صفحة 1
الكتاب: كتاب الردِّ على جميع المخالفين
المؤلف: أبو خزر يغلا بن زلتاف الوسياني الحامي التونسي (توفي 380هـ)
دراسة وتحقيق وتعليق: د. ونيس عامر
(أستاذ محاضر بجامعة الزيتونة)
تونس، الطبعة الأولى: 2003
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
أدرج هذا الكتاب المهم في المكتبة الشاملة تعميما للفائدة ولكن من دون استشارة محققه
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) من علم الكلام الإباضي
كتاب
الردّ على جميع المخالفين
لأبي خزر يغلا بن زلتاف الوسياني الحامّي
دراسة وتحقيق وتعليق
د. ونيس عامر
أستاذ محاضر بجامعة الزيتونة
الإهداء
إلى زوجتي الحبيبة التي آزرتني وضحّّت من أجلي بوقوفها إلى جانبي حتّى اجتزت الصّعاب التي لا يعرفها أحد غيرها
وإلى ابنتي لمياء وابني بسّام
أهدي هذه الثّمرة
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة
لقد استرعى انتباهي- وأنا أدرس بالحلقة الثّالثة - موضوع العقائد الإباضيّة عند أحد المتكلّمين الإباضيين وهو أبو عمّار عبد الكافي الإباضي الّذي قمت بتحقيق كتابه « شرح متن الرّدّ على الجهالات ». دراسة وتحقيق، نلت به درجة دكتوراه المرحلة الثّالثة، خلال سنة 1986م وبعد ذلك واصلت في نفس المذهب واتّفقت مع أستاذي المشرف الدّكتور علي الشّابي على أن أقوم بدراسة حول أبي يزيد مخلد بن كيداد الإباضي (272هـ/336هـ)، ثورته وآراؤه، وكانت أطروحة نلت بها درجة دكتوراه الدّولة في العلوم الإسلاميّة اختصاص أصول الدّين، خلال سنة 1992م بالمعهد الأعلى لأصول الدّين « جامعة الزيتونة»، ثمّ بعد ذلك واصلت أيضا في نفس الطّريق وفي اختصاص أصول الدّين (الأصول العشرة عند الإباضيّة) لتبغورين بن داوود الملشوطي (ق5هـ)، ثمّ بعده قمت بتحقيق " رسالة في فرق النكّار الستّ ومازاغت به عن الحقّ وبعض الفرق الأخرى، وهي لأبي عمرو عثمان بن خليفة السّوفي المارغني الإباضي (ق6هـ)- وهي بصدد الطّبع - ومن خلال هذه الدّراسات اتّضح لي أنّ الإباضيّة لعبت دورا حاسما في تاريخ إفريقيّة منذ انتشار المذهب الإباضي بها إلى يومنا هذا. (1/1)
صفحة 2
وفي اعتقادي أنّ أبا خزر الحامّي هو حلقة من حلقات سلفه أو معاصره أبو يزيد مخلد بن كيداد الإباضي الّذي ثار على الدّولة الفاطميّة وألجأها إلى مغادرة البلاد وتركها لأهلها من سكان إفريقيّة عربا وبربرا. وجاء بعده بقليل أبو خزر ليواصل الصّراع مع الفاطميين العبيديين، وهو ما سيجده القارئ الكريم فيما بعد.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ الإباضيّة لم تُدرَسْ آراؤهم العقائديّة وأصولهم دراسة أكاديميّة مثل الدّراسات التي قام بها الباحثون عن فرق المعتزلة وآرائها الكلاميّة والفلسفيّة، أو الدّراسات الكثيرة عن فرق الشّيعة أو عن الأشاعرة الّذين أخذوا من الاعتزال بطرف ومن السّلفيّة بطرف آخر. كما إنّك تجد اهتمام الدّارسين بتاريخ الحركات لفرق الإباضيّة التي كانت في أغلبها تصطبغ بالصّبغة التّاريخيّة أو الإخباريّة البحتة.
والّذي يمكن أن نشير إليه هو أنّ الكثير من المؤلّفات العقائديّة للأصول الإباضيّة قد فُقد وخاصّة في القرون الثّلاثة الأولى للهجرة، ولذلك فإنّ الدّارس يجد صعوبات كثيرة إذا أراد أن يوضّح بعض المسائل الكلاميّة وأن يبرزها في نسق واضح وفي صورة متكاملة. (1/2)
صفحة 3
وبما أنّ الإباضيّة - كما قلنا - لعبت دورا هامّا من النّاحية العقائديّة والسّياسيّة والاجتماعيّة، وتركت دويّا هائلا في الأوساط العربيّة والإسلاميّة على حدّ سواء لما اتّسمت به من الواقعيّة ومن النّزعة العلميّة والعقليّة المتحرّرة في فلسفتها وآرائها، رأينا أن ندرس رأي هذا المتكلّم الإباضي الّذي عاصر الدّولة الفاطميّة ببلاد المغرب والّذي ساهم بفكره وبثورته في ارتحال الفواطم إلى مقرّ حكمهم بالقاهرة من جهة وإلى عدم وجود دراسة متكاملة للمذهب الإباضي في تلك الفترة من جهة ثانية، وصاحبنا هذا من أوائل المتكلّمين إذ كان مرجعا لعلماء القرنين الخامس والسّادس الهجري. ومن ثمّ رأينا أن نبحث في ثورة من ثورات الإباضيّة على الحكم الفاطمي، ودراسة عقائد الإباضيّة متمثّلة في أحد أوائل المتكلّمين بتونس من الإباضيّة، وهو كتاب « الردّ على جميع المخالفين » لأبي خزر يغلا بن زلتاف الوسياني الحامي الإباضي الّذي لم يحظ بدراسة أكاديميّة، ولم يصدر- فيما نعلم - أيُّ بحث متخصّص في هذا الموضوع الّذي أرى من واجبي كباحث عربي أن أميط اللّثام عن أبي خزر الّذي لم يتعرّض له المؤرّخون وكتّاب الفرق من غير الإباضيّة - قديما وحديثا - إلاّ في بعض الإشارات الطّفيفة جدّا.وقد انبريت لهذا العمل يحدوني الأمل بأن أؤدّي واجبا نحو جانب هامّ من تراث أمّتنا المجيدة خاصّة وأن ثورة أبي خزر اكتنفها الكثير من الغموض مثل ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد قبله. لذا وجب - كما قلنا - إزاحته وإخراج تلك الثورة وعقائد صاحبها وردوده على الفرق المخالفة في ثوب جديد، واضعا نصب عيني أنّ تاريخنا كلّه ملك لنا، وبالتّالي يجب علينا العناية به واستنطاقه والاعتبار به. كما يجب أن لا نغضّ الطّرف عن أيّ جزء أو فترة منه، فالجيّد منه يجب أن يكون لنا مثلا طيّبا وقدوة حسنة، وما هو سيّئ يجب أن يكون لنا درسا مفيدا وعبرة واعظة. (1/3)
صفحة 4
وحسبي أن أشير إلى أنّني حاولت - قدر المستطاع - طرق الموضوع بروح علميّة مجرّدة، خالية من التعصّب والهوى، فأثبتّ ما توصّلت إليه نتيجة دراسة واستقصاء ومقارنة وتحليل لما وقع بين يديّ ممّا يتّصل بالبحث فأخذت من الكتب والمؤلّفات على اختلافها وتنوّعها، ولم أكن منحازا إلى هذا أو ذاك.
ومن المؤكّد أنّ ثورة أبي خزر وما سبقه من الثّورات المتتالية كانت بمثابة ردّ فعل للإباضيّة في مواجهة الشّيعة الإسماعليّة، فكانت حربا مذهبيّة شُهر فيها سلاح المبادئ الإباضيّة للإطاحة بالعقائد الإسماعيليّة الغريبة على البربر وعلى أهل السنّة على حدّ سواء.
وكادت ثورة أبي خزر الحامّي أن تجتثّ جذور الفاطميين، فإنّها وإن لم تصل إلى الهدف فقد أفهمت أصحاب الضّلال من الشّيعيين أن لا مجال لهم في الدّيار الإفريقيّة من بلاد الإسلام، فرحلوا عنها ليقيموا دولتهم في مصر، ورحلت معهم عقائدهم وسيرتهم، ثم ما لبثت أن اندثرت أيضا في مصر وغيرها. (1/4)
صفحة 5
والجدير بالملاحظة هو أنّ سكان إفريقية عربا وبربرًا بجميع مذاهبهم وقفوا موقف معارضة سلبيّة جدّ خطيرة على كيان الدّولة الفاطمية فقاطعوا فقهاءها، وقضاتها، حتى أحسّ الحكام الفاطميون أنّهم بين قوم لا يطيقون مذاهب الإسماعيليّة ولا يقبلون عليهم، فحاولوا إرغامهم بعد القضاء على أبي يزيد ثم بعد ذلك بقليل وفي بدايات مناوشات أبي خزر، فلم يتحوّل النّاس عمّا كانوا عليه، بل نافروا كلّ من "شرّق" - أي أخذ بمبادئ الشّيعة - من الفقهاء بل وازدادوا نفورًا من الفقهاء الإسماعيليين واستهانوا بأمرهم، بل واستعدوا للانقلاب عليهم وعلى أصحابهم، وحينئذ تأكّد لدى الشّيعة - كما ذكرنا - الشّعور بعدم الاستقرار والثّبات في إفريقيّة كما شعروا أنّ دولتهم مقضيّ عليها إذا هي استمرّت في إفريقيّة، فمّا كان عليهم إلاّ البحث عن بلاد أخرى، إذ لا سبيل إلى فرض دولة على أناس يقاطعونها مقاطعة تامّة، ويعيشون بعيدا عنها فعمدوا إلى تغيير سياستهم الدّينيّة إلى حين تحوّلوا إلى مصر.
ويُعدّ أبو خزر الحامي من علماء القرن الرّابع الهجري الّذين بلغوا درجة الاجتهاد في المذهب الإباضي، إذ عدّه الإمام أبو يعقوب الوارجلاني- صاحب الدّليل والبرهان- ضمن الأئمّة العشرة الّذين انفردوا بآراء في علم الكلام (1) .
__________
(1) وهم : جابر بن زيد. أبو معاوية عزّان بن الصّقر. لوّاب بن سلاّم. الرّبيع من حبيب. أفلح بن عبد الوهّاب بن رستم. عمروس بن فتح. أبو القاسم يزيد بن مخلد. أبو خزر يغلا بن زلتاف. محمد بن محبوب. مصّالة بن يحي. انظر، ج2/72-82 الطّبعة الحجريّة بمصر سنة 1306هـ. وراجع ترجماتهم في طبقات الدّرجيني وسير الشمّاخي. (1/5)
صفحة 6
عاش صاحبنا في عصر الفاطميين بالمغرب الّذين استباحوا دماء المسلمين ظلما وبهتانا، فقد ارتكبت في عهدهم أفحش المناكر التي تحدّث عنها كثيرًا ابن عذاري وابن خلدون وغيرهما. وكان من ضحايا هذا الظّلم الإمامان الإباضيان : أبو خزر يغلا بن زلتاف الوسياني الحامّي العالم المجتهد وأبو القاسم يزيد بن مخلد اليهراسني.
فقد أعلن أبو خزر الثّورة على الفاطميين بسبب قتلهم لزميله وشيخه أبي القاسم يزيد، من جهة ولعدم قبول أهل المغرب لحكم العبيديين الّذين لا يتّفقون معهم في المذهب من جهة ثانية.
بويع أبو خزر إمام دفاع، لكن ثورته أخفقت لعدّة أسباب سنذكرها فيما بعد، فالتجأ إلى جبل نفّوسة المنيع، ولمّا أيس المعزّ الفاطمي من القبض عليه، وقد خاف أن تتجدّد له البيعة مرّة أخرى فيثور على الحكم الفاطمي، عندئذ بذل له الأمان وللإباضيّة، فرجع. وبعد مدّة انتقل المعزّ إلى مصر سنة 362هـ فأخذه معه كعالم المغرب ظاهرا وكرهينة في الحقيقة ليأمن على خلفائه من نشوب ثورة بعد رحيله إلى القاهرة، إلاّ أنّ هذا كلّه لم يزد المالكيّة والإباضيّة إلاّ استماتة في الدّفاع عن آرائهم ضدّ الفاطميين الّذين أيقنوا بعد هذه الثّورة أنّ أهل البلاد غير راغبين في حكمهم وعقيدتهم فارتحلوا إلى مصر وتركوا البلاد في أيدي أبنائها من الزّيريين دون رجعة بعد ذلك.
ويعود الفضل في ذلك كلّه إلى التحام الإباضيّة والمالكيّة في القيروان وما والاها ووقوفهم صفّا واحدًا ضدّ أعدائهم العبيديين الفواطم.
وفي هذه الرّسالة التي نقدّمها للقراء الكرام دراسة عن إحدى الشّخصيات التي عرفها وخلّدها التاريخ، تلك هي شخصية الإمام الإباضي الكبير أبي خزر يغلا بن زلتاف الوسياني الحامّي التّونسي الّذي كان مثالا في علمه وعمله وفي زهده وورعه وفي جهاده وتضحياته وفي دعوته ونشاطه، وهي أيضا تشمل دراسة قيّمة عن المذهب الإباضي وعن أبرز متكلّميه بشمال إفريقيّة. (1/6)
صفحة 7
فمن هو صاحب كتاب الرّدّ على جميع المخالفين ؟ وفي أي زمن كان صاحبنا ؟ وما هي المراحل التي قام بها للثّورة على الحكم الفاطمي؟ وهل هناك نتائج للثّورة وللمذهب الإباضي في أيام أبي خزر؟
والرّسالة تتضمّن نسبة الكتاب لأبي خزر وتحليلا لمضمونها مع تبيان منهجه في طرقه للمواضيع التي اختارها، وطريقتنا في التّحقيق والدّراسة والمقارنة والتّعليق.
ونيس عامر
تونس في 30 جوان 2001
التعريف بصاحب الكتاب
هو أبو خزر يغلا بن زلتاف الوسياني (1) ، وقيل أنّ زلتاف هو اسم أمّه، أمّا أبوه فيدعى أيّوب (2) وهو من أبناء الحامّة من بلاد الجريد التونسي وهي حامّة قسطيلية (3) .
__________
(1) انظر ترجمته في " الدرجيني : طبقات المشائخ بالمغرب، تحقيق إبراهيم طلاي، طبعة الجزائر (د.ت) ج1/119،156. أبو زكرياء الوارجلاني : السيرة وأخبار الأئمة، تحقيق عبد الرحمن أيّوب، طبعة الدار التونسية للنشر 1985م، ص194 وما بعدها. الشماخي: كتاب السير، تحقيق ودراسة محمد حسن، طبعة كلية العلوم الإنسانية والاجتماعيّة سنة 1995م، ص310 وما بعدها. والطبعة الحجريّة، القاهرة، صفحات 346 وما بعدها.
(2) علي يحيى معمّر : الإباضيّة في موكب التاريخ (حلقة 3 في تونس) طبعة 1، دار الثقافة بيروت، لبنان 1966م، ص59. الدرجيني (السابق) 1/08. الشماخي : (السابق) الطبعة الحجرية ص 582.
(3) أبو زكرياء: السيرة، ص194. الدرجيني:طبقات ج1، ص119. الشماخي:السير، ص310. (1/7)
صفحة 8
نشأ أبو خزر بالحامّة، وتلقّى العلوم هناك على عدّة من أجلّة العلماء. فقد ذكر أبو زكرياء الوارجلاني أنّه أخذ علم الأدب والفقه واللغة وعلم الفروع عن أبي الربيع سليمان بن زرقون النفّوسي بمعيّة زميله وصاحبه الحميم أبي القاسم يزيد بن مخلد الوسياني (1) وأخذ علم الأصول عن سحنون بن أبي أيّوب (2) . قال أبو زكرياء : وكانا في أوّل أمرهما يقرأن كتابا واحدا. فإذا قام أبو خزر إلى صلاح معيشته، قعد أبو القاسم واشتغل في قراءة كتابه ودراسته، فإذا رجع أبو خزر من طلب معاشه قال لأبي القاسم :« أعد عليّ من حيث تركتك » فيقول له أبو القاسم : « نعم لي مرّتان ولك مرّة »، فيعيد معه ما قد كان أخذه، فكان ذلك دأبهما إلى أن حصلا على علوم كثيرة (3) . ولمّا برعا في العلوم وأخذا ما فيه الكفاية من مشائخ العصر من الإباضيّة والمالكيّة تصدّرا للتعليم وإفادة الطلبة (4) .
قضّى أبو خزر جزءًا هامّا من حياته في التّعليم بمعيّة زميله أبي القاسم يزيد بن مخلد، فكانا يدرسان حينا بالحامّة وحينا آخر يخرجان إلى البادية لتعليم النّاس أمور دينهم وتذكيرهم بأمور المذهب الإباضي، وخشية أن ينسى النّاس مذهبهم، فكانا يتفقّدان أحوالهم لئلا يغيّروا فيضلّون عن الطريق السويّ. وكان يخرج معهما الطلبة حتى اشتهر ذكرهما وعلا أمرهما (5) ، رغم أنّهما شابين (6) ، فكانا مقصد كلّ طالب علم في أيّ فنّ شاء من علوم القرآن والأصول والفقه وعلوم العربيّة والسيرة وعلم الكلام (7) .
__________
(1) نفس المصادر السابقة والصفحات.
(2) أبو زكرياء : السيرة، ص194. الدرجيني : 1/119. الشماخي : 310.
(3) ن.م) والصفحات.
(4) أبو زكرياء:السيرة، ص195. الدرجيني:الطبقات ج1، ص 120. الشماخي : السير 311.
(5) أبو زكرياء:السيرة، ص195. الدرجيني : الطبقات ج1، ص120. الشماخي:السير311.
(6) الدرجيني: طبقات، 1/120.
(7) 10) نفسه : 1/120. (1/8)
صفحة 9
وتذكر المصادر الإباضيّة أنّ أبا القاسم كان ذا مال كثير، أمّا أبو خزر فكان يكتسب من عمل يده، وكان أبو القاسم ينفق على الطلبة الوافدين من ماله الخاص، وأبوه إذ ذاك حيّ (1) ، حتّى أنّ أحدهم اشتكى إلى والد أبي القاسم قائلا له : « إنّ ولدك لمجنون يعلّم الطلبة وينفق عليهم !!» (2) .
وظلّ الشيخان يتنقلان في أحياء مزّاته بمعيّة طلبتهم خاصة في فصل الرّبيع، فكانوا ينزلون ضيوفا في تلك الأحياء يعلّمون النّاس العلم، وينهونهم عن المنكر ويأمرونهم بالمعروف (3) وتلك عادّة سار عليها مشائخ الإباضيّة.
عاش أبو خزر في الفترة المضطربة الهائجة من القرن الرابع الهجري، وفي عهد الدولة العبيدية زمن المعزّ لدين الله الفاطمي، الّذي استغلّ نفوذه أيّما استغلال، ولعلّ صاحبنا عاصر المعارك الدّامية التّي نشبت بقيادة أبي يزيد مخلد بن كيداد اليفرني ضدّ الفاطميين الّذين استحوذوا على الحكم، وقضوا على الدّولتين الأغلبيّة والرّستميّة، كما أنّه استغلّ وجود الخلافات المذهبيّة والسياسيّة بإفريقيّة، فأطلق أيدي الجند والعامّة ترتكب ما تشاء من المناكر للمخالفين لمذهب السلطان الفاطمي (4) ، ونال هذا البلاء جلّ الإباضيّة، وهبيّة ونكّارية وصفريّة، كما أصاب غيرهم من الفرق الإسلامية الأخرى، كما لم يسلم- أيضا- المذهب المالكي بالقيروان من شرور فقهاء العبيديين الّذين تسبّبوا لهم في التّعذيب والتّنكيل.
__________
(1) 11) أبو زكرياء : السيرة، ص195. الدرجيني : الطبقات ج1، ص119- 120. الشماخي : السير311.
(2) 12) أبو زكرياء : السيرة، ص195. الدرجيني : الطبقات ج1، ص119- 120. الشماخي: السير311.
(3) 13) أبو زكرياء:السيرة، ص199. الدرجيني: الطبقات ج1، ص124. الشماخي : السير311.
(4) 14) علي يحي معمّر : الإباضيّة في تونس (السابق) ص59. (1/9)
صفحة 10
وتذكر المصادر الإباضيّة أنّ السلطان العبيدي ارتاب في شيخ الإباضيّة أبي القاسم يزيد بن مخلد، وشكّ في نواياه حتّى توجّس منه القيام ضدّه، والوثوب على السّلطة بإفريقيّة، لما له من تقدّم وعلم وجاه عند علماء الإباضيّة وغيرهم من العامّة (1) .
__________
(1) 15) أبو زكرياء : السيرة، ص199 وما بعدها. الدرجيني : الطبقات ج1، ص120 وما بعدها. الشماخي : السير312. (1/10)
صفحة 11
والجدير بالملاحظة هو أنّ العبيديين كانوا قد واجهوا قبل ذلك بقليل ثورة جامحة ضدّهم بقيادة أبي يزيد مخلد بن كيداد (صاحب الحمار)، الّذي جمع حوله جميع فرق الإباضيّة ثمّ المالكيّة (1) وحاصرهم في أمكنة السلطة ثمّ في المهديّة، إلاّ أنّه لم يوفّق في ثورته تلك لعدّة أسباب (2) . فقد قال فيه أبو القاسم يزيد بن مخلد : « لقد فتح فيهم أبو يزيد فتحا لو أحسن السيرة » (3) . وعبارة أبي القاسم هذه إن دلّت على شيء فإنّّما تدلّ على ميله وترحيبه بالسلطان العبيدي في تغيير سلطانهم والتخلّص منهم، وفيه إشارة خفيّة إلى أنّ القضاء على العبيديين لا يمكن أن يتّخذ الأسلوب الّذي سار عليه أبو يزيد مخلد بن كيداد، بل يجب أن يركّز أموره على أسس سليمة وسيرة مرضيّة سار عليها الإباضيّة الوهبيّة في معاملتهم للنّاس كبارا وصغارا.
__________
(1) 16) أبو زكرياء : السيرة، ص168 وما بعدها. الدرجيني : الطبقات ج1، ص96 وانظر، أطروحتنا(أبو يزيد مخلد بن كيداد): ثورته وآراؤه، طبع على الآلة الرّاقنة، 1992.
(2) 17) نفس المصادر وانظر أطروحتنا ( السّابقة )، ص266 إلى 274.
(3) 18) أبو زكرياء : السيرة، ص173. الدرجيني : الطبقات ج1، ص101. والذي نشير إليه هنا أنّ عبارة أبي القاسم هنا تدلّ على الإعجاب وعلى العتاب وفيه التّقدير والانتقاد، لكن أبا يزيد مخلد بن كيداد كان اعتذر لنفسه وتلا قوله تعالى: { وما كفر سليمان ولكنّ الشياطين كفروا } (البقرة106) وتلك معرّة جند مختلط ليست كتلك النماذج التّي عرفتها الإباضيّة في ثوراتها من قبل، وإن هي أساءت فليس على تلك الصورة المهولة التّي زيّنها الرّواة وتفنّنوا في عرضها، وأبو القاسم ما قال هذا إلاّ لإبعاد التّهم الموجّهة إليه من طرف الأعداء وحتّى لا يشكّ سلطان العبيديين في أمره. (1/11)
صفحة 12
ولقد أنصف قاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد أبا يزيد حيث أورد تاريخ ثورته، لم يذكر فيها شيئا ممّا نسب إليه من الفواحش زورا وبهتانًا (1) ، لأنّه لم يكن تحت حكم العبيديين، وإن كان في عصرهم.
ويمكن أن نقسم حياة أبي خزر الحاميّ إلى ثلاث مراحل أساسيّة :
- المرحلة الأولى : هي مرحلة التعلّم والتعليم، وقد أوجزنا فيها الحديث بما توفّر لنا من مراجع تاريخيّة في الموضوع.
- المرحلة الثانيّة : وهي مرحلة النشاط السياسي والعسكري الّذي قام به ضدّ العبيديين.
- المرحلة الثالثة : وهي مرحلة الاستقرار في مصر إلى أن توفّي بها سنة (380هـ/990م).
* مرحلة النّشاط السّياسي :
ترتبط حياة أبي خزر الحاميّ التّعليميّة والسّياسيّة بشخصيات ذات أهميّة بالغة، ذلك أنّ جلّ المؤرّخين من الإباضيّة يربطون حياة صاحبنا بأستاذه وزميله أبي القاسم يزيد بن مخلد، والشيخ أبي نوح سعيد بن زنغيل (2) وصراعهم مع أبي تميم المعزّ لدين الله الفاطميّ الّذي حكم إفريقيّة من سنة 342هـ/953م إلى 363هـ/973م.
فتذكر المصادر الإباضيّة أنّ العامّة من سكّان الجنوب التونسي كانوا متألمين جدّا من معاملة أعوان العبيديين لهم، فكانوا يهيجون ويتهيأون للثورة، ولكن الإمامين أبا خزر وأبا القاسم يزيد يهدئانهم ويدعوانهم إلى السكينة والاعتصام بالصبر (3) .
__________
(1) 19) القاضي عبد الجبار : كتاب تثبيت دلائل النبوّة، تحقيق عبد الكريم عثمان، طبعة بيروت، الجزء الأول ص106 و391، والجزء الثاني ص602.
(2) 20) هو من علماء النصف الثاني من القرن الرابع الهجري ( 350-400هـ ) اشتهر بقدرته على المناظرة، وسنتحدث عنه لأنّه كان من الملازمين لأبي خزر. وراجع عنه. أبو زكرياء : السيرة، ص196 إلى 211. الدرجيني : الطبقات ج1، ص1 /2 في عدّة مواضع. الشماخي:السير314 إلى329. والطبعة الحجريّة ص357 إلى362.
(3) 21) الدرجيني : طبقات ج1/124. علي يحي معمر : الإباضيّة بتونس، ص59. (1/12)
صفحة 13
كان أبو خزر وأبو القاسم من حامّة قسطيلية وينتسبان إلى بني ويسين أو بني وسيان (1) التّي هي من بني يفرن أو إخوة لهم، وبني يفرن ترجع إلى قبيلة زناتة البربريّة، وكانت لأبي القاسم مكانة رفيعة لدى المعزّ لدين الله الفاطمي، لأنّ هذا الأخير كان يعلم جيّدا أنّ قبائل مزّاتة البربريّة تميل كل الميل إلى أبي القاسم من جهة، وإلى أنّ قوّتها تقدّر وقتئذ باثني عشر ألف فارس (2) ، بالإضافة إلى الأعداد الهائلة من الرجالة التّي تنتظر منه الإشارة في التحرّك ضدّ أيّ عدوّ ولو كان سلطان العبيديين. فأبو تميم الفاطمي كان إذًا يقدّر قوّة أبي القاسم ويحترز منه ومن أتباعه من الشيوخ.
ولمّا أحسّ أبو تميم - وهو سلطان العبيديين - بشيء من الخطر، وعلم بتحرّكات أبي القاسم الّذي يفكّر في القيام بثورة عليه والتفاف جلّ الإباضيّة حوله، لما له من مقوّمات الرئاسة، وَلِمَ لاَ، وقد وصفه أبو تميم مرّة فقال : « أمّا يزيد بن مخلد فلم تلد العرب مثله » (3) . كما أنّ المؤامرات من رجالات اليهود وغيرهم لعبت دورا كبيرا في إيقاع الفتنة بين أبي القاسم يزيد وأبي تميم الفاطمي (4) اللذين كانت تربطهما علاقة متينة وصداقة كبيرة. ولكن وشايات أحد اليهود المقرّبين جعلت أبا تميم يكاتب واليه على الحامّة ويأمره بأن يقتل أبا القاسم ويبعث إليه برأسه (5) .
__________
(1) 22) الدر جيني : طبقات ج1/103.
(2) 23) أبو زكرياء : السيرة، 203.
(3) 24) نفسه، ص198. الدرجيني : طبقات 1/123. الشماخي : السير، 312.
(4) 25) الدرجيني:طبقات1/125. أبو زكرياء: السيرة، ص204. الشماخي: السير، ص315.
(5) 26) أبو زكرياء : السيرة، ص198ـ199. الدرجيني : طبقات 1/124-125. الشماخي : السيرة، ص313. علي يحي معمّر : (السابق) ص59. (1/13)
صفحة 14
لكن الوالي تريّث في قتل أبي القاسم لمكانته عنده ولصداقته له الحميمة، فأقبل عليه كالواعظ له، مشيرا عليه بالمسير إلى الحجّ - حتّى لا يقع في قبضة أبي تميم - فقال له : « إنّي حججت... إلخ» (1) . واستبطأ أبو تميم واليه فكتب إليه كتابا ثانيّا بمثل ما كتب في الأوّل، فلم تكن معه أيضا مبادرة إلى ما أمره به، بل أقبل على أبي القاسم وقال : « ألا تخرج إلى بعض البلاد التّي فيها معظم أهل مذهبك مثل وارجلان وغيرها فتنتفع بهم وينتفعوا بك ؟ فقال : « أتراني أن أخرج من الدّنيا وأنا حيّ ! » (يعني بالدّنيا : قسطيلية). وفي كلّ ذلك لم ينتبه إلى مراد الوالي وما يدبّره له أبو تميم. واستبطأ أبو تميم من الوالي امتثال ما أمره به فكتب إليه كتابا ثالثا يأمره فيه بقتل أبي القاسم، قائلا : « إمّا وجّهت برأسه وإمّا وجّهت من يأتي برأسك» (2) .
فلمّا وصل الكتاب الثالث واتّضح منه عزمه على قتل أبي القاسم، وعلم إن لم يقتله كان هو المقتول، استدعى أبا القاسم وناوله الكتاب الأوّل والثاني والثالث، وقال له : « لأجل هذا كنت أشير عليك بما أشير، إنّما كنت احتال على سلامتك مع سلامتي... والآن لا أؤثر عليك إلاّ نفسي ».
__________
(1) 27) أبو زكرياء : السيرة، ص199. الدرجيني : 1/125. الشماخي : السير، 313.
(2) 28) نفس المصادر والصفحات. (1/14)
صفحة 15
فلمّا رأى أبو القاسم الكتب الثلاثة وقرأها أيقن بالموت وقال للوالي: « أمهلني حتّى أركع ركعتين، فتركه حتّى ركع ركعتين، فمّا استتمّهما إلاّ والدّار مشحونة رجالا عليهم السلاح، فابتدروا أبا القاسم وواثبوه فلم يجد الوالي من نفسه قدرة على مشاهدة أبي القاسم في هذه الحالة وأدركته شفقته عليه لما بينهما من المودّة الأكيدة فطلع إلى غرفة في الدّار فدخلها وأغلق بابها عليه، ولم يرد أن يرى صديقه على تلك الحال، لما بينهما من الخلّة، وكان بيد أبي القاسم سكين، فدافع على نفسه ففرّقهم، وفرح الوالي وأشرف ثمّ اجتمعوا عليه ثانيّة، وأغلق عليه الباب، ثمّ دافعهم وفرّقهم، ففتح العامل الباب واطّلع عليهم، فما زالوا معه كذلك حتّى قتلوه (1) ، ثمّ إنّهم بعد ذلك توجهوا إلى الشيخ أبي محمد ويسلان صاحب أبي القاسم فسجنوه، فشكاه أهل السجن لكونه يسّهرهم بالدّراسة وقراءة القرآن، فأخرجوه من السّجن (2) .
__________
(1) 29) الدرجيني: طبقات 1/125 – 126. أبو زكرياء : السيرة، ص199-200.
(2) 30) أبو زكرياء : السيرة، ص200. الدرجيني : طبقات 1/126. الشماخي : 314. (1/15)
صفحة 16
وممّا يمكن أن نشير إليه هو أنّ القضاء على أبي القاسم يزيد بن مخلد- الشخصية الإباضيّة الأولى التّي كانت تمثّل الخطر الحقيقيّ على سلطان أبي تميم- لم يرهب هذا النوع من القتل قبائل زناته وبني يفرن ومزّاته وغيرهم من الإباضيّة نكّارا ووهبيّة - الخاضعين للحكم العبيدي والرّاضخين له- بل تسبّب على العكس من ذلك في التفاف جموع الإباضيّة على كلمة واحدة، فقد نفد صبر أبي خزر ومن معه، وثارت حفيظة الوهبيّة وغيرهم، وأخذوا يستعدّون للقيام بثورة على أبي تميم (1) ، غير أنّ كثيرا من العلماء كانوا غير موافقين على اتّخاذ هذه الخطوة، ومن هؤلاء أبو محمد ويسلان (2) , وأبو صالح اليهراسني (3) ، وهؤلاء كانوا يرون أنّ الصبر على الظلم- ولو من العبيديين- أهون من الحرب وأقلّ شرًّا، لكنّ أبا خزر صمّم وصمّم معه المتحمّسون من الشّباب، وقد درس الموضوع واتّخذ الخطوات التّي رآها لازمة لبدء الثورة (4) .
__________
(1) 31) الدرجيني : طبقات 1/126-127. الشماخي : السير، ص314.
(2) 32) علي يحي معمّر : الإباضيّة في تونس، ص59-60. وانظر ترجمته في طبقات الدرجيني 2/369 وما بعدها. الشماخي : السير، ص347-348.
(3) 33) انظر ترجمته في : الدر حيني : طبقات، 2/353. الشماخي : السير، ص335-336.
(4) 34) علي يحي معمّر : ( السابق) ص59-60. (1/16)
صفحة 17
ولمّا علم أبو تميم بما يعدّون له بعث إليهم يطلب منهم العدول عمّا يفكّرون فيه من أمر الثورة، في مقابل السّماح لهم بالرّجوع إلى تيهرت وتأسيس دولتهم بها مثلما كانوا عليه سابقا (1) ، وحاول أبو خزر إقناع أصحابه بقبول هذا العرض، لكنّ العامّة منهم أبوا إلاّ أن يثأروا لشيخهم المقتول ظلما وعدوانا، فما كان عليه حينئذ إلاّ أن أرسل رسلا إلى المناطق البعيدة يطلب منهم العون، فبعث تلميذه أبا نوح سعيد بن زنغيل إلى جبل نفّوسة وجربة، فأجابوه إلى طلبه وبعث أبا محمد جمال بن المدوني إلى بلاد الزّاب وآريغ ووارجلان فتحمّس القوم وجمعوا عدّتهم وعددهم وبدأوا في الاستعداد للثورة (2) ، كما كاتب بني أميّة في الأندلس للتنسيق معهم وإرسال الإمدادات إليهم في إفريقيّة (3) واتّفق الأعيان والعلماء على مبايعة أبي خزر إماما للدّفاع وطلب الحقّ على أنّهم إن ظفروا بما طلبوا عقدوا له الولاية على الظهور وهي البيعة التّامة (4) . وأقدموا في الحال، ودون تريّث أو ترقّب الإمدادات التّي طلبوها من وارجلان وغيرها. وحاصروا باغاية اغترارا بما تجمّع لديهم من قبائل مزّاته، وقتلوا والي باغاي (5)
__________
(1) 35) أبو زكرياء: السيرة، ص202. الدرجيني : طبقات 1/127-128. ابن الأثير : الكامل في التاريخ (المجلد 8) طبعة دار بيروت للطباعة والنشر سنة 1966، ص598.
(2) 36) علي يحي معمّر : ( السابق)، ص60.
(3) 37) الدرجيني : طبقات 1/127. الشماخي : السير، 314، ط. حجريّة 35. أبو زكرياء : السيرة (السابق)، ص202.
(4) 38) أبو زكرياء : السيرة، ص203. الدرجيني : طبقان، 128. الشماخي : السير، ص315 وط. حجريّة 350.
(5) 39) هو طيّان الصقلّي، حسب الدرجيني : طبقات 1/129. وذكر ابن الأثير أنّ أبا خزر كان وقتئذ يقاتل نائب المعزّ على باغاي، انظر ج8 / 598.. (1/17)
صفحة 18
الّذي تألّم لمقتله أبو تميم الفاطمي تألما شديدًا، ولكي لا يتركوا مجالا للصّلح مع أبي تميم، بدأوا في المناوشات الحربيّة، وهجم أهل وارجلان ومن معهم قبل أن تنتظم صفوفهم وتتوحّد قيادتهم (1) .
ورأي أبو تميم أنّ هذه الفرصة الذهبيّة صالحة لإخماد هذه الثورة من الأساس، فقد استطاع أن يغري بعض القادة بالرّشاوي ليوجّه ضربة قاسية إلى مبدإ الثورة (2) . وقبل وصول عساكر أبي تميم إلى باغاي كانت قد حلّت بجيش أبي خزر الهزيمة، بسبب انخذال بني يليان (3) الّذين وصفهم الدرجيني بأنّهم فخذ من مزّاته من عسكر أبي خزر غلب فيهم حبّ الطمع على الأحساب والأديان، فعرف أهل الموضع أنّ الطمع قد استهواهم، وأنّ بمصانعتهم يدركون مناهم، فجاعلوهم في خفاء بمال جزيل على أن ينهزموا بغير قتال، ويكونوا سببا لوقوع الفشل في عسكر أبي خزر. ولم يكن أحد من أهل عسكر أبي خزر على علم بالجعائل التّي أخذها بنو يليان على خذلانهم، ولا اتّهموهم بالوقوع في مثل هذه الدنية. وقيل إنّه كان بين بني يليان وبين فخذ آخر من مزّاته يقال لهم " بدنة " حقود قديمة، فهزموا على أن يجعلوها ذريعة إلى ما أضمروا من الغدر. فلمّا كان صباح غد يومئذ، والتقى الجمعان والتحم القتال، ألقوا في مسامع أهل العسكر أنّ "بدنة" خافت على أموالهم وأهلهم، وأنّهم لا يتركون الأهل والمال، بل يتوافون حمى ديارهم، فانهزموا كأنّهم يريدون استنقاذ أموالهم وأهليهم من بدنة، وإنّما ذلك لأمر برم بليل، فعند انهزامهم وقعت الهزيمة في العسكر، وكرّ أبو خزر وأبو نوح وعبّود وأمثالهم، وكانوا في ساقة العسكر يحمون أواخره حتّى قتل منهم خلق كثير.
__________
(1) 40) أبو زكرياء :السيرة، ص203. الدرجيني:طبقات 129. علي يحي معمّر:(السابق) ص60.
(2) 41) أبو زكرياء : السيرة، ص204. الدرجيني : ص129. الشماخي: السير، ص315 وطبعة حجرية، ص350.
(3) 42) الدرجيني : طبقات 1/129-130. (1/18)
صفحة 19
وقتل عبود وأصحابه فيمن قتل، وتفرقّت العساكر (1) دون أن يحقّق أبو خزر شيئا ممّا اجتمعوا من أجله، ورجع أهل آريغ ووارجلان بعد أن بلغهم نبأ تلك الهزيمة، ولم يشاركوا في تلك الحرب التي نشبت بين الطرفين (2) . وطارد المعزّ أنصار الثّورة في كلّ مكان، فتنكّر أبو نوح في ثياب راع للإبل حتّى وقعت عليه أعين الجند فحملوه إلى السلطان العبيدي (3) الّذي سلك معه مسلك الملاينة والاستمالة، وقرّبه إليه ورفع مكانته، واستشاره في أمر أبي خزر خوفا من أن يعيد حملة حربيّة أخرى ضدّه، فأجابه أبو نوح بأنّه إذا أعلن الإمام الأمان العام في بلادهم فإنّه لن يخشى أمر أبي خزر (4) ورأى أبو تميم أنّ ما أشار به أبو نوح هو الصواب، فأرسل رسله بالأمان في جميع أنحاء بلاد الإباضيّة الوهبيّة (5) وغيرهم. وهرب أبو خزر ورفيقه أبو محمد يوجين (6) إلى جبل من الجبال يقال له " تلتماجرت "، وبقي هناك مدّة أربعين يوما (7) حتّى انقطع خبره (8) ،
__________
(1) 43) الدرجيني : طبقات 1/129-130.
(2) 44) أبو زكرياء : السيرة، ص206. الدرجيني: طبقات 1/130. الشماخي : السير، 315.
(3) 45) أبو زكرياء : السيرة، 206. الدرجيني: 1/131. الشماخي : السير، ص316. علي يحي معمّر : (السابق) ص60.
(4) 46) أبو زكرياء : السيرة، ص210. الدرجيني 1/135. الشماخي : السير، ص318 وط. ج، 353. علي يحي معمّر: (السابق) ص60.
