفهوم العلم:
أ - لغة: يقال علم الشّيء علمًا أي عرفه وعلم الشيء بمعنى شعر به وعلم الأمر وتعلمه أتقنه (3).
والعلم نقيض الجهل وهو من العلامة أي الأمارة ومنه معلم الأرض
والقوب).
ب - اصطلاحا: لقد وردت تعريفات كثيرة للعلم ذكر منها: سليمان بن يخلف فقال: «هو الدّرك والإحاطة والاستبانة» وفسّر الاستبانة بعدم الخفاء (ه).
(1) انظر بو عزيزي نظرية المعرفة عند الرازي 160.
(2) انظر عبد الحليم محمد: التوحيد الخالص 175.
(3) انظر ابن منظور: لسان العرب مادة «علم»، الفيروزآبادي القاموس المحيط 13/ 4، أحمد
الزاوي: ترتيب القاموس المحيط 301/ 3.
(4) انظر ابن سيده المخصص 28/ 3، 29.
(5) انظر بن يخلف: التحف ص 145. (1/101)
صفحة 100
102
قسم الدراسة
والسالمي ينقل عن الفرسطائي تصحيحه لهذا التعريف (1). كما أن الإيجي يشير إلى أن هذا التعريف هو أحد قولي الأشعري لكنّه يرده لما فيه من دور ولكون الإدراك مجاز عن العلم ويرى أن عبارة «على ما هو به» زائدة لأنَّ الإدراك لا يكون إلّا كذلك (). والحقيقة أن هذه العبارة ليست زائدة لأنَّ المقصود منها إثبات مطابقة الواقع إذ قد يكون الإدراك مخالفا للواقع فلا يسمّى علمًا.
(3)
التعريف الثاني: «هو معرفة المعلوم على ما هو به»: وهو التعريف المختار لدى كل من الجويني (3) والباقلاني (4) وقد عد عبد الرحمن بدوي هذا التعريف جامعا مانعا وبين أنَّ الغرض من العدول عن استعمال لفظ «الشّيء» ضمان شمول التعريف للموجود والمعدوم (5) غير أن البرادي والإيجي والغزالي لم يرتضوا هذا التعريف وكلّ منهم قد
نقده من زاوية:
أما البرادي فقد اكتفى بالإشارة إلى أنه تعريف غير سديد (6) وأمّا الغزالي فقد رأى أنه تطويل لا يخرج عن كونه تكرير ألفاظ بذكر ما يرادفها كقولنا الموجود هو الشيء الذي له وجود أو الأسد هو الليث ثم اعتبره أضعف أنواع الحدود (). وأما الإيجي فقد حكم على هذا التعريف بأنه
(1) انظر السالمي: بهجة الأنوار 14/ 1.
(2) انظر الإيجي: المواقف: 10 (3) انظر الجويني: الإرشاد 12، 13.
(4) انظر الإيجي: المواقف: 10 نقلا عن الباقلاني.
(5) لأن الشيء هو الموجود والمعدوم ليس بشيء عند الأشاعرة. انظر بدوي
الإسلاميين 596/ 1.
مذاهب
(6) لم يعلّل ذلك لأن الغرض من الرسالة الاختصار والاقتصار على التعريفات انظر رسالته: (7) انظر الغزالي: المستصفى 24/ 1. (1/102)
صفحة 101
كتاب التحف المخزونة
103
غير جامع لأنه لا يشمل علم الله إذ لا يسمّى علمه تعالى معرفة). ولأجل ذلك استبدل السالمي لفظ المعرفة بلفظ «صفة» فقال: «صفة يتجلّى بها المعلوم على ما هو عليه» (2).
- التعريف الثالث: هو اعتقاد الشيء على ما هو به» وقد اختار هذا التعريف بعض المعتزلة والإباضية (3) وقد نوقش هذا التعريف من عدة جوانب خاصة من ناحية استعمال لفظ «الاعتقاد» ذلك أنَّ المقلّد معتقد وهو في الحقيقة ليس بعالم قطعا (4) كما أنَّ الله تعالى عالم لكنه غير معتقد (5).
وأما من أضاف إلى هذا التعريف عبارة مع توطين النفس فمعارض بأنَّ المقلّد أيضا تسكن نفسه إلى ما اعتقده وهو غير عالم.
وأما ما زاده بعض المعتزلة - كالجبائي - من عبارة «إذا وقع ضرورة أو نظرا» فهو مردود أيضا لأن العلم بعدم الشريك الله والعلم بالمستحيلات كلّ ذلك علم غير أنه ليس علما بشيء.
ولقد ناقش القاضي عبد الجبار التعريف الأخير بإضافاته وانتهى إلى «المعنى الذي يقتضي سكون نفس العالم إلى
أن أحسن تعريف للعلم. هو
ما تناوله» (6).
(1) انظر الإيجي: المواقف: 10.
(2) انظر السالمي: المشارق: 37 ولعله اقتبسه من تعريف البخاري في كتابه كشف الأسرار. (7/ 1) إذ يقول: «هو صفة يتجلّى بها المذكور لمن قامت هي به». من المعتزلة فنذكر الكعبي وأمّا من الإباضية فنذكر: أبو عمار (الموجز: 21/ 2) والثلاتي
(3) أما
(شرح العقيدة المباركة: 19).
(4) انظر الغزالي المستصفى 25/ 1، 26، إذ قد يعتقد الشيء على ما هو به عن غير بصيرة. (5) انظر البغدادي: أصول الدين: 5، 6.
(6) انظر القاضي عبد الجابّار: المغني 13/ 12 وبمثل ذلك قال الطوسي يشير إلى أن الاعتقاد
= (1/103)
صفحة 102
1.2
قسم الدراسة
وأما المحشي والسالمي والشقصي والإيجي فقد رأوا جميعا أنَّ العلم هو «صفة توجب الموصفها تميزا لا يحتمل النقيض» (1).
ومهما تعددت تعريفات العلم) فإنّها تتسم بالنقصان وذلك لصعوبة تحديده على الوجه الدقيق بعبارة جامعة ومانعة وهذا ما جعل بعض العلماء يصرح بأن العلم لا حد له (3). ولا ريب أنَّ التعريفات المتنوعة للعلم تتكامل فيما بينها ولا غضاضة في تعرّض كلّ منها على حدة للنقد ولقد أدرك الغزالي عسر التحديد الدقيق فالتجأ إلى شرح معناه عن طريق التقسيم والمثال. أما التقسيم فيكون بتمييزه عن غيره كالجهل والشك والاعتقاد) (4)
لا يجب ذكره في الحد وإنّما يقتصر على سكون النفس انظر الطوسي: الاقتصاد غيما يتعلق بالاعتقاد: 155، 156. (1) انظر المحشي: حاشية الوضع 91 السالمي المشارق 37 (نقلا عن الشماخي)، الشقصي: منهج الطالبين 18/ 1، الإيجي: المواقف 11 (مع ملاحظة اختلافات طفيفة في
الألفاظ)
(2) اقتصرنا على ذكر أهم التعريفات طلبًا للاختصار ومن تعريفاته أيضا «ما به انكشاف حقائق الأشياء» (حواش على شرح غامض بما هو أغمض منه) وهو شبيه بأحد تعريفي الأشعري الذي يوجب كون من قام به عالمًا أو لمن قام به اسم العالم» (الإيجي: المواقف: 10 وانظر أيضا مناقشتها الجويني لهذا التعريف في كتابه الإرشاد 12، 13) ومن تعريفاته أيضا «هو حصول صورة الشيء في العقل أو عنده» (انظر الإيجي: المواقف 10) أو هو ما يصح من اتصف به أحكام الفعل وإتقانه» (انظر ن م السابق والصفحة) وانظر مناقشة الغزالي لهذا التعريف (المستصفى (24/ 1) والجوّيني (الإرشاد 12، 13) وانظر
الأهدي: الأحكام مج 1، 29/ 1. (3) انظر السالمي: بهجة النوار 14/ 1. (4) راجع الغزالي المستصفى 25/ 1، 26 فقد بين أن تمييزه عن الجهل إنما من زاوية المخالفة أو المطابقة للواقع وعن الشك من جهة الجزم وعدمه وعن الاعتقاد من جانب فصله عن الاعتقاد المقلّد قد يعتقد الشيء على ما هو به لا عن بصيرة وقد لا يصمد أمام الشبه
بخلاف العالم. (1/104)
صفحة 103
كتاب التحف المخزونة
105
وأما المثال فيظهر في تقديم أمثلة تقرب المفهوم إلى
الذهن)
(2) الفرق بين العلم والمعرفة
ميز اللغويون بين العلم والمعرفة من زاويتي اللفظ والمعنى:
أ - لفظا: يقع فعل «عرف على مفعول واحد بينما فعل «علم» يقتضي مفعولين وإذا وقع على مفعول واحد كان بمعنى المعرفة.
ب - معنى: وذلك من جوانب ثلاثة:
أما
تتعلّق المعرفة بذات الشيء بينما العلم مرتبط بأحواله.
- تكون المعرفة غالبًا متعلّقة بما غاب عن القلب بعد إدراكه وضدّها الإنكار بينما العلم هو حضور ما كان غائبا أصلا عن
-
هذه
الذهن وضده الجهل.
المعرفة علم لعين الشيء مفضلا والعلم متعلق بالشيء مجملاً).
هي بعض الفويرقات الدقيقة بين العلم والمعرفة من الناحية اللغوية من حيث الاصطلاح فمعناهما واحد لكنهما يختلفان في الاستعمال فيقال عرفت الله من ولا يقال علمته (3) وقد علّل هذا التفريق بأن المعرفة تستدعي سبق الجهل بخلاف العلم ولذلك يقال الله عالم ولا يقال عنه «عارف» (4)
(1) راجع ن م والصّفحة فقد بين أن انطباع الحقائق والماهيات في النفس مشابه لانطباع أمثلة الأشياء في المرآة أو العين.
(2) انظر مرتضى الزبيدي: تاج العروس مادّة «علم» فصل العين باب الميم. (3) انظر قاسم الشماخي شرح اللؤلؤة: 17، أبو مسلم الرواحي: نثار الجوهر 6/ 1. (4) انظر حواش على شرح الجهالات: 13. (1/105)
صفحة 104
1.7
قسم الدراسة
والملاحظ أن هذا التفريق لم يؤثر في قضيّة المعرفة لأنَّ الباحثين قديما وحديثا لا يفرقون بين العلم والمعرفة بل يعدونهما مبحثا واحدا. وكانت قضيّتهم الرئيسية في هذا الموضوع البحث عن مصادر المعرفة ووسائلها بعد إثبات مكانها ومناقشة السفسطائية في إنكارهم حقائق الأشياء).
ولما ثبت أنَّ المعرفة ممكنة وقائمة بإجماع علماء الإسلام لم يبق إلّا أن نتعرض إلى وسائل المعرفة عند الإباضيَّة خاصة وسائر العلماء عامة.
(1) انظر البغدادي: الفرق بين الفرق 311 وانظر بو عزيزي نظرية المعرفة عند الرازي 131، 155 فقد عرض موقف الشكاك وردّ الرّازي على منكري الحقائق. (1/106)
صفحة 105
كتاب التحف المخزونة
107
الالف الأدي الريان
وسائل المعرفة
لا خلاف بين المسلمين في أن الوسائل الرئيسة والمعهودة للمعرفة الحس، العقل والوحي وتعرّف أيضا بالحس والنظر والخبر أو
ثلاث وهي: الحس والعقل والسمع.
1) المعرفة الحسّيّة:
لا اختلاف بين العلماء في أن المعرفة الحسّيّة هي العلم الحاصل بواسطة الحواس وإذا كان الأمر كذلك فما هي حقيقة الحواس وما هي وظائفها ودورها في عملية المعرفة وهل تدرك المحسوسات باختيار الإنسان أم أنَّ ذلك الإدراك يقع اضطرارا؟ ثمّ هل هي جنس واحد أم أجناس مختلفة.؟
أ - تعريف الحواس:
مفردها حاسة
وهو
الأنف، اللسان، اليد.
أحد المشاعر الخمسة للإنسان وهي: العين، الأذن،
والإحساس هو العلم الواقع بالحواس). وقيل للحواس حواسّ لدركها المحسوسات وقيل للمحسوسات كذلك لأنها تدرك بالحواس (2).
(1) انظر ابن منظور لسان العرب مادة «حش».
(2) انظر بن يخلف: التحف 88. (1/107)
صفحة 106
108
قسم الدراسة
ب - وظائف الحواس: لقد شاءت حكمة الله تعالى أن تكون لكلّ حاشة وظيفة مخصوصة. فبالأذن تقع عملية السمع وبالعين يقع الإبصار وباليد اللمس وبالأنف الشّم وباللسان الذوق).
والبصر كان بصرا لأنه يدرك اللون وكان اللون لونا لأنه مدرك بحاشة البصر وهكذا سائر الحواس والمحسوسات (3).
ج - تقسيم الحش:
لقد قسم كثير من العلماء الحسّ إلى ظاهر وباطن (3). فالظاهر. هو الذي يقع عن طريق الحواس الخمس وقد قسمه الجناوني إلى حسّ متصل ومثل له باللمس والذوق) وحش منفصل وهو الواقع بالرؤية والسمع والشّم) وإلى مثل ذلك يشير أبو الربيع سليمان بن يخلف فيبين أن حواس السمع والبصر والسم تدرك ما بان عنها ولا تدرك ما لاصقها بخلاف الذوق واللمس فإنّهما يدركان ما لاصقهما ولا يدركان ما بان عنهما (6).
وأما الحس الباطن فهو المعبّر عنه بالوجدانيات أي ما يجده الإنسان في نفسه من ألم ولذة وفرح وجوع وعطش وراحة وحبّ وبغض وقد أطلق عليه الجناوني مصطلح «حسّ بنية» (7).
(1) فيما يخص تعريف كلّ معنى من هذه المعاني المحشي حاشية الوضع 22، 23 ـ البغدادي
أصول الدين: 9، 10.
(2) انظر بن يخلف التحف 88
(3) انظر مثلا المحشي حاشية الوضع 20، 21، السالمي: المشارق 40، 41.
اتصالا مباشرا.
(4) وذلك لاتصال الحاسّ بالمحسوس (5) وذلك لانفصال الحاش عن المحسوس. انظر الجناوني: الوضع:
(6) وهو القسم المعبّر عنه عند الجناوني بالحس المنفصل (7) انظر المحشي: حاشية الوضع: 24، الوارجلاني: العدل والإنصاف 14/ 1. (1/108)
صفحة 107
كتاب التحف المخزونة
109
د ـ دور الحواس في المعرفة:
إن واقع الحواس هو أنها تنقل صور المحسوسات إلى اليافوخ وهو
بدوره ينقل ذلك إلى الدماغ وهنالك تكتمل عملية الإدراك).
هو
ولذلك اعتبر أبو الربيع الحواس السبب الذي تنال به المعرفة ولا سبيل للقلب إلى معرفة شيء من المحسوسات إلا بالحواس وكلّما فقد الإنسان حاسة فقد العلم بمحسوسها (2) فالحواس إذن جوالب للقلب ودور الأخير التمييز بين الصور المجلوبة إليه (3). ولا يخفى أنَّ المقصود بالقلب العقل لأنه الناظر والمتأمل والمميز وقد شبهه المحشي بالملك الجالس في خلوة لها نوافذ إن فتحها أدرك وإلا فلا، ونسبة الإدراك إليها كنسبة القطع إلى السكين (4) فإذا كان القاطع الحقيقي. هو العقل (أو النفس الناطقة) وما العين إلا وسيلة لذلك وهذا ما جعل المصعبي (5) يعترض على كل من ينسب الإدراك إلى الحواس ويثبت أنَّ المدرك للمحسوسات والمعقولات إنّما أن المعرفة الحسية الوسيلة الأولى العقل (6) ولا هو
ريب
(1) حيث توجد في الدماغ ثلاث قوى القوة المقدّمة دورها الخيال وهي الغالبة عند الصبيان والمجانين، القوة الوسطى وهي المفكّرة: حافظة لما احتفظت به القوة الخيالية وناقلة إلى
الثلاثة القوة الحافظة
تحفظ
صور المحسوسات وتؤدّيها إلى القلب الذي بدوره التي: وهي
ينقلها إلى النفس والروح والعقل للنظر فيها. انظر الوارجلاني العدل والإنصاف 18/ 1.
(2) انظر: ابن يخلف: التحف (23، 89).
(3) انظر السوفي: السؤالات: 145. (4) انظر المحشي: حاشية الوضع 20، 21.
(5) انظر المصعبي: حاشية على تبغورين: 7 وقد ناقش المصنّف (تبغورين) القائل إن الحواس
هي المدركة للمحسوسات.
(6) هو أبو يعقوب يوسف بن محمد المصعبي المليكي. من علماء الإباضية في القرن الثاني عشر. انتقل مع والده من وادي مزاب إلى جربة واستقر بها أخذ العلم عن سعيد بن يحيى
الجادوي وعن عمر الويراني التدويكشي كان مفتي جربة ورئيس مجلس الحكم فيها.
= (1/109)
صفحة 108
110
قسم الدراسة
من وسائل المعرفة أمر متفق عليه علماء الإسلام. فالماتريدي مثلا يعد بين منكر هذه البديهة مكابرًا ويكفي إيلامه بالضرب الشديد لمقاومة تعنته). كذلك البغدادي يحكم على هذا المنكر بالعناد (3) بينما الرازي يركز على أنَّ الحواس آلات اكتساب العلوم والمعارف ويرى أنها عطاء إلهي لا بدّ من حسن استغلاله والانتفاع به به (3). ولقد امتن الله على عباده بهذه الحواس فقال: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أمهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةً لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل: 78). وحمّل الإنسان مسؤولية توجيه هذه الحواس فقال: {وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمُ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَبِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] فإن هو أساء استخدامها كانت شاهدة عليه يوم القيامة: {حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (فصلت (20) ولقد عنف الله معطلي الحواس وعذبهم في مرتبة أدنى من الحيوان فقال: {وَلَقَدْ ذَرَأَنَا لجهنو كَثِيرًا مِّنَ الجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ وَاذَانُ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَبِكَ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَيْكَ هُمُ الْفَفِلُونَ} [الأعراف: 179] (4).
و
ونظرًا لأهمية المعرفة الحسيّة فإنّ العلماء قد أولوا هذا المبحث عناية خاصة منذ فترة مبكرة فأبو الربيع سليمان بن يخلف ـ مثلا ـ يفرد لهذا
توفي بجربة سنة 1188 هـ ترك ما لا يقل عن عشرين مؤلّفا بين رسائل وحواش منها «حاشية على كتاب أصول الدين لتبغورين بن عيسى انظر الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة
الإباضية 102 - 107.
(1) انظر الماتريدي: التوحيد: 7، 8.
(2) انظر البغدادي: الفرق بين الفرق 311.
(3) انظر بو عزيزي نظرية المعرفة عند الرازي 187 - 189.
(4) انظر بدوي: مذاهب الإسلاميين 597/ 1، سعيد حوى جولات في الفقهين: 41، 50. (1/110)
صفحة 109
كتاب التحف المخزونة
111
الموضوع بابا مستقلا يعرض فيه مختلف المسائل التي تتعلق بالحواس ودورها في المعرفة الإنسانية.
ولقد ظل اهتمام العلماء المسلمين وغيرهم بهذا الموضوع إلى يومنا هذا بل منهم من بالغ فيه إلى حدّ اعتبار التجربة الحسية هي المصدر الوحيد للمعرفة).
هـ -
درك الحواس اضطرار أم اكتساب:
إذا كان للحواس دور أساسي وأوّلي في عملية المعرفة فما هي طبيعة إدراكها للمحسوسات؟ أيكون ذلك عن طريق الاضطرار أم ان إدراكنا للأشياء إنما هو كسب واختيار منا؟
إن الجواب على هذا السؤال يقتضي منا النظر في الموضوع من زاويتين مختلفتين. أما الزاوية الأولى فتتعلّق بإيداع الخاصيات في الحواس وهذا بلا خلاف بين علماء الإسلام ـ من وضع الله تبارك وتعلى فقد طبع الخالق كل حاسة على درك ما تدركه إذ البصر مطبوع على درك الألوان ولا يدرك إلّا الألوان، والسمع لا يدرك إلا الأصوات وهكذا سائر الحواس وكلّ حاسّة قاصرة عن إدراك ما تدركه الأخرى (2).
وأما من الزاوية الثانية فهي متصلة بتوجيه الإدراك ذاته واستخدامه وفي هذا المجال يكون للإرادة الإنسانية دخل إذ الإنسان هو الذي يختار النظر إلى هذه
الناحية وهو الذي يصرف سمعه عن ذاك الصوت بمحض اختياره وإرادته (3).
(1) انظر زكي نجيب نظريّة المعرفة،53 بو عزيزي نظرية المعرفة عند الرّازي 147، 148 (فقد أمثلة ذلك جون لوك)
ذكر من
(2) انظر ابن يخلف التحف،88 السوفي السؤلات،121، 146، الأشعري: مقالات الإسلاميين
69/ 2، 70
(3) انظر ابن يخلف التحف،88، الشوفي السؤالات 146. (1/111)
صفحة 110
112
قسم الدراسة
وبهذا يتبين أن خاصية الحاسّة هي من الخالق وأن توجيه هذه الخاصة وتسييرها من الإنسان ويمكن التمثيل لذلك بالسكين الذي خاصيته القطع لكنه لا يقطع إلا بإرادة من القاطع وتوجيه منه. فالإنسان هو المدرك الحقيقي
بواسطة حواسه.
و ـ الحواس جنس واحد
لقد سبق أن أشرنا إلى أنَّ الحواس عطاء ربّاني فهل الله تعالى جعلها جنسا واحدا أم هي مختلفة عن بعضها البعض؟.
أما أبو الربيع سليمان بن يخلف فإنّه يذهب إلى أن الحواس أجناس مختلفة ويعلل ذلك باختلاف المحسوسات وعلى العكس من ذلك كانت المحسوسات اختلاف الحواس) وإلى مثل ذلك يشير التوفي فيما بعد).
مختلفة
بسبب
والملاحظ أن أكثر العلماء يتبنون هذا الرأي وقد شدّ الجاحظ فذهب إلى أن الحواس جنس واحد ورأى أنَّ الاختلاف في جنس المحسوس وفي موانع الحواس (3) وهو نفس المذهب الذي ارتاه الديصانية حين أثبتوا أنَّ اللون.
الطعم وهو الرائحة وهو الصوت (4).
بقيت مسألتان متصلتان بموضوع الحواس وهما: - المسألة الأولى: هل الحواس أجسام أم أعراض؟ المسألة الثانية: خطأ الحواس وأثرها في المعرفة.
(1) انظر ن م ابن يخلف التحف 88.
(2) انظر السوفي: السؤالات 146.
(3) انظر الأشعري: مقالات الإسلاميين 33/ 2.
هو
(4) انظر ن م 40/ 2 والديصانية: نسبة إلى ابن ديصان فارسي الأصل ولد سنة 154 م وهم يرون أن
الأشياء تكونت بممازجة النور للظلمة والنور حتي والظلمة موات انظر أبي عمار: الموجز 291/ 1. (1/112)
صفحة 111
كتاب التحف المخزونة
113
أما القضية الأولى فإنّ موقف الإباضية منها أن كلا من الحواس والمحسوسات أجسام ما خلا الصوت (1) وقد خالف الوارجلاني وصاحب الحواشي على شرح الجهالات جمهور الإباضيَّة فذهب الأوّل إلى أنَّ الصوت أيضا محتجا بأن بعض الأصوات القوية يهدم الحيطان والفاعل من جسم الخلق لا يكون إلا جسما (3) وذهب الثاني إلى أنَّ المحسوسات ليست بأجسام ولا أعراض ونسب هذا القول إلى الإباضية على وجه الإطلاق (3).
وأما القضية فإنّ موقف الإباضية منها أنَّ كلّ حاسة يمكن أن تطرأ عليها حالات مرضيّة أو عوائق تحجبها عن الإدراك السليم بل قد يمنعها من الإدراك أصلا كما أنَّ الحواس قد تخطئ في كثير من الأحيان فتنقلب الحقائق لديها ولقد عدد الوارجلاني جملة من العوائق لكلّ حاشة من الحواس الخمس)
(4)
والحواس - وإن كانت محدودة وذلك مظهر من مظاهر محدودية الإنسان - فإنّها تبقى المصدر الأول للمعرفة حين ينتبه الإنسان إلى هذه العوائق والأخطاء والوسيلة إلى تحقيق ذلك إنّما هو العقل فما هو دوره ووظائفه في المعرفة؟ وما هي حدوده؟.
2) المعرفة العقلية
يحسن بنا قبل أن نجيب على السؤالين السابقين أن نتعرف على حقيقة
العقل ومحله في ذات الإنسان.
(1) انظر أبو الربيع التحف 88، التوفي: السؤالات 145. (2) انظر المحشي: حاشية على الوضع 23 ناقلا عن الوارجلاني. (3) انظر حواش على شرح الجهالات: 14.
(4) انظر الوارجلاني: العدل والإنصاف 17/ 1. (1/113)
صفحة 112
114
قسم الدراسة
أ ـ مفهوم العقل: أما من حيث اللغة فالعقل هو الفهم والتثبت في الأمور (1) وضدّه الحمق وهو الحجا والنهى وعرّف بأنه الإمساك عن القبح وقصر النفس وحبسها على الحسن (") وهو مصدر عقل يعقل فهو فاعل أي جامع لأمره ورأيه مشتق من قولنا عقلت البعير إذا جمعت قوائمه (3).
وأما من حيث الاصطلاح) فله تعريفات كثيرة تتفاوت في الدقة والضبط فمن قائل هو المميز بين المحسوسات (5) وقائل هو قوة وبصيرة في القلب منزلته البصر من العينين وقد عزا السوفي هذا القول إلى جمهور الإباضية (1) وقيل هو آلة في القلب جعلت لضبط العلوم واعتقادها (7) واختار الوارجلاني أنَّ العقل جوهر روحاني بسيط مركوزة فيه علومه الجبلية ويستعملها للعلوم التجريبية النظرية (8).
ولا نستطيع تتبع جميع تعريفات العقل لأنها كثيرة جدا (9). والحقيقة أنه
(1) انظر ابن منظور لسان العرب: مادة عقل. (2) انظر ابن سيدة المخصص 14/ 3.
(3) انظر ابن منظور لسان العرب: مادة عقل:
(4) نلاحظ أن أبا الربيع لم يتعرّض لتعريفه وإنّما اكتفى بذكر محله وسنعرض لذلك في
العنصر الموالي. (0) انظر الجناوني: الوضع 36. انظر السوفي: السؤالات 247 المصعبي: حاشية على تبغورين: 7. (6) انظر الشوفي السؤالات 247 المصعبي حاشية على تبغورين: 7.
(7) انظر أبو عمار الموجز 22/ 2. (8) انظر الوارجلاني العدل والإنصاف: 21/ 1 وانظر ما يقرب منه: البرادي: رسالة الحقائق 22 (هو جوهر بسيط نوراني) وانظر الشماخي: شرح مختصر العدل والإنصاف: 11 (هو جوهر بسيط لا يقبل التغيير). (9) بالغ المحشي في ذلك فقال إنّها أكثر من ألف واشار إلى أن الخلاف في هذا الموضوع المشقة قليل الفائدة انظر كتابه حاشية على الوضع 24، 25 وانظر تعريفات أخرى
كثير (1/114)
صفحة 113
كتاب التحف المخزونة
110
يصعب تعريفه تعريفا دقيقا وواضحا ورغم عسر ذلك فإنّ آثار العقل واضحة في حياة الإنسان عبر العصور التاريخية وهي دالة على وجوده وجودا لا يدع
مجالا للشك.
ب ـ محلّ العقل:
يذهب جمهور الإباضيَّة إلى أنّ العقل في القلب وقد أسند السالمي هذا الرأي إلى الشافعي وأكثر المتكلمين وعزاه إلى أبي سعيد الكدمي وعده القول الأصح محتجّا بقوله تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور) [الحج: 46] وأورد رواية عن علي ابن أبي طالب جاء فيها أنَّ العقل في القلب (2) والذين انتصروا لهذا المذهب لم ينفوا أن تكون رابطة بين الدماغ والقلب ذلك أنَّ الأعضاء يمد بعضها بعضا وهذا ما جعل أبا يحيى زكرياء ابن أبي زكرياء اليهراسني يذهب إلى أنَّ العقل معنى في القلب وسلطانه في الدماغ ولذلك قد يذهب العقل بالضرب على الدماغ (3) ومن أغرب ما قيل في هذا الموضوع ما ذكره السوفي عن عيسى بن يوسف أنَّ العقل يجوز أن يركبه الله في جوارح الإنسان كلّها إلا في باطن القدم (4).
للعقل: اطفيش شامل الأصل والفرع،8/ 1 الكندي بيان الشرع 232/ 2، 233، السالمي: معارج الآمال 111/ 1 الجعبيري البعد الحضاري للعقيدة الإباضية مجموعة التوحيد الرسالة 15 ص 736، 737، محمد علي ناصر: أصول الدين،83، 84، مراد وهبة: المعجم الفلسفي 274، 275) (1979) دار الثقافة الجديدة.
(1) انظر أبو الربيع التحف 13، التوفي: السؤالات 247، المحشي: حاشية الوضع 24، المصعبي: حاشية على تبغورين 41 الكندي: بيان الشرع 227/ 2، 228.
(2) انظر السالمي: معارج الآمال 112/ 1.
(3) انظر الشوفي: السؤالات 247.
(4) انظر ن م. (1/115)
صفحة 114
117
قسم الدراسة
وأيا ما كان محله ومهما اختلفت الأقوال في حقيقته فإنّ القضية الجوهرية في هذا الموضوع هي المهمة التي يقوم بها العقل ومنزلته في
المعرفة الإنسانية.
ج - وظيفة العقل:
لقد أثبت أبو الربيع سليمان بن يخلف أنَّ الحواس تجلب إلى العقل ما أدركته ليميز هذه المدركات ويرتبها ثمّ يستدلّ بما أدركته على ما لم تدركه وهذا ما عبّر عنه بعلم ما دلّ عليه ما أدركته الحواس).
ولا خلاف بين علماء الإباضيَّة في أنَّ المعلومات الواردة عن طريق الحسّ وغيره مرجعها إلى العقل ليتأمل فيها ويقضي عليها (2) ويصحح أخطاءها ويكشف عن أسباب هذه الأخطاء (3) وبالعقل يعرف الإنسان ربّه فيدرك عظمته وبالعقل ينظر في معجزات الرسل فيتبين صدقهم و به تستنبط الأحكام الشرعية انطلاقا من أصلي التشريع الإسلامي: الكتاب والسُّنَّة. وبه يكتشف ويخترع ويستثمر خصائص الطبيعة ولهذه الأغراض كلّها حثّ الإسلام على حسن استخدامه وأمر بالنظر والتفكير في الكائنات فقال: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ والأرض) (يونس: 101) ونعى على الذين عطلوا عقولهم بقوله: {أَفَلَا يُبْصِرُونَ) [السجدة: 27] (أَفَلَا يَنظُرُونَ) [الغاشية: 17) أَفَلَا يَعْقِلُونَ) ايس: 168 وَ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ) (محمد: 24) إِنَّ شَرَ الدَّواتِ عِندَ اللهِ الهُمُ الْبُكُمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22] فَإِنَّهَا لا تعمى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتي في الصُّدُورِ} [الحج: (41).
(1) انظر: أبو الربيع: التحف 23. (2) انظر السوفي: السؤالات 247، 248 وانظر القاضي عبد الجبار المغني 58/ 12. (3) انظر: أحمد الخليلي جواهر التفسير: 266/ 1، 267 لكنّه يشير بعد ذلك إلى أن هداية العقل غير كافية نظرا لمحدوديته ويبينه إلى ضرورة اعتماد الشرع في إصلاح أخطاء العقل وإتمام
نقصه (1/116)
صفحة 115
كتاب التحف المخزونة
117
وبذلك يتبيّن أنّ العقل هو جوهر الإنسان ركبه الله فيه هبة ومنة وفضلا (1) فكان أوّل نعمة عليه بعد خلقه وإيجاده و به نال شرف التفضيل والتكريم وبسببه توجّه الخطاب إليه فكان مناط التكليف لم يتعلق الثواب والعقاب بفعل العبد إلا بوجوده (2).
وإذا كانت الرابطة متينة بين العقل والتكليف فما هي حقيقة التكليف وما هي طبيعة العلاقة التي تربط بينهما؟.
د ـ التكليف والعقل:
أولا ـ مفهوم التكليف:
لغة: يقال: كلّفه تكليفا أي أمره بما يشق عليه وتكلّفت الشيء أي تجشمته على مشقة وعلى خلاف عادتك (3).
شرعًا: هو إلزام الله العبد ما على النفس فيه مشقة (4) وهو الأمر والنهي (5)
أو الإلزام والإيجاب للفرائض
ثانيا - صلة التكليف بالعقل
(1)
من حكمة الله تعالى أنّه لم يكلّف إلا من كان بالغا) صحيح
(1) اقتبسنا هذه المعاني بتصرف من المحشي: حاشية الوضع 25 الجيطالي: قواعد الإسلام:
3/ 1، مجموعة التّوحيد: الرّسالة 15 ص 736، 737.
(2) انظر: البسيوي: السيرة: 42.
(3) انظر ابن منظور لسان العرب مادة «كلف».
(4) انظر السالمي: المشارق 29، المحشي: حاشية الوضع 103.
(5) انظر السوفي: السؤالات 119، 120.
(1) انظر الجناوني: الوضع 31.
(7) وعلامات البلوغ هي:
نبات شعر الاحتلام السنّ، والحيض الحمل تكعب القديين (بالنسبة
للأنثى) انظر الجيطالي: قواعد الإسلام،3/ 1، 4 المحشي: حاشية الوضع 103، 104. (1/117)
صفحة 116
118
قسم الدراسة
العقل وكمال العقل إنّما هو مع البلوغ كما هو عليه أكثر المتكلمين).
ولئن كانت الرابطة متينة بين العقل والتكليف والبلوغ باعتبار أن كل عاقل بالغ مكلف وكلّ مكلّف عاقل (3) فإن التلازم بين العقل والبلوغ غير وارد بصفة مطردة لذلك لا يقال كل عاقل بالغ ولا كلّ بالغ عاقل إذ كثير الأطفال عقلاء وهم غير بالغين ولا مكلّفين كما أن كثيرًا من البالغين
من
غير عاقلين (4).
ثالثًا - دليل العقل والتكليف:
هو
أن الذي يثبت عقل العاقل وتحمّله مسؤولية التكليف الشّرعيّة إنّما ه حسن المذاهب). والمقصود بذلك حسن التدبير ووضع الأشياء في مواضعها والاستدلال على بواطن الأمور بظواهرها وعلى ما يأتي منها بما مضى. وفي هذا السياق يشير الكندي إلى أنَّ علامة العاقل علم ما له وما عليه مع التمييز بين الحسن والقبيح (7) فهذا مطابق لما ذكره السوفي من أنَّ المذاهب هو فعل الاكتساب (8).
حسن
(1)
(1) انظر أبو الربيع التحف 13، 24، السوفي: السؤالات: 121، 122، الجيطالي: القواعد 3/ 1. (2) انظر: الأشعري: مقالات الإسلاميين 176/ 1.
(3) انظر ابن منظور: لسان العرب مادّة نظر» وانظر الوارجلاني الدليل والبرهان مج 1،
79،78/ 1
(4) ن م.
(5) انظر ن م: 246، الجناوني: الوضع 35 المحشي: حاشية الوضع 114 غير أن المحشي لم يوافق الجناوني على ذلك باعتبار أن كثيرًا من الأطفال لهم. حسن المذاهب وهم غير
مكلفين.
(1) انظر أبو الربيع: التحف 13.
(7) انظر الكندي: بيان الشرع 228/ 2.
(8) انظر الشوفي السؤالات 246، حواش على شرح الجهالات: 8. (1/118)
صفحة 117
=
119
كتاب التحف المخزونة
هـ ـ النظر: إذا كان المتكلمون قد اشتغلوا بتحديد مفاهيم العلم والعقل والتكليف وما يتصل بذلك فإنّهم قد اعتنوا أيضا ـ في هذا المجال ـ بالنظر بل جعلوه مبحثا خاصا يتناول من جوانب متعدّدة نذكر منها:
أولا - التعريف به:
لغة للنظر معان متنوّعة منها الرؤية بالعين ومنها الانتظار ومنها المقابلة والمحاذاة ومنها التعطف والرحمة ومنها الفكر في الشيء وتقديره وقياسه على غيره (1) والذي يهمنا في هذا المبحث هو المعنى الأخير.
اصطلاحا: لقد وردت عدّة تعريفات نذكر منها:
•
•
هو الفكر في قوّة الدّلالة من الوجه الذي يدلّ منه الدليل (2).
هو الفكر الذي يطلب به من قام به معرفة الحق والباطل في ابتغاء
العلوم وغلبة الظنون (3).
هو الفكر في حالة المنظور فيه (4).
أما الفكر فقد عرف تارةً بأنّه ترتيب أمور معلومة للتأدية إلى مجهول (5)
(1) انظر ابن منظور: لسان العرب مادة «نظر» وانظر الوارجلاني الدليل والبرهان مج 1،
79،78/ 1
(2) انظر: البرادي رسالة الحقائق 21 أبو عمار: الموجز 22/ 2. (3) انظر: البرادي: رسالة الحقائق: 21، الجوّيني: الإرشاد 3 الآدمي: الإحكام مج 1، 28/ 1 (نقلا عن الباقلاني)
(4) انظر حواش على شرح الجهالات 15 ابن عبد الشكور فواتح الرحموت 17/ 1، بركات الوحدانية 233.
(5) انظر حواش على شرح الجهالات 15، الشماخي شرح المختصر: 9 وقد عرض الأخير
تعريفين شبيهين بهذا التعريف أولهما هو ترتيب أمور علميّة أو ظنية لتؤدي إلى مجهول (1/119)
صفحة 118
120
قسم الدراسة
وتارة أخرى بأنه «تأمل حال الشيء والتمثيل بينه وبين غيره أو تمثيل حادثة
من غيرها» (1).
ولا يخفى أنَّ هذه التعريفات جميعًا تدور حول معنى واحد وهو التأمل
في مقدمات ومعطيات حاضرة للتوصل إلى نتائج.
ثانيا - الفرق بينه وبين الجدل
هو
مجرد محاججة لإلزام
إن النظر أعم وأوسع من الجدل لأن الأخير. المجادل ما دفعه إلى الإقرار بما كان يرفض الاعتراف به بينما النظر هو
ترتيب أمور معلومة للتوصل إلى مجهول كما سبق بيانه (2).
ثالثًا - أقسام النظر:
قسمان
هو
يمكن تقسيم النظر حسب اعتبارين اثنين: فباعتبار أوّل صحيح وفاسد. أما الصحيح فهو النظر في الدليل من حيث الوجه الذي يدلّ منه ويتوصل به إلى العلم بالمدلول وأما الفاسد فهو عكسه (3). وباعتبار ثان ثلاثة أقسام: ابتدائي وذكري وتذكيري أما الابتدائي فهو ما لم يتقدّم للناظر علم به البتة والذكري هو الذي نسبه الناظر ثمّ ذكره من غير إعمال فكر والتذكيري هو الذي نسبه الناظر ثم استعمل فكره حتى تذكره).
هو
مطلوب وثانيهما هو ترتيب مقدّمات علميّة أو ظنية ليتوصل به إلى تحصيل علم وظنّ.
والتعريفان متقاربان وإن كان الشماخي يختار الأول باعتباره أدق رغم أن الثاني أبين. (1) انظر القاضي عبد الجبار المغني: 4/ 12، 5 وقد ربط بين الفكر والنظر فبين أن الناظر يفكر في الأدلة على اختلافها. وانظر ما يقرب منه الثميني: معالم الدين 53/ 1.
(2) انظر محمد علي ناصر: أصول الدين الإسلامي: 73. (3) انظر البرادي رسالة الحقائق 21، الجويني: الإرشاد: 3. (4) انظر الثّميني: معالم الدين 55/ 1. (1/120)
صفحة 119
كتاب التحف المخزونة
121
•
•
•
رابعا ـ النظر والعلم
اختلف العلماء في كيفية ترتيب العلم عن النظر فمن قائل بالتوليد وقائل
بالعادة وقائل بالواجب وقائل آخر بالإعداد.
•
القائلون بالتوليد: وهم المعتزلة فالنظر عندهم يولّد العلم شريطة أن يكون النظر متعلقا بدليل وأن يكون الناظر عالما بالدليل ومعتقدا له). القائلون بالعادة: وهم الإباضيَّة والأشاعرة والماتريدية ومذهبهم أنَّ العادة جرت أن يحصل العلم عقيب النظر والمؤثر في وجود العلم هو الله
والنظر لا يولد العلم ولا يوجبه إيجاب العلة لمعلولها". القائلون بالإيجاب: وأبرز من يعزى إليه هذا القول الرازي فهو يرى أنَّ العادة جرت بإيجاب وجود العلم عقيب النظر وبإحالة عدمه وهذه العادة إنّما هي من تقدير الله تعالى (3) والملاحظ أنَّ هذا الموقف وسط بين الرأيين السابقين.
القائلون بالإعداد: وهم الحكماء ويرى هؤلاء أنَّ النظر يعد الذهن فتفيض عليه النتيجة وجوبا (4).
والمهم أن الجميع يوافق على أنَّ النظر يفيد العلم خلافا للسمنية (5)
(1) انظر القاضي عبد الجبار: المغني 101/ 12، 409 وانظر نفس الرأي عند الطوسي: الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد: 159.
(2) انظر الجويني: الإرشاد /6، 7، ـ البغدادي: أصول الدين 137 - 139، الثّميني: معالم الدين: 45/ 1، 55 ـ ابن عبد الشكور فواتح الرحموت 63/ 1.
(3) انظر عبد الشكور: فواتح الرحموت 24/ 1.
(4) انظر ن م.
(5) نسبة إلى سمونات بلدة بالهند يقولون بتناسخ الأرواح ويذكرون ما وراء الحش انظر أبو عمار: الموجز 277/ 1 خاصة تع 8 للمحقق عمار الطالبي. (1/121)
صفحة 120
122
قسم الدراسة
ذلك القائلين إن الحواس هي الوسيلة الوحيدة للمعرفة. وقد ناقشهم في العلماء فبينوا لهم أنَّ العلم بفساد النظر خارج عن قبيل المحسوسات فكيف تسنّى الحكم بإنكار كون النظر وسيلة من وسائل المعرفة).؟
خامسًا - هل النظر (2) هو أوّل الواجبات؟
اختلف العلماء في الجواب على هذا السؤال على أقوال متباينة فقالت طائفة إن أول الواجبات على المكلّف النظر (3) وقال الجويني بل أوّل الواجبات إلى النظر الصحيح المفضى إلى العالم بحدوث العالم) وذهب الباقلاني إلى أنَّ أوّل الواجبات إنّما هو أوّل النظر (5) ولا يخفى أنَّ هذه الأقوال جميعًا متفقة في وجوب النظر على المكلّف عند بلوغه قبل معرفته لخالقه.
أما الإباضية فلم يرتضوا هذا الموقف بل ناقشوه وردوا على القائلين به بحجة أن النظر يحتاج إلى مدة زمنية ينظر فيها النّاظر قبل حصول معرفته بالله تعالى وهذا يقتضي منه تجويز الجهل بخالقه في أوّل حال بلوغه وقد تطول مدة النظر وقد يموت الناظر وهو لا يزال ينظر في الأدلة فهل في كلّ هذه الحالات هو معذور وساقط عنه التكليف.؟
وبناء على هذا الاستدلال وما شابهه فإنّ جميع الإباضية يرون أنَّ أوّل الواجبات معرفة الله وتوحيده
(1)
(1) انظر الجويني: الإرشاد: 3، ابن عبد الشكور: فواتح الرحموت 23/ 1، القميني: معالم الدين
00/ 1
(2) المراد بالنظر التفكير والتأمل في الوجود للتوصل إلى معرفة الخالق. (3) انظر قاسم الشماخي شرح اللؤلؤة: 18، 19، نقلا عن الإسفراييني. (4) انظر الجويني: الإرشاد: 3.
(5) انظر قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 18، 19، نقلا عن الباقلاني. (6) انظر أبو عمار: الموجز 149/ 2، 150، السوفي: السؤالات 36، البسيوي: السيرة 42، الشماخي شرح عقيد التوحيد 38 المحشي: حاشية الوضع،12 حواش على شرح الجهالات، 46، = (1/122)
صفحة 121
كتاب التحف المخزونة
123
وبعد هذا التحليل للعقل والنظر ودورهما في المعرفة يتبين لنا أنَّ
المعرفة العقلية متممة للمعرفة الحسّية ولا غنى لإحداهما عن الأخرى. ولئن كان للعقل مجال واسع في النظر والمعرفة فإنّه شأنه شأن الحواس
في المحدودية والقصور وإمكانية الخطأ.
ذلك
فالعقل قاصر عن إدراك وجه الحكمة من عدد ركعات الصلاة وما إلى الأعمال التعبدية الصرفة كما يعجز عن إدراك الأحوال الغيبية لأنها من تتجاوز إمكاناته ولا ريب أنّه يخطئ في كثير من أحكامه وتقديراته خاصة إذا انطلق من مقدمات خاطئة وبناءً على كلّ ذلك ندرك أنه في حاجة ماسة إلى من يصلح أخطاءه ويتمم نقائصه ولا أقدر على ذلك من الشرع باعتبار أنَّ أحكامه وأخباره هي من الكامل كمالا مطلقا ألا وهو الله تعالى.
المعرفة السمعية
إن الإنسان بعقله يستطيع أن يدرك أنه مخلوق لخالق إذ بتأمله في نفسه وفيما يحيط به من كائنات وأسرار وعجائب لا يستطيع إلا أن يؤمن بوجود الخالق. غير أنَّ أمورا كثيرة لا يقدر على التوصل إلى معرفتها استقلالا
كصفات لفطرة الإنسان ومحققا له السعادة في الدنيا والآخرة معا (1).
وفي هذا السياق نجد كثيرا من المصادر الإباضية تشير إلى أنَّ العلوم منها ما يمكن أن يعلم بالنظر والاستدلال ومنها ما لا طريق إليه إلا بالوحي يقول الوارجلاني في بيان الطريق الثاني: ومن علوم بني آدم على الشرائع في الواردات
المصعبي حاشية على تبغورين،57 58 الكندي بيان الشرع 236/ 2، اطفيش: شامل الأصل والفرع 236/ 2، قاسم الشماخي، شرح اللؤلؤة 18 - 21. (1) انظر تحليل ذلك فيما يلي من هذا البحث ص 147 فصل النّبوّة والرسالة: حاجة الناس إلى
الرسل). (1/123)
صفحة 122
124
قسم الدراسة
من الله إلى الأنبياء على أيدي الملائكة في مصالح العباد واستصلاح البلاد نطقا وإعلاما ووحيا وإلهامًا وما تضمنت هذه العلوم من الأصول والفصول». والشرع إن كان متممّا للعقل فإنّه لا يأتي بما يخالفه ما دام نظره واستدلاله صحيحين ولا يمكن أن نجد تعارضا بينهما فإن بدا الناشئ من ذلك فإنّ اللّازم علينا أن ننظر أوّلا في طريق ثبوت النص فإن تبينت صحته ولم يثبت نسخه أو تخصيصه أو تقييده أو ما إلى ذلك وجب حينئذ اتهام العقل لأن الشرع هو القاضي على العقل لا العكس (3). (). ولا أحد من المسلمين ينكر اعتبار الوحي (3) المصدر الرئيسي للمعرفة بل جميعهم يعده أصح طريق وأكمله (4) ولقد أولى ما هذا المصدر اهتمامًا خاصًا فأطلق على المعرفة الحاصلة بطريقه لفظ (الحكمة (5) والفرقان (6) والنور (7) ولهذه الاعتبارات كلها سمي هذا المصدر بالاتجاه الرفيع للمعرفة (8).
(8)
(1) الوارجلاني: الدليل والرهان: 235/ 2، 236، وانظر المحشي حاشية الوضع 21، 22 فقد مثل للطريق الأول بمعرفة وجود الله وللطريق الثاني بمعرفة وجوب الصلاة والصوم. وقارن بما ذكره سعيد حوى في كتابه جولات في الفقهيين ص 41 حين قسم الشرع إلى قسمين: قسم العقائد: والطريق إليها إما العقل وإما النقل. قسم الأحكام العلمية والطريق إليها الكتاب والسنة والإجماع والقياس. (2) انظر الكندي: بيان الشرع،281/ 2، البشري. مكنون الخزائن 217/ 1 وقارن به: ابن تيمية: منهاج
السنة 129/ 1.
(3) الوحي في اللغة هو الإشارة بسرعة وفي الاصطلاح. هو كلام إلهي يصل إلى القلب النبوي بواسطة جبريل أو النفث في القلب انظر الرواحي: نثار الجوهر 6/ 1.
(4) انظر على سبيل المثال: البغدادي: أصول الدين 14 سعيد حوى جولات في الفقهين: 64. (ه) قال تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269]. (1) قال تعالى: {يأيها الذينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَانَا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال: 29]. (7) قال تعالى: {يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَعَامِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الحديد: 28]. (8) انظر بو عزيزي نظرية المعرفة عند الرّازي: 196. والملاحظ أننا أوجزنا هذا العنصر لأننا سنفصل القول في العلاقة بين العقل والسمع في مبحث «الحجة». (1/124)
صفحة 123
كتاب التحف المخزونة
125
4) خلاصة البحث في هذه الوسائل
لقد تبين فيما سبق أن مصادر المعرفة تتساند فيما بينها لتنتج عطاء معرفيا متكاملا. فبالحواس الخمس يدرك الإنسان المحسوسات الظاهرة وبالحس الباطن يدرك المشاعر والأحاسيس وبالعقل يميز بين الأشياء فيقارن ويستدلّ ويركب ويحلل ويصحح ويستنتج وبالشرع تكتمل المعرفة ويتصل إلى أقصى درجاتها (1).
5) الوسائل الاستثنائية للمعرفة
إنّه فضلا عن الوسائل الثلاث المذكورة توجد طرق أخرى للمعرفة لكنّها لا تتوفّر إلا لأقلية من الناس كالرؤيا الصادقة والإلهام والمكاشفة والحدس.
أ ـ الرؤيا الصادقة:
وهي
من
ما يراه المؤمن التقي في منامه أحداث تجيء بعد ذلك مطابقة لما يراه وقد جاء في الحديث الشريف «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» (3).
وهذه المعرفة لا تقوم على أساس من الحسّ أو العقل بل هي معرفة
ربانية يودعها الله في قلب المؤمن من غير واسطة (3).
والحقيقة أن الرؤيا الصادقة وإن كانت صحيحة فهي ليست حجّة
(1) يقول الوارجلاني: «اعلم أن الطريق التي تتطرّق فيها العلوم إلى العباد ثلاثة: حسّ مطبوع وعقل مجموع وشرع مسموع» العدل والإنصاف 14/ 1. وقارن بمحمد عبده: تفسير المنار 1 م 52 53 طريق الهداية أربعة: الإلهام الفطري، الحواس والمشاعر، والعقل، والدين).
(2) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح حديث رقم 51 - م 51، ج 20/ 1.
(3) انظر الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 1، 236/ 2 ومج 2، 305/ 3، 306. (1/125)
صفحة 124
126
قسم الدراسة
يستدل بها على المسائل العلمية والعملية وإنّما هي مجرد بشارة
للمؤمنين الأتقياء).
ب - الإلهام
هو نور يقذفه الله في قلب المؤمن (3) أو هو إيقاع معنى في النفس بطريق الفيض لا بطريق الاكتساب (3).
ومن الواضح أن العلم الحاصل عن طريق الإلهام ليس إلا مددا. الله من لعبده يراد به مساعدته على حلّ مشكلاته الحلّ المناسب، ولا يخفى أنَّ هذا المعنى الذي يجده المؤمن في نفسه لا يكون حجّة إلّا إذا كان موافقا للنواميس
الشرعية التي جاء بها الوحي
ج - علم المكاشفة:
(4)
وهو المسمى بالعلم اللدني: لقد أوضح الوارجلاني هذا النوع من المعرفة فبين أن العبد إذا بلغ في طاعة ربه درجات عالية آثره الله بعلم يكشف له في قلبه فتكون علومه من لدن ربّ العزّة بلا واسطة واستدلّ عليه بما أوتي الخضر من علم لدني وذلك قوله تعالى: {آنَيْنَهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65] (5).
والظاهر أنَّ الفرق بين الإلهام والعلم اللدني هو أنَّ الأوّل يحصل في بعض الحالات الاستثنائية بخلاف الثاني فهو كثير الحدوث لصاحبه.
(1) انظر الشاطبي: الموافقات 82/ 1.
(2) انظر الوارجلاني: الدليل والبرهان 237/ 2. (3) انظر التلاتي: شرح العقيدة المباركة: 39.
(4) انظر أبو زيد الريامي: حل المشكلات،30، السالمي: المشارق 130. (5) انظر الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 2، 238/ 3، 306. (1/126)
صفحة 125
كتاب التحف المخزونة
127
د ـ الحدس:
وهو ما يراه الإنسان من حلول مشكلات رياضية وغيرها من المسائل العقلية النظرية بشكل سريع دون تحليل وبرهنة ومرجع ذلك إما كثرة التجارب في الميدان أو المداومة على إعمال النظر في ذلك الفنّ.
أنه
ويشبه هذا الصنف ما يدركه الإنسان من أوزان الشعر (1) وذلك لا شكّ موهبة لا تأتي لجميع النّاس غير أنَّ أمثال هؤلاء كثيرًا ما يداومون على قراءة الأشعار فتذهب موهبتهم وترتقي نحو الأفضل.
كذلك الفراسة هي شبيهة بالحدس وقد عرفت بأنها علم ينكشف من الغيب بسبب تفرّس آثار الصور وفي الحديث: «اتقوا فراسة المؤمن فإنّه بنور الله ينظر). وإذا كانت المعرفة واقعة أساسا بالحسّ والعقل والوحي فهل العلم الحاصل بإحدى هذه الوسائل الثّلاث هو نوع واحد أم هو أقسام متعدّدة؟
(1) انظر البغدادي: أصول الدين،14، 15، عبد الرحمن بدوي مذاهب الإسلاميين 138/ 1. (2) انظر: الرواحي نثار الجوهر 7/ 1 والحديث أخرجه الترمذي كتاب التفسير: 15. (1/127)
صفحة 126
128
قسم الدراسة
أقسام الـ
إن العلم في أصله قسمان: رئيسيان قديم وحادث أما القديم فهو العلم المطلق والأزلي وهو خاص بربّ العزّة) وأما الحادث فهو إما أن يكون دنيويا أو أخرويًا (3) وكلاهما لا يخلو من أن يكون تصوّرًا أو تصديقا فما المراد بالتصوّر والتصديق؟ وهل هما بدورهما قابلان للتقسيم أيضا؟
1 - التصوّر: هو إدراك غير حكمي أو هو ما لا يتحمل الصدق والكذب ومعنى ذلك أنَّ كلّ علم خلا عن الحكم فهو تصوّر
•
(3)
2 - التصديق: وهو خلاف التصوّر ومعنى ذلك أنَّ كلّ علم فيه إصدار حكم
فهو تصديق (4)
والعلم ا
•
الحادث
سواء أكان تصوّرا أم تصديقا أو أخرويا إذا نظرنا إليه من
زاوية تحصيله فهو قسمان إمّا ضروري وإمّا نظري وإذا نظرنا إليه من زاوية
(1) ولا يوصف هذا النوع من العلم بأنه تصوّر وتصديق وما إلى ذلك من التقسيمات لأنه علم يختلف عن سائر العلوم راجع تفصيل السالمي: مشارق أنوار العقول: 38. (2) انظر الشقصي: منهج الطالبين 19/ 1 - 22 فقد قسم الدنيوي إلى روحاني (كعلم والحساب والطب) وجسماني وهو علم الصناعات كالحدادة والبناء وقسم الأخروي (وسماه
النجوم
دينيا) إلى ظاهر فهو العلم بالحلال والحرام وخاص وهو علم الأنبياء والمعصومين. (3) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول: 39 - الثّميني: معالم الدين 28/ 1 ـ الإيجي: المواقف: 11، محمد علي ناصر: أصول الدين الإسلامي: 79.
(4) انظر نفس المصادر السابقة. (1/128)
صفحة 127
كتاب التحف المخزونة
129
حكم جهله فهو أيضا نوعان أحدهما يقتضي التوسعة على جاهله وثانيهما
يتطلب التضييق عليه.
أولا ـ الاعتبار الأوّل: العلم الضّروري والعلم الكسبي
(1) العلم الضروري:
يطلق الإباضية على هذا النوع من العلم أحيانًا مصطلح «علم الاضطرار») وأحيانا أخرى يسمونه بعلم الغريزية (2).
(3)
وهذا العلم إن قصد علم ما أدركته الحواش، كما صرح به أبو الربيع سليمان بن يخلف والتوفي (4) ـ فإنّه يكون حينئذ تابعا للمعرفة الحسية ومعناه أنَّ الحسّ إذا وقع على المحسوس فإنّ الإنسان لا يملك منع حصول المعرفة الحسية) وإن قصد بهذا العلم المسائل التي لا تحتاج إلى تأمل واكتساب فإنّه يراد به معرفة الأصول والأولويات العقلية. وهذا القسم وإن كان أبو الربيع سليمان بن يخلف لم يشر إليه فإنّ كثيرًا من علماء الإباضية قد تناولوه بالبحث والتحليل على تفاوت بينهم في التفصيل. فالجناوني
(1)
(1) انظر: أبو الربيع بن يخلف: التحف 23. (2) انظر مثلا البشري مكنون الخزائن 211/ 1، المحشي حاشية الوضع 21، حاشية على القواعد ويسميه بالعقل الغريزي ويعرفه بأنه ما أناط الله به التكليف ويقصد بذلك الحد الأدنى للإدراك العقلي وهو معرفة الضروريات والأولويات.
(3) انظر بن يخلف التحف 23.
(4) انظر السوفي: السؤالات 145.
(5) لقد بينا فيما سبق أن درك الحواس اضطرار إذا نظرنا إلى الموضوع. زاوية إبداع الخاصيات في الحواس (انظر ص 103 هذا البحث). من
(6) هو
و أبو زكرياء يحيى ابن أبي الخير الجناوني من علماء الإباضية بجبل نفوسة في القرن الخامس. أخذ العلم عن أبي الربيع سليمان بن أبي هارون من تأليفه کتاب «الوضع» مختصر في الأصول والفقه. ط. «عقيدة نفوسة» مختصر تعليمي انظر الشماخي: السير
178/ 2 (1/129)
صفحة 128
130
قسم الدراسة
مثلا قد أشار إليه إشارة سريعة مقسما العقل إلى واجب ومستحيل وجائز وممثلا لكل قسم منها) والأمثلة التي ساقها دالة على تقريره للعلم الضروري والشوفي يمثل لهذا النوع من العلم بمعرفة الواحد بأنه إنسان (2) والمحشي يمثل له بالعلم بأنَّ الواحد نصف الاثنين وبأنَّ الصدّين لا
عليه
يجتمعان (3) والسالمي يعد هذا القسم مراتب أعلاها علم الإنسان وما هو من حالات ثم الفرق بين الموجود والمعدوم في وقت واحد وقائم وقاعد في حال واحدة ثمّ ما يحصل عن طريق التواتر كالعلم بالبلدان النائية والأخبار الماضية ثمّ العلم بحاجة البناء إلى بناء والكتابة إلى كاتب (4)
ومن الواضح أن السالمي قد استفاد من تقسيم كل من الوارجلاني والشماخي للعلم الضروري أمّا الأوّل فقد عده أربع مراتب وهي:
أ - علم البنية: ويشمل علم الإنسان بذاته ووجوده وصفاته وأفعاله وحالاته.
ب - العلم بالواجبات والمستحيلات والجائزات ويشمل:
- ما يقع لأول وهلة كمعرفة حاجة البناء إلى بناء.
ما يقع بعد تردّد الخاطر كمعرفة الحاجة إلى بعث الرسل وإنزال
الكتب وإثبات صانع ليس بجسم.
ج - ما يعلم من جهة الحواس.
(1) انظر الجناوني: الوضع: 6 فمثلا بالبينة لقسم المستحيل يمثل له باستحالة العقل اجتماع الضدين ووجود الشيء في مكانين وتحرك الجسم إلى جهتين في آن واحد وهذه كلها
ضرورات عقلية. انظر نفس التقسيم الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 2، 234/ 3. (2) السوفي: السؤالات 249. (3) انظر المحشي: حاشية الوضع 21 - 24. حاشية القواعد: 18 اطفيش تأمل الأصل والفرع 8/ 1. (4) السالمي: بهجة الأنوار 14/ 1، 15. (1/130)
صفحة 129
كتاب التحف المخزونة
د
بديهي
131
ما يعلم من جهة الأخبار المتواترة كمعرفة أخبار الأمم الماضية والبلدان النائية والأمثال والأشعار الشائعة ويري أن هذا القسم بدايته كسب ونهايته ضرورة (1).
وأما الشماخي فقد قسم العلم الضروري إلى تصوّر بديهي وتصديق (2) فالتصوّر البديهي هو ما لا يتقدمه تصوّر يتوقف عليه الوجدانيات كإدراك معنى الألم واللذة والمحسوسات كتصوّر معنى الحرارة والبرودة والتصديق الضروري هو ما لا يتقدّمه تصديق يتوقف عليه وهو خمسة أنواع:
أ ما يدرك بالحس الظاهر كمعرفة أنَّ الشمس مضيئة.
ب - ما يدرك بمجرّد العقل كمعرفة أنَّ الاثنين أكبر من الواحد. ما يحصل من مجموع العقل والحسّ بواسطة تكرار التجربة كمعرفة أنَّ ج -
د-
هـ
النار تحرق.
ما يحصل بالتواتر كالعلم بوجود مكة المكرمة.
ما يحصل عن طريق الوجدان كالعلم بأني جائع أو محبّ.
2) العلم المكتسب:
وهو العلم الذي يكتسبه الإنسان بفضل حواسه وعقله وقد عبّر عنه كلّ من أبي الربيع سليمان بن يخلف (3) والتوفي (4) والوارجلاني (5) لعلم ما دلّ
(1) انظر الوارجلاني: العدل والإنصاف 16/ 1 - 19.
(2) انظر الشماخي: شرح مختصر العدل والإنصاف 8، 9.
(3) انظر بن يخلف التحف 23.
(4) انظر: السوفي: السؤالات 145، 250.
(0) انظر الوارجلاني: العدل والإنصاف 20/ 1. وقد مثل له بالصوت الذي تدركه حاسة الشمع فيحكم الإنسان على قائله بالحسن أو القبح، بالعلم أو الجهل. (1/131)
صفحة 130
132
قسم الدراسة
عليه ما أدركته الحواس ويقصدون بذلك جملة الاستدلالات والاستنتاجات والتأملات العقلية التي مصدرها الأساسي المعرفة الحسية وتكرار التجارب وتحكيم الضرورات والأولويات العقلية).
ولقد قسم السالمي هذا النوع من العلم إلى أربعة أقسام:
أ - ما يحصل بالقياس العقلي كقولنا العالم متغيّر وكل متغير حادث وقولنا العالم حادث وكلّ حادث محتاج إلى محدث.
(2)
ب ـ ما يحصل بالقياس الشرعي كقياس الدّخان على الخمر في الإسكار (2).
ج -
د-
ما يحصل بالتمثيل كقولنا في مثال الفعل والفاعل «قام زيد».
ما يحصل بالاستقراء وذلك بتتبع غالب أفراد المحكوم عليه لبناء قاعدة كلية كقولنا كلّ حيوان يحرّك فكه الأسفل عند المضغ (3).
وفي كل قسم من هذه الأقسام تظهر شخصية الإنسان فهو الذي يجمع المعلومات ويرتبها وينسق بينها ويستنسخ منها وهذا ما عبر عنه الكدمي بضرورة التلازم بين علم المادة (4) وعلم الغريزة (0) مبينا أنَّ القليل من علم المادة إن أحسن استثماره من قبل الغريزة يصير كثيرا بينما الكثير من علم المادة إن لم يتأمل فيه صاحبه ولم يستخدمه فإنّه قليلا (6). يصير
(1) انظر المحشي حاشية الوضع 24 وانظر الوارجلاني: العدل والإنصاف 20/ 1 (فقد جعل القسم الثالث من أقسام العلم المكتسب ما وقع به العلم من جريان العادة في الصناعات والحرف»). (2) وهذا ما سماه الوارجلاني بقسم ما وقع العلم به من جهة النظر والبحث في علوم الشريعة وهو الفقه». انظر ن م السابق والصفحة. وهذا القياس فيه نظر.
(3) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول: 40 (4) ويقصد به مجرد نقل المعلومات وجمعها.
(ه) ويقصد به التفكير.
(6) انظر الكدمي: المعتبر 17/ 2، 18. (1/132)
صفحة 131
كتاب التحف المخزونة
133
(1)
ولقد عبّر الكندي) فيما بعد عن نفس المعنى فبين أن العلم الكسبي ينمو بالاستعمال وينقص بالإهمال (2).
والجدير بالملاحظة أن تقسيم العلم إلى غريزي وكسبي ليس من اختصاصات الإباضيَّة فجسب بل جلّ علماء الكلام يشاركونهم في ذلك ويسمون الغريزي ضروريا والكسبي نظريا وكثيرا ما يقسم الضروري إلى
بديهي وحشي
(3)
هذا فيما يتعلق بالعلم الحاصل عن طريق الحسّ أو العقل أما العلم الواقع عن طريق الوحي فإنّه بالنسبة للنبي ضروري من جانب وكسبي من جانب آخر: ضروري من حيث إنّه يتلقاه عن الله تعالى بواسطة ملك الوحي أو الإلهام وكسبي من حيث بذل الجهد في حفظه وفهمه وتبليغه للناس (4). وبالنسبة لغير النبي فلا ريب أنه علم مكتسب بالتعلّم ودور الإنسان فيه حفظ النصوص وفهمها والاستنتاج منها والقياس عليها. قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وإنّما العلم بالتعلم () وقال: «طلب العلم فريضة
(1) انظر الكندي: بيان الشرع 234/ 2.
(2) ابو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي السمدي النزوي (ت 508 هـ) من اشهر مؤلفاته (بيان الشرع).
(3) انظر البغدادي أصول الدين: 8 و 139 الفرق بين الفرق 311 - الشاطبي: الموافقات 91/ 1 ـ بدوي: مذاهب الإسلاميين 136/ 1 - 138) (أقسام العلوم عند العلّاف)، 597/ 1 (العلم الضروري والنظري عند الباقلاني (707/ 1) الفرق بين العلوم الضروري والبديهي عند
الجويني). (4) لقد أشرنا إلى ذلك في موضوع علاقة العقل بالسمع وسنعود إلى ذلك في موضوع النبوة
والرسالة.
،
(5) البخاري: العلم،10 خمس،7 اعتصام،10، م اصاره،175 زكاة،98، 100 ـ ت علم 4 جه مقدّمة 17 - دى مقدمة 24، رقاق 1، ط قدر 8
حم
306/ 1 وغيرها. (1/133)
صفحة 132
134
قسم الدراسة
(1)
على كل مسلم ولقد شدّد العلماء على من يدعي أن علم الديانة غير مكتسب عن طريق التعلّم يقول الجناوني: «وليس منا من قال يوجد شيء من
علم الديانة بغير تعليم»).
ثانيا - ما يسع جهله وما لا يسع:
إن الإباضية يقسمون العلم باعتبار التكليف الشرعي إلى قسمين كبيرين هما:
أ ـ ما يسع جهله.
ب - ما لا
يسع
جهله.
والمقصود بذلك التمييز بين ما يلزم علمه لزوما فوريًا بمجرد البلوغ وبين ما يتسامح في جهله. ولقد اعتنى الإباضيَّة بهذا المبحث اعتناء خاصا منذ عهد مبكر واعتبروا علم ما يسع جهله وعلم ما لا يسع جهله أصلي الدين كله يقول الكدمي: «وهذان الأصلان هما أصلا
جميع دين
الله لأنَّ
جميع دين
الله تبارك
وتعالى لا يخرج في حال من الأحوال من أحد هذين الأصلين وهذين الأمرين أصل يسع جهله وأصل لا يسع جهله» (3) كما عدوا الدين كله حدودا ثلاثة لا يتعداها وأوّل هذه الحدود هو معرف فة ما لا
يسع
جهله طرفة عين
(4)
وكثيرا ما تصدّر كتب أصول الدين عند الإباضيَّة بهذا المبحث كما هو الشّأن عند أبي الربيع سليمان بن يخلف في كتاب التحف.
(1) انظر تخريج هذا الحديث فيما يلي من هذا البحث قسم التحقيق. (2) الجناوني: عقيدة نفوسة 13 وانظر ابن جميع عقيدة التوحيد 12 ـ قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 363 وقارن بالقاضي عبد الجبار: المغني 220/ 12 وبما نقله بدوي عن ا العلاف: 138/ 1. (3) الكدمي: الاستقامة: 25/ 1. (4) انظر ابن جميع عقيدة التوحيد 5 الجناوني: الوضع 30 عقيدة نفوسة: 6، المحشي: حاشية الوضع 96، 97 والحدّان الآخران هما فعل ما لا يسع تركه (وهو جميع الفرائض) وترك ما لا يسع فعله (وهو جميع المعاصي). (1/134)
صفحة 133
كتاب التحف المخزونة
135
والملاحظ أنَّ علماءهم في هذا المجال فريقان منهم الموسع على الناس في كثير من الأمور) ومنهم المضيق عليهم).
منطلقا
(1)
ولقد عقد الوارجلاني فصلا في تسمية الموسعين والرد على المضيقين من نصوص التسيير الواردة في القرآن والحديث وملحا على أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان يركّز في دعوته على جملة التوحيد وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله (3) كما اعتبر الوارجلاني التضييق في هذه المسائل والحكم على جاهلها بالشرك تشديدا ومخالفة لما كان عليه المتقدمون (4) ولا ريب أنَّ أبرز المضيقين في هذا الباب هو أبو الرَّبيع سليمان بن يخلف فقد أوجب على البالغ معرفة زهاء عشرين خصلة (ه) ولقد ناقشه الوارجلاني في هذا التضييق مبينا أنَّ القرآن أورد ما هو أوكد من هذا ومع ذلك لم يوجب العلماء معرفته كما جاء في قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة: 136]. فرغم ذكر الأنبياء بأسمائهم فإنّه لا يلزم جميع المكلفين معرفتهم واحدًا واحدا بل الإجماع حاصل على أنَّ الإيمان بهم جملة من غير قصد إلى أحد بعينه مجز كما أنه لم يرد في نبوّة آدم مثلا ورسالته نص قطعي يوجب جهله (6)؟. في قسم ما لا.
الاعتقاد في ذلك فكيف تدرج معرف
فته
يسع
(1) مثل محمد بن محبوب وعبد الرحمن بن رستم وعزان بن الصقر وعمروس بن فتح وأبو خزر. (2) مثل أبو الربيع وأبو العباس أحمد بن محمد بن بكر.
(3) انظر الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 1، 7/ 2 وما بعدها.
(4) انظر ن م: مج 1، 23/ 2. (0) انظر ابن يخلف التحف ص 1، 2 الباب الأول.
(6) انظر الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 2، 146/ 3 - 150 وانظر عبد الرحيم فودة: من معاني
القرآن 128. (1/135)
صفحة 134
136
قسم الدراسة
والحقيقة أن ما ذكره أبو الربيع من تضييق في مسائل اعتقادية وجبت معرفتها عند أوّل البلوغ لا نجد له مستندًا قويا بل المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يكتفي عند دعوته المشركين إلى الإسلام بمطالبتهم بالشهادتين ثم يتعلمون هذه المسائل التفصيلية بعد إسلامهم بصفة تدريجية.
والوارجلاني رغم إكباره لأبي الربيع واعترافه بإحاطته بالموضوع من جميع جوانبه فإنّه يستاء بعدم ذكره لموقف الموسعين من المتقدمين يقول الوارجلاني: «اعلم أنَّ الشيخ أبا الرَّبيع سليمان بن يخلفه قد كفى وشفى في هذه المسائل لكنّه لم يذكر ممّا يسع الناس جهله من الإيمان إلا طريقة المتأخرين من أهل الدعوة» ().
ولقد ذكر الوارجلاني جملة من الموسعين يورد منهم: أ- عبد الرحمن بن رستم (3) فقد أشار في إحدى خطبه الجمعية إلى أنَّ من قرأ في الصلاة فاتحة الكتاب فقد تولّى جميع المسلمين وتبرأ من جميع الكافرين (3) ومن قرأ التشهد فقد أتى بالتوحيد الذي عليه (4) ولو هناك شيء يلزم العباد لأدرجه الرسول صلى الله عليه وسلم في الصلاة فإنها عمود الدين).
(3)
(1) ن م مج 1، 7/ 2.
(2) عبد الرحمن بن رستم ((ت 171 هـ) أحد حملة العلم إلى المغرب أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم ابن أبي كريمة كان الساعد الأيمن لأبي الخطاب عبد الأعلى المعافري في تأسيس دولتي طرابلس والقيروان ثمّ أسس الدولة الرستمية بتاهرت سنة 160 هـ. انظر عبد الرحمن بكلي: في تعليقه على قواعد الإسلام للجيطالي 13/ 1. (3) وذلك عند قراءته لقوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضالين).
(4) وذلك عند قوله: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
وأن ما جاء به حق من عند ربه».
(0) انظر الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 1، 17/ 2، 18. (1/136)
صفحة 135
كتاب التحف المخزونة
137
ب ـ عمروس بن فتح: فقد جوّز جهل ما يتعلق بتفسير الجملة (1) مثل نفي الحدود عن الله وإثبات القدرة والعلم له ما لم تقم الحجّة
بذلك (2).
ج - عزان بن الصقر (3)
د
شك فهو يقول: «من في التوراة والإنجيل والزبور والجنة والنار فإنّه يسع جهله ما لم يذكّر فإذا ذكر لم يسع ومن جهل أنَّ الله يبعث من في القبور فذلك واس فإذا ذكر لم يسع
جهله ... » (4).
أبو خرز: فقد ذهب إلى أنه يسع جهل جميع الحرام ما خلا الشرك الله والإصرار على ما حرم فمن لم يعرف
والاستحلال كما
حرم
الملائكة والنبيين هو موحد ما لم تقم عليه الحجة بشيء من ذلك
كذلك
من جهل حقيقة النفاق وكفر النّاقضين لما في أيدينا ولم
يفرّق بين الكبائر لا شيء عليه حتى تقوم عليه الحجّة).
وإذا كنا قد اقتصرنا على ذكر أربعة من الموسعين فإنّما ذلك من باب التمثيل وإلا فإنّ جمهور الإباضيَّة يركّزون على وجوب الإيمان
(1) تفسير الجملة مصطلح إباضي يراد به جملة الاعتقادات المتفرعة عن الشهادتين. (2) انظر الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 1، 18/ 2، عمروس بن فتح: الدينونة الصافية: 10. (3) أبو معاوية عزان بن الصقر (ت 278 هـ) من عقر نزوي. أخذ العلم عن أبي عبد الله محمد بن محبوب كان هو والفضل بن الحواري كفرسي رهان في العلم قيل عنهما أنهما في. عمان كالعينين في جبين. توفي بصحار سنة 278 وقيل سنة 268 هـ. انظر عمرو خليفة النامي: أجوبة ابن خلفون: 117 وانظر عبد الرحمن بكلي في تحقيقه لكتاب قواعد
الإسلام 14/ 1.
(4) انظر ن م: مج 1، 19/ 2.
(5) انظر م مج 1، 20/ 2 وانظر أبو خزر الرّدّ على جميع المخالفين: 23. (1/137)
صفحة 136
138
قسم الدراسة
بالشهادتين أمّا بقيّة الأقاويل فلا يلزمون النّاس بالإيمان بها حتى تقوم
الحجة (1).
والإيمان بالشهادتين هو المعبّر عنه عند الإباضيّة بجملة التوحيد وما المعروف عندهم بتفسير الجملة فما هو موقفهم من الجملة
ذلك سوي
هو
وتفسيرها وما هي جملة الأحكام المتصلة بهما؟.
(1) انظر اطفيش: شرح عقيدة التوحيد 52، ابن جعفر: الجامع 67/ 1، الشقصي: منهج الطالبين
537/ 1، الجيطالي: قواعد الإسلام 14/ 1. (1/138)
صفحة 137
كتاب التحف المخزونة
139
الأديات الترابي
الجملة وتفسيرها
إنّ هذين الاصطلاحين لا وجود لهما إلّا عند الإباضية وهذا لا يعني أنَّ مدلوليهما لا أثر لهما عند الفرق الإسلامية الأخرى بل إنّ ذلك مبحث مشترك بين جميع المسلمين باعتبار أن موضوعيهما يدوران حول العقيدة جملة وتفصيلا وما اختص به الإباضيَّة في هذا المجال إنما هو جانب شكلي يتعلق بالتسمية وكيفية طرق الموضوع وتبويبه. فما هي حقيقة كل من الجملة والتفسير وكيف تناولهما الإباضيَّة بالبحث والتحليل؟.
1) مفهوم الجملة
مما
وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن ما جاء به حق من عند الله (1). وتسمى هذه الجملة أيضا الثلاث (2) ومن العلماء من يكتفي بالجملتين الأولتين باعتبار أنَّ الجملة الثّالثة متضمنة في الثانية (3) بل هي زاده المسلمون بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك أن الوارجلاني يثبت أن أبا عيسى الأصبهاني وهو رجل من اليهود - قال إنّ محمّدًا رسول الله إلى الأمتين وليس برسول إلينا فاحتاط المسلمون في دعائهم فزادوا هذه العبارة (4).
(1) انظر: التوفي: السؤالات: 37، الجيطالي: القواعد 11/ 1 السالمي: المشارق 132 و 130 تع للمحقق 1.
ص
130
(2) انظر الجيطالي: قواعد الإسلام،11/ 1، قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 144. (3) انظر كتاب مشارق أنوار العقول السالمي: تع للمحقق. (4) انظر الوارجلاني: الدليل والبهان مج 1، 11/ 2 والملاحظ أن عبارة: «وأن ما جاء به حق من (1/139)
صفحة 138
140
قسم الدراسة
وسبب تسميتها بالجملة هو اشتمالها على معاني تعبّر عن كليات الإيمان التي تندرج تحتها جزئيات من اعتقاد وعمل (1).
2) أقسام الجملة:
وهي
قسمان رئيسيان
أ- الجملة التي انتظمت التوحيد وغيره وهي التي تشمل كل ما جاء به الإسلام من عقيدة وأحكام إذ شهادة أن لا إله إلا الله توحيد وشهادة أنَّ محمدا رسول الله وأن ما جاء به حق من عند الله تشمل بقية مسائل الدين ولذلك أطلق عليها أبو الربيع مصطلح «جملة الدين» (3).
ب ـ الجملة التي انتظمت التوحيد لا غير وهو قول الموحد: «ليس كمثله شيء والتفريق بين هذين القسمين إنّما كان على أساس التعريف المشهور للتوحيد وهو إفراد الألوهية وتنزيه الخالق ولذلك حصرت الجملة التي انتظمت على النوع الثاني من الجملة «جملة التوحيد» (3).
مفهوم تفسير الجملة
وهو
الأمور التفصيلية التي أمرنا باعتقادها وجملة الأوامر والنواهي ومن خلال هذا التعريف الموجز يتبيّن أنَّ تفسير الجملة صنفان:
عند الله» لم ترد في صيغة التشهد التي علمها الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه (انظر هذه الصفحة: السالمي ي: معارج الآمال (203/ 8) وفي الحديث: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ... ولم ترد فيه هذه العبارة. (1) انظر بن يخلف التحف 16 - أحمد بن. حمد الخليلي في تحقيق المشارق للسالمي تع 1 ص 130.
(2) انظر بن يخلف: التحف 15.
(3) انظر ن م وانظر نفس التقسيم عند الجناوني: عقيدة نفوسة: 7 وانظر السوفي:
السؤالات: 64. (1/140)
صفحة 139
كتاب التحف المخزونة
141
أ - تفسير اعتقادي: ويشمل جميع المعتقدات في الإسلام كالإيمان بصفات الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر وتحريم دماء المسلمين وتحليل دماء المشركين.
ب - تفسير علمي: ويتضمن كلّ الأحكام الشرعية الناجمة عن العقيدة الصحيحة ذلك أنَّ الاعتراف بالجملة يقتضي الوفاء بحق عبادة الله والاستسلام لحكمه في كل مجالات الحياة).
(4) وجوب الجملة والحدث فيها
أ- وجوبها: لا خلاف بين العلماء في وجوب الجملة على كلّ بالغ صحيح العقل ولا يثبت التوحيد لأحد إلا بأحد الوجوه الثلاثة التالية:
-
-
بمعرفة الجملة وذلك بالمشاهدة أو بشهادة الأمناء.
أن يكون متربيًا على فطرة الإسلام وذلك أيضا بالمشاهدة أو بشهادة الأمناء.
أن يكون ملازما لشريعة من شرائع الإسلام كالصلاة والحج وحضور الجنائز وقد جاء في الحديث: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان (3).
وعنه أنه قال: «عمار المساجد أهل الله» (3) وفي التنزيل {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَعَالَى الزَّكَوةَ وَلَمْ
(1) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول تعا للمحقق 131.
(2) انظر السوفي: السؤالات 274 والحديث ت الإيمان،8 تفسير سورة 9، جه مساجد 19 دي
صلاة 33
حم
67،68/ 3
(3) لم نعثر عليه في المعجم المفهرس لألفاظ الحديث. (1/141)
صفحة 140
142
قسم الدراسة
يَخشَ إِلَّا الله ... ) [التوبة: 18]. وكما أوجب الله اعتقاد الجملة فقد أوجب أيضا دعوة المشركين إليها قبل قتالهم والدليل على ذلك أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لما هو بعث عليا على سرية قال: «يا عليّ لا تقاتل القوم حتى تدعوهم وتنذرهم وبذلك أُمرت». وجيء بأسرى من حتى من أحياء العرب فلما تبين الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم لم يدعوا إلى الجملة أمر بتخلية سبيلهم وذلك بعد دعوتهم إلى التوحيد
وإقرارهم بالربوبية).
ب. الحدث
-
في الجملة: وهو إحداث شيء ينقض الجملة ويكون إما بإنكارها أو جهلها بعد قيام الحجّة بها أو الشك فيها شكليًا بين الحكم على المنكر والحكم على الشاك والجاهل فأثبتوا أنَّ المنكر مشرك شرك جحود لأنه جاحد بينما الشّاك والجاهل عدا مشركين شرك مساواة لتسويتهما
الله
بين وخلقه في الصفة (2).
وإذا كان المحدث في الجملة مشركًا اتفاقا فإنّه لا يسع جهل شركه ولا يسع جهل ضلالة من صوّبه أو تولاه كما لا. من شك في ذلك فقد ضلالة المصوّب أو المتولي له بل ذهب العلماء إلى ما هو أبعد من
يسع جهل ضلالة
ضيقوا على من جهل ضلالة الشاك في الساك إلى القيامة (3) واختلفوا في يوم شرك الشاك في شرك المُحدث فقالت طائفة بشركه (4) وحكمت طائفة أخرى
بكفره کفر نفاق (ه).
(1) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول: 134.
(2) انظر ن ر ن م 134 -
(3) انظر ن م.
136 -
(4) وهو قول الجيطالي (انظر كتابه قواعد الإسلام) وابن جميع انظر كتابه: مقدمة التوحيد)
انظر السالمي: المشارق 135.
(5) وهو قول الكدمي والسالمي وأكثر المشارقة. انظر السالمي: مشارق أنوار العقول: 135. (1/142)
صفحة 141
كتاب التحف المخزونة
143
ه) التلفظ بالجملة:
يذهب جمهور الإباضية (1) إلى أنَّ الإقرار بالجملة فرض إلى جانب الاعتقاد بالقلب ولا خروج من الشرك إلّا بالنطق والاعتقاد يقول الجيطالي: «فإذا أتى العبد بهذه الجمل الثلاث نطقا واعتقادًا فقد تم إيمانه فيما بينه وبن العباد وحقن بها دمه وماله» (2).
(4)
ولئن كان تارك التلفظ بالجملة مشركًا في حكم الجمهور ولا تجرى عليه أحكام الموحدين (3) إلا بعد النطق بالشهادتين فهو مؤمن عند الله إن كان مصدقا بالجملة في قرارة نفسه (4) غير أنّه في حكم الله عاص بترك واجب من الواجبات يقول السالمي: من ضيّع واحدًا من هذه الثلاثة (التصديق والقول والعمل) بعد لزومه فهو هالك ... » (5).
والحقيقة أنه لا يتصوّر تعمّد أحد من الموحدين ترك التلفظ بالجملة طيلة حياته إلا أن يكون ممن يرى أنَّ الإيمان تصديق بالقلب فقط (فيتخلّى عن الإقرار أمام الناس تأكيدا لمذهبه أو يكون من العاجزين عن النطق حقيقة (1) أو حكمًا (7).
(1) انظر: الفرسطائي: تبيين أفعال 8/ 3، السوفي: السؤالات 183، 184، قاسم الشماخي شرح اللؤلؤة 147 السالمي أنوار العقول 137. وقد خالف اطفيش الجمهور حين رأى أن الإيمان بالقلب كاف بدليل قوله تعالى: {وَقَلْبُهُ مُطْمَنُ بِالْإِيمَنِ) (النحل: 106] وقوله: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمنُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] فالإيمان عنده في القلب ويمكن الكشف عنه باللسان أو غيره (انظر ن م والصفحة نقلا عن اطفيش).
(2) الجيطالي: قواعد الإسلام 11/ 1 (3) كأحكام المناكحة والموارثة والجنازة والولاية.
(4) انظر: السوفي: السؤالات 48 قاسم الشّمّاخي: شرح اللؤلؤة 147، السالمي: بهجة الأنوار
71،70
(5) السالمي: المشارق 333.
(1) كأن يكون أخرس.
(7) كأن يكون خائفًا فيمتنع عن النطق تقية انظر قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 146. (1/143)
صفحة 142
144
قسم الدراسة
وإذا كان النطق بالشهادتين واجبًا عند الإباضية فهل يرون أيضا وجوب إعادة التلفظ بهما عند سماعهما أو خطورهما بالبال أم أنَّ ذلك لا يلزم إلا مرة واحدة في العمر؟ وهل يشترط الإتيان بهما بلفظ «أشهد» وبلغة عربية
وبصفة مرتبة؟.
أما مسألة تكرار النطق بالشهادتين فقد نبّه إليها السالمي مبينا أن أصح الأقوال هو عدم وجوب الإعادة ما لم ينقل عنهم مع كثرة ذكرهم للجملة تكرار التلفظ بها كلما سمعوها وإنّما المنقول عنهم وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا أسلم العبد وتلفظ بالشهادتين مرّة واحدة أدخلوه في حكم المسلمين ولم يطالبوه. ره بعد ذلك بشيء»).
وأما فيما يتعلق بصيغة الشّهادة فلم نجد من علماء الإباضية من يشترط لفظا معينا وإنما العبرة عندهم بمدلول الشهادة والإقرار الجازم إذ لا مانع من
أن يقول المقرّ بالشهادة «أعتقد عوض أشهد ما دام المعنى واحدا (3).
وأما اشتراط اللغة العربية في أداء الشّهادة فمختلف فيه ولئن كان الشماخي يشير إلى أن المذهب على ذلك إلا إن تعثر اللسان في بعض الحروف (3) فإنّ التوفي يقول بعد التصريح بالوجوب: «عن أبي زكرياء عن أبي الربيع سليمان. الله أنه تجزيه الجملة إذا أتى بها بلغته أي لغة
رحمهم
كانت غير اسم محمد صلى الله عليه وسلم أجابها مرة واحدة في مسجد زريق» (4). وإلى مثل
ذلك يذهب السالمي فيقول: «والصحيح أنه يجزيه» (5).
(1) السالمي: بهجة الأنوار 71، 72.
(2) انظر قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة: 145. (3) انظر قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 146، 147. (4) السوفي: السؤالات 37، 38.
(5) السالمي: مشارق أنوار العقول 139. (1/144)
صفحة 143
كتاب التحف المخزونة
وأما اشتراط الترتيب في أدائها فقد روى السالمي الخلاف بين
145
العلماء
في ذلك (1) غير أن أكثرهم يرون جواز الإتيان بالجملة منكوسة وزاد بعضهم
(2)
اشتراط حسن النية والمقصد من التنكيس (2).
(6) الفرق بين الجملة وتفسيرها
إن الجملة وإن كانت عامة ومشتملة على تفسيرها فإنّها تخالف عنه من
جوانب متعدّدة وهي:
أ ـ التنفيس في السؤال:
والمقصود إعطاء مهلة لمن قامت عليه الحجّة بشيء من ذلك حتى يتعلّم ويسأل. وفي هذا المجال وقع التفريق بين الجملة والتفسير باعتبار أنَّ الجملة مجمع على عدم التنفيس فيها لحظة واحدة بمجرّد قيام الحجة بها بينما تفسيرها مختلف فيه على ثلاث أقوال:
قائمة
القول الأول: لا ينفس إطلاقا في شيء من تفسير الجملة ما دامت الحجة وهو قول الكدمي وأحمد بن الحسين (3).
القول الثاني: التنفيس والتوسعة للمكلف الذي بلغه شيء من ذلك على وجه الإجمال ولم تتح له فرصة تعلّم شيء من ذلك على وجه التفصيل وهو
قول الموسعين فيما لا
يسع جهله (4).
(1) انظر ن م.
(2) ومعنى ذلك أن لا يقصد بالتنكيس تفضيل محمد على الله تعالى انظر ن م.
(3) انظر السالمي: المشارق 146.
(4) فمن قامت عليه الحجة بوجوب الصلاة ولم يجد معبرًا وسعه ترك الصلاة حتى يلقى المعبر وذلك على قول الموسعين. (1/145)
صفحة 144
146
قسم الدراسة
القول الثالث: وهو مذهب السالمي الذي يرى ضرورة التفريق في التفسير الاعتقادي بين الصفات الواجبة ملحقة بالجملة في امتناع التنفيس في السؤال عنها عند قيام الحجة بها بخلاف بقيّة الصفات والمسائل الاعتقادية (1) أمّا التفسير العلمي وإن لم يشر إليه فإنّه يفهم من كلامه تجويزه للتنفيس في السؤال عنه ذلك أنَّ الأعمال هي بلا شك في مرتبة أدنى من مرتبة العقائد والمتأمل في المسألة يرى أنَّ المكلّف إذا توفّرت لديه الأدلة القاطعة على أيّ جزء من أجزاء الاعتقاد لزمه اعتقاده وإذا بلغه حكم شرعي لزمه البحث عن الدليل الراجح إن كان مجتهدا أو الاطمئنان إلى العالم الذي يقلّده وبناء على ذلك لزمته المسارعة إلى التنفيذ بمجرد قيام الدليل أو السماع إلى فتوى
العالم المقلد.
ب - المحدث:
أما بالنسبة للتفسير فإنّ جمهور المشارقة يرون أنّه لا يسع جهل حكم المحدث فيه ـ كالجملة تماما - خلافا لمن يجوز جهل حكم الجاهل أو الشاك (2).
والمسألة تدور حول قيام الحجّة فمن قامت عليه الحجة بأمر من أمور العقيدة وجب عليه التسليم به فإن لم يفعل لزم تكفيره إلا أن يكون متأولا. ج - حكم التلفظ:
لئن كان الاختلاف حاصلا العلماء بين في وجوب التلفظ بالجملة فإنّ الإجماع منعقد على جواز الاكتفاء بالتصديق القلبي في كل ما يتعلق بالتفسير (3).
(1) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول: 146.
(2) انظر ن م.
(3) انظر ن م 146، 147. (1/146)
صفحة 145
كتاب التحف المخزونة
147
د - حكم تقرير التلفظ:
إذا كانت آراء العلماء متباينة في حكم إعادة التلفظ بالجملة كلّما ذكرت أو خطرت بالبال فإنّ الأمر على خلاف ذلك فيما يتعلق بالتفسير إذ العلماء متفقون جميعًا على عدم وجوب تقرير الإيمان بذلك).
ولا يخفى من خلال هذا المبحث أنَّ الجملة والتفسير إنما يلزمان المكلّف بعد قيام الحجة بهما فما المقصود؟ وما هي أسباب قيامها وما هي مواقف علماء الإباضية خاصة وعلماء الإسلام. عامة من كل ذلك.
(1) انظر ن م 147. (1/147)
صفحة 146
148
الحجة وكيفية قيامها
قسم الدراسة
1) مفهوم الحجة
أ ـ لغة: هي مصدر حج يحج بمعنى
ومنه الحج أي القصد مكة)
وحج العظم يحجّه إذا قطعه واستخرجه من الجرح (2).
والحجّة هي البرهان أو الوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة (3) وفي الحديث اللهم ثبت حجّتي في الدنيا والآخرة) أي قولي وإيماني (5) وعرفت الحجّة أيضا بأنها ما دلّ على صحة الدعوى (1) أو ما يقع به للناطق حقيقة
المنظور فيه (7).
ب ـ شرعًا: الحجة. البرهان والدليل بقيامه يثبت التكليف على البالغ العاقل).
(1) انظر ابن منظور لسان العرب مادة «حجج». (2) انظر ابن دريد جمهرة اللغة مادة حجج. (3) انظر تاج العروس مادّة. حجج.
(4) وتر 25 ـ ت دعوات 102 - جه دعاء 2 - حما
(0) انظر ابن منظور لسان العرب مادة «حجج».
(6) انظر السوفي: السؤالات 131.
227/ 1
(7) انظر ن م وانظر السالمي: بهجة أنوار العقول: 63.
(8) لم نعثر على تعريف شرعي خاص وإنّما استنتجنا هذا التعريف من خلال تناول العلماء
لهذا الموضوع. (1/148)
صفحة 147
كتاب التحف المخزونة
149
(2) علاقة موضوع الحجّة بمبحث الحسن والقبح:
أولا - نشأة البحث في قضية الحسن والقبح:
أثار موضوع الحجّة وكيفية قيامها المسلمين في مسألة استقلال العقل بالمعرفة ومدى قدرته على التحسين والتقبيح وأوّل فرقة إسلامية اعتنت بهذا الموضوع هي المعتزلة فقد اهتموا بتعريف الحسن والقبيح والتفريق بينهما وبيان أقسامهما وأحكام كلّ قسم منهما ثم صار المبحث بعد ذلك مشتركا مختلف الفرق الإسلامية من ماتريدية وأشعرية وغيرهم ولقد ذهب بعض المعاصرين إلى أن أصل القول بالتحسين والتقبيح إنما سببه التأثر بالثّقافتين الفارسية والهندية اللتين وضعتا البذور الأولى لوجوب المعارف عقلا (1).
بين
أما الإباضية فإنّ المشارقة منهم قد تناولوا هذا الموضوع منذ القرنين الرابع والخامس للهجرة مع كلّ من ابن بركة) والكدمي ثم تواصل البحث في هذا الموضوع إلى عصرنا هذا وأمّا المغاربة فإنّ الأوائل منهم لم يبحثوا أصلا في هذا الموضوع ولم يخصصوا له بابا أو فصلا إلّا ما ذكره الوارجلاني من القول بتقبيح العقل للمعاصي نقلا عن عمروس بن فتح (3).
ثانيا ـ تعريف كل من الحسن والقبيح: أما المعتزلة فإنّ أوضح التعريفات عندهم ما ذكره القاضي عبد الجبار حين حدد القبيح بأنه ما يستحق فاعله الدّم على فعله إن كان قادرًا ومخلّيّ
(1) انظر سهير: التنجيم عند المسلمين.
(2) أبو عبد الله محمد بن بركة من علماء الإباضية في القرن الرابع. من أهل عمان المشهورين بالمعرفة الواسعة. له من التآليف «الجامع» ط في جزئين وهو في الفقه انظر عمرو خليفة النامي في تحقيقه لكتاب أجوبة ابن خلفون: 113.
(3) انظر: الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 2، 308/ 3 والبينة لبقية المواقف سنتعرض إليها في مواضعها فيما يلي من هذا البحث. (1/149)
صفحة 148
10.
(1)
قسم الدراسة
بينه وبين الفعل دون أن يمنعه من فعله مانع وهو عالم بوقوعه على ذلك الوجه والحسن هو ما وقع على وجه لا يستحق فاعله بفعله الذم إذا علمه كما هو عليه () وأما الماتريدية فنختار من تعريفاتهم ما أورده ابن عبد الشكور من كون الحسن ما كان مشتملا على صفة الكمال أو ما كان ملائما للغرض
(2)
والقبح هو ما كان مخالفًا للغرض أو ما كان مشتملا على صفة النقص (3).
والفرق بين تعريفي المعتزلة والماتريدية هو أنَّ الأوائل (أي المعتزلة)
نظروا إلى الفعل من حيث استحقاق المدح أو الذم بينما نظر الماتريدية إلى الموضوع من زاوية اتصاف الفعل بالكمال أو النقص أو ملاءمة الغرض ومخالفته والنتيجة واحدة باعتبار أنَّ ما كان كاملا أو ملائما للغرض استحق المدح هو الحسن وخلافه القبيح ويبقى الفرق بين المعتزلة والماتريدية في الإيجاب للفعل والإلزام به ذلك أنَّ الماتريدية يرون أنَّ الموجب الوحيد هو الله تعالى ولا دخل للعقل في الإلزام خلافا للمعتزلة (4).
وأما الأشاعرة فإنّهم يرون أنَّ الحسن هو ما حسنه الشرع وأثنى على فاعله بل إن الجويني يذهب إلى أنَّ الحسن والقبح ليسا إلا ورود الأمر والنهي) والفرق بين الماتريدية والأشاعرة في هذا المجال هو أنَّ الماتريدية يرون أنَّ العقل قادر على كشف وجه الحسن والقبح في الفعل بينما الأشاعرة يعتبرون ذلك من اختصاص الشرع غير أنَّ المتأخرين منهم عدلوا من موقفهم وذلك عندما قسموا الحسن والقبح إلى اعتبارات ثلاثة:
(1) انظر القاضي عبد الجبار المفيتي 18/ 6.
(2) انظر المصدر: 31/ 6.
(3) انظر: ابن عبد الشكور فواتح الرحموت 25/ 1.
(4) انظر: ابن عبد الشكور: فواتح الرّحموت 25/ 1 وانظر الالوسي: روح المعاني مج 39/ 15.
(5) انظر الجويني: الإرشاد: 258، 261. (1/150)
صفحة 149
كتاب التحف المخزونة
151
أ- الحسن ما وافق الغرض والقبح ما خالفه أي باعتبار ما يحققه الفعل
من
مصلحة أو مفسدة.
ب - الحسن ما كان فيه صفة الكمال والقبح ما كان فيه صفة النقص.
ج - الحسن ما كان لفاعله مدح وثواب والقبح ما كان لفاعله ذمّ وعقاب) خلال هذه الاعتبارت الثلاثة يتبيّن ميل الأشاعرة إلى الماتريدية
من
واقترابهم منهم في اعتبار قدرة العقل على اكتشاف الحسن والقبح.
وأما الإباضية فإنّ تعريفهم للحسن والقبح مماثل تماما لما تبنّاه متأخرو الأشاعرة ولقد عرض السالمي أيضًا الاعتبارات الثلاثة المذكورة آنفا وعلّق عليها بأن الاعتبارين الأولين متفق عليها بين الإباضية والمعتزلة والاعتبار محل النزاع بينهم) وهو نفس الموقف الذي ذكره الإيجي حين قال: «الثالث تعلّق المدح والقواب أو الدّم والعقاب وهذا هو محل النزاع فهو عندنا شرعي وعند المعتزلة عقلي» (3).
الثالث
هو
(2)
الحجّة في معرفة الله تعالى:
إن أوّل ركن من معرفة هذا الركن تدرك بالضرورة والبديهة العقلية أم أنَّ التأمل شرط في ذلك
أركان العقيدة الإسلامية هو الإيمان بالله تعالى فهل أنَّ
حسنه
هذه
(1) انظر الإيجي: المواقف 323، 324. ولقد عرض الغزالي ثلاثة تعريفات قريبة من. الاعتبارات وهي: ـ أ ـ الحسن ما وافق غرض الفاعل والقبح ما خالفه. ـ ب ـ الحسن ما، الشرع والقبح خلافه - ج - الحسن ما كان لفاعله أن يفعل وضدّه القبيح. وعلق على هذه المعاني الثلاثة بأن لا تعارض بيهما مبينا أن الفعل لا يتميز عن غيره إلا بموافقة الغرض أو مخالفته وذلك عند عدم ورود الشرع وهذا دليل على اقترابه من موقف المعتزلة
(انظر الغزالي: المستصفى 56/ 1، 57). (2) انظر السالمي: معارج الآمال 164/ 1. (3) الإيجي: المواقف: 324. (1/151)
صفحة 150
152
قسم الدراسة
أن هذه المعرفة لا تنال إلّا بالتعلّم وللجواب على هذا السؤال يتعين علينا
عرض ثلاثة مواقف في هذا المجال:
أ - معرفة الله تدرك بالضرورة)
«ولا
وهو
لقد سبق أن أشرنا إلى أنَّ للعقل ضرورات وأولويات يقوم عليها التفكير وبناء على ذلك رأت طائفة من العلماء أن معرفة الله تعالى هي إحدى هذه الضرورات ذلك أنَّ العقل عندهم يدرك لأول وهلة وبصفة بديهية وبلا تردّد ومعنى ذلك أنَّ أنَّ لهذه الصنعة لا بد من صانع باعتبار أنَّ لكلّ معلول علة معرفة الله تعالى بديهة عقلية لا تحتاج إلى قوة نظر واستدلال يقول السالمي: يوجد عاقل كامل العقل متفردًا في جزيرة أو متصلا بغيره إلا. عارف أن له صانعا فإما أن تأخذ به يد العناية فيوفّق وأما أن يعتقد أنَّ صانعه غيره تعالى فيهلك أو يتردّد في صانعه فيهلك بإشراكه أيضا» (3). والوارجلاني بعد إثبات التدرّج في اكتمال العقل يصل إلى أنَّ الصبي عند بلوغه سن الرابعة عشر تقوى حاسة عقليّة فيكتنفه علمان علم الحواس وعلم العقل فيدرك بالضرورة أنَّ الحدث يحتاج إلى محدث يقول في توضيح ذلك: وقد حصل في مكنون عقله أنَّ الحدث يحتاج إلى محدث بدليل أن الصبي يقول من أحدث هذا؟ أو من جاء بهذا؟ أو من صاحب هذا؟ فكان هذا الاعتقاد ضروريًا ... » (3).
(1) عرف الوارجلاني الضرورة بأنها ما لا يتطرّق إليه الشك ولا يمكن للعاقل دفعه انظر كتابه الدليل والبرهان مج 2، 324/ 3 وانظر المارغني: رسالة الفرق 58. (2) السالمي مشارق أنوار العقول: 132 وانظر الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 2، 324/ 3، المحشي: حاشية الوضع 19 ـ 31 لكنّه في نفس الوقت يروي عن صا-
معرفة الله لا تنال بالاضطرار ولا يناقشه في ذلك.
(3) الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 2، 303/ 3.
الديانات أن (1/152)
صفحة 151
كتاب التحف المخزونة
153
ب ـ معرفة الله تدرك بالتأمل والتفكير:
ومعنى ذلك أنَّ الإنسان بالنظر في الموجودات والتأمل في أسرارها وعجائبها يدرك أنَّ للكون خالقا ومبدعا يقول الكندي: «وأوّل الحجّة على العبد العقل. وعرف العبد ربه تعالى بآياته وما يشاهد بين السماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر وما فيهما من آثار صنيعة التدبير وما في نفسه خاصة من أثر التدبير وعلمه أنَّ لهذه الأشياء منه ومن غيره خالقا واحدًا مدبّرا ليس كمثله شيء»).
ولقد نحا هذا المنحى كثير من القدامى والمحدثين من علماء الإباضية (2) بل إنّ الفرسطائي يلح على أنَّ أفضل التفكير إنّما هو في التوحيد خاصة منه الاستدلال على حدث المصنوعات (3).
ج - معرفة الله لا تنال إلا بالتعلّم:
لقد ذهبت جماعة أخرى من علماء الإباضية المغاربة إلى أنَّ معرفة الله لا
تحصل بالضرورة ولا بالنظر العقلي وإنّما يكتسبها الإنسان اكتسابا بواسطة
أنَّ
التعلّم) شأنها في ذلك شأن الصناعات والحرف بل إنّ أبا عمار يرى عرفة الله أدق وأغمض ولذلك كانت من الأولى ألا تعلم إلا بالتعلّم ولاحظ
معرم
(1) الكندي: بيان الشرع 236/ 2 وانظر ن م 279/ 2. (2) انظر السير والجوابات: 88 سيرة أبي قحطان البسياني: السيرة: 42، اطفيش: شامل الأصل والفرع 21/ 1، كشف الكرب 63/ 1، الخليلي: جواهر التفسير: 289/ 1، 290، البطاشي: غاية المأمول 51، الأصم النور،193، السيابي فصل الخطاب 21/ 1، الكندي: بيان الشرع 236/ 2، 279، 281، المصعبي: حاشية على تبغورين: 056
(3) انظر الفرسطائي وإلى مثل هذا الراي يذهب الطوسي مثبتا أن معرفة الله لا تنال إلا بالنظر ينظر كتابه: الاقتصاد فيما يتعلّق بالاعتقاد: 42.
(4) انظر عامر الشماخي الديانات 45، الثلاتي: شرح الديانات 76، 77، المصعبي شرح
الديانات: 51 52، المحشي: حاشية الوضع 113. (1/153)
صفحة 152
154
قسم الدراسة
أنَّ كثيرًا من ذلك الحكم بوجوب الاعتماد على المنبه والمخبر الذي يوجه العقل إلى التفكير والتأمل في الكائنات ولو أنَّ الله أسلم عباده إلى عقولهم ما عرف واحد منهم ربه) والجدير بالملاحظة أنَّ هذا الاتجاه لا ينفي دور العقل في رفة الله وإنّما الذي يرفضه هو استقلاله بهذه المعرفة باعتبار أنَّ هذه المعرفة لا تنال بالتفكير وهذا ما عناه قاسم الشماخي بعبارة: «ما دلّت عليه الأنباء والعلامات والكائنات (2). فالعقل له القدرة على التأمل والتفكير في الحوادث لاستخلاص وجود الله وعظمته لكنه يحتاج إلى من يدعوه إلى النظر ويرشده إليه.
العقلاء أمعنوا التفكير فوصلوا إلى القول بتعدد الآلهة وبنى على
معرم
والمشكلة مطروحة خاصة بالنسبة لمن هو منقطع في جزيرة لا تصله أخبار الرّسل ولا أحد من النّاس بأية وسيلة من الوسائل فهل بإمكانه معرفة خالقه وماذا عليه لو لم ينظر ولم يعرف خالقه؟.
أما القائلون بأن معرفة الله تدرك بالعقل - إما بالضرورة وإما بالتأمل - فإنّهم لا يعذرون صاحب الجزيرة ما دام الله أودع فيه عقلا قادرًا على النظر والمعرفة يقول امحمد اطفيش وصاحب الجزيرة مثلا غير معذور في التوحيد لأن في ذاته وسائر العالم آيات ... » (3).
وأما القائلون بأن معرفة الله لا تدرك إلّا بالتعلم فإنّهم رغم نفيهم لاستقلال العقل بمعرف فة الله لم يعذروا أيضا صاحب الجزيرة وحجتهم في
(1) انظر: أبو عمار: الموجز 139/ 2 - 152 وقد ردّ على المعتزلة في قولهم بإمكانية استقلال العقل بمعرفة الله معتبرا أن ذلك شبيه بقول البراهمة أن لا حاجة إلى بعثة الرسل ما دام
العقل قادرا على إدراك وجوه العدل والإنصاف.
(2) انظر قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة: 15. (3) اطفيش كشف الكرب 63/ 1 وانظر كتابه شامل الأصل والفرع 21/ 1 وانظر الشقصي: منهج الطالبين،55/ 2، 56، البسياني: 3، الكندي: بيان الشرع،281/ 2، 301، الكدمي: المعتبر 63/ 1. (1/154)
صفحة 153
كتاب التحف المخزونة
155
ذلك قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَغَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [المائدة: 67] ثمّ قال:
فَنَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ} [الذاريات: 54] ومن المعلوم أنه بلغ جميع جنتهم وجهنم "
(1)
العقلاء
والملاحظ أنَّ الإباضية على اختلاف مواقفهم من كيفية حصول معرفة الله يوافقون المعتزلة (2) وطائفة من الماتريدية (3) في قطع عذر المنقطع في الجزيرة في مسألة الإيمان بالله تعالى. ولا يخفى أن حجة الفريق الأول أوضح أو أبين من استدلال الفريق الثاني ذلك لأنَّ العقل لا يسلّم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بلغ جميع العقلاء، وإن كانت دعوته عالمية، وإنما الواقع أنه هو وأصحابه ومن اقتدي بسنته في تبليغ دعوة الإسلام إلى الناس بقدر الطاقة البشرية ولا يستحيل أن توجد طائفة قليلة من النّاس في: عصر من العصور لم تبلغها دعوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.
جد
4 صفات الله تعالى:
لقد ذهب بعض من علماء الإباضيَّة إلى أنَّ الحجّة في الصفات العقل ولو لم يرد بذلك شرع فالكدمي مثلا يرى أنَّ معرفة صفات الذات والأفعال
(1) انظر: المحشي: حاشية الوضع 19، 20، المصعبي: حاشية تبغورين 52، قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة: 176.
(2) انظر: القاضي عبد الجبار: المغني 274/ 12 وانظر الزمخشري: الكشاف 583/ 1 فقد بيّن أ إرسال الرسل إنّما كان إزاحة للعلة وتتميما لإلزام الحجة.
أن
(3) لقد عرض صاحب فواتح الرّحموت موقف معظم الحنفية من ذلك فقال: «هذا قول معظم الحنفية كالشيخ الإمام علم الهدى أبي منصور الماتريدي والإمام فخر الإسلام (أي البزدوي) وصاحب الميزان واختاره صدر الشريعة وغيره» (عبد العلي: فواتح الرحموت 28/ 1) وقد اشترط المصنّف والشارح في قطع عذره الإمهال للتأمل ما لم يعتقد كفرا وقد خالف في ذلك ابن الهمام فرأى عدم مؤاخذته على شيء ولو أتى بالشرك انظر ن م ص 29. (1/155)
صفحة 154
107
وبآياته
قسم الدراسة
واجبة بالعقل ولو لم يأت بذلك خبر ولا رسول وكتاب ويعلل ذلك بقوله: «لأنه لا يجوز في العقول إلا الاعتراف الله تبارك وتعالى بعدله وبثبوته له وصفته عمّن سواه من خلقه»). واحتج بقوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} [البقرة: 213]. على أنَّ الناس كانوا مجمعين على معرفة الله وصفاته ولما اختلفوا في عبادته قبل أن يرسل إليهم الرسل جاءت الكتب والرسل مبشرة بثواب المطبع وعقاب العاصي"
(2)
الشقصي من بعده ينهج نفس المسلك فيقول: «وإذا لزمه علم الله بعقله لزمه علم صفات الله بعقله التي لا يجوز أن يوصف بها غيره» (3).
وإذا كان الكدمي والشقصي قد تبيّنا هذا الموقف فإنّ جمهور الإباضية على خلاف ذلك (4).
ولقد اقترب السالمي من موقف الشقصي في اعتبار العقل حجّة في الصفات المستحيلة والواجبة والجائزة (5) لكنّه خالفه في تقييد ذلك بالخطور على البال فمن خطرت على باله صفة صفات الكمال وجب عليه وصف من الله تعالى بها ومن خطرت بباله صفة نقص لزمه تنزيه الله تعالى عنها ومن خطر بباله أنَّ الله يرسل الرسل وينزل الكتب ويثيب المطيع ويعاقب العاصي الأفعال الجائزة في حقه: «فإنّه ليس له بعد خطور ذلك بباله
وما إلى ذلك.
من
(1) الكدمي: المعتبر 63/ 1.
(2) انظر ن م: 64.
(3) الشقصي: منهج الطالبين 55/ 2، 56.
(4) انظر جميل بن خمس: قاموس الشريعة،9/ 7 التيابي فصل الخطاب 21/ 1، الريامي: حلّ المشكلات 26، امحمد اطفيش: شامل الأصل والفرع 25/ 1.
(0) الصفات الواجبة
هي
، ما يلزم إثباته الله تعالى كالعلم والقدرة والإرادة والسمع ... المستحيلة وهي ما يلزم نفيه عن الله تعالى كالجهل والعجز والجائزة هي. ما جاز أن يتصف به تعالى كإيجاد الخلق وإفنائهم وإرسال الرسل وما إلى ذلك انظر السالمي: معارج الآمال 129/ 1. (1/156)
صفحة 155
كتاب التحف المخزونة
157
أن ينفي شيئًا منها ولو لم يسمع بصحة ذلك من طريق السمع فإنّ العقل.
الحجة في إثبات صحة ذلك»).
معرفة الأسماء (2) والأوامر والنواهي:
إن الإباضيَّة متفقون على أنَّ.
(3)
معرفة.
هو
جميع الأسماء والأحكام الشرعية لا
تكون إلا بواسطة السمع يقول السالمي: «فربّنا تعالى جعل العقل حجّة فيما يمكن معرفته بالعقل وجعل السمع حجة فيما لا يدرك إلا بالسمع فيدخل تحت هذا أسماء الله تعالى والتشهد بالجملة والعبادات العملية والمحرمات التركية فجميعها لا يدرك إلا من جهة النقل (4).
فالعقل لا محالة عاجز عن إدراك الأسماء استقلالا كما أنه عاجز عن إدراك ما يرضى الرّبّ في العبادات والقربات أما معرفة الحسن وتمييزه عن القبيح فإنّ من العلماء من يرى قدرة العقل على اكتشاف ذلك ولو لم يرد شرع مبين لوجه الحسن والقبح.
معر
رفة المعاصي طبيعة
فالوارجلاني مثلا ينقل عن عمروس بن أن فطرية في الإنسان من ذلك أنه يستقبح من نفسه التقدم إلى ملك غيره دون
هي
واجبة
(1) ن م والصفحة. وبالنسبة لإلزام الشقصي المكلّف المعرفة الإجمالية بالصفات الجائزة الله تعالى عند عدم ورود السمع انظر كتابه منهج الطالبين 56/ 2، 58 فرأى أن العقل يستقل بوجوب معرفة الرّسل كاستقلاله بوجوب معرفة الله بينما معرفة المعاد عنده بالشرع لا بالعقل انظر كتابه أصول الدين 64، 65. (2) الأسماء كاسم ربّ العزّة «الله» جل جلاله ومحمد صلى الله عليه وسلم والجنة والنار بأسمائها. (3) انظر الكدمي: المعتبر 60/ 1، 72 - 74، الشقصي: منهج الطالبين 56/ 2 ـ 58 جميل بن خميس قاموس الشريعة،9/ 7، 11 الريامي: حل المشكلات: 26 السالمي: معارج الأمال 128/ 1، 148، بهجة الأنوار (73/ 1، 74، مشارق الأنوار 132 اطفيش: شامل الأصل والفرع 21/ 1، السيابي: فصل الخطاب: 21/ 1، الأصم: النور: 193.
(4) السالمي: معارج الآمال 145/ 1 وانظر الخروصي: الفتح المبين 104. (1/157)
صفحة 156
158
قسم الدراسة
إذن ويعلّق الوارجلاني على ذلك بأنَّ جلّ المعاصي قبيحة في النفس على أساس أن طبع بني آدم يستقبح السيئات (1) وفي هذا السياق يرى الكدمي وابن بركة أنَّ العقل قادر على معرفة وجوب العدل والإنصاف وتحريم الظلم ولذلك يلزم ابن بركة المنقطع في الجزيرة بترك ما قبح في عقله كذبح الحيوانات (3) كما أنَّ الكدمي يذهب إلى أنَّ من قامت عليه حجّة وجوب الصلاة مثلا ولم يجد معبرا (3) فإنّه يتعين عليه أن يؤديها على ما حسن في والفرق بين الكدمي وابن بركة في هذا المجال هو أنَّ الأوّل يلزم المكلف باتباع ما حسن في العقل واجتناب ما قبح فيه والثاني يحصر التكليف في ترك القبيح دون أن يفرض على العبد فعل الحسن.
عقله (4)
لذلك
ولقد وافق الكدمي كل من ابن جعفر (ه) والريامي (6) والشقصي (7) فالشقصي مثلا يلح على وجوب قطع عذر المكلف إن هو اتبع الباطل رغم إدراك العقل ويحتج. بموقف أحد السلف فيقول: «وقال بشير (8) لو أنَّ رجلا ضرب رجلا بخشبة أو ما فوق ذلك لألزمنا الضارب البراءة لأنه قد قامت عليه الحجة في العقل إنّ ذلك ظلم قال هذا وأشبهه من حجة من العقل»).
(1) انظر الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 2، 308/ 3. (2) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول 45، 46، 100.
(3) المعبر هو المفسر للحكم الشرعي والمخبر به والمبين لكيفية تطبيقه.
(4) انظر الكدمي: المعتبر 110/ 1.
(0) انظر ابن جعفر: الجامع 73/ 1. (6) انظر الريامي: حل المشكلات 22 - 24.
(7) انظر الشقصي: منهج الطالبين 539/ 1 ـ 544.
(8) بشير بن المنذر النزواني من علماء القرن الثاني وهو من أهل عقر نزوى كان يسمّى الشيخ الكبير وهو المراد في الأثر العُماني. كان يروي فتاويه عن الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة و جابر بن زيد وأبي نوح. انظر سالم بن حمود السيابي: طبقات المعهد الرياضي في
حلقات المذهب الإباضي: 43.
(9) ن م 20/ 2 وانظر ن م 28/ 2. (1/158)
صفحة 157
كتاب التحف المخزونة
159
(1)
كما أنَّ ظاهر كلام الكندي والخليلي) يفيد موافقتهما لابن بركة فيما
ذهب إليه من اعتياد تقبيح العقل عند عدم ورود الشرع.
تعذر
فالكندي يمثل لذلك بمعاونة رجل لرجل آخر يقتل ذوات الأرواح أو يعذبها فيحكم عليه بوجوب الإنكار لأن هذا الفعل جور في حكم العقل (2) والخليلي يصرح بوجوب استخدام العقل عند تعذر الوصول إلى الشع ويستدل لمذهب الكدمي وابن بركة فيقول: ونحن نسلّم أن الشرع هو الحكم في العقائد والأعمال ولكنا نرى وجوب استخدام العقل مع الوصول إلى الشرع وهذا يقضي أن يتجنّب الإنسان كلّ ما يستقبحه عقله قبل التوصل إلى حكمه الشرعي ولا ريب أنَّ العقول السيلمة كلّها تقضي بمنع الاعتداء والظلم والفساد لأجل ذلك ذهب من ذهب من علمائنا كالإماميين أبي سعيد وابن بركة إلى وجوب تحكيم العقل عند تعذر الوصول إلى الشرع حتى في الأمور العلمية» (3).
المعتزلة هو
والجدير بالذكر أن الفرق بين هؤلاء العلماء من الإباضية وبين أن الأخيرين يرون أن الحسن هو ما حسّنه العقل ولا يمكن أن يرد الشرع بخلافه بينما يرى أولائك أنَّ العقل لا يمكن أن يكون حاكمًا إلا عند عدم ورود الشرع فإذا ورد الشرع بخلافه وجب المصير إليه والعدول عن الفعل والتوبة منه ولذلك أوجبوا على المكلف الذي لم
(1)
أحمد. هو
(4)
بن حمد الخليلي مفتي سلطنة عُمان العام حاليا. عالم الإباضية في المشرق والمغرب له من التأليف جواهر التفسير في تفسير القرآن الكريم طبع منه إلى حد الآن أربعة أجزاء. وله أشرطة ومحاضرات وفتاوى كثيرة.
(2) انظر الكندي: بيان الشرع 301/ 2، 302.
(3) أحمد بن حمد الخليلي: جواهر التفسير 290/ 1.
(4) انظر السالمي: مشارق أنوار 45 معارج الآمال،176/ 1 الريامي: حل المشكلات 24، 25. (1/159)
صفحة 158
17.
قسم الدراسة
يصله الشرع اعتقاد السؤال والبحث عن المعبّر والدينونة بوجوب اتباع الحق عندما يكشف عنه الشرع).
وبقطع النظر عن قضيّة إمكان تحكيم العقل عند ورود الشرع إن أكثر علماء الإباضية يرون إجمالاً أنَّ الحجّة في المعقولات العقل وفي المسموعات السمع يقول البطاشي) فما كانت معرفته بالعقل وجب عند صحته وما كانت معرفته بالسماع وجب عند حصوله (3). وأما ما ذكره الأشعري والبغدادي من أنَّ فريقًا من الإباضية يذهب إلى أنه لا حجة الله على الخلق في التوحيد وغيره إلا بالخبر أو ما يقوم مقام الخبر من إشارة وإيماء (4) فإنّما هو منطبق على المغاربة منهم فما في ذلك؟ والفرق بينهم وبين موقف المشارقة من القضية؟.
ه حجة الله على عباده عند المغاربة:
هي
مقالتهم
إن جمهور المغاربة يرفضون حجّة العقل ويرون أنَّ حجّة الله على عباده
(1) يقول السالمي:
واعتقد السؤال إن لم تستطع معبرا نور هداه تتبع
لكن عليك أن تؤديه كما
رأيت من
أدائه متمما
المشارق: 102 ولقد كان السالمي يتبنى هذا الموقف ثم ظهر له خلافه فصار إلى قول الجمهور وهو عدم التكليف بالأوامر والنواهي عند عدم ورود الشرع انظر ن م: 46. (2) محمد بن شامس البطاشي: من علماء الإباضية المعاصرين. له من التأليف «غاية المأمول في علم الفروع والأصول، ط في عدة أجزاء. كما قام بنظم كتاب شرح النيل لامحمد بن يوسف اطفيش. (3) البطاشي: غاية المأمول: 5/ 1 وإلى مثل ذلك يذهب الطوسي من الإمامية انظر كتابه: الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد: 86 (ويمثل لما يعلم بالعقل بمعرفة قبح الظلم ووجوب ردّ الوديعة والإنصاف ووجوب قضاء الدين وحسن الإحسان ويمثل لما لا يعلم إلا بالشرع بوجوب الصلاة والزكاة وقبح شرب الخمر والزنا.
(4) انظر: الأشعري: مقالات الإسلاميين،186/ 1 البغدادي: الفرق بين الفرق 85. (1/160)
صفحة 159
كتاب التحف المخزونة
161
الكتب والرسل وقد لزمت جميع البالغين صحيحي العقول بسماع وبغير سماع ولا عذر لأحد في عصيان الله سمع أو لو يسمع لكنهم فرقوا في ذلك بين من كان على دين نبي من ن الأنبياء ومن كان على غير ذلك فعذروا الأوّل واعتبروا الحجّة قائمة عليه بالسماع وقطعوا عذر الثاني سمع أو لم يسمع فإن سمع فبفضل الله وإن لم يسمع فبعدل الله وتفريطه في التعلم الذي أوجبه الله تعالى على جميع عباده بقوله: {فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7] وبقوله: طلب العلم فريضة على كل مسلم وقوله: «اطلبوا العلم ولو بالصين».
ولقد ناقش هذا الفريق من الإباضيَّة المعتزلة وابن الحسين في اعتبار أنَّ حجّة الله على العباد هي العقل كما ناقشوا عبد الله بن يزيد الفزاري وأصحابه في قولهم إنّ النّاس جميعا قد سمعوا حجة الله في حال
الطفولة).
أما بالنسبة لمناقشة أصحاب حجّة العقل فقد سبق أن أشرنا إلى أنَّ المغاربة يرون أنَّ العقول لا تقدر على معرفة الصانع ولا ما دونه إلا بالتعلّم قياسا على معرفة الصناعات. ولو كانت المعرفة بالعقل ما بعث الله رسولا إلى خلقه ولا أحلّ لهم حلالا ولا حرّم عليهم حراما حيث يكون العباد مكتفين بما يجدونه في عقولهم من المعارف كما استدلوا بآيات كثيرة تعرب عن كون الرسل هم الحجّة وليست العقول قال تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حكيما) [النساء: 165] وقال: {يَأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٌ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرُ وَنَذِيرٌ
(1) انظر تبغورين: أصول الدين 45 - 49 المصعبي: حاشية على تبغورين: 53 وما بعدها التلاتي:
نخبة المتين: 106. (1/161)
صفحة 160
162
قسم الدراسة
وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ) [المائدة: 19] وقال: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثُ رَسُولا) [الإسراء: 15).
كما دحضوا مقالة المعتزلة بحجّة أنَّ اختلاف العقول دال على أنَّ الاحتكام
لا يكون إلا للرسل إذ لولاهم لاستمر التنازع بين الناس (2).
وأما بالنسبة لمناقشة عبد الله بن يزيد فإنّ أبا عمّار قد أولى لهذا الموضوع اهتماما كبيرا فنقل مناظرة وقعت بين عبد الله بن يزيد النكاري
وسعيد بن الحداد ثمّ رجّح بعدها حجّة الأخير مثبتا أنها أقرب للرشد (3). والملاحظ في هذه المحاورة أنَّ كلا من المتناظرين اهتم باستخراج مواطن الضعف في حجّة خصمه وإبراز مدى مفارقة مقالته لمقالة المعتزلة. الله ذلك أن سعيدًا لما قال حجّة الرّسول قامت على جميع الناس حاجه عبد بأن هذا القول يقتضي اعتبار حجّة العقل لأنَّ من لم يسمع لا يمكن أن تقوم عليه الحجة إلا من جهة العقل غير أن سعيدًا عدل عن سؤاله إلى محاجة خصمه بأن إقامة الحجة بالسماع مماثل لمقالة المعتزلة الذين عذروا من جهل محمّدًا وما جاء به واحتج عليه بأنه فرار من الوقوع في مقالة المعتزلة اضطر إلى ترقيع مقالته بعبارة «وقد سمعوا جميعا ويعتبر سعيد هذا الترقيع من عبد الله إذ كيف يعقل أن يكون النّاس جميعا قد سمعوا والحال أنه
سقطة
(1) انظر أبو عمار: الموجز 147/ 2 - 149، المحشي: حاشية الوضع: 20، الثلاتي: شرح الديانات 77، 78. ومن الآيات التي احتجوا بها أيضا الأنعام 156 المؤمنين 44 ـ فاطر 24 ـ المُلك 9 غافر 56 ـ إبراهيم 4 - طه 134 - القصص 47 - هود 116 ـ يونس 98 ـ الأعراف 159 ـ
آل عمران 113.
(2) انظر أبو عمار: الموجز 152/ 2 - 154. (3) انظر أبو عمار: الموجز 155/ 2 - 163 وانظر كذلك الشماخي: السير 26 وما بعدها وانظر
كذلك مناظرة أبي نوح مع ويكما النّكاري طبقات الدرجيني 148/ 2، 149. (1/162)
صفحة 161
=
كتاب التحف المخزونة
يعذر
مقالته
من
163
كان على دين نبي ولم تبلغه الدّعوة (1) وبهذا يكشف عن تناقض
ثم انتهى سعيد أخيرًا إلى تبرئة نفسه من موافقة المعتزلة ذلك أنهم عذروا من جهل محمّدًا ورسالته بينما هو لم يعذر أحدا سمع أو لم يسمع في مجال الاعتقاد أو غيره (3).
وبعد ترجيح رأي سعيد لاحظ أبو عمار أنَّ قول عبد الله وأصحابه إنّ الناس جميعا سمعوا الجملة. ساقط ذلك أن دعوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لم تبلغ أول يوم بعث فيه فمن مات منهم في أول يوم الدعوة وهو في
جميع
الناس في
كلام.
أدنى الأرض لا يمكن أن تبلغه الدّعوة في مثل هذه السرعة من الزمن (3). والملاحظ أن أبا عمار حين أحرج بقبضته قطع عذر من لم يكن على دين نبي ولم تبلغه الدّعوة اضطر إلى تعليل ذلك بتوفّر النظر السليم) وهذا إقرار منه بحجة العقل عند عدم ورود الشرع وإلا فكيف يكلف الله الإنسان معرفة ما لا يتوصل إليه عقله ولم يخبره به أي مخبر وبالمقارنة بين مواقف الوهبية والنكار والمشارقة من الإباضيَّة يتبيّن أنَّ حجّة المشارقة هي الأقوى والأكثر انسجاما مع طبيعة الإنسان ورحمة الله بعباده حيث إنّه لا يكلفهم إلا ما يطيقون فيما استطاع العقل إدراكه استقلالا كلف به وعد ذلك حجّة عليه وما عجز عن إدراكه الحجّة بالخبر وأما ما أثر عن جابر بن زيد (ه) من قوله
(1) وانظر السوفي: رسالة الفرق 54 فقد أورد الفرق بين الوهبية والنّكار في هذه المسألة: قال النكار: هذا الذي لم تبلغه الدعوة وهو على دين نبي إن دعا مجوسيا إلى دينه لا يحل له يستجيب له بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وخالف الوهبية في ذلك فقالوا يحل له ما لم تقم حجة النبي المستأنفة
(2) وانظر الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 2، 302/ 3.
(3) انظر أبو عمار الموجز 163/ 2، 164.
(4) انظر م 142/ 2.
(ه) هو جابر بن زيد الأزدي. تابعي مشهور أخذ العلم عن ابن عبّاس وهو مؤسس المذهب (1/163)
صفحة 162
164
قسم الدراسة
يسع النّاس جهل جميع الحرام ما لم يركبوه فإنّه يحمل على أناس بلغتهم الدعوة الإسلامية فمن قصر منهم في السؤال والتعلّم حتى وقع في الحرام
فإنّه غير معذور.
(2)
ولقد وافق الوارجلاني المشارقة في اعتبار حجّة العقل في المعقولات وحجة السمع في المسموعات وعدّ هذا مذهبًا وسطا بين المختلفين ولذلك علق على موقف عبد الله بن يزيد بقوله: «فمثل من يقول هذا القول لا يخاطب ولا يعاتب لفقده العقليات والحسّيات فهذا إلى الجنون أقرب»). وعقب على رأي سعيد بن الحداد بقوله: «والرّبّ (3) أرأف وأرحم أن يكلّف من كان في الصين أمرًا أمر به من كان في الحجاز». ومن هذا المنطلق أثبت أن المشرك غير معذور إطلاقا لمخالفته الفطرة وإمكان معرفته لخالقه بواسطة عقله أمّا العبادات فلا تقوم عليه الحجّة فيها إلّا بالسماع ومثل لذلك بمن غاب عن محمد صلى الله عليه وسلم ولم تبلغه فريضة الصلاة أو الصوم أو غيرها من الواجبات فهو علي حد قوله معذور لما جاء في قوله تعالى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمُ) [التوبة: (9) (3) وإلى مثل ذلك يذهب امحمد اطفيش فيقول: «صاحب الجزيرة مثلا غير معذور في التوحيد لأنَّ في ذاته وسائر العالم آيات ومعذور في سائر الفرائض حتى يسمع» (4).
الإباضي روى الشماخي أن أنس بن مالك لما بلغه خبر وفاة جابر قال: «مات أعلم من على ظهر الأرض أو قال مات خير أهل الأرض». انظر الشماخي: السير 67/ 1 - 72. وينسب إليه ديوان يعرف بديوان جابر لكنه مفقود ولقد جمع أحد الباحثين المعاصرين آراءه الفقهية في كتاب ضخم سمّاه «فقه الإمام جابر بن زيد» [هو يحيى البكوش].
(1) الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 2، 309/ 3.
(2) ذ م مج 2، 310/ 3.
(3) ن م مج 2، 307/ 3، 308.
(4) اطفيش: كشف الكرب 63/ 1. (1/164)
صفحة 163
كتاب التحف المخزونة
170
وبعد عرض مختلف أقوال الإباضيَّة في موضوع قيام الحجة لم يبق إلّا أن تقارن بينهم وبين سائر الفرق الإسلامية الأخرى.
