صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الدين - العقيدة
------------------------------------------
العنوان: كتاب معالم الدين
المؤلف: عبد العزيز بن إبراهيم الثميني المصعبي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1407ه/ 1986م
الطبعة: د.ط
عدد الأجزاء: 2
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1104&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/188
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
------------------------------------------
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع. [يبدأ من صفحة 5]
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
سَلطنة عُمَان
وزارة التراث القومي والثقافة
كتاب مَعَالِم الدِّين
تأليف
العلامة الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم الثميني المصعبي
الجزء الأول
1407هـ/1986م (1/5)
صفحة 2
[صفحة 6 بيضاء] (1/6)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم (1/7)
صفحة 4
[صفحة 8 بيضاء] (1/8)
صفحة 5
مقدمة
في التعريف بمؤلف الكتاب
هو الشيخ عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم الثميني يلقب بضياء الدين ولد في يسجن بجنوب الجزائر عام 1130 هجرية كان أحد أقطاب علماء الإباضية وإليه انتهت رئاسة العلم نادرة زمانه في الذكاء حديد القلب يقظ الفكرة صبورا على النوائب.
له مؤلفات منها هذا الكتاب الثمين معالم الدين في الفلسفة وأصول الدين.
ومنها النيل وشفاء العليل شرحه القطب محمد بن يوسف اطفيش ومنها التكميل لما اخل به كتاب النيل.
ومنها الورد البسام في رياض الأحكام نظمه العلامة الأغبري العماني الذي تم نشره على نفقة وزارة التراث القومي والثقافة بعمان ومنها التاج مختصر منهج الطالبين الذي أتمت وزارة التراث القومي والثقافة بعمان طبعه على نفقة صاحب الجلالة السلطان قابوس المعظم.
ومنها المصباح مختصر أبي مسألة.
ومنها النور شرح نونية ألأب نصر في التوحيد.
ومنها الأسرار النورانية شرح قصيدة أبي نصر في الصلاة.
ومنها التاج في حقوق الأزواج. (1/9)
صفحة 6
ومنها مختصر شرح مسند الربيع بن حبيب العماني المحدث.
ومنها تعاظم الموجين شرح مرج البحرين في الفلسفة وخصاله، وأوصافه الحميدة تعجز عن وصفها الأقلام وتكل عن إدراكها الافهام.
توفى رضي الله عنه عام 1220 هجرية ودفن في بلاده بني يسجن وزرت قبره عام 1391 هجرية ورأيت بجواره دفن القطب محمد بن يوسف اطفيش شارح النيل رضي الله عنهما.
كتبه سالم بن حمد بن سليمان الحارثي.
في (22 ذي القعدة سنة 1402هـ الموافق 1982م). (1/10)
صفحة 7
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا كتاب معالم الدين
تصنيف الشيخ العالم العلامة. وحيد عصره، وفريد دهره، شيخ الإسلام والمسلمين، فضل الملة والدين، صدر الأفاضل والأماجد، الشيخ عبدالعزيز المصعبي اليسجني، نفعنا الله ببركاته، آمين.
الحمد لله، العلي شأنه، الجلي برهانه، العظيم سلطانه، العميم إحسانه، الذي خلق سبع سموات ون الأرض مثلهن بكمال قدرته، وجعل الأمر ينزل بينهن ببالغ حكمته، وشرح صدور العلماء الراسخين لفهم معالم دينه وفتح للحكماء الماهرين أقفال الرموز الدالة على توحيده، وأوضح لأوليائه السبل الموصلة إلى معرفة كمال جلاله، ومنح لأصفيائه الهداية والكشف عن حضرة عظمته وحقيقة جماله، وذلك أنه أكرم بني آدم بالعقل الغريزي، والعلم الضروري، وأهلهم للنظر والاستدلال، والارتقاء في مدارج الكمال، ثم أمرهم بالتفكير في مخلوقاته والتدبر في مصنوعاته، ليوصلهم ذلك إلى أن لهذا العالم صانعاً قديمًا حيا قيومًا، حكيمًا واحدًا أحدًا فردًا صمدًا، منزهًا عن الأشباه، والأمثال، متصفًا بصفات العظمة والجلال، مبراءً عن شوائب النقص، جامعًا لجهات الكمال، عليمًا بجميع المعلومات لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، قديرًا على جميع الممكنات، مريدًا لجميع الكائنات. منفردًا بمتقنات الأفعال، وبآحاسن الأسماء متوحدًا بالقدم والبقاء. (1/11)
صفحة 8
قاضياً على ما سواه بالحدوث والفناء، يحيي ويميت، ويبدئ ويعيد، وينقص من خلقه ويزيد، له الخلق والأمر، وهو الفعال لما يريد، الذي بعث الأنبياء والرسل، وأنزل الكتب وأوضح السبل، وأيد المرسلين تفضلا منه بالمعجزات الظاهرة، والآيات البينة الباهرة، تصديقا لدعواهم، وتأييد لقوامه، فأقام لهم على المكلفين الحجة، وأنار بهم بلطفه المحجة، فبلغوا الخلق أحكامه، وأتموا للحق ميزانه فبشروا بوعده، وأنذروا بوعيده، ثم ختمهم بأجلهم قدراً، وأتمهم نوراً، وأشرفهم نسبًا، وأكرمهم حسبًا، وأقومهم دينًا، وأقواهم يقينا، وأعد لهم ملة، وأوسطهم أمة، وأسدهم قبلة، وأشدهم عصمة، وأكثرهم عصمة، وأكثرهم حكمة، وأعزهم نصرة، سيد البشر المبعوث إلى السود والأحمر. أبي القاسم محمد بن عبدالله المنعوت بالنعوت الواضحة، المنصور بالبراهين اللائحة وأنزل معه كتابا عبيرا مبينا، وأكمل لعباده دينهم، وأتم عليهم نعمته ورضي لهم الإسلام دينا.
ولما توفاه وفق أصحابه لنصب أكرمهم وأتقاهم، وأحقهم بخلافته وأولاهم.
فأقام قواعد الدين ومهد، ورفع مبانيه وشيد، وتبع من بعده سيرته واقتفى أثره، والتزم وتيرته، فجبروا عتاة الجبابرة. وكسروا أعناق الأكاسرة. حتى أضاءوا بدينه الآفاق، وأشرقت بذلك كل الإشراق، وزينوا المشارق والمغارب بالمعارف وحسن محاسن الأفعال ومكارم الأخلاق، صلى الله عليه وسلم ما طلع نجم وهوى، وما أقام ملك في السماء، وفي الأرض إنسان ثوى، وعلى آله نجوم الهدى، وأصحابه المصابيح الذين بهم يقتدي. (1/12)
صفحة 9
وبعد: فإن كمال كل نوع إنما هو بحصول صفاته الخاصة به، وبصدور آثاره عن اكتسابه من ذات نفسه، وحسب زيادة ذلك ونقصانه.
يفضل بعض أفراده بعضا إلى أن يعد منهم ألف بواحد، بل حتى يعد أحدهما سماء والآخر أرضا.
إن كان للخيرات فاقدًا، والإنسان مشارك لسائر الأجسام في الحصول في الحيز والفضاء، وللنبات والتغذي، والنشوء والنشاء.
وللحيوانات العجم في الحياة بالرطوبة والأنفاس وفي الحركات بالإدارة والإحساس.
وإنما يمتاز بما أعطي من القوة النطقية وبما يتبعها من العقل والعلوم الضرورية.
فإذن كماله بتعقل المعقولات، واكتساب المجهولات.
والعلوم متشعبة متكثرة، وإحاطة بجملتها متعسرة، أو متعذرة، فلذلك افترق أهل العلم زمرًا وتقطعوا أمرهم بينهم زبرًا، فكان أمرهم فيه دائر بين معقول ومنقول، وفروع وأصول.
فاختلف هممهم في العلوم فهمة واحد منهم في الفقه، وهمة آخر منهم في الكلام.
كما اختلف همم أصحاب الحرف ليقوم كل منهم بحرفة فيتم النظام. (1/13)
صفحة 10
فإذن الواجب على العاقل الاشتغال بالأهم، وما الفائدة فيه أتم.
هذا وإن أرفع العوم وأعلاها منارًا، وأنفعها وأجداها ثماراً، وأجداها بعقد الهمة لها، وإلقاء الشراشر عليها وإتعاب النفس فيها، وصرف الزمان إليها علن الكلام، المتكفل بإثبات الصانع وتنزيهه عن مشابهته الأجسام.
وإثبات النبوة التي هي أساس الإسلام، وعليه مبني الشرائع والأحكام وبه يرتقي في الإيمان، من حضيض التقليد غلى ذروة الإيقان، وذلك هو السبب للهدى والنجاح، والفوز في الدارين، بالفلاح، وأنه في أيامنا قد اتخذ ظهريا، وصار طلبه عند الأكثرين شيئا فريا.
وإني لما طالعت بعض الكتب المصنفة في هذا الشأن، واحتلت قداح نظري فيها شطراً من الزمان، بعد أن وردت منها عذبا زلالا، وصدرت عنه لا غررى حصل لي منه ولا كدر فيه ولكن عن موانع أورثت للخواطر قتوراً وسآمة وكلالا، فأسكنت من نكبات الدهر في زوايا الهجران وضربت بيني وبين تلك العهود سد يأجوج ومأجوج الفتن والأحزان فصارت بعد أن كانت للخاطر ألفا نسيا منسيا، وعلمت أن ذلك من الله حتما مقضيا.
ثم إني بعد مضي سنين وأنا على ما كان من تراكم البلابل والأشجان، وتتابع المحن واستيلاء الظلم والعدوان رأيت أن عمري يمضي سبهلالا، وأيامي تنتقض ولم أكن فيها لبعض المهمات ممتثلا، فعند (1/14)
صفحة 11
ذلك تفكرت العهود على اشتغال البال، وقهر الزمان، واختلال الحال، وكثرة الصوارف، وقصور الهمة، وقلة الدواعي، وفتور الرغبة.
حاولت مع ذلك نفس إلى أن أجمع مما حصلت. مختصرا يكون تذكرة لي ولمن شاء من أبناء جنسي، مقتفيا في ذلك لك آثار المخلصين، راجيًا من الله بفضله انتظاما في سلك الراغبين، فقوى عزمي في ذلك ونشط خاطري إلى ما أرجو أن يكون لي ذخرا عند مولاي هنالك.
فوجهت عند ذلك ركاب النظر نحو استطلاع تلك الرسائل، واستنهضت الخيل والرجل في طلب استجماع الشارد، والفار من أمهات المسائل، فأفرغته في قالب اعتاد المتكلم والحكيم الإفراغ فيه تاركا للإيجاز المنحل والإطناب الممل منه.
فجاء بعون الله كما تشتهيه، فها هو هذا لمن يبغي نقض مباني الخلاف والسلامة من معضلات الفلاسفة، وتشييد معالمي من الكلام من أهل العدل والإنصاف إن كان بعين الرضى يراه، وبصفاء الود وقصد الرغبة فيه، وغض الجفن عن الزلة وإقالة العثرة يتلقاه.
إلا أن كل مصنف وإن تطاول مصنفه لا يخلو عن نكبة وقصور وإن تعاطى كل الكمال فيه صاحبه فإن الكمال الذاتي إنما يكون لذي العظمة والجلال.
وأما الكمال العرضي فلا يخلو صاحبه من شوائب النقص والاختلال، ومع ما اشتمل عليه القصور والوهن والفتور، لا غنى عنه لراغب (1/15)
صفحة 12
في الفن لما فيه من مثلجات الصدور ومحصلات السرور لا حرم الله من الانتفاع به من طابت سريرته، وخلصت في طلبه نيته، وصدقت في الجد فيه عزيمته، وجادت عليه بإدراكه قريحته، فإن من حرم استطلاع أنواره، وعدم استشمام طيب أزهاره فلعمري إنه لهو من اللذات محروم، وممثوع، وعن الكمالات مصروم ومقطوع.
فإنه كتاب جامعة معالمه، دائرة بين النفي والإثبات مقاسه، بينة مراصده، نيرة مقاصده، مقررة مسائلة، محررة دلائله، ساطعة براهينه، لامعة قوانينه، واضحة فوائده، لائحة فرائده، ظاهرة عوائده، باهرة زوائده.
وأنا أرغب إلى الله سبحانه وتعال أن يجعله خالصا لوجهه الكريم وأن يثيبنا به وبغيره بجزيل الثواب، إنه هو التواب الرحيم، فإن ذلك هو المقصود لا طلب منزلة من الهوى المعبود.
وهو منحصر في أربعة معالم.
المعلم الأول: في المقدمات.
وفيه مراصد:
الأول: فيما يجب تقديمه في كل علم.
وفيه مقاصد، الأول: في تعريفه ليكون طالبه على بصيرة من أمره، وإلا لكان كمن ركب متن عمياء فإن الأحكام الشرعية منها ما يتعلق بكيفية العمل، وتسمى فرعية وعملية. (1/16)
صفحة 13
ومنها ما يتعلق بالاعتقاد وتسمى أصلية واعتقادية، والعلم المتعلق بالأولى يسمى علم الشرائع والأحكام لأنها لا تستفاد إلا من جهة الشرع، ولا يسبق الفهم عند اطلاق الأحكام إلا إليها.
وبالثانية علم التوحيد لأن ذلك أشهر مباحثه وأشرف مقاصده، وقد كانت الأوائل من الصحابة والتابعين لصفاء عقائدهم ببركة صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وقرب بزمانه وقلة الوقائع والاختلاف وتمكنهم من المراجعة إلى الثقات مستغنين عن تدوين العلمين.
وترتيبهما أبوابا وفصولا، وتقرير مقاصدهما فروعا وأصولا، إلى أن حدثت الفتن بين المسلمين، والبغي على أئمة الدين، وظهر اختلاف الآراء والميل إلى البدع والأهواء، وكثرت الفتاوى والواقعات والرجوع إلى العلماء في المهمات.
فاشتغلوا بالنظر والاستدلال والاجتهاد والاستنباط، وتمهيد القواعد والأصول، وترتيب الأبواب والفصول، وتكثير المسائل بأدلتها، وإيراد الشبهة بأجوبتها وتعيين الأوضاع والإصلاحات وتبيين المذاهب والاختلافات.
وسموا ما يفيد معرفة الأحكام العلمية عن أدلتها التفصيلية بالفقه.
ومعرفة أحوال الأدلة إجمالا في إفادتها الأحكام بأصول الفقه ومعرفة العقائد عن أدلتها بالكلام، فهو علم بأمور يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه عنها. (1/17)
صفحة 14
والمراد بالعقائد ما يقصد فيه نفس الاعتقاد، دون العمل، وبالدينية المنسوبة إلى دين محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الخصم وإن خطاناه لا نخرجه عن كونه من علماء الكلام.
المقصد الثاني: في موضوع العلم إذ به تتمايز العلوم فإن كمال النفوس البشرية في قواها الإدراكية إنما هو بمعرفة حقائق الأشياء وأحوالها بقدر الطاقة البشرية، فقيل موضوع الكلام المعلوم من حيث هو يتعلق بع إثبات العقائد الدينية تعلقا قريبا أو بعيدا، وقيل ذات الله تعالى إذ يبحث فيه عن صفاته وعن أفعاله في الدنيا كحدوث العالم وفي الآخرة كالحشر للأجساد.
وعن أحكامه فيهما كبعث الرسل ونصب الأئمة والثواب والعقاب وفيه نظر من وجهين.
الأول: قد يبحث فيه عن غير ما ذكر كالجواهر والأعراض لا من حيث هي مستندة إليه تعالى حتى يمكن أن يدرج في البحث عما ذكر، لا يقال ذلك البحث؟ إنما يورد في هذا العلم على سبيل البداية لا على سبيل أنه من مسائله، فلا يلزم أن يكون راجعا إلى الأحوال موضوعة لنا نقول ليس ذلك البحث من الأمور البينة بذاتها حتى يكون من المبادئ المطلقة المستغنية عن البيان.
فلا بد من بيانه في علم ما فإن بين في هذا العلم فهو من مسائله، فيجب رجوعه إلى أحوال موضوعة، وليس كذلك كما عرفت أو في علم (1/18)
صفحة 15
آخر كان ثمت علم أعلى من علم الكلام. مبين فيه مبادئه وثبوت علم شرعي أعلى منه باطل ثقافا.
الثاني: أن موضوع العلم لا يبين فيه وجود، فيلزم إما كون إثبات الصانع بينا بذاته أو كونه مبينا في علم أعلام الكلام، فإن بيان وجود الموضوع إنما يجوز في الأعلى الذي هو أعم موضوعا دون الأدنى، لأن الأخص يثبت في الأعم بانقسامه إليه وإلى غيره دون العكس، والقسمان باطلان.
أما الأول: فمما لاشك في بطلانه.
وأما بطلان الثاني فقد خالف فيه الأرمني حيث جوز أن يكون ذاته تعالى مسلم الآمنية في الكلام مبينا في العلم الإلهي، الباحث عن أحوال الموجود بما هو موجود، المنقسم إلى الواجب وإلى غيره، وهو مردود فإن إثباته تعالى هو المقصد الأعلى في علمنا هذا.
وأيضا كيف يجوز أن يكون أعلى العلوم الشرعية أدنى من علم غير شرعي؟ بل احتياجه إلى ما ليس شرعيا مع كونه أعلى منه مما يستنكر أيضا.
وقيل موضوع الكلام الموجود من حيث هو غير مقيد بشيء ويمتاز عن الإلهي المشارك له في أن موضوعه أيضا هو الموجود مطلقا باعتبار وهو أن البحث في الكلام على قانون الإسلام، وفيه أيضا نظر من وجهين:
الأول: أنه قد يبحث فيه عن المعدوم وعن أمور لا باعتبار أنها (1/19)
صفحة 16
موجودة في الخارج كالنظر والدليل، وأما الموجود في الذهن فالمتكلمون لا يقولون به.
الثاني: قانون الإسلام ما هو الحق من المسائل الكلامية، وتكون المسائل حقه على ذلك القانون لا يتميز علم الكلام عن غيره كيف وكل من صاحبي الحقة والباطلة يدعي عن كون مسائله حقة، على قانون الإسلام مع أن صاحب البطالة من أرباب علم الكلام وإن أشرك كالمجسمة أو بدع كالمرجئة والمعتزلة.
المقصد الثالث: في فائدته وهي دفع البعث وازدياد الرغبة فيه إذ كان مهما، وفائدة علم الكلام الترقي من حضيض التقليد إلى ذروة الإيقان وإرشاد المسترشدين بإيضاح المحجة وإلزام المعاندين بإقامة الحجة وحفظ قواعد الدين عن أن تزلزلها شبه المبطلين، وبناء العلوم الشرعية عليه فإنه أساسها وإليه يؤول أخذها واقتباسها، وصحة الاعتقاد والنية إذ بها يرجى قبول العمل، وغاية ذلك الفوز بسعادة الدارين.
المقصد الرابع: في مرتبة العلم ليصرف قدره فيوفي حقه من الجد فيه، فنقول قد علمت أن موضوع علم الكلام أهم الأمور وأعلاها، وغاية أشرف الغايات وأنفعها، ودلائله يقينية يحكم بها صريح العقل وقد تأيدت بالنقل، فهي الغاية في الوثاقة بخلاف الآلهي.
فإن مخالفة النقل لدلائله شاهدة عليها بأن أحكام عقول أصحابه بها مأخوذة من أوهامهم لا من لا من صرئحها فلا وثوق بها أصلا، والأمور المذكورة في شرف علم الكلام أعنى معلومه وغايته، وغيرهما هي جهات شرف العلم لا يجاوزها فهو إذن أشرف العلوم. (1/20)
صفحة 17
المقصد الخامس: في مسائله التي هي مقاصده وهي هنا الحكام النظرية لعلوم هي: أعني تلك الأحكام.
أما من العقائد الدينية أو يتوقف عليها بشيء منها توقفا قريبا أو بعيدا والكلام هو العلم الأعلى فليت له مبادئ تتبين في علم آخر، بل مبادئه أما بينه بنفسها أو مبينة فيه فهي مسائل له من هذه الحيثية ومبادئ لمسائل آخر منه لا تتوقف تلك المبادئ عليها، لئلا يلزم الدور فمنه تستمد العلوم الشرعية وهو لا يستمد من غيره فكان رئيسها على الإطلاق.
المقصد السادس: في وجه تسميته بالكلام لأن عنوان مباحثه كان قولهم الكلام في كذا وكذا ولأن مسألة الكلام كانت أشهر مباحثه وأكثرها نزاعا وجدلاً، حتى أن بعض المتغلبة وهو أحمد رابى داوود من العباسية كان معتزليا قتل سبعمائة عالم طالبا منهم الاعتراف بأن القرآن مخلوق ولأنه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات وإلزام الخصوم كالمنطق للفلاسفة، ولأنه أول ما يجب من العلوم التي إنما تعلم وتعلم بالكلام، فأطلق عليه هذا الاسم لذلك، ثم خص ولم يطلق على غيره تمييزا، ولأنه إنما يتحقق بالمباحثة وإدارة الكلام من جانب المعلم والمتعلم وغيره قد يتحقق بالتأمل ومطالعة الكتب، ولأنه أكثر العلوم خلافا ونزاعا فيشتد افتقاره إلى الكلام مع المخالفين والرد عليهم، ولأنه لقوة أدلته صار كأنه هو الكلام دون ما عداه من العلوم كما يقال للأقوى من الكلامين هذا كأنه هو الكلام، ولأنه لابتنائه على الأدلة القطعية المؤيد أكثرها بالأدلة (1/21)
صفحة 18
السمعية، أشد العلوم تأثيرا في القلب وتغلغلا فيه فسمي بالكلام المشتق من الكلم وهو الجرح.
وهذا هو كلام القدماء ومعظم خلافياته مع الفرق الإسلامية خصوصا مع الأشاعرة والمعتزلة كما سنقف عليه.
فإنهم توغلوا في علم الكلام وتشبثوا بأذيال الفلاسفة في كثير من الأصول، خصوصا المعتزلة لكنهم وافقونا في غالبها وشاع مذهبهم ما بين الناس.
وكان الأشعري تلميذا عند أبي علي الجبائي منهم، فقال الأشعري يوما عند مباحثته في وجوب رعاية الصلاح والأصلح للعباد على الله تعال، ما تقول: في ثلاثة إخوة مات أحدهم قبل البلوغ والآخر بعده كافرا والآخر بعده مؤمنا، فقال الجبائي: أما الصغير ففي الجنة وأما الكبير ففي النار، وأما الكبير المؤمن ففي الدرجات العلى، فقال الأشعري: ما بال الصغير عن درجة الكبير المؤمن، فقال الجبائي لأنه لم يعمل قدر عمله، فقال له الأشعري: فإن أحتج وقال يا رب كان الأصلح في حقي أن تبقيني حتى أصل بالعمل الدرجة العليا، فقال له الجبائي: جوابه أن يقول له مولانا عزوجل: «قد علمت أني لو أبقيتك إلى سن التكليف لكفرت فتخلد في النار فالأصلح في حقك أن تموت صغيرا كما فعلت بك لسلامتك من النار التي هي أعظم غنيمة».
فكيف؟ وقد زدت لك على ذلك مما لا يكيف من نعيم الجنة، فقال له الأشعري: فإذا يقوم الذي مات كافرا، بل وكل كافر من دركات (1/22)
صفحة 19
لظى، فيقول يا رب نرضى منك بأدنى مرتبة هذا الصبي فما بالنا لم تمتنا صغارا قبل التكليف، وقد علمت منا الكفر بعده كما فعلت بهذا الصبي، فبهت الجبائي ولم يقدر أن يجيب بكلمة، فقال له الأشعري: عند ذلك وقف حمار الشيخ في العقبة وترك مذهب الجبائي واشتغل هو ومن تبعه بإبطاله واثبات ما ذهب إليه بعد.
ثم لما نقلت الفلسفة إلى العربية وكانت قبل يونانية، وناقلها الفارابي: فلقب بالمعلم الثاني، وخاض فيها الإسلاميون وحاولوا الرد على الفلاسفة فيما خالفوا فيه الشريعة فخلطوا بالكلام كثيرا من الفلسفة ليتحققوا مقاصدها فيتمكنوا من إبطالها واستمروا على ذلك، إلى أن أدرجوا فيه معظم فيه معظم الطبيعيات والإلهيات وخاضوا في الرياضيات، حتى كاد أن يتميز عن الفلسفة لولا اشتماله على السمعيات، وهذا هو كلام المتأخرين.
وقد سلكنا طريقتهم في ذلك، فعلى كلا الرأيين هو أشرف العلوم لكونه أساسا لعلوم الأحكام الشرعية، ورئيس العلوم الدينية وكون معلوماته العقائد الإسلامية، وغايته الفوز بالسعادات الدينية والدنيوية.
وبراهينه الحجج القطعية على ما مر وما نقل عن بعض التقدميين كالشافعي من الطعن فيه والنهي عن تعلمه فهو محول على القاصر عن تحصيل اليقين والقاصد إلى إفساد عقائد المسلمين، والخائض قيما لا يحتاج إليه من غوامض الفلسفة، وإلا فكيف يتصور النهي عما هو أصل الواجبات وأساس المشروعات، وهذا يظهر هي أسلافنا عن أخذ العلم من القوم والنظر في كتبهم. (1/23)
صفحة 20
المرصد الثاني: في تعريف مطلق العلم.
وفيه ثلاثة مذاهب.
الأول: إنه ضروري، واختاره الفخر لوجهين، الأول: أن علم كل أحد بوجوده ضروري، وهذا علم خاص، والعلم المطلق جزء منه، والعلم بالجزء سابق على العم بالكل، والسابق على الضروري أولى أن يكون ضرورياً، فالعلم المطلق ضروري، وجوابه أن الضروري حصول علم جزئي متعلق بوجوده وهو غير تصوره وغير مستلزم له، فلا يلزم قصور العلم المطلق فضلا عن أن يكون ضروريا.
الثاني: أن غير العلم إنما يعلم بالعلم فلو علم العلم بغيره لزم الدور لتوقف معلومية كل منهما على معلومية الآخر.
وهذا الوجه حجة على من يقول أن مطلق العلم معلوم بحسب حقيقته لكن لا بالضرورة.
وجوابه: أن غير العلم إنما يعلم بحصول علم جزئي متعلق به لا بتصور حقيقة المطلق، والذي نحاوله أن تعلمه بغير العلم تصور حقيقة العلم فلا دور، وحاصل حل الشبهتين الفرق بين حصول العلم وبين تصوره لأن منشأهما عدم الفرق بينهما.
ففي الأولى: يخيل أنه إذا حصل بالضرورة على جزئي قائم بالنفس كانت ماهية العلم حاصلة في ضمنه قائمة بالنفس أيضا وهذا معنى كون تلك الماهية متصورة وفي الثانية يخيل أن تصور ماهية العلم إذا توقف (1/24)
صفحة 21
على حصول علم جزئي متعلق بالغير، ولا شك أنه متوقف على حصول ماهيته في ضمنه قائمة في الذهن، وهذا معنى تصورها فقد توقف كل منهما على الآخر، وإذا ظهر الفرق بينهما بأن ارتسام ماهية العلم في النفس على وجهين.
أحدهما: بأن ترتسم فيها بنفسها في ضمن جزيئاتها، وذلك حصولها وليس تصورها ولا مستلزما على قياس حصول الشجاعة لنفس الموجب لاتصافها بها من غير أن تتصورها.
والثاني: أن ترتسم فيها بمثالها وصورتها وهذا هو تصورها لا حصولها على مقياس تصور الشجاعة التي لا يوجب إنصاف النفس بها، وهو المطلوب بتعريفها، اضمحلت الشبهتان بالكلية.
الثاني: انه نظري وبه قال المعتزلي وشيخه الجويني ولكن يعسر تحديده، قالا طريق معرفته القسمة والمثال.
أما القسمة: فهي أن تميزه عما يلتبس به في الاعتقاد فتقول مثلا إما جازم أو غيره.
والجازم: إما مطلق أو غيره.
والطابق: إما ثابت أو غيره، فقد خرج عن القسمة اعتقاد وجازم مطابق ثابت وهو العلم بمعنى اليقين وقد ميز عن الظن بالجزم، وعن الجهل المركب بالمطابقة وعن تقليد المصيب الجازم بالثابت الذي لا يزول بالتشكيك. (1/25)
صفحة 22
وأما المثال: فكان: يقال: العلم إدراك البصيرة المشابهة لإدراك الباصرة أو هو كاعتقادنا أن الواحد نصف الاثنين وهذا القول بعيد، فإن القسمة والمثال إن أفادا تمييزا لماهية العلم عما عداها صلحا معرف لها وإلا لم تحصل بهما معرفة الماهية.
الثالث: أنه نظري أيضا ولكن لا يعسر تحديده وله تعريفان.
الأول لبعض المعتزلة أنه اعتقاد الشيء على ما هو به وهو غير جامع لخروج التصور عنه لعدم اندراجه في الاعتقاد، وغير مانع أيضا لشمولية التقليد إذا طابق الواقع فنزيد لدفعه عن ضرورة أو دليل فاندفع، لكن بقى معنى الاعتقاد الراجح المطابق أعني الظن الصادق الحاصل عن ضرورة أو دليل ظني، إلا أن يخص الاعتقاد بالجازم اصطلاحا.
وما قيل: أنه يرد على هذا التعريف خروج العلم بالمستحيل عنه فإنه ليس شيئا اتفاقا، ومن أنكر تعلق العلم به فهو مكابر لبديهية عقله، فإن كل عاقل يجد من نفسه الحكم باستحالة اجتماع الضدين والنقيضين، ولا يتصور ذلك إلا مع كون اجتماعهما المستحيل معلوما بوجه ما أو مناقض لكلامه أيضا لأن إنكاره حكم على المستحيل فإنه لا يعلم فيدعي العلم به لامتناع الحكم على ما ليس معلوما مردودا، بأنه يسمى شيئا لغة فلا يخرج العلم عن تعريفه، وكونه ليس شيئا معناه أنه غير ثابت في نفسه وهو لا يمنع كونه شيئا لغة.
والثاني: للباقلاني أنه معرفة المعلوم على ما هو به، فيخرج عنه علم الله سبحانه وتعالى، إذ لا يسمى معرفة وأيضا ففيه دور إذا المعلوم (1/26)
صفحة 23
مشتق من العلم فلا يعرف إلا بعد معرفته، وأيضا فعلى ما هو به زائد إذا المعرفة لا تكون إلا كذلك.
الثالث للأشعري: فإنه قال: تارة هو الذي يوجب كونه لمن قام به عالما أو لمن قام به اسم العالم وفيه دور أيضا، وتارة إدراك المعلوم على ما هو به وفيه الدور أيضا، وإن الإدراك مجاز عن العلم، وفيه الزيادة المذكورة أيضا.
الرابع لابن فورك: أنه ما صح ممن قام به إتقان الفعل فتدخل فيه القدرة ويخرج عنه علمنا إذ لا مدخل له في الإتقان عندنا وعند الأشاعرة ومن قال بقولنا خلافا للمعتزلة، وقد أورد عليه أيضا علم أحدنا بنفسه وبالباري جل وعلا، قيل وإنما يرد عليه هذا أن لو أراد ما يصح به إتقان متعلقه، وأما لو أراد ما يصح به بأنه الإتقان في الجملة وإن لم يكن مصححا بحسب شخصه فلا ورود ولهم عبارات قريبة من هذه العبارات المذكورة نحو تبيين المعلوم أو إثباته أو الثقة بأنه على ما هو به.
الخامس: للفخر أنه اعتقاد جازم مطابق لموجب من ضرورة، أو دليل ولا غبار عليه غير أنه يخرج عنه التصور كالأول مع أنه علم يقال علمنا الثلث وحقيقة الإنسان وذلك لا يندرج في الاعتقاد.
السادس للحكماء أنه حصول صورة الشيء في العقل، ليتناول إدراك الجزئيات وهو تمثيل ماهية المدرك في نفس المدرك فيختص بالكليات وهو مبني على الوجود الذهني، وكون العلم عندهم عبارة عنه ويتناول الظن والجهل المركب والتقليد والشك والوهم، وتسميتها علما (1/27)
صفحة 24
مخالف لاستعمال اللغة والعرف والشرع ولا مشاحة في الاصطلاح، فإن لكل أحد أن يصطلح على ما يشاء إلا أن رعاية الموافقة في الأمور المشهورة بين الجمهور أولى وأحسن.
السابع وهو المختار وإليه ذهب كثير من المتأخرين منا ومن غيرنا أنه صفة يتجلى بها المذكور لمن قامت هي به، فالمذكور يتناول الموجود والمعدوم الممكن والمستحيل، قال السيد بلا خلاف والمفرد والمركب والكلي والجزئي والتجلي هو الانكشاف التام، فالمعنى أنه صفة ينكشف بها لمن قامت به ما من شأنه أن يذكر انكشافا تاما لاشتباه فيه فيخرج الظن والجهل المركب.
واعتقاد المقلد المصيب أيضا لأنه في الحقيقة عقدة على القلب فليس فيه انكشاف تام وانشراح يتجلى به بالعقد.
المرصد الثالث: في أقسام العلم.
وفيه مقاصد.
الأول: أنه أعنى العلم إن كان حكما أي إدراكا، لأن النسبة واقعة أو ليست بواقعة فهو تصديق وإلا فهو تصور، وهما نوعان متميزان بالذات وباعتبار اللازم المشهور وهو احتمال الصدق والكذب في التصديق وعدهم في التصور.
المقصد الثاني: العلم الحادث ينقسم إلى ضروري وكسبي فالضروري ما لا يكون تحصيله مقدورا للخلق، والبديهي ما يثبته مجردا (1/28)
صفحة 25
العقل فهو أخص من الضروري والكسبي يقابله فهو العلم المقدور تحصيله بالقدرة الحادثة، وأما النظري فهو ما يتضمنه النظر الصحيح فمن يرى أن الكسب لا يمكن إلا بالنظر فهو عنده الكسبي وتعريفاهما متلازمان، ومن يرى جواز الكسب لغيره جعله أخص من الكسبي لكنه أي النظري يلازمه عادة باتفاق الفريقين.
المقصد الثالث: إن كلا من التصور والتصديق بعضه ضروري بالوجدان، إذ لولاه لزم الدور أو التسلسل وهما يمنعان الاكتساب لأنهما باطلان ممتنعان فما يتوقف عليا كذلك، وبعضه نظري بضرورة الوجدان أيضا.
المقصد الرابع: في مذاهب ضعيفة في هذه المسألة. وهي أربعة.
الأول: إن الكل ضروري ضروري وبه قال فريق، منهم الفخر بعدم حصول شيء منه بقدرتنا وهؤلاء أيضا فرقتان، فرقة تسلم توقف بعض من الكل والعلم على النظر، فيكون النزاع معهم في مجرد التسمية فلا مخالفة، معنوية، وفرقة تمنعه.
قال السيد: وهؤلاء إن أرادوا أنه لا يتوقف على النظر وجوبا بل عادة، أو إن العلم بعده غير واقع به أو بقدرتنا بل بخلق الله فهو الحق، وإن أرادوا أنه لا يتوقف عليه أصلا لا تأثيرا ولا وجوبا ولا عادة فهو مكابرة. (1/29)
صفحة 26
الثاني: أن التصور لا يكسب بالنظر بل كل ما يحصل منه كان ضروريا حاصلا بغير اكتساب، بخلاف التصديق فإنه ينقسم إلى ضروري وكسبي، وبه قال الفخر واختاره لوجهين: أحدهما أن المطلوب التصوري إما مشعور به مطلقا فلا يطلب حصوله أولا فلا يطلب أيضا لأن المغفول عنه وهو المجهول المطلق لا يمكن توجه النفس نحوه، وأجيب بأن الحصر ممنوخ لجواز أن يكون معلوما من وجه، فعاد الفخر وقال: فعاد الفخر وقال الوجه المعلوم معلوم مطلقا والوجه المجهول مجهول مطلقا، فلا يمكن طلب شيء منها.
وأجيب أيضا يمنع أن الوجه المجهول مجهول مطلقا، فإن المجهول المطلق ما لا تتصور ذاته ولا شيء مما يصدق عليه من ذاتياته أو عرضياته، وهذا قد يتصور فيه شيء مما يصدق عليه وهو ها هنا الوجه المعلوم، فإن الوجه المجهول فرضا هو الذات الذي يطلب تصوره بالكنه والمعلوم بعض الاعتبارات الثابتة له الصادقة عليه، كما تعلم الروح فإنها شيء به الحياة والحس والحركة، وإن لها حقيقة هذه صفاتها، فتطلب تلك الحقيقة بعينها.
ومنهم من أثبت وراء الوجهين أمرا ثالثا: هو المطلوب يقومان به ولا حاجة إليه في دفع هذه الشبهة لأنها قد اندفعت بما مضى.
وثانيها:
أن يقال الماهية أن عرفت فأما بنفسها أو بجزئها أو بالخارج عنها والأقسام باطلة. (1/30)
صفحة 27
أما الأول: فالاستلزام معرفتها قبل معرفتها لأن معرفة الموصل متقدمة قبل معرفة الموصل إليه، وتقديم الشيء على نفسه محال.
وأما الثاني فلأن جميع الأجزاء نفسها فلا يجوز تعريف الماهية بجميع أجزائها لأنه تعريف الشيء بنفسه، والبعض إن عرفها فلابد أن يعرف جزءا منها فذلك الجزء إما نفسه معرفا لنفسه، وأما غيره فليزم التعريف بالخارج لأن كل جزء خارج عما يقابله من الأجزاء.
وأما الثالث فلأن الخارج لا يعرف الماهية إلا إذا كان شاملا لأفرادها دون شيء مما عداها.
والعلم بذلك الاختصاص الشمولي يتوقف على تصورها، وأنه دور لتوقف تصور الماهية حينئذ على تعريف الخارج إياها على العلم بذلك الاختصاص المتوقف على تصورها، وتصور ما عداها مفصلا وأنه محال، لاستحالة إحاطة الذهن بما لا يتناهى تفصيلا.
وأجيب عنها بأن جميع أجزاء الماهية ليس نفسها إذ كل من أجزائها مقدم عليها بالذات، فكذا الكل يكون مقدما عليها أيضا، فلا يكون نفسها نفسها بالامتناع تقدم الشيء على نفسه.
وقد دفع هذا الجواب بما فيه طول، والحق أن الأجزاء إذا استحضرت الذهن مرتبة حتى حصلت صورتها فيه مجمعة، فهي الماهية، لا أن ثمت مجموع التصورات يوجب حصول شيء آخر هو الماهية.
وتوضيحه أن صورة كل جزء مرأت يشاهد بها ذلك الجزء قصدا، (1/31)
صفحة 28
فإذا اجتمعت صورتان، وتقيدت أحداهما بالأخرى صارتا معا مرآه واحدة، يشاهد بها مجموع الجزءين قصدا، وكل منها ضمنا.
وهذا هو تصور الماهية بالكنه الحاصل بالاكتساب، من تصوري الجزءين وهو متحد معهما بالذات، ومغايرلها بالاعتبار، قياس حال الماهية بالنسبة إلى جميع أجزائها فالمعروف للماهية مجموع أمور، كل واحد منها متقدم على الماهية، وهو المجموع وتعريفه لها في الذهن كالأجزاء الخارجية وتقويمها في الخارج، فإنها متقدمة بجميع الأجزاء، بمعنى أنه ما من جزء إلا وله مدخل في التقويم، والكل هو الماهية إلا أنها تترتب عليه.
وها هنا مباحث أعرضنا عنها لضيق المقام لا لضنه بالكلام.
الثالث: إنما اعتقاده لازم للمكلف، نحو إثبات جميع ما يجب له، ونفي ما يستحيل عنه، والنبوة ضروري، وإليه ذهب الجاحظ، ويبطله: أن معرفة الله تعالى واجبة أما شرعا كما عليه الجمهور من أصحابنا والأشاعرة وغيرهم، ممن قال بذلك كما ستعرفه، أو عقلا كما عليه المعتزلة وبعض المحققين منا، ولا شيء من غير المقدور عليه بواجب، فلو كانت المعرفة ضرورية لم تكن واجبة. هف.
احتج لهذا المذهب: بأن ذلك اللازم لو لم يكن حاصلا بالضرورة لكان العبد مكلفا بتحصيله بنظره ليثبت به الشرائع والأحكام التكليفية، وإن التكليف بتحصيله تكليف العاقل لأن من لم يعلم هذه الأمور من نحو إثبات الصانع، لا يعلم التكليف قطعا. (1/32)
صفحة 29
والجواب: أن العاقل الذي لا يكلف إجماعا، من لا يفهم الخطاب كالصبي والمجنون لأن لا يعلم أنه مكلف، مع أنه مخاطب بكونه مكلفا حال ما كان فاهما، فإنه غافل عن التصديق بالتكليف، لا عن تصوره وذلك لا يمنع من تكليفه وإلا لم يكن الكفار مكلفين، وحاصله أن التصديق بالتكليف ليس شرطا في تحققه لكونهم مكلفين إجماعا، ولأن العلم بوقوع التكليف موقوف على وقوعه، فلو توقف وقوعه على العلم والتصديق به لزوم الدور.
الرابع: أن الكل نظري، وهو مذهب بعض الجهمية.
ويبطله: ما مر من شهادة الوجدان، بكون البعض ضروريا، ومن لزوم الدور والتسلسل على تقدير كون الكل نظريا، واحتجوا بأن الضروري يمتنع خلو النفس عنه، وما من علم إلا والنفس خالية عنه في مبدأ الفطرة ثم يحصل لها علومها بالتدريج ما يتفق من الشروط، كالإحساس والتجربة والتواتر، وغير ذلك فيكون الكل غير ضروري وهو النظري.
والجواب: أن الضروري قد تخلو النفس عنه، أما عند من يوقفه، كالمعتزلة والحكماء، على شرط؟ كالتوجه والإحساس، وغيرهما أو استعدادية تقبل النفس ذلك العلم الضروري، فلفقدان ذلك الشرط أو الاستعداد، وأما عندنا وعند الأشاعرة فلأنه قد لا يخلقه الله في العبد حينا، ثم يخلقه فيه بلا قدرة في العبد متعلقة بذلك العلم، أو نظر منه به قدرة العبد ابتداء ولا بواسطة. (1/33)
صفحة 30
المرصد الرابع: في إثبات العلوم الضرورية، لأنه إليها المنتهى، فإن العلوم الكسبية من العقائد الدينية، وغيرها تنتهي إليها وهي المبادئ الأول، ولولاها لم يتحصل علم أصلا.
وأنها تنقسم إلى الوجدانيات: وأنها قليلة النفع في العلوم، لأنها غير معلومة الاشتراك يقينا، فلا تقوم حجة على الغير، وإلى الحسيات والمراد منها ما يتناول التجريبات والمواترات، وأحكام الوهم في المحسوسات والحدسيات والمشاهدات وإلى البديهيات، وهي الأوليات وما في حكمها من القضايا الفطرية.
فهذان القسمان: هما العمدة في العلوم، ويقومان حجة على الغير، أما البديهيات: فعلى الإطلاق، وأما الحسيات: فما ثبت الاشتراك في أسبابها من تجربة أو تواتر أو حدس أو مشاهدة
والناس فيها فرق أربع حسب الاحتمالات العقلية.
الفرقة الأولى: المعترفون بها وهم الأكثرون.
الثانية: القادحون في الحسيات فقط، وهذا القدح ينسب إلى أفلاطون وأرسطو أو بطليموس وجالينوس، فقال السيد: ولعلهم أرادوا بقولهم إن الحسيات غير يقينات لأن جزم العقل بها ليس بمجرد الحس، بل لابد له مع الإحساس من أمور تنضم إليه فتضطره إلى الحزم، ولا نعلم ما هي؟ ومتى حصلت؟ وكيف حصلت؟ وإن لم يريدوا ما ذكرناه من التأويل فإلى الحسيات تنتهي علومهم. (1/34)
صفحة 31
فيكون القدح فيها قدحا في علومهم التي بها يفتخرون، وذلك يتصور ممن له أدنى مسكة، فكيف من هؤلاء الأذكياء، وإنما قلنا بانتهاء علومهم إليها، لأن العلم الآلهي المنسوب إلى أفلاطون: مبني على الاستدلال بأحوال المحسوسات المعلومة بمعاونة الحس، وأكثر أصول العلم الطبيعي المنسوب إلى أرسطو: كالعلم بالسماء، وسائر العالم، وبالكون والفساد وبالآثار العلوية، وبأحكام المعادن والنبات والحيوان، مأخوذ من الحس وعلم الأرصاد والهيئة المنسوبة إلى: بطليموس مبني على الإحساس.
وأحكام المحسوسات وعلم التجارب الطبيعية المنسوب إلى: جالينوس مأخوذ من المحسوسات، هذا وقد صرحوا بأن الأوليات، إنما تحصل للصبيان باستعداد يحصل لعقولهم من الإحساس بالجزئيات، فالقدح في الحسيات يؤول إلى القدح في البديهيات.
قالوا: لو اعتبر حكم الحس، فأما في الكليات أو في الجزئيات، وكلاهما باطل.
أما الأول: فظاهر لأن الحس لا يدرك جميع النيران الموجودة في الخارج مثلا، ولو فرض إدراكه إياها فليس له تعلق قطعا بأفرادها الماضية والمستقبلية، فلا يعطى حكما كليا على جميع أفرادها سيما وقد ذهب المحققون إلى أن الحكم في قولنا «النار حارة» ليس على كل نار موجودة في الخارج في أحد الأزمنة فقط، بل عليها وعلى أفرادها المتوهمة أيضا، ولا شك أنه لا تعلق الحس بها البتة. (1/35)
صفحة 32
وأما الثاني: فلازم حكم المحس في الجزئيات يغلط كثير الوجوه.
الوجه الأول: أنا نرى الصغير كبيرا كالنار البعيدة في الظلمة إذا لم تبعد جدا، وسببه أن ما حولها من الهواء يستضيء لضوئها، والشعاع البصيري المحاذي لما حولها لا ينفذ في الظلمة نفوذا تاما، فلا يتميز للرائي جرم النار عن الهواء المضيء بها فيدركهما معا ويحسهما نارا وإن كانت قريبة بعد الشعاع وامتازت النار عن الهواء فادركهما على ما هي عليه من الصغر، وكالعنبة في الماء ترى كالاجامة، وسببه: أن رؤية الأشياء على القول الأظهر، إنما هي بخروج الشعاع على هيئة مخروط مستدير رأسه عند الحدقة وقاعدته على السطح المرائي، ويتفاوت مقدار المرئي صغرا وكبرا بحسب صغر زاوية رأس المخروط وكبرها، ثم إن الخطوط الشعاعية التي على سطح المخروط الشعاعي تنفذ إلى المرائي، على الاستقامة إلى طرفيه، إذا كان شعاع المتوسط بين الرائي والمرئي متشابه الغلظ والرقة، فإن فرض تفاوت بأن يكون مثلا ما يلي الرائي رقيقا كالهواء، وما يلي غليظا كالماء في مثالنا ها، فإن تلك الخطوط تنعطف وتميل إلى المخروط عند وصولها إلى ذلك الغليظ، ثم تصل إلى طرفي المرئي فتكون زاوية رأس المخروط ها هنا أكبر في الصور الأولى، مع كون المرئي شيئا واحدا فيرى في الصورة الثانية أكبر منه في الأولى، كما يظهر هذا الشكل فالخطان الأحمران هما الواصلان إلى طرفي النية إذا كانت في الهواء والأسودان هما الواصلان إلى طرفيها إذا كانت في الماء.
والزاوية التي بين الأولين أصغر من التي بين الآخرين فلذلك ترى في الماء أكبر منها في الهواء، وكالخاتم المقرب من العين يرى كالحلقة الكبيرة، لكبر الزاوية التي عند الحدقة فإن المقدار الواحد إذا جعل (1/36)
صفحة 33
وتر الزاويتين مستقيمي الأضلاع فالزاوية التي ضلعاها أقصر كانت أكبر من الزاوية التي ضلعاها أطول، ويرى الكبير صغيرا كالأشياء البعيدة، لصغر تلك الزاوية بحسب بعد المرئي، فكلما كان أبعد كانت أضيق إلى أن تتقارب الخطوط الشعاعية جدا، وكان بعضهما منطقيا على بعض، فيرى المرئي كأنه نقطة ثم ينمحي أثره فلا يرى أصلا، وترى الواحد كبير كالقمر إذا نظرت إليه مع غمز إحدى العينين، وذلك لأن النور البصري يمتد من الدماغ كما سيأتي في عصبتين مجوفتين يتلاقيان قبل وصولهما إلى العينين ثم يتباعدان وتتصل كل واحدة منهما بواحدة من العينين، فالعصبتان إذا كانتا مستقيمتين وقت الخطوط الشعاعية إلى المرئي من محاذاة واحدة هي ملتقاهما، فيرى واحدا، فإذا انحرقتا أو أحدهما امتدت تلك الخطوط إلى المرئي من محاداتين فيرى لذلك اثنين.
وكذلك إذا نظرنا إلى الماء عند طلوع القمر، وكونه قريبا من الأفق، فإنا نراه على التقديرين قمرين، أما على الأول: فلما مر وأما الثاني فلأن الشعاع البصري ينفذ في الهواء إلى قمر السماء، وينعكس من سطح الماء إليه أيضا فيرى مرة في السماء بالشعاع النافذ ومرة في الماء بالمنعكس.
وكالا حول الذي يقصد الحول تكلفا فإنه يرى الواحد اثنين بسبب وقوع الانحراف في العصبيتين أو في أحدهما، وأما الأحول الفطري فقلما يراه اثنين لاعتياده بالوقوف على الصواب، ويرى الكثير واحدا كالرحى إذا خرج من مركزها إلى محيطها خطوط متفاوتة في الوضع بألوان مختلفة، فإنها إذا دارت سريعة جدا رأيت الألوان كالواحد الممتزج منها، وسببه أن ما أدركه الحس الظاهر يتأدى أولا إلى الحس (1/37)
صفحة 34
المشترك، ثم إلى الخيال فإذا أدرك البصر مثلا لونا وانتقل منه بسرعة إلى لون آخر، كان أثر الأول باقيا في الحس المشرك عند إدراك الثاني ووصول أثره إليه، فيمتزج الأثران هناك، فتراهما النفس لامتزاج أثرهما ممتزجين، ولا نقدر على تمييز أحدهما من الآخر، وأيضا لما وقع الشعاع البصري على تلك الألوان بأسرها في زمان قليل جدا، لم تتمكن النفس من التمييز، فتراها ممتزجة، ويرى المعدوم موجودا كالسراب، قيل هذا من اشتباه الشيء بمثله، فإن السراب ليس معدما مطلقا، بل هو شيء يتراءى للبصر بسبب ترجرج الشعاع البصري المنعكس عن أرضه سبخه، كما ينعكس عن الماء فيحسب لذلك ماء.
وما يريه صاحب الشعبذة مما لا وجود له في الخارج، لعدم تمييز النفس بين الشيء ومشابهه، إما بسبب سرعة الحركة من الشيء إلى شبهه، وإما بسبب إقامة البدل مقام المبدل منه بسرعة على وجه لا يقف عليه الأمن يعرف تلك الأعمال، وكالخط لنزول القطرة، بسبب السرعة وكالدائرة لإدارة الشعلة بسرعة ولا وجود لواحد منها، والسبب فيها أن البصر إذا أدرك القطرة والشعاع في موضع وأداها إلى الحس المشترك، ثم أدركها في موضع آخر قبل أن يزول أثرها عنه اتصلت هناك صورتها في الموضع الثاني بصورتها في الأول، فيرى كما مر ممتدا أما على استقامة أو على استدارة، وأيضا لما اتصل الشعاع بها في تلك المواضع، دفعة، فيرى لذلك خطا أو دائرة، ويرى المتحرك ساكنا وبالعكس، كالظل: يرى ساكنا وسببه أن البصر إذا أدرك الشيء في موضع محاذيا لشيء بعد ما أدركه في موضع آخر محاذيا لغير ذلك الشيء، حكمت النفس بالحركة. (1/38)
صفحة 35
فإذا كانت المسافة في غاية القلة لم تميز النفس بين الموضعين والمحاذاتين وحكمت بالسكون، وهو متحرك أبدا لأن الشمس متحركة دائما أما ارتفاعيا أو انحطاطيا، فلا بد أن يتحرك الظل انتقاصا أو ازديادا، أو كراكب السفينة المتحرك يراها ساكنة والشط متحرك، وذلك لأنه لما لم يتبدل موضع الراكب بالنسبة إليها حسبها ونفسه ساكنين، ولما تبدل محاذاته لأجزاء الشط مع تخليه السكون في نفسه وفي السفينة حسب الشط متحركا، ويرى المتحرك إلى جهة متحركا إلى خلافها كالقمر، تراه سائر إلى الغيم حين يسير الغيم إليه، فإن القمر يتحرك بحركة الفلك من الشرق إلى الغرب أبدا، فإذا كان بيننا وبينه غيم غير سائر له، ونظرنا إليه نفذ شعاع البصر منا في جزء من أجزاء الغيم، فإذا فرضنا حركة الغيم من المشرق إلى المغرب أيضا، كانت هذه الحركة لقرب الغيم منا أسرع في الرؤية من حركة القمر، لبعده عنا فيصير ذلك الجزء الذي كان قد نفذ الشعاع فيه، قريبا من القمر ونفذ في جزء آخر قد حاذاه بالحركة، فيقع بين الجزئين قطعة من الغيم، فيتخيل أن القمر لحركته إلى الشرق، وقطع تلك القطعة التي هي بمنزلة المسافة وإذا تحركنا إلى جهة رأينا القمر متحركا إليها، إذا كان هناك غيم رقيق وسببه أ، الموضع بيننا وبين القمر يتغير بالنسبة إلى أجزاء الغيم وتقطع بيننا وبينه أجزاء منه على التعاقب في جهة حركتنا، فيتخيل أن القمر يتحرك إلى تلك الجهة وقطع قطعة من ذلك الغيم وإن تحرك القمر إلى خلافها، كما إذا كانت حركتنا نحو المشرق فإن القمر متحرك نحو المغرب.