(5) 47) أبو زكرياء : السيرة، 210. الدرجيني : طبقات 1/135. الشماخي : السير، 318 وط.ح، .353
(6) 48) وأبو محمد يوجين هذا هو من أصحاب أبي خزر، ذكره ابو زكرياء في السّيرة : 206. الدرجيني : طبقات 1/131. الشماخي : السير، 316 وط.ج، 351.
(7) 49) أبو زكرياء : السيرة، 206. الدرجيني : طبقات 1/131. الشماخي : السير، 316 وط.ح، 351.
(8) 50) ابن الأثير : (السابق) ص599. الدرجيني : 1/131.. (1/19)
صفحة 20
ثمّ انتقل إلى جبل نفوسة، وأقام هناك في حماية حاكم الجبل-آنذاك- أبي زكرياء ابن أبي عبد الله بن عمر بن أبي منصور إلياس (1) إلى أن أرسل إليه أبو تميم بالأمان، فقدم عليه وأكرم وفادته (2) بعد أن كان في عزّ وإكرام عند أبي زكرياء ابن أبي منصور إلياس (3) ، وكان قدومه على أبي تميم من جبل نفوسة في 21 ربيع الآخر سنة 359هـ/969م (4) فرحّب به وأكرمه وعظّم شأنه وأنزله في مسكن حسن وحمله على فرس كريم، وأجرى عليه رزقا واسعا، ولاطفه ورفع منزلته، وأدنى مجلسه وسَنَى قدره وشاع في الفضائل ذكره، وأمر له بحلّة جزيلة، وخلع عليه خلعة نفيسة جليلة. وكان مجلسه على سريره دون جميع الجلساء (5) .
والّذي يمكن أن نشير إليه هو أنّ أبا خزر ما كان يفكّر في الحرب أبدا، ولكنّه اضْطُرَّ إليها مكرها لأنّ أبا تميم المعزّ لدين الله الفاطمي قتل -شيخه وزميله- أبا القاسم يزيد بن مخلد الّذي كان يقوم عند الإباضيّة مقام الإمام يتولّى فصل المشاكل، وفضّ المنازعات، والإرشاد إلى أقوم الطرق، والإشراف على مصالح النّاس الاجتماعيّة والصلاة بهم من جهة، ولأنّ العامّة أجبرته على الأخذ بالثأر.
ومن ناحية أخرى فإنّ أبا تميم شعر بأنّه أخطأ في قتله أبا القاسم، وأنّ ما حدث كان بسبب ذلك الخطأ ولذلك فإنّه غيّر سياسة العنف إلى سياسة اللّين، وأعلن الأمان والعفو عن أبي خزر وجميع أتباعه في كلّ المواطن.
__________
(1) 51) أبو زكرياء:السيرة، 213. الدرجيني: طبقات1/136–137. الشماخي: السير، 319 .
(2) 52) ابن الأثير : (السابق) ص599. أبو زكرياء : السيرة، 214. الدرجيني : طبقات1/137. علي يحي معمّر (السابق) ص 62.
(3) 53) الدرجيني: طبقات 1/136-137.
(4) 54) الدرجيني : طبقات 1/137.
(5) 55) الدرجيني: طبقات1/137. الشماخي: السير،320. علي يحي معمّر:(السابق) ص62. (1/20)
صفحة 21
ويبدو من خلال ذلك أنّ أبا تميم كان يخشى أبا خزر إن قتله أو أطلقه، ولذلك فقد قيّده بالإحسان، علما منه أنّ فشل ثورة أبي خزر كانت صدفة وبسبب التسرّع وعدم التريّث، إلى جانب عدم وصول الإمدادات من وارجلان وبني أميّة (1) .
وقد اكتفى أبو تميم بأبي خزر، لأنّه الرّجل الوحيد - وقتئذ - الّذي تحتلّ شخصيته أكبر مقام في البلاد وخاصّة زناتة وما والاها، وكلمته مسموعة دون مراجعة، وأنّ النّاس لا يقدمون على أيّ خلاف على الحكومة العبيديّة في غيابه لأنّه قد يعذبّه الخليفة الفاطمي في القاهرة من جهة، ولأنّهم متحقّقون أنّ أبا خزر ما أخذه أبو تميم إلاّ رهينة. ولذا فلو قام أتباعه بشيء لوصل إليه الأذى وهو في ديار الغربة، بعيدا عن الأهل والأنصار (2) .
* مرحلة استقرار أبي خزر في مصر :
__________
(1) 56) الدرجيني : طبقات 1/137. الشماخي : السير، ص320. علي يحي معمّر: (السابق) ص59-60.
(2) 57) ... علي يحي معمّر : (السابق)، ص 62. (1/21)
صفحة 22
تذكر المصادر الإباضيّة أنّ أبا تميم المعزّ لدين الله الفاطمي، لمّا عزم على الرحيل إلى مصر دعا إليه الإمامين أبا خزر وأبا نوح وأخبرهما أنّه منتقل إلى القاهرة، وأنّه سيتّخذها مقرًّا للحكم، وأنّه لا غنى له عن كبار العلماء أمثالهم، ليجعل بهم مجلسه وليرجع إليهم في مشاكله وشوراه، ويدفع بهم سورة الجدال والمناظرة (1) . وحسب الدرجيني وغيره، فإنّ استصحاب الشيخين إلى القاهرة هو نتيجة خوف أبي تميم أن يكون منهما بعده في المغرب خروج عن طاعته وقيام عليه (2) . فكلّمهما في المسير معه إلى مصر. أمّا أبو خزر فقبِل الذهاب مع أبي تميم وقال له : « ... وكيف بالقعود بعدك » (3) . وتعلّل أبو نوح لنفسه بالمرض بعدما أشار عليه أحدهم بأن يغتسل بماء النخالة حتّى يصفرّ بدنه ووجهه (4) . وحين طلبه وقت السّفر، أُعلم أنّه مريض، فاستدعاه، فأُحضر، فلمّا رآه مصفرّ الوجه ، متغيّر الحال ظنّ أنّه مريض ، فأذن له في المقام ببلده (5) . ولمّا رحل أبو تميم، ارتحل بعدها أبو نوح إلى جهة وارجلان (6) وأقام هناك. أمّا أبو خزر فتألّم شديد الألم لفراق الأعزّة والأصدقاء والأهل والأوطان، فقد ظهر ذلك على وجهه، وإن لم يبده حتّى عبّر عنه بلسانه حيث روى له العزّابة هذه الأبيات :
( من البحر الطويل )
عليكم سلام الله إنّي مسافر ... ولم أدر بعد السفر إن كنت راجع
عليكم سلام الله في كلّ ساعة ... سلام كثير دائم متتابع
__________
(1) 58) ... أبو زكرياء : السيرة، 214. علي يحي معمّر:الإباضيّة في موكب التاريخ (السابق)، ص62. الدرجيني:طبقات،1/138. الشماخي:السير، 320 وطبعة حجريّة، ص354.
(2) 59) ... أبو زكرياء / 214. الدرجيني : 1/138. الشماخي : 320.
(3) 60) ... نفس المصادر والصفحات.
(4) 61) ... أبو زكرياء : السيرة 214. الدرجيني 1/138. الشماخي : 320.
(5) 62) ... الدر حيني : 1/138. أبو زكرياء : السيرة : 215.
(6) 63) ... الدرجيني : 1/138. أبو زكرياء : 215. (1/22)
صفحة 23
وإنّي إذا ما هجت ليلا بذكركم ... ... أبيت حزينا والنجوم طوالع
أحبّ لقاء الإخوان في كلّ ساعة ... فإنّ لِقا الإخوان فيه المنافع
فيا ربّ أجمع بيننا في سلامة ... فإنّك للخلق المشتّت جامع
وإلاّ فصبّرني على طول غربتي ... فأنت لمن يدعوك يا ربّ سامع
أجب دعوتي يا ذا الجلال فإنّني ... ... دعوتك مضطرّا إليك وطائع (1)
هذا الشّعر إن دلّّّ على شيء فإنّما يدلّ على الرّقة وصدق المشاعر والعاطفة الجيّاشة وكذلك فيها ما يدلّ على التّشبّث بالوطن والأهل والإخوان.
وأمّن أبو تميم جانب الإباضيّة بعد موافقة أبي خزر على الرّحيل، ودخل أبو خزر فعلا مصر وعاش هناك عيشة رغد وهناء حيث اقتطع له أبو تميم ديارًا وعقارًا ومستغلاّت حسنت بها أحواله ونعم باله، فكان يقول: « والله لا آسف على شيء فاتني بالمغرب إلاّ إفادة طلبة العلم من أهل الدّعوة، وما يكتسب في ذلك ثواب الله عزّ وجلّ، وإنّي لأتمنّى أن يهاجر للمرء منهم عشرون طالبا لا يكون لأحد منهم شغل إلاّ طلب العلم فأتكلّف لهم بالإفادة فأصونهم حتّى لا يتكلّفون بكلفة حتّى الّذي يصلون به من كراء » (2) .
__________
(1) 64) ... أبو زكرياء : السيرة، ص215. سرحان بن سعيد العماني : كشف الغمّة الجامع لأخبار الأمّة، مخطوط بالمكتبة الوطنيّة بتونس رقم 3182، ورقة 379/380. وذكر الدرجيني أنّه قال أبياتا، لكنّ لم ير أنّه قالها لما جاء فيها ممّا لا يليق بذي بديهة ولا رويّة، انظر: ص139.
(2) 65) الدرجيني: طبقات 1/141. الشماخي : السير، ص321. (1/23)
صفحة 24
... وعظمت منزلة أبي خزر لدى أبي تميم ثمّ بعد ذلك مع ابنه العزيز بالله نزار المكنّى بأبي المنصور (1) الّذي فرّط فيه قليلا ثم انتبه إلى أنّه ضيف والده فأكرمه وأنزله منزلته التّي يستحقّها رغم الوشايات التّي وصلت للوالد والابن من طرف الحاسدين من أصحاب أبي تميم الّذي كان يفضّل عليهم أبا خزر الحامي. حيث أمر أصحابه بأن لا يتعرّضوا له في شيء وألاّ يتكلّموا عنده فيه بعد ذلك (2) ، ومن فعل ذلك فلا يلومنّ إلاّ نفسه (3) .
* وفاته :
... وتوفّي أبو خزر الحامّي بمصر سنة 380هـ/990م (4) بعد أن قضّى حياة مليئة وحافلة بالثّقافة في مصر مع المعتزلة وجميع الفرق المتواجدة هناك. ولم تحدّثنا المصادر التاريخيّة سنيّة أو خارجيّة أو غيرها على أنّ أبا خزر رجع إلى وطنه الحامّة ببلاد الجريد بتونس، بعد رحيله إلى مصر.
* نسبة الكتاب إليه :
__________
(1) 66) ولد بالمهديّة سنة 344هـ، وولّي العهد سنة 365 ومات سنة 386هـ/996م. انظر: الدرجيني : 1/142. ابن الأثر : الكامل في التاريخ 8/663-664. محمود مقديش : نزهة الأنظار، تحقيق علي الزواري ومحمد محفوظ، طبعة دار الغرب الإسلامي، الأولى سنة 1988م / المجلّد 1/357.
(2) 67) الدرجيني : طبقات 1/139-140.
(3) 68) نفس المصادر والصفحات.
(4) 69) الجيطالي: قواعد الإسلام، تحقيق بكلّي عبد الرحمن بن عمر، ط،1 سنة 1976، ص14. فرحات الجعبيري: نظام العزابة عند الإباضيّة الوهبيّة في جربة، ط. تونس1975، ص25. (1/24)
صفحة 25
توفّي أبو خزر ولم يترك من المؤلّفات غير هذا الكتاب الّذي أثبته له المؤرّخون (1) وهو كتاب « الردّ على جميع المخالفين » وبعض الأقوال، والمناقشات المتفرّقة، هنا وهناك في كتب الفقه الإباضي، وعلم الكلام، وكتب السير (2) . ولعلّ أبا خزر كتب كتبا أخرى في مصر وأتلفت لأنّ الدولة الفاطميّة لا تتّفق ومذهب الإباضيّة أو أهل السنّة، وهذا الكتاب الّذي نحقّقه ما كُتب له البقاء إلاّ لأنّه كُتب في بلاد الإباضيّة وقبل ثورة أبي خزر على الفاطميين بالمغرب.
والفترة التّي عاشها أبو خزر هي فترة حافلة بالأحداث السياسيّة والصّراعات المذهبيّة والفتن الناشئة بين القبائل وبين الفاطميين وسكّان البلاد الأصليين. وهي فترة لا تترك الرّجل يهتمّ بالتأليف والكتابة، وقد رأينا أمره مع أبي تميم الفاطمي.
__________
(1) 70) ... ذكر البرادي في كتابه " الجواهر المنتقاة " ط. حجريّة، ص220 أنّه وقف على هذا الكتاب ورآه، وذكر سالم بن حمد الحارثي في كتابه " العقود الفضيّة في أصول الإباضيّة " ط. دار اليقظة العربية، سوريا، لبنان بدون تاريخ، ص280، الجيطالي : قواعد الإسلام(السابق) 1/14 وذكر محققّه أنّه توجد نسخة منه بمكتبة البعطوري في جربة ونسخة ثانيّة بكباو بليبيا لدى أسرة الباروني، ناسخها الشيخ عبد الله بن يحيى. وذكر أبو عمّار عبد الكافي الإباضي (ق6هـ) أنّه رآه ووقف عليه، انظر : الموجز، بتحقيق عمّار الطالبي، ج2/289.
(2) 71) ... انظر ذلك في جميع المصادر التّي تعرّضنا إليها كأبي زكرياء في السيرة والدرجيني في الطبقات والشماخي في السير، وأبي يعقوب الوارجلاني في الدّليل والبرهان، والجيطالي في قواعد الإسلام، وغير ذلك كثير. (1/25)
صفحة 26
ويذكر أبو يعقوب الوارجلاني أنّ أبا خزر لمّا كان بالقاهرة كانت تأتيه رسائل من إخوانه بالمغرب، فقد كتب إليه الشيخ جنون بن يمريان (1) يسأله عن مسائل لا يسع النّاس جهلها، فردّ له أبو خزر جواب كتابه، وكتب إليه بالجملة التّي كان يدعو إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا غير (2) .
وممّا يمكن أن نثبته هو أنّ جلّ المصادر الإباضيّة تنسب هذا الكتاب لأبي خزر يغلا بن زلتاف الوسياني الحامّي، وأنّه في الردّ على جميع المخالفين.
* مضمون الكتاب
__________
(1) 72) هو أبو صالح حنون بن يمريان الوارجلاني(ق4هـ). انظر عنه الدرجيني: طبقات1/134 وما بعدها. الشمّاخي : السير، ص330. وما بعدها، وط. حجريّة، ص362. علي يحيى معمّر : الإباضيّة بالجزائر، الحلقة 4 ط. أولى 1979، ص162 وما بعدها.
(2) 73) أبو يعقوب الوارجلاني : الدّليل والبرهان، ط. حجريّة، المكتبة البارونيّة بطالون بمصر سنة 1306هـ ج2/16. والحديث عمّا يسع جهله وما لا يسع جهله، يمكن الرجوع إليه فيما كتبه أبو خزر في كتابه هذا وفيما ذكره الوارجلاني تحت عنوان تسمية من وسع الفقهاء في أكثر مسائل ما لا يسع النّاس جهله، وقول عمروس بن فتح فيما يسع جهله ممّا ضيّقته المشائخ، وذكر ولاية المؤمنين وما يسع جهله وما لا يسع. انظر كتاب الوضع (مختصر في ... الأصول والفقه) لأبي زكرياء يحيى الجناوني، بتحقيق إبراهيم اطفيش، مطبعة الفجالة الجديدة القاهرة، بدون تاريخ، ص30 و36. (1/26)
صفحة 27
يتناول الكتاب عدّة مسائل في أصول الدّين أو ما يسمّى بعلم الكلام، وتكتسي قيمة هذا الكتاب في أنّه أقدم الكتب التي وصلتنا في علم الكلام لأحد كبار أعلام الإباضيّة بالمغرب العربي وقتئذ، ولأحد قادّة مشائخهم في فترة شائكة مليئة بالأحداث السياسيّة والصّراعات المذهبيّة، لم يصلنا منها إلاّ القليل النادر من المخطوطات، رغم علمنا أنّ عهدي الدّولة الأغلبيّة بالقيروان والدّولة الرّستميّة بتاهرت قد وُجد من ألّف في أصول الدّين وغير ذلك، لكنّه لم يصلنا منها إلاّ النادر. أمّا ندرة هذه المادّة التّي تنير الطريق للباحث المتخصّص فيتعرّف على تلك المرحلة التاريخيّة وما فيها من صراعات مذهبيّة تجعل ظهور هذا التحقيق ودراسته أمرا له أهميته البالغة. (1/27)
صفحة 28
إنّ عنوان الكتاب يدلّنا على أنّ صاحبه وضعه في الردّ على الفرق المخالفة مثل المعتزلة والنكار، والقدريّة، والجهميّة، والخلفيّة، والنفاتيّة، والحسينيّة، وغيرهم. وهي مسائل شغلت المؤلفين المتكلّمين في ذلك العصر وما بعده. فقد ذكر المؤرّخون (1) أنّ هناك فرقا كثيرة كانت متواجدة زمن أبي خزر في القيروان وغيرها. وكانت هناك مناظرات عديدة تعقد بين الحين والآخر، كما وُجد كتاب في الردّ على النفاتيّة. وكتاب في الردّ على الناكثة وأحمد بن الحسين. وهذان الكتابان هما للشيخ عمروس بن فتح المساكني (2) وقد تأثّر فيما بعد مشائخ الإباضيّة بهم، فكانت كتبهم حافلة بالرّدود على مخالفيهم. وبعد الشيخ عمروس ساهم أبو خزر بهذا الكتاب، كما ساهم زميله ورفيقه وتلميذه أبو نوح سعيد بن زنغيل بكتاب في علم الكلام إلاّ أنّه مفقود.
__________
(1) 74) ... انظر: أبو زكرياء (السابق) في عدة مواضع. الدرجيني : طبقات ج1 و2 في عدّة مواضع. الشماخي : السير، في عدّة مواضع.
(2) 75) ... هو عمروس بن فتح المساكني النفوسي، قاضي أبي منصور إلياس على جبل نفوسة، انظر ترجمته مفصّلة في : أبي زكرياء : السيرة، ص145 وما بعدها. الدرجيني : طبقات 2/320. الشماخي : السير، 128 وما بعدها وطبعة حجريّة، ص225، وقد صنّفه الدرجيني ضمن الطبقة السادسة (النصف الثاني من القرن 3هـ/التاسع ميلادي). (1/28)
صفحة 29
وقد تطوّرت هذه الدّراسات بعد مرحلة أبي خزر، فظهر العديد من المؤلفات في علم الكلام، وكانت أحسن تنظيما وجمعا، وأدقّ تبويبا ومنهجا، ومن هذه المؤلفات نذكر كتاب " التحف " في أصول الدّين لأبي الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي (1) وكتاب أصول الدّين للشيخ تبغوين بن داوود بن عيسى الملشوطي (2) ، وكتابه أيضا " الجهالات " الّذي شُرح عدّة شروح من طرف الإباضيّة. وكتاب الدّليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني (في أصول الدّين). وكتاب السؤالات لأبي عمرو عثمان بن خليفة المارغني السوفي. وكتاب فيه الردّ على فرق الإباضيّة الستّ وما زاغت به عن الحقّ (3) لنفس المؤلّف، وكتاب الموجز لأبي عمّار عبد الكافي الإباضي، وشرح الجهالات له أيضا (4) ، وغير ذلك كثير موزّع في المكتبات الخاصّة لدى علماء المذهب الإباضي. وقد حظيت مؤلفات القرن الخامس الهجري وما بعده بالعناية الفائقة من مشائخ الإباضيّة فحافظوا عليها حتّى وصلنا الكثير منها. وتوجد من الكتاب الواحد عدّة نسخ موزّعة هنا وهناك تنتظر التحقيق والنشر من طرف الباحثين الجادّين لإخراجها في ثوب جديد من جهة والإسهام في نشاط علماء المغرب العربي في تلك العصور الماضيّة من جهة أخرى، ذلك أنّ الكتاب هو صورة ومرآة للمؤلّف وعصره.
__________
(1) 76) علمنا مؤخّرا أنّ هذا الكتاب قام بتحقيقه أحد طلبة جربة بتونس.
(2) 77) ... قد انهينا تحقيق هذا الكتاب وسنقدّمه إن شاء الله للنشر.
(3) 78) ... قمنا بتحقيق هذا الكتاب ودراسته وسينشر عن قريب إن شاء الله تعالى.
(4) 79) ... هذا الكتاب قمنا بتحقيقه ودراسته ضمن مشروعنا لنيل شهادة دكتوراه المرحلة الثالثة التّي نوقشت في ربيع سنة 1986 بالكليّة الزيتونيّة للشريعة وأصول الدّين بتونس، ولا يزال العمل مرقونا ينتظر النشر. (1/29)
صفحة 30
هذا الكتاب تناول فيه أبو خزر عدّة مسائل كانت موضوع اهتماماتهم وقتئذ، بل كان يدور حولها اختلافهم. فتناول أوّلا الردّ على من زعم أنّ أسماء الله مخلوقة وألزمهم الحجّة في ذلك بما قدم من استشهادات منطقيّة لا محيد عنها، ثمّ انتقل إلى مسائل يسألون عنها مثل الأسماء والأحكام والصفات، ثمّ انتقل بعد ذلك إلى مسألة هامّة لدى الإباضيّة وهي مسألة الوَلاَية والبراءة التّي عنون لها في الكتاب بباب في الوقف وبعض الأسئلة، وهي مسألة وقع فيها خلاف بين الإباضيّة والنّكّار، وتعرّض إلى مسألة الوقوف في الرجلين اللذين قتل كلّ واحد منهما الآخر ولا يدرون الظالم منهما من المظلوم (1) وبيّن رأيه فيها، وهي مسألة شغلت جمهور الإباضيّة، وتعرّضت لها كتبهم في السابق. وانتقل إلى سؤالهم عن المرأة التّي تؤتى فيما دون فرجها، هل هي كافرة بفعلها ذلك، أم تجب البراءة منها أم ماذا ؟ وذكر الخلاف في ذلك مع عدّة فرق كلاميّة مثل الحسينيّة وغيرها من الإباضيّة، وتوصّل من خلال طرحه للمسألة أنّ بعض الفرق فسّقوا تلك المرأة إذا كانت طائعة غير مكرهة، وحكموا بأنّها كافرة كفر دين، واستدلّ أبو خزر على ما ذهب إليه بالكتاب والسنة والإجماع والقياس، بينما ذكر أنّ بعضهم خالفوا في هذه المسألة، وقالوا إنّها عاصية بفعلها ذاك فقط.
__________
(1) 80) ... هما الحارث بن تليد الحضرمي وعبد الجبار بن قيس المرادي (توفّيا سنة131هـ/749م) قيل إنّه ظهر بينهما خلاف فاقتتلا، انظر عنهما بتفصيل أكثر عند ابن عبد الحكم : فتوح مصر، ص202-224. البرادي (السابق)، ص170-171. الشماخي : السير، ص125. عوض خليفات: نشأة الحركة الإباضيّة، ط.1978، سلطنة عمان، ص142، أبو زكرياء : السيرة، ص61. الوارجلاني : الدّليل والبرهان (السابق)، ج3/240-241. (1/30)
صفحة 31
وتعرّض أبو خزر إلى مبحث « ما يسع جهله وما لا يسع جهله » وهو مبحث تعرّض له بالدّرس المتكلّمون الإباضيّون، وصار له صدى في مؤلفاتهم بعد أبي خزر حتّى زمن أبي عمّار عبد الكافي وأبي يعقوب الوارجلاني. ثمّ تعرّض بالدّرس إلى مسألة خلق الأفعال وردّ على المعتزلة الّذين يخالفونه الرأي. كما ناقش مسألة الاستطاعة والإرادة مخالفا الفرق، قائلا بأنّ الاستطاعة قبل الفعل. ثمّ بحث في مسألة الإيمان والكفر وهل يستطيع الإنسان الكفر في حالة فعله الإيمان؟ وردّ على المرجئة والصفريّة من فرق الإباضيّة موضّحا نقاط الاتّفاق والاختلاف بينهم وبين أصحاب هذه المقالات. وختم الكتاب بمسألتي التولّد (أيّ ما يتولّد من الفعل) والكفّ عن الشيء ثمّ تفسيره لقوله تعالى لموسى: { وأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ } (طه:69) إن كان ألقى في حال الأمر أو بعد الأمر ؟
هذه مباحث الكتاب، وقد وضّحها أبو خزر في آخر الأبواب حيث بيّن منهجه في مناقشاته للمسائل التّي تعرّض لها في عبارات موجزة « ... فقد ذكرنا ما اعتلّت به المشبّهة وأبطلنا اعتلالهم، وذكرنا ما اعتلّ به جهم، وما اعتلّت به المعتزلة، فأخذ أصحابنا بأوسط الأقاويل وأعدلها وأصوبها ممّا وافق كتاب الله وسنّة نبيّه - صلى الله عليه وسلم - والقياس الّذي لا يقدر مبطل على نقضه، فنفينا عن الله التشبيه، فأثبتناه حيّا فاعلا، واحدا ليس كمثله شيء ولا يشبهه شيء، وأبطلنا حجّة المشبهة، وأبطلنا ما اعتلّ به جهم وما اعتلّت به المعتزلة من تثبيت جهم القدرة لله حتّى ألزمه الجور، ونفى المعتزلة الجور عن الله حتّى نفوا عنه القدرة على أكثر الأشياء، ومن لا يقدر على شيء فهو جائر ظالم... فقد ذكرت جمل ما يدخل على المخالفين وما اعتلّوا به من مسائلهم ما فيه الكفاية لمن أراد الله إرشاده وتوفيقه». (1/31)
صفحة 32
وقال في موضع آخر أيضا مبينا منهجه في هذه الرسالة فقال : « فمن قرأ هذا الكتاب فليتثبت فيه معانيه، وقد كررت فيه الألفاظ ليفهم الناظر فيه معانيه، فما لم يفهمه في أوّل المسألة فهمه في آخرها، مع إنّي إذا كررت لزيادة معنى لم يكن في أوّل المسألة».
ولعلّ تحقيق هذه الرسالة ونشرها يكون مساهمة منّا في بيان أهميّة علم الكلام في الدّفاع عن المذهب والحرص كلّ الحرص على الانتصار له. وهي من جهة أخرى إثراء لعلم الكلام الإباضي، ودليل واضح على مدى تحرّر عقول المتكلّمين وكتّاب الفرق الإباضيّة وغيرهم، وأصالة تفكيرهم وتكوينهم العلمي في نشدان الحقيقة، وهي أيضا تساهم في معرفة وتحديد مواقع الإباضيّة بشمال إفريقيّة.
إنّ ما خلّفه أسلافنا وأجدادنا هو بحقّ ثروتنا وتركتنا الفكريّة التّي يمكن أن تساعدنا بعد تفكيكها وضبطها على جعلها مسايرة للزّمن الّذي يتطوّر بتطوّر أفكار أبنائه.
إنّ تراثنا الفكريّ لهو دليل على عبقريتنا، وهو عنوان على فضل الأجداد على الأحفاد، وهو بالتّالي مجهوداتهم المثمرة وأفكارهم وآراؤهم النيّرة.
وتكمن قيمة هذه الرسالة في أنّها تقدّم لنا صورة واضحة عن اهتمام علماء الإباضيّة ودقّتهم في الردّ على مخالفيهم وقدرتهم الفائقة على تتبّع المسائل الكلاميّة والفقهيّة الشائكة، ومدى تبحّرهم في مناقشة الفرق المخالفة، فتراهم يؤلفون في علم الكلام كتبا تتضمّن أسئلة افتراضيّة وأجوبة لها. ورسالة صاحبنا تتضمّن الردّ على المخالفين له.
وترجع أهميّة هذه الرّسالة إلى كونها مخطوطة غير موجودة إلاّ عند أهل المذهب الإباضي بجزيرة جربة وجبل نفوسة بطرابلس ليبيا.
* نسخ الرّسالة :
اعتمدت في تحقيقي لهذه الرّسالة الموسومة بـ : " كتاب الردّ على جميع المخالفين " على نسختين. وهما كلّ ما استطعنا العثور عليه في مكتبات مشائخ الإباضيّة بتونس وليبيا والجزائر من مخطوطات هذه الرسالة القيمة. (1/32)
صفحة 33
- النسخة الأولى : وهي التّي رمزتُ إليها بحرف " أ " كأصل للتّحقيق، وهي جزء من مجموع بها63 صفحة، وبكلّ صفحة 19 سطراً ومقاسها15x21.5 سم، كتبت بخطّ مغربي واضح، نسخها الشيخ عبد الله بن يحيى الباروني (1) سنة 1273هـ/1856م، وهذه النسخة من مجموعة ورثة الشيخ عبد الله بن يحيى الباروني " بِكَابَاوْ " من مدن طرابلس ليبيا، وقد تمكّنا من تصويرها عن طريق أحد أحفاد الشيخ الباروني (النّاسخ) المدعو يوسف بن أحمد الباروني، فجزاه الله وأسرته خيرا، وهذه النسخة خالية من التّحريف في الغالب ذلك أنّ الّذي نسخها هو شيخ عالم وفقيه وشهرته أكثر من أن نتحدّث عنها.
- النسخة الثانيّة : وهي نسخة كاملة بحيازة آل البعطور بوالغ جربة، الّذين تفضّلوا - مشكورين بتمكيننا من تصويرها بجربة، وهي كذلك جزء من مجموع بها 40 صفحة، ولكلّ صفحة 27 سطرًا، ومقاسها 15.5 x 20.5 سم، كتبت بخطّ مغربي شبه قديم، بيد النّاسخ عبد الله بن عيسى النفوسي الّذي لم يذكر تاريخ نسخه لها. وبآخر هذه النسخة مجموعة أقوال في علم الكلام منسوبة لأبي خزر الحامي، وقد رمزت إلى هذه النّسخة بحرف " ج " نسبة إلى جربة.
__________
(1) 81) ... هو عبد الله بن يحيى بن أحمد الباروني النفوسي، شيخ فاضل من علماء الإباضيّة من أهل كاباو في ولاية طرابلس الغرب ... وهو والد سليمان " باشا " الباروني، توفّي هذا النّاسخ سنة 1914م، انظر ترجمته في : الإباضيّة في موكب التّاريخ ج2، والإباضيّة في ليبيا لعلي يحي معمّر، القسم الثاني، طبعة أولى 1964، ص131، وانظر : الزركلي : الأعلام، طبعة 7 سنة 1986، ج4/145. (1/33)
صفحة 34
وقد اجتهدت في تحقيقي للنصّ حتّى أخرجه سليمًا مكتملاً رغم أنّني لم أتمكّن من العثور على نسخ أخرى، إلاّ أنّ الّذي ساعدني على التّحقيق للنصّ هو أنّ النّاسخ الأوّل عالم وفقيه، ويبدو أنّ النّاسخ للنسخة "ج" أقلّ علما من الأوّل، وهذا يتّضح من خلال المقارنة، كما أنّ ناسخي النسختين هما من أصحاب المذهب، ولذلك لم نجد صعوبة في قراءة النصّ. واجتهدت في نسبة الأقوال إلى أصحابها ما استطعت، وأحلت على المصادر والمراجع الهامّة، كما اجتهدت في تخريج ما ورد في الرّسالة من آيات قرآنيّة وأحاديث نبويّة، كما عرّفنا بما ورد فيها من رجال وفرق وجماعات، وتركت الأعلام المعروفة وأرشدت إلى مصادر بعض القضايا المطروحة تسهيلا لمن أراد المزيد من الاطّلاع. واستعملت علامة (+) للتّدليل على ما أضفته من النّسخة "ج" وعلامة (-) للتّدليل على النّقص أو السّقط من "ج" فإذا كان النقص أكثر من كلمة جعلت ذلك بين معقوفتين[ ].
كما أنّي وضعت أرقامًا على النسخة المعتمدة تبتدئ من رقم(1) وجه الورقة التّي بها العنوان يليه رقم(2) على ظهرها وهكذا إلى نهاية الرّسالة وجعلت هذا الخطّ الفاصل(/) بين صفحة وصفحة. وعلّقت على بعض ما رأيته يحتاج إلى التعليق، إمّا شرحا وتعليقا، أو نقدا وتصويبا في الهامش، كما وضعت عناوين المسائل التي عالجها المؤلّف في النصّ وفهرسا تفصيليا يلحق بالنصّ.
هذا وإنّي قصدت بتحقيق هذه الرسالة ونشرها المساهمة في إفادة الفكر الإسلامي عموما والباحثين خصوصا، وأرجو أن أكون قد وفّقت في هذا العمل راجيًا أن يلبّي طلبات الباحثين في مجال أصول الدّين، وإنّني إذ أقدّم هذه الرّسالة إلى القرّاء والباحثين عامّة وفي تونس والجزائر وليبيا وسلطنة عمان خاصّة، أسأله سبحانه التسديد والتّوفيق في كلّ أمورنا والعون لنا في كلّ أحوالنا، وقبوله منّي عملا خالصا لوجهه الكريم، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.
...
بسم الله الرّحمن الرّحيم (1/34)
صفحة 35
صلى الله على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلّم
كتاب فيه الردّ على جميع (1) المخالفين من تأليف يغلا بن زلتاف رحمه الله، ليحيى بن أبي يحيى النفوسي (2) نفعه الله به ومن قرأ فيه من المسلمين آمين ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد.
الرّدّ
على من زعم أنّ أسماء الله مخلوقة
__________
(1) + من ج.
(2) في ج : ملك لعبد الله بن عيسى النفوسي. (1/35)
صفحة 36
يُقال لمن زعم أنّ أسماء الله مخلوقة : أخبرونا عن هذه الأشياء التّي تزعمون أنّها مخلوقة، ما هي ؟ فإن قالوا : هي الله والرّحمن والرّحيم والخالق وأشباه هذا من ذكر الأسماء. يُقال لهم : إن كان (1) الله في الأزل إذ ولا خلق ليس هو الله ولا الرّحمن ؟ فإن قالوا: لم يكن هو الله ولا الرّحمن فقد ردّوا على الله نصًّا، لأنّ الله يقول في كتابه { هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } (2) فلا يخلو هذا الخبر الذي أخبر عن ذاته أو غير ذاته. فإن قالوا: عن ذاته، فهو الذي نقول وإن قالوا : عن غير ذاته، فقد أجازوا أنّ ذاته ليست الله ولا الرّحمن ولا السّميع ولا العليم، وهذا ردّ على الله. وذلك أنّ الله قد كان ولا خَلْق ثمّ أحدث الخلق على ضروب، فخلق منهم خِلقة محتملة للمعرفة مثل الملائكة والجنّ والإنس. وجعل لكلّ صنف من هذه الخِلقة لغات يفهمون بها ما خوطبوا به ويفهمون عن أنفسهم من يخاطبون، فأخبرهم عزّ وجلّ عن نفسه/[2] ودلّهم على معرفته، وأمرهم بعبادته فأخبرهم عن نفسه فقال لهم : أنا الله السميع العليم (3) .
__________
(1) ج : أكان. وجاء في هامش " أ " لعلّه إذا.
(2) ... سورة الحشر : 22. البقرة : 163 . قال ابن عبّاس رحمه الله : إذا قرئت هذه الآيات قال:أخبرنا ربّنا عن أسمائه في أزليته، فنقضت هذا الفرق الملحدة في أسماء الله وصفاته في زعمهم أنّها مخلوقة كانت بعد إذ لم تكن وأنّها ألفاظ العباد وتسميتهم وأوصافهم لله، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. انظر كتاب أصول الدين: تبغورين بن داود بن عيسى الملشوطي، دراسة وتحقيق وتعليق، د. ونيس عامر، طبعة1، خاصة سنة 2001، ص111.
(3) في ج:العليم السميع، وهو غير سليم، وكلّ الآيات القرآنيّة ذكرت السميع قبل العليم، فراجع ذلك في مكانه. (1/36)
صفحة 37
وهذا خبر عن نفسه ليس عن غيره. وقال : { اعبدوا الله } (1) . فإن كان الله غير المعبود فقد أمرهم بعبادة غيره، لأنّ الله عندهم اسم مخلوق، فقد أمَرَهُم (2) بعبادة المخلوق. وإن كان إنّما أمرهم (3) بعبادة نفسه فقد صحّت العبادة لمن عَبَدَ الله، وإنّما قصدنا في هذا إلى المعاني لا إلى الألفاظ ولا الأخبار، لأنّ الله قد كان [ ولا لفظ ] (4) ولا خبر. هو الله في معناه لم يستحدث اسما ولا صفة، وإنّما أحدث الأخبار والمعارف ليدلّ على نفسه، فأخبر خِلْقَه، كلّ صنف منهم بلغته التي يصل بها إلى معرفته، فاختلفت اللّغات ولم يختلف المُخبر عنه في نفسه هو الله بأيّ لغة دلّ على نفسه ولو (5) اختلفت اللّغات. ألا ترى لو أنّ حالفًا حَلَفَ بالله بلغة العرب أو بلغة العجم، ألا ترى أنّه إنّما حَلَفَ بالله لا بغيره، ولو حَلَفَ بغير الله ما وجبَتْ عليه الكفارة. وبمثل (6) هذه المعاني التّي ذكرنا نزل القرآن، وذلك أنّ المشركين سألوا محمّدا - صلى الله عليه وسلم - عن ربّه فقال لهم : « هو الله الرحمن »، فقالوا : « أمّا الله فنعرفه، وأمّا الرحمن فلا نعرفه »، فأنزل الله : { قُلْ أدْعُوا اللَّه أَوِ الرَّحْمَنَ أيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى } (7)
__________
(1) هذه الآية تكرّرت في عدّة مواضع من القرآن الكريم بهذه الصيغة أيّ صيغة الأمر، انظر: مادّة " عبد " في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.
(2) ج : أمر.
(3) ج : أمر.
(4) - : من ج.
(5) 10) ج : وان.
(6) 11) ج : مكان الكلمة بياض.
(7) 12) سورة الإسراء : 110. ولا شكّ أنّ لنزول هذه الآية سببا خاصّا إذ لا موجب لذكر هذا التخيير بين دعاء الله تعالى باسمه العَلَم وبين دعائه بصفة الرحمن خاصة دون ذكر غير تلك الصفة من صفات الله مثل : الرّحيم أو العزيز وغيرهما من الصفات الحسنى..وسبب نزول الآية ما رواه الطبري والواحدي عن ابن عبّاس وعليه فالاقتصار على التخيير في الدّعاء بين اسم الله وبين صفة الرحمن اكتفاء، أيّ أو الرّحيم، وموقع الآية فيتعيّن أن يكون سبب نزولها حدث حين ... نزول الآية التّي قبلها ، والكلام ردّ وتعليم بأنّ تعدّد الأسماء لا يقتضي تعدّد المسمّى وشتّان بين ذلك وبين دعاء المشركين آلهة مختلفة الأسماء والمسميات. والتّوحيد والإشراك يتعلّقان بالذوات لا بالأسماء. ومعنى { ادعوا الله أو ادعوا الرّحمن } ادعوا هذا الاسم أو هذا الاسم. أيّ اذكروا في دعائكم هذا أو هذا، فالمسمّى واحد. انظر:محمّد الطّاهر بن عاشور: تفسير التحرير والتنوير، ج15، ط الدار التونسية للنشر والشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر سنة 1978، ص235-236-237. وجاء في تفسيرها عند الشيخ محمد بن يوسف اطفيش في كتابه تيسير التفسير. هو أنّه « أيّما تدعوا أو تذكروا بهما (الله أو الرحمان) أصبتم وأحسنتم، لأنّ الأسماء الحسنى ومنها الاسمان المذكوران، فالضمير عائد إلى واجب الوجود وهو الله، ولا لقوله الله ولا لقوله الرحمان، لأنّ المراد بهما اللفظ، أو عائد إلى أحدهما على طريق الاستخدام أو للإباحة لحصول الفضيلة في الجمع بين ذكر الله أو لفظ الرحمان. انظر: ج7، ص278. (1/37)
صفحة 38
ردّا على المشركين إذ نفوا أن يكون الرّحمن هو الله (1) فلزم من قال : الأسماء مخلوقة أن يقول : الرّحمن غير الله فيلحق بمقالة المشركين وذلك أنّ الله والرّحمن من أسماء الله فمن زعم أنّها مخلوقة/[3] يجري عليها العدد والتّغاير فيكون رادّاً على الله، وذلك أنّ الله تعالى (2) قال : { قُلْ هو الله أحدٌ، اللهُ الصَّمًدُ } (3) المعنى في ذلك في اللّغة المعروفة الجائزة بين النّاس أنّ آخر هذا الكلام يرجع إلى أوّله، لأنّ الصّمد هو الله، لأنّ الله (4) هو المضمر في المعنى وإن لم يظهر (5) في اللفظ. وكذلك قوله : { هو الله الذي لا إله إلاّ هو الملك القدّوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبّار المتكبّر سبحان الله عمّا يشركون. هو الله الخالق البارئ المصوّر له الأسماء الحسنى يسبّح له ما في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم } (6) .