أما المعتزلة فقد رأينا التقارب بينهم وبين الإباضيَّة المشارقة وبعض من المغاربة في اعتبار العقل حجّة في المعقولات فقط أما المسموعات فالحجّة
فيها السمع.
أنَّ الحجّة
هي
وأما الأشاعرة فإنّهم يتفقون مع جل الإباضية المغاربة في الرسل لا العقل (2) غير أنّهم لا يقطعون عذر من لم تبلغه الدعوة فإن اعتقد الحق وجهل الرّسل والأحكام فحكمه حكم المسلمين وإن اعتقد الكفر فهو كافر بالاعتقاد فإن بلغته دعوة نبي سابق استحق الوعيد وإلا فهو غير مكلّف لا ثواب ولا عقاب عليه إن عذبه الله فبعدله (3) وإن أنعم عليه فبفضله (4) فإن لم يعتقد توحيدا ولا كفرًا فهو ليس بمؤمن ولا بكافر إن شاء الله عذبه عدلا منه وإن شاء أنعم عليه فضلا منه).
ولئن كنا قد عرضنا موقف الأشاعرة من هذه القضية فإننا لا نستطيع ادعاء إجماعهم على ذلك باعتبار أنَّ بعضا منهم قد اقترب من موقف الإباضية المشارقة كما هو الشّأن بالنسبة للرّازي حين فسّر قوله تعالى:
(1) انظر ما سبق وأمّا في صورة ما إذا لم يرد شرع فهل العقل محسّن أو مقبح هذا ما سنراه في
ما يلي. (2) يقول القرطبي: «ومن لم تبلغه الدّعوة فهو غير مستحق للعذاب من جهة العقل: الجامع لأحكام القرآن 232/ 10 وانظر تفسير أبي السعود 433/ 3 وتفسير القاسمي 3913/ 10، 3914: لا يعذب الله قوما عذاب استئصال ولا يدخل أحدا النار إلا بعد إرسال الرسل، وانظر الأسفراييني: التبصير في الدين: 170، 171.
(3) كإجلامه الحيوانات وهذا ليس عقابًا لهم بل هو عدل منه (4) كإدخال أطفال المسلمين الجنّة فضلا. منه وليس ثوابًا لهم. (0) انظر البغدادي: أصول الدين 24، 25، 263. (1/165)
صفحة 164
177
قسم الدراسة
و وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]. فروى أنها فترت على
وجهين
أحدهما وما كنا معذبين حتى نبعث رسول العقل.
ثانيهما: وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفة وجودها إلّا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع).
ولقد وافق ابن حزم جمهور الأشاعرة في عذر من لم يبلغه الإسلام أصلا سواء جهل العقيدة أم الأحكام (").
وأما الماتريدية فإنّ معظمهم يرون استقلال العقل بمعرفة الإيمان ووجوب الشكر ونحو ذلك ولذلك أوجبوا الإيمان وحرموا الكفر على من لم تبلغه الدعوة محتجين برواية عن أبي حنيفة: «لا عذر لأحد في الجهل بخالقه لما يرى من الدلائل» (3). وهذا هو نفس ما ذهب إليه الإباضية المشارقة كالكدمي والشقصي والسالمي وبعض من الإباضية المغاربة كالوار جلاني وامحمد اطفيش.
ولقد ساير ابن الهمام الأشاعرة في عذر من لم تبلغه الدعوة ولو أتى بالشرك) توسط صاحب فواتح الرحموت بين الموقفين فعذر المكلف الجاهل لربه عند ابتداء العقل إذا لم تمض عليه مدة في التأمل أما إذا اعتقد كفرا فإنه لم يعذره لأنه اختاره وترك الإيمان مع القدرة على تخليصه بالتأمل
(1) انظر الرازي 173/ 20 وقارن بما ذكره في: 110/ 11. (2) انظر ابن حزم الفصل: 60/ 4، 61 وقد احتج ببقاء جعفر ابن أبي طالب بالحبشة ست سنين والقرآن ينزل والأحكام تشرع ولا يبلغه شيء من ذلك ولم يقل أحد بتكليفه الأحكام
المشروعة أثناء غيابه وانقطاعه.
(3) انظر ابن عبد الشكور: فواتح الرحموت 28/ 1.
(4) انظر ابن عبد الشكور فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت (29/ 1). (1/166)
صفحة 165
كتاب التحف المخزونة
167
مختلفة
واعتبر أن مدة التأمل هي بمنزلة دعوة الرّسول في تنبيه القلب وهذه المدة من شخص إلى آخر نظرًا لتفاوت العقول واستشهد بقول البزدوي لا عذر لهذا الصنف من النّاس ما دام الله قد أعانه بالتجربة وأمهله لدرك العواقب وإن لم تبلغه الدعوة على نحو ما قال أبو حنيفة في السفيه إذا بلغ
محدود
خمسا وعشرين سنة فإنّه لا يمنع من ماله لأنه قد استوفى مدة التجربة). والذي يميل إليه القلب هو أن العقل حجّة في معرفة الصانع لما في الكون والنفس من آيات دالة دلالة واضحة على وجود الخالق لكن العقل لا يقدر على معرفة كثير من الأمور التي تتجاوز إمكانيته كما أنه عاجز عن تنظيم جميع شؤون حياة الإنسان تنظيمًا محكما على الوجه الذي يحقق السعادة الدائمة له. ومن هنا كان الإنسان في حاجة إلى قوة لا محدودة تعرفه بما لا يتوصل إليه عقله وتنظم له شؤون حياته وتعرفه بكيفية عبادة خالقه وفي هذا السياق يقول الألوسي: «وإرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة منه تعالى أو أنَّ ذلك لبيان ما لا ينال بالعقول من أنواع العبادات والحدود
فلا يرد أنه لو كان العقل حجّة ما أرسل الله تعالى رسولا ولاكتفى به» (2).
فالله تعالى من رحمته بعباده لم يترك العقل وحده بل أيده بالرسل لينتهه
إلى التفكير والتأمل فيما يقدر عليه وليكشف له علم ما لا يقدر عليه.
وإذا كان الرسول يرشد العقل إلى معرفة الله وعظمته عن طريق التدبّر فهذا لا يعني عجز العقل عن هذه المعرفة استقلالا وإنما المراد أنَّ الرسول في هذا المجال تأييد العقل وتنبيهه عند غفلته وذلك رحمة من الله بالإنسان وبناء على ذلك لا يسوغ لأحد أن يقول إذا كان إيقاظه الأمر كذلك فلا حاجة
(1) انظر ن م 28/ 1 في أصول الفقه ذيل المستصفى للغزالي: ط 1 الرسالة مصر: (2) الألوسي: روح المعاني: مج 5، 42/ 15.
1324 هـ. (1/167)
صفحة 166
168
قسم الدراسة
إلى دعوة الرسل إلى الإيمان بالله تعالى ولقد أوضح الألوسي هذه الفكرة ومثل لها بإنزال الآيات المتكرّرات في نفس المعنى رغم أن الآية الواحدة كافية لإقامة الحجة على العباد ولا ريب أن الغرض هو البيان والتأكيد) وإذا كان السمع وسيلة رئيسية من وسائل المعرفة لا يمكن أن يستغني عنها المكلّف مهما كانت مرتبة عقله فمن هو الحجّة في تبليغ أخباره وأحكامه؟ وما هي المقاييس المعتبرة في ذلك؟
(1) انظر ن م فكما أن هذا التكرار لا يدلّ على أن الآية الواحدة غير كافية في الحجة فكذلك إرسال الرسل لا يدلّ على ان العقل ليس بحجة في معرفة الله لو لا بعثه الرسل. (1/168)
صفحة 167
كتاب التحف المخزونة
169
الحجة في تبليغ السمع
وإذا تبين أنَّ الحجّة فيما لا يقدر على معرفته العقل هي الكتب والرسل فمن هو الحجة في تبليغ ما جاءت به الكتب والرسل؟ وهل من اللازم معرفة صفة المعبّر عن ذلك.؟
لقد أشار الأشعري إلى موقف بعض الإباضية من هذه القضية فقال: وقال بعضهم من ورد عليه الخبر بأنَّ الخمر قد حرمت أو أن القبلة قد حوّلت فعليه أن يعلم أنَّ الذي أخبره مؤمن أو كافر وعليه أن يعلم ذلك بالخبر وليس عليه أن يعلم أنَّ ذلك عليه بالخبر»). غير أن كلامه هذا لم يوضح فيه هل أن هؤلاء العلماء من الإباضية يوجبون قبول خبر الكافر أم يشترطون في المعبر الإيمان؟ وهل أنَّ ذلك في الأحكام والفرائض فقط أم في الأخبار والعقائد أيضا؟ وهل يكفي أن يكون المعبر واحدًا أم يلزم إخبار عدد معين من المعبّرين؟ كل هذه المسائل التفصيلية لم يبينها الأشعري ولذلك كان كلامه مجملا في حاجة إلى بيان.
أ ـ هل للكافر حجّة في ذلك:
لقد
صرح أبو الربيع سليمان بن يخلف أن المؤمن الموحد والموفّي
بجميع دين
الله هو وحده الحجّة في التعريف بما جاءت به الكتب والرسل ولم
(1) الأشعري: مقالات الإسلاميين 186/ 1 وانظر البغدادي: الفرق بين الفرق: 86. (1/169)
صفحة 168
170
قسم الدراسة
ما لا
يفرق في ذلك بين ما يسع جهله وبين يسع " (1) خلافًا لمن ميز بين الأمرين
فعل المعبّر الثّقة وغير الثّقة حجّة فيما لا يسع جهله بقطع النظر عن كونه مسلما أو كافرا بل من العلماء من يرى أنَّ الصبي والمعتوه أيضا حجة في ذلك (3).
أما علم ما يسع جهله) فالحجّة فيه من كان من «أهل العدل والاستقامة» (ه)
وهو مذهب أبي عمار والكدمي في المعتبر (1) والرستاقية قاطبة (7) ورأى آخرون (8) أنَّ الحق في نفسه حجّة ولذلك قبلوا الخبر من كلّ معبّر ولو كان طفلا أو كافرًا أو كتابيًا أو طائرًا وحجتهم في ذلك حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد جاء فيه اقبل الحق ممّن جاءك به بغيضا كان أو حبيبا وردّ الباطل على من جاءك به بعيدا كان أم قريبا» (9).
(1) انظر: بن يخلف التحف 40 في المخطوط. (2) انظر: السالمي: معارج الآمال 156/ 1.
(3) انظر الشقصي: منهج الطالبين 544/ 1 وانظر: قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة: 169 فقد روى عن أبي عبد الله محمد بن بكر أنه يرى وجوب الإيمان والعمل على كل من أخبر ببعث الرسول محمد ولو من قبل رجل مجهول أو امرأة أو عبد. (4) إن الحجة فيما يسع جهله هو أن يعلم من الكتاب أو السُّنَّة أو الإجماع وهذا أمر متفق عليه بين الإباضية وإنّما الاختلاف فيمن ورد عليه وجه من الحق وخوطب به أنه من الكتاب أو السنة أو الإجماع والمخاطب لا يعلم ذلك انظر أبو عمار: الموجز. 171/ 2. (5) أي من الإباضية. (6) انظر السالمي: بهجة أنوار العقول: 49 أما في كتاب الاستقامة فقد رأى أنَّ. حجة فيما يلزم عمله ووقته ضيق انظر ن م والصفحة.
جميع
المعبرين
(7) الرستاقية نسبة إلى الرستاق منطقة بعمان وقد وجدت عدة اختلافات بين أهل الرستاق وأهل نزوى في مسائل مختلفة في تاريخ عمان. (8) وهو مذهب النزوانية كما أثبته الكندي في الاهتداء وإليه ذهب الكدمي كتاب الاستقامة انظر السالمي بهجة أنوار العقول: 49، 50.
(9) انظر السالمي: بهجة الأنوار 50 وجدت في المعجم المفهرس «وتلق الحق إذا سمعته فإنّ
على الحق نورا» د سنة 5 لكنني لم أجده في سنن أبي داود المعجم المفهرس 486/ 1. (1/170)
صفحة 169
كتاب التحف المخزونة
171
ب - هل الواحد حجّة فيما يسع جهله: لقد ذهب النّكار إلى أنَّ الحجّة لا تقوم فيما يسع جهله حتى يجتمع المسلمون بأسرهم) وهم بهذا القول مخالفون لجمهور الإباضية الذين يرون أنَّ الاثنين كافيان في إقامة الحجّة قياسا على الشهادات في الأحكام).
-
ولقد لخص أبو عمار عبد الكافي مواقف الناس من هذه المسألة وعدّها منحصرة في ثلاثة مذاهب:
أهل القدر: وقالوا الحجّة في ذلك العدد واختلفوا في تحديده اختلافا كبيرا.
أهل التواتر: قالوا لا تتأكد المعرفة إلا بتواتر الأخبار بل الشهرستاني (الملل والنحل 67/ 1) يذهب إلى أنَّ الحجّة في الأخبار لا تقوم إلا بخبر عشرين فيهم واحد أو أكثر من المبشرين بالجنة ويرى أنَّ الجماعة ولو كانت كثيرة العدد يجوز عليها الكذب إن لم يكن فيهم معصوم ويشير إلى أن خبر الجماعة بين الأربعة والعشرين قد يقع العلم بخبرهم وقد لا يقع.
القائلون إنّ الحق إذا ورد ولو من واحد كان حجّة.
(1) انظر السوفي: رسالة الفرق 55.
(2) انظر أبو عمار: الموجز 170/ 2 وانظر الشوفي السؤالات 109 وفي كافية أهل المغرب لعبد الله بن موسى بن المحمود اخ وزارة التراث عمان 126/ 1254 فقه باب 38 القول في الحجة: اثنان يبلغان في الأمطار ويخبرا جهرًا بلا إسرار
إن نبيا في الملأ مبعوثا فاتبعوه حسبكم لبوثا وانظر قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 149 فقد ألزم المكلّف الحجة شهادة الأمينين في التعريف بأسماء الله وصفاته غير أنه نقل عن كتاب السؤالات رخصة في ذلك تعرف بمسألة
يونس بن سابال. (1/171)
صفحة 170
172
قسم الدراسة
وبعد عرضه لهذه الأقوال الثلاثة ناقش الأوّل فبيّن أنَّ العدد مهما كثر لا يعتبر حجّة إذا كان مخالفا للحق، وحكم على القول الثاني بالاضطراب باعتبار أن الاقتصار على اعتماد التواتر أمر متعذر في كل الأحوال وذلك يؤدّي إلى تضييع كثير من أمور الدين ولئن ناقش أبو عمار المذهبين الأولين فإنّ هذا لا يعني رفضه لهذين الطريقين إطلاقا وإنّما مراده إثبات حجية خبر الواحد عند تعذر التواتر أو تعدّد المخبرين فإذا تواتر الخبر أو كثر عدد المخبرين بالحق فإن ذلك أقوى (1) وهو ما سمّاه الكدمي بحجّة الشهرة إذ يقول: «ولا نعلم في الإسلام حجّة أوضح حجة الشهرة لأنها توجب علم ما سلف من وما مضت عليه السنون والشهور وما لا يحيط به الإنسان علما ... » (2). ولقد استدل القائلون إنّ الواحد حجّة في ديـ الله بجملة من الحجج
نذكر منها:
من
إن الله حاج عباده فيما تعبدهم به برسول واحد وقطع عذرهم به. كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرسل إلى الآفاق واحدا ويحتج به
عليهم.
الدهور
لا قيمة للعدد والكثرة والشهرة والتواتر إذا كان الخبر الذي جاؤوا به مخالفا للحق (3) والملاحظ أن كثيرا من الإباضيَّة يرون أن الواحد حجّة إذا
الحجة
كان عالما مشهورًا بعلمه وفضله أمّا ضعفاء المسلمين فلا تقوم بهم عن أحد الفقهاء المشهورين في
قلوا أو كثروا إلا أن يكون الضعيف ناقلا
الدين على أن لا يتهم بتحريف فيما ينقله).
(1) انظر أبو عمار: الموجز 167/ 2 - 170 ليس المراد بذلك أن أبا عمار يقول بقبول خبر الآحاد في العقائد وإنّما المقصود هو أن الواحد قد يكون حجّة إذا قال إن في كتاب الله آية أو
حكم أو خبر كذا أو قال إنّ هذه المسألة. هي من القطعيات التي تواترت بها الأخبار.
(2) الكدمي: المعتبر 87/ 1.
(3) انظر أبو عمار الموجز 167/ 2، 171.
(4) انظر الشقصي: منهج الطالبين 1544/ 1 السالمي: معارج الآمال 157/ 1. (1/172)
صفحة 171
كتاب التحف المخزونة
173
والسالمي في هذا المجال يزيد المسألة توضيحا وتدقيقا فينبه إلى أنَّ المكلف إذا لقي عالما مشهورا بعلمه وفضله وعدالته ولم يعرفه شخصيا فأقام عليه الحجة في شيء من القطعيات فإنّه لا يلزمه قبول ذلك منه ما لم يشهد عدلان عنده أنَّ هذا هو فلان المشهور بذلك).
بقيت مسألة مرتبطة بمبحث الحجّة وشبيهة بقضية المنقطع في الجزيرة وهي حكم أهل الفترة. فمن هم هؤلاء؟ وهل هم معذورون في جهل شيء
من العقيدة أو الأحكام؟
أ ـ حقيقة أهل الفترة:
أنهم قوم عاشوا بين رسالتين لكنّهم لم يدركوا الأولى ولم تدركهم الرسالة الموالية لها وخير مثال لذلك الناس الذين عاشوا ما بين رسالتي عيسى ومحمد (2) ثلاثة أقوال رئيسيّة.
ب - حكم أهل الفترة
اختلف العلماء في شأنهم إلى ثلاثة أقوال رئيسية:
القول الأول: يرى فريق من العلماء أنَّ أهل الفترة غير معذورين إطلاقا لا في التوحيد ولا في غيره وذلك لقوله تعالى: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فيها نذير و افاطر: 24] وقوله: {وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [الجمعة: 2] وقوله: {إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ صَالِينَ} [الصافات: 69]. فقد وصفهم الله
(1) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول: 128. (2) انظر قاسم الشماخي شرح اللؤلؤة،177، الألوسي روح المعاني مج 5، 140/ 15. الرازي: التفسير الكبير 194/ 11 (يقال فتر الشّيء يفتر فتورًا إذا سكنت حدته وسميت المدة التي بين
الأنبياء فترة لفتور الدواعي في العمل بتلك الشرائع). (1/173)
صفحة 172
174
قسم الدراسة
تعالى في هذه الآيات بالضلال لا سيما وأنه ما من فترة إلا وقد بعث الله
فيها رسولا (1).
القول الثاني: ويرى أصحاب هذا القول أنَّ أهل الفترة معذورون فيما لا تقوم الحجة فيه إلا بالسمع أمّا الإيمان بالله تعالى فهو فطري في الإنسان ويستطيع كل عاقل معرفته بمجرد الاعتماد على تفكيره الخاص (2).
(2)
القول الثالث: أهل الفترة معذورون في كلّ شيء لأنهم لم تبلغهم الدعوة واحتجوا بقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 10] وبقوله: {يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبينُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن: تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ} [المائدة: 19].
ولا يخفى أن القول الثاني هو الأظهر لما فيه من مراعاة لإمكانيات الإنسان والله تعالى لطيف بعباده لا يكلّفهم إلا ما يطيقون فما استطاعت عقولهم إدراكه كلّفوا به وما عجزوا عن معرفته فإنّه يسعهم جهله ما لم يقصروا في السؤال والبحث عن الحق متى خطر ببالهم أمر من الأمور أو بلغهم خبر إجمالي يحتاج إلى تفصيل أو بيان.
وأما الذين عاشوا بين فترتي عيسى ومحمد فإن فيهم بقية ممن يعبد ربه على دين إبراهيم (3) فمن عرف ذلك وأعرض عنه فإنّه غير معذور لمخالفته للحق وأما غيرهم من الناس فلا تكليف عليهم سوى معرفة
الله وتوحيده.
(1) انظر المصعبي: حاشية تبغورين 52.
(2) انظر عيسى الحارثي: خلاصة الوسائل: 31 - 33، الخروصي: الفتح الجليل: 84 ابن
عبد الشكور: فواتح الرحموت 25/ 1.
(3) انظر الألوسي: روح المعاني: مج 5، 15، 40. (1/174)
صفحة 173
كتاب التحف المخزونة
175
وما ورد من أحاديث في وصف مآل أهل الفترة فهي أخبار آحاد وعلى تقدير جواز التسليم بها فإنّ المقصود بهم - والله أعلم - من مات على الشرك دون التوحيد ولقد ردّ الصاوي كل الأحاديث المخبرة بدخول بعض الأفراد النار كحاتم الطائي وامرئ القيس على أساس أنها أخبار آحاد لا يمكن أن تعارض القطعي (1) ويقصد بذلك القطعي قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى
نبعث رَسُولًا} [الإسراء: 15].
كذلك ما ورد أنَّ أهل الفترة والأصم والأكمه والأخرس (2) يبعث الله إليهم يوم القيامة رسولا فمن كان يريد أن يعصيه عصاه. إنّ هذا القول يتعارض مع كون الآخرة هي دار جزاء لا دار تكليف (3). وإذا كنا قد أثبتنا خلال هذا الفصل أنَّ الحسّ والعقل والسمع وسائل رئيسية وضرورية للمعرفة فإنّنا نؤكّد على أنَّ المسلم لا يمكن أن يستغني بواحدة من هذه الوسائل عن الوسيلتين الأخريين ذلك أنَّ لكلّ وظيفة حسّاسة وغالبًا ما يخدم بعضها بعضا.
فالشرع يعرف بالخير والشر والعقل يختار اتباع الخير واجتناب الشر والحش خاضع لتوجيهات الشرع وأوامره.
وبناء على ذلك فإنّ السمع هو محور المعرفة عند المسلم إذ به يستعمل
الحس والعقل استعمالا سليمًا محققا للسعادة في الدنيا والأخرى. وإذا كان الأمر كذلك فإنّ حصول هذا النوع من المعرفة لا يتم إلا بواسطة مبلغ عن الله فما هي حقيقته وما الفرق بينه وبين النبي وما هي
صفاته وعلامات صدقه؟.
(1) انظر الصاوي: حاشية الصاوي على الجلالين 291/ 2
(2) لقد عذر صاحب الموجز الأصم والأكمه والأخرس لأنهم منقوصون إلا إن كانوا ممن يكتب أو يكتب له أو يفهم بأي شكل من الأشكال انظر أبو عمار: الموجز 142/ 2.
(3) انظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 232/ 10. (1/175)
صفحة 174
176
قسم الدراسة
1) مفهوم النبي:
أ ـ لغة: النبيء على وزن فعيل بمعنى مفعل مثل نذير وأليم أو هو فعيل بمعنى فاعل للمبالغة أو على وزن مفعول وهو مشتق من نبأ وأنبأ أي أخبر وثلاثيه المجرّد نبأ ومنه النبأ وهو الخبر. فعلى وزن مفعل يكون بمعنى مخبر بكسر الباء) وعلى وزن مفعل بفتح العين يكون بمعنى مخبر به (3).
والهمز في النبيء لغة أهل مكة وهم يخالفون بها سائر العرب ولذلك عدت رديئة فقل استعمالها.
والنبي أيضا مشتق من نبا بمعنى ارتفع ومنه النبوة والنباوة أي الرفعة وبذلك يكون النبي من عُرف برفعة المنزلة.
ويقال نبأت على القوم إذا اطلعت عليهم ونبأت من أرض إلى أخرى إذا أخرجت منها (3).
ب ـ شرعًا: النبي هو إنسان أوحى الله إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه (4) والنبوة هي عملية الوحي التي يخص بها هذا الإنسان وقد عرفها ابن حزم الله وذلك بأن يعلم الموحى إليه ما لم يكن يعلمه قبل (5)
بأنها الوحي من
(1) انظر ابن منظور: لسان العرب مادة «أنبأ».
(2) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول 230.
(3) انظر ابن منظور: لسان العرب مادة «نبأ».
(4) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول.20 والملاحظ أن داود حمدان في كتابه أبحاث ص 29 لم يرتض هذا التعريف بل تعجب كيف صار من المسلمات رغم | أنه لا أساس له من الكتاب والسنة على حد قوله وذلك لأنه. يرى أنَّ النبي كالرسول مأمور بالتبليغ انظر ما يلي ص 171. (0) انظر ابن حزم: المحلّي: 50/ 1. (1/176)
صفحة 175
كتاب التحف المخزونة
ووجه
177
الصلة بين المعنييين اللغوي والشرعي هو أ أن النبي سمي كذلك إما لأنه مخبر عن الله بشرعه وأخباره وإما لأنَّ الله أخبره بجملة من الأخبار فصار مخبرا - بفتح الباء - هذا إذا كان الاشتقاق من النّبا بمعنى الخبر وهو الذي العلماء أبو الربيع سليمان بن يخلف).
اختاره
ره جمهور
ومنهم
وأما إذا كان الاشتقاق من النبوة بمعنى الرّفعة فإنّ النبي هو من كان أرفع الخلق منزلة عند الله وعند الناس (2).
(2) مفهوم الرسول
أ ـ لغة: أرسل يرسل إرسالا = بعث وهو مرسل ورسول بمعنى مبعوث (3) والرسالة هي السفارة (4).
والرسل هو القطيع من كلّ شيء ويطلق عادة على قطيع الإبل يرسل منها
عشر بعد عشر.
وإذا أورد أحد العرب إبله متقطّعة قالوا أوردها أرسالا (ه).
ورسل اللبن أي تتابع درّه (1) والرسل هو اللبن والرسل بفتح الراء ذوات اللبن وجاءت الإبل رسلا أي متتابعة ومنه الاسترسال وهو التتابع "
(1) انظر بن يخلف التحف ص 25.
من
هذا المخطوط].
(v)
(2) انظر المحشي حاشية الوضع، البغدادي: أصول الدين،154، السالمي: مشارق أنوار
العقول 230، القاضي عبد الجبار: المغني 14/ 15. (3) انظر ابن منظور لسان العرب مادة «رسل». (4) انظر قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 123. (0) انظر ابن منظور لسان العرب مادة «رسل». (6) انظر البغدادي: أصول الدين: 154.
(7) انظر ابن منظور لسان العرب مادة «رسل». (1/177)
صفحة 176
178
قسم الدراسة
ب ـ شرعًا: الرسول هو إنسان أوحى الله إليه بشرع وأمره بالعمل به
الله
وبتبليغه (1) وقد عرف قاسم الشماخي الرسالة فقال: هي رسالة العبد بين وبين ذوي العقول من خلقه ليزيح بها عنهم عللهم فيما قصرت عنه عقولهم من المصالح الدينية والدنيوية» (2).
بعثه
أنَّ الرسول قد ووجه الارتباط بين المعنيين الشرعي واللغوي
هو
الله
إلى خلقه بشرع وهو معنى الإرسال أو هو الذي يتتابع عليه الوحي كتتابع در
اللبن (3) فهو معنى الاسترسال.
الفرق بين النبي والرسول
عن
إن جمهور العلماء يميزون بين النبي والرسول من زاوية التكليف بالتبليغ على أساس أنَّ الرسول مأمور بتبليغ شرع جديد خلافًا للنبي الذي جعل الله وظيفته إرشاد قومه إلى العمل بمقتضى الشريعة السابقة فضلا كونه قدوة لهم في الصلاح والاستقامة (4). فعنصر الاشتراك بينهما هو أنَّ كلا منهما يوحى إليه من ربّه وكلاهما صفي من أصفيائه وقدوة لغيره في العبادة والسّلوك. ونقطة الاختلاف بينهما تتمثل في كون الرسول مأمور بتبليغ شريعة جديدة إلى الناس قد تكون ناسخة لما قبلها ولذلك حكم العلماء بأن كل رسول نبي ومنعوا أن يقال أن
كل نبي رسول (ه).
(1) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول: 20. (2) انظر قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 123.
(3) انظر البغدادي: أصول الدين: 154.
(4) انظر الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير 307/ 2.
(5) انظر: بن يخلف التحف (25) من هذا المخطوط، داود الثلاتي: شرح العقيدة (1/178)
صفحة 177
كتاب التحف المخزونة
179
وقد خالف في ذلك بعض العلماء (1) فقالوا إنّ النبي والرسول معناهما
واحد إذ كل نبي رسول وكلّ رسول نبي واحتجوا على ذلك بجملة من النقلية والعقلية نذكر منها:
الأدلة
أ - الأدلة النقلية منها قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّنَ مُبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ ... [البقرة: 213] وقوله: {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِي فِي الْأَوَّلِينَ} [الزخرف: 1] وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِي إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ) [الأعراف: 94] وقوله: {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن نَّبِي إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} [الزخرف: 7] فقد ربطت هذه الآيات وأمثالها النّبوّة بالإرسال ممّا يدل على ترادف بين كلمتي «نبي» و «رسول» إذ كلّ نبي بناء على هذه الآيات
مرسل (2).
وردّ عليهم بأنَّ هذه الآيات إنّما تتحدّث عن النبي المرسل لا عن عموم الأنبياء وفيها من الدّلالة على التخصيص ما هو بين فالآية الأولى مثلا تضمّنت قرائن متعدّدة كل قرينة منها تبرهن على إرادة التخصيص فقوله «بعث» وأنزل معهم الكتاب ومبشّرين ومنذرين» كل ذلك دال على أن المراد بالنبيين المذكورين الرّسل (3).
المباركة: البغدادي: أصول الدين 154، الرازي: التفسير الكبير 49/ 23، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 80/ 12 الزمخشري: الكشاف 18/ 3، 19، الألوسي. روح المعاني
173/ 172/17
(1) من الإباضية عيسى بن عمير وأحمد بن الحسين ومن المعتزلة القاضي عبد الجبار ومن الماتريدية السعد التفتازاني.
(2) انظر داود حمدان أبحاث: 20 - 21.
(3) انظر الطاهر بن عاشور التحرير والتنوير 306/ 2. (1/179)
صفحة 178
180
قسم الدراسة
ب ـ الأدلة العقلية: إن جميع ما احتجوا به من براهين عقليّة في هذه المسألة يدور حول نقطة واحدة وهي بيان ما يترتب على عدم التكليف بالتبليغ من كتمان للعلم والحال أن الله قد أمر جميع الناس بتبليغ شرعه ونهى الذين يكتمون ما أنزل من الآيات فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَأَهْدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيْنَهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَبِ أُولَتَبكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَهُمُ اللَّعِنُونَ} [البقرة: 159)
وإذا كنا مأمورين بذلك فمن باب أولى أن يكون النبي مكلفا بالتبليغ.
ويردّ على هذا الاستدلال بأنَّ مقصد الجمهور هو خلاف ذلك إن المنفي عن النبي لا مجرد التبليغ وإنّما التكليف بتبليغ رسالة جديدة وإلا فإنّ النبي مأمور باتفاق الأمة بالدعوة إلى العمل بشرع الله الذي سبق أن أرسل به من
تقدمه من الرسل. أما أدلّة الجمهور على الاختلاف بين النّبي والرسول في المدلول فإن أظهرها قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِي ... الآية [الحج: 52] فعطف النبي على الرسول في الآية دليل على المغايرة بينهما وإلا
لكان تكرارا غير مفيد وقد نزّه القرآن عن مثل ذلك لإعجازه البلاغي (3).
ولقد ناقش أصحاب الفريق الثاني هذا الدليل فأثبتوا أنَّه لا حجّة فيه على التفريق بين النبي والرسول إذ مجرّد الفصل لا يدلّ على اختلاف الجنسين بين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء وفصل بين النخل والرمان
فقد فصل الله وهما من الفاكهة (3).
(3).
(1) انظر داود حمدان أبحاث: 28 - 30.
(2) انظر الألوسي: روح المعاني: مج 6، 172/ 17، الرازي: التفس الكبير 49/ 23، الزمخشري:
الكشاف 19/ 18/3
(3) انظر: بدوي: مذاهب الإسلاميين نقلا عن القاضي عبد الجبار شرح الأصول الخمسة: 168). (1/180)
صفحة 179
كتاب التحف المخزونة
181
والمتأمل في هذا الرّدّ يتضح له ضعف الاحتجاج ذلك أن الفصل
بين النبي محمد وغيره من لحكمة الأنبياء إنما جيء به وهي إبراز فضله عليهم جميعا فلئن كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء جنسا واحدا فإنّ تخصيصه بالذكر كان لمقصد عظيم بينما النبي والرسول لو في المعنى لكان إيرادهما معا حشوا إلا إن تظهر حكمة بالغة من وراء ذلك. ولما لم تثبت أيّ حكمة دلّت الآية على التغاير في المدلول بين النبي والرسول.
كانا
وأما الاستدلال بالفصل بين النّخل والرّمّان رغم كونهما من الفاكهة فهو
في
احتجاج ضعيف لأنهما وإن كانا فعلا من الفاكهة فهما جنسان مختلفان الشكل واللون والطعم فعطف النّخل على الرّمان إنما المقصد منه إبراز الامتنان وإظهار تعدّد الفضل والإنعام باعتبار أنَّ كلَّا من النخل والرمان له
مميزاته وخصائصه ولذلك كان عطف الرمان على النّخل مفيد للتغاير بينهما وكذلك الشأن بالنسبة للنّبي والرّسول فقد عطف أحدهما على الآخر لاختلاف مدلوليهما.
وبناء على كلّ ذلك يثبت لدينا أنَّ الرسول مكلف بتبليغ ما يوحى إليه من أخبار وأحكام. وإذا كان الأمر كذلك فما مدى حاجة الإنسان إلى الرسول وهل يقدر بالاعتماد على قدرته الذاتية على تسيير جميع شؤونه وتحقيق السعادة لنفسه في الدنيا والآخرة؟.
حاجة النّاس إلى الرسل:
لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم وجعل له عقلا مدركا ومميزا وقادرا على إدراك أنَّ كلّ شيء مخلوق لخالق وذلك بواسطة النظر في نفسه أو في أي جزء من أجزاء الكون. (1/181)
صفحة 180
182
قسم الدراسة
إذا توصل الإنسان بعقله إلى معرفة خالقه والإيمان به فإنّه لا بد من أن يشعر أنه في حاجة إلى تقديسه وتعظيمه. لكن كيف سيحوّل هذا الشعور إلى تطبيق عملي؟ وما هي الطريقة التي سيختارها لعبادته؟ وعلى فرض أنه ترجحت لديه كيفية رآها هي المثلى فمن أدراه أنها حقا ترضي ربّه؟ وهل من الممكن اتفاق. جميع الناس على طريقة واحدة مع اختلاف عقولهم؟.
الناس
إن الإنسان أمام هذه الأسئلة وأمثالها ليقف متحيّرا ومندهشًا ولا يلقى لها جوابًا مريحًا إلّا أن يعزو بيان ذلك كله وتفصيله إلى خالق جميع القادر الوحيد على جمع العباد على طريقة واحدة يطمئنون إليها
ذلك أنه هو
ويرتضونها.
وكان لا بد للعباد من واسطة لتبلغهم الكيفية التي يريد الخالق جمعهم عليها.
كما أنه لا يخفى أنَّ للإنسان غرائز وحاجات تتطلب إشباعا غير أنَّ ذلك الإشباع ينبغي أن يكون كلّف حسب نظام دقيق وإلا كانت الحياة في منتهى الفوضوية. ولو كلف الإنسان بضبط هذا النظام ما استطاع وضعه على الوجه الأكمل الذي يسعد جميع الناس ويرضيهم فالمصالح متعارضة والرغبات مختلفة والعقول والرؤى متفاوتة وقد يؤدّي تعارضها إلى صراع خطير لا سبيل إلى تلافيه إلّا بالاحتكام إلى قوة عظمى يؤمن بها الجميع فتكون مصدر قانون موحد يتقيد به في تنظيم جميع هذه الشؤون الحيوية عن رضا وطواعية. ولا يتأتى ذلك إلا بوجود مبلغ عن ويدعوهم إلى تطبيقها بواسطة الترغيب والترهيب.
وفضلا
يشرح للناس هذه الأنظمة
عن ذلك فإنّ العقل البشري نظرا لمحدوديته كثيرًا ما يخطئ في
تقدير الحسن والقبح فيرى الحسن قبيحًا أو العكس وذلك تحت تأثير البيئة أو (1/182)
صفحة 181
كتاب التحف المخزونة
183
العاطفة أو النظرة الضيقة للمصلحة العاجلة بل إنّ الواحد قد تتقلب أحكامه وتتحوّل من النقيض إلى النقيض في نفس اليوم.
ولهذه الاعتبارات كان النّاس في حاجة إلى رسول يرشدهم إلى ما يسعدهم من أحكام ترتاح إليها نفوسهم باعتبارها صادرة عن الخالق العالم بمصالح العباد وأحوالهم وما ينسجم مع فطرتهم التي فطرهم عليها.
عالمه
كما أنَّ الإنسان بعقله المحدود لا يقدر على معرفة ما غاب عن. الحشي فلا يستطيع إدراك جميع الصفات الإلهية كما يعجز عن معرفة تصوّر أحوال البعث والحساب والجزاء. وبذلك يكون الإنسان في حاجة أكيدة إلى رسول يبين له كيفية عبادته والطريقة المثلى لتنظيم شؤون حياته وينبه عقله عند الغفلة ويدعوه إلى الرشاد عند الانحراف ويصحح أخطاءه عند الزّلل ويكمل نقائصه ويطلعه على ما لا يقدر على معرفته استقلالا قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَيْهِ، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لفي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الجمعة: 2] (1).
في
والمتأمل في التاريخ البشري يرى أن الأمم التي رفضت الإيمان بالرّسل والاحتكام إلى الله في تنظيم شؤون الحياة لم تعرف السعادة انحطاطا والراحة النفسية والاستقرار الاجتماعي فصارت تعاني القيم الأخلاقية وفوضى في الحياة الاجتماعية وأصبح القوي يتسلط على الضعيف ويهضم حقه ويدوس كرامته رغم قيام منظمات لحماية حقوق الإنسان.
(1) لمزيد التوسع في هذا الموضوع انظر: قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 121 السالمي: مشارق أنوار العقول 216، محمد علي ناصر: أصول الدين الإسلامي 167 - 171. (1/183)
صفحة 182
184
قسم الدراسة
ومن مظاهر عجز البشريّة اليوم عن حلّ مشكلاتها تفشي ظاهرة الانتحار وتعاطي المخدرات في الأمم الراقية ماديا كلّ ذلك لا يراد به إلّا الفرار من الأمر الواقع ولم يبق إلا إعلان اليأس والعجز عن تحقيق السعادة التي يصبو إليها كلّ كائن حي.
ولا مخرج للإنسانية من هذه الظلمات إلّا بالعودة إلى رسالة جامعة وموحدة للبشرية كلّها أساسها كلمة لا إله إلا الله وشعارها لا سعادة ولا هناء
إلا بالاحتكام إلى شرع الله.
ه التفضّل ببعثة الرّسل
إذا كان الناس في حاجة ملحة إلى الرّسل فهل يعني ذلك أنَّ بعثة الرّسل واجبة على الله تعالى؟.
لقد ذهب المعتزلة إلى أنَّ بعثة الرّسل واجبة على الله تعالى وهذا القول مبني على قاعدتي وجوب الأصلح واللطف على الله ذلك أن تعريف الناس بمصالحهم أمر واجب عليه يقول القاضي عبد الجبار: «لا أعلم أنه إذا صح أنَّ الذي يبعث له الرسول تعالى هو ما ذكره من تعريف المصالح من الوجوه التي بينها فلا شبهة في أنَّ ذلك واجب كما أنه تعالى إذا كلّف فلا بد من أن يجب التمكين وإزاحة العلل بالألطاف. ومشاكل ذلك» (1).
أما الإباضية فقد اتفقوا على أن بعثة الرّسل تفضل من الله بناءً على أنَّ اللطف لا واجب على الله تعالى وقد ناقشوا المعتزلة في قاعدتي
ووجوب
(1) القاضي عبد الجبار: المغني 63/ 15. ولقد روى محمد علي ناصر عن بعض الشيعة الأمامية نفس الموقف. انظر كتابه أصول الدين الإسلامي: 171، وانظر الطوسي الاقتصاد فيما يتعلق
بالاعتقاد 246. (1/184)
صفحة 183
كتاب التحف المخزونة
185
أنه لما حسن
رعاية الأصلح (1) وأثبتوا استحسان بعثة الرسل انطلاقا من التكليف. من الله لعباده حسن أن يبعث إليهم رسلا يبينون لهم كيفية شكره ولا يرون مانعا من أن يتعبد الله الخلق بعقولهم لكن الله حكمته أنه لا من يفعل إلا الأفضل والأصلح يقول الأصم: ولا بد لهذا الشكر (شكر الله على خلقه من كيفية يعرفها العباد فحسن من الله بعث الرسل إليهم تعلمهم بكيفيّة (كذا) هذا الشكر على ما أولاهم به ..... وكان في التكليف أوامر ونواه وفعل أشياء ... ولم يكن الباري عل بمشاهد ولا تراه العيون وليس كمثله شيء لكي يبلغهم علم ذلك حسن من الله تعالى إرسال الرسل إلى عباده المكلفين يبينون للنّاس ما يأتون وما يذرون من أمر الله ونهيه وإن كان جائزا أن يتعبد الله الخلق بعقولهم ولكن لما بعث الله الرسل علمنا أن إرسال الرسل أفضل وقد قلنا إنّ الله تعالى لا يفعل إلا الأفضل والأصلح والأحسن» (3).
ولا ريب أن هذا الكلام صريح في أنَّ بعثة الرسل تفضل منه تعالى وليست واجبة عليه غير أنّه يفهم منه أن صاحبه يلح على اقتضاء الحكمة الإلهية من بعثة الرّسل وهذا ما عبّر عنه الوارجلاني بقوله: «ليس على الله أن يرسل إلى الناس الرسل إلا في موجب الحكمة وليس على الله من واجب إلا في مقتضى الحكمة وله الفضل في ذلك» (3).
فالرسالة إذن تفضّل من الله على عباده لإسعادهم في الدنيا والآخرة لكن ما هي الوسيلة التي تمكّن النّاس من تصديق الرّسول والاعتراف به والجزم
بأنه مرسل من الله تعالى؟.
(1) انظر: السالمي: معارج الآمال 166/ 1 - 171.
(2) الأصم النور 195، وانظر قاسم الشماخي شرح اللؤلؤة: 169. (3) الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 2، 311/ 3. (1/185)
صفحة 184
186
مفهومها
قسم الدراسة
أ ـ لغة: هي اسم فاعل من أعجز يعجز إعجازا يقال أعجزت فلانا إذا ألفيته عاجزا. والعجز نقيض القدرة وهو الضعف والقصور عن فعل الشيء)
والهاء في المعجزة زيدت للمبالغة كقولهم علّامة ونسابة ورواية (2).
ب - اصطلاحًا: لقد وجدت عدة تعريفات للمعجزة لكنها جميعًا تتقارب في المعنى فمن قائل هي: «فعل ربوبي صادر عن واحد من البشر مقرون بالتحدي ودعوى النّبوّة وقائل: «هي فعل ممتنع عادة ممكن ذاتا» أو «أمر خارق للعادة مقرون بالتحدّي مع عدم المعارضة له» (3).
ولقد جمع البغدادي هذه التعريفات في تعريف واحد فقال: «وحقيقة المعجزة على طريقة المتكلمين ظهور أمر خلاف العادة في دار التكليف لإظهار صدق ذي نبوّة من الأنبياء أو ذي كرامة من الأولياء مع نكول من يتحدى به عن معارضة مثله» (4).
والتوفي من الإباضية يورد تعريفا شبيها بما نقلناه عن البغدادي فيقول: «هي كل فعل ناقض للعادة ظاهر على يد من يدعي النبوة من التحدّي وظهور المتعذر على المتحدين ـ وزاد قوم أن تكون مطابقة وأن
تكون في زمان التكليف» (5).
(1) انظر: ابن منظور لسان العرب.
مادة
(2) انظر البغدادي: أصول الدين 170.
«عجز».
(3) انظر محمد علي ناصر: أصول الدين الإسلامي 195.
(4) البغدادي: أصول الدين 170 ولا يخفى أنه جمع بين الكرامة والمعجزة في تعريف واحد.
(5) السوفي: السؤالات 133 والملاحظ أنه لم يدرج الكرامة في التعريف خلافًا للبغدادي. (1/186)
صفحة 185
كتاب التحف المخزونة
187
ومن خلال هذه التعريفات يمكننا استخلاص الشروط التي وضعها العلماء
للمعجزة وهي:
أ- أن تكون قولا كالقرآن الكريم أو فعلا كنبع الماء من أصابع النبي محمد صلى الله عليه وسلم أو تركا كعدم إحراق النار إبراهيم.
ب ـ أن يكون الفعل من الله تعالى أو يظهره على يد أحد.
من خلقه.
ج - أن يكون الفعل ناقضا للعادة أي مخالفا للقوانين الطبيعية المعهودة. فمن قال مثلا آية صدقي أن تطلع الشمس من المشرق أو تغرب من المغرب لم يكن بذلك معجزا. وعلى العكس لو قال آية صدقي طلوعها من المغرب وغروبها من المشرق.
د
أن تكون مختصة بمن يدعي النبوّة على طريقة التصديق له).
هـ ـ أن تكون واقعة عقيب دعوى النّبوة دون تقدم ولا تراخ). و - أن يتعذر فعل مثلها من قبل المتحدّى بها بأي وجه من الوجوه. من علامات
ز - أن تكون واقعة في زمان التكليف أي قبل ظهور أي علامة القيامة (3).
(1) ويخرج من ذلك الكرامة والاستدراج والإهانة. أما الكرامة فهو ما يظهره الله على يد عبد ظاهر الصلاح وسنبين الفرق بينها وبين المعجزة فيما يلي (انظر ص 10 180) وأما الاستدراج فهو ما يظهره الله على يد فاسق مكرا به. وأمّا الإهانة فهي ما يظهر على يد فاسق مدع للنبوة تكذيبا له كما وقع المسيلمة حين تفل في عين أعور لتبرأ فعميت الصحيحة. انظر السالمي: مشارق الأنوار 217، 258.
مذاهب
(2) وخرج بذلك ما يقع لنّبي قبل نبوّته وسمي إرهاصا انظر ن م. (3) انظر البغدادي: أصول الدين،171، عبد الجبار المغني 199/ 15، 213، 214 بدوي. الإسلاميين،476/ 1، 477، السالمي: مشارق أنوار العقول 217 218. ولقد ذكر الطوسي جملة من الشروط وفصل فيها انظر كتابه الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد 250. (1/187)
صفحة 186
188
قسم الدراسة
الفرق بن المعجزة والكرامة (1)
لقد تبين من
خلال تعريف البغدادي للمعجزة أنَّ الكرامة أيضا هي ظهور أمر خارق للعادة على يد أحد من عباد الله الصالحين.
ولئن كانت المعجزة والكرامة متفقتين في كونهما ناقضتين للعادة فإنّهما ثلاثة مختلفتان من وجوه من حيث المحلّ: فإنّ المعجزة تكون من النّبي والكرامة من الولي ولا تطلق إحداهما على الأخرى.
-
-
إن الكرامة من شرطها الاجتهاد في الكتمان وصاحبها لا يدعي شيئًا بينما المعجزة على خلاف ذلك إذ يشترط فيها الظهور والتحدي وطلب المعارضة لأن صاحبها مدع للنبوة.
إن صاحب المعجزة بعامل العصمة مأمون أن تتبدل حاله فلا يظهر عليه الكفر أو المعصية بينما صاحب الكرامة غير معصوم فقد تطرأ عليه أحوال متناقضات (2).
الناس
الفرق بين المعجزة والشّعوذة والسّحر والتحيل. إن الشعوذة والسحر والتحيل لا يمكن أن ينخدع بها جميع ذلك أن المتخصصين في السحر مثلا أو الأذكياء والنبهاء لا ينخدعون
(1) لقد أنكر المعتزلة وجود الكرامات بحجّة أن الكرامة لو حدثت لكانت مماثلة للمعجزة وبذلك يتعذر التمييز بين الأمرين. انظر عبد الجبار المغني 242/ 15، 243 والجواب على ذلك هو أن التمييز متيسر لأن صاحب المعجزة يدعي النبوة بينما صاحب الكرامة لا يدعي النبوة بل يتحاشى حتى مجرد إظهارها ومن أمثلة الكرامات في القرآن الكريم إتيان مريم
طعامها وشرابها وهي عاكفة في المحراب.
(2) انظر السوفي: السؤالات،133 البغدادي أصول الدين 174، 175. (1/188)
صفحة 187
كتاب التحف المخزونة
189
بها بل يقدرون على كشف أسرارها وفضح أصحابها بينما المعجزة مهما حاول أذكى الناس وأكثرهم تخصصا في الميدان وأبرعهم في المجال المتحدّى فيه مهما حاول معارضة النّبي فإنّه يعجز عن ذلك كما وقع بالنسبة لسحرة فرعون رغم براعتهم وإتقانهم للسحر ولذلك لما تجلّت لهم مظاهر الإعجاز أذعنوا للحق فقالوا: {آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وهَرُونَ} [الشعراء: 47، 48] (1).
وإذا كانت المعجزة متميّزة عن غيرها بقيدها وشروطها فهل يتصوّر إرسال رسول من الله غير مؤيد بمعجزة يتحدى بها قومه ويبرهن لهم على
صدق رسالته؟.
وجوب المعجزة
(2)
(3)
ليسلّم
إنه ممّا لا خلاف فيه بين المسلمين أنَّ الله أيّد رسله بمعجزات تتلاءم مع العصر الذي بعث فيه الرّسول منها ما هو عقلي ومنها حتي الناس بصدق دعواهم أما إمكان بعثة رسول من غير معجزة فهو الذي كان محل جدل بين بعض متكلّمي الإسلام.
فالمعتزلة مثلا يذهبون إلى وجوب المعجزة وهذا راجع إلى قولهم بوجوب الصلاح والأصلح على الله تعالى وبناء على ذلك فإنّ الله لا يبعث
(1) انظر عبد الجبار: المغني 15، 26.
(2) كمعجزة القرآن الكريم التي ظهرت حين برع العرب في البيان فتحداهم الله بما لا يقدرون على مثله.
(3) كمعجزة موسى وهي انقلاب العصا حية حينما برع القوم في السحر فتحدّاهم الله بما هو أعظم ومعجزة عيسى وهي إبراء الأكمه والأبرص زمن ازدهار الطب. (1/189)
صفحة 188
190
قسم الدراسة
رسولا إلا بمعجزة ليظهر الفرق بين النّبي والمتنبي فيصدقه الناس بعد قيام الحجة عليهم) والأشاعرة يرون أنَّ الله لا يبعث رسولا إلا بحجة وبرهان () إذ لا دليل على صدق النّبي إلّا ظهور المعجزة على يديه (3) غير أنهم يتنزهون عن إيجاب ذلك على الله لأنَّ القاعدة عندهم أنَّ الله هو مصدر الإلزام ولا
واجب عليه.
هي
أما الإباضيَّة فقد جوّزوا بعثة الرّسول بغير معجزة متحججين بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَنا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانِ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) ((إبراهيم: (()).
والمراد بالتجويز منع الإيجاب على الله تعالى ولذلك عدوا المعجزة تفضلا منه شأنها شأن الرسالة يقول السالمي:
ثم من الجائز بعث الرسل يهدوننا إلى الصراط الأعدل
مقرونة دعواهم
تفضلا
بمعجزات تبطل التقولا (5)
وقد شرح التفضل بقوله: «أي إعطاء غير ناشئ عن وجوب عليه تعالى
كما تقول المعتزلة ولا عن إيجاب كما تقول الفلاسفة
(1)
(1) انظر عبد الجبار: المغني 164/ 15 وإلى مثل ذلك ذهب الطوس
انظر كتابه الاقتصاد:
247
(2) انظر البغدادي أصول الدين 156، 157، الإسفراييني: التبصير في الدين 169، 170. (3) انظر الجويني: الإرشاد 331. (4) انظر الأشعري: مقالات الإسلامتين،168/ 1 البغدادي: الفرق بن الفرق 86، الشهرستاني الملل والنحل 182/ 1 فقد نقلوا جميعًا عن الإباضية هذه المقالة. ومن مصادر الإباضية في
هذه المسألة انظر قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 125.
(0) السالمي: المشارق 215.
(6) ن م 218. (1/190)
صفحة 189
كتاب التحف المخزونة
191
ولئن جوّز الإباضية ذلك على الأساس المذكور فإن من علمائهم من، ألخ على أهمية المعجزة واقترانها بقيام الحجّة يقول الأصم: «وذلك أن نظر الرسول المرسل ومشاهدته ورؤيته لا يكون ذلك حجّة من الله وحال دون إظهار معجزاته الباهرة التي لم تجر بها عادة من الخلق ولا أن يقدر أن يأتي بمثلها أحد من العالمين» (1).
وبهذا يظهر التقارب بين الإباضيَّة والأشاعرة في هذه المسألة ذلك أنَّ كلا من الفريقين يعتقد أنَّ لا واجب على الله تعالى إطلاقا ولا ينكران أنَّ الله بفضله ومنه يؤيد رسله بالمعجزات وذلك بمقتضى حكمته لأنَّ ترك الرسول بدون معجزة يؤدّي إلى تكذيبه وعدم الاطمئنان إلى صدق دعواه بل إن كثيرا من الناس من يعاند ويصرّ على الباطل رغم ظهور المعجزة فكيف لو ترك الرسل بغير معجزات يتحدون بها المعاندين؟.
•
ولقد طلب القوم من رسلهم إظهار المعجزات فثمود مثلا لما آتاهم صالح قالوا: إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَرِينَ مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِشَايَةٍ إِن كُنتَ من الصادقين} [الشعراء: 153، 154].
ولا يخفى أنَّ الخلاف في هذه المسألة شكلي بل لعله من الترف الفكري الذي وقع فيه المسلمون بسبب التوسع في بحث المسائل الجزئية ذلك أنَّ هذه القضيّة لا تعدو أن تكون مسألة نظرية لا صلة لها بأصول الاعتقاد ولا يترتب على الاختلاف فيها أي ضرر ما دام الجميع يؤمن بالرسل ويعتقد أنّهم أيدوا بمعجزات دالة على صدق دعواهم ومفحمة لخصومهم أيما إفحام.
(1) الأصم: النور 196. (1/191)
صفحة 190
192
صفات الرسل
قسم الدراسة
إن الناظر في صفات جميع الرّسل يجدها على ثلاثة أقسام:
جائزة، وواجبة ومستحيلة.
1) الصفات الجائزة:
وهي
المتعلقة بالرسل باعتبارهم بشرًا لهم حاجات عضوية وغرائز تتطلب إشباعا ذلك لأنَّ الرسول إنسان يأكل ويشرب ويمشي في الأسواق ويأتي النساء وتطرأ عليه حالات الصحة والمرض والألم والفرح وما إلى ذلك من الأحاسيس قال تعالى: {وَمَا جَعَلْتَهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كانُوا خَلِدِينَ} [الأنبياء: 8] وقال: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ ويمشى فِي الْأَسْوَاقِ ... ) [الفرقان: 7].
فقد شاءت الحكمة الإلهيّة أن يكون الرسل آدميين ظواهرهم على صفات البشر إذ لو كانت مخالفة للطبيعة البشريّة ما أمكن للنّاس قبول الخطاب منهم بسهولة وبذلك يحصل التنافر بين الطبيعتين قال تعالى: {قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَبكَةُ يَمْشُونَ مُطْمَنِينَ لَنَزَلْنا عليهم من السماء ملكا
رسولاً) [الإسراء: 90].
(2) الصفات الواجبة:
وقد حصرها العلماء في ست صفات وهي الصدق والتبليغ والأمانة
والضبط والعقل والفطانة.
أ - الصدق: ويشمل الصدق في دعوى الرّسالة وفي تبليغ الأحكام والأخبار
وجميع الأقوال).
(1) انظر السالمي: المشارق 219. (1/192)
صفحة 191
كتاب التحف المخزونة
193
ب - التبليغ ويكون بإبصال كلّ ما أمروا بتبليغه ولو أدى ذلك إلى هلاكهم خلافا للشيعة المجوّزين ترك التبليغ تقية).
ج - العقل: وهو صفة بديهية إذ المجنون والمعتوه لا يمكن أن يتحملا أي مسؤولية فضلا عن مهمة الرسالة.
د - الضبط: وهو حفظ ما يبلغه عن ربه بإتقان دون أدنى سهو.
هـ - الفطانة: وهي التيقظ وشدّة النّباهة وكانت هذه الصفة واجبة للرسول لأنَّ المغفّل قد تنطلي عليه حيل خصومه ومعانديه فضلا عن عجزه عن
إقامة الحجة عليهم.
و - الأمانة: وهي وفي هذا المجال نشير إلى مسألة العصمة وامتناع الكبائر والصغائر على الأنبياء قبل النّبوّة وبعدها لكننا قبل التعرّض إلى قول العلماء في كل ذلك نذكر مفهوم العصمة لغة واصطلاحا.
حفظ الظواهر والبواطن من التلبس بمنهي عنه (").
العصمة
أما
في
اللغة فهي
المنع والوقاية (3) قال تعالى متحدثا عن نوح وابنه:
قَالَ سَاوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِم رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [هود: 43].
وأما في الاصطلاح فهي الحماية من مواقعة المعصية). وقد أورد محمد علي ناصر خمسة تعريفات للعصمة تدور حول معنى واحد وهو «لطف يفعله
(1) انظر ن م 220، 221.
(2) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول 221. (3) انظر ابن منظور لسان العرب مادة «عصم». (4) انظر الأصم: النور 221. (1/193)
صفحة 192
194
قسم الدراسة
الله بالمكلف بحيث يمنع منه وقوع المعصية فما هو موقف الإباضية منها خاصة وسائر الفرق الإسلامية المشهورة عامة؟
أما قبل النّبوّة فإنّ الإباضية ينزّهون الأنبياء والرسل عن فعل القبائح من شرك ونفاق وما دونهما من منكرات يقول امحمد اطفيش: «والمذهب أنّهم لا يوصفون بالكبيرة ولا بالصغيرة قبل النّبوّة ولا معها ... » (1) كما يرون أن الأنبياء لا يرتكبون شيئًا من الكبائر أو الصغائر إلا غافلين أو ناسين غير أنَّ الشماخي يشير إلى أنَّ القطع بذلك أمر غير متيسر لعدم توفّر الأدلة السمعية القطعية في ذلك (") ولقد أورد السالمي أيضا نفس الموقف مبينا أنَّ الجواز ليس دليلا على الوقوع ولو صح دليل لاعتمدناه لأنَّ المنع الأليق هو بمنصبهم الكريم وعدم ثبوت نص قطعي في ذلك هو الذي دفع جمهور المعتزلة والأشاعرة إلى تجويز الكبائر والصغائر على الأنبياء قبل النبوة. دون أي تحرز).
(3)
وخالف في ذلك الشيعة الإمامية فقالوا بوجوب العصمة إطلاقا قبل النبوة وبعدها فيما يتصل بكبائر الذنوب وصغائرها ويستوي في ذلك
العمد والسهو
(1)
(1) اطفيش هميان الزاد 460/ 1 وانظر كتابه تيسير التفسير 58/ 1 وانظر ن م 111/ 6. (2) انظر: المحشّي: حاشية الترتيب 100/ 1 نقلا عن الشماخي.
ذلك.
(3) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول 224، 225. (4) وقد خالف في ذلك القاضي عبد الجبار فمنع صدور الكبائر والصغائر المنفرة قبل النبوة مثبتا أن لا يجوز عليهم قبل البعثة إلا ما جاز عليهم بعدها انظر كتابه المغني 310/ 15 وفيما يخص موقف جمهور المعتزلة انظر محمد علي ناصر: أصول الدين الإسلامي 175 فقد روى عنهم (5) انظر مثلا البغدادي: أصول الدين 168 الألوسي: روح المعاني مج 6،، (1) إلا الشيخ المفيد فقد جوّز الصغائر على الأنبياء قبل النبوة مما لا يشين فاعله سهوا لا عمدًا انظر محمد علي ناصر: أصول الدين الإسلامي 175.
274/ 16 (1/194)
صفحة 193
كتاب التحف المخزونة
195
هذا فيما يخص عصمة الأنبياء قبل النّبوّة أما بعدها فإنّ الأمة متفقة على
أن الأنبياء لا يرتكبون شيئًا من الكبائر (1) إلا ما ورد عن الشيعة أنهم يجوزون
(2)
على النبي إظهار الشرك تقيّة عند خوف الهلاك (2) أو ما ينسب إلى الأزارقة من تجويز الكبائر على الأنبياء دون تقييد ذلك بما قبل النبوة أو بعدها (3) أو ما ذكر عن الحنابلة من القول بعدم وجوب العصمة من الكبائر والصغائر عمدا وسهوا بعد النّبوّة إذا كان ذلك على سبيل الخطأ في التأويل كما وقع لآدم عندما أول النهي عن الأكل فحمله على شجرة بعينها لأنواعها (4). أما فيما يخص صدور الصغائر عنهم فالعلماء بين مجوّز على الإطلاق أو مانع على الإطلاق وبين مقيّد وقوع ذلك بالسهو.
فجمهور الأشاعرة لا يرون وجوب العصمة من الصغائر بعد النبوة ولا سهوا إذ لا دليل قطعي على ذلك (5) خلافا للشيعة الإمامية الذين جوزوا صدور الصغائر كلّها من الأنبياء ولو كان ذلك من قبيل السهو والخطأ والنسيان (6).
(1) انظر: أبو الربيع التحف 25 تبغورين أصول الدين،44 السالمي: مشارق الأنوار 224، الأصم النور،217، البغدادي أصول الدين،167، 168، الجويني الإرشاد 356، القاضي عبد الجبار: المغني 279/ 15. (2) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول 224 نقلا عن الشيعة) وقد عارض القاضي عبد الجبار هذا الرأي مبينا أن التقيّة لا تجوز للرّسول في أي حال. من الأحوال ولو هدد بالقتل فإنّ واجبه الصبر والأداء انظر كتاب المغني 284/ 15.
(3) انظر أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية 74 وانظر الألوسي: روح المعاني مج 274/ 16. بينما الشوفي ينسب هذا القول إلى الصفرية انظر كتابه السؤالات 65.
(4) انظر محمد علي ناصر: أصول الدين الإسلامي 176. (0) انظر الجويني: الإرشاد 357 وانظر محمد علي ناصر: أصول الدين الإسلامي 175 (نقلا عن أكثر الأشاعرة أما البغدادي فقد ذهب إلى أنهم معصومون من الذنوب كلها ولم يميز بين
الكبائر والصغائر انظر كتابه أصول الدين 167.
(1) انظر محمد علي ناصر: أصول الدين الإسلامي 175. (1/195)
صفحة 194
196
قسم الدراسة
أما المعتزلة فلم يجوزوا على الأنبياء من الصغائر إلا ما كان غير خسيس وغير منفر يقول القاضي عبد الجبار: «إنّ الصغير الذي لا يستخت فاعله غير معتد به لأنه بمنزلة الإقلال من النوافل لأنه لا يؤثر في خروجه من ولاية الله سبحانه وعداوته ولا له صفة في نفسه تنفّر فإذا علم أنَّ إقلالهم من النوافل لا ينفّر فكذلك القول فيما حلّ هذا المحلّ من الصغائر».
والإباضيَّة كالمعتزلة تمامًا يتبنّون نفس الموقف تنزيها للرسل مما يمكن أن يصد الناس عن اتباعهم والاقتداء بهم ومحافظة على مكانتهم العالية التي تميزوا بها عن سائر الناس يقول السالمي: «والمذهب أنهم معصومون بعد النبوة من الكبائر مطلقا ومن خسيس الصغائر أيضا لما تقدّم من الأدلة على
(2)
وجوب ما يجب لهم وعلى استحالة ما لا يحلّ عليهم» (2).
والملاحظ أن أبا الربيع. سليمان بن: يخلف يصرّح بأن الأنبياء يفعلون الصغائر غير أنهم لا يسمون بذلك عاصين ولا مذنبين ولم يشر إلى قضية السهو أو العمد ولا إلى مسألة الخسة والتنفير (3) بينما تلميذه تبغورين يثبت أن هذه الصغائر إنما كانت عن غفلة مستدلا بقوله تعالى في شأن آدم: وسهو
فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) [طه: 15 (4). وقد تابعه على ذلك عمرو التلاتي
مبينا أن عتاب الله لأنبيائه إنّما كان لأجل ارتكاب الصغائر سهوا (6).
(1) القاضي عبد الجبار: المغني 309/ 15 وانظر ن م 279/ 15، 280.
(2) السالمي: مشارق أنوار العقول: 224.
(3) انظر بن يخلف التحف 25 من هذا المخطوط.
(4) انظر تبغورين: أصول الدين 44.
(0)
(5) هو عمرو بن رمضان الثلاتي. من علماء إباضية جربة في القرن الثاني عشـ ر إلى القاهرة للدراسة بمدرسة الإباضية بطولون وكان يلقي دروسا تطوعية بالأزهر. توفي سنة 1187 هـ. من تأليفه اللآلي الميمونية على المنظومة النونية - خ ـ انظر الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة الإباضية: 120.
(6) انظر عمرو الثلاتي: نخبة المتين.159 هذا خلافا لما رواه المصعبي عن بعض العلماء من = (1/196)
صفحة 195
كتاب التحف المخزونة
197
كما أنَّ الأصم من الإباضيَّة يجوز على الأنبياء ارتكاب الصغائر لكن لا من زاوية السهو وإنما على وجه الخطأ في التأويل فهو يقول متحدثا عن ال: «فوقعت منه صغيرة من جهة خطئه في التأويل لا من جهة القتل لأنَّ المقتول كان كافرا، وقد استغفر موسى وتاب من جهة خطئه في التأويل»).
موسي
والمتأمل في القضيّة يرى أن الأنبياء أناس قد اصطفاهم الله فجعل نفوسهم طاهرة نقية وخالصة من كلّ الرذائل قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَعَالَ إِبْرَاهِيمَ وَعَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَلَمِينَ} [آل عمران: 33] وقال: {الله يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) [الحج: 75) ولو لم يكونوا معصومين عن الخبائث ما صح اعتبارهم قدوة للناس في كل التصرفات والأعمال بل لو كان الواحد منهم متصفا بخصلة من الخصال القبيحة لكان الناس مأمورين بفعل المنكرات بناء على أنَّ طاعة الرسل واجبة أما الخطأ والنسيان فهما طبيعتان بشريتان وقد جاء في القرآن: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] ولا نجد أي دليل سمعي قاطع على أنَّ الأنبياء معصومون من ذلك والله تعالى برحمته وفضله لم يحمّل الإنسان مسؤولية أعماله العفوية والخارجة عن نطاق إرادته.
أما ما ورد من عتاب للرسل بسبب أخطاء وقعوا فيها فمرده إلى علوّ مرتبتهم وارتفاع مقامهم ولو صدرت من غيرهم نفس الأفعال لكان ذلك أمرًا عاديا لا يترتب عليه أيّ لوم أو توبيخ ذلك أن حسنات الأبرار سيئات
أن تلك الصغائر كانت عمدًا فآدم مثلا أكل من الشجرة رغم تذكير إبليس له بنهي الله وهذا دليل على العمد انظر كتابه حاشية على تبغورين 49
(1) الأصم النور 219 و انظر القاسمي: محاسن التأويل 108/ 2 و 109 وانظر الصاوي على الجلالين 56/ 3 وانظر النسفي: التفسير 43/ 1. (1/197)
صفحة 196
198
قسم الدراسة
الصلاة
المقربين (1) ومن هذا المنطلق نفهم تنزّه بعض العلماء عن تخطئة الأنبياء يعتبرون كلّ ما صدر منهم إنّما هو من باب خلاف الأولى (2) أو من باب القصد إلى الخطأ لغرض التشريع كما حدث في مسألة السهو في الصلاة فقد فسرت بأن الله أراد تعليم النّاس كيفية إصلاح الصلاة عند السهو في وعن طريق خطأ النبي محمد (3) وإلا فإنّ الأحكام التشريعية لا يجوز أن يقع فيها الخطأ أو النسيان لأنَّ ذلك يؤدّي إلى الشك في الشرع على أنَّ النبي إذا أخطأ يترتب عليه إلزام النّاس بالخطأ نظرا لكونهم مأمورين بالاقتداء بأنبيائهم اللهم إلا على قول من يرى أنَّ الرسول إذا أخطأ فسرعان ما يصلح خطؤه قبل أن يقتدي به أي أحد من الناس (4).
كذلك بالنسبة لجميع الأخبار الغيبية لا يمكن أن يطرأ عليه فيها شيء من الخطأ أو النسيان لأنها مسائل دقيقة وحسّاسة وقد يترتب على الخطأ أو النسيان فيها مخاطر كثيرة كالتكذيب بأخبار الأنبياء والتردّد في قبولها وأما قوله تعالى: مَا نَنسَحْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106] فإن أحسن ما قيل في الإنساء هو التأخير وتأجيل إنزال الآية لحكمة يعلمها الله).
(1) انظر الألوسي: روح المعاني: مج 6، 274/ 16 وانظر تفسير الصاوي على الجلالين 56/ 3. (2) انظر تفسير النسفي 43/ 1 نقلا عن مشايخ سمرقند وانظر اطفيش: هميان الزاد 460/ 1. (3) انظر قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة،172 وانظر الصاوي على الجلالين 56/ 3. (4) قال امحمد اطفيش تعقيبا على تفسير قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِي أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُنْخِنَ فِي الْأَرْضِ ... وَلَا كِتَبُ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 67، 68] قال: والآية دليل على أن الأنبياء يجتهدون إلا أنهم إن أخطئوا أخبرهم الله فيرجعوا إلى الصواب اطفيش تيسير التفسير.412/ 4. والجدير بالملاحظة أن كلا من عبد الرحيم فودة و داود حمدان يذهب إلى تجويز الخطأ أو النسيان على النّبي دون الإشارة والتنبيه إلى
القيد المذكور انظر عبد الرحيم فودة معاني القرآن،129 داود حمدان «أبحاث»: 43. (5) انظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 68/ 2. (1/198)
صفحة 197
كتاب التحف المخزونة
199
بقية الأمور المتعلقة بأساليب الحياة وشؤون الدنيا مما يقوم على التجارب والخبرات والرّأي فإنّ الخطأ في ذلك أمر سائغ لا صلة له بالوحي وقدسيته فقد سأل الحباب بن المنذر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضية اختيار مكان النزول في واقعة بدر فقال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أو هو الرأي والحرب والمكيدة؟» فأجاب الرسول صلى الله عليه وسلم بما يفيد أنَّ المسألة ليست تشريعية بل هي متفرعة على الرأي والخبرة ولذاك لما تبين له أن رأي الحباب هو الأنسب والأصلح أمر بالرحيل من ذلك المكان تنفيذا لخطة الحباب).
ففي هذه الحادثة وغيرها من الحوادث ما يدل دلالة واضحة على أنَّ ما لا علاقة له بالوحي قابل للخطأ والنسيان لأنه الاجتهاد القائم على أساس الخبرة والنظرة الشخصية.
وفي هذا المجال نجد القاضي عبد الجبار يقسم أعمال النبي إلى قسمين: ما يؤدي فيه عن الله: وهذا القسم لا يجوز فيه الخطأ والنسيان.
ما لا يؤدّي فيه عن الله: وفيه يجوز الخطأ والنسيان (2).
وعلى هذا الأساس نفهم منع السوفي أن يكون غير النبي أعلم من النبي في أمور الدين وتجويزه ذلك في أمور النظر والرأي كمكايد الحروب ولقد فسر قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] بأنَّ الشورى المأمور بها في الآية محصورة في مسائل الحرب وما أشبه ذلك من قضايا الحياة التي تتطلب نظرًا وخبرة (3).
(1) انظر ابن هشام السيرة النبوية مج 1، 193/ 2.
(2) انظر كتابه المغني 286/ 15.
(3) انظر كتابه السؤالات: 66 وانظر القاسمي: محاسن التأويل 3039/ 8 وانظر د. سيد محمد = (1/199)
صفحة 198
الصفات المستحيلة
قسم الدراسة
لا ريب أن الرسول لا يجوز أن يكون كذابًا أو خائنا أو مجنونا أو غبيًا الصفات الذميمة التي تقدح في قدسية الرسالة والتي تجعل
وما إلى ذلك. من
الناس يعرضون عنه ولا يكترثون بدعوته.
موسى توانا الأفغانستاني: الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه في هذا العصر: 237 ة ما بعدها ط 1 القاهرة 1973. فقد فضل الكلام في مسألة اجتهاد الرسول وخطئه وأورد اختلافات الأصوليين وحججهم. (1/200)
صفحة 199
الولاية والبراءة
تمهيد
إن الدارس لهذا المبحث في الثّقافة الإسلامية يرى أنَّ الإباضية أهم فرقة إسلامية اهتمت بهذا الموضوع اهتماما بالغا من حيث جميع جوانبه تعريفا وتفصيلا وتقسيما وتفريعا واستدلالا وتطبيقا.
والجدير بالذكر أنَّ الإباضيَّة يعتبرون حفظ الدين وحرزه لا يكون إلا
بفعل أربعة:
أ- ولاية من علم منه خير.
ب - براءة ممّن علم منه شرّ.
ج- الوقوف عن من جهلت حاله حتى تعلم.
->
ترك المعاصي.
ونظرًا لأهمية هذا المبحث عند الإباضيَّة فإنّ الدارس قلما يجد كتابا من كتب أصول الدين لا يتعرّض إلى هذا الموضوع ولو بصفة إجمالية بل من علمائهم من يعد الولاية والبراءة من الفرض المضيق الذي
?
(1) انظر على سبيل المثال: الثّميني: معالم الدين،105/ 2. السوفي: السؤالات 205 (وقد اقتصر على ذكر ولاية من علم منه خير والبراءة ممّن علم منه شر)، المحشي: حاشية الوضع 98
(ولم يذكر ترك المعاصي عقيدة ابن جميع 4، 5. (1/201)
صفحة 200
202
قسم الدراسة
جهله طرفة عين) وإذا كان الأمر كذلك فإنّ المسألة في حاجة إلى شيء
من التحليل.
فما هي.
أولا حقيقة كلّ من الولاية والبراءة؟ وهل من أدلة شرعيّة على وجوبهما؟ وما هي الجوانب التي ركّز عليها الإباضية في هذا المبحث وما هو مدى تطبيقهم لهذين الأصلين ونتائج ذلك.
(1) انظر ما يلي ص 199. (1/202)
صفحة 201
كتاب التحف المخزونة
1 - مفهوم الولاية
التعريف بالولاية والبراءة
203
أ ـ لغة: ولي يلي ولاية بكسر الواو وولاية بفتحها قال الفراء تفتح أكثر إذا أريد بها النّصرة ويجوز كسرها (1) وغالبًا ما تستعمل الولاية بالكسر للدلالة على الإمارة (2).
وأصل الكلمة بمعنى القرب والقيام للغير بالأمر والنصر والاهتمام بالمصالح والحفظ والاتصال يقال: فلان موال لفلان إذا كان مُقَرَّبا له وقائمًا
بأمره ومهتما بمصالحه وحافظا لغيبته ومتصلا به في مواضع الاتصال (3).
وولاية أمر اليتيم القيام بأمره والاهتمام بمصالحه (4). ويقال جلس فلان مما يليني أي بقربي (5) ومنه قوله: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر أي لأقرب رجل إلى الميت (1).
«<
(1) لأن في تولّي القوم بعضهم بعضا جنسًا من الصناعة والعمل وكل ما كان من جنس الصناعة كالخياطة فهو مكسور. راجع محمد مرتضى الزبيدي تاج العروس «ولي» وانظر: ابن منظور: لسان العرب مادة «ولي» أيضا.
(2) انظر ن م.
(3) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول 338. البطاشي: غاية المأمول 105/ 1.
(4) انظر الجيطالي: قواعد الإسلام 45/ 1. (5) انظر الشقصي: منهج الطالبين 8/ 2.
(6) انظر ابن تميمة: الرسالة 655/ 15 من مجموعة التوحيد والحديث: خ فرائض 5، 7، 9، 15 ـ م
فرائض 2 3 - ت فرائض 8 - دي فرائض 28. (1/203)
صفحة 202
204
قسم الدراسة
والولي هو الناصر والمحب والصديق) والمولى هو الحليف وهو من
انضم إليك فعزّ بعزّك وامتنع بمنعتك (2).
ب ـ اصطلاحا: إذا كانت أخص معاني الولاية في اللغة
هي
النصرة
والقرب فإن معناها الشرعي لا يختلف عن هذا المعنى (3) ولقد جمع عمرو
خليفة النامي سبعة تعريفات شرعيّة للولاية نوجزها فيما يلي:
-
هي إيجاب الترحم والاستغفار للمسلمين.
هي الود بالجنان والقناء باللسان.
هي المودة والمؤاخاة الدينية.
هي المودة والاستغفار.
هي محبة المسلم لأخيه المسلم ما يحبّه لنفسه في الدنيا والآخرة.
هي الميل بالقلب والجوارح إلى مطيع لطاعته.
- هي تولّي القيام بحق الولي واعتقاد وده (4).
والملاحظ أنَّ هذه التعريفات تتشابه أحيانًا وتتكامل حينا آخر وبالجمع بينها ندرك أن الولاية هي المحبّة في القلب للمؤمن ومودته ومؤاخاته وحسن الظن به والثناء عليه باللسان وإعلان الترحم عليه والاستغفار له والدعاء له بالخير في الدنيا والأخرى ومناصرته في الحق وذلك بعد العلم بوفائه بالدين)
(1) انظر محمد مرتضى الزبيدي: تاج العروس «ولي».
(2) انظر ابن منظور: لسان العرب مادة «ولي».
(3) انظر السالمي (نقلا عن امحمد اطفيث 331، البطاشي: غاية المأمول 105/ 1.
(4) انظر: النامي: الأطروحة 332، 333.
(د) انظر في تعريف الولاية: الجناوني: سائل التوحيد: 3، ابن جعفر: الجار
بن يخلف: التحف: 5 الفرسطائي اعد الإسلام 57/ 1، الشماخي: (1/204)
صفحة 203
كتاب التحف المخزونة
ولقد اختصر الثّميني) كلّ هذه المعاني في جملة واحدة فقال: «الولاية وحقيقتها الحب بالجنان والذكر باللسان والميل بالقلب والجوارح إلى
مطيع لطاعته» (2).
(2) مفهوم البراءة:
=
أ ـ لغة: البراءة مصدر برئ يبرأ بمعنى تخلص وتنزه وتباعد أو بمعنى أعذر وأنذر ومنه قوله تعالى: {بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 1] أي عذر وإنذار ولقد دعا عمر ابن الخطاب أبا هريرة لالها إلى العمل فرفض فمثل عمر بيوسف فأجاب أبو هريرة: إنّ يوسف مني بريء وأنا منه براء أي بعيد عن أن أساويه في الحكم أو أقاس به ولم يرد بذلك براءة العداوة والبغض والبري هو المتفصّي من القبائح المتنحي عن الباطل البعيد عن
التهم (3).
ب ـ اصطلاحًا: هي اعتقاد العداوة بالقلب والشتم باللسان والإعراض عن عاص لعصيانه (4). وذلك يقتضي نفي الإيمان عنه وتسميته بالكفر وتحريم الاستغفار له ومعرفة استحقاقه لللعنة والغضب والسخط والعقوبة يقول ابن جعفر: والبراءة نفي الإيمان والتسمية بالكفر وتحريم الاستغفار
شرح عقيدة التوحيد،48، 64، 82، 84، المحشي حاشية الوضع 106، المصعبي حاشية تبغورين: 39، أجوبة بيوض على أسئلة كوبرلي: 7 الشقصي: منهج الطالبين 8/ 2. (1) هو عبد العزيز بن إبراهيم المصعبي الثّميني، ضياء الدين من فقهاء الإباضية بالجزائر ولد سنة 1133 هـ 1133 هـ وتوفي سنة 1223 هـ من تصانيفه «النيل» ط تكميل ما أخل به كتاب النيل» ط «معالم الدين» ط وهو في أصول الدين. انظر الزركلي الإعلام 12/ 4 (ط بيروت 1979 م). (2) النميني: معالم الدين،115/ 2 وانظر السالمي: بهجة الأنوار 152 غير أنه في كتاب المشارق يشير إلى أن هذا التعريف خاص بولاية العباد بعضهم لبعض انظر المشارق 338.
(3) انظر ابن منظور لسان العرب مادة «برى».
(4) انظر: الثّميني: معالم الدين،125/ 2 السالمي: بهجة الأنوار 152. (1/205)
صفحة 204
206
قسم الدراسة
والمعرفة له باستيجاب اللعنة والغضب والسخط والبغض والعقوبة لمن استحق ذلك في نار جهنم».
ولا يخفى أن هذه المعاني مبنيّة على الأصل اللغوي للفظ البراءة لما فيها من تركيز على البعد والتخلّص يقول امحمد اطفيش بعد عرضه لمعاني البراءة في اللغة وذلك تبنى البراءة الشّرعيّة» (2).
والملاحظ أن كل ما قيل في تعريف البراءة (3) قد يتناول جانبا أو أكثر مما ذكرنا وبالجمع بينها يمكن أن نحكم عليها بالتكامل فيما بينها وقد لخصها عمرو خليفة النامي في أربعة تعريفات:
هي إيجاب الشتم واللعنة للكافر.
هي المنابذة والعداوة.
هي البغض بالقلب والشتم باللسان.
هي التبرّي من العدوّ وحدثه واعتقاد بغضه (4).
قواعد
(1) ابن جعفر: الجامع 105/ 1، 106 نقلا عن وائل بن أيوب الحضره الإسلام: 68/ 1، المحشي: حاشية الوضع 106، قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 294، ابن تميمة: الرسالة 15 ص 655 من مجموعة التّوحيد، خليفات مجلّة: 144.
(2) السالمي: المشارق 340 نقلا عن امحمد اطفيش. (3) انظر مثلا: بن يخلف التحف: 5، الجناوني: عقيدة نفوسة 4، الفرسطائي مسائل التوحيد. (4) انظر عمرو خليفة النامي: الأطروحة 333، 34 والملاحظ ان التعريف الثالث هو تعريف ابن يخلف في التحف صه. (1/206)
صفحة 205
كتاب التحف المخزونة
حكم الولاية والبراءة
207
1 - حكمهما
يقول أبو الربيع سليمان بن يخلف: اعلم أنَّ الولاية والبراءة من الإيمان
المضيق لا يسع جهلها ولا تركها وهما فريضتان على العباد» (1).
ويقول ابن تميمة في إثبات حكم البراءة: ولا يكون موحدا إلا من نفى الشرك وتبرأ منه وممن فعله» (2).
ومن
خلال هذين القولين نتبيّن موقف هذين العالمين من الولاية والبراءة واتفاقهما على وجوبهما والرفع من منزلتهما إلى درجة اعتبارهما من الفروض المضيّقة التي لا يسع جهلها ولا تركها بل إن البراءة من المشركين هي من مستلزمات التوحيد.
والجدير بالذكر أنَّ الاتفاق حاصل بين علماء الأمة الإسلامية على فريضة الولاية والبراءة غير أنَّ الفرق بين الإباضية وغيرهم هو أنَّ الإباضية إلى جانب القول بوجوب ولاية الجملة وبراءة الجملة أضافوا ولاية الأشخاص
(1) بن يخلف: التحف المخزونة: 4. وانظر: عامر الشماخي الديانات، ابن جعفر: الجامع 107/ 1، 184، الشقصي: منهج الطالبين 162/ 2. (2) ابن تميمة: مجموعة التوحيد الرّسالة الأولى: 52 وفي الرّسالة السادسة يقول محمد عبد الوهاب وكيف يدعي رجل محبّة الله وهو يحبّ أعداءه الذين ظاهروا الشياطين ... وبالجملة فإنّ الحبّ في الله والبغض في الله أصل عظيم من أصول الإيمان، (مجموعة
التوحيد: 159). (1/207)
صفحة 206
208
قسم الدراسة
وبراءة الأشخاص) وحكموا بوجوبها بناء على صلاح الأعمال وفسادها بينما اقتصر الآخرون على ولاية الجملة وبراءة الجملة على أساس التوحيد
أو الشرك.
(2) وقت وجوبها
لقد ذهب كل من ابن يخلف (3) والجناوني (3) إلى وجوب المسارعة بالولاية أو البراءة وعداهما ممّا يجب مع أوّل البلوغ في حال التكليف. أما قاسم الشماخي فقد فرّق بين الولاية والبراءة فحكم بكفر من أخر الولاية بعد وجوبها وشدّد النّكير على من ضيعها وأهملها بعد ثبوتها (4) خلافًا للبراءة التي رجّح القول بالتوسعة في فرضيتها (5).
كما أنَّ كلا من ابن جميع (6) وامحمد اطفيش يذهبان إلى منع التأخير يقول اطفيش: والصحيح أنه لا يجوز التأخير لقوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ) الآية (7).
(1) انظر: الجيطالي: قواعد الإسلام: 45/ 1، 67، 68، التوفي: السؤالات 101، أجوبة بيوض إبراهيم على أسئلة كوبرلي: 8 وبالنسبة للفرق بين ولاية الجملة وولاية الأشخاص.
(2) انظر تع 814.
(3) انظر الجناوني الوضع: 32. (4) انظر قاسم الشماخي: 337.
(5) انظر ن. م 240.
(6) هو عمرو بن جميع أبو حفص من علماء إباضيّة جزيرة جربة في القرن الثامن ترجم من البربرية إلى العربية كتاب عقيدة التوحيد التي تعد من أهم كتب اصول الدين عند الإباضية. توفّي حوالي 750 هـ. انظر الزركلي: الأعلام 75/ 5 (ط 4 بيروت 1979 م). (7) اطفيش: شامل الأصل والفرع 58/ 1. (1/208)
صفحة 207
كتاب التحف المخزونة
209
3 ـ أدلة وجوبها
أ ـ من القرآن الكريم
أما فيما يخص الولاية فقد جاءت آيات كثيرة موجبة لها منها ما ورد في صيغة مدح المؤمنين وتعدادا لصفاتهم اللازمة التي لا يتم إيمانهم إلا بها كما في قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَبِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ) [التوبة: 71] فلما ذكرت الولاية مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله استحقت نفس الحكم وهو الوجوب.
ومن الآيات الدالة على وجوب الولاية أيضا ما ورد في صورة دعوة إلى ولاية الله ورسوله والمؤمنين واعتبار المستجيبين لهذا النداء من حزب الله الغالبين كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ مَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَلِبُونَ} [المائدة: 55، 56].
كما دعا القرآن الكريم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الاستغفار للمؤمنين وقرنه بوجوب معرفة الوحدانية وفي ذلك دلالة على وجوب الولاية لأن الاستغفار ثمرة الولاية قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبَكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَنَكُمْ) (محمد: 19).
وأما فيما يتعلق بالبراءة فإنّ الله قد ذكر لنا نماذج من تطبيقات الأنبياء السابقين لها منها ما ورد أنَّ إبراهيم قد تبرأ من أبيه لما تبين له أنه عدوّ الله قال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا
(1) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول 339. (1/209)
صفحة 208
210
قسم الدراسة
إياه فلما نَبَيِّنَ لَهُ: أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَاهُ حَلِيمٌ} [التوبة: 114]. كما
مدح
الله
نبيه إبراهيم ومن آمن معه حين تبرّؤوا من قومهم وجاهروا بعداوتهم وعد ذلك قدوة حسنة لمحمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه فقال: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ: إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَ ؤُا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ من دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحدَه ... ) [الممتحنة: 4].
أما الآيات التي تنهى عن ولاية الكافرين (1) فقد ذهب أبو الربيع سليمان بن يخلف إلى أنها حجّة في وجوب البراءة على أساس أن النهي عن الشيء أمر بضده فهو يقول: «وفي تحريمه لولاية الكافرين والنهي عنها ما
(2)
يثبت أن الله أمر ببراءتهم وألزمها ... والنهي عن الشيء هو الأمر بضده» (2) غير أن السالمي لم يرتض هذا الاستدلال بحجّة أنَّ النهي عن الولاية لا يقتضي وجوب البراءة لعلة وجود أمر ثالث وهو الوقوف (3) والحقيقة أنَّ هذا الاعتراض يردّه واقع الوقوف ذلك أنه خاص بمن لا تعرف حاله بينما الكافر معلوم الكفر فلما انتفى الوقوف فيه وحرمت ولايته لم يبق إلا إيجاب البراءة منه وبذلك تكون جميع الآيات السالفة الذكر حجّة على وجوب البراءة.
والمتأمل في أواخر سورة الفاتحة يجد الإشارة إلى مبدأي الولاية والبراءة فقوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: 7] دعاء يتضمن ولاية المؤمنين وقوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] يفيد البراءة من الكافرين (4).
(1) آل عمران،28 النساء،89، 144، المائدة 51 التوبة،23، المجادلة 22، الممتحنة 13.
(2) ابن يخلف التحف 4.
(3) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول 340، 341.
(4) لقد أوضح أحمد بن حمد الخليلي هذا المعنى فبيّن أن الآية تفيد أمرين هامين هما: (1/210)
صفحة 209
=
-
كتاب التحف المخزونة
211
ب: من الحديث الشريف: لقد وردت أحاديث كثيرة تجمع بين الأمر بالولاية للمؤمن والبراءة من العدوّ الكافر وتحثّ على محبة الله وكراهة
الكافر ومن
هذه الأحاديث:
عن جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعه على أن تنصح لكلّ مسلم وتبرأ من الكافر).
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفضل الأعمال الحبّ في الله والبغض في الله». وفي سنن أبي داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أحبّ الله وأبغض الله وأعطى الله ومنع لله فقد استكمل الإيمان (3).
4) حكم تارك الولاية والبراءة
إن الإقرار بولاية المسلمين وتصويبهم والبراءة من الكافرين والمنافقين توحيد وطاعة أمّا ولاية الكافرين والبراءة من المؤمنين فهما كفر عند الإباضية (4) وأمّا إنكار فريضتها فإن كان بتأويل فهو ضلال وإن كان بغير
وجوب الترابط بين المؤمنين (وهو) مظهر ممن مظاهر الولاية). وجوب نفرة المؤمنين من أعداء الدين (وهو عين البراءة) انظر كتابه جواهر التفسـ
295/ 1، 296
(1) أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده 358/ 46، 363، 364. (2) أخرجه أبو داود في سنه حديث 4599 وقد علق المحقق بأن الحديث فيه رجل مجهول. (3) أخرجه أبو داود في سننه حديث 4681.
(4) يذهب المصعبي إلى أن من تولّى الكافرين جملة أو تبرأ من المؤمنين جملة فقد أشرك ومن قال أتولّى النّاس كلهم أو أبرأ من النّاس كلهم فهو هالك ويشير إلى أن بعض العلماء يعذره في تولّيه للنّاس كلهم لاحتمال قصده تخصيص المسلمين بالولاية وقد ردّ السالمي هذا الاحتمال باعتبار أن نفس الاحتمال وارد بالنسبة لمن قال أتبرأ من الناس كلهم. أما أبو الربيع والجيطالي فقد حكما على القائل بذلك بالشرك لأنَّ في براءته من المسلمين براءة
من الأنبياء وهذا شرك انظر المصعبي: حاشية على الديانات: 22، السالمي: المشارق: (1/211)
صفحة 210
212
قسم الدراسة
تأويل فهو ردّ لتنزيل يترتب عليه الشرك. وأمّا الشك في فريضتهما فإنّ الكدمي يقول في حقه: «فمن شك في فرضي الولاية والبراءة بتأويل ضلال من غير ردّ منه لتنزيل ولا بمتصرّف سنة فهو عندنا كافر نعمة منافق فاسق الله عن دين ونحن الله منه براء إلا أن يتوب» (1).
ولئن شدّد العلماء على تارك الولاية والبراءة باعتبارهما فرضين من فروض الله فإنّهم أجازوا للمكره أن ينطق بولاية الكافرين والبراءة من المؤمنين وتصويب الباطل وإبطال الحق على أن لا يتجاوز ذلك النطق باللسان مع ضرورة إضمار خلافه في القلب وعدّ ذلك من التقية التي أجازها القرآن والسُّنَّة النبوية الشريفة يقول السالمي:
أجز تقيّة بقول إن خلص من نيل ضرّ من به القول يخص "
(2)
369، بن يخلف التحف 6، الجيطالي القواعد: 96/ 1. وانظر: التوفي: السؤالات 76، 77، 87، 88، 160، 241، 242. ابن جميع عقيدة التوحيد: 6. الشقصي: منهج الطالبين 32/ 2. (1) الكدمي: المعتبر 137/ 2. (2) السالمي: مشارق أنوار العقول 453. انظر تفصيل القول في هذه المسألة في كتابه المشارق 451 - 456، وانظر: الفرسطائي: مسائل التوحيد 13 وانظر اطفيش: كشف الكرب 67/ 1 - 70 وانظر مجموعة التوحيد لابن تميمة ومحمد بن عبد الوهاب: 160 (الرسالة السادسة لمحمد بن عبد الوهاب وقد نقل فيها عن الطبري وابن أبي حاتم قول ابن عباس: «ليست التقية بالعمل إنّما التقيّة باللسان وفيها بيان جواز إظهار اللطف للكافرين الظاهرين والغالبين مع المخالفة في الدين لقوله تعالى: {إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَلَةٌ) [آل عمران: 28]. (1/212)
صفحة 211
كتاب التحف المخزونة
213
أقسام الولاية والبراءة
تنقسم كلّ من الولاية والبراءة إلى ثلاثة أقسام رئيسية وهي:.
ولاية الجملة وبراءة الجملة.
ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة. ولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص.
ولكل قسم من هذه الأقسام أحكام.
1 - ولاية الجملة وبراءة الجملة:
أما ولاية الجملة فهي أن تتولّى المسلمين من الأولين والآخرين جميع إنسهم وجنّهم وملائكتهم من عرفنا منهم ومن لم نعرف على وجه الإجمال لا على سبيل التبيين يقول أبو الرَّبيع سليمان بن يخلف: «فأما ولاية الجملة أن (كذا) توالي المسلمين هكذا من غير قصد إلى أحد بشخصه».
وقد فصل قاسم الشماخي هذا التعريف فبيّن أنّها تشمل الأحياء والأموات، الصغار والكبار، الأحرار والعبيد، الذكور والإناث الإنس والجن والملائكة، جميع المعروفين والمجهولين من أوّل الخلق إلى انقضاء الدنيا (2).
(1) بن يخلف: التحف المخزونة: 4 وانظر الجناوني: الوضع 32، عقيدة نفوسة: 2. (2) انظر: قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة: 293 وانظر عقيدة بن جميع: 5. (1/213)
صفحة 212
214
قسم الدراسة
وأما. براءة الجملة فهي أن إلى يوم الدين من عرفنا منهم ومن لم نعرف على وجه العموم دون القصد إلى واحد بعينه).
ا يبرأ من كلّ الكافرين من الأولين والآخرين
ونظرا لأهمية هذا القسم من الولاية والبراءة فقد أطلق عليه الإباضية مصطلح «عقيدة الإنسان» يقول السالمي: ثالثها عقيدة الإنسان» (2) ويفسر ذلك
بقوله: «وإنّما عبّرنا عنه بذلك لأنه لا بد لكلّ مكلّف أن يعتقده دينا» (3). فهو مما يجب أن يعتقد ويعمل به ويعلم أنه فرض أوجب الله عليه القواب وعلى تركه العقاب (4).
2 - ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة
أما ولاية الحقيقة فتشمل ولاية المعصومين الذين عرفوا بالطاعة والإحسان والحصانة من فعل الكبائر وقد ذكرهم الله في كتابه العزيز أو على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ونص على أنهم من أهل الجنّة (5).
(1) انظر مثلا: بن يخلف 4، الجناوني: الوضع: 33، عقيدة نفوسة 3، عقيدة بن جميع 7، أجوبة بيوض، السالمي: المشارق 343.
(2) السالمي: مشارق أنوار العقول 341.
(3) ن م 343. وقد سمّاها قاسم الشماخي براءة بمطلق الوصف وقصد بذلك مطلق الكفر انظر كتابه شرح اللؤلؤة 342.
(4) انظر بن يخلف التحف المخزونة: 4، 5، الجيطالي: قواعد الإسلام: 43/ 1، 46، 69 الشماخي: شرح عقيدة التوحيد 65 اطفيش: شرح عقيدة التوحيد 152، 230، 231، شامل الأصل والفرع،56/ 1 عمر الثلاتي نخبة المتين،151 152، قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 293، بن جميع مقدمة التوحيد 64، المحشي حاشية الوضع،109، المصعبي: حاشية
تبغورين: 39.
(5) انظر الجناوني: عقيدة نفوسة،2، الوضع،32 33 بن جميع. مقدمة التوحيد 5، 6، المحشي:
حاشية الوضع 106. (1/214)
صفحة 213
كتاب التحف المخزونة
والجيطالي يقسم هذا الصنف من الناس إلى أقسام أربعة:
215
أ- المذكورين جملة كجملة الأنبياء والرسل وأصحاب الكهف وسحرة فرعون والمؤمنين الذين قتلهم أصحاب الأخدود.
ب - الأفراد: وهم على نوعين:
أولا: مسمون وهم الذين ذكرهم النّصّ بأسمائهم كآدم ونوح وإبراهيم.
ثانيا: غير مسمّين وهم الذين كنّي عنهم كأم موسى وامرأة فرعون
ومؤمن آل فرعون).
الذكور: وهم الأنبياء والأولياء. ج -
د
الإناث: سواء أكن مسمّيات كمريم بنت عمران أو غير مسميات كامرأة فرعون (2).
وعصمة هؤلاء واعتقاد أنّهم من أهل الجنّة إنما تثبت بأحد طريقين: أن يرد القرآن بما يجب ولاية أحد سواء صرّح باسمه أو كنى عنه أورده مبهما.
أن ينطق رسول من رسل الله أنَّ فلانًا من أهل السعادة.
(1) وقد فرع السالمي هذا القسم إلى فرعين: من كني عنه كأم موسى وامرأة فرعون.
-
من جاء مبهما لم يخص باسم ولا بكنية كمؤمن آل فرعون انظر كتابه المشارق: 341.
أو
(2) انظر الجيطالي: قواعد الإسلام.67/ 1. وفيما يخص تسمية المعصومين من الذكور والإناث والنصوص الواردة في شأنهم: انظر شرح داود الثلاتي لعقيدة التوحيد: 32 وفيما يخص عائشة أم المؤمنين فقد ذهب كل من الجيطالي والثّميني إلى أنها ملحقة بالمنصوص عليهم وإن لم ينص عليها باسمها واكتفى الجناوني بذكر الخلاف في ذلك انظر الجناوني: عقيدة نفوسة 2، القواعد 78/ 1، النور 23 - 26. (1/215)
صفحة 214
216
قسم الدراسة
وقد اشترط العلماء في الطريق الثاني أن يسمع السامع من لسان الرسول ذلك الكلام وقت نطقه به بل دققوا أكثر من ذلك فاشترطوا إلى جانب السمع النظر إلى شفتي الرّسول حين نطق بذلك الكلام أما نقل العدول فلا يعد حجّة في هذا إلا إذا بلغوا مرتبة الشهرة).
فهؤلاء الذين ثبتت عصمتهم بإحدى الطريقتين المذكورتين ولايتهم واجبة على سبيل القطع واليقين ولذلك اعتبر فعلها توحيدا وتركها شركا يقول أبو الربيع سليمان بن يخلف: «فأما من قصدت إلى ولايته من المعصومين فتوليته فولايته توحيد وترك ولايته شرك إذا وجبت ولايته والجهل بها أنها دين شرك وجحودها وإنكارها أيضا كفر» (2). والسبب في الحكم على التارك والجاهل بالشرك هو إدراج الولاية والبراءة ضمن المسائل التي لا. جهلها أما الجحود بها (3) وإنكارها فهو ردّ لخبر ثابت بالنص القطعي ولا ريب أنَّ هذا التصرف شرك لما فيه من التكذيب.
يسع
فولاية المعصومين فرض وهي ثابتة لا تتغير ولو ظهرت منهم المعاصي المكفرة يقول أبو زيد الريامي (4): «غير أني أقول إنه إذا علم أنَّ هذا يدخل الجنّة فليس له أن يدعو عليه بالنار والغضب في الآخرة ولو أحدث الكبيرة»).
(1) الشهرة في هذا الباب قسمان: تواتر واستفاضة غير أن السالمي ينقل عن ابن أبي نبهان قوله إنّ الشهرة لا توجب ولاية الحقيقة انظر السالمي: بهجة الأنوار: 156 ويرى الجيطالي أن الحجّة في
ولاية المعصومين إما تواتر الأخبار وإما صحة الأخبار انظر كتابه قواعد الإسلام 47/ 1. (2) بن يخلف التحف 4 وانظر الجيطالي: 47/ 1 77، المصعبي: حاشية على الديانات 23، 24. (3) أي بولاية الحقيقة. هو عبد الله
(4)
بن محمد بن رزيق المكنى بأبي زيد الريامي. (1303 ـ 1366 هـ) معاصر لعبد الله بن حميد السالمي وهو من ناحية إزكي بأرض عُمان له كتاب حل المشكلات (ط)
انظر سالم بن حمد الحارثي: العقود الفضية 264، 265.
(5) الريامي: حل المشكلات 17 أو 18. (1/216)
صفحة 215
كتاب التحف المخزونة
217
أنَّ
إذا كانت ولاية المعصوم رغم ارتكابه الكبائر واجبة فإن البراءة من معاصيه واجبة أيضا لأنه لا يحلّ لأحد أن يقبل من سعيد باطلا لكن عليه أن هذا السعيد لا يموت إلّا تائبًا وأحكام الظاهر من حدود وغيرها تقام عليه).
ومن
يعلم
تولى رجلًا ثم نزل فيه النّصّ أنّه سعيد فإن ولايته تتحوّل من ولاية بحكم الظاهر (3) إلى ولايته حقيقة فتكون أوّل مرة طاعة وفي الثانية توحيدا ولا يلزم من ذلك تجديد الولاية (3) هذا فيما يتعلّق بولاية الحقيقة أما براءة الحقيقة فهي البراءة من كلّ مذموم جاء الخبر من الله أنه كافر من أهل النار (4) وهذه البراءة هي على وجه القطع واليقين.
والمذمومون منهم من ذكر على وجه الإجمال كقوم نوح ولوط وثمود ومنهم من قصد بعينه ولم يسم كامرأة نوح وامرأة لوط ومنهم المذكور باسمه كفرعون وهامان (5) وبراءة الحقيقة مثل ولاية الحقيقة. تثبت بطريقين وهما نص القرآن والحديث المتواتر. تأكيد المشافهة (6).
مع
وهذه البراءة واجبة ولو ظهرت من المذموم الطاعات يقول السالمي: وكذا العدو بالحقيقة فإنّه وإن فعل موجبات الولاية بالظاهر فإنّه تحبّ منه
(1) فلو أن أحدا من أهل ولاية الحقيقة ارتد وقتل قصاصا فلا يصلّى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يورث انظر ن م السابق ص 17، 18. ولكن السالمي خالف هذا الرأي وذهب إلى أن ولايته تقتضي وجوب الصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين لأنه بلا ريب مات على التوبة انظر السالمي: مشارق أنوار العقول 344.
(2) انظر تعريف الولاية بحكم الظاهر فيما يلي ص 211 من هذا البحث.
(3) انظر الشوفي: السؤالات 108. (4) انظر بن يخلف التحف 5 الجناوني: الوضع،33 34، عقيدة نفوسة: 3، بن جميع:
العقيدة: 7.
(0) انظر الجيطالي: قواعد الإسلام،70/ 1 السالمي: مشارق أنوار العقول 341، 342.
(6) انظر السالمي: المشارق 341، 342. (1/217)
صفحة 216
218
قسم الدراسة
تلك الأفعال لا ذاته لعلمنا بما سيصيران (الولي بالحقيقة والعدوّ بالحقيقة) إليه ولا يصح لنا الرجوع عن علمنا». وخالف في ذلك الريامي فذهب إلى أنَّ هذا الصنف من الناس يتولّى ولاية الظاهر لأنَّ الله أوجب علينا ولاية المطيع بحكم الظاهر (").
(2)
والبراءة من العدوّ المنصوص عليه توحيد وتركها شرك يقول ابن يخلف: فبراءة كلّ من جاء الخبر به من عند الله أنه كافر مثل فرعون وهامان وقارون فبراءته توحيد وولايته شرك» (3).
أما من تولّى رجلا ثم نزل فيه الخبر أنه كافر (أو العكس) فإنّ السوفي يروي عن أبي عبد الله محمّد بن بكر وأبي الرَّبيع سليمان بن يخلف أنهما كانا لا يجيبان فيهما بشيء غير أنه يذكر بعد ذلك عن أبي الربيع أنه كان ينكر على المتولّي قائلا كيف يسعه خلاف الكتاب، كما يروي أبي العباس أحمد بن بكر التوسعة في ذلك (4) لكننا نجد في كتاب تبيين أفعال العباد إلزامه بالعدول عن الولاية والأخذ بالنص أو الشهرة وذلك عند قيام الحجة).
عن
والملاحظة أنَّ هذه المسألة نظريّة لا تمس بالواقع لأنها قضية تاريخية متصلة بزمن النبوة وبما أنّها لم تحدث فإنّ البحث فيها مظهر من مظاهر
الترف الفكري.
والجدير بالذكر أن الولاية بالحقيقة والبراءة بالحقيقة سميتا كذلك
(1) ن م 345 وانظر الشقصي: منهج الطالبي 141/ 2.
(2) انظر: الريامي: حل المشكلات 17، 18.
(3) ابن يخلف التحف 5 وانظر المحشي: حاشية الوضع 110.
(4) انظر السوفي: السؤالات 108.
(5) انظر: أبو العباس أحمد بن بكر الفرسطائي: تبيين أفعال العباد 33/ 3. (1/218)
صفحة 217
كتاب التحف المخزونة
219
لمطابقتهما للواقع وثبوتهما وعدم تغيرهما مهما تغيرت الأحوال فهما حقيقتان ثابتتان لا تتقلبان (1).
- الولاية بحكم الظاهر والبراءة بحكم الظاهر (2)
أما الولاية بحكم الظاهر فهي ولاية المسلمين (على وجه التعيين) الذين علم منهم الوفاء بدينهم بما ظهر من أعمالهم الصالحة (3).
وأما البراءة بحكم الظاهر فهي إضمار العداوة لمن ظهرت منه الأعمال الخبيثة (4) وهذا النوع من الولاية والبراءة هو الذي يعرف بولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص وقد قال بوجوبهما كلّ من الإباضية والصفرية والزيدية والمعتزلة).
والحجة في فريضتهما النصوص الواردة في إيجاب الولاية للمؤمنين والبراءة من الكافرين فإذا كانت ولاية جميع المؤمنين واجبة ترتب على ذلك ولاية كلّ فرد من المؤمنين إذا عرف بشخصه وكذلك الشّان بالنسبة للبراءة وقد مثل لذلك
بوجوب قتل الواحد من المشركين قياسًا على الأمر بقتل المشركين كافة.
(1) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول: 345. ويطلق على براءة الحقيقة مصطلح «براءة أهل الوعيد» انظر ابن جميع عقيدة التوحيد 7 عامر الشماخي: الديانات 44 عمر الثلاتي: نخبة
اعتبار
المتين 153، قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 342. (2) ويطلق عليهما ولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص. (3) انظر ابن يخلف التحف 4، الجناوني عقيدة نفوسة: 3 وسنرى اختلاف العلماء في في القول وحده مجزيًا بالولاية انظر في ما يلي ص 216 (موجبات الولاية) (4) انظر: ابن يخلف التحف 5 الجناوني: الوضع 34، ابن جميع: العقيدة: 7 (ه) انظر قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 294 وبالنسبة للإباضية انظر أيضا: التحف 4، الجيطالي: قواعد الإسلام،56/ 1 59 اطفيش شامل الأصل والفرع 56/ 1، الجناوني: عقيدة نفوسة 3، 4. (1) قال تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] وقال و: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) [التوبة: 36] فهل إننا إن لم نقدر على قتلهم جملة لا نقتلهم واحدًا واحدًا. انظر المحشي: حاشية الوضع 107، الجيطالي القواعد 56/ 1. (1/219)
صفحة 218
220
قسم الدراسة
وبذلك يتبيّن أن ولاية الأشخاص مقاسة على ولاية الجملة والعلة الجامعة هي الوفاء بدين الله وبراءة الأشخاص مقاسة على براءة الجملة لعلة الإخلال بدين الله وفضلا عن ذلك فإنّ الإباضية استدلوا أيضا على القسم من الولاية والبراءة بجملة من الأحاديث (1) نذكر منها قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحب الله وأبغض الله وأعطى الله ومنع الله فقد استكمل خصائل الإيمان» (2).
وجوب
هذا
وقوله: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما وأن يحبّ المرء لا يحبّه إلّا الله وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار».
وقوله: «للمسلم على أخيه ست بالمعروف: «يسلّم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض ويستجيب له إذا دعاه ويشهده إذا توفّي ويشمته إذا عطس ويحبّ له ما يحب لنفسه». ومقتضى هذه الأحاديث أنَّ ولاية المسلم من علامات الإيمان ومستلزماته وكذلك الشأن بالنسبة للبراءة من الكافر.
ولئن كانت ولاية الأشخاص واجبة عند الإباضية فإنّها تسقط بصفة مؤقتة بالنسبة للجاهل الذي لا يعرف بم تستحق الولاية يقول السيابي: «نعم تكفيه ولاية الجملة وبراءتها إن جهل الأحكام في الأشخاص بما يستحقون به الولاية والبراءة ثمّ يتعلّم ويسأل العلماء إذا استراب أمرًا في شخص معين» (3).
(1) وقد ذكرنا بعضا منها في مبحث حكم الولاية والبراءة راجع ما سبق ص 199.
(2) أخرجه أبو داود في سنة حديث 4681.
(3) السيابي: فصل الخطاب 28/ 1. (1/220)
صفحة 219
كتاب التحف المخزونة
221
وهذا القسم من الولاية والبراءة يقوم على أساس الحكم بالظاهر ذلك أنَّ الله لم يكلفنا بالاطلاع على الباطن إذ هو من الغيب الذي لا طاقة للإنسان به ولذلك جوز أبو الربيع سليمان بن يخلف ـ نقلا عن شيخه ـ أن يقال: فلان مسلم من أهل الجنة عندي وفلان كافر من أهل النار عندي أما عند الله فلا (3). ولقد اختلف أبو عبد الله محمد بن بكر وأبو يعقوب بن سهلون (3) اختلافا شكليا في هذه المسألة فذهب الأوّل إلى جواز أن يقال هذا مسلم عندي ورأى الثاني جواز إضافة عبارة «وعند الله» وهو يقصد بذلك أنَّ الله يعلم أنه عندي مستحق لهذه التسمية وبذلك يتبين أنَّ الخلاف بين هذين العالمين لفظي كما قرره الدرجيني). وإذا كانت الولاية والبراءة واجبتين بحكم الظاهر فإنّ من تبرأ من أحد لظهور فسقه أو كفره وهو عند الله وفي علمه أنّه من أهل الاستقامة فإنّه لا يأثم على ذلك بل هو مأجور على تطبيقه لحكم من أحكام الله) ولا ضرورة لأن يشترط المتولّي أو المتبرئ موافقة الظاهر للباطن خلافا لابن الحسين الذي رأى أن ولاية المخصوص أو البراءة منه واجبة بالشّريطة (6) و ومعنى
ذلك
(1) انظر الشوفي السؤالات 77 المصعبي حاشية على الديانات: 24. (2) انظر بن يخلف التحف 6 وقارن بما ذكره أبو عمار في شرح الجهالات صفحة 318. (3) أبو يعقوب بن يوسف بن سهلون من علماء الطبقة التاسعة (400 ـ 450 هـ) معاصر لأبي عبد الله محمد بن بكر. كان له ابن باز يضرب به المثل فيقال «الأب كأبي يعقوب والابن كأيوب». كان غزير الحفظ ومتقنا لما حفظ انظر الدّرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب 422/ 2، الشماخي: السير 80/ 2. (4) انظر الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب 423/ 2 ورغم نصه على أن المسألة لفظية فقد رجح الرأي الثاني.
(0) انظر رسالة أبي عبد الله الجربي ثمّ الصدغياني لأهل وارجلان: 18 فقد بين أنَّ من تبرأ من مؤمن فله أجر وهو داخل في ولاية الجملة ومن تولّى أحدًا وهو عند الله
أحد
غير
وهو عند الله
ذلك فله أجر وهو داخل في براءة الجملة.
(6) انظر: السوفي: رسالة الفرق: 59. (1/221)
صفحة 220
222
قسم الدراسة
أن يشترط سلامة باطنه عند الولاية أو فساده عند البراءة. والجدير بالذكر أن ابن الحسين فرّق بين الولاية والبراءة في هذا الموضع فرأى أنَّ هذا الشرط إنّما هو في الولاية دون البراءة إن كان أهل الحق غالبين على أهل الباطل أما إذا كانت الغلبة لأهل الباطل فالشّرط في البراءة دون الولاية).
ولعله حكم بذلك من منطلق أنَّ غلبة أهل الحق قد تدفع بعض الناس إلى التستر وإخفاء حقائقهم كما أنَّ سيطرة أهل الباطل قد تجر بعض الناس إلى مجاملتهم وإظهار موافقتهم خوفا من بطشهم".
والحقيقة أن المسلم أمر بالحكم الظاهر والله هو الذي يتولى السرائر وهذا مصداق قوله: أمرنا أن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر» وقد أمر الله نبيه بمبايعة المؤمنات اللائي جئن يعاهدنه على الإيمان وهجر المنكرات ولم يكلفه مثل هذا الشرط الذي وضعه ابن الحسين بل قال: {يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبا يعنَك عَلَى أَن لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِفْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانِ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الممتحنة: 12].
ومن الغريب أن يستدل ابن الحسين بالآية نفسها على صحة مذهبه في ولاية الشريطة وبراءة الشّريطة (3) رغم وضوح مدلولها ومخالفتها لما تبنّاه من شرط والملاحظ أنَّ المشارقة قالوا مثل ابن الحسين بولاية الشّريطة وبراءة الشريطة وقد نظروا إليهما من زاويتين:
(1) انظر: المصعبي: حاشية على الديانات 24 - 26 وانظر أبو عمار شرح الجهالات 319. (فقد تعرض إلى هذا القول وضعفه وانظر سير الشماخي: 505 في براءة الشريطة) الطبعة حجرية.
(2) وهذا ما يسمى عند الإباضية بالتقيّة انظر ما سبق ص 204.
(3) انظر: المصعبي: حاشية على الديانات: 26. (1/222)
صفحة 221
كتاب التحف المخزونة
الله
223
أ ـ من زاوية وجوب الربط بين ولاية الجملة (أو براءة الجملة) عند الولاية بحكم الظاهر (أو البراءة بحكم الظاهر): ومعنى ذلك أن المسلم عندما يتولّى شخصا ظهرت منه موافقة المسلمين يستحضر في قرارة نفسه ما اعتقده من براءة الجملة وحينئذ يكون قد تبرأ منه ضمنيا أن لو كان في علم من الأشقياء يقول الكدمي: وبهما أي) ولاية الشّريطة وبراءة الشّريطة) يسلم العباد عن ولاية أعداء الله في الحكم بالظاهر وفي الحقيقة وبهما يسلّم العباد عن عداوة أولياء الله في الحكم الظاهر وحكم الحقيقة وبهما من الله على عباده بالسلامة من كلفة ولاية الله بأسمائهم وأعيانهم ومن: أعداء الله بأسمائهم وأعيانهم وهو أن يوالي العباد جميع أوليائه ويعادوا له أعدائه في الجملة» (1). جميع
كلّفه
عداوة
ب ـ عند الشك في الحدث من حيث نوعه أو وقوعه وذلك بأن لا يدري هل الفعل المرتكب هو كبيرة أم صغيرة أو لا يعلم أن القائم بفعل ما هل هو محق أم مبطل وهذه الأحوال تقتضي الوقوف عند قوم والإبقاء على الولاية عند آخرين (2) فإن تولّى المتولّي أو وقف الواقف فلا بد له من أن يعتقد البراءة منه إن كان حدثه يخرجه من الولاية إلى البراءة (3) ولقد حاول السالمي التوفيق بين المشارقة والمغاربة في هذه المسألة وانتهى إلى أنَّ الخلاف لفظي ما دام المغاربة يقولون بولاية الجملة وبراءة الجملة ذلك أنهم مثلا عندما يحكمون على فلان بأنّه ولي الله يعتقدون في نفس الوقت البراءة من كل عدو الله ويختم كلامه بقوله: «فهم متفقون معنا في هذا المقام وليس في الاصطلاح مشاحة» (4).
(1) الكدمي: الاستقامة 29/ 1 وانظر الشقصي: منهج الطالبين 67/ 2، 141. (2) فيما يخص الوقوف وأنواعه ومواقف العلماء منها انظر ما يلي ص 248 من هذا البحث. (3) انظر: الكدمي المعتبر،131/ 2 الشَّقصي: منهج الطالبين 31/ 2.
(4) السالمي: مشارق أنوار العقول 367. (1/223)
صفحة 222
224
قسم الدراسة
اللعبة الرالين
موجبات الولاية والبراءة وطرقهما
أولا - موجبات الولاية والبراءة:
لقد سبق أن بينا أنَّ الولاية إنّما تكون لمن ظهرت منه الصالحات والوفاء بالدين وموجب البراءة الإخلال بشيء منه غير أنَّ هذا الإجمال يحتاج إلى شيء من البيان والتفصيل فما هي العلامات التي تمكن من الحكم على الشخص بالوفاء الموجب للولاية أو الإخلال الموجب للبراءة؟.
لقد اعتنى الإباضيَّة المغاربة على (وجه الخصوص بالجواب على هذا الاستفسار ذلك لأنهم وضعوا شروطا بتوفّرها تتعين الولاية وحدّدوا قيودًا
بتوفر أحدها تلزم البراءة.
أما شروط الولاية عندهم فهي أربعة:
أ - أن تظهر على العبد حالة ترضي العينين.
ب ـ أن ينقل عنه الوفاء الله بما أمر به فلا الأذن عنه إلّا ما ترضاه.
تسمع
وقد عبر الإباضية عن هذين الشرطين بقولهم: أن تقبل الأذنان ما سمعتا
والعينان ما أبصرتا.
ج - سكون القلب إلى ما تؤدّي إليه الحواس من حسن المذاهب بامتثال جميع ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه فيكون القلب موافقا لما جلبت
إليه الحواس راضيا به لأنه هو الحاكم. (1/224)
صفحة 223
د
كتاب التحف المخزونة
225
أن يكون إباضيا وهبيا (1) أمّا الشرطان الأوّلان فهما محل اتفاق بين المغاربة وأما الشرط الثالث فقد أسقطه المحشي مبينا أن لا اعتبار له إذا قبلت الأذنان ما سمعنا والعينان ما أبصرتا (2).
وأما الشرط الأخير فهو داخل عند كثير من علماء الإباضية في الشرط الثالث لأنَّ القلب - عندهم - لا يكون راضيا إلا عمّن كان إباضيا وهبيا (3). وأما قيود البراءة فهي أحد الأمور الأربعة التالية:
أ- أن يدين العبد بدين يخالف عقيدة الإباضية الوهبية كأن يتبنى مذهب القدرية أو المرجئة أو الأزارقة أو يخطئ الوهبية ويستحل دمهم))
ب - فعل المنهيات أو ترك المأمورات (5).
ج - الرّضا بفعل المنكرات وتصويب فاعلها وولايته عليها).
د
الإصرار على الصغائر (7).
(4)
والجدير بالملاحظة أنَّ قيود البراءة لم تفصل من قبل المغاربة فحسب وإنّما شاركهم في تحديدها وبيانها المشارقة خلافا لشروط الولاية التي
(1) انظر ما يلي تع فإنّ فيه بيانًا لمواقفنا من القضية وإشارة إلى السبب العام الذي دفع بعض العلماء إلى مثل هذه الأحكام.
(2) انظر المحشي: حاشية الوضع 108.
(3) انظر: الجناوني: الوضع 33 عقيدة نفوسة، الجيطالي: قواعد الإسلام 62/ 1، ابن جميع: عقيدة التوحيد: 6، داود الثلاتي شرح عقيدة التوحيد: 34، المصعبي: حاشية تبغورين 40،
قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة،297، 298، عوض خليفات: المجلة: 150.
(4) انظر: الشقصي: منهج الطالبين 35/ 2. (5) انظر الجناوني: الوضع 34 الجيطالي: قواعد الإسلام 59/ 1، عمرو الثلاتي: نخبة المتين
153، الشقصي: منهج الطالبين 10/ 2.
(6) انظر: الشقصي: منهج الطالبين 10/ 2.
(7) ن م والصفحة وانظر الجيطالي القواعد 59/ 1. (1/225)
صفحة 224
قسم الدراسة
226
استقل المغاربة بوضعها ولعل السبب راجع رأسا إلى الاختلاف فيما تجزي به الولاية ذلك أنَّ المغاربة يرون أنَّ العبد لا يتولّى إلا بعد المعرفة التامة بسلامة اعتقاده وموافقته للإباضيّة في القول والعمل بينما يذهب بعض المشارقة إلى أنَّ مجرّد العلم بالوفاء بالقول كاف للحكم عليه بالولاية ما لم تظهر منه أمارة تدلّ على مخالفته للحق ولذلك لم يهتموا بتفصيل هذه الشروط وتحليلها كما كان الشّأن بالنسبة للمغاربة يقول امحمد اطفيش في وصف هذا الخلاف الجزئي: «وما تقدّم من أنه لا يتولّى إنسان إلا بوفاء قوله وعمله هو المشهور عندنا (أي المغاربة) واختلف المشارقة فقيل كذلك وقيل من صح ما تثبت به موافقته في الدين وجبت ولايته من غير احتياج إلى علم بأعماله»).
فالبطاشي والسالمي مثلا يرجّحان إمكان الولاية بمجرد الموافقة في القول بدليل قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ .... [الممتحنة: 12] فقد أمره الله بالاستغفار لهنّ ولم يكلّفه الانتظار في أمرهنّ حتّى
(2)
يظهر منهنّ الصلاح والمتأمل في هذا الاستدلال يدرك قوّة الحجّة لدى المشارقة ذلك لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم دعي إلى الأخذ بظاهر تعهدهنّ وترتيب الولاية عليه على أساس أنَّ الأصل في المقر بالشهادتين العمل بمقتضاهما ولذلك ينبغي أن يتولّى حتى يظهر منه ما يخالف ذلك.
هذا بالنسبة للولاية أما بالنسبة للبراءة فلا ريب أنَّ الانحراف العقدي (3)
(1) اطفيش: شامل الأصل والفرع 66/ 1، 67.
(2) انظر البطاشي: غاية المأمول،109/ 1 السالمي: مشارق أنوار العقول 346، 347.
(3) بقطع النظر عن المسائل العقيدية المختلف فيها بين المسلمين كالرؤية وخلق القرآن ولئن
رتب العلماء السابقون على المخالفة فيها الحكم بالتكفير والبراءة فإن القضية تحتاج إلى
= (1/226)
صفحة 225
كتاب التحف المخزونة
227
أو العزوف عن التقيد بأوامر الله ونواهيه أو الرّضا بأفعال أهل الباطل وعدم الإنكار عليهم أو الإصرار على ارتكاب الصغائر كل ذلك يعد علامة على
العصيان الموجب للبراءة.
ثانيا - طرق الولاية والبراءة
1 - طرق الولاية
لقد حدّد علماء الإباضيَّة للولاية طرقا ثلاثا:
أ- الخبرة بالشخص: وهي أن يكون المتولي عارفا بالمتولى معرفة شخصية وذلك بأن لا يرى منه وأن لا يسمع منه إلا ما كان موافقا
للإسلام.
ب ـ شهادة عدلين أمينين أو رجل وامرأتين).
=
والعدل هو الموافق في الدين (3) الملازم للتقوى (3) والمروءة) ولا تقبل
مزيد من النظر والتأمل والتريث. وليت المسلمين يعذرون بعضهم بعضا ويكفون عن مثل هذه الأحكام ويكتفون بالنقاش الموضوعي النزيه لا سيما وأن أصولهم واحدة تجمع بينهم كلمة التوحيد وهم يعيشون عصرا انتشرت فيه كثير من التيارات الإلحادية ولذلك صار المسلمون اليوم بحاجة إلى الاهتمام بدحض هذه المذاهب الخطيرة والتركيز على إظهار صفاء العقيدة الإسلامية وترك الخوض في المسائل الفرعية لذوي الاختصاص من أهل الكلام على أساس التسامح من جهة واعتماد قوة الحجّة من جهة أخرى وما وقع فيه السابقون في كلّ المذاهب من تشدّد على مخالفيهم وكثير ما يكون الموقف ردّ فعل قوي بسبب استفزاز أو تحدّ كما حدث للإباضية في بعض الفترات التاريخية.
(1) انظر ابن يخلف التحف 9، 11 وانظر السالمي: المشارق 353. (2) ويخرج منه المبتدع.
(3) ويخرج منه تارك الفرض أو فاعل الكبيرة.
(4) هي
اجتناب الخسائس من المباحات كمجالسة السفل. انظر السالمي: المشارق 349. (1/227)
صفحة 226
228
قسم الدراسة
شهادة كل من العدلين إلا إذا كانا متفقين فيما يذكر عن الشخص الذي يصفانه بالصلاح والاستقامة).
أما شهادة العدل الواحد فالعلماء في شأنها على أقوال:
- الآخذون بها ويرى أصحاب هذا الفريق أنَّ المخبر الواحد العدل العالم بأحكام الولاية والبراءة تقبل شهادته ومنهم من يقول ولو كان الشاهد امرأة أو أمة أو عبدا) يقول الكدمي: «وقد قيل إنّه تقبل الولاية بالواحد الثّقة وإن كان عبدا وكذلك المرأة إذا كانت تعرف الولاية والبراءة» (3). وبعد أن عرض هذا القول أقره وتبنّاه مشبّها الولاية بالفتيا (4) ذلك لأنَّ الإفتاء إخبار بالحكم الشرعي والولاية إخبار بوفاء الشخص بدينه واستقامته فإذا كانت فتوى العالم الواحد حجّة فلم لا تكون شهادة المبصر بأحكام الولاية والبراءة حجّة أيضا؟.
كما احتج أصحاب هذا المذهب باتفاق العلماء على قبول قول العدل فيما رفعه عدالة العدل والولاية ليست إلّا إثباتا للأصل يقول امحمد اطفيش: «وإنّما أجريت الولاية بعدل ذكر أو عدل أنثى لأنها أصل» (5).
من
(1) انظر ن م ص 348. ولقد تولّى عمروس بن فتح أمه التي أوصت بأن يحج عنها ويدعو لها تولاها بشهادة امرأة واحدة (انظر الشماخي: السير 28 والطبعة حجرية وانظر مثالا آخر (232) كما أن ابن عبّاد المصري رخص لأبي ميمون في ولاية أمه المتوفاة بشهادة امرأة متولّاة وحج عنها انظر الجيطالي قواعد الإسلام 63/ 1، اطفيش: كشف الكرب
100/ 1
(2) انظر الشقصي: المنهج 102/ 2، الشّمّاخي: شرح اللؤلؤة. 300، الجيطالي: القواعد 63/ 1،
المحشي: حاشية الوضع 108.
(3) الكدمي: المعتبر: السيرة: 11.
(4) انظر ن م.
(5) اطفيش: شامل الأصل والفرع 57/ 1. (1/228)
صفحة 227
كتاب التحف المخزونة
229
والجدير بالذكر أن بعض العلماء قاسوا شهادة العدل الواحد في الولاية
على الشهادة في ثبوت رؤية هلال رمضان ودخول وقت الصلاة وطهارة القوب (1) فإذا كان ذلك كله ثابتا برفيعة العدل الواحد فلم لا تكون الولاية كذلك والحال أن كلا فريضة تعبّدنا الله بها؟ بل إنّ فريضتي الصلاة والصيام مقدمتان على هذه الفريضة فكيف تجزى فيهما شهادة العدل الواحد ولا تجزى في الولاية؟.
- القائلون بالتخيير وقد ذهب هؤلاء إلى أن من بلغته استقامة شخص برفيعة العدل الواحد كان مخيّرا إن شاء تولّى وإن شاء توقف (2) غير أنَّ امحمد اطفيش لم يرتض هذا القول بحجّة أنَّ الولاية متى ثبتت صارت واجبة ومتى لم تثبت لم تجب فإما أن تعدّ ثابتة بقول الواحد وإما أن تعتبر
غير ثابتة (3).
- المقيدون ذلك بالسؤال: وقد رأى هؤلاء أنَّ الشاهد إن سئل فصرح بالولاية لزمت السائل وإن لم يسأل لم تلزم وذلك: «قياسًا على العدل إذا سئل عن عدالة معيّن وجـ ب قبول قوله في التعديل وإن لم يسأل فلا
وجوب
(4)
- المانعون إطلاقا قد قاسوا الشهادة في الولاية على الشهادة في
أحكام الدماء والأموال.
(1) انظر الجيطالي: القواعد 62/ 1، 63.
(2) انظر ن م والملاحظ أن الجيطالي مجرد راو للقول وإلا فإنّه من أصحاب الفريق
الأول.
(3) انظر السالمي: المشارق 354 (نقلا عن اطفيش).
(4) السالمي: بهجة الأنوار 159، 160. (1/229)
صفحة 228
230
قسم الدراسة
ج - الشهرة في الخير شهرة لا تدفع فمن شهر فضله واستقامته ولم من العلماء أو شهرت ولايته فإنّه يتولّى بغير
بينة (1)
الحجة
حجة
عدالته أحد يقدح في. وهذه الشهرة هي التي تسمّى شهرة الحق وهي التي تكون صادرة عن عدد وفير من العلماء (3) أما الضعفاء فلا تقوم بهم يقول الكدمي: «لا تكون شهرة ولاية الضعفاء ولا تقوم بهم. وولايتهم خارجة بمعنى الدعاوى ولو كانوا من المسلمين» (3) والسبب في عدم اعتبار شهرة الضعفاء رغم عدالتهم هو جهلهم بأحكام الولاية والبراءة إذ قد تلتبس عليهم الأمور فيحكمون بولاية عدو الله ويشهرون ذلك فيما بينهم عن حسن نية وقد يصدر منهم عكس ذلك ولذلك كانت أحكامهم غير مأمونة ولقد خالف في ذلك ابن أبي نبهان فأجاز شهرتهم باعتبارهم عدولا لا يقولون
بشيء وهم ليسوا واثقين به تمام الوثوق (4).
ولا ضرورة لتعيين المشهورين بالخير من السابقين فهم كثرة لا يمكن حصر عددهم منهم من عاصر الرسول صلى الله عليه وسلم واهتدى بهديه وشاع بين الناس تقاه كأبي بكر وعمر ومنهم العلماء والصالحون المعروفون بعلمهم وورعهم سواء أكانوا في العصور المتقدّمة أو المتأخّرة فهؤلاء جميعا تكون ولايتهم بالشهرة ولو لم يشهد لهم الأمناء يقول أبو الربيع سليمان بن
(1) انظر سيرة أبي الحسن البيسوي: 11، 12 وانظر الجيطالي: قواعد الإسلام 62/ 1. (2) انظر سيرة أبي الحسن البيسوي: 11، 12 وانظر الجيطالي: قواعد الإسلام 62/ 1 .. (3) عرف أهل الشهرة بأنهم جماعة لا يمكن تواطؤ مثلهم على الكذب وعددهم مختلف فيه فقيل أقلهم خمسة وقيل من العشرة فصاعدًا وقيل من العشرين فصاعدا وقيل من الأربعين
فصاعدا وقيل من السبعين) 350، 351 فقد أورد هذه الأقوال بأدلتها ورجح عدم تعيين العدد. (4) انظر السالمي: بهجة الأنوار 160، 161.
، فصاعدا وقيل غير ذلك ولكلّ حجّة انظر السالمي: المشارق (1/230)
صفحة 229
كتاب التحف المخزونة
231
يخلف: وكذلك المشهور في الخير تجوز ولايته بإشهاره وإن لم يشهد
عليه الأمناء» (1).
