صفحة 1
الكتاب: كتاب متن الجهالات في عِلم التوحيد
المؤلف: تبغورين بن عيسى الملشوطي (القرن الخامس الهجري)
دراسة وتحقيق وتعليق: د. ونيس عامر (أستاذ محاضر بجامعة الزيتونة)
تونس، الطبعة الأولى: 2003
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) من علم الكلام الإباضي
كتاب
متن الجهالات
في علم التّوحيد
للشّيخ تبغورين
دراسة وتحقيق وتعليق
الدكتور
ونيس عامر
أستاذ محاضر بجامعة الزيتونة
حياة تبغورين
هو الشّيخ تبغورين بن عيسى بن داوود الملشوطي (1) . نسبة إلى بلدة يُقال لها ملشوطة (2) . وهو من علماء القرن الخامس الهجري (3) .
__________
(1) - الجيطالي : قواعد الإسلام، تحقيق وتعليق بكلي عبد الرحمان بن عمر ، طبعة أولى، الجزائر (غارداية) 1975م، ج1/90. الشمّاخي " كتاب السّير،ص 432.
(2) - لم يحدّدها علماء الإباضية، ويبدو أنّها اندثرت، ومن خلال كتب سير الإباضيّة أنّها تقع قرب مدينة آجلو التي حدّدها الشّيخ علي يحي معمّر بأنّها تقع قرب البلدة التي تسمّى اليوم«بلدة عمر» بالجزائر وتقع على بعد عشرين كيلومترا جنوب « تقرت» شرقيّ الجزائر. راجع الجعبيري : نظام العزّابة عند الإباضيّة الوهبيّة في جربة،ص36 و46. علي يحيىمعمّر:الإباضيّة في موكب التّاريخ،ج4، ط.1979.ص344-345.
(3) - الجيطالي (السّابق) ج1/90. الشمّاخي : السّير، ص432. (1/1)
صفحة 2
أخذ العلم عن الشّيخ أبي الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي (1) ، وعن الشّيخ عبد الله اللّنتي (أبو محمد) (2) . وكان من معاصري الشّيخ أبي العبّاس محمّد بن بكر من علماء الطّبقة العاشرة (450هـ 500 هـ) حسب الدّرجيني (3) والشّمّاخي (4) .
ذكر عنه الشّماخي أنّه كان « من أعظم النّاس قدرا،وأكثرهم علما، وأشدّهم عملا. تعلّم العلوم وعلّمها، واستفاد وأفاد، وطلب العلا فساد» (5) .
عاصر الشّيخ تبغورين كثيرا من العلماء، من الإباضيّة نذكر منهم : أبو الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي (السّابق) وماكسن بن الخير، وأبو سليمان داوود بن أبي يوسف، وأبو الرّبيع سليمان الزلفيني، وأبو العبّاس أحمد الوليلي، وأبو إسماعيل أيّوب بن إسماعيل، وأبو زكرياء يحي بن أبي زكرياء، والشّيخ أبو محمّد اللواتي، وغيرهم كثير (6) .
__________
(1) - توفّي أبو الرّبيع سنة 471 هـ. انظر ترجمته بتفصيل أكثر، عند أبي زكرياء يحي بن أبي بكر، في كتاب السّيرة وأخبار الأئمّة، تحقيق عبد الرحمان أيّوب، طبعة الدّار التّونسية للنّشر1985، ص269 إلى 277. الدّرجيني : الطّبقات جزء2/425 وما بعدها. الشّمّاخي : السّير ص 412.
(2) - هو أبو حامد محمد عبد الله بن محمد اللّنتي، عدّه الدّرجيني في طبقاته، من الطّبقة الحادية عشرة (500/550هـ).انظرعنه، طبقات المشائخ بالمغرب، تحقيق إبراهيم طلاّي، طبعة الجزائر، 1974م، ج2، ص481-482. الشماخي : السير، طبعة حجرية سنة 1301هـ، ص440.
(3) - الطبقات: 2/442 وما بعدها.
(4) - الشّمّاخي : السّير 432 و 440.
(5) - الشمّاخي : السّير، 432.
(6) - انظر ترجمة هذه الشّخصيات في كتاب الطّبقات للدّرجيني، ج 2/425 إلى 482. والشّمّاخي : السّير، من ص 414 إلى 440. (1/2)
صفحة 3
تخرّج عليه جماعة كانت لهم الصّدارة في أوساطهم، لا من الرّجال فقط بل حتّى من النّساء، كالعالمة عائشة بنت معاذ (1) ، التي قيل عنها أنّها خير نساء «آجلو»، بلغت في العلم شأوا بعيدا، وكانت تساجل العلماء وتناقشهم ، وكثيرا ما يكون النّقاش في جانبها (2) .
درست هذه العالمة علم الكلام عن أستاذها الشّيخ تبغورين، وكانت تفتخر به وبدراستها عليه، وتعتبر أقواله حجّة، فإذا جرى بينها وبين أحد نقاشا في قضيّة من قضايا علم الكلام، كان يكفيها حجّة أن تقول : قال تبغورين بن عيسى الملشوطي كذا وكذا. وكان هذا في نظرها أبلغ حجّة وأسطع برهان فلا تحتاج بعده إلى مزيد كلام (3) .
ودرست عائشة بنت معاذ على فطاحل العلماء في «آجلو» وبلغت درجة في العلم يعزّ على نظرائها بلوغها، منهم أبو العبّاس أحمد بن أبي عبد الله بن بكر (4) التي قالت عنه: « لولاه لمتّ من الجهل» (5) .
وكان أبو العبّاس هذا، دائرة معارف يجول في كلّ ميدان. وكانت دروسه تشبه أن تكون محاضرات تلقى في جميع الفنون. فكان المتفوّقون من الطّلاب يلذّ لهم سماعه والسّباحة معه في الآفاق التي يسبح فيها.
__________
(1) - انظر عنها :علي يحي معمّر، الإباضيّة في موكب التّاريخ (الحلقة الرّابعة) ، طبعة أولى1979، ص347. الجيطالي (السّابق) ج 1/90.
(2) - علي يحي معمّر : (السّابق) ص 346 – 347. الشمّاخي : السّير، ص 422.
(3) - علي يحي معمّر : (السّابق) ص 347.
(4) - انظر ترجمته في : الدّرجيني، الطّبقات، 2/442، 443.
(5) - الشمّاخي : 422. (1/3)
صفحة 4
وكانت عائشة هذه من أمهر السبّاحين في علوم الشّريعة بمختلف فروعها، وفي علوم اللّغة والأدب. وكانت ترى أن تعلّم اللّغة وآدابها، وما تقوم عليه من نحو وصرف، واجب أكيد على المسلم (1) ، حتّى يستطيع فهم كتاب الله وسنّة رسوله عليه السّلام. فقد كانت عائشة ـ هذه ـ تمثّل المرأة المسلمة المتعلّمة المستنيرة التي تشارك الرّجال في جميع الميادين الثّقافيّة ، دون أن تتخلّى عن رسالتها كأمّ ترعى بيتا، وترعى أولادا، وكزوجة تصون نفسها وبيتها وترعى زوجها في نفسها وفي ماله وفي بيته، وتوفّر له وسائل الرّاحة والسّعادة والاستقرار، ودون أن تلقى عنها ثوب الحياء والحشمة، فلم يعقها ثوبها النّسائي الفضفاض أن تناقش أذكى الطّلاب وأن تتفوّق عليهم (2) .
__________
(1) - علي يحي معمّر (السّابق) ص 348.
(2) - نفس المصدر والصّفحة. (1/4)
صفحة 5
فقد كانت عائشة بنت معاذ في الجزائر بعلمها وسلوكها مثل أمّ ماطوس (1) في ليبيا، ومثل العالمتان العمانيتان : عائشة بنت راشد بن خصيب الرّيامية (2) وفرحا بنت علي بن محمد (3) . وقد أقامت هذه النسوة الحجّة على المرأة المسلمة المتفتّحة، وبرهنّ على أنّهنّ إذا شئن يستطعن أن يبلغن أقصى ما يبلغه الرّجال من المعرفة مع المحافظة على دينهنّ وأخلاقهنّ، وصيانة أسرتهنّ وبيوتهنّ .
__________
(1) - اسمها « عافية» عاشت في القرن الخامس الهجري. انظر عنها : علي يحي معمّر (السّابق) ج2، القسم الثّاني ص85 وما بعدها. وص 239 إلى 260. الشمّاخي : السّير، ص317 وما بعدها.
(2) - هي شيخة فقيهة زاهدة ، كانت على قيد الحياة أيام الإمام بلعرب بن سلطان بن سيف اليعربي ، المنصوب سنة 1090هـ /1679 م ثم أيام أخيه الإمام سيف بن سلطان حتى سنة 1143هـ . ومسكنها ببهلا من ضواحي نزوى بسلطنة عمان . أنظر عنها بتفصيل أكثر : إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان ، للشيخ سيف بن حمود البطاشي، ترتيب الدكتور: سعيد بن محمد الهاشمي ، طبعة1 ، وزارة الشؤون الدينية والتاريخية بسلطنة عمان سنة 1422 هـ، ج3 ص 343 وما بعدها
(3) - قال عنها البطاشي (السابق) : هي من ذوات العلم والمعرفة في القرن الحادي عشر الهجري ، كانت في أيام الإمام بلعرب بن سلطان بن سيف اليعربي. لها كتاب ( بصيرة الأديان) نسخه لها سعيد بن محمد بن علي الهنائي الرستاقي سنة1101هـ ويوجد هذا المخطوط بمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي برقم (66) . أنظر ذاك في المصدر قبله ص419 . (1/5)
صفحة 6
والشّيخ تبغورين رغم درجته العلميّة العالية لم يسلم من الهجران، فقد تبرّأ منه مجتمعه وبقي معزولا إلى أن أضطرّ إلى التّوبة، وبسبب ذلك سافر إلى «تينوال» كي يتوب بين أيدي من حكموا عليه بالهجران، ويعتذر ممّا نسب إليه حتّى قبلوا منه، وعندئذ استردّ مكانته وعاش بين الإباضيّة كواحد منهم (1) .
هذا الشّيخ الألمعيّ، لم تترجم له المصادر الإباضيّة ولم تذكر عنه سوى أنه أتّهم عندهم بشيء لاموه عنه، بل وحكموا عليه بالبراءة والهجران، فقاطعه المشايخ . ويبدو أنّ هذه المقاطعة جعلتهم لا يترجمون له، ولا يهتمون بحياته الأولى والأخيرة، لكنّه رغم ذلك الهجران، فإنّنا نجد أنّ الشّيخ تبغورين قد فرض نفسه بعلمه، وبما ألّفه من كتب كانت مرجعا عند الإباضيّة في علم الكلام والفقه وغير ذلك.
مؤلّفاته
ترك لنا الشّيخ تبغورين ثروة علميّة من التآليف القيّمة في العقائد على الأخصّ تدلّ على نباهة شأنه وعلوّ درجته، وهي :
__________
(1) - علي يحي معمّر : (السّابق) ص 292/293. الشماخي : السّير ص 432. (1/6)
صفحة 7
1- كتاب أصول الدّين(في الكلام)، وقد حقّقناه (1) .
2- كتاب الأدّلة والبيان(في أصول الفقه) (2) .
3- كتاب الجهالات (في علم الكلام) (3) .
4- كتاب المعلّقات في أخبار أهل الدّعوة (4) .
جهود تبغورين في الكلام
__________
(1) - هو كتاب نشره الدّكتور عمرو خليفة النّامي كملحق بأطروحته باللّغة الإنجليزيّة، وهو يتضمّن أصول الإباضيّة العشرة، وخمس مسائل اجتماعية. أنظر: دراسات عن الاباضية ، بقلم الدكتور عمرو خليفة النامي ترجمة ميخائيل خوري ومراجعة د. ماهر جرّار مع مراجعة أصول الكتاب لكلّ من د.محمد صالح ناصر، و د. مصطفى صالح باجو . ط دار الغرب الإسلامي سنة 2001م ص223 و224 .(وهو الآن تحت الطبع بتحقيقنا ، تحت عنوان " كتاب أصول الدين أو الأصول العشرة ، للشيخ تبغورين) . و نسبه إليه الشمّاخي ص432. ومحقّق كتاب قواعد الإسلام للجيطالي (السّابق) ص 91. والحارثي في: العقود الفضّيّة في أصول الإباضيّة، طبعة دار اليقظة العربيّة سوريا لبنان، بدون تاريخ، ص 280 والبرّادي : الجواهر المنتقاة، طبعة حجريّة : ص 221. وعلي يحي معمّر (السّابق) ص 127 و 264.
(2) - نسبه إليه الحارثي (السّابق) ص280. ومحقّق كتاب قواعد الإسلام للجيطالي (السّابق) ص91.
(3) - هذا الكتاب كان موضع عناية من مشايخ الإباضية لأهمّيته، فقد شرحه الشّيخ أبو عمّارعبد الكافي الإباضيّ(وقمنا نحن بدراسته وتحقيقه لنيل أطروحة =دكتوراه الحلقة الثالثة بجامعة الزيتونة ، نوقشت خلال سنة 1986) والشّيخ محمد بن يوسف المصعبي (ق 12 هـ) والشّيخ أبو ستّة محمّد بن عمر القصبي الجربي المشهور بالمحشىّ،وشرحه أخيرا أحمد بن يوسف أطفيش (ت 1914م).
(4) - هذا الكتاب شكّ البرّادي ص 221 والحارثي (السّابق) ص 280 نسبته إليه. (1/7)
صفحة 8
عاش الشّيخ تبغورين في النّصف الثّاني من القرن الخامس الهجري في الجنوب الجزائري، متنقّلا بين ورجلان وبلاد سوف، ودرجين بنفطة من بلاد تونس، وقرى تلك المدن التي حوت فرقا عديدة ذكرها المؤرّخون من أهل السنّة وكتّاب السّير من الإباضيّة. ويذكر الدّرجيني في طبقاته وأبو زكرياء في سيره، والشمّاخي في كتاب السّير، أن متكلّمي الإباضيّة كانت تدور بينهم المناظرات الكثيرة، كما كانت تنظّم لها مقابلات بين متكلمّي الإباضيّة مع الفرق المخالفة مثل الواصليّة (المعتزلة) وفرق النّكّار وغيرهم. فهذه الكتب زاخرة بالمناظرات التي يمكن أن تكون دراسة للباحثين.
وقد أمكن للشّيخ بهذا التّنّقل بين الحواضر العلميّة الزّاخرة بفنون الكلام في العديد من المسائل التي كانت تثار في ذلك الوقت، أن يحصل على علوم كثيرة، ومن أهمّها علم الكلام، الذي وصلنا منه كتابين يدلاّن على عبقريته في فنّ علم الكلام. وهذا يعود الفضل فيه إلى ما أفاده الشّيخ من العلوم المتنوّعة والتي أفادت أيضا العقول، لما فيها من النّقد النّزيه والمقارنة، وتلك تكوّنت بالإطّلاع الواسع على مختلف المذاهب القديمة والمتواجدة آنذاك، والتي كما أشرنا نمت بالمساجلات العقديّة التي كانت تدور بين المذاهب المختلفة.
وقد تمكّن صاحبنا بهذا التّحصيل الواسع والنّقد المقارن من أن يخوض في بحر علم الكلام في أصول الدّين والذي كان أهمّ اهتمامات تلك المناطق وأن يصبح فيه علما بارزا، وهو ما يشهد به كتابه في «أصول الدّين» وكتابه هذا في «الردّ على الجهالات» وهو الذي اعتنى به المتكلمون من بعده فشرحوه، وكانت آخر الشّروح له في القرن التّاسع عشر. (1/8)
صفحة 9
دافع تبغورين عن آرائه – وهو إباضيّ- وردّ على الفرق الأخرى مثل المعتزلة والخوارج والمرجئة وغيرهم كثير، فلم يقتصر الشّيخ في مناظراته على الفرق الإسلاميّة أو على ديانة بعينها بل اتّسعت مناظراته لتشمل العديد من الفرق المناوئة له. فهو خبير بآراء المتكلّمين،وكتبه تدلّ على تبحّره في آراء الفرق وكلامهم، ويدلّ على ذلك كتابه "الأدلّة والبيان" في أصول الفقه. وكتاب "الجهالات" وهو هذا الذي نحقّقه (1) . وفيه يقول الدكتور عمرو خليفة النامي : (( وفي هذا الكتاب يضع المؤلّف الأسئلة عن مختلف المسائل الكلامية الخاضعة للنّقاش ويجيب عنها تباعا)) (*).
حكم المشائخ عليه
والشّيخ تبغورين رغم اتّهامه من المناوئين له وحكمهم عليه بالهجران حتّى التّوبة بين أيدي المشائخ، فإنّ هذه الأحكام – كما ذكر الشّيخ علي يحي معمّر- أكثرها باطلة إلاّ أنّها تطبّق. وأحيانا ما تكون صادرة من تلميذ لأستاذه (2) .
والهجران والإبعاد والطّرد ألفاظ تترادف على معنى واحد، وذلك متى أجرم أحد من أهل الطّريق جرما، أو ظهرت عليه خزية، أو أتى بنقيصة في قول، أو عمل، أو تضييع فإنّه يهاجره كلّ أهل الصّلاح، فلا يُكلّم ولا يحضر جماعة، ولا يؤمّ ولا يؤاكل، ولا يجالس، وكأنّ خطّة بينه وبين أهل الخير، فإن تاب واستغفر قبل منه، ورجع إلى الجماعة، وزال عنه شين ذلك الاسم وكان بقاؤه في وحشة الهجران بقدر عظم الجرم وصغره وتوبة المجرم وإصراره، فمنهم من يتوب ويرجع في الحال، ومنهم من يبقى ساعة أو ساعتين أو يوما أو يومين (3) .... إلخ. هذه المسائل راجعها في مكانها يتّضح لك الأمر، والسّلام.
__________
(1) - هذا الكتاب قد اعتمدنا في تحقيقه على النّسخ المعتمدة في شرح الجهالات لأبي عمّار عبد الكافي الإباضي. (أطروحتي للمرحلة الثّالثة بجامعة الزّيتونة) سنة 1986.
(2) - انظر : الإباضية في الجزائر (ج : 4 ) طبعة 1/1979 ص 292 وما بعدها.
(3) - نفس المصدر السّابق والصفحات. (1/9)
صفحة 10
منهجه في هذه الرسالة
(*) أنظر : دراسات عن الاباضية ، (مصدر سابق) ص224.
يعتبر الشيخ تبغورين من كبار البارعين في فنّ التدريس ـ الأسلوب الحواري والمنهجي ـ فهو في هذه الرسالة يعتمد على الطريقة الحوارية ، يطرح أسئلة افتراضية، يمكن أن يسألها أيّ واحد من الخلق ، مسلما كان أو كافرا ، أو مشركا،أو مخالفا للمذهب ، ويجيب عنها بما يراه مقنعا ، ويقلب السؤال على السائل أحيانا، لما يرى في ذلك من فائدة .
والكتاب في الجملة منهجي ينحو المنحى التّعليمي للمتعلّمين ويجعلهم متمكّنين من شتّى طرق الدّفاع عن العقيدة الإسلامية والذّود عنها ، شأنه في ذلك شأن علماء الكلام المتبحّرين في أصول الدّين .
النّسخة المخطوطة
اعتمدت في تحقيقي لهذه الرّسالة على نسخة وحيدة هي أقصى ما عثرت عليه في مكتبات الإباضيّة .
هذه النّسخة وقع تصويرها من مكتبة الشّيخ يوسف الباروني بجربة تحت عدد 796 بعنوان كتاب متن الجهالات في علم التّوحيد، وهي نسخة كاملة بها 34 صفحة مقاسها 16.5 x 23 صم، كتبت بخطّ مغربي واضح، قام بنسخها أبو عبد الله سعيد الباروني سنة 1259هـ . كما أنّي اعتمدت أيضا في تصحيح النّصّ على كتاب شرح الجهالات لأبي عمّار عبد الكافي الاباضي الذي حقّقته ونلت به درجة دكتوراه المرحلة الثالثة من كلية الشريعة وأصول الدين ( جامعة الزيتونة) سنة 1986م وهذا الأخير معتمد في تحقيقه على ثلاث نسخ هامّة من تونس والجزائر وليبيا .ولا يزال هذا التحقيق ينتظر النّشر . (1/10)
صفحة 11
ولزيادة توضيح بعض المسائل جعلت لها عناوين بين معقوفتين،وكذلك ما زيد من الشّرح أو ما نقص منه ، جعل أيضا بين معقوفتين . ووضعت أرقاما على النسخة المعتمدة يبتدىء رقم[1] على وجه الورقة التي بها العنوان، ثم رقم[2] على ظهرها ، وهكذا إلى نهاية الكتاب . وشرحت جلّ المسائل الكلامية معتمدا على ما جاء في شرح الجهالات لأبي عمّار عبد الكافي الذي كان من أوّل المعتنين بشرحه ، فكان بذلك كتابنا هذا مختصرا لشرح أبي عمّار رحمه الله تعالى .
والله وليّ التّوفيق
نزوى في 5 آفريل 2003 م
نصّ الرّسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وسلّم
كتاب الجهالات (1)
[ الدّليل على أنّ الإنسان مخلوق ]
إن سأل سائل فقال : ما دليلك على أنك مخلوق ؟
فقل : دلّني على ذلك حدثي بعد إذ لم أكن شيئا، وحاجتي إلى غيري، وتقلّب الأشياء فيّ وفي غيري.
فإن قال : وما في ذلك ما يدلّك ؟
فقل : وكيف لا يكون ذلك لي دليلاً وقد وجدْتُ نفسي تنزُلُ بها الأشياء على كره منّي لا أستطيع دفعها ولا الامتناع منها.
فإن قال : فهل تعرف الّذي أنزل بك هذه الأشياء على كره منك ؟
فقل : نعم، فإن قال : فهل رأيته؟فقل : لا.
فإن قال : فهل لمستَهُ ؟فقل : لا.
فإن قال : فهل شممته ؟ فقل: لا. فإن قال : فهل ذُقته ؟ فقل : لا.
فإن قال : فهل سمعته ؟ فقل : لا. فإن قال : فهل أدركته بشيء من هذه الحواسّ الخمس؟ فقل: لا.
__________
(1) وعنوان الكتاب في المتن هو : "هذا كتاب متن الجهالات في علم التّوحيد"، رضي الله تعالى عن مؤلفه ونفعنا ببركاته آمين آمين. (1/11)
صفحة 12
فإن قال : فكيف عرفت ربّك هكذا ؟ فقل : نظرتُ إلى هذا الخلق فوجدته ذليلا مقهورا مغلوبا مربوبا، فعلمت أنّ له عزيزًا أذلّه وأنّ له قاهرًا قهره، فعلمتُ أنّه ربّه وأنّه { ليس كمثله شيء } (1) .
فإن قال : فمن أين تنكر أن يكون مثله شيء ؟
فقل : من قبل ما احتمل هذا الخلقُ من الحاجةِ والزيادةِ والنقصانِ فلذلك علمت أنّه ربّه وأنّه "ليس كمثله شيء" لأنّا إذا زعمنا أنّه خالق ومثله مخلوق فقد شبّهناه بخلقه، فمن ها هنا فسد أن يكون شبهه شيء.
[ الدّليل على معرفة الله وأنّه غير مشبه لخلقه ]
فإن قال : أخبرني، عن هذا الّذي وصفتَهُ أنّك إنّما تعرفه بخلقه أيْن هو ؟
فقل : إنّما يقال أين ومتى وإلى/[2] في المخلوقين. فتقول : أين وأنت تعني بقولك أين مكانًا دون مكانٍ.وتقول : متى، فيقال لك : منذ عام أو عامين، أو شهرًا أو شهريْنِ، أو يوما أو يوميْن، ونحو ذلك والله يتعالى عن هذه الصّفات.
[ الفرق بين الواحد من البشر والواحد (الله) ]
فإن قال : أخبرني عن إلهك الّذي وصفته أنّك إنّما تعرفه بغير ما عَرَفْتَ به الخلقَ الذليلَ المقهورَ المربوبَ أَواَحِدٌ هو ؟
فقل : نعم. فإن قال : وأنت واحدٌ أيضًا فقل : نعم.
__________
(1) **) سورة الشّورى : 11.وجوابه هنا هو أن الإنسان إنما عرف ربّه بخلقه وتدبيره وصنعته ، وذلك أنه نظر إلى الخلق فوجده ذليلا ، فعرف أن له مذلاّ عزيزا أذلّه ، ووجده مقهورا فعرف أنّ له قاهرا يقهره ، لأن الذليل المقهور ، المغلوب المربوب ، لا يكون عزيزا مذلاّ لغيره ، ولا قاهرا ، ولا غالبا ، ولا ربّا . ولما كان الخلق مقهورا ، كان الخالق قاهرا.فعرفوا بهذا المعنى أن الخالق لا يكون في صفة الخلق . (1/12)
صفحة 13
فإن قال : ما الفرقُ بين الواحدين ؟ فقل : أنا واحدٌ من عددٍ بأجزاء وأقطارٍ وطولٍ وعرضٍ، والله واحدٌ لا من عددٍ ولا بجزءٍ ولا تأليف، ولا يُوصَفُ بالعُرض ولا بالطّول، والله يتعالى عن هذه الصفات (1) .
فإن قال : الله حيّ ! فقل : نعم. فإن قال : وأنت حيّ فقل : نعم. فإن قال: ما الفرق بين الحيّيْن ؟
فقل : أنا حيّ بعد موتٍ تقدّم والله حيّ لا بعد موت تقدّم، وأنا حيّ على ما يُعْقَلُ من حركةٍ وسكونٍ، والله تبارك وتعالى حيّ لا على ما يُعْقَلُ من حركةٍ وسكونٍ.
فإن قال : وما دليلك على أنّه حيّ ؟
فقل : نظرت إلى هذا التدبير المُحْدَثِ من إتيانِ اللّيل والنّهار واختلافهما وتفريق حالاتهما وما يأتي من الأمطار وحدوث الثمار فعلمتُ أنّه لا يُحدثه ميّت (2) .
__________
(1) - إن المؤلف هاهنا قد فرّق في جوابه بأن قال : أنا واحد من عدد ، يريد من عدد هذا الناس ، وهذا الخلق بأجزاء ، وهو في ذلك في نفسه متجزّ ذو أجزاء كثيرة من واحد، فوصف نفسه في معنى الواحد بصفتين كلتاهما غير جائزتين على الله - عز وجل - بالعدد أو بالانعداد فهو مشرك .
(2) - والدليل على أن الله حيّ ، ما يوجد من أفعاله - عز وجل - ، والفعل لا يظهر إلاّ من حيّ كما قال صاحب الكتاب . (1/13)
صفحة 14
فإن قال : أربُّكَ صادقٌ ؟ فقل : نعم، فإن قال : ومحمّدٌ صادقٌ، فقل : نعم. فإن قال : ما الفرق بين الصادِقَيْنِ (1) ؟
فقل : محمّدٌ النّبيّ صادقٌ لِرَجَاءِ ثوابٍ وخوف عقابٍ، والله صادقٌ لا لِرَجَاءِ ثوابٍ ولا لخوفٍ من عذابٍ.
فإن قال : الله عدلٌ، فقل : نعم، فإن قال : ومحمّدٌ عدْلٌ، فقل: نعم، فإن قال : ما الفرق بين العَدْليْنِ ؟ فقل : الجواب فيهما كالجواب في المسألة الأولى (2) .
[ صفة السّميع (الله) وصفة السّميع (الإنسان) ]
__________
(1) - : نعم فقد وصف الله نفسه في كثير من آياته بأنه صادق . والصدق صفة لله - عز وجل - لم يزل موصوفا به ، وذلك على نفي الكذب عنه جل جلاله ، والكذب من أخس صفات الخلق ، ولا يكون الكذب من فاعله إلا لرغبة أو لرهبة ، وكلتاهما عن الله منفيتان، لأن القول في العدل كالقول في الصدق ، وقد يكون العدل صفة وغير صفة كما أن الصدق والتصديق والكذب والتكذيب فكل ما جاز في الصدق فهو جائز في العدل. أما العدل في اللغة فهو الاستقامة ، كما أن الجور هو الميل. لأنّ الخوف والرجاء سوطان زاجران للعباد لأن الخوف زاجر عن فعل المعصية ورادع عنها والرجاء داع إلى عمل الطاعة وباعث عليها ، وأما الخوف فضدّه الأمن ، كما أن الرجاء ضدّه اليأس .
(2) - لأنّ القول في العدل كالقول في الصدق ، وقد يكون العدل صفة وغير صفة كما أن الصدق صفة وغير صفة. والقول في العدل والتعديل والجور والتجوير كالقول في الصدق والكذب والتكذيب . فكل ما جاز في الصدق فهو جائز في العدل ، الخ ، فناظر كلّ واحد من هذه المعاني بنظيره تجده كما قال صاحب الكتاب . والعدل هو أصل من أصول الدين عند جميع المتكلمين ، ومعنى العدل في أصول الدين : أن الله - عز وجل - سمّى نفسه عدلا ووصف نفسه بذلك . وأجمع المسلمون على أنّ الله عدل لا يجور في حكم ولا يظلم في فعل . (1/14)
صفحة 15
فإن قال : أربّك سميع ؟ فقل : نعم. فإن قال : وما معناك سميع ؟ فقل : إثبات أنّه غير أصمّ. فإن قال/[3] وأنت أيضا سميعٌ !فقل : أنا سميع بجزءٍ من أجزائي وجهة من جهاتي، وأنا سميع بعد أن كنت أصمّا وهو قبل الطّفوليّة وحال النّطفة والعلقة. وأنا في تلك الحال لا يجري عليّ فيهما اسم سميع ولا اسم أصمّ لأنّي فيها غير سميع ولا أصمّ، ثم نقلتُ إلى غير تلك الحال إلى حال الأموات. ولا يجوز أنّ يقال لي : سميعٌ ولا أصمّ في حال الطّفوليّة، النّطفة والعلقة والمضغة ، وذلك عن الله منفيٌّ، وحالي التي كنت فيها سميعًا وأصمًّا عن الله منفية، وحال الموت بعد الحياة عن الله منفية. وأنا سميع بعد هذه الأحوال وبعد هذه الجهات. والله تبارك وتعالى لا يجري عليه ما يجري عليّ من هذه الأشياء، فهو سميع بمعناه لا بجزء يدرك به الأصوات ولا بِبَصَرَ يُدرك به الألوان والأشخاص، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. لأنّه لو كان به ذلك لوقع التّغايُرُ في المعبودِ فيقال هذا الجزءُ غيرُ هذا الجزءِ وهذه الجهة غير هذه الجهة فيستحيل ذلك. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرًا (1) .
__________
(1) - أخذ المؤلّف في التفرقة بين سميع وسميع لأن معنى سميع في صفة الله - عز وجل - مثل معناه في صفة الخلق ، فلذلك سبق المؤلف إلى الجواب قبل أن يسأل عنه ، وذلك لو أنّ أحدا سمع قائلا يقول : إن الله - عز وجل - سميع ، فيوهم أن معنى ذلك على ما يجوز في صفة الخلق أو شكّ فيه ولم يعتقد أن السميع في صفة الله - عز وجل - على خلاف ما هو في صفة الخلق كان مشركا بذلك جاهلا بصفات ربّه - عز وجل - . (1/15)
صفحة 16
فإن قال : الله بصير ؟ فقل: نعم. فان قال:وأنت أيضا بصير فقل نعم . فان قال : ما الفرق بين البصيرين؟ (1) .فقل : الجواب فيهما كالجواب في المسألة الأولى.
فإن قال : فالّذي وصفته بهذه الصّفات أين هو (2) ؟
__________
(1) - لقد صدق صاحب الكتاب ، لأنّ الجواب على هذا السؤال كالجواب في المسألة السّابقة، فالجواب في مسألة البصر كالجواب في مسألة السمع حرفا حرفا ،على مثال ما ذكر الكاتب في مسائل السّمع ، يكون الجواب في مسائل البصر . غير أن أوزان الأفعال= =والمصادر في لغة العرب تختلف في ذلك . فمن نظر في هذا الوجه عرفه إن شاء الله .
(2) - سيجيب المؤلف عن هذه الأسئلة بعد هذا . (1/16)
صفحة 17
فقل : سألتَ عن هذه المسألة قبل هذا فأجبناك، فإن كُنْتَ غير قانعٍ فاسْأَل تُجِبْ إن شاء الله. إن كنتَ تريدُ بقولك أيْن هُوَ في مكان دون مكانٍ هو فيه ساكنٌ، فالله يتعالى عن السّكون في الأماكن. وإن كنتَ تريدُ أين هُوَ على إنْفَاءِ السّكون والحِوَايَةِ والتَمَكُّنِ، فإنّه في كلّ مكان وبكلّ مكانٍ،لا على الحِوَايةِ والتّمَكُّنِ والسّكون. وليس كشيء في شيء،/[4] ولا كشيء مع شيء، ولا كشيء داخل في شيء، ولا كشيء خارج من شيء (1) . ، ولا كشيء مفارق لشيء، أو كشيء ملاصق لشيء (2) ،ولا كشيء مجاوز لشيء، وهو بكلّ مكان وفي كلّ مكانٍ لا على ما تتوهّم من كون الأشياء في الأشياء (3) . تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرًا.
[ الرّدّ على من زعم أنّ الله لم يزل ساكنا في الأزل ]
__________
(1) - لأن الدخول والخروج من صفات الأجسام ، ولا يقال : الله داخل ولا خارج ، ولا داخل في الأشياء ، ولا خارج من الأشياء = =وقد أجاز العلماء أن يقال : الله داخل في صفات القدم خارج من صفات الحدث ، ولا يقال داخل في صفاته هكذا ، وأما أن يقال: خارج من صفات الخلق فهو عندهم جائز .
(2) - فهما أيضا صفتان من صفات الجسم التي هو غير منفك منها ، إما مجامع أو مفارق، غير أنه لا يكون الجسم مجامعا للشيء مفارقا له في حالة واحدة . فإذا جامعه بطل أن يكون مفارقا له في تلك الحال ، وكذلك إذا كان مفارقا له فهو غير مجامع له في تلك الحال ، ولا يكون أن يجامع الجسم شيئين في حال واحدة ، لأنّ مجامعته لشيء مبطلة عنه مجامعته لغيره ، والمفارقة كذلك ، والاجتماع ضدّه الافتراق، وهما عرضان يتعاوران على الجسم كتعاور الحركة والسكون عليه .
(3) - يريد بالأشياء هاهنا الأجسام ، أي من كون الأجسام بعضها في بعض . (1/17)
صفحة 18
فإن قال : فما إكذابك لمن زعم أنّه لم يَزَلْ ساكِنًا في الأزل (1) . ؟ فقل : لا يخلو السكون من منزلة واحدة ولا يخرج منها إلى غيرها ولا يكون السّكون من السّاكن لا في مكان وهو المعقول، فلمّا كان لا يُعْقَلُ السكون إلاّ في مكانٍ فَسَدَ أن يكون ساكنًا في الأزل لأنّ ذلك السّاكن والمكان والسّكون قديما لم يزل فتفسد الوحدانيةُ. ولا يمكن أن يكون قديمٌ خالقا ، وقديمٌ لا خالقًا، لأنّا لا نجد مُحْدَثًا مخلوقًا ومُحْدَثًا لا مخلوقًا (2) .
__________
(1) - يريد ما الدلالة على كذبه وباطل قوله ، وقد زعم فريق من المشبّهة بأن الله - عز وجل - لم يزل ساكنا في الأزل ، فلما أحدث الأشياء تحرّك ، فزعموا أن الإرادة منه حركة جلّ جلاله عمّا يقولون علوّا كبيرا . والسّكون هو الإقامة في المكان ، كما أنّ الحركة هي الضّعن على المكان . فأجابه بأنّ وجود السكون يقتضي وجود ثلاثة أشياء : سكونا وساكنا ومكانا .
(2) - ومعناه أنه ليس يكون قديم غير خالق كما لا يكون خالق غير قديم . وذلك أن الخالق للأشياء المحدث لها لو كان غير قديم كان محدثا مثلها ، فإذا كان محدثا لزمه من حاجة إلى محدث يحدثه ما لزم المحدث الأول ، وللزم مثل ذلك في الثاني والثالث والرابع والخامس إلى ما لانهاية . ولذا بطل أن يكون قديم غير خالق، لأنه لو كان غير خالق وغير فاعل، لوجب أن يكون مخلوقا ومفعولا لاستحالة وجود شيء من الأشياء ،لم يكن فعلا ولا فاعلا . فإذا ثبت بالدليل كون الشّيء قديما فخرج من حدّ الحدث والفعل ثبت لذلك أنه خالق فاعل لهذا الوجه . فقولنا في شيء أنه مخلوق يقتضي حدوثه لأنّ لفظة المخلوق تحتوي على الحدث وتوجبه لأنه لا يتفق في معنى من المعاني ولا في فعل من الأفعال أن يكون شيء من الأشياء مخلوقا ومفعولا، وهو غير محدث . وكذلك المحدث لا يكون إلاّ مخلوقا مفعولا لحاجة المحدث إلى محدث يحدثه وفاعل يفعله . (1/18)
صفحة 19
فإن قال : فما إكذابك لمن زعم أنّه لم يزل متحركًا في الأزل ؟.
فقل : لا يجوز ذلك، لأنّا لا نعْقِلُ متحرّكًا يتحرّكُ إلاّ بحركةٍ، أو يكون محرّكًا في الأزل، فيكون معه قديم آخر، فتفسد الوِحدَانيةُ، ولا يصلح أن يكون أحدهما ربّا خالقًا دون صاحِبِهِ (1) .
[ باب في مسألة الإنسان ]
إن سأل سائلٌ عن العلم بأنّك إنسانٌ أهو الِعلمُ بأنّك مخلوقٌ (2) ؟.
فقل : العِلْمُ بأنّي مخلوقٌ كَسْبٌ، والعلم بأنّي إنسانٌ ضرورة، فهذا فرقُ ما بين العِلْمَيْنِ (3) .
فإن قال : ما تقول فيمن قال : إنّ العلم بأنّي إنسانٌ هو العِلْمُ بأنّي مخلوق (4) ؟.
قيل له : فقد أثبتَّ كون الاضطرار هو الاكتساب.
فإن قال : ما تقول فيمن قال : إنّما أعلم بأنّي إنسان لأني مخلوق ؟.
__________
(1) - أراد بقوله : لا نعقل متحرّكا إلاّ بحركة ، أي إلاّ أن يفعل حركة ويكتسبها ويريدها، أو يكون غيره هو الذي يحرّكه . فكلا المعنيين عن الله - عز وجل - غير جائزتين ، فبطلت الحركة والسكون عن الله - عز وجل - لما شرح في هذه المعاني لأنّهما من صفات الجسم الذي لا ينفكّ منهما .
(2) - قد أجابه بأن العلم باقي، مخلوق، كسبي ، والعلم بأنّي إنسان ضرورة . وذلك أن العلم بأنه إنسان علم بالضرورة، لا يمتنع من ذلك سواء في أن يعلم نفسه بأنّه إنسان وأن يعلم غيره أنه إنسان ، فكل ذلك علم بالضرورة . ولا يمتنع أحد من معرفته ، يعلم ذلك من= نفسه بالذي يجده فيها من المعرفة بذلك . وقوله : فهذا فرق ما بين العلمين ، يريد أن أحدهما كسب والآخر ضرورة .
(3) - أنظر المسألة قبلها .
(4) - يقال له في هذا : قد أثبتّ أن كل مخلوق إنسان ، ولو قال : إنما أعلم أني مخلوق لأني إنسان ، فقد أبطل أن يكون غير الإنسان مخلوقا .فكلتا العلتين فاسدتان ، وكذلك لو قال : إنما صار المحدث محدثا لعلة أنه جسم فقد أبطل أن يكون غير الجسم محدثا . (1/19)
صفحة 20
قيل له : قد أثبتّ أن كلّ مخلوق إنسانٌ. فإن قال : إنّما أعلم أني مخلوق لأني إنسانٌ فقد أبْطَل أن يكون غير الإنسان مخلوقا (1) .
فإن قال:العلم بأنّك شيء/[5] أهو العلم بأنك مُحدث؟
فقل:العلمُ بأني شيء نفيُ العدم، والعلم بأني مُحدث نفيُ القِدم (2) .
فإن قال : ما تقول فيمن قال : إنّما أعلم أنّي شيء لأنّي مُحدث .
قيل له: قد أبطلتَ أن يكون غير المُحدث شيئًا.
فإن قال : إنّما أعلم أنّي مُحدَث لأنّي شيء فقد أثْبتَ أنّ كلّ شيء مُحدَثٍ .
فإن قال:العِلْمُ بأنّ الله واحدٌ أهو العلم بأنّه قديم (3) ؟
قيل له : العلم بأنّ الله واحدٌ نفيُ العَدَدِ،والعِلْمُ بأنّه قديم نفيُ الحدث .
فإن قال : ما تقول فيمن قال : إنّما أعلم أنّ الله واحدٌ لأنّه قديمٌ ؟.
قيل له : فقد أبطل أن يكون غير [القديم] واحدًا (4) . فإن قال : إنّما أعلم أنّ الله قديمٌ لأنّه واحدٌ فقد أثبت أنّ كلّ واحدٍ قديم (5) .
[ مسألة العلم بأنّ الله واحد أهو العلم بأنه قديم ]
فإن قال : العلم بأنّ الله شيء أهو العِلْمُ بأنّ الله أزليّ ؟.
__________
(1) - كذلك هذه العلل فاسدة من أساسها ،لأننا لو قلنا : إنما صار الجسم جسما لأنه إنسان فقد أبطل أن يكون غير الإنسان جسما ، فهكذا تكون مسائل الإبطال كلها .
(2) - ولو قال : إنما صار المحدث محدثا لنفي القدم عنه كان مصيبا في علّته ، مثبتا ومبطلا، وكذلك لو قال : إن الجسم إنما صار جسما لعلة التأليف كان مصيبا في إثباته وفي إبطاله، لما صحّت له علّة وكان غير زائد فيها ما ليس منها ، ولا ناقص منها ما هو فيها ، كذلك أن لو قال : إن الإنسان إنما كان إنسانا للإنسانية كان مصيبا لما مضى .
(3) - فأجابه بأن العلم بأن الله واحد نفي للعدد ، والعلم بأنه قديم نفي للحدوث، فقد صدقت علّته .
(4) - لأن علته مقصورة على بعض الآحاد .
(5) - لأنه ضمّ في علّته كلّ من يسمى بالواحد ، فأثبته قديما . (1/20)
صفحة 21
فقل : العلم بأن الله شيء نفيُ القِدَمِ، والعلم بأنّه أزليّ نفيُ الحَدَثِ (1) .
فإن قال : ما تقول فيمن قال : إنّما العلم أنّ الله شيء لأنّه أزليّ ؟.
قيل له : فقد أبطل أن يكون غير الأزليّ شيئا (2) .
فإن قال : إنّما أعلم أنّ الله أزليّ لأنّه شيء فقد أثبت أنّ كلّ شيء أزليّ . فعلى هذا فَقِسْ كلّ ما يَرِدُ عليك من هذا النحو.
[ مسألة في الفرق بين الكفر والشرك ]
فإن قال : ما الفرق بين الكفر والشرك ؟.
فقل : الفرق بينهما أنّ كلّ شرك كفر، وليس كلّ كفر شركًا (3) .
فإن قال : أخبرني عمّا ذكرت من هذا الفرق فوصفتَ ربّك بما وصفتَه به من هذه الصفاتِ أنصُّ كتاب جاءك من الله أو وجه من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو إجماع من الأمّة على ذلك (4) ؟
__________
(1) - نعم فقد صادف العلّة وأصابها .
(2) - لأنه لما جعل علّة الشيئية هي القدم كان قد أسقط من العلّة وجها يسمى شيئا ،وهو المحدث .
(3) - هنا قد ضمّ في العلّة معلولا وغير معلول،لأن علّة الأزلي نفي الحدث ، والحدث في كل الأشياء غير منفي ، فلذلك صار القائل بهذه العلل كلّها مخطئا .
(4) - والفرق الذي سأل عنه السائل هو الفرق بين صفات الله - عز وجل - وبين صفات الخلق من الوصف لله - عز وجل - بصفاته والنفي لصفات الخلق عنه جلّ جلاله من أول الكتاب إلى هذا الموضع . (1/21)
صفحة 22
فقل : جاء ذلك في الكتاب، ودخلت هذه المعاني في جملتها من قوله: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } (1) .وقوله : { هل تعلمُ لًهُ سَمِيًّا } (2) . وفي التأويل: هل تعلم له عدلا ؛ وقوله { ما يكون من نجوى ثلاثة إلاّ هو رابعهم ولا خمسةٍ إلاّ هو سادسهم ولا أقلّ من ذلك/[6] ولا أكثر إلاّ هو معهم أينما كانوا } (3) . وقوله : { ونحن أقرب إليه من حَبْلِ الوريد } (4) . وقوله : { وَهُوَ اللهُ في السّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكمْ وجَهْرَكُمْ ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ } (5) . وقوله : { وهو الّذي في السماءِ إِلَهٌ وفي الأرض إِلَهٌ } (6) . ونحو ذلك من القرآن كثيرًا.
وقولنا بكلّ مكانٍ بقوله : { ما يكون من نجوى ثلاثة إلاّ هو رابعهم } (7) الآية كلّها. فعلمنا أنّه ليس في مكان دون مكان، فوصفناه بذلك.
وقولنا ليس له سميّا لقوله تعالى : { هل تعلم له سميّا } وقوله : { ليس كمثله شيء } فنفينا كلّ الأشباه والأضداد والأنداد،تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
__________
(1) - سورة الشورى : 11.
(2) - سورة مريم : 65.
(3) - سورة المجادلة : 07.
(4) - سورة ق : 16.
(5) - سورة الأنعام : 03.
(6) - سورة الزخرف : 84.
(7) - سورة المجادلة : 07. (1/22)
صفحة 23
وقولنا : عَالِمٌ بالأشياء لقوله تعالى: { يعلم سرّكم وجهركم } وقوله : { يعلم ما في أنفسكم } (1) . وقوله: { يعلم خَائِنَةَ الأعيُنِ وما تخفِي الصدور } (2) . فأثبتنا له العلم بالأشياء كما وصف نفسه بذلك فقال : { بصير بما يَعملون } (3) . { وعليم بذات الصدور } (4) . وقديم وعزيز وحكيم،وكلّ هذه الصفات العليا والأسماء الحسنى، فأخبرَ بهذه الآي من كتابه على لسان ممّن اختاره من خلقه محمد - صلى الله عليه وسلم - . ثم إنّ نوحًا ممّن أقرّ بهذه الجملة التي دعا إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقبلوها ورضوا بها حتى دخل عليهم اللّبس والشّبهات فوصفوا خالقهم تبارك وتعالى بصفات أنفسهم عزّ وجلّ عن ذلك. فزعموا أنّ الله له سمع يسْمَعُ به وبصَرٌ يُبْصِرُ به وأنّه لا يسمع إلاّ بسمع ولا يُبصر إلاّ بِبَصَرٍ فأثبتوا له العجز وأخرجوه بأوهامهم من الرّبوبيّة إذ جعلوا له شبها وندًّا من الخلق فلذلك شرحنا هذه المعاني فوصفنا إلاهنا بما وصف به نفسه من أحسن الصّفات تبارك وتعالى عمّا يقول المبطلون. لا نقول ما قالوا، ولكنّا نصفه بما أخبر به عن نفسه في هذه الآي من كتابه على/[7] لسان نبيّ اختاره من خلقه محمد - صلى الله عليه وسلم - فمن نقض هذا جملةً ورضي بشيء مما أتى به المشبهة من وصفه تعالى بخلقه فقد أعظم على الله الفرية وضلّ ضلالا بعيدا.
[ الله قادر؟ فهل يقدر أنّ يبدل الدّنيا مكان الآخرة ؟ ]
__________
(1) - سورة البقرة : 235.
(2) - سورة غافر : 19.
(3) - سورة البقرة : 96.
(4) - سورة آل عمران : 119/154.المائدة:7.الأنفال:43. (1/23)
صفحة 24
إن سأل سائل فقال : أربّك خالقٌ قادرٌ ؟ فقل : نعم، فإن قال:هل يقدر أن يبدّل الدّنيا مكان الآخرة ويجعلَ الآخرةَ مكانَ الدّنيَا، أو الجنّة مكان النّار أو النّار مكان الجنّة ، فيعذّب أو يعفو ، ويرحم أعداءه (1) ؟.
__________
(1) - فقد أجابه المؤلف بأن السؤال في ذلك محال ، ثم سأله عن المعنى الذي استحال به السؤال ، فأجابه بأنه يستحيل من قبل ثلاثة أشياء كلها فاسدة : أحدها أن يكون الله - عز وجل - يخلف وعده ، والثاني أن يكون كائن من الأشياء وهو بخلاف علمه ، والثالث هو دخول الاستكراه عليه ، فلما بطلت هذه الوجوه كلها على الله - عز وجل - واستحالت بطل واستحال لبطلانها ، واستحالتها جميع ما سأل عنه من ذلك ، فأراد المجيب أن تكون هذه الأشياء كلها من كون الدنيا آخرة والآخرة دنيا ، والجنة نارا ، والنار جنّة ، وتعذيب المحسن الولي ، وإثابة العدوّ المسيء ، فهذا كلّه محال ، لأن معناها كلها هو أن يصير الإحسان إساءة والإساءة إحسانا ، وهذا فعل السفيه العابث= = تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وخلف الوعيد يدخل في حدّ النقض من وجهين :أحدهما أن يكون الذي يعد ليس من إرادته أن يفيء بما وعد به فيكون حينئذ داخلا في باب الكذب أو أن يكون في إرادته أن يفيء بالذي وعد ثم هو لم يفعل،فيكون داخلا في باب البداء . والكذب والبداء كلاهما نقض وتعجيز . وأما دخول الاستكراه عليه فكون الأشياء ووجودها بخلاف الإرادة .وخلاف الإرادة الاستكراه والاضطرار،وذلك من أعجز صفات المخلوقين،فيبطل السؤال لهذه العلل الثلاثة التي وصفنا . والذي تبدو له البدا وات إنما ذلك لظهور علم عنده لم يكن يعلمه فيبدو له فيما يعمل أو فيما يترك . والمتقلّب الولاية كذلك يعلم شيئا فيوالي عليه ثم يعلم خلاف ذلك فيعادي عليه . (1/24)
صفحة 25
فقل : أحلت في سؤالك. فإن قال: من أين استحال ؟ فقل : من قِبل أن معنى قولك يؤول إلى أن تقول : إنّ الله يخلف وعده وأن يكون خلاف على ما علم ودخول الاستكراه عليه، ومن أدخل عليه الاستكراه كان الّذي أدخل عليه الاستكراه أقدم منه فبطل قولك وما يعذّب أولياءه ويرحم أعداءه يؤول إلى أن تقول : إنّه غير حكيم، ومن كان غير حكيم فهو تسْفيه وأن يخلف وعده تعالى الله عن ذلك وعزّ أن يُخْلِفَ وَعْدَهُ وعن أن يكون مسكترها مغلوبا لأنّ من كانت هذه صفته فليس بإله لأنّ هذه صفة الخلق العاجز الذّليل المقهور المربوب تعالى عن ذلك علوَّا كبيرا.
[ مسألة في الصّفات ]
إنّ سأل سائل فقال : الله عالم بالأشياء ؟ فقل نعم. فإن قال: ولربّك قدرة على الأشياء ؟ فقل: نعم. فإن قال : فهل هو عالم بعلمه بالأشياء وقادر على قدرته على الأشياء ؟
فقل: أحلت إذا في سؤالك لأنّا إنّما قلنا لك : له علم بالأشياء نَفْيُنَا أن يكون جاهلا بها لا على أنّ له علما به علم الأشياء وله قدرة على الأشياء نفينا أن يكون عاجزا عن الأشياء لا على أنّ له قدرة فمن قدر على الأشياء فتكون له قدرة على القدرة وعلم بالعلم إلى ما لا نهاية له ولا غايةً (1) .
فإن قال فمن أين تنكر أن يكون له علم به علم وهو غيره، وقدرة/[8] قدّر بها ؟
__________
(1) - لأن قول القائل : لله علم وعلمه ، أي عالم ليس بجاهل لا على أن هناك شيئا غير الله ، يقال له علم ، وكذلك له قدرة ، وقدرته معنى ذلك ، أي هو القادر لا على أن له قدرة هي غيره، فبطل سؤال السائل واستحال ، ولو كان كما قال السائل لكان علم بعلم ، وقدرة على قدرة فيتصل ذلك إلى ما لانهاية لهمن المعاني . (1/25)
صفحة 26
فقل : من قبل أنّ ذلك [فاسد من وجهين : لو كان العلم والقدرة غير الله لم يخل من كون ذلك الغير من أن يكون قديما مع الله فتفسد الوحدانيّة أو يكون محدثا فيكون قبل ذلك المُحدث ليس بعالم ولا قادر، ومن كان كذلك فهو جاهل عاجز لم يقدر أن يستحدث علما ولا قدرة ولا صفة من الصّفات ويكون غيره هو الّذي يحدث العلم والقدرة، فلا يخلو ذلك الّذي يحدث له العلم والقدرة من أن يكون علمه وقدرته غيره فيحتاج إلى من يحدث له العلمَ والقُدرةَ ] (1) .فلمّا بطل ما ذكرنا صحّ أنّه تعالى له علم بالأشياء على أنّه العالم القادر في نفسه تبارك وتعالى وفسد أن يكون هو في نفسه علما لفساد الدّعاء بذلك والتّضرّع به بأنْ يقال : يا عِلْمُ اغفر لي، ويا عِلْمُ ارحمني ويا علم أدخلني جنّتك برحمتك.
[ الرّدّ على مثبتي العدد في العلم والقدرة ]
إنّ سأل سائل عمّا وصفته به من العلم والقدرة، والإرادة والقوّة، والعزّة ، أهذه المعاني قديمة أم محدثة ؟
__________
(1) - ما بين معقوفتين غير واضح في المخطوط وهو من شرح الجهالات لأبي عمار عبد الكافي الإباضي، بتحقيقنا، ص154. طبع على الآلة الراقنة خلال سنة 1985. والجدير بالملاحظة هو أنه لم يبق لقول القائل بعد الذي بيّنه صاحب الكتاب إلاّ أن نقول : لله علم وعلمه قديم ، فعالم معنى نفي الجهل عنه - عز وجل - . وكذلك قولنا : له قدرة وقدرته وقادر معنى ذلك نفي العجز عنه ، والإرادة كذلك كما قال صاحب الكتاب : لا على أن يكون الله - عز وجل - في نفسه علما أو قدرة أو إرادة لأن الصفة لا تقوم مقام الموصوف ، وقد تكون صفة الموصوف هي الموصوف وليس بجائز أن يكون الموصوف في نفسه صفة فيكون صفة لماذا؟ لنفسه أو لغيره؟ والثاني أن يدعى يا صفة كما يدعى يا موصوف. والثالث لكأن تكون تلك الصفة أيضا توصف بصفات ، وهذه الوجوه كلها فاسدة ، وليس هذا بمذهب فيحتاج إلى الإكثار فيه . (1/26)
صفحة 27
قيل : سؤالك هذا يحتمل معنيين، إن كنت تريد أن عِلْمَهُ وقدرتَه وعزَّته وقوّتَه وجبروتَه مُحْدَثَةٌ فذلك فاسِدٌ لا يصلح القول به لأنّ ذلك يَؤُولُ إلى أن يقال : إنّه قبل أن يُحْدِثَ هذه الأشياء عاجزٌ جاهِلٌ مهينٌ ضعيفٌ مقهورٌ، وإن كنْتَ تريدُ أنّها قديمة، لم تزل معه، فذلك أيضًا فاسِدٌ، لِفَسَادِ الوحدانيّة بذلك، ووجود أشياء كثيرة قديمة لم تزل معه، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
فإن قال : إنّي لم أفهم ما قلتَ. زعَمْتَ أنّ أشياء لا قديمةً ولا مُحْدَثَةً وهذا التخبّط في الحشو.
فقل : إنّي لم أثبت أنّ له علمًا به علم ولا قدرة بها قَدَرَ ولا عزّةً بها تعزَّزَ ولا عظمَةً بها تعظّم ولا جبروتَ بها تجبّرَ ولا إرادة بها أرادَ ولا قوّة بها قَوِيَ ولا مشيئة بها شاء، ولكن إنّما معنى له عِلْمٌ أي هو العالِمُ لا غَيْرُه وله قدرة أي هو القادر لا غيره وله/[9] عزّة أي هو العزيز غير ذليل. وله جبروت أي هو غير مقهور، وله عظمة أي هو العظيم غير مُستعين. (1/27)
صفحة 28
وهذه الصّفات كلّها تسمّت إلى الخلق، ولا يجري معنى الخلق على معنى الله ولا معنى الله على معنى الخلق لأنّ أسماء الخلق ألقاب فقد تقرّر على أن تُزيلها عنهم وتحذف لهم أسماء غيرها، وأسماء الله هي أسماء ذاته (1) .ولا تكمل مدحة شيء تستكمل له هذه الأسماء، ولو زيلت منها صفَةٌ واحدةٌ لَبَطُلَتْ الوحدانية (2) .بكلّ ما ذكرنا من أسماء الله، فإنّها هي مِدْحَةٌ لِوَاحِدٍ ليس هو كما قال الجاهلون من إثبات العَدَدِ وذلك عن الله منفيّ (3) . ولا يُقال : أنّ له علما به علم ولا قدرة بها قَدَرَ، ولو كان كذلك لكان في نفسه غير عالم وفي نفسه غير قادر، وجميع أسمائه.
__________
(1) - فهو كما قال الكاتب،لأن من يسمى من الخلق بعالم أو بقادر أو بسميع أو ببصير ، فان ذلك بمعنى يجوز عليه زواله وبطلانه وتزول عنه التسمية بذلك وتحدث له تسمية= = أخرى لحدوث معان أخرى ، وليس أسماء الله وصفاته كذلك ، وإنما هي للذات ، وللذات غير زائلة ولا فانية لكونها قديمة فتزول بزوالها التسمية والوصف . ولذلك قال صاحب الكتاب ( لا تستكمل له مدحة حتى تستكمل له هذه الأشياء ).
(2) - فقد صدق الكاتب ، ألا ترى لو كان الله غير موصوف بالعلم أليس كأن يكون موصوفا بالجهل . وكذلك لو كان غير موصوف بالسمع والبصر أليس كأن يكون موصوفا بأضداد هما من الصّمم والعمى يتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، فلما كان في زوال صفة من صفاته ثبوت صفة من صفات الخلق كان في ذلك بطلان الوحدانية ونقصان المدحة .
(3) - والمقصود بالجاهلون هنا : هم الأشعرية الذين يثبتون العدد في العلم والقدرة ، وكذلك الناكثة هم أيضا جاهلون ، حيث جعلوا ألفاظهم المعدودة وأفعالهم المتغايرة من صفات الله - عز وجل - وأسمائه وكل ذلك عن الله منفيّ ، وذلك أن الله - عز وجل - غير موصوف بالتغاير لأنّ التغاير نفسه عدد والعدد يبطل الوحدانية . (1/28)
صفحة 29
تعالى الله أن نصفه عزيزًا لِعِزّة هي غيرُهُ وكذا جميع أسمائه والحمد لله ربّ العالمين.
[ الباب الثاني ]
باب آخر من الجهالات
[ في التوحيد ]
سألت عن التّوحيد أضرب هو أم ضربان ؟
فقل : أمّا في جملته فَضَرْبٌ واحدٌ، وفي تفسيره ضروب كثيرة (1) .
سألت عن التّوحيد هل له ضدّ يزيله ؟ فقل : نعم، وهو الشّرك (2) .
سألت عن التّوحيد هل للنّاس عبادة دون إخلاصه ومعرفته (3) ؟
فقل : ليس للنّاس عبادة دون إخلاصه ومعرفته.
سألت هل لله اسم يختصّ به دون الخلق ؟
__________
(1) - والذي نقول : أما في جملته فيجمعه أنه إفراد لله من غيره ، وأما في تفسيره فهو أن الله عالم ، وقادر ، وسميع وبصير ، حتى تصفه بجميع ما يوصف به ، وغير مشبه لكذا ولا لكذا حتى تنفي عنه جميع ما لا يوصف به ، وغير مشبه لكذا ولا لكذا حتى تنفي عنه جميع ما لا يوصف به من صفات الخلق . وجملة التوحيد هي الإفراد لله ، وهو نفي الأشباه والمساواة عن الله ، أي لا يوصف الله بما به يوصف الخلق ، ولا يوصف الخلق بما به يوصف الله .
(2) - وذلك أن التوحيد مضادد للشّرك من جهة الإفراد والمساواة ، ومن جهة الايمان والكفر ، ومن جهة الطاعة والمعصية ، وكل جهة من هذه الجهات مضاددة لقرينتها .
(3) - يريد بالعبادة أي هل يصحّ لهم أن يعبدوا الله بالإخلاص دون المعرفة ، أو بالمعرفة دون الإخلاص ؟ ففسروا الإخلاص بالضمير دون الإقرار ، والمعرفة بالإقرار دون الضمير. فأجابه بأنه لا يصحّ لهم أن يعبدوا الله بالضمير دون الإقرار، ولا بالإقرار دون الضمير، إلاّ أن يجمعوهما جميعا ، والله أعلم . (1/29)
صفحة 30
فقل : نعم، وهو الله الرحمن فقط لا يسمّى بهما أحد غيره (1) .
سألت عن الكفر في معناه، أمعنى واحد أم له معان ؟
فقل : الكفر معنيان : كفر شرك وكفر غير شرك، وهو كفر النّفاق، وكذلك أيضا الإيمان معنيان : إيمان توحيد وإيمان غير توحيد وهو إيمان الفرائض .
قلت : لأيّ علّة كان بعض الإيمان إيمانًا ؟
قال : لعلّة الأمر/[10] به وإيجاب الثّواب عليه.
قلت : لأي علّة كان الكفر كفرًا ؟
قال: لعلّة النّهي عنه ووجوب العقاب عليه (2) .
قلت:لأي علّة كان الشّرك شركًا وبعضه ليس بشرك؟
__________
(1) - وذلك أن هاتين العبارتين غير جائزتين على أحد من الخلق ، وما سوى ذلك من التسمية بعالم ، وبقادر ، وبسميع ، وببصير، فقد يكون أن يسمّى بها الخلق ، غير أن هذه العبارة، ولو كانت جائزة على الخلق،فالمعنى فيها على غير المعنى الذي في صفة الله - عز وجل - .
(2) - أما جوابه حين سئل عن العلّة في الإيمان ، فأجابه بأن العلّة فيه الأمر به وإيجاب الثواب عليه. ثم أجاب في الكفر أيضا بمثل ذلك الجواب ، فقال كان الكفر لعلّة النهي عنه ووجوب العقاب عليه، فذكر في كل جواب منها علّتين ، فلو اجتزأ بعلة الثواب في الإيمان وبعلة العقاب في الكفر لكفاه ذلك من ذكر الأمر والنهي . وقد كانت المعصية معصية لعلة النهي وتلك العلة هي غير المعصية ، وكان الشرك معصية لعلة النهي وهي علة غير الشرك، وكان النفاق معصية لعلة النهي وهو غيره وكذلك كل معصية على الانفراد كانت معصية لعلة النهي وهو غير المعصية لما ثبت الغير في أول المسألة كان الجواب في كل خصلة على الانفراد بالغير ، وليس من أحد يجهل أن النهي عن المعصية معنى غير المعصية ، كما أن الأمر بالطاعة معنى غير الطاعة لأن الأمر والنهي فعل الآمر الناهي ، والطاعة والمعصية فعل المأمور المنهي المطيع العاصي . (1/30)
صفحة 31
قال:لعلّة المساواة بالله غيره (1) .
مسألة في الإيمان:
سألت عن الإيمان الّذي لا يسع النّاس جهله طُرْفَةَ عيْنٍ ولا يَسْلَمُونَ إلاّ بمعرفته ؟
فقل : الإيمان بالله وحده لا شريك له والإقرار بمحمّد - صلى الله عليه وسلم - والتّصديق بما جاء به أنّه الحقّ (2) .
سألت عن التّوحيد الّذي يسَعُ النّاسَ جهله أبدًا ما لم يتقوّلوا على الله فيه الكذب.
__________
(1) - وهو جواب صحيح ، وذلك أن السائل إذا سأل عن الخاصّ من العلم لم صار خاصّا ؟ كان الجواب أن يذكر علّة المخصوص دون ما سواه ، ومثل ذلك أن لو قال : لأي علة كان بعض الكفر نفاقا ، وبعضه غير نفاق ؟ كان الجواب بأن يقال لعلة الخلف.وكذلك لو سأل لأي علّة كان بعض المعصية شركا وبعضها غير شرك ؟ فيقال لعلة المساواة ، وكذلك لو قال لأي علة كان بعض المعصية كبيرا وبعضها غيركبير؟ فيقال لعلة وجوب العقاب أيضا . ولو قال لأي علّة كان المعصية صغيرا وبعضها غير صغير كأن يقال لعلة الاستثناء .
(2) - قوله : طرفة عين ، يريد أن هذا الإيمان لا يسع جهله سفي حال من الأحوال ، لا في أول حال البلوغ ولا في كل حال من الأحوال . ومعنى قوله : لا يسلمون أي أنّهم يهلكون بجهالة ذلك ، فمن كان غير سالم فهو هالك . ومعرفة هذه الجملة (الإيمان) التي يدعو إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والإقرار بها ، كل ذلك توحيد . (1/31)
صفحة 32
قال : ذلك مثل قسم المواريث والقصاص ودقائق الرّبا، يسعهم جهلُه ولا يسعهم التقول على الله فيه الكذب (1) .
سألت عن الّذي لا يسعهم جهله ولا يسعهم فعله ؟ قيل : ذلك هو الشرك وحده (2) .
سألت عن الّذي يسعهم جهله إلى مجيء وقته ؟
قال: مثل ما افْتَرَضَ الله من الصوم، والصلاة، والزكاة، وحجّ البيت من استطاع إليه سبيلا، وأشباه ذلك من الفرائض.
سألت هل تعرف من تَعْبُدُ أو تعْبُدُ من تَجْهَلُ ؟
__________
(1) - وذلك أن المجيب لما أجاب السائل عمّا لا يسع جهله طرفة عين وهو توحيد الله - عز وجل - رجع فسأل عما يسع جهله أبدا ، وذلك لمّا أجابه بأنّ التوحيد لا يسع جهله طرفة= =عين ، وليس من حال يأتي على أحد ممّن يحتمل التكليف يسع فيها جهل التوحيد أبدا. وأن الذي لا يسعهم في هذا الوجه أحد ثلاثة أشياء : ألاّ يتقوّلوا على= = الله فيه كذبا ، فيحلّوا ما حرّم منها ، أو يحرّموا ما أحلّ منها ، أو يخطّئوا في حكم من أحكامها بالقول. والثاني ألاّ يقارفوا ما حرّم الله من ذلك بالفعل . والثالث أن يلقوا الحجّة التي تخبرهم عن الله - عز وجل - بتحريم أو بتحليل أو بحكم من الأحكام ، فلا يسلمون الحجّة ولا يلتفتون نحوها. فإذا ما وقعوا في أحد الوجوه الثلاثة فذلك غير واسع عليهم . وليس المعنى في قوله: ما لم يتقاولوا على الله الكذب، أنهم إذا تقاولوا على الله الكذب، ضاق عليهم أن يعرفوه، وإنما أراد بذلك، يسعهم الجهل ولا يسعهم التقاول فقط .
(2) - يريد هنا أنّ جميع ما حرّم الله يسع جهله ما خلا الشرك بقوله وحده . ولو سأل عن الذي لا يسعهم جهله ولا يسعهم تركه فهو التوحيد والفرائض . ولو سأل عن الذي يسع جهله ولا يسع فعله،فهو الحرام ما خلا الشرك . ولو سأل عن الذي يسع جهله ويسع فعله فهو المباح . (1/32)
صفحة 33
قال: أعبد من أعرف أنّه كما وَصَفَ نفسه، ولا أعْبُدُ المجهول (1) .
فإن قال قائل : من ربّك وما دينك ومن نبيّك، وما إمامك وما قبلتك وما قائدك في الدين ؟
__________
(1) - صدق صاحب الكتاب لأن الله - عز وجل - معروف غير مجهول يعرف بالدلالة الواضحة التي جعلها في صغير الخلق وكبيره ، وقد دلّ على معرفته في كتابه على ألسنة رسله ، وقد سأل فرعون موسى عليه السلام فقال : (( وما ربّ العالمين )) ( الشعراء:24) فأجابه عليه السلام بأن قال :( ربّ السماوات والأرض وما بينهما إن موسى كنتم موقنين )) (الشعراء:25) فقال فرعون لمن حوله: ألا تسمعون، أنا أسأله عن ربّه وهو يجيبني عن السماوات والأرض . ثم زاد موسى جوابا ثانيا فقال: (( ربّكم وربّ آبائكم الأولين)) (الشعراء:27) فقال فرعون : ( إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ، أسأله عن شيء ويخبرني عن شيء )) . فلمّا رآه عليه السلام متجاهلا مباهتا، أجابه موسى عليه السلام بجواب ثالث ممّا لا يجد له= = مدفعا ، فقال : (( ربّ المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون))( الشعراء:28) لأنّ هذا ممّا لا يقدرون له على جحود ولا إنكار لأنها تطلع لهم في كلّ بكرة ، وتغيب كلّ عشية . فلمّا أن سمع عدوّ الله ما لا يقدر على دفعه صار إلى المكابرة والمباطشة فقال : (( لئن اتّخذت إلها غيري لأجعلنّك من المسجونين ))(الشعراء: 28/29). ففي كلّ ذلك يدل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ربّه بما ظهر من بدائع أفعاله ممّا لا يقدر متعاط على مثلها ولا منكر على جحود ها . (1/33)
صفحة 34
فقل : الله ربّي والإسلام ديني ومحمّد نبيّ والقرآن إمامي والكعبة قبلتي (1) .
فإن قال : وما قائدك في الدين ؟
فقل : القرآن يقودني /[11] ولا أقودُهُ، يأْمُرُني ولا آمُرُهُ، يحلّلُ لي الحَلاَلَ ويحرِّمُ عليّ الحَرَامَ وأنا أتْبَعُهُ إن شاء الله (2) .
وإذا قيل لك : على ماذا تبرّأت من المنافقين ؟ فقل: على التّضييع والتّفريط فيما أمرهم الله أن يدينوا به (3) .
وإذا قيل لك : ما قوام زكاتك ؟
فقل : نقسّمها على الّذين سَمَّاهُم الله في كتابه.
وإذا قيل لك : ما أنتَ بدينك ؟
__________
(1) - أخبر صاحبنا أن الله ربّه لا يشرك به أحدا سواه، وأن الإسلام دينه . والدين هاهنا المّلة ،يعني ملّة الإسلام متبرّيا من تلك الملل كلها ومنتفيا منها،وكذلك بأن قال: ومحمد نبيّ لأنّ أهل تلك الملل لم يكونوا مقرّين بالإسلام ولا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ، ثم زاده بأنّ القرآن إمامه والكعبة قبلته، لأنّ تلك الملل منكرون القرآن والكعبة . والإمام هاهنا : القرآن ، وقد قال الله - عز وجل - (( يوم ندعو كلّ أناس بإمامهم )) الإسراء :71.
(2) - يريد أن القرآن هو الذي يقود المسلمين ويأمرهم فيتّبعونه ولا يكون أن يكون القرآن متبعا لأهواء الناس كما قال الله - عز وجل - (( ولو اتبع الحقّ أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهنّ )) المؤمنون:71 .
(3) - أي أنهّم ضيّعوا أو فرّطوا في عمل الفرائض ولم يدينوا الله بذلك، أي لم يأتوا بعمل الفرائض ، وقد يكون أن يريد بالولاية والبراءة في هذا الموضع ولاية الأشخاص والله أعلم. (1/34)
صفحة 35
فقل : إنْ وفّيتُ ِللهِ بالّذي عاهدته عليه كنْتُ مؤمنًا صادقًا (1) ، فإن لم أوفِّ، فأنا مثل أولئك الّذين يعيبُ الله عليهم أعمالهم.
وإذا قيل لك : ما إثبات الإيمان (2) ؟
فقل : معرفة ما لا يَسَعُ النّاس جهله، وفعل مَا لاَ يَسَع النّاس تركه، وترك ما لا يسع النّاس فعله. فهذا إثباتُ الإيمان (3) .
وإذا قيل لك : على ما اتّخذْت رمضانَ فَرْضًا (4) ؟
__________
(1) - يريد أن اسم المؤمن لا يستحقّه إلاّ المؤدّي للفرائض المجتنب للكبائر ، فبيّن دينه بذلك من سائر أديان أهل الخلاف. وان لم أوفّ بعمل الفرائض فأنا ممّن عاب الله عليه عمله ، وهم غير المؤمنين لأنّ من لم يكن مؤمنا فقد عاب الله عمله وردّه عليه .
(2) - يريد، ما الذي يثبت به الإيمان للمؤمنين، ويجب أن يكونوا به مؤمنين فأجابه بما بعده.
(3) - إنّ ما لا يسع الناس جهله، هو معرفة أن الله واحد في ذاته وصفاته وأفعاله وأقواله وأحكامه وسائر كمالاته ، المسمى بالجملة التي يدعو إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو قول: لا اله إلاّ الله محمد رسول الله وما جاء به حقّ من عند الله ، فهذه الجملة التي يجب على كلّ مكلّف اعتقاد مدلولها الذي هو وحدانية الله .
(4) - يريد ، لم اتخذته شهر صيام ؟ ومعنى الاتخاذ أن تتّخذ شيئا دون شيء ، كالاتخاذ الذي ادعته النصارى في المسيح ، أن الله اتّخذه ولدا ، فأكذبهم الله وكذّب جميع من ادعى مثل الذي ادعوا فقال : (( ما اتخذ الله من ولد )) الآية(المؤمنون:91 ). (1/35)
صفحة 36
فقل: فرضٌ افترضَهُ الله عليّ أن أصومه بشِعري وبِشْرِي (1) حيث يقول : { كُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ } (2) الآية. وقوله : { وان تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُم تَعْلَمُون } (3) . وهو شهر رمضان الّذي أنزل فيه القرآن.
[ في الفرز بين البهائم ]
وإذا قيل لك : بماذا تفرز نفسك من البهائم ؟
فقل : بأنّ الله جعلها لي حمولة ومأكولة.
وإذا قيل لك : بما تفرز نفسك من التي ليست حمولة ولا مأكولة مثل الحيّات والعقارب (4) ؟ .
فقل : بأنّ الله ألزمني الفرض وحطّ عنها، وفرض عليّ الصّلاة والصّوم والزّكاة، وفرض عليَّ جملة إذا أضعتها/[12] لا ثواب ولا عقاب عليها.
وإذا قيل لك : لأيّ علّة خلقك ربّك ؟
فقل : لعلّة الابتلاء بالأمر والنهي (5) وهو قوله: { خلقكم ليبلوكم أيّكم أحسن عملاً } (6) .
__________
(1) - أي بجميع جوارحي ، وهذا مثل جار بين الناس ، أن يقول القائل بشعره وبشره . وقال عليه السلام: ( أرووا الشعر وانقوا البشر ) والدليل على فرض الصيام هو ما استدلّ به صاحب الكتاب حيث يقول: ((شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس= =وبيّنات من الهدى والفرقان ، فمن شهد منكم الشهر فليصمه)) البقرة:185 .
(2) - سورة البقرة : 187.
(3) - سورة البقرة : 184.
(4) - قد أجابه بجواب غير عام على جميع البهائم ، ثمّ كرّر المسألة فقال: بما ذا تفرز نفسك من هذا الجنس الآخر ؟ فأجابه بجواب عام= = على جميع البهائم ، بأن التكليف به يفترز المكلّف وغيره من جميع الحيوان ، بهائم وغير بهائم .
(5) - أراد المكلّف دون غيره فلذلك أجابه بأن قال : لعلّة الابتلاء بالأمر والنهي ، ولو قال :لأي علّة أمرك ونهاك ؟ كان الجواب بأن يقال له : لعلة الثواب والعقاب وبهما نفرّق بين المطيع المحسن وبين العاصي المسيء .
(6) - سورة الملك : 02. هود : 07. (1/36)
صفحة 37
وإذا قيل لك: لأيّ علّة جُعلت فيك الاستطاعة (1) ؟
فقل : لثلاثة أوْجُهٍ : لدفع الآفات ورفع المحال ووضع الاحتجاج (2) .
[ الفرق بين الحركة والسكون
وحركة الاضطرار والاكتساب ]
وإذا قيل لك: ما الفرق بين الحركة والسكون ؟
فقل مرور الحال بعد الحال ووجود الشيء في مكانه. والمتحرّك لا يمرّ عليه الحال إلاّ وهو متحرّك (3) .
وإذا قيل لك : ما الفرق بين حركة المكتسب وحركة المضطر ؟
فقل : المكتسب يقصد ويختار والمضطرّ لا يقصد ولا يختار (4) . مسألة:
__________
(1) - أراد لأيّ علّة خلق الله فيك الاستطاعة ، لأن الجعل من الله خلق ، فأجابه بتلك الوجوه الثلاثة .
(2) - والآفات هنا هي الزّمانة لأن الاستطاعة دفاعة للزّمانة . فأما رفع المحال، يريد به أنّ القوّة إذا وجدت في الفاعل ارتفع المحال،أي الفعل منه في حال وجود القوّة فيه، ليس بمحال .وأمّا وضع الاحتجاج ، فانّ الحجّة على الفاعل إذا جعلت فيه الاستطاعة واقعة ولا عذر له في الترك .
(3) - وهذا الجواب صواب عندنا ، لأن جواب كل سائل يسأل عن الفرق بين الضّدّين أن يعبرّ عن صفة كلّ ضدّ منها ولا يجتزأ في هذا الباب بذكر إحدى الصفتين دون الأخرى ، وليس الجواب في باب العام والخاص كالجواب في باب المتضادد . وقد فرّق بينهما صاحب الكتاب، وذلك حين سأل في صدر الكتاب عن الفرق بين الشرك والكفر.
(4) - هذه المسألة من باب المتضادد، ولذلك لم يجتز بذكر أحدى الصفتين عن الأخرى . وهو لم يردّ هاهنا الفرق بين الحركتين ، وإنما أراد الفرق بين الاضطرار والاكتساب ، وإنما ذكر الحركة لما جرى ذكرها في المسألة التي قبلها ويدلّ على ذلك جوابه حيث قال :بأن المكتسب يقصد ويختار، والمضطرّ لا يقصد ولا يختار. وقال المتكلمون:إن القصد والاختيار والاكتساب والإرادة فعل القلب ،= = وينسب ذلك إلى الجوارح مجازا لا حقيقة.وأمّا الإكراه والاضطرار والجبر، فهو فعل الذي أكرهه على ما ليس من فعل الذي أكره . (1/37)
صفحة 38
وإذا قيل لك : أخبرني عن ثلاثة خصال لا يقوم بعضها إلاّ ببعض.
فقل العِلّمُ والعملُ والنّيةُ، لا عِلْم إلاّ بعَمَلٍ، ولا عملٍ إلاّ بعِلمٍ، ولا علمٍ ولا عَمَلٍ إلاّ بالنيّة (1) .
وإذا قيل لك : ما الدليل على أنّك مخلوق (2) ؟
فقل : القرآن، وهو قول الله تعالى: { أَوَ لَمْ يَرَى الإنسانُ أنّا خلقنَاهُ من نطفةٍ فإذا هو خصيمٌ مبينٌ } (3) .
فإن قال:فما لله فيك من الصّنع ممّا لا صنع لك فيه؟
فقل : لأنّ الله خلقني فأحسن خلقتي، وصوّرني فأحسن صورتي. فهذا ممّا ليس لي فيه صنع (4) .
وإذا قيل لك : ما حرز دينك ؟
فقل : الولاية ممّن علمت منه خيرًا، والبراءة ممّن علمت منه شرًّا (5) .
[ هل الله عالم بجميع الأشياء ]
وإذا قيل لك : أربّك عالم بجميع الأشياء ؟
__________
(1) - ومعنى قوله لا يقوم بعضها إلاّ ببعض ، أراد أن كل واحدة من هذه الخصال متعلّقة بالأخرى ، لأن كل عالم ليس بعامل فهو مقصّر، وكلّ عامل يعمل بغير علم،فهو غير عامل ، وكل عالم وعامل بغير نيّة فهو غير مقبول .
(2) - هذا السؤال كان قد ابتدأ به في أول الكتاب ، وإنما سؤاله هذا سؤال المقرّ فلذلك أجاب فقال : ( القرآن ) واستند إلى الآية المذكورة من سورة يس .
(3) - سورة يس : 77.
(4) - يريد أن ما للعبد فيه صنع فهو فعله واكتسابه الذي هو حركته وسكونه لأن ذلك مما يؤمر به وينهى عنه ويحمد عليه ، ويذمّ ويثاب عليه ويعاقب ، وكلّ ما عدا هذا مما في الإنسان فهو لله ليس للعبد فيه صنع .
(5) - لأنّه إذا والا على الإيمان ، وعادا على الكفر، فقد أحرز دينه . (1/38)
صفحة 39
فقل : نعم هو المقدِّرُ لها والصّانع لها. ولا يغيبُ الصّانع عن صنعته (1) .
فلو قال : أخبرني حيث انقطعت الأشياء هل يوصف الله أنّه ثمّ، أم مضى عنها ؟
فقل لا يجوز مضى ولا بقى، وإنّما يجوز ذلك/[13] على من يجري عليه العُرْضُ، والطّولُ، والحُدودُ، والأقطارُ، واللهُ لا يُوصَف بالعُرض ولا بالطّول (2) .
فإن قيل لك: أربّك عالم بجميع الأشياء ؟
فقل : نعم فإن قال : محيط بما عَلِمَ ؟
فقل : نعم.
فإن قال : عالمٌ بإيّاهُ أم جاهلٌ بإيّاهُ ؟
__________
(1) - وهذا الجواب مأخوذ من قوله - عز وجل - : (( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير )) (الملك:14) أراد أن يدلّ عباده على أنه عالم بجميع الأشياء إذ هو خالق لها ، وكذلك جواب صاحب الكتاب ، ثم أكّد ذلك بقوله : ولا يغيب الصانع عن صنعته ، يريد أنه مشاهد لكل ذلك لقوله - عز وجل - : (( وما كنّا غائبين )) ( الأعراف:7) .
(2) - هذا السؤال، سؤال متعنّت لا سؤال مستفيد ، لأنّ قوله : حيث انقطعت الأشياء هو ما ليس بمكان ، ولا خلق ، ولا شيء من الأشياء . وهذا السؤال من سؤال المشبّهة حين سألوا فقالوا: أليس الله - عز وجل - موجودا في الأشياء ؟ فيقال : نعم ، فقالوا : أوليست الأشياء محدودة ؟ فيقال لهم : نعم ، فقالوا : لم لا كان الله - عز وجل - محدودا لكونه ووجوده في الأشياء المحدودة حين هو غير مجاوز لها ؟ ثم أكّدوا العلّة بأن زعموا فقالوا: لو جاز أن يكون غير محدود في محدود لجاز أن يكون محدود في غير محدود . فيقال لهم: هيهات ، قد غاب عنكم المعنى في القول بأن الله في السماوات وفي الأرض ،وعند كل نجوى وأنه أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد ، وجعلتم ذلك كلّه على معنى التمكّن والاحتياز تعالى الله عن مقالتهم . والمراد بذلك كلّه أن وجود الله في الخلق على المشاهدة للخلق = =والعلم به والإحداث له والزيادة فيه، والنّقصان منه ، والحفظ لجميعه ، وليس يغيب كل صانع عن صنعته . (1/39)
صفحة 40
فقل : هو العَالِمُ مُحِيطٌ بخلقه ولا يجهل إياه لأنّ الله هو العالمُ (1) .
[ مسألة في الصدق والكذب ]
فإن قال : ما الفرق بين الحقّ والكذب ؟
فقل الحق إذا طُلِبَ وُجِدَ تحته معنًى ثابتٌ، والكذب إذا طُلب لم يُوجَدْ تحته معنًى ثابتٌ (2) .
فإن قيل لك : أَ للهَِ دينٌ ؟
فقل : نعم.
فإن قال : وَلِمُحَمَّدٍ دينٌ ؟
فقل : نعم.
فإن قال : ما الفرق بين الدِّينَيْنِ ؟
فقل : لله دينٌ ولمحمّدٍ دين، ودين الله هو دينُ محمّدٍ، ودين محمّد هو دين اللهِ عزّ وجلّ الّذي أمر به محمّدٌ عليه السلام (3) .
إن سأل سائل عن من جهل وَلاَية المسلمين.
__________
(1) - إنّ السائل في هذه المسألة أنما طلب أن يلبس على المسئول في ذكر الاحاطة في علم الله - عز وجل - بنفسه ، ولذلك حاد المجيب في جوابه وقال : إنما يحيط بخلقه ولا يجهل إياه، لأن الخلق محدود ولا بأس أن يوصف بالاحاطة . والاحاطة في كلام الناس احاطتان : احداهما على معنى التحديد ، والأخرى على معنى العلم ، فالأولى فاسدة والثانية جائزة ، لأن كل عالم فهو محيط بما علم .
(2) - فهذا الجواب صواب ، لأن كل شيء من ذلك لم يعد أحد معنيين : إما أن يكون معروفا بالمشاهدة ، أو معروفا بالدليل ، فكل ما يشاهد من ذلك إذا أختبر عرف حقّه من باطله ، وما لم يشاهد، فان الدليل هو الموصل إلى معرفة الحق، في جميع ذلك من الباطل، لأن الله - عز وجل - بحكمته لم يدع شيئا من الأشياء إلاّ وقد جعل إلى التوصّل إلى معرفته سبيلا، أمّا مشاهدا،أو غير مشاهد ، مدلولا عليه ، ولولا ذلك لاشتبه الحق بالباطل والتبس العلم بالجهل .
(3) - فمعنى دين الله أي أن الله أمر به عباده وأرشدهم إلى العمل به . ومعنى دين محمد عليه السلام، أن يعمل به ويدعو إليه ويأمر به . وكذلك دين المسلمين أنهم يعملون به ويأمرون به ، وهو دين الله - عز وجل - . (1/40)
صفحة 41
فقل : لا يَسَعُ جَهْلُ وَلاَيَة المُسْلِمينَ، ولا يَسَعُ الشّكّ فيمن جَهَلَ ولايَةَ المسلمين (1) .
[ هل يسع الطعن في المسلمين ]
إن سأل سائل عن من استحّل الطّعن في المسلمين ؟
فقل : لا يسع الطّعن في المسلمين، ولا يَسَعُ الشكُّ في كُفرِ من طعَنَ في المسلمين (2) .
إن سأل سائل عمّن جهل جملة الأنبياء عليهم السلام ؟
فقل: لا يسع جهل جملة الأنبياء، ولا يسعُ ولاية من شكّ فيهم وفي جملتهم (3) .
إن سأل سائلٌ عمّن جهل أنّ الله أمر ونهى ؟
فقل لا يسع جهل كفره ولا يسع جهل من شكّ في كفره (4) .
إن سأل سائل عمّن دفع القرآن جملةً ؟
__________
(1) - هذا جواب صحيح عند معشر الاباضية ، لأن كل ما لا يسع جهله فلا يسع الشكّ فيمن جهله ، والشك ضرب من الجهل، ولأن حقيقة الشك هو التردّد بين صفتي الشيء من غير ترجيح لأحدهما على الأخرى ، وقد يكون أن يريد بولاية المسلمين هاهنا ولاية الجملة ، ويكون إنما أراد بالمسلمين هاهنا أهل الحق من غيرهم من المخالفين ٍ، لأنه واجب على الناس أن يعرفوا أهل الحقّ من غيرهم فيوالونهم . والله أعلم .
(2) - ذلك أن كل من طعن لك في مسلم كائنا ما كان فواجب عليك أن تبرأ من الطاعن ، وتعلم أنه كافر ولا يسع جهل كفره على حال ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : (( من قال لأخيه المسلم : يا كافر ، فقد باء بالكفر أحدهما )) ، يريد: إذا كان المقول له كافرا و إلاّ صار القائل لمن ليس بكافر ، يا كافر ، كافرا .
(3) - هو جواب سليم ، إذ كيف يسع جهل الأنبياء والرسل وكيف يسع الشكّ فيهم وهم المؤدّون عن الله والمبلغون عنه إلى خلقه ، وهم السفراء بين الله وبين عباده ، فمن جهل الأنبياء والرسل فقد جهل طريق دين الله إلى خلقه.
(4) - ذلك أن الأمر لعباده بطاعته من الأمور التي لا يسع جهلها كل عاقل يفهم عن الله لأن جميع دين الله متعلق بمعرفة الأمر من الله لعباده والنهي لهم . (1/41)
صفحة 42
فقل : لا يسع جهل كفره ولا يسع جهل من شكّ في كفره (1) .
إن سأل سائل عمّن لم يستحل دماء المشركين وأموالهم وذراريهم ؟
فقل هو هالك، والشاكّ في هلاكه هالك (2) .
إن سأل سائل عمّن لم يَدِنْ بتحريم دماء المسلمين وأموالهم وذراريهم ؟
فقل : من لم/[14] يدن بذلك فهو كافر والشّاكّ في كفره كافر (3) .
إن سأل سائل عمّن لا يَدْرِ أنّ محمّدًا آدميٌّ ؟
فقل : هو مشرك والشاكّ في شركه كافرٌ (4) .
إن سأل سائل عمّن جَهَلَ جملة الأنبياء من نسل آدم؟
فقل : مشرك والشاك في شركه كافرٌ (5) .
__________
(1) - وكفر هذا عند الاباضية هو كفر شرك ، وقد وضّحه الكاتب قبل هذا . وكذلك كلّ من دفع ما جاء من عند الله كتابا أو رسولا أو نبيا أو ملكا من الملائكة أو فريضة من الفرائض المنصوصات ، فالدافع لشيء من هذا كافر مشرك .
(2) - يقول جلّ الاباضية : وكيف لا يهلك من لم يستحل ما أحلّ الله في نصّ كتاب ، وهلاك هذا ، هلاك شرك ، وكذلك من لم يستحلّ ما أحلّ الله في نصّ الكتاب. وقوله : هالك ، يريد أن الهالك غير الناجي السالم ، والناجي السالم هو المؤمن ، كما أن الهالك هو الكافر . ...
(3) - قيل في ذلك : إنما يجب عليهم في دماء المسلمين أن يعرفوا أن سفكها حرام فقط ، وأما المستحل لها الدائن بذلك فلا يسع جهل كفره على حال .
(4) - أراد الشّاك في كفره . ولو قال في شركه، لأنّ الذي يخطىء في صفة الرسول أو يجحد بالرسل ، إنما يجب عليهم فيه أن يعرفوا أنه كافر ، ولا يشكّوا في كفره ، وليس عليهم المعرفة أنه مشرك ، ولو أنه مشرك ما لم تقم الحجّة بذلك .
(5) - يريد صاحب الكتاب ، الشاك في كفره ، لأنه لا تجب معرفة الشرك في كل المواضع، إلا في موضع يظهر فيه لكلّ سامع أنّ معنى هذه الكلمة معنى شركّ ولا يخفى ذلك على أحد سمعه من عالم أو جاهل ، وأما ما هو دون هذا فإنما يلزمهم إذا لزمهم أن يعرفوا أنه كافر فقط . (1/42)
صفحة 43
إن سأل سائل عن أربعة نفر قالوا لرجلٍ : فَعَلْتَ فِعْلَةً أحلّ الله بها دمك وهي عند العُلماء لَمَمٌ، ما الّذي لله عليه في نفْسِهِ وما الّذي يسعه في القوم ؟
الجوابُ في ذلك ألاّ يتولاّهم ولا يُسلّم لهم فيها نفسه.
إن سأل سائل عن أربعة نفرٍ قالوا لرجل : فَعَلْتَ فِعْلَةً أحلّ الله بها دمك وهي عند العُلماء كبيرة ؟ ما الّذي يلزمه من الله في نفسهِ وفي هؤلاء القوم ؟
الجواب في ذلك أنّ الذي لله عليه ألاّ يمنَعَ لهم فيها نفسه ولا يبرأ منهم ولا يسعه فيهم الوقوف (1) .
إن سأل سائل عمّن لا يفرز بين اللّمم والكبائر ؟
فقل : مُسِلمٌ حتّى يُقارف، فإذا قارفها فلا يَسَعه (2) .
إنْ سأل سائل عمّن لم يفرز بين الكبائر، ولكنه يجهل كفر من لا يفرزُها ؟
__________
(1) - فمعنى هاتين المسألتين، ومعنى الجواب فيهما، أنّ كل ما يسع جهله من الحلال والحرام والكفّ والبطش ، يسع الجهل بذلك كله، ولا تسع المقارفة لشيء من ذلك خالف قول العلماء علم المقارف له أو جهل ، فكل ما يسع جهله من هذا يسع الشك فيه، وفي كل من استحلّ حرامه أو حرّم حلاله .وإنما أتى صاحب الكتاب بالأربعة نفر لأنها أقصى غاية الحجّة ، جعلها الله تعالى في الأشهاد والله أعلم .
(2) - يريد باللّمم صغائر الذنوب ، وبالكبائر الذنوب الموبقة . وأما قوله : مسلم ، يريد أنه قد يكون مسلما من لم يفرز بين صغائر الذنوب وكبائرها . وأما قوله: حتى يقارف فإذا قارف فلا يسعه. يريد أنّ المقارفة لشيء من المعاصي لا تسع علم المقارف أو جهل، ولم يرد أنّه إذا قارف لا يسعه الجهل . (1/43)
صفحة 44
فقل: كافر بجهله كفر من لا يفرزها (1) .
إن سأل سائل عمّن دعا إلى أن يُعْبَدَ من دون الله ؟
فقل : مشرك والشاك في شركه مُشْرِكٌ .
إن سأل سائل عن إمام شَرَبَ الخمر، ونكح أمّهُ، وبَدّل أحكام الله ؟
فقل : كافر، والشاكٌ في كفره مُسْلِمُ، إذا لمْ يعرف منزلته .
إن سأل سائل عمّن جهل أنّ على طاعَةِ الله ثوابًا ؟
فقل: كافرٌ والشاكّ في كفره كافرٌ (2) .
[ حكم من دفع حرفا من القرآن أو نبيًّا من الأنبياء ]
إن سأل سائل عمّن دَفَعَ نبيًّا من الأنبياء ؟
فقل : كافر والشاكّ في كفره مسلم.
إن سأل سائل عمّن دفع حرْفًا من القرآن ؟
فقل : كافر والشّاكّ/[15] في كفره مسلم .
إن سأل سائل : عمّن دفع ملكًا من الملائكة ؟
__________
(1) - هو يريد أن يقول أن كثيرا من الناس قد ضلوا من قبل فرز ما بين الكبائر . فزعمت الأزارقة أن المعاصي كلها كبائر وكفر شرك ، فضلوا بذلك . وزعمت المعتزلة أن الكبائر غير الكفر. وقالت المرجئة بالشك في وعيد أهل الكبائر ودانوا بذلك ، إذ من قول المسلمين أن الكبائر كلّها كفر، والعقاب عليها واجب ، فمن الكبائر شرك ومنها غير شرك وهو النفاق . فهذا هو الفرز ما بين الكبائر والله أعلم .
(2) - لأنّ من لم يعرف الثواب والعقاب بمنزلة من لم يعرف الأمر والنهي ، فكلاهما في الكفر سواء ، وكفره شرك ، فكل ما تلزم معرفته من طاعة الله - عز وجل - لزمت المعرفة بأن الله أمر به وأوجب عليه ثوابا . (1/44)
صفحة 45
فقل : كافر، والشاكّ في كفره مسلم. وكذلك شارب الخمر كافر، والشاكّ في كفره مسلم، وكذلك من استحلّ أكل لحم الخنزير كافر، والشاكّ في كفره مسلم (1) .
إن سأل سائل : عمّن دَفَعَ ما اجتمع عليه رأي المسلمين؟
فقل : لا يسَعُ جَهْلُ كُفْرِهِ ولا يَسَعُ جهْلُ من شكّ في كفرهِ (2) .
إن سأل سائل : عمّن جَهَلَ أنّ الله [لم يواعد] (3) على معصيَتِهِ النّار ؟
__________
(1) - يريد صاحب الكتاب ( والله أعلم ) أنه إذا لم يعرف السامع ما دفع الدافع أنه نبيّ وأنه حرف من كتاب الله ، وأنه ملك من الملائكة ، وأما أنه إذا عرف ما دفع فالجواب على السامع تكفير هذا الدافع على حال ، وسواء عرف أنه كافر أو لم يعرف. إذا عرف الذي دفع من ذلك ،لأنه قد نقض له ما في يده من معرفة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - والحرف والملك ، والناقض لما في أيدينا من دين الله - عز وجل - يجب تكفيره على حال إذا عرفنا أنه ناقض .
(2) - وهذا ممّن عرف أنه دفع ما اجتمع عليه رأي المسلمين . وقد قال قوم ممن خالف العدل بإنكار الرأي وإنكار السنّة.وزعموا أن جميع ما دلّ الله عليه العباد فهو موجود علمه في كتاب الله - عز وجل - فتعاطوا في استخراج جميع الدّين من نصّ الكتاب وتعسفوا فيه وكلّفوا لأنفسهم المعرفة بجميع دين الله في الكتاب واستنباطه . ولو أنهم فوّضوا العلم به للمسلمين ورأي أهل العلم من الأمة لكان أقرب لهم إلى الهدى من تكلّفهم فيما لا يعنيهم، وفي هذا ومثله آثار كثيرة وحجج واضحة .
(3) - ما بين معقوفتين زيادة من شرح الجهالات (بتحقيقنا) ص225. (1/45)
صفحة 46
فقل : المعاصي على ضربين : ضربٌ يَسَعُ، وضَرْبٌ لا يَسَعُ، فمن لم يَدْرِ أنّ الله أوْعَدَ على معصيته التي لا يسَعُ جهلها النّار، فهو كافر والشاكّ في كفره كافرٌ (1) .
إن سأل سائل : عمّن قال : إنّ النفاق إنّما كان في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس في زماننا هذا ؟
فقل : كافر [وكفره كُفْرَ نفاق] (2) .
[ حكم من تبرأ منك ومن دينك ومعبودك ]
إن سأل سائل : عمّن قال : أنا بريء منك ومن معبودك ؟
فقل : إنّ مسألتك تحتملُ معنييْنِ : إنْ كنتَ تريد البراءة منّي ومن معبودي الّذي هو في زعمك الشيطان فأنت عندي كافرٌ غيْرُ مشركٍ، وإنْ كنتَ تريد البراءة منّي ومن معبودي الّذي هو الله فأنت مُشرك .
إن سأل سائل:عمّن قال:أنابريء منك ومن دينك؟
__________
(1) - + من شرح الجهالات، ص225. وأراد بالمعصية التي لا يسع جهلها هي معصية الشرك ، مثلما ذكر صاحب الكتاب ( سابقا ) لأن المعصية كلها يسع جهلها ما خلا الشرك بالله وحده . وأما قول صاحب الكتاب : ضرب يسع وضرب لا يسع ، يريد ضرب يسع جهله لأنه ليس من المعاصي شيء يسع فعله .
(2) - ولو قال أن النفاق ليس في زمان النبيّ عليه السلام كان مشركا رادّا للمنصوص ، وأما الذين يزعمون أن النفاق ليس في زماننا هذا ، فان أهل الكبائر عندهم ليسوا بمنافقين ، والمنافقون عندهم مشركون . والمنافقون عند صاحب الكتاب هم أهل الكبائر من أهل التوحيد المضيّعون للفرائض . (1/46)
صفحة 47
فقل إنّ قولك يحْتملُ مَعْنَيْينِ : إنّ كنتَ تُريد البراءة منّي ومن ديني الّذي يسعُ النّاس جهلُهُ فأنت عندي كافرٌ غيرُ مشركٍ. وإنْ كنتَ تُريد البراءَةَ منّي ومن ديني الّذي هو التّوحيد فأنت عندي مشرك (1) .
[ الوَلاَية والبراءة ]
إن سأل سائل عن ثواب [الله] (2) . للمؤمنين أيكون أفضَلُ من توحيدهم ؟
فقل : ثوابُ المؤمنين أفْضَلُ من أفعالهم، ولا يجوزُ أنْ يُقال أفضل من توحيدهم (3) .
فإنْ قال: ما تحْديدُ دينك ؟
فقل : معرفة ما لا يسع [النّاسَ] جهله وفعل ما لا يسَعُ النّاس تركه، وترك ما لا يسع/[16] النّاس فعله (4) .
فإن قال : فما الذي يَسَعُ فعله ؟
فقل : جميع ما نهى الله عنه.
فإن قال : ما عيْنُ الوَلاَية ؟
فقل : إيجاب الاستغفار والترحم للمسلمين (5) .
__________
(1) - يرى صاحب الكتاب أن الذين يزعمون أن معبود أهل التوحيد هو الشيطان ، فهم الأزارقة لأن من خالفهم عندهم كافر مشرك عابد للشيطان ، وعن من قال : أنا بريء منك ومن الاهك ، أو قال : إني بريء منك ومن برّك ، أو قال : إني بريء منك ومن خالقك أنه كافر مشرك ليس كالأول . والذي لا يسع جهله من الدين فهو التوحيد ، وهذا رأي صاحب الكتاب .
(2) -+ من شرح الجهالات، ص227.
(3) - لأن جهة التوحيد من الجهات المنسوبة إلى الله - عز وجل - وهو الذي جعل التوحيد توحيدا ، وجعله أفضل الأشياء ، وليس العباد جعلوا التوحيد توحيدا ، وليسوا بالذي جعلوه أفضل الأشياء فيكون الله - عز وجل - أثابهم بدون ما فعلوا وجزاهم بأنقص مما عملوا .
(4) - هنا وفي هذه المسألة قد أتى صاحب الكتاب على تحديد الدّين بأبلغ التحديد وغايته.
(5) - لأن عين الولاية ونفسها ومعناها شيء واحد، والاستغفار والتراحم من قوله تعالى : (( واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات)) ( محمد:19 ) ويريد بالتراحم الرحمة ، وأما التراحم فهو بين اثنين،وقد يكون أن يريد بالإيجاب إيجاب الله الولاية على العباد . (1/47)
صفحة 48
فإن قال : فما عينُ البراءة ؟
فقل : إيجاب اللّعنة والشتيمة للكافرين (1) .
فإن قال : ما ضدّ البراءة ؟
فقل : الوَلاَيةِ.
فإن قال: ما ضدّ الوَلاَيةِ ؟
فقل: البراءة.
فإن قال : ما فرز دينك ؟
فقل : إنّ النّاس عندي على ثلاثة منازل : مؤمن موفٍ. ومنافقٍ مقرّ خائنٍ فيما أقرّ به. ومشركٌ جاحِدٌ (2) .
فإن قال : كم وجهًا جاء عليه الدّينُ ؟
فقل : على ثلاثة أوجه : [التنزيل والسنّة ورأي المسلمين] (3) .
فإن قال : [كم وجهًا يقوى به الدين ؟
__________
(1) - وكذلك القول في عين البراءة ونفسها ومعناها ٍأن ذلك كله هو البراءة ، وأما الشتيمة واللّعنة فمن قول الله - عز وجل - ((إن الله لعن الكافرين وأعدّ لهم سعيرا ))( الأحزاب 64) فالواجب أن يشتموا ويلعنوا كلّ من لعنه الله وهذا من شروط البراءة .
(2) - يريد بالدين هاهنا مذهب الاباضية الذي به بان من سائرالفرق. واتفق الاباضية والزيدية من الشيعة في هذه المسألة إذ هنا ثلاث منازل : مشرك ومنافق وهو ذو الكبائر من أهل التوحيد ، ومؤمن موف بدين الله مؤدّ للفرائض مجتنب الكبائر .
(3) -+ من شرح الجهالات (السابق)، ص230. وعلى هذه الوجوه الثلاثة يقوم أمر دين الله - عز وجل - ، فمن أنكر وجها واحدا من هذه الثلاثة فهو كافر، لأن الرادّ لوجه واحد منها بمنزلة الرادّ لجميعها ، فمن التنزيل وجوب الصلوات الخمس والزكاة وصيام شهر رمضان والاغتسال من الجنابة والوضوء والحجّ والجهاد في سبيل الله والقيام لله بالقسط وفرائض الميراث وتحريم ذوات المحارم من النساء وذوي المحارم من الر جال ـ وتحريم الجمع بين الأختين ، وتحريم ما نكح الآباء على الأبناء ، وتحريم الزنا والسرقة، والجلد في ذلك الخ ... (1/48)
صفحة 49
فقل : على ثلاثة أوجهٍ: العَمَلُ الصالح، والقول السديدُ، والنّيةُ الصّادقة] (1) .
[ أركان الدين ]
فإنْ قال: كم أركان الدين؟
فقل : أربعة :التسليم (2) لأمر الله ، والرّضا بقضاء الله ، والتوكّلُ على الله ، والتفويضُ إلى الله (3) .
فإنْ قال : كم أركان الكفر ؟
__________
(1) - فقد صدق صاحب الكتاب لأن العمل هو أداء الفرائض واجتناب الكبائر . والقول السديد هو التوحيد، لأن من قول العلماء أن الدين يقوم بوجهين : قول وعمل ، لا كما يقول أهل الإرجاء : إن الدين هو القول دون العمل، وقد قال الله - عز وجل - (( وما أمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيّمة )) (البيّنة:5) . وأما النّية فمعناها هو ما أريد به الله - عز وجل - من القول والعمل ، لأن مرجعهما إلى النّية، وهي إرادة الله بكل قول من الدين، وعمل ،كما بينّا سابقا من أن النّية هي التقرّب إلى الله بالعمل .
(2) - في الشرح، ص234 (الاستسلام).
(3) - أراد بالركن هاهنا القوّة من قوله تعالى:(( أو آوي إلى ركن شديد))(هود:80) . وهذه الوجوه الأربعة المذكورة قريب بعضها من بعض في معناها ، وان اختلفت ألفاظها، لأن التسليم لأمر الله ، هو أن يسلّم العبد لربّه - عز وجل - في كل ما أمر فيتبعه ، وفي كل ما ينهى عنه فيزدجر عنه ، وليس له على الله - عز وجل - الخيار فيما يأمر به وفيما ينهاه عنه ، فمن كان على هذه الهيئة كان مسلما . والرضا أيضا هو= = من هذا المعنى، أن يرضى العبد بأمر الله فيما يأمره به، وفيما ينهاه عنه ، ولا يتخيّر لنفسه دون أمر الله - عز وجل - ، ونهيه مأمورا به، ومنهيا عنه، فحينئذ يكون العبد راضيا . وكذلك التوكّل على الله هو من هذا المعنى. وكذلك من فوّض أمره إلى الله كان متّبعا لأمره مجتنبا لنهيه، لا يزيد من ذلك ولا ينقص. (1/49)
صفحة 50
فقل : أربعة : الرّغبة والرّهبةُ والشّهوةُ والغضبُ، فمن لم يحفظ الله حيث يرغب وحيث يرهب وحيث يشتهي وحيث يغضبُ فقد أكْملَ خصائل الكفر (1) .
[ عين التّوحيد والشّرك والنّفاق ]
إن سأل سائل فقال : ما عين التوحيد ؟
فقل : إفراد الله.
فإنْ قال : وما إفراد الله ؟
فقل : نفيَ الأشباهِ والمساواة عن الله [عزّ وجلّ] (2) . ولا يوصفُ الله بما يُوصف به المخلوق، ولا يوصف المخلوق بما يُوصف به الخالقُ (3) .
فإن قال : وما عين الشرّك ؟
فقل : المساواة بالله.
فإن قال : وما المساواة بالله ؟
__________
(1) - هذه الأشياء الأربعة هي التي تحمل العبد على كلّ معصية يعصى بها ربّه - عز وجل - ، فمن الرغبة أن يأخذ في غير حقّ ويمنع في غير حقّ ، ومن الرهبة أن يرهب العبد ويخاف فوات الرزق فيبادر من غير وجه ما أحلّ الله ويخاف الفقر في فقد ما عنده من الأملاك فيمنع منها حقوق الله - عز وجل - الواجبة عليه. فكل هذا معصية منه لربّه - عز وجل - ، وكذلك الشهوة والغضب، يحملان العبد على مجاوزة الحدود ومواقعة الذنوب .
(2) - زيادة من الشرح، ص238.
(3) - هذه المسألة فسّرها صاحب الكتاب تفسيرا دقيقا . فالتوحيد والإفراد في لغة العرب معناهما واحد.كما أن معنى الواحد ومعنى الفرد سواء ، وهو أن يفرد شيء من شيء ، ويوحّد شيء من شيء ، بصفة من الصفات أو فعل من الأفعال، أو بملك من الأملاك ، والله - عز وجل - منفرد ، وموحّد لا يشاركه شيء من الأشياء ، في صفة ولا في فعل ، ولا ذات ولا ملك. يتعالى ربنا عن ذلك علوّا كبيرا . (1/50)
صفحة 51
فقل : الأشباه، أن يوصف الله بما يوصف الخلْقُ، ويوصف الخلق بما يُوصفُ به الخَالِقُ (1) .
فإن قال : وما عين النفاق ؟
فقل : الخُلفُ والكذِبُ فيما أقرّوا به (2) .
فإن قال : وما عين الكفر بجميعه، النفاق وغيره ؟
فقل : الاستفساد إلى وليّ النّعمة فمّن استفسدَ إليه بالمساوَاةِ/[17] كان كافرًا مشركًا، ومن استفسد إليه بالكبائر التي هي دون الشرّك كان كافرًا غير مشرك (3) .
فإن قال : أكلّ منهّي عنه استفسادٌ ؟
قيل له : إنّ من المنهيّ عنه ما ليس باستفسادٍ، ومنه ما هو استفسادٌ،
فإن قيل : وما الّذي هو استفسادٌ ؟
فقل : الكبائر كلّها استفسادٌ، والصغائر كلّها ليْست باستفسادٍ.
فإن قال : لِمَ لا تكون الصغائر استفسادًا وهي منهيٌّ عنها ؟
قيل له : إنّها لم تكن استفسادًا لعلّةِ أنّها ليست بكفر.
فإن قال : وما العلّةُ التي لم تكُن بها الصّغائر كفرًا؟
فقل : لأنّ الله أوْجَبَ فيها الاستثناء.
فإنْ قال : وما وجه النّهْي عن الصغائر إذا لم تكن عندك استفسادًا ؟
فقل : لئلاّ يكونوا مستخْفينَ بحقّ الله فيما دون الكبائر.
__________
(1) - قد فسّر أيضا هذه المسألة كما فسّر التي قبلها . فأما الشرك والمساواة في لغة العرب فمعنى واحد ، والمساواة من التسوية ، فمن شارك بين اثنين فقد ساوى بينهما .كما أن من ساوى بين اثنين فقد شارك بينهما بوجه من الوجوه كائنا ما كان .والتوحيد والشرك ضدّان ، وقد ضادد الكاتب بينهما وخالف بينهما ، وكذلك الجواب في كلّ ضدّين ، فكل ما أجبت به في احداهما أجبت في الأخرى بضد ذلك الجواب .
(2) - لأنّ المنافقين عند الاباضية قوم مقرّون، فلذلك قال فيما أقرّوا به ، وقد أقرّ المنافقون في القول وخالفوا في الفعل .
(3) - الاستفساد هو أن يستفسد العبد إلى ربّه فيفسد ما بينه وبين الله والاستسلام إلى الله - عز وجل - . ومعنى الاستفساد هو المحاربة والمقاطعة والخلاف على الله - عز وجل - . (1/51)
صفحة 52
فإن قال: وَلم حتّى قضيْتَ أنّ في المنْهيّ عنه صغائر؟
قيل له : لِمَا جاءَ في ذلك من الخبر الصّادق.
فإن قال:الكبائرُ كلّها معلومةٌ أو غيرُ معلومةٍ ؟
فقل له : إنّ بعض الكبائر معلومٌ لما جاءَ فيه من النّصّ، وبعضها مجهولٌ.
فإن قال: والصغائر أيضًا معلومة أو غير معلومةٍ ؟
قيل له : إنّ الصغائر كلّها مجهولة غير مَعْلُومَةٍ.
فإن قال : لمَ قضيْتَ أنّ في الكبائر معلومًا وغير معلومٍ، ولم تقل في الصغائر معلومٌ وغير معلوم ؟
قيل له : ليس من الحكْمَةِ (1) أن يبيّن الصغائر، وقد استثنى فيها لأنّه لو فَعَلَ ذلك لكان خارجًا عن حدّ الحكمَةِ. ألا تَرى أنّه لو بيّن أنّه لا يُعَاقبَهُم على الصغائر لو بيّنها لهم لكانوا مستخفّين بحقّ الله فيما دون الكبائر لما جاء فيه من الاستثناء (2) .
إن سأل سائل عن الدّين/[18] ما هُوَ ؟
فقل : الإسلام.
فإن قال : وما الإسلام ؟
فقل : القول والعمَلُ.
فإن قال : وما القول ؟
فقل : الشهادة على الله أنّه واحدٌ وأنّ محمّدًا عبده ورسوله وأنّ ما جاء به أنّه الحقّ، والعمل مثل الصّلاة والزّكاة وصيام رمضان وحجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً، والاغتسالُ من الجنابة، والأمرُ بالمعروف والنّهيُ عن المنكر.
فإن قيل لك : من آمن به ثمّ ضيّعهُ ؟
فقل : منافق.
فإنْ قال : من أنكر هذا أو جحده ؟
__________
(1) - في المتن : الحكم. وأصلحنا من الشرح، ص242.
(2) - قد أجاب صاحب الكتاب بما فيه الكفاية عن تلك الأسئلة ، وكل تلك الأسئلة مأخوذة من قول الأزارقة أن كل ما نهى الله عنه من معصية فكفر وشرك . وكذلك قول النجدات : أن الكفر والشرك من ذلك الكبائر دون الصغائر ، ولهم فيما بينهم في مثل ذلك مراجعات ومحاججات، ليس هذا موضع ذكرها .فأجابه صاحب الكتاب أن من المعصية استفسادا ، ومنها غير استفساد ، فالكبائر كلّها استفساد ، والصغائر ليس باستفساد . (1/52)
صفحة 53
فقل : مشركٌ (1) .
واعْلم أنّ جميعَ الصّفات تنتظم إلى القدرة وهو الله القادرُ لا غيْره تبارك وتعالى، وذلك قوله : { هو الله الّذي لا إله إلاّ هُو َعَالمُ الغيْب والشهادة } (2) الآية كلّها. وقال: { إنّ ربّك هو الخلاّق العليم } (3) ، فمن جَعَلَ غيري موضع الّذي قال الله هو، فقد اختلط توحيده من حيث لا يدري، وهذا التّخليط في توحيد الله. فمن نَفَى عنه أسماءه وجَعَلَها غيره، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا (4) .
فإن قال قائل : ما تقولُ فيمن قال : إنّ الله يخلو من الأماكن وخَلَتْ منه الأماكن، فهذان الوجهان شرك.
فإن قال : خلا من الأماكن ولم تخْلُ منهُ الأماكن ؟
__________
(1) - إن سؤاله عن الدين ما هو ؟ يريد به دين الله - عز وجل - لأن الدين إذا ذكر بالتعريف بالألف واللام غير مضاف، فالمراد به دين الله - عز وجل - = = وكذلك الطاعة والمعصية إذا عرّفتا ولم تضافا كان المفهوم في الخطاب أنه طاعة الله ومعصية الله . ألا ترى إلى جواب صاحب الكتاب حيث يقول : هو الإسلام، وفسّره فجعله نوعين : قولا وعملا . فالقول هو التوحيد ، والعمل هو الفرائض،وهو تفسير حسن،لأن المسلم لا يكون مسلما حتى يكون مقرّا بالتوحيد ، ويكون مؤديا للفرائض .
(2) - سورة الحشر : 22.
(3) - سورة الحجر : 86.
(4) - إن معنى انتظام الصفات بالقدرة ، معناه ما ينفى بكل صفة من الصفات ، فقد ينفى بالقدرة ، والجهل منفي بالعلم ، والجهل عجز ، والعجز ينفى بالقدرة ، وكذلك الموت منفي بالحياة الخ ... فالقول في كلّ صفة من الصفات كالقول فيما ذكرنا منها، فبالجملة أن الله - عز وجل - قديم ليس بمحدث ، فكان الوصف بكلّ الصفات منوطا بالوصف بالقدم ، والآفات محدثة منفية عن القدم لما أن كانت تلك الآفات داخلة في معنى الحدث ، ولذلك قال المتكلّمون : إن من وصف الله بأنه قديم ليس بمحدث ، فقد وصفه بكلّ صفة من صفاته، ونفى عنه كلّ صفة من صفات خلقه . (1/53)
صفحة 54
فقل : فهذان الوجهان توحيدٌ (1) .
بَابٌ آخر
[ حكم الرّادّ على الله والنّبيّ والقُرآن ]
الرّادّ على الله مواجهةً مشركٌ، والرّادّ على النّبيّ عليه السلامُ مُواجهةً مشركٌ، والرّادّ على القرآن مواجهةً مشرك (2) . ووجه آخر، الرّادّ على الله بتحريف يُقتل ولا يُسْبَى، والرّادّ على النّبيّ عليه السّلام بتحريف يُقتل ولا يُسْبى. والرّادّ على القرآن بتحريف يقتل ولا يُسْبَى (3) .
إنّ سأل سائل فقال : ما عين العلم. وما عين القدرةِ، وما عينُ الإرادة ؟
__________
(1) - ومعنى لا يخلو من الأماكن ، أي أن الأماكن حالّة فيه وموجودة به ،وكذلك لا ينفك ولا يعر ، ومعناهما لا يخلو . وقوله : خلت منه الأماكن ، يريد أنها منفكّة من أن يكون الله خلقها وجعلها على ما هي به من اتفاق ما اتفق منها واختلاف ما اختلف . فمن زعم أن الله غير خال من الأماكن ولا عار منها ولا منفك ، فقد وصف الله - عز وجل - بأنه وعاء للأماكن، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا .
(2) - الرّادّ هاهنا هو النّاقض ، فكل من ردّ شيئا فقد نقضه، ومن نقضه فقد ردّه . والمواجهة والمجاهرة والمشاهدة والمشافهة . فالمواجهة هي المقابلة من قولهم واجه فلان فلانا بالتكذيب ونال منه بالرّدّ والمجاهرة، مأخوذ من الجهر الذي هو ضد الخفاء والسرّ . والمشاهدة في اللّغة هي المحاضرة يريد من حضره أي مثلا(( فمن شهد منكم الشهر فليصمه)) ( البقرة:185) .والمشافهة مثل أن يكلّم رجل رجلا بفيه وشفته غير كتاب ولا رسول ولا مبلغ عنه . فالمكذب للنبيّ والرّاد للنصوص مشرك كافر .
(3) - التحريف هاهنا هو تأويل الخطأ كلّه ، ولا يقال لكل تأويل تحريف لأن تأويل الصواب ليس بتحريف . والمراد بقوله : يقتل الرّاد بالتحريف ولا يسبى ، فهم المخالفون للمسلمين إذا هم بانوا بخلافهم وأظهروه ولم يذعنوا ، فإنهم يقتلون ولا يسبون،لأن السبي والغنيمة ليسا في أهل الإقرار ، وإنما هما في أهل الإنكار . (1/54)
صفحة 55
/[19] فعين العلْم الدّرك والإحاطة والاستبانة فكلّ مدّركٍ محيطٌ مستبينٌ لا يخفى عليه شيء فيما علم. وأمّا الإرادة فإنّما هي نفيُ الاستكراه، والقدرة نفيُ العَجْز (1) . ِ
إنّ سأل سائل فقال : أخبرني عن الذي إذا كان، كان الإيمان وإذا لَمْ يكنْ لم يكنِ الإيمان ؟ الجوابُ في ذلك : العونُ من الله (2) .
إنّ سأل سائل فقال : هل أراد الله إنفاذ عِلْمِهِ بنقض أمره أو أراد إنفاذ أمرهِ بنقضِ علمِهِ ؟ الجوابُ في ذلك أنّه أراد إنفاذ عِلْمِهِ بنقضِ أمْرِهِ (3) .
__________
(1) - إن عيون الأشياء هي حقائقها التي بها وجدت ، والعين والنفس في اللغة معناهما معنى واحد، وعبارة العين لا تجوز على الله - عز وجل - ولا تجري عليه،وأما النفس فقد جاءت حكاية عن عيسى عليه= = السلام (( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك)) سورة المائدة:116 .ونفس الشيء هو عينه هو ، فعين العلم الدرك والاحاطة والاستبانة كما ذكر صاحب الكتاب ، وعين الإرادة هو ما به يتكوّن المراد على ما أرتاد المريد غير مستكره على شيء من الأفعال
(2) - إن العون والعصمة والتّسديد والشرح هو معنى يعطيه الله للمؤمنين في حال فعلهم للإيمان.والوفاء بدين الله يحول بينهم وبين الضلالة والكفر، بفضله وإحسانه إلى المسلم، ويعصمه به عن الشيطان الرجيم. ومن يرد أن يضلّه بإذنه وهو رحمة من الله من لطائف تدبيره ،كما قال الله تعالى : (( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا)) ( النور:21 ).
(3) - قد أحسن صاحب الكتاب في هذا الجواب،لأنه ليس بمفسد للحكمة أن يأمر الله - عز وجل - بما علم أنهم لا يفعلونه ، وكذلك قد يأمرهم بما أخبر عنه أنهم لا يفعلونه ، وليس في الأمر للمأمور ما يوجب تجهيلا ولا تكذيبا ، وليس الأمر في ذلك على ما توهّمته الجهمية وقوم من الروافض، أنهم زعموا أن الله - عز وجل - لو علم أنهم لا يطيعون لما أمرهم ، وكذلك لو علم أنهم يعصون لما نهاهم فنظروا. (1/55)
صفحة 56
فإن قال : ميّزْ لي ذلك ؟
فقل : لأنّ الله أمرَ النّاس جميعًا أن يؤمنوا، فآمن بعضٌ وكفرَ بعضٌ فأنْفَذَ علمه في الذين لا يؤمنون أنّهم لا يؤمنون، فهذا نقض أمره في الذين لا يؤمنون أنّهم لا يؤمنون (1) .
إنّ سأل سائل فقال : هل يجوز أن يقال : الله أهل لجميع ما خلق ؟
الجواب في ذلك، أنّ الله تبارك وتعالى أهْلٌ لخلْق ما خَلَقَ ولا يُستشفع أن يقال : الله أهل للكفر والقذر وأهل للمعصية وهو خالقها (2) .
__________
(1) - قد صدق صاحب الكتاب فيما ذهب إليه من قوله : ينقض أمره، إنما ذكر نقض الأمر ولم يضفه إلى الله - عز وجل - أنه نقض أمره ، وإنما نقض أمره من خالفه ولم يجب إليه. ومعنى نفوذ العلم أن الأشياء تأتي وتتكوّن على ما علم سبحانه ، وكذلك نفوذ المشيئة أن= = الأشياء تتكون على ما شاء غير مخالفة لما علم الله ولما شاء وليس شيء يخرج من علمه وقدرته وإرادته ومشيئته ، وليس مع هذا ما يوجب أن العلم والمشيئة يوجبان الجبر والاستكراه لأحد فيما فعل أو ترك .
(2) - إن كل ما ذكر من عبارة الخلق في شيء من الأشياء فالله أهل لخلق ذلك الشيء، لأن عبارة الخلق لله - عز وجل - عبارة محمودة كائنا ما كان الخلق ، لأنها لفظة وعبارة لا تنسب إلاّ إلى الله - عز وجل - ولا تضاف إلاّ إليه ، فأمّا ما لم يذكر عبارة الخلق فليس بجائز أن يقال : الله أهل لشيء من الأشياء ، إلاّ في الأشياء المحمودة التي تحسن في صفة الله - عز وجل - فيقال: أهل للحكمة والعدل بين عباده، والرحمة لهم والتفضّل عليهم ، وأهل للمغفرة لهم والعفو والتجاوز . فالله أهل لصفاته وأهل أن يكون ربّا وخالقا ، ورازقا ، وعالما، وقادرا، سميعا= = بصيرا ، وفي مثل هذا كثير .ويقال للكافرين أهل للمعصية وأهل للعقاب والخزي والهوان، وليسوا بأهل للإيمان والطاعة والمغفرة والثواب والكرامة الخ... (1/56)
صفحة 57
إنّ سأل سائل فقال : هل أراد الله أن يُكوّنَ شيئًا بعدَ كوْنِهِ، أو أراد شيئًا بَعْدَ كونه، أو أراده في حال كونه ؟
الجوابُ في ذلك أنّه أرادهُ في حالِ كونِهِ (1) .
[ على العباد أن يجيبوا الله فيما دعاهم إليه ]
إنّ سأل سائل فقال : هل ينبغي للعباد أن يجيبوه فيما دعاهم إليه وقد علِمَ أنّهُم لا يفعلُونَهُ. وهذا إبطالٌ للغلَبَةِ والرّبوبيةِ ؟
__________
(1) - معنى أراده في حال كونه : أي أن الشيء إنما يتكون في الوقت الذي جعله الله وقتا لكونه ووجوده ، فأما الله - عز وجل - لم يزل مريدا لكون ذلك الشيء ، والإرادة منه - عز وجل - ليست بمحدثة . والسؤال والجواب إنما وقعا على وجود الشيء لا على وجود الإرادة . فالله - عز وجل - عند الاباضية لم يزل مريدا لكون كل كائن في الوقت الذي يكون فيه غير متقدّم للوقت ولا متأخّر عنه . (1/57)
صفحة 58
الجواب في ذلك، أنّه ينبغي لهم أن يجيبوهُ فيما دعاهم إليه من الإيمان مثل مَا دَعَا مُوسَى فرعون ينبغي لَهُ أنْ يُجِيبه إلى مَا دَعَاه إليه من المعرفة بالله أنّه واحدٌ لا شريك لهُ، ولاَ يُشبهَهُ أحدٌ من خلقهِ وقد عَلِمَ اللهُ أنّه/[20] لا يجيبه إلى ما دَعَاهُ إليه موسى وليس هذا ممّا يبطل على الله، وليس شيء يبطل عِلْمَهُ وهو العَالِمُ بلاَ تعَلّمٍ (1) .
[ معنى الإسلام ]
فإن قيل لك : ما الإسلام ؟
فقل : الاستسلام لله والرّضا بقضاء الله (2) .
فإن قال : أخبرني عن الله أليس قد كان ولا شيء ثمّ أحْدث الأشياء هلْ هو معها وفيها ؟
__________
(1) - هذه المسألة كلّها مثل المسألة التي قبلها ، هل أراد الله أنفاذ علمه بنقض أمره أو أراد أنفاذ أمره بنقض علمه ، وهي من مسائل الجهمية التي تزعم أن لا يكون أن يعلم شيئا من أفعال العباد حتى تكون موجودة ، فمن علّتهم أن قالوا: ليس من الحكمة أن يطلب الحكيم حاجة إلى من يعلم أنه غير قاض لحاجته ، وأحالوا في زعمهم أن يكون الله يأمر العباد بأمر،وهو يعلم أنهم لا يفعلونه هروبا منهم= = أراد بذلك وصف الله بالعبث فوقعوا فيما هو أشدّ مما هربوا منه، حين وصفوه بالجهل لما يكون من ذلك حتى يكون موجودا . وكذلك حين وصفوه أنه لا يعلم ما أخبر عنه مما يكون حتى يكون واصفين له بالكذب تعالى الله عن الجهل والكذب وعما يقول الجاهلون علوا كبيرا .
(2) - إن المعنى في أسلمت واستسلمت واحد، فيقال أسلمت نفسي واستسلمت بنفسي ومعنى ذلك أن المسلم لا يتكلف أمرا دون فعل ما أمره الله به وترك ما نهاه الله عنه استسلاما لما فعل الله من ذلك وقضاه عليه ، فمتى ما قضى عليه بأمر استسلم وفعل ما أمره به ومتى ما قضى عليه بنهي استسلم وترك ما نهاه عنه فهذا هو معنى الإسلام والاستسلام. يقول تعالى في إبراهيم عليه السلام : (( إذ قال له ربّه أسلم قال : أسلمت لرب العالمين )) ( البقرة:131 ) . (1/58)
صفحة 59
فقل : نعم. إنّ الله قد شاء قبل كلّ شيء، والآخر بعد كلّ شيء يفْنَى.
فإن قال : أخبرني عن الله إذْ كان ولاشيء ثم أحْدَثَ الأشياء أهو معها وفيها ؟
فقل : نعم. هو في الأشياء ومع الأشياء [ليس] (1) ككون الأشياء في الأشياء، وَلاَ كشيء مع شيء.
فإن قال : إنّما سألتك إذْ كان ولا شيء ثُمّ أحْدثَ الأشياء فزعمتَ أنّه فيها ومعها، أليس قد وصفْتهُ بأنّه كان حيث لم يكن، وكان مع ما لمْ يكن، فهذا غاية التّبديل والتّحويل، وحاشى لله من ذلك.
__________
(1) - زيادة من الشرح، ص281. (1/59)
صفحة 60
فالجواب في ذلك أنّ الله مع الأشياء بعد إحداثه إيّاهَا ليس كشيء مع شيء، وإنّما مَعْنَايَ فيها معها (1) ، أنّه مشاهدٌ لها، ولم يغب عنه شيء لأنّ الله لا تُخفى عليه خافيةٌ، مشاهدٌ لكل شيء وعالم بكلّ شيء (2) .
__________
(1) - في الشرح جاءت : معها وفيها. انظر ص282.
(2) - أهل التشبيه ، كثيرا ما كانوا يتعلقون بهذه المسألة ، وذلك أنهم لما سمعوا قول الله تعالى : (( وهو الله في السماوات وفي الأرض )) (الأنعام:3 ) (( الرحمان على العرش استوى)) (طه:5 ) (( وهو معكم أينما كنتم ))(الحديد:4) توهّموا المعقول في ذلك والتشبيه، وقالوا : انه لا يكون أن يستوي الله على العرش إلاّ كما يستوي الملك على سريره ، وقالوا : إن كونه - عز وجل - في السماوات وفي الأرض ككون الخلق بعضهم في بعض ، ولم يعتبروا أن هذا في هذا في لغة العرب على وجوه ، فالله - عز وجل - موجود قبل الخلق، لا في شيء ، وليس هو مع شيء ، فلما أحدث الخلق فيقال : انه هو في الخلق، ومع الخلق، على المشاهدة والإنشاء والتدبير والحفظ له من الزوال والزيادة والنقصان منه، وفي وجوده وكونه قبل ما لم يخلق الخلق دلالة على أن وجوده في الخلق، وكونه فيه، ليس هو على ما يعقل من التمكّن،= = والاحتياز ، والحواية ، ولو كان كونه في الخلق وفي الأماكن على ما توهمّته المشبهة من المعقول والحلول والتمكن، لوجب أن يكون الخلق والأماكن قديمة لم تزل معه لما أن كان الله عندهم لا يكون إلا حالا متمكنا، تعالى الله عما يقولون . وأما ما ذكر من التبديل والتحويل ، فان المشبّهة زعمت أن الله - عز وجل - لما خلق الخلق وأحدث الأشياء ، تحوّل إلى الخلق وانتقل إلى الأشياء . فهذا من أعظم غباوة المشبّهة وجهالتهم . فالله في الأزل ليس في مكان حتى يتوهّموا الانتقال من الأزل والزوال منه، وهو عندهم غير مكان، ولا هو شيء من الأشياء إلى الخلق الذي هو شيء ومكان..فلو اعتبرت المعتزلة أن الله في الأزل لا في مكان ولا في شيء لعرفوا أن كونه - عز وجل - في الأشياء وفي الخلق على غير ما يتوهمون من التشبيه. وأما قوله ولم يغب عن الله شيء ، أي أنه مشاهد للأشياء عالم بها ، لا تغيب عنه ولا تخفى عنه خافية . (1/60)
صفحة 61
فإن قال : ما معناك [الله] (1) عالمٌ ؟
فقل : ليس بجاهل.
فإن قال : وما معناك الله قادِرٌ.
فقل : ليس بعاجز.
فإن قال : ما معناك الله شيء ؟
فقل : ليس بعدم (2) .
فإنْ قال: أليس كلّ اسم سَمَّى الله به نفسه ينبغي لنا أنْ نُسمّيه به ؟
فقل : نعم، جائز لنا أن نسمّيه بأسمائه الحُسْنَى.
فإن قال : فهل تَرَ لنا أن نُسمّيه مستهزئًا أو خديعًا كما قال: { يستهزئ بهم } (3) .وقال: { وهو خادمهم } (4) .
__________
(1) - زيادة من الشرح ، ص282.
(2) - هذا التفسير جائز لأن المتكلمين يقولون : إن الأسماء والصفات لا تفسّر بالنفي . ومعنى العالم عندهم المدرك المحيط المستبين . وقال أخرون: العالم الذي لا يخفى عنه ما علم ، مأخوذ من جواب النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة رضي الله عنها لما سألته عن سميع وبصير فقال عليه السلام : السميع الذي لا تخفى عليه الأصوات ، والبصر الذي لا تخفى عليه الألوان ، وقد مرّ الكلام في هذه المسألة قبل هذا ، وكذا قادر وغيرها .
(3) - سورة البقرة : 15.
(4) - سورة النساء : 142. (1/61)
صفحة 62
فقل : لا نسمّيه مُسْتهزئًا أو خديعًا لأنّ ذلك من الأسماء المحولة التي نفاها الرّبُ عن نفسهِ تبارك وتعالى، بل الله العزيز الحكيم، وإنّما ذلك على مجاز اللّغة/[21] (1) .
فإن قال : أخبرني عن الملائكة أمكلّفون مكتسبون ؟
فقل : نعم، مكلفون مكتسبون .
__________
(1) - يرى المتكلمون في هذه المسألة أنه يجوز أن نسمي الله بما نسبه إلى نفسه في القرآن مثل قوله:((والسماء بنيناها بأيد وإنّا لموسعون،والأرض فرشناها فنعم الماهدون)) ( الذاريات:47/48 ) فهل ندعوه ، يا باني ، ويا فارش ، مثل قوله تعالى : (( وآية لهم الليل نسلخ منه النهار )) (يس:37 ) ومثل قوله: (( فالق الحب والنوى)) (الأنعام:95) أن ندعوه يا فالق في مثل هذا مما أضافه إلى نفسه - عز وجل - أنه فعله. قيل الجواب في ذلك على ثلاثة أوجه : الأول= = كل اسم منها يأتي على جملة الخلق كلّه ليس يخصّ شيئا دون شيء مثل التسمية بخالق ومنشي ومقدّر وفاعل وجاعل ومدبر ومصور وبارىء ، فالتسمية بهذا ومثله جائز. الثاني: كل تسمية فيه مدحة لله - عز وجل - مثل ما يقول القائل : محيي ، ومميت ومعط ، ورازق ، وآمر وناه ، ومرسل وباعث، ومثيب ومعاقب، في مثل هذا من الأسماء التي لا تجوز على الخلق ولا تليق به . الثالث : مما ليس في نسبته إلى الله - عز وجل - على الانفراد دون الصلة مثل أن يقول : يا سالخ ويا شديد ويا فالق . فهذا النوع مما لا يجوز فيه مرسلا دون الصلة حتى يقول : يا سالخ الليل والنهار ، ويا شديد العقاب ، ويا باني السماء ، ويا فارش الأرض ، ويا ماهدها ، ويا رافع السماء ، ويا فالق الأصباح ، ويا منزل كل منزل ، ويا مسكن كل ساكن . وأما التسمية بمستهزىء أو بماكر، أو بخادع ، فليست تطلق على حال ، إلاّ على طريق المجازات،مثل قوله تعالى: (( يخادعون الله وهو خادعهم)) (النساء:142 ) (( ويمكرون ويمكر الله )) (الأنفال:30) والله أعلم بالصواب . (1/62)
صفحة 63
فإن قال : فهل [لهم] (1) على تكليفهم ثواب وعليهم عقاب ؟
فقل : كلّ مكلف مكتسبٌ له ثواب وعليه عقاب، إلاّ الملائكة فإنهم طُبعوا طبع من لا يعصي [الله] (2) .
فإن قال : أخبرني لأيّ علّة كان المهر للنّساء على الرجال والشّهوة بينهما سواء ؟
فقل : من جهة أنّهُنّ يربّين الأولاد ويغذّينهم ويحملنَهُم في بطونهنّ، وهذا ممّا لا يجوزُ للرّجال (3) .
فإن قال : لأيّ علّة يُسمّي الله مؤمنا ولم يسم مسلمًا مع أنّ الإيمان والإسلام معناهما واحدٌ. عليهما يثاب العبد، وعلى تركهما يُعاقب ؟
فقل : يسمّى الله مؤمنًا. وأمّا مسلمًا فلا يجوز أن يُسمى مسلمًا، إلاّ من كان خضيعًا مربوبًا ذليلاً (4) .
__________
(1) - + من الشرح، ص286.
(2) - يقال : إن الملائكة طبعوا طبع من لا يعصي. ولا يقال : طبعوا على ترك المعاصي ، وكذلك يقال : الملائكة طبعوا طبع من يطيع ، ولا يقال : طبعوا على عمل الطاعة ، بل إنما تركوا المعصية بالاكتساب ، وعملوا الطاعة بالاكتساب .، والمطبوع لا أمر له ولا نهي عليه ، ولا طاعة له ولا معصية . ويقال للجسم أنه مطبوع لا يكون إلاّ متمكّنا , ولا يقال مطبوع على التمكن . والبصر مطبوع لا يدرك إلاّ لونا . ولا يقال : للبصر مطبوع على درك الألوان . والسمع مطبوع لا يدرك إلاّ صوتا . ولا يقال للسمع مطبوع على درك الأصوات ، ومثل هذا كثير .
(3) - يريد صاحب الكتاب أن المؤونة في هذه الأشياء على النساء شديدة وليست على الرجال .
(4) - معنى مؤمنا في صفة الله - عز وجل - : هو المصدّق لرسله ولكتبه ولوعده ووعيده بالإنجاز، ومصدق لكل صدق، يأتي من قبله - عز وجل - بما وضع على ذلك من الشواهد والأعلام التي لا يقدر أهل الزيغ أن يأتوا بمثلها ، ولو كانوا على ذلك متظاهرين،وسمّي المؤمن من الخلق مؤمنا= = لما كان مصدّقا لله بالقول وبالعمل ، ومعنى المسلم هو المستسلم لأمر الله بالعمل _ كما وضّحنا سابقا _ والحمد لله على هداه . (1/63)
صفحة 64
فإن قيل : أليس الله أرحم الرّاحمين ؟
فقل : نعم، هو أرحم من الأب والأم (1) .
فإن قيل : فكيف يجوز لمن هو كذلك وهو أرحم من الأب والأم أن يَقْتُلَ بالنّار أو يقْتُل بالغرق أو يقتل بالسّيف، والأب والأم لا يفعلان ذلك ؟
قيل : نعم هو أرحم من الأب والأم إذْ ينسي في الأجل ويوسع في الرّزق ويدخل الجنّة والأب والأم لا يفعلان ذلك وهما إنّما طُبِعَا للتّغذية والتّربية ولا يزيدان على ذلك شيئا. فلمّا كان [من] (2) فعل الحكيم ما وصفنا، كان أرحم الرّاحمين (3) .
فإن قال : أليس إنّما أشركت اليهود بجحودها (4) . محمّدا - صلى الله عليه وسلم - وبما سألت به موسى عليه السّلام، أن يريهم ربّهم جهرة ؟
فقل : نعم.
فإن قال : أليس مثل ما سألت اليهود ؟ فقد أشرك .
قلنا : نعم.
[ فإن قال: أليس قد سأل موسى أن يرى ربّه ] ؟
__________
(1) - هذا السائل لو اعتبر رحمة الأم والأب بالولد لعلم أن رحمتهما للولد من رحمة الله - عز وجل - ، فبرحمته يتراحم الخلق ، وهو المنزل للرحمة في قلوب الخلق بعضهم لبعض ، عطف بعضهم على بعض ، فلما كان من فعل الحكيم ما وصفنا كان الله أرحم الراحمين .
(2) - + من الشرح، ص288.
(3) - صدق صاحب الكتاب فيما ذهب إليه من التفرقة بين رحمة الله - عز وجل - ورحمة الأبوين.
(4) - في المتن بجحودهم وقد أصلحنا من الشرح، ص288. (1/64)
صفحة 65
قلنا : نعم، إنّ موسى لم يسأل أنْ يرى ربه عيانا، مثلما سألت اليهود ، وإنّما سأل موسى ربّه أن يريه آية من آياته، وعجبا من عجائبه حين قال: { [ربّ] (1) أرني أنظر إليك } (2) ، أي أريد أن أنظر إلى آية/[22] من آياتك وعجبا من عجائبك ، فهذا وجه سؤال موسى عليه السّلام ربّه تبارك وتعالى، والتّأويل مخالف للقرآن فافهم، فإنّ أمر التّأويل والتّوحيد شديد، والحمد لله ربّ العالمين (3) .
__________
(1) - + من الشرح، ص289.
(2) - سورة الأعراف : 143.
(3) - اعلم أيها الواقف على هذه المسألة الشائكة التي تصارع فيها كبار العلماء قديما وحديثا حتى وصل التنابز بينهم بما لا يمكن وصفه هنا ، أنه ليس عند المشبّهة أصحاب الرؤية في كتاب الله - عز وجل - آية أوثق في أنفسهم من هذه الآية التي يذكر فيها مسألة موسى ربّه ، والآية التي يذكر فيها النظر..وأما الآية التي يذكر فيها الزيادة فقد تعسفوا في تأويلها تعسفا شديدا واستخراجا قبيحا كما تعسّفت= =المشبّهة في الآية التي يذكر فيها الساق ، وغلطوا في تأويل الساق غلطا قبيحا ، وأما مسألتهم عن مسألة موسى ربّه ، فيقال لهم : إن كان موسى إنما سأل الرؤية عندكم على حقيقة الرؤية ، فكيف حتى لم يشرك موسى كما أشركت اليهود بسؤالها ، بمثل الذي سأل موسى ، فكيف يكون أن يكون الله رخًص لموسى عليه السلام في شيء ، وقد أغلظ فيه على بني إسرائيل من قوله - عز وجل - : (( فأخذتهم الصاعقة بظلمهم )) (النساء:153) قال أهل التفسير : بشركهم وقد قال الله - عز وجل - : (( فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة )) (النساء:153) ثم قال - عز وجل - على اثر ذلك : (( ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البيّنات )) فقار ن مسألتهم لموسى في رؤية الربّ - عز وجل - باتخاذ العجل الاها من دون الله وقد يكون أن يرخص الله - عز وجل - لغير الأنبياء ما لا يرخص فيه على الأنبياء ، ففي هذا أوضح الدلالة وأوضح الحجة على أن الذي سأل موسى عليه السلام ليس هو من المعنى الذي سألت اليهود في شيء. فينبغي أن يكون موسى عليه السلام عند أصحاب الرؤية وجميع المشبّهة مشركا بالله ، ظالما مستحقا بأن تأخذه الصاعقة بظلمه. وحاش رسول الله وكليمه من مقالات أهل الخطأ . أو تكون اليهود عندهم قد أصابت في سؤالها موسى عليه السلام في رؤية الرب - عز وجل - . فان زعموا أن اليهود مصيبون في سؤالها موسى ، فقد ردّوا على الله = = - عز وجل - لأنّ الله كبّر قول اليهود وعظّمه، وأضافه إلى الظلم والشرك وقرنه باتخاذ العجل الاها من دون الله . والفرق بين مسألة موسى ربّه - عز وجل - وبين مسألة اليهود هو ما ذكره صاحب الكتاب وفسّره ، وقال : إنما سأل الله موسى أن يريه آية من آياته وعجبا من عجائبه ، ويدل على ذلك قول الله - عز وجل - في بني إسرائيل وحكايته عنهم (( فقالوا أرنا الله جهرة)) (النساء:153) فوكّدوا بقولهم : جهرة ، إنما يطلبون الرؤية بالأبصار ، والرؤية قد تخرج على معنى العلامة ورؤية الدلالة ، وقد يقول الرجل لصاحبه: أرني على الذي قلت برهانا. قال الله - عز وجل - :(( ألم تر الر بّك كيف مدّ الظلّ ولو شاء لجعله ساكنا )) (الفرقان:45)يريد الرؤية للظل الذي هو دليل على الله - عز وجل - . وقد قال الله لنبيّه عليه السلام :(( ألم تر كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل )) (الفيل:1). يريد ألم تعلم . وقال النابغة يمدح النعمان :
ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك عندها يتذبذب
وكثيرا ما يستعمل الناس فيما بينهم عبارة الرؤية على معنى العلم . وأما الجهرة فلا تذكر إلاّ عند الملاقاة بالأبصار. فمن زعم أنّ الله يرى في الدنيا فهو كافر مشرك . ومن زعم أن الله يرى في الدار الآخرة، فهو كافر متأوّل عند جمهور الاباضية . فان قال قائل من أصحاب الرؤية ما تنكرون أن يكون الله - عز وجل - جعل القوّة في أبصار= = أوليائه ، وزاد فيها حتى تكون الأبصار مدركة له - عز وجل - في الدار الآخرة ؟ قلنا له : لا تخلو هذه الزيادة التي ذكرتم من أن تكون مخرجة للأبصار من حدّ الإبصار، ناقلة لها من معنى الأبصار. فان كان هذا المعنى أردتم فان الابصار إذا خرجت عن معناها وانتقلت عن حقيقتها، فحينئذ تعود غير أبصار ، فإذا عادت الابصار غير أبصار، بطل عنها أن تكون ترى أو تبصر وبطل عنها معنى الدرك والرؤية،فنراكم أردتم إثبات الرؤية بإبطالها ، واحتججتم للرؤية بالذي يوجب الحجّة على فسادها ، أو كانت القوة الزائدة في الابصار غير مخرجة للإبصار من معنى الابصار . فإذا كانت القوة لا تخرج الابصار عن معناها ، فالأبصار لو قويت بكلّ قوّة فهي مطبوعة لا تدرك إلاّ لونا من الألوان وشخصا من الأشخاص . ألا ترون أن الأسد إنما كان يرى ويبصر في ظلمة الليل ما يراه غيره من الحيوان ، ولا يبصر لقوة بصره ولشدّة نظره ، وكذلك النار لو زادت حرارة فوق حرارتها لا تخرجها تلك الزيادة من أن تكون محرقة ، والثلج لو زاد برودة وجمودة لا تخرجه زيادته عن معنى ما هو فيه ، وكذلك كل خلق طبعه الله على ما هو فيه ، لو زاد في معناه ما عسى أن يزيده لما أخرجته تلك الزيادة عن صفته التي هو بها ، ولا تنقله عن طبعه الذي عليه طبع . والقول في سائر الحواس من غير البصر كالقول في البصر . وكذلك لو سألوا عن الحاسة السادسة قيل لهم : لا تخلو من أن = =تكون في معنى البصر أو في غير معناه على مثل الذي أجبناه في مسألة البصر والزيادة فيه سواء . وقد قال بعض المفسرين في مسألة موسى ربّه أن موسى لما كلّفه الله - عز وجل - ولم يجعل بينه وبين موسى واسطة ولا سفيرا ، طلب الرؤية التي هي على معنى العلم ، كالذي أعطي من الكلام الذي هو كلام الله له عليه السلام. وقد كلّمه الله على خلاف كلام الخلق بعضهم لبعض ، وطلب الرؤية على خلاف رؤية الخلق بعضهم بعضا من الله لموسى عليه السلام على معنى الدلالة عليه . وكذلك الذي سأل من الرؤية على بعض الدلالة عل الله - عز وجل - ، فأعلم الله موسى عليه السلام أن الدليل الذي يقوم مقام الرؤية ليس هو كالدليل الذي يقوم مقام الكلام . فالأول أعظم في الشهادة وأقطع مما لا يقوم بمثله خلق إذا هو شاهده . فلما أفاق موسى عليه السلام خاطبه - عز وجل - بأن قال : (( إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين )) (الأعراف:144) على الذي وهبتك من رسالتي وكلامي في كلام من هذا المعنى للعلماء من أهل التفسير. والله أعلم . (1/65)
صفحة 66
باب آخر من الجهالات
[ الفرق بين التّوحيد والموحّد ]
سألت عن التّوحيد هل هو الموحّد أم التّوحيد غير المُوحّد ؟
فقال : التّوحيد غير الموحّد.
قلت : فما التّوحيد وما المُوحّد ؟
فقال : التّوحيد معرفة الله عزّ وجلّ، والمُوَحَّدُ هو الله الواحد القهّار (1) .
قلت : فما اسم التّوحيد ؟
__________
(1) - قال العلماء: كيف يكون التوحيد هو الموحّد ، فالتوحيد هو فعل العبد ، وهو إفراد العبد لله - عز وجل - بصفاته ونفي الأشباه عنه ، والموحّد هو الله - عز وجل - ، يقال : وحّده العبد ، والله موحّد بفتح الحاء ، ويقال : وحّده المؤمنون بالتوحيد ، ووحّد نفسه بالتوحيد ، ومعنى وحّد نفسه أي أخبر عن نفسه أنه واحد . ويقال : الله موحّد بفتح الحاء على ما فسّرناه ، وموحّد بكسرها ، ومعناه فاعل للتوحيد ، ويقال لم يزل موحّدا بكسر الحاء ولا يقال لم يزل موحّدا بفتح الحاء= = ولا يقال وحّد نفسه في الأزل . فان قال قائل : فهل كان جائزا أن يقال : وحّده المؤمنون كما وحّد نفسه؟ قيل نعم ، ولا يقال: وحّد نفسه كما وحّده المؤمنون .وفي مثل هذا كثير . (1/66)
صفحة 67
فقال : جملة تنتظم جميع الصّفات وهي معرفة أنّ الله واحدٌ لا شريك له. ليس كمثله شيء من الأشياء ولا وجه من الوجوه (1) .
قلت : فما التّوحيد ؟
قال : الإفراد لله (2) .
قلت : فما أصل التّوحيد ؟
__________
(1) - إن اسم التوحيد نفسه وأسماء الأشياء هو ما يوجد من أعيانها . والمسألة الأولى حين سأل عن التوحيد ،هل هو الموحد أم غيره ؟ فإنما سأل عن الفرق بين التوحيد وبين الموحد، ثم سأل في هذه الثانية عن صفة التوحيد ما هي ؟ فأجابه أنها جملة تنتظم جميع الصفات .فان سأل عن تلك الصفات التي تنتظمها الجملة ما هي ؟ أهي صفات التوحيد أم صفات الباري - عز وجل - ؟ أم صفات الخلق ؟ قيل : إن المسألة تحتمل كل هذه الوجوه الثلاثة لأن الذي يأتي بكل صفات التوحيد فهو الذي يصف الله - عز وجل - بكل صفات التوحيد ، فهو الذي يصف الله - عز وجل - بكل صفاته , وهو الذي ينفي عن الله - عز وجل - جميع صفات خلقه ، وهذه الوجوه الثلاثة قريبة المعنى بعضها من بعض ، وكذلك اسم الشرك على هذا المعنى هو الشرك نفسه ، وهو كل كلمة تنفي عن الله صفاته ، وتثبت له صفات غيره وتنفي جميع صفات التوحيد، على مثال القول في التوحيد سواء .
(2) - الإفراد يتصرّف على معان وكلها راجعة إلى معنى واحد . وقد تفرّد الله - عز وجل - بالوصف له بصفاته ، وقد تفرد الله - عز وجل - بالعبادة له دون غيره ، وقد تفرّد الله - عز وجل - بأنه خالق للخلق في صنوف ما يكون في الخلق .وكل هذه المعاني راجعة إلى معنى واحد ،كما قلنا ، وهو الإفراد بأنه واحد لا شريك له في هذه الوجوه التي عددنا . حيث لا شريك له في صفته،وفي عبادته ، وفي خلقه وتدبيره وفعله . (1/67)
صفحة 68
قال : الإيمان بالله (1) .
قلت : فما عين التّوحيد ؟
قال : اليقين. قلت فما ضدّ التّوحيد ؟ قال : الشّرك.
قلت : فما الشّرك؟
قال : المساواة والاعتدال لله تعالى بغيره.
قلت: فما عين الشّرك ؟
قال : الشكّ في الله.
فإن قال : لأيّ علّة كان التّوحيد توحيدا، لعلّة القول أم لعلّة الإرادة، أم لعلّة القول والإرادة ؟
الجواب في ذلك : [أنّ] (2) التّوحيد كلمة تنفي كلّ إله (3) دون الله (4) .
[ حقيقة الكفر والإيمان ]
قلت : فما هو الكفر ؟
__________
(1) - هو جواب صحيح عند أهل العقول لأنه يقال: أصل التوحيد هو الإيمان ، ولا يقال : أصل الإيمان هو التوحيد ، وكذلك الجواب في كلّ عام وخاص كالجواب في الإيمان والتوحيد . والعام أصل للخاصّ ، ولا يكون الخاص أصلا للعام . ولا يكون الفعل شركا وتوحيدا ، ولا يحتاج في فاعل شرك وتوحيد .ولا يكون الفعل شركا من جهة ، وتوحيدا من جهة ، ولا تكون الجهة توحيدا وشركا . ومعنى الاعتدال هاهنا، هو أن يجعل لله عدلا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . وقد قال الله - عز وجل - : (( ثم الذين كفروا بربهم يعدلون)) (الأنعام:1) قال المفسّرون: يعدلون به أحجارا مواتا لا تخلق ولا ترزق ، ولا تحمي ولا تميت ، ولا تنفع ولا تضر، ولا تعطي ولا تمنع . والله أعلم بحقيقة التفسير .
(2) - + من الشرح، ص308.
(3) - في المتن: الله.
(4) - يريد السائل بالقول : الإقرار باللسان ، وبالإرادة: الضمير في النفس والمعرفة بالقلب. فأجابه بأن التوحيد ،لم يكن توحيدا لعلة الإقرار ولا لعلة المعرفة ، وإنما كان التوحيد توحيدا لأنه كان ينفي كل اله دون الله . وبذلك كان التوحيد توحيدا . وقد كان التوحيد إيمانا لعلّة وجوب الثواب عليه . وقالت المرجئة : إنما كان التوحيد= = توحيدا لأنه معرفة ، وقال آخرون : لأنه إقرار ، وقد وضّحنا ذلك قبل هذا . وكان التوحيد طاعة لله - عز وجل - لعلة الأمر. (1/68)
صفحة 69
فقال : الجحود والإنكار (1) .
قلت : فما أصل الكفر ؟
قال : الكفر في نفسه عيون وأصول (2) .
قلت : فما عين الكفر ؟
قال : الإباء (3) والاستكبار (4) .
قلت : فما ضدّ الكفر ؟
فقال : الإيمان.
قلت : فما هو الإيمان؟
قال: الشّهادة على الله بالألوهيّة، والوحدانيّة ، والشّهادة على محمّد أنّه نبيّه ، وأنّ ما جاء به أنّه الحقّ من عند الله وجميع وظائف الدّين ، وهي الإتيان بجميع ما كلّف الله به العباد (5) .
قلت : فما الإسلام/[23] والإيمان والدّين؟
فقال : إنّما هي أسماء مختلفة بخصال ثلاث متآلفة.
قلت : فسّر لي [ذلك] (6) .
__________
(1) - يريد بالكفر هاهنا كفر الشرك .
(2) - يريد بالكفر في هذه المسألة الثانية : كل كفر من شرك وغير شرك. وقول صاحب الكتاب : عيون وأصول ، والشرك عين وأصل ، والنفاق عين ، والنفاق مختلف فيه عيون وأصول ، والشرك كذلك ، وكل ذلك يجمعه اسم الكفر .
(3) - في المتن : الأمل، وأصلحنا من الشرح ص309.
(4) - جوابه هذا يجمع كل كفر من شرك ونفاق . والإباء معناه أن يأبى من الطاعة لله بالقول وبالعمل ، ويستكبر عن ذلك ولا يخضع لأمر الله ولا يخشع ،كما أبى إبليس واستكبر وكان من الكافرين . وهذه الصفة صفة لكل كافر من مشرك ومنافق .
(5) - يريد صاحب الكتاب في صفة الإيمان بجميع ما ذكرنا من الإقرار بالله والشهادة على محمد أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما ذكر من وظائف الدين والعمل بجميع ما أمر الله به ، يريد بذلك كلّه أن الإيمان قول وعمل ليس أحدهما إيمانا دون الآخر. وكل ذلك إيمان التوحيد من ذلك وغير التوحيد. وسمي الإيمان إيمانا لا لأنه قول ولا= = لأنه عمل ولا لأنه توحيد، ولا لأنه غير توحيد ، وإنما سمّي إيمانا لوجوب الثواب عليه.فكل ما وجب عليه من الله ثواب فهو إيمان . وبطل فيما لم يجب عليه من الله فيه ثواب أن يكون إيمانا .
(6) - + من الشرح، ص310. (1/69)
صفحة 70
قال:الإسلام هو الاستسلام لأمر الله والخضوع للخالق. والإيمان : الوفاء [لله] (1) بجميع الدّين. وأمّا الدّين فهو الأعمال، بطاعة الخالق. وقال غيره : الدّين، جميع وظائفه مثل الصّلاة والزّكاة وغير ذلك ممّا يسمّى دينا. ألا ترى إلى قول الله حيث يقول: { أَلاَ ِللهِ الدّينُ الخَالِصُ } (2) يعني ما خَلُصَ له العمل بهذه الوجوه التي ذكرنا.
قلت : فما أصل الدّين ؟
فقال : الدّين في نفسه عُيونٌ وأصولٌ. [ لو جاز أن يكون للدّين أصل لجَازَ أن يكون للأصل أصْلٌ غيره] (3) . وقال غيره : أصل الدّين الإيمان وعليه يُبنى الدّينُ (4) .
[
__________
(1) - + من الشرح، ص310.
(2) - سورة الزمر : 03.
(3) -+ من الشرح، ص311.
(4) - يريد صاحب الكتاب مما ساقه هاهنا، أن الإسلام والإيمان والدين وان اختلفت هذه الألفاظ ، واختلفت معانيها ، فمعناها كلها يجمعه طاعة الله - عز وجل - . سمّي ذلك إيمانا لأنه تصديق في قول وعمل، وسمّي إسلاما لأنه إسلام النفس والأمر إلى الله - عز وجل - . والدين هو ما يدان الله به من كل قول وعمل . فلذلك قال صاحب الكتاب : هي أسماء مختلفة لخصال ثلاث متآلفة.يريد أن الأسماء وان اختلفت فهي متآلفة في المعنى، إذ يقول تعالى:(( إن الدين عند الله الإسلام))= =(آل عمران: 19) وكذلك قال : (( وذلك دين القيّمة))(البيّنة :5).والإسلام والإيمان والدين يجمع كل هذه الأسماء طاعة لله - عز وجل - وعبادته. ودين الإسلام هو ملّة الإسلام . ومن دان بالباطل فقد اتّبع دين الشيطان . ولا يسمى بشيء من أسماء دين الله ، ولا يقال له مؤمن ولا هو من أهل الإيمان ، ولا مسلم ولا من أهل الإسلام في مثل هذا . والكافر والمشرك خارج من جميع أسماء أهل الدين ومن جميع أسماء دين الله بالذي وصفنا قبل هذا .والكفر اسم من أسماء دين الشيطان ، كما أن كافرا، وضالا ، وفاسقا ، وفاجرا وظالما، هي أسماء أهل دين الشيطان ... الخ . (1/70)
صفحة 71
الولاية والبراءة ] (1)
[ مفهوم النّفاق عند الإباضيّة ]
قلت : فما حرز دينك ؟
فقال : الوَلاَيَةُ والبَراءَةُ وتركُ المعاصي. فمن عرف حيث يتولّى، وحيث يبرأ، وحيث يترك المعاصي، فقد أحرز دينه (2) .
قلت : فما هي الولاية ؟
__________
(1) : زيادة منّا.
(2) - يريد :أن من عمل بهذه الوجوه فتولى أولياء الله ، وتبرّأ من أعداء الله وترك معاصي الله - عز وجل - فقد أحرز دينه . وعلى أن من ترك المعاصي جملة فقد أحرز دينه . والولاية صفة المتولى , والموالاة صفة الموالي ، والبراءة صفة البريء ، والتبري صفة المتبرى. ويقال الله وليّ المؤمنين ومواليهم . وكذلك المؤمن يقال له : وليّ الله ومتولّيه ، إذ يقول تعالى: (( ومن يتولى الله ورسوله ))(المائدة 56 وكذلك يقال : إن الله عدوّ للكافرين ومعاديهم، وبريء منهم ، ومتبرىء منهم . وهذا الأصل يعدّ من أصول العقائد الاباضية الاجتماعية في معالجة سلوك المنحرفين حتى لا يشهروا الفواحش ولا= = يقلّدهم آخرون ، فلا شك إن وجدوا الجفاء من أبناء مجتمعهم الإسلامي، وأحسّوا أنّ مصالحهم قد تعطّلت كلية، ففي هذه الحالة يقومون بإصلاح أنفسهم عن طريق التربية الذاتية الهادفة إلى تغيير أنماط سلوكهم والسعي إلى اكتساب الفضيلة الأخلاقية والابتعاد عن الرذيلة . غير أن المذاهب الأخرى لا تقول بولاية الأشخاص وبراءتهم ، ويحصرونها بولاية الجملة وبراءة الجملة _ حكمها بمن لا يدين بدين الإسلام_ ولا تنطبق على عصاة المسلمين . (1/71)
صفحة 72
قال:إيجاب الاستغفار والتّراحم للمسلمين (1) .
قلت : فما أصل الوَلاَيَةِ ؟
فقال : معرفة الأعمال الصّالحات (2) .
قلت : فما عين الولاية بين العباد ؟
قال : الموافقة في الشّريعة (3) .
قلت : فما ضدّ الوَلاَية ؟
قال : البراءة.
قلت : فما هي البراءة ؟
قال : إيجاب الشّتيمة واللّعنة للكافرين.
قلت : فما أصل البراءة ؟
قال : معرفة الأعمال الخبيثة.
قلت : فما عين البراءة ؟
قال : اختلاف الشّرائع (4) .
__________
(1) - قوله : إيجاب الاستغفار : قد يكون أن يريد به أن الاستغفار عليه واجب ، وقد يكون أن يريد ،أن يوجب الاستغفار وجوبا لا شرط فيه ، فيستغفر للمسلمين بلا شرط. وأما التراحم فإنما يريد به أن يدعو للمسلمين بالرحمة . والتراحم إنما يكون بين اثنين . يقال للرجلين : تراحما ، وتراحموا ، إذا كانوا جماعة ، وهو من قول الله - عز وجل - : ((رحماء بينهم)) ( الفتح :29) .
(2) - يريد بالأصل هاهنا ما به تجب الولاية لا أن ّ الولاية إنما تجب بمعرفة الأعمال الصالحات. وقد يكون أن يريد بالولاية هاهنا ولاية الأشخاص. والمعرفة تكون بالمشاهدة للأعمال الصالحات ، وربما كانت بمشاهدة الأمناء على الأعمال الصالحات، وكلا الوجهين معرفة.
(3) - لأنهم إذا توافقوا في العمل في شريعة الإسلام فذلك فيما بينهم ولاية . وفي الحديث الشريف المروي عن النبيّ عليه السلام أنه سئل عن المتحابين في الله فقال عليه السلام : ((هم الذين يعملون بالطاعة وان تفرقت ديارهم)) . يريد صاحب الكتاب أنّ ولاية الدين إنما هي بأن يتوافقوا في شريعة الإسلام بالقول والعمل .
(4)
- فالبراءة ضد الولاية،كما أن الولاية ضد البراءة . وأحكام الولاية ضدّ لأحكام البراءة. وأحكام الولاية الرحمة للمتولى، والاستغفار له، والحب له بالقلب ، وقبول الشهادة وتجويز العدالة . وأحكام البراءة اللّعنة والشتيمة للمتبرأ ، وإضمار البغض له في النفس وردّ الشهادة وإبطال العدالة . وأيضا، إن الذي تجب به الولاية ضدّ الذي تجب به البراءة، والولاية على الأعمال الصالحات ، والبراءة على الأعمال الخبيثات ، والأعمال الصالحات ضد الأعمال الخبيثات. فهذه الأمور وهذه الأحكام بعضها ضدّ لبعض . (1/72)
صفحة 73
قلت : فهل الكفر واحد ؟
قال:الكفر كفران:كفر جحود وكفر نفاق (1) .
قلت : فما هو النّفاق ؟
قال: الخُلْفُ فيما وعدوا الله (2) .
قلت : فما أصل النّفاق ؟
فقال : الكفر (3) .
قلت فما عين النّفاق ؟
فقال : الكذب والخيانة (4) .
قلت : فهل النّفاق واحد ؟
فقال: النّفاق نفاقان : نفاق خيانة، ونفاق تحليل وتحريم. قلت : فسّر لي ذلك ؟
__________
(1) - هذا قول الاباضية والزيدية ، أن الكفر معنيان : كفر شرك ، وهو كفر جحود وإنكار ، وكفر غير شرك ، وهو كفر النفاق، يسمونه كفر النعمة . ...
(2) - لقائل أن يقول : ما وعد المنافقين حتى يقال أنهم أخلفوا ؟ قيل له : إن الله - عز وجل - دعا عباده الإقرار به أنه الله ودعا أليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأئمة من بعدهم قد دعوا إلى الإقرار بالله، والشهادة على رسوله وأن ما جاء به أنه الحق ، فأجاب قوم ولم يجب آخرون ، فكل من أجاب منهم فقد وعد في إجابته أن يوفي بكل ما أجاب إليه من ذلك فأوفى قوم وهم المؤمنون وأخلف آخرون وهم المنافقون ، فمن هاهنا سمّي النفاق خلفا للوعد . يقول تعالى : (( فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون)) (التوبة:77) وعنه - صلى الله عليه وسلم - :(( أن المنافق إذا حدّث كذب وإذا أأتمن خان وإذا وعد أخلف )) فالمؤمنون وعدوا فأوفوا ، والمنافقون وعدوا فأخلفوا ، وهو ما وضّحناه سابقا .
(3) - فقد صدق وأنّ العام أصل للخاصّ ، وليس يكون الخاص أصلا للعام . والكفر اسم عام ، والنفاق اسم خاص. ولذلك قد يقال لكل نفاق كفر . ولا يقال لكل كفر نفاق ، كما قد يقال : كل منافق كافر ، وليس كل كافر منافق .
(4) - يعني بالكذب أن المنافقين أقرّوا وقالوا : أنهم يوفون لله بطاعته، فلم يوفوا بما قالوا من ذلك ، صار قولهم في البدء كذبا ، وكذلك لما لم يتموا العمل الذي اشترطوا في القول صار ذلك منهم خيانة . (1/73)
صفحة 74
فقال : أمّا نفاق خيانة/[24] فقوم عاهدوا الله فأخلفوا ما وعدوه، وهم محرّمون لذلك مستترين أو ظاهرين عليه.
قلت : فما نفاق تحليل وتحريم ؟
فقال : قوم أحلّوا ما حرّم الله ، وحرّموا ما أحلّ الله ، وهم دائنون بذلك بالغلط في تفسير المتشابه، تأوّلوا فأخطأوا، ونافقوا وكفروا من حيث لا يشعرون (1) .
باب آخر من الجهالات
[ ما حال من ظهر لك منه الإسلام ثمّ
تبيّنَ أنّه يجهل محمّدًا عليه السلام ]
سألت عن رجل ظهر لك منه عمل الإسلام، فَمَكَثَ بذلك سنين ولم تعلم منه إلاّ صلاحا، وهو من أهل دعوتك، ثمّ إنّك سألته أو سأله غيرك، ما تقول في نبيّنا محمّد عليه السّلام أَهُوَ رسول هذه الأمّة أم لا ؟
فقال : لا علم لي بذلك ! ما حاله، وما حال امرأته، وما حالُ من كان يعطيه زكاةَ مَالِهِ ؟
__________
(1) - النفاق عند الاباضية ومن وافقهم على قولهم ، هو كل كبيرة قد توعّد عليها مما هو مخصوص في كتاب الله - عز وجل - ، أو مستخرج من النّصّ ، وهو عندهم على معنيين كما قال صاحب الكتاب : أحدهما نفاق خيانة ، وأهله مرتكبون للكبائر ، مضيّعون للفرائض ،لم يستحلّوا فيه حراما ولم يحرّموا حلالا ولم يدينوا فيه بدين ، غير أنهم مقرّون بحرام الله فيه وبحلاله. وإنما أتوا ما أتوا منه شهوة ولذّة . والنفاق الثاني هو ما دان به أهل النفاق، فأحلّوا فيه حراما وحرّموا حلالا وتأوّلوا على غير طريق الحق ، وهؤلاء أهل تأويل وتحريف= بالكتاب ، وهذا هو معنى قول صاحب الكتاب : تأوّلوا فأخطأوا ، ودانوا بغلطهم في تفسير المتشابه من القرآن مثل قوله تعالى: ((يد الله فوق أيديهم ))(الفتح:10) وقوله: (( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه))(الزمر:67) وقوله(( إنا نطعمكم لوجه الله )) (الإنسان:9) وقوله: (( تجري بأعيننا))(القمر:14) . في مثل هذا كثير من كتاب الله فحملوه على معنى التشبيه بغلطهم في معاني اللغة وما يجوز على الله - عز وجل - ومالا يجوز . (1/74)
صفحة 75
الجواب في ذلك أنّه مشرك ، ولا تغني عنه صلاته وصيامه شيئا. وعلى الذي أعطاه زكاة ماله، أنْ يعيدها في غيره من الفقراء. والمرأة تحرم عليه في قول بعض الفقهاء. وآخرون يقولون: إذا عَلَمَ وَعَرَفَ جَازَ لَهُ المقام معها. ولا بأس (1) عليه فيما مضى وبه نأخذُ (2) .
[ حكم من له مُصحف فحرقه ]
سألت عن رجلِ له مصحفٌ فقام إليه فحرقه (3) بالنّار.
__________
(1) - في المتن : والأصح. وأصلحنا من الشرح، ص332.
(2) - إجابة صاحب الكتاب هنا أراد بها من هو على هذا المعنى من الجهالة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - من بدء أمره إلى وقت يسأل عن ذلك. وأما الجواب فيمن عرفناه بالتوحيد أو ظهرت عليه خصائل التوحيد إذا هو سئل عن محمد عليه السلام فقال : لا أدري ، فان هذا عند معشر الاباضية في الحكم مرتد عن الإسلام يحكم عليه بحكم المرتدين عن الإسلام ، وليس يكون حكم من لم يكن على التوحيد ولا على الإقرار بالتوحيد إذا ظهر منه شرك ، في مثل حكم من عرف بالتوحيد زمانا من الدهر، ثم ظهر منه بعد ذلك شرك ، لأن هذا مرتد ، والأول غير مرتد. فلو كان هذا الذي ذكر مرتدّا ، لما وجبت عليه الإعادة لشيء من الزكاة . والقول في المرأة أنها تحرم على من ظهر منه شرك مرتدّا ، كان أو غير مرتدّ ، فإذا تاب بعد ذلك ورجع ففيه اختلاف ، وعلم الإسلام عندنا، هو حضور المساجد والصلوات وحضور الجنائز مع أهل الإسلام ، والحج معهم في مثل هذا من خصائل الملّة، وهو وجه يثبت به التوحيد . فمن شوهد من الاباضية بذلك يحكم عليه = =بالتوحيد ويشهد عليه به ولا يصيب الرجوع منه إذا هو أراد ذلك . فإذا رجع فانّ حكمه حكم المرتدّ عن الإسلام .
(3) - في المتن : فأحرقه. (1/75)
صفحة 76
الجواب في ذلك أنّ عليه صيام مائة شهر (1) ، أو عتق عشر رقاب مؤمنات، أو إطعام ثلاثمائة مسكين، غذائهم وعشائهم إن نجا بذلك، وحرمة القرآن عند الله أعظم (2) .
[ حكم من لا يعرف القبلة ]
سألت عن رجل سئل عن القبلة، فقال : ما أدري (3) ما القبلة، أو قال : القبلة بيتُ المقدس، أو قال : رأيت النّاس يصلون إلى كذا فصليتُ معهم.
والجواب في ذلك أنّه إذا ادّعى قبلةً غير بيت الله الحرام، فهو مشرك بردّه على الله ، وعلى رسوله. وأمّا إذا لم/[25] يُدْعَ ، وصلّى نحو القبلة فذلك مُجْزٍ عنه.
__________
(1) - في الشرح تزيد (وأربعة عشر شهرًا) ص333.
(2) - هذا الجواب الأخير، أشدّ تغليظا على السائل من كل جواب لأنّ جواب الأول حين قال : مائية شهر وأربعة عشر شهرا ، فجعل لكل سورة من القرآن شهرا . وأما عشر رقاب، فعشر كفارات مغلظات . وأما ثلاث مائية مسكين فهي خمس كفارات مغلظات = = فقوله: لكل سورة من القرآن مغلظة أكثر تغليظا وأشدّ تشديدا عليه من جميع ذلك .
(3) - في الشرح : لا أدري. ص334. (1/76)
صفحة 77
فإن قال : لا أدري، فهو منافق غير مشرك. وقول آخر يلزمه الشرك بجهله فرض الله . وبالقول الأول نأخذ (1) .
سألت عن الكاذب على الله والمكذّب لله ما منزلتهما ؟
__________
(1) - إن الذي يدّعي قبلة غير بيت الله الحرام فهو كافر مشرك ،كالذي أجاب به صاحب الكتاب ، وهو قول جميع الاباضية ، أن الرّادّ للمنصوص والمنكر للتنزيل كافر مشرك ما خلا عيسى ابن عمير وشيعته ، أنه لا يشرك من أنكر سوى الله بزعمهم = =وهذا المنكر للتنزيل الراد للمنصوص ، مكذّب لله منكر له مساو له بالكاذبين . وجوابه فيمن لا يدري أن الكعبة قبلة ، أنه منافق وذلك في وقت يضيق عليه الجهل بالصلاة ، فإذا ضاق عليه الجهل بالصلاة ضاق عليه الجهل بالقبلة ، فإذا وسع بالصلاة وسع الجهل بالقبلة . فمن قبل ذلك كان الجاهل بالقبلة منافقا، لما كان الجاهل بالصلاة في الحال المضيقة منافقا . وأما قوله حيث يقول : وقول آخر يلزمه الشرك بجهله فرض الله . ثم قال على اثر ذلك وبالقول الأول نأخذ , والله أعلم بهذا التشريك الذي هو من قبيل الجهالة بالقبلة . غير أنه لعلّ ذلك من قبل أقاويل الصفرية أهل التشريك ، ألا تسمعه يقول : وبالقول الأول نأخذ. وفي هذه المسألة وجه آخر وهو، هل من العلماء من يوجب معرفة القبلة ،كما أوجب معرفة الرسول ، لأن ذلك أمر مشهور من= = أمور النبي عليه السلام،لا على المعرفة بالقبلة من قبل المعرفة بالصلاة والله أعلم بالصواب .وقوله : إذا ادعى قبلة غيرها ، فإذا أقرّ أن القبلة في موضعها الذي وضعها الله فيه ، فان القبلة هي الكعبة وهي بيت الله الحرام الذي في المسجد الحرام بمكة ،ثم أخطأ في البيت كان منافقا غير مشرك . (1/77)
صفحة 78
الجواب في ذلك، أنّ الكاذب على الله منافقٌ، والمكذّب لله مشرك (1) .
[ حكم من يجهل أنّ محمّدًا ميّت ]
سألت عن رجل قال : لا علمَ لي بموتٍ محمّد عليه السّلام ولا أدري أحيٌّ هو اليوم أم ميتٌ ؟
الجواب في ذلك أنّه مشرك لأنّه رادٌّ (2) على الله والمكذّبُ لله مُشْرِك (3) .
[ حكم من يجهل أن جبريل من الملائكة
والقول في عيسى عليه السلام ]
سألت عن رجل قال : جبريل عليه السلام لا أدري أمن (4) نسل آدم هو أم من غير ذلك ؟
__________
(1) - إن المكذّب لله هو المنكر لله والجاهل له. يقال كذّب المشركون بالبعث ، ومعناه الإنكار للبعث ، فأما المكذب لله - عز وجل - فهو الذي يكذب الله في خبره ووحيه، وإرساله وتنزيله ، وفرضه وأمره ونهيه ، كان مكذبا لله زاعما بأن الله - عز وجل - كاذب منسوب إلى الكذب يتعالى الله عن ذلك . فمن هذا المعنى كان الجاحدون للرسل قد كذبوا ، وهم المنكرون للذي به أتوا ، والمكذبون لهم فيما قالوا ، أنهم بتكذيبهم للرسل مكذبون لله .
(2) - في المتن : ردّ. وأصلحنا من الشرح، ص338.
(3) - لأن محمّد الذي هو رسول الله عليه السلام قد مات ، فمتى ما زعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيّ لم يمت ،كان قد قصد إلى رجل من الأحياء فسمّاه رسول الله محمدا عليه السلام. كان في هذا الوجه رادّا على الله ومكذّبا لله في أنّ محمدا رسول الله . فقصد هذا إلى غير محمد رسول الله ، فزعم أنه هو محمد رسول الله ، وأن الذي قد مات الذي هو محمد عليه السلام ليس هو بمحمد رسول الله في زعمه . فهذا على كل حال كافر مشرك .فمتى ما أخطأ مخطىء في صفة محمد عليه السلام ، كان قد حوّل الرسالة إلى غير محمد عليه السلام ، ونفاها عنه . فهذا المخطىء في صفة الرسول عليه السلام، لا يكون إلاّ مشركا على حال .
(4) - في المتن : من. وأصلحنا من الشرح، ص339. (1/78)
صفحة 79
الجواب في ذلك أنّه مشرك،لأنّ الملائكة غير بني آدم. وهو في هذا رادٌّ على الله عزّ وجلّ (1) .
وعمّن قال : لا أدري أمحمّد عليه السلام خاتم النّبيّين أم لا ؟
الجواب في ذلك أنّه مشرك لأنّه رادٌّ على الله، والمكذّب لله تبارك وتعالى مشرك (2) .
سألت عن عيسى عليه السلام أمن الملائكة هو أم من نسْل آدم ؟ أوْ أنّه (3) يقال له ابن مريم فكفى ؟
__________
(1) - لقد سمّى الله جبريل عليه السلام من الملائكة ، فمن سمّاه آدميا أو من نسبه إلى الآدميين كان رادّا على الله - عز وجل - ، وكذلك من سمى محمدا عليه السلام من الملائكة كالذي سمّى جبريل عليه السلام بأنه آدمي . ألا تمسع إلى قول صاحب الكتاب : أن الملائكة غير بني آدم . فالله - عز وجل - قال في الملائكة أنهم (( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون )) ( التحريم:6) وبنو آدم غير منفكين من المعصية لله - عز وجل - ، فهو بهذا الوجه أيضا رادّ على الله . وإذا على الناس أن يعرفوا أنّ جبريل هو رسول الله إلى محمّد عليه السلام ، وأن محمدا عليه السلام رسول الله إلى الناس كافة، والى الجنّ كافة.وأنه خاتم النّبيين.
(2) - والجواب في هذه المسألة يشبه الجواب في التي قبلها . وذلك أنه زعم زاعم أن محمدا عليه السلام كان رسولا قبل عيسى أو قبل موسى عليهما السلام ، أليس يكون هذا جاهلا بصفة محمد عليه السلام . وقد أزال عنه صفته ورسالته، وأثبتها لرجل كان قبل عيسى، أو قبل موسى. وكان أيضا رادّا على الله حين زعم أن موسى أو عيسى بعد محمد. فعيسى وموسى في زعم هذا الزاعم ، هو خاتم النبيين دون محمد عليه السلام . وقد قال بعض العلماء : إن على الناس المعرفة بجملة النّبيين أولا وآخرا . فأولهم آدم وأخرهم محمد عليه السلام .
(3) - في المتن : وإنّما. وأصلحنا من الشرح، ص341. (1/79)
صفحة 80
الجواب في ذلك أنّه من نسل آدم،لأنّ أمّه من ذرية آدم (1) خلقه الله في مريم كما خلق آدم من تراب، قال [عزّ وجلّ] (2) : { إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ٍ } (3) .
[ ما الدليل على أنّ القديم قديم ؟ ]
وإذا قيل لك : ما دليلك على أنّ القديم قديم ؟
فقل : دليلي على ذلك أنّ الله لا يجري عليه عددٌ ولا حدودٌ ولا أقطارٌ ولا عرض ولا طول ولا يشبهه شيء من خلقه (4) .
[فإن قيل لك : ما دليلك على حدوث الخلق ؟
__________
(1) - في المتن : من. نسل آدم. وأصلحنا من الشرح، ص341.
(2) - + من الشرح، ص341.
(3) - سورة آل عمران : 59. وكذلك لو سأل سائل عن عيسى عليه السلام هل هو من بني إسرائيل ؟ قيل : نعم لأن أمه من بني إسرائيل . ألا ترى أن آدم عليه السلام قد يقال له من البشر على أنه أول البشر فنسب إليهم كما ترى . وقد قال الله - عز وجل - في إبليس انه (( كان من الجنّ ففسق عن أمر ربّه ))( الكهف:50 ) وهو أبو الجنّ . وإبليس أيضا هو الذي قال الله فيه :((والجانّ خلقناه من قبل من نار السّموم )) (الحجر:27) .
(4) - لأن هذه الصفات التي ذكرها صاحب الكتاب تدلّ على حدوث كل موصوف بها ، وعلى نفي القدم عنه . فلما كانت هذه الصفات غير جائزة على الباري - عز وجل - دلّ على أنه قديم . فمن لا يوصف بشيء من صفات المحدثين فهو قديم . ثمّ أكّد صاحب الكتاب هذا المعنى بأن قال : إن الله لا يشبهه شيء ، لأن هذه الأشياء كلها محدثة من جميع وجوهها ، ولو كان منها شيء مشبها لله - عز وجل - للزم الله - عز وجل - من الحدوث ما لزم ذلك الشيء . فلما بطل أن يكون شيء من الأشياء مشبها لله - عز وجل - ، بطل لذلك أن يوصف الله - عز وجل - بشيء من صفات الأشياء ، وفي بطلان ذلك بطلان بأن يوصف بالحدوث ، وفي بطلان أن يوصف بالحدوث لثبوت الوصف له بالقدم - عز وجل - وهو معنى صاحب الكتاب في استدلاله على أن الله قديم بأنّه لا يشبهه شيء من الأشياء . (1/80)
صفحة 81
فقل : دلنّي على ذلك تجزيهم وألوانهم وعُرْضهم وطولهم وتصريف حالاتهم، فهذه علامات الخلق] (1) .
وإذا قيل لك : فالله ملاقٍ للأشياء، أم غير ملاقٍ لها، أو مماسٍّ للأشياء، أو غير مماسٍّ لها ؟
__________
(1) - + من الشرح، ص349. وهذا الجواب الذي أجاب به صاحب الكتاب في الدلالة على حدوث الخلق ، فهو من الجواب الأول من المسألة الأولى ، حين سئل عن الدليل على أن الله قديم ، فأجابه بأن الله لا يجري عليه عدد وهو التجزية ولا حدود= =وهو الطول والعرض ، فدلّ على قدم القديم بنفي هذه الصفات التي هي صفات المحدث عنه. فلما سئل عن حدوث الخلق دلّ عليه بلزوم هذه الصفات التي هي صفات المحدث للخلق. فكل ما دلّ على قدم القديم فهو دال على حدوث المحدث معكوسا ومقلوبا . والجواب في كل مختلفين على هذا المعنى يؤخذ جواب كل منهما من جواب الآخر على العكس والقلب .وصفات الطول والعرض وما إلى ذلك هي صفات الأجسام، وهذه الأجسام محدثة . فانه لو كان المحدث للخلق محدثا مثل الخلق للزم ذلك الذي أحدث الخلق من الحاجة إلى محدث ثان . والقول في مثل الخلق للزم ذلك الذي أحدث الخلق من الحاجة إلى محدث ثان . والقول في الثالث كالقول في الثاني، وفي الرابع كالقول= = في الثالث ، وفي تسلسل ذلك إلى ما لا يتناهى بطلان جميع ذلك. وفي بطلان جميعه وجوب أن المحدث للأشياء لا يكون محدثا مثلها بل هو قديم عن جميع ذلك . (1/81)
صفحة 82
فإنّا تقول : إنّه [غير ممّاسٍ للأشياء] (1) ولا ملاق لها/[26] بالمماسّة. لأنّ كلّ ملاقٍ يساوي باللّقاء في ملاقاته إيّاه. تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا (2) .
فإن قال : فإذا زعمت أنّه غير ممّاس لها وغير ملاقٍ لها، [أفبيْنه وبينها فرجةً ؟] (3) .
__________
(1) - + من الشرح، ص350.
(2) - هذه المسألة التي ذكرها صاحب الكتاب هي من مسائل أهل التشبيه الذين يقولون في صفة الله - عز وجل - بالجسم تعالى الله عما يقولون علوّا كبيرا . والملاقاة هو أن يتلاقا جسمان ، يلقى أحدهما الآخر من إحدى الجهات الستّ ، إما أن يلقاه يمنة أو يسرة أو فوق أو تحت أو أمام أو خلف . وكذلك المماسّة معناها معنى الملاقاة وهي أيضا من صفات الجسم ، وهو معنى قول صاحب الكتاب أن كلّ ملاق يساوي باللقاء في ملاقاته إياه،لأن المتلاقيان يشتبهان في أنهما= = جسمان ، فلذلك أبطل صاحب الكتاب عن الله - عز وجل - أن يكون يلاقي شيئا من الأشياء أو يلاقيه شيء من الأشياء . فمن وصف الله بذلك كان قد وصفه بأنّه جسم من الأجسام يتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
(3) - + من الشرح، ص352. (1/82)
صفحة 83
قيل له : إنّ الفرجة خلق. فمن زعم أنّ الله ملاقٍ لتلك الفرجة، فقد كفر، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا (1) .
[ هل يوصف الله بالحدود والأقطار ]
فإن قيل لك : أتصف الله بالحدود والأقطار ؟
فقل : لا يوصف الله بالحدود ولا بالأقطار لأنّ هذه (2) أعدادٌ كثيرةٌ وأجزاء (3) متفاضلة، وقليلها أضعف من كثيرها، ومن كان كذلك فهو مخلوق (4) .
فإن قيل لك : فهو إذا منبسطٌ ذاهبٌ في جميع الجهات؟
__________
(1) - لأنّ الفرجة تقتضي التحديد ، كما تقتضيه الملاقاة والمماسّة . فهذا كلّه من صفات الجسم . والجسم قد بان بالتّحيّز عن سائره . وأما سؤال السائل عن الفرجة بين الله وبين خلقه فهو منه مغالطة ، أو ليست الفرجة نفسها شيئا من الأشياء ؟ ففي جواب المجيب أن الله لا تجوز عليه ملاقاة الأشياء ، إبطال عن الله أن يلاقيه شيء فرجة أو غير فرجة .ألا تسمعه يقول : إن الفرجة خلق ، والفرجة هي الهواء الحائل بين الأجسام المتكاثفة ، والهواء أيضا جسم ليس بينه وبين الأجسام إلاّ الرقية والكثافة، إذ الهواء ورقته ، وخفّته ، مع سائر = =الأجسام ما يبطل عنه أن يكون جسما بعد أن يكون متحيّزا مسدسا منصفا مصرفا غير عار من الأعراض ، ولا خال منها ، والهواء والجوّ والفضاء معناهم واحد .
(2) - في الشرح : لأنها، ص353.
(3) - في المتن : وأخرى.
(4) - وهذا أيضا من صفات الأجسام لأن الواصف لله - عز وجل - وجلّ بأنه جسم من الأجسام فهو واصف له بالحدود والأقطار . كما أنّ الواصف له بالحدود والأقطار، فهو واصف له بأنه جسم من الأجسام . ولذلك قال صاحب الكتاب : أعداد كثيرة وأجزاء متفاضلة ، والمحدود بالأقطار لا يكون إلاّ متحيّزا . فإذا كان متحيّزا فهو جسم من الأجسام . وإذا كان كذلك كان مخلوقا . (1/83)
صفحة 84
فقل: لا يُقال إنّ الله يوصف بهذه الصفات (1) ، لأنّ من كان بهذه الصفات (2) كان وعاء للأشياء، وكانت الأشياء وعاءً له. تعالى الله عن ذلك علوُّا كبيرًا (3) .
مسألة
فإن قيل لك : هل يوصف الله (بالكبير والعظيم) (4) ؟
__________
(1) - في المتن : الصفة.
(2) - نفسه : انظر، ص353.
(3) - لو علم السائل أن الحدود والأقطار ملازمة للأشياء المنبسطة لما سأل عن ذلك ، إلاّ أن يكون مغالطا ، فلا بدّ للمنبسط من حدود وأقطار ، ولو انبسط ما علا . والذي أجاب به صاحب الكتاب في أن المنبسط هو الذي يحتوي على حلول الأجسام به ويكون للأجسام وعاء فهو أيضا جواب حسن ، غير أن المنبسط لا يخلو من التحديد على كل حال ، لما كان بعض المنبسط محدودا ، كان سكون جميعه كذلك ، وهذا الذي ذكرنا حجّة على الذين يبطلون تحديد الأرض وتحديد العالم ، وإلاّ بطل القضاء بالبعض على الكل . وأما جواب صاحب الكتاب في المنبسط أنه وعاء للأشياء،فيعني أن الجسم كثيره= =وعاء لقليله، فالمدينة وعاء للحارة ، والحارة وعاء للدار، والدار وعاء للبيت. فعلى هذا المعنى تكون الأجسام المنبسطة وعاء للأجسام التي هي أقل منها انبساطا وكنفا لها . وليس شيء من الأجسام دقّ أو جلّ إلاّ هو موصوف بالانبساط الجليل بقدره والدقيق بقدره ، وهو مع ذلك كلّه محدود ذو نهايات ، لا يمتنع من ذلك بالذي وصفنا بدءا ضرورة .
(4) - في المتن بالعظيم والكبير. (1/84)
صفحة 85
فقل : [نعم] (1) هو الكبير الذي لا أكبر منه، والعظيم الذي لا أعظم منه، [والذي] (2) لا يشبهه شيء، في كبر ولا في عظم. العظيم الواحد الذي لا واحد مثله في معنى الوحدانيّة، ولا في معنى العِظَمِ والكِبَرِ (3) .
__________
(1) - + من الشرح، ص355.
(2) - + من الشرح، ص355.
(3) - إن العظيم والكبير في صفة الله - عز وجل - هو أنه تعالى عظيم وكبير عن صفات المخلوقين ، ولا يوصف بشيء منها لأنها صفات صغيرة من العجز والحاجة والاحتمال للزيادة والنقصان ، فلما كانت صفات المخلوقين بالذي وصفنا من الضعف والحاجة والعجز ،كان لا يكون الله إلاّ عظيما كبيرا عنها. فمتى ما سمع سامع أن الله عظيم = =ولم يعتقد في ذلك ما وصفنا من العظمة والكبرياء والكبر عن صفة المخلوقين ، وكل شيء لزم المخلوقين كان جاهلا بصفة الله - عز وجل - من العظمة والكبرياء فهو يكون حينئذ معتقدا لعظمة الأجزاء وكبرها وتكاثفها راجعا للذي أبطلنا عن الله - عز وجل - من صفات الجسم . وكذلك الجليل في صفة الله - عز وجل - هو الذي جلّ عن صفات المخلوقين، وكذلك العزيز والمتعالي والعليّ ، معنى ذلك كله أنه عظيم وكبير وجليل وعزيز ومتعال عن صفات المخلوقين وعن كل شيء لزم المخلوقين . فمن لم يعتقد في صفة الله - عز وجل - ما ذكرنا من هذه المعاني كأن لا يكون إلاّ معتقدا لصفات المخلوقين من العلو في المكان والرفعة ، وأن الله عند هذا في الأعلى من الأماكن دون الأسفل ، وهذا كلّه من الوصف له بذلك راجع إلى معنى الوصف بالجسم. وقد بينّا سابقا فساد الوصف بذلك في غير موضع من هذا.وهو معنى= = قول صاحب الكتاب أن الله لا يشبهه أحدا في معنى العظم والكبر لأن العظيم والكبير من الخلق إنما ذلك لعظم الأجزاء أو كبيرها ، أو لأفعال فعلها فسمي بها عظيما . فلولا تلك الأفعال لما قيل له عظيم،ولا كبير، ولا عزيز ، ولا عليّ ، لأنه قبل ما لم يفعل تلك الأفعال فهو غير عظيم ، ولا كبير ، ولا عزيز، ولا جليل ..ومعنى قول صاحب الكتاب :لا واحد مثله ، يريد لا أحد مثله. فان معنى الواحد والأحد سواء ، والأحد أقوى في العبارة من الواحد . ومعنى لا واحد أعظم من الله يريد أن عظمته - عز وجل - ليست في معنى عظمة الخلق في شيء ، لأن عظمته كما قدمنا، إنما هي عظمة عن صفات المخلوقين ، وليس لأحد من الخلق يعظم ويكبر من صفاته ، بل الخلق كلّه مشترك في معنى الصغر والمذلّة ، وان قيل لبعضه كبير وعظيم ، فإنما ذلك لكبر الأجزاء وعظمها ، أو لفعل يفعله ، فكان به عن غيره عظيما. وربما كان غير هذا من الخلق أعظم منه ، ويكون غير ذلك الأجزاء أعظم من ذلك . فعظمة الخلق على كل حال متناهية ، وكل متناه مقصّر عما لم تبلغه نهايته ، وهكذا القول في جميع صفات الخلق أنّ بعضها فوق بعض إلى النهاية التي لا فوقها من الخلق شيء . فدلّ ذلك من الخلق على معنى التقصير والعجز ومنه قوله - عز وجل - : ((وفوق كل ذي علم عليم)) (يوسف: 76) فجعل نهاية علم كل عليم من الخلق العليم الذي فوقه،ونهاية ذلك الآخر هو من فوقه حتى= =يصير ذلك من الخلق إلى النهاية التي لا فوقها من الخلق نهاية. والله - عز وجل - ليس لعظمته ولا لكبريائه ، ولا لشيء من صفاته،من علم وقدرة وعزة، نهاية يتناهى إليها. فلمثل هذا قال صاحب الكتاب : أنه أعظم من كل شيء وأكبر منه . (1/85)
صفحة 86
مسألة
فإن قيل لك : أتصف الله بحركة وسكون ؟
فقل : لا يُوصف الله بالحركة والسّكون (1) لأنّ الحركةَ تَعَبٌ ومؤونَةٌ ولا يكون ذلك إلاّ من محدود له نهاية وعرْضٌ وطولُ وذلك من علامات الخلق وليس الله كذلك (2) .
مسألة
فإن قيل لك : أخبرني عن الله هل يتكلّم ؟
فقل : نعم، بأصدق الكلام وأبرّه، والقرآن كلامه، وكلّم الله موسى تكليما (3) .
__________
(1) - في المتن : بحركة ولا سكون.
(2) - لأن الحركة والسكون لا يوصف بهما إلاّ الجسم ، والجسم لا يكون إلاّ محدودا ذا نهاية وطول وعرض والله تعالى عن ذلك . وكيف يكون الله - عز وجل - أن يوصف بالحركة والسكون ، والحركة والسكون لا ينفك الجسم منهما ولا يوصف بهما غيره ، وهما محدثان كائنان بعد ما لم يكونا يتعاوران على الجسم ، حركة ثم سكون ثم حركة ثم سكون ، وهما محدثان والجسم لم يسبقهما ولم يتقدّمهما. وما لم يسبق المحدث فهو محدث مثله . فبطل بهذه العلّة ولمثلها أن يوصف القديم - عز وجل - بحركة ولا سكون. وليس يخلو الواصف لله - عز وجل - بحركة وسكون أن تكون الحركة والسكون عنده دالتين على حدوث الموصوف بهما أو تكون الحركة والسكون غير دالّتين على حدوث الجسم الموصوف بهما فيكون القديم عنده محدثا ويكون المحدث قديما ، فكلاهما فاسدان وفسد لفسادهما أن يوصف القديم بحركة ولا بسكون .وأيضا إن الحركة والسكون عرضان محدثان يحلان في الجسم . ومعاذ الله أن يكون محلاّ للحوادث ، يتعالى عن ذلك.وأيضا= =الذي يفعل بالحركة والسكون ، فعله بعلاج ومعانات ومؤونة وتعب ، كما قال صاحب الكتاب .
(3) - قيل: إن معنى يتكلّم من معنى الأفعال ، وزنه على غير معنى كلّم. ومعنى كلّم يوجب الغير ، ( كلّمه غيره) وليس يتكلّم كذلك = =وقد زعم قوم من أهل الكلام أنّ يتكلّم لا يجوز على الله - عز وجل - وجوازه أحبّ إليّ وهو في الّلغة الفصيحة . ومنه قول الشاعر :
أعياك رسم الدار لم يتكلّم حتى تكلّم كالأصمّ الأعجم .
فأما كلّم فمعناه : كلّم غيره كما قال تعالى : (( وكلّم الله موسى تكليما )) (النساء 174 ) ومتكلّم معناه ليس بأخرس. ويقال كلّم الله أنبياءه ورسله ، ولا يقال : كلّم عباده . ويقال قال الله لأنبيائه ولرسله ، وقال لعباده ، ولا يقال : قالوا له، ولا كلّموه ولا أخبروا له . وإنما يقال : سألوه ودعوه . وقوله - عز وجل - (( وكلم الله موسى تكليما )) فيها التوكيد بقوله : تكليما، وهذا التأكيد عند العلماء يوجب الكلام من غير واسطة ، ولا رسول، ولا وحي ، إلاّ أن يسمع الكلام لا من لسان أحد ، وهو معنى قوله تكليما عندهم والله أعلم .ومعنى قول صاحب الكتاب : إن الله يتكلم بأصدق الكلام وأبرّه ، يريد أن كلامه - عز وجل - صدق وبرّ ، والبرّ من الأشياء كلّ شيء حسن . وأما قوله : والقرآن كلامه ،يريد أن القرآن من كلام الله - عز وجل - وكذلك سائر الكتب المنزّلة من عند الله - عز وجل - هي كلامه . والمعنى في ذلك أنه لم يسبقه - عز وجل - إلى ذلك الكلام أحد ، بل هو الذي أنشأه من عنده ، ولم يحكه عن أحد . فانه يقال : قصيدة امرىء القيس وخطب قسّ بن ساعدة ، ومواعظ عيسى ، وحكمة لقمان.والمعنى في ذلك كله أنه من عندهم ابتداء لم يسبقهم إلى مثله= = من الكلام أحد ، ولذلك ينسب إليهم كما رأيت . والكلام عند الاباضية وأهل النظر منهم ، هو من حيث ما دار من كلام الله سبحانه، ومن كلام البشر هو عرض من الأعراض . (1/86)
صفحة 87
مسألة
فإن قيل لك : ما معنى قول الله عزّ وجلّ : { على العرش استوى } (1) .
فقل : استوى عليه بالحفظ والقدرة كما قال : { قائمٌ على كلّ نفسِ بما كَسَبَتْ } (2) وقوله : { ما من دابّة إلاّ هو آخذٌ بِنَاصِيتها } (3) ومثل قوله : { ثمّ استوى إلى السّماء/[27] فسوّاهنّ سبع سماوات } (4) . وقد سأل موسى ربّه على وجه الأعذار لأنّهم قالوا : لو سألتَ ربّك أن يريك إياهُ لَفَعَلَ. فهذا على وجه الأعذار لهم، وهو يَعْلَمُ أنّهُ لا يَرَاهُ فَصَنَعَ [الله] (5) به ما اقتصّ [على] (6) محمّد في كتابه.فلمّا أفاق قال : { سُبحانك تُبتُ إليك وأنا أوّل المؤمنين } (7) ، فإنّك لا تُرى في الدّنيا ولا في الآخرة [لا] (8) على ما ظنّ الجاهلون (9) .
__________
(1) - سورة طه : 5.
(2) - سورة الرعد : 33.
(3) - سورة هود : سورة طه : 5.
- سورة الرعد : 33.
- سورة هود : 56.
(4) - سورة البقرة : 29.
(5) -+ من الشرح، ص369.
(6) -+ من الشرح، ص369.
(7) - سورة الأعراف : 143.
(8) - + من الشرح، ص 369/370.
(9) - اعلم أن المشبهة تتعلق في آية الاستواء في ثلاثة معان : ما تأويل الاستواء ؟ وما تأويل (على) ؟ وما تأويل العرش ؟ فأما على في لغة العرب فقد تتصرّف على معان كثيرة : يقولون : علا فلان الجبل ، وعلا البيت. فعلا على الاستعلاء والفوق وهو الذي تذهب إليه= =المشبهة في تأويل قوله تعالى : ( على العرش استوى) وتريده . ويقولون : علا فلان على بني فلان ، بمعنى قهرهم . قال الله - عز وجل - (( إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا )) (القصص:4) بمعنى غلب أهلها . وقال المشركون يوم أحد : علا هبل (اسم صنم) وقال المسلمون: الله أعلا وأجل . ويقولون : مررت على بني فلان، ليس على أنه وطئهم ومشى عليهم . قال الله - عز وجل - (( أو كالذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها )) (البقرة:259). يريد أنه مرّ من جانبها ولم يرد أنه مرّ من فوق القرية ، قال الشاعر :
مررنا على قيسية عامرية لها بشر صافي الأديم هجان .
وقال آخر :
علوناهم بالسبّ حتى تركناهم حجارة واد لا تمرّ ولا تجلو
يعني أفحمناهم بالسبّ فسكتوا ، وربما جاء ت على معنى أنه جاءه من فوقه.قال الشاعر:
علاه بالعمود أخو بجير فأوهى الرأس منه والجبينا .
وقف تخرج على معنى الإغراء كقوله تعالى (( عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ))(المائدة:105) وقد يقول الرجل عليّ نذر وعليّ دين . فإذا كانت على تتصرف بهذه المعاني التي ذكرنا والتي لم نذكر ، فلم حملت المشبّهة قول الله - عز وجل - (( على العرش استوى)) على الالتزاق والفوق ، دون ما ذكرنا وعددنا ، فالتأويل في قوله - عز وجل - = =(( على العرش استوى)) أي يعلو العرش بالغلبة والسلطان ، وأن العرش في تدبيره وتقديره لا يمتنع منه على ما أراد - عز وجل - . ويقال : إن فلانا على بني فلان ، يريدون أنه يلي أمرهم ويدبّره ، وهو أكثر من أن يستشهد عليه . وأما العرش فان المتكلمين اختلفوا فيه ، فقال منهم قوم : إن ذكر الله للعرش على المثل والبديع لا على أن العرش جسم من الأجسام. وزعموا أنه على مثل قولهم : قد ثلّ عرش بني فلان ، وشالت نعامتهم ، يريدون بذلك هلاك أمرهم . وهؤلاء من المتكلمين فرّوا من شيء ليس ينقض عليهم من كلامهم ذلك الذي منه فرّوا شيئا. وليس في كون الشيء جسما من الأجسام ما يوجب الجلسة عليه ، كما قد يقال : بيت الله لا على معنى أنه سكنه ، ومساجد الله لا على أنه يصلي فيها. وسماؤه وأرضه وبحاره ، لا على أنه سكن شيئا من ذلك ، وكذلك عرشه ، ولو كان جسما من الأجسام فليس في ذلك ما يوجب الجلسة عليه كما قالت المشبهة ، زعموا ألاّ فرق بين قوله (( ورفع أبويه على العرش ))، وبين قوله (( استوى على العرش )) ويقال للمشبهة : ما معنى قول الله - عز وجل - (( ثم استوى إلى السماء وهي دخان ))(فصلت:11) كيف تتوهمون الاستواء على الدخان ، إذا كان الاستواء عندكم لا يعقل إلاّ على الجلسة تعالى الله عن ذلك . ويقال : إن الله استوى على العرش لا على ما يعقل ولا على المعقول ، ومن قال : انه استوى على العرش= = على ما يعقل أو على المعقول فهو كافر مشرك . أما قول صاحب الكتاب عند ذكره قصّة موسى ومسألة ربّه على وجه الأعذار إلى قومه لأنهم قالوا له : لو سألت ربك أن يريك إياه لفعل ، فهذا على وجه الأعذار لهم وهو يعلم أنه لا يراه ، وصنع الله به ما اقتصّ على محمد - صلى الله عليه وسلم - (( فلما أفاق ، قال : سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ))(الأعراف:143) بأنك لا ترى لا على ما ظنّ الجاهلون من أهل التشبيه ، لأنهم حملوا مسألة موسى ربه على رؤية الأبصار فجهلوا صفة ربهم وجعلوا مراد وليّ الله ورسوله موسى عليه السلام في الذي سأل. فهم بذلك أجهل الجاهلين .فان قال قائل : فان كان موسى عندكم غير مسيء ولا مجاوز، فمن ماذا تاب ؟ ومن ماذا أخذته الصاعقة ؟ قيل: فان أهل التفسير قالوا: إن ذلك لتقدمه بين يدي الله بالمسألة قبل أن يؤذن له في ذلك . فان زعموا أن الصاعقة والتوبة إنما كانتا من أجل طلبه الرؤية ؟ قيل لهم: فان الصاعقة لا تصيب أحدا إلاّ على أمر لا يجوز له ولا يحلّ . وكذلك التوبة لا تكون من صاحبها إلاّ على أمر غير جائز له. فهذا أجمع داخل عليكم لأنكم جوّزتم المسألة للرؤية وزعمتم أن ذلك لموسى جائز سائغ . (1/87)
صفحة 88
مسألة
فإن قيل لك : أخبرني عن قول الله تعالى : { وما كان لبشر أن يكلّمه الله إلاّ وَحْيًا أو من وراء حجابٍ } (1) .
قال : فما وجه ذلك ؟
قلنا (2) : إنّ الله تبارك وتعالى احتجب عن خلقه بنفس الخلق لا بحجاب ثالث يكون بينه وبين الخلق، كما حَجَبَ الأبصَارَ عن درك الأصواتِ، والمُماسّةِ، والطّعْمِ والرّوائح، وكما حَجَبَ السّمع عن درك الرّوائح والألوان (3) .
__________
(1) - سورة الشورى : 51.
(2) - في المتن : قلت.
(3) - وهذا نظير لقوله تعالى(( كلاّ إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)) ( المطفّفين:15) أي عن رحمته وفضله وجنّته، وليس هذا بحجاب ساتر يكون بينه وبين الخلق كما زعم أهل التشبيه ممّن يزعم أنه كذا وكذا ، حجابا من نور ، وكذا وكذا حجابا من ظلمة، وكذا وكذا من غمام ، كما يحتجب ملوك الدنيا في قصورهم ، تعالى الله عما= = يقولون . والحجاب في لغة العرب هو المنع ، فكل ممنوع فهو محجوب ، ومن ذلك الحجب في الميراث. ويريد صاحب الكتاب بتفسيره الحجاب وتمثيله ذلك بحجب الحواس بعضهن عما يدرك بعض، أن الله - عز وجل - يدرك الأبصار ، والأبصار ليست تكون تدرك الله - عز وجل - . كما قال (( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللّطيف الخبير )) (الأنعام:103).فلما كان من صفته - عز وجل - ما ذكرنا، وكان من صفات الأبصار ما ذكرنا ووصفناها به ،كان ذلك بمنزلة الحجاب،لأن الأبصار محجوبة عن درك الأصوات ، والأسماع محجوبة عن درك الألوان ، وكل الحواس كذلك . أما قوله - عز وجل - (( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلاّ وحيا )) ( الشورى:51) . فقد قيل : إنهم الأنبياء الذين يوحى إليهم . وقوله ( أو من وراء حجاب ) يقال: موسى عليه السلام , لأنّ الله كلّمه بلا واسطة ولا سفير، إلاّ أن الله كلم موسى وهو عن الرؤية محجوب ، بمعنى أن الله غير موصوف بأن يورى ، ولا يجوز عليه ذلك ، فقال : حجاب كما ترى . وأما قوله - عز وجل - (( أو يرسل رسولا))( الشورى:51) ..قد قيل : انه جبريل عليه السلام أرسله إلى محمد عليه السلام فكلّمه عن الله - عز وجل - فسمي كلام الملك ، كلام الله - عز وجل - لأن الكلام من عند الله جاء . فكلام الله لخلقه إنما هو بأحد هذه الوجوه الثلاثة : إما بالوحي منه إلى الأنبياء عليهم السلام أو بالمخاطبة لموسى بغير واسطة، أو برسول= = من الملائكة ، وهو جبريل إلى محمد عليه السلام والى غيره من الرسل - صلى الله عليه وسلم - وعليهم أجمعين . وقد يكون أن يكون إنما خصّ الله موسى تكليما أن كلامه لموسى عليه السلام لا بوحي منه ولا برسول أرسله إليه إلاّ بمخاطبة يسمعها موسى فقط . والله أعلم بهذا كله وبمعناه .وقد يكون والله أعلم أن يكون الله - عز وجل - أراد بقوله(( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلاّ وحيا )) الآية(الشورى:51) . أنه - عز وجل - ليس من صفته أن يجاهر أحدا من خلقه ويكلّمه مجاهرة ، لأنه ليس بجسم ولا صورة عزّ عن ذلك، ردّا على المشركين لمّا قالوا (( لولا يكلمنا الله )) فردّ عليهم فقال (( وما كان لبشر أن يكلّمه الله إلاّ وحيا )) الآية(السابقة) . وكذلك قولهم (( أو نرى ربنا)) فردّ عليهم - عز وجل - حين جهلوا صفة ربهم ، وهذا كله حجّة على أهل التشبيه ، ونقض للذي ادّعوا من ذلك . (1/88)
صفحة 89
مسألة
فإن قيل لك : ما معنى قول الله عزّ وجلّ: { إنّ اللهَ يُمْسِكُ السّماوَاتِ والأرض أنْ تَزُولاَ } (1) فهل لهما من مزال يزولان إليه وفيه ؟
الجواب في ذلك أنّ الله أعلم بحقيقة (2) التّفسير. وأمّا زوالهما فهو إبطالهما، فالله مُمْسِكٌ لهما أن يُبْطِلاَ. وكذلك الخلق كلّه أسفله وأعلاه، وجوانبه وصغيره وكبيره ، فالله مُمْسِكٌ لَهُ (3) .
مسألة
فإن قال : الله نورٌ ؟
[
__________
(1) - سورة فاطر : 41.
(2) - في المتن : بتحقيق. وأصلحنا من الشرح، ص 381.
(3) - ومعناه والله أعلم ، أن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ، أي أنه مبقيهما أن يفنيا لا على أنه تزول من مكان إلى مكان ، وتنتقل من موضع إلى موضع . وكل باق من الخلق فالله مبقيه، وكذلك كل فان فالله مفنيه ، وأما أبقى من ذلك فلا أحد يقدر أن يفنيه . وكذلك كل ما أفنى الله - عز وجل - من خلقه فليس أحد قادر على أن يبقيه . ولو أفنى الله السماوات والأرض وأبطلهما ، لم يقدر أحد غيره على اردادهما ، لا مناقض له في تدبيره ولا معقّب له في حكمه، ومثل ذلك قول إبراهيم الخليل عليه السلام للذي كفر وحاجّه في ربّه فقال إبراهيم عليه السلام (( فانّ الله يأتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب )) ( البقرة:258) فبهت الذي كفر وانقطعت محاجّته عن إبراهيم عليه السلام. قال - عز وجل - (( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين )) ( الأنعام:75) والنظر في الملكوت هو الاستدلال بالصنعة على الصانع وقد أوتي= =إبراهيم عليه السلام من ذلك أمرا عظيما . قال الله - عز وجل - ((وتلك حجّتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء )) الآية 83 من سورة الأنعام . (1/89)
صفحة 90
فقل:هو] (1) كما قال : { الله نور السّماوات والأرض } (2) وقال : وهو نور تبارك وتعالى. كما قال بالهداية لأهلها والتّبصرة لهم لما فيه من منافعهم في دينهم ومعايشِهِم واجتنابِ مضارّهِم في معادِهِم. لا كما قال الجاهلون.
فإن قيل لك : أخبرني عن الجنّة والنّار هل الله ثَمّ ؟
قيل لهم : قد فرغنا من هذا الجواب، أنّ الله تبارك وتعالى صانع لكلّ مكان من ذلك، ممسك [له] (3) شاهد له، قادِرٌ عليه، مالِكٌ له. ولا يكون في موضعٍ/[28] من المواضع في الدّنيا ولا في الآخرة مثل ما يكون الشّيء في الشّيء (4) .
مسألة
فإن قال : أخبرني عن قول الله [ - عز وجل - ] (5) : { إليه يصعد الكلم الطّيّبُ والعملُ الصّالِحُ يَرْفَعُه } (6) . وقوله : { يا عيسى إنّي متوفّيك ورافعك إليّ } (7) . وقوله: { تعرج الملائكة والرّوح إليه } (8) .
__________
(1) -+ من الشرح، ص383.
(2) - سورة النور : 35.
(3) -+ من الشرح، ص383.
(4) - قد بينّا فيما سبق أن لا يجوز على الله - عز وجل - أن يقال : انه في موضع كذا ولا في موضع كذا من الدنيا والآخرة ، ولا من الجنة والنار ، ما خلا القول بأن الله في السماوات وفي الأرض إتّباعا لقوله - عز وجل - ((وهو الله في السماوات وفي الأرض )) (الأنعام:11) وقوله (( وهو الذي في السماء اله وفي الأرض اله ))(الزخرف:84) . وما سوى ذلك من الأماكن والخلق إنما يقال : انه في كل مكان . ولا نقصد إلى مكان من ذلك دون مكان ، ولا إلى شيء من الأشياء. فيقال انه فيه، لأن ذلك يوهم التحديد له - عز وجل - عن ذلك ، ومع ذلك أنه لا ينفي عن مكان من الأماكن ولا عن شيء من الأشياء فيقال : انه ليس هو فيه . وقد أوضحنا ذلك قبل هذا .
(5) -+ من الشرح، ص385.
(6) - سورة فاطر : 10.
(7) - سورة آل عمران : 55.
(8) - سورة المعارج : 04. (1/90)
صفحة 91
فالجواب : في ذلك أنّ كلّ الأمور تصير إليه حسنها وقبيحها، يجازي بهما ويعفُوَ عمّن يشاء من ذلك، والأمور كلّها تصير إليه، ومنه تجيء إلى خلقه. وليس ذلك على ما ظنّ الجاهلون (1) .
مسألة
فإن قال : أخبرني عن قوله [عزّ وجلّ] (2) : { هو الأوّل والآخر، والظّاهر والباطن [وهو بكلّّ شيء عليم] } (3) .
__________
(1) - يقصد صاحب الكتاب بالجاهلين، المشبهة الذين يتوهمون أن إلههم في السماء دون الأرض يتعلقون بهذه الآي التي تلاها صاحب= الكتاب وأمثالها من القرآن ومن الحديث.وذلك أن الله - عز وجل - جعل السماء مسكنا للملائكة ومهبطا لوحيه وموضع تدبير أمره ، ولذلك يقول الله - عز وجل - (( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه))(فاطر:10) ولعيسى (( إني متوفيك ورافعك إليّ )) (آل عمران:55) ليس على أنه - عز وجل - في السماء دون الأرض . وقد قال (( وهو الله في السماوات وفي الأرض))(الأنعام:3) .(( وهو معكم أينما كنتم)) (الحديد:4). في أمثالها كثير من الآي التي تلوناها في هذا الشرح .وقال بعض المفسرين : إن العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب ، والكلم الطيب عندهم هو التوحيد، ولا يقبل إلاّ بالعمل الصالح ، فعلى هذا المعنى إن رفوعه لذلك هو قبوله ، والله أعلم .وقوله (( تعرج الملائكة والروح إليه)) ( المعارج:4) أن التدبير من الله - عز وجل - للأمور هو في السماء ، ولذلك قال : إليه ، وهو معنى= =قول صاحب الكتاب ، فان الأمور كلها تصير إليه ومنه تجيء إلى خلقه .
(2) -+ من الشرح، ص386.
(3) - سورة الحديد : 03. (1/91)
صفحة 92
فقل : هو الله تبارك وتعالى، الأوّل [الذي] (1) لم يكن معه شيء قديم، والآخر الذي ليس لآخِرِيَتِهِ آخِرٌ، إليه ينتهي، ولا نظير له في أوليته إذ لم يخلق شيئا. وهو الواحد الأوّل فلا أوّل غيره قبل أن يخلق الخلق، ولا واحد من الخلق قبل أن يخلقَ الخَلْقَ مثله في معنى الوحدانيّة. والآخر الذي لا شبيه له في أوّليته ولا في آخرَيِتِهِ، الظّاهِرُ لِخَلْقِهِ بالدّلائل التي عُرفَ بها الخلق في كبير الخلق وصغيره أنّه الصّانع له الباطنُ الذي لا يُدركه خَلْقُهُ بما يدرك به بعضُهُم بعضًا بشيء من حواسّهم (2) .
مسألة
فإن قيل لك : أخبرني عن الله أشيءٌ هو عندك أم ليس بشيء ؟
__________
(1) -+ من الشرح، ص386.
(2) - يريد صاحب الكتاب بقوله : (فلا أول غيره قبل أن يخلق الخلق ) أنه ليس أحد من الخلق . وان قيل : انه الأول لا يكون أن يكون أولا لجميع الخلق مثله قديما لا يحدث فيكون مساويا لله - عز وجل - في معنى القدم يتعالى الله عن ذلك . ويقال الله هو الأول ، ولا يقال : ذلك لأحد من الخلق إلاّ بصلة، أي هو أوّل قومه وأوّل إخوته، ومثل ذلك من الصلات .ومعنى قوله: ( انه ليس لآخريته آخر إليه ينتهي ) أي أنه - عز وجل - باق ليس لبقائه نهاية ،ولا يجري عليه الفناء لأنه يستحيل الفناء فيما يستحيل فيه الحدوث . والظاهر أي أن الدلائل عليه - عز وجل - ظاهرة . فقيل ظاهر لظهور الدليل عليه كما قال صاحب الكتاب . والباطن أي أنه - عز وجل - بطن عن درك الحواس ومشاهدة الخلق ، فقيل : ظاهر على معنى ، وباطن على معنى ، وهذا النوع من الوصف لله - عز وجل - ممّا يوهم السامع ممّا لا علم له بأنه وصف متضادد ، وليس فيه من تضادد ولا اختلاف وليس بشيء منه بمانع لغيره من الوصف . والأول هو القديم ، والآخر هو الباقي ، والظاهر هو الذي يعلم ولا يخفى ، والباطن هو الذي يعلم ولا يشاهد ولا يجاهر ، يتعالى عن مماثلة البريئة سبحانه . (1/92)
صفحة 93
فقل : نعم، هو أعظم الأشياء وأفْضَلِهَا. وليس يشبهه شيء في الشّبهة وَلاَ في التّسْمِيَةِ، ولكنّ التّشبيه في معاني الأشياءِ، والله لا يشبِهُهُ شيء في معنًى من المعاني (1) .
مسألة
__________
(1) - قد غلط أهل التشبيه والجهمية في الشيئيّة ومعناها في اللغة العربية غلطا بيّنا لأن شيئا عند أهل اللغة إخبار عن كل شيء كائن متكوّن . كما أن العدم عندهم ما ليس بكائن متكوّن ، وقد يقول الرجل لصاحبه : ما كلامك بشيء ، يريد أنه كلام فاسد محال. وذلك أنهم جميعا عمدوا إلى علتين مختلفتين مفترقتين متباينتين ، فجعلوهما علّة واحدة في قولهم : إن الشيئيّة هي الجسميّة ، والجسمية هي الشيئية ، فغلطوا كما ترون ، ولو أنهم فرّقوا بين شيء وجسم كما فرّقت اللغة العربية بينهما،لأن شيئا في لغتهم هو كل موهوم مخبر عنه موصوف يكون من الأشياء ما كان بعد أن لا يكون عدما معدوما . وقد ينظر الرجل في البعد فيقول لصاحبه:رأيت شيئا، فيقول له صاحبه: ما ذالك الشيء = =فيقول : امرأة ، فكيف ترى أنهم سمّوا المرأة شيئا ، فأما الجسم فهو جنس من أجناس الشيء ، وهو كل متحيّز منقسم مؤتلف الأجزاء ، ذو قدر من الأقدار وهيئة من الهيئات مسدّس منصف مصرف محتمل للزيادة والنقصان ، فشيء أعم من جسم ، وجسم أخص منه لأن كل جسم شيء وليس كل شيء جسما. يقول تعالى (( لقد جئتم شيئا ادّا )) (مريم:89) يعني قولهم وفعلهم وهو ليس بجسم . وقول صاحب الكتاب( أن التشبيه في أعيان الأشياء) أي أن المشبّه لا يكون مشبها حتى يوافق ما بين الأعيان كجسم وجسم ، وصورة وصورة ، هكذا يكون التشبيه. ويقال: الله شيء أفضل الأشياء وأحسنها . ولا يقال : شيء من الأشياء ولا لا من الأشياء ، إلاّ أن تصل فتقول : لا من الأشياء المحدثات ، وكذلك الجواب في حيّ وعالم ، وسائر ذلك مثل ما مضى . (1/93)
صفحة 94
فإن قيل[لك] (1) .أخبرني عن الله أهو في الدّنيا، وأين كان قبل أن يخلق الأشياء، وفيما يكونُ إذا فَنِيتِ الأشياءُ ؟
فقل : إنّ الله تبارك وتعالى كان ولا شيء معه ولا أين ولا مكان، ثمّ خَلَقَ الأيْنَ والمكانَ والأشياءَ كلّها، فكان فيها إلاهًا مدبِّرًا عَاِلمًا (2) . معبودًا شاهِدًا ولم يكن/[29] تبارك وتعالى مثل كينونة بعضٍ الأشياء في بعض، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا (3) .
مسألة
فإن قيل : أخبرني عن الله هل يَعْلَمُ نَفْسه ويُبْصِرُهَا ويسمعُهَا ؟
__________
(1) -+ من الشرح، ص395.
(2) -+ من الشرح، ص395.
(3) - قد سأل هذا السائل في هذا الكتاب عن هذه المسألة مرارا، فأجابه صاحب الكتاب في كل مسألة منهن، وأخبر أن معنى كونه - عز وجل - في الأشياء وجوده في الخلق على معنى المشاهدة للخلق والحفظ له والتدبير فيه ، والزيادة والنقصان منه . واستشهد على ذلك من الكتاب ومن الحديث ومن الآثار بالذي يغني عن تكراره هنا . وأما سؤاله عن الله قبل أن يخلق الخلق ، فسؤال متناقض ، أوله ينقض آخره، وآخره ينقض أوله، لأن الأين سؤال عن مكان ، والمكان خلق . ثم قال : قبل أن يخلق الخلق ، فنفى ما أثبت وأثبت ما نفى ، وكذلك سؤاله : عن أين يكون إذا هو أفناها ، مثل الأول في التناقض والاستحالة والبطلان سواء ، ولا يجوز على الله - عز وجل - سبحانه أين كان ولا أين يكون ولا فيم يكون ، فكل ذلك يوهم الحدوث والكون بعدما لم يكن ، ويوهم الفناء والزوال بعدما قد كان ، يتعالى ربنا عن ذلك علوا كبيرا . (1/94)
صفحة 95
فقل : إنّ معنى ذلك كلّه العلم، وهو تبارك وتعالى عالِمٌ بنفسه ودلّنا على صِفاتِه، وإنّما أصاب الخلْق كلّه المعرفة به من قبله [والحمد لله ربّ العالمين] (1) .
__________
(1) -+ من الشرح، ص397. فأما سؤاله : هل يقال : الله يسمع نفسه ويبصرها؟ فقد أجاب صاحب الكتاب بأنّ المعنى في ذلك على معنى العلم. وقد قال بعض المتكلمين: بأنّ يسمع، لا يجوز إلاّ على الأصوات ، وكذلك يبصر عندهم ،لا يجوز إلاّ على الألوان والذي نقول هو أن معنى يسمع في صفة الله - عز وجل - معناه معنى يعلم، وكذلك يبصر في صفته - عز وجل - على معنى العلم. فعلى هذا الجواب أنه قد يقال له - عز وجل - : يسمع كلّ شيء ويبصر كل شيء ، وليس كذلك في صفته - عز وجل - مثل ما هو في صفة غيره من المخلوقين لأن السميع من الخلق،إنما هو للأصوات خاصّة فقط . وكذلك البصير في صفة الخلق للألوان دون سائر الأشياء .قال الله - عز وجل - (( بصير بما تعملون )) (الحجرات:49) والأعمال ليست بألوان . وأما قوله: ( وإنما أصاب الخلق كلّه المعرفة به من قبله) يريد بذلك أن الله - عز وجل - أرسل رسله، وأنزل كتبه، ودلّهم على صفته ، ونبّههم إلى معرفته، ودعاهم إلى عبادته، فهو معنى قول صاحب الكتاب : إنما أصاب الخلق كلّه المعرفة به من قبله، أي بإرساله تعالى الرّسل إلى خلقه لإرشادهم وقطع الحجّة عليهم في الآخرة . أما المعتزلة ومن قال بقولهم من أهل الفكر أن المعرفة لله - عز وجل - بالفكر ومشاهدة الخلق ، وليس المعرفة بالله - عز وجل - عندهم من قبل الرسل ولا من قبل الكتاب . وقال المسلمون ومن وافقهم: إن المعرفة بالله - عز وجل - والحجّة في ذلك بالرسل والكتب، لأنهم جميعا على اختلافهم مجمعون على أن الله - عز وجل - دعا عباده إلى طاعته بغاية الاستدعاء ، وبيّن لهم بغاية البيان..وأيّ بيان أبين من الرّسل وهم سفراء فيما بينه وبين خلقه ، ولا يكون - عز وجل - أن يدع الأمر ، هو أدعى إلى معرفته وأرشد إلى عبادته وطاعته فيدعه غلى غير ذلك من الذي قال به أهل الفكر من المعتزلة . قال تعالى :(( وما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولا )) (الإسراء:15) وقال : (( ولو أناّ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا )) (طه:134) الآية ..الخ . (1/95)
صفحة 96
[ باب في الدّلائل ] (1) .
فإن قال قائل : هل يوصف الله بأنّه حيّ ؟
فقل : نعم.
فإن قال : ما معنى حيّ ؟
فقل : ليسِ بميّت.
فإن قال : ما الدّليل على أنّه لم يَزَلْ حيّا ؟
فقل وجوده قبل خَلْقَهِ وابتدائهم دلّ على أنّه لم يزل حيّا لأنّه لا يُحْدِثُ الميّتُ شيئًا ولا يُحْدِثُ نَفْسَهُ (2) .
فإن قال : الله عالم ؟
فقل : نعم.
فإن قال : ما معنى عالم ؟
فقل : ليس بجاهل.
فإن قال : ما الدّليل على أنّه عالم ؟
__________
(1) - قال أبو عمار في شرحه لهذا الباب : « إن هذا الباب ليس من الجهالات الأولى وإنّما زيد في كتاب الجهالات، ولا أعلم من زاده فيها، وقد ذكر من غير واحد من المشائخ وليس عندي في ذلك صحّة صحيحة » ص404.
(2) - معنى صاحب الكتاب في صفة الله - عز وجل - أنّه حيّ أي أنّه ليس بميت ، ولم يمت قط ، ولا يموت ولا يجري عليه أن يموت. وكذلك القول في عالم ، أنه ليس بجاهل، ولم يجهل قط ، ولا يجهل ولا يجري عليه أن يجهل. والقول في كلّ صفة من صفاته - عز وجل - كالقول في الحياة والعلم ، فمهما سمع سامع بأنّ الله حيّ أو عالم أو قادر أو كبير أو عظيم ، في جميع ذلك،ولم يعتقد ما قلنا من أنه لم يزل كذلك وأنه لا يزال كذلك ، كان جاهلا بصفات ربّه - عز وجل - معتقدا بأنّه على صفة الخلق.لأنّ الخلق إذا وصف بصفة من تلك الصفات كأن لا يكون لم يزل بتلك الصفة ولا يكون بأن يكون لا يزال عليهما ولا يزول، لأن جميع صفات المحدث المخلوق محدثة إليه كائنة بعدما لم تكن، وزائلة بعدما كانت.وهذا الفرق بين صفات الله وصفات المخلوقين. ولا يصحّ أن يكون الخالق مخلوقا، بل هو سبحانه موجود قبل الخلق ، ولا يصحّ أن يكون الفاعل إلاّ حياّ ، عالما قادرا وسميعا وبصيرا في جميع ذلك مثلما بينّا قبل هذا . (1/96)
صفحة 97
فقل : ما وُجِدَ من هذا الفِعْلِ دلّ على أنّ الذي فَعَلَهُ لم يفعله إلاّ وهو عالمٌ به لِمَا وُجِدَ من اختلافِهِ وائتلافِهِ واجتماعه وافتراقِهِ. فلا يَخْلِقُه (1) ويجمعه ويفرّقه إلاّ من يجمعه، ويعلم أنّ المفترق منه أصلح على الافتراق ممّا هو على الاجتماع، والمتّفق كذلك والمختلف.
فإن قال : ما الدّليل على أنّه لم يزل عالما ؟
__________
(1) - في المتن : فلا يعرفه. (1/97)
صفحة 98
قيل له: لا يعدو من أن يكون عالما بنفسه أو بمعنى غيره. فإن كان بمعنى غيره كان عالما فلا يعدو ذلك المعنى من أن يكون قديمًا مَعَهُ أو مُحْدِثًا أحْدَثَهُ، فإن كان قديما معه فَهْوَ أولى بالألوهيّة [منه] (1) لوجوده بالحاجة إليه. فإن (2) كان محدثا أحْدَثَهُ فلا يعدو ذلك المعنى من أن يكون أحْدَثَهُ وهو يَعْلَمُه أو لا يْعلَمُهُ، فإن كان لا يعلمه فَمَا العلم الذي به عَلِمَ ؟ وإن كان يَعْلَمُهُ فلا بُدَّ من أن يكون مُحْدَثًا أيضًا فيصير ذلك إلى ما لا نِهَايَةَ لَهُ ولا غَايَةَ./[30] فلمّا فَسَدَ هَذَا صحَّ أنّه لم يزل عالِمًا بنفْسِهِ (3) .
__________
(1) -+ من الشرح، ص407.
(2) - في المتن : وإن.
(3) - إنّ جواب صاحب الكتاب في هذه المسألة بأن المعنى في عالم،أي ليس بجاهل . فانّ بعض المتكلمين زعموا أنّ الأشياء والمعاني لا تفسّر بالنفي ولا يعبّر عنها بذلك،لأن تفسير الصفة تكون على ثلاثة أوجه : أحدها هو النفي كما أجاب صاحب الكتاب ، أن معنى حيّ ليس بميّت ، وعالم ليس بجاهل ، وقادر ليس بعاجز . وقال آخرون : إنّ هذا نفي وليس بصفة ، ومعنى عالم عندهم هو المستبين لما علم المدرك للأشياء على ما هي به ، والمريد هو الذي يفعل ويقصد ويختار ، وفيها جواب ثالث . أن العالم هو الذي لا يخفى عليه ما علم ، والقادر هو الذي لا يعجز عن الذي عليه قدر ، وهذا شبيه بالذي يروى عن النبيّ عليه السلام أنّه سألته عائشة رضي الله عنها فقالت: يا رسول الله ما معنى قول الله - عز وجل - : سميع بصير ؟ فقال : النبي - صلى الله عليه وسلم - : السميع الذي لا تخفى عليه الأصوات ، والبصر الذي لا تخفى عليه الألوان . والله أعلم . أما قول صاحب الكتاب : إن الفعل دليل على علم الفاعل لفعله قول سليم صحيح لأن الفاعل لا يكون أن يفعل ما لم يعلم ..ففي وجود هذه الصنعة بما هي به في جميع معانيها، دلاله على علم الصانع لها ، والدليل على أنّه لم يزل عالما، فقد ذكرناه في مسألة الحيّ السابقة . (1/98)
صفحة 99
فإن قال قائل : أتصفُ الله بأنّه قادر ؟
فقل : نعم.
فإن قال: ما معنى قادرٌ؟
فقل : ليس بعاجِزٍ.
فإن قال : ما الدليل على أنّه قادِرٌ؟
فقل : ما وجد من هذه الصنعة دلّ على أن الذي صَنَعَهَا لم يصنعها إلاّ وهو قادر عليها.
فإن قال: فهل تصفه بأنّه قادرٌ في الأزل ؟
فقل : نعم.
فإن قال : ما الدليل على أنّه لم يزل قادِرًا؟
فقل: من قبل أن ذلك لا يعدو من أن يكون إنّما كان قادرا بنفسه أو بمعنى غيره، فإن كان بمعنى غيره فلا يعدو ذلك المعنى من أن يكون قديما معه ومُحدِثًا أحَدَثَهُ، فإن كان قديما معه فهو أولى بالرّبوبية منه لوجوده بالحاجة إليه وإن كان محدثا أحدثه فلا يعدو أن يكون أحْدَثه وهو يقدر عليه أو (1) لا يقدر عليه. فإن كان لا يقدر عليه فلا يقال أنّه أحدثه وهو ليس بقادِرِ عليه. وإن كان أحْدَثه وهو قادرٌ عليه فما القدرة التي قَدَرَ بها عليه! فإن كان بقدرة غيره، كان ذلك إلى ما لا نهاية له ولاَ غايةَ. فلمَّا فسدَ هذا صحّ أنّه لم يزل قادرًا بنفسه (2) .
إن سأل سائلٌ فقال : الله بصيرٌ ؟
فقل : نعم.
فإن قال : ما معنى بصيرٌ ؟
فقل : ليس بأعمى.
فإن قال : ما الدّليل على أنّه بصير ؟
فقل : ما يوجدُ من اختلاف هذه الألوان دلّ على أنّه بصيرٌ (3) .
فإن قال : الله سميع ؟
/[31] فقل : نعم.
فإن قال : ما معنى سميع ؟
فقل : ليس بأصمّ.
__________
(1) - في المتن : و.
(2) - فأمّا الدلالة بأنّ الله - عز وجل - لم يزل بصفاته، فقد ذكرناها قبل هذا في مسألة الحيّ بالذي يغني عن تكراره ، ولا بدّ للفاعل من كونه عالما قادرا مريدا لما فعل .
(3) - قول صاحب الكتاب : إن سأل سائل ، يريد أن السؤال عند المتكلمين ينقسم إلى عدّة وجوه نذكر منها: ما جاء على معنى الاستفهام ومحاججة المسئول ، ومنه على معنى الاستخبار والاستفادة من المسئول . وقد بيّن صاحب الكتاب هذا الموضوع في أوّل كلمة من هذا الكتاب ، فراجعه في مكانه . (1/99)
صفحة 100
فإن قال : ما الدّليل على أنّه سميع ؟
فقل : ما وُجِدَ من اختلاف هذه الأصوات [دلّ على أنّه سميع] (1) .
فإن قال : الله متكلّمٌ ؟
فقل : نعم.
فإن قال : ما معنى متكلّمٌ ؟
فقل : ليس بأخرس.
فإن قال : ما الدّليل على أنّه متكلّم ؟
فقل : لِمَا وَصَلَ إلينا من آياته ونور برهانه دلّ على أنّه متكلّمٌ (2) .
فإن قال : الله قويٌّ ؟
فقل : نعم.
فإن قال : ما معنى قويّ ؟
فقل : ليس بضعيف.
فإن قال : ما الدّليل على أنّه قويّ ؟
فقل ما وُجِدَ من هذه الصّنعة دلّ على أنّ الذي صنعها لم يصنعها إلاّ وهو قويّ (3) .
فإن قال : الله مريد ؟
فقل : نعم.
فإن قال : ما معنى مريد ؟
[فقل : ليس بمستكره.
__________
(1) - ما بين معقوفتين زيادة من الشرح، ص412. والقول في مسألة السميع كالقول في مسألة البصير . إن السميع الذي لا تخفى عليه الأصوات . وجمهور الاباضية يجيزون أنه - عز وجل - سميع للألوان بصير للأصوات ، وهو عندهم سميع لكل شيء وبصير لكل شيء .
(2) - الكلام فعل من فعله - عز وجل - . ولا يكون الكلام صفة ذات على أنه قد ينفى بمتكلم الخرس ، والقرآن كلامه ، وكذلك سائر الكتب المنزّلة من عنده - عز وجل - ، والحجّة في أن ذلك خلق من خلقه وفعل من فعله ، أكثر من أن يستقصى . وقد ذكرنا منها قبل هذا بما يغني عن إعادته هنا .
(3) - القويّ والقادر معنى واحد ، والقوّة والقدرة كذلك ، كما أن العجز والضعف معنى واحد ، ومعنى ذلك كلّه في الله - عز وجل - أي أنّه لا يعجزه شيء من الأشياء ولا أمر من الأمور، بل هو على كلّ شيء قدير وقويّ . فمن لم يعتقد هذا في صفة الله - عز وجل - واعتقد في ذلك معنى الخلق من القوّة في الأجزاء والشّدّة . كان معتقدا بأن ربّه - عز وجل - جسم من الأجسام ، فهو بذلك جاهل بصفة ربّه ، واصف له بصفة خلقه . (1/100)
صفحة 101
فإن قال : ما الدليل على أنّه مريد] (1) ؟
فقل: ما وُجِدَ من هذه الصنعة دلّ على أنّ الذي صنعها لم يصنعها إلاّ وهو مريدٌ لها، ليس بمستكرهٍ عليها (2) .
فإن قال : الله قاهرٌ ؟
فقل : نعم.
فإن قال : ما معنى قاهر ؟
فقل : ليس بمقهور ولا بمغلوب.
فإن قال : ما الدليل على أنّه قاهرٌ ؟
فقل ما وُجِدَ من قهره لخلقه بالموتِ والإحداثِ دلّ على أنّه قاهرٌ، وقاهرٌ من تأويل قادِرِ (3) .
فإن قال : الله غنيّ ؟
فقل : نعم.
فإن قال : ما معنى غنيّ ؟
فقل : ليس بفقير.
فإن قال : ما الدليل على أنّه غنيّ ؟
__________
(1) - ما بين معقوفتين زيادة من الشّرح، ص415. 292 ـ والإرادة عند صاحب الكتاب أصحابه من الاباضية هي صفة ذات،لأنها قد ينفى بها عن الله - عز وجل - الكره ، كما قد ينفى بالعلم الجهل ، وبالقدرة العجز ، ولكلّ آفة من هذه الآفات المنفيات عن الله - عز وجل - لفظ به أزال العباد عن الله ، تلك الآفات ، فنفوا عنه العجز بقولهم : قادر ، والجهل بقولهم عالم ، وكذلك الاستكراه ينفى بأنه مريد والإرادة والمشيئة بمعنى القدرة ،لأن القادر هو الذي إذا شاء أن يكون شيء كان ، وإذا لم يشأ أن يكون لم يكن . كما أن العاجز هو الذي إذا شاء أن يكون شيء لم يكن ، وإذا لم يشأ أن يكون كان ، والله - عز وجل - مريد لكلّ شيء ، وشائي لكون كلّ كائن .
(2) - .....................................
(3) - يقول - عز وجل - (( وهو القاهر فوق عباده)) ( الأنعام:18و61) يريد صاحب الكتاب أنّه قهرهم وغلبهم بما يحدثه فيهم وينقصه منهم ،لا يمتنعون عنه - عز وجل - في كلّ شيء أراده منهم . وأما قوله : (فوق عباده) ليس يريد الفوق من المكان دون الأسفل ، والمعنى أن القاهر في المنزلة فوق المقهور. ألا تسمع إلى قول فرعون في بني إسرائيل: (( وإنا فوقهم قاهرون))سورة الأعراف:127 . (1/101)
صفحة 102
فقل : لمّا رأيته لا تخفى عليه المسائل ولا تَزْرأه/[32] النّوائل ولا ينقصه نائل، علمتُ أنّه غنيّ (1) .
فإن قال : الله حكيمٌ ؟
فقل : نعم.
فإن قال : ما معنى حكيم ؟
فقل : ليس بعابث.
فإن قال : ما الدّليل على أنّه حكيم؟
فقل : ما وُجِدَ من وضْعِهِ الأشياء [في] (2) مواضعها [دلّ] (3) على أنّه حكيمٌ (4) .
فإن قال : الله كريم ؟
فقل : نعم.
فإن قال : ما معنى كريم ؟
فقل : ليس ببخيل.
__________
(1) - إن الغنيّ في صفة الله - عز وجل - من وجوه: غنيّ بمعنى أنّه يهب الكثير ولا ينقصه ، وخزائنه لا تبيد ولا تفنى . وقد قال الله - عز وجل - (( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ))= =(النحل:96 ). وهو جواب صاحب الكتاب هذا . وغنيّ أيضا عن الشركاء والوزراء. ولم يستظهر فيما خلق بظهير ، ولم يستعن على ما ملك بوزير. أي أنه هو الذي خلق وملكه كلّه فهو غنيّ حميد . وغنيّ أيضا عن طاعة عباده ، ولا تزيده طاعة من أطاع ولا تنقصه معصية من عصى . غنيّ عن كل ذلك وغنيّ أيضا أي أغنى من أغنى من عباده . قال الله - عز وجل - (( وانه هو أغنى وأفنى)) ( النجم:48) .
(2) - + من الشرح، ص418.
(3) - + من الشرح، ص418.
(4) - إن قوله: حكيم وعليم ، معناهما واحد ، قال الله - عز وجل - :(( يؤت الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا )) (البقرة:269) وقال(( ولقد آتينا سليمان الحكمة)) (لقمان:12) وليس يضع الأشياء في مواضعها إلاّ من يعلمها ويعلم إيرادها من إصدارها . والحكمة صفة ذات ينفى بها عن الله - عز وجل - العبث والسّفه . والسّفيه هو الذي لا يعلم ما يأتي وما يذره ، والعبث الذي يعمل بغير الحكمة ، كقوله - عز وجل - (( ما خلقنا= =السماء والأرض وما بينهما باطلا )) (سورة ص:27) أي لم يخلقهم لغير الحكمة . فأما الحكم من الله - عز وجل - بين عباده فهو فعل من أفعاله ، ليس بصفة . ويقال : الله - عز وجل - : حكيم وحاكم ومحكم ، أي أحكم تدبيره وأتقنه . (1/102)
صفحة 103
فإن قال : ما الدّليل على أنّه كريم ؟
فقل : مَا وُجِدَ من عطاياهُ (1) لخلقه دلّ على أنّه كريم (2) .
فإن قال : الله حليمٌ ؟
فقل : نعم.
فإن قال : ما معنى حليم ؟
فقل : ليس بسفيه.
فإن قال : ما الدليل على أنّه حليم ؟
__________
(1) - في المتن: من إعطائه.
(2) - الكريم في لغة العرب هو الذي يتكرّم بالمواهب والعطايا بغير إحسان يسبق إليه . إذ يقول سلامة بن رزق (الشاعر) في معرب بن ماض :
كريم يقصر الكرماء عنه بنيلك باليمين وبالشمال .
والكريم والجواد سواء ، كما أن الكرم والجود واحد ، يقال : الله كريم ، ولا يقال : الله سخيّ ، والكريم في صفته - عز وجل - من وجوه : أحدها ، أنه يتكرّم على عباده بما أسدى إليهم من نعمه التي لا يحصونها عددا . وأيضا ، انه كريم يتكرّم عليهم بالثواب العظيم وهو مستحق بالطاعة له - عز وجل - منهم،وأيضا انه - عز وجل - جعل لهم مخرجا من كل معصية يأتونها إليه= = - عز وجل - لما بسط لهم في التوبة والقبول عنهم بعدما تورّطوا في عصيانه وتعرّضوا لخلافه تبارك وتعالى . (1/103)
صفحة 104
فقل : مَا وُجِدَ من تركهِ المؤاخَذَةِ لأهْلِ الجرائم (1) ، والانتهاك لحرمته والتضييع (2) لحقوقه (دلّ على أنّه حليم) (3) . [فعلمت أنّه لم يؤاخِذْهُم مع القدرة عليهم إلاّ بِحِلْمِهِ عَنْهم] (4) .
فإن قال : الله عظيم ؟
فقل : نعم.
فإن قال : ما معنى عظيم ؟
فقل : ليس بصغير. [وهو الذي فاق كلّ شيء وجلّ عنه] (5) .
فإن قال : ما الدّليل على أنّه عظيم ؟
__________
(1) - في الشرح : لأهل الجرأة، ص420.
(2) - في المتن : وتضييع.
(3) - ما بين قوسين أخرجه الناسخ في الهامش.
(4) - ما بين معقوفتين زيادة من الشرح، ص420. والحليم في صفة الله - عز وجل - من وجوه: أحدها ، أنه لا يعجّل على أهل السفه والعبث عليه - عز وجل - فيجازيهم بذلك لأن منهم: التائب والراجع ، وإلاّ فالذي أعدّ لهم في المعاد أكثر وأفضع . والحليم في صفة الله - عز وجل - صفة ذات، أو ربما سمّيت أفعاله تبارك وتعالى حلما كما فسّر صاحب الكتاب= = من تركه - عز وجل - المؤاخذة لأهل الجرأة عليه مع القدرة على ذلك . والعرب تسمّي صاحب الأناة والعفو على من يسيء إليهم حليما ، فلذلك سمّوا به قيس بن عاصم المنقري ، وهو في ذلك مشهور .وقد قيل للأحنف بن قيس : انّك لحليم ، فقال : الحليم قيس بن عاصم ، ولكنني أتحالم. يريد أنّ السّجية في الحلم لقيس ، وأمّا هو إنما يستعمل الحلم .
(5) - ما بين معقوفتين زيادة من الشرح، ص422. (1/104)
صفحة 105
فقل : مَا وُجِدَ من هذه الصنعة العظيمة دلّ على أنّ الذي صَنَعَهَا[ لم يصنعها إلاّ وهو] (1) أعظم منْها (2) .
فإن قال : الله عزيز ؟
فقل : نعم.
فإن قال : ما معنى عزيز ؟
فقل : ليس بذليل.
فإن قال : ما دليلك/[33] على أنّه عزيز ؟
فقل : مَا وُجِدَ من حاجات (3) خلقه إليه دلّ على أنهم لم يحتاجوا (4) إلاّ إلى العزيز (5) .
فإن قال : الله صادق ؟
فقل : نعم.
فإن قال : ما معنى صادقٌ ؟
فقل : ليس بكاذبٍ.
فإن قال : ما الدليل على أنّه صادق ؟
__________
(1) - ما بين معقوفتين زيادة من الشرح، ص422.
(2) - قد ذكرنا في غير موضع من هذا أن العظيم في صفة الله - عز وجل - بمعنى أنه عظيم عن صفات الخلق ، لا يوصف بشيء منها لأن صفات الخلق من حيث ما دارت فهي صغر وذلّ وعجز وحاجة ، وذلك كلّه عن الله منفيّ ، وهو عن ذلك كلّه عظيم ولا يليق به.وكذلك كبير بمعنى عظيم . وقد قال المسلمون :(( الله أكبر)) عند صلواتهم،أي= =أكبر من كلّ شيء وأعظم منه على ما فسّرنا لا على ما يتوهّم من عظمة الخلق .بل هو عظيم غير موصوف بالأجزاء ـ التي هي عند المخلوق ـ وعظيم لذاته لا لفعل فعله . لأن ذاته بخلاف صفات الخلق . فذاته عظيمة لأنها ذات غير موصوفة بشيء من صفات الخلق التي هي كلّها من حيث ما دارت صغر، ومهانة، وضعف وذلّ .
(3) - في المتن : من حاجة.
(4) - في المتن : يحتجوا.
(5) - وكذلك العزّة التي بها يوصف الله - عز وجل - ، أي أنه عزيز عن صفات الخلق وجلّ عنها ، فهو تبارك وتعالى عزيز عن جميع صفاتهم ، وجليل عنها وعزيز أيضا لمّا أذلّ خلقه بعزّته، وربما تضاف العزّة إلى الله - عز وجل - بمعنى أنه يؤتي العزة من يشاء من عباده لقوله تعالى: (( وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء )) (آل عمران:26) وقد يحتمل أن يكون قوله - عز وجل - ربّ العزّة ، لهذا المعنى والله أعلم .والعزّة صفة له - عز وجل - على نفي المذلّة عنه سبحانه . وفي التفسير: عزيز أي أذلّ من دونه . (1/105)
صفحة 106
فقل : مَا وُجِدَ من وفائه لخلْقِهِ بوعده دلّ على أنّه صَادِقٌ (1) .
فإن قال : الله باقٍ ؟
فقل : نعم.
فإن قال : ما معنى باقٍ؟
فقل: ليس بفانٍ.
فإن قال : ما الدليل على أنّه باقٍ ؟
فقل: كلّ ما استحال فيه الحدث استحال فيه الفناء (2) .
فإن قال : الله شيء ؟
فقل : نعم.
فإن قال : ما معنى شيء ؟
فقل : ليس بعدم وإثبات وجوده.
فإن قال : ما الدّليل على أنّه شيء ؟
__________
(1) - الصّدق أيضا صفة لله - عز وجل - على نفي الكذب عنه - عز وجل - عن ذلك ، لأن الكذب من صاحبه لا يكون إلاّ لرغبة أو لرهبة ، والله عزيز عن ذلك وتعالى عن أن يلزمه من مهانة الكذب ما لزم الكاذبين . وصادق أيضا في أخباره الواردة على ألسنة رسله. وصادق أيضا فيما وعد وأوعد،وهو في كل ذلك صادق كما ذكر صاحب الكتاب .
(2) - وجواب صاحب الكتاب كاف . لأن من لم يعدم في الماضي فمستحيل عليه أن يعدم في الآتي . فالبقاء صفة له - عز وجل - ، فمن وصف من الخلق بالبقاء ، فإنما ذلك بعد حدوثه ، وقد يجوز عليه أن يفنى ، وإنما بقي من بقي من الخلق بإرادة الله - عز وجل - وهو الذي أبقاه ولو شاء لأفناه . ويقال : الله - عز وجل - باق ومبق ، وكذلك يقال له مبق ، لأنه هو الذي أبقى ما بقي من الخلق ، وأفنى ما أفنى منه . (1/106)
صفحة 107
فقل:إيجاده (1) للأشياء ، والابتداء دلّ على أنّه شيء .
فإن قال : الله حيّ ؟
فقل : نعم.
فإن قال : ما معنى حيّ ؟
فقل : ليس بميّت.
فإن قال : ما الدّليل على أنّه حيّ ؟
فقل : مَا وُجِدَ من استحالة الفعل على الأموات [والإحداث] (2) ، دلّ على أنّه حيّ (3) .
فإن قال : الله واحدٌ ؟
فقل : نعم.
فإن قال :/[34] ما معنى واحدٌ ؟
فقل : ليس معه ثانٍ.
فإن قال : ما الدّليل على أنّه واحدٌ ؟
__________
(1) - في المتن : وجده. وما أثبتناه من الشرح ص 425 .ويرى أبو عمّار عبد الكافي أن الجهمية قد غلطت في هذا الوجه بنفيها عن الله أن يكون شيئا وقد بيّن غلطهم في عدّة مواضع بأنه أنبأ على الوجه الذي أوتوا في ذلك لأن الشيء عند أهل اللغة هو ما يجوز أن يوصف وعبّر عنه موجودا كان أو غير موجود . كما أن العدم هو ما ليس بشيء ، ولا يعبّر عنه بأنه معنى من المعاني . وضدّ شيء عدم ، وضدّ موجود معدوم ، وضدّ كائن غير كائن. ويقال : الله سبحانه شيء وموجود وكائن ، معنى ذلك كلّه معنى الإثبات. وليس فيه صفة لأنه لو كان شيء صفة لكان عدم صفة أخرى، لأن ضدّ كل صفة، صفة أخرى.
(2) - ما بين معقوفتين زيادة من الشرح، ص425.
(3) - يريد صاحب الكتاب أن الأفعال لا تقع إلاّ من حيّ لاستحالة ذلك على الأموات . ويقال الله - عز وجل - : حيّ ومحيي ومميت ، قال - عز وجل - (( وانه هو أمات وأحيا))( النجم:44) ويقال : الله - عز وجل - : حيّ على الحقيقة ، ولا يقال حيّ على المعقول ولا على ما يعقل .والمعنى في صفته - عز وجل - حيّ أي أنه فعّال خالق ، محيي ، مميت ، ما بين قوسين ، مغني ، لا على ما يتوهّم من حياة الخلق ذوي الأرواح يتعالى عن ذلك علوّا كبيرا . (1/107)
صفحة 108
فقل : لو كان معه آلهة أخرى : { إذًا لذَهَبَ كلّ إلَه بِمّا خَلَقَ ولعلا بَعْضهم على بعضٍ } (1) .فالمعلُوّ عليه ليس بإلَهٍ، والمقدور عليه ليس بربّ (2) .
فإن قال : الله قديم ؟
فقل : نعم.
فإن قال : ما معنى قديم ؟
فقل : ليس بمحدث.
فإن قال : ما الدّليل على أنّه قديم ؟
__________
(1) - سورة المؤمنون : 92.
(2) - يريد صاحب الكتاب من كلّ ما ذكر هنا من استشهاده بالآي ( لعلا بعضهم على بعض ) أي لبغى بعضهم على بعض. وذلك أنه لو كان التدبير لغير واحد لذهب كل مدبّر منهم بالذي يدبّر ، لأنه لا يرضى أن يحكم عليه غيره في تدبيره ، وهو معنى قوله: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) (الأنبياء:22) لاختلافهما ولتنازعهما ، فانه لا يخلو الاثنان وما فوقهما من أن يكونا متمانعين أو متفقين ، فان كانا متمانعين فلا بدّ من أن يكون أحدهما مانعا لصاحبه ، فالتدبير كلّه للمانع دون الممنوع، وللغالب دون المغلوب . أو يكونا متّفقين ، والاتفاق يقتضي صفة واحدة ، فإذا كانت الصفة واحدة فالموصوف واحد ، وبطلت التثنية عندما ذكرنا ، وفسد القول بها ، والأصل في هذا كلّه ، هو ما نفى التثنية عن الله - عز وجل - وإثباته أنه واحد . (1/108)
صفحة 109
فقل : وجوده قبل خلقه [وابتداؤه إيّاهم] (1) دلّ على أنّه قديم/[35] (2) .
كمل كتاب متن الجهالات بحمد الله تعالى وحسن عونه وتوفيقه وتأييده على يد زابره أفقر عبيده إلى رحمة ربّه المجيد. الباروني بن عبد الله سعيد، وفّقه الله للصّلاح والتّسديد وذلك لأخينا في الله السّيّد الأبرّ الطّائف المعتمر سيدي الحاج سعيد ابن المنعم المرحوم سيدي الحاج علي بن تعاريت، جازاهُ الله بالخير في الدّارين وذلك في بيتنا صبيحة يوم السّبت شهر جمادى الأولى خلت منه سنة 1299 هـ.
انتهى المتن
فهرس الموضوعات
__________
(1) - ما بين معقوفتين زيادة من الشرح ص 432 .
(2) - هكذا جواب صاحب كتابنا هذا في جميع الصفات ، يجيب بالنّفي ، وبليس وهو جواب قريب المأخذ . وأكثر المتكلمين لا يعدّون النفي في الصفات جوابا إلاّ أن يعبّر عن الصفة بحدها الذي لا يزاد فيه ولا ينقص منه ، فلهم في القديم ثلاثة أجوبة بعضها من بعض ، فالقديم ما لا أول لوجوده ، والمحدث بضدّ ذلك . والثاني ما عدم ، والمحدث بخلافه . وقد استدلّ صاحب الكتاب على القديم بأنّه أوجد خلقه وابتدأهم ، فهو دليل صحيح ، والمعنى أنه لو كان الصانع غير قديم وكان محدثا للزمه من الحاجة إلى محدث ثان، وللزم الثاني ما لزم الأول والثالث والرابع إلى غير نهاية ، وهذا بيّن الفساد جدّا وفي فساده فساد كون الصانع غير قديم . وقوله : وجوده قبل خلقه . ذلك أن الموجود قبل جميع الخلق لا يكون خلقا ، وقد أخرجه من حدّ الخلق لمّا أثبته موجودا قبل الخلق .والقديم صفة له - عز وجل - التي تتعلّق بها جميع الصفات لأن القديم لا يكون جاهلا ، والجهل حدث ، والقديم لا يكون عاجزا ولا ذليلا ولا ضعيفا، ولا صغيرا، ولا ميّتا، في جميع تلك الآفات التي تحلّ بالخلق المحدث المصنوع، وجميع ذلك ينفى بالقدم لكون ذلك دلالة الحدث بل هو نفسه حدث ، فمن وصف شيئا من الأشياء المحدثات بأنه قديم لم يحدث قط ، فقد سوّاه بالله - عز وجل - . (1/109)
صفحة 110
الموضوعات الصفحة
كتاب متن الجهالات في علم التوحيد ... 5
حياة تبغورين ... 6
مؤلفاته ... 11
جهود تبغورين في الكلام ... 12
النّسخة المخطوطة ... 16
نصّ الرسالة ... 20
الدّليل على أنّ الإنسان مخلوق ... 21
الدّليل على معرفة الله وأنّه غير مشبه لخلقه ... 23
الفرق بين الواحد من (البشر) والواحد (الله) ... 24
صفة السّميع (الله) وصفة السّميع (الإنسان) ... 26
الردّ على من زعم أنّ الله لم يزل ساكنا في الأزل ... 28
باب في مسألة الإنسان ... 29
مسألة العلم بأنّ الله واحد أهو العلم بأنّه قديم ؟ ... 31
مسألة في الفرق بين الكفر والشّرك ... 32
الله قادر،فهل يقدر أن يبدّل الدّنيا مكان الآخرة؟ ... 36
مسألة في الصّفات ... 37
الردّ على مثبتي العدد في العلم والقدرة ... 39
الباب الثاني : باب آخر من الجهالات [ في التوحيد ] ... 41
في الفرز بين البهائم ... 46
الفرق بين الحركة والسكون وحركة الاضطرار والاكتساب ... 47
هل الله عالم بجميع الأشياء ؟ ... 49
مسألة في الصّدق والكذب ... 50
هل يسع الطّعن في المسلمين؟ ... 51
حكم من دفع حرفا من القرآن أو نبيّا من الأنبياء ... 55
حكم من تبرّأ منك ومن دينك ومعبودك ... 56
الوَلاَيَة والبراءة ... 57
أركان الدّين ... 60
عين التوحيد والشرك والنفاق ... 60
باب آخر : حكم الرادّ على الله والنبيّ والقرآن ... 67
على العباد أن يجيبوا الله فيما دعاهم إليه ... 69
معنى الإسلام ... 70
باب آخر من الجهالات : الفرق بين التوحيد والموحّد ... 77
حقيقة الكفر والإيمان ... 79
الولاية والبراءة : مفهوم النفاق عند الإباضيّة ... 82
باب آخر من الجهالات : ما حال من ظهر لك منه الإسلام ثمّ تبيّن أنّه يجهل محمّدا عليه السّلام ؟ ... 86
حكم من له مصحف فحرقه ... 87
حكم من لا يعرف القبلة ... 88
حكم من يجهل أن محمدا ميّت ... 89
حكم من يجهل أن جبريل من الملائكة والقول في عيسى عليه السلام ... 89
ما الدليل على أنّ القديم قديم ... 91
هل يوصف الله بالحدود والأقطار ... 92
مسألة:هل يوصف الله بالكبير والعظيم ؟ ... 93 (1/110)
صفحة 111
مسألة:هل يوصف الله بالحركة والسكون ؟ ... 94
مسألة : هل الله يتكلّم ؟ ... 94
مسألة:معنى قول الله { على العرش استوى } ... 95
مسألة : قوله تعالى: { وما كان لبشرأن يكلّمه الله إلاّ وحيا أو من وراء حجاب } ... 96
مسألة : ما معنى قوله { إنّ الله يمسك السماوات والأرض أنّ تزول } ... 97
مسألة : قول الله : { إليه يصعد الكلم الطيب } ... 98
مسألة: قوله: { هو الأوّل والآخر والظاهر } ... 99
مسألة : هل الله شيء أم ليس بشيء ؟ ... 100
مسألة:هل الله في الدّنيا وأين كان قبل أن يخلق الأشياء ؟ ... 101
مسألة : هل الله يعلم نفسه ويبصرها ويسمعها ؟ ... 101
باب في الدّلائل ... 102
الفهارس
فهرس الآيات
فهرس الأعلام
فهرس المذاهب والطوائف
فهرس الأماكن والبلدان
فهرس الموضوعات
فهرس الآيات
السورة ... الآية ... رقمها ... الصفحة
البقرة ... اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ... 15 ... 98
ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء ... 29 ... 137
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ... 96 ... 44
إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ... 131 ... 95
وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ... 184 ... 61
شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ... 185 ... 60-61
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه ... 185 ... 89
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَض ... 187 ... 61
فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ ... 258 ... 144
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ ... 259 ... 138
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ... 269 ... 162
آل عمران ... إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ ... 19 ... 112-113
وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ... 26 ... 166
يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيّ ... 55 ... 146
إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ... 59 ... 126
عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ... 119،154 ... 44
النساء ... يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم ... 142 ... 99 (1/111)
صفحة 112
وَهُوَ خَادِعُهُم ... 142 ... 98
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ... 153 ... 103
فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ ... 153 ... 103
فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ... 153 ... 104
ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ... 153 ... 103
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً ... 164 ... 136
المائدة ... عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ... 7 ... 44
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... 56 ... 114
عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلّ ... 105 ... 139
تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِك ... 116 ... 90
الأنعام ... ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ... 1 ... 108
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَات ... 3 ... 43-96
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَات وفي الأَرْضِ ... 3 ... 145-146
وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ... 18-61 ... 160
وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ... 75 ... 144
وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ ... 83 ... 144
فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ... 95 ... 98
لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَار ... 103 ... 141-142
الأعراف ... وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ... 7 ... 66
وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ... 127 ... 161
قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْك ... 143 ... 102
فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْك ... 143 ... 140
سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْك ... 143 ... 138
إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي ... 144 ... 106
الأنفال ... وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّه ... 30 ... 99
عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ... 43 ... 44
التوبة ... فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ ... 77 ... 117
هود ... لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ... 7 ... 62
مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ... 56 ... 137
أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ... 80 ... 81
يوسف ... وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ... 76 ... 134
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ... 100 ... 139 (1/112)
صفحة 113
الرعد ... قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ... 33 ... 137
الحجر ... وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ ... 27 ... 126
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ... 86 ... 87
النحل ... مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ... 96 ... 161
الإسراء ... وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ... 15 ... 152
يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِم ... 71 ... 58
الكهف ... كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّه ... 50 ... 126
مريم ... هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ... 65 ... 43-44
لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً ... 89 ... 149
طه ... الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ... 5 ... 96-139
عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ... 5 ... 137-139-188
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ ... 134 ... 152
الأنبياء ... لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا ... 22 ... 169
المؤمنون ... وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُم ... 71 ... 59
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ ... 91 ... 60
إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ ... 91 ... 169
النور ... وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ... 21 ... 91
اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ... 35 ... 144
الفرقان ... أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلّ ... 45 ... 104
الشعراء ... وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ... 23 ... 57
رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ... 24 ... 57
رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ ... 26 ... 57
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا ... 28 ... 57
لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي ... 29 ... 58
القصص ... إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ ... 04 ... 138
لقمان ... وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَة ... 12 ... 162
الأحزاب ... إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً ... 64 ... 79
فاطر ... إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ... 10 ... 145-146
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ... 41 ... 143 (1/113)
صفحة 114
يس ... أَوَلَمْ يَرَ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ ... 77 ... 65
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ ... 37 ... 98
ص ... وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ... 27 ... 162
الزمر ... أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ... 3 ... 112
وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... 67 ... 118
غافر ... يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ ... 19 ... 44
فصلت ... ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ ... 11 ... 140
الشورى ... لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ... 11 ... 29-42
أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ... 51 ... 142
أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ... 51 ... 142
وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً ... 51 ... 141-142-143
الزخرف ... وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ ... 84 ... 43-145
محمد ... وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ... 19 ... 79
الفتح ... يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ... 10 ... 118
رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ... 29 ... 114
الحجرات ... وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ... 18 ... 151
ق ... وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ... 16 ... 43-44
الذاريات ... وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ ... 47 ... 98
النجم ... وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ... 44 ... 168
وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى ... 48 ... 161
القمر ... تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ... 14 ... 118
الحديد ... هُوَ الأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ... 3 ... 147
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ... 4 ... 96-146
المجادلة ... مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ ... 7 ... 43
الحشر ... هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ... 22 ... 87
التحريم ... لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ ... 6 ... 125
الملك ... لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ... 2 ... 62
أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ... 14 ... 65-66
المعارج ... تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْه ... 4 ... 146
الإنسان ... إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ ... 9 ... 118
المطففين ... كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ... 15 ... 141 (1/114)
صفحة 115
البينة ... وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ ... 5 ... 81
وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ... 5 ... 113
الفيل ... أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ... 1 ... 104
فهرس الأعلام
إبراهيم عليه السلام: 95، 144.
إبليس: 126.
أبو إسماعيل أيوب بن إسماعيل: 9
أبو الربيع سليمان الزلفيني: 9
أبو العباس أحمد الوليلي: 9
أبو العباس أحمد بن أبي عبد الله بن بكر: 11.
أبو العباس محمد بن بكر: 9
أبو زكرياء يحي بن أبي زكرياء: 9
أبو ستة محمد بن عمر القصبي الجربي: 15.
أبو سليمان داود بن أبي يوسف: 9
أبو عبد الله سعيد الباروني: 22.
أبو عمار عبد الكافي: 15، 22، 23، 152، 167.
أبو محمد اللواتي: 9، 10.
الأحنف بن قيس: 164.
آدم عليه السلام: 125، 126.
أم ماطوس (عافية): 12.
الإمام بلعرب بن سلطان اليعربي: 12، 15.
الإمام سيف بن سلطان: 12.
امحمد بن يوسف اطفيش: 15.
امرؤ القيس: 136.
الباروني بن عبد الله سعيد: 171.
جبريل عليه السام: 124، 125، 142.
د. محمد صالح ناصر: 14.
د. مصطفى صالح باجو: 14.
الربيع بن سليمان بن يخلف المزاتي: 8، 9.
سعيد بن علي بن تعاريت: 171.
سلامة بن رزق: 163.
سليمان عليه السلام: 162.
عائشة بنت راشد الريامية: 12.
عائشة بنت معاذ: 10، 11، 12.
عائشة رضي الله عنها: 97.
عبد الله اللنثي، أبو محمد: 9
علي يحي معمر: 18.
عمرو خليفة النامي: 14، 17، 18.
عيسى بن عمير: 122.
عيسى عليه السام: 124، 125، 136.
فرحا بنت علي بن محمد: 12.
فرعون: 93، 161
فس بن ساعدة: 136.
قيس بن عاصم المنقري: 164.
لقمان عليه السلام: 136.
ماكسن بن الخير: 9
محمد بن أحمد البوسعيدي: 13
محمد بن يوسف المصعبي: 15.
مريم عليها السلام: 126.
معرب بن ماضي: 163.
موسى عليه السلام: 93، 102، 103، 104، 105، 106، 125، 126، 137، 140، 142.
النابغة: 104.
النعمان: 104.
يوسف الباروني: 22.
فهرس المذاهب والطوائف (1/115)
صفحة 116
الإباضية: 9، 13، 15، 16، 17، 22، 69، 70، 71، 80، 84، 114، 116، 118، 120، 122، 136، 159.
الواصلية: 16
المعتزلة: 16، 17، 97، 152.
النكار: 16.
الخوارج: 17.
المرجئة: 17، 73، 81.
الأشاعرة: 51.
الناكثة:
الأزارقة: 73، 77، 86.
الزيدية: 80، 116.
الشيعة: 80.
الروافض: 91.
الجهمية: 91، 94، 167.
أهل التشبيه: 96، 143.
المشبهة: 96، 97، 103، 138، 139، 140، 141.
الصفرية: 122.
اليهود: 102، 103، 104.
فهرس الأماكن والبلدان
بلدة عمر ... 8
الجزائر ... 8، 22
تقرت ... 8
جربة ... 8، 22
أجلو ... 10، 11
بهلا ... 12
نزوى ... 12
عمان ... 12
تينوال ... 13
ورجلان ... 16
بلاد سوف ... 16
درجين ... 16
نفطة ... 16
تونس ... 16، 22
ليبيا ... 22
مكة ... 122
الكعبة ... 122
هبل (صنم) ... 138
يوم أحد ... 138
فهرس الموضوعات
الموضوعات ... الصفحة
مقدمة ...
حياة تبغورين ... 9
مؤلفاته ... 15
جهود تبغورين في الكلام ... 17
حكم المشايخ عليه ... 19
منهجه في الرسالة ... 20
مضمون الكتاب ... 21
النّسخة المخطوطة ... 22
نصّ الكتاب ... 28
الدّليل على أنّ الإنسان مخلوق ... 28
الدّليل على معرفة الله وأنّه غير مشبه لخلقه ... 30
الفرق بين الواحد من (البشر) والواحد (الله) ... 30
صفة السّميع (الله) وصفة السّميع (الإنسان) ... 33
الردّ على من زعم أنّ الله لم يزل ساكنا في الأزل ... 36
باب في مسألة الإنسان ... 38
مسألة العلم بأنّ الله واحد أهو العلم بأنّه قديم؟ ... 41
مسألة في الفرق بين الكفر والشّرك ... 42
الله قادر، فهل يقدر أن يبدّل الدّنيا مكان الآخرة ؟ ... 45
مسألة في الصّفات ... 47
الردّ على مثبتي العدد في العلم والقدرة ... 49
الباب الثاني : باب آخر من الجهالات [ في التوحيد ] ... 52
مسائل في الإيمان ... 55
في الفرز بين البهائم ... 61
الفرق بين الحركة والسكون وحركة الاضطرار والاكتساب ... 63
هل الله عالم بجميع الأشياء ؟ ... 65
مسألة في الصّدق والكذب ... 67
هل يسع الطّعن في المسلمين؟ ... 69
حكم من دفع حرفا من القرآن أو نبيّا من الأنبياء ... 74
حكم من تبرّأ منك ومن دينك ومعبودك ... 77
الوَلاَيَة والبراءة ... 78
أركان الدّين ... 81 (1/116)
صفحة 117
عين التوحيد والشرك والنفاق ... 82
باب آخر : ...
حكم الرادّ على الله والنبيّ والقرآن ... 89
على العباد أن يجيبوا الله فيما دعاهم إليه ... 93
معنى الإسلام ... 94
باب آخر ...
الفرق بين التوحيد والموحّد ... 106
حقيقة الكفر والإيمان ... 110
الولاية والبراءة ... 113
مفهوم النفاق عند الإباضيّة ... 113
باب آخر ...
ما حال من ظهر لك منه الإسلام ثمّ تبيّن أنّه يجهل محمّدا عليه السّلام ؟ ... 119
حكم من له مصحف فحرقه ... 120
حكم من لا يعرف القبلة ... 121
حكم من يجهل أن محمدا ميّت . ... 123
حكم من يجهل أن جبريل من الملائكة والقول في عيسى عليه السلام ... 124
ما الدليل على أنّ القديم قديم؟ ... 126
هل يوصف الله بالحدود والأقطار ؟ ... 130
مسألة:هل يوصف الله بالكبير والعظيم ؟ ... 132
مسألة:هل يوصف الله بالحركة والسكون ؟ ... 134
مسألة : هل الله يتكلّم ؟ ... 135
مسألة:معنى قول الله { على العرش استوى } ... 137
مسألة : قوله تعالى: { وما كان لبشرأن يكلّمه الله إلاّ وحيا أو من وراء حجاب } ... 141
مسألة : ما معنى قوله { إنّ الله يمسك السماوات والأرض أنّ تزولا } ... 143
مسألة: الله نور ا لسماوات والأرض ... 144
مسألة : قول الله : { إليه يصعد الكلم الطيب. } ... 145
مسألة : قوله : { هو الأوّل والآخر والظاهر } ... 147
مسألة : هل الله شيء أم ليس بشيء ؟ ... 148
مسألة:هل الله في الدّنيا وأين كان قبل أن يخلق الأشياء ؟ ... 150
مسألة : هل الله يعلم نفسه ويبصرها ويسمعها ؟ ... 151
باب في الدّلائل ...
هل يوصف الله بأنه حي؟ ... 152
هل يوصف الله بأنه عالم؟ وما الدليل على ذلك؟ ... 153
هل يوصف الله بأنه قادر؟ وما الدليل على ذلك؟ ... 155
هل يوصف الله بأنه بصير؟ وما الدليل على ذلك؟ ... 157
هل يوصف الله بأنه متكلم؟ وما الدليل على ذلك؟ ... 158
هل يوصف الله بأنه قوي؟ وما الدليل على ذلك؟ ... 158
هل يوصف الله بأنه مريد؟ وما الدليل على ذلك؟ ... 159
هل يوصف الله بأنه قاهر؟ وما الدليل على ذلك؟ ... 160
هل يوصف الله بأنه غنيّ؟ وما الدليل على ذلك؟ ... 161 (1/117)
صفحة 118
هل يوصف الله بأنه حكيم؟ وما الدليل على ذلك؟ ... 161
هل يوصف الله بأنه كريم؟ وما الدليل على ذلك؟ ... 162
هل يوصف الله بأنه حليم ؟ وما الدليل على ذلك؟ ... 163
هل يوصف الله بأنه عظيم؟ وما الدليل على ذلك؟ ... 164
هل يوصف الله بأنه عزيز؟ وما الدليل على ذلك؟ ... 165
هل يوصف الله بأنه صادق؟ وما الدليل على ذلك؟ ... 166
هل يوصف الله بأنه باق؟ وما الدليل على ذلك؟ ... 167
هل يوصف الله بأنه حيّ؟ وما الدليل على ذلك؟ ... 168
هل يوصف الله بأنه قديم ؟ وما الدليل على ذلك؟ ... 169
آخر الكتاب ... 170 (1/118)