__________
(1) 13) ذكر ابن عبّاس رضي الله عنه قال:« كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ساجدًا يدعو : يا الله يا رحمن، فقال أبو جهل: إنّه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلها آخر. فالله هو اسمه تعالى بينما الرّحمن هو صفة من صفاته تعالى». انظر:محمّد الطّاهر بن عاشور المصدر السابق ص236.
(2) 14) ... - من ج.
(3) 15) سورة الإخلاص. فالواحد هو الذي لا ثاني له، وهو كلام محكم ينتظم جميع التوحيد والنّفي لجميع صفات المخلوقين وفيه الردّ على جميع من ألحد في صفات الله تعالى، ولا واحد في الحقيقة إلاّ الله ، إذ الواحد من الخلق ينعدّ مع غيره ويجري عليه العدد، والله لا يجري عليه العدد ولا التبعيض فينعدّ مع غيره بخلاف المخلوق، ومعنى الصّمد : السيّد الذي قد انتهى في السؤدَدِ، والذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ودعائهم ومسألتهم وهو أيضا المصمود إليه في الحوائج، وهو القاهر فوق عباده. انظر، تبغورين الملشوطي، كتاب أصول الدين (السابق)، ص66-67.
(4) 16) ج : لأنّه هو.
(5) 17) - : من ج.
(6) 18) سورة الحشر : 24. (1/38)
صفحة 39
فكيف يجوز لقائل أن يقول في الموضع الذي قال الله هو، فيقول هو (1) غيره. وقال : { إنّني أنا الله } (2) { فهذا بيّن } (3) لمن أراد الله إرشاده وهداه، مع أنّ أصحاب (4) هذه المقالة قالوا أقاويل ينقض بعضها بعضًا، مرّة يقولون (5) : الأسماء كلّها مخلوقة، ومرّة يقولون : أسماء الذّات ليست بمخلوقة، زعموا أنّ العليم والقدير والسميع (6) وصفات الذّات كلّها ليست بمخلوقة (7) .
فإن كان إنّما دلّهم على خلق الأسماء أنّها - زعموا - في القرآن فقد جاء الخبر في القرآن عن هذه الأسماء التيّ يذكرونها (8) للذّات والتّي يجعلونها (9) للفعل مجيئا واحدًا إن كان إنّما دلّهم على حدّتها أنّها إجماع وأنّها مؤنثة، فقد جاء الخبر بها جميعا مجيئا واحدا. فإن كان إنّما دلّهم هذا الذي ذكرنا فهي جميعا مخلوقة، فما/[4] معنى قولهم بعضًا مخلوقة وبعضًا ليست بمخلوقة ؟ فلو تدبّروا ما قالوا لكان هذا كافيًّا [لهم ] (10) وردّا عليهم بألسنتهم، ويردهم ذلك إلى [ أنّها كلّها ] (11) مخلوقة أو ليست بمخلوقة لأنّ مجيئها واحد (12) ، ولا يصلح الحكم إلاّ هكذا.
وإن كان قصدهم إلى الألفاظ والحكايات فهذا ممّا لا اختلاف فيه أنّ الألفاظ والحكايات مخلوقة كانت بعد إذ لم تكن.
__________
(1) 19) ... - : من ج.
(2) 20) ... سورة طه : 14.
(3) 21) ... - : من ج. وفي " أ " : فهذا بيّن فيه، وقد رأينا أن نثبت ذلك هكذا ليكون المعنى سليما.
(4) 22) ... ج : أهل.
(5) 23) ... ج : يقولوا.
(6) 24) ... - : من ج.
(7) 25) ... ج : مخلوقة.
(8) 26) ... ج : يذكروها , وهو ليس سليما في اللغة.
(9) 27) ... ج : يجعلوها.
(10) 28) ... + : من ج.
(11) 29) - : من ج.
(12) 30) ج : لأنّ مجيئها مجيئا واحدا. (1/39)
صفحة 40
وقد أخْبَرْنَا في صدر الكتاب أنّما قصدنا إلى المعنى لا إلى الألفاظ, وذلك أنّ الله عزّ وجلّ أخبر عن نفسه بلسان عربيّ مبين وهو القرآن، وأنزله على قوم يعلمون مراده ويعلمون ما فيه الإضمار وما يجري ظاهره على إضماره ففهمُوا (1) عن الله معانيه، فمدح نفسه عزّ وجلّ بألفاظ مختلفة في الحروف فقال: { إنّي أنا الله، وأنا العليم، وأنا السّميع } فهو مدحة لواحد ليس يفرز (2) المفترق (3) ، ويخبرهم أنّ ذلك هو الواحد، هو السّميع، هو البصير، هو العليم، وإن كثرت الألفاظ فالمعنى واحد. فإذا رفعنا الألفاظ بقي المعنى على ما هو به من إثبات الذّات أنّها سميعة بصيرة وهو (4) الذي كرّرناه في هذا المعنى من الألفاظ والتأنيث والتذكير، والاجتماع (5) والافتراق، إنّما ذلك كلّه جار على الألفاظ، والله لا يجري عليه العدد والافتراق والاجتماع إلاّ أن ذلك جازٍ في لغة العرب أنّهم يمدحون الشيء الواحد بوجوه كثيرة إذا أرادوا التّكرير والإبلاغ في صفة المدح. وإذا أرادوا الاختصار أخبروا بصفة واحدة فاجتزوا (6) بها عن تكرير صّفات/[5] فأنزل الله تعالى القرآن على معانيهم مرّة تكرّر (7) إرادة للتّوكيد (8) ومرّة اختصر إرادة للإيجاز (9) .
__________
(1) 31) ج : فهموا.
(2) 32) عند الإباضيّة كثيرا ما تجد كلمة " الفرز " كالفرز بين اللّمم والكبائر. والفرز في اللغة هو مصدر من قولك فرزت الشيء أَفرزه إذا عزلته عن غيره ومِزْتَهُ، والقطعة منه فرزة بالكسر، وفارز فلان شريكه أي فاضله وقاطعه. نقول : فرزت الشيء أي فصلته. انظر مادّة ( فرزَ ) في لسان العرب لابن منظور.
(3) 33) هكذا في النسختين ولعلّ الأسلم : ليس بعدد المفترق.
(4) 34) ج : وهذا.
(5) 35) ... ج : الاجتماع.
(6) 36) ... ج : أخبروا.
(7) 37) ... ج : كرّر.
(8) 38) ... ج : التوكيد.
(9) 39) ... ج : الإيجاز. (1/40)
صفحة 41
ألا ترى أنّهم وصفوا الإنسان الذي [ لم ] (1) يبلغ أن تناظر صفاته بصفة الله تعالى، فإذا أرادوا الإبلاغ في مدحه قالوا : فلان شجاع، بطل، نجد. وقالوا : سخيّ، كريم، بذول، معطٍ، فيكرّرون الصفة الواحدة بألفاظ مختلفة ويصفونه بغير ذلك من صفات المدح ممّا يكثر به اللفظ وهو معنى واحد.
ألا ترى أنّ هذا الإنسان إذا صدق عنه الواصفُ أنّه بهذه الصّفة (2) أخبر عنه الغير (3) أو لم يخبر، فإذا امتحن ذلك وجد كما أخبر[الواصف، بقي الموصوف] (4) بصفته ولم يُحدث له الواصف صفة لم تكن له قبل أن يخبر.
وكيف الله عزّ وجلّ أن يخبر بمعنى ليس هو به، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. بل [ هو ] (5) الله الرّحمان الرّحيم أخبر عنه المخبِر أو لم يخبر (6) .
وأمّا ما ذكروا من فرز ما بين صفات الذّات وصفات الفعل، فكأنهم أبانوا عن الله أوضحوا عن الله ما لم يبيّن عن نفسه. فالله أرأف وأرحم من أن يَدعَ عباده في لبس وشبهة. بل منه أدرك عبادُهُ البيان والهدى، ودلّهم على سبيل النّجاة، فقال في كتابه : { إِنَّ ربّكَ هوَ الخَلاَّقُ العَلِيمُ } (7) ولم يفرز ما بين ذكر (8) الخلاق والعليم، لأنّ « الخلاق » عندهم من صفات الفعل، والعليم من صفات الذّات.
__________
(1) 40) ... + من ج.
(2) 41) ... ج : الصفات.
(3) 42) ... ج : المخبر.
(4) 43) + من ج.
(5) 44) + من ج.
(6) 45) يتّضح من هذا أنّ صفات الأشياء في نظر أبي خزر هي حقائقها التّي لا يتصوّر وجودها إلاّ بها، وليست ما يوجد من وصف الواصفين، أو تسميّة المسمين، وهو يريد بذلك أن يثبت أنّ صفات الله ذاتيّة حقيقيّة موجودة في الأزل، وليست مضافة إليه عن طريق وصف الواصفين وتسميّة المسمّين، أمّا تسمية النّاس أو وصفهم فهو من أفعالهم وصفاتهم، وليس ذلك بصفات لله ولا بأسمائه.
(7) 46) سورة الحجر : 82.
(8) 47) ... ج : ذكره. (1/41)
صفحة 42
وقال في موضع آخر : { العزيز الرّحيم } (1) وهذا من كتاب الله أكثر من أن يحصى، وإنّما التّفرقة بين اللفظ أنّه ربّما أخبر عن نفسه ولا يدرك (2) في الخبر غير ذلك. فقوله (3) هو العليم يخبر عن نفسه، وقوله/[6] الخالق يخبر عن نفسه وعن خَلْقٍ يكون، فَهُمَا جميعًا خبر عن نفسه، ولم يستوجب الصّفة حتّى يخلق، ولا يقال له خالق لما لم يخلق بعد.
وقد دلّنا الله عزّ وجلّ أنّه وصف نفسه فقال :«فعّال» لما لم يفعل عزّ وجلّ { خَالِقُ كُلِّ شَيء } (4) فدخل في هذا المعنى ما خلق وما لم يخلق، وقال: { فَعَّالٌ لِمَا يُرِيد } (5) .
ونحن وأهل هذه المقالة متّفقون على أنّ صفة الإرادة صفة ذات، لأنّه (6) جائز عندنا وعندهم أن يوصف [ الله ] (7) أنّه مريدٌ لكون كلّ كائن قبل أن يكون في الوقت الذي يكون فيه المراد، وليس في تأخير المراد ما يُبْطِلُ أن يكون الله موصوفا أنّه مريد. فثبت بهذا أنّه يوصف أنّه فاعل (8) لما لم يفعل لقوله : { فعال لما يريد } على أنّه (9) سيخلق لا على إثبات فعل، وذلك جائز في اللغة الجارية بين النّاس ممّا لا يجهله أهل المعرفة باللغة, قال الله عزّ وجلّ لنبيّه : { إنَّكَ مَيّتٌ وإنّهُمْ مَيّتُونَ } (10) وهو حيّ على معنى أنّه سيموت وسيموتون، ومثل هذا كثير في اللغة، أنّهم يسّمون من أراد الخروج خارجًا ومن أراد الحجّ حاجًّا. وقد أكثرنا في هذا ما يجزي أقلّ ممّا ذكرنا .
باب [ أوّل ] (11)
__________
(1) 48) سورة الشعراء:وردت هذه الآية تسع مرّات(9-68-104-122-140-159-175-191-217 ).
(2) 49) ج : يذكر.
(3) 50) ج : وقوله.
(4) 51) وردت هذه الآية في عدّة مواضع :الأنعام : 102. الرّعد : 16. الزّمر : 62. غافر:62.
(5) 52) ... سورة هود : 107. البروج : 16.
(6) 53) ... ج : وأنّه.
(7) 54) ... + من ج.
(8) 55) ... ج : فعال.
(9) 56) ... ج : أن.
(10) 57) ... سورة الزمر : 30.
(11) + منّا لتبويب الرّسالة، وسوف لن نجعل رقمًا للأبواب الآتيّة. (1/42)
صفحة 43
مسائلهم التّي يسألون عنها
وسألونا فقالوا : أخبرونا (1) أليس لله الأسماء الحسنى ؟ فقالوا : هذا جمعٌ (2) وتأنيث، فلو أردنا قطع سؤالهم عنّا لقلنا لهم:الجواب فيها/[7] : كجوابكم في صفات الذّات وفي أسماء الذّات، لأنّ كلّ ما يدخلون في هذا داخل عليهم في صفات الذّات وفي أسماء الذّات. وقد بيّنا في أوّل المسألة أنّ العدد والإجماع والتأنيث والتذكير إنّما يقع في الألفاظ، وتفسير قوله (3) { فله الأسماء الحسنى } (4) عند العلماء : له الصفة (5) العليا، والأعلى عند أهل هذا (6) المذهب من صفات الذّات، لأنّ الله لم يزل وهو العالي على الأشياء، وهي من صفات القدرة.
وقالوا : أخبرونا عن أسمائه بالعجميّة أهي أسماؤه بالعربيّة ؟ فلو أعطيناهم أنّ أسماء الله عربيّة أو عجميّة لأعطيناهم أنّها مخلوقة، وأنّ الله عجميّ أو عربيّ، ولكن المذكور بالعجميّة هو المذكور بالعربيّة. المذكور واحد والذّكر مختلف. وقد بيّنا (7) هذا في صدر الكتاب، أنّ الله يُذكر بألفاظ (8) مختلفة والمعنى واحد وهو الله لا غيره، ألا ترى أنّ عند أهل هذه المقالة أنّ المُقرَّ بالله بالعجميّة مقرّ بالله وعارفٌ به، وكذلك من أقرّ به بالعربيّة مقرٌّ بالله وعارف به (9) . وفي هذا -لو تدبّروا- ما يدلّهم على أنّ المعنى واحد وإن اختلف به اللّفظ، وذلك أنّ هذه الأسماء التّي يقصدون (10) إليها حروف مقّطعة مُعْجمَة، وهي إذا افترقت لم يُعْلَم بها ما أراد اللاّفِظُ بها حتّى إذا ألّفها بضرب ما عُرف مرادُه، ألّفها بلغة العرب أو بلغة العجم فمعناها واحدٌ، وإن اختلفت العربية والعجميّة.
__________
(1) - من ج.
(2) في أ، ب : إجماع، وهو غير سليم.
(3) - من ج.
(4) وجاءت ( له) ، الإسراء : 110.
(5) ج : الصفات.
(6) ج : هذه.
(7) ج : تثبت.
(8) ج : بالألفاظ.
(9) 10) ج : له.
(10) 11) ج : يقصدوا ، وهو خطأ ظاهر. (1/43)
صفحة 44
... يقال لهم : أخبرونا عن هذه الحروف التّي اشتركت فيها جميع الأشياء أمعروفة (1) /[8] حروف اسم الله منها، أم مجهولة حتّى يؤلفها (2) المؤلّف لها فيكون الله غير معروف الاسم والصّفة حتّى يُؤَلِّفَ المؤلّفُ حروف اسمه ؟! فيدخل عليهم أيضا أن تكون حروف اسم الله عندهم معروفة [ عنده ] (3) أو غير معروفة، وفي وجودنا أنّ هذه أنّها إنّما وُضعتْ للمعارف (4) ، وإنّما (5) اشترك فيها الكلب والخنزير والمؤمن والكافر ممّا يدلّ على أنّها غير الله وغير أسمائه إذا كانت مطبوعة على هذا المعنى. وأنّها (6) حروف لا تتغيّر. وإذا أراد المتكلّم أن يتكلّم بها ألّفها على إرادته وتأليفه [و] (7) فعله وهي قبل أن تُؤلّف لم (8) يُعلم لها معنى، فينبغي على قياد هذا القول أنّ المُؤلّفَ لها إذا أراد أن يؤلّف " بسم الله " أن يكون إذا ألّف « بسم الله » أن يكون فاعلا لاسم الله،لأنّ أسماء الله عندهم توحيد الله بصفته. فجائز عندهم أن يقال لهذا المؤلّفِ هذه الحروف التّي هي اسم الله أن يكون فاعلا لاسم الله، كما أنّه إذا وحَّد الله قيل له: فعل التّوحيد، وهو بذلك ممدوح، كما أنّ من أَلْحَد في صفته فوصفه بغير صفته مذموم ، فلا يُمْدَحُ الممدوح إلاّ بفعله ولا يُذَمُّ إلاّ على فعله، وهذا بحمد الله بيّن ودليل على أنّ هذه الحروف دالّة على كلّ مذكور بها، وحاش لله أن يكون أحدٌ يفعل أسماءَه وصفاته وأن تكون الحروف من صفاته، مع أنّنا لا ننكر أن تكون للواصف صفة يصف بها الموصوف وهي نطقُه وخبرُه، وكذلك التسميّة/[9] على هذا المعنى فيكون الوصف صفة منه للموصوف، وفعل من أفعاله من أفعاله، ويبقى الموصوف بصفته التّي هو بها، وصفه الواصفُ أولم يصفه.
__________
(1) 12) في أ : المعروفة.
(2) 13) - من ج.
(3) 14) + من ج.
(4) 15) ج : للتعارف.
(5) 16) أ : أنها.
(6) 17) ج : فهي.
(7) 18) - من ج.
(8) 19) ج : ما. (1/44)
صفحة 45
ما أحدث له الواصف صفة لم يكن بها غير أنّه دلّ عليه وأبان صفته من غيره وعرّفه لمن يعرفه فتثبت (1) الصّفةُ للموصوف التّي هي نُطْقُه وخبرُه، واستفاد المُخْبَر من صفة الواصف علمًا لم يكن علمه فسمّيَ عالما (2) بصفة الموصوف. وقد (3) بيّنت في هذا المعنى ما يُضافُ إلى كلّ واصف وموصوف. فمن تدبّر ما ذكرنا وفهمه ووافق (4) إرشاد الله وعونه عَرَفَ تمييزَ ما ذكرنا وقد أعلمنا في صدر كتابنا هذا أنّ القوم الذين خُوطبوا بالقرآن عارفون بمعانيه. ألا ترى أنّه قال في القرآن : { تبارك اسم ربك } (5) . المعنى في ذلك (6) عند المفسّرين { تبارك ربّك } (7) . وقال : { سبّح اسم ربّك } (8) . المعنى في ذلك (9) : سبّح ربّك. فأنزلوا الاسم بمنزلة المسمّى. وهذا عند العرب جائزٌ في أشعارهم وفي خُطَبهم ومخاطبتهم. وأجازوا في دعائهم أن يقولوا : ادْعُوا الله بعلمه، ادعوا الله بقدرته. فقالوا : اللّهم أسألك بعزّتك التّي قهرت كلّ شيء، وبعلمك الذي أحاط بكلّ شيء، ومثل هذا كثير. فإذا ذكروا العلم، مُرادهم العالم، ليس مُرادهم أن يعهدوا العلم والعالم فيكونا شيئين، وكذلك الاسم والمسَمّى ليس إلاّ الله وحده العالم المسمّى لا غيره (10) . وكذلك العزّة والقدرة/[10] وجميع ذكر الصفات.
__________
(1) 20) ج : فتثبت.
(2) 21) ... ج : عالم.
(3) 22) ... ج : فقد.
(4) 23) ... أ : فوفق ، وفي ج : ووفق . وما أثبتناه أسلم.
(5) 24) ... سورة الرّحمن : 78.
(6) 25) ... ج : فيه.
(7) 26) ... انظر في ذلك تفسير الشيخ الطاهر ابن عاشور : التحرير والتنوير، سورة الرحمن، ص 276، الآية 78.
(8) 27) ... سورة الأعلى : 01.
(9) 28) ... ج : المعنى في هذا عندهم.
(10) 29) ... ج : غير. (1/45)
صفحة 46
وقالوا في وجه آخر، قالوا : اللّهم اغفر لنا علمك فينا. معناهم في ذلك أن يغفر لهم المعلوم فيهم من معاصيهم، ولم يقصدوا إلى أنّ العلم يغفر. وهذا من سعة لغتهم، أنّهم يجتزون (1) بذكر الصّفة عن الموصوف، وبِذِكْرِ الفعل من الفاعل إذا كان المُخاطَبُ يعلم معانيهم (2) . ومثل خذا كثير، تركته لئلاّ يطول به الكتاب، فمن قرأ هذا الكتاب فليتثبّت فيه ويتدبّر (3) معانيه. وقد كرّرت فيه الألفاظ ليفهم النّاظر فيه معانيه، فَمَا لَمْ يفهمه (4) في أوّل المسألة فهمه في آخرها، مع أنّي إذا كرّرت لزيادة معنى لم يكن في أوّل المسألة (5) . وفّقنا الله وإيّاكم معاشر المسلمين لما فيه الرّشد والتّوفيق، وعصمنا وإيّاكم من الشّبهة، والحمد لله ربّ العالمين.
باب آخر
في الأسماء
وقال : اجتمعت الأمّة على أنّ الله لم يزل، واجتمعوا على أنّه الخالق ليس بمخلوق، وأنّ ما سواه خَلْقٌ من خَلْقِه. واجتمعوا أنّ اسمه الرّحمان الرّحيم. فمن زعم أنّ الله الرّحمن اسمان مخلوقان فقد نقض ما جاء به القرآن، لأنّ الله يقول: { الله خالق كلّ شيء } (6) ، وقال: { خلقهنّ العزيز العليم } (7) فحيث ما أخبر عن نفسه أَخْبَرَ (8) أنّه الخالق فلم يدلّ شيء من كتابه على أنّ اسمه مخلوق. ونقضوا (9) ما اجتمعت عليه الأمّة أنّ الله خالقٌ والرحمانُ خالقٌ. واجتمعوا أنّ اسمه الله، فثبتنا على ما جاء به القرآن وعلى ما اجتمعت عليه الأمّة، فمن/[11] ادّعى غير ذلك ممن دخلت عليه الشّبهة فعليه البيان بما ادّعى.
__________
(1) 30) في أ: يخبروا، وفي ج:يجتزوا، وما أثبتناه أسلم. ومعنى الكلمة في لسان العرب: يكتفون.
(2) 31) ج : معناهم.
(3) 32) ج : ويدبّر.
(4) 33) ج : يفهم.
(5) 34) - من ج.
(6) سورة الزمر : 62.
(7) سورة الزخرف : 09.
(8) ج : يخبر.
(9) ج : ونقض. (1/46)
صفحة 47
وأمّا ما اعتلّوا به أنّ { له الأسماء الحسنى } (1) وأنّ ما للشيء غيره فاعلم أنّ "له" في كلام العرب على معنيين : "له" على معنى الملك، وإضافة الشيء إلى غيره، و" له " خبر عن الشيء نفسه من غير إضافة شيء له ، يقولون في الذي هو غيره : لفلان مال، وله إبل، وما يشبه ذلك. وقالوا في الذي هو الشّيء نفسه، قالوا: فلان له جسم، وله رأس، وله وجه، وهذا هو نفسه لا غيره. ولم نرد في هذه المناظرة الخالق بالمخلوق، وإنّما أردنا (2) أن نبيّن للمعارض بهذا أنّ " له " يخرج على الشيء نفسه لا غيره. قال الله عزّ وجلّ : { له غيب السماوات والأرض } (3) المعنى في ذلك - عند أهل العلم - أنّ له علم السّماوات والأرض. وقال : { له ملك السماوات والأرض } (4) والملك من صفات الذّات، لم يزل الله وهو المالك. والمعارض بعدا يقرّ أنّ له الصفات التّي هي صفات الذّات. يقولون له علم، وله قدرة، وله عزّة ، على معنى أنّه العليم القدير العزيز وما أشبه هذا من ذكر الصّفات التّي ليست غيره. فمن تدبّر (5) ما ذكرناه وجده يقوّي بعضه بعضًا، ولا ينقض بعضه بعضًا. وفّقنا الله وإيّاكم لما يحبّه ويرضاه من القول، والعمل به، إنّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
باب آخر
__________
(1) سورة طه : 8. الحشر : 24. أيّ له جميع الأسماء الحسنى التّي بعضها الصفات المذكورة آنفا. والمراد بالأسماء الصفات، عبّر عنها بالأسماء لأنّه متّصف بها على ألسنة خلقه ولكونها بالغة منتهى حقائقها بالنسبة لوصفه تعالى بها فصارت كالأعلام على ذاته تعالى. والمقصود : أنّ له مدلولات الأسماء الحسنى كما في قوله تعالى : { ثمّ عرضهم على الملائكة } بعد قوله : { وعلّم آدم الأسماء كلّها } أيّ عرض المسمّيات على الملائكة. انظر تفسير التحرير والتّنوير (السّابق)، ج28، ص126/127.
(2) ... ج : أردت.
(3) ... سورة الكهف : 26.
(4) ... سورة الحديد : 02.
(5) ... أ + ج، : تدبّر ، ولعلّ ما أثبتناه أقرب إلى الصواب. (1/47)
صفحة 48
في الوقوف (1)
[12]/اختلف المختلفون فيمن [كان] (2) له عندهم أصل الوَلاَية ففعل فعلا (3) لا يُدْري ما هو. واختلفوا في الرّجلين (4) الذين قتل كلُّ واحدٌ منهما صاحبه ولا يدرون (5) الظالم منهما من المظلوم (6)
__________
(1) الوقوف عند الإباضيّة هو الإمساك عن الإمضاء، وهو جملة تتفرّع منها ثلاثة فصول : أحدها : في الأدّلة على فرض الوقوف ووجوبه. والثاني : في حكم الموقوف فيه من الأشخاص. والثالث : الأفعال الموقوف فيها. (السابق)، ج1/96 وما بعدها.
(2) + من ج.
(3) ج : فعلة.
(4) هما الحارث بن تليد الحضرمي ، وعبد الجبّار بن قيس المرادي ( توفّيا سنة 131 هـ ).
(5) - من ج.
(6) اختلفت المصادر حول مصير الحارث وعبد الجبّار الذين تزعّما الحركة الإباضيّة، فالمصادر السنّية تذكر بأنّهما اقتتلا أثناء ... المعارك التّي جرت بين الإباضيّة وبين جيوش ابن حبيب. أمّا المصادر الإباضيّة فتذكر أنّ الرّجلين وُجدا مقتولين، وسيف كلّ منهما في جسد صاحبه. وذهب أحد المعاصرين إلى أنّه من المحتمل أنّ عبد الرحمن بن حبيب قد دسَّ إليهما من قتلهما ثمّ وضع سيف كلّ منهما في جسم الآخر ليخلق الذعر بين الإباضيّة وليثير بينهم الفتنة والخلاف. ومهما كان الأمر فإنّ مسّالة الحارث وعبد الجبّار قد أدّت إلى جدل طويل بين الإباضيّة في المشرق والمغرب، وخلقت مشكلة فقهيّة لدى زعماء الإباضيّة ، فاختلفوا في مسألة الوَلاَية والبَرَاءة منهما. فقال بعضهم : إنّ كلّ واحد منهما مثل الآخر فيجب البراءة منهما. بينما قال البعض الآخر : إنّ كلّ واحد منهما قتل الآخر، ولكن لا يُعرف الباغي منهما على صاحبه، ولذا فإنّ أفضل حلّ لهذه المشكلة هو التوقّف عن الحكم عليهما..وقال فريق ثالث : إنّ صلاحهما متيقَّنٌ قبل موتهما، أمّا بغيهما فغير متيقّن، ولذا فهما باقيان على ولايتهما، إذ من المحتمل أن يكونا قد قتلا على يد رجل ثالث بغى عليهما، فجعل سيف هذا في جثّة هذا وسيف هذا في جثّة هذا. وذهب إلى أنّ الخلاف حول هذه المسألة قد أدّى إلى إضعاف الروح المعنويّة لدى أتباع الحركة في المغرب الأدنى، فاستعان وجهاء النّاس وقادتهم بأئمة الإباضيّة في البصرة الذين اختلفوا ... بدورهم حول هذه المشكلة. وخوفًا من الفُرقة والنّزاع وخشية فقدان مواقفهم في شمال إفريقيّة كتب أبو عبيدة إمام الإباضيّة إلى أصحابه في شمال إفريقيّة يأمرهم بعدم ذكر الرّجلين حتّى يقطع الأحقاد، ويجنّب أتباعه الفتنة.
... ... وممّا يدلّ على أثر هذه الحادثة السّلبي أنّ أبا الخطاب، أوّل إمام ظهور إباضيّ في شمال إفريقيّة، اشترط عندما بويع فيما بعد الإمامة أن لا يذكر أصحابه اسمي الحارث وعبد الجبّار في معسكره حتّى لا تحدث الفرقة ويدبّ الخلاف بين جماعته، فسمعوا له وأطاعوا . والتأموا واختاروا إما دفاع لهم ، هو أبو الزجار إسماعيل بن زياد المقوسي، وكان ذلك في عام 132هـ.
... ... واستطاع الإباضيّة بزعامة إمامهم الجديد أن يعيدوا سيطرتهم على مناطق واسعة من ولاية طرابلس، كما استولوا أيضا على مدينة قابس وما جاورها، ولكن الإمام النفوسي قُتل في العام نفسه (132هـ) وهو يحارب قوّات الوالي عبد الرحمن بن حبيب، كما قُتل عدد كبير من أتباعه. ويبدو أنّ النصر الذي أحرزه ابن حبيب كان حاسمًا ممّا حدا بالإباضيّة للخلود إلى الهدوء لفترة من الزمن وعادوا إلى مرحلة الكتمان والدعوة السريّة وبقوا كذلك مدّة ثماني سنين متواليّة من عام 132هـ حتّى عام 140 هـ، وفي هذه الفترة حدثن تطوّرات مهمّة في مركز الخلافة وفي ولاية إفريقيّة كان الإباضيّة أثناءها يعدّون العدّة لاستئناف نشاطهم العسكري ضدّ الولاة أملاً في النصر وإعلان الإمامة الإباضيّة في بلاد المغرب. انظر في هذا : عوض خليفات : نشأة الحركة الإباضيّة ، ط. 1978م، ص 141،142. الرّقيق القيرواني : تاريخ إفريقيّة والمغرب، تحقيق إحسان عبّاس، بيروت 1973/1974م، ص128-129. وانظر أيضا تحقيق عبد الله العلي الزيدان والدكتور عزّ الدين عمر موسى ط. دار الغرب الإسلامي، الأولى 1990، ص91. ابن عبد الحكم عبد الرحمن: فتوح مصر، ط.1922م، ص224. ابن خلدون، ج6/123. البرّادي: الجواهر المنتقاة، ص170-171. أبو زكرياء : السيرة، ص 61-62. الشمّاخي: السير، ص125 وما بعدها. الوارجلاني: الدّليل لأهل العقول، ط. حجريّة، ج3/240-241. (1/48)
صفحة 49
فقال من قال منهم (1) بالوقوف : أن نقف فيهما جميعًا وذلك أسلم لنا أن لا نتولّى كافرًا ولا نبرأ من مؤمن.
وقال أصحابنا : إنّ الله افترض علينا أن نتولّى من أظهر لنا ما نتولاّه عليه، ونبرأ ممّن أظهر لنا ما نبرأ (2) عليه ، فنزلت هذه النّازلة فيمن له عندنا أصل ولاية، ووقعت بليّة لا بدّ من الحكم فيها، فليس لنا من هذه البليّة مخرج إلاّ أن نَثْبتَ على الأصل الذي كنّا عليه من الولاية لهما، لأنّ ذلك ثابت لهما لِعِلْم تقدّم لنا فيهما، ولم يحدث لناشئ يُزيله، لأنّه لو زال ثبت لنا ضدّه من البراءة، فليس لنا شيء أسلم من الثبات على الأصل الذي نحن عليه، والله يحكم بينهما بما يعلمه، ولم يتعهّدنا الله بأن نحكم فيما غاب عنّا.
__________
(1) - من ج.
(2) ج : نبرأه، ويمكن أن يكون نبرأ منه. (1/49)
صفحة 50
وأمّا الفرقة الواقفة فيهما، فهم يزعمون أنّ الولاية فريضة والبراءة فريضة، والوقوف فريضة. وإن زعموا أنّ الوقوف ليس بفريضة فقد تركوا الفرض اللاّزم بالوقوف الذي هو رأي منهم. ويقال لهم : أليس من ترك الولاية على علم، والبراءة على علم فقد ترك الفريضة ؟ وأنّ من وقف في المتولّى والمتبرأ ترك الفريضة ؟ يقال لهم : أليس في هذين [الرّجلين] (1) مؤمن وكافر ؟ فقد وقفتم في المؤمن الذي زعمتم أنّه لا يجوز فيه الوقوف، ووقفتم في الكافر الذي لا يجوز فيه الوقوف، فعلى ما/[13] ذا (2) عبتم علينا إذ ثبتنا على الأصل الذي نحن عليه وهو فرض علينا، ولم يحدث معنى يزيل المعنى الثابت فيهما، إذ لم يتبيّن لنا الحدث ممّن هو. وقد وقعتم في أشدّ ممّا عبتم علينا إذا وقفتم في المؤمن ووقفتم في الكافر الذين أعطيتم بدءًا أنّه لا يجوز الوقوف فيهما، فنحن أعذر منكم إذ ثبتنا على الأصل الذي نحن عليه فأحدثتم أنتم معنى أزلتم به الولاية على المؤمن إلى غير ضدّها من البراءة، وذلك أن ليس بين الوَلاَية والبراءة منزلة، كما أنّه ليس بين الإيمان والكفر منزلة (3) , وكذلك كلّ ضدّين. وإنّما (4)
__________
(1) + من ج.
(2) ج : فعلى ما.
(3) 10) ... الإباضيّة يعنون بذلك الردّ على القول بالمنزلة بين المنزلتين، فهم يقولون : لا منزلة بين المنزلتين، أيّ بين الإيمان والكفر، وهما ضدّان كالأضداد كلّها شبه الحركة والسكون والحياة والموت، وهم ينقضون قول المعتزلة ومن قال بقولهم : أنّ أهل الكبائر ليسوا بمؤمنين ولا كافرين وأنّهم فاسقون في النّار مخلدون إلاّ طلحة والّزبيّر. انظر كتاب أصول الدّين لتبغورين ابن داود الملشوطي بتحقيقنا (السابق)، ص107و109. الجيطالي: قواعد الإسلام (السابق) ج1/45 إلى 98. الشماخي : كتاب أصول الديانات، شرح عمر التلاتلي، ط. حجريّة بدون تاريخ، ص 80.
(4) 11) ج : إن.. (1/50)
صفحة 51
هربتم - زعمتم أن لا تتولّوا كافراً - فتركتم الفرض الذي لزمكم من ولاية الرّجلين اللّذين تولّيتموهما على علم ، ألستم أشبه (1) بالرّاجعين عمّا علمتم؟ وأظهرتم الجهلَ بالرّجلين بعد العلم بهما ؟ وأنّ الرجوع عن العلم لا يجوز عندنا وعندكم وأنّ هذين الرّجلين لم يُحدِثَا لكم معنى يزيل علمكم فيهما على معنى ما علمتم، فينبغي لكم ألاّ ترجعوا عن علمكم في الرّجلين حتّى يُحدثا ما يزيل العلم الذي كان لكم فيهما بعلم مثله. وإلاّ فالسّلامة لكم الثبات على الأصل الذي أنتم عليه ، ونحن نُعارضكم بشبه هذه [المسألة] (2) في الأحكام، وهي نظيرتها سواء، وذلك أنّ الولاية حكم من الأحكام الظاهرة، وهما الرّجلان (3) يدّعيان شيئا واحدًا، فيقيم كلّ واحد منهما بيّنة عادلة أنّ الشيء له دون صاحبه فتكافأت بيّنتهما، وشهدت البيّنة أنّه نتاج كلّ واحد منهما، فالحكم الذي لا يعلم فيه اختلاف عند أحد أن يقسم الشيء بينهما نصفين. ألستم تعلمون أنّ القاضي قد أعطى/[14] أحد الرّجلين ما ليس له، وأنّ إحدى (4) البيّنتين كاذبة لا محالة ؟ فإن أنتم أجزتم هذا الحكم وتولّيتم القاضي والبيّنة والرّجلين الخصمين فقد نقضتم أصلكم، لأنّكم تولّيتم من أخذ ما ليس له، وتولّيتم القاضي وقد علمتم أنّه أعطى أحد الرّجلين ما ليس له، وتولّيتم البيّنة وقد علمتم أنّ فيهما كاذبين، وإن وقفتم عنهم خالفتم [ الأمّة ] (5) وأبطلتم الأحكام فليس لكم مخرج إلاّ بالرّجوع [ إلى ] (6) الذي قلنا ضرورة.
ومن المسائل التّي يسألون عنها
__________
(1) 12) ج : شبيه.
(2) 13) + من ج.
(3) 14) ج : الرّجلين.
(4) 15) في أ + ج : أحد ، وما أثبتناه أسلم.
(5) 16) + من ج.
(6) 17) + من ج. (1/51)
صفحة 52
قالوا : أخبرونا عن الشّاة الميتة المختلطة بالمذبوحة، والإناء المنجوسة والطّاهرة ؟ فأرادوا أن يناظروا الفرض اللاّزم بالموسّع. يقال لهم: الذي ينبغي فيما سألتم عنه تركه إلى ما هو أظهر منه، وليس هذا نظير لما سألتم عنه من الولاية والبراءة، وذلك أنّه يقال لكم : أرأيتم ... من ترك الشّاة المذبوحة والإناء الطّاهرة، أليس ذلك واسع له ؟ فهل يسع ترك وَلاَية المسلم كما وسع ترك هذه الشّاة والإناء الطّاهرين وليس في تركهما إثم (1) ، وفي ترك ولاية المسلم ترك الفرض اللاّزم، فلا يناظر المضيق بالموسع.
ويسألون عن الدّرهم المعلوم وزنه فحمي في النّار إن كان يشهدون أنّه باق على وزنه [ الأوّل ] (2) ؟ قلنا : وهذه المسألة ليست بنظير الوَلاَيَة، وذلك أنّ الدّرهم إن وقع فيه النّقصان فإنّما وقع فيه بنقص بعض أجزائه، وإن لم يقع فيه النقصان بقيت أجزاؤه/[15] على ما هي به، وليس[هذا] (3) نظير الوَلاَيةَ التّي لا تتجزّأ، وهي فعل من الأفعال، والدّرهم والشّاة والإناء أجسام ، فلا تُنَاظَر الأجسام بالأفعال. وهذا تمويه ومناهبة (4) من المناظِرِ بهذا التوهّم أنّه ناظر بنظير، وإنّما النظير أن يوازن الشيء بالشيء الذي هو نظيره مثل أن يناظر الجسم بالجسم والفعل بالفعل وبذلك تصحّ [ المناظرة ] (5) .
__________
(1) 18) ج : تركها مأثم.
(2) 19) - من ج.
(3) 20) - من ج.
(4) 21) في ج : كلمة غير واضحة هكذا ( وسسسانه) وما أثبتناه أسلم ومعناه المباراة والتّباري بين اثنين، انظر:مادّة ( نهب) في لسان العرب.
(5) 22) + من ج. (1/52)
صفحة 53
وسألوا : عن قول الله : { ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لكَ به عِلْمٌ } (1) وهذا عندهم من أقوى حججهم في الوقوف. والذي بلغنا في تفسير هذه الآية وجهان (2) : قالوا في وجه منها : لا تقل رأيتُ ولم تَرَ، ولا سمعتُ ولم تسمع ، ولا علمتُ ولم تعلم. والوجه الآخر : ولا تقف، يقول : ولا تتّبع ما ليس لك به علم، فكلا الوجهين ليس فيهما ( معنى ما ) (3) ذكروا من تجويزهم الوقوف فيمن له عندهم أصل ولاية لأنّهم كان لهم فيهم علم ثابت لا يزيل ذلك العلم إلاّ علم مثله، ولا يزيله الشّكوك والشبه.
وقلنا لهم (4) : أخبرونا عن الوَلاَية الثابتة في هذين الرّجلين، أزالت (5) فبطلت أم هي ثابتة ؟ فيقولوا (6) ما بدا لهم. فإن قالوا : زائلة فقد أوجبوا البراءة، وإن قالوا: ثابتة، فقد تركوا ما ذكروا من الوقوف. فإن قالوا : لا ثابتة ولا زائلة فقد أتوا بالمحال أنّ شيئا كان ثابتًا أتت عليه حال لا يكون فيها ثابت ولا زائل.