(2) طرق البراءة:
وهي أربع
أ - المشاهدة وذلك بأن يشاهد المكلّف وهو يرتكب الفعل الموجب
للبراءة على أن يكون المشاهد عالما بأن هذا الفعل مكفّر (3).
ب - - الإقرار وذلك بأن يعترف المكلّف بأنه فعل كبيرة (3) أو أنه مصر على صغيرة ومقرّ بها على سبيل السرور والافتخار بها لا على سبيل الندم
(E).
والحسرة (4).
ج - شهادة عدلين وذلك بأن يشهدا أنَّ هذا المكلّف قد فعل كبيرة على أن يكونا عارفين بالشخص معرفة جيدة.
وهذان العدلان لا تقبل شهادتهما إلّا إذا كانت شهادة أحدهما مطابقة لشهادة الآخر بينما لو شهد أحدهما بأنَّ فلانا ارتكب كبيرة كذا وشهد الآخر بأنه فعل كبيرة غير التي ذكرها الأوّل فإنّه لا يبرأ بشهادتهما. أما إذا قالا فلان فعل كبيرة ولم يسمّياها فإنّه تجب البراءة منه إذا كانا عالمين بالكبائر والصغائر).
(1) ابن يخلف: التحف: 9 وانظر السوفي: السؤالات 207 نقلا عن أبي المؤثر الصلت بن
خميس.
(2) انظر الجيطالي: قواعد الإسلام 79/ 1، المحشّي: حاشية الوضع 110، قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 300 ابن قيس: مختصر الخصال: 33، السالمي: المشارق 347، الجعبيري: نظام
العزابة 106.
(3) غير كبيرة الزنا التي يشترط فيها أربعة شهود بنص القرآن الكريم.
(4) انظر ن م السابقة.
(5) انظر السالمي: المشارق 348. (1/231)
صفحة 230
232
قسم الدراسة
وهذان الشاهدان إذا كانا عالمين فإنّه لا يحتاج منهما إلى تفسير الحدث الموجب للبراءة إلّا إن طلبت منهما الحجّة خلافا للضعيفين فإنّهما مطالبان بذكر الكبيرة التي من أجلها استحق البراءة). وفي هذا المضمار يروى عن جابر بن زيد أنه رأى رجلين يلعنان أحدا فقال لعن الله من لعنتما فقالا كيف
تلعن. من لا تعرف فقال يكفيني اجتماعكما على لعنه (2).
هذا بالنسبة لشهادة العدلين أمّا شهادة العدل الواحد فقد اختلف في جواز البراءة بها فقال قوم لا فرق بينهما وبين كثير من العبادات التي تثبت بالظن وبخير الواحد (3) أو بالأحرى لا مجال للتمييز بينها وبين الولاية التي أجاز فيها جمهور العلماء شهادة العدل الواحد (4) وقال آخرون لا تكون البراءة إلا بشاهدين قياسا على الشهادة في الحدود وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «خلع المؤمن كقتله» (ه).
وبناء على ذلك فإنّ جمهور العلماء يذهبون إلى منع شهادة العدل الواحد في البراءة يقول أبو الربيع سليمان بن يخلف ومن تبرأ بواحد فهو ضال (1) ويعلل امحمد اطفيش التفريق بين الولاية والبراءة في هذا المجال بقوله: «وإنّما أجزت الولاية بعدل ذكر أو عدل أنثى لأنها أصل والبراءة فرع فلا تصح البراءة إلا بعدلين» (7) غير أنه ستثنى من ذلك الإمام العادل (باعتباره مستأمنا على
(1) انظر الكدمي المعتبر،53/ 2 147، الشقصي: منهج الطالبين 106/ 2.
(2) انظر الجيطالي: قواعد الإسلام 80/ 1.
(3) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول 349.
(4) انظر: البسياني: السيرة 13.
(5) انظر الكدمي: المعتبر 52/ 2 والحديث رواه الدارمي ديات 10 بصيغة لعن المؤمن كقتله كما
أخرجه أحمد في مسنده 83/ 4، 84
(6) ابن يخلف التحف،9، وانظر الفرسطائي مسائل التوحيد: 10.
(7) اطفيش: شامل الأصل والفرع 57/ 1. (1/232)
صفحة 231
كتاب التحف المخزونة
233
الرّعيّة كلّها فيخبر بشهادته في البراءة ولو لم تعضد بشهادة عدل آخر (1) ولا يخفى أنَّ الجمهور عند ما منع شهادة العدل الواحد إنّما راعي خطورة البراءة وما فيها من الإدانة وإضمار العداوة للمتبرأ منه والعزوف عنه ومقاطعته من قبل الأمة كلها ومثل هذه النتائج العملية الخطيرة تتطلب تمام الحذر والحيطة
والتثبت ومن هذا المنطلق كانت شهادة العدلين أوثق وأجدر بالاعتبار.
ذلك
وأما شهادة النساء فقد أجازها أبو الرَّبيع سليمان بن يخلف على أن تكون معضدة لشهادة أمين حرّ وذلك في قوله: «ولا تجب البراءة إلّا برجلين مسلمين حرّين (2) أو رجل وامرأتين مسلمتين أمينتين» (3) وقد خالفه في الفرسطائي (أبو العباس أحمد بن بكر فردّ شهادة النساء إطلاقا. أمّا السوفي فقد أجاز هو أيضا شهادة النّساء غير أنه لم يشر إلى وجوب تعضيد شهادة الرجل لها (ه).
والدارس للفقه الإسلامي يرى أن شهادة المرأتين مع الرجل حجّة في كثير من المسائل كما أنَّ بعضا من الفقهاء يجيز شهادة النساء وحدهن في الحالات الاستثنائية (6) وقياسًا على ذلك فلا مانع من اعتبار شهادة النساء في البراءة خاصة إذا نقلن مثلا عن امرأة أنها فعلت كبيرة بين
بعض
مجتمع
النساء.
(1) انظر اطفيش كشف الكرب 99/ 1.
(2) أما شهادة العبد فقد رفضها أبو الربيع التحف 9 .. والفرسطائي: مسائل التوحيد 1، والسالمي المشارق 353، وأجازها السوفي: السؤالات 114.
(3) ابن يخلف التحف: 9
(4) انظر الفرسطائي: مسائل التوحيد 11.
(5) انظر الشوفي: السؤالات 114.
(1) فلو وقعت مثلا جناية في حمام نساء فإنّ شهادتين كافية إذ لا مجال لوجود الرجال بين
النساء ولو ردّت شهادة النّساء في مثل هذه الظروف لضاعت الحقوق واختل العدل والأمن. (1/233)
صفحة 232
234
قسم الدراسة
ومن جملة المسائل التي أثارها العلماء في هذا المجال شهادة الأعمى على جواز الأخذ بها شرط أن يكون معضدا لآخر بقطع النظر عن كون الثاني مبصرا أو أعمى مثله يقول امحمد اطفيش: «وقد أجازوا أخذ الولاية عن الأعمى لا البراءة والصحيح عندي الآخذ لها عنه مع غيره ولو مثله لأنَّ الأعمى قد يحقق الأمر حتى لا يبقى فرق بينه وبين المبصر وأنه يبرأ بالصوت إذا حققه» (1).
والنظر يقتضي التفريق في شهادة الأعمى بين ما هو مثبت بواسطة السمع وبين ما هو مثبت عن طريق البصر فلا اعتداد بشهادته وإن كانت مما يدرك بالبصر فلا مجال للقدح في شهادته وإن كان ناقلا عن عالم أنَّ فلانا في البراءة فإنّ نقله حجّة لأنه يقوم على أساس الشمع.
د-
الشهرة التي لا تدفع والتي لا يكذب مثلها على تلك الصفة وهي الشهرة المحققة التي تظاهرت الأخبار الصحيحة بها على غير إنكار من أهلها الذين تقوم بهم الحجّة. والمراد بالشّهرة التواتر المثبت لخبر صادق لا التباس فيه.
الفرق بين الشهرة في الولاية والشهرة في البراءة هو أنَّ الشهرة في الولاية تثبت بمجرّد الظَّنّ أنّها حق بخلاف الشهرة في البراءة لا تثبت إلا باليقين (2) أما شهرة الدعوى وهي الشهرة في الباطل والكذب فلا قيمة لها لأنها لم تصدر عن المسلمين العدول ولذلك لا يلتفت إلى اجتماع اليهود
(1) اطفيش: شامل الأصل والفرع 61/ 1 وانظر السالمي: مشارق أنوار العقول 353، الرواحي: نثار الجوهر 66/ 1.
(2) انظر: ابن قيس: مختصر الخصال: 33، قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 301، السالمي:
المشارق 347، 349 353. (1/234)
صفحة 233
كتاب التحف المخزونة
235
والنصارى على أن عيسى قد قتل أو إلى شهرة ضلال أبي بكر وعمر
وعائشة وأهل النهر والباطل يبقى دوما باطلا قلّ أهله أو كثروا).
ولقد وردت إشكالية طرحها بعض علماء الإباضية وهي قضية شهادة أمينين في مشهور بالخير أنه فعل كبيرة هل يبقى على ولايته أما أبو الربيع سليمان بن يخلف فقد روى عنه السوفي إن تحيّر في أول أمره ففوّض الأمر إلى السامع إن شاء وإن شاء ترك ثم رجع عن رأيه وأثبت أن الشهرة أعظم حجة ولا يمكن أن تقدح فيه شهادة الشهود مهما كثر عددهم" (2) لقد صرح بهذا الموقف في كتابه التحف فقال: «الجواب في ذلك أنَّ المشهور في الخير لا يبرأ منه بشهادة الشهود وإن كثروا (3) ولقد وافقه على ذلك الفرسطائي ورأى وجوب البراءة من الشاهد ولو كان متولّى (4).
أما الشوفي فقد فرق في ذلك بين من روي عنه ذلك قبل مماته وبين من روي عنه ذلك بعد مماته فقال: «وإن شهد أمينان على المشهور في الخير أنه فعل كبيرة فإن كان حيا برئ منه وإن مات فإنّه يبرأ من الشهود» (5).
والحقيقة أنَّ المشهور بالخير مهما كان فضله وتقواه فإنّه ليس بمعصوم حتى تمتنع البراءة منه بأي حال من الأحوال وما دامت ولايته بحكم الظاهر فإنه متى ثبت في حقه أنه مرتكب كبيرة لزمت البراءة منه.
(1) انظر الكدمي المعتبر 891 91، 92 الاستقامة،49/ 1، السالمي: المشارق 349.
(2) انظر الشوفي: السؤالات 207.
(3) ابن يخلف التحف: 9
(4) انظر الفرسطائي: مسائل التوحيد: 10.
(5) انظر الشوفي السؤالات 207 وانظر كذلك قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 337 فقد رأى هو
أيضا نفس الرأي. (1/235)
صفحة 234
236
مسائل متفرّقة
قسم الدراسة
1) ولاية البيضة (1)
الله
لقد تبين مما سبق أن كل من ثبتت له الطاعة والاستقامة والوفاء بدينا قولا وعملا لزمت ولايته وكلّ من ثبت كفره وعصيانه استحق البراءة وإذا كان الأمر كذلك فلم خص الإمام بوجوب ولايته والحال أنه واحد من جملة المسلمين الذين تنطبق عليهم أحكام الولاية والبراءة؟.
إن السبب في ذلك راجع أساسا إلى المكانة العالمية التي يحظى بها الإمام فهو رئيس الدولة وهو الحارس الأوّل للدين ـ بعد الخالق جل - والمنفذ للشرع والحاكم بين النّاس بالعدل والراعي لشؤون الأمة والمبايع على الطاعة في المكره والمنشط. ومن كانت هذه منزلته كان جديرا أن يخص بالمحبة والمودة والولاء.
هذا
هو العامل الرئيسي الذي دعا الإباضيَّة إلى القول بوجوب ولاية إمام المسلمين على وجه التعيين والتخصيص ولو لم يكن معروفًا معرفة
(1) والمقصود بها ولاية إمام المسلمين ومن كان في حوزته من الحاشية سميت بذلك نسبة إلى بيضة القتال وهي شيء من حديد أو نحاس أو جلد (أو نحو ذلك) يجعل على الرأس وقاية عن ضرب السيف وقيل نطلق البيضة على كبير القوم وبيضة كل شيء حوزته وقد أضيفت ولاية الإمام إليها لأن من شأن الإمام القتال وهو كبير القوم ولأنه يقاتل بأهل حوزته. انظر اطفيش: شرح العقيدة 155. (1/236)
صفحة 235
كتاب التحف المخزونة
237
شخصية لدى الملزم بولايته بشرط أن لا يشتهر بين الناس بارتكاب كبيرة من الكبائر (1).
على أنَّ ذلك إنّما يكون بالنسبة لمن عقدت له الإمامة في دار الإسلام وفي معقل من معاقل الإباضيَّة أمّا إذا كانت الدار دار فتنة أو قدم الإمام إماما في غير معاقل الإباضية فإنّه لا تلزم ولايته حتى يشهد عالمان عدلان أنه ثقة ومستحق للإمامة (2).
وولاية الإمام العادل لا تقف عند شخصه بل تتعدى إلى كلّ من كان تحت لوائه من المسلمين، داخلا في بيضته ومقرا بطاعته يقول الجيطالي: إذا كان إمام المسلمين عدلا فكلّ من جرت عليه طاعته ورضي بحكمه ولم يظهر منه خلاف للمسلمين فهو عندهم في حكمهم من الولاية يتولونه بعينه ويتولون جميع من في البيضة جملة وقصدا» (3).
ومعنى ذلك أنَّ هذه الولاية تشمل أيضا وزير الإمام وقاضيه وخازنه ما لم يعمل أحدهم الكبائر (4) والسبب في ذلك هو أنَّ الإمام العادل لا يستعمل أحدا في مصالح المسلمين إلا من كان تقيَّا () ولذلك كانت ولاية كل من ولاه الإمام تابعة لولاية الإمام. ولقد خالف في ذلك المتأخرون من أهل عمان فنفوا هذه التبعية في
(1) انظر أبو الحسن شحاته الولاية والبراءة، 76 تلخيصا من كتاب بيان الشرع للكندي. (2) انظر الكندي: المصنف،42/ 10، 43، 119 - قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 324، الشقصي: منهج الطالبين 123/ 2، 126.
(3) الجيطالي: قواعد الإسلام 48/ 1 وانظر: الفرسطائي: مسائل التوحيد 15، تبيين أفعال العباد 17/ 3، الجناوني: الوضع 33، قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 324.
(4) انظر الجناوني: عقيدة نفوسة 2، 3.
(5) انظر الكدمي: الجامع المفيد 191/ 1. (1/237)
صفحة 236
238
قسم الدراسة
الحكم ورأوا وجوب خضوع جميع هؤلاء لأحكام الولاية بحكم الظاهر يقول الخروصي: «وأرى أنَّ الأحوال تغيّرت وتبدّلت فلا تلزم ولايتهم إلا من ظهر منه الموافقة وموجب الولاية لأنَّ الناس صح منهم اختلاط وترخص في استعمال العمّال لضيق الحال وقلة الرجال» (1). ولا شك أنَّ هذا مظهر من مظاهر ضعف الدولة الإسلامية وإلا فكيف يحتاج إلى تولية من لا يتولاه المسلمون وكيف يُطْمَأَنَّ إليه في تسيير الشؤون ورعاية المصالح وتحقيق العدالة وتطبيق جميع أحكام الشرع؟.
هذا بالنسبة لإمام العدل وحاشيته أما إمام الجور ووزيره وكاتبه وخازنه وجميع من تبعه على جوره فإنّهم في البراءة وكلّ من يتولى الإمام الجائر وحاشيته فهو مثلهم في البراءة () أما من كان تحت أمره ونهيه من أهل ولايته وإن أظهروا الولاء له لاحتمال استعمالهم التقية (3).
منهم
فلا تجوز البراءة. والدار ككل لها أحكام خاصة من حيث الولاية والبراءة وهذه الأحكام متوقفة على عدل حكامها أو جورهم وعلى ظهور الدين وأهله أو ضعف
أتباعه وتكتمهم ولقد أورد قاسم الشماخي أقولا أربعة في هذا الشأن: أ - إذا كان الإمام عادلا فإنّ جملة أهلها في الولاية إلا من استحق البراءة بموجبها إذا كان الإمام جائرا فلا تثبت الولاية إلّا بالاختبار وظهور أهل الاستقامة.
ب - الدار تبع للأحكام فمتى كانت الأحكام عادلة كان أهلها في الولاية إلا من ظهر منه موجب البراءة ومتى كانت الأحكام جائرة فإنّ أهلها في
البراءة إلا من ظهرت منه الموافقة في الدين.
(1) الخليلي الخروصي: الفتح الجليل 90 وانظر ابن قيس: مختصر الخصال: 33 (2) انظر: أبو قحطان: السيرة 145. (3) الخليلي الخروصي: الفتح الجليل 90 وانظر ابن قيس: مختصر الخصال: 33. (1/238)
صفحة 237
كتاب التحف المخزونة
239
ج - حكم الدار هو حكم النّحلة: فإن كانت النّحلة صحيحة جارية على کتاب الله وسنّة رسوله لم يضر أهلها في دينهم من تغلب عليهم.
د-
إذا قدر أهل العدل على إظهار دينهم فإنّ الدّار دار عدل ولو كان الغالب على أهلها الضلال وإلّا فهي دار جور
(1)
والظاهر أنَّ الدار تسمى دار إسلام إذا كان أهلها مسلمين وتسمى دار كفر إذا كان أهلها كافرين بقطع النظر عن عدل حاكمها أو جوره أما الحكم بالولاية أو البراءة فإنّ ولاية الجملة وبراءة الجملة كافيتان لتولّي جميع المسلمين في داري الإسلام والكفر والبراءة من جميع الكافرين في الدارين والأصل في جميع أهل دار الإسلام الولاية ولا يحتاجون إلى محنة واختبار في القول أو العمل إلا من ظهر منه الخيانة أما أهل دار الكفر فالأولى الوقوف فيمن مثل بين أيدينا حتى تعلم حاله وفيمن تبقى من الناس تجزي فيه ولاية الجملة وبراءة الجملة كما أسلفنا.
(2) ولاية النفس والبراءة منها:
أ - ولاية النفس
إنّ الإنسان قبل أن يكون مكلفا بولاية غيره هو مطالب بولاية نفسه. والمقصود. د بولاية النفس الدعاء والاستغفار لها (2) وحقها على التزام الطاعات والإقلاع عن الذنوب والمعاصي ()
(3)
أما تفسير ولاية النفس بالرضا عنها والشعور بالسرور وانشراح الصدر
(1) انظر قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 325.
(2) انظر قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة.333. اطفيش: شرح عقيدة التوحيد 103. (3) انظر الجيطالي: قواعد الإسلام،62/ 1، أبو الحسن شحاته الولاية والبراءة 39 تلخيصا من
کتاب بيان الشرع الكندي. (1/239)
صفحة 238
240
قسم الدراسة
عند امتثال المأمورات وترك المنهيات (1) فغير مناسب لما فيه من تزكية للنفس وقد قال تعالى: {فَلَا تُزَكُوا أَنفُسَكُمْ} [النجم: 32] كما أنَّ المسلم لا يرضى بالحالة التي هو عليها وإنّما يطمح دوما إلى المزيد من فعل الخيرات. وهذه الولاية هي ولاية بحكم الظاهر إلا إن صح الخبر أنه ولي الله وأنه سعيد من أهل الجنة فإنّها حينئذ تكون ولاية حقيقة (2). وهي فريضة لا يسع جهلها (3) وكلّ إنسان مكلف بها وكان شديد العصيان لربه (4) لأنه ما من أحد إلا وهو مخاطب بالاستغفار لنفسه والتوبة من جميع الذنوب ولو
كانت مثل الجبال.
ب - البراءة من النفس:
وهي الميل عن النفس بالقلب والجوارح والشعور بالضيق والانقباض والحسرة والندم وذلك عند ارتكاب المعصية (0). وهي واجبة أيضا لأنَّ مقتضيات التوبة النصوح أمّا لعن النّفس ومعادتها فلا يجوزان مهما كان الذنب قبيحا (1) ولقد فرّق الشقصي بين العاصي المكثر من التوبة وبين المصر فلم يوجب على الأوّل البراءة من نفسه وروى الخلاف
ذلك
بين
من
(v)
العلماء في الثاني" والظاهر أنَّه لا فرق بين العاصين لأنَّ التوبة واجبة على الجميع
(1) وهو التعريف الذي اختاره عمرو التلاتي في كتابه نخبة المتين ص: 152.
(2) انظر قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 333.
(3) انظر الشوفي السؤالات،241 الجيطالي قواعد الإسلام،62/ 1 الفرسطائي: مسائل التوحيد 7.
(4) انظر اطفيش: شرح عقيدة التوحيد 103.
(5) انظر عمرو التلاتي: نخبة المتين: 153. (6) انظر أبو الحسن: الولاية والبراءة: 39. (7) انظر الشقصي: منهج الطالبين 42/ 2. (1/240)
صفحة 239
كتاب التحف المخزونة
241
ومن متطلباتها الندم والشعور بالاستياء واللوم وعيب النفس على
وقوعها في المعصية.
ولاية المؤمن لربّه:
لا
العبد مؤمنا إلّا إذا كان عارفًا بربّه موحدا له معترفا له بنعمه يعتبر
خلقه
وبنصرة أوليائه ومؤمنًا بأنّه ولي جميع أمور المؤمنين ومعتقدًا عدله في. وأمره ونهيه وكلّ ذلك يقتضي محبّته وقبول جميع أوامره والميل بالقلب والجوارح إلى ما أمر به مع فعل المأمورات والكف عن المنهيات.
تلك
هي موالاة الله تعالى ولا تكون هذه الموالاة تامة وصادقة إلا إذا اتبع العبد الرسول واتخذه قدوة له في كلّ أقواله وتصرفاته. قال تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31].
4) ولاية الخارج من الشرك إلى الإسلام
اختلف العلماء فيمن أسلم هل يتولّى بمجرّد الإتيان بالشهادتين أم ينتظر منه ظهور الأعمال الصالحة أن يمتحن ويدعى إلى البراءة من الجبابرة.
أنه
لقد صرّح أبو الربيع سليمان بن يخلف والسّوفي بأن من شهد عليه أمينان خرج من الشرك ووحد ربّه وجبت ولايته). وافقهما المحشي على ذلك محتجا بنص قرآني وآخر نبوي أمّا الأوّل فقوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَر لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] وأما الثاني فقوله: «الإسلام جب لما قبله» (2) غير أنَّ بعض العلماء يفرّق بين من أسلم على يد مخالف
(1) انظر ابن يخلف التحف،9 55 وانظر الشوفي السؤالات. وانظر كذلك عمرو التلاتي: نخبة المتين 152.
(2) انظر المحشي حاشية الوضع 109 والحديث رواه الطبري بلفظ الإسلام يجب ما كان قبله
= (1/241)
صفحة 240
242
قسم الدراسة
وبين من أسلم على موافق فإنّ من أسلم على يد مخالف واتبعه في عقيدته يتبرأ منه) أما من أسلم على يد موافق فقيل يتولّى في الحال وقيل حتى تظهر ذلك منه الصالحات (2) والصواب في هو ما ذهب إليه امحمد اطفيش حين قضى بوجوب ولاية من أسلم ولو على يد مخالف ما لم يحدث كبيرة (3). أما شرط الولاية بإظهار البراءة من الجبابرة (4) فقد ردّه عبد الرحمن بكلي (ه) واعتبره مظهرا من مظاهر التشدّد والتنفير من الإسلام وأثبت أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو الناس إلى الإسلام ولم يكن يطلب منهم إلّا الشهادتين ثمّ يعلمهم من شرائع الإسلام ولم يثبت عنه أنه كان يطالبهم بالبراءة من آبائهم وطواغيتهم).
ولاية الراجع عن خلافه
لقد اتفق علماء الإباضية على أنَّ المخالفين يدعون إلى ترك ما دانوا به من مسائل الاعتقاد التي خالفوهم فيها (7) وإلى ولاية أئمة الإباضية والبراءة وفي مسلم من حديث عمرو بن العاص ... أما علمت يا عمرو أ ما كان أن الإسلام يهدم. قبل وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله» (انظر مسلم: الجامع الصحيح كتاب الإيمان (192). الجيطالي: قواعد الإسلام 50/ 1، 51. أن المخالفة في العقيدة تترتب عليها البراءة وهذه مسألة. (1) والسبب في ذلك هو أ بقضية تكفير المخالف وقد أشرنا إليها في موضعها ودعونا إلى وجوب التسامح بين
المسلمين ونبذ التكفير بسبب مثل هذه الأمور.
مرتبطة
(2) انظر قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة: 329. (3) انظر امحمد اطفيش: الذهب الخالص: 35. (4) انظر الجيطالي: قواعد الإسلام 50/ 1. أحد إباضية الجزائر المعاصرين من بلدة العطف بوادي مزاب كان رئيسا لمجلس العزابة. توفي منذ سنتين من مؤلّفاته «فتاوى البكري». ط. كما قام بتحقيق قواعد الإسلام
(5) هو
للجيطالي.
(6) انظر: 50/ 1 ـ 51 تعليق لعبد الرحمن بكلي.
(7) كمسألتي الرؤية ن م والوعد والوعيد. (1/242)
صفحة 241
كتاب التحف المخزونة
243
ممن برئوا منه فإن أبوا ذلك وردّوا الدعوة وسفهوا المقالات وطعنوا في الإباضيَّة حلّ سفك دمهم (1) وإن قبلوا الدعوة واستجابوا لها صاروا من أهل الولاية (3) ووجبت لهم المودّة على أن يكونوا موفّين
بجميع دين
الله (3).
روى الجيطالي أنَّ أبا النظر الصفري فرّ من الحجاج إلى البصرة فدعاه الإباضية إلى مذهبهم وقالوا له ندعوك إلى الولاية من قد علمته يقول الحق ويعمل به وإلى البراءة ممن قد علمته يقول بخلاف الحق ويعمل به والوقوف فيما لا تعلم حتى تعلم ففعل فصار من أفاضل المسلمين).
والجدير بالملاحظة أنَّ الجيطالي ومن قبله الشوفي قد فرقا بين المتدين وغير المتديّن (5) فغير المتديّن يكفيه الرّجوع إلى الإباضية على أن يقول: «أنا منكم وليّي وليكم وعدوّي عدوّكم والمتدين إما أن يكون داعيا إلى اعتقاد مسائل الخلاف وأمّا أن يكون مكتفيا باعتقادها دون الدعوة إليها. فإن كان من أصحاب الصنف الثاني طولب بالتوبة من كلّ ما اعتقده مخالفًا للإباضية مسألة مسألة. وإن كان من أصحاب الصنف الأوّل
(1) [دون غنيمة أموالهم وسبي ذراريهم]. انظر ابن يخلف التحف 55 وانظر الفرسطائي: مسائل التوحيد 15، الشقصي: منهج الطالبين 19/ 2. (2) انظر ابن يخلف التحف 9 الشقصي: منهج الطالبين 131/ 2) وفي نفس الصفحة يروى عن ابن بركة أنه دان بفضل المسلمين وعرّف حقهم وقام بما أمر وترك ما نهي عنه فليس عليه ذلك ولو لم يدخل في مذهب الإباضية).
غير
(3) انظر السوفي: السؤالات 243، الفرسطائي: مسائل التوحيد: 15.
(4) انظر الجيطالي: قواعد الإسلام 53/ 1، 54 وانظر للشّمّاخي: السير 111 وقد علق خليفات على هذه الواقعة بأنَّ الصيغة التي استعملت لدعوة أبي النظر إلى الإباضية صارت قاعدة بحيث
لا يقبل أحد إلا بعد ولايتهم والبراءة من أعدائهم انظر عوض خليفات مجلّة 148. (5) المتدين هو الذي يدين بمسائل الخلاف وغير المتديّن هو العامي الذي يتبنى أصول
العقيدة فحسب. (1/243)
صفحة 242
244
قسم الدراسة
فإنّه لا يتولّى حتى يخبر من دعاهم أنه
رجع
عما دان به ويبذل جهده ما
استطاع إلى ذلك سبيلا (1) ولقد طبّق ذلك على هلال بن عطية (2) فقد كان صفريًا ولم يقبل من الإباضية رجوعه إليهم حتى خرج إلى قومه وعرفهم
بخطئه ثم عاد إلى عمان فتولّوه على ذلك (3).
(6) ولاية الله لعباده وعداوته لهم
1 - ولاية الله لعباده:
تتمثل هذه الولاية في المحبة والنصر والتوفيق والهداية والقواب واستجابة
الدعاء والرضا.
من
صفات
والمحبة ليست بمعنى ميل القلب إلى المحبوب لأنَّ ذلك الحادث وإنّما هي الإثابة للعبد على إيمانه وأعماله الصالحة (4) ولقد اعتبر الشوفي حبّ الله للمسلمين واجبا وعنى بذلك إيصال القواب لهم بمقتضى وجوب الحكمة الإلهية (ه).
والنصر هو النتيجة من العدوّ والإعانة عليه والحفظ من كيده).
والتوفيق والهداية بمعنى الإرشاد إلى العمل الصالح والإعانة على فعل
(1) انظر الشوفي السؤالات،259،260 الجيطالي: قواعد الإسلام،511، 53 وانظر كذلك قاسم الشماخي شرح اللؤلؤة،330 امحمد اطفيش: الذهب الخالص: 36.
(2) هو هلال بن عطية الخرساني من طبقة الربيع بن حبيب أي من علماء الإباضية في القرن الثاني. انظر الجارثي: العقود الفضية 253.
(3) انظر: الجيطالي: قواعد الإسلام 52/ 1.
(4) انظر: السوفي: السؤالات 159. (5) انظر ن م 88.
(6) انظر البسيوي الجامع،91/ 1، البطاشي: غاية المأمول 105/ 1. (1/244)
صفحة 243
245
كتاب التحف المخزونة
المأمورات والكف عن المنهيات وتيسير أسباب الخير وخلق القدرة على
الإتيان به (1).
والولاية بمعنى القواب وإدخال المؤمنين الجنّة ورفع منازلهم فيها وفي ذلك دلالة على الرّضا عنهم وقبول أعمالهم ودعائهم الصالح (3). وهذا منتهى ما يطمح إليه المسلم.
ولقد ركّز علماء الإباضية على المعنى الأخير من معاني الولاية بل منهم من حصرها فيه فأثبت أنّها العلم بما يستوجبه المؤمن من القواب (3) ومعرفة منازلهم في الجنّة (4) غير أن التلاتي يرى أن تفسير ولاية الله لعباده بتوفيقه إياهم لما يحب ويرضى أولى وأنسب فهو يقول: «وهذا هو الأولى في تفسيرها وإن كان خلاف ما في كتبنا من أنها العلم بهم وبمنازلهم في الجنّة» (ه).
هي
والملاحظ أنه لا تعارض بين هذه التعريفات بل ه متكاملة وبعضها يفسر البعض الآخر لأنَّ توفيق المؤمنين والرّضا عنهم بسبب فعل الصالحات
لا يتعارض مع
علمه تعالى بما يستحقون من ثواب (6).
(1) انظر عمرو الثلاتي: نخبة المتين: 151.
(2) انظر قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة.333 وانظر البسيوي الجامع 58/ 1 وفي شأن استجابة الدعاء يرى بيوض إبراهيم أن دعاء الدنيا قد يستجاب له بتحقيق المراد وقد يعوّض ذلك بنعمة أخرى حسب ما يصلح للعباد وأمّا دعاء الآخرة فمقبول بمنّ الله ورحمته انظر أجوبة
بيوض ص 12، 13.
(3) انظر: الجيطالي: قواعد الإسلام 86/ 1.
(4) انظر قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 333 ابن جميع: عقيدة التوحيد: 10.
(5) عمرو التلاتي: شرح الديانات: 61.
(6) استعملنا لفظ الاستحقاق تجوّزا وإلا فإنّ الثّواب عند الإباضية تفضل وليس استحقاقا. انظر ما كتبناه في الوعد عند الإباضية. (1/245)
صفحة 244
246
قسم الدراسة
2 - عداوة الله لأعدائه:
وتتمثل في السخط على كلّ من كفر به وخالف أوامره ونواهيه ولا يخفى ما يترتب على هذا السخط من خذلان وعدم توفيق وعقاب أبدي في الآخرة. ولقد عرف كلّ من الجيطالي والمصعبي عداوة الله لعباده بأنها العلم بما يستوجبه أعداؤه من العقاب (2) على أساس أنَّ الله متعلّق أيضا بما ذلك سيفعله العباد وما ينتج عن من جزاء.
والجدير بالملاحظة أنَّ كلّ من خالف الشرع بفعل كبيرة ومات على ذلك من غير توبة هو عدو الله عند الإباضيَّة خلافا للأشاعرة والماتريدية يقول البخاري: «المؤمن لا يكون الله عدوا وإن ركب جميع الذنوب» (3) ولا يخفى أنَّ السبب راجع إلى الاختلاف في تحديد مفهوم الإيمان وحكم مرتكب الكبيرة.
ـ ثبات ولاية الله وعداوته:
اتفق الإباضيَّة على أنَّ ولاية الله وعداوته لعباده ثابتتان لا تتقلبان مهما تغيرت أحوال الناس وأعمالهم ولقد شدّ عن هذا الاتفاق النكار والحسينية فزعموا أنَّ الله يعادي العاصي في حال عصيانه فإذا أطاعه فإنّه يوليه بدعوى أنَّ الله لا يوالي إلا المطيع ولا يعادي إلا العاصي ولقد اشتغل الوهبية بمناقشتهم والردّ عليهم محتجين خاصة باستحالة تغير علم الله تعالى (4).
(1) انظر عمرو الثلاتي: نخبة المتين 151.
(2) انظر الجيطالي: قواعد الإسلام،86/ 1، المصعبي: حاشية على الديانات 20 (3) البخاري: كشف الأسرار: 8/ 1. (4) انظر السوفي: السؤالات 203، رسالة الفرق 53 الجيطالي: قواعد الإسلام 87/ 1، المحشي حاشية الوضع 73 - 75 المصعبي: حاشية تبغورين 34 حاشية على الديانات 20 ـ 22 قاسم الشماخي شرح اللؤلؤة 299 300، الشقصي: منهج الطالبين 10/ 2، 27، السالمي: مشارق أنوار العقول: 345. (1/246)
صفحة 245
كتاب التحف المخزونة
مسبقا.
247
والمتأمل في القضيّة يرى أنَّ علم الله الأزلي بالإنسان وأعماله ومصيره يقتضي الحكم بثبات ولايته لأوليائه وعداوته لأعدائه لأنه عالم بمن سيطيعه ويختم حياته بالتقوى ولذلك أمكن القول إنّه في علم الله ولي من أوليائه لأنَّ العبرة عند الله بخواتم الأعمال ولا يؤثر انحرافه في ولاية الله له لعلم الله تعالى أنّه سيموت على التوبة. كذلك الشأن بالنسبة لعداوة الله لأعدائه فقد علم الله أنَّ هذا الشقي سيموت على المعصية ولا عبرة باستقامته ولو في معظم فترات حياته ما دامت الخاتمة والعياذ بالله سيئة.
والجدير بالملاحظة أنَّ الفرق واضح بين ولاية الله وعداوته للعباد وولاية الناس وعداوتهم فيما بينهم فولاية الله وعداوته ثابتتان ـ كما سبق بيانه ـ وولاية العباد وعداوتهم متقلبتان حسب الأحوال الظاهرة والسبب في ذ ذلك راجع إلى الاختلاف بين الخالق والمخلوق في الصفات فالخالق مطلع على ما في الباطن وعالم بما ستؤول إليه حالة العبد بينما
المخلوق علمه محدود ولذلك كان عاجزا عن معرفة الباطن والمآل.
الله يحب
الطاعة
والناظر في السبب الذي دعا النكار والحسينية إلى القول بتغيّر ولاية الله وعداوته يدرك أنَّ الالتباس إنّما حصل لهم من زاوية جواز ولاية الله للعاصي حين عصيانه أو عداوته للمطيع عند طاعته والحال إنّ ويكره المعصية والجواب على ذلك هو أنَّ الله لمّا تولّى من علم أنه سيكون سعيدا لم يتولّه على فعل المعصية حين قيامه بها وإنما تولاه لعلمه أنّه لن يقيم على هذه المعصية ولعلمه بأنه سيموت على التوبة وحسن الخاتمة وكذلك القول فيمن علم أنه سيكون شقيا فإنّ الله لم يعاده على فعله الطاعات وإنّما عاداه بناء على علمه بما سينهي عليه حياته. (1/247)
صفحة 246
248
قسم الدراسة
) الدعاء بالخير والشّرّ
1 - الدعاء بالخير
أما الدعاء للنفس بالخير فقد أمر الله به في كتابه العزيز وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ورتب الاستجابة في الدنيا (1) وفي الآخرة قال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] وقال: {وَإِذا سألك عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] وقال: هو العبادة» (2) وللرسول صلى الله عليه وسلم صيغ كثيرة من الأدعية كان يعلمها
«الدعاء
أصحابه (3).
وأمّا الدّعا للغير بالخير فهو أيضا مأمور به بشرط أن يكون المدعو له من أهل الولاية ولقد مدح الله المؤمنين الذين يدعون بالمغفرة لإخوانهم فقال: وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلا خَوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بالايمن ... ) [الحشر: 10].
وعن أبي الدرداء أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك ولك بمثل».
(4)
ولقد سبق أن بيّنا أنَّ من مقتضيات الولاية الدّعاء بالخير للمتولّى (1) ويشمل هذا الدعاء خيري الدنيا والآخرة.
977
(1) انظر ما سبق تع 977 ص 348 في موضوع ولاية الله لعباده وعداوته لهم.
(2) ت تفسير 2، 16، 40، جه دعاء 1 حم 267/ 4، 271، 276.
(3) منها ما هو مقتبس من القرآن الكريم كقوله تعالى: {رَبَّنَاءَ ايْنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) ومنها غير ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم مصرف القلوب
صرف قلوبنا على طاعتك». (4) انظر ما سبق. (1/248)
صفحة 247
كتاب التحف المخزونة
249
شأنه
بين دعاء
هذا بالنسبة للولي أمّا غير الولي فقد فرق العلماء في الدنيا ودعاء الآخرة فمنعوا الدّعاء بخير الآخرة إلا في حال التقية واشترطوا أن تكون الدّعوة حينئذ مخالفة في ظاهرها للباطن يقول ابن جعفر: «ومن كان في حد التقية جاز له أن يدعو لمن لا يتولاه بما يدعو به لأهل الولاية ويعتقد المعنى لغيره» (1).
أما الدعاء لخير الدنيا فقد أجازه جمهور علماء الإباضية على أساس أن متاع الدنيا مشترك بين المؤمنين وغيرهم وليس في الدعاء بالخيرات الدنيوية ما يثبت للمدعو الولاية يقول امحمد اطفيش: «إن قال عافاك الله وقصد بذلك من آفات الدنيا فجائز .... » (2).
ولقد منع بعض العلماء كلّ دعاء فيه تقوية للأعداء يقول اطفيش نفسه
إثر العبارة السابقة: «أمّا قواك الله وبارك فيك ففيهما قولان» (3).
بل من
العلماء
من يميل إلى منع الدعاء لأعداء الله بأي نوع من أنواع العافية الدنيويّة محتجّا على ذلك بأنَّ العافية هي أيضا مقوية وموصلة إلى ارتكاب المعاصي وفي ذلك نوع من الإعانة على الإثم على أنه لم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دعا بالعافية لعدوّ أمّا دعاؤه لأمه ولعبد الله بن أبي وقوله:
«اللهم اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون فقد احتمل أن يكون ذلك كله قبل
عنه. النهي.
(4)
ص
(1) ابن جعفر: الجامع 150/ 1، 218 وفي 217، يروي تجويز التقيّة للجار والصاحب استعطافا له. وانظر: الجيطالي: قواعد الإسلام.92/ 1 وفي منع الدّعاء له بخير الآخرة في غير التقية
انظر ن م ص)
217
(2) اطفيش: الذهب الخالص: 56.
(3) ن م.
(4) انظر: الرواحي: نثار الجوهر 72/ 1، 73. (1/249)
صفحة 248
250
قسم الدراسة
2 - الدعاء بالشّر:
أما الدعاء بالشر فقد حرّمه الشرع على الإطلاق، ولقد ضرب العلماء لذلك المثل فقالوا لا يجوز للمسلم أن يقول لأخيه المسلم يا عدو الله أو يا كافر أو يا ضال أو يا فاسق أو أنّ لك أو بعدا لك أو سحقا لك أو تعشا لك أو ذمّك الله وقاتلك الله ولعنك الله أو يا قرد أو يا خنزير أو يا شيطان (3) فإن قال شيئًا من ذلك فقد ضل وهلك لقوله: «إذا قال المسلم لأخيه يا كافر فقد باء أحدهما بالكفر» (3) وكلّ من نطق بمثل هذه العبارات الدالة على التكفير والتضليل والتفسيق فقد استحق البراءة إن كان المنادى وليا من أولياء الله (4).
أما الدعاء بالشرّ على غير الوليّ ممّن هو في البراءة فقد أجازه الإباضية اتفاقا بحجة دعاء نوح على قومه ودعاء موسى على فرعون وملئه ودعاء محمد صلى الله عليه وسلم على مضر وحي من ذكوان وكسرى وكثير من طغاة المشركين وعلى قريش يوم بدر ويوم أحد (ه) ومن. هذا المنطلق أباحوا لعن الكافر خلافا للأشاعرة الذين منعوا ذلك (7).
بعينه
(1)
(1) قال بعض العلماء الدّعاء بالسوء لمسلم ولو للدنيا براءة لأنه لا يشتمه إلا المبغض له انظر
891
الجيطالي: قواعد الإسلام 91
(2) انظر ابن يخلف التحف، السوفي: السؤالات 243.
(3) خ أدب 73 - م إيمان 111 ـ ت إيمان 16 ـ ط كلام 1، حم 18/ 2، 44، 47، 60، 112، 113،
142
(4) انظر البطاشي: غاية المأمول 114/ 1.
(5) انظر: الرواحي: نثار الجوهر 72/ 1. (6) انظر المصعبي: حاشية تبغورين 43. (7) انظر الجيطالي: قواعد الإسلام 89/ 1. (1/250)
صفحة 249
كتاب التحف المخزونة
251
وجوب التحرّي قبل البراءة
يرى الإباضية أن البراءة ليست بالأمر اليسير فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلع المؤمن كقتله ومن خلع مؤمنا فقد قتله») كما روي عن عمر بن الخطاب قوله: «ادرؤوا الحدود ما استطعتم وما وجدتم للمسلم مخرجًا فخلوا سبيله» (2) كما روي عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (3) أنه قال لا تبرأ من أحد ما وجدت له احتمالا ولا تبرأ إلّا مثل عين شمس (4).
(3)
(2)
فكل من ظهر منه ما يحتمل فيه، ولو نزر قليل مثل خيط العنكبوت - من الحق لا تجوز البراءة منه لأنَّ ذلك مبني على الظن والبراءة يقين لا يزيلها إلّا يقين مثله يقول الكدمي: «فلهذه المعاني كلها وأكثر منها مما يخرج على ما يشبه الإجماع معنا من ثبوت الولاية لمن ظهر منه ما يمكن
فيه الباطل من حقوق الله خالصة ومن كثير من حقوق العباد» (5).
وقد ضرب العلماء أمثلة لوجوب التحرّي قبل البراءة نذكر منها:
(1) سبق تخريج هذا الحديث وقد ورد بصيغة «لعن المؤمن كقتله ومن لعن مؤمنا فقد قتله». (2) انظر الكدمي: المعتبر 51/ 2، 52.
(3) أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي أخذ العلم عن جابر بن زيد وجعفر بن السماك وصحار العبدي وعلى يديه تخرّج حملة العلم إلى المشرق والمغرب توفّي في خلافة أبي جعفر المنصور. وهو الذي روى عنه الربيع بن حبيب أحاديثه في • مسنده. انظر عمرو خليفة النامي: أجوبة ابن خلفون. (4) انظر اطفيش كشف الكرب 97/ 1، عيسى الحارثي خلاصة الوسائل 89/ 1، أبو الحسن شحاته الولاية والبراءة: 35 تلخيصا من كتاب بيان الشرع للكندي.
(5) الكدمي: المعتبر 176/ 2 وهذا هو قول جمهور الإباضية وإن كان فيهم من ذهب إلى الوقوف فيمن احتمل منه الحق والباطل. (1/251)
صفحة 250
252
قسم الدراسة
أ ? من أقر بمعرفة نبي أو ملك ثمّ قال لا أعرفه فإنّه يتولّى ولا يبرأ منه حتى يسأل فيعلم أنه منكر ذلك عن عمد فحينئذ فقط يبرأ منه لأنه راجع عن علمه على بصيرة من أمره وإلّا أمكن حمله على النسيان".
ب ـ من رأى امرأة تاركة للصلاة أو رجلا يأكل في رمضان فإنّه لا يتبرأ منهما حتى يعلم أنهما مقطوعا العذر (2).
ج - من ترك الحج مع توفّر الاستطاعة فلا يبرأ منه حتى يموت دون أن
د-
هـ
يوصي به
(r)
لو أن امرأة من أهل الولاية ظهر بها حمل ولا زوج لها فاعتلت بعلة كقولها أوتيت ذلك في المنام أو ما أشبه ذلك فهي على ولايتها إلا أن تكون من أهل الريبة (4).
لو أن أحدا في البراءة استغفر من جميع ذنوبه فإنّه يتولى ولو لم يسم الذنب الذي برأ منه إلّا ما أخذ من أموال الناس حتى يردّه).
وبهذا يتبين أنَّ كلّ من كان أمره مشبوها فيه فإنّه لا يبرأ منه حتى يأتي
ما لا يحتمل له فيه مخرج من مخارج الحق بوجه من الوجوه. والسبب في كلّ هذا الاحتياط هو شدّة خطورة البراءة كما أسلفنا على أن
(1) انظر الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 2، 168/ 3.
(2) انظر الشقصي: منهج الطالبين 153/ 2 ويقول ابن رزيق في فتح المبين 123: إذا رأيت ولي الله يأكل في شهر الصيام بلا سفر ولا سقم فالظن أحسنه واثبت في ولايته واسأله إن شئت واسكت عنه لا:
لا تلم
(3) انظر: أبو الحسن شحاته الولاية والبراءة: 75 تلخيصا من كتاب بيان الشرع للكندي.
(4) انظر الشقصي: منهج | الطالبين 186/ 2.
(5) انظر ن م 167/ 2.
(6) انظر ن م السابق 38/ 2، 39. (1/252)
صفحة 251
كتاب التحف المخزونة
253
الأصل في المسلمين العدالة قد جاء عن عمر بن الخطاب قوله: «المسلمون
كلهم عدول إلا مجرّبا عليه شهادة زور أو ظنينا في ولاء أو نسب». ومن مظاهر التحرّي أيضا أن لا يبرأ من أحد حتى يكون حاضرا ليدفع عن نفسه ولقد أورد الجيطالي رواية عن الإمام أفلح (3) أنه قال: «لا يبرأ من نفسه» (3). المسلم مطلقا بشهادة الشهود حتى يكون حاضرا يدفع عن
كما أنَّ الكدمي أشار إلى نفس الرأي واشترط أن يسمع المتبرأ منه شهادة الشهود عليه أو يراهم بعينه إن كان ممن يبصر.
•
(4)
هو
استحالة
أما الميت فلا تقبل فيه شهادة الشهود أنه ارتكب كبيرة مات عليها لأنَّ هذه الشهادة إنّما كانت بعد وفاته والسبب في ردّ هذه الشهادة. حضور المتبرإ منه ليدفع عن نفسه (5) بينما لو ارتكب أحد ذنبًا يوجب البراءة ثم مات فشهد ولي أنّه تاب فإنّه يتولّى بولاية الولي الحي).
(1) انظر الجيطالي: قواعد الإسلام 48/ 1، 49. (2) أفلح ابن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم:
190 هـ وقبل سنة 188 هـ.
بالإمامة سنة ثالث أئمة الرستميين بويع.
له عدة رسائل وأجوبة جامعة لنصائح وحكم ومواعظ توفّي سنة 240 هـ وقبل سنة 250 هـ
وقيل سنة 205 هـ.
انظر الباروني: الأزهار الرياضية 221/ 2 - 280.
(3) انظر ن م 97/ 1 و 79/ 1 تع 2 للمحقق بكلي عبد الرحمن.
(4) انظر الكدمي المعتبر 48/ 2 وانظر الشقصي: منهج الطالبين 1/ 2 04.
(0) انظر الشقصي: منهج الطالبين،104/ 2، أما الجيطالي فقد أورد قولين في المسألة أحدهما أنه يبرأ منه بشهادة أمينين وثانيهما أنه لا تقبل فيه شهادة الشهود ما دام قد مات على الوفاء
غير أنه لم يرجّح أحد القولين انظر كتابه قواعد الإسلام 97/ 1.
(6) انظر الكدمي: المعتبر 10/ 2 وقد رجّح هذا الرأي بعد إيراد أقوال متعدّدة في المسألة وانظر ابن جعفر / الجامع: 150/ 1 أما الشقصي فقد قال بوقوف السؤال في هذه المسألة انظر كتابه
منهج
الطالبين 98/ 2. (1/253)
صفحة 252
254
قسم الدراسة
فالبراءة إذن لا تكون إلا بعد توفّي جميع التحريات وقطع كل الأعذار على أنه لا تعلن البراءة إلّا بعد الاستتابة (1) يقول الكدمي: «ويعجبني أن لا يبرأ منه (أي المذنب) بالحكم حتى يستتاب لثبوت الإجماع أن لا يحكم عليه بحكم حتى يحتج عليه إن أمكن ذلك (2).
ولقد أنكر محبوب بن الرّحيل (3) على أصحاب طالب الحق (4). إعلانهم البراءة من المذنب من غير استتابته والسماع إلى حجّته ودعاهم إلى التوسعة فيما وسع الله (0) أجل ذلك رأى بعض العلماء أنَّ العبد مهما أذنب ومن وأعلنت البراءة منه مرارًا فإنّه يستتاب في كلّ مرّة قبل البراءة منه ولا ينبغي
(1) المقصود بذلك أن يدعى العاصي إلى التوبة. (2) الكدمي: المعتبر 14/ 2 والمسألة مختلف فيها بين علماء الإباضية فمن قائل بمثل ما ذكرنا وقائل يبرأ منه أو يستثاب من الإثم ومنهم من حصر البراءة قبل الاستتابة في بعض الكبائر كالقتل والزنا وترك تغيير المنكر والدينونة بما يخالف أحكام الشرع ومنهم من فرق بين الكبيرة والإصرار على الصغيرة ومنهم من فرّق بين من كانت ولايته من قبل، وبين غيره. انظر في ذلك: ابن يخلف التحف: 7، 8، قاسم الشّمّاخي: في شرح اللؤلؤة 334، الجيطالي: قواعد الإسلام 81/ 1، امحمد اطفيش الذهب الخالص 51، 52، أبو الحسن شحاته الولاية والبراءة 37، الشقصي: منهج الطالبين،37/ 2 38، الكدمي: المعتبر 14/ 2، 44، ابن جعفر: الجامع 148/ 1. (3) هو أبو سفيان محبوب بن الرّحيل: من علماء عُمان في القرن الثالث. عاش في عهد الإمامين مهنا بن جيفر (226 - 237 هـ) والصلت بن مالك (237، 272) انظر الحارثي
العقود الفضية: 225.
(4) هو عبد الله يحيى الكندي قائد الدّعوة الإباضية في حضر موت واليمن. أعلن ثورته ضدّ الدولة الأموية سنة 129 هـ فاستولى على حضرموت وصنعاء ثم استولى قائده المختار بن عوف على مكّة والطائف والمدينة فاستولى عليها جميعا سنة 129 و 130 هـ لكن مروان بن هزم الإباضية سنة 130 وقتل أبو حمزة الشاري وهزم طالب الحق ثم لقي حتفه.
محمد
انظر: سيدة إسماعيل كاشف السير والجوابات: 66 تع 4.
(5) انظر الدّرجيني طبقات المشائخ بالمغرب 281/ 2 - 284. (1/254)
صفحة 253
كتاب التحف المخزونة
255
أن نسأم من ذلك حتى يكون الشيطان هو الخاسر وهذا القول ينسب خاصة إلى أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وأبي علي).
والجدير بالملاحظة أيضا أنَّ البراءة لا يلجأ إلى إعلانها إلا إذا جاهر صاحب المعصية بمعصيته أما من تستر فإنّه لا يجوز التشهير به والبراءة
هذا
منه علنا بل تمنع حتى مجرد الإخبار عنه (2) ولذلك قال العلماء في. الشأن السر بالسر والجهر بالجهر ومن أعلن البراءة في موضع السر فقد عصى ومن تاب سرًا قبلت توبته سرًّا وتولّى سرا ومن تاب جهرا وجبت
ولايته بالشهرة (3).
(1) انظر الشوفي: السؤالات 111.
(2) يرى السالمي أن العدول إذا رفعوا البراءة من رجل عند وليه على غير وجه الشهادة عليه بها فإنّهم بذلك يكونون مبطلين ولو كانوا عالمين انظر السالمي: بهجة الأنوار: 161.
(3) انظر الشقصي: منهج الطالبين 13/ 2، 14، 25. (1/255)
صفحة 254
256
1 - مفهومه
الاتحاف السادس
الوق
وف
قسم الدراسة
أ ـ لغة: الوقوف مصدر وقف يقف أي انتصبت قامته).
ب ـ اصطلاحًا: هو الك والإمساك عن إمضاء الحكم في المجهول الحال الذي لا يعلم منه إيمان أو كفر (3) ووجه الصلة بين المعنيين اللغوي والاصطلاحي هو الإحجام والإمساك إذ الوقوف في اللغة الإحجام عن السير وفي الاصطلاح إمساك عن الحكم.
2 ـ أقسامه:
لقد عد كثير من علماء الإباضيَّة الوقوف خمسة أقسام منها ما هو متفق عليه ومنها ما هو مختلف فيه
أ ـ وقوف الشك:
وهو أن نقف عن الناس جميعًا فلا نتولّى إلّا من وا وافقنا فشك مثل شكنا (3) وهذا الوقوف محرّم عند جميع الإباضية ولا يجوز الأخذ به لما فيه من
(1) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول 370.
(2) انظر ن م وانظر ابن يخلف التحف ..
(3) انظر الكدمي: المعتبر،142/ 2 الشقصي: منهج الطالبين،47/ 2 89، البطاشي: غاية المأمول 119/ 1. سيرة محبوب بن الرّحيل السير والجوابات: 281. (1/256)
صفحة 255
كتاب التحف المخزونة
257
ترك ولاية المحق وبراءة المبطل ولذلك سموه وقوف الضلال وحكموا
على من دان به بالهلاك (2).
ب - وقوف الدين (3):
ومحله المكلف الذي لا تعلم حاله بصلاح أو فساد. ويستوي فيه العلماء والضعفاء ما دام الشخص لا يعرف عنه لا إيمان ولا كفر. ومعنى ذلك أن مجهول الحال نتوقف في شأنه فلا نتولاه ولا نبرأ منه. يقول الشقصي: «قال أبو معاوية ... والناس عندنا بمنزلة الوقوف حتى نعلم منهم أمرًا تجب فيه ولايتهم أو البراءة منهم» (ه). وقد سمّي كذلك لأنَّ الدين قد أمر به) كما أمر بالولاية أو البراءة وخص بهذه التسمية أيضًا لانعقاد الإجماع عند الإباضية على وجوبه يقول السالمي: «القسم الأوّل وهو المجتمع عليه وقوف الدين ... ». وبما أنّه فريضة من جملة الفرائض المشروعة فإنّه يترتب على تركها العقاب يقول أبو الرَّبيع سليمان بن يخلف: «ومن رأى شخصا بالغا العقل لا يعلم منه إيمانًا ولا كفرًا عليه الوقوف فيه والإمساك عنه فإن أمضى فيه فتولاه أو تبرأ منه على هذا الحال فقد ضلّ وهلك في قول المسلمين» (4).
(1) انظر قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 304 305، الشقصي: منهج الطالبين 190/ 2. (2) انظر ابن جعفر: الجامع 170/ 1.
صحيح
(3) يسميه بعض العلماء وقوف السلامة انظر الكدمي المعتبر 130/ 2، البطاشي غاية المأمول 118/ 1. ويسميه البعض الآخر الوقوف كما هو الشأن عند المغاربة.
(4) انظر الكدمي المعتبر 155/ 1، السالمي: مشارق أنوار العقول 370. (ه) الشقصي: منهج) الطالبين 36/ 2، 37.
(6) انظر الكدمي: المعتبر 130/ 2.
(7) السالمي: مشارق أنوار العقول 370 وانظر المصعبي: حاشية على الديانات: 29 فقد نقل هو
أيضا اتفاق الإباضية على هذا الأصل.
(8) ابن يخلف: التحف: 5 وانظر عامر الشماخي: الديانات 44. (1/257)
صفحة 256
لقد ذكر العلماء جملة من الأدلة على وجوبه منها قوله تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلم؟ (الإسراء (36) وقوله: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ. سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]. وقد علق الجيطالي على الاستدلال الأوّل بأنَّ الآية تحتمل تأويلين:
-
أن تقول رأيت ولم تر وعلمت ولم تعلم.
أن تتبع ما لا يعنيك وما ليس لك به علم.
وفي كلا الاحتمالين معنى النهي عن الحكم على الشيء بغير علم ومنه النهي عن الولاية أو البراءة بغير موجب وهو المعنى المستفاد أيضا من الآية الثانية وفي النهي عن القول بغير علم أمر بالإمساك والوقوف لأنَّ النهي. الشيء أمر بضده وضد الإمضاء الوقوف).
عن
كما استدلّ أيضًا على وجوب الوقوف من الأحاديث النبوية الشريفة منها قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «لا تقضين ولا تفصلن إلا بما
تعلم وإن أشكل عليك أمر فقف حتّى تبينه أو تكتب إلي فيه» (2). ولئن كان الحديث في موضوع القضاء وتبيّن الأحكام الشرعية، فقد
استفدنا منه حكم الوقوف، من باب القياس، لعلة جهل الحكم.
كما جاء في الحديث أيضا: من العلم أن تقول لما لا تعلم الله أعلم.
(1) انظر الجيطالي قواعد الإسلام.931 وانظر ابن يخلف التحف 5، فقد أثار هو أيضا مسألة النهي عن الشيء أمر بضده وطبقها على الولاية والبراءة والوقوف مثلما بينا في النص. (2) أخرجه ابن ماجه مقدّمة باب اجتناب الرأي والقياس وقد علق محمد فؤاد عبد الباقي بأن المصنف قد انفرد بمتن هذا الحديث.
(3) البخاري: الجامع الصحيح: تفسير 44، الدارمي: مقدّمة،21 أحمد بن حنبل المسند 431/ 1. لقد روى مثل ذلك القرطبي في تفسير الآية عن ابن عبّاس وقتادة وروى عن مجاهد قوله - (1/258)
صفحة 257
كتاب التحف المخزونة
259
والمتأمل في جميع هذه النصوص يتبين مدى حرص الإسلام على وجوب التحري والتريث ونبذ العجلة في إصدار الحكم على غير أساس من اليقين قال تعالى: {يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَا فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ} [الحجرات: 1].
فكما أن المسلم لا يتعجّل بالبراءة من شخص بمجرد الشبهة والدعاية فكذلك لا يتعجّل بالولاية حتى تتبين له حقيقة الشخص المجهول إلا إن يكون من أهل دار الإسلام فإنّ الأصل فيه الولاية.
ج - وقوف الرأي):
ويكون هذا النوع من الوقوف في شخص أحدث حدثا لا يدري هل هو كبيرة أم صغيرة أو لا يعرف هل هو حلال أم حرام وفي هذه الحالة ينبغي الإمساك عن الولاية والاكتفاء بالوقوف حتى يتضح الحكم وحينئذ إما أن يرجع إلى ولايته التي كان عليها قبل صدور هذا الفعل منه وإما أن بيرأ منه (2).
والجدير بالذكر أنَّ هذا النوع من الوقوف لم يكن محل اتفاق بين
لا تذمّ أحدًا بما ليس لك به علم وروى عن محمد بن الحنفية أنَّ الآية في النهي عن شهادة الزور وعن غيره أنَّ المقصود النهي عن اتباع الحدس والظنون ثم علق القرطبي على هذه الروايات والشروح بأنها متقاربة ومؤدّية نفس المعنى وهو النهي عن الزور والقذف وما أشبه ذلك انظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن.27/ 10. كما أشار الألوسي إلى أن المراد
من الآية النهي عن الحكم بما لا يكون معلوما انظر كتابه روح المعاني مج 5، 73/ 14. (1) لعله بذلك سمي من باب إثبات الحاجة إلى الرأي والنظر للتعرف على حقيقة الحكم ويكون الناظر حينئذ واقفًا خلال مدة النظر حتى يتبيّن له الحق ويسميه البعض وقوف السلامة لأن صاحبه في سلامة من أمره انظر الشقصي منهج الطالبين 190/ 2، قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 305. (2) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول 370، الشقصي: منهج ا الطالبين 190/ 2. (1/259)
صفحة 258
260
قسم الدراسة
الإباضيَّة ذلك أنَّ المغاربة منهم على وجه الخصوص لا يقولون به وقاعدتهم في ذلك أن الولاية يقين لا يزيلها إلّا يقين مثله.
د - وقوف السؤال:
وهو أن يتبرأ وليك يحدث حدثًا لا تدري حكمه فتقف عنه حتى تسأل عن هذا الحكم أكبيرة هو أم صغيرة قد مثل لذلك الشقصي بمن سمع رجلين يتنازعان في حكم فعل فيقول أحدهما إنّه حلال ويقول الآخر إنّه حرام وهو لا يدري ما هو ذلك الشيء فيقف عنهما حتى يسأل وعلى ضوء الجواب يتولّى من أحلّ ما أحل الله وحرّم ما حرم الله ويتبرأ من الآخر). كما مثل لذلك بالفعل المختلف في حكمه أو الشخص المختلف في ولاية فقال: «والذي نحبّ إذا اختلف النّاس في شيء مما يحلّ بعضهم ويحرم بعضهم ويتولى بعضهم ويبرأ بعضهم أنَّ هذا يقف عن الشّبهة حتى يعرف الحلال من
الحرام ويبين له الولي من العدوّ ويقول: قولي في هذا الأمر قول المسلمين وديني دينهم وأنا سائل المسلمين أهل الصدق والعدل والعفاف والفضل من أهل العلم بالله وبكتابه وسنة رسوله (2).
والملاحظ أنَّ هذا القسم ملازم لوقوف الرّأي بل هو بديل عنه ذلك أنَّ القائلين بوقوف الرأي اختلفوا فيما بينهم فمنهم من أوجب السؤال عند جهل حكم الحدث وسمي هذا الوقوف وقوف سؤال ومنهم من لم يوجب السؤال واكتفى بوقوف الرأي، حتى يظهر الحق (3) ولقد بالغ الكدمي في التوسع بالقول بوقوف السؤال من ذلك أنّه حكم بالوقوف في المسافر الذي لا يرى
(1) انظر الشقصي: منهج الطالبين 7/ 2 وانظر ابن جعفر: الجامع 193/ 1، 227. (2) الشقصي: منهج الطالين 63/ 2. (3) انظر الشقصي منهج الطالبين،190/ 2، السالمي: مشارق أنوار العقول 371/ 370، البطاشي: غاية المأمول 24/ 1. (1/260)
صفحة 259
كتاب التحف المخزونة
261
منه إلا الصلاح في الصلاة والوضوء وفي كلّ شيء وهو في أصله مجهول الحال ورأى المصاحب أن لا يتولّى هذا الشخص إلا بعد السؤال عنه والتحقق من إسلامه بشهادة المسلمين (1) وهذا القول مخالف لما سبق بيانه من أنَّ العيان طريق من طرق إثبات الولاية ولقد ذكر المصعبي أنه وجد في بعض كتب الإباضية أنَّ من شوهدت عليه أمارة الإسلام كالغسل من الجنابة عقدت له الولاية ودفعت له الزّكاة ولا يخفى أنَّ ظهور الموافقة في القول والعمل كاف للحكم بالولاية ولا حاجة إلى السؤال والبحث عن الأحوال ما دامت قد ظهرت بعض علامات الإسلام ولم يصدر من الشخص ما يوجب البراءة.
هـ ـ وقوف الإشكال (2):
وهو الإمساك عن الولاية أو البراءة فيمن لا يدري هل هو محق أو مبطل لإشكال طارئ ومحله في وليين تلاعنا أو تشاتما أو تقاتلا ولم يعلم عن
(4)
أمرهما شيء (3). أو ولي أحدث حدثا لم يعلم هل هو محق فيه أم مبطل والإباضية مختلفون أيضا في هذا القسم من الوقوف سواء في ذلك أهل المشرق أم أهل المغرب.
والسبب الرئيسي لبحث هذه المسألة يرجع في أصله إلى قضية الحارث وعبد الجبار اللذين وجدا قتيلين وسيف كل منهما في جنّة الآخر (ه).
(1) انظر الكدمي: الجامع المفيد 24/ 1. (2) لاحظ السالمي أنَّ هذا القسم يمكن أن يندرج في القسم الثاني وهو وقوف الرأي لأنه نوع من أنواعه انظر كتابه مشارق أنوار العقول 371.
(3) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول 371. (4) انظر السالمي: مشارق أنوار العقول 363. (0) وقعت الحادثة في طرابلس سنة 131 هـ. ويذكر اطفيش أنه وجد في بعض كتب التاريخ أن عبد الرحمن بن حبيب بن عبيدة بن نافع هو الذي قتلهما وإذا ثبت ذلك انتفت عنهما
شبهة القتل أصلا انظر كتابه شرح عقيدة التوحيد 151. (1/261)
صفحة 260
262
قسم الدراسة
فقد ذهب النكار وتابعهم على ذلك ابن الحسين إلى وجوب الوقوف فيهما لاشتباه أمرهما وعدم معرفة المحق من المبطل محتجين بوقوف النبي صلى الله عليه وسلم في عائشة وذلك في حادثة الإفك في الفترة التي بين الإفك وبين نزول القرآن في تبرئة ساحتها كما استدلوا بقوله تعالى: {وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم} [الإسراء: 36] وبمسألة الشّاة الميّتة المخلوطة بالمذبوحة والإناء المنجوسة مع الإناء الطاهرة وقالوا إنّ مذهب الإباضية المبني على الأخذ بالأحوط يوجب علينا الوقوف في كل من اشتبه أمره.
وخالفهم في ذلك الوهبية محتجين بأنَّ الولاية يقين لا يزيلها إلّا اليقين مثله. وإذا كانت كذلك فإنّها لا ينبغي أن تترك لشك طارئ إذ اليقين لا يدفع بالشك) ولقد استدل امحمد اطفيش على ذلك بالقوب إذا شك في نجاسته فإنه يصلي به بناء على أنَّ أصله الطهارة. وقاس على ذلك قضية الحارث وعبد الجبار وأثبت أن حكمهما أيضًا الإبقاء على الأصل فقال: «قلت الصواب إبقاؤهما على ولايتهما استصحابا للأصل حتى يدلّ الدليل على ما يبطله كسائر الأمور التي حدث فيها الشك تبقى على أصلها ... ففي الوقوف فيهما رجوع عن العلم» (3).
كما استدل بإبقاء الولاية لمن أنّهم بكبيرة ولم تثبت له هذه التهمة إلا على سبيل الشّك (4) مبينا التشابه بين هذه الحالة ومسألة الحارث وعبد الجبار (ه)
(1) انظر المصعبي: حاشية على الديانات،28، 95 96، الجيطالي: قواعد الإسلام 94/ 1، 95، السالمي مشارق أنوار العقول: 363. (2) انظر الجيطالي: قواعد الإسلام 24/ 1 وانظر ابن يخلف: التحف 38، 39، والسوفي: السؤالات 46 رسالة الفرق 53، الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 2، 164/ 3، 166. (3) اطفيش كشف الكرب 104/ 1. (4) ذلك أن النّكار أيضا يقطعون بوجوب إبقائه على الولاية حتى يزول الشك انظر ن. م.
(5) انظر ن م. (1/262)
صفحة 261
-
-
كتاب التحف المخزونة
263
والملاحظ أنَّ الوهبية لم يكتفوا بعرض هذه الحجج على نفي الوقوف في مثل هذه الحالات وإنّما اعتنوا أيضا بمناقشة النّكار فيما استدلوا به من عدة وجوه:
-
أما استنادهم إلى موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من عائشة في حادثة الإفك فقد ناقشهم فيه الوارجلاني مؤكّدًا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقف فيها قط ولم يصدر عنه أي أمر يدلّ على ذلك بل أبقاها على ولايتها) والذي يعضد كلام الوارجلاني هو ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من يعذرني من
رجل بلغني أذاه في أهلي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا .... وأما استدلالهم بقوله تعالى: {وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم} [الإسراء: 36] فإنّ أبا خزر قد أثبت أن الآية حجّة عليهم لا لهم ذلك أنها وردت في التعلق بالشبهات ومعنى ذلك أنَّ النهي عن كان من في الولاية فإنّه لا يخرج منها إلا بيقين (3).
وأما احتجاجهم بالشّاة الميّتة المخلوطة بالمذبوحة فقد ردّه أيضا أبو خزر مبينا بطلان القياس ذلك أنَّ المسألة المذكورة هي مما يسع تركه
بينما الولاية والبراءة لا.
يسع
تركهما.
فالقياس إذن ممتنع لأنه من باب قياس المضيق على الموسع) ولا يخفى أنَّ ترك الأكل من الشّاة المشتبه أمرها لا يترتب عليه إثم بخلاف ترك الولاية على غير أساس من اليقين فإنّه أمر خطير ومن هذه الزاوية كان
القياس مردودا.
(1) انظر الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 2، 316/ 3.
(2) انظر سيد قطب في ظلال القرآن 2496/ 4 ط. دار الشروق 1405 هـ /1985 م. (3) انظر أبو خزر: الرّدّ على جميع المخالفين: 18.
(4) انظر ن. م: 16. (1/263)
صفحة 262
264
قسم الدراسة
هذا بالنسبة للمغاربة أمّا المشارقة فلهم في المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: الإبقاء على الولاية حتى يعلم الظالم وهو مذهب موسى بن علي وشبيب بن عطية (3) والكدمي والسّيابي والسالمي والحجة في ذلك أنَّ الولاية يقين لا يزيلها إلا يقين مثله (3).
(1)
القول الثاني: الوقوف لما في المسألة من إشكال ذلك لأنَّ ترك الحكم في أمر مشتبه فيه أسلم وهو قول محمد بن محبوب وهاشم بن غيلان فيما رواه عن أشياخه وأبي المنذر وبشير بن محمد بن محبوب
(4)
القول الثالث: البراءة من الفاعل وذلك بالنّسبة لمن قتل أحدا ولم يدر هل كان قتله له ظلما أم لعذر والحجّة في ذلك أنَّ دماء المسلمين محرّمة والاعتداء عليها حرام حتى يتبيّن أن سفكها حلال وإذا كان الأرش والقصاص ثابتين حتى تصح بيّنة أو تقوم حجّة على ما ادعى القاتل من إباحة سفك الدم إذا كان الأمر كذلك فإنّ القاتل مستحق للبراءة حتى يقيم
الحجة على أنه قاتل بحق وينسب هذا القول إلى موسى بن أبي جابر).
(1) هو موسى بن علي بن الحصين العزري ابن بنت موسى بن أبي جابر كان قاضيا للإمام مهنا بن جيفر (226 - 237 هـ) قام بأمر الإمام عبد الملك الطويل (207 ـ 226 هـ) لما ضعف وأسن ولم يستحل عزله حتى مات. توفي سنة 230 هـ له من المؤلفات كتاب الجامع في الفقه - خ - وهو في مجلدين. انظر الحارثي: العقود الفضية: 254. (2) عماني. كان بمنزلة إمام هو ومحمد بن أبي عفان وذلك خلال تبعيّة عُمان للعباسين من 134 إلى 179 هـ. ولمّا أساء السيرة عزل وقدم محمّد بن أبي عفان انظر الحارثي: العقود القضية: 253. (3) انظر الشقصي: منهج الطالبين 15/ 2، 16 وانظر السيابي: فصل الخطاب 12/ 1، السالمي: مشارق أنوار العقول 363، الكدمي الاستقامة 232/ 1، المعتبر 72/ 2، 73. (4) انظر الكدمي: الاسقامة،232/ 1، المعتبر 72/ 2 73، ابن جعفر الجامع 234/ 1 وبشير بن محبوب هو من علماء القرن الثالث في عُمان له من الكتب الخزانة في 70 جزءا «حدوث العالم» «البستان في الأصول، عاش في عهد الإمام الصلت بن مالك (237 - 272 هـ) انظر الحارثي: العقود الفضية 255، 256. (5) انظر الشقصي: منهج الطالبين 15/ 2، 16 وانظر السالمي: المشارق 363. (1/264)
صفحة 263
كتاب التحف المخزونة
265
كما روى هاشم بن غيلان عن أشياخه أنّهم كانوا يأمرون بالوقوف في مثل هذه الأحوال حتى يتبين الحق).
ولما تباينت مواقف علماء أهل المشرق وأحسّوا بأسباب الفرقة والخلاف سارع البعض منهم إلى العدول عن رأيه جمعا للكلمة فتابع شبيب موسى بن أبي جابر (2) وقال هذا رأي إخوانكم. من أهل العراق فسانده هاشم بن غيلان
(2)
(r)
قائلا وأنا أقول بقول موسى والمتأمل في الموضوع يرى أنَّ الإبقاء على الولاية في مثل هذه الحالات هو الأحق لأنَّ الجريمة ولئن كانت ثابتة على وجه الإجمال فإنّها لم تتحقق من أحد المتقاتلين (أو) ما شكل ذلك على وجه التعيين فإذا نظرنا إلى كلّ واحد منهما على حدة حكمنا عليه بالولاية لأنَّ الأصل فيه أنه يبرأ من الجريمة حتى تثبت نسبتها إليه أمّا الشّبهة والشك فغير كافيين لإخراجه من الولاية وبراءة الجملة تجزي في ذلك وترفع عن الإنسان التكليف.
هذا بالنسبة للمتقاتلين والمتلاعنين والمتشاتمين أما من فعل فعلا لا يدرى هل هو حلال أم حرام كبيرة أم صغيرة، محق فيه أو مبطل ففي كلّ هذه الحالات ينبغي إبقاؤه على الولاية. مع اعتقاد وجوب إحقاق الحق وإبطال الباطل عند الكشف عن الحقيقة.
على أنه يلزم في كل الحالات المذكورة سابقا البراءة من الفعل المحدث
واعتقاد بطلانه واستحقاق فاعله البراءة وذلك عند ثبوت البطلان.
(1) انظر البشري مكنون الخزائن 219 220 لكنّهم كانوا يأمرون بوقوف السؤال. (2) هو موسى بن أبي جابر الأزكوي أحد حملة العلم إلى عُمان. كان قائما بأمر الإمام الوارث بن كعب الخروصي (179 - 192 هـ. توفّي سنة 182 هـ وقد عاش 94 سنة. انظر
الحارثي: العقود الفضية: 253.
(3) انظر الشقصي: منهج الطالبين 129/ 2. (1/265)
صفحة 264
266
قسم الدراسة
الأطفال
لقد تبين مما سبق أنَّ الموفّي بالدين هو من أهل الولاية وأنَّ المخل بشيء منه، إخلالا يترتب عليه الكفر هو في البراءة بينما مجهول الحال هو في الوقوف حتى تعلم حقيقته هذا بالنسبة للمكلّف أمّا من كان دون سن البلوغ فإنّ بعضا من العلماء يعدّه تابعا لأبويه في الحكم، إن كانا مسلمين تولّي وإن كانا كافرين تبرئ منه، والبعض الآخر يقف فيه بقطع النظر عن والديه على أساس أنه لم تصدر منه أفعال توصف بالخير أو الشر وطائفة أخرى تتولاه سواء أكان أبواه مسلمين أم كافرين وبما أنَّ المسألة مختلف فيها فإنّ المقام يقتضي منا عرض موقف العلماء من أطفال المسلمين أولا ثمّ مواقفهم من أطفال الكافرين ثانيا وبقية الأطفال ثالثًا.
1) أطفال المسلمين: اتفقت الأمة) على أنَّ أطفال المسلمين في الولاية فهم تابعون لآبائهم في الحكم والدليل على ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَنْهُمْ ذُرِّيَّهُم بِإِيمَنِ الحقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَنَتَهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ... ) [الور: 21] وقوله صلى الله عليه وسلم لولده: تمام رضاعك في الجنّة» (2). ولذلك قال علماء الإباضية بوجوب ولاية المرء لأطفاله وعدوا البراءة منهم أو الوقوف فيهم كفرا غير شرك (3) يقول أبو الربيع سليمان بن يخلف:
«وولاية المرء لنفسه واجبة وولاية أطفاله عليه أيضا واجبة» (4).
(1) باستثناء فرقة من النكار وسنشير إلى مواقفهم من القضيّة فيما يلي انظر ص 259. (2) انظر الشوفي السؤالات 240، قاسم الشّمّاخي: شرح اللّؤلؤة 327 والحديث أخرجه أحمد
في مسنده 304/ 40.
(3) انظر السوفي: السؤالات 240.
(4) ابن يخلف: التحف 7 وانظر الفرسطائي: مسائل التوحيد: 7. (1/266)
صفحة 265
كتاب التحف المخزونة
267
ولقد حدد الجيطالي الأوجه التي تحصل بها ولاية أطفال المتولّى فحصرها
في أربعة أوجه:
أ - المعرفة بأنهم ولدوا على فراش أبيهم.
ب ـ إقرار الأب بأنه ابنه (1).
ج - شهادة الأمناء بأن لفلان ابن حتي أو ميت.
->
شهادة أهل الجملة وهؤلاء يثبت بهم النسب ويتولّى بهم الأطفال)
2 أطفال المشركين
يقول الشهرستاني: «وتوقفوا أي (الإباضية في أطفال المشركين وجوزوا تعذيبهم على سبيل الانتقام وأجازوا أن يدخلوا الجنّة تفضلا (3).
ومعنى
ذلك
أن الأصل فيهم عند الإباضية هو الوقوف والأمر مفوّض إلى الله إن شاء أدخلهم النّار وإن شاء تفضّل عليهم بالجنّة. والمتتبع لمصادر الإباضية قديمًا وحديثًا يجد أنَّ القائل بذلك جمهور المغاربة بينما جمهور المشارقة يتبنون موقف الولاية لجميع الأطفال بقطع النظر عن آبائهم (4) والسبب في الاختلاف هو تعارض الأدلة فقد ورد أن خديجة نا سألت الرسول صلى الله عليه وسلم عن أولادها منه فقال في الجنّة وسألت عن أولادها
(4)
هم
(1) وقيل حتى يكون معه أمين وقيل أمينان لأنه مدع راجع الجيطالي: قواعد الإسلام 61/ 1. (2) انظر الجيطالي: قواعد الإسلام 61/ 1. (3) الشهرستاني: الملل والنحل 181/ 1.
(4) وهو مذهب بعض النكار من الإباضية المغاربة (انظر المحشي: حاشية الوضع 108 ويشير إلى أن هذا القول هو مذهب المرجئة أيضا أمّا بقيّة النّكّار فيرون أن جميع ا الأطفال في الوقوف بقطع النظر عن آبائهم (انظر السوفي: السؤالات،240 اطفيش: شرح عقيدة التوحيد 157) والجميع مجرد ناقل عن النكار. (1/267)
صفحة 266
268
قسم الدراسة
من غيره فقال هم في النّار) وفي رواية: «لو شئت لأسمعتك تغاضيهم
في النار» (2).
وروي خبر آخر مناقض لهاتين الروايتين جاء فيه أنهم في الجنّة» (3). فجمهور المغاربة لما أعوزهم الترجيح بين الروايات مالوا إلى الوقوف يقول أبو الربيع سليمان بن يخلف وأطفال الكافرين وأهل الجملة وجميع
(4)
من ليس من أهل الولاية فالكف عنهم (4) الحجّة فيما ذهبوا إليه هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (). ثمّ إنّ الله تعالى لم ينزل في شأنهم حكما كما أنزله في أطفال المسلمين (6).
ولقد وافق الشقصي المغاربة في ذلك فقال: ونحن رأينا الوقوف لاختلاف الخبرين وأمرهم إلى الله تعالى وقولنا فيهم قول المسلمين والله متولّي الحكم فيهم فإن شاء عذبهم وإن شاء رحمهم ويسعنا جهل ذلك والوقوف عنه حتى يصح معنا علمه ... » (7).
(1) ذكره امحمد اطفيش في شامل الأصل والفرع 67/ 1. ولم نعثر عليه في المعجم المفهرس
لألفاظ الحديث.
(2) أخرجه أحمد بن حنبل 208/ 6.
(3) جاء في حديث طويل ... وأمّا الولدان الذان حوله حول الرجل الطويل الذي في الروضة وهو إبراهيم) فكل مولود مات على الفطرة قال فقال بعض المسلمين يا رسول الله وأولاد المشركين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولاد المسلمين ... » البخاري كتاب التعبير باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح.
(4) ابن يخلف: التحف 6 وانظر ابن جميع: عقيدة التوحيد: 7، عمرو التلاتي: نخبة المتين 152، الجيطالي قواعد الإسلام 61/ 1.
م.
(0) خ. قدر. 3، جنائز 93. 253/ 244/2 وغيرها.
حم.
قدر،23، 24، 26، 27، 28 د. سنة.17. ن. جنائز 60. ط. جنائز 53.
(6) انظر: الجيطالي: قواعد الإسلام،60/ 1، قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 327.
(7) الشقصي: منهج الطالبين 169/ 2. (1/268)
صفحة 267
كتاب التحف المخزونة
وأمّا
269
جمهور المشارقة فقد احتجوا على ولايتهم لأطفال المشركين بقوله تعالى: {وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 10] وقوله لَا يَصْلَنَهَا إِلَّا الْأَشْقَى (الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى) [البل: 15، 16) وقوله: {وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كفرين) (الأنعام: 130).
فهذه الآيات دالة على أنَّ الله لا يعذب أحدا إلا على عمل السوء وهؤلاء لم تصدر منهم أفعال يستحقون عليها العقاب لأنهم غير مكلفين بل الأصل فيهم أنهم على الفطرة حتى يبلغوا الحلم فيتحملون مسؤولية اختيارهم للكفر أو الإيمان وفي الحديث الشريف: «يولد المولود على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (2).
(r),
ولقد وافق امحمد اطفيش المشارقة في ولاية الأطفال جميعًا فقال: «قلت هذا (أي الوقوف فيهم قول مشهور والذي أقول به إنهم في الجنّة والله يمنّ بالرحمة ولا يظلمهم بذنوب آبائهم (3) كما ردّ رواية جاء فيها أنه يوقد لأطفال المشركين نار فيؤمرون باقتحامها فمن اقتحمها لم تضره النار شيئًا وصار منها إلى الجنة ومن لم يقتحمها عصى ربّه ودخل النار واحتج على عدم صحة هذه الرواية بأن الآخرة ليست دار تكليف وبقوله صلى الله عليه وسلم إنهم في الجنة خدم لأهلها (ه)
(4)
(1) انظر الكدمي: المعتبر 48/ 1 - 56، السالمي: مشارق أنوار العقول 144. (2) ولئن كان للآباء دور في التربية والتوجيه نحو الخير أو الشر كما يدل عليه الحديث فإنّ المسؤولية لا تثبت إلا بعد سن التكليف والحديث. خ جنائز 80، 93، تفسير سورة 30،
قدر 3 ـ م قدر 22 - 25 د سنة 17. ت. قدر ه ط. جنائز 52. حم. . 233/ 2 وغيرهما. (3) اطفيش: كشف الكرب 104/ 1 وانظر كتابه الذهب الخالص 40. (4) انظر البغدادي: أصول الدين 261 ولقد رأى أن هذا الحديث يرفع التعارض بين الروايات الواردة في هذه المسألة باعتبار أن مقتحمي النار هم خدم أهل الجنة والآخرون هم الذين
روي تضاغيهم.
غير أنه لم يقطع بذلك. (5) انظر اطفيش: الذهب الخالص 40. (1/269)
صفحة 268
270
قسم الدراسة
أطفال
وبين أن هؤلاء الخدم هم المرادون باللّاهين في قوله: «سألت ربي في اللاهين فأعطانيهم خدمًا لأهل الجنّة ونفى أن يكون المقصود بهم المسلمين لأنهم في درجة آبائهم فضلا من الله لتقرّ بهم أعينهم وهم من ملوك الجنّة لا من خدمها (1) أما قوله صلى الله عليه وسلم لخديجة: «إنّ أولادك من غيري في النار» وقوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين» فقد حملهما على النسخ).
ما دامت الأخبار أحاديّة ومتعارضة فإنّه يسوغ لنا أن نعرض عنها صفحا ونكتفي بالاحتجاج بالقرآن الكريم الذي تدل عموم نصوصه على أن المسؤولية والجزاء لا يكونان إلا بالتكليف.
3) أولاد المرتد:
يقول أبو الربيع سليمان بن يخلف: «ومن ارتد إلى الشرك وهو من أهل الولاية فأولاده في منزلتهم الأولى من الولاية فإن رجع إلى النّفاق فالكف عن أولاده الأطفال (3).
أما التوفي فقد ذهب إلى ولايتهم حتى البلوغ وروى قولا بالوقوف فيهم. والمتأمل في موقف أبي الربيع من أطفال المرتد لا يجد له مبررا ذلك أنَّ مذهبه في أطفال المشركين هو الوقوف والردّة انتقال من التوحيد إلى الشرك فعلى سياق مذهبه ينبغي أن يتحوّل أطفال المرتد إلى الوقوف.
(1) انظر اطفيش: شرح عقيدة التوحيد 157. (2) انظر اطفيش: شامل الأصل والفرع 67/ 1. والملاحظ أن حمل الحديثين على النسخ يتعارض
مع قول الإباضية بمنع النسخ في الأخبار.
(3) ابن يخلف: التحف 7 وانظر الجيطالي: قواعد الإسلام 61/ 1.
(4) انظر الشوفي السؤالات 259. (1/270)
صفحة 269
كتاب التحف المخزونة
271
والعجيب في قوله هذا إنّ أطفال المرتدّ في الولاية بينما أطفال أهل النفاق في الوقوف ولا ريب أنّ الرّدّة أعظم وأشنع من النفاق) بلا خلاف
في
ذلك.
(4) ولاية الطفل إذا أسلم أحد أبويه (2)
ولقد عرض الكدمي الخلاف في المسألة مبينا أنَّ بعض الآباء يختلف حكمهم لكنّه رجّح التسوية بين الأب والأم معللا ذلك بأن أحكام الولاية والإيمان تختلف عن أحكام النفقات والأموال والمصالح الدنيوية (3).
ه حكم الأطفال إذا بلغوا:
لقد ذهب الجيطالي إلى أنَّ الطفل عند بلوغه ينظر فيه فإن ظهر منه الوفاء أبقي على منزلته الأولى من الولاية وإن علم منه كفر تبرئ منه وإن لم يعلم منه وفاء ولا غيره توقف فيه (4).
والمسألة قد طرحت قبل الجيطالي، فالدّرجيني يورد ثلاث مسائل سألها محمد بن بكر أبا نوح أولاها هذه المسألة فقال: «إن أنست منه خيرا تولّيته وإن لم تأنس منه خيرا أمسكت عن ولايته وحينئذ أشكل هذا الجواب على السائل ورأى مشابهته لقول النكار في الحارث وعبد الجبار غير أن أبا نوح رفع هذا الإشكال بتوضيح الفرق بين المسألتين ذلك أنَّ هذا الطفل كان متولّى بولاية أبويه فلما بلغ زال عنه حكمهما بينما النكار أزلوا الولاية بغير موجب يقيني (5).
(1) لأن المقصود بالنّفاق هنا المخالفة في المذهب.
(2) انظر ابن يخلف التحف: 6، الجيطالي: قواعد الأسلام 61/ 1، الشقصي: منهج الطالبين 163/ 2.
(3) انظر الكدمي: المعتبر 22/ 2، 23.
(4) انظر الجيطالي: قواعد الإسلام 61/ 1. (5) انظر الدرجيني: طبقات المشائخ 153/ 1. (1/271)
صفحة 270
272
قسم الدراسة
أما الشماخي فقد دعا إلى اختبار الصبي عند بلوغه فإن أظهر الوفاء أبقي على ولايته وإلا تبرئ منه).
وأمّا امحمد اطفيش فقد ذهب إلى أن ولايته تنتقل إلى الوقوف لأنها ليست بالذات بل بالتبع) فإذا أتى بالجمل الثلاث تولّى بالذات حتى يرى منه موجب البراءة (3).
والناظر في واقع حياة النّاس يدرك أنَّ من عاش في أحضان أسرة مسلمة فإنّه لا محالة سينشأ تنشئة إسلامية يكون لها الأثر في اعتقاده وسلوكه بعد بلوغه ولذلك لا حاجة لمثل هذا الطفل إلى أن يوقف فيه أو تختبر أقواله وأفعاله خاصة وأنه قد لقن الشهادتين وكثيرا من أحكام الإسلام قبل البلوغ
وبناء على ذلك فإنّه يبقى على ولايته حتى يظهر منه ما يوجب البراءة. من عاش في بيئة كافرة فإنّه بمجرّد بلوغه يدعى إلى الإسلام فإن استجاب ظلّ على ولايته السابقة وإن أبى تبرئ منه.
أما
وخلاصة القول في الأطفال أنَّ أرجح الآراء هو أنهم جميعا في الولاية بقطع النظر عن الآباء والأمهات وهم براء مما فعل آباؤهم من شر قال تعالى: كل نفيس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةُ) [المدثر: 38) فمن كفر منهم بعد البلوغ أو أخل بشيء
من الدين استحق البراءة ما لم يتب.
(1) انظر: الشماخي: السير 284. (2) انظر اطفيش: شرح عقيدة التوحيد 148. (3) انظر اطفيش: شامل الأصل والفرع 67/ 1. (1/272)
صفحة 271
كتاب التحف المخزونة
273
اللوحة التسالي
تطوّر مبحث الولاية والبراءة
تمهيد: الولاية والبراءة قبل الإسلام
كان العرب يعيشون على شكل قبائل متناحرة يأكل القوي منهم الضعيف وتندلع الحروب بينهم لأتفه الأسباب وحينئذ يتكتل أفراد كل قبيلة فيتضامنون فيما بينهم لينصر قويّهم ضعيفهم بقطع النظر عن كونه ظالما أو مظلومًا. قال أحد الشعراء
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا). وهذا في حد ذاته يعد تطبيقا عمليا واضحًا للولاية باعتبارها النصرة والمؤازرة والتآخي.
وكان من عادة العرب، إذا خالف أحدهم تقاليد القبيلة أو عقائدها أو أساء التصرّف كأن يقتل أحدا من أفراد القبيلة أو من قبيلة بينهم وبينها عهد، أنهم يبرؤون منه فيطردونه من مجالسهم ويقاطعونه ويشهرون ذلك. هذا ومن المنطلق كانت مقاطعة قريش لبني هاشم عندما ناصروا الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم وأبوا تسليمه إليهم فما كان منهم إلا أن حاصروهم حصارا اقتصاديًا شديدًا فمنعوا عنهم الطعام والشراب وحرموا مناكحتهم وربط أي صلة بهم" ولا شك أنَّ هذا من أقسى مظاهر تطبيق البراءة.
(1) انظر أبو تمام ديوان الحماسة.9/ 1 وانظر على سبيل المثال حرب البسوس أسبابها ونتائجها. (2) انظر تفاصيل ذلك في سيرة ابن هشام تح مصطفى السقا 350/ 1. (1/273)
صفحة 272
274
قسم الدراسة
الولاية والبراءة في صدر الإسلام
أ ـ زمن الرسول صلى الله عليه وسلم
يعني
إذا كان أهل الجاهلية قد طبقوا نظام الولاية والبراءة بصفة فعلية فهل ذلك أنَّ المسلمين اقتبسوا ذلك من البيئة الجاهلية؟ وهل يسوع القول إن الأساس الذي تطوّر عنه مبدأ البراءة هو معاملة القبائل العربية المنبوذين. لا ريب أن المسلمين مجمعون على أنَّ الإسلام منهج عقدي وتشريعي مستقل) يستقي أحكامه الله من بواسطة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. غير أن الذي يدعو إلى وضع هذين السؤالين في مطلع هذا المبحث هو ما احتمله عوض من أن أصل نظام البراءة ما وجد في العصر الجاهلي فقد قال: أن معاملة القبائل العربية لأفرادها المنبوذين كانت الأساس الذي تطوّر عنه هذا المبدأ الذي عرف بالبراءة» (2).
خليفات
ويبدو
ما
والظاهر أنَّ المؤلّف يريد أن يعبّر بذلك عن إقرار الإسلام لهذا المبدإ وتركيزه في المجتمع شأنه في ذلك شأن كثير من القيم الأخلاقية التي وجدت في الجاهلية فأقرها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «بعثت لأتمم حسن الأخلاق» (3) غير أنَّ الفرق واضح بين ما كان موجودا في الجاهلية جاء به الإسلام من حيث الاختلاف في الأساس الذي يقوم عليه مبدأ الولاية والبراءة ذلك أنهما كانتا قائمتين على أساس القبيلة بخلاف الإسلام بما جاء نقض ذلك وأقامهما على أساس العقيدة الصحيحة منددا بالعصبية القبلية أو
وبين
(1) نعم إن الإسلام يتفق مع الشرائع السماوية السابقة في أصول العقيدة لكنه يختلف عنها في
الفروع.
مجمع
(2) عوض خليفات مجلّة اللغة العربية الأردني عدد 5، 6 سنة 1979 ص 5 استوحى الفكرة من كتاب «الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي»: 89 ـ 102. (3) أخرجه مالك بن أنس في الموطأ كتاب الجامع ما جاء في حسن الخلق.
145 وقد (1/274)
صفحة 273
كتاب التحف المخزونة
275
الإقليمية أو غيرها من الروابط ومركزا في الأذهان أنَّ الأخوة الدينية أوثق من الأخوة النسبية وقد جاء القرآن موجبًا لعداوة الكافرين ولو كانوا أقرب الناس إلينا نسبا قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حاد اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أوليك كتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحِ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّتِ تجري من تحيهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَبِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (المجادلة: (22).
ولقد طبّق الرّسول صلى الله عليه وسلم الولاية والبراءة عملا بالآيات والأحاديث المحرّضة على ولاية المؤمنين والبراءة من الكافرين والنصوص الداعية إلى
(1)
وجوب التوادد والتحابب بين المسلمين ولذلك سارع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار بمجرد الوصول إلى المدينة ولما دعاهم إلى التآزر والتوادد امتثلوا لأمره إلى حدّ اقتسام الدور والزوجات" كما أنه كان يقاطع كل من أحدث في الإسلام أمرا أو قصر في أداء واجب كما وقع بالنسبة لثعلبة وللثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك.
أما ثعلبة فقد كان رجلًا تقيّا ملازما للجماعة لكنّه طلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أو يدعو الله له أن يرزقه ثروة طائلة فلمّا استجاب الله لدعاء رسوله اغتر
ثعلبة بماله وقاطع الجماعة وامتنع عن فريضة الزكاة وحينئذ نزل فيه قوله تعالى: {وَمِنْهُم مَّنْ عَنهَدَ اللهَ لَاتَنَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ، فَلَمَّا اتَنهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُم مُّعْرِضُونَ. فَأَعْقَبَهُمْ
(1) انظر ما سبق ص 199 عنصر حكم الولاية والبراءة. (2) انظر محمد بن سعد كتاب الطبقات الكبير مج 1: 1/ 2 ط ليدن 1322 هـ نشر طهران. وانظر تفسير ابن كثير لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُ والدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِ ... ) [الحشر: 1]. فقد وردت
عدة نصوص من البخاري وأحمد في تعاطف الأنصار مع المهاجرين ج 4 ص 337. (1/275)
صفحة 274
276
قسم الدراسة
نفاقا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) [التوبة: 75 - 77] وبعد نزول الآيات الكريمة أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد تسليم الزكاة فردّ عليه صدقته وأخذ يحثي على رأسه التراب) وفي هذا الموقف دلالة واضحة على براءة الرسول صلى الله عليه وسلم منه ومن صنيعه.
وأما في يتعلّق بحادثة الثلاثة الذين خلّفوا (2) فلم تقبل توبتهم إلا بعد
خمسين يوما.
ولما عاد الرسول الله إلى المدينة - بعد انتهاء الغزوة - قصد المسجد فجاءه المتخلفون (وهم بضعة وثمانون رجلا يعتذرون له فقبل اعتذارهم موكلا سرائرهم إلى الله إلا هؤلاء الثلاثة فقد ردّهم وامتنع عن ردّ السلام عليهم وأمر بمقاطعتهم ومنع مجالستهم ومحادثتهم بل بلغ بهم الحد إلى أن أمرهم بعزل نسائهم فضاقت عليهم الأرض بما رحبت واشتد قلقهم وجزعهم فلازم بعضهم البيوت طيلة هذه المدة (3) وقد خافوا على أنفسهم أن يموتوا على هذه الحالة لكنّ الله برحمته وعلمه بصدق نواياهم وتوبتهم قال تعالى:
مالك
(1) انظر: الطبري: جامع البيان (ط. 3. بيروت 1978 م، 1398 هـ) ج 10 ص 130، 131. (2) وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية وكلّهم من الأنصار. يروي كعب بن عن نفسه أنه تخلّف عن غزوة تبوك تكاسلاً بسبب ميله إلى القمار حين نضجت ولما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رجل حبسه برداه والنظر في عطفيه فقال معاذ بن جبل بئسما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وانظر تفسير القاسمي ج 8 ص 3289.
سأل عنه
(3) أما كعب بن مالك فلم ينقطع عن صلاة الجماعة رغم هجر جميع. المسلمين له وكان يتعمّد الصلاة بجانب الرّسول صلى الله عليه وسلم فكان يسارقه النظر فإذا أقبل على صلاته نظر إليه وإذا التفت نحوه أعرض عنه. انظر تفسير القاسمي ج 8 ص 3291 ولقد ثبت كعب على مبدإ الإسلام أثناء البراءة رغم إرسال ملك غسان إليه أن الحق بنا بعد أن هجرك أصحابك نواسك إن الله لم يجعلك بدار هوان ولا مضيعة لكنّه أحرق الرّسالة ولم يعبأ بها، فكان له بعد فصل، قبول التوبة. انظر نفس المصدر والصفحة. (1/276)
صفحة 275
كتاب التحف المخزونة
277
وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [التوبة: 118]. ولما نزلت هذه الآية تولاهم المسلمون
وهنأوهم أيما تهنئة وقربوهم إليهم فصاروا أحباء لهم أعزاء عليهم".
لا محالة أن دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى موالاة بعضهم بعضا ومعاداة المخالفين لنهج الله تهدف إلى تكوين شخصية الجماعة الإسلامية (2) والمحافظة على وحدتها وسلامتها من كلّ مظاهر الانحلال والتخلّي عن تعاليم الشريعة.
ومن المعلوم أن الموقف الصلب الذي وقفه الرسول صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الثلاثة لا يقصد به مجرد التنكيل بهم وإنّما أريد بذلك تربية الأمة المسلمة حتى لا يتجرأ واحد منها على مخالفة أحكام الشريعة (3).
ب - زمن الصحابة والتابعين
لقد وردت آثار كثيرة عن الصحابة والتابعين تدلّ على تبنيهم لمبدأي
الولاية والبراءة وتطبيقهم لهما.
الخطاب مثلا فعمر بن
يروى عنه أنه قال: «من علمنا فيه خيرًا قلنا فيه
خيرًا وظننا فيه خيرًا ومن علمنا منه شرًا قلنا فيه شرًا وظننا فيه شرا» (4).
(1) وقد استنتج المفسرون من الآية جواز هجران أهل المعاصي حتى يتوبوا. انظر القرطبي: التفسير 278/ 8. وانظر تفسير القاسمي: 3294/ 8. كما أشار محمد عبده في تفسيره إلى أن الإمام أحمد كان لا يبكيه شيء في القرآن أكثر من هذه القصة. انظر تفسير المنار: 71/ 11. (2) انظر: أبو الحسن شحاته الولاية والبراءة 16، 17.
(3) قال الجبائي: أراد الله تشديد التكليف عليهم لئلا يتجرأ أحد على التخلف ونهيه صلى الله عليه وسلم عن كلامهم ليس عقوبة انظر تفسير الرازي: 219/ 16.
(4) انظر: الربيع بن حبيب الجامع الصحيح حديث رقم 700. (1/277)
صفحة 276
278
قسم الدراسة
كما يذكر عنه أنه عنف أبا موسى الأشعري حين استكتب نصرانيا قائلا: «لا تدنهم وقد أقصاهم الله ولا تكرمهم وقد أهانهم الله ولا تأمنهم
وقد خونهم
الله» (1).
كما يروى عن ابن مسعود أنّه قال: «اعتبروا الناس بإخوانهم» (2).
وعن أنس بن النظر - عمّ أنس بن مالك ـ أنه قال
أعتذر إليك مما صنع
يوم
أحد اللهم إني هؤلاء (يعني المسلمين وأبرأ إلى الله مما جاء به
هؤلاء (يعني المشركين) ولقد أسر أبو اليسر الأنصاري أخا لمصعب بن شد وثاقه فإن أمّه ذات مال لعلّها تفديه منك فقال له
عمير
فقال
مصعب:
أخوه أهذه وصاتك بي يا أخي فقال مصعب إنّه أخي دونك (3).
كما نقل عن ابن عبّاس قوله: «من أحبّ في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله فإنّما تنال ولاية الله بذلك ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن ت صلاته وصومه حتى يكون كذلك وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا ولا يجدي على أهله شيئًا.» (4).
كثرت
هذا بالنسبة للصحابة أمّا التابعون فقد رويت عنهم أيضا أخبار مماثلة منها أنَّ الحسن البصري كان يقول: لا تجالس صاحب بدعة فإنّه يمرض قلبك» (ه).
(1) انظر: أبو الحسن شحاته الولاية والبراءة 21 22 تلخيصا من بيان الشرع للكندي.
(2) انظر: ن. م. ص 21.
(3) انظر أبو الحسن شحاته: الولاية والبراءة: 19.
(4) انظر حلية الأولياء 312/ 1، ابن رجب الحنبلي: جامع العلوم والحكم 30. ط. 3. نقلا عن القحطاني: الولاء والبراء في الإسلام 41.
(5) انظر مجموعة التوحيد الرسالة 6 (رسالة محمد بن عبد الوهاب) ص 169. (1/278)
صفحة 277
كتاب التحف المخزونة
279
ويشير جابر بن زيد عند مناقشته للخوارج إلى مبدإ تحريم ولاية
أهل الحرب (1).
كما يذكر عنه أنه مرّ برجلين أمينين يلعنان رجلا آخر فقال لعن الله من لعنتما (2).
وفي رسالة عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان تصريح بالبراءة من ابن الأزرق وأتباعه وكلّ من برئ الله ورسوله منه مع وجوب ولاية من تولاه الله ورسوله (3). كما تروي كتب السير حادثة تبرهن على تطبيق الأوائل للولاية والبراءة ذلك أن قريبا بن مالك وأخاه زحافًا وآخر يسمى كعبا أسهموا في قتل مجموعة من الموالي بأمر من ابن زياد (4) ولما فعلوا ذلك تبرأ منهم الناس يقول الدرجيني: وكان أحدهم إذا تيمّم مجلسًا من مجالس المسلمين يستأذن فلا يأذن له ويخاطب بأقبح الكلام فيقف يبكي ما شاء الله ثم
ينصرف» (5).
ج - بعد عصر الصحابة والتابعين
لقد استمر العمل بأصلي الولاية والبراءة باعتبارهما فريضتين كسائر الفرائض والدارس لكتب السير يستطيع أن يتعرف على كثير من النماذج والأمثلة من ذلك أنَّ عبد الله بن إباض في رسالة إلى عبد الملك ابن
(1) انظر الدرجيني: طبقات المشائخ 209/ 2. (2) انظر. ن. م. 213/ 2.
(3) انظر سالم بن حمد الحارثي: العقود الفضية 129 - 136 فقد أورد نص الرسالة كاملا. (4) ذلك أن ابن زياد أخذ جماعة من الشّراة منهم العرب والموالي فأمر الموالي بقتل العرب فامتنعوا ولما أمر العرب بقتل الموالي فعلوا فخلّى سبيلهم. انظر الدرجيني: طبقات
المشائخ: 233/ 2، 234.
(5) انظر: ن.
234/ 2 •? (1/279)
صفحة 278
280
قسم الدراسة
في
مروان صرّح بولايته للمحكمة ولكلّ من والاهم ومعاداة كل من عاداهم كما أعلن عن براءته من ابن الأزرق وأتباعه بسبب فرض الخروج من البصرة وما يتصل بذلك من أحكام تبنّوها. كما أنَّ أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة أظهر ولايته لجعفر بن السماك (1) والحتات بن كاتب (2) لما قاتلا دفاعا الخوارج عن البصرة (3) كما أعلن براءته من جماعة بسبب محاججته مسألة المجوسي إذا دعاه من كان على دين عيسى ولم تبلغه الدعوة فقد حكموا بسلامة الدّاعي وكفر المجيب ولمّا برئ منها أبو عبيدة خرجوا منكسرين فأتوا حاجبًا (4) فقالوا أغثنا قد عجّل علينا بالبراءة إنما أردنا أن نستفهمه ولما أخبره بتوبتهم قال فليأتوا الربيع وعبد السلام بن عبد القدوس (0) فليخبراهما بتوبتهم ولما فعلوا أمر بهم فأدخلوا المجالس (6) وسئل أبو عبيدة عن الواقف وقوف الشك فقال هو. والسائل معذور (7).
منهم
ذلك
هالك
العامة
كما روى الدرجيني عن حاجب وأبي عبيدة أنّهما أعلنا البراءة من حمزة الكوفي وعطيّة والحارث بسبب قولهم في القدر وترويجهم بين يقول الدرجيني: «ثم قال (أي حاجب إنّ حمزة وعطية والحارث أحدثوا
(1) أما جعفر بن السماك فهو من طبقة التابعين كان أحد شيوخ أبي عبيدة وكان ممن وفد مع جماعة إلى عمر ابن عبد العزيز انظر الدرجيني: طبقات المشائخ 233/ 232/2، الشماخي:
السير: 74/ 1.
(2) لم نعثر له على ترجمة.
(3) انظر سالم بن حمد الحارثي: العقود الفضية: 140.
(4) هو أبو مودود حاجب الطائي من طبقة تابعي التابعين وكان لا يقول بوجوب الخروج على الظلمة انظر ترجمته الدرجيني: طبقات المشايخ 248/ 2 - 253، الشماخي: السير 84/ 1. (5) لم نعثر له على ترجمة.
(6) انظر الدرجيني: طبقات المشائخ: 242/ 2، الحارثي، العقود الفضية 143، 144. (7) انظر ابن جعفر الجامع 170/ 1. (1/280)
صفحة 279
كتاب التحف المخزونة
281
علينا أحداثًا فمن آواهم أو جالسهم فهو عندنا الخائن المتهم قال فتفرق الناس وطردوهم من المجالس ولم يقربهم أحد».
كما تبرأ ضمام بن السائب (2) من رجل من أهل خراسان بسبب براءته من رجل متولي (3).
(0)
ولقد خطب أبو حمزة الشاري (4) خطبتين مشهورتين إحداهما في مكة والأخرى في المدينة فكان ممّا قاله في خطبته المكية: «الناس منا ونحن منهم إلا عابد وثن وكفرة الكتاب وإمام جائر»). وفي خطبته بالمدينة يقول: «الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة حاكم بغير ما أنزل الله ومتبع له وراض بعمله). ومما تضمّنه عهد محبوب بن الرّحيل إلى طالب الحق الدّعوة إلى استتابة المذنب والاستماع إليه وقبول توبته والإنكار على المسارعة بإعلان البراءة كما حدد فيه بعضا من الذنوب التي لا تستوجب الكفر والخلع من الولاية (7).
وفي وصية حاجب الطائي لعبد الملك الطويل (8) الأمر بنصح المذنب واستتابته وبالرفق به ما دام الذنب بينه وبين الله أما إذا كان مشاغبا ومريدا بين المسلمين فقد دعا إلى كشفه وهجره وإبعاده من المجالس وتحذير
للفتنة
(1) انظر الدرجيني: طبقات المشائخ،242/ 2، الحارثي: العقود الفضية 143، 144. من علماء الطبقة الثالثة انظر ترجمته الدرجيني طبقات المشائخ 246/ 2 - 248.
(2)
(3)
انظر. ن.
م.
248/ 2
(4) هو المختار بن عوف الكندي من رجال الطبقة الثالثة انظر الدرجيني طبقات المشائخ
0262/ 2
(5) الدرجيني: طبقات المشائخ 267/ 2.
(6) الدرجيني: طبقات المشائخ 269/ 2.
(7) انظر. ن.
252/ 2، 253 •?
(8) عبد الملك الطويل (207، 226 هـ) من تلاميذ أبي عبيدة، القرن الثاني الهجري. (1/281)
صفحة 280
282
قسم الدراسة
(2)
يجب
اعتقاده
الناس منه (1) كما عد أبان بن وسيم ولاية الأشخاص ممّا والدينونة به (3) فهذه النصوص دالة على تبني الإباضية لمبدأي الولاية والبراءة وتطبيقهم لهما منذ عهد مبكّر ولقد سبق أن ذكرنا السبب التاريخي الذي جعل الإباضية سواء في المشرق أو في المغرب يهتمون بهذا الموضوع اهتماما خاصا حيث أن قضية الحارث وعبد الجبار والاشتباه في أمرهما وما ترتب على ذلك من الخلاف في حكمهما هي من أهم العوامل التي أدت إلى تطوّر البحث في هذه المسألة وكثرة الجدل إلى حد أن أبا عبيدة مسلما بن أبي كريمة وحاجبا الطائي كتبا إلى أهل المغرب بالكف عن هذه وذلك لما بلغهما من نزاع وشقاق خطيرين.
المسألة
كما أن قضيّة الصّلت مالك (4)
بن
وموسي بن موسي
(0)
وراشد بن النظر (1)
أدت إلى اختلاف شديد بين العلماء وجدل استمر طيلة قرن مما جعل أبا سعيد الكدمي يؤلف كتابا مستقلا في هذا الغرض (7).
(1) انظر: ن. م.
280/ 2 - 284
(2)
أبو ذر أبان بن وسيم النفوسي من علماء الطبقة الخامسة (200 ـ 250 هـ) هو
(3) انظر. ن. م 305.
(4) هو من
(0)
من
، أئمة عمان ولي الحكم ما بين 237، 272 هـ. حدثت في عهده محنة الانقسام إلى نزوانية ورستاقية بعمان. توفّي سنة 275 هـ. انظر الحارثي: العقود الفضية 255. علماء عُمان في القرن الثالث الهجري عاش أحداث الفتنة النزوانية والرستاقية. أدرك إمامة عزان بن تميم الخروصي (277) - (280 هـ) انظر الحارثي العقود الفضية: 256. (6) أحد أئمة عمان بايعه موسى بن موسى بن علي هو ومن معه بفرق (قرب نزوى) وذلك في حياة الإمام الصلت بن مالك. ولّي راشد الحكم ما بين 272 و 277 هـ. انظر: سيدة إسماعيل كاشف السير والجوابات: 70. (7) وهو كتاب الاستقامة بجزئيه الأول والثاني كما أن معظم مسائل الجزأين الأولين من كتاب المعتبر في موضوع الولاية والبراءة. (1/282)
صفحة 281
كتاب التحف المخزونة
283
وهكذا استمر البحث في هذه المسالة إلى أن جاء أبو عبد الله محمد بن بكر فأبدى موقفه من قضيّة الحارث وعبد الجبار ورأيه في حكم الطفل عند بلوغه والمشهور بالخير إن فعل كبيرة والإمام إذا اتهم بمعصية) ثم جعل من الولاية والبراءة أساسا من أسس نظام العزابة.
وانطلاقا. من هذا التاريخ أصبح موضوع الولاية والبراءة مبحثا من
مباحث العقيدة لا يخلو منه كتاب من كتب التوحيد.
والجدير بالذكر أنَّ أوّل دراسة منظمة ومنسّقة في شمال إفريقيا عن الإباضية هي دراسة أبي الربيع سليمان بن يخلف في كتاب التحف أمّا قبله) فإنّ المعلومات في هذا الموضوع متفرّقة (3) وبناء على ذلك فإنّ الفضل يرجع إلى أبي الربيع في تأصيل هذه المسألة.
وبعد أبي الربيع صار المؤلّفون يعتنون بجزئيات دقيقة جدا وكتاب السؤالات شاهد على مدى الاهتمام بالجزئيات والتفريعات).
(1) انظر الدرجيني: طبقات المشائخ 153/ 1، الجعبيري: نظام العزابة 105.
(2) نعم نجد بعض الإشارات في كتاب الرّدّ على جميع المخالفين لأبي خزر لكنها لا تصل إلى حد التنظيم والتنسيق والاستدلال كما هو الشأن عند أبي الربيع.
(3) لقد اقتبسنا هذه الملاحظة من أطروحة عمرو خليفة النامي تحت عنوان: تطور الفكر
الإباضي ص 336.
(4) وقد ذكرنا جملة من الأمثلة فيما يلي انظر ص 282. (1/283)
صفحة 282
284
قسم الدراسة
نتائج مبدأي الولاية والبراءة
إذا كان الإباضية أكثر من اعتنى بموضوع الولاية والبراءة نظرًا وتطبيقا على امتداد فترات تاريخهم بالمشرق والمغرب على حد سواء فهل كان لهذا الاعتناء البالغ آثار إيجابية أم سلبيّة في حياة الجماعة الإباضية؟.
وللتمكن من الجواب على هذا السؤال لا بد من البحث في كتب تاريخ الإباضية وسيرهم عن نماذج من الحياة العلميّة تتجلى فيها نتائج تبني الإباضية لهذين الأصلين.
1 - نتائج الولاية
روح
أما مبدأ الولاية فمن الطبيعي أن يركز الأمة بين التماسك والتحابب والتعاون. ولقد برهن عوض خليفات في إحدى مقالاته) على وقوع ذلك بالفعل في البيئة الإباضية واختار أمثلة متعدّدة استقاها من كتابي طبقات الدرجيني وسير الشماخي نذكر منها:
أ ـ قال المعتمر بن عمارة (3) لأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة: إنّك
(1) انظر عوض خليفات مجلّة مجمع اللغة العربية الأردني ص 160 عدد 5 و 6 سنة 1979. (2) أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وضمام بن السائب وغيرهما. كان يقول: ما لقي أحد ممّن يقرّ بالإسلام بذنب أعظم من ترك الصلاة عمدا. انظر الشماخي: السير
1.1/ 1 (1/284)
صفحة 283
كتاب التحف المخزونة
285
لأحب إلي من أبي فقال أبو عبيدة: هكذا ينبغي لك يا أن تكون لأنك معتمر
بذلت لي ما لم تبذله له أي الولاية).
كما
(2)
يورد الدرجيني في طبقاته أيضا قصة شبيهة بهذه الحادثة ذلك أنَّ أبا الحر (2) لما قدم أخوه من السفر لم يقف له ولما قدم عُماني وقف إجلالا واحتراما له وعندما رأى على ملامح أخيه علامات التأثر صارحه بأن مودّة النسب لا يمكن أن تصل إلى مودّة الدين والولاية (3).
بين
ب - ما يروى من حوادث تبرز حقيقة الترابط الاجتماعي. خاصة الأغنياء والفقراء ذلك أنَّ أبا الحرّ مثلا كانت له طريقة خاصة في قسمة الثّمار عند نضجها فقد كان يجعلها قسمين متساويين: قسم يدفعه لعياله وآخر يخصصه للفقراء والمساكين (4).
كما أن الإباضية في فترة من الفترات كانوا إذا دخل شهر شعبان يرسلون كميات هائلة من الأطعمة إلى الفقراء ولهم طريقة طريفة في إيصالها إلى أصحابها إذ يأتي رجل بالجمال إلى باب الدار فيدخلها ويكتب على خرقة: كلوا وأطعموا () كما أنهم كانوا يسارعون إلى قضاء ديون المتوفى منهم تبرئة يوم القيامة. يذكر الدرجيني نقلا عن أبي سفيان محبوب ابن
لذمته عند الله
(2)
(1) انظر الدرجيني: طبقات المشايخ 245/ 2. هو أبو الحرّ علي بن الحصين العنبري من علماء الإباضية في القرن الثاني للهجرة. كان موسرًا وتأتيه غلته من البصرة إلى مكة فيقسمها نصفين فيفرق نصفها في الفقراء وربعا في نفقته وربعًا في مساعدة المسلمين. انظر الشماخي: السير 92/ 1 ـ 94، وهو من طبقة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وقد عاصر الربيع بن حبيب ووائل بن أيوب انظر إشارات إليه في كتاب طبقات المشائخ للدرجيني: 210/ 2، 263، 264، 269، 270. (3) انظر: الدرجيني: طبقات المشائخ 272/ 2. (4) انظر: الدرجيني: طبقات المشائخ 269/ 2 والشماخي: السير: 101. (0) الشماخي: السير: 114. (1/285)
صفحة 284
286
قسم الدراسة
الرحيل أن حاجبا الطائي مات وعليه دين فابتدر أربعة بضمان دينه عند تغسيله ولما لحق بهم الفضل بن جندب (1) قال دينه علي دونكم حتى أعجز
عنه ولا يبقى لي مال (2).
هذه بعض
الأمثلة
التي:
تدلّ على التكافل الاجتماعي القائم على أساس
التوادد والمحبّة المنبثقين من مبدإ الولاية والشعور بضرورة التآزر والمحافظة على الكيان الإباضي ولا غرابة في وجود هذه الحوادث في الوسط الإباضي بعد إثباتنا إلحاح الإباضيَّة على وجوب الولاية استنادًا إلى الآيات والأحاديث الداعية إلى التكافل والأخوّة القائمة على أساس المحبة الخالصة (3).
2 - نتائج البراءة
لقد مكّن مبدأ البراءة من تطهير المجتمع من كثير من الرذائل ذلك أنَّ مخالفة تعاليم العقيدة الإباضيَّة أو ارتكاب أي ذنب مخل بالحياة الاجتماعية وفيه إضرار بالآخرين يدفع الأمة كلّها إلى مقاومته مقاومة شديدة وعنيفة فشارب الخمر مثلا يقاطع فلا يكلّم ولا يؤاكل ولا يتعامل معه ولا يسلّم عليه (4) فيصير منبوذا. من قبل خاصة النّاس وعامتهم حتى أقرب الناس إليه ولا مراء أن لهذه العملية أثرًا عميقا في النفس ومَنْ من الناس يستطيع أن
عمان
(1) هو مولى للأزد وكان من خيار علماء الإباضية. كان ذا مال وكرم. قيل إنّ أصله من. عاش في أوائل القرن الثاني للهجرة. انظر الشماخي: السير 98/ 1، 99. (2) الدرجيني: الطبقات 250/ 2 وفي نفس الكتاب ص 383، 384 حادثه شبيهة بهذه وهي أن رجلا نفوسيا مات وعليه دين فوقع التنافس في قضائه.
(3) انظر ما سبق تحت عنوان وجوب الولاية ص 199. (4) يجتمع به مجلس العزابة اجتماعا مضيّقا فإن أعلن عن إصراره على المنكر يأمر رئيس العزابة بعقد اجتماع عام في المسجد ويكون عادة إثر الصلاة وحينئذ يصرح إمام المسجد
بالبراءة منه ويدعو النّاس جميعا إلى مقاطعته حتى يتوب. (1/286)
صفحة 285
كتاب التحف المخزونة
287
يعيش مع أناس يستنكفون في كل لحظة عن مكالمته بل وحتى مجرد الالتفات إليه ويجمعون على إظهار العداوة له ما دام مصرا على معصيته. وبما أن الإنسان بأحاسيسه فإنّه لا يطيق الصبر على حياة نكدة وشقية فيها هجران عملي لكافة النّاس له ولذلك يلجأ أكثر المتبرإ منهم في أيام قليلة إلى المسارعة بإعلان التوبة أمام الجميع.
لقد ساعد تطبيق البراءة على حماية الجماعة الإباضية من الهبوط الأخلاقي وانتشار المنكرات والتجاهر بها حتى خلال فترة الكتمان التي يغيب فيها الحكم فيقوم نظام البراءة مقامه في الزجر والردع. وبفضل هذا المبدإ لم يشتك الإباضية ظاهرة الانحراف والتمرّد على القيم الاجتماعية ومن يزور وادي مزاب اليوم لا يرى شيئًا من المنكرات التي تؤتى بصفة علنية إلا ممن كان دخيلا على أهل البلد (3). وهذا لا يعني انقراض العصاة من المجتمع الإباضي وإنّما مرادنا هو أن البراءة وإن لم تستطع القضاء على المعصية فإنّها قدرت على تطهير المجتمع من العصاة المجاهرين والمتحدين للقيم والمشاعر (3).
(1) انظر الدرجيني: طبقات المشائخ 5/ 1. وهناك طريقة متبعة اليوم في وادي مزاب لإرجاع المتبرا منه إلى الولاية عند رغبته في التوبة.
إذ يأمر رئيس العزّابة بعقد اجتماع عام شبيه الاجتماع السابق وذلك بالمسجد ثم يجيء التائب قائلا: تبت إلى الله وإلى جميع المسلمين ويكررها مرارا حتى يسمعه جميع الحاضرين ثم يلقي رئيس العزّابة خطبة حماسيّة يستعرض فيها عادة معاني التوبة وقيمة المحافظة على الأحكام الشرعية والعلاقات الاجتماعية وخطورة مناقضتها في الدنيا والآخرة وأخيرًا يدعو النّاس إلى ولاية هذا التائب من جديد واعتباره فردا من أفراد المجتمع تجب محبّته ومودته والإحسان إليه وحينئذ تزول. جميع أشكال الهجران.
(2) أي من السيّاح أو من غير الإباضية الذين لا يقدرون على تطبيق البراءة عليهم. (3) من المحتمل وجود بعض العصاة المتسترين غير أن ذلك أهون وأخف لما فيه من محدودية انتشار المنكر في المجتمع. (1/287)
صفحة 286
288
قسم الدراسة
لقد كان تطبيق البراءة شكلا من الأشكال العملية للنهي عن المنكر ومقاومته وتخليص المجتمع منه ومن البيّن أنّه أقوى تأثيرا من الإنكار باللسان لأنه ضغط اجتماعي حاد يشعر العاصي بذله وحقارته في أعين الناس جميعا ما دام مصرًا على معصيته أو مستكبرا عن إعلان توبته الله أمام
جميع
المسلمين.
ولقد كان لغياب مبدإ البراءة في بعض الأوساط الإباضية أثر. لأن سيئ بعض الشباب صار يستهتر بالأحكام الشّرعيّة ويستهين بالقيم الأخلاقية فيغتر بهم غيرهم ويقلدونهم في اتباع الهوى والجهر بالمعاصي
(1)
ولقد أعجب محمد زكي إبراهيم () بتطبيق الإباضية للبراءة وأثبت أن الأمة الإسلامية لو تمسكت بهذا المبدإ لجنّبت الكثير من الويلات التي لحقت بها وفي نفس المسلك يذهب أبو الحسن شحاته (3) إلى أن ترك تطبيق هذا النظام أدى إلى فساد ذوق الأمة وتغيّر المفاهيم والأحكام فصار ارتكاب المعاصي بالتجاهر بها أمرًا عاديا لا يثير الغضب في النفوس ولا يحركها ولا يدفعها حتى إلى مجرد التقزّز والامتعاض بل يصبح المنكر أحيانًا حسنا وهذا منتهى ما آلت إليه الأمة من انحطاط (4).
(1) جالست بعض علماء الإباضية في جزيرة جربة وسمعتهم يوعزون ذلك إلى غياب مبدا البراءة منذ انقراض نظام العزابة من الجزيرة.
(2) هو رئيس العشيرة المحمدية بمصر. (3) هو. أستاذ التفسير بمعهد القضاء والوعظ والإرشاد بسلطنة عمان مشتغل بتحقيق بعض الكتب الإباضية نذكر منها كتاب الاستقامة لأبي سعيد الكدمي كما قام بتلخيص باب الولاية والبراءة من كتاب بيان الشرع لأبي بكر الكندي. (4) انظر: أبو الحسن شحاته الولاية والبراءة: 11 و 25. والملاحظ أن المؤلّف أشعري منتصر
للإباضية في كتاباته. (1/288)
صفحة 287
كتاب التحف المخزونة
هنا ومن
289
يتبين دور الولاية والبراءة في ائتلاف الإباضية وجمع شملهم وانتظام أمرهم فكان هذا النظام من أهم العوامل التي حافظت على الكيان الإباضي رغم التحديات والهجمات العنيفة التي تعرّض لها الإباضية عبر التاريخ وقد تماشي هذا النظام مع مسلك الكتمان في المغرب إذ ساهم المحافظة على تماسك الجماعة الإباضيَّة دون الوقوع في صدام مع
في
(1)
السلطة الحاكمة (2).
ذلك كله لا ومع. ينبغي لنا أن نغفل عن الناحية السلبية في تطبيق الولاية والبراءة ذلك أن شدة اهتمامهم بهذين الأصلين قد أدى بهم في كثير من الأحيان إلى المبالغة في التطبيق فتنعكس القضيّة إلى ضدها ويتحوّل الأمر إلى اختلاف شديد وصراع ذي أبعاد سياسية تنقسم الجماعة بسببه إلى حزبين أو أكثر وقد يستمر الصراع أزمنة طويلة كما وقع مثلا في مسألة الحارث وعبد الجبار في المغرب ومسألة موسى بن موسى مالك في المشرق. وهذا من شأنه أن يكون له الأثر السيئ في ا الإباضية لما يترتب عليه من تفكك وتصدّع للجماعة فهذه فتنة النزوانية والرستاقية في المشرق وتلك فتنة الوهبية والنكار في المغرب. ولو لا هذه
والصلت بن
الأوساط
الخلافات التي مزّقت وحدة الجماعة الإباضية لكان لهم شأن أعظم. وأما ما ذكره الأسفراييني (3) ـ تعريفا بالإباضية المفرطين في تطبيق البراءة ـ من أنَّ رجلاً يدعى إبراهيم استضاف جماعة من الإباضية فقال لجاريته قدمي شيئًا فأبطأت فحلف ليبيعنّها للأعراب فقال له ميمون أتبيع
(1) انظر عوض خليفات: مجلة ص 147.
(2) انظر الجعبيري: نظام العزابة: 98
(3) انظر: السفراييني: التبصير في الدين 59 وانظر نفس القصة في مقالات الإسلاميين للأشعري: 175/ والفرق بين الفرق للبغدادي: 107 108. (1/289)
صفحة 288
290
قسم الدراسة
مؤمنة للكفّار؟ وطال الحوار بينهما وانتهى ببراءة كلّ من صاحبه وانقسموا إلى ميمونية وإبراهيمية وواقفة. فإنّ هذه القصة لم نجد لها أثرًا في كتب سير الإباضية التي اطلعنا عليها ولا في كتب عقيدتهم وقد اشتغل أحد علماء الإباضية بالرّدّ عليه مثبتا أنَّ القصة مفتعلة لأنَّ الأشخاص المذكورين فيها مجاهيل وقد أجهد نفسه في البحث عن هؤلاء لكنّه لم يعثر عليهم ولا على قصة شبيهة بها (1) ولئن كانت القصّة غير ثابتة عن الإباضية فإنّ أمثلة تعلّق بعض الإباضية بالجزئيات الدقيقة في الولاية والبراءة لا تعوزنا وقد سبق أن أشرنا إلى أنَّ كتاب السؤالات زاخر بمثل هذه النماذج (3) ولنكتف بإيراد مثالين لذلك:
أ ـ إذا شهد ثلاثة رجال أنَّ متولّى يفعل كبيرة في الوصف ولم يعلموا ذلك فتولاه أحدهم على ذلك وتبرأ منه الآخر على الفعل ووقف فيه الآخر فإن المتولي والواقف هالكان والمتبرئ على ما لا يدري مخطئ وقيل هالك أيضا (4).
ب - إن حكى أمينان أمينين آخرين كسرة فإنّه يبرأ من أمينين عن عن الأخرين () وليس الاشتغال بمثل هذه الجزئيات من خصائص الشوفي وحده بل سبقه إلى ذلك كثير من العلماء (6) نذكر على سبيل المثال لا الحصر، ما قاله أبو العباس أحمد بن بكر الفرسطائي في كتابه «تبيين أفعال العباد»: «إذا
(1) انظر علي يحيى معمّر الإباضية بين الفرق الإسلامية 62/ 1 و 31/ 1 - 36 (2) انظر ما سبق ص 230.
(3) انظر علي سبيل المثال الصفحات التالية: 46، 110، 170، 171، 172، 242 ... (4) انظر: السوفي: السؤالات: 243.
(5) انظر نفس المصدر: 109.
(6) غير أن السوفي أشهر من اهتم بعرض هذه الجزئيات باعتبار أن كتابه كان جملة من الأسئلة المطروحة فكان لا بد من التعرّض لها جميعا. (1/290)
صفحة 289
كتاب التحف المخزونة
291
شاهد (المؤمن) من رجل يتولاه عليه أو يبرأ منه فشك أنه تولاه أو تبرأ منه فغير معذور وإن لم يفعلهما فلا يجزيه إلّا تحقيق من تشاكل عليه أن هذا الرجل متولى أو متبرأ منه فغير معذور أمّا إن كان من أهل الوقوف عند الوصف فشك أن تولاه أو تبرأه (كذا) فليس عليه شيء ما لم يمض فيه».
ولقد أثار موضوع الولاية والبراءة اختلافا فقهيًا في مسائل متعدّدة نذكر منها:
أ - الزكاة: لقد اختلف فقهاء الإباضية في أخذ الزكاة من غير الأولياء وإعطائها لهم فعن أفلح بن عبد الوهاب أنَّ الزّكاة لا تعطى إلا لأهل الولاية (2).
وعن ضمام بن السائب (3) أن يجوز إعطاء الأقرباء من الزكاة ولو كانوا غير إباضيّة (4). أمّا عبد الله بن عبد العزيز وشعيب بن معروف (5) فقد ذهبا إلى أن كل المسلمين لهم الحق في الزّكاة إباضية كانوا أو غير إباضية (6) خلافا لما نقل عن أبي عبيدة أنه قال لا نأخذ الزكاة من المخالفين ولا
(1) أحمد بن بكر الفرسطائي: تبيين أفعال العباد: 16/ 2.
(2) انظر أجوبة بن خلفون 28. . الشماخي (عامر) الإيضاح 46/ 2.
(3) أصله من عُمان ومولده في البصرة أخذ العلم عن جابر بن زيد وقد جمع أبو صفرة عبد الملك بن صفرة روايات ضمام عن جابر انظر النامي: أجوبة ابن خلفون ص 112. (4) انظر الجيطالي: قواعد الإسلام. (0) أما عبد الله بن عبد العزيز البصري فهو تلميذ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة. كان مغرما بالقياس وقد تابعه النّكار في الفقه وهو ممن روى عنهم أبو غانم الخرساني مدوّنته من كتابه نكاح الشغار انظر النامي: أجوبة ابن خلفون ص 107 وأما شعيب بن المعروف فهو من طبقة الربيع بن حبيب كان بمصر ولما بلغه خلاف النكار على الإمام عبد الوهاب رحل إلى تاهرت فعاضدهم وبسبب ذلك أعلن الربيع البراءة منه انظر. ن. م. ص: - (1) انظر أجوبة ابن خلفون 28.
113 (1/291)
صفحة 290
292
قسم الدراسة
يمنع
أخذ الزكاة
ومعنى ذلك أن
نعطيها (1) لهم غير أنَّ الربيع بن حبيب يروي عنه أنه كان بصفة خاصة من المخالفين الذين يكنون للإباضية عداء (2) المسالمين الذين لا يتعرّضون للإباضية بسوء لا مانع من أخذ الزكاة منهم.
ب - الحج ومدار الخلاف في هذه المسألة هو جواز نيابة غير المتولى في الحج يقول عامر الشماخي (3): «وكذلك أيضا اختلفوا فيمن يحج عن من لا يتولاه قال قوم لا يجوز وأجاز ذلك آخرون وقالوا لا يدعو
له ... » (4).
ولقد أفتى ابن عباد المصري (5) بجواز شهادة امرأة واحدة في ولاية امرأة فحج عنها ولدها بعد شهادة المرأة فيها كما أنَّ عمروس بن فتح لم يحج عن أمه التي أوصت بالحج إلّا بعد الاستفسار عنها وشهادة امرأة بولايتها) وفي ذلك دلالة على اشتراط العلماء الولاية فيمن يحج عنه.
ج - العدالة: ذلك أن الولي وحده هو الذي تقبل شهادته أما غير الولي فشهادته مردودة سواء في الدّماء أو الأموال أو الولاية والبراءة.
(1) انظر الجيطالي: قواعد الإسلام.
(2) انظر عامر الشماخي 64/ 2.
(3)
هو
عامر بن علي الشماخي أخذ العلم عن أبي موسى الطرميسي | المتوفى سنة 722 هـ ثم
جلس للتدريس فكوّن ثلاث مدارس تخرج على يديه عدد كبير من العلماء منهم أبو القاسم الفقه متن الديانات في أصول الدين. توفي سنة
البرادي من أهم كتبه «الإيضاح» -
-
b_
792 هـ. انظر الشماخي: السير 198/ 2.
(4) انظر عامر الشماخي 100/ 2.
(5) هو محمد بن عباد المصري معاصر للربيع بن حبيب أخذ العلم عن أبي عبيدة بالبصرة
وعاد إلى مصر وأقام بها وهو ممّن روى عنهم أبو غانم في مدوّنته عده الشماخي من أهل
الولاية إذ لم يصدر منه أي خلاف انظر النامي أجوبة ابن خلفون ص 108.
(6) انظر الشماخي: السير 122، 232. (1/292)
صفحة 291
كتاب التحف المخزونة
293
وفي هذا المضمار طرحت مشكلة شهادة المخالفين فأجازها الأكثرون في الأحكام والعتاق والطلاق والبيوع وأشباه ذلك وأبطلوها في الدماء والحدود).
ولقد روى التوفي عن أبي المؤثر (3) أن شهادتهم جائزة إذا كانوا هم
الغالبين والحاكمين أما إذا كان الإباضية هم الحاكمين فلا تقبل شهادتهم ()
د.
(3)
الصوم يذهب جمهور العلماء أنَّ الشّهادة على رؤية هلال شهر شوّال لا تقبل إلّا إذا كانت على لسان شاهدي عدل أما إن رأى عدل بمفرده الهلال فإنّه يفطر سرًا ولا يبرأ منا
منه.
ففي هذه المسائل وأمثالها نلاحظ العلاقة بين الأحكام الفقهية
والولاية والبراءة.
(1) انظر ابن يخلف: التحف. 54.
(2) هوا أبو المؤثر الصلت بن خميس من علماء عُمان في القرن الثالث له سيرة كتبها إلى أبي جابر محمد بن جعفر تعرف بسيرة أبي المؤثر وقد طبعت ضمن رسائل تحت عنوان: السير والجوابات: انظر النامي أجوبة ابن خلفون ص 116.
(3) انظر السوفي: السؤالات: 259. (1/293)
صفحة 292
كتاب
التحف المحزونة
لأبي الربيع سُلَيْمَانَ بْنِ يَخْلفَ الوِسْلَاتِ المَزَاتِي النَّفْطِيِّ القَابِسِي
(ت: 471 هـ / 1079 م)
الجُزْءُ الأَوَّلُ (1/294)
صفحة 293
وصلى الله على سيدنا ومولانا وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كتاب التحف المخزونة في إجماع الأصول الشرعيّة ومعانيها بابا بابا مما يحتاج إليه ولا يستغنى عنه بصحة قوله وعذوبة مقاله وتقريض بيانه و انحصار قوله ومعانيه بفوائد مجملة واضحة التبيان مشرقة لها فصول وبيان ومعان وبالله التوفيق.
الحمد لله على كلّ فضل من به وعلى كل نعمة أنعم بها ونعوذ بالله من كلّ شيء تُبتلى به ولا حول ولا قوة إلا بالله وهو مولانا فنعم المولى ونعم النصير. (1/295)
صفحة 294
296
الجزء الأول
أوّل الواجبات [في] معرفة الله
فأول ما ينبغي للعاقل الأديب أن يصرف إليه عنايته ويرد إليه نظره ويبعث فيه نفسه ويفني فيه عمره طلب دينه الذي فيه نجاته والموصل إلى
دائم النعيم، أوّل ذلك معرفة ربّه وإفراده من غيره ونفي الأشباه والأمثال.
ولا ينال ذلك إلا بمنّه وفضله.
عنه (1/296)
صفحة 295
كتاب التحف المخزونة
297
باب ما لا يسع (2) النّاس جهله
و (3) مما يجب على كلّ بالغ صحيح العقل (4) عند بلوغه وصحة عقله حرا كان أو عبدا ذكرًا كان أو أنثى فعليهم معرفة أنّ الله واحد لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن ما جاء به حق من عند ربه وأنّ الله خالق لجميع الأشياء (5) وأنّ له الملائكة) والنبيين والرسل (7)
(1) أصل التركيب: «باب ما لا يسع الناس جهله». وقد حوّرنا الصياغة خدمة للمنهج والمعنى. وينطبق هذا الإجراء على ما يتلو. م.
(2)
يسع:
فسرها المحشي (أبو سته صاحب حاشية الترتيب بيحل ويجمل، انظر كتابه حاشية الوضع: 102. وقد فسّر السوفي بنفس المعنى قوله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: 286] فقال: أي ما يحلّ لها ويجمل بها من إيمان وطاعة وكف عن ا المعصية. انظر: السوفي: السؤالات: 221.
ولقد أورد الوارجلاني هذا الباب كاملا بنصه في كتاب الدليل والبرهان (مج 1، 20/ 2 ـ 22). والملاحظ أن الاختلاف بين النصين طفيف جدا. وهو راجع إلى مجرد اختلاف نسخ الدليل والبرهان ولذلك اعتبر هذا النّص مدعمًا لصحة الكتاب فقارنا بين النصين ورمزنا إلى النص الوارد في كتاب الدليل والبرهان بحرف «د».
(3) في «د» اسقط حرف الواو.
(4) في «د» سقطت عبارة «صحيح العقل».
(5) انظر الفرسطائي: مسائل التوحيد،4، الجناوني عقيدة نفوسة: 1، السوفي: السؤالات: 224، الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 2، 152/ 3، الجيطالي: قواعد الإسلام 114/ 1، الشقصي: منهج الطالبين 526/ 1، السالمي: بهجة الأنوار 75. (1) وجب الإيمان بالملائكة أنّهم أولياء الله وولايتهم واجبة وتكون بمحبتهم والترحم عليهم والكون معهم. على دين وطاعته. ومعرفتهم إنّما تكون بالسماع. انظر الوارجلاني:
الدليل والبرهان
مج
الله
150/ 3، 151،2
(7) من أنكر نبينا أو رسولاً بعد ما قامت عليه الحجّة به فقد أشرك انظر: الفرسطائي: مسائل التوحيد: 3، الجناوني: عقيدة نفوسة: 2، قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 158 ومن آمن بالأنبياء جملة ثم سمع بذكر واحد فشك أنه من جملة الأنبياء ولم يعلم من قبل أنه نبي (1/297)
صفحة 296
298
الجزء الأول
والكتب (1) وعليهم معرفة جبريل بالقصد إليه وأنّه رسول ربّ العالمين إلى محمد الله (2)
وعليهم معرفة محمد أنه رسول ربّ العالمين إلى الناس كافة
(4)
والجان (3) كافة وأنه خاتم النبيين) وعليهم معرفة الأب الأكبر أبينا آدم باسمه ونبوّته ورسالته إلى أولاده وأنه أوّل المسلمين (5).
بمعرفة
وسعه ذلك ما دام يؤمن بهم جميعًا على وجه الإجمال لأننا لسنا مطالبين بمعرفتهم واحدًا واحدًا بأسمائهم انظر الشقصي: منهج الطالبين 34/ 2. ولا تكون معرفة الرّسل إلا بـ أربعة معان: المرسل: بكسر الشين وهو الله تعالى المرسل: بفتح السين: وهو الشخص ما أمر الرسول بتبليغه الإرسال وهو بعثة الرسول وتكليفه
المبعوث الرسالة: وهي بالتبليغ. انظر الوارجلاني: الدليل والبرهان.
مج
2، 151/ 3
(1) فسّر الوارجلاني ذلك بوجوب معرفة معان ثلاثة معنى الكتاب معنى النزول: أي إنّه منزل من عند الله، الغرض من النزول: وهو بيان الأمر والنهي وصرّح بأن هذا التفسير هو من أجوبة «أهل الدعوة» أي الإباضية.
(2) وافق الفرسطائي المؤلّف في الحكم بالشرك على من جهل أن جبريل رسول الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم أو شك في ذلك بل أوجب معرفته باسمه. انظر الفرسطائي: مسائل التوحيد: 2، 3، 6. وعد جبريل عند كثير من علماء الإباضية واحدا من السبعة الذين وجبت معرفتهم بأسمائهم باللغة العربية وهم الله محمد، آدم جبريل الجنّة النار، القرآن. انظر: السوفي: السؤالات: 103، المحشي: حاشية الوضع 116، الثلاتي: شرح العقيدة المباركة: 37 (وقد اقتصر على ذكر الأسماء الستة الأولى دون ذكر القرآن)، قاسم الشماخي شرح اللؤلؤة: 165. ونقل الوارجلاني عن سابقيه إيجاب معرفة جبريل باسمه فقال: «وأما معرفة جبريل بالقصد ومعرفة اسمه ومعرفة نزوله بالقرآن العظيم على محمد فإن أهل الدعوة يرون الإيمان بذلك واجبًا قصدًا واعتقادًا ومحبة وترحما الوارجلاني: الدليل والبرهان. (3) في «د» و «الجنّ» عوض و «الجان».
مج
مج.
1، 26/ 2، 27.،2، 150/ 3
م مج
(4) قال بعض الإباضية وجبت معرفة محمد صلى الله عليه وسلم باسمه وأنه أحمد انظر الفرسطائي: مسائل التوحيد: 6. الوارجلاني: الدليل والبرهان 2، 152/ 3. غير أنه جوّز معرفة محمد بأي اسم من أسمائه لقبا كان أو غيره. وقد نسب إلى أحمد بن الحسين وعيسى بن عمير وهما (نكاريان) القول بأن معرفة محمد ليست توحيدا وإنكاره ليس شركا فمن جهله نافق ولم يشرك. انظر السوفي: السؤالات: 94. (5) قال الوارجلاني في شرح هذه المسألة: «ومسألة أبينا آدم فيها ثلاث مسائل وفي كل = (1/298)
صفحة 297
كتاب التحف المخزونة
299
وعليهم معرفة القرآن مقصودًا إليه ومفروزًا أنه (1) من جملة الكتب (3). وعليهم معرفة الجنّة أنّها ثواب لأهل طاعته على طاعتهم لربهم ومعرفة
النار أنها عقاب لأهل معصيته على معصيتهم لربهم).
وعليهم معرفة الموت والبعث والحساب والعقاب (4).
مسألة أربع مسائل كمسائل جبريل» وملخص هذه المسائل: معرفة آدم باسمه وأنه الأب الأكبر لا أب قبله وأنه نبي وأنه رسول الله إلى أولاده وأنه أوّل المرسلين وجميع الرسل من بعده هم من نسله انظر الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 1، 27/ 2، 28. واختلف علماء الإباضية في حكم من جهل آدم فمنهم من وسع (كالوارجلاني وأبي نوح سعيد بن زنغيل في إحدى روايتيه ومنهم من ضيّق وحكم بالشرك على من قال لا أعرف آدم أو ليس عليّ من معرفته شيء منهم أبو العباس أحمد بن بكر والمحشي وأبو نوح سعيد بن زنغيل في إحدى روايتيه وقاسم الشماخي). انظر الفرسطائي: مسائل التوحيد: 6، التوفي: السؤالات 94، الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 2، 148/ 3، الوسياني: السير: 231، المحشي: حاشية الوضع: 116، قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 246.
(1) في «د» ومفروزًا إليه. (2) انظر الفرسطائي: مسائل التوحيد: 6. ومن علماء الإباضية من يرى أن من سمع القرآن يتلى لا يسعه جهله إذا ثلاث آيات متتاليات لأنّ القرآن دليل نفسه ونظمه معجز مع ما سمع يتضمنه من المعاني وأخبار الغيب. وأما من لم تقم عليه الحجة بذلك وهو مؤمن بالقرآن جملة فلا شيء عليه. انظر الشقصي: منهج الطالبين 526/ 1، 34/ 2. (3) أوجب التوفي معرفة أنّ الجنّة قصور وبساتين وأنّ النار سوداء مظلمة وحكم بالكفر على من لم يعرف ذلك. السؤالات: 22.
(4) قال الوارجلاني: وأما الموت فعلمه ضروري. وأشار إلى أنه لم يجد في القرآن ما يدل على وجوب الموت، أمّا في السُّنَّة فقد ورد ذلك ضمن دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم في التهجد فيما رواه عنه ابن عبّاس» ... اللهم أنت الحق وقولك الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق والجنة حق والموت حق والبعث حق». وأورد الربيع بن حبيب هذا الجزء من الحديث ولم يثبت فيه كلمة الموت في كتاب الأذكار باب 21 في الدعاء حديث رقم 491. كما أخرجه البخاري تهجد 1، دعوات 9، توحيد 8، 4، 2، 35، أنبياء 47 ومسلم إيمان 46، مسافرين 99، جهاد 132، وأبو داود صلاة 119 والنسائي قيام الليل 9 وابن ماجه إقامة 180 والدرامي صلاة 169 والموطأ قرآن 34 وأحمد 298/ 1، 308، 358. (1/299)
صفحة 298
الجزء الأول
وعليهم معرفة تحريم دماء المسلمين لتوحيدهم) لربهم ومعرفتهم إياه وإفرادهم له، ومعرفة تحليل دماء المشركين لشركهم لربهم ومساواتهم له بغيره).
وعليهم ولاية المسلمين جملة. وعليهم أن يقصدوا بولايتهم إلى كل من لا يسعهم جهله مثل جبريل من الملائكة وأيضا (3) محمد وآدم من النبيين. وعليهم البراءة من الكافرين جملة (4).
(1) في «د» بتوحيدهم. (2) قال أُمرت أن أقاتل النّاس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله. عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله». (خ ديات 66 - م قسامة 25، 26 ـ د حدود 1 ـ ت حدود 15 ديات 10، ن قسامه 6، تحريم 5 ـ جه حدود 1 ـ دي سير 11، حدود 2 ـ حم
(.181/ 6،382/ 1
وقال «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه (م بر 10 ـ د أدب 35 ـ ت بر 18 -
جه فتن 2 حم.
(360277/ 2 491/ 3، 168/ 4
من
والإباضية يرون أن معرفة تحريم دماء المسلمين وتحليل دماء المشركين (غير أهل الكتاب والمجوس إذا أعطوا الجزية توحيد وجهل ذلك كفر. انظر: الفرسطائي: مسائل التوحيد 6، التوفي: السؤالات 86 87، قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 240. وقد عذر محمد بن عباد المصري (من علماء الإباضية في القرن الثاني أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بالبصرة وعاد إلى مصر فأقام بها وهو ممن روى عنه أبو غانم في مدوّنته انظر سير الشماخي (121، 122). جهل محمّدًا والجنة والنار والبعث والقواب والعقاب وتحريم دماء المسلمين. لكنّه قوله هذا. مناقشة محمد بن محبوب بسبب مكة. انظر الشوفي: السؤالات 53. له في والموسعون من الإباضية يعذرون جاهل هذه الأمور ما لم تقم الحجة انظر عمروس بن فتح: الدينونة الصافية 10 والوارجلاني الدليل والبرهان. مج
2، 147/ 3
أنسب.
رجع عن
(3) في د قدمت كلمة «أيضا» فكانت بعد كلمة «وعليهم» وهو (4) يذهب الإباضية إلى أنّ من ترك ولاية المسلمين وبراءة الكافرين فقد أشرك جزئيا. كذلك حكم من جهل أنّ الله أوجب على الولاية ثوابًا وعلى البراءة عقابًا. انظر الفرسطائي: مسائل التوحيد: 4. والشرك الجزئي هو الحدث في العقائد ممّا عدا خصال الشرك الكلي ولا يترتب عليه شيء من أحكام الشرك الدنيوية وهو مصطلح مغربي. انظر: السالمي: مشارق
الأنوار: 135. (1/300)
صفحة 299
كتاب التحف المخزونة
201
وعليهم معرفة جملة النّبيين أنّهم من نسل آدم. وعليهم فرز ما بين الكبائر (1) فذلك (2) أن يعرفوا أنّ الشّرك مساواة الله بغيره فيوصف (3) بصفة غيره أو يوصف غيره بصفته (4).
وعليهم معرفة أنّ الله أَمَرَ بطاعته (5) ونَهَى عن معصيته وأنه مثيب على طاعته ومعاقب على معصيته وأنّ ثوابه لا يشبهه ثواب وعقابه لا يشبهه عقاب (1) [2] وأنّ الله موال لأوليائه ومعاد لأعدائه (7). وقد قيل عن الشيخ (8) أنه قال: لا يسع جهل الملل وهي): اليهود والنصارى والصابئون (10) والمجوس والذين أشركوا (1). وقد ذكر عن الشيخ لله أنه قال:
(1) أي التمييز بين كبائر الشّرك وكبائر النفاق. انظر الفرسطائي مسائل التوحيد: 4 (2) في د «وذلك» وهو أنسب.
(3) في الأصل فذلك أن». .
يسع
?
(4) لا جهل الشرك لأنّ من جهله فقد جهل التوحيد وأقل ما تلزم معرفته من الشرك هو القول بتعدد الآلهة انظر: أبو خزر: رسالة أبي خزر: 24، الجناوني: عقيدة نفوسة: 2، السوفي: السؤالات 224، المحشي حاشية الوضع: 91، 101، 97. قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 165. (ه) نجد فوق عبارة «أمر بطاعته» حرف «ذ» وكأنّ الناسخ أصلح هذه العبارة أو أضافها من نسخة أخرى. (1) انظر: الفرسطائي: مسائل التوحيد: 4 السوفي 116، 118، الجيطالي: قواعد الإسلام 40/ 1، 41، قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 241، الشقصي: منهج الطالبين 530/ 1، المحشي: حاشية الوضع: 91، 104. وقد أورد ابن تيمية نفس الفكرة في مجموعة التوحيد 10، 11.
(7) انظر السوفي: السؤالات: 116، قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 241. (8) هو أبو عبد الله محمد بن بكر وقد تقدّمت: ترجمته. (9) نجد فوقه حرف «خ» وفي هامش النسخة «وهم» وفوقها حرف «خ» ومعنى نسختين في احديهما «وهي» وفي الأخرى «وهم» والناسخ اختار الأولى وفي نسخة د
وهم».
ذلك أنه وجد
(11) شدّد الفرسطائي في مسائل التوحيد 4 على جاهل الملل الخمس فحكم عليه بالشرك.
(10) في الأصل: «الصابون».
وخالفه في ذلك أبو نصر
فتح بن نوح (من علماء القرن السابع فبيّن أن هذا القول تشدّد. = (1/301)
صفحة 300
302
الجزء الأول
الجهل بموت محمد الله لأنّ من جهل موته جهل أنّ الّذي في يده الشريعة ينسخ أو لا ينسخ، ومن قِبَلِ ذلك أشرك من جهل موت النبي).
من
وعليهم ولاية المسلمين من الجنّ جملة لا يقصد إلى شيء بعينه. ولا يسع جهل الإسلام والمسلمين والكفر والكافرين. وذلك أن يعلموا أن الكافرين كافرون بكفرهم وأنّ المسلمين مسلمون بإسلامهم. وهذا كله مما جهله كل بالغ عند بلوغه إلّا أن يعلمه ويعلم أنّ الله ألزمهم) علم ذلك وأن الله أوجب على العلم به ثوابًا وعلى الجهل عقابًا. وعليهم معرفة كفر من جهل شيئًا من هذا كلّه. وإن (3) شكّ في شيء مما ذكرنا فهو كافر والشاك في شركه (4) كافر والشّاك في الشك كافر إلى يوم القيامة. وعليهم
يسع
(?)
وإلى مثل هذا الرأي يذهب الجيطالي وامحمّد اطفيش وغيرهما. ولقد علّق أبو إسحاق اطفيش على هذه القضيّة فأثبت أنها مسألة غير ذات شأن ولا ينبغي أن تكون مما لا يسع جهله أو تدخل في الإيمان. انظر الجيطالي: قواعد الإسلام 98/ 1، 100، امحمد اطفيش: شرح عقيدة التوحيد 166. وانظر كذلك في مسألة الملل وحكم جاهلها أبو خزر: رسالة أبي خزر: 14، السوفي: السؤالات: 161، 162، ابن جميع عقيدة التوحيد 7، 8، قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 365، 366. (1) في د». وما علل به المؤلف الحكم بالشرك على جاهل محمد صلى الله عليه وسلم فإنّ الوارجلاني لم يوافقه عليه باعتبار أن النسخ لا يجب على النّاس معرفته ولا الإيمان به حتى تقوم عليهم الحجة بذلك بل الفرائض التي يجوز فيها النسخ (دون التوحيد يسع جهلها ما لم تقم الحجّة عليها ولم يحن وقتها. الوارجلاني: الدليل والبرهان.
مج
33/ 2،1
(2) يراوح المصنّف بين صيغة الإفراد وصيغة الجمع. التفات
(3) في د «فإنّ».
(4) في د «في كفره» وهو الصحيح لأنه حكم بالكفر على الشاك ولم يحكم عليه بالشرك. والشك هو التردّد بين صفتي الشيء من غير ترجيح: انظر: أبو عمار: شرح الجهالات 210 وانظر السالمي: مشارق أنوار العقول: 37 والملاحظ أنّ الشّاكَ في شرك المشرك مختلف = (1/302)
صفحة 301
كتاب التحف المخزونة
303
معرفة أن الله حرم دماءهم بهذه الجملة التي ذكرناها). وبمعرفة هذا (1) وأشباهه مما (3) لا يسع جهله ولا يسلمون إلا بمعرفته من توحيدهم لربهم (4) وإفرادهم له يصح لهم توحيدهم لربّهم والمعرفة به سبحانه (5).
في حكمه بين الإباضية فالمؤلّف يذهب إلى أنه كافر كفر نعمة وقد وافقه على ذلك المشارقة بينما نجد بعض المغاربة وعلى رأسهم امحمد اطفيش يخالفهم في ذلك غير أنهم يفرقون بين من صرّح به و من خطر ذلك بباله فحسب فيقطعون عذر الأول دون الثاني: انظر: قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 162، 163، اطفيش: شرح عقيدة التوحيد 50، 51.
(1) في د «ذكرنا». (2) في د إسقاط «هذا و». (3) في د «ما» عوض «مما».
(4) في د «ربّهم».
(ه) في د سقطت «سبحانه». (1/303)
صفحة 302
الجزء لأن
في ما يسع الناس جهله
فهو " على ثلاثة أوجه: أحدها إلى الورود وقيام الحجة به، والوجه الآخر الثاني (2) ما يسع جهله إلى مجيء وقته، والوجه الثالث ما يسع جهله أبدا.
1 - في ما يسع جهله إلى الورود
فأما الذي يسع جهله إلى الورود فهو معرفة أن الله تعالى سميع بصير وما أشبه ذلك مما يكثر به اللفظ فهذا يسع جهله ما لم يخطر بباله أو تقم) به الحجة أن الله تعالى يوصف بذلك. فإذا خطر بباله أو قامت عليه الحجة فإن في هذا بعدما لزمته المعرفة به وقامت الحجّة عليه به فهو كافر بشکه
شك
بعد قيام الحجة عليه (4).
(1) الأنسب وهو». (2) فوقها كلمة «الثاني» إما شرح لكلمة «الآخر» وإما بيان لورود هذه اللفظة في نسخة أخرى عوض الآخر، والناسخ من عادته أن يرمز إلى ذلك بحرف «خ» وكلمة الثاني أصح لأنه بصدد تعداد وجوه ثلاثة.
من
صفات
(3) في الأصل أو تقوم» والصواب ما أثبتناه لأنّ الفعل معطوف على فعل مجزوم بـ «لم». (4) لقد قسم الورود إلى قسمين (أ) ما يخطر بالبال فإذا خطرت ببال العبد صفة. الكمال أو النقص وتساءل في نفسه هل يوصف الله بها أم لا؟ فلا يسعه إلا أن يصف الله بصفة الكمال وينزّهه عن صفة النّقص التي خطرت بباله (ب) ما تقوم به الحجة وقيام الحجة هو وجودها. وتكون عند المؤلّف بالكتب والرسل فمن بلغه مثلا بواسطة أحد هذين الطريقين أن الله يوصف بصفتي السمع والبصر وجب عليه اعتقاد ذلك في الحال. وقد بالغ بعض علماء الإباضية في تفصيل الأسباب التي تقوم بها الحجة فذكروا الطائر والجماد والكتاب. فمن سمع من طائر أو جماد أو وجد مكتوبا في رق أن الله يوصف بكذا وجب عليه اعتقاد. ذلك. انظر السالمي: بهجة الأنوار: 49/ 1. (1/304)
صفحة 303
كتاب التحف المخزونة
305
2 - في ما يسع جهله إلى مجيء وقته
وأشباهه
يسع
وأما ما يسع جهله إلى مجيء وقته وذلك مثل فرض الصلاة قبل وجوبها والحج قبل وجوبه وصيام رمضان وأشباه ذلك من الفرائض. فهذا جهله ما لم يجئ وقته. فإذا جاء الوقت لزمهم العمل والعلم. أن يخرج الوقت إلا وقد أدوا ما كُلِّفُوا [به]. فإن ضيعوا شيئًا يجب العمل به حتى يخرج وقته عصوا ربهم وأثموا بتضييعهم لما لزمهم حتى يخرج وقته (). وذلك العصيان (3) على وجهين: يكون كبيرا (3)
ولا يسعهم
مما
(1) كل الفرائض يسع جهلها وجهل كيفية أدائها ما لم يخرج وقتها ولا يسع الجهل بعد دخول الوقت فإذا فات وقتها ولم يعلمها المكلّف هلك لأنّ كلّ ما يلزم فعله يلزم العلم به في حين ما يلزم فعله. (2) في تعريف العصيان انظر الجنّاوني: الوضع 25 السوفي: السؤالات: 124، 125، أبو مسلم الرواحي: نثار الجوهر 72/ 1.
هي.
(3) اختلف في تحديد مفهوم الكبيرة فقيل هي كل ذنب رتب الشارع عليه حدا أو صرّح بالوعيد فيه. انظر المصعبي: حاشية تبغورين 50، داود الثلاتي: شرح العقيدة المباركة: 39، الشقصي: منهج الطالبين 206/ 2. وقيل. ما ثبت فيه حدّ أو عذاب في الآخرة أو لعن عن الله أو رسوله أو ذمّ وتقبيح أو ما أشبه ذلك. ولا ضرورة أن يجتمع ا الحد في الدنيا والعذاب في الآخرة. انظر الكدمي المعتبر 14/ 2 ولقد أورد أبو مسلم روايتين في تحديد الكبائر إحداهما عن ابن عبّاس جاء فيها أنّ الكبائر ما ذكره الله في أوّل سورة النور إلى قوله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ} [النور: (31) والأخرى عن ابن مسعود أن الكبائر هي كل ما نهى الله عنه من أول سورة النّساء إلى قوله تعالى: (إن تَجْتَنِبُوا كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلا كَرِيمًا} [النساء: 31]. وقال آخرون هي سبع لقوله: «اجتنبوا الكبائر السبع الموبقات تنجوا الشرك بالله والقتل والسحر وأكل الربا وأكل أموال الناس ظلمًا والفرار من الزّحف وعقوق الوالدين النسائي زكاة 1، تحريم 3 وأحمد 431/ 5. انظر الشوفي السؤالات 52 داود الثلاتي شرح العقيدة المباركة 39 والظاهر أن التعريف الأوّل أكمل التعريفات وأشملها لأنه لا يحصر الكبائر في معاص معينة وإنما يعتبر أنّ كلّ ما سبب غضب الله ولعنه وعقابه كبيرة ولذلك قسم الجناوني الكبائر إلى قسمين قسم معلوم وهو المذكور بعينه في الكتاب والسنة وقسم غير معلوم = (1/305)
صفحة 304
306
الجزء الأول
ويكون صغيرًا (1) وكلّ ما يكفّر بتركه. وكلّ من (2) وسعه ترك شيء مما يلزمه
يسعه جهله أيضا. فإذا ضيّق عليه التّرك ضيق عليه الجهل (3).
ـ في ما يسع جهله أبدًا
وأما الوجه الثالث الذي يسع جهله أبدا ما لم يتقولوا (4) على الله فيه الكذب فذلك (ه) أو يقارفوا ما حرم الله عليهم مثل قسم المواريث والقصاص ودقائق الربا وما أشبه ذلك مما يسعهم جهله أبدا). ولا يسعهم التقول (7) فيه على الله الكذب. فإذا قارفوا شيئًا مما حرم الله عليهم مقارفته عَصَوْا [3] الله علموا أو جهلوا (8).
وهو ما لم يذكر لا في الكتاب ولا في السُّنَّة ولكنّه ملحق به ومقيس عليه. انظر الجناوني عقيدة نفوسة 10 داود الثلاتي شرح العقيدة المباركة: 39. (1) الصغير والصغيرة هي كلّ ما كان دون الكبائر وهو ما سمّاه القرآن باللّهم قال تعالى (الَّذِينَ يجتنبونَ كَبَّرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَ) [النجم: 32]. والصغيرة عند الإباضية غير معلومة على سبيل التعيين. انظر السوفي: السؤالات 65 والحكمة من ترك تحديدها وبيانها أن لا يتجرأ الناس على ارتكابها. إلّا أنّ الصغائر تعظم باستصغار الذنب والإصرار عليه والشرور به والتبجح بارتكابه ولذلك قيل: لا صغيرة مع إصرار. انظر: السالمي: بهجة الأنوار 177/ 1. (2) في الأصل «ما». م. (3) أورد السوفي أيضا نفس الفكرة ومثل لذلك بالصلاة في أوّل الوقت وآخره. فإن الصلاة في أول وقتها لا يُكفّر بجهلها لأنه لا يكفر بتركها بخلاف الصلاة في آخر وقتها فإنّه يكفر بجهلها لأنه يكفر بتركها. انظر السوفي: السؤالات 222، 223.
(4) في الأصل «يتقاولوا».
(ه) في الأصل وذلك».
•
(6) لقد أورد كثير من علماء الإباضيّة هذه الوجوه | الثلاثة مع تفاوت في التوسع والتمثيل. عمروس بن فتح الدينونة الصافية،9، 10، أبو خزر: الرّدّ على جميع المخالفين 23، 24، أبو عمار: شرح الجهالات (178 - 181، الشوفي السؤالات 221 223 الجيطالي: قواعد الإسلام: 114/ 1، 115، قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة 276، 277.
(7) في الأصل «التقاول». (8) ورد عن جابر بن زيد أنه قال: «يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرؤوا من العلماء؟ إذا برثوا من راكبه» السالمي بهجة الأنوار: 42/ 1. وسئل = (1/306)
صفحة 305
كتاب التحف المخزونة
(1)
وكل من تقول على الله في دينه وقال فيه بما لم يأذن به الله فهو كافر ويكون كفره على وجهين: يكون شركا ويكون نفاقا. وكذلك [كلّ] من استحلّ ما حرم الله أو حرم ما أحل الله أو قال: إنّ الله أمره بما نهاه عنه أو نهاه عما أمره به وكذلك من قال: إنّ الله أنزل ما لم ينزله أو لم ينزل ما أنزله. فهذا كله ممّا يُبْلِغُ قائله إلى الكفر وإن كان في قوله هذا ردّ شيء من المنصوص فهو مشرك وإن كان ردّه بالتأويل وأقرّ بالتنزيل فهو منافق غير مشرك (2).
4 ـ في ما يسع جهله من الحرام وأما الذي يسع جهله من الحرام فقد قيل: إنه يسع جهل جميع الحرام ما خلا الشرك والاستحلال لما حرم الله والإصرار على ما حرم الله إذا علم أنه استحل ما حرم الله وأصرّ على فعل ما علم أنّ الله حرمه. ولا يسع جهل كفر هذا بعد المعرفة بالّذي استحله والذي أصر عليه (3).
محبوب بن الرّحيل عن تفسير هذه المقالة فأجاب: وذلك لو أن رجلا لم يعرف الخمر ولا الخنزير وما أشبههما مما حرم الله ورسوله وهو يحرمهما وسعه ألا يعرفهما بأعيانهما ما لم يأكل الخنزير أو يشرب الخمر أو يتول راكبهما أو يبرأ من العلماء إذا برثوا من راكبهما أو الش يقف عنهم». قصي: المنهج 20/ 2 والظاهر أنّ المراد عذر جاهل الحرام كالجهل بحرمة الخمر والخنزير ما لم يقدم على شرب من ذلك قطع عذره لأن الأصل ألا يفعل شيئًا حتى
يعرف حكم الله فيه. قال السالمي:
وواسع جهلك بالمحرم
جميعه ما لم عليه تُقدم.
بهجة الأنوار 53/ 1. ولذلك حكم امحمد اطفيش بالهلاك على من اضطر ولم يأكل الميتة حتى مات لتركه التنجية. انظر امحمد اطفيش: كشف الكرب 63/ 1. (1) في الأصل «تقاول». (2) لقد قسم أبو خزر من قبله المستحل إلى قسمين الرّاد للنّصّ: وحكمه أنه مشرك، والمتأول للنص: حكمه أنه كافر. ثمّ فسّر الجيطالي القسم الثاني من الاستحلال فقال: «أي يقول هو مسلم
وإن زنى». ثم روى عن محبوب بن الرّحيل التضييق على جاهل كفره. انظر الجيطالي: قواعد الإسلام 117/ 1. وانظر المحشّي: حاشية الوضع: 118. الشقصي: منهج الطالبين 530/ 1، 533. (3) قال أبو خزر: «يسع جهل جميع الحرام ما سوى الشرك والاستحلال لما حرم الله والإصرار
= (1/307)
صفحة 306
308
الجزء الأول
وأما الشرك فإنّه لا جهله ولا يسع فعله وجهل أن] عليه عقابًا وأنه
يسع
مساواة لله بغيره. ولا يسعه الشك في أنه جور وخطأ. فإن شك في هذا فهو مشرك. ومن شك في كفر من استحلّ ما حرم الله وفي كفر من أصر على ما حرّم يسع جهله. وأما إذا أصرّ على فعل ما لا يسع جهل تحريمه أو استحلّ يسع جهل تحريمه فهذا لا يسع جهل كفره على كل حال من الأحوال.
الله فهذا.
فعل ما لا
وقال الشيخ له: كلّ ما لزم فعله (1) لزمت (2) معرفة الفاعل له. وكل فعل يسع جهله من طاعة الله فلا جهل جاحدها يسع
لزمت معرفة فاعله. وكلّ ما لا وناكرها. فإذا شك في ذلك ضلّ وكفر.
ه ـ في أقسام الطاعة والمعصية
وطاعة الله كلها على وجهين فريضة ونافلة فأما الفريضة منها فهي على وجهين: توحيد وغير توحيد ومعصية الله أيضًا على وجهين: صغير وكبير. فالكبير منها على وجهين شرك ونفاق. فالسّرك كله مساواة (3). والنفاق كله خلف. وذلك
(4)
الخلف على وجهين: أحدهما نفاق خيانة والآخر نفاق تحليل وتحريم.
حترم
على ما الله ... » ثم بيّن أنه لا يسع جهل كفر المصرّ على معصية صغيرة كانت أو كبيرة لأنه عنود. وانظر أبو خزر الرّدّ على جميع المخالفين 22 23 وانظر مثل ذلك: المحشي:
حاشية الوضع 118. (1) في الأصل «الفعل به».
(2) في الأصل «لزم» وقد تكرر تذكير لزم.
(3)
من. علماء الإباضية من. عد الشرك ثمانية أقسام ومنهم من عده اثني عشر قسما. انظر الفرسطائي: مسائل التوحيد 4 الجناوني: الوضع 9، 26 وعقيدة نفوسة 8، السوفي: السؤالات 160، 178، الجيطالي: قواعد الإسلام،34/ 1 35، المحشي: حاشية الوضع: 8، 9، 16. (4) انظر الجيطالي قواعد الإسلام 38/ 1، 39 وعقيدة ابن جميع 9. والنفاق في مصطلح الإباضية هو الخلف والكذب إذ النّفاق نفاق خيانة يكذب ظاهره باطنه ويخالف فعله اعتقاده انظر: الفرسطائي: مسائل التوحيد 4 الجنّاوني: الوضع 27، أبو عمار: شرح = (1/308)
صفحة 307
كتاب التحف المخزونة
- في أقسام أهل الشرك
فأما أهل الشرك فهم على خمسة أصناف اليهود والنصارى والصابئون والمجوس والذين أشركوا فهم عبادة الأوثان. فإلى هذا كله يرجع أمر كل
من أشرك بالله وساواه (2) بغيره.
- في حكم من جهل حقيقة النفاق
وقد ذكر لنا أيضا شيخُنا الله له عن بعض من مضى أنه قال: لا يسع جهل النفاق إلّا أن يعلم أنّه خلف هكذا (3). وأما الذي عليه عامة أصحابنا والذي يروونه عن الشيخ أبي خزر الله عنه أنه يسع جهل جميع الحرام ما خلا الشرك والاستحلال والإصرار على ما فسرناه في صدر الكتاب.
?
ـ في وجوب معرفة التكليف
(0)
وقال أصحابنا أيضا على العباد معرفة الإنسان الملزم المأمور المنهي الذي ألزمه الله التكليف لفروضه وهو البالغ الصحيح العقل المتحمّل لمعرفته
الجهالات 239، السوفي: السؤالات،178 179 20، 253. أصول تبغورين: 21 - 24، المحشي: حاشية الوضع: 87 المصعبي: حاشية تبغورين: 21.
(1) في الأصل «عبادة». (2) في الأصل «ساوى». م.
(3) لم نعثر على من قال بذلك قبل المؤلّف أما بعده فقد أورد السوفي نفس الفكرة فقال: وقيل علينا أن نعلم أن النفاق خلف ومن لم يعلم أن النفاق خلف على قول من يلزم معرفته فقد كفر وعلى قول من قال إنّه يسع جهل جميع الحرام ما خلا الشرك والاستحلال لما حرم الله والإصرار على فعل ما. الله إذ ليس علينا أن نعلم أن النفاق خلف». التوفي: السؤالات: 160. وعلّل أبو عمار هذا الإلزام فبين أنّ الغرض منه التفريق بين النفاق والشرك. انظر أبو عمار: شرح الجهالات 239.
حرم
(4) يعني بهم الإباضية. وقد قال بمثل ذلك فيما بعد كل من الشوفي وأبي عمار. انظر: التوفي: السؤالات 116، أبو عمار: شرح الجهالات 214 أما قبله فلم نعثر على شيء من ذلك.
(ه) في الأصل «الملزوم». وهذا جار استعماله عند المغاربة. م. (1/309)
صفحة 308
310
الجزء الأول
المستوجب لأمر الله ونهيه ومن جهله كان كافرا. وأما فرز كفره فالله أعلم به
(1)
وأحكم [4]. وقد روى الشيخ أبو مسعود صابر بن عيسى عن أبي نوح
سعيد بن زنغيل (2) أنّه قال: كفره نفاق لا كفر شرك. فالله أعلم وأحكم.
9 ـ في وجوب معرفة كفر من نقض عقائدنا
وقال أصحابنا أيضا: لا يسع جهل [كفر] (3) الناقضين لما في أيدينا مما ندين به من دين ربنا). فإنّه قيل لا تصح له المعرفة بدينه أنه صواب والكون عليه والتمسك به حتى يعلم أنّ النّجاة فيه والتمسك به والموت عليه وأنّ خلافه خطأ وهلاك وباطل. فإذا شك في هذا أنّه خطأ أو صواب أو كفر أو ضلال ... ) ذلك الشك في دينه أنه صواب وأنّه إيمان وإسلام ودين وأنّ النّجاة فيه أو في خلافه. ومن شك فيما ندين به أنه صواب أو خطأ أو فيه النجاة أو في غيره فليس هو على شيء منه (6).
(1) انظر ترجمته فيما سبق.
(2) انظر ترجمته فيما سبق.
(3) أضفنا هذه الكلمة ليستقيم المعنى.
(4) ذكر أبو سته في كتابه حاشية الوضع، 60، أن. عيسى بن يوسف المديوني أوجب معرفة كفر الناقضين لما في أيدينا عند البلوغ خلافا لأبي الربيع سليمان ابن يخلف الذي لم يوجب
يسع جهل
ما وراء
معرفة ذلك إلا عند السماع أو الخطور بالبال. وقد فسّر الوارجلاني هذه العبارة «لا. كفر الناقضين لما في أيدينا» فقال: «معناه أن تعلم أنه أتى حرامًا لا غير وبشرط أن يكون الناقض إنّما ينقض ما أوجبه الله علينا دينا ـ أي مما أمرنا باعتقاده دينا - وأما نقض. ذلك مما يسوغ فيه اختلاف العلماء فلا وبشرط أن يعتقد أنّ هذا النقض دين الله عنده وأما ما كان برأي فالرأي عجز» الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 1، 20/ 2. ونسب السوفي القول بالتضييق على جاهل كفر النّاقض لما في أيدينا إلى أبي خزر انظر السوفي: السؤالات: 14. (ه) نقص في الأصل. م.
(1) قال كثير من الإباضية على المرء فرز مذهبه من المذاهب كلها كما يفرز طريق داره في ليلة ومطر. وفرزه كما وضحه المؤلّف. ا هو علم أن ذلك صواب وحق وأنه النجاة
مظلمة
وريح (1/310)
صفحة 309
كتاب التحف المخزونة
311
الباب الرالي
في الولاية والعداوة
1 - في حكم الولاية والبراءة
وسألته (1) عن الولاية والبراءة فقال (2): اعلم أن الولاية والبراءة من الإيمان
المُصَيَّقِ، لا. جهلهما ولا تركهما (3) وهما فريضتان على العباد. يسع
والدليل على فرضهما وإلزامهما قول الله وعل لنبيه: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: (19 (9)، وقال أيضا: {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] فثبت بذلك أن التراحم والاستغفار للمسلمين واجب على العباد. وقال أيضا: لَا نَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ} [الممتحنة: 13] وقال في موضع آخر: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَ الله} [المجادلة: 22)
وعليه القواب وخلافه خطأ وباطل وعليه العقاب. انظر الفرسطائي: تبيين أ أفعال العباد 128/ 3، السوفي: السؤالات 14 الوسياني: السير 161. والملاحظ أن الإباضية متفقون على أن كل ما وسع جهله وقامت به الحجة يتحوّل إلى ما لا. يسع جهله. يقول التوفي في السؤالات، 105: ومن قول المسلمين إذا قامت الحجّة بما يسع صار بمنزلة ما لا يسع». (1) أي شيخه أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي أو المراد أن أحد التلاميذ الجامعين للكتاب هو الذي سأل المؤلّف فأجاب.
(2) نجد فوق «فقال» حرف «خ» ومعنى ذلك أنه أثبت هذه الكلمة من نسخة ثانية. (3) لقد ذكرهما من قبل ضمن المسائل التي لا يسع جهلها طرفة عين ولذلك عدهما من الإيمان المضيق والإباضية يعتبرون أنّ وسائل حفظ الدين ثلاثة أمور سموها «حرز الدين» وهي: الولاية لمن علمت منه خيرا والبراءة ممّن علمت منه شرا والوقوف فيمن لا تعلم حتى تعلم. انظر الجنّاوني: الوضع 30 عقيدة نفوسة: 6. وقيل الحرز الثالث هو ترك المعاصي. يقول أبو عمار في كتاب شرح الجهالات 316 من تولى أولياء الله وتبرأ من أعداء الله وترك معاصي الله وكل فقد أحرز دينه. (4) ونص الآية: {فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ ومنونكم. (1/311)
صفحة 310
312
الجزء الأول
إلى آخر الآية، وقال: {وَمَن يَتَوَكَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51] فثبت بهذا أنّ الله حرم ولاية الكافرين ونهى عنها. وفي تحريمه لولاية الكافرين والنهي عنها ما يثبت أن الله أمر بالبراءة منهم (1) وألزمها. وفي إثبات أن الله نهى عن ولاية الكافرين أيضا ما (2) يثبت أنّ الله أمر بولاية المسلمين لأن الأمر بالشيء هو النهي عن ضده والنهي عن الشيء هو الأمر بضده.
2 ـ في أقسام الولاية
والولاية على وجهين ولاية الجملة وولاية الأشخاص.
2 - 1 ـ في حقيقة ولاية الجملة
فأما ولاية الجملة فهي] (3) أن توالي المسلمين هكذا من غير قصد إلى أحد بشخصه وهي فرض على العباد والعمل بها توحيد والترك لها شرك وجحودها وإنكارها وجهلها أنها فرض شرك (4). ومن جهل أنّ الله أوجب عليها ثوابا وعلى تركها عقابًا ضلّ وكفر أيضا.
2 - 2 ـ في ولاية الأشخاص: حقيقتها وقسماها
وأما ولاية الأشخاص [فهي] (5) أن يقصد إلى كل شخص بعينه. وذلك أيضا على وجهين يكون توحيدا (6) أو غير توحيد. فأما من قصدت إلى ولايته
(1) في الأصل ببراءتهم». وتقارب الرسم هو الذي أوقع الاشتباه. م. (2) في الأصل «مما» خطأ وهو من الناسخ.
(3) أضفنا هذه الكلمة إلى النّصّ ليكتمل المعنى. م. (4) وذلك لأنه اعتبر معرفة ولاية المسلمين مما لا.
والموسعين.
(5) أضفنا هذه الكلمة ليستقيم المعنى. م.
يسع جهله. وقد عرضنا موقفي المضيقين
(6) في الأصل «توحيد» ..
م. (1/312)
صفحة 311
كتاب التحف المخزونة
213
من المعصومين فتولّيته فولايته توحيد وترك ولايته شرك إذا وجبت ولايته. والجهل بها أنّها دين شرك وجحودها وإنكارها أيضا كفر.
وأما ولاية غير المعصومين ممن تجب ولايته بما يظهر لنا منه من الصالحات فولايته فرض غير توحيد وتركها كفر غير شرك. والإنكار لها والجهل أنها فرض كفر غير شرك. وكذا الجهل بأنّ الله أوجب على العمل بها
ثوابا كفر غير شرك (1).
3 ـ في أقسام البراءة
والبراءة أيضا على وجهين براءة الجملة. وبراءة الأشخاص. [5]
فأما
- 1 - براءة الجملة
براءة الجملة فبراءتك للكافرين هكذا وهي أيضا توحيد. والترك لشيء من ذلك شرك. والجهل بأنّ الله أمر بها شرك. والجهل بأنّ الله أوجب
على العمل بها ثوابا كفر والإنكار لوجوبها وفرضها أيضا شرك.
- 2 - براءة الأشخاص
وبراءة الأشخاص أيضا على وجهين منها توحيد ومنها ما ليس بتوحيد.
فبراءة كلّ من جاء الخبر به من عند الله أنه كافر مثل فرعون وهامان وقارون فبراءته توحيد وولايته شرك. وأما من وجبت براءته علينا مما ظهر لنا الأعمال الخبيثات فبراءة هذا أيضا طاعة غير توحيد والترك لبراءته
منه من
(1) يلاحظ أنه فرّق بين المحدث في ولاية الجملة وبين المحدث في ولاية الأشخاص. فقد كفر المحدث في ولاية الجملة والمعصومين كفر شرك وحكم على المحدث في ولاية غير المعصومين بكفر النّفاق. ويسّر على من جهل أنّ الله أوجب على العمل بولاية الجملة ثوابا وعلى ترك العمل بها عقابا فحكم عليه بكفر النعمة. (1/313)
صفحة 312
314
الجزء الأول
بعد وجوبها أيضا كفر غير شرك. والإنكارُ لفرض براءة هذا والجهل لفرض براءته بعد وجوبها كُفْرٌ. وتضييع شيء من الولاية والبراءة لا يكون إلا كبيرا. 4 - في حقيقة الولاية
وأصل الولاية وعينها وعلّتها ونفسها بين العباد الاستغفار والترحم
للمسلمين.
والعلة التي تجب بها بين العباد معرفة الأعمال الصالحات. وهي لا تتم لمن وجبت عليه إلا بحب من القلب واستغفار باللسان. ولا يجزي أحد المعنيين دون الآخر. وقد قيل عن بعض أصحابنا قول غير ما ذكرنا".
فالله أعلم وأحكم.
ه ـ في حقيقة البراءة
وأصل البراءة أيضا وعينها وعلّتها ونفسها بين العباد البغض بالقلب والشتم باللسان. ولا يكون بأحدهما دون الآخر وقد قيل فيها قول غير ما ذكرنا. والله أعلم وأحكم.
والعلة التي تجب بها البراءة أيضا معرفة الأعمال الخبيثات.
6 - في حكم المخل بالولاية أو البراءة
[و] التضييع لشيء من البراءة لا يكون إلا كبيرا. ومن تبرأ ممن لا تحلّ براءته كفر. ومن تولّى من لا تحلّ له ولايته أيضا كفر. ومن ضيع إحداهما بعد فرضهما ووجوبهما كفر أيضا.
(1) انظر ابن جعفر: الجامع،1، 105. فقد نقل عن وائل بن أيوب الحضرمي (من علماء القرن الثاني) أن الولاية محبّة ومؤاخاة وحسن ظنّ وثناء ودعاء بالخير في الدنيا وطلب السعادة في الآخرة. (1/314)
صفحة 313
كتاب التحف المخزونة
315
6 - 1 ـ الوقوف: حقيقته ومحله وحكمه
عن
والوقوف أيضا فرض واجب. وعينه وعلّته أصله ونفسه الإمساك. الإمضاء. وعلة وجوبه أيضًا معرفة الشخص الذي لا يُعْلَمُ منه إيمان ولا كفر. رأى شخصا بالغا صحيحَ العقل لا يَعْلَمُ منه إيمانا ولا كفرًا وجب عليه الوقوف فيه والإمساك عنه. فإن أمضى فيه فتولاه أو تبرأ منه على هذا الحال فقد ضل وهلك في قول المسلمين.
ومن
والدليل على فرض الوقوف ووجوبه قول الله وَجَال: {وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ به علم) [الإسراء: 36) وقوله أيضا: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَا فتبينوا) [الحجرات: 6] وقوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) إلى قوله: (وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]. فلما نهاهم عن القول بغير علم ثبت بذلك أنه أمرهم بالإمساك عنه. وذلك أن النهي عن الأمر بضده. وضدّ الولاية العداوة. وضد العداوة الولاية. وضدّ
هو
الشيء الإمضاء الإمساك. ووقت وجوبه وفرضه عند معرفته الشخص [الذي] لا يُدْرَى منه كفر ولا إيمان.
6 - 2 - في الولاية والبراءة والوقوف
سألت عن الولاية والعداوة والوقوف هل يقال: هي في أنفسها علم أم جهل؟ الجواب في ذلك أنها لا يقال فيها علم ولا جهل ولكنها بالعلم تكون"). ومن تولى الناس كلهم أو تبرأ منهم //6/ كلّهم أو وقف فيهم كلهم فهو مشرك، لأنّ من تولاهم كلّهم فقد تولّى الكافرين عند الله، ومن تبرأ منهم
(1) ونص الآية: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ).
(2) في الأصل «هم في أنفسهم ... في ذلك أنهم لا يقال فيهم ... ولكنهم ... يكونون». م. (1/315)
صفحة 314
316
الجزء الأول
كلّهم فقد تبرأ من المسلمين عند الله ومن النبيين والمرسلين وغيرهم، ومن وقف فيهم فقد وقف في المسلمين والنبيين والمرسلين ووقف في الكافرين أيضا. وهذا كله مما يشرك به فاعله ومن تولّى الكافر هكذا أو تبرأ من المسلم هكذا بالوصف فهو مشرك. وسواءٌ في ذلك الكافر والكافرون والمسلم والمسلمون).
V
- في ما يقال للمسلم وللكافر
وذلك عن الشيخ عنه أنه يقال للمسلم من أهل الجنة عندي. وكذلك يقال للكافر من أهل النار عندي. وأمّا عند الله فلا إلّا من جاء فيه الخبر أو صح أنه من أهل الجنة أو من أهل النار عند الله.
وكل من وجبت عليك ولايته فعليك معرفة أنّ الله أمرك بولايته. ويجوز أيضا أن يقول: إنّ الله أحلّ لي ولاية هذا الرجل المسلم عندي وإن كان عند الله على خلاف ما كان عندي. وكذلك المتبرّي أيضا على هذا العيار والوزن.
وروي
- في حكم من تبرأ من أبي بكر وعمر وقيل أيضا من قال هكذا برئت من أبي بكر وعمر فهو كافر بهذا القول. أيضا عن يونس بن سابال (2) عن سعيد بن زنغيل (3) الله جواب في هذه المسائل الأربعة: من قال هكذا أنكرت موسى وعيد فهو مشرك عندنا، و «المعبود من أسماء الله تعالى ومن وردت عليه صفة من صفات الله تعالى وعلم أنّ الله يوصف بتلك الصفة فلا بأس عليه أن يصفه بها وإن لم يعلم تفسيرها، وهذا رخصة
من
الشـ
(1) في الأصل الكافرين» و «المسلمين». م.
(2) لم نعثر على ترجمة.
(3) انظر ترجمته فيما سبق.
،، ومن تربّى على فطرة الإسلام (1/316)
صفحة 315
كتاب التحف المخزونة
317
فلا يضيق عليه أن ينطق بالتوحيد عند حال البلوغ إذا عرف الله بقلبه. وأمّا الذي حفظناه عن شيخنا: إذا قامت عليه الحجّة أنّ الله يوصف بصفة من صفاته فلا يسعه إلّا أن يصفه بتلك الصفة ويعلم معناها وتفسيرها. وكذلك من وردت عليه صفة ممّا يوصف الله به إذا فهمها بلغته فلا يسعه إلا أن يصف الله بصفته ويعلم أنه كذلك وينفي عنه صفةَ الخَلْقِ).
ـ في الأطفال وأحكامهم
وسألت عن الأطفال هل تجوز عليهم الولاية والعداوة والوقوف؟ الجواب في ذلك أن أطفال المسلمين مسلمون عندنا ومن أهل الولاية. وأطفال الكافرين وجميع من ليس من أهل الولاية فالكف عن أولايتهم واجبة] (3). ومن تبرأ من. جميع الأطفال فهو ضال. وعبيد المتولى إذا كانوا أطفالا فيهم قولان قال بعضهم فيهم بالولاية وقال بعضهم فيهم بالوقوف. وكذلك الموالي إذا كانوا أطفالا إذا كان من أعتقهم من أهل الولاية فيهم قولان: قال بعضهم بالولاية لهم وقال بعضهم بالكف عنهم.
وابن الأمة (3) إذا كانت مسلمة يُتَوَلّى بولاية أمه وكذا التي أسلمت من الشرك ولها أولاد أطفال أنّها تجرّهم إلى الإسلام ويتولون أيضا بولاية أمهم. وولد الحرّة المسلمة إذا كان أبوه عبدا يتولّى // بولاية أمه أيضا. والمولى إذا أعتقه رجل من أهل الجملة ورجل من أهل الولاية وهو طفل أنه يتولّى.
(1) هذه المسألة متعلقة بباب ما لا يسع جهله وقد أوردها بصفة عرضية ضمن المسائل الأربع
المروية عن سعيد بن زنغيل.
(2) أصل الجملة وأطفال الكافرين وأهل الجملة وجميع من ليس من أهل الولاية فالكف
مشكلة فلتتأمل. م.
عنهم». وهي (3) في الأصل «أمة». م.
(4) في الأصل «يقولون». (1/317)
صفحة 316
318
الجزء الأول
وأما المشرك من العبيد الأطفال بين المتولّى وغيره فالكف عنه. ومن ارتد إلى الشرك وهو من أهل الولاية فأولاده (1) في منزلتهم الأولى من الولاية وإن رجع إلى النّفاق فالكف عن أولاده الأطفال.
عنهم.
وأطفال المسلمين إذا بلغوا ولم يعلم منهم كفر ولا إيمان فالكفت فإن علم منهم إيمان فهم على حالتهم الأولى من الولاية. فإن علم منهم كفرٌ بُرِئَ منهم. وإن تشابه عليه بلوغهم ولم يتبيّن أنّهم بلغوا أم لا فهو على أصله فيهم من الطفوليّة حتّى يعلم أنّهم قد بلغوا. وإن قالوا له في حين ما تشابه عليه بلوغهم قد بلغنا حُكِمَ عليهم بحكم البالغين فليس (3) علينا ولايتهم هكذا جملة إلّا ما قامت به الحجة علينا. وعن من جُنَّ (3) في حال الطفولية ولم يصح له عقل الجواب في ذلك أن حكمه حكم الأطفال. فإذا كان أبوه ره مسلما فهو في الولاية وإن كان أبوه كافرا
ومن لا يعلمه فالكف عنه.
وولاية المرء لنفسه واجبة وولاية أطفاله عليه أيضا واجبة وولاية عبيده ومواليه الأطفال عليه واجبة.
الأطفال
ومن أسلم من الشرك رجلا [كان] (4) أم امرأة أُلْحِق أولاده به في الولاية وفي الأحكام كلّها.
فإن قال لأي علة يحلّ بها الأطفال ممن ليس لهم ذنب؟ وهم
سبي
الجواب في ذلك أن علة. سبيهم لثلاثة أوجه أحدها ليجرهم إلى الإسلام
(1) في الأصل «فأولادهم».
(2) في الأصل «وليس». م.
(3) في الأصل «تجنّن». م.
(4) في الأصل «رجل أم امرأة». م. (1/318)
صفحة 317
كتاب التحف المخزونة
319
فيكون ذلك سببا لدخولهم فيه وذلك أنفع لهم. والوجه الآخر نظر لهم حين
قتل آباؤهم لئلا يموتوا هزلا. والوجه الثالث تقوية لبيت مال المسلمين)
10 ـ في موجبات الولاية وعللها
(1)
وسئل عن الولاية لِمَ كانت ويم كانت وعلى من كانت ولمن تجب وعلى من تجب؟
الجواب في ذلك أنّها إنّما وجبت على من والى ووجبت لمن يتولّى فكانت بالاستطاعة وبالاستطاعة كانت الأعمال كلّها: الولاية وغيرها وكانت أيضا لعلة الثواب من فاعلها.
فإن قال: من أوجد الولاية ومن أوجبها؟ وهل تجب ولم توجد أو توجد
ولم تجب؟
الجواب في ذلك أنّ قولك من أوجدها» يحتمل معنيين: إن كنت تريد من أوجدها»: من خلقها أو أخرجها من العدم إلى الوجود فالله أوجدها على هذا المعنى وهو الذي أوجد الأشياء كلّها وأخرجها من العدم إلى الوجود. وإن كنت تريد بقولك من أوجدها من والى فالعبد هو الذي والى ولم يخلقها ولم يخرجها من العدم إلى الوجود وأمّا الذي أوجبها على العباد فهو الله. فهي تجب ولا توجد وتوجد ولم تجب. ومن أوجدها ولم تجب عليه ضل. ومن وجبت عليه ولم توجد منه ضلّ أيضا عند المسلمين. والبراءة أيضا على هذا العيار والوزن الجواب فيهما واحد.
11 ـ في وجوب الاستتابة وعن متولّى فعل الكبيرة فإنّه يبرأ منه واستتابته واجبة [و] إلّا كنا مثله.
(1) نقل السوفي نفس التعليلات في السؤالات 241، والسالمي، المشارق، 409. (1/319)
صفحة 318
320
الجزء الأول
فإن تاب رجع // إلى منزلته الأولى من الولاية. وإن أصر فهو في البراءة. فإن تاب قبل أن يبرأ منه فلا يبرأ منه بعد التوبة والاعتراف مما وقع فيه. واستتابته من الذنب الصغير أيضًا واجبة إلّا أنّه لا يكون بتضييعه لاستتابة المتولى من الذنب الصغير كتضييع استتابته من الذنب الكبير.
وأما من فعل كبيرة من أهل الجملة فالبراءة منه واجبة. وإن تاب قبل أن يبرأ منه لم تقبل توبته والبراءة منه واجبة. وذكر شيخنا رخصة أيضا في هذه المسألة أنّ من فعل كبيرة من أهل الجملة فبرئ منه فاستتيب من ذلك فتاب فإنه يردّ إلى منزلته الأولى من الوقوف. ومن قال بهذا القول يقول أيضا إن سبقه إلى التوبة قبل أن يبرأ منه فلا يبرأ منه بعد التوبة وهو في منزلته الأولى من الوقوف. وذكر شيخنا أيضا ولي الله عن الشيخ أبي زكريا) له في متولّى فعل كبيرة من الكبائر أنه لا يبرأ منه حتى يستتاب. فإذا تاب فهو في منزلته الأولى من الولاية. وإن لم يتب وأصرّ بُرئ منه أيضا بعد ذلك إلا في فاحشة الزنّا. فإنّه يبرأ منه في حين فعله لذلك. ثمّ يستتاب. فإن تاب رجع إلى منزلته الأولى. وإن أصرّ وأبى من التوبة ترك في البراءة.
ومن نسي متولّى (3) له أو متبرأ منه [عنده] (3). الجواب في ذلك أنّ الرجوع عن العلم لا يسع في جميع دين الله). ولا يسعه نسيان متولّى له ولا متبرأ منه). وقد قيل في هذا قول غير ما ذكرنا. والله أعلم وأحكم.
(1) انظر ترجمته فيما سبق. (2) في الأصل «متوليا».
(3) في الأصل «له» فاستبدلناها بـ «منه» وأضفنا «عنده».
ثم
(4) الرجوع عن العلم هو معرفة شيء مما يلزم علمه: نسيانه كان. يعرف المكلّف نبيا أو رسولاً أو ملكًا أو اسمًا من أسمائه تعالى أو صفة من صفاته ثمّ ينسى شيئًا من ذلك. انظر قاسم
الشماخي: شرح اللؤلؤة: 268.
(ه) في الأصل «له». (1/320)
صفحة 319
كتاب التحف المخزونة
321
12 ـ في البراءة من المسلم
ومن قال للمسلم: يا عدو الله أو يا كافر أو يا ضال أو يا فاسق فهذا كله براءة يضل به قائله للمسلم. ومن قال للمسلم أن لك أو بعدا لك أو سحقا لك أو تعسًا لك أو قال له اخسر فهذا كله براءة منه للمسلم. وكذلك لو قال له: ذمّك الله أو قاتلك الله أو لعنك الله أو أخزاك الله أو أضلّك الله فهو أيضا كله براءة. ومن قال أيضا للمسلم يا قرد أو يا خنزير أو يا إبليس أو يا شيطان أيضا مما يضلّ به قائله للمسلم ولطفله.
فهو
وذكر عن الشيخ أنه قال: من تولّى بشريطة أو تبرأ بشريطة فليس هنا
ولاية أو براءة.
الله
13 - في حكم المتبرئ من ودينه وملائكته والمسلمين ومن قال: هكذا برئت من الله أو برئت من دين الله أو برئت من المسلمين أو برئت من الملائكة فهو مشرك. ومعنى البراءة في هذا الموضع إنكار جميع ما ذكرنا.
ومن أقرّ على نفسه بالسرقة أو بفعل كبيرة من الكبائر أو شيء من خصال الكفر برئنا منه بذلك. [و] من موجبات البراءة رمي أحد من المسلمين بشيء مما ذكرنا فإنّه يبرأ منه بذلك.
وعن ثلاثة نفر رأوا رجلا من أهل ولايتهم قارف ذنبًا كبيرًا وهو مما يسع جهله فلا يدرون ما بلغ به فعله ذلك فوقف فيه أحدهم بذلك الفعل وتولاه الآخر على ذلك الفعل وتبرأ منه الآخر على ذلك الفعل، الجواب ذلك: أنّ من تولّاه على فعل كبيرة من الكبائر فهو ضال، ومن وقف فيه وأخرجه من منزلته الأولى من الولاية فهو ضال أيضا، ومن تبرأ منه على الفعل الذي لا يدري ما بلغ فاعله فقد قيل أنه خطأ لا يهلك به. وذُكِرَ في (1/321)
صفحة 320
322
وأحكم
الجزء الأول
كان من
الكتاب (1) أنّه /9/ يهلك بتقدّمه بالبراءة ممّن (2) لا تحل له. والله (3) أعلم). والّذي) أقول به في هذا وفي كلّ من فعل ما لا يدري أهل الولاية نمسكه في الولاية بما تقدّم له عندنا من الإيمان قبل هذا الفعل ونمسك عن الفعل حتّى يتبيّن لنا ما بلغ به فعله.
ومن أخذ تحريم شيء ثم رأى فاعله لا يضيق عليه تكفيره وإن كان مما يکفر به فاعله. وأما إن أخذ أنّ هذا الفعل كبيرة من الكبائر فرأى من يفعله
فلا يسعه إلا أن يبرأ منه فإن لم يبرأ منه فهو كافر مثله.
:
وقال الشيخ به ثلاثة إذا كان أحدهم كانوا: كبير وكفر () ووجوب العقاب (). وكلّ ما يجب عليه العقاب فهو كبيرة وكفر. وكلّ كفر كبيرة
والعقاب عليه واجب. وكلّ كبيرة كفر والعقاب عليها واجب.
14 - في طرق البراءة:
والبراءة لا يكون فيها حجّة إلّا أمينان ومن تبرّأ بواحد فهو ضال. وكذلك كل من تبرّأ بغير حجّة ممّن لا تجب عليه البراءة فهو ضال. ولا تجب البراءة
(1) لا ندري لمن هذا الكتاب لأننا لم نجد من عرف به وحقق نسبته إلى شخص بعينه.
(2) في الأصل «فيمن». م. (3) في الأصل «فالله أعلم».
(4) نقل التوفي نفس الجواب في هذه المسألة انظر كتابه السّؤالات 243 وانظر كذلك الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 2، 166/ 3.
(ه) في الأصل «فالذي». (1) في الأصل وكفروا». م.
(7) فسّر الوارجلاني وجوب العقاب باقتضاء الحكمة الإلهيّة ووصول العقاب إلى مستحقه لأنّ الله لا يجب عليه شيء بل هو الموجب. انظر الوارجلاني الدليل والبرهان 64/ 1، 65. وفي ص 67 من نفس الكتاب يقول: «فالّذين قالوا إنّ الثّواب حتم على الله أساؤوا الأدب إنما كان ينبغي لهم أن يقولوا حتم في واجب الحكمة». (1/322)
صفحة 321
كتاب التحف المخزونة
323
إلا برجلين مسلمين حرّين أو رجل وامرأتين مسلمتين أمينتين. ومن تبرأ بغير ما ذكرنا ممن لا تجب به البراءة فهو ضال. فكل من رأيته من لا تدري منه كفرا ولا إيمانا وهو بالغ صحيح العقل فلا تتوله) بغيرك حتى تتبين منه الإيمان بنفسك. وأما من عرفته بالصلاح أو لا تعرفه بخير ولا شرّ تحلّ لك البراءة منه بأمينين إذا شهدا عليه بالكفر على وجه ما تجوز شهادتهما عليه.
15 ـ في طرق الولاية
ومن شهد عليه أمينان أنه مسلم تولّيناه إذا لم نعرفه بخير ولا شرّ. ومن عرفناه بالشرك فجاء عنه أمينان فشهدا أنه خرج من شركه وتاب منه ووحد ربه وأقر به وجبت علينا ولايته.
ورجل من أهل الخلاف إذا كان من أهل الديانة وكان لم يمنع من ولايته إلا ما كان عليه من خلافه للمسلمين فإنّه يتولّى إذا تاب من خلاف المسلمين ورجع إلى دينهم.
وكل من كان عندك في الكفر فلا يخرجك منه عندك إلا معاينة الإيمان منه بنفسك لا بغيرك.
ومن أفتى كلّ ما يكفر به فاعله فهو كافر فعل المفتى له أو لم يفعل في حين فتياه لذلك (2). وقال الشيخ الله الله من أفتى مسألة وهي خطأ ولم يعلم
(1) في الأصل «فلا تتولاه».
(2) أي من أفتى بحرام فقد ضل عمل المفتى له بتلك الفتوى أو لم يعمل على شرط أن يكون متعمدا كأن يفتي في مسألة يجهل حكمها أو يتعمّد الإفتاء بالحرام طمعا في كسب مادي وقد جاء في الحديث: من أفتى مسألة أو فسّر رؤيا بغير علم كان كمن وقع من السماء إلى الأرض فصادف بئرا لا قعر لها ولو أنّه أصاب الحق». أخرجه الربيع بن حبيب في الجامع الصحيح حديث رقم 35 باب 5 في طلب العلم لغير الله جل وعلماء السوء. وقد أخرج أبو داود والدارمي
ما يقرب من الصيغة غير أنهما لم يذكرا تفسير الرؤيا. أبو داود: العلم 8 والدارمي مقدمة: 17. (1/323)
صفحة 322
324
الجزء الأول
بذلك ثم علم بعد ذلك ولم يجد من أفتاها له فلا بأس عليه إن تاب من
ذلك
أن يستشهد أمينين أنه تاب من ذلك
عنه. ونزع
16 - في الخير والشر
وسألت عن المشهور في الخير هل تجوز براءته بشهادة الشهود؟ الجواب في ذلك أنّ المشهور في الخير لا يبرأ منه بشهادة الشهود وإن كثروا. وكذلك المشهور في الشّرّ لا تجوز ولايته بشهادة الشهود وإن كثروا وتجوز براءته وإن لم يشهد عليه الأمناء. وكذلك المشهور في الخير تجوز ولايته بإشهاره وإن لم يشهد عليه الأمناء. ومن تولّى المشهور في الشّر ضلّ
وكذلك من تبرأ من المشهور في الخير.
17 - في البراءة من جماعة فيهم متولّى ومن قال: برئت من هذه الجماعة كلّها وفي الجماعة رجل متولّى [ف] أنه يبرأ منه). وكذلك من قال برئت من القبيلة كلها وفيهم أهل الولاية من الأطفال أو فيهم من لا يستحق البراءة /10/ من الأطفال والمجانين فإنّه يبرأ منه.
وقال أيضا (3): من حكى عن متولى كبيرة فإنّه يبرأ منه. وكذلك رجل أو رجلان أو أكثر من ذلك من أهل الجملة إذا حكوا (3) كبيرة عن متولّى وبرؤا منه فإنّه يبرأ منهم جميعا. وأما رجل متولّى إذا حكى كبيرة عن رجل من أهل
مج
2، 167/ 3، 168
(1) انظر الوارجلاني: الدليل والبرهان. (2) يحتمل أن تكون «وقال أيضا» للناسخ كما يحتمل أن تكون لجامعي الكتاب، وهم تلاميذ المؤلّف، أو أنّ العبارة للمؤلّف نفسه فتكون المسألة مرويّة عن شيخه أبي عبد الله
محمد بن بكر الفرسطائي.
(3) في الأصل «حكى». (1/324)
صفحة 323
كتاب التحف المخزونة
325
الجملة وبرئ منه فليس عليك منه شيء) إلا إن علمت أنه تبرأ منه على ما لا يستحق عليه البراءة. فحينئذ يبرأ من ذلك المتولّى.
18 ـ في الأخذ بقول العالم في صفة الفعل وأحكام ذلك ومن أخذ عن عالم واحد إن فعل هذا الفعل يبرأ منه على ذلك وقبل ذلك منه فإنّه يبرأ من كل من رآه يفعل ذلك الفعل. وأما إذا لم يأخذ ذلك عن عالمه فرأى من يفعل ذلك الفعل فسأل عالما واحدا فأفتاه أنه يبرأ منه بذلك الفعل فلا يبرأ منه إلا بشهادة أمينين على ذلك الفعل أنه (3) مما يبرأ منه. وبذلك تقوم الحجة عليه وينقطع عذره.
وكل من شهد على شيء من براءة رجل أو ولاية رجل أو شهد على مال أو دم ثم رجع عن شهادته وأقرّ على نفسه ... (3) فإنّه يبرأ منه.
19 ـ في استتابة فاعل الكبيرة
وسئل عن متولّى فعل كبيرة من الكبائر هل يجوز ... (4) في استتابته إذا قال: تُبْتُ من ذنوبي، هكذا ولم يقصد إلى الذنب الذي برئ منه أو حتى يقصد بالتوبة إلى الذنب الذي فعله. الجواب في ذلك: أنه لا يجزيه إلّا القصد بالتوبة إلى الذنب الذي فعله فيما بيننا وبينه. وقيل في هذا قول (9) غير ما ذكرنا، والله أعلم وأحكم.
(1) في الأصل «شيئًا»
(2) في الأصل «أنّ». م.
•
(3) نقص في الأصل. م.
(4) نقص في الأصل. م.
(ه) في الأصل قولا وقد أورد كل من الوارجلاني والسوفي هذه المسائل أو بعضا منها انظر: الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 2، 163/ 3، 164، 166، 167، السوفي: السؤالات: 46، 109،
1، 242 - 24372 - 170، 110 (1/325)
صفحة 324
326
الجزء الأول
20 ـ في شهادة عدلين على جماعة
وسألت عن [شهادة]) رجلين أمينين على جماعة هل تجوز شهادتهما أم لا؟ [و] قد قيل في هذه المسألة قولان: قال بعضهم تجوز شهادتهما على الجماعة، وقال بعضهم لا تجوز شهادتهما على الجماعة حتى يقصدا كلّ
رجل
وحده (2).
21 - في الولاية والبراءة بعد الموت
وعن رجل صالح مات على الوفاء عندنا إذا شهد عليه أمينان بالكفر ففيه قولان أيضا قال بعضهم يبرأ منه وقال بعضهم: من مات على الوفاء عندنا لا تقبل فيه شهادة الشهود بعدما مات على الوفاء.
وذُكر في جوابات الإمام (3) الله أن لا يبرأ من مسلم وإن شهد الشهود على براءته حتى يكون حاضرًا يدفع عن نفسه.
وهو
ومن رأى رجلا يفعل فعلا لا ما يدري هو فمات الفاعل على ذلك الفعل مما يبرأ به منه فإنّه يبرأ منه. وكذلك من ضيّع براءته إذا وجبت عليه حتى مات فإنّه يبرأ منه بعد موته ويتوب من تضييعه لبراءته. وكذلك من ضيع ولاية من رأى له ما يتولاه عليه حتى مات فإنّه يتوب من تضييعه
لولايته ويتولاه بعد موته.
(1) سقطت هذه الكلمة من الأصل. (2) لم نعثر على من قال بذلك.
(3) لعله الإمام عبد الوهاب بن رستم ثاني خلفاء الدولة الرستمية: (171 - 787/ 190 ـ 806) له جوابات أورد بعضا منها صاحب الأزهار الرياضية. وقد جمعت جوابات الأئمة: عبد الوهاب وأفلح ومحمد بن أفلح في سفر واحد توجد نسخة منه بالمكتبة البارونية بجربة. انظر ترجمة الإمام عبد الوهاب وبعض جواباته في كتاب الأزهار الرياضية لسليمان الباروني 151/ 2 - 220. (1/326)
صفحة 325
كتاب التحف المخزونة
327
ورجل تبرأ من رجل على فعل ولم يعلم المبرأ منه ما بلغ به ذاك الفعل أو لا يدري أيبرأ منه أم لا. الجواب في ذلك أنه يكون في منزلته الأولى ويقف على الفعل فإن علم منه أنّه يبرأ منه على ما لا يستحق عليه البراءة فحينئذ يبرأ. منه وإن علم أنّه يبرأ منه على ما يستحق عليه البراءة فلا يخطئه ولكن عنده في منزلته الأولى. /11/
ومن تولى رجلا كافرا عندك أو من أهل الجملة عندك فليس عليك منه
شيء إلا إن علمت أنه تولاه على كبيرة فحينئذ تبرأ منه.
وعن متوليين شهدا على جماعة أنهم مسلمون أو من أهل الولاية فإنّهم يتولون بشهادتهما.
22 - في الولاية والبراءة بالشهادة
وقيل في الولاية برجل واحد قولان قال بعضهم جازت إذا كان أمينا مسلما، وقال بعضهم إلا برجلين متولّيين مسلمين أو رجل وامرأتين ممن تجوز شهادتهم.
وعن متولّيين تبرأ كلّ واحد منهما من صاحبه فإنّه يبرأ من البادئ منهما ولا يبرأ من صاحبه. وعن متولّيين قال أحدهما لصاحبه: برئت منّي وأنا منك بريء. الجواب في ذلك: أنّه يبرأ من القائل لهذا القول لصاحبه.
وإن شهد أمينان أنّ هذا الرجل برئ من رجل من المسلمين فإنّه يبرأ منه. (1/327)
صفحة 326
328
الجزء الأول
الأمر والنهى والإلزام والتكليف
1 - في معنى التكليف
ومعنى التكليف من الله لعباده هو الإلزام بطاعته وهو الأمر والنهي". وكلّ مأمور ملزم (3) وكلّ ملزم مأمور. والأمر والنهي والإلزام والتكليف من الله فعل من أفعاله عدل منه ولا يقال طاعة منه ولا معصية (3). وهو
2 - في أقسام الأمر
(4)
والأمر بطاعة الله على وجهين إلزام وتحضيض (4). والإلزام على وجهين: إلزام موسّع وإلزام مضيق. فالموسّع في أوّل الوقت والمضيق في آخر الوقت.
(1) عُرف الأمر بأنه طلب فعل غير كف لا على وجه الدعاء. وزاد بعض العلماء قيدا آخر وهو أن يكون هذا الطلب على جهة الاستعلاء. وقد رجح السالمي عدم اشتراط هذا القيد. انظر السالمي: طلعة الشمس 35/ 1، 36. وعرف النهي بأنه طلب كف عن الفعل وهذا الطلب متوجه به إلى غير الخالق فإن كان إلى الخالق فهو دعاء انظر ن م.66/ 1. والملاحظ أن هذا الباب مبحث مشترك بين أصول الدين وأصول الفقه لكن غلبت عليه الصبغة الكلامية. وقيل سنة لا تعرف إلا مع ستة معرفة الله والرسل المنّ والدلائل الولاية والبراءة، الخوف والرجاء، التكليف والبلوغ الأمر والنهي. انظر الشوفي السؤالات 149 ابن جميع: عقيدة التوحيد: 5. (2) في الأصل «ملزوم». وهي صيغة جار استعمالها عند المغاربة وتكرّرت في هذا المصنف. م. (3) انظر التوفي: السؤالات 117. (4) التحضيض هو الندب. وقد عرض السالمي اختلاف العلماء في مسألة دخول المندوب في الأمر فأثبت أنّ أبا الربيع سليمان بن يخلف وأبا العبّاس الشّمّاخي ذهبا إلى أن المندوب مأمور به (أي مطلوب فعله على وجه الاستحسان) ووافقهما على ذلك. بينما عمروس بن فتح والوارجلاني يحملان الأمر على الوجوب فقط. والخلاف بين الفريقين لفظي لأن كلا يسلّم أن المندوب مطلوب شرعًا على وجه التحضيض لكن منهم من خصّ الأمر بالوجوب ومنهم من أطلقه أيضا على المندوب باعتبار أنّ كلا من الوجوب والندب طلب. انظر الوارجلاني: الدليل والبرهان مج: 1، 58/ 2 العدل والإنصاف 53/ 1، 54 - السالمي: طلعة الشمس 37/ 1. (1/328)
صفحة 327
كتاب التحف المخزونة
329
(1)
وقيل للإلزام إلزام لأنه إذا فعل هنالك أدّى ما كلف به). وقيل للمضيق
مضيق لأنه إن لم يفعل هناك عصى.
والأمر بالشيء هو النهي عن ضده. والنهي. عن الشيء هو الأمر بضده. وهذا في الأمر اللّازم المضيق وحده. وأما غيره من الإلزام الموسع وغيره من الأمر فلا يكون الأمر بالشيء هو النّهي عن ضده لأن من أمر بذلك لم ينه عن تركه ولو نهى عن تركه لعصى فيه حين يتركه (3).
وأما أمر التحضيض فهو الأمر بالنوافل. ومعنى تحضيض أي ترغيب (3). فإن قال: ما معنى أمر الله بهذا؟ قيل له: خلق الأمر به لا من أحد. وكذلك قيل له: «أمر الله» أي: خلقه في عينه أمرا لا من أحد. وكذلك «نهى الله عن الله أي: خلق النهي عنه لا من أحد. وكذلك «نهى الله» أي
هذا»
(4)
و نهي خلق النهي في عينه نهيا لا من أحد.
(1) في الأصل عليه.
(2) لقد عرض السالمي الخلاف العلماء. بين في هذه المسألة ورجح أن الأمر بالشيء لا يدل على النهي عن ضدّه خلافا لقول أبي الربيع والوارجلاني والشماخي. انظر السالمي: طلعة الشمس 56/ 1 - 58، الوارجلاني: العدل والإنصاف 86/ 1، 87، الشماخي شرح المختصر. أما النهي عن الشيء هل هو أمر بضده فقد روى السالمي الخلاف فيه بين القائلين إن الأمر ء نهي عن ضده فقال: «اختلفوا في النهي عن الشّيء هل هو أمر بضده فقال قوم إنّ الش النهي عن يء ليس أمرًا بضده ففرّقوا بين الأمر بالشيء والنهي عنه وهو مذهب أبي الربيع وأبي يعقوب وهو ظاهر كلام البدر في مختصره.» (السالمي: طلعة الشمس 58/ 1). والواضح في نص أبي الربيع أنّ النّهي عن ا يء ليس أمرا بضده إنما هو في اللازم
بالش
أن
الموسع وفي المندوب أمّا اللّازم المضيق فقد صرّح أن النهي فيه أمر بضده. (3) ذكر الوارجلاني عن أبي الربيع أنه قال: من قال إنّ النوافل لم يأمر الله بها أو ليست بطاعة فهو كافر. ثم بين مراده الحكم بالكفر على من نفى كون النوافل من الطاعات أما كونها مأمورا بها فمختلف فيه. انظر الوارجلاني: العدل والإنصاف 55/ 1. (4) في الأصل «أو». م. (1/329)
صفحة 328
330
الجزء الأول
أحد. من
وكذلك معنى قولنا: أمر (1) بطاعة الله، أي: خلق الأمر بها لا وكلّ ما خلق الأمر به لا من أحد فهو طاعته. وكذلك معصية الله أي خلق النهي عنها لا من أحد فهي معصية.
ومعنى قولنا: لا من أحد، أي: لا فعل لأحد في أمره ونهيه. ولو كان معنى «أمر الله بهذا أي خلق الأمر به لا غير لوجب بذلك أن يكون كلّ نهي. خلقه الله نهيه وكلّ ما خلق الله النهي عنه. ولو كان الأمر كذلك لوجب أن يكون نهي الشيطان عن لأنه خلقه. وكذلك أمر الشيطان نهيه بمعصية الله أمره لأنه خلق ذلك الأمر. فلمّا بطل هذا وفسد /12/ صح أن
طاعة الله
معنى «أمر الله» أي: خلق الأمر لا من أحد. وكذلك «نهى الله» أي خلق النهي
في عينه نهيا لا. أحد (2) من
2 - 1 ـ في أمر النبي وطاعته
وعن
وقيل لأمر النبي: أمر الله، ولنهيه نهي الله أي: عن أمر الله كان أمره الله كان نهيه. ومعنى [قولنا] (3): عن نهي الله كان أمر الله كان أي: الذي أمر الله به هو الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم والذي نهى الله عنه هو الذي
وعن نهي
نهى عنه)
(1) في الأصل وكذلك معنانا طاعة الله».
(2) وانظر: الوارجلاني: العدل والإنصاف: 57/ 1 58، الشوفي السؤالات: 125، المحشي: حاشية الوضع: 104 وقد علل الشوفي أيضا إضافة عبارة «لا. من أحد» بإرادة رفع التباس دخول أمر الشيطان بالمعصية في ذلك فقال: «لو قلنا خلق الأمر به (فقط) لدخل في ذلك أمر الشيطان بالمعصية ن م والصفحة. وأورد البرادي نفس المسألة ففسّر عبارة (خلق الأمر) بأن الله أمر به وحده وهو الفاعل له ولا تسبب فيه لأحد سواه. انظر البرادي: البحث الصادق ورقة 15 وجه. (3) في الأصل ومعننا» فعدلنا العبارة. (4) أشار البرادي إلى أن احتراز أبي الربيع من عدم نسبة أمر النبي إلى الله في غير محله لأن أمر النبي ونهيه أمر الله ونهيه على الحقيقة إذ هو الذي خلقه وأمر به. البحث الصادق
ورقة 15 وجه. (1/330)
صفحة 329
كتاب التحف المخزونة
331
الله
وكذلك طاعة النبي ال كلّها يقال لها طاعة الله لأنّ كلّ من أطاع الله أطاع نبيه وكلّ من عصاه عصى نبيه. وكذلك كل من نهى عن ما نهى عنه يقال لنهيه نهي الله أي عن نهي الله كان ولمعصيته معصية الله لأنه الله فيما عصاه فيه. وكذلك كلّ من أمر بطاعة الله نبيا كان أو غيره يقال لأمره أمر الله ولطاعته طاعة الله إذا كان الذي أمر [به] هو الذي أمر الله به. ومن أطاعه فيما أمره به أطاع الله لأنّ الله أمر بذلك الذي أمر به النبي ل وغيره ممن أمر بطاعة الله.
عصى
2 - 2 ـ أمر الشيطان
ولا يقال لأمر إبليس عن أمر الله كان. وكذلك كل من أمر بمعصية الله لا يقال لأمره أمر الله ولا عن أمر الله كان وإن كان الله خالقا لذلك الأمر.
2 - 3 ـ أمر الله ونهيه
ويُقال: أمر الله بطاعته وفرضها وألزمها وأوجبها وكلّفها ورغب فيها ودعا إليها وسألها من عباده. ومعنى هذا كلّه أمر بها ونهى عن معصيته وزجر عنها وحرمها وحذر منها). ذلك كله. ومعنى نهي عنها. [و] الأمر
والنهي من الله تعالى لعباده يكون بمخاطبة وبغير مخاطبة كقولك بسماع
وبغير سماع (2).
وأمر الله ونهيه يتناسخان. ولا يجوز التناسخ في الأخبار. ومن زعم أنّ الله الخبر من ينسخ أشرك بالله العظيم لأنه ساواه بالكاذبين.
(1) في الأصل «حذرها». م. (2) وانظر الشوفي: السؤالات 125. (1/331)
صفحة 330
332
الجزء الأول
والأمر مع الفعل) في قول أصحابنا. ومعنى [قولنا] (2) الأمر مع الفعل
إما فعل ما أمر به أو تركه (3).
3 ـ في الاستطاعة والإرادة والقصد والتقرب
والاستطاعة مع الفعل (4). واستطاعة كلّ فعل غير استطاعة غيره
(1) وانظر تبغورين أصول الدين 55 والفعل عَرَضُ يوجد مع الاستطاعة وهو ما وجد بعد عدم انظر: الجنّاوني: الوضع 35 السوفي: السؤالات 246 المصعبي: حاشية تبغورين 15.
(2) في الأصل «معنانا». (3) انظر السوفي: السؤالات: 125.
(4) للاستطاعة عدة تعريفات أشهرها هي صحة الجوارح وسلامتها من شوائب الآفة». وهي أقسام: استطاعة المال: قال تعالى (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّن فَنَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِ ... ) [النساء: 25]، واستطاعة السبيل كما في قوله تعالى {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] والاستطاعة الخلقية: كما يقال يستطيع الجمل حمل كذا وكذا أو لا يستطيع الإنسان الطيران أي لا يقدر على خلقته. انظر تبغورين أصول الدين 51 وانظر أيضًا في تعريف الاستطاعة: أبو خزر: الرّد على جميع المخالفين: 51 52، المصعبي: حاشية تبغورين: 61. ودقق عمرو الثلاتي تعريف الاستطاعة فبيّن أنها القدرة المستبة عن سلامة العقول والآلات والجوارح وذلك للتمييز بينها وبين الجوارح ذاتها. انظر الثلاتي نخبة المتين 161. وأورد الإيجي تعريفا شبيها بهذا نسبه إلى بشر بن المعتمر غير أنه في منتهى الإيجاز «هو سلامة البنية عن الآفات». انظر الإيجي: المواقف 150، 151. واختلف المتكلمون في الاستطاعة هل هي قبل الفعل أم بعده؟ فقال المعتزلة هي قبل الفعل سابقة عنه لكنّهم اختلفوا فيها بينهم هل هي باقية حال الفعل أم لا. وقال الإباضية والأشاعرة إنّها مع الفعل لا قبله ولا بعده ملازمة له لا تفارقه لأنها علّة والعلة. موجودة بوجوده منتهية بانتهائه واحتجوا على ذلك من القرآن وكلام العرب ومقتضيات العقل. انظر هذه الأدلة عند تبغورين: أصول الدين 52 55، الثلاتي: نخبة المتين 161، أبو خزر: الرّد على جميع المخالفين 50، 54، الشقصي: منهج الطالبين الأطروحة، الإيجي: المواقف 151/ 1، 152. (ه) وانظر: تبغورين أصول الدين: 52 التلاتي: نخبة المتين: 161.
المعلول
470/ 1، الجعبيري (1/332)
صفحة 331
كتاب التحف المخزونة
333
والإرادة مع المراد). والتقرب مع المتقرّب به (3). والقصد مع المقصود إليه. والقصد إلى كلّ فعل غير القصد إلى غيره. وكذلك الإرادة إرادة كلّ فعل غير إرادة غيره. وكذلك التقرّب بكل فعل غير التقرب بغيره. والقصد غير المقصود. وكذلك الإرادة غير المراد وكذلك التقرب غير المتقرب به. كله في فعل الجوارح التي هي غير القلب.
فأما في فعل القلب فالقصد هو المقصود والإرادة هي (3) المراد والتقرب هو المتقرب به إلّا من جهة الإرادة والمراد والقصد والمقصود والتقرب
والمتقرب به. والتقرب إلى الله بجميع ما يلزمه فريضة. والإرادة التي زعمنا أنها مع المراد هي إرادة العزم لا إرادة التّمنّي. وذلك أن الإرادة عندنا على وجهين: إرادة العزم وإرادة التّمنّي. فإرادة العزم لا تكون إلا والفعل معها وهي: للمراد. وإرادة التمني تكون ولا يكون المراد لأنها ليست بعلة له).
4 - بين الأمر والنهي
علة
والأمر بكل خصلة من طاعة الله غير الأمر بغيرها. وكذلك النهي عن كل معصية غير النهي عن سواها /13/ لأنه لو كان الأمر بخصلة من الأمر بغيرها لوجب بذلك أن يكون إذا أطاع الله في خصلة أطاعه في غيرها. وكذلك لو كان النّهـ معصية الله كلها واحدا لكان عن
الطاعة
هو
(1) الإرادة مع المراد لا قبله ولا بعده عند الإباضية وذلك لأنّ الإرادة علة للمراد ومحال أن تفارق العلة المعلول خلافًا للمعتزلة القائلين إنّ الإرادة قبل المراد. انظر أبو خزر: الرد على
جميع
المخالفين: 55.
(2) انظر تبغورين: أصول الدين: 55.
(3) في الأصل «هو»
(4) انظر في تقسيم الإرادة إلى هذين القسمين: أبو خزر الرّدّ على جميع المخالفين: 55. (1/333)
صفحة 332
334
الجزء الأول
المنهي عنه واحدا). وكلّ من نهاه عن شيء نهاه عن غيره. وكلّ من عصاه في ذنب عصاه في غيره. وفي وجودنا أنه يطيعه في شيء ويعصيه في غيره.
وكذلك الكف عن الشيء غير الكف عن غيره. ولو كان الكف عن الشيء لوجب بذلك إذا كفَّ عن ذنب كف عن جميع الذنوب وإذا فعل ذنبا فعل ذنب دون ذنب ما يبين (2) أن الكف الذنوب. وفي وجودنا أنّ كفّه جميع
عن
عن الذنوب متغاير. والمكفوفات عنها متغايرات لتغاير الكفوف عنها (3).
والأمر علة للطاعة التي كانت بها طاعة. والنهي علة المعصية التي كانت بها معصية. فكلّ ما نهى الله عنه معصية. وكلّ ما أمر به طاعة. وبطل ما ليس بمأمور به أن يكون طاعة. وبطل ما ليس بمنهي عنه أن يكون معصية. والأمر ضدّ النهي. والنهي ضد الأمر. وكذلك الطاعة ضدّ المعصية وخلافها وغيرها.
(4)
ه ـ في علة التكليف وسألت عن علة التكليف ما؟ الجواب في ذلك أن علة التكليف هي! العقل الصحيح الذي ليس ... (4) فكل من له عقل صحيح فهو ملزم ومحجوج. ومن لا عقل له فليس بمكلّف ولا محجوج ولا يلزمه أمر ولا نهي. ولا يكون من حكمته أن يكلّف من لا عقل له. كما لا يكون من حكمته أن يحط
(1) في الأصل عنها واحد». م.
(2) أصل التركيب وفي وجودنا أن يكف عن ذنب ولم يكف عن ذنب ما بينت ... ». (3) قال أبو خزر: اعلم أنما الفعل يكون عن القصد والإرادة ولا يكون من الفاعل قصدان في حال واحد إنما يكون فيه قصد واحد. فإذا قصد إلى الكف عن الفعل فجاء مع ذلك الكف واحدا. ويكون ما جامع ذلك الكف من الكفوف مسببًا عن سبب تقدمه بقصد وإرادة فيكون أحدهما سببا والآخر مستبا عن سبب تقدّمه». أبو خزر الرّدّ على جميع المخالفين: 71. (4) نقص في الأصل. م. (1/334)
صفحة 333
كتاب التحف المخزونة
335
التكليف عن من له عقل لأنه ليس من الحكمة أن يبيح جهله والشتم له والإنكار لربوبيته لمن يحتمل معرفته ولو جاز أن يبيح الشتم له والفرية عليه والإنكار لربوبيته لدعا إلى ذلك وأمر به. ومن يأمر بشتمه والتكذيب به والافتراء عليه (1) فليس بحكيم. ومن قبل ذلك قلنا إنه ليس من الحكمة إلّا ويحط التكليف عن من لا عقل له.
(2)
أن يكلّف كلّ من له عقل صحيح فإن قال القائل ما الدليل على أنّ العاقل عاقل؟ فقل: حسن التقدير وحسن الفعل. والدليل على أن العالم عالم أخذه للإنصاف وتركه للإغفال. والدليل على أن الجاهل جاهل أخذه للإغفال وتركه للإنصاف.
وقيل في العقل إنّه في القلب والدليل عليه حسن المذاهب. فمن رأيناه صحت أفعاله وحسنت مذاهبه قضينا أنه عاقل ملزم محجوج. ومن رأيناه ساءت مذاهبه واختلطت أفعاله قضينا أنه غير محجوج وأنه لا أمر
عليه ولا نهي. وإن سأل عن حسن المذاهب ما معناه؟ فأراد شرحه وبيانه الجواب في ذلك: أنه قيل في حسن المذاهب هو فعل الاكتساب. وقيل أيضا: حُسْنُ المذاهب وضع (3) الأشياء في موضعها واستدلال على باطن الأمور بظاهرها وعلى (4) ما يأتي منها بما مضى ولا يكون هذا ممن لا عقل له.
(1) في الأصل «وليس». م.
(2) ذهب الأشاعرة إلى جواز أن لا يكلف الله عباده شيئًا على أساس أن لا واجب على الله. انظر البغدادي: أصول الدين 149. وأما الإباضية فإنّهم يقولون كالأشاعرة بأن لا واجب على الله غير أنهم يركزون على أنّ الله بمقتضى حكمته لا يترك تكليف من كان له عقل وقد علل ذلك المؤلّف، وليس هذا إلزاما لله بل هو من باب تفسير معنى الحكمة الإلهية. انظر الجعبيري: الأطروحة.
(3) في الأصل «إيضاع».
(4) في الأصل «ولا». (1/335)
صفحة 334
336
الجزء الأول
والعقل جسم من الأجسام. وهو متمكّن في القلب. والدليل على جسمانيته تمييزه للأشياء وحفظه لها وذلك //14 فعل من فعله. ولا يكون
فاعل من خلق إلّا جسما لأنّ الأعراض استحالت منها الأفعال.
عدل
6 ـ في أفعال الله تعالى وإن سأل عن أفعال الله على أيّ (1) وجه كانت (2)؟ الجواب في ذلك: أنّ أفعال الله كلها على وجهين عدل وفضل. والفضل كله عدل. وليس العدل كلّه فضلا. وكل عدل إحسان. وكلّ إحسان عدل وكذلك كل فضل إحسان. ولا يكون كل ما أحسن فيه تفضّل في كل ما فعل لأنّ من ابتلاه بالأمراض والأسقام والفقر والخوف والعمى وجميع الأمراض كلّها يقال في ذلك كله في فعله وأنه أحسن في فعله ما فعل على معنى: عدل في كل ما بجميع فعل، لأنّ من عدل في فعل شيء أحسن في فعله ولم يسئ في ذلك. ويقال لمن ابتلاه بالأمراض والأسقام والمضار كلّها لم يتفضل عليه. ولا يجوز أن يقال لم يعدل عليه ولا لم يحسن إليه لأنّ لفظة لم يحسن إليه توهم الإساءة. وقد تفضّل على أوليائه إذ أعانهم وسدّدهم ووفقهم وقواهم على دينه. وعدل على أعدائه إذ لم يوفقهم ولم يسدّدهم ولم يرشدهم ولم يقوّهم على دينه. فعدله عام لجميع الخلق. وفضله خاص لبعض خلقه يؤتيه من يشاء من عباده إذ خلقهم وأمرهم ونهاهم. وتفضّل عليهم إذ أحسن خلقهم وصوّرهم فأحسن صورهم ... وكلّ ما تفضل به على عباده له أن يمسك فضله. ويكون إمساكه منه لأنه ليس للعباد عليه أن يتفضّل عليهم. وفضله يؤتيه
لفضله
(r)
عنهم
عدلا
من يشاء من عباده ويمسكه عن من
(1) في الأصل «حكم». م.
(2) في الأصل «كانت عليها». م.
(3) نقص في الأصل. م.
يشاء
منهم
(4)
(4) وانظر السوفي: السؤالات: 248 فقد أورد نفس المعاني بعباراتها وأحيانًا بألفاظها. (1/336)
صفحة 335
كتاب التحف المخزونة
337
- بين دار العمل ودار الجزاء
فإن سأل فقال هل يجوز أن يجعل الله الدنيا دار الجزاء ويجعل الآخرة دار عمل فيكون الجزاء قبل العمل ويكون العمل بعد الجزاء ويكون جزاؤهم منقضيا وعملهم لا ينقضي؟ الجواب في ذلك: أنّ الله جعل الدنيا دار عمل أجرى عليها الفناء وجعل الآخرة دار جزاء وحكم عليها بالبقاء وجعل عملهم في الدنيا منقضيا وجعل جزاءهم في الآخرة دائما غير منقض ولا متناه. حكمة الله وعدله (1). من
وذلك كله.
فإن قال قائل هل يجوز أن يأمرهم الله وينهاهم ولم يجعل لهم ثوابًا على طاعته ولم يجعل لهم على معصيته عقابا؟ الجواب في ذلك: أنّ الله أمر عباده بطاعته وأوجب عليها ثوابًا لا يشبهه ثواب (2) ونهاهم عن معصيته وأوجب عليها عقابا لا يشبهه عقاب (3). وذلك كله من حكمته وعدله. وذكر في الكتاب أنه ليس من الحكمة ألا يوجب على طاعته ثوابا يرغبهم به في
يقتضيه من
الله
(4)
(1) يلاحظ أنه اشتغل ببيان وجه الحكمة فيما اختاره الله ولم يلتفت إلى قضية تجويز القول بذلك أو منعه. أما تبغورين فقد أورد سؤالا شبيها بهذا فقال: «فإن قال هل يقدر أن يبدل الدنيا مكان الآخرة؟ ثم أجاب بالإثبات لكن الشارح أشار إلى استحالة هذا السؤال لما خلف للوعد ووقوع للأشياء على خلاف علمه أو دخول الاستكراه عليه تعالى ذلك علوا كبيرًا. انظر أبو عمار شرح الجهالات 149. وأما الوارجلاني فقد عرض جملة. من الجائزات على الله تعالى منها قسم من. هذه المسألة وهو جواز دوام التكليف فقال: «إنّ هذا كله سائغ في العقل لا استحالة له وليس فيه شيء يبطل الحكمة إلا المسألة الأولى وهو أن يكلفهم لا مثوبة ولا عقوبة الوارجلاني: العدل والإنصاف 61/ 1. ومنع امحمد اطفيش أن تكون الآخرة دار تكليف وذلك عند مناقشته للقائلين إن أطفال
عن
المشركين توقد لهم يوم القيامة نار يؤمرون باقتحامها. انظر اطفيش: كشف الكرب 104/ 1،
الذهب الخالص 40.
(2) في الأصل «ثوابا». (3) في الأصل «عقابا».
(4) في الأصل «بها». (1/337)
صفحة 336
338
الجزء الأول
حكمة
عمل ما أمروا به وعلى معصيته عقابًا ينزجرون به عن معصيته لأن من الحكيم أن يجعل لطاعته كيف تُؤْتَى ولمعصيته كيف تُجْتَنَبُ. ولو أمرهم
لطاعة
ونهاهم ولم يجعل لهم ثوابًا على طاعته ولا عقابًا على معصيته فلا وجه مطيع في طاعته إذ لا ثواب له على العمل بها ولا عقاب عليه في ترك طاعته. وكذلك لا. وجه لاجتناب معصيته إذ لا ثواب لهم يرغبون به في طاعة الله ولا عقاب ينزجرون به عن معصيته والله أعلم وأحكم".
فإن سئل سائل عن أبينا آدم كيف ألزمه الله التكليف؟ الجواب في ذلك: أن آدم خلقه الله بالغا صحيحًا مكلّفا مأمورًا منهيا ليس كغيره من ذريته. وقيل فيه أيضا خلقه الله ثمّ ركّب فيه أجزاء من /15/ العقل فكلّفه ما قابل ذلك الجزء من التكليف. فكلّما ركب فيه جزءا من العقل كلّفه ما قابل ذلك الجزء. فجاء تمام التكليف مع تمام العقل معا. وقد قيل فيه أيضا بمهلة، والله أعلم وأحكم (2).
(2)
(1) يلاحظ أنه لا يرى القول بتجويز ذلك على الله معلّلا ما ذهب إليه من فعل ذلك لم يوصف بأنه حكيم. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا. وقد بيّنا فيما سبق أن الوارجلاني أيضا يذهب إلى نفس الرأي. (2) روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي أنه قال خُلق آدم وطوله ستون ذراعًا ثم قال اذهب فسلّم على أولئك الملائكة فاستمع ما يحيونك به فإنّها تحية ذريتك فقال: «السّلام عليكم» فقالوا: «السّلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله كتاب الأنبياء باب قول الله: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً .. وفسّر أبو عمار حديث «لا تقبحوا الوجوه فإنّ الله خلق آدم على صورته بأنّ الله خلقه بالغا ولم ينقله من نطفة إلى علقة إلى مضغة ومن طفولية إلى غير ذلك انظر أبو عمار الموجز 398/ 1. (1/338)
صفحة 337
كتاب التحف المخزونة
339
1 ـ أقسام الجملة
الالليالي الانتشار من
[في الجملة والتفسير
أعلم أنّ الجملة جملتان جملة انتظمت التوحيد وغير التوحيد وجملة انتظمت التوحيد لا غير. فأما الجملة التي انتظمت التوحيد وغير التوحيد فقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن ما جاء به حق. فهذه الجملة التي انتظمت التوحيد وغير التوحيد وهي الجملة التي يدعو إليها رسول الله). والجملة التي انتظمت التوحيد لا غير قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ) [الشورى: 11].
(1)
فإن سأل عن جملة الدين ما هي؟ الجواب في ذلك: أن جملة الدين
جميع ما أمر الله به وجملة التوحيد الإفراد الله وتفسير الإفراد الله.
يسع
فإن قال: هل يسع جهل جملة التوحيد؟ الجواب في ذلك أنه لا جهل جملة التوحيد التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما تفسير جملة التوحيد فمنها ما جهله ومنها ما لا
يسع
يسع جهله (2).
2 ـ في المحدود وغير المحدود
فإن سأل عن التوحيد أمحدود هو أم غير محدود؟ الجواب في ذلك أما في جملته فمحدود وأمّا في تفسيره فغير محدود.
هي
(1) الجملة التي كان يدعو إليها الرسول. شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وأما عبارة «وأنّ ما جاء به حق من عند الله فقد زادها المسلمون احتياطا منهم وذلك عندما قال أبو عيسى الأصبهاني (وهو) رجل من (اليهود إنّ محمّدًا رسول الله إلى الأميين فقط وليس رسول إلينا لأن شريعتنا لا تتبدّل. انظر الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 1، 2، / 11. (2) انظر ما فصله في بابي: «ما يسع وما لا جهله». يسع (1/339)
صفحة 338
340
الجزء الأول
فإن سأل عن الدين أمحدود هو أم غير محدود؟ الجواب في ذلك أنّ الدين منه محدود ومنه ما ليس بمحدود. فأما المحدود منه مثل الصلاة أنها أربع واثنان وثلاث وصيام رمضان وحجّ البيت وأشباه ذلك. وأما غير المحدود منه شبه الخوف والرجاء وبرّ الوالدين والندامة من الذنوب وأشباه ذلك من الفرائض التي ليست بمحدودة.
فإن قال هل يدخل المحدود في غير المحدود أو غير المحدود في المحدود؟ الجواب في ذلك أن غير المحدود يدخل في المحدود فإن قال كيف ذلك؟ فقل إنّ الخوف غير محدود فهو يدخل في المحدود الذي
هو
الصلاة وأشباه ذلك من المحدودات التي يدخل فيها الخوف). فإن قال كل ما كلّف الله عباده من طاعة أمحدود هو أم غير محدود؟
قيل له كلفهم ما هو محدود وكلفهم ما ليس بمحدود.
فإن قال كيف يجوز أن يكلّفهم ما ليس بمحدود وكيف يطيقونه إذا كلفهم ما لا حد له؟ الجواب في ذلك أنّ الله كلف عباده ما ليس بمحدود ولم يكلفهم بلوغ حدّ ما لا حد له. ولكنّه كلّفهم أن يخافوه ويرجوه وأن يبروا آباءهم وكلّفهم الندم على ما مضى من معاصيهم. وجعل ذلك كله غير محدود لأن في ذلك صلاحا لهم. وعلم الله أن لخوفهم ورجائهم وبرهم آباءهم وندمهم على ذنوبهم حدّا إذا بلغوه واستحقوا عند بلوغه اسم خائفين وراجين وبارين بآبائهم ونادمين على ذنوبهم. ولم يطلعهم على ذلك الحد لأنّ في جهلهم ذلك صلاحا لهم.
(1) وانظر السوفي: السؤالات 65، فقد ذكر نفس الفكرة وأورد صلة المحدود بغير المحدود. (1/340)
صفحة 339
كتاب التحف المخزونة
341
ـ بين الجملة والتفسير
فإن قيل لم قيل للجملة جملة؟ قيل لأنها اشتملت [على]) معان. وقيل للتفسير تفسير لأنه شرح لما اشتملت الجملة [عليه]).
فإن قال أخبرني عن الجملة أهي التفسير أم الجملة غير التفسير؟ الجواب في ذلك /16/ أنّ الجملة غير التفسير من جهة الجملة والتفسير. وأما من جهة الدين والطاعة فالجملة والتفسير واحد وكل ذلك طاعة
ودين وإسلام.
فإن سأل سائل عمّن قصر عن حدّ الجملة أو زاد عليها، الجواب في ذلك: أن من زاد على الجملة التي يدعو إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من نقص منها فهما جميعا ضالان والإيمان بجملة التوحيد إيمان بتفسيره. والإيمان بتفسيره إيمان بجملته. وكذلك الكفر بجملته كفر بتفسيره. والكفر بتفسيره كفر بجملته.
فإن قال: هل تصح جملة التوحيد لمن ليس عنده التفسير أو يكون التفسير عند من لم تكن عنده الجملة؟ الجواب في ذلك: أن التفسير لا يكون عند من لم تكن عنده جملة التوحيد وتكون الجملة عند من لم يكن عنده بعض التفسير. ولا تصح جملة التوحيد لمن لم يكن عنده بعض التفسير. ولا تصح جملة التوحيد عند من لم يكن عنده ما لا يسع جهله من تفسير جملة التوحيد وتفسير جملة التوحيد داخل في جملة
التوحيد ولا يقال جملة التوحيد داخلة في تفسير التوحيد.
(1) أضفنا «على» ليستقيم التركيب.
(2) أضفنا عليه» ليستقيم التركيب. (1/341)
صفحة 340
342
الجزء الأول
في المجمل والمبين
فإن قال: أمر الله بالدين مجملاً أو أمر به مفسّرا؟ الجواب في ذلك: أنّ الله أمر بالدين مجملا وأمر به مفترًا. وأمر به النبي صلى الله عليه وسلم مجملا وأمر به مفترًا. فالموضع الذي أمر الله به مجملا (وَاتَّقُوا اللَّهَ} [البقرة: 194) و (أَطِيعُوا الله} [آل عمران: 32] و وَاعْبُدُوا اللهَ} [النساء: 36]. والموضع الذي أمر الله به مفسّرًا {وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَعَاتُوا الزَّكَوةَ} [البقرة: 43] وأشباه ذلك مما أمر به مفسرا. والذي أمر به مفترا هو الذي أمر به مجملا.
ه ـ في مصادر التشريع فإن قال: كَمْ وَجْهَا (1) جاء عليه الدّين؟ فقل على ثلاثة أوجه جه: التنزيل والسنة ورأي المسلمين (2). ومن أنكر التنزيل والسُّنَّة ورأي المسلمين
فهو كافر.
(2)
فإن قال: كم وجها (3) كانت عليه السُّنَّة؟ فقل: على ضربين [سنة واجبة] (4) الأخذ بها هدي وتركها خطيئة، وسُنَّة في غير فريضة الأخذ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة (5). ويقال للسُّنَّة وحي أي عن وحي كانت. وقيل أيضا في سُنَّة النبي محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وعام وخاص.
(1) في الأصل «وجه». م. (2) سميت هذه الأصول الثلاثة بمجاري الدين أو كمال الدين وذلك للدلالة على أن الدين يثبت ويكمل بالرجوع إلى أحد هذه الأصول الثلاثة: الكتاب والسنة والرأي. انظر ابن
جميع عقيدة التوحيد: 4، المحشي: حاشية الوضع: 96.
(3) في الأصل «وجه». م.
(4) سقط من الأصل كلام والسياق يقتضي ما أضفناه.
(5) وانظر: اطفيش شرح عقيدة التوحيد 171. (1/342)
صفحة 341
=
343
كتاب التحف المخزونة
الالباب الانسان
[في] اختلاف الناس في كلام الله لموسى (1)
ا - في كيفية وقوع الكلام
قال أهل التشبيه وأهل الجهل بالله كلمه الله بلسان وشفتين ولهوات كما يعقل من كلام الآدميين (2)، تعالى الله عما وصفوه به من ذلك علوا كبيرًا. وقال أهل الحق (3). ذلك في ومن نفى التشـ بيه عن الله وصفات الخلق عنه (4):
اللغة (1) الكلام في الأصوات المفيدة وعند النحويين هو الجملة المركبة المفيدة. وعند هو المتكلمين هو القول القائم بالنفس الذي يعبر عنه بألفاظ والكلام النفس الفكر الذي هو يدور في النفس (انظر الجويني: الإرشاد (103، (104 أما الكلام الذي ينسب إلى الله تعالى فقد اختلف فيه على ما ذكره المؤلف من أقوال.
(2) قال الكرامية إن كلام الله مؤلّف من حروف وأصوات حادثين وقائمين بذاته و وقال الحنابلة إن الله متكلم بلسان وشفتين غير أن أصواته وحروفه مختلفة عن أصوات العباد وحروفهم (انظر ابن تميمة الفتاوى الكبرى 146/ 5، محمد علي ناصر أصول الدين الإسلامي 137). ولقد وصف المؤلّف الحنابلة والكرامية بأنهم أهل التشبيه وأهل الجهل بالله لأنهم وصفوا حسب اعتقاده ـ بما يوهم التشبيه ذلك أنهم جعلوا الله لسانا وشفتين. (3) ويقصد بهم الإباضية، كما يطلقون على أنفسهم «أهل الاستقامة» و «أهل الدعوة» وهو مظهر من مظاهر الاعتزاز بالمذهب ويوجد لدى كثير من العلماء انظر على سبيل المثال: الجويني: الإرشاد 99.
الله
بذاته
(4) كالمعتزلة القائلين إن كلام الله حروف وأصوات دالة على المراد لكنّهما غير ق قائمين. بل خلقهما في غيره. فمعنى «متكلّم» خلق الكلام في بعض الأجسام كخلقه ذلك في الشجرة التي كلّمت موسى ووافقهم على ذلك جمهور الشيعة الإمامية: انظر محمد علي ناصر أصول الدين الإسلامي 137 138 كما أنّ بعض الإباضية وافقوا المعتزلة في ذلك فقالوا إن الله كلّم أنبياءه بواسطة الملائكة أو غيره كالشجرة في حق موسى (انظر المصعبي: حاشية تبغورين (74) وحجتهم هي استحالة قيام ا اللفظ بالباري واستحالة سماع ما ليس أسند الله الكلام إلى نفسه من جهة المجاز العقلي على حد قوله «يذبح أبناءهم»
بلفظ وقد
لأنه سبب
:
آمر. انظر حواش على شرح الجهالات 55، 56 أمّا امحمد اطفيش فقد عزا هذا (1/343)
صفحة 342
344
الجزء الأول
إن كلام الله لموسى لا على ما يعقل من كلام الآدميين. وكلّمه بإحداثه الكلام لا بلسان وشفتين ولهوات تعالى عمّا وصفه (1) [به] (2) أهل الجهل علوا كبيرا. والذين نفوا (3) التشبيه عن الله قالوا في كلامه لموسى أقاويل: قال بعضهم: خلق الله التقطيع فقام عنه المقطع فسمعه موسي (4). وقال بعضهم:
بعض
القول إلى المعتزلة وأقره قائلا: «ولا مانع منه انظر كتابه هميان الزاد 261/ 5 كما أن ب المعتزلة فسّروا قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) [النساء: 164] بكونه جرحه بأظفار المحن والبلايا غير أنّ الزمخشري عد حكمه هذا بقوله: صدق الزمخشري وأن وأنصف إنه لمن بدع التفاسير انظر: الزمخشري الكشاف 582/ 1، ابن المنير: الإنصاف 582/ 1، 583 أما الأشاعرة فقد رفضوا هذين التفسيرين للآية وأكدوا أنّ الله أسمع نبيه موسى وغيره من المصطفين من الإنس والجنّ كلامه من غير واسطة وهذا مما خصهم الله به فالكلام عندهم هو على الحقيقة لا على المجاز لأنّ الفعل جاء مؤكّدًا وما كان مؤكّدا كان على الحقيقة. انظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 18/ 6، الرّازي: التفسير الكبير: 109/ 11، الجويني: الإرشاد 134، الألوسي روح المعاني: مج 18/ 5/3. وقد وافق أبو عمار (من الإباضية) الأشاعرة في هذا الرأي محتجا بنفس الدليل اللغوي الذي استدلوا به (انظر: أبو عمار: شرح الجهالات: (366 وخالفه في ذلك كلّ من المحشي وصاحب حواش على شرح الجهالات مبينين أنّ هذا القول غير مناسب لما عليه الإباضية. (انظر حواش على شرح الجهالات 55، 56). كما أنّ امحمّد اطفيش ناقش دليل الأشاعرة ومن وافقهم مبينا أن التوكيد لا يرفع المجاز بل يؤكّد الكلام على حسب وروده حقيقة أو مجازا. فلو قيل جاء أسد أسد ودلّت القرينة على أنّ المقصود به الرجل الشجاع» لجاز القول. واحتج بقول ابن هشام أن التوكيد يبعد إرادة المجاز ولا يرفعها بالكلّيّة والتفسير الذي اختاره للآية هو أنّ الجهات الست الله ألقى في قلب موسى كلاما سمعه من جميع أن يكون هناك ولا من غير شفة ولا لسان وذلك الكلام عرض خلقه الله لا من شيء ولا في شيء وليس ذلك
بمستحيل في قدرة الله تعالي انظر اطفيش هميان الزاد 260/ 5 - 262.
(1) في الأصل «وصفوه».
(2) أضفنا «به» ليستقيم التركيب.
(3) في الأصل وذلك من نفى». (4) لم نعثر على من قال بذلك. (1/344)
صفحة 343
كتاب التحف المخزونة
(1)
فعل فقام
345
الله جسما من أجسام الموتى الذي لا يوهم منه الكلام ولا ينسب إليه عنه الكلام فسمعه موسى فقيل له كلام الله على هذا المعنى". وقال بعضهم: كلّمه بوحي كما كلّم غيره من الأنبياء بوحي وسماه كليمه على الاستخصاص وكلّمه الله //17/ كيف شاء وكيف أراد. وكلامه إياه بإحداثه الكلام بغير لسان وشفتين
(3)
ومن زعم أنه كلمه على ما نعقل من كلام البشر بلسان وشفتين ولهوات فهو جاهل لربه وجاهل لربوبيته. ولكنّه كلّمه على معنى: أبان له معنى الكلام [و] هو البيان وكل بيان كلام. فقيل لموسى: كليم الله على الاستخصاص وإن كلّم غيره وإن كانت الأرواح كلّها الله كما قيل للمساجد الله على الاستخصاص وكانت البيوت الله. وكذلك إبراهيم خليل الله على الاستخصاص. ومعنى خليل الله: حبيب الله. والأنبياء كلهم أحبّاء الله. وكذلك قيل لموسى: كليم الله على الاستخصاص وإن كان غيره من الأنبياء [قد كلّمه الله] (4). وقيل العيسى: كلمته، لأنه من كلمة الله كان. وقيل مسيح يسيح في البلدان.
بيوت
لأنه
2 - في خلق القرآن
والقرآن كلام الله وكذلك التوراة والإنجيل والزبور. وهذا كله كلام الله وفعل من فعله وخلقه كما خلق غيره من الأشياء لا كما زعم [من زعم] أنّ
(1) في الأصل «اضطر». وهي لا تتصل بالمعنى فحذفت. م.
(2) كما هو الحال عند المعتزلة حيث قالوا إنّ الله خلق الكلام في بعض الأجسام كخلقه ذلك
في الشجرة التي كلّمت
موسي.
(3) لم نعثر على من قال بذلك قبل المؤلف.
(4) نقص في الأصل. (1/345)
صفحة 344
346
الجزء الأول
کلامه صفة له في ذاته لم يزل بها كالعلم والقدرة، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرًا). وقد وصف الله كلامه بصفات الحدث. ودلّ عليه أنه خلق من خلقه لقوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم تُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2] لأنّ المجعول هو المخلوق كما أن المخلوق هو المجعول المحدث. فلو جاز أن يكون مجعولاً محدثًا ليس بمخلوق لجاز أيضا أن يكون مخلوقا ليس بمحدث ولا مجعول. فلما بطل أن يكون مخلوقا ليس بمجعول ولا محدث بطل أيضا أن يكون محدثًا مجعولا ليس بمخلوق. ومعنى الجعل والحدث والخلق واحد. وقال أيضا: {إِنَّا أَنزَلْتَهُ قرءانا عربيا) [يوسف: 2] فوصفه بالنّزول والمنزّل لا يكون إلا مخلوقا، و [بالعربي]، والعربي لا يكون إلا مخلوقا والمسموع بالآذان لا يكون إلا مخلوقا. وقد وصفه الله بالتغيير والعدد وأجرى عليه الفناء والذهاب في قوله: (وَلَين [شِتْنَا] ") لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الإسراء: 86) وقوله: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} [هود: (13) فوصفه بالتغيير والعدد والذهاب. من صفات المحدث المخلوق. وقال الله في كتابه: {وَنُفَصِّلُ الْآيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [التوبة: 11] وقال أيضا: وَ مِنْهُ وَايَةٌ تُحكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتُ} [آل عمران: 7]. فثبت أنّ آياته مخلوقة إذا جرى عليها التغيير والعدد.
وذلك كله
وقد اتفقت الأمة كلها على أنّ التّوراة غير الإنجيل وغير الزبور وغير الفرقان، وأن بعض القرآن غير بعض وأنّه سور معدودات وآيات وحروف
(1) سمي القرآن كلام الله لأنّ الله خلقه لا أحد وابتدأه لا من من أحد ولم يسبقه إلى تأليفه وإحداثه أحد. يقال كلام فلان وشعر فلان فيما استنبطه من نفسه ولم يسبقه أحد من الناس. انظر تبغورين أصول الدين،62، أبو عمار: شرح الجهالات 367. (2) سقطت من الآية «شئنا». (1/346)
صفحة 345
=
كتاب التحف المخزونة
347
معدودات، وأن فيه محكمًا ومتشابها، وأن المحكم فيه غير المتشابه، وأن فيه ناسخا ومنسوخا، وأنّ النّاسخ فيه غير المنسوخ، وأن فيه عاما وخاصا فالعام فيه غير الخاص، وأن فيه ظاهرا وباطنا، وأنّ فيه مقطوعا وموصولا، وأن فيه مكيا ومدنيًا. وهذا كلّه إثبات تغيير. وفي إثبات تغييره إثبات خلقه لأن مغيّره مغير غيره. /18/.
ـ في منكر خلق القرآن
ومن زعم أن القرآن ليس بمحدث ولا مجعول ولا منزل فهو مشرك. ومن زعم أنه ليس بمخلوق فهو كافر غير مشرك). ومن قال ليس بعربي، أو قال: ذو عوج، أو قال: أعجمي، أو قال: لم يكلم الله موسى، أو قال: كلام الله إليه غير مسموع فهذا كله ممّا يكفّر به قائله ويضل به. وكذلك كلّ من زعم أن كلام الله صفة ضلّ وكفر أيضا. ومن زعم أن القرآن صفة الله في فعله فهو متأوّل منافق. ومن حمل ظاهر القرآن على باطنه أو متشابهه
(2)
(1) ظاهرة تكفير المخالف في مثل هذه المسائل العقائدية موجودة عند مختلف الفرق الإسلامية وليست من خصائص الإباضية. انظر على سبيل المثال: الأشعري: الإبانة: 95 «من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر» (رواية) عن الثّوري)، محمد عبده: تفسير المنار: 159/ 9. فقد أورد روايته عن أحمد بن حنبل مقتضاها تكفير من نفى رؤية الله. يوم القيامة. ابن تميمة: الفتاوى الكبرى 158/ 5، 159: فقد نقل أيضا عن أ أحمد بن حنبل تكفيره لمن قال بخلق القرآن، البزدوي: أصول البزدوي: 9/ 1: قال أبو يوسف ناظرات أبا حنيفة في خلق القرآن فاتفق رأيي ورأيه على أن من قال بخلق القرآن فهو كافر، الرازي: التفسير الكبير 25/ 2: «ثمّ إنّه لما كثر اختلاف الخلق في صفات الله تعالى لا جرم أقدمت كل طائفة على تكفير من. من الطوائف». وذكر محمد محيي الدين عبد الحميد في مقدمة كتاب مقالات الإسلاميين للأشعري (ص 27 أنه صدر في بغداد سنة (1042/ 433) كتاب سمي «الاعتقاد القادري»
D
قرئ في الدواوين وذكر الفقهاء أنّ هذا اعتقاد المسلمين وأن من خالفه فقد فسق وكفر.
عداها
(2) جاء في شرح الجهالات أنّ الكلام على وجهين: صفة ذات وهو بمعنى نفي الخرس عن الله تعالى، وصفة فعل وهو بمعنى الخلق والإحداث كخلق القرآن الكريم. انظر: أبو عمار: (1/347)
صفحة 346
348
الجزء الأول
على محكمه أو زعم أنّ الناسخ فيه منسوخ أو المنسوخ منه ناسخ فهذا كله
مما يضل به قائله.
4 - في أسماء القرآن
ويقال القرآن: نور الهدى ورحمة وفضل ونعمة. وكذلك يقال له: كلام الله وقول الله
ووحيه وتنزيله وفرقانه وبيانه وعلمه ويقال كلّم به). وقال: ومعنى قول الله أي خلق القول لا من أحد. وكذلك معنى كلامه أي خلق الكلام لا أحد. ويقال القرآن كله مقطع (3) مفهوم مسموع وليس فيه تقطيع". والقراءة فيه هو لا غيره. وكذلك يقال له: محكم)، والحكاية فيه هو، ومذكور والذكر فيه هو
من
(0)
شرح الجهالات 364 365. وقد عرض المحشي هذا الخلاف ثمّ أثبت أن الراجح عند الإباضية هو أنّ الكلام فعل من أفعاله تعالى انظر المحشي حاشية الوضع 41، 42. واعتبر أبو عمار الذين لا يعدّون الكلام صفة ذات إنّما يريدون الهروب من قول الذين يزعمون أن القرآن ليس بمخلوق ولا محدث. انظر: أبو عمار: شرح الجهالات: 365. (1) قال أبو عمار: «وأمّا كلّم فمعناه كلّم غيره كما قال: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] شرح الجهالات 363. وجوّز أبو عمار استعمال «يتكلّم» بمعنى ليس بأخرس ويجوز على الله في الأزل مكلّم ومتكلّم. واختلف أبو نوح سعيد بن زنغيل وفلحون بن إسحاق النفوسي في معنى «متكلّم» ذلك أنّ أبا نوح ذهب إلى أن معناها «سيتكلّم» فأنكر في الأزل عليه فلحون ذلك أشدّ الإنكار. انظر أبو عمار شرح الجهالات 363، 364.
(2) في الأصل «مقطوع». م. (3) فسر ذلك تلميذه تبغورين فبيّن أنّ القرآن هو هذا المقطع المسموع المفهوم. والتقطيع هو تحريك اللسان والشفتين واللهوات وتأليف الحروف وكلّ ذلك أفعال منا لأنّ العبد إذا شاء تكلم وإذا شاء كفت عن الكلام. انظر تبغورين: أصول الدين: 63.
(4) السياق يستوجب «محكي». م.
(5) لقدرة الإباضية مسألة التفريق بين الحكاية والمحكي وأثبتوا أن قراءة القرآن هي القرآن. انظر السوفي: السؤالات 80، 81، 118. (1/348)
صفحة 347
كتاب التحف المخزونة
349
وسُئِل: هل يقال الله نطق (1) بالقرآن؟ الجواب في ذلك إنّما يقال: أنطق كل شيء. ويقال: كلامه ووحيه وخبره ولا يقال: نطقه ولا صوته. ويقال صوت منا (2). فإن سأل عن القرآن هل يرى أم لا؟ قيل له كلامك يحتمل وجهين: إن كنت تريد أنّه يدرك بالبصر على رؤية الأجسام الملوّنة فلا. وإن كنت تريد بقولك يُرى على معنى أنّه يُعلم فنعم. ويقال للقرآن: مسموع من التالين [له]، و [هو] في صدور الذين أوتوا العلم معلوم ومحفوظ وفي المصاحف مكتوب. وهو في اللوح المحفوظ مكتوب.
ه ـ القرآن بين العرض والجسمية
فإن سأل عن القرآن أعرض أم جسم؟ الجواب في ذلك أن القرآن عرض من الأعراض (3). والدليل على أنه عرض ليس بجس أنا (4) نجده بالمشرق والمغرب في حالة واحدة. فلو كان جسما من الأجسام لم يكن بالمشرق
(0)
والمغرب في حالة لأن كون الجسم في مكان واحد يمنعه من الكون في غيره
من الأماكن كلها.
(1) في الأصل «أنطق».
(2) وانظر: السوفي: السؤالات 80 81
(3) وانظر: أبو عمار شرح الجهالات 369، تبغورين: أصول الدين 62، الوارجلاني: الدليل والبرهان 68/ 1 وما يفهم من كلام تبغورين أنّ النّكار ذهبوا إلى أن القرآن جسم ذلك أنه
ناقشهم
منطلقا
جسم
من مفهوم القرآن ذاته مجادلا لهم بقوله: «إن قالوا هو الكلام المقطع المسموع المفهوم فقد ثبت أنّ الكلام الذي هو قول العباد ولفظهم ليس بفعلهم لأنه. والجسم لا يفعل جسما. وإن قالوا هو غير الكلام المسموع المفهوم الذي هو قول وصوت منا فليخبرونا ما هو إذن؟». تبغورين: أصول الدين 62.
(4) في الأصل «لأنا».
(0) في الأصل «لا يكون». (1/349)
صفحة 348
350
الجزء الأول
[في] اختلاف النّاس في الإيمان والكفر
1 - في الإيمان والكفر
اختلف الناس في الإيمان والكفر. فقالت المرجئة): الإيمان كله توحيد (3) والكفر كله شرك (3). واختلفوا في ذلك فيما بينهم. قال بعضهم: الإيمان هو الإقرار دون المعرفة (4). وقال بعضهم: هو المعرفة دون الإقرار). وقال بعضهم: [هو] إقرار ومعرفة (1).
(1) الإرجاء هو التأخير أو إعطاء الرجاء وبالمعنى الأوّل سميت جماعة المرجئة لأنهم كانوا يؤخرون حكم صاحب الكبيرة إلى القيامة فلا يقضى عليه بحكم في الدنيا من كونه من أهل الجنّة أو أهل النار وقيل سموا بذلك لإرجائهم عليّا إذ لم يعدوه رابعا من الخلفاء انظر الشهرستاني: الملل والنحل 186/ 1، الجناوني: الوضع: 28. (2) التوحيد هو إفراد الله القديم وتنزيهه عن صفات المحدث وضدّه الشرك. والفرق بينهما أنّ التوحيد إفراد والشرك مساواة. أما الفرق بين التوحيد والكفر فهو وجوب القواب للتوحيد ووجوب العقاب على الكفر. الجناوني: الوضع 26 الفرسطائي: مسائل التوحيد: 4 أبو عمار: الموجز 266/ 1، شرح الجهالات،35، 137، 138، 238، المحشي حاشية الوضع: 8. (3) يقول عامر الشماخي في كتاب الديانات 45: وندين بتكفير من زعم. أن الإيمان كله توحيد كله شرك. كذلك حكم على من قال: إنّ طاعة الله كلّها توحيد ومعصيته كلها شرك وخالفه في ذلك التلاتي فبيّن أنّ لا كفر لمن قال إنّ طاعة الله كلها توحيد وإنّما الكفر لمن
والكفر
قال معصية الله كلها شرك. انظر التلاتي: حاشية على الديانات: 45.
(4) القائل بذلك غيلان الدمشقي ومحمد بن كرام السجستاني. (5) هذا القول هو أحد قولي الأشعري وهو مذهب الطوسي من الشيعة والرازي والجويني من الأشاعرة والماتريدي إمام الماتريدية. ونسب أيضا إلى ابن الراوندي والحسين بن الفضل الحنبلي وجهم بن صفوان. (1) قال بذلك أبو حنيفة وعبد الله بن سعيد بن كلاب وأبو الحسن الأشعري في أحد قوليه وبه
قال أكثر الإمامية. (1/350)
صفحة 349
=
كتاب التحف المخزونة
(1)
351
وقالت الصفرية: الإيمان كلّه قول وعمل. وكل إيمان توحيد والشرك بشيء من ذلك شرك (3). واتفقوا هم والمرجئة في البدء أن الإيمان كله توحيد واختلفوا بعد ذلك في معانيه وصفاته. فقالت المرجئة: الإيمان الإقرار بالله والمعرفة به. وأما غير ذلك ممّا أمر الله به من الفرائض [ف] ليس بإيمان ولا دين ولا إسلام. وقالت الصفرية: الإيمان كلّ ما أمر الله به من طاعته. وكل إيمان توحيد /19، والترك لشيء من ذلك كفر وشرك.
