صفحة 1
الكتاب: كتاب الردّ على جميع المخالفين (الخوارج، المرجئة، المعتزلة ... )
المؤلف: أبو خزر يغلا بن زلتاف (ت 380 هـ / 990 م)
تحقيق: عمرو خليفة النامي
تقديم وتعليق: الحاج سعيد مسعود بن إبراهيم، و كروم الحاج أحمد بن حمّو
دار النشر: [د. ن]
تاريخ النشر: [د. م]
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط)
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) كتاب الردّ على جميع المخالفين
(الخوارج، المرجئة، المعتزلة ... )
تأليف
أبي خزر يغلا بن زلتاف
(ت 380 هـ / 990 م)
تحقيق
الدكتور: عمرو خليفة النامي
قدّم له وعلّق عليه وراجعه
الحاج سعيد مسعود بن إبراهيم
كروم الحاج أحمد بن حمّو (1/106)
صفحة 2
بسم الله الرّحمن الرّحيم
صلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه
تمهيد
لقد مضى على تحقيق الكتاب من طرف الدّكتور عمرو خليفة النّامي عشرون عامًا، ثمّ وقعت مراجعته وإعداده للطّبع من قِبل الأستاذ الحاج سعيد مسعود (أستاذ الفلسفة والأدب العربي بمعهد عمّي سعيد بغرداية) منذ سبع سنوات، وها هي الكرّة تتجدّد للمرّة الثّالثة وتنشطُ الهِمم لإخراج الكتاب من ظلمات النِّسيان إلى نور الذِّكرى والاِعتبار، ويأبى القدَر إلاّ أن أكون أنا المكلَّف بالإشراف على هذا العمل الحضاري النّبيل.
وخلال التّصحيح والمراجعَة النّهائية لاحظت أنّ كلاًّ من الدّكتور والأستاذ لم يشيرا إلى بعض القضايا الهامّة التي يمتاز بها الكتاب والتي أرى بعضَها من الإشكاليات التي يجب البثّ فيها ولو بتأويل أوّلي، وإنّ عدم الحديث فيها يُعتبر -في نظري- خللاً في منهجية التّحقيق العلمي للمخطوط، وهذه القضايا هي:
1 - عنوان المخطوط.
2 - نِسبة المخطوط إلى المؤلّف.
3 - أسلوب المؤلِّف ومصطلحاته.
4 - مَن هو يحي بن أبي يحي النّفوسي؟
وأحاول جهدي الاِقتراب من الحقيقة العلميّة في هذه الإشكاليّات، وإن لم أوفَّق فحسبي أنّني فتحت الشهيّة للباحثين والدّارسين ليواصلوا المسيرة وينيروا الطّريقة بما هو أجدى وأهدى إن شاء الله، والله وليّ التّوفيق.
1 - عنوان المخطوط
لم تذكر المصادر المعتمَدة في فهارس مؤلّفات الإباضية كتابًا يُنسبُ لأبي خزر بهذا العنوان، فنجد النّسّاخ يتصرّفون في العنوان، فبعضهم يكتب: «هذا كتاب فيه الرّدّ على المخالفين»، وبعضهم يكتبه بعنوان: «كتاب فيه الرّدّ على (1/107)
صفحة 3
جميع المخالفين»، وآخرون لا يكتبون العبارة كاملة بل يكتفي بعبارة: «كتاب فيه ردّ الشّيخ أبي خزر يغلى بن زلتاف على مَن زعم أنّ أسماء الله مخلوقة». وعليه فالعنوان الذي اختاره الدّكتور هو عنوان مفيد ومناسب مِن وضع النّسّاخ لا من وضع المؤلِّف -رحمه الله-، وأضفنا له عبارة «من المعتزِلة والخوارج والمرجئة وغيرها» ليتّضح للقارئ مَنِ المقصود بالمخالفين.
2 - نسبة المخطوطة إلى المؤلِّف
لقد ذكر أبو القاسم البرّادي في رسالته التي تعرّض فيها لمؤلَّفات الإباضية في المشرق والمغرب في القرن 9هـ في بلاد الجريد وغيرها فقال: «وكتاب الشّيخ أبي خزر يغلى في الكلام مُختصر وقفت عليه» (1)، وفي رواية أخرى قال: «وكتاب الشّيخ أبي خزر - رضي الله عنه - في الكلام رأيته والمؤلّف من أهل القرن الرّابع» (2).
ولم يذكر البرّادي ولا غيره من المؤرّخين للشّيخ أبي خزر كتابًا ثانٍ، وبالتّالي تكون نسبة الكتاب إلى المؤلِّف نسبة صحيحة لا طعن فيها ولا اختلاف، خاصّة وأنّ البرّادي وصف محتواه بعبارة: «في الكلام مُختصر». كما أنّ الذين جاءوا مِن بعده من المتكلّمين مثل الشّيخ أبي الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي (ت471هـ) في كتابة: «التّحف المخزونة»، والشّيخ أبي عمّار عبد الكافي (ت قبل 570هـ) في كتابه: «موجز المقال ... »، والشّيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني (ت570هـ) في كتابه: «الدّليل لأهل العقول ... »، فقد كانوا عالة عليه حيث حلّلوا ووسّعوا جميع المسائل التي أجاب بها الشّيخ المعتزلة وغيرها في زمانه، بل وقد نقلوا نُصوصًا كاملة من هذه الرّسالة للاِستشهاد والتّحليل.
3 - أسلوب المؤلِّف ومصطلحاته
لقد اختار المؤلِّف في هذه الرّدود أسلوب الحوار المنطقي والجدال بالحُجّة القويّة لإقناع الخصم وإفهام الأنصار، وأثناء ذلك كان يستعمل مصطلحات وألفاظ جديدة مثل: «ما يدخل عليهم» معناه: «ما يُردّ عليهم» في أكثر من موضع، ولفظ: «وفي وُجودنا» معناه: «وفي نظرنا»؛ (ص: 22).
كما أنّه كان يرجِّح بين المسائل كمجتهد غير مقلّد فيقول مثلاً: «والجواب الأوّل أحبّ إليّ» (ص:87)، وفي نفس الصّفحة يقول لمخاطبه: «فعلى مثل هذا فأَجِب في مثل هذه المسألة، وتفهّم السّؤال وتثبّت في الجواب».
__________
(1) - أبو عمّار عبد الكافي: كتاب الموجز، تحقيق: عمّار طالبي، 2/ 289.
(2) - أبو عمّار عبد الكافي: المرجع السّابق، 2/ 289. (1/108)
صفحة 4
وممّا يلفت اِنتباه القارئ لهذه الرّدود هو:
1) تغيّر ضمير الخطاب: فمرّة نجد الشّيخ هو الذي يسأل، ومرّة أخرى
خصم أو تلميذ يسأل الشّيخ، وتارة أخرى نجد السّائل مجهولاً، وقد يفتعلُ المؤلِّف السّؤال بلفظ: «أَخْبِرُونَا».
2) وجود تسع خاتمات للكتاب بينما نهاية الكتاب بدون خاتمة، ولعلّ الصّفحتين الأخيرتين من الكتاب هما إضافة ملحَقَة بعد نهاية الكتاب في صفحة 92.
ورغم أنّ الكتاب فيه تنسيق بين مواضيعه وتِكرار قد برّره المؤلِّف إلاّ أنّه يظهر أنّ المؤلِّف قد صنّفه على شكل رسائل منفصلة، ثمّ ضمّها إلى بعضها البعض، أو أنّ الأصل في هذه الرّدود هم المعتزلة حيث ناقشهم في أكثر من عشرين مسألة، وخصّص لهم أكثر من باب والباقي جاء عرَضًا بدليل أنّ المؤرّخين يذكرون عنه أنّه كان يتصدّى لمناظرات المعتزلة ويحوز فيها قصب السّبق سواء عندما كان بالجريد في تونس أو في مصر، وقد ناظر معتزليا في أواخر أيامه بمصر وغلبه، فقال ذلك المعتزلي في النّهاية: «ما ناظرت مناظِرًا قطعني إلاّ شابًّا بالمغرب وهذا الشّيخ، فقال له أبو خزر: إنّ الفتى هو الشّيخ والشّيخ، هو الفتى» (1).
وإمّا أن يكون الكتاب قد انتهى في صفحة 25 وجاء بعض تلاميذه فأكمل الكتاب بضمّ ردوده الأخرى إليه، بدليل وجود البسملة في بداية بعضها مثل صفحة 37.
3) غزارة المادّة العلميّة واتّساع أُفقه، ومنطقه السّليم في الرّدّ على أكثر من عشر فِرَق ضالّة (المعتزلة - المشبّهة - المجبرة - المُثبتة - النجّارية - اليزيديّة - الخوارج - الجهميّة - المرجئة، وغيرهم)، ويمكن أن يكون إمامًا مجتهدًا كما ذكره أبو يعقوب الورجلاني.
4 - مَن هو يحي بن أبي يحي النّفوسي؟
كلاًّ من الدّكتور والأستاذ لم يشيرا ولو إشارة عابرة إلى الاِسم الذي وَرَد في بداية المخطوط وهو «يحي بن أبي يحي النّفوسي»، هل هو تلميذ للشّيخ أبي خزر؟ هل هو مالك سابق للكتاب؟ وهل هو غيرهما؟
إذا كان الاِفتراض الأوّل صحيح فإنّنا نجد أبا زكرياء الورجلاني
__________
(1) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 143. (1/109)
صفحة 5
(ت471هـ) وأحمد الشمّاخي (ت 928هـ) يذكرانه في تاريخهما؛ فالأوّل قد روى عنه جزءًا من تاريخ أبي خزر في صفحة 144، وأمّا الثّاني فقد ذكر شخصيّة بهذا الاِسم في ذِكر شيوخ زناتة وقال: «يحي بن أبي يحي من بني تولانة» في صفحة 593، وفي معجم أعلام الإباضية لجمعيّة التّراث يتّضح دوره بلفظ: «كانت له حلقة عِلم يجوب بها في البلاد، وكان حاكمًا بجبل نفوسة»، رقم التّرجمة 1074، وهذا هو الأقرب إلى الصّواب، لأنّ وفاته تكون في النّصف الأوّل من القرن الخامس الهجري، ويمكن أن يدرك المؤلّف أبا خزر، وإذا كان الاِفتراض الثّاني فلا شكّ أنّه يكون والِد الشّيخ عبد الله
ابن يحي الباروني رحمه الله (ت 1914م) -وهو مالك الكتاب-.
ومن الوفاء أن نشير إلى أنّ هذا الإنجاز قد أعدّه شيخنا الشّهيد بلحاج بن عدّون قشّار -رحمه الله- للنّشر إلاّ أنّ الظّروف لم تتهيّأ ماديا لإثراء المكتبات به، فها نحن نحظى بتحقيق أمنيّته الطيّبة في ذلك، ونرجو أن تكون في حسن ظنّه وإرادته إن شاء الله، آمين، ومن الله نرجو القَبول.
أحمد بن حمّو كروم •
العطف: الجمعة 27 ربيع الأوّل 1418هـ
01 أوت 1997م (1/110)
صفحة 6
بسم الله الرّحمن الرّحيم ... وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه
بين يدي الكتاب
هذه الرسالة القيّمة لشيخ قديم من إباضيّة المغرب أبي خزر يغلا ابن زلتاف المتوفّى سنة 380هـ، يَعرِض فيها مسائلَ في الكلام ردًّا على آراء الفِرق الأخرى، من معتزلة وجهمية ومشبِّهة وخوارج وغيرهم، بل وَرَدًّا على فِرقٍ إباضيّة كالحُسينيّة وغيرها.
وقد يسأل المتطلِّع على هذا القديم من التراث الإسلاميّ عمّا عساه يمدّنا به من نَفْع أو إجابة عن مستجدّات واقعنا المعيش، وما يجيش فيه من مسائل وهموم لا تمتّ بصِلة إلى ذلكم الواقع الغابر، الممتدّ في القِدم؛ وإذًا فمالَنا ولنَبْشِ التراث تغنِّيا بأمجاد مضت، ولهوًا بكان يامَا كان.
والواقع أنّ محقّق رسالة أبي خزر هذه، قد أغناني بما يكفي إجابة عن هذه الطروح.
- فالرسالة تناولت عددًا من مسائل الدّين والكلام، و «تكتسب أهمّيتها العلميّة في أنّها تحفظ لنا آراء مبكّرة لأحد أعلام إباضيّة المغرب، ليس ذلك فحسب ولكنّها تنتمي إلى فترة زمنيّة لم يصلنا منها إلاّ القليل النادر من المؤلّفات».
- على أنّ «القليل النادر منها وصل إلى أيدينا، وندرة هذه المادّة الأساسيّة التي تُعين الدّارس المتخصّص على استجلاء آفاق تلك المرحلة، تجعل ظهور مثل هذه الدّراسة أمرا ذا أهميّة».
فهذه الرسالة إضافة إلى أهمّيتها العلميّة ممّا زوّدتنا به من آراء كلاميّة فقهيّة إباضيّة:
? تُعدّ نموذجا حيًّا مبرّرا للمستوى الحركيِّ، التعليميِّ، الفكريِّ من تلك الحقب الغابرة لِمُسلمي مناطق المغرب العربي التي لا نعرف عنها إلاّ نزرًا قليلا.
? تجلي لنا الرسالةُ فكرة الوسطيّة والاِعتدال التي عَهِدها الفكر الإباضيّ كمنهج أصيل في تناول آراء الكلام، والاِعتقاديات، والفقه، والسلوك جميعا، ممّا أسماه أفلاطون (للمنهج ذا قديما) بالوسط الذهبيّ ( La juste milieu) في فلسفة الأخلاق؛ أقول منهج أصيل عهده الإباضيون منذ القديم، ديدنهم وطابعهم إلى الآن، لا أقول هذا (1/111)
صفحة 7
تطرفّا لفرقة، وتعصّبا لقوم، معاذ الله أن نزكّي على الله أحدا، {وأنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمُ أُمَّةً وَاحِدَةً}، لكن ألا ترى أنّ سرّ صمود بعض الفرق من المسلمين وبقائها شامخة مقاوِمة كيد الطّغاة والمجحفين؛ إنّما يعود إلى هذه الوسطيّة والاِعتدال الذي عُرفت به بين النّاس {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمُ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} «فأخذ أصحابنا (الإباضيّة) بأوسط الأقاويل وأعدلها وأصوبها ممّا وافق كتاب الله وسنّة نبيئه محمّد - صلى الله عليه وسلم - والقياس الذي لا يقدِر مُبطل على نقضه».
? هذه مقدّمة وجيزة نفاتح بها كتاب أبي خزر -رحمة الله عليه-.
على أنّ فضيلة الدّكتور عمرو خليفة النامي -رحمه الله-، قد كفانا مؤونة خدمة الكتاب، تقديما، وتحقيقا، وتصويبا، فلنخلِّ بينه وبين المصنَّف؛ وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله.
المراجع: الحاج سعيد مسعود
1 محرّم 1411 هـ / 22 جويلية 1990م
الدكتور عمرو خليفة النامي في سطور
- وُلد في نالوت (ليبيا) عام 1942م.
- واصل دراسته العليا ليتخرّج من كلّية الآداب والتربيّة بالجامعة الليبيّة حاصلا على شهادة ليسانس في اللغة العربيّة سنة 1962م.
- ثمّ تابع دراسته بجامعة كمبردج (بريطانيا) ونال منها درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلاميّة عام 1970م، «وكان ضمن مشروع أطروحتِي التي قدّمْتُها لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة (كمبردج) تحقيق ثلاثة نصوص تتّصل كلّها بالتراث الإباضيّ؛ كان النصّ الأوّل فيها جزءا من كتاب ''قواعد الإسلام'' تأليف أبي طاهر إسماعيل الجيطالي، (موضوع الوَلاية والبراءة)، والنصّ الثاني هو كتاب "أصول الدين" لتِبغورين بن عيسى بن داود، أمّا النصّ الثالث فهو رسالة أبي يعقوب يوسف بن خلفون». (أجوبة ابن خلفون، ص: 8 بتصرّف).
- اِشتغل أستاذًا محاضرًا بكليّة الأدبِ العربيِّ والدراسات الإسلاميّة بجامعة ليبيا.
- وعمل داعية إسلاميّة بجمعيّة الدّعوة الإسلاميّة.
- ثمّ اشتغل محاضرا بإحدى الجامعات بالولايات المتّحدة الأمريكيّة ثمّ في اليابان. (1/112)
صفحة 8
- نشرت له جريدة العِلم مقالات إسلاميّة وأدبيّة.
- عُني كثيرا بتحقيق التراث الإباضيّ وبعْثه، وهذه الرسالة التي نقدّمها للقارئ الكريم لأبي خزر هي من بين ما ألّفه حين كان يعمل بالولايات المتّحدة كما أشار إلى ذلك في المقدّمة، وقد حقّق آنئذٍ أيضا كتاب ''العدل والإنصاف'' لأبي يعقوب يوسف الوارجلاني وترجمته إلى الإنجلزيّة.
- حقّق كتاب ''قناطر الخيرات'' لأبي طاهر إسماعيل الجيطالي (قنطرتيْ العلم والإيمان) مكتبة وهبة، القاهرة، يحوي 406 صفحة.
- له كتاب وحيد بعنوان "ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلاميّة"، طُبع سنة 1979م.
- طَبَعت له دارُ الفتح كتاب "أجوبة ابن خلفون" لأبي يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي، يقع في 128 صفحة.
- وتُشير مراجع ترجمته إلى أنّ له كتبا محقّقة تحت الإعداد، ولا ندري عن مصائرها شيئا.
- ''رسالة التوحيد'' لأبي العبّاس أحمد بن أبي عبد الله بن بكر النّفوسي.
- ''رسالة الحقائق'' لإبراهيم البرّادي.
- كتاب ''قناطر الخيرات'': الأقسام الباقيّة.
- دراسات في الإباضية (بالإنجليزية).
- أجوبة علماء فزّان.
- له قصائد شعريّة مهمّة.
وقد تعرّض لملاحقات سياسيّة ماجنة، من نفي وتعذيب في السجون إلى أن اختفت أخباره عام 1986م / 1406هـ، رحمه الله وأجزل مثوبته، آمين. (1/113)
صفحة 9
تقديم
مؤلّف الرِّسالة
هو أبو خزر يغلا بن زلتاف الوسياني، وزلتاف اسم أمّه، واسم أبيه أيّوب. عاش في صدر القرن الرّابع الهجري، فقد توفّي سنة 380، (1) وهي فترة زاخرة بالأحداث السيّاسيّة، والحروب، والنشاط العلمي. وقد أسهم هذا الشيخ فيها جميعا بنصيب وافِر.
وأبو خزر من أبناء الحامّة، حامّة قسطيلية من بلاد الجريد من القطر التونسي؛ (2) نشأ بها وتلقّى العِلم على جملة مشايخ عصره، ويذكر الدرجيني أنّه أخَذ الأدب وعِلم اللّسان وعِلم الفروع عن أبي الرّبيع سليمان بن زرقون النفوسي، وأخذ الأصول عن سحنون بن أيّوب. (3) وبعد أن أخذ كفايته من التعليم تصدّر هو وزميلُه أبو القاسم يزيد بن مخلد للإفادة والتعليم. (4)
ويستطيع الباحث أن يقسم حياة أبي خزر إلى ثلاثة أطوار متميّزة:
- الطّور الأوّل: وهو طور القلم والتّعليم، وقد أشرنا إليه فيما تقدّم.
- الطّور الثاني: وهو طور النّشاط السياسيّ والعسكريّ، الذي قاد فيه الثورة المسلّحة ضدّ العبيديين.
- ثمّ الطّور الثالث: وهو طور الاِستقرار في مصر إلى أن وافاه أجله فيها سنة 380هـ.
أمضى أبو خزر صدرا من حياته في التعليم رفقة زميله أبي القاسم يزيد بن مخلد، فكانت تقصدهم «طلبة أهل الدعوة من كلّ جهة، يقرأون القرآن والحديث والأصول والفقه وعلم العربيّة والسيرة». (5) وقد ساهم في تدعيم هذه
__________
(1) - اُنظر ترجمة هذا الشّيخ في كلٍّ من: الدّرجيني: الطّبقات، ط. إبراهيم طلاّي، د. ت، 1/ 119 - 143، 2/ 340؛ الشّمّاخي: السّير، ط. حجرية، القاهرة، ص 346 وما بعدها؛ أبو زكرياء الوارجلاني: السيرة (مخطوط دار الكتاب، القاهرة) تحقيق: إسماعيل العربي، 1979 ص 136؛ تقييدات على مخطوط "كتاب العدل والإنصاف" بمكتبة الشّيخ إبراهيم ببانو، مزاب. [الحقّ أنّه لا توجد مكتبة تُنسب لشيخ في مزاب بهذا الاِسم، ولعلّ الصّحيح هو: الشّيخ الحاج محمّد بابانو أو الشّيخ إبراهيم متياز (المراجع)].
(2) - الدّرجيني: الطبقات، 1/ 119؛ الشمّاخي: السير، ص 342.
(3) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 119؛ الشمّاخي: السير، ص 346، ويسمّى شيخه «حنون».
(4) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 120؛ الشمّاخي: السير، ص 346.
(5) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 120؛ الشمّاخي: السير، ص 346. (1/114)
صفحة 10
الحركة التعليميّة ما كان عليه أبو القاسم بن مخلد من اليُسر وسَعة ذات اليد، حيث يقوم بأمر الطلبة وما يحتاجون إليه من نفقة. (1)
وكان من سيرة الشّيخين التنقّل في أحياء مزاتة مع طلبتهم في فصل الربيع، ينزلون ضيوفا على تلك الأحياء، يُعلّمون العلمَ ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر كما هي عادة الأشياخ والطلبة، (2) ولا نعلم مدّة هذه المرحلة من حياة أبي خزر، إلاّ أنّها بلغت نهايتها حين ارتاب السلطان العبيدي في نوايا أبي القاسم يزيد بن مخلد، وشعر منه بما أقلقه؛ إذ توجّس منه القيام ضدّه والوثوب عليه، لِمَا يراه من طاعة جموع الإباضّية له واِلتفافهم حوله، ولِما كان عليه من الجاه والعلم والفضل بين إباضيّة المغرب ...
ويظهر أنّ أسباب النفور من سلطان العبيديين كانت متأصّلة في أهل إفريقية، فقد واجه العبيديون قبل ذلك ثورةً جامحة قادها ضدّهم أبو يزيد مخلد ابن كيداد، فاكتسح معظم مناطق نفوذهم وحصرهم في المهديّة، ولكنّه أساء السيرة وارتكب شنائع كثيرة جعلته محلّ نقمة النّاس -خصوصا الإباضيّة الوهبية- فوقفوا من ثورته موقف المحايد الذي يرى الفريقين سواء في فساد السيرة وتنكّبهم للسيرة القويمة في الحُكم، ومخالفة أحكام الإسلام في ذلك. (3)
وتُورِد المصارد الإباضيّة عبارة لأبي القاسم يزيد بن مخلد حول ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد يقول فيها: «لقد فتح فيهم أبو يزيد فتحا لو أحسن السيرة». (4) وتُظهِر هذه العبارة ميل الشيخ إلى التخلّص من سلطان العبيديين، وإلى ترحيبه بتغيير ذلك السلطان، ولكن على أُسُس سليمة وسيرة مرضيّة غير ما عرف عن حركة مخلّد بن كيداد.
وقد أحسّ أبو تميم سلطان العبيديين شيئا من الخطر في تحرّكات أبي القاسم، والتفاف الإباضيّة حوله لِمَا له من مقوّمات الرئاسة، وقد وصفه مرّة فقال: «أمّا يزيد بن مخلد فلم تَلِد العرب مثله». (5) ولم يترك أبو تميم الأمر يأخذ مداه؛ فبادر بالقيام بالتدبير الذي كان يظنّه حاسِما للأمر قبل أن يتفاقم،
__________
(1) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 120؛ الشمّاخي: السير، ص 346.
(2) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 121؛ الشمّاخي: السير، ص 347.
(3) - اُنظر أخبار يزيد مخلد بن كيداد في: أبي زكرياء: السيرة، تحقيق إسماعيل العربي، ص 136.
(4) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 101.
(5) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 123؛ الشمّاخي: السير، ص 249، 349. (1/115)
صفحة 11
فأمر والِيَه على الحامة بقتل أبي يزيد، فنفّذ الوالي هذا الأمر بعد تردّد منه، (1) وقضى هذا التدبير على الشخصيّة الإباضيّة الأولى التي كانت تمثّل خطرا حقيقيّا على سلطان أبي تميم. وبدلا من أن يؤدّي هذا التّدبير إلى إرهاب الإباضيّة وإلى سكونهم لحكم الدّولة العبيديّة ورضوخهم لها، تسبّب -على العكس من ذلك- في جمع كلمة الإباضيّة؛ فاتّفقوا على القيام ضدّ الحكم العبيدي، والأخذ بثأر أبي القاسم يزيد بن مخلد، (2) وكان السّاعي في ذلك والقائم به أبو خزر يغلا بن زلتاف، وصاحبه وتلميذه أبو نوح سعيد بن زنغيل. فأرسل أبو خزر رُسُلَه إلى بلاد الإباضيّة في جبل نفوسة وجزيرة جربة وورجلان، يسألهم العوْن والمدَد، وكاتَب بني أميّة في الأندلس للتّنسيق والتعاون، (3) واجتمع النّاس على أبي خزر وبايعوه إماما على الدفاع على أن يُتمّوا له البيعة إذا ظهروا على عدوّهم. (4)
وقد حاول الحاكم العبيدي أن يتحاشى المواجهة العسكريّة مع الإباضيّة، على أن يقتنعوا بالاِستقلال بما كانت عليه حدود الدّولة الرستميّة، ويكتفي العبيديون بما وراء ذلك، (5) ورغّب أبا خزر في ذلك ولكن جمهور العامّة في أتباعه أبَوْا إلاّ مناجزة عساكر السلطان، وأقدموا على حصار باغاي قبل أن يستتمّ لهم المدد من ورجلان وغيرها، اِغترارا بما تجمّع من قبائل مزاته وحاصروا باغاي، وقتلوا طيان الصقلّي والي باغاي لأبي تميم وأحد قواده. وقد بلغ ذلك في أبي تميم مبلغا كبيرا، فزحف بعساكره إلى باغاي في اليوم الثالث والعشرين من شوال سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. وقبل وصول عسكر أبي تميم إلى باغاي كانت الهزيمة قد حلّت بجيش أبي خزر بسبب اِنخذال بني يليان لرشوة جعلها لهم أهل الحصن إذا هُمْ تسبّبوا في هزيمة الجيش، وهكذا دارت الدّائرة على أبي خزر وجيشه، ولم يبلغوا شيئا ممّا اجتمعوا من أجله، وتفرّقت جموع أبي خزر، ورجع أهل أريغ ووارجلان بعد أن بلغهم نبأ تلك الهزيمة، ولم يشاركوا في تلك الحرب، واعتصم أبو خزر هو ورفيقه أبو محمّد يوجين في جبل من جبال إفريقية يُقال له تلتماجرت مدّة أربعين يوما حتّى انقطع عنه البحث، ثمّ
__________
(1) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 125، 126.
(2) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 126 وما بعدها.
(3) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 127؛ الشمّاخي: السير، ص 350.
(4) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 128؛ الشمّاخي: السير، ص 350.