وقد بلغنا عنهم أنّهم يقولون [ إنّ الوقوف يُضادّ البراءة والوَلاية جميعًا. فإذا قيل لهم : أشيء واحد يضادد شيئين ؟ قالوا ] (7) : إنّ الوقوف جهل والولاية والبراءة علم فتضاددهما من وجه علم وجهل، فسبحان الله! ما أقلّ/[16] علم من اعتلّ بهذا ، فالوقوف في هذا المعنى يُضادِدُ كلّ علم في الدّنيا من العلم بالطبّ والصناعات (8) وغير ذلك من العلوم إذا كان إنّما ضاددهما من وجه (9) علم وجهل لا غير ذلك.
__________
(1) 23) سورة الإسراء : 36.
(2) 24) في أ + ج : وجهين. وعلى هذا الأساس لعلّ الكاتب ذكر : والذي بلغنا أنّ في تفسير هذه الآية وجهين ، فبزيادة إنّ الغير موجودة في النصّ، يكون موضع الكلمة على النّصب اسم إنَّ.
(3) 25) في أ : كما . وما أثبتناه من ج.
(4) 26) ج : وإذا قيل لهم.
(5) 27) ج : زالت.
(6) 28) هكذا في أ + ج . ولعلّه فليقولوا.
(7) 29) ما بين معقوفين سقط من " أ ".
(8) 30) ج : الطاعات.
(9) 31) ج : جهة. (1/53)
صفحة 54
وقد زعموا أنّ الوقوف فريضة. ولم يُعلم فيما افترض الله في كتابه، ولا أمر به النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في سنّته، أنّه أمر بالجهل أو تعبّد به أحدًا من عباده. إنّما أمرهم بما بيّنه لهم وأعلمهم إيّاه لئلاّ يؤتوا في شبه (1) من قبله وليس هذا فيمن (2) ليس له عندنا أصل ولاية ممّا لا علم لنا به، فذلك ليس علينا فيه فرض أن تولّيْناه أو تبرأنا (3) منه قبل العلم منّا بالمعنى الذي تجب به الوَلاَية والعداوة، فقد وسّع الله علينا إذ لم يكلّفنا علم ما غاب عنّا، فله الحمد الرؤوف بعباده، المسهّل على أوليائه سبيل ما تعبّدهم به والحمد لله [ ربّ العالمين ] (4) على ما بصّرنا من دينه ووفّقنا له.
باب أخر
__________
(1) 32) جاء في هامش النسختين : بشهبة.
(2) 33) في أ ّ ممن ، وفي هامشها ( عمّن ) ولعلّها عن نسخة أخرى.
(3) 34) في ج : نتولاّه أو نتبرأ منه.
(4) 35) ... - من ج. (1/54)
صفحة 55
وأمّا ما ذكروا من المرأة التّي تؤتى فيما دون فرجها (1) فقالوا : إنّهم يتبرأون منها برأي. ولم يبلغنا في شيء من العلوم أنّ البراءة تجب بالرأي، ولا بلغنا عن أحد ممّن مضى. وذلك أنّ الولاية والبراءة عندهم من الإيمان المضيق، وإنّما يرجع أمرهم في هذا إلى الوقوف وإن لم يصرّحوا به، وهي عند أصحابنا أنّ فِعْلَهَا كبيرة، وذلك أنّ الكبائر - عندنا وعند هؤلاء الذين ذكرناهم أنّهم يتبرّأون منها بالرأي - ما جاء فيه النصّ أنّه كبيرة أو وجب فيه الحدّ أو فسّق [ الله ] (2) أهلَه/[17] أو وعد الله عليه النّار، أو ما أصابت به مُثْلَةٌ (3) في الدنيا. أو ما ناظر هذه الوجوه أو ما هو أعظم منها. وأمّا الّذي يستخرج (4) من كتاب الله ممّا يشبه فعل هذه المرأة، قال الله تعالى (5) : { قل إنّما حرّم ربّي الفواحش ما ظهر منها وما بطن } (6) .
__________
(1) 36) انظر هذه المسألة بتفصيل أكثر في كتاب الموجز لأبي عمّار عبد الكافي الإباضي، (السابق) ، ج1/249 و ج2/206 إلى 216.
(2) 37) + من ج.
(3) 38) ومنه الحديث النبوي الشريف : " لا تمثّلوا بنامية الله " أي لا تشبّهوا بخلقه وتصوّروا مثل تصويره، وقبل : هو من المُثْلة وكذلك منه الحديث الشريف:" رأيت الجنّة والنّار ممثلتين في قِبْلةِ الجدار" أي مصوّرتين أو مثالهما، انظر : لسان العرب مادّة (مثل) ج11/613.
(4) 39) ج : استخرج.
(5) 40) ج : عزّ وجلّ.
(6) 41) سورة الأعراف : 33. (1/55)
صفحة 56
فذكر أهل التّفسير : أنّ ما ظهر كشف العورة، وما بطن هو الزّنا، فسمّى (1) كشف العورة فّاحشة (2) . ففعل هذه المرأة، عندنا، أشدّ من كشف العورة (3) . وقال في موضع آخر : { والذين هم لفروجهم حَافِظُونَ. إلاّ على أزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العَادُونَ } (4) والعادون اسم من أسماء الضّلال (5) .
__________
(1) 42) ج : فسمّوا.
(2) 43) هذا التّفسير لهذه الآية جاء مثله عند أبي عمار عبد الكافي الإباضي في كتابه (السابق) ج2/208. وكأنّ هذا الأخير أخذ هذا التّفسير حرفيّا عن صاحبنا أبي خزر الحامّي. وتفسير هذه الآية عند الشّيخ محمّد الطّاهر بن عاشور : هو أنّ قوله : { ما ظهر منها } هو ما يظهره النّاس بين قرنائهم وخاصّتهم مثل البغاء والمخادنة. «وما بطن» هو ما لا يظهره النّاس مثل الوأد والسّرقة. وقد كانوا في الجاهلية يستحلّون هذه الفواحش وهي مفاسد قبيحة لا يشكّ أولو الألباب، لو سئلوا، أنّ الله لا يرضى بها، وقيل المراد بالفواحش : الزّنا، وما ظهر منه وما بطن حالان من أحوال الزّناة، وعلى هذا يتعيّن أن يكون الإتيان بصفة الجمع لاعتبار تعدّد أفعاله وأحواله وهو بعيد. انظر : التّحرير والتّنوير، (السّابق)، ص100. وانظر أيضا في تفسيرها عند الشّيخ محمّد يوسف اطفيش، في كتابه "تيسير التّفسير" ج4/52.
(3) 44) قال أبو عمّار عبد الكافي : وفعل هذه المرأة مع صاحبها أكثر وأكبر وأعظم من كشف العورة الّذي سمّاه الله فاحشة. انظر الموجز (السّابق)، ج2/208.
(4) 45) سورة المؤمنون : 5-7.
(5) 46) قال الشّيخ محمّد الطّاهر بن عاشور في تفسيرها : هي لزيادة تمييزهم بهذه الخصلة الذّميمة ليكون وصفهم بالعدوان مشهورا مقرّرا كقوله تعالى : { وأولئك هم المتّقون } في سورة البقرة. والعادي هو المعتدي، أي الظّالم لأنّه عدا على الأمر..وتوسيط ضمير الفعل لتقوية الحكم، أي هم البالغون غاية العدوان على الحدود الشّرعيّة. انظر ص15 من التّفسير ج18 و19. وتفسير الآية في لسان العرب لابن منظور : العادون : أي هم المجاوزون ما حدّ لهم وأمروا به، وأصل هذا كلّه مجاوزة الحدّ والقدر والحقّ. انظر مادّة « عدا » ج15 ص33. (1/56)
صفحة 57
فإن كانت هذه ممَن حفظت (1) فرْجها فإنّها غير ملومة كما قال الله، ولها جنّة (2) النّعيم كما ذكر للحافظين فروجهم، وإن كانت من العادين فهي من الضّالّين.
وجاء عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - فيما روى الرّواة عنه أنّه قال : « لعن الله النّاظر والمنظور إليه » وجاء عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال : « العين (3) تزني وزناؤها النّظر، واليد تزنى وزناؤها اللّمس» (4) ففعل هذه المرأة أعظم في النّظير من هذا الّذي قدّمنا ذكره في الكتاب، وممّا ذكر عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
__________
(1) 47) في « أ » حفظ.
(2) 48) ج : جنّات.
(3) 49) ج : أنّ العين.
(4) 50) روى ابن ماجه عن أبي هريرة : فالعينان زناهما النّظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللّسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرّجل زناها الخطى، والقلب يهوي، ويتمنّى، ويصدّق ذلك الفرج ويكذّبه. قال السّيوطي وهو حديث صحيح (الجامع الصّغير، ص150) وروى البخاري ومسلم وابن داود والنّسائي عن أبي هريرة هذا الحديث بلفظ آخر... فزنا العين النّظر، وزنا اللّسان المنطق، والنّفس تمنّي وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذّبه. (1/57)
صفحة 58
وقالوا فيما يستخرج في النّظير أنّ من سرق خمارها ممّا قيمته أربعة دراهم فصاعدا أنّه يجب فيه القطع وتجب به (1) البراءة، فرأوا أنّ تعرّيها بين الرّجال [ وإبداءها عورتها ] (2) وتلذّذهم بها فيما/[18] دون فرجها أعظم في النّظير ممّن سرق خِمَارها. وقالوا : إنّ المرأة تحمل إذا أوتيت بين الفخذين. وقال بعض العلماء : إن أتت المرأة (3) بولد من غير زوج أنّ ذلك - زعموا- بمنزلة الإقرار بالزّنا. فنسأل (4) أهل هذه المقالة عن الحكم فيها إذا أتت بولد ولم تعتلّ بعلّة إلاّ أنّها أخبرت بما فعلت (5) إنّما فعلته شهوة ولذّة (6) . ويدخل عليهم أنّ فاعل (7) ذلك لو فعله بأمّه أو أخته (8) ...
وأمّا ما سألوا عنه إن كان يجب عليها حكم الزّانية ؟ فيقال لهم : ليس كلّ ما تجب فيه البراءة تجب فيه الحدّ. ألا ترى أنّ الرّجل يأخذ من غير الحرز ما هو أكثر ممّا يجب فيه القطع إذا أخذ من الحرز، أنّ البراءة تجب عليه ولا تجب فيه القطع. وقد قيل في العبد المسلم : إنّ من قذفه تجب فيه البراءة ولا يجب فيه الحدّ.
__________
(1) 51) ج : فيه.
(2) 52) - من : ج.
(3) 53) ج : أنّ المرأة إذا أتت.
(4) 54) ج : فيسأل.
(5) 55) في أ : فعل. وما أثبتناه من ج.
(6) 56) ج : لذّة وشهوة.
(7) 57) ج : الفاعل.
(8) 58) يبدو أنّ هناك نقص في الكلام، ولم يشر إليه ناسخ أ + ب. ولم يترك له كلّ منهما بياضا. ونورد هنا ما ذكره أبو عمار عبد الكافي في الموجز : قال « وما القول فيمن أمسك امرأة أبيه على هذا أو جاريته يفعل بها مثل هذا الفعل الّذي ذكروا ؟ أو أمسك أمه، أو أخته، حينا من الدّهر، مقيما على ذلك، مصرّا عليه، ما أقذرها من مقالة، وأقبح منها القائلون بها...». انظر : ج2/212-213. (1/58)
صفحة 59
وقد قيل في العبد البكر الّذي لم يحض، أو الأمة، إذا زنيا تجب فيهما البراءة ولا يجب فيهما الحدّ. قال الله تعالى: { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ } (1) فقالوا : إنّ هذا الإحصان إحصان الإسلام لا إحصان الأزواج في الحرائر، وأمّا الإماء اللاّتي (2) يجب فيهن الحدّ هنّ (3) المحصنات بالأزواج (4) ،
__________
(1) 59) سورة النّساء : 25.
(2) 60) ج : الذي وهو خطأ.
(3) 61) ج : من وتصحيف أو خطأ من النّاسخ.
(4) 62) قال الشّيخ محمّد الطّاهر بن عاشور : وهذه الآية تحيّر فيها المتأوّلون لاقتضائها أن لا تحدّ الأمة في الزنى إلاّ إذا كانت متزوّجة، فتأوّلها عمر بن الخطاب وابن مسعود، وابن عمر بأنّ الإحصان هنا الإسلام. ورأوا أنّ الأمَة تحدّ في الزّنا سواء كانت متزوجة أم عزبى، وإليه ذهب الأئمة الأربعة... وقصد التصنيف في حدّها يدلّ على أنها لا يبلغ فيها الحدّ ...، فالرجم ينتفي لأنّه لا يقبل التجزئة، وقد روي عن عمر بن الخطاب : أنّه سئل عن حدّ الأمة فقال : « الأمة ألقت فروة رأسها من وراء الدّار » أي ألقت في بيت أهلها قناعها، أي أنها تخرج إلى كلّ موضع يرسلها أهلها إليه لا تقدر على الامتناع من ذلك، فتصير إلى حيث لا تقدر على الامتناع من الفجور، قالوا : فكان يرى أن لا حدّ عليها إذا فجرت ما لم تتزوّج... قال : ولكننا ذكرنا هذا لأنّ فيه للمتبصّر بتصريف الشريعة حيرة في تغليظ العقوبة بمقدار قوّة الخيانة وضعف المعذرة. (ج5 من التحرير، ص17). وقال الشّيخ محمّد بن يوسف اطفيش في تفسيرها في كتابه : تيسير التّفسير، ج2/305 قال يعني بذلك إن زنت الأمة المسلمة قبل التّزوج فاجلدوها. (.فإن أتين بفاحشة) زنى (فعليهن نصف ما على المحصنات) الحرائر التي لم تحصن (من العذاب) الجلد وهو مائة جلدة ونصفها خمسون وكذا العبد يجلد خمسين وكذا إن لم تتزوج الأمة أو العبد، وإنّما ذكر الإحصان دفعا لتوهم أنّ الإحصان يوجب رجمهن كالحرّة أي ما عليها إلاّ خمسون جلّدة ولو أحصنت، ومعلوم أنّ الرّجم لا يتجزّأ، فليس مرادا بالعذاب وأيضا المراد به الموت لا العذاب، وكذلك تعلم أنّ المراد بالمحصّنات الحرائر اللاّتي لم يحصنّ لأنّ المحصّنة ترجم، والرّجم لا يتنصّف. (1/59)
صفحة 60
وما ذكرنا في هذا الباب كافٍ عن الإكثار فيه. فإن كان معناهم في هذه المرأة [أنّهم] (1) يقفون عنها فقد ذكرنا في الوقوف ما فيه كفاية. وإنّما السّؤال في هذه المرأة أنّها ممّن كان لها أصل وَلاَيَة فأحدثت هذا الحدث فوقع فيها التّنازع على ما ذكرنا. ففي الّذي/[19] [ذكرنا] (2) في الوقوف كفاية عن إعادة الحجّة فيه. وقد ذكرنا عنهم أنّهم يقفون عنها وإلى ذلك يرجع أمرهم وقياد مذهبهم، وكذلك الجواب في الرّجلين المتلاعنين، كالجواب في الرّجلين اللّذين فيهما التّنازع.
بسم الله الرحمان الرحيم
باب فيما يسع جهله
وما لا يسع جهله وبعض الأسئلة (3)
__________
(1) 63) + من ج.
(2) 64) + من ج.
(3) هذا العنوان زيادة منّا لمعرفة الموضوع وقد جعلته بين معقوفتين. هذا الموضوع قد أشبعه أبو يعقوب الوارجلاني في كتابه الدّليل والبرهان في عدّة مواضع. وفي كتاب الوضع لأبي زكرياء يحي الجناوني، طبعة حجريّة، سنة 1325هـ. ص115 وما بعدها ونفس الكتاب بتحقيق إبراهيم اطفيش الطبعة الأولى ص 30 إلى 39. (1/60)
صفحة 61
وسألته عمّا يسع جهله. فقال : يسع جهل جميع الحرام ما خلا الشّرك والاستحلال لما حرّم الله والإصرار على ما حرّم الله وذلك إذا علمنا (1) أنّه مصرّ (2) على فعل ما علمت أن الله حرّمه واستحلّ ما علمت أن الله حرّمه (3) . فهذه الوجوه الثّلاثة لا يسع جهلها ولا فعلها، وما سوى ذلك من الحرام يسع جهله حتى تقوم به الحجّة من كتاب الله أو من سنّة رسول الله أو ممّا اجتمع عليه المسلمون ممّا دانوا به. فإذا قامت به الحجّة صار (4) بمنزلة ما لا يسع جهله. ولا تسع المقارفة (5) لما حرّم الله على المقارف أو جهل، ولا يسع ترك شيء من الفرائض. إذا جاء وقتها على التّارك بها أو جهل لم يسعه التّرك لها، ولا يسعه تركها، وَلاَ جَهَلَهَا بعد مجيئ الوقت. وذلك أنّ النّاس لا يسألون (6) على جهل الصّلاة ما لم يجئ وقتها، فإذا جاء الوقت لزمهم، الفعل والعلم (7) ، وكذلك جميع الفرائض على هذا المعنى.
__________
(1) في « أ » : وذلك التفسير لهذا علمنا. وما أثبتناه من ج.
(2) ج : أصرّ.
(3) اعتمد صاحب الدّليل والبرهان قولة أبي خزر هذه فقال : وأمّا قوله أن يفرز ما بين الكبائر فعلى قول الشّيخ أبي خزر رضي الله عنه : أعلم أنّه يسع جهل الحرام ما خلا الشّرك والاستحلال والإصرار إذا علم، وكذلك باقي الدّين إذا علم، وإنّما الكلام على من لم يعلمه، فليس على أحد أن يعلم أن ثمّ كبيرة أو كفرا أو شركا... انظر: الدّليل (السّابق)، ج2، ص 24-25.
(4) ج : كان.
(5) المقارفة هي المخالطة وهي الاكتساب وقارف فلان الخطيئة أي خالطها، وقارف الشّيء : داناه، ولا تكون المقارفة إلاّ في الأشياء الدّنيّة. وفي حديث الإفك : إن كنت قارفت ذنبا فتوبي إلى الله ... انظر مادة " قرف " في لسان العرب ج9/280.
(6) ج : يسلمون.
(7) ج : العمل. (1/61)
صفحة 62
وثمّ أشياء يسعهم جهلها أبدًا ما لم يتقوّلوا على الله فيها الكذب (1) فيحرّموا حلالا أو يحلّلوا حراما أو يلقوا الحجّة فلا يسلّموا لها. وعلى هذه المعاني التي/[20] ذكرنا جاء أمر الدّين، منه ما لا يسع جهله (2) طرفة عين (3) ،
__________
(1) والمعنى في هذا كلّه أنّ علوم الدّين كلّها تنقسم إلى ثلاثة أقسام : أحدها علم التّوحيد، فهو علم لا يسع جهله طرفة عين، والثّاني علم الفرائض فهو علم يسع جهله إلى مجيئ وقته، فإذا جاء وقته وضاق صار ممّا لا يسع جهله، وما سوى هاذين القسمين من علوم الدّين كلّها من قسم المواريث وتصريف القصاص في وجوهه، وتحريم الرّبا في معانيه، وتحريم الخمر والميتة والدّم ولحم الخنزير وأمثال ذلك من المحرّمات، والحلال بأسره يسع جهل هذا القسم كلّه أبدا، وأنّ الّذي لا يسعهم في هذا الوجه أحد ثلاثة أشياء : ألاّ يتقوّلوا على الله فيه كذبا، فيحلّوا ما حرّم منها، أو يحرّموا ما أحلّ منها أو يخطئوا في حكم من أحكامها بالقول... وليس المعنى في قوله: ما لم يتقوّلوا على الله الكذب أنّهم إذا تقوّلوا على الله الكذب ضاق عليهم أن يعرفوه، وإنّما أراد بذلك يسعهم الجهل ولا يسعهم التّقاول فقط. انظر كتاب شرح الردّ على الجهالات لأبي عمار عبد الكافي الإباضي (السّابق)، ص180/181.
(2) 10) - من ج.
(3) 11) يريد المصنّف بقوله : طرفة عين : أنّ هذا الإيمان أو هذا الدّين لا يسع جهله في حال من الأحوال لا في أوّل حال البلوغ ولا في كلّ حال من الأحوال. قال أبو زكرياء يحيى الجناوني في هذا الموضوع : إنّ العلوم تنقسم إلى ثلاثة أقسام : علم ما لا يسع النّاس جهله طرفة عين، وعلم ما يسع جهله إلى الورود وقيام الحجّة، وعلم ما يسع الناس جهله أبدا. فأمّا علم ما لا يسع جهله طرفة عين : فهو معرفة التوحيد والشّرك لا يسع جهلهما لأنّ من جهل الشرّك لم يعلم التّوحيد فوجبت معرفتهما مع أوّل البلوغ..انظر : كتاب شرح الردّ على الجهالات (السابق)، ص178-179. كتاب الوضع للجناوني (السابق)، ص30. الوارجلاني : الدليل والبرهان، ج2/24-25-26. (1/62)
صفحة 63
وهي الجملة التي دعا إليها رسول الله، شهادة أن لا إله إلاّ هو وحده لا شريك له وأنّ محمّدا عبده ورسوله وما جاء به حقّ. ومنه ما يسع جهله إلى مجيئ وقته فإذا جاء الوقت لزمهم الفعل والعلم (1) إلاّّ أنّ هذه أوسع وقتا من الجملة، وذلك أنّه إذا جاء [أوّل] (2) الوقت لم يضيق عليه الجهل والفعل في أوّل الوقت، فإذا جاء آخر الوقت لم يسعه أن يخرج الوقت إلاّ وقد أدّى ما كُلِّفَ.
__________
(1) 12) أ + ج : العمل، وهو خطأ من النساخ.
(2) 13) + من ج. قال أبو عمار عبد الكافي : سمعت الشّيخ أبو يحيى يقول : وأمّا الّذي يسعهم جهله إلى مجيئ وقته فهو العلم بالفرائض يسع جهلها ما لم يأت وقتها، فإذا جاء الوقت لزمهم العلم، ولم يرد أنّ الجهل بالفرائض لا يسعهم عند مجيئ أول الوقت، وإنّما أراد المعرفة بالفرائض غير واجبة إلاّ عند مجيئ الوقت، فإذا جاء الوقت وجب عليهم أن يعلموا تلك الفرائض كما فرضت عليهم. انظر : كتاب شرح الردّ على الجهالات. ص181. (1/63)
صفحة 64
وأمّا الّذي ذكرنا من أنّ الشرك لا يسع جهله، وذلك [أنّه] (1) إذا جهل الشرك جهل التوحيد، وإذا جهل التوحيد فهو مشرك. والّذي ذكرنا من الإصرار أنك إذا رأيت من أصرّ على فعل مّا تعلم أن الله حرّمه، فلم يتب من ذلك وينزع صار بمنزلة العنود فلا يسع جهل كفر هذا. وكذلك المستحلّ لمّا حرّم الله، فإذا علمت أنّه استحلّ ما حرّم الله نصّا فهو مكذّب لله مشرك، وإن كان استحلاله بالتأويل، ولم يَرِدْ في تأويله شيء ينقض جملته، وقد علمت أنّه استحلّ ما حرّم الله بالتأويل فهو كافر غير مشرك باستحلاله ما علمت أنّ الله حرّمه بالتأويل. والأشياء التي يسع جهلها أبَدًا مَا لَمْ يتقاولوا على الله فيه الكذب هي مثل قسم المواريث (2) ودقائق الرّبا وما يشبه ذلك من الحلال والحرام. وثمّ أشياء يسع جهلها ما لم تذكر، فإذا ذكرت لم يسع جهلها وهي (3) تفسير التّوحيد مثل أن يسأل السّائل فيقول : الله عالم/[21] أو جاهل ؟ أو قادر أو عاجز ؟ وما يشبه هذا من ذكر الصّفات، فلا يسعه إذا ذكر مثل هذا إلاّ أن يعلم فيه الحقّ ويصف الله بصفته. وقد كان قبل أن يَرِدَ عليه هذا التّفسير [واسعًا له ألاّ يُدعى إلى هذا التّفسير، وكانت الجملة الأولى تجزية، وإنّما يضيق عليه هذا التّفسير] (4)
__________
(1) 14) + من ج.
(2) 15) قوله مثل قسم المواريث : أي ما لم يحضرها قسمة على غير وجه الحقّ فإنْ حضرها كذلك ملك، وحينئذ لا يعذر في الجهل، إذ لا عذر في الجهل. ومعنى : يسع جهله أبدا، أي ما لم يحتجّ إليه أو يحضر قسمة...
(3) 16) ج : وهو.
(4) 17) ما بين معقوفتين سقط من « أ ».. (1/64)
صفحة 65
إذا فهمه بِلُغته الّتي تلزمه بها الحجّة (1) . والعالم بالحجّة قبل أن ترد أحسن حالا ممّن لم يعلمها إلاّ عند ورودها. وعلى المستجيب إلى هذه الجملة التي ذكرنا وإلى قول المسلمين في تفسيرهما وَلاَيَةُ من دعاه إلى ذلك، والبراءة ممّن نقض ذلك لأنّه لم يستجب للدّاعي إلاّ وقد علم أنّ ما دعاه إليه هو الحقّ فمن نقض ما علم أنّه هو الحقّ الّذي أمر الله به وجبت براءته.
__________
(1) 18) وقد يدخل في هذه الجملة تفسير أشياء لا يسع النّاس جهلها، إذا ذكرت، وعرفت معانيها، ولكنّهم لا يدعون إلى تفسيرها، كما يدعون إلى الإقرار بها، وعليهم علمها إذا ذكرت، وفسّرت، وعرفوا معانيها، وذلك مثل أن يعلموا أنّ الله واحد، قادر قاهر، ولا يسهو، ولا يشبهه شيء، ولا يغفل، ولا تأخذه سنة ولا نوم. وأشباه ذلك. وما لم =يذكر لهم هذا التّفسير وأقرّوا بالجملة، فواسع لهم، وعليهم علم أشياء من تفسير الجملة : مثل – القيامة والبعث، والحلال والحرام، وضلالة النّاقض لما قد عرفوا أنّه قد جاء من الله، ممّا قد أمر به، أو نهى عنه. فهذا كلّه لا يسع جهله إذا ذكر، ويجرى الإيمان به في الجملة، ما لم يجئهم هذا التّفسير، فإذا سمعوه، وعرفوا معانيه لم يسعهم جهل علمه، ولم يسعهم ضلالة من ردّ ذلك العلم عليه، ونقضه عليهم، لأنّ في جملة ما أقرّوا به لا يسعهم جهله، ولا جهل تفسيره، إذا ذكر وعرف معناه. انظر كتاب : منهج الطّالبين وبلاغ الرّاغبين، تأليف خميس بن سعيد الشّقصي الرّستاقي، تحقيق سالم بن حمد بن سليمان الحارثي، طبعة وزارة التّراث القومي والثّقافة (سلطنة عمان) 1979، ج1/537. (1/65)
صفحة 66
وسألته : عن رجل كان على دين نبيّ من الأنبياء فدعا رجلا من المجوس إلى دينه فاستجاب له فقال : بَلَغَنَا أنّ هذه المسألة وقعت في زمان أبي عبيدة (1) أنّ الدّاعي له مسلم والمستجيب مسلم فكأنّه حسّ منهم أنّهم لم يقنعهم جوابه فقال : ما تقولون أنتم ؟ فقالوا : نقول : أنّ الدّاعي مسلم والمستجيب كافر. فقال لهم أبو عبيدة : أليس الدّاعي على دين الله ؟ فقالوا: نعم. قال : أليس لمن كان على دين الله أن يدعو إلى دين الله ؟! فطردهم من المجالس على قولهم ذلك.
__________
(1) 19) هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، أخذ العلم عن جابر بن زيد وصحّار العبدي وجعفر بن السماك. فقيه من علماء الإباضيّة بالبصرة، تولّى رئاسة الإباضيّة بعد موت شيخه جابر بن زيد، وبه تم للإباضيّة تأسيس دولهم بالمغرب وحضرموت. عاش ما بين القرنين الأوّل والثّاني للهجرة (ت145هـ). راجع عنه بتفصيل أكثر : أبو زكرياء : السيرة، ص41 وما بعدها. الدرجيني : طبقات، ج2/238 إلى 248. الشماخي : السير، ص 83 وما بعدها. الزركلي : الأعلام الطبعة السابعة 1986، ج7/222-223. علي يحي معمر : الإباضيّة في موكب التاريخ، في عدة مواضع. (1/66)
صفحة 67
وسألته : هل يقدر الله أن يرزقك مِلءَ الأرض ذهبا ؟ (1) فقال: نعم. قال (2) هل يعلم الله (3) أنّه يرزقك ملء الأرض ذهبا ؟/[22] قال: ليس كلّ ما يقدر عليه أن يكون يقال فيه يعلم أنّه يكون ؟ لأنّ القدرة تقع (4) على كائن وغير كائن فلا ندري أنّه يعلم أنّه يرزقني أو يعلم أنّه لا يرزقني، فهذا فرز (5) ما بين يقدر ويعلم.
__________
(1) 20) هذا السؤال فاسد فهو كَمَنْ قال سائلا : هل الله عالم بالأشياء ؟ فَقُل نعم، فإن قال : ولربّك قدرة على الأشياء ؟ فقل نعم، فإن قال : فهل هو عالم بعلمه بالأشياء وقادر على قدرته على الأشياء ؟ فقل : أحَلْتَ إذًا في سؤالك لأنّا إنّما قلنا لك : له علم بالأشياء نفينا أن يكون جاهلا بها لا على أنّ له علما به علم الأشياء وله قدرة على الأشياء نفينا أن يكون عاجزا عن الأشياء لا على أنّ له قدرة، فمن قدر على الأشياء فتكون له قدرة على القدرة وعلم بالعلم إلى ما لا نهاية له ولا غاية. انظر : الموجز لأبي عمار عبد الكافي، ج2/9 وما بعدها، وشرح الجهالات (السابق) ص57 وما بعدها.
(2) 21) - من ج. وفي « أ » : وينبغي أن يكون " قلت " وهو الأسلم.
(3) 22) - من ج.
(4) 23) ج : تكون.
(5) 24) ج : فرق. (1/67)
صفحة 68
فإن قال قائل : فقد أجريت على بعض الصّفات ما لم تُجْرِ على بعض ! قيل له : ليس ذلك لاختلاف الصّفات ولا لاختلاف الموصوف بها، وإنّما اختلف المقدور عليه والمعلوم فدلّت لفظة «يقدر» على ما لم تدل عليه لفظة « يعلم » للّذي ذكرنا, وذلك أنّك تقول : يقدر على كلّ شيء، ولا يجوز أن تقول يقدر على نفسه. وتقول يعلم كلّ شيء. فإذا قيل لك : يعلم نفسه ؟ قلت : نعم، لأنّه لا يعلم غيره من يجهل نفسه. فجاز يعلم نفسه ولم يجز يقدر على نفسه. وكذلك صفة الإرادة، إنّك تقول : إنّ كلّ ما أراد الله كان، وما لم يرد لا يكون، ولا يجوز هذا في صفة هذا في صفة القدرة. ولا تقول : إنّ كلّ ما قدر الله عليه يكون، ولا تقول : لا يقدر على حال ولا يعلم كما قلت يريد [ولا لا يريد] (1) . وليس ذلك لاختلاف الصّفات، وإنّما ذلك لاختلاف المقدور عليه، والمراد والمعلوم وذلك أنّه لا تعطى كلّ لفظة إلاّ من الطّريق الّذي يجوز إعطاؤها منه. قال المتكلّمون : إنّ الصّفات كلّها تنضمّ (2) إلى القدرة، وليس معناهم في ذلك أن يضمّوا صفة إلى صفة، وإنّما أرادوا أنّ صفة القدرة تنفي جميع العيوب ؛ لأنّك إذا قلت لم يزل الله عالما. نفيت عنه الجهل، والجهل/[23] عجز، والعجز منفي بصفة القدرة، وكذلك البصر ينفي العِمَى، والسّمع ينفي الصمّ فهذه معاني العجز وهي تنفى بصفة القدرة. وليس المعنى أنّ في الله أسماء (3) يقع عليها العدد، والعدد عن الله منفيّ لأنّه الواحد الّذي لا يجري عليه العدد ولا التبعيض، وإنّما قالوا : (4) ذلك على توسعة اللّغة، فإذا ذكروا العلم معناهم العالم، وكذلك سميع وبصير وسائر الصّفات، إنّما أرادوا أنّ (5) الله لا شيء غيره هو العليم بنفسه والسّميع بنفسه لا بمعنًى غيره.
__________
(1) 25) + من ج.
(2) 26) ج : تنتظم.
(3) 27) ج : أشياء.
(4) 28) - من ج.
(5) 29) - من ج. (1/68)
صفحة 69
وهذه المعاني التي ذكرنا تدخل على من زعم أنّ أسماء الله مخلوقة، وإنّما دعاهم - زعموا - ودلّهم على خلقها أنّها يجري عليها العدد وأنّه يجوز في بعضها ما لا يجوز في بعض، فقالوا : فرز (1) ما بين صفات الذّات وصفات الفعل أنّك تقول في صفة الذّات عالم بكلّ شيء وقادر على كلّ شيء. ولا يجوز أن تقول : ساخط على كلّ شيء ولا راضٍ عن كلّ شيء، ولا محبّ لكلّ شيء، ولا مبغض لكلّ شيء، ولا مثيب لكلّ شيء، ولا معاقب لكلّ شيء. فدلّهم - زعموا - على أنّ بعض الصّفات مخلوقة وبعضها غير مخلوقة الّذي ذكروا من العموم والخصوص. وقد أغفلوا النّظر في هذا، وليس تكون صفات الله مخلوقة وغير مخلوقة لِعِلّةِ عموم الخلق وخصوص الخلق لأنّ الله لا تجري عليه العلل ولا يستوجب الصّفات لمعنى غيره. ويدخل عليهم أنّ الله خالق كلّ شيء، وصانع كلّ شيء، ورازق كلّ شيء، ومتقن كلّ شيء، ومدبّر كلّ شيء، أن تكون هذه/[24] الصّفات غير مخلوقة عندهم لأنّها على العموم لكلّ شيء، فإن أبوا ذلك فقد أبطلوا اعتلالهم.
وأمّا قولهم : يبغَض بعضا ويحبّ بعضا، فذلك على العموم لكلّ من أحبّ وكلّ من أبغض، وعاقب وأثاب، وذلك جائز (2) في اللّغة، لأنّ الخبر إذا جاء في شيء فهو عام لما تحته وخاصّ لما لم يدخل فيه.وليس [في] (3) خصوص (4) الأخبار وعمومها ما يدلّ على فرق ما بين الصّفات إلاّ أن يريد القائل بهذا فرق ما بين المسخوط والمحبوب. وأمّا السّاخط والرّاضي فهو واحد، والخالق والرّازق فهو واحد.
__________
(1) 30) ج : فرق.
(2) 31) ج : الجائز.
(3) 32) + منّا يقتضيها سياق الكلام.
(4) 33) ج : خصوصه. (1/69)
صفحة 70
وقال في وجه آخر : إنّك إذا ألحقت في خالق ألفًا وَلاَمًا جازَ أن تقول لم يزل الخالق وكذلك الرّازق وجميع الصّفات التي ينسبونها إلى الفعل، فهذا أيضا من أعجب ما يأتون به لأنّه جائز (1) أن يقال : لم يزل الخالق، ولا يجوز (2) ، لم يزل خالق ورازق (3) ، لأنّ ذلك تثبيت الصّفة وليس في ذلك إثبات الخلق. ولئن (4) جاز ما قالوا من تفريق الخالق وخالق ليدخلنّ (5) عليهم في ذلك العالم وعالم، والقادر وقادر لإدخال الألف واللاّم في الصّفة ألا [ترى] (6) أنهّم إذا أرادوا إثبات الصّفة للّه قدّموا ذكر الاسم قبل الصّفة ؛ قالوا : لم يزل الله عالما، أو لم يزل الرّحمن والرّحيم. والله والرّحمان عندهم من الأسماء التي يزعمون أنّها مخلوقة [فأبطل قولهم " لم يزل الله " دعواهم أنّ الأسماء مخلوقة] (7) ، لأنّ الله والرحمان من أسمائه التي يجوز (8) عليها الخلق.
وإنّما قال أصحابنا لم يزل خالقًا ورازقًا على معنى سيخلق/[25] وسيرزق[على] (9) غير إثبات الخلق وهي عندهم من صفات القدرة، يقولون : لم يزل وهو القادر على أن يخلق ويرزق، وليس عندهم في ذلك إثبات خلق ولا رزق.
__________
(1) 34) في ج : لأن جاز هذا...
(2) 35) في ج : الكلمة غير واضحة.
(3) 36) هكذا في أ + ج : والصواب هو : " لم يزل خالقا و رازقا".
(4) 37) ج : وإلاّ لئن.
(5) 38) ج : ليدخل.
(6) 39) + من ج.
(7) 40) * ما بين معقوفتين زيادة من ج.
(8) 41) ج : يجرون.
(9) 42) + من ج. (1/70)
صفحة 71
والّذي نقدّره أنّ أهل هذه المقالة يتوهّمون علينا أنّا إذا قلنا لم يزل الله خالقا أنّا نثبت (1) مع الله الخلق وقد ذكر في كتابه ما يدلّ على صواب ما قلنا. قال الله عزّ وجلّ في غير موضع «فعّالٌ لِمَا يُرِيدُ» (2) فَعَلِمْنَا أنّه يريد كون الآخرة وكون كلّ كائن، فوصف نفسه أنّه فاعل (3) لمّا [لم] (4) يفعل بعدُ لأنّ الآخرة لم تكن وكذلك ما لم يخلق ممّا هو خالقه فثبتت الصّفة ولم يثبت الفعل في الوجود، وذلك جائز (5) في اللّغة على ما بيّنا في مسألة قبل هذه، أنّ الفاعل إذا عزم على الفعل يسمّى (6) فاعلا على نحو قولهم، فلان خارج، على معنى سيخرج، فلان حاجّ، ولم يخرج ولم يحجّ، فجاء القرآن على المعروف من كلام العرب. وقال الله لنبيّه محمّد - صلى الله عليه وسلم - : { إنّكَ مَيِّتٌ وإنَّهُمْ مَيِّتُونَ } (7) على أنّه سيموت وسيموتون. ومثل هذا كثير في لغة العرب. فقد ذكرنا في هذا ما فيه الكفاية ممّا [دلّ عليه] (8) القرآن واللّغة المعروفة وهي حجّة.
__________
(1) 43) ج : ثبتنا.
(2) 44) سورة هود : 107، سورة البروج : 16. وهذا الموضوع قد أشبعه أبو عمّار عبد الكافي في كتابه الموجز، (ج2/72 وما بعده) تحت باب " القول في إرادة الله عزّ وجلّ هل هي صفة لله في ذاته أم فعل من أفعاله ؟ والنّقض على من قال بغير الحقّ في ذلك " .
والذي أشار إليه الدكتور فرحات الجعبيري هو أنّه يُحسن أن نذكّر بأنّ الإباضيّة يرون أنّ الله لا يأمر بما لا يريد وذلك من باب الحكمة، بينما يرى الأشعريّة إمكانيّة أن يأمر الله بما لا يريد اعتمادًا على رأي الوارجلاني في الدّليل والبرهان. انظر : البعد الحضاري للعقيدة الإباضيّة، (السّابق)، ص466.
(3) 45) ج : فعال.
(4) 46) + من ج.
(5) 47) - من ج.
(6) 48) ج : سمي.
(7) 49) سورة الزمر : 30.
(8) 50) بياض في ج. (1/71)
صفحة 72
وسألته عن قول الله تعالى في كتابه { حَتَّى نَعْلَمَ } (1) ، و { لِيَعْلَمَ } (2) { وسَيَرَى } (3) ، فأعلم أنّ الّذي قاله (4) أهل التّفسير في هذا أنّه يعلمهم فاعلين ويراهم فاعلين، ولم يزل الله عالمًا قبل أن يفعلوا غير أنّه لا يُسَمّى المعدُومُ موْجُودًا. وكذلك لا يجوز « كان في موضع لم يكن » ولا « لم يكن » في موضع « كان ». ألا ترى أنّ الشّيء إذا كان معدوما/[26] وهو ممّا يكون يقال له : « لم يكن » و« يكون » ولا يجوز عليه «لا يكون» لأنّه معلوم أنّه يكون فإذا كان بطل عنه «لم يكن» و«يكون» ويسمّى «كان» و«موجودًا». فإذا فني زال عنه «لم يكن» و«كان» على معنى «موجود» وثبت له اسم معدوم وزائل وفان. ألا ترى أنّهم يقولون غدا واليوم وأمس. فإذا جاء غد بطل عنه اسم غد وثبت له اسم اليوم وهذا أكثر من أن نحصيه، فالله لم يزل يعلم الأشياء على تقلّب أحوالها وتصرّف (5) معانيها، فَعَلِمَ اللهُ الأشياءَ لم تكن (6) وعلمها بعدما كانت ولم يزل هو العالم بها.