ويرى الشجر على الشط منعكسا في الماء لأن الخطوط الشعاعية المنعكسة من سطح الماء إلى الشجر إنما تنعكس إليه على هيئة أوتار (1/39)
صفحة 36
الآلة الحدباء، فإذا كان الشجر على الطرف الآخر من الماء انعكس الشعاع إلى رأس الشجر من موضع أقرب إلى الرائي، وإلى ما تحت رأسه من موضع أبعد منه وهكذا، وإذا كان الشجر على طرف الرائي، كان الأمر في الإنعكاس على عكس ما ذكر ألا ترى أنك إذا تسترت على سطح الماء من جانبك ستر عنك رأس الشجر في الصورة الأولى: وقاعدتها: في الصورة الثانية، فيكون الخط الشعاعي المنعكس إلى رأس الشجر أطول مما هو أبعد منه، على الترتيب حتى يكون أقصرها هو المنعكس إلى قاعدة الشجر، ثم النفس لا تدرك الانعكاس لتعودها في رؤية المرئيات، لنفوذ الشعاع على الاستقامة، فيحسب الشعاع المنعكس نافذا في الماء ولا نفوذ هناك، إذ ربما لا يكون الماء عميقا بقدر طول الشجر فيظن لذلك أن رأس الشجر أكثر نزولا في الماء لكون الشعاع المنعكس إليه أطول، وكذا الحال في باقي الأجزاء على الترتيب، فتراه كأنه منعكس تحت سطح الماء.
وترى الوجه طويلا وعريضا ومعوجا بحسب اختلاف شكل المرآة، إذا فرضت كنصب قالب اسطوانة مستديرة، فإن نظرنا إليها بحيث يكون طولها محاذيا لطول الوجه، يرى الوجه فيها طويلا بقدر طوله قليل العرض، ذلك لأن الأشعة المنعكسة حينئذ إلى طول الوجه إنما تنعكس من خط مستقيم مساو لطول الوجه فيرى طوله بحاله، والمنعكسة إلى عرضه إنما تنعكس من خط منحنى مساو لعرض الوجه والزاوية (1) التي يؤثرها هذا المنحى أصغر من التي كان يؤثرها على تقدير كونه
____________
(1) (1/40)
صفحة 37
مستقيما، فيرى عرض الوجه أقل عما هو عليه، وإن نظر إليها بحيث يكون طولها محاذيا لعرض الوجه انعكس الأمر، فيرى الوجه عريضا بقدر عرضه قليل لما عرفته، وإن نظر إليها بحيث يكون طولهما موازنا في محاذات الوجه، يرى الوجه معوجا وأحد طرفيه أطول منه الآخر، لأن الانعكاس حينئذ من خط بعضه مستقيم وبعضه منحرف، وإن نظر إليها من طرف الاسطوانة تكون موازنته للوجه يرى الوجه معوجا لأنه يرى أحد طرفي الوجه أطول.
وسببه انعكاس الشعاع إلى أحد طرفيه من خط مستقيم مساو له، وإلى الآخر من خط منحرف يساويه على الوجه الذي عرفته في الموضعين الأولين.
وإذا كانت المرآة بحيث ينعكس منها الشعاع من موضعين أو أكثر إلى موضع واحد يرى الناظر فيها لنفسه وجهين أو أكثر، بل نقول إذا كانت المرآة مقعرة يرى وسط الوجه غائرا، وإذا كانت محدبة يرى نائيا، وبالجملة فالاختلافات المتنوعة في أشكال المرايا تستنتج اختلاف الوجه في الرؤية.
الوجه الثاني: أن الحسن لا يميز بين الأمثال، فربما جزم بالاستمرار وعن تواردها كما يقول الأشاعرة في الألوان: من أنها لا تبقى آنين بل يحدثها الله تعالى حالا فحالا، مع أن البصر يحكم بوجود لون واحد كما يقوله النظام، أيضا في الأجسام كذلك، فقام احتمال غلط الحسن في جميع الجزئيات، وسبب غلطه عن توارد الأمثال أن الحس (1/41)
صفحة 38
وإن تعلق لكل واحد منها من حيث خصوصيته لكن الخيال لم يثبت به يمتاز كل منهما عن غيره، فيخيل الرائي هنالك أمرا واحدا مستمرا.
الوجه الثالث: أن النائم يرى في نومه ما يجزم به جزمه بما يراه في يقظته، ثم يتبين له فيها أن ذلك الجزم كان باطلا، وكذا المبرسم يتصور تصورا لا وجود لهما في الخارج ويشاهدها ويجزم بوجودها، ويصيح خوفا منها فجاز في غيرها مثل ما ذكر فيهما، وبسبب غلطهما أن النفس بسبب النوم للاستراحة أو الاشتغال في دفع المرض تغفل عن ضبط القوة المتخيلة، فتتسلط على القوى فتركب صورا خيالية ترسمها، في الحسن المشترك على نحو ارتسام الصور فيه من الخارج بالإحساس، حال اليقظة والصحة، فتدركها النفس وتشاهدها وتعتقد أنها وردت عليها من الخارج لاعتيادها بذلك.
لا يقال ذلك بسبب لا يوجد في حال اليقظة والصحة ولا يقع فيها الغلط أصلان لأنا نقول انتقاء السبب المعين لا يفيد، لجواز أن يكون للغلط سبب آخر في اليقظة والصحة مغايرا لما كان سببا له في النوم والمرض، بل لابد من حصر الأسباب المقتنصة للغلط حصرا عقليا لا يتصور له سبب خارج عنه، وبيان انتقالها بأسرها وبيان وجو انتقاء السبب عند انتقائها، وكل واحد في الثلاثة مما لو ثبت فبالنظر الدقيق إذ كل منها مما تتطرق إليه الشكوك والشبه، بل حصر أسباب الغلط وبيان انتقائها بكليتها مما لا سبيل إليه أصلا، وإن ثبوت كل منها بذلك النظر ينفي البداهة. الوجه الرابع: أنا نرى الثلج في غاية البياض مع أنه ليس بأبيض، (1/42)
صفحة 39
فإذا تأملنا أنه مركب من أجزاء شفافة لا لون لها، وهي الأجزاء المائية الرشية، وقولهم: سببه مداخلة الهواء المضيء بالأشعة الفائضة من الأجرام النيرة للأجزاء الشفافة المتصغرة جدا، أو تعاكس الأضواء من سطوحها الصغار بعضها إلى بعض، فإن الضوء المنعكس يرى كلون البياض من النمط الأول أعني من قبل بيان أسباب الغلط، وقد عرفت أنه لا فائدة فيه، وأظهر من الثلج في الدلالة على الغلط الزجاج الدقوق ناعما لأنه لم يحدث له مزاج محدث للبياض، فإن أجزاءه الأصلية يابسة متفقة في الصور والكيفيات، لا تفاعل بينهما لعدم إلا لتصادق، وإتقان الصورة والكيفية، فكيف يتصور حدوث المزاج فيه مع أنه شرط عندهم بالتفاعل، وأما الثلج ففيه أجزاء مائية وهوائية، فجاز أن يتوهم بينهما تفاعل وأظهر منها موضع الشق من الزجاج الغليظ الشفاف، فإنه يرى أبيض ولا بياض هناك قطعا! فليس ثمت إلا زجاج والخواء المحتقن في الشق وشيء منها غير ملون.
والجواب عن شبه هذه الفرقة: إن مقتضى ما ذكروه أن لا يجزم العقل بحكم كلي أو جزئي بمجرد الحس والإحساس به، ونحن نقول به، فإن جزم العقل ليس يحصل في الكليات ولا في الجزئيات لمجرد الإحساس بالحواس، بل لابد مع ذلك من أمور أخرى توجب الجزم كما مر، فإذا لم توجد في بعض الصور لم يكن في العقل جزم، وكان احتمال الخطأ هناك قائما لا يؤثر بجزمه بما جزم به من الأحكام على المحسوسات بحصول تلك الأمور مع الإحساس في هذه الصور، وكيف لا يؤثر بجزمه ها هنا مع أن بديهته شاهدة بصحته وبانتفاء الغلط عنه، كما في قولنا الشمس مضيئة والنار حارة. (1/43)
صفحة 40
الفرقة الثانية: القادحون في البديهيات فقط؟ فقالوا: هي أضعف من الحسيات لأنها فرعها، وذلك لأن الإنسان في مبتدأ الفطرة خال عن الإدراكات كلها، فإذا استعمل الحواس في الجزئيات تنبه لمشاركات بينها ومباينات وانتزع منها صورا كلية، يحكم على بعضها ببعض إيجابا أو سلبا، أما بديهية عقلية كما في البديهيات أو بمعاونة شيء آخر كما في سائر الضروريات والنظريات، فلولا إحساسه بالمحسوسات لم يحصل له شيء في التصورات والتصديقات، ولذلك قيل من فقد حسا فقد فقد علما متعلقا بذلك الحس ابتداء أو بواسطة، كالأكمة فإنه لا يعرف حقائق الألوان ولا يحكم باختلافها في الماهية لعدم إحساسه بجزئياتها، وكالعنين فإنه لا يعرف حقيقة لذة الجماع ولا يحكم بمخالفتها لسائر اللذات.
واعترض بأنه ليس يلزم من كون الإحساس شرطا في حصول حكم عقلي أن يكون الإحساس أقوى من التعقل، فإن الاستعداد شرط في حصول الكمال، وليس بأقوى منه قالوا: فلا يلزمنا من قدحنا في البديهيات التي هي فرع القدح في الحسيات التي هي أصل لها، ولهم في القدح في البديهيات شبه.
الأولى: آجلي البديهيات واقواها في الجزم، قولنا: الشيء إما أن يكون أو لا يكون أعني الترديد بين النفي والإثبات لأنهما لا يجتمعان ولا يرتفعان وأنه غير يقيني، أما كونه أجلاها وأقواها فلأن المعترفين بها يمثلون لها بذلك الترديد وبثلاثة أخرى تتوقف عليه.
الأول: الكل أعظم من الجزء، وإلا فالجزء الآخر معتبر في الكل (1/44)
صفحة 41
لأنه جزء الكل وليس بمعتبر فيه حصول الاكتفاء بالجزء الأول، إذ المفروض أن كل واحد منهما ليس بأزيد منه فيجتمع النفي والإثبات.
الثاني: الأشياء المساوية في الكمية لشيء واحد متساوية فيها وإلا فالكمية واحدة لمساواتها لذلك الشيء وليست واحدة لاختلافها فيها وعدم تساويها فيجتمع النفي والإثبات.
الثالث: لو كان الجسم الواحد في آن واحد في مكانين، لكان الواحد اثنين، فيكون وجود أحد المثلثين وعدمه واحد، وهذه الاستدلالات التي ذكرناها ملحوظة للعقلاء، وإن عجز البعض تلخيصها في التعبير عنها، ألا ترى إلى قولهم لو لم يكن الكل أعظم من الجزء لم يكن للجزء الآخر أثر البتة، ولو كان الشيء الواحد مساويا لمختلفين لكان مخالفا لنفسه.
وأما كونه غير يقيني فلوجوه.
الأول: أن هذا التصديق الذي هو قولنا الشيء إما أن يكون أو لا يكون، يتوقف على تصور المعدوم، وأنه محال فيستحيل التصديق الموقوف عليه أيضا، إذ كل متصور متميز، وكل متميز ثابت، فيكون العدم ثابتا. هف.
لا يقال أنه ثابت في الذهن فلا خلاف في ذلك، إذ المعدوم في الخارج ثابت موجود في الذهن، وأيضا إن كان متصورا فذاك وإلا فالحكم عليه فإنه غير متصور يستدعي تصوره وامتنع عليه هذا الحكم، لأنا نقول الكلام في المعدوم مطلقا، ويمتنع أن يكون له ثبوت بوجه ما لأن الثابت بوجه ما لا يكون معدوما مطلقا. (1/45)
صفحة 42
ونقول في جواب الآخر معارضة للحجة على أن المعدوم المطلق غير متصور لأحد لتلك الحجة، وأن معارضته ما ذكرتم لما ذكرنا تحقق تعارض الحجج القواطع، لأنهما قطعيتان، وتعارض القواطع المركبة من المقدمات البديهيات إحدى حججنا القوادح في البديهيات.
الثاني: إن ذلك الترديد يقتضي تمييز المعدوم على الموجود، ولو كان متميزا لكان له حقيقة، وكان للعقل سلبها ورفعها وإلا انتهى الوجود وسلبها عدم خاص لكونها مضافا فقسم من العدم قسم له هف لأن قسم الشيء أخص منه وقسيمة مباينا له فيمتنع صدقها على شيء.
الثالث: المردد فيه في قولنا المذكور ثبوت الشيء وعدمه، أما في نفسه فيكون ... كقولنا السواد إما موجود أو لا، وأما لغيره فيكون كقولنا الجسم إما أسود أو لا، وكلاهما باطل، فالأول: وهو الترديد بين الشيء وعدمه في نفسه، لأنه لا يعقل شيء من طرفيه، أما الثبوت وهو قولنا السواد موجود فإن وجود الشيء إما نفسه فلا يفيد حملة عليه، بل يكون حينئذ قولنا السواد موجود عاريا عن الفائدة كقولنا السواد سواد والموجود موجود، لكن التفاوت ظاهر فبطل كون وجود الشيء نفسه.
وقد يقال: نحن نلتزم عدم التفاوت فإن ادعيت حكم البداهة بالتفاوت فقد ناقضت مطلوبك، وأما غيره وهو أيضا باطل لوجهين، أحدهما أنه في نفسه معدوم، وإلا عاد الكلام فيه فيقال ذلك الوجود إما أن يكون نفس الشيء وهو باطل لما مَرّ، فالشيء المعدوم في نفسه إذا كان موجودا أعيد الكلام إلى الوجود. (1/46)
صفحة 43
الرابع: فإما أن يثبت المدعي أو تتسلسل الوجودات وهو محال، فيتعين المدعي وأيضا لو لم يكن الشيء معدوما في نفسه على ذلك التقدير لوجد مرتين، وكان وجودا بوجودين هف.
فإذا ثبت أن الشيء معدوم في نفسه، والموجود موجود وإن لم يكن موجودا اجتمع النقيضان، على تقدير كونه معدوما وفي اجتماعهما، ووجود الواسطة المطلوب أعني بطلان قولنا السواد أما موجود أو معدوم، إذ على الأول: يبطل منع الجمع في هذه المنفصلة، وعلى الثاني: منع الخلق فيها، فيلزم مما ذكر من كون السواد معدوما في نفسه، وكون الوجود موجودا قيام الموجود الذي هو الوجود بالمعدوم الذي هو السواد مثلا، على تقدير صحة قولنا السواد موجود، فيلزم جواز مثله في الحركات، والألوان بأن نقول هذه أمور موجودة بشهادة الحس، وقائمة بالمعدومات، ويحصل بطلان حكم البداهة، لأنها تحكم بأن تلك الحركات والألوان لا يجوز قيامها إلا فأمور موجودة.
وثانيها: أن حمل الوجود على السواد على تقدير المغايرة، حكم بوحدة الاثنين وأنه باطل، لا يقال المراد أن السواد موصوف بالوجود، لأننا نقل الكلام إلى الموصوفية بالوجود وتسلسل، فإن قيل لا يمتنع تسلسل في الأمور الذهنية قلنا للموصوفية نسبة بين الموصوف والصفة، فتقوم بهما لا بغيرهما، وهو الذهن لاستحالة قيامها بغير المنتسبين، مع أن حكم الذهن إما مطابق للخارج فيعود الإلزام أو لا فلا عبرة لكونه حكما باطلا، وأما المنفي وهو قولنا السواد ليس بموجود فلأن وجوده إما (1/47)
صفحة 44
نفسه فنفيه عنه تناقض أو غيره فيتوقف عنه على تصوره وهي تستدعي تمييزه وثبوته لما عرفت وليس في الذهن لما مر.
الرابع: الواسطة ثابتة بين الموجود والمعدوم وهي المسماة عندهم بالحال كالعالمية والقادرية ونحوهما، فقد أثبتها قوم بلغوا في الكثرة إلى حد يدعي معه قيام الحجة بقولهم، ونفاها الأكثرون وادعوا أن البداهة مشاهدة بالانحصار بين الموجود والمعدوم، فأحد الفريقين اشتبه عليه البديهي وغيره فلا ثقة به.
والجواب: أن المتصور مفهوم المعدوم وهو ذات ما ثبت له العدم لا أن ثمت ذاتا ثبت له العدم في نفس الأمور ومفهوم المعدوم هو المتميز والثابت، والحمل إنما صح للتغاير مفهوما والاتحاد هوية والموصوفية ونحوها من الأمور الاعتبارية ولا وجود لها، ولا لنقيضها في الخارج كالامتناع ونقيضها الشبهة.
الثانية: إنما نجزم بالعاديات كجزمنا بالأوليات لا فرق بينهما فيه، فمنها أن هذا الشيخ الذي رأيناه الآن لم يتولد دفعة على هذه الهيئة بلا أب ولا أم، بل ولد منها ملتبسا بالتدريج إلى أن صار شيخا بعد أن كان شابا وكهلا، ومنها أن أواني البيت لم تنقلب بعد خروجي عنه ناسا فضلاء محققين في العلوم الآلهية والهندسية ولا حجارة جواهر نفسية ولا ماء البحر دهنا وعسلا، وأن ليست رجلي الآن ياقوتة من ألف رطل، ومنها أن المجيب عن خطابي بما يطابقه حي فاهم، عالم قادر، ثم إذ تأملنا هذه القضايا لم نجدها مما يجوز الجزم بها وكان احتمال قائما في الكل باتفاق العقلاء. (1/48)
صفحة 45
أما عند المتكلمين فلاستناد الكل عندهم إلى الفاعل المختار، فلعله أوجب شيئا من ذلك للإمكان وعموم القدرة.
وأما عند الفلاسفة فلاستناد الحوادث الأرضية، عندهم إلى الأوضاع الفلكية فلعله حدث شكل غريب فلكي لم يقع فيما مضى مثله أو وقع لكنه لا يتقدر إلا في ألوف من السنين لا يفي بضبطها التواريخ، فاقتضى ذلك الشكل الغريب ذلك الأمر العجيب، وأيضا فأنا أجزم بأن ابني هذا وكذا الذبابة الني أراها ليس أحدهما جبريل، وأنتم تجوزون ذلك إذا قلتم إنه كان تارة يظهر في صورة دحية الكلبي، وكان له أخرى دوي كدوي الذباب.
والجواب أن إمكان نقائص ما جزمنا به من العاديات، لا ينافي الجزم بوقوع تلك الأمور العادية جزما مطابقا للواقع ثابتا لا يزول بالتشكيك أصلا، كما في بعض المحسوسات فإنا نجزم بأن هذا الجسم فلا شاغل لهذا الحيز في هذا الوقت جزما لا تتطرق إليه شبهة، مع أن نقيضه ممكن في ذاته، فظهر أن الجزم في العاديات وقع موقعه وليست فيها احتمال النقيض، القادح في الجزم.
وأما احتمال النقيض بمعنى إمكانه الذاتي فليس بقادح فيها كما في المحسوسات اليقينية.
الشبهة الثالثة: أن يقال للأمزجة والعادات تأثير في الاعتقادات، فقوى القلب يستحسن ألاَّ يلام بل ربما يلتذ به، وضعيفه يستقبحه جدا ومن ثم ترى بعضهم لا يجيزون للانتفاع بأكملها، ومن (1/49)
صفحة 46
مارس مذهبا ولو باطلا، برهة من الزمان، ونشأ عليه، فإنه يجزم بصحته فجاز أن يكون الجزم في الكل لمزاج أو عادة عامين لجميع أفراد الإنسان المتفقين في البديهيات، فلا تكون يقينية كالقضايا الصادرة عن الأمزجة والعاديات المخصوصة.
والجواب: أن ذلك بفساد المزاج فلا يقدح في كونها يقينية.
الشبهة الرابعة: في قولهم مزاولة العلوم العقلية، دلت على أنه قد يتعارض قاطعان يعجز عن القدح فيهما، وما العجز إلا للجزم بمقدماتهما مع أن أحداهما خطأ قطعا وإلا اجتمع النقيضان.
والجواب: أنا لا نسلم أنه يعجز عن القدح في أحدهما إذ ينشأ عن الوهم في صور العقل ضرورة أن مقدماته أو بعضها خطأ قطعا.
الشبهة الخامسة: أنا نجزم بصحة دليل أزمنه وبما يلزمه من النتيجة، ثم يظهر لنا خطاؤه وكذلك ننقل المذاهب المتنافية وأدلتها المتخالفة، فجاز مثله في كل ما نجزم به من البديهيات فيرتفع الأمان عنها.
الشبهة السادسة: أن في كل مذهب قضايا، يدعي فيها صاحبه البداهة ومخالفون ينكرونها وهو يوجب الاشتباه ويرفع الأمان عنها، فلنعد منه عدة.
الأولى: للمعتزلة: الصدق النافع حسن والكذب الضار قبيح، وأنكره غيرهم. (1/50)
صفحة 47
الثانية: ولهم أيضا، قالوا العبد موحد لأفعاله الاختيارية ومنعه غيرهم، وعارض إدعاء الضرورة أخرى في أنه لابد لذلك الفعل من مزيج من خارج وإلا تسلسل.
الثالثة: لهم أيضا وللحكماء يمتنع بالبديهة رؤية أعمى الصين وهو أقصى بلد الإسلام بقعة أندلس، ورؤية ما لا يكون مقابلا أو في حكمه، وعليه مبني رؤية الباري كما سيأتي، وجوزه الأشاعرة.
الرابعة لجمهور الناس قالوا: الأعراض باقية.
وأنكره الأشاعرة وكثير من المعتزلة، وأصحابنا في بعض الأعراض كما سيأتي.
الخامسة: للمجسمة، قالوا كل موجود إما مقارن للعالم أو مباين له.
وأنكره جميع الموحدين وقالوا إنه حكم وهمي.
السادسة: للمتكلمين: يجب البداهة انتهاء الأجسام إلى ملاء أو خلاء.
وأنكره الحكماء النافون للخلاء.
السابعة: لهم لا يعقل تقدم عدم الزمان عليه إلا بزمان، والقائلون بحدوث الزمان يكذبونهم الثامنة لهم أيضا لا حدوث إلا عن شيء والمسلون ينكرونه.
التاسعة: لهم أيضا الممكن لا يترجح إلا بمرجح. (1/51)
صفحة 48
وجوزه الموحدون من الفاعل المختار.
العاشرة: للمتكلمين: الإنسان محل لألمه ولذاته يدركها بذاته.
وقال الحكماء: محلها هو الجسم والقوى الحالفة فيه وهو آلة للإنسان وليس هو ذات الإنسان فقد اتفق المتكلمون على أن أول العلوم الضرورية علم الإنسان بنفسه ولذته وألمه وجوعه وعطشه، والفلاسفة على أن مدرك ذلك ليس ذات الإنسان بل قواه الجسمانية التي هي من توابع ذاته التي هي النفس الناطقة فإنها الإنسان بالحقيقة.
الحادية عشر: للجمهور: يمتنع الفعل من نائم أو معدوم، وجوزه المعتزلة تولدا كما سيأتي.
وجواب الشبهة الخامسة والسادسة: يعلم من جواب الرابعة، ثم إن المنكرين للبديهيات بعد تقرير شبهتهم قالوا لخصومهم إن أجبتم عنها فقد الترميم أن البديهيات لا تصفوا عن الشوائب، إلا بالجواب عنها، وأنه إنما يحصل بالنظر الدقيق فلا تبقى البديهيات ضرورية وهو المراد، ويلزم الدور أيضا، وإن لم يجيبوا عنها تمت ونفت الجزم بالبديهيات.
وأجيب عن ذلك بأنا لا نشتغل بالجواب عنها لأن الأوليات مستغنية عن أن نجيب عنها، وليس يتطرق إلينا شك فيها بتلك الشبهة التي نعلم قطعا أنها فاسدة.
الفرقة الرابعة: المنكرون للبديهيات والحسيات معا، وهم (1/52)
صفحة 49
السوفسطائيون، قالوا: دليل الفريقين يبطلهما، والنظر فرعهما فيبطل ببطلان أصله النحصر فيهما، ولا طرق إلى العلم غيرهما.
وأفضلهم الأدرية: قالوا كلامنا لا يفيدنا قطعا بذلك البطلان، والوجوب فيتناقض، بل يفيدنا شكا فإنا شاكون وشاكون في أنا شاكون، وهلم جرا.
وقد منع المحققون المناظرة معهم كما سيأتي، وما قيل إن تصدير كتب الأصول الدينية بمثل هذه الشبهات تضليل لطلاب الحق.
فجوابه أن اطلاعه عليهما وعلى وجوه فسادهما يفيدهم التثبيت فيما يرمونه، كي لا يركنوا إلى شيء منه إذا لاح لهم في بادئ رأيهم.
المرصد الخامس: في النظر، إذ به يحصل المطلوب الذي هو إثبات العقائد الدينية وفيه مقاصد.
الأولى: في حقيقة، وهو ترتيب أمور معلومة على وجه يؤدي إلى استعلام ما ليس بمعلوم، وهو قيل غير جامع لأنه يرد عليه التعريف بالفصل وحده وهو من الحد الناقص، ويعتذر عنه بأنه قد منع بعض الأقدمين التعريف بالمفرد كما هو معلوم في محله، وقد بسطت شيئا من القول فيه في شرح مرج البحرين، قيل وأحسن منه وأسلم أن نقول النظر هو وضع معلوم أو ترتيب معلومين فصاعدا على وجه يتوصل به إلى المطلوب، وأو كما قيل للتنويع، فيشمل الحد الناقص والرسم فإن وصلت تلك الأمور إلى معرفة مفرد سميت معرفا وقولا شارحا، وإن (1/53)
صفحة 50
وصلت إلى تصديق وهو العلم بنسبة أمر إلى أمر على جهة الثبوت أو النفي سميت حجة ودليلا
فمثال الأول: الحيوان الناطق في شرح ماهية الإنسان.
ومثال الثاني: في بيان حدوث العالم أن يقول العالم متغير وكل متغير حادث، فإن ترتيب هاتين المقدمتين المعلومتين على الوجه الخاص، وهو كون الصغرى موجبة والكبرى كلية يوصل من اتضح له بالبرهان صدقها إلى العلم، بأن العالم حادث لاندراج الصغرى في حكم الكبرى، وهل الربط يبن الدليل والنتيجة عادي فيمكن تخلفه عنه؟ أو عقلي فلا يكمن عند الآفات العامة كالموت والنوم ونحوهما من التخلف؟ أو بالتوليد؟ وهو أن يوجب فعل لفاعله فعلا آخر كحركة اليد لحركة المفتاح؟
فإن قلت إن العالم ليس فعلا فلا يصح أن يعتبر فيه تولد.
قلت: المراد بالفعل الأثر الحاصل، ولذلك يقال هو وجود حادث عن مقدور بقدرة حادثة، بمعنى أن القدرة الحادثة أثر في وجود النتيجة إلا أن القدرة الحادثة أثرت في وجود النتيجة بواسطة تأثيرها في النظر أو بالإيجاب بمعنى أن النظر علة أثرت في وجود المعلوم، أربعة مذاهب.
الأولان: لأصحابنا والأشاعرة.
الثالث: للمعتزلة واستشقوا منه النظر التذكري فقالوا فيه بالثاني لأنه كالنظر الذكرى للضروري. (1/54)
صفحة 51
الرابع: للحكماء: فإن قلت ما الفرق بين النظرين قلت التذكري هو الذي نسيه الناظر، ثم استعمل فكرة حتى تذكره، والذكرى الضروري هو الذي نسيه ثم ذكره من غير إعمال ذكر، ولما كان هذا بمحض خلق الله تعالى ولا أثر للناظر في ذكره إجماعا وكانت حقيقة النظر التذكري مماثلة له، وافق المعتزلة جمهور المتكلمين على عدم تأثير القدرة الحادثة في نتيجة هذا النظر التذكري، والحاصل أن الأنظار ثلاثة نظر ابتدائي لم يتقدم للناظر علم به البتة، ونظر تذكري ونظر ذكري، وقد أسندنا العلم نتيجة الثلاثة إلى محض خلق الله، ولا أثر لغيره في شيء منها لما أن ذلك حكم سائر الكائنات، عنونا ووافقنا المعتزلة في الآخرين دون الأول، فجعلوا نتيجة أثرا للقدرة الحادثة بواسطة تأثيرها في النظر، وألزمهم البعض أن يقولوا في التذكرى أيضا أنه تولد.
كما قالوا: في الابتدائي، قال: وحصول العلم عقب التذكرى المقدور كحصوله عقب النظر المقدور فيلزم منه تولد في التذكرى.
المقصد الثاني: منع السمتيه إفادة النظر في العلم مطلقا، والمهندسون في الآلهيات فلا يخفى فسادهما، وضرورة العلم بإفادته المستفادة من التجربة كافية في الرد عليهما.
لا يقال: الضروري لا يختلف فيه العقلاء وهذا قد اختلفوا فيه، لأنا نقول: ذلك في الضروري الذي ليس له سبب كاكون الكل أعظم من جزئه وأما ماله سبب كهذا مما يدركه ضرورة، إلا من شارك في السبب كحلاوة الطعام مثلا لا يدركه ضرورة إلا من شاركه في سببه الذي هو الذوق، والسبب في مسألتنا العثور على النظر الصحيح المطلع على (1/55)
صفحة 52
وجه الدليل الذي هو الحد الأوسط في المقدمتين، كاكون العالم دليلا على وجه الصانع لكن إنا يوصل من نظر فيه من حث الحدوث أو الإمكان الخاص، لا من حيث أن فيه ذاتا قائمة بنفسها مستغنية عن المحل أي قابلا للمعاني أو أن فيه حالا في محل أو موجود أو معدوم فإنه لا دلالة له ولا إشعار.
فهم لم يطلعوا على النظر الصحيح حتى يشاركونا.
احتج المهندسون كما مر بأن الحكم على الشيء فرع تصور، وحقيقة الأله مستحيل تصورها، فلا يدرك بالنظر الحكم عليها، وبأن أقرب الأشياء إلى الإنسان هويته التي يشير إليها بأنا وهي الروح، وفيها من كثرة الخلاف ما قد قال بعضهم من أنه رأى كتابا للحكماء في حقيقة النفس والروح.
وفيه ثلاثمائة قول، قال: وكثرة المقالات تؤذن بكثرة الجهالات، فما ظنك بأبعدها عن الأوهام والعقول، وما احتجوا به ممنوع أما الأول فلأن الحكم إنما يتوقف على تصور ما هو موجود لا على كمال التصور.
وأما الثاني: فلا ينتج الامتناع بل العكس وهو مسلم لا شك فيه، إذ الوهم يلابس العقل في مأخذه، والباطل يشاكل الحق في مباحثه، ومن ثم كان أهل الحق من هذه الأمة في غاية القلة ومنع الخوض فيما زاد على الضروري من هذا العلم، لغير أفراد من الأذكياء.
المقصد الثالث: اختلف القائلون بإفادة النظر في أنه هل العلم (1/56)
صفحة 53
بالنتيجة يعقب العلم بوجه الدليل؟ أو يحمل معه دفعة وعليه؟ فهل بعلم واحد أم بعلمين؟
ذهب إلى كل من ذلك فريق، وزعم أبو علي الحسين بن عبدالله بن سينا أن حصول العلمين بالمقدمتين في الذهن ليس كافيا في حصول النتيجة، بل لابد من علم ثالث: وهو التفطن الاندراج الصغرى تحت الكبرى، كما إذا قلت هذه بغلة وكل بغلة عاقر فلا ينتج أن هذه عاقر حتى تتفطن إلى أن هذه البغلة فرد من أفراد هذه الكلية ليلزم الحكم على الفرد.
قال بعضهم وما ذكره حتى فإنك إذا قلت: النبيذ مسكر وكل مسكر حرام، لم يندرج النبيذ في الحرمة إلا من حيث كونه فردا من أفراد المسكر، فلا بد من التفطن له إلا أنه معلوم في ضمن العلم بأن هذا الترتيب منتج، فلا يكاد يخلو الذهن عن ذلك عند ذكر المقدمتين على هذا الوجه، ثم لا بد بعد استحضار المقدمتين من ملاحظة الترتيب والهيئة العارضين لهما، وإلا لما تفاوتت الأشكال في جلاء الإنتاج وخفائه أما الترتيب فهو ما يرجع إلى تقديم الصغرى على الكبرى في النفس وبه فارق الشكل الأول الرابع، وأما الهيئة فهي كون الحد الأوسط محمولا في الصغرى موضوعا في الكبرى فهذه هيئة الأول وعكسه هيئة الرابع، وكونه محمولا فيهما هيئة الثاني، وموضوعا فيهما هيئة الثالث.
المقصد الرابع: ما مر كان في النظر الصحيح، وأما الفاسد فإن كان لعدم تمامه لم يستلزم شيئا اتفاقا، وكذا إن كان لفساد نظمه (1/57)
صفحة 54
كالاستدلال بجزئيتين أو سالبتين وإن كان الخلل في مادته، وهي مقدماته فقولان مشهورهما أنه لا يستلزم الجهل وهو رأي المتكلمين.
والثاني: وهو الصحيح، أنه يستلزمه وهو رأي المنطقيين، والخلل فيهما بأن تكون كلها كاذبة، أو بعضها.
كقول الحشوية: الإله موجود قائم بنفسه، وكل موجود قائم بنفسه جسم فهذا لا خلل في نظمه، ولكن مادته مختلفة، لكون الكبرى كاذبة، فهل له نتيجة يرتبط بها؟ وهي آلة الجسم أولا؟
الأول: قول المنطقيين، ولهذا قالوا: في القياس أنه قول مؤلف من أقوال متى سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر، فزادوا متى سلمت لتدخل الشبهة، كقول الأشاعرة: الله موجود وكل موجود يمكن أن يرى، فكبرى القياس فيه كاذبة لما ستراه.
والثاني: مذهب المتكلمين، وهو المشهور، وما احتج به المتكلمون من اختلاف الشبهة، بحيث أن الناظر فيها ابتداء تقودوه إلى الجهل والناظر فيها بعد العلم لا تقوده إلى شيء والناظر فيها عقب نظره في شبهة على النقيض تقوده إلى الشك، وما اختلف لم يرتبط بشيء فغير مسلم لأنا نقول أن لازمها على الحقيقة الجهل، وإنما انتقى على العلم اعتقاد صدق نتيجتها في نفيها للعلم بضدها، لا لعدم العلم بالربط بينهما، والمراد بقولنا: عقب نظره في شبهة على النقيض أنه كالناظر مثلا في شبهة النصارى، فإن النظر فيها يقوده إلى أن الله تعالى معنى لا يقوم بنفسه لأنه مركب عندهم من الأقانيم الثلاثة كما ستعرفه. (1/58)
صفحة 55
وفي النظر عقب نظره فيها في شبهة الحشوية تقوده إلى أن جسم كما مر فقد وقع الشك في الإله عند هذا الناظر هل هو جسم أو معنى؟ وكلاهما فاسد، تعالى الله عن ذلك.
وكذا الناظر في شبهة القدرية فإنها تقوده إلى أن للعبد قدرة لها يخلق أفعاله، فإن نظر عقبها في شبهة الجبرية على أنه لا قدرة للعبد أصلا، فأدته إلى الشك هل له قدرة بها يخترع أم لا؟ وكلاهما فاسد وكذا الناظر في شبهة عقيب نظرة في أخرى فليس شكه من مجرد الشبهة بل من تعارض الشبهتين، وهو في الحقيقة تعاقب رأيين لاسترابه بين معتقدين التي هي الشك، وما احتجوا به أيضا من أن الشبهة لو كان لها ارتباط بعقد معين لكانت دليلا.
والتالي: باطل لأن حقيقة الشبهة ما اشتبه أمرها على الناظر، فاعتقدها دليلا وليست بدليل، فلا يلزم لجواز اشتراك المختلفان في بعض اللوازم، فإن الدليل بفارق الشبهة وإن اشتركا في صورة النظم، فإن مقدمات الدليل ضرورية أو تنتهي إليها، إذا ركب الدليل من المقدمات النظرية أو بعضها فإنه يحتج عليها ويبين صدقها بقياس آخر حتى تنتهي إلى الضرورية كقولك: العالم حادث، وكل حادث له صانع فالعالم حادث، مقدمة نظرية فلا بد من الاستدلال عليها كذلك حتى تنتهي إلى الضرورية كأن نقول: العالم متغير، وكل متغير حادث فانظر كيف وقع الاستدلال بالتغير الذي هو ضروري، إذ هو مشاهد على أن استلزام التغير للحدوث يحتاج إلى نظر آخر كما ستقف عليه، والشبهات لا تنتهي إلى ضروري أصلا. (1/59)
صفحة 56
المقصد الخامس: اعلم أن للنظر في الشيء أضداد تخصه وأضداد تعمه وغيره، فالخاص كلما يوجب إخطار المنظور فيه بالبال كالعلم به والجهل به، أعني المركب فإنه لو نظر معهما لكان تحصيل الحاصل.
قالوا: ونظر العالم في دليل آخر إنما هو لاختبار دلالته لا للاستدلال به، وكالشك فيه والظن والوهم، لأنه متى نظر في طرف لم يخطر بباله الطرف الآخر وهل عدم الخطور لطرف الثاني الموجب للتنافي عقلي، أو عادي؟ فيه ترد للمتكلمين، والأضداد العامة ما لا يخطر معهما المنظور فيه بالبال، كالموت والنوم والنسيان وما في معناها، وبالجملة: فالنظر يضاد العلم وجملة أضداده، فإن قلت كيف يكون العلم، والجهل والظن والشك والوهم أضدادا خاصة؟ مع أن العلم كما يضاد النظر يضاد جميع ما ذكر معه من جهل وشك وظن ووهم، وكذا يضاد النوم ونحوه من الآفات العامة، ومثل ذلك يرد في الظن، لأنه كما يضاد النظر يضاد سائر ما ذكر معه، وكذلك سائر الأضداد الخاصة يرد فيها هذا، قلت لأن الأضداد العامة تزيد بالإرادة فهي كما تضاد النظر والعلم.
وجملة أضداد: تضاد الإرادة فلا يكون القاصد للشيء نائما أو ميتا أو ناسيا له، أو ذاهلا عنه، بخلاف الأضداد الخاصة، فإنها لا تضاد الإرادة، فلما زادت الآفات العامة بالإرادة سميت عامة وسميت لأخرى خاصة ففي كلامهم شبه القصر الإضافي أعني مضادتها خاصة بالنظر مقصورة عليه لا تتجاوزه إلى الإرادة، وقد أوضح هذا بعضهم.
وقال: ويختص الموت من بين الأضداد العامة بزيادة مضادة القدرة، لا يقال: إن العلم يضاد الجهل البسط ولا يضاد النظر لأنا (1/60)
صفحة 57
نقول: لا يرد هذا لأن الجهل البسيط سلب إذ هو عدم إدراك الأمر، فهو نقيض العلم لا ضد له.
المرصد السادس: في البرهان والحجة وفيه مقاصد.
الأول إن الحجة تنقسم أولا بحسب مادتها قسمين عقلي ونقلي.
والأولى: خمسة أقسام، برهان وجدل وخطابة وشعر ومغالطة.
فالبرهان ما تركت من مقدمات كلها يقينية، واليقينان ستة أقسام، أوليات لأنها تدرك بأول توجه العقل وتسمى أيضا بديهيات، وهو ما يجزم به العقل بمجرد تصور طرفيه كقولنا الواحد نصف الاثنين، والكل أعظم من جزئه، ومشاهدات وتسمى أيضا حسيات، وهي ما يجزم به العقل بواسطة حس كقولنا: الشمس مشرقة والنار محرقة، وقضايا قياستها معها وهي ما يجزم به العقل بواسطة وسط يتصور معها كقولنا: الأربعة زوج، فإنه بسبب وسط حاضر في الذهن وهو الانقسام بمتساويين بجزم العقل بلزوم الزوجية للأربعة.
وتجريبيان: وهي ما يجزم به العقل بواسطة التجربة مرارا، بحيث يجزم العقل بأنه ليس على سبيل الإتقان كقولنا: شرب السقمونيا مسهل للصفراء.
وحدسيات: وهي يجزم به العقل لترتيب دون ترتيب التجريبيان مع صاحبته القرائن كقولنا: إن نور القمر مستفاد من نور الشمس.
ومتواتران: وهي ما يجزم به العقل بواسطة حس السمع ووسط (1/61)
صفحة 58
حاضر في الذهن، وذلك أن يخبر عن محسوس يمكن وقوعه عند جمع كثير يجزم العقل بامتناع توافقهم على الكذب، كقولنا محمد صلى الله عليه وسلم إدَّعى النبوة، وظهرت المعجزة على يديه كما سيأتي، وهذا القسم مركب من القسم الثاني والثالث، فهذه الأقسام الستة منها يتركب البرهان، والغرض منه؟ حصول العلم اليقيني.
المقصد الثاني: اعلم أن الجدل هو ما تألف مقدمات مشهورة، وهي ما اعترف به الجمهور لمصلحة عامة أو بسبب رقه أو حميه، كقولنا: هذا ظلم وكل ظلم قبيح، فهذا قبيح، وهذا كاشف، لعورته وكل كاشف لعورته مذموم فهذا مذموم، وهذا فقير وكل فقير تحمد مواساته فهذا تحمد مواساته، وهذا مقتول أخوه ظلما، وكل مقتول أخوه ظلما يحسن أن يقتل قاتله، فهذا يحسن أن يقتل قاتل أخيه.
الغرض من الجدل: أما إقناع قاصر عن البرهان، لأنه قد يغمض عن فهم الخصم فينتقل عنه إلى الجدل، وإلزام الخصم ودفعه.
وأما الخطابة: فهي ما تألف من مقدمات مقبولة من شخص معتقد فيه، لسر لا يطلع عليه أو لصفة جميلة كزيادة علم أو زهد أو نحوه أو من مقدمات مظنونة، مثل هذا يدور في الليل بالسلاح وكل من يدور في الليل بالسلاح فهو لص، فهذا لص.
والغرض من الخطابة: ترغيب السامعين ولا يذهب علمك أنه قد تكون الصغرى قيه يقينية بالحس أو غيره، ولا يخرجه كون أحداهما يقينية عن كونه خطابه. (1/62)
صفحة 59
وأما الشعر: فهو ما تألف من مقدمات متخلية لترغيب النفس في شيء أو تنفيره عنه.
فالأول كقولنا: هذا خمر وكل خمر ياقوتة سيالة، فهذه ياقوتة سيالة.
والثاني كقولنا: هذا عسل وكل عسل مرة مهوعة، والغرض من الشعر انفعال النفس، وأما المغالطة فقالوا ما تألف من مقدمات شبيهة بالحق، وليست حقا وتسمى سفسطة كقولنا في صورة فرس في حائط، هذه فرس، صهال، فهذه صهال، أو شبهة بالمقدمات المشهورة وتسمى مشاغبة، كقولنا في شخص يخبط في البحث هذا يكلم العلماء بألفاظ العلم حتى يسكتهم، وكل من هو كذلك فهو عالم، فهذا عالم.
ومن مقدمات وهمية كاذبة كأن يقول هذا ميت، وكل ميت جماد فهذا جماد، أو نقول: هذا الميت جماد وكل جماد لا يفزع منه فهذا لا يفزع منه، فإن النفس قد لا تقبل هذا الدليل.
الصحيح لمقدمات تتوهمها كاذبة، فتقول هذا إنسان يمكن قيامه وبطشه، وكل من هو كذلك فليس بجماد أو هو مفزع فهذا ليس بجماد أو فهو مفزع، وكما إذا رأيت حبلا مصنوعا على هيئة حية، فتعلم أنه حبل وإذا ألقى عليك خفت منه لأن الوهم يغلب كثير على العقل، فتقول النفس هذا يشبه الحية وهذا شكل الحية وكل ما هو كذلك فهو مخوف.
أو فالحزم الفرار منه وبمثل هذا الوهم وقع كثير من الناس في (1/63)
صفحة 60
أنواع البدع والضلالات كما ستقف عليه حتى وقفوا في المعتادات، واشتغلوا بالأكوان عن مكنونها فاعتقدوا نافعا ما ليس بنافع، وضارا ما ليس بضار فأشركوا مع الله غيره، وأثبتوا الوسائط بينه وبين خلقه، وأسندوا التأثير إلى من ليس له تأثير، وتوكلوا على من ليس له حول ولا قوة، ولا تدبير ولا تقدير، ولم يعلموا أن الممكنات كلها تنادي بلسان الحال، الذي هو أفصح من لسان المقال من يقف عندها انظر المقصد؟ أمامك {ِإنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} (1) فهذه أقسام الحجة العقلية.
المقصد الثالث: حصر بعضهم أسباب العلم الحاصلة للخلق الذي هو الملك والأنس والجن في ثلاث طرق، الحواس السليمة والخبر الصادق والعقل بحكم الاستقراء، ووجه الضبط أن السبب إن كان من خارج عن ذات المدرك فالخبز، وإلا فإن كان عن آلة غير المدرك فهو الحواس لما ستعرفه وإلا فالعقل، فإن قلت السبب المؤثر في العلوم كلها هو الله تعالى لأنها بمحض خلق الله تعالى وإيجاده من غير تأثير لما ذكر، والسبب الظاهري كالنار للإحراق هو العقل لا غيره، وإنما الحواس والأخبار آلاف وطرق في الإدراك، والسبب المقضي في الجملة بأن يخلق الإله تعالى العلم معه بطريق جرى العادي كما تقدم، يشمل المدرك كالعقل والآلة كالحس والطريق كالخبر لا ينحصر في الثلاثة، بل ها هنا أشياء أخر مثل الوجدان والحدس والتجربة.
_____________
(1) (1/64)
صفحة 61
ونظر العقل بمعنى ترتيب المبادئ والمقدمات على ما مر. قلت: قد جرت عادتهم بالانتظار على المقاصد والأعراض عن تدقيقات الفلاسفة، فإنهم لما وجدوا بعض الإدراكات حاصلة عقب استعمال الحواس الظاهرة التي لا شك فيها، سواء كانت من ذوي العقول أو من غيرهم جعلوا الحواس أحد الأسباب، ولما كان معظم المعلومات الدينية مستفاد من الخبر الصادق جعلوه شيئا آخر، ولما لم تثبت عندهم الحواس الباطنية التي سنعرفها ولم يتعلق لهم غرض بتفاصيل الحدسيات مما مر، وكان مرجع الكل إلى العقل جعلوه سببا ثالثا، يفضي إلى العلم بمجرد التفات أو بانضمام حدس أو تجربة أو ترتيب مقدمات، فجعلوا السبب في العلم بأن لنا جوعا وعطشا لذة وألما وخوفا وأمنا ونحو ذلك، وأن الكل أعظم من الجزء وأن نور القمر مستفاد من نور الشمس، وأن السقمونيا مسهل، وأن العالم حادث هو العقل وإن كان البعض باستعانة في الحس هذا وإن كان يغني عن كثير ما تقدم، فلا بأس بإيراده زيادة للإيضاح.
المقصد الرابع: اعلم أن النفس في مبدأ كما مر عارية عن العلوم، قابلة لها متمكنة من تحصيلها بآلات وقوى بدنية، فإن بدن الإنسان من كثرة عجائبه ولطائف تأليف مفاصله شبه مدينة، والنفس كملكها وتلك القوى كالجنود والأعوان، وللنفس قوى كثيرة لا يحصى حقيقة عددها إلا عز وعلا، ولكل منها مقام وفعل غير ما لأختها.
ولها خمس حساسة: كأصحاب الأخبار والنفس، قد ولت كل واحدة منها ناحية من مملكتها لتأتينها بالأخبار قال الله تعالى: {وَاللّهُ (1/65)
صفحة 62
أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً} (1) الآية، والنفس تتعلق أولا، والروح، وهو الجسم اللطيف البخاري المنعبث عن القلب المتكون من ألطف أجزاء الأغذية، فتفيض من النفس الناطقة على الروح قوة تسري بسريان الروح إلى أجزاء البدن وأعماقه، فتثير تلك القوة في كل عضوين أعضاء البدن ظاهرة وباطنة قوى تليق بذلك العضو وتكمل بالقوى المثارة في ذلك العضو نفعة كل ذلك بإرادة العلم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر الحكيم الذي أتقن كل شيء خلقه ثم هدى.
وتلك القوى بأسرها: تنقسم إلى مدركة وإلى محركة، وتنقسم المدركة: إلى مدركة ظاهرة وإلى مدركة باطنة أما المدركة الظاهرة، فهي الحواس الخمس التي هي البصر والسمع والشم والذوق واللمس.
الأولى: البصر وهي قوة مودعة في العصبتين المجوفتين اللتين تتلاقيان ثم تفترقران فتتأديان إلى العينين بعد تلاقيهما، وقيل: يتيامن النابت منها يسارا ويتياسر النابت منهما يمينا، ثم يلتقيان على تقاطع صلبيين، ثم ينفذ النابت يمينا إلى الحدقة اليمنى، والنابت يسارا إلى الحدقة اليسرى، فإن النفس بتقدير الله تعالى قد ولتها إدراك الأضواء، والألوان أولا وبالذات ويتوسطهما سائر المبصرات كالشكل والمقدار، وقد تقدم وجه إدراك البصر وسيأتي له مزيد أيضا وفيه مباحث ذكرتها في شرح مرج البحرين.
والثانية: السمع وهي قوة مودعة في العصب المفروش في مقعر الضماخ، وقد ولتها النفس إدراك المسموعات وهي الأصوات.
____________
(1) (1/66)
صفحة 63
وتنقسم إلى: حيوانية وغير حيوانية، فغير الحيوانية كصوت الرعد وخفيق الريح والشجر وصوق الطبل والمزامير ونحو ذلك، والحيوانية نوعان: منطقية وغيرها فغير المنطقية كصهيل الفرس، والمنطقية نوعان: دالة على المعاني، وغير دالة، فغير الدالة، كالنغمات، والدالة هي التي تقطع بالحروف الدالة على المعاني، وسبب إدراكها الأصوات وصول الهوى المتموج المنضغط بين قارع ومقروع مقاوم له إليه.
والثالثة: الشم وهي قوة مودوعة في الزائدتين الثابتتين من مقدم الدماغ الشبيهتين بحملتي الثدي، وقد ولتها النفس إدراك الروائح بوصول الهوى لمتكيف بالرائحة من ذي المنفصلة من الرائحة إلى الخيشوم، وقيل تدرك الرائحة، بوصول الهوى المختلط بجزئي يتحلل من ذي الرائحة، ومنع بأن القدر اليسير من المسك استحال أن يتحلل منع على الدوام ما ينتشر إلى مواضع تصل إليها الرائحة، والروائح نوعان: لذيذة وكريهة، فاللذيذة طيبة والكريهة نتن، وتحت كل نوع أنواع ليست لها أسماء مفردة كأسماء المحسوسات، ولكن القوة الناطقة تنسب كل واحدة منها إلى حاملها الذي تفوح منه.
والرابعة: الذوق وهي منبثة في العصب المفروش على جرم اللسان، فإن النفس قد ولتها إدراك الطعوم والتصرف فيها، وهي تسعة أنواع باعتبار القابل والفاعل فإن الطعم له جسم حاصل هو فيه، وهو إما لطيف أو كثيف، أو معتدل بين اللطافة والكثافة، وله فاعل وهو إما الحرارة أو البرودة أو الكيفية المعتدلة بينهما، فتفعل الحرارة في الكثيف المرارة وفي اللطيف الحراقة وفي المعتدل الملوحة والبرودة وفي (1/67)
صفحة 64
الكثيف العفوصة وفي اللطيف الحموضة، وفي المعتدل القبض والكيفية المعتدلة بين الحرارة والبرودة، وفي الكثيف الحلاوة، وفي اللطيف الرسومة وفي المعتدل تفاهة.
والتفاهة تطلق على معنيين: تحدهما ما لا طعم له حقيقة، والثاني ما له طعم في الحقيقة ولكن لا يحس بطعمه، ولشدة تكاثفه لا يتحلل منه شيء يخالط اللسان، كالنحاس لا يتحلل منه ما يحس بطعمه بمخالطة اللسان، فإذا احتيل في تحليل أجزائه، وتلطيفها حس منه بطعم، والتفاهة بهذا المعنى هي التي عدت من الطعم لا الأولى، فهذه التسعة مفردات الطعوم.
وقد يجتمع في الجسم الواحد طعمان أو أكثر فيحسن بغير التسعة كاجتماع الحرارة والقبض في الحضض، وهو نوع من الدواء، وكاجتماع المرارة والحراقة والقبض في الباذنجان وإدراك الذوق بمخالطة الرطوبة اللعابية النائعة من الألة المسماة بالملغة بالذوق ووصوله إلى العصب.