(5) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 127، 128؛ الشمّاخي: السير، ص 350. (1/116)
صفحة 12
واصل رحلته إلى جبل نفوسة حيث أقام به في حماية حاكم الجبل آنذاك أبي زكرياء بن أبي عبد الله بن أبي عمر بن أبي منصور إلياس. (1)
ورحل أبو نوح سعيد بن زنغيل إلى بادية قومه وأقام بها متنكّرا في زيّ الرعاة، ولكنّ جواسيس أبي تميم اكتشفته وجاءوا به إلى أبي تميم فسلك معه مسلك الملاينة والاِستمالة، وقرّبه إليه ورفع مكانه، واستشاره في أمر أبي خزر، وإن كان يخشى أمره، فقد كان يخشى أن يُعاود الثورة وأن يسعى فيها مرّة أخرى، فقال له أبو نوح: إن كان من مولانا أمان عام شمل النّاس في بلادهم فلا يخشى أمره، فاستبان أبو تميم النّصيحة فيما أشار به أبو نوح وأرسل بالأمان في جميع البلاد الإباضية الوهبيّة (2) وأمَّن أبا خزر واستدعاه إليه، فقدِم عليه من جبل نفوسة في 21 ربيع الآخر سنة 359 هـ، (3) وأقام معه في غاية من الإكرام وعلوّ المنزلة. وعندما عزم أبو تميم على الاِنتقال إلى مصر، كان من تدبيره أخذ الشخصيّة أبا خزر وأبا نوح معه، أمّا أبو نوح فقد احتال لنفسه واغتسل بماء النخالة فظهر عليه الاِصفرار الشديد، واعتذر بأنّه مريض لا يقدر على الرحلة، وقبل أبو خزر الذهاب مع أبي تميم إلى مصر، ولعلّه لم يجد بدًّا من ذلك. (4) وقد ذكر الدرجيني أنّ أبا تميم احتاط لملكه بأخذ الشيخين معه «لئلاّ يكون منهما بعده في المغرب خروج عن طاعته». (5) وأمضى أبو خزر بقيّة حياته في مصر، وكان في حال الرخاء وطيب العيش حتّى إنّه كان يتمنّى أن يكون عنده عشرون من طلبة أهل الدعوة يُعلِّمهم ويُنفِق عليهم ويقوم بما يلزمهم. (6)
وتوفّي أبو خزر بمصر سنة 380 هـ بعد حياة حافلة مليئة، ولم يترك من المؤلَّفات شيئا غير هذا الكتاب، وبعض الأقوال والمناقشات المنثورة هنا وهناك في كتب الفقه والسِّيَر والكلام.
وقد وصفه أبو تميم مرّة فقال: «أمّا أبو خزر فعالم ورع». (7) وقال عنه صاحبه وتلميذه أبو نوح: «كان أبو خزر أَوْرَعَ النّاس، فما سمع شيئا قطّ إلاّ
__________
(1) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 128، 130؛ الشمّاخي: السير، ص 350.
(2) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 135؛ الشمّاخي: السير، ص 353.
(3) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 137.
(4) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 138؛ الشمّاخي: السير، ص 354.
(5) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 138؛ الشمّاخي: السير، ص354.
(6) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 141؛ الشمّاخي: السير، ص 355.
(7) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 142؛ الشمّاخي: السير، ص 123. (1/117)
صفحة 13
عمله. ومن شأنه إذا صلّى الصبح أن يأخذ في القراءة والدعاء والتضرّع إلى الله - عز وجل - منتحيا عن النّاس حتّى تطلع الشمس». (1)
__________
(1) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 142؛ الشمّاخي: السير، ص 355. (1/118)
صفحة 14
«القيمة العلميّة للمخطوط»
ونكتفي بهذا العرض الموجز لحياة الشيخ أبي خزر وننتقل إلى الحديث عن هذه الرسالة:
تتناول هذه الرسالة عددا من مسائل ''أصول الدين''، أو بعبارة أخرى مسائل ''علم الكلام''. وتكتسب أهميّتها العلميّة في أنّها تحفظ لنا آراء مبكّرة لأحد أعلام إباضيّة المغرب؛ ليس ذلك فحسب، ولكنّها تنتمي إلى فترة زمنيّة لم يصلنا منها إلاّ القليل النادر من المؤلفات.
ورغم كثرة الإشارات في كتب السير والتراجم إلى المؤلّفات والرسائل التي تناولت مسائل علم الكلام، والتي كُتبت في تلك الفترات المتباعدة بين القرنين الأوّل والرابع، فإنّ القليل النادر منها وصل إلى أيدينا. وندرة هذه المادّة الأساسيّة التي تعين الدّارس المتخصّص على استجلاء آفاق تلك المرحلة، تجعل ظهور مثل هذه الدراسة أمرًا ذا أهميّة.
ومن عنوان هذه الرسالة نكتشف أنّ المؤلّف وَضَعَها في الردّ على المعتزلة وغيرهم من الفرق. وتذكر المصادر التاريخيّة أنّ جماعات من الواصليّة كانت تعايش إباضيّة المغرب في عاصمة دولتهم تاهرت، وأنّ مناظرات عديدة كانت تُعقد بين الفريقين؛ (1) يُضاف إلى ذلك ما طرأ من خلافات كلاميّة بين فرق الإباضيّة أنفسهم؛ أمثال: الخلفيّة، والنفاثية، والحسينيّة والنكّار وغيرهم، فقد وقعت بينهم مسائل شغلت العديد من مؤلّفات ذلك العصر وما بعده.
وتذكر المصادر أنّ الإمام أبا اليقظان محمّد بن أفلح (281 هـ) كتب أربعين كتابا في "مسألة الاِستطاعة" وحدها، بالإضافة إلى رسالة في خلق القرآن وبعض الرسائل والأجوبة الأخرى، (2) ووصل إلينا من هذه المؤلّفات كلّها رسالته في خلق القرآن فقط. (3)
ومن المؤلّفين المعاصرين للإمام أبي اليقظان الشيخ عمروس بن فتح المساكيني، قاضي جبل نفوسة في أيّام أبي منصور إلياس. توفيّ عمروس في وقعة
__________
(1) - اُنظر كتابنا: Studies in Ibadisme, p. 248 ... .
(2) - المصدر السّابق، ص 254.
(3) -طُبعت هذه الرّسالة طبعة حجرية مع كتاب: "الجواهر المنتقاة فيما أخلّ به كتاب الطّبقات" للبرادي، بالقاهرة، المطبعة البارونية. (1/119)
صفحة 15
مانو سنة (283 هـ)، وقد نَدَب نفسه للردّ على ما أثاره النفّاثيّة والحسينيّة من مسائل، وبقي لنا من مؤلّفاته رسالتان، إحداهما بعنوان: ''الدينونة الصافيّة'' والأخرى بعنوان: ''الردّ على الناكثة وأحمد بن الحسين''، (1) وتوجد لدينا صُوَر لهما، ولا نعلم عن مؤلّفات أخرى غير ما ذُكر، إلى أنْ جاء أبو خزر يغلا بن زلتاف الذي ساهم في هذا الحقل بهذه الرسالة. وقد أسهم في التأليف في هذا الميدان رفيق أبي خزر وتلميذه، أبو نوح سعيد بن زنغيل الذي تذكر المصادر كتابا له يحمل اسمه، ولكنّه مفقود مع الأسف. (2) وقد دخلت هذه الدراسات بعد هذه المرحلة طورا أكثر حيويّة ونشاطا، ظهرت فيه العديد من المؤلّفات الموسّعة، وبصورة أحسن تنظيما وأدقّ تبويبا؛ نذكر منها كتاب أبي الربيع سليمان بن يخلف: ''التحف المخزونة''، وكتاب ''أصول الدين'' لتبغورين بن عيسى، (3) و"كتاب الجهالات" له، و"كتاب الموجز" لأبي عمّار عبد الكافي، و''شرح الجهالات'' له أيضا، وغيرها كثير ... ولحسن الحظّ فأغلب المؤلّفات التي ظهرت بعد عصر أبي خزر لا تزال موجودة، ويوجد من بعضها نسخ متعدّدة، وهي كلّها تنتظر اهتمام الباحثين لإظهارها إلى الوجود ولإلقاء أضواء أوضح على هذا المجال من النشاط العلمي في شمال إفريقيا في عصوره المختلفة.
حول موضوعات الرسالة
وقد تناولت رسالة أبي خزر هذه عددا من المسائل التي يكثر حولها الخلاف بين فريق وآخر من أهل الكلام في الإسلام، فتناول أوّلا مسألة أسماء الله هل هي مخلوقة؟ وانتقل إلى مسألة الوقوف، وهي من البحوث المتّصلة بموضوع الوَلاية والبراءة، ووقع الخلاف فيها مع النّكّار، ثمّ انتقل إلى الكلام على مسألة المرأة المؤتاة فيما دون الفرج والحديث في تكفيرها بفعلها ذاك، والخلاف فيها مع الحسينيّة وغيرهم من فرق الإباضيّة. ومن بحوث الرسالة بحث "ما لا يَسَعُ جهله"، وهو مبحث نجد له صدًى واسعا في المؤلّفات التي جاءت بعده، وقد أشبعه أبو يعقوب الوارجلاني بما لا مزيد عليه في كتابه "الدليل لأهل العقول" وتتبّع فيه أقوال الأئمّة الذين سبقوه في المسألة.
__________
(1) - تذكُرُ المصادر أنّ أحمد بن الحسين قد كتب كتابًا جيّدا في الكلام اسمه "كتاب المقالات" وهو مفقود مع الأسف.
(2) - اُنظر: Studies in Ibadisme, ص 256 وما بعدها.
(3) - فرغنا من تحقيق هذا الكتاب. (1/120)
صفحة 16
وناقشت الرسالة -بعد هذا- مسألة خلق الأفعال، وهي من المسائل التي خالف فيها المعتزلة، وناقشت كذلك مسألتي الاِستطاعة والإرادة. ثمّ بحث المؤلّف في باب الإيمان قول المرجئة، وكذلك أقوال الصفريّة من الخوارج، فبيّن موضع الخلاف بينه وبين أصحاب هذه المقالات، ثمّ يختم الرسالة بعد الكلام على مسألتي "التولّد" و "الكفّ".
وقد لخّص أبو خزر مباحث رسالته ومنهجه في تلك المناقشات في هذه العبارة الموجزة: «فقد ذكرنا ما اعتلت به المشبّهة وأبطلنا اعتلالهم، وذكرنا ما اعتلّ به جَهْم، وما اعتلّت به المعتزلة؛ فأخذ أصحابنا بأوسط الأقاويل وأعدلها وأصوبها، ممّا وافق كتاب الله وسنّة نبيئه محمّد - صلى الله عليه وسلم -، والقياس الذي لا يقدر مبطل على نقضه؛ فنفينا عن الله التشبيه فأثبتناه حيّا، فاعلا، واحدا، ليس كمثله شيء، ولا يُشبهه شيء. وأبطلنا حُجّة المشبّهة، وأبطلنا ما اعتلّ به جهم، وما اعتلّت به المعتزلة من تثبيت جهم القدرة لله حتّى ألزمه الجور، ونَفَى المعتزلة الجور عن الله حتّى نَفَوا عنه القدرة على أكثر الأشياء، ومَن لا يقدر على شيء فهو عاجز عنه، ومَن يعذّب من لم يظلم فهو جائر ظالم ... ».
ولعلّ تحقيق هذه الرسالة ونشرها يساهم في كشف وتحديد موقع إباضيّة المغرب من مجال البحث في هذه المسائل؛ والله الموفق إلى الصواب، وله الحمد أوّلا وآخرا، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله.
وكتب: عمرو خليفة النامي
(الولايات المتحدة) بولمان:
26 جمادى الأول 1396/ 25 مايو 1976 (1/121)
صفحة 17
النّسخ المعتمَدة في التّحقيق
اعتمدنا في هذه الطبعة على نسختين، هما كلّ ما تيسّر العثور عليه من مخطوطات هذه الرسالة.
الأولى: وهي التي اتّخذناها أصلا للتحقيق، ورمزنا لها ''بالأصل'' وهي من مجموعة ورثةِ الشيخ عبد الله بن يحي الباروني بـ كَبَاوْ (ليبيا). وقد تفضّل الشيخ يوسف بن أحمد الباروني حفيد المرحوم عبد الله بن يحي الباروني فأعارها لنا، وهي جزء من مجموع؛ وتقع في 23 صفحة، (1) ومسطرتها 19 سطرا للصفحة الواحدة، ومقاسها x 21,515 سم. وقد كُتبت بخطّ مغربي جميل واضح. أمّا الناسخ فهو المرحوم الشيخ عبد الله بن يحي الباروني. نسخها سنة 1273 هجرية (1856م).
النسخة الثانيّة: وهي كذلك جزء من مجموع، وعدد صفحاتها 40 صفحة، ومسطرتها 27 سطرا للصفحة الواحدة، ومقاسها 15,5 x 20,5 سم، وقد كُتبت بخطّ مغربي قديم، والناسخ هو عبد الله بن عيسى النفوسي، وتاريخ النسخ غير معروف. وقد عثرتُ عليها في مجموعة مخطوطات آل بغطور بجربة، وقد تفضّلوا مشكورين بإعارتها لي لاستخراج صورة منها. ورمزت لها بحرف (جـ).
وينتهي النصّ في هذه النسخة في صفحة رقم 36. وتحوي الصفحات الخمس التاليّة بعض الأقوال المنسوبة إلى المؤلّف في مباحث كلاميّة مختلفة.
وقد حاولت بقدر الإمكان أن تكون النسخة المحقَّقة صحيحة، وأوضحت الإضافات والزيادات في الهامش، ونسبتها إلى نسختها بعد أن ميّزتها في صلب النصّ بمعقوفتين هكذا [].
والأرقام التي تظهر في وسط النصّ بين خطّين مائلين هي أرقام صفحات نسخة (الأصل) (2).
مراجع الترجمة
__________
(1) - لم تكن هذه المخطوطة مرقَّمة في الأصل، فرقّمناها على الصّفحات وليس على الأوراق كما هي العادة في ترقيم المخطوطات.
(2) - أمّا النّسخة الثّالثة: هي ملْك مكتبة دار "إرْوانْ" بالعطف، ولاية غرداية (جنوب الجزائر)، وهي جزء من مجموع به 78 ورقة، وتقع في 19 ورقة، ومسطرتها 23 سطرًا للصّفحة الواحدة، ومقاسها 21,7 سم × 16,5 سم، وقد كُتبت بخطّ مغربي واضح، وقد شطب النّاسخ على اسمه، وقد نُسخت يوم 1 محرّم 1143هـ ولم يذكر مكان النّسخ، وقد قارنا بها هذه المطبوعة (المراجع). (1/122)
صفحة 18
1. دليل المؤلّفين اللبيين، أمانة الإعلام والثقافة، ليبيا، دار الكتب، طرابلس، 1977.
2. يوسف بن خلفون أبو يعقوب، أجوبة ابن خلفون، تحقيق: د. عمرو النامي، دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1974.
3. مجلّة العالم الإسلامي، يناير 1992/شعبان 1412. مقال بعنوان: "كاتب إسلامي ليبي مختف منذ 1986، د. عمرو النامي: سيرته ومواقفه" لزميل له محمود محمّد الناكوع أيّوب. (1/123)
صفحة 19
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم
كتاب فيه الردّ على جميع (1) المخالفين
من تأليف يغلا بن زلتاف رحمه الله
ليحي بن أبي يحي النفوسي (2) نفعه الله به
ومن قرأ فيه من المسلمين آمين ياربّ العالمين
وصلّى الله على سيّدنا محمّد.
الردّ على من زعم أنّ أسماء الله مخلوقة
يُقال لمن زعم أنّ أسماء الله مخلوقة: أخبِرونا عن هذه الأسماء التي تزعمون أنّها مخلوقة، ما هي؟ فإن قالوا: هي الله، والرّحمن، والرّحيم، والخالق، وأشباه هذا من ذكر الأسماء؛ يُقال لهم: إنْ كان (3) الله في الأزل، (4) إذ ولا خلق ليس هو الله ولا الرحمن؟ فإن قالوا: لم يكن هو الله ولا الرحمن فقد ردّوا على الله نصّا، لأنّ الله يقول في كتابه: {هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}، [الحشر: 22] فلا يخلو هذا الخبر الذي أَخبر عن ذاته أو غير ذاته. فإن قالوا: عن ذاته، فهو الذي نقول. وإن قالوا: عن غير ذاته، فقد أجازوا أنّ ذاته ليست الله ولا الرّحمن ولا السميع ولا العليم، وهذا ردّ على الله. وذلك أنّ الله قد كان ولا خلْق، أَحْدَثَ الخلْقَ على ضروب، فخلق منهم خِلْقَةً محتملة للمعرفة مثل الملائكة والجنّ والإنس.
وجعل لكلّ صنف من هذه الخلقة لغات يفهمون بها ما خوطبوا به، ويفهمون عن أنفسهم من يُخاطبون. فأخبرهم - عز وجل - عن نفسه،/2/ ودلّهم على معرفته، وأمرهم بعبادته، فأخبرهم عن نفسه فقال لهم: أنا الله السميع العليم. (5)
__________
(1) - من جـ.
(2) - جـ: ملك لعبد الله بن عيسى النّفوسي.
(3) - جـ: أكان، وفي هامش الأصل: لعلّه إذَا.
(4) - الأزل: اِستمرار الوُجود في الماضي إلى غير نهاية، فهو ما لا يكون مسبوقًا بالعدَم. عن أعوشت بكير: دراسات إسلامية في الأصول الإباضية، ص 144. (المراجع).
(5) - في جـ: السّميع العليم. (1/124)
صفحة 20
وهذا خبر عن نفسه ليس عن غيره. وقال: {اعْبُدُوا اللهَ}، (1) فإن كان الله غير المعبودِ أمرهم بعبادة غيره، لأنّ الله عندهم اسم مخلوق، فقد أمرهم (2) بعبادة المخلوق. وإن كان إنّما أمرهم (3) بعبادة نفسه فقد صحّت العبادة لمن عبد الله. وإنّما قصدنا في هذا إلى المعاني لا إلى الألفاظ ولا الأخبار؟ لأنّ الله قد كان [ولا لفظ] (4) ولا خبر. هو الله في معناه لم يستحدث اسم ولا صفة، وإنّما أحدث الأخبار والمعارف ليدلّ على نفسه، فأخبر خَلْقه، كلّ صنف منهم بلغته يصل بها إلى معرفته، فاختلفت اللّغات ولم يختلف المُخبر عنه في نفسه هو الله بأيّ لغة دلّ على نفسه (5) ولو اختلفت اللّغات. ألا ترى لو أنّ حالفا حلف بالله بلغة العرب أو بلغة العجم، ألا ترى أنّه إنّما حلف بالله لا بغيره، ولو حلف بغير الله ما وجبت عليه كفارة. وبمثل (6) هذه المعاني التي ذكرنا نزل القرآن، وذلك أنّ المشركين سألوا محمّدًا - صلى الله عليه وسلم - عن ربّه فقال لهم: هو الله الرّحمن، فقالوا: أمّا الله فنعرفه، وأمّا الرّحمن فلا نعرفه. فأنزل الله: {قُلُ اُدْعُوا اللهَ أَوُ اُدْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الاَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110] ردّا على المشركين إذ نفوا أن يكون الرّحمن هو الله.
فلزم من قال: الأسماء مخلوقة أَنْ يقول: الرّحمن غير الله فيُلحَق بمقالة المشركين؛ وذلك أنّ الله الرّحمن من أسماء الله فمن زعم أنّها مخلوقة/3/ يجري عليها العدد والتغاير فيكون ردّا على الله.
وذلك أنّ الله تعالى (7) قال: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَد، اللهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص: 1، 2]، المعنى في ذلك في اللغة المعروفة الجائزة بين النّاس أنّ آخر هذا الكلام يرجع إلى أوّله، لأنّ الصمد هو الله، لأنّ الله (8) هو المضمر في المعنى وإن لم يَظهر (9) في اللفظ. وكذلك قوله: {هُوَ اللهُ الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ المَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ
__________
(1) - جاء هذا الأمر في آيات كثيرة من القرآن، اُنظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مادّة «اُعبُدو».
(2) - جـ: أمر.
(3) - جـ: أمر.
(4) - من جـ.
(5) - جـ: وإن.
(6) - جـ: بياض.
(7) - من جـ.
(8) - جـ: لأنّه هو.
(9) - من جـ. (1/125)
صفحة 21
المُومِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ. هُوَ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الاَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالاَرْضِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر: 24]. فكيف يجوز لقائل أن يقول في الموضع الذي قال الله هو، فيقول هو (1) غيره، وقال: {إِنَّنِي أَنَا اللهُ} [طه:14] [فهذا بيّن] (2) لمن أراد الله إرشاده وهداه. مع أنّ أصحاب (3) هذه المقالة قالوا أقاويل ينقض بعضها بعضا، مرّة يقولون (4): الأسماء كلّها مخلوقة، ومرّة يقولون (5): أسماء الذات ليست بمخلوقة، زعموا أنّ العليم والقدير والسميع (6) وصفات الذات كلّها ليست بمخلوقة. (7)
فإن كان إنّما دلّهم على خلق الأسماء أنّها -زعموا- في القرآن فقد جاء الخبر في القرآن عن هذه الأسماء التي يذكرونها (8) للذّات، والتي يجعلونها (9) للفعل مجيئا واحدا إن كان إنّما دلّهم على حدتها أنّها أجماع وأنّها مؤنّثة، فقد جاء الخبر بها جميعا مجيئا واحدا. فإن كان إنّما دلّهم هذا الذي ذكرنا فهي جميعا مخلوقة. فما/4/ معنى قولهم بعضها مخلوقة وبعضها ليست بمخلوقة؟ فلو تدبّروا ما قالوا لكان هذا كافيّا [لهم] (10) وردّا عليهم بألسنتهم، ويردّهم ذلك إلى [أنّها كلّها] (11) مخلوقة أو ليست بمخلوقة لأنّ مجيئها واحد، (12) ولا يصلح الحكم إلاّ هكذا.
وإن كان قصدهم إلى الألفاظ والحكايات فهذا ممّا لا اختلاف فيه أنّ الألفاظ والحكايات مخلوقة كانت بعد إذ لم تكن. وقد أخْبرنا في صدر الكتاب إنّما قصدنا إلى المعنى لا إلى الألفاظ، وذلك أنّ الله - عز وجل - أخبر عن نفسه بلسان عربيّ مبين وهو القرآن، على قوم يعلمون مُراده ويعلمون ما فيه الإضمار وما
__________
(1) - من جـ.
(2) - من جـ، وعبارة الأصل: فهذا بين فيه، وأثبتناها هكذا ليستقيم الكلام.
(3) -جـ: أهل.
(4) - جـ: أهل.
(5) - جـ: يقولوا.
(6) - من جـ.
(7) - من جـ.
(8) - جـ: يذكروها، وهو خطأ.
(9) - جـ: يجعلوها.
(10) - زائد من جـ.
(11) - من جـ.
(12) - عبارة جـ: لأنّ مجيئها مجيئا واحِدًا. (1/126)
صفحة 22
يجري ظاهره على إضماره، ففهموا (1) عن الله معانيه، فمدح نفسه - عز وجل - بألفاظ مختلفة في الحروف فقال: {إنّي أنا الله}، و {أنا العليم}، و {أنا السميع}، فهذه مدحة لواحد ليس يفرز المفترق، (2) ويخبرهم أنّ ذلك هو الواحد، هو السّميع، هو البصير، هو العليم، وإن كثرت الألفاظ فالمعنى واحد. فإذا رفعنا الألفاظ بقي المعنى على ما هو به من إثبات الذّات أنّها سميعة بصيرة، وهو (3) الذي كرّرناه في هذا المعنى من الألفاظ والتأنيب والتذكير والاِجتماع (4) والافتراق، إنّما ذلك كلّه جار على الألفاظ، والله لا يجري عليه العدد والاِفتراق والاِجتماع إلاّ أنّ ذلك جاز في لغة العرب أنّهم يمدحون الشيء الواحد بوجوه كثيرة إذا أرادوا التكرير والإبلاغ في صفة المدح، وإذا أرادوا الاِختصار أخبروا بصفة واحدة، فاجتزوا (5) بها عن تكرير الصفات/5/ فأنزل الله تعالى القرآن على معانيهم مرّة تُكرِّر (6) إرادة للتوكيد (7) ومرّة اِختصر إرادة للإيجاز. (8)
ألا ترى أنّهم وصفوا الإنسان الذي [لم] (9) يبلغ أن تناظر صفاته بصفة الله تعالى. فإذا أرادوا الإبلاغ في مدحه قالوا: فلان شجاع، بطل، نجد. وقالوا سخيّ، كريم، بذول، معط. فيُكرّرون الصفة الواحدة بألفاظ مختلفة ويصفونه بغير ذلك من صفات المدح ممّا يكثر به اللفظ وهو معنى واحد.
ألا ترى أنّ هذا الإنسان إذا صدق عنه الواصف أنّه بهذه الصفّة (10) أخبر عنه الغير (11) أو لم يخبر، فإذا امتحن ذلك وجد كما أخبر [الواصف بقي
__________
(1) - جـ: فهموا.
(2) - كذا في النّسختين، ولعلّه: ليس بعدد المفترق.
(3) - جـ: وهذا.
(4) - جـ: الإجماع.
(5) - جـ: أخبروا.
(6) - جـ: كرّر.
(7) - جـ: التّوكيد.
(8) - جـ: الإيجاز.
(9) - زائد من جـ.
(10) - جـ: الصّفات.
(11) - جـ: المخبر. (1/127)
صفحة 23
الموصوف] (1) بصفته ولم يُحدث له الواصف صفة لم تكن له قبل أن يُخبر. وكيف الله - عز وجل - أن يُخبر بمعنى ليس هو به، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. بل [هو] (2) الله الرّحمن الرّحيم أخبر عنه المخبر أو لم يُخبر.
وأمّا ما ذكروا من فرز ما بين صفات الفعل، فكأنّهم أبانوا عن الله وأوضحوا عن الله ما لم يبيّن عن نفسه. فالله أرأف وأرحم من أن يدع عباده في لبس وشبهة. بل منه أدرك عبادُه البيان والهدى ودلّهم على سبيل النجاة، فقال في كتابه: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ} [الحِجر: 86] ولم يُفرز ما بين ذِكر (3) الخلاّق والعليم؛ لإنّ "الخلاّق" عندهم من صفات الفعل، والعليم، من صفات الذات.
وقال في موضوع آخر: {الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ}، (4) وهذا كتاب الله أكثر من أن يُحصى -وإنّما التفرقة بين اللفظ واللفظ أنّه ربّما أخبر عن نفسه ولا يُدرك (5) في الخبر غير ذلك. فقوله (6) هو العليم يُخبر عن نفسه، وقوله/6/ الخالق يُخبر عن نفسه وعن خلْقٍ يكون، فهما جميعا عن نفسه، ولم يستوجب الصّفة حتّى يخلق. ولا يُقال له: خالق لما لم يخلق بعد. وقد دلّنا الله - عز وجل - أنّه وصف نفسه فقال: {فَعَّالٌ} لما لم يفعل - عز وجل - {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [غافر: 62] فدخل في هذا المعنى ما خلق وما لم يخلق. وقال: {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [البروج: 16]. ونحن أهل هذه المقالة متّفقون على أنّ صفة الإرادة صفة ذات، لأنّه (7) جائز عندنا، وعنهم أن يوصف [الله] (8) أنّه (9) مريد لكون كائن قبل أن يكون في الوقت الذي يكون فيه المُراد، وليس في تأخير المراد ما يُبطل أن يكون الله موصوفا أنّه مريد. فَثَبَتَ بهذا أنّه يوصف أنّه فاعل (10) لما لم يفعل لقوله: {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ}
__________
(1) - زائد من جـ.
(2) - زائد من جـ.
(3) - جـ: ذكره.
(4) - الشعراء في أكثر من آية.
(5) - جـ هـ خ: يذكر.
(6) - جـ: وقوله.
(7) - جـ: وأنّه.
(8) - زائد جـ هـ خ.
(9) - جـ: وأنّه.