__________
(1) 51) سورة محمّد : 31، والآية « ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ».
(2) 52) وردت الكلمة في ثلاث سور : أنظر : سورة آل عمران : 166 و167. وسورة المائدة : 94، وسورة الحديد : 25.
(3) 53) سورة : التوبة : 94.
(4) 54) ج : قال.
(5) 55) ج : تصريف.
(6) 56) في "أ" كتب فوق الكلمة بحبر آخر : قبل أن كانت. (1/72)
صفحة 73
وإنّما وقع التغاير على الخلق في باب لم يكن ويكون وكان ولا يكون، وكل ما جاز فيه لو جاز التكلم فيه وأجرى القدرة عليه، قال الله عزّ وجلّ : { وَلَوْ (1) عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُم لَتَوَلّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ } (2) فلو أنّ فيهم خيرا لَعَلِمَهُ الله، ولكنّه علم أنّ لا خيْر فيهم. وقال في موضع آخر : { وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وإنّهُمْ لَكَاذِبُونَ } (3) فردّهم لا يكون. وفي هذا الباب كلام كثيرا اقتصرنا (4) على ما فيه الكفاية إن شاء الله لمن أراد الله توفيقه وهداه.
باب
الرّدّ على المعتزلة
وسألته عن الدليل على خلق الأفعال. [فقال] (5) : دَلّ القرآن على خلق الأفعال (6) ،
__________
(1) 57) في أ + ج : جاءت : "لو" وهو خطأ.
(2) 58) سورة الأنفال : 23.
(3) 59) سورة الأنعام : 28.
(4) 60) ج : اختصرنا.
(5) + من ج.
(6) يقول الإمام النسفي : « والله تعالى خالق لأفعال العباد كلّها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان، وهي كلّها بإرادته ومشيئته وحكمه وقضيته وتقديره ». وهذه المسألة التي يطرحها أبو خزر هنا تشتمل عناصر كثيرة منها : خلق الأفعال وحرية الإرادة والجبر والاختيار... وهي مسائل قديمة ظهرت منذ عهد الإغريق، وأثيرت حولها آراء عديدة، منها رأيان رئيسيان متقابلان :
1- رأي المعتزلة وهو كرأي الأبيقوريين، ومفاده أنّ الإنسان حرّ في أفعاله من خير وشرّ وهو الّذي يخلقها ولا تتعلق قدرة الله بأفعال العباد. ولكن يترتب على هذا أنّ أكثر ما في العالم خارج عن قدرة الله. ونتيجة لهذا الرأي ثارت مسألة وهي : هل أنّ الله قادر على خلق أفعال العباد ؟ فمنهم من قال : إنّه قادر ولكنّه لا يخلقها، ومنهم من قال إنّه غير قادر.
2- رأي الجبرية (أتباع الجهم بن صفوان) مفاده أنّ الإنسان مجبر في أعماله خيرا كانت أو شرّا، فهو كالريشة في مهبّ الريح لا فرق بينه وبين الجماد. فكما نقول نزلت المطر وطال الشعر وتدحرجت الحجارة، نقول صلّى الإنسان وصام وفسق. وهذا من ناحية العقيدة حسن لأنّه يفوّض لله كلّ شيء إلاّ أنّه عمليا يدعو إلى القعود عن السعي ويجرّد الإنسان من المسؤولية.
ولأهل السنة حجج عقلية ونقلية في مسألة خلق الأفعال كلّها.
أ- دليل عقلي : لو كان الإنسان خالقا لأفعاله لكان عالما بتفاصيلها، والعالم بالتفاصيل باطل بالمحسوس، فحركات الإنسان تكون منتظمة وغير منتظمة، والإنسان لا يعلم ذلك. ولذلك فهو غير خالق لأفعاله لأنّ القدرة على الخلق تستلزم العلم بالتفاصيل.
ب- دليل نقلي : يتمثل في عدة آيات منها : { الله خالق كل شيء } وهذه الآية ذكرت أربع مرات بهذه الصيغة. وقوله تعالى : { ذلكم الله ربكم خالق كلّ شيء لا إله إلاّ هو فأنّى تؤفكون } قوله تعالى على لسان سيّدنا إبراهيم : { أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون } . (الصافات:95) وقد اتفق كلّ العلماء على أنّ الله خلق كلّ الأعمال الاضطرارية كالارتعاش ودورة الدّم ونبضات القلب، ولكن الفرق اختلفت في الأعمال الاختيارية وشيء واحد لم يخلقه الله وهو ذاته لأنّ ذاته واجبة وقدرة الله لا تتعلق إلاّ بالممكن وأفعال العباد من الأشياء الممكنة.
أمّا المعتزلة : فقد احتجّت بأدلة كثيرة على أنّ العبد خالق لأفعاله بنفسه بأدلة منها :
1- الفرق الوحيد بين الحركة الاضطرارية (كنبض القلب) والحركة الاختيارية (كالمشي) هو أنّ الأولى مخلوقة لله والثانية مخلوقة للعبد.
2- لو كان العبد مجبورا على أفعاله لبطلت قاعدة التكليف وبطل الثواب والعقاب ولم يكن لإرسال الرسل فائدة.
3- دليل نقلي : وهو قول الله تعالى : { جزاء بما كانوا يعملون، يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مّما كتبت أيديهم وويل لهم مّما يكسبون } . (البقرة : 79) ومن الأدلة كذلك : قول الله تعالى : { تبارك الله أحسن الخالقين } (المؤمنون : 14) وقد يفهم من هذه الآية أنّ هناك غير الله ممّن يخلقون. ويفسر أهل السنة هذا بأنّ خلق العباد هو تصميم وتقدير فقط. (1/73)
صفحة 74
وسنّة النّبيّ عليه السّلام، والقياس الّذي يضطر سامعه إلى الإقرار به.
أمّا ما ذكر من القرآن قال : { الله خالق كلّ شيء } (1) ولم يستثن في هذه الآية شيئا : لأنّها جاءت/[27] مجيئ عموم، فكلّ ما جاء القرآن على العموم فهو على عمومه حتى يأتي ما يخصّه (2) إمّا بنفس (3) الآية أو في آية أخرى تدلّ على الخصوص أو إجماع الأمّة على خصوصها، فمن أدّعى في هذه الآية الخصوص فعليه البرهان.
__________
(1) سورة الزمر : 62. سورة الرعد : 16 وفي هذه الآية ردّ على من آخرج شيئا من كلّ الأشياء من أن يكون من خلقه، فأخرج الكلمة في : (خالق كلّ شيء) مخرج العموم، فمن أدّعى فيها الخصوص ولم يأت بآية مجتمع عليها، أو خبر مجتمع عليه يخصّ به ما أخرج به الكلام مخرج عموم، فقد أراد أن يثبت دعواه بغير برهان، وبغير ما يثبت به الدعوى، وليس ما نظروا به من هذه الآية من قوله : { تدمّر كل شيء بأمر ربّها } وبقوله : { فتحنا أبواب كلّ شيء } وبغير ذلك من الآي، لأنّ هذا كلّه الشاهد على خصوصه إجماعهم وخصومهم عليه والآية في أنّه : { خالق كلّ شيء } أخرجها مخرج عموم، ولم يجامعهم خصومهم على أنّ الله أراد بها الخصوص، كما جامع أهل القدر من خالفهم على خصوص الآي التي ناظروا بها الآيات الشاهدات على صدق أهل الإثبات في قولهم، وقد امتدح عزّ وجلّ بقوله: { خالق كلّ شيء } بإجماع ولو جاز لأحد أن يقول : هي خاصّة، لجاز لمن يزعم أنّ إبليس ليس بمخلوق وأنّ جميع الشرور ليست بمخلوقة لله على مقالة المنانية. انظر: الموجز لأبي عمار (السابق) ج2/58-59. انظر تحليل، د. فرحات الجعبيري في كتابه : البعد الحضاري (السابق) ص430.
(2) ج : يخصّه.
(3) في « أ » بتفسير، وهو خطأ من النّاسخ. (1/74)
صفحة 75
وقد جاء مع هذه الآية ما يؤكّد أنّها عامّة، قال : { وخلق كلّ شيء وهو بكلّ شيء عليم } (1) و { على كلّ شيء وكيل } (2) فإن كان قوله: { خالق كلّ شيء } خاصًّا فقوله : { بكلّ شيء عليم } خاص، لأنّ الاثنين (3) جاءتا مجيئا واحدًا وهذا الواو واوُ النسق (4) عند أهل اللّغة يرجع آخره إلى أوّله.
__________
(1) سورة الأنعام : 101 ولم ترد في النسختين حرف (الواو) في "خلق" فزدناها لتكون مثلما جاءت في القرآن الكريم.
(2) سورة الزمر : 62.
(3) ج : الآية.
(4) النّسق من كلّ شيء : ما كان على طريقة نظاّم واحد، عامّ في الأشياء. والاسم النّسق، وقد انتسقت هذه الأشياء بعضها إلى بعض أي تنسّقت. والنّحويون يسمون حروف العطف حروف النّسق لأنّ الشيء إذا عطفت عليه شيئا بعده جرى مجرى واحدا. ويقال ناسق بين الأمرين أي تابع بينهما.ونسق الأسنان: انتظامها في النبتة وحسن تركيبها، والنسق العطف على الأول، والفعل كالفعل. والنّسق ما جاء من الكلام على نظام واحد والنسق (بالتسكين) : مصدر نسقت الكلام إذا عطفت بعضه على بعض. انظر : لسان العرب لابن منظور، مادة (نسق) ج10/352-353. (1/75)
صفحة 76
وقد اتّفقت أمّة محمّد - صلى الله عليه وسلم - أنّ هذه الآية عامّة ما خلا ما ادّعته المعتزلة من إخراج الأفعال منها، ومن قال [إنّ] (1) القرآن غير مخلوق، وإن كل شيء داخل فيها ما سوى القرآن. فأخذنا بإجماعهم وتركنا ما اختلفوا فيه ممّا ادّعاه من أراد إخراج شيء منها. وقال : { جعل لكم سَرَابِيلَ تَقِيكُم بأْسَكُم } (2) . السرابيل هي من صنعة الخلق. قال الله عزّ وجلّ : { وعلّمناه صنْعَةَ لَبوسٍ لكم } (3) فأضاف الجعل إلى نفسه. ومعنى جعل في غير موضع من القرآن معناه خلق، قال : { وجعلنا اللّيل والنّهار } (4) وقال : { وجعلْنَا السَّماءَ سقْفًا مَحْفُوظًا } (5) . وقال : { خَلَقَكُم من نفْسٍ واحدةٍ وجَعَلَ منها زَوْجَهَا } (6) فحيث [ما] (7) ذكر "جعل" يدلّ على أنّه خلق.
__________
(1) 10) + من ج.
(2) 11) سورة النّحل : 81.
(3) 12) سورة الأنبياء : 80.
(4) 13) سورة الإسراء : 12.
(5) 14) سورة الأنبياء : 32.
(6) 15) سورة الأعراف : 189. يرى جمهور الإباضيّة أنّ الجعل في القرآن الكريم هو بمعنى الخلق لا غير ذلك، إذ عندهم لا فرق بين الجعلين سواء القرآن أو غيره من المخلوقات، فالقرآن مجعول وكل مجعول متغيّر وكلّ متغيّرٍ مُحْدِثٌ ينتجُ أنّ القرآن محدَثٌ كغيره من المخلوقات فالنزول والجعل، وقدرة الله على الذهاب بالقرآن، والتشابه، والمماثلة، والتفصيل، والحفظ، والتلاوة، والتجزؤ، والتنويع، الخ... كلّها تدّل عند الإباضيّة على الخلق ولأنّ الله { ليس كمثله شيء } فلا يوصف الخالق بما يوصف به المخلوق، ولا يوصف المخلوق بما يوصف به الخالق. فهذا القرآن المنزّل، المجعول... الموصوف بهذه الصفات الدّالة على خلقه لا بدّ من محدث وجاعل ومنزل ومفصّل له إلى غير ذلك من الأوصاف. انظر، د. فرحات الجعبيري: البعد الحضاري (السابق) ص357. البرادي : الجواهر المنتقاة (السابق) ص183 إلى 200. أبو عمار عبد الكافي : الموجز (السابق)، ج2/ 132-133.
(7) 16) + من ج. (1/76)
صفحة 77
وقال : { ومن آياتِهِ أن خَلَقَ لَكُمْ من أنْفُسِكُم أزواجًا لِتَسْكُنُوا إليْهَا وجَعَلَ، بَيْنَكم مَوَدَّةً ورحمةً } (1) فأضاف إلى نفسه جعل المودّة والرّحمة/[28]، والمودَّةُ والرَّحَمةُ أفعال (2) العباد. وقال : { ومن آياتِهِ خَلْقُ السّماواتِ والأرضَ واختِلاَفُ ألسِنَتِكُم وألوانِكُم } (3) إنّما المعْنَى في ذلك عندنا اختلاف اللغات التي هي فعلهم ولا يكون أن يجعل (4) من آياته ما ليس من فعله. وقال : { خَلَقَ السّماواتِ والأرضَ وما بيْنَهُمَا } (5) ولم يخرج ممّا بينهما شيئا، ولم تخرج الأعمال عن أن تكون بين السماء [والأرض] (6) . وقال : { وَقَدّرْنَا فيهَا السَّيْرَ، سِيرُوا فيها } (7) . وقال : { خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ } (8) ، وقال : { فثبّطَهُم وقيل اقعُدُوا مع القَاعِدينَ } (9) . وقال : { فلم تقْتُلُوهُم ولكِنّ اللهَ قَتَلَهُمْ، وَمَا رَمْيتَ إذْ رَمَيْتَ ولكنَّ اللهَ رَمَى } (10) . وقال: { وأسِّرُوا قولَكِم أو اجْهَرُوا بِه إنّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدورِ. ألاَّ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهو اللََََّطِيفُ الخَبيرُ } (11) .
__________
(1) 17) سورة الروم : 21.
(2) 18) ج : فعل.
(3) 19) سورة الروم : 22.
(4) 20) في "أ" الجعل.
(5) 21) سورة الفرقان : 59. سورة السجدة : 04 وأفعال الخلق بين السماء والأرض.
(6) 22) + من ج.
(7) 23) سورة سبأ : 18.
(8) 24) سورة الصّافات : 96. ذلك يدّل على أفعال العباد لا على الأصنام كما ذهب إلى ذلك المعتزلة، انظر : د. فرحات الجعبيري : البعد الحضاري (السابق) ص431. وأبو عمار : الموجز، ج2/60 وما بعدها.
(9) 25) سورة التوبة : 46.
(10) 26) سورة الأنفال : 17.
(11) 27) سورة الملك : 13-14 هذه الآية تشير بل تدلّ على أنّ ما أسرّ العباد، وما أظهروه فهو خلقه بقوله : { ألا يعلم من خلق } فكيف لا يعلم ذلك من خلقه محتجّا على من قال لا يكون الفعل مخلوقا..فقد ذكر تبغورين ابن داود الملشوطي أنّه إذا قيل لك : أربّك عالم. بجميع الأشياء ؟ فقل نعم، هو المقدّر لها والصّانع لها ولا يغيب الصّانع عن صنعته. وفسّر هذا السّؤال أبو عمار عبد الكافي الإباضي فقال : وهذا الجواب مأخوذ من قوله عزّ وجلّ : { ألا يعلم من خلق وهو اللّطيف الخبير } قال : أراد أن يدلّ عباده على أنّه عالم بجميع الأشياء إذ هو خالق لها فكيف يغيب الصانع عن صنعته، أي أنّه تعالى مشاهد لكلّ ذلك فقد قال تعالى : { وما كنّا غائبين } (الأعراف7). انظر: كتاب شرح متن الرّد على الجهالات لأبي عمار عبد الكافي(السابق) ص202. (1/77)
صفحة 78
وما يُشْبهُ هَذَا من القرآن كَثِيرٌ، فاقتصرنا على ما ذكرنا. وفي آية واحدة ما يقوم مقام هذه الآي وغيرها لأنّ القرآن يُصَدِّقُ بعضه بعضا ولا يُكَذِّبُ بعضه بعْضًا.
وأمّا ما بلغنا من سنّة النّبيّ عليه السّلام أنّه دعا لرجل فقال في دعائه : «اللّهمّ أنقه من الذّنوب [والخطايا] (1) كما ينقّى الثّوب الأبيض من الدّنس (2) والعباد يغسلون الثّياب. وقيل له [ - صلى الله عليه وسلم - ] (3) : سَعِّرْ لنا يا رسول الله. قال : « إنّ الله هو المُسِعّرُ » (4) . وأمّا القياس الّذي يضطرّ سامعه [إلى الإقرار به] (5) أنّا وجدنا الأفعال شيئا وهي محدثة بإجماع، فلو جاز أن يكون شيء محدث غير مخلوق لجاز أن يكون قديم غير خالق. ووجدنا الأفعال لا تبقى أكثر من حال، وأنّها/[29] لا ترى وأنها لا تقوم بنفسها وأن كيفيتها لا يعرفها الفاعل إلاّ بالدّليل.
__________
(1) 28) + من ج. وفي كتاب الموجز لأبي عمار عبد الكافي جاء هذا الحديث هكذا قال : وروي عنه أنّه قيل له: يا رسول الله لو سعّرت لنا سِعْرًا فقال:«إنّ الله هو المسعّرُ» والعباد يحمدون على أن يرخّصوا الأسعار ويذمون إذا غلّوها. أنظر:ج2/63 والحديث رواه مسلم في باب التسعير بصيّغة أخرى. والترمذي في البيوع وأبو داود بيوع، وابن ماجه : تجارات. وانظر المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي الشريف، لو نسنك، ج2/463. بالاشتراك مع محمد فؤاد عبد الباقي 7 أجزاء من سنة 1936/1969.
(2) 29) الدّنس يكون في الثياب : لطخ الوسخ ونحوه حتى في الأخلاق. وفي حديث الإيمان : كأن ثيابه لم يمَسّها دَنَسٌ.
(3) 30) + من ج.
(4) 31) هذا الحديث رواه الخمسة إلاّ النسائي. ومعنى هذا الحديث : أي أن الله هو الّذي يرخِص الأشياء ويغليها فلا اعتراض لأحد عليه، ولذلك لا يجوز التسعير. والتسعير: تقدير السّعر. انظر ذلك بتفصيل أكثر في كتاب الموجز لأبي عمار عبد الكافي بتحقيق عمّار طالبي، ج2/63.
(5) 32) - من ج. (1/78)
صفحة 79
فلو ذكرنا هذا قلنا: لا يخلو هذا الفعل الّذي بهذا المعنى أن يكون الإنسان فعله بهذه المعاني التي ذكرنا أو يكون عجز (1) عن شيء منها. فإن كان تولّى فعلها من جميع الجهات فهي لا ترى وهو قادر أن يجعلها وأن يجعلها تبقى وأن يجعل منها السّكون يجامع الحركة.
فإن قال قائل : إنّ هذا محال. قيل له: فمن أين استحال ؟ فإن قال : من قبل أنّها في طبعها لا تَرَى ولا تبقى قلنا : من تولى جعلها [لا ترى] (2) ولا تبقى ومن تولّى جعلَ الحسن منها حسنًا والقبيح قبيحًا؟ فإن قال : الإنسان، أظهر (3) خطأه وجهله على لسانه عند جميع من عقل، وذلك أنّه لا يقصد أحد أن يجعل فعله قبيحًا، فلمّا كان لا يقصد أن يجعل فعله قبيحا دلّ على أنّه لا يقصد أن يجعله حسنا فيجيئ قبيحا ما يدلّ على أنّه ليس بفعله من تلك الجهة إذ خالف قصده وإرادته وكلّ ما خالف قصده وإرادته خرج من فعله. فلمّا تبيّن عجزه عن أن يكون فعله من هذه الجهة التي ذكرنا أنّه عجز عَنْهَا ولَمْ يَبْقَ إلاّ أن يكونِ لها جاعلٌ جعلها على ما هي به أو تكون جعلت نفسها أو لا جاعل لها، فاستحال أن تجعل نفسها لعجزها عن ذلك. واستحال/[30] أن يكون جَعْلٌ لا جاعل له فلم يبق إلاّ أن يكون لها جاعل جعلها على ما هي عليه فدلّ[ذلك] (4) على أنّ الله جعلها كذلك على معنى خَلَقَهَا. وليس في جعل القبيح قبيحا والحسن حسنا قبح ولا ذمّ، فأضفنا لله (5) ما أضاف إلى نفسه من الإضافة التي لا تضاف إلى أحد سواه من أنّه خلق وأنشأ ودبّر وخَالَفَ بينَ القبيح والحسن وبين الكفر والإيمان فجعل الإيمان حسنا (6) والكفر قبيحا، فأضفنا إلى الإنسان الفعل بالمعنى الّذي فعله به ممّا لا يصْلُحُ أن يضاف [إلى غيره] (7) فأضفنا إليه أنّه تحرّك وسكن وقارف وعنى وعالج، وكفر وآمن.
__________
(1) 33) ج : يعجز.
(2) 34) - من ج.
(3) 35) ج : أظهر الله.
(4) 36) - من ج.
(5) 37) ج : إلى الله.
(6) 38) ج : + وجعل.
(7) 39) + من : ج. (1/79)
صفحة 80
فهذه المعاني مضافة إليه أنّه فعلها وقصد إليها واكتسبها وأرادها. ونَفَيْنَا أن تُضَافَ إلى الله تعالى بهذه الإضافة لأنّه يتحرّك ولم يسكن ولم يكفر ولم يصلّ ولم يصم ولم يحجّ، فأضفنا إلى كلّ واحد ما تحسن به الإضافة إليه. وذلك أنّا نظرنا إلى الآيات التي احتجّت بها المعتزلة والآيات التي احتجّت بها المجبرة والمجبلة فضربنا بعضها ببعض، وذلك أنّ المعتزلة احتجوا (1) بقول الله : { اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ } (2) وبقوله : { فَطَوّعَتْ له نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ } (3) وقال: { جَزَاءً بما كَانُوا يَعْمَلُون } (4)
__________
(1) 40) ج : احتجت.
(2) 41) سورة فصّلت : 40. يرى أبو عمار أن هذه الآية وما شابهها من كتاب الله هو أنها تثبت الاختيار للعباد في أفعالهم والنفي عنهم أن يكونوا مجبورين مستكرهين، إذْ غلطت الجهمية ومن أخذ أخذهم من أصناف المجبرة فتأوّلوا قول الله عزّ وجلّ { يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء } (النحل:93 وفاطر:8). وقوله : { وما تشاءون إلاّ أن يشاء الله } (الإنسان : 30- التكوير :29). إلى غير ذلك من الآيات، قال فحملوا ذلك على الاختيار للعباد فيما فعلوا ولا قصد لهم ولا إرادة فيما أتوا بأنّ الله هو الفاعل لهم جميع ذلك فغلطوا كما ترى... انظر كتاب شرح الجهالات (السابق) ص329.
(3) 42) سورة المائدة : 30. وكان ممّا احتجّت به القدرية من كتاب الله عزّ وجلّ هو هذه الآية الكريمة التي استدلوا بها على نفيهم لخلق أفعال العباد وكذلك الآية : { بل سوّلت لكم أنفسكم أمرا } (يوسف : 18)، وقوله تعالى : { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله } (التوبة : 105)، وقوله : { جزاء بما كانوا يعملون } (السجدة : 17). انظر في ذلك كتاب الموجز لأبي عمار عبد الكافي (السابق) ج2/55.
(4) 43) سورة الأحقاف : 14. الواقعة : 24..وغلطت القدرية في نفيهم القدر على الله عزّ وجلّ في أفعال العباد في كلّ شيء منسوب إلى العباد، وتأوّلوا آيات من كتاب الله عزّ وجلّ منّها قوله : { جزاء بما كانوا يعملون } { وأعملوا ما شئتم } (فصلت40). و { سوّلت لكم أنفسكم أمرا } (يوسف : 18و83) في آي من القرآن ما يثبت الاختيار للعباد في أفعالهم والنفي عنهم أن يكونوا مجبورين مستكرهين. انظر: كتاب شرح متن الرّد على الجهالات، (السابق) ص328-329. (1/80)
صفحة 81
و { يكْسِبُونَ } (1) وقال : { أدْخُلُوا الجَنََّةَ بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ } (2) فهذه الآي تدلّ على أنّ الإنسان (3) يفعل باكتساب (4) واقتصاد ورويّة.
واحتجّت المجبرة بقول الله : { طَبَعَ اللهُ على قُلُوبِهِم } (5) وَجَعَل عَلَى قُلوبِهِم أَكِنَّةً } (6) / [31] و { خَتَمَ اللهُ عَلى قُلوبِهمِ } (7) وقال : { ولقد ذَرَأْنَا لِجَهنَّمَ كَثِيرًا منَ الجِنِّ والإنْسِ } (8) { ومَا تَشَاؤُونَ إلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ } (9)
__________
(1) 44) سورة التوبة : 82-95.
(2) 45) سورة النحل : 32.
(3) 46) ج : الإيمان.
(4) 47) ج : فعل باكتساب.
(5) 48) سورة التوبة : 93، النحل : 108.
(6) 49) سورة الأنعام : 25.
(7) 50) سورة البقرة : 7 وأجاب أبو عمّار عبد الكافي الإباضي في كتابه الموجز عن سؤال الجهمية عن معنى هذه الآية وغيرها من الآيات الكثيرة فقد ذكر أنّ هذه الآيات ليس فيها ما يفيد أنّ لله في ذلك حكما، ولا له عليه ملك، ولا سلطان، وأنّ ذلك غير مضاف إلى الله، ولا منسوب إليه بوجه من الوجوه ولا بسبب من الأسباب، وكذلك قوله تعالى : { يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء } فردّ عليهم في قولهم : لا يخلو الفعل من أن يكون جميعه لله، أو يكون جميعه للعبد، بأنّ قولهم هذا خطأ لأنّهم معترفون بأن الفعل ما كان بهذه الصفة لا يحتمل التّجزية ولا يوصف بالجهات، فينبغي أن يكون الفعل بذلك مضافا جميعه إلى الله عزّ وجلّ، لأنّه أضاف ذلك إلى نفسه بأن خلقه وجعله في قلوب الفاعلين فأضلّهم الله به وهداهم، ولثبوت عجز العبد عن أن يجعله بكفيته التي هو بها. انظر : الموجز، ج2/88-89.
(8) 51) سورة الأعراف : 179.
(9) 52) سورة الإنسان : 30. سورة التكوير : 29..قال تبغورين : هذه الآية وآية سورة الكهف (23-24) فيهما ما يثبت أنّه أراد أفعال العباد، وأنّه لم يخرج شيئا من إرادته ومشيئته فيقال لهم كما يقال للثنوية : أيّ إرادتين أنفذ إرادة الله أم إرادة العبد ؟ إن زعمتم أن كلاّ منفرد بفعله وإرادته كما قال من زعم أنّ ثمّ إلاهًا آخر انفرد كل إله بما صنع وردّ الله عليهم بقوله : { وما كان معه من إلهٍ إذًا لذهب كلّ إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض } (المؤمنون : 92) الخ... انظر هذا بتفصيل أكثر في كتابه أصول الدين (بتحقيقنا) ص85-86. (1/81)
صفحة 82
وقال: { يُضِلُّ من يشاءُ ويَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } (1) وما يشبه (2) هذه الآيات التي تدلّ على خلّقِ الأفعال، فأخذنا من ذلك بالوسط (3) وهو أعدل القولين وأصوبهما، فنفينا عن الإنسان ما ليس من فعله، وأضفنا ذلك إلى الله بالمعنى الّذي [يحسن] (4) به الإضافة إليه وهو ما قدّمنا. وأثبتنا لله القدرة على الأشياء والتدبير لها وأنّه مالكها وربّها وإلاهُهَا. ولم نَصِفْهُ بما وصفته به المعتزلة من خروج أكثر الأشياء من تدبيره وقدرته وسلطانه، تعالى الله (5) علوّا كبيرا عمّا يقوله المبطلون.
__________
(1) 53) سورة النحل : 93، سورة فاطر : 08، سورة المدثر : 31. ذهب البعض من أهل القدر في تأويل هذه الآية إلى أنّ ذلك على وجه التسيمة والحكم عليهم بالضلالة وبالهداية، وقال فريق منهم : يضلهم بنسبهم إلى الضلالة ويهديهم : يبيّن لهم ويرشدهم، فخالفوا بين الحكمين، وليس ما ذهبوا إليه من ذلك بشيء، فذهب أبو عمار والإباضيّة إلى أنّه ينسب الهادي إلى الهداية ويسمّيه بها، ويحكم بها عليه وينسبون الضلال إلى الضلالة ويسمونه بها، ويحكمون بها عليه، فما معنى هذه الإضافة التي أضافها الله إلى نفسه، واستخصّ بها دون خلقه، بأنّه : (يضل من يشاء ويهدي من يشاء) ؟ وما فائدتها لو كان الأمر على ما ذهب إليه أهل القدر من ذلك ؟ مع أطباق أهل اللّغة على أنهم لا يجدون شيئا من لغة العرب أفْعلت الرجل بمعنى نسبته، وإنّما يقال : في معنى نسبته فعلّت : كفّرت الرجل، وخيّنته وسرقته، وخطّأته، وظلّمته، وضللّته، وفسقته، وفجّرته، ولحنتة، ولا يُقال في مثل هذا أفعلته، وأنت تريد نسبته إلى ذلك، هكذا حفظ عن الأصمعي والكسائي وغيرهما من أيمّة اللّغة... انظر الموجز لأبي عمار (السّابق) ج2/60و61.
(2) 54) ج : وما أشبه.
(3) 55) ج : الأوسط.
(4) 56) + من ج.
(5) 57) أ : تضيف بعد (الله) : [عن ذلك]. (1/82)
صفحة 83
ونفْينَا عنه الجوْر ولم نَصِفْهُ بما وصفته به المجبرة والمجبلة أنّه يثيب العباد الثّواب الجزيل ويعاقبهم العقاب الأليم [على] (1) غير ما فعلوا، وتركوا ما حكْيناه [ممّا قدّمنا] (2) من الآي التي تثبت القصد والإرادة والكسب ونفي الظلم والجوْر عن الله عزّ وجلّ، وأن يكون يأمر العباد وينهاهم عن فعله ثمّ يعاقبهم ويثيبهم على ما فعل بهم. وفي إثبات الأمر والنهي ما يبطل الجبر والاستكراه والجبْلَ. وفي هذا حجّج كثيرة تركتها لئلاّ يطول بها الكتاب. وفي ما ذكرنا كفاية لمن أراد الله توفيقه وهُداه.
نسأل المعتزلة عن هذه الآي اللاّتي ذكرنا فيها الإضافة إلى الله ممّا تحسن به الإضافة، أخبرونا عن قوله : { أولئك كتب (3) في قلوبهم الإيمان } (4) وقوله : { وجَعَلْنَا في قلوبِ الّذينَ اتّبعُوهُ رأْفَةً ورحْمَةً } (5) والرّأفة والرّحمة من أفعال العباد،/[32] ما معنى هذا الجَعْلَ ؟ فإن قالوا:[معناه] (6) سمّى وحكم أنّه إيمان. قلنا : لسنا نسألكم عن التّسمية والحكم، ولكن نسألكم عن المعاني التي أضاف الله جعْلها إلى نفسه. ولو كان المعنى [على] (7) ما قلتم لقال : حكم الله على أنّ في قلوبهم الإيمان. وسمّى أنّ في قلوبهم الإيمان (8) ، وذلك الجائز في اللّغة المعروفة التي تعارف النّاس بها.
وأمّا ما ذكر الله وأضاف إلى نفسه أنّه جعله وأمَرَ به عباده المؤمنين واختصّهم به دون الكافرين. لو كان التسمية والحكم على ما قلتم لجاز أن يقال : جعل الله الكفر في قلوب الكافرين والسّخط واللّعنة في قلوب المشركين على معنى سمّى اللّّعنة والكفر في قلوب الكافرين وحكم بذلك إذا كان مذهبهم إلى الحكم والتّّسمية.
__________
(1) 58) - من ج.
(2) 59) + من ج.
(3) 60) أ + ب : جعل، وهو خطأ.
(4) 61) سورة المجادلة : 22.
(5) 62) سورة الحديد : 27.
(6) 63) + من ج.
(7) 64) + من ج.
(8) 65) - من ج. (1/83)
صفحة 84
وفي امتناعكم أن تجيزوا أنّه جعل الكفر في قلوب الكافرين على معنى سمّى وحكم ما يبطل ما ادّعَيتم في الإيمان من التّسمية والحكم ونحن إنّما سألناكم عن المعاني فأجبتم بما لم نسألكم عنه. ويقال لهم : أخبرونا عن الإيمان في نفسه، أحَسَنٌ هو أم (1) قبيحٌ ؟، وعن الكفر، أقبيح [هو] (2) في عينه ؟ ولسنا نسألكم عن التّسمية والحكم. فإن قالوا : الكافر جعل الكفر قبيحا في عينه والمؤمن جعل الإيمان حسنًا. فمن أحْسَنَ فِعْلاً ؟ من جعل الكفر قبيحا متناقضا مذموما خلاف الإيمان، أو من جعل الإيمان حسنًا ؟ مع ما تقدّم من الحجّة أنّ الفعل حسنا وقبيحا ليس من فعل الإنسان، لأنّا وجدناه يقصد إلى أن يكون فعله حَسَنًا فيجيئ قبيحا/[33] ويقال لهم : أخبرونا عن هذا الإيمان الّذي زعمتم أنّ الإنسان فعله حسنا، أهو خير أو ما خلقه الله وتولّى فعله من السّموات والأرض ؟ فإن قالوا : السّموات والأرض أفضل من توحيد الله، و (3) الشّيطان والكلب والخنزير أفضل من توحيد الله لأنّهم من خلق الله، والتّوحيد من العباد. فإن تجاسروا على هذا وتحاملوا عليه باَنَ جميع ما خلق الله.
__________
(1) 66) ج : أو هو أولى.
(2) 67) - من ج.
(3) 68) ج : أو أن. (1/84)
صفحة 85
ويقال لهم : إذا زعمتم أنّكم فعلتم أفضل الأشياء وأنتم المتولّين لتفضيله، فمّن أحسن إليكم من فعل بكم الفاضل أو من فعل بكم، المفضول ؟ فإن قالوا ممّا فعل الله بكم من خلقه أسماعكم وأبصاركم وجميع ما أنعم به عليكم، فأنتم أوجب شكرا لأنفسكم ممّا فعل الله بكم، لأنّكم فعلتم بها الأفضل، وفعل الله بكم المفضول فأنتم أحسن إلى أنفسكم من الله إليكم. وإن أعطاكم الله الثّواب وأدخلكم الجنّة على ما ادّعيتم من قولكم لم (1) يجازيكم بما فعلتم لأنّ فعلكم على ما زعتم في التّوحيد الّذي هو أفضل الأشياء أعظم ممّا أعطاكم الله من الثّواب. وإن رجعوا عن هذا ولم يجسروا عليه وقالوا لم يجعل الإيمان حسنًا ولا الكفر قبيحا دخل عليهم ما ذكرنا في أوّل الكتاب أنّ الإيمان/[34] لم يكن حسنا بفعل الإنسان ولا الكفر قبيحا بفعل الإنسان، فإنّ الله جعل الإيمان حسنا في نفسه خلاف الكفر، طاعة لا معصية، وجعل الكفر قبيحا متناقضا مذموما خلاف الإيمان.
__________
(1) 69) أ + ب : ثمّ. وهو غير سليم. وفي هامش "أ" لما ولعله نقل عن نسخة أخرى. ولعلّّ ما أثبتناه أسلم. (1/85)
صفحة 86
فإن قالوا : أخبرونا عن ما فعلتم من الإيمان الّذي هو خلق الله، أفتقولون أنّكم فعلتم خلق الله ؟ قلنا : لا يجوز بهذا اللّفظ، والجائز أن يقال : فعلنا على معنى تَحرّكنا وسَكَنّا، وخلق الله حَرَكَتََنا وسُكُونَنَا من غير أن نتحكرّك أو نسكُن وقد تقدّم لنَا في هذا ما يُغْنِي عن إعادته، وذلك أنَّا نَسَبْنَا الفعل إلى الإنسان بمعنى ما فعَلَ ونسبنا إلى الله الخَلْقَ بمعنى ما خلق. فإن قالوا : لا يخلو هذا الفعل أن يكون الله منفردا به أو الإنسان منفردا به أو مشترك بين الله والإنسان. قلنا : قد خلا ممّا ذكرتم. أمّا معنى ما ذكرتم أن يكون الله منفردا به فإنّ من أفعال الخلق الكفر والإيمان، والصّدق والكذب، والحركة والسّكون، فنفينا أن يكون الله منفردا بما فعل الإنسان من ذلك فيقال : (إنّ الله كفر أو تحرّك أو سكن) (1) وقد خلق ذلك من الإنسان. ونفينا أن يكون الإنسان انفرد بالفعل دون أن يكون الله خالقًا لما فَعَلَ للذي قدّمنا ممّا بَانَ لنا من عجزه على أن يجعل الفعل قبيحا أو حسنا، (أو يرى أو يبقى) (2) . فلمّا تبيّن عجزه تبيّن أنّ ما عجز عنه ليس بفعله.
__________
(1) 70) ما بين قوسين جاء هكذا في النسختين، وهو غير سليم، والصواب الّذي نراه هو أنّ يقول الكاتب : (كفّر الكافر وحرّك الساكن أو سكن المتحرك).
(2) 71) لعلّ صواب ما بين قوسين هو : (يزيل أو ينفي). (1/86)
صفحة 87
وأمّا ما ذكرت من الشّركة هو أنّ يتّفق/[35] الفاعلانِ في وجه الفعل فإن كذب أحدهما كذب الآخر فيكونان متّفقين كالرّجلين يُخْبِران بخبر واحد، أو مائة رجل مشتركان على معنى أنّهما متّفقان. أو كرجال على قتل رجل، فهم مشتركون في قتله، والقتل يلزمهم جميعا. ويُسمّى كلّ واحد منهم قاتلا. وقد يشترك في فعل الحركة من لم يدخل في فعل الحركة، ألا ترى أنّ اليد تتحرّك ويشترك في حركتها (1) الرِّجل وسائر الأعضاء لأنّ الفعل للجميع وهو الإنسان بجميع أجزائه، وكذلك يشترك في الّذي ذكرنا من [أنّ] (2) الرّجل يشترك في قتله جماعة فكلّ يلزمه اسم القتل. والقتل لا يتجزّأ وهو فعل واحد (3) .
__________
(1) 72) في "أ" حركته، وما أثبتناه من ج.
(2) 73) - من ج.