ويشترط خلو الرطوبة عن مثل طعم المذوق أو ضده، وبالجملة ينبغي أن تكون الرطوبة عادمة الطعم في نفسها لتخالط ما يرد على جرم اللسان من المذوقات، وتؤدي طعمه فيحصل به الإحساس.
والخامس: اللمس، وهي قوة مثبتة في جميع خلل البدن، وقد ولتها النفس إدراك الملوسات والتصرف فيها وهي عشرة أنواع: الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والليونة والخشونة والصلابة والرخاوة والثقل والخفة، وتحت كل منها أنواع، وإدراك اللمس بالماسة (1/68)
صفحة 65
والاتصال بالملموس وفي هذا المقام مباحث أوردناها في شرح مرج البحرين، والمدركات بالحواس الخمس أجسام، عند أصحابنا إلا ما يدرك بحاسة السمع وهو الصوت، فإنه عرض وخالفهم الإمام أبو يعقوب، محتجا على أنه جسم بما يطول ذكره من الأدلة وقائلا ما باله من بين المحسوسات يكون عرضا، وزعم قوم أنها أبعاضها فاللون مثلا بعض الملون وكذا غيره وإليه ذهب ابن زيد، وبعض المعتزلة، وذهب الأشاعرة والحكماء إلى أنها أعراض، وبه قال أبو الهذيل وأصحابه، وقال النظام أنها أجسام متداخلة، وقال عيسى بن عمير وتلميذه أحمد ابن الحسين من الإباضية أنها صفات الجواهر ليست بأعراض ولا بأبعاض.
قال الشيخ أبو عمار: وعلى قولها اعتمد أهل النظر من أصحابنا، والمراد من كونها صفات الجواهر أنها نفسها، فاللون مثلا نفس الملون لا صفته ولا بعضه، وقس على هذا غيره.
وأما المدركة الباطنة فهي أيضا خمس لأنها إما مدركة وإما معينة على الإدراك، والدركة إما للصور وهي ما يمكن أن يدرك بالحواس الظاهرة.
وأما للمعاني وهي ما لا يمكن أن يمكن أن يدرك بالحواس الظاهر من الممكنات والمعاينة إما بالحفظ أو بالتصرف والمعاينة بالحفظ، إما المدركة الصور وإما المدركة المعاني، فهذه خمس قوى.
الأولى: الحس المشترك وهو قوة تدرك صور المحسوسات وهي خيالات المحسوسات الظاهرة وأشباحها بالتأدية إليها، والذي يدل على وجود هذه القوة أنا نحكم على الجسم الأبيض الطيب الرائحة الحلو (1/69)
صفحة 66
بأنه أبيض طيب الرائحة حلو، والحاكم لا محالة يحضره المحكوم به وعليه ولا يكون حصول هذه الأمور في النفس لما تعلمت ولما ستعلم من أنها مجردة لا ترتسم فيها صور المحسوسات، ولا في الحس الظاهر فإنه لا يدرك به غير نوع واحد من المحسوسات، فإذن لا بد للنفس من قوة غير الحس الظاهر تدرك بها جميعها من اللون الجزئي والرائحة الجزئية وغيرهما، كذلك ومحل الحس المشترك مقدم البطن الأول من الدماغ.
الثانية: الخيال وهي المعينة للحس المشترك بالحفظ فهي خزانته فيجتمع فيها صور المحسوسات بعد غيبتها عن الحواس الظاهرة قيل وعن الحس المشترك أيضا، فتحفظ تلك الصور ويدل على وجودها أن النفس كما لا تقدر على الحكم بأن هذا اللون لصاحب هذا الطعم إلا بقوة تدرك بها الجميع، كذلك لا تقدر على ذلك إلا بقوة حافظة للجميع وإلا فتقدم صورة كل واحد من الأمرين عند إدراك الآخر والالتفات إليه، وهذه القوة مغايرة للحس المشترك لأن القبول بقوة غير القوة التي بها الحفظ لأن القبول والحفظ قد يفترقان فلو كان بقوة واحدة لما افترقا، وإلى هذا أشار البيضاوي في الطوالع بقوله فإن الإدراك غير الحفظ ومحل الخيار مؤخر البطن الأول من الدماغ.
الثالثة: الواهمة وهي قوة تدرك بها النفس في المحسوسات الجزئية، المعاني الجزئية: التي ليست بمحسوسه، كصداقة زيد وعداوة عمرو وكإدراك الشاة معنى في الذئب غير محسوس، وهو العداوة، وإدراك الكبش معنى كذلك في النعجة وهو الصداقة، فهذه المعاني لا تدرك بالحس الظاهر، وبهذه القوة تحكم النفس أحكاما جزئية كما مر في الوهميات. (1/70)
صفحة 67
قال البيضاوي: محل الوهم مقدم البطن الأخير من الدماغ.
وقيل مؤخر البطن الوسط.
الرابعة الحافظة: وهي قوة تحفظ هذه المعاني التي يدركها الوهم بعد حكم الحاكم بها، ووهي مغايرة للوهم لما عرفت، من أن ما به القبول غير ما به الحفظ ومغايرة للخيال لأن الحافظ للصور غير الحافظ للمعاني، ومحل الحافظة البطن الأخير من الدماغ وبه قال الإمام أبو يعقوب، وقال البيضاوى: محلها البطن الأخير منه.
الخامسة: المتصرفة، وهي القوة التي تحلل الصور وتركيبها وتحلل عن المعنى وتركيبها، فتارة تقصد الصورة عن الصورة والمعنى عن المعنى، والصورة عن المعنى وعكسه، وتارة تركب الصورة بالصور، وتارة المعنى بالمعنى وتارة الصورة بالمعنى وتارة بالعكس، والقوة المتصرفة تسمى مفكرة إن استأمرها العقل ومتخلية إن استعملها الوهم دون تصرف عقلي، ويدل على مغايرتها لسائر القوى أن التخليل والتركيب بقوة غير القوة التي بها القبول أو الحفظ للافتراق ومحل المتصرفة الدودة التي في وسط الدماغ، وبه قال الإمام أبو يعقوب وهي لا تسكن نوما ولا يقظة، ويدل على اختصاص هذه القوى بهذه المواضع اختلال فعلها بخلل هذه المواضع، فإنه الفساد إذا اختص بموضع أورث الآفة في فعل القوة المختصة بذلك الموضع، وهذه القوى الخمس تسمى مدركة باطنة، وإن كانت المدركة منها اثنتين، نقط لأن الإدراكات الباطنة لا تتم إلا بجميعها.
قال الأصفهاني: وبالحقيقة المدرك للكليات والجزئيات النفسي، (1/71)
صفحة 68
لكن الكليات بالذات وللجزئيات بتوسط هذه القوى، ومعنى إدراكها الكليات. بذاتها أن الصورة الكلية المعقولة ترتسم في النفس لا في القوى الجسمانية التي هي آلتها. ومعنى إدراكها الجزئيات بتوسط هذه القوى أن المحسوسات والمتخلية والمعاني الجزئية الموهومة ترتسم وتنطبع في آلاتها، وأن إدراك النفس إياها بواسطة تلك القوى وانطباعها فيها.
وأما المحركة: فتنقسم إلى محركة اختيارية وإلى محركة طبيعية.
أما الاختيارية: فتنقسم إلى ما بعثه على جلب النفع وتسمى شهوانية، وإلى باعثه على دفع الضر وتسمى الغضبية، وتحت كل منها أنواع.
وأما الطبيعية فسبع: الجاذبية، والماسكة والهاضمة والدافعة فهذه الأربع خادمة للبواقي، وهي الغاذية والنامية والمصورة وقد عدها الإمام أبو يعقوب سبعا وعدها العضد في المواقف، والبيضاوي في الطوالع، وغيرهما ثمانيا بأن عدوا المولدة قسمين مولدة تفضل جزاءا من الغذاء بعد الهضم التام، وتعده مادة ومبدأ لشخص آخر ومصورة تخيل تلك المادة في الرحم، خاصة كما في المواقف وتفيدها الصور والقوى والأعراض الحاصلة للنوع، فعلى هذا فلا تنافي بين كلام الإمام وغيره، سبحان من يدبر الأمر ويفصل الأديان ويجعل المسببات مرتبطة بأسبابها.
المقصد الخامس: الخبر الصادق، وهو المطابق للواقع نوعان:
الأول: المتواتر وقد مر تعريفه وهو موجب للعلم الضروري، كالعلم بالملوك الخالية في الأزمنة الماضية والبلدان النائية قال السيد (1/72)
صفحة 69
وها هنا أمران: أحدهما أن التواتر موجب العلم، وذلك بالضرورة فإنا نجد من أنفسنا العلم بوجود مكة وبغداد ونحوهما، وأنه ليست إلا بالأخبار.
وثانيهما أن العلم الحاصل به ضروري وذلك أن يحصل للمستدل وغيره حتى الصبيان الذين لا اهتداء لهم بطريق الاكتساب وترتيب المقدمات، وأما خبر النصارى بقتل عيسى واليهود بتأييد دين موسى، فتواتره ممنوع، فإن قيل خبر كل واحد لا يفيد إلا الظن، وضم الظن إلى مثله لا يوجب اليقين، وأيضا جواز كذب المجموع لأنه نفس الآحاد، قلنا ذلك ممنوع لجواز أن يكون مع الاجتماع ما لا يكون مع الانفراد، كقوة الحبل المؤلف من الشعرات، فإن قيل الضروريات لا يقع فيها التفاوت ولا الاختلافات ونحن نجد العلم، يكون الواحد نصف الاثنين أقوى من العلم بوجود اسكندر، والتواتر قد أنكر إفادته العلم جماعة من العقلاء كالسمنية والبراهمة كما ستقف عليه.
قلنا: ممنوع بل قد تتفاوت أنواع الضروري بواسطة التفاوت في الألف، والعادة والممارسة والأخطار بالبال، وتصورات أطراف الأحكام وقد يختلف فيه مكابرة وعنادا كالسوفسطائية في جميع الضروريات كما مر وكما ستعلم.
الثاني: خبر الرسول المؤيد بالمعجزة، وهو يوجب العلم الاستدلالي، أما كونه موجبا للعلم فللقطع بأن من أظهر الله تعالى المعجزة على يده تصديقا له في دعوى الرسالة، كما سيأتي كان صادقا فيما أتى به من الأحكام وإذا كان صادقا يقع العلم بمضمونها قطعا، وأما كونه استدلاليا: (1/73)
صفحة 70
فلتوقفه على الاستدلال واستحضار أنه خير من ثبتت رسالته بالمعجزات، وكل خبر هذا شأنه فهو صادق ومضمونه واقع والعلم الثابت بخبره يضاهي الثابت بالضرورة في اليقين، والثابت بمعنى عدم احتمال النقيض والزوال بتشكيل مشك فهو علم بمعنى الاعتقاد المطابق الجازم الثابت، وإلا لكان جهلا أو ظنا أو تقليدا، فإن قلت هذا إنما يكون في المتواتر فقط فيرجع إلى القسم الأول.
قلت: الكلام إنما هو فيما علم أ، ه خبر الرسول، بأن من سمع من قيه أو تواتر عنه ذلك أ بغير ذلك أن أمكن، وأما خبر الواحد فإنما لم يفد العلم لعروض الشبهة في كونه خبر الرسول فإن قلتم فإذا كان مسموعا من فيه أو تواتر عنه ذلك كان كالعلم الحاصل به ضروريا كما هو حكم سائر المتواترات والحسيان لا استدلاليا، قلت العلم الضروري في التواتر، هو العلم بكونه خبر الرسول، لأن هذا المعنى هو الذي تواترت الأخبار وفي المسموع من فم الرسول: هو إدراك الألفاظ، وكونه كلام الرسول، والاستدلالي هو العلم بمضمون ثبوت مدلوله، مثلا قوله صلى الله عليه وسلم: «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر» علم بالتواتر أنه خبر الرسول عليه السلام، وهو ضروري ثم منه أنه يجب أن تكون البينة على من ادعى، وهو الاستدلالي، فإن قيل الخبر الصادق المفيد للعلم لا ينحصر في النوعين، بل قد يكون خبر الله تعال أو الملك أو أهل الاجتماع، والخبر المقرون احتمال الكذب عنه كالخبر بقدوم زيد عند تسارع قومه إلى داره.
قلنا: المراد الخبر الذي يكون سبب العلم لعامة الخلق، بمجرد كونه خبرا مع قطع النظر عن القرائن المفيدة لليقين، بدلالة العقل، (1/74)
صفحة 71
فخبر الله تعالى والملك إنما مفيدا للعلم بالنسبة إلى عامة الخلق، إذا وصل إليهم من جهة الرسول فحكمه حكم خبره عليه السلام، وخبر أهل الإجماع في حكم التواتر، وقد يجاب عنه فإنه لا يفيد بمجرده بل بالنظر في الأدلة الدالة على كون الإجماع حجة.
قلنا: وكذلك خبر الرسول، ولذلك جعل استدلاليا.
المقصد السادس: اعلم أن العقل هو قوة للنفس بها تستعد للعلوم والإدراكات، وهو المراد بقولهم غريزة يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات، وقيل: جوهر يدرك به الغائبات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة، فهو سبب للعلم أيضا خلافا للسمنية في النظريات وللمهندسين في الآلهيات، فلا تنافي شبهتهم المعلومة مما من كون النظر الصحيح من العقل مفيدا للعلم على أن ما ذكروه استدلال بنظر العقل ففيه إثبات ما نفوا كما مره فيتناقض، فإن زعموا أنه معارضة الفاسد بالفاسد.
قلنا: إما أن يفيد شيئا فلا يكون فاسدا، أو لا يفيد يكون معارضة، وقد سلفت مباحث هذا القصد، وأما الإلهام المفسر بإلقاء معنى القلب بطريق الفيض فليس من أسباب العلم بالشيء، خلافا للصوفية إذا جعلوه حجة، وإليه ذهب الإمام أبو يعقوب، وكذلك خير العدل الواحد، وتقليد المجتهد، ويفيد أن الظن والاعتقاد الجازم يقبل الزوال.
تنبيه: قال الحكماء: إن النفس في مبدأ الفطرة خالية عن العوام كلها، كما مر لكنها، قابلة لها مستعدة لها للفيض عليها، وإلا لامتنع اتصافها بها فلذلك يسمى عقلا هيولائيا تشبيها له بالهيولي الخيالية (1/75)
صفحة 72
صفحة ناقصة (1/76)
صفحة 73
صفحة ناقصة (1/77)
صفحة 74
واحتج أيضا بقوله: {فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} 4 فأمر بالعلم لا بالاعتقاد، وقد علمت الفرق بينهما، وقوله: ص78 5وقوله: {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} 6، واليقين هو العلم، وقوله: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} 7 الآية والبصيرة: معرفة الحق بدليله فمن لم يكن على بصيرة فمن عقيدته لم يكن متعبا لنبيه عليه السلام عملا بمقتضى عكس النقيض الموافق وهو تبديل كل من طرفي القضية ذات الترتيب الطبيعي بنقيض الآخر، مع بقاء الصدق والكيف على ما اختاره المتقدمون.
كقولنا: في كل إنسان حيوان كل لا حيوان لا إنسان أو كل من ليس بحيوان فليس بإنسان، وكقولنا كل من ليس على بصيرة فليس متبعا للنبي عليه السلام، وعكس النقيض المخالف على ما اختاره المتأخرون وهو تبديل الموضوع بنقيض المحمول بعين الوضوح مع اختلاف في الكيف وبقاء الصدق، ويسمى الأول موافقا لتوافق الأصل والعكس في الكيف.
والثاني: مخالفا لتخالفهما فيه والعكس المستوى، هو تبديل كل واحد من طرفي القضية بعين الآخر، مع بقاء الصدق والكيف على وجه اللزوم وهو أشهر العكوس الثلاثة تبديل العين بالعين مع بقاء ما ذكر، وهو المراد منها عند الإطلاق وكل قضية يلزمها عكسها وعكس نقيضها أعني عكس المستوى وعكس نقيضها المرافق والمخالف بمعنى أنه يلزم من صدق الأصل صدق العكس. (1/78)
صفحة 75
ويحتج أيضا لعدم الاكتفاء بالتقليد بعكس المخالف، وهو لا شيء ممن ليس على بصيرة بمتبع للنبي عليه السلام بخلاف المستوى وهو بعض من هو على بصيرة متبع له عليه السلام، وبقوله تعال: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} 8الآية. {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} 9. الآية وكل آية في القرآن في هذا المعنى آمره بالنظر والاعتبار، ذامة للتقليد.
وقوله: عليه السلام: «إن الله أمر عباده ما أمر به عباده المرسلين» ومعلوم أن التقليد لا يصح في حق المرسلين، وبقوله أيضا ومن مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة وبأن الصحابة لم تزل تذم التقليد وتحذر منه.
واحتج من يميل إلى صحة القول بالتقليد في علم التوحيد بأوجه، أحدها القطع بأن أبا بكر وعمر وسائر الصحابة رضوان الله عليهم ماتوا ولم يعرفوا كثيرا من تدقيقات علم التوحيد، ونقل بعضهم أنه لو كان لا يدخل الجنة التي عرضها السموات والأرض إلا من يعرف الجوهر والعرض لبقيت خالية.
الثاني: أنه حكي عن بعض السلف أنه قال عليكم بدين العجائز ويقول عمر بن عبد العزيز لمن سأله عن أهل الأهواء عليكم بدين الصبي الذي في الكتاب وبدين الأعرابي ودع ما سواهما.
الثالث: أنه قد نهى بعض الأئمة عن تحريك عقائد العامة، وقال بعضهم: إذا حصل الجزم بالاعتقاد المطابق من طريق التقليد كفى ذلك (1/79)
صفحة 76
كما يكفي إذا قارنه دليل وبرهان من غير وجود فرق بينهما لحصول المقصود وأطال في ذلك، قلت وهو الأصح كما مر لما أن الله تعالى ما جعل عليكم في الدين من حرج، لكن الذي أجنح إليه أن العلوم النظرية والضرورية مركوزة في جبلة كل عاقل فعليه أن لا يهملها لوجوب النظر عليه، وقد جرت العمة وأمر الشرع بتحصيل العلوم من طرقها المألوفة، وهو الاجتهاد في النظر والتعلم من العلماء لأنا ندين بأن علم الديانات لا يدرك بغير التعلم، كما سيأتي، والتزام التعب في الدرس والرحلة في طلب الفوائد، وقد روي عنه عليه السلام لا يستطاع العم براحة الجسم واطلبوا العلم ول بالصين، وورد العلم بالتعلم وقال تعالى لنبيه يحيى عليه السلام: {َيا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} 10، ولكليمه موسى {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} 11 وقال: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ} 12 الآية وكان السلف الصالح يرتحل أحدهم في طلب.
الفائدة الواحدة مسيرة شهر، انظر السير فلولا أن العلماء الأعلام تكلفوا في علم التوحيد وألفوا فيه ما كان لنا من يقف لرد أهل البدع والضلال حين خاضوا مع كثرتهم وعظيم احتيالهم في شبابهم، ولهم المنزلة في الدنيا بحيث هم متمكنون بها من سوق الناس إلى أعراضهم، ولاسيما في أيامنا الأواخر لولا ما نهض لهم رجال الله من العلماء الراسخين، وقد أتينا على آثارهم بالكسح فأهملنا علومهم ونسجنا عليهم عناكب الترك وكفاك ما سمعت وحققت من أخبار أهل الزيغ، وما صاروا إليه إنا لله وإنا إليه راجعون.
المقصد الثاني: اعلم أن الاستدلال على أربعة أضرب. (1/80)
صفحة 77
الأول: الاستدلال بالسبب على المسبب كالاستدلال بمس النار مثلا على احتراق الملموس.
الثاني: عكسه، والاستدلال بالسبب على المسبب كالاستدلال على احتراق الشيء، مثلا على مس النار له، ومنه الاستدلال بوجود الأثر على وجود المؤثر.
الثالث: الاستدلال بأحد مسببي سبب واحد على السبب الآخر، كالاستدلال بغليان الماء المركب في إناء على النار مثلا على حرارته فإن غليانه وحرارته مسببان عن سبب واحد، وهو مجاورة النار له.
الرابع: الاستدلال بأحد المتلازمين على الأخذ، كالاستدلال بوجوب كونه تعال عالما على وجوب كونه متصفا بالعلم ومنهم من رد هذا إلى القسم الثاني، وحصر الاستدلال في الثلاثة الأول، فإذا عرفت هذا فالذي يصلح من هذه الأنواع لمعرفته تعالى النوع الثاني، والرابع.
أما الأول محال في حقه تعالى لوجوب وجوده، فيستحيل أن يكون له سبب وبتعين هذا يبطل هذا أيضا في حقه تعالى القسم الثالث، فإذا علمت ذلك فأقرب شيء يخرجك عن التقليد بعون الله تعالى أن تنظر إلى أقرب الأشياء إليك وهو نفسك، قال الله تعالى: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} 13 فتعلم بالضرورة أنك لم تكن ثم كنت، فتعلم أن لك موجدا أوجدك لاستحالة أن توجد نفسك وإلا أمكن أن توجد ما هو أهون عليك من نفسك، وهو ذات غيرك لمساواته لك في الإمكان، وإنما قلنا أنه أهون (1/81)
صفحة 78
عليك لما في إيجادك نفسك من زيادة التهافت والجمع بين متنافيين، وهو تقدمك على نفسك وتأخرك عنها، لوجوب سبق الفاعل على فعله فإذا كانت ذاتك نفس فعلك لزم المحذور المذكور.
بيان ذلك: أن تقول أنا لم أكن ثم كنت أو أنا موجود بعد عدم وأنا حادث فكل من هو كذلك فله موجد أوجده فينتج هذا البرهان، أنا لي موجد أوجدني.
أما الصغرى: فمعلومة بالضرورة لأن كل عاقل لا يشك في أن هيئته المخصوصة التي هو عليها وبها تحققت حقيقة الإنسانية مثلا كانت معدومة ثم كانت.
وأما الكبرى: فقيل بالضرورة أيضا والصحيح أنها نظرية، غير أن العم بها يحصل بنظر قريب، ولذلك ظن قوم منهم الفخر أن العلم بها ضروري، وهذه الطريق أعني طريقة من يستدل على افتقار الحادث إلى سبب، طريقة من يشوب الحدوث بالإمكان، بأن تكون العلة مجموعها أو الإمكان بشرط الحدوث عند الاستدلال على وجود الصانع كما سيأتي.
المقصد الثالث: اختلف المتكلمون في منشأ احتياج الحادث إلى الصانع، فقيل: الإمكان وهو أن ينظر في ذات الممكن بحسب قبوله الوجود والعدم والمقدار والزمان والصفات وغير ذلك كالمكان، فنقول: الممكن قابل لهذه الأشياء لذاته فاختصاصه بأحد المتقابلين منها بلا مخصص محال، وقيل الحدوث وهو عمدة أكثر المتكلمين وبه استدل سيدنا إبراهيم على نبينا عليه الصلاة والسلام على وجود الصانع في (1/82)
صفحة 79
احتجاجه على أبيه حسب ما يظهر ذلك من الآية الكريمة، وحقيقة الحدوث الوجود بعد العدم.
فنقول: الأجرام حادثة لملازمتها الحوادث، وكل حادث فلا بد له من الفاعل المختار يستند إليه، وهذه المقدمة أعني الكبرى مختلف في العلم بها هل هو ضروري أو نظري وهو الصحيح.
والنتيجة هنا: فالأجرام لا بد لها من الفاعل المختار، وقيل الإمكان والحدوث معا، فنقول: اختصاص الحادث بالوجود في الوقت المعين بدلا عن العدم الجائز يوجب افتقاره إلى مخصص وإلا لكان أخذ الأمرين المتساويين راجحا لذاته، وذلك محال، والاستدلال على افتقار الحادث إلى سبب هو طريق مجموع الإمكان والحدوث وقيل الإمكان بشرط الحدوث وهو كالذي قبله إلا أن فائدة كون الحدوث جزءا أو شرطا أن العلم بوجود الفاعل المختار يحصل ضرورة إذا كان جزء الوجود طردا للدليل ولا يلزم ذلك إذا كان شرط لعدم اطراده، وعبر بعضهم عن هذه الأقوال بقوله: الطرق المستدل بها على وجود الفاعل المختار أربعة، فعدها إلى أن قال وهذه الطرق إما أن تعتبر في الأجرام أو في الأعراض، فتكون الطرق الموصلة إلى العلم اللفظي بوجود الله سبحانه ثمانية من ضرب أربعة في اثنين، وإن اعتبرت في المتقابلات الست وهي: الوجود والعدم وما ذكر معهما مما مر أنفا تكون ثمانية وأربعين من ضرب ثانية في ستة.
وهذا كما قال: على الجملة وأما بحسب التفصيل: بأن نعتبر أفراد كل قسم، أعني قسم الأجرام وقسم الأعراض وقسم المتقابلات الست، (1/83)
صفحة 80
وتعتب النسب والإضافات فلا يحيط بها عقل ولا يعلم ذلك إلا الله سبحانه، فقد استبان لك أن العالم مفتقر إليه وأنه فاعل له بالاختيار لا بالعلة ولا بالطبيعة ويقضي ذلك إمكانه وحدوثه ومقداره وصفاته وأزمنته وسائر أحواله.
المقصد الرابع: اعلم أن الفرق بين الاستدلال بطريق الإمكان المجرد وبين غيره من الطرق الآتية، أن العلم بحدوث العالم بتأخر في طريق الإمكان المجرد عن العلم بالصانع، وفي غيره يتقدم، وبيانه أنا إذا حققنا أن العالم ممكن بوجوده وعدمه، لا أرجحية لأحدهما على الآخر بذاته، ويدل على ذلك بافتقاره، وأن كل ممكن بذاته من حيث هو قابل للوجود والعدم فالوجود له ليس من ذاته، وكل ما ليس له الوجود من ذاته فالوجود له من غيره ثم ذلك الغير لابد وأن يكون واجب الوجود لذاته وإلا كان مفتقرا إلى ما افتقر إليه العالم ودار أو تسلسل على ما سيأتي، وكلاهما محال فثبت العلم بوجود مؤثر واجب لذاته، فقد خرج لك من هذا العلم بوجود الصانع لكن مع احتمال أن يكون صانعا باللزوم.
الثاني: فلا يكون العلم حادثا بل قديما كما هو رأي الفلاسفة وأن يكون صانعا بالاختيار، فيكون العالم حادثا فيحتاج إلى دليل آخر لإثبات هذا الطلب، أعني حدوث العالم بعد ما فرغت من مطلب وجود الصانع الذي نظرك فيه ونظر الفليسوفي واحد، وإنما تنفرد عنه بهذا المطلب الثاني، فإنه لم يهتد هو إليه.
فنقول: صانع العالم إما أن يكون أوجبه لذلك في ذاته أو اقتضاه بطبعه أو أوجبه باختياره وجهات التأثير منحصرة في هذه الأوجه الثلاثة، ووجه الحصر أن كل مؤثر لا يخلو إما أن يصح منه الترك أو لا. (1/84)
صفحة 81
والأول: الفاعل المختار.
والثاني: إما أن يتوقف اقتضاؤه على شرط أو انتفاء مانع أولا.
والأول: الطبيعة، والثاني: العلة، ثم نقول لا جائز أن يكون المؤثر في هذه الممكنات موجبا لها بذاته كالعلة ولا مقتضيا لها بطبعه لأن ما يؤثر كذلك لا يجوز أن يخصص مثلا عن مثل لاستحالة الاختلاف في معلوم العلة الواحدة، ومطبوع الطبيعة الواحدة، وفاعل العالم قد خصص مثلا عن مثل، أن يكون فاعلا بالاختيار.
فتقول حينئذ العالم موقع بالاختيار، وكل موقع بالاختيار حادث، إذ اختار وجوده يستلزم سبق عدمه، وإلا لكان تحصيل الحاصل في الوجود وثبوت الممكن عما لا يصح كونه في العدم، فينتج العالم حادث، فأنت ترى كيف تأخر العلم بحدوث العالم في هذه الطريقة عن العلم بوجود الصانع، فقد ظهر الفرق بين هذه الطريقة وغيرها من الطرق كما قلنا.
تنبه: اعلم أن في قولنا أن لك موجدا أوجدك حرف الكبرى، وهي أن تقول: وكل ما لم يكن ثم كان ففله موجدا أوجده للعلم بها وفي قولنا، وإلا أمكن أن توجد ما هو أهون عليك من نفسك إجمالا، وتقريره أن يقال: لو أمكن أن توجد نفسك لأمكن أن توجد غيرك والتالي باطل فالمقدم مثله، بيان الملازمة أن القدرة على انتزاع أحد المثلين قدرة على انتزاع مثله، والممكنات متساوية في الإمكان المصحح لتعلق القدرة، فالقدرة على إيجاد بعضها اختراعا قدرة على إيجاد جميعها، وإلى بيان الملازمة أشرنا بقولنا لمساواته لك في الإمكان. (1/85)
صفحة 82
وأما بطلان التالي: وهو أن إيجاد الإنسان ذات غيره ممتنع، ولا يفتقر إلى بيان لأن كل عاقل يدرك من نفسه العجز عن ذلك فإن قلت: لا نسلم المقدمة القائلة أنا لم أكن ثم كنت، ولأن ذلك معلوم بالضرورة وسند المنع أني أعلم أن مادتي التي تكونت منها كانت ماء في صلب أبي ومادة أبي التي تكونت منها كانت ماء في صلب أبيه، ولعل الأمر كان هكذا إلي غير نهاية، فإذا لاح الاحتمال سقط الاستدلال، غاية الأمر، أني أعلم ضرورة تبدل الصور على لا سبق العدم لذاتي.
ودليلكم: مبني على أن نفس الذات لم تكن ثم كانت لا على أن صورتها لم تكن ثم كانت.
قلنا: إ، الذات من قبيل الكل المجموع والماهية المركبة ومن لازمها انعدامها بانعدام جزئها، ومن المعلوم ضرورة أن جزأها الأكبر الزائد على النطفة لم يكن ثم كان، فصدق قولنا في الصغرى أنا لم أكن ثم كنت» وأن العلم بذلك ضروري إذ أنا ونحوه من الكائنات، عبارة عن الهيكل المخصوص من أرواح وأبدان لا عن بعضه عند المحققين كما سيأتي، وإذا ثبت أن جزءا من ذاتي لم يكن ثم كان، فذاتي لم تكن ثم كانت، فأنا محتاج إلى موجد لذاتي، ويتعين أن يكون غيرها لئلا يلزم التهافت المذكور، غاية الأمر أنه يتطرف احتمال أن بعض ذاتي في الأصل كالنطفة مثلا أثر في فعل البعض الزائد عليها، لأنها مغايرة لمجموع ذاتي وسنذكر برهان بطلانه فيما بعد، لأن مقصودنا احتياج الذات إلى موجد.
وأما تحقيقه ما هو؟ وتحقيق حدوث كل جزء من أجزاء الذات بل (1/86)
صفحة 83
وكل جزء من أجزاء العالم، فسيتضح بعد على الكمال على أن إسناد إيجاد شيء من الذات لبعضها يتدرج بطلانه فيما ذكرناه من البراهين، على بطلان إيجاد الذات نفسها وهو ما ألزمناه على ذلك التقدير من صحة إيجادها غيرها، إذ لو كان لبعض الذات خاصية الاختراع للمكن لأمكن للذات أن تخترع غيرها من حيث اشتمالها على ذلك البعض الذي يصح منه الاختراع، وهو باطل بالضرورة.
فإن قلت: لعل ذلك البعض إنما أثر بالطبع بشرط الاتصال والكينونة في الرحم، قلنا: فيلزم أن ينقطع تأثيره بعد الانفصال عن الرحم، كيف؟ ومعظم الذات بعد الانفصال وجد على أن اختلاف الذات، وتخصيص كل جزء منها بما يجوز على غيره، يمنع قطعا أن يكون لعلة أو طبيعية فيها تأثير، فتعين أن التأثير إنما هو الاختيار، والممكنات بالنسبة إلى التفاعل على المختار، سواء فظهر أن البرهان السابق يقتضي أن الموجد للذات ليس نفسها ولا جزاء منها، وأن ما زاد كان وبسبب ذلك الصدق ما ادعيناه من كونك تعلم ضرورة أنك لم تكن ثم كنت، لأن المركب لا وجود له إلا بجميع أجزاءه.
المقصد الخامس: تقدم أن جهات التأثير منحصرة في الأوجه الثلاثة، وأن وجه الحصر أن كل مؤثر إما أن يصح منه الترك لأثره، كالكاتب مثلا للكتابة، والمتحرك عن المرتعش مثلا لحركته عند مثبت الأثر للقدرة القادرة، لا عند نافيها عنها أولا.
والأول الفاعل المختار، ويلزمه أن يكون حيا عالما قادرا مريدا كما سيأتي. (1/87)
صفحة 84
الثاني أما أن يتوقف قضاؤه على شرط وانتفاء مانع، كما يقول الطبائعي في إحراق النار ونفع الأدوية مثلا، فإنه قد يمنع منها مانع أولا كما يقول الفيلسوفي في حركة اليد مثلا مع حركة المفتاح، فإنه يستحيل أن يمنع من حركة المفتاح أو الخاتم الكائن في اليد عند حركته مانع.
والأول: الطبيعة.
والثاني: العلة، فإذا عرفت هذا فالأوجه الثلاثة مستحيلة في النطفة.
أما تأثيرها فيما نشأ عنها بالاختيار: فضروري البطلان، إذ الحياة والعلم والقدرة والإدارة للمؤثر الاختيار، وهي جماد لا تتصف بشيء من ذلك قطعا وأيضا لو أثرت النطفة بالاختيار لما اختص تأثيرها بهذه الذات، التي تكونت عنها دون غيرها ولكانت هذه الذات الكاملة أحق أن تؤثر في إيجاد الذوات، لاشتمالها على النطفة المدعي لها القدرة على التأثير ولما فيها أيضا من الأوصاف المناسبة للتأثير مما مر، وعجزها عن ذلك معلوم ضرورة، فأحرى ما هو أضعف منها.
وأما تأثيرها بالطبع أو العلة: فباطل أيضا لاختصاص هذه الذات بمقدار مخصوص وصفة مخصوصة، ونسبة النطفة إلى جميع المقادير والصفات نسبة واحدة، فتعين أن يكون الفاعل مختارا له إرادة يرجح بها بعض الجائزات على بعض، وأيضا فكل من النطفة والذات أجسام متماثلة، ومع ذلك فقد اختص بعضها بقوة السمع وبعضها بقوة البصر وبعضها بقوة الشم وبعضها بقوة اللمس وبعضها بقوة الذوق (1/88)
صفحة 85
وبعضها بقوة العقل، إلى غير ذلك من الاختلافات التي لا تحصى، وكل واحد يجوز أن يكون في مكان صاحبه، وأن يكون على خلاف ما هو عليه، والطبيعة والعلة يستحيلان أن يخصصا مثلا عن مثل، فإذا علمت ذلك قطعا أن لصانعك اختيارا.
وبيان ذلك من الشكل الأول أن تقول: ذاتك قد اختصت بجائز بدلا عن جائز باعتبار مجموعها وباعتبار أجزائها، وكل ما هو كذلك ففاعله مختار لفعله، فينتج ذاتك فاعلها مختار لفعله.
ودليل الصغرى: ظاهر فإن مجموع الذات قد اختص ببعض المقادير من كونه ذا طول مخصوص، وعرض مخصوص، والطول أكثر من العرض مثلا مع جواز أن يكون المجموع على خلاف ذلك، وكلها جائزة لا رجحان لبعضها على بعض باعتبار أجزائها، فقد اختص بعضها مع استوائها، بان كان عينا مثلا وبعضها بأن كان إذنا وبعضها بان كان يدا إلى غير ذلك من الاختلافات، وكل واحد في محل مخصوص وله عرض مخصوص ومقدار مخصوص مع جواز غير ذلك في الجميع.
وأما دليل الكبرى: فلأن تأثير الطبيعة والعلة، لما كان بالمناسبة الذاتية استحال أن يناسب الضدين، وأن يخصص مثلا غير مثل، فتعين أن يكون المخصص لذاتك مختارا، وعلمت أيضا أن صانع ذاتك ليس بنطفة ولا طبيعة، ولا علة.
وبيان ذلك: من الشكل الثاني أن تقول: صانع ذاتك فاعل مختار ولا شيء مما ذكر بفاعل مختار فمنتج صانع ذاتك ليس بنطفة ولا طبيعة (1/89)
صفحة 86
ولا علة ودليل المقدمتين قد سبق، وتقول: أيضا لا طبع لها في وجود ذاتك وإلا لكنت على شكل الكورة، لأن الخصوم يقولون: إن الطبيعة المتساوية من كل وجه تقتضي شكلا متساويا من كل وجه وهو الكوري في المركبات، ولذلك زعموا أن جوهر الفلك لما كان طبيعة واحدة كان كوريا، وإذا انتفى الطبع لها فأحرى أن تنتفي العلة، ولا طبع لها أيضا في نمو ذاتك، لأن الوقوف على مقدار مخصوص في النمو وانقطاعه عما فوق ذلك، مع جوازه يمنع أن يكون النمو أثرا لطبيعة، أو العلة إذ لو كان أثر لأحدهما لزم أن لا تقف الذات في نموها، ولكانت تنمو أبدا على تقديرها مؤثرة في النمو، ولا يدفع ذلك من لزوم اختلاف مطبوعها أيضا.
لأنا لا نسلم أن النمو شيء واحد لأن النمو الذي في اليد مثلا مخالف في انتهائه لنمو الأذن، وكذا نمو الأنف والرجل وغيرهما بل أصابع اليد المتحدة المحل، وأصابع الرجل وأسنان الفم مختلفة في نموها، وترى بعض الأعضاء نموها في الطول أكثر من العرض، وبعضها بالعكس إلى غير ذلك من صفات الاختلاف في النمو، وكل منها على أبلغ ما يكون من المناسبة لمصلحته الخاصة به، أفيرضى عاقل أن يسند هذا السطح العجيب والشكل القريب لشيء من العالم منفردا أو مجتمعا، فضلا عن أن يسنده إلى الخصوصية موات لا يسمع ولا يبصر ولا يغني شيئا، كلا والله إنما يليق أن يفعله من ليس كمثله شيء مالك الملك المحيط علمه بكل شيء، الذي لا يتعاصى على قدرته التامة وإرادته النافذة شيء من الكائنات، فتبارك الله أحسن الخالقين.
المقصد السادس: فحين ظهر لك حدوث الزائد من الذات على (1/90)
صفحة 87
النطفة ضرورة، وأنها ونحوها لا أثر لها في شيء من الذوات، وأن فاعل الذات فاعل مختار استبان لك الاستدلال بذلك الزائد من الذات على حدوث تلك النطفة، وسائر العالم وأن احتياج الجميع إلى الفاعل المختار على السواد، ولا أثر لبعض منه في بعض البتة، ووجه الاستدلال تحقق المماثلة بين هذا الزائد والعالم كله، إذ هذا الزائد أجرام متميزة وأغرض قائمة بها وسائر العالم كذا والمثلان يجب استواؤهما فيما يجب وفيما يجوز وفيما يستحيل، وقد وجب الحدوث لذلك الزائد قطعا، فكذلك يجب لسائر العالم المماثلة إياه.
إذ لو اختلف العالم، بأن يكون بعضه قديما وبعضه حادثا لكان مختلفا فيما يجب، واللازم باطل فكذا الملزوم وبيان الملازمة، أن القدم لا يكون إلا واجبا للقديم، وبرهانه ما سيأتي من كون القدم لو كان جائزا للقديم لجاز عليه سبق العدم، فيحتاج إلى مخصص يخصصه بالوجود بدلا عن العدم الجائز، وهو نقيض القدم المفروض فيلزم أن يكون قديما غير قديم. هف.
وأما بطلان اللزوم: فلأنه يلزم على تقدير صحته أن يختص أحد المثلين عن مثله، بصفة واجبة وهو محال لما يلزم عليه من اجتماع المتنافيين، لأن التمثال يقتضي استواء المثلين في جميع صفات النفس أعني الصفات التي ليس لها وجود زائد على الذات، واختصاص أحدهما بحكم واجب، وهو لا يكون إلا صفة نفسية أو لازمة لها يوجب انفراد أحدهما عن فعله بصفة نفسية، فلا يشتركان في جميع صفات النفس فلا يكون إذا مثله فكيف؟ أو قد تحقق أنه مثل له، فلزم أن يكون مثلا غير مثل. هف. (1/91)
صفحة 88
فخرج لك بالنظر في ذاتك وانعقاد التمائل بينك وبين سائر الممكنات، البرهان القاطع على حدوث العالم كله علوية وسفلية وعرشه وكرسيه، أصله وفرعه وأن الجميع عاجز عن إيجاد نفسه، وعن إيجاد غيره كعجزك وأن الجميع مفتقر إلى الفاعل المختار كافتقارك إليه، {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} 14 والمراد بالأصل: ما نشأ عنه غيره بحسب مجرى العادة من غير تأثير له أصلا، وبالفرع ما نشأ عن الغير كالماء للنباتات مثلا فإن قيل برهانكم السابق واللاق إنما ينتجان الحدث لجميع الأجرام وأعراضها.
والمطلوب أعم من هذا، وهو حدوث كل ما سوى الله تعالى فلو قدر فيما سواه تعال ما ليس بجرم ولا قائم به، لم ينهض فيه دليل، قلنا: مذهب المتكلمين انحصار العالم في الأجرام والأعراض خلافا للحكماء في إثباتهم قسما ثالثا في العالم ليس بجوهر.
ولا عرض أعني غير متميز ولا قائم بمتحيز، وسموه بالمجردات أعني من الصورة والتحيز كما ستعلمه، وجعلوا من ذلك النفوس والأرواح والملائكة، وتبعهم على ذلك الغزالي وبعض الصوفية فهي عندهم لا تتقدر ولا تتشكل ولا تعمر فراغا ولا يلزم من ذلك ما قالوا مماثلتها للباري عز وعلا، لأنها إنما شاركته في سلب وهو التقدس عن المقدار والشكل والتحيز والمماثلة، إنما تكون بالمشارك في صفات النفس قلت ومن ها هنا كفر بعضهم كابن حبيب من المالكية الغزالي وجعلوه مشبها.
تنبيهان:
الأول: أن المتكلمين في إبطال الزائد على القسمين طرقا، من أشهرها طريقة التقسيم، وهي كل موجود إما أن يكون متحيزا أو لا. (1/92)
صفحة 89
والثاني: أما أن يقوم بمتحيز أولا، فالمتحيز هو الجوهر والقائم به هو العرض وغيرهما هو الله تعالى، قال المتأخرين من الأشاعرة فهذه القسمة وإن كانت دائرة بين النفي والإثبات ضعيفة، لأن ما انتهى إليه التقسيم وهو ما ليس بمتحيز ولا قائم بمتحيز ليس هو نفس حقيقته جل وعلا، ولا نفس حقيقة صفاته لأنه انتهى إلى سلب وهو سلب التحيز والقيام للمتحيز.
واختار بعضهم التوقف في وجود هذا الزائد، لضعف مسلك الفريقين اعني الحكماء والمتكلمين، قال: فإن الوجود المفروض لم نعلم حقيقته حتى نحكم عليه باعتبارها وليس فيما علمناه متوقف عليه فندل به عليه لعدم العلم به، بخلاف ما نقول في الصانع فإنه وإن لم نعلم حقيقته إلا أن ما علمناه متوقف وجوده عليه، فأسند العلم بوجوده إليه.
ومن المتكلمين: من أثبت حدوث هذا الزائد بالعقل، فقال: هذا الزائد لا يصح أن يكون آلها لوجوب الوحدانية له، كما سيأتي.
دليله: وإذا لم يصح كونه آلها لم يتوقف وجود العالم على وجوده، فلا يجب وجوده إذ لا يلزم من عدمه محال فيكون ممكنا، وكل ممكن حادث فهذا الزائد حادث وهو المطلوب، قال بعض: وهو ضعيف، لأنه تمسك بعكس الدليل وهو لا يلزم عكسه وإنما يلزم طرده، وذلك أن توقف وجود العالم على وجود فاعل له يقتضي وجوب وجوده، لئلا يلزم التسلسل أو الدور لو قدر جواز وجوده، ولا يلزم من عدم توقف العالم على شيء عدم الوجوب لذلك الشيء إذا لا يلزم في عدم الدليل عدم المدلول، وقد كان عز وجل واجب الوجود لذاته في الأزل قبل أن يوجد للعالم وتوجد دلالته. (1/93)
صفحة 90
قال: والحق أن ما يفرض زائد على الآله غير آله، ولم تعلم حقيقته، فلم يكن الحكم عليه في جهة نفسه وحقيقته، فيستدل عليه باعتبار فعله، فلم يبق إلا التوقف والالتجاء غلى السمع والبرهان القاطع، من الإجماع وغيره يشير غلى أن الله تعالى كان ولم يكن معه شيء ولا قديم إلا الله،، ولا تتوقف دلالة صحة المعجزة على نفي قديم غير إله فجائز أخذه من طريق السمع.
الثاني: قد علمت مما مر أن الأجرام كلها متماثلة، فلا فرق حينئذ بين نورانيتها وظلمانيتها، حتى أن جرم الطين مماثل للجرم القمر لاشتراكهما في صفات النفس من التحيز وقبول الأعراض والتخصيص بالمقدار والمساحة وغيرهما، وإنما تمايزت بأمور عرضية حتى الماء والنار والأرض والسماء وحتى الإنسان مماثل لغيره من الأجرام الحيوانية والجمادية، ولهذا صح منح الإنسان قردا أو سبعا أو نحوهما، وإلا فلا يجوز تبدل الحقائق واختلال الأجناس كان يصير الجوهر عرضا وعكسه، والحركة سكونا وعكسه، واللون طعما والقدرة إرادة أو نحو ذلك.
وما يقال كثيرا: إن الإنسان حقيقة مغايرة لحقيقة مغايرة الفرس وكذا غيرهما وإنما تمايزت بأوصاف نفسية، هي فصول كالناطقية والصاهلية ونحوهما، فذلك مذهب الفلاسفة وبعض متكلمين، وعليه جرت الناطقة في جعلهم الحيوان جنسا وما تحته أنواع له مختلفة بالحقائق.
وجمهور المتكلمين: على أنها كلها متماثلة من الذرة إلى الفيل أعني متحدة الحقيقة، وإنما الاختلاف بالعوارض وهذا أصل يبني عليه كثير (1/94)
صفحة 91
من قواعد الإسلام، وإثبات القاد والمختار وكثير من أحوال النبوة والمعاد فإنه اختصاص كل جسم بصفاته المعنوية، لا بد أن يكون بمرجح مختار إذ نسبة الموجد إلى الكل على السواء ولما جاز على كل جسم ما يجوز على الآخر كالبرد على النار والحرق على السماء، ثبت جواز ما نقل من المعجزات، وأحوال القيامة، ومبنى هذا الأصل عند المتكلمين على أن أجزاء الجسم ليست إلا الجواهر الفريدة، وأنها متماثلة لا يتصور فيها اختلاف.
حقيقة هذا: ما قرره الأشاعرة، وستعلم أنه ضعيف إذا لم يقع عليه برهان قاطع على ثبوت الجوهر الفرد، بل الحق أن ذلك مبني على أن أجزاء الجسم ممكنة قابلة للاتصاف بطل ما ذكر.
المقصد السابع: المشهور بين المتكلمين في حدوثة العالم هو الاستدلال بحدوث أحد المتلازمين، وهو الأعراض على حدوث الأخر وهو الجواهر، فيفتقر إلى ثبوت الأعراض وحدوثها، واستحالة عزو الجوهر منها وإبطال حوادث لا أول لها، وحينئذ يلزم حدوث الجوهر وحدوث الأعراض، ويتوقف على أربعة أمور إبطال الكون والظهور، وإبطال قيامها بنفسها وإبطال انتقالها وإبطال عدم القديم فصار هذا الدليل يتوقف بهذا الاعتبار على سبعة أمور.
ووجه توقف حدوث الجواهر على الأصول الأربعة، الأول: أن جهة الدلالة هي أن ما لازم المتناهي لا بد أن يكون متناهيا، وإذا كان المعتمد الاستدلال يتناهى أحد المتلازمين على تناهي الأخر فلا بد من إثبات زائد على الجوهر إذا الشيء لا يلزم نفسه وإذا ثبت الزائد فلا بد (1/95)
صفحة 92
من إثبات التلازم وإذا ثبت التلازم فلابد من إثبات تناهي أحد المتلازمين وهو الأعراض، وتناهي أفرادها، هو إثبات حدوث شكل واحد منها، وتناهي جملتها هو إبطال حوادث لا أول لها، وإن ثبت أن تقرر هذا قلت كلما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وجواهر العالم لا تخلو عن الحوادث، وهذه المقدمة القائلة جواهر العالم لا تخلو عن الحوادث تستدعي إثبات زائد وأنه حادث، وأن الجوهر لا يخلو عنه فهذه ثلاثة أصول.
وقولنا ما لا يخلو عن الحوادث لا بد أن يكون حادثا، لأنه لو كان قديما لأفضى ذلك إلى حوادث لا أول لها وهو الأصل الرابع.
ووجه توقف حدوث الأعراض على الأصول الأربعة التي ذكرنا هو أن جهة الاستدلال هنا على الحدوث بالطرو والعدم لما سبق وجوده قبل الطارئ وتحقق الطرو يستدعي ثلاثة أمور ويلزم الحدوث، والعدم ويستدعي تلك الأمور الثلاثة، ويتحقق العدم وليس هو الحدوث فلا بد من بيان استحالة عدم القديم.
وبيان هذا الكلام: أن نقول: في تحقق الطرو أنه لو لم يكن طارئا لكان موجودا قبل هذه الحالة، ول كان موجودا قبل هذه الحالة لم يخل إما أن يكون في محل أولا، فإن كان في محل فهو إما هذا المشاهد فيه طريانه عليه أو غيره، فإن كان هذا فقد كان كامنا وإن كان غيره فلا يصل إليه إلا بانتقال، وإن كان من غير محل نقد قام بنفسه، وكذلك نقول في عدم هذا العرض لأنه لو لم يكن قد عدم لكان باقيا وهو إما أن يبقى في محل أولا، فإن كان في محل فهو إما في هذا المحل أو غيره، فإن كان في محل فهو إما في هذا المحل أو غيره، فإن كان في هذا المحل فهو كامن وإن كان في غيره فلا يصل إليه، إلا بالانتقال من هذا فيتحقق أنه عدم. (1/96)
صفحة 93
ويقال له: لم قلت أنه إذا عدم يكون حادثا؟ قلنا لأن القديم لا يجوز عدمه وإذا لم يكن قديما لزم أن يكون حادثا، فيتحقق بهذه القسمة العقلية توقف الدلالة بالطرو والعدم على هذه الأقسام وهي أربعة، فإذا سمعت ما قررناه، عليك وأردت إيضاحه فنقول ما مر كنا نستدل على حدوث العالم بالنظر إلى أبعاضه وهو ذات الإنسان.
وأما ها هنا: فالبنظر إلى جمعية نظرا واحدا وتقرير الدليل فيه: أن العالم كله صفاته حادثة وكل من صفاته حادثة فهو حادث.
دليل الصغرى أن صفات العالم متغيرة من وجود إلى عدم وعكسه قبولا وحصولا، وكل ما كان كذلك فهو حادث.
ودليل التغير: المشاهدة له في بعضها كالحركات والأصوات ونحوها فإنها تشاهد طارئة بعد عدم ومعدومة بعد طرو. والقول فيما لا يشاهد فيه التغير، كسكون الأرض والألوان على رأي، ونح ذلك فإن الأرض يجوز أن تتحرك، وينعدم سكونها كما جاز في مماثلها من متحرك الأجرام، وذلك اللون الخصوصي فلا يجوز أن ينعدم لونه ويتصف بغيره من الألوان كما اتصف به مماثلة من الجواهر، وهي كلها متماثلة فيستحيل أن يجوز في بعضها ما لا يجوز في الآخر من حيث ذاته.
فاستبان لك أن صفات العالم تتغير إما بالحصول أو بالقبول، وهذا من غير التفات إلى دليل استحالة بقاء الأعراض، أما إذا التفتنا إليه فصفات العالم حينئذ كلها تتغير بالحصول لا بالقبول إلى العدم وإلى الوجود تغيرا واجبا، وأما كون التغير يستلزم الحدث فدليله: أن التغير مطلقا (1/97)
صفحة 94
يستحيل على القديم، لأنه إذ كان من عدم إلى الوجود طارئا بعد عدم وهو غير الحدوث، وقد فرض قديما، هف.
وإن كان من وجود إلى عدم كان وجوده جائزا بدليل قبوله العدم، وكل جائز فهو لا يقع بنفسه فيلزم أن يكون وجوده بمقتضى والفرض أنه قديم، هف.
أيضا فإن قلت لعله جائز الوجود من حيث ذاته، قلنا قد سبق بالبرهان أن العلة والطبيعة لا أثر لهما في شيء من الكائنات، فتقدير عدم القديم مع وجود علته أو طبيعته محال إلى نفيه وتسلسل، وإن قدر أن النفي مع وجود الطبيعة لطريان ضده كان محالا أيضا، لأن الضد إن طرأ قبل عدم القديم لزم اجتماع الضدين وإن طرأ بعد عدم لزم عم التقديم لا لسبب، وأيضا فيه ترجيح المرجوح إذ منع القديم السابق وجوده لتجديد هذا الضد أولى من منع الطارئ لوجود القديم، فخرج لك بهذا البرهان.