(10) - جـ هـ فعال. (1/128)
صفحة 24
على أنّه (1) سيخلق لا على إثبات فعل، وذلك جائز في اللغة الجارية بين النّاس ممّا لا يجهله أهل المعرفة باللغة. قال الله - عز وجل - لنبيئه: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر:30]، وهو حيّ على معنى أنّه سيموت وسيموتون، ومثل هذا كثير في اللغة، أنّهم يسمّون من أراد الخروج خارجا، ومن أراد الحجّ حاجّا. وقد أكثرنا في هذا ما يجزي أقلّ ممّا ذكرنا.
باب مسائلهم التي يسألون عنها
وسألونا فقالوا: أخبِرونا (2) أليس لله الأسماء الحسنى؟ فقالوا: هذا جمع (3) وتأنيث. فلو أردنا قطع سؤالهم عنّا لقلنا لهم: الجواب فيها /7/ كجوابكم في صفات الذّات (4) وفي أسماء الذّات، لأنّ كلّ ما يُدخِلون في هذا داخل عليهم في صفات الذّات وفي أسماء الذّات، وقد بيّنا في أوّل المسألة أنّ العدد والأجماع والتأنيث والتّذكير إنّما يقع في الألفاظ، وتفسير قوله (5): ... {لَهُ الاَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الحشر: 24] عند العلماء؛ له الصفة (6) العليا. والأعلى عند أهل هذا (7) المذهب من صفات الذّات، لأنّ الله لم يزل وهو العالي على الأشياء، وهي من صفات القدرة.
وقالوا: أخبِرونا عن أسمائه بالعجميّة، أهي أسماؤه بالعربيّة؟ فلو أعطيناهم أنّ أسماء الله عربيّة أو عجميّة لأعطيناهم أنّها مخلوقة، وإن الله عجميّ أو عربيّ، ولكنّ المذكور بالعجميّة هو المذكور بالعربيّة. المذكور واحد والذِّكر مختلف. وقد بيّنّا (8) هذا في صدر الكتاب؛ أنّ الله يُذكر بألفاظ (9) مختلفة والمعنى واحد وهو الله لا غيره. ألا ترى أنّ عند أهل هذه المقالة أنّ المقرّ بالله بالعجميّة مقرّ
__________
(1) - جـ: أن.
(2) - من.
(3) - في النّسختين: أجماع.
(4) - الذّاتي للشيء، هو ما كان فيه بمقتضى طبيعته وكيان لا بمقتضى نسبته إلى غيره وعلاقته به. اُنظر: محمود يعقوبي: معجم الفلسفة، ص 79. (المراجع)
(5) - من جـ.
(6) - جـ: الصّفات.
(7) - جـ: هذه.
(8) - جـ: تثبت.
(9) - جـ: بالألفاظ. (1/129)
صفحة 25
به، وكذلك من أقرّ به بالعربية مقرّ بالله وعارف به، (1) و في هذا -لو تدبّروا- ما يدلّهم على أنّ المعنى واحد وإن اختلف به اللّفظ، وذلك أنّ هذه الأسماء التي يقصدون (2) إليها حروف مقطّعة معجِمة، وهي إذا افترقت لم يُعلم بها ما أراد اللّفظ بها حتّى إذا ألفها بضرب ما عُرف مراده، ألّفها بلغة العرب أو بلغة العجم فمعناها واحد، وإن اختلفت العربيّة والعجميّة.
يقال لهم: أخبِرونا عن هذه الحروف التي اشتركت فيها جميع الأشياء أمعروفة (3) /8/ حروف اسم الله منها، أم مجهولة حتّى يؤلّفها (4) المؤلّف لها، فيكون الله غير معروف الاِسم والصفّة حتّى يؤلّف المؤلّف اسمه؟!
فيدخل عليهم أيضا أن تكون حروف الله عندهم معروفة [عنده] (5) أو غير معروفة. وفي وجودنا أنّ هذه أنّها إنّما وُضعت للمعارف (6) وإنّما (7) اشترك فيها الكلب والخنزير، والمؤمن والكافر ممّا يدلّ على أنّها غير الله وغير أسمائه إذَا كانت مطبوعة على هذا المعنى، وأنّها (8) حروف لا تتغيّر. وإذا أراد المتكلّم أن يتكلّم بها ألّفها على إرادته وتأليفه [و] (9) فعله، وهي قبل أن تؤلّف لم (10) يُعلم لها معنى. فينبغي على قياد هذا القول أنّ المؤلّف "بسم الله" أن يكون إذا ألّف "بسم الله"، أن يكون فاعلا لاسم الله، لأنّ أسماء الله عندهم توحيد الله بصفته. فجائز عندهم أن يُقال لهذا المؤلّف هذه الحروف التي هي اسم الله أن يكون فاعلا لاسم الله، كما أنّه إذا وحّد الله قيل له: فعل التّوحيد، وهو بذلك ممدوح، كما أنّ مَنْ أَلْحَدَ في صفته فوصفه بغير صفته مذموم، فلا يُمدح الممدوح إلاّ بفعله، ولا يُذمّ إلاّ على فعله. وهذا بحمد الله بيّن ودليل على أنّ هذه الحروف دالّة على كلّ مذكور بها، وحاش لله أن يكون أحد يفعل أسماءه وصفاته، وأن تكون الحروف من صفاته، مع أنّنا لا
__________
(1) - جـ: بالألفاظ.
(2) - جـ: يقصدوا، وهو خطأ.
(3) - الأصل: المعروفة.
(4) - جـ: يؤلّفها.
(5) - زائد من جـ.
(6) - جـ: للتّعارف.
(7) - أصل عن خ: أنّها.
(8) - جـ: فهي.
(9) - من جـ.
(10) - جـ: ما. (1/130)
صفحة 26
ننكر أن تكون للواصف صفة يصف بها الموصوف وهي نُطْقُهُ وخبره. وكذلك التسميّة/9/ على هذا المعنى فيكون الوصف صفة منه للموصوف وفعل من أفعاله، ويبقى الموصوف بصفته التي بها، وصَفه الواصف أو لم يصفه. ما أحدث له الواصف صفة لم يكن بها، غير أنّه دلّ عليه وأبان صفتَه من غيره لمن لم يعرفه، فثبتت (1) الصفةُ للموصوف التي هي نُطقُه وخبرُه، واستفاد المُخبِر من صفة الواصف علما لم يكن علِمه، فسمّي عالما (2) بصفة الموصوف. وقد (3) بيّنت في هذا المعنى ما يُضاف إلى كلّ واصف وموصوف. فمن تدبّر ما ذكرنا وفهمه، ووافق (4) إرشاد الله وعونه عرَف تمييز ما ذكرنا.
وقد أعلمنا في صدر كتابنا هذا أنّ القوم الذين خُوطبوا بالقرآن عارفون بمعانيه. ألا ترى أنّه قال في القرآن: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ} [الرّحمن:78]؛ المعنى في ذلك (5) عند المفسّرين تبارك ربّك {سَبِّحْ اِسْمَ رَبِّكَ} [الأعلى:1] المعنى في ذلك (6) سبّح ربّك. فأنزلوا الاِسم بمنزلة المسمّى، وهذا عند العرب جائز في أشعارهم وفي خُطبهم ومخاطبتهم. وأجازوا في دعائهم أن يقولوا: اُدعوا الله بعلمه، اُدعوا الله بقدرته، فقالوا: اللّهمّ أسألك بعزّتك التي قَهَرَتْ كلَّ شيء، وبعلمك الذي أحاط بكلّ شيء، ومثل هذا كثير. فإذا ذكروا العلم مُرادهم العالم ليس مرادهم أن يعدوا العلم والعالم فيكونا شيئين، وكذلك الاِسم والمسمّى ليس إلاّ الله وحده العالم المسمّى لا غيره، (7) وكذلك العزّة والقدرة (8) /10/ وجميع ذكر الصفات.
وقالوا في وجه آخر: قالوا: اللّهمّ أغفر لنا علمك فينا.
معناهم في ذلك أن يغفر لهم المعلوم فيهم من معاصيهم، ولم يقصدوا إلى
__________
(1) - جـ: فثبت.
(2) - جـ: عالم.
(3) - جـ: فقد.
(4) - في الأصل، وفي جـ: ووفق، ولعلّ الصّواب ما أثبتناه.
(5) - جـ: فيه.
(6) - جـ: المعنى في هذا عندهم.
(7) - جـ: غير.
(8) - القدرة هي إمكان صُدور الفعل أو التّرك من ا لفاعل، ويُقابلها العجز؛ اُنظر: محمود يعقوبي: المرجع السّابق، ص 182. (المراجع) (1/131)
صفحة 27
أنّ العلم يغفر. وهذا من سعة لغتهم أنّهم يجتزون (1) بذكر الصفة عن الموصوف، وبِذِكر الفعل عن الفاعل إذا كان المُخاطَب يعلم معانيهم، (2) ومثل هذا كثير تركته لئلاّ يطول به الكتاب، فمن قرأ هذا الكتاب فليتثبّت فيه ويتدبّر (3) معانيه. وقد كرّرت فيه الألفاظ ليفهم النّاظرُ فيه معانيه، فما لم يفهمه (4) في أوّل المسألة فهمه في آخرها، مع أنّى إذا كرّرت فلزيادة معنًى لم يكن في أوّل المسألة؛ (5) وفّقنا الله وإيّاكم معاشر المسلمين لِما فيه الرشد والتوفيق، وعصمنا وإيّاكم من الشُبهة، والحمد لله ربّ العالمين.
__________
(1) - الأصل: يُبروا، وفي جـ: يجتزوا، والصّواب ما أثبتناه.
(2) - جـ: معناهم.
(3) - جـ: ويدبّر.
(4) - جـ: يفهم.
(5) - من جـ. (1/132)
صفحة 28
باب آخر في الأسماء
وقال: اجتمعت الأمّة على أنّ الله لم يزل، واجتمعوا على أنّه الخالق ليس مخلوق، وأنّ ما سِواه خلْق مِن خلْقه، واجتمعوا أنّ اسمه الرّحمن الرّحيم. فمن زعم أنّ الله الرّحمن اسمان مخلوقان فقد نقض ما جاء به القرآن، لأنّ الله يقول: {اللهُ خَالِقُ كُلٍّ شَيْءٍ} [الزمّر: 62]، وقال: {خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [الزخرف:9]، فحيث ما أخبر عن نفسه (1) أنّه الخالق، فلم يدلّ شيء من كتابه على أنّ اسمه مخلوق. ونقضوا (2) ما اجتمعت عليه الأمّة أنّ الله الخالق والرّحمن خالق. واجتمعوا أنّ اسمه الله. فثَبَتْنا على ما جاء به القرآن، وعلى ما اجتمعت عليه الأمّة؛ فمن /11/ ادّعى غير ذلك ممّن دخلته عليه الشبهة فعليه البيان بما ادّعى. وأمّا ما اعتلوا به أنّ {لَهُ الاَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110] وأنّ ما للشيء غيره، فاعلم أنّ «له» في كلام العرب على معنيين، «له» على معنى الملك وإضافة الشيء إلى غيره، و «له» خبر عن الشيء نفسه من غير إضافة شيء له، يقولون في الذي هو غيره: لفلان مال، وله إبل، وما يشبه ذلك. وقالوا في الذي هو الشيء نفسه، قالوا: فلان له جسم، وله رأس، وله وجه، وهذا هو نفسه لا غيره. ولم نزد في هذه مناظرة الخالق بالمخلوق، وإنّما أردنا (3) أن نبيّن للمُعارض بهذا أنّ «له» يخرج على الشيء نفسه لا غيره. قال الله - عز وجل -: {لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ
__________
(1) - جـ: يُخبر.
(2) - جـ: ونقض.
(3) - جـ: أردت. (1/133)
صفحة 29
وَالاَرْضِ} [الكهف: 26] المعنى في ذلك -عند أهل العلم- أنّ له علم السموات والأرض. وقال: {لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالاَرْضِ} [الحديد:2]. والملك من صفات (1) الذات، لم يزل الله وهو المالك، والمعارض بهذا يُقرّ أنّ له الصفات التي هي صفات الذات. يقولون له علم، وله قدرة، وله عزّة، على معنى أنّه العليم القدير العزيز، وما أشبه هذا من ذِكر الصِّفات التي ليست غيره. فمن تدبّر (2) ما ذكرناه وجده يقوّي بعضه بعضا، ولا يُنقض بعضه بعضا. وفّقنا الله وإيّاكم لِما يُحبّه ويرضاه من القول، والعمل به؛ إنّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
باب آخر في الوقوف
اِختلف المختلفون فيمن [كان] (3) له عندهم أصل الوَلاية ففعل فِعلاً (4) لا يدري ما هو. واختلفوا في الرَّجلين اللذيْن قَتل كلّ واحد منهما صاحبه (5) ولا يدرون (6) الظالم منهما من المظلوم. فقال من قال منهم (7) بالوقوف: أن نقف فيهما جميعا، وذلك أَسْلَمُ لنا أن لا نتولّى كافرا ولا نبرأ من مؤمن.
وقال أصحابنا: (8) إنّ الله افترض علينا أن نتولّى من أظهر لنا ما نتولاّه
__________
(1) - الصّفات: مصطلح أصولي يتناول بحث ما يجب إثباته للبارئ - عز وجل - من صفات الكمال، وما يجب نفيها عنه من صفات النّقص (المراجع).
(2) - في كِلا النّسختين: دبّر، ولعلّه تدبّر.
(3) - زائد من جـ.
(4) - جـ: فِعلة.
(5) - يشير إلى قصّة الحارث وعبد الجبّار الإباضيّين اللّذين وُجد سيف أحدهما في ظهر الآخر، وهما إباضيان من جبل نفوسة، أحدهما قاض والآخر حاكم على طرابلس الغرب خلال سنة 126 - 131هـ، اُنظر: معجم أعلام الإباضية لجمعية التّراث، رقم التّرجمة 600 ورقم 298 (المراجع).
(6) - جـ: يدري.
(7) - من جـ.
(8) - مصطلَح يطلقه الإباضيّة على أنفسهم، كما يُتسمَّون بأهل الدّعوة، وأهل الدّعوة والاِستقامة (المراجع). (1/134)
صفحة 30
عليه، ونبرأ ممّن أَظهر لنا ما نَبرأ (1) عليه، فنزلت هذه النّازلة فيمن له أصل وَلاَية، ووقعت بليّة لابدّ من الحُكم فيها، فليس لنا من هذه البليّة مخرج إلاّ أن نَثبت على الأصل الذي كنّا عليه من الوَلايَة لهما، لأنّ ذلك ثابت لهما لعلمٍ تقدّم لنا فيهما، ولم يحدث لنا شيء يُزيله، لأنّه لو زال ثَبت لنا ضدّه من البراءة، فليس لنا شيء أسلم من الثّبات على الأصل الذي نحن عليه، والله يحكم بينهما بعلمه، ولم يتعبّدنا الله بأن نحكم فيما غاب عنّا.
وأمّا الفرقة الواقفة فيهما، فهم يزعمون انّ الوَلاية (2) فريضة والبراءة فريضة، والوقوف فريضة، وإن زعموا أنّ الوقوف ليس بفريضة فقد تركوا الفرض اللاّزم بالوقوف الذي هو رأي منهم، ويُقال لهم: أليس من ترك الوَلاَية على علم، والبراءة على علم فقد ترك الفريضة؟ وأنّ من وقف في المتولّى والمتبرّأ ترك الفريضة؟ يقال لهم: أليس في هذين [الرجلين] (3) مؤمن وكافر؟ فقد وقفتم في المؤمن الذي زعمتم أنّه لا يجوز فيه الوقوف، فعلى ماذا (4) /12/ عِبتم إذا ثبتنا على الأصل الذي نحن عليه وهو فرض علينا، ولم يحدث معنى يُزيل المعنى الثابت فيهما، لم يتبيّن لنا الحدث ممّن هو. وقد وقعتم في أشدّ ممّا عبتم علينا إذ وقفتم في المؤمن ووقفتم في الكافر اللذين أعطيتم بدءًا أنه لا يجوز الوقوف فيهما، فنحن أعذر منكم إذ ثبتنا على الأصل الذي نحن عليه، فأحدثتم أنتم معنى أزلتم به الوَلاية على المؤمن إلى غير ضدّها من البراءة، وذلك أن ليس بين الوَلاية والبراءة منزلة كما أنّه ليس بين الإيمان والكفر منزلة، وكذلك كلّ ضدّين، وإنّما (5) هربتم -زعمتم أن لا تتولّوا كافرا- فتركتم الفرض الذي لزمكم من ولاية الرجلين اللّذين تولّيتموهما على علم، ألستم أشبه (6) بالراجعين عمّا علمتم؟ وأظهرتم الجهل بالرَّجلين بعد العلم بهما؟، وأنّ الرجوع عن العلم لا يجوز عندنا وعندكم. وأنّ هذين الرجلين لم يُحدثا لكم معنى يُزيل علمكم فيهما على معنى ما علِمتم، فينبغي لكم ألاّ ترجعوا عن عِلمكم في الرّجلين حتّى يُحدِثا ما يُزيل العلم
__________
(1) - جـ: نبرأه، ولعلّه نبرأ منه.
(2) - الوَلاية لغة القرب، والقيام للغير بالأمر والنّصر، وشَرعًا الترحّم والاِستغفار للمؤمنين لإسلامهم وطاعتهم والثّناء عليهم مع الحبّ في القلب (المراجع) عن أعوشت بكير: دراسات إسلامية في الأصول الإباضية، ص 152.
(3) - زائد من جـ.
(4) - جـ: فعلى ما.
(5) - أصل عن خ: أن.
(6) - جـ: شبيه. (1/135)
صفحة 31
الذي كان لكم فيهما بعلمٍ مثله، وإلاّ فالسلامة لكم الثبات على الأصل الذي أنتم عليه.
ونحن نُعارضكم بشبه هذه [المسألة] (1) في الأحكام، هي ونظيرتها سواء. وذلك أنّ الوَلاية حكم من الأحكام الظاهرة، وهما الرجلان (2) يدّعيان شيئا واحدا، فيُقيم كلُّ واحد منهما بيّنة عادلة أنّ الشيء له دون صاحبه، فتكافأت بيّنتهما، وشهدت البيّنة أنّه نتاج كلّ واحد منهما، فالحكم الذي لا يعلم فيه اختلاف أحد أن يقسم الشيء بينهما نصفين. ألستم تعلمون أنّ القاضي قد أعطى /13/ أحد الرجلين ما ليس له، وأنّ إحدى (3) البيّنتين كاذبة لا محالة؟ فإن أنتم أجزتم هذا الحكم وتولّيتم القاضي والبيّنة والرجلين الخصمين فقد نقضتم أصلكم، لأنّكم تولّيتم مَن أخذ ما ليس له، وتولّيتم القاضي وقد علمتم أنّه أعطى أحد الرجلين ما ليس له، وتولّيتم البيّنة وقد علمتم أنّ فيهما كاذبين، وإن وقفتم عنهم خالفتم [الأمّة] (4) وأبطلتم الأحكام فليس لكم مخرج إلاّ بالرجوع [إلى] (5) الذي قلناه ضرورة.
ومن المسائل التي يسألون عنها
قالوا: أخبرونا عن الشاة الميتة المختلطة بالمذبوحة، والإناء المنجوسة والطاهرة؟ فأرادوا أن يُناظروا الفرض اللاّزم بالموسّع. يُقال لهم: ينبغي فيما سألتم عنه تركه إلى ما هو أظهر منه، وليس هذا نظير لما سألتم عنه من الوَلاية والبراءة. وذلك أنّه يُقال لكم: أرأيتم من ترك الشاة المذبوحة والإناء الطاهرة، أليس ذلك واسع له؟ فهل يسع ترك وَلاية كما وسع ترك هذه الشاة والإناء الطاهرين وليس في تركهما إثم، (6) وفي ترك ولاية المسلم ترك الفرض اللاّزم. فلا تناظر المضيّق بالموسّع.
ويُسْأَلون
__________
(1) - زائد من جـ.
(2) - جـ: الرّجلين.
(3) - في كِلا النّسختين: أحد، والصّواب ما ثبّتناه.
(4) - زائد من جـ.
(5) - زائد من جـ.
(6) - جـ: تركها مأثم. (1/136)
صفحة 32
عن الدّرهم المعلوم وزنه فحمي في النّار إن كان يشهدون أنّه باق على وزنه الأوّل؟ (1) قلنا: وهذه المسألة ليست بنظير الوَلايَة وذلك أنّ الدِّرهم إن وقع فيه النقصان فإنّما وقع فيه بنقص بعض أجزائه، وإن لم يقع فيه النقصان بقيت أجزاؤه /14/ على ما هي به، وليس [هذا] (2) نظير الوَلاية التي لا تتجزّأ، وهي فعل من الأفعال. والدرهم والشاة والإناء أجسام فلا تناظر الأجسام بالأفعال. وهذا تمويه ومناهبة (3) من المُناظر بهذا التوهّم أنّه ناظر بنظير، وإنّما النظير أن يُوازن الشيء بالشيء الذي هو نظيره، مثل أن يُناظر الجسم بالجسم والفعل بالفعل وبذلك تصحّ [المناظرة]. (4)
وسألوا
عن قول الله: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] وهذا عندهم من أقوى حُججِهم في الوقف. والذي بَلَغنا في تفسير هذه الآية وجهان (5) قالوا في وجه منها: لا تقل رأيت ولم تر، ولا سمعت ولم تسمع، ولا علمت ولم تعلم. فالوجه الآخر: ولا تقف، يقول: ولا تتّبع ما ليس لك به علم، فكلا الوجهين ليس فيهما معنى ما (6) ذكروا في تجويزهم الوقوف فيمن له عندهم أصل الوَلاية، لأنّهم كان له فيهم علم ثابت لا يزيل ذلك العلم إلاّ علم مثله، ولا يزيله الشكوك والشبه.
وقلنا لهم (7): أخبرونا عن الوَلاَية الثابتة في هذين الرجلين، أزالت (8) فبطلت أم هي ثابتة؟ فيقولوا (9) ما بدا لهم. فإن قالوا: زائلة فقد أوجبوا البراءة. وإن قالوا: ثابتة، فقد تركوا ما ذكروا من الوقوف. فإن قالوا: لا ثابتة ولا زائلة فقد أتوا بالمحال أنّ شيئا كان ثابتا أتت عليه حال لا يكون فيها ثابت
__________
(1) - ناقص من جـ.
(2) - ناقص من جـ.
(3) - في جـ كلمة غير مقروءة هكذا رسمُها: وسساه.
(4) - زائد من جـ.
(5) - في كِلا النّسختين: وجهين، ولعلّ أصل العبارة: والذي بلغنا أنّ في تفسير هذه الآية وجهين، فيكون موضعه على النّصب اِسم إنّ.
(6) - في الأصل كما. والذي هنا من جـ ومن نسخة أخرى مُثبت على هامش الأصل.
(7) - جـ: وإذا قيل لهم.
(8) - جـ: زالت.
(9) - هكذا في النّسختين ولعلّه: فليقولوا. (1/137)
صفحة 33
ولا زائل.
وقد
بلغنا عنهم أنّهم يقولون [إنّ الوقوف يضادّ البراءة (1) والوَلايَة جميعا. فإذا قيل لهم: أشيء واحد يضاد شيئين؟ قالوا] (2): إنّ الوقوف جهل والوَلاية والبراءة علم فتضادّهما من وجه علم وجهل. فسبحان الله!؟ ما أقلّ /15/ علم من اعتلّ بهذا؛ فالوقوف في هذا المعنى يضادّ كلّ علم في الدنيا من العلم بالطبّ والصناعات (3) وغير ذلك من العلوم إذا كان إنّما ضادّهما من وجه (4) علم وجهل لا غير ذلك.
وقد زعموا أنّ الوقوف (5) فريضة. ولم يُعلم فيما افترض الله في كتابه، ولا أمر به النبيء - صلى الله عليه وسلم - في سنّته، أنّه أمر بالجهل أو تعبّد به أحدا من عباده. إنّ ما أمرهم بيَّنه لهم وأعلمهم إيّاه لئلاّ يؤتوا في شبه (6) من قبله وليس فيمن (7) ليس له عندنا أصل وَلاية ممّا لا علم لنا به، فذلك ليس علينا فيه فرض إن تولّيناه أو تبرّأنا (8) منه قبل العلم منّا بالمعنى الذي تجب به الولاية والعداوة (9) فقد وسّع الله علينا إذ لم يكلّفنا علم ما غاب عنّا، فله الحمد الرّؤوف بعباده، المسهّل على أوليائه سبيل تعبّدهم به. والحمد لله [ربّ العالمين] (10) على ما بصّرنا من دينه ووفقّنا له.
باب آخر
وأمّا ما ذكروا من المرأة التي تؤتى فيما دون فرجها، فقالوا: إنّهم يتبرّأون
__________
(1) - البراءة لغة البعد عن الشّيء والتخلّص منه، وأمّا في الاِصطلاح الشّرعي تعني الشّتم واللّعن للكافر لكفره وهِجرة مرتكب الكبيرة حتّى يتوبوا. (المراجع) عن أعوشت بكير: دراسات إسلاميّة في الأصول الإباضيّة، ص 145.
(2) - ما بين المعقوفين ساقط عن الأصل.
(3) - جـ: جهة.
(4) - جـ: شبيه.
(5) - الإمساك عن تولّي وبراءة مَن نَجهَلهم حتّى نستبين حالهم.
(6) - في هامش النّسختين: عن نسخة: بشبهة.
(7) - في الأصل: ممّن والذي هنا عمّن نسخة من هامش الأصل.
(8) - في جـ، وخ: نتولاّه او نتبرّأ منه.
(9) - العداوة مرادِفة البراءة وقد سبق شرحها.
(10) - ناقص من جـ. (1/138)
صفحة 34
منها برأي. ولم يبلغنا في شيء من العلوم أنّ البراءة تجب بالرأي، ولا بلغنا عن أحد ممّن مضى. وذلك أنّ الولاَية والبراءة عندهم من الإيمان المضيّق، وإنّما يرجع أمرهم في هذا إلى الوقوف وإن لم يصرّحوا به. وهي عند أصحابنا أنّ فِعلها كبيرة، وذلك أنّ الكبائر -عندنا وعن هؤلاء الذين ذكرناهم أنّهم يتبرّأون منها بالرّأي- (1) ما جاء فيه النصّ أنّه كبيرة أو وجب فيه الحدّ، أو فسق [الله] (2) أهله /16/ أو وعد الله عليه النّار، أو ما أصابت به مُثْلَةٌ في الدنيا، أو ما ناظر هذه الوجوه أو ما هو أعظم منها.
وأمّا الذي يُستخرج (3) من كتاب الله ممّا يشبه فعل هذه المرأة، قال الله تعالى (4): {قُلْ اِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: 33]. فذكر أهل التفسير: أنّ ما ظهر كشف العورة، وما بطن هو الزنا، فسمّى (5) كشف العورة فاحشة. ففِعل هذه المرأة عندنا أشدّ من كشف العورة. وقال في موضع آخر: {وَالذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمُ أَوْ مَا مَلَكَتَ اَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ اِبْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المومنون: 5 - 7]، والعادون اسم من أسماء الضّلال. فإن كانت هذه ممّن حفِظت فرجها (6) فإنّها غير ملومة كما قال الله، ولها جنّة (7) النّعيم كما ذكر للحافظين فروجهم، وإن كانت من العادين فهي من الضّالين.
وجاء عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - فيما روى الروّاةُ عنه أنّه قال: «لعن الله النّاظر والمنظور إليه»، وجاء عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: «العين (8) تزني وزناؤها النظر، واليد تزني وزناؤها اللّمس» (9) ففعل هذه المرأة أعظم في النظر من هذا الذي قدّمنا ذكره في الكتاب وممّا ذكر عن النهي - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) - الرّأي هو اعتقاد الأمر بعد الاِجتهاد والعجز عن معرفة موجباته الذّاتيّة أو الموضوعيّة مع قِيام المانع من اِعتقاد خلاف ذلك الأمر، والرأي أفضل من الظّنّ، ولا يكون الرّأي إلاّ فيما لا يمكن إثباته بالتّجربة أو الدّليل (المراجع) عن معجم الفلسفة: م. س.
(2) - زائد من جـ.
(3) - جـ: اِستخرج.
(4) - جـ: عزّ وجلّ.
(5) - جـ: فسمّوا.
(6) - أصل: حفِظ.
(7) - جـ: جنّات.
(8) - جـ: أنّ العين.
(9) - رواه البخاري: 2061، وأبوداود: 2152، ومسلم: 2657. (1/139)
صفحة 35
وقالوا فيما يُستخرج في النظير أنّ من سرق خمارها ممّا قيمته أربعة دراهم فصاعدًا أنّه يجب فيه القطع وتجب به (1) البراءة، فرأوا أنّ تعرّيها بين الرجال [وإبدائها عورتها] (2) وتلذّدهم بها فيما /17/ دون فرجها أعظم في النظير ممّن سرق خمارها. وقالوا: إن المرأة تحمل إذا أوتيت بين الفخذين. وقال بعض العلماء: إن أتت المرأة (3) بولد من غير زوج أنّ ذلك -زعموا- بمنزلة الإقرار بالزنى، فنسأل (4) أهل هذه المقالة عن الحكم فيها إذا أتت بولد ولم تعتلّ بعلّة إلاّ أنّها أَخبرت بما فعلت (5) إنّما فعلته شهوة ولذّة. (6) ويدخل عليهم أنّ فاعل (7) ذلك لو فعله بأمّه أو أخته (8) ...
وأمّا ما سألوا عنه إن كان يجب عليها حكم الزانيّة؟ فيُقال لهم: ليس كلّ ما تجب فيه البراءة يجب فيه الحدّ. ألا ترى أنّ الرجل يأخذ من غير الحرز ما هو ممّا يجب فيه القطع إذا أخذ من الحرز، أنّ البراءة تجب عليه ولا يجب القطع. وقد قيل في العبد المسلم: إنّ من قذفه تجب فيه البراءة ولا يجب فيه الحدّ.
وقد قيل في العبد البِكر الذي لم يُحصِن، أو الأمة، إذا زنيا تجب فيهما البراءة ولا يجب فيهما الحدّ. قال الله تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ} [النّساء: 25]، فقالوا: إنّ هذا الإحصان إحصان الإسلام لا إحصان الأزواج في الحرائر، وأمّا الإماء اللاّتي (9) يجب فيهنّ الحدّ هنّ (10) المحصَنات بالأزواج، وما ذكرنا في هذا الباب كافٍ عن الإكثار فيه.
فإن كان معناهم في هذه المرأة [أنّهم] (11) يقفون عنها فقد ذكرنا في الوقوف ما فيه كفاية. وإنّما السؤال في هذه المرأة أنّها ممّن
__________
(1) - جـ: فيه.
(2) - ناقص من جـ.
(3) - عبارة جـ: أنّ المرأة إذا أتت.
(4) - جـ: فيسأل.
(5) - الأصل: فعل. والتّصويب من جـ.
(6) - جـ: لذّة وشهوة.
(7) - جـ: الفاعل.
(8) - هنا انقطاع في كلا النّسختين ... ولم يدلّ عليه النّسّاخ ببياض أو غيره، وفي العبارة نقص ظاهر.
(9) - جـ: الذي وهو خطأ.
(10) - جـ: من: وهو تصحيف.
(11) - زائد من جـ. (1/140)
صفحة 36
كان لها أصل وَلاَية فأحدثت هذا الحدث، فوقع فيها التنازع على ما ذكرنا. ففي الذي /18/ [ذكرنا] (1) في الوقوف كفاية عن إعادة الحجّة فيه. وقد ذكرنا عنهم أنّهم يقفون عنها، وإلى ذلك يرجع أمرهم وقياد مذهبهم. وكذلك الجواب في الرجلين المتلاعنين، كالجواب في الرجلين اللّذين فيهما التنازع.
__________
(1) - زائد من جـ. (1/141)
صفحة 37
بسم الله الرّحمن الرّحيم
وسألته
عمّا يسع جهله، فقال: يسع جهل جميع الحرام ما خلا الترك والاِستحلال لما حرّم الله والإصرار على ما حرّم الله، وذلك إذا علمنا (1) أنّه مصرّ (2) على فعل ما علمت أنّ الله حرّمه، واستحلّ ما علمت أنّ الله حرّمه، فهذه الوجوه الثّلاثة لا يسع جهلها ولا فِعلها، وما سوى ذلك من الحرام يسع جهله حتّى تقوم به الحجّة من كتاب الله أو من سنّة رسول الله أو ممّا اجتمع عليه المسلمون ممّا دانوا به. فإذا قامت به الحجّة صار (3) بمنزلة ما لا يسع جهله. ولا يسع المقارفة لما حرّم الله عَلِمَ المقارف أو جهل، ولا يسع ترك شيء من الفرائض إذا جاء وقتها على التارك بها أو جهل لم يسعه الترك لها، ولا يسعه تركها ولا جهلها بعد مجيء الوقت. وذلك أنّ النّاس لا يُسْأَلُونَ (4) على جهل الصّلاة ما لم يجئ وقتها، فإذا جاء الوقت لزمهم الفعل والعلم، (5) وكذلك جميع الفرائض على هذا المعنى.
وثمّ أشياء يسعهم جهلها أبدا ما لم يتقوّلوا على الله فيها الكذب فيحرّموا حلالا أو يحلّلوا حراما أو يُلقوا الحجّة فلا يسلموا لها. وعلى هذه المعاني التي /19/ ذكرنا جاء أمر الدين؛ منه ما لا يسع جهله (6) طرفة عين، وهي الجملة التي دعا إليها رسول الله: شهادة أن لا إله إلاّ هو وحده لا شريك له، وأنّ محمّدا عبده ورسوله وما جاء به حقّ.
ومنه ما لا يسع جهله إلى مجيء وقته، فإذا جاء الوقت لزمهم الفعل والعلم (7) إلاّ أنّ هذه أوسع وقتا من الجملة، وذلك أنّه إذا جاء [أوّل] (8) الوقت لم يضيّق عليه الجهل والفعل في أوّل الوقت، فإذا جاء آخر الوقت لم يسعه أن يخرج الوقت إلاّ وقد أدّى ما كُلِّف.
__________
(1) - الأصل: علمنا، والتّصويب من جـ.
(2) - جـ: أصرّ.
(3) - جـ: كان.
(4) - جـ: يسلّمون.
(5) - جـ: العمل.
(6) - من جـ.
(7) - جـ: العمل وهو خطأ اتّفقت فيه النّسختان، وانظر ما قبله.
(8) - زائد من جـ. (1/142)
صفحة 38
وأمّا الذي ذكرنا من أنّ الشرك (1) لا يسع جهله [أنّه] (2) إذا جهل الشرك جهل التوحيد، وإذا جهل التوحيد فهو مشرك، والذي ذكرنا من الإصرار أنّك إذا رأيت من أصرّ على فعل مّا تعلّم أنّ الله حرّمه، فلم يتب من ذلك وينزع صار بمنزلة العَنود، فلا يَسعُ جهلُ كفر هذا. وكذلك المستحلّ لما حرّم الله، فإذا علمت أنّه استحلّ ما حرّم الله نصّا فهو مُكذِّب لله مشرك، وإن كان اِستحلاله بالتأويل، ولم يَرِد في تأويله شيء ينقض جملته، وقد علمت أنّه استحلّ ما حرّم اللهُ بالتّأويل فهو كافر غيَّر باستحلاله ما علِمت أنّ الله حرّمه بالتأويل.
والأشياء التي لا يسع جهلها ما لم يتقوّلوا على الله فيه الكذب هي مثل قسم المواريث، ودقائق الربا وما يشبه ذلك من الحلال ولحرام. وثمّ أشياء يسع جهلها ما لم تذكر، فإذا ذُكرت لم يسع جهلها وهي (3): تفسير التوحيد مثل أن يسأل السائلُ فيقول: الله عالم /20/ أو جاهل؟ أو قادر أو عاجز؟ وما يشبه هذا من ذكر الصفات، فلا يسعه إذا ذكر مثل هذا إلاّ أن يعلم فيه الحقّ ويصف الله بصفته. وقد كان قبل أن يَرِد عليه هذا التفسير [واسعا ألاّ يدّعي هذا التفسير، وكانت الجملة الأولى تجزيه، إنّما يضيّق عليه هذا التفسير] (4) إذا فهمه بلغته التي تلزمه بها الحجّة. والعالم بالحجّة قبل أن ترد أحسن حالا ممّن لم يعلمها إلاّ عند ورودها.
وعلى المستجيب إلى هذه الجملة التي ذكرنا وإلى قول المسلمين في تفسيرها وَلاية من دعاه إلى ذلك، والبراءة ممّن نقض ذلك لأنّه لم يستجب للدّاعي إلاّ وقد علم أنّ ما دعاه إليه هو الحقّ، فمن نقض ما علم أنّه هو الحقّ الذي أمر الله به وجبت براءته.
وسألته
عن رجل على دين نبيء من الأنبياء فدعا رجلا من المجوس إلى دينه
__________
(1) - الشّرك لغة النّصيب، واصطلاحًا جُحود الله - عز وجل -؛ والشّرك يكون جُحود بالله كفعل أهل الدّهر والوثنية، ويكون مساواة أي تساوي بين الله والخلق في صِفة أو فِعل أو ذات. (المراجع) عن أعوشت بكير: دراسات إسلامية في الأصول الإباضية، ص 148.
(2) - جـ: وهو.
(3) - جـ: وهو.
(4) - ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل. (1/143)
صفحة 39
فاستجاب له، فقال: بلَغَنا أنّ هذه المسألة وقعت في زمان أبي عبيدة أنّ الدّاعي له مسلم والمستجيب مسلم، فكأنّه حسّ منهم أنّهم لم يقنعهم جوابه فقال: ما تقولون أنتم؟ فقالوا: نقول: أنّ الدّاعي مسلم والمستجيب كافر. فقال ... أبو عبيدة: (1) أليس الدّاعي على دين الله؟ قالوا: نعم، قال أليس لمن كان على دين الله أن يدعو إلى دين الله؟! فطردهم (2) من المجالس على قولهم ذلك.
وسألته
هل يقدر الله أن يرزقك ملء الأرض ذهبا؟ فقال: نعم .. قال: (3) هل يعلم الله (4) أنّه يرزقك ملء الأرض ذهبا؟ /21/ قال: ليس كلّ ما يقدر عليه أن يكون يقال فيه يعلم أنّه يكون؟ لأنّ القدرة تقع (5) على كائن وغير كائن فلا ندري أنّه يعلم أنّه يرزقني أو يعلم أنّه لا يرزقني، فهذا فرز (6) ما بين يَقْدِر ويَعْلَم.
فإن قال قائل: فقد أجريت على بعض الصّفات مالم تُجر على بعض، قيل له: ليس ذلك لاِخْتِلاف الصِّفات ولا لاختلاف الموصوف بها، وإنّما اختلف المقدور عليه والمعلوم، فدلّت لفظة «يَقدِر» على ما لم تدلّ عليه لفظة «يعلم» للذي ذكرنا؛ وذلك أنّك تقول: يقدِر على كلّ شيء. ولا يجوز أن تقول: يقدر على نفسه، وتقول يعلم كلّ شيء. فإذا قيل لك يعلم نفسه؟ قلت: لأنّه لا يعلم غيره من يجهل نفسه. فجاز يعلم نفسه ولم يجز يقدر على نفسه. وكذلك صفة الإرادة، إنّك تقول: إنّ كلّ ما أراد الله كان، وما لم يرد لا يكون، ولا يجوز هذا في صفة هذا في صِفة القدرة، ولا تقول: إنّ كلّ ما قدر الله عليه يكون، ولا تقول: لا يقدر على
__________
(1) - أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التّميمي البصري (58 - 145هـ)؛ تعلّم عن جابر بن زيد، وورث عنه رئاسة المذهب الإباضي؛ تعلّم عنه الرّبيع بن حبيب صاحب المسنَد، وحمَلة العلم إلى المغرب. روى السّالمي عنه أنّ حمَلَة العلم طلبوا يومًا كرامة من أبي عبيدة ليطمئنّوا على ما هم عليه من حقّ، فتوضَأ وصلّى ركعتين، واجتهد في الدّعاء حتّى انفتح سقف الغار الذي كانوا يتعلّمون فيه استخفاءً من الجبابرة، وانفتحت السّماء الأولى ثمّ الثّانية ثمّ الثّالثة ثمّ الرّابعة ثمّ الخامسة ثمّ السّادسة ثمّ السّابعة فبان لهم العرش بقدرة الله تعالى؛ اُنطر: السّالمي: حاشية الجامع الصّحيح، 1/ 7. (المراجع)
(2) - هم سهل بن صالح وعبد الله بن زريق الهدّاوي وجماعة من الفتيان تبرّأ منهم أبو عبيدة ثمّ شفع فيهم حاجب الطّائي فقبل توبتهم بعد زمان؛ الدّرجيني: الطّبقات، 2/ 242، (المراجع).
(3) - ناقص من جـ. وجاء هكذا في الأصل، وينبغي أن يكون صوابه: قلت.
(4) - ناقص من جـ.
(5) - جـ: تكون.
(6) - جـ: فرق. (1/144)
صفحة 40
حال، ولا يعلم كما قلت يريد [ولا يريد]. (1)
وليس ذلك لاختلاف الصفات وإنّما ذلك لاختلاف المقدور عليه والمراد والمعلوم، وذلك أنّه لا تُعطى كلّ لفظة إلاّ من الطريق الذي يجوز إعطاؤها منه.
قال المتكلّمون: (2) إنّ الصفات كلّها تنضمّ (3) إلى القدرة، وليس معناهم في ذلك أن يضمّوا صفة إلى صفة، وإنّما أرادوا أنّ صفة القُدرة تنفي جميع العيوب، لأنّك إذا قلت: لم يزل الله عالما، نفيت عنه الجهلَ، والجهلُ /22/ عجز، والعجز منفيّ بصفة القدرة؛ وكذلك البصر ينفي العمى، والسمع ينفي الصَّمَم، فهذه معاني العجز وهي تُنفى بصفة القدرة. وليس المعنى أنّ في الله أسماء (4) يقع عليها العدد، والعدد عن الله منفيٌّ، لأنّه الواحد الذي لا يجري عليه العدد، ولا التبعيض، وإنّما قالوا (5) ذلك على توسعة اللغة، فإذا ذكروا العلم معناهم العالم، وكذلك سميع وبصير، وسائر الصّفات إنّما أرادوا أنّ (6) الله لا شيء غيره، هو العليم بنفسه والسميع بنفسه لا بمعنى غيره.
وهذه المعاني التي ذكرنا تدخل على من زعم أنّ أسماء الله مخلوقة وإنّما دعاهم -زعموا- ودلّهم على خلقها أنّها يجري عليها العدد وأنّه يجوز في بعضها ما لا يجوز في بعض، فقالوا: فرز (7) ما بين صِفات الذات وصفات الفعل أنّك تقول في صفة الذّات عالم بكلّ شيء وقادِر على كلّ شيء. ولا يجوز أن تقول: ساخط على كلّ شيء، ولا راض عن كلّ شيء، ولا محبّ لكلّ شيء، ولا مبغض لكلّ شيء، ولا مثيب لكلّ شيء، ولا معاقب لكلّ شيء، فدلّهم -زعموا- على أنّ بعض الصّفات مخلوقة وبعضها غير مخلوقة الذي ذكروا من العموم والخصوص. وقد أغفلوا النظر في هذا، وليس تكون صفات الله مخلوقة وغير مخلوقة لعِلّة عموم الخلق وخصوص الخلق، لأنّ الله لا تجري عليه العِلل، ولا يستوجب الصّفات لمعنى غيره. ويدخل عليهم أنّ الله خالق كلّ شيء،
__________
(1) - زائد من جـ.
(2) - المتكلّمون الذين يشتغلون بعلم الكلام الذي هو جدَل عقليّ في المسائل الدّينيّة والبرهنة على العقائد والأصول الدّينيّة بالأدلّة العقليّة والنّقليّة دفاعًا عن الدّين الإسلاميّ ودفعًا للشُّبه. عن أعوشت بكير: دراسات إسلاميّة في الأصول الإباضيّة، ص 151. (المراجع).
(3) - جـ: تنتظم.
(4) - جـ: أشياء.
(5) - ناقص من جـ.
(6) - ناقص من جـ.
(7) - جـ: فرق. (1/145)
صفحة 41
وصانع كلّ شيء، ورازق كلّ شيء، ومتقن كلّ شيء، ومدبِّر كلّ شيء، أن تكون هذه /23/ الصفات غير مخلوقة عندهم لإنّها على العموم لكلّ شيء، فإن أبَوا ذلك فقد أبطلوا اعتلالهم.
وأمّا قولهم يبغض بعضا ويحبّ بعضا فذلك على العموم لكلّ من أحبّ وكلّ من أبغض، وعاقب وأثاب وذلك جائز (1) في اللغة، لأنّ الخبر إذا جاء في شيء فهو عام لما تحته، وخاصّ لِمَا لم يدخل فيه. وليس [في] (2) خصوص (3) الأخبار وعمومها ما يدلّ على فرق ما بين الصِّفات إلاّ أن يريد القائل بهذا فرق ما بين المسخوط والمحبوب. وأمّا الساخط والرّاضي فهو واحد، والخالق والرّازق فهو واحد.
وقال في وجه آخر: إنّك إذا ألحقت في خالق ألِفا ولامًا جاز أن تقول: لم يزل الخالق، وكذلك الرّازق، وجميع الصفات التي ينسبونها إلى الفعل فهذا أيضا من أعجب ما يأتون، لأنّه جائز (4) أن يُقال: لم يزل الخالق، و لا يجوز، (5) لم يزل خالق ورازق، (6) لأنّ ذلك تثبيت الصفة وليس في ذلك إثبات الخلق. ولَئِن (7) جاز ما قالوا من تفريق الخالق وخالق ليدخلنّ (8) عليهم في ذلك العالم وعالم، والقادر وقادر لإدخال الألف واللاّم في الصفة ألا [ترى] (9) أنّهم إذا أرادوا إثبات الصفة لله قدّموا ذكر الاِسم قبل الصفة؛ قالوا: لم يزل الله عالما، أو لم يزل الرّحمن والرّحيم. والله والرّحمن عندهم من الأسماء التي يزعمون أنّها مخلوقة [فأبطل قولهم لم يزل الله دعواهم أنّ الأسماء مخلوقة]، (10) لأنّ الله والرّحمن من أسمائه التي يجوز (11) عليها الخلق.
__________
(1) - جـ: الجائر.
(2) - زيادة يقتضيها السّياق.
(3) - جـ: خصوصه.
(4) - عبارة جـ: لأن جاز هذا ... الخ.
(5) - في عبارة جـ اِضطراب وغُموض.
(6) - هكذا في النّسختين والوجه أن تكون العبارة: لم يزل خالقا ورازقا.
(7) - جـ: والا لئن.
(8) - جـ: ليدخل.
(9) - زائد من جـ.
(10) - زائد من جـ.
(11) - جـ: يجرون. (1/146)
صفحة 42
وإنّما قال أصحابنا: لم يزل خالقا ورازقا على معنى سيخلق /24/ وسيرزق [على] (1) غير إثبات الخلق، وهي عندهم من صفات القدرة؛ يقولون: لم يزل وهو القادر على أن يخلق ويرزق، وليس عندهم في ذلك إثبات خلق ولا رزق.
والذي نقدره أنّ أهل هذه المقالة يتوهّمون علينا أنّا إذا قلنا: لم يزل الله خالقا أنّا نثبت (2) مع الله الخلق، وقد ذكر الله في كتابه ما يدلّ على صواب ما قلنا. قال الله - عز وجل - في غير موضع: {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ}، فعلمنا أنّه يريد كون الآخرة وكون كلّ كائن، فوصف نفسه أنّه فاعل (3) لما [لم] (4) يفعل بعد، لأنّ الآخرة لم تكن، وكذلك ما لم يخلق ممّا هو خالقه فثبتت الصفة ولم يثبت الفعل في الوجود، وذلك جائز (5) في اللغة على ما بينّا في مسألة قبل هذه أنّ الفاعل إذا عزم على الفعل يُسمّى (6) فاعلا على نحو قولهم: فلان خارج، على معنى سيخرج، فلان حاجّ ولم يخرج ولم يحجّ، فجاء القرآن على المعروف من كلام العرب.
وقال الله لنبييّه محمّد - صلى الله عليه وسلم -: {إنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30] على أنّه سيموت وسيموتون. ومثل هذا كثير في لغة العرب. فقد ذكرنا في هذا ما فيه الكفاية ممّا [دلّ عليه] (7) القرآن واللغة المعروفة وهي حُجّة.
وسألته
عن قول الله في كتابه {حتّى نَعْلَمَ} [محمّد: 31] و {لِيَعْلَمَ} [آل عمران: 176، 177؛ المائدة:94؛ الحديد:25] {وَسَيَرَى} [التّوبة: 94]؛ فاعلم أنّ الذي قاله (8) أهل التفسير بهذا أنّه يعلمهم فاعلين، ويراهم فاعلين ولم يزل الله عالما قبل أن يفعلوا، غير أنّه لا يُسمّى للمعدوم موجودًا. وكذلك لا يجوز «كان في موضع» «لم يكن»، و «لم
__________
(1) - زائد من جـ.
(2) - جـ: ثبتنا.
(3) - جـ: فعّال.
(4) - زائد من جـ.
(5) - ناقص من جـ.
(6) - جـ: سمّي.
(7) - بياض في جـ.
(8) - جـ: قال. (1/147)
صفحة 43
يكن» في موضع «كان». ألا ترى أنّ الشّيء إذا كان معدومًا، /25/ وهو ممّا يكون يُقال له «لم يكن» و «يكون»، ولا يجوز عليه «لا يكون»، لأنّه معلوم أنّه يكون، فإذا كان بطل عنه «لم يكن» و «يكون» ويُسمّى «كان موجودًا». فإذا فنِيَ زال عنه «لم يكن» و «كان» على معنى «موجود»، وثبت له اسم معدوم وزائل وفانٍ. ألا ترى أنّهم يقولون غدا واليوم وأمس، فإذا جاء غدٌ بطل عنه اِسم غدٍ، وثبت له اِسم اليوم، وهذا أكثر من أن نحصيه، فالله لم يزل يعلم الأشياء على تقلّب أحوالها وتصرّف (1) معانيها، فعَلِمَ اللهُ الأشياء لم تكن، (2) وعلمها بعدما كانت ولم يزل هو العالِم بها.
وإنّما وقع التّغاير على الخلق في باب لم يكن، ويكون، وكان، ولا يكون وكلّ ما جاز فيه لو جاز التكلّم فيه، وأجرى القدرة عليه؛ قال الله - عز وجل -: {لَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ اَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُّعْرِضُونَ} [الأنفال: 23]، فلو أنّ فيهم خيرًا لعلمه الله، ولكنّه علِم أنْ لا خير فيهم. وقال في موضع آخر: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 28]، فردُّهم لا يكون. وفي هذا الباب كلام كثير اِقتصرنا (3) على ما فيه الكِفاية إن شاء الله لمن أراد اللهُ توفيقه وهداه.
__________
(1) - جـ: تصريف.
(2) - فوقها في الأصل بحبر مغاير: قبل أن كانت.
(3) - جـ: اختصرنا. (1/148)
صفحة 44
باب الردّ على المعتزلة (1)
وسألته عن الدّليل على خلق الأفعال، فقال: (2)
دلَّ القرآن على خلق الأفعال، وسُنّة النّبيء - صلى الله عليه وسلم -، والقياس الذي يضطرّ سامعه إلى الإقرار به.
أمّا ما ذكر من القرآن؛ قال: {اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62؛ الرّعد: 12]، ولم يستثنِ في هذه الآية شيئًا، لأنّها جاءت /26/ مجيء عُموم، فكلُّ ما جاء القرآن على عمومه فهو على عمومه حتّى يأتي ما يُخصِّصه، (3) إمّا بنفس (4) الآية أو في آية الخصوص فعليه البرهان. وقد جاء مع هذه الآية ما يؤكِّد أنّها عامّة؛ قال: {خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ} [الأنعام: 101] و {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيل} [الزمر: 62]. فإن كان قوله {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} خاصًّا، فقوله {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم} خاصّ، لأنّ الاِثنين (5) جاءتا مجيئًا واحدًا، وهذا الواو واو النّسق عند أهل اللّغة يرجع آخره إلى أوّله.
وقد اتّفقت أمّة محمّدٍ - عليه السلام - أنّ هذه الآية عامّة، ما خلا ما ادّعته المعتزلة من إخراج الأفعال منها ومَن قال [إنّ] (6) القرآن غير مخلوق، وإنّ كلّ شيء داخل فيها ما سِوى القرآن، فأخذنا بإجماعهم وتركنا ما اختلفوا فيه ممّا ادّعاه من أراد إخراج شيءٍ منها.
وقال: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} [النّحل:81]، والسّرابيل هي من صنعة الخلقِ. قال - عز وجل -: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ}
__________
(1) - المعتزلة: من أشهر الفرق الإسلاميّة، تعتمد العقل بالدّرجة الأولى في فهم الأدلّة الشّرعيّة وأصول الإسلام، ومؤسّس الفرقة هو واصل بن عطاء، توفّي سنة 131هـ، وأشهر أعلامها عمر بن عُبيد، والعلاّف والنّظام والجاحظ؛ أهمّ تعاليمها: التّوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. عن أعوشت بكير: دراسات إسلاميّة في الأصول الإباضيّة، ص143. (المراجع).
(2) - زائد من جـ.
(3) - جـ: يخصّه.
(4) - الأصل: أم بتفسير، وهو تصحيف والتّصويب من خ، هـ، جـ.
(5) - جـ: الآية.
(6) - زائد من جـ. (1/149)
صفحة 45
[الأنبياء: 80] فأضاف الجعل إلى نفسه. ومعنى جعل في غير موضع من القرآن معناه خلق؛ قال: {وَجَعَلْنَا اليْلَ وَالنَّهَارَ} [الإسراء:12]، وقال: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا} [الأنبياء:32]، وقال: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الأعراف: 189]، فحيث [ما] (1) ذكر «جَعَلَ» يدلّ على أنّه خلق. وقال: {وَمِنَ -آيَاتِهِ أَن خَلَقَ لَكُمْ مِنَ اَنْفُسِكُمُ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الرّوم: 21]، فأضاف إلى نفسه جَعْلَ المودّة والرّحمة،/27/ والمودّة والرّحمة أفعال (2) العباد. وقال: {وَمِنَ -آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالاَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُم} [الروم: 82] إنّما المعنى في ذلك عندنا اختلاف اللّغات التي هي فعلهم، ولا يكون أن يجعل (3) من آياته ما ليس من فعله.
وقال: {خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالاَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا} [الفرقان: 59]، (4) ولم يُخرج ممّا بينهما شيئا، ولم تخرج الأعمال عن أن تكون بين السّماء [والأرض]. (5) وقال: {وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ، سِيرُوا فِيهَا} [سبأ: 18]، وقال: {خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، وقال: {فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اَقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} [التّوبة: 46]، وقال: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ، وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى} [الأنفال: 17]، وقال: {وأَسِرُّوا قَوْلَكُم أَوِ اِجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، ألاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ} [الملك: 13، 14]، وما يشبه هذا من القرآن كثير، فاقتصرنا على ما ذكرنا، وفي آية واحدة ما يقوم مقام هذه الآية وغيرها، لأنّ القرآن يُصدِّق بعضه بعضًا، ولا يُكذِّبُ بعضه بعضًا.
وأمّا ما بلغنا من سُنّة النّبيء - عليه السلام - أنّه دعا لرجل فقال في دعائه: «اللهمّ أنقه من الذّنوب [والخطايا]، (6) كما يُنقَّى الثّوب الأبيض من الدّنَس»، (7) والعباد يغسلون الثّياب. وقيل له - صلى الله عليه وسلم - (8): سَعِّرْ لنا يا رسول الله، قال: «إنّ الله هو المسعِّر». (9)
وأمّا القياس (10) الذي يضطرّ سامعه [إلى الإقرار به] (11) أنّا وجدنا
__________
(1) - زائد من جـ.
(2) - جـ: فعل.
(3) - الأصل: الجعل.
(4) - جـ: أن يجعل.
(5) - زائد من جـ.
(6) - زائد من جـ.
(7) - رواه النّسائي عن عوف بن مالك برقم 62، والتّرمذي برقم 1025، ومسلم برقم 963.
(8) - زائد من جـ.
(9) - رواه أبو داود عن أنس بن مالك برقم 3451.
(10) - القياس اصطلاحًا: إلحاق واقِعة لا نصّ على حكمها بواقعة وَرَد نصّ بحكمها، لتساوي الواقعتين في عِلّة هذا الحكم. اُنظر: عزّ الدّين بليق: منهاج الصّالحين، ص 545. (المراجع).
(11) - ناقص من جـ. (1/150)
صفحة 46
الأفعال شيئًا وهي محدَثة بإجماع، فلو جاز أن يكون شيء محدَث غير مخلوق لجاز أن يكون قديم غير مخلوق، ووجدنا الأفعال لا تبقى أكثر من حال، وأنّها /28/ لا ترى وأنّها لا تقوم بنفسها، وأنّ كيفيّتها لا يعرفها الفاعل إلاّ بالدليل، فلو ذكرنا هذا قلنا: لا يخلو هذا الفعل الذي بهذا المعنى أن يكون الإنسان فعَلَه بهذه المعاني التي ذكرنا أو يكون عَجَز (1) عن شيء منها. فإن كان تولّى فِعْلها من جميع الجهات فهي لا ترى، وهو قادر أن يجعلها ترى، وأن يجعلها تبقى، وأن يجعل منها السّكون يجامع الحركة. فإن قال قائل: إنّ هذا محال، قيل له، فمن أين استحال؟ فإن قال: من قِبَلِ أنّها في طبعها لا تَرى ولا تَبقى، قلنا: مَن تولّى جعلها [لا ترى] (2) ولا تبقى؟ ومَن تولّى جعْلَ الحسن منها حسنًا، والقبيح قبيحًا؟ فإن قال: الإنسان، أَظْهرَ (3) خطأه وجهله على لِسانه عند جميع مَن عَقَل؛ وذلك أنّه لا يقصد أحد أن يجعل فعله قبيحًا، فلمّا كان لا يقصد أن يجعل فعله قبيحًا دلّ على أنّه لا يقصد أن يجعله حسنًا، فيجيء قبيحًا ما يدلّ على أنّه ليس بفعله من تلك الجِهة إذ خالف قصده وإرادته، وكلّ ما خالف قصده وإرادته خرج من فعله. فلمّا تبيّن عجزه عن أن يكون فعله من هذه الجهة التي ذكرنا أنّه عجز عنها لم يَبْقَ إلاّ أن يكون لها جاعلٌ على ما هي به، أو تكون جعلت نفسها أو لا جاعل لها، فاستحال أن تجعل نفسها لعجزها عن ذلك، واستحال /29/ أن يكون جعل لا جاعل له، فلم يبق إلاّ أن يكون لها جاعل جعلها على ما هي عليه، فدلَّ ذلك (4) على أنّ الله جعلها كذلك على معنى خَلَقَها، وليس في جعل القبيح قبيحًا والحسن حسنا قبح ولا ذمّ، فأضفنا لله (5) ما أضاف إلى نفسه من الإضافة التي لا يُضاف إلى أحد سِواه من أنّه خلق وأنشأ ودبّر، وخالف بين القبيح والحسن، وبين الكُفر والإيمان، فجعل (6) الإيمان حسَنًا والكفر قبيحًا. فأضفنا إلى الإنسان الفعل بالمعنى الذي فعله به ممّا لا
__________
(1) - جـ: يعجز.
(2) - ناقص من جـ.
(3) - جـ: أظهر اللهُ.
(4) - ناقص من جـ.
(5) - جـ: إلى الله.
(6) - جـ: وجعل. (1/151)
صفحة 47
يصلح أن يُضاف إلى غيره، (1) فأضفنا إليه أنّه تحرّك وسكَنَ وقارف وعنى وعالج، وكفر وآمن. فهذه المعاني مُضافة إليه أنّه فَعَلَها وقصد إليها واكتسبها وأرادها. ونفينا أن تُضاف إلى الله تعالى بهذه الإضافة، لأنّه لم يتحرّك ولم يسكن ولم يكفر ولم يُصَلِّ ولم يصُم ولم يَحُجّ، فأضفنا إلى كلّ واحد ما تَحْسُن به الإضافة إليه. وذلك أنّا نظرنا إلى الآيات التي احتجّت بها المعتزلة، والآيات التي اِحتجّت بها المجبرة والمجبِلة فضربنا بعضها ببعض، وذلك أنّ المعتزلة احتجّوا (2) بقول الله {اِعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصّلت:40]، وبقوله {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ} [المائدة:30]، وقال: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأحقاف: 14؛ الواقعة: 24] و {يَكْسِبُونَ} [التّوبة: 82، 95]، وقال: {اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ} [النّحل: 32]، فهذه الآي تدلّ على أنّ الإنسان (3) يفعل باكتساب واقتصاد ورويّة.
واحتجّت المجْبِرة (4) بقول الله: {طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [التّوبة: 93؛ النّحل:108]، {وَجَعَلَ عَلَى قُلُوبِهِم أَكِنَّةً} [الأنعام: 25]،/30/ و {خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة: 7]. وقال: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مَنَ الْجِنِّ والاِنْسِ} [الأعراف: 179]، {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ} [الإنسان: 30؛ التّكوير: 29]، وقال: {يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ} [النّحل: 93؛ فاطر: 8؛ المدّثّر: 31]، وما يشبه (5) هذه الآيات التي تدلّ على خلق الأفعال، فأخذنا من ذلك بالوسط، (6) وهو أعدل القولين وأصوبهما، فنفينا عن الإنسان ما ليس من فعله، وأضفنا ذلك إلى الله بالمعنى الذي [يحسن] (7) به الإضافة إليه وهو ما قدّمنا، وأثبتنا لله القدرة على الأشياء والتّدبير لها، وأنّه مالكها وربّها وإلهها، ولم نَصِفْهُ بما وصفته به المعتزلة من خروج أكثر الأشياء من تدبيره وقدرته وسلطانه، تعالى الله (8) علوًّا كبيرًا عمّا يقوله المبطِلون.
ونفينا عنه الجور ولم نصِفهُ بما وصفته به المُجبِرة والمُجبِلة أنّه يثيب العباد الثّواب
__________
(1) - زائد من جـ.
(2) - جـ: احتجّت.
(3) - عبارة جـ: أنّ الإيمان فِعل باكتساب ...
(4) - المجبرة: فِرقة إسلاميّة ترى أنّ كلَّ ما يحدث للإنسان قد قُدِّر عليه مسبقًا في الأزل، فهو مسيّر لا مخيّر كالأشياء الجامدة، وقد تزعّم هذه المدرسة جهم ابن صفوان. عن أعوشت بكير: دراسات إسلامية في الأصول الإباضيّة، ص 138. (المراجع).
(5) - جـ: وما أشبه.
(6) - جـ: الأوسط.
(7) - زائد من جـ.
(8) - الأصل تضيق هنا: (عن ذلك) وهي ناقص من جـ. (1/152)
صفحة 48
الجزيل ويُعاقبهم العقاب الأليم [على] (1) غير ما فعلوا، تركوا ما حكيناه [ممّا قدّمنا] (2) من الآي التي تثبت القصد والأرادة والكسب، ونفي الظّلم والجور عن الله - عز وجل -، وأن يكون يأمر العباد وينهاهم عن فِعله ثمّ يعاقبهم ويثيبهم على ما فعل بهم؛ وفي إثبات الأمر والنّهي ما يبطل الجبر والاِستكراه والجَهل. وفي هذا حُجج كثيرة تركتها لئلاّ يطول بها الكتاب، وفيما ذكرنا كِفاية لمن أراد اللهُ توفيقه وهَداه.
نسأل المعتزلة
عن هذه الآي اللاتي ذكرنا فيها الإضافة إلى الله ممّا تحسن به الإضافة، أخبِرونا عن قوله: {أُولَئِكَ كَتَبَ (3) فِي قُلُوبِهِمُ الاِيمَانَ} [المجادلة: 22]، وقوله: {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذِينَ اَتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً} [الحديد: 27]، والرّأفة والرّحمة من أفعال العباد /31/ ما معنى هذا الجعل؟
فإن قالوا: [معناه] (4) سمّى وحكم أنّه إيمان. لسنا نسألكم عن التّسميّة والحكم، ولكن نسألكم عن المعاني التي أضاف الله جعلها إلى نفسه. ولو كان المعنى [على] (5) ما قلتم لقال: حَكَم الله على أنّ في قلوبهم الإيمان. وسمّى أنّ في قلوبهم الإيمان، (6) وذلك الجائز في اللغة المعروفة التي تعارف النّاس بها.
وأمّا ما ذكر الله وأضاف إلى نفسه أنّه جعله وأمر به عباده المؤمنين واختصّهم به دون الكافرين، لو كان التّسميّة والحكم على ما قلتم لجاز أن يُقال: جعل الله الكفر في قلوب الكافرين، والسّخط واللعنة في قلوب المشركين على معنى سمّى اللعنة والكفر في قلوب الكافرين، وحَكَم بذلك إذا كان مذهبهم إلى الحكم والتّسميّة.
وفي امتناعكم أن تجيزوا أنّه جعل الكفر في قلوب الكافرين على معنى سمّى، وحَكَم ما يبطل ما ادّعيتم في الإيمان من التّسميّة والحكم، ونحن إنّما سألناكم عن المعاني فأجبتم بما لم نسألكم عنه.
__________
(1) - ناقص من جـ.
(2) - زائد من جـ.
(3) - في النّسختين: جعل، وهو خطأ.
(4) - زائد من جـ.
(5) - زائد من جـ.
(6) - ناقص من جـ. (1/153)
صفحة 49
ويُقال لهم: أخبِرونا عن الإيمان في نفسه، أَحَسَن هو أم قبيح؟ (1) وعن الكفر أقبيح [هو] (2) في عينه؟ ولسنا نسألكم عن التّسميّة والحكم. فإن قالوا: الكافر جعل الكفر قبيحًا في عينه والمؤمن جعل الإيمان حسَنًا، فمن أحْسَن فِعلاً؟ من جعل الكفر قبيحًا متناقِضًا مذمومًا خلاف الإيمان، أو من جعل الإيمان حسَنًا؟ مع ما تقدّم من الحُجّة أنّ الفعل حسَنًا وقبيحًا ليس من فِعل الإنسان، لأنّا وجدناه يقصد إلى أن يكون فعله حسَنًا فيجيء قبيحًا. /30/
ويُقال لهم: أخبِرونا عن هذا الإيمان الذي زعمتم أنّ الإنسان فعله حسنا، أهو خير أو ما خلقه الله وتولّى فعله من السّموات والأرض أفضل من توحيد الله (3)؟ والشّيطان والكلب والخنزير أفضل من توحيد الله، لأنّهم من خلق الله والتّوحيد من العباد. فإن تجاسروا على هذا وتحاملوا عليه بأنّه من جميع ما خلق الله؛
ويُقال لهم: إذا زعمتم أنّكم فعلتم أفضل الأشياء وأنتم المتولّين لتفضيله، فمن أحسن إليكم مَنْ فَعَلَ بكم الفاضل أو مَن فَعَلَ بكم المفضول؟ فإن قالوا ممّا فعل اللهُ بكم من خلقه أسماعكم وأبصاركم وجميع ما أنعم به عليكم، فأنتم أوجب شكرًا لأنفسكم ممّا فعل الله بكم، لأنكم فعلتم بها الأفضل، وفعل الله بكم المفضول، فأنتم أحسن إلى أنفسكم من الله إليكم، وإن أعطاكم اللهُ الثّواب وأدخلكم الجنّة على ما ادّعيتم من قولكم لم (4) يُجازكم بما فعلتم، لأنّ فعلكم على ما زعمتم في التّوحيد الذي هو أفضل الأشياء أعظم ممّا أعطاكم الله من الثّواب. وإن رجعوا عن هذا ولم يجسروا عليه، وقالوا لم يجعلوا الإيمان حسَنًا ولا الكفر قبيحًا دخل عليهم ما ذكرنا في أوّل الكتاب أنّ الإيمان /33/ لم يكن حسَنًا بفعل الإنسان ولا الكفر قبيحًا بفعل الإنسان، فإنّ الله جعل الإيمان حسَنًا في نفسه خلاف الكفر، طاعة لا معصية، وجعل الكفر قبيحًا متناقِضًا مذمومًا خلاف الإيمان.
فإن قالوا: أخبِرونا عن ما فعلتم من الإيمان الذي هو خلْقُ الله، أفتقولون
__________
(1) - جـ: أو، وهو أولى.
(2) - ناقص من جـ.
(3) - عبارة جـ: أو أنّ.
(4) - في النّسختين: ثمّ، ولا وجه له. وفي هامش الأصل عن نسخة أخرى: لما، ولعلّ الصّواب ما أثبتناه. (1/154)
صفحة 50
إنّكم فعلتم خلق الله؟
قلنا: لا يجوز بهذا اللفظ، والجائز أن يُقال: فعلنا على معنى تحرّكنا وسكنّا، وخلقَ الله حركَتنا (1) وسُكونَنا من غير أن نتحرّك أو نسكن، وقد تقدّم لنا في هذا ما يُغني عن إعادته، وذلك أنّا نسبنا الفعل إلى الإنسان بمعنى ما فعل، ونسبنا إلى الله الخلقَ بمعنى ما خلق.
فإن قالوا: لا يخلو هذا الفعل أن يكون الله متفرِّدًا به أو الإنسان مفردا به أو هو مشترك بين الله والإنسان، قلنا: قد خلا ممّا ذكرتم. أمّا معنى ما ذكرتم أن يكون الله منفرِدًا به فإنّ من أفعال الخلق الكفر والإيمان، والصّدق والكذب، والحركة والسّكون، فنفينا أن يكون الله منفرِدًا بما فعل الإنسان من ذلك، فيُقال إنّ الله كفر أو تحرّك أو سكن وقد خلق ذلك من الإنسان. ونفينا أن يكون الإنسان انفرد بالفعل دون أن يكون الله خالِقًا لما فعل للذي قدّمنا ممّا بان لنا من عجزه على أن يجعل الفعل قبيحًا أو حسَنًا أو يرى أو يبقى.
فلمّا تبيّن عجزه تبيّن أنّ ما عجز عنه ليس بفعله.
وأمّا ما ذكرت من الشّركة هو أن يتّفق /34/ الفاعلان في وجه الفعل، فإن كذب أحدهما كذب الآخر، فيكونان متّفقين كالرّجلين يُخبران بخبر واحد أو مائة رجل مشتركان على معنى أنّهما متّفقان. أو كَرِجال على قتل رجل فهم مشتركون في قتله والقتل يلزمهم جميعًا، ويُسمّى كلّ واحد منهم قاتلاً.
وقد يشترك في فعل الحركة من لم يدخل في فعل الحركة، ألا ترى أنّ اليد تتحرّك (2) ويشترك في حركتها (3) الرِّجل وسائر الأعضاء، لأنّ الفعل للجميع وهو الإنسان بجميع أجزائه. وكذلك يشترك في الذي ذكرنا من [أنّ] (4) الرَّجل يشترك في قتله جماعة فكلّ يلزمه اسم القتل. والقتل لا يتجزّأ، وهو فعل واحد. وقد يكون فيهم طفل أو مجنون، ومن أُحِلّ (5) له قتله ومن حرّم عليه قتله، وآخر متعمّد وآخر خطأ فهذا فعل واحد من جماعة الفاعلين. والذي أضفنا إلى الإنسان (6) من الفعل فهو كلّه من الجهة التي أضفنا (7) إليه أنّه يتحرّك وسكن، وكفر وآمن لم يشاركه من هذه الجهة
__________
(1) - حركة الشّيء هي التغيّر المتّصل بوضعه المكاني خلال الزّمان بالنّسبة إلى نقطة ثابتة، وحركة الفكر انتقاله من فِكرة إلى أخرى. محمود يعقوبي: معجم الفلسفة، ص 49. (المراجع).
(2) - في الأصل: حركته، وهو خطأ، والصّواب حركتها.
(3) - في الأصل: حركته، وهو خطأ، والصّواب حركتها.
(4) - ناقص من جـ.
(5) - جـ: حلّ.
(6) - أصل الإيمان والذي هُنا من جـ.
(7) - الأصل: أضفت، والذي هنا من جـ. (1/155)
صفحة 51
أحد. والذي يضاف إلى الله أنّه خلق العباد، فالفعل كلّه مخلوق ولم يشترك اللهَ في خلقه أحد. والله خلقه من العبد [عملا] (1) وخالف [بينه وبين ما خالفه] (2) ما خالفه من ... الأشياء، فقد أجبناهم فيما سألونا عنهم.
ونحن سائلوهم فيقال لهم: أخبرونا عن حركة المضطر، أمخلوقة هي؟ فإن أنكروا خلقها لحقوا [بأصحاب الطبائع]، (3) فإن أقرّوا بخلقها فذلك قولهم.
يُقال لهم: أرأيتم النّاظر إلى المتحرّك والمضطرّ، /35/ والناظر إلى المتحرّك المكتسب [هل يميّز بينهما] (4) في أعيانهما؟ في أنّ هذه حركة وهذه حركة، فإنّما فرق بينهما أنّ حركة المكتسب بإرادة، فالإرادة معنى غيرها، فأنتم فعلتم حركة الاكتساب والله خلق حركة الاضطرار، فقد أشبه فعلكم فعل الله فأنتم خالقون لفعلكم كما أنّ الله خالق لحركة المضطر. فإن قالوا: نعم [وذلك] (5) يلزمهم، فمن قال [لا خالق إلاّ الله فقد أخطا. وكذلك يلزمهم أن يكونوا آلهة لأفعالهم وأربابا]. (6) فمن قال: لا إله إلاّ الله أخطأ، تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا.
ونحن سائلوهم عن الآيات التي احتججنا بها عليهم، فيقال لهم: أخبرونا عن قوله: {وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا} [سبأ: 18]؟ [فإن قالوا إنّما أراد المسار فيه من المنازل والقرى يقال لهم: إنّما ذكر الله السّير فقال: {سِيرُوا فِيهَا}؛ إنّ قوله {سيروا} (7) فيها، أنّ فيها غير السّير، ألا ترى أنّ مصدر سيروا في اللّغة سيروا سيرا، وقوله «فيها» يدلّ على المنازل المُسار فيها لا السّير الذي هو فعلهم. لو أراد المنازل كما ذكرتم لم يقل فيها، فالسّير هو فعل العباد، والله قدّر منهم السّير وهم ساروا.
وقال في موضع آخر: {هُوَ الذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ} [يونس: 22]. وأضاف وسألناهم عن قوله: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمُ أَوِ اِجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدِورِ. أَلاَ يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ} [الملك: 13، 14] ما معنى: {ألاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ}؟ فإن قالوا: عنى (8) الصدور فإنّما ذكر السرّ الذي في الصدور
__________
(1) - زائد من جـ.
(2) - ما بين معقوفين من جـ، وعبارة أ: وخالف الله. وأنّ ما خالفه من الأشياء ... الخ وعبارة جـ أصحّ.
(3) - من الأصل بياض يتّسع لكلمة، والذي هنا من جـ.
(4) - بياض بالأصل، والذي هنا من جـ.
(5) - في الأصل: فقد.
(6) - ما بين معقوفين ساقط من جـ.
(7) - ناقص من جـ.
(8) - في النّسختين: ا عبا!؟ (1/156)
صفحة 52
أنّه يعلمه، ثم [يثني ووكّد، فقال: ألا يعلم] (1) من خلق دلّ (2) على أنّه خلق السرّ فكيف لا يعلمه. ويُقال لهم: /36/ أخبرونا عن قوله: {فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اَقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ} [التّوبة: 46]، ما معنى هذا التثبيط الذي أضاف (3) إلى نفسه؟ فما قالوا من ذلك فلا مخلص (4) لهم. وإن قالوا: أقعدهم وأمرهم بالقعود، فقد فعلوا ما أمرهم به فلا لوم عليهم إذ فعلوا ما أُمروا به. هذا وعيد لهم (5) على القعود، وقد أضاف تثبيطهم إليه لأنّه خلقه وقدّره وعلم به (6) لا يخرجون إلى الجهاد، قدّر عليهم القعود.
ويُسألون عن قوله: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ الله رَمَى} [الأنفال: 17] ما معنى هذا القتل والرّمي الذي أضاف إلى نفسه؟ فإن قالوا: أيّده وبلّغ رميته حيث (7) بلغت، فنحن لا ننكر أن يكون الله أيّده وأعانه على قتل المشركين، فأضاف إلى نفسه أنّه قتلهم ورماهم، إذ خلق ذلك وقدّره، وهذه الآية ما لهم منها مخلص، لأنّ الله أضاف القتل والرّميّة إليه، وقد علمنا وعلموا أنّ المؤمنين قتلوا المشركين ورماهم النبيء - صلى الله عليه وسلم -، مكتسبين لذلك غير مضطرين.
ويُسألون عن قوله: {طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [النّحل: 108] و {جَعَلَ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} (8) و {خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة: 7]؟ فإن قالوا: ختم عليها بكفرهم، وأضلّهم بأعمالهم فكذلك يقول، إنّ الله ختم على قلوبهم بكفرهم الذي اكتسبوه وفعلوه بإرادتهم. وأمّا قولهم إنّ الله - عز وجل - {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 102] {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ} [الأنعام: 101]، {وَخَلقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان:2] إنّه نظير قوله: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبٍّهَا} [الأحقاف: 25] وقوله: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} إنّما دلّ بظاهره، وكذلك قوله {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} و {فَتَحْنَا عَلَيْهِمُ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 44] /37/ {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} [النّمل: 23]، فدلّ بظاهره لم يبق شيء إلاّ وقد دمرته، فيقال لهم إنّ قوله: {تُدَمِّرُ كَلَّ شَيْءٍ}
__________
(1) - زائد من جـ.
(2) - جـ: يدلّ.
(3) - جـ: أضافة.
(4) - جـ: محيص.
(5) - بياض بالأصل: والذي في جـ: وعيد له.
(6) - جـ: أنّهم.
(7) - جـ: حيث ما.
(8) - الكهف: 57 {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمُ أَكِنَّةً}. (1/157)
صفحة 53
خصوصها فيها، لأنّ قوله {بِأَمْرِ رَبِّهَا} ولم تُؤمر إلاّ بمن عصا وكفر، ولم تُؤمر بمن أطاع وآمن، لقوله {إِذْ اَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الرِّيحَ الْعَقِيمَ، مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إلاَّ جَعَلَتْهُ كاَلرَّمِيمِ} [الذّارايات: 42].
فالتدمير معطوف على الكافرين، ثمّ وصف ذلك وأوضحه بقوله: {فَأَصْبَحُوا لاَ تَرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} [الأحقاف: 25] فتبيّن (1) أنّها أُمرت بمن عصى وكفر ولم يبق منهم أحد. (2) فالكلّ لمن أمرت بتدميره، فلم يبق منهم أحد وهي عامّة فيمن أمرت به، وخاصّة (3) فيمن لم تؤمر به. وكذلك قوله: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمُ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 44] من الرّخاء الذي أعطوه، فهي عامّة فيما أعطوه، ولم يفتح عليهم أبواب العذاب. ألا ترى إلى قوله: {حتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُواْ} [الأنعام: 44] يدلّ بذلك أبواب ما أعطوه وليست بأبواب ما لم يعطوه، وهذا كلّه معقول بنفس الآية أنّ الكلّ فيها أراده الله، وأنّ (4) الكلّ فيها أضافه الله إلى نفسه، ووصف به علمه وقدرته، ولم يأت في الآيات شيء لم يعلمه ولم يقدِر عليه ولم يخلقه كما جاء في غيرها من الأشياء. (5) ولو كان كلّ شيء خاصّ لما ثبتت لهم حُجّة على من أنكر خلق القرآن أبدا، ولا على أصحاب الطبائع الذين أنكروا خلق الألوان وما يُضاف إلى الطّبائع، ولا على الزنادقة الذين أنكروا خلق/38/ الشرّ، فقد سألناهم بما يلزمهم من السؤال وأجبناهم فيما يسألونا عنه. نسأل الله التّوفيق للعدل بمنّه وفضله.
وسأل المعتزليُّ فقال: إذا (6) زعمت أنّ فعل العبد مخلوق، أليس إذا فعل العبدُ فعلَ الله، وإذا ترك العبد ترك الله، فربّكم إذًا مضطرّ!؟
يُقال له: [إنّك] (7) غفلت، وأنزلت الضرورة في غير موضعها. أليس المضطر عندنا وعندكم ليس له فعل في الحقيقة؟ فكيف تقول: إذا فعل العبد اضطرّ الله إلى أن يفعل فعله، والمضطرّ لا فعل له، ولو علمت ما
__________
(1) - جـ: فبيّن.
(2) - جـ: فلم تُبق منهم أحدًا.
(3) - أصل: خلصت.
(4) - في النّسختين: فأمّا، ولا وجه له وأصلحته كما ترى.
(5) - جـ: الاِستثناء.
(6) - جـ: إذْ.
(7) - زائد من جـ. (1/158)
صفحة 54
يلزمك ما سألت بهذه المسألة، ولكنّ الله - عز وجل - خلق الأشياء وأحكمها على ما أراد، فعجّل منها أشياء لا تكون إلاّ بسبب، فالفعل لا يكون إلاّ من الفاعل، وكذلك الحركة لا تكون إلاّ من متحرّك، فما كان من شيء يقع عليه اسم شيء فالله خالقه ولم يخرج [شيء] (1) من خلقه وتدبيره ما يقوم بنفسه وما لا يكون إلاّ بسبب. وقد تقدّم لنا في مسألة الاِنفراد (2) بالفعل والشركة ما يغني عن الجواب في كلّ مسألة يسأل عنها سائل (3) لئلاّ يحسب أنّنا عجزنا عن جوابه.
ثمّ نردّ عليه السّؤال، فيُقال لهم: أخبرونا عن الولد في جميع الحيوان، أيكون النسل إلاّ بذكر وأنثى؟ فالأنثى والذكر على قياد سؤالك اضطرار بهما على أنّهما إذا اجتمعا أن يحدث بهما الولد، فأعاناه على ما كان بينهما إذا كان لا يكون الولد إلاّ باجتماعهما،/39/وكذلك الأرض والنبات والمطر إذا كان الماء أنبتت الأرض. وكذلك الحيوان لا يعيش ولا ينمو إلاّ بالأكل والشراب.
فينبغي أن يكون الإنسان أعان الله (4) على بقائه ونموّه إذا كان لا يعيش إلاّ بالغذاء. وكذلك كلّ ما يكون بسبب، ولكنّ الله الحكيم خلق هذه الخِلقة على الحاجة، وأنّهم غير مستغنين عنه إذ أحوجهم إلى ما يقيمهم ولا يعيشون (5) إلاّ به، وليندبهم إلى دار لا عناء فيها ولا نصب وليدلّهم على ربوبيّته وقدرته.
__________
(1) - زائد من جـ.
(2) - في الأصل: الافراد، والتّصويب من جـ؛ وانظر ما تقدّم ص ... وما بعدها.
(3) - جـ: السّائل.
(4) - جـ: ربّه.
(5) - جـ: يستغنون، ولا وجه له. (1/159)
صفحة 55
باب [آخر] (1) في الاِستطاعة
وسألتَ عن الاِستطاعة:
اِعلم أنّ الاِستطاعة اختلف (2) فيها المتكلّمون على وجوه كثيرة. والذي يرجع إليه أمرهم على كثرة اختلافهم إلى معنيَيْن.
قال جميعُ المعتزلة ومَن وافَقَهم على قولهم: إنّ الاِستطاعة قبل الفِعل. وقالت المثبتةُ: إنّ الاِستطاعة مع الفعل. وقالت المعتزلةُ: إنّ الله الحكيم الرّؤوف بعباده لم يكلِّفهم إلاّ ما يستطيعونه. (3) [و] (4) اعتلَّ كلُّ واحد منهم بما رأى (5) أنّه يُقوِّي مذهبه. قالت المعتزلة: وَجدنا تكليف ما لا يُستطاع نُكْرَةً (6) في العقول (7) وعَنَتًا (8) من فاعله، فَنَفَيْنا عن الله تكليف ما لا يُطاق.
وقالت المثبتة: إنّ الله لم يُكلِّف أحدًا إلاّ مستطيعًا لأخذ ما كُلِّف وتركه، فأيّ الفِعلين فعل من الأخْذ والتَّرك كانت الاِستطاعة (9) معه لم تتقدّمه، (10) لأنّ الاِستطاعة لا تبقى حالين؟ (11) لأنّهم إذا أعطوها قبل الفعل /40/ فقد أُعطوها في وقت لا حاجة لهم إليها. فإذا جاء وقتُ الفِعل وهو الحال الثّانية، وتلك الحالُ القوّةُ ليست فيها فيكون الفعل في الحال الثّانية لا قوّة، وهذا عندنا من المُحال، لا يكون الفعل بلا قُوّة معه.
وذلك أنّه اجتمعت المعتزلة (12) والمثبتة على أنّه إنّما دلّهم على القوّة الفِعْلُ، فادّعت المعتزلة بما لا دليل لهم عليه من تقديم الاِستطاعة.
__________
(1) - زائد من جـ.
(2) - هكذا في نسخة ب، وفي النّسختين الأصل وجـ كتب: اختلفوا، وهو ضعيف في اللغة.
(3) - جـ: ما يستطيعون.
(4) - زائد من جـ.
(5) - جـ: يرى.
(6) - جـ: يكره.
(7) - جـ: الفعل.
(8) - جـ: عيبًا.
(9) - جـ: استطاعته.
(10) - جـ: تقدمه.
(11) - عبارة جـ: لا تبقى أكثر من حلين.
(12) - جـ: المزيلة. (1/160)
صفحة 56
وأمّا مَن زعم أنّها مع الفعل فحُجّته قائمة، إذْ جومع على أنّ الفعل دلَّ (1) على القوّة، وأنّه إذا فَنِيَ الدّليل فَنِيَ المدلول، وذلك أنّه من شأن القوّة أنّها لا تبقى حالين، وكذلك الفِعل لا يبقى حالين، فكيف [يكون] (2) أحدهما دليل والآخر مدلول عليه [إذا] (3) لم يجتمعا. فاستدلَّت المثبتة فقالوا: لمّا كانت الآفة تمنع الفعل صحَّ عندهم أنّ الآفة إذا زالت وجد الفعلُ، لأنّ الآفة ضدّ القوّة، فالضِّدُّ ثابت حتّى يأتي ضدّه فيزيله؛ فاستدلّوا بهذا المعنى أنّ القوّة مع الفعل إذا زالت الآفة التي تمنع من الفعلَ، وإلاّ بطلت الأضداد ومناظرة الشّيء بنظيره، ولهم مسائل وعليهم مسائل.
ويُقال للمعتزلة: أرأيتم الحال الذي زعمتم أنّه (4) حال القوّة أرأيتم إن أحدث اللهُ الآفة في الحال الثّانية، أليس قد فَنِيَت القوّة لحدوث الآفة؟ فقالوا: إنّما أُعطينا القوّة قبل الفعل (5) على شريطة ألاّ تحدث في الثّانية الآفةُ. يُقال لهم، أتحتِّمون على ربِّكم ألاّ يفعل /41/ في خلقه ما يشاء، فينفي ما يشاء ويثبت ما يشاء؟ فإن قالوا: نعم، فيُقال لهم: أنتم الحاكمون على ربّكم ألاّ يفعل إلاّ ما تشاؤون إذ زعمتم إذا أعطاكم القوّة فعليه ألاّ يميتكم ولا تصيبكم آفة، وفي بُطلان هذا القول ما يدلّ أنّ الاِستطاعة مع الفعل.
ويسألون عن البالغ في أوّل بلوغه، وعن مَن ابتدأ اللهُ خلقه؛ أيكون عند تمام خلقه في الحال التي لم يتقدّمها حال غيرها أن يكون يخلو من أن يكون فاعل أو تارك، أو لا فاعل ولا تارِك وهو عاقل صحيح؟ فأيُّ القول قال لزمته الحُجّة. فإن قالوا (6): إنّه فاعل في تلك الحال فقد أقرّوا أنّ الاِستطاعة مع الفعل. فإن قالوا: إنّه تارك فعل أيضًا باستطاعة. وإن قالوا: لا فاعل ولا تارك فقد قالوا المحال، أن يكون صحيح العقل مأمورًا بالفعل، فيكون لا فاعل ولا تارك ولا مطيع ولا عاص. ويدخل عليهم [أنّه] (7) إن أماته اللهُ في الحال الثّانيّة التي
__________
(1) - جـ: دليل.
(2) - زائد من جـ.
(3) - زائد من جـ.
(4) - جـ: أنّها.
(5) - جـ: تضيف: الحال.
(6) - جـ: قال: وحيث ما ورَدَت كلمة «قالوا» على صيغة الجمع في هذه الفقرة فهي في (جـ) «قال» على صيغة الإفراد.
(7) - ناقص من جـ. (1/161)
صفحة 57
زعموا أنّها حال الفعل أن يكون لا مؤمن ولا كافر ولا عاص ولا مطيع، فعلى أيّ جهة يُحشر، مع الأطفال أو مع البالغين؟ فأيّهما (1) قالوا بَانَ خطؤهم.
ولهم مسائل يسألون عنها؛ سألوا عن قول الله: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التّغابن: 16]؟ يُقال: في هذا قولين (2):
[القول الأوّل] اِتّقوا الله ما استطعتم فِعل شيء من الأشياء، وهو الذي قدّمناه أنّ الله لا يكلِّف أحدًا (3) إلاّ مستطيعًا لأخذ (4) ما كُلِّف أو ترْكِه،/42/ وذلك أنّه إذا شغل (5) قوّته بما كُلّف لم يستطع تركه، وإذا ترك (6) لم يستطيع فِعله بإشغاله قوّته في ترْك ما كُلِّف، لأنّه لا يستطيع الأخذ والتّرك جميعًا.
والقول الآخر، اِتّقوا الله ما استطعتم ما دُمتم أحياء. واحتجّوا بقول الله في المظاهرة: {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة: 4]. عجبا من أغلوطات المعتزلة، (7) أليس إنّما ذَكر اللهُ أنّه إذا لم يستطع عَتق رقبة (8) أن يصوم؟ وهذه اِستطاعة المال، وإنّما الاِختلاف في قوّة الأبدان.
وكذلك قوله: {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً} [النّساء: 25]، وكذلك قوله في آية الحجّ {مَنِ اِسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97]، والسّبيل في هذا الموضوع: الزّاد والرّحلة. الجواب في واحدة من هذه المسائل كالجواب في جميعها.
وسألناهم عن ما لا يجدون عنه محيصًا، قال الله: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} [هود: 30]، وليس المعنى في هذا أنّهم لا يسمعون الأصوات ولا يُبصرون الألوان، ولكن هذا سمع القبول؛ لا يقبلون ما دعاهم إليه [النّبيء - عليه السلام -]، (9) إذْ شغلوا قوّتهم بترك القبول لما دعاهم إليه، وكذلك {لا يُبْصِرُونَ} على معنى لا
__________
(1) - جـ: فأيّ ما.
(2) - كذا في النّسختين وهو خطأ، والصّواب قولان.
(3) - ناقص من جـ.
(4) - عبارة جـ: مستطيعا لما كُلّف.
(5) - في الأصل: أشغل، والذي هنا من جـ.
(6) - جـ: تركه.
(7) - في النّسختين: غلوطات، وهو خطأ.
(8) - جـ: الرّقبة.
(9) - زائد من جـ، ومن (هـ) الأصل. (1/162)
صفحة 58
يفعلونه. فوصفهم الله أنّهم لا يستطيعون. فقلنا (1) كما قال الله - عز وجل -: إنّهم لا يستطيعون لا لِزَمَانَةٍ حَلَّت به ولا لمانعٍ من الفعل. وقال الله تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُّومِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُواْ أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولاً} [الإسراء: 94]، فكان قولهم الذي هو فِعلهم: هو المانع لهم. وأجاز (2) النّاسُ بينهم، وهو قول الرّجل: ما أستيطع أن أنظر /43/ إليك لبغضه (3) له، فكان بغضه مُشغِلاً له عن اِستعمال النّظر إليه. وهذا بيِّن واضح أن يكون من أحد فعلُ شيء أنّه (4) غير مستطيع لضدّه لإشغالِهِ (5) قوَّتَه بما قصد إليه وفعله لا لِزَمانَةٍ ولا لِمَنْعٍ من الفِعل.
ويُقال لهم: أرأيتم رجلاً وَضَع في يدهِ شيئا أثقلها فطأطأ (6) وانحطّت في حال الوضع، ثمّ استعْلَت وحملت الشّيء الموضوع فيها، فمتى استطاع الحمل لذلك الشّيء، في وقت ما انحطّت أو في حين ما استقلّت (7) وحملت؟ فإن كان في الوقت الذي انحطّت فذلك وقت العجز وحلول الآفة بها فقد جامعت [القوّة] (8) الزّمانَة، وهذا ما أجمع [النّاس] (9) على تَخْطِيَةِ مَن قال: إنّ الزّمانَة والقوّة تجتمع في يد واحدة فيكون ممنوعًا من فعل الشّيء مستطيعًا له. وإن قالوا: في حال ما استعلت، فكذلك (10) نقول: فقد استطاع الحمل في وقت الحمل لا قبل ولا بعد، فذلك ما نقول.
وكذلك يلزمهم فيمن أعمى اللهُ بصرَه ثمّ كشف الله عنه إن كان يُدرك الألوان في وقت رفَع الله عنه الآفة. وإن قالوا الحقّ وكان إدراكه مع رفْع الآفة. وإن قالوا: لا يُدرك الألوان في تلك الحال وهو صحيح البصر لا آفة به تمنعه من درْك الألوان فقد زعموا أنّ العمى يُجامع البصر، والزّمانَة تُجامع القوّة، وأبطلوا المضاددة.
__________
(1) - ناقص من جـ.
(2) - كذا في النّسختين، ولعلّ الصّواب: وأجازه.
(3) - جـ: للبغض.
(4) - ناقص من جـ.
(5) - جـ: باشتغاله.
(6) - في النّسختين: فطاطت.
(7) - كذا في الأصل، ولعلّها استعلت كالأولى، والتي تأتي بعد أسطر، أو لعلّها جميعًا استقلّت كما في جـ، وكلاهما له وجه، ونرجّح استعلت لأنّه مقابلة لقوله: اِنحطّت.
(8) - زائد من جـ.
(9) - زائد من جـ.
(10) - جـ: فذلك ما. (1/163)
صفحة 59
ولا يُراد من الخصم أكثر من أن يُخرجَه اللّجاج (1) إلى القول بما لا يصلح ولا يعقل.
ومسألة أخرى في الإرادة
قالت المعتزلة:
وإنّ الإرادة (2) قبل المراد مثل ما قالوا في الاِستطاعة. يُقال لهم: أخبِرونا عن الإرادة، أهي موجودة للمُراد؟ قالوا: نعم وذلك قولهم، إلاّ أنْ يشذّ منهم شاذّ. يُقال لهم أخبِرونا عن مَن أراد في الحال الأوّل أن يكفر (3) في الثّانية، فلمّا جاءت الثّانية أراد فيها أن يؤمن في الثّانية: فأيّ الإرادتين أولى، (4) إرادة الكفر أو (5) إرادة الإيمان؟ وليس بين الحال فصل، فأيّ القولين (6) قالوا من هذين نقضوا به قولهم.
والذي نقول من ذلك: أنّ الإرادة مع المراد، لا قبل ولا بعد، وذلك أنّ الإرادة عِلّة للمراد، ومُحال أن يُفارق العِلّة المعلول. والذي أردناه بهذه الإرادة [إرادة] (7) العزم، وإرادة التمنّي؛ فإرادة العزم لا تكون إلاّ كان الفعل معها علّة للفعل، والعلّة لا تفارق المعلول. وإرادة التمنّي تكون ولا يكون المراد، لأنّها ليست بعلّة له. فقد قلنا في هذه المعاني ما فيه الكِفاية إن شاء الله لمن عقل وتدبّر ما قلنا، فاختصرنا وتركنا الإكثار.
مسألة أخرى
[وسألته] (8) عن اِستطاعة الكفر أهي استطاعة الإيمان؟ قال: اِختلف المتكلِّمون في ذلك. قالت المعتزلة ومَن قال بقولهم: إنّ استطاعة الكفر هي استطاعة الإيمان، أُعطيَها المستطيع قبل أن يفعل، فأيّ الفعلين أراد فعله بها.
__________
(1) - في هامش الأصل عن نسخة أخرى: الحجاج، وهي كذلك من جـ.
(2) - الإرادة: قوّة فيها إمكان فعل أحد المتقابلين على السّواء. أعوشت بكير: المرجع السّابق، ص 144. (المراجع).
(3) - في الأصل: أيكفر، والتّصويب من جـ.
(4) - عبارة جـ: أولى به.
(5) - جـ: أم. والأوْلى ما جاء في الأصل، لأنّ أم تأتي للتّسوية.
(6) - جـ: القول.
(7) - زائد من جـ.
(8) - زائد من جـ. (1/164)
صفحة 60
وحُكي عن حسن النّجّار (1) قال: اِستطاعة الكفر غير استطاعة الإيمان في عينها وطبعها./44/ وُحكي عن عبد الله بن يزيد أنّه قال: اِستطاعة الكفر غير استطاعة الإيمان، ولم يذكر عنه أنّه قال: في طبعها. فهذا الذي بلغَنا عن (2) استطاعة الكفر وهو الذي يقول (3): إنّ استطاعة الكفر غير استطاعة الإيمان، ولا يقول (4) مثلَ ما قال النّجّار أنّها غيرها في عينها وفي طبعها. والحمد لله ... على منّه وإحسانه.
باب آخر
نسأل المُرجِئة (5) عن الإيمان ما هو؟ فإن قالوا: الإقرار، فقد أبطلوا أن يكون معرفة الله إيمانًا. يُقال لهم: أخبِرونا عن هذا الإقرار ما هو؟ فإن (6) قالوا: هو الإقرار أنّ الله واحد لا شريك له وأنّ محمّدًا عبده ورسوله وما جاء به حقّ، يُقال لهم: هذه ثلاث خصلات، (7) بعضها غير بعض؛ الإقرار بالله غير الإقرار بأنّ محمّدًا رسول الله، والإقرار بأنّ محمّدًا رسول (8) الله غير الإقرار بأنّ ما جاء به حقّ، لأنّه يقرّ بهذا مَن يُنكر هذا، يقرّ بالله أنّه واحد مَن أنكر (9) أن يكون محمّد رسول
__________
(1) - عبد الله بن يزيد الفزاري الكوفي مِن علماء القرن 3هـ، عاش في الكوفة وكان خرّازًا وشريكًا لهشام بن الحكم الرافضي، وكان يلقي دروسه في محلّه ويُعدّ من المتكلّمين، وهو الذي أظهر مقالات النّكّار وألّف فيها كتبًا متعدّدة ذكر الدّكتور المحقّق أنّه عثر له على قطعة مخطوطة لإحدى مؤلَّفاته تحمل عنوان "كتاب الرّدود"، وإليه تُنسب فرقة "المستاوة"، كما ذكر الشمّاخي في سيره (ط. ح، ص: 546)؛ علي يحي معمّر: الإباضية بين الفرق، ص: 300؛ المسعودي: مروج الذّهب، ج 3، ص: 194.
حسن النجّار: هو أبو عبد الله الحسين بن محمّد بن عبد الله النجّار من علماء ق 3هـ، صاحب الفرقة النجّارية، كان حائكا وهو من متكلّمي المجبرة، وقيل إنّه كان يعمل الموازين، وكان إذا تكلّم سُمع له صوت كصوت الخفّاش وله مع النظّام مجالس ومناظرات، وسبب موته أنّه تناظر مع النظّام يومًا فأفحمه النظّام، فقام محموما ومات عقب ذلك، وقد ذكر ابن النّديم هذه المناظرة، وذكر له عِدّة كتب. عبد القاهر البغدادي: الفَرْق بين الفرق، تحقيق: محي الدّين عبد الحميد، ص: 307، 308.
(2) - جـ: في.
(3) - في جـ: نقول، وهو تصحيف.
(4) - في جـ: نقول، وهو تصحيف.
(5) - المرجئة: فرقة إسلاميّة ميّزت بين الأعمال والإيمان في نظرها التّصديق بالقلب والإقرار باللّسان، وليس من الضّروري أن يصدر عنه العمل؛ فالمسلم العاصي الذي ارتكب الكبائر سوف يتولّى اللهُ حسابه في الآخرة، وأنّ الخلود في النّار خاصّ بالكفّار، وقيل سُمّوا مُرجئة لأنّهم يرجون الجنّة بغير عمل. وأشهر فرقهم الينوسيّة والغسانية، وظهر هذا الاِتّجاه قويًّا في عهد الأمويّين، وشجّعته السّلطة حينئذ. أعوشت بكير: المرجع السّابق، ص 142. (المراجع).
(6) - ناقص من جـ.
(7) - عبارة جـ: ثلاث خِصال.
(8) - جـ: رسوله.
(9) - جـ: يُنكر. (1/165)
صفحة 61
الله. فإن قال (1) الإقرار بالله إيمان أبطل (2) أن يكون الإقرار بمحمّد إيمانًا، وكذلك بما جاء حقّ غير الإقرار بأنّ محمّدًا رسول الله. فإذا جاز عندكم أن يكون الإيمان ثلاث خِصال لم يكن يجز (3) بغيركم أن يجعله أربع خصال أو أكثر، فيجعل الصّلاة والزّكاة وغير ذلك من الفرائض من الإيمان إذا أقررتم أنّ الإيمان خصال. فيدخل عليهم أنّ المعرفة بالله غير الإيمان، وأنّ مَن أخرس /45/ الله لسانه فعرف الله بقلبه أنّه غير مؤمن. وإن زعموا أنّ الإيمان إقرار بالله والمعرفة [به]، (4) يُقال لهم: فإن كان إنّما كانت المعرفة إيمانًا بالله انّها معرفة، (5) بطل (6) أن يكون الإقرار بالله إيمانًا، لأنّ الإقرار غير معرفة، وكذلك إذا كان [الإقرار] (7) إيمانًا لأنّه إقرار بطل أن تكون المعرفة إيمانا لأنّها غير الإقرار. فلمّا بطل ما ذكروا من هذا لم يصلح (8) أن يكون الإيمان إلاّ لِعلّة وُجوب الثّواب عليه، لأنّ جميع ما ذكرنا للعامل عليه ثواب، فيدخل في الإيمان جميع طاعة الله. وإنّما أنكرت المرجئة أن يكون [الإيمان] (9) خصال [فقد أدخلنا عليهم وألزمناهم ما قامت به ... عليهم الحُجّة أنّ الإيمان خصال]. (10) ويُزاد عليهم في الإدخال، يُقال لهم: أليس الدّاعي إلى هذا الذي زعمتم أنّه إيمان واجبٌ وَلايَته على المستحبّ له؟ فلابدّ لهم من نعم. فقد زادت إلى (11) الإيمان خصلة وهي إيمان.
وإن قالوا: إنّ وَلاية الدّاعي طاعة ليست من الإيمان فقد زعموا أنّ مَن استجاب للنّبيء - عليه السلام - ليست له وَلايته من الإيمان، وكذلك براءته لا تكون كُفرًا فيكون من برأ (12) من النّبيء - عليه السلام - فهو مؤمن به ليس بكافر، وكذلك يلزمهم (13) في قتله وقذفه. ويدخل أن يُقال لهم:
__________
(1) - جـ: كان.
(2) - جـ: بطل.
(3) - عبارة جـ: لم لا يجوز.
(4) - زائد من جـ.
(5) - جـ: لأنّها.
(6) - جـ: فتبطل.
(7) - زائد من جـ.
(8) - جـ: يصحّ.
(9) - زائد من جـ.
(10) - زائد من جـ.
(11) - جـ: ان.
(12) - تبرّأ.
(13) - جـ: يلزمه. (1/166)
صفحة 62
أخبرونا عن المقرّ بهذا الإيمان، أليس عليه أن يتقرّب إلى الله بإيمانه وأن يعلم أنّ إيمانه حقّ، فالتقرّب بالإيمان خصلة من خصائل الإيمان، وكذلك المعرفة أنّ الإيمان حقّ خصلة أخرى. وكذلك المعرفة أنّ عليه/46/ التّقرّب إلى (1) الله، فإنّ الإيمان خصال في قول المرجئة إقرار بما ذكرنا. (2) وإن أنكروا هذا كلّه فقد يسلم عندهم من لا يعلم أنّ إيمانه حقّ، ولا يتقرّب بإيمانه إلى الله ويرجو ما عنده من ثوابه. وما يدخل عليهم في هذا أكثر من أن يُحصى.
وممّا يؤكّد ما ذكرنا أنّ الإيمان قول وعمل (3) من كتاب الله، قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ ويُوتُوا الزّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ} [البيّنة: 5]، فجعل الصّلاة والزّكاة من الدّين. [وقال: {فَإِنْ أَقَامُوا الصّلاَةَ وآتُوا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التّوبة:11]]. (4) وأمّا ما أوجب عليه الوعيد من كتاب الله في المقرّين بالإيمان. (5) قال الله: {يَأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا آمِنُوا ... } [النّساء: 136] فناداهم (6) بالإيمان، ولو لم يكونوا من أهل الإقرار بالإيمان لمّا ناداهم (7) به وقال: {يَأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ عَنْ تَرَاضٍ مِنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمُ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا} [النّساء: 29،30]. وقال: {إِنَّ الذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النّساء: 10]، وقال: {يَأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إن كُنتُمْ مُومِنِينَ} [البقرة: 278]. فناداهم بالإيمان {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 279] ألا ترى أنّهم سمّاهم حاربوا الله ورسوله إذ لم ينتهوا عن أكل الرّبا.
__________
(1) - جـ: أن يتقرّب.
(2) - عبارة جـ: أن أقرّوا بما ذكرت.
(3) - في الأصل مُجمل، وما هنا من جـ.
(4) - زائد من جـ.
(5) - جـ: بالله.
(6) - الأصل: فزادهم.
(7) - الأصل: زادهم. (1/167)
صفحة 63
وقال: {وَللهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ... } /47/ إلى قوله: {وَمَنْ كَفَرَ} [آل عمران: 97]. وقال: {أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59]. وقال: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} [المطفّفين: 1]، وقال: {وَالذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ التِي حَرّمَ اللهُ إلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان: 68، 69]. وقال في أهل بدر: {يَاأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمْ الاَدْبَارَ، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِيسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال: 15]. فهذه الآية في أهل بَدر خاصّة، قد توعّدهم الله على الفرار بجهنّم. وقال: {يَأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا مَالَكُمُ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ... } إلى قوله: {إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ... } [التّوبة: 38، 39]. وهذه الآيات التي ذكرنا وكثير ممّا لم نذكر في المقرّين قد أنفذ الله فيهم الوعيد.
وممّا تحتجّ به المرجئة، ولا نعلم لهم في كتاب الله حُجّة (1) أوثق في أنفسهم؛ منها قول الله {إِنَّ اللهَ (2) لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النّساء:116]، فقالوا: إنّ الكبائر التي هي (3) دون الشّرك فإنّ الله يغفرها بلا توبة.
يُقال لهم: أخبِرونا عن هذه الآية، أتحملونها على ظاهرها أو تحتها معنى؟ فإن قالوا: ليس تحتها معنى وحملوها على ظاهرها فإنّما قال الله: [إِنَّ اللهَ] (4) لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، فهو إذًا لا يغفر الشِّرك لمن (5) تاب. وإن كان تحت الآية معنى غير ظاهرها فينبغي أن يكون إنّما يغفر لمن /48/ تاب من الكبائر، ويغفر الصّغائر لمن اجتنب الكبائر، لأنّ ذلك كلّه دون الشِّرك. [ولو حُمل القرآن على ظاهره لتناقض. ألا ترى أنّه قال في هذا الموضع: لا يغفر الشّرك]، (6) فلو حُمل القرآن (7) على ظاهره لم يغفر الشّرك به لمن تاب منه.
وقال في موضع آخر: {إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53] فدخل في الجميع الشِّرك وغيره من الذّنوب. فلو حصلت هذه الآية على ظاهرها لكان
__________
(1) - ناقص من جـ.
(2) - ناقص من جـ.
(3) - زائد من جـ.
(4) - ناقص من جـ.
(5) - جـ: وإن.
(6) - ما بين معقوفين ساقط من الأصل.
(7) - ناقص من جـ. (1/168)
صفحة 64
الشِّرك مغفورًا بلا توبة، لأنّه [قال] (1): {يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}. وممّا يبيّن أنّها في التّائبين قول الله - عز وجل -: {وَقَالَتِ اليَهُودُ والنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ. قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبْكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ اَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ، يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ ... مَنْ يَشَاءُ} [المائدة: 18] ولو حصل أيضًا هذا على ظاهره لغفر لليهود والنّصارى بلا توبة. وكذلك المنافقين؛ قوله: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَآءَ اوْ يَتُوبَ عَلَيْهِم} [الأحزاب: 24]. وفي إجماعهم أنّه لا يغفر لليهود والنّصارى والمنافقين إلاّ بتوبة ممّا يقضي على الآية الأخرى {لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ ... لِمَن يَّشَاءُ} [النّساء: 116]، للتائبين ويغفر الصّغائر للمجتنبين الكبائر، لأنّ ما اجتمع عليه الخصمان قاض على ما اختلفوا فيه. فقد بيّنّا ما يدخل عليهم (2) في هذا الباب والحمد لله ربّ العالمين.
فإن سألونا (3) المرجئة عن قول الله: {فَأَثَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُوا} [المائدة:85] ولم يقل بما فعلوا (4)؟ فالذي بلَغنا في تفسير هذه الآي (5) أنّ هؤلاء قوم من أهل الكتاب كانوا مقرّين بموسى وعيسى ومحمّد (6) أنّه يجيء، وليس عندهم العِلم أنّه قد جاء وإنّهم عاملون بطاعة، فلمّا قدِموا على النّبيء - صلى الله عليه وسلم - /49/ آمنوا، فسمّاهم اللهُ بما قالوا وأثابهم عليه، وقد كانوا قبل ذلك مؤمنين.
نسأل المرجئة عن هؤلاء القوم الذين ذكرنا من أهل الكتاب أنّهم كانوا مؤمنين بمحمّد - صلى الله عليه وسلم - أنّه يُبعث ولم يؤمنوا بأنّه قد بُعث، أخبرونا عنهم حين آمنوا بمحمّد - صلى الله عليه وسلم - أنّه قد بُعث، أليس هذا القول منهم إيمانًا؟ فإن قالوا: نعم، فقد زعموا أنّ الإيمان يزداد وأنّه خصال. وإن قالوا: ليس بإيمان، يُقال لهم: أرأيتم لو لم يعرفوا أنّه قد بُعثَ، أكانوا يَسْلمون من الكفر به، (7) فإن قالوا: نعم، فقد جعلوا أنّ من أنكر أنّ محمّدًا قد بُعث لم يكفر، وهذا خروج من لِسان الأمّة ولا يقولونه، فإنّ الإيمان يزداد وينقص، لأنّهم حين آمنوا به قد بُعث ازدادوا إيمانا
__________
(1) - زائد من جـ.
(2) - ناقص من جـ.
(3) - في الأصل: سألوا، والذي هنا من جـ، وهو ضعيف في اللغة، والأولى أن يُقال: فإن سألت ... أو سألنا.
(4) - جـ: عملوا.
(5) - جـ: الآية.
(6) - عبارة جـ: ومقرّين بمحمّد.
(7) - ناقص من جـ. (1/169)
صفحة 65
إلى إيمانهم، ولو أنّهم أنكروا ذلك لانتقض إيمانهم الذي كانوا عليه من إقرارهم بمحمّد أنّه يُبعث. (1) وقد قال - عز وجل -: {هَوَ الذِي أَنْزَلَ السّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُومِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح:4]. فهؤلاء قوم مؤمنون مستكملوا الإيمان، وقد أخبرنا اللهُ أنّهم يزدادون إيمانا إلى إيمانهم، وأنّ الذين [آمنوا] (2) اِزدادوا إيمانا. فقد بيّنّا ما يلزمهم من السؤال فأجبناهم فيما يسألون عنه بما فيه الكفاية إن شاء الله لمن حسُن نَظَره.
__________
(1) - عبارة جـ: أنّ محمّدًا يُبعث.
(2) - هذه زيادة لستقيم الكلام، والذي في جـ: وأن الذي ازدادوا إيمانًا، ولعلّ الصّواب: وأنّ الذي ازدادوا إيمان. (1/170)
صفحة 66
باب آخر
وقالت الصّفريّة (1):
إنّ الإيمان كلّه الإقرار والعمل، فكلّ إيمان توحيد والتّرك لشيء من ذلك شِرك. يُقال: أخبرونا عن الشّرك في اللّغة ما معناه؟ فإن قالوا: هو المساواة بالله غيرَه فقد أبطلوا أن /50/ يكون ترك الفرائض والعمل بالكبائر شِرك، لأنّ أهلها لم يساووا اللهَ بغيره، وإنّما أتوا ما أتوا بشهوة ولذّة وهم مقرّون بتحريمه. فإن قالوا: إنّما كان إيمان لأنّه طاعة لِمُطاع، وأنّهم قد أطاعوا الشّيطان فالطّاعة عندنا عبادة، فهم عابدون للشّيطان.
يُقال لهم: أتكون عبادة بغير تقوى؟ (2) فإن زعموا ذلك فقد زعموا أنّ من أطاع [الله] (3) ولم يتقرّب [إليه] (4) أنّه مطيع لله عابد له. فإن قالوا: إنّه لا يكون عابدًا لله مع ترك التقرّب، وكذلك لا يكون [العاصي] (5) عابدًا للشيطان وهو غير متقرّب إليه، وهو يلعنه ويشتمه متقرّبًا إلى الله بذلك. ويدخل عليهم أنّ كلّ من أطاع أحدًا فيما يأمره [به] (6) أن يكون عابدًا له، فهذا يدلّ على أنّ الطّاعة ليست بعبادة إذْ لم يكن معها تقرّب.
وسألونا فقالوا:
أخبرونا عن قول الله - عز وجل -: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمُ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام:121] أليس الطّاعة في هذا الموضع (7) شِرك؟ وهي أكل الميْتة. يُقال لهم: إنّهم لم يشركوا بأكل الميْتة، وإنّما أشركوا باستحلال الميْتة وذلك أنّ المشركين جادلوا [المسلمين] (8) المؤمنين فقالوا لهم: تأكلون ما قتلتم ولا
__________
(1) - الصّفرية فِرقة من الخوارج تُنسب إلى زيّاد بن الأصفر؛ يرون أنّ مرتكب الكبائر مُشرك، وأنّ التقيّة تجب في القول، أمّا العمل فلا. أعوشت بكير: المرجع السّابق، ص 140. (المراجع).
(2) - جـ: تقرب.
(3) - زائد من جـ.
(4) - زائد من جـ.
(5) - زائد من جـ.
(6) - زائد من جـ.
(7) - بعده في جـ: وهي.
(8) - ناقص من جـ. (1/171)
صفحة 67
تأكلون ما قتل الله، فأنزل الله هذه الآية فقال: {وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ، وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى /51/أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمُ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام:121] وذلك إذا أطعتموهم (1) في استحلال الميْتة.
وقالوا: إنّ الهجرة وجَبت على النّاس. والذي اجتمع عليه العلماء «لا هِجرة بعد الفتح» (2) ويؤثرون ذلك على النّبيء - صلى الله عليه وسلم -، وذلك عنه مشهور أنّه لا هِجرة بعد فتح مكّة. أقرّوا (3) النّاس في منازلهم، مكّة وغيرها من البلدان. ولو كانت الهجرة عليهم واجبة بعد الفتح ما تركهم يكفرون بالله، وقد دخلوا في دينه وقد (4) سلموا لطاعته، (5) وفي تركه (6) ما يدلّ على أن لا هجرة بعد الفتح.
وقالوا في السّباء (7): أنّ النّبيء - صلى الله عليه وسلم - لم يقتل قومًا إلاّ سباهم. قلنا لهم: ذلك في أهل الشّرك عَبدة الأوثان أو من لم يقِرّ من أهل الكتاب ومَنَع الجزية. وأمّا مَن كان مُقِرًّا بالله ورسوله فلا يُسْبى. وقد كان مع النّبيء - صلى الله عليه وسلم - منافقون ظاهروا (8) النّفاق فلم يَسْبِهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ورجم الزّاني وجلد القاذف وأمر بقطع يد السّارق، ولم يسب أحدًا ولا سمّاهم بالشِّرك ولا منع مناكحتهم وموارثتهم والحجّ معهم، ولو كانوا مشركين ما تركهم يطوفون بالبيت كما أمر [اللهُ] (9) ألاّ يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا، [فهو قوله: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الِمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التّوبة: 38] ولنا في رسول الله أُسْوَة حسَنة، فنسميّهم بما سمّاهم به الكتاب من البراءة منهم، وردّ شهادتهم وإقامة الحدود عليهم، وإجراء القصاص/52/ بيننا وبينهم، ولا ينقص (10) منهم إلاّ ما نقصه الكتاب، فاتّبعنا كتاب الله وسنّة نبيئه - صلى الله عليه وسلم - وحَكَمنا بحكمه.
__________
(1) - جـ: أطاعوهم.
(2) - رواه البخاري عن ابن عبّاس مع زيادة برقم 2631.
(3) - جـ: أقرّ، وعبارة جـ: وذلك عنه مشهور أنّه بعد الفتح أمر النّاس ... الخ.
(4) - ناقص من جـ.
(5) - جـ: بطاعته.
(6) - جـ: تركهم.
(7) - جـ: السّبي، وهو أسْر وغنْم الأرواح والعتاد وأموال المغلوب في القتال. (المنجد).
(8) - في النّسختين: ظاهرين، وهو خطأ.
(9) - ناقص من جـ.
(10) - جـ: تنقص. (1/172)
صفحة 68
مسألة أخرى
إن سأل سائل من المعتزلة فقال: أخبِرني عن الكافر أمأمور بالإيمان في حال كفره منهي (1) عن الكفر؟ قيل نعم. فإن قال: أُمر بترك موجود أو معدوم؟ قلنا: أُمر بترك موجود يوجد وليس بموجود قد وُجد. فإن قال (2): عن الموجود سألناكم قلنا لهم: إنّما يجوز التّرك حيث يجوز الفعل، وذلك أنّه إذا ترك الكفر صارت الحالة للإيمان ولم يكن حال الكفر، وإذا ثبتت الحال للكفر اِستحال ترك ما قد فعل [وقد] (3) فرغ منه، وكانت الحال لها لا على التوبة من الكفر لأنّه قد لزمه اِسم كافر بفعل الكفر. والحالة الأولى التي قلنا أُمر فيها بترك الكفر إنّما قلنا إنّه يأتي فيها بالإيمان بدلاً من الكفر، ويكون الحال للإيمان لا للكفر.
وهذا الذي سألونا عنه داخل عليهم، فنكرّر عليهم المسألة فيُقال لهم مثل ما قالوا: أخبِرونا عن الكافر في حال الكفر أمأمور بالإيمان منهي عن الكفر؟ فلابدّ من نعم. فيُقال لهم: إن أطاع، متى فعل الإيمان؟ في حال الكفر أم في حال الإيمان؟ فلابدّ لهم من أن يجيبوا بالذي أجبنا فيقولوا: يأتي بالإيمان بدلاً من الكفر ويكون الحال للإيمان لا للكفر.
يقُال لهم: أخبرونا عن هذا الذي أتى بالإيمان في حال الكفر بدلاً من الكفر متى أراد أن يؤمن؟ فإن قالوا: في الحال الأوّل /53/ يُقال لهم: تلك الحال إنّما أراد فيها أن يكفر في الثّانية، فأمن في الثّانيّة لأنّ إيمانه ليس بمحال لقولكم إنّه مأمور بالإيمان منهي عن الكفر، والله لا يأمر بالمحال.
فإن قالوا: إذا أراد الإيمان في الأولى لم يجز أن يكفر في الثّانية، لأنّ الإرادة عندهم قبل المراد، وهي موجبة للفعل، فقد دخلوا فيما عابوا على المجبرة، (4) وأبطلوا قولهم: مأمور بالإيمان في حال الكفر منهي عن الكفر، إذ زعموا أنّه لا يجوز أن يفعل الإيمان في الحال الثّانية فلا يخلو أن يكون ممتنعًا من الإيمان بنفسه أو ممنوع منه، فإن كان ممتنعًا بنفسه فالاِمتناع فعله، فهو قادر على ترك ما فعل، وإن كان ممنوعًا فهو مضطر؛ فأيّ القولين قالوا اِنتقض قولهم. فإن
__________
(1) - جـ، هامش نسخة: أو منها.
(2) - جـ: قالو.
(3) - ناقص من جـ.
(4) - كذا في الأصلين، وفي هامش ب: خ. المرجئة. (1/173)
صفحة 69
أثبتوا له في الثّاني فعلا غير ما أراد في الأوّل وكان الفعل بإرادة في الثّانية فقد أثبتوا أنّ الإرادة مع المُراد، وأنّ قوّة الإرادة مع الإرادة إذ لم تتقدّمها حال فثبت أنّ الإرادة مع المراد، والقوّة مع الفعل لأنّ الإرادة فعل.
والذي دعاهم إلى تقديم الاِستطاعة ألاّ يجمعوا الفعل والقوّة في حال. ويُقال لهم أيضًا: أخبِرونا عن البالغ في أوّل بلوغه، أليس وهو مستطيع في حال البلوغ أن يفعل في الثّانية وهو عاقل صحيح مكلَّف؟ فأراكم أجمعتم (1) له أشياء في حال البلوغ التي هي حال ضيق، وأجمعتم له البلوغ والاِستطاعة والتّكليف والإرادة للفعل في الثّانية،/54/ لأنّ الفعل في الثّانيّة، لأنّ الفعل عندكم لا يكون إلاّ بإرادة. فأخبِرونا عن هذه الإرادة المتقدّمة للفعل، متى استطاعها؟ فإن زعموا أنّه استطاعها في حال الطفوليّة [فقد زعموا أنّ الأطفال يستطيعون فعل الإيمان أو الكفر في حال الطّفوليّة]، (2) فما وجه تأخير التّكليف عنهم؟!
ويُقال لهم: أخبرونا عن هذا البالغ في أوّل بلوغه، أيخلو أن يكون عارفًا بما كُلّف أو شاهدًا به أو شاكًّا فيه أو فاعلاً لما كُلِّف [به]، (3) أو تاركًا له؟ فأيّ ما قالوا فقد أثبتوا الاِستطاعة مع الفعل، لأنّ هذه المعاني التي ذكرنا هي أفعال البالغ. وإن زعموا أنّه لا يُقال له عالم ولا جاهل ولا شاكٌّ ولا فاعل ولا تارك فقد أخرجوه من المعقول ووصفوه بغير صفة البشر، وإنّما يُراد من الخصم أن يحمله اللّجاج إلى الخروج من المعقول.
ويسألون
عن هذه الإرادة التي قدّمنا ذِكرها. فيُقال لهم: أخبرونا عن الإرادة للإيمان أهي من الإيمان أم لا؟ وعن الإرادة في الكفر أهي من الكفر؟ فإن قالوا: نعم، فقد أثبتوا (4) أنّ البالغ في أوّل بلوغه جزءًا من الإيمان أو (5) الكفر باستطاعة، وهذا يثبت أنّ الاِستطاعة مع الفعل. فإن قالوا: إنّ الإرادة للإيمان لا تكون إيمانًا، وكذلك الإرادة للكفر لا تكون كُفرًا فقد خرجوا من المعقول؟ لأن إرادة الكفر من الكفر. وما يثبت أنّ الاِستطاعة مع الفعل أكثر من أن نحصيه.
__________
(1) - كذا في النّسختين، ولعلّها جمعتم.
(2) - ناقص من جـ.
(3) - في ب بخطّ مغاير.
(4) - جـ: تبتو، وهو خطأ.
(5) - الأصل: والكفر، والتّصحيح من جـ. (1/174)
صفحة 70
وفيما ذكرنا لمن حَسُنَ نظره كفاية، لأنّ الواحدة من هذه المسائل /55/ التي تُثبت الاِستطاعة مع الفعل تقوم مقام غيرها.
وسألت عن التولّد
فاعلم أنّ ما (1) تولّد من (2) فعل الفاعلين ممّا ليس لهم فيه قصد ولا إرادة فليس بفعلهم وهو فعل الله مسبّب عن فعل الفاعلين. فإن قال قائل: فلِمَ ألزمتموه المؤاخذة بما تولّد عن فعله إذ هو ليس بفعله؟
قلنا: إنّما ألزمناه المؤاخذة لما جنى بالسّبب الذي هو فعله، لأنّه منهيٌّ عن السّبب الذي عنه البلاء والقتل وما فيه تَلَفُ الأموال، فأخذه بالسّبب الذي قام عنه المسبّب. فهذا جواب هذه المسألة. ومن المسبّب ما يكون من فعله وهو ما له فيه القصد مثل الكلام الذي إذا شاء تكلّم وإذا شاء سكت بإرادة. ومثل الحركة والسّكون المتولّد عن الجوارح عن قصد القلب، وذلك أنّ القلب يقصد إلى الفعل فيكون الفعل من الجوارح، وليس للجوارح قصد. وهذا داخل على من أنكر خَلْقَ الأفعال ممّن يرى أنّ المتولّد فعل الله ليس للعباد فيه فعل أن يؤخذوا بفعل الجوارح الذي لا اختيار لها في الفعل، وإنّما الاِختيار للقلب الذي قام عنه القصد والاِختيار، فيلزمهم أنّ أفعال العباد مخلوقة لأنّها مسبّبة عن قصد القلب. وفي مثل هذا أَدْخالٌ كثيرة تركته، (3) واقتصرت على ما فيه النّفع.
وسألت عن الكفّ (4)
هل يكون من الفاعل كفّان (5) في حال واحدة؟ ويكفّ عن الزّنا والسّرقة في حال؟ اِعلم أنّما الفعل يكون عن القصد والإرادة ولا يكون من الفاعل قصدان/56/ في حال واحد، إنّما يكون فيه قصد واحد، فإذا قصد إلى الكفّ عن الفعل فجاء مع ذلك الكفِّ كفٌّ آخر (6) مثل ما ذكرت أو كُفوفٌ كثيرة.
اِعلم أنّه إنّما يقصد إلى كفّ واحد ويكون ما جامع ذلك الكفّ من
__________
(1) - في النّسختين: أنّما.
(2) - جـ: عن.
(3) - كذا في النّسختين، والأولى تركتها.
(4) - الكفّ -عمومًا- منع حركة طبيعيّة أو إبقائها، وقد يكون الكفّ إراديا أو لا إرادي أو مَرَضيا. محمود يعقوبي: معجم الفلسفة، ص 202. (المراجع).
(5) - جـ: كفّين، وهو خطأ
(6) - عبارة جـ: فجامع ذلك الكفّ آخر. ولها وجه. (1/175)
صفحة 71
الكفوف مسبّب عن سَبَب تقدّمه بقصد وإرادة، فيكون أحدهما سبب والآخر سبّب عن سبب تقدّمه. فعلى مثل هذا فأَجِبْ في مثل هذه المسألة وتفهّم السّؤال وتثبّت في الجواب.
وقد قيل في مثل هذا قولٌ غير ما ذكرنا: إنّ في القلب غرائز يقوم عن كلّ غريزة قصد، فزعم صاحب هذا القول أنّ غريزة الحزن غير غريزة (1) الفرح، وأنّ غريزة العِلم غير غريزة الجهل، فعلى هذا المعنى يقصد قصدين في حال واحدة، يقصد إلى العلم وإلى الفعل في حالة، والجواب الأوّل أحبّ إليّ.
وسألت عن الجواب لمن زعم أنّ الله جِسم، ... اِعلم إنّما دعا مَن زعم أنّ الله جِسم أنّ ما ليس بجسم إبطال، وأنّه لا يعبد إلاّ من ثبته بعقله، (2) فزعم أنّه لم يشاهد في المفعول حيًّا فاعلاً إلاّ جِسمًا فدعاه هذا إلى أنْ زعم أنّ الله جسم.
وادّعى جهم (3) نفْي التّشبيه عن الله إلى أن قال (4): إنّ الله (5) لا يُقال له «شيء»، فدعاه ذلك إلى إبْطال معبوده، كما ادّعى المشبّهة إثبات معبودهم إلى أنْ زعموا أنّه جسم. فإن كان إنّما دَعاهم إلى ذلك ما شاهدوا في المعقول فإنّهم لم يشاهدوا فيما شاهدوا حيّا جسمًا إلاّ محتاج إلى مكانه، وأنّه لا يستغني عن ما يقيمه من الغذاء وغير ذلك، وأنّه /57/ لا ينفكّ من حركة وسكون، وأنّ الحركة والسّكون حدث، وأنّ الجسم لا ينفكّ من أحدهما، وما لم يسبق الحدث فحدث مثله.
وإنّما الجسم إنّما كان جسمًا لأنّه مؤلّف الأجزاء وأنّ له ستّ جِهات، أمام وخلف ويمين وشِمال وفَوْق وتحت. فإن كان معبودهم كما زعموا فلا يخلو من هذه الوجوه التي عدّدنا لأنّا لم نجد في المشاهَد جسمًا حيًّا إلاّ بهذه المعاني، فإن أثبتوه (6) بهذه المعاني ألزموه العجز والحاجة إذْ لا يقوم إلاّ في مكان وأنّه محتاج إلى ما يقيمه، وأنّه لم يسبق الحدث الذي هو الحركة والسّكون
__________
(1) - الغريزة: هي النّشاط الفطري النّمطي الذي يصدر عن الحيوان وتشترك فيه أفراد نوعه، وهي عند "برغستون" ضرب من المعرفة والمهارة يُدرك ويُنجز مباشرة ما لا يدركه ولا يُنجزه العقل إلاّ بالتّحليل. محمود يعقوبي: المرجع السّابق، ص 163. (المراجع).
(2) - هاتان اللفظتان «ثبته بعقله» غير مُعجمتين في جـ.
(3) - جهم بن صفوان: يمثّل الاِتّجاه الجبري القائل بخلق الله لأفعال العباد وبعدم قدرة العبد على الفعل أصلا. مات عام 128هـ. (المراجع).
(4) - جـ: زعم.
(5) - جـ: أنّه.
(6) - جـ: ثبتوه. (1/176)
صفحة 72
[اللّذان] (1) لا ينفكّ منهما الجسم، فإن أثبتوه بغير هذا المعنى فقد أبطلوه إذْ وصفوه بغير ما يُعْقِل.
فإن سألونا فقالوا: فإذا نفَيْتم هذه المعاني التي (2) تقدّم ذِكرها فأوجِدونا فيما شاهدتم حيًّا ليس بجسم.
قلنا: لسنا نثبته فاعِلاً بما شاهدنا من الخلْق الذي هو فعله وهو فاعله، ولكنّا ثبتناه بالخبر الصّادق عنه، وبالدّليل الذي لا يدخله خلل ولا شبهة. ولا يخلو السّائل عن هذا [أن يكون] (3) ممّن أقرّ بالله أنّه موجود. فإن كان من المقرّين أجبناه بقول الله - عز وجل -: الحيّ، القيّوم، الفاعل لما يُريد، ولم يذكر فيما أخبر به عن نفسه أنّه جسم فثبتنا ربّنا كما قال حيًّا فعّالاً.
وأمّا من القياس لمّا ثبت (4) أنّه موجود بالصَّنعة الدّالّة، عليه لأنّ الصّنعة لا تكون إلاّ من صانع. وذلك أنّا نظرنا إلى ما وجدناه من الصّنعة لا تخلو من أن/58/ تكون، إذْ وآثار (5) الصّنعة فيها موجود، من أن تكون صنعت نفسها أوْ لها صانعٌ غيرها، أو هي صنعة لا صانع لها. فبطل أن تكون صنعة صنعت نفسها وذلك أنّها كانت لم تكن، وما كان معدومًا لا يصنع شيئًا.
ووجهًا آخر: لو تولّت صنع نفسها لجعلت نفسها في أحسن الأشياء وأرفعها، فلمّا عجزت عن ذلك صحّ أنّها لم تصنع نفسها، وبطل أن تكون صَنْعَة لا صانع لها، لأنّ القول بأنّها صنعة تدلّ على صانع، لم يبق إلاّ أنّ لها (6) صانعا (7) صنعها على ما هي به. فلمّا ثبت بالدليل أنّ لها صانعا فلا يخلو هذا الصانع من أن يكون مشبها لهذه الصنعة أو مخالفا لها أو مشبها لبعضها؛ فإن كان مشبها لها فقد لزمه ما لزمها من الحدوث والعجز والتعبير وإجراء التّدبير عليها، أو مشبها لبعض فليزمه ما يلزم ذلك البعض، لأنّ الحكم على النّظرين (8) واحد. ولم يبق إلاّ أنّه مخالف لها من جميع الجهات، لأنّها صنعة وهو صانع ولم (9) يشاهدوا فيما شاهدوا إذا اعتلّوا
__________
(1) - هذه الزيادة أضفناها ليستقيم الكلام، والكلام في النّسختين متّصل ولا يستقيم إلاّ بها أو ما يشبهها.
(2) - في النّسختين: الذي، والصّواب ما أثبتناه.
(3) - هذه الزّيادة ساقطة من النّسختين، وأضفناها ليستقيم الكلام.
(4) - جـ: يثبت.
(5) - كذا، ولعلّه: أثر.
(6) - جـ، الأصل: أنّها.
(7) - جـ: صانع.
(8) - الأصل: النّظرين والتّصويب من جـ.
(9) - جـ: ولما. (1/177)
صفحة 73
بالشّاهد وجعلوه دليلا على تثبيت معبودهم ما شاهدوا من المعقول، فلم يشاهدوا فيما عقلوا فاعلا يشبه فعله، قثبت أنّه مخالف لصنعه من جميع الجهات، وأنّه لا يشبه شيئا ممّا صنع. فبطل بهذه المعاني اعتلالهم وما ذهبوا إليه أنّ الله جسم، وبطل ما قال جهم /59/ هذا من أن يكون موجودا حيّا باقيّا، فإن أثبته حيّا موجودا فكلّ حيّ موجود شيء، لأنّ قولنا شيء إثبات لكلّ موجود وليس في ذلك تشبيه. وذلك أنّ التّثبيت والنفي (1) والتّسمية (2) ليس فيه تشبيه. و إنّما التشبيه في اتّفاق الأعيان والمعاني. وذلك أنّ جهما هذا يثبته حيّا موجودا، ويثبت غيره حيّا موجودا فيلزمه أن يشبه كلّ موجود وكلّ حيّ وكلّ باق، لأنّ [من] (3) بقي ساعة لزمه اسم باق.
فبطل قول جهم وما اعتلّ به ممّا ادّعى من النّفي عن الله ما ذكر من شبه الخلق، فدعاه النّفي إلى الإبطال دعاء المشبّهة (4) إلى تثبيت المعهود إلى أن أبطلوه ووصفوه بغير صفته وقصدوا بعبادتهم إلى غيره. وكذلك (5) دعا المعتزلة نفي الجور عن الله -وزعموا- حتّى نفوا عنه خلق الأفعال، ولم يثبِتوا له القدرة على خلق الأفعال ولا على إبطالها، ولا هو ربّها، ولا هو مالكها، لأنّ ما لم يفعله الفاعل ليس له عليه قدرة ولا ملك ولا سلطان، فوقعوا في أشدّ ممّا هربوا منه.
ودعا جهما تثبيت القدرة لله ونفي التشبيه عنه إلى أن نفى عن الفاعلين الفعل، وزعم ألاّ فاعلا في الحقيقة ولا قادرا غير الله. فدعاه ذلك إلى أن وصف الله بالجور وأنّه يُجري [على] (6) العباد الثواب والعقاب [بما فعل (7) بهم] (8) فوقع في أشدّ ممّا [هرب] (9) منه، وترك ما ذكر الله ممّا نسب (10) فيه الفعل إلى الفاعلين.
__________
(1) - الأصل: النغاء، والذي هنا من جـ.
(2) - الأصل: التّشبيه، والتّصحيح من جـ.
(3) - زائد من جـ.
(4) - المشبّهة: فرقة إسلاميّة تقول بالتّشبيه على حقيقته وبالتّجسيم على حقيقة التّجسيم، وهم الذين زعموا أنّ معبودهم "الله" جسم كالأجسام، طويل، عريض محدود في مكان دون مكان، وأنّه يتّصف بجميع صفات الأجسام، تعالى الله علوّا كبيرًا عن ذلك. أبو عمّار عبد الكافي: الموجز، تحقيق: عمّار طالبي، ج 1، ص:233 (المراجع).
(5) - الأصل: وذلك، والتّصحيح من جـ.
(6) - زيادة يقتضيها السّياق.
(7) - من جـ.
(8) - جـ: لهم.
(9) - زائد من جـ.
(10) - الأصل: ثبت، والذي هنا من جـ. (1/178)
صفحة 74
فقد ذكرنا ما اعتلّت /60/ به المشبّهة وأبطلنا اعتلالهم وذكرنا ما اعتلّ به جهم وما اعتلّت به المعتزلة. فأخذ أصحابنا بأوسط الأقاويل وأعدلها وأصوبها ممّا وافق كناب الله وسُنّة نبيئه محمّد - صلى الله عليه وسلم -، والقياس الذي لا يقدر مبطل على نقْضِهِ. فنفينا عن الله التّشبيه فأثبتناه حيًّا فاعِلاً، (1) واحِدًا (2) ليس كمثله شيء ولا يشبهه شيء. وأبطلنا حُجّة المشبّهة، وأبطلنا ما اعتلّ به جَهْمٌ وما اعتلّت به المعتزلة من تثبيت جَهْم القدرةَ لله حتّى ألزَمَه الجور، ونفى المعتزلةُ الجور عن الله حتّى نفوا عنه القدرة على أكثر الأشياء، ومن لا يقدر على شيء فهو جائر ظالم. ولولا ما جرّهم من التّأويل أَلْزَمْناهم اِسْم الشِّرك. وأمّا مَن زعم أنّ الله جِسم فلا نعلم له تأويلاً يحجزه عن الشِّرك، لأنّه قَصَد بعبادته إلى صورة، لأنّ الجسم أجزاء كثيرة، وألفاظ متغايِرة يجري عليها التّغاير والعدد؛ وكُلُّ ما جرى عليه التّغاير والعدد فليس بواحد في المعنى، لأنّه أجزاء كثيرة. فقد ذكرت جُمل ما يدخل على المخالفين، وما اعتلّوا به من مسائلهم ما فيه الكفاية لمَن أراد اللهُ إرشاده وتوفيقه، والحمد لله ربّ العالمين.