(3) 74) إن جمهور الإباضيّة يرون أنّ المعتزلة قد غلطت في نفي خلق العباد من حيث غلطت الجهمية وأصناف المجبرة في إثبات الجبر للعباد وأوتي على الفريقين جميعا من قبل غلطهم في جهات الفعل وجهلهم بها وذلك أنّ المعتزلة قالت : لمّا ثبت حمد الله على الفعل وذمّه، ووصف الفاعل بالاختيار له، ثبت أنّه فعله، وبطل أن يضاف إلى غيره، لأنّه غير متجزّ، وغير جائز أن يكون فعلا من فاعلين. وقالت الجهمية : لمّا كانت الأعمال بمعانيها التي هي بها من اختلاف ما اختلف منها، واتّفاق ما اتّفق، وثبت عجز العباد عنها من هذه الوجوه أنّ تكون لهم فعلا، بطل أن تكون للعباد فعلا بوجه من الوجوه لأنّ الفعل غير متجز ولا يجوز أن يكون مضافا إلى فاعلين، فغلط أهل الجبر، ولم ينظروا إلى ما ثبت من الحمد والذّم والأمر والنّهي والاختيار للفعل المفعول عن المتروك..وغلط أهل القدر حين لم ينظروا إلى ما ثبت من عجز العباد عن أن يجعلوا أفعالهم على ما هي به من كيفيتها، وأعيانها من اختلاف ما اختلف منها واتّفاق ما اتّفق، وفي غلط الفريقين فيما غلطوا فيه، دليل على أنّ الفعل من جهة عجز الفاعل عنه ونفي أن تكون له فيه قدرة عليه خلق الله، وأنّه من جهة ما يثبت قدرة الفاعل عليه واختياره وإجازة الإضافة به إليه فعله. انظر كتاب الموجز لأبي عمار عبد الكافي (السابق) ج2/68-69. (1/87)
صفحة 88
وقد يكون فيهم طفل أو مجنون ومن أُحِلّ (1) له قتله ومن حرّم عليه قتله، وآخر متعمّد وآخر خطأ، فهذا فعل واحد من جماعة الفاعلين. والّذي أضفنا إلى الإنسان (2) من الفعل فهو كلّه من الجهة التي أضفنا (3) إليه أنّه يتحرّك، وسكن وكفر وآمن لَمْ يشاركه من هذه الجهة أحد. والّذي يضاف إلى الله أنّه خَلقَ فعل العباد، فالفعل كلّه مخلوق ولم يشترك الله في خلقه أحد (4) . والله خلقه من العبد [عملا] (5) وخالف [بينه وبين ما خالفه] (6) من الأشياء. فقد أجبناهم فيما سألونا عنهم.
__________
(1) 75) ج : حلّ.
(2) 76) في « أ » الإيمان والّذي أثبتناه من ج.
(3) 77) في « أ » أضفت. والّذي أثبتناه من ج.
(4) 78) + من ج.
(5) 79) لعلّ الصواب هو أن يقال : لم يشرك الله في خلقه أحد.
(6) 80) ما بين معقوفتين من ج. وجاء في "أ" : وخالف الله. وأنّ ما خالفه من الأشياء. وما أثبتناه أصحّ. (1/88)
صفحة 89
ونحن سائلوهم فيقال لهم : أخبرونا عن حركة المضطرّ (1) ، أمخلوقة هي ؟ فإن أنكروا خلقها لحقوا [بأصحاب الطّبائع] (2) . فإن أقرّوا بخلقها فذلك قولهم. يقال لهم:أرايتم النّاظر إلى المتحرّك والمضطرّ/[36] والنّاظر إلى المتحرّك المكتسب [هل يميز بينهما] (3) في أعيانهما في أنّ هذه حركة وهذه حركة، فإنّما فرق بينهما أنّ حركة المكتسب بإرادة، فالإرادة معنى غيرها، فأنتم فعلتم حركة الاكتساب والله خلق حركة الاضطرار، فقد أشبه فعلكم فعل الله فأنتم خالقون لفعلكم كما أنّ الله خالق لحركة المضطر. فإن قالوا:نعم [وذلك] (4) يلزمهم، فمن قال [لا خالق إلاّ الله فقد أخطأ. وكذلك يلزمهم أن يكونوا آلهة لأفعالهم وأربابها] (5) . فمن قال لا إله إلاّ الله أخطأ، تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا.
__________
(1) 81) إنّ الله تعالى لا يوصف بالحركة والسكون لأنّ الحركة والسكون لا يوصف بهما إلاّ الجسم، والجسم لا يكون إلاّ محدودا ذا نهاية وطول وعُرض والله تعالى عن ذلك علوا كبيرا. ولا يخلو المتحرك من أن يكون عند الإباضيّة متحرّكا باكتساب أو باضطرار، فإذا كان باكتساب فالّذي تجري عليه حركة الاكتساب لا يكون ممتنعا من حركة الاضطرار، أرأيت إذا هزّه غيره أيكون متحرّكا أمّ لا ؟ والله عزّ وجلّ يتعالى عن جميع هذه الصفات علوا كبيرا. أنظر: كتاب شرح الجهالات (السابق) ص 362 و 121/122.
(2) 82) في « أ » بياض مقدار كلمتين وما بين معقوفتين من ج.
(3) 83) في « أ » بياض مقدار كلمتين والّذي أثبتناه من ج.
(4) 84) في « أ » يلزمهم.
(5) 85) مابين معقوفتين سقط من ج. (1/89)
صفحة 90
ونحن سائلوهم عن الآيات التي احتججنا بها عليهم. فيقال لهم: أخبرونا عن قوله : { وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا } (1) [فإن قالوا : إنّما أراد المُسَار فيه من المنازل والقرى يقال لهم : إنّما ذكر الله السّير فقال: { سيروا فيها } [أنّ قوله سيروا] (2) فيها، أنّ فيها غير السّير، ألا ترى أنّ مصدر سيروا في اللّغة : سيروا سَيْرًا. وقوله « فيها » يدلّ على المنازل المُسار فيها لا السّير الّذي هو فعلهم. لو أراد المنازل كما ذكرتم لم يقل فيها، فالسّير هو فعل العباد، والله قدّر منهم السّير وهم ساروا (3) . وقال في موضع آخر : { هو الّذي يُسَيّرُكُمْ في البرّ والبحر } (4)
__________
(1) 86) سورة سبأ : 18.
(2) 87) - من ج.
(3) 88) يقول الشّيخ محمّد الطّاهر بن عاشور في تفسير الآية من سورة سبأ (18) : ومعنى تقدير السير في القرى أنّ أبعادها على تقدير وتعادل بحيث لا يتجاوز مقدار مرحلة. فكان العادي يقبل في قرية والرّائح يبيت في قرية. فالمعنى : "قدّرنا" ممّا فات السير في القرى، أي في أبعادها. ويتعلق قوله "فيها" بفعل "قدّرنا" لا بالسير لأنّ التقدير في القرى وأبعادها لا في السير إذ تقدير السير تبع لتقدير الأبعاد. وجملة "سيروا فيها" مقول قول محذوف. وجملة القول بيان لجملة "قدرنا" أو بدل اشتمال منها. وهذا القول هو قول التكوين وهو جعلها يسيرون فيها. وصيغة الأمر للتكوين. وضمير "فيها" عائد إلى القرى، والظرفية المستفادة من حرف الظرف تخييل لمكنيةٍ، شبّهت القُرى لشدة تقاربها بالظرف وحذف المشبّه به ورُمِزَ إليه بحرف الظّرفية. والمعنى: سيروا بينها، وسيروا كيف شئتم. أنظر : التحرير والتنوير، ج22/175-176.
(4) 89) سورة يونس : 22.. (1/90)
صفحة 91
وأضاف السّير الّذي فعلهم إليه (1) .
__________
(1) 90) قال أبو عمار عبد الكافي في تفسيرها : هو أنّ ذلك فعلهم أي فعل النّاس، قال فأضافه إلى نفسه كما ترى، فالفعل منهم لكن أضافته إلى الله واجبة لأنّ الإباضيّة ينسبون الأفعال إلى الله تعالى، فإنّ العالم بأسره جواهرة وأعراضه، وما فيه من خير وشر، وطاعة، ومعصية، خلقه الله ودبّره، وأنّ الله مقدرّ كل ذلك، وصانعه، ولا شيء من ذلك بخارج عن قدرته وإرادته، وعلمه وتقديره، سواء في ذلك ما يضاف إلى العباد وما لا يُضاف إليهم وليس في أن أفعال الإنسان مضافة إليه بالكسب والاختيار، ما يزيل تدبير الله لها، وخلقه إيّاها، لأنّ الله هو الّذي أحدثها.... أنظر كتاب الموجز لأبي عمار عبد الكافي. ج1/240. (1/91)
صفحة 92
وسألناهم عن قوله : { وَأَسِرّوا قَوْلَكُمْ أوِ اجْهَرُوا به، إِنَّهُ عليمٌ بذات الصّدُور. أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهْوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ } (1) . ما معنى: { ألا يعلم من خلق ؟ } فإن قالوا عَنَى (2) الصّدور فإنّما ذكر السّرّ الّذي في الصّدور، أنّه يعلمه، ثمّ [ثَنَّى ووَكّدَ فقال:ألا يَعْلَمُ] (3) من خَلَقَ دلّ (4) على أنّه خلق السّرّ فكيف لا يعلمه (5) .
__________
(1) 91) سورة الملك : 13-14. وهي أقوى دليل علىّ أنّ ما أسرّ العباد وما أظهروه من خلق الله تعالى، ويؤكّد على أنّ فيها احتجاجًا على من قالوا لا يكون الفعل مخلوقًا. وزاد أبو عمّار آيات استند إليها مبيّنا إضافة الفعل إلى العباد لأنّ ذلك فعلهم كما بيّن ما أضافه سبحانه إلى نفسه بما تحسن به الإضافة. انظر:الموجز(السّابق)، ج2/59-60.
(2) 92) في أ + ب : أعنا.
(3) 93) + من ج.
(4) 94) ج : يدل.
(5) 95) قال أبو عمار عبد الكافي الإباضي في كتابه الموجز : فدّل الله على أنّ ما أسر العباد، وما أظهروه فهو خلقه بقوله : { ألا يعلم من خلق } يقول تبارك وتعالى، كيف لا يعلم ذلك من خلقه محتجا على من قال لا يكون الفعل مخلوقا ونسى الآيات الكثيرة التي تدلّ على خلق الأفعال من الله وأنّه تعالى أضافها إليه رغم أنها من فعل الإنسان ظاهريا. مستدلا بقوله تعالى : { والله خلقكم وما تعملون } سورة الصافات96. انظر الموجز، ج2/ص60..وقال الشّيخ محمّد الطّاهر بن عاشور: وجملة { ألاّ يعلم من خلق } استئناف بياني ناشئ عن قوله : { إنّه عليم بذات الصّدور } بأن يسأل سائل منهم : كيف يعلم ذات الصّدور، والمعروف أنّ ما في نفس المرء لا يعلمه غير نفسه ؟ فأجيبوا بإنكار انتفاء علمه تعالى بما في الصّدور فإنّه خالق أصحاب تلك الصّدور، فكما خلقهم وخلق نفوسهم جعل اتّصالا لتعلّق علمه بما يختلج فيها، وليس ذلك بأعجب من علم أصحاب الصّدور بما يدور في خلدها، فالإتيان بـ(من) الموصولة لإفادة التّعليل بالصّلة. انظر التّحرير والتّنوير، ج29، ص30. (1/92)
صفحة 93
ويقال لهم :/[37] أخبرونا عن قوله : { فَثَبّطَهُمْ وقيل اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ } (1) . ما معنى هذا التّثبيط الّذي أضاف (2) إلى نفسه ؟ فما قالوا من ذلك فلا مخلص (3) لهم. وإن قالوا : أقعدهم وأمرهم بالقعود، فقد فعلوا ما أمرهم به فلا لوم عليهم، إذ فعلوا ما أُمِرُوا به. هذا وعيد لهم (4) على القعود، وقد أضاف تثبيطهم إليه لأنّه خلقه وقدّره وعلم به (5) لا يخرجون إلى الجهاد، وقدّر عليهم القعود.
__________
(1) 96) سورة التّوبة 46.
(2) 97) ج : أضافه.
(3) 98) ج : محيص.
(4) 99) في « أ » بياض. وفي ج : وعيد له.
(5) 100) ج : أنّهم. (1/93)
صفحة 94
ويسألون عن قوله : { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلِكِنَّ الله قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلِكِنَّ الله رَمَى } (1) .
__________
(1) 101) سورة الأنفال 17. وجاء في تفسيرها عند الشّيخ محمّد الطّاهر بن عاشور : هو أنّ القتل الحاصل كان معجزة للرّسول - صلى الله عليه وسلم - وكرامة لأصحابه، وأصل الخبر المنفي أن يدلّ على انتفاء صدور المسند من المسند إليه، لا أن يدلّ على انتفاء وقوع المسند أصلا فلذلك صحّ النّفي في قوله : { فلم تقتولهم } مع كون القتل حاصلا، وإنّما المنفي كونه صادرا عن أسبابهم. ووجه الاستدراك المفاد بلكن أنّ الخبر نفى أن يكون القتل الواقع صادرا عن المخاطبين فكأنّ السّامع بحيث يتطلب أكان القتل حقيقة أم هو دون القتل، ومن كان فاعلا له، فاحتيج إلى الاستدراك بقوله : { ولكن الله قتلهم } . وقوله تعالى هذا دون أن يقال : ولكن قتلهم الله، لمجرد الاهتمام لا الاختصاص. لأنّ نفي اعتقاد المخاطبين أنّهم القاتلون قد حصل من جملة النّفي، فصار المخاطبون متطلبين لمعرفة فاعل قتل المشركين فكان مهمّا عندهم تعجيل العلم به. أمّا قوله تعالى: { وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى } أي وما أصبت أعينهم بالقذى ولكنّ الله أصابها به لأنّها إصابة خارقة للعادة فهي معجزة للنّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وكرامة لأهل بدر فنفيت عن الرّمي المعتاد وأسندت إلى الله لأنّها بتقدير خفيّ من الله، ويكون قوله { إذ رميت } مستعملا في معناه الحقيقي. وكان من المعلوم أن الموت قد يحصل من غير فعل فاعل غير الله... والرّمي واقع هنا من يد الرّسول..ولكن المراد نفي تأثيره، فإنّ المقصود من ذلك الرّمي إصابة عيون أهل جيش المشركين وما كان ذلك بالّذي يحصل برمي اليد، لأنّ أثر الرّمي من البشر لا يبلغ أثره مبلغ تلك الرّمية، فلمّا ظهر من أثرها ما عمّ الجيش كلّهم، علم انتفاء أن تكون تلك الرّمية مدفوعة بيد مخلوق، ولكنّها مدفوعة بقدرة الخالق الخارجة عن الحدّ المتعارف، وأنّ المراد بإثبات الرّمي في قوله { ولكنّ الله رمى } كالقول في { ولكنّ الله قتلهم } . انظر التحرير والتّنوير، ج9/295-296. ويتّفق الشّيخ محمّد بن يوسف اطفيش في تفسيره لهذه الآية مع الشّيخ محمّد الطّاهر بن عاشور، فيقول :« وأفعال العباد بخلقه تعالى، وكسبها لها ومباشرتها، فهو رمي كسبا والله تعالى رمى خلقا وتأثيرا، ولو شاء الله لم يصلهم الرّمي أو يصلهم ولا يؤثّر فيهم، وجميع أفعال العباد بخلق الله تعالى وكسبهم وللعبد قدرة مؤثرة يخلقها الله إن شاء، وإن شاء أبطلها فلم تؤثر، والمشهور أنّه لا أثر له، أي لا يؤثّر إلاّ بخلق الله عزّ وجلّ تأثيره، ومشهور الأشعريّة أنّ له قدرة غير مؤثّرة، أي لا تؤثّر بذاتها فالخلاف لفظي، أَوَلَمْ يُسَمّوا ما للعبد تأثيرا. وزعمت المعتزلة أنّ له قدرة يفعل بها ما لا يشاء الله عزّ وجلّ. وقالت المجبرة : لا قدرة للعبد أصلا... إلى آخر التّفسير فأنظره في مكانه ». انظر تيسير التّفسير، ج4/327-328. (1/94)
صفحة 95
ما معنى هذا القتل والرّمي الّذي أضاف إلى نفسه ؟ فإن قالوا : أيّده وبَلّغ رَمْيَتَهُ حيث (1) بلغت، فنحن لا ننكر.................................................................................................................................. (2)
فالتّدمير معطوف على الكافرين ثمّ وصف ذلك وأوضحه بقوله : { فأصبحوا لا يُرى إلاّ مَسَاكِنُهُمْ } (3) فتبيّن (4) أنّها أمرت بمن عصى وكفر ولم يبق منهم أحد (5) . " فالكلّ " لمن أمرت بتدميره، فلم يبق منهم أحد وهي عامّة فيمن أُمرت به، وخاصّة (6) فيمن لم تؤمر به. وكذلك قوله: { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيءٍ } (7) من الرخاء الّذي أعطوه فهي عامّة فيما أعطوه، ولم يفتح عليهم أبواب العذاب. ألا ترى قوله : { حَتَّى إذا فَرِحُوا بما أُوتُوا } (8) يدلّ بذلك أبواب ما أعطوه وليست بأبواب ما لم يعطوه، وهذا كلّه معقول بنفس الآية أن الكلّ فيها أراده الله وأنّ (9) الكلّ فيها إضافة الله إلى نفسه، ووصف به علمه وقدرته، ولم يأت في الآيات شيء لم يعلمه ولم يقدر عليه ولم يخلقه كما جاء في غيرها من الأشياء (10) . ولو كان كلّ شيء خاصّ لما ثبتت لهم حجّة على من أنكر خلق القرآن أبدا، ولا على أصحاب الطّبائع الّذين أنكروا خلق الألوان وما يضاف إلى الطّبائع، ولا على الزّنادقة الّذين أنكروا خلق/[39] الشرّ. فقد سألناهم بما يلزمهم من السّؤال، وأجبناهم فيما يسألونا عنه. نسأل الله التّوفيق للعدل بمنّه وفضله.
__________
(1) 102) ج : حيث ما.
(2) 103) قد سقط مقدار ورقة من النّسختين.
(3) 104) سورة الأحقاف : 25.
(4) 105) ج : فبيّن.
(5) 106) ج : فلم تبق منهم أحدا.
(6) 107) أ : خلصت.
(7) 108) في أ + ج : وفتحنا. وهو خطأ. أنظر سورة الأنعام : 44.
(8) 109) سورة الأنعام : 44.
(9) 110) في أ + ج : فأمّا. وما أثبتناه هو (منّا).
(10) 111) ج : الاستثناء. (1/95)
صفحة 96
وسأل المعتزليّ فقال : إذا (1) زعمت أنّ فعل العبد مخلوق، أَلَيْسَ إذَا فَعَلَ العَبْدُ فَعَلَ اللهُ، وإذا ترك العَبْدُ تَرَكَ اللهُ، فربّكم إذا مُضطرّ !؟ يقال له:[إنّك] (2) غفلت، وأنزلت الضّرورة في غير موضعها. أليس المضطرّ عندنا وعندكم ليس له فعل في الحقيقة (3) ؟ فكيف تقول: إذا فعل العبدُ اضطر الله إلى أن يفعل فعله. والمضطر لا فعل له، ولو علمت ما يلزمك ما سألت بهذه المسألة، ولكن الله عزّ وجلّ خلق الأشياء وأَحْكَمَهَا على ما أراد فَجَعَلَ منها أشياء لا تكون إلاّ بسبب، فالفعل لا يكون إلاّ من الفاعل، وكذلك الحركة لا تكون إلاّ من متحرّك، فما كان من شيء يقع عليه اسم شيء فالله خالقه، ولم يخرج [شيء] (4) من خلقه وتدبيره، ما يقوم بنفسه وما لا يكون إلاّ بسبب. وقد تقدّم لنا في مسألة الانفراد (5) بالفعل والشّركة ما يغني عن الجواب في كلّ مسألة يسأل عنها سائل (6) لئلاّ يحسب أنّنا عجزنا عن جوابه.
__________
(1) 112) ج : إذا.
(2) 113) + من ج.
(3) 114) إن اختلاف المتكلمين في الحركة والسكون، وحركة الاضطرار وسكون الاضطرار هل هما فعل العبد أم فعل الطبيعة أم فعل الله أم فعل لا فاعل له، فقد جاء هذا مفصلا في كتاب الموجز لأبي عمار عبد الكافي في باب الرّد على القدرية ج2، ص22 وما بعدها. غير أنّ القائل بالطبيعة هو معمر بن الأشعث، والقائل بأنّ ذلك فعل لا فاعل له هو ثمامة بن الأشرس وأصحابه، وأمّا جمهور المعتزلة مثل أبي الهذيل، والنظام وبشر بن المعتمر، فقد قالوا : أنّ حركة الاضطرار وسكون الاضطرار هما أفعال الله.
(4) 115) + من ج.
(5) 116) في «أ» الأفراد. وما أثبتناه من ج. وهو موافق لما جاء في ورقة [34]. وانظر في هذا الموضوع أيضًا الأصل الثّاني (في القدر) لتبغورين ابن داوود الملشوطي (السابق)، من ص82 إلى 87.
(6) 117) ج : السائل. (1/96)
صفحة 97
ثمّ نَرُدُّ عليه السّؤال فيقال لهم : أخبرونا عن الولد في جميع الحيوان، أيكون النّسل إلاّ بذكر وأنثى ؟ فالأنثى والذّكر على قياد سؤالك اضطرار بهما على أنّهما إذا اجتمعا أن يحدث بهما الولد فأَعَانَاهُ على ما كان بينهما إذا كان لا يكون الولد إلاّ باجتماعهما/[40]، وكذلك الأرض والنّبات والمطر إذا كان الماء أنبتت الأرض. وكذلك الحيوان لا يعيش ولا ينمو إلاّ بالأكل والشّراب. فينبغي أن يكون الإنسان أَعَانَ الله (1) على بقائه ونُمُوِّهِ إذا كان لا يعيش إلاّ بالغذاء، وكذلك كلّ ما يكون بسبب. ولكن الله الحكيم خلق هذه الخِلْقَةَ على الحاجّة، وأنّهم غير مستغنين عنه إذ أَحْوَجَهُمْ إلى ما يقيمهم ولا يعيشون (2) إلاّ به، وليندبهم إلى دار لا عناء فيها ولا نصب وليدلّهم على ربوبيته وقدرته.
باب [آخر] (3)
في الاستطاعة (4)
__________
(1) 118) ج : ربه.
(2) 119) ج : يستغنون.
(3) + من ج.
(4) الاستطاعة عند الإباضيّة مع الفعل خلافا للمعتزلة القائلة بأنها قبل الفعل وتفني في حال الفعل. والإباضيّة يقولون : أن استطاعة الإيمان غير استطاعة الكفر، واستطاعة كل فعل غير استطاعة غيره، وأنّ الكافر لا يستطيع الإيمان ولا يمكنه ولا يفعله في حال فعله الكفر باشتغال قوّته في الكفر، وإنّ معنى يستطيع ويمكن ويفعل عند الإباضيّة واحد وهم يستندون في ذلك إلى آيات من الكتاب والسنة.ودليلهم على وجوب الاستطاعة مع الفعل عدم الفعل عند الزمانة، إذ لا بدّ أن يوجد شيء، ضدّا وخلافا لما يوجده ضدّه، ويعدم ما يوجده ضدّه.
والاستطاعة عند المعتزلة هي القدرة على الفعل، وعلى ضدّه قبل الفعل، فإذا وجد الفعل لم يكن للإنسان حاجة إليها الإنسان قادر أن يفعل في الأول، وهو يفعل في الأول، والفعل واقع في الثاني لأنّ الوقت الأول وقت يفعل، والوقت الثاني وقت فعل. أنظر، كتاب أصول الدين لتبغورين، (السابق)، ص152. القاضي عبد الجبار : شرح الأصول الخمسة، بتحقيق، د. عبد الكريم عثمان، نشر مكتبة وهبة القاهرة، ط1. سنة 1965 ص390 وما بعدها. وقارن بما جاء في مقالات الإسلاميين للأشعري، نشر فرانز فيسبادن. تصحيح هلموت ريتر، ط3 سنة 1980م ص233 وما بعدها. (1/97)
صفحة 98
وسألت عن الاستطاعة. أعلم أنّ الاستطاعة اختلفوا (1) فيها المتكلمون على وجوه كثيرة. والّذي يرجع إليه أمرهم على كثرة اختلافهم إلى معنيين : قال جميع المعتزلة ومن وافقهم على قولهم أن الاستطاعة قبل الفعل. وقالت المثبتة إنّ الاستطاعة مع الفعل. وقالت المعتزلة : أنّ الله الحكيم الرّؤوف بعباده لم يكلفهم إلاّ ما يستطيعونه (2) . [و] (3) اعتل كلّ واحد منهم بما رأى (4) أنّه يقوّي مذهبه. وقالت المعتزلة : وجدنا تكليف ما لا يُستطاع نُكْرَةً (5) في العقول (6) وَعَنتًا (7) من فاعله، فنفيْنا عن الله تكليف ما لا يطاق.
__________
(1) هكذا جاءت في أ + ج. وهو من الناحية اللغوية ضعيف.
(2) ج : إلاّ ما يستطيعون.
(3) + من ج.
(4) ج : بما يرى.
(5) ج : يكره.
(6) ج : الفعل.
(7) ج : عيبا. (1/98)
صفحة 99
وقالت المثبتة : إنّ الله لم يكلّف أحدًا إلاّ مستطيعًا لأخذ ما كُلّف وتركه، فأيّ الفعلين فعل من الأخذ والترك كانت الاستطاعة (1) معه لم تتقدّمه (2) لأنّ الاستطاعة لا تبقى حالين (3) ؟ لأنهم إذا أعطوها قبل الفعل/[41] فقد أعطوها في وقت لا حاجة لهم إليها. فإذا جاء وقت الفعل وهو الحال الثانية وتلك الحالُ القُوّةُ ليست فيها فيكون الفعل في الحال الثانية لا قوّة معه، وهذا عندنا من المحال، لا يكون الفعلُ بلا قوّة معه. وذلك أنّه اجتمعت المعتزلة (4) والمثبتة على أنّه إنّما دلّهم على القوّة الفِعْلُ فادّعت المعتزلة بما لا دليل لهم عليه من تقديم الاستطاعة. وأمّا من زعم أنّها مع الفعل فحجّته قائمة إذ جُومِعَ على أنّ الفعل دلّ (5) على القوّة، وأنّه إذا فني الدّليل فني المدلول وذلك أنّه من شأن القوّة أنّها لا تبقى حالين، وكذلك الفعل لا يبقى حالين، فكيف [يكون] (6) أحدهما دليل والآخر مدلول عليه [إذا] (7) لم يجتمعا. فاستدلّت المثبتة فقالوا : لمّا كانت الآفة تمنع الفعل صحّ عندهم أنّ الآفة إذا زالت وجد الفعل، لأنّ الآفة ضدّ القوّة، فالضدّ ثابت حتى يأتي ضدّه فيزيله، فاستدلّوا بهذا المعنى أنّ القوة مع الفعل إذا زالت الآفة التي تمنع من الفعل، وإلاّ بطلت الأضداد ومناظرة الشيء بنظيره. ولهم مسائل وعليهم مسائل.
__________
(1) 10) ج : استطاعة.
(2) 11) ج : تقدّمه.
(3) 12) ج : لا تبقى أكثر من حالين.
(4) 13) ج : المزيلة.
(5) 14) ج : دليل.
(6) 15) + من ج.
(7) 16) + من ج. (1/99)
صفحة 100
ويقال للمعتزلة : أرأيتم الحال الّذي زعمتم أنّه (1) حال القوّة أرأيتم إن أحدث الله الآفة في الحال الثانية. أليس قد فَنِيت القوّة لحدوث الآفة. فقالوا : إنّما أُعطينا القوّة قبل الفعل (2) على شريطة ألا تحدث في الثانية الآفة ! يقال لهم : أتُحتِّمونَ على ربكم ألاّ يفعل /[42] في خلقه ما يشاء فيفني ما يشاء ويثبت ما يشاء ؟ فإن قالوا : نعم، فيقال لهم : أنتم الحاكمون على ربّكم ألاّ يفعل إلاّ ما تشاءون إذ زعمتم إذا أعطاكم القوّة فعليه ألاّ يميتكم ولا تصيبكم آفة، وفي بطلان هذا القول ما يدّل أنّ الاستطاعة مع الفعل. ويسألون عن البالغ في أوّل بلوغه، وعن من ابتدأ الله خلقه أيكون عند تمام خلقه في الحال التي لم يتقدّمها حال غيرها أن يكون يخلو من أن يكون فاعل أو تارك أو لا فاعل ولا تارك وهو عاقل صحيح ؟ فأيّ القول قال لزمته الحجّة. فإن قالوا (3) : إنّه فاعل في تلك الحال فقد أقرّوا أنّ الاستطاعة مع الفعل. فإن قالوا : إنّه تارك فالتّرك فعل أيضا باستطاعة. وإن قالوا : لا فاعل ولا تارك فقد قالوا المحال، أن يكون صحيح العقل مأمورا بالفعل فيكون لا فاعل ولا تارك ولا مطيع ولا عاص. ويدخل عليهم [أنّه] (4) إِنْ أماته الله في الحال الثانية التي زعموا أنّها حال الفعل أن يكون لا مؤمن ولا كافر ولا عاص ولا مطيع فعلى أي جهة يحشر، مع الأطفال أو مع البالغين؟ فأيهما (5) قالوا بَانَ خطؤهم.
__________
(1) 17) ج : أنها.
(2) 18) ج : تزيد : الحال.
(3) 19) ج : قال. وذكر في الهامش : وحينما وردت كلمة (قالوا) على صيغة الجمع في هذه الفقرة فهي (ج) (قال) على صيغة الأفراد.
(4) 20) - من ج.
(5) 21) ج : فأي ما. (1/100)
صفحة 101
ولهم مسائل يسألون عنها. سألوا عن قول الله تعالى : { فاتّقوا الله ما اسْتَطَعْتُم } (1) . يقال : في هذا قولين (2) ، اتّقوا الله ما استطعتم فعل شيء من الأشياء، وهو الّذي قدّمناه أنّ الله لا يكلّف أحدا (3) إلاّ مستطيعا لأخذ ما كلف (4) أو تركه /[43] وذلك أنّه إذا شغل (5) قوّته بما كلّف لم يستطع تركه، وإذا ترك (6) لم يستطع فعله بإشغاله قوّته في ترك ما كلّف، لأنّه لا يستطيع الأخذ والتّرك جميعا. والقول الآخر : اتّقوا الله ما استطعتم ما دمتم أحياء. واحتجوا بقول الله في المظاهرة : { ومَنْ لَمْ يَسْتَطِع فإطُعَامُ سِتّينَ مِسْكِينًا } (7) . عَجبًا من أُغْلُوطَاتِ (8) المعتزلة !! أليس إنّما ذكر الله أنّه إذا لم يستطع عتق رقبة (9)
__________
(1) 22) سورة التغابن : 16.
(2) 23) في أ + ج : قولين وهو الخطأ والصواب ما أثبتناه.
(3) 24) - من ج.
(4) 25) في ج (مستطيعا لما كلّف).
(5) 26) في "أ" اشغل، والّذي هنا من ج.
(6) 27) المعتزلة تقول إنّ الاستطاعة قبل الفعل وتفنى في حال الفعل، وقال بعضهم هي قبل، وقال آخرون منهم هي قبل الفعل للفعل ولتركه وقال الإباضيّة إنّ الاستطاعة مع الفعل، وأنّ استطاعة الإيمان غير استطاعة الكفر، واستطاعة كل فعل غير استطاعة غيره، وإنّ الكافر لا يستطيع الإيمان ولا يمكنه ولا يفعله في حال فعله الكفر باشتغال قوّته في الكفر. وإنّ معنى يستطيع ويمكن ويفعل عندنا واحدٌ. ومن الإباضيّة من قال: استطاعة الكفر يمكن بها الإيمان وإن لم يستطعه ولم يفعله. وهذا عند تبغورين ومن وافقه محال : لا يمكن الكافر الإيمان ولا يستطيعه إلاّ على البدل ولا يمكنه باستطاعة الكفر أصلا. انظر في هذا، تبغورين : كتاب أصول الدين (السابق) ص 154و157.
(7) 28) سورة المجادلة : 04.
(8) 29) أ + ج : غلوطات، وهو غير سليم في النّاحية اللّغوية.
(9) 30) ج : الرّقبة.. (1/101)
صفحة 102
أن يصوم، وهذه استطاعة المال (1) ، وإنّما الاختلاف في قوّة الأبدان.
وكذلك قوله : { فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِيعْ مِنْكُم طَوْلاً } (2) وكذلك قوله في آية الحجّ : { من استَطَاعَ إليه سَبِيلاً } (3) . والسبيل في هذا الموضوع : الزّادُ والرّاحلة. الجواب في واحدة من هذه المسائل كالجواب في جميعها.
__________
(1) 31) قال تبغورين إن الاستطاعة على وجوه منها استطاعة المال كما قال الله تعالى : { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصّنات المؤمنات } (سورة النساء : 25) واستطاعة السبيل إلى الحجّ، واستطاعة الخلقة : كما يقال : يستطيع هذا الجمل حمل كذا وكذا يريدون : تحمله طبيعته. ويقولون : لا يستطيع الإنسان الطيران إلى السماء يريدون لخلقته. (أنظر كتابه أصول الدّين، (السابق) ص153).
(2) 32) سورة النساء : 25.
(3) 33) سورة آل عمران : 97. (1/102)
صفحة 103
وسألناهم عن ما لا يجدون عند محيصًا، قال الله : { ما كانوا يستطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانوا يُبْصرُونَ } (1) وليس المعنى في هذا أنّهم لا يسمعون الأصوات ولا يُبصرون الألوان. ولكن هذا سمع القبول، لا يقبلون ما دعاهم إليه [النّبيُّ عليه السّلام] (2) إذْ شغلوا قوّتهم بترك القبول لما دعاهم إليه وكذلك "لا يبصرون" على معنى لا يفعلونه. فوصفهم الله أنّهم لا يستطيعون، فقلنا (3) كما قال الله عزّ وجلّ أنّهم لا يستطيعون لا لزمانة حلّت به ولا لمانع من الفعل. وقال الله تعالى : { وَمَا مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهَمُ الهُدى إلاّ أنْ قالوا : أبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولاً } (4) فكان قولهم الّذي هُو فعلهم هُو المانع لهم. وأجاز (5) النّاس بينهم، وهو قول الرّجل : ما أستطيع أن أنظر/ [44] إليك لبغضه (6) له. فكان بغضه مشغلا له عن استعمال النّظر إليه (7) . وهذا بيّنٌ واضِحٌ أن يكون من أحد في فعل شيء أنّه (8) غير مستطيع لضدّه لإشغاله (9)
__________
(1) 34) سورة هود : 20.
(2) 35) + من ج.
(3) 36) - من ج.
(4) 37) سورة الإسراء : 94.
(5) 38) هكذا في (أ+ب) ولعلّ الصواب : أجازه.
(6) 39) ج : للبغض.
(7) 40) وفي كلام العرب أنهم يقولون : لا أستطيع النظر إليك، ولا أستطيع لحديثك الاستماع، بغضا له وكراهية لأمره.
(8) 41) - من ج.
(9) 42) ج : بأشتغاله. وما ذهب إليه الكاتب هنا هو يفسّر كيف أنّ الكفر يشغل الكافر عن استطاعة الإيمان، وأنّ الإيمان يشغل المؤمن عن استطاعة الكفر. وتلك هي أبرز الأدلة التي يعتمدها الإباضيّة في الرّد على المعتزلة ليؤكدوا أنّ الاستطاعة مع الفعل... وهم إلى جانب هذا يردّون قول الجبرية الذين يعتبرون أنّ الاستطاعة هي المستطيع أو هي الآلات والجوارح. انظر، د. فرحات الجعبيري : البعد الحضاري (السابق) ص472-473. وراجع كتاب أصول الدين لتبغورين (السابق) ص160.. (1/103)
صفحة 104
قوّتِهِ بما قصَدَ إليه وَفَعلَهُ لاَ لِزَمَانَةٍ ولاَ لِمَنْعٍ من الفعل. ويقال لهم أرأيتم رجلاً وضَعَ في يده شيئا أثقلها فطأطأت (1) وانحطّتْ في حال الوضع ثم استعلت وحملت الشيء الموضوع فيها، فمتى استطاع الحمل لذلك الشيء، في وقت ما انحطّتْ أو في حين ما استقلّت (2) وحملت ؟ فإن كان في الوقت الّذي انحطت فذلك وقت العجز وحلول الآفة بها فقد جامعت [القوّة] (3) الزَّمَانَةَ وهذا ما أجْمَعَ [النّاس] (4) على تَخْطِيَةِ من قال إنّ الزمانة والقوّة تجتمع في يد واحدة فيكون ممنوعا من فعل الشيء مستطيعا له. وإن قالوا : في حال ما استعلت، فكذلك (5) نقول فقد استطاع الحمل في وقت الحمل لا قبل ولا بعد فذلك ما نقول (6) . وكذلك يلزمهم فيمن أعمى الله بصره ثم كشف الله عنه أن كان يدرك الألوان في وقت رفع الله عنه الآفة. وإنْ قالوا ذلك قالوا الحق وكان إدراكه مع رفع الآفة.
__________
(1) 43) في أ+ب فطاطت.
(2) 44) هكذا في النسختين. ولعلها (استعلت) كالكلمة التي قبلها والتي تأتي بعدها ببعض أسطر. والأقرب إلى الصحة (استعلت) لأنها مقابلة لقوله (انحطت) التي قبلها.
(3) 45) + من ج.
(4) 46) + من ج.
(5) 47) ج : فذلك ما.
(6) 48) دليل الإباضيّة على وجوب الاستطاعة مع الفعل عدم الفعل عند الزّمانة، إذ لابدّ أن يوجد شيء ضدًّا وخلافًا لما يوجده ضدّه، ويعدم ما يوجده ضدّه، وهذا موجود عند كلّ عاقل، كما أنّ الكرم وحسن الخلق موجب للثناء الحسن والحمد والثواب الكريم، وأنّ الكفر والفسوق وسفساف الأخلاق يوجب الذّم والعذاب الأليم، وأنّ الكافر ممنوع من الإيمان، كما أنّ المؤمن معصوم من الكفر. انظر في هذا بتفصيل أكثر، كتاب أصول الدين لتبغورين (السابق) ص156-157. وانظر أيضا : كتاب شرح الجهالات (بتحقيقنا) ص265 و 273. (1/104)
صفحة 105
وإنّ قالوا لا يدرك الألوان في تلك الحال وهو صحيح البصر لا آفة به تمنعه من دَرْك الألوان فقد زعموا أنّ العمى يجامع البصر، والزمانة تجامع القوّة، وأبطلوا المضاددة، ولا يُراد من الخصم أكثر من أن يخرجه اللّجاج (1) إلى القول بما لا يصلح ولا يعقل.
ومسألة أخرى : في الإرادة
قالت المعتزلة : وإنّ الإرادة قبل المراد مثل ما قالوا في الاستطاعة. يقال/[45] لهم : أخبرونا عن الإرادة، أهي موجبة للمراد؟ قالوا : نعم، وذلك قولهم، إلاّ أن يشذّ منهم شاذّ. يقال لهم : أخبرونا عن من أراد في الحال الأول أن يكفر (2) في الثانية، فلمّا جاءت الثانية أراد فيها أن يؤمن في الثانية. فأيّ الإردتين أولى (3) ، إرادة الكفر أو (4) إرادة الإيمان ؟ وليس بين الحالين فصل. فأيّ القولين (5) قالوا من هذين نقضوا به قولهم.
والّذي نقول من ذلك : أنّ الإرادة مع المراد، لا قبل و لا بعد. وذلك أنّ الإرادة علّة للمراد، ومحال أن يفارق العلّة المعلول. والّذي أردناه بهذه الإرادة [إرادة] (6) العزم، وإرادة التمنّي، فإرادة العزم لا تكون إلاّ كان الفعل معها لأنّها علّة للفعل والعلّةُ لا تفارق المعلول. وإرادة التمنّي تكون ولا يكون المراد لأنّها ليست بعلّة له. فقد قلنا في هذه المعاني ما فيه الكفاية إن شاء الله لمن عقل وتدبّر ما قلنا، فاختصرنا وتركنا الإكثار.
مسألة أخرى
[
__________
(1) 49) في هامش «أ» (الحجاج) ولعلّها تصحيح عن نسخة أخرى، وكذلك جاء في ج، وما أثبتناه أقرب إلى الصواب.
(2) 50) في « أ » أيكفر، وما أثبتناه من ج.
(3) 51) ج : أولى به.
(4) 52) ج : أم ولعلّ النّاسخ تشابه عليه الواو والميم، و « أمْ » في اللّغة لا تكون إلاّ للتسوية.
(5) 53) ج : القول.
(6) 54) + من ج. (1/105)
صفحة 106
وسألته] (1) عن استطاعة الكفر أهي استطاعة الإيمان ؟ قال : اختلف المتكلّمون في ذلك. قالت المعتزلة ومن قال بقولهم : إنّ استطاعة الكفر هي استطاعة الإيمان (2) ، أُعْطِيها المستطيع قبل أن يفعل، فأيّ الفعلين أراد فعله بها.
__________
(1) 55) + من ج.
(2) 56) قالت المعتزلة : الاستطاعة قبل الفعل، وهي الصّحة ولا تجامع الفعل. وإنّ استطاعة كل فعل استطاعة لضدّه، واستطاعة الكفر هي استطاعة الإيمان. وليس في الحكمة ونكرة في العقول عندهم أن يكلّف الله عبده ما لا يستطيع ولا يمكنه، أو يمسك عنه الأسباب التي لا يصل إلى الفعل إلاّ بها من جميع المعاني. أمّا الإباضيّة فيقولون : إنّ الاستطاعة مع الفعل، وإنّ استطاعة الإيمان غير استطاعة الكفر. واستطاعة كلّ فعل غير استطاعة غيره. وإنّ الكافر لا يستطيع الإيمان ولا يمكنه ولا يفعله في حال فعله الكفر باشتغال قوّته في الكفر، وإنّ معنى يستطيع ويمكن ويفعل عند الإباضيّة واحد، وهم يستندون فيما ذهبوا إليه من قوله تعالى : { فضلّوا فلا يستطعيون سبيلا } (سورة الإسراء:48) وقوله تعالى : { وما كانوا يستطيعون السّمع وما كانوا يبصرون } (سورة هود:20) يعني قبول الإيمان والبصيرة فيه. انظر بزيادة تفصيل أكثر عند تبغورين في كتابه أصول الدين (السابق) ص154-155. وانظر في تفسير الآيتين السابقتين عند الشيخ محمد بن يوسف اطفيش في كتابه : تيسير التفسير للقرآن الكريم، ط. وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، سنة 1986، ج7/186. (1/106)
صفحة 107
وحكي عن حسين النّجّار (1)
__________
(1) 57) في أ + ج : حسن النجار. وهو خطأ والصحيح هو الحسين بن محمّد النّجّار. وبعضهم يطلق على أتباعه، النجارية أو الحسينية. (توفي النجار هذا في حدود سنة 230هـ) وجاء في مقالات الإسلاميين أنّه يزعم وأصحابه وهم الحسينية أنّ أعمال العباد مخلوقة لله تعالى، وهم فاعلون لها. وأنه لا يكون في ملك الله سبحانه إلاّ ما يريده، وأنّ الله سبحانه لم يزل مريدا أن يكون في وقته، ما علم أنه يكون في وقته مريدا أن لا يكون ما علم أنّه لا يكون.
وأنّ الاستطاعة لا يجوز أن تتقدّم الفعل وأنّ العون من الله سبحانه يحدث في حال الفعل مع الفعل وهو الاستطاعة، وأنّ الاستطاعة الواحدة لا يفعل بها فعلان وأنّ لكل فعل استطاعة تحدث معه إذا حدث، وأنّ الاستطاعة لا تبقى وأن في وجودها وجود الفعل وفي عدمها عدم الفعل، وأنّ استطاعة الإيمان توفيق وتسديد وفضل ونعمة وإحسان وهدى وأنّ استطاعة الكفر ضلال وخذلان وبلاء وشرّ.
وكان النجار يخالف المعتزلة في القدر، ويقول بالإرجاء، والحلال رزق والحرام رزق وهو على ضربين : رزق غذاء، ورزق ملك. انظر الأشعري : مقالات، ص283 وما بعدها. الشهرستاني : الملل والنحل، بتحقيق عبد العزيز محمّد الوكيل، طبعة مؤسسة الحلبي وشركاه سنة 1968، ج1/88-89-90. البغدادي : الفرق بين الفرق، تحقيق محمّد محي الدّين عبد الحميد، طبعة دار المعرفة بيروت لبنان، بدون تاريخ، ص 207 وما بعدها. (1/107)
صفحة 108
أنّه قال: استطاعة الكفر غير استطاعة الإيمان في عينها وطبعها/[46]. وحكي عن عبد الله بن يزيد (1) أنّه قال : استطاعة الكفر غير استطاعة الإيمان، ولم يذكر عنه أنّه قال : في طبعها. فهذا الّذي بلغنا عن (2) استطاعة الكفر، وهو الّذي يقول (3) : إنّ استطاعة الكفر غير استطاعة الإيمان، ولا يقول مثل ما قال النّجّار أنّها غيرها في عينها وفي طبعها، والحمد لله على منّه وإحسانه.
باب آخر
__________
(1) 58) هو عبد الله بن يزيد الفزاري. ذكره الدرجيني في طبقاته، أنظر طبعة الجزائر (السابقة) ج1/24و148 وج2/477. وذكره الأشعري في مقالات الإسلاميين وقال هو عبد الله بن يزيد الخارجي. انظر : ص120 حيث عَدَّهُ من متكلمي الخوارج وكذلك ذكره الشهرستاني في الملّل والنحل (السابق) ج1/137.
(2) 59) ج : في.
(3) 60) ج : نقول. (1/108)
صفحة 109
نسأل المرجئة عن الإيمان ما هو ؟ فإن قالوا : هو الإقرار، فقد أبطلوا أن يكون معرفة الله إيمانا. يقال لهم : أخبرونا عن هذا الإقرار ما هو ؟ فإن (1) قالوا، هو الإقرار أنّ الله واحد لا شريك له وأنّ محمّدا عبده ورسوله وما جاء به حقّ. يقال لهم : هذه ثلاث خصلات (2) بعضها غير بعض. الإقرار بالله غير الإقرار بأنّ محمّدا رسول الله، والإقرار بأنّ محمّدا رسول (3) الله، غير الإقرار بأنّ ما جاء به حقّ، لأنّه يقرّ بهذا من ينكر هذا، يقرّ بالله أنّه واحد من أنكر (4) أن يكون محمّد رسول الله. فإن قال (5) : الإقرار بالله إيمان أبْطَلَ (6) أن يكون الإقرار بمحمّد إيمانًا، وكذلك بما جاء به حقّ غير الإقرار بأنّ محمّدًا رسول الله، فإذا جاز عندكم أن يكون الإيمان ثلاث خصال لم يكن يجز (7) لغيركم أن يجعله أربع خصال أو أكثر فيجعل الصّلاة والزّكاة وغير ذلك من الفرائض من الإيمان إذا أقررتم أنّ الإيمان خصال (8) . فيدخل عليهم أنّ المعرفة بالله غير الإيمان، وأنّ من أخرس/[47] الله لسانه فعرف الله بقَلْبِهِ أنّه غير مؤمن. وإن زعموا أنّ الإيمان إقرار بالله والمعرفة [به] (9) . يقال لهم : فإن كان إنّما كانت المعرفة إيمانا بالله أنّها معرفة (10) ، بطل (11) أن يكون الإقرار بالله إيمانا، لأنّ الإقرار غير المعرفة وكذلك إذا كان [الإقرار] (12)
__________
(1) - من ج.
(2) ج : ثلاث خصال.
(3) ج : رسوله.
(4) ج : ينكر.
(5) ج : كان.
(6) ج : بطل.
(7) في ج : لو لا يجوز.
(8) قال الدكتور فرحات الجعبيري معلقا على هذا النص : وفي هذا الصدد تستميت المصادر الإباضيّة في اعتبار الأعمال داخلة في الإيمان مستندًا إلى قول صولة الغدامسي، وهو« ودليل النقل : « وما كان الله ليضع إيمانكم »(البقرة 143) أي صلاتكم. فراجع ذلك في مكانه في كتابه البعد الحضاري (السابق)، ص495/496.
(9) + من ج.
(10) ج : لأنها معرفة.
(11) 10) ج : نتبطل.
(12) 11) + من ج.. (1/109)
صفحة 110
إيمانا لأنّه إقرار بطل أن تكون المعرفة إيمانا لأنّها غير الإقرار. فلمّا بطل ما ذكروا من هذا لم يصلح (1) أن يكون الإيمان إيمانا إلاّ لعلّة وجوب الثّواب عليه، لأنّ جميع ما ذكرنا للعامل عليه ثواب فيدخل في الإيمان جميع طاعة الله. وإنّما أنكرت المرجئة أن يكون [الإيمان] (2) خصال [فقد أدخلنا عليهم وألزمناهم ما قامت به عليهم الحجّة أنّ الإيمان خصال] (3) . وأقرّوا لنا بذلك. ويزاد عليهم في الأدخال، يقال لهم : أليس الدّاعي إلى هذا الإيمان الّذي زعمتم أنّه إيمان واجبٌ وَلاَيَته على المستجيب له ؟ فلا بدّ لهم من نعم. فقد زادت إلى (4) الإيمان خصلة وهي إيمان.
وإن قالوا : إنّ ولاية الدّاعي طاعة ليست من الإيمان فقد زعموا أنّ من استجاب للنبيّ عليه السّلام ليست وَلاَيته من الإيمان وكذلك براءته لا تكون كفرا فيكون من برأ (5) من النّبيّ عليه السّلام فهو مؤمن به ليس بكافر، وكذلك يلزمهم (6) في قتله وقذفه. ويدخل عليهم أن يقال لهم : أخبرونا عن المقرّ بهذا الإيمان، أليس عليه أن يتقرّب إلى الله بإيمانه وأن يعلم أنّ إيمانه حقّ، فالتّقرّب بالإيمان خصلة من خصائل الإيمان، وكذلك المعرفة أنّ الإيمان حقّ خصلة أخرى. وكذلك المعرفة أنّ عليه/[48] التّقرّب (7) إلى الله، فإنّ الإيمان خصال في قول المرجئة، إقرار بما ذكرنا (8) . وإن أنكروا هذا كلّه فقد يسلم عندهم من لا يعلم أنّ إيمانه حقّ، ولا يتقرّب بإيمانه إلى الله ويرجو ما عنده من ثوابه. وما يدخل عليهم في هذا أكثر من أن يحصى.
__________
(1) 12) ج : يصحّ.
(2) 13) + من ج.
(3) 14) + من ج.
(4) 15) ج : أت.
(5) 16) ج : تبرأ.
(6) 17) ج : يلزمه.
(7) 18) ج : أن يتقرّب.
(8) 19) في ج : أن أقرّوا بما ذكرت. (1/110)
صفحة 111
وممّا يؤكّد ما ذكرنا أنّ الإيمان قول وعمل (1) من كتاب الله، قال الله تعالى : { ومَا أُمِرُوا إلاّ ليعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدّينَ حُنَفَاء ويُقِيمُوا الصَّلاَةَ ويُؤتوا الزّكَاةَ وذلك دينُ القِيّمَةِ } (2) فجعل الصّلاة والزّكاة من الدّين. [وقال : { فإن أقاموا الصّلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدّين (3) ] (4) . وأمّا ما أوجب عليه الوعيد من كتاب الله في المقرّين بالإيمان (5) . قال الله : { يا أيّها الّذين آمنوا آمنوا... } (6) فناداهم (7) بالإيمان ولو لم يكونوا من أهل الإقرار بالإيمان لمّا ناداهم به (8) . وقال: { يا أيّها الّذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقُتلوا أنْفُسَكُم إنّ الله كان بكم رحيمًا، ومن يفعل ذلك عُدْوَانًا وظُلما فسوف نُصْليه نارًا وكان ذلك على الله يسيرًا } (9) . وقال : { الّذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنّما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلوْنَ سعيرًا } (10) وقال: { يا أيّها الّذين آمنوا آتّقوا الله وذروا ما بقي من الرّبا إن كنتم مؤمنين } (11) فناداهم بالإيمان، { فإن لم تفعلوا فَأْذَنُوا بِحَرْبِ من الله ورسُولِهِ } (12) . ألا ترى أنّهم سمّاهم أنّهم حاربوا الله ورسوله إذ لم ينتهوا عن أكل الرّبا.
__________
(1) 20) في «أ» مجمل. وما أثبتناه أعلاه من ج.
(2) 21) سورة البيّنة : 05.
(3) 22) سورة التوبة : 11.
(4) 23) + من ج.
(5) 24) ج : بالله.
(6) 25) سورة النساء : 136.
(7) 26) في « أ » فزادهم.
(8) 27) في « أ » زادهم.
(9) 28) سورة النساء : 29-30. انظر تفسير هذه الآية عند محمد بن يوسف اطفيش في كتابه : تيسر التفسير (السابق) ج2/308-310.
(10) 29) سورة النساء : 10. نزلت الآية في موضوع توزيع الميراث والظلم في ذلك.
(11) 30) سورة البقرة : 278.
(12) 31) سورة البقرة : 279. (1/111)
صفحة 112
وقال: { ولله على النّاس حِجّ البيت من آستطاع إليه سبيلا.../[49] إلى قوله : "ومن كفر" } (1) . وقال : { أضاعوا الصّلاة واتّبعوا الشّهوات فَسْوفَ يَلْقُونَ غَيًّا } (2) . وقال: { ويل للمطفّفين } (3) . وقال: { والّذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلاَهَا آخَرَ ولاَ يَقْتُلُونَ النّفْسَ التِي حرّمَ الله إلاّ بالحقّ ولا يَزْنُونُ، ومن يفعل ذلك أثَامًا يُضَاعَفُ له العذابُ يوْمَ القيامَةِ ويَخْلُدْ فِيه... } (4) وقال في أهل بدر: { يا أيّها الّذين آمنوا إذا لقيتم الّذين كفروا زَحْفًا فلا تُوَلُّوهُمْ الأدْبَارَ، وَمنْ يُولِّهِمْ يوْمَئِذِ دُبُرَهُ إلاَّ مُتَحِرّفًا لِقِتَالٍ أَو مُتَحيِّزًا إلى فِئةٍ فَقَدْ بَاءَ بغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهنََّمَ وبِئْسَ المَصِير } (5) فهذه الآية في أهل بدر خاصّة، فقد توعّدهم الله على الفرار جهنّم. وقال: { يا أيّها الّذين آمنوا مَا لَكُمْ إذا قيل لكم آنْفِرُوا في سبيل الله... إلى قوله: { إلاّ تَنْفِِرُوا يُعذّبْكُم عذابًا أليمًا... } (6) . وهذه الآيات التي ذكرنا وكثير ممّا لم نذكر في المقرّين قد أنفذ الله يغفرها بلا توبة.
__________
(1) 32) سورة آل عمران : 97. والخطاب هنا يوجّه للمصدّقين.
(2) 33) سورة مريم : 59.
(3) 34) سورة المطففين : 01.
(4) 35) سورة الفرقان : 68-69. وانظر ما أورده الدكتور فرحات الجعبيري في كتابه البعد الحضاري، ص733-734 من آيات تدل على أنّ مرتكب الكبيرة الذي مات عليها مصرًّا مخلد في النّار ماكثا فيها.
(5) 36) سورة الأنفال : 15.
(6) 37) سورة التوبة : 38-39. (1/112)
صفحة 113
وممّا تحتجّ به المرجئة، ولا نعلم لهم في كتاب الله حجّة (1) أوثق في أنفسهم منها قول الله : { [إنّ الله] (2) لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } (3) . فقالوا: إنّ الكبائر التي هي (4) دون الشّرك فإنّ الله يغفرها بلا توبة.
يقال لهم : أخبرونا عن هذه الآية، أتحملونها على ظاهرها أو تحتها معنى ؟ فإن قالوا : ليس تحتها معنى وحملوها على ظاهرها فإنّما قال الله: { [إنّ الله] (5) لا يغفر أن يشرك به } فهو إذا لا يغفر الشّرك لمن (6) تاب. وإن كان تحت الآية معنى غير ظاهرها فينبغي أن يكون إنّما يغفر لمن/[50] تاب من الكبائر، ويغفر الصّغائر لمن اجتنب الكبائر لأنّ ذلك كلّه دون الشّرك. [ولو حُمِلَ القرآن على ظاهره لتناقض. ألا ترى أنّه قال في هذا الموضع:لا يغفر الشّرك] (7) . فلو حمل القرآن (8) على ظاهره لم يغفر الشّرك به لمن تاب منه.
باب آخر
__________
(1) 38) - من ج.
(2) 39) - من ج.
(3) 40) سورة النساء : 116. هذه الآية تكررت مرتين في هذه السورة رقم (48و116) قال تبغورين في تفسيرها فقال : «... وقد فرض الله التوبة على عباده المسلمين مع إسلامهم بقوله { توبوا إلى الله... } (النور:31). وبقوله : { أن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه... } (النساء : 31). قال فسمّى ذنوبًا دون الشرك وكبائر دون الشرك وسيئات دون الشرك. الخ... انظر، كتاب أصول الدين (السابق) ص140-141.
(4) 41) + من ج.
(5) 42) - من ج.
(6) 43) ج : وإن.
(7) 44) ما بين المعقوفتين سقط من « أ ».
(8) 45) - من ج. (1/113)
صفحة 114
وقالت الصفرية (1) : إنّ الإيمان كلّه الإقرار والعمل، فكلّ إيمان توحيد، والترك لشيء من ذلك شرك. يقال : أخبرونا عن الشّرك في اللّغة ما معناه ؟ فإن قالوا : هو المساواة بالله غيره فقد أبطلوا أن/[52] يكون ترك الفرائض والعمل بالكبائر شرك لأنّ أهلها لم يُساووا الله بغيره، وإنّما أتوا ما أتوا بشهوة ولذّة وهم مقرّون بتحريمه. فإن قالوا : إنّما كان إيمان لأنّه طاعةٌ لِمُطَاعٍ، وأنّهم قد أطاعوا الشيطان، فالطاعة عندنا عبادة، فهم عابدون للشّيطان.
__________
(1) هي فرقة من الخوارج تنتسب إلى زياد بن الأصفر، وقولهم كقول الأزارقة، ويقال لهم الصّفرية، جمع صفري، بضمّ الصاد وسكون الفاء. وهو يحتمل وجهين : الأوّل أن يكون نسبة إلى الصفرة، إشارة إلى صفرة وجوههم من أثر ما تكلّفوه من السّهر والعبادة. والثّاني : أن يكون نسبة إلى جمع الأصفر الّذي هو أبو زياد الّذي تنسب إليه مقالات الأزارقة. وانقسمت الصّفرية إلى ثلاث فرق فرقة تزعم أنّ صاحب كلّ ذنب مشرك، كما قالت الأزارقة، والثانية تزعم أنّ اسم الكفر واقع على صاحب ذنب ليس فيه حدّ والمحدود في ذنبه خارج عن الإيمان وغير داخل في الكفر. والثالثة : تزعم أنّ اسم الكفر يقع على صاحب الذنب إذا حدّه الوالي على ذنبه. وهذه الفرق الثلاث من الصفرية يخالفون الأزارقة في الأطفال والنساء. وكلّ الصفرية يقولون بموالاة عبد الله بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير وأتباعهما والمحكمة الأولى، ويقولون بإمامة أبي بلال مرداس الخارجي بعدهم وبإمامة عمران بن حِطّان السدوسي بعد أبي بلال. انظر الفرق بين الفرق للبغدادي، ص90-91. المبرّد أبو العباس: الكامل في اللغة والأدب، نشر مكتبة المعارف بيروت في جزءان،.د.ت،2/180. الاسفرايين: التبصير في الدين، تحقيق كمال يوسف الحوت، ط1 عالم الكتاب بيروت 1983م، ص53. وانظر : ردّ أبي عمّار عبد الكافي على الصّفريّة في الموجز 2/116. (1/114)
صفحة 115
يقال لهم:أتكون عبادة بغير تقوى (1) ؟ فإن زعموا ذلك فقد زعموا أنّ من أطاع [الله] (2) ولم يتقرب [إليه] (3) أنّه مطيع لله عابد له. فإن قالوا : إنّه لا يكون عابدا لله مع ترك التقرّب، وكذلك لا يكون [العاصي] (4) عابدا للشّيطان وهو غير متقرّب إليه وهو يلعنه ويشتمه متقرّبا إلى الله بذلك. ويدخل عليهم أنّ كلّ من أطاع أحدا فيما يأمره [به] (5) أن يكون عابدا له، فهذا يدلّ على أنّ الطاعة ليست بعبادة إِذْ لَمْ يكن مَعَهَا تَقَرُّب.
__________
(1) ج : تقرب.
(2) + من ج.
(3) + من ج.
(4) + من ج.
(5) + من ج. (1/115)
صفحة 116
وسألونا فقالوا : أخبرونا عن قول الله عزّ وجلّ : { وإنْ أطعتُمُوهُمْ إنّكُم لَمُشْرِكُونَ } (1) .أليس الطاعة في هذا الموضع (2) شرك ؟ وهي أكْلُ المَيْتَةِ. يقال لهم : إنّهم لم يُشْرِكوا بأكل الميتة، وإنّما أشركوا باستحلال الميْتة وذلك أن المشركين جادلوا [المسلمين] (3) المؤمنين فالقوا لهم : تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله، فأنزل الله هذه الآية فقال : { ولا تأكُلُوا ممّا لم يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عليه وإِنّه لَفِسْقٌ، وإنّ الشياطينَ لَيُوحُونَ إلى/[53] أَوْلِيَائِهِم لِيُجَادِلُوكُمْ وإنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } (4) وذلك إذا أطعتموهم (5) في استحلال الميْتة.
__________
(1) سورة الأنعام : 121. قال الدكتور فرحات الجعبيري في تفسيرها : فأثبتوا (أي الأزارقة) الشرك لأهل التوحيد حين أتوا من المعاصي ما أتوا ولو أصغرها وقال وعلى هذا الأساس بنى الأزارقة موقفهم كما يذكر عنهم. بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك واعتبروا أنّ كلّ عصيان شرك وحجّتهم في ذلك قوله تعالى : { وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } . انظر البعد الحضاري:ص61 و539، الوارجلاني: الدليل والبرهان، 1/15. وانظر أبو عمر و عثمان بن خليفة السوفي : رسالة في فرق النّكار الست وما زاغت به عن الحق وبعض الفرق الأخرى، دراسة وتحقيق وتعليق. د. ونيس عامر، ط1 خاصّة. سنة 2001، ص101.
(2) ج : الموضع وهي.
(3) - من ج.
(4) 10) سورة الأنعام : 121.
(5) 11) ج : أطاعوهم. (1/116)
صفحة 117
وقالوا : إنّ الهجرة وجبت على النّاس. والّذي اجتمع عليه العلماء «لا هجرة بعد الفتح» (1) ، ويأثرون ذلك على النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وذلك عنه مشهور أنّه لا هجرة بعد فتح مكة. أقرّوا (2) النّاس في منازلهم، مكّة وغيرها من البلدان. ولو كانت الهجرة عليهم واجبة بعد الفتح ما تركهم يكفرون بالله وقد دخلوا في دينه، وقد (3) سلّموا لطاعته (4) وفي تركه (5) ما يدلّ على أن لا هجرة بعد الفتح.
__________
(1) 12) ورد هذا الحديث في صحيح البخاري بعدة طرق : « ... قلت لابن عمر في الله عنهما : إني أريد أن أهاجر إلى الشام، قال لا هجرة، ولكن جهاد، فانطلقْ فاعرضْ نفسك، فإن وجدت شيئا وإلاّ رجعت» حديث عدد 4309. وفي حديث رقم 4310 «... قلت لابن عمر، فقال : لا هجرة اليوم – أو- بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله ». وفي حديث رقم 4311 جاء : « ... أنّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يقول : « لا هجرة بعد الفتح » وفي حديث رقم 4312 جاء : « ... سُئِلَتْ عائشة عن الهجرة فقالت : لا هجرة اليوم، كان المؤمن يفرّ أحدهم بدينه إلى الله وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - مخافة أن يفتن عليه « فأمّا اليوم فقد أظهر الله الإسلام فالمؤمن يعبد ربّه حيث شاء، ولكن جهاد ونية ». أنظر كتاب المغازي باب 53.
(2) 13) ج : أمر. وجاء : « وذلك عنه مشهور أنه بعد الفتح أمر النّاس...»
(3) 14) - من ج.
(4) 15) بطاعته.
(5) 16) ج : تركهم. (1/117)
صفحة 118
وقالوا في السباء (1) : إنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يقتل قوما إلاّ سباهم. قلنا لهم: ذلك في أهل الشّرك عَبَدَةٍ الأوثان أو من لم يُقِرَّ من أهل الكتاب ومَنَعَ الجزية. وأمّا من كان مقرّا بالله ورسوله فلا يُسْبَى. وقد كان مع النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - منافقون ظاهروا (2) النفاق فلم يسبهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ورجم الزّاني وجلد القاذف وأمر بقطع يد السّارق، ولم يسب أحدا ولا سمّاهم بالشرك ولا منع مناكحتهم ولاموارثتهم والحجّ معهم، ولو كانوا مشركين ما تركهم يطوفون بالبيت كما أمر [الله] (3) ألاّ يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا. [فهو قوله : { إنّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا (4) ] (5) . ولنا في رسول الله أُسْوَةٌ حسنة فنسمّيهم بما سمّاهم به الكتاب من البراءة منهم، وردّ شهادتهم وإقامة الحدود عليهم وإجراء القصاص/[54] بيننا وبينهم ولا ينقص (6) منهم إلاّ ما نقصه الكتاب فاتبعنا كتاب الله وسنّة نبيّه - صلى الله عليه وسلم - وحكمنا بحكمه.
__________
(1) 17) ج : السبي.
(2) 18) أ + ج : ظاهرون. وهو غير سليم في اللّغة.
(3) 19) + من ج.
(4) 20) سورة التوبة : 28.
(5) 21) ما بين معقوفتين زيادة من : ج.
(6) 22) ج : ولا تنقص. (1/118)
صفحة 119
مسألة أخرى : إن سأل سائل من المعتزلة فقال : أخبرني عن الكافر أمأمورٍ بالإيمان في حال كُفْرِهِ منهي (1) عن الكفر ؟ قيل نعم. فإن قال : أُمِرَ بترك موجود أو معدوم ؟ قلنا : أُمِرَ بترك موجود يوجد، وليس بموجود قد وُجِدَ. فإن قال (2) : عن الموجود سألناكم. قلنا لهم : إنّما يجوز التّرك حيث يجوز الفعل، وذلك أنّه إذا ترك الكفر صارت الحالة للإيمان ولم يكن حال الكفر، وإذا ثبتت الحال للكفر استحال ترك ما قد فعل [وقد] (3) فرغ منه، وكانت الحال لها لا على التوبة من الكفر لأنّه قد لزمه اسم كافر بفعل الكفر، والحالة الأولى التي قلنا أمر فيها بترك الكفر إنّما قلنا إنّه يأتي فيها بالإيمان بَدَلاً من الكفر ويكون الحال للإيمان لا للكفر.
وهذا الّذي سألونا عنه داخل عليهم فنكرّر عليهم المسألة، فيقال لهم مثل ما قالوا : أخبرونا عن الكافر في حال الكفر أَمأمورٌ بالإيمان منهي عن الكفر ؟ فلا بدّ من نعم. فيقال لهم : إن أطاع، متى فعل الإيمان ؟ في حال الكفر أم في حال الإيمانٍ ؟ فلا بدّ لهم من أن يجيبوا بالّذي أجبنا فيقولوا : يأتي بالإيمان بدلا من الكفر ويكون الحال للإيمان لا للكفر.
يقال لهم : أخبرونا عن هذا الّذي أتى بالإيمان في حال الكفر بدلا من الكفر متى أراد أن يؤمن ؟ فإن قالوا : في الحال الأولى/[55] يقال لهم تلك الحال إنّما أراد فيها أن يكفر في الثانية فآمن في الثانية لأنّ إيمانه ليس بمحال لقولكم إنّه مأمور بالإيمان منهيّ عن الكفر والله لا يأمر بالمحال.
__________
(1) 23) ج : جاء في هامشها : أو منهيا.
(2) 24) ج : قالوا.
(3) 25) - من ج. (1/119)
صفحة 120
فإن قالوا : إذا أراد الإيمان في الأولى لم يجز أن يكفر في الثانية لأنّ الإرادة عندهم قبل المراد وهي موجبة للفعل، فقد دخلوا فيما عابوا على المجبرة (1) : وأبطلوا قولهم مأمور بالإيمان في حال الكفر منهيّ عن الكفر إذ زعموا أنّه لا يجوز أن يفعل الإيمان في الحال الثانية فلا يخلو أن يكون ممتنعا من الإيمان بنفسه أو ممنوع منه، فإن كان ممتنعا بنفسه فالامتناع فعلُهُ، فهو قادر على ترك ما فعل. وإن كان ممنوعا فهو مضطر فأيّ القولين قالوا انتقض قولهم. فإن أثبتوا له في الثاني فعلا غير ما أراد في الأول وكان الفعل بإرادة في الثانية فقد أثبتوا أنّ الإرادة مع المراد، وأنّ قوة الإرادة مع الإرادة إذ لم تتقدّمها حال فثبت أنّ الإرادة مع المراد والقوّة مع الفعل لأنّ الإرادة فعل.
__________
(1) 26) هكذا في النسختين. جاء في هامش (ج) المرجئة. (1/120)
صفحة 121
والّذي دعاهم إلى تقديم الاستطاعة ألاّ يجمعوا الفعل والقوّة في حال. ويقال لهم أيضا : أخبرونا عن البالغ في أوّل بلوغه، أليس وهو مستطيع في حال البلوغ أن يفعل في الثّانية وهو عاقل صحيح مكلّف فأراكم أجمعتم (1) له أشياء في حال البلوغ التي هي حال ضيق وأجمعتم له البلوغ والاستطاعة والتّكليف والإرادة للفعل في الثانية لأنّ /[56] الفعل في الثّانية. لأنّ الفعل عندكم لا يكون إلاّ بإرادة. فأخبرونا عن هذه الإرادة المتقدمة للفعل، متى استطاعها ؟ (2) فإن زعموا أنّه استطاعها في حال الطفولية [ فقد زعموا أنّ الأطفال يستطيعون فعل الإيمان أو الكفر في حال الطفولية ] (3) . فما وَجْهُ تأخير التكليف عنهم ؟!.
__________
(1) 27) هكذا في النسختين، ولعلّ الأصحّ جمعتم.
(2) 28) هو ردّ على قولهم الاستطاعة قبل الفعل الذي تقول به المعتزلة، أمّا الإباضيّة فتقول إنّ الاستطاعة مع الفعل لا قبله ولا بعده حسبما صرّح به البدر التلاتلي وغيره، وعبارته : « وقد اختلف في حدّ الفعل من حيث هو فعل وأصحّ الأقوال فيه على قاعدة أصحابنا ومن وافقهم فيه أنّه عَرَضٌ يُوجد مع الاستطاعة » وقال الشّيخ تبغورين الملشوطي بعد أن ذكر الاختلاف في تعريفها وهي مع الفعل لا تزايله إلى أن قال رَادًا على المعتزلة القائلة أنّ الاستطاعة قبل الفعل وهي الصحة ولا تجامع الفعل. ر. أصول الدّين (بتحقيقنا)، ص152.
(3) 29) + من ج. (1/121)
صفحة 122
ويقال لهم : أخبرونا عن هذا البالغ في أوّل بلوغه أيخلو أن يكون عارفا لما كُلِّفَ أو جاهلا به أو شاكّا فيه أو فاعلا لما كلّف [به] (1) أو تاركا له، فأيّ ما قالوا فقد أثبتوا الاستطاعة مع الفعل (2) لأنّ هذه المعاني التي ذكرنا هي أفعال البالغ. وإن زعموا أنّه لا يقال له عالم ولا جاهل ولا شاكٌّ ولا فاعلٌ ولا تاركٌ فقد أخرجوه من العقول ووصفوه بغير صفة البشر. وإنّما يُرَادُ من الخصم أن يحمله اللجاج إلى الخروج من المعقول.
ويسألون : عن هذه الإرادة التي قدّمنا ذكرها. فيقال لهم : أخبرونا عن الإرادة للإيمان أهي من الإيمان أم لا ؟ وعن الإرادة في الكفر أهي من الكفر ؟ فإن قالوا : نعم. فقد أثبتوا (3) أنّ البالغ في أول بلوغه يفعل جزءا من الإيمان أو (4) الكفر باستطاعة، وهذا يثبت أنّ الاستطاعة مع الفعل. فإن قالوا : إنّ الإرادة للإيمان لا تكون إيمانا وكذلك الإرادة للكفر لا تكون كفرا فقد خرجوا من المعقول ؟ لأنّ إرادة الإيمان هي من الإيمان، وإرادة الكفر من الكفر. وما يثبت أنّ كفاية، الاستطاعة مع الفعل أكثر من أن نحصيه. وفيما ذكرنا لمن حَسُنَ نظَرهُ لأنّ الواحدة من هذه المسائل/[57] التي تثبت الاستطاعة مع الفعل تقوم مقام غيرها.
__________
(1) 30) + من ج. لكنها بخط مغاير ولعلّها من المصحح أو القارئ.
(2) 31) هذا احتجاج وردّ على المعتزلة التي تقول أن الاستطاعة قبل الفعل.
(3) 32) ج : تبتو. وهو خطأ من النّاسخ.
(4) 33) في « أ » والكفر. وما أثبتناه من ج. (1/122)
صفحة 123
وسألت عن التولد (1) : فاعلم أنّ ما (2) تولد من (3) فعل الفاعلين ممّا ليس لهم فيه قصد ولا إرادة فليس بفعلهم وهو فعل الله مسبّب عن فعل الفاعلين. فإن قال قائل : فلم ألزمتموه المؤاخذة بما تولّد عن فعله إذ هو ليس بفعله ؟.
__________
(1) 34) عرفّ التهانوي التولد بأنّه : « هو الفعل الصادر عن الفاعل بواسطة، ويقابله المباشر» وحدده بعض المعتزلة بأنّه « الفعل الّذي يكون سببه مني ويحلّ من غيري» وحدّده آخرون بأنّه : « الفعل الّذي أوجدت سببه، فخرج من أن يمكنّني تركه، وقد أفعله في نفسي وأفعله في غيري» وفسّره آخرون بأنّه « الفعل الثالث الّذي يلي مرادي مثل الألم الّذي يلي الضربة، ومثل الذهاب الّذي يلي الدفعة » وقال الإسكافي أحد شيوخ المعتزلة بأنّه : « كلّ فعل لا يتهيأ وقوعه على الخطأ دون القصد إليه والإرادة له فهو متولد، وكلّ فعل لا يتهيأ إلاّ بقصد، ويحتاج كلّ جزء منه إلى عزم وقصد إليه و إرادة له فهو خارج عن التولد » والمعتزلة اختلفوا فيما بينهم في التفصيلات. انظر التهانوي : كشاف اصطلاحات الفنون، ج2/147. الأشعري : مقالات الإسلاميين : 2/248-249.
(2) 35) أ + ج : أنّما.
(3) 36) ج : من. (1/123)
صفحة 124
قلنا : إنّما ألزمناه المؤاخَذَة لما جنى بالسبب الّذي هو فعله لأنّه منهي عن السّبب الّذي يتولّد عنه البلاء والقتل وما فيه تَلَفُ الأموال فأخذه بالسبب الّذي قام عنه المسبب. فهذا جواب هذه المسألة. ومن المسبّب ما يكون من فعله وهو ما له فيه القصد مثل الكلام الّذي إذا شاء تكلّم وإذا شاء سكت بإرادة. ومثل الحركة والسّكون المتولّد عن الجوارح عن قصد القلب وذلك أنّ القلب يقصد إلى الفعل فيكون الفعل من الجوارح وليس للجوارح قصد (1) .
__________
(1) 37) يرى أبو الهذيل العلاف أنّ الأعمال الإنسانية تنقسم إلى قسمين : قسم تعرف كيفيته كالحركة والسكون، وقسم لا تعرف كيفيته كالألوان والبرودة واليبوسة والجوع والشبع والإدراك والعلم. وقد أسلفنا أنّ الله أقدر الإنسان على الأولى ولم يقدره على الثانية. إذ لا محلّ للقدرة فيها. أمّا ما يتولد عن الأولى من أفعال فهو فعل الإنسان، يفعله في نفسه وفي غيره بسبب يحدثه في نفسه أو في غيره. كالحركة والسكون وما يتولد عن الضربة وعن الاصطكاك الّذي يفعل الإنسان، أو ما يفعله في غيره بالأسباب التي يحدثها بنفسه، كانسان قذف إنسانا بسهم، ثم مات القاذف قبل وصول السهم إلى المقذوف فآلمه وقتله، فإنّ القاذف أحدث الألم، والقتل الحادث بعد موته بالسبب الّذي أحدثه وهو حيّ. وكذلك لو عدم لكان يفعل في غيره وهو معدوم لسبب كان منه وهو حيّ، وليس يجوز أن يفعل الإنسان قوّة ولا حياة ولا جسمًا، فهي أشياء خاصّة بالخالق ولا يستطيعها المخلوق. أمّا ما لا تعرف كيفيته كالألوان والبرودة واليبوسة... إلخ. فهو فعل الله. وما تولد عنها متولد لا قدرة للإنسان عليه ولا مدخل له فيه. أنظر في هذا : الدكتور علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، طبعة8 دار المعارف، سنة 1981. ج1/480. (1/124)
صفحة 125
وهذا داخل على من أنكر خَلْقَ الأفعال ممّن يرى أنّ المتولّد فعل الله ليس للعباد فيه فعل أن يؤخذوا بفعل الجوارح الّذي لا اختيار لها في الفعل، وإنّما الاختيار للقلب الّذي قام عنه القصد والاختيار فيلزمهم أنّ أفعال العباد مخلوقة لأنّها مسبّبة عن قصد القلب. وفي مثل هذا أدخال كثيرة [تركتها] (1) واقتصرت على ما فيه النفع.
وسألت عن الكفّ (2) : هل يكون من الفاعل كفّان (3) في حال واحدة ؟ ويكفّ عن الزّنا والسرقة في حال ؟ اعلم إنّما الفعل يكون عن القصد والإرادة ولا يكون من الفاعل قصدان /[58] في حال واحدة، وإنّما يكون فيه قصد واحد، فإذا قصد إلى الكفّ عن الفعل فجاء مع ذلك الكفّ كفٌّ آخر (4) مثل ما ذكرت أو كُفُوفٌ كثيرةٌ.
اعلم أنّه إنّما يقصد إلى كفّ واحد ويكون ما جامع ذلك الكفّ من الكفوف مسبّب عن سبب تقدّمه بقصد وإرادة فيكون أحدهما سبب والآخَرُ مسبّب عن سبب تقدّمه. فَعَلَى مثل هذا فَأَجِبْ في مثل هذه المسألة وتفهّم السؤال وتثبّت في الجواب.
وقد قيل في مثل هذا قول غير ما ذكرنا : أنّ في القلب غرائز يقوم عن كلّ غريزة قصد (5)
__________
(1) 38) في أ + ج : تركته. ولعلّّ ما أثبتناه أسلم.
(2) 39) الكفّ عند الإباضيّة هو ترك الذنوب والعزم على ذلك بالقلب وهو فريضة، ومن جهله أو جهل فرضه فهو مشرك. انظر رسالة في الحقائق لأبي القاسم بن إبراهيم البرادي، ضمن مجموعة خمس رسائل، ص39.
(3) 40) ج : كفين. وهو خطأ لغوي.
(4) 41) ج : مجامع ذلك كف آخر.
(5) 42) الغريزة : الطبيعة والقريحة والسّجية من خير أو شرّ. قال الشاعر :
إنّ الشّجاعة في الفَتَى ** والجُودَ من كَرَمِ الغَرائزْ
وفي حديث عمر رضي الله عنه : الجُبْنُ والجُرْأَةُ غرائزُ أي أخلاق وطبائع صالحة أو رديئة، واحدتها غريزة. انظر مادة « غرز» في لسان العرب، لابن منظور. (1/125)
صفحة 126
فزعم صاحب هذا القول أنّ غريزة الحزن غير غريزة الفرح. وأنّ غريزة العلم ير غريزة الجهل فعلى هذا المعنى يقصد قصدين في حال واحدة، يقصد إلى العلم وإلى الفعل في حالة، والجواب الأول أحبّ إليّ.
وسألت عن الجواب لمن زعم أنّ الله جسم،... إعلم إنّما دعا من زعم أنّ الله جسم أنّ ما ليس بجسم إبطال، وأنّه لايعبد إلاّ من ثبّته بعقله (1) فزعم أنّه لم يشاهد في المعقول حيّا فاعلا إلاّ جسما فدعاه هذا إلى أن زعم أنّ الله جسم. وادّعى جهم نَفْيَ التّشبيه (2) عن الله إلى أن قال (3) : إن ّ الله (4) لا يقال له "شيء" فدعاه ذلك إلى إبطال معبوده، كما ادّعى المشبّهة إثبات معبودهم إلى أن زعموا أنّه جسم. فإن كان إنّما دعاهم إلى ذلك ما شَاهَدُوا في المعقول فإنّهم لم يشاهدوا فيما شاهدوا حيّا جسما إلاّ محتاج إلى مكان وأنّه لا يستغني عن ما يقيمه من الغذاء وغير ذلك، وأنّه/[59] لا ينفك أحدهما، وما لم يسبق الحدث فحدثٌ مثله، وإنّما الجسم إنّما كان جسمًا لأنّه مؤلّف الأجزاء وأنّ له ستّ جهات أمّام وخلف ويمين وشمال وفوق وتحت. فإن كان معبودهم كما زعموا فلا يخلو من هذه الوجوه التي عدّدنا لأنّا لم نجد في المشاهد جسما حيّا إلاّ بهذه المعاني. فإن أثبتوه (5) بهذه المعاني ألزموه العجز والحاجة إذ لا يقوم إلاّ في مكان وأنّه محتاج إلى ما يقيمه، وأنّه لم يسبق الحدث الّذي هو الحركة والسكون [اللّّذان] (6)
__________
(1) 43) لفظتا (ثبته بعقله) في ج. غير معجمتين. (أي ليسا منقوطتي الحروف).