صدق الصغرى وهي قولنا: العالم كله صفاته حادثة، وأما.
دليل الكبرى وهي قولنا: وكل من صفاته حادثة فهو حادث فهو أنه لا يمكن أن يتقرر في العقل جرم ليس بمتحرك ولا ساكن، ولا مجتمع ولا مفترق، وهذه الأكوان كافية في الاستدلال بها على حدوثه.
فنقول: العالم ملازم ضرورة للأكوان الحادثة وكل ما لازم الأكوان الحادثة فهو حادث، وإن شئت فاستدل باستحالة عرو الأجرام عن الأكوان على استحالة عروها، عما عداها من أجناس الأعراض، وذلك (1/98)
صفحة 95
أن قبول الموصوف لجميع صفاته نفس لذاته لا يختلف فيها ولا يدل على الذات، لئلا يلزم الدور أو التسلسل في احتياج القبول، أن قبول أعني أن القبول لو كان عرضيا للجوهر لطرأ عليه كطرئان الحركة والسكون والعلم ونحو ذلك، لتوقفه على قبول آخر بمعنى أن الجوهر لا يتصف به حتى يقبله، وكذا القبول الثاني، لأنه عرض طارئ على هذا العرض فإن توقف على الذي توقف عليه دارا وعلى غيره إلى هلم جرا تسلسل، فلو جاز العرو عن بعضها لجاز العرو عن جميعها، إذ الوصف النفسي لا يختلف كما لا يتخلف، لكن العرو عن جميعها باطل ضرورة لما عرفت من استحالة عرو الأجرام عن الأكوان التي هي الحركة والسكون والافتراق والاجتماع، فيلزم أن يجوز عرو الأجرام عن غيرها، وإذا عرفت استحالة عروها عن الحوادث لزم حدوثها إذ لو كانت الأجرام موجودة في الأزل وصفاتها لأجل حدوثها لا تجوز إلا فيما لا يزال للزم عرو الأجرام عن جميع صفاتها، وهو الذي قررناه قبل.
تنبيه: اعترض على الصغرى فغنا لا نسلم أن لذوات العالم صفات زائدة على وجودها، حتى يستدل بحدوثها على حدوث موصوفها سلمنا وجودها، لكنا لا نسلم أنها حادثة قولكم أنها متغيرة من عدم غلى وجود وبالعكس ممنوع، لأنا نقول لا عدم لها أصلا، بل هي دائمة الوجود أم في موصوفها لكن تارة تكمن فيه بظهور حكم ضدها، وتارة تظهر فيه بانتفائه وأما الانتقال من محل إلى محل ومن قيام بنفسها إلى قيام بمحل، وبالعكس.
الجواب عن الأول: وهو ادعاء الزيادة على الوجود أن كل عاقل يجيب في ذاته معاني زائدة عليها كالعلم وأضداده ونحو ذلك، ولهذا قال (1/99)
صفحة 96
بعض الأذكياء من المتأخرين في جواب من منع وجود الأعراض، نزاعكم لنا وقولكم لا نسلم وجود الأعراض أما أن تقولوا أن هذا النزاع منكم لنا موجود أو معدوم فإن قلتم لا وجود له خرجتم عن كافة العقل وسقط عنه.
وصيغة جوابكم من وجهين: أحدهما أنكم في عداد من لا عقل له، لأن من لا عقل له هو الذي يقول كلاما ثم يردفه على الفور بقول: ما قلت شيئا ومن لا عقل له فلا يجاب عنه.
وثانيها: إقراركم بأنكم لم تنازعونا ولا خالفتمونا فقد كفيتمونا مؤنة جوابكم وإن سلم أن نزاعكم لنا وجد منكم ولا شك أن ذلك النزاع أمر زائد على الذات وهو الذي نعني بالعرض فقد سلمتم وجود العرض.
فإن قالوا: نحن ممن يقول بالحال والواسطة بين الوجود والعدم فنسلم أن للأجرام صفات زائدة عليها، ولا يلزم من زيادتها وجودهما لاحتمال أن تكون واسطة بين الوجود والعدم.
قلنا: إن المحققين على أن الحال محال وأنه لا واسطة بين الوجود والعدم سلمنا بثبوتها، فيلزم أن الأجرام تلازم صفات ثابتة وجب لها الحدوث فيلزم حدوثها ضرورة فقد تم البرهان على حدوث العالم على أكمل وجه بمجرد ثبوت هذه الصفات، وإن لم تنته إلى درجة الوجود فالقدح بعدم وجودها مع تسليم ثبوتها لا يضر شيئا، في دليل الحدوث، وإنما يضر بالدليل الإصرار على عدمها وهو باطل ضرورة. (1/100)
صفحة 97
ومن أدلة المتكلمين على ثبوت الأعراض تعاقب الأحكام الجائزة على الجوهر، ونذكر تمرينا للطالب فنقول: إذا تحرك الجوهر بعد أن كان ساكنا مثلا فقد زال اختصاصه بحيزه الذي كان ساكنا فيه لمفارقته له ثم طرأ اشتغاله بخبر فان واشتغال الخبر الأول والثاني جائزان، وكل جائز فلا بد له من مقتض فأما أن يكون المقتض لهذا نفس الجواهر أولا، والأول باطل وإلا استحال كونه مع بقاء نفسه في غير ذلك الحيز المعين والثاني نفي أو إثبات، والنفي لاقتضاء له والإثبات لا مثل للجوهر أولا.
والأول: باطل لوجوب اشتراك المثلين في جميع صفات النفس والاقتضاء غنما يثبت للنفس ولأنه للاختصاص لما لم يقم بغيره ببعض الجواهر دون بعض لجواز كونه شاغلا للحيز مع فقدان جوهر آخر، وغير المثل غما أن يقتض باختيار أو بإيجاب فإن كان يغير اختيار فلا بد من قيامه فيه ليكون له اختصاص فيقضي الحكم له دون غيره، وفيه ثبوت الأعراض والمختار لابد له من فعل والجوهر باق مستمر الوجود، فلا يصح أن يفعل في حال بقاءه فتعين أن يكون فعل فيه أمرا زائد وهو الغرض الذي ابتغيناه، ولا يصح أن يفعل الحال التي هي الحكم الجائز ككونه متحرك أو ساكنا على انفرادها، إذ فعلها يستدعي القصد إليها وذلك يستدعي تميزها، والحال إنما يتميز باعتبار معناها الموجب لها، إذ لو تميزت باعتبار معقوليتها لأدى إلى ثبوت الحال للحال ويتسلسل فنعين أنها لا تفعل على حيادها فتفعل مع وجود أخذ موجب لها، وهو من الغرض الذي طلبناه، وهذا كله على القول بثبوت الحال، وأما على النفي فأمر واضح. (1/101)
صفحة 98
والجواب: عن الثاني وهو إدعاء الكمون الظهور أنه يؤدي إلى اجتماع الضدين فيه ضرورة، وأيضا فالكمون والظهور اللذين قاما بالعرض ويتعاقبان عليه إن كان يتقدم أحدهما عند وجود الآخر، فقد نقضوا أصلهم في كمون الأعراض ولزمهم ما فروا منه وهو ملازمة الجواهر للحوادث.
وإن قالوا بكمونها وظهورها أيضا لزم التسلسل.
والجواب عن الثالث: وهو انتقال الأعراض من محل إلى محل.
وعن الرابع: وهو انتقالها من قيام بنفسها إلى قيام بمحل، وبالعكس إن كل من الأمرين يؤدي إلى قلب حقيقة العرض، فإن الحركة مثلا! حقيقتها انتقال الجوهر من حيز إلى حيز ولو قامت في نفسها وانتقلت هي لزم قلب هذه الحقيقة، وأيضا لو انتقلت للزم قيام انتقال بها، وذلك الانتقال ينتقل أيضا فيقوم به انتقال وذلك يؤدي إلى التسلسل وقيام المعنى بالمعنى وكلاهما محال.
المرصد الثاني: في إبطال حوادث لا أول لها فيه.
وفيه مقاصد:
الأول: أن يقال لو وجدت حوادث لا أول لها لفرغ ما لا نهاية له عددا فيل ما وجد منها الآن، لكن لا يفرغ ما لا نهاية له عددا لأن فراغ العدد يستلزم انتهاء طرفيه فينتج، لا توجد حوادث لا أول لها، وبيان ذلك أن نقول: اختلف الناس في حدوث العالم وقدمه والوجوه المحتملة لذلك بحسب الغرض أربعة، لأنه إما أن يكون محدث الذات والصفات (1/102)
صفحة 99
أو قديم الذات والصفات أو قديم الذات محدوث الصفات أو قديم الصفات محدوث الذات، وهذا الرابع مما لم يقل به عاقل.
وبالأول: قال المسلمون والنصارى واليهود والمجوس.
وبالثاني قال: أرسطاطاليس وهو المعلم الأول وتاوترسطس وتامسطيوس وبرقليس، ومن المتأخرين الفارابي وابن سينا فإنهم قالوا الأفلاك قديمة بذواتها وصفاتها المعينة، كالمقدار والشكل وما يجري مجراها من الأمور القارة اللازمة، سوى الحركات والأوضاع، فإن كل منها حادث ومسبوق بآخر ولا إلى أول، والعناصر قديمة بحسب شخصها وصورتها الجسمية قديمة بنوعها وصورتها النوعية قديمة بجنسها، أي كان قبل كل صورة أخرى لا إلى أول.
وبالثالث قال: الفلاسفة الذين كانوا قبل المعلم الأول المذكور كتالس الكنساغورس وفيتاغورس وبقراط وجميع الثنوية كالمتائية والديصانية، والمرقوتية والماهاتية، فإنهم قالوا الأجسام كلها قديمة بذواتها محدثة بصورها الجنسية النوعية، وبصفاتها، ثم اختلفوا في تلك الذوات، وليس غرضنا من تلك، فمن أراد الاطلاع عليه بما يحيط علما بمذاهبهم، فعليه بالشرح وقد بسطت الكلام فيه.
واعلم أن قدماء الفلاسفة وهو الحرنانيون أثبتوا قدماء خمسة، واجب الوجود، وسموه عقلا ثم نفسا وهيوليا، ودهرا وخلاء وصارت جماعة من متأخريهم، إلى أن العالم العلوي قديم بذاته وصفاته كما مر، إلا الحركات، فإنها حادثة بأشخاصها قديمة بأنواعها، فلا حركة إلا وقبلها حركة لا إلى أول، وأما العالم السفلي وهو عالم الكون (1/103)
صفحة 100
والفساد، وهو ما تحت مقعر فلك القمر قالوا فإن الهيولي قديمة وكل ما فيه من الصور والأغراض حادثة بأشخاصها قديمة بأنواعها، فلا ولد إلا وقبله والد ولا بيضة إلا من دجاجة ولا دجاجة إلا من بيضة ولا زرع إلا من بذر.
وتوقف جالينوس في قدم ما ادعوا قدمه ومذاهبهم في ذلك ركيكة لا يرضى بها عاقل، وتبعهم في ذلك من ينسب نفسه إلى الإسلام حماية لما له ودمه وليس له فيه نصيب، فالفارابي وابن سيناء ومن في معناهما كالحفيد بن رشد، وأبي سهل الصعلوكي.
قال بعض المتأخرين من الأشاعرة: ولما قلنا اتفق أهل الأندلس على ترك بن رشد، فإذا عرفت ما قررناه فقولنا لو وجدت حوادث لا أول لها أعني صفات العالم، اعترض منا على اعتراض الفلاسفة على كبرى الجليل الذي استدللنا به على حدوث العالم وهي قولنا: وكل من صفاته حادثة فهو حادث.
ووجه الأعراض أنهم قالوا لا نسلم أن كل من صفاته حادثة فهو حادث قولكم لأنه عنها مسلم قولكم، فيكون حادثا ممنوع مثلها، لأن ذلك إنما يلزم أن لو كانت الحوادث التي لازمت الأجرام لها مبدأ يفتتح به عددها، ونحن نمنعه، بل ما من حادث إلا وقبله حادث لا إلى أول، فلم يلزم من قدم الأجرام على هذا التقدير عروها عن الحوادث اللازمة لها لأن نوعها الذي لا ينفك عن الأجرام قديم.
وجوابهم أن يلزم على وجود حوادث لا أول لها، أن يكون دخل في (1/104)
صفحة 101
الوجود وفرع من حركات الأفلاك، وأشخاص الحيوانات ونحوها على الترتيب واحدا بعد عدد لا نهاية لهز
والجمع بين الفراغ وعدم النهاية جمع بين متنافيين فيكون محالا بالضرورة، ويلزم عليه أن يكون وجودنا ووجود سائر الحوادث الآن محالا لتوقفه على المحال، وهو فراغ ما لا نهاية له فما توقف على ذلك الذي اتضحت استحالته يجب أن يكون محالا.
لأن المتوقف على المحال محال ضرورة أن المتوقف لا يوجد بدون المتوقف عليه، والمتوقف في قضيتنا هو وجود الحوادث الآن.
وقد أورد الحكماء على الذي منعناه من وجود حوادث لا أول لها سؤالا فقالوا، ما التزمتمونا به من استحالة وجود حوادث لا نهاية لها يلزمكم مثله في نعيم الجنة إذ قلتم أن حوادث نعيمها متجددات أفرادها وسرورها لا نهاية لها.
وجوابه أن يقال لهم لبستم بلفظ مشترك وهو لفظ حوادث لا نهاية لها، فإنه يطلق بالاشتراك على وجهين: أحدهما بمعنى لا نهاية لها بحسب المبدأ أعني حوادث لا أول لها.
الثاني بمعنى لا نهاية لها بحسب الآخر أعني حوادث لا آخر لها. والذي قلتم به ودفعناه هو الأول وفيه وجدت أدلة الاستحالة من الجمع بين الفراغ وعدم النهاية المتناقضتين وغير ذلك، والعدم فيه دليل الجواز وأما الذي قلناه في نعيم الجنة من الحوادث فهو من القسم الثاني (1/105)
صفحة 102
أعني الحوادث التي في الجنة لا آخر لها بمعنى أنها لا تنقطع أبدا إلا يتجدد بعدها شيء.
وأما كل، ما وجد منها فيما مضى إلى زمان الحال فهو متناه له مبدأ ومنها فلم يلزم الجمع فيه بين الفراغ وعدم النهاية المتناقضين ولا غيره من أنواع الاستحالة كما فيما ادعيتم وليس من حقيقة الحادث أن يكون له آخر، وإنما المراد أن يكون من حقيقته أول، فقد ظهر انتفاء أدلة الاستحالة فيما ادعيناه من ثبوت حوادث لا آخر لها.
وأما دليل جوازه فيما تقرر وما سيأتي برهانه من وجوب العموم في تعلق قدرته تعالى وإرادته بكل ممكن مطلقا، في القدرة ومع الوقوع في الإرادة، فلو وجب أن يكون للحوادث آخر للزم عجز القدرة والإرادة عن أمثال ما وقع وهي ممكنة ضرورة.
وأما حوادث لا أول لها، من المحال الذي هو ليس يتعلق بالقدرة والإرادة، وقد ضرب بعض الأذكياء لما ادعوه من وجوه حوادث لا أول لها ولما ادعيناه من وجود حوادث لا آخر لها مثالين: يستبين بهما أمر الاستحالة فيما ادعوه وأمر الجواز فيما ادعيناه.
نمثل الأول بملتزم قال لا أعطي فلانا اليوم الفلاني درهما حتى أعطيه قبله درهما، ولا أعطيه فيه آخر قبله، وهكذا لا إلى أول.
فمن المعلوم بالضرورة أن أعطاه الدرهم الموعود به في اليوم (1/106)
صفحة 103
الفلاني محال لتوقفه على محال، وهو فراغ ما لا نهاية له بالإعطاء شيئا بعد شيء، ولا ريب إنما ادعوه من حوادث لا أول لها مطابق لهذا المثال، فإن أعطاه الفاعل للفلك مثلا الحركة في زماننا هذا وفي غيره من الأزمنة المعينة متوقف على إعطائه قبله من الحركات شيئا بعد شيء إلى ما لا نهاية له، فالحركة للفلك الزمان المعين نظير الدرهم الموعود به في الزمان المخصوص، والحركة التي لا تتناهى قبلها نظير الدرهم التي لا تتناهى قبل ذلك الدرهم، فيكون وجود الحركة للفلك في هذا الزمان مثلا مستحيلا كما استحال وجود الدرهم الموعود به في الزمان المعين للشخص، وكذا يلزم أن يكون وجودنا في هذا الزمان ووجود سائر الحيوانات والزرع مستحيلا لتوقفنا على وجود آباء قبلنا لا نهاية لهم.
وتوقف الزرع على بذور قبلها لا نهاية لها، ولا تخفى على عاقل فضيحتهم.
ومثل الثاني: وهو ما ادعيناه، نحن في نعيم الجنة بما لو قال الملتزم لا أعطي فلانا درهما في زمان ما إلا وأعطيه بعده درهما وهكذا لا إلى غاية، فهذا لا يرتاب عاقل في جوازه إذ حاصله إلزام الملتزم عدم قطع العطاء بعد ابتدائه، فإذا كان ممن لا يعرض لمثله خلف في وعده ولا موت لذاته ولا عجز بنفوذ قدرته وإرادته، فإنا نقطع بوقوع ذلك منه أبدا ونؤمن به، وليس ذلك إلا الله مولانا عز وعلا.
فهذا المثال لا تخفى مطابقته لما ادعيناه من نعيم الجنة للمؤمنين، ولا لما نجعيه من أليم جهنم للفلاسفة القائلين بقدم العالم وإضرابهم من العاصين المصريين ولسائر الكافرين. (1/107)
صفحة 104
المقصد الثاني: أنه يلزم أيضا على تقدير وجود حوادث لا أول لها أن يقارن الوجود الأزلي عدمه وتقديره أن يقال: لو كانت الحوادث مثلا لا أول لها لزم اجتماع الوجود الأزلي مع عدمه.
وبيان الملازمة أن كل حادث من تلك الحوادث مسبوق بعدم لا أول له، وتلك العدمات كلها مجتمعة في الأزل إذ لا ترتيب فيها وجنس الحوادث آزلي أيضا لأنها لا أول لها، وذلك الجنس لا يتحقق وجوده إلا في حادث من أفراده، فيلزم أن يكون ذلك الحادث أزليا لكن عدمه السابق عليه أيضا أزلي لما سبق من أن عدم كل حادث أزلي مقدم، فقد لزم مقارنة وجود شيء لعدمه لأنهما أزليان، واجتماع وجود الشيء مع عدمه محال ضرورة، وفيه أيضا مصاحبة السابق وهو العدم للمسبوق وهو الوجود الحادث، وفيه الجمع بين المتناقضين وهو الحدوث والأزلية.
وبأن اجتماع تلك العدمات في الأزل أنا نفرض حوادث ثلاثة مرتبة الوجود، ثم نتوهم في عدمه الحادث الأول أنه خط مار منه إلى الأزل، ثم في الحادث الثاني الذي بعد الأول عدم آخر مار منه أيضا إلى الأزل، ثم كذلك الثالث، فيلزم على هذا أن كلا من الحوادث مسبوق بعدم مار إلى الأزل.
وتلك العمات مجتمعة في الأزل لا ترتيب فيها، ألا ترى أنه لا يقال كان عدم هذا قبل عدم هذا، بخلاف الوجود فإنك تقول كان وجود هذا بعد وجود هذا، لأن وجود الأول سابق على وجود الثاني، ووجود الثاني سابق على وجود الثالث، فقد اجتمعت إذن عدماتها في الأزل.
واعترض بأن الأزل ليس عبارة عن حالة مخصوصة شبيهة بالظرف (1/108)
صفحة 105
تجتمع فيها عدمات الحوادث حتى لو وجد فيها شيء من وجوداتها لزم اجتماع النقيضين، بل معنى أزلية العدمات أنها ليست مسبوقة بالموجودات، وهذا لا يوجب تقارنها في شيء من الأوقات، وما يقال أنها لو لم تكن متقارنة في حيز ما لكان حصول بعضها بعد حصول آخر فلا تكون قديمة فإنما يستقيم فيما يتناهى عدده فالعدمات لا تتقارن في حيز ما لعدم تناهيا لا لتعاقبها.
المقصد الثالث: في إبطال حوادث لا أول لها أيضا، ويسمى هذا البرهان برهان القطع والتطبيق، وتقريره أن يقال لو وجدت حوادث لا أول لها للزم أن يوجد عدوان متغايران ليس أحدهما أكثر من الآخر، ولا مساويا له، والتالي باطل ضرورة لما علم من وجوب زيادة إحدى النسبتين بين كل عدوين فيكون ملزومه وهو وجود حوادث لا أول لها باطلا.
بيان الملازمة: أنا لو نظرنا عدد الحوادث من زمان الطوفان مثلا إلى الأزل مع عددها من الآن مثلا إلى الأزل لكان عددين متغايرين ضرورة، ويستحيل أن يكون بينها المساواة لتحقيق الزيادة في أحدهما والشيء بدون زيادة لا يكون مساويا لنفسه بعد زيادة، ويستحيل أيضا أن يكون أحدهما أكثر من الآخر لعدم تناهي أفراد كل واحد منهما، فلا يفرغ أحدهما بالعد قبل الآخر.
وحقيقة الأقل ما يصير عند العد فانيا قبل الآخر والأكثر ما يقابله.
ونحن لو فرضنا الآن شخصين أحدهما بعد الحوادث من زمان (1/109)
صفحة 106
الطوفان إلى ألأزل والآخر بعدها من الآن إلى الأزل، لاستحال على مذهبهم أن بقى أحد العددين بالعد قبل الآخر، فيمتنع أن يكون أحدهما أكثر من الآخر، فقد اتضح لك أنه يلزم على تقدير وجود حوادث لا أول لها، أن يوجود عددان ليس بينهما مساواة ولا مفاضلة، فما من الطوفان إلى الأزل أقل مما من الآن إلى الأزل بالضرورة.
وقد قرر الأعاجم كالسعد والبيضاوي والعضد والفخر وغيرهم برهان القطع والتطبيق غير هذا التقرير، وقالوا لو تسلسلت الحركات متعاقبة بلا نهاية، كان لنا أن نفرض من حركة ما كدورة معينة مثلا إلى مالا بداية له جملة واحدة، ونفرض أيضا من حركة قبلها بمقدار متناه كعشر دورات مثلا جملة أخرى ثم تطبق الجملتين الجزء الأول من أحدهما بالجزء الأول من الأخرى والثاني بالثاني، وهكذا لا إلى نهاية فإن كان بازاء كل من أجزاء الجملة الزائدة.
جزء من أجزاء الجملة الناقصة، كان الشيء مع غيره كهؤلاء مع غيره فيكون الزائد مساويا للناقص، وهذا باطل وإلا لو وجد في أجزاء الزائدة ما لا يوجد بإزائه من الناقصة جزء، فتقطع الناقصة ضرورة فتكون متناهية، والزائدة إنما يزيد عليها بمتناه والزائد على المتناهي منتاه بلا شبهة، فتكون الزائدة أيضا متناهية فيلزم تناهيها وهو خلاف المفروض، أعني عدم تناهيها في تلك الجهات، فو كانت الحركات غير متناهية كانت متناهية، وما استلزم وجوده عدمه كان محالا قطعا.
المقصد الرابع: في إبطال ما ذهبوا إليه في وجود حوادث لا أول لها، أن يقال في تقريره لو وجدت حوادث لا أول لها للزم أن يصح عند (1/110)
صفحة 107
كل حادث وجود حكم بفراغ ما لا نهاية له، والملازمة ظاهرة لأن صحة الحكم تتبع صحة المحكوم به، والمحكوم به وهو فراغ ما لا نهاية له قبل كل حادث صحيح على أصلهم، فوجود الحكم بذلك عند كل حادث صحيح ضرورة لكن هذا الحكم مستحيل لما سنذكره الآن، من البرهان على ذلك، فيكون ملزومه وهو وجود حوادث لا أول لها مستحيلا، لوجوب استحالة الملزوم عند استحالة لازمة، فالحوادث كلها أن لها أول ولا وجود لجنسها لا لشيء منها في الأزل وهو المطلوب.
استحالة وجود ذلك الحكم، أنه لو وجد لم يخل أما أن يكون له أول أولا، والثاني باطل بقسميه، فالملزوم وهو وجود الحكم باطل أيضا، والملازمة ظاهرة وأما بطلان التالي فإنما يستبين ببطلان كل واحد من قسميه.
فنقول: أما كون الحكم لا أول له فباطل، لأن من ضروريات هذا الحكم أن يسبق كل فرد من أفراده حوادث ليحككم عليها بالانقضاء، فيلزم أن يسبق جنس المحكوم عليه وهو أزلي جنس الحكم وهو أزلي أيضا، وسبق الأزلي على الأزلي محال بالضرورة، وأما كون الحكم له أول، فباطل أيضا لأنه يلزم عليه أن يوجد عدو متناه في نفسه، لكن زدنا عليه واحدا فصار الجميع غير متناه، وبطلان هذا اللازم ظاهر لأن زيادة الواحد على عدد ما زيادة شيء متناه، والغرض أن المزيد عليه متناه أيضا، فيكون مجموعهما متناهيا ضرورة، فالحكم بأن المجموع غير متناه واضح البطلان.
وأما بيان لزوم هذا المحال على تقدير انتهاء الحكم، أعني بيان (1/111)
صفحة 108
أنه يلزم على كون الحكم له أول أن يوجد له عدد متناه زيد عليه واحدا فصار الجميع غير متناه، فلنفرض مثالا على أصلهم يتضح فيه لك بأن الغرض في حركة الفلك مثلا وجود حكم في يومنا هذا بانقضاء ما لا نهاية له من الحركات قبله، ثم كذلك في حكم آخر في الحكة التي تلي حركة يومنا هذا، ثم هكذا ما توالت الأحكام فإن فرض تواليها أبدا بحيث لا أول لها.
وقد عرفت أن الحركات المحكوم عليها بالانقضاء سابقة أبدا على الزمان الذي يوجد فيه الحكم عليها، فهو القسم الأول: من قسمي التالي الذي بيناه، أنه يلزم عليه سبق أزلي وهو جنس الحوادث المحكوم عليها على أزلي، وهو جنس الحكم عليها بالانقضاء وإن فرض أن الأحكام انقطعت، بحيث كان لها أول فهو القسم الثاني من قسمي التالي، الذي قصدنا الآن بيان بطلانه، فلنفرض أن تلك الحكام توالت على الوجه السابق، إلى تمام ألف حركة مثلا، حكم عندها وأنه فرغ قبلها من حركات الفلك ما لا نهاية له، ثم انقطع الحكم بحيث لم يحكم عند الواحد والألف بأنه فرغ قبلها ما لا نهاية له من الحركات.
فيلزم على هذا أن يكون ما قبل الواحد والألف من حركات الفلك عددا متناهيا، إذ لو كان غير متناه لما انقطع الحكم عليه بذلك، كما أنه لم ينقطع فيما دونه لكن قد حكم عليه عند تمام الألف مجموعا إلى الحركة الواحدة التي تلي الألف قبلها بعدم النهاية إذ الفرض أن أول الأحكام: الحكم الذي وجد عند تمام الألف، ولا حكم قبله بمحض أن عدم النهاية المحكوم به على مجموع الحركات التي قبل الألف، إنما جاء من الزيادة فيها للحركة الواحدة التي تلي الألف قبلها، بل وعدم (1/112)
صفحة 109
النهاية للحركات في سائر الأحكام تعتقد أن سببه زيادة هذه الحركة متناه، وإلا لوجود الحكم عليه بعدم النهاية، والفرض وجوب انقطاعه وما بعدهما متناه أيضا، إذا علاه ألف حركة ولا ريب أنه متناهية، فإذا لا سبب لعدم النهاية في جميع الأحكام، إلا زيادة تلك الحركة الواحدة فقد لزم أن ما يتناهى هو ما قبل تلك الحركة الواحدة، وما بعدها من الحركات صار لا يتناهى بسبب زيادة حركة واحدة فيه، وهي الحركة التي تلي الألف قبلها، وإن شئت فاقصر على ذكر ما قبل هذه الحركة فإنه يتناهى وقد صار لا يتناهى عند زيادة تلك الحركة عليه وهو أقرب وأظهر والله أعلم.
وبعد هذا البيان لا يخفى عليك إجراء مثل هذا في سائر ما قالوا به من وجود حوادث لا أول لها. ولا يبقى عليك إشكال بحول الله تعالى وقوته.
المرصد الثالث: في بيان أجناس العالم، وفيه مقاصد.
الأول: نعتقد أن العالم وهو ما سوى الله تعالى من الموجودات، مما به يعلم لنا بجميع أجزائه محدث بمعنى أنه وجد بعد عدم، فإذا علمت هذا فلا يشتبه عليك إطلاق الفلاسفة.
القول: بأن ما سوى الله تعالى حادث، بأنه على معنى الاحتياج إلى الغير لا على معنى سبق العدم، فإن العالم منحصر في الأعيان والأعراض، فالأعيان كل ممكن قائم بنفسه، ومعنى قيامه بنفسه عند (1/113)
صفحة 110
المتكلمين أن تحيزه غير تابع لتحيز شيء آخر والأعراض كل ممكن تابع تحيزه لتحيز الجسم الذي هو موضوعه، أي محله الذي يقومه، ومعنى وجود العرض فيه أن وجوده في نفسه هو وجوده في الموضوع بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر.
ومن ثم يمتنع الانتقال عنه بخلاف وجود الجسم في الحيز فإن وجوده في نفسه أمر ووجوده في الحيز أمر آخر ولذلك ينقل عنه.
وعند الفلاسفة: معنى قيام الشيء بذاته استغناؤه عن محل يقومه، ومعنى قيامه بشيء آخر اختصاصه به بحيث يصير الأول نعتا، والثاني منعوتا سواء كان متميزا كما في سواد الجسم أولا كما في صفات المجردات، والممكن الذي قيام بذاته مركب من جزئين فصاعدا، وقيل لا بد له من ثلاثة ليتحقق الأبعاد الثلاثة، وقيل لا بد من ثمانية ليتحقق تقاطع الأبعاد على زوايا قائمة.
قال السعد: ليس هذا نزاعا لفظيا راجعا إلى الاصطلاح، حتى يدفع بأن لكل أحد أن يصطلح على ما شاء، بل هو نزاع في أن المعنى الذي وضع لفظ الجسم بإزائه، هل يكفي فيه التركيب من جزئين أم لا؟ وما ذهب إليه الأشاعرة من إثبات الجوهر الفرد، وهو الجزء الذي لا يتجزأ عندهم، فما لم يقم عليه برهان، ولذلك مال الفخر منهم إلى الوقوف في إثباته ونفيه.
وما قالوه: من أنه لا يقبل القسمة لا فعلا ولا وهما ولا فرضا ممنوع فإنه يقبلها بحسب الوهم والفرض، ومن ثم نفيناه، وكذا (1/114)
صفحة 111
المعتزلة والحكماء وغيرهم ممن لم يقبل به، وبذلك يندفع ما عساه أن يقال أنه يلزمكم أن تقولوا بما قال به الحكماء من قدم العالم إذ نفوا الجوهر المذكور وقالوا: إنما تركب الجسم من الهيولي والصورة، لا من الجوهر الفرد فساقهم إلى القدم حيث قالوا إن الهيولي قديمة، إذ لو كانت حادثة لكان هيولي أخرى وتسلسلت لما تقرر عندهم أن كل حادث مسبوق بمادة ومدة، وإذا كانت قديمة هي لا تخلو عن الصورة لامتناع خلو الهيولي عنها، كان الجسم قديما لأنه عبارة عن المادة والصورة.
وفساد ما ذهبوا غليه ظاهر كما ستقف عليه، والعرض يحدث في الأجسام كالألوان الأربعة السابقة وهي الاجتماع والافتراق، والحركة والسكون.
المقصد الثاني: إذا تقرر أن العالم أعراض وأعيان، فنقول أن الكل حادث، أما الأعراض فبعضها بالمشاهدة كالحركة بعد السكون وبعضها بالدليل، وهو طريان العدم كما في ضدها، فإن القدم ينافي العدم لأن القدم إن كان واجبا لذاته امتنع عدمه وإلا لزم استناده إليه بطريق الإيجاب كما رأى الفلاسفة، لا بطريق القصد والاختبار كما هو رأي المتكلمين، إذ الصادر عن الشيء بهما يكون حادثا بالضرورة والمستند إلى الموجب القديم قديم ضرورة امتناع تخلف المعلول عن العلة.
وتوضيحه: أن يقال: إن القديم إما واجب لذاته أو موجب له لامتناع أن يكون القديم أثرا للفاعل المختار، لأن الأثر الاختياري يقتضي سابقة القصد إلى إيجاده، والقصد إلى إيجاد القديم محال لكونه القصد (1/115)
صفحة 112
إلى إيجاد الموجود وإذا كان القديم أحد الأمرين وجب أن يكون ممتنعا لعدم وجود دوام المعلوم بدوام علته فتدبره، وأما الأعيان فإنها لا تخلو عن الحوادث وكل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث.
أم المقدمة الأولى: فإنها لا تخلو عن الحركة والسكون وهما حادثان، أما عدم الخلو فلان الجسم لا يخلو عن الكون في الحيز، فإن كان مسبوقا يكون آخر في ذلك الحيز بعينه فهو مساكن وإن لم يكن مسبوقا به فيه بل في حيز آخر فهو متحرك.
وهذا معنى قولهم الحركة كونان في آنين في مكانين، والسكون كونان في آنين في مكان واحد. وقيل: الحركة انتقال من مكان آخر، والسكون هو القرار في مكان واحد في زمانين.
فإن قيل: يجوز أن يكون الكون مسبوقا بكون آخر أصلا كما في آن الحدوث، فلا يكون متحركا، كما لا يكون ساكنا، وبه قال عبدالله بن زيد القراري من الإباضية قلنا: هذا لا يضرنا لما فيه من تسليم المدعي وهو حدوث الأعيان، على أن الكلام في الأجسام التي تعدد في كل منها الأكوان وتتجدد عليها الأعصار والأزمان وهي الأجسام الباقية لا في الأجسام الحادثة التي هي غير باقية، وأما حدوث الحركة والسكون فلأنها من الأعراض، وهي غير باقية، وكل ما هو كذلك فهو حادث، ولأن ماهية الحركة لما فيها من الانتقال من حال إلى حال تقتضي السبوقية بالغير، والأزلية تنافيها فإن ماهية الأزلية عدم السبوقية بالغير، وبين المسبوقية وعدمها منافاة بالذات فلا تكون الحركة أزلية.
وذلك معنى الحادث، ولأن كل حركة فهي على النقض وعدم (1/116)
صفحة 113
لاستقرار، وكل سكون فهو جائز الزوال لأن كل جسم فهو قابل للحركة ضرورة، فقد عرفت أن ما يجوز عدمه يمتنع قدمه.
وأما المقدمة الثانية: فلأن ما لا يخلو عن الحوادث لو ثبت في الأزل للزم ثبوت الحادث فيه وهو محال.
وها هنا: أبحاث.
الأول: أنه لا دليل انحصار الأعيان في الأجسام ولا على امتناع وجود ممكن يقوم بذاته ولا يكون متحيزا إلا بالأصالة، ولا بالتبعية كالعقول العشرة، والنفوس المجردة التي يقول بها الفلاسفة كما ستقف عليه.
والجواب: أن المدعي حدوث ما ثبت وجوده من الممكنات وهو الأعيان المتميزة، والأغراض النائمة بها لأن أدلة ما أثبتوه باطلة كما سيتضح لك.
والثاني: أن ما ذكر أولا من الدليل على حدوث الأعراض لا يدل على حدوث جميعها، إذ منها ما لا يدرك بالمشاهدة حدوثه ولا حدوث ضده كالأعراض القائمة بالسموات.
والجواب: أن ذلك لا يخل بالأعراض، لأن حدوث الأعيان يستدعي حدوث الأعراض ضرورة أنها لا تقوم إلا بها.
فإن قلت: قد استدللت أولا بحدوث الأعراض على حدوث الأعيان وثانيا بحدوث الأعيان على حدوث الأعراض فيلزمك الدور.
قلت: لا نسلم لزومه لأني استدللت أولا بحدوث الحركة والسكون (1/117)
صفحة 114
خاصة عل حدوث الأعيان، ثم بحدوث الأعيان على سائر الأعراض فلا دور.
أو تقول: أن الأعيان دالة على وجود الأعراض وثبوتها، والأعراض دالة على حدوث الأعيان فاختلف الجهة.
الثالث: أن الأزل ليس عبارة عن وقت محدود وزمان مخصوص يلزم من وجود الجسم فيه وجود الحوادث فيه، بل هو عبارة عن عدم الأولية أو عن استمرار الوجود أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي، وإيضاحه أن يقال للأزل تفسيرات أحدهما عدمي وهو أنه عبارة عن عدم الأولية.
الآخر وجودي وهو أنه عبارة عن استمرار الوجود إلى الآخر، وإذا كان كذلك فبالاعتبار الأول لم يكن أمرا موجودا ظرفا، لو ثبت فيه الجسم لزم ثبوت الحادث في الأزل حتى يلزم محال.
والتفسير الثاني: وإن كان وجوديا إلا أنه قريب من الأول، لأنه ليس أيضا أمرا محققا ثابتا حتى يمكن ثبوت الجسم فيه، فيلزم ثبوت الحادث في الأزل حتى يلزم المحا، بخلاف ما إذا كان الأزل عبارة عن حالة مخصوصة كما مر، فإنه يلزم من وجود الجسم فيها وجود الحادث فيها.
ومعنى أزلية الحركات الحادثة: أنه ما من حركة إلا وقبلها، أخرى، إلى الأول كما وهو رأي الفلاسفة، وهو يسلمون أنه لا شيء من جزيئات الحركة بقديم، وإنما الكلام في الحكة المطلقة. (1/118)
صفحة 115
الجواب انه لا وجود للمطلق إلا في ضمن الجزئي، فلا يتصور قوم المطلق مع حدوث كل من الجزئيات.
الرابع: أنه لو كان كل جسم في حيز، لزم عدم تناهي الأجسام لأن الحيز هو السطح الباطن من الحاوي المماس من السطح الزاهر من المحوى، والسطح لا يقوم بنفسه بل بالجسم وكل جسم لابد له، من حيز، فيلزم عدم تناهي الأجسام.
والجواب: أن الحيز عند المتكلمين هو الفراغ المتوهم الذي يشغله الجسم وتنفذ فيه أبعاده وقد قام الدليل القاطع على تناهيها كما مر وكما سيأتي.
المقصد الثالث: قال الفلاسفة: في المركبات التي لا مزاج لها أن حر الشمس يصعد إلى الجو أجزاء، أما هوائية ومائية مختلطين وهو البخار وإما نارية وأرضية وهو الدخان، وصعوده ضعيف ولا ينحصر في الجسم الأسود المرتفع من المحترق بالنار ويتصاعدان في الأغلب- ممتزجين، ومنها تتكون جميع الآثار العلوية، أما البخار فإن قل واشتد الحر في الهواء حلل المائية وقلبها إلى الهوائية وبقى الهواء الصرف، وإن لم يكن الأمر كذلك، فإن وصل البخار إلى الطبقة الزمهررية عنده ببرودة فصار سحابا وتقاطرت منه الأجزاء المائية، إما بلا جمود لم يشتد البرد وهو المطر وأما مع جمود إن اشتد فإن كان الجمود قبل الاجتماع فهو الثلج، وإن كان لعد الاجتماع فهو البرد وإنما يستدير بالحركة السريعة الحارقة للهواء وإن لم يصل إلى الزمهريرية فأما الكثير منه فقد ينعقد سحابا ماطرا، وقد لا ينعقد فهو الضباب. (1/119)
صفحة 116
وأما القليل منه: فقد يتكاثف ببرد الليل، فينزل إما جمود وهو الكل أو معه وهو الصقيع، ونسبته إلى الكل كنسبة الثلج إلى المطر، وأما الدخان فربما يخالط السحاب فيخرقه ‘ما في صعوده بطبعه أو عند هبوطه لتكاثفه بالبرد، فيحدث من خرقة له ومصاكته إياه صوت هو الرعد وقد يشتعل الدخان بقوة التسخين الحاصل من الحركة الشديدة والمصاكة، فلطيفه ينطفئ سريعا وهو البرق، وكثيفه لا ينطفئ حتى يصل إلى الأرض وهو الصاعقة، وربما كان كسفا غليظا جدا، وإن الدخان قد يصل إلى كورة النار فتحرق كالشمعة التي تطفأ، ويحاذي بها من شمعة، فيشتعل الواصل إلى الفوقانية وتتصل النارية التي وقعت في ذلك الدخان بالسفلانية، فيشتعل بهذه النار فما لطف من الدخان صار مشتعلا ونفدت فيه النار بسرعة، فيرى كأنه كوكب ينقض وهو الشهاب.
وما كثف منه تعلق بع النار تعلقا تما من غير اشتعال، ودام متصلا لا ينطفئ أياما وشهورا وهو الذوابات، والأذناب والنباري وذوات القرون وما غلظ منه تعلق به النار تعلقا، تاما فيحدث في الجو علامات سوداء وحمر، بحسب غلظ المادة فيسود لشدته، وقد تقف الذوابات ونحوها بحسب كوكب، فيديرها الفلك معه مشابعة إياها فيرى كأن ذلك الكوكب ذوابة أو ذنبا أو قرنا أو أكثر.
وهذه الأقسام للدخان الواصل إلى كورة النار إذا انقلب للأرض احترقت ما عليها، وتسمى الحريق وأيضا تقول: فالدخان قد ينكسر حره عند الوصول إلى الكورة النارية بالزمهريرية، فترجع بطبعها إلى الأرض أو لا ينكسر فيصعد ويصادم كورة النار فيرجع ويزيد بذلك رجوعا على جهات مختلفة، وعلى التقدرين فيتموج الهوى وهو الريح، ولذلك (1/120)
صفحة 117
كان أكثر تبادي الريح فوقانية، والريح كما تحدث بهذا الطريق فقد تحدث أيضا، بأن يتحاكك الهواء فيتدافع ما يجاوزه فيطاوعه وهكذا فيتموج الهواء، وقد تحدث رياح مختلفة الجهة دفعة فتدافع الأجزاء الأرضية فتضغط بينها مرتفعة كأنها ملتوية على نفسها وهي الزوابع والأعصار، وأيضا تقول فقد تحدث في الجو أجزاء رطبة رشية مقبلة كدائرة تحيط تلك الأجزاء بغيم رقيق لا يحجب ما وراءه، فينعكس من تلك الجزاء ضوء البصر لصقالتها إلى القمر فير في الجزاء ضوء- دون شكله، فإن الصقيل المنعكس منه شعاع البصر، إذا صغر جدا أدى الضوء واللون دون الشكل والتخطيط في المرآة الصغيرة، وتلك الأجزاء الرشية مرايا صغار على هيئة الدائرة وتسمى الهالة، وأكثر ما تتولد عند عدم الريح فإن انحرفت من الجهات دلت على الصحو وإن من جهة دلت على ريح من تلك الجهة.
وإن من تحت السحاب حتى بطلت دلت على المطر، وإن اتفق وجود سحابتين أحدهما تحت الأخرى أحدثت هنالك هالة تحت هالة وتعظيم التحتانية لأنها أقرب.
وزعم بعضهم أنه رأى سبع هالات معا، وأيضا وأعلم أن هالة الشمس تسم الطفاوة بالضم باردة جدا، لأن الشمس تحلل السحب الرقيقة وقد يحدث مثل الذي ذكرناه من الأجزاء الرشية على هيئة الاستدارة في خلاف جهة الشمس، وهو قوس قزح وتختلف ألوانه بحسب اختلاف ألوان السحاب في ألوانها، وبحسب ألوان ما وراءها من الخيال وألوان ما ينعكس منها الضوء من الأجرام الكثيفة. (1/121)
صفحة 118
وأيضا نقول: البخار المحتقن في الأرض يخرج القليل من مسامها، ويتقلب الكثير بمعونة البرد الذي في باطن الأرض ماء فيخرج منها.
قال العضد: ومنها العيون السيالة إذا كان البخار كثيرا فيحصل المدد بعد المدد كان، الفائض يجذب الباقي ضرورة امتناع الحلاء فإن البخار الذي انقلب ماء وفائض أوجب أن ينجذب إلى مكانه ما يقوم مقامه فينقلب هو أيضا ماء ويفيض، وهكذا يستتبع كل جزء منه جزا آخر.
قال الفخر: ومياه القنا والآبار متولدة من أبخرة ناقصة القوة على أن تشق الأرض فإذا أزيل ثقل الأرض عن وجهها صادفت منفذا يندفع إليه بأدنى حركية، فإن لم يحصل هناك مسيل فهو المبير وإن جعل لعلة حصل فهو القناة، إلى الآبار كنسبة العيون السيالة إلى الراكدة وماء العيون الراكدة يحدث من أبخرة بلغت من قوتها أن اندفعت إلى وجه الأرض ولكن لم تبلغ من كثرة موادها وقوتها أن يطرد تاليها سابقها.
وهو ينافي ما ذكره العضد من التعليل بامتناع الخلاء فإن الفخر يعلل السيلان بكثرة الأبخرة المقتضية للاندفاع إلى فوق والركود بقلتها.
واعلم أن النزح من الآبار والعيون الراكدة سبب لنبوع الماء فيهما لأن ثقل الأرض الظاهر يمنع سائر الأبخرة عن الظهور، فإذا نزح تلك الأبخرة واندفعت إلى الخارج.
ثم هل المياه متولدة من أجزاء مائية متفرقة في عمق الأرض إذا اجتمعت أو في الهواء البخاري المنقلب ماء قولان لهم قال السيد: (1/122)
صفحة 119
والثاني وإن كان ممكنا إلا أن الأول والقنوات لأن ماء العيون والقنوات والآبار تزيد بزيادة الثلوج والأمطار.
وأيضا نقول فالبخار والدخان اللذان في الأرض قد يكثران ويزيدان في الخروج منها بقوة، إذا كانت مسامها متكاثفة، فينزلانها بحركتهما ومن ذلك تتكون الزلازل وإذا خلا وكانت مسامها مفتوحة لم تكن زلزلة ولذلك قَلَّ الزلزال في الأرض الرخوة.
وهذا كله اعتقاد الفلاسفة لنفيهم القادر المختار، فاحالوا اختلاف الأجسام بالصور إلى استعداد في موادها واختلاف آثارها إلى صورها المتباينة وأمزجتها المتخالفة، وأحالوا كل ذلك غلى حكات الأفلاك وأوضاعها.
وأما المتكلمون فقالوا: الأجسام متجانسة بالذات لتركبها من الجواهر على ما مر، وإنما يعرض الاختلاف للأجسام بما يحصل فيها من الأعراض بفعل القادر المختار، هذا ما قد اجمعوا عليه سوى النظام: فإنه يجعل الأجسام نفس الأعراض وهي مختلفة بالحقيقة فتكون الأجسام كذلك.
المقصد الرابع: جوز المتكلمون وجود عالم آخر مماثلا لهذا العالم لأن الأمور المتماثلة مشاركة في الأحكام، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم} 15 الآية. (1/123)
صفحة 120
وقال الحكماء لا عالم غير هذا العالم أعني ما يحيط به السطح محدد الجهات لثلاثة أوجه.
الأول: لو وجد خارجه عالم آخر لكان في جانب من المحدد في جهة منه فتكون الجهة قد تحددت قبله ليتصور وقوعه فيها لا به كما هو الواقع هف.
الجواب أن الذي يثبت بالبرهان بتحديد جهتي العلو والسفل بالمحدد، وأما تحديد جميع الجهات به فلا ولم يجوز أن يكوون ها هنا جهات غير هاتين الجهتين بمحدد آخر لا بذلك المحدد، فيجوز وقوع هذا في جهة منها فإن حصر الجهات المتحددة في هاتين لم يقم عليه دليل.
الثاني: لو وجد عالم آخر كان بينهما خلاء سواء كان معا كورتين أو لا، وذلك لأن هذا العالم كوري فإن كان الأخر كوريا أيضا لم تتصور الملاقاة بينهما إلا بنقطة فلا بد أن يقع بينهما خلاء، سواء تلاقيا أم لا، وإن لم يكن كوريا وقع أخلاء أيضا، لأن ملاقاة الكورة لما ليس بكورة لا يكون إلا مع فرحة.
والجواب بعد تسليم امتناع الخلاء، أنا لا نسلم ذلك لجواز أن يملأ ما بينهما، مالتي.
ولو أردنا أن نذكر سند المنع تبرعا لقلنا: قد يكون العالمان تدويرين من كوزين في ثخن كورة يساوي نحتها قطريها أو تزيد عليها، وربما تتضمن تلك الكورة ألوفا من الكوارث كل واحدة منها أعظم من المحدد، بما فيها من الأفلاك، والعناصر ولا استبعاد في ذلك. (1/124)
صفحة 121
فإنهم قالوا: تدوير المريخ أعظم من ممثلي الشمس بما فيها من الأفلاك الثلاثة والعناصر الأربعة ثلاث مرات، وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز فيما هو أعظم منه ومن أين لكم أنه ليس في وجوف دوائر المريخ عناصر ومركبات مماثلة لما عنده في الحقيقة أو مخالفة له فيها.
الثالث: لو وجد عالم آخر لكان فيه عناصر، لها أحياز طبيعية فيكون لعنصر واحد كالماء مثلا حيزان طبيعيان وهو باطل.
والجواب: منع تساوي عناصرهما بمعنى منع تساويهما في الصورة النوعية وإن كانت متشاركة في الآثار والصفات، واشتراك ناريهما في الإحراق والإشراق مثلا ولئن سلمنا الاشتراك في الصورة النوعية فلا نسلم تماثلها حقيقة لجواز الاختلاف في الهيولي الداخلة في حقيقتهما، ولئن سلمنا التماثل أيضا فلم لا يجوز أن يكون وجوده في أحدهما، أي حصوله في أحد الحيزين غير طبيعي.
المرصد الرابع: وفيه مباحث وفيه مقاصد.
الأول قال: الحكماء النفوس الفلكية مجردة عن المادة وتوابعها لأن حركات الأفلاك إرادية فلها نفوس مجردة.
أما الأول: فلأنها إما طبيعية أو قسرية أو إرادية، لأن أقسام الحركة الذاتية منحصرة في الثلاثة والأوان باطلان، أما كونها طبيعية فلأن الحركة الدورية كل وضع فيها مطلوب ومتروك، فلو كان التحرك الدوري بمقتضى الطبيعة ومستندا إليها لكان الوضع المخصوص مطلوبا بالطبع، ومتروكا بالطبع وأنه محال. (1/125)
صفحة 122
وقد وجد لأن المتحرك بحركة المستديرة، يطلب وضعا ثم يتركه، ومثله لا يتصور من فاقد الإرادة لأن طلب الشيء المعين وتركه لا يكون إلا باختلاف الأعراض الموقوفة على الشعور والإرادة، وأما كونها قسرية فلأن القسر إنما يكون بخلاف الطبع وذلك لأن عديم الميل الطبيعي لا يتحرك قسرا، وه هنا لا طبع فلا قسر وأيضا فلو كان تحرك الأفلاك على الاستدارة بالقسر لكان على موافقة القاسر، فوجب تشابه حركاتها في الخفة والسرعة والبطؤ وتوافقها في المناطق والأقطاب.
إذ لا يتصور هناك قسرية إلا من بعضها لبعض لكن حركاتها كما شهدت به الأبصار ليست كتشابهة ولا متوافقة.
وأما الثاني: وهو أنه إذا كانت حركاتها إرادية كانت لها نفوس مجردة، فلأن إرادتها المتصلة بحركاتها ليست ناشئة عن تخيل محض من قوة جسمانية تدرك أمورا جزئية، وإلا امتنع دوام الحركات الفلكية على نظام واحدا أزلا وأبدا، لا يختلف لا في الجهة ولا في السرعة، ألا ترى أن الحركات الحيوانية المستندة إلى الإدراكات الجزئية تختلف وتنقطع بإرادتها المترتب عليها الحركة السرمدية، على وتيرة واحدة ناشئة عن تعلق كلي، يندرج فيه أمور غير متناهية.
ومحل التعلق الكلي مجرد: لما سيأتي في النفوس الإنسانية ببرهانه.
والاعتراض على هذا الدليل أن يقال: لا نسلم أنها ليست طبيعية، وأنه يلزم من ذلك كون المطلوب بالطبع مهروبا عنه، بالطبع لجواز أن يكون المطلوب في الحركة نفس الحركة لا حصول وضع معين. (1/126)
صفحة 123
فإن قيل: حقيقة الحركة هي التأدي إلى شيء فلا تطلب لذاتها بل لغيرها.
قلنا الحركة عندنا عبارة عن كون الجوهر في آنين في مكانين، فجاز كونها مطلوبة لذاتها سلمنا أن الحركات الفلكية ليست طبيعية، لكن لا نسلم أنها ليست قسرية.
والقول: لأن القسر على خلاف الطبع بمعنى أن ما ليس فيه ميل طبيعي ليقبل حركة قسرية ممنوع، على أن ليس يلزم من عدم كون حركاتها المستديرة طبيعية أن يكون لها ميل طبيعي، بخلاف هذه الحركة.