وسألت
عن قول الله لموسى: {أَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ} [طه: 69] إنْ كان ألقى في حال الأمر أو بعد الأمر؟
الجواب
إنّ أمْرَ الله لموسى لا يخلو من أن يكون أمر مضيّق أو موسّع. [فإن كان أمر موسّع (3) فمتى أراد فعل ما /61/ أُمر به. وإن كان أمر مضيّق فقد فعل ما أُمر به في حال الأمر، لأنّ موسى أطاع ولم يعْص.
فإن قال: فمتى ألقى؟ والعصا في يده، أو هي بائنة من يده؟ (4) قلت: ألقى التي كانت في يده وهي بائنة من يده في حال الإلقاء. ثمّ تُردُّ المسألة على السّائل لأنّه إنّما أنكر أن يكون الفعل في حال الأمر، لأنّ ذلك عنده نكرة
__________
(1) - ناقص من جـ.
(2) - زائد من جـ.
(3) - ما بين معقوفتين عبارة جـ، وعبارة الأصل: أو [كذا] موسّع.
(4) - الأصل: يديه، والذي هنا من جـ. (1/179)
صفحة 75
في العقول. (1) فنحن نكرّر عليه المسألة حتّى يقول بقولنا.
يُقال له: أخبرنا متى فعل الإلقاء؟ والعصا في يده، أو بائنة من يده؟ فإن قال: فعل الإلقاء وهي بائنة من يده، قال المُحال، (2) فما حاجته إلى أن يفعل ما قد فعل؟ لأنّها إذا بانت من يده فقد فرغ من الفعل، فلا مخلص له إلاّ أن يقول بالذي قلناه.
وكذلك المطلِّق لامرأته: طلّق مَا مَلَكَ أو ما لم يَمْلِك؟ فإن طلّقها وهي في ملكه فهي طالق، لا طالق فهي في ملكه. وإن طلّق الذي لا يملك فكيف يطلّق ما لم يملك؟ ومتى خرجت من ملكه؟
وكذلك المُعْتِقُ لعبده: أعْتقه وهو في ملكه، أو خارج من ملكه؟ وكذلك المالك لمائتي دِرهم فأعطى منها خمسة دراهم أعطاها وهو يملكها أو هي خارجة من ملكه؟ وكذلك الكائن في الظِّلّ متى خرج إلى الشّمس؟ وهو في الظلّ أو في الشّمس، والجواب في واحدة من هذه المسائل كالجواب في جميعها.
((
اِنتهى (3) ما وجد في الأمّ، والحمد لله ربّ العالمين.
(((
__________
(1) - الأصل: عقل، والذي هنا من جـ.
(2) - زائد من جـ.
(3) - جـ: تمّ. (1/180)
صفحة 76
الفهارس الفنيّة
فهرس الآيات القرآنية
فهرس الأحاديث النّبويّة
فهرس الأعلام
فهرس الفِرق والقبائل
فهرس الأماكن والبلدان
فهرس المصطلحات الكلاميّة
فهرس الأسئلة الكلاميّة
فهرس المراجع (1/182)
صفحة 77
فهرس الآيات القرآنيّة
الآية ... رقم الآية ... الصّفحة
ختم الله على قلوبهم ... البقرة: 7 ... 52 - 60
وكذلك جعلناكم أمّة وسطا ... ... البقرة: 143 ... ح
ياأيّها الذين آمنوا اتّقوا الله وذروا ... ... البقرة: 278 ... 75
فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب ... ... البقرة: 279 ... 75
من استطاع إليه سبيلا ... آل عمران: 97 ... 68 - 76
ليعلم ... آل عمران: 176 ... 45
إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ... ... النساء: 10 ... 75
فمن لم يستطع منكم طولا ... النساء: 25 ... 68
ياأيّها الذين آمنوا لا تاكلوا أموالكم بينكم ... ... النساء: 29، 30 ... 75
إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ... ... النساء: 116 ... 76 - 77
فعليهنّ نصف ما على المحصنات ... ... النساء: 125 ... 36
ياأيّها الذين آمنوا آمِنوا ... ... النساء: 136 ... 75
وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله ... ... المائدة: 18 ... 77
فطوّعت له نفسه ... ... المائدة: 30 ... 52
اعبدوا الله ... ... المائدة: 72 ... 14
وجعلنا على قلوبهم أكنّة ... الأنعام: 25 ... 52 - 60
ولو رُدّوا لعادوا لما نهوا عنه ... ... الأنعام: 28 ... 46
فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء ... الأنعام: 44 ... 60 - 61
وهو بكلّ شيء عليم ... الأنعام: 101 ... 47 - 48 - 60
خلق كلّ شيء وهو بكلّ شيء علم ... الأنعام: 101 ... 47
وإن أطعتموهم إنّكم لمشركون ... الأنعام: 121 ... 81
ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم الله عليه ... ... الأنعام: 121 ... 81
قل إنّما حرّم ربّي الفواحش ... ... الأعراف: 33 ... 34
ولقد ذرأنا لجهنّم كثيرا ... ... الأعراف: 179 ... 52
خلقكم من نفس واحدة ... ... الأعراف: 189 ... 48
يا أيّها الذين آمنوا إذا لقيتم ... ... الأنفال: 15 ... 76
فلم تقتلوهم ولكنّ الله قتلهم ... ... الأنفال: 17 ... 49 - 59
لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ... ... الأنفال: 23 ... 46
إنّما المشركون نجس فلا يقربوا ... ... التوبة: 38 ... 82
فثبّطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين ... التوبة: 46 ... 58
يا أيّها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم ... ... التوبة: 38، 39 ... 76 (1/183)
صفحة 78
جزاء بما كانوا يكسبون ... التوبة: 82 ... 52
طبع الله على قلوبهم ... التوبة: 93 ... 52
وسيرى ... التوبة: 94 ... 45
هو الذي يسيّركم في البرّ والبحر ... يونس: 22 ... 58
ما كانوا يستطيعون السّمع ... ... هود: 30 ... 68
إنّ ربّك هو الخلاّق العليم ... ... الحِجر: 86 ... 19
ادخلوا الجنّة بما كنتم تعملون ... النحل: 32 ... 52
يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء ... النحل: 93 ... 52
طبع اللهُ على قلوبهم ... النّحل: 108 ... 60
وجعلنا الليل والنّهار ... ... الإسراء: 12 ... 48
وما منع النّاس أن يؤمنوا ... ... الإسراء: 94 ... 68
قل ادعوا الله أو ادعوا الرّحمن ... ... الإسراء: 110 ... 15
له غيب السّموات والارض ... الكهف: 26 ... 26
أضاعوا الصلاة واتّبعوا الشهوات ... ... مريم: 59 ... 76
إنّني أنا الله ... ... طه:14 ... 17
وجعلنا السّماء سقفًا محفوظًا ... ... الأنبياء: 32 ... 48
وعلّمناه صَنعة لبوس لكم ... ... الأنبياء: 80 ... 48
والذين هم لفروجهم حافظون ... ... المؤمنون: 5 - 7 ... 34
وأنّ هذه أمّتكم ... ... المؤمنون: 52 ... ح
وخلق كلّ شيء وقدّره تقديرا ... الفرقان: 2 ... 60
خلق السّموات والارض ... الفرقان: 59 ... 49
والذين لا يدعون مع الله إلها ... ... الفرقان: 68، 69 ... 76
وأوتيت من كلّ شيء ... النمل: 23 ... 60
وجعل لكم سرابيل تقيكم الحرّ ... النمل: 81 ... 48
ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ... ... الروم: 21 ... 48
ومن آياته خلق السّموات والارض ... الرّوم: 22 ... 48
ويعذّب المنافقين إن شاء ... ... الأحزاب: 24 ... 77
قدّرنا فيها السيّر، سيروا فيها ... ... سبأ: 18 ... 49
خلقكم وما تعملون ... الصّافات: 96 ... 49
إنّك ميّت وإنّهم ميّتون ... الزمر: 30 ... 20
إنّ الله يغفر الذنوب جميعا ... الزمر: 53 ... 77
الله خالق كلّ شيء ... ... الزمر: 62 ... 25
على كلّ شيء وكيل ... الزمر: 62 ... 47
خالق كلّ شيء ... ... غافر: 62 ... 19 (1/184)
صفحة 79
إعملوا ما شئتم ... فصّلت: 40 ... 52
جزاء بما كانوا يعملون ... الأحقاف: 14 ... 52
فأصبحوا لا ترى إلاّ مساكنهم ... الأحقاف: 25 ... 60
تدمّر كلّ شيء بأمر ربّها ... الأحقاف: 25 ... 60
حتّى نعلم ... محمّد: 31 ... 45
هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ... ... الفتح: 4 ... 79
إذ ارسلنا عليها الريح العقيم ... ... الذّاريات: 42 ... 60
تبارك اسم ربّك ... ... الرّحمن: 78 ... 24
له ملك السّموات والارض ... الحديد: 02 ... 26
وجعلنا في قلوب الذين اتّبعوه ... ... الحديد: 27 ... 53
فمن لم يستطع فإطعام ستّين مسكينا ... المجادلة: 4 ... 67
أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ... المجادلة: 22 ... 53
هو الرّحمن الرّحيم ... ... الحشر: 22 ... 14
العزيز الجبّار ... الحشر: 23 ... 15 - 19
له الاَسماء الحسنى ... الحشر: 24 ... 16 - 21
هو الله الذي لا إله إلاّ هو الملك ... ... الحشر: 24 ... 15
وأسرّوا قولكم أو اجهروا به ... ... الملك: 13، 14 ... 49 - 58
وما تشاءون إلاّ أن يشاء الله ... الإنسان: 30 ... 52
ويل للمطفّفين ... المطفّفين: 1 ... 76
فعّال لما يُريد ... البروج: 16 ... 19 - 20
سبّح اسم ربّك الأعلى ... الأعلى: 1 ... 24
وما أمروا إلاّ ليعبدوا الله ... ... البيّنة: 5 ... 75
قل هو الله أحد الله الصمد ... الإخلاص: 1،2 ... 15
( (1/185)
صفحة 80
فهرس الأحاديث النّبوية
الحديث ... الصّفحة
إنّ الله هو المسعِّر ... 49
العين تزني وزناها النّظر ... ... 35
اللهمّ أنقه من الذّنوب ... ... 49
فهرس الأعلام
اسم العَلَم ... الصّفحة
أبو الرّبيع سليمان بن زرقون ... 1
أبو الرّبيع سليمان بن يخلف ... ج، 9
أبو العبّاس أحمد الدّرجيني ... د، 1، 2، 3، 4، 5، 6، 40
أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن بكر الفرسطائي ... ي
أبو القاسم البرّادي ... ب، ج، ي
أبو القاسم يزيد بن مخلد ... 1، 2، 3، 4
أبو اليقظان محمّد بن أفلح ... 8
أبو تميم المعزّ الفاطمي ... 3، 4، 5، 6
أبو خزر يغلى ... ب، ج، د، هـ، و، ز، ح، ي، 1، 2، 4، 5، 6، 7، 8، 9، 10
أبو زكرياء بن أبي عبد الله ... 5
أبو زكرياء يحي بن بكر (صاحب السّيرة) ... هـ، 1، 3
أبو عبيدة مسلم ... 39، 40
أبو عمّار عبد الكافي ... ب، ج، 9
أبو محمّد يوجين ... 5
أبو منصور إلياس ... 8
أبو نوح سعيد بن زنغيل ... 4، 5، 6، 8
أبو يزيد مخلد بن كيداد ... 3
أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني ... ج، ي، 9
أبو يعقوب يوسف بن خلفون ... ط، ي، ك
أحمد بن الحسين ... 8
أفلاطون ... ح
إسماعيل الجيطالي، أبو طاهر ... ط، ي (1/186)
صفحة 81
ابن النّديم ... 71
تبغورين بن عيسى ... ط، 9
جابر بن زيد ... 40
الجاحظ ... 47
جهم بن صفوان ... 10، 52، 88، 90، 91، 92
حاجب الطّائي ... 40
الحارث ... 27
حسن النجّار ... 71
الرّبيع بن حبيب ... 40
زيّاد بن الأصفر ... 80
سحنون بن أيوب ... 1
سهل بن صالح ... 40
طيان الصقلّي ... 4
عبد الجبّار ... 27
عبد الله بن حُميد السّالمي ... 40
عبد الله بن زريق الهدّاوي ... 40
عبد الله بن عيسى النّفوسي ... 11، 13
عبد الله بن يحي الباروني ... هـ، 11
عبد الله بن يزيد الفزاري ... 71
العلاّف ... 47
علماء فزّان ... ي
عمرو خليفة النّامي ... أ، ح، ط، ك، 10
عمروس بن فتح المساكني ... 8
مسعود الحاج سعيد ... أ، ح
النظَّام ... 71
هشام بن الحكم الكوفي ... 71
واصل بن عطاء ... 47
يحي بن أبي يحي النّفوسي ... أ، هـ، 13
يوسف بن أحمد الباروني ... 11
فهرس الفِرق والقبائل
اِسم الفِرقة ... ... الصّفحة
آل بغطور ... 11 (1/187)
صفحة 82
أصحابنا ... ح، 10، 27، 33، 44، 92
أهل الدّعوة والاِستقامة ... 27
الإباضية الوهبية ... ب، هـ، ز، ح، ي، 2، 3، 4، 5، 7، 9، 10، 27، 71،
بنو أميّة ... 4
بنو يليان ... 5
الحسينية ... ز، 7، 8، 9
الخلفية ... 7
الخوارج ... ب، هـ، ز، 10، 80
الرّستميّة ... 4
الصّفرية ... 10، 80
العبيديون ... 3، 4
العبيديون (الدّولة) ... 3، 4
المتكلِّمون ... 41
المثبتة ... هـ
المجبرة ... و، 51، 52، 53، 71، 84
المجبلة ... 51، 53
المجوس ... 39
المرجئة ... ب، هـ، 10، 72، 84
مزاتة ... 4
المستاوة ... 71
المشبّهة ... هـ، 10، 88، 91، 92
المشركون ... 82
المعتزلة ... ب، ج، د، هـ، 7، 10، 47، 48، 51، 53، 83، 91، 92
النفّاثية ... 7، 8
النكّار ... 7، 9، 71
النّاكثة ... 8
الواصليّة ... 7
الوهبيّة ... 3، 5 (1/188)
صفحة 83
فهرس الأماكن والبلدان
اسم المكان أو البلد ... الصّفحة
أريغ ... 5
أندلس ... 4
إفريقيا ... 9
باغاي ... 4، 5
تاهرت ... 7
تلتماجرت ... 7
جبل نفوسة ... هـ، 4، 5، 8، 27
جربة (جزيرة) ... 4، 11
الحامّة ... 1، 3
طرابلس الغرب ... 27
العطف ... و، 12
غرداية ... أ، 12
قسطيلية ... 1
كمبردج ... ط
كَباو ... 11
ليبيا ... ط، ك، 11
مانو ... 8
مزاب ... 1
مصر ... د، 2، 6
المغرب ... ب، د، ز، ح، 2، 6، 7، 10، 40
مكّة ... 81
نالوت (ليبيا) ... ط
ورجلان ... 5
الولايات المتّحدة الأمريكية ... ط، ي، 10
اليابان ... ط
فهرس المصطلحات الكلامية
المصطلح ... الصّفحة
الإجماع ... 17، 48، 50، 77
الإرادة ... 10، 18، 20، 41، 53، 58، 70، 84، 85، 86، 87
الأزل ... 13، 52
الاِستطاعة ... 8، 10، 64، 65، 66، 67، 70، 71، 84، 85، 86
البراءة ... ط، 9، 27، 28، 30، 32، 33، 35، 36، 39، 82
التّوحيد ... 13، 35 (1/189)
صفحة 84
التّغاير ... 46، 92
التولّد ... 10، 86
الحركة ... 50، 56، 57، 58، 62، 86، 88، 89
الذّات ... 14، 16، 17، 19، 20، 21، 26، 42
الصّفات ... 16، 18، 19، 21، 23، 24، 26، 39، 41، 42، 43، 44
السّكون ... 50، 56، 86، 88، 89
القُدرة ... 10، 21، 24، 26، 40، 41، 42، 44، 46، 52، 91، 92
القديم ... 50
القصد ... 50، 51، 53، 54، 68، 87، 91، 92
الكسب ... 53
الكفّ ... 10، 87
الوُقوف ... 9، 27، 28، 31، 32، 33، 36
الوَلاية ... 9، 27، 28، 29، 30، 31، 32، 33، 36، 39
فهرس الأسئلة الكلاميّة
الموضوع ... المسألة ... الصّفحة
الأسماء والصّفات: ... أخبِرونا عن أسمائه بالعجمية أهي أسماؤه بالعربيّة؟ ... 21
ما معنى قوله تعالى: {حتّى نعلم} أو {ليعلم} و {سيرى}؟ ... 45
ما معنى قولهم: بعضها مخلوقة وبعضها ليست مخلوقة؟ ... 16
هل أسماء الله مخلوقة؟ وما هي؟ ... 13
هل الحروف التي اشتركت فيها جميع الأشياء أمعروفة أم مجهولة؟ ... 22
هل الله جسم؟ ... 88
هل يعلم الله أنّه يرزقك ملء الأرض ذهبًا؟ ... 40
هل يقدر اللهُ أن يرزقك ملء الأرض ذهبًا؟ ... 40
هل يوجد حيّ ليس بجسم؟ ... 89
الإرادة ... : ... أليس إذا فعل العبد فعل الله وإذا ترك العبد ترك الله؟ ... 61
ما معنى التّثبيط الذي أضاف اللهُ إلى نفسه؟ ... 59
ما معنى القتل والرّمي الذي أضاف الله إلى نفسه؟ ... 59
ما معنى قوله تعالى: {قدّرنا فيها السّير سيروا فيها ... }؟ ... 58
ما معنى: جعل الرّأفة والرّحمة في قلوب العباد؟ ... 53
ما هو الدّليل على خلق الأفعال؟ ... 47
هل ألقى موسى العصا حال الأمر أو بعده؟ ... 93 (1/190)
صفحة 85
هل الإرادة للإيمان من الإيمان؟ وإرادة الكفر من الكفر؟ ... 85
هل الإرادة موجودة للمراد؟ ... 70
هل المطلّق لعبده أعتق ما ملك أو ما لم يملك؟ ... 94
هل المطلِّق لامرأته طلق ما ملك أو ما لم يملك؟ ... 94
هل حركة المضطرّ مخلوقة؟ ... 57
هل يؤاخذ الشّخص بما تولّد من فعله وهو ليس من فعله؟ ... 86
هل يكون من الفاعل كفّان في حال واحدة؟ ... 87
لماذا قال الله: {فأثابهم الله بما قالوا} ولم يقل: بما فعلوا؟ ... 78
ما معنى الشّرك في اللّغة؟ ... 80
الإيمان: ... ما هو الإيمان؟ ... 72
ماذا يسع جهله وما لا يسع جهله؟ ... 37
متى أراد الكافر أن يؤمن؟ ... 83
هل إيمان أهل الكتاب بمبعث محمّد يكفي إيمانًا به بعد بعثه ولو لم يؤمنوا به؟ ... 78
هل الإيمان أفضل أم ما خلقه اللهُ من الأشياء؟ ... 55
هل الإيمان حسَن أم قبيح؟ وهل الكفر قبيح في ذاته؟ ... 54
هل الطّاعة في أكل الميتة شرك؟ ... 81
هل الكافر مخاطَب بالإيمان منهي عن الكفر؟ ... 83
هل الكبائر التي دون الشّرك يغفرها الله بلا توبة؟ ... 76
الاِستطاعة: ... هل تكون عبادة بغير تقوى؟ ... 80
هل يُعتبر مسلمًا الدّاعي والمدعو إلى دين المجوس؟ ... 39
أليس قد فنيت القوّة لحدوث الآفة؟ ... 66
ما معنى الاِستطاعة؟ ... 64
ما معنى: {فاتّقوا الله ما استطعتم}؟ ... 67
ما معنى: {ما كانوا يستطيعون السّمع وما كانوا يبصرون}؟ ... 68
متى تستطيع اليد حملَ الشّيء؟ ... 69
هل استطاعة الإيمان هي استطاعة الكفر؟ ... 71
هل البالغ في أوّل بلوغه والمخلوق عند تمام خلقه يكون خال من الفعل والتّرك؟ ... 66 - 84 - 85
ما حكم الشّاة الميتة المختلطة بالمذبوحة، والإناء المنجوسة والطّاهرة؟ ... 30
هل يُنفّذ الحدّ على المرأة المؤتاة فيما دون الفرج؟ ... 36
الوَلاية والبراءة والوقوف: ... أليس مَن ترك الوَلاية على علم والبراءة على علم فقد ترك الفريضة؟ ... 28
أليس مَن وقف في المتولّى والمتبرّأ ترك الفريضة؟ ... 28
هل الوقوف يضادّ الوَلاية والبراءة؟ ... 32
هل يُتبرّأ من المرأة المؤتاة فيما دون الفرج؟ ... 33 (1/191)
صفحة 86
فهرس المراجع
1. ... القرآن الكريم
2. ... أعوشت بكير: دراسات إسلامية في الأصول الإباضيّة، ط 1، مطبعة البعث، قسنطينة، 1982.
3. ... أمانة الإعلام والثقافة، ليبيا: دليل المؤلفين الليبيين، دار الكتب، طرابلس، 1997.
4. ... ابن خلفون (أبو يعقوب يوسف): أجوبة ابن خلفون، تحقيق د. عمرو النامي، دار الفتح للطباعة والنشر، ط1، بيروت، 1974.
5. ... البخاري (محمّد): الجامع الصحيح، تحقيق د. مصطفى دي البُغا، نشر دار الهدى، عين مليلة، 1992، الجزائر.
6. ... الترمذي (أبو عيسى محمّد): الجامع الصحيح، تحقيق أحمد محمّد شاكر، ط1، دار عمران، بيروت.
7. ... جمعية التراث: معجم أعلام الإباضيّة، إشراف د. محمّد ناصر، (المسودّة).
8. ... الدرجيني (أبو العبّاس أحمد): طبقات المشايخ بالمغرب، ط1، تحقيق إبراهيم طلاي، مطبعة البعث، الجزائر.
9. ... السالمي (عبد الله): حاشية على الجامع الصحيح، ط1، مطبعة الأزهار البارونيّة، 1326هـ.
10. ... السجستاني (أبو داود): سنن أبي داود، تحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
11. ... الشّمّاخي (أحمد): كتاب السير، ط الحجريّة، القاهرة.
12. ... عزّ الدين بليق: منهاج الصالحين، ط1، دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت، 1978.
13. ... علي يحي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلاميّة، ط2، المطبعة العربيّة، غرداية، 1987.
14. ... عمرو خليفة النامي: Studies in Ibadisme
15. ... القشيري (مسلم): صحيح مسلم، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي، ط1، دار إحياء التراث العربي، 1956.
16. ... محمود يعقوبي: معجم الفلسفة، مطبعة البعث، قسنطينة، 1399/ 1979.
17. ... محمّد فؤاد عبد الباقي: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، دار المعرفة ودار الفكر، بيروت، ط3، 1992.
18. ... المزاتي (أبو الربيع سليمان بن يخلف): كتاب التحف المخزونة، (مخطوط).
19. ... المسعودي: مروج الذهب، دار الأندلس، بيروت، لبنان.
20. ... النسائي (أحمد): سنن النسائي، تحقيق مكتب التراث الإسلامي، ط1، دار المعرفة، بيروت، 1991.
21. ... الورجلاني (أبو زكرياء يحي بن أبي بكر): كتاب سير الأئمة وأخبارهم، تحقيق إسماعيل العربي، ط1، مطبعة أحمد زبانة، الجزائر، 1979.
22. ... الوارجلاني (أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم): - كتاب العدل والإنصاف (مخطوط)
- كتاب الدّليل لأهل العقول، ط2، وزارة التراث بعُمان، 1983. (1/192)
صفحة 87
محتويات الكتاب
العنوان ... الصفحة
تمهيد ............................................................................................................................. ... أ
- عنوان المخطوط ............................................................................................. ... ب
· نسبة المخطوط إلى المؤلف ......................................................................... ... ب
- أسلوب المؤلف ومصطلحاته ..................................................................... ... ج
· من هو يحي بن أبي يحي النفوسي؟ ................................................. ... هـ
بين يدي الكتاب ............................................................................................................... ... ز
الدكتور عمرو خليفة النامي في سطور ........................................................................... ... ط
تقديم الدكتور عمرو النامي ............................................................................................... ... 1
مؤلّف الرسالة ..................................................................................................... ... 1
القيمة العلميّة للمخطوط .................................................................................................... ... 7
حول موضوعات الرسالة ................................................................................................... ... 9
النسخ المعتمدة في التحقيق ............................................................................................... ... 11
كتاب فيه الردّ على جميع المخالفين ........................................................................... ... 13
الردّ على من زعم أنّ أسماء الله مخلوقة ................................................................... ... 13
باب مسائلهم التي يسألون عنها ................................................................................... ... 20
باب آخر في الأسماء ........................................................................................................... ... 25
باب آخر في الوقوف .......................................................................................................... ... 27
ومن المسائل التي يسألون عنها ...................................................................................... ... 30
ويُسألون ................................................................................................................................ ... 30
وسألوا ..................................................................................................................................... ... 31
باب آخر .............................................................................................................................. ... 33
وسألته ..................................................................................................................................... ... 37
وسألته ..................................................................................................................................... ... 39
وسألته .................................................................................................................................... ... 40
وسألته ................................................................................................................................... ... 45
باب الردّ على المعتزلة ..................................................................................................... ... 47 (1/194)
صفحة 88
نسأل المعتزلة ...................................................................................................................... ... 53
باب آخر في الاِستطاعة ..................................................................................................... ... 64
ومسألة أخرى في الإرادة ................................................................................................ ... 70
مسألة أخرى ......................................................................................................................... ... 71
باب آخر ................................................................................................................................ ... 72
باب آخر: وقالت الصفريّة ............................................................................................ ... 80
وسألونا فقالوا: ................................................................................................................... ... 81
ومسألة أخرى ...................................................................................................................... ... 83
ويسألون .................................................................................................................................. ... 85
وسألت عن التولّد ............................................................................................................... ... 86
وسألت عن الكفّ ............................................................................................................... ... 87
قلنا ........................................................................................................................................ ... 89
وسألت .................................................................................................................................... ... 93
الجواب .................................................................................................................................. ... 93
الفهارس الفنيّة .................................................................................................................... ... 95
فهرس الآيات ...................................................................................................................... ... 96
فهرس الأحاديث ............................................................................................................... ... 100
فهرس الأعلام ..................................................................................................................... ... 100
فهرس الفِرق والقبائل ....................................................................................................... ... 102
فهرس الأماكن والبلدان .................................................................................................... ... 104
فهرس المصطلحات ............................................................................................................. ... 105
فهرس الأسئلة الكلاميّة .................................................................................................... ... 106
فهرس المراجع .................................................................................................................... ... 108
محتويات الكتاب ............................................................................................................... ... 110
_ (1/195)