(2) 44) زعم جهم بن صفوان هذا أنّ علم الله حادث، وامتنع من وصف الله تعالى بأنّه شيء أو حيّ أو عالم أو مريد، وقال : لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره كشيء وموجود، وحي عالم ومريد ونحو ذلك. انظر في هذا، البغدادي : الفرق بين الفرق (السابق) ص 211-212.
(3) 45) ج : زعم.
(4) 46) ج : أنه.
(5) 47) ج : ثبتوه.
(6) 48) هذه زيادة منا ليستقيم بها الكلام، وبدونها يكون الكلام مبتورا.. (1/126)
صفحة 127
لا ينفك منهما الجسم، فإن أثبتوه بغير هذا المعنى فقد أبطلوه إذ وصفوه بغير ما يُعْقَلُ.
فإن سألونا فقالوا : فإن نفيتم هذه المعاني التي (1) تقدّم ذكرها فأوجدونا فيما شاهدتم حيّا ليس بجسم.
قلنا : لسنا نثبته حيّا فاعلا بما شاهدنا من الخَلْقِ الّذي هو فعله، وهو فاعله. ولكنّا ثبّتنَاهُ بالخبر الصّادق عنه وبالدّليل الّذي لا يدخله خلل ولا شبهة. ولا يخلو السّائل عن هذا [أن يكون] (2) ممّن اقرّ بالله أنّه موجود. فإن كان من المقرّين أجبناه بقول الله عزّ وجلّ: { الحيّ القيّوم } (3) { الفاعل لما يريد } (4) ولم يذكر فيما أخبر به عن نفسه أنّه جسم فَثَبّتْنَا رَبَّنَا كما قال حيًّا فعّالاً.
__________
(1) 49) أ + ج : الّذي. وما أثبتناه أسلم.
(2) 50) ما بين المعقوفتين زيادة منّا ليستقيم المعنى.
(3) 51) سورة البقرة : 255. وسورة آل عمران : 02.
(4) 52) ليست بآية، والّذي جاء في القرآن : { فعّال لما يريد } سورة هود07، وسورة البروج16. (1/127)
صفحة 128
وأمّا من القياس، لما ثبت (1) أنّه موجود بالصّنعة الدّالّة عليه لأنّ الصنعة لا تكون إلاّ من صانع. وذلك أنّا نظرنا إلى ما وجدناه من الصّنعة لا تخلو من أن/[60] تكون، إذ وأثار (2) الصّنعة فيها موجود، من أن تكون صنعت نفسها أو لها صانع غيرها، أو هي صنعة لا صانع لها، فبطل أن تكون صنعة صنعت نفسها وذلك أنّها كانت لم تكن، وما كان معدوما لا يصْنَعُ شيئا. ووجها آخر، لو تولّت صنع نفسها لجعلت نفسها في أحسن الأشياء وأرفعها، فلمّا عجزت عن ذلك صحّ أنّها لم تصنع نفسها، وبطل أن تكون صنعةٌ لا صانع لها لأنّ القول بأنّها صنعة تدلّ على صانع، لم يبق إلاّ أنّ لها (3) صانعا (4) صنعها على ما هي به. فلمّا ثبت بالدلّيل أنّ لها صانعا، فلا يخلو هذا الصانع من أن يكون مشبها لهذه الصنعة أو مُخالفا لها أو مُشْبِهًا لبعضها ؟ فإن كان مشبها لها فقد لزمه ما لزمها من الحدوث والعجز والتغيير وإجراء التدبير عليها، أو مشبها لبعض فيلزمه ما يلزم ذلك البعض لأنّ الحكم على النّظِرين (5) واحد. ولم يبق إلاّ أنّه مخالف لها من جميع الجيهات لأنّها صنعة وهو صانع، ولم (6) يشاهدوا فيما شاهدوا إذ اعتلّوا بالشاهد وجعلوه دليلا على تثبيت معبودهم ما شاهدوا من المعقول، يشاهدوا فيما عقلوا فاعلا يشبه فعله، فثبت أنّه مخالف لصنعه من جميع الجهات، وأنّه لا يشبه شيئا ممّا صنع. فبطل بهذه المعاني اعتلالهم وما ذهبوا إليه أنّ الله جسم وبطل ما قال جهم/[61] هذا من أن يكون موجودا حيّا باقيا، فإن أثبته حيا موجودا فكل حيّ موجود شيء لأنّ قولنا شيء إثبات لكلّ موجود وليس في ذلك تشبيه. وذلك أنّ التثبيت والنفي (7) والتّسمية (8)
__________
(1) 53) ج : يثبت.
(2) 54) هكذا في النسختين، ولعلها : أثر.
(3) 55) « أ » إلاّ أنّها.
(4) 56) ج : صانع.
(5) 57) أ : النظرين. وما أثبتناه من ج.
(6) 58) ج : ولمّا.
(7) 59) في « أ » التثبيت والنفاء.
(8) 60) في « أ » التشبيه، وما أثبتناه من ج.. (1/128)
صفحة 129
ليس فيه تشبيه، وإنّما التشبيه في اتّفاق الأعيان والمعاني. وذلك أنّ جَهْمًا هذا يثبته حيا موجودا (1) ويُثْبِتُ غيره حيّا موجودا فيلزمه أن يشبه كلّ موجود وكلّ حيّ وكلّّ باق لأنّ [من] (2) بقي ساعة لزمه آسم باق. فبطل قول جهم وما اعتلّ به ممّا ادّعى من النّفي عن الله ما ذكر من شبه الخلق فدعاه النّفي إلى الإبطال، دعاء المشبّهة إلى تثبيت المعبود إلى أن أبطلوه ووصفوه بغير صفته وقصدوا بعبادتهم إلى غيره، وكذلك (3) دعا المعتزلة نفي الجوْرِ عن الله -وزعموا- حتى نفوا عنه خلق الأفعال، ولم يثبتوا له القدرة على خلق الأفعال، ولا على إبطالها، ولا هو ربُّها، ولا هو مالكها، لأنّ ما لم يفعله الفاعل ليس له عليه قدرة ولا ملك ولا سلطان، فوقعوا في أشدّ ممّا هربوا منه. ودعا جَهْمًا تثْبيتُ القدرة لله ونفيُ التّشبيه عنه إلى أن نَفَى عن الفاعلين الفعل، وزعم ألاّ فاعلا في الحقيقة ولا قادرا غير الله.
__________
(1) 61) إنّ الشيء الموجود عند جهم بن صفوان هو الجسم، فجهم استخدم كلمة الجسم للحركة فقال : (إنّ الحركات أجسام) وقيل أنّه كان يزعم أنّ الحركة جسم ومحال أن تكون غير جسم، لأنّ غير الجسم هو الله سبحانه، فلا يكون الشيء يشبهه. فجهم يرى أنّ هناك جسم ولا جسم، أمّا الجسم فهو الموجودات واللاّ جسم هو الله فقط أو هو الذّات الإلهية وحدها منفردة لاشيء بجوارها، والقرآن موجود فهو جسم. وعند البغدادي أنّ جهما يقول : « لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره كشيء وموجود وحيّ وعالم ومريد ونحو ذلك، ووصفه بأنّه قادر وموجود، وفاعل وخالق ومجيء وميت لأنّ هذه الأوصاف مختصّة به وحده ». أنظر. الفرق بين الفرق، ص211-212. الاسفراييني : التبصير في الدين (السابق) ص107-108 الشهرستاني : الملل والنحل : 1/86-87.
(2) 62) + من ج.
(3) 63) في « أ » وذلك وما أثبتناه من ج. (1/129)
صفحة 130
فدعاه ذلك إلى أن وصف الله بالجوْر وأنّه يُجْرِي [على] (1) العباد الثواب والعقاب [بما فعل (2) بهم] (3) فوقع في أشدّ ممّا [هرب] (4) منه.
وترك ما ذكر الله ممّا نسب (5) فيه الفعل إلى الفاعلين. فقد ذكرنا ما اعتلّت/[62] به المشبّهة وأبطلنا اعتلالهم وذكرنا ما اعتلّ به جهم وما اعتلّت به المعتزلة فأخذ أصحابنا بأوسط الأقاويل وأعدلها وأصوبها ممّا وافق كتاب الله وسنّة نبيّه محمّد - صلى الله عليه وسلم - ، والقياس الّذي لا يقدر مبطل على نقضه. فنفينا عن الله التشبيه، فأثبتناه حيّا فاعلا (6) واحدا (7) ليس كمثله شيء ولا يشبهه شيء، وأبطلنا حجّة المشبّهة، وأبطلنا ما اعتلّ به جهم وما اعتلّت به المعتزلة من تثبيت جهم القدرة لله حتى ألزمه الجَوْرَ، ونَفَى المعتزلة الجَوْر عن الله حتى نفوا عنه القدرة على أكثر الأشياء، ومن لا يقدر على شيء فهو جائر ظالم. ولولا ما جرّهم من التّأويل لألزمناهم اسم الشّرك. وأمّا من زعم أنّ الله جسم فلا نعلم له تأويلا يحجزه عن الشّرك، لأنّه قصد بعبادته إلى صورة لأنّ الجسم أجزاء كثيرة وألفاظ متغايرة يجري عليها التّغاير والعدد، وكلّ ما جرى عليه التّغاير والعدد فليس بواحد في المعنى لأنّه أجزاء كثيرة. فقد ذكرت جمل ما يدخل على المخالفين وما اعتلّوا به من مسائلهم ما فيه الكفاية لمن أراد الله ارشاده وتوفيقه. والحمد لله ربّ العالمين.
وسألت عن قول الله لموسى : « ألْقِ ما في يمينك » (8) إن كان ألقى في حال الأمر أو بعد الأمر ؟.
__________
(1) 64) زيادة منّا يقتضيها سياق الكلام.
(2) 65) - من ج.
(3) 66) ج : لهم.
(4) 67) + من ج.
(5) 68) في "أ" ثبت وما أثبتناه من ج.
(6) 69) - من ج.
(7) 70) + من ج.
(8) 71) هكذا في النسختين. وما جاء في القرآن الكريم هو: { وألق ما في يمينك } سورة طه:69. (1/130)
صفحة 131
الجواب : إنّ أمر الله لموسى لا يخلو من أن يكون أمر مضيّق، أو موسّع. [فإن كان أمر موسع] (1) فمتى ما أراد فعل ما/[69] أمر به وإن كان أمر مضيق فقد فعل ما أُمِرَ به في حال الأمر، لأّن موسى أطاع ولم يَعْصِ. فإن قال، فمتى ألقى ؟ والعصا في يده، أو هي بائنة من يده (2) ؟ قلت : ألقى التي كانت في يده وهي بائنة من يده في حال الإلقاء. ثمّ تُرَدُّ المسألة على السائل (3)
__________
(1) 72) ما بين معقوفتين من ج. وجاء في "أ" : أو كذا موسع : يقال لا يسعني شيء ويضيق عنك. أي وأن يضيق عنك. يقول متى وسعني شيء وسعك. ويقال : إنّه ليسعني ما وسعك. والتوسيع : خلاف التضيق ووسّعت البيت وغيره فالتّسَعَ واستوسع.
(2) 73) في « أ » : يديه.
(3) 74) إنّ النظر عند المتكلمين ينقسم على سبعة قوانين وثلاثة توابع : القانون الأوّل، السّؤال، والثّاني : الجواب، والثّالث: العلّة، والرّابع: الدليل، والخامس: قلب السّؤال، والسّادس: طرد العلّة في المعلول، والسّابع: برهان الخلف. والتّوابع: المعارضة، والإلزام، والتّسليم. فالسّؤال هو الاستخبار. والجواب : مقابلة استحقاق السّؤال وكيفيته بالإخبار، والعلّة: ما يوجد بوجوده وجود المعلول، وبعدمه عدم المعلول. والدّليل: ما يثبت الدّعوى عنده، وقلب السّؤال أن يجيب المجيب ولم يقنع السّائل فيقلب المجيب عليه السّؤال. وطرد العلّة في المعلول أن يجعل المجيب في جوابه علّة يعلّق كلامه بها، والسّائل يعلم أنّ للمجيب مذهبا، ويقول فيه بغير هذه = العلّة، فيطالبه فيه بطرد علّته في كلّ المعلول. وبرهان الخلف: أن يأتي المجيب بدليل، فلا يسلّم السّائل، ويقول في كلّ دليل يأتي به المجيب: ما دلّك على ذلك ؟ حتى يخرج به المجيب إلى أحد أمرين إمّا إلى شاهد العيان، أو إلى شاهد القياس، ممّا يقرّ به السّائل، مثال ذلك: أن يسأل دليلاً على حدوث الجسم ويجاب كونه غير سابق للحادث ما دلّ على أنه غير سابق للحادث وجوده غير عار من الحادث....انظر هذا بتفصيل أكثر في كتاب الموجز لأبي عمّار عبد الكافي، ج2/9-10 وما بعدها. (1/131)
صفحة 132
لأنّه إنّما أنكر أن يكون الفعل في حال الأمر لأنّ ذلك عنده نُكرة في العقول (1) . فنحن نكرّر عليه المسألة حتى يقول بقولنا. يقال له : أخبرنا متى فعل الإلقاء ؟ والعصا في يده، أو بائنة من يده ؟ فإن قال:فعل الإلقاء وهي بائنة من يده. قال [المحال] (2) فما حاجته إلى أن يفعل ما قد فَعَلَ ؟ لأنّها إذا بانَتْ من يده فقد فَرَغَ من الفعل. فلا مخلص له إلاّ أن يقول بالّذي قلناه.
وكذلك المطلّق لامرأته : طلّق ما ملك أو ما لم يملك ؟ فإن طلّقها وهي في ملكه فهي طالق لا طالق فهي في ملكه. وإن طلّق الّذي لا يملك فكيف يطلق ما لم يملك ؟ ومتى خرجت من ملكه ؟ وكذلك العتق لعبده : أعتقه وهو في ملكه، أو خارج من ملكه ؟ وكذلك المالك لمائتي درهم فأعطى منها خمسة دراهم أعطاها وهو يملكها أو هي خارجة من ملكه ؟ وكذلك الكائن في الظّلّ متى خرج إلى الشّمس، وهو في الظّلّ أو في الشّمس ؟ والجواب في واحدة من هذه المسائل كالجواب في جميعها.
انتهى (3) ما وجد في الأمّ. والحمد لله ربّ العالمين.
فهرس الآيات القرآنية
(حسب ترتيب السّور)
السّورة ... الآية ... رقمها ... الصّفحة
البقرة ... { ختم الله على قلوبهم } ... 7 ... 98
{ وعلّم آدم الأسماء كلّها ثم عرضهم على الملائكة } ... 31 ... 60
{ جزاء بما كانوا يعملون، يقولون هذا... } ... 79 ... 90
{ وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفورا } ... 106
{ هو الرحمان الرحيم } ... 163 ... 44
{ وأولئك هم المتقون } ... 177 ... 73
{ الحيّ القيوم } ... 255 ... 145
{ يا أيها الذين آمنوا اتّقوا الله } ... 278 ... 127
{ فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله } ... 279 ... 127
آل عمران ... { الحيّ القيوم } ... 2 ... 145
{ ولله على النّاس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا } ... 97 ... 117-127
{ وما أصابكم يوم... وَلِيعْلَمَ المؤمنينَ } ... 166 ... 87
{ وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم.. } ... 167 ... 87
النّساء ... { الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } ... 10 ... 127
{
__________
(1) 75) في « أ » عقل.
(2) 76) + من ج.
(3) 77) ج : تمّ. (1/132)
صفحة 133
ومن لم يستطع منكم طوْلاً } ... 25 ... 117
{ فعليهن نصف ما على المحصنات } ... 25 ... 75
{ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم } ... 29-30 ... 127
{ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } ... 31 ... 129
{ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك } ... 48-116 ... 128-129
{ لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك } ... 116 ... 131
{ يا أيها الذين آمنوا آمنوا } ... 136 ... 127
المائدة ... { فطوعّت له نفسه قتل أخيه فقتله } ... 30 ... 97
{ وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله } ... 58 ... 130
{ فأثابهم الله بما قالوا } ... 85 ... 131
{ ليعلم الله من يخافه بالغيب } ... 94 ... 87
الأنعام ... { وجعل قلوبهم على أكنّة } ... 25 ... 98
{ ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه } ... 28 ... 88
{ حتى إذا فرحوا بما أوتوا } ... 44 ... 110
{ فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء } ... 44 ... 91-110
{ وخلق كلّ شيء وهو بكلّ شيء عليم } ... 101 ... 91
{ الله خالق كلّ شيء } ... 102 ... 59-90
{ ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم الله عليه } ... 121 ... 135
{ وإن أطعتموُهم إنّكم لمشركونَ } ... 121 ... 134
الأعراف ... { وما كنّا غائبين } ... 7 ... 94
{ قل إنّما حرّم ربّي الفواحش } ... 33 ... 72
{ ولقد ذرأنا لجهنّم كثيرًا من الجنّ والإنس } ... 179 ... 98
{ خلقكم من نفس واحدة وجعل منها } ... 189 ... 92
الأنفال ... { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين } ... 15 ... 128
{ فلم تقتلوهم ولكنّ الله قتلهم } ... 17 ... 94-109
{ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } ... 17 ... 109
{ ولو علم الله فيهم خيْرًا لأسمعهم } ... 23 ... 88
التّوبة ... { فإن أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة } ... 11 ... 126
{ إنّما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد } ... 28 ... 136
{ ألاّ تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا } ... 38-39 ... 128
{ فثبّطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين } ... 46 ... 93-108
{ جزاء بما كانوا يكسبون } ... 82-95 ... 97
{ طبع الله على قلوبهم } ... 93 ... 98
{ وسيرى الله عملكم ورسوله } ... 94 ... 87
{ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله } ... 105 ... 97
يونس ... { هو الذي يُسيّركم في البرّ والبحر } ... 22 ... 106-107
هود ... { ما كانوا يستطيعون السمع } ... 20 ... 118-122
{ (1/133)
صفحة 134
فعّال لما يريد } ... 107 ... 52-86
يوسف ... { بل سوّلت لكم أنفسكم أمْرًا } ... 18-83 ... 97
الرّعد ... { الله خالق كلّ شيء } ... 16 ... 59-90
الحجر ... { أنّ ربك هو الخلاق العليم } ... 82 ... 51
النّحل ... { ادخلو الجنّة بما كنتم تعملون } ... 32 ... 97-98
{ جعل لكم سرابيل تقيكم بأسكم } ... 81 ... 92
{ يضل من يشاء ويهدي من يشاء } ... 93 ... 97-98
{ طبع الله على قلوبهم } ... 108 ... 98
الإسراء ... { وجعلنا الليل والنّهار } ... 12 ... 92
{ ولا تقف ما ليس لك به علم } ... 36 ... 68
{ فضلّوا فلا يستطيعون سبيلا } ... 48 ... 122
{ وما منع النّاس أن يؤمنوا إذْ جاءَهم } ... 94 ... 118
{ قل ادعوا الله أو الرحمان أيّا ما تدعوا } ... 110 ... 46
{ فله الأسماء الحسنى } ... 110 ... 54
الكهف ... { له غيب السماوات والأرض } ... 26 ... 60
مريم ... { أضاعوا الصلوات واتّبعوا الشهوات } ... 59 ... 127-128
طه ... { له الأسماء الحسنى } ... 08 ... 60
{ إننّي أنا الله } ... 14 ... 47
{ والق ما في يمينك } ... 69 ... 38-148
الأنبياء ... { وجعلنا السماء سقفا محفوظًا } ... 32 ... 92
{ وعلمناه صنعة لبوس لكم } ... 80 ... 92
المؤمنون ... { والذين هو لفروجهم حافظون } ... 5-7 ... 72
{ تبارك الله أحسن الخالقين } ... 14 ... 90
{ الله خالق كلّ شيء } ... 62 ... 59-90
{ وما كان معه من إله إذًا لذهب كلّ إله } ... 92 ... 99
النّور ... { توبوا إلى الله جميعًا } ... 31 ... 129
الفرقان ... { خلق السماوات والأرض وما بينهما } ... 59 ... 93
{ والذين لا يدعون مع الله إلاها آخر } ... 68-69 ... 128
الرّوم ... { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم } ... 21 ... 93
{ ومن آياته خلق السماوات والأرض } ... 22 ... 93
السّجدة ... { خلق السماوات والأرض وما بينهما } ... 04 ... 93
{ جزاء بما كانوا يعملون } ... 17 ... 97
الأحزاب ... { ليعذب الله المنافقين والمنافقات } ... 73 ... 130
سبأ ... { وقدرنا فيها السير سيروا فيها } ... 18 ... 93-106
فاطر ... { يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء } ... 08 ... 99
الصّافات ... { خلقكم وما تعملون } ... 96 ... 93-108
{ أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم } ... 95 ... 90
الزّمر ... { إنّك ميّت وإنهم ميّتون } ... 30 ... 52-53-87
{ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } ... 53 ... 129-130
{ (1/134)
صفحة 135
إنّ الله يغفر الذنوب جميعًا } ... 53 ... 129
{ الله خالق كلّ شيء } ... 62 ... 52-59-90
{ وهو على كلّ شيء وكيل } ... 62 ... 91
غافر ... { ذلكم الله ربكم خالق كلّ شيء } ... 62 ... 52-59-90
فصّلت ... { اعملوا ما شئتم } ... 40 ... 97
الزّخرف ... { خلقهن العزيز العليم } ... 09 ... 59
الأحقاف ... { جزاء بما كانوا يعملون } ... 14 ... 97
{ تدمّر كلّ شيء بأمر ربّها } ... 25 ... 90-91
{ فأصبحوا لا يُرى إلاّ مساكنهم } ... 25 ... 110
محمّد ... { ولنبلونّكم حتّى نعلم المجاهدين منكم } ... 31 ... 87
الفتح ... { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين } ... 04 ... 132
الرحمان ... { تبارك اسم ربّك } ... 78 ... 57
الواقعة ... { جزاء بما كانوا يعملون } ... 24 ... 97
الحديد ... { له ملك السماوات والأرض } ... 02 ... 60
{ وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب } ... 25 ... 87
{ وجعلنا في قلوب الذين اتّبعوه رأفة } ... 27 ... 100
المجادلة ... { فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا } ... 04 ... 117
{ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان } ... 22 ... 100
الحشر ... { هو الرحمان الرحيم } ... 22 ... 44
{ هو الله الذي لا إله إلاّ هو الملك القدوس } ... 24 ... 47
{ له الأسماء الحسنى } ... 24 ... 60
التّغابن ... { فاتّقوا الله ما استطعتم } ... 16 ... 116
الملك ... { وأسرّوا قولكم أو جهروا به } ... 13-14 ... 107
{ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } ... 14 ... 107-108
المدثر ... { يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء } ... 31 ... 97-98-99
الإنسان ... { وما تشاءون إلاّ أن يشاء الله } ... 30 ... 98
التّكوير ... { وما تشاءون إلاّ أن يشاء الله } ... 29 ... 98
المطفّفين ... { ويل للمطففين } ... 1 ... 128
البروج ... { فعّال لمّا يريد } ... 16 ... 52-86
الأعلى ... { سبح اسم ربك } ... 01 ... 57
الإخلاص ... { قل هو الله أحد الله الصمد } ... 1-2 ... 47
{ العزيز الرحيم } ... في آيات كثيرة ... 51
{ اعبدوا الله } ... في آيات كثيرة ... 45
فهرس الأحاديث النبوية
الحديث ... الصفحة
« إنّ الله هو المسّعر » ... 95
« رأيت الجنّة والنّار ممثلتين في قبلة الجدار » ... 71
« العين تزنى وزناؤها النظر » ... 73
« لا تمثلوا بنامية الله » ... 71
« لا هجرة بعد فتح مكّة » ... 135
« لعن الله الناظر والمنظور إليه » ... 73
« (1/135)
صفحة 136
العينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع » ... 73
« اللّهم أنقه من الذنوب والخطايا » ... 94
« يا رسول الله لو سعّرت لنا سعرًا » ... 94
فهرس الأعلام
الأصمعي ... 99
أحمد بن حنبل ... 132
أحمد بن الحسين الأطرابلسي ... 34
أفلح بن عبد الوهاب ... 10
أيوب (والد أبي خزر) ... 14
ابن عباس ... 44-46
ابن عذاري ... 10
ابن عمر ... 75
ابن مسعود ... 75
أبو بلال مرداس الخارجي ... 133
أبو جهل ... 46
أبو الحسن الأشعري ... 132
أبو الربيع سليمان بن زرقون ... 14
أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي ... 35
أبو الزجار اسماعيل النفوسي ... 63
أبو زكرياء ابن أبي عبد الله منصور الياس ... 26-27-35
أبو زكرياء الورجلاني ... 14
أبو خزر يغلا بن زلتاف ... 7-8-9-10-11-12-13-14-15-16-18-19-22-23-24-25-26-27-28-29-30-31-32-33-34-35-36-37-41-43-51-72-77
أبو الخطاب عبد الأعلى المعافري ... 63
أبو صالح اليهراسني ... 23
أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ... 63-81
أبو عمار عبد الكافي الإباضي ... 6-36-37-54-71-72-74-86-94-98-107
أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي ... 6-35
أبو القاسم يزيد بن مخلد ... 10-11-14-15-16-17-18-19-20-21-22-27
أبو محمد جمال بن المدوني ... 23
أبو محمد ويسلان ... 22-23
أبو محمد يوجين ... 26
أبو معاوية عزان بن الصقر ... 10
أبو المُؤرج السدوسي ... 71
أبو نوح سعيد بن زنغيل ... 19-23-26-28-29-35
أبو الهذيل العلاف ... 111-141
أبو يزيد مخلد بن كيداد ... 7-8-9-16-17-18
أبو يعقوب الوارجلاني ... 10-33-35-37-77-86
بشر بن المعتمر ... 111
تبغورين الملشوطي ... 6-35-68-94-98-117-139
ثمامة بن الأشرس ... 111
جابر بن زيد ... 10-81
جعفر بن السمّاك ... 81
جنون بن يمريان ... 33
جهم بن صفوان ... 38-89-143-146-147-148
الحارث بن تليد الحضرمي ... 36-62
حرقوص بن زهير ... 133
الحسين النجار ... 122-123
الدرجيني (أبو العباس أحمد) ... 25-29
الربيع بن حبيب ... 10
الزبير بن العوام ... 65
زياد بن الأصفر ... 133
سحنون بن أبي أيوب ... 14 (1/136)
صفحة 137
سليمان باشا الباروني ... 40
الشافعي ... 132
صحار العبدي ... 81
صولة الغدامسي ... 124-125
الطبري (محمد بن جرير) ... 46
طلحة ... 65
طيان الصقلي ... 24
عبد الجبار بن قيس المرادي ... 36-62
عبد الرحمن بن حبيب ... 62-63
عبود الكزيني المزاتي ... 25
عبد الله بن عبد العزيز ... 71
عبد الله بن يحي الباروني ... 40
عبد الله بن عيسى النفوسي ... 41-43
عبد الله بن وهب الراسبي ... 133-
عبد الله بن يزيد الفزاري ... 71-122-123
علي الشابي (الدكتور) ... 6
عمران بن حطان السدوسي ... 133
عمر بن الخطاب ... 75
عمروس بن فتح المساكني ... 10-35
عيسى عليه السلام ... 131
فرحات الجعبيري ... 54-86-124
القاضي عبد الجبار ... 18
الكسائي ... 99
لواب بن سلام ... 10
محمد - صلى الله عليه وسلم - ... 43-45-79-92-124-131-148
محمد الطاهر بن عاشور ... 46-72-73-75-106-109
محمد بن محبوب ... 10
محمد بن يوسف اطفيش ... 46-72-75-109
مخلد بن كيداد ... 6
مصالة بن يحي ... 10
المعز لدين الله الفاطمي (أبو تميم) ... 11-16-19-20-21-22-23-24-25-26-27-28-29-30-31-33
معمر بن الأشعث ... 111
موسى عليه السلام ... 38-131-148-149
الواحدي ... 46
يحيى بن أبي يحيى النفوسي ... 43
يزيد بن مخلد ... 20
يوسف بن أحمد الباروني ... 40
فهرس البلدان والأماكن والدول والجماعات
آريغ ... 23-25
إفريقية ... 6-7-9-10-11-16-17-19-24-39-63
الأبيقوريين ... 89
الأندلس ... 23
آل البعطور ... 41
أهل بدر ... 109-128
أهل الدعوة ... 30
باغاية ... 24
بدنة ... 25
البربر ... 7-9-20
البصرة ... 63-81
بلاد الجريد ... 14-32
بلاد الزاب ... 23
بنو أمية ... 23
بنو وسيان أوْوسين ... 19
بني يفرن ... 19-20-22
بني يليان ... 24-25
تونس ... 8-19-32-35-40-42-
تيهرت ... 23-34
تلتماجرت ... 26
جبل نفوسة ... 11-23-26-27-35-39
جربة ... 23-35-39-41
الجزائر ... 40-42
الحامة ... 14-15-20-32
حامة قسطيلية ... 14-19-21
حضرموت ... 81
الدولة الأغلبية ... 16-34
الدولة الرستمية ... 16-34
زناتة ... 20-22-28
الزنادقة ... 111 (1/137)
صفحة 138
الزيريين ... 11
سلطنة عمان ... 42
طرابلس ليبيا ... 39-40-42-63
العبيديين ... 7-11-16-17-18-20-23-26
العرب ... 7-9-45
العجم ... 45
الفاطميون ... 7-8-9-10-11-12-16-17-28-32-33
قابس ... 63
القاهرة ... 8-11-28-29-33
القيروان ... 11-17-34
كباو ... 40
المشرق ... 62
مزاتة ... 16-20-24-25
مصر ... 9-19-28-30-31-32
المغرب ... 8-10-11-30-32-33-62-63-81
المهدية ... 17
وارجلان ... 21-23-24-25-29
والغ ... 41
فهرس الفرق
الإباضيّة ... 6-7-8-9-10-11-12-15-16-17-18-19-22-26-27-28-30-32-33-34-35-36-37-39-40-49-62-63-65-71-81-86-92-99-104-105-107-116-117-119-121-122-124-130-139-142
الإسماعيلية ... 9-10
الأزارقة ... 133-134
الأشاعرة ... 7-86-110
أصحاب الطبائع ... 105-111
أهل الجبر ... 104
أهل السنة ... 9-32-132
أهل الدعوة ... 30
أهل بدر ... 109-128
الثنوية ... 98
الجبرية ... 89-119
الجهمية ... 34-98-104
الحسينية ... 34-37-122
الخلفية ... 34
الخوارج ... 32-71-123-133
الزيدية ... 71-130
السلفية ... 7
الشيعة ... 7-9-10-130
الصفرية ... 17-37-130-133
القدرية ... 34-111
المالكية ... 11-15-17
المجبرة ... 97-98-100-104-110-138
المجوس ... 81
المحكمة ... 133
المرجئة ... 37-124-125-126-128-130-131
المثبتة ... 113-114-115
المشبهة ... 38-143-147-148
المعتزلة ... 7-31-34-37-38-59-65-71-89-90-97-100-104-110-111-113-114-115-116-117-119-120-121-122-130-139-147-148
الناكثة ... 34
النفّاثية ... 34
النصارى ... 130
النكّار ... 6-17-22-34-36
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم
- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، وضع محمد فؤاد عبد الباقي، ط. دار الفكر للطّباعة والنّشر والتّوزيع، بيروت سنة 1981م.
- المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النّبوي – ونسنك –
- ابن الأثير (أبو الحسن علي) : الكامل في التّاريخ، (المجلد8)، ط. دار بيروت للطّباعة والنّشر سنة 1966. (1/138)
صفحة 139
- ابن عاشور (محمد الطّاهر) (ق20) : التحرير والتّنوير، ط1، الدّار التونسيّة للنّشر والمؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر (30 جزء).
- ابن عبد الحكم (عبد الرحمن بن عبد الله) (ت257هـ) : فتوح مصر وأخبارها، تحقيق تشارلز توري نيوهايفن، مطبعة جامعة بيل1922م.
- ابن منظور (أبو الفضل جمال الدين) : لسان العرب(15 جزء)، ط. دار صادر بيروت، د.ت.
- أبو زكرياء (يحيى بن أبي بكر) (ت. ما بين 450هـ/500هـ) : كتاب السيرة وأخبار الأئمّة، تحقيق، عبد الرحمن أيّوب. ط. الدّار التونسيّة للنشر، سنة 1985م.
- أبو عمّار عبد الكافي (قبل 570هـ/1174م) : كتاب الموجز في علم الكلام، حقّقه د. عمّار الطّالبي بعنوان « آراء الخوارج الكلاميّة»، ط1. الجزائر1978م.
- كتاب شرح الجهالات، تحقيق ودراسة وتعليق د. ونيس عامر، طبع على الآلة الرّاقنة 1985م (أطروحة دكتوراه مرحلة ثالثة بجامعة الزّيتونة).
- أبو عمرو عثمان بن خليفة السّوفي (ق6هـ) : رسالة في فرق النكّار الستّ وما زاغت به عن الحقّ وبعض الفرق الأخرى. دراسة وتحقيق وتعليق د. ونّيس عامر، (طبع خاصّ) سنة2001.
- الأشعري(أبو الحسن)(ت330هـ/942):مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، نشر فرانز فيسبادن، تصحيح هلموت ريتر، ط3، سنة 1980م.
- الاسفراييني (أو المظفر)(ت471/1078م) : كتاب التّبصير في الدّين وتمييز الفرقة النّاجية عن الفرق الهالكين، تحقيق كمال يوسف الحوت، مركز الخدمات والأبحاث الثّقافيّة، عالم الكتاب، ط1، بيروت سنة 1980م.
- اطفيش (محمد بن يوسف)(ت1332هـ/1914م) : كتاب تيسير التّفسير للقرآن الكريم، ط. وزارة التّراث القومي والثّقافة سلطنة عمان سنة 1986م.
- البرّادي (أبو القاسم بن إبراهيم) (ت697هـ) : كتاب الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخلّ به كتاب الطّبقات لأبي العبّاس الدّرجيني، ط. حجريّة، القاهرة، 1312هـ. (1/139)
صفحة 140
- البغدادي (عبد القاهر) (ت429هـ) : كتاب الفرق بين الفرق، ط. دار المعرفة للطّباعة والنّشر، بيروت لبنان، د.ت، بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.
- الجعبيري (فرحات) (معاصر) : البعد الحضاري للعقيدة الإباضيّة مطبعة الألوان الحديثة، مسقط عمان، ط1، سنة 1408/1987. الجناوني (أبو زكرياء يحيى بن أبي الخير)(ت. آخر ق6هـ) : كتاب الوضع، مختصر في الأصول والفقه، نشره وعلّق عليه أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، مطبعة الفجالة الجديدة القاهرة، د.ت، ونفس الكتاب بشرح أبي ستة القصبي، ط. حجريّة، تونس 1325هـ.
- الجيطالي (أبو طاهر إسماعيل بن موسى) (ق8/14م) : قواعد الإسلام، تحقيق وتعليق بكلي عبد الرحمن بن عمر، ط1، الجزائر، غرداية، 1975م، (جزءان).
- الحارثي (سالم بن حمد بن سليمان العماني الإباضي) (معاصر) : العقود الفضيّة في الأصول الإباضيّة، ط. دار اليقظة العربية، في سوريا ولبنان، د.ت.
- د. خليفات (عوض) (معاصر) : نشأة الحركة الإباضيّة، نشر اتحاد المؤرخين العرب 1978م، مطابع دار الشعب، عمان-الأردن.
- الدرجيني(أحمد بن سعيد أبو العباس) (ت670هـ) : طبقات المشائخ بالمغرب(جزءان)، تحقيق إبراهيم طلاي، ط. مطبعة البعث، قسنطينة- الجزائر، د.ت.
- الرستاقي (خميس بن سعيد): منهج الطّالبين وبلاغ الراغبين، تحقيق سالم بن حمد الحارثي، ط. وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1979م.
- الرّقيق القيرواني (أبو إسحاق إبراهيم) (ق5هـ): تاريخ إفريقية والمغرب، بتحقيق د. عبد الله العلمي الزيدان والدكتور عز الدين عمرو موسى، ط1، دار الغرب الإسلامي، سنة 1990م.
- الزّركلي (خير الدين)(معاصر):الأعلام، (8أجزاء)، ط. سنة1986م، دار العلم للملايين، بيروت-لبنان. (1/140)
صفحة 141
- الشمّاخي (أبو العباس أحمد) (928/1522) : كتاب السير، ط. حجرية، القاهرة 1301هـ، وطبعت كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس سنة 1995م، سلسلة4، بتحقيق ودراسة محمد حسن،الجزء الخاص بتراجم علماء المغرب إلى نهاية القرن الخامس هـ/11م.
- الشّهرستاني (أبو الفتح محمد عبد الكريم) (ت548هـ) : الملل والنّحل، تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل، نشر مؤسّسة الحلبي وشركاه للنّشر والتّوزيع، القاهرة، 1968م.
- العماني (سعيد) : كشف الغمّة الجامع لأخبار الأمّة (1264هـ)، مخطوط بالمكتبة الوطنيّة بتونس رقم 3182.
- القاضي (عبد الجبار بن أحمد) : شرح الأصول الخمسة، تحقيق د. عبد الكريم عثمان، نشر مكتبة وهبة القاهرة، ط1. سنة 1965م.
- معمر ( علي يحيى) (1401/1980) : الإباضيّة في موكب التّاريخ، الحلقات (1+2+3+4)، ط1، مطبعة الدّعوة الإسلاميّة، مكتبة وهبة، القاهرة 1946 و1966 و1979م.
- النشّار (د. علي سامي)(معاصر) : نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ط. دار المعارف، القاهرة، 1981م.
- الوارجلاني (أبو يعقوب يوسف)(ت570/1174) : الدليل لأهل العقول لباغي السبيل بنور الدليل لتحقيق المذهب الحقّ بالبرهان الصادق، (3ج)، ط. حجرية، سنة 1306هـ.
- ونّيس (عامر)(معاصر) : أبو يزيد مخلد بن كيداد (ثورته وآراؤه) أطروحة دكتوراه دولة خلال سنة 1992م بجامعة الزيتونة. طبع على الآلة الراقنة سنة 1991م.
فهر س الموضوعات
مقدمة المحقق ....................................................................... ... 6
التّعريف بصاحب الكتاب ....................................................... ... 14
مرحلة التعلّم والتعليم ............................................................. ... 14
مرحلة النّشاط السّياسي والعسكري الذي قام به ضدّ العبيديين.. ... 19
مرحلة استقرار أبي خزر في مصر........................................ ... 28 (1/141)
صفحة 142
وفاته ............................................................................... ... 31
نسبة الكتاب إليه .................................................................... ... 32
مضمون الكتاب ..................................................................... ... 34
نسخ الرسالة .......................................................................... ... 40
عنوان الكتاب ........................................................................ ... 43
الردّ على من زعم أنّ أسماء الله مخلوقة ................................ ... 44
الباب الأوّل : مسائلهم التي يسألون عنها ............................... ... 54
باب آخر في الأسماء ... 59
باب آخر في الوقوف ............................................................. ... 62
ومن المسائل التي يسألون عنها ............................................. ... 67
باب آخر ................................................................................ ... 71
باب فيما يسع جهله وما لا يسع جهله وبعض الأسئلة ............. ... 77
باب الردّ على المعتزلة .......................................................... ... 89
باب آخر في الاستطاعة ... 113
مسألة أخرى في الإرادة ....................................................... ... 120
مسألة أخرى ................................................................................ ... 121
باب آخر ...................................................................................... ... 124
باب آخر في الأسئلة عن الإرادة والتولّد والكفّ ........................... ... 133
الجواب عن قول الله لموسى عليه السلام { ألق ما في يمينك } ...... ... 148 (1/142)