ولا نسلم أيضا أن القاسر هناك منحصر في الأفلاك، حتى يلزم التشابه بل نقول: الحركة الحاصلة من بعضها في بعض، تكون حركة عرضية لا قسرية، سلمناه لكن لا نسلم أن التخيل لا ينتظم على حالة ولا يدوم سرمدا.
لم لا يجوز أن يكون تخيل الفلك خلاف تخيلنا، فلا يختلف ولا ينقطع بل يستمر أزلا وأبدا بتعاقب أفراد غير متناهية متعلقة بحركات غير متوافقة متماثلة، فإن قيل القوى الجسمانية متناهية مدة وعدة وشدة فلا تستند إليها الحركات التي لا تناهي، قلنا: لو صح ذلك لتعذر عليكم إثبات النفوس المنطبعة في الأجسام الفلكية، سلمناه لكن لا نسلم محل التعقل مجرد وسنتكلم على برهانه.
تفريعان على القول: بأن الأفلاك نفوس مجردة وأنها أحياء ناطقة. (1/127)
صفحة 124
الأول: أنه لها مع القوة العقلية، أي نسبتها إليها كنسبة النفوس الناطقة إلينا، قوى جسمانية هي بتخيلاتها مبدءا للحركات الجزئية الصادرة عنها فالتعلق الكلي لا يصلح لكونه مبدأ لوقوع الجزئية، فإن نسبته إلى الجزئيات سواء فلا يصلح مبدأ لتخصيص البعض بالوقوع دون البعض بل لابد في وقوعه من إرادة جزئية متفرعة من إدراك جزئ لا يتصور إلا بين قوى جسمانية، وهذه القوى في الأفلاك كالخيال فينا، إلا أنها سائرة في جمع أجزائها لكونها بسيطة وتسمى نفوسا منطبعة.
الثاني: ليس للأفلاك حس ظاهر ولا شهوة ولا غضب، لأن الاحتياج إليها لجلب النفع ودفع الضر المقصود بهما حفظ الصورة عن الفساد، وصورها لا تقبل ذلك لامتناع الخرق والالتئام والكون والفساد عليها، والمقدمات كلها ممنوعة إذ لا نسلم أن تلك القوى إنما خلقت لما ذكر، لجواز كونها مخلوقة كمالا للجسم ولانحصار النفع والدفع أيضا في حفظ الصورة عن الفساد، ولئن سلم فلا نسلم أن صورة الفلك لا تقبله وما استدل به عليه مدخول.
المقصد الثاني: في أن النفوس الإنسانية مجردة بمعنى أنها ليست قوة جسمانية حال في المادة، ولا جسما بل هي لا تقبل إشارة حسية، وإنما تعلقها بالبدن تعلق التدبير والتصرف، هذا مذهب الفلاسفة المشهورة من المتقدمين والمتأخرين، ووافقهم في ذلك من المسمن: الغزالي والراغب كما مر وجمع من الصوفية.
وخالفهم فيه الجمهور بناء على نفي المجردات على الإطلاق.
احتج الحكماء على ما قالوا بوجوده. (1/128)
صفحة 125
الأول: أنها تعقل البسيط الذي لا حركة له بالفعل، فتكون مجردة أما الأول: فلأنها تعقل معنى من المعاني فإن كان بسيطا ثبت المطلوب وإلا كان ذلك المعنى مركبا من البسائط بالفعل لأن الكثرة متناهية كانت أو غير متناهية يجب فيها الوحدة بالفعل، لأنها مبدأها وتعقل الكل بعد تعقل أجزائه بالضرورة، لا يقال هذا إذا كان الكل معقولا بالكنه فإن تعلقه بوجه ما لا يلزم تعقل شيء من أجزائه، لأنا نقول كلامنا في ذلك الوجه المعقول فإن كان بسيطا فذلك، وإلا كان له بسائط كل منها واحد بالفعل.
وأما الثاني: وهو أنه إذا تعقلت البسيط كانت مجردة، فلأن محل البسيط لو كان جسما أو جسمانيا، أعني إذا وضع فيه لأن الحال أصالة أو تبعا كان منقسما، وانقسام المحل يوجب انقسام الحال فيه، لأن الحال في أحد جزأيه غير الحال في الجزأين وأنه أعني انقسام الحال الذي هو العلم ينافي البساطة في العلوم لوجوب مطابقة العلم لمعلومه.
وأجيب عنه بأنه مبني على أن النفس محل المعقول.
لأن التعقل: عبارة عن حصول الصورة في القوة العاقلة وهو ممنوع، فإن العلم عندنا مجرد تعقل بين العالم والمعلوم بمقارنته عند العالم، وذلك التعلق أمر اعتباري اتصف به العالم لأمر موجود حال فيه، وإن سلم أن العلم بحصول صورة المعلوم، فالنفي حينئذ محل الصورة البسيط الذي تعلقه لا لذاته ولا تلزم المطابقة بين الصورة وذي الصورة من جميع الوجوه فقد لا تكون صورة البسيط بسيطة.
فإنهم قالوا: يجوز أن يكون البسيط الخارجي صورتان عقليتان أو (1/129)
صفحة 126
أكثر، وإن سلم صورة البسيط يجب أن تكون بسيطة، فلا نسلم أن كل ذي وضع منقسم بناء على نفي الجزء، وإن سلم فلا نسلم أن الحال في المنقسم ينقسم كالسطح.
الحال عندكم في الجسم المنقسم في جميع الجهات مع أنه لا ينقسم في العمق، وكالخط الحال في السطح مع عدم انقسامه في العرض، وكالنقطة الحالة في الخط مع أنها لا تنقسم أصلا.
وبالجملة إنما يلزم انقسام الحال إذا كان المحلول سريانيا، وهو فيما نحن بصدده ممنوع، وإن سلم أنه منقسم بالقوة لا بالفعل وأنه لا ينافي البساطة، لجواز أن تكون جهة انقسامه غير جهة بساطة، فإن الجسم البسيط عندكم ينقسم بالقوة، إلى ما لا يتناهى مع كونه بسيطا بالفعل، إذ ليس فيه مفاصل متحققة، فليس فيه انقسام فعلى ولا منافاة بين الانقسام وعدمه من جهتي القوة والفعل، لأنهما جهتان متغايرتان.
الثاني: أنهما تعقل الوجود وأنه بسيط، والجواب مما مر من الممنوع.
الثالث: أنها تعقل الكلي فيكون مجردا.
أما الأول: فظاهر لأنها تحكم بين الكليات أحكاما إيجابية وسلبية فلا بد لها من تعلقها.
وأما الثاني: فلأن النفس إذا كانت ذات وضع كان المعنى الكلي حالا في ذي وضع معين، وأن الحال في ذي الوضع تختص بمقدار (1/130)
صفحة 127
مخصوص، ووضع معين ثابتين لمحل فلا يكون ذلك الحال مطابقا لكثيرين مختلفين بالمقدار، والوضع بل لا يكون مطابقا إلا لما له ذلك المقدار، والوضع فلا يكون حينئذ كليا. هف.
والجواب أنا لا نسلم أن عاقل الكلي محل له لابتنائه على الوجود الذهني، وأيضا الحال فيما له مقدار، وشكل ووضع معين لا يلزم أن يكون متصفا بها، لجواز أن لا يكون الحلول سريانيا.
قال العضد: ويزاد ها هنا مع عدم مطابقته كثير، يزاد قد يخالف الشبح لما له الشبح في الصغر والكبر كالصورة المنقوشة على الجدار وكصورة السماء في الحس الشترك، مع وجود المطابقة بينهما، قال السيد: وتحقيقه إن معنى المطابقة، هو أن الصورة إذا جردت عما عرض لها بتبعية المحل كانت مطابقة لكثيرين، ألا ترى انه يجب تجريدها عن التشخيص العرض لها بحسب المحل.
الرابع: أنها تعقل الضدين إذ تحكم بينهما بالتضاد، فلو كان يدركهما جسما أو جسمانيا لزم اجتماع السواد والبياض مثلا في جسم واحد، وأنه محال.
الجواب: أن صورتي الضدين لا تضاد بينهما لأنها يخالفان الحقيقة الخارجية، فليسا يلزم من ثبوت التضاد بين الحقيقتين ثبوته الصورتين ولولا ذلك لما جاز قيامها بالمجرد أيضا، لأن الضدين لا يجتمعان في محل واحد مؤديا كان أو مجردا، وإن سلمنا تضاد صورتي الضدين، فلم لا يجوز أن يقوم كل منها بجزء من الجسم الذي تعلقها مغاير الجزء الذل قام به الآخر، فلا يلزم اجتماع المتضادين في محل واحد. (1/131)
صفحة 128
الخامس: لو كان العاقل منا جسمانيا حالا في جميع البدن، أو في بعضه لعقل محله دائما، أو لم يعقل دائما، والتالي باطل أما الملازمة فلأن تعقله لمحله إن كفى فيه حضوره لذاته كان حاصلا دائما، أعني أن الصورة الخارجية التي للمحل حاضرة بذاتها عند العاقل أيضا دائما، فلو كفى ذلك في تعقله إياه كان تعقله دائما، وإلا احتاج تعقله له إلى حصول صورة أخرى منتزعة منه حاصلة فيه.
وأنه محال لأنه يقتضي اجتماع المثلين، لأن الصورتين متماثلتان في الماهية فلا يحصل ذلك التعقل دائما، وأما بطلان التالي فالبوجدان، إذ ما من جسم فينا يتصور أنه محل للعلم والقوة العاملة، كالقلب والدماغ وغيرهما من أجزاء البدن، إلا وتعقله تارة ويغفل عنه أخرى.
والجواب: منع الملازمة بمنع ما ذكر في بيانها، لجواز أن لا يكفي في تعقله حضروره بصورته الخارجية، ولا يحتاج أيضا إلى حضور صورة أخرى، بل يتوقف على شريط غير ذلك لأن كون التعقل بحضوره الصورة ممنوع عندنا، سلمناه لكن لا نسلم أ، حصول صورة أخرى فيه اجتماع للمثلين، وإنما يلزم ذلك، أن لو تماثلت الصورة الخارجية والصورة الذهنية وهو ممنوع سلمنا تماثلهما، لكن الاجتماع بينهما في محل واحد لأن أحداهما محل العاقلة والأخرى حالة فيها.
فصل: وفي رواية مذاهب المفكرين لتجرد النفس الناطقة وهي كثيرة لكن المشهور منها تسعة وقسل عشرة.
الأول: لابن الراوندي، انه جزء لا يتجزأ في القلب، أي جوهر لظهور قيامها بذاتها، وغير منقسمة لما مر من تعلقها للبسائط وليست مجردة (1/132)
صفحة 129
لامتناع وجود المجردات الممكنة، فتكون جوهرا فردا هو في القلب لأنه الذي ينسب إليه العلم.
الثاني: للنظام أنها أجزاء من أجسام لطيفة سارية في البدن سريان ماء الورد في الورد، باقية من أول العمر إلى آخره، لا يتطرق فيها تحلل وتبدل حتى إذا قطع عضو من البدن انقطع ما فيه من تلك الجزاء إلى سائر الأعضاء، وإنما المتبدل والمتحلل من البدن فضل ينضم إليه ويفصل عنه، إذ كل يعلم أنه باق من أول عمره إلى آخره، ولا شك أن المتبدل ليس كذلك.
الثالث: أنها قوة في الدفاع وقيل في القلب.
الرابع: أنها ثلاث قوى، أحداهما وهي الحيوانية، والثانية الكبد وهي النباتية، والثالثة في الدماغ.
الخامس: أنها أجزاء أصلية داخلة في تركيب الإنسان لا تزيد بالنمو ولا تنقص بالذبول، وهو قول محققي المتكلمين، وبه ينحل كثير من شبه منكري الحشر والنشر كما سيأتي.
السادس: أنها الهيكل المخصوص وهو المختار عند جمهور المتكلمين. السابع: أنها الأخلاط الأربعة المتعدلة كما وكيفيا.
الثامن: أنه اعتدال المزاج النوعي.
التاسع: أنها الدم المعتدل، إذ بكثرته واعتداله تقوى الحياة وبالعكس. (1/133)
صفحة 130
العاشر: أنها الهواء إذ بانقطاعه طرفة عين تنقطع الحياة، فالبدن الرقي المنفوخ فيه.
قال العضد: واعلم أن شيئا من ذلك الذي رويناه لم يقم عليه دليل، وما ذكروه لا يصلح للتمويل لا يصلح للتمويل عليه.
المقصد الثالث: اتفق المليون على أن النفس الناطقة حادثة، إذ لا قديم عندهم سوى الله تعالى، لكنهم اختلفوا في أنها هل تحدث بعد حدوث البدن أو قبله، فقال بعضهم: تحدث بعده لقوله تعالى بعد تعدد أطوار البدن {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} 16 والمراد بالإنشاء إفاضة النفس على البدن، وقال بعضهم: قبله لقوله عليه السلام (خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام) الحديث.
قال العضد: وغاية هذه الأدلة الظن، أما الآية فلجواز أن يريد بها جعل النفس متعلقة بالبدن، وإنما يلزم من ذلك حدوث تعلقها لا حدوث ذاتها وأما الحديث فلأنه خبر واحد فتعارضه الآية، وهي مقطوعة المتن مظنونة الدلالة والحديث بالعكس، فلكل رجحان من وجه فبتقاومان، هذا ما ذكرناه.
وأما الحكماء: فقد اختلفوا في حدوثها، فقال به أرسطو ومن تبعه ومنعه من قبله وقالوا بقدمها.
احتج أرسطو بأنها لو قدمت فإما أن تكون قبل التعلق بالبدن متعددة متمايزة أولا، فإن كانت متمايزة إما بذواتها أو لا، فإن كان بذواتها أو بلوازمها كانت نفس من النفوس البشرية نوعا منحصرا في (1/134)
صفحة 131
الشخص الواحد، فيلزم اختلاف كل نفسين بالحقيقة وأنه باطل، إذ لو لم تقل بأنها كلها متماثلة فلا أقل من أن يوجد فيما بين الجميع نفسان متماثلان، وإن كان تمايزها بغير ذواتها كان بالقابل وما يكتنفه، وذلك أن تعدد أفراد النوع الواحد معلل يقابله الأعراض المكتنفة به ومادتها البدن، فتكون متعلقة قبل هذا البدن ببدن آخر، ويلزم التناسخ وسنبطله، وإن لم تكن قبل متمايزة بل كانت واحدة، فبعد التعلق إن بقيت على وحدتها كما كانت، كأن نفس زيد هي بعينها نفس عمرو، فيلزم أن يشتركا في صفات النفس من العلم والقدرة واللذة والألم وسائر الصفات.
وأنه باطل ضرورة، وإن لم تبق كما كانت بل تكثرت لزم التجزؤ والانقسام، ولا يتصور هذا إلا فيما له مقدار وحجة. فلا تكون مجردة بل مادية، وأيضا فقد عدمت بذلك التجزؤ والانقسام، تلك الهوية الواحدة القديمة، وحصلت هويتان أخرتان حادثتان، ويلزم المطلوب من النفوس المتعلقة بالأبدان حادثة واحتج الخصم على قدمها بوجوه.
الأول: أن كل حادث له مادة فلو كانت النفس حادثة مادية لا مجردة، قلنا: بعد تسليم الملازمة تلك المادة التي يستلزمها الحدوث فيها ويتعلق بها، والمتعلق بالمادة يجوز أن يكون مجردا بحسب ذاته.
الثاني: لو لم تكن أزلية لم تكن أبدية أيضا والتالي باطل اتفاقا، أما الملازمة فلأنها إذا كانت حادثة يزول وجودها.
والجواب: بالمنع، والقضية المذكورة أن كل حادث فهو في حد ذاته قابل للعدم، وليس يلزم منه طريانه عليه لجواز أن يمنع عدمه لغيره أبدا. (1/135)
صفحة 132
والثالث: يلزم عدم تناهي النفوس، وذلك لأنها إن كانت حادثة كان حدوثها بحدوث الأبدان التي هي شرط فيضانها من المبدئ القديم، والأبدان غير متناهية لاستنادها غلى الأدوار الفلكية التي لا تناهي، فتكون النفوس البشرية غير متناهية، لكن لا استحالة في عدم تناهي الأبدان والأدوار، لأنها متعاقبة بخلاف النفوس، فإنها باقية بعد المفارقة، فيلزم اجتماع أمور موجودة غير متناهية وهو محال بالتطبيق.
والجواب: شرط امتناعه الترتيب الطبيعي والوضعي والنفوس الناطقة، وإن كانت موجودة مجتمعة إلا أنها غير مرتبة فيجوز عدم تناهيها.
تنبيه: قال أرسطو كل حادث لابد له من استناد إلى المبديء القديم الواجب، ومن شرط حادث دفعا للدور والتسلسل فلحدوث النفس من المبدأ الفياض شرط، وهو حدوث البدن لأنه القابل المستند لتدبرها وتصرفها، فإذا حدث بدن فاض عليه نفس من المبدأ الفياض ضرورة عموم الفيض ووجود القابل المستعد، وبه أبطل التناسخ، حيث قال: إن صح التناسخ فإذا حدث بدون تعلق بع نفس متناسخة وفاض عليه نفس أخرى حدثت الآن لما ذكرناه من حصول العلة المؤثرة بشرطها كما لا، فيكون للبدن الواحد نفسان، وهو باطل بالضرورة فإن كل واحد يجد أن نفسه واحدة.
قال العضد: اعلم أن ما ذكره أرسطو في حدوث النفس وبطلان التناسخ دون صريح فإنه بين حدوث النفس بلزوم التناسخ على تقدير قدمها وإبطاله، ثم بطلان التناسخ_ بحدوث النفس وإنما يصح له ذلك لو بين أحدهما بطريق آخر، مثل ما يقال في البطال التناسخ، (1/136)
صفحة 133
انه تذكرها لأحوالها في البدن الآخر، وان استعداد الأبدان للنفوس وتوطؤها على وتيرة واحدة، فإنه كلما استعد بدن حدث له نفس بخلاف مفارقة النفوس مع حدوث الأبدان، إذ قد يتفق وياء أعني فساد هواء على رأي أو جائحة مستأصلة كالطوفان، أو قبل عام يهلك فيها النفوس ودفعه.
ما يعلم بالضرورة أنه لم يحدث في ذلك الزمان بخلاف العادة ذلك المبلغ من الأبدان، كما نقل من أنه وقع حرب في أرض يونان قتل في يوم واحد مائتا ألف من المجانين، قال السيد: ومن المعلوم أنه لم يحدث في ذلك اليوم أبدان بهذا العدد في جوانب العالم، لتتعلق بها تلك النفوس المفارقة عن أبدانها، فلو كان تعلق النفوس على طريقه التناسخ لزم تعطيل بعضها، إلى أن يحدث بدن تتعلق به، وليس شيء من الطريقين الآخرين يصلح للتعويل عليه، إذ لا نسلم لزوم التذكر لأحوالها في البدن السابق، لجواز كونه مشروطا بالتعلق به على أنه قد نقل عن بعضهم أن قال: ‘ني لأتذكر كوني في صورة الحمل.
ولا نسلم أن عدد أبدان الحيوانات الصغيرة والكبيرة في البراري، والبحور، لا يساوي عدد تلك النفوس المفارقة.
قال العضد: وعلى أصل الدليل الذي أبطل به التناسخ اعتراضات تعرفها، أن كان ما مهدناه لك من الأصل على ما ذكر منك.
قال السيد: مثل أن يقال: لا نسلم أن كل حادث لا بد في شرط حادث، فإن الفاعل المختار له أن يخصص الحوادث بأوقاتها من غير أن يكون هناك داع، وليس هذا مستلزما للتخلف عن العلة المستلزمة، سلمناه (1/137)
صفحة 134
لكن لا نسلم أن شرط حدوث النفس هو البدن، ولم لا يجوز أن يكون له شرط غيره سلمناه لكن لا نسلم أنه إذا حدث بدن وجب أن يفيض عليه نفس، وإنما يجب ذلك إذ لم تتعلق به نفس مستنسخة.
وقد يقال: أراد بأصل الدليل ما ذكره أرسطو على حدوث النفس، فإنه أصل لدليله على إبطال التناسخ.
فيعترض عليه بأنا لا نسلم أن علة التمايز إما بالذات أو بغيره، لأن التمايز أمر عدمي فلا يحتاج إلى علة، ولا نسلم تماثلا لنفوس كلها و لا تماثل نفسين منها، والاستبعاد لا يجدي نفعا ولا نسلم أن تمايز أفراد نوع واحد إنما يكون بالقابل، وما تقدم في بيانه قد ظهر لك هناك فساده إلى غير ذلك مما لا يخفى على الفطن.
المقصد الرابع
تعلق النفس بالبدن ليس تعلقا ضعيفا يسهل زواله بأدنى سبب، مع بقاء المتعلق بحاله، كتعلق الجسم بمكانه، وإلا مكثت النفس من مفارقة البدن بمجرد المشيئة من غير حاجة إلى أمر آخر وليس أيضا تعلقا في غاية القوة، بحيث إذا أزيل التعلق بطل التعلق، مثل تعلق الأعراض والصور المادية، بمحالها لما عرفت من أنها مجردة، فذاتها غانية عما تحل فيه بل هو متعلق متوسط بين بين، كتعلق الصانع بالآلات التي يحتاج إليها في أفعاله المختلفة، ومن ثم قيل هو تعلق العاشق بالمعشوق عشقا جبليا ألاميا فلا ينقطع ما دام لبدن صالحا لأن تتعلق به النفس، ألا ترى أنها تحبه ولا تمله مع طول الصحبة، وتكره مفارقته. (1/138)
صفحة 135
وذلك لتوقف كمالاتها ولذاتها العقلية والحسية عليه، فإنها في مبدأ خلقها خالية عن الصفات الفاضلة كلها، فاحتاجت إلى آلات تعينها على اكتساب الكمالات، وإلى أن تكون تلك كمالات آلات مختلفة فيكون لها بحسب كل آلة فعل خاص، حتى إذا حاولت فعلا خاصا كالأبصار مثلا: التفتت إلى الغير فتقوى عل الإبصار التام، وكذا الحال في سائر الأفعال.
ولو اتحدت الآلة، لاختلطت الأفعال ولم يحصل لها شيء منها على الكمال، وإذا حصلت لها الإحساسات توصلت منها إلى الإدراكات الكلية ونالت حظها من العلوم والأخلاق المرضية، وترقت إلى ذاتها العقلية بعد إحاطتها باللذَّات الحسية، فتعلقها بالبدن على وجه التصرف والتدبر كتعلق العاشق في القوة بل أقوى بكثير، وإنما تتعلق من البدن أول بالروح القابي المتكون في تجوفيه الأيسر من بخار الغذاء ولطيفه، فإن القلب له تجويف في جانبه الأيسر ينجذب إليه لطيف الدم فيبخره بحرارته المفرطة، فذلك البخار هو المسمى بالروح عند الأطباء وعرفت كونه أوله متعلق للنفس، فإن سد الأعضاء يبطل قوى الحس والحركة مما وراء موضع السد ولا يبطلها مما يلي جهة الدماغ، وأيضا التجربة الطيبة تشهد بذلك، وتفيد النفس الروح بواسطة التعلق قوة بها تسري الروح إلى جميع البدن، فتفيد الروح كل عضو قوة بها يتم نفعه من القوى التي فصلناها فيما قبل، وذلك كله عندنا للفاعل المختار ابتداء من غير حاجة إلى إثبات القوى، ولو نسلم فالأسباب والمسببات وارتباطها بها إنما يكون كل ذلك بفعله واختياره. (1/139)
صفحة 136
المقصد الخامس
في العقل والجن والشياطين، وفيه مقاصد.
الأول: في إثبات العقل، والمراد به موجود ممكن ليس جسما ولا جزءا منه بل هو: جوهر مجرد في ذاته مستغن في فاعليته عن الآلات الجسمانية، قال الحكماء: أول ما خلق الله تعالى العقل كما ورد في نص الحديث، وقال بعضهم: وجه الجمع بينه وبين الحديثين الآخرين: أول ما خلق الله العلم، وأول ما خلق الله نوري، إن المعلوم الأول من حيث أنه مجرد بعقل ذاته ومبداء يسمى عقلا، ومن حيث أنه واسطة في صدور سائر الموجودات ونفوس العلوم، ويسمى علما، ومن حيث توسطه في إفاضة أنوار النبوة، كان نور سيد الأنبياء، واحتجوا على إثبات العقل بوجهين، الأول: الله تعالى واحد حقيقي فلا يصدر عنه ابتداء إلا واحد، ويمتنع أن يكون ذلك صادرا عنه جسما لتركبه، فلو صدر أولا: لزم صدور الصادر في المرتبة الأولى، ولتقدم الهيولي والصورة عليه ضرورة لأن الجزء متقدم على الكل فلو كان هو الصادر الأول، لتقدم على أجزائه، ولا يجوز أيضا أن يكون الصادر الأول أحد جزئيه، إذ لا يستقل بالوجود دون الجوهر الذي هو محله فكيف يوجد قبله، ولا نفسا إذ نفسا لا تستقل بالتأثير دون الجسم الذي هو آلتها فيمتنع أن يكون سببا لما بعده ويجب ذلك فيما صدر أولا: فتعين أن يكون الصادر الأول هو العقل.
قال العضد: تلخيصه أول صادر عنه تعالى واحد مستقل بالوجود والتأثير، وغير العقل ليس كذلك لانتفاء القيد الأول في الجسم.
والثاني: في الهيولي والصورة. (1/140)
صفحة 137
والثالث في النفس.
الثاني: الموجد للجسم كالفلك مثلا لا يجوز أن يكون هو الواجب لذاته وإلا لا وجد جزؤه، لأن موجد الكل حقيقة يجب أن يكون موجدا لكل أجزائه، فيجب أن يكون الواجب تتعالى مصدرا الأثرين في مرتبة واحدة ولا جسما آخر، إذ الجسم إنما يؤثر فيما له وضع مخصوص فالقياس إليه إما بالمجاورة والقرب كالتسخين للنار، وأما بالمحاذاة والمقابلة كالاضيائية للشمس، فلو أوجد الجسم جسما آخر، وجب أن نفيض صورته على هيولاه ولو فاضت صورته على هيولاه لكان للهيلولة آلة وضع قبل الصورة وإنه لا محال لأن وضع الهيولي مستفاد من الصورة التي هي ذات، لكونها في حد نفسها ممتدة في الجهات ولا نفسا لتوقف تصرفها بأسرها عليه، فإن النفس لا تؤثر إلا بآلات جسمانية، فيكون تأثيرها متأخرا على الجسم فكيف يتصور إيجادها إياه ولا أحد جزئه، وإلا لكان ذلك الجزء الموجد للجسم علة للآخر، وقد أبطلناه لعدم استقلاله بالوجود دون الآخر فلا يتصور كونه علة موجدة للآخر ولا عرضا لتأخره عنه في الوجود، فالموجد للجسم إذا العقل وهو المطلوب. والاعتراض: بناء على تسليم أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد، أما على الوجه الأول، فلم لا يجوز أن يكون أول صادر هو الجسم بان يصدر أحد جزئيه على الواجب ابتداء وبواسطته يصدر الآخر، وقد صرحوا بأن الصورة جزء لعلة الهيولي، وليس يلزم من كونها غنية في مدخلية التأثير عن الهيولي، كونها غنية في وجودها متشخصة عنها وإن سلم ذلك فلم لا يجوز أن يكون الصادر الأول نفسا ولا يلزم من توقف تصرفها في البدن عل تعلقها به توقف إيجاده مطلقا على ذلك (1/141)
صفحة 138
التعلق، فيجوز أن يكون الجسم بلا تعلق هو منشأ للتصرف والتدبير وإن سلم فلم لا يجوز، أن يكون الصادر غير ذلك ولا نعلمه. وأما على الوجه الثاني: فلم لا يجوز أن يكون الموجد للجسم جسما، قولكم إنما يؤتى الجسم فيما له وضع بالقياس إليه ممنوع والاستقراء على سبيل التجربة كما مر في النار والشمس، لا يفيد العموم لأنه استقراء ناقص سلمناه لكن قد يكون الموجد نفسا توجده أولا ثم تتعلق به سلمناه، لكن قد يكون هو الواجب بأن يوجد أحد جزئيه ابتداء بتوسطه الجزء الآخر كما مر.
المقصد الثاني: في ترتيب الموجودات على رأيهم، قالوا: إذا ثبت أن الصادر الأول عقل فله اعتبارات ثلاثة، وجوده في نفسه، ووجوبه بالغير، وإسكانه لذاته فيصدر عنه بكل اعتبار أثر، فباعتبار وجوده يصدر عنه عقل، وباعتبار وجوبه بالغير نفس، وباعتبار إمكانه جسم هو الفلك الأول وهو العرش، وإنما قالوا: إن صدورها عنه عن الوجه المذكور إسناد الأشرف إلى الأشرف والأخس إلى الأخس، وكذلك يصدر عن العقل الثاني المنسوب للعرش عقل ثالث ونفس ثانية وفلك ثان وهو الكرسي الذي هو فلك الثوابت، وهكذا إلى العقل العاشر الذي هو في مرتبة التاسع من الأفلاك هبوطا، أعني فلك القمر ويسمى العقل الفعال عندهم المؤثر في هيولي العالم السفلي المفيض المصور والنفوس والأعراض على العناصر البسيطة وعلى المركبات منها بسبب ما يحصل لها من الاستعدادات المسببات عن الحركات، والاتصالات الكوكبية وأوضاعها فالمذكورات هي العقول العشرة عندهم المنسوب كل واحد منهم سوى الأول: إلى فلك من الأفلاك والنفوس الفلكية وهي تسعة. (1/142)
صفحة 139
والاعتراض عليهم أن يقال: هذه الاعتبارات إن كانت وجودية فلا بد لها من مصادر متعددة، وإلا بطل قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد فيبطل حينئذ أصل دليلهم، وإن كانت اعتبارية امتنع أن تصير جزءا بصدر الأمور الوجودية قال السيد: وقد يجاب بأنها ليست جزءا من المؤثر بل هي شرط للتأثير والشرط، والشرط قد يكون أمرا اعتباريا لكن مثل هذه الاعتبارات من السلوب والإضافات: عارضة للمبدأ الأول فيجوز بحسبها مصدر الأمور متعددة كالمعلول الأول، وذلك مناف لمذهبهم الذي بنوا كلامهم في تركيب المجودات وحديث إسناد الأشرف إلى الأشرف خطائي، لا يلتفت إليه في المطالب العلمية وإسناد الفلك الثامن مع ما فيه من الكواكب المختلف المقادير المتكثرة كثيرة لا تحصى إلى جهة واحدة في العقل.
الثاني: كما زعموه مشكل جدا، وكذلك إسناد الصور والأعراض التي في عالمنا هذا مع كثرتها الفائتة على الحصر إلى العقل الفعال مشكل أيضا، وبالجملة فإنه لا يخفى على المنصف ضعف ما اعتمدوا عليه في هذا المطلب العالي، قال السيد ناقلا عن الملخص: أنهم خبطوا فتارة اعتبروا في العقل الأول جهتين، وجوده، وجعلوه علة لتعلقه، وإمكانه وجعلوه علة الفلك، ومنهم من اعتبروا بدلهما تعقله لوجود إمكانه علة تعقل وفلك، وتارة اعتبروا فيه كثرة من ثلاثة أوجه كما قررناه أولا، وتارة من أربعة أوجه، فزادوا علمه بذلك الغير وجعلوه مكانه علة لهيولي الموجودات على ما هي عليه في نفس الأمر.
المقصد الثالث: في أحكام العقول وهي سبعة:
الأول: إنها ليست حادثة لما تقدم من أن الحدوث يستدعي مادة. (1/143)
صفحة 140
الثاني: أنها ليست كافية ولا فاسدة، إذ ذاك عبارة عن ترك المادة صورة وليها صورة أخرى، فلا يتصور إلا في المركب المشتمل على جهتين قبول وفعل، وأما البسيط فلا يكون فيه جهتا قبول وفعل فلا تكون العقول لبساطتها فاسدة بالأبدية.
الثالث: نوع كل عقل منحصر في شخصه، إذ تشخصه بماهيته وإلا كان بالمادة وما يكتنفها كما مر.
الرابع: ذاتها جامعة لكمالاتها، أي ما يمكن لها فهو حاصل بالفعل دائما، وما ليس حاصلا لها فهو غير ممكن لما عرفت من أن الحدوث يستدعي مادة يتجدد استعدادها بحرك دورية سرمدية فلا يتصور إلا في مادي بحسب الزمان والعقول مجرة غير زمانية.
الخامس: إنها عاقلة لذواتها، إذ التعقل حضور الماهية المجردة عن الغواشي الغربية عند المجرد القائم بذاته، ولا شك أن ماهيتها حاضرة لذواتها فإن حضور الماهية اعم من حضور الماهية المغايرة وغير المغايرة والتغاير الاعتباري كاف في تحقق الحضور، قال السيد: وفيه نظر لجواز: أن يكون التعقل حضور الماهية المغايرة كما في الحواس، لا بحصول صورة مطلقا، وإلا كانت الحواس مدركة لصورها الخارجية وهو باطل.
السادس: إنها تعقل الكليات، وكذا كل مجرد لأن ذاته متميزة عن العلائق الغريبة عن ماهية والشوائب المادية المانعة عن التعقل بماهية لا تحتاج إلى عمل يعمل به حتى تصير معقولة، فإن لم تعقل كان ذلك من جهة العاقل، فكل مجرد فهو في حد نفسه يمكن أن يعقل، وقل ما يمكن (1/144)
صفحة 141
أن يعقل فيمكن أن يعقل مع غيره، إذ نعلم بالضرورة أنه لا تضاد في التعلقات، فكل معقول يمكن أن يعقل مع كل واحد من سائر المعقولات وأيضا، فكل ما يعقل فإنه لا ينفك عن صحة الحكم عليه بالأمور العامة كالوحدة، والإمكان، وغيرهما، والحكم بين شيئين يستدعي تعلقهما معا، فكل معقول يكن أن يعقل مع غيره في الجملة، وحينئذ فيمكن أن يتقارن المجرد والماهية المجردة في العقل، لأنن التعقل عبارة عن حصول ماهية المعقول في العاقل فإن العقل المجرد مع ماهية كانا معا حاصلين في العقل، فيكون كل منهما مقارنا للآخر فيه، وإذا أمكن أن تقارن ماهية الغير ماهية المجرد في العقل أمكن أيضا أن تقارنها مطلقا، أي سواء كان المجرد موجودا في العقل أو في الخارج إذ كون ماهية المجرد في العقل ليس شرطا للمقارنة مطلقا، وصحتها لأنه لو كان شرطا للمقارنة وصحتها لكان مقارنة المجرد للتعقل الذي هو أخص من مطلق المقارنة مشروطة أيضا بكون ماهية المجرد في العقل الذي هو غير مقارتنه له المشروط به، وإذا لم يكن المجرد في العقل شرطا للمقارنة يلزم الدور لأن كون ماهية المجرد في العقل، هو عين مقارنته له المشروط به، وإذا لم يكن كون المجرد في العقل شرطا للمقارنة بينه وبين ماهية الغير جازت المقارنة بينهما، إذا كان المجرد موجودا في الخارج وإذا جازت مقارنة الماهية الكلية المجردة التي للغير إياها، أعني ماهية المجرد حال كونها موجودة في الخارج أمكن تعقل الماهية الكلية للمجرد.
إذ لا معنى لاتعقله للماهية الكلية إلا مقارنة تلك الماهية له في الوجود الخارج وكل ما هو ممكن له، فهو حاصل له بالعقل دائما لما عرفت، فإذا هو عاقل لكل ما يغايره من الكليات بالفعل وهو المطلوب. (1/145)
صفحة 142
قال السيد: ومحصول الكلام أن المجرد يصح أن يكون معقولا، إذ لا مانع فيه من تعقله وكل ما يصح أن يعقل مع كل واحد مما يغايره من المفهومات، وكل ما أمكن أن يعقل مع غيره أمكن أن تقارن ماهيته ماهية غيره، لأن تعقل الشيء عن حصول ماهيته في العقل، ثم إن إمكان مقارنة المعقول المجرد لماهية معقول آخر ليس متوقفا على حصول المجرد في العقل، لأن حصوله فيه نفس المقارنة فلو توقف إمكان المقارنة عليه كان إمكان الشيء متوقفا على وجوده ومتأخرا عنه، وأنه محال وإذا لم يتوقف إمكان المقارنة على وجود المجرد في العقل أمكن المقارنة حال كون المجرد موجودا في الخارج، ولا يتصور ذلك إلا بحصول الغير في المجرد حلوله فيه وهو غير تعلقه إياه، وإذا أمكن تعقله له كان حاصلا بالفعل لأن التعين والحدوث من توابع العقل.
والجواب: لا نسلم أن كل مجرد يمكن تعقله كالباري تعالى وتقديس فإن حقيقته العلية مجردة مع أنه لا يمكن تعقلها عندهم وحقيقة النفوس والعقول: فإنها غير معقولة لنا فمن أين تجزم بإمكان تعقلها ولا نسلم أن المجرد في صيروية معقولا لا يحتاج إلى عمل يعمل به، وإنما يصح ذلك إذا انحصر المانع من التعقل وتوابعها وممنوع وإن سلمناه، فلا نسلم أن كل ما يمكن تعقله مع الغير ولا الدليل عليه والوجدان الشاهد بعدم التضاد والتنافي بين التعقلات لا تعمه شهادته لعدم تعقله لجميع المفهومات، كيف والغير قد يكون مما لا يجوز تعقله كما أشرنا إليه وإن سلم، فلا نسلم أن تعقله مع الغير يقتض مقارنة الماهية المجردة التي لذلك الغير للعقل أعني للمجرد المعقول وإنما يصح ذلك، لو كان العلم حصول الماهية المجردة في العقل حتى إذا تعقلا معا كانا موجودين متقارنين فيه وقد تكلمنا فيه حيث بينا أن العالم تعلق خاص بين العالم (1/146)
صفحة 143
والمعلوم، وإن سلمنا أن تعلقهما يستلزم تقارنهما في الوجود الذهني، فلا نسلم أنه يلزم من جواز المقارنة بينهما في العقل جواز مقارنة المجرد للغير مطلقا.
قولهم: وإلا لكانت مقارنة للعقل مشروطة بكونه في العقل ويلزم الدورة، قلنا: إنما يلزم ذلك أن لو كانت مقارنة أحد المعقولين للآخر في العقل، ومقارنة أحدهما للعقل مثلين، حتى يلزم من اشتراط المقارنة الأولى بكون المجرد في العقل اشتراط الثانية بع أيضا، فيدور وكونها مثلين ممنوع فإن حصول أحدهما في الآخر فإن الأول مقارنة أحد الحاليين في محل الحال الآخر.
الثاني: مقارنة الحال لمحله فأين أحدهما من الآخر فلا يلزم من كون المقارنة بين المجرد، وماهية الغير مشروطة بكون المجرد في العقل، كون المقارنة بين المجرد والعقل مشروطة به ليكون من قبل اشتراط الشيء بنفسه، إن نسلم تماثل المقارنتين وأنه يمكن مقارنة كل واحد من المعقولات للمجرد الخارجي، فلا يلزم من ذلك إمكان تعقله للمعقولات المقارنة له، وإنما يلزم هذا أن لو كان المجرد قابلا للتعقل أي لكونه عاقلا وهو ممنوع.
لا يقال التعقل نفس هذه المقارنة، فإذا أمكنت التعقل قطعا لأنا نمنع اتحادهما لجواز أن يكون التعقل أمرا مغايرا للمقارنة مشروطا بها، وليس يلزم من إمكان الشرط في موضع إمكان المشروط فيه.
السابع: أنها لا تعقل الجزئيات من حيث هي جزئيات، لأنها تحتاج إلى آلات جسمانية لتدرك بها، ولأن الجزئيات تتغير فالعلم بها متغير (1/147)
صفحة 144
فلا يثبت لما يجوز عليه التغير، والاعتراض عليه في بحث صفات الباري في مسألة العلم.
المقصد الرابع: في الجن والشياطين، فإنها أيضا من الجواهر الغائبة هن حواسنا وهي عند المليين، أجسام تتشكل بأي شكل شاءت، وتقدر على أن تولج في بواطن الحيوانات وتنفذ في منافذها الضيقة نفوذ الهواء المستنشق، واختلفوا في اختلافها في النوع، بعد الاتفاق على أنها من أصناف المكلفين كالملك والإنس ومنعة الفلاسفة لأنه إما أن تكون أجساما لطيفة أولا وكلاهما باطل.
وأما الأول: فلأنه يلزم أن لا تقدر على الأفعال الشاقة وتتلاشى بأدنى قوة وسبب من خارج .. يصل إليها وهو خلاف ما يعتقدونه.
وأما الثاني: فلأنه يوجب أن يرى، ول جوزنا أجساما كثيفة لا نراها لجواز أن تكون بحضرتنا جبال ربلاد لا نراها وبوقات وطبول لا نسمعها وهو سفسطة.
والجواب: أن لطفها بمعنى الشفافة أي عدم اللون فلا يلزم أحد الأمرين لجواز أن يقوى الشفاف الذي لا لون له على الأفعال الشاقة، ولا ينفعل بسرعة وعم ذلك فلا نرها، وبالجملة فإن أردتم باللطافة الشفافة فيختار أنها لطيفة ولا يلزم عدم قوتها على تلك الأفعال، وأن أردتم بها بسرعة الفعال والانقسام إلى أجزاء مصغرة ورقة القوام، فيختار أنها لطيفة بهذا المعنى ولا يلزم رويتها كالسماء كيف، وقد يفيض عليها القادر المختار مع لطافتها ورقتها قوة عظيمة، فإن القوة لا تتعلق بالقوام في الرقة والغلظ ولا بالجسمية في الصغر والكبر، ألا (1/148)
صفحة 145
ترى أن قوام الإنسان دون قوام الحديد والحجر، ونرى بعضهم يقتل الحديد ويحلله ويكسر الحجر وينقله ويصدر منه ما لا يمكن أن يسند إلى غلظ القوام، وترى الحيوانات مختلفة في القوة اختلافا ليس بحسب اختلاف القوام والجثة كما في الأسد مع الحمار.
قال قوم: هي النفوس الأرضية، فإن النفس كانت مدبرة للأجرام العلوية فهي الفلكية، وإن كانت مدبرة للعناصر فهي النفس الأرضية، أي السلفية وهي مختلفة فمنها الملائكة الأرضية وإليها أشار عليه السلام بقوله: (يأتي ملك الحبال وملك الأمصار وملك البحار، ومنها الجن وهو الشياطين وغير ذلك فهذه جنود ربك لا يعلمها إلا هو)، وقال قوم: هي النفوس الناطقة المفارقة، فالخيرة من المفارقة عن الأبدان تتعلق بالخيرة من المفارقة لها نوعا من التعلق، وتعاونها على الخير والسداد وهي الجن والشريرة منها تتعلق بالشريرة وتعاونها على الشر والفساد وهي الشياطين، وأنكر قوم من الأطباء الجن، وزعم أنه الخلط السوداوي والضرورة تكذبه، والله أعلم بحقائق الأمور.
المقصد السادس: في ذكر مذاهب بعض المعطلة تفصيلا وبيان فسادها استدلالا وتعليلا، وفيه مقاصد.
الأول: أنكر فريق من السوفساطية حقائق الأشياء وزعم أنها أوهام وخيالات باطلة وهو العنادية، وفريق منهم أثبتوها، وزعم أنها تابعة للاعتقادات حتى أن اعتقادنا الشيء جوهرا فهو جوهر وإن اعتقدناه عرضا فهو عرض، وإن اعتقدناه قديما فهو قديم وإن اعتقدناه حادثا فهو حادث، وهم العندية، وفريق منهم ينكر العلم بثبوت الشيء ولا (1/149)
صفحة 146
ثبوته، وزعم أنه شاك، وشاك في أنه شاك وهلم جرا وهم اللاإدرية لنا تحقيقا، إنا نجزم بالضرورة بثبوت الأشياء بالعيان وبعضها بالبيان، وإلزاما أنه إن لم يتحقق نفي الأشياء فقد ثبت، وإن تحقق فالنفي حقيقة من الحقائق لكونه نوعا من الحكم ثبت شيء من الحقائق فلم يصح نفيها على الإطلاق.
قال السعد: ولا يخفى أن هذا الدليل الذي هو بطريق الإلزام، إنما يتم على العنادية، قالوا الضروريات منها حسيات والحس قد يغلط كثيرا كما مر، ومنها بديهيات وقد يقع فيها اختلافات وتعرض لها شبه يفتقر في حلها إلى أنظار دقيقة كما مر والنظريات فرع الضروريات فتفسد بفسادها، ومن ثم كثر فيها اختلاف العقلاء، قلنا خط الحس في بعض لأسباب جزئية لا ينافي الجزم بالبعض، فانتقاء أسباب الغلط والاختلاف في البديهي لعدم الألف به أو لخفاء في تصور أطرافه لا ينافي بداهته، فإن من البديهي ما هو جلي عند الكل لوضوح تصورات أطرافه، ومنه ما هو خفي لخفاء فيها وهذا القسم أيضا لا يخفى على الأذهان المشتعلة النافذة في التصورات وكثرة الاختلافات لفساد الأنظار غير المتوقدة، لا ينافي حقيقة في بعض النظريات وهو ما كان صحيا من جهة الصورة والمادة والحق أنه لا طريق إلى المناظرة معهم خصوصا اللاإرادية لأنهم لا يعترفون بمعلوم ليثبت به مجهول، لأن فائدة المناظرة أن يثبت بالدليل صحة قول وبطلان آخر والعلم الحاصل بالدليل أحق من العلم الحاصل بالحواس والمنكر للثاني منكر للأول.
قال المحققون: إنما الطريق إلى ذلك تعذيبهم بالنار ليعترفوا بالألم وهو من الحسيات أو بالفرق بينه وبين اللذة وهو من البديهيات أو (1/150)
صفحة 147
يحترقوا فيستراح منهم، وحكي أن رجلا منهم، أتى إلى جماعة من العقلاء على بغلة لم يريد مناظرتهم، فعمدوا إلى بغلته فغيبوها عنه فلما أراد الانصراف بعد المناظرة، طلبها منهم فجحدوها وقالوا له لم تأت إلينا على بغلة، فقال بل أتيت بها فقالوا له على الحقيقة كان ذلك فقال على الحقيقة فاعترف ورجع عن القول بالسفسطة، وقد ذكرت معناها.
ومعنى الفلسفة في الشرح، قال السنوس، يجوز أن يخلق الله العقل ولا يخلق له شيئا من العلوم الضرورية، كالسوفسطائية والسمنية وستعرف قولهم، وبالجملة فإنا نعتقد أن حقائق الأشياء ثابتة والعلم بها من تصوراتها وتصديق بها وبأحوالها لتحقق ثابتة حقا.
المقصد الثاني: أنكر فريق من الدهرية، حدوث الأجسام كما مر وقال: إذا قبضتم بحدوث الأعراض المتعاقبة في الجسم على حدوثه لزمكم أن تحكموا عليه بحدوثه، أما في الحال الذي وجدتموه فيها موصوفا بها أو في كل حال لحدوثها، كذلك وكلاهما فاسد. قيل له: إنما استدللناه بحدوث الأعراض فيه على حدوثه في الجملة، فلو قلنا بما قلت لزم المحال وهو بطلان حدوثه قبل حال المشاهدة وبعدها، فإن قال، إذا كان الجسم لا يتقدم العرض، والعرض غير باق وقضيتم بحدوثه على حدوث الجسم، فلم لا قضيتم أيضا بفناء العرض على فناء الجسم في كل حال ضرورة أن الجسم لا يبقى بلا عرض، قلنا، يجوز أن يفنى الجسم لا يبقى بلا عرض، قلنا، يجوز أن يفنى الجسم بفناء العرض وأن يتبقى بعده بتجدد عرض آخر مثله أو مضاد له، والقول بالكمون والظهور قد مر بطلانه، فإن قال، إذا كانت الأشياء عندكم حادثة لا من شيء فما الدليل على أن لها محدثا ولعلها حادثة بنفسها، قلنا، هذا من المحال، (1/151)
صفحة 148
لأنه لو جاز لحدثت قبل حال حدوثها أو بعدها، ولكان المتقدم منها متأخر وبالعكس والمتوسط متقدما أو متأخرا أو لكانت متقدمة جميعا أو متأخرة واللوازم باطلة، فكذا الملزوم لاستلزامه الترجيح بلا مرجح، فتعين أن لها محدثا وإن أرادته هي المرجحة كما سيأتي وأنها مفتقرة إليه فإن قال، سلمنا أن لها محدثا ضرورة أنه أثره ووجود الأثر من غير مؤثر محال نفسها لا غيرها.
قلنا: ممنوع لأنه لا يخلو إما أن يكون موجده عند إحداثها أو معدومة، وكلاهما محال أما الأول، فلما فيه من تحصيل الحاصل وأما الثاني، فلأن المعدوم لا يوجد شيئا، فإن زعم أيه كان من جنسها أو من نوعها، قلنا: هو أيضا فاسد لأنه يلزمه من الافتقال إلى المحدث ما لزمها فيتسلسل وسيأتي لمبحث هذا المقام زيادة.
المقصد الثالث: ذهب المنجمون إلى أن العالم العلوى هو المؤثر في العالم السفلى والمدبر له كما مر، قلنا: هو محال لما مر من أن الجسم لا يعقل له فعل في غير محله، ولعل الإنسان هو الذي يؤثر في النجوم ويدبر أمرها ضرورة أنه حي فعال وأنها قوات جماد وهو أولى بذلك وتقول لهم أيضا، أنكم تزعمون أن العالم السفلى إنما يتحرك ويسكن بتحريك العلوى له بجميع أفلاكه فما الذي يحرك الأفلاك، فإن قالوا، تتحرك بما فوقها وهكذا إلى ما لا نهاية له، أحالوا، وأن أثبتوا النهاية، واعترفوا بالغاية، أقروا بالحدوث وبأن العالم بأسره متناه، وكل متناه حادث.
وذهب الطبائعيون إلى أن الأشياء لنما تتكون عن الطبائع الأربع، التي هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، فيقال لهم: أهي حيوان (1/152)
صفحة 149
أم موات؟ فلا يقرون بواحد بل يجيبون بتخليط وهذيان ويقولون: إذا امتزجت بنوع من الأنواع نشأت عنه صفة كذا وكذا، وإذا امتزجت بآخر يخالف الأول تكونت عنه أخرى إلى ما لا يتناهى فيقال لهم: أنا نظرنا إلى الصنائع والحرف التي تكون مبانيها كالنقش والبناء والصيغ ونحوها فوجدناها لا تصدر إلا ممن يتصف بالحياة والعلم والقدرة والإرادة ولم نشاهدها تتكون من طبيعة ما قط، وأعجب من ذلك صنعا وألطف تدبيرا، تأليف الحيوان وتركيبه ونموه ونقصانه وتناسله كما سيأتي وغير ذلك، كيف يتكون ممن لا يتصف بتلك الكمالات فلا بد لهم من الاعتراف وإلا كانوا في جملة المجانين.
وذهب أصحاب أرسطا طاليس، إلى أن الهيولي وهو كل جسم قابل للصورة لم يزل قديما ومعه قوة قديمة وهي القابلية للصور، وكلاهما خال عن الأعراض حتى غلبت القوة الهيولي فحدث عن غلبتها الأعراض فيقال لهم: عن طبع كانت الغلبة أم عن اختيار، لا جائز أن تكون عن طبع لأن ما بالطبع لا يفارق ولأنها تؤثر ما لم يمنعها ويدخل في المانع امتناع الشرط، إذ تأثير الطبيعة يتوقف على ثبوت الشرط، وانتفاء المانع فيلزم قدم الأعراض، فتعين أن تكون عن اختيار ولا يقولون به، وقد عرفت كل ما قام به الحادث فهو حادث فيلزمهم حدوث الهيولي والقوة وأيضا، فالقوة التي في الهيولي أمكنت عن مماسة أم عن غير مماسة وهل هما متحدان أو مختلفان، وأياما قالوا من ذلك أحالوا لاستلزامه، أما الاتحاد أو قدم الغرض.
المقصد الرابع: زعمت السمنية كعربية قوم بالهند وهريون قائلون بالتناسخ: أن الأرض لم تزل تسفل وأنها لا تزال كذلك لأنها جسم ثقيل (1/153)
صفحة 150
متكاثف راسب والهواء بضد ذلك ولا يقاوم الأرض الرسوب الثقيل المتكاثف في الخفيف الحواري اللطيف، ودلهم على أنها في الهواء بزعمهم وجودهم على ظهرها الملاقي للهواء، فزعموا أنها تلاقيه من كل ناحية.
قلنا لهم: أما قولكم لم تزل ولا تزال فهو فاسد، أما الأول فلا قتضائه قدمها الذي هو معتقدكم، وقد قام البرهان القاطع على حدوثها، وأما الثاني، فقد ناظرهم فيه بعض الحذاق فأفحمهم، وذلك أنه قال لهم، هل الريشة أثقل أم الأرض بما فيها وما عليها؟ فقالوا الأرض، فقال لهم: ما بال الريشة الملقاة من على السطح أو جبل تصل الأرض ولم تفتها إذن، فبهتوا ثم يقال لهم أيضا، ألستم ترون الريح تحمل أجساما ثقيلة فترفعها إلى الجو، فقالوا: بلى، فيقال: ما تنكرون أن يكون شيء أقوى وأعظم من الريح يرفع الأرض من تحتها ويحملها في الجو فلم قلتم أنها لم تزل ولا تزال تسفل وتهوى دون أن تقولوا: تتصاعد وترفع.