وقالت المعتزلة (3): الإيمان جميع ما أمر الله به من قول وعمل. فمن أتى بالقول وضيّع العمل فهو فاسق ضال عدو الله ليس بمؤمن (4) ولا كافر (ه).
(1) في الأصل «لشيء». م.
(2) ناقش الإباضية الصفرية والأزارقة كثيرا في هذه المسألة. (3) اتفقت المعتزلة على أنّ الإيمان إذا عدي بالباء أفاد التصديق كقولنا «فلان آمن بالله» أي صدق به. وفيما سوى ذلك فهو منقول من مدلوله اللغوي إلى معنى آخر غير أنهم اختلفوا في ذلك المعنى على ثلاثة أقوال: هو فعل الطاعات كلّها وهو قول واصل وأبي الهذيل وعبد الجبار. وهو فعل الواجبات فقط وهو قول أبي علي وأبي هاشم. وهو اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد وهو قول النظام. والملاحظ أنّ لا فرق بين القولين الأخيرين لأن من ضيع واجبًا أو ارتكب محرّما لا يستحق اسم الإيمان عند. جميع المعتزلة انظر: الرازي: التفسير
الكبير 2، 64.
(4) في الأصل ليس بمنافق» لكن في الهامش بمؤمن وفوقها: «نخ» أي في نسخة ليس بمؤمن» وهو الصحيح.
(5) من ضيّع فريضة أو ارتكب كبيرة عمدا لا. مى مؤمنًا ولا كافرًا عند المعتزلة بل هو في منزلة بين المنزلتين. وقد ناقشهم الإباضية في ذلك انظر على سبيل المثال: الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 1، 2، 46. والحقيقة أنّ الاختلاف بين الإباضية والمعتزلة في هذه المسألة لفظي لأنهم جميعًا يقولون بإجراء أحكام الموحدين على مرتكب الكبيرة في الدنيا وبخلوده في النار في الآخرة. والإباضية وإن أنكروا المنزلة بين الإيمان والكفر (أو التوحيد والشرك فإنّ المعتزلة منهم سمّوا النّفاق منزلة بين الشرك والإيمان إذ المنافق نفاق خيانة (وهو المضيّع للأعمال ليس بمشرك وليس بمؤمن بل هو كافر كفر نعمة. ومعنى ذلك أنه
بين منزلتي الإيمان والشرك. انظر الجنّاوني: الوضع 24، 25، الشماخي: (1/351)
صفحة 350
352
الجزء الأول
وقالت الحشوية): الإيمان كله ما أمر الله به من قول وعمل. جميع فمن آمن بالقول وضيّع العمل فهو مسلم مذنب إن شاء الله غفر له وإن
شاء عذبه (2).
وقالت الإباضيّة كلّها بأصنافها: الإيمان كلّ ما أمر الله به من قول وعمل. فمن أتى بالقول وضيّع العمل فهو كافر منافق ليس بمسلم ولا. العدل والصواب.
مشرك (3)
وهو
الديانات 44، 45، الثلاتي نخبة المتين 155 وشرح الديانات 67، 69، المصعبي: حاشية على الديانات،38 42، حاشية تبغورين 26 السوفي: السؤالات 203، 204، المحشي: حاشية الوضع 82، 83. (1) يقصد بالحشوية الأشاعرة من الحواشي الزيادة التي لا تنفع. وقد صرح المحشي بتسميته الأشعرية بالحشوية انظر كتابه حاشية الوضع 55 ولفظ «الحشوية» ليس من إطلاق الإباضية فحسب وإنّما هو مصطلح معروف عند مختلف الفرق الإسلامية إذ كل فرقة تطلق ذلك على من خالفها انظر على سبيل المثال: الجويني: الإرشاد: 128 فقد سمى أهل الظاهر بالحشوية. كما سمّى بعضا من الحنابلة بالحشوية (انظر: الجويني: البرهان في أصول الفقه، تح د عبد العظيم الديب، 1399، ج 1 ص 117، 118) وانظر تعليق 1 ص 117 للمحقق. (2) ذكر البغدادي أن كثيرا من أصحاب الحديث عرفوا الإيمان بأنه الطاعات فرضها ونفلها غير أنهم جعلوا الإيمان أقسامًا ثلاثة قسم يخرج صاحبه من الكفر والخلود في النار ويشمل معرفة الله ورسله وما إلى ذلك. قسم يوجب ا العدالة وزوال اسم الفسق ويشمل أداء الفرائض واجتناب الكبائر. قسم يوجب كون صاحبه من السابقين ويشمل أداء الفرائض والنوافل وترك الذنوب كلّها. انظر البغدادي: أصول الدين 249 ومن الذين قالوا إن الإيمان اعتقاد وقول وعمل البخاري، الجامع الصحيح كتاب الإيمان باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس ابن حزم الظاهري الفصل 191/ 3 ابن تميمة، الإيمان 77، 78. جعفر الصادق انظر: محمد علي ناصر: أصول الدين الإسلامي: 6. (3) انظر على سبيل المثال: أبو خزر رسالة أبي خزر: 59 - 61، الجيطالي: قواعد الإسلام 100/ 1. الجناوني: عقيدة التوحيد.8. السوفي: السؤالات 183. الشقصي: منهج الطالبين
566/ 1 السالمي: المشارق 330 التلاتي: شرح الديانات: 69.
جميع (1/352)
صفحة 351
كتاب التحف المخزونة
353
2 - في الإيمان والدين والإسلام
(1)
(2)
والإيمان والدين والإسلام معناهم واحد. وكان الإيمان إيمانًا لعلة وجوب القواب عليه (2). وكانت الطاعة طاعة لعلة الأمر بها. وكان [الدين] (3) دينا لأنه يجازي عليه. وكان [الإسلام]) إسلاما لأنه خضوع الله واستسلام لأمره. وكان عبادة لعلّة التقرّب به. وكان فريضة لعلة الإلزام".
فإن قال: ما الفرق بين الإيمان وإيمان؟ الجواب في ذلك: أن الإيمان هو الوفاء الله بجميع الدين وكذلك عبادة لعلة الإسلام. والدين هو الوفاء بجميع
(1) للدين عدة معان في اللغة منها: الطاعة العادة، الجزاء الحساب، الحكم، الذل. انظر الجناوني: الوضع 17/ 16 فقد مثل لكلّ معنى من هذه المعاني بآيات وأحاديث وأشعار وانظر السوفي: السؤالات 176. أما مفهومه الشرعي: عند الإباضية فهو الوفاء بجميع فرائض الله والكف عن جميع محارم الله انظر الشوفي السؤالات (205) وله أركان وقواعد. فأركانه الاستسلام والرّضا والتوكل والتفويض وقواعده العلم والعمل والنية والورع. انظر تفصيل ذلك: الجيطالي: قواعد الإسلام 112/ 1، أبو عمار شرح الجهالات 234، الجناوني: عقيدة نفوسة 5 الفرسطائي: يبيّن أفعال العباد، 29/ 2 - 33، السوفي: السؤالات 197، 198، المحشي: حاشية الوضع 90 ـ 92. وقد يطلق على أركان الإسلام، وعلى قواعد الدين «قواعد الإسلام». انظر عقيدة ابن جميع 4 التلاتي: شرح العقيدة المباركة 21 وقد خالفهما السوفي فيما يتعلّق بقواعد الإسلام فذهب إلى أنّها خمسة كما هو المشهور وهي التوحيد والصلاة والزكاة والصوم والحج. انظر السوفي: السؤالات 197. (2) انظر كذلك: أبا خزر رسالة أبي خزر 75 السوفي: السؤالات 250، 251، 178، عمروس بن فتح: الدينونة الصافية: 8 وقد نفى عمروس كون الإيمان إيمانا للأمر به بدليل أن النافلة ليس أمرا وهي من الإيمان وانظر أبو عمار: شرح الجهالات: 172.
(3) سقطت كلمة [الدين]. (4) سقطت كلمة [الإسلام].
(5) يشير التوفي إلى مثل هذه المعاني عند مقارنته بين التوحيد والإسلام والإيمان والطاعة فيقول: «وكان التوحيد إسلاما بمعنى مشترك وهو الخضوع. وكان التوحيد إيمانًا بمعنى غيره وهو مقارنة القواب. وكان التوحيد طاعة بمعنى غيره وهو الأمر. وكان التوحيد فرضا بمعنى غيره وهو الإلزام». السؤالات: 251. (1/353)
صفحة 352
354
خصلة
الجزء الأول
ما أمر الله به. وأما «إيمان» [فهو] (1) خصلة من خصال الدين. ويقال لكلّ من طاعة الله إيمان وإسلام ودين ولا يقال لها الإيمان ولا الإسلام ولا الدين لأنّ ذلك اسم للوفاء بجميع الدين والإيمان والدين والإسلام دين الله. وكذلك البر والتقوى والصلاح والإحسان والهدى هي"
أسماء
أسماء. الله. دين
3 ـ في أسماء أهل دين الله
(2)
وأسماء أهل دين الله مسلم ومؤمن وبارّ وصالح ومتق ومحسن ومهتد وأشباه ذلك من أسماء أهل الدين والصلاح.
الشيطان
طاعة الله
الله
ويقال للمسلمين خرجوا من الكفر والضلال والفسق، وخرجوا من دين طاعة الشيطان ومن عبادة للشيطان وملة الشيطان فدخلوا في ومن ملة الله وفي عبادة الله وفي دين وشريعته. وهم أهل دين الله وطاعته وملّته. ودخلوا في جميع أسماء أهل دين من مسلم وبار ومؤمن وصالح. وخرجوا من جميع أسماء أهل دين الشيطان من فاسق وضال وكافر.
وفي
4 ـ في أسماء أهل دين الشيطان وأحكامهم
وأسماء دين الشيطان الكفر والفسق والضلال. وأسماء أهل دين
الله
الشيطان كافر وضال وفاسق وأشباه ذلك (3). واختلفوا في مشرك ومنافق. والذي في حفظنا عن الشيخ له في مشرك ومنافق أنهما من أسماء أهل دين الشيطان لأن أسماء أهل دين الشيطان كل اسم تقع عليه المذمة. من الله.
(1) أضفنا [فهو] ليستقيم التركي
(2) في الأصل «هو». م.
(3) عن التعريفات الشرعيّة لكلّ من الفسق والضلال والفجور انظر السوفي، كتاب السؤالات،
179 - 178 (1/354)
صفحة 353
كتاب التحف المخزونة
roo
ومشرك ومنافق اسمان مذمومان قد ذمّهما في كتابه كما ذمّ فاسقا وكافرًا
وضالا. والله أعلم وأحكم.
والشرك والنفاق خصلتان خصال الش دين
من
سيطان ومن خصال الكفر
وجميع
طاعة
والفسق والضلال. ويقال للمشركين خرجوا من جميع أسماء الله وملة الله وعبادته ودخلوا في أسماء دين الشيطان وفي طاعة الشّيطان
ودين
جميع
الله
أسماء
وفي دين الشيطان وفي عبادة الشّيطان /20/ وملته. ولا يقال: لهم دخلوا في دين الشيطان ولا في جميع أسماء أهل. دين الشيطان ولا في جميع طاعة الشيطان ولا في جميع دين الشيطان لأنّ «منافقا» من أسماء أهل دين الشيطان. فلو زعموا أنهم دخلوا في جميع أهل دين الشيطان لأدخلناهم في «منافق» لأنّ «منافقا» من أسماء أهل دين الشيطان. وكذلك لو زعمنا أنهم دخلوا طاعة الشيطان لأدخلناهم في النّفاق لأنهم من طاعة الشيطان ومن الشيطان. ومن قِبَلِ ذلك أبينا قَبْلَ ذلك القول أنهم دخلوا في جميع
في جميع
دين
أهل دين الشيطان وفي جميع طاعة الشيطان ودين الشيطان (3).
أسماء
وأما المنافقون فإنّهم خرجوا من جميع أسماء أهل دين الله وخرجوا من طاعة الله ومن دين الله ومن عبادة الله ومن ملة الله بتركهم بعض ذلك. ولا يقال لهم خرجوا من جميع طاعة الله وذمته وعبادته وملّته لأنّ. معهم بعض ذلك كله لأنا لو زعمنا أنّهم خرجوا من جميع [ذلك] لأخرجناهم من التوحيد لأنه. طاعة الله من ودينه وعبادته. لكنهم خرجوا من طاعته وملّته ودينه وعبادته بتركهم بعض ذلك ومعهم من طاعة الله وعبادته ودينه ما لا يستحقون اسم طائعين ولا عابدين ولا يستحقون بما. منعهم من الملة أسماء
(1) في الأصل من القول». م.
(2) نقل السوفي نفس العبارات فيما يقال للمشركين وما لا يقال لهم انظر كتابه السؤالات:
273، 274 (1/355)
صفحة 354
256
الجزء الأول
(3)
أهلها وثوابهم. وهم مع أهل الملة في أحكام (): عليهم أحكام الملة في المناكحة والموارثة وأكل الذبائح والصلاة معهم والحج معهم وإجراء)
عنهم وحرم
الحقوق بيننا وبينهم. ولا ينقص ما كان يجب لهم، فَقُل: إلّا ما أنقصه () الكتاب من تحريم ولايتهم وتسميتهم بالإيمان الذي نفاه الله ذلك علينا. ويقال للمنافقين: دخلوا في طاعة الشيطان وفي دين الشيطان. ولا يقال دخلوا عبادة الشيطان وفي ملة الشّيطان. ولا يقال دخلوا في جميع أسماء أهل دين الشيطان لأنّ مشركا من أسماء أهل دين الشيطان. ولا يقال دخلوا في جميع دين الشيطان ولا في جميع طاعة الشيطان لأن الشرك من طاعة الشيطان ودينه وعبادته.
وكل خصلة من طاعة الله يقال لها طاعة وإيمان وإسلام ودين وبر وتقوى وإحسان وعبادة. والنوافل أيضًا من دين الله وعبادته وطاعته.
ه - في الملة والدين ـ
الملة
وسألت عن الملة ما معناها وما العلّة التي كانت بها ملة؟ [فاعلم أنّ الدين المجتمع عليه من (6) حلال يستحلون ومن حرام يحرمون ومن نُسُكِ يقضونها. فهذا جواب الشيخ نه في معنى للملة).
هي
(1) نقل السوفي أيضا نفس العبارات تقريبا في هذه المسألة وجوز أن يقال للمنافقين شياطين ومنع أن يطلق عليهم أباليس معتبرا أنّ هذا الاسم خاص بالمشركين انظر السؤالات 244، 247. (2) في الأصل من الأحكام». م.
(3) في الأصل «من». م. (4) في الأصل و «أجرى.
(5) اشتبه الأمر على المحقق وأشار في الهامش إلى أنّ الأصل «أنقضه». فاختار «نقضه». ولكن النقطة زائدة والمصنّف على صواب لذلك أصلحناه.
(1) في الأصل «في». م.
(7) نقل التوفي عن أبي الربيع عن أبي عبد الله محمد بن بكر نفس التعريف ثم اشتغل ببيان = (1/356)
صفحة 355
كتاب التحف المخزونة
357
ويقال: كل ملة دين ولا يقال: كل دين ملّة. ويقال: كل إيمان دين. ولا يقال كل دين إيمان ويقال كل شريعة دين. ولا يقال: كل دين شريعة. ولا يقال: كلّ شريعة ملّة. ويقال: كل ملة شريعة. ويقال: كلّ إيمان شريعة ولا يقال كلّ شريعة إيمان. ويقال: كل عبادة طاعة. ولا يقال: كل طاعة عبادة (1).
1 - في ترادف الإيمان والدين والإسلام
فإن قال:/21/: ما الدليل على أن معنى الإسلام والدين والإيمان واحد؟ الجواب في ذلك: أنّ الدليل على أن معناهم واحد قول الله وعن: {إِنَّ الدِّين عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]. فثبت أنّ الدين هو الإسلام والإسلام هو الدين. وقال أيضا: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] فصح أن معنى الدين والإسلام واحد وقال في موضع آخر: {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [الذاريات: 35، 136. فالذي وجد هو الذي أُخْرج. فصح أنّ المؤمن هو المسلم. فلما صح أن المؤمن هو المسلم صح أن الإيمان هو الإسلام. فثبت بذلك أن الإيمان والإسلام والدين معناهم واحد.
الاشتقاق اللغوي للملّة. انظر كتابه السؤالات.177 وعرض كل من الجناوني والثلاتي (داود) تعريفا مشابها لما أورده المؤلّف فقالا: هي كل شريعة وطريقة شرعها قوم لأنفسهم واتخذوها دينا» الجناوني: الوضع،16 داود الثلاتي شرح العقيدة المباركة: 35
(1) نقل الشوفي كلّ هذه المعاني (وغالبا بألفاظها مع إضافة بعض من المسائل الجزئية كقوله
كل إيمان إسلام وكلّ إسلام إيمان وقوله كل عبادة تقرّب وكلّ تقرب عبادة» وقوله «يقال كل تقرب طاعة ولا يقال كلّ طاعة تقرب ولا يقال كلّ تقرّب ملة ولا كل ملة تقرب». انظر التوفي: السؤالات 176. المحشي: حاشية الوضع 59 وقد بين الأخير أن الملة أخص من الدين والدين أعم من الملة والعام يخبر عن الخاص والخاص لا يخبر به عن العام ولذلك جاز أن يقال كلّ ملّة دين ولم يجز أن يقال كل دين
ملة. (1/357)
صفحة 356
358
الجزء الأول
- في الكفر وعلته
والضلال أسماء دين
وعين الكفر وأصله وعلّته الاستفساد إلى ولي النعمة. والكفر والفسق الشيطان. وكلّ خصلة من خصال الكفر يقال لها كفر وفسق وضلال وجور وظلم ويقال لفاعلها كافر وفاسق وظالم وجائر
وضال وعاص.
والكفر يستحق بخصلة والإيمان لا يستحق إلا بجميعه لأنه خلافه وضده. فكل ما استجيز في الشّيء استجيز (1) في ضدّه خلاف ذلك.
A
- في الصغائر وأسمائها
والصغائر يقال لها عصيان ومنكر وخطأ ولا يقال لها كفر (2) ولا ضلال (3) ولا يقال لفاعلها عاصيا وإن عصى في ركوبه ما نهاه الله عنه.، وبمنّ الله وفضله الطاعة كلّها إيمانًا () ولم يجعل معصيته كلها كفرا وجعل ترك شيء من معصيته إيمانًا () ولم يجعل ترك كل طاعة كفرا).
أن
جعل
(1) في الأصل «استجاز». م.
(2) في الأصل «كفرا». (3) في الأصل «ضلالا».
(4) سبق أن أشار إلى أنّ كلّ خصلة من طاعة الله إيمان. فقد جاء في الحديث «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها كلمة لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى من الطريق والحياء شعبة من الإيمان (خ إيمان 3 - م إيمان 57، 58 - دستة 14 ـ ت إيمان 6 - ن إيمان 16 ـ جه مقدمة 9
- حم
379/ 2، 414، 0445
(5) سبق أن بينا أن الإيمان كان إيمانًا لعلة وجوب القواب عليه. وبما أنّ ترك شيء من المعصية يترتب عليه القواب عبر عن ذلك بقوله: وجعل ترك شيء من معصيته إيمانًا». (6) أي لم يجعل ترك كلّ طاعة من طاعته كفرًا لأنّ تارك النوافل (وهي من الطاعة) لا يعد كافرا بالإجماع. (1/358)
صفحة 357
كتاب التحف المخزونة
359
[في] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
1 - في فرضهما
اعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) فريضتان واجبتان على العباد على قدر طاقتهم وقوتهم. فمن ضيعهما إذا وجبتا عليه عصى ربّه وأثم في تضييعه إيّاهما. ووقت وجوبهما وفرضهما مشاهدة عصيان الله. فإذا شاهدت معصية من أحد فلا يسعك إلّا أن تنهاه عنها وتأمره بتركها والكت
عصي
في
عنها. ومن ضيعهما بعد وجوبهما ووقوع الفرض بهما فقد الله تضييعه إياهما. وقيل من ضيّع النّهي فيما يضلّ به فاعله فهو ضال وإن ضيعه
فيما لا يضل به فاعله فهو مثله. وقد قيل في هذا أيضا قول غير ما ذكرنا"). وقد قيل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جند من جنود الله فمن نصرهما نصره الله ومن خذلهما خذله الله (3). وقال الله رجال: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بني إسراء يل على ليسان داوردَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ
(1) المعروف اسم جامع لكلّ ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس وكل ما ندب إليه الشرع انظر: ابن منظور لسان العرب مادة «عرف والمنكر هو خلاف المعروف وهو المعصية على الإطلاق. انظر عمرو التلاتي: نخبة المتين: 156. (2) ذكر تبغورين بن عيسى (وهو أحد تلاميذ المؤلّف أن تضييع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كبيرة من الكبائر مستدلا بآيات وأحاديث كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيْنَهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَبِ أُولَتَبَكَ يَلْعَمُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَهُمُ اللنَّعِنُونَ} [البقرة: 159]. وعرض أبو بكر الكندي جملة. من الأدلة على ذلك انظر كتابه المصنف: 15/ 12. هذا بعد المؤلّف أما قبله فلم نعثر على من قال بذلك. (3) لم ينسب المؤلف هذا القول إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان تبغورين قد عده حديثا لكننا لم نجده في المعجم المفهرس لألفاظ الحديث. انظر تبغورين: أصول الدين: 38. (1/359)
صفحة 358
360
الجزء الأول
مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78، 79] وقال أيضا: {خُذِ الْعَفْوَ [وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ]
وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهلِينَ} [الأعراف: 199].
2 - في مراتبهما
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضهما ووجوبهما على ثلاثة معان: فمن استطاع نزع المنكر وإماتته (2) فعليه أن ينزعه ويميته. ولا يكون
مؤديا لفرض الله فيه حتى يميته وينزعه إما بكلامه أو بسوطه أو بسيفه.
ووجوب الأمر والنهي /22 عليه قائم ما دام المنكر قائما حتى يغيّره. فإن لم يستطع نزعه وإماتته (3) وتغييره فعليه النّهي بلسانه. فإن نهى عنه وغيره بلسانه ولم يستطع غير ذلك أدى ما كلّفه الله. ولم يوجب الله عليه إلا ما استطاعه. فإن لم يستطع النهي بلسانه والتغيير على أهل المنكر هم وخاف على نفسه القتل والضرب فليغير بقلبه وليس عليه غير ذلك والله ولي الحكم فيهم. وهو ا أشدّ بأسًا وأشدّ تنكيلا.
- في حكم الأمر بنقيضهما
ومن أمر بالمنكر عصى الله وأثم في دينه. وإن كان الذي أمر به به من العصيان ممّا يضلّ به فاعله فهو ضال. وإن كان الذي أمر به من العصيان ممّا لا يضل به فاعله فقد عصى ربّه. وإن استحلّ شيئًا من المنكر وأصر عليه فهو أشدّ لكفره. ومن أمر بالشرك فهو مشرك. وإن استحل الشرك فهو مشرك. وإن أصر عليه أيضا فهو مشرك. وإن أمر بالكبائر التي هي دون الشرك فهو منافق.
(1) سقط من الآية. (2) في الأصل «إمادته». م.
(3) في الأصل «إمادته». م. (1/360)
صفحة 359
كتاب التحف المخزونة
361
وكذلك الإصرار عليها نفاق وأمّا استحلالها (1) فعلى وجهين يكون شركا ويكون نفاقا. فمن استحلّ ما حرم الله نصا فهو مشرك. وإن كان استحلاله لما يحتمل التأويل فهو منافق غير مشرك.
والأمر بالتوحيد توحيد. والأمر بالفرائض طاعة غير توحيد. وكذلك الأمر بالنوافل طاعة غير توحيد.
وكل من ضيق موسعًا أو وسع مضيّقا فقد ضل وهلك. ومن جعل صغيرًا من الذنوب كبيرًا أو كبيرًا منها صغيرا ضل وهلك أيضا في قول المسلمين (2). ومن نفى الكفر والفسق والضلال عن فاعله ضلّ أيضا. ومن أثبته لغير فاعله ضلّ أيضا. ومن نفى الشرك عن واقع [منه] ضلّ أيضا. أثبته لغير فاعله ضلّ أيضا. ومن جعل معصية الله كلها كفرًا أو شركا (3) ممّا ينافق به قائله وكذلك من جعل طاعة الله كلها توحيدا
ومن
ضل وهو وزعم أن الشرك لشيء منها شرك ضلّ أيضا مثل الأول. وضلاله كفر غير شرك. ومن جعل شيئًا من طاعة الله معصية له أو جعل شيئًا من معصية الله طاعة له ضلّ أيضا. ومن زعم أنّ الله ألزم شيئًا لم يلزمه أو لم يلزم شيئًا ألزمه ضلّ أيضا. وكذلك من زعم أنّ الله لم يأمر بالنوافل أو قال حرّمها أو نهى عنها أو لم يحلّها أو لم يوجب عليها ثوابا أو زعم أنها ليست من الإيمان فهذا كله مما يضل به قائله.
قال الشيخ رحم الله: الأمرُ بالنوافل والنهي عن الصغائر من الذنوب (4)
(1) في الأصل «الاستحلال لها». م.
(2) أي عند علماء الإباضية. (3) في الأصل «فهو». م.
(4) المقصود بالأمر هنا الندب والتحضيض وقد سبق بيان أنّ الأمر في نظر المؤلّف على
وجهين أمر وجوب وأمر ندب وتحضيض. وكذلك النهي نهيان: نهي تحريم ونهي كراهة. (1/361)
صفحة 360
362
الجزء الأول
(1)
مستخرج من النص. ومن دفع النهي عن المستخرجات كلها منافق. وكذلك الأمر بالمستخرجات كلّها من دفعها منافق. ومن دفع المنصوصات كلها أشرك لأنه كذب الله في خبره وساواه بالكاذبين.
4 - في الطاعات
والتقرب إلى الله
طاعته توحيد. والتقرب إلى غير الله كله شرك. بجميع
والتقرب إلى الله بمعصيته على وجهين يكون شركا ويكون نفاقا. ومن تقرب إلى الله بما /23/ يصيب به التأويل إذا استحله فهو كافر متأوّل منافق. ومن تقرب إلى الله بما يشرك به من استحلّه فهو مشرك مثله. وهذا الذي بلغنا في هذه المسألة. والله أعلم وأحكم بالصواب (3).
وطاعة الله كلّها عبادة له لعلّة التقرب بها إليه وطاعة الشيطان منها عبادة له ومنها ما ليس بعبادة له. فمن زعم أنّ طاعة الشّيطان كلها عبادة له ضلّ
أيضا وكفر في قول المسلمين.
(1) أي مستنبط وليس نصا صريحا.
(2) انظر كذلك: الفرسطائي: مسائل التوحيد: 8 فقد أورد نفس الأفكار وبين معنى التقرب إلى وهو. أن يقصد ثواب الله بطاعته ولا يكون هذا التقرب إلا بفعل القلب.
الله (1/362)
صفحة 361
كتاب التحف المخزونة
363
[في المعرفة والجهل
1 - المعرفة والجهل بين الاضطرار والاكتساب
اختلف الناس في المعرفة والجهل. فقال من خالف العدل: إن المعرفة والجهل طبع العباد عليها وليستا بفعل العباد. وزعموا أن الله طبع العباد على معرفته وجهله. وزعم بعضهم أنّ العباد كلّهم طبعوا على معرفة الله. ولا يكون بالغ صحيح العقل مأمورًا منهيا إلا وهو عارف بالله لأنه ليس من الحكمة أن يأمر الله العباد بما جهلوه ولم يعرفهم إياه. تعالى الله عما وصفوه به من ذلك علوا كبيرًا (2).
والذي نقول به: أنّ العلم والجهل على وجهين: يكون العلم باكتساب ويكون باضطرار. وكذلك الجهل يكون باكتساب ويكون باضطرار. فكل ما كان علمه اكتسابًا فالجهل به اکتساب (3). وكل (4) ما كان علمه اضطرارا فالجهل به اضطرار وكذلك كلّ ما كان الجهل به اضطرارا فالعلم به اضطرار. وكلّ ما كان الجهل به اکتسابًا فالعلم به اكتساب. والعباد يقصدون إلى العلم فيكون عندهم قصدًا ومقصودًا وسيبًا ومسببا. وأما الجهل فلا يقصدون إليه وإنّما يكون عن أسباب منهم فيكون فعلهم مسببا عن الدواعي التي يقصدون إليها.
(1) من خالف العدل من غير الإباضية كالجاحظ الذي ذهب إلى أن المعارف كلها ضرورية. وقد ناقشه كلّ من الجبائي وعبد الجبار في هذه القضية.
(2) وصاحب هذا القول هو الجاحظ أيضا وبمثله قال ثمامة بن أشرس النميري. انظر الشهرستاني:
الملل والنحل 91/ 1.
(3) في الأصل «اكتسابا».
(4) في الأصل «فكل». (1/363)
صفحة 362
364
الجزء الأول
2 ـ في أقسام المعرفة
فإن قال: كم وجها تنال به المعرفة؟ الجواب في ذلك: أن الحواس السبب الذي تنال به المعرفة فيما روي عن الشيخ أبي
الخمسة
هي
(1)
نوحه، إما ما أدركته الحواس وإما ما دلّ عليه ما أدركته الحواس. فَعِلمُ ما أدركته الحواس كله اضطرار. وعلم ما دلّ عليه ما أدركته الحواس: كله (3) اكتساب. ولا يُنال شيء (4) من العلم إلا بهذه المعاني التي ذكرناها. 3 ـ في أقسام الطاعة
والعلم بدين الله كله طاعة). وتلك الطاعة على وجهين: تكون فريضة ونافلة. فالفريضة منها على وجهين توحيد وغير توحيد. فكل ما يلزم فعله يلزم علمه أيضا حتى حين ما يلزم فعله (6). وليس كل ما يلزم علمه يلزم فعله لأنه يلزم علم الشّرك ولا يلزم فعله. وكلّ ما كان علمه توحيدا فالجهل به شرك (7). وكل ما يشرك بتركه فالعلم به توحيد. وكذلك كل ما يشرك
(7)
(1) في الأصل «التي». (2) هو أبو نوح بن زنغيل. (3) في الأصل «كلّها».
(4) في الأصل «شيئًا».
(5) في الأصل والعلم كله بدين الله طاعة».
(1) ينسب إلى النكار القول بواجب العمل بالفرائض دون العلم بها. وقد روى كتاب السير الإباضية أن أبا الربيع سليمان بن يخلف وزميله أبا يعقوب يزيد بن يخلف الزواغي حضرا مجلس علم لأبي يعقوب يزيد أفتى فيه بمقالة النكار. ولمّا سأل يزيد أبا الربيع عما حفظه من شيخه أبي عبد الله محمد بن بكر أجاب بأنّ العلم بالفرائض واجب إذا لزم العمل بها. و جواب أبي الربيع هو قول جميع الإباضية الوهبية. انظر: الوسياني: السير 174. المارغني؛ رسالة الفرق 55 الشماخي السير 534. السوفي: السؤالات،65، 129. الدرجيني: طبقات
00
الدرجيني 428/ 1.
(7) وهذا راجع إلى تضييقه فيما لا. يسع
جهله وحكمه على الجاهل بشيء من ذلك بالشرك. (1/364)
صفحة 363
{
كتاب التحف المخزونة
365
بإنكاره فالإقرار به توحيد وكلّ ما لا يشرك بإنكاره إذا أنكره فالإقرار به
ليس بتوحيد.
- في وجوب العلم وأقسامه
وطلب العلم فريضة في كل ما لا يسع جهله وفيما لا يسع تركه. وأما غير ذلك مما يسع جهله ولم يلزم العباد /24/ فعله فذلك واسع لهم إذا قام به البعض من النّاس (1). وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» (2) وقيل عنه أيضا: «اطلبوا العلم ولو بالصين» (3). وقال الله ول: {فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7] وقال: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9].
(1) كل ما وسع جهله ولا يسع تركه هو فرض عين وسائر أمور الدين فرض كفاية. انظر المصعبي: حاشية تبغورين: 63. داود الثلاتي: شرح العقيدة المباركة: 19. ويروي الإباضية قولا لجابر بن زيد يعرف بمسألة جابر بن زيد وهو لا يحلّ لعالم أن يقول لجاهل اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك ولا يحل لجاهل أن يقول للعالم اجهل مثل جهلي وإلّا قطعت عذرك. فإن قال العالم للجاهل اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك قطع الله عذر العالم. وإن قال الجاهل للعالم اجهل مثل جهلي وإلّا قطعت عذرك قطع الله عذر الجاهل. انظر: الوارجلاني: الدليل والبرهان (2) أخرجه ابن ماجه مقدّمة 17 ونصه: حدّثنا هشام بن عمّار ثنا حفص بن سليمان ثنا كثير بن شنطير عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهرة واللؤلؤة والذهب». رقم 224.
مج
2، 251/ 3، 252
(3) أخرجه الربيع بن حبيب في مسنده باب 4 في العلم وطلبه وفضله حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اطلبوا العلم ولو بالصين» حديث رقم 18 ولم يثبت هذا الحديث عند غير الإباضية إلّا من طريق ضعيف رواه ابن عبد البر في جامع العلم والديلمي والبيهقي في الشعب والخطيب في الرحلة وغيرها وعده ابن الجوزي وابن حبان من الموضوعات. انظر السالمي: شرح الجامع الصحيح 42/ 1. (1/365)
صفحة 364
266
الجزء الأول
فإن قال: ما عين العلم؟ الجواب في ذلك أن عين العلم الدرك) والإحاطة والاستبانة. فكلّ مدرك محيط مستبين لا يخفى عليه شيء فيما علم.
فإن قال: ما حد معرفتك في الله؟ فقل: الإفراد الله بحسن التوحيد. فإن قال قائل: ما أوّل العلم؟ وما سبيل المعرفة؟ الجواب في ذلك: أن أوّل العلم التوحيد وسبيل المعرفة التعليم.
وعين الدرك والإحاطة والاستبانة أن تحيط بالشيء خبرا. وعين الجهل ألا تحيط بالشيء خبرا. وضدّ العلم الجهل. وضدّ الجهل العلم. وهما فعل القلب ولا ينسبان إلى غيره من الحواس.
وقد قيل في الأطفال: إنّ لهم حاسة سادسة يحيطون بها ويميزون بين الأشياء ويعلمون بها ولا يقال لهم، عالمين، ويجهلون بعض الأشياء ولا يقال لهم جاهلين وكذلك البهائم، قيل: إنّ لهم حاسة سادسة يعلمون بها. ولا يقال لشيء من البهائم والأطفال وجميع من ليس له عقل عالمًا وإن كان يعلم شيئًا. وكذلك يقال لغير العاقل والمكلّف كله ممن ينسب إليه العلم بشيء من الأشياء أنه يعلم ولا يقال له عالم. وكذلك يقال لهم: يسمعون ويبصرون ولا يجوز عليهم سميعين وبصيرين. وجميع من لا عقل له لا ينسب إليه فة الله شيء من معرف ولا معرفة دينه.
(2)
فإن قال قائل: هل يجوز أن يضطر الله إلى) معرفته من لا عقل له؟ الجواب في ذلك أنه لا يجوز أن يضطر الله إلى معرفته من لا عقل له كما لا يجوز أن يضطر إلى درك الألوان من لا له وإلى درك الأصوات من لا بصر
سمع له.
(1) المرادف المعاصر لهذا المصطلح الكثير استعماله هو «الإدراك». م. (2) في الأصل «على». وقد عدّى بها المصنّف الفعل «اضطر» وأثبتها المحقق. م. (1/366)
صفحة 365
كتاب التحف المخزونة
367
وسألت عن الرجوع عن العلم. فاعلم أن الرجوع عن العلم لا يسع.
هكذا روى المشايخ عن أبي خزر الله (1) في هذه المسألة. وروي عن ا أبي محمد ويسلان (2) أنه قال الراجع عن علمه فيما ينافق به جاهله منافق (3). وقال الشيخ: ما لا يسع في جهل لا يكون إلا كبيرا. وما لا يسع في العلم
يكون كبيرًا ويكون صغيرًا.
فإن سأل عن العلم والجهل أحركة هما أم سكون؟ الجواب في ذلك: أنّ أفعال القلب كلّها لا تنفك من حركة أو سكون. وكذلك أفعال العباد حركة أو سكون. وما يقوم عنهما من المقطع به لا حركة ولا سكون.
(1) في الأصل روي عن المشايخ أبي خزر ه». م. وقد نقل السوفي أيضا عن أبي خزر مثل
ذلك انظر كتابه السؤالات 104.
(2) وقد نقل عنه كلّ من الشوفي وقاسم الشماخي نفس المقالة انظر السوفي: السؤالات 104، 188. قاسم الشماخي: شرح اللؤلؤة: 269.
(3) في الأصل «هو منافق». م. (4) إذا كان الرجوع عن العلم بمعنى النسيان فإنّ ذلك تضييق وتشديد على الناس لأن الله لم يجعلنا حفاظا لا ننسى وقد عرضنا تحليل الوارجلاني للقضية. أما إذا كان الرجوع عن العلم بمعنى الإنكار والتراجع فذلك لا يجوز بل يحكم على صاحبه بالردة إذ منكر شيء جهله من مسائل الاعتقاد مرتد لا محالة. يسع
مقالا (1/367)
صفحة 366
368
الجزء الأول
في النّبوّة والرسالة
1 - في حد النبوّة والرسالة اعلم أن النبوة والرسالة صفات الأنبياء والرسل. وهما اضطرار حالتان في الأنبياء والرسل كحلول الاستطاعة في المستطيع والزّمانة في الزمن لأنهما لو كانتا اكتسابا /25/ لجاز على العباد أن يختاروهما. فمن أراد أن يكون نبيا كان نبيا. ومن أراد أن يكون رسولا كان رسولا. وفي عجزهم [عن] أن يكونوا أنبياء بإرادتهم ورسلا بإرادتهم ما يثبت أن النبوة والرسالة ليستا بأفعالهم. وهما فعل الله ليس للعباد فيهما فعل. وذُكر عن الشيخ له جواب غير هذا أنّ النّبوّة اضطرار والرّسالة اكتساب والله أعلم وأحكم بالصواب. وأما قبولها وتبليغ الرسالة فذلك اكتساب من الأنبياء والرسل).
والنبوة مشتقة من الإنباء أي نبأ أخبر. وقد قال الله وجَل: وعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَا الْعَظِيمِ} [النباء 1، 2]. قد قيل في تفسيرها، والله أعلم، أي: عن الخبر العظيم (2).
(1) لقد زاد أبو يحيى زكرياء بن أبي بكر المسألة بيانًا وتوضيحًا لسبب | العلماء الخلاف بين فأثبت أن الرسالة تتصرف على وجهين: على معنى الإرسال من الله وعلى معنى التبليغ من الرسل. فالذين قالوا الرسالة اضطرار ذهبوا إلى المعنى الأول ومن قال إنّها اكتساب ذهب إلى المعنى الثاني. وبذلك يكون الخلاف لفظيا. وروى السوفي تعليق أبي عمار على هذا التخريج بقوله إنّه أحسن ما سمعه. في هذا الوجه. أما الجيطالي فقد اكتفى بإيراد الخلاف دون تبني موقف معين فيه. انظر: السوفي: السؤالات،98 الجيطالي: قواعد الإسلام 23/ 1. (2) روى الطبري مثل هذا التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم في جامع البيان في تفسير القرآن 2/ 30. وفي تفسير ابن عبّاس: 498 عَنِ النَّبَا الْعَظِيمِ) عن خبر القرآن العظيم الكريم الشريف. تنوير
المقياس من تفسير ابن عبّاس ط بيروت دار الكتب العلمية د. ت. (1/368)
صفحة 367
كتاب التحف المخزونة
369
وقد قيل أيضا في النّبوّة: تأتيهم في سِنَة المنام بين النوم واليقظة فيتحققون [من] ذلك أنه من عند الله ولا يشكون فيه أنه من عند الله لا من غيره (1).
والنبي الذي نبى أو أُلْهِمَ. والرسول الذي أرسل بالرسالة إلى غيره. وقد قيل في النبوة إنها علامة تكون في أجساد الأنبياء"). والله أعلم وأحكم. وكلّ رسول من بني آدم فهو نبي. وليس كل نبي رسولا.
2 - في حكم منكر النبوة والرسالة ومن أثبت النبوة لغير نبي أو الرّسالة لغير رسول فقد أشرك بالله. ومن نفاها عن نبي أو عن رسول فهو مشرك أيضا. وكذلك من أخطأ (3)
في
(1) ذكر الجيطالي أنّ الأنبياء عليهم السّلام منهم من يأتيه الوحي عن طريق جبريل أحيانًا ومنهم من يلهمه إلهاما ومنهم من يراه في النوم فيحفظه. انظر الجيطالي: قواعد الإسلام 23/ 1. وحديث كيفية نزول الوحي على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم مشهور. فقد روى الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: سأل الحارث بن هشام كيف يأتيك الوحي يا رسول الله؟ قال: «أحيانًا يأتيني مثل صلصة الجرس وهو أ. أشدّه علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال. وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول، قالت عائشة هنا: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد ويفصم عنه وإن جبينه ليتصفد عرقا. قال الربيع فينفصم عنه، أي فينجلي الربيع ابن حبيب: الجامع الصحيح: باب بدء الوحي حديث رقم 2 البخاري: الجامع الصحيح كتاب بدء الوحي باب 2، کتاب بدء الخلق 6. مسلم: الجامع الصحيح كتاب فضائل 87. الترمذي: كتاب المناقب 7.
النسائي: سنن كتاب افتتاح 37 مالك الموطأ 7. ابن حنبل: المسند: 158/ 6، 163، 257. (2) روى البخاري عن السائب بن يزيد قال: ذهبت بي خالتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إنّ ابن أختي وقع فمسح رأسي ودعا لي بالبركة وتوضأ فشربت من وضوئه ثم قمت خلف ظهره فنظرت إلى خاتم بين كتفيه .... الجامع الصحيح كتاب بدء الخلق باب
خاتم النبوة.
(3) أي وصف نبيا أو رسولاً بصفة مستحيلة على الأنبياء والرسل كأن يصفه بالكذب أو الجنون أو الزنا أو ما إلى ذلك. (1/369)
صفحة 368
بشيء
الجزء الأول
کتاب
صفة النّبي أو في صفة الرّسول فهو مشرك. ومن أنكر النبوة والرسالة فهو مشرك). وكذلك من جَهِلَهَا أيضا فهو مشرك (2). ومن وصف الملائكة مما لا يجوز أن يوصفوا به من لحم أو دم أو مخاض أو بول أو غائط أو تناسل فهو كافر مشرك. ومن دفع نبيا أو ملكًا أو حرفا من الله فهو مشرك. والشاك في شركه مسلم إذا لم يعلم ما دفع أنه نبي أو ملك أو حرف من كتاب الله. فإذا علم ما دفع أنّه نبي أو ملك أو حرف من كتاب الله فلا يسعه الشك في كفره. فإن شك بعد المعرفة بهذا كله الأنبياء بكبيرة من الكبائر بعد نبوّته فهو ومن فيهم أنهم يعملون الكبائر بعد نبوتهم فهو مشرك أيضا. الله الكبائر لا يفعلونها بعد النّبوّة والرسالة. وأمّا الصغائر الذنوب فإنّهم يفعلونها بعد النّبوّة والرسالة ولا يسمون بذلك عاصين
فهو كافر مثله.
مشرك.
فقد
من
ومن رمى
شك
عصمهم من
ولا مذنبين.
نبيا من
3 ـ في صفات الملائكة والأنبياء والرسل
وكذلك أيضًا من وصف الملائكة بالعصيان والذنوب فإنّه مشرك بربه [مفتر] (3) على الله ولا إذ يقول في كتابه: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] وقال أيضا: (يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 20] وقال: (بَل عِبادُ مُكْرَمُونَ. لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ)
[الأنبياء: 26، 27].
(1) قد يتوهم القارئ أنّ في هذه الفقرة تكرارًا والحقيقة غير ذلك إذ في قوله: «ومن نفاها (أي النبوة والرسالة) عن نبي أو رسول فهو مشرك» قصد بذلك الحكم بالشرك على من نفى النبوة أو الرسالة عن نبي معيّن. بينما قوله ومن أنكر النّبوة أو الرسالة فهو مشرك يريد بذلك الحكم بالشرك أيضا على منكر النّبوّة أو الرّسالة على وجه الإطلاق.
(2) وهذا راجع إلى مذهبه في التضييق فيما لا يسع جهله. (3) نقص في الأصل. (1/370)
صفحة 369
كتاب التحف المخزونة
وجميع
371
الأنبياء من بني آدم وكلّ من أرسلهم من المرسلين ليسوا من العبيد ولا من النساء ولا من الأطفال ولا من أهل البادية لقول الله وعلن: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِيَ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى) [يوسف: 109] فنفى بقوله إلَّا رِجَالًا) أن يكونوا من /26/ النساء وبقوله: (مَنْ أَهْلِ القرى) نفى أن يكونوا من أهل البادية وقال أيضا: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَلَكُمْ) [النساء: 5] يعني العبيد (2). (2). ولا يجوز أن ... (3) الله على رسالته ووحيه ويجعله رسولا له ونبيا من سمّاه سفيها.
والملائكة لهم عقول وهم أقوى بنية من بني آدم ومأمورون وملزمون ومختارون ومكتسبون (4) وثوابهم لا محالة واصل إليهم يوم القيامة. وجعل
الله خلقتهم لا تعصي ويفعلون الطاعة بالاكتساب.
(1) في الأصل «فليس هم».
(2) قاس منع إيتاء الأموال العبيد على السفهاء لعلّة خفّة العقل. وهذا غير صحيح إذ ليس بالضرورة أن يكون العبد كذلك. وإنّما فسرت الآية بمنع إيتاء الأموال الأطفال والمجانين والبله وكل من يضيع ماله أو ينفقه في المعصية ومن لا يقوم به من الرجال والنساء انظر اطفيش: تيسير التفسير 263/ 2. ولقد منع العلماء أن يكون الرسول عبدا لا لهذه العلة - وإنما لأنّ العبد لا يملك أمر نفسه فكيف سيقوم بتبعات الدعوة في كل حين؟ على أنّ بعض العلماء يجوز نبوّة العبد بحجّة أنّ لقمان قد نبى. والحقيقة أن نبوّة لقمان مختلف فيها كما أن اعتبار لقمان من المملوكين مختلف فيه أيضًا. انظر السالمي: المشارق: 231. (3) نقص في الأصل. (4) في الأصل: كل هذه الصفات منصوبة. (1/371)
صفحة 370
372
الجزء الأول
[في] اختلاف النّاس في الحرام المجهول
1 - في حكم الحرام المجهول
اختلف الناس في الحرام المجهول فقال بعضهم: حلال. وقال بعضهم: حرام معاقب عليه). وقال بعضهم في الحرام المجهول محطوط فيه الإثم. وهو قول أهل العدل والصواب (3) وذلك أنّ الحرام المجهول عند أصحابنا
الله.
الذي لا يميزه العلماء ولا توجد معرفته عن عالم لا يعلم إلّا بوحي من وأما كلّ ما حرمه الله مما يوجد علم تحريمه عند عالم فلا تسع مقارنته علم
المقارف بذلك أو جهل (4).
2 ـ في أقسام المحرمات
محرم
والمحرمات (5) كلّها على وجهين منها ما كان محرما بعينه ومنها ما كان محرّما لعلّة غيره. فكل ما لا ينقلب (6) إلى إباحة لعلة من العلل فذلك بعينه. وكل ما ينقلب تحريمه إلى إباحة فذلك محرم لعلة غيره كالميتة (7)
(1) نسب السوفي هذا القول إلى النّكار. انظر السوفي: رسالة الفرق 55، السؤالات: 77. (2) وهو قول احمد بن الحسين انظر السوفي: السؤالات 77. (3) نقل التوفي عن أبي. مسور مثل هذا القول. وروى الشوفي أيضا عن أبي الربيع أن حقوق
الحرام المجهول لازمة كلّها كما يلزم ذلك في الحلال. انظر السوفي: السؤالات: 77. (4) هذا الحكم هو بمقتضى الأثر المشهور عند الإباضية والمروى عن جابر بن زيد وهو قوله: يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرؤوا من العلماء إذا
برئوا من راكبه انظر السالمي: بهجة الأنوار 42.
(0) في الأصل «المحرومات». (1) في الأصل «يتقلب». م.
(7) ومثلها المنخنقة والموقوذة (المضروبة بالعمد حتى الموت والمتردية (التي تردّت من علق فماتت والنطيحة وما أكل السبع وما ذبح على النصب (ما يذبحه المشركون قربة = (1/372)
صفحة 371
كتاب التحف المخزونة
373
(2)
والدم ولحم الخنزير (2) التي (3) علة تحريمها (4) الوجود والاستغناء عنها. فإذا زالت العلة التي أوجبت التحريم لهذه الوجوه من الوجود والاستغناء ثبتت الإباحة فيهم إلا من اضطر إليهم في مخمصة. ومن حرمهم على من ذكرناهم ممن اضطر إليهم في مخمصة فهو مشرك (5).
ـ في أحكام المكره على محرّم
وأما من أكره على أكل هذه الوجوه بالسيف فلأصحابنا في ذلك قولان: قال بعضهم بالإباحة في هذه الوجوه لمن اضطرّ في مخمصة لأن علة إباحتها للعباد لتنجوا (6) بها أنفسهم من الموت. فكل من خاف على نفسه الموت فهي مباحة له وينجي بها نفسه من الموت. وقال بعضهم: كلّ شيء جاء فيه التحريم من الله فهو على حالة الإباحة في عينه. فتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير جاء عاما وجاءت الإباحة فيها لمن اضطرّ في مخمصة. فهي على تحريمها على الجميع إلا من جاءت فيهم الإباحة لمن اضطر في مخمصة. وأما غيره ممن لم تقصد إليه بالإباحة فلا (7). ومن اضطر إلى هذه المعاني
لأصنامهم قال تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِيزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَنِقَةُ والْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) [المائدة: 3]. (1) أي الدم المسفوح أما السمك مثلاً فحلال بإجماع العلماء. (2) بشرط أن يكون قائم العين أي لم يتغيّر شخصه أمّا إذا كان مقطعا لحما فأكله المسلم ولم يدر أنه لحم خنزير فلا إثم عليه. انظر السالمي: بهجة الأنوار: 54.
دم
(3) في الأصل «الذين». م. (4) في الأصل «تحريمهم». م.
(ه) لأنه محرّم لما احل الله في قوله: (فَمَنِ اضْطُرَ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ ... فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رحِيمُ) [المائدة: 3]. (1) في الأصل «لينجوا». م.
(7) ذهب ابن بركة العُماني إلى وجوب فعل ما أكره الإنسان عليه إذا كان الفعل المكره عليه مما يباح عند الضرورة وذلك لأنّ صون الروح واجب ولا سبيل إليه إلا بالأكل وليس في = (1/373)
صفحة 372
374
الجزء الأول
التي ذكرناها في مخمصة وترك أكل ذلك حتى مات ولم ينج نفسه منها
بأكلها وهو قادر عليها وواجد لها فهو ضالّ.
ومن أكره على الكفر فلا بأس أن يظهر ذلك بلسانه ويضمر الإيمان في قلبه. ومن حرّم عليه ذلك فهو ضال. وله الخيار في ذلك إن شاء مات على دينه ولم يعطهم ذلك وإن شاء أعطاهم بلسانه ما طلبوه إليه من ذلك وأضمر في قلبه خلاف ذلك. فإن مات على دينه فمأجور. فإن أخذ برخصة فمعذور.
وكذلك براءة المسلمين وولاية الكافرين إذ أكره عليها والبراءة من هذا كله إذا أكره عليه فلا بأس أن يعطيهم بلسانه ما طلبوه إليه ويضمر في قلبه خلاف ذلك.
جميع
/27/ دينه
وهذا كله إذا خاف على نفسه الموت بالسيف. وأمّا بالجوع فلا يعطيهم شيئًا من ذلك. وكذلك غيره لا يطلب نجاته. فهذه الوجوه التي ذكرناها إذا قالوا له أشرك بالله أو اخلع المسلمين وإلّا أكلنا مالك أو قتلنا أحدا من قرابتك أو غيرهم من الناس فلا يعطيهم شيئًا من ذلك إلا إذا خاف على نفسه الموت).
هذا الأكل إضرار بأحد أو إهانة لحق الله. وذهب غيرهما إلى الإباحة دون الوجوب وهو الرأي الذي رجحه السالمي انظر كتابه المشارق 453. وجاء في ديوان الأشياخ ص 18: «فالوجوه التي يفعلها ولا يمت (كذا) فإنّه يأكل في رمضان وهو مقيم ويأكل الميتة والدم ولحم الخنزير ويعطيهم الشرك بلسانه ويضمر التوحيد في قلبه ويلفظ ببراءة المسلمين وولاية الكافرين ويضمر خلاف ذلك في قلبه ولم يمت (كذا). (1) وافق السالمي المؤلّف واستدلّ على صحة هذا المذهب بحجج أربع: لما عذب بلال ولم يلفظ بالكفر عظم الرسول ما فعله ولم يقبّحه. وامتحن مسيلمة الكذاب رجلين فقال لأحدهما ما تقول في محمّد فقال هو رسول الله فسأله ما تقول في؟ فقال وأنت أيضا فخلى سبيله بينما قتل الثاني لتحدّيه ولما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أمّا الأول فقد أخذ الرخصة وأما الثاني صدع بالحق فهنيئا له». وبما أنّ بذل النفس في تقرير الحق أشق كان القواب أعظم. وحال الممتنع عن التلفظ بالكفر أفضل لأنه لم يلطّخ لسانه بذلك. انظر السالمي: المشارق: 452. (2) جاء في الديوان. 19: «وإن قالوا له أعط لنا المال وإلا قتلناك أو قتلنا غيرك فليس عليه شيء في ذلك».
فقد
ص
: (1/374)
صفحة 373
كتاب التحف المخزونة
375
- في أحكام المستحل للمحرم
وأما من أكل شيئًا حرم الله عليه من أموال الناس والميتة والدم ولحم الخنزير والخمر والنجاسات كلّها مما يكون من بني آدم من بول أو غائط أو دم فهو كافر.
وما نجس من هذه المعاني التي ذكرناها ضلّ أيضا لأكله منها). [و] قال الشيخ الله كل ما يضلّ به من أكله يضلّ إذا أطعمته لغيره أو في أكل هذه الوجوه كلّها في مستحلّها إذا لم تقم عليه الحجة بتحريم شيء (") منها أو كفّر
من قارف شيئًا منها يسعه جهل كلّ ذلك. ولا تسع المقارفة لشيء من. إذا قارفه من حيث يميّزه علماؤه.
ذلك
والميتة والدم ولحم الخنزير يشرك من استحل شيئًا من ذلك. والشاك فيه مسلم ما لم تقم عليه الحجّة بتحريم ذلك. وكذلك كل من استحل الخمر فهو مشرك. ومن شرب بغير استحلال فهو منافق ومن شرب حتى سكر منه أفعاله ولا يعذر في شيء منها لأنّ سبب ذلك أتى [من] قبله.
ألزموه جميع وأما النبيذ المسكر إذا شرب منه حتى سكر فهو ضال وألزموه (3) جميع أفعاله. وإن لم يسكر فلا يحكم عليه بالكفر ما لم يسكر أو يشرب ما يسكر به غيره. ويجب عليه الحدّ في النبيذ المسكر إن سكر. وإن لم يسكر فلا حد عليه. وأما الخمر إذا شرب [منه] فيجب عليه الحدّ سكر أو لم يسكر. ويضلّ من شرب منه (4) قليلاً كان أو كثيرًا.
(1) في الأصل «من أكله».
م.
(2) في الأصل «شيئًا».
(3) في الأصل «ألزمه» (4) في الأصل «به». م. (1/375)
صفحة 374
376
الجزء الأول
ه ـ في حد الخمر والزنا وحد السكران من الأحرار ثمانون جلدة (1) ذكرا كان أو أنثى. وأما من العبيد فأربعون جلدة) ذكرًا كان أم أنثى. وحد الزنا مائة جلدة على الحرّ البكر (3). وأما المحصن من الأحرار إذا زنى فوجب عليه الرجم (4). والعبد المحصن بالزوجة فحدّه خمسون جلدة. وأمّا البكر من العبيد فلا حدّ عليه إذا زنى ويتكل على فعله (5) بالضرب.
6 ـ في حد التغرير
وحد التغرير ما دون أربعين. وحدّ الأدب ما دون عشرين (6). والنكال فوق
كذلك (1) ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم جلد شارب الخمر أربعين وجلد الصدّيق مثله وفي صدر زمان عمر ثم شاور الفاروق أصحابه فقال علي: «من سكر هذى ومن هذى قذف» فحكم بجلد ثمانين
ووقع الإجماع على ذلك انظر السالمي: جوهر النظام 146، 147، العقد الثمين 413/ 4. (2) قيل إن علي بن أبي طالب هو الذي حكم بذلك قياسا على حد العبد الزاني فقد قال في شأنه ان: (فَإِنْ أَتَين بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِن الْعَذَابِ) [النساء: 25] انظر، سحنون، المدوّنة الكبرى 252/ 6 السالمي: العقد الثمين 405/ 4.
(3) قال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذَكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النور: 2]. (4) عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل ما أجد الرجم في كتاب الله. فيضلوا بترك فريضة من فرائض الله. ألا إن الرجم حق إذا أحصن الرجل وقامت البينة أو كان حمل أو اعتراف وقد قرأتها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة». رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده. (جه حدود 9 - خ حدود 30 ـ م حدود 15 ـ د حدود 23 ـ ت حدود 7 - دي حدود 16 ـ ط حدود 10 ـ حم 23/ 1 وغيرها). (5) نقل السالمي عن امحمد اطفيش: «ولا رجم على عبد أو أمة بل عليهما جلد خمسين أحصنا أو لم يحصنا نصف جلد الحرّ غير المحصن وقيل أربعين إن لم يحصنا وخمسين إن أحصنا. انظر السالمي: شرح الجامع الصحيح 311/ 3.
(6) جاء في المنصف عن الإمام راشد بن سعيد تجويز التأديب بأكثر من خمسة عشر سوطا انظر الكندي: المصنف 84/ 12. (1/376)
صفحة 375
كتاب التحف المخزونة
377
الحدّ () أو دونه ولا يوقف به على الحدود وقد قيل لا يبلغ بالنكال حد التعزير، ولا يبلغ بالتعزير حدّ الأدب (3). والنكال والتعزير لا يوجبان إلا على كبيرة. - في حد القذف
Y
وحد القذف ثمانون جلدة (3). ولا يجب الحد في القذف حتى يكون القاذف والمقذوف حرّين بالغين موحدين. ومن قذف النبي صلى الله عليه وسلم فهو مشرك بقذفه إيّاه. فإن تاب من ردّته ... (4). وإن لم يتب من ردّته قتل. ومن قذف أحدًا من الناس حرا كان أو عبدا ذكرًا كان أو أنثى بالغا كان أو طفلا ضل وكفر. وروي عن الشيخ أبي نوح له الله أنه قال: القاذف /28/ يكفر بقذفه ولو قذف صخرة). والله أعلم وأحكم.
ومن زنى بذات محرم منه فإنّه يقتل بالسيف). ومن أتى بهيمة فإنّه يقتل بالغمّ). ومن فعل فعل قوم لوط قد قيل إنّه يرجم. بالحجارة حتى
(v)
(1) انظر تفصيل ذلك في كتاب المصنف للكندي: 18/ 12.
(2) في الهامش «الحدود» وفوقها نخ أي وفي نسخة أخرى «الحدود». (3) قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا وَأُولَيكَ هُمُ الْفَسِقُونَ} [النور: 4].
(4) كلمة غير مفهومة. م.
(ه) إنّما هذا من باب المبالغة والمراد من قذف أيا كان استحق كفر النعمة.
(1) قال البراء لقيت خالي ومعه الراية قلت أين تريد قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده فأمرني أن أضرب عنقه، وجيء إلى عبد الملك بن مروان بأعرابي تزوّج امرأة أبيه فقال له مالك تزوّجت أمك فقال ليست أمي وإنما هي امرأة أبي فضرب عبد الملك عنقه وقال: لا جهل ولا تجاهل في الإسلام فلما بلغ ذلك جابر بن زيد قال: أحسن عبد الملك. انظر السالمي: العقد الثمين 402/ 4. (7) أورد صاحب المصنف أقوالاً كثيرة في حكمه منها أنه يجلد إن كان بكرا ويقذف من أعلى جبل إن كان محصنًا. وقيل حكمه حكم الزاني وقيل تقتل البهيمة وناكحها. وجاء عن = (1/377)
صفحة 376
378
الجزء الأول
يموت. وقد قيل فيه أيضا يرمي من فوق جبل ويتبع بالحجارة حتى يموت (1).
والذي لا ينقلب (2) تحريمه من الحرام إلى إباحة كالخمر والزنا وقتل النفس التي حرم وأكل أموال الناس بالتعدية وقذف المحصنات ووضع السلاح ودفعه إلى العدوّ فهذه الوجوه كلّها مما يموت العبد ولا يفعل شيئًا منها. وإن فعل شيئًا منها خاف الموت أو لم يخف ضلّ وكفر في قول المسلمين (3).
والذي دفع سلاحه إلى العدوّ فقتلوه على ذلك قد قيل إنّه يضل ويهلك. وأما إن لم يقتلوه وخلّوا سبيله فالله (4) أعلم وأحكم بذلك إلا أن يتوب من فعله ولا يعود إليه.
النبي أنه قال: «ملعون من أتى بهيمة الربيع بن حبيب الجامع الصحيح حديث رقم 982 وانظر شرحه في حاشية الترتيب لأبي ستة 105104/ 8، وانظر الكندي المصنف 73/ 20، 74. (1) استنبط هذا الحكم من عقوبة قوم لوط الذين رفع الله قراهم وجعل عاليها سافلها وأمطر عليهم حجارة من سجيل. وقيل حكمه حكم الزاني. وقيل حكمه حكم ناكح ذات محرم. وقيل حكمه حكم ناكح البهيمة. والحقيقة أنه لم يثبت في حده نص من الكتاب أو السنة أو الإجماع وإنما كل يقيسه على حالة من الحالات المذكورة. انظر السالمي: العقد القمين 403/ 4.
(2) في الأصل يتقلب» ..
م.
ص
(3) جاء في ديوان الأشياخ. الله يقتل النفس التي حرم يعطي سلاحه ولا ثيابه ويبقى عريانا ولا يقذف المحصنات ولا يستهلك الأموال والأنفس
18: «وأما الوجوه التي لا يفعلها الإنسان ولو أنه يموت فإنه لا ولا يزنى ولا يأكل أموال النّاس بالتعدية ولا يشرب الخمر ولا
ولا يدخل على امرأته في الحيض ولا في النفاس ولا محرمًا بالحج ولا معتكفا». (4) في الأصل «والله». (1/378)
صفحة 377
كتاب التحف المخزونة
379
[في] الخوف والرجاء
ا ـ في وجوب الخوف والرجاء
والخوف والرجاء فريضتان واجبتان على العباد. واجب عليهم أن يخافوا الله ويرجوه (2). ويعتدل الخوف والرجاء في قلوب العباد (3). و [إن] قام أحدهما بالآخر لا يسعهم ذلك إلا أن يعتدلا في قلوبهم لأنه إذا قام الخوف بالرجاء فذلك يدعو إلى الإياس والإياس أعظم الكبائر. فإذا قام الرجاء بالخوف فذلك يدعو إلى الاطمئنان (4). وقد قيل [يكون العبد سالما ما لم أحدهما ينتز من من الخوف أو من الرجاء. فإذا انتزى من أحدهما أو اطمئن ولم يكن معه شيء من الخوف أو خاف ويئس) ولم يكن معه شيء من الرجاء والطمع فعند ذلك يضل (7).
(1) عرف الخوف بأنه احتمال الهلاك احتمالا لا راجحا واحتمال النّجاة احتمالا. مرجوحا فهو الإشفاق من العذاب والحذر من الوقوع في النّار. أمّا الرّجاء فهو احتمال النجاة احتمالا راجحا واحتمال الهلاك احتمالا لا مرجوحًا وهو الطمع في رحمة الله وثوابه. انظر: حاشية الوضع 111 داود التلاتي شرح العقيدة المباركة 30، حواش على شرح الجهالات 25، 26. (2) قال تعالى: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57] وقال: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبا) [الأنبياء: 90].
(3) في الأصل وعليهم أن يعتدلا في قلوبهم». م.
(4) في الأصل «الاطمانية»
(ه) يبدو أنّ في العبارة نقصا فأضفنا هذا ليكتمل المعنى
(1) في الأصل «أنس». م.
(A)
الاعتدال وجب بين الخوف والرجاء لأنّ من مال قلبه إلى الرجاء خيف عليه الأمان من عذاب الله وقد قال: {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ} [الأعراف: 99] وإن مال إلى الخوف خشي عليه الإياس وقد قال تعالى: (إِنَّهُ لَا يَأْيْسُ مِن زَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكفرُونَ} [يوسف: 87] انظر الجنّاوني: الوضع 34 وروى اطفيش في شرح النيل (1/379)
صفحة 378
380
(2)
الجزء الأول
و [أمّا] المعنى الذي يثبت [به] (1) الخوف والرجاء [ف] قد قيل: إنّه يثبت بفرائض غير محدّدة مثل برّ الوالدين والندامة على الذنوب والذنوب التي (2) لا تُدْرَى أكبائر أم صغائر. وقد قيل أيضا يثبت بجهل المصير لأنّ في جهله لمصيره ما يثبت له الخوف والرجاء لأنه يخاف أن تكون عاقبته وخواتم عمله على الكفر فيعذبه الله ويخلّده في ناره، ويطمع أيضا أن تكون عاقبته إلى الخير وخواتم عمله على الإيمان والوفاء فيثيبه الله بأحسن القواب ويدخله دار كرامته. وأما فعل ما لم يدر من المعاصي إذا علم أنه قارف ذنبًا ولا يدري صغيرًا ولا كبيرًا فيطمع في ربه إذا كان صغيرًا أن يعفو عنه ويغفر له ويخاف منه إذا كان كبيرًا أن يؤاخذه فيعذبه.
=
وأما الفرائض التي ليست بمحدودة إذا علم أنّ الله فرضها عليه ولم يحدّ له فيها فيجتهد في عملها فيطمع أن يبلغ الحدّ الذي يرضى الله عنه فيها إذا يرحمه ويجود عليه، ويخاف أيضًا إن قصر عن الدين الذي يرضي الله
بلغه أن.
596/ 16 أنّ لقمان نصح ابنه قائلا: يا بني كن ذا قلبين قلب تخاف الله به خوفًا لا يخالطه تقنيط وقلب ترجو الله به برجاء لا يخالطه تغرير والأمن والإياس ضدان لا يجتمعان بل يجب ارتفاعهما حتى يتحقق الخوف والرجاء إذ بارتفاع الأمن يثبت نقيضه الخوف، وبارتفاع الإياس يثبت نقيضه الرجاء. انظر حواش على شرح الجهالات 26. وإن كان الاعتدال بين الخوف والرجاء واجبًا على المكلف طيلة حياته فإن ترجح الرّجاء عند الاحتضار أوكد لأنّ العبد وقتئذ في أمس الحاجة إلى الرحمة وقبول التوبة ولذلك روي عن حذيفة بن اليمان أنه قال عند الاحتضار: «اللهم أمرتنا أن نعدل. بين الخوف والرجاء فلأنّ الرّجاء فيك أمثل». انظر التوفي: السؤالات 51، الجيطالي: قواعد الإسلام 43/ 1، داود الثلاتي: شرح العقيدة المباركة: 30، المحشي:
حاشية الوضع 111.
(1) سقطت من الأصل «به».
(2) في الأصل «الذي». (1/380)
صفحة 379
كتاب التحف المخزونة
381
عنه ولم يبلغه أن يؤاخذه ويعذبه (1). ومن قِبَلِ هذه المعاني التي ذكرناها يثبت
الخوف والرجاء في قلوب العباد (3).
والخوف والرجاء فعلان من أفاعيل النّاس فيها (3). فبعض الناس أشد
(?)
خوفًا من بعض وأجلّ طمعا في ربّه (4). فنسأله أن يمن علينا بالخوف منه
ويجود علينا بالرجاء فيه.
2 - في خوف الأنبياء ورجائهم
هم
فإن سأل سائل عن الأنبياء له أليس بمصيرهم وأنّ الله عارفون /29/ مثيبهم لا معاقبهم وهم معصومون من النار وأنّهم قد بشروا بالجنة والنجاة من النار؟ قيل له): نعم قد بشروا بالجنّة وأمنهم الله من عذابه وعرفهم بمصيرهم وأنه مثيبهم لا معاقبهم. فإن قال فما وجه خوفهم من النار إذ أمنهم الله منها وهم على يقين من ربهم أنه مثيبهم لا معاقبهم وأنهم داخلون في رحمته ناجون) من عذابه؟ قيل له: إنّ الخوف والرجاء فعلان من أفاعيل العباد واستعبدهم الله بفعلها كما استعبدهم بالصوم والصلاة وغير ذلك من خصال الطاعة كلها.
(1) وانظر: الجيطالي: قواعد الإسلام 43/ 1، 44، امحمد اطفيش: شرح النيل 588/ 16. (2) وكذلك قيل إنّ الخوف سوط زاجر عن المعصية والرجاء سوط باعث على الطاعة وداع إليها. وحيث كان الخوف مانعا من المعصية لزم أن يكون باعثا على الطاعة وكذلك الرجاء إذا كان دافعا إلى الطاعة لزم أن يكون حافظا من المعصية انظر داود التلاتي: شرح العقيدة المباركة 30. أما الأقوال التي لم ينسبها إلى أحد في المعنى الذي يثبت به الخوف والرجاء فلم نجد من قال بها قبله.
(3) فيها أي في القلوب. إذ الخوف والرجاء فعلان من أفعال القلوب ثابتان فيها. انظر الجناوني: الوضع 34، الجيطالي: قواعد الإسلام 43.
(4) انظر نفس المعنى الجيطالي: قواعد الإسلام 44/ 1.
(ه) في الأصل «لهم»
(1) في الأصل «فائزون».
(7) أورد الجيطالي أنّ الأنبياء يخافون الله خوف عقاب محتجّا بقوله تعالى: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا (1/381)
صفحة 380
382
الجزء الأول
الباب الراية شرا
[في] اختلاف الناس في اجتهاد الرّأي
1 ـ في الحق بين الجمع والإفراد اختلف الناس في اجتهاد الرأي. فقال قائلون: إنّ الحق في جميعهم. فكل ما قالوه واختلفوا فيه فهو من عند الله). وقال آخرون إن الحق في واحد ومع واحد وقد ضاق على الناس خلافه (3). وقال أهل العدل والصواب: الحق في واحد ومع واحد ولا يضيق على الناس خلافه. فإذا اجتهدوا في إصابة الحق فأصابوه فلهم أجران أجر اجتهادهم وأجر إصابتهم. وإن اجتهدوا في إصابة الحق فأخطئوا فلهم أجر اجتهادهم وحط الله عنهم الإثم في خطئهم الحق عنده لأنّ حجّة ذلك لم تقم عليهم بما يقطع الله عذرهم إذا لم تكن علاقته بينة).
=
البلد امِنَا وَأَجْنُبْنِي وَبَنِى أَن نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) [إبراهيم: 35] انظر الجيطالي: قواعد الإسلام 44/ 1. واختار المحشي أن خوفهم خوف ملامة ومحاسبة وتوقيف من الله انظر المحشي: حاشية الوضع 111. وذهب امحمد اطفيش إلى أن خوفهم هو خوف عقاب فإذا وصلوا الحد المعلوم عند الله أخبرهم أنهم أهل الجنّة فيخافون بعد ذلك خوف إجلال. انظر اطفيش: شرح النيل 594/ 16. والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي حتى تتورّم قدماه ولما قيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر قال: «أفلا أكون عبدًا شكوراء خ تهجد 6، رقاق 20 - م منافقين 80 - حم (1) عد السالمي هذا القول مذهب جمهور المشارقة وجمهور المعتزلة وحجتهم في ذلك أن المجتهد إذا اجتهد في حادثة وجب عليه التقيّد بما أدّى إليه اجتهاده ولا يصح له العمل باجتهاد غيره. فلو كان الحق مع واحد فقط واختلف مجتهدان لترتب على ذلك أن يكون كل واحد منهما ملزما بالتقيد بما أدّى إليه اجتهاده وآثما بمخالفته للحق وهذا تناقض صريح. انظر السالمي: مشارق أنوار العقول 74.
(255/ 4
(2) ذكر السالمي أنّ هذا القول نسب إلى الأصم والمريسي. انظر السالمي: المشارق 73 وأشار السوفي إلى أنه قول النكار وناقشهم وردّ عليهم انظر الشوفي: رسالة الفرق: 55. (3) نسب السالمي هذا القول إلى جمهور الإباضية المغاربة وابن بركة العُماني انظر السالمي:
المشارق 73، 74. (1/382)
صفحة 381
كتاب التحف المخزونة
383
2 - في ما يجوز فيه الرأي
سألت عن الدين [1] يجوز فيه الرأي للعلماء؟ الجواب في ذلك أن الدين يجوز فيه الرأي للعلماء ما لم يجدوه في الكتاب ولا في السنة ولم يكن في آثار من كان قبلهم من العلماء).
ـ في شروط المجتهد
وأما العالم الذي يجوز له الرّأي والاجتهاد واستخراج النوازل [فهو] من كان حافظا لكتاب الله ولجميع معانيه وكان حافظا لسنة رسول الله لجميع معانيها وكان حافظا لآثار من كان قبله (3) من المسلمين. فإذا نزلت (3) نازلة مما لم يكن في الكتاب ولا في السُّنَّة ولا في أثار المسلمين الذين كانوا قبل النازلة فعلى العلماء أن يجتهدوا فيها. فمن أصاب الحق عند الله فله أجر اجتهاده وأجر إصابته ومن أخطأ فله أجر اجتهاده وحط عنه (4) المأثم في خلافه لحق عنده). ولا يجوز أن يحاج كلّ واحد منهما صاحبه ولا يجاوز إليه قوله:
(1) أورد الوارجلاني قول أبي الربيع فيما يجوز فيه الاجتهاد وأضاف إليه ما غفل المؤلّف عن ذكره فقال: اعلم أنّ الشيخ قال في أي شيء يجوز الاجتهاد؟ قال ما لم يجدوه في كتاب ولا في السنة ولم يجدوه في آثار من كان من قبلهم من العلماء. اعلم أن الشيخ ذكر وجها واحدًا وترك غيره منها تفسير القرآن». ثمّ ظلّ يوضح ذلك مبينا أن القرآن لما نزل بلغة عربية ترك للناس مجال تفسير النص بما اتضح لهم من ألفاظها وعبارتها. انظر الوارجلاني: الدليل مج 1، 75/ 2. والظاهر أن الوارجلاني يريد أن يبيّن أنّ الاجتهاد يكون في فهم النص حسب مقتضيات اللغة العربية والعلماء يختلفون في فهم النّصّ إذا كان ظني الدلالة. والأمثلة على ذلك من القرآن كثيرة. انظر: الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 1، 77/ 2.
والبرهان
(2) في الأصل «قبلهم».
(3) في الأصل «نازلت».
(4) في الأصل «إليه»
(0) قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران أجر اجتهاده وأجر إصابته وإن أخطأ فله أجر اجتهاده» (خ اعتصام 21 - 12 قضيّة 15 - د ا قضيّة 2 - ن أحكام 2 ـ قضاه 3 ـ جه أحكام
- حم
198/ 4، 204، 205 (1/383)
صفحة 382
384
أخطأت
(1)
الجزء الأول
في رأي الحق. ويجوز اتباعهم والاختيار من أقاويلهم. فإن اجتمع رأيهم واجتهادهم على قول واحد ولم يختلف فيه العلماء صار ذلك جميع حقا عند الله ولا يجوز خلافه لأحد كما لا يجوز خلاف الكتاب والسنة). فمن حرم الرأي على هذا العالم الذي ذكرناه ضل وكفر. وكذلك من جوّزه وأحله للجاهل ضل وكفر أيضا. ومن رأى رأيًا فيما هو موجود في كتاب الله أو في سُنَّة رسول الله أو فيما أجمع عليه رأي المسلمين فخالفهم ضلّ وهلك. فالرأي حلال لكلّ عالم في كل زمان وحرام في [كلّ] (3) زمان على [كلّ]) جاهل.
4 - في الرّد على من قال الحق مع الجميع
وأما الذين قالوا: إن الحق في جميعهم فقد قالوا بالمحال وبما لا يصح به القول. فكيف الشيء وخلافه حق؟ ويكون الشّـ حلالا عند الله /30/ وحراما عنده)،
(1) في الأصل «في». م.
(2) ويسمى هذا «إجماعا». (3) سقط من الأصل «كل».
(4) سقط من الأصل «كل».
3
فقد
(5) قال الوارجلاني: وقال الشيخ أبو الربيع ه: فأما الذين قالوا إن الحق في جميعهم ف قالوا بالمحال بما لا يصح القول به وكيف يكون الشيء وخلافه حقا ويكون الشيء حلالا عند الله حرامًا عنده الدليل والبرهان مج،1، 81/ 2. فالعبارتان متماثلتان عدا اختلاف طفيف جدا كزيادة حرف أو نقصانه. ثمّ إنّ الوارجلاني علّق محاجة الربيع للقائلين إن الحق مع الجميع فبيّن أنّ الرّدّ ضعيف لا يقوى على مكافحة من خالفه لأنهم يقولون لا مانع من أن يكون الشيء وخلافه عند الله تعالى فلمّا يكون الشيء وخلافه عرضا أو حسبما عند الله يكون الشّيء وخلافه حقا عند الله ويحتجون على ذلك بقوله تعالى: {فَمَن تَعَجَلَ فِي يومين فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: (203] والتعجيل والتأجيل متضادان ومختلفان وكلاهما حق عند الله.
كما ناقشه ـ من وجهة نظر هؤلاء ـ في النتيجة التي رتبها على قولهم وهي كون الشيء حلالا وحراما عند الله في نفس الوقت فبيّن أنّ ذلك غير لازم لأنهم لم يريدوا ذلك وإنما أرادوا تسمية الشيء وخلافه باسم واحد فيسمى الشيء وضده حلالا عند الله وسمّي الشّيء = (1/384)
صفحة 383
كتاب التحف المخزونة
من
385
ويكون جميع ما اختلفوا فيه من الطلاق والعتق والبيع والشراء والنكاح والديات والجراحات والحدود حقا عند الله بأجمعه. فيكون ما اختلفوا فيه الطلاق فأثبته بعضهم وأبطله بعضهم فيكون عند الله طالقا لا طالقا، وكذلك في العتق ثابتا عند الله وزائلا. ويكون الشيء حلالا لمن كان له حرام في حالة واحدة. فيكون كلام واحد صدق (2) وكذبًا (3) عنده. ه. [فلو جاز هذا] المتضادات كلّها فيكون الشيء حارا باردًا في حالة واحدة
لجازت
جميع
ومتحركا ساكنا في حالة واحدة وحيّا ميتا في حالة واحدة. فلما بطل هذا
بطل أيضا نظيره وصح أنّ الحق في واحد ومع واحد.
ه - في جواز الاختلاف بين المجتهدين
وأما الذين قالوا: إنّ الحق في واحد ومع واحد وقد ضاق على الناس خلافه فليخبرونا عن الأشياء التي اختلف (4) فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما اختلف [فيه] (5) من كان بعدهم من علماء هذه الأمة وخيارها هل يضيق كلّ واحد منهم على من خالفه أو تبرّأ أحد منهم من أحد أو ألزمه العصيان في
=
شيء
ء خالفه فيه؟
وضده حراما عند الله انظر الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 1، 81/ 2. والخلاف بين جمهور المشارقة وجمهور المغاربة في هذه المسألة خلاف شكلي لأن كلا من الفريقين يقول من اجتهد وأصاب الحق فله أجران ومن اجتهد ولم يصبه فله أجر واحد. والأرجح هو ما حققه المؤلّف من أنّ الحق عند الله مع واحد فمن عرفه فاز بأجرين ومن لم يعرف فاز بأجر واحد والدليل عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الآنف الذكر.
(1) في الأصل «العتاق». م.
(2) في الأصل «صادق».
(3) انظر نفس هذه العبارات تقريبا في الدليل والبرهان مج 1، 82/ 2.
(4) في الأصل «اختلفت».
(0) سقط من الأصل «فيه». (1/385)
صفحة 384
وعبد
386
الله
من
الجزء الأول
خالفه
وقد اختلف أبو بكر الصديق وزيد بن ثابت واختلف عمر ابن الخطاب بن عباس له في أشياء كثيرة (1) ممّا يجوز لهم فيها الرّأي والاختلاف. فهل أحد هؤلاء ضيّق على صاحبه أو تبرأ منه حين وقال بغير قوله؟ فإن زعم أنه ضيّق كل واحد منهم على من خالفه أو تبرأ منه أو ألزمه العصيان فيما خالفه فيه فبئس ما رمى به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخيار المسلمين فلا يساعده فيما رماهم به من هذه الأمة ولا يجد على قوله برهانا يحققه.
أحد
ويُسْأَلُ هو أيضا عن هؤلاء المختلفين الذين زعم أنه تبرأ كل واحد منهم من صاحبه مع من كان منهم مع أبي بكر أو زيد ابن ثابت أو: عمر بن الخطاب أو عبد الله بن عباس له فإن زعم أنه مع بعضهم دون بعض فيلزمه أن يتبرأ من الذين خالفوا من كان معه قائما ذلك. فلا له إلّا (2) مخرج لـ
من
الرجوع إلى قول أهل العدل والصواب أنّ الحق في واحد ومع واحد فمن أصابه فمأجور ومن أخطأه فمعذور. ولا يجاوز بعضهم إلى بعض [ب] قوله أخطأت في الحق. ولا يضلّل بعضهم بعضا ولا يلزمهم العصيان فيما خالفهم فيه من اجتهاد الرأي. ولا يدين كلّ واحد منهم بما رآه أو زعم أنه الحق عنده. ولا يجوز له أن يقول إنّ الله نهى عن خلافه. فهذا الذي حفظنا
أشياخنا رحمهم
الله ونصر وجوههم.
6 ـ في الدليل على وجود الآخرة
عن
فإن سأل سائل عن الدليل على أن ثَمَّ دارا غير هذه الدار؟ الجواب في ذلك: أنا نظرنا إلى المحسن والمسيء فوجدناهم على حالة واحدة في هذه
(1) انظر أمثلة لاختلاف الصحابة في بعض المسائل في الدليل والبرهان. مج (2) في الأصل «إلى».
78،77/ 2،1 (1/386)
صفحة 385
كتاب التحف المخزونة
ليس من
387
ثمّ
الدار من الغنى والفقر والصحة والسّقم /31 والشّدّة والرخاء فعلمنا أنّ: دارا غير هذه الدار يُجازَى فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، إذ) الحكمة أن يساوي الحكيم بين المحسن والمسيء ولا يكون من حكمة الحكيم إلا أن يفرّق بينهما فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. ومن [من ساوى بين] (2) الولي والعدوّ فليس بحكيم. ولو جاز أن يساوي الحكيم بينهما لجاز أن يفضّل المسيء منهما على المحسن والعدوّ منهما على الولي. فلو جاز هذا لجاز أن يدعو إلى الإساءة ويأمر بها ويرغب فيها ويدعو إلى شتمه والكذب عليه. فلمّا بطل هذا لما فيه من إسقاط الحكمة وإثبات الخطأ لفاعله ثبت أنّ ثمّة دارا غير هذه الدار يجازي فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ويفرّق فيها الحكيم بين وليه وعدوّه وبين من يطيعه ومن يعصيه وهي دار الآخرة باقية ليست بفانية ودائمة ليست بزائلة وأحكامها خلاف لأحكام هذه الفانية.
ـ في حقيقة الدنيا والآخرة
فإن سأل سائل عن الدنيا ما هي؟ وما معناها؟ فالجواب في ذلك: أن الدنيا نفسها وعينها الليل والنهار وما كان فيهما. وقيل لها «دنيا» لأنها دنت إلى الفراق. وأما «الآخرة فهي اسم واقع على الدار والوقت. وقيل لها آخرة لأنها أُخْرَتْ (3).
فإن سأل سائل عن الآخرة إذا كانت دائمة لا انقضاء لها، والله لا انقضاء له، فما الفرق بين الدائمين إذا كان ربّك دائما لا يفنى والآخرة دائمة لا تفنى؟ أليس قد وصفتهما بصفة واحدة وأثبت التشبيه بين الخالق والمخلوق؟
(1) في الأصل «إذ كان».
(2) سقط من الأصل «من ساوى بين».
(3) وانظر السوفي: السؤالات 102 فقد أورد نفس المعنى. (1/387)
صفحة 386
388
الجزء الأول
الجواب في ذلك: أنّ الفرق بين ما ذكرته بين بحمد الله والخلاف فيه واضح. وذلك أنا نقول: «الله دائم بذاته» و «باق بنفسه ولا معنى غيره ويجري عليه
(1)
البقاء. ولا يجوز أن يكون له مُبْق) أبقاه ولا يوصف بالابتداء والنهاية ولا العرض ولا الطول. ولا يجري عليه شيء من هذه الصفات. والآخرة باقية فالله أبقاها وأدامها وهو قادر على [إفنائها]. ولها حدّ في الابتداء والعرض والطول. فهذا الفرق بين ما ذكرته.
وسألت
عن [الفرق] (2) بين الدائمين والباقين والله لا يَجْرِي عليه جميع ما يُجْرَى على ... (3). والآخرة يُجْرَى عليها ما يَجْرِي على غيرها من الخلق. والله أبقاها وأدامها ببقاء ودوام وجعل لها حدودا ونهايات في العرض
والطول. فهذا الفرق بين بحمد الله.
A
- في بقاء نعيم الآخرة أو زواله
فإن سأل سائل فقال: إذا زعمتم أنّ الآخرة دار البقاء أخبرونا عما أكلوه من ثمارها وشربوه من شرابها وجميع ما وصل إليهم من لذاتها أهو فان زائل أم هو ثابت قائم؟ الجواب في ذلك: أنك إن كنت تريد (4) أن الذي أكلوه وشربوه قد زال وفني مثله فهذا جائر غير فاسد.
9 ـ في ما اختص به النبي صلى الله عليه وسلم دون أمته
وسألت عن الأشياء التي حلت للنبي صلى الله عليه وسلم وحرمت على أمته والأشياء التي حلت لأمته وحرمت عليه. الجواب في ذلك: أنه حل للنبي صلى الله عليه وسلم
(1) في الأصل «مبنى». م.
(2) سقط من الأصل «الفرق».
(3) في الأصل «خلته». .
(4) في الأصل أنّ قولك يتجه إن كنت تريد أن ... ». م. (1/388)
صفحة 387
كتاب التحف المخزونة
389
العدالة بين
هذا
الوهوب (1) والتصفية (2) وتزويج التّسعة [من] (3) النسوة وليس عليه /32/ نسائه ويقصد [من] يشاء وحيث أراد ولا يحلّ شيء من. لأمته. وأما الأشياء التي حلّت لأمته وحرمت عليه: [فقد] حلّ لأمته التبديل ورقاد الليل كله. ولهم أيضا إذا خرجوا إلى العدو أن يرجعوا قبل أن يلقوهم. وحلّت لهم الصدقة. وحلّ لهم الرّأي. وقد قيل لا يحلّ هذا للنبي.
10 ـ في صفات ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم
ومن
ومن أَخَذَ عن (5) النبي تحليل شيء أو تحريمه فواسع له المقام عليه.
(1)
وإن نزل تحريمه بعده على النبي أو تقوم عليه الحجّة من غير النّبي .... شك فيما أخذ عن النبي له أنه صواب وخطأ ضلّ وهلك. ولا يَسَعُ العباد الشك في جميع ما يقوله أنه صواب أو خطأ. ولو وسعهم الشك في حرف سمعوه من النبي لوسعهم الشك في جميع ما يقوله. يسع العباد إلا أن يعلموا أنه ولي الله وأنّ الله مثيبه لا معاقبه. فإنّه لا يظلم
ولا
سرا ولا علانية.
(1)
فما يؤخذ عن النبي فيما كان فعله من الدين وتركه من الدين إلا
وهو أن تهب امرأة نفسها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيتزوجها بغير صداق وقد جاء في ذلك قوله تعالى: وَامْرَأَةٌ مُؤْمِنَةٌ إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِي إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)
[الأحزاب: 50].
(2) من خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم صفي المغنم والخمس أي يختار من الغنيمة ما شاء قبل القسمة ويختار من خمس الغنيمة أيضا ما شاء انظر اطفيش: شرح النيل 14/ 6. (3) أضفنا حرف الجر «من» ليستقيم التركيب.
(4) أضفنا «فقد» للربط.
(0) في الأصل «على». م.
(1) الجملة غير تامة. م. (1/389)
صفحة 388
390
الجزء الأول
بأمينين من أهل دين الله). وبذلك يقطع الله عذره في فعل ذلك وتصديقه. وإن كان (2) فعله ليس من الدين وتركه ليس من الدين [ف] يكون فيه الواحد حجة في الكف دون التصديق. وأما التصديق فلا يكون فيه حجة إلّا أمينان من أهل دين الله. وقال بعضهم لا يكون حجّة إلا أمينان من أهل دين الله لا في الكف ولا في التصديق.
11 - في حكم ما رآه الأطفال قبل البلوغ
وسألت عمّا رآه الناس (3) في حال طفوليتهم وحفظوه وه وعلموه إلى حدّ البلوغ؟ الجواب في ذلك أنّ لأصحابنا فيه قولين قال بعضهم يلزمه الحكم [عند البلوغ فيما رآه في حال الطفولية إذا علمه في حال البلوغ من براءة رجل رآه يفعل كبيرة في حال طفوليّة أو إيمان رآه من رجل في حال الطفولية فميّزه في حال البلوغ فعلم أنّ ذلك ممّا يوالى [عليه] أو مما يبرأ به وجب عليه الحكم بذلك عند بلوغه. فكذلك شهادتهم في حال البلوغ بما علموه في حال الطفولية أثبتوها في جميع الأحكام إذا قاموا بها في حال البلوغ. وقال (5) الآخر ببطلان علم الطفولية ورأوه أنه ليس بشيء. والله أعلم وأحكم.
بعضهم
وما قرأه من القرآن وحفظه من علم الديانة وبلغ به حال البلوغ فهو له حافظ. فلا يسعه الرجوع عنه. وكلّ ما نسيه في حال الطفولة ولم يبلغ به حال
البلوغ فهو في. سعة
من
ذلك.
(1) في الأصل فيما يأخذ عن النبي فيما كان فعله من الدين وتركه من الدين أمينان من
الله. أهل دينا
?
(2) في الأصل «إنما إن كان». م.
(3) في الأصل «ما رأوه». .
م.
(4) سقط من الأصل «عند».
(ه) في الأصل «البعض». م. (1/390)
صفحة 389
كتاب التحف المخزونة
391
12 - في حكم الكاشف لعورته وما يتصل بها
ومن أبدى عورته للنّاس ضل وكفر. [و] من نظر إليها متعمدا ضل وكفر أيضا. وهذا إذا نظر إلى العورة بعينها أو كشف عورته للناس متعمدا بعينها). ومن أبدى عورته للأطفال أو نظر إلى عورات الأطفال أو كشف عورته للناس ليلا أو نظر إلى عورات الناس ليلا الجواب في ذلك أنّ هذا مما لا يستحبّ فعله إذا كان الأطفال ممن يميزون [غير]) أهل البلوغ). . ومن مس عورة كل بالغ حتي أو ميت متعمدا بيده ضل وكفر. ومن مكن غيره من مس عورته
يهلك (ه).
/33/
بمته إياها.
13 - في حكم الشحر والساحر
(4)
والسحر أيضا ندين (6) بتحريمه. وقد ذكر الشيخ لله، ولا أدري أمن
(1) من طريق ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ملعون من نظر إلى فرج أخيه أو قال عورة أخيه وملعون من أبدى عورته للنّاس» الربيع بن حبيب الجامع الصحيح حديث رقم 638. والأحاديث في حفظ العورة وتحريم النظر كثيرة انظر: م حيض 7، 74 ـ ت أدب 22، 38،
39 - جه طهارة 24، 137. (2) في الأصل ممن أهل البلوغ.
(3) لقد أورد الرواحي أيضا هذه المسائل كأمثلة للصغائر انظر كتابه نثار الجوهر 73/ 1.
(4) في الأصل «استمكن». م. (0) في الأصل «ممن يهلك». م.
(1) فتر الشوفي هذه الكلمة بالتصويب وقطع عذر المخالف انظر كتابه السؤالات 258 واعتبر الوارجلاني | اللفظة قابلة لأنّ تفهم من وجهين بمعنى الدين: أي سائغ هذا في مذهبنا واخترناه على غيره دون قطع العذر في خلافه وبمعنى الديانة: أي الجزم بأن ما نحن عليه هو دين الله. انظر الوارجلاني الدليل والبرهان. 1، 37/ 2. ولم يفرق المؤلف في هذه مج المسائل بين الحالات التي يقطع فيها عذر غيره وغيرها من القضايا. لكن الوارجلاني كلما
عرض
هذه الكلمة فسّرها بنصوّب ونستحسن (ن م 47، 54 غير أنه في
لتفسير استثنى المنتهك فحكم عليه بالهلاك.
ص
57 (1/391)
صفحة 390
392
الجزء الأول
كتاب روى ذلك أم جواب منه، أنّ العمل بالسحر نفاق واستحلاله شرك. وذكر أيضا أنه يستتاب ما لم يَقْتُلُ. فإذا قَتَلَ قُتِل).
ومن ادعى أنه يُحْيِي ويميت فهو مشرك. ورُوي عن ابن عبد الله محمد بن مسلم أنه قال: من علم أنّ الله أمر بشيء علم أنّه طاعة وكذلك من علم أنّ الله نهى عن شيء علم أنه معصية.
14 - في التنابز
ومن قال لرجل: يا يهودي، فأجابه المدعي إليه [فأنه لا يبرأ من الداعي ويبرأ من المجيب لأنه أقر (2) على نفسه باليهودية. ومن رمى أحدا من أهل القبلة من خصال الشرك فقال يا يهودي أو يا نصراني، فهو أولى بتلك المنزلة.
بخصلة
ومن ظلم ذميا بأكل مال أو قتل نفس ضلّ أيضا. ومن قتله فديته ثلث ديّة المسلم. ولا يحلّ شيء من ظلمه والاعتداء [عليه]. وهل يبرأ منهم بعلامتهم التي يجعلونها في أرديتهم أو غيرها من علامات الزنا؟ قد قيل أنهم يبرؤون (5) بذلك إن أظهروه وأعلنوه. والله أعلم وأحكم.
حترم
(1) قال: «اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله وما هنّ قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي. الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتّولّي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» (خ وصايا،33، ط 48، حدود،44 محاربين 30 - م إيمان 144 ــ د وصايا 10). (2) في النّصّ «أكد» وفي الهامش أقر» ولمّا كان اللفظ الأخير أنسب أثبتناه. (3) روى أبو داود عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «دية المعاهد نصف دية الحر» (أبو داود: ديانات (21). وروى أحمد والترمذي وابن ماجه والنسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين» (ن قسامه 38 - جه ديات 13. 182/ 2، 224) وقال الشافعي حم دية الكتابي ثلث ديّة المسلم وبه قال المؤلّف وقال أبو حنيفة دية الكتابي مثل دية
المسلم. انظر اطفيش: شرح النيل 73/ 15، 74.
(4) سقط من الأصل «عليه».
(ه) في الأصل «يبرون». (1/392)
صفحة 391
كتاب التحف المخزونة
393
15 ـ في تفسير آي من القرآن
وسئل عن معنى قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ} [آل عمران: 102] فكيف ا يُتَقَى] (1) حَقَّ تقاته؟ الجواب في ذلك: أنّ «حق تقاته» أن يطيعوه ولا يعصوه وأن يذكروه ولا ينسوه وأن يشكروه ولا يكفروه.
جميع
عن الشيخ له في معنى قوله: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَفَلَى السجل لكتب} [الأنبياء: 104] قال: معنى «طيها» فناؤها. وقال أيضا في معنى قوله: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} [التكوير: 5] قال: حشرها فناؤها. وذلك أنّ فناء الأشياء على التلاشي لا على الانقلاب ما خلا المكلفين وأطفال المسلمين [ف] فناؤهم على الانقلاب وأمّا أطفال غير المسلمين فالله أعلم وأحكم أعلى الانقلاب يكون فناؤهم أم (3) على التلاشي. فإن كان على الانقلاب فهم من أهل الجنّة ولا يكونون من أهل النار. وإنّ الله يمن بالرحمة ولا يظلم بالعذاب (3).
16 ـ في مسالك الدين
وروى لنا شيخنا عن أبي زكريا الله أنه قال: مسالك الدين) أربعة. فمن زاد
(1) سقط من الأصل «يتقى». (2) في الأصل «أو». م.
(3) نقل السوفي نفس العبارات: انظر السؤالات 103. والقول الذي ذهب إليه المؤلّف نسبه السالمي إلى ابن عبّاس والجمهور على أنّ كلّ حيّ محشور لقوله تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَارٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم} [الأنعام: 38] لكن حشر ما عدا العقلاء على التلاشي والذهاب. ثمّ أثبت بالبينة أنّ فناء أطفال المشركين على الانقلاب محتجا بقوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْهُ دَةُ سُلَتْ بِأَتِي ذَنْبٍ قُتِلَتْ) [التكوير: (8، 9]. انظر السالمي: مشارق أنوار العقول.261 وانظر الجيطالي: قواعد الإسلام 15/ 1.
(4) هي.
الطرق التي يتوصل بها إلى إنفاذ الأحكام الشرعية انظر: امحمد اطفيش: شرح عقيدة
التوحيد 76. (1/393)
صفحة 392
394
فيها أو أنقص منها فقد أخطأ.
(1) في الأصل «وهو».
الجزء الأول
وهي
(1) الظهور (3) والكتمان (3) والدفاع (4) والشراء).
(2) هو أن يكون للإباضيه إمام ظاهر يطبق أحكام الشريعة ويجاهد بهم عدوهم. فإن عدل بينهم وحكم فيهم بكتاب الله وسنة رسوله وجب عليهم طاعته ونصرته وإن خالف الحق وتعدى حدود الله فلا طاعة له عليهم انظر الفرسطائي: مسائل التوحيد، 15، 16. وإعلان الظهور غير مقيد بوقت أو بعدد من الناس وإنّما يكون متى قدر الإباضية على ذلك ووجدوا من توفّرت فيه شروط الإمامة. قال محمد بن محبوب عند ما سئل عن ذلك: «لا نعلم فيه وقتا إلّا أن يقوى على النّاس فيبين لهم الحق وينسبه لهم ... ربّما قدر الرّجل في الأربعين وربما لم يقدر في عشرة آلاف». المصنف الكندي: 51/ 10 وقد سمّيت فترة الإمامة ظهورا لظهور العدل والحق وغلبة الإباضية وخفاء الباطل وأهله انظر الكندي المصنّف 53/ 10. ومن أ أمثلة الظهور حال الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة وحال أئمة الدولة الرستمية في بلاد المغرب. وانظر اطفيش: شرح النيل 305/ 14 - 308، شرح عقيدة التوحيد 76، الجناوني: عقيدة التوحيد 5، الوضع 29. (3) الكتمان هو إخفاء الدين عند عدم القدرة على الصدع بالحق وتنفيذ. جميع الأحكام الشرعية يقول الكندي: «وإذا غزا أهل الباطل وهن الحق واستخفوا به واكتتموا به وذلك هو الكتمان نفسه لأنه إذا عصي! الله وأطيع الشيطان علانيّة فقد عزّ الباطل وأهله ووهن الحق وأهله». الكندي: المصنّف 54/ 10. ومسلك الكتمان مثاله ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في المرحلة الأولى من الدعوة في مكة وكذلك ما كان عليه جابر وأبو عبيدة وفي المرحلة الأولى. على أن نظام الكتمان يأخذ أحكاما من الظهور قدر الإمكان نذكر من هذه الأحكام الإجراءات العملية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. انظر: الكندي: المصنف 52/ 10. اطفيش: شرح عقيدة التوحيد 77 الجعبيري: نظام العزابة 103، 104. الجناوني: عقيدة التوحيد ه. الجناوني: الوضع 29. (4) الدفاع هو أن تولّي جماعة الإباضية واحدًا منهم إمامًا عرضا بالحروب إذا فاجأهم العدو أو خافوا مباغتته فيدفعون به عداوة العدو ويطيعونه ما دام القتال فإذا زال القتال زالت إمامته من أعناقهم وإذا كانت الظروف مناسبة للظهور فإما أن تجدّد له البيعة فيصير إمام ظهور وإما أن يبايع غيره ويشترط في إمام الدّفاع مع الصفات الحربية صفات التقوى والأمانة ويمثل عادة لإمامة الدفاع بإمامة عبد الله بن وهب الراسبي. انظر: الفرسطائي: مسائل التوحيد: 16. الكندي: المصنف 61/ 10، 62 .. اطفيش: شرح عقيدة التوحيد: 76. اطفيش: شرح النيل 303/ 14، 305.
(5) الشراء هو. أن يبايع أربعون رجلا فأكثر واحدا منهم على الاستبسال في قتال العدو وإماتة.
= (1/394)
صفحة 393
كتاب التحف المخزونة
395
17 ـ في تارك الصلاة
رُوِيَ عنه أيضا أنّه قال: لا يسع جهل تارك الصلاة إذا خرج عنه وقت الصلاة. وأمّا قبل وقتها فلا يضيق عليه جهل الصلاة ولا جهل تاركها). وكلّ من فعل شيئًا مما حرّمه الله عليه من جميع ما يسع جهله إنما عليه التوبة من ذلك وليس عليه أن يعلم أنّ الله نهى عنه وأنه كُفْرٌ وكبيرة. وإنما عليه أن الذنوب كبيرا كان أو صغيرا وليس عليه المعرفة بها قارفها يتوب من جميع أو لم يقارفها. فكل ما وسعه الجهل به قبل المقارفة له وسع الجهل به حين قارفه. وإنما يلزمه الكف عنه علم ذلك أو جهله (3).
الجور وإحياء الحق يشرون أنفسهم الله ابتغاء مرضاته مع الزهد في الدين. وإن خرجوا وعزموا على الشراء فلا يرجعون إلى بيوتهم حتى يميتوا الباطل أو يموتوا. وهذا الإمام يبايع على طاعة الله ورسوله وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله وعلى أن يطيعه المبايع إذا أمره وينفر معه إذا استنفره ولا تأخذه في الله لومة لائم وعليه ما على الشراة الصادقين والملاحظ أن بيعة الشراء تزيد على بيعة الدفاع اشتراط الشراء بصفة خاصة فالعقد الّذي يربط بين الإمام والمقاتلين هو أكثر شدة إذ يقتضي الالتزام بمواصلة القتال والثبات عليه إلى أن يصير عدد المقاتلين محصورا في ثلاثة أنفار وقد عقد كوبرلي مقارنة بين الإباضية والأزارقة في هذا المضمار فوصف موقف الإباضية بالاعتدال خلافا للأزارقة المغالين لأنّ الخروج عند الأخيرين يكون عند بلوغ عشرين رجلا وإذا لقوا من المعارضين طبقوا عليه قاعدة الاستعراض والشراء مصطلح مستمد من قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) [التوبة: 111]. فالشراء إذن هو شراء الإنسان نفسه من النار أو شراء الجنّة بنفسه أو بيع نفسه بالجنة. انظر: الفرسطائي: مسائل التوحيد: 16. الكندي: المصنف: 60/ 10، 62. الجناوني: عقيدة التوحيد: ه اطفيش: شرح عقيدة التوحيد: 76. وقد تمرّ على الإباضية فترات لا تندرج في أحكام المسالك الأربعة كما عبّر عن ذلك أبو بكر الزّواغي فقال: لسنا في ظهور ولا كتمان ولا دفاع ولا شراء ولكن زماننا سائبة. الوسياني: السير 31.
أحدا
(1) أي لا يسعه جهل وجوبها أو كيفية أدائها.
(2) أي جهل كفر تاركها.
(3) ذهب أبو خزر إلى أنه يسع النّاسَ جهل الحرام ما لم يركبوه. غير أن المؤلف ذهب إلى ما = (1/395)
صفحة 394
396
الجزء الأول
والكف عن الذنوب كلّها جميعا فرض لازم. عليهم أن يعلموا أنّ ذلك الكفت فريضة والتوبة من الذنوب الإقلاع (1) وترك العودة والندامة
(2)
على ما مضى.
18 - في قطع الرحم
ومن
قال لِذِي رَحم (3): ليس بيني وبينك رحم ضل. /34/ وصلة الأرحام وبر الوالدين وحقوق الجوار وحق الصاحب بالجنب وما ملكت اليمين فحقوق هؤلاء كله واجبة). ومن عق والديه أو أحدهما أو قطع رحمه فقد ضل وكفر لقول الله: (وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَيْكَ هُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: 25].
19 ـ في حكم المخطئ في صفات الله ومن أخطأ في صفة الله فإنّ خطأه يكون على وجهين: يكون شركا (ه)
=
متعلقا بالفعل لا بالجهل هو أبعد من ذلك إذ جوّز جهل الحرام ولو اقترف واعتبر الإثم. ورأى أن الواجب هو الإقلاع أي التوبة. والحقيقة أنّ الإقلاع عن الشيء والتوبة منه لا يتمان إلا بمعرفة أنه معصية. فمعرفته الحكم والخوف من العقاب هما الدافع إلى التوبة. (1) في الأصل «الانقلاع». (2) لم يذكر المؤلّف الشّرط الرابع للتوبة وهو التكفير عن السيئات لقوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] هذا فيما بين العبد وربه أما فيما يتعلق بحقوق العباد فلا تكون التوبة إلا بتسديد الحقوق إلى أهلها. وقال الثّميني: «فإن كان فيه تباعة مال أو نفس وجب
الغرم». (3) في الأصل «الذي رحم». م. (4) قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى والمسكينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ
أَيْمَنكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء: 36].
(ه) في الأصل «مشركا». (1/396)
صفحة 395
كتاب التحف المخزونة
397
زعم
ويكون نفاقًا). فإن كان خطؤه (2) ممّا يحتمل التأويل فهو منافق مثل من أن الله يُرى يوم القيامة وأنّ الله لم يخلق شيئًا. من أفعال العباد وأشباه هذا مما يصيب به التأويل. وأما من أخطأ في صفته فوصفه بشيء من صفات الخلق أو زعم أنه جسم أو صورة أو وصفه بالحدود والأقطار أو زعم أنّه يُرَى في الدنيا فهو مشرك بخطئه في صفة ربّه ووصفه له بصفات البشر.
20 - في حكم المخطئ في صفة البيت الحرام
وأما من
صفة
بيته الحرام فإن كان خطؤه (3) مما يخرج البيت
أخطأ في الحرام من معناه (4) مثل من زعم أنّه فسطاط أو خيمة أو عريش (5) فهو مشرك. وإن كان خطؤه في صفته مما لا يخرجه من معناه (6). مثل زعمه أنه من لبن أو آجر فهذا منافق متأوّل. ومن حوّله أو ادعاه في غير موضعه فهو کافر. ومن ادعى قبلة غيره فهو أيضا كافر. وكفره كفر شرك. ومن جعله قبلة ولم يتحره (7) حتى يخرج عنه وقت الصلاة فحينئذ يكفر بجهله لذلك. ومن هدمه بالتعدية فهو كافر منافق. ومن استحلّ هدمه فهو أشد كفرا (8). ومن جحده وأنكره فهو مشرك.
(1) في الأصل «منافقا».
(2) في الأصل «خطأه».
م.
(3) في الأصل «خطأه». .
•
(4) في الأصل «يخرجها من معناها».
•?
وقد ذكر المصنف الاس سم) ثم أنت الضمير العائد في كامل الفقرة. وتابعه المحقق على ذلك. فحملناه على التذكير. م.
(0) في الأصل «عرش». م.
(1) في الأصل «معناها». م.
(7) في الأصل «جعل أنها قبلة ولم يتحرها». م.
(8) في الأصل «أشدّ لكفره». م. (1/397)
صفحة 396
398
الجزء الأول
21 - في حكم المنكر لشيء من خلق الله ومن أنكر شيئًا من خلق الله أن يكون الله خالقه فهو كافر. وكفره على
وجهين يكون شركا ويكون نفاقاً. وإن كان إنكاره ممّا لا يحتمل التأويل ولا يُنْسَبُ إلى أحد سوى الله فهو مشرك لإنكاره لذلك.
شك ومن في كفر من
أنكر شيئًا من خلق الله فهو كافر أيضا مثله. ولا يكون الشاك في المشرك منافقا (كذا) ولا الشاك في المنافق مشركا.
وقال أيضا: من شك في شيء مما أمر الله به بعد المعرفة به أنه أمر به أنه عدل أو جور أشرك بالله لأنه شك فيه أنه يأمر بالجور أو بالعدل. ومن شك
في
ذلك شك في
الله أنه عادل أو جائر.
أو ليس ببصير بسميع
ذلك
22 ـ في حكم منكر صفات الله تعالى ومن زعم أنّ الله لا يعلم ولا يقدر ولا يسمع ولا يبصر، أو قال: ليس بعالم أو ليس بقادر أو ليس (1)، أو قال: غير قادر أو غير عالم فهذا مما يشرك به قائله أيضا كله والشّاكٌ فيه (2) مثله إذا فهم. بلغته التي تُلْزِمُهُ الحُجَّةَ. وكذلك من زعم أنّ الله يقدر أن يظلم أو يقدر أن يجور أو يقدر أن يكذب، أو قال: يقدر أن يجهل، أو قال: يقدر أن يتخذ ولدا أو صاحبة فهذا أيضا ممّا يشرك به قائله ومن وصفه بالحركة
والسكون فهو مشرك (3).
(1) في الأصل أو لا بصير». (2) في الأصل «في». (3) أورد أبو عمار الأدلة على أنّ الله لا يوصف بالحركة والسكون وكلّ ما ذكر من حجج راجع إلى أصل واحد وهو أن الحركة والسكون من صفات الجسم ومن خصائص الحادث والله منزه عن ذلك انظر تفاصيل ذلك في كتابه شرح الجهالات 361، 362. (1/398)
صفحة 397
كتاب التحف المخزونة
23 ـ في ما ندين به من أحكام
23 - 1 ـ أحكام التكفير
وندين بتكفير (1) أهل التأويل (2) وإثبات كفرهم كفرًا غير شرك (3).
399
وندين /35/ بتكفير أهل الكبائر من أهل التوحيد وأنّ كفرهم كفر غير شرك. وهو كفر النّفاق (4).
وندين بإنفاذ الوعد والوعيد وأنّ الله لا يخلف الميعاد ولا يبدل القول
لديه وأنه منجز في وعده ووعيده (ه).
23 - 2 - في أحكام الجنة والنار
وندين بأنّ من دخل الجنّة خالد فيها وأنّ من دخل النار خالد فيها (1).
1، 45/ 2
1، 37/ 2 - 44
(1) في الأصل «تفسير». م. (2) يقصد بأهل التأويل مخالفي الإباضية. سمّاهم بذلك لأنهم أولوا نصوصا من القرآن والحديث في مختلف مسائل العقيدة تأويلا يتعارض مع ما يراه الإباضية من مقالات يعتقدون أنها منبنية على قاعدة التنزيه للخالق. انظر تفسير هذه العبارة عند الوارجلاني في كتابه الدليل والبرهان مج (3) قارن بما أورده الأشعري من حكم على المخالفين في كتابه مقالات الإسلاميين 171/ 2. (4) انظر الوارجلاني: الدليل والبرهان مج (ه) لقد وعد الله المؤمنين الثّواب في الآخرة على إيمانهم وطاعتهم وأوعد الكافرين النار على كفرهم ومعصيتهم والمسلمون مجمعون على أنّ الله لا يخلف وعده للمشركين واختلفوا في خلف الوعيد لمرتكب الكبيرة الموحد فمنهم من قطع بعدم تعذيبه ونسب هذا القول إلى مقاتل بن سليمان ومنهم من قال ما أوعد به أهل الكبائر هو الحق والعدل إن شاء، وإن شاء عفا. والراجح هو حصول المغفرة له ولو بدون توبة وهو قول الأشاعرة. أما الإباضية والمعتزلة فقد أوجبوا العقاب على مرتكب الكبيرة. يقول أبو نصر: ودنا بإنفاذ الوعيد وحكمه وتخليد أهل النار في النار والهون انظر القميني: النور 275. ومعنى وجوب العقاب عند الإباضيّة هو اقتضاء الحكمة الإلهية وصول العقاب لمن مات على الكبيرة ولم يتب منها.
(1) اختلف أيضا في خلود مرتكب الكبيرة فقال المرجئة لا يعرض الموحد أصلاً على النار -
= (1/399)
صفحة 398
الجزء الأول
وندين بأن الجنّة والنار لا انقضاء لهما ولا غاية لدوامهما (1).
23 - 3 - في أحكام الكفر والإيمان والشرك والنفاق
وندين بأن لا منزلة بين المنزلتين: بين الكفر والإيمان.
يكونوا معهم
وندين بأن المنافقين غير المشركين وأنّهم مذبذبون (2) بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما قال رجل في محكم كتابه: {مَا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ} [المجادلة: 14] نفاهم من المؤمنين أن يكونوا معهم في الاسم والقواب ونفاهم من المشركين أن في الحكم والسيرة، وإن كانت النار تجمعهم واسم الكفر. وهم مع المسلمين في الأحكام والسيرة، جرى عليهم حكم ما به أقروا من أحكام الملة التي ادعوها. وحرم الله علينا أن نسمّيهم بأسماء أهل الدين والإسلام: لا نسميهم مشركين وجاحدين لإقرارهم بتوحيد ربّهم. محرّم. ذلك علينا. وندين بأنّ الله يغفر الصغائر باجتناب الكبائر ولا يغفر الكبائر إلا بالتوبة والاعتراف والرجوع عنها.
وندين بتكفير من زعم أنّ معصية الله كلّها كفر وشرك وطاعته كلها توحيد (3).
وقاعدتهم في ذلك لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة. وقال الأشاعرة الله إن دخل الموحد العاصي النار فإنّه يمكث فيها بقدر معصيته ثم: يخرجه من النار ويدخله الجنّة. وقال الإباضية والمعتزلة بخلود من مات على الكبيرة ولم يتب منها. وقد اعتبر بعض الإباضية المحدثون المسألة ليست من القضايا الجوهرية التي يقع بسببها التكفير. انظر: ابن تعاريت المسلك المحمود 130، 131، امحمد اطفيش: إزالة الاعتراض: 4. (1) لقد تفرّد الجهمية أتباع جهم بن صفوان ت (128 هـ بالقول بفناء الجنة والنار. وقد خالفهم جميع الفرق الإسلامية. قال السالمي:
في
ذلك
ومن يقول دار الخلود فانية أو أهلها ففاسق علانية
مشارق أنوار العقول 307. (2) في الأصل «مذنبون». وقد أصلح المحقق الإعراب ولم يهتد إلى فك الرسم. م. (3) فسر الوارجلاني هذه العبارات في الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 1، 47/ 2 - 57. (1/400)
صفحة 399
كتاب التحف المخزونة
وندين بتكفير من زعم أنّ الكفر كله شرك والإيمان كله توحيد.
وندين
جميع
2.1
نهي الله عنه كفر
بأن ما أمر الله به إيمان وليس جميع ما وذلك بامتنان من منّان إذ جعل طاعته كلّها إيمانًا ولم يجعل معصيته كلها
كفرا (1).
وندين ببراءة أهل الكبائر من أهل التوحيد ونفي الإيمان عنهم وأنهم
ليسوا بمسلمين ولا بمؤمنين.
23 - 4 ـ في صفات الله
وندين بأنّ الله لا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة وأنه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار (2).
وندين بأنّ الله ليس كمثله شيء في صفة ولا ذات ولا فعل وأن من شبهه بخلقه أو مثله ببريّته (3) أو وصفه بصفة غيره فهو مشرك. والشاك فيه مشرك).
(1) الوارجلاني، الدليل والبرهان مج بمعنى التدين انظر نفس المصدر
(2) إشارة إلى آية الأنعام 103.
(3) في الأصل: إلى «بريته».
معني «ندين» نصوّب ونفى أن تكون 1، 59/ 2. واعتبر
مج
1، 58/ 2
(4) وذلك لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11) والمثل هو الشبيه. وقد أشكل على العلماء إدخال الكاف على «مثل» ولذلك اختلفوا على أقوال: الكاف زائدة ويصير معنى الآية ليس مثله شيء أو الكاف زائدة ويصير معنى الآية ليس شيء كهو. وهو الذي اختاره تبغورين في كتابه أصول الدين: 3. وذهب آخرون إلى انه لا زيادة في الآية والمثل بمعنى الذات أو الصفة ويصير معنى الآية ليس كذاته شيء أو ليس كصفاته شيء وهو الذي اختاره المصعبي انظر المصعبي: حاشية تبغورين: 3. والآية مشتملة على نفي جميع صفات الحدث والعجز عن الله تعالى وهي مقتضية لوحدانية الله في أسمائه وصفاته وذاته وأفعاله وعبادته. انظر: تبغورين: أصول الدين: 3. التوفي: السؤالات 200، 260، 5. عقيدة أبي سهيل.23. أبو مسلم الرواحي: نشار الجوهر 29/ 1. = (1/401)
صفحة 400
=
402
الجزء الأول
وندين بأنّ الله خالق وما سواه مخلوق وأنّه خالق لوحيه وكلامه وجاعل له أو محدث له.
وندين بأنّ الله استوى على العرش استواء غير معقول، وأنه استوى على خلقه لا على الحلول والتّمكّن، وأنّ استواءه صفة له في ذاته لم يزل مستويا ولا يزال كذلك، وأنه استوى على كل شيء قبل كونه (1).
جميع
وندين بأنّ الله
في جميع
الأماكن لا على الحواية والتمكن، وكونه فيها
ومعها على الأحداث لها والزيادة والنقصان منها (2).
23 - 5 ـ في التحكيم
وندين بتصويب أهل النهر في إنكارهم الحكومة يوم صفين بين علي بن أبي طالب ومعاوية. وذلك أنهما حكما الحكمين في أمر الدماء التي ولي الله الحكم فيها وحكما رجلين غير مرضيين ولا مأمونين فيما حكما به (3)
=
المصعبي: حاشية تبغورين 4. المحشي حاشية الوضع 68. والملاحظ أن السدويكشي والثميني قد نسبا إلى الجبائي اعتباره ذاته مماثلة لسائر الذوات لكنها تمتاز بأحوال أربعة: الوجود والحياة والعلم التام والقدرة التامة. وزاد ابنه الخامسة وهي الألوهية الصفة الموجبة للصفات الأربع السابقة. انظر: حاشية السدويكشي على الديانات: 1 الثميني: معالم الدين 158.
(1) لم يؤوّل المؤلف الاستواء في هذا الموضع وإنّما أخره إلى باب التوحيد ونفي الأشباه. (2) وفي الديانات لأبي ساكن عامر: ص 43: وندين بأنّه في كلّ مكان بالحفظ والقدرة وبكونه في الأشياء ومع الأشياء بالإحاطة لها وبالزيادة وبالنقصان لا على الحلول والتمكّن». وانظر شرح التلاتي للديانات ص 51. وفي السؤالات ص 265. أورد السوفي نفس المعاني فأثبت أن وجود الله في كلّ مكان لا بمعنى الحلول والتمكن إنّما بمعنى |
عبد
التدبير.
موسي
فاسمه
(3) هذان الحكمان هما أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص. وأما أبو الله بن قيس بن سليم. انظر ترجمته في كتاب أسد الغابة لابن الأثير 297/ 3، وعمرو بن العاص في ن م 244/ 4. وقضيّة التحكيم ما آلت إليه نتائج مبسوطة في كتب التاريخ والروايات التاريخية في أحداث الصحابة متناقضة: يعسر التدقيق فيها والبحث في مثل هذه (1/402)
صفحة 401
كتاب التحف المخزونة
(1)
403
وجب الرّضا به /36/ على الفريقين جميعا. وأنكر ذلك على علي بن أبي طالب. [و] من كان معه من أهل العلم والبصائر في الدين احتجوا به عليه بما كان معهم من الكتاب والسنة وآثار من كان قبلهم. فمن مات قبل ذلك على إنكار الحكومة من أهل الفضل في الإسلام ممن كان فضلهم مشهورا وصلا م (3) معلوما منهم عمّار بن ياسر وابنا بديل الخزاعيان (3)
المسائل لا يجدي نفعا بل يزيد الأمة تمزيقا واختلافا والواجب علينا إحسان الظن بالصحابة إذا كلّهم مجتهد وملتمس الحق. يقول السيابي:
وما مضى قبلك ولو بساعة فدعه فليس البحث عنه طاعة والعاقل يشتغل بعيوب نفسه عن غيره ... ونجاتها وعليه أن يحسن الظن بجميع المسلمين ويلتمس الأعذار ويحملهم على المحامل الحسنة ما وجد سبيلا إلى ذلك .... السيابي: فصل الخطاب 20/ 1، 21. وما أحسن تعليق عبد الرحمن بكلي على هذا الكلام إذ يقول: ولو أنّ الذين خاضوا في هذه الفتن بالجرح والتعديل - سيما الذين أسرفوا منهم في الطعن ـ تنزّهوا وتوقفوا كما فعل علامتنا الجليل السيابي وكرسوا حياتهم في إصلاح حاضر المسلمين وعملوا بالآية الكريمة: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُستَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134] لتجافينا أكثر من الفتن والبلايا التي عانتها الأمة عبر القرون ولا تزال». راجع قواعد الإسلام للجيطالي 83/ 1 - 85 تع 1 للمحقق بكلي وانظر: امحمد اطفيش الذهب الخالص 43. وقد اختار أبو عبيدة مسلم ا الكف. عن الصحابة، ذكره الرقيشي في مصباح الظلام عند الكلام على وفد الأصحاب إلى عمر ابن عبد العزيز وأبو مهدي عيسى المليكي في رسالته والبدر التلاتي في النزهة: «على أن البحث عما سلف غير لازم كالبحث عن الأحداث وأصحابها والفتن وأهلها تلك أمة قد خلت لها ما كسبت».
سمية وهي
(1) في الجملة نقص. م. (2) في الأصل «صلاحكم». (3) أما عمّار بن ياسر فهو من السابقين الأولين إلى الإسلام وهو حليف بني مخزوم وأمه أول من استشهد في سبيل الله. أسلم عمار في دار الأرقم بن الأرقم وهو أوّل من بنى مسجدا في الإسلام توفّي في واقعة صفين وعمره أربعة وتسعون سنة. انظر: ابن الأثير: أسد الغابة: 129/ 4 - 135. وأما ابنا بُدَيْل بن ورقاء وأخوه عبد الرحمن وهما رسولا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن. شهدا صفين مع عليّ وقتلا في هذه المعركة انظر ابن الأثير أسد الغابة 203/ 1. 184/ 3، 429. (1/403)
صفحة 402
404
الجزء الأول
والأشتر النخعي) ومن كان معهم من أهل البصائر في الدين من المهاجرين والأنصار وغيرهم من خيار المسلمين فقالوا لعلي بن أبي طالب: لا (2) يجوز لك أن تحكم الرّجال فيما قد ولي الله الحكم فيه ولم يرده إلى أحد. خلقه لقوله وقال: {فَقَتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ
من
معهم
[الحجرات: 9] وقد علمت يا علي أنّ معاوية بن أبي سفيان ومن اتبعه من أهل الشام وغيره من البلدان بغاة عليك وعلى المهاجرين والأنصار يوم صفين فلا يسعك فيهم إلا قتلهم حتى يفيئوا إلى أمر الله وعلى ذلك قاتلهم عمار بن ياسر ومن معه من المهاجرين والأنصار ومن كان من خيار المسلمين حتى لقوا الله (3). فقد دعاهم معاوية بن أبي سفيان ومن معه إلى ما دعاك إليه فأبوا (4) عليه وقاتلوه على ذلك حتى لحقوا بالله. اركن يا علي على السبيل الذي مات عليه عمار بن ياسر ومن معه واتركنا نموت عليه أو يظهر الحق على أيدينا ونميت الباطل. فأبى عليهم عليّ [إلّا] التحكي 2 ثمّ افترق عليّ وأهل النّهر فبرئ منهم وبرئوا منه.
کيم
وقتلوهم على حجّة الله واتباع كتابه وسُنَّة نبيه و آثار من كان قبلهم من خيار هذه الأمة عمّار بن ياسر وغيره من المهاجرين والأنصار وأهل البصائر في الدين، رحمهم الله وغفر لهم ومنّ علينا بالتمسك بآثارهم ()
والسلوك على مناهجهم.
(1)
هو مالك
الحارث بن عبد يغوث النخعي المعروف بالأشتر. أمير من كبار الشجعان. بن سكن الكوفة وشهد اليرموك والجمل وصفين ولاه علي بن أبي طالب. فقصدها فمات مصر في الطريق توفّي سنة (658/ 38) كما حققه ابن عبد البر في الإصابة 3/ 10، 4 - : 8335.
(2) في الأصل «فلا». (3) في الأصل «بالله». (4) في الأصل «فأبوه». (ه) في الأصل: لآثارهم». (1/404)
صفحة 403
كتاب التحف المخزونة
405
23 - 6 ـ في القضاء والقدر
وندين بإثبات القدر خيره وشره وأنّ الله خالق لأفعال العباد) فإنّه عالم بكل شيء وقادر على كلّ شيء ومريد لكلّ شيء وخالق لكلّ شيء، وأنه لا يخرج شيء من علمه ومن قدرته وسلطانه ومشيئته وإرادته وخلقه وتدبيره، وأنه يعلم كل شيء قبل كونه ويعلمه إذا كان وبعد كونه، وأنه لا تبدو له البدوات ولا يستفيد علما لما أحدثه بل هو عالم بما قد كان وما يكون وما لا يكون، أنّه لا يكون وهو عالم أن لو كان كيف كان يكون.
وندين بأنّ النّاس لا يموتون قبل آجالهم لقول الله بان: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 134 (3).
(1) لقد توسّع أبو خزر في الاستدلال على خلق الأفعال الله والرّد على المعتزلة في قولهم إنّ الإنسان خالق لأفعاله. انظر كتابه الرّدّ على جميع المخالفين (32، 47، 70. وانظر: تبغورين: أصول الدين 12 - 17، الجناوني: الوضع 22 عقيدة نفوسة 13 ـ 15، الفرسطائي: مسائل التوحيد، 6، تبيين أفعال العباد 32/ 2 ـ عقيدة أبي سهل 35، 68، 69 ـ التوفي: السؤالات 79، 150 ـ 158، 200 - 203، 244. الوارجلاني: قواعد الإسلام 29/ 1 - 33 ـ أبو عمار: الموجز 22/ 2، عمرو الثلاتي، شرح الديانات 47 ـ 58، نخبة المتين 149 ـ 167، التدويكشي: حاشية على الديانات 7 - 9، المحشي: حاشية الوضع،54، 55، 70، 73، المصعبي: حاشية تبغورين 12، 17، داود الثلاتي: شرح العقيدة المباركة 14، 15 - السالمي المشارق 310 - 328، ونيس عامر في تحقيقه لشرح الجهالات: 40 - 42. قارن بالأشعري: الإبانة 181 وما بعدها ـ البغدادي: أصول الدين 133، 134 والجدير بالذكر أن المصطلح لم يتوضح إلا في القرن أبي عمار والتوفي. ولقد تتبع الجعبيري هذه المسألة منذ القرن الأول إلى القرن الرابع عشر والمؤلّف نفسه (أبو الربيع) استعمل لفظ الاكتساب في صفحة واحدة ست مرات ومما قاله: «ولم يؤاخذ عباده إلا بما اجترحوه واكتسبوه واختاروه بأنفسهم». لكنه لم يحدّد مفهوم الكسب وإنّما وقع التعريف به فيما بعد فتعددت التعريفات فقيل هو تعلق القدرة الحادثة بالمقدور وقيل صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل، انظر تفصيل ذلك: الجعبيري: الأطروحة. (2) أثيرت هذه القضية عند الحديث عن القتيل فقال المعتزلة مات قبل أجله وقد استحق القاتل
السادس مع (1/405)
صفحة 404
406
الجزء الأول
23 - 7 ـ في عدل الله
وندين بأنّ الله لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [يونس: 44] ولم يؤاخذ عباده إلا بما اجترحوه واكتسبوه واختاروه) بأنفسهم، وأنهم ليسوا بمجبولين (3) ولا بمجبورين (3) على شيء من أعمالهم ولم يأمرهم
العقاب لأنه قطع عليه أجله وخالفهم في ذلك الإباضية والأشاعرة بدليل الآية المذكورة وبحجة أن قدر الله لا يؤثر فيه فعل المخلوق. والملاحظ أن السالمي لم يعد هذه المسألة من المسائل الدينية التي يفسق فيها المخالف. انظر السالمي: المشارق 266، 267. وانظر في هذه المسألة تبغورين: أصول الدين،76، عقيدة أبي سهل: 69، عمرو الثلاتي: نخبة المتين
167، الأشعري: الإبانة،203، 204 البغدادي: أصول الدين،142، الجعبيري: الأطروحة. (1) حد الاختيار بأنه كلّ ما اكتسبه الإنسان من دون إكراه ولا ضرورة في الأخذ والترك من الحركة والسكون وما يقوم عنها من قصده واختياره. انظر الفرسطائي مسائل التوحيد 6. وفتره قاسم الويزاني في شرح النّونيّة بأنه الميل إلى فعل شيء أو تركه بعد تردّد وهو المعبر عنه بالإرادة ويسمّى كسبا باعتبار ما يصدر عنه. أما المخرج للفعل من العدم إلى الوجود فهو الله تعالى نقلا عن المصعبي: حاشية تبغورين 17. (2) الجبل لغة: الخلق يقال جبل الخلق = خلقهم. وجبله على كذا طبعه. والناس مجبولون على أفعالهم بمعنى مخلوقون على أن يفعلوا ما علم الله أنهم يفعلونه قبل أن يخلقهم لا أنهم مجبورون عليه ولا دخل لهم فيه ولو بالاكتساب كما تقول الجبرية. وقد تفرد بهذا القول من الإباضية أهل جبل نفوسة قبل ظهور النونية لأبي نصر فتح بن نوح الملوشاني) في القرن السابع استدلوا عليه بنصوص من القرآن والسنة كقوله تعالى: {وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِلَةَ الْأَوَّلِينَ} [الشعراء: 184] وقوله: {بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء: 155] وقوله: «جبلت القلوب على حب من أحسن إليها لم يخرجه ونسنك) وقد احتجوا على إباضية المغرب بأن الاختيار لم يرد ذكره لا في الكتاب ولا في السنة بل قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَتَختَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ... ) [القصص: 68]. واعتبر تبغورين أن لا فرق بين الجبل والجبر والحقيقة أنّ الجبل وسط بين الجبر والاختيار لأن أصحاب الجبل يقولون إنّ العباد مفطورون على أن يعملوا ما علم الله أنهم سيكتسبونه من طاعة أو معصية. وقد لاحظ التعبيري أن موقفهم هذا أقرب إلى الجبرية منه إلى بقية الإباضية. ثمّ إنّ الموقف المتبنّى بعدئذ عند جميع الإباضية هو القول بالكسب والاختيار. انظر المصعبي: حاشية تبغورين،15، 15 وانظر الجعبيري: الأطروحة.
(3) انظر السالمي: المشارق: 321 - أبو عمار: الموجز 80/ 2 – 90. (1/406)
صفحة 405
كتاب التحف المخزونة
407
إلا بأحسن أفعالهم ولم ينههم إلا عن سوء أعمالهم. وفي الأمر والنهي ما يبطل الجبل والجبر. ولو جاز أن يأمرهم وينهاهم عمّا جبلهم وأجبرهم عليه لجاز أن ينهاهم عن قصرهم وطولهم وتحسين صورتهم وتقبيحها ولجاز أن يمدحهم على ذلك ويذمهم ولجاز أن يقال للأبيض: لِمَ كنت أبيض /37/ وللأسود لم كنت أسود. وليس من صفة الحكيم أن يأمر العباد وينهاهم ويعاقبهم فيثيبهم
(1)
ويمدحهم ويذمهم على غير ما فعلوه واكتسبوه واختاروه لأنفسهم. وفي بطلان هذا ما يبطل الجبل والجبر على العباد على ما أمرهم ونهاهم. فكيف يكون عدلا ليس بجائر من يعذب العباد على غير ما عملوا؟ وما معنى القواب والجزاء على غير ما عملوا؟ وهل يكون الجزاء إلا على الأعمال؟
والأمر والنهي يبطلان الجبل والجبر ويثبتان الاكتساب والاختيار. وما معنى الظلم الذي نفاه الله عن نفسه إذا كان يؤاخذ عباده بغير ما اكتسبوه ويعذبهم على غير ما عملوا؟ وفي نفي الظلم والجور عن الله ما يثبت الجزاء لكل مجازي إلّا على ما عمل. وفي بطلان العمل على الحقيقة ما يبطل الجزاء على الحقيقة. وقد عذر الله عباده فيما لم يمكنه فعله بالزمانات والأمراض. وعذرهم أيضا في جميع ما لا يمكنهم بخلقتهم. وقد وجدنا الله قال في كتابه: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا على الأعرج حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَحُ) [الفتح: 17]. وقد عذر هؤلاء كلهم إذ لم يمكنهم ما أمكن غيرهم للزمانات والآفات والحوائل التي أتت من قبل الله لا من قبل أنفسهم وقد قال الله: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (النحل: 32) وقال: {جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] وجَزَاء بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)
[التوبة: 95]. وهذا مما يدلّ على أنّ للإنسان (2) فعلاً باكتساب وقصد وروية.
(1) في الأصل حرف «خ» فوق كلمة اختاروه وكأنّ الناسخ أثبت هذه الكلمة من نسخة أخرى رمز إليها بحرف «خ». (2) أشكل على المحقق قراءة الكلمة لأنّ النّاسخ أدغم رسم اللام. فظنّ أنّ بالتركيب نقصا فأضاف «له» بعد «الإنسان». م. (1/407)
صفحة 406
408
الجزء الأول
23 - 8 ـ في أسماء الله وصفاته وندين بأن أسماء الله (1) وصفاته (2) هو لا غيره (3)،
(1) قيل الاسم مشتق من السمة وهي العلامة وهو مذهب الكوفيين ويتبناه المعتزلة والنكار من الإباضية فقالوا كان الله في الأزل بلا اسم ولا صفة فلما خلق الخلق جعلوا له أسماء وصفات ولما أفناهم بقي بلا اسـ ولا صفة. وقال الوهبية والأشاعرة الاسم مشتق من سم السمو وهو العلوّ والله لم يزل. مسمى وموصوفًا قبل وجود الخلق وبعد وجودهم وبعد فنائهم لا تأثير لهم في أسمائه وصفاته وهذا هو مذهب البصريين. انظر: السوفي: السؤالات 2، 106. المحشي: حاشية الوضع 37. والوارجلاني: العدل والإنصاف 38/ 1 والمصعبي: حاشية تبغورين: 30.
هي
هي
تشابهه لأن.
هي
أحدهما.
(2) الصفة ما بان به الشيء من غيره وهي الحالة التي يكون عليها الشيء كالسواد والبياض والعلم والجهل. وبالنسبة إلى الله تعالى فالصفة اللفظ الدال على المعنى الاعتباري المفيد لإثبات الكمال الإلهي. انظر: السوفي: السؤالات 106. السالمي: مشارق أنوار العقول 172. الجعبيري الأطروحة الرواحي نثار الجوهر 31/ 1. وفيما يخص العلاقة بين الاسم والصفة انظر: المصعبي: حاشية تبغورين: 30. (3) الصفات عين الذات عند الإباضية والمعتزلة والشيعة الإمامية. ومعنى عين الذات ليست زائدة عنه قائمة بذاته ومختصة به فلا يقال هي هو ولا يقال إنها توافقه أو تخالفه أو مع وجود الآخر ذلك يتضمّن المغايرة وذلك يقتضي جواز عدم جميع وهذا محال. والله عالم بذاته عند الإباضية والمعتزلة والشيعة أي ذاته كافية لانكشاف جميع المعلومات لها انكشافا تاما من غير قيام صفة قديمة مقتضية لذلك الانكشاف، ومتكلّم بذاته أي ذاته كافية كونه آمرًا وناهيا ومستخبرًا من غير حاجة فيه إلى قيام معنى قديم زائد عليه مناف للسكوت والآفة يدل عليه بالعبارة والكتابة والإشارة والله بصير بـ أي ذاته كافية لانكشاف المبصرات له بذاته أي ذاته كافية لانكشاف المسموعات له ومريد بذاته أي ذاته كافية في ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر غير محتاجة إلى واسطة وهكذا بالنسبة إلى سائر الصفات. انظر: عامر الشماخي: الديانات 43. عقيدة أبي سهل 30 31 عمرو التلاتي: شرح الديانات 52، 54. الرواحي نثار الجوهر 23/ 1، 31. حاشية السدوكشي على الديانات،40، 41 77. عمرو الثلاتي: نخبة المتين: 146، 147. التعبيري الأطروحة البغدادي: أصول الدين 105، 106 السالمي: مشارق أنوار العقول: 175، 185 الاسفراييني: التبصير في الدين 165 سهير التجسيم عند المسلمين 2/ 4. محمد علي ناصر: أصول الدين الإسلامي 158، 159. وتجدر الملاحظة أن الفرق طفيف بين الأشاعرة والماتريدية مما يوهم أنّ العلم آلة وأداة فقالوا الله عالم وله علم وقد ألخ =
جميع
وسميع
بذاته (1/408)
صفحة 407
409
كتاب التحف المخزونة
(1).
وأنه لا يجوز (1) على أسمائه وصفاته الحدث والتغيير والعدد، وذلك أن أسماء الله الرّحمن الرّحيم الخالق البارئ. فمن زعم أن الله مخلوق أو الرحمن مخلوق والخالق مخلوق فقد أشرك بالله العظيم. وإن زعم أن الله ليس بخالق ولا الرحمن ولا الخالق ولا البارئ، وزعم أن أسماءه قولي في الله وفي الرحمن وفي الخالق وفي البارئ، وزعم أن أسماءه وصفاته ألفاظ العباد ووصفهم، أو زعم أنها مخلوقة كفر أيضا كفرًا غير شرك. وقد أجمعت الأمة كلها (3) [على] أن أسماء ربِّهم الله الخالق الباري. وأجمعوا [على] أن ربهم الله الخالق والباري. فدلّ إجماعهم على أنّ أسماءه هو لا غيره قال الله على: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1] ومعناه عند أهل التفسير: سبح ربّك، فصح
أن الاسم. هو المسمّى (3). ولو كان الاسم مخلوقا لا يأمر الحكيم بتسبيح
المخلوق. وقال أيضا * وَاعْبُدُوا اللهَ} [النساء: 36] ولو كان الله اسما مخلوقا لا يأمر الحكيم بعبادته لأنه حرّم عبادة غيره. وفي قوله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ) ما يثبت أن اسمه غير مخلوق لأنّ «الله» اسمه بإجماع من الأمة. وقال في كتابه: ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيَّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) [الإسراء: 110) فدلنا
=
هي.
الماتريدي على أن صفات الله لا ذاته ولا. هي غير ذاته. وحاول علي القاري رفع التناقض في ظاهر هذه العبارة عبر التمييز بين الوجود في الذهن والوجود في الخارج فقال هو بحسب المفهوم الذهني ولا غيره بحسب الوجود الخارجي. انظر: الماتريدي: التوحيد: مقدمة المحقق 19، 36.
إنها لا.
(1) في الأصل «يجزي». م. (2) في الأصل «كلهم».
(3) ميز البرادي في التعريف بين الاسم والمسمّى فبيّن أنّ الاسم ما عرف به الشيء من غيره
الله
والمسمى هو المستوجب للاسم انظر البرادي: رسالة الحقائق. والقصد من الاسم ليس اللفظ وإنّما مدلوله. وقد اتفق الإباضية والأشاعرة في أنّ أسماء الله لا يقال لها إنها غير ا بينما الماتريدي يفهم من تحليله للقضيّة أنّ. الأسماء ما. من هو غير! المسمّى ومنها ما هو المسمى انظر: الوارجلاني: العدل والإنصاف 39/ 1. وانظر الجعبيري الأطروحة فقد أورد جما من المصادر في علاقة الاسم بالمسمّى.
عين (1/409)
صفحة 408
21.
الجزء الأول
بهذا أن أسماءه «الله»، «الرّحمن». فلا يجوز أن يكون «الله» مخلوقا ولا «الرحمن» مخلوقا لأنه قال لا في كتابه: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ} [طه: 14]، وقال في موضع آخر (هُوَ اللهُ الْخَلِقُ الْبَارِيُّ) [الحشر: 24]، وقال: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَقُ العليم} [الحجر: 86] فكيف يجوز /38/ لقائل بعد هذا القول أن يقول إنّ أسماء الله مخلوقة ويزعم أن أسماءه «الله»، «الخالق»، «الباري»، تعالى الله عمّا وصفوه به علوا كبيرًا).
23 - 9 - في ولاية الله وعداوته
وندين بأنّ ولاية الله وعداوته ورضاه وسخطه وحبّه وبغضه [من] صفاته، وأنه لم يزل مواليا لأوليائه ومعاديا لأعدائه ومحبا لأهل طاعته ومبغضا لأهل معصيته وراضيا عن المؤمنين وساخطا على الكافرين (2)، وأن ولايته وعداوته لا تتقلب بالأحوال، وأنّ وليه لا يكون عدوّه وعدوّه لا يكون وليه وذلك أنّ
(1) انظر رسالة أبي خزر: 2 - 8 - 27 أصول تبغورين: 27، المصعبي: حاشية تبغورين 32، الفرسطائي: مسائل التوحيد،13، السوفي: رسالة الفرق 53، الجناوني: عقيدة التوحيد 13، ابن جميع: عقيدة التوحيد،12 عقيدة ابن سهل 30 31 والملاحظ أن المصادر الإباضية تنسب إلى النّكار القول إن أسماء الله وصفاته محدثة ولذلك اعتنى الوهبية بهذه المسألة وتولوا مناقشتهم والردّ عليهم. انظر المصادر السابقة وانظر: أبو عمار: الموجز 180/ 2 وما بعدها. أما الأشاعرة والماتريدية فقد ذهبوا مثل الوهبية إلى أنّ صفات الله قديمة. انظر: البغدادي: أصول الدين: 90 البخاري: كشف الأسرار 7/ 1، 8. (2) اختلف الإباضية فيما بينهم في هذه المسألة فقال أهل المغرب منهم الرضا والسخط صفتان الله لم يزل الله تعالى متصفًا بهما وقال المشارقة وأهل الجبل هما فعلان من أ الله وكذلك لم يجوّز المشارقة مثلا أن يقال لم يزل الله راضيًا أو لم يزل ساخطا. انظر: السوفي: السؤالات 158 159. الوسياني: السير.179. المحشي حاشية الوضع ص 2. جامع النيسابوري: 86/ 1 87 وانظر في هذه المسألة أيضا الأشعري: مقالات الإسلاميين 255/ 2. فقد عرض موقفين الولاية والعداوة من صفات الذات وقال به سليمان بن جرير الله بن كلاب والولاية والعداوة من صفات الفعل وقال به المعتزلة. ومعنى لم يزل في صفات الله لم يعد قط ولا يزال لا يكون معدوما انظر: أبو عمار شرح الجهالات 434.
وعبد
أفعال (1/410)
صفحة 409
كتاب التحف المخزونة
411
ولايته وجوب القواب لأوليائه وعداوته وجوب العقاب لأعدائه والله لم يزل
موجبا لهم القواب وموجبا لهم العقاب.
23 - 10 ـ في تكفير المرأة في حال
وندين بتكفير المرأة الفاسقة التي تؤتى دون فرجها والتي تلعب بسوءات (2) الرجال [و] تبدي لهم محاسنها وتكشف لهم ما حرم الله عليها إبداءه فيعبثون بها وينظرون منها إلى ما حرم الله عليهم النظر إليه لقول الله وقال: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ ملومين فمن ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَيْكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المعارج: 29، 31]. فثبت أنها كافرة حين ثبت أنها عادية لأنّ العادي والعادية أسماء من أسماء الضلال. وقد روي عن النبي لا أنه قال: «لعن الله النّاظر والمنظور إليه» (3). وروي عنه أيضا قال: «إنّ العين تزني وزناها النظر واليد تزني وزناها اللمس. فثبت أنّ
(E)
(1) أفرد أبو عمار لهذه المسالة بابًا خاصًا عرض فيه الأدلة على تكفير المرأة التي تؤتى دون فرجها وأحكام ذلك والردّ على عبد الله بن يزيد الفزاري ومن ذهب مذهبه في الحكم عليها بالعصيان دون الكفر. انظر أبو عمار: الموجز 206/ 2 - 216. وانظر رسالة أبي خزر 19 - 22. (2) في الأصل في سوءات». م. (3) أخرجه الربيع بن حبيب بلفظ: «ملعون من نظر إلى فرج أخيه أو قال عورة أخيه وملعون من أبدى عورته للنّاس الجامع الصحيح: باب 41 في المحرمات حديث 638. وفي صحيح الترمذي أدب 22 احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، قال أبو هذا حديث حسن. وفي سنن ابن ماجه طهارة 24 لا يتناجي اثنان على غائطهما ينظر كلّ واحد منهما إلى عورة صاحبه فإنّ الله و يمقت على ذلك». وفي صحيح مسلم وأحمد الترمذي وابن ماجه: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة». م حيض 74 - ت أدب 38 ـ جه طهارة 137 ـ - 63/ 3 وقال الترمذي حديث حسن غريب صحيح. (4) أخرجه الربيع بن حبيب الجامع الصحيح باب 41 في المحرمات حديث 635 وأخرجه أيضا أحمد بن حنبل،343/ 2، 344، 372، 411، 528، 535، 536.
عيسي (1/411)
صفحة 410
412
الجزء الأول
لمس اليد لما لا يحلّ ونظر العين إلى ما (1) لا يحلّ زنا. وقد أوجب الله العقاب لجميع الزناة على زناهم في كتابه ولم يخص زانيا دون زان في قوله: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ
وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ) [الفرقان: 68 - 70]. وقد روي عن النبي عل أيضا أنه قال: «لا يزني الزاني وهو مؤمن» (3). وقد ذكر عن النّبي أنه قال: «ملعون من أبدى عورته للناس». وذُكر عنه أيضا انّه قال: «ملعون من نظر إلى عورة أخيه». فَفِعْلُ هذه المرأة [التي] (3) أمكنت نفسها للفساق وفِعْلُ صاحبها الذي فعل بها ذلك أعظم من لمس اليد ومن نظر العين ومن إبداء العورة. فثبت بهذا أنها كافرة بدين الله وأنها خارجة من الولاية إلى العداوة ... (4) من أهل الكبائر كلّها. وهذا قول الربيع بن حبيب وغيره من أصحابنا. وهو والصواب. والحمد الله ربّ العالمين (5).
24 ـ في مسألة الحارث وعبد الجبار
العدل
والرجلان المتواليان إذا قتل كل واحد منهما صاحبه ولا يُدْرَى الظالم
(1) في الأصل «لما».
??
(2) رواه ابن ماجه كتاب الفتن باب: النهي عن النّهبة حديث رقم 3936 ونصه: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن ولا يسرق الشارق حين يسرق وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن». وجاء في مسند الربيع بن حبيب بصيغة: «إذا زنى الزاني سلب الإسلام فإذا تاب ألبسه» حديث رقم 766. ج 3 باب 1 الحجة على من قال إن
أهل الكبائر ليسوا بكافرين.
(3) أضفنا «التي» ليستقيم التركيب. (4) نقص في الأصل. م.
(5) انظر أبو عمار: الموجز 2 فقد خصص لهذه المسألة فصلاً مستقلا. (1/412)
صفحة 411
كتاب التحف المخزونة
413
منهما من المظلوم، فقال أصحابنا بالإمضاء على ولايتهما بما تقدّم فيهما من معرفة الهدى والصلاح منهما. فلا يجوز لنا ترك ولايتهما التي كانت فيهما بعلم ومعرفة [والتحوّل] إلى عداوتهما. إلّا عداوتهما بعلم ومعرفة فلا تزيلها بالشكوك. فنحن على أصلنا فيهما من الولاية حتى يتبين لنا المصيب /39/ منهما من المخطئ. ولم يكلفنا الله علم ما غاب عنا. وكذلك الجواب في المتلاعنين كالجواب في الرجلين المتوالين [المتقاتلين] إذا كانا من أهل الولاية.
25 ـ في حجة الله على عباده
وحجة الله على عباده قد لزمت جميع البالغين الصحيحي العقول بسماع وبغير سماع. لا عذر لأحد في عصيان الله سمع أو لم يسمع. وحجّة الله على عباده الكتاب والرسل. وقيل الخلق كله حجة الله على عباده. وقيل للحجّة حجّة لأنها يحتج بها. و فَلِلَّهِ الْحَجَةُ} [الأنعام: 149] أي:
مالك الحجّة وخالقها.
فإن سأل سائل فقال: ما الحجّة التي يثبت بها فرض الدين على العباد؟ فقل: الكتاب والرسل. فإن قال: ما الحجّة في صواب المصيب وخطأ المخطئين؟ فقل: الأصل المجتمع عليه من الكتاب والسنة. فإن قال قائل: ما الحجة التي تعصم بعض العباد من الضلال والكفر؟ فقل: الإيمان. فإن قال: فما الحجة التي يعتصم بها العباد من الكفر والضلال؟ فقل: الكتاب والسنة. فإن سأل عن الحجّة فيما يسع النّاس جهله، فقل: أن تعلمه من كتاب الله أو
(1)
من سُنَّة رسول الله أو ممّا أجمع عليه المسلمون ممّا دانوا به. فإن قال: فما الحجة فيما لا يسع النّاس جهله؟ فقل: الإلزام.
(1) في الأصل «تعمله». (1/413)
صفحة 412
414
الجزء الأول
26 ـ في وجوب الإمامة
والإمامة فريضة على العباد (1) إذا قدروا عليها واستطاعوها. فإن سأل عن الذي تستطاع به الإمامة، الجواب في ذلك: أنّ المعنى الذي تستطاع به الإمامة إذا وجب على العباد أن يولوا إمامًا على أنفسهم (2) عدة الرّجال والأموال والسلاح والعلم ومن يكن إمامًا. فإذا اجتمعت هذه المعاني وجب عليهم أن يولوا إمامًا منهم على أنفسهم (3) يعدل بينهم في أحكامهم، ويقسم بينهم فَيْأَهُمْ، ويأخذ الحقوق من حيث أذن الله له ويعطيها لمن أمره الله بإعطائها، ويميت الجور بأجمعه ويجري العدل والسنة بأجمعها، ويكون صلاح العباد والبلاد على يديه (4). فإذا كان هذا
(1) الإمام هو الذي يؤتم به ويقتدى بقوله وفعله. والإمامة هي القيام العام بأمور العباد الدنيوية والدينية نيابة عن النبي وتسمّى أيضا بالخلافة. انظر الكندي: المصنف 59/ 10، 60. عمرو الثلاتي: نخبة المتين.156 عمرو التلاتي: شرح الديانات 66. والإمامة من فروض الكفاية ووجوبها أوكد من الفروض كلّها وذلك لانبثاق جلّ الأحكام الشرعية عنها وتوقف تطبيقها على وجود الإمام والأدلة على وجوبها عقلية ونقليّة. وللتعرف على هذه الأدلة انظر: أبو عمار: الموجز،223/ 2 233 تبغورين أصول الدين 37 الرقيشي: النور الوقاد 96، 97. الكندي: المصنّف.23/ 10 امحمد اطفيش: شرح النيل 271/ 14 - 275. السالمي: شرح الجامع الصحيح 74/ 1، 75. وقد خالف النجدات إجماع الأمة على وجوب الإمامة بحجة أن الناس لا يحتاجون إلى إمام وإنّما عليهم أن يقيموا كتاب الله فيما بينهم. انظر: ابن حزم: الفصل 87/ 4. حاشية السدويكشي على الديانات: 30 المحشّ حاشية الوضع: 50، 51، 79. الجناوني: الوضع: 23. أبو عمار: الموجز 233/ 2 - 239.
(2) في الأصل: «إذا كان وجب على العباد أن يولوا إماما على أنفسهم و». (3) وانظر: المحشي حاشية الوضع 80 عمرو الثلاتي نخبة المتين 156. وعن صفات الإمام وشروطه عند الإباضية وغيرهم انظر: الكندي: المصنف: 55/ 10، 63 64، 73، 77، 79. امحمد اطفيش: شرح النيل 330329/ 14. الرقيشي: النور الوقاد 97، 98. الجويني: الإرشاد:
426 0427
(4) وانظر: عمرو التلاتي نخبة المتين: 156، 159 اطفيش: شرح النيل: 322/ 14 - 329. (1/414)
صفحة 413
كتاب التحف المخزونة
415
الإمام على ما وصفنا وقام بجميع ما ذكرنا وأظهر الحق وحكم بالعدل واتبع آثار من كان قبله من أئمة المسلمين وجب على العباد طاعته وأداء جميع حقوقه من المودّة له والنّصرة له وشدّ سلطانه ما دام يحكم بالعدل ويتبع آثار من كان قبله من أئمة المسلمين. . وعلى هذا الإمام الذي ولاه المسلمون على أنفسهم واختاروه لأمر دينهم ودنياهم وأمنوه على دمائهم وأموالهم أن يحاسب نفسه ويراقب ربّه ويصلح سريرته وعلانيته ويخاف الله في جميع أموره ويعظم الآخرة بهوان الدّنيا. وليكن الضعيف والقوي والغني والفقير والوضيع والشريف عنده بمنزلة واحدة في حكم الله وعدله حتى لا يطمع الشريف في حقه ولا يخاف الوضيع ذهاب حقه. لله وينصح في عباده في جميع ما يصلح لهم في أمر دينهم ودنياهم. فإذا استقامت أمور المسلمين على ما وصفنا من أمر ظهورهم فواجب عليهم
ولاية جميع
12.1
من
كان تحت لوائه [ممن عرف] (2) باستقبال (3) القبلة
ولم تعلم منه كبيرة. فهذا الذي يقال له ولاية بيضة المسلمين التي تجب
عليهم في زمان ظهورهم.
والمسلمون حجّة في دين الله إذا قاموا به وأظهروا العدل والصلاح لا كما يقول من زعم أنهم ليسوا بحجّة ولا يقطع الله بهم عذر أحد. ولو جاز ألا يكون أهل دين [الله] (4) حجّة في دين الله لجاز أن يكون أهل غير دين حجة في دين الله. فلما بطل أن يكون حجّة في دين الله غير أهل دين الله ثبت
أن أهل دين
الله. الله حجة في دين
(1) وانظر: الكدمي: المعتبر،159/ 2، 161 اطفيش: شرح النيل 275/ 14، 276. (2) في الأصل: تحريف ونقص وعبارة «من كان تحت لوائه وظهور. طاعته .....
(3) في الأصل واستقبال». م.
(4) يبدو أنه سقط
من الأصل لفظ «الله».
الله (1/415)
صفحة 414
416
الجزء الأول
27 ـ في وجوب الجمعة وراء الإمام العدل والجائر
وحضور الجمعة واجب على من كان من أهل البلد مع من أقامها من أئمة العدل وأئمة الجور لقول الله وعل: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9]. فوجب بهذه الآية إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة أن يسعوا إلى ذكر الله. وأما من زعم أنها واجبة خلف أئمّة العدل ولا تجب خلف أئمة الجور فعليه البرهان بما ادعى من الفرق بين وجوبها خلف أئمّة العدل وخلف أئمة الجور. وقد أجازها أخيار من مضى من صدر هذه الأمة منهم جابر بن زيد وأبو عبيد مسلم بن أبي كريمة وأبو نوح صالح الدّهّان) ومن معهم من أخيار المسلمين في زمانهم. وروي عن النبي أنه قال: «إنّكم ستدركون أئمة يؤخرون الصلاة عن وقتها. فإذا أدركتم ذلك فصلوا صلاتكم للوقت الذي (3) تعرفون واجعلوا صلاتكم معهم سبحة» (4). وروي عنه أيضا أنه قال: «الصلاة جائزة
(2)
(1) أبو نوح صالح بن نوح الدهان هو من البصرة أخذ العلم عن جابر بن زيد وطبقته وشارك أبا عبيدة في التدريس وعنه أخذ الربيع وطبقته كان يعرف بالتيسير. انظر عبد الرحمن بكلي في تعليقه على قواعد الإسلام للجيطالي.175/ 1 وانظر عمرو خليفة النامي: أجوبة
ابن خلفون 109، 110. (2) شرح النيل 319/ 2، 320. يقول الثّميني: «فرضت الجمعة مع مقيمها ولو جائر ... » امحمد اطفيش الشارح: تاركها خلف جائر عاص وقيل هالك وهو الصحيح عند بعض أصحابنا وقيل جائزة خلف الجائر لا واجبة ص 320 ثم أورد ما ذكره الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة وجابر وصحار. انظر ن م ص 320. وقيل إنّما تجب خلفه في مصر من السبعة ولا تجوز إن أدخل فيها مفسدا وقيل لا تجوز إلا خلف إمام متولّى وانظر السالمي: الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة انظر ن م والصفحة هامش شرح طلعة الشمس 3/ 2 قال. مع إمام بار وفاجر. وانظر: اطفيش شرح عقيدة التوحيد. 71.
الجمعة في مصر (3) في الأصل «التي».
بوجوب
(4) أخرجه الربيع بن حبيب في الجامع الصحيح باب 35 في الإمامة والخلافة حديث 212 كما
أخرجه أحمد بن حنبل 455/ 1، 459. 147/ 4. (1/416)
صفحة 415
كتاب التحف المخزونة
417
خلف كل بار وفاجر إذا صلاها في وقتها وأتم ركوعها وسجودها. وذلك أن و وجوبها عند أصحابنا على الرجال الأحرار إذا كانوا من أهل الحضر. وأما أهل غير الحضر من المسافرين أو النساء والعبيد فليس (") حضورها على هؤلاء بواجب. إن حضروا فمأجورون (3) و (4) إن تركوا فغير مأزورين. والحضر عند أصحابنا على رأس ستة أميال فكل من كان وطنه وقراره فيما دون ستة أميال من الموضع الذي أقيمت فيه صلاة الجمعة وجب عليه حضورها من الرّجال الأحرار. فإن ضيّعوها وتركوها عامدين لتركها من غير عذر ولا نسيان لها بعد وجوبها وفرضها فقد عصوا وأثموا. وقد روي عن جابر بن زيد حمدالله أنّه فاتته صلاة الجمعة يوما فقال: اللهم لك عليّ ألا أعود). وروي عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة منه أنه يقاد إلى صلاة الجمعة بعد ذهاب بصره ميلين). وروي عن صُحَارٍ أيضا أنه قال حين رجعت الأمراء يصلّون الجمعة: الحمد لله الذي ردّ علينا جمعتنا). وهذا
(1) روى الربيع بن حبيب عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الصلاة جائزة خلف كل بارّ وفاجر وصلّوا على كلّ بارّ وفاجر». الجامع الصحيح الجزء الثالث باب 3 حديث 776 كما رواه أيضا أبو داود صلاة 64، جهاد 35.
(2) في الأصل «وليس» «بالواو».
(3) في الأصل «فمأجورين». م. (4) في الأصل «ف».
(0) ذكر ابن جعفر (من علماء القرن الرابع في عُمان أنّ جابر بن زيد خرج يوما يريد الجمعة فتلقاه النّاس منصرفين فشق عليه ذلك يومئذ وقال: «اللهم لك علي ألا أعوده. انظر ابن
جعفر 401/ 2.
(1) بحثت عن المسألة في جوابات الإمام جابر بن زيد وفي جامع ابن جعفر وفي جامع ابن بركة فلم أجدها مروية عن أبي عبيدة. (7) أبو العباس صحار بن العباس العبدي عُماني الأصل ذكر ابن النديم أنه روي عن رسول الله ثلاثة أحاديث كان من أخص أصحاب جابر بن زيد وهو شيخ أبي عبيدة
مسلم بن أبي كريمة. له تأليف في أمثال العرب. انظر سالم بن حمود السيابي: طلقات
= (1/417)
صفحة 416
418
الجزء الأول
كله لنا حجّة على من زاغ عن مذهب المسلمين ممن يرى أنها لا تجب ولا تجوز خلف أئمة الجور. والذين ذكرناهم من هؤلاء أخيار هذه الدعوة وأشياخها) وفقهاؤها وقادتها مجمع (2) على فضلهم وإحسانهم وأنهم قادات /41/ في الدين. فأنّى يجوز لهؤلاء القوم بعد إقرارهم بفضلهم وصلاحهم في دينهم مخالفتهم في (3) أقاويلهم وأفاعيلهم؟ لكن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء. ونحن إن شاء الله على آثارهم وسلوك مناهجهم. فنسأله أن يمن علينا بذلك. إنّه على ما يشاء قدير.
28 ـ في عطايا الملوك
وعطايا الملوك قد أجازها أصحابنا ويأثرون ذلك عن جابر بن زيد وغيره من أخيار المسلمين. فعلى من ادعى تحريمها والنهي عن أخذها برهان على قوله ودعوته. وليخبرنا عن جابر ابن زيد ومن معه من أخيار المسلمين حين أخذها وأجازوا أخذها لأنفسهم وغيرهم من المسلمين أمخطئون أم مصيبون؟ فإن زعموا أنهم مصيبون أقروا بالخطأ على أنفسهم إذ سعوا في خلافهم في أقاويلهم وأفاعيلهم. وإن خطؤوهم (4) وزعموا أنهم أخذوا ما لا يحل لهم وجوزوا لغيرهم أخذ ما لا يحلّ لهم فبئس ما أثنوا به على أقاويلهم (5) الذين أقروا أنهم قادتهم في دينهم ووس ادتهم في مذهبهم. ولا
وأسلافهم
المعهد الرياضي في حلقات المذهب الإباضي.23 وانظر بكلي عبد الرحمن في تحقيقه لكتاب قواعد الإسلام.244/ 1 وانظر الشماخي: السير 75/ 1. وانظر الدرجيني: طبقات
المشايخ بالمغرب 233/ 2.
(1) في الأصل أخيار وأشياخ هذه ...... م.
(2) في الأصل «مجموع».
(3) في الأصل «من». م. (4) في الأصل «خطأوهم». م.
(0) في الأصل «سلفائهم». (1/418)
صفحة 417
كتاب التحف المخزونة
419
مخرج لهم بحمد الله ولا ملجأ إلّا الرّجوع إلى قول أهل العدل والصواب.
والحمد لله ربّ العالمين ()
مسائل مضافة إلى الباب]
1 - في سبيل معرفة الله ومعرفة دينه
ومعرفة الله ومعرفة دينه ينال شيء من ذلك إلا بعون من الله وتوفيقه وإحسانه ومنه. وتوفيقه (3) وتنبيهه سماع مفهوم من مُسْمِعٍ وَمَنْ مَنْ بِهِ. لا على ما يقول [من يقول] إنّ معرفة الله تُنال بالتفكير
عن
(3)
ويكون العبد موفيا بدين الله عالما به وبجميع (4) ما يحتاج إليه مما يسلم به من عصيان الله والكفر به من غير معلّم يتعلم منه ومخبر يخبره الله بحلاله وحرامه وأمره ونهيه ووعده ووعيده. ويوجد هذا كله في عقله ويستغني به عن غيره. وهذا أيضًا من عجب ما يأتون به من المحال الذي لا يجدون عليه بيانًا ولا برهانًا. وفي قول الله ول: {فَسَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7] ما يبطل دعواهم ويبين خطأهم. فكيف يأمرهم سؤال أهل الذكر فيما ينالون معرفته بعقولهم ويصلون إليه بتفكير منهم؟ ولو كان الأمر على ما قالوا وعلى ما ذهبوا إليه أن دين الله ينال بالعقل والتفكير فما وجه أمره لهم بسؤال أهل الذكر عما لا يعرفونه؟ و ما وجه قول النبي: اطلبوا العلم ولو بالصين» وقوله:
(1) وانظر الدرجيني،209/ 2، الكدمي: الجامع المفيد 122/ 5.
(2) في الأصل «توقيف».
(3) في الأصل «بالتكفير».
(4) في الأصل «ولجميع». م.
(ه) في الأصل «ف». (1/419)
صفحة 418
420
الجزء الأول
(1)
و
منهم
لأهل
مدح
الله
طلب العلم فريضة على كل مسلم؟ وما وجه أَمْرِ) الله لعباده بسؤال أهل الذكر وأَمْرِ نبيه لأمته بطلب العلم ولو بالصين إذا كان ينال ذلك كله بالعقل والتفكير فيكونون مهتدين صالحين مسلمين لما يجدونه من عقولهم وتفكير من أنفسهم لا بطلب منهم لعالم ولا بسؤال. الذكر الذين أمرهم الله أنّ يسألوهم عن ما لا يعلمون؟ فكيف قول (2) ملائكته صلوات الله عليهم ورضوانه إذ قالوا: {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (البقرة: 32)؟ فدل بقول أولياء الله /42/ إذ قالوا: لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) أنّ العباد لا ينالون شيئًا من معرفة الله ومعرفة دينه إلا ما علمهم الله إيّاه وأوقفهم (3) عليه. وما وجه قول الله أيضا: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ الله عزيزا حكيما م (النساء: 165]، فكيف يقطع عذرهم وحجتهم ويحتج بما لا حجّة له فيه على العباد إذا كانت الحجّة هي العقول لا غير ذلك؟ فمن أعطاه الله عقلا صحيحا أغناه بذلك عن كلّ سبب يُنَالُ به العلم من معرفة ودينه وكيف يكون ذلك كذلك وقد وجدناهم مع صحة عقولهم لا ينالون بها معرفة شيء من صنائع الدنيا من الخياطة والخرازة والصياغة وأشباه ذلك مما هو أدنى من معرفة الله ومعرفة دينه التي هي أبعد وأغمض عن العقول، لأنا نجد معرفة الصياغة والخياطة والحياكة والخرازة وأشباه ذلك من معرفة صنائع الدنيا عند من لا نجد عنده شيئًا من معرفة دين الله. فثبت بهذا أنّ معرفة دين الله أغمض وأصعب على العقول من معرفة الصياغة والخرازة وغير ذلك من صنائع الدنيا. فثبت
الله
(1) في الأصل «فما وجه أمرا». م.
(2) أثبت هذه الكلمة.
من نسخة أخرى.
(3) في الأصل ووافقهم». (1/420)
صفحة 419
كتاب التحف المخزونة
421
بذلك عجزهم عن معرفة الأدنى التي هي الخياطة والخرازة وغير ذلك من صنائع الدنيا كلّها بغير معلّم يعلمهم إياها ويوقفهم عليها ما يدلّ على عجزهم عن إدراك ما هو أغمض وأصعب على العقول من معرفة الله ومعرفة دينه. وفي بطلان أن يُنالَ شيء من معرفة صنائع الدنيا التي هي أدنى بغير معلم يعلّمها بطلان معرفة ما هو أجلّ منه من معرفة الله ومعرفة دينه بغير معلم أو منبه أو موقف يوقفهم عليها. وهذا بحمد الله بين لمن) أراد الله إرشاده وهداه.
- في مجادلة عيسى بن عمير في براهين الأنبياء
حكمة
(2)
وزعم ابن عمير ومن ذهب مذهبه من الإباضية أن الله لا يرسل رسولا إلى خلقه إلا بعلامة حتى يُتَبَيَّن بها من غيره. وزعم أنه ليس من ة الحكيم أن يرسل رسولا يقطع به عذر خلقه ويلزمهم اتباعه وتصديقه في جميع ما يقوله إلا بعلامة يُتَبيّن بها من غيره وتدل (3) على أنه رسول من الله إلى خلقه. وتلك العلامة زعم، مما لا يقدر عليها مخلوق أن يأتي بها. ولا يكون ذلك إلا من القادر الحكيم [حسب زعم صاحب هذه المقالة. والذي نقول به وهو قول أصحابنا وعلمائنا الذين (ه) نأخذ منهم ونعتمد على قولهم أنّ الله يرسل الرسل إلى خلقه. إن شاء أرسلهم بعلامة وإن شاء أرسلهم بغير علامة فكلّ ما فعله من ذلك فهو حكمة.
(1) في الأصل «فيه لمن». م.
(2) وإليه تنسب فرقة العمرية (المرجع؟) من الإباضية. كانوا ينسبون مذهبهم إلى عبد ا
مسعود. هل لها وجود أم انشقاق؟
(3) في الأصل «يدل». م.
(4) أضفنا كلمة حسب ليستقيم المعنى.
(ه) في الأصل «الذي».
الله
بن (1/421)
صفحة 420
422
الجزء الأول
وإن أعطاهم العلامة فيمنه وفضله. وإن أمسكها فبعدل منه وصواب. وليس لهم على الله أن يعطيهم ذلك إذ كانت منا منه وفضلا. ففضله يؤتيه من يشاء من عباده ويمسكه عمّن يشاء منهم. وممّا يدلّ على بطلان قولهم و فساد مذهبهم ما حكى الله عن رسله من احتجاجهم بعلم الله في قولهم: رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [يس: 17، 18] وقولهم أيضا: {إِن نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ
عِبَادِهِ، وَمَا كَانَ لَنا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانِ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [إبراهيم: (1].
وأما قوله علامة يتبيّن /43/ بها من غيره، فليخبرنا بمعرفة تلك العلامة أاضطرار هي أم اكتساب؟ فإن زعم أنّها اضطرار فلا يجوز أن يتفاضل النّاس في معرفتها لأن معرفة الاضطرار لا تفاضل بين العباد فيها. فلا يجوز أن يعرفها أحد دون غيره ممّن شاهدها ورآها عيانا. وقد وجدناهم اختلفوا في معرفتها فعرفها قوم وجهلها قوم وشك فيها قوم وأنكرها قوم. فلا يجوز هذا كله في معرفة الاضطرار. فإن زعم أن معرفتها اكتساب ومعرفة الاكتساب لا تنال إلّا بالدلائل والعلامات فإنّ هذه العلامات محتاجة إلى علامة غيرها يُتَبَيَّن بها أنّها علامة الله. ولتلك العلامة أيضا علامة غيرها يتبيّن بها أنّها علامة لتلك العلامة. فتكون العلامة علامة. فلتلك العلامة علامة غيرها. فيتصل ذلك إلى ما لا نهاية له ولا غاية. وفي بطلان أن تكون علامة إلا بعلامة بطلان جميع العلامات لأنّ في بطلان غاية الأشياء بطلانها وإن جاز أن تكون علامة واحدة لا علامة لها يتبين بها أنّها علامة الله فيقطع الله عذر الخلق بتلك العلامة فَلِمَ لا يجوز أن يكون رسول الله حجّة على خلقه فيقطع الله عذر الخلق بلا علامة يتبين بها من غيره؟ وفي جوازهم أن تكون علامة يقطع الله بها عذر خلقه بلا علامة غيرها يتبيّن بها أنّها علامة الله ما يجيز لغيرهم (1/422)
صفحة 421
كتاب التحف المخزونة
423
قوله ودعوته أنّ الله يرسل رسولاً إلى خلقه فيقطع الله بها عذرهم بلا علامة يتبيّن بها من غيره إذا كان ذلك كله لا ينال إلا بعون من الله ومنه وفضله ولا غاية فليخبرنا أيضًا صاحب هذه المقالة أن الله لا يرسل رسولا إلى خلقه إلّا بعلامة يتبيّن بها من غيره هل لرسول الله له أن يرسل رسولا إلى أمّته ممن لم يمكنه الوصول إليه ودعائه) ومخاطبته (2)؟ فإن جُوزَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرسل غيره من النّاس إلى من لم يمكنه الوصول إليه فيسأل عن ذلك الرس رسول هل يقطع الله به عذر من أرسل إليه بمنزلة الرسول أم لا؟ فإن زعم أنه بمنزلة الرّسول يقطع الله به عذر جميع من أرسله إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع ما أرسله به فيسأل عن ذلك الرسول الذي أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لرسول الله أن يرسله بعلامة؟ فإن زعم أنه يُرْسَلُ بلا علامة يتبيّن بها أنه رسول الرسول صلى الله عليه وسلم فَلِمَ لا يجوز لغيره أن أن الله يرسل رسولا إلى خلقه بلا علامة يتبين بها من غيره فيقطع الله به عذر خلقه إذ جوّز لنفسه القول بأنّ رسول رسول الله يقطع الله به ما أرسله به رسول الله بلا علامة يتبين بها من غيره.
يزعم
عذر خلقه في جميع فإن زعم أيضا أنه ليس لرسول الله أن يرسل رسولا إلى من لم يمكنه الوصول إليه من أمته بعلامة يتبيّن بها من غيره فقد ادعى على رسول الله ما لا يجد عليه برهانا يحققه ولا يجد عليه معينا يعينه من هذه الأمة من قول ذلك /44/ أن جميع من (3) أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من نأى عنه من أمته بشريعته ودينه أنّ لكلّ واحد منهم علامة يتبين بها من غيره. وهذا أيضا مما لا يساعده عليه أحد هذه الأمة.
من
(1) في الأصل «والدعاء له». م.
(2) في الأصل والمخاطبة منهم! إليه». م. (3) في الأصل «ما». م. (1/423)
صفحة 422
424
الجزء الأول
افي الجدل الوهبية والحسينية
[في] اختلاف النّاس في أمر الله بطاعة غير التوحيد أو نهيه عن معصية سوى الشرك
1 ـ في مذهب أحمد بن الحسين
قال (1) أحمد الحسين ومن ذهب مذهبه (3) من الإباضية: إنّ الله لم يأمر
بن
(3)
أهل الشرك في حال شركهم بغير التوحيد ولم ينههم عن غير الشرك. وأنه لم يتعبّدهم في حال شركهم إلا بالتوحيد وكذلك قال في البالغ في أوّل حال بلوغه لم يأمره الله إلا بالتوحيد ولم ينهه إلا عن الشرك. وإن وَحدَ في حال البلوغ وجاءه الحال الثاني وهو موحد فهو مأمور بغير التوحيد ومنهي عن المعاصي التي هي دون الشرك. فإن كان مشركا في الحال الثاني فلا يجوز أن يؤمر فيها إلا بالتوحيد ولا ينهى فيها إلا أيضا أنه الشرك. وزعم عن في أوّل حال البلوغ لا يمكنه فعل سوى التوحيد أو الشرك. وأمّا) غير ذلك فلا يمكنه ولا يكون. واعتلّ في ذلك بعلل غير مستقيمة. واحتج بحجج غير واضحة. واتبع قياس عقله. وترك ما أوضح الله في كتابه على لسان نبيه من البيان والبراهين. وسعى في خلاف من كان قبله من أخيار المسلمين. فانفرد بعقله. وأعجبه رأيه فكلّ ما وافق عقله ورأيه اتبعه. وما خالف ذلك تركه
ونبذه وراء ظهره.
(1) في الأصل «فقال».
(2) في الأصل بمذهبه.
(3) في الأصل ولم ينهاهم».
(4) في الأصل «فأما». (1/424)
صفحة 423
كتاب التحف المخزونة
يوجد
425
فكان علته من في ذلك أن قال: وجدنا الله تبارك وتعالى كلّف البالغ في حال بلوغه توحيده. ولا يعدو () أن يكون غير ذلك من الفعل في تلك الحال لازما أو (2) ليس بلازم. قال: فلو زعمنا أنّ عليهم في تلك الحال الصلاةَ والصّومَ والوضوء: كان في ذلك إبطال التكليف بهذا في وقت البلوغ لأنه لا يكون موحدًا ومصليا في وقت واحد أخذ في الحج (كذا) وقت الصلاة لأنّ خلقتهم لا تقوم بهذا ولا قال: فلما منهم. بطل التكليف في هذا في وقت البلوغ بعامة صعوبته في خلقة الخلق لم يجز أن يكون في وقت البلوغ مأمورا إلا بالتوحيد ولا منهيا إلا عن الشرك. فإذا دخل الوقت الثاني وكان تاركا للتوحيد في الوقت الأول لم يجز أن يُؤْمَرَ أيضًا في الوقت الثاني بغير التوحيد لفساد قيامه مع التوحيد في وقت واحد. وكذلك في كل وقت بعد أن يكون في. الأوقات جميع تاركا للتوحيد. ولا يجوز أن يؤمر بغيره لأنّ العلة التي يفسد بها الأمر بغير التوحيد في الوقت الأوّل هي (3) أن الخلقة غير قائمة بأداء الفرائض مع التوحيد. وهذه العلة في الوقت الثاني وفي كل وقت قائمة ما كان
الشرك موجودا.
واعتل أيضا بأنّ (4) الله لم ينه المشركين عن سوى الشرك. زعم أنه لو نهاهم عن غير الشرك وألزمهم الكف عن المعاصي التي هي دون الشرك لكانوا إذا كفّوا عنها مطيعين له في الذي أمرهم به). وفي بطلان أن يكون المشركين شيء من طاعة الله ما يبطل أن /45/ يكونوا مأمورين بغير
مع
(1) في الهامش «يخلوا أي في نسخة أخرى «يخلو» بدل «يعدو».
(2) في الأصل «أم». م.
(3) في الأصل «وهي». م.
(4) في الأصل «في أنّ». م.
(ه) في الأصل «مطيعين له الذي أمرهم بذلك». م. (1/425)
صفحة 424
426
الجزء الأول
التوحيد ومنهتين) عن [غير] الشرك لأنا وجدناهم يكفون عن الزنا والسرقة وعن الكذب وغير ذلك من الذنوب التي هي دون الشرك ولا يكونون بذلك مطيعين. فلو أُمِرُوا بذلك الترك لكانوا مطيعين إذا فعلوا ما أمروا به وانتهوا عما نهوا عنه لأنّ الطاعة في عينها فعل ما أُمِرَ [الإنسان] به والانتهاء عمّا يُنْهَى عنه. فما بَالُهُمْ لا يطيعون إذا فعلوا ما أمروا به وانتهوا عما نهوا عنه؟ فهذه علّته وغيرها ما يشبهها ممّا يكثر فيه اللفظ وتقل به الفائدة.
2 - في ردّ الوهبية على الحسينية
وقال أصحابنا ومن وافقهم على قولهم: إنّ الله كلف عباده في حال البلوغ التوحيد وجميع فرائضه التي حلت عليهم في وقت بلوغهم، ونهاهم عن الشرك وعن جميع المعاصي في حال بلوغهم. فلا عُذْرَ لأحد في عصيان الله تعالى في حال البلوغ الذي هو حال التكليف أو في الحالة الثانية أو الثالثة وغير ذلك من الأحوال. والمشرك في حال شركه منهي عن الشرك وعن جميع المعاصي التي نهى عنها أهل التوحيد في حال توحيدهم وأُمِرَ بجميع الفرائض التي أُمِرَ بها أهل التوحيد في حال توحيدهم. فلا يَحُطُ عنه ما كان معه من الشرك فرض يلزمه مع التوحيد. ولا له ما كان معه من الشرك يبيح حرم عليه ونُهي عنه مع التوحيد ولا يُغذَرُ بصعوبة الخلقة إذ لا يمكن ذلك فيها باشتغاله بضد ما كلّف.
ما
والذي احتج به أصحابنا على (3) فساد مذهبه ونقض علله وكشف عوار ما ذهب إليه كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم اللذين ترك الاقتداء بهما واستعمل (3)
(1) في الأصل «المنهيين»
(2) في الأصل «في». م. (3) في الأصل «استعمال». (1/426)
صفحة 425
كتاب التحف المخزونة
427
القياس في خلافهما. ومن ذلك ما ذكر الله ممّا نهى عنه القرون الخالية: ولا تقربوا الناقة وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ) [الأعراف: 173) وقوله: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ والميزان) [الأنعام: 152) وقوله: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} [الأعراف: 185 وقوله: {أَتَأْتُونَ الذِّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ. وَتَدْرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُم قوم عَادُونَ} [الشعراء: 165، 166] وقوله: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ
(2)
مِنَ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 80] فكيف يسميها فاحشة وهي لهم حلال؟ وكيف
يفرق بين الأزواج وإتيان الرّجال إذا كان الأمر على ما يقولون فيهم واحدا حل لهم إتيان الرّجال كما حلّ لهم الأزواج لأنه لا إثم عليهم في إتيان الأزواج؟ تعالى عما يصف القائل بهذا علوا كبيرا.
وقد أجمعت الأمة [على] أنّ هؤلاء القوم الذين نهاهم الله عن عقر الناقة وعن نقصان المكيال والميزان وعن إتيان الذكران وفعل الفواحش قوم (3) مشركون مكذبون للرسل وما جاءوا به. مع ما يلزمه أيضا من أمور نهى الله عنها و [عن] غيرها مشركي العرب من قتلهم لأولادهم ونهيه إياهم عنه وقال:
(1) ذكر المحقق أنه لا توجد آية بصيغة ولا تقربوا الناقة ... وإنما الوارد في كل الآيات: وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ». ونحن نعتمد إشارته لنذكر أنه من هذا الباب في الرسم ضلت أفهام كثيرة دون الانتباه إلى أنّ القدامى قد يستعملون آيتين مختلفتين دون فاصل لفظي، وقد يذكرون من كلّ آية كلمة فقط، وقد يأتون بألفاظ تمهد لآية ثم يذكرونها. فيتوهم من في قلبه زيغ أنّ هذه «آيات» قد اعتمدت في المصنفات الفقهية أو العقدية وهي غير موجودة في المصحف الإمام. ومن المعاصرين من أسماها «نصا موازياه وبنى عليها أطروحة كاملة!!!. ما هذا بطعن في المحقق نعم الله ولكنّه موطن تنبيه إلى ما يذهب إليه كثير من المستشرقين والعرب المعاصرين من جعلهم الرسم بابا من أبواب الطعن في كتاب الله. وضلالهم راجع إلى عدم معاشرة المتون القديمة في أصولها المخطوطة وإلى عدم إدراكهم لتنويعات القدامى في الرسم وفي الرّواية أيضًا. فليتَبَيَّن، رحمكم الله. م.
(2) في الأصل «فهي». (3) في الأصل «أنهم قوم». م. (1/427)
صفحة 426
428
الجزء الأول
وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَبْلَهُمْ كَانَ خِطْنَا كبيرا) الإسراء: 31)، {وَلَا نَقْرَبُوا الزِنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الإسراء: 31 - (33) فأي نَهْي أَوْكَدُ من هذا؟ وقال: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ [سَفَهَا] بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاهُ عَلَى الله /46 / قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) [الأنعام 140] و [ما] حرموا
وحي
من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام) وجميع ما حرموا على أنفسهم وما الله ادعوا من تحليل الميتة لهم بعد تحريم الله إياها، وقالوا: الميتة ما. ذبح فأنزل الله: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَا بِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ الله ذلك إنَّكُمْ تَشْرِكُونَ} [الأنعام: 121] وكيف يسمّي الشيطان لو كان الأمر على ما يقول هذا القائل؟ وإنّما قالوا في زعمهم الصدق إذ قالوا الميتة لهم حلال لأن استحلال الميتة عنده والدم ولحم الخنزير وجميع ما حرم الله في نص تنزيله (2) لم ينه الله عنه مشركا في حال شركه ولم ينهه كل نبي من أنبيائه ولا عن دفع جميع ما أنزل الله من كتابه.
أيضا عن
(3)
إنكار
عن
وإن الذي قال: نبي الله ساحر مجنون وإنه كذاب مفتر ولم ينههم الذي رموه به من الافتراء والكذب والسحر والجنون)، وأنّ هذا كله مباح
(1) قال تعالى: {مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَابَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامِ} [المائدة: 103]. البحيرة: هي الناقة التي تشق أذنها وقد كان العرب إذا نتجت الناقة خمس مرات فكان آخرها ذكرًا شقوا أذنها وأعفوا ظهرها من الركوب والحمل ومنعوا ذبحها ولا تمنع عن ماء ولا مرعى. والسائبة: هي التي كانوا يستبونها لآلهتهم والوصيلة هي الدّابة من الغنم إذا ولدت أنثى بعد أنثى سيبوها والحام: هو الفحل إذا انقضى ضرابه جعلوا عليه من ريش الطواويس وستبوه. انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 335/ 6.
(2) فوق هذه الكلمة «نص» أي وفي نسخة أخرى «في نص».
(3) في الأصل «على».
(4) في الأصل «المجنون». (1/428)
صفحة 427
كتاب التحف المخزونة
429
لهم في حال شركهم لأنّ هذا كلّه عنده لا يبلغ به قائله الشرك ولا يُنهى عنه المشرك في حال شركه ولا ينهاه إلّا عن الإشراك به حال شركه. وما أرى علة إباحته لهم إلّا الشرك الذي كانوا عليه ولو وحدوا الله وأفردوه لحرم الله عليهم هذه الأفعال كلَّها وذمّهم على فعلها وعاقبهم عليها. فهل سمعتم بهذا ومثله أن تكون علة إباحة معاصي الله غيرها، ويكون سبب تحريمها طاعته؟ فما أرى على قياد قول هذا القائل أهل التوحيد أوتوا في معاصيهم التي هي دون الشرك إلا من قبل توحيدهم لربهم. فَتَرْكُ التوحيد إذا على قياد هذا القول
أفضل لهم من علمه. فنعوذ بالله من هذا القول ومما يجر إليه من البدع. فَتَرَك كتاب الله مع [ما] (2) فيه من البيان وتعلّل (3) بالمشكلات. وكذلك يكون ... (4) الله وأوكله (5) إلى نفسه. وقد ذم الله أقواما في كتابه من المشركين على أفاعيلهم التي هي دون الشرك وإصابتهم المثلات عليها من الخسف والمسخ. فأهلك ثمودًا على عقر الناقة وخسف بقوم لوط على فعل اللواط وبقوم شعيب على خسر المكيال والميزان. ولو كانوا غير منهيين عن شيء من المعاصي التي هي دون الشرك ولا مأمورين بشيء من الطاعة غير التوحيد ما جاز أن يعذبوا وينزّل بهم ما نزّل من صنوف المثلات على غير ما نهوا عنه ولم يؤمروا بتركه. وهذا كلّه ممّا يبين خطأه ويفسد على مذهبه. وأما قوله وعلته في إسقاط النهي في حال البلوغ إلا عن الشرك وإسقاط الأمر في تلك الحال إلا بالتوحيد لعلّة صعوبته في خلقة الخلق فيلزمه في
(1) في الأصل «أو لما يجري». م.
(2) أضفنا «ما».
(3) في الأصل «يتعلّل». م.
(4) في الأصل «من ضد له». وهي بلا معنى. م.
(ه) في الأصل «أكله». (1/429)
صفحة 428
في
430
الجزء الأول
الوقت الثاني ما اعتل به في الوقت الأوّل من صعوبته في خلقة الخلق لأنه الحالة الثانية نهاه الله عن الشرك وأمره بالتوحيد إذ لا يجتمع مع التوحيد غيره في حال الأمر به من قبل صعوبته في خلقة الخلق. فلا يأمره الله إذا بغير التوحيد ما دام / 47/ موحّدًا ولا ينهاه عن غير الشرك ما دام موحدا. وكذلك النهي عن غير الشرك والأمر بغير التوحيد في حال الشرك فاسد وباطل على قياد هذا القول لصعوبة التوحيد مع غيره في خلقة الخلق في حالة واحدة. الحالة الثانية التي هي غير حال البلوغ غير مأمور بالتوحيد الشرك إذ كان موحدا في الحال الأوّل فكيف) يمكن لهذا)
أنه فإن زعم في
ولا
منهي عن
أن يكون الإنسان بالغا صحيح العقل غير مأمور بالتوحيد ولا منهي عن الشرك وهو بالغ صحيح العقل وهو مأمور بغير التوحيد منهي عن غير الشرك؟ وهذا أيضا مما لا يُعقل ولا يوهم أن يكون الأمر بغير التوحيد التوحيد ويكون النهي عن غير الشّرك ويسقط عن الشرك.
عن
ويسقط في الله ويقال له إن أشرك بالله في تلك الحال وأنكره وجحده: هل نهاه الإشراك به في تلك الحال؟ فإن زعم أنه غير منهي عنه في تلك الحال فلا يكون إذا عاصيا الله في الشرك به والجحود له والإنكار وهو يقصد إليه ويختاره بإرادته وقصده. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا.
وإن زعم أنه نهاه عن الإشراك به في تلك الحال وأمره بالتوحيد فيلزمه أن يكون غير مأمور بغير التوحيد ولا منهي عن غير الشرك بعلة صعوبته في خلقة الخلق في حالة واحدة. وإن زعم أنه مأمور في تلك الحال ومنهي بنهي تقدّم (3) وأمر تقدّم فنسأله إن عصى فيها أو أطاع: متى كان النهي عن
(1) في الأصل وكيف». م.
•?
(2) في الأصل «هذا». . (3) في الأصل «تقدم تقدّم». (1/430)
صفحة 429
كتاب التحف المخزونة
431
تلك المعصية والأمر بتلك الطاعة قبلها أو معها؟ فإن زعم أنه معها فقد بطل قوله عن أمر تقدّم وكذلك النهي إن عصى في تلك الحال بطل قوله عن نهي تقدّم. وإن زعم أنّ الأمر والنهي قبل الطاعة والمعصية فقد زاد على قول المعتزلة إذ زعموا أنّ الأمر قبل الفعل بحال) وهو يزعم أنّ الأمر قبل الفعل بأحوال كثيرة. وليخبرنا أيضًا على قوله إذا وحد في الحالة الأولى التي هي حالة البلوغ فيلزمه في الثانية التي تلي حال البلوغ إذا كان فيها موحدا أن يكف عن جميع الذنوب ويأتي بجميع ما افترض الله عليه فلم لم يعذره بصعوبة الخلقة ألا يكلّفه إلى القصد إلى فعل واحد؟ فلم عن جميع المعاصي والعمل بجميع الفرائض وليس في خلقته أن يقصد إلى [ك] أو إلى كفّين في حالة واحدة؟ فقد ألزمه ما لا تحتمل خلقته الذي أنكره على غيره وعابه (2) عليه إذا ألزمه الكفوف الكثيرة وفعل الفرائض الكثيرة في حالة واحدة.
الكف
فإن ترك اعتلاله في صعوبة الخلقة واعتل بعلة غيرها وزعم أ أن الطاعة لا تكون مع الشرك، فلمّا أنّه بطل كونها مع الشرك بطل الأمر بها مع الشرك لأنه لا يؤمر العبد بشيء / 48/ إذا فعله لا يكون مطيعا. فهذا أقوى علله وأعظم حججه. وقد بيّنا (3) خطأه وفساد ما ذهب إليه في أول الباب بما (4) ذكره الله في كتابه من نهي المشركين عن المعاصي التي هي دون الشرك في حال شركهم وما أصابهم من المثلات والعقوبات في حال شركهم
(1) الأمر مقارن للطاعة عند الإباضية (انظر أبو عمار: شرح الجهالات: 171) كذلك هو الشّأن عند الأشاعرة (انظر الجويني: البرهان في أصول الفقه 276 ـ 279) أما المعتزلة فقد قالوا إنّ الأمر قبل الفعل.
(2) في الأصل «أعابه». (3) في الأصل «بين». م.
(4) في الأصل «مما». .
• (1/431)
صفحة 430
432
الجزء الأول
والمعاصي التي هي دون الشرك. فإذا كانت علّة هذه التي سقط بها الأمر بغير التوحيد والنهي عن غير الشرك أن لا يكون مطيعا في حال شركه بفعل ما أمر به والكف عمّا نهي. عنه فما باله سقط الأمر بالفرائض التي هي دون التوحيد وسقط النهي عن المعاصي التي هي دون الشرك في حال البلوغ إذا أخذ في التوحيد؟ أليس المعاصي التي هي دون الشرك والطاعة التي هي غير التوحيد يكونان مع التوحيد فيكون في حال توحيده عاصيا لربه ويكون مطيعا أيضًا في حال توحيده بعمل غير التوحيد؟ فما باله سقط الأمر بهذا الذي ذكرناه بغير التوحيد والنهي عن غير الشّرك في أوّل حال البلوغ إذ كان ذلك يكون مع التوحيد إذا كان اعتلاله سقط النهي [عن]) غير الشرك والأمر بغير التوحيد في حال الشرك بطلان كون الطاعة الشرك؟ فلما أن مع بطلت الطاعة مع الشرك عنده بطلت أيضا المعصية عنده إلا بالشرك. فليخبرنا (3) أيضًا صاحب هذا القول عن المشرك في حال شركه إذا قتل المشركين وأكل أموالهم وسبى ذراريهم وكذب بأنبياء الله وأنكر كتابه وبرئ من جميع المؤمنين والنّبيين والملائكة المقربين واستحل ذلك كله أنه غير منهي عن شيء مما ذكرناه ولا مأمور بتركه هل عذره الله في هذا كله وحط عنه المآثم فيه وأنّه غير عاص فيه ولا معذب عليه وهو مكتسب له وقاصد إليه؟ فإن قال: هو معذور في جميع ما ذكرناه فنسأله عن العلة التي كان بها معذورا في تكذيبه أنبياء الله والبراءة منهم وقتلهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم وجميع ما جاءوا به وزعمه أنه كذبة على الله وأنهم سحرة ومجانين. وهذا كله عنده ممّا لم يبلغ قائله إلى الشرك. والمشرك في حال شركه لم ينهه عن غير الشرك فالذي قالوا لنبي الله لي حين دعاهم (3) إلى
(1) سقط «عن» من الأصل.
وزعم
(2) في الأصل «فليغيرنا».
•?
(3) في الأصل ودعاهم». م. (1/432)
صفحة 431
كتاب التحف المخزونة
433
الإقرار به والإيمان والتصديق بما (1) جاء به [من إنكار وتكذيب] معذورون في إنكاره وتكذيبه والبراءة منه وقتله ما داموا على الشرك بالله. فإذا وحدوا الله وآمنوا به نهاهم عن جميع ما ذكرناه وقطع عذرهم فيه في الحالة الثانية التي تلي حال توحيدهم إذا كانوا فيها موحدين. فهذا ما لا يكون ولا يستقيم الله في دين ولا في سنة رسوله أن يكون من أراد العذر في عصيان الله فليركب معصية غيرها فيكون معذورًا فيها ولا كان الأمر على ما قال هذا القائل ما ألزم فرضا أبدا من فروضه لأنه إذا أراد أن يحط الله عنه الفرض الذي لزمه قصد إلى فعل لا يهم مع ذلك الفرض فيكون من أمر بالصلاة إذا أراد أن يحط الله عنه تلك الصلاة قصد إلى نقض وضوئه أو تركه متعمدا /149 حط الله عنه لأنه لا يكون مصلّيا مع ترك الوضوء كي لا يكون مطيعا
جميع
ذلك
مع ترك التوحيد ولا يكون صائمًا مع ترك غسل الجنابة ولا يكون مصلّيا ولا صائمًا ولا حاجًا مع ترك الاختتان. فمن أراد أن يحط عنه. فيقصد إلى ترك الاختتان فيحط عنه الصلاة والصوم وحج البيت وهو مستطيع له وقادر عليه. ومن أراد أن يحط عنه جميع ذلك فليترك غسل الجنابة فيكون غير مأمور بالصّلاة ولا بالصّوم ولا بالحج إذ لا يصح له ذلك كله الجنابة. أراد أيضا أن يحط الله عنه الصلاة فليقصد إلى ومن معنى لا تصح. معه الصلاة من ترك ... (3) أو ترك الاستنجاء أو ترك غسل الجنابة أو غسل النّجاسة من جسده أو من ثيابه أو قعد متعمّدًا في نجس. فهذا كلّ على قياد قوله ممّا يسقط عنه (3) التكليف للصلاة إذا كان معه شيء مما ذكرناه وهو فاعل له ومكتسب له. فلا يكون عاصيا (4) بتركها
مع
(1) في الأصل «مما».
(2) نقص في الأصل. م.
(3) في الأصل «عليه».
(4) في الأصل «فيكون لا عاصيا». م.
مکان (1/433)
صفحة 432
434
الجزء الأول
ما دام في معنى من المعاني التي ذكرناها فيكون من ترك الوضوء من وقت بلوغه إلى وقت موته غير مأمور بالصلاة ولا منهي عن تركها. فإن جوّز هذا كله وأراد قياد بدعته قد كفانا نفسه إذ رضي بخلاف هذه الأمة كلها المصيب منها والمخطئ.
[و] نسأله أيضا إذا كان هذا معذورًا في عصيان الله وفي ركوب المحارم كلها لسبب أتى من قَبْلُ وهو فعله إذا لا يكون مع ذلك الفعل الذي اكتسبه حاله طاعة في فلم لم يعذر المشرك في حال شركه في تركه التوحيد فيكون غير مأمور بالتوحيد في حال الشرك إذ لا يكون معه في تلك الحال عذر أيضا من ترك الصلاة في حال تركها إذ لا يكون فعلها مع تركها كما عذر المشرك في حال شركه في ركوبه المحارم التي هي دون الشرك إذ لا يكون مطيعا بتركها مع الشرك؟ فإن زعم أنّ هذا إنّما أوتي من قبله لا من قبل غيره وبفعله لا يكون مطيعًا. وبذلك قطعنا عذره ولم نترك (2) منعه من الطاعة [إن] كان مطيعا. وكذلك قلنا في المشرك في حال شركه إنّما قطعنا عذره في معاصيه التي هي دون الشرك وألزمناه الكف عنها وإن كان لا يكون منه ولا يمكن أن يطيع الله فيها مع الشرك الذي أتى من قبله واختاره وقصد إليه. فلو تركه وأخذ في التوحيد والكف عمّا الله لكان مطيعا.
الله
حرم
فهذا نظير الفرق عند من أنصف والذي كان عليه المسلمون مما خصهم به من العدل والصواب لأنه لا يعذر أحد في عصيان الله وفي تضييع فروضه بأسباب تكون من قِبَلِه. فكلّ فرض لا يتم إلا بفعله فهو فرض مثله. وكل فعل منعه من طاعة الله إذ كان فعله لا يعذر فيه وهو أيضا معصية منه لأنه من قبله أوتي.
(1) في الأصل «فليم». ويكثر استعمال هذا الرسم عند المغاربة لتمييزه عن أداة النفي «لم». م. (2) في الأصل «لا تركناه. م. (1/434)
صفحة 433
كتاب التحف المخزونة
435
وقد كلف الله الكافر الإيمان في حال كفره وإن كان لا يمكنه ولا يستطيعه. إذا كان لا يمكنه فعله يستطيع به فعلا من أفعاله) فغير معذور وإن كان لا يستطيعه ولا يمكنه. وكلّ ما لا يمكنه ولا يستطيعه باشتغاله وفعله فليس فيه عذر. وإنّما العذر فيما لا يستطاع بالزمانات والضرورات أو لا يمكنه بخلقته التي خلق عليها (3). فقد تم والحمد لله ربّ العالمين.
(1) في الأصل لا يمكنه به ولا يستطيعه به فعلا من فعله». وفي كامل الفقرة اضطراب
تركيبي. م.
(2) انظر في هذا الموضوع: الوارجلاني: العدل والإنصاف.80/ 1. الجيطالي: قواعد الإسلام 5/ 1. جميل بن خميس: قاموس الشريعة 352/ 3، 354. وقارن بـ: الجويني: البرهان في أصول الفقه 107/ 1، 110. القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 250/ 14، القاسمي: محاسن التأويل
4914/ 13 (1/435)
صفحة 434
كتاب
التحف المخزونة
لأبي الربيع سُلَيْمَانَ بْنِ يَخلَفَ الوسلاتي المزَاتِي النَّفْطِيُّ القَابِسِي
(ت: 471 هـ / 1079 م)
الجزء الثاني (1/436)
صفحة 435
صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم
نبتدئ بذكر الله ونستعينه /50/ ونسأله التوفيق والهداية لمراشد الأمور. وإليه نرغب في العصمة من الخطأ والزلل ونعوذ به من نزعات الشيطان الرجيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (1/437)
صفحة 436
=
الجزء الثاني
438
في التوبة والإصرار
1 - في وجوب التوبة وحدها
وندين بأن التوبة الله (1) فرض لازم من جميع الذنوب صغيرًا كان أو كبيرًا. وحرم الله الإصرار على شيء منها كبيرًا كان أو صغيرًا. ومن أصر على شيء منها ضلّ وهلك كبيرًا كان ذلك أو صغيرًا.
والدليل على فرض التوبة قول الله: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31)، وقوله جل: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التحريم: 8] فهذا الدليل على فرض التوبة من جميع الذنوب كبيرًا كان الذنب أو صغيرًا.
وأما التوبة في عينها ومعناها [فهي] (2) الإقلاع وترك العودة والتوطين في النفس والاعتقاد ألا يعود إلى ذنب فعله والرّجوع على إثره في نزع تبعات تلزمه في عزم ما أكله أو قود في نفس قتلها (3) وأشباه ذلك في
تبعات (4) تلزمه (5).
(1) في الأصل من الله. (2) في الأصل سقطت «فهي».
(3) في الأصل «قتله». (4) في الأصل «بتاعات».
(5) أورد السوفي نفس التعريف وقيد التوبة بستة شروط الندم على ما مضى والعزم على ترك الرجوع إلى الذنب وأداء كل فريضة ضيعها فيما بينه وبين ربه ورد المظالم إلى أهلها وإذابة كل لحم وشحم نبت من سحت وتكبّد أتعاب الطاعة ومشاقها كما ذاق حلاوة المعصية. ثم استدلّ بقول لعمر بن الخطاب في التوبة النصوح: «أن يتوب العبد من ذنب فعله ويعتقد الندامة عليه وبالانقلاع (كذا) وألا يعود إلى عصيان بعد ذلك أبدا ويردّ التبائع على قدر ما كانت عليه فإن عاد بعد ذلك فليـ ت الأولى بتوبة نصوح». كما احتج بقول (1/438)
صفحة 437
كتاب التحف المخزونة
439
2 ـ في حد الإصرار وحكمه
وأما الإصرار في عينه ومعناه فهو الإباء من التوبة والعقد في النفس ألا يتوب العبد من ذنب فعله أبدا. فحينئذ يضلّ ويهلك صغيرًا) كان الذنب أو خالقه. كبيرًا. هذا فيما بينه وبين
أما (2) العباد فلا يحكمون عليه بالإصرار على الذنب حتى يعرض على
التوبة ويأبى منها ويقول لا أتوب فحينئذ يحكم عليه بالكفر.
(r)
والدليل على أن الإصرار كبيرة وكفر قول الله ان: {وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَبُ الشِّمَالِ فِي سَمُورٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلِ مَن يَحْمُورٍ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا
لابن عباس ومدلوله أنّ من تاب على هذه الصفة فعاد بعد ذلك توبته توبة نصوح. وقد أجمل هذه الشروط في مقامات ثلاثة: الندم والاستغفار والحقيقة واعتبر لكل مقام آفة. فآفة الندم الأمل وآفة الاستغفار الغفلة وآفة الحقيقة الشهوة انظر: السوفي: السؤالات 215، 216 سير الوسياني 234. وقد ذكر للتوبة علامات منها قلة الكلام وقلة الطعام وقلة المنام انظر: التوفي: السؤالات 216. وقال بهذا القول مالك بن أنس وذهب إلى مثل قوله السالمي غير أن الفرق بينهما هو أنّ مالكًا يرى بطلان ثواب عمله السابق والتالمي يثبت أنه يعطى بمحض الفضل ثواب عمله انظر: المحشي حاشية الترتيب 93/ 1. السالمي: شرح الجامع الصحيح 103/ 1.
ومن
العلماء (كالشافعي) من يرى أن لا إعادة عليه في شيء من أعماله السابقة فلا يبطل عمله ولا ثوابه حتى يموت على ذلك واستدلوا بقوله تعالى: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَيكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ} [البقرة: 217] وقد ناقشه المحشي في احتجاجه بهذه الآية مبينا أن لا دليل فيها على ما ذكره وغاية ما فيها هو ترتيب الإحباط والخلود في النار على الردّة والموت على الكفر. فالإحباط مرتب على الردة والخلود مرتب على الموت على الكفر. وينسب المحشّي إلى بعض المشارقة مثل قول الشافعي: انظر كتابه
حاشية الترتيب 93/ 1، 94
(1) في الأصل «صاغرا».
(2) في الأصل «فأما» والفاء زائدة.
(3) في الأصل حتى يعتر على». وأثبت المحقق «يعرض عنه. م. (1/439)
صفحة 438
440
الجزء الثاني
قبل ذَلِكَ مُتْرَفِينَ. وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْعِنثِ الْعَظيم) [الواقعة: 41 - 46) وقوله: وَأَصَرُوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} [نوح: 7] وقول الماضين من أهل العدل: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار (). وذلك أن المصر المعاند لربه استكبر عن طاعته والمستكبر هو الكفور العنود (2).
- في وقت وجوب التوبة
والتوبة خصلة من الطاعة. ووقت وجوبها وفرضها حين فراغ من عصب من الذنب الذي فعله. وأما وقت عصيانه إنّما يجب عليه الترك والكف لأنه لو وجبت عليه التوبة في وقت فعل الذنب (3) يستحيل أن يكون تائبا منه لأنه مأمور بها، والمأمور (4) بشيء ليس (5) بمحال منه لأن الله لا يأمر بالمحال. أرأيت إن تاب في حال الفرض وهو حال الذنب أيكون الذنب معدوما أو موجودًا؟ فإن كان الذنب موجودًا فلا توبة مع وجود الذنب. وإن كان معدوما فصارت التوبة لا من ذنب فعله. [فلما صح أن يكون (6) التائب تائبا من الذنب وهو غير فاعل له في حال التوبة ولا في حال قبلها صح أن التوبة إنما تكون في الحالة الثانية التي هي حال الذنب. فيكون تائبا من الذنب الذي فعله قبل التوبة. فصارت التوبة من ذنب فعله ولو كانت التوبة موجودة لا من ذنب فعله في حال التوبة ولا في حال قبلها ألزم بذلك أن يكون فرض
لألفاظ الحديث.
(1) اعتبره السالمي حديثا في المشارق 387 ولم نجده في المعجم المفهرس (2) نقل السوفي عن عيسى بن أحمد أنّ الإصرار إنّما هو في التوحيد ومعناه التمادي والإقامة عليه وقال غيره لا يكون الإصرار إلا في المعاصي وهو التمادي عليها. انظر السؤالات 52. وعرفه في ص 216 بإبانة الإقامة على الذنب واعتقاد العودة إليه.
(3) في الأصل «فلا».
(4) في الأصل «فالمأمور».
(ه) في الأصل «فليس».
(6) في الأصل فهذا من القول أن يكون». م. (1/440)
صفحة 439
كتاب التحف المخزونة
441
التوبة عاما على من أذنب وعلى من لم يذنب. وأما الفرق بين التوبة من الذنب والترك له أن يكون التارك له تائبا منه والتائب منه تاركا له فهذا غير مستقيم في وهم أحد يعقل.
- في الذنوب والإصرار عليها
والذنوب متغايرة بعضها غير بعض والنهي عنها متغاير بعضه غير بعض. وكذلك الكف عنها متغاير. وقد يكف عن الذنب من لم يكف عن غيره. ويتوب العبد من الذنب ولم يتب من غيره. ويصر على ذنب ولم يصرّ على ذنب ويتوب //51/ من آخر. ويستحل ذنبًا، ويحرم ذنبًا. فهذا بحمد الله بين واضح غير مشكل (2).
والإصرار على الذنب منهي عنه في حال فرض التوبة لا في حال فعل الذنب. ولو كان منهيًا عن الإصرار في حال فعل الذنب فيكون مصرا في وقت العصيان على الذنب الذي فعله. فلو جاز الإصرار على الذنب في حال فعله والتوبة في الحالة الثانية فلا يستحيل أن يكون مصرا على الذنب تائبا منه. وهذا أيضا من المحال أن يكون العبد أصر على الذنب تاب منه.
ه ـ في من تاب من ذنب ومات على غير الوفاء واختلف أهل الكلام في ذنب تاب منه الكافر. قال بعضهم: لا يؤاخذ العبد بذنب تاب منه. ولا يؤاخذ إلّا بذنب مات عليه ولم يتب منه لأنّ الله قال: {وَإِنِّي لَغَفَّارُ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَلِحَا} [طه: 82]. وقال بعضهم غفار لمن تاب من أوليائه وأهل طاعته ومن مات على الوفاء بدينه. وأما من
(1) في الأصل «عنه».
(2) انظر الشوفي: السؤالات: 217.
(3) في الأصل «البعض». م.
(r)
الآخر: (1/441)
صفحة 440
442
الجزء الثاني
من الذنوب رب والعصيان.
مات على الكفر والعصيان فهو مأخوذ بجميع ما فعله والذي حفظناه عن الشيخ: لا يؤاخذه الله بذنب ويغفر له ذنبًا ولا يقبل الله ويردّ عليه أخرى. والله أعلم وأحكم بالصواب).
حسنة
واحتج كل واحد منهم بما يرى أنّه يقوّي قوله واحتج من قال لا يؤاخذ الله العبد بذنب تاب منه بأنّ التائب (2) من الشّرك إذا مات على النفاق فالعذاب الذي يعذبه الله عذاب المشركين أو (3) عذاب المنافقين. واختلفوا في أيهما أشد عذابًا المنافقين أو المشركين فقال بعضهم عذاب المشركين أشدّ (4) لأنهم أشدّ كفرا وعصيانا. فالعذاب على العصيان، إذ لا (5) يكون [من هو أكثر عصيانًا وأشدّ كفرًا أقل عذابًا ولا يكون من هو أقل عصيانا أكثر عذابا. وقال بعضهم (6) الآخر المنافقون أشد عذابًا. واحتجوا بقول الله تعالى: إِنَّ الْمُنفِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: 145]. فالدرك الأسفل أشدّها عذابًا. والله أعلم وأحكم بالصواب.
6 ـ في شروط التوبة
وأما ما ذكرناه في أوّل المسألة من التوبة والإصرار إنما يكونان في حال فراغ مَنْ عَمِلَ ذنبًا من ذنبه. وكذلك التمادي (7) على ما قلنا في التوبة
(1) يذهب الإباضية إلى أنّ العبرة بخواتم الأعمال ولا يجتمع على شخص واحد طاعة ومعصية فهو إما موت بدين الله فيكون من أهل الجنّة وإما عاص ولم يتب فيكون من أهل النار. انظر المصعبي: حاشية تبغورين: 19.
(2) في الأصل «فالتائب».
(3) في الأصل «أم». م.
(4) في الأصل «أشدّ عذابا». م. (ه) في الأصل «فلا». (1) في الأصل «البعض». م.
(7) لقد فرق الوارجلاني بين المتمادي في المعصية والإصرار عليها فبين أن الأول في نيته (1/442)
صفحة 441
كتاب التحف المخزونة
443
فالكف
يجمع
والإصرار إنما يكون في الحالة الثانية التي هي حال الفراغ من المعصية. عن الإصرار والتمادي مأمور به أيضا في الحالة الثانية. ولا. الإصرار والتمادي والتوبة في حال واحد. فإذا أصر على ذنب [لم يتب] منه. وإذا تاب منه لم يصرّ ولم يتماد. وترك التوبة ذنب من الذنوب كما أن فعلها فرض من الفروض وضدّ كلّ فرض تركه. وضد كل ذنب تركه.
والتوبة إلزامها مضيق ليس كغيرها من الفروض الموسعات فهي خصلة من خصال الطاعة. وقد اشتملت معاني ولا تتمّ بمعنى دون معنى. وقد يتوب العبد من الذنب ولا تقبل منه توبته إذا كان معه شيء من الكبائر. كما يصلّي المصلي ويصوم الصائم ويحجّ الحاج ولم يقبل منه صلاته ولا صومه ولا حجّه إذا مات على شيء من الكبائر. ولا ينال شيئًا من القواب على ما كان معه من الطاعة. وإن مات عليها إذا مات على شيء من خصال الكفر فلا يثيب الله أحدا إلا على الوفاء بدينه.
وأما
من أتى ببعض الطاعة وضيّع بعضا ولم يوف بدينه ويكمل إيمانه فلا ثواب له على ما كان معه من الطاعة. والثواب على الوفاء بجميع الدين. ولا يكون على بعض دون بعض. فالكفر يكون بخصلة واحدة والإيمان لا يكون إلا. بجميعه لأنه خلافه وضدّه فما استجيز في الشيء استجيز في ضدّه خلاف ذلك. والإصرار على كلّ ذنب غير المصر عليه كبيرا كان الذنب أو صغيرًا لأنّ الذنب في الحال الأوّل والإصرار عليه في الحالة الثانية. غير أنّ الإصرار على الكبيرة كبيرة /52/ والإصرار على الصغيرة كبيرة والصغير على حاله ليس بكبير أصرّ عليه أو لم يصرّ.
الانفكاك عنها يوما ما والثاني متعمّد لقاء ربّه على هذه الحالة ورتب على ذلك تجويز العفو عن الأوّل إذا بوغت بالموت ونفى إمكانية المغفرة للثاني في مثل هذه الحالة. انظر: الوارجلاني: الدليل والبرهان مج 2، 109/ 3 وفي مج
1، 48/ 1 (1/443)
صفحة 442
???
الجزء الثاني
- في التوبة من الشرك
عنه
والتوبة من الشرك توحيد والكفّ عنه توحيد. والمعرفة به والنهي. توحيد. وتحريمه وترك استحلاله توحيد وعمله والإصرار عليه واستحلاله والتقرب به والأمر به والتمادي عليه والجهل له كلّ ذلك شرك بالله ومساواة له بغيره. وأما غير الشرك من المعاصي فلا يكون [الجهل]) به والإصرار عليه والتمادي عليه شركا. وهو معصية دون الشرك.
- في الصغائر والكبائر
(2)
والذنب الصغير إذا مات فاعله ولم يتب منه فهو (2) صغير وإن كان مأخوذاً به. وإنّما أخذ به بمعنى غيره وهو الكبير الذي كان معه. والعلة التي كان بها صغيرا الاستثناء الذي كان فيه لقول الله وان: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31]. وإن اجتنب الكبائر ولم يجتنب الصغائر فهي مكفّرة عنه بمعنى غيرها. الاستثناء بالكبائر وصار وهو العفو عنها والمؤاخذة عليها بمعان غيرها. ومن فعل الصغائر يقال له: عصى، ولا يقال له: عاص، ويقال له: أذنب، ولا يقال له: مذنب.
(1) أضفنا كلمة «الجهل».
(2) في الأصل «وهو». (1/444)
صفحة 443
كتاب التحف المخزونة
445
الباع المالي شورا
[في] الفرائض
1 - في أقسام الفرائض وأحكام تاركها
والمفروضات كلّها على وجهين فمنها ما كان فرضه موسعا ومنها ما كان إلزامه مضيقا). فالموسع منها مثل الصلاة في أول وقتها والزكاة في أوّل وقتها والحج في أول وقته فهذا وأشباهه إلزامه موسع. إن فعل في أول وقته كان مؤدّيًا لما يلزمه. وإن ترك فمعذور لا إثم عليه ما لم يخرج الوقت. فإذا خرج الوقت وهو تارك لما يلزمه مما ذكرناه فهو آثم بتركه حتى يخرج وقته. 1 - 1 ـ في تارك الصلاة
اختلف أصحابنا في تارك الصلاة. فقال بعضهم: لا يكفر ما لم يترك صلوات الليل إلى النّهار وصلوات النّهار إلى الليل. وقال بعضهم بغير هذا. والله أعلم وأحكم (3).
1 - 2 ـ في تارك الزكاة
وأما الزكاة فلا يحكم عليه بالكفر ما لم يمت ولم يؤدّ ما عليه من الزكاة ولم يوص بها. فإذا مات ولم يؤدّ ما عليه من الزّكاة ولم يوص بها ضلّ وهلك.
(1) انظر: الوارجلاني: العدل والإنصاف،76/ 1، السالمي: طلعة الشمس 42/ 1 - 45. (2) ورد أن ابن مسعود فسّر قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَوَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَتِ فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيًّا ... ) [مريم: 59] فقال ليس معنى أضاعوها تركوها بالكلية ولكن أخروها عن أوقاتها. وقال سعيد بن المسيب: «أي لا يصلّي الظهر حتى يأتي العصر ولا يصلّي العصر حتى يأتي المغرب ولا يصلّي المغرب إلى العشاء ولا يصلّي العشاء إلى الفجر ولا يصلي الفجر إلى طلوع الشمس. فمن مات وهو مصر على هذه فشديد عقابه. انظر السالمي: معارج الآمال 32/ 1، 33. وأورد أبو مسلم نفس القول الذي ذكره المؤلف غير أنه لم ينسبه إلى أحد. انظر كتابه نثار الجوهر 725/ 2. (1/445)
صفحة 444
446
الجزء الثاني
1 - 3 - في تارك الحج والحج أيضا مثل ذلك. وإذا مات ولم يؤدّ ما يلزمه من فرض الحج ولم يوص به ضلّ وهلك). والحج فرض لازم لمن استطاع إليه سبيلاً لقول الله ول: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [آل عمران 97] واستطاعة السبيل الزاد والراحلة وأمان الطريق والأصحاب وسلامة البدن من الآفات والحوائل التي تمنعه من الأمراض وأشباه ذلك من العلل"). فإذا اجتمعت هذه المعاني وقت مسير الحاج وجب عليه المسير إلى الحج. وأمّا الحج فلا يلزمه إلا في أيامه التي يقطع فيها مناسكه. فإذا وجد هذه المعاني التي ذكرناها فسار عنه الحجيج (3) ولم يسر معهم حتى قطع الحجاج مناسكهم وجب عليه أن يوصي بالحج. وأما الذي كان ألزمه مضيّقاً من المفروضات فهو التوحيد والولاية والعداوة والكف عن جميع الذنوب وأشباهه، إلزامه مضيق ولا يسعه الترك على حال من الأحوال.
(1) أما بالنسبة إلى الزّكاة فإنّ السالمي يميل إلى عدم التوسعة في تأخيرها وذلك لاقترانها بالصلاة في أكثر آيات القرآن وكذلك الشأن بالنسبة إلى الحجّ فيما أثبته ابن بركة. فقد أوجب على القادر التعجيل واحتج على ذلك بالقرآن والسُّنَّة والعقل. انظر في الزكاة السالمي: بهجة الأنوار 52 وفي الحجّ ومناقشة أدلّة ابن بركة: السالمي: المشارق 105. من مات ولم يؤدّ الزّكاة ولم يوص بها فإن كان مطلق اللسان أي) قادرًا على الكلام عند الاحتضار) فقد قيل أهون ما يكون من أمره الوقوف عنه وأمّا إن مات ممسك اللسان (أي أصابه البكم عند الاحتضار) أو فاجأه الموت وهو ممن يدين بوجوب الزكاة غير أنه مسوّف فإنّ ذلك لا يخرجه من الولاية وقد نسب هذا القول إلى أبي عبيدة وبشير. وألخ السالمي على وجوب التعجيل بالزكاة لاحتمال مباغتة الموت له انظر السالمي: معارج الأمال 30/ 14 - 32.
(2) انظر: الجيطالي: قواعد الإسلام 126/ 2 السالمي: جوهر النظام 128، 129. (3) في الأصل «الحاج». (1/446)
صفحة 445
كتاب التحف المخزونة
447
ومن الفروض ما يكون إلزامه للعام ويجزي فيه الخاص إذا قام به مثل القيام بالجنائز من الصلاة على الميت وغسله وكفنه ودفنه. وهذا واجب على العام. فإذا قام به الخاص أجزى عن العام. وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأشباه ذلك ممّا يجب على العام فإذا قام به الخاص أجزى).
2 - في فرض الهجرة زمن النبي صلى الله عليه وسلم
ضال.
والهجرة / ة /53/ واجبة على النّاس في زمان النبي صلى الله عليه وسلم في وقت وجوبها وفرضها. ومن دفع وجوبها وفرضها في زمان ما وجبت فهو ومن ألزمها في غير وقت وجوبها ضل وهلك أيضا. ومن ضيعها وتركها في وقت وجوبها ضلّ أيضا. ولا هجرة بعد الفتح. يأثرون ذلك عن النبي لا أنه قال: «لا هجرة بعد الفتح) يعني: فتح مكة. وقد أقر
(1) مختصر البسيوي / 84 فرض الكفاية وصلاة الجنازة واجبة على من حضر الميت وهي على الكفاية إذا قام بها بعض أجزى عن الباقين وإذا ترك ذلك.، جميع الناس كفروا). وفي الجامع لابن جعفر 451/ 2 رواية عن هاشم متحدثًا عن حكم صلاة الجماعة والجهاد والجنازة: «وأما إذا فعل ذلك بعض وترك بعض لم يكفروا». والراوي هو أبو المهاجر هاشم بن المهاجر عالم فقيه من حضرموت كان مقيما بالكوفة عده أبو زكريا الباروني من علماء الخمسين الثانية من المائة الثانية للهجرة.
(2) روى أبو داود عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: ولا هجرة ولكن جهاد ونيّة وإذا استنفرتم فانفروا» كتاب الجهاد باب الهجرة هل انقطعت حديث 2481. ورواه البخاري أيضا بنفس الطريق وبنفس الألفاظ في كتاب الجهاد والسير باب لا هجرة بعد الفتح حديث 3077. وروى النسائي عن عمر بن عبد الرحمن بن أمية أن أباه أخبره أن عليا قال جئت إلى رسول الله له بأبي يوم الفتح فقلت يا رسول الله بايع أبي على الهجرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبايعه على الجهاد وقد انقطعت الهجرة. وعن صفوان بن أميّة قلت يا رسول الله إنّهم يقولون إنّ الجنّة لا يدخلها إلّا مهاجر قال: لا هجرة بعد فتح مكة ولكن جهاد ونيّة فإذا استنفرتم فانفروا. وفي رواية عن نعيم بن ماجه قال سمعت عمر بن الخطاب يقول لا هجرة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب البيعة، باب ذكر الاختلاف في انقطاع الهجرة). (1/447)
صفحة 446
448
الجزء الثاني
الناس في منازلهم بعد فتح مكة وغيرها من البلدان. ولو (1) كانت الهجرة واجبة كما قال من خالف الحق ما تركهم النّبي لا يكفرون بالله وقد دخلوا في دينه وطاعته وآمنوا به واستعمل عليهم العمال في البلدان الصدقات من المنازل ومن الآفاق وهذا بحمد الله بين لمن
يجبون منهم. أراد الله إرشاده وهداه.
والدليل على فرضها ووجوبها وكفر تاركها قول الله وعن: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَيّتهم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} [الأنفال: 72) ثم قال لى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلَيكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَا جِرُوا فِيهَا) (النساء: 97] وقيل: من قِبَل تَرْكِ الهجرة وجب النّفاق في أهل القبلة واختلفوا فيمن وجبت عليه الهجرة. قال بعضهم: وجوبها عام على الرجال والنساء والعبيد إلا المستضعفين من الرجال والنساء والعبيد وقال بعضهم: وجوبها على الرجال دون النساء والعبيد والمستضعفين. والله أعلم وأحكم بالصواب.
(1) في الأصل «لقد». م. (1/448)
صفحة 447
كتاب التحف المخزونة
449
في استتابة المرتدّ وقتله وفي السبي والغنائم
ا ـ في وجوب استتابة المرتدّ
وندين باستتابة المرتدّ وقتله إن أبى من التوبة. وإن تاب من ردّته ورجع إلى منزلته الأولى من التوحيد تركناه وتوبته من الشرك الذي واقعة توحيد منه. وذلك أن يدعى إلى قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ محمدا عبده ورسوله وما جاء به حق ولا يقبل منه سوى هذا. فإن أبى من ذلك قتل لردّته. وقد روي عن عمر بن الخطاب له أنه قال: استحب أن يسجن المرتد عن دينه ثلاثة أيام فيعرض عليه التوحيد في كلّ يوم ويعطى له طعام يأكله وماء يشربه. فإن أبى من الرّجوع إلى التوحيد وقبول الإسلام قتلوه على كفره وارتداده (1).
2 - في مال المرتد
واختلف العلماء في ماله لمن هو؟ ومن يرثه؟ إلى ولمن يعطى؟ فقال بعضهم: لأهل دينه الذين ارتد إليهم). وقال بعضهم: فماله الذي سعى إليه (3)
(1) المرتد هو المكلف الذي رجع عن الإسلام طوعًا. وقد اختلف في استتابته قبل قتله فقيل يستتاب في الحال. وهو أحد قولي الشافعي. وقيل يضرب عنقه فورا وهي سنة معاذ بن جبل. وقيل يمهل ثلاثة أيام وهو ما رواه المؤلّف عن عمر بن الخطاب. وقيل يمهل شهرًا وقد نسب هذا القول إلى عليّ بن أبي طالب. وقال الثوري يترك ما دام الطمع في توبته فإن لم يتب قتل. انظر اطفيش شرح النيل 597/ 17، السوفي: السؤالات 258. وسبب الاختلاف عدم ورود نص في تحديد مدة الاستتابة ولذلك كانت المسألة اجتهادية تراعى فيها حالة المرتد نفسه.
(2) وقد قال بذلك أبو الحسن البسيوي. انظر كتابه الجامع 120/ 4.
(3) في الأصل «سعاه». .
م. (1/449)
صفحة 448
450
الجزء الثاني
ماله يرد
في الإسلام فلأولاده الذين كانوا في الإسلام وماله الذي سعى إليه) في دار الحرب فلأولاده الذين ولدوا في دار الحرب (3). وقال بعضهم: جميع إلي بيت مال المسلمين. والله أعلم (3).
3 - في توبة المرتد
واختلفوا أيضا فيمن ارتد زلّة عن دينه فرجع مسرعا إلى دينه. فقال بعضهم: يغسل ثيابه وجسده و [عليه] إعادة وضوئه. وقال بعضهم بغير هذا. والله أعلم. واختلفوا أيضا في إعادة ما مضى من صلاته وصومه وحجّه وأشباه ذلك من الفرائض التي فعلها قبل ارتداده (0) إلّا الحج فعليه إعادته إذا كانت المعاني التي تلزمه بها الحج. والله أعلم وأحكم بالصواب.
4 - في حكم من طعن في عقائد أهل الحق
وندين بقتل من طعن في ديننا وسَفَّة مقالتنا /54/ وبرئ من أئمتنا (6).
(1) في الأصل «سعاه». م.
(2) أورد سفيان الراشدي نفس القول ولم ينسبه إلى أحد انظر كتابه كشف الغوامض: 10. (3) وهو قول أهل الحجاز. وقال أهل العراق ماله لقرابته المسلمين لأنهم أدلوا بسببين الإسلام والقرابة. وذهب ابن بركة إلى أنّ المسلم إذا ارتدّ ولم يلحق بدار الكفر فإنّ ماله لا يقسم ويطالبه الإمام بالرجوع إلى الإسلام ولم يذكر الحالة التي يأبى فيها التوبة. وانظر ابن بركة: الجامع 274/ 2، 275. (4) أورد نفس المسألة صاحب السؤالات ونقلها عنه المحشي فقال: «واختلفوا فيمن ارتد زلّة عن دينه ثم رجع سريعًا إلى دينه قال يغسل ثيابه وجسده ويعيد ما مضى من صلاته وحجه وصيامه». انظر أبو ستة: حاشية الترتيب 92/ 1. (5) وقد قال بذلك أيضا الجيطالي في القواعد وأثبت المحشي أنّ هذا هو الراجح عند الإباضية وهو ما يفهم أيضًا من كلام الشوفي فيما ذكرنا في التعليق السابق. واحتج هؤلاء بقوله
تعالى: لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] انظر: أبو ستة: حاشية الترتيب 92/ 1، 93. (6) يكون الطعن باللسان أو الإيماء والإشارة وهو عبارة عن القدح في مذهب الإباضية وأئمتهم (1/450)
صفحة 449
كتاب التحف المخزونة
201
وندين بقتل أهل البغي (1) والبراءة منهم وتسميتهم بالكفر كفر النفاق. وندين بتحريم سبي ذراريهم وغنيمة أموالهم ومن فعل ذلك] ضلّ وهلك").
=
إما بمجرد تصويب مذهب المخالفين من غير تخطئة للإباضية أو ولاية قادات المخالفين وتبني مسائل اعتقادية تخالف ما عليه الإباضية كلّ ذلك لا يعتبر طعنًا في الدين. وأما الحكم بقتل الطاعن في الإباضية فقد أخذ من إشارة أبي بلال بن مرداس بن أدية إلى جواز قتل من قال له: «فرسك هذا حروري» (انظر: الدرجيني: طبقات المشايخ 225/ 2). وورد عن عمروس بن فتح أنه قال لأبي منصور إلياس الذي ولاه القضاء) إن لم تأذن لي بثلاث فخذ خاتمك: قتل مانع الحق والطاعن في دين الله والدال على عورات المسلمين (انظر: الدرجيني: طبقات المشايخ (231/ 2). وقد لاحظ الوارجلاني أنه لا يوجد نص صريح في قتل الطاعن في الدين لا مِنَ الكتاب ولا من السنة وأما قوله تعالى: {وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَنَهُم مِّنْ بَعْدِ عهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَتِلُوا أَبِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ) [التوبة: 12] فقد قيدت القتل بشروط ثلاثة نكث الأيمان والطعن في الدين وأن يكون هؤلاء من أئمة الكفر. وأما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتل كعب بن الأشرف فلتحريضه أهل قريش على محاربة المسلمين انظر محمّد الخضري: نور اليقين في سيرة سيد المرسلين 130، ط دار الفكر، بيروت دتا). وانظر الوارجلاني: الدليل والبرهان. مج 199/ 3/2 وقد عقد الوارجلاني لهذه المسألة بابا كاملا تحت عنوان «باب أحكام الطاعن في دين المسلمين» (مج 2،
(199/ 3 - 205
(1) قال تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَتْهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الحجرات: 9] وانظر عقيدة أبي سهيل 67. (1) أثبت القرطبي حرمة غنيمة أموال البغاة فقال: «ولم تحل أموالهم بخلاف الواجب في الكفّاره. القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 317/ 16. وانظر: الجناوني: عقيدة نفوسة: 816، الوضع 17، 18. الجيطالي: قواعد الإسلام 39/ 1، 40 السوفي: السؤالات 47، 49، 50. عقيدة 12. وقد روى الشماخي تأديب أبي الخطاب لجميل السدراتي حين سلب أحد الجند (وكان موحدًا). وغضب عبد الرحمن بن رستم على من جرد القتلى من السلاح وأمره برده. انظر سير | الشماخي،129، 134 وناقش أبو خزر الصفرية في إباحتهم السبي. انظر رسالة أبي خزر: 66. وكذلك أورد البغدادي قول الإباضية فيمن حارب من أهل القبلة وروى منعهم اتباع المدبر وسبي امرأته وذريته وإجازتهم أخذ السلاح والخيل دون الذهب والفضة. انظر الفرق بين الفرق 83، 87
ابن جميع (1/451)
صفحة 450
=
452
الجزء الثاني
واختلف أيضا أصحابنا في تجويز شهادة أهل الخلاف. فأجازها بعض
(1)
(2)
وأبطلها بعض وذلك إذا كانوا متدينين تقودهم ديانتهم ولا يجاوزونها إلى غيرها وعلم ذلك منهم ولم يمنع من ولايتهم إلا ما هم عليه من مخالفة المسلمين. وأما غير هؤلاء فلا. والذين أجازوها إنّما أجازوها في الأحكام والعتق) والطلاق والبيوع والشراء وأشباه ذلك من الأحكام وأبطلوها في الدماء والبراءة والتكفير والولاية وفي الحدود. والله أعلم وأحكم. فإن شهدوا على رجل أنه أكل مال رجل بالتعدية أوجبوا عليه الغرم ولم يجيزوا في البراءة (3).
واختلفوا أيضا فيمن رجع من أهل الخلاف إلى دين المسلمين فأبصر الحق وقبله. قال بعضهم: كلّ ما جاء به (4) وفعله بديانته التي كان عليها من خلافه للمسلمين فلا يؤخذ به في ما أكله ونفس قتلها وكلّ شيء فعله مدينا به فلا شيء عليه فيه إذا رجع إلى دين المسلمين. وقال بعضهم بغير هذا.
والله أعلم وأحكم (ه).
ه ـ في أحكام المشركين
وندين بتحليل دماء المشركين. ذراريهم وغنيمة أموالهم)، غير
(1) في الأصل «هي». م. (2) في الأصل «العتاق». م.
(3) أما الجناوني فقد صرّح بقبول شهادة المخالفين من أهل التوحيد إذا كانوا عدولاً (عقيدة نفوسة (6). وأمّا الجيطالي فقد جوّز شهادتهم في الأحكام دون الولاية والبراءة والحدود وقد روى عن أبي المؤثر الصلت بن خميس قولا آخر متمثلا في قبول شهادتهم إن كانوا
هم الغالبين ورفضها إن كان الإباضيّة غالبين. انظر: الجيطالي: قواعد الإسلام 104/ 1. (4) في الأصل «جاءه». (0) أثبت المحشي أن المخالف إذا كان متدينا بتحريم أو تحليل ثم رجع إلى الإباضية فتوبته كافية ولا يلزمه قتل ولا غرم لما اتلف على يده وقد كان. يري ذلك حقا) واحتج على ذلك بعدم تحميل عائشة مسؤولية القتلى والخسائر بعد توبتها انظر: المحشي: حاشية الوضع 61.
(1) أحل الإسلام غنيمة أموال المشركين وسبي ذراريهم إذا قاتلهم الإمام إلا قريشا فإنّهم تغنم (1/452)
صفحة 451
كتاب التحف المخزونة
453
المعاهدين منهم، فلا يحلّ منهم ما يحلّ من غيرهم من الدماء والسبي والغنائم ما داموا على العهد الذي عاهدهم عليه المسلمون. فإن تركوه وامتنعوا من إعطاء الجزية (1) وقبول الإسلام فهم كغيرهم من المشركين يحلّ منهم ما يحلّ من المشركين من القتل والغنيمة ويحرم منهم ما يحرم من المشركين من النكاح و ... (3) والمواريث وغير ذلك مما يشبهه
(r)
وأما غزو المشركين وجهادهم وسبي ذراريهم وغنيمة أمولهم فذلك بإمام العدل أو بإذنه. وذلك أن يدعوهم الإمام إلى ما كان يدعوهم [إليه] رسول الله صلى الله عليه وسلم من شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا
جميع
عبده ورسوله وما جاء به حق وإلى هذا كان يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم. المشركين) (4). فمن أباه منهم أو أبى الجزية من أهل الكتاب والمجوس قاتله رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبى ذريته وغنم ماله. فهذا حكمه الذي جرى على جميع أهل الشرك. وما غنموا من شيء فهو كما ذكر الله في كتابه من قوله:
أموالهم ولا تسبى ذراريهم لتحريم الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك. انظر الفرسطائي: مسائل التوحيد: 4، 5، السالمي: المشارق 404، الجناوني: عقيدة نفوسة 7. (1) فيما يخص اختلاف العلماء في مقدار الجزية وممّن تؤخذ انظر السالمي: المشارق: 409، 410، 411، المصعبي: حاشية تبغورين،44، 45، المحشي: حاشية الوضع 62، 64. (2) في الأصل «البائح». م. (3) أما إذا بقوا على عهدتهم ولم يحاربوا فإنّ ذبائحهم ونكاح نسائهم حلال إذا كانوا أهل کتاب خلافًا لما ينسب إلى عيسى بن عمير وأحمد بن الحسين من قولهما يحلّ من أهل الكتاب ما يحلّ من المشركين ويحرم منهم ما يحرم من المشركين انظر المصعبي: حاشية تبغورين 44 (نقلا عن صاحب الوضع). (4) روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعث سرية فقال يا علي لا تقاتل القوم حتى تدعوهم وتنذرهم وبذلك أمرت. وجيء بأسرى من حي من أحياء العرب فاعتذروا بأنه لم يدعهم ولم يبلغهم أحد فقال: خلوا سبيلهم حتى تصل إليهم الدعوة فإنّ دعوتي تامة لا تنقطع إلى يوم القيامة. انظر: مشارق أنوار العقول: 404. أخرجهما الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح
حديث 792 (1/453)
صفحة 452
454
الجزء الثاني
وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: 41]. فجميع ما غنمه أهل العسكر فيقسم
على ستين سهما فالخمس منها اثنا عشر سهما لمن سمّاها الله في كتابه ثلاثة منها لله وللرسول ولذي القربى وثلاثة للمساكين وثلاثة لليتامى وثلاثة لابن السبيل. فعلى هذا يقسم الخمس وسهم الرسول وسهم القرابة
سهمان ساقطان في هذا الزمان.
وأما الأسهم" (1) الأربعة الباقية على الخمس فيه تقسم على جميع أهل العسكر للراجل سهم والفارس سهمان. ولا يحلّ للإمام أن يصطفي لنفسه (2) شيئًا. ولا يحلّ لأحد من أهل العسكر أن يأخذ لنفسه منها شيئًا حتى يقسم الغنيمة ما خلا طعاما يأكله لبطنه أو علفا يعلف به دابته. ومن غلّ منها شيئًا وخان به أهل العسكر أو سرق شيئًا منها ضل (3) /55/ وهلك.
ولا يقطع يده على ما سرق منها قل أو كثر لأنّ له فيه سهما. ومن سرق ما له فيه سهم فلا قطع عليه. ويحل قتل الرّجال دون النساء (4). ولا يقتل منهنّ إلّا من أعان على قتال المسلمين. ومن أعان على قتال أو قاتلهم فلهم
أن يقاتلوه ويدفعوه عن أنفسهم كائنا من كان. فإن ظفروا بهم حلّ قتال النساء والأطفال وغنيمة جميع
الأموال. ولا يحلّ وطء
الرجال وسبيهم وسبي نسائهم إلا من بعد الاستبراء لذوات البعولة. ولا يحل وطء] غيرهن ممن لا
(1) في الأصل «السهام». م. (2) في الأصل: أن يصفى للإمام».
(3) وذلك لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِي أَن يَغُلَ وَمَن يَعْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ
ما كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 161].
(4) بدليل أن. سعد بن وقال له حكمت بحكم الله. انظر السالمي: المشارق: 409.
معاذ حكم في بني قريضة بقتل مقاتلهم فأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك (1/454)
صفحة 453
كتاب التحف المخزونة
200
بعل الهن]. وسنّ النبي في الإماء إذا اشترين أو سبين أن يستبر أن". ومن أحل نكاح المشركات (3) غير المعاهدات ضل وهلك. ومن حرّم نكاح
(4)
الكتابيات من بعد العهد ضلّ وهلك (4). وكذلك كل من حرم منهم شيئًا أحله الله أو أحلّ منهم شيئًا حرمه الله ضل أيضا وهلك.
وأهل الحرب إذا دخلوا بلدان المسلمين على الأمان منهم لا يحلّ سفك دمائهم ولا غنيمة أموالهم. وقيل يأخذون (1) منهم مثل ما يأخذون (1) من تجار المسلمين. وقيل عشر أموالهم التي (8) دخلوا بها (9) بلدان المسلمين).
(1) في الأصل «أو». م. (2) روى أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن وطء السبايا من الإماء فقال: «لا تطؤوا الحوامل حتى يضعن ولا الحوائل حتى يحضنه. وقال الربيع الحائل التي يأتيها الحيض حالا بعد حال (الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح باب 27 في السبايا والعزلة حديث 526 وانظر. 108/ 4، 109، دي وضوء،12 طلاق.18 ولمزيد التفصيل في الموضوع: انظر اطفيش: شرح النيل 518/ 6.
(4)
حم
(3) في الأصل «المشركين». م. شأن تحريم نكاح المشركات يقول تعالى: {وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنُ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنُ خَيْرٌ مِن مُشْرِك وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} [البقرة: 221] وفي شأن جواز نكاح الكتابية المعاهدة يقول تعالى: {اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَت وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ قَمْ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا وَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ} [المائدة: 5] وقد اختلف في تأويل هذه الآية وفي نسخها وفي التفريق بين الكتابية المعاهدة وغيرها وذهب الإباضية إلى جواز الزواج من الكتابية المعاهدة والحرّة. انظر تفصيل ذلك: الجناوني: النكاح 28 - 30.
(ه) في الأصل «ولا». (1) في الأصل «يأخذوا». (7) في الأصل «يأخذوا».
(8) في الأصل «الذين». (9) في الأصل «به».
(10) وانظر: السوفي: السؤالات: 236. (1/455)
صفحة 454
456
الجزء الثاني
6 - في ردّة الموحد غير المسلم
ولا يترك نصراني يتهوّد ولا يهودي يتمجس ولا مجوسي يتوتن. فإن تهوّد نصراني دعي إلى الإسلام. فإن أجاب إليه قبل منه. وإن رجع إلى منزلته الأولى من النصرانية ترك على ما عليه من ملته الأولى. وإن أبى من قبول الإسلام ولم يرجع إلى منزلته قتل لردّته. وكذلك اليهودي والمجوسي على هذه المنزلة. يدعى كلّ واحد منهما إلى الإسلام. فإن أجاب قبل أو يرجع إلى ملته الأولى ولا يُدعى إليها. فإن رجع بنفسه تُرِك على ما هو عليه ملته الأولى. وأما من رجع من أهل الأوثان إلى المجوس يُتْرَكُ على دين من رجع إليه وغيرهم من أهل الكتاب ويُحْكَمُ عليه بجميع أحكام من رجع إليه ودخل في ملته. وكذلك المجوسي إذا تهود واليهودي إذا تنصر يُحْكم عليه بأحكام [اليهود أو] النصارى).
من
V
ـ في دعوة المشرك إلى الإسلام
وأما ما كان من دعوة الإمام لأهل الشرك [فإنّه] (2) يدعو أمراء أهل المدائن والقرى. فإذا دعا أمراءهم وأخيارهم قامت الحجة على الجميع. وليس عليه أن يدعوهم واحدا واحدا. وأما أهل البوادي فلا يقاتلوهم حتى يدعوهم واحدا بعد واحد ويدعوهم بلغتهم التي يفهمونها. وإن كان القوم الذين يدعوهم الإمام إلى دين الله وطاعته عجما لا يفهم عنهم ولا يفهمون، أقام عليهم الحجّة بالترجمان الأمين الذي يفهم اللغتين ويحكيهما. ويبلغ القوم عن الإمام ما دعاهم إليه بلغتهم التي يفهمونها، ويُفْهِمُ الإمام ما وه به بِلُغته التي يفهمها. وكذلك حاكم القوم إذا كان لا يفهم لغتهم ولا
عنه
أجابوه.
(1) وانظر السالمي: المشارق 404. (2) أضفنا «فإنّه» للربط. (1/456)
صفحة 455
كتاب التحف المخزونة
457
يفهمون لغته أقام الترجمان الأمين بينه وبينهم يُفْهِمُه عن القوم ويُفْهِمُ القَوْمُ به عن أنفسهم. وقيل أيضا لا يدعوهم الإمام إلا بأمينين وبهما يترجم، وكذلك الحاكم والله أعلم وأحكم.
ـ في دعوة المخالفين من المسلمين
ويُدعى أهل الخلاف إلى ترك ما به ضلّوا وإلى ولاية أئمة المسلمين وولاية من ولي الأئمة والبراءة ممّا برئوا منه. فإن أبى [الواحد منهم] قبول
تمسك
ما دعوناه إليه وردّ دعوتنا وسفه مقالتنا وباين مناصبتنا استحللنا قتاله وسفكنا دمه. ولا يُجَاوَزُ سَفك دمه إلى غنيمة ماله ولا سبي ذريته ما بتوحيد ربّه. والإقرار بما جاء في ذلك عن النبي: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها. قيل: وما حقها يا رسول الله؟ قال: كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل النفس التي حرم الله». وقيل عن جابر ابن
(1) أخرجه الربيع بن حبيب الجامع الصحيح باب 17 جامع الغزو في سبيل الله حديث 464. دي سير 11، حدود 2. خ ديّات 66 - م قسامه،25 26 د حدود 1 ـ ت حدود 15، ديات، 10 ن قسامة 6، تحريم 5 جه حدود 1 - حم 382/ 1، 181/ 6. وورد في البخاري: باب قتل من أبي قبول الفرائض وما نسبوا إلى الردّة، عن أبي هريرة قال لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر وكفر من كفر من العرب قال عمر كيف تقاتل النّاس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. فمن قال لا إله إلا الله عصم منّي ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله». قال أبو بكر والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة فإنّ الزكاة حق المال. والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها إلى آخر الحديث كتاب استتابة المرتدّين. وفي رواية مسلم عن عبد الله قال «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزنا والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة كتاب القسامة باب 1 ما يباح به دم المسلم. وأما ما ذكر من شدّة بعض علماء الإباضية (كأبي خزر) على مخالفيهم فقد علله بكلي (وهو أحد علماء الإباضية المعاصرين توفّي سنة (1986) بما يعامل به الإباضية من: (1/457)
صفحة 456
458
الجزء الثاني
زيد له أنه قال: أزيد رابعة //56/ من كتاب الله وهي قتل الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله لقول الله: (فَقَدِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ)
[الحجرات: 9].
قسوة وشدة فالعبيديون مثلا كانوا يعاملون الإباضيّة معاملة المارقين من الدين. وقد
رگز بكلي حاجة الأمة إلى التلاحم وترك الانقسام ومظاهر التعصب انظر الجيطالي: قواعد الإسلام 66/ 1 تع 1 للمحقق عبد الرحمن بكلي. وخير ما يستدل به الإباضية على تسامح كثير من أسلافهم قول أبي حمزة المختار النّاس منا ونحن منهم إلا عابد وثن وكفرة الكتاب وإمام جائر». (طبقات الدرجيني (267/ 2). ويشتد الإباضية على من يحل دم الموحد بل يصل بهم ا الأمر إلى الحكم بالشرك على من يصدر منه ذلك انظر: الفرسطائي: مسائل التوحيد: 8. (1/458)
صفحة 457
كتاب التحف المخزونة
209
ا ـ في وصف الله بالحكيم
في الحكمة
والله الحكيم لذاته وبذاته وفي ذاته. ومعنى «حكيم» أي: ليس بعابث. وحكمته على وجهين فحكمته التي هي نفي العبث عنه صفته لا غيره. فعله وحكمته في وضعه الأشياء بمواضعها. هي والله حكيم بذاته لا بمعنى غيره ولا بأفعال فعلها. بل هو حكيم لم يزل ولا يزال كذلك. ولو كان حكيما بفعله الذي هو حكمته منه لوجب بذلك ألّا يكون حكيما قبل فعله ووضعه الأشياء بمواضعها. فمن ليس بحكيم فهو عابث. ومن كان العبث عنه منفيا فهو حكيم. والله تعالى لم يزل منفيا عنه العبث والخطأ. فثبت أنّه حكيم في أزليّته إذ لا يجري عليه العبث والخطأ. فثبت أنه حكيم في أزليّته.
2 - في صلة الحكمة بخلق الجور والعبث
فإن قال ليس كلُّ ما فعله حكمةً وصوابًا. ولا يجوز عليه العبث والخطأ
في التنزيل. قيل له: نعم، أفعاله كلّها حكمة وعدل وصواب. ولا يجري
الله
عليه أن يخطئ ولا يعبث ولا يجور ولا يظلم. فإن قال: فإذا نفيتم عن ا الجور والخطأ والعبث في التدبير أليس قد نفيتم عنه الجور والخطأ والكذب والزور والمنكرات كلّها أن يكون ذلك. فإن العدل والإحسان والأفعال والمنة والرحمة أولى به من الجور والخطأ والكذب والزور والافتراء عليه والشرك والكفر به وجميع ما لا يليق به ولا ينسب إليه؟ قلنا: إن الله تبارك وتعالى لا يُنسب إليه الظلم والجور والخطأ والعبث. ولا (1/459)
صفحة 458
460
الجزء الثاني
ينسب الخطأ والجور والعبث إلّا إلى الجائر المخطئ. فتعالى الله أن يكون جائرا مخطئا وأن يكون سفيها عابثا فإن قال فَمِنْ أين يكون حكيما ليس بعابث، عدلا ليس بجائر من يفعل الخطأ والجور؟ وهل العابث إلّا من يفعل العبث والجائر إلا من يفعل الجور؟ فمن أولى منكم بالوصف له بالجور والخطأ والعبث إذ أدخلتم الجور والخطأ في فعله وتدبيره؟ فلو جاز أن يفعل الجور من ليس بجائر والعبث من ليس بعابث لجاز أن يفعل العدل من ليس بعدل والحكمة من ليس بحكيم.
(2)
والثابت) أنّ الله تبارك وتعالى حكيم بذاته. لا لفعله الحكمة كان حكيمًا. فلو كان كذلك لكان قبل فعله عابنا جائرًا. وليس بأن فعل الحكمة كان حكيمًا و بفعل] العدل كان عدلا ولكنّه عدل إذ لا يجري عليه أن يخطئ. وليس في أن جعل (2) الجور والظلم والخطأ في عينه جورًا وظلمًا ما يثبت له الجور والظلم. ولا في أن جعل العبث في عينه عبثا ما يثبت له العبث والخطأ. ولا يكون جائزا من جعل الجور في عينه جورًا حكمة منه وعدلا. فليس في أن جعل الجور في عينه جورًا مخالفًا للعدل ما يثبت له الجور والخطأ. كما أن ليس في الحكمة أن جعل الحركة في عينها حركة ما يثبت له أن يكون متحركا. ولا أن جعل السكون في عينه سكونا (3) ما يثبت له أن يكون ساكنا. فالجاعل للأشياء على ما هي به (4) في أعينها حسنها وقبيحها حكيم ليس بعابث وعدل ليس بجائر. وأما من يفعل الجور ولم يجعله في عينه جورًا ولم يخالف بينه وبين العدل فهو جائر بفعله الجور وكذلك يكون عدلا بفعله
(1) في الأصل «والثالث». م.
(2) في الأصل فوق «جعل» حرف «خ» أي أثبت هذه الكلمة في نسخة ثانية.
(3) في الأصل «سكون».
(4) في الأصل «بها». م. (1/460)
صفحة 459
كتاب التحف المخزونة
271
العدل. فإذا ترك العدل صار غير عادل. وإذا ترك الجور صار غير جائر. وأما من كان عدلا لذاته لا بفعل فعله والجور عنه منفي لنفسه ولذاته ولا يكون بإحداثه الجور جائر ولا بإحداثه العدل عدلا ولا يستحق ما هو عليه من صفاته لمعنى غيره. وإنّما استحقها لذاته ولنفسه).
فإن قال: أخبرني عن الظلم الذي نفاه الرب عن نفسه إذ لا يكون بخلقه الظلم ظالما ولا بخلقه الجور جائرًا. قلنا: إنّ الله تعالى نفى عن نفسه أن يكون ظالما ومعناه أن /57/ يؤاخذ أحدًا بغير عمله ويعذبه على غير فعله. فهذا الظلم الذي نفاه الرّبّ عن نفسه لنفسه ولذاته إذ لا يجري عليه الظلم والجور ولا يكون الظلم إلا وثم من ظلم به والجور إلا ومن جار به كما أن لا حركة إلا والمتحرّك بها و [لا] سكون إلا والساكن به. وكذلك الأمراض والزمانات وصفات الخلق كلها أن يكون موصوفا بها. ولا يكون بإحداثه الحركة متحركا ولا بإحداثه السكون ساكنا. وليس في أن نفى عن نفسه الحركة أو يكون متحركا بها نفي لحدوثها وخلقها. وكذلك السكون والأمراض وغير ذلك من صفات الخلق التي نفاها الرب عن نفسه ليس في نفيها عن نفسه أن يكون موصوفا بها نفي لحدوثها وتدبيرها. وكذلك قولنا في الظلم والجور ليس في نفي الله لهما عن نفسه أن يكون يظلم بهما نفيا لحدوثهما وخلقهما. فهذه نظيرة لمسألته لا فرق.
- في حكمة الله في كلّ ما فعل وترك
فإن قال: أخبرني عن خلقه لجميع ما خلق أحكمة منه أم صواب؟ قيل له: نعم [حكمة]. فإن قال: أرأيت إن ترك الحكمة أيكون تركها حكمة
(1) لقد أورد أيضا أبو عمار ما يقرب من هذه المعاني عند مناقشته المعتزلة في قضية خلق
الأفعال انظر كتابه الموجز 37/ 2، 38. (2) في الأصل «أو». م. (1/461)
صفحة 460
462
الجزء الثاني
[و] فعلها حكمة؟ قلنا: إنّ الله تبارك وتعالى فعله حكمة وتركه حكمة. ولا يكون فِعْلُهُ شيئًا أولى بالحكمة من تركه ولا تركه أولى بالحكمة من فعله. ففعله لما فعل حكمة وتركه لما ترك حكمة. فإن قال قائل: فكيف يكون حكيمًا من ترك فعل الحكمة؟ قيل له من كان يفعل الحكمة كان حكيما [و] إذا ترك فعلها [صار] ليس بحكيم. وأما من كان حكيما بذاته فليس في أن ترك فعل الحكمة ما يثبته غير حكيم. فهو حكيم في ذاته فعل الحكمة أو تركها.
لعلة،
علة
4 ـ في الفعل ونفيها فإن قال: هل يفعل شيئًا أو يتركه لعلّة؟ قيل له: يفعل لا لعلّة ويترك لا ويفعل لعلة ويترك لعلة. فكلا المعنيين جائز. فإن قال: كيف يكون حكيمًا من يفعل لا لعلّة؟ قيل له: أمّا من كان لفعله الحكمة كان حكيما إذا فعل شيئًا لعلة فليس بحكيم وكذلك إذا تركه لا لعلة فليس بحكيم. [و]) ما بفعله المنافع ويدفع به المضار فليس بحكيم إن فعل لا لعلة. وأمّا يجر كان لا يجر بفعله نفعا ولا يدفع به ضرا ولا يزداد به حكمة ولا ينتقص بتركه من الحكمة فهو حكيم، وإن فعل لا لعلّة، وكذلك إن ترك لا لعلة. فالله
كان
من
موصوف بالحكمة أحدث شيئًا أو لم يحدثه أو ترك شيئًا أو لم يترك.
فإن [قال:] أخبرني عن الله تبارك وتعالى إذا كان (3) يخلق لعلّة ويخلق لغير علة، فهل يجوز أن يخلق الأشياء كلّها لعلّة أو يخلقها كلّها لغير علة، أو يترك خلقها كلّها لعلّة أو يترك خلقها لا لعلّة؟ قيل له: سؤالك يتجه [إلى أنك] إن أردت بخلق الأشياء كلّها لعلّة هي غير الخلق من قبل أنه لو كانت
(1) في الأصل يفعل حكمة ويتركها». م.
(2) في الجملة نقص عوّضه المحقق بالنقاط المتتابعة والترجيح من عندنا بناء على
السياق. م.
(3) في الأصل «إذا أن». .
• (1/462)
صفحة 461
كتاب التحف المخزونة
463
ما هنا علة لها خَلَقَ الخلق لم تَعْدُ تلك العلة منزلتين: أما أن تكون قديمة أو محدثة، فلا تعدو أن (2) تكون محدثة لعلّة غيرها أو لغير علة. فإن كانت لعلة غيرها فالعلة علّة [و] للعلة علة إلى ما لا نهاية له ولا غاية. فهذا من
وجود
المحال: أن يوجد ما لا نهاية ولا غاية له من الأشياء. فلمّا استحال. ود ما وجب أن يكون (3) الخلق لعلة هي غير الخلق أو
لا غاية له المحدثات
من
تكون العلة قديمة. فمحال أن تكون العلة موجودة إذا كانت علة لوجوده. فإذا كانت قديمة فقد وجب أنّ المعلول قديم فلمّا صح بالدلائل أن الأشياء أنه لم يحدثها لعلّة. وجب هي غيرها. وإن أردت بقولك «هل خلق العالم لعلة ليست غير الخلق فقد خلق بعضه علة ويجوز أن يخلقه كله لعلة. وأما ألّا يخلق /58/ شيئًا إلا لعلة فلا يجوز.
محدثة
وأما قولك: هل يترك حدث الأشياء كلها لعلة أو لغير علة؟ الجواب في ذلك: أنه يجوز أن يحدث الأشياء كلّها لا لعلّة، ويجوز ألا يحدثها ولا يجوز ألا يحدثها لعلة لأنه لا تخلو تلك العلة التي من أجلها لم تحدث الأشياء من أن تكون قديمة أو محدثة. فإذا كانت محدثة فهذا محال من القول. فما بال الأشياء لم تكن قبل حدوث العلة التي لها لم تكن الأشياء. وأيضا لو كانت العلة قبل أن يحدث الأشياء محدثة (1) لتناقض القول لأنّ العلة التي تمنع الحدث توجب الحدث [و] لأنّ العلة التي تعدم الأشياء كلها محدثة. فصار يمنع المحدث. فهذا فاسد لا يجوز. فإن كانت العلة قديمة فمحال
الحدث
(1) في الأصل «أم». م.
(2) في الأصل «من)
أن».
م.
(3) في الأصل وجب أن الله تبارك وتعالى أن يكون». م.
(4) في الأصل «وإلا .... أنّ الأشياء». م.
(ه) في الأصل «العلم». (1) في الأصل «العلّة لم يحدث الأشياء محدثة تناقض .... م. (1/463)
صفحة 462
464
الجزء الثاني
حدوث شيء من الأشياء إذا كانت العلة التي منعت حدوثها قديمة. فالقديم استحال عدمه بعد إذ كان موجودا كما استحال وجوده بعد إذ كان معدوما. فصارت العلة التي لها لم تكن الأشياء لم تزل ولا تزال. فمحال حدوث شيء معها إذا كانت لم تزل ولا تزال.
ه ـ في تعذيب الأطفال والمجانين وذبح البهائم
هو
(1)
تعذيب
أمر بذبح
فإن قال: أخبرني عن الذي تعبد أليس هو أرحم الراحمين؟ قيل له: نعم، أرحم الراحمين. فإن قال وكيف يكون أرحم الراحمين مع: الأطفال والمجانين والبهائم؟ أو (1) كيف يكون حكيما رحيما من الحيوان وتسخيرها مع علمه بأنها لا ذنب لها ولا جرم (2)؟ فإنّا نقول في ذلك، ولا قوة إلا بالله: إن الخلق والأمر الله. فله أن يفعل ما يشاء وكيف شاء. ولا شريك له في خلقه ولا دافع له عما أراد. وذلك أنه آلم الأطفال
والمجانين والبهائم وسائر الحيوان الذين لا جرم لهم في الدنيا عبرة لهذا الخلق المحتمل للاعتبار ليعلموا أنّ الأمر له والخلق وأنه {فَعَالُ لِمَا يُرِيدُ) [هود: 107] وأنه متفضل على من (3) لم يوصل إليه هذه الآلام. فلو كان، تبارك وتعالى، ظالمًا خارجا من الحكمة بإيصاله (4) الآلام إلى الأطفال والمجانين والبهائم وما أشبهها كان غير متفضّل على من دفع ذلك عنه ... (0) فلما أن كانت اللذات ضد الآلام فكانت فضلا من فضل الله، تبارك وتعالى، على
(1) في الأصل «أم». م. (2) لقد نسب هذا القول إلى البراهمة وردّ على ذلك بأنّه إن أريد بذلك المصلحة فلا قبح. وقد مثل المقدسي لذلك بالإنسان الذي يكره على شرب الدواء ولا يستقبح أحد ذلك لأن
المصلحة تقتضي ذلك انظر المقدسي: البدء والتاريخ 109/ 1.
(3) في الأصل «عمن».
(4) في الأصل «بإصاله».
(5) جملة غير واضحة في الأصل. م. (1/464)
صفحة 463
كتاب التحف المخزونة
465
له فضلا
عدل من
(1)
خلقه. فصار حبسه لِمَالِهِ عدلا منه وحكمة وأنه غير ظالم لفعل ما ترك من اللذات من إيصال الآلام والأوجاع وجميع المضار إلى البهائم والمجانين وغير ذلك من الحيوان. ولو لم يكن له فِعْلُ تَرْكِ اللذات لم يكن فِعْلُ اللذات ولا منا وكانت اللذات واجبة عليه. فلما صح بطلان وجوب فعل اللذات عليه صح أنها فضل من فضله وطَوْلٌ من طَوْلِهِ وأنّ ضدّها من الآلام عدله وأنه بفعله ذلك غير ظالم. فإن قال: لم لا أعبر هذا الخلق بغير إيصاله (2) (كذا) الآلام إلى الأطفال والمجانين والبهائم إذ كان قادرًا على ما يعبّرهم بغير إيصال الألم إلى الأطفال والبهائم (3)؟ فإنا نقول في ذلك، ولا قوة إلا بالله: إنّه على تعبير الخلق بغير إيصال الألم إلى الأطفال والبهائم قادر. وهما جميعًا حكمة. فلما أن كانا جميعًا حكمة كان /59/ له أن يفعل ذلك وله ألا يفعله لأنه ليس واحد بأولى به من الآخر. ولو كان واحد منهما أولى به من الآخر كان بتركه ما كان أولى به نقص. وهو تعالى غير موصوف بالنقص لأنّ النقص من صفات الخلق الذليل المقهور. فلمّا بطل هذا صح أنه لا يكون رفع الآلام أولى به من إيصالها. [و] إذا كانا جميعًا حكمة منه صح أنه غير ظالم ولا منقوص ولا خارج (4) من الحكمة إذا آلمها ولم يلذها.
(4)
6 - في تعذيب العبيد فإن قال: فهل يكون حكيما من فعل ذلك منا. بعبيده؟ قيل له: ليس بحكيم من فعل منا بعبيده لوجوه. أما أحدهما فإنّه منهي. ذلك (ه). والوجه
(1) أعبر: أي جعل لهم عبرة.
(2) في الأصل «إصالة».
(3) صياغة غير دقيقة. م.
(4) في الأصل «وللخارج». م.
عن
(5) لقد جاءت نصوص كثيرة تنهى عن تعذيب الحيوانات وتتوعد من يؤذيها. قال:
دخلت امرأة النار في هرّة ربطتها فلا. أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش -
مي
= (1/465)
صفحة 464
466
الجزء الثاني
الثاني أنه لا يملك نفس عبده ولا هو الخالق لها فيفعل في خلقه ما يشاء وأنه يملك خِدْمَتَه وبَيعه وشراءه فيفعل في ما ملكه ما يشاء من بيعه وشرائه وخدمته وما أشبه ذلك. وهو الله مملوك من جميع الجهات يفعل به ما يشاء وما أراد من حدثه وبقائه وفنائه وحياته وموته وصحته وسفهه. فليس فعل واحد هو من كل الوجوه أولى بالحكمة من الآخر. فنحن ليس لنا إيصال الآلام إلى عبدنا إلا أن نؤمر بذلك. ووجه آخر: قبحَ ذلك منا أن نفعله بعبيدنا لأن حكم عبيدنا حكمنا في وجود الآلام والمكروهات. فلما أن كان الحكم واحدا قبحَ في عقولنا أن نوصل إلى من هو في مثل خلقتنا أمرا إن رجع به علينا نالنا من مكروهه ما نال عبيدنا والله تبارك وتعالى، خارج من هذه الصفات التي تَقْبُحُ منا إن نحن فعلناها بعبيدنا لأنه تبارك وتعالى مالك لعبيده من جميع الجهات وليس يملكهم بتمليك أحد ولا يملكه إياهم أحد. والأشياء كلّها له في ملكه وسلطانه. وليس بنظير لخلقه فيقبح به ما يفعله من الآلام لأنه، تبارك وتعالى، لا يداخله ألم ولا يؤذيه شيء ولا يدخل في مكروه. تعالى ربّنا عن ذلك علوا كبيرًا.
7 ـ في معنى الرحمة فإن قال: أخبرني عن الذي تعبد أليس هو أرحم الراحمين؟ قيل له: نعم. فإن قال: فكيف يكون أرحم الرّاحمين بمن ابتلاه بأمره ونهيه مع علمه بأنه يخالف أمره ويستوجب عقوبته؟ وهلّا يكون من رحمته لنا .... (1) ألا يخلقنا إذا علم ذلك منا؟ وإذا خلقنا فهلا جعلنا أمواتا؟ وإذا جعلنا [أحياء] فهلا
الأرض حتى ماتت». (خ) بدء الخلق 16 - م توبة 25 - جه زهد 30 ـ دي رقاق 93 ـ حم 216/ 2). وإن كان تعذيب الحيوان حرامًا فمن باب أولى أن يكون تعذيب الإنسان
محظورًا لأنه أرفع شأنا. من الحيوان.
(1) نقص في الأصل. نرجّح «عدله». .
? (1/466)
صفحة 465
كتاب التحف المخزونة
467
[جعلنا حيوانا] أو في معنى من لا يحتمل التكليف إذ كان عالما بأنا نخالف أمره ونستوجب عقوبته؟ وإذا جعل لنا عقولا فهلا أزال عنا التكليف؟ وإذا لم يُزِل التكليف عنا فهلا جعلنا ترابا بعد تكليفه إيانا؟ وإذا لم يجعلنا ترابا فهلا تركنا بلا حساب ولا ثواب ولا عقاب؟ وإذا لم يُزِل القواب والحساب والعقاب عنّا فهلا أسكننا الجنان رحمة منه ومنا. وإذا لم يسكننا الجنان فهلا عفا عن مسيئنا وأثاب محسننا؟ فإذا لم يفعل شيئًا مما ذكرنا فكيف يكون أرحم الراحمين مع ما وصفنا؟ فقيل له: هو أرحم الراحمين بأوليائه وأهل طاعته (2) وليس برحيم بأعدائه وأهل معصيته ومن كفر به. وهو أيضا أرحم من غيره من الأب والأم وغيرهما ممن يرحم إذ كان يُنسى في الأجل ويوسع في الرزق ويُدْخِلُ الجنّة. والأب والأم وغيرهما من الخلق ممن يرحم لا يفعلون هذا ولا يطيقونه ورحمتهم إن رحموا (3) دون ما وصفنا /60/. فلما كان من رحمته الحكيم ما وصفنا كان أرحم الراحمين]). وأما قولك: فهلا رحمنا بترك خلقه لنا إذ علم أنا نعصيه ونستوجب عقوبته؟ قلنا: من الكلام خلف لأنه لو يخلق خلقا لم يكن للرحمة معنى لأنه إذا لم يخلقه فهو ليس [برحيم) ولا معنى لرحمته من ليس [بحكيم]) وكذلك لا معنى لرحمته من جعله مواتا.
هذا
(1) في الأصل جعلنا حيوانًا فهلا أو في معنى من ... ». م. (2) قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوْةَ وَالَّذِينَ هُم بِنَايَتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 156] وقال أيضا: (نَى عِبَادِى أَنِي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ) [الحجرات: (48، 49] ولذلك أشار أبو عمار إلى أن العذاب خاص والرحمة عامة. انظر كتابه شرح الجهالات: 440.
(3) في الأصل. «يرحمون». وأثبت المحقق «يرحموا». م.
(4) أضفنا كلمة [الراحمين].
(0) أضفنا كلمة [برحيم]. (1) أضفنا كلمة [بحكيم]. (1/467)
صفحة 466
468
الجزء الثاني
وأما قولك: فهلا جعلنا أطفالاً أو في معنى من لا يحتمل التكليف إذ جعلنا حيوانا؟ قلنا: إنّه تبارك وتعالى، لو فعل ذلك كان منه حكمة. وكذلك [إن] ترك [كان] منه حكمة لأنّه لا يخرج من الحكمة بترك ما لم يفعل ولا بفعل ما فعل ممّا ليس واحد منهما أولى بالحكمة من الآخر. فهو حكيم لا يزداد فضله بما فعل ولا ينتقص من فضله بترك ما ترك. وإنّما ألزمهم التكليف لما أراد من ثواب أهل طاعته وعقوبة أهل معصيته.
وأما قولك: فكيف يكون أرحم الراحمين من خلق خلقا أمرهم بما علم أنهم لا يفعلونه وأنهم يستوجبون عقوبة الأبد؟ فإنّا نقول في ذلك، ولا قوة إلا بالله: إن الله وكل لم يخلق من علم أنه يكفر به ويستوجب عقوبة الأبد، ولا أمره ولا نهاه رحمة منه له وذلك أنّ الرّحمة به أن يعصمه مما يستوجب به عقوبته أو يخلقه طفلا أو في معنى من لا يحتمل التكليف. فمن كان الرحمة له وجه (كذا) وإذا لم يفعل ذلك به فليس ذلك رحمة له منه (1).
فإن قال: فكيف يصفه أنّه أرحم الراحمين وهو غير رحيم بعبده () الذي علم أنه يكفر به ويستوجب عقوبته؟ قيل له: إني لم أصفه بأنه أرحم الراحمين بأعدائه. وإنّما قلت إنّه أرحم الراحمين بأوليائه وأهل طاعته. فإن قال: فكيف أطلقت له صفة الرحمة (3) وهو ببعض (4) خلقه غير رحيم؟ قيل له: إنّما أطلقت له «رحيم» بأوليائه. وأما من جحد حقه وأنكر ربوبيته فهو (ه) غير رحيم به مع أنه لم يستوجب صفة رحيم لفعل فعله به [بل] هو رحيم
(1) فمن لم يكن في وجهه من هذه الوجوه فلا رحمة له منه تعالى.
(2) في الأصل «لعبده».
(3) في الأصل «الترحيم». م.
(4) في الأصل «من بعض».
(ه) في الأصل «وهو». (1/468)
صفحة 467
كتاب التحف المخزونة
469
لذاته وبذاته لا بفعل رحم به خلقه. وأما قولك: فهلا جعلهم ترابًا بعد التكليف؟ فإنّه لم يجز له أن يجعلهم ترابا بعد أن استوجب منهم طائفة ثوابه وطائفة أخرى عقابه الأنه إن فعل ذلك (1) كان غير مفرق بين وليه وعدوه، [وكذلك] (2) إذا لم يُثب أولياءه على طاعته ولم يعاقب أعداءه على معصيته. ولا يجوز أن يكون حكيما من لا يفرّق بين وليه وعدوّه].
وأما قولك: هو أسكنهم الجنان جميعًا إذ لم يجعلهم بعد التكليف ترابا. فإنّا نقول في ذلك، ولا قوة إلا بالله: إنّه إن أدخلهم الجنان جميعا فقد أحل
العدو محل الولي. وذلك ترك التفريق بين العدو والوليّ. ولما لم يجز أ
أن
يساوي الحكيم بين العدو والولي بالعلة التي وصفنا استحال أن يجمعهم في
الجنة جميعا.
وأما قولك: إذ لم يدخلهم الجنّة جميعًا فهلا أثاب المحسن وعفا (3) عن المسيء الكافر؟ قلنا: إنّه لو جاز (4) ألا يعاقب الكافر لجاز ألا يثيب الولي. فلما لم يجز تَرْكُ ثواب الولي لم يجز تَرْكُ عقاب الكافر العدوّ.
A
ـ في العدل والتفضل
وأما ما كثر به سؤاله ممّا يجمعه جواب واحد من المضار والمنافع والصحة والأمراض والغنى والفقر والحياة والموت والعون لمن أعانه والخذلان لمن خذله، فأيّ /61/ شيء أولى به من الآخر عدله أو فضله؟ فلا يقال في شيء من هذا أولى به من الآخر. فكل ما فعله إن تفضل على عباده
(1) حذفنا من الأصل «فهم» ليستقيم التركيب. (2) أضفنا كلمة وكذلك» ليستقيم التركيب. (3) في الأصل «يعفو». م.
(4) في الأصل «لا يجوز». (1/469)
صفحة 468
(1)
470
الجزء الثاني
به [فهو فضل] (3) وإن لم يتفضل [به فهو] (3) عدل الأفضال. فذلك بحسب حكمة منه. فلا يكون شيء من هذا أولى بالحكمة من غيره. فهو متفضل على عباده برفع المكروهات ودفع المضرات (4). ومن ترك أن يتفضل عليه فليس بظالم له في ترك الأفضال. ولو كان ظالما بتركه رفع المكروهات لكان غير متفضل (5) أن لو رفع ذلك. ولمّا أن كان رفع ذلك فضلاً من فضله كان فعل ذلك عدلا. عدله.
من
فإن قال: هل أراد شتمه وعصيانه والكفر به؟ فإنا نقول في ذلك، ولا قوة إلا بالله: إنه لا يريد أمرًا إلّا كان ولو (6) لم يرد أن يُعصى ويشتم لم يعص ولم يُشتم لأنه غالب قاهر، تبارك وتعالى. فلم يُرد أن يُشتم من طريق الطلب للشتم والأمر به (7) لا من طريق التعرّض له كالرّجل يتعرّض للشتم فذلك فيشتم. موجود في الخلق. قد يُشتم الرّجل ويقال أنت أردت هذا الشتم أي: تعرضت للشتم إذ فعلت ما لم يكن لك أن تفعله. والله ل لم يفعل فعلا ليس له أن يفعله] (8) فيكون متعرضا لشمته. ولكن أراد شتم الشاتمين له أن يكون خلاف مدح المادحين له معصية في عينه لا طاعة. فإن قال: كيف يكون حكيمًا من أراد شتمه؟ قلنا: من كان الشتم يؤذيه ويؤلمه فليس بحكيم إن أراده. وأمّا من كان الشّتم لا يؤذيه ولا يؤلمه فهو
(1) في الأصل «منه». (2) أضفنا فهو فضل».
(3) أضفنا فهو» وفي الأصل حرف واو قبل كلمة «عدل».
(4) في الأصل «الضرورات».
(ه) في الأصل «متفضلاً».
(1) أضفنا «لو».
(7) حذفنا من الأصل حرف الواو» الواقع قبل «لا من طريق».
(8) أضفنا «أن يفعله». (1/470)
صفحة 469
كتاب التحف المخزونة
471
حكيم وإن أراده. فإن قال: فكيف يكون حكيما من قدر على منع شتمه (1) و معصيته ولم يمنع من شتمه ومعصيته؟ قيل له: إن الله تبارك وتعالى، وإن كان قادرا على ألّا يُعصى ولا يُشتم لم) يخرج من الحكمة بتَخْلِيَتِهِ إياهم ومعصيته وشتمه، إذ كان الشّتم لا يؤذيه ويؤلمه وهو قادر على منعه ولم يمنعه (3). ولو شاء ألا يكون لم يكن. فإنه بإرادته لذلك وتخليته خارج (4) من الحكمة. فإن قال: فكيف يكون حكيما من يخلق من يعلم أنه يعصيه ولا يطيعه؟ قيل له من كانت طاعة من يطيعه لا تنفعه ومعصية من عصاه لا تضره فهو حكيم وإن خلق من علم أنه سيعصيه ولا يطيعه. وأيضا إن خلق من علم أنه سيعصيه فهو قادر على أن يؤاخذه على عصيانه. فهو حكيم وإن خلقه وهو يعلم أنه سيعصيه (5).
(4)
(1) في الأصل «على المنع بشتمه». م. (2) في الأصل «فلم».
(3) في الأصل «المنع منه لم يمنع». م. (4) في الأصل «وذلك خارج».
(0) كلّ هذه المسألة التي عرضها راجعة إلى قوله تعالى: {لَا يُسْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ) [الأنبياء: 23] وقوله إِنَّ رَبَّكَ فَقَالُ لِمَا يُرِيدُ) [هود: 107]. (1/471)
صفحة 470
472
الجزء الثاني
في الابتلاء والتمحيص والفتنة
1 ـ في الغرض من التكليف
والابتلاء والتمحيص والفتنة ذلك كله معنى واحد. قد ابتلي الله عباده بالفرائض ومحصهم بها. فإن قال: فكيف جاز التمحيص ممن يعلم الأشياء ويعلم ما يصير إليه وما يكون عنها ومن يطيعه ومن يعصيه؟ الجواب في ذلك: أنّ الله محّص عباده وابتلاهم بالأوامر والنواهي استعبادا منه لهم ليثيب الطائع ويعاقب العاصي لا لاستفادة (1) علم لم يكن. بل هو عالم بما كان وبما يكون وبما لا يكون أنّه لا يكون. وقد قيل: وجه تمحيص الخالق للمخلوق ليعلم المنافق من المخلص والجبان /62/ من الشجاع والخائن من الموفي. فلو لا ذلك ما علم هؤلاء من غيرهم. فلو لم يبتلهم بالفرائض ولم يمحصهم بها ما علم النّاسُ المنافق من الموفي ولا الصادق من الكاذب ولا المخلص من المُرَائي ولا الجبان من الشجاع (2). فإن قال: فما وجه أمره ونهيه لمن يعلم أنه يعصيه ولا يطيعه؟ الجواب في ذلك: أنّ الله يلزمه فيه التكليف استعبادا لخلقه بطاعته، أمر جميع من عقل صحيح يثيب الطائع ويعاقب العاصي وإن لم يكن من الحكمة إلا أن يأمرهم وينهاهم إذ كانوا محتملين لمعرفته والإقرار به والإذعان لربوبيته ولا
له
(1) لعله يقصد لتحصيل علم لم يكن». (2) ذكر القرطبي في تفسير قوله تعالى: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ) [العنكبوت: 3] أقوالا منها أن معنى الآية ليرين الله الناس الذين صدقوا في إيمانهم أو أن المفعول الأول محذوف تقديره فليعلمن الناس هؤلاء الصادقين والكاذبين أي يفضحهم ويشهرهم هؤلاء في الخير وأولئك في الشر وذلك في الدنيا والآخرة انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 325/ 13، 326. (1/472)
صفحة 471
كتاب التحف المخزونة
473
يجوز أن يتركهم مهملين لا ينهاهم عن شتيمته وجحوده والافتراء عليه لأن في ذلك إباحة منه لشتمه والفرية عليه والجحود لربوبيته. ولا يكون شتمه ولو جاز أن. حكيمًا من يبيح يبيحه لجاز أن يدعو إليه ويأمر به. فلما بطل الأمر بشتمه والدعاء إليه بطل أيضا أن يبيحه. ولا يكون من الحكمة إلا أن ينهى عنه ويحرّمه ويوجب عليه عذابًا دائما لا انقطاع له إذا كان حكيما لا يُنسب إليه إلّا الحكمة والصواب.
وأيضا لو جاز ألا يأمر بمعرفته والإقرار به والإذعان لربوبيته لجاز أن يحرمها وينهى عنها ويوجب عليها عقابًا. فلمّا بطل هذا لما فيه من خروج الحكمة إلى [الفساد] (3) والعبث صح أن لا يكون متحمّلا بمعره فته إلا مأمورًا بها منهيا عن تركها ومعذبا عليها. وأيضا لو جاز أن يكون عاقل صحيح العقل غير مأمور ولا منهي لجاز أيضا أن يكون غير عاقل مأمورًا منهيا. فلمّا بطل الأمر والنهي لغير عاقل بطل أيضا أن يكون عاقل غير مأمور ولا منهي. 2 ـ في الابتلاء
والبلاء والتمحيص والفتنة عدل من الله وحكمة. والصبر واجب على العباد على جميع ما ابتلاهم الله به من الفرائض ولزوم الطاعة والتمسك بها. وذلك أنّ البلاء على ثلاثة أوجه: بلاء يجب الصبر عليه. وهو الفرائض ولزوم الطاعة والانتهاء عن المعاصي. فهذا بلاء يجب الصبر عليه. وبلاء يجب الصبر عنه. وهو المحرّمات (3) فالصبر عن جميعها واجب. وبلاء يجب الصبر عند نزوله. وهو ما يبلوهم الله به من الأمراض والأسقام وذهاب الأموال
(1) في الأصل «فلم».
(4)
(2) نقص في الأصل. وما أثبتناه ترجيح. م.
(3) في الأصل «المحارم». م.
(4) في الأصل «يبليهم». م. (1/473)
صفحة 472
???
الجزء الثاني
والأحباب وما أشبه ذلك مما يفعله الله بعباده من عدله عليهم مما ليس فيه من ولا فضل. فذلك كله يجب الصبر عند نزوله (1).
3 - في وجوب الشكر
والشكر () واجب على العباد على ما أنعم الله به عليهم وعلى ما ابتلاهم
منهم
[به] (3). والشكر) لازم في كل حال وعلى كل حال في شدّة وفي رخاء وفي السراء أو الضراء. وذلك أنّ فضله وبلاءه لمن ابتلاه به (9) عدل منه. فلا يكون واحد منهما أولى بالعدل من الآخر. فالفاعل للعدل يجب حمده وشكره على عدله وفضله. وقد حكى الله عن عبده الصالح سليمان ليبلوني أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} [النمل: 40]. [و] لا منزلة بين الشكر والكفر). وذلك أن
الشكر أداء الفرائض. وأداء الفرائض لازم في كل حال وعلى كل حال.
(1) قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ه الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) [البقرة: 155، 156] وقال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَرَ المجهدينَ مِنكُمْ وَالصَّبِرِينَ} [محمد: 31]. وقد عقد اطفيش في شرح النيل (309/ 17 - 333) فصلا كاملا حلل فيه أقسام الصبر وحكمه وحكم تاركه وطعمه بنصوص كثيرة من القرآن والسنة وأقوال الحكماء في فضل الصبر.
(2) عرف اطفيش الشكر بأنه فعل ينبئ عن تعظيم المنعم لكونه منعما وبين أنه يكون باللسان والقلب والجوارح وفسّر كل قسم منها: انظر اطفيش: شرح النيل 277/ 17.
(3) في الأصل «أبلاهم» فأصلحنا الخطأ وأضفنا «به».
(4) في الأصل «لهم». م.
(ه) في الأصل «بلاه». م.
(6) لقد أورد القميني نفس العبارة في متن النيل وعلّق عليها الشارح فبيّن أن صاحب الكبيرة كافر غير شاكر والموفي شاكر غير كافر واستدل على ما قاله المصنف بآيات نذكر منها قوله تعالى: {إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) [الإنسان: 3] وقوله: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تكْفُرُونِ} [البقرة: 152] انظر اطفيش: شرح النيل 287/ 17.
(7) في الأصل فذلك». .
م. (1/474)
صفحة 473
كتاب التحف المخزونة
475
1 - في معنى الحب الإلهي
في الحب الإلهي
والحب من «أحبّ الله نفسه أي: مدح نفسه و «أحبّ أولياءه» أي: مدح أولياءه. ويقال: أحبّ طاعته //63/ وكره معصيته وذمها وسخطها.
الله يُخْرَجُ على وجهين على المدح والثواب. يقال:
لك
عنك
وجائز أن يقال لمن أطاعه وتحمل طاعته تولاك الله ورضي. وأحبك الله وأثابك الله بأحسن القواب وغفر الله لك ونجاك من النار وجعل الله أجرًا عظيمًا (1) وسددّك الله وأعانك وهداك الله ووفقك الله وأرشدك من الله وأسعدك الله وقَبِلَ منك وتقبل منك وسمع ولا ردّ الله دعاءك. ويقال له أيضا: حَبَاك الله وحياك. ويقال له: أحسن الله عزاءك وربط على قلبك بالصبر. ويقال له أيضا: لبيك وسعديك (2) وحياك الله وبياك. والسلام سنّة مرغب فيه ورده واجب (3).
2 - في أحكام الدماء والأموال والفروج و [سأل] عمّن قتل رجلًا بالتعدية ثمّ تاب وندم وأنس منه خير وأعطى القود من نفسه فأبى أولياء المقتول من قتله ومن عتقه وأخذ الدية منه
(1) في الأصل «وجعلك. من الله أجرًا عظيما». (2) في الأصل «سعد بك». م. (3) قال: «أفشوا السلام بينكم». (م إيمان 93 - ت أطعمة 45، قيامة 56 ـ جه مقدّمة 9، أ أدب حم 165/ 1) وغيرها. وانظر في إفشاء السّلام خ نكاح 71، أشرية 28، استئذان 8 - 8 - أدب 131 ـ ت تفسير سورة 38 ـ ن جنائز 53 جه أدب 11 ـ دي استئذان 4 ـ حم 368/ 1 وغيرها. أما بالنسبة إلى ردّ التحية فإنّ الله تعالى يقول في كتابه العزيز: (وَإِذَا حُسَيتُم بِنَحِيَّة فَحَدُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86].
11 (1/475)
صفحة 474
476
الجزء الثاني
الله
من
وتركوه على ما هو به الجواب في ذلك: إن فعل ما يلزمه من القود والاعتراف والتوبة من سفك الدماء التي لا تحل له فلا أرى عليه سوى هذا). وكذلك من سرقة أموال الناس إذا تاب وندم وألزم نفسه الإقرار إلّا أنه لم يجد مالا يقضي منه ديون الناس وعلم الله منه أنه لم يمنعه من أداء ما يلزمه من أموال الناس إلا الفقر والعدم الّذي فيه فليس عليه سوى هذا فيما بينه وبين الله. ونحن إن أنسنا منه الإقرار والاعتراف من نفسه الإنصاف وأقر بما يلزمه من الأموال وأُنسَ منه الصلاح
وأعطى
في الدين توليناه (2).
وعمّن طلب السّرقة فصادف ماله وأخذه وأكله على أنه ليس بماله. قيل: إن هذا فَعَلَ ما لا ينبغي له في سعيه ومشيه واعتقاده في أخذ ما ليس له. وأما الكفر فلا يحكم عليه به بما فعل من أخذه لماله. وأما إذا طلب ماله فصادف مال غيره فأخذه وأكله على أنه ماله ولم ينو أخذ ما ليس له فهذا عليه غرم ما أكل من الأموال لأصحابها. ولا أرى عليه سوى هذا. والله أعلم وأحكم. وأمّا إن دخل فراشه يريد امرأته فوقع على غيرها فدخل بها [ف] قد شدّدوا في هذه المسألة وضيقوا على من قارف ذلك. والله أعلم.
وأما من طلب حرامًا فصادف امرأته فدخل بها [على] أنها ليست بامرأته [فقد قيل إنّه لا يهلك بفعله إذا قارف حلالا لا يضره جهله. وبئس ما من النوى الفاسد الذي لا يجوز له. والمرأة تحرم عليه في قول بعض أهل العلم، ورخص فيها آخرون. والدماء والأموال والفروج عظمت العلماء
اعتقد
(1) قال تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِبَاعُ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: 187]. (2) ذكر الوارجلاني في باب طبقات التائبين أنّ المعسر الذي لا مال له يتحمّل الله عنه ما عليه من تبعات العباد حقوقهم ويرضى الله أصحابها بغرف يظهرها لهم في الجنة. انظر الوارجلاني: الدليل والبرهان
مج
107/ 2،2 (1/476)
صفحة 475
كتاب التحف المخزونة
477
أمرها (1) وأجمعوا [على] (2) أن من سفك دما ما لا يحل له ضل وهلك.
وكذلك الفروج والأموال من قارف منها شيئًا لا يحل ضلّ وهلك.
- في ولاية أطفال المسلمين
وسأل
عن أطفال المسلمين عند الله إذا ماتوا في حال طفوليتهم: هل يقال
هم
من
أيضا
إنهم مسلمون عند الله؟ الجواب في ذلك أنهم مسلمون عند الله. وذلك أنّ المسلمين عند الله الذين كانوا في علمه أنهم من أهل جنّته. وكذلك الكافرون عنده كانوا في علمه أنهم من أهل ناره وأطفال المسلمين عند الله. أهل جنّته عنده. فإن سأل عن ولايتهم إذ كانوا مسلمين عند الله: هل هي توحيد أم طاعة ليست بتوحيد /64/، والوقوف فيهم أيضا والبراءة منهم أن [و] هي يكون من وقف فيهم كمن وقف في المسلمين عند الله أو من تبرأ منهم كمن تبرأ من المسلمين عند الله؟ الجواب في ذلك أن ولايتهم لا تكون توحيدا ولا يكون الوقوف فيهم شركا، والبراءة منهم لا تكون شركا. فلو كانت ولايتهم توحيدا أو البراءة منهم شركًا لكان الذين دانوا بالكت عن ولايتهم فقالوا بالوقوف فيهم مشركين. ولذلك نظائر من المسائل وأشباه يقاس بها. وذلك أنا وإياه جميعًا نقول إنّ من تاب على المذهب الذي نحن عليه ودان بالّذي دِنَّا به ومات على الوفاء بالدين الذي نحن عليه فهو مسلم عند الله .... (3) الشك فيه أنه مسلم عند الله أو كافر عنده. ولا يكون من برئ منهم كمن برئ من الذين أخبر الله عنهم أنهم مسلمون عنده. وكذلك أهل الكبائر إذا ماتوا عليها فهم كافرون عند الله. ولا يكون من تولاهم كمن تولّى الكافرين عند الله في الوصف هكذا.
(1) قال صلى الله عليه وسلم «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه أخرجه مسلم كتب البر: 32.
(2) أضفنا «على».
(3) في بداية الجملة نقص. م. (1/477)
صفحة 476
478
الجزء الثاني
قال:
- في حكم المتبرئ من الدين
وكذلك أيضا من برئ من دين النبي هكذا أشرك بالله. وكذلك من برئت من دين الله، فليس له تأويل من يحجزه عن الشرك. وإن قال: برئت من دينكم الذي أنتم عليه فهذا كافر منافق ليس بمشرك، وإن كان الذي برئ منه هو دين الله ودين نبيه. ولا يشبهه من دفع شيئًا بتأويل لم ينقص به جملته مِنْ رَدّ تنزيل كما جاء من عند الله نصا. وكذلك من واجه التنزيل بِرَدِّ منصوص مكذبا بالله ومساويًا [له] بالكاذبين). ولا فرق بينه وبين من قال إنّه كاذب أو ظالم أو جائر أو جاهل أو عاجز. تعالى الله عن الكذب والظلم والجور وعن جميع صفات خلقه علوا كبيرا.
ه - في الولاية والبراءة ومن قال لرجل: «يا كافر» فقد تبرأ منه. وكذلك من قال له «يا مسلم» فقد تولاه). ومن مدحه الصالحون فهو صالح. ومن زكاه المسلمون فهو زكي. ومن ولاه الأولياء فهو وليّ. وكذلك من عاداه المسلمون فهو عدوّ. ومن ذمّوه فهو ذميم ومن دعا له مسلم بالولاية وبكل دعاء يوجب الولاية
وجبت ولايته.
وأما ما ذكرت من الأطفال إذا كان أحدهما عبدا والآخر حرا لا يُمَيَّز بينهما ولا يُدْرَى الحرُّ منهما من العبد فإنّهم قد أوجبوا على والد الحرّ غرم ثمن العبد فيجرهما جميعًا إلى نفسه. وذلك أن يُقَوَّمَا جميعًا فيدفع لربّ العبد نصف قيمته جميعا فيرثانه ويرثهما ولا يُتَوارثان بينهما. فإن كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى فيُعطى لهما نصف الذكر ونصف سهم الأنثى
سهم
(1) في الأصل بالرّدّ منصوصًا مكذبًا بالله ومساويه بالكاذبين». م.
(2) في الأصل «ولاه». (1/478)
صفحة 477
كتاب التحف المخزونة
479
فيقسمان ذلك [أنّه] لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ) [النساء: 1]. ويتولاهما جميعًا ويُنْسَبَان إلى الذي أخذهما وأمّا إذا كان أحدهما أبوه مشركا والآخر أبوه موحدا فيجرهما الموحد إلى نفسه على ما ذكرناه في مسألة العبد. إلا الغرم لثمن الحرّ لا يجب عليه. وأما ولايتهما /65/ فالله أعلم وأحكم.
وإما إذا كانا موحدين فإنّهما يرثان أبويهما جميعا. فيرثان من كل واحد منهما سهما. ويُنسبان إلى الأبوين جميعًا. فلا يكون واحد من الأبوين أولى بهما من الآخر. فكذلك أيضا إن كانا عبدين فهما بين سيدهما جميعا. فلا يكون واحد منهما أولى بهما من الآخر. وكذلك إذا كانوا أكثر من الاثنين على ما قلناه وفسرناه في مسألة الاثنين. فإن كانا عبدين وحرّ جرهما والد الذكر إلى نفسه. فيكونون أحرارا جميعا. فيرثونه) ويرثهم ويرثونه بواحد منهم ويرثهم هو جميعًا. ولا يتوارثون بينهم ويتناكحون. والحرمة بينهم إذا كان فيهم ذكور وإناث. وكذلك أولادهم بمنزلتهم لا يتوارثون بينهم لأنهم ليس بينهم قرابة.
سألت الشيخ الله عمن وردت عليه صفة. صفات الله تعالى أو خطر من ذلك بباله وهو في الصلاة، [ف] قال: يَنْفِي عن الله ما لا يوصف به ويعتقد في قلبه أنه يوصف بصفته. وفي صلاته اختلاف قال بعضهم: يعيد صلاته. وقال بعضهم: لا إعادة عليه (3).
(1) في الأصل «فيرثوه».
(2) لقد أطال أبو مسلم الرواحي في هذه المسألة وما أشبهها مما يعد من الأفعال القلبية الناقضة للصلاة وعرض أقوال العلماء واختلافهم فيها وملخّص رأيه في هذه القضية أنه إن خطر للمصلي خاطر بشيء من هذه المعاني وجبت عليه المبادرة في الحال بنفي ما لزم نفيه وإثبات ما لزم إثباته ولا شيء عليه بعد ذلك. هذا إذا لم يحرك لسانه وكان مجرد حديث نفسي من قبيل الوسوسة التي وجب دفعها فورا دون الاسترسال معها. انظر: الرواحي: نثار الجوهر 30/ 2 - 33. (1/479)
صفحة 478
??
الجزء الثاني
وأما الولاية والبراءة إذا عقد في قلبه ولاية أحد أو براءته انتقضت صلاته. وأما ما يعترضه) في صلاته ما لم يكن منها إذا ردّ الجواب في نفسه أو سأل أحدا في نفسه انتقضت صلاته. وقيل في هذا غير ما ذكرنا إذا جاءه بعمد ولم يلفظ بلسانه، والله أعلم وأحكم.
بسهو
لا
ويقال: الله دين وعبادة وملّة وشريعة وله طاعته وله معصيته. وأما «مذهب» فلا يقال: له مذهب ولا مذهبه ولا شركه ولا له شرك ولا كفره ولا له كفر. وكذلك كلّ ما فيه شنعة فلا يجوز فيه «له» ولا إضافة شيء من ذلك إليه على الانفراد نحو نعله ونعاله وله نعال وكساء وله كساءه وقميصه وعمامته وما يشبه هذا مما يطول ذكره ويكثر به اللفظ.
- في أحكام المنافقين
فإن سأل عن المنافقين: أهم في ملّة الشّيطان أو في ملة الله أم في عبادة الشيطان أو في عبادة الله؟ قلنا وبالله التوفيق: إنّ المنافقين خرجوا من ملة الله ومن عبادة الله بتركهم بعض العبادة وبعض الملة، لا على الجحود للعبادة والملة ولا على أنهم خرجوا من جميعها. فإن أراد الإدخال علينا فقال: كيف يجوز أن يخرجوا من ملّة الله ولم يدخلوا في ملة الشيطان؟ وهل بين الملتين العبادتين عبادة؟ فنقول وبالله التوفيق: إنّه ليس بين الملتين ملة ولا
ملة
وبين
بين العبادتين عبادة وبين الطاعتين طاعة. ولكنّا نقول: إن ثَمّ أقوامًا خرجوا
من
الله
بتركهم بعض [العبادة (لا على الجحود ولا الخروج من جميعها. ولم يدخلوا بترك بعضها في ملة الشّيطان وعبادة [الشيطان]. وكانوا مع أهل الملة في الأحكام. جرى عليهم حكم ما به أقروا من الملة والعبادة ولم
(1) في الأصل: يعارضه.
(2) في الأصل «بعضها». م. (1/480)
صفحة 479
كتاب التحف المخزونة
???
ملة
يكونوا من أهلها إذ لم يستوجبوا أسماء أهل الملة والعبادة. ولا نقول: إنّهم دخلوا في ملة الشّيطان ولا في عبادة الشيطان لأنا إذا أدخلناهم في الشيطان /66/ وعبادته صاروا عابدين للشيطان مشركين بالرّحمن. وذلك أنا نجد منهم إقرارا لم نجده عند المشركين وقد نفاهم الله من المشركين ونفاهم من المؤمنين فليسوا من هؤلاء ولا من هؤلاء كما قال ان: {مَا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [المجادلة: 14] وقوله: {لَا إِلَى هَؤُلَاء وَلَا إِلَى هؤلاء) [النساء: 143) وقوله: {ثُمَّ سُبِلُوا الْفِتْنَةَ لَاتَوهَا} [الأحزاب: 14] يعني: شركا. فكيف يجوز أن يقول: ولو سئلوا الشرك لأتوه، وهم فيه؟ فلما بطل هذا صح أنهم في النفاق دون الشرك. ولو سئلوا الشرك لأتوه كما قال عن.
والمنافقون يقال لهم شياطين ولا يقال لهم أباليس) ولا يقال ذلك إلا للمشركين. ويقال سلّط الله الشياطين على الكافرين فأرسلهم عليهم. قال الله ل: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُهُمْ أَذًا) (مريم: 83) وذلك الإرسال والتسلّط إرسال تخلية إذ لم يمنعهم عنهم بالجبر والإكراه. وقد نهاهم عنهم وزجرهم وأوعد لهم العقاب على ما كان لهم منهم. ولكن ذلك الإرسال إرسال تخلية على نحو قولهم أرسلت علينا كلبك وسلطت علينا عبيدك، لا على أنه أمر بذلك أو زينه أو دعا إليه (3).
ويقال للكافرين أضلّهم الشيطان وغواهم. والمعنى في ذلك أنه دعاهم إلى الضلال فأجابوه وأمرهم وأطاعوه. وأضلّهم الله إذ خلق ضلالهم وجعلهم
خلافا لهداهم.
(1) في الأصل «فصاروا». (2) في الأصل «بواليس». م.
(3) لقد سبق أن أوردنا جلّ هذه المعاني في باب اختلاف النّاس في الإيمان والكفر وقارنا بين
عبارته وعبارات السوفي. (1/481)
صفحة 480
482
الجزء الثاني
وكذلك يقال لمن دعا المؤمنين إلى الهدى: هداهم وأخرجهم من الضلال إلى الهدى إذ دعاهم إليه فأجابوه وأمرهم به فاتبعوه، وهداهم إليه إذ خلق هداهم وسدّدهم وأعانهم.
وأما ما سألت عنه من ارتياب المنافقين والمرض الذي في قلوبهم فذلك تربصهم بالتوبة وترك مضي العزيمة على الطاعة لأنه لم تمض عزيمتهم على طاعة الله ولم يعزموا على التمادي. وكانوا يأملون التوبة ويتمنونها مع التمادي على الكفر والعصيان. فكان ذلك شكّا منهم وارتيابًا إذ لم يجدوا في الطاعة وترك المعصية وكانوا بين ذلك متمادين على العصيان ويأملون تركها والخروج منها والتوبة منها حتى أتاهم الموت على كلّ ذلك لقول الله: وَلَكِنَّكُر فَنَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَتَضَهُ وَارْتَبْتُهُ] وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللهِ الْغَرُورُ} [الحديد: 14)، كقول أهل اللغة أيضا شكّ الفرس في جريته، إذا كان بين ذلك لم يترك الجري ولم يجد في جريته (3). وكذلك من أخذ في شيء ولم يجد فيه ولم يتركه جائز أن يقال: شك في فعله وارتاب.
V
ـ في معنى لا إله إلا الله
فإن سال عن قول من قال: لا إله إلّا الله هل نفاه في قوله «لا إله» وأثبته في قوله «إلّا الله»؟ قيل له: لم ينفه في أوّل كلامه ولا في آخره وإنما نفى أن يكون إلها سوى الله. وأثبته إلها واحدا (3) لا إله غيره. كما أنك إذا قلت: /67/ عبيدي كلّهم أحرار إلا فلانا أو مالي كلّه صدقة إلا هذا الشيء، إن ذلك
(1) سقط من الآية «وارتبتم». (2) جاء في لسان العرب في مادة (ش ك ك) شك البعير يشك شكا أي ضلع ضلعا خفيفًا. (3) في الأصل «إله واحد». (1/482)
صفحة 481
كتاب التحف المخزونة
483
العبد لم يعتق في آخر كلامه ولا في أوّله. وكذلك من استثنى من ماله لم يكن صدقة في أوّل كلامه ولا في آخره. وكذلك من قال: طلقت نسائي كلّهنّ إلا فلانة. فإنّما وقع طلاقه على نسائه اللاتي لم يستثنين. وأما التي استثناها لم يقع عليها الطلاق في أول كلامه ولا في آخره.
ومن أنكر الله فقد جهله. ومن أنكر نبيا فقد أنكر جميع الأنبياء والرسل. ومن أنكر شيئًا من الخلق ممّا يُشرك [ب] إنكاره فقد أنكر جميع الأنبياء. من بلغ الشرك بإنكار شيء أو نفيه أو إثبات شيء يقال إنه أنكر الله وجهله، وأنكر طاعة الله وخصالها، وجهل جميع الدين وخصاله (1).
فكذلك
جميع
وكل من أشرك بالله لا يكون معه شيء من طاعة الله ولا من معرفته ولا الإفراد له. وكذلك كلّ ما كان الإقرار به توحيدا فلا يكون معه شيء من الإقرار به ولا المعرفة به ومن وصف الخلق بصفة الله أشرك بالله وذلك أن يزعم أن المخلوق قادر لا يعجز أو عالم لا يجهل أو قديم ليس بمحدث. فإذا وصف المخلوق بشيء من هذا فقد أشرك بالله العظيم.
ـ في انتفاء اجتماع المتضادات
عن
درك
سألت الشيخ الله عن البصر: [هل] يكون حيا في درك الألوان ميتا عن درك الأصوات؟ وعن السمع: هل يكون حيا في درك الأصوات ميتا الألوان؟ قال: لا يجوز ذلك. لا يكون شيء واحد حيا في كذا ميتا في كذا).
(1) يرى الحسينية - خلافًا لذلك ـ أنّ من أنكر سوى الله لا يسمّى مشركا كذلك من جهل
محمدا.
(2) إذا أريد بالحياة الإدراك والقدرة عليه فإنّ البصر حتي في درك الألوان وميت عن درك الأصوات - خلافا لما رواه المؤلّف عن شيخه ـ لأنّ الله جعل لكل حاسة خاصية تختلف عن
-
خواص بقية الحواس فالبصر من خاصيته درك الألوان والسمع من خاصيته درك الأصوات. (1/483)
صفحة 482
484
الجزء الثاني
وكذلك لا يكون متحرّكا في شيء ساكنا في شيء آخر (). واختلفوا في «زمن» و «مستطيع». قال بعضهم لا يكون مستطيعا في كذا زمنا في كذا. وذلك أنّ الاستطاعة والزّمانة متضادّتان متنافيتان لا تجتمعان (2) في جارحة واحدة. وقال بعضهم: يجتمعان في جارحة ولا يجتمعان في فعل. وعلى هذا القول يكون مستطيعا في كذا وزمنا في كذا كما أنه يكون عالمًا لكذا وجاهلا لكذا. وذلك أن تضادّ العلم والجهل في شيء واحد لا في أشياء مختلفة لا يكون عالما بشيء وجاهلا به ولا قادرًا على شيء عاجزا عنه، وكذلك لا يكون عاصيا في شيء مطيعا فيه.
واتصل اختلافهم في هذا باختلافهم (3) في المعلوم والمجهول والخلق والمخلوق. وقال أصحاب المعلوم والمجهول: يعلم الحركة محدثة من يجهل أنها مخلوقة. ويعلم أنّها محدثة مخلوقة من يجهل أنها معصية أو طاعة. ويعلم أنها معصية من يجهل أنّها كفر وضلال. فعلى هذا يعلم الشيء من جهة ويجهل من جهة ولا يعلم من جهة ما جهل ولا يجهل من جهة ما علم. فهذه (4) علوم كثيرة في شيء واحد المعلوم بأنه محدث هو المجهول بأنه مخلوق. والمعلوم بأنه محدث مخلوق هو المجهول بأنه طاعة أو معصية (). وكذلك أيضا الخبر يعلم أنّه خبر من يجهل أنه صدق أو كذب. وقد قيل يكون خبر واحد (6) صدقا (7) من جهة وكذبًا من جهة وطاعة من جهة
(4)
(1) وانظر الأشعري مقالات الإسلاميين 21/ 2.
(2) في الأصل يجتمعا».
(3) في الأصل «إلى اختلافهم». م.
(4) في الأصل «فهذا».
(5) قارن بما ذكره الأشعري من أقوال في هذا الشأن في مقالات الإسلامتين 77/ 2، 78.
(1) في الأصل «خبرًا واحدًا».
(7) في الأصل «صادقا». (1/484)
صفحة 483
كتاب التحف المخزونة
???
ومعصية / 68/ من جهة، على نحو قول الرّجل لرجلين أحدهما (1) صادق والآخر كاذب بخبرين صدق وكذب فقال لهما: صدقتما. فهذا تصديق واحد وكلام واحد. كذب من جهة تصديقه الكاذب. وصدق من جهة تصديقه للصادق. وتصديق الكاذب كذب. وتكذيب الصادق كذب. وكذلك في الطاعة والمعصية وتصديقه للكاذب معصية وتصديقه للصادق طاعة. فصار
(1):
من جهة ما كان تصديق الصادق ومعصية من جهة ما كان
عن
(3)
من
الشيء
طاعة هذا الكلام تصديق الكاذب وأمّا أن يكون صدقا من جهة ما كان كذبًا فهذا محال القول لأن الصدق خبر عن الشيء على ما هو به والكذب خبر. على خلاف ما هو به وذلك أنّ الصدق ضدّ الكذب والكذب ضد الصدق، والعلم ضدّ الجهل والجهل ضدّ العلم والاستطاعة ضد للزمانة، والموت ضد الحياة والفناء ضدّ للبقاء (4). ولا يكون الجهل بالشيء جهلاً بغيره). كما لا تكون استطاعة الشّيء (6) زمانة عن غيره واستطاعة الشّيء استطاعة غيره. وذلك أن المعرفة بالشّيء معرفة بضده. ولا تصح معرفة الأشياء بحقائقها ومعانيها إلا بمعرفة أضدادها ومعرفتك لشيء معرفتك لضده. وكذلك جهلك بشيء جهلك لضدّه. وأمّا فعلك لشيء فهو تركك لضده. وكذلك خروجك من الشيء دخولك في ضدّه (7).
(1) في الأصل «إحداهما».
(2) في الأصل «وكان معصية». م.
(3) في الأصل «على».
(4) وانظر الأشعري: مقالات الإسلاميين 77/ 2 فقد أورد جانبًا من هذه المسألة تحت عنوان قولهم في المعلوم والمجهول» وفي قضية الاختلاف في تعريف الصدق انظر
ن م 133/ 2، 134.
(ه) في الأصل زيادة في حرف «الواو».
(1) في الأصل «الاستطاعة على» في المواضع الثلاثة من الفقرة. م.
(7) وانظر الأشعري: مقالات الإسلاميين: 65/ 2. (1/485)
صفحة 484
486
الجزء الثاني
وضد الشيء ما لا يزول ولا يذهب إذا كان ثابتا إلّا بمجيئه. فكلّ شيء إذا كان ثابتا و لا (1) يزول إلا. بمجيء معنى
فذلك المعنى هو
ضده (2).
إن سأل سائل عمّا يرى من الظل وما يرى في المرآة وما يسمع من الصدى إذا صاح صائح عند الجدار أهي معان أم لا؟ قيل له: نعم، لأنه لا يرى الألوان ولا يسمع الأصوات (3).
فإن سأل سائل عمّا يرى من السحر: أهو معنى أم لا؟ وهل يفرق بينه وبين ما يأتي به الأنبياء من العلامات والبراهين وما يعجز عنه غيرهم أن يأتي به؟ الجواب في ذلك، وبالله التوفيق أن السحر معنى منهي عنه وهو معصية الله وهو تخييل. وليس هو على حقيقة ما يدعيه أهل السحر. وأما ما يأتي به الأنبياء فهو معنى صحيح على حقيقة ما يأتون به. ولا يسع الشك فيما يأتون به من الآيات والعلامات أنه على حقيقة ما هو به أو تخييل منهم فليس هو على ما هو به ومن شك في ذلك ضلّ وهلك.
9 - في صفة الكلام
ويقال: لم يزل الله متكلّما لذاته وبذاته وفي ذاته. لا بإحداثه الكلام كان متكلّما. بل لم يزل متكلّما لعلة نفي الخرس عنه. ولا يجوز في الأزل «تكلّم» ولا «يتكلّم» ولا «كلّم» لأنّ في ذلك إثبات أن الكلام لم يزل معه. واختلفوا في «يتكلّم». عند إحداثه الكلام. فأجازه بعضهم. وأبطله بعضهم وجعلوه في وزن يتخلّق» و «يترزق» و «يتفعل» فهذا لا يجوز (4).
(1) في الأصل «فلا».
(2) وانظر الأشعري، مقالات الإسلاميين: 62/ 2، 63.
(3) أورد الأشعري ستة أقوال فيما يراه الرائي في المرآة انظر كتابه مقالات الإسلاميين 121/ 2. وفيما يخص الظل أورد الأشعري أيضا قولين في المسألة انظر ن و 106/ 2.
(4) وانظر أبو عمار: شرح الجهالات 363 - 356. (1/486)
صفحة 485
كتاب التحف المخزونة
???
10 ــ في أحكام الطهارة والصلاة
سألت عن وقت فرض الغسل من الجنابة أفي حين نزولها أم في وقت الصلاة؟ /96/ الجواب في ذلك: أنّ وقت فرض الغسل من الجنابة
حين نزولها لا في وقت الصلاة ولا في غيره وهو موسع إلى آخر وقت الصلاة. فإذا خرج الوقت ولم يغتسل من الجنابة ضل بتضييعه الغسل منها (ه). والاستنجاء فرض. وهو سنة (6). وإنّما يجب عليه) في وقت الصلاة. والوضوء فرض وهو من التنزيل (8). إلا المضمضة والاستنشاق فإنّهما سنتان (9). . ومسح الأذنين سنة (1). ونزع النجاسات من اليدين والقياب والصلاة بثوب طاهر وجسد طاهر في مكان طاهر فهذا كله فرض يجب عليه عند وجوب الصلاة ويضيق عليه ترك ذلك في حين ما يضيق عليه ترك الصلاة ويسعه تركه ما وسعه ترك الصلاة). وكذلك
(ه) قال تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنَّبًا فَأَطَهَرُوا} [المائدة: 6] والغسل فرض موسع للصلاة والصوم فإن خرج وقتها ولم يغتسل المكلّف هلك. انظر أبو مسلم: نثار الجوهر 146/ 1. (1) أي هو فرض بطريق السنة وقد واظب الرسول وأقرهم أهل مسجد قباء وغيرهم وقيل هو فرض بالقرآن لقوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنطَهَرُوا} [التوبة: 108] والآية فيها مدح والمدح
إذا جاء مطلقا دلّ على الوجوب ما لم يرد دليل انظر أبو مسلم: نثار الجوهر 134/ 1، 135. (7) أي على المكلف الذي لزمه الاستنجاء. (8) قال تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} [المائدة: 1]. (9) في حكم المضمضة والاستنشاق ثلاثة أقوال: (أ) هما سُنَّة في الوضوء وهو قول الإباضية وعليه الشافعي ومالك وأبو حنيفة. (ب) هما فرض في الوضوء وهو قول جماعة من أهل الظاهر وابن أبي ليلى. ج) المضمضة سُنَّة والاستنشاق فرض وعليه أبو ثور وأبو عبيد من أهل الظاهر. انظر أبو مسلم: نثار الجوهر 171/ 1، 174.
وجماعة
(10) في هذه المسألة أيضا أقوال انظر ن م 182/ 1. (11) لا خلاف بين الأمة في أنّ الطهارة شرط في صحة الصلاة والتضييق والتوسعة في وجودها
إنما هو مرتبط بوقت الصلاة فما دام وقت الصلاة لم يخرج فإن تارك الطهارة لا يهلك. (1/487)
صفحة 486
???
الجزء الثاني
(1)
وجوب
الصلاة.
التوجيه (1) واستقبال القبلة (2) فرض واجب عليه عند ويسعه الترك والجهل لذلك ما لم يجئ وقت الصلاة. فإذا جاء وقت الصلاة لزمه أن يولّي وجهه نحو القبلة مصلّيًا وأن يعرف ذلك الاستقبال أنه فرض لازم متقربا بذلك كله إلى الله. فإذا خرج الوقت ولم يؤدّ جميع ما يلزمه من هذه المعاني التي ذكرناها عصى وأثم.
(1) التوجيه هو قول المصلي: «إنّي وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا
من المشركين سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك» وموضعه على المشهور قبل الدخول في الصلاة وفي حكمه قولان: قيل هو فرض وبه قال أبو الربيع الذي رجحه الرواحي انظر الرواحي: نثار الجوهر 391/ 1 - 394. وقيل هو سنة وهو (2) أجمعت الأمة على أنّ استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة لقوله جل ذكره: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِهِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 150]. (1/488)
صفحة 487
كتاب التحف المخزونة
489
في الجواهر والأعراض
وأما ما سألت عنه من الجوهر والأعراض وفرزما بينهما وحقيقة كل واحد منهما وهل يكون محدث ليس بجوهر ولا عرض؟ فنقول، وبالله التوفيق: إنّ الخلق كله على وجهين إما جوهر وإما صفة لجوهر. وليس ثمّ معنى من المحدثات سوى ما ذكرناه
ا - في تعريف الجوهر
فالجوهر ما كان في عينه غير واحد ولا يكون إلا كذلك. و [له] جهات متغايرات لا ينفك من ست جهات أمام وخلف ويمين وشمال وتحت وفوق. فهذه الجهات الست لا ينفك الجسم منها. والجسم والجوهر والجنّة والصورة معناهم واحد. كلّ جسم صورة وكلّ جوهر جسم. وعين الجسم والجوهر والجنّة والصورة ما كان في نفسه غير واحد) وكان جسما لعلة
(1) انظر في تعريف الجوهر: أبو عمار: الموجز 19/ 2، البرادي رسالة الحقائق 25 ـ المحشي: حاشية الوضع 13، الأشعري: مقالات الإسلاميين 8/ 2، الجويني: الإرشاد 17، البغدادي أصول الدين: 33، بدوي: مذهب الإسلاميين 709/ 1، سامي سعيد لطف: فكرة الجوهر في الفكر الفلسفي الإسلامي، فقد أورد الأخير تعريفات كل من الكندي والفارابي والغزالي وابن الهيثم والرّازي وابن حزم وابن رشد وقارن بعضا منها بآراء علماء الغرب من أصحاب المدرسة الحديثة أمثال جون لوك ومهد لهذه التعريفات بالإشارة إلى أنّ فكرة الجوهر فكرة يونانية ثم لما نقلت للبيئة الإسلامية طعمت بالأفكار الإسلامية.
وفيما يخص التفريق بين الجوهر والجسم فإنّ الأشاعرة والمعتزلة على خلاف مذهب الإباضية القائلين إنّ الجوهر والجسم معناهما واحد انظر الأشعري: مقالات الإسلاميين 5/ 2 ـ 9 الجويني: الإرشاد 17، بدوي مذاهب الإسلاميين.181/ 1. والملاحظ أيضا أن البرادي
خالف الإباضية ففرّق بين الجسم والجوهر في المدلول انظر كتابه رسالة الحقائق: 26. (1/489)
صفحة 488
490
الجزء الثاني
التأليف والعَرْضُ والطول وهو حدود وأطراف. ولا ينفك من الكون في
المكان إما متحركًا وإما ساكنا (1).
2 ـ في تعريف العرض
وأمّا العَرَضُ في عينه ومعناه ما كان متعرّضا في الجوهر وبتعرضه كان عرضا (3). والفرق بينه وبين الجسم جواز البقاء على الجسم (3) ومرور الأحوال عليه وهو موجود، والعَرَضُ يجري عليه [ذلك] ولا تمرّ عليه الأحوال في الوجود ولا وجود له إلّا حال حدوثه ويعدم في الحالة التي تلي حدثه (4). . وهو في عينه ومعناه غير متعدّد ولا مبعض ولا يجري عليه الكون في المكان، ولا يوصف بالحدود والنواهي والعرض والطول
(1) لقد نفى الجويني افتقار الجوهر إلى المكان ـ خلافا للمؤلّف ـ وذلك لما يترتب عليه من تسلسل الأماكن كما قسم صفات الجوهر إلى: صفات واجبة: وهي التحيز وصحة قبول العرض. ـ صفات جائزة وهي وجود الأغيار فيه. - صفات مستحيلة: خروجه عن صفة نفسه. انظر: بدوي: مذاهب الإسلاميين 710/ 1، 711.
(2) انظر: المصعبي: حاشية تبغورين 68. وقد عرف الجويني بأنّه المعنى القائم بالجوهر كالألوان والطعم والروائح والحياة والموت والعلوم والإرادات ... أو هو ما لا يبقى وجوده. وهذا التعريف الأخير لا ترتضيه المعتزلة لأنّ من أصولهم القول ببقاء بعض الأعراض. انظر الجويني: الإرشاد: 17 بدوي: مذاهب الإسلامتين 711/ 1، 712. (3) الجوهر عند الجويني مثل ما ذكر أبو الربيع لكنّه غير متحدّد خلافا لقول أبي الربيع والنظام من المعتزلة، ودليل الجويني على مذهبه هو: لو كان الجوهر متحدّدًا حالا فحالا لأفضى ذلك إلى ألا يحيا ميت ولا يموت حي فإنّ الذي مات غير الذي كان حيا قبل موته، وكذلك القول في جملة الأعراض. ويلزم أيضا أن يجوز كون الشخص في حالتين متعاقبتين بالمشرق والمغرب بأن يوجده الله في أقصى المشرق ثم يوجده الله في الحالة الثانية في أقصى المغرب وكلّ ذلك خلاف الضرورات الشامي 160). انظر: بدوي: مذاهب الإسلاميين 710/ 1، 711. (4) انظر حواش على شرح الجهالات 10 البغدادي: أصول الدين 46، 50، 52، الأشعري: مقالات الإسلاميين (188/ 1،46/ 2 48 بركات: الوحدانية: 344. (1/490)
صفحة 489
كتاب التحف المخزونة
491
ويوصف بالحدث (1) والفناء. ولا يكون محدث خارج من هذين المعنيين
ليس بجسم ولا عرض.
3 ـ في صفات الجسم
(2)
والجسم له صفات بان بها عن العرض والعرض له صفات بان بها عن الجسم (2). فلهما صفات موصوفات (3) بها جميعًا. وليس واحد منهما أولى من الآخر. [يجري عليهما] (4) الحدث والفناء والحاجة والعجز. فهما جميعا محدثان عاجزان محتاجان /70/ جرى عليهما (5) الفناء والذهاب والوجود بعد العدم والعدم بعد الوجود.
وأما صفات الجسم التي لا ينفك منها ولا يكون إلا موصوفا بها مثل الحركة والسكون لا يكون إلّا متحرّكًا أو ساكنا، والحياة والموت إما حتي وإما ميت والاجتماع والافتراق فلا يخلو الجسم منهما و [من] التماس التباين. فهذه صفات انفردت بها الأجسام. ولا يكون الجسم إلا موصوفا بها. وأما ما كان منها حيا تجري عليه الاستطاعة والزمانة والعلم والجهل والاستلذاذ والألم والإرادة والكره فهذه صفات انفردت بها الأحياء عن
(1) انظر: الأصم النور: 27 الدليل على حدوث الأعراض: والدليل على حدوث الأعراض أنه قد صح وجود الجسم في حال ومحال أن يوجد ساكنا متحركا في حال من الأحوال. فالذي صح وجوده وهو الجسم غير الجسم الذي يستحيل وجوده وهو الحركة والسكون. (2) انظر السوفي: السؤالات: الصفات التي بانت بها الأجسام عن الأعراض. 1) الصفات التي بانت بها الأجسام عن الأعراض هي التمكّن والتجزؤ والانعداد والطول والعرض. ص 20144) الصفات التي بانت بها الأعراض عن الأجسام هي لا تبقى أكثر من حال وغير الفناء متجزئة وغير متمكنة. ص 145 3 الصفات التي اشترك فيها العرض بالجسم هي
والحدث والحاجة والعجز. ص
(3) في الأصل «موصوفون».
(4) في الأصل بياض. (ه) في الأصل «عليهم».
145 (1/491)
صفحة 490
492
الجزء الثاني
الأموات). وهي صفات متضادّات. فالحركة ضد السكون، والحياة ضدّ الموت، والاجتماع ضد الافتراق والتماس ضدّ التباين. فلا يكون الشيء متحركا ساكنا في حالة. ولا يكون إلا متحرّكا أو ساكنا. ولا يكون حيا مينا في. حالة واحدة ولا يكون إلا حيا أو ميتا. فلا يخلو من أحد المعنيين: من الحياة أو من الموت. وكذلك لا انفكاك له (2) من الاجتماع والافتراق في حالة واحدة. إلا أنه لا يجامع شيئًا ولا يفارقه في حال واحدة: إما مجامع لشيء أو مفارق له. ولا يخلو من أحد المعنيين: إما مفارق لشيء أو مجامع [له]. وكذلك التماس والتباين لا يكون مماشا لشيء مباينا له: إمّا مماش له (3) أو مباين [له] (4). فلا يخلو إذا مس شيئًا من مباينة غيره. ومسه لشيء غير مسه لغيره. ومباينته لشيء (5) غير مباينته لغيره (6). وكذلك اجتماعه [معه] وافتراقه [عنه]. [فالشّيء] (7) يجتمع مع شيء ويفترق عن (8) غيره. ولو كان اجتماعه مع شيء هو اجتماعه مع غيره أو مفارقته لشيء هي مفارقته لغيره لكان إذا فارق شيئًا فارق غيره وإذا جامع شيئا جامع غيره. [و] لما وجدناه (9) مجامعا شيئًا ولم يجامع غيره ويفارق شيئا غيره
(1) انظر: السوفي: السؤالات: الصفات التي بانت بها الأحياء عن الأموات. 1) الصفات التي بانت بها الأحياء عن الأموات هي الاستطاعة والزّمانة والعلم والجهل والاستلذاذ والألم. الجمودة واستحالة اللذات ص 20144) الصفات التي بانت بها الأموات عن الأحياء هي
واستحالة الألم واستحالة الاستطاعة. ص (2) في الأصل «لا منفك من». م.
144
(3) في الأصل «ماشه». ورجح المحقق «مماشه». م.
(4) في الأصل «مباينه». م.
(ه) في الأصل «بينته عن شيء». م. (1) في الأصل «بيونته عن غيره». م.
(7) في الأصل بياض.
(8) في الأصل «مع». م. (9) في الأصل «لما أن وجدنا». م. (1/492)
صفحة 491
كتاب التحف المخزونة
493
صح أن اجتماعه مع شيء غير اجتماعه مع غيره، وكذلك مفارقته الشيء غير مفارقته لغيره، وكذلك المماسة والمباينة على هذا العيار والوزن. فهذه صفات الأجسام وهي أعراض ليست بأجسام.
وللجسم أيضا صفات يوصف بها وهي أجسام ليست بأعراض). وهي اللون والطعم والرائحة والخشونة والحلاوة والمرارة والحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة والنّحافة (3) والثقالة وضدّها [من] صفات الجسم. فربّما
هذه
تكون (4) هذه هي الموصوف بها. وربما تكون غيره. فكل ما لا ينفك. من الصفات ولا يكون إلّا موجودًا بها فتلك الصفة في الموصوف ليست غيره.
وهي
حالة
وكل صفة يوصف الموصوف من هذه الصفات بضدها في غير الموصوف فيه فهو جسم. فإن كانت غيره فلا يخلو الجسم الموصوف بهذه من إحدى الصفتين إما أبيض وإما أسود وإما خشن وإما لين، إمّا حلو وإما مرّ، وإمّا حارّ وإمّا بارد وإمّا رطب وإمّا يابس، إما خفيف وإما
الصفات
(1) أورد الأشعري الاختلاف في المعاني القائمة بالأجسام كالعلم والقدرة والحركة والسكون والحياة قال قائلون هي أعراض وليست بصفات وقال هشام بن الحكم هي صفات ولا نقول هي أجسام ولا غيرها لأنّ التغاير يقع بين الأجسام. انظر مقالات الإسلاميين 56/ 2، 35. بينما عبد بن كلاب كان يسمّي المعاني القائمة بالأجسام أعراضا ويسميها أشياء ويسميها صفات انظر ن م 57/ 2 (2) لقد أورد الأشعري كلاما شبيها بهذا وينسبه إلى ضرار بن عمرو فقد قال إنّ الألوان والطعوم والروائح والحرارة والبرودة هي أبعاض الأجسام والحركات والسكون وسائر ا الأفعال. أعراض لا أجسام. وقد أفرط النظام فقال لا عرض إلّا الحركة والألوان والطعوم والأصوات
هي
والآلام والحرارة والبرودة واليبوسة أجسام لطيفة. بينما أبو الهذيل وبشر بن المعتمر والإسكافي وغيرهم يرون أنّ الألوان والطعوم والروائح والأصوات أعراض غير أجسام. انظر الأشعري مقالات الإسلاميين 35/ 2 - 40. أما البغدادي فقد عد الحرارة والبرودة والطعم والرائحة والرطوبة واليبوسة من جملة الأعراض. انظر أصول الدين: 33.
(3) في الأصل «التحفة» وهو تصحيف من الناسخ.
(4) في الأصل «أن تكون». م. (1/493)
صفحة 492
494
الجزء الثاني
ثقيل. فهذه صفات جوهرية). فالجسم موصوف [بها] (2) وبغيرها من العرضيات (3). وهي جميعا (4) دالة على حدث الجسم) ولا [على] محدثه. على أن الجسم لا يشبه محدثه ولا محدثه يشبهه.
واختلفوا /71/ في حدث الجسم وبقائه وفنائه وإعادته. قال هذه بعضهم: صفات للجسم، وهي غيره، وهي أعراض كغيرها من الأعراض. وقال (1) بعضهم: ليس ثَمَّ شيء سوى الجسم). وزعموا أن حدث الشيء هو وبقاؤه هو وفناؤه هو وإعادته وهو إذا قلنا «محدث» لم يدلّ على حدث غير المحدث، وكذلك إذا قلنا «باق» لم يدلّ على معنى غير الباقي، وكذلك إن لم يدلّ على معنى غير الفاني. وكذلك إذا قلنا «معاد» لم يدلّ على معنى غير المعاد. وكذلك إذا قلنا «موجود» لم يدلّ على معنى غير الموجود و «معدوم» ليس ثم معنى غير المعدوم أو «جسم» ليس ثمّ شيء غير الجسم. فجسمانيته
(1) لقد قسم الجويني الأعراض إلى قسمين أولهما ما يوصف بالاختلاف والتضاد كالطعم والرائحة واللون وبيّن أنّ الجوهر لا يحتمل ضربين منها معا فإما أنه أبيض أم أسود وهكذا ... انظر: بدوي: مذاهب الإسلامتين 713/ 1.
(2) سقطت من الأصل [بها].
(3) أي الصفات.
(4) في الأصل «جميع».
(5) أورد الشوفي الدليل على خلق الأجسام وهو حلول الأعراض فيها انظر السؤالات: 139. وانظر: الماتريدي: التوحيد،11، 12، 15، فقد أورد جملة من الأدلة العقلية والسمعية على حدوث الأجسام كما استدل الأصم على حدوث الجواهر بأنّها لا تنفك من الحوادث وما لا ينفك من حادث فهو حادث واستدلّ على ذلك باتّصافها بالحركة وما كان متحركًا كان حادثا. انظر الأصم: النور: 27 وأورد الجويني أيضا نفس الدليل مع الأخرى انظر الإرشاد: 18. (6) في الأصل «فقال».
جملة
من
الأدلة
(7) روى الأشعري عن الأصمّم قوله لا حركة غير الجسم ولا سكونا غيره ولا فعلاً غيره ولا افتراقا ولا لونا ولا صوتا ولا طعما ولا رائحة غيره. انظر مقالات الإسلاميين 35/ 2. (1/494)
صفحة 493
كتاب التحف المخزونة
495
صفة له. وعَرْضه صفة له. وطوله صفة له. وليس ثمّ معنى غيره. وكذلك فناؤه وبقاؤه وليس ثم معنى غيره. وحدثه وإعادته وكل ذلك ليس ثمّ معنى غيره. وأجمعوا على أن وجود الشيء ليس ثمّ معنى غيره، وعدمه ليس بمعنى. وإذا كان يسمى الشيء موجودًا في حال ويسمّى معدوما في حال أخرى إذا قلنا «موجود» أثبتناه وإذا قلنا «معدوم» نفيناه. فَعَيْنُ) الذي أثبتناه إذا قلنا «موجود» هو (2) الذي نفيناه إذا قلنا «معدوم». فالشيء يوجد في حالة ويعدم في أخرى، ويكون موجودًا قبل حدوثه، ويكون معدوما قبل حدثه وبعد حدثه، ولا يكون فانيا إلا بعد حال حدثه، ولا معادًا إلّا. بعد حال حدثه ويفنى الشيء مرارًا ويعاد (3) مرارًا ويبقى أحوالاً ويعدم أحوالاً ويوجد أحوالا ولا يخلق مرارًا. وذلك أنّ خلق الشّيء حدثه بعد إذ لم يوجد قبل حال حدثه.
(4)
وفنائه.
وأما من زعم أن حدثه وبقاءه وفناءه وإعادته غيره فليزعم أن حدثه غير
بقائه وفنائه وإعادته، وكلّ معنى من هذه المعاني غير الآخر. ولو كان معنى الإعادة والحدث والبقاء واحدًا لكانت الأشياء المحدثات كلها معادة. فيكون الشيء في حال حدثه باقيًا فانيًا معادًا. فلمّا بطل واستحال أن يسمّى الشّيء في حال حدثه باقيا ولا فانيًا ولا معادًا ويسمى محدثًا موجودًا صح عنه أنّ حدثه غير بقائه وغير فنائه وإعادته. فالحدث والوجود والفناء جارية (5) [على] (6) جميع الخلق. والبقاء والإعادة انفردت بهما () الأجسام دون
(1) في الأصل «فالعين». م. (2) في الأصل «وهو». (3) في الأصل «يعادى». (4) في الأصل «يزعم». م. (ه) في الأصل «جار». م. (6) سقطت من النسخة [على].
(7) في الأصل «به». م. (1/495)
صفحة 494
496
الجزء الثاني
بعد
الأعراض. فلا يكون الشيء باقيا إلا بعد حال الوجود ولا فانيًا إلّا حال الوجود. ولا يكون معادًا إلّا بعد الحالتين حال الحدوث وحال الفناء. فكل ما جرت عليه الإعادة جرى عليه البقاء. وكلّ ما جرى عليه البقاء من الخلق جرى عليه الفناء (2) والإعادة. وليس كلّ ما جرى عليه الحدث والفناء جرى عليه البقاء والإعادة.
4 - في حدث الأجسام وفنائها
فإن قال: أخبرني عن حدث الشّيء هل يدلّ على فنائه؟ قلنا: نعم، إنّ حدث كل شيء دليل على فنائه كما أنّ فناءه يدلّ على حدثه. وذلك أنّ حدثه خروجه من العدم إلى الوجود وفناءه خروجه من الوجود إلى العدم. وحدثه يدلّ على إجراء الفناء عليه. وفناؤُه يدلّ على حدثه لأنّ من كان قادرًا على إخراجه من العدم إلى الوجود فهو أيضا قادر على إخراجه من الوجود إلى العدم. وما دلّ على بقائه يدلّ على جواز الفناء عليه وعلى إعادته لأنّ إخراجه من الوجود إلى العدم يدلّ على إخراجه من العدم إلى الوجود.
(1)
جمهور العلماء على أنّ الأعراض محال بقاؤها. وخالف في ذلك بعض المعتزلة كالعلاف وبشر ابن المعتمر. أما العلاف فقد قسم الأعراض إلى قسمين منها ما يجوز بقاؤه كاللون والطعم والحياة والعلم والقدرة ومنها ما لا يبقى كالحركة والإرادة. وأما بشر فقد ذهب إلى أن السكون كلّه باق لا يفنى إلا بالخروج منه إلى الحركة وكذلك كل لون لا يفنى إلا بخروج الجسم منه إلى ضدّه. انظر البغدادي: أصول الدين 51،50. (2) عرف المصعبي الفناء بأنّه عدم شيء مسبوق بالوجود والعدم أعم من أن يكون له وجود سابق أو لم يكن انظر المصعبي حاشية تبغورين: 70 انظر تعريف أبي عمار للفاني في الموجز 14/ 2. أما من الأشاعرة فقد عرفه القلاسني بأنه عرض يقوم بالجسم الفاني فيفنى به في الثانية من حال حدوث الفناء فيه وبين الأشعري أنّ فناء الجسم إنّما يكون بأن لا يخلق الله فيه. وأما العرض فإنّما يفنى في الثاني من حالة حدوثه لاستحالة بقائه. انظر البغدادي: أصول الدين: 46. (1/496)
صفحة 495
كتاب التحف المخزونة
497
قلنا:
فإن سأل عن الجسم: هل يشاهد /72/ ويدرك بالحواس في حال حدثه؟ نعم، يدرك الجسم بالحواس في حال حدثه كما يدرك الصوت بالحواس في [حال]) حدثه (2). وأما حدثه وفناؤه وإعادته فلا يشاهد بالحواس ولا يُدرك بها ولا يُعْلَمُ ذلك إلا بالنظائر والدلائل (3).
(2)
ه ـ في ما يدرك بدليل
فإن سأل عن كلّ ما لا يُدْرَكُ إلّا بالدليل من حدث الشيء وبقائه وفنائه وإعادته وغير الوهم على حقيقة ما هو به؟ الجواب في ذلك: أنّ الأوهام لا تقع من العقول إلّا على ما أدركته الحواس أو يجوز أن تدركه الحواس. وكذلك التمثيل والتكليف والتصوير لا تجري هذه المعاني ولا تجوز إلا على ما يُدْرَكُ وتصل العقول إلى ما هو به من صورته وكيفيته مما لا يُدْرَكُ [إلا] بالدليل ولا يُدْرَى إلا بمشاهدة الحواش وإحاطتها.
(1) سقط من الأصل «حال».
(2) في الأصل «حدثها».
(3) الأشعري المقالات 49/ 2 - 45 رؤية الأجسام والأعراض.
- أبو الهذيل = الأجسام ترى والإنسان يرى الحركة إذا رأى شيئًا متحركا ويرى السكون إذا رأى الشيء ساكنا وكذلك القول في الألوان ... غير أنّ التفريق بين الساكن والمتحرك قد يكون أيضا كاللمس بينما الألوان لا تلمس لأنّ الإنسان لا يفرق بين الأسود والأبيض
باللمس.
- الجبائي = يوافق أبا الهذيل في رؤية الأجسام والأعراض ويخالفه في لمس الأعراض. - النظام = الأعراض محال أن ترى ومحال أن يرى الإنسان إلا الألوان والألوان أجسام ولا. جسم يراه الإنسان إلا لون.
عباد بن سليمان = الأعراض لا ترى ولا يرى الرائي إلا الأجسام ولا يرى إلا ما هو ذو جهات وأنكر أن يرى أحد لونا أو سكونًا أو حركة أو عرضا.
- الصالحي = الأجسام لا ترى ولا يرى إلا لون والألوان أعراض. معمر = تدرك أعراض الجسم وأما الجسم فلا يجوز أن يدرك.
(4) سقط من الأصل «إلّا». (1/497)
صفحة 496
498
الجزء الثاني
وإن أراد (1) بقوله: هل يوهم حدث شيء لا من شيء وفناؤه لا إلى شيء؟ أي: يعلم حقيقة ذلك ومعناه بالدلائل والبراهين فجائز عِلْمُ ذلك ومعرفة حقيقة ما هو به من حدثه لا من شيء وفنائه لا إلى شيء (2). وكذلك صفات الجسم كلّها العرضيّة المتضادّة فيه التي هي الأعراض لا تقوم إلا بالجسم ولا يُعرف ذلك إلا بالدلائل ولا يُدرك بالحواس ولا يشاهد بها. والدليل عليها الجسم الحالةُ فيه وهو الدرك بالحواس المستغني عن الدليل.
6 ـ في معنى الدليل والمدلول
فإن قال: ما معنى الدليل والمدلول والاستدلال والمستدل والمُدِل والمُدَلَّ (3)؟ الجواب في ذلك: أنّ الدليل كلّ شيء يؤدّي إلى معرفة شيء ويوصل إلى حقيقة ما هو به مما لا يدرك بالحواس. وأما المدلول فهو الشيء الذي وصل بالمستدلّ إلى حقيقة ما هو به بالدليل الذي وصل به إليه. وأمّا الاستدلال فهو فعل المستدلّ إذا استدلّ بالدليل على معرفة المدلول. فأمّا المدلّ فالذي أدلّه إليه بالدلائل على معرفة ما لا يدرك إلا بها. والمدلّ عليه الذي أحدث له الدلائل التي استدلّ بها على المدلولات. والدليل غير
هو
(1) في الأصل «أردت». وقد تجوز على اعتبار المخاطب. م. (2) وذلك كخلق الله للأشياء فإنّه يكون لا من شيء إذ المعنى الأصلي للخلق الإخراج من عدم إذا نُسب إلى الله تعالى. وأمّا الفناء لا إلى شيء فهو الإعدام على خلاف النظرية القائلة لا شيء يفنى ولا شيء يعدم وإنّما كل الأشياء تتحوّل من حالة إلى أخرى. (3) هذان اصطلاحان جديدان غير معهودين في ما سلف من فنون الاصطلاح العربي. و «المُدِل» يكاد يساوي في الاصطلاح اللساني المعاصر «الدال» Signifiant. وهو هنا بمعنى «موجد الدلائل» أي الله. وقد صرح بذلك في آخر الفقرة قائلا: «والله دال ومُدِل ومستدل ودليل ومدلول». أما «المدلّ» فهو الذي دلّه موجد الدلائل إلى معرفته أي الإنسان. اشتقاقيا الأول اسم فاعل من مادة (د. ل. ل) أمّا الثاني فاسم مفعول منها. فلينظرا. م. (1/498)
صفحة 497
كتاب التحف المخزونة
499
المستدل وغير المدلول وغير الاستدلال وربّما أن يكون شيء واحد دليلا ومدلولا ومستدلا ومدلا. وأما الاستدلال فلا يكون إلا فعل المستدل اكتسابا
منه واختيارًا لا يكون طبعا ولا اضطرارًا.
فإن قال: بين لنا ذلك. قلنا وبالله التوفيق: إن الذي خلقه الله عاقلا صحيحًا مكلفا مأمورًا منهيًّا (1) هو دليل وهو مستدل وهو مدلول ومدلّ. وكان
دليلا على نفسه أنه محدث بما كان من علامات صفاته التي كان بها في عينه ومعناه. فصار دليلا لنفسه إذا كان علامة لحدثه. وصار مدلولا على أنه محدث (2) وصار مستدلّا إذ كان هو الذي استدل بنفسه على حدثه. وكان مُدَلَّا إذ دلّه الله على حدثه لما جعل فيه من العلامات والله دال وهو مدل و مستدل ودليل ومدلول (3).
فإن قال: أخبرني عمّا لا يدرك إلا بالدليل هل يُوجد بعد فناء دليل؟ الجواب في ذلك: أنّ كلّ ما لا يدرك إلا بالدليل لا يوجد بعد فناء [دليله]). إلّا ما كان له دليل يدلّ على وجوده وبقائه نحو العقل الذي دلّ على بقائه /73/ ووجوده حفظه لما مضى. وشرح ذلك وبيانه (ه) أنا وجدنا العقل يدلّ على حسن مذاهبه ولما زال حسن مذاهبه صار العقل مأفونا (1) غير صحيح. فذهب الدليل الذي استدل به عليه. ثم رجع إلى المذاهب كما كان عليها قبل ذهابها وزوالها. فوجدناه حافظا لما
حسن
(1) في الأصل «منهي».
(2) في الأصل «محدثا».
(3) انظر: أبو عمار: شرح الجهالات 64. الوارجلاني: العدل والإنصاف 28/ 1.
(4) سقط من الأصل «دليله».
(ه) في الأصل «بيناه».
(1) في الأصل «مأفوها». مأفونا معناها ناقص العقل يقال أفن الرجل إذا كان ناقص العقل فهو أفين ومأفون. انظر ابن دريد: جمهرة اللغة 433/ 3. (1/499)
صفحة 498
الجزء الثاني
قد كان ومضى. فلو كان عقلا حادثا ما يُحْفَظُ به ما قد مضى. ولو جاز أن يُحْفَظَ ما قد كان بعقل حادث لجاز أن يَحْفَظُ جميع ما كان قبل عقله الذاهب بعقله الحادث. فلمّا بطل [أن] (1) يَحفَظ بعقله الحادث ما كان قبل عقله الذاهب بطل أيضا أن يحفظ بعقله الحادث ما كان حافظا له بعقله الذاهب.
في المعلوم والمجهول
جاهلا
وأما اختلافهم في المعلوم والمجهول فقال بعضهم: لا يَعْلَم الشّيء من يجهله ولا يجهله من علمه. فمحال عنده أن يكون أحد عالما بالشيء به في حالة واحدة لأنّ العلم ضدّ الجهل من علم شيئًا لم يجهله. ومن (3) جهله لم يعلمه (3). وقال بعضهم (4): يعلم الشيء من جهة ويجهل من جهة ويعلم باكتساب ويجهل باضطرار، ويعلم باضطرار ويجهل باكتساب من جهات متغايرات. ولا يعلم من جهة ما يجهل. ولا يجهل من جهة ما يعلم. وأمّا إن كان معلوما من جهة ومجهولا من جهة فهذا عنده غير فاسد. فيكون للشيء الواحد (ه) علوم كثيرة. ويجهل من وجوه كثيرة فيكون شيء واحد معلوما من جهة ومجهولا من جهة أخرى. فالمعلوم من جهة ما عُلِمَ هو المجهول من جهة ما جُهِلَ فهذا عندي غير فاسد. قد يعلم الشيء موجودًا من يجهل أنّه محدث ويعلم أنه [محدث] (6) من يجهل أنه
(1) سقط «أنّ» من الأصل.
(2) في الأصل «فمن».
(3) راجع الأشعري: مقالات الإسلاميين 77/ 2، 78.
(4) انظر ن م والصفحة. (5) فيا الأصل الشيء «واحد».
(6) سقط من الأصل «محدث». (1/500)
صفحة 499
كتاب التحف المخزونة
0.1
أبيض. وكذلك يعلم الشيء أنه محدث من يجهل أنه طاعة [أو]) معصية. فزعم صاحب هذا القول أنّ المعلوم هو المجهول ليس ثمّ معنيان أحدهما معلوم والآخر مجهول [وأما من] (2) أبطل أن يكون شيء واحد (3) معلومًا [ومجهولا فإنّه] (4) يزعم أنّ من يعلم الشّيء موجودا ويجهل أنه محدث إنّما جهل حدثه. فالجهل لحدثه غير الجهل لوجوده. فهذان معنيان عالم بأحدهما جاهل (5) بالآخر. وكذلك من علم الشّيء محدثا، وجهل أنه طاعة من جهل أنه محدث، إنّما وقع جهله على حدثه. ومن جهل أنه طاعة إنما جهل الأمر به فمن علم أنه محدث عالم بحدثه. ومن علم أنه طاعة عالم فالذي جهله غير الذي علمه فمحال عندي أن يجهل الشيء
بالأمر به.
ويعلمه في حالة واحدة).
في صفات الجواهر
وأمّا الذي سأل عنه من الدليل على إثبات ... (7) كثيرًا من الناس ما ذلك. وزعموا أن ليس ثمّ شيء إلا ما يدرك بالحواس. فمن أين قلتم إن الحركة غير المتحرّك وإنّ ثمّ سكونا غير الساكن وإنّ ثمّ حياة
ادعيتموه من
غير [الحى] (8).
وكذلك سؤاله عن الاستطاعة والزّمانة وغير ذلك. صفات الجواهر
(1) سقط من الأصل «أو». (2) في الأصل بياض. (3) في الأصل «واحد».
(4) الظاهر سقوط هذه العبارة من الأصل.
(0) في الأصل «جاهلا».
من
(6) انظر اختلاف الأقوال في هذه المسألة: الأشعري: مقالات الإسلاميين 77/ 2، 78.
(7) في الأصل بياض.
(8) في الأصل بياض. (1/501)
صفحة 500
502
الجزء الثاني
التي لا تدرك إلا بالدلائل. [الجواب في ذلك])، وبالله التوفيق: إن الحركة غير المتحرّك. وإنّ السّكون غير الساكن بدلائل قائمة وبراهين واضحة. وذلك أنا وجدناهم بإجماع يفرّقون بين المتحرّك والساكن يقولون: هذا /74/ متحرك ليس بساكن، وهذا ساكن ليس بمتحرك. ولا يجوز أن يقال للساكن [متحرّك] (2). وكذلك المتحرّك أيضًا ساكن من بعد ما كان متحركا ومتحرك من بعد ما كان ساكنا. فقلنا حينما وجدنا (3) ساكنا من بعد ما كان متحرّكا: لا يخلو هذا الساكن من أن] (4) يكون لمعناه أو لمعنى غيره. فإن كان لمعناه فما باله لم يكن ساكنا قبل هذا وعينه ومعناه موجود قبل هذا. وبطل أن يكون ساكنا لمعناه لوجود معنى غيره]) وهو السكون الذي حدث إليه في حال سكونه. وكذلك الحركة على ما قلناه في السكون فلا يخلو من أن يكون حيا متحركا لمعناه أو بمعنى غيره. فإن كان متحرّكا بمعناه ثبت [أنّه غير محتاج وهذا محال]). فثبت [أنه متحرك لمعنى غيره] (7) وهو الحركة. فلما أن زالت الحركة عنه بطل أن يكون متحرّكا وصار ساكنا [لمعنى غيره] (8). ووجدناهم أيضا يقولون لا متحرّكا» ويقولون «لا ساكنا». و «لا» عندهم الذي كان متحركا أو نفي لمعنى غير الجسم. فإن قال: نفي
نفي
(1) سقط من الأصل «الجواب في ذلك».
(2) في الأصل بياض.
(3) في الأصل «وجدناهم».
(4) في الأصل بياض.
(ه) في الأصل بياض.
(1) يبدو أن في النسخة نقصا ولذلك أضفنا هذه العبارة.
(7) في الأصل بياض.
(8) في الأصل بياض. وأورد البغدادي نفس الدليل في إثبات الأعراض فبين أن الجسم يتحرك بعد سكونه لمعنى فيه غير ذاته وإذا صار الجسم أسود بعد بياضه فلمعني قام به. انظر
البغدادي: أصول الدين: 37. (1/502)
صفحة 501
كتاب التحف المخزونة
503
(1)
بعد ما من
للجسم، فمحال. فالجسم قائم في الأحوال جميعا في الحالة) التي يصفه فيها. والحالة التي يصفه فيها متحرّكا لا ساكنا، وكذلك الحالة التي يصفه فيها متحركا، والحالة التي يصفه فيها لا متحركا لأن النفي إنما كان لمعنى غير الجسم وهو الحركة. فإذا (3) قلنا «متحركا» أثبتنا له معنى غير الجسم الذي نفيناه إذا قلنا لا متحرّكا». وكذلك إذا قلنا «ساكنًا» أثبتنا له معنى غيره به كان ساكنا فنفيناه عنه إذا قلنا لا ساكنا». وأيضا وجدناه ساكنا كان متحركا ومتحركًا قبل ما كان ساكنا والشّيء لا يكون قبل نفسه ولا بعد نفسه. فصح، إذا قلنا متحرّكا» قبل ما كان أنّ ثم حركة كانت قبل سكون. وكذلك إذا قلنا «ساكنًا» من بعد ما كان متحرّكًا [صح] أنّ ثمّ سكونا كان من بعد الحركة إذا استحال أن يكون شيء بعد نفسه وقبل نفسه. فهذا بين بحمد الله لمن أراد إرشاده وهداه. وأيضا وجدناهم يأمرونه بأن يتحرك ويسكن ويأمرونه بأن يقوم وبأن يقعد. ويطيع هو أيضا في فعل ما أمر به ويعصي في ترك ما أمر به. فلو كان
(?)
الأمر على ما يقوله من نفي الأعراض (4) لكان من أطاع في أن تحرك فاعلا بنفسه ومن عصى أيضا بأن تحرّك أن يتحرّك بنفسه، وكان نفسه طاعة له ونفسه معصية له. وليس ثمّ معنى فعله فأطاع به أو عصى به إلا نفسه التي
(0)
هي حركة وسكونه الذي كان هو (المتحرك الساكن عنده. فلما بطل أن
(1) في الأصل «قائما».
(2) في الأصل «حالة».
(3) في الأصل «لا» بدل الفاء.
(4) ذكر الأشعر أن
طائفة عري
من
المتكلمين تنفي الأعراض والحركات والسكون وترى أن
السواد هو عين الشيء الأسود وكذلك الطعوم والروائح والحرارة: الأشعري: مقالات
الإسلاميين 39/ 2.
(ه) في الأصل «التي كانت هي». م. (1/503)
صفحة 502
504
الجزء الثاني
(1)
يفعل الشيء نفسه وأن يترك فعل نفسه وله فعل يؤمر به على الحقيقة وفعل ينهى عنه على الحقيقة صح أنّ ثمّ معنى فعله غير نفسه هو حركته وسكونه اللذين أمر (2) بفعلها أو نُهي عن تركها فيطيع بفعل ما يؤمر به. وأيضا وجدناهم يُجمعون على أنّ الطاعة ضدّ المعصية والحركة ضدّ السكون /75، والشّيء لا يضاد نفسه ولا ينفر بما كان ذلك الفساد لأنه من لو كان ضد نفسه لكانت علّه ذهاب نفسه وجودَها وعلة وجودها بها. وهذا من (3) المحال أن يكون الشّيء عله عدمه وجوده. فيصير إذ كانت (4) العلة وجوده معدوما. فإذا رُفِعت العلة التي هي موجودة صار موجودًا.
التي.
هي
فهذا غاية المحال ونهاية الفساد.
والقول في الاستطاعة والزّمانة كالقول في الحركة والسكون في إثباتها وإثبات أنها معنى غير المستطيع وأنّها عرض من الأعراض. وذلك أنا نجدهم يقولون: الجسم الحي مستطيع في حال لا مستطيع في حال أخرى، [و] يسمونه زمنًا في حال وغير زمن في حال أخرى. ولا يخلو هذا الجسم أن يسموه مستطيعا في حال ما سمّوه بهذا الاسم من أن يكون مستطيعا لمعناه أو لمعنى غيره. فإن كان مستطيعًا لمعناه فمحال أن يكون إلا كذلك ما دام معناه لأنّ العلة التي كان بها مستطيعا عينه ومعناه، وعينه ومعناه قائم في الحالتين جميعًا. فلما أن وجدناه مستطيعا في حال وغير مستطيع في حال أخرى وعينه ومعناه قائم في الحالتين جميعًا صح أنه إنما كان مستطيعا لمعنى غيره الذي هو الاستطاعة وبه سمّي مستطيعا. وكذلك الزمانة معنى
(1) في الأصل «عن».
(2) في الأصل «أمرا». (3) في الأصل «فهذا على». م. (4) في الأصل نقص. (1/504)
صفحة 503
كتاب التحف المخزونة
0.0
كان به الزمن زمنا إذا كان الجسم زمنًا وإذا بطل بطل أن يكون الجسم زمنا. وتركنا من الإدخال في الاستطاعة ما أدخلناه في مسألة الحركة والسكون إرادة الاختصار. فكل ما يلزمه في الحركة والسكون يلزمه في الاستطاعة والزمانة. وكذاك الحياة والموت على ما قلنا في الاستطاعة والزّمانة والحركة والسكون. وذلك أنا وجدنا الجسم حيا ثم وجدناه ميتا ليس بحي فقضينا أنّ ثم حياة كان بها حيا. فلمّا أن زالت بطل أن يسمّى حيا وسمّي ميتًا مِنْ بعد ما كان حيا لحدوث العلة التي كان بها ميّتا. فلو لا ذهاب علة وحدوث علة ما سمي في حال باسم لم يسم به في حال أخرى. وكذلك الاجتماع والافتراق معنيان متضادان: يجامع شيئًا في حال ثمّ يفارقه في حال أخرى أو يفارقه في ثم يجامعه في حال أخرى. [ف] صح أنّ ثم اجتماعًا إذا حدث إلى شيء صار مجتمعا وإذا زال بطل أن يكون مجتمعًا. وكذلك الافتراق إذا حدث شيء مفترقا وإذا زال وبطل بطل أن يسمّى مفترقا وبطل ما ذكرناه أن يجتمعا لأعيانهما وأن يفترقا لأعيانهما وصح أن الاجتماع والافتراق معنى غير المجتمع والمفترق وكذلك التماس والتباين قد وجدناه مماشا لشيء في حالة ومباينا له في حالة أخرى، ويمس» معنى و «يباين» معنى في واحدة [ف] صح أنّ ثمّ معنى به مسه وسمّي به مماشا إذا كان صار مباينا. وكذلك البينونة معنى إذا حدث صار الشّيء مباينا وإذا زال بطل /76/ أن يسمى مباينا ويسمّى مماشا.
حال
حالة
ومباينة الشيء عن الشّيء غير مباينته عن غيره. وكذلك مسته للشيء شيئا واحدا
غير مسه لغيره لأنه لو كان مسه لشيء مته لغيره لكان إذا مش مش جميع الأشياء). وكذلك لو كانت بينونته عن الشيء هي" بينونته
(1) في الأصل لشيء غير منه لغيره لكان إذا مس شيئًا واحدًا مع جميع الأشياء». م.
(2) في الأصل «هو». (1/505)
صفحة 504
506
الجزء الثاني
(1)
وجدناه
عن غيره لكان إذا بان عن شيء بان عن غيره من الأشياء. فلما أن بائنا عن شيء ومماسًا لشيء آخر صح أن بينونته عن الشّيء غير بينونته عن غيره. وكذلك مته لشيء غير مسه لغيره. وكذلك ما لم نذكره من صفات الجواهر على قياس ما ذكرناه من العلم والجهل والإرادة والكره واللذة والألم والحب والبغض والاكتساب والاضطرار والغنى والفقر والنوم واليقظة والحفظ والنسيان والشك واليقين والأكل والشرب والضحك والبكاء وغيرهم من الصفات العرضية الحالة في الجسم المتضادة فيه يدلّ على إثباتها وتغييرها وتضادّها وأنها غير الجواهر الذي أحلّته ما ذكرناه في أوّل المسألة. فمن فهم إدخال واحد منها فهم جميعها. وإن كان يدخل بعضها ما لم يدخل في بعض العلل ومعان.
وأما ما ذكر من معارضته (2) لنا بأمور أراد بها نقض قولنا وفساد مذهبنا فليس له بحمد الله إلى ذلك سبيل لما جعل الله على عدله من البيان والبراهين. فلا حجّة لمبطل ولا إدخال لظالم. قد أزهق الله باطلهم بعدله وأبان عوجهم وجورهم وكذبهم بنوره وشواهده وعلامته. فمِنَ الذي عارضنا به أن قال: أما قولكم لا يكون المتحرك متحركا بمعناه ولا ساكنا بمعناه إذ كان نسميه متحركًا في حال وساكنا في حال أخرى، فيلزمكم مثله في الشيء الموجود في حال المعدوم. وفي حال أخرى أن يكون عدمه غير وجوده ووجوده غير عدمه وأن يكون وجوده وعدمه غيره وأنهما معنيان متضادان كما قلتموه في متحرّك وساكن. وكذلك إدخالكم علينا في جواز القول على المتحرّك متحركًا في حال لا متحركا في أخرى
(1) في الأصل «على».
(2) أي القائل إن الحركة هي عين المتحرّك والسكون عين الساكن والاستطاعة عين المستطيع ... والقائل بذلك هو الأصم. (1/506)
صفحة 505
كتاب التحف المخزونة
507
أن الذي نفيتم غير الذي أثبتم يلزمكم في الشيء الموجود إذا قلتم له «موجود» ثُمّ قلتم له لا «موجود» أنّ ثم معنى أثبتموه إذا قلتم «موجود» وهو غير المعنى الذي نفيتموه إذا قلتم لا موجود». وكذلك أيضا يلزمكم في اجتماع الشيئين وافتراقهما اللذين استدللتم بهما أنّ ثم اجتماعًا وافتراقا غير المجتمعين والمفترقين أن تجعلوا اجتماع الوقت والموقف معنى غيرهما به اجتمعا غير الوقت وغير الموقف واجتماع الحركة والمتحرّك معنى غيرهما ومفارقته له معنى غيره.
في
وعارض أيضا بكون الشيء في الوقت وكونه في المكان إن كان كونه المكان معنى غيره وغير المكان فكذلك كونه في الوقت معنى غيره وغير الوقت. فنقول في ذلك، ولا قوة إلا بالله: إن الذي عارضتمونا به ليس بمبطل لحجتنا ولا ما ذكرتموه من قولكم نظير لقولنا. فنحن إذا قلنا: إن المتحرك لا يخلو من أن يكون متحرّكًا لمعناه أو لمعنى غيره /77/، إن معناه نجده في الحالتين جميعا في الحالة التي نسميه فيها () متحركا والحالة التي نسميه فيها ساكنا. فمعناه في الحالتين جميعًا [متماثل]. فلا يجوز أن يسمّى متحركا معناه في حال دون حال ما دلّ معناه. وليس [في] قول القائل إذا قال «متحرك» نفي (3) لقول القائل إذا قال «موجود» لأنا إذا قلنا «لا متحرك» لم ننفه، وإنّما نفينا معنى غيره وهو الحركة، وإذا قلنا «لا موجود» نفيناه ولم معنى غيره. فلما أن كان قولنا إذا قلنا لا موجود» نَفْيا للعين لا بمعنى
ننف (4)
(†)
(1) فيما يخص تعريف الوقت والمكان واختلاف العلماء في ذلك انظر: الأشعري: مقالات
الإسلاميين 130/ 2، 131.
(2) في الأصل «فيه».
(3) في الأصل «نهي».
(4) في الأصل «ننف» وقد حذفنا من الأصل قبل هذه الكلمة عبارة «ولم نفيناه وهي ز
من الناسخ.
زائدة (1/507)
صفحة 506
0.?
الجزء الثاني
غيره صح أن قولنا إذا قلنا «موجود» إثبات لمعناه لا معنى غيره. فالموجود موجود ما دام معناه. فإذا زال معناه بطل أن يكون موجودًا وسمي معدومًا ببطلانه وذهابه. فليس الموجود بنظير للمتحرّك الموجود في الحالتين الذي يقال له متحرك في إحداهما (1) لا متحرّك في الأخرى. فلو كان متحركا لمعناه ومعناه موجودًا في الحالتين جميعًا كان (2) الموجود الذي كان موجودًا لمعناه موجودا (3) في الحالتين جميعًا ما دام معناه سمّي موجودا، فإذا بطل معناه بطل أن يسمّى موجودًا إذا بطل المعنى الذي كان به موجودًا وسمّي معدومًا لبطلان عينه. فكلّ ما بطل عينه فهو معدوم. فهذا غير نظير للمتحرك الساكن الذي يسميه متحركا في حال وساكنا ومعناه قائم في الحالتين جميعًا. وكذلك كونه في الوقت وكونه في المكان. فكونه في المكان معنى غيره وغير المكان لأنا نجده ونجد المكان لم يكن فيه. ولو كان كونه في المكان ليس ثمّ إلّا معناه ومعناه المكان لكان في مكان ما دام معناه ومعنى المكان. فلما أن وجدناه والمكان ولم يكن «في» ثبت أنّ كونه في المكان غيره وغير المكان إذ نجده ونجد المكان ولم يكن فيه. وكونه في الوقت ليس ثم معنى غيره وغير الوقت لأنا إذا قلنا «لم يكن في الوقت نفينا (4) العين أن يكون في
(4)
(0)
الوقت ولم يكن نفيا لغيره. وكذلك إذا قلنا كان في الوقت لم نثبت)
معنى غيره وغير الوقت إذا كان قولنا لم يكن في الوقت» نفيا له. بل نثبته ونثبت المكان وننفي أن يكون فيه. ولا نثبت الوقت والمؤقت وننفي أن يكون فيها. فلمّا أن كان في نفي الوقت أن يكون في الوقت نفيًا لمعناه ونفيا
(1) في الأصل «إحديهما».
(2) في الأصل «كما أنّ». (3) في الأصل «فهو موجود». م. (4) في الأصل «نفي». م.
(0) في الأصل «يثبت». م. (1/508)
صفحة 507
كتاب التحف المخزونة
للمتمكن أن يكون في المكان ليس بنفي له ولا لمعناه صح بذلك أن الكائن
في المكان ليس بنظير الكائن في الوقت. فبطل ما عارضنا به.
وأيضا لو كان قولنا جابر في الدار» ليس ثم معنى إلا جابر فيلزم بذلك أن يكون جابر في الدار ما دام جابر والدار. فلما أن وجدنا جابرا والدار وليس جابر في الدار صح أن يكون جابر في الدار معنى غير جابر والدار. وأيضا لو كان معنى جابر ليس ثمّ إلّا جابر في الدار لكان جابر في جميع الدور يكون جابر في دار دون إذ كان كونه في الدار ليس ثمّ إلّا جابر أو دار. فلا دار إلا وجابر فيها. فلمّا أن وجدنا دارًا ودورا لا جابر /78/ فيها [صح] أن كون جابر في الدار غير جابر وغير الدّار. فليس هذا بنظير الوقت والمؤقت اللذين إذا قلنا لم يكن في الوقت نفينا المؤقت. (1/509)
صفحة 508
01.
الجزء الثاني
1 - في مفهوم الحركة
في الحركات
وأما ما سألت عنه في الحركة ما هي في عينها وحقيقتها؟ وما العلة التي كانت بها حركة؟ الجواب في ذلك: أنّ الحركة في عينها ومعناها ما لا يفعل منها أجزاء في مكان). وكانت حركة في عينها لأنها لا يفعل منها أجزاء في مكان. فما لا يفعل منه أجزاء في مكان فهو حركة. وبطل أن يكون شيء يفعل منه أجزاء في مكان حركة.
2 ـ في أقسام الحركة والحركات كلّها على وجهين نقلة وغير نقلة (2). وكانت النقلة نقلة لأنها
(1) اختلف المتكلمون في تحديد مفهوم الحركة فقال النظام معنى الحركة الكون وقال الجبائي ومحمد بن شبيب الحركة هي قسم من الأكوان إذ الأكوان منها حركة ومنها سكون وخالف في ذلك العلاف فعرفها بأنها انتقال الجسم عن المكان الأول وخروجه عنه. انظر الأشعري
مقالات الإسلاميين 43/ 2 - 45.
أما الإيجي فقد عرض تعريف الحكماء متقدميهم ومتأخريهم فقال المتقدمون منهم الحركة هي خروج من القوة إلى الفعل بالتدريج ثمّ عدلوا عن ذلك التعريف لما وقعوا في دوران إذ التدريج هو وقوع الشيء في زمان بعد زمان والزمان عندهم هو مقدار الحركة. وأمّا متأخروهم فقد عرفوا الحركة بأنّها كمال لما بالقوة من حيث هو بالقوة. كتاب المواقف 167،
من
168. وقال المحشي إن الحركة هي كونان في آنيين مختلفين وانظر حاشية الوضع. 13. (2) قسم النظام أيضا الحركة إلى قسمين منها انتقال ومنها ما ليس انتقالاً. والجسم إذا تحرك مكان إلى مكان فالحركة تحدث في الأوّل وهي اعتماداته التي توجب الكون في الثاني. الأشعري: مقالات الإسلامتين 21/ 2، 22، 38، 43. وعرف الإيجي الاعتماد بأنه ما يوجب للجسم المدافعة لما يمنعه الحركة إلى جهة ما وأشار إلى أن أبا إسحاق الإسفراييني نفاه خلافًا للمعتزلة وكثير من الأشاعرة كالقاضي وأثبت أن منعه. مكابرة للحش. انظر: الإيجي المواقف: 125. (1/510)
صفحة 509
كتاب التحف المخزونة
511
زوال من مكان إلى مكان). والتي ليست بنقلة كانت غير نقلة لأنها ليست
حدث
بزوال للحركة التي ليست بنقلة. إنّما تكون في الحالة الأولى التي - فيها الجسم فيكون الجسم في ذلك المكان الذي حدث فيه الجسم إمّا حركة وإما سكونا ولا يعرف ذلك إلا ... ) التغلب في الحالة الثانية انتقل
(4)
الجسم من مكانه إلى مكان غيره ... (3) .. أن كونه في المكان في الحال الأول حركة لأنّ كونه في الحال الأوّل أدى إلى الحركة التي هي النقلة، فلا يؤدّي الشيء إلى خلافه. فصح أن كونه في المكان في الحال الأولى حركة ليست بنقلة. وإن كان في الحال الثانية التي [هي]) حال حدثها في مكانه الأول الذي حدث صح أنّ كونه في المكان في الحال الأولى سكون ليس بحركة لأنه أدى إلى السكون. فلا يؤدّي الشيء إلى خلافه على ما قلناه في البدء (7).
ـ في المتحرك وحركته
فإن سأل عن المتحرّك هل يتحرك بحركتين أو ينتقل المنتقل بنقلتين؟ الجواب في ذلك أنّ المنتقل لا ينتقل بنقلتين ولا يتحرّك المتحرك بحركتين
(1) ذكر الأشعري أنّ الجبائي يرى أن معنى الحركة الزوال فلا حركة إلا وهي زوال ونفى أن يكون معناها الانتقال خلافًا لأبي الربيع (المؤلف) معللا ذلك بأن الحركة المعدومة تسمّى زوالا قبل كونها وتسمّى انتقالا. وقد ناقشه الأشعري في تفريقه بين الزوال والانتقال انظر
مقالات الإسلاميين: 44/ 2، 45.
(2) نقص في الأصل.
(3) نقص في الأصل.
(4) في الأصل «ودّى». ويبدو أن في العبارة خللاً. (ه) في الأصل «الذي». ثمّ أضفنا هي ليستقيم التركيب.
(1) في الأصل «ودّى».
(7) في الأصل «بدء». م. (1/511)
صفحة 510
512
الجزء الثاني
كما لا يكون منتقلين (1) بنقلة واحدة ولا متحرّكين (2) بحركة واحدة. ولو جاز أن يكون متحركا بحركتين أو منتقلا بنقلتين لجاز أيضا أن يكون منتقلين بنقلة أو متحرّكين بحركة. فلمّا فسد أن يكون منتقلين بنقلة ومتحركين بحركة بطل نظيره لأنّ في فساد الشّيء فساد نظيره كما أنّ في صحة الشيء صحة نظيره. وأيضًا لو جاز أن ينتقل المنتقل بنقلتين لجاز زوال النقلتين ومجيء ضدّها. فيجامع ضدّ النقلة الزائلة النقلة الثانية. فيكون الشيء مجامعا (3) لضد مثله وهذا محال لأنّ ما ضادّ شيئًا (4) ضاد مثله. فلما [بطل] (5) اجتماع ضدين
بطل أيضا اجتماع الشيء وضدّ مثله لأنّ ما ضاد الشيء ضاد مثله ونظيره. وقال بعضهم (6) بجواز نقلتين وحركتين إحداهما اضطرار والأخرى اكتساب (7) على جهة واحدة لا على جهات مختلفة كالمرتعش الذي ينتقل باكتساب في حال ارتعاشه تجامعه (8) حركة اختيارية بحركة ارتعاشه فيصير متحرّكا بحركتين إحداهما اضطرار والأخرى اكتساب، والكائن في السفينة
?
(1) ذكر المحقق الأصل تكون منتقلين». ورجح «منتقلاً». (2) رفعها المحقق وأهمل الأصل وهو صواب على إضمار الناسخ. م.
(3) في الأصل «المجامع». م.
(4) في الأصل «شيء». (5) الظاهر سقوط كلمة «بطل».
(1) ذكر الأشعري اختلاف المتكلمين في مسألة شبيهة بما ذكره المؤلف عارضا أقوالاً تسعة في إمكانية حلول حركتين في جسم واحد أو عدم إمكانية ذلك. مقالات الإسلاميين 17/ 2. (7) أما حركة الاكتساب فهي الحركة الاختيارية الراجعة إلى إدارة المتحرك وقد سماها الإيجي الحركة الإرادية». وأما حركة الاضطرار فهي التي انتفى منها الاختيار فكان صاحبها مجبرًا على الحركة وقد سماها الإيجي بالحركة القسرية وفرق المحشي بين الاضطرار والطبع والطبيعة، فبيّن أنّ الأمر الضروري قد يفارق الشيء بخلاف الطبيعي وكذلك يقال كل طبع اضطرار ولا يقال كل اضطرار طبع انظر المحشّي: حاشية الوضع 13، 14، 113، 114. انظر الإيجي: المواقف 175. . الشوفي: السؤالات 246. (8) في الأصل «بجامعة». م. (1/512)
صفحة 511
كتاب التحف المخزونة
513
الذي لا يمكنه السكون على حال فيتحرّك فيها باختيار تجامع حركته باختيار حركة السفينة التي هي اضطرار /79/، فصار متحركا بحركتين إحداهما اضطرار والأخرى اكتساب والحركات أيضا تكون باضطرار وباكتساب وتكون لا اكتساب ولا اضطرار.
4 ـ في حركة الجسم
من
منتقلًا
فإن قال: هل يجوز أن يطبع الله جسما على النقلة أو يطبعه على حركة غير نقلة؟ فالجواب في ذلك، وبالله التوفيق: أنه لا يجوز أن يطبع الله الجسم على النقلة ولا على غير نقلة. الحركات لأنه لا يكونه. في الحال الأولى أصلا الذي هو حال الخلقة. ولو كان مطبوعا على النقلة لكان منتقلا في الحال الأولى التي خلق] فيها. فلما بطل أن الحال الأولى بطل أن يكون مطبوعًا على النقلة لأنّ كلّ في
يكون منتقلًا
ما طبع [عليه] الشيء لا يفارقه ما دام موجودًا. وأما كل ما يفارقه فيكون مطبوعا على حركة غير نقلة لأنه لا يخلو في الحال الثانية التي تلي حال أن يكون موجودًا في المكان الأوّل أو زائلا عنه بلا زوال نقله.
حدثه
من
فبطل الطبع على ما ليس بنقلة من الحركة. وإن كان موجودًا في مكانه الأول ثبت اللبث لأنّ اللبث إنّما [هو أن يمرّ حالان على الشيء وهو في مكان. وبطل أيضا أن يمرّ حالان على المتحرك وهو في مكان لأن هذا صفة للساكن (2). فلمّا بطل هذا كله لما فيه من الفساد صح أنه لا يطبع الجسم على حركة غير نقلة ولا على. نقلة. ويطبع على حركة حركة هي: هكذا أو لا يكون منه غير الحركة.
(1) في الأصل بياض. (2) كذلك قال العلاف لا بد للسكون من زمانين. انظر الأشعري: مقالات الإسلاميين 44/ 2. (1/513)
صفحة 512
514
الجزء الثاني
فإن سأل وقال: لم قيل للمتحرك متحركا؟ قيل له: لحلول الحركة فيه. وقيل أيضا: إنما قيل للمتحرك لفعله الحركة تحرّكا. ومعنى «متحرك» و «تحرّك استحقه بحلول الحركة فيه.
ه ـ في فعل الإنسان حال خلقه
وأما ما سألت عنه من الجزء الذي هو غير نقلة الذي في بدء خلق الجسم: هل يكون اكتسابا واختيارًا من المتحرّك به؟ الجواب في ذلك: أنه لا يجوز أن يفعل الفاعل في حال خلقته لأنه مفعول به. ولا يكون فاعلا مفعولاً مضطرًا مكتسبا زمنًا مستطيعًا فهذا محال لأن فيه الأضداد. وقيل أيضا
جمع
قول غير ما ذكرناه أنه جائز أن يخلق الله إنسانًا بالغا صحيحًا مكلفا مأمورًا منهيا مستطيعا مكتسبا في حال خلقته. فقد أجاز هذا أن يكون فاعلا في حال
ما يفعل).
وقيل لصاحب هذا القول وهل يفعل في حال خلقته سوى كونه في هذا المكان وهو لا يمكنه الكون في غيره من الأماكن؟ وكيف يختار كونه في ذلك المكان ولا يمكنه ترك الكون فيه ولا الخروج منه؟ [في] قال صاحب هذا القول كونه في ذلك المكان على جهتين سكون غير لبث وحركة غير نقلة. فأيهما شاء فعله في ذلك المكان. وأما اللبث والنقلة لا يفعلها في ذلك الوقت. فثبت أنّه اختيار في الحال الأولى في المكان إذا كان يفعل أيّ الفعلين شاء إمّا حركة غير نقلة وإما سكون غير
(1) لقد قسم أبو خزر من قبله المستحل إلى قسمين: الرّاد للنّص وحكمه أنه مشرك والمتأول للنص وحكمه أنه كافر. ثمّ فسّر الجيطالي القسم الثاني من الاستحلال فقال: «أي يقول هو مسلم وإن زنى ثمّ روى عن محبوب بن الرّحيل التضييق على جاهل كفره. الجيطالي: قواعد الإسلام.117/ 1 وانظر المحشي حاشية الوضع: 118، الشقصي: منهج الطالبين 530/ 1، 533.
وانظر (1/514)
صفحة 513
كتاب التحف المخزونة
515
في
لبث. ويقال له أيضا أرأيت إن فعل غير نقلة في الحال هل يمكنه في الثانية أن يفعل غير نقلة؟ فإن قال: لا، قيل: فمن أين يكون مكتسبا لها ومختارًا إذا كان لا يتحوّل عنها ولا يمكنه تركها ولا الخروج منها؟ قال وإن كان لا يمكنه ترك النقلة إلى غير النقلة ولا يكون إلا منتقلاً. الثانية ليس في ذلك ما يوجبه مضطرًا على النقلة ولا النقلة اضطرار منه إذ كان /80/ يختار أن ينتقل إلى [أيّة] جهة شاء إما عن يمينه أو شماله أو أمامه أو خلفه، فصح أنه ينتقل إلى ناحية بانتقاله إلى أخرى. وإن كان لا يمكنه إلا النقلة فيختار في النقلات أيتهن شاء.
وقيل له أيضا إذا ثبت الاختيار لهذا لأنه ينتقل إلى [أية] ناحية شاء من النواحي فما تقول فيمن فعل جزءا من السكون الذي [هو] غير لبث هل يمكنه سوى اللبث في الثانية؟ فإن قال: نعم، لا يمكنه إلا اللبث في الثانية، قيل له: ومن أين يكون مختارًا لذلك اللبث إذا كان لا يتحوّل عن مكانه في الحال الأولى ولا في الثانية ولا يترك معنى إلى غيره؟ قال صاحب هذا القول: فدلّ أنّ لبثه اختيار منه إذ كان مختارا لضده) كما لا يكون منه الشيء اضطرارا فيختار ضدّه. فلما صح اختياره للنقلة في الحال الثانية صح اختياره للبث أيضا في الحالة الثانية.
فإن سأل عن المنتقل من مكان إلى مكان: هل [هو] في حالة نقلة في المكان الأوّل أو في المكان الثاني؟ قلنا، وبالله التوفيق: إنّه في نقلته وزواله في المكان الثاني من الأوّل وفيه فعل النقلة من الأول. والعلة التي كان بها المكان الأول خارجا من الأوّل هي التي كان بها في الثاني لأن خروجه من
هو دخوله في المكان الثاني.
(1) في الأصل «مختار ضدّه».
• (1/515)
صفحة 514
516
الجزء الثاني
6 - في الحركة والمتحرك
فإن سأل سائل عن الحركة أهي () لاصقت المتحرّك أو باينته أو دافعته أو حايدته (3) أو فارقته أو جامعته في المكان؟ فنقول (3)، وبالله التوفيق: إنّ الحركة صفة المتحرك ليست بجسم قائم بنفسه فيدافع شيئا أو يحايده أو يجامعه في مكان ... (4) أو تفارقه في مكان أو تلاصقه أو تباينه فهذه معان لا تجري إلّا على الأجسام ... (5) بنفسها وهي عرض من الأعراض) ... (7)؟ فإن قال أيضا: داخلة أو خارجة منك، قيل: محال أيضا لأن الدخول والخروج من صفات الأجسام. فإن قال: وحركة غيرك داخلة ولا خارجة منك ولا مفارقة لك ولا مجامعة ولا مباينة لك ولا ملاصقة ولم تدافعها ولم تدافعك لم كانت حركتك أولى أن تتحرك بها دون أن تتحرك بحركة غيرك؟ قيل له: نعم، فحركتي أولى أن أتحرّك بها دون حركة غيري لأن في عدمي عدم حركتي وليس في عدمي عدم حركة غيري وأيضا فحركتي موجودة في ولم تكن حركة غيري موجودة في وحركتي حَالَّةٌ [في] وحركة غيري غير حالة في، وأيضا تكون حركة غيري موجودة .... (8) وأنا ساكن غير متحرّك ولا تكون حركتي موجودة إلا وأنا متحرّك. والدليل على الحركة (9) المتحرّك بها.
(1) في الأصل «هو». م.
(2) في الأصل «يجابده». ورجّح المحقق «بجايدته». م.
(3) في الأصل «ونقول». م.
(4) في الأصل بياض. (ه) في الأصل بياض.
(6) وقد خالف في ذلك جهم بن صفوان فأثبت أن الحركة جسم، وغير الجسم عنده هو ا الله لا
غير. انظر الأشعري مقالات الإسلاميين 37/ 2.
(7) في الأصل بياض.
(8) في بداية الجملة نقص. م.
(9) في الأصل «حركة». م. (1/516)
صفحة 515
كتاب التحف المخزونة
517
وفي معرفة الحركة معرفة المتحرك بها. وفي معرفة المتحرك أنه متحرك معرفة الحركة ومعرفة المتحرّك بالحياة ومعرفة الحركة أنها غير المتحرك وأنها اضطرار واكتساب بالدلائل والنظائر والحركة مخالفة للمتحرّك بها وهي عرض من الأعراض وهو جسم. وفي معرفة الحركة على ما هي به معرفة السكون لأنه ضدّها وخلافها. وفي معرفة الشيء معرفة ضده كما أنّ في جهل الشيء جهل ضدّه. ولا تصح /81/ معرفة الأشياء إلا بمعرفة أضدادها كما أنّ في جهلها جهل أضدادها وفي الاستدلال على الشيء سبيل
لمعرفته والاستدلال عليه. والمعرفة اكتساب من العارف المستدل. (1/517)
صفحة 516
518
الجزء الثاني
ا - في مفهوم السكون
في السكون
وأما الشكون في عينه ومعناه [فهو] ما يفعل منه أجزاء في مكان وهو ضد الحركة وخلاف لها).
وهو أيضا على معنيين لبث وغير لبث واللبث في عينه ومعناه ما كان الشيء من كونه في المكان بعد مرور حالتين [عليه] (2). وقيل له «السكون» لأنه يفعل منه أجزاء في مكان. وقيل «لبث» لمرور حالتين على الشيء وهو في مكان. والنقلة ضد اللبث. واللبث ضدّ النقلة. والجزء الذي ليس هو لبث ضدّ للجزء الذي هو غير نقلة لأنه في الحالة الأولى. ولا يخلو فيها من أحد المعنيين إما سكون غير لبث وإما حركة غير نقلة. وفي الحالة الثانية أيضا لا يخلو من أحد الضدين: إمّا نقلة وإما لبث ولا ... (3) غير لبث بنقلة ولا غير نقلة ولا ... (4) الحركة بالسكون ولا السكون بالحركة ولا يفارق اللبث إلا بالنقلة. ولا يخلو الجسم في أوّل أحواله من أن يكون متحركا أو ساكنا ولا يجتمعان فيه. ولو جاز أن يكون الجسم [في] حالة واحدة ولا متحرّكا ولا
(1) عرف معمر بن عياد السكون بأنّه الكون. فلا سكون إلّا كون ولا كون إلا سكون. وللمحشّي تعريف قريب منه إذ أثبت أنّ السكون كون واحد في آن واحد على خلاف أبي الهذيل الذي ذهب إلى أن سكون الجسم في مكان هو لبثه فيه زمانين واعتبر النظام أن السكون من جنس الحركة وهو حركة اعتماد الأشعري مقالات الإسلاميين 44/ 2. البغدادي: أصول الدين 46. الشهرستاني: الملل والنحل 69/ 1. المحشي: حاشية الوضع: 13.
(2) في الأصل «الحالتين». م.
(3) بياض في
الأصل. م.
(4) بياض في الأصل. م. (1/518)
صفحة 517
كتاب التحف المخزونة
519
ساكنا لجاز أن يكون متحرّكًا ساكنا. فلمّا فسد أن يكون متحركا ساكنا فسد
أيضا أن يكون لا ساكنا ولا متحرّكا.
2 ـ في الاختلاف بين الحركة والسكون
(1)
وأما اختلافهم في الحركات والسكون فقد اختلفوا فيهما على وجوه كثيرة. قال بعضهم بنفي الحركة والسكون وأنه ليس ثم إلّا المتحرك الساكن، ليس ثَمّ معنى غيره. وقال بعضهم: الحركة هي المتحرك. وقال
بعضهم: هي جزء منه. وقال بعضهم: الحركة كلّها نقلة وهي عرض من
الأعراض. والسكون كلّه لبث وهو أيضا عرض من الأعراض. وقال بعضهم
(3)
(4)
بنفي الحركة إلّا مجازا، وليس ثمّ إلّا السكون على الحقيقة. وقال بعضهم لا سكون على الحقيقة، وليس ثمّ إلّا حركة. وقال بعضهم بإثبات الحركة والسكون جميعًا ونفوا اختلافهما في الأعيان وإنما اختلافهما لعلل ومعان. وقال بعضهم: الحركة والسكون معنيان متضادان مختلفان لأعيانهما ومعانيهما. فعين الحركة على خلاف ما كان عليه عين الشكون. وعين الحركة
(1) سبق أن أشرنا إلى أنّ الأصم من المعتزلة هو القائل بذلك (مقالات الإسلاميين 35/ 2). وانظر البغدادي: أصول الدين 36، 37 فقد أورد أنّ الأصم وطوائف من الدهرية والتمنية قالوا المتحرك متحرك بلا حركة والسواد أسود لا لاسوداد يقوم به. ردّ عليهم. وفي ص: 7
نسب نفس القول إلى القدرية على وجه الإطلاق.
ذلك أنه لا يثبت (2) أشرنا في الباب السابق إلى أنّ الإسفراييني ينفي حركة الاعتماد ومعنى ذ إلا حركة النقلة وقد ناقشه في ذلك الإيجي في مواقفه. (3) وبه قال معمر بن عباد إذ السكون عنده هو الكون لا غير ذلك والأجسام كلها ساكنة على الحقيقة ومتحركة على اللغة أي المجاز والجسم في حال خلق الله له ساكن. انظر الأشعري:
مقالات الإسلاميين 21/ 2.
(4) وبه قال النظام إذ أثبت أن الأجسام كلّها متحركة في الحقيقة ساكنة في اللغة والحركات الكون لا غير. انظر: الأشعري: مقالات الإسلاميين 21/ 2 وقد خالف العلاف كلا من النظام ومعمر فذهب إلى أن الأجسام قد تتحرك في الحقيقة أو تسكن في الحقيقة.
هي (1/519)
صفحة 518
الجزء الثاني
ما لا يفعل منه أجزاء لا في مكان وهما لا ينفك الجسم من أحدهما في كلّ حال لا في بدء خلقته ولا في غيرها من الأحوال والحركة نقلة وغير نقلة. والسكون لبث وغير لبث فهذا قول أهل العدل والصواب.
والذين نفوهما وأنكروهما [و] قد ذكرنا في أول الباب ما كان يغني عن الرد عليهم وكذلك الذين قالوا هي المتحرّك. وأما الذين أثبتوها وقالوا إنها جزء من المتحرّك وجزء من الساكن فيقال لهم: لا يخلو هذا البعض الذي الحركة من أن يكون عرضا أو جسما. فإن كان عرضا فهذا محال من
هو
القول. فالعرض لا يكون بعض الجسم كما لا يكون الجسم بعضا للعرض. فإن كان جسما فالجسم لا يخلو من الحركة أو السكون. فإن كان ذلك البعض متحركًا لا يخلو من أن يكون متحرّكًا /82/ ببعضه أو بمعنى غيره. فإن كان ببعضه لزم في هذا البعض ما لزم في البعض الأوّل أن يكون كل بعض متحركا ببعض وذلك البعض أيضا متحرّكا ببعضه إلى ما لا نهاية له ولا غاية من الأبعاض فهذا فاسد أن يتحرّك ما لا نهاية له ولا غاية من الأبعاض. وأيضا لو كان متحرّكا ببعضه فلا يكون إلا متحرّكا ما دام البعض (فما باله نجد ساكنا والبعض قائم الذي كان به متحركا زائل وإن حدث إليه بعضه فصار ساكنا) (2). قيل له فلا يخلو هذا البعض الحادث الذي صار به ساكنا إذا كان جسما من الكون في مكان وأن مكانه غير مكان البعض الذي حدث إليه. فإن قال: مكانه مكان الجسم الحادث إليه فهذا محال. لا يكون جسمان متمكنان في مكان واحد (3) كما لا يكون مكانان
(1) في الأصل «بعض».
ذلك
(2) هذه جملة تركيبها مختل ولا معنى يستفاد منها. م. (3) ذكر الأشعري أن جميع الناس متفقون على أنّ الجسمين لا يكونان في موضع واحد في آن واحد. انظر الأشعري: مقالات الإسلاميين 24/ 2 باستثناء النظام الذي أجاز ذلك على سبيل
المداخلة والمحاورة. انظر البغدادي: أصول الدين 46. (1/520)
صفحة 519
كتاب التحف المخزونة
521
الألف
لجسم واحد فيكون الجسم الواحد شاغلا لمكانين. ولو جاز أن يكون الجسم الواحد في مكانين لجاز أن يكون في العشرة وفي المائة وفي ا وفي الأماكن كلها. فلمّا بطل هذا صح أنّ الجسم لا يكون في مكانين في
تحته.
حالة واحدة ولا متمكنان في مكان واحد. فلما فسد أن يكون جسمان في مكان واحد ثبت على قوله أنّ الجسم الحادث إلى الساكن الذي به غير المكان الذي سكن به. فهذان متمكنان أحدهما في مكان لم يكن فيه الآخر. فلا يخلو إذ كان كلّ واحد منهما [في] غير مكان الآخر من أن يكون الساكن من كونه (2) على ناحية يمينه أو عن ناحية شماله أو أمامه أو خلفه أو فوقه أو تحته. فإن كان الساكن على (3) عين سكونه فلا يكون هو أولى بأن سكن به عن من كان عن يساره وعن من كان خلفه أو فوقه أو وأيضا لو كان متحرّكا ببعضه أو ساكنا ببعضه لكان فعله بعضه إذ كان بعلة حركته وسكونه. ولو جاز أن يفعل بعضه لجاز أن يفعل جميعه. بطل أن يكون فاعلا لنفسه وبعضه أو كله بطل أيضا أن تكون حركته بعضه أو سكونه. وأيضا لو كان سكونه بعضه، وذلك السكون أيضا لا يخلو من أن يكون ساكنا أو متحرّكًا، فإن كان ساكنًا أمكن أن يكون متحركا لأنّ كلّ جرى عليه السكون جرت عليه الحركة. فلو جاز على السكون أن يكون متحركا [لجاز أيضا على الحركة [أن تكون] (4) ساكنة. فهذا جمع الأضداد أن يكون الشيء متحركا بضده وساكنا بضده. فلو جاز هذا في شيء واحد لجاز على جميع المتضادّات (5). فتكون الحرارة حارة بالبرودة
(1) في الأصل «في مكان كل ... ». م. (2) في الأصل «لكونه». م.
(3) في الأصل «عن». م.
(4) الظاهر سقوط عبارة «أن تكون».
(0) في الأصل «الا المتضاددان».
فلما (1/521)
صفحة 520
الجزء الثاني
والبرودة باردة بالحرارة والأبيض أبيض بالسواد والسواد أسود بالبياض. فلما فسد هذا وأشباهه لما فيه من الإحالات والبطلان (1) بطل أيضا نظيره أن يكون المتحرك متحركا ببعضه أو بجسم مثله أو بمعنى غير الحركة التي أثبتناها على ما هي به من حقيقتها ومعناها أنّها في عينها ما لا يفعل منه أجزاء في مكان. وأيضا لو كان متحرّكا ببعضه وساكنا ببعضه لجاز أيضا أن يكون حيا ببعضه وميتا ببعضه وزمنا ببعضه ومستطيعًا ببعضه /83/ ومطيعا ببعضه وعاصيا ببعضه. فلمّا بطل أن يكون موصوفًا بشيء من هذه الصفات إلا. بمعنى غيره لا ببعضه بطل أيضا أن يكون متحركا إلا بمعنى غيره لا ببعضه ولا بكله لا بجسم غيره.
وأما الذين زعموا أن لا حركة إلّا مجازا وليس ثم إلا سكون على الحقيقة فمن أين يكون هو أولى بالصواب ممن يقول ليس ثمّ إلّا حركة وأنّ السكون مجاز؟ فلا يعتل بعلة إلّا ولصاحبها أن يعتل بمثلها. فلا يكون هو في قوله أولى بالعدل من صاحبه إذ لا يعتلّ بعلّة على جواز قوله إلّا ولمن خالف تلك العلة أما أن يكون لعلّته مبطلا أو يكون من خالفه مصيبًا إذا اعتل بمثل علّته في جواز قوله وفي تصويب قول من خالفه إبطال لقوله إذ لا يكون الشيء وخلافه عدلا (2).
ويُسْأَل أيضا عمّن [مرت] عليه الأحوال والأيام في مكان واحد ولم يبرح منه يمينا ولا شمالا ومن جاوز انتقاله المفاوز والقفار في البراري وفي البحار هل كان عند كلّ واحد منهما معنى لم يكن عند الآخر؟ فإن نعم، عند الذي قطع المسافات في البر والبحر معان لم تكن عند [من] مكث في مكانه ولم يبرح يمينا ولا شمالا. فإن قال: هذا أقرب إلى
قال:
(1) في الأصل «البطلال».
(2) هذه قاعدة هامة فلتنظر. (1/522)
صفحة 521
كتاب التحف المخزونة
523
العدل، وأثبت معنى غير السكون على الحقيقة وهو النقلة والزوال التي قطع بها المسافات وأنّ المعنى الذي مكث به في المكان الواحد معنى غير النقلة والزوال فهذا معنى يكون به الجسم في مكان أحوالا كثيرة. والنقلة والزوال معنى يقطع به الأماكن الكثيرة. فلما كان الزائل المنتقل واللابث الساكن ليس في كلّ واحد منهما إلّا معنى واحد [هو] الذي زال به المنتقل [و] هو الذي لبث به الساكن فما بال هذا غير منتقل وهذا غير لابث إذا كان المعنى الذي زال به المنتقل من الذي لبث مکان هو الساكن حالتين في مكان؟ فهذا غاية المحال. فلو جاز [على] هذا أن ينتقل المنتقل بمعنى لبث به الساكن ويلبث الساكن بمعنى زال به المنتقل لجاز أيضا أن يبرد الثّلج بمعنى تسخن به النار وتسخن النار بمعنى يبرد به الثّلج ويكفر الكافر بمعنى يؤمن به المؤمن. فهذا غاية المحال ومكابرة العقول وما لا يُوهَمُ فيه الصواب ولا فيما هو دونه. وأيضا لو جاز أن يكون متحركًا مَجازا وساكنا مجازا لا حقيقة إلا في أحدهما دون الآخر لجاز أيضا أن يكون متحرّكا مجازا لا حقيقة فيهما جميعا. وفي جواز هذا بطلان الحقائق. وفي بطلان حقائق (2) الأشياء بطلانها من قال: لا حركة على الحقيقة كمن قال لا متحرّك على الحقيقة. من قال: لا سكون على الحقيقة كمن قال لا ساكن على الحقيقة. فمن نفى المتحرّك على الحقيقة والساكن على الحقيقة وأثبتهما أجزاء قال بالتجاهل ولحق بقول السفسطائيّة الّذين نفوا حقائق الأشياء وأنّ كونها مجازا ليس ثم شيء على الحقيقة.
لأن
وكذلك
(1) ذكر النظام أيضا أنّ الجنس الواحد لا يقع منه عملان مختلفان كما لا يقع من النار تسخين
وتبريد.
(2) في الأصل «الحقائق». (1/523)
صفحة 522
524
الجزء الثاني
- في الحركة والنقلة
وأما من زعم أن الحركة كلّها نقلة فليُسْأَل عن المطبوعات من الأشياء على الحركات في أوّل أحوالها هل هي متحرّكة أو ساكنة أو لا متحركة /184 ولا ساكنة؟ فإن قال متحرّكة، فهو الذي نقول. فإن قال: ليست
إلا
به.
يوجد
بمتحركة، نفى عنها صفة الطبع لأنّ المطبوع على الشيء لا يزاوله ولا فما خرج من هذا المعنى ليس (1) بطبع. ولو جاز أنّ شيئًا واحدا مطبوعا (2) على صفة فيفارقها فيكون غير موصوف بها في حال من الأحوال (3) لجاز ذلك في جميع المطبوعات فتكون النار مطبوعة على الإحراق وعلى الحرارة. فتكون حارّة في حال وباردة في حال أخرى و محرقة في حال وغير محرقة في حال أخرى وكذلك التلج أيضا. و [ما] (4) طبع على البرودة جاز أن يكون باردا في حال وحارا في حال. فإن قال: لا يجوز على النار أن تكون باردة ولا على الثّلج أن يكون حارا، قيل له: لم لا يكون ذلك؟ فلا يجد جوابا إلّا أنهم مطبوعون فالنار مطبوعة على الحرارة فلا تكون إلا كذلك ما دام عينها. وكذلك القلج لا يكون إلا مطبوعا على البرودة. فلا يكون إلا كذلك ما دام عينه ومعناه). [و] قيل له وكذلك المطبوعات على الحركات لا تكون إلّا متحرّكات ما دامت أعينها ومعانيها.
(1) في الأصل «ليست».
(2) في الأصل «شيء واحد مطبوعا».
(3) في الأصل «الحال».
(4) أضفنا «ما».
(5) وقال الأشاعرة ليس في النار حرّ ولا في القلج برد وإنّما حدثت الحرارة والبرودة عن الملامسة وقد خالفهم في ذلك ابن حزم فأثبت الطبائع صفات محمولة. في الموصوف مخلوقة الله منها ما هو ذاتي لا يتوهم زواله إلا بفساد حامله وسقوط الاسم عنه كصفات التي إن زالت عنها صارت خلا وبطل اسم الخمر عنها ومنها ما لو توهم زواله عنه لم يبطل حامله ولم يفارقه اسمه وقد جعله ثلاثة أقسام انظر ابن حزم: الفصل 14/ 5 ـ 17.
الخمر | (1/524)
صفحة 523
كتاب التحف المخزونة
525
فصح أن الجسم في أوّل أحواله لا يكون إلا متحركا أو ساكنا إذا طبع:
عينه ومعناه لا ينفك من أحدهما إما متحركًا وإما ساكنا.
4 ـ في رؤية الحركة
هي
(1)
وأما أن يزعم أنّها تُرى) [و] كابر (2) عقله فيسأل عنها إذا كانت تُر [1] هي (3) لون أم ليست بلون؟ فإن قال: إنّها لون من الألوار أثبتها (4) جسما من الأجسام. وفيما ذكرناه في أوّل الكتاب من الرّدّ على من زعم أنها المتحرّك أو بعضه أو جسم من الأجسام ما يُغني عن [مزيد] الردّ عليه. فإن قال عرض من الأعراض، نفى عنها أن تكون لو من الألوان. وفي نفيه أن تكون لونا نَفي عنها أن تكون تُرى لأنّ العي الا ترى ما ليس (6) بلون. فلو جاز أن ترى العين ما ليس بلون لجا أيضا أن يجري عليه أن يرى العين) (7). فلمّا استحال أن يكون لون يجوز أن [لا] يدرك بالبصر استحال أيضا أن يكون البصر يدرك ما ليس بلون. فإن قال: تُرى رؤية المتحرّك، قيل له وكذلك تذاق وتُلمس وتُش إذا كان المتحرّك يُذاق ويُلمس ويُشم. فإن أجاز عليها أن تذاق وتلمس وتشم خرج من المعقول ودخل في حدّ المكابرة. وفي خروجه م المعقول ما يغني عن الرّدّ عليه فإن قال: لا تذاق و [لا] تلمس ولا تشـ
(1) انظر مقالات الإسلاميين: 49/ 2 - 51. (2) في الأصل «فمن كابره. م.
(3) في الأصل «تراها هي». م.
(4) حذفنا بعدها هذه الكلمة «أنها».
(ه) في الأصل «من».
(1) في الأصل «لأنها العين ما ليس بلون». م.
(7) كذا في الأصل ولا يستفاد منها معنى. والظاهر أنّ النّاسخ نقل ذات التركيب في الت
السابق. وهذا كثير وروده عند النَّسَخَةِ.
• (1/525)
صفحة 524
526
الجزء الثاني
ولا يجوز أن توصف بهذه المعاني، قيل له: لم؟ فلا يجد جوابًا لأنها ليست بطعم فتذاق ولا برائحة فتشم ولا بخشونة أو لدونة) فتلمس. [و] قيل له ... (2) أيضا ليست بلون فترى كما أنها ليست بطعم فتذاق. فهذا نظير هذا، لا فرق عند أنصف. من
ه ـ في اللون والطعم والرائحة
[و] (3) من صفات الجواهر أيضا ما يكون أجسامًا ما ليست بأعراض شبه اللون والطعم والرائحة. فلون الشّيء صفته وطعمه صفته ورائحته. وكذلك خشونة الشيء ولدونته وحرارته وبرودته وعرضه وطوله وخفته وثقالته وأشباه /85/ هذه من الصفات التي هي أجسام ليست بأعراض (4).
6 ـ في الصوت وأما الصوت أيضا فهي (5) صفة للموصوف بها وهي عرض من الأعراض وليست بجسم وإن كانت تُدرك بحاسة السمع وإن كان قال (1) بعض من يدعي الليونة راجع ابن
(1) اللدن هو اللين: لدن يلدن لدانة ولدونة لدنّ الشّيء لينه فاللدونة إذن هي ا منظور لسان العرب مادة «لدن».
(2) نقص في الأصل. م.
(3) أضفنا حرف «الواو» للاستئناف.
(4) وانظر الأشعري: مقالات الإسلاميين 35/ 2 - 40.
(5) تاج العروس الزبيدي ص و ت) هو مذكر وقد أنثه رويشد بن كثير الطائي فقال: يا أيها الراكب المزجي مطيته سائل بني أسد ما هذه الصوت. فقد أنثه لأنه أراد الضوضاء والجلبة والاستغاثة. وجاء في المخصص لابن سيده: قال ابن جني: الصوت مذكّر وفي البيت السابق أنث على معنى الصيغة. ونقل ابن منظور عن ابن سيده تقبيح تأنيثه لأنه خروج عن أصل إلى فرع وإنّما المستجاز ردّ التأنيث إلى التذكير لأنّ التذكير هو الأصل. باب الفصاحة: شدّة الصوت وبعد ذهابه وما يعمه مج 1/ ج 2 ص 130. (1) في الأصل «قيل إنّ». م. (1/526)
صفحة 525
=
كتاب التحف المخزونة
(1)
527
النظر: إنّها ليست بعرض). ولسنا نأخذ بقوله ولا نعتمد عليه. فالذي
جسم
أخذنا به هي عرض من الأعراض وهي فعل من الأفعال الموصوف بها كما يفعل حركته وسكونه لأنه إذا شاء تكلّم بصوته وإذا شاء لم يتكلم بها. وربما أن يكون صوته كلاما مفهوما مسموعا وكلام المتكلم فعل. وربما أن يكون صوته صوتا ليس فيها كلام وهي أيضا فعله. وربّما أن يكون الصوت من المصوت بها اضطرار. فعلى الوجوه كلّها هي عرض من الأعراض ليست بجسم من الأجسام وإن كانت تدركها (2) حاسة السمع.
فصفاته
هي عينه
7 ـ في صفات الجسم فصفات الجسم على جهتين: إمّا أن تكون هي الموصوف بها، ليس ثم معنى غير عينه ومعناه [وإما أن تكون هي غير الموصوف بها] (3) هي عينه ومعناه وصفاته التي هي غيره. وأصل (4) الصفات التي الموصوف بها ليس ثمّ معنى غير عينه ومعناه. فصفاته ومعناه. وصفاته التي هي غيره على وجهين: إما إن تكون عرضا وإما أن تكون جسما. فالعرضيّة منها ما لا بقاء له أكثر من حال ويحدث فيه في كل حال. وهو موصوف ما دام على تلك الصفة تحدث فيه جزءا بعد جزء (ه). وأما صفاته الجوهرية فهي موصوف بها. وهي باقية فيه وثابتة
هي
(1) قال بذلك النظام ومن المتكلمين من قال إنّه ليس بجوهر ولا عرض ومنهم من قال إنّه عرض ومنهم من قال لا صوت في الدنيا وليس إلا المصوّت. الأشعري: مقالات
الإسلاميين 112/ 2. (2) في الأصل «كان يدركها». (3) أضفنا هذه الجملة رغم عدم ذكرها في الأصل بناء على ما تشترطه «إما» التفصيلية. م. (4) في الأصل «ف». (5) انظر حواش على شرح الجهالات.10. وقد عرف الجويني العرض بأنه ما لا يبقى وجوده. انظر الإرشاد 37، بدوي مذاهب الإسلاميين.711/ 1. وأثبت بركات أن العرض لا يبقى
زمانين فالأعراض في جملتها غير باقية بل هي على التجدّد ينقضي واحد منها ويتجدد آخر (1/527)
صفحة 526
528
الجزء الثاني
أحوالا كثيرة ليست كغيرها من صفاته العرضية التي لا بقاء لها. إلا أنها تحدث جزءا [بعد] (2) جزء ما دام موصوفًا بها فكلّ ما لا ينفك منه الجسم ولا يكون إلا موصوفا به من صفاته الجوهرية فصفته تلك هو لا غيره. وكل صفة يوصف بها ثمّ يوصف بضدّها فهي غير الموصوف بها. وهذه الصفات الجوهرية وإن كانت غيره فهي أجسام. فالجسم موصوف بها أنها حالة فيه وأنّها معترضة فيه وأنّ بعضها لا يمنع بعضا بحلوله في الموصوف بها أن يكون غيره حالا [فيه]. فصفاته تلك وإن كانت أجساما (3) كلّها وهي غير الموصوف فهي كلّها حالة في الموصوف بها ليس منها شيء يمنع غيره من أن يكون في الموضع الذي كان فيه، الأماكن منها من جنس واحد ممّا كان يدرك بحاسّة واحدة. فتلك الصفات يمنع بعضها بعضا فكلّ ما حَلَّ به (4) لون منع غيره من الألوان أن تكون أحلت به (5) ما كان من جنسه أو خالفه لا يتلوّن بلونين لا بياض وسواد ولا بياض وبياض لا يكون أبيض ببياضين ولا أسود بسوادين ولا أسود
=
جمهور
مثله وهذا القول مطابق لما قاله المؤلّف هنا بركات الوحدانية 345. والملاحظ أنّ - أن الأعراض لا تبقى انظر الأشعري: مقالات الإسلاميين 46/ 2 - 48.
المتكلمين على البغدادي: أصول الدين 50 - 52.
(1) لقد قال النظام أيضًا أنّ الألوان والطعوم والروائح والخواطر أجسام يصح بقاؤها كما أن العلاف قسم الأعراض إلى قسمين منها ما لا يبقى كالحركة والإرادة ومنها ما يبقى كاللون والطعم والرائحة والحياة والعلم والقدرة. وأجاز الجبائيان بقاء الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والاعتماد واللون والحياة والقدرة والعجز والعلوم والاعتقادات. انظر: البغدادي: أصول الدين 50، 51.
(2) في الأصل نقص. وهذا منا ترجيح بناء على السياق. م.
(3) في الأصل «أجسام».
(4) في الأصل «حلّه». .
•?
(5) في الأصل «أحلّة». ورجح المحقق «أحلّه».
م. (1/528)
صفحة 527
كتاب التحف المخزونة
529
وأبيض في حالة واحدة ببياض وسواد وكذلك الحار لا يكون حارا بحرارتين ولا يكون موصوفًا /86/ بحرارة وبرودة في حالة واحدة. فمحال أن تجتمع فيه حرارة وبرودة ولا حرارتان ولا برودتان). وكذلك الحلاوة والمرارة لا يجتمعان في جسم واحد ولا يكون فيه حلاوتان ولا مرارتان (2) في حالة واحدة. وكذلك الروائح على ما ذكرناه في غيرها من الصفات. وكلّما حلّت به (3) صفة منعت غيرها من صفاتِ جنسها إلا ما خالفها منها لا (4) ما وافقها. فكل ما كان منها ممّا يدرك بحاشة واحدة يمنع بعضه بعضا لا ما اتفق منها ولا ما اختلف (5). وأما كلّ ما لا يدرك بحاسّة واحدة وإن كان يدرك بالحواس الخمس فما (6) يدرك منها بحاسة واحدة لا (7) يمنع ما يدرك بغيرها أن يكون حلّ في الموصوف. فالذي أحلّه غيره. وكذلك صفاته العرضيّة أيضا تجتمع فيها صفات كثيرة نحو الحركة والحياة والاستطاعة. وليس منها شيء يجامع ضدّه. والحركة لا تجامع السكون (8). وكذلك الموت لا يجامع الحياة. وكذلك الاستطاعة لا تجامع الزمانة. وكذلك ما لم نذكره من الصفات على قياس ما ذكرناه.
(1) في الأصل ولا حرارتين ولا برودتين». (2) في الأصل «حلاوتين ولا مرارتين».
(3) في الأصل «حلّته». م.
(4) في الأصل «ولا». م.
(5) ذكر النظام أن الحرارة والبرودة والسواد والبياض والحلاوة والحموضة أ متفاسدة يفسد بعضها بعضا انظر الأشعري مقالات الإسلاميين 62/ 2، 63.
(6) يبدوا أنه سقط من الأصل حرف الفاء».
ام متضادة
(7) في الأصل «ولا». (8) لقد نفى النظام التضاد بين الأعراض والحركة عنده عرض والسكون من جنس الحركة ولذلك يمكن أن يفهم من تحليله هذا أنّ الحركة يجوز أن تجامع الشكون وهذا لا يمكن
تصوّره انظر الأشعري: مقالات الإسلاميين 62/ 2. (1/529)
صفحة 528
530
الجزء الثاني
فصفاته الجوهرية على ما ذكرنا إمّا هي الشّيء نفسه وإما أن تكون غيره. وربّما يوصف (1) الجسم بها كلّها أو ببعضها. وربما تكون كلّها هي الشيء. وربما تكون (2) بعضها هي وبعضها غيره. وربما تكون كلها غير الموصوف بها. وربما يكون جسم من الأجسام غير موصوف بهذه الصفات من لون وطعم ورائحة وخشونة ولدونة وحلاوة ومرارة. ولا يكون الجسم إلا طويلا عريضا ذا جهات ونواح وأطراف ووسط وأنه في عينه متعدّد غير واحد ما كان منه فوق غير ما كان منه تحت. وكذلك يمينه غير يساره وأمامه غير خلفه. فالجسم لا يكون هكذا ما دام عينه ومعناه. فمن ادعى أنّ ثمّ جسما ليس على هذه المعاني يلزمه أن يكون على هذه المعاني ما ليس بجسم.
(1)
(1)
[و] قد اختلف (3) المتكلمون في هذه الصفات الجوهرية فقال بعضهم) أبعاض الشيء، وتلك (5) الأبعاض صفات يوصف عندهم الشيء بمعنى غيره ويوصف بغيره. وقال بعضهم: هي الشيء نفسه وليست [بأبعاض] (7) له. فبعض الشيء ليس (8) من صفته وكذلك صفته ليست ببعضه. [و] احتج كلّ واحد منهما بحجته التي يرى أنّها تقوّي مذهبه وقوله. واحتج من يزعم أنها
(1) في الأصل «أن يوصف». م. (2) في الأصل «أن تكون». م.
(3)
في الأصل «اختلفوا».
(4) قال سليمان بن جرير الاستطاعة أحد أبعاض الجسم كاللون والطعم وقال ضرار بن عمرو الألوان والطعوم والروائح والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة أبعاض الأجسام. انظر
الأشعري: مقالات الإسلاميين 8/ 2، 37.
(ه) في الأصل «ذلك». (1) وقد قال بذلك الأصم.
(7) بياض في الأصل ولم يرجّح المحقق وما أثبتناه من السياق. م.
(8) في الأصل «ليست». (1/530)
صفحة 529
كتاب التحف المخزونة
531
أبعاض الشيء بالاختلاف الذي وقع فيها. فاللون مخالف للرائحة والطعم ولغيره من الصفات وكذلك حرارة الشيء وحموضته. فهذه معان كثيرة
ما
بعضها غير بعض وبعضها مخالف لبعض. فلو كانت هي الشيء نفسه م جرى عليه الاختلاف لأنّ الشّيء لا يخالف نفسه كما لا يوافق نفسه ولا يغاير نفسه. فلما بطل أن يوافق الشّيء نفسه وأن يخالف نفسه ثبت أن المعاني المتغايرة المختلفة أبعاض للموصوف بها.
هي
وأيضا لو كان (2) الذي أدركته حاسة البصر هو الذي أدركته حاسة الشم والذي أدركته حاشة الطعم والمدرك (3) بحاشة /87/ الطعم هو المدرك بحاسة اللمس لكان من أدركه لونا بحاسة البصر أدركه حارا أو باردا أو خشنًا أو لينا وحلوا أو مرا. فلما أن وجدناه يدرك لونه ولم يدرك رائحته ثبت أن الذي أدرك غير ما لم يدرك، وإن كان ليس ثم شيئًا غير الموصوف بها في أبعاض له) (4).
واحتج أيضا من زعم أنها هي الشّيء نفسه وأنها (ه) ليست بأبعاض له بأن (1) أبعاض الجسم تتمانع (7). بعضها يمنع بعضا. فلا [يمنع] هذا البعض الذي هو اللون من أن يكون في الموضع الذي كانت فيه
(1) في الأصل «حمورته».
(2) في الأصل «لو كان معنى واحد الذي ... ». (3) في الأصل «المدروك». م.
(4) لا يكاد يُستفاد معنى من هذه الجملة. م.
(ه) في الأصل «فإنّها».
(1) في الأصل «أنّ». (7) في الأصل «يتمانع».
(8) بياض في الأصل. ولم يرجح المحقق. م.
(9) في الأصل «التي».
(4) (1/531)
صفحة 530
532
الجزء الثاني
الرائحة أو غيرها. فإن كانت الرّائحة في موضع واللون في موضع فما لم يكن فيه اللون من الشيء فلا يسمّى أبيض ولا أسود وما لم تكن فيه الرائحة فلا يسمى ذا رائحة (1). فهذا محال. فالّذي نسميه ملوّنا هو الذي نسميه ذا رائحة. والذي (2) نسمّيه ذا رائحة هو الذي نسميه ملوّنًا. وأيضا لو كانت صفاته أبعاضا له فما سمّي به كلّ الشّيء سمّي به بعضه (3) لأنّ ما جرى على الكلّ جرى على بعض الكل (4). وما (5) كان كله أبيض فبعضه لا يكون أبيض. وما (6) كان كلّه جسما فبعضه جسم. وما (7) كان كله حارًا فبعضه حارّ. فلو كان كلّ الشّيء أبيض ... (8) بعضه يسمّى بعضه ذلك (1) أبيض. وكذلك لو كان كل الشيء [لجرى على بعضه وما جرى على بعضه جرى على كلّه. فلمّا بطل هذا لما فيه [من] (10) المحال ثبت أنّ الشيء موصوف بصفاته التي. هي الموصوف بها وليس ثمّ معنى غيره. إلّا أن له جهات يُدرك بها يُدرك أبيض بحاسة البصر ويُدرك أنه ذا رائحة بحاسة الشم، فيدرك الشّم من جهات. فالمدرك واحد كما أن الشيء يُعلم من جهة ويُجهل من جهة. فالمعلوم من جهة ما يعلم الشيء هو
(1) في الأصل «مريحا». وقد كررها المصنف ..
(2) في الأصل «فالذي».
(3) في الأصل «البعض». م.
(4) في الأصل «البعض». م.
(ه) في الأصل «فما».
(6) في الأصل «فما».
(7) في الأصل «فما».
(8) بياض في الأصل.
(9) في الأصل «ذلك البعض». م.
(10) الظاهر سقوط «من» من الأصل.
م.
(11) في الأصل يدرك مريحا بحاسة الشم أنه مريح». م. (1/532)
صفحة 531
كتاب التحف المخزونة
533
المجهول من جهة ما يجهل. فهذا شيء لا تُنْكِرُهُ أي يُعلم الشّيء موجودا من جهة محدثا من جهة أخرى]. فالمعلوم أنه موجود هو المجهول أنه محدث. فهذا عنده صحيح ليس بفاسد وكل (2) ما كان من صفات عرضية للجسم (3) فغير مدرك (4) بالحواس، إلا الصوت فإنّه مدرك بحاسة السمع. وإن كان عرضا من الأعراض وغير ذلك من الأعراض كلّها التي صفات للجسم لا يدرك إلّا بالدلائل والنظائر ولا يكون علمها إلا
هي
اكتسابا ليس باضطرار.
وأما صفاته الجوهرية التي هي أجسام فهي مدركة بالحواس وعلمها على ما أدركته الحواس اضطرار وكذلك جهلها اضطرار. ولا تفاضل بين العباد فيما كان علمه اضطرارًا. فأما () ما كان علمه اكتسابا فيتفاضل (6) الناس في علمه يكون بعضهم أعلم من بعض ويعلمه بعض ويجهله بعض، وإن كانت الدلائل والعلامات التي يُعلم بها قائمة. وأما ما كان علمه اضطرارا فلا تفاضل (7) بين العباد في علمه، ولا يقع الاختلاف بين الناس فيه فيثبته قوم وينكره آخرون. فالشيء الذي (8) رآه الراؤون لا (9) اختلاف بين من رآه ولا (10) تفاضل بينهم في علمه، ولا ينكره بعض ويثبته بعض /88/ كالشمس التي
(1) أضفنا من جهة أخرى».
(2) في الأصل «فكل».
(3) في الأصل «صفات الجسم عرضيّة».
(4) في الأصل «مدروك». وقد كرّر المصنف هذه الصيغة. واسم المفعول من أدرك مدرك. م.
(0) في الأصل «اضطرار» «فلما».
(1) في الأصل يتفاضل». (7) في الأصل «يتفاضل».
(8) في الأصل فكيف شيء». (9) في الأصل «فلا».
(10) في الأصل «فلا». (1/533)
صفحة 532
534
الجزء الثاني
يراها الخلق فلا تفاضل بين من رآها في علمها، فلا يخلو القلب من معرفتها على ما أدركها البصر، أو كصوت رعد إذا أدركته حواس السامعين له، فلا تفاضل بينهم في علمها، فلا يخلو كل من أدركها بحاسة سمعه من العلم بها ولا يجهلها في تلك الحال ولا ينكرها إلّا من كان مكابرا لعقله أن ينكر بلسانه ما اعتقده في قلبه (1/534)
صفحة 533
=
535
كتاب التحف المخزونة
1 - في الحواس الخمس
في الحواس
والحواس الخمس معان وهي أبعاض الحاش وكذلك المحسوسات على خمسة معان هن صفات للموصوف بها.
وأما الحواس الخمس فهي حاسة البصر وحاسة السمع وحاسة الذوق وحاسة اللمس وحاسة الشم. فهذه الحواس الخمس التي تدرك بها المحسوسات كلّها. وقيل حواس [الأنهنّ] (1) يدركن المحسوسات. وقيل للمحسوسات محسوسات لأنهنّ يُدْرَكن (3) بالحواس وهي اللون والطعم والرائحة والصوت وملموس يدرك بحاسة اللمس.
2 ـ في صفة الحواس
والحواس كلّها أجسام والمحسوسات كلّها أجسام ما خلا الصوت المدرك بحاسة السمع (3). والحواس كلّها مختلفات لاختلاف المحسوس بها. فاللون
(1) سقط من الأصل «لأنهن».
نقلا
(2) في الأصل «يدركهن». (3) سبق الأشاعرة بقية المتكلمين في هذه المسألة. ونسب الأشعري إلى المثانية قولهم إنّ الحواس أجسام في مقالات الإسلاميين 31/ 2. وأثبت المحشي القول الذي تبناه أبو الربيع عن التوفي ونبه إلى أنّ الوارجلاني يذهب إلى جسمية المدرك بالسمع بحجة أن بعض الأصوات القوية كالرعد القاصف قد تهدّم الحيطان على أن الفاعل من الخلق لا يكون إلا جسما. انظر المحشي حاشية الوضع. 23. أما البغدادي فقد أوضح أن الإدراكات الحسية كلها معان قائمة بالحواس خلافا لأبي هاشم القائل إن الإدراك ليس بمعنى ولا عرض ولا شيء سوى المدرك. انظر البغدادي: الفرق بين الفرق: 312. (4) اختلف المتكلمون في الحواس هل هي جنس واحد أم هي مختلفات؟ فقال الجاحظ.
هي (1/535)
صفحة 534
536
الجزء الثاني
مدرك بحاسة البصر. وكان لونا لأنه يدرك بالبصر. وكان البصر بصرا لأنه يدرك اللون. وكذلك الأصوات كانت صوتا لأنها تدرك بحاسة السمع. وكذلك السمع كان سمعا لأنه يدرك الصوت. وكذلك حاسة الذوق كانت ذوقا لأنها تدرك الطعوم. وكانت الطعوم طعوما لأنها تدرك بحاسة الذوق. وكذلك حاسّة السم كانت [شما] (1) لأنها تدرك الروائح. وكذلك الروائح كانت روائح لأنها تدرك بحاسة الشم. وكذلك حاسة اللمس كانت حاسة اللمس لأنها تدرك
الملموسات. وكانت الملموسات ملموسات لأنها تدرك بحاسة اللمس. فكان ما يدرك بحاسة البصر لونا (3). وبطل ما [ا] (3) يدرك بحاسة البصر أن يكون لونا. وكذلك ما (4) يلاقي اللون فهو بصر. .. وبطل ما لا يلاقي البصر أن يكون لونا (). وكذلك الصوت كلّ ما يدرك بحاسة السمع. وبطل كلّ ما لا يدرك بحاسة السمع أن يكون صوتا. وكذلك ما) يلاقي الصوت فهو سمع. وبطل ما لا يلاقي الأصوات أن يكون سمعا. وكذلك الروائح كل ما يدرك بحاسة الشم. وبطل كلّ ما لا يدرك بحاسة الشم أن يكون روائح. وحاسة الشم ما يدرك الرّوائح. وبطل ما لا يلاقي الروائح أن يكون حاسة الشم. وكذلك الطعوم كل ما يدرك بحاسة الذوق. وبطل ما لا يدرك بحاسة الذوق أن يكون
مي
خلاف
جنس واحد وإنما الاختلاف في جنس المحسوس وموانع الحساس. وقال الجبائي هي أجناس مختلفة وهي على اختلافها أعراض غير الحساس. وقال العلاف كلّ حاسّة. الحاسة الأخرى وليست مخالفة لها. وبمثل ذلك قال السوفي فأثبت التغاير والاختلاف ونفي التضاد. الأشعري: مقالات الإسلاميين 33/ 2، 40 السوفي: السؤالات 145.
(1) سقط من الأصل «شما».
(2) في الأصل «فهو لون».
(3) أضفنا «لا» حتى يستقيم المعنى.
(4) في الأصل «ما لا».
(ه) في الأصل «بصرا».
(6) في الأصل «ما لا». (1/536)
صفحة 535
كتاب التحف المخزونة
537
طعمًا. وكذلك حاسة الذوق ما يدرك الطعوم. وبطل ما لا يلاقي الطعوم أن يكون حاسة الذوق. وكذلك الملموسات كلّ ما يدرك بحاسة اللمس. وبطل كل ما لا يدرك بحاسة اللمس أن يكون ملموسا. وما يدرك الملموسات فهو حاسة اللمس وبطل مالا يلاقي الملموسات أن يكون حاسة اللمس".
- في إدراك الحواس
واختلفت هذه الحواس المدركات /89/ مع مدروكاتها. وكذلك دركهنّ مختلف ودركهن لما أدركن اضطرار شبه النظر [و] السماع. فالنظر بالعين والسماع بالسمع. وكذلك غيرهما من الحواس لهنّ أفعال اكتساب ليس باضطرار. وهو صرفهنّ واستعمالهن حتى يكون منهنّ الدرك لما أدركن من المحسوسات. فكل ما كان منهنّ مختلفا ما كان منهنّ باضطرار وما كان منهنّ باكتساب. فالنظر مخالف للسماع وكذلك ما يقوم عنهما من الدرك والملاقاة). وطبع الله هذه الحواس كل واحدة منهنّ على ما هي به من أنها لا تدرك ما تدرك صاحباتها. وكذلك محسوساتها كل واحدة منهنّ مطبوعة في عينها ومعناها أنها لا تدرك بالحاسة [التي] (3) تدرك بها صاحبتها. فاللون في عينه مطبوع لا يدرك إلّا بالبصر كما أنّ البصر في عينه ومعناه مطبوع لا يدرك إلا لونا. وكذلك ما ليس ببصر من الحواس وما ليس بلون من المحسوسات على ما ذكرناه في البصر واللون).
(1) وانظر: البغدادي: أصول الدين: 9.
(2) وانظر السوفي: السؤالات 146.
(3) أضفنا «الألف واللام» إلى لفظ «حاشة» والاسم الموصول «التي» ليصح المعنى. (4) كذلك قال التوفي البصر مطبوع لا يدرك إلا الألوان والسمع مطبوع لا يدرك إلا الصوت لكنه لم يجوز أن يقال البصر مطبوع على درك الألوان والسمع مطبوع على درك الأصوات
غير
أنه
لم يعلل ذلك. انظر كتابه السؤالات: 121. (1/537)
صفحة 536
538
الجزء الثاني
ولا سبيل للقلب إلى معرفة شيء من المحسوسات إلا بالحواس). وكلما فقد حاسة من حواسه فقد علمه (2) بمحسوساتها وعلمه لما أدركه بالحواس اضطرار ليس باكتساب.
4 - في المحسوسات
واختلف ما أدركته حاسة البصر من أبيض وأسود (3) وأحمر وأصفر وغير ذلك من الألوان. ولم يختلف من جهة ما أدركته (4) حاسة البصر. فهي من جهة ما أدركها البصر لون فلم تختلف (5) الألوان من جهة اللون. وكذلك الأصوات اختلفت ولم تختلف من جهة الصوت ولا من جهة ما أدركها السمع. وكذلك الطعوم حلاوتها ومرارتها ولم تختلف من جهة الطعام ولا من جهة ما أدركتها حاسة الذوق. وكذلك الروائح وإن اختلفت في معانيها ولم تختلف من جهة ما كانت ذات رائحة) ولا من جهة ما أدركتها حاسة الشم. وكذلك المدروكات بحاسة اللمس من الخشونة والليونة (7) والحرارة والبرودة اختلفت ولم تختلف من جهة ما تدرك بحاسة اللمس ولا من جهة ما كانت ملموسة.
(1) ذكر الشوفي أن درك الحواس حال في القلب على الحقيقة وفي الحواس على المجاز. والحواس جوالب للقلب ودور القلب التمييز بين ما جلب إليه. انظر السؤالات 145. ويرى
الجاحظ أن النفس هي
(2) في الأصل «علم».
المدرك الأشعري: مقالات الإسلاميين 33/ 2.
(3) في الأصل «بياض وسواد».
(4) في الأصل «أدركها».
(ه) في الأصل «يختلف». (1) في الأصل «مريحة». م.
(7) في الأصل «الخشانة اللّيانة».
م. (1/538)
صفحة 537
كتاب التحف المخزونة
ه ـ في طبائع الحواس
539
وحاسة البصر وحاسة السمع وحاسة الشم يدركن ما بان عنهنّ ولا يدركن ما لاصقهن. وأما حاسة الذوق وحاسة اللمس فلا يدركن إلا ما لاصقهما ولا يدركان ما بان عنهما.
والحواس أبعاض ليست بصفات ومحسوساتها صفات ليست بأبعاض
جسم.
سميعا بجزء من أجزائه وجهة من جهاته والبصير [كان] (1) السميع بصيرا بجزء من أجزائه وجهة من جهاته والشّام شاما بجزء من أجزائه وجهة من جهاته. وكذلك الذائق ذائقا بجزء من أجزائه وجهة من جهاته. وكذلك اللامس لامسا بجزء من أجزائه وجهة من جهاته. فكلما) صحت أجزاؤه
وجهاته فهو موصوف ومسمّى بهذه الأسماء التي ذكرناها.
- في السميع والبصير
وكلّ ما صح بصره وصح عقله سمي بصيرا. فإن صح بصره ره ولم يصح الألوان لأن المبصر
عقله بطل أن يسمّى بصيرا وإن كان يبصر للألوان فلا يميّزها /90/ من لا عقل له وإن كان يلاقيها ببصره.
له
وإن
يبصر
صح
عقله
(3) المميز
ولم يصح بصره بطل أيضًا أن يسمّى بصيرا ولا يقال الألوان إذ لا يلاقيها ببصره ولم تصح له حاسة البصر. وكذلك
أيضا إذا صح سمعه وصح عقله فهو سميع باجتماع المعنيين. وإن بطل أحدهما بطل أن يسمّى سميعا. وإن صح عقله ولم يصح سمعه سمّي عاقلا بصحة عقله ولا يسمّى سميعا ولا يسمع الصوت ولا يعيه بقلبه.
(1) أضفنا «كان».
(2) في الأصل فكل ما ما» و «ما» الثانية زائدة.
(3) في الأصل «البصر». (1/539)
صفحة 538
540
الجزء الثاني
وإن صح سـ
وجائز أن يقال له
سمعه ولم يصح عقله بطل أيضا أن يسمى عاقلا ولا سميعا الصوت ولا يقال له سميعا (1) وإن كان يلاقيها يسمع بسمعه فلا يسمى سميعا لأنّ السميع المميز للأصوات العالم بها. فلا يكون المميز لها إلا العاقل فكلّما فقد حاسة السمع سمّي أصم وإن كان له عقل. فإذا صح سمعه بطل أن يسمّى أصمّ وكذلك إذا صح بصره بطل أن يسمّى أعمى. ويسمّى أعمى [إذا لم يصح بصره] (2). ويسمّى بصيرا إذا صح بصره وعقله. وإن لم يصح عقله وصح بصره سمّي [مبصرا] (3). وكذلك (4) سائر الحواس على ما ذكرنا في مسالة السمع والبصر. فمن
(4)
فهمهما فهم غيرهما من الحواس.
V
- في صفات الحواس الخمس
والبصر معنى كان في العين وهو غير العين وإنّما يدرك بالدلائل والنظائر. وكذلك السمع معنى كان في القمع وهي غير القمع وهو أيضا إنّما يعلم بالدلائل. وكذلك حاسة الشم معنى كان في الأنف وهو غيرها وعلمه بالنظر والقياس. وكذلك حاسة الذوق معنى كان في الفم وهو غيره. وكذلك حاسة اللمس معنى كان [في] ظاهر الجسد وهو أيضا معنى غيره ويدرك
بالنظر والقياس
(0)
(1) في الأصل ولا يقال سميعا له». (2) في الأصل ذلك يصح بصره إذا صح بصره». (3) في الأصل يبصر الأولى إذا صح بصره». (4) في الأصل «فكذلك».
(ه) وانظر في تعريف الحواس الخمس المحشي الدين: 9 (أقسام الحواس).
الوضع: 22، 23. البغدادي: أصول (1/540)
صفحة 539
كتاب التحف المخزونة
541
في إدراك الأطفال والبهائم
والأطفال والبهائم يقال لهم يسمعون ويبصرون ولا يقال لهم سميعين ولا بصيرين ولا ذائقين ولا لامسين ولا شامين. ولا يجوز عليهم أيضا قادرين ولا فاعلين ولا مستطيعين ولا مميزين ولا عالمين ولا جاهلين. ويجوز أيضا أن يقال لهم إذا صحت حواسهم يسمعون ويبصرون ويذوقون ويشمون ويلمسون. فإن فقدت هذه الحواس جميعا بطل أن يقال لهم يسمعون ولا سميعين ولا يبصرون ولا بصيرين ولا يذوقون ولا ذائقين ولا يشمون ولا شامين ولا يلمسون ولا لامسين وجائز أن يقال لهم صمّ وعميان بفقدان السمع والبصر.
والأطفال لهم حاسة سادسة يحفظون بها ويميزون بها بين ا الأشياء. ولا يقال لهم حافظين ولا مميزين. ويقال لهم يستطيعون ويقدرون ويفعلون ويعلمون ويجهلون ويختارون ويكسبون.
والبهائم أيضا لهم حاسة سادسة يعلمون بها ما يتأتى لهم. ولا يجوز أن يقال لهم يحفظون ولا يميزون بها. وكذلك أيضا جائز أن يقال لهم يستطيعون ويقدرون ويفعلون وكذلك يسمعون ويبصرون ويذوقون ويلمسون ويستلذون ويألمون ويريدون ويكرهون.
الأطفال
وقال بعض أهل العلم /91/ بنفي الاكتساب والاختيار عن والبهائم وكل من لا عقل له. فعلى (1) هذا القول لا يجوز أن يقال لهم يستطيعون ولا يقدرون ولا يفعلون ويعملون ويجهلون باضطرار كما
يسمعون ويبصرون باضطرار.
(1) في الأصل «فعل». (1/541)
صفحة 540
542
الجزء الثاني
9 - في الأسماء
وأما الأموات فلا يجري عليهم صمّ ولا عميان ولا ما كان من قياسها ووزنها. والسميع اسم وقع على جميع الأجزاء وإن كان ... بجزء من أجزائه وجهة من جهاته (1) فلا يسمّى به إلّا الجميع. فجائز أن يقال السميع له سمع وكذلك البصير له بصر. ويقال له أيضا ذو سمع وذو بصر ويقال سمعه وبصره ومعنى ذلك كله ... (2) ولا يقال ذو سميع ولا ذو بصير. ولا يقال له ولا له ولا يقال سميعه ولا بصيره لأنا إذا قلنا له أثبتنا له البصر. بعضه. ولا يجوز أن يقال ذو بصير إذ لم يكن البصير بعضه وكذلك لا يجوز بصيره إذ ليس البصير بعضه. وجائز بصره إذا كان بعضه. ومعنى بصره
بصير
سميع
بصر
وله بصر وذو بصر على البعض. وأيضا له بصر جاز أن يبصر به وكذلك
من له سمع جائز أن يسمع به.
من
ولو جاز أن يقال البصير له بصير كما جاز البصير له بصر لجاز أيضا أن يبصر بالبصير ويسمع بالسميع كما يبصر بالبصر
ويسمع بالسمع. إذ كان له. سمع وإذ كان له بصر. ولا يجوز أن يسمّى البصير بصرا ولا البصر بصيرا
ولا السميع. سمعا ولا السمع سميعا ولا السمع ذا سمع ولا السمع له سمع ولا سمع الشمع ولا بصر البصر لأنّ هذه الألفاظ توجب البعض. فلو جاز أن يقال للسمع سميعا لأثبتنا له بعضا له يسمع وهذا يثبت البعض للبعض وهذا محال. والسميع إنّما استحقه بسمعه ببعضه فكذلك البصير.
فكل ما استحقه ببعضه فلا يسمّى إلا به جميعه ولا يسمى به بعضا دون بعض. وكل اسم استحقه الشيء بمعناه أو بمعنى غيره فجائز أن يسمّى به
(1) أورد صاحب الجهالات نفس العبارة وفسّرها أبو عمار فبيّن أنّ المراد بالجزء الحاسة التي السمع وبالجهة العقل انظر: أبو عمار: شرح الجهالات 111.
هي
(2) في الأصل «بياض». (1/542)
صفحة 541
كتاب التحف المخزونة
543
بعضه ويسمّى به جميعه نحو متحرّك وساكن استحقها بمعنى غيره وهو الحركة والسكون. فجائز أن يقال لجميعه متحرّك ولبعضه متحرك. وكذلك يقال لجميعه ساكن ولبعضه ساكن وكذلك كل اسم. استحقه بعينه ومعناه نحو جسم وعريض وطويل ومحدّث فهذه الأسماء جارية على جميعه وعلى بعضه. فكل الشيء جسم وبعضه جسم وكلّ الشيء عرض وبعضه عرض. وكذلك كل الشـ محدث وبعضه محدث. وكلّ البياض أبيض وبعضه أبيض. وكلّ الحيّ فجميعه حي وبعضه.
حتي.
وكذلك الميت كله ميّت وبعضه ميّت إذا كان مستحقا له بمعنى غيره
(2)
(1)
سمعه
وهو الموت الذي أحلته ولا يجوز أيضا أن يقال إذا كان سمعه .... أصم ولا ... (2) أعمى لأنّ اسم الأصم لا يقع إلا على الأجزاء. وكذلك جميع لا يسمع ولا يبصر لا يقعان إلا على الجميع ولا يقعان على البعض. وكذلك /92/ لا يسمع ولا يبصر ولا يقعان إلا على الجميع ولا يقعان على البعض.
ولا يجوز أن يقال بصره يبصر ولا. بصره
يبصر ولا
سمعه يسمع و
ولا
سمعه لا ع. والجائز أن يقال البصير يبصر والأعمى لا يبصر والسميع يسمع.
يسمع
يسمع. وكذلك. أجزائه التي ليست بسمع ولا بصر ولا
جميع
لا والأصم يجري إلّا على الجميع دون البعض. فالجميع جاز عليه بـ
يسمع بسمعه
ويبصر ببصره ولا
أبعاضه يبصر بسمعه. وكذلك كلّ ما ليس ببصر من يسمع ببصر ولا:
جائز أن يقال لا يبصر به وكذلك كلّ ما ليس بسمع من أبعاضه جائز أن يقال يسمع به ولا يجوز أيضا أن يقال بصره ليس ببصير ولا [سمعه] (3) ليس لا لأنك إذا نفيت عن جميع أجزائه أن تكون سميعة أثبت التميع غير بسميع
(1) كلمة غير مفهومة في الأصل. م.
(2) كلمة غير مفهومة في الأصل. م.
(3) أضفنا كلمة «سمعه» وحذفنا عبارة وليس ببصيره. لأنها تكرار لا حاجة إليه. (1/543)
صفحة 542
544
الجزء الثاني
أبعاضه التي نفيت عنها أن تكون سميعة على الانفراد. فهذا محال أن يكون السميع إلا هذه الأبعاض التي هي أجزاء السميع.
هو
قلنا
وطوله
سمعه
وكذلك البصير على ما ذكرناه في مسألة السميع. ولا يجوز أن يقال سمعه كما يقال عرضه هو جسمه هو ولا يقال هو سمعه (1) لأنا إذا قلنا سمعه أثبتنا كلّ معنى منه سمعا ولا ننفي عن شيء منه أن يكون سمعا. كما أنا إذا جسمه هو أثبتنا كلّ معنى منه جسما فلا ننفي عن كل جزء منه أن يكون سمعا. كما أنا إذا قلنا جسمه هو أثبتنا كلّ معنى منه جسما فلا ننفي عن كلّ جزء منه أن يكون جسما. وكذلك عريض وطويل (3) إذا قلنا عرضه هو وم هو فلا ننفي عن شيء منه أن يكون عريضا طويلا. فلما أن جاز أن تسمّى أشياء من السميع ليست بسمع ثبت أن بعضه. لا يجوز أن يقال سمعه هو وكذلك بصره. فلما جاز أن تنفي عن أبعاضه أن يكون بصرًا ثبت أنّ بصره بعضه لا يقال هو ولا غيره ولا صفة له. فالبعض لا يقال هو الكلّ هو البعض ولا يقال أيضا سمعه فيه ولا ملاصق له ولا مباين عنه ولا موافق له ولا مخالف له ولكن سمعه بعض له فبعضه مخالف لبعض وموافق لبعض آخر وبعضه حال في بعض وبعضه ملاصق لبعض ومباين عن بعض. فأبعاضه كثيرة وبعضها يوافق بعضا وبعضها يخالف بعضا.
فكل ما اختلف منها متغاير وكذلك ما اتفق وكذلك ما تباين منها وما التصق. ولا يلاصق الشّيء نفسه ولا يفارقها ولا يخالفها ولا يوافقها. فلو كان سمعه ملاصقًا له أثبتناه غيرا (3). وكذلك لو خالفه أو وافقه أو باينه أو
(1) لقد قال بذلك الأصم.
(2) في الأصل «طول». (3) في الأصل «أثبتنا غير». م. (1/544)
صفحة 543
كتاب التحف المخزونة
545
لاصقه أو أحلّه فكل هذا يثبت غيره. ولكنا نقول سمعه وبعضه. ولا يجوز أن يقال هو ولا غيره ولا صفة له. وكذلك ما لم نذكره من الحواس على ما ذكرناه في مسألة السمع والبصر والجواب فيهما واحد. فمن فهم واحدًا
منهما فهم جميعها.
-1
- في موانع الحواس
والبصر تمنعه الخلقة [من إدراك] (1) ما ليس بلون. وكذلك السمع تمنعه عن إدراك ما ليس بصوت (2) وتمنعه الحوائل عن إدراك الأصوات التي /93/ بخلقة. وكذلك البصر تمنعه الحوائل عن إدراك الألوان ولا تمنعه
الخلقة
الخلقة
عن إدراكها.
فالبصر تمنعه الظلمة عن إدراك الألوان (3) وإن كان صحيحًا سليما من الآفات وكذلك تمنعه الأجسام المتكاثفات عن إدراك ما وراءها وكذلك يمنعه البعد عن إدراك اللون والبصر بعينه الضياء على (4) إدراك الألوان ولا يدرك إذا فقدوه وملاصقة الشّيء أيضا تمنعه من دركه وهذه معان تمنعه من
(1) أضفنا
«من إدراك».
(4)
(2) الأشعري المقالات 34/ 2 في الجواب على سؤال: ما الذي يمنع السمع من إدراك اللون؟ قال: زعم بعض المعتزلة أنّ الّذي منع السمع من وجود اللون أن شائبه ومانعه من جنس والظلام الذي يمنع من درك اللون ولا يمنع من درك الصوت وأن الذي منع البصر من وجود الأصوات أن شائبه من جنس الزجاج الذي يمنع من درك الأصوات ولا يمنع من درك اللون. وزعم آخرون منهم أنّ الفم صار يجد الطعوم دون الألوان والأصوات والأرابيح لأن الغالب على شوائبه الطعوم دون غيرها وزعم آخرون أن البصر إدراك الألوان لقلة الألوان فيه وهكذا. (3) قال ابن سينا وغيره إنّ الضوء شرط وجود اللون. ولاحظ الإيجي أن شرط الرؤية ليس هو الضوء كيف كان بل الضوء المحيط بالمرئي. وعند انتفاء طبقات الأضواء تنتفي طبقات
الألوان وهذا: انتفاء الألوان في الظلمة الإيجي: المواقف 132، 133.
يوجب
(4) في الأصل «عن». (1/545)
صفحة 544
546
الجزء الثاني
إدراك الألوان والعمى أيضا يمنعه من درك الألوان وهو آفة البصر وهذه المعاني التي ذكرناها تمنع البصر عن إدراك الألوان وليست هي التي منعته من إدراك ما ليس بلون من المعاني التي منعته الخلقة عن إدراكها. كما لم تمنعه الخلقة عن إدراك الألوان كذلك منعته عن إدراك ما ليس بلون. وكذلك أيضا كما تمنعه الحوائل التي ليست بخلقة عن إدراك الألوان وكذلك لا تمنعه الخلقة عن إدراك الألوان لأنّ كلّ ما منعته الخلقة عن إدراكه فمحال
دركه ما دامت خلقته. وكذلك ما لم تمنع خلقته فربّما أن يدركه يوما ما. وقد قيل أيضا في البصر أنّه لا يلاقي لونين في حالة واحدة ولا يلاقي السمع صوتين في حالة واحدة كما لا يشم رائحتين في حالة واحدة ولا يذوق طعمين في حالة واحدة ولا يلمس بحاسة اللمس ملموسين في حالة واحدة ولا يدرك السمع صوتا ويعجز عما هو أعظم منها، وكذلك لا جملا في جبل و [لم] يبصر الجبل وكذلك لا يبصر إبرة في جنب جمل ولم ير الجمل أو كتابا في رق ولم ير الرّق.
يبصر
وربّما يمنع البصر عن إدراك الألوان ما لا يمنع السمع عن إدراك الأصوات. فالبصر تمنعه الظلمة أيضًا عن إدراك الألوان ولا يمنع السمع عن إدراك الأصوات. وربّما أن يكون جسما من الأجسام الخوّارة يمنع السمع عن إدراك الأصوات ولا يمنع البصر عن إدراك الألوان. (1/546)
صفحة 545
كتاب التحف المخزونة
???
الأخيال المادية اليين و الاشرارنا
في التوحيد ونفي الأشباه والمساواة عن الله
عزّ ذكره وجلّ ثناؤه ولا إله غيره ولا حول ولا قوة إلا بالله وهو حسبنا
ونعم الوكيل
1 - في «ليس كمثله شيء»
جميع
ما لا يوصف به من صفات خلقه فقوله (3). وأما ما كان فيه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءُ) [الشورى: 11]. وقوله [ليس كمثله شيء معناه]) ليس له سَمِيٌّ ولا شبيه ولا نظير. فمن قال ليس كمثله شيء أو ليس له سمي أو ليس له شبيه أو ليس له نظير فقد نفى عنه جميع ما لا يوصف [به] (4) من صفات خلقه وأثبته على ما هو به من صفاته. فهذه حقيقة التوحيد التي لا يسع جهلها. فمن جهلها فهو مشرك ومن علمها
فهو موحد.
فلا يصفه واصف بصفة من صفاته إلّا وصفه داخل في هذه الجملة. وكذلك لا ينفي عنه حدّ صفة من صفات خلقه إلا وذلك الشيء داخل في هذه الجملة التي ذكرناها.
قال الله /94/ ليس بجاهل نفى عنه الجهل بالقصد الذي نفاه ومن مجملا في قوله ليس كمثله شيء وكذلك ليس بعاجز وليس بمكره. فهذا النفي في جملته التي فيها نفي لكلّ الأشباه وكذلك ليس بأصم ولا أعمى
(1) في الأصل «لجميع».
(2) في الأصل «قوله» أضفنا «الفاء». (3) الظاهر سقوط هذه العبارة من الأصل. (4) الظاهر سقوط «به». (1/547)
صفحة 546
548
الجزء الثاني
وليس بجسم) ولا صورة وليس بمحدود ولا منبسط. فهذه الكلمات كلّها داخلة في جملتها التي هي نفي لجميع ما لا يوصف به وإثبات ما يوصف
به من صفاته.
حقيقة ما
فكل من (3) أفرده مجملاً ونفى عنه ما لا يوصف به مجملاً وأثبته على هو به مجملا فلا يضيق عليه القصد إلى نفي ما لا يوصف به بالتفسير ولا القصد إلى ما يوصف به من صفاته من بعد ما وصفه في جملة التوحيد فهو في سعة من القصد في النفي والإثبات ما لم يخطر ذلك بقلبه ويرد (3) عليه أو تقم (4) عليه الحجة مما يوصف به أنه صفة من صفاته أو تقم الحجّة فيما لا يوصف به أنه لا يوصف به.
فلا
فإذا قامت به الحجّة فيما لا يوصف به أنّه لا يوصف به، فإذا قامت عليه الحجة أو خطر ذلك بباله أو ورد عليه ما فهمه بلغته التي تلزمه بها الحجّة يسعه إلا أن يصف الله بصفته وينفي عنه ما لا يوصف به من صفات خلقه مقصودا ومفترًا. ولا تغني عنه الجملة التي كان عليها دون النفي بالقصد والتفسير لأنّ شكه فيما لا يوصف به أنّه يوصف به أو لا يوصف به نقض للجملة التي كان عليها.
وكذلك إذا [شك] (5) في صفة من صفاته أنه يوصف بها أو غير موصوف بها من بعد الورود أو الخطور بالبال أو قيام الحجّة به نقض جملته لأنه لا
(1) وقال السوفي: من قال إن الله
الرد على من زعم أنّ الله
جسم
جسم أو كالأجسام فقد أشرك. انظر السؤالات 261. وعن ر رسالة أبي خزر 72 - 74 أصول تبغورين: 3 - 6.
جسم
انظر:
المحشي: حاشية الوضع،69 70. المصعبي: حاشية تبغورين 4 ـ 5. سير الوسياني 216.
(2) في الأصل «ما». م.
(3) في الأصل «يورد».
(4) في الأصل «تقوم».
(5) الظاهر سقوط كلمة «شك». (1/548)
صفحة 547
كتاب التحف المخزونة
549
جسم
يصح اعتقاد جملته أنّ الله ليس كمثله شيء مجملا مع شكّه بأنه يشبه شيئًا من الأشياء أو يشبهه شيء () من الأشياء مقصودا) ومفترًا لأنه إذا اعتقد أنه لا يشبه الخلق في معنى من المعاني ثمّ شك من بعد تحقيق جملته أنه أو صورة أو عريض أو طويل أو نور من الأنوار (3) أو جاهل أو عاجز فقد نقض بشكه ما هو عليه قبل الشك من اليقين أنه ليس كمثله شيء لأن من كان جسما أو نورًا أو جاهلا أو عاجزا فمثله شيء.
ولا يكون من ليس كمثله شيء على صفة من صفات غيره ولا يكون غير موصوف (4) بصفة من صفاته لأنّ المشتبهين الموصوفين) كل واحد منهما بما يوصف به صاحبه كما أنّ المختلفين يوصف أحدهما بما لا يوصف به الآخر. ولا يكون جسما إلّا ومثله جسم غيره ولا نورا إلا ومثله نور غيره
ولا جاهلا (7) إلّا ومثله الجاهل ولا عاجزا إلّا ومثله العاجز.
فلا
يسع كل من خطر بباله أنّ الله قادر أو عاجز أو عالم أو جاهل إلا أن يصفه بصفته وينفي عنه ما لا يوصف به من الجهل والعجز. فإن شك فيه أنه قادر أو عاجز أو عالم أو جاهل خرج من التوحيد الذي هو نفي لجميع
(1) في الأصل «شيئًا».
(2) في الأصل «مقصود».
(3) قال السوفي: إن قال المكلف الله نور أو نور لا كالأنوار فقد أشرك وفر قوله تعالى: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} [الزمر: 19] بالعدل فقال: أي أضاءت بعدله. وفر قوله تعالى: اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) [النور: 35] قال أي عدل السماوات والأرض وقيل هادي من فيهما وقيل منوّرهما أي خلق نورهما و مَثَلُ نُوروه) أي مثل هداه. السوفي: السؤالات 261.
(4) في الأصل «موصوفا». (ه) في الأصل «الموصفين».
(1) في الأصل «نور».
(7) في الأصل «جاهل». (1/549)
صفحة 548
550
الجزء الثاني
الأشباه والأمثال عن الله وإن كان يسعه ما كان معه من الجملة ما لم يخطر بباله. فإذا خطر بباله فلا تغني عنه الجملة (1) التي كان عليها.
2 ـ في ما يجوز نفيه عن الله
وجائز النّفي عن الله مفسرا /95/ أن يقال الله ليس بجاهل (2) وليس بعاجز وليس بميت وليس بأصمّ وليس بأعمى وليس بجسم ولا صورة وليس
بمحدود ولا منبسط (3).
ـ في ما لا يجوز نفيه إلّا
مع نفي ضده
وأما الذي لا يجوز نفيه إلّا ضده قول القائل ليس الله بذكر حتى مع
نفي
يقول ولا بأنثى. وكذلك لا يجوز أن يقول ليس بمتحرك حتى يقول ليس بساكن. وكذلك ليس بظلمة حتى يصل ولا نورا. وكذلك ليس بعرض حتى
يصل قوله ولا بجسم.
وجائز النّفي عن الله أن يقال ليس بشمس ولا قمر ولا بعريض ولا بطويل ولا بداخل ولا خارج وليس بملاصق ولا مباين وليس بجسم ولا عرض ولا بأنثى ولا ذكر أو ليس بنور ولا ظلمة.
الله ـ في ما يجوز نفيه عن دون نفي ضدّه
وقد قيل جائز أن يقال ليس الله
(1) في الأصل «جملة».
بنور
لأنه لا يوهم أحد د [أنه ظلمة] (4)
(2) وانظر: السوفي: السؤالات 224 225 فقد بيّن أنّ عبارة «الله عالم ليس بجاهل بأنها تعني أنه
محيط مدرك مستبين.
(3) المنبسط هو الذي يكون وعاء للأجسام وكانت الأشياء وعاء له والله لا يوصف بذلك لما يقتضيه الوصف من التحديد. انظر: أبو عمار: شرح الجهالات 354.
(4) أضفنا «أنه ظلمة». (1/550)
صفحة 549
كتاب التحف المخزونة
001
وكذلك ليس بجسم لا يوهم أحد أنه عرض). وجاز في جملة الكلام أنّ الله له كل شيء وهو في كلّ شيء وهو مع كلّ شيء وهذا الكلام مجملاً فيه
(2)
تعظيم الله [و] ليس فيه إيهام ما لا يجوز على الله.
ه ـ في ما يجوز قوله عن الله وما لا يجوز
ولا يجوز في التفسير أن يقال له الولد وله الزوجة أو له الويل (3) أو له السوء أو له اللون أو له الطول والعرض لأنّ في هذا إثبات ما لا يجوز على [الله] (4) وما لا ينسب إليه من التأبه والتزويج وأن يكون طويلاً عريضا تعالى
الله
عن
ذلك علوا كبيرًا.
ولا يجوز أيضا أن يقال له نعال أو له خف أو قميص لما يوهم فيه مما لا يجوز. ولا يجوز النفي أيضا أن يقال ليس له قميص ولا خت ولا نعل وما كان على هذا الوزن والعيار لما فيه من نفي الملك والقدرة مما لا يجوز على الله.
وجائز أن يقال ليس له ولد وليس له زوجة. وذلك نفي للتأبه والتزويج وليس فيه نفي للملك والقدرة وقد نفى عن نفسه قوله: {مَا اتَّخَذَ صَحِبَةً وَلَا ولدا (الجن (5).
وجائز أن يقال له الخلق والأمر وله السماء والأرض وله الدنيا والآخرة
(1) ذكر الأسفراييني أنّ الله ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض وكل ما هو من صفات الحوادث كالحركة والسكون فإنّه منفي عنه. انظر كتابه التبصير في الدين: 159.
(2) وانظر: عامر الشماخي: الديانات: 43.
(3) وانظر السوفي: السؤالات 261.
(4) سقط من الأصل كلمة «الله».
(ه) وقد أثبت الناسخ «لم يتخذ ..... فرجحنا النص. (1/551)
صفحة 550
552
الجزء الثاني
وله الجنة والنار وله الدين والطاعة). فهذا وأشباهه جائز إذ ليس فيه إيهام ما لا يجوز وفي نسبته إلى الله تعظيم له وإجلال.
ولا يجوز أن يقال هو في مكان أو في مسجد أو في بيت أو في غار.
فليس هو في شيء من الأشياء لما في ذلك مما لا يجوز على الله ونفي إحداثه لها.
من
التحديد
وكذلك لا يجوز هو مع فلان أو مع شيء دون شيء لإيهام ما لا يجوز مما لا يجوز على الله ولا يوصف به تعالى إلّا ما أجازوه من القول: الله مع من أطاعه بالنصر والتأييد لقول الله: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم تحسنون) [النحل: 128]. ولا يجوز أن يقال هو مع فلان فليس هو مع شيء من الأشياء لما يوهم فيه مما لا يجوز على الله إلا ما أجازوه من القول ليس الله مع من عصاه وكفر به إذ لم يؤيّده ولم ينصره. وقد يعطون في جملة الكلام ما يمنعونه بالقصد والتفسير. وليس في ذلك نقص ولا فساد: يُعْطَى الكلام من جهة ما إعطاؤه ويمنع من جهة ما يحسن منعه.
(2)
يحسن
ويقال له قريب وبعيد ولا يقال في شيء أقرب إليه /96/ من شيء ولا في شيء أبعد عنه من شيء. وهو قريب وليس بملتصق وبعيد وليس بمنفصل (2). ويقال المؤمن أقرب إلى الله من الكافر والكافر أبعد من الله. ولا يقال المؤمن (3). كما يقال المؤمن خير من الكافر ولا
الكافر أبعد. الله من
من
(1) انظر السوفي: السؤالات 261.
(2) وانظر: أبو عمار: شرح الجهالات 390، 391. (3) وانظر: السؤالات: 271. (1/552)
صفحة 551
كتاب التحف المخزونة
553
يقال) الكافر أشرّ من المؤمن. ويقال المؤمن أوفق الله وأقر من الله أي أطوع الله والكافر مخالف الله وبعيد عنه أي عاص له وتارك لطاعته.
ويقال للخلق يسير في قدرة الله وهيّن عليه وعليه خفيف. ومعناه قادر عليه لا تتعذر عليه الأشياء ولا تصعب عليه ولا يثقل عليه شيء. فهذه الألفاظ كلّها جارية عليه على إثبات القدرة له.
ولا يجوز أن يقال في شيء أيسر في قدرته من شيء أو أخت عليه من شيء ولا أهون عليه إلّا ما أجازوه من الهوان على ما يقولون الكافر أهون على الله من الكلب (1) من باب الهوان لا على القدرة ونفي العجز. ولا يجوز أن تتفاضل (3) الأشياء في قدرته وهو قادر على كلّ شيء
(2)
ولا يعجز عن شيء ولا يصعب عليه ولا يتعذر.
يوهم
(4)
والخلق كله مخالف الله والله مخالف له. ولا يقال المؤمن مخالف الله كي لا أنه خالف طاعته وتركها وإن كان مخالفه في الصفة. ولا يجوز إطلاقه من غير صلة وهذا جائز عند أهل اللغة يعطون في جملة الكلام ما يمنعونه بالقصد والتفسير.
وأجازوا القول في كل مكان وبكل مكان ومع كل مكان. ولا يجوز أن
(1)
يقال هي مع الله ولا
(1) في الأصل «ولا».
هي في الله. ولا يجوز أيضا أن يقال هو تحت الأشياء
(2) في الأصل «المكلّف» بدل «الكلب والتصحيح من السوفي: السؤالات 271.
(3) في الأصل «يتفاضل».
(4) منع الإسفراييني أن يقال: الله قادر على كلّ شيء لأنّ القديم شيء ورأى أن الصواب أن يقال: الله قادر على كل مقدور وفسّر قوله تعالى: {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ} [البقرة: 284]
بقوله: والله على كلّ مقدور قدير. التبصير في الدين 166، 167.
(5) انظر السوفي: السؤالات 271.
(1) أي الأمكنة أو الأشياء. (1/553)
صفحة 552
554
الجزء الثاني
ولا فوقها ولا عن يمين الأشياء ولا عن يسارها ولا أمام الأشياء ولا خلفها لأنّ
هذه المعاني كلها توجب (1) التحديد والحلول والتمكن والانتقال والزوال. فإن قال أخبرني عن الأشياء التي هو فيها أهي محدودة أم غير محدودة؟ فإن قال وكيف يكون ما ليس بمحدود فيها محدودًا (2)؟ وأي دلالة تدلّ على تحديده من كونه فيما هو محدود لأن كون الشيء فيما ليس بمحدود ينفي عنه الحد وكذلك كونه في المحدود يثبت له الحد؟ قلنا، وبالله التوفيق: إنّ كونه في الأشياء ليس هو على ما توهمت العقول من (3) الحلول وانتقال الأماكن والملاصقة لها ولكن معناها: معها وفيها على التدبير لها والزيادة والنقصان منها (4). وليس في أن جهة المحدود محدود ما يوجب أن يكون محدودًا (0). وأيضا من كان قبل كونه في المحدود ليس بمحدود ولا يكون بكونه في المحدود محدودًا. وأما من كان في الأماكن والأشياء على الحلول والتمكّن والإشغال لها فلا يكون إلا محدودا وذا (6) نهاية وغاية.
فإن سأل سائل: هل يقال الله مكان أو ليس له مكان؟ /97/ الجواب في ذلك إن كنت تريد بقولك هل الله مكان على الحلول والتمكن فهذا غير جائز. وإن كنت تريد هل الله مكان على الملك والقدرة فهو مالك لكل شيء وقادر على كلّ شيء ولم يخرج شيء من ملكه مكانا ولا غيره من الخلق. فهو
المالك للأماكن ولكلّ شيء.
(1) في الأصل «تجب».
(2) في الأصل: هو محدود. م.
(3) في الأصل «العقول عن».
(4) وانظر عامر الشماخي: الديانات 43. السوفي: السؤالات 265.
(5) وانظر السوفي: السؤالات 272، 273.
(1) في الأصل «ذو». (1/554)
صفحة 553
كتاب التحف المخزونة
555
ولا يجوز أن يقال هو في مكان أو في وقت أو في زمان أو في ليل أو في نهار ولا تمرّ عليه الأوقات ولا الأزمنة والدهور. فهو الدائم القائم الذي كان قبل إحداثه للأشياء بما يوصف به إذا أحدثها وينفى عنه إذا أحدث جميع ما ينفي عنه قبل إحداثه للأشياء ولم يستحق ما يوصف به من أحدثه لنفسه بل هو على خلاف ما يوصف به الخلق في جميع معانيهم وصفاتهم. وهو المتعالي عن النّهاية والحدود إذ كانت النهايات دلالة
الأشياء
صفاته بمعنى
على حدث الموصوف بها.
فإن قال أخبرني الأشياء المحدودة الموصوفة بالنهايات حيث
عن
انقطعت هل يوصف الله أنّه ثمّ أو مضى عنها أو كان حيث لم تكن الأشياء أو لم يكن إلا حيث كانت الأشياء؟ الجواب في ذلك، وبالله التوفيق: أنّ الأشياء ذات نهايات وحدود ولا يقال حيث انقطعت الأشياء أنه مضى عنها أو قصر عن المضي عنها لأنّ هذا صفة المحدود المنبسط الذاهب في الجهات المحتمل للنهايات، والله يتعالى عن هذه الصفات. ومن وصفه بالحدود والنهايات والانبساط والحلول والتمكن والزوال والملاقاة والمباينات (1) فهو مشرك به وليس بعارف له ولا معتقد لما عليه إلهه من صفات الربوبية. وكذلك كلّ من وصفه بصفات المحدث
المخلوق.
فإن قال أخبرني عن الله إذ كان قبل كل شيء ثم أحدث الأشياء فكان فيها ومعها أليس قد وصفه بالتحوّل والتبدّل (2) وأنه على ما لم يكن عليه قبل إحداثه الأشياء؟ قلنا إنّ الله تبارك وتعالى كان قبل كل شيء والآخر بعد كلّ
(1) الملاقاة والمماسة من صفات الأجسام ولمّا ثبت أنّ الله ليس بجسم بطل أن يكون مماشا لشيء أو ملاقيا له لذلك وصفه بالمباينة. انظر أبو عمار: شرح الجهالات 350 - 352. (2) في الأصل: بالتحويل والتبديل. م. (1/555)
صفحة 554
556
الجزء الثاني
شيء بفناء. ومعنى (1) «معها» و «فيها أنّه مدبّر لها ليس كونه فيها على الدخول والانتقال والزّوال ولا كونه معها على المجامعة والالتصاق بها،
تعالى الله ذلك
أفناها
عن علوا كبيرًا.
فإن قال أخبرني عن الله إذ كان في الأماكن كلها ففي أي شيء يكون إذا ومع ما يكون عند فنائها؟ الجواب في ذلك أنه غير جائز أن يقال في
أي شيء كان ومع أي: أي شيء يكون وقد كان قبل كل شيء وليس معه مكان ولا وقت ولا زمان ولا شيء من الأشياء ثمّ أحدث الأشياء فكان فيها إلها مدبّرًا عالما معبودا. وإنّه سيفنيها كلّها ويبقى وحده ذو الجلال والإكرام ولا مكان معه ولا زمن ولا وقت ولا يجري عليه أين كان ولا حيث كان ولا من أين كان ولا إلى حيث يكون ولا متى كان ولا إلى متى يكون لأنّ هذا كله صفات الخلق المحدود بالنهايات //98/ والانقضاء والنواحي والإقصار والقصر والتمام فالله يتعالى عن هذه الصفات (2).
من
6 ـ في خلق الله الأشياء وعلمه بها
فإن قال أخبرني عن الله إذا خلق الأشياء في أي شيء خلقها؟ ومن أي شيء خلقها؟ الجواب في ذلك أنّ الله خلق الأشياء لا من شيء وخلق بعضها في بعض (3) وذلك أنّ أوّل ما خلقه الوقت والموقوت كل واحد منها خلقه في ... خلق المؤقت في الوقت والوقت في موقوتها.
(3)
سألت هل يقال علم الله في الأشياء والأشياء في علمه؟ فقل نعم هذا جائز غير فاسد ومعنى ذلك عالم بها (4). فإن قال هل كانت الأشياء لأنّ الله عالم أو
(1) في الأصل: معنانا ..
(2) وانظر أبو عمار: شرح الجهالات: 395.
(3) وانظر السوفي: السؤالات 265.
(4) وانظر السوفي: السؤالات: 267. (1/556)
صفحة 555
كتاب التحف المخزونة
OOV
كانت لا لأنه عالم؟ قيل له لا يجوز أن يكون العالم علة تكوّن الأشياء أو يكون للأشياء علة غيرها. فالله عالم بها قبل كونها وعندما أحدثها ولم يزل وهو العليم بها.
فإن قال أخبرني عن الأشياء هل خلقها الله من نفسه أو خلقها في نفسه أو خلقها لنفسه أو خلقها لا لنفسه ولا من نفسه؟ نقول)، وبالله التوفيق: إن الله خلق الأشياء لا من شيء ولا خلقها لمعنى غيرها يكون علة لخلقها. فلا يجوز خلقها من نفسه ولا خلقها في نفسه ولا خلقها لنفسه (").
فإن قال أخبرني عن كونه في الأشياء ووجوده فيها وكونه قبل الأشياء ووجوده قبل الأشياء معنى واحد هو أم معنيان؟ الجواب في ذلك أن كونه ذاته ليس ثم شيء غيره قبل إحداثه الأشياء وعندما ووجوده في هو
في. ذاته
قلنا:
أحدثها وكونه في الأشياء ووجوده فيها معنى غيره وهو إحداثه لها. علمه؟ فإن قال هل يجوز أن يقال الأشياء في قدرة الله وفي إرادته وفي. نعم، الأشياء كلّها في قدرته وفي علمه وفي إرادته وكانت بقدرة وبعلم وبإرادة (3). ومعنى ذلك كله أنه قادر عليها وعالم بها ومريد لها. وكذلك علمه في الأشياء أي عالم بها. فالله لم يزل يعلم الأشياء ويقدر عليها ويريدها أن تكون أوقاتها.
ولم يزل يبصر كلّ شيء ويسمع كلّ شيء ويرى كل شيء. ويجوز أيضا يعلم نفسه. ولا يجوز يقدر على نفسه ولا يريد نفسه (4). وجائز أيضا أن يقال
(1) في الأصل «ونقول».
(2) لم يجز الشوفي أن يقال خلق الأشياء في نفسه غير أنه لم ير مانعا من أن يقال خلق الأشياء لنفسه بمعنى خلقها ليأمرهم وينهاهم لا لحاجة. انظر كتابه السؤالات 265.
(3) وانظر السوفي: السؤالات 267، 271.
(4) ن م 263، 266. (1/557)
صفحة 556
558
الجزء الثاني
الألوان يسمع يبصر السواد في البياض ولا البياض في السواد وكذلك المتضادات كلّها على هذا المعنى. ولا يجوز يبصرها ولا لا يبصرها.
ويبصر الأصوات ومعنى ذلك يعلمها (1). ولا يجوز أن يقال
هذا
ولا يقال ما أعلمه ولا ما أسمعه ولا ما أبصره ولا ما أقدره ولا ما أشبه من اللفظ مما يكون فيه التعجب. ويقال هو أعلم وأقدر وأحكم. وعلمه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره صفات له لم يزل موصوفا [بها]). وهو عالم بكل شيء] (3) وقادر على كلّ شيء ومريد لكلّ شيء وسميع بكل شيء ويعلم كلّ شيء ويقدر على كل شيء ويريد كلّ شيء ويسمع كل شيء ويبصر كلّ شيء. وجائز أن يقال له علم وله قدرة وله إرادة وله سمع وله /99/ بصر. وعلمه وقدرته (4) وإرادته وسمعه وبصره هو لا غيره وهو عالم بذاته ومريد بذاته وسميع بذاته. ولا يجوز أن يقال يقدر (5) بقدرة ولا يعلم بعلم ولا يريد بإرادة ولا ولا يبصر ببصر. ولا يجوز أيضا أن يسمع بسمع يقال لا يعلم بعلم ولا لا يقدر بقدرة ولا لا يريد بإرادة ولا لا يسمع بسمع ولا لا يبصر ببصر. ولا يجوز أيضًا أن يقال ذو علم ولا ذو إرادة ولا ذو قدرة
و «يبصر»
?
(1) ذكر أبو عمار أنّ بعض المتكلمين يرى أنّ «يسمع» لا يجوز إلا على الأصوات يجوز إلا على الألوان وخالفهم في ذلك. فأثبت أنّ يسمع في صفة الله وعمل معناه «يعلم» وكذلك «يبصر» على معنى العلم. قال تعالى: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 96]. وقال: إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ، لَخَبِيرُ بَصِيرٌ} [فاطر: 31] ونسب هذا القول إلى عيسى بن علقمة وأبي الربيع (المؤلف) ورجّحه. انظر أبو عمار شرح الجهالات 397، 398 غير أن الأشعري يردّ على القائلين بهذا الرأي مشتها إياهم بالنصارى الذين لم يثبتوا الله سميعا بصيرا إلا على سبيل
العلم انظر الأشعري: الإبانة 122.
(2) في الأصل وصوفا» وسقطت «بها».
(3) سقط من الأصل «شيء».
(4) في الأصل «قدره».
(ه) في الأصل «يقال». (1/558)
صفحة 557
كتاب التحف المخزونة
559
ولا ذو سمع ولا ذو بصر. ولا يجوز أيضا أن يقال علمه منه ولا إرادته منه ولا سمعه منه ولا بصره منه. ولا يقال أيضا علمه له ولا قدرته له ولا إرادته له ولا سمعه له ولا بصره له ولا يجوز أيضا أن يقال علمه ليس له ولا قدرته ليست له ولا إرادته ليست له ولا. سمعه ليس له ولا بصره ليس له.
(1)
ومعنى عالم وله علم وعلمه ويعلم وعلم أي ليس بجاهل. وكذلك معنى قادر وله قدرة وقدرته ويقدر وقدر أي ليس بعاجز. وكذلك ما لم نذكره في الصفات على ما ذكرناه في الوصف بالعلم والقدرة.
الألفاظ من
بما به يبصر
و [لا] (2)
ولا يجوز أن يقال يسمع أو يبصر بما به يسمع. يجوز أيضا أن يقال يعلم بقدرة ولا يسمع بقدرة ولا يبصر بقدرة ولا يريد بقدرة. وكذلك لا يجوز يعلم بإرادة ولا يقدر بإرادة ولا يسمع بإرادة ولا يبصر بإرادة وما كان بإرادة وبقدرة فهو فعل من فعله. وجائز أن يقال [هو] العالم هو القادر وهو المريد وهو السميع وهو البصير. فإن اختلفت الألفاظ فالمعنى بها واحد.
فإن قال فالعلم [أ] هو القدرة أم العلم غير القدرة؟ قيل له لا يجوز أن يقال علمه هو قدرته [ولا قدرته] هي علمه. ولا يجوز أيضا أن يقال علمه غير قدرته ولا قدرته غير علمه وليس ثَمَّ إلّا العالم القادر الموصوف بالعلم والقدرة. وكذلك ما لم نذكره من الوصف بالصفات على ما ذكرناه في الوصف بالعلم والقدرة.
هو
فإن قال إذا قلت إنّ العالم هو القادر ما منعك من أن تقول العلم. القدرة والقدرة هي العلم إذ ليس ثمّ إلّا العالم القادر العلم. [فلا] تجوز
(1) في الأصل: معنانا.
م.
(2) سقط من الأصل «لا». (1/559)
صفحة 558
07.
الجزء الثاني
الفظة العلم] حيث لا تجوز (1) لفظة، القدرة، وتجوز لفظة القدرة حيث لا تجوز لفظة العلم. وذلك أنا إذا أطلقنا أن العلم هو القدرة والقدرة هي العلم أجزنا لفظة القدرة حيث جازت لفظة العلم وأجزنا لفظة العلم حيث جازت لفظة القدرة. فهذا لا يجوز لأنّ لفظة القدرة جارية على ما هو كائن وما ليس بكائن مما ليس كونه بمحال ولا يجوز أن يقال يعلم ما ليس بكائن أنه يكون كما جاز القول يقدر على ما ليس بكائن أن يكون.
فما بينا من القول بأن العلم هو القدرة لما توجبه لفظة العلم ولم توجبه لفظة القدرة لا لاختلاف العلم والقدرة ولا لاختلاف الموصوف. فاختلفت الألفاظ لاختلاف المعلوم والمقدور ولا لاختلاف العالم القادر.
أن معنى
وكذلك إن سأل عن معنى يعلم /100/ أهو معنى يقدر ومعنى يعلم [1] هو معنى يريد؟ قيل له إنّ يعلم ويقدر ويريد صفات له لم يزل بها. غير لفظة يعلم غير معنى لفظة يقدر وكذلك لفظة لفظة يريد غير معنى يقدر ويعلم لأنّ لفظة يعلم تدلّ على معنى ما تدلّ عليه لفظة يقدر وكذلك لفظة يريد] (2) تدلّ على معنى ما لم تدلّ عليه لفظة يقدر. وذلك أنك تقول يعلم نفسه ويعلم خلقه ولا يجوز هذا في صفة القدرة. ويجوز يقدر على خلقه ويريد خلقه ولا يجوز يقدر على نفسه ولا يريد نفسه (3). وليس ذلك لاختلاف القدرة والعلم والإرادة ولا لاختلاف بها وإنّما اختلف المقدور عليه والمراد والمعلوم.
ويقال أيضا يعلم لا بعد جهل ويقدر لا بعد عجز ويريد لا بعد كره ويعلم لا لاستفادة علم ويقدر لا باستفادة قدرة. وجائز أيضا عالم لا بعلم محدث
(1) في الأصل: تجوز فيه. وقد تكررت. م.
(2) سقط من الأصل لفظ «يريد».
(3) وانظر الشوفي السؤالات: 267. (1/560)
صفحة 559
كتاب التحف المخزونة
561
وقادر لا بقدرة محدثة ومريد لا بإرادة محدثة. ولا يجوز أن يقال لا يعلم بعلم محدث ولا لا يقدر بقدرة محدثة ولا لا يريد بإرادة محدثة. فهو عالم قادر مريد بذاته لا بمعنى غيره على نفي العجز والجهل والكره.
ويقال معلوم لم يزل ومعروف لم يزل وموصوف ومسمّى لم يزل. وجائز وعرف نفسه). ولا يجوز وصف نفسه ولا سمّى نفسه (2). نفسه
(1)
في الأزل علم ومعنى وصف نفسه وسمّى نفسه ووحد نفسه وأفرد نفسه أخبر عن نفسه خلقه (3). ولا يجوز وصف نفسه لنفسه ولا أخبر عن نفسه لنفسه لأنّ المُخْبَرَ (4)
(?)
يستفيد من الخبر علما لم يعلمه قبل الخبر فالله يتعالى عن استفادة العلم بل عالم في أزليته على نفي الجهل عنه.
هو
و جائز على الله محمود (ه) ومشكور ومستعان (1) بعد إحداثه للأشياء.
(1) لم يجوز كثير من العلماء ذلك باعتبار أن المعرفة يسبقها جهل والله منزّه عنه. أما معلوم لم يزل وموصوف لم يزل ومسمّى لم يزل فذلك جائز على أساس جواز أن يقال علم نفسه
ووصف نفسه وسمّى نفسه فلا أحد معه. في الأزل حتى يعلمه أو يصفه أو يسميه. (2) ظاهر عبارة المؤلّف تفيد عدم جواز ذلك لكن تفسيره لعبارات «وصف نفسه» و «عرف نفسه» و «سمّى نفسه ... يوحي بعدم امتناع هذه الإطلاقات لأنها لا تتعارض مع تنزيه الله تعالى ورفعا للتناقض نحمل منعه لجواز قول «وصف نفسه على أن مراده بذلك عدم جواز أن يقال وصف نفسه كما سميناه» و «علم نفسه كما علمناه». وبمثل ذلك صرّح أنه أجاز أن يقال: «علمناه واحدًا كما علم نفسه واحدًا ووحدناه كما وحد نفسه
الشوفي. غير ووصفناه كما وصف نفسه وسميناه كما سمّى نفسه». انظر: الشوفي السؤالات: 267، 268.
?
(3) في الأصل لخلقه .. (4) في الأصل: المخبر له. م.
(0) في الأصل «محمودا».
(6) اختلف في جواز وصف الله بصفة لم يصف بها نفسه. فقال الأشاعرة صفاته وأسماؤه توقيفية. وتوقف الجويني في ذلك. وفصل الغزالي فجوّز إطلاق الصفة ومنع إطلاق سم. وجمهور العلماء على ما قاله الأشاعرة وهو المذهب الذي اختاره السالمي في
الا
المشارق 171، 172. (1/561)
صفحة 560
562
الجزء الثاني
ويقال الله محمود والمحمود هو الله والمشكور هو الله والمستعان هو الله.
وسميع
لا كالسمعاء.
ويقال الله عالم لا كالعلماء وبصير لا كالبصراء وحي لا كالأحياء. ويقال أيضا أعلم من العلماء وأقدر من القادرين وأسمع من السامعين وأبصر البصيرين وأصدق القائلين وأعدل الحاكمين وأرحم الراحمين وأحسن الخالقين. ولا يقال أعلم من الجاهلين ولا أقدر من العاجزين و [ما] أشبه هذا مما لا يجوز من الألفاظ. ولا يقال أيضا عالم لا كالعلماء والجهلة ولا قادر لا كالقادرين والعاجزين ولا. كالأحياء
والأموات وما يشبه هذا
من
[الله] (1) تعالى.
حتي
الألفاظ لما فيه من إيهام ما لا يجوز على
ولا يقال الله فقيه ولا غير فقيه ولا يفقه ولا يدري ولا لا يدري ولا يشعر ولا لا يشعر ولا يفهم ولا لا يفهم ولا يعقل ولا لا يعقل".
/101/
ولا يقال تصوّرت الأشياء عنده ولا ... ولا يمثلها ولا يفهمها ولا يوصف بوهم شيء ولا بكيفيته لأنه لا يكيف المكيف إلا ما غاب عنه والله لا يغيب عنه شيء من الأشياء. وهو عالم بجميع الأشياء بالمشاهدة لا بدليل ولا بخبر ولا قياس ولا تمثيل. والله عالم بذاته وقادر بذاته ومريد بذاته وحيّ بذاته. ولا يكون المخلوق قادرًا لنفسه ولا عالما لنفسه ولا مريدا لنفسه لأنّ العالم بذاته الأشياء وكذلك القادر بذاته من لا يعجز يجهل شيئًا من عن شيء من الأشياء وكذلك [المريد] (3) بذاته من لا يجري عليه الكره ولا يُوجَدُ شيء ولا يُعْدَمُ بكره منه. . فهذا لا يجري إلّا على الله ولا يوصف بذلك غيره لأن ذلك صفات الربوبية لا يوصف بها إلا المربوب. من
من
(1) سقط من الأصل كلمة «الله» جلّ جلاله. (2) وانظر السوفي: السؤالات: 249.
(3) سقط من الأصل «مريد». (1/562)
صفحة 561
كتاب التحف المخزونة
563
ولا يجوز أيضا أن يقال الله متى علم ولا متى قدر ولا متى أراد ولا متى سمع ولا متى أبصر. ولا يجوز كيف علم ولا كيف قدر ولا كيف أراد ولا كيف سمع ولا كيف أبصر. ولا يجوز أيضا لم علم؟ ولا لم قدر؟ ولا لم أراد؟ ولا لم سمع؟ ولا لم أبصر؟ ولا يجوز أيضا علم؟ ولا بم قدر؟ ولا بم أراد؟ ولا [بم] سمع؟ ولا بم أبصر؟ ولا يجوز أيضا حتى علم ولا حتى قدر ولا حتى أراد ولا حتى سمع ولا حتى أبصر. ولا يجوز أيضا لما علم ولا لما قدر ولا لما أراد ولا لما سمع ولا لما أبصر. ولا يجوز من حيث علم ولا من حيث قدر ولا من حيث أراد ولا من حيث سمع ولا من حيث أبصر، ولا من أين علم ولا من أين قدر ولا من أين أراد ولا من أين سمع ولا من أين أبصر ولا يجوز إلى متى علم؟ ولا إلى متى قدر؟ ولا إلى متى أراد؟ ولا إلى متى سمع؟ ولا إلى متى أبصر؟ ولا إلى متى يعلم؟ ولا إلى متى يقدر؟ ولا إلى متى يريد؟ ولا إلى متى يسمع؟ ولا إلى متى يبصر؟ ولا يجوز أيضا إذا علم ولا إذا قدر ولا إذا أراد ولا إذا سمع ولا إذا أبصر. وكذلك ما لم نذكره من الوصف من الصفات على ما ذكره لأن هذا كله يثبت
الحدث والانفصال.
ـ في الذات والصفات
والله متعال أن تكون صفته محدثة أو تكون معاني) غيره. فلو كان علمه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره غيره لكان محتاجا إلى علم يعلم به وقدرة يقدر بها وإرادة يريد بها وسمع يسمع [به]) وبصر يبصر به. ومن كان محتاجا فليس بإله. فمن أخرجه أولى بالألوهية منه. والله ولا عالم بذاته ولا يستفيد علمًا لشيء ولا يزداده ولا يكون أعلم بشيء من شيء ولا
(1) في الأصل «معانيا». (2) سقط من الأصل «به». (1/563)
صفحة 562
الجزء الثاني
يكون علمه بالأشياء قبل أن تكون أفضل من علمه) [بها] إذا كانت ولا علمه بها إذا كانت أفضل من علمه [بها] قبل أن تكون، ولا يكون علمه قبل ما كانت غير علمه إذ كانت ولا علمه بشيء غير علمه بغيره. ولا يكون علمه بشيء إذ كان أفضل من علمه قبل ما كان ولا يزداد علما لحدوث الأشياء // 102 ولا ينقص علمه بذهابها. فعلمه الأشياء بجميع هو لا غيره. وإن تغايرت المعلومات لم يتغاير علمه بها. [و] نفي الجهل عنه بها ليس ثُمَّ معنى غيره يعلم به الأشياء.
فالله يتعالى عن أن يعلم بمعنى غيره. وأمّا العالم من الخلق فعلمه غيره وهو متغاير لتغاير المعلومات. فلا يكون علمه بشيء علمه بغيره، وإن كان عالما به ويكون علمه بشيء عندما شاهده أفضل من علمه [به] قبل ما شاهده. ويكون علمه بشيء في وقت أفضل من علمه في وقت. ويعلم بعد ما جهل ويجهل بعد ما علم وكذلك قدرته على شيء غير قدرته على غيره. وكذلك إرادته لشيء غير إرادته لغيره. وكلّ ما قدر عليه يجري عليه أن يعجز، وتتفاضل الأشياء في قدرته فيكون أقدر على شيء من شيء ويكون شيء أصعب عليه من شيء. فالله يتعالى عن هذه الصفات. وهو موصوف بصفاته لذاته ولنفسه لا لمعنى غيره.
عنه.
9 - في «عليم» والله موصوف بالعلم على نفي الجهل عنه إذ لا يجري عليه أن يكون جاهلا أو في معنى الجهل. فهو عالم لم يزل ومعلوم لم يزل وعلّام لم يزل ويعلم وعلم لم يزل ولا يزال. كذلك علم نفسه وعلمه خلقه وعلم نفسه بالمشاهدة وعلمه خلقه بالدلائل والعلامات. وهو أعلم بنفسه من خلقه إذ لا
(1) في الأصل لعلمه». وقد عدّى «علم» باللام بدل الباء. م. (1/564)
صفحة 563
كتاب التحف المخزونة
يجري عليه الجهل بنفسه. ولا يكون عالما بنفسه بعد إذ لم يعلمها، والخلق علموا بعد إذ لم يعلموه وغيرهم علمهم ما لم يعلموه قبل أن يعلموه.
من
نفسه ما لا يعلمه
فإن سأل عن الله إذ كان هو أعلم بنفسه من غيره هل «أعلم من نفسه» معنى لم يعلمه عن غيره؟ قيل له: لا يجوز أن يقال يعلم. من غيره. فالذي علمه الله أنه واحد هو الذي علمه خلقه أنه واحد ليس بمتحيّز ولا متبعض فيعلم من نفسه ما لا يعلمه غيره. فإن قال فهل علمه خلقه كما علم نفسه؟ قيل له: لا يجوز أن يقال علم
يوجب
الله نفسه كما علمه خلقه ولا علمه خلقه كما علم نفسه (1) لأنّ ذلك. الأشباه بين الخالق والمخلوق أن يكون الخالق علم نفسه بالدلائل كما علمه خلقه بالدلائل وعلمه خلقه بالمشاهدة كما علم نفسه بالمشاهدة. ولكنّه علم نفسه ل (2) بما علمه به خلقه وعلمه خلقه بمعنى غيرهم وهو الدلائل والأعلام. وعلم نفسه بالمشاهدة لا بالدلائل والأعلام.
فإن سأل عمّن علمه من خلقه هل يكون بعضهم أعلم به من بعض أو يكون بعضهم أفضل علما من بعض؟ قلنا وبالله التوفيق: /103/ إنّ العالمين به متفاضلون في علمه. فبعضهم أعلم به من بعض. فإن قال فكيف يكون بعضهم أعلم من بعض أم كيف يتفاضلون في علمه إذ كان المعلوم واحدا ولم يعلم بعضهم معنى جهله بعض؟ قيل له، وبالله التوفيق: المعلوم واحد لم يعلم بعضهم ما لم يعلمه بعض وإن تفاضلوا في العلم وذلك أن المعلوم بالدلائل لما كثرت الأدلة عليه تأكد العلم لمن زاد علمه. إذا كثرت أدلّته قوي علمه وكلما زادت الأدلة عنده زاد علمه قوة. فكان علم من كثرت أدلّته أفضل ممن كان أ] قل منه دلالة وقد
(1) وقد خالفه في ذلك فيما بعد السوفي.
(2) في الأصل «إلا». (1/565)
صفحة 564
الجزء الثاني
يكون من علمه في بدء ما علمه إذ قلت الدلائل وإن كان علمه ولم يجهله. ونظير ذلك رجل أحببته بمعروف أسداه إليك. فكلما ازداد معروفه ازداد حبّه. فكان حبّه عند كثرة الإحسان فالأفضل أفضل من حبّه عندما قل (1) الإفضال والإحسان. فالمحبوب واحد والحب متفاضل ولم يكن فيه معنى غير محبوب في بدء الحبّ. ولم يحبّ في آخر الحبّ بمعنى لم يحبّه في أوّله.
فإن سأل فقال أخبرني عن الله إذا علم الحيّ حيّا إذ كان حيا وعلمه ميتا. قلنا، وبالله التوفيق: إنّ الله عالم الأشياء قبل أن تكون أنها لم تكن وعلمها إذا كانت أنّها كانت] وعلمها قبل أن تكون أنها ستكون وعلمها إذا كانت أنها موجودة وعلمها من بعد وجودها أنها فانية وأنها ليست بموجودة وعلمها قبل فنائها أنها ستفنى وأنها ستكون معدومة من بعد ما كانت موجودة (2). ولا يجوز أن يقال علمها قبل ما كانت أنّها كانت ولا علمها إذ كانت أنها ستكون ولا أنّها لم تكن وليس هذا اختلاف ... (3) قبل أن تكون غير علمها إذ كانت ولا علمها إذ كانت موجودة ... (4) إذ كانت معدومة. لكنا أبينا من ذلك لكي لا يثبت المعدوم موجودا ... (5) لأنا إذا قلنا إنّ الله عالم الحي ميتا أثبتنا الحياة والموت في الموجود فذلك محال. وكذلك إذا قلنا لما ليس بموجود علمه الله أنه موجود (1) وعلمه أنه معدوم () أثبتنا الشيء موجودًا معدوما فهذا محال.
(1) في الأصل «قلت».
(4)
(2) وانظر: أبو خزر: الرّدّ على جميع المخالفين: 31.
(3) في الأصل بياض.
(4) في الأصل بياض.
(ه) في الأصل بياض.
(1) في الأصل «موجودا». (7) في الأصل «معدوما». (1/566)
صفحة 565
كتاب التحف المخزونة
567
وأما العلم فهو صفة العالم التي لم يزل بها ليس ثم شيء غير الله. وذلك أنا إذا قلنا عالم بالشيء أنّه معدوم نفينا الجهل بعدمه وكذلك
(1)
إذا قلنا عالم بأنّه موجود نفينا الجهل عنه لوجوده. فالجهل منفي عن الشيء قبل حال وجوده ومن بعد وجوده فهو عالم به قبل حال وجوده وفي حال وجوده وبعد حال وجوده. وإنّما وقع الاختلاف في باب كان ولم يكن ويكون /104 ولا يكون وقد كان وسيكون. فكل لفظة تثبت ما لم يكن كائنا أبينا منها وكذلك ما لا يكون أنه يكون. وليس ذلك لاختلاف العلم ولا لاختلاف العالم وانتفاء اختلاف المعلوم في باب كان ولم يكن ويكون ولا يكون.
10 ـ في «عظيم»
فإن سال سائل فقال الله العظيم؟ فقل نعم. فإن قال ما معنى عظيم؟ فقل ليس بصغير. فهو عظيم لنفي الصغر عنه وأن لا يجري عليه أن يكون صغيرا. فهو أعظم من كل شيء وأكبر منه. ومن كان الخلق يوصف بأنه عظيم من بمعنى غيره كان عظيمًا أو لكثرة أجزائه. ولا يجوز أن يكون عظيما لنفي الصغر عنه إلا الله.
والخلق إنّما كان عظيمًا بأحد معنيين إما بكثرة أجزائه أو بمعنى غيره كان به عظيما). فكلا الوجهين إنّما ينفي الصغر عنه بما كان منه عظيمًا لمعنى غيره
(1) في الأصل «نفي للجهل». م. (2) أورد أبو عمار أيضا نفس الفكرة وفسّر المعنيين اللذين يكون بهما أحد من الخلق عظيمًا فبين أن المخلوق يوصف بأنه عظيم إما لكبر الجسم (وهذا ما عبر عنه المؤلف بعظمة الأجزاء) وأما لفعل فعله لولاه ما استحق أن يسمى عظيما (وهذا ما عبر عنه المؤلف بأنه عظيم بمعنى غيره) ثم أثبت أن الله غير موصوف بالأجزاء وأنه عظيم بذاته لا لفعل فعله. انظر شرح الجهالات: 422. (1/567)
صفحة 566
568
الجزء الثاني
يجري عليه الصغر ولا ينفك منه. وما كان [عظيما]) لكثرة أجزائه لم ينفك من الصغر. فإن كان عظيمًا لأنّ أقل قليل أجزائه صغير فكلّه على عدد ... (2) قليل أجزائه. فمن كان على هذا المعنى لم (3) ينفك منه شيء من الصغر. وأيضا من
كان عظيما لكثرة أجزائه يجوز في الوهم والعقل أن يكون أعظم ممّا ويجوز عليه أيضا أن يكون] (4) أصغر مما، هو
عليه
من أجزائه.
هو
عليه
فمن كان يجري عليه أن يكون أعظم ممّا هو عليه فهو مقصر عن منزلة لم يبلغها مما يجوز أن يبلغها. فلمّا كان هذا صح أنه صغير إذ كان في حال يجوز أن يكون فيها أكثر ممّا كان ... (5) هكذا. فالصغر له لازم. ولا يكون شيء عظيم بمعنى غيره إلا ويجوز أن يكون [ما هو] أعظم [منه]. فهذه المعاني كلها منفية
عن
الله أن يكون عظيما لمعنى غيره أو يكون عظيما لكثرة أجزائه.
فمن وصفه بهذا أو اعتقده أو شكّ فيه أنّه هكذا أو على خلاف هذا فقد أشرك بالله العظيم وجهل خالقه وإلهه الله عظيم بذاته ونفسه والعظمة صفة له
لم يزل موصوفا بها.
11 ـ في «كبير» وهو كبير لذاته ولنفسه لا لمعنى غيره كان به كبيرًا ولا لكثرة الأجزاء كان كبيرًا). والكبير من الخلق إنّما كان كبيرًا لمعنى غيره أو لكثرة أجزائه لا بنفي
(1) في الأصل «بياض».
(2) في الأصل «بياض».
(3) في الأصل «فلم».
(4) سقط من الأصل «يكون». (5) في الأصل «بياض».
(6) الكبير هو العظيم. وقولنا الله أكبر أي أكبر من كلّ شيء وأعظم. منه. ولا يوصف بصفة من صفات الخلق لأنّ صفات الخلق حيثما دارت فهي صغر وذل وعجز ومهانة وذلك كله
منفي عن ا الله. انظر أبو عمار شرح الجهالات 422، 436 (1/568)
صفحة 567
كتاب التحف المخزونة
079
الصغر والذل عنه. ولا يكون من الخلق ينفك من الصغر والذل. فمن كان صغيرا فهو ذليل. ومن () كان ذليلا فهو صغير. ومن كان الذل والصغر عنه منفيين لنفسه ولذاته فهو الكبير العظيم الذي لا يجري عليه الصغر والذل.
12 ـ في «عزيز»
والله (2) عزيز لذاته ولنفسه. والعزّة صفة له لم يزل موصوفا بها ولا يزال كذلك على نفي الذل. عنه. ومن كان عزيزا لذاته فالذل عنه منفي ولا يجوز أن يكون ذليلا. والعزيز من الخلق إنّما كان عزيزا لمعنى غيره. ولا يجوز أن يكون عزيزا لمعناه ولنفسه لأنّ أعزّ ما كان من الخلق لا ينفك من الذل. فقد أذله الله بالحدث والحاجة والفاقة وأجرى الفناء والذهاب عليه. فمن كان كذلك لا يكون /105/ عزيزا لمعناه ولنفسه لأنّ. من كان عزيزا لمعناه ولنفسه فنفسه نافية للذل عنه فلا تكون نفسه ذليلة (3).
13 ـ في «قاهر»
(4)
والله (4) قاهر لذاته ولنفسه. وقاهر من تأويل قادر لم يزل قاهرا وقد قهر. الخلق أنه قاهر فليس ذلك لنفسه ومعناه. فهو مقهور وإن كان من
فمن كان
قاهرا لغيره من الخلق ().
(1) في الأصل «فمن».
(2) في الأصل «فالله».
(3) أورد أبو عمار أيضًا تفسيرًا شبيها بهذا وأضاف مفهومًا آخر للعزة فبين أنه تعالى عزيز عن صفات الخلق جليل عنها وعزيز أيضا مذلّ لمن دونه انظر أبو عمار: شرح الجهالات 432،
436 وقارن بالجويني: الإرشاد 147.
(4) في الأصل «فالله». (ه) وانظر شرح الجهالات 416 ومعنى قاهر ليس بمقهور ولا مغلوب. والدليل على أنه قاهر قهره لخلقه بالموت والأحداث قال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18 و 61]. (1/569)
صفحة 568
ov.
الجزء الثاني
14 ـ في «جبّار»
(1)
والله جبار لذاته لا لمعنى غيره لم يزل ولا يزال كذلك. وقد قيل في تفسير لفظة الواصف له بأنه جبار أقاويل: قد قيل جبار أي الذي تجبّر عن صفات المخلوقين، لا يوصف بما يوصفون به. وقد قيل الجبار الذي جبر الخلق على صورهم) وما هم عليه من خلقهم ... (3) على تحقيق التفسير.
في «واحد»
(?)
والله واحد فرد ومنفرد وموحد ومتوحد. وهو المفرد ... (4) إليه المتوحد بالبقاء. والوحدانية صفة له لم يزل موصوفًا بها وكذلك الفردانية صفة له. فالله واحد لنفسه ولذاته لا لمعنى غيره. ومعنى وصف الواصف له ... (5) والإرسال والإنزال لا خالق للخلق ولا مرسل للرسل ولا منزل للكتب إلا الله. والواحد من الخلق له معنيان: إمّا أن يكون واحدًا مجازا لانفراده من غيره وهو في معناه ليس ... (6) وهو منعد ومتجزّئ. وواحد أيضا من الخلق له ثان مثله، وإن كان في نفسه غير منعد فهو ... (7) غيره. ولا يكون واحد من الخلق إلا على هذين المعنيين.
(1) في الأصل «فالله». (2) أورد أبو عمار أيضا نفس الأقوال وعلّق على القول الثاني (جبر الخلق على صورهم) بأنه معني قريب. انظر كتابه شرح الجهالات 436. والظاهر أن تفسير الجبار بالمتعالي عن صفات المخلوقين هو الأقوى لأنّ الله لا يرضى أن يوصف بصفات خلقه فهو متجبّر أي متعال. وفسّره الجويني بأنه مقدّر الصلاح أو حامل العباد على ما يريد أو الذي لا يؤثر فيه
قصد القاصدين ولا يناله كيد الكائدين. انظر الجويني: الإرشاد 148/ 147.
(3) في الأصل بياض.
(4) في الأصل بياض.
(ه) في الأصل بياض.
(6) في الأصل بياض.
(7) في الأصل بياض. (1/570)
صفحة 569
كتاب التحف المخزونة
571
فالله واحد على الحقيقة له ليس بمنعدّ ولا متجزئ، وواحد على نفي
(1)
الشبيه عنه أي لا مثيل له ولا نظير. فمن وصف الله بما يوصف به الخلق من المجازات والانعداد والتشبيه والنظائر والأشباه والأمثال فهو جاهل له لا يعرفه (2).
16 ـ في «صمد»
والله الصمد لم يزل. والصمد السيد الذي انتهى في السؤدد (3).
17 - في الولاية والعداوة والسخط والرضا
والولاية والعداوة والسخط والرّضا والبغض صفات لم يزل موصوفا بها. فهو ولي لأوليائه ومعاد لأعدائه وراض عن أهل طاعته وساخط عن أهل معصيته ومحبّب للمؤمنين ومبغض للكافرين. وله ولاية أي موال. وله عداوة أي معاد. وله السخط والرّضا أي ساخط راض. وله الحبّ والبغض أي محبّ مبغض. ليس له معنى غيره على ما يقوله من. الحق من فرز ما بين الصفات ممن يزعم. أن صفاته على ضربين فعليّة وذاتيّة. فما كان من صفاته في ذاته ليس ثمّ معنى غيره. وما كان من صفاته في فعله فذلك معنى غيرها أحدثها لنفسه ولم يستحقها لذاته
(1) في الأصل «لا كافي».
خالف
(2) عن الأدلة على وحدانية الله تعالى انظر: أبو عمار: شرح الجهالات 426، 48، الموجز 266/ 1، 268، المصعبي: حاشية تبغورين 3 - 5 التوفي السؤالات: 247. وقد حلل هذه المسألة الجعبيري في أطروحته تحليلا وافيا من حيث بيان مدلول الوحدانية والفرق بين الواحد الخالق والواحد المخلوق وما يقال في حق الأدلّة العقلية والنقلية على وحدانيته وما لا يقال. (3) قال ابن عباس وسفيان الثوري: الصمد هو ا السيد الذي لا سيّد فوقه. وقال الحسن البصري وسعيد بن جبير هو الذي يصمد إليه في الحوائج انظر: الشقصي: منهج الطالبين 358/ 1. وانظر الجويني: الإرشاد 154. (1/571)
صفحة 570
572
الجزء الثاني
ولنفسه وإنّما استحقها ... (1) المعاني. والله متعال أن تكون صفاته على وجوه متغايرة بعضها مخلوقة وبعضها غير مخلوقة فيكون مستحقا (2) لها
لمعنى غيره. وصفاته ذاتيّة لم يزل موصوفًا بها ولا يزال كذلك (3).
والله خالق ورازق وآمر وناه ومثيب ومعاقب ومحي ومميت ومبدئ ومعيد لذاته ولنفسه لم يزل /106/ كذلك. ومعنى خالق أي قادر أن يخلق (4) ورازق أي قادر أن يرزق وآمر وناه أي قادر أن يأمر وينهى ومثيب ومعاقب أي قادر على أن يثيب ويعاقب ومحي ومميت أي قادر على أن يحي ويميت ومبد ومعيد أي قادر على أن يبدي ويعيد وكذلك ما كان على هذا العيار والوزن من الوصف بأسمائه وصفاته فهو موصوف ومتسمّى بها لذاته ولنفسه لا لمعان غيره ولا لأفعاله. لا لعلّة وجود الخلق كان خالقا. ولا لعلة وجود الرّزق كان رزّاقا ... (5) ولا لعلّة وجود القواب والعقاب كان مثيبًا ومعاقبا. ولا لعلة وجود الأحياء والأموات كان محييا ومميتا. وكذلك ما لم ره من التسمية بالأسماء والوصف بالصفات على ما ذكرناه ... (6) الأفعال
نذكره
(1) في الأصل بياض.
(2) في الأصل «مستحقها».
صفات الذات وصفات الأفعال أن صفات الذات أمور اعتبارية أي معان لا
هو
(3) الفرق بين حقيقة لها في الخارج وصف الله بها نفسه. ليعلّمنا أنّ أضدادها منفيّة عنه. بينما الصفات الفعلية ليست إلا مدلولات المصادر الواقع منها الاشتقاق كإيجاد الرزق الذي هو مدلول رزق. فهو إذن رازق. وقال الإباضية المشارقة وأهل الجبل هي. حادثة وقال المغاربة هي قديمة. وقد بين الثلاتي أن الخلاف لفظي. (4) عرض الأشعري في مقالات الإسلاميين 224/ 2 الاختلاف في جواز قولنا «لم يزل الله خالقا» وبين أن أكثر أهل العلم لم يجوّزوا ذلك. والمجوّزون على فريقين منهم من الحقيقة كبعض الرافضة ومنهم من فتره على أنه سيخلق وهو الذي ذكره الثلاتي.
الرواحي: نثار الجوهر 34/ 1.
(ه) في الأصل بياض.
أثبته على
(1) في الأصل بياض. (1/572)
صفحة 571
كتاب التحف المخزونة
573
استحق أسماءه وصفاته بل [هو] مستحق لها لنفسه ولذاته. وهو.
(1)
خالق ورازق وإن لم يخلق ولم يرزق على .... ) أنّ هذا فرس سباق وسيف قاطع وإن (2) لم يسبق الفرس ولم يقطع الشيف. ولكنه في وجوده الفرس لو تسابق مع غيره لسبق ولو ضرب بالسيف لقطع مجازا على هذا فرس سباق
وسيف قاطع.
والله خالق أي هو قادر على أن يخلق ويمكنه الخلق وإن (3) لم يخلق. وأما الخلق والرزق والأمر والنهي والإحياء والإماتة والقواب والعقاب والابتداء والإعادة [ف] أفعال له ليست بصفات له).
ويجوز أيضا: متى خلق؟ ومتى رزق؟ ومتى أمر؟ ومتى نهى؟ ومتى
أحيا؟ ومتى أمات؟ ومتى أثاب؟ ومتى عاقب؟ ومتى أبدى؟ ومتى أعاد؟ ومتى وعد؟ أوعد؟ ومتى تكلّم؟ ومتى
وجائز أيضا أن يقال خلق بعد إذ لم يخلق ورزق بعد إذ لم يرزق وأمر بعد إذ لم يأمر ونهى بعد إذ لم ينه وأثاب وعاقب بعد إذ لم يثب ولم يعاقب ووعد بعد إذ لم يعد وتكلّم بعد إذ لم يتكلّم. فهذا وأشباهه جائز على الأفعال ولا يجوز في الأسماء والصفات.
ولا يجوز متى كان خالقا؟ ولا متى كان رازقا؟ ولا متى:
كان متكلّما؟ ولا متي كان آمرا؟ ولا متى كان ناهيا؟ ولا متى كان مثيبا؟ ولا متى كان معاقبا؟ ولا متى كان محييا؟ ولا متي كان مميتا؟ ولا متى كان مبديًا؟ ولا متى كان معيدا؟ وكذلك ما أشبه هذا من الأسماء والصفات.
(1) في الأصل بياض.
(2) في الأصل «فإنّ».
(3) في الأصل «فإن».
(4) يقصد بذلك أنها ليست صفات ذاتية. (1/573)
صفحة 572
574
الجزء الثاني
متي
ولا يجوز أيضا متى وَالَى؟ ولا متى كان وليا؟ ولا متى عادي؟ ولا
كان عدوا؟ ولا متي سخط؟ ولا متى كان ساخطا؟ ولا متى رضي؟ كان راضيا؟ ولا متى أحبّ؟ ولا متى كان محبا؟ ولا متى أبغض؟ كان مبغضا؟ و «متى» لا يجوز إلا على الأفعال ولا يجري على
ولا متى
ولا متى
الأسماء والصفات.
كما لا يجوز: متى علم؟ ولا متى كان عالمًا؟ ولا متى قدر؟ ولا متى كان قادرا؟ ولا متى أراد؟ ولا متى كان مريدا؟ ولا يجوز على الله في الأزل يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت ولا يأمر ولا ينهى ولا يثيب ولا يعاقب ولا يبدئ ولا يعيد ولا يتكلّم وما يشبه هذا مما لا يجوز من الألفاظ ... (3) أحيا ولا أمات ولا أثاب ولا عاقب ولا كلّم وما يشبه هذا أيضا /107/ ... (3) أو يكون شيء لم يزل غيره. فهو المفرد بالقدم والأزلية. فلا قديم لم يزل إلا. وقد أجاز من] (4) خالفنا في الولاية والعداوة والحب والبغض والسخط والرّضا أن يقال لم يزل مواليا ويوالي وقد والى إذا كانت الولاية ليست بمحدثة، ولم يزل ساخطا ويسخط وقد سخط ولم يزل محبا ويحبّ وقد أحبّ، وكذلك لم يزل مبغضا ويبغض وقد أبغض، إذ كان الحب والبغض والسخط والرّضا لم يزل موصوفًا بها، كما جاز ذلك في العلم والقدرة والإرادة وغيرها ... (5) الذات يقولون لم يزل عالما ويعلم وقد علم وقادر
هو.
ويقدر وقد قدر ومريد ويريد وقد أراد.
(1) في الأصل «واليا».
(2) في الأصل بياض.
(3) في الأصل بياض. (4) في الأصل بياض. (ه) في الأصل بياض. (1/574)
صفحة 573
كتاب التحف المخزونة
575
[فإن قال: قد أجزتم (1) في الولاية والعداوة والسخط والرضا والحبّ والبغض ما أجزتموه في العلم والقدرة والإرادة ... (2) لزمكم أن تقولوا
(2)
بحدثها. فقلنا، وبالله التوفيق وإن امتنع بعض أصحابنا من القول بأنه قد والى في الأزل أو عادى ويوالي ويعادي أو سخط أو يرضى أو قد رضي أو يحبّ أو قد أحبّ ويبغض أو قد أبغض فليس ذلك كذلك لأنّ الولاية والعداوة محدثة عنده ولا السخط والرضا محدثان عندهم والحب والبغض محدثان عندهم. ولم يلزمهم أيضًا وإن امتنعوا من ذلك أن يقولوا بحدث الولاية والعداوة والسخط والرّضا والحبّ والبغض ولذلك نظير مما يقربه ولا ينكره لأنه يقول لم يزل جوّادًا كريما والجود والكرم من صفات ذاته وامتنع أن يقول قد جاد (3) في الأزل وقد أكرم ولا يجود ولا يكرم وليس ذلك ما يؤدّي ... (4) أن يجعل الجود والكرم أفعالا له ولا من من
في
امتناعه
صفاته
في فعله.
وامتنع من أبي ذلك. أصحابنا أن يقولوا ولا في الأزل لأنّ ذلك يوهم من الموالي عندهم لم يزل. ويجوز عندهم لم يوال لأن ذلك يثبت حدث الولاية وقال غيره (9) من أصحابنا بغير هذا والله أعلم وأحكم.
(1) في الأصل بياض. م. (2) في الأصل بياض.
(3) في الأصل «أجاد».
(4) في الأصل بياض.
(5) لعله يقصد به نصر بن سجيمان النفوسي فقد ذكره الوسياني وأشار إلى أنه القائل إن الرضا والسخط أفعال الله. ولم يوافقه على ذلك من التقى به في الحج من أهل عُمان. ونبه الوسياني إلى أن صاحبا لنصر من الجبل كان يخالفه في هذه المسألة. انظر سير الوسياني: 179. وقارن بالأشعري: مقالات الإسلامتين 255/ 2 فقد روى أن سليمان بن حرير وعبد الله بن كلاب ذهبا إلى أنّ الولاية والعداوة من صفات الذات خلافا للمعتزلة. (1/575)
صفحة 574
576
الجزء الثاني
18 ـ في «أوّل وآخر»
ويقال الله أوّل وآخر. ومعنى أوّل أي ليس بمحدث وهو أوّل لنفسه ولذاته على نفي الحدث عنه. ومعنى قول القائل آخر ليس بفان. فهو آخر لذاته على نفي الفناء عنه ولا يجري عليه الفناء. فمن كان من الخلق يوصف بأنه أوّل فهو أول ... ) بوقت سبقه به وليس ذلك بنفي الحدث عنه ولا استحق ذلك بمعناه. وإنما استحقه بمعنى غير الوقت الذي سبقه به. . وكذلك من كان يسمّى من الخلق آخر الشيء فهو آخر شيء بوقت كان فيه ولم يدر ... (2) هو آخر له. فلا يكون آخر البقاء للفناء عنه ولا يكون آخر المعنى إذ كان جائزا ألا يكون آخرًا لمن كان ... (3) فالله هو الأول والآخر. والأولية والآخرية صفات له لم يزل موصوفا بها. [فهو أول] (1) وآخر في أوليته [لم) (0) يزل ولا يزال موصوفا بذلك (6).
(2)
19 ـ في «صادق»
والله صادق وصدقه على وجهين ...
(v)
هو
نفي الكذب عنه صفة له لم يزل
موصوفا بها، وصدقه في خبره فعل له ليس بصفة له [وهو صادق] (8) بذاته ولنفسه /108/ لا بخبر فعله ولا بمعنى غيره لم يزل صادقا ولا يزال صادقًا لذاته ولنفسه على نفي الكذب عنه (9).
(1) في الأصل بياض.
(2) في الأصل بياض.
(3) في الأصل بياض.
(4) في الأصل بياض. (5) سقط من الأصل «لم».
(6) وانظر: أبو عمار شرح الجهالات 386، 387 وانظر الشقصي منهج الطالبين 221/ 1.
(7) في الأصل بياض.
(8) في الأصل بياض.
(9) نقل السالمي عن التلاتي أنّ بعض المشارقة قسم الصفات إلى ثلاثة أقسام: ذاتية فعلية وذاتية باعتبار وفعليّة باعتبار ومثل للقسم الأخير بصفة الصادق والحكيم والتميع (1/576)
صفحة 575
كتاب التحف المخزونة
577
20 - في «حكيم»
عنه
هي
فعل من
والله حكيم. وحكمته على وجهين فحكمته التي هي نفي العبث والخطا صفة له. وحكمته (1) التي هي وضع الأشياء في مواضعها. فذلك فعله ليس بصفة له. وهو حكيم لذاته لا لمعنى غيره ولا يفعل فعله. يوصف من الخلق بأنّه حكيم فلم يكن حكيما لمعناه ولا لنفسه حكيمًا [بل] لمعنى غيره وهو وضعه الأشياء بمواضعها. فإذا وضعها في مواضعها كان حكيمًا وإذا) وضعها في غير مواضعها كان ليس بحكيم. [فالحكمة] (3) فعل له وبها كان حكيمًا (4).
كان ومن
21 ـ في «عدل»
ويوصف الله بأنه عدل والعدل صفة له لم يزل موصوفا بها. وعدله على وجهين: فعدله الذي هو نفي الجور عنه صفة له لم يزل موصوفا بها. وعدله الذي هو حكمة بين عباده فذلك فعل له وليس بصفة له. والله عدل لذاته ولنفسه لا لمعنى غيره ولا لفعل فعله. الخلق يوصف بأنه عدل
ومن كان من
واللطيف. انظر السالمي: مشارق أنوار العقول 174 وانظر أبو عمار شرح الجهالات 423، 424 والقسم الثالث هو الذي أشار إليه المؤلّف فيما يلي بقوله «والله حكيم
وحكمته على وجهين».
(1) في الأصل «فحكمته».
(2) في الأصل «فإذا». (3) أضفنا كلمة «فالحكمة».
(4) ذكر أبو عمار أنّ الحكمة صفة ذات يُنفى بها العبث والسّفه عن الله تعالى. وبين أن الحكيم والعليم معناهما واحد لأنه لا يضع الأشياء في مواضعها إلا من يعلمها. واعتبر (مثل المؤلف) أن وضع الأشياء في مواضعها دليل على حكمته (أبو عمار: شرح الجهالات 418). وخالفهما في ذلك اطفيش فميز بين صفتي الحكمة والعلم محتجا بقوله تعالى: إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [البقرة: 32] فورودهما معا دليل على أن الحكمة لها مفهوم زائد
على العلم انظر: اطفيش هميان الزاد 443/ 1. وقارن بالجويني: الإرشاد 152. (1/577)
صفحة 576
578
الجزء الثاني
فليس ذلك لمعنى له ولا لنفسه وإنّما كان عدلا بفعل من فعله وهو فعل ما أمره الله به من العدل. فإذا فعل ما أمر الله به من العدل سمّي عدلا. فإذا لم يفعله بطل أن عدلا (1). يسمى
22 ـ في «حليم»
هو
والله حليم. وحلمه على وجهين: حلمه الذي نفي الشفه عنه لم يزل موصوفا به (3). وحليم أيضا على معنى عليم (3) لم يزل ولا يزال كذلك. فحليم في صفة الخلق على وجهين حليم على نفي الشفه عنه وحليم على نفي الجهل عنه. قال الله وَجَل فَبَشَّرْنَهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) [الصافات: 101] (4) أي عليم. وأما حمله الذي هو ترك المؤاخذة لأهل الجرأة عليه فذلك (ه) فعل له ليس بصفة له. والله حليم بذاته لا بفعل فعله ولا لمعنى غيره. ومن الخلق حليمًا (1) فذلك بمعنى غيره وهو فعل من فعله. فلو لا ذلك الحلم ما كان حليما ولا سمّي به. فإذا فعل الحلم صار (7) حليما. فإن لم يفعله لا (8) يكون حليما لمعناه ولا لنفي الشفه عنه ولا لنفي الجهل عنه. . فهو في
كان من
(1) وانظر: الجويني: الإرشاد ن: 150. (2) في الأصل بها. (3) في الأصل حليم عوّضناها بعليم والذي جعلنا نختار هذا اللفظ هو أن أبا عمار عد «عليم» معنى من معاني «حليم» واحتمل أن يكون المراد أنه لا يحلم في موضع الحلم إلا من هو بذلك عليم. انظر كتابه شرح الجهالات 420. ويدلّ على هذا التصحيح تفسير المؤلّف نفسه لحلم الإنسان بالعلم ونفي الجهل عنه في قوله: «فحليم في صفة الخلق ... وحليم على نفي
الجهل عنه».
(4) وأثبت الناسخ «فبشرناه». (ه) في الأصل «وذلك».
(1) في الأصل «حليم».
(7) في الأصل «فصار».
(8) في الأصل «فلا». (1/578)
صفحة 577
كتاب التحف المخزونة
579
الحالة التي فيها حليم يجري عليه فيها أن يكون ليس بحليم. وإنّما استحق حليما بمعنى غيره وهو فعل من أفعاله إذا فعله سمّي حليما. فإذا لم يفعله
بطل أن يسمّى حليما).
23 - في تأويل الصفات
وأما ما عرض به من ألحد في صفات الله وأسمائه [مما يقتضي]) صفة الجسمانية من الاستواء واليد والوجه والجنب والقبضة [والساق واليمين] (3)
على الأجسام:
23 - 1 - في الاستواء
قال الله الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: 5]. فاستواؤه صفة له. فهو مستو على العرش وغيره استواء غير معقول على الملك والقدرة لا على الحلول والتمكن الا كما يوصف () به الخلق من الاستواء، تعالى الله عن ذلك. والاستواء عند أهل اللغة على وجوه فالاستواء على الاستيلاء]) والملك والقدرة، والاستواء على الحلول والتمكّن والاستواء على الانتهاء والبلوغ، [والاستواء] على الاعتدال بعد الاعوجاج. والله موصوف بالاستواء الذي. /109/ الملك والقدرة. لم يزل مستويا) ويستوي وقد استوى. والاستواء الذي
هو
(1) وانظر أبو عمار شرح الجهالات 420، الجويني: الإرشاد 150 (فقد أوّل الحليم بالذي لا تستفزه زلات العصاة ولا تحمله على استعجال عقوبتهم قبل آجالهم).
(2) في الأصل بياض.
(3) في الأصل بياض.
(4) في الأصل بياض.
(ه) في الأصل بياض.
(6) في الأصل بياض. (7) في الأصل «مستو». (1/579)
صفحة 578
580
الجزء الثاني
هو
به
الانتهاء والبلوغ والاستواء بعد الاعوجاج عن الله منفي. وهو غير موصوف فمن وصفه به فقد ألحد في صفاته وضلّ ضلالا بعيدا).
23 - 2 - في اليد
وأما اليد عند أهل اللغة فعلى وجوه اليد على الملك والقدرة، [واليد]) في الكلام أي الشّيء نفسه، واليد جارحة، واليد على المنّة
(1) روى الربيع بن حبيب أن ابن عبّاس وابن عمر والحسن كانوا يفترون الاستواء بارتفاع الشأن والقدرة وينزهون الله عن الاستواء الحقيقي انظر الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح حديث 871 872 فالاستواء عند الإباضية إذن هو الحفظ والقدرة والإحاطة والظهور والسلطان. وركزوا - مثل المعتزلة ـ في استدلالاتهم على استعمالات العرب وأشعارهم وألحوا على معنى «على» الوارد في الآية والدال على القدرة وعلى معنى «ثم» الذي يفيد المعية لا الاستئناف انظر أبو عمار الموجز 365/ 1 - 373. شرح الجهالات 369 - 376. عامر الشماخي الديانات،43، المحشّي: حاشية الترتيب 258/ 7، الثلاتي: شرح الديانات 50، المصعبي: حاشية تبغورين،88 89 الشقصي منهج الطالبين 506/ 1، 334، السالمي: مشارق أنوار العقول 211، 214.
جميع
أما الأشاعرة فقد اختلفوا في تفسير الاستواء على أقوال ذكرها البغدادي واختار منها تأويل الاستواء بالملك انظر البغدادي: أصول الدين 112، 114. وانظر الأشعري: الإبانة 105 (الاستواء فعل أحدثه الله في العرش). القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 220/ 7 (الله مستو على عرشه استواء يليق به بلا كيف) الغزالي: أحياء علوم الدين 108/ 1 يفيد كلامه إمكان تأويل الاستواء بالقهر والاستيلاء). (الرازي: التفسير الكبير 7/ 22) أن يري المطاعن والشبهات تزول بتأويل الاستواء بالقهر والاستيلاء لكنه يستدرك بعد ذلك قائلا: «وأقول أنا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت تأويلات الباطنية ... بل القانون أنه يجب حمل كل لفظ ورد في القرآن على حقيقته إلّا إذا قامت دلالة عقلية قطعية توجب الانصراف عنه وليت من لم يعرف شيئًا لم يخض فيه». أما الجويني في الإرشاد فقد صرّح بتأويل الاستواء بالقهر والغلبة. وأما الماتريدي فإنّه يجوز احتمال إرادة العظمة والعلق والملك والاستيلاء غير أنه لم يقطع بذلك لاحتمال أن يكون المراد غير ذلك ولذلك مال إلى استحسان التوقف في هذه المسألة انظر كتابه التوحيد 70 ـ 074
(2) في الأصل بياض. (1/580)
صفحة 579
كتاب التحف المخزونة
581
هي
النعمة
الفضل والإحسان فيد الله على الملك والقدرة. وله أياد التي والإفضال واليد الجارحة عن الله منفيّة) وهو غير موصوف [بها] (2) لأنّ ذا
الجوارح يلزمه الحاجة والعجز لأنه لا يتصف] (3) ببعضها دون بعض. فكله محتاج إلى بعض وبعضه ... (4) عمّا يفعل بعضه الآخر. فمن كان معجز أعجزه وأحوجه. فالله يتعالى عن هذه الصفات وعن
كذلك ... (5)
صفات المخلوقات. جميع
[و] معنى قول الله لإبليس مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) [ص: 75] قيل معناه لما خلقته [بقدرتي وصنعي]. وقيل لما خلقته أنا لا غيري). وقيل لما خلقته بيدي أي بنعمتي (9) لأن خلقته ... (10) به من حسن صورته نعمة الله عليه. وقال الله وعن {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: 47] وقال من لمَا خَلَقْتُ بيدى) [ص: 75] أي لما خلقته أنا لا غيري. وأما اليد [فتطلق] على الشيء نفسه أيضا. قال الله وعلى ذلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} [آل عمران: 182]
(1) في الأصل «فهو عن الله منفي». (2) في الأصل: «عن الله موصوف». (3) في الأصل بياض.
(4) في الأصل بياض. (ه) في الأصل بياض. (6) في الأصل بياض.
(7) في الأصل بياض والعبارة أضفناها. الربيع بن حبيب عن ابن عباس. الجامع
الصحيح 876 ج 241/ 3 باب 32 ما قيل في اليد.
(8) وهذا القول مروي عن علي بن أبي طالب.
(9) تفسير اليد بالنّعمة مروي عن الضحاك في قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64]. وروي عن الحسن أنه قال في تفسير قوله تعالى: {يَدُ اللهِ فَوقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10]: النعمة
عليهم أن هداهم للإيمان الربيع بن حبيب الجامع الصحيح حديث 876.
(10) في الأصل بياض.
(11) أضفنا «فتطلق» للربط. (1/581)
صفحة 580
582
الجزء الثاني
أي بما قدمتم. وأما اليد على النّعمة فقول الله بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64] أي نعمتاه (1) مبسوطتان نعمة الدين ونعمة الدنيا (2).
23 - 3 ـ في الوجه
والوجه أيضا عند أهل اللغة على وجوه. فالوجه هو الشيء نفسه. والوجه أيضا على الجارحة والوجه. وأما الوجه على الشّيء نفسه فقول (3) الله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] [أي ذاته. فلو كان الله له] (4) جارحة لهلك سائر [الذات إلا) الوجه لقوله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ، ولم يخص إلا الوجه. قال الله ل (وَمَا آنَيْتُم مِّن زَكَوة تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} [الروم: 39] أي تريدون به الله، وكذلك أيضا (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} [الإنسان: 9] أي الله. ووجوه القوم خيار القوم. ويقولون هذا وجه مال فلان ... (6) وأخيره. فالوجه على وجوه. فالوجه على الجارحة عن الله منفي، وهو به غير موصوف. فمن وصفه به ألحد في صفته وسوّاه بغيره
(7)
(1) أي «نعماه». (2) وانظر: تبغورين أصول الدين، وقارن بالجويني: الإرشاد: 155. وقد ردّ الأشعري على من فتر اليدين بالنعمة معتبرا أن اليد بمعنى النعمة تجمع على أياد ونفى أن يكون معناها القدرة إذ وردت مثناة فهل الله قدرتان؟ الإبانة 130، 131 وانظر ردّ السالمي المشارق 212، 213.
(3) في الأصل «قال».
(4) في الأصل بياض.
(5) سقط الأصل «الذات إلا». من
(6) في الأصل بياض.
(7) وانظر: أصول تبغورين: 11. الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 239/ 3، 240 حديث رقم 873 في تأويل قوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 27]. وروي عن ابن عباس والضحاك ومجاهد وأنس بن مالك تأويل الآية بأنه يفنى كلّ شيء ويبقى الله وحده. وذهب الجويني في الإرشاد 155 إلى تأويل الوجه بالوجود. أما الأشعري فقد أثبت أن الله وجها لكن بلا كيف. وركّز على أن القرآن ينبغي أن يبقى على ظاهره حتى تقوم حجّة على خلافه. انظر: الأشعري: الإبانة.120 مقالات الإسلاميين 204/ 2. (1/582)
صفحة 581
كتاب التحف المخزونة
CAT
23 ـ 4 ـ في الجنب
وأما الجنب [ف] يخرج على الشيء نفسه وعلى الجارحة. والجارحة عن الله منفية. وأما قول الله (أَن تَقُولَ نَفْسُ بَحَسْرَتَكَ عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) [الزمر: 56] أي في ذات الله. وقيل أيضا في أمر الله". وأما الجنب على المعقول فهو عن الله منفي وهو غير موصوف [به]).
23 - 5 ـ في القبضة
وأما القبضة على القدرة وعلى ... والإمساك بالجارحة. فالجارحة عن الله منفية. وهو بها غير موصوف والله يقبض ويبسط على معنى يعطي ويمنع. وأما قوله (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ الي 6: أي في
/110/ كلّها في قدرته وقبضته (4).
23 - 6 ـ في الشاق
وأما الساق فعلى (5) وجهين على شبة الأمر وتجرحة. فالجارحة عن الله منفية وهو بها غير موصوف. وأما الشاق على شبة أمر قال الله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} [القلم: 42] أي عن شدّة مر. قدمت عرب قدمت الحرب على ساق أي عن شدّة و .... لا على الجرحة ونيس سحرب جرحة ".
(1) انظر تبغورين: أصول الدين 10، الجويني ورته.
(2) سقط من الأصل «به».
(3) كما في قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَضُهُ وه وه (4) وانظر: تبغورين: أصول الدين 9، الشخصي: مبيد انه سير (ه) في الأصل «على» بدون الفاء.
(6) وانظر: الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح ": " واب. التجاري: فورشن: 149. فقد أوّل الساق بالإنباء عن أهوال القيامة وصعوبة أخوانه. (1/583)
صفحة 582
???
الجزء الثاني
(1)
23 ـ 7 ـ في اليمين وأما اليمين فهى (1) أيضا تخرج على وجوه فاليمين على الشيء نفسه. واليمين على القدرة والملك. واليمين على الجارحة. فاليمين على الجارحة عن الله منفية (2) بها (3) غير موصوف [وأما اليمين على] (4) الملك والقدرة فالله وهو مالك قادر. قال الله ل (وَالسَّمَوَاتُ مَطوِيتُ بِيَمِينِهِ) (الزمر: 17) أي بقدرته. وقال أيضا: {وَلَوْ نَقَولَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} [الحاقة: 44، 45] أي [بقدرتنا وملكنا])، وعلى الشيء بنفسه قال الله وان {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنَكُمْ) [النساء: 36] (1) لأن أيمانهم [ملك لهم وكلّ] (7) ما يوصف به المخلوقون (8) لا يوصف [الله] بشيء من صفاتهم. ولا يوصفون بما يوصف [به]) إذ كان جميع ما [يوصفون به] (10) من جميع ما هم عليه من صفاتهم دلالة على حدثهم وحاجتهم وعجزهم] (11) وذلّهم وأنّ لهم قاهرا قهرهم على ما هم به من صفاتهم ... (12) عليها.
(1) في الأصل «فهو».
(2) في الأصل «منفي».
(3) في الأصل «به».
(4) في الأصل بياض. (ه) في الأصل بياض.
(6) وانظر تبغورين أصول الدين،9 الربيع بن حبيب الجامع الصحيح حديث 866.
(7) في الأصل بياض.
(8) في الأصل من «المخلوقين».
(9) سقط من الأصل «به».
(10) في الأصل بياض.
(11) في الأصل بياض.
(12) في الأصل بياض. (1/584)
صفحة 583
كتاب التحف المخزونة
منفية عن
585
فلو كان الله تعالى موصوفًا بصفاتهم التي دلّت على حدثهم وعجزهم وحاجتهم لدلّت أيضا على حدثه وعجزه. فالله يتعالى عن أن يكون موصوفا بالحدث والعجز والحاجة فلا يخلو ما هم عليه من صفاتهم إما أن تكون الله لا يوصف بشيء منها إذ كانت دلالة على حدث الموصوف بها، أو جميع ما هم عليه من جميع صفاتهم ليس فيه دلالة تدلّ على حدث الموصوف بها. فيكون المحدث المخلوق ليس فيه معنى من معانيه التي هو عليها تدلّ على حدثه وعلى محدثه فكفى بمن قال هذا ما أدّاه إليه هذا وعن أن يشبهه. خلقه بمعنى من المعاني.
القول. فتعالى الله
وبالله التوفيق.
خلقه شبه عن
كمل الجزء الثاني ممّا وضعه أبو الربيع سليمان بن يخلف رحمه
ونفعنا ببركاته.
الله تعالى
وقد تم الكتاب عند صلاة الظهر يوم الأربعاء لإحدى وعشرين خلون من شهر شوال عام تسع وستين (1) بعد مائتين وألف من الهجرة النبوية [1269].
(1) في الأصل «ستون». (1/585)
صفحة 584
الفهرس
الإهداء
شكر وتقدير.
تصدير
مقدمة سماحة الشيخ. عصر المؤلّف
حياة أبي الربيع سليمان بن يخلف
نفي رؤية الله تعالى
خلق القرآن.
نظرية المعرفة
المبحث الأول: تعريف العلم والفرق بينه وبين المعرفة
المبحث الثاني: وسائل المعرفة
المبحث الثالث: أقسام العلم
المبحث الرابع: الجملة وتفسيرها
المبحث الخامس: الحجّة وكيفية قيامها. (1/587)
صفحة 585
الفهرس
المبحث السادس: الحجة في تبليغ السمع
النبوة والرسالة
المعجزة
الولاية والبراءة.
المبحث الأول: التعريف بالولاية والبراءة
المبحث الثاني: حكم الولاية والبراءة.
المبحث الثالث: أقسام الولاية والبراءة.
المبحث الرابع: موجبات الولاية والبراءة وطرقهما
المبحث الخامس: مسائل متفرّقة.
المبحث السادس: الوقوف ..........
المبحث السابع: تطوّر مبحث الولاية والبراءة
المبحث الثامن: نتائج مبدأي الولاية والبراءة.
الجزء الأول
[الباب الأول] أوّل الواجبات [في] معرفة الله [الباب الثاني] باب ما لا يسع الناس جهله [الباب الثالث] في ما يسع الناس جهله [الباب الرابع] في الولاية والعداوة.
[الباب الخامس] الأمر والنهي والإلزام والتكليف
[الباب السادس] [في] الجملة والتفسير. (1/588)
صفحة 586
كتاب التحف المخزونة
589
الباب السابع] [في] اختلاف الناس في كلام الله لموسى الباب الثامن] [في] اختلاف الناس في الإيمان والكفر.
[الباب التاسع] [في] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ..
[الباب العاشر] [في] المعرفة والجهل .......
الباب الحادي عشر في النبوة والرسالة
الباب الثاني عشر] [في] اختلاف النّاس في الحرام المجهول. الباب الثالث عشر] [في] الخوف والرجاء.
الباب الرابع عشر] [في] اختلاف الناس في اجتهاد الرّأي. مسائل مضافة إلى الباب].
[الباب الخامس عشر] [في الجدل الوهبية والحسينية] [في] اختلاف الناس
في أمر الله بطاعة غير التوحيد أو نهيه عن معصية سوى الشرك
الجزء الثاني
[الباب السادس عشر] في التوبة والإصرار.
الباب السابع عشر] [في] الفرائض
[الباب الثامن عشر] في استتابة المرتدّ وقتله وفي السبي والغنائم ........... 449
الباب التاسع عشر] في
الحكمة
[الباب العشرون] في الابتلاء والتمحيص والفتنة.
الباب الحادي والعشرون في الحبّ الإلهي. [الباب الثاني والعشرون] في الجواهر والأعراض. (1/589)
صفحة 587
590
الفهرس
الباب الثالث والعشرون في الحركات
الباب الرابع والعشرون] في الشكون.
[الباب الخامس والعشرون في الحواس
01.
518
535
[الباب السادس والعشرون في التوحيد ونفي الأشباه والمساواة عن الله ....... 547
الفهرس.
587 (1/590)