صفحة 1
الكتاب (مخطوط): كتاب التخصيص
المؤلف: أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى النزواني الكندي (ت: 557هـ).
الناسخ: عبد العزيز بن الحاج إبراهيم المصعبي اليسجني الثميني (ت: السبت 11 رجب 1223هـ / 1808م).
تاريخ النسخ: الأولى من يوم الجمعة في شهر الله شوال عام 1158هـ.
المكان: غير مذكور.
ضمن مجموع، بخط الشيخ، مرقم بالصفحات ترقيما حديثا، وهو مِن ص219 إلى ص267 (أيْ: 49ص).
المقاس: 15.5 × 22.00 سم.
المسطرة: بيْن 28 و32 سطرا، حوالي 14 كلمة في السطر.
الخط: مغربي مقروء عموما، وصعب القراءة أحيانا.
مكان المخطوط: مكتبة الاستقامة، بني يزقن، غرداية - الجزائر.
رقم المخطوط: ف 28 - 54
رقن النص وضبطه: مصطفى بن محمَّد شريفي
القرارة - شوال 1429هـ / أكتوبر 2008م
[مبوب]
[ترقيم الصفحات موافق للأصل المخطوط]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) كتاب التخصيص
تأليف
أبي بكر أحمد بن عبد الله بن موسى النزواني الكندي (ت: 557هـ)
رقن النص وضبطه
مصطفى بن محمَّد شريفي
(وهو رقن أولي لم أقم بعدُ بتدقيق مراجعته)
القرارة - شوال 1429هـ / أكتوبر 2008م (1/217)
صفحة 2
كتاب التخصيص لأبي بكر النزواني [الكندي]
ملاحظتان منهجيتان:
- كثيرا ما يورد المؤلف المقطع الأول من الآيات المستشهد بها، ويقول: «إلى قوله: { ... }» ليورد المقطع الأخير منها، وقد يكون محل الشاهد فيما حُذف. أو يَبتر مقطعَ الآية من آخره فيقول: «الآية ... »، فما كان من هذا القبيل، ونظرا لكثرته، وإذا كانت الآية قصيرة أتممناها، دون إشارة إلى ذلك في الهامش، خشية إثقال النص بالتعليقات.
- الآيات مضبوطة برواية ورش عن نافع.
مواصفات المخطوط:
العنوان: التخصيص.
المؤلف: أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى النزواني [الكندي، (ت: 557هـ)] (1).
الناسخ: عبد العزيز بن الحاج إبراهيم المصعبي اليسجني [الثميني (ت: السبت 11 رجب 1223هـ/ 1808م)].
تاريخ النسخ: الأولى من يوم الجمعة في شهر الله شوال عام 1158هـ.
المكان: غير مذكور.
ضمن مجموع، بخط الشيخ، مرقم بالصفحات ترقيما حديثا، وهو من ص219 إلى ص267 (أي: 49ص).
المقاس: 15.5 × 22.00 سم.
المسطرة: بين 28 و32 سطرا، حوالي 14 كلمة في السطر.
الخط: مغربي مقروء عموما، وصعب القراءة أحيانا.
مكان المخطوط: مكتبة الاستقامة، بني يزقن، رقم ف 28 - 54.
__________
(1) جاء معجم أعلام الإباضية في ترجمته ما يأتي: أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي، أبو بكر (ت: 557هـ) هو أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر، من سمد نزوى، تلقى العلم على يد الفقيه أبي بكر النزواني، وقد ترك آثارا في شتى العلوم والفنون، كان أهمها كتاب "المصنف" في الأديان والأحكام والذي يقع في اثنين وأربعين جزءا، وله سيرة يرد فيها على من اعترض على محاربة الإمام محمد بن أبي غسان لأهل العقر بنزوى، وله كتاب الاهتداء، وكتاب التسهيل في الميراث، وله أشعار في الأدب والفقه. المصادر: الاهتداء، 195. منهج الطالبين، 1/ 626. قلائد الجمان، 19. دليل أعلام عمان، 28. (1/218)
صفحة 3
<219> بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه
الحمد لله الهادي بقواطع الأدلة إلى خلق الملة، الموضح بأنوار الحجة سبيل المحجة، المؤيد (1) ببينات البراهين غوامض الدين، الكاشف لمكلف الخلائق أنواع الحقائق، ليحيى من حيي عن بينة، ويحق القول على الكافرين. فالدعوة بالغة، والحجة قائمة، والعذر مقطوع، والحق مسموع، ... [كلمتان غير مفهومتين رسمهما: والعدل شارع] الأقسام، والتعبد منكشف القناع ظاهر الأحكام أوضح من نور الشمس لذوي الأحلام؛ فلا جهل ولا تجاهل في الإسلام.
أحمده على النعم السوابغ، والمنن البوالغ، وأسأله توفيقا مسددا، وإخلاصا مرشدا، وعصمة من نزغات الشياطين، وطمأنينة أدفع بها ظلم الشكِّ وجور الأظانين [كذا]، وإيزاعا لشكر ما أنعم، واهتداء بما ألهم وعلَّم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
أما بعد يا أخي، أكمل الله عليك وعليَّ المنة، ولا حرمنا لذَّة الاعتصام بحبله الوثيق من الكتاب والسنةـ فقد أجلت فيما خامر خاطرك ... [كلمة غير واضحة، رسمها: ناصع] الفكرة، وتأمَّلته بصادر النظر والعبرة، فوجدته محتويا على مقاصد من مجملات الفصول، ومبتنيا على قواعد مبهمات الأصول لو سلمت عند التعليل من الدخل، وسدت في مجال الكشف من العلل. وأنا وإن كلَّت قريحتي، وضعفت فطنتي وبصيرتي، فغير معتذر عن نصرة حق افترض قوامه، ودفع شك معترض، أو أثر انحسامه.
وقد سامحتك في الإجابة بما وجدت فيه الإصابة على الأصول القويمة، والقواعد المستقيمة، والعقيدة المرضية، والديانة (2) الإباضية، مستعينا بالله، ومتوكِّلا عليه، ومخلصا له، قاصدا إليه. فما كان من حق فهو الذي وفق له وبلَّغنيه بهدايته، وسهلنيه إليه، وما كان زائغا عن الرشد منحرفا عن سبيل القصد فأنا أستغفر الله تعالى منه، تائبا [كذا] إليه، مقلع عنه، وإني غير آمن على
__________
(1) قال الثميني في الهامش: «قوله: "المؤيد" هكذا رأيته، والصواب: المبيِّن. فليراجع نسخة صحيحة».
(2) الديانة هنا بمعنى: المعتقَد مطلقا، أي: على ما يعتقده الإباضيَّة. (1/219)
صفحة 4
<220> نفسي من الزلل والخطأ في القول والعمل.
وسيتضح لك بعون الله وتسديده وتوفيقه وتأييده هذا الفصل الذي خامرك وشكَّك عقيدتك وخاطرك كيف يزاور عند التثقيف والتصحيح، ويعوج في مقام التقويم، والله ولي التوفيق لمراشد الأمور، وهو العالم بما تكنُّه خفيَّات الصدور، فبه نعتصم ونتوثَّق، وبحبله نتمسك ونتعلَّق.
باب السؤال عن وجه البراءة من المحدثين من الصحابة:
سألت - أرشدك الله وسدَّدك، وهداك لسبيل طاعته وأسعدك - عن صحابة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والخلفاء من بعده كيف ساغت البراءة من بعضهم، وهم حجَّة الله التامَّة في الإسلام بعد نبيه محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، واختصاصهم [بـ]ـمزايا التفضيل في الطريقة، وتميُّزهم بالسابقة والتعديل في الخليقة لمشاهدتهم التنزيل، وعلمهم بالمتشابه والمحكم من التأويل، وعنهم صار الإجماع في الملة اللحق بحكم الكتاب والسنة، لقول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمُ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [سورة البقرة: 143]، ولا يكون الشهود إلا عدولا مرضيِّين، فهذا موجب لعدالتهم على ما نصَّ عليه مِنْ ذكرهم في الآيات الدالَّة على صدقهم والرضا عنهم بقوله عزَّ وجلَّ:
- {لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيءِ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ الذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمُ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [سورة التوبة: 117].
- وقوله في سورة براءة: {وَالسَّابِقُونَ الاَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ وَالذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الاَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة التوبة: 100].
- وقوله في سورة الحشر: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [سورة الحشر: 8].
- وقوله في آل عمران: {فَالذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [سورة آل عمران: 195].
- وقوله في الأنفال: {وَالذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُومِنُونَ حَقًّا} [سورة الأنفال: 74].
فقد أخبر في هذه الآيات أنه تاب على المهاجرين والأنصار، وأنه قد رضي عنهم ورضوا عنه، وأنه قد أعدَّ لهم الجنَّة، وأنَّهم هم المؤمنون حقًّا، وأنَّه لا يضيع عمل عامل من ذكر وأنثى، ولا تعلم [كذا] المهاجرين والأنصار إلا هذا الفريق المشهور الذين برئتم من بعضهم، وهذا كتاب الله يصدِّق بعضه بعضًا، لا يتضادد ولا يتناقض، ولا يجوز تبديله ولا يختلف (1/220)
صفحة 5
<221> تأويله، ولا يجهل معقوله.
ففيما ذكرنا ونحوه ما يدل على توجيه ولاية الحقيقة إليهم، ويعرب عن النصِّ بالتعيين عليهم، فهلاَّ كان تحسين الظنِّ بهم، والتمسُّك بسابقة فضلهم أولى من إساءة الظنِّ بهم، والطعن عليهم، وقد قيل: إِنَّ الخطأ في الولاية أهون من الخطأ في البراءة. وقيل: إِنَّ البراءة من المسلم كقتله.
باب: الجواب عن ذلك بجملة مقتصرة
فالجواب وبالله التوفيق: فَإِنَّ هَذَا فصل يتَّسع فيه المقال، ويكثر فيه النظر والجدال، ولن ينكشف قناع المجمل من فصوله، ويظهر الحق من مبهم أصوله إِلاَّ ببيان القواعد المجتمع عَلَيْهَا، وإيضاح الموارد والمصادر التي يرجع إِلَيْهَا، فما كُلُّ حسناء حرَّة، ولا كُلِّ سوداء تمرة؛ فلربما يجيء النظر بما لا يَصِحُّ في التحصيل، وكم من مغترٍّ به لا يثبت في التحصيل، فالمغترُّ برائق الظنِّ غبيٌّ [كذا]، والمفحم عن وجه حجَّته بكيٌّ [كذا]. ففي الاعتبار تخف الموازين وتثقل، وعند الترجيح يختل الفاسد ويبطل، فلا بد الآن من الاقتصار على تقديم جملة وجيزة باقتصار يقتضي الإجابة عن هذا السؤال، الصادر عن تأويل بالظن في الأغفال، ثمَّ نأتي بعدها بالشرح الشافي، والبيان الجلي الكافي، مؤيدا بالشواهد القاطعة، والأدلة الساطعة، والحجج البالغة، والعلل الدامغة، رحمةً لأهل الاسترشاد، وحجَّة على كلِّ معارض مزدوج العناد، بتوفيق الله ومنِّه، ومعونته ويمنه إن شاء الله.
جملة الجواب
فالقول: إِنَّ البراءة إنما ساغت ووجبت ممن صح عليه منهم الحدث المحرَّم بالدين في المخالفة للحق المبين، والمفارقة للطاعة والخروج عن الجماعة وإمامهم، فكانوا أعلى درجة، وأرفع منزلة، وأعظم قدرا، وأسنى ذكرا من أن ترتقي إليهم عداوة بعض العوام، وينالهم عناد سائر الأنام، ولكن لَمَّا رفعهم الله بالدين وشرفهم عند قيامهم به على اليقين، حط درجة من أتى منهم بضده، فلم يستقم في دينه مساواة الحق ونده.
الدليل على ذلك أنا وجدناهم قد اختلفوا في أشياء كثيرة، ولكن كان اختلافهم على ضربين:
- فضرب لم يخطِّئ بعضهم بعضًا فيه، وهو اختلاف رأي، كاختلافهم في ميراث الأرحام، وميراث الإخوة مع الجد، وما أشبه ذلك من الاختلاف في الأحكام والطلاق والنفقات وغير ذلك.
- والضرب الثاني خطَّأ بعضهم بعضًا فيه، وتحاربوا عليه، وسفكوا على ذلك الدماء، وكثرت [كذا] بينهم القتلى به، وهو اختلاف دين وتضاد، كاختلافهم (1/221)
صفحة 6
<222> في الطلب بدم عثمان في خلافة علي، ووقعة الجمل، وحرب صفين، ومقتل أهل النهر. وفي الطائفتين جميعا من المهاجرين والأنصار من لا يجهل موضعه، ولا يخفى موقعه. مع ما قد صح وظهر من نفاق بعض من جراغلبه [كذا] وله الدخول في المهاجرين والأنصار، كمنافقي المدينة من الأنصار، مثل عبد الله بن أبي [بن] سلول وظغينة [كذا] سارق الدرع الذي قتل كافرا، وارتداد بعض من هاجر وموته على ذلك.
وعلمنا مع هذا أنَّ اختلافهم فيما لم يخطئ بعضهم بعضًا فيه ليس كاختلافهم فيما خطأ بعضهم بعضًا فيه، وأنَّ الذي لم يخطئ بعضهم بعضًا فيه كان اختلاف رأي واجتهاد فيما لهم فيه الاجتهاد، وكلهم سالمون عند الله وعند المسلمين، والذي خطأ بعضهم بعضا فيه، وتحاربوا عليه حتى سفكت عليه الدماء، فأحدهم فيه مخطئ غالٍ خارج عن الحق بالدين لا شك في ذلك، فالمخطئ بالدين مستحق البراءة مخلوع، كائنا ما كان عند المسلمين. فالله تعالى قال: {أَمْ حَسِبَ الذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَآءٌ مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} [سورة الجاثية: 21]، وقال: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ} [سورة يونس: 32].
ثمَّ إِنَّ العقل شاهد عدل، وحاكم فصل يقضي بالبون بين الفريقين، والتضاد في الأمرين، فهناك {لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنَ اَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [سورة الشعراء: 88 - 89]، ثمَّ {فَلآَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} [سورة المؤمنون: 101].
ومشاهدة التنزيل والإصابة في التأويل، ونصرة النبي عليه السلام، والإجماع على الحق الراجع إليه لا يقضي بالعصمة، ولا ينفع إلا بالثبوت على الحكمة. وأما من قام بالحقِّ ثمَّ ضيَّعه، ووصل ما أمر الله به أن يوصل ثمَّ قطعه كيف يساوي من ثبت عليه وجاهد من عانده ولم يلتفت إليه، وهذا في محكم الظاهر في جميع المكلفين، إلا من أخرجه كتاب الله المبين، ورسوله الأمين صلى الله عليه وعلى آله أجمعين بعينه من أهل السعادة ومن أهل الجنة، وهنالك يأتي حكم الحقيقة، ويتغير الحكم عن تلك الطريقة، والناس عندنا في الأصل على حكم الظاهر حتَّى تصحَّ لهم حكم الحقائق، وعلى مدعي ذلك لأحد من الأولين والآخرين إقامة الدليل الواضح بالتعيين على من ادعى له؛ فادعاء التفسير في المجمل تحكُّم، إن لم يعضده الإجماع كان ساقطا من الدين، وخرج مخرج ... [كلمة غير واضحة، رسمها: الوافي أو السواي أو السوافي ... ].
فصل
ومستند هذه المعارضة معنيان: أحدهما كون كل صحابي باسمه وعينه من المهاجرين والأنصار وليا بحقيقة، والآخر عموم الخطاب بذكر المهاجرين والأنصار على الحقيقة، فإن صحا جميعا بالحقيقة صحت هذه المعارضة، وإن بطل أحد هذين الركنين اندفع هذا الإشكال وانقطع (1/222)
صفحة 7
<223> الاعتراض. وسيأتي من بيان التخصيص في هذين الركنين ما يثلج الصدور، وينكشف من سرهما ما يدخل على المسلمين السرور إن شاء الله تعالى.
باب: شرح مقدمات الكتاب
وما يتبعها بعد ذلك في الصحابة والخلفاء على الجملة مما صح في واحد منهم على الانفراد، فهنالك يقع البيان، ويقوم البرهان، ويرتفع الشك والريب، ويجب القطع والشهادة بظاهر أو غيب، وبالله التوفيق.
باب وجوب الولاية والبراءة ولزومهما:
أما الولاية والبراءة فلا خلاف في وجوبهما نصا من الكتاب، وإجماعا من أولي الألباب.
- قال الله تعالى: {اِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالذِينَ ءَامَنُواْ الذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [سورة المائدة: 55].
- وقال: {وَمَنْ يَّتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [سورة المائدة: 56].
- وقال تعالى: {وَالْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بَعْضُهُمُ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} [سورة التوبة: 71].
وقال الله في البراءة:
- {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمُ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَآءَكُم مِّنَ الْحَقِّ} [سورة الممتحنة: 1].
- وقال: {قَدْ كَانَتْ لَكُمُ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمُ إِنَّا بُرَءَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَآءُ اَبَدًا حَتَّى تُومِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [سورة الممتحنة: 4].
- وقال: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} [سورة التوبة: 67].
فالولاية والبراءة فريضتان، لا عذر لمن جهلهما عند وجوبهما ولزوم علمهما، وهما سواء، لا رخصة في إحداهما دون الأخرى، فكما تجب الولاية لأهل طاعة الله فكذلك البراءة تجب من أهل معصية الله بأي معصية كانت، مع الإصرار عليها.
الدليل على ذلك:
- قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمُ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالاَقْرَبِينَ إِنْ يَّكُنْ غَنِيًّا اَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا} [سورة النساء: 135].
- وقوله سبحانه: {لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَآءَهُمُ أَوَ اَبْنَآءَهُمُ أَوِ اِخْوَانَهُمُ أَوْ عَشِيرَتَهُمُ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الاِيمَانَ} [سورة المجادلة: 22].
- وقوله: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمُ} [سورة الحجرات: 13]، فلا قربة إلا بالتقوى، ولا بعد من النار إلا بمجانبة الهوى، وإلا فالناس في دين الله سواء، والله أعلم.
باب: معاني الولاية والبراءة على اختلافهما:
أما معناهما فإن الولاية وإن كانت من تولي القيام بحق الولي، واعتقاد ودِّه، والبراءة وإن كانت من التبرؤ من العدو وحدثه واعتقاد بغضه، فإنهما راجعتان في الحقيقة إلى العلم والشهادة بالمعلوم من الولي والعدوِّ من خير أو شرٍّ، وهذا أبلغ العبارات والمعاني؛ ولهذا ينبغي الفرق بين الولاية والعداوة بالحقيقة أو بحكم الظاهر، والله أعلم.
مسألة [معنى ولاية الله للمؤمنين]:
ومن كتاب الضياء: يقول: {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُومِنِينَ} [سورة آل عمران: 68]، ومعنى ذلك أنه متولي [كذا] بحفظهم ونصرهم ومعاونتهم ومصالحهم وكفايتهم الأمور؛ لأن معنى الولاية في الشاهد مثل ذلك كولي الكفل الذي يتولى القيام بشأنه وحفظه وإصلاح أموره، وكذلك التولي لمال أوليائه هو الذي يقوم بحفظه وإصلاحه. الشاهد في قوله عزَّ وجلَّ: (1/223)
صفحة 8
<224> {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَآءَهُ إِنَ اَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ} [سورة الأنفال: 34]، فأخبر عزَّ وجلَّ أنَّ القوام بالمسجد هم أولياؤه، يعني المتولين لحفظه وصيانته.
مسألة [معنى ولاية المؤمنين لله]:
وقال: المؤمنون أولياء الله معنى ذلك أنهم يتولون القيام بطاعته وعبادته ومدحه وتعظيمه، ونصرة أوليائه. وكذلك ولاية المؤمنين بعضهم لبعض إنما هي تولي بعضهم نصرة بعض وحفظه.
مسألة [معنى براءة الله من المشركين]:
ويقال: إن الله بريء من الكافرين والمنافقين، ومعنى ذلك ضدُّ المعنى في الولاية، وهو أنه يخذلهم ولا ينصرهم ولا يدفع عنهم المكاره كما يدفعها عن المؤمنين، وأنهم يكلهم إلى أنفسهم، ويتركهم في عقوبات الدنيا والآخرة.
مسألة [معنى عداوة الله للفساق]:
ويقال: إِنَّ الله يعادي الفساق، ومعنى عداوته لهم بغضه إياهم، وكراهة أن يفعل لهم الخير والثواب الذي يفعله بالمؤمنين، وإرادته لهم الضرر والعقاب.
وضدُّ عداوته للكفار المحبة؛ لأن العداوة هي البغض؛ لأنه لا يبغض أحد أحدا إلا وهو له معاد، ولا يعاديه إلا وهو له مبغض. وهذه معاني الولايات والموادَّاة.
مسألة [ولاية وبراءة الجملة فرض، وما بعد ذلك فهو موكول إلى علم المكلفين]:
ففرض الولاية والبراءة على كل مكلف أن تجب في الجملة، وهي أنَّ الولاية لجميع أولياء الله من الأولين والآخرين إلى يوم الدين. والبراءة من جميع أعداء الله من الأولين والآخرين إلى يوم الدين.
فهذا ما به الكفاية لكل مكلف في جملة اعتقاده للدين حتَّى تقطع الكلفة في معيَّن صحَّ له فيه ما يوجب ولاية أو براءة فَإِنَّ الأصل الأعمَّ أنَّ الله تعالى ما كلَّف عباده من علم خليقة، وما تعبَّدهم له من بريته إلا ما أطلعهم عليه، ووصل علمهم إليه، لم يكلفهم علم ما غيَّبه عنهم، وحجبه دونهم. والولاية والبراءة شاهِدَتَا علمٍ لا ينبغي للمكلَّف تجاوز علمه، ولا الشكُّ في يقينه وحكمه. فافهم ذلك وتدبَّرْه. وبالله التوفيق.
فصل أصلي [أقسام الناس عقليا]:
ومن الإجماع الذي لا مناكرة فيه أنَّ الناس مع كلٍّ في خَاصَّة نفسه فريقان: أحدهما مجهول الحال، والآخر معلوم الحال؛ فمجهول الحال عند الْمُكَلَّف في وقوف الدين اللازم في كُلِّ مشار إِلَيْهِ بعينه، واكتفاء بولاية الجملة لجميع أولياء الله، والبراءة من جميع أعداء الله، فَإِنَّ كُلَّ مشار إِلَيْهِ بعينه لا محالة داخل في أحدهما بالانقسام العقلي ... [انمحاء قدر حرفين] وبِأَنَّ الناس ثلاثة: أمر بان لكم رشد فاتبعوه، وأمر بان لكم غيه فاجتنبوه، وأمر أشكل عليكم فكلوه إلى الله، وَهَذَا الثالث هو الفريق المجهول.
مسألة [من يستَحقُّ الولاية والبراءة]:
وَأَمَّا الفريق المعلوم الحال فصنفان: صنف علم منه الخير، وهو الموافقة في الدين بالقول والعمل، وَهَذَا هو الوليُّ. وصنفٌ عُلم منه الشرُّ، وهو المخالفة في الدين بقول أو عمل، فَهَذَا هو المخلوع المستحقُّ البراءة والعداوة؛ ولهذا التقسيم صار الوقوف بالدين هو معنى واحد يضادد الولاية والبراءة و (1/224)
صفحة 9
<225>هما معنيان متضادَّان من حيث إِنَّ الوقوف عن جهل، والولاية والبراءة عن علمٍ بخير أو شرٍّ.
ثُمَّ إِنَّ الولاية لا يستَحقُّها إِلاَّ من استكمل الطاعة، واجتمعت له وفيه خصال الخير كُلُّهَا، من أداء الفرائض كُلِّهَا، واجتناب المحارم كُلِّهَا، قال الله تَعَالىَ: {أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [سورة الزمر: 3].
وَأَمَّا البراءة فيستحقُّها الخارج من الدين ولو بخصلة واحدة؛ لأَنَّهُ بِذَلِكَ يستَحقُّ اسم ظالم، فاسق، في الحقيقة إذا مات عَلَى ذَلِكَ، خلافا للمرجئة القائلين بِأَنَّ أهل الكبائر من أهل القبلة يرجأ أمرهم إلى الله، أو يرجأ الله لهم. وقد قال الله تَعَالىَ خلافا لقولهم وتكذيبا لهم: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} [سورة طه: 111]، أي من مات مصرًّا. فقليل الظلم وكثيره سواء (1)، وَالله أعلم.
باب: الطرق التي تَصِحُّ منها موجبات الولاية والبراءة
وَأَمَّا الطرق التي يَصِحُّ بها الموجب هَذَا الخير، وهو الموافقة بالطاعة في القول والعمل الموجب للولاية. وَهَذَا الشرُّ وهو المخالفة للطاعة في القول والعمل الموجب للبراءة. [كذا وردت هَذِهِ العبارة].
فَإِنَّ كُلَّ واحد منهما تَصِحُّ من أربع جهات:
فالأربعة التي يَصِحُّ منها هَذَا الخير الذي يستَحقُّ به الولاية:
- أحدها: الخبرة بصاحبه أَنَّهُ موافق في القول والعمل.
- والثانية: الشهرة، وهو أن يشتهر له بِذَلِكَ.
- والثالثة: شهادة العدلين اللذين تقوم بهما الولاية والبراءة.
فَهَذِهِ الثلاثة الوجوه مجمع عَلَيْهَا، ولا أعلم فيها اختلافا.
- والرابعة مختلف فيها: وهي الرفيعة، وهي شهادة العدل الواحد بما يوجب للمعيَّن الولاية، فقيل: ذَلِكَ حجَّة عَلَى المرفوع إِلَيْهِ الولاية له، وشبهوا ذَلِكَ بالشاهد في حقوق الله، كشهر رَمَضَان، وكطهارة الثياب، وحفظ الصلاة. وَقِيلَ: ليس ذَلِكَ حجَّة له ولا عَلَيْهِ، ولا تقوم الحجَّة إِلاَّ باثنين، كالشهادات في الحقوق. وَقِيلَ: هو مخيَّر بين الوقوف والقبول. وَقِيلَ: إن سُئل لزم قبول قوله، وإن لم يُسأل وَإِنَّمَا شهد ابتداء فيه التخيير بين قبول قوله وتركه، كالمعدِّل للشهود، وليس هَذَا التفريع من مسألتنا، ولكن لَمَّا جرَّ الرسم بذكر أنواع الولاية وطرق صحَّتها ذكرنا المجتمع عَلَيْهِ وغير المجتمع عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الأربعة الجهات التي يَصِحُّ منها الشرُّ الموجب للبراءة، وهو المخالفة في الدين في قول أو عمل:
- فأحدها: الإقرار من المعيَّن المحدِث لحدثه.
- والثانية: المشاهدة له.
- والثالثة: شهادة عدلين مِمَّن تقوم بهما الحجَّة في الولاية والبراءة.
- والرابعة: الشهرة التي لا دافع لها بِذَلِكَ.
فَهَذِهِ وجوه صِحَّة علم الخير والشرِّ الموجبين للولاية والبراءة.
ولم نذكر ألفاظ صِحَّة ذَلِكَ عَلَى اختلافها وكثرة أقسامها
__________
(1) عجيب قوله: «فقليل الظلم وكثيره سواء» ولا شك أنَّ فيه درجات وأعظمها: الشرك كما في الآية: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]. (1/225)
صفحة 10
<226> وأصنافها فيطول الكِتَاب، وَإِنَّمَا اقتصرنا عَلَى ما قرب ذكره، واستقصينا ما يليق بمسألتنا حيث ينبغي ذَلِكَ، وبالله التوفيق.
باب في طريق الولاية والبراءة بالحقيقة، وبيان أقسامهما
ثُمَّ إِنَّ الولاية والبراءة ينقسم أمرهما قسمين: فقسم خارج عَلَى الحقيقة، وقسم عَلَى الحكم بالظاهر. فقسم الحكم بالظاهر قد ذكرنا وجوه صحَّته الأربعة. والقسم الخارج عَلَى الحقيقة فلا وصول إليه إِلاَّ من طريقين:
أحدهما: كِتَاب الله. والثاني: قول رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم. ولا مجال للإجماع في هَذَا الباب.
أَمَّا كِتَاب الله فقاطع بتلاوته عذرَ مَنْ سمعه. وَأَمَّا الرسول فسماعه أو الشهرة التي لا دفاع لها عنه.
وَإِنَّمَا لم يكن للإجماع حكم في هَذَا الأصل من قبل أَنَّ الإجماع حجَّة في الحلال والحرام، والفرائض والأحكام، دون علم أخبار الغيوب. والولاية والبراءة بالحقيقة علم الغيب، لا سبيل للخلق إلى الوصول إِلَيْهِ البتَّة، إِلاَّ أن يُجمعوا عَلَى صِحَّة خبر صدر من كتب الله أو رسول من رسل الله، فَذَلِكَ صادر عن وحي لا خلاف في لزوم القطع به. فإن شهد به عدول دون الشهرة المستفيضة فَذَلِكَ راجع إلى حكم الظاهر لإمكان تقوُّل العدول. فشهادة العدول توجب الحكم ولا تفيد العلم الحقيقي. وَهَذَانِ طريقَا صِحَّة قسم الحقيقي من الولاية والبراءة.
فصل [أقسام ولاية وبراءة الحقيقة، ونماذج من الأفراد المسمين]
ومع هَذَا فَإِنَّ هَذَا القسم يرجع إلى معنيين: أحدهما بالتعيين، والآخر بالصفة.
فالصفة راجعة إلى الولاية والبراءة في الجملة عَلَى ما قَدَّمنا ذكره.
وَأَمَّا التعيين فنوعان: جملة وأفراد. والأفراد معرفة ونكرة. والمعرفة مسمًّى وغير مسمًّى. فالمسمَّى كقول الله تَعَالىَ:
- {وَإذْ قُلْنَا لِلْمَلآَئِكَةِ اسْجُدُواْ لاِدَمَ فَسَجَدُواْ إِلآَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [سورة البقرة: 34].
- وقوله: {اِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [سورة القصص: 8].
- وقوله: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ} [سورة القصص: 76].
- وقوله: {وَقَتَلَ دَاوُ دُ جَالُوتَ} [سورة البقرة: 251].
- وقوله: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} [سورة المسد] إلى آخر السورة.
- وقوله: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ التِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكِتَابِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [سورة التحريم: 12].
وَهَؤُلاَءِ مذكورون مفردون بأعيانهم وأسمائهم، فلا شَكَّ فيهم عندنا، وعِلمُنا بقصَّتهم في الخير والشرِّ يقين لا ريب فيه. وَالله أعلم.
فصل [نماذج من الأفراد غير المسمين]
وغير المسمَّى قَوله تَعَالىَ:
- {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذِي ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} [سورة الأعراف: 175].
- وقوله: {أَوْ كَالذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ ... } [سورة البقرة: 259]، إلى آخر الآية (1).
- وقوله في سورة يوسف: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّيَ أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ} [سورة يوسف: 43]، الآية (2)
- وقوله: {وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُومِنَيْنِ} [سورة الكهف: 80].
- وقوله: {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَآءَهُ الاَعْمَى} [سورة عبس: 1 - 2].
فَهَؤُلاَءِ في الخطاب معيَّنون غير مسمَّين، وقد أوردناهم مثالا يُسْتَدَلُّ
__________
(1) تمامها: {أَوْ كَالذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ... }.
(2) تمامها: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّيَ أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَاكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَآ أَيُّهَا الْمَلأُ اَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ}. (1/226)
صفحة 11
<227> به عَلَى ما شاكله.
فصل [نماذج من المفرد النكرة]
وَأَمَّا المفرد النكرة:
- فقول الله تَعَالىَ: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّومِنٌ مِّنَ ـ الِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ... } [سورة غافر: 28].
- وقوله: {وَجَآءَ مِنَ اَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} [سورة يس: 20].
- وقوله: {وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنَ اَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَاتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} [سورة القصص: 20].
- وقوله: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ ... } [سورة الكهف: 32]، إلى آخر القِصَّة.
- وقوله: {وَامْرَأَةً مُّومِنَةً إِنْ وَّهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيءِ اِنَ اَرَادَ النَّبِيءُ اَنْ يَّسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُومِنِينَ} [سورة الأحزاب: 50].
- وقوله: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} [سورة الكهف: 82].
- وقوله: {وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَاخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [سورة الكهف: 79].
فَهَذَا وجه النكرات المعيَّنة في خطاب القرآن، وهو في الإثبات والإيجاب لاحق بالمعيَّن المفرد، سُمِّيَ أو لم يُسَمَّ [في الأصل: يُسَمَّى].
وَأَمَّا في النفي فراجع إلى الجنس؛ الدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ قَول الله تَعَالىَ: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُؤًا اَحَدٌ} [سورة الإخلاص: 4]، فَهَذَا لفظ نكرة منفية، ونفيها نفي الجنس. وقوله: {لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} [سورة الفجر: 25 - 26]، وقوله: {عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} [سورة النحل: 75]، فَهَذَا نفي الجنس، فَكُلُّ ما وقع عَلَيْهِ هَذَا الاسم دخل تحته، وَهَذَا ما يلزمنا وتسوغ لنا الشهادة به قطعا، من غير حكم باسم نجده في أخبار الآحاد، إِلاَّ أن يَصِحَّ في أخبار التواتر مسمًّى باسم كمن صَحَّ عنده بالتواتر في قَول الله عَزَّ وَجَلَّ في قِصَّة موسى وفتاه: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ} [سورة الكهف: 65]، أَنَّ الفتى يوشع بن النون، والعبد الخضر عليهما السلام، فمن قامت له وَعَلَيْهِ الحجَّة بتواتر الأخبار وصحيح الآثار بتسمية أحد من هَؤُلاَءِ اعتقد علم ذَلِكَ يقينا بما صَحَّ عنده، فَإِنَّ الشهرة التي لا رادَّ لها تُؤَدِّي إلى العلم اليقيني الذي لا يتحوَّل، وَإِلاَّ فالاقتصار عَلَى ظاهر الخطاب من غير التفات إلى تسمية ولا إشارة تصرف المذكور إلى المعروف أولى وأسلم؛ حَتَّى قيل: إِنَّ قول الله تَعَالىَ في قِصَّة فرعون: {وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ} [سورة غافر: 34]، أَنَّ يوسف هَذَا غير يوسف بن يعقوب، وَأَنَّ قوله في قِصَّة مريم: {يَآ أُخْتَ هَارُونَ} [سورة مريم: 28]، فذكَّروها به، وَقِيلَ: بل كان هارون رجلا فاسقا ليس بأخ لها، وَإِنَّمَا نسبوها إِلَيْهِ توبيخا لها، وتشبيها بها في القِصَّة، وَالله أعلم بعدل ذَلِكَ. فَهَذَا ما يأتي مجملا ومبهما فلا ينبغي لنا التكلُّف في تفسيره، ولا يلزمنا مِن عِلمِ حقائقه أكثر من الإيمان بجملته عَلَى ما هو به عند الله، إِلاَّ أن يقع إجماع الأُمَّة عَلَى تأويل أحد فَذَلِكَ حجَّة.
فَهَذِهِ أنواع المفردات في كِتَاب الله علقت بلغة العرب التي نزل بها القرآن، وهي مختصَّة بِهَؤُلاَءِ المذكورين تسميةً وإشارة وتعريفا وتنكيرا عَلَى الحقيقة من سعادة أو شقاوة، فافهمه، وبالله التوفيق.
باب: القول في بيان النص في فريق من الناس معيَّنين
وَأَمَّا ما جاء نصُّ القرآن به مُعَيَّنا في الجملة بلفظ الجمع، فنحو قَوله تَعَالىَ: {يَابَنِي إِسْرَآئِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ التِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [سورة البقرة: 47]، فنصَّ عَلَى بني إسرائيل من بين الناس في الجملة، فَهَذَا الخطاب لبني إسرائيل خَاصَّةً.
- وقوله فيهم: {وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَآءِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلاً} (1/227)
صفحة 12
<228> [سورة الإسراء: 2].
- وقوله فيهم: {وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الاَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} [سورة الإسراء: 4].
- وقوله: {إِنَّ الذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [سورة الأعراف: 152].
- وقوله: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً اَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ} [سورة يس: 13]، إلى قوله: {بَلَ اَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} [سورة يس: 19].
- وقوله: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنَ اَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُومِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [سورة آل عمران: 121]، وَهَذَا في وقعة أحد.
- وقوله: {هُوَ الذِي أَخْرَجَ الذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمُ أَنْ يَّخْرُجُوا} [سورة الحشر: 2]، إلى قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [سورة الحشر: 4].
- وقوله: {وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [سورة الذاريات: 46].
- وقوله: {فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمُ أَجْمَعِينَ} [سورة الزخرف: 55].
وما أشبه هَذَا من الآيات المختص به فريق من الأُمَّة دون عَامَّة الناس. فَهَذِهِ الآيات في فريق من الناس معلوم ذكرهم الله جملة، وفيهم يقع العموم والخصوص، وَهَذَا الوجه هو الذي يجب الفحص عن وجه العموم والخصوص فيه، فَإِنَّهُ من قبل السؤال الذي وقعت فيه المعارضة، وكثرت في معانيه المناقضة، وبالله التوفيق. وسيأتي ذكره بعد شرح العموم والخصوص إن شاء الله.
باب: بيان العموم والخصوص في القرآن
فمما لا خفاء فيه ولا شَكَّ فيه أنَّا وجدنا أخبار القرآن عَلَى أربعة أضرب: خصوص يراد به الخصوص، وخصوص يراد به العموم، وعموم يراد به الخصوص، وعموم يراد به العموم.
فالخصوص الذي يراد به الخصوص:
- قوله: {وَإذْ قُلْنَا لِلْمَلآَئِكَةِ اسْجُدُواْ لاِدَمَ} [سورة البقرة: 34]، فخصَّ بِذَلِكَ آدم دون غيره.
- وقوله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [سورة آل عمران: 59]، فخص عيسى بِذَلِكَ دون غيره.
- وقوله: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لآَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآئِبِينَ} [سورة النمل: 20]، فَهَذِهِ الآية في هدهد سليمان بن داود عليهما السلام، وهي خَاصَّةٌ فيه، وقد كان قناء (1)، أي عالما بالماء من الأرض، ولم يكن في الهداهد عالم بالماء غيره.
وقد وجدت أَنَّ هَذَا الضرب من المحكم الذي لا يحتمل وجهين؛ لأَنَّهُ عَلَى ظاهر لفظه، وَالله أعلم.
مسألة [الخاصُّ الذي يراد به العموم]:
وَأَمَّا الخاصُّ الذي يراد به العموم فقوله عَزَّ وَجَلَّ:
- {يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [سورة التحريم: 1]،
- وقوله: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا اِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا} [سورة الإسراء: 23].
- وقوله: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [سورة النحل: 125].
- وقوله: {لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ـ اخَرَ} [سورة الإسراء: 22].
فَهَذَا وما أشبهه خطاب للنَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو عامٌّ لجميع الْمُكَلَّفِينَ.
- وقوله: {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} [سورة النجم: 49]، أراد: رَبُّ كُلِّ شَيْء، وأكد بالشعرى حيث كان حَيًّا [كذا] من خزاعة يعبدونها.
- وقوله تَعَالىَ: {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَآءَهُ الاَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} [سورة عبس: 1 - 3]، فالخطاب في عبد الله بن شريح، من بني عامر بن لؤي، وهو ابن أم مكتوم، فالخطاب في عبد الله والمراد هو وغيره. قالوا: فَهَذَا من المتشابه بخروج معناه زيادة عَلَى لفظه، وَالله أعلم.
مسألة [العامُّ الذي يراد به العموم]:
وَأَمَّا العموم الذي يراد به العموم فقوله تَعَالىَ: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [سورة الأحزاب: 40]، وقوله: {وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} [سورة النمل: 91]؛ فَهَذَا عامٌّ لِكُلِّ شَيْء. وَأَمَّا قوله: {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُومِنِينَ} [سورة آل عمران: 68]، فَهَذَا عامٌّ للمؤمنين، وقوله: {قُلَ اَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} [سورة الناس: 1]، وقوله: {اِلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اِلْعَالَمِينَ} [سورة الفاتحة: 1]، فَهَذَا عامٌّ للناس والعالمين، ولا وجه للتخصيص في مثل هَذَا البتة، وَهَذَا ما لا يحصى في القرآن إِلاَّ ما شاء الله، وهو ما عُرف عمومه بضرورة العقل
__________
(1) في اللسان: «والهدهد قَناء الأَرض، أي عالم بمواضع الماء». ابن منظور: لسان العرب، 15/ 204. (1/228)
صفحة 13
<229> وهو من المحكم الذي لا تنازُع فيه. وَالله أعلم.
باب: معاني العموم الذي يراد به الخصوص
وَأَمَّا العموم الذي يراد به الخصوص:
- فقوله جَلَّ ذكره في قِصَّة ريح عاد: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} [سورة الأحقاف: 25].
- وقوله في قِصَّة بلقيس: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} [سورة النمل: 23]، فريح عاد لم تدمر السماء ولا الملائكة ولا الكرسيَّ ولا العرش، وبلقيس لم تؤت ملك سليمان وما تحته.
- وَكَذَلِكَ قوله حكاية عن إبراهيم النبيِّ - عليه السلام -: {قُلِ اِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَآيْ وَمَمَاتِيَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَآ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [سورة الأنعام: 162 - 163]، وقال سُبحَانَهُ حكاية عن نبيه موسى - عليه السلام -: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَآ أَوَّلُ الْمُومِنِينَ} [سورة الأعراف: 143]، ولم يُرِدْ كُلَّ المسلمين والمؤمنين؛ لأَنَّ الأنبياء قبلهم كانوا مسلمين مؤمنين، وَإِنَّمَا أراد مؤمني زمانه ومسلمي زمانه؛ كقوله سُبْحَانَهُ: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [سورة آل عمران: 33].
- وقال في قِصَّة بني إسرائيل: {أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمُ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [سورة الأعراف: 140].
- وقال في موضع من المائدة: {اِذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمُ إِذْ جَعَلَ فِيكُمُ أَنبِئَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً وَءَاتَاكُم مَّا لَمْ يُوتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ} [سورة المائدة: 20]، لم يُرد كُلَّ العالمين، لأَنَّ بني إسرائيل ليسوا جميعا أفضل من الأنبياء ولا من الملائكة، وَإِنَّمَا أراد: عالمي زمانهم.
- وقال عَزَّ وَجَلَّ: {وَالشُّعَرَآءُ يَتْبَعُهُمُ الْغَاوُونَ} [سورة الشعراء: 224]، ولم يُرد كُلَّ الشعراء لقول النبيِّ - عليه السلام -: «وَإِنَّ من الشعر لحكمة». وكم قد مضى في سالف الدهر مِمَّن قال الشعر من الأبرار والفجار.
- وقال سُبْحَانَهُ: {الذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمُ إِيمَانًا} [سورة آل عمران: 173]، لم يرد بالقائل جميع الناس، وَإِنَّمَا أراد عَلَى ما جاء في التفسير نعيم بن مسعود. وَكَذَلِكَ قوله: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} لم يرد جميع الناس، وَإِنَّمَا أراد في هَذَا الموضع أبا سفيان بن حرب، وَذَلِكَ لَمَّا جَبُنَ عن الموافاة إلى موعد بدر الصغرى.
- وقال تَعَالىَ: {وَالْمَلآَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الاَرْضِ} [سورة الشورى: 5]، لم يرد جميع من في الأَرض، وَإِنَّمَا أراد الذين ذكرهم الله في الآية الأخرى، وهو قوله: {الذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُومِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا} [سورة غافر: 7]، ونظيرها قول الله تَعَالىَ في سورة الحديد: {هُوَ الذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [سورة الحديد: 9]، وقال في سورة الطلاق: {لِّيُخْرِجَ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [سورة الطلاق: 11]، فبيَّن الخصوص في هَذِهِ الآيات.
فصل منه [في تخصيص لفظ «الناس»]
ومن ذَلِكَ في تخصيص الناس:
- قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ءَامِنُوا كَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ} [سورة البقرة: 13]، أراد أحبار أهل الكِتَاب من اليهود.
- وقال: {اَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [سورة النساء: 54]، قالوا: أراد بالناس هاهنا النَّبِي صلَّى الله عليه وسلَّم خَاصَّةً.
- وقال: {لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ} [سورة البقرة: 143]، أراد النبيين خَاصَّةً (1).
- وقال: {اُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلآَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [سورة البقرة: 161]، أراد بالناس هاهنا المؤمنين خَاصَّةً.
- وقال في قِصَّة عيسى - عليه السلام -: {ءَآنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ} [سورة المائدة: 116]، أراد بني إسرائيل خَاصَّةً.
- وقال في سورة يوسف: {لَّعَلِّيَ أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ} [سورة يوسف: 46]، وقال: {فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ} [سورة يوسف: 49]، وهو يعني أهل مصر خَاصَّةً.
- وقال: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدةً} [سورة البقرة: 213]، وقال: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلآَّ أُمَّةً وَاحِدَةً} [سورة يونس: 19]، فالناس هاهنا أهل سفينة نوح خَاصَّةً
__________
(1) يبدو أَنَّ هَذَا تحكُّما في الآية بغير دَلِيل، وَإِلاَّ فَإِنَّهُ يمكن أن يُفهم من الآية معنى أعم؛ وَلِذَلِكَ نجد تعليقا للشيخ الثميني (الناسخ) في الحاشية: «فيه أَنَّ الناس هنا الأمم لا الأنبياء». (1/229)
صفحة 14
<230> لَمَّا أغرق الله أهل الأَرض، فلم يبق منهم إِلاَّ أهل سفينة نوح (1)، وهم جميعا معه في دين الله.
فصل منه [في تخصيص لفظ «الأرض»]
- وقال تَعَالىَ في تخصيص الأرض: {اَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الاَرْضِ} [سورة المائدة: 33]، يعني أرض الإِسلاَم.
- وقال: {وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الاَرْضِ} [سورة الإسراء: 76]، أراد مَكَّة خَاصَّةً.
- وقال: {أَلَمْ تَكُنَ اَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} [سورة النساء: 97]، يعني: المدينة خَاصَّةً.
- وقال: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الاَرْضَ} [سورة الزمر: 74]، يعني أرض الجَنَّة خَاصَّةً.
- وقال في قِصَّة نبيِّه سليمان - عليه السلام -: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الاَرْضِ التِي بَارَكْنَا فِيهَا} [سورة الأنبياء: 81]، أراد الأردن وفلسطين، فَهَذَا ونحوه مِمَّا جاء في القرآن بذكر العموم وهو يراد به الخصوص.
- ومنه قَوله عَزَّ وَجَلَّ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [سورة التوبة: 5]، فالأمر بالقتل للمشركين عامٌّ يراد به الخصوص. فإن قيل: الأمر للمشركين عموم وَإِنَّمَا الخصوص ما خرج من هَذَا العموم وهم أهل الكِتَاب لِقَولِهِ: {قَاتِلُوا الذِينَ لاَ يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَّدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [سورة التوبة: 29]، قيل له: فخروج بعض العموم إلى الخصوص أوجب تخصيص العموم للآية اقتضى بعض ما اشتمل عَلَيْهِ اللفظ، إذ لا معنى للخصوص إِلاَّ خروج بعض ما دخل تحت اللفظ، فافهم ذَلِكَ.
فصل
مهما شَكَّ المعارض في تخصيصه (2) عن عموم هَذِهِ الآيات التي دللنا بها فلا يمكنه إنكار خصوص بعض عموم القرآن أصلا، فقد ثبت بهذا الأصل أَنَّ القرآن عَلَى ضربين: عموم يراد به العموم، وعموم يراد به الخصوص، فالواجب الآن طلب الدَّلِيل المفرِّق بين هذين المعنيين لنستشهد به في حكم مسائلنا.
فصل [اختلاف العلماء في دلالة العامِّ قطعا أو ظنًّا]
فأقول: إِنَّ الدَّلِيل بنفسه عَلَى العموم، وإن استعمل فَإِنَّهُ ليس بدين؛ لأَنَّ هَذِهِ مسألة خلافية تحزَّب الناس فيها عَلَى ثلاثة فرق:
- ففريق ذهبوا إلى أَنَّهُ عَلَى العموم حَتَّى يَصِحَّ التخصيص، حكما للفظ.
- وفريق ذهبوا إلى الخصوص لأحد ما يقع عَلَيْهِ اللفظ دون ما عداه حكما باليقين حَتَّى يقوم دَلِيله، فَعَلَى مذهب أهل التخصيص حَتَّى يَصِحَّ العموم. ومذهب أهل الوقوف بطلان أحد ركني المسألة التي وقعت المعارضة فيها، فَإِنَّهُ إذا صَحَّ أَنَّ اليقين في المهاجرين والأنصار أقل ما يقع عَلَيْهِ جمعٌ، وما عداه محتمل غير مقطوع به، فبطل الحكم لجميع المهاجرين والأنصار لعدم الإجماع عَلَى العموم ووجوب الخصوص. وَكَذَلِكَ عَلَى مذهب أهل الوقوف في العموم يبطل ذَلِكَ الركن أَيضًا، وإذا بطل ذَلِكَ الركن من هَذِهِ الجهة عَلَى هذين القولين ساغت البراءة من المحدث إذا خرج من دار الدنيا مصرًّا عَلَى حدث مكفِّر في حكم الظاهر، كان صحابيًّا أو غير صحابيٍّ، مهاجرا أو أنصاريًّا أو غير ذَلِكَ. فَهَذَا أحد الوجوه التي ساغت به البراءة، ولم يبق إِلاَّ قول من يقول بالعموم حَتَّى يَصِحَّ التخصيص، فنقول:
إِنَّ هَذَا الحكم في لفظ العموم لا نعلمه ثبت بِالكِتَابِ ولا بِالسُّنَّةِ ولا بالإجماع و
__________
(1) في الأصل: «فلم يبق منهم سفينة نوح أهل»، والتصحيح من تعليق الشيخ الثميني في الحاشية.
(2) قال الثميني في الحاشية: «أي تخصيص المخصص، ولو قال: تخصيص [كذا، ورسم الكلمة غير واضح] لكان أظهر». (1/230)
صفحة 15
<231>لَعَلَّهُ ثبت بالرأي، والرأي لا يجوز اتِّخَاذه دينا، ولا تجوز تخطئة من خالفه معارضة.
فإن قال: هَذَا ينكس عليك في مواضع كثيرة، إذ جعلتموه قاعدة في المناظرات، وإذا كان رأيا لزمكم ألاَّ تجعلوه حجَّة. قلنا: هَذَا يكون قاعدة وأصلا ثابتا حيث يجب التعبد وتقع الكلفة، وَأَمَّا ما لا كلفة علينا فيه إِلاَّ التصديق فحسب فلا يلزم ذَلِكَ، فَإِنَّا قد وجدنا ما يدخله العموم والخصوص من كِتَاب الله عَلَى ضربين:
- ضرب تجب علينا فيه كلفة وتعبد، وهو الأمر والنهي، والخبر الخارج مخرج الأمر والنهي، كقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [سورة التوبة: 5]، فَهَذَا أمر يجب علينا استعمال عمومه حَتَّى يجيء التخصيص لنكون عَلَى يقين من القيام بالأمر، وكقوله: {لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} [سورة المائدة: 95]، فعلينا ترك جميع الصيد لنكون عَلَى يقين من ترك المحرَّم. وكقوله: {وَالْوَالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [سورة البقرة: 233]، فعلينا امتثال ذَلِكَ في الذكر والأنثى؛ لأَنَّ هَذَا خبر خرج مخرج الأمر والنهي (1)، وَهَذَا هو الموضع الذي يجب فيه الحكم بالعموم حَتَّى يَصِحَّ التخصيص.
- والضرب الثاني: لا كلفة علينا فيه إِلاَّ التصديق به فحسب، فَهَذَا ليس علينا فيه تفسير مجمل، ولا إجمال مفسَّر، ولا إطلاق مقيَّد، ولا تقييد مطلق، وَإِنَّمَا علينا الإتيان به والتصديق به مجملا ومفسَّرا. وَهَذَا كقوله عَزَّ وَجَلَّ: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} إلى قوله: {مَّاكُولٍ} [سورة الفيل]، فَهَذَا ومثله ليس علينا إِلاَّ التصديق به في الجملة دون التفسير، ليس علينا أن نعرف الفيل ما هو، والأبابيل، والعصف المأكول. ولا أعلم أَنَّهُ يأتي عَلَى العبد حال يلزمه البحث عن مثل هَذَا إلى الممات. وقد خرج كثير من معاني القرآن عن لفظه. أَمَا قيل: إِنَّ التين والزيتون مسجدان بالشام، وَقِيلَ: جبلان ينبتان التين والزيتون، فانظر كيف جاء التفسير خلاف ما نعقله باللفظ، فَهَذَا ما لا يسع لنا تكلُّف تفسيره، إِلاَّ أن يأتي شَيْء بتفسير اجتمع عَلَيْهِ الفقهاء، فالإجماع حجَّة، وإذا وقع الاختلاف منهم في شَيْء لم يكن ذَلِكَ تخطئة منهم لبعضهم بَعْضًا، وَإِنَّمَا تقع التخطئة فيما لا يسوغ فيه الرأي والاجتهاد.
وَهَذَا الضرب من الولاية والبراءة إِنَّمَا هو إخبار عن الغيوب التي لا يعلمها إِلاَّ الله سُبْحَانَهُ، أو من أعلمه الله إِيَّاهُ، فكيف تسعنا الشهادة قطعا لعموم هَذِهِ الآيات الواردة بذكر المهاجرين والأنصار مع احتمال الخصوص فيها، بل مع ظهور تخصيصها بآيات أُخر سنذكرها بعد هَذَا إن شاء الله.
فصل في معارضة [لا تجب الولاية والبراءة إلا بعد العلم بحال الشخص]
فإن قال: أليس هاهنا تعبُّد بولاية الحقيقة وبراءة في هَذِهِ الآيات وما أشبهها من كفر وإيمان، فكيف لا ينبغي لنا تعرفه والفحص عن معانيها؟
قلنا: الولاية والبراءة إِنَّمَا تجب إحداهما بعد حصول علم آخر غير واجب تعلُّمه، وهو علم حال الشخص بخير أو شرٍّ، وَهَذَا لا يجب تعلُّمه، وَإِنَّمَا عَلَى الْمُكَلَّف إذا علم هَذَا الحال أن يعلم ما
__________
(1) يبدو أَنَّ الاستشهاد بِهَذِهِ الآية غير مناسب؛ لأَنَّ تمام الآية: {لِمَنَ اَرَادَ أَنْ يُّتِمَّ الرَّضَاعَةَ}. والأنسب بالمقام نحوُ قَوله تَعَالىَ: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ} [سورة البقرة: 228]. (1/231)
صفحة 16
<232> يجب له، فَإِمَّا أن يعلم هَذَا الشخص صالحا أو طالحا، أو مؤمنا أو كافرا، أو شقيًّا أو سعيدا، أو مشهودا له بالجنَّة أو النار فلا يجب هَذَا ولا يلزم، بل إذا علم أَنَّ هَذَا الشخص صالح أو طالح فَعَلَيْهِ ولايته أو البراءة منه عَلَى ما يجب من ذَلِكَ.
فَهَؤُلاَءِ المهاجرون والأنصار ليس علينا علم خاصِّهم من عامِّهم، وَإِنَّمَا علينا التصديق بِذَلِكَ في الجملة، حَتَّى يقوم لنا دَلِيل يقضي فيه بعموم أو خصوص فهنالك يجب تصديق الدَّلِيل الصحيح، وَإِلاَّ فالاقتصار عَلَى الإيمان به في الجملة أولى وأوجب وألزم وأصوب؛ لأَنَّهُ محتمل للمعنيين. وبالله التوفيق.
فاعرف الفرق بين علم الصفة، وعلم حكم الصفة، فعلم الصفة غير واجب، وعلم حكم الصفة إِنَّمَا يجب بعد حصول علم الصفة، ولولا أَنَّ هَذَا هكذا ما كان لوقوف الدين معنى، بل إِنَّمَا صار في وقوف الدين عن كُلِّ مجهول الحال سلامة، لسعة الجهل بأحوال الناس حَتَّى يُعلم منهم ما تجب ولايتهم ومعاداتهم عَلَيْهِ، وَالله أعلم.
باب: بيان البراءة من المحدثين من الصحابة بحكم الظاهر أو الحقيقة
وإذ قد أوردنا من ذكر الولاية والبراءة ومعانيهما، وطرق صِحَّة ما يوجبهما في حكم الظاهر والحقيقة، ومن أحكام العموم والخصوص ما يستشهد بتأصيله وصحَّته عَلَى معرفة وجه الحقِّ في هَذِهِ المعارضة، فلنأخذ في تأمُّل المحدثين من الصحابة وما صَحَّ فيهم ولهم، فيوجب لهم حكمه، فندع التطويل.
ونقول: المحدثون من الصحابة قد صَحَّ منهم إحداث يوجب البراءة عند من صحَّت معه، فلا يسعه الشكُّ في البراءة منهم، ولا يمنع هَذَا الحكم صِحَّة ولاية الحقيقة لهم (1)، فلو صَحَّت لهم لوجب القطع بولايتهم، وَلَحُكِمَ لهم وفيهم أَنَّهُم لم يخرجوا من الدنيا إِلاَّ تائبين منها، ولو لم نعلم لهم توبة في حكم الظاهر، ونحن فلم تَصِحَّ عندنا فيهم ولاية الحقيقة ندفع بها علم ما أوجبه حكم الظاهر، إذ لا سبيل إلى ولايتهم بالحقيقة إِلاَّ من ناطق الكِتَاب المبين، أو قول الرسول الأمين صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آله أجمعين.
فصل [مناقشة نصوص ولايتهم من الكتاب]
أَمَّا الكِتَاب فأخصُّ ما جاء فيهم ما تَقَدَّمَ ذكره في الآيات الْمُتَقَدِّمَة في صدر الكِتَاب، وَذَلِكَ يرجع جميعه إلى المهاجرين والأنصار في الجملة، فعلينا الإيمان به في الجملة، والدينونة بتصديقه عَلَى ما جاء، لا نعدو ذَلِكَ إلى تعيين أحد من الأُمَّة.
وَأَمَّا السُّنَّة فلا تواتُر عنها في أحد منهم عَلَى الانفراد لكونه من المهاجرين أو الأنصار إِلاَّ أخبار آحاد، لا التفات إِلَيْهَا ولا معمول [لعله: معوَّل] عَلَيْهَا إِلاَّ من هَذِهِ الجهة.
فإن قال قائل: ... [كلمة غير مفهومة، رسمها: اللن] أَنَّهُ قد صَحَّ عنده بالتواتر شهادة [رسمها غير واضح: سهادة] أحد من المحدثين عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما ساغ (2) له ذَلِكَ عنده؛ لأَنَّ الشهرة المؤدية للخبر المتواتر إن لم تكن مُتَقَدِّمة الاستفاضة بين الأُمَّة ولا رادَّ لها بطلت، ولا يحتمل حدوثها.
فصل [الأمور المانعة من القطع بولاية الحقيقة للمحدثين منهم]
فإن قال قائل: إذا وجبت الولاية بالحقيقة للمهاجرين والأنصار فما المانع من القطع بولاية هَؤُلاَءِ المحدثين عَلَى الحقيقة إذ قد صَحَّ أَنَّهُم من المهاجرين والأنصار حَتَّى لا يَضُرَّهُم إحداثهم؟.
قلنا: يُمنع ذَلِكَ من وجوه:
- أحدها:
__________
(1) علَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «قوله: ولا يمنع، لَعَلَّهُ: ويمنع، بحذف "لا" فليراجع نسخة صحيحة». وفي تصوري أَنَّ هَذَا التعليق في غير محله، إذ يفنِّده ما سيأتي في سياق العبارة.
(2) علَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «قوله: "ما ساغ ... " الخ أقول: إِنَّهُ هو الجواب، وَعَلَيْهِ فلا إشكال. اهـ». (1/232)
صفحة 17
<233> أَنَّ ظاهر الخطاب إِنَّمَا قضى للمهاجرين والأنصار في الجملة، كما قضى لأصناف من الناس معيَّنين من الأبرار والفجار، ثُمَّ صَحَّ في بعضهم دون بعض عَلَى ما سنذكره إن شاء الله تَعَالىَ.
- والثاني: أَنَّ كون هَؤُلاَءِ المحدثين من المهاجرين والأنصار عَلَى الحقيقة فيه نظر لاَ بُدَّ أن نذكره عَلَى الانفراد إن شاء الله.
- والثالث: أَنَّ المهاجرين والأنصار أُمَّة من الناس كثرت أو قلَّت فهي تحتمل الخصوص، فإذا صَحَّ الخصوص أو احتمل بطل (1) القطع لأحد منهم عَلَى الانفراد بعينه.
- والرابع: عدم ظهور ذَلِكَ بينهم وإشاعته فيهم لاسيما بمحضر النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم المبعوث ببيان كُلِّ ما لا يسع جهله فلم يَصِحَّ ذَلِكَ، فَدَلَّ أَنَّهُ لو كان لَظَهَرَ لِعظَم منازلهم في الإِسلاَم في حكم الظاهر.
- والخامس: أَنَّ هَذَا مؤدٍّ إلى تخطئة الأُمَّة بأسرها، لأَنَّهُم بين منزلتين لا ثالث لهما، فمنهم من خطَّأ أهل النهر وتبرَّأ منهم لخروجهم من طاعة عليٍّ وصوَّب عليًّا. ومنهم من خطَّأ عليًّا وبرئ منه وَمِمَّن اتَّبَعَه وصوَّب أهل النهر، وأهل النهر فيهم من المهاجرين والأنصار من لا يُجهل موقعه، ولا يخفى موضعه، ولا أعلم أحدا من الأُمَّة صوَّبهم جميعا، إِلاَّ أن يكون أحد مِمَّن قد صَحَّ خطؤه في بعض الأصول المشهورة التي ضلُّوا بها، فَذَلِكَ حدث يعدُّ من الأحداث، فأين كان المحقُّ من بين الأُمَّة إذ ذاك؟ هَذَا ما لا يكون ـ وَالله أعلم ـ لأَنَّ المتبرئ من عليٍّ والمتبرئ من أهل النهر وفيهم [من] المهاجرين والأنصار قد برئوا جميعا من المهاجرين والأنصار عَلَى هَذِهِ الصفة، فافهم ذَلِكَ، وبالله التوفيق.
باب في بيان الخطاب لفريق من الناس في الجملة إلى من يرجع إلى أشخاصهم أو إلى دينهم؟
فالخطاب إذا ورد لفريق من الناس في الجملة عَلَى الأحكام الموجبة للولاية والبراءة كان راجعا إلى حكم الصفة التي وقع المدح أو الذمُّ لهم عَلَيْهَا أو لم يجر الحكم به لِكُلِّ واحد منهم عَلَى الانفراد ولا عَلَيْهِ، إِلاَّ أن يَخْتَصَّ في ذاته بحكم ظاهر أو حقيقة.
الدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الله مدح قوما في الجملة وأثنى عَلَيْهِم، وذمَّ قوما في الجملة وفسَّقهم، وفيهم من لا يستَحقُّ ذَلِكَ عنه فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى إرادة التخصيص في بعض دون بعض، وَذَلِكَ جائز ليس بمنكر أن يقول القائل: لقيت الحاجَّ (2)، وهو إِنَّمَا لقي بعضهم، فممَّن أثنى الله عَلَيْهِم في الجملة مدحه بتسميته إِيَّاهُم المؤمنين حزب نبيئه محَمَّد - عليه السلام - في وقعة أحد قَوله عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنَ اَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُومِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ اِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمُ أَن تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُومِنُونَ} [سورة آل عمران: 121 - 122]، وقال: إِنَّ الله وليُّ الطائفتين اللتين همَّتا أن تفشلا، وهما حيُّ المدينة: الأوس والخزرج، همَّتا ألاَّ تخرجا مع النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم، فعزم الله لهما الرشد ففعلتا الذي هو خير. والتسمية بالمؤمنين إِنَّمَا توجه الخطاب بها إلى الذين كانوا مع رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يبوئهم مقاعد للقتال، ولم تعلم أَنَّهُ صلَّى الله عليه وسلَّم يبوئ قوما مخصوصين من جنده وجيشه، بل الموجود في التفسير أَنَّهُ صفَّ المهاجرين وأوعز إِلَيْهِم إذا شدَّدتُ فشدِّدوا،
__________
(1) في الأصل: «بط ... و [انمحاء] القطع».
(2) كذا، ورسم الكلمة غير واضح، لَعَلَّ الصواب: الحجاج. (1/233)
صفحة 18
<234> وكانوا في وسط الوادي، والمشركون قِبلَ أُحد، فعبَّأ رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم لِكُلِّ كتيبة كتيبةً، ثُمَّ قال: إذا هزم الله المشركين فلا تتبعوهم، واثبتوا مكانكم قبالة أُحد، ولا يشدَّنَّ عَنِّي منكم أحد. ثُمَّ أتى الأنصار، فقعد تحت رايتهم، وأوعز إِلَيْهِم نحو ما قال للمهاجرين. ثُمَّ هزَّ صلَّى الله عليه وسلَّم رايته وشدَّ عليهم، وشدَّ معه المهاجرون والأنصار، فانهزم أعداء الله، وصفَّ النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم قِبَل أُحد في يسير من أصحابه، وجعل خمسين رجلا رماة، وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير الأنصاري، من بني عمر بن عوف، فجعلهم قبل خيل المشركين، وأمرهم ألاَّ يبرحوا يرموا، وقال: إِنَّ الخيل لا تردنا ما ثَبَتُّمّ، فإن رأيتم الخيل قد تحركت فارموها برشق من النبل، فَلَمَّا هزم الله المشركين، ودخل المؤمنون عسكرهم رأتهم الرماة وهم يأخذون الأسلاب، قالوا: أدركوا الغنيمة لِئَلاَّ يسبقكمها الناس، فقالت طائفة: بل نثبت مكاننا، فرجعت طائفة وثبتت طائفة، فحملت الخيل عَلَى من ثبت وقتلوهم، فدخلوا العسكر، وقتلوا من وجدوا من أصحاب رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم وهزموهم؛ وَذَلِكَ قَوله: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الاَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّنْ يُّرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّنْ يُّرِيدُ الاَخِرَةَ} [سورة آل عمران: 152]، فهم الذين قالوا: نثبت مكاننا عَلَى ما عهد إلينا نبيُّنا.
قيل: قال عبد الله [بن] مسعود رَحِمَهُ اللهُ: ما كنت أدري أَنَّ في أصحاب النبي - عليه السلام - أحدا يريد الدنيا حتَّى كان يومئذ. فقد صحَّ أنه كان بعض هؤلاء المؤمنين يريد الدنيا، وهو يقول سُبْحَانَهُ: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الاَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُوتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الاَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} (1) [سورة الشورى: 20]، وقال: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمُ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الاَخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة هود: 15 - 16].
وَصَحَّ أَنَّهُ كان فيهم طائفة غير مَرْضيَّة، وهم الذين قال الله [فيهم]: {وَطَآئِفَةٌ قَدَ اَهَمَّتْهُمُ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} [سورة آل عمران: 154]، يقال فيهم: أهل الشكِّ والريبة، أي كظنِّهم في الجَاهِلِيَّة، {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الاَمْرِ مِن شَيْءٍ}، يقول الله تَعَالىَ: {يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ}، فكان ما أخفوا في أنفسهم أن قالوا: {لَو كَانَ لَنَا مِنَ الاَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا}: لو كُنَّا في بيوتنا ما أصابنا القتل.
واستحقاق هَؤُلاَءِ جميعا في الجملة التسمية لم يوجب لِكُلِّ من صَحَّ به منهم الإيمان عَلَى الحقيقة، ولو كان ذَلِكَ موجبا لِمَا ذكره المعارض ما ذمَّ سُبْحَانَهُ منهم أحدا، إذ هو الذي مدحهم، فكيف يمدحهم جميعا ثُمَّ يذمُّ بعضهم؟ بل مدْحُه لهم في الجملة إِنَّمَا أراد المستحقِّين له، لأَنَّهُم كانوا فريقين: فريق ثبتوا عَلَى ذَلِكَ السبيل حَتَّى مضوا، وفريق فارقوا ذَلِكَ السبيل وتركوه.
فإن قيل: ما تنكر أن يكونوا تابوا من ذَلِكَ؛ لأَنَّ الآية الْمُتَقَدِّمَة توجب ولايتهم عَلَى الحقيقة؟ قيل له: لا يستقيم ذَلِكَ أن يذمَّ قوما وهو في الحقيقة راض عنهم (2)، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ من قِبل أَنَّ الثناء عَلَى الواحد بعينه لا بحال قام به هو إخبار عن محلِّه في الآخرة (3)، وَهَذَا الخبر إذا وقع بالرضا في مُعَيَّن لم يجز أن يحدث السخط عَلَيْهِ، وإذا وقع السخط في مُعَيَّن لم ينبغِ أن يحدث الرضا عليه، فافهم ذَلِكَ وبالله التوفيق.
ثُمَّ إِنَّ الله تَعَالىَ ذمَّ محاربتهم،
__________
(1) فيِ الأَصْلِ: «{وَمَنْ يُّرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُوتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُّرِدْ ثَوَابَ الاَخِرَةِ} [سورة آل عمران: 145] إلى قوله: {مِن نَّصِيبٍ} [سورة الشورى: 20]»، ونلاحظ أَنَّ الْمُؤَلِّف خلط بين آيتين مختلفتين، كما هو واضح من تخريجهما.
(2) هَذَا غير مسلم به، ألا ترى أَنَّ الله تَعَالىَ عاتب النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في عِدَّة مواضع من القرآن، وهو مرضيٌّ عنه، بل هو خير البَرِيَّة؟!.
(3) وضعنا هذه الكلمة من اجتهادنا، ففي الأصل: «اللـ ... زه [انمحاء]». (1/234)
صفحة 19
<235> ووصفهم بالكفر في تلك الوقعة فقال: {لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ} [سورة آل عمران: 127]، فأخبر عن كفرهم، وفيهم من أسلم بعد ذَلِكَ، مثل خالد بن الوليد ومن أشبهه، فلم يتوجَّه تكفير الله إِيَّاهُم في الجملة إلى كُلِّ واحد منهم عَلَى الانفراد، ولا وجب ذَلِكَ فيهم عَلَى الحقيقة، فانظر في ذَلِكَ وبالله التوفيق.
فصل آخر ثانٍ [وَصْفُ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين لأجل التفريق بين حزبه وحزب محاربيه]
ثُمَّ لو صَحَّ ذَلِكَ وثبت لوجب لأهل بدر ولأهل حنين أَنَّ الذين خوطبوا بِذَلِكَ في أُحُد هُمُ المخاطبون في حنين وبدر بقوله تَعَالىَ يخاطب النبي وأصحابه الذين جاهدوا معه في حنين وأحد وبدر وغير ذَلِكَ: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمُ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سورة آل عمران: 123]، وقوله عَزَّ وَجَلَّ: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} [سورة التوبة: 25]، إلى قوله: {ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَّشَآءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [سورة التوبة: 27]، فلم نعلم السكينة نزلت يوم حنين عَلَى بعض دون بعض، بل نزلت عَلَى أصحاب النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم الذين شهدوها عنده بعد هزيمتهم، فلم تكن السكينة بنزولها عَلَيْهِم موجبة لهم ولاية الحقيقة عَلَى الانفراد، بل كان ذَلِكَ مِمَّا خصَّ الله به حزب نبيه - عليه السلام -، فرقا بين تسميته محاربيه وناصريه، فسماهم بالجملة مؤمنين وإن كان فيهم غير مؤمنين عَلَى الحقيقة لظاهر نصرتهم الإيمان، ووصف محاربيهم بالكفر لقتالهم أهل نصرته عَلَى الجملة، وإن كان فيهم من سيؤمن، لقوله: {ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَّشَآءُ}، فَهَذَا وجه الخطاب في الفريقين في الجملة.
فصل آخر ثالث [وصَفَ الله تعالى الأوس والخزرج بالإيمان رغم وجود منافقين منهم]
ومن ذَلِكَ تسمية الأوس والخزرج بالمؤمنين في غير آية عَلَى الجملة، بقوله تَعَالىَ: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكمُ إِذْ كُنتُمُ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا} [سورة آل عمران: 103]، وَذَلِكَ أَنَّ الأوس والخزرج كانت بينهم الحرب قبل مبعث النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم، بأربعين سنة، يجتمعون كُلَّ عام فيقتتلون، فكانوا زمانا في حرب رجل يقال له: سمير، ثُمَّ كانوا عند مبعث النبي - عليه السلام - في حرب خاطب بن عبد الله مولى لهم، كادوا يتفانون عَلَيْهِ فيما بينهم، فبعث النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم عَلَى تلك الحالة فألَّف بين قلوبهم فصاروا إخوانا لبعضهم بَعْضًا، وتركوا تلك العداوة، وأنزل سُبْحَانَهُ: {هُوَ الذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُومِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوَ اَنفَقْتَ مَا فِي الاَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمُ} [سورة الأنفال: 62 - 63].
فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون ظاهر هذه الآية عامًّا في المؤمنين دون الأوس والخزرج عَلَى الخصوص؟ قيل له: ليس بمنكَر ذَلِكَ أن تكون نزلت فيهم خَاصَّةً ثُمَّ هي عَامَّة، ولكن قد مضى الذين علمنا منهم المهاجرين والأنصار أَنَّ المؤمنين (1) في هَذِهِ الآية الأوس والخزرج للاختلاف والنزاع الواقع بينهم قبل الإِسلاَم، وتأليف الله بينهم لنصرة نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد وصفهم بالمؤمنين، ولم تكن لهم تلك الصفة لهم عَلَى الجملة لِكُلِّ واحد منهم بذاته عَلَى الانفراد (2) أَنَّهُ مؤمن (3) عَلَى الحقيقة.
وأين كان المنافقون الذين وصفهم الله في كِتَابه إِلاَّ من هَؤُلاَءِ الذين جرى عليهم في الجملة هَذَا الذكر ذَلِكَ لإرادة السبيل الذي قاموا به، والمقصد الذي اجتمعوا عَلَيْهِ، إذ كانوا هم جمهور من أظهر الله الإِسلاَم به، وغلبت جند الله ونظراؤهم المهاجرون، فَهَؤُلاَءِ قبيلان كانا حزب الله، وكان
__________
(1) علَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «قوله: "أنَّ المؤمنين" مفعول لـ"علمنا" وقوله: "منهم ... "الخ بيان للمؤمنين وَبَعض منهم».
(2) علَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «قوله: "على الانفراد" مُتَعَلِّق بـ"تكن"، وقوله "على الجملة" مُتَعَلِّق بـ"الصفة"».
(3) وعلَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «قوله: "أنه مؤمن" بدل بدل من الصفة». (1/235)
صفحة 20
<236> قد استبطنهم (1) من جماعتهم مِمَّن ليس بمرضي حَتَّى أظهر الله نفاقهم، وأطلع الله عَلَيْهِ نبيه، فَهَذَا من ذَلِكَ الضرب فافهمه.
فصل رابع [مدح الله الخارجين مع النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك، وفيهم منافقون]
ومن قوله عَزَّ وَجَلَّ: {مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الاَعْرَابِ أَنْ يَّتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ} [سورة التوبة: 120]، إلى قوله: {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة التوبة: 121]، فأهل المدينة معروفون بأعيانهم، ومن حولهم من الأعراب قيل: هم جهينة ومزينة وأسد وغفار وأشجع. وَإِنَّمَا نزلت هَذِهِ الآية في غزوة تبوك، وهي خَاصَّة فيمن ذكره الله تَعَالىَ، وقد قال سُبْحَانَهُ: لا يضيع عملهم، فَعَلَى ما ذكر المعارض قد استحقَّ كُلُّ خارج عند النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم في تلك الغزوة من أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ولاية الحقيقة عَلَى الانفراد.
وكيف يكون ذَلِكَ وفيهم من قد أخبر الله بكفره ونفاقه حيث يقول: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [سورة التوبة: 47]، يعني المنافقين أو المشركين. وقوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلَ اَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} [سورة التوبة: 65]، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم بينما هو يسير في رجوعه من غزوة تبوك، إذ أربعة نفر يسيرون بين يديه وهم يضحكون، فنزل جبريل عَلَى نبي الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبره أَنَّهُم يستهزئون بِاللهِ ورسوله وبكتابه، فبعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عَمَّار بن ياسر فقال: أدركهم قبل أن يحترقوا فاسألهم مِمَّن كانوا يضحكون؟ فسيقولون: مِمَّا يخوض فيه الركب إذا سار، فلحقهم فقالوا كَذَلِكَ، فقال عَمَّار: صدق الله فبلَّغ الرسول، احترقتم لعنكم الله!.
وفيهم الذين قال الله تَعَالىَ فيهم: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ} [سورة التوبة: 74]، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم خطب الناس وهو بتبوك حين أنزل الله من عيوب المنافقين ما أنزل، فذكرهم بما ذكرهم، وسماهم رجسا، وعابهم، فغضب لهم رجل يقال له الجلاس بن سويد بن صامت (2)، أخو بني عمرو بن عوف، فقال: والله إن كان محَمَّد صادقا فيما يقول عَلَى إخواننا وساداتنا لنحن إذًا شرٌّ من الحمير!. وهي كلمة الكفر، فقال عامر بن قيس: أجل، وَاللهِ إِنَّهُ لصادق مصدَّق، ولأَنت وأصحابك أشرُّ من الحمير!. فَلَمَّا قدِم رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة بلغه عامر بن قيس ما قاله الجلاس، فأرسل رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى عامر وَإِلىَ الجلاس، فحلف الجلاس عند المنبر أَنَّهُ ما قال شَيْئًا من ذَلِكَ، وَأَنَّ عامرًا لكاذب، فحلف عامر بِاللهِ لقد قاله. ثُمَّ رفع يديه ثُمَّ قال: اللَّهُمَّ أنزل عَلَى نبيك من الصادق مِنَّا. فقال النبيُّ وأصحابه: آمين، فنزلت هَذِهِ الآية. فانظر كيف يأتي الخطاب من الله لقوم جمعهم للقيام بدينه ونصرة نبيه - عليه السلام -، وفيهم من لا يستَحقُّ ذَلِكَ بالحقيقة، وَإِنَّمَا أراد به تفضيل ما قصدوه ونصروه في الظاهر وأرادوه والحثَّ عَلَيْهِ، وذمَّ من يتخلَّف عنه، وقد يتخلف عنه من علم الله أَنَّهُ سيؤمن بعد ذَلِكَ، فافهمه، وبالله التوفيق.
فصل خامس [ذمَّ الله بني النضير رغم أنَّ منهم صفيَّة بنت حيي رضي الله عنها]
نظير ذَلِكَ في الذين ذمَّهم الله ووصفهم بالكفر، فقال سُبْحَانَهُ: {هُوَ الذِي أَخْرَجَ الذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ} [سورة الحشر: 2]، وهم بنو النظير لَمَّا أجلاهم نبي الله - عليه السلام -،
__________
(1) علَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «قوله: "استبطنهم" أي جعل في باطنهم نفاقا». ويبدو أَنَّ المعنى: اتخذهم بطانةً له، أي استظهر واستعان بهم.
(2) علَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «الجلاس قيل في بعض التفاسير: إِنَّهُ تاب وحسنت حاله، وَالله أعلم». (1/236)
صفحة 21
<237> فحشروا إلى الشام، فأخبر سُبْحَانَهُ عن كفرهم، ولم يستثن منهم أحدا، وقد علم أهل التفسير أَنَّ منهم صفية بنت حيي بن أخطب زوجة رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد قال الله تَعَالىَ: {وَلَوْلآَ أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلآَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا} [سورة الحشر: 3]، إلى قوله: {وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} [سورة الحشر: 5]، وقد كانت صفية عَلَيْهَا السلام مِمَّن وقع عَلَيْهِ الجلاء، فانظر كيف جاء الخطاب بالكفر لهذا الفريق المعين المخصوص بالجلاء، وقد خرج من الكفر بعضهم، فلو كان مثلُ هَذَا الخطاب يقضي لكُلِّ واحد بذاته عَلَى الانفراد بما قضى عَلَى الجميع لوجبت براءة الحقيقة من جميع من أجلاه نبي الله وأخرجه من داره من أهل الكِتَاب، وكيف يقول الصادق قولا يَدُلُّ عَلَى ظاهر لفظه عَلَى استغراق الجنس واستيعاب الجمع وهو يعلم أَنَّهُ خلاف ما يعلمون من خطابه، حاش لله من ذَلِكَ، بل لَمَّا كان الخطاب في الجملة يحتمل الخصوص والعموم خاطبهم بما تعقل العرب من لغتها؛ لأَنَّ القرآن نزل بلغتهم، وفي لغتهم خطاب البعض بخطاب الكلِّ، وخطاب الكلِّ بخطاب البعض، ولن يجهل ذَلِكَ أهل الأدب والبصيرة الأنزاه.
يقول عَزَّ وَجَلَّ: {لأَنتُمُ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ} [سورة الحشر: 13]، يعني بني قريظة، أتراهم كان كُلُّ مسلم في صدورهم أَشَدَّ رهبة عَلَى الانفراد، أم إِنَّمَا ذَلِكَ بجملتهم، وَهَذَا قريب من ذَلِكَ البعض، وَالله أعلم
فصل سادس [نصَّ الله على إغراق جميع قوم نوح مع أنَّ فيهم من لم يغرق]
ومثل ذَلِكَ حيث يقول جَلَّت أسماؤه: {وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [سورة الذاريات: 46]، وقوله: {فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمُ أَجْمَعِينَ} (1) [سورة الزخرف: 55]، فسماهم فاسقين، وأخبر أَنَّهُ أغرقهم أجمعين، ومعلوم أَنَّهُم آمن منهم طائفة، وهم الذين ركبوا معه السفينة، وقد قال الله تَعَالىَ: {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ اَنَّهُ لَنْ يُّومِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدَ ـ امَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [سورة هود: 36]، فصحَّ أَنَّ قوم نوح آمن منهم طائفة.
وقال سُبْحَانَهُ: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنَ ـ امَنَ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} [سورة هود: 40]، وَإِنَّمَا أراد بقوله إِنَّهُ أغرقهم أجمعين يعني الذين لم يؤمنوا، وهم أكثر قومه لا جميعهم.
فإن قال قائل: هَؤُلاَءِ قوم غير مخصوصين، وأمَّة لا يحصون ليسوا سواءهم والمخصوصون بخطاب من بين الأُمَّة.
قلنا: خصوص الطائفة المعيَّنين من الطوائف من الأُمَّة الواحدة، وخصوص الأُمَّة الواحدة من الأمم سواء، لا فرق في ذَلِكَ بالكثرة وَالقِلَّة. وَإِنَّمَا أردنا أن نُبَيِّنَ أَنَّ الخطاب إذا وقع عَلَى معنى الجملة كان فيه معيَّنين أو مبهمين لا يقضي عَلَى الانفراد بما يقضي عَلَى الجملة؛ لأَنَّ نفس الخطاب لا يَدُلُّ عَلَى العموم ولا عَلَى الخصوص بظاهر لفظه، بل بإشارات معلومة، وَأَدِلَّة مفهومة، وإن لم تقترن بالخطاب عَلَى الاتصال، فهي لاحقة به عَلَى الانفصال، قربت أَو بعدت، فافهم ذَلِكَ وأتقنه. وسيأتي زيادة بيانه إن شاء الله.
فصل سابع [قوم موسى قد يقصد به الصالحين أو الطالحين، ولا يشمل كلَّ واحد منهم على الانفراد]
وشكل ذَلِكَ قَوله تَعَالىَ: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ} [سورة الأعراف: 148]، فأخبر عن قومه جملة، وَإِنَّمَا اتَّخَذَه بعضهم، بدليل قَوله تَعَالىَ: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا ... } الآية [سورة الأعراف: 155]، فَهَؤُلاَءِ لم يكونوا مِمَّن اتَّخَذَ العجل، وهم من قومه، فقضى عَلَى الجميع
__________
(1) علَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «قوله: {فَأَغْرَقْنَاهُمُ أَجْمَعِينَ} استدلال الْمُصَنِّف بِهَذِهِ الآية سهو، إذ كلمة أجمعين هاهنا وقعت في محلها. وَأَيْضًا ليس هَذَا الكلام في قوم نوح فتأمل تفسير شيخنا حفظه الله». ونتساءل: هل لشيخ الثميني - وهو أبو زكرياء الأفضلي - كِتَاب في التفسير؟ أم أَنَّ التعليق ليس للثميني؟ فليبحث. (1/237)
صفحة 22
<238> وأراد البعض. وأخص من ذَلِكَ قوله سُبْحَانَهُ: {إِنَّ الذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [سورة الأعراف: 152]، فعمَّ بهذا الخطاب الذين اتَّخَذُوا العجل، وقضى عَلَيْهِم بالغضب والذلة، والمراد بِذَلِكَ من لم يتب منهم، وَهَذَا خاصٌّ في فريق واحد من أُمَّة واحدة مُعَيَّنين، فلم يكن خصوصه لقوم مُعَيَّنين إيجاب العموم فيهم، بل قد صَحَّ الخصوص في هَؤُلاَءِ المخصوصين (1)؛ الدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ قوله عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمُ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمُ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [سورة البقرة: 54]، فانظر كيف جعل لهم التوبة بعد أن تواعدهم [كذا] بالغضب، فعلمنا أَنَّهُ إِنَّمَا أراد بالغضب من لم يتب.
فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون الغضب الذي ذكره الله تَعَالىَ قتلهم أنفسهم، والذلَّة هي الجزية، وَهَذَان جميعا في الدنيا، وهو سُبْحَانَهُ قد قال: {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}؟
قلنا: أَمَّا الغضب من الله ففعل يوجب ناره وعذابه، ويستحيل أن يكون الغضب توبة؛ لأَنَّ التوبة رحمة، فكيف يكون الغضب رحمة؟. ولو سلَّمنا أَنَّهُ قَتْلُهُم أنفسَهم ما انكسر علينا؛ لأَنَّ القتل نال بعضهم، وكان توبة للمقتول والحي، فصحَّ أَنَّ الغضب نال من (2) اتَّخَذَ العجل، والخطاب أوجبه لهم جميعا. والذلة وإن كانت الجزية فالجزية إِنَّمَا نالت من لم يؤمن، وَإِنَّمَا نالت أَيضًا غير الذين اتَّخَذُوا العجل بأعيانهم، فَدَلَّ عَلَى تخصيص هَذَا الفريق المعيَّنين بلفظ مطلق في الجميع، وخطاب ظاهر العموم، ومع ذَلِكَ فقد صَحَّ أَنَّهُ يراد به الخصوص، وَصَحَّ بهذا أَنَّ خطاب الجملة كان في مُعَيَّنين أو مبهمين غير قاض عَلَى الانفراد لأحد بذاته فيما قضى به عَلَى الجميع.
فصل ثامن [وصف الله أصحاب القرية بالإسراف، وفيهم رجل مؤمن]
ومن ذَلِكَ قَوله تَعَالىَ: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً اَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ} [سورة يس: 13]، إلى قوله: {بَلَ اَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} [سورة يس: 19]، وقد قال في آية أخرى: {وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمُ أَصْحَابُ النَّارِ} [سورة غافر: 43]، فخاطبهم عَلَى الجملة، وقد خرج منهم من لم يستَحقَّ صفتهم بقوله سُبْحَانَهُ: {وَجَآءَ مِنَ اَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} [سورة يس: 20]، إلى قوله: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ}، يقال: وجبت له الجَنَّة فقال: {يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} [سورة يس: 26 - 27]، وَالله تَعَالىَ صادق. فلو كان لفظ العموم في الجملة إذا ورد كان دالاًّ بنفسه محكوما بعمومه في كُلِّ موضع عَلَى الحقيقة ما كان سُبْحَانَهُ يخاطبهم بما يَتَحَقَّقون عنه في العموم وهو يريد الخصوص، حاش لله من ذَلِكَ.
[الفرق بين العموم في الأخبار والعموم في الأمر والنهي]
إِنَّمَا وجب إجراء الخطاب عَلَى العموم حيث يقع الأمر والنهي، فيجب استيعاب المذكور ليقع اليقين بالخروج من الأمر، فَإِنَّ ما دون العموم محتمل لتعلُّق الأمر به فوجب الاستيعاب لهذا. وَأَمَّا مخبرات الله تَعَالىَ فبخلاف هَذَا، فَإِنَّ الله تَعَالىَ ما كلَّفنا علم غوامضها، ومن غوامضها علم الخصوص والعموم فيها، فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللفظ بنفسه دون الإشارات والأمارات الدَّالَّة عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ قوله
__________
(1) علَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «قوله: "بل قد صَحَّ ... " أي دليل وقوع التوبة، قوله: {فَتَابَ ... } الخ».
(2) علَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «لَعَلَّهُ: بعض من». (1/238)
صفحة 23
<239> سُبْحَانَهُ: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: 282]، {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سورة البقرة: 284]، {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} [سورة النمل: 23]، {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [سورة الأحقاف: 25]، كُلُّهُ لفظ واحد لا يَدُلُّ بظاهر لفظه عَلَى تمييز العموم من الخصوص إِلاَّ بأدلَّة أخرى أفرِّق [كذا] بها بين ذَلِكَ، منها عقليٌّ ومنها شرعيٌّ.
فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون ظاهر الخطاب قاضيا بالعموم إِلاَّ ما خرج منه شَيْء، فَذَلِكَ قد تَبَيَّنَ خصوصه، وَإِلاَّ فمتروك عَلَى عمومه.
قلنا: ما كان دالاًّ بظاهره عَلَى العموم الحقيقي لا يجوز التماس تخصيصه، وَإِنَّمَا يجب تخصيص المحتمل للمعنيين، فكيف يكون اللفظ بذاته دالاًّ عَلَى العموم وهو يحتمل الخصوص، فَكَأَنَّهُ يقول: إِنَّهُ عامٌّ بالحقيقة عند من لم يعلم بخصوصه، خاصٌّ بالحقيقة عند من علم بخصوصه، فليس شعري كيف يستقيم اجتماع المتضادِّ فيه، فيكون عند قوم عامٌّ (1) بالحقيقة يشهدون بخطأ من خصَّه، وعند قوم خَاصٌّ سالِمِينَ بتخصيصه فمن ما يكون اعتقاده فيه في حينه قبل معرفة ما خصه يعتد عمومه عَلَى الحقيقة أم يقف؟ فإن قضى بعمومه ثُمَّ رجع إلى خصوصه فقد أبطل الحقيقة، والحقائق لا تَتَغَيَّرُ ولا تتبدَّل، وَلاَ بُدَّ في طلب التخصيص من هَذَا المعنى. وإن وقف فما فائدة الدَّلِيل بظاهر الخطاب إذا لم يكن دَالاًّ إِلاَّ بعد عدم التخصيص؟.
فصل [أنواع التخصيص، وتطبيقها على موضوع الصحابة]
ثُمَّ إِنَّ التخصيص يأتي عَلَى ضروب:
- منه ما يقترن بالخطاب، فَكَأَنَّهُ استُثني، كقوله سُبْحَانَهُ في قِصَّة لوط: {فَاسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمُ أَحَدٌ اِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمُ} [سورة هود: 81]، فَهَذَا استثناء امرأة من أهله.
- ومنه ما يأتي مقرونا به بدليل الخطاب منقطع كقوله تَعَالىَ في قِصَّة قوم عاد: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لاَ تَرَى إِلاَّ مَسَاكِنَهُمْ} [سورة الأحقاف: 25]، فعلمنا أَنَّ المساكن لم تدمرها الريح، فَهَذَا من دَلِيل الخطاب. وقد خرج من ذَلِكَ السَّمَاوَات وَالأَرْض والعرش والكرسيُّ، وَذَلِكَ غير مذكور في اللفظ.
- وقد يأتي المخصِّص منقطعا متراخيا في غير موضع الذكر، كقوله عَزَّ وَجَلَّ في الأعراف: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [سورة الأعراف: 156]، وقد خرج من هَذَا إبليس وأشياعه في آية أخرى (2)، يقول في سورة ص: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمُ أَجْمَعِينَ} [سورة ص: 85].
وإن كان المخصِّص يأتي في القرآن وَالسُّنَّة عَلَى هَذِهِ الضروب بِهَذِهِ الصفة فمن يبلغ حقيقة الخطاب من لفظه قبل الفحص والنظر؟ وما الواجب عَلَى الناظر المتأمِّل في حين نظره؟ فَهَذَا ما لا يخفى عَلَى ذوي البيان، وبالله التوفيق. وهو أحد الوجوه المانعة من الحكم بولاية الحقيقة لِكُلِّ واحد من المهاجرين والأنصار عَلَى الانفراد بذاته.
وعند بطلان وجوب ولاية الحقيقة
__________
(1) كذا في الأصل، وَأَيْضًا في قوله: «وعند قوم خاصٌّ»، عَلَى اعتبار "كان" فعلا تَامًّا، يؤوَّل بمطلق الوجود. وخبر «يكون» هو: «يشهدون»، وعطف عَلَيْهِ «سالمين».
(2) بل المخصِّص متَّصل، وهو موجود في نفس الآية، فتمامها: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَالذِينَ هُم بِئَايَاتِنَا يُومِنُونَ}. (1/239)
صفحة 24
<240> فيهم عَلَى الانفراد ساغت البراءة مِمَّن صَحَّ عَلَيْهِ في الحكم الظاهر ما يخرجه، ويوجب البراءة منه.
عَلَى أَنَّ من كان من هَؤُلاَءِ وَلِيًّا لله في الباطن فقد دخل في ولايتنا لجميع أولياء الله، ولم تكن البراءة منه بحكم الظاهر [إِلاَّ] لأَنَّهَا وقعت بأمر الله، بقوله: {لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... } الآية [سورة المجادلة: 22]، والمخالف لدين الله في مسألة واحدة محادٌّ لله ورسوله - عليه السلام -، لا شَكَّ في ذَلِكَ (1)، فيبقى علينا الدَّلِيل عَلَى صحَّة خلاف من برئ منه منهم [كذا] لدين الله عَلَى من لم يوافق عَلَى مخالفتهم في شَيْء من دين الله. وَأَمَّا من وافَقَنَا عَلَى خلاف أحد من الصحابة لدين الله، وَإِنَّمَا ادَّعَى الحكم بالتوبة في السريرة للزوم ولايته بالحقيقة، بدخوله في المهاجرين والأنصار فقد أوردنا من الأَدِلَّة عَلَى بطلان ذَلِكَ ما يكفي المسترشد، ويشفي المجتهد المقتصد، ولله الحمد والمنَّة.
باب: فيمن هاجر ونصر هل يحكم له عَلَى الانفراد بِذَلِكَ عَلَى الحقيقة؟
وَأَمَّا النظر في المحدثين وغيرهم من الصحابة هل يحكم لِكُلِّ واحد منهم أَنَّهُ من المهاجرين والأنصار عَلَى الحقيقة أم لا؟ فَذَلِكَ لأَنَّ المهاجرين والأنصار لهم حالان فلا مخرج عن أحدهما، وهما: الحقيقة وحكم الظاهر، فإن كان الخطاب توجَّه إلى المهاجرين والأنصار الذين هم عند الله عَلَى الحقيقة كَذَلِكَ، فَذَلِكَ علم غيب لا يطلع عَلَيْهِ أحد إِلاَّ الله تَعَالىَ أو من أطلعه الله عَلَيْهِ إذ ذاك مُختَصٌّ بالإخلاص والثبوت إلى الممات، هَذَا إن كان لفضيلة (2) الهجرة والنصرة، فَإِنَّ الله لا يصف أحدا بفعل إِلاَّ وقد نبَّه عن ذمِّه عَلَيْهِ إن كان قبيحا، أو مدحه به إن كان حسنا، ولا يَصِحُّ أن يذكره بفعل قد وصفه به وهو يريد شخصه خَاصَّةً فَإِنَّ ذَلِكَ يكفي فيه اسمه دون فعله؛ فصفته بالفعل دَلِيل عَلَى مدحه به أو ذمِّه عَلَيْهِ، ولا يمدح بفعل أو يذمُّ به عَلَى الحقيقة إِلاَّ وهو قد أثنى به عَلَى الوجه الذي يستَحقُّ المدح به أو الذم عَلَيْهِ، وإذا كان إِنَّمَا مدح الله المهاجرين والأنصار لأجل هجرتهم عند نبيه محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم ونصرتهم له فمحال أن يستَحقَّ أحد منهم ذَلِكَ عَلَى غير الإخلاص فيه والاستقامة عَلَى الدين والثبوت عَلَيْهِ، وإذا صَحَّ أَنَّ الرجوع إلى هَذَا أو المعوَّل عَلَيْهِ امتنع ذَلِكَ في حقنا فَإِنَّا لا نعلم المخلص في ذَلِكَ عَلَى الحقيقة لأَنَّهُ غيب لا نصل إِلَيْهِ، ولا نعلم أَنَّ رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم أظهر إخلاص أحد بل أطلعه عَلَى نفاق بعض فتَرْكُهُ لباقيهم لا دَلِيل فيه عَلَى إخلاصهم، والإخلاص معنى باطن لا سبيل للخلق إلى علمه إِلاَّ ما أعلمه الله إِيَّاهُ، فمن ذا الذي يشهد بالإخلاص في السريرة لأحد عَلَى الانفراد من المهاجرين والأنصار،
__________
(1) بل يجوز عقلا أن يخالف الحقَّ والصواب وهو غير محادٍّ لله ورسوله؛ لأنه سعى واجتهد في طلب الحقِّ فلم يوصله اجتهاده. يبقى علينا تحديد الضابط بين مسائل الدين ومسائل الاجتهاد.
(2) قال الثميني في الهامش: «قوله: "إن كان لفضيلة" قال شيخنا: لعله: لا لفضيلة. فسقطت منه كلمة "لا". فليراجع نسخة صحيحة. فتأمَّل». (1/240)
صفحة 25
<241> لأجل قول الله عَزَّ وَجَلَّ: {وَالذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُومِنُونَ حَقًّا} [سورة الأنفال: 74]؟ أم من ذا الذي يشهد لأحد من أهل أُحد مِمَّن كان رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يبوِّئهم مقاعد للقتال، إذ جعل لِكُلِّ كتيبة كتيبة وخمسين راميا، أمَّر عَلَيْهِم عبد الله بن جبير الأنصاري، لِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنَ اَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُومِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [سورة آل عمران: 121]؟ أم من يشهد لأحد بعينه من أهل بدر وحنين مِمَّن نزلت عَلَيْهِم السكينة بعد الخوف بالسعادة والإخلاص عَلَى الحقيقة، لقول الله تَعَالىَ: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ اِذَ اَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الاَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُومِنِينَ ... } الآية [سورة التوبة: 25 - 26]، فيا ليت شعري جهلوه في بعضهم بَعْضًا أم كتموه أو كان شاهرا فقال (1) إلينا خلافه؟ هيهات، بل الحقُّ أوضح من ذَلِكَ، فلا يخفى عَلَى جماهير أهل العدل، وبالله التوفيق.
مسألة [نماذج من حكم الصحابة على بعضهم بالظاهر: القوم الذين اجتووا المدينة، والخائضون في حديث الإفك]:
وإن كان الخطاب توجَّه إلى المعروفين بالمهاجرين والأنصار في حكم الظاهر، سواء بدلوا أو لم يبدلوا، أصرُّوا عَلَى مخالفة حقٍّ أو لم يصرُّوا، فَهَذَا هو المعنى الراجع إلى الأشخاص، وذكر المهاجرين والأنصار إِنَّمَا هو عَلَى هَذَا المعنى كاسم زيد وعمرو، والفرق بين طوائف الأُمَّة، وما أظنُّ هَذَا ينساغ في وهم متديِّن وإن ضعفت قريحته، عَلَى أَنَّ الخطاب الذي أجمل المهاجرين قد شمل عَلَى قول المعارض قوما أخبر الله بنفاقهم حيث يقول عَزَّ وَجَلَّ: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنَ اَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُّضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} [سورة النساء: 88]، وهم قوم من أهل مَكَّة هاجروا إلى المدينة، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بها، فَلَمَّا قدموا المدينة اجتووها (2) وندموا عَلَى الهجرة، فأرادوا الرجوع إلى مَكَّة، فقالوا: كيف نفعل؟ فقال بعضهم: نخرج كهيئة البداة، ففعلوا، فقال لهم المسلمون: ما تريدون؟ فقالوا: اجتوينا المدينة فخرجنا نتنزَّه، فصدَّقوهم، فجعلوا ينتقلون منقلة منقلة حَتَّى تباعدوا عن المدينة، فأدلجوا فأصبحوا قد قطعوا أرضا بعيدة، ثُمَّ كتبوا فأرسلوا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بِأَنَّنَا عَلَى الدين الذي فارقناك عَلَيْهِ، وَلَكِنَّنَا اشتقنا إلى بلدنا واجتوينا المدينة. ثُمَّ أرادوا الخروج في تجارتهم إلى الشام، فاستبضعهم أهل مَكَّة وقالوا لهم: إِنَّكُم عَلَى دين محَمَّد إن لقوكم فلا بأس عليكم منهم. فخرجوا من مَكَّة متوجِّهين إلى الشام، فبلغ ذَلِكَ المسلمين، فقالوا وهم عند نبي الله: ما يمنعنا أن نخرج إلى هَؤُلاَءِ الذين رغبوا بأنفسهم عَنَّا وظاهروا علينا عدوَّنا، ورغبوا عن هجرتنا فنقتلهم ونأخذ ما معهم. وقالت طائفة أخرى من المسلمين: سُبْحَانَ اللَّهِ! أتقتلون قوما عَلَى دينكم إن اجتووا دياركم وقراركم فتستحلُّون دماءهم وأموالهم، ورسول الله ساكت لا ينهى واحدا من الفريقين عَمَّا يقول، فأنزل الله تَعَالىَ: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ}، فسمَّاهم منافقين، ثُمَّ قال: {وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا} أي: بكفرهم أضلَّهم،
__________
(1) كذا في الأصل، وَلَعَلَّ الصواب: «فنقل».
(2) في اللسان: تقول: «اجْتَوَيْتُ البَلَدَ إِذا كرهتَ الْمُقامَ فيه وإِن كنت في نِعْمة. وفي حديث العُرَنِيِّينَ: فاجْتَوَوُا المدينةَ أَي أَصابهم الجَوَى، وهو المرض وداءُ الجَوْف إِذا تَطَاوَلَ، وذلك إِذا لم يوافقهم هواؤها واسْتَوْخَمُوها». ابن منظور: لسان العرب، 14/ 158. (1/241)
صفحة 26
<242> {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنَ اَضَلَّ اللَّهُ} [سورة النساء: 88]، قيل: أتريدون أن تجعلوا لأهل الضلال ما جعل الله لأهل الهدى، ثُمَّ قال: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَآءً} أنتم وهم، {فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمُ أَوْلِيَآءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [سورة النساء: 89]. وَقِيلَ: إِنَّ طائفة من المسلمين طلبوهم وأخذوا ما كان من شَيْء معهم، وسبقوا بأنفسهم.
ومن المذكورين في هَذِهِ الجملة، أعني المهاجرين والأنصار. كان بعض المنافقين، فممن عرف باسمه: عبد الله بن أبي [بن] سلول، رأس المنافقين، كان خزرجيًّا من الأنصار وطعيمة بن أبيرق سارق الدرع، ومنهم الذين جاءوا بالافك في قذف عائشة، فأنزل الله فيهم {اِنَّ الذِينَ جَآءُواْ بِالاِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لاَ تَحْسِبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الاِثْمِ وَالذِي تَوَلىَّ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [سورة النور: 11]، وهو عبد الله بن أبي [بن] سلول الخزرجي الأنصاري. والذين جاءوا بالإفك معه مسطح بن أثاثة، وهو مهاجر، وحمنة بنت جحش، وحسان بن ثابت الأنصاري، فأنزل الله سُبْحَانَهُ: {وَلاَ يَاتَلِ أُوْلُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُّوتُواْ أُوْليِ الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَّغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [سورة النور: 22]، يعني مسطحا، لَمَّا أقسم أبو بكر وعمر وناس من أصحاب رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم لا ينفعون مسطحا بخير أبدًا. قال مسطح لأبي بكر: أنشدك بِاللهِ أن تحوجني إلى أحد، فَلَمَّا نزلت الآية إلى قوله: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَّغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}؟ قال أبو بكر: بلى يَا رَبِّ! بلى يَا رَبِّ! أحبُّ أن تغفر لي وقد غفرت له وأخذت بالفضل، وَإِنَّمَا كان غضبي فيك، فأرسل إلى مسطح فقال له: إِنَّ الله قد حثَّني وعطَّفني عليك وَعَلَى غيرك، فَعَلَى الرأس والعين، أنت اليوم عندي أفضل مِمَّا كنت، لا أحرمك خيرا كنت أصنعه بك. وقال عمر بن الخطاب أَيضًا: لا نمنعك خيرا سألتنا أبدًا يا مسطح. فانظر إلى منزلة كان مسطح عندهم، وهم يعلمون هجرته ونصرته؛ لأَنَّهُ كان مع النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم في تلك الغزوة التي بليت فيها عائشة بما بليت. ففيه دَلِيل عَلَى أَنَّهُم لم يكونوا يحكمون لهم بالسعادة. أَمَا قالت أمُّ مسطح لعائشة حين عثرت في مرطها: تعس مسطح، فقالت لها عائشة: ألا تتقين الله؟ أتتعسين رجلا من أهل بدر من المهاجرين؟ قالت: إِنَّكِ لغافلة! فأخبرتها الخبر، وكان مسطح مِمَّن أشاع ذَلِكَ، فانظر كيف كانوا يعتقدون لبعضهم بَعْضًا الفضل إِنَّمَا هو حكم ظاهر بالهجرة والنصرة لا حكم الحقيقة فافهم ذَلِكَ.
فإن قال قائل: هَؤُلاَءِ قوم قد أخبر الله تَعَالىَ أَنَّهُ قد رضي عنهم فليس لنا البراءة من أحد منهم.
قيل له: أَمَّا الذين أخبر الله تَعَالىَ أَنَّهُ قد رضي عنهم فلا تجوز البراءة منهم. وَأَمَّا هَؤُلاَءِ فلم نعلم أَنَّ الله ذكرهم برضا ولا بسخط عَلَى الحقيقة، وَإِنَّ ما صَحَّ لهم معنيان (1): الهجرة والنصرة في الحكم الظاهر.
فإن قال: أليس الله قد رضي عن المهاجرين والأنصار، وَهَؤُلاَءِ باليقين من المهاجرين والأنصار؟
قيل له: بم تعرف المهاجريَّ والأنصاريَّ ثُمَّ تحكم له بحكم الحقيقة فلا يتبدل؟ فإن قال: بالهجرة من مَكَّة إلى المدينة والجهاد مع رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، قيل: أوكلُّ من هاجر ونصر وليُّ الله عَلَى الحقيقة يُشهد له بِذَلِكَ قطعا؟ فإن قال: نعم، قيل له: ولو ارتدَّ عن الإِسلاَم؟!. فما يمكنه. قيل له: فما حال المنافقين الذين أظهر
__________
(1) كلمة «معنيان» من اجتهادنا وهي في الأصل غير واضحة. (1/242)
صفحة 27
<243> الله نفاقهم في غزوة تبوك بعد خروجهم مع النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم، ثُمَّ مع قَوله تَعَالىَ فيهم: {مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الاَعْرَابِ أَنْ يَّتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً اِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [سورة التوبة: 120]، وقد خصَّ الله تَعَالىَ أهل المدينة وعمَّ من حولهم من الأعراب بِأَنَّهُ لا يضيع عملهم، فلو حملنا الخطاب عَلَى ظاهره وقطعنا بعمومه أوجب أن نحكم لِكُلِّ خارج منهم مع رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم بِأَنَّهُ مقبول منه عَلَى الحقيقة، وَلَكِنَّ الخطاب أجملهم، وَصَحَّ أَنَّهُ مخصوص في المخلصين ... [كلمة غير مفهومة، رسمها: يخص] بخروج المنافقين منهم. وَإِنَّمَا أظهر الله نفاق المنافقين عَلَى ما وجدت في غزوة تبوك. ويقال: إِنَّهَا قد فضحت المنافقين فافهم ذَلِكَ، فَهَذَان الوجهان هما ركنا المسألة، وَعَلَيْهَا مدار هَذِهِ المعارضة، وقد أوردنا من بيان الحقِّ فيها وما يبطلهما ما فيه كفاية لمن منَّ الله عَلَيْهِ بالهداية، فمن شهد لِكُلِّ مهاجريٍّ أو أنصاريٍّ بولاية الحقيقة قطعا عَلَى ما صَحَّ له عنده له في حكم الظاهر لزمه الشهادة بولاية الحقيقة لِكُلِّ من بوَّأه رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم مقعدا للقتال في أُحد، وَلِكُلِّ من خرج معه في غزوة تبوك، وَلِكُلِّ من كان من الأوس والخزرج وإن وقف عَلَى أحد من هَؤُلاَءِ لزمه الوقوف في المهاجرين والأنصار بعينه، وَإِلاَّ فلا فرق بينهما، إذ هم جميعا مخصوصون من بين الأُمَّة بذكر امتازوا به عن غيرهم. وَإِذَا ثبت هَذَا وجبت الشهادة بغضب الله تَعَالىَ عَلَى كُلِّ من صَحَّ أَنَّهُ من قوم موسى بحكم الله تَعَالىَ عَلَيْهِم من اتِّخَاذ العجل.
فإن قال قائل: إِلاَّ من تاب.
قلنا: فإذًا يرتفع الغضب عن جميعهم؛ لأَنَّ التوبة كانت عَلَيْهِم جميعا، فمن الذي استحقَّ الغضب ووقع عَلَيْهِم الخطب، فلا يجد بدًّا من أَنَّهُ خطاب عموم يراد به الخصوص، وَكَذَلِكَ غيره، وَإِنَّ الغضب واقع عَلَى من لم يتب لا محالة فهناك يَصِحُّ الحكم ويستقيم، وَالله جواد كريم.
باب: احتمال التخصيص في الخطاب بالمهاجرين والأنصار
وَأَمَّا الوجه الثالث، وهو أَنَّ المهاجرين والأنصار أُمَّة من الناس قلَّت أو كثرت فهي تحتمل الخصوص، فإن صَحَّ الخصوص فيها أو احتمل بطل القطع لأحد منهم بعينه عَلَى الانفراد، فَهَذَا وجه قد تَقَدَّمَ من كلامنا في مثله ما يشفي الغليل (1)، ويُكتفى منه بالقليل، وَلاَ بُدَّ من أن نرسم فيه خَاصَّة ما أغفلنا ذكره فيما مضى، وَالله الموفق المعين.
مسألة [الاستدلال بطريقة السبر والتقسيم على احتمال التخصيص عند إطلاق المهاجرين والأنصار]:
فأقول: إِنَّ الخطاب بالجملة في المهاجرين والأنصار: {وَالذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا} [سورة الأنفال: 74]، لا يخلو أن يكون محتملا للخصوص أو غير محتمل، فإن كان غير محتمل فكيف ينبغي طلب الدَّلِيل عَلَى تخصيصه وهو لا يحتمل التخصيص، وعندي أَنَّ المعارض لا يقول هَذَا. فإن قال ذَلِكَ قيل له: ما الفرق بين هَذَا الخطاب في هَؤُلاَءِ وبين غيره من القوم الذين ذكرهم الله في الجملة وفيهم من لا يستَحقُّ ذَلِكَ الذكر وَكُلُّهم مُعَيَّنون مخصوصون؟ فلا يجد فرقا.
ويقال له: من أين علمت أَنَّهُ لا يحتمل التخصيص، من الكِتَاب أم من السُّنَّة أم من
__________
(1) في الهامش: «خ: العليل، بالعين المهملة». (1/243)
صفحة 28
<244> الإجماع؟ فلا يجد إلى أحد ذَلِكَ سبيلا.
وإن قال: إِنَّهُ يحتمل التخصيص، قيل له: فولاية الحقيقة إذًا بعدُ لم تَصِحَّ، فإن قال: نعم، قيل له: فما لم تَصِحَّ ولاية الحقيقة فحكم الظاهر قاض بالإجماع بخطإ أحد من المقتتلين، وأيُّ الطائفتين أحقُّ بالخطإ، من ثبت عَلَى الأصل المجتمع عَلَيْهِ أم من رجع عنه إلى الرأي؟ فلا يجد عن هَذَا محيصا.
فإن قال: هو محتمل عَلَى الخصوص وَلَكِن ما لم يَصِحَّ الخصوص فنحن عَلَى العموم.
قيل له: لا انفكاك لك أَيُّهَا المعارض من إحدى درجتين: إِمَّا أن تكون قاطعا في هَذَا الخطاب بعموم أو خصوص عَلَى الحقيقة أو غير قاطع، فإن كنت قاطعا فيه بخصوص فهو الذي أردنا هو الحقُّ الصريح الذي لا شَكَّ فيه عندنا، وسنذكر الأَدِلَّة فيه إن شاء الله. فإن كنت قاطعا بعموم فمن أين لك ذَلِكَ؟ أفي الكِتَاب أَنَّ هَذَا الخطاب عموم أم في السُّنَّة جاز ذَلِكَ أم في الإجماع؟.
أَمَّا الكِتَاب وَالسُّنَّة فلا يمكنه ادِّعاء عموم هَذِهِ الآيات منهما، فَإِنَّ الكِتَاب قد جاء فيه الخطاب عَلَى الوجوه الأربعة التي قَدَّمنا ذكرها، فمتى ثبت لنا عمومه بالإجماع، وَإِلاَّ فالوقوف حَتَّى يَتَبَيَّنَ الخصوص؛ فَإِنَّ الله تَعَالىَ لم يتعبَّدنا بعلم الأخبار إِلاَّ ما خرج منها مخرج الأمر والنهي ثُمَّ وقعت الكلفة به، فهنالك يجب الفحص عنه، وبالله التوفيق.
وَأَمَّا الإجماع فيصعب عنه ذَلِكَ، وكفى باختلاف الصحابة دَلِيلاً عَلَى عدم الإجماع عَلَى ولايتهم الحقيقة عَلَى الانفراد، ولو كان ذَلِكَ كَذَلِكَ لكانت شهرته أظهر، والكلام فيه أكثر، وَلَكِنَّ الله طوى ذَلِكَ عَلَى العباد، وعرَّفهم طريق الصلاح والفساد، وابتلاهم بأعظم المحن، ووقعت بينهم الفتن، حجَّةً للناس وَعَلَيْهِم، وتمحيصٌ توجَّه إِلَيْهِم، فنسأل الله التمسُّك بأرشد دَلِيل، والسلوك لأقوم نهج وأعدل دَلِيل [كذا، لعله: سبيل].
فصل
وإن كنتَ غير قاطع في هَذَا الخطاب بعموم ولا خصوص، وأنت واقف فيه حَتَّى يقوم لك دَلِيل عَلَى أحد الوجهين فحكم الظاهر قاطع عليك إذ قد تيقَّنته، ولا يدفع هَذَا اليقين إِلاَّ بيقين، فمتى لم يكن فولاية الحقيقة ساقطة، وحكم الظاهر واجب.
فإن قال: فإذا كنت واقفا للإشكال المعترض في هَذَا الخطاب فلم لا يكون الوقوف عن حكم الظاهر سائغا، فلا أبرأ من أحد منهم ولو أحدث كفرا؟ قيل له: حكم الظاهر واجب، وعلم الخصوص والعموم في الخطاب غير واجب لِمَا ذكرناه، فالواجب لا يرتفع بالشكِّ، كيف وأنت تَتَوَلَّى المهاجرين والأنصار الذين ذكرهم الله في الجملة لو لم يكن منك إِلاَّ الإيمان بالقرآن والتصديق به، وولاية المهاجرين والأنصار قد دخلت في ذَلِكَ، كما تَتَوَلَّى جميع أولياء الله في الجملة، وتتبرَّأ من جميع أعداء الله في الجملة؛ فإن كان الذي برئت منه بحدثه الكفر في علم الله من السعداء الذين قد رضي الله عنهم فهو داخل في ولايتك للمهاجرين والأنصار الذين قد رضي الله عنهم، ولا تَضُرُّك البراءة بحكم الظاهر؛ لأَنَّكَ قمت فيها بفرض أوجبه الله عليك، كما أوجب عليك ولاية (1/244)
صفحة 29
<245> الحكم الظاهر إذا صَحَّت البراءة والولاية في الجملة من جميع أعداء الله؛ وكم من عدوٍّ في حكم الظاهر وليٌّ في ولاية الجملة لجميع أولياء الله.
باب: في سكوت النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم والصحابة عن هَذَا الحكم
وَأَمَّا الوجه الرابع المانع من ولاية المحدثين من الصحابة بالحقيقة هو عدم ظهور ذَلِكَ بين المهاجرين، وَإِنَّمَا صار حجَّة مانعة من قبل أَنَّهُ لو كان واجبا لكانوا هم به أقوم؛ لأَنَّهُم كانوا بأحكام الله أعلم، ولكان عندهم أظهر وأعظم ذكرا وأشهر، ألا ترى أَنَّهُم كانوا يفرقون لبعضهم بَعْضًا فضل السابقة والمشاهد الصادقة، مثل بدر وأُحد، حَتَّى كان الاختصاص بشهداء بدر أعلى قدرا، وأجلَّ ذكرا، كُلُّ ذَلِكَ حكم بالظاهر دون الحقائق، فالمشهور أَنَّهُم رَحِمَهُم اللهُ كان عندهم من الوجل والإشفاق ما لا ينبغي أن يكون عند موقن بالرضوان، حَتَّى كان بعضهم يسأل بَعْضًا بعد موت النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم: هل قال فِيهِ شَيْئًا؟ ولقد قيل في حذيفة صاحب السرِّ ما قيل، مع تضعيف بعضٍ لِذَلِكَ، نفيا لاستسرار رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم شَيْئًا من الدين، وليس بمنكر عندنا أن يطلع رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم عَلَى سعادة أحد أو شقاوته، ثُمَّ لا يُظهر ذَلِكَ، إذ هو ليس من الدين الذي يجب عَلَى الْمُكَلَّفِينَ معرفته، فلا يكون الرسول كاتما شَيْئًا من الدين، فسكوت رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم عن هَذَا الحكم أعظم دَلِيل أَنَّهُ لم يكن متعبَّدا بِذَلِكَ، ولم يكن متعبَّدا بإظهاره.
فإن قيل: ما تنكر أن يكون سكوته عنه علما منه بظهور حكمه؟
قلنا: أنكرنا ذَلِكَ من قبل أَنَّهُ لا يخلو أن يكون حكما يلزم علمه ولا يسع جهله أو لا يلزم علمه، فإن كان مِمَّا يجب علمه ويضيق جهله فكيف سكتوا عن إظهاره، وَبِخَاصَّةٍ حيث وقع التنازع والتخطئة بينهم إذ دعا بعضهم بَعْضًا إلى التمسُّك به، ورعوا حقَّ بعضهم بَعْضًا، فهلاَّ قالوا كما قال عَمَّار يوم الجمل حين اختلفت الأسنَّة في هودج عائشة رَضِيَ اللهُ عَنهَا: والله لَنعلَمُ أَنَّكِ لَزوجُ نبيِّنا في الجَنَّة، وَلَكِن لا ندع الله يُعصى، فَهَذَا ما سمعناه. ولا بلغَنا أَنَّهُ قال أحد من الصحابة لبعضهم بَعْضًا في النفاق لا (1) في اختلاف، ولا في أَيَّام رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم ولا بعده.
فإن قال: إِنَّهُ مِمَّا يسع جهله ولا يلزم علمه.
قلنا: وَذَلِكَ مع ظهوره - عَلَى قولكم- وهو نصٌّ فلا تعبُّد (2) فيه عَلَى أحد، فإذا قال ذَلِكَ قلنا: ما لا تعبُّد فيه عليهم كيف يرفع عنهم التعبُّد بحكم الظاهر في بعضهم بَعْضًا (3) ما لا انفكاك لهم منه إِلاَّ بعلم الحقيقة، وعلم الحقيقة عَلَى هَذَا لم يجب عليهم، بل لم يعرفوه، فما هَذَا التخبُّط فيما لا يستقيم؟.
باب: بيان استحالة هَذِهِ المعارضة لاستحالة إجماع الأُمَّة عَلَى خطأ
وَأَمَّا الوجه الخامس، وهو أَنَّ في الحكم بعموم الخطاب في هَذِهِ الآيات، وإيجاب الولاية لِكُلِّ شخص من المهاجرين والأنصار عَلَى الانفراد باسمه وعينه تكفير الأُمَّة
__________
(1) في الأصل: «ولا».
(2) علَّق الثميني بقوله: «قوله: "فلا تعبُّد" الخ هو خبر قوله: "وذلك" ... ».
(3) علَّق الثميني بقوله: «قوله: "ما" الخ هو بدل من قوله: "بالحكم [كذا] الظاهر". فتأمَّل». (1/245)
صفحة 30
<246> بأسرها؛ لأَنَّ الناس كانوا في أَوَّل خلافة عثمان عَلَى دين واحد مصوِّبين له، دائنين بطاعته، إلى أن ظهرت منه أحداث أنكروها عَلَيْهِ جميعا، فاستتابوه منها فتاب، ثُمَّ لم يوف، فاستتابوه فتاب، فَلَمَّا اتَّهموه بالخداع وَقِلَّة الوفاء فيما يعطيهم صار عندهم بغير المنزلة التي استجازوا تقديمه عَلَيْهَا، وهي العدالة وارتفاع الريبة؛ فَلَمَّا وقع الريب انحطَّت درجته، فَلَمَّا انحطَّت درجته وجب عَلَيْهِم فيما بينهم وبين الله بعد أن شهر ذَلِكَ منه ألاَّ يَدَعوه، فهم يقدرون عَلَى عزله حَتَّى لا يكون عَلَى الأُمَّة إماما ليس بمأمون عَلَى دينه، فكان الواجب عَلَيْهِ حينئذ إن صدق في التوبة بعد أن أخلفهم خلفا أزال إمامته وعدالته من قلوبهم أن يسعفهم إلى الاعتزال، وإن لم يفعل وَاسْتَمَرَّ جاز لهم محاربته، فَكُلُّ من حاربه بعد تلك الحال هو عَلَيْهِ حجَّة. وليس كما زعم من لم يصب الحقَّ وتعسَّف الحكم فقال: إِنَّمَا قاتلوه محقِّين لِترْكِ المهاجرين والأنصار الإنكار عَلَيْهِم، فَهَذَا ما أجمل القول فيه ولم يكشف، فَأَمَّا كشفه فنتبيَّن به باطل هَذَا القول. وَذَلِكَ أَنَّ عثمان لا يخلو عند محاربة الخارجين عليه من إحدى منزلتين: إِمَّا أن يكون كما ذكرناه من قصته، شاهرا في مملكته أو غير شاهر، فإن كان ذَلِكَ شاهرا فَكُلُّ قائم عَلَيْهِ حجَّة، وَكُلُّ محارب معه لاحقٌ بحكمه، وَكُلُّ واقف عنه فحكمه حكم اعتقاده من تصويب أو تخطئة، ولا عذر في الشكِّ هنالك؛ لأَنَّ الإمام إِمَّا واجب الطاعة بالدين، وَإِمَّا مخلوع الطاعة بالدين، فمن ضعف عن ذَلِكَ فلا سلامة له بدون ولاية المحقِّين من المسلمين كانوا عَلَيْهِ عَلَى باطله أو عنده عَلَى حقِّه، وفي هَذِهِ الحال لا يكون محقًّا بترك النكير عَلَيْهِ، ويكون الخارج عَلَيْهِ محقًّا بترك النكير عَلَيْهِ؛ لأَنَّ المنكِر عَلَيْهِ منكر للظاهر والشاهر.
وإن كان ذَلِكَ غير شاهر فلا يجوز عزله ولا محاربته، فَمَن عَزَلَه أو حاربه فهو مبطل فلا يكون محقًّا، أنكر عَلَيْهِ الإمام أو الأعلام أو لم ينكروا. وَعَلَى هَذِهِ الصفة كان اختلاف أهل عُمان في الخارجين عَلَى الصلت، فجعل بعض الشاهرين ترك الصلت للنكير حجَّة للخارجين، وأبى ذَلِكَ المسلمون وقالوا: كان يجب للصلت إظهار النكير عَلَيْهِم، فضلا عن التسليم لهم، فإذا لم يفعل طالبوه بالتوبة؛ حَتَّى إِنَّ بعضهم لم يتولَّه حَتَّى استتابه، فَهَذِهِ منزلة لا يصوِّبها ترك النكير ولا يبطلها، فَهَذَانِ حالاَ عثمان لا يخلو من أحدهما، فَلَمَّا حاربوه وقع الاختلاف فيه عَلَى ثلاث فرق:
- فرقة قالت: قُتل عثمان مظلوما من غير إنكار للحداثة، بل ادَّعَى جوازها له، وبرئوا من قاتليه وَمِمَّن صوَّبهم وخطَّؤوهم عَلَى ذَلِكَ؛ فَهَذِهِ هي العثمانيَّة. وَهَذِهِ فرقة قد برئت من بعض المهاجرين والأنصار.
- وفرقة برئت منه عَلَى امتناعه عَلَى الاعتزال ومحاربته للمنكرين عَلَيْهِ (1/246)
صفحة 31
<247> وصوَّبوا القاتلين له، وهي فرقة أَيضًا برئت من بعض المهاجرين والأنصار.
- وفرقة ثالثة وقفت عن الجميع، وهم الشكَّاك؛ لأَنَّهم ليس لهم ترك اليقين من ولاية عثمان إِلاَّ بيقين، وبعد اليقين يجب الخروج إلى ضِدِّه من اليقين من تصويبه إلى تخطئته، فالتهمة للإمام في دينه عزل باليقين، فَهَذِهِ الفرقة أَيضًا قد وقفت عن الحكم الذي ذكره المعارض.
فقد اجتمعت هَذِهِ الفرق الثلاث عَلَى البراءة من المهاجرين والأنصار والوقوف عنهم، فَهَذِهِ المعارضة في حكم هَذَا الخطاب بالعموم، وقد خرجت منه الأُمَّة إذ ذاك. ولا رابعة علمناها تولتهم جميعا فافهم ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ خروج عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة خروجًا من طاعة عليٍّ ومحاربةً له، لا أعلمهم كانوا غير فريقين. وَكَذَلِكَ في حرب صفِّين بين عليٍّ ومعاوية. وحرب أهل النهر لم أعلم أَنَّ الناس كانوا فيها غير فريقين: فريق صوَّب عليًّا إلى أن رجع إلى الحكومة، وتبرَّأ من معاوية وأتباعه. وفريق خطَّأ عليًّا.
فَلَمَّا رجع إلى الحكومة وثبت المسلمون عَلَى حرب أهل البغي، وخطؤوا التحكيم صار الناس أَيضًا فريقين لا ثالث نعلمه:
- فريق صوَّب عليًّا وأنزل له العذر أَنَّهُ إِنَّمَا اجتهد فيما يرجو فيه صلاحا واتقاء عَلَى الناس؛ لأَنَّ القتل أسرع فيهم؛ فَلَمَّا أخذ له بعض عسكره وخوف الاستئصال رجع إلى الحكومة، وسوَّغوا له ذَلِكَ.
- وفريق ثبتوا عَلَى حرب معاوية، احتجاجا بقول الله تَعَالىَ: {فَقَاتِلُوا التِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ اِلَى أَمْرِ} [سورة الحجرات: 9]، قالوا: فلا غاية لِذَلِكَ، فإذا خاف الاستئصال فأرخصُ مَا لَهُ أن يعتزل بمن معه عَلَى طلب الناصر لا عَلَى الإهمال والترك لدينه (1) الذي حارب عَلَيْهِ، فَلَمَّا أبى إِلاَّ الحكومة فارقوه صار هو ومعاوية حربا لهم، فخرج إِلَيْهِم عليٌّ عَلَى ما قيل فقتلهم، وفيهم عَامَّة من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، عَلَى ما وجدت في سير الأوائل.
منهم حرقوص بن زهير الذي قيل: قال له رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم ثلاثة أَيَّام: «أوَّل من يدخل من هَذَا الباب لَرجلٌ من أهل الجَنَّة»، كُلُّ ذَلِكَ يدخل منه حرقوص بن زهير. وهو الذي دفن دنيال - عليه السلام -، وكان دنيال سأل رَبَّهُ أن يدخله قبره رجل من أهل الجَنَّة، فلم يزل كما بلغنا في تابوت في أيدي ضُلاَّل أهل الكِتَاب يستسقون به إذا أمسك عنهم الغيث، حَتَّى فتح أبو موسى الأشعري السرير فوجدوه كما زعموا في تابوت، فكتب فيه إلى عمر، فكتب إِلَيْهِ زعموا أن أمر بدفنه ولا يشعرنَّ به أحد، فبعث أبو موسى حرقوصا حَتَّى دفنه، فوجد في التابوت حلَّة فكساها عمر حرقوصا. وبلغنا أَنَّ أبا موسى سأل عن حرقوص بعد ذَلِكَ ما فعل؟ فقالوا: قتل في أهل النهر، فقال: والذي نفس أبي موسى بيده، لو اجتمع أهل المشرق والمغرب على الرمح الذي طعن به حرقوص لدخلوا النار كلُّهم.
وقتل فيهم أبو كعب في نفر من بني حطمة.
__________
(1) ليس المقصود بترك الدين الخروج من الملَّة، أو الارتداد، وإنَّما ترك ما دان به، أي اعتقده صوابا. وهذا ما نجده في أغلب كتابات الإباضيَّة التي اطَّلعتُ عليها. (1/247)
صفحة 32
<248> وقتل فيهم أبو توما صاحب رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم في نفر من أهل بدر. وبقيَّتهم من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، فقهاء الناس وأخيارهم، وهم عَلَى حجَّة الله وبيانه. وَإِنَّمَا كرهوا أن يتركوا حكم الله إلى حكم البشر، ولاسيما إلى حكم عمرو بن العاص، وهو المحارب للمسلمين الخارج من طاعتهم.
فَهَذِهِ الفرق بجملتها، كُلُّ فرقة عَلَى حيالها تخطئ بعض المهاجرين والأنصار، ولا أعلم فرقة صوَّبت الجميع، فتكون حاكمة بهذا الحكم، فأنَّى المخطئ إذًا؟ فعثمان برئ منه وهو مهاجر، وبرئ من عليٍّ وأصحابه وهو مهاجر، وبرئ من معاوية وأصحابه ومن أهل النهر وأصحابهم، وفيهم المهاجرين [كذا]، فَهَؤُلاَءِ كُلُّهُم جميعا قَدْ برئوا من بعض المهاجرين، ولا أعلم فريقا صوَّب الجميع في ذَلِكَ الأوان، فالآن كُلُّهُم كانوا مخطئين، فمَن المحقُّ هنالك؟.
فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون ثَمَّ من صوَّبهم جميعا ولم يُعرف بعينه؟.
قيل له: فَهَذَا إذَا لم يُعرف لم يكن حجَّة، والحجَّة لا تكون إِلاَّ ظاهرة يعرفها من تكون حجَّة عَلَيْهِ ولو لم يعرف أَنَّهَا حجَّة إذا كانت شواهدها ظاهرة فلا تخلو الأرض من ذَلِكَ أبدًا، فَهَذَا يستحيل في الدين، وتبطل هَذِهِ المعارضة، وهي من أقوى الحجج عَلَى دفع ذَلِكَ.
فإن قال: أليس في الأُمَّة اليوم من يصوِّب ذَلِكَ جميعا؟
قيل له: إذا أتى عَلَى الناس وقت من الدهر لا يكون فيه قائم بدين الله ظاهرًا معروفًا، قويًّا أو ضعيفًا، لا ينفع اليوم من قام له في استحالة الحكم المطلوب، لعدم من قام به، وَهَذَا ما لا يَصِحُّ. وَأَمَّا من يقول الآن به فلا أعلم أحدا يصوِّب عليًّا ومن شايعه، وأهل النهر ومن شايعهم، ولو صَحَّ ذَلِكَ من أحد كالمرجئة والحشويَّة فَإِنَّهُم ضالُّون ببعض ما خالفوا فيه من الدينونة بطاعة الجبابرة والرؤية وخروج أهل النار، وما أشبه ذَلِكَ، فإذا لم يكن في الأُمَّة مصيب في هَذَا الحكم إِلاَّ هَؤُلاَءِ الضُّلاَّل فإذًا الأُمَّة جميعا مخطئة، وَهَذَا باطل لا يستقيم، فاعتبره تجده أقوى دَلِيلاً، وأوضح سبيلا.
فإن قال المعارض: إِنَّهُ هو المحقُّ لأَنَّهُ خالف كُلَّ فرقة فيما ضَلَّت به.
قلنا: الحجَّة لا تكون إِلاَّ متَّبِعة سبيل من سبقه، فمن سبقك إلى هَذَا فاتَّبعته؟. فلا يجد أحدا إِلاَّ التعلُّق بمن لا يعرفه من الأمم.
فإن قال: ما تنكر أن يكون هَذَا المحقُّ اهتدى من أَدِلَّة القرآن إلى ما لا يعرفه غيره؟
قلنا: هَذَا محال، أن تكون الأُمَّة اجتمعت عَلَى جهل حكم من كِتَاب الله لازم حَتَّى أبصره غيرهم بعدهم في حادثة قد وقعت، فَإِنَّهُ لا يخلو ذَلِكَ الحكم أن يكون دينا أو رأيا:
- فإن كان دينا فلا يمكن أن تجهله الأُمَّة كُلُّهَا، والحادثة داعية إلى الحكم فيها بِحَقٍّ أو باطل، وهل أَظْهَرُ من كِتَاب الله تَعَالىَ وأوضح وألزم؟ لاسيما في المهاجرين والأنصار، فكيف يجهلون خطر أنفسهم؟ بل كيف تخفى عليهم حقيقة أنفسهم؟ نسأل الله الهداية.
- وإن كان حكم الحادثة رأيا فَذَلِكَ لا ضلال في مخالفته، وليس الكلام في الرأي، فحدوث محقٍّ يخالف الأُمَّة في حكم بالدين محالٌ، لاستحالة عَدَمِ محقٍّ في الأُمَّة، وَهَذَا ظاهر الحكم منكشف القناع. وقد أتينا بفضل الله وعونه عَلَى (1/248)
صفحة 33
<249> ببيان المعاني في التي لا مخرج لهذا الاعتراض منها، ولا محيد لسائل عنها، فنأخذ الآن في ذكر الآيات وبيان أحكامها، عَلَى اختلاف تراتيبها ونظامها، زيادةً في كشف الحقِّ، وإظهار الصدق.
باب: في فضل الصحابة هل يمنع (1) من البراءة من المحدثين منهم بحكم الظاهر؟
أَمَّا قوله: كيف ساغت البراءة من بعض الصحابة وهم حجَّة الله؟
الجواب: إِنَّ البراءة مِنَّا ساغت من أحد منهم فيما هو فيه حجَّة، وَإِنَّمَا ساغت وجازت ولزمت فيما فارق فيه الحجَّة؛ لأَنَّ الصحابة لا يخلون أن يكونوا فيما اختلفوا فيه جميعا محقِّين أو يكونوا جميعا مبطلين، أو يكون بعضهم محقًّا وَبَعضهم مبطلا مخطئا مفارقا لحجَّة الله.
- فحاش لهم أن يكونوا جميعا فيما اختلفوا فيه مبطلين؛ لأَنَّ أرض الله لا تخلو من حجَّة ظاهرة قاطعة عذر من سمعها من الأُمَّة أو بلغته فيما يكون فيه حجَّة. وإذا كانوا جميعا مخطئين فمن المحقُّ؟.
- ومحال أن يكونوا جميعا محقِّين؛ لأَنَّ حجَّة العقل شاهدة عَلَى كُلِّ متديِّن أَنَّ مخالف الحقِّ مبطل، فالمخطئون لبعضهم بَعْضًا لا محالة أَنَّ أحدهما مخطئ؛ فإذا صَحَّ أَنَّ بعض الصحابة مخطئ في بعض الأحكام، استحقَّ البراءة بحكم الظاهر، كما يستَحقُّ الولاية بالموافقة لدين الله في القول والعمل في حكم الظاهر. وَكُلُّ من فارق حجَّة الله وخرج عنها فهو أهل للبراءة، ولا ينفعه قيامه بحجَّة الله في ألف حكم مع خروجه عنها ومفارقته لها في واحد، هَذَا ما لا ينكره عاقل، ولا يطيش معه متثاقل؛ لأَنَّ الولاية والبراءة وجبتا بالأقوال والأفعال لا بالأشخاص، فليس كُلُّ قائم بحجَّة الله محكوما له بالسعادة، ولا قائم بحقٍّ أو مسارع إلى فضل الله مقطوعا له بالعصمة، بل الرواية إِنَّكُم لا تعجلوا عَلَى أحد بمدح ولا ذمٍّ، فرُبَّ من يسرُّكم اليوم يسوءكم غدًا، ورُبَّ من يسوءكم اليوم يسرُّكم غدًا. وَهَذَا يخرج في حكم الظاهر في مواضع الاسترابة وحيث تجب الاستبانة، ويخرج في ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة، فلا حجَّة هاهنا في إيجاب ولاية الحقيقة لأجل القيام بحجج الله فافهمه.
وَأَمَّا قوله: لمشاهدتهم التنزيل، فمشاهدة التنزيل لا توجب سعادة ولا رحمة، ولا يقضي لحاضر برضوان ولا عصمة، وَإِنَّمَا تجب العصمة بموافقة التنزيل سرًّا وعلانية، فكم قد شاهد التنزيل من المشركين والمنافقين فما ازدادوا بِذَلِكَ إِلاَّ تمرُّدا ونفورا واستكبارا في الأَرض. قَالَ الله سُبْحَانَهُ: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الاَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنَ اَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ ... } الآية [سورة التوبة: 101]، وقال تَعَالىَ: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّنْ يَّقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَتْهُمُ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا اِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} [سورة التوبة: 124 - 125]، فبطل الاعتراض بهذا المعنى، وَصَحَّ أَنَّ مشاهدة التنزيل لا توجب سعادة ولا رحمة، ولا يقضي برضوان ولا عصمة، فاعرفه، وبالله التوفيق.
فإن قال قائل: فبم فضَّلتم الأولياء منهم عَلَى غيرهم من سائر أولياء الأُمَّة؟
قلنا: باب التفضيل في الدرجات غير الموجبات
__________
(1) علَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «فاعل "يمنع" راجع إلى قوله: "فضل الصحابة"». (1/249)
صفحة 34
<250> في الولاية والبراءة، فتفضيل صحابي [من] الصحابة عَلَى من سواهم من الأُمَّة إِنَّمَا هو بالسابقة والاستقامة الصادقة، وَذَلِكَ لقيامهم بدين الله حيث قلَّ أنصاره، وتصديقهم به حين غلب إنكاره، وَإِنَّمَا وقع التفضيل بعد وجوب الولاية، فَهَؤُلاَءِ أولياء استقاموا عَلَى الدين، منهم من سابق وسارع، ومنهم من تأخَّر، والمسارع أفضل، مع الثبوت عَلَى ما سيأتي دَلِيله إن شاء الله.
وَأَمَّا قوله: وعلمهم بالمحكم والمتشابه في التأويل، فمعلوم أَنَّ التأويل لأمر (1) يَخْتَصُّ بالأولياء عَلَى الحقيقة، فيكون شاهدا لقائله عَلَى السعادة، وَإِنَّمَا رجع في تأويل التنزيل إليهم لعلمهم بلغة العرب، فهم به أعرف، ولمعانيه أوصف، وأعلم فيمن نزل، وأين نزل، ومتى نزل؛ وَلِذَلِكَ صار صالحوهم أفضل صالحي الأُمَّة، وإن كان قيل في الرواية عن رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «الشهيد في آخر الزمان بسبعين رجلا من شهداء بدر، وبسبعين ألف شهيد من غير شهداء بدر». وعنه - عليه السلام - أَنَّهُ قال: «المتمسِّك بسنَّتي عند فساد أُمَّتِي بسبعين رجلا من صحابتي». وعندي أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الإسلام مختفيا والكفر ظاهرا، وأهله قاهرون [كذا]، كان السابق إلى نصرته والتصديق بجملته أعظم ثوابا وأجرا، وأجلَّ قدرا وذكرا مِمَّن جاء من بعده، وقد ظهر وكثر أعوانه، وَاسْتَقَرَّ مكانه، ثُمَّ لَمَّا أن رجع إلى الاختفاء، وقلَّ أهل الوفاء، وكثر ذوو المناكر المعروفون بالخيانة، المخطوب لهم عَلَى المنابر، رجع فضل التمسُّك به عند نبذ الناس له، وجحدهم فضله إلى ما كان عَلَيْهِ في أَوَّل الإِسلاَم. وأفضل من ذَلِكَ المعنى أَنَّ التمسك به الآن [في الأَصْلِ: «اللن»] تصديقه بالغيب أكثر، وإيثاره للأدلَّة أكبر؛ لأَنَّ أولئك شاهدوا الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم وصحبوه والوحي ينزل إِلَيْهِ. وَهَذَا سبب التفضيل، والحكمة الواضحة في هَذَا التفصيل، جعلنا الله مِمَّن علم وعمل وعلَّم فسلم، بمنِّه وكرمه.
وَأَمَّا قوله: وعنهم صدر الإجماع. وَأَمَّا صدور الإجماع عنهم في بعض الأحكام فليس فيه ما يوجب لهم السعادة في الآخرة قطعا بيوم تجزى [فيه] كُلُّ نفس بما تسعى، بل ذَلِكَ حكم الله عَزَّ وَجَلَّ، يقيم له من يقيم به من خليقته ولو لم يعمل القائم له به في سريرته، فليس كُلُّ قائم له في حكم الظاهر محكوما له بقيامه به في السرائر، ذَلِكَ غيب طواه الله عن العباد، وستره عنهم إلى يوم التناد.
ثُمَّ إِنَّهُم إِنَّمَا كانوا حجَّة في الإجماع فقد انخزلوا عن الحجَّة عند الاختلاف والتنازع لمفارقتِهِم ما به كانوا حجَّة، و تنكُّبِ (2) سبيل المحجَّة، وَإِنَّمَا كانوا إِنَّمَا استحقُّوا الرضا والرضوان بما ظهر لهم من السابقة والفضيلة والإيمان، فأحرى وأجدر أن ينخزلوا عن تلك الدرجة الرفيعة باقترافهم الأمور الشنيعة، فَإِنَّ الأمور بخواتمها أليق، وبأواخرها أوجب وأحقُّ، إِلاَّ أن يخرجهم منها كِتَاب أو سنَّة يرفعها (3) صادق عن صادق، وَإِلاَّ فالأحكام فيهم وفي الناس سواء، لا ينبغي الميلولة إلى أحد
__________
(1) الكلمة غير واضحة يمكن أن تُقرأ: «لا مم». وفي كلا الاحتمالين يبقى المعنى غامضا، ولعلَّ الصواب: «والتأويل لا يختصُّ ... » الخ.
(2) علَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «قوله: "وتنكب" هو اسم معطوف عَلَى "لمفارقتهم"».
(3) فِي الأَصْلِ: «يرفها»، وعلَّق الثميني في الحاشية: «لعلَّه: يعرفها». (1/250)
صفحة 35
<251> منهم بالأهواء.
والعجب كيف يستَحقُّ بعض الناس ولاية الحقيقة بالقياس عَلَى الجهل ولا يعتبر من أموره في قول ولا عمل؟! إِنَّهَا لإحدى الكُبر، وأعجوبة من أعجب العبر. شرح الله صدورنا لِلْحَقِّ وإسماعه وقبوله من أهله، [و] في القول به واصطناعه [كذا].
باب: القول في الآيات الْمُتَقَدِّم ذكرها في السؤال عَلَى الجملة
وَأَمَّا الآيات التي ذكرها وعارض بها في سؤاله وصدرها فقد قَدَّمنا من في [كذا] بيان نظائرها في حكم النصوص، وشرح جملة يأتي عَلَيْهَا في العموم والخصوص والخطاب بالجملة والإفراد ما يغني عن الحاجة إلى شرح معانيها، وإيضاح اختلاف وضعها ومبانيها. فَإِنَّ من تحقَّق أَنَّ ولاية الحقيقة لا تَصِحُّ إِلاَّ بالتوقيف دون الاجتهاد؛ لأَنَّهَا أخبار غيب، وتحقَّق أَنَّ هَؤُلاَءِ المحدثين من الصحابة لم تَصِحَّ لهم ولاية الحقيقة بالتوقيف بل بالاجتهاد، ولاحتمال الآيات التي نصَّت عَلَى جمل تشتمل عَلَى مثل صفاتهم التي صَحَّت لهم في الظاهر للمعاني المختلفة في الخصوص والعموم وغير ذَلِكَ مِمَّا سنذكره إن شاء الله، تَبَيَّنَ له بطلان معارضته، واتَّضح له فساد مناقضته، ولزمه الحكم بالظاهر، لَكِنَّا لإيثارِنا رَفْعَ الريب من صدور المسلمين، واجتهادنا في الشكِّ المعترض للمتَّقين، لاَ بُدَّ أن نأتي بزيادة دلائل، وبيان استفادة تقتضي الإخبار عن معاني الآيات المذكورة، واختلاف تفاسيرها المشهورة، والله المسدِّد والمعين.
فصل
فنقتصر من الكلام في هَذِهِ الآيات على معنيين: أحدهما القول فيها جملة. والآخر القول في كُلِّ آية عَلَى انفراد.
أَمَّا عَلَى الجملة فنقول: لا تخلو أن تكون المعارضة في هَذِهِ مبنيَّة عَلَى مجموع أَدِلَّة هَذِهِ الآيات عَلَى معنى واحد، أو كُلُّ آية تَدُلُّ عَلَى معنى، وتلك المعاني موجودة في هَؤُلاَءِ المهاجرين والأنصار، فَلاَ بُدَّ أن يَدُلَّ أحدهما عَلَى صِحَّة ما ذكره، فإن كان أراد الاستدلال بجملتها فَذَلِكَ يختلُّ، لاختلاف معانيها، فَإِنَّ فيها المقيَّد بالفقراء، وفيها المقيَّد بالسابقين الأَوَّلِينَ، وفيها المقيَّد بالذين اتَّبعُوه في ساعة العسرة، وفيها المطلق، وما أشبه هَذَا من اختلاف معاني موجباتها. فإن كان أراد أَنَّ كُلَّ آية تَدُلُّ عَلَى معنى، وَهَذِهِ المعاني تختصُّ بهذا القبيل الذين هم المهاجرون والأنصار فلا يخلو أَيضًا أن يكون إِنَّمَا عارض بجميع هَذِهِ المعاني الموجود جملتها فيهم، أو يقول: لاَ بُدَّ أن يَدُلَّ بعضها عَلَيْهِم، فإن أرادها جملة فمتى بطل أحدها من بعضهم بطلت المعارضة، لأَنَّهُ زعم أَنَّ الخطاب بالمهاجرين والأنصار عموم عَلَى الحقيقة؛ فَذَلِكَ أوجب لِكُلِّ مُعَيَّن منهم ولاية الحقيقة، فإذا اخْتَصَّ الخطاب المقيَّد مثلا بالفقراء والسابقين بطل غيرهم، وسقطت المعارضة.
فإن قال: لا يَدُلُّ أحدهما عَلَيْهِ، قلنا: اعتمد عَلَى أيِّها شئت، وقلْ: هَذَا عَلَى الحقيقة دون سواه، وَإِلاَّ فأنت شاكٌّ، والشكُّ في الحقيقة لا يرفع موجب الظاهر، والبراءة بحكم الظاهر (1/251)
صفحة 36
<252> يقين لا يجوز العدول عنه إِلاَّ بيقين عَلَى الحقيقة.
فإن قال قائل: ما تنكر أن تكون هَذِهِ المعاني اجتمعت في المهاجرين والأنصار فلا يكون في ذَلِكَ تناقض الآي ولا اختلافها؛ لأَنَّهُ يحتمل أَنَّهُم كانوا فقراء، وَأَنَّهُم كُلُّهُم سابقون، وَأَنَّهُم جميعا اتَّبَعوه في ساعة العسرة؟
قيل له: الاحتمال لا يدفع حكم الظاهر، فمتى لم نَتَبَيَّنْ بظاهر الكِتَاب بحقيقة فليس من الحقيقة التي تدفع حكم الظاهر.
ثُمَّ ما الذي يُحوِج إلى الحكم بالاحتمال حَتَّى يجعل المتشابه محكما؟ فإن قال: قد صَحَّ ذَلِكَ قطعا، قلنا له: من أين صَحَّ والشهرة غير قاضية، فنحن لا نصل إلى ذَلِكَ إِلاَّ بظاهر الكِتَاب أو إجماع الأُمَّة، فظاهر الكِتَاب مختلف الأَدِلَّة لاختلاف المعاني في المطلق والمقيَّد، وإجماع الأُمَّة معدوم، بل الاختلاف قد صَحَّ في بعضها، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
عَلَى أَنَّ هَذِهِ الآيات إن خصَّت كُلُّ آية فريقا من الناس مُعَيَّنين فيُحتمل فيهم الخصوص والعموم عَلَى ما قَدَّمنا ذكره، وما احتمل فلا يسع القطع به في أخبار الغيوب إِلاَّ بتوقيف عن علاماتها بكتابه وَعَلَى لسان رسول من رسله بلفظ يرفع احتمال الخصوص، ويقضي بالعموم، كيف لنا بِذَلِكَ وهو يقول سُبْحَانَهُ: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [سورة هود: 119]، فأخبر أَنَّهُ يملأها، وَأَنَّهُ يملأها منهم أجمعين، فأكَّدها بـ «أَجْمَعِينَ»، والإجماع أَنَّهَا مردودة إلى قَوله تَعَالىَ: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمُ أَجْمَعِينَ} [سورة ص: 85]، فلولا الإجماع عَلَى رَدِّ هَذَا العموم إلى الخصوص لَمَا كان في اللفظ دَلِيل عَلَى التخصيص. إِلاَّ أن يكون في قوله: {وَإِن مِّنكُمُ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جُثِيًّا} [سورة مريم: 71 - 72]، وَإِلىَ قوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الذِينَ سَعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [سورة هود: 105 - 108]، وقوله: {إِنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتَ اَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ} [سورة الأنبياء: 101 - 102]؛ فَهَذِهِ الآيات أخرجت بعض ما دخل في الآية الأخرى التي قَدَّمنا ذكرها، لاسيما وهو يقول: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ}، وقد قال في آية أخرى: {يَوْمَ يَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} [سورة ق: 30]، فَهَذَا إخبار عن سعتها، وإن كان ظاهره دَالاًّ عَلَى أَنَّهَا غير مملوءة، وَالله أعلم بتأويله كِتَابه، وأحكام خطابه، ففيه الحقيقة والمجاز، والخصوص والعموم، والمحكم والمتشابه، والمطلق والمقيَّد.
ولا يجوز الحكم عَلَى شَيْء من ذَلِكَ بظنٍّ ولا قياس، وَإِنَّمَا يرجع في جميع ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ من تفسير الفقهاء وأعلام الأُمَّة من إجماع واختلاف بدين أو رأي، ليس لمن جاء من بعد أن يطعن في إجماع، أو يسوِّغ في اختلاف، فيردُّه إلى اختلاف رأي، ولا يضيِّق في اختلاف الرأي فيقضي فيه بتخطئة بالاقتداء (1) بالسلف أوجب من غير تقليد فيما ظهر دَلِيله من كِتَاب أو سنَّة أو إجماع، فَإِنَّمَا التقليد في موضعين:
- أحدهما: تقليد الحاكم للشهود الظاهر عدالتهم فيما شهدوا فيه من الحدود والحقوق، كانوا صادقين في سريرتهم أو غير صادقين. وتقليد الرعيَّة للحاكم اللازم لهم، فنقو لحكمه [كذا] كان عادلا
__________
(1) كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فالاقتداء». (1/252)
صفحة 37
<253> في سريرته أو غير عادل. فَهَذَا ومثله يجوز ويلزم التقليد فيه، كان المقلِّد صادقا أو كاذبا.
- والموضع الثاني: تقليد الضعفاء للعلماء فيما خرج عن أحكام الشرع مخرج الرأي والاجتهاد، ففي هَذَا الموضع يسوغ للضعفاء تقليد العلماء؛ لأَنَّهُم حجَّة في باب الاجتهاد، وهم به أعرف، وبعدله أبصر، ولكن لا يكون العلماء هاهنا حجَّة في هَذَا الباب إلا بموافقة الحقِّ، فما أصابوا قولا من رأي المسمين فهم سالمون، وهم حجَّة، وإن خرجوا من أقاويل أهل القبلة دخلوا في مخالفة الأُمَّة، وخرج الحكم دينا، ولا يجوز التقليد في الدين؛ لظهور قيام أَدِلَّة الدين من الكِتَاب وَالسُّنَّة والإجماع، والله أعلم.
فصل [لو كان العامُّ قطعيًّا لَمَا صحَّ تخصيصه]
ثُمَّ إِنَّ الخطاب في الجملة بلفظ الجماعة لمعلومين أو مبهمين، لو كان ظاهره قاطعا بالعموم لَمَا استقام أن يقال حَتَّى يَصِحَّ التخصيص، فَإِنَّ العموم عَلَى الحقيقة لا يُخَصُّ؛ لأَنَّ المحكم لا ينتقض معناه، ولا يَتَغَيَّرُ فحواه.
ولو كان الظاهر قاضيا بالعموم عَلَى الحقيقة لكان لا يَصِحُّ تخصيصه إِلاَّ مُتَّصِلاً بالخطاب، فيرجع إلى الاستثناء، فإن خصَّه بعد انقطاع الخطاب كان ناقضا لخطابه، ودخل عَلَيْهِ الكذب، ولو كان قول الله عَزَّ وَجَلَّ {وَالسَّابِقُونَ الاَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ} [سورة التوبة: 100]، وقوله في التعيين: «فلان وفلان» سواء معناهما واحد، لكان من قال: السابقون قد رضيت عنهم، أو المهاجرين [كذا] أو الأنصار قد رضيت عنهم، فقد أخبر أَنَّهُ رضي عن فلان وفلان وفلان قطعا وجب القطع، ثُمَّ لا يلتفت إلى طلب خصوص من عموم، ولكان كُلُّ من ادَّعَى عَلَى [كذا] التخصيص قد وصف المخاطِب بالخطأ والكذب؛ لأَنَّهُ قد قال - بزعم المعارض - إِنَّهُ قد رضي عنهم جميعا، ثُمَّ قال إِنَّهُ إِنَّمَا رضي عن بعضهم، فَهَذَا قد أدخل عَلَيْهِ الخطأ والكذب، بل ظاهر الخطاب في الجملة محتمل العموم والخصوص، وما احتمل معنيين ضاق القطع بأحدهما.
فإن قال قائل: أليس قد جاء في القرآن مثل ذَلِكَ مِمَّا حُكم له بالعموم إلى أن دَلَّ عَلَيْهِ ما خصَّه، كَقَولِهِ تَعَالىَ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [سورة التوبة: 5]، فقد أجروا هَذَا عَلَى العموم إِلاَّ أهل الكِتَاب من اليهود والنصارى والمجوس بِنَصٍّ آخر، فلم يكن ذَلِكَ تكذيبا لقوله؟.
قيل له: ليس حكم الأمر والنهي في الأحكام كحكم الإخبار عن الغيوب، بل الأحكام التي تُعبِّدنا بها وجب علينا استعمال عمومها، لنكون عَلَى يقين من امتثال الأمر. وَأَمَّا الأخبار فلم نكلَّف فيها ذَلِكَ؛ لأَنَّهَا لا يدخلها النسخ، والأحكام يدخلها النسخ؛ ففي الحكمة أَنَّ الله تَعَالىَ أن يقول لعباده: اقتلوا المشركين، وليجاهد كُلُّ رجل منكم عشرة منهم؛ ثُمَّ يقول بعد ذَلِكَ: لا تقتلوا أهل الذِّمَّة إذا أعطوا الجزية، وليجاهد كُلُّ رجل منكم رجلين منهم، ليس عَلَيْهِ أكثر من ذَلِكَ. وليس في الحكمة أن يقول: قد رضيت عن جميع المهاجرين والأنصار، ثُمَّ يقول: إِنَّمَا رضيت عن بعضهم؛ فَهَذَا يتنافى في صفة [الله]، ويشهد العقل بفساده.
فإن قال: ما تنكر أن يكون قد رضي عن (1/253)
صفحة 38
<254> المهاجرين، ثُمَّ يمكن الخصوص فيه لنسخ الهجرة، فَكَأَنَّهُ قد رضي بِذَلِكَ الفعل ورضاه عنهم في ذَلِكَ رضاء منه عنهم في ذاتهم.
قلنا: من قد رضي عنه لا يجوز أن يسخط عَلَيْهِ، ومعلوم أَنَّ رضاه عَلَى الحقيقة الجَنَّة، ولن يعطي الجَنَّة من لم يرض عنه. وإذا كان الرضا والمغفرة إِنَّمَا هو الجَنَّة في الحقيقة فكيف يستحيل ذَلِكَ أو يدخله التخصيص بعد القطع بالعموم؟!.
فصل [العمل بالعموم ما لم يصحَّ التخصيص في الأحكام الاجتهاديَّة لا في أخبار الغيب]
فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون الحكم للحكم إلى أن يَصِحَّ التخصيص، فما لم يتيقَّن خصوصه فهو معنى عَلَى العموم؟.
قلنا: هَذَا صحيح في باب الأحكام نظرا واجتهادا، لا يقينا وحقيقة وأخبار الغيوب عَلَى ما قَدَّمنا ذكره لا يحتمل فيها ذَلِكَ، فإن معتقد العموم فيها عَلَى الحقيقة لا يقبل التخصيص، فمتى طلب دَلِيلاً عَلَى التخصيص فقد أدخل عَلَى حقيقته الزوال والنقض، ولزمه ترك الحقيقة، ومتى تَرَكَ القطعَ بالحقيقة التي لا يُدفَعُ يقينُ حُكْمِ الظاهرِ إِلاَّ بها وجب عَلَيْهِ الحكم بالظاهر، وهو ما أردناه، فَهَذَا مِمَّا يصدُّ عن القطع بولاية كُلِّ من هاجر ونصر عَلَى الحقيقة عَلَى الانفراد، وسقوط هَذَا عَنَّا يلزمنا الرجوع إلى حكم الظاهر بمعاينة أو شهادة أو إقرار أو شهرة، فَإِنَّهُمَا فرضان لا يسقط أحدهما إِلاَّ بوجوب الآخر، وقد يسقطان جميعا عَمَّن لم يَصِحَّ معه وجوب أحدهما.
فصل [خلاصة رأي الإباضيَّة في الخلفاء الراشدين ومعاوية]
وحكم الظاهر قد أوجب عَلَى من صَحَّ عنده اختلاف المهاجرين والأنصار بالدين، أو محاربتهم بعضهم بَعْضًا عَلَى ذَلِكَ أن يشهد بِأَنَّ أحدهم مبطل في ذَلِكَ الاختلاف خَاصَّةً، من غير أن يخطئه في غير ما أخطأ فيه. فاختلافهم وتنازعهم لا أحسب أحدا مِمَّن سمع بأخبارهم ينكره، وَإِنَّمَا وقع التنازع بين الناس اليوم وقبله في المحقِّ منهم من المبطل، وفي المخطئ من المصيب.
فكان قول أهل الحقِّ أَنَّ الإجماع الذي وقع بعد رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم عَلَى إمامة أبي بكر هو الحقُّ، وَأَنَّ من خالفه مبطل. وَأَنَّ الإجماع الذي بعد أبي بكر بعمر بن الخطاب بالإمامة هو الحقُّ، وَأَنَّ من خالفه هو المبطل. وَأَنَّ الإجماع الذي وقع لعثمان بعد أبي بكر وعمر رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا بالإمامة هو الحقُّ، وَأَنَّ من خطَّأه مبطل. وَأَنَّ الإجماع الذي زالت به إمامة عثمان بعد شهرة أحداثه التي أنكرها المسلمون عَلَيْهِ، وأرادوا عزله بها فامتنع، وقاتلهم فقتلوه هو الحقُّ، وَأَنَّ المخالف له هو المبطل.
فإن قيل: وأين الإجماع الذي قتل به عثمان، وَإِنَّمَا قتله طائفة من أهل مصر فيمن تبعهم من الناس، من غير أن تكون من الصحابة معونة لهم عَلَى ذَلِكَ، وأيُّ اختلاف وأيُّ تنازع أعظم من هَذَا؛ لأَنَّهُ هو ومن تبعه تمسَّكوا بالإجماع الذي تَقَدَّمَ له من الإمامة عَلَى ما أصَّلتَ، والذين حاربوه هم المخطئون المخالفون للإجماع، والواقفون فرقة ثالثة بين ذَلِكَ؟.
قيل له: فممَّ كان يتوب إن أقررتم بالتوبة أَنَّهُ تاب مِمَّا كانوا ينكرون عَلَيْهِ، أليس من خطأ قد واقعه؟ ثُمَّ كيف ساغ للصحابة ترك نصرته ومحاربة من طلب بدمه بعد قتله، فَلاَ بُدَّ هاهنا (1/254)
صفحة 39
<255> من خطإ أحد الفريقين، إِمَّا أن يكون عليٌّ (1) هو الإمام، وهو صاحب الإجماع، فيكون طلحة والزبير مخطئين مخالفين للإجماع، ثُمَّ يكون عثمان هو الذي خلعه الإجماع؛ لأَنَّ الإجماع قد خطَّأ من طلب بدمه، وزعم أَنَّهُ قتل مظلوما، أو يجعل عثمانا هو صاحب الإجماع، فيكون عليٌّ ومن شايعه من الصحابة هم المخطئون؛ لأَنَّهُم خطَّأوا من طلب بدمه، وحاربوهم وقتلوهم. وَهَذَا القدر كافٍ في تخطئة أحد الفريقين عند من نصح لنفسه، فلا يحتاج إلى ذكر أحداث عثمان التي استوجب بها العزل.
وَكَذَلِكَ عندنا أمر عليٍّ ومعاوية، والصحيح معنا أَنَّ عليًّا كان هو المحقُّ قبل التحكيم، وهو صاحب الإجماع في وقعة الجمل وحرب صفِّين، وَإِنَّمَا كان محاربوه بغاةً خارجين من الإجماع، لازم لهم محاربتهم حَتَّى تفيء إلى أمر الله، كما قَالَ الله تَعَالىَ: {فَقَاتِلُوا التِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ اِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [سورة الحجرات: 9]، لا غاية لِذَلِكَ إِلاَّ الإفاءة، فَلَمَّا ترك عليٌّ حرب معاوية بغير إفاءة، وركن إلى الحكومة خلعا للإمامة، وتحكيما فيها مع رفضها، والتسوية بينها وبين ما ادَّعاه معاوية من الإمارة، ثبت المسلمون عَلَى محاربة أهل البغي حَتَّى تفيء إلى أمر الله، وتمسَّكوا بالإجماع الْمُتَقَدِّم؛ لأَنَّهُ لم يُحدِث عندهم ما ينقضه. وانخزل عليٌّ ومن شايعه عن ذَلِكَ الإجماع برفضهم له، وتركهم لمحاربة أهل البغي، وصار من ثبت عَلَى ذَلِكَ السبيل مستقيما عَلَى سبيل من مضى عَلَيْهِ من جماعتهم، ومن خالفه وشكَّ فيه فهو خارج من سبيل جماعتهم، فهل أوضح من هَذَا حَقًّا أو باطلا أَيُّهَا المسلمون؟!.
فإن قيل: إِنَّ عليًّا كان مخصوصا بالنظر والاجتهاد للأمَّة، فكان اتِّبَاعه أولى وأحقَّ؛ لأَنَّهُ تأوَّل ذَلِكَ، وأراد بِذَلِكَ الحيلة عَلَى عدوِّه.
قيل له: ذَلِكَ يسوغ فيما لم يأت فيه نصٌّ، وَأَمَّا ما أتى فيه نصٌّ فلا حظَّ للنظر مع النصِّ. ثُمَّ إِنَّهُ إن كان واسعا له ذَلِكَ فما كان له تحكيم عمرو وهو حرب له يدين بتخطئته وبطلان إمامته. ثُمَّ إن كان واسعا له ذَلِكَ فكان يجب عَلَيْهِ الوفاء بعهده من قبول ما حكما به عَلَيْهِ.
فإن قيل: إِنَّ الحكمين اختلفا فكيف يلزم الوفاء؟
قيل له: الحكمان قد اجتمعا عَلَى خلعه، وَإِنَّمَا اختلفا في إمامة معاوية، فلا يجد بدًّا من تصويب أحد الفريقين عَلَى عليٍّ ومن خالفه من أصحابه في التحكيم، فهنالك يَتَبَيَّنُ المحقُّ من المبطل، ولولا أَنَّ عندي في المعاريض تحقُّق هَذِهِ المعاني لأشبعت القول فيها بما يأتي عَلَى جملتها كشفا وتصريحا، لَكِنِّي اقتصرت عَلَى نفي ولاية أحد بعينه من المهاجرين والأنصار عَلَى الحقيقة؛ فلذلك اكتفيت به فيما خرج عن ذَلِكَ بالتلويح دون التصريح، فيتأمَّل ذَلِكَ طالب الحقِّ ويتفهَّمه.
__________
(1) فِي الأَصْلِ: «عليًّا». (1/255)
صفحة 40
<256> وبالله التوفيق.
باب: القول في الآيات عَلَى الانفراد
[توبة الله على جيش العسرة مخصَّص بغير المنافقين منهم]
أَمَّا قَوله عَزَّ وَجَلَّ: {لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيءِ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ الذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمُ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [سورة التوبة: 117]، فالذي تواطأ عَلَيْهِ أهل التفسير أَنَّ هَذِهِ خَاصَّةٌ في الذين اتَّبعُوا رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى غزوة تبوك، وَأَنَّ التوبة من الله عَلَى مَن هَمَّ منهم ألاَّ بنفر مع النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم إِلَيْهَا، فعزم الله لهم عَلَى الخير فاتَّبعُوه، قال [كذا]: فالتوبة من الله تَعَالىَ على النبيِّ فيما قيل تجاوز عنه فيما تَقَدَّمَ في الجَاهِلِيَّة قبل أن يوحى إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا كانت غابل [كذا] كقوله في سورة الفتح: {لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [سورة الفتح: 2]، فما تَقَدَّمَ: في الجَاهِلِيَّة، وما تأخَّر: في الإِسلاَم. قال بعض: معناه ليغفر لك الله عَلَى كُلِّ حال، كان لك ذنب أو لم يكن. قالوا: وَأَمَّا ما تَقَدَّمَ من ذنبه فَإِنَّهُ كان عَلَى شريعة إسماعيل من أمر الطلاق والعتاق وحفظ الجوار وحسن العشرة، والدية عشرة آلاف، وكان قد زوَّج ابنته من ابن أبي لهب ومن أبي العاص بن الربيع قبل أن يوحى إِلَيْهِ، ولم يكونوا مسلمين، وَتَزَوَّجَ خديجة رَحِمَهَا اللهُ قبل أن يوحى إِلَيْهِ، فكان ما كان منه قبل الوحي مغفورا له؛ لأَنَّهُ كان عَلَى غير عبادة، ولا عزم عَلَى خلاف. وفي هَذِهِ الآية رَدٌّ عَلَى الرافضة من زعم أَنَّ الأنبياء لا يجوز عَلَيْهِم الخطأ والذنوب؛ فَهَذَا معنى التوبة عَلَى النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم عَلَى ما ذكره الْمُفَسِّرُونَ.
والتوبة عَلَى المهاجرين والأنصار أراد بها الذين همُّوا ألاَّ ينفروا، فخاطب بذكرهم جميعا، وأراد مَن همَّ منهم بالوقوف عن رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ التخصيصُ في قَوله: {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الاَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلآَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [سورة التوبة: 118]، فلو أراد جميع المهاجرين والأنصار ما ذكر الثلاثة الذين خلِّفوا لأَنَّهُم منهم، وَإِنَّمَا ذكرهم وأراد بعضَهم.
وَدَلِيل ثان: كون المنافقين في تلك الغزوة بعد دخولهم في الأنصار، فخروجهم بنفاقهم بعد اشتمال اسم الأنصار عَلَيْهِم دَلِيل التخصيص في ذَلِكَ، وَإِنَّمَا خصَّهم بذكر التوبة لوقوف بعضهم عن رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، واهتمام بعضهم بالوقوف تشديدا منه في ذَلِكَ؛ حَتَّى قيل: نصب ابن أمِّ مكتوم لواء بالبقيع إلى أن أنزل الله {غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ} [سورة النساء: 95]، لأَنَّهُ تلك الغزوة شدَّد الله عَلَى المسلمين فيها ما لم يشدِّد في غيرها فقال: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً} [سورة التوبة: 41]، وقال: {اِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا اَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذَ اَخْرَجَهُ الذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنِ اِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [سورة التوبة: 39 - 40]، فَهَذِهِ الآية مقيَّدة بالذين اتَّبعُوه في ساعة العسرة، والساعة تقع عَلَى كُلِّ زمان، وكان في ذَلِكَ الوقت حرٌّ شديد، وكانوا في ضيقة شديدة، وكان الجمل بين جماعة يعتقبون عَلَيْهِ، وكانوا في الشدَّة والفقر، رُبَّمَا قسموا التمرة اثنان [كذا]، وَرُبَّمَا نحروا الإبل ليشربوا من ماء كروشها من الحرِّ، فحثَّ الله عَلَيْهَا، ونبَّه عَلَى فضل من سارع إِلَيْهَا، وليس (1/256)
صفحة 41
<257> في هَذِهِ الآية ما يَدُلُّ عَلَى العموم، بل فيها دَلِيل الخصوص بالذين اتَّبعُوه في ساعة العسرة. ثُمَّ قد دخل في الذين اتَّبعُوه أَيضًا التخصيص بخروج من ظهر نفاقه فيها مِمَّن شمله اسم الأنصار، كعبد الله بن أبي [بن] سلول، وطعيمة بن أبيرق سارق الدرع، وغيرهما، فصحَّ التخصيص.
فإن قيل: خروج المنافقين أسقطهم من موجب توبة الله عَلَيْهِم، وقد كانوا معروفين، وَأَمَّا من سواهم فداخل تحت العموم.
قيل له: لو كان اللفظ والخطاب موضوعا عَلَى العموم في الحقيقة ما دخله التخصيص لِمَا قَدَّمنا بيانه في غير موضع من دخول الخطإ، واستعمال ظاهر الخطاب نظر واجتهاد، والنظر والاجتهاد لا يوصل به إلى علم غيب حقيقة، ففي هَذَا القدر كفاية لمن منَّ الله عَلَيْهِ بالهداية.
باب: آية ثانية [«من» تفيد التبعيض في حقِّ المهاجرين والأنصار]
وَأَمَّا قوله: {وَالسَّابِقُونَ الاَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ وَالذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الاَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة التوبة: 100]، فَهَذِهِ الآية يوجب النظر والاجتهاد أَنَّهَا من المتشابه دون المحكم؛ لأَنَّ المحكم ما لا يحتمل تأويلين، وَهَذِهِ الآية قد قرئت عَلَى وجهين، وتُؤُوِّلت تأويلين. أَمَّا القراءة فقرأ بعضهم: {وَالسَّابِقُونَ الاَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ} بخفض «الأنصار»، عطفا عَلَى «المهاجرين»، وَبَعضٌ رَفعَ «الأنصار» عطفا عَلَى «السابقين»، واختلاف هَذِهِ القراءات دَلِيل عَلَى الاختلاف في المعنى، ومن رفع «الأنصار» أوجب الرضا للسابقين مِمَّن هاجر والأنصار جملة، والذي قرأ بخفض «الأنصار» أوجب الرضا للسابقين منهم جملة.
ثُمَّ إِنَّ قوله: {مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ} يَدُلُّ عَلَى البعض دون الكلِّ؛ لأَنَّ «مِنْ» هاهنا بمعنى التبعيض، كَقَولِهِ تَعَالىَ: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُومِنِينَ غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ} [سورة النساء: 95]، أراد بقوله: {مِنَ الْمُومِنِينَ} أراد الذين هم من المؤمنين؛ لأَنَّ في المؤمنين القاعدين وغير القاعدين، ولم يُرِد الذين هم [كذا]، فَهَذَا بمعنى التبعيض.
ومثله قَوله تَعَالىَ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَآءِ} [سورة النساء: 24]، وأراد اللاتي هُنَّ من النساء؛ لأَنَّ في النساء المحصنات وغير المحصنات، ولم يرد اللاتي هُنَّ جملة النساء، فَإِنَّ ذَلِكَ يوجب أن تكون النساء جميعا كلُّها [كذا] محصنات.
ومثل قَوله عَزَّ وَجَلَّ بعد ذكر أهل الكِتَاب: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُومِنُونَ} [سورة النساء: 162]، أراد: الراسخون في العلم الذين هم من أهل الكِتَاب؛ لأَنَّ في أهل الكِتَاب الراسخون في العلم وغير الراسخين، ولم يرد الذين هم جملة أهل الكِتَاب كُلُّهُم، فَذَلِكَ يوجب أَنَّ أهل الكِتَاب كُلُّهُم راسخون في العلم.
ومثله قوله سُبْحَانَهُ: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا اَلِيمًا} [سورة النساء: 161]، أراد الكافرين الذين هم من أهل الكِتَاب؛ لأَنَّ فيهم الكافرين وغير الكافرين، ولم يرد الذين هم جملة أهل الكِتَاب، فيوجب ذَلِكَ الكفرَ لجميع أهل (1/257)
صفحة 42
<258> الكِتَاب.
ومثله قوله عَزَّ وَجَلَّ: {لُعِنَ الذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَآءِيلَ} [سورة المائدة: 78]، أراد: الذين هم من بني إسرائيل، ولم يرد الذين هم بنو إسرائيل، فَهَذَا أراد البعض دون الكلِّ.
ومثله: {لاَ تَتَّخِذُواْ الذِينَ اَتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُؤًا وَلَعِبًا مِّنَ الذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ} [سورة المائدة: 57]، أراد: الذين هم من الذين أوتوا الكِتَاب، ولم يرد الذين هم جملة الذين أوتوا الكِتَاب.
وقوله: {قَالَ الْمَلأُ الذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ} [سورة الأعراف: 75]، أراد: الذين هم من قومه، ولم يرد الذين هم جملة قومه.
وقوله: {وَجَآءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الاَعْرَابِ} [سورة التوبة: 90]، ولم يرد الذين هم جملة الأعراب.
فَهَذَا وما أشبهه من كِتَاب الله يوجب البعض دون الكلِّ، فَعَلَى هَذَا يخرج الرضا للسابقين خَاصَّةً الذين هم من المهاجرين والأنصار دون جملة المهاجرين والأنصار. قيل: سبقوا إلى الهجرتين، وقيل: سبقوا إلى البيعتين، فَهَذَا وجه الخطاب في هَذِهِ الآية مقيَّد بذكر السابقين منهم دون عامَّتهم. وفي السابقين احتمالات تمنع من الحقيقة، عَلَى ما سنذكره إن شاء الله.
وَأَمَّا تأويل الآية فقد اختلف الْمُفَسِّرُونَ فيها:
- وفي كِتَاب الكلبي في قوله: {وَالسَّابِقُونَ الاَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ ... } الآية كُلُّهَا [سورة التوبة: 100]، الذين صلَّوا القبلتين، قبلة بيت المقدس وقبلة الكعبة حين صرفت القبلة هم السابقون الأَوَّلُونَ. وَهَذَا قول مطر [كذا] وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة وعن الكلبي، وهم الذين سبقوا إلى الهجرة مع رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، وآمنوا به.
- وفي كِتَاب النقَّاش: السابقون إلى الإِسلاَم يحتمل السبق في الإيمان والسبق في الطاعة والسبق في العمل. وَقِيلَ: هي بيعة الرضوان. والأَوَّلُونَ من المهاجرين والأنصار الذين صلَّوا القبلتين علي بن أبي طالب في عشرة من أهل بدر.
فَهَذَا الاختلاف لا يخلو أن يكون بالدين أو بالرأي، فإن كان بالدين وجب أن يحكم عَلَى أحدهم بالخطأ. وإن كان رأيا، والرأي اجتهاد، والاجتهاد لا حقيقة فيه، وَعَلَى الوجهين ليس بمحكم، والمحكم لا اختلاف فيه. ففي هَذَا بيان وجه التشابه في السابقين. ومثل ذَلِكَ اختلافهم في قوله: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [سورة الواقعة: 10 - 11]، قيل: السابقون إلى الأنبياء والإيمان بهم، والصدِّيقون والشهداء من كُلِّ أُمَّة هم السابقون إلى الجَنَّة. ويقال: السابقون إلى الجَنَّة في أَوَّل زمرة. ويقال: إلى ظلِّ الله هم السابقون في الدنيا إلى الخيرات. وَقِيلَ: هم أَوَّل النَّاس رواحا إلى المسجد، وَأَوَّلُهم خروجا في سبيل الله. ويقال: هم الذين إذا أعطوا الحقَّ قبلوه، وإذا سئلوا (1) بذلوه، وإذا حكموا الناس حكموا عَلَى أنفسهم. الأَوَّل رُفع بالابتداء، والثاني توكيد، ويكون الخبر {أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [سورة الواقعة: 11 - 12].
فصل [من أنواع التخصيص أنَّ اتباع الصحابة إنما يكون فيما أجمعوا عليه لا فيما اختلفوا وتقاتلوا فيه] (2)
وَأَمَّا قَوله تَعَالىَ: {وَالذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ} [سورة التوبة: 100]، فالذي جاء من أهل التفسير أَنَّهُم التابعون بإحسان إلى يوم القيامة، غير أَنَّ في قوله: {وَالذِينَ اتَّبَعُوهُم} نظر؛ فَإِنَّ الاِتِّبَاع إِنَّمَا يكون في الظاهر عَلَى سبيل أجمعوا عَلَيْهِ، فَأَمَّا إذا اختلفوا وتنازعوا في الدين، وقتل بعضهم بَعْضًا عَلَى ذَلِكَ استحال تصويبهم جميعا في الظاهر، لم يجز اتِّبَاعهم جميعا باقتداء ولا تصويب، فَإِنَّ هَذَا
__________
(1) علَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «لعله: سئلوه».
(2) هذا بطبيعة الحال ينطبق حتَّى على أسلاف الإباضيَّة فيما أخطأت فيه المحكِّمة. (1/258)
صفحة 43
<259> أَيضًا يستحيل؛ فإذا استحال اتِّبَاعهم جميعا، وقد وجب الثناء لمن اتَّبَعَهم علمنا أَنَّ ذَلِكَ متوجِّه إلى اتِّبَاع المحقِّ منهم دون جماعتهم، فَإِنَّ اتِّبَاع جماعتهم مع اختلافهم في الدين يستحيل؛ فإذا استحال اتِّبَاعهم جميعا كان ذَلِكَ دَلِيل التخصيص.
فصل [خلاصة البابيْن السابقين]
فهاهنا وجوه من الحكم بالحقيقة في التعيين عَلَى أحد باسمه، فَإِنَّهُ ما من أحد منهم إِلاَّ ويحتمل أن يكون هو المستحقُّ لِذَلِكَ، وأن يكون المستحقُّ غيرَهُ دونه، ولا يمكن أن يكونوا جميعا، فمنها ظاهر الخطاب أوجب الرضا للسابقين. ومنها: اختلاف المعنى لاختلاف القراءات. ومنها: احتمال للسابقين في ماذا؟ وَإِلىَ ماذا؟ فمعلوم أَنَّهُم لم يسبقوا في وقت واحد وساعة واحدة، بل كانوا متفاوتين منذ بعث رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى زمان الفتح، ونسخ الهجرة بعد ذَلِكَ إِلاَّ ما شاء الله، فكيف لنا بالحقيقة في أحد عَلَى هَذِهِ المعاني، مع أَنَّ الهجرة هجرتان، وإن كانت المشهورة وغالب النظر أَنَّهَا إلى المدينة، فالتي إلى الحبشة قد سبقت فيها شبهة، إذ لا ينكر فضلها، فقد أخرج هَؤُلاَءِ من ديارهم وأموالهم كما أخرج أولئك. ثُمَّ مع هَذَا كُلِّهِ فالآية محتملة للتخصيص عَلَى ما قَدَّمنا ذكره في تخصيص الخطاب وعمومه. ففي هَذَا كفاية وشفاء لمن كان له بصر ووفاء، وبالله التوفيق.
باب: آية ثالثة [وصف الصدق لا ينطبق على كلِّ المهاجرين بأعيانهم]
وَأَمَّا قوله: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [سورة الحشر: 8]، فَهَذِهِ الآية نزلت في قسم الفيء والغنيمة التي غنمها رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم من قرى بني النضير؛ وَذَلِكَ أَنَّ المسلمين ظنُّوا أَنَّهُ سيقسمها بينهم، فقال - عليه السلام - للأنصار: إن شئتم أن أقسم بينكم وتقرُّون المهاجرين معكم في دوركم فعلت، وإن شئتم عزلتهم وقسمت لهم هَذِهِ النخل وَالأَرض، فقالوا: يارسول الله، بل أقرَّهم في دورنا واقسم لهم دوننا، فجعلها صلَّى الله عليه وسلَّم للمهاجرين، فأنزل الله تَعَالىَ: {وَمَآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} [سورة الحشر: 6]، والإيجاف من الوجيف، وهو سير دون التقريب، يقول: لم تعدُ إِلَيْهِ الخيل ولا الركاب، وَإِنَّمَا كانت بناحية المدينة فمشت إِلَيْهِ الرجال، ولم تكن قاصية يتكلَّفون إِلَيْهَا السير، {وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَّشَآءُ} [سورة الحشر: 6]، يعني محَمَّدًا وحده في هَذِهِ الآية خَاصَّةً، فرأى (1) المسلمون عند نزول هَذِهِ الآية أَنَّ هَذَا خالص لِرَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يعمل فيه ما أحبَّ. وَقِيلَ: لَمَّا نزلت هَذِهِ الآية كان الفيء بين هَؤُلاَءِ، فَلَمَّا نزلت الآية التي في الأنفال نسخت الأولى، فجعل الخمس مكان الفيء، وصار ما يفيء من الغنيمة لمن قاتل عَلَيْهِ.
وقال سُبْحَانَهُ: {وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [سورة الحشر: 7]، نزلت في الغنيمة ثُمَّ صارت بعد في جميع الدين، ثُمَّ قال: {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} وهي بعد في جميع
__________
(1) الكلمة غير مفهومة في الأصل، رسمها: «فرق» مع نقطة تحت القاف. (1/259)
صفحة 44
<260> الدين؛ فَهَذِهِ الآية قد دخلها الخصوص عَلَى ما بَيَّنَاه.
ثُمَّ إِنَّهَا إن كان فيها ثناء وإيجاب صدق المهاجرين فظاهر الخطاب فيها مقيَّد بالفقراء، وقد قيل: إِنَّهُم كانوا نحو مائة رجل، فَذَلِكَ دَلِيل التخصيص في المهاجرين، ومن الذي يقطع بالحقيقة أَنَّ المحدثين الذين استوجبوا البراءة في حكم الظاهر كانوا من هَؤُلاَءِ الفقراء عَلَى المعنيين؟.
وَإِنَّمَا اقتصرنا عَلَى تخصيص المهاجرين في أكثر كلامنا من حيث إِنَّ التنازع إِنَّمَا وقع في المحدثين المشهورين، وهم في الظاهر من المهاجرين في الجملة.
فإن قال قائل: إِنَّ الغنيمة والفيء قسمهما رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم عَلَى فريق معيَّنين، فيجب أن يحكم بالثناء والصدق لأولئك الذين وقع القسم عَلَيْهِم بالتعيين، لتعيينهم في القسم.
قلنا: ذَلِكَ إِنَّمَا توجَّه إِلَيْهِم عَلَى فعل مُعَيَّن، وهي الهجرة، فالرضا راجع إلى ذَلِكَ السبيل، وَإِنَّمَا استحقَّه المتمسِّك به وهو عَلَى التفضيل للهجرة والحثِّ عَلَيْهَا، والترغيب فيها، والتعريف للمسلمين بفضل أهلها، ثُمَّ الاستقامة والثبوت فرض عَلَيْهِم، فغيرهم لم يرتفع ذَلِكَ عنهم بموجب هَذِهِ الآية، فمحال أن يموت من هَؤُلاَءِ أحد يلقى الله مصرًّا عَلَى معصية ثُمَّ يدخل إلى الجَنَّة، فيكون هو ومن استقام عَلَى الحقِّ إلى أن مات ولقي الله سواءً، {ذَلِكَ ظَنُّ الذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [سورة ص: 27].
فإن قال: هَؤُلاَءِ معلوم بهذا الثناء أَنَّهُم لا يفارقون الدنيا ويلقون الله مصرِّين عَلَى معصية، بل محكوم لهم أَنَّهُم وإن فارقوا ذَلِكَ فلن يموتوا إِلاَّ تائبين منه.
قلنا: هَذَا لا شَكَّ عندنا فيمن صَحَّت عندنا سعادته بعينه، وَأَمَّا من لم يستَحقَّ ذَلِكَ إِلاَّ بدخول في جملة استحقَّ أهلها الرضا عَلَى ظاهر فضيلة، والقيام بسبيل، فلا يَصِحُّ له حكم إِلاَّ بالقياس والتنزيل، وَذَلِكَ مِمَّا لا ينبغي القطع به عَلَى محتمل الخصوص، فقد قَدَّمنا عَلَى محتمل الخصوص فيما مضى ما يغني عن إعادته. فليس سبيل قسم الفيء عَلَيْهِم سبيل الشهادة بالقطع لهم بالسعادة، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قسم لهم ولم يشعر لهم شهادة بالجنَّة كما قسم لهم. فلو كان في ذَلِكَ لزوم شهادة بالتعيين لنبَّه عَلَيْهِ كما نبَّه عَلَى غيره من أمور الدين.
فإن قال: هَذَا معلوم بظاهره، فلا يحتاج من رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى بيان.
قيل له: معلوم بظاهره عند كُلِّ سامع له ولو لم يعرف الفقراء والمهاجرين، أم إِنَّمَا ذَلِكَ عند من عرفهم؟ فإن قال: هَذَا عند كُلِّ سامع ولو لم يعرف الفقراء، فقد خرج من المعقول، ولا أظنُّه يقول ذَلِكَ. فإن قال: عند من سمع الخطاب وعرف أولئك، قلنا: فالولاية بالحقيقة هاهنا وجبت بظاهر الخطاب لا غير، أم وجبت بمعرفة المهاجرين، فإن قال: بتعيين الخطاب رجع إلى القول الأَوَّل، وهو أَنَّهُ حجَّة عَلَى كُلِّ سامع ولو لم يعرف المهاجرين، فلمن يشهد إذا لم يعرف المشهود لهم بأعيانهم؟. فإن قال: بشهرة، والفقر في حكم (1/260)
صفحة 45
<261> الظاهر خَاصَّةً، فقد جعل لولاية الحقيقة طريقا غير الكِتَاب وَالسُّنَّة.
فإن قال: بل وجبت هاهنا بظاهر الخطاب، وَصَحَّت الهجرة والفقر، ولا أبلغ من قسمته الفيء عَلَيْهِم بِالكِتَابِ، قد أوجب الذين صَحَّ قسمته الغنيمة لهم أَنَّهُم هم الصادقون.
قلنا: صادقون في كُلِّ شَيْء؟ فإن قال: لا، فقد رجع عن قوله وخطَّأ نفسه، وكفينا مؤنته؛ لأَنَّهُم كيف يكونون صادقين عَلَى العموم ولا يكونون صادقين في كُلِّ شَيْء. فإن قال: صادقون في كُلِّ شَيْء، قلنا: فإذًا مقتل عثمان كان حَقًّا أم باطلا، ومقتل أهل النهر كان حَقًّا أم باطلا؟ فإن قال: كانوا جميعا فيه محقِّين، فقد كابر عقله، فإن قال: كان بعضهم محقًّا دون بعض، قلنا: فغير المحقِّ صادق أم لا؟ فإن قَالَ: صادق فقد أحال. فإن قال: كاذب، قلنا: فهاهنا فريق ليسوا من الذين وصفهم الله، فلا يجد من ذَلِكَ بدًّا.
فصل ["الصادقون" عموم يمكن تخصيصه، مع نماذج مختصرة للتخصيص]
ثُمَّ إِنَّ الله تَعَالىَ قال: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [سورة التوبة: 119]، وقد سَمَّى هَؤُلاَءِ الصادقين الذين تنازعوا في إمامة عثمان وعليٍّ لاَ بُدَّ فيهم من كاذبٍ، فكيف [لنا] أن نكون معهم، ومن أين لنا تصديقهم وهم يخطِّئون بعضهم بَعْضًا، فلا يستقيم الآن المراد بالصادقين بعضهم دون جميعهم.
كما وصف الذين أخرجوا من ديارهم لأَوَّلِ الحشر، وهم بنو النضير بِأَنَّهُم الذين كفروا، وقد صَحَّ إسلام بعضهم وإيمان بعضهم وسعادته بالحقيقة. فصفيَّة بنت حيي زوجة النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم منهم.
كما قال في أصحاب القرية: {إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ} [سورة يس: 13]، فقال: {بَلَ اَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} [سورة يس: 19]، فَإِنَّ المسرفين هم أصحاب النار. ثُمَّ قال: {وَجَآءَ مِنَ اَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} [سورة يس: 20]، إلى قوله: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ} [سورة يس: 26].
وكما قال: إِنَّهُ قد تاب عَلَى المهاجرين والأنصار الذين اتَّبعُوا رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم في ساعة العسرة، وفيهم من صَحَّ بعد ذَلِكَ نفاقه، فرجع الخطاب إلى بعض دون بعض، وليس هَذَا بمنكر في القرآن، فَإِنَّهُ نزل عَلَى لغة العرب، وقد يقول قائلهم: كسا الأمير الحُجَّاج، ويقول: جاء الحجَّاج، ويقول: لقيت الحجَّاج، وهو يريد بعضهم، فَإِمَّا أولى بنا أن نخصَّ هَذَا عَلَى هَذَا الترتيب، وليس فيه انتقاص الحكمة، أو نخصَّ آيات أخرى بقدح في الحكمة، عَلَى ما سيأتي بيانه بعد تمام القول في الآيات.
باب: آية رابعة [الولاية بين المهاجرين والأنصار ولاية ميراث]
وَأَمَّا قوله: {اِنَّ الذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمُ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَالذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُم مِّنْ وَّلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} [سورة الأنفال: 72]، قرئت: «وِلاية» و «وَلاية» بالكسر والفتح، قال: والكسر بمنزلة الخياطة والقصارة؛ لأَنَّ فيها ضربا من الصناعة والعمل والله أعلم.
ففي كِتَاب النقَّاش: إِنَّ قوله: {اِنَّ الذِينَ ءَامَنُوا} يعني: الذين صدقوا بتوحيد الله، {وَهَاجَرُوا} إلى المدينة، {وَجَاهَدُوا} العدوَّ {بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}، فَهَؤُلاَءِ المهاجرين [كذا] ثُمَّ ذكر الأنصار فقال: {وَالذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا} آوَوا النَّبِيَّ ونصروه، والإيواء (1/261)
صفحة 46
<262> بالإسكان والمعونة، كقوله: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَئَاوَى} [سورة الضحى: 6]، ثُمَّ جمع المهاجرين والأنصار فقال: {أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمُ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} في الميراث، ليرغِّب بِذَلِكَ في الهجرة، ألا تراه [يقول] (1): {وَالذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُم مِّنْ وَّلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ}، ففي كِتَاب النقاش والضياء: إِنَّ ذَلِكَ في المواريث ليس في الدين، وفي الأثر: إِنَّ ذَلِكَ في الدين والمواريث، ثُمَّ نسخ ذَلِكَ بقوله في آية أخرى: {وَأُوْلُوا الاَرْحَامِ بَعْضُهُمُ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [سورة الأنفال: 75]، فَلَمَّا صَحَّ أَنَّ الآية الأولى إِنَّمَا نزلت إيجابا للهجرة وحثًّا عَلَيْهَا، وترغيبا فيها دون الحكم للأشخاص الفاعلة لها إِلاَّ بالقيام بها لم يجز القطع للأشخاص بسعادة ولا شقاء، بل ذَلِكَ راجع إلى السبيل والأمر الذي فُرض، ووجوب الرضا لأهله في الجملة، كوجوب الإيمان للذين كانوا أعداء فألَّف بين قلوبهم فأصبحوا إخوانا، وهو [كذا] الأوس والخزرج عَلَى ما بَيَّنَا، وقد خرج من خرج منهم من المنافقين، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى التخصيص، فَكَذَلِكَ هَؤُلاَءِ وإن ثبت لهم وفيهم الحكم قطعا بالولاية فَإِنَّهُ في الجملة المحتملة للتخصيص المانع من اعتقاد الولاية لهم قطعا بالحقيقة، فانظر فيه وبالله التوفيق.
باب: آية خامسة [عموم الآية محتمل للتخصيص]
وَأَمَّا قوله: {وَالذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُومِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [سورة الأنفال: 74]، فَإِنَّهُ وإن كان مطلقا خرج مخرج العموم فَإِنَّهُ محتمل للتخصيص عَلَى ما قَدَّمنا ذكره، وما احتمل التخصيص وَإِنَّمَا أطلق عَلَى فريق في الجملة كإطلاق الوعيد عَلَى الذين اتَّخَذُوا العجل، فلا يجوز فيه لأحد أن يقضي فيه عَلَى الحقيقة لأحد بعينه عَلَى الانفراد، فَإِنَّ ذَلِكَ قضاء بالعموم عَلَى الحقيقة، ولا يجوز القضاء عَلَى خطاب بالعموم عَلَى الحقيقة، وقد جاء مثله عَلَى الخصوص، سواء ثبت خصوصه من الكِتَاب أو السُّنَّة أو الإجماع أَو حجَّة العقل، فإذا كان ذَلِكَ الخطاب قَدْ جاء في مثله التخصيص ضاق نفي التخصيص بحجَّة ظاهر الخطاب، إذ لو كان الخطاب موضوعا عَلَى الحقيقة للعموم لكان تخصيصا (2) من غير استثناء مُتَّصِل تخطئة وتكذيبا له.
فإن قال قائل: أَمَّا ما صَحَّ تخصيصه من الكِتَاب أو السُّنَّة أو الإجماع أو العقل فلا كلام فيه، ولا حجَّة لكم به، فما لم يَصِحَّ فيه تخصيص فَإِنَّ هَذَا عَلَى العموم حَتَّى يَصِحَّ عندنا ما يَخُصُّه.
قلنا: مَنِ الذي كَلَّفنا أن نعتقد في العموم دون الخصوص؟ في أيِّ موضع لزمنا ذَلِكَ؟. فلا يجد حجَّة إِلاَّ قولهم: إِنَّ الخطاب عَلَى العموم حَتَّى يَصِحَّ التخصيص، وَهَذَا الحكم لم نجده في الكِتَاب ولا في السُّنَّة ولا في الإجماع، بل جاء الاختلاف بالرأي في مثل هَذَا، وقد قَدَّمنا من شرح هَذَا المعنى ما فيه مقنع، ومتى ساغ التخصيص في خطاب مطلق ساغ في مثله، وَإِنَّمَا أوردنا ما صَحَّ تخصيصه بغير اتِّصَال تنبيها مِنَّا عَلَى احتمال الخصوص في جميع المجملات، كانت مُعَيَّنة أو مبهمة لا يجوز القطع عَلَيْهَا بتخصيص ولا عموم إِلاَّ بدليل قاطع، وَإِلاَّ فالإمساك أولى بنا في المحتملات،
__________
(1) إضافة من تعليق الثميني في الحاشية.
(2) لَعَلَّ الصواب: «لكان أيُّ تخصيص». (1/262)
صفحة 47
<263> لاسيما في الولاية بالحقيقة، فَإِنَّهَا شهادة غيب لا يقطع بها عَلَى غلبة ظنٍّ ولا قياس، ولم نلتجئ إلى هَذَا الأصل في كُلِّ آية إِلاَّ لقوَّته واستقامته وصحَّته في جميع ذَلِكَ. فقد أتينا عَلَى جملة أَصلِيَّة وَأَدِلَّة عدليَّة كافية عن تبيين ما خصَّ هَذِهِ الآيات من آيات غيرها، فَإِنَّ ذَلِكَ غير لازم لها في حكمنا بالظاهر عَلَى المحدثين، فَإِنَّا متى حال بيننا وبين الحكم بجواز القطع عَلَى هَذِهِ الآيات حائل منع عن الحكم بالتعيين لأحد بالسعادة لزمنا الحكم بالظاهر، وساغت البراءة التي أنكرها المعارض. وَهَذَا المعنى قد حصل باحتمال هَذِهِ الآيات التخصيص لو لم يَصِحَّ ما خصَّها، كيف وقد اتَّضَحَ وَصَحَّ ما خصَّها من الآيات الخَاصَّة لقصصها خَاصَّةً، والآيات المشتمل عَلَيْهَا في العموم، وسيأتي بِذَلِكَ كشفا للغمَّة، وحسما للشوكة، والرِّيَب المدلهمَّة، والله المعين عَلَى الهداية، وهو وليُّ التوفيق والكفاية، بمنِّه وكرمه، فقد اندفع بحمد الله هَذَا الاعتراض، وانكشف لبسه بما أوردناه من نظائره، ولم يبق إِلاَّ شبهة واحدة.
باب: بيان تخصيص هَذِهِ الآيات بأمثالها من القرآن
[تخصيص المؤمنين والصالحين من الصحابة بالمغفرة]
وَأَمَّا ما خصَّ هَذِهِ الآيات التي ذكرها المعارض من كِتَاب الله فآيات مفترقة في القرآن كافتراق هَذِهِ الآيات فيه، فمنها في آخر سورة الفتح: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنَ اَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الاِنجِيلِ كَزَرْعٍ اَخْرَجَ شَطْأَهُ فَئَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [سورة الفتح: 29]، فَهَذَا ما وصف الله تَعَالىَ به المسلمين في أَوَّل الإِسلاَم، إذ كانوا في قِلَّة وضعف، فلم يزالوا يكثرون ويقوون كالزرع يبدو ضعيفا حَتَّى إذا استوى عَلَى سوقه قوي، فَكَذَلِكَ المسلمون، كثَّرهم الله تَعَالىَ ليغيظ بهم الكُفَّار.
ثُمَّ قال: {وَعَدَ اللَّهُ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [سورة الفتح: 29]، فقال: {مِنْهُم} ولم يقل: «وعدهم»، فَهَذِهِ آية خصَّت وفسَّرت المجمل الذي جاء في تلك الآيات.
كما قال الله تَعَالىَ في الملائكة: إِنَّهُم يَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأَرْضِ (1)، ثُمَّ قال في الآية الأخرى: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا} [سورة غافر: 7]، فَهَذِهِ خصَّت عموم الأخرى، وفسَّرت ذَلِكَ الفعل المحتمل للعموم والخصوص.
فَكَذَلِكَ قال: {وَالسَّابِقُونَ الاَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ وَالذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ} [سورة التوبة: 100]، وقال: {لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيءِ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ الذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} [سورة التوبة: 117]، وقال: {فَالذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [سورة آل عمران: 195]، وقد وجدنا فيمن شملته الجملة من المهاجرين والأنصار من قد صَحَّ نفاقه وكفره، كعبد الله بن أبي [بن] سلول وأصحابه، وطعيمة بن أبيرق سارق الدرع، الذي أنزل فيه: {وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا} [سورة النساء: 105]، وكالذين قال الله تَعَالىَ فيهم: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} [سورة النساء: 88]، هم قوم
__________
(1) وَذَلِكَ في قَوله تَعَالىَ: {وَالْمَلآَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الاَرْضِ} (سورة الشورى: 5). (1/263)
صفحة 48
<264> هاجروا إلى رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المدينة، ثُمَّ اجتووها، فخرجوا كَأَنَّهُم عَلَى هيئة البداة، فلم يزالوا ينتقلون منقلة منقلة حَتَّى أصبحوا بِمَكَّةَ، فاختلف أصحاب النَّبِيِّ فيهم، فأنزل الله تَعَالىَ فيهم: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْن}، فعلمنا بهذا ومثله أَنَّ تلك الآيات خارجة مخرج الخصوص دون العموم.
باب: آية أخرى [{فَمَن نَّكَثَ} تنصيص على إمكانية نكث بيعة الرضوان]
وما خصَّ هَذِهِ الآيات بما هي من نوعها قوله سُبْحَانَهُ: {اِنَّ الذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنَ اَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَنُوتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [سورة الفتح: 10]، فَهَؤُلاَءِ المهاجرين والأنصار قد بايعوا رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم عَلَى الإِسلاَم، فقد أوجب في هَذِهِ الآية الجزاء لمن أوفى بما عاهد عَلَيْهِ في بيعته، وجعل الوعيد لمن نكث، وَهَذِهِ أخبار لا يجوز عَلَيْهَا النسخ ولا التناقض. فإن كان حكم هَذِهِ الآية في النكث عامًّا فقد خصَّ تلك الآية، ودخل هَذَا الحكم عَلَى المهاجرين والأنصار، وقد صَحَّ من بعض النكث. وإن كان خَاصًّا فَهَذِهِ الآية إذًا أخصُّ، ولا محيد عن هَذَا؛ إِلاَّ أَنَّهُ متى لم يقض به عَلَى المهاجرين والأنصار صار وضعه كَأَنَّهُ قال: «فَمَن نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ إِلاَّ المهاجرين والأنصار».
فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون الحكم عند الله كَذَلِكَ؟
قيل لَهُ: ما تنكر أن يكون الحكم كما قلنا نَحْنُ: إِنَّ الرضا قد وجب للمهاجرين والأنصار إِلاَّ من نكث منهم وبدَّل.
فإن قال: هَذِهِ أخصُّ، وآيتكم أعمُّ، فالأخصُّ يقضي عَلَى الأعمِّ، ولا يقضي الأعمُّ عَلَى الأخصِّ.
قيل له: فالأعمُّ أليس هو عامٌّ لِمَا خصَّه، فَلاَ بُدَّ من القول بِذَلِكَ، فيقال له: فيحتمل عندك أن يكون خَاصًّا في بعض ما عمَّه بالتخصيص، فإن قال: نعم يحتمل ذَلِكَ فقد وافق عَلَى دخول أحد الخطابين عَلَى الآخر، فإن قال: لا، يحتمل تخصيصه قوبل بتخصيص الذين اتَّبعُوا رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم في ساعة العسرة، إذ جاء الخطاب خَاصًّا فيهم عَلَى العموم وَإِنَّمَا أريد به الخصوص بخروج المنافقين منهم، وَالله أعلم.
باب: آية أخرى [{مِّنَ الْمُومِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا} يومئ إلى أنَّ منهم من لم يصدق]
وَمِمَّا خصَّ هَذِهِ الآيات، وهو قريب من نوعها، قَوله تَعَالىَ: {مِّنَ الْمُومِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّنْ يَّنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ اَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمُ} [سورة الأحزاب: 23 - 24]، أي عَلَى من تاب منهم، فَهَذِهِ داخلة عَلَى جمع المؤمنين في الجملة، فهو سُبْحَانَهُ قد أطلق الخطاب عَلَى المؤمنين، والمؤمنون في الحقيقة كُلُّهُم صادقون، ولا يقع عَلَيْهِ هَذَا الاسم عَلَى الحقيقة إِلاَّ وهم عنده صادقون، فَلَمَّا أطلقه عَلَيْهِم فقال: {مِّنَ الْمُومِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} علمنا أَنَّهُم لم يصدقوا جميعا، وقد قال لهم: مؤمنون، فعلمنا أَنَّهُ خطبهم [كذا] بما يعرفونه؛ لأَنَّهُم جميعا جملة واحدة، وطائفة معلومة منسوبون إلى ما يُسَمَّونَ به فيما ظهر من أحوالهم؛ لأَنَّ المتحاربين مثلا إِنَّمَا يقال: هَؤُلاَءِ المؤمنون، أي: حزب الإيمان، لقيامهم به، ودعائهم إِلَيْهِ، فأجرى عَلَيْهِم (1/264)
صفحة 49
<265> اسم ما تحلَّوا به، كما يقال للآخرين: الكافرون، وإن كان فيهم من سيسلم، ولكن خاطبهم المخاطب بحالهم الظاهر؛ فَكَذَلِكَ خاطب الله تَعَالىَ عباده بما يعقلونه فيما بينهم، ولم يُرد فيما عنده في الآخرة؛ وَهَذَا لأَنَّ فيهم مؤمنين، وإن لم يكونوا جميعا في الحقيقة مؤمنين، فقد جاء في القرآن مثل هَذَا كثيرا، لا يحتمل تكريره أكثر من هَذَا.
فصل [لماذا يتوب الثلاثة المخلَّفون وهم داخلون في عموم المهاجرين والأنصار؟]
ومن الدَّلِيل عَلَى الخصوص في هَذِهِ الآيات قَوله تَعَالىَ: {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الاَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلآَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [سورة التوبة: 118]، فما الذي أحوج هَؤُلاَءِ إلى ذكر التوبة من الله وهم من جملة المهاجرين الذين أوجب الله لهم الرضا، وَإِنَّمَا عَلَيْهِم التوبة، وَعَلَيْهِم - عَلَى قول المعارض - أن يشهدوا لأنفسهم بالسعادة والرضا من الله، وَإِلاَّ شكُّوا في مخبرات الله تَعَالىَ، ولو كان الرضا والتوبة للمهاجرين والأنصار في الجملة موجبا لِكُلِّ واحد منهم عَلَى الانفراد لَمَا كان لذكرهم بالتخصيص والنصِّ عَلَيْهِم ثانية معنى، وَلَكِنَّ ذَلِكَ المعنى أَنَّ الخطاب محتمل للخصوص، ولاشتماله عَلَى جملة غير مُعَيَّنَة بعدد ولا تسمية.
فإن قال: ما تنكر أن يكون ذَلِكَ كالتأكيد في جبريل وميكائيل بعد ذكر الملائكة؟ (1).
قلنا: ذَلِكَ تأكيد التفضيل، أَفَهَؤُلاَءِ أفضل الأنصار؟ ما أظنُّ المعارض يقرُّ بِذَلِكَ ولا يَدَّعِيه، وَالله أعلم.
باب: آية أخرى [إنَّ الله لا يتقبَّل إلا الاستقامة والتقوى والإخلاص]
ومن الآيات التي خصَّت تلك الآيات الْمُتَقَدِّمَة عَلَى معنى اشتمل الجنس قَوله عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [سورة الأحقاف: 13]، وقوله: {إِنَّ الذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ التِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [سورة فصلت: 30]، وقوله جَلَّ ذكره: {الذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ اُوْلَئِكَ لَهُمُ الاَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [سورة الأنعام: 82]، وقوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمُ} [سورة مُحَمَّد: 31]، وقوله: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيءِ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ اَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} [سورة الحجرات: 2]، وقوله: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [سورة المائدة: 27]، وقوله: {أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [سورة الزمر: 3]، فَهَذِهِ الآيات وما أشبهها لا تخلو أن تكون خَاصَّةً أو عَامَّة، فإن كنَّ خَاصَّات فالآيات الأخرى أحرى بالتخصيص، وإن كنَّ عامَّات فقد دخلت عَلَى المهاجرين والأنصار وغير [هم] من الخليقة حَتَّى لا يجب الرضا عند الله إِلاَّ للذين استقاموا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، ولم يحدثوا حدثا يبطل أعمالهم، وكانوا متَّقين في جميع أمورهم، وكان دينهم لله خالصا، ولم يحملوا ظلما حَتَّى لقوا الله بقلوب سليمة، ولا اختلفت الأحكام في دين الله، فوجب الرضا لقوم [أ] حدثوا أحداثا منحطها [كذا] (2) الله من غيرهم، وعذَّبهم عَلَيْهَا فلم تَضُرَّ أولئك الذين رضي الله عنهم من غير توبة.
فإن قال: هَؤُلاَءِ محكوم لهم بالرضا عَلَى معنى أَنَّهُم لن يلقوا الله من ركوب الْمُحَرَّمَات.
قلنا: هَذَا مع احتمال الخصوص في المجمل الذي دخلوا [كذا] هَؤُلاَءِ فيها، واحتمال دخول حكم هَذِهِ الآيات عليها، فإن قال: نعم، قلنا: من أين يلزم ذَلِكَ؟ فلا يجد ملجأً إِلاَّ الاستناد إلى العموم
__________
(1) وذلك في قَوله تَعَالىَ: {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلآَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَآئِلَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} [سورة البقرة: 98].
(2) كتب الناسخ أَيضًا فوق الكلمة لفظة «كذا». (1/265)
صفحة 50
<266> في الخطاب حَتَّى يَصِحَّ التخصيص. وَهَذَا حكم قد أوضحنا ضعفه، وأين يجب وألاَّ يجب، وفي ذَلِكَ كفاية إن شاء الله.
باب: آية أخرى تخصُّها أَيضًا [الصحابة لا يخرجون عن عموم أحكام من لم يحكم بما أنزل الله وأحكام القاتل]
ومن الدَّلِيل عَلَى الخصوص في تلك الآيات قَوله تَعَالىَ: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [سورة المائدة: 44]، و {الظَّالِمُونَ} [سورة المائدة: 45]، و {الْفَاسِقُونَ} [سورة المائدة: 47]، وقوله: {وَمَنْ يَّقْتُلْ مُومِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [سورة النساء: 93]، وقوله: {إِنَّ الذِينَ يَكْفُرُونَ بِئَايَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيئِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الذِينَ يَامُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ اَلِيمٍ} [سورة آل عمران: 21]، فلا تخلو أن تكون أحكام هَذِهِ الآيات داخلة عَلَى المهاجرين والأنصار أو غير داخلة، فإن كانت داخلة عَلَيْهِم وجب أن يقضى عَلَى من صَحَّ عَلَيْهِ شَيْء منها بها. وإن كانت غير داخلة عَلَيْهِم فهي إذًا خَاصَّةٌ لدخولها عَلَى جميع الناس إِلاَّ المهاجرين والأنصار، فَإِنَّ كُلَّ عموم وقع عَلَى جملة وخرج من تلك الجملة شَيْء فهو خاصٌّ فيمن بقي، وَإِنَّمَا يقال: إِنَّهُ عامٌّ إذا كان شاملا موجبا لدخول كُلِّ محكوم فيه، وَإِلاَّ فهو خاصٌّ لانقطاعه واقتصاره عَلَى ما قد عرف.
فصل [لا موجب لتخصيص الصحابة من عموم الآيات الموجبة للموت على الاستقامة وعدم النكث]
فإن قال قائل: إذا ورد الوصف لفريق من الناس مُعَيَّن لم يدخل عَلَيْهِ عموم يشتمل عَلَيْهِ وَعَلَى غيره، فَإِنَّ الخاصَّ يعترض عَلَى العامِّ، ولا يعترض العامُّ عَلَى الخاصِّ، والآيات التي خصَّصتَ بها هَذِهِ الآيات عامَّات، فكيف تخصُّها وهي خَاصَّةٌ في فريق مُعَيَّنين؟.
قلنا: هَذِهِ الآيات وإن كانت خَاصَّةً في فريق مُعَيَّنين فَإِنَّهَا عَلَى الإطلاق عَامَّة فيهم، إذ هم جماعة يُحتَمَلُ فيهم الخصوص، فدخول الخصوص فيهم كدخول الخصوص المطلق في الكافَّة، فحكم خطاب هَذَا الضرب في دخوله عَلَى كُلِّ واحد منهم باسمه وعينه، وإذا ثبت أَنَّ خطاب الفريق المعيَّن غير قاض حقيقة لِكُلِّ واحد باسمه وعينه لعلَّة احتمال الخصوص بحكمه، وإنَّ المفرد بذاته في هَؤُلاَءِ المذكورين كالمفرد في الكافَّة، وجب أن يكون ما شمل كُلَّ واحد من الكافَّة فهو شامل لِكُلِّ أحد من الخَاصَّة، كَقَولِهِ سُبْحَانَهُ: {إِنَّ الذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [سورة الأعراف: 152]، فَهَذَا خارج منه من تاب من ذَلِكَ. وقوله: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً اَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ} [سورة يس: 13]، إلى قوله: {بَلَ اَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} [سورة يس: 19]، وَهَذَا أَيضًا خارج منهم من آمن وأسلم. وَكَذَلِكَ قوله: {إِنَّ الذِينَ يَكْفُرُونَ بِئَايَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيئِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الذِينَ يَامُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ اَلِيمٍ} [سورة آل عمران: 21]، وقوله: {اِنَّ الذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} [سورة الفتح: 10]، وقوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [سورة المائدة: 44]، و {الظَّالِمُونَ} [سورة المائدة: 45]، و {الْفَاسِقُونَ} [سورة المائدة: 47].
فَهَذِهِ الآيات داخلة عَلَى كُلِّ واحد من السابقين منهم كدخولها عَلَى التابعين وَعَلَى سائر الأُمَّة عَلَى التعيين، لاحتمال خطاب القرآن فيه الخصوص والعموم.
وَكَذَلِكَ قوله عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [سورة المائدة: 27]، (1/266)
صفحة 51
<267> داخل عَلَى كُلِّ واحد من المهاجرين والأنصار، كدخوله عَلَى سائر الأُمَّة، وَإِلاَّ فما الفرق بين قَوله: {إِنَّ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيئَةِ} [سورة البيِّنة: 7]، وبين قوله: {وَالذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُومِنُونَ حَقًّا} [سورة الأنفال: 74]، أن يكون قوله: {إِنَّ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيئَةِ} إِنَّمَا أراد به المخلصين الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، والذين ماتوا عَلَى الإخلاص، وَهَؤُلاَءِ الذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا حَقًّا، ولا يحتاجون إلى الاستقامة، ولا يَضُرُّهم ما أحدثوه في الإِسلاَم، فما هَذَا الاختلاف؟ وما وجه الفرق بينهما، وَهَذَا التخصيص غير قاض لأحد بالحقيقة باسمه وعينه، وَإِنَّمَا جرى ذكر الهجرة حيث كانت واجبة وجوبها في وقتها، كوجوب القبلة إلى بيت المقدس لا تَدُلُّ عَلَى عصمة.
ففيما أوضحناه وبيَّنَّا معانيه وشرحناه من تخصيص هَذِهِ الآيات التي وقعت لأجلها المعارضة، وترتَّبت عَلَيْهَا هَذِهِ المناقضة ما يدفع الريب والشكَّ، ويقطع العناد والإفك لمن أخلص نيَّته، وأصلح سريرته وعلانيته، والله وليُّ التوفيق، والهادي إلى أرشد طريق بمنِّه وكرمه، إِنَّهُ سميع مجيب.
تَمَّ كِتَاب التخصيص بحمد الله وحسن عونه، تأليف الفقيه الأجلِّ الورع الأكمل أبي بكر أحمد بن عبد الله بن موسى النزواني رَحِمَهُ اللهُ تَعَالىَ، إِنَّهُ هو التوَّاب الرحيم، عَلَى يد ناسخه لنفسه الفقير إلى القدير عبد العزيز بن الحاج إبراهيم المصعبي اليسجني، غفر الله له ولوالديه، ولجميع المسلمين والمسلمات أجمعين، يَا رَبَّ العالمين.
ووقع الفراغ منه في الأولى من يوم الجمعة في شهر الله شوال عام 1158 بعد هجرة أشرف الورى صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا حول ولا قُوَّة إِلاَّ بِاللهِ العليِّ العظيم. (1/267)
صفحة 52
[ابتدأت بعون الله وتوفيقه في رقن هَذَا الكِتَاب المهم في الولاية والبراءة في حق الصحابة، يوم السبت 10 شوال 1429هـ/ 10 أكتوبر 2008م أي بعد 10 أَيَّام من كارثة فيضان غرداية، وبعد 16 يوما من تاريخ قبول مشروع بحث الدكتوراه يوم الثلاثاء 24 رَمَضَان 1429هـ / 24 سبتمبر 2008م.
ووقع الفراغ من رقنه عشية الأحد 19 شوال 1429هـ/ 19 أكتوبر 2008م، مع أذان المغرب، بحمد الله وحسن عونه، بالقرارة، عَلَى يد الفقير إلى الله مصطفى بن محَمَّد شريفي. وَهَذِهِ خطوة أولى في مسافة المليون ميل في طريق بحث الدكتوراه، أسأل الله العون والتوفيق والسداد في القول والعمل.
وفرغت من تنسيقه وطباعته ظهيرة الثلاثاء 21 شوال 1429هـ/ 21 أكتوبر 2008م.
وفرغت من مراجعته وتصحيحه (بشكل سريع) يوم الأربعاء 7 ذو القعدة 1429هـ/ 5 نوفمبر 2008م]. (1/268)
صفحة 53
المحتويات
كتاب التخصيص لأبي بكر النزواني [الكندي] 218
ملاحظتان منهجيتان: 218
مواصفات المخطوط: 218
باب السؤال عن وجه البراءة من المحدثين من الصحابة: 220
باب: الجواب عن ذلك بجملة مقتصرة 221
جملة الجواب 221
فصل 222
باب: شرح مقدمات الكتاب 223
باب وجوب الولاية والبراءة ولزومهما: 223
باب: معاني الولاية والبراءة على اختلافهما: 223
مسألة [معنى ولاية الله للمؤمنين]: 223
مسألة [معنى ولاية المؤمنين لله]: 224
مسألة [معنى براءة الله من المشركين]: 224
مسألة [معنى عداوة الله للفساق]: 224
مسألة [ولاية وبراءة الجملة فرض، وما بعد ذلك فهو موكول إلى علم المكلفين]: 224
فصل أصلي [أقسام الناس عقليا]: 224
مسألة [من يستَحقُّ الولاية والبراءة]: 224
باب: الطرق التي تَصِحُّ منها موجبات الولاية والبراءة 225
باب في طريق الولاية والبراءة بالحقيقة، وبيان أقسامهما 226
فصل [أقسام ولاية وبراءة الحقيقة، ونماذج من الأفراد المسمين] 226
فصل [نماذج من الأفراد غير المسمين] 226
فصل [نماذج من المفرد النكرة] 227
باب: القول في بيان النص في فريق من الناس معيَّنين 227
باب: بيان العموم والخصوص في القرآن 228
مسألة [الخاصُّ الذي يراد به العموم]: 228
مسألة [العامُّ الذي يراد به العموم]: 228
باب: معاني العموم الذي يراد به الخصوص 229
فصل منه [في تخصيص لفظ «الناس»] 229
فصل منه [في تخصيص لفظ «الأرض»] 230
فصل 230
فصل [اختلاف العلماء في دلالة العامِّ قطعا أو ظنًّا] 230
فصل في معارضة [لا تجب الولاية والبراءة إلا بعد العلم بحال الشخص] 231
باب: بيان البراءة من المحدثين من الصحابة بحكم الظاهر أو الحقيقة 232
فصل [مناقشة نصوص ولايتهم من الكتاب] 232
فصل [الأمور المانعة من القطع بولاية الحقيقة للمحدثين منهم] 232
باب في بيان الخطاب لفريق من الناس في الجملة إلى من يرجع إلى أشخاصهم أو إلى دينهم؟ 233
فصل آخر ثانٍ [وَصْفُ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين لأجل التفريق بين حزبه وحزب محاربيه] 235
فصل آخر ثالث [وصَفَ الله تعالى الأوس والخزرج بالإيمان رغم وجود منافقين منهم] 235
فصل رابع [مدح الله الخارجين مع النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك، وفيهم منافقون] 236
فصل خامس [ذمَّ الله بني النضير رغم أنَّ منهم صفيَّة بنت حيي رضي الله عنها] 236
فصل سادس [نصَّ الله على إغراق جميع قوم نوح مع أنَّ فيهم من لم يغرق] 237
فصل سابع [قوم موسى قد يقصد به الصالحين أو الطالحين، ولا يشمل كلَّ واحد منهم على الانفراد] 237
فصل ثامن [وصف الله أصحاب القرية بالإسراف، وفيهم رجل مؤمن] 238
[الفرق بين العموم في الأخبار والعموم في الأمر والنهي] 238
فصل [أنواع التخصيص، وتطبيقها على موضوع الصحابة] 239
باب: فيمن هاجر ونصر هل يحكم له عَلَى الانفراد بِذَلِكَ عَلَى الحقيقة؟ 240
مسألة [نماذج من حكم الصحابة على بعضهم بالظاهر: القوم الذين اجتووا المدينة، والخائضون في حديث الإفك]: 241
باب: احتمال التخصيص في الخطاب بالمهاجرين والأنصار 243
مسألة [الاستدلال بطريقة السبر والتقسيم على احتمال التخصيص عند إطلاق المهاجرين والأنصار]: 243
فصل 244
باب: في سكوت النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم والصحابة عن هَذَا الحكم 245
باب: بيان استحالة هَذِهِ المعارضة لاستحالة إجماع الأُمَّة عَلَى خطأ 245
باب: في فضل الصحابة هل يمنع من البراءة من المحدثين منهم بحكم الظاهر؟ 249
باب: القول في الآيات الْمُتَقَدِّم ذكرها في السؤال عَلَى الجملة 251
فصل 251
فصل [لو كان العامُّ قطعيًّا لَمَا صحَّ تخصيصه] 253
فصل [العمل بالعموم ما لم يصحَّ التخصيص في الأحكام الاجتهاديَّة لا في أخبار الغيب] 254
فصل [خلاصة رأي الإباضيَّة في الخلفاء الراشدين ومعاوية] 254
باب: القول في الآيات عَلَى الانفراد 256
[توبة الله على جيش العسرة مخصَّص بغير المنافقين منهم] 256
باب: آية ثانية [«من» تفيد التبعيض في حقِّ المهاجرين والأنصار] 257
فصل [من أنواع التخصيص أنَّ اتباع الصحابة إنما يكون فيما أجمعوا عليه لا فيما اختلفوا وتقاتلوا فيه] 258
فصل [خلاصة البابيْن السابقين] 259
باب: آية ثالثة [وصف الصدق لا ينطبق على كلِّ المهاجرين بأعيانهم] 259
فصل ["الصادقون" عموم يمكن تخصيصه، مع نماذج مختصرة للتخصيص] 261
باب: آية رابعة [الولاية بين المهاجرين والأنصار ولاية ميراث] 261
باب: آية خامسة [عموم الآية محتمل للتخصيص] 262
باب: بيان تخصيص هَذِهِ الآيات بأمثالها من القرآن 263
[تخصيص المؤمنين والصالحين من الصحابة بالمغفرة] 263
باب: آية أخرى [{فَمَن نَّكَثَ} تنصيص على إمكانية نكث بيعة الرضوان] 264
باب: آية أخرى [{مِّنَ الْمُومِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا} يومئ إلى أنَّ منهم من لم يصدق] 264
فصل [لماذا يتوب الثلاثة المخلَّفون وهم داخلون في عموم المهاجرين والأنصار؟] 265
باب: آية أخرى [إنَّ الله لا يتقبَّل إلا الاستقامة والتقوى والإخلاص] 265
باب: آية أخرى تخصُّها أَيضًا [الصحابة لا يخرجون عن عموم أحكام من لم يحكم بما أنزل الله وأحكام القاتل] 266
فصل [لا موجب لتخصيص الصحابة من عموم الآيات الموجبة للموت على الاستقامة وعدم النكث] 266 (1/269)