المقصد الخامس: زعمت المنانية أن الأشياء تكونت عن أصلين قديمين هما النور والظلمة وأنهما عرضان، وقيل جسمان حيان فعالان حساسان، وأنهما لم يزالا مفترقين حتى بغت الظلمة على النور فمازجته فتكونت عن ممازجتها الأشياء، فحدث عن النور كل خير وعن الظلمة كل شر قلنا لهم: لا تخلو مفارقتها قبل الممازجة من أن تكون طبيعية أو اختيارية وكلاهما فاسد، أما الأول، فلما عرفت، وأما الثاني، فلدعوى الافتراق قبل الامتزاج، ولعله كان بعده ولم يشعروا به.
فإن قالوا: إنما كان قبله لأنها أمران متغايران بحسب الذات أبطلوا الممازجة كما لا يخفى ضرورة أنهما لم يزالا مفترقين على زعمهم، وإذا (1/154)
صفحة 151
ثبت وجوب افتراقهما أزلا، استحال عدمه فيما لا يزال وأيضا فهل حدث عن امتزاجها شيء أم لا فإن قالوا: لا، قيل لهم: فكيف امتزجا ولم يحدث عنه شيء وأبطلوا فائدته فهلا قلتم إنهما على افتراقهما، وإن قلتم حدث شيء من امتزاجهما، قلنا، ما هو ظلمة أم نور أو سواهما، وإن قلتم هو سواهما، أبطلتم أصلكم وإن قلتم هو واحد منهما قلنا أهو من جنسهما أم من غير جنسهما وكلاهما فاسد، أما الثاني، فلا ستلزامه الحدوث لا عن جنس المحدث، وأما الأول، فلاقتضائه حدوث أصله، فإنهم يزعمون أنه يجب الحكم على الغائب بحكم الشاهد وعلى الكل بحكم الجزء، وعلى الكلي بحكم الجزئي، ثم يقال لهم: إذا فرض أنه قتل شخص شخصا، من القائل له؟ أظلمة أم نور، فإن قالوا: النور أبطلوا أصلهم من أنه لا يصد عنه إلا الخير، وإن قالوا: الظلمة، قيل لهم: فإن جاء قاتله واعترف وتاب من المعترف التائب فإن قالوا: الظلمة قيل لهم فقد صدقتم، والصدق خير، وإن قالوا: النور قيل لهم: فكيف يقر بما لم يفعل فيصير كاذبا والكذب شر، وفسادا ما ذهبوا إليه من ذلك لا يخفى على من له أدنى عقل.
المقصد السادس: اعلم أن الثنوية فرق كالمجوس والصائبة والمنانية والمانوية وهو أصحاب ماين بن ماين الكذاب والفرس تدينوا قبل الإسلام بأن فاعل الخير يزدان وفاعل الشر أهر من، وقيل: المجوس ليسوا من الثنوية وقالت الديصانية: من المجوس بما قالت به المنانية غير أنهم قالوا: النور حي، والظلمة موات، وأنه هو الممازجة لها في ظلام قبيح يستهجن التصريح به بل الكتابة عنه، فالرد عليهم هو الرد على إخوانهم.
وقالت المرقونية: بقدوم الأصلين وبقدوم ثالث متوسط بينهما وهو (1/155)
صفحة 152
الإنسان، فيسألون عن طلب الممازجة منهم، فإن قالوا: هو الظلمة نوظروا بما المنانية، وإن قالوا هو النور: نوظروا بما نوظرت به الديصانية، وإن قالوا هو الإنسان، قيل لهم: فما حاجته إلى الممازجة مع غنائه عنها بأنه عليم حكيم، وبأن حقيقته مخالفة لحقيقتها على زعمهم، ثم لا يخلو إما أن يصدر عنه خير فيرجع إلى النور وأما شر فيرجع إلى الظلمة فيبطل القول بالثالث، إذ لا واسطة بين الخير والشر، ولا نقول: لا نسلم بطلان الثالث لجواز أن يكون ممتزجا بين الخير والشر، لا يقال: لا يخفى فساده من حيث إن أن فيه جمعا بين متضادين.
وقالت فرقة من المجوس: أن مدبر العالم واحد قديم وهو أهرمن الفاعل لكل خير في العالم ثم فكر في نفسه وخاف أن يدخل عليه في ملكه من ينازعه فيه فحث عن فكرته الشيطان، وهو الفاعل لكل شر في العالم وصالحه أهر من على أن يبقيه طويلا حتى يفنيه بعد كما أحدثه فيقال لهم: ألستم تقرون أن أهرمن صالح لا يصدر عنه إلا الخير، وأن الشيطان شرير لا يصدر عنه إلا الشر، فلا بد لهم من بلى، فيقال لهم: وأي شر أعظم من خلق من لا يصدر عنه إلا الشر فيكون أهرمن شريرا ضرورة أنه خالق للشيطان الذي هو شرير وخالق الشرير شرير.
فإن قالوا: لا نسمي الشيطان بفعله الشر والقبيح شريرا وقبيحا، قيل فأفيضوا القبائح والشرور إذن إلى أهرمن، وقولوا هو الفاعل للكل لما أنه لا تلازم عندكم بين كونه فاعلا للشر وبين تسميته شريرا.
لا يقال: يلزمك أن تسمي الله بذلك إذا أضفت الكل إليه، لأننا نقول: هذه معارضة واهية، يعلم جوابها في أبحاث خلق الأفعال بعد، (1/156)
صفحة 153
على أنا إنما امتنعنا من التسمية له بذلك لما فيه من الاتصاف بالنقص وهم لم ينزهوا أهرمن من الاتصاف به، إذ وصفوه بالخوف والتنكر وبالمصالحة خوفا وأيضا لا يخلو أهرمن من أن يكون قادرا على فناء الشيطان اليوم أو عاجزا عنه، فإذا كان قادرا وتركه مع قدرته يفعل الشرور وأصناف القبائح كان الشر منه، وإن كان عاجزا أبطل عنه أن يكون قادرا عليه بعد لأن عجزه اليوم يوجب أن يكون غدا أعجز منه، فلا يصلح أن يكون مدبرا للعالم ومحدثا لما يحدث فيه.
المعلم الثالث
في الإلهيات، وفيه مراصد، الأول في ذات الباري تعالى وفيه مقصدان.
الأول: في وجوب وجوده الذي هو عين ذاته العلية، اعلم أن لما ثبت بالبرهان الذي لا يشك فيه عاقل منصف أن العالم محدث ومعلوم أن المحدث لا بد له من محدث ضرورة امتناع ترجح أحد طرفي الممكن من غير مرجح كما مر غير مرة، ثبت أن له محدثا وصانعا، وأنه هو الله سبحانه وتعالى، أعني الذات الواجب الوجود الذي يكون وجوده لذاته بمعنى أنه غني على الإطلاق لا يحتاج إلى شيء ما البتة، إذ لو كان جائزا لوجود لكان من جملة العالم، فلم يصلح محدثا للعالم، وصانعا له مع أن العالم، اسم لما يصلح أن يكون علما على وجود مبدا له وقريب من هذا يقال أن مبدأ الممكنات بأسرها لا بد أن يكون واجبا، إذ لو لم يكن كذلك لكان إما ممتنعا أو ممكنا، والأول واضح البطلان.
والثاني: كذلك، لأنه لو كان ممكنا لكان من جملة الممكنات فلم يكن (1/157)
صفحة 154
مبدا لها، وقد يتوهم أن هذا دليلا على وجود الصانع من غير افتقار إلى إبطال التسلسل، وليس ذلك هو بل إشارة إلى أحد أدلة بطلان التسلسل، وهو أنه أو ترتبت سلسلة الممكنات لا إلى نهاية لاحتاجت إلى علة، وهي لا تجوز، أن تكون نفسها ولا بعضها لاستحالة كون الشيء علة لنفسه ولعلله بل خارجا عنها فيكون واجبا وتنقطع السلسلة ومن شهود الأدلة على ذلك برهان التطبيق، وقد سلف، وسيأتي لهذا به مزيد بحث.
المقصد الثاني: اختلف في أن ذاته تشبه الذوات أو تخالفها، فذهب أصحابنا والأشاعرة وأكثر المعتزلة إلى أن ذاته العلية مخالفة لسائر الذوات، فهو تعالى منزه عن المثل، أي المشارك في تمام الماهية وعن الند الذي هو المساوي يتعالى مولانا عن ذلك.
وذهب أبو علي الحبائي، وابنه أبو هشام، إلى أن ذاته تعالى مماثلة لسائر الذوات، وإنما يمتاز، بأحوال أربعة، الوجوب، والحياة، والعلم التام، والقدرة التامة، هذا عند الحبائي.
وأما عند ابنه، فإنه يمتاز بحالة خامسة، هي الموجبة لهذه الأربعة وهي الألوهية، قلنا أنه لو شاركه تعالى غيره في الذات لخالفه في التعين ضرورة الإثنييه، ولا شك أن ما به الاشتراك غير ما به الامتياز فيلزمه التركيب المضافي للوجوب الذاتي، وها هنا مباحث يستدعي المقام ذكرها، لكنا نؤخرها لما ستعرفه.
المرصد الثاني: فيما يجب للباري تعالى من الكمالات، وفيه مقاصد.
الأول: يجب أن يكون سبحانه وتعالى قديما، أي غير مسبوق بعدم وإلا لافتقر إلى محدث، وذلك يؤدي إلى التسلسل إن كان محدثه ليس (1/158)
صفحة 155
أثر له، أو إلى الدور إن كان أثرا له وكلاهما محال لما في الأول من فراغ ما لا نهاية له في عدده، ولما في الثاني من كون الشيء الواحد سابقا على نفسه مسبوقا بها.
وبيان ذلك، أن القدم يطلق بإزاء معيين، أحدهما أنه يطلق على ما توالت على وجوده الأزمنة وكر عليه الجديدان، ومنه قوله تعالى: {كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} 17، وبهذا الاعتبار يقاس أساس قديم وبناء قديم، وهذا مستحيل في حقه تعالى إذ وجوده ليس وجودا زمانيا ولا نسبة لزمان إلى وجوده البتة، إذ هو من صفات المحدث فيكون حادثا بالضرورة، فإن الزمان إما عبارة عن مقارنة متجدد لمتجدد أي حادث لحادث كمقارنة السفر لطلوع الشمس مثلا، فثبوته فرع وجود حادثين مقترني الوجود لأنه نسبة بينهما، والنسبة يتأخر وجودها عن وجود المنتسبين ولا متجدد في الأزل فلا بزمان، والتجدد لوجوده عز وجل وصفاته العلية محال فنسبة الزمان إليه على الإطلاق محال في الأزل وفيما لا يزال، وأما عبارة عن حركات الأفلاك وما يرجع إليها من الساعات وأجزائها وتعاقب الملوان إذ الليل عبارة عبارة عن مغيب الشمس تحت الأفق والنهار عبارة عن ظهورها فوقه، وذلك في الحقيقة عبارة عن سير المعدل بها تحت الأفق وفوقه على رأي الحكماء والساعة عبارة عن سر المعدل خمس عشر درجة، أي قسما من ثلاثمائة وستين قسما متساوية، فسموا الفلك بهذا اصطلاحا، والزمان بهذا المعنى هو الموجود كثيرا في التعاريف، ولا شك في انعدام الزمان بهذا المعنى أيضا في الأزل إذ لا فلك فيه، ولا حركة لما عرفت من برهان حدوثه ما سوى الله تعالى، ويستحيل أن يمر عليه تعالى الزمان بهذا المعنى لأنه إنما يمر على الأفلاك وما أحاطت به مما في جوفها حتى تمر عليه الأزمنة من الساعات، والليل والنهار وفصول السنة وأشهرها بحسب (1/159)
صفحة 156
تحرك الأفلاك فوقه وظهور الشمس وارتفاعها وانخفاضها وغيبتها، لتتقيد بذلك أغراض الحيوان المتجردة عليه من يقظة ونوم وصحة وسقم وحياة وموت ونحو ذلك، وتتقيد معايشة المقدرة ربيعا وخريفا وشتاء وصيفا، تدبير من ليس كمثله شيء، الله رب كل شيء المتنزه عن أن تحيط به الأمكنة، أو تجري عليه الأحوال والأزمنة أو تتجدد عليه أو تتغير له صفة، كيف يتصور أن تكون له مع شيء من العالم اتصال أو انفصال؟ وقد اتضح لك أن الزمان على كل الاعتباري إنما هو من صفات الحوادث ولا يتقيد به إلا ما هو حادث.
الثاني: أنه يطلق على ما لا أول لوجوده، بمعنى أن وجوده أزلي لم يسبقه عدم والقدم بهذا الاعتبار هو الثابت له تعالى وهو سلب العدم السابق.
والدليل على وجوبه له: أنه لو لم يكن قديما لكان حادثا، إذ لا واسطة بينهما في حق كل موجود، لكن كونه حادثا محال لأنه يوجب افتقاره إلى محدث لما عرفت وجوب افتقار كل حادث إلى محدث ثم تنقل الكلام إلى محدثه فيكون حادثا كالأول فيفتقر أيضا إلى محدث فإن كان محدثه الأول الذي كان أثرا له لزم الدور وإن كان غيره لزم في الغير ما لزم فيه وتسلسل التسلسل محال لما عرفت من استحالة حوادث لا أول لها، والخصوم القائلون بذلك سلموا أن التسلسل في الأسباب والمسببات محال.
فإن قيل: إذا قلتم بقديم لا أول له ففيه إثبات أوقات متعاقبة لا أول لها، لأن الوجود لا يعقل، إلا في وقت وثبوت أوقات لا أول لها محال، لما قررتم من حوادث لا أول فقد قررتم من التسلسل فوقعتم فيه، (1/160)
صفحة 157
فالجواب منع الملازمة لما عرفت أن حقيقة الوقت والزمان لا وجود لها قبل وجود العالم، فالقول بأن الوجود لا يعقل في وقت باطل وقد مر بيان استحالة التسلسل، وأما بيان بطلان الدور فلما يلزم عليه من كون الشيء الواحد سابقا على نفسه مسبوقا بها، أما ما لزوم سبقته على نفسه فلأن صانعه أثر له فيجب أن يتقدم عليه صانعه لوجوب سبق المؤثر على أثره، لكنه هو أيضا أثر لصانعه فيجب أن يتقدم أيضا عليه صانعه كعين ما ذكرنا، فلزم أن يتقدم على نفسه بمرتبتين، لأنه مقدم على صانعه المقدم على نفسه، والمقدم على المقدم على الشيء مقدم على ذلك الشيء ضرورة فكذلك أيضا يجب أن يتأخر عن نفسه بمرتبتين وهو المراد من قولنا مسبوقا، وذلك لأنه أثر لصانعه فيتأخر عنه، وصانعه أثر له فيتأخر عنه والمؤخر عن المؤخر عن الشيء مؤخر عن ذلك الشيء ضرورة، وبالجملة، فاللازم في الدور أن يتقدم حصول الشيء على حصول نفسه بمرتبتين، والتقدم والتأخر على ما ذكر متلازمان، ولباهر برهان قدم الصانع وانتفاء الشبهة فيه لم يقل أحد من العقلاء بحدوثه تعالى وتقدس.
تنبيه: اختار المحققون من الأشاعرة وفاقا لأصحابنا والمعتزلة، أن قدمه تعالى صفة سلبية على معنى ما مر لا نفسية أي نفس ذاته تعالى لا زائد عليها خلافا للباقلاني والفخر، ومرجعه على هذا إلى الوجود المتسمر أزلا ولا صفة معنوية بمعنى أنه زائد على الذات خلافا للأشعري، وقد رد كل منهما أما الأول: فبصحة تعقل الذات بدونه والوصف النفسي لا تعقل الذات بدونه، وأما الثاني: فلما يلزم عليه من التسلسل وقيام المعنى بالمعنى. (1/161)
صفحة 158
المقصد الثاني: يجب أن يكون ربنا سبحانه وتعالى باقيا، بمعنى أنه لا يلحق وجوده عدم وإلا لكانت ذاته تعال تقبلها فيحتاج في ترجيح وجوده إلى مخصص فيكون حادثا، كيف وقد مر بالبرهان وجوب قدمه، ومن هنا تعلم أن كل ما ثبت قدمه استحال عدمه.
والبقاء له تعالى: هو سلب العدم اللاحق لوجوده، والمذاهب السابقة في القدم مقررة في البقاء، والدليل على وجوبه له، أنه لو قدر لحوق العدم له تعالى عن ذلك، لكانت ذاته العلية تقبل الوجود والعدم، لفرض اتصافه بهما، ولا تتصف ذات بصفة حتى تقبلها لكن قبوله تعالى للعدم محال! إذ لو قبله: لكان هو والوجود بالنسبة إلى ذاته سيان، إذا البول للذات نفسي لا يختلف، فيلزم من افتقار وجوده إلى موجد يرجحه على العدم الجائز، فيكون حادثا كيف؟ وقد ثبت بالبرهان القطعي وجوب قدمه، فبان لك بهذا البرهان أن وجوب القدم يستلزم وجوب البقاء أبدا، وأن تجويز العدم يوجب ثبوت العدم السابق، فخرج لنا بهذا البرهان قاعدة كلية وهي إن كل ما ثبت قدمه استحال عدمه، لأن القدم لا يكون غلا واجبا للقديم، وهذا البرهان الذي ذكرنا لوجوب البقاء مختصر وهو مع اختصاره قطعي لا شبهة في شيء من مقدماته.
والدليل المشهور بين المتكلمين، فيه طول تقسيم لم يجمع على بطلان جميع أقسامه، وذلك: أنهم يقولون لو طرأ العدم على القديم لوجب أن يكون له مقتض إذ طرو وأمر بنفسه، لا بمقتض ولاسيما إن كان مرجوحا كهذا محال ضرورة، والمقتضى إما بالاختيار أولا، والمقتضي المختار لا يفعل العدم إذ هو ليس بفعل وغير المختار، أما عدم شرط أو (1/162)
صفحة 159
طريان ضد، وباطل أن يكون عدم شرط، لأن ذلك الشرط إن كان قديما نقلنا الكلام إلى قدمه ولزم التسلسل وإن كان حادثا لزم وجود القديم في الأزل بدون شرطه، وهو محال وباطل أيضا أن يكون طريان ضد لأنه إن طرأ قبل انعدام القديم لزم اجتماع الضدين، وإن طرأ بعد انعدامه فقد انعدام القديم بغير مقتض لاستحالة تأخر المقتضي عن أثره، وأيضا يلزم في الضد ترجيح المرجوح، ولا أقل من التساوي إذ رفع القدم السابق وجوده لطريان ضده أولى من العكس، وأيضا فالضدان قام بالقديم لزم اجتماع الضدين، وإلا بطل اقتضاؤه لعدم الاختصاص.
واعلم، أن بمثل هذا البرهان، استدل على استحالة بقاء الأعراض، بل بنفس وجودها تنعدم ولا بقاء لها أصلا، سواء ما شوهد فيه ذلك كالحركة أو كالاعتقادات لأنها لو بقيت لاستحال عدمها لما ذكر في التقسيم، فلزم مثل ذلك في الجواهر مع أنها لا تبقى ويصح عدمها، قلت: بأن شرط بقائها إمدادها بالأعراض، فإذا أراد الله إعدامها عنها خلق الأعراض.
وقال الباقلاني: إن الإعدام يصح أن يكون متعلقا للقدرة، ويلزم صحة إقامة العدم السابق إلى المؤثر، فإن معقول العدم لا يختلف، وفرق بأن السابق مستمر يستغني عن المرجح، واللاحق طارئ، ومقتضاه، ترجيح أحد طرفي الممكن وترجيح أحد طرفيه لا يستغني عن المؤثر، فلأجل هذا تردد في بقاء الأعراض، وجزم الفخر بصحة بقائها، وقال أصحابنا: من الأعراض ما هو محتمل للبقاء كما ستعرفه، ولم يصح أحد إلى صحة بقاء جميع الأعراض، قال: من اعتقد عدم (1/163)
صفحة 160
بقائها، إنها لو بقيت فبقيام البقاء بها يلزم قيام المعنى وهو محال، وقد مر أنه لا يلزم ذلك، وأما الجواهر فإنما بقيت لقيام البقاء.
تنبيهات: الأول، إن المتقيض الموافق لما قبله، قولنا تجويز العدم اللاحق يوجب تجويز العدم السابق فيع عكس النقيض الموافق لما قبله، أعني قولنا وجوب القدم وجوب البقاء أبدا، إذ هو في قوة قولنا: كلما ثبت قدمه استحال عدمه وعكسه النقيض الموافق كل ما لم يستحل عدم لم يثبت قدمه، وهذا معنى قولنا، وإن تجويز العدم اللاحق يوجب ثبوت العدم السابق، وكل قضية يلزمها عكسها وعكس نقيضها، فيلزم من صدق الأصل صدق العكس، وإن شئت قلت، إن قولنا إن تجويز العدم اللاحق يوجب ثبوت العدم السابق، يعني أن القديم واجب البقاء وعكسه بالموافق غير الواجب البقاء، فليس بقديم أو تقول، كل قديم تجب له البقاء وعكسه، وأيضا بالموافق كلما لا يجب بقاءه فليس بقديم.
الثاني: لا يقال: يرد على قولنا، كلما ثبت قدمه استحال عدمه عدم الممكن في الأزل بأنه قديم، ويصح زواله بوجود الممكن فيما لا يزال، لأنا نقول: المراد من قولنا، كلما ثبت قدمه قدم الأمر الموجود أو الثابت في الخارج فهو الذي يستحيل زواله بطرد الدليل، لأن الأمر الوجودي إذا صح عدمه كان وجوده جائزا فكان له مقتض وينحصر في المختار وأثره حادث لسبقه باختياره والقصد إليه، وقد فرض قديما هف، بخلاف العدم يكون فإن صحة زواله لا تستلزم ثبوت مقتض له، والعدم السابق لا يكون أثرا، وإنما خالف الباقلاني في اللاحق، وكذا قال الفخر: إن العدم الأزلي لا يمتنع زواله فإن العالم كان معدوما وقد زال ذلك بوجوده، ولذلك قيد دعواه بأن كل موجود أزلي يمتنع (1/164)
صفحة 161
زواله، وقال الفهري: لا حاجة إلى هذا التقييد، فغن عدم العالم في الأزل واجب ولم يزل ذلك العدم قط، وإنما يزول بوجوده في الأزل لا بوجوده فيما لا يزال.
الثالث: إن قولنا، والمقتضي المختار لا يفعل العدم، إذ ليس يفعل، أعني لأنه نفي محض، فامتنع أن يكون فعلا ويزيد في تقرير هذا الاستدلال، فنقول، إنه لا فرق بين قولنا فعل العدم وقولنا لم يفعل شيئا، وإن العدم هو لا شيء ومن فعل لا شيء فهو لم يفعل شيئا، وهذا القسم هو الذي وقع التنازع فيه، فإن الباقلاني يقول: إن العدم اللاحق يكون بإيثاره واختياره، وأنه يصح أن يكون فعلا ولا يسلم أنه لا فرق بين فعل العدم العدم ولم يفعل شيئا، بل إعدام الشيء أثر ظاهر وهو مختار السنوسي، ولذلك قال في رسم القدرة، هي صفة يتأتى بها إيجاد وإعدامه على وفق الإرادة، وقال بعضهم: بل العدم أثر، فإنه إذا كان الشيء موجودا ثم أعدم فإما أن يقال فيه وقع الشيء أو لم يقع الثاني، وهو أن يقال، لم يحدث شيء ولا وقع أصلا مكابرة فإذا قيل: وقع فذلك الواقع به تعلقت القدرة، وعلى مذهب الجمهور، لا يكون العدم بالقدرة، فعدم العرض، واجب لعدم صحة بقائه، فلا تتعلق القدرة، إذ متعلقها الممكن وكذا عدم المشروط عند عدم شرطه فإذا أراد الله تعالى إعدام الجوهر، قطع عنه ذلك الإمداد، وخصوص عرض البقاء في رأي فيجب عدمه، وعلى مذهب الباقلاني يكون العدم بالقدرة.
الرابع: قولنا: وغير المختار، أما عدم شرط، أو طريان ضد فيه حصر القسمة في ثلاثة، الفاعل المختار، وعدم الشرط وطريان الضد، (1/165)
صفحة 162
باعتبار الخصوم إذ ليس ثم من يقول إن العدم يكون قسما رابعا، وكفانا ذلك مؤنة التعرض لإبطاله وإلا فالحصر في الثلاثة كما قيل ليس بعقلي.
والقائلون بفقدان الشرط فريقان: أحدهما يقول: بأن شرط استمرار وجود الجوهر قيام البقاء به، فإذا عدم البقاء لزم عدمه، وثانيهما يقول: شرط بقائه استمرار خلو الأعراض فيه، فإذا لم يخلق فيه عرض لا يصح خلوه عنه لزمه عدمه، وهذا مراد من قال منا إذا أراد الله فناءه قطع التدبير عنه.
المعتزلة: يزعمون أن للجوهر ضدا، وهو الفناء: وأنه به بعدم قالوا: وهو معنى قائم بنفسه والاختصاص له بجوهر دون جوهر، فلا يجوز أن يعدم بعض الجواهر دون بعض، فلا بد من عدم وجود ضد الكل، وحاصل ما ذكر أن المتكلمين، اختلفوا في معنى الفناء؟ فقال بعضهم، إذا لم يخلق الله البقاء وهو عرض في جوهر انعدم وبه قال الكعبي.
وقال أبو الهذيل: كما أنه قال: كن فكان يقول: أفن فيفنى، وقال أبو هاشم، إن الله تعالى يخلق الفناء وهو عرض لا يبقى، فيفنى جميع الأجسام، وأبوه الجبائي يخلق لكل جوهر فناء، فيكون معنى الفناء على الأول انتهاء الأسباب وانقطاع التدبير.
المقصد الثالث: إذا علمت وجود مولانا عز وعلا، وأنه لا يقبل العدم السابق لوجوب قدمه، ولا العدم اللاحق لوجوب بقائه، علمت (1/166)
صفحة 163
وجوب تنزيهه تعالى أن يكون جرما أو قائما به أو محاذيا له، ما وجب لها وذلك يقدح في وجوب قدمه تعالى وبقائه، بل وفي كل صفة من كمالات الألوهية، وذلك لأن الجرم ملازم للحركة والسلوك، لأن التحيز صفة نفسية له فإن بقى في حيزه فهو ساكنن وإلا فهو متحرك والحركة والسكون قد سبق برهان حدوثها، وأخص شيء في ذلك أن الحركة لا تكون أزلية لعدم إمكان بقائها ولاستلزامها سبق الكون في الحيز المنتقل عنه، والأزلي لا يكون مسبوقا بغيره والأزلي أيضا يلزم بقاؤه، وأما السكون أيضا: فلا يكون أزليا وإلا لاستحال عدمه، فيستحيل أن يتحرك الجرم دائما والعقل والمشاهدة يكذبانه، فتقول على هذا في نظم الدليل على حدوث الإجرام، لو وجد جرم في الأزل لم يخل، أما أن يكون فيه متحركا أو ساكنا، لكن التالي باطل بقسميه فالمقدم مثله.
وبالجملة، فالحركة والسكون، لا يكونان إلا حادثين ضرورة، فما لازمهما وهو الجرم يجب حدوثه، ويتعالى من وجب له القدم والبقاء أن يكون حادثا، وأيضا فلو كان جرما لجاز أن يكون أكبر مما هو عليه أو أصغر لاستحالة وجود جرم لا نهاية، له فيحتاج إلى مخصص يخصصه بما عليه من المقدار دون غيره من المقادير الجائزة، فيكون حادثا وهو محال.
وبيان استحالة وجود جرم لا نهاية له، أنه إذا تحرك فقد فارق حيزا من أحد جانبيه وشغل جانبه الآخر فراغا، فالجانب الذي فارق حيزه وفراغه تعين تناهيه، والآخر أيضا لما شغل الحيز، علم أنه كان مسبوقا وجود جزم لا نهاية له. (1/167)
صفحة 164
قال السنوسي: لكن هذا الاستدلال، إنما يتم في جسم فرض تناهيه من طرف وهو الذي يجوز تحركه بالضرورة، وأما ما لا يتناهي من كل جانب، فلا يجري فيه، وقد استدل بعضهم على استحالة بغير هذا الدليل فقال: لو فرض الصانع جسما، فلا يخلو إما أن يكون جسما متناهيا أو غير متناه، فإن كان لا يتناهى استحال أن يكون غير منتاه من جميع الجهات، فإن ذلك يمنع وجود غيره من الأجسام، فلابد من أن يكون هذا الغرض متناهيا من بعض الجهات، فتجوز حركته إلى الجهة الأخرى لا محالة، لأن الحركة فرغ وشغل من جهة إلا وقد فرغ من الأخرى، فيجب تناهيه لا محالة، وأيضا فلو كان مركبا من جزئين فأكثر للزم أن يقوم بكل جزء منه صفة العلم والقدرة ونحوهما من صفات الآلة، لاستحالة وجود قديم غير الله، ولائلا يلزم الافتقار إلى مخصص في ترجيح بعض الأجزاء بقيام الصفات به دون بعضن لكن قيام الصفات بكل جزء محال يوجب تعدد الآلهة، وسيأتي بطلان ذلك.
وبالجملة: فالتركيب يستحيل على الله مطلقا، ولا فرق في الاستحالة بين المركب من أجزاء حسية كالجسم عند المتكلمين، لأنه مركب عندهم من الجوهر خصوصا، من يثبت الجوهر الفرد الذي لم يقم على ثبوته برهان كما سلف، والمركب من أجزاء عقلية إما من مادة وصورة كالجسم عند الحكماء، إذ ينفون الجوهر الفرد كما علمت من جنس وفصل كالإنسان والفرس والسواد والبياض، وقد بسطا الكلام عليه في الشرح.
وإذا عرفت ذلك، عرفت استحالة التجزئة التي أثبتها النصارى (1/168)
صفحة 165
أهلكهم الله لمعبودهم، فإنهم اعتقدوه جوهرا أي أصلا للأقانيم وذلك لأنه عندهم ثلاثة أقانيم، أقنوم الوجود ويعبرون عنه بالأب، وأقنوم العلم ويعبرون عنه بالابن والكلمة، وأقنوم الحياة ويعبرون عنه بالروح القدس، ثم قالوا، إن مجموع الثلاثة إله واحد، فجمعوا كما ترى بين نقيضين وحدة وكثرة، وجعلوا الذات تتركب من مجرد أحوال لا وجود لها، أو وجوه واعتبارات لا توجد إلا في الأذهان، وذلك غير معقول العاقل، والأقنوم، كلمة يونانية والمراد بها في تلك اللغة، أصل الشيء ويعني بها النصارى الأصل الذي كانت منه حقيقة آلهتهم، وقد طولبوا في دليل الحصر في الثلاثة.
فقالوا: لأن الخلق والإبداع لا يأتي إلا بها، فقيل لهم وكذا الايرادة والقدرة لا يتأتي الخلق أيضا إلا بها، فأجابوا بأن الأقانيم خمسة، وإذا استحال في حقه تعالى أن يكون جرما استحال وصفه بالصغر والكبر، اللذين هما من صفات الإجرام، ويستحيل عليه تعالى أيضا التغير مطلقا، ويجب له القيام بنفسه، بمعنى أنه لا يفتقر إلى محل ولا إلى مخصص، أما عدم افتقاره إلى مخصص فلوجوب القدم والبقاء لذاته تعالى وسائر كمالاته التي هي عين ذاته كما ستعرفه، وأما عدم افتقاره إلى محل فلوجوب اتصافه تعالى بالصفات الكاملة من العمل، والقدرة، والإرادة، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام، والرضا، والسخط، والولادة، والعداوة، وسائر الكمالات على ما سنحرره، إذ لو كان مفتقرا إلى محل لكان صفة، والصفة لا تتصف بشيء من ذلك، وأيضا لو كان مفتقرا إلى محل لم يكن بالألوهية أولى (1/169)
صفحة 166
من المحل الذي افتقر هو إليه، فإن فرض أنهما إلاهان، لزم تعدد الآلهة وهو باطل، وإذا استحال افتقاره إلى محل استحال اتحاده به.
ومعنى الاتحاد ضرورة شيئين شيئا واحدا وهو محال في القديم والحادث، وبرهانه أن أحدث الشيئين إذا اتحد بالآخر فإن بقيا على حالهما فهما اثنان لا واحد، فلا اتحاد البتة وإن عدما كان الموجود غيرهما، وإن عدم أحدهما دون الآخر امتنع الاتحاد وبطل لأن المعدوم لا يكون عين الموجود، وإذا عرفت استحالة افتقاره غلى محل واتحاده به عرفت استحالة قيام صفاته بذات غيره واتحادها به فبطل ما قالت النصارى أخزاهم الله من أن أقنوم الكلمة اتحد بناسوت عيسى «عليه السلام»، أعني ذاته واختلفوا في معنى الاتحاد، فمنهم من قال: إنه يرجع إلى قيامها به كما يقوم الغرض بالجوهر، وهذا يوجب مفارقته بذات الجوهر الذي هو مجموع الأقانيم الثلاثة عندهم، ضرورة أن المعنى الواحد لا يقوم بذاتين، فيكون الباقي بعض إله لا إلها، وعيس أيضا قام به بعض الإله فلا يكون إلها، فقد لزم على رأيهم الفاسد عدم الإله، وفيه أيضا القول بالانتقال على المعنى وهو محال على الصفات العرضية، فكيف بما هو نفسي عندهم؟ وأيضا فاختصاص الاتحاد بأقنوم الكلمة دون روح القدس الذي هو أقنوم الحياة، ودوره وجود الجوهر نفسه يحتاج إلى مخصص، وأيضا فالاتحاد إن كان واجبا لزم قدم الناسوت إن كان جائزا افتقر إلى مخصص، ويلزم منه جواز الإله فتكون ألوهية عيسى جائزة، وذلك يفضي غلى مثله في واجب الوجود وهو محال (1/170)
صفحة 167
وأيضا، فالاتحاد إما أن يكون وصف كمال، فيجب للذات الأزلية أزلا، وإن كان صفة ذم فقد وصفوه بالنقائص وأيضا، فيطالبون بتخصيص ناسوت عيسى بهذا الاتحاد دون غيره.
فإن قالوا: وجه الاختصاص ما ظهر على يده من إحياء الموتى، ونحوه قام الرد عليهم بما ظهر على يد موسى من إحياء العصا ثعبانا ونحوه، بل ويلزمهم أن يجوزوا اتحاد الكلمة بكل حادث حتى الخنافس والحشرات وما أخس مذهبا يفضي إلى أن يكون هذه الخنفساء والجعل وغيرهما آلهة، ومنهم من فسر هذا الاتحاد بالاختلاط والمزج كاختلاط الخمر والماء ونحوهما من المائعات، وجميع ما ورد على الأول يرد على هذا، ويزيد بأن الاختلاط من أحكام الجسام فكيف يعقل في الكلمة التي هي خاصة الذات الأزلية؟
قال المقترح: وسمعت من بعضهم يقول عند المباحثة، نسبة كنسبة ضياء الشمس من الشمس فهي مشرقة علينا، ولم يفارق الشمس ولم يعلموا أن أضواء الشمس أجسام مضيئة كثيرة بعضها يتصل بما أشرق عليه وبعضها يتصل بغيره، فأين هذا من الخاصية المتحدة.
ومنهم من فسره بالانطباع: كانطباع صورة النقش في الشمع، وهذا باطل فإن نفس النقش لم يحصل فيما طبع فيه، وإنما حصل فيه، مثاله فتبين أن ما ذهبوا إليه غير معقول وهو أخس الفرق وأرذلها أفهاما، وإدراك الحقائق على مثلهم عسير ومعنى قولنا فيما مر وهنا، أو قائما به أعني بالجوهر لأنه يوجب أن يكون تعالى مفتقرا إلى محل يقوم به وقد سبق برهان حدوث الأعراض. (1/171)
صفحة 168
وقولنا: أو محاذيا له أي قريبا منه إما قرب اتصال حتى يكون الجرم مكانا له يتمكن عليه أو أقرب انفصال، حتى يكون الجرم في- جهة له وكلاهما محال لأنهما من خواص الأجرام، أو جهة للجرم فليس فوق شيء من العالم ولا تحته ولا أماه ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن شماله لأن الجهة تستلزم التحيز، وكل متحيز فهو جرم ولم يقل بالجهة إلا طائفتان من المبتدعة، وهما الكرامية، والحشوية على ما ستعرفه، وعينوا من الجهات جهة فوق، ثم اختلف الكرامية فقال فريق منهم: إنه تعالى مماس للعرش، وقال فريق مهم: إنه مباين له، ثم اختلف هؤلاء، منهم من زعم أنه مباين بمسافة متناهية، ومنهم من زعم أنه مباين بغير متناهية، والحشوية حملت الاستواء على ظاهره وما يعقل من لفظه، وامتنعوا من التأويل وتنزيه أن يكون الله تعالى مرتسما في خيال الجرم، لأنه لا يرتسم في الخيال الأجرام وأعراضها.
وبالجملة، فقد قامت البراهين القاطعة على وجود الذات العلية الموصوفة الكمالات السنية، وعلى قيامه بنفسه واستحالة مماثلة لكل ما يخطر بالبال وبتكيف في الأوهام، واستحالة اتصافه تعالى بكل ما يستلزم مماثلة للحوادث، والاعتراف بالفخر عن إدراكه بعد هذا واجب كما نقل عن الصديق رضي الله عنه أنه قال: (العجز عن الإدراك إدراك)، ومعنى المماثلة للحوادث، المساواة لها في صفاتها النفسية، لأن كل موجودين إما أن يتساويا في صفة النفس أولا، فإن تساويا فيها فهما مثلان، وإن لم يتساويا فيها فلا يخلو إما أن يصح اجتماعهما أو لا، فإن لم يصح فهما ضدان، وإن صح فخلافان وكل مثلين، فإنه يلزم (1/172)
صفحة 169
استواءهما في كل ما يجب لأحدهما وفي كل ما يجوز عليه وفي كل ما يستحيل.
فلهذا نقول: لو اتصف مولانا عز وعلا بشيء مما سبق، لزم مماثله للأجرام، أو لأعراضها، وذلك يستلزم أن يساويهما فيما يجب لهما من الحوادث، وقد سبق وجوب قدمه وبقائه، والاستدلال على هذا المطلب العظيم الشأن بالقياس الاقتراني المنتظم من لشكل الثاني، فنقول: الله عزوجل ليس بحادث، وكل ما اتصف بواحد من تلك الأمور المذكورة فهو حادث، فينتج، الله تعالى ليس بمتصف بواحد من تلك الأمور المذكورة، هذا إن أتيت بالدليل مجملا لجميعها، وإن فصلت لكل واحد، قلت: في الأول وهو استحالة أن يكون جرما، الله حل وعلا ليس بحادث، وكل جرم فهو حادث ينتج، الله تعالى ليس بجرم، ثم قس باقيها على ذلك.
تنبيهات: الأول، إن قولانا في معبود النصارى أنه جوهر أي أصل للأقانيم، وجعلنا المركب أصلا لأجزائه والمعروف العكسي لما قال الفخر، أن المركب قبل البسيط في الحس وبالعكس في العقل، ومن هذا الأخير جاء المعروف والمراد بالجوهر، المتحيز لا الجوهر في اصطلاح المتكلمين من الأشاعرة.
الثاني: أن المحل يطلق ويراد به محل الصفات والأعراض، أي الذات التي تقوم بها كالجرم، ويطلق ويراد به الحيز الذي يغمره الجوهر، ويطلق أيضا ويراد به المكان، والمكان جرم لأنه إذا تمكن جرم على جرم فالأسفل مكان للأعلى، وقيل: المكان اسم للسطح الباطن من (1/173)
صفحة 170
الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوي كالسطح الباطن للكور المماس للسطح الظاهر من الماء الكائن فيه، وقيل: اسم للفراغ الذي يشغله الجسم، وكل ما هو حاصل في المكان فهو شاغل للحيز، وقد يشغل الحيز ولا يكون كما نقول في جملة العالم أنه حيز وليس في مكان، إذ الحصول في مكان لا بد من تمكن حجج على حجج، فلو كان العالم في مكان والمكان حجج لاستدعى كل مكان مكانا إلى غير نهاية وهو محال.
الثالث: اختلف النصارى في تفسير ما ادعوه من حلول الكلمة بناسوت المسيح، فصار بعضهم إلى قيامها بها قيام الصفة بالموصوف، وهو محال، فإنه بقى الجوهر القائم موصوفا بها امتنع اتصاف المسيح بها، لامتناع حصول الشيء الواحد في محلين، هذا في الصور المختصة بالوجود، والكلمة عندهم ليس لها وجود يخصها، وإنما نسبت الكلمة إلى الذات نسبة حال نفسية أو وجه واعتبار في العقل، فامتناع نسبتها إلى محلين يكون أولى، فإن لم يبق الأول موصوفا بذلك فهو محال صار وبعضهم إلى ما مر من نسبة إلى الشمس.
المقصد الرابع: يجب أن يكون مولانا عز وعلا قادرا وإلا لما صح منه إيجاد العالم وتقرير برهانه أن يقال: الله تعال موجد بالاختيار، وكل موجد بالاختيار فهو قادر فالله قادر.
ودليل الصغرى: قد عرفته فيما مر من إبطال أن يكون فعله بطبيعة، أو علة موجبة وقد سبق برهانه، وسنعيده قريبا بأثم مما مر.
وأما الكبرى، فواضحة لأن الموجد بالاختيار، هو الذي يصح منه (1/174)
صفحة 171
الفعل بدلا عن الترك وبالعكس كما مر هذا بعينه، معنى القادر وإنما قيدنا الإيجاد بالاختيار لأنه هو المستلزم للقدرة ولسائر الكمالات الآتة، أما الإيجاد بالذات كإيجاد العلة والطبيعة لو صح فلا يلزم أن تكون تلك العلة والطبيعة قادرة، ولا مريدة، ولا حبة، ولا عالة، فالإيجاد بالاختيار لما حقق بالبراهين القاطعة، سهل معه إثبات هذه الصفات سهولة لا يحتاج معها إلى كبير نظر.
وأيضا نقول: لو لم يكن الصانع للعالم قادرا، لما أوجده، وبيان الملازمة أنه لو لم يكن قادرا لكان عاجزا، والعاجز لا يتأتى منه فعل ولا ترك، فإن قيل، لعل الصانع طبيعة أو علة فلا يلزم من عجزه عدم فعله.
الجواب: أنه قد سبق أن صانع ذاتك بل وسائر العالم لا يكون مختارا، ويستحيل أن يكون طبيعة أو علة، وبطلان التالي وهو عدم إيجاد العالم على ذلك التقدير، وظاهر مما مر من البرهان على وجود الصانع تعالى، فالقادر على هذا هو الموصوف بالقدرة التي هي صفة يتأتى بها إيجاد الممكن، أو إعدامه على وفق الإرادة.
تنبيه: قد مر أن الموجد بالاختيار، هو الذي يصح منه بالفعل بدلا عن الترك وبالعكس، أي يصح منه أن يفعل الشيء وأن لا يفعله، والمراد بقولنا أن لا يفعله، أن لا يخرج الفعل إلى الوجود بل يبقيه على العدم، أو يوجد العدم أو يفعل الترك وهذا بناء على أن الترك ليس بفعل ولا استعباد في إسناده إلى الفاعل المختار لفهم المراد، ولا يلزم من كونه مقدورا للفاعل أن يكون أثرا وجوديا له، ولزم من قال أنه فعل بناء على (1/175)
صفحة 172
أنه كف وإمساك عن الفعل وهو أثر وجودي القول، بقدم العالم وتحصيل الحاصل لترك فعل العالم في الأزل، ولأن العدم حاصل كذا قرره بعضهم، وأجيب بأن الفعل من حيث هو فعل ينافي الأزل، وإنما يتأتى حقيقة فيما لا يزال وإذا كان الترك متجددا بعد أن لم يكن فلا يلزم عليه تحصيل الحاصل.
المقصد الخامس: يجب أن يكون الباري تعالى مريدا، وهو الموصوف بالإرادة التي هي صفة يتأتى بها ترجيح أحد طرفي الممكن.
لا يقال: إن قولك في تعريف القدرة، وكذا الإرادة، بأنها صفة يتأتى بها ما ذكر، لا يستقيم على مذهب أصحابك، وإنما هو قول الأشاعرة القائلين بالزيادة على الذات، لأنا نقول معنى قولنا، يتأتى بها التعلق أي بتعلقها على ما تستحقه، ولو لم يكن الباري تعالى مريدا لما اختص العالم بوجود ولا بمقدار ولا صفة ولا زمان بدلا عن نقائصها الجائزة، فيلزم إما قدم العالم أو استمرار عدمه، وبيان ذلك أنا نقول: الله تعالى خصص الحوادث بأحد الطرفين الجائزين، وكل من كان كذلك فهو مريد فالله تعالى مريد.
أما الصغرى: فواضحة غذ لا يخفى أنه لما كان وجود الممكنات وعدمها بالنسبة إليها سواء لا يجب أحدهما ولا يستحيل، بل هما جائزان بالسواء، ثم إنه تعالى أوجد هذا المكن فبالضرورة أنه تعالى هو الذي خصصه بأحد الطرفين الجائزين عليه وهو الوجود، ولم يبقه على الطرف الآخر الجائز عليه أيضا وهو العدم، وكذا أوجده على مقدار مخصوص في ذاته فخصه أيضا بذلك المقدار بدلا عن الطرف الآخر (1/176)
صفحة 173
الجائز، وهو أن يكون أكبر من ذلك أو أصغر منه، وكذا خصه بالوجود في ساعة كذا، من يوم كذا، في شهر كذا، في سنة كذا، بدلا عن الوجود المتقدم على ذلك أو المتأخر عنه، وكذا ما يتعلق بسائر الأعراض خصه وبنوع من ذلك بدلا عن تركه إلى ما قابله.
وأما بيان الكبرى: فلأن ترجيح وقوع أحد الطرفين المستويين بغير مرجح محال، ويستحيل أن يكون المرجح نفس ذلك الممكن لأنه يلزم عليه أن يكون مساويا لذاته راجحا كما مر، وإن ترجح له العدم من ذاته وجب استمرار عدمه فلا يوجد أبدا لأن المرجح الذاتي يمتنع عدمه وكلا القسمين باطل، فتعين أن يكون المرجح خارجا عنه من جهة فاعله، والسر يقتضي أن لا مرجح لاختصاص الممكن بأخذ الجائزين عليه أو الجائزات بدلا عن مقابله، إلا بالإرادة وهي اختيار الفاعل فعل ذلك الجائز، فإن قلت: لعل المرجح لوقوع أحد الطرفين صفة القدرة، قلت، القدرة نسبتها إلى جميع الممكنات نسبة واحدة، فما بالها تعلقت بإيجاد هذا الممكن على الخصوص، بدلا عن مقابله وفي هذا الزمان المخصوص بدلا عن المتقدم والمتأخر والأزمان كلها بالنسبة إلى القدرة القديمة سواء، فلا بد إذا من ترجيح الفاعل للفعل في هذا الزمان، وحينئذ يوجد بقدرته الفعل فيه وكذا لا بد أن ترجح الوجود بدلا عن العدم، ثم تتعلق به القدرة وقس على ذلك كل ممكن.
فإن قلت: لعل المرجح تعلق العلم بوقوع ذلك الممكن والزمان المخصوص، على الصفة المخصوصة، لأن وقوع الممكن على خلاف (1/177)
صفحة 174
علم الله تعالى محال، قلنا: التخصيص للممكن بذلك تأثير فيه، والتي تؤثر باعتبار تعلقها بإيقاع بعض الحائزات عليه، فلا يتعلق بها الصفة التي تؤثر في الجائز باعتبار تعلقها فيه، والعلم ليس كذلك، بدليل تعلقه بالواجب كما سيأتي، فلم يبق إلا القدرة والإرادة وقد بطل بما مر تعلق القدرة بالتخصيص، فتعين بذلك هي الإرادة، وهو المطلوب، لا يقال لعل المرجح لوقوع أحد الجائزين اشتماله على المصلحة المعلومة لفاعله تعالى، لأنا نقول هذه مقالة اعتزالية، وسيأتي برهان عدم وجوب مراعاة الصلاح والأصلح في حقه تعالى، و‘ذا بطلت مراعاة الأصلحية حتما لم تصلح لترجيح الفعل بها، فإن قلت ما ذكرتموه من أن تخصيص أحد طرفي الممكن بالوقوع في حق المختار لا يكوون إلا بالإرادة ينتقض عليكم بالمختار منا، فغنه يوقع أفعالا في زمان مخصوص وعلى صفة مخصوصة، وهو ذاهل عنها لا شعور له بها فضلا عن أن يقصد إليها أو يريدها.
قلنا: كلامنا إنما هو المختار الموجد والمختار منا لا يوجد فعلا أصلا لا في حق نفسه ولا في حق غيره، وإنما الموجد لذوات الحوادث وجميع أفعالها عموما هو الله تعالى كما ستقف عليه، وبالجملة فالذوات كالظروف للأفعال المخلوقة فيها، يخلق الله سبحانه منها ما شاء كيف شاء، والظرف والمظروف كلاهما فعل الله تعالى لا تأثير لبعض في بعض فتبارك من لا شريك له في ملكه ولا مدبر معه في تدبيره، وقد قررنا بالدليل، على كونه مريدا فيما سلف بالقياس الاقتراني فنعيده الآن بالقياس الاستثنائي تمرينا للطالب.
فنقول: لو لم يكن الله تعالى مريدا لما اختص العالم بما تقدم (1/178)
صفحة 175
واللازم باطل فكذا الملزوم، وبيان الملازمة، أنك عرفت فيما مر أن لا سبب لاختصاص الممكن ببعض ما جاز عليه إلا إرادة فاعله، فإذا فرض أن الفعال غير مريد لزم استحالة وجود الممكن بعينه بدلا عن مقابلة ضرورة عدم الاختصاص عند عدم المخصص، وأما بطلان اللازم فبوجهين، أحدهما: مشاهدة الاختصاص في المكنات، والثاني، لزوم اتصاف ذات الممكن بأحد أمرين، وجوب القدم أو استمرار العدم، وكلاهما محال في حقه أما الأول فلما مر من برهان حدوث الممكنات كلها، وأما الثاني فلمشاهدة الوجود فيها، وبيان لزوم الأمرين عند تقدير عدم الاختصاص بممكن دون ممكن، أن عدم الاختصاص بالوجود وما يتبعه من المقدار المخصوص والصفة المخصوصة يوجب استمرار العدم وعدم الاختصاص بالزمان المعين يوجب القدم أو استمرار العدم، لأن الزمان لما كان لا يتصف به إلا المستجدد فلا ينتفي عنه إلا القديم، أو المستمر العدم، إذا لا تجدد لهما، فظهر أن لزوم الاتصاف بأحد الأمرين عند عدم الاختصاص بتلك الأمور المذكورة، فيه أحدهما لا بعينه في الزمان، لكنا لم نفعل في أول المقصد لأنا قصدنا إلى أن ما يلزم في عدم الكل من حيث هو كل لا يلزم في عدم كل واحد.
وأيضا نقول في الاستدلال، لو لم يكن الفاعل مريدا للزم، أما قدم الممكنات أو استمرا عدمها، وبيان الملازمة! أن الفاعل إذا لم يكن مريدا! فإن كان وجود الممكن لازما لوجوده، والوجود صفة من صفاته بحيث لا يحتاج في وجود ذلك الممكن إلى قصد لزم قدم الممكنات، لاستحالة وجود الملزوم بدون اللازم، وقد مر وجوب القدم للفاعل ولسائر كمالاته التي هي ذاته، فما لازمها يجب أن يكون كذلك، (1/179)
صفحة 176
وإن لم يكن وجود الممكن لازما لوجود ذاته ولا لوجود صفة من صفاته، لزم استمرار عدم سائر الممكنات لاستحالة ترجيح زمان أو مقدار أو صفة بغير مرجح.
تنبيهات، الأول: أن قولنا لأن القدرة نسبتها إلى جميع الممكنات نسبة واحدة معناه: أن المختص بالبياض مثلا، كما أنه سبحانه قادر على جعله بياضا، هو قادر على سوادا وكما هو قادر على جعله الإيمان إيمانا، هو قادر على جعله الكفران كفرانا، وكذا في المقدار المخصوص والجهة المخصوصة والزمان المخصوص والمكان، ونحو ذلك مما هو عليه الممكن من بين الأعراض والمقادير والجهات والأزمان والأمكنة، فقدرة الله تعال على ذلك كله على حد سواء، فلا يكون الاختصاص والترجيح بالقدرة لثبوت التساوي.
فإن قيل: يرد هذا أيضا في الإرادة ويتسلسل لأن الإرادة أيضا صالحة للتخصيص في كل وقت كصلاحية القدرة للإيجاد في كل وقت، فكما أثبتم الإرادة نفيا للترجيح بلا مرجح فكذلك نسبة الإرادة أيضا إلى ما وجد وإلى ما يوجد نسبة واحدة، لعموم تعلقها فيفتقر إلى صفة أخرى ويلزم التسلسل، قلنا: إذا كان أثر القدرة الموقوع وأثر الإرادة التخصيص، أن يقال كل مريد قادر، وليس كل قادر مريد، فقد تباين ما بين القدرة والإرادة، أعني تباينا جزئيا، وإذا كانت الإرادة شأنها التخصيص فلا يقال فيها لم خصصت فإن صفات النفس لا تعلل، كما لا يقال لم كان العلم كاشفا وكما خصصت بعض الممكنات بالوقوع كذلك خصصت بعضها بعدم الوقوع، فإن الإرادة إنما تتعلق بالإيجاد والإعدام، وأما (1/180)
صفحة 177
العدم، فلا، إذ هو نفي محض لا يقال ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وإنما الصواب أن يقال: وما لم يشأ لم يكن، فإن قلت بقى هنا أن يقال لم خصص هذا بالإيجاد، وهذا بالإعدام وهلا كان الأمر بالعكس؟ ولم أوجد هذا الوقت دون ما قبله أو ما بعده؟ ولم خص هذا بالسعادة وهذا بالشقاوة؟ ولم أغن هذا وأفقر ذلك؟ إلى غير ذلك مع استواء- النسبة إلى الكل؟ قلت: هذا، سر القدر، وهو موقف عقال فكل من سأل عن ذلك، لم يزده الحق في الجواب على انفراد بعلم ذلك بأكثر من قوله: {ِإنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} 18، لأنه تبارك وتعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
وإذا استحال الأحداث أزلا لما فيه من بين المسبوقية ونفيها، تعين الأحداث فيما لا يزال، وأن الباري سبحانه وتعالى إحداث الجائزات حين صح أحداثها، وجهات الاختصاصات من سر القدر ومجاراة العقول، ولعل سبب قصور العقول، أن يستلزم إحاطة العلم وذلك خاصية العلم القديم، والعلوم الحادثة قاصرة لا عموم لها ولا إحاطة.
الثاني: قال بعض المتكلمين، مجيبا عن سؤال الفلاسفة في حدوث العالم، لم لا يجوز أن يقال العالم إنما يحدث في الوقت المعين؟ لأن إرادة الله تعالى تعلقت بإيجاده في ذلك القوت دون سائر الأوقات؟ وهي لنفسها تقتضي ذلك؟ وليس لأحد أن يقول لم تعلقت الإرادة بأحداثه في ذلك الوقت المعين، ولم تتعلق به في غير ذلك من الأوقات، لأن الإرادة لعينها اقتضت التعلق بإحداثه في ذلك الوقت وصفات النفس لا تتعلل.
فإن قلت: هذا يبطل عموم تعلق الإرادة، ومن مذهبكم أن إدارة (1/181)
صفحة 178
الباري تعالى وسائر صفاته عامة لأنه يلزم من تخصيصها ببعض ما يصح أن تتعلق به افتقارها إلى مخصص وتعلق المخصص بصفات الباري تعالى محال، لأنه يؤدي إلى جوازه، قلنا، للإرادة تعلقان، أحدهما، عام وهو صحة أن يتخصص بهما كل ممكن، والآخر، خاص، وهو تخصيص كل ممكن بها بالحال الذي هو عليه، من وجود أو عدم وإن صح في العقل أن يكون على خلافه، لولا إرادة الله تعالى، {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} 19، وبعضهم ينكر هذا التقسيم وهو كون التعليق صلاحيا وتنجيزيا، لا في الإدارة ولا في القدرة، وبعضهم، ينكره في الإرادة ويجيزه في القدرة والتعلق الخاص التنجيزي الذي ذكر للإرادة هو كما قال بعضهم: غير التنجيزي الحادث الذي هو صدور الكائن عن القدرة والإرادة، هذا أيضا حادث، وذلك نفسي قديم ومعنى قولنا في التعليق الخاص التنجيزي للإرادة هو تخصيص كل ممكن بما قصده في الأزل إلى الوجه الخاص.
الثالث: أن قولنا، في الجواب عن كون المرجح تعلق العلم، قللنا، التخصيص الممكن بالزمان إلخ، تأثير فيه أظهر مما أجاب به الفخر، وهو أن العلم يتبع المعلوم، وهذه الصفة التي بها التخصيص مستتبعا، لما فيه من الإجمال، فإن وجوه العلم المتعلقة بالأثر الحادث متعددة، فالعلم بوقوعه في الوقت المعين تابع لإرادة وقوعه في الوقت المعين، وتعلق العلم من هذا الوجه متأخرة في الرتبة، فلا يكون هو المخصص لوقوعه في ذلك الوقت كما زعم الكعب أنه يستغني بالعلم بوقوعه على التفصيل، وأما العلم بما يقصد الفاعل إلى إيجاده، وبالصفات التي تخصه فهو سابق على إرادة إيجابية سبقا ذاتيا وبعبارة أخرى العلم يتبع الشيء على ما هو عليه، فإنما يتعلق علمه (1/182)
صفحة 179
بالواقع في الوقت إذا أراد وقوعه في ذلك الوقت المعين، فلو كان تخصيص وقوعه بذلك الوقت لأنه علمه في الوقت له أو يعلم العلم بماهية ما يقصد إيقاعه وجه سابق على قصده مغاير لوجه العلم بوقوعه، فإنه مرتب على إرادة وقوعه فهما متغايران وجميع هذا الترتيب في التعلق، كتقدم الذات على اعتبار الصفات، وكتقدم الحياة على ما هي شرط فيه من الصفات كما ستقف عليه.
الرابع: أنه قد يخلق الله للعبد علما وإرادة لما خلق فيه مع الفعلين، وهما القدرة، والمقدور، وتارة لا يخلق له ذلك كناكت في الأرض ذاهلا، فإن نكتة في الأرض مقدور له، ولا قصد ولا شعور له، لأنه الذهول في العلم والإرادة وكذا المتقلب حال نوعه، فإن حركته مقدورة له غير مقصودة ولا معلومة، لأن النوم يضادهما فكما قد يخلق الله للعبد الفعل، ولم يخلق له القدرة، فقد يخلق له شعورا بالفعل كحركة المرتعش مع علمه بهما، وقد لا يخلق له كحركة المرتعش أيضا مع ذهوله عنها أو نومه والله أعلم.
المقصد السادس: إذا علمت ما أسلفناه من لزوم قدم العالم أو استمرار عدمه، على تقدير مون الصانع غير مريد وبطلانهما، أمكنك بالضرورة أن تعلم استحالة كون الصانع طبيعة أو علة موجبة، وقد عرفت فيما مر أن من يتأتى منه الفعل والترك يسمى مختارا ومن لا يتأتى منه الترك فغن لم يكن أن يمنعه مانع من الفعل يسمى علة، وإن أمكن يسمى طبيعة، وبيان لزوم أحد الأمرين، أنه إذا فرض أن صانع العالم طبيعة أو علة، فلا يخلو إما أن تكون الطبيعة أو العلة قديمتين، أو حادثتين، فإن كان الأول، لزم قدم العالم لأن فعل العلة أو الطبيعة إنما هو باللزوم (1/183)
صفحة 180
لا بالاختيار، وقدم الملزوم يوجب قدم لازمه وقد عرفت بالبرهان حدوث العالم، وإن كان الثاني، افتقرنا إلى علة أو طبيعة أخرى، فيلزم الدور أو التسلسل وكلاهما محال، فكونهما حادثتين، محال فوجود العالم الموقوف عليهما محال، والمحال مستمر العدم، فقد لزم استمرار العدم للعالم والعيان يكذب ذلك.
والحاصل، أن كلا اللازمين المذكورين من كون الطبيعة والعلة قديمتين أو حادثتين باطل، فالملزوم وهو كون الصانع أحدهما، باطل أيضا، فتعين، أن يكون فاعلا بالاختيار وهو المطلوب، ويلزم أيضا على تقدير العلة والطبيعة قديمتين وجود ما لا نهاية له، لأن نسبتهما إلى جميع الممكنات نسبة واحدة لا نهاية لها، فيلزم لها، فيلزم وجود جميعها دفعة واحدة وهو محال، وهذا المحال لازم أيضا على تقدير حدوثهما، ولا يختص لزومه بتقدير قدمهما، فإن قال الطبائعيون في الاعتراض على الدليل السابق، من لزوم قدم العالم، أو استمرار عدمه، تختار أن صانعه طبيعة وأنها قديمة، قولكم فيلزم قدم الحوادث، غير مسلم، لأن عدم المفارقة، إنما يلزم في العلة مع معلومها، لأن تلازمهما لا يتوقف على شيء، بخلاف ملازمة الطبيعة لمطبوعها، فإنها تتوقف على عدم الموانع ووجود الشرائط كما نقول مثلا: تأثير النار بطبعها على مذهبهم في احتراق الشيء يتوقف على وجود شرط وهو مسها لذلك المحترق، وانتفاء مانع وهو بدن ذلك المسوس مثلا، أما إذا وجد مانعها وانتفى شرطها فتوجد هي مع عدم مطبوعها، الذي هو الاحتراق، قالوا فإذا تقرر هذا فنقول، صانع هذه الحوادث طبيعية قديمة لكن تأخر مطبوعها، فلم يكن قديما لمانع من وجوده أزلا أو فوات شرطه، فلما انتفى المانع ووجد الشرط فيما لا يزال (1/184)
صفحة 181
وجدت الحوادث فلا يلزم على هذا قديمها ولا استمرار عدمها كما زعمتم، قلنا لهم: فإنا ننقل الكلام إلى ذلك المانع من وجود الحادث أو الشرط لها المتأخر وجوده.
فنقول، ذلك المانع من تأثير الطبيعة وجود الحوادث أزلا، لا يخلو إما أن تقدروه قديما أو حادثا، فإن كان حادثا، افتقر إلى محدث، والمحدث على أصلكم طبيعة قديمة، فيحتاجون إلى تقدير مانع آخر منع من وجود هذا المانع الحادث أزلا، والمانع من تأثير الطبيعة قد اخترتم أنه حادث، فيكون هذا المانع الثاني حادثا، ويفتقر أيضا في تأخير وجود عن طبيعته القديمة غلى تقدير مانع آخر حادث، ثم كذلك ويتسلسل فيلزم وجود حوادث لا أول لها وقد مر برهان استحالته.
وإن منعوا التسلسل، في الموانع الحوادث، وجعلوا لها مبدأ، لزم قدم حوادث العالم لقدم الطبيعة المؤثرة فيها عز المانع أزلا، وإن كان المانع من وجود المانع قديما لزم أن لا يوجد شيء من العالم، حتى ينعدم قديما لزم أن لا يوجد شيء من العالم، حتى ينعدم مانعه القديم لكن عدم القديم محال وقد سلف برهانه، فتوقف وجود العالم عليه محال.
وهكذا نقول في الشرط المتأخر وجوده عن الطبيعة، أنه حادث، فيفتقر إلى محدث، والمحدث على أصلهم طبيعة قديمة، فيحتاجون أيضا إلى تقدير مانع من وجود هذا أزلا، أو فوات شرط لم يوجد إلا فيما لا يزال وننقل الكلام إلى مانع الشرط، وإلى شرط الشرط ويلزم ما لزم أولا من التسلسل، إن قدرت الشروط أو الموانع حادثة، وعدم القديم إن قدر مانع الشرط قديما، وإنما خصصنا هذا الجواب بالطبيعة لعدم (1/185)
صفحة 182
تأتي تقدير المانع أو فوات الشرط في تأثير العلة، فالدليل السابق ناهض فيها ولا يتوهم عليه جواب، وإذا عرفت هذا، عرفت أن ما تذكره الأطباء والطبايعيون من تركيب امتزاج العناصر وتحليلها لا تأثير له في وجود شيء ولا في فساده، ولا أن باعتدال الطبائع تكون صحة الجسم، ولا أن بغلية بعضها على بعض تكون الأمراض كما يزعمون، بل لو كان الجسم بسيطا لم يتركب إلا من نوع واحد يقبل الكون والفساد، وعند تركيبه من أنواع واختياره تعالى خلق شيء عند خلقه شيئا لا يدل على أن لأحد مخلوقية أثرا في مخلوقه الآخر لا باختيار ولا بغيره، بل وجوده وعدمه فيما يتعلق بالتأثير سواء.
قال السنوسي، ولقد ضل ابن سينا وكذب وسلك منهج الطبايعيين مع ادعائه الإسلام، وتستره بظاهره في الدنيا حيث يقول في رسالته الطبيعية:
صحيح ... بها ... بقراط ... وقول
ريح ... وتراب ... ونار ... ماء
*2*
الجسما ... بأن ... ذا ... في ... وليله
أغما ... إليها ... أعاد ... أتو ... إذ
*2*
واحدا ... منها ... الجسم ... يكن ... ولم
فاسدا ... جسما ... بالآلام ... تر ... لام
*1*
لأنا نقول: بناء الملازمة فيها على العادة فاللازم عنده عادي لا عقلي فلا يضل بهذا، لأنا نقول، لم تتقرر عنده عادة بجسم حيوان بسيط لم (1/186)
صفحة 183
يلحقه فساد حتى يثني الملازمة عليها، فتعين أن اللزوم عنده عقلي فجاء القول بالطبيعة، ونفى اختيار الصانع تعالى إلى أن يقول: العادة في الأجسام الجامدة غير النامية كالتراب والحجر والماء، بخلاف الناميات كالحيوانات والنباتات، فإنها، لما تركبت، دخلها الانحلال والفساد، ولهذا كان بعضهم يبحث مع مضله بهذه الأبيات ويقول: الملازمة عادية.
تنبيهات.
الأول: أن قولنا ويلزم ما لزم أولا من التسلسل إن قدرت الشروط والموانع حادث، بيان أن التسلسل اللازم في المانع هو من باب حوادث لا أول لها، إذ الموانع على ذلك التقدير مرتبة في الماضي إلى غير نهاية، لأنه حينئذ يكون وجود كل حادث منها مسبوقا بارتفاع حادث آخر منها إلى نهاية، والتسلسل اللازم في الشروط، وهو من باب دخول ما لا نهاية له في الوجود دفعة واحدة، فهي شروط لا نهاية لها مجتمعة كلها في آن واحد، لأنه يلزم احتياج كل شرط منها إلى شرط مقارن له إلى غير نهاية، وهذا خلاف ما يلزم في تقدير الموانع الحادثة، فإن اللازم فيها حوادث متعاقبة لا أول لها، وليست تجتمع في آن واحد كما لزم ذاك في تقدير الشروط الحادثة.
الثاني: اعلم أن امتزاج العناصر لا أثر له في حصول الأنواع المختلفة، والأشخاص المتباينة، فإن الامتزاج الموجب لحصول تلك الأنواع والأشخاص إذا حصل في العناصر لا يخلو، إما أن يبقى كل عنصر على ما كان عليه أو لا، فإن لم يبق فما الموجب لانتفاء صورته التي كان عليها، وتماس الأجسام لا يوجب نفي ما فيها من المعاني لعدم (1/187)
صفحة 184
التضاد والتنافي مع تعدد المحال، فإنه إذا اتحد محلها، لزم تداخل الأجرام وهو محال، إذ لو جاز ذلك لجاز وجود جملة العلم في حيز خردلة، وإن بقيت صورتها وجب بقاء الأمرين فيها على ما كان قبل الامتزاج فإن قالوا: الماء الحار إذا لاقى الماء البارد مثلا اكتسب الحار من صورة البارد، وبالعكس فتحصل كيفية ثالثة، وهي كونه فاترا، قلنا: تأثير إحدى الكيفيتين في الأخرى إن كان في زمان واحد لزم أن يجامع وجود كل واحد منهما عدمه، ضرورة أن المؤثر لا بد له أن يكون حاصلا حال حصوله أثره، فكيف كل واحد منهما من حيث كونه مؤثرا موجود؟ ومن حيث كونه أثرا معدوم؟ وإن كان على التعاقب وجب وجود الأول، حال عدمه لتحقق إعدامه الثاني وهو محال اتفاقا، كذا قال بعضهم ثم قال غيره عقبه، ولو فرض وجود الأول بعد عدمه، وأنه أعدم الثاني، لزم أيضا أن يوجد الثاني بعد عدمه ليعدم الأول، ويتسلسل فلا تحصل الكيفية الثالثة أبدا.
ومما يبطل مذهب الحكماء القائلين بالتعليل النافين عن الصانع الاختيار والإرادة، أن يقال لهم: ما بال الأفلاك وقفت على عدد مخصوص، ولم تكن أكثر منه ولا أقل، ولم كانت تلك المقادير المخصوصة ولم تكن أكبر منها ولا أصغر، وما بال الأعلى منها يتحرك حركة واحدة من المشرق إلى المغرب، وباقي الأفلاك تتحرك حركتين إحداهما الحركة اليومية من المشرق للمغرب، والأخرى حركتها في البروج من المغرب إلى المشرق، وما بال الحركات كلها اختصت بما بين المشرق والمغرب، ولم تكن فيما بين الجنوب والشمال مثلا، ولم اختص كل من السبعة السيارة بفلكه المخصوص مع جواز أن يكون في غيره، ولم اختصت سائر الكواكب الثابتة (1/188)
صفحة 185
في الفلك الثامن ولم تكن في غيره، ولم كان الفلك التاسع أطلس من الكواكب، ولم كان بعضها أكبر من بعض، ولم كان بعضها يلي القطب الشمالي وبعضها يلي القطب الجنوبي وبعضها على سمة الرؤوس وبعضها ما يلاعنه، ولا موجب للتخصيص بجميع ما ذكر على أصلكم، وهل مذهبكم في إسناد ذلك إلى غير الفاعل المختار الذي يخص ما شاء منها بما شاء، ألا تلاعب لا يرضى بقوله غلا مسلوب العقل، والإيمان.
ومن لم ينفعه الله بشيء مما تعب في تعلمه، فصار بهذا يهذوا هذيان المجانين والصبيان غير المميزين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم اعصمنا بعونك من كل زلة في ديننا ودنيانا وآخرتنا ومن كل آفة في ذلك، وانفعنا بما تعبنا فيه برحمتك يا أرحم الراحمين، يا ذا الجلال والإكرام.
الثالث: إضافة العقل إلى غير الله سبحانه، ثلاثة أنواع:
أحدها: إضافته إلى الأفلاك وأنها هي المؤثرة في العالم السفلي كما مر، وهذا النوع يختص به الفلاسفة ومن تبعهم من عامتهم ولا خلاف في إشراكهم بذلك.
الثاني: ما أضيف من فعل بعض الحوادث إلى بعض منها، كإضافة الاحتراق إلى النار والإشباع للطعام والإرواء للماء، والستر للثوب، إلى غير ذلك من ربط المعقدات حتى ظنوها واجبة، فتلك كما قيل ضلالة أيضا تبع الحكماء فيها كثير من العامة بل ومن الفقهاء غير الراسخين، وهم في ذلك على اعتقادات فمن قال بطبعها تفعل ذلك فلا خلاف في إشراكه أيضا. (1/189)
صفحة 186
الثالث: من قال بقوة أودعها الله فيها فبعض الأشاعرة شركة بذلك وهو اعتقاد المعتزلة في خلق أفعالهم، والصحيح أنهم به منافقون، ومن قال إن الأكل مثلا دليل عقلي على الشبع دون أن يكون معتادا كان جاهلا بمعنى الدلالة العقلية، ومن علم أن الله سبحانه وتعالى ربط في بعض أفعاله ببعض يجري عادته، فكما فعل الطعام مثلا يشبع باختياره وقدرته ولو شاء لخرق تلك العادة، ولجعله لا يشبع مثلا، وكذا في الارواء بالماء والستر بالثوب والذبح بالسكين، أو يقول مثلا إن الله سبحانه أجرى عاداته بحصول الشبع عند الأكل لا به، والستر عند الثوب لا به في أمثالها، ولو شاء ما حصل ذلك عند ما كان من المؤمنين السالمين من تلك الآفة بفضل الله سبحانه.
المقصد السابع: يجب أن يكون الله سبحانه وتعالى عالما بكل شيء جزئي وكلي ممكن أو واجب، فهو أعم من القدرة من وجه، كما ستعرفه، لا نهاية تختص بالممكن دون الواجب، وإنما قلنا بأنه عالم بكل شيء لأن الموجب للعلم ذاته العلية المقتضي للمعلومية ذوات المعلومات ومفهوماتها، ولنسبة الذوات إليه سوائر فإذا كان عالما ببعضها كان عالما بكلها، والمخالف في هذا الأصل أيضا فرق.
والأولى من قال من الحكماء أنه لا يعلم نفسه لأن العلم والنسبة لا تكون إلا بين شيئين متغايرين، هما طرفاها بالضرورة ونسبة الشيء إلى نفسه محال إذ لا تغاير هناك، قلنا: لا نسلم أن الشيء لا ينتسب إلى نفسه نسبة علمية فإن التغاير الاعتباري كاف لنحو هذه النسبة وكيف (1/190)
صفحة 187
لا يكون كذلك، وأحدنا يعلم نفسه مع عدم المتغاير بالذات، فإن قلت: من أين ثبت ذلك التغاير الاعتباري المصحح للنسبة، قلت: من حيث أن ذات الشيء باعتبار صلاحيتها للمعلومية مغايرة لها باعتبار صلاحيتها للعالمية في الجملة، وهذا القدر من التغاير كاف.
الثانية: من قال من قدماء الفلاسفة أنه لا يعلم شيئا أصلا، وإلا لعلم نفسه وهو باطل ثبت في دليل الفرقة الأولى، والجواب ما مر في إبطال دليل كونه غير عالم بنفسه.
الثالثة: من قال: أنه تعالى لا يعلم غيره مع كونه عالم بذاته، وذلك لأن العلم بالشيء غير العلم بغيره، وإلا فمن علم شيئا علم جميع الأشياء، لأن العلم به حينئذ غير العلم بها وهو باطل وإذا كان العلم بشيء مغايرا للعلم بشيء آخر يكون له تعالى بحسب كل معلوم على حدة، فيكون في ذاته تعالى كثيرة متحققة غير متناهية، هي العلم بالمعلومات التي لا تتناهى وذلك محال.
والجواب: إنما ذكرتم من كثرة العلم كثرة في الإضافات والتعلقات، وذلك لأن لا نسلم تعدد العلم بتعدد المعلومات، بل العلم واحد تتعدد تعلقاته بحسب معلوماته، وتكثر الإضافات والتعلقات، لا يضر لأنها أمور اعتبارية لا موجودة.
الرابعة: من قال أنه لا يعلم غير المتناهي، إذ المعلوم متميز من غيره، وغير المتناهي غير متميز من غيره بوجه من الوجوه، وإلا لكان له حد وطرف به يمتاز وينفصل عن الغير وإذا كان له طرف فهو متناه (1/191)
صفحة 188
هف قلنا: لا نسلم أن المعلوم المتميز يجب أن يكون له نهاية وحد به يمتاز عن غيره، وإنما يكون كذلك أن لو كان تعلقه بتميزه وانفصاله عن غيره بالحد والنهاية، وأنه ممنوع لأن وجوه التميز لا تنحصر في الحد.
الخامسة: من قال وهو جمهور الحكماء لا يعلم الجزئيات، وإلا فإذا علم مثلا أن زيدا في الدار الآن ثم خرج زيد منها، فإما أن يزول ذلك العلم ويعلم أنه ليس في الدار أو يبقى ذلك العلم بحاله، والأول بوجوب التغير في ذاته من صفة إلى أخرى، والثاني يوجب الجهل وكلاهما نقص يجب تنزيهه تعالى عنه، قلنا: لا نسلم لزوم التغير في ذاته بل إنما هو في الإضافات والتعلقات كما مر، وأيضا فإن العلم بأنه وجد الشيء بأنه سيوجد واحد، فإن من علم أن زيدا سيدخل البلد غدا، فإنه يعلم حصول الغد بهذا العلم أنه دخل البلد الآن، إذا كان علمه مستمرا بلا غفلة مزيلة له وإنما يحتاج إلى علم آخر لطريان الغفلة عن الأول، والبارئ سبحانه منزه عنها، فإن كان علمه بأنه وجد عين علمه بأنه سيوجد، فلا يلزم من تغير المعلوم من عدم إلى وجود تغير في علمه تعالى، وهذا مأخوذ من قول الحكماء، إن علمه ليس زمانيا فلا يكون حاليا وماضيا ومستقبلا، وقد اعترض عليه بما ستعلمه.
السادسة: من قال: لا يعلم الجميع بمعنى سلب الكل لا السلب الكلي، إذا لو علم كل شيء لكان إذا علم شيئا علم علمه به أيضا، لأن هذا العلم شيء من الأشياء، وكذا علم بعلمه لأنه شيء فيلزم التسلسل في المعلوم، قلنا: بل هو في الإضافات وأنه غير ممتنع. (1/192)
صفحة 189
المقصد الثامن: إنا نستدل على كونه تعالى عالما، بأنه لو لم يكن عالم لم تكن أنت في ذاتك متصفا بما أنت عليه ممن غاية الأحكام والإتقان ودقائق المحاسن التي لا تنحصر، وبيان الملازمة أنه معلوم بالبديهة أنه لا يحكم الفعل ويبرزه في غاية الكمال وفيما لا يحاط به من أنواع المحاسن، إلا من عالم حكيم غاية الحكمة، وأما الاستثنائية فمعلومة بضرورة المشاهدة ولا يخفى أن عجائب مصنوعاته تعالى مما لا يحيط بها وصف واصف، ومن جوز صدور تلك العجائب مع كثرتها وخروجها عن حد الحصر من جاهل على سبيل الاتفاق كان معاندا للحق جاحدا للضرورة وسقطت مناظرته لخروجه من حيز العقلاء، وقول من قال أنه قد يقع الفعل المحكم من جاهل مرة على سبيل الاتفاق، ولا يدل، فكذلك يجب أن لا يدل إذا وقع مرات، هو نظير قول القائل إذا لم يفد خبر الواحد العلم فلا يفيد خبر الجماعة، وإذا لم يرو قليل الماء فلا يروي كثيره، وإذا لم تنتج المقدمة الواحدة فلا تنتج المقدمتان، والتسوية في ذلك خلاف الحس والعادة والعقل، فإن قيل: ينتقض هذا الدليل بما يتخذه النحل بغير آلة من البيوت المحكمة المسدسة التي لا يعرف وضع مثلها إلا المهندسون، واختارت خصوصية هذا الشكل لجمعه بين مصلحتين هما قريبة من شكل الدائرة القريبة من شكل النحلة، ولا من معه من فرج تبقى الأشكال ضائعة لغير فائدة، ومعرفة كون الجمع بين هاتين المصلحتين خاصا بهذا الشكل المسدس، مما لا يستخرجه إلا الأذكياء المهندسون بعد سبر اختيار وبحث عظيم، ومعلوم أن النحل من الحيوان غير العاقل، وقد صدر من فعلها ما صدر فكيف يصح مع هذا أن يستدل بأحكام الفعل واشتماله على دقائق الصنع على علم صانعة. (1/193)
صفحة 190
فالجواب: أنك قد عرفت أنا نعتقد أن الله تعالى منفرد بخلق كل شيء، لا تأثير لغيره في شيء أصلا، وأن الأفعال التي يتصف بها العقلاء وغيرهم كلها مضافة إلى الله سبحانه، خلقا واختراعا، وإن كان بعضها ينسب إلى بعض من يتصف بها كسبا من غير تأثير البتة، وسيأتي تفسير معنى الكسب، فليس في الوجود عندنا إلا الله سبحانه وأفعاله، فالشكل المسدس الذي اتخذته النحل إذن ليس لها فيه تأثير أصلا بل و لا كسب من غير تأثير لما سيأتي في إبطال التولد من امتناع تعلق القدرة الحادثة بغير محلها، وإنما وقوع ذلك الشكل بمجرد خلق الله تعالى واختراعه، وألهم النحل لاتخاذها مسكنا، كما آلهم سائر الحيوانات لمصالحها، فسبحان الذي خلق كل شيء ثم هدى، فهو من جملة ما يدل على عظيم علمه سبحانه، ولو سلمنا أنه من فعلها فلا نسلم أنها غير عالمة به حينئذ بل خرقت في حقها العادة وألهمت علم ذلك، وخلق لها كما خلق للنملة علم سليمان عليه السلام وبجنوده حتى قالت: {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ} 20الآية ثم تعلم دقائق العلوم وخلقها، لمن ليس أهلا لمطلق العلم، فكيف بدقائقه من أول دليل على شرف علمه سبحانه وباهر قدرته ونفوذ إرادته، وانقياد جميع الممكنات لمشيئته تعالى.
وبالجملة فالاستدلال على كونه سبحانه عالما يصح بوجهين الأحكام كما تقدم، وهو أوضح والاختيار ووجه الاستدلال به أن الله تعالى فاعل بالاختيار، والفاعل بالاختيار لابد وأن يكون قاصدا إلى ما يفعله، والقصر إلى الشيء مع الجهل به محال ولا يتصور القصد من الله تعالى إلا مع العلم بالمقصود، وإن كان يتصور من الحادث مع العقد والظن والوهم، فلا يتصور من الله تعالى بناء على الاحتمال وقوع ذلك، على خلاف ما هو عليه وهو نقص يتعالى الله عنه فتعين أن يكون عالما. (1/194)
صفحة 191
ولما كانت الماهيات المطلقات لا يمكن دخولها في الوجود إلا مع تخصيصها بزمان ومحل وكيفية ووضع ومقدار، وكل وجه وجدت عليه أمكن في العقل وقوعها على خلافه أو مثله، ولا يتخصص إلا بالقصر إليه وجب أن يكون عالما بها من كل وجه، وذلك أول دليل على أنه تعالى عالم بالجزئيات أيضا كما تقدم.
تنبيهات: الأول: أن قولنا والتسوية في ذلك خلاف الحسن والعادة والعقل مرجح العقل فيه إلى الإنتاج، فإن اقتضاء المقدمتين للنتيجة بالعقل، ومرجح الحس والعادة إلى عدم إفادة التواتر العلم وعدم إرواء كثير الماء فإن ذلك خلاف الحس، والعادة إذ يجد الإنسان من نفسه الري من كثير الماء، وجرت العادة بأنه يروي وكذا إفادة خبر التواتر العلم يتعين بالعادة، ولا يقضي بها العقل، ويجد من نفسه العلم عند خبر التواتر، ويصح رجوع الثلاثة إلى الإنتاج، لأنه قد جرت العادة في المقدمتين بالإنتاج، وقد قيل: الربط عادي ويجد من نفسه العلم بالنتيجة عند علمه بالمقدمتين، وقد يقال: لا يليق بالإنتاج إلا العقل، ولا بالتواتر إلا العادة، والإرواء يكون بالعادة وبالحس الذي هو الوجدان وهو ظاهر.
الثاني: صحح بعضهم الاستدلال على كونه تعالى عالما بنفس الفعل، محكما كان أو غير محكم، فإن الفعل الواحد والمركب المنتج، أي الغير المحكم لا بد أن يكون مخصوصا بحيز دون حيز، وبمكان دون مكان إن كان جوهرا أو بمحل دون محل إن كان عرضا، والاختصاص يدل على القصد، وهو يدل على العلم إذ يستحيل القصد إلى شيء مع عدم العلم به. (1/195)
صفحة 192
الثالث: أن الإتقان في كل شيء بحسب ما أراد الله تعالى منه فيختلف باختلاف الشيء، فالدني باعتبار دنوه والعلي باعتبار علوه، والمتوسط باعتبار توسطه، فمعنى الإتقان إذا: جريان الفعل على وفق الإرادة والعلم، كان ذلك الفعل في نفسه قويا أو ضعيفا، ناقصا أو كاملا أو ضيعا أو رفيعا، وكل ذلك حادث فلا يكون فيه خلل باعتباره ما أريد به، ولا تتبدل عين ذلك، وإلا لبطل الإتقان، كما لو أراد صانع أن يصنع ثوبا دنيا أن يلبسه لمن يليق به مثلا، فغلبه الحال وخرج ذلك الثوب غالبا على خلاف مراده لنسب إلى الخطا، بوجود إتقان الصنعة والعلم بها، وبهذا يكون الأعمى، والأعور، والناقص الأعضاء، أو بعضها، والكافر، والفاسق متفقين، نظرا لما أريد منهم.
الرابع: إنما قلنا دلالة الأحكام أوضح، لأنه يدل على العلم بالضرورة والاختيار، يدل عليه بالنظر كذا قال بعضهم، وقيل كل منهما يدل على العلم بالضرورة، وزعم السعد، أن المحققين من المتكلمين، على أن طرقة القدرة والاختيار أكثر وأوثق من طريقة الأحكام والإتقان، قال، لأن عليها سؤالا صعبا، وهو أنه لم يجوز أن يوجد البارئ تعالى موجودا تنسب إليه تلك الأفعال المحكمة، ويكون له العلم والقدرة، ودفعه بأن إيجاد مثل ذلك الموجود وإيجاد العلم والقدرة فيه، فيكون أيضا فعلا محكما بلا حكم فيكون فاعله عالما لا يتم إلا ببيان، إنه قادر مختار إذ الإيجاد بالذات من غير قصد لا يدل على العلم، فترجع طريقة الإتقان إلى طريقة القدرة وهي كافية في إتيان المطلوب ولا يخفى ضعف السؤال، كما قال بعضهم، وأنه لا صعوبة فيه على أصول المتكلمين لمن أتقن ما أسلفناه. (1/196)
صفحة 193
الخامس: أن قولنا: ولما كانت الماهيات .. إلخ. معناه كقولنا، لا يوجد النوع إلا في فرد من أفراده ولابد في الفرد أن يتخصص بما ذكروا وإذا كان لا بد من تخصيصه بتلك الأمور كمها فيكون عالما بها إذ القصد، دليل العلم فيكون عالما بالشيء من جميع وجوهه، لا كما تقوله الفلاسفة من أنه يعلم الكليات فقط، أو يعلم حقيقة الإنسان والبياض أيضا من حيث هي هي لا أشخاص الإنسان، وأشخاص البياض، بناء على أن اللون عرض لقولهم أنه تتغير فيلزم أن يتغير علمه تعالى بتغيرها، وقد عرفت أنه غير لازم على أن دليلهم هذا لا يتناول ما لا يتغير من الجزئيات كذاته تعالى اتفاقا، وذوات العقول في زعمهم الفاسد.
ولهذا أشار الفخر، إلى تخصيص الحكم بالمتغيرات زاد غيره ولأن المعنى بالعلم بالجزء انطباع صورته وشجه في النفس والصورة مركبة، ولا ينطبع المركب إلا في المركب والمراد بذاته، غير مركب، وقولهم: أنه عالم بالكليات لا غير، وإن اختلفت عباراتهم في التعبير عنه يرجع إلى أنه يعلم ذاته التي هي مبدأ لجميع الممكنات، فعلمه بها من هذا الوجه يكون علما بجميع الممكنات لا أن الممكنات بخصوصيتها معلومة له، وفسروا معنى قوله: كونه عالما بذاته بأن ذاته غير محجوبة عنه لأن الحجاب هو المادة وعلائقها ولا مادة لذاته تعالى عن ذلك.
وبعبارة أخرى، وإذا حرفوا على ما أرادوا بكونه عالما، قالوا، نريد أنه عاقل وعقليته إشارة إلى تجريده عن المادة، فيئول الكلام إلى تقليب سلب المادة بالعلم تلبيسا على أهل الإسلام بهذا اللفظ، كي لا تتزوج به المقالة على الضعفاء، والمراد بالفلاسفة هنا فلاسفة الإسلام (1/197)
صفحة 194
الحامين لدمائهم بإظهار الإسلام كمن ذكرنا أولا، وكالباطنية على ما ستراه، وهم الذين أطلقوا أن الله عالم بالكليات لا غيره.
وأما قدماء الفلاسفة، فقد ذهبوا إلى أنه غير عالم كما سبق، لأنه عندهم موجب فلا يحتاج إلى شعوره بتأثيره قاقتضاء ذات الشمس الإضاءة عند من يعتقد أن ذاتها علة لذلك لا يحتاج إلى شعورها بأثرها، وقد أسلفنا أن قول متأخريهم إليه يرجع وأنهم ملبسون بإطلاق أنه عالم.
وقد اختلف الفلاسفة في صفة العلم، فمنهم من أطلق نفي العلم، ومنهم من قال، لا يعلم إلا ذاته، وأراد أنه يعلم أنه مبدأ وعلمه ذلك هو الموجب لحصول ما يصدر عنه، ومنهم من يقول، يعلم الكليات وأراد به ما قررناه، ومنهم من يقول، يعلم الجزئيات أيضا وأراد أنه يعلم الكليات قصدا، والجزئيات ضمنا، أي يعلم ذاته مبدءا، وما يصدر عنه إلا أن ذلك على وجه الاستتتباع واللزوم، وغنما أعدت ذكر هذا مع أنه تقدم لاشتماله على زيادة لم تتقدم، وليتلقوا بالتمرين على اكتساب القوة لمناظرتهم بعباراتهم.
قال ابن سينا: الرب تعالى عالم بالموجودات لكن علمه بها علم لزومي عن علمه بذاته غير مفصل للصور، فإنه يعلم ذاته على ما هو عليه وهو مبدأ للموجودات بأسرها فيدخل علمه بالموجودات، تحت علمه بذاته من غير أن ترتيب للموجودات صور في ذاته حتى يلزم منه كثرة، فإن العلم بلوازم الشيء إذا لم يكن متوجها نحو تلك اللوازم قصدا، بل حاصلا من العلم بملزومها لم يكن زائدا عليها، وهذه أقوالهم، وأن جميعهم نافون للعلم معطلون، ومن يصفه منهم بأنه عالم فإنه ملبس (1/198)
صفحة 195
باطلاقه عليه يفسره بما ليس يعلم، فإنه عنده مرادف لتسميته عاقلا، ومعنى كونه عاقلا، تجرده عن المادة ولو أحقها بمعنى أنه ليس بجسم ولا حالا فيه، ومعلوم أن هذا المفهوم السلبي ليس علما، وهم مساعدون على وصفه وتعالى بهذا التقديس، ومطالبون بإثبات الأحكام والاختيار في أثاره وأشركوا بثلاث مقالات فيه.
الأولى: إثبات الوسائط الروحانية التي هي العقول العشرة الموجبة كما مر، وهي مقالة مبنية على نفى الاختيار كما عرفت.
والثانية: إثبات المعاد الروحاني دون الجسماني، كما سيأتي وذلك قولهم ببقاء الأرواح منعمة بلحوقها بالمفارقات أو معذبة، بأنها بعد الموت بعظم شوقها إلى الجسمانيات ليس لها قدرة على الفوز بها والإلف بعالم المفارقات، فتبقى تلك النفوس كمن نقل عن مجاورة محبوبة إلى موضع ظلماني شديد الظلمة.
والثالثة: أن النبوة مكتسبة، وذلك قولهم أن النفوس الناطقة كالوالد للروح من تلك الأرواح السماوية التي هي العقول العشرة الموجبة عندهم، وذلك هو الذي يتولى إصلاح تلك النفوس تارة بالمناجاة وتارة بالإلهام وتارة بطريق النفث في الروع، وهذا إشارة إلى أن تلك العقول هي الملائكة ولا معنى للنبوة، قالوا، إلا وصولها إلى غاية يتلقى عنها تلك الأنوار القدسية، وهم يزعمون أن ذلك مما يقدر الإنسان على اكتسابه، فهذه المسائل قيل شرك محض لا تقبل التأويل بوجه، وقيل الثلاثة التي أشركوا أنها هي القول بقدوم العالم، ونفي المعاد الجسماني ونفي العلم بالجزئيات. (1/199)
صفحة 196
قلت: وهذه الثلاثة أظهر من الأولى، كما لا يخفى وأنه لا يعد في أن يشركوا بالكل فإن كل مقالة منها توحيه كما سيتضح لك، وقد أسلفنا إبطال الإيجاد وأوضحنا أنه تعالى فاعل بالاختيار، وبقي لنا أن نبين أن النبوة ترجع إلى اصطفاء الله تعالى لعبده بالوحي في محله، وأن نقيم الأولة على إثبات المعاد الجسماني، ثم لا يبقى لمقالاتهم أصل والله الموفق للصواب.
المقصد التاسع: إذا عرفت ما أسلفناه من الاستدلال على إثبات علم الله تعالى إجمالا، فلا علينا أن نشير إلى بعض مما يدل عليه تفصيلا، فنقول: اعلم أن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان وهو العالم الصغير، وجعله أعدل المركبات وأقوم الناميات، وأدرج فيه عجائب ما في الخلق من الملك والملكوت، وفضله على جميع مشاركته في جنس قريب أو بعيد أو وجود، لاجتماع العقل والشهوة فيه، فإن جسده مركب من أصول أربعة الأرض، والماء، والهواء، والنار، ثم تفصلت هذه الأربعة إلى العظم، والمخ، والعصب، والعروق، والدم، واللحم، والجلد، والظفر، والشعر، وصنع كل واحد منها لحكمة، لولاها لم يستقم جسده بحسب عادة الله تعالى.
فالعظام منها هي عمود الجسد، فضم بعضها إلى بعض بمفاصل وأقفال من العضلات والعصب، وبطن بها، ولم تجعل عظما واحدا، لأنه لو كان كذلك يكون مثل الحجر والخشبة، لا يتحرك ولا يجلس ولا يقوم ولا يركع ولا يسجد لخالقه، وجعل العصب على قدر مخصوص، ولو كان أقوى مما هو عليه لم تصح حركة الجسم عادة، ولا تصرفه في منافعه، ثم خلق المخ في العظام في غاية (1/200)
صفحة 197
الرطوبة ليرطب فيه يبس العظام وشدتها، ولتقوى العظام برطوبته، ولولا ذلك لضعفت قوتها وانخرم نظام الجسد لضعفها بحسب مجرى العادة، ثم خلق الحم وكساه على العظام وسد به خلل الجسد كلها فصار متسويا لحمة واحدة، واعتدلت هيئة الجسد به واستوت.
ثم خلق العروق في جميع الجسد جداول لجريان الغذاء فيها إلى أركان الجسد، لكل موضع منه عددا معلوما من العروق، صغارا وكبارا، ليأخذ كل من الصغير والكبير حاجته من الغذاء، ولو كانت أكثر مما هي عليه أو أنقص، أو على غير ما هي عليه من الترتيب، ما صح من الترتيب، ما صح من الجسد، بحسب العادة شيء، ثم أجرى الدم في العروق سيالا لا خائرا، ولو كان يابسا أو أكثف مما هو عليه لم يجر في العروق، ولو كان ألطف مما هو عليه لم تتغذ به الأعضاء، ثم كسا اللحم بالجلد، ليستره كله كالوعاء له، ولولا ذلك لكان قشرا أحمر، وفي ذلك هلاكه عادة ثم كساه الشعر وقاية للجلد وزينة في بعض المواضع، ومالم يكن فيه شعر جعل له اللباس عوضا منه، وجعل أصوله مغروزة في اللحم ليتم الانتفاع ببقائه، ولين أصوله، ولم يجعلها يابسة مثل رؤوس الإبر، إذ لو كانت كذلك لم يهنه عيش وجعل الحواجب والأشقار، وقاية للعينين، ولولا ذلك لأهلكها الغبار، والسقط وجعلها على وجهه يتمكن معه بسهولة، من رفعها عن الناظر عن قصد النظر، ومن إرخائها على جميع العين عند إرادة إمساك النظر إلى ما تؤدي رؤيته، دنيا أو دينا، ولم يجعل شعرها طبقا واحدا لينظر من خلالها.
ثم خلق الشفتين ينطبقان على الفم، ويصونان الحلق والفم من (1/201)
صفحة 198
الرياح والغبار وينفتحان بسهولة، عند الحاجة إلى الانفتاح ولما فيهما أيضا من الكمال الزينة، وغيرها.
ثم خلق بعدهما الأسنان ليتمكن من قطع مأكوله ومن طحنه، وجعل اللسان آلة يجمع بها ما تفرق من المأكول في أرجاء الفم، ليتمكن تسهيله والابتلاع كطحن الرحا.
وخلق فيه معنى الذوق كما مر لكل مأكول ومشروب، ولم يخلق له الأسنان في أول الخلقة لئلا يضر بأمه في حال رضاعه بالعض ولأنه لا يحتاج إليها حينئذ لضعفه عما كثف من الأغذية التي تفتقر إلى الأسنان، فلما ترعرع وصلح للغذاء، خلق له الأسنان وجعلها نوعين، بعضها محدودة الأطراف وهي التي يقطع بها المأكول، وبعضها منبسطة وهي التي للطحن، فسبحانه ما أكثر عجائب صنعه.
وأوسع الآيات الدالة على باهر قدرته وكمال علمه ولكنا لا نبصر شيئا لا بعونه وتوفيقه، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ثم لما كان المأكول شديدا كثيفا ولم يكن ليجري في الفم إلى الحلق، وهو كذلك على نفسه أنبع الله سبحانه في الفم عينا ينبعه على الدوام، وأحلى من كل حلو وأعذب من كل عذب، فيحرك اللسان الغذاء ويمزج بذلك الماء فيصير زلقا ينحدر في الحلق بغير صعوبة، ولهذا إذا أعدم الله تلك العين يخلق جفوفا من المرض لم يمض على الخلق شيء، وإن مضى فبمشقة عظيمة، ومن عجائب هذه العين، أنها مع عدم انقطاعها لم يمكن ماؤها يملا الفم في كل وقت حتى يتكلف الإنسان موتة عظيمة، في (1/202)
صفحة 199
طرح ذلك عنه بل جرت على وجه لا يتعدى فيه وجه منفعتها، فتبارك الله أحسن الخالقين.
ثم أضفا خلق اليدين والرجلين لتشتد بها أطرافها، ولكثرة حركتها والتصرف بها في الأمور ليحك بها وينتفع في موضع الحاجة بها، وخلق الأصابع وجعلها مفرقة ذات مفاصل ليتمكن بذلك من قبضها وبسطها بحسب الحاجة، ولما كان الشعر والظفر مما يطول لما في طولهما من المصالح لبعض الناس في بعض الأحوال، لم يجعلها كسائر الأعضاء في تألم الإنسان بقطعها.
فانظر، إلى دقائق هذا الصيغ الجليل، وحسن معاملة المولى الرحيم لهذا العبد الكفور، ألا مكن عصمة الله باللطف الجميل، ثم هكذا كل عظم وعرق وقليل وكثير من الجسد على هذه الحكمة وأكثر، وقد لوحنا فيما سبق إلى طرف من ذلك ووشحنا مرج البحرين بأزيد من هذا وذلك، وهو مما يقضي به العجب عن مصنفه في بعض رسائله، ولم نثبته هنا قصدا للاختيار، والاكتفاء بذكرنا في كل من الكتابين بما هو ليس في الآخر مجموعا منهما ما يستبصر به الناظر فيهما.
ثم إذا تتبعت عجائب الملك في الأرضين كما مر بعض منه هنا، وسائر حيواناتها وأشجارها ونباتها، ثم عجائب الملك والملكوت في السموات وملائكتها وعرشها وكرسيها، كما يعلم بالوقوف على الشرح، وصدقت بعجائب الجنة وسكانها وأحوال النار وعظم زبانيتها، واختلاف أنواع العذاب لأهلها، اطلعت على ما تتحير فيه العقول وتدهش لسماعه القلوب، {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ (1/203)
صفحة 200
لَا يَعْلَمُونَ} 21هذا وجميع ما اطلع عليه البشر من ذلك في جنب ما غاب عنهم في ملك الله وملكوته شيء يسير، وما يعلم جنود ربك إلا هو سبحانه ما أعظم شأنه وأعز سلطانه.
المقصد العاشر: يجب أن يكون ربنا عز وجل حيا، وإلا لم يكن متصفا بتلك الكمالات السابقة من القدرة، والإرادة والعلم، وبيان الملازمة، أن تلك الصفات مشروطة عقلا، بكون المتصف بها حيا، فلو قدر عدمه لوجب عدمها لوجوب انتفاء المشروط عند انتفاء شرطه، لكن انتفاء تلك الكمالات المشروطة محال، والحياة صفة توجب لمن اتصف بها أن يكون فعالا وإنما قلنا: إن تلك الصفات بل وغيرها مما بأتي مشروطة بالحياة، لأنها ليس تحتها إلا الوجود الذي هو ليس بصفة على الصحيح، وإليه ذهب الأكثرون، ولأنها نظام الصفات على الأصح كما ستراه قريبا، ويجب أيضا أن يكون مولانا عز وعلا راضيا على المؤمنين، وإيمانهم ومحبا مواليا لكونه حيا، وإلا لكان متصفا بضد ذلك من كونه ساخطا عليهم ومبغضا لهم ومعاديا واللازم باطل، فيلزمه مثله.
وبيان الملازمة، أنه لا يصح ارتفاع اتصافه بكل من الضدين، لأنه يوجب كونه تعالى ناقصا ولأنه يكذبه السمع أيضا، ولأنه لا يصح اتصافه بكلا الضدين، مع اتحاد المتعلق لأن اجتماع الضدين على ذلك التقدير محال، وأما بطلان اللازم فلمخالفته الكتاب والسنة، والإجماع ولاستلزامه الاتصاف بالعبث وأنه منزه عنه، فإذا بطل اللازم المستلزم للمحال على تقديره، بطل ملزومه وهو أنه لا يكون راضيا محبا مواليا لمن ذكر، فيتحقق اتصافه بذلك، وبالعكس للكافرين بذلك الدليل، أعني (1/204)
صفحة 201
يكون متصفا بكونه ساخطا على الكافرين مبغضا لهم ومعاديا، إذ لو لم يكن كذلك لكان متصفا بالضد من ذلك، وأنه مخالف للعقل والنقل كما مر.
فإذا فهمت هذا، فاعلم أن المشيئة مرادفة للإرادة، والحب للرضا، اللذين هما مستلزمان للولاية وأن الأوليتين أعم مطلقا، لاجتماع الكل في إيمان أبي بكر رضي الله عنه مثلا، فإنه أراده وشاءه وأحبه وأرضيه، وانفراد الإرادة والمشيئة في كفر أبي لهب، فإنه شاءه تعالى وأراده وإلا لما وقع ولم يحبه ويرضه، قال تعالى: {فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} 22، {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} 23، بل أسخطه وأغضبه، وأن العلم أعم من القدرة من وجه على أصولنا، لاجتماعهما في الممكن الذي أوجد وسيوجد، وانفراد العم في الواجب سبحانه والقدرة في الممكن الذي لا يوجد أصلا إذ لا حقيقة له حتى يتعلق العلم بها وأنه أعم مطلقا من الإرادة لاجتماعهما في الممكن الذي وجد والذي سيوجد، وانفراد القدرة في الذي لا يوجد أصلا، إذ لو أراده لوجد ولو لم يتصف بالقدرة عليه لكان عاجزا عن بعض الممكنات وهو باطل.
فإن قلت: لم لم تقولوا أن العلم يتعلق به أيضا ضرورة أنه كمال لمولانا، فإن كثرة المعلومات توجب كمالا في العالم، مع أن غيركم قال، يتعلق به بل وبالمستحيل أيضا، قلت، وإنما قلنا بذلك لأن ما قالوا به لا يخلوا إما أن يروا أنه يتعلق به على وجه انكشاف حقيقته، وماهيته أو على وجه صحة الحكم عليه بأنه لا يوجد، أو بأنه مستحيل، فإن أرادوا به الأول، فباطل، لأن العلم هو ما يوجب انكشاف الشيء انكشافا تاما، بحيث لا يحتمل النقيض بوجه كما مر، ولا حقيقة في الخارج لما ذكر تستدعي ذلك الانكشاف وإن سلم اعتبار وجودها في الذهن، (1/205)
صفحة 202
فليس الكلام فيه وإن أرادوا به الثاني فمسلم وغير بعيد في هذا المقام لأنه أمر اعتباري لا ينكره أحد.
تنبيهات، الأول: اختلف في نظام الصفات، فقيل: العلم، وقيل: القدرة، وقيل: الحياة، كما مر، وإليه ذهب الإمام أبو يعقوب رحمه الله، وبيانه كما قال: أن الحي معناه: هو الفاعل وكل حي فاعل وكل فاعل حي، فقد اطرد وانعكس وهي لا تتعلق بشيء ولذلك قال بعضهم: أنها ليست بصفة، ويذهب بها إلى الذات كما نقول فيها، وفي غيرها كما ستعلمه، وأن الفاعل لما يريد يستلزم كونه راضيا ساخطا محبا مبغضا مواليا معاديا، وأن كونه كذلك يستلزم كونه عالما، وأن كونه عالما يستلزم كونه حيا، وأن كونه حيا يستلزم كونه موجودا، وليس كل موجود حيا.
ومن ثم قال الأكثرون، أن الوجود ليس بصفة، بل هو إثبات مخص، زفي هذا المقام مباحث ذكرناها في الشرح.
الثاني: أنه لما كان الرضا وما في معناه، هو الإرادة مع عدم الاعتراض، بمعنى أنه قد يريد الله سبحانه شيئا، ويعرض عليه ككفر أبي لهب مثلا، فإنه أراده وأعرض عليه إقامة الحجة عليه بأنه لم يرضه وأمره بالإيمان الذي لا يقدر أن يأتي به لعجزه عنه، باشتغاله بالكفر المانع له منه للالتزام، وقطع العذر مع ما في ذلك من الخفاء الموجب للحيرة المزالة بما يأتي، إن شاء الله. (1/206)
صفحة 203
وذهب المعتزلة، إلى أن الأمر يستلزمه الإرادة، بمعنى أن كل ما أمر الله به فقد أراده، وأن النهي يستلزم عدم الإرادة، فجعلوا إيمان الكافر مرادا لله تعالى لكونه مأمورا به وكفره غير مراد له لكونه منهيا، ونحن نعلم أن الشيء قد لا يكون مرادا ويؤمر به وقد يكون مرادا وينهى عنه لحكم ومصالح يحيط بها علم الله تعالى وأنه {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} 24 ألا ترى أن السيد إذا أراد أن يظهر عند الحاضرين عصيان عبده، يأمره بالشيء ولا يريده منه، وأنكروا إرادة الله تعالى الشرور والقبائح حتى أ، ه أراد من الكافر والفاسق إيمانه وطاعته، لا كفره ومعصيته زعما منهم أن إرادة القبيح قبيحة كخلقه وإيجاده، ونحن نمنع ذلك، بل القبيح كسبه القبيح، والاتصاف به، فعندهم يكون أكثر ما يقع من أفعال العباد على خلاف إرادته تعالى، فوقعوا بذلك فيما هو أشنع مما فروا منه، فإنه حكي عن عمرو بن عبيد صاحب واصل بن عطاء أنه قال: ما ألزمني أحد مثما ألزمني مجوسي، كان معنا في سفينة، إذ قلت له لم لا تسلم فقال: إن الله تعالى لم يرد إسلامي، ولو أراده لأسلمت، فقلت له: إن الله سبحانه أراد إسلامك ولكن الشياطين لا يتركونك، فقال المجوسي: فأنا أكون إذا مع الشرك الأغلب.
وكذا حكي أيضا عن القاضي عبد الجبار الهمداني أنه دخل على الصاحب بن عباد، وعنده أبو إسحاق الاسفراييني من الأشاعرة، فلما رآه عبد الجبار قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء فقال الأسفراييني على الفور: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء، قال عبد الجبار أفيريد ربنا أن يعص؟ قال الأسفراييني: أفيعص ربنا كرها (مغلوبا) فقال عبد الجبار: أرأيت إن منعني طريق الهدى وسلك بي طريق الردى، أحسن إلي أم أساء؟ (1/207)
صفحة 204
فقال الأسفراييني: إن منعك ما هو لك فقد أساء وإن منعك ما هو له فهو يفعل في ملكه ما يشاء.
ووقعت مثل هذه الحكاية للإمام أبي عبيدة رحمه الله، مع واصل بن عطاء، وذلك أنهما التقيا في الطواف بالبيت، فقال له واصل: أنت الذي تزعم أن الله يريد أن يعص؟ فأجابه الإمام أبو عبيدة وقال: أنت الذي تزعم أن الله يعصى مغلوبا؟ فقال واصل عند ذلك: بنيت لأبي عبيدة بنيانا أربعين سنة فهدمه، وهو واقف، وسيأتي لهذا فريد بيان في محله.
المقصد الحادي عشر: يجب أن يكون ربنا عز وعلا سميعا بصيرا متكلما، وإلا لاتصف لكونه حيا بأضداد ذلك من الصم، والعمى، والخرس، وهي آفات ونقص يجب تنزيهه عنها، لاحتياجه حينئذ لمن يكلمه كيف؟ وهو الغني على الإطلاق، المفتقر إليه جميع ما سواه، وبيان ذلك أن كل حي قابل لصفة فإنه لا يخلو منها إلا إلى مثلها، أو ضدها لما أسلفناه، ولما سنعيده من استحالة عرو القائل عن جنس المقبول، ودليل أن كل حي قابل للاتصاف بهذه الصفات أو بأضدادها كما مر في الرضا والسخط ونحوهما، امتناع اتصاف الموتى بها وصحة اتصاف الأحياء بها فالمصحح إذا لقبول هذه الصفات، أما الحياة، أو أمر يلازمها، وأياما كان يلزم عليه قبول اتصاف كل حي بها، فإذا لم يتصف الحي بكونه سميعا بصيرا متكلما، لزم أن يتصف بأضدادها، وهي كونه أصم أعمى أبكم، يعني أخرس لكن هذه الأضداد في حقه تعالى مستحيلة، لكونها آفات ونقائض، وهو منزه عنها عقلا ونقلا، لأن الناقص مفتقر على من يكمله، وذلك يستلزم حدوثه، والحدوث والافتقار، على واجب الوجود لذاته مستحيلا بالضرورة كما مر غير (1/208)
صفحة 205
مرة، ويلزم على تقدير تلك النقائص أن يكون المخلوق المتصف بالكمالات أكمل من الخالق، تعالى عن ذلك وهو مما لا يعقل.
وبعد هذا فالتحقيق كما قال بعضهم، وهو الاعتماد على الدليل السمعي، في هذه الثلاثة أن ذاته تعالى لا تعرف حتى يحكم في حقه بأنه يجب اتصافه بأضدادها عند عدمها، فإن الاعتماد على الدليل العقلي في ثبوت تلك الصفات من كونها كمالات يجب اتصافه بها، وإلا اتصف بأضدادها، فيكون ناقصا لفوات الكمال، وفواته نقص ضعيف لأنه إنما ثبت لتلك الصفات: الكمال في الشاهد، ولا يلزم من كون الشيء كمالا في الشاهد كونه كمالا في الغائب، ألا ترى أن اللذة والألم في الشاهد كمال لأنه لا يتكيف بهما من الأحياء، إلا من لم تقم به آفة تفسد حسه، وهما ممتنعان في حق الله تعالى، لأنهما من عوارض الأجسام، وإنما يعرض من صفاته تعالى بالعقل ما دلت عليه أفعاله، فإن لم يدل العقل التجئ إلى السمع، فإن لم يرو وجوب الوقوف ولا شك أن السمع وارد في الثلاثة.
أما دليل الاتصاف بكونه سميعا بصيرا، فكثير من الكتاب والسنة والإجماع.
وأما دليل كونه متكلما، فإجماع الأنبياء والرسل وإجماع المسلمين أيضا وإن اختلفوا في تفسير الكلام كما ستراه.
لا يقال: يرد على كونه تعالى متكلما بطريق السمع أن يقال: أن (1/209)
صفحة 206
قول الرسول ذلك لا يدل ما لم يثبت صدقه ولم يثبت إلا بالمعجزة، وهي لا تثبت ما لم يثبت كونه تعالى متكلما، أي خالقا للكلام، فإن دلالة المعجزة تنزل منزلة قوله تعالى لمدعي الرسالة: صدقت، أو أنت رسولي، فمن لم يثبت الكلام الصدق لله تعالى لا يكون مصدقا لرسله، فيلزم على كونه تعالى متكلما بطريق السمع: الدور لأنا نقول: قد أجيب عنه بعد تسليم أنه سؤال قوى، بأن من ادعى بأنه رسول الملك بمرأى منه ومسمع، وقال: أية صدقي أن يغير عادته المألوف، ويفعل كذا وكذا ثم قال: أيها الملك إن كنت صادقا في دعواي فافعل لي كذا وكذا، ففعل ذلك على الوجه الذي التمسه، فيعلم جميع الحاضرين أنه رسوله وأنه صادق.
وقد يجاب عنه أيضا في دعواه أنه رسول بغير الكلام من سائر الخوارق، فإن المعجزة تتنزل منزلة التصديق بالقول وتساويه في المعنى بطريقة المواضعة، لأنا تدل على أن الله تعالى قال: صدق عبدي حتى تتوقف حينئذ دلالتها على سبق المعرفة، بأن لله تعالى كلاما يصح فيه أن يقول: صدق عبدي، وإنما يعرف هذا المعنى من خارج بالدليل العقلي والنقلي، وهذا كالإشارة بالرأس على وجه مخصوص تتنزل منزلة قول المشير نعم أو لا، وليس المعنى قطعا أنها تدل على أنه قال في الجواب نعم أو لا، كيف وهي تتنزل منزلة نعم أو لا في حق الفصيح والأبكم، فإذا تنزلها منزلة الكلام لا يتوقف على كون: تريد مثلا متكلما في نفس الأمر فضلا عن أن يتوقف على سبق المعرفة بأنه متكلم.
هذا الجواب ناف لأشكال السؤال وإن استصعبه قوم فتأمله، وقد (1/210)
صفحة 207
تحتج أيضا على إثبات كونه تعالى متكلما، بالدليل العقلي، وهو أن يقال أنه تعالى ملك، وكل ملك لا يتم ملكه إلا بالأمر والنهي، وبجواز الخلائق بين أمر مطاع، ونهي متبع، وذلك مما يدل على نفي الكلام النفسي كما سيأتي.
المقصد الثاني عشر: اختلف في معنى كونه وتعالى سميعا بصيرا، فذهب الجبائي وابنه، ومن تبعهما إلى أن معنى: السميع البصير، شاهدا، وغائبا هو الحي الذي لا آفة به، ورد بأن الحياة ليست من الصفات المتعلقة كما علمت، وبأن نفي الآفة لا تعلق له إلا بالمحل الذي نفيت عنه، وبأن الإنسان يحس من نفسه كونه سميعا بصيرا والعدم لا يحس ولأنه لو صح ذلك لصح أن يقال العالم والقادر هو الحي الذي لا آفة به ولم يقولوا به، وذهبت الفلاسفة إلى أن معنى الرؤية تأثر الحدقة بها بسبب ارتسام صورة المبصر فيها ولهم قولان في ذلك، أحدهما أن المدرك لنا نفس المثال المنطبع، وهو الشبح المطابق لما في الخارج الخالي عن المادة.
والثاني: أنه عين ذلك الخارج بواسطة المثال المنطبع في الرطوبة الجلدية المادية على الحس المشترك، الذي هو مركب من عصبتين مجوفتين على صورة صليب في مقدمة الدماغ، وأما السمع عندهم فإن الصوت وما يتركب من الحروف إذا صادفت تلك الأصوات الهواء الراكد في الصماخ المجاوز للعصبة المفروشة في أقصى الصماخ الممدودة عليه كالجلدة الممدودة على الطبل، حصل فيه طنين فتشعر به للقوة المدركة المودعة في تلط العصبة، على رأي وتؤديه إلى الحس المشترك والحس المشترك على هذا الرأي كحوض تصب فيه خمسة إلا بين، وهي (1/211)
صفحة 208
الحواس الخمس ولهذا يسمى مشتركا والنفس هي المدركة بواسطة كلوح تقرؤه، نحن نقول أن السمع، والبصر، إدراكان لا يتوافقان إلا على وجود محل يقومان به، واختصاصا بعض الأشياء بالإدراك في حقنا. إنما هو بإجراء الله تعالى على عادته بخلق ذلك فيه وعنده توضيح ذلك أن نقول: أن الله سبحانه أجرى عادته، يخلق الإدراك في بعض المحال، كالعين والأذن مثلا، وعند وجود الشرائط العادية فيهما كالمقابلة، ونفي القرب والبعد المفرطين وكثافة الحجاب في البصر ونحو ذلك في السمع، فكوننا لا نرى ولا نسمع إلا عند ذلك إنما هو بإجراء الله تعالى عادته، أيضا بالقرب والبعد المفرطين والحجاب الكثيف، مجرد علامة صبت على المنع عادة، فلا يذهب عليك أن مرادنا بالأشياء ما هو شامل لمحل الإدراك العادي وشرطه.
وحجتنا أن قبول المحل للإدراك نفسي له، فلو اشترط فيها شرط لزم توقف الصفة النفسية على شرط، وهو محال لأنها تتقوم النفس، أي الذات الحقيقية بها، فلا تقبل النفي مع ثبوت الذات.
واعترض الفخر على من قال، أن الرواية بسبب الانطباع بأنا نرى نصف كرة العالم، وانطباع الكبير في الصغير محال، وهذا الإلزام كما قيل صحيح على من يقول: أن المدرك المنطبع لا مطابقة الخارج، فعليه يكون: مثال الصغير، صغيرا ومثال الكبير كبيرا، لا على من يقول، أن إدراك ذلك المثال بسبب الإدراك مطابقة في الخارج، بمعنى أن المنطبع واسطة للإدراك.
وألزمهم الفخر أيضا: عدم رؤية الأطوال والعروض، لاستحالة ارتسام هذه الأبعاد في نقطة الناظر. (1/212)
صفحة 209
واعتراض بأنه إن أراد الانطباع، بكيفية العظيم فهو يرد على أحد القولين دون الآخر وإن أراد مطلق الانطباع بمعنى ارتسام الطول والعرض مطلقا، لأن الناظر نقطة والنقطة لا امتداد لها، فكيف ينطبع فيها ما له امتداد، فيقال إنما يمتنع لو كانت كرة بحيث لا يقابل البسيط منها إلا نقطة، أما إذا كان فيها انطباع مع استدارتها كالبيضة مثلا، فلا مانع من انطباع المثال الصغير المطابق للكبير، بحسب العادة، كما لو فرضنا مرآة كذلك فكيف؟ والإنسان يرى في إنسان العين وجهه، كما يرى في المرآة فأي مانع من أن يخلق الله لنا الإدراك بالشيء عادة على هذا الوجه، مع إمكان خلقه لنا لدون ذلك، كما أنه إنما يخلق لنا الحياة عند اعتدال المزاج كما قررته في الشرح، ولا يذهب عليك أن هذه التقريرات إنما هي لمتكلمي الأشاعرة تمهيدا لجواز رؤيته تعالى عن ذلك، ونحن نمنع كل ذلك، والحق أن معنى الرؤية عندنا ما سيأتي في محل الرؤية وما تقدم صدر الكتاب، ولو سلم ما ذكروه فلا يدل على جواز رؤيته تعالى، كما ستقف عليه.
وألزم الفخر أيضا على القول بالانطباع في السمع أن لا تعرف وجهة الصوت مع أنا إذا سمعنا صوتا علمنا جهته، وذلك يدل على أنا أدركنا الصوت في الخارج، لا من الانطباع الداخل حينئذ يقال: إنما علمنا جهته لتعلقها بذي الصوت واستلزامها له لكون الصوت في جهة من الخارج، سببا للعلم بجهته لأن ورود الهواء على الصماخ من تلك الجهة كما يأتي صوت الرعد من فوقنا، وخرير الماء من تحتنا.
والزم الفخر أيضا على القول: بالانطباع في السمع، بأنه لو كنا لا نسمع الكلام، إلا بعد وصوله إلينا، وجب أن لا نسمع الحروف من (1/213)
صفحة 210
وراء الجدر لأن ذلك المتموج لما وصل إلى الجدار لم يبق على شكله الأول.
واعتراض عليه أيضا بأن صورة ما التزمه في السمع من وراء الجدار، عن عنى بذلك أنا لا نسمع الصوت، مع انسداد سائر الجهات والمنافذ، فيمتنع حصول السمع والحالة هذه، وإن كان الغرض مع انفتاح جهة أو كوة فلا مانع من الوصول من تلك الجهة، كما يشرف شعاع المضيء علينا منها بأدنى مقابلة، هذا ما يتعلق بالسمع والبصر على قول الحكماء.
وذهب كعب البصري، إلى ردهما على العلم بالمبصرات، والمسموعات، كالشهيد والخبير، فإنهما يرجعان إلى تعلق العلم على وجه خاص، وهو الشهيد، هو العالم بالأمور التي تحضر وتشهد وثمرة الحضور الإحاطة بما يحضر لدى الحاضر، حتى لا يعزب عنه شيء، وأن الخبير هو العالم بخفايا الأمور التي يحتاج في العلم بها عادة إلى خبرة، وقد احتج الفخر على رد هذه المقالة بأنا إذا علمنا شيئا ثم أبصرناه أو سمعناه وجدنا بين الحالتين تفرقة بديهية، وذلك قد يدل على أن الأبصار والأسماع مغايران للعلم.
واعتراض بأن مجرد التفرقة لا ينتج أن تكون التفرقة بينهما تفرقة نوعية، أي بين العلم والبصر أو العلم والسمع بحيث يكون البصر نوعا وحقيقة، والعلم أخرى وكذا السمع مع العلم، ولأنهما نوعان خارجان عن نوع العلم، وهو محل النزاع ولا مانع من رجوع التفرقة إلى كثرة المتعلقات وقلتها، فإن البصر يتعلق بالهيئات الاجتماعية، ولا (1/214)
صفحة 211
يتعلق العلم بذلك في حال الغيبة ولذلك يقال: ليس الخبر كالعيان، أو يقال: ما المانع من رجوع التفرقة إلى اختلاف محل العلمين، فعند الرؤية يكون العلم حاصلا بالقلب، وعند الغيبة يبقى في القلب بخلق أمثاله ويعدم من العين وهاهنا إشكالات ومباحث تركناها لضيق المقام.
وبالجملة، فقد تحصل للمشايخ ها هنا قولان: أحدهما أنهما إدراكان مخالفان للعلم بجنسيهما، مع مشاركتهما له في أنهما صفتان كاشفتان، يتعلق بالشيء على ما هو عليه، والثاني: أنهما من جنس العلم، إلا أنهما لا يتعلقان إلا بالموجود والمعين، والعلم يتعلق بالموجود والمعدوم والمطلق.
وهو الحقيقة الكلية، والمقيد وهو العين، وكلاهما مع ذلك صفتان زائدتان على علمه تعالى، ومن قال أنه سميع بصير لنفسه، فهو يردهما للعلم، والمراد بالنوع والجنس فيما قلنا الحقيقة الواحدة، لا ما هو المعروف في اصطلاحه المناطقة.
تنبيه، جزم الجمهور، بنفي الإدراكات المتعلقات بالمذوقات، والمشمومات، والملموسات، وجعلوا الإحاطة بمتعلقاتها دخلا في علمه تعالى، لما أن تلك الإدراكات ملزومات للاتصال بالأجسام ملازمة عقلية، ومال بعضهم إلى الوقوف وقال: أنها لا تستلزم الاتصال، ولما أن الإدراك أمر وراء الاتصال، والاتصال شرط فيه بالنسبة إلينا عادة لا عقلا، والحق ما ذهب إليه الجمهور، لأن الاعتقاد في مثل ذلك الالتجاء (1/215)
صفحة 212
إلى السمع ولم يرد به الاستغناء عنه بالعلم كاف في دفع النقائص عنه في حقه تعالى على تقدير أن نفيها يوجبها.
المقصد الثالث عشر: اشتهر الخلاف في أن صفاته تعالى عين ذاته أو زائدة عليها، فذهب أصحابنا والمعتزلة والحكماء ومن حذا حذوهم إلى الأول، وذهب الأشاعرة إلى الثاني، وأوجبوا كونها عليلا وذلك لأنهم قالوا: تسمى هذه الصفات التي هي كونه عالما، قادرا، مريدا، حيا، سميعا، بصيرا، ومتكلما لأجل ملازمتها معاني أخر، هي عللها صفات معنوية، وأحوالا معنوية تنسب إلى المعاني التي هي عللها، فكونه عالما، علته العلم، وكونه قادرا، علته القدرة، وكونه مريدا، علته الإرادة، وهكذا في باقيها، وتسمى هذه العلل الملازمة للمعنوية صفات المعاني، فالمعنوية صفات ثابتة للذات لا تتصف بوجود ولا بعدم، معللة بمعنى قائم بالذات، وعللها صفات موجودة قائمة بالذات موجبة لها حكما وهو تلك الصفات المعنوية، هذا كله على القول بصحة الواسطة بين الوجود والعدم، وأما على القول بنفيها فليس ثم إلا الذات، وصفات المعاني الوجودية، ولا معنى لكونه قادرا عالما ونحوهما إلا قيام القدرة والعلم ونحوهما به، فلا حال عند هؤلاء لا معنوية ولا نفسية.
وبالجملة، فالمتكلمون من الأشعرية فريقان: ناف للأحوال، ومثبت لها، فالنافي ليس عنده إلا صفات المعاني، والمثبت بقول الصفات ثلاثة أقسام: نفسية، ومعنوية، ومعاني، لأن المتحقق إما أن يتحقق باعتبار نفسه، وباعتبار غيره، والأول ا لموجود وهو المعاني، والثاني الحال وهو إما أن يكون ذلك الغير الذي تحقق به ذاتا موصوفة أو معنى يقوم موصوفه الأول، الحال النفسية، والثاني الحال المعنوية، وضم بعض (1/216)
صفحة 213
المتأخرين منهم إلى الثلاثة، ثلاثة أخرى: السلبية، والفعلية الجامعة، لهذه الأقسام، فالأقسام عنده ستة.
وقسم بعضهم الصفات باعتبار آخر قسمين، إضافات لا وجود لها في الأعيان كتعلق القدرة والإرادة والعلم وهي متغيرة، ومتبدلة، حقيقية، كنفس العلم، ونحوه وهذه قديمة، لا تتبدل ولا تتغير، فاالسلبية عبارة عن نفي كل م يمتنع أن يوصف به تعالى، والنفسية، عبارة عن كل حال ثبتت للذات غير معللة بعلة، وقيل: هي كل صفة ثبوتية زائدة على الذات، لا يصح توهم انتفائها مع بقاء الذات الموصوفة بها وهي في الحقيقة راجعة إلى شيء واحد وتحيلون النفسية، بكونها واجبة والوجود أزليا أبديا، وتنظر فيه بأن التحقيق رجوع هذه الصفات إلى السلب، وقد مر.
والمعنوية، عبارة عن كل حال ثبتت للذات معللة بمعنى قائم بها كما عرفت، وهي كل صفة لازمة للذات لأجل معنى قائم بها، وصفات المعاني الموجبة للأحوال فبين صفات المعاني والمعنوية تلازم بالعلية، والمعلولية، وصفات الأفعال عبارة عن صدور الآثار عن قدرته وإرادته تعالى، والجامعة عبارة عن كل صفة تدل على معنى يتدرج فيه سائر الأقسام، العزة والعظمة، والكبرياء، ونحو ذلك.
قال بعضهم: والحاصل أن العقول هاهنا، أربعة حالات، وصفات، وأحوال وتعلقات، فالقاضي، وهو الباقلاني، أثبت الجميع والأشعري والأسفراييني: أثبتا الجميع إلا الأحوال، فإن ما زعموا (1/217)
صفحة 214
أنه حال وهو الاختصاص الزائد على معقول الذات والصفة، فهو مجرد نسبة في العقل فقط، والمعتزلة، أثبتوا الذات بدون الصفات، والبصري منهم أثبت الذات والتعلقات كما صار إليه الفخر قاضيا بصحة تجددها على الذات العلية، هذا محصل بعض ما ذكروه، وإنما قررته هنا لينفعك لدى الحاجة في الرد عليهم به، وأنت خبير بأن ما نسبوه إلى المعتزلة من نفي الصفات، فهي شهادة زور وإفك، وإنما نفوا زيادتها على ما سنحققه ولا فرق في المعنى بين ما نسبوه إليهم وما نسبوه إلى البصري منهم، غاية ما في الباب أن البصري صرح بما عندهم وهو التحقيق، فلا خلاف إذا، فإذا سمعت ما قررناه من مذهب القوم في الصفات، فاستمع لما تتلوه عليك الآيات البينات.
فنقول: اعلم أنما نسبوه إلى المعتزلة فهو مذهب الحكماء، لقولهم بالعلة أو الطبيعة كما عرفت، وكيف يسوغ لأحد ممن يدعي الإسلام ظاهرا أو باطنا أن ينفيها مع اعترافه بأنه فاعل مختار؟ وستقف على معنى نفيها، وما ذهبت إليه الأشاعرة من كثرة الاعتبارات، وجعل تلك المعلى قائمة بالذات المقدسة، دعوى لم يقم عليها برهان، وإنما هو انعكاس أشعة أبصارهم من ذواتهم إلى الذات العلية، فأثبتوا لها ما لذواتهم من حلول المعاني بها، وقولهم أنها قائمة بها، لا حالة لا يغني من الحق شيئا، فإن القائمة حالة، ولحالة قائمة، والتفرقة تحكم ومعتمدهم في إثبات ذلك الاحتجاج بوجوه ثلاثة.
الأول: ما اعتمد عليه القدماء منهم، وهو قياس الغائب على الشاهد، فإن العلة والحد والشرط لا تختلف غائبا وشاهدا، ولا شك أن علة كون الشخص عالما في الشاهد هي العلم، فكذا في الغائب وهو (1/218)
صفحة 215
الباري تعالى وحدة العالم الشاهد من قام به العلم، فكذا حده في الغائب.
وشرط صدق المسبق على واحد منا، ثبوت أصلة له فكذا شرطة فيمن غاب عنا، وقس على ذلك سائر الصفات، وهذا فأسد لان قياس الغائب على الشاهد مطلقا لا بد فيه من إثبات عله مشتركة بين المقيس والمقيس عليه، وهذا الإثبات بطريق اليقين مشكل جدا، لجواز كون خصوصية الأصل الذي هو المقيس لوجود الحكم فيه، أو كون خصوصية الفرع، وهو المقيس علية شرطا مانعه من وجود فيه، وعلى التقديريين لا تثبت بينهما عله مشتركه، فلا يصح القياس كيف؟ وهم قائلون ومعترفون بخلاف مقتضى الصفات غائبا وشاهدا، فإن القدرة في الشاهد لا يتصور فيها الإيجاد بخلافها في الغائب، والإرادة فيه، لاتختص بخلافها في الغائب، وكذا الحال في باقي الصفات، فإذا كان كذلك فما وجد في أحدهما فلا يوجد في الآخر فلا يصح القياس أصلا.
الثاني: لو كان مفهوم كونه عالما قادرا حيا نفس ذاته، لم يفد حماها على ذاته، ولكان قولنا على طريقه الإخبار الله عالم، أو قادر، أو نحوها، بمثابة حمل الشيء على نفسه، واللازم باطل، لان حمل هذه الصفات يفيد فائدة صحيحة، بخلاف قولنا، ذاته، وإذا بطل كونها نفس الذات، ولا محال للخيرية قطعا تعينت الزيادة عليها، وهو المطلوب.
قلنا، هذه مغالطة! لأنه لا يفيد إلا الزيادة هذا المفهوم، أعنى مفهوم العالم، والقادر، ونحوها، على مفهوم الذات، ولا نزاع في ذلك، (1/219)
صفحة 216
وأما زيادة ما صدق عليه هذا المفهوم على حقيقة الذات فلا يفيد هذا الدليل.
الثالث: لو كان العلم، والقدرة، ونحوهما، نفس الذات، لكان العلم نفس القدرة، وبالعكس، وكان المفهوم من العلم، والقدرة، ونحوهما، أمرا واحدا وأنه ضروري البطلان.
قلنا: هذا أنما يدل على تغاير مفهومي العلم، والقدرة، مثلا، ومغايرتها للذات لا على تغاير حقيقتهما، ومغايرتهما للذات، والمتنازع فيه هو الثاني دون الأول، فمنشأ هذين الوجهين، عدم الفرق بين مفهوم الشيء، وحقيقته.
فإن قالوا، كيف يتصور كون صفة الشيء عين حقيقته، مع أن كل واحد من الموصوف والصفة يشهد بمغايرته لصاحبه، وهل هذا الكلام إلا مما نشاء عن الوهم لا يمكن أن يصدق، كما في سائر القضايا الوهمية التي يمتنع التصديق بها كما مر، فلا حاجة لنا في الاستدلال على بطلانه.
قلنا، ليس معنى، ما ذكرنا أن هنالك ذاتا ولها صفة، وهما متحدان حقيقة كما يتوهمون؟ بل معناه، أن ذاته تعالى يترتب عليها ما يترتب على ذات وصفة معا مثلا، وذوات ليست كافية في انكشاف الأشياء لنا، بل تحتاج في ذلك إلى صفة العلم الذي يقوم بنا، بخلاف ذاته تعالى، فأنه لا يحتاج في انكشاف الأشياء له، وظهورها إلى صفة تقوم به، بل (1/220)
صفحة 217
المفهومات بأسرها متكشفة لذاته، فذاته تعالى بهذا الاعتبار حقيقة العلم مثلا، وقد أوضح البدر الثلاثي هذا المعنى.
وقال: ما حاصلة معنى كونه تعالى عالما، كون ذاته العلية منكشفة له جميع المعلومات انكشافا تاما من غير قيام شئ أزلي بذاته تعالى، زائد عليه مقتص لذلك الانكشاف، فإنا لا نقول بأن وجوده زائد عليه قائم به، بل هو ذاته، بمعنى أن وجوده تعالى كاف في انكشاف جميع الكائنات له، فالمنفي عندنا، زيادة العلم مثلا على الذات لا نفسه، كيف ننفيه عنه تعالى؟ وهو فاعل محكما متقنا، وهو لا يصدر إلا من عالم، وأيضا فهو تعالى فاعل بالقصد والاختيار، ولا يتصور ذلك إلا مع العلم بالمقصود، لاستحالة توجه القصد والإرادة من الفاعل إلى ما لم يعلمه، ولسنا نقول بثبوت العلم معنى من المعاني، وأنه عين الذات كما قد يتوهم من قولنا، إن صفات الله تعالى عين ذاته بل نقول، إن وجود ذاته يكفي في انكشاف جميع الأشياء له بالنسبة إلى العلم، وفي التأثير في المقدورات بالنسبة إلى القدرة، وفي تخصيص جميع المرادات بالنسبة إلى الإرادة، وفي انكشاف جميع المسموعات بالنسبة إلى السمع، وجميع المبصرات بالنسبة إلى البصر، وفي استلزامه صحة اتصافه بجميع الصفات بالنسبة إلى الحياة، فهذا هو المراد من كونها عين الذات، فهي عند جميع من يقول إنها عين الذات صفات اعتبارية.
فالانكشاف فيما يقتضيه العلم والتأثير في القدرة و التخصيص في الإرادة والاستلزام في الحياة ضرورة أنها إضافات وتعلقات لا صفات حقيقية موجبة لذلك، خلافا للأشاعرة، فالله عالم قدير مريد سميع بصير حي متكلم بذاته سبحانه، بمعنى أن وجود كاف في الانكشاف (1/221)
صفحة 218
والتأثير والتخصيص وفي الاستلزام، وفي كونه آمرا وناهيا ومخبرا ومستخبرا، من غير احتياج فيه إلى ثبوت صفة له زائدة عليه قائمة بذاته تعالى، منافية للسكوت، والآفة بها يكون آمرا وناهيا ومخبرا ومستخبرا من غير احتياج فيه إلى ثبوت صفة له زائدة عليه قائمة بذاته تعالى، منافية للسكوت، والآفة آمرا وناهيا ومخبرا ومستخبرا ومعبرا عليها بالعبارة، والكتابة، والإشارة، فالحياة والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والقدم، والبقاء، صفات اعتباري، لا وجود لها في ذاته تعالى مقصودا بها نفي أضدادها من الموت، والجهل، والعجز، والإكراه، والصم والعمى، والخرس، وسبق العدم ولحوق عنه تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
هذا محصل كلامه، فالذات والصفات، شيء واحد في الحقيقة، وإن تغايرا بحسب المفهوم والاعتبار، ول تعني بالصفات إلا سلب اتصافه بأضدادها السابقة لا أمرا زائد عليه وعلى نفس التعلقات، والإضافات، فاعتبار إضافة انكشاف حقائق الأشياء إلى ذاته تعالى، وتعلقها بها تسمى تلك الإضافة، وذلك التعلق الخاص علما بذلك الاعتبار، وباعتبار تأثير الذات العلية بالقصد والاختيار، وتعلقها بإيجاد الأشياء من العدم، وجعلها متصفة بالوجود، يسمى قدرة، وباعتبار تخصيصها بالإيجاد بدل العدم المساوي لوجودها مثلا، يسمى إرادة وكذا الباقي، فليس وراء هذه الاعتبارات معنى زائد عليها، وإلا لكانت ذاته ناقصة لعينها، لكنها متكلمة بغيرها ضرورة.
أن تلك المعاني القائمة بذاته تعالى، على زعمهم أغيار لها، وخصوصا من يقول منهم، كالسعد، والفخر، ونظائرهما، بأن صفاته تعالى ممكنة (1/222)
صفحة 219
في نفسه إمكانا خاصا، واجبة بذات الواجب، قالوا، ولا استحالة في قدم الممكن إذا كان قائما بالقديم، واجبا به غير منفصل عنه، وزاد الفخر على ذلك، وقال: إن الذات قابلة لصفاتها فاعلة لها، وهذا والعياذ بالله كفر، وإن كان رد الفخر الصفات مقبولا، ولا يغني من قال مننهم بأنا لا نقول بأنها غير الذات، ولا غيرها من الحق شيئا، ولو إنهم آمنوا بأنها عينها، لكان خيرا لهم.
فإن قالوا إنما صرنا إلى ذلك حذرا من الوقوع في مذاهب الحكماء كما صرتم إليه في نفي الصفات البتة.
قلت: إنا وإن قلنا بما قالوا به من نفيها، فهناك فرق بيننا وبينهم، وهو أنه إنما نفاها الحكماء لقولهم أنه موجب بالعلة والطبيعة كما مَرَّ غير مرة.
ونحن نقول: إنه فاعل بالاختيار، ومع ذلك نقول: ليس هناك إلا ذاته العلية، المقتضية لكل ما ذكرنا بلا أمر زايد عليها، فإذا لم تكن السلامة فيما قلنا من كونه الغني على الإطلاق، لم تكن فيما قالوا به المستلزم، لكونه متكملا بغيره، ومحلاله، ويلزمهم أيضا على ذلك التقدير من كونها زايدة تعليل الواجب تعالى، واللازم باطل، فالملزوم مثله.
بيان الملازمة ظاهر مما مر، وإما بيان بطلان اللازم، فلأن الواجب لو علل لكان ممكنا، من حيث أن ثبوته حينئذ يكون مستفادا من غيره فيكون له العدم باعتبار ذات بمعنى أنه لو نظر إليه في حد ذاته لم يكن معدما وإلا هو حقيقة الممكن والإمكان بنا في الوجوب وما أجابوا به من رجوع التعليل إلى معنى اللازم، ولا يلزم منه تأثير العلة في معلولها. (1/223)
صفحة 220
لأنه كما يعقل بين ممكنين، كالجوهر والعرض من غير تأثير، كذلك يعقل بين واجبين أيضا بدونه، كما نقول إرادته تعالى تلازم عمله مثلا، ففيه إخراج التعليل عن المعنى المتعارف له، وأيضا فقد صرح كثيرا منهم بإفادة العلة معلولها الثبوت في هذا المقام، وإن أوله بعضهم بتأويل بعيد جدا، ومختصرنا لا يفي باستيعاب مباحث هذا المرام ولكن فيما ذكرناه كفاية لذوي الأفهام.
تنبيهات الأول: احتج القائلون بإثبات الأحوال، وأنها واسطة بين الوجود والعدم، بأن الوجود مشترك زايد على الماهية ليس بموجود وإلا لتساوى وجوده ووجود غيره، فيزيد وجوده، فيلزم التسلسل ولا بمعدوم، وإلا لاتصف الشيء بنقيضه، إذ المعدوم نقيض الموجود، فكيف لا يكون صفة له؟ فتعين إذا أن يكون واسطة، وأيضا السواد يشارك البياض في اللونية ويخلفه في السوادية فيتغايران ضرورة مخالفة ما به التمايز، لما به التشارك فإما أن يوجد هذا الوصفان للسواد، فيلزم قيام العرض بالعرض، أو يعد ما، فيركب الموجود من المعدوم ورد الأول بأن الوجود عين الموجود على الصحيح، وتميزه عن غيره سلب، فلا تسلسل.
والثاني بأن اللونية ليسا بوصفين للسواد، وإنما هما عبارة عن ذاته، والسوادية ذات السواد، وكذا اللونية، غاية الأمران اللونية مشتركة لفظا بين السواد والبياض، وغيرهما، فلونية السواد غير لونية البياض، بخلاف سوادية السواد فإنهما عينه، فلم يلزم ما ذكر، ومرجع هذا الجواب إلى الوجود عين الموجود أيضا، فوجود زيد مثلا غير وجود عمر، ووجود البياض غير وجود السواد. (1/224)
صفحة 221
الثاني: لا إشكال على من يرى أن التعلق إضافة ونسبة بين العلم والمعلوم مثلا لأنه لا يمتنع أن يتصف القديم بالإضافة الحادثة، إذ هي في الخارج سلب واعتبار ككونه تعالى مع العالم أو بعده، فإن معيته حادثة، لم تكن قبل إيجاد العالم وكذا بعديته أيضا، إنما يحدث بعد إعدامه.
قال بعض المحققين تغير الإضافة لا يوجب تغير المضاف، كالقديم يتصف بأنه قبل الحادث إذا لم يوجد الحادث ومعه إذا وجد وبعد إذا فنى من غير تغير، وكإنسان جلس زيد عن يساره ثم قام فجلس عن يمينه، فإنه يصير متيامنا لزيد بعدما كان متياسرا له، من غير تغير فيه أصلا، وأما من يراه نفسي، كما إن قيام الصفات بالذات نفسي لها أيضا على رأيهم، فإنه يرد عليه أن علمه تعالى، إذا تعلق بوجود زيد مثلا ثم انعدم زيد فقد انعدم تعلق العلم بالوجود، وتعلق بالعدم، وكذا إذا تعلق بأنه سيدخل البلد مثلا غدا، فإنه ينعدم إذا دخل، ويحدث تعلق بأنه دخل، فهذا تغيير في التعلق بالفناء والحدوث.
وجوابه: إن التعلق لم ينعدم، ولم يطرأ، ولم يتغير، وإنما المتبدل والمتغير هو المتعلق به.
وبيان أن تعلق علمه سبحانه بعدم دخول زيد البلد يوم الجمعة، وبدخوله في يوم السبت، تعلق أزلي لا يتغير أصلا، فإنه في يوم الجمعة يعلم دخوله في يوم السبت، وفي يوم السبت يعلم عدم دخوله في يوم الجمعة، غاية الأمر أنه يمكن التغير عن العدم في الحال والوجود في الاستقبال سيوجد. (1/225)
صفحة 222
وبعد الوجود لا يمكن، وهذا تفاوت وضعي لا قدح في الحقائق، وكذا تعلق علمه بعدم العالم في الأزل لا يتغير بوجود العالم فيما لا يزال، إذ قد علم الباري سبحانه في الأزل عدم العالم فيه، ووجوده فيما لا يزال وفناءه بعد ذلك، ويعلم أيضا يوم القيامة كذلك من غير تغير أصلا.
فإن قيل الكلام في العلم التصديقي، ولا خفاء في أن تعلق حلمه بهذه النسبة، وهو أنه يحصل له الدخول في يوم السبت وللعالم الوجود فيما لا يزال أو نفي يوم السبت، وفيما لا يزال، كان جهلا، لانتفاء متعلقه الذي هو النسبة الاستقبالية، قلت: قد أجيب عنه بمنع أن ذلك التعلق هو التعلق حال عدمه بأنه سيوجد، وهذه النسبة بحالها، وإنما الجهل هو أن يحصل التعلق حال وجوده بأنه سيوجد وهو غير التعلق الباقي، والحاصل أن التعلق بالعدم في حالة معينة، والوجود في حالة أخرى ثابت أزلا باق أبدا لا يتقبل جهلا أصلا، والقول بأن المتعلق إضافة، هو قول الفخر ومن تبعه من الأعاجم، كالسعد، والبيضاوي، والعضد، ونحوهم وهو مقتضى قول عبدالله ابن سعيد كما سيأتي.
الثالث: إذا فهمت معنى العلة والمعلول فيما مر، فاعلم أن العلة متقدمة بالذات على المعلول وأن أنواع التقدم عند الحكماء خمسة.
التقدم بالعلة: كتقدم حركة الإصبع على الخاتم.
والتقدم بالطبع: كتقدم الواحد على الاثنين، والجزء على الكل، والمعنى مشترك بين المتقدمين، قد يقال له التقدم بالذات.
والتقدم بالزمان: كتقدم الأب على الابن. (1/226)
صفحة 223
والتقدم بالرتبة: إما حسا كتقدم الإمام على المأموم، والرأس على الرقبة، أو عقلا كتقدم الجنس على الفصل، وبعض مسائل العلم على بعض.
والتقدم بالشرف كتقدم العالم على المتعلم، والمتكلون يمنعون الحصر في ذلك، إذ لم يقم عليه برهان ضروري ولا نظري، ومجرد الاستقرار وعدم الوجدان لا يدلان على العدم ولا يوجبان علما به، بل حاصله عدم علم بالعدم.
وذكر الفخر قسما سادسا، وادعى خروجه عن الخمسة، وهو تقدم الأمس على اليوم، وقال: فإنه ليس تقدما بالعلة لأن الأمس لا يوجد مع اليوم، ولا بالمكان ولا بالطبع ولا بالشرف، فإن أجزاء الزمان متشابهة، ولا بالزمان وإلا لزم أن يكون الزمان حاصلا في زمان آخر والكلام في الثاني كالأول، فوجب أن تحصل أزمنة لا نهاية لها دفعة، ويكون كل منها ظرف للآخر، وهو محال، ويزاد عن المتكلمين تقدم الفاعل المختار على فعله، فإنه ليس تقدما بالزمان ولا فيه معية حتى يكون أحد الأربعة الباقية إذ الأثر الواقع بالاختيار لا يجامع المؤثر في وجوده لأنه لابد أن يقصد إلى إيقاعه، ولا يصح إلا إذا كان معدوما.
المقصد الرابع عشر: يجب أن تكون صفاته تعالى قديمة، إذ لو كان شيء منها حادث للزم حدوثه تعالى، والتالي باطل عرفت من وجوب قدمه تعالى، فالمقدم مثله.
وبيان الملازمة، أنه لو كان شيء منها حادث للزم أن يعرى عنه (1/227)
صفحة 224
أو عن ضده الحادث، لما عرفت أن القابل للشيء لا يخلو عنه أو عن ضده، وما لا يعرى عن الحوادث لا يسبقها وما لا يسبقها لا يكون إلا حادثا مثلها، إذ ما لا يتحقق ذاته بدون حادث يلزم حدوثه ضرورة، إذ لو كان هو قديما ووصفه اللازم حادثا، لكان مفارقا له، كيف؟ وقد تحقق أنه لا يفارقه.
فإن قلت: لا نسلم ملزومية حدوث الصفات لحدوث الموصوف، وإنما يتم ذلك، إذا وجب القائل للشيء لا يخلو عنه أو عن ضده، ولم لا يقال بجواز خلوه عنها معا، ثم يطرأ الاتصاف بها بتحقق ذاته دونهما، فلا يلزم الحدوث.
قلنا: أنه لو خلا عنها مع قبوله لهما، لجاز أن يخلو عن جميع ما يقبله، من الصفات، إذ القبول لا يختلف، ولا يختلف لأنه نفسي، وإلا لزم الدور أو التسلسل وخلو القابل عن جميع ما يقبله من الصفات محلا مطلقا، أما في الحادث، فلوجوب اتصافه بالأكوان ضرورة، وأما في القديم فلوجوب اتصافه بما يدل عليه فعله كالعلم والقدرة والإرادة، ولو فرضت حادثة؟ للزم الدور أو التسلسل وإذا عرفت وجوب قدمها، عرفت استحالة عدمها، لما قدمنا من بيان استحالة العدم على القديم، وهي القاعدة الكلية، أعني أن كل ما ثبت قدمه استحال عدمه، فخرج لك بهذا البرهان، استحالة التغير على القديم مطلقا، أما في ذاته فلوجوب قدمه وبقاءه كما سلف.
وأما في صفاته، بمعنى الاعتبار السابق، فلما ذكرناه هنا، ومن ثم استحال على علمه تعالى أن يكون كسبيا، بمعنى أنه يحصل له عن (1/228)
صفحة 225
دليل أو ضروريا يقارنه ضرر، كعلمنا بألمنا أو يطرأ عليه سهو أو غفلة، واستحال على قدرته، أن تحتاج إلى آلة، أو معاونة وعلى إرادته أن تكون لغرض أو مصلحة، وعلى سمعه وبصره وكلامه أن تكون بجارحة، أو مقابلة أو اتصال لاستلزام ما ذكر الحدوث والتغير.
تنبيهات، الأول، أن العلم الكسبي لا يكون إلا حادثا، لأنه إما أن يفسر بالعالم الحاصل عن النظر وهو المشهور، أو ربما تعلقت به القدرة الحادثة، وهو معناه الأصلي، ولا يخفى تجدده على كل منهما، فإذا علمت هذا، عرفت أن ما وقع في الكتاب والسنة موهما ظاهره حدوث العلم وكسبه، يجب القطع بأن ظاهرة غير مراد وذلك قوله تعالى: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} 25، فيأول بأن المراد منه: الأخبار، بأنه تعالى يجازي المكلفين علمه منهم أزلا من خير أو شر، فأطلق العلم على الجزاء المتأخر عن وقوع إمارته من خير أو شر، لأن وقوع ذلك على وفق علمه تعالى، وتسمية الجزاء بالعلم، من باب تسمية المتعلق باسم التعلق، لأن العلم يتعلق بالمعلوم، فأطلق عليه وهو مجاز شائع، لأن اطلاق المصدر على المعقول كثير، كضرب الأمير ونسج اليمن، وكقوله تعالى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ} 26 أو أن المراد، الإخبار، بأنه يتعلق علمنا به تنجيزيا فيما لا يزال كما تعلق به صلاحيا في الأزل.
الثاني: الضروري.
يطلق على أربعة معان:
الأول: ما ليس مقدورا بالقدرة الحادثة .. ونقيضه المكتسب كما مر، وهو المقدور بها وهذا لا يختص بالعلم، بل يقال حركة ضرورية. (1/229)
صفحة 226
الثاني: ما علم بغير دليل.
الثالث: ما علم من غير تقدم نظر، وهذان مخالفان بالعلوم.
الرابع: ما قارنه ضرر وحاجة. كعلم الإنسان بجوعه وألمه، وهذا الأجر هو المستحيل في حق علمه تعالى دون الثلاثة الأول، ولأجله امتنع الإطلاق لفظ ضروري عليه، وكذا لفظ البديهي وإن كان لا يقترن بضرر ولا حاجة، وإنما يستحيل أيضا الإشارة بالحدوث، إذ يقال بده النفس الأمر إذا أتاها بغتة بلا سابقة شعور بمقدمات تغلب على الظن وجوده، والسهو والغفلة، يستلزمان الإنصاف بالجهل، ولأن ما سهى الإنسان عنه أو غفل، انعدم علمه به، وذلك كله محال عنه تعالى، والسهر أكثر ما يستعمل غرفا في الذهول مع اعتقاد ما يضاره ... والغفلة أعم وأن تقاربا في المعنى ومن ثم جمعنا بينهما.
الثالث: إنما استحال على قدرته إن تحتاج إلى آلية أو معاونة، لأن ذلك يقتضي إلى حدوثها، إذ يكون قادرا عند وجود الآلية أو المعاون عاجزا عن عدمها، ولا يجاب بادعاء قدمها لما علم من وجوب حدوث ما سواه تعالى .. وأيضا التوقف تعلق قدرته بممكن على واسطة آلية، يفعل بها، أو معين يشاركه، لزم توقف باقي الممكنات على مثل ذلك، لوجوب استوائها بالنسبة إلى قدرته، فيؤدي إلى التسلسل، لأن الوسائط المقدرة من جملة الممكنات الحادثة، إذ لا يجب الوجود إلا لذاته العلية، ولصفاته التي هي عينها، على معنى الاختبار السابق، فيجب أن يتوقف إيجادها أيضا على وسائط أخرى حادثة، ثم كذلك، وبهذا تعلم أن اختياره سبحانه لا لإيجاده ممكنا مع ممكن آخر، كاختياره (1/230)
صفحة 227
إيجاد الشبع من الأكل والرب مع الشرب والإحراق مع مس النار، وتفريق الأجزاء مع حد السبق، ونحو ذلك مما لا ينحصر لا يدل جميع ذلك على أن لتلك الأمور المقارنة تأثيرا فيما اقترنت به، لا استقلالا ولا معاونة بل وجودها وعدمها بالنسبة إلى التأثير سواء، فإيجاده عزوجل ممكنا مع ممكن يقارنه، كإيجاده منفردا بغير ممكن آخر، فتعالى الله أن يكون فعله بواسطة أو بعلاج أو بكاف ونون، خلافا للكلامية في زعمهم أنه لا بد في حصول المحدثات من تجدد كاف ونون وإرادة في ذاته تعالى.
الرابع: أنه يستحيل أن يكون إرادته تعالى لغرض يبعثه على إيجاد الفعل، إذ هو محال في حقه تعالى، سواء كان راجعا إليه أو إلى خلقه، إما على وجه الاستحالة في الراجع إليه، فلأنه إن كان قديما وجب قدم العالم، ولزم الفعل بالإيجاب، وجاء مذهب الحكماء، وإن كان حادثا يتصف به بعد الإيجاد، لزمه نقصه وحاجته قبل إيجاده.
أفعاله التي حصلت له غرضه، ولزم اتصافه بالحوادث لتجدد الكمالات له حينئذ بواسطة خلقه، وذلك مفض إلى حدوثه ويتعالى عن ذلك من لا أول لوجوده، وأما وجه الاستحالة في الراجع إلى خلفه، فلأنه تعالى لا يجب عليه مراعات الصلاح والصلح كما سيأتي وكذا يستحيل عليه أن يكون سميعا بأصمخة، وأذان وبصيرا بحدقة واجفان ومتكلما بشفه ولسان.
المقصد الخامس عشر: يجب عليك أن تعتقد وحدة الصفات، بمعنى إن كلا من القدرة والإرادة والعلم وسايرها واحدة، خلافا لأبي سهل الصعلوكي من الأشاعرة، وزعمه أن علمه تعالى متعدد، وإن تعتقد عدم النهاية في متعلقاتها، وقد مر ما تتعلق به القدرة والإرادة والعلم، (1/231)
صفحة 228
وأما السمع والبصر فيتعلقان بكل موجود على المختار، خلافا لمن خصصهما بالمسموعات والمبصرات، ورج ما قاله الصعلوكي بأنه يدخل ما لا نهاية له في الوجود، وهو محال، وبأنه مخالف للإجماع.
فإن قيل كيف يستقيم القول بوحدة علمه تعالى. مع أنه عالم بما سيكون، وبالكاين والعلم بالأول مغاير للعلم بالثاني، لأن العلم بما سيكون يستلزم عدن ذلك المعلوم، والعلم بكونه يستلزم وجوده، فلو كان عينه لزم أن يكون أحداهما تعلق بالشيء على خلاف ما هو عليه.
قلنا: إن البارئ سبحانه في الأزل، يعلن=م وجود الشيء مضافا إلى وقته المعين، كما يعلمه مضافا إلى محله المعين، ويعلم أنه معدوم قبل وجود، وإن كان معا لا يبقى فيعلم عدمه بعد وجوده، فليس علمه مظروفا بالزمان، بل علمه تعلق بإيجاد الموجود مضافا إلى الزمان، فإن الإضافة إليه صفة للفعل، لا ظرف العلم، فليس علمه زمانيا، فيوصف بالماضي والحاضر والمستقبل، وإنما نشأ هذا الغلط من حيث الأخبار عن ذلك المتعلق المخصوص بالقول اللفظي، فإن تقديم زمان الإخبار عن وجود ذلك الفعل سمي الإخبار مستقبلا، وإن تأخر سمي ماضيا، وإن قارن سمي حالا، فالماضي والمستقبل والحال تسميات تعرض باعتبار الإخبار عنه، ما تعلق العلم بوجوده في الزمان المعين فشيء واحد.
وتقرير ذلك إنا لو فرضنا علمنا بقدوم زيد عند طلوع الشمس، من يوم كذا بإخبار صادق، وفرضنا دوام ذلك العلم من غير أن يعرض لنل سهوا، وعقله لم يحتج في قدومه إلى تجدد علم بقدومه، بل ما (1/232)
صفحة 229
وقع هو ما علمناه قبل أن يقع، فمتعلق العلم بما سيكون، والكاين شيء واحد، وهو قدوم زيد في وقت كذا.
تنبيهات الأول: نقول إما عدم النهاية في متعلقات الصفات، فلأنها لو اختصت ببعض ما تصلح له لاستحال ما علم جوازه، وافتقرت إلى مخصص.
وبيانه: أن تقول، لو اختصت صفة المتعلقات ببعض ما تصلح له لانقلب الجائز مستحيلا، والتالي باطل، فالمقدم مثله.
وبيان الملازمة إن البعض الذي لم تتعلق به تلك الصفة مع صلاحية تعلقها، هو في صحة تعلقها، مثل الذي تعلقت به فقصرها في التعلق على غيره، منع لما علمه علمت صحته فتخصيص الصفات بعض ما جاز أن تتعلق به يوجب افتقارها إلى مخصص مختار لاستواء الجميع، بالنسبة إليها، وذلك يوجب حدوثها، وقد عرفت استحالته.
لا يقال جاز التعلق بالجميع، لكن منع منه مانع، لأنا نقول المانع إن صاد الصفة لزم عدمها، وعدم القديم محال، وإلا فلا أثر له وإنصافا فالتعلق نفسي، يستحيل أن يمنع منه مانع، والمانع في حقنا إنما منع وجود الصفة لتعددها بالنسبة إلينا، بدليل صحة ذهولنا عن أحد المعلومين، مع بقاء الآخر لا تعلقها.
الثاني: دليل وجوب وحدة الصفة، إنها لو تعددت بتعدد متعلقاتها للزم دخول ما لا نهاية عددا في الوجود، وإنه محال، وإلا لم يكن لبعض (1/233)
صفحة 230
الأعداد ترجح على بعض، فيفتقر في تغيير بعضها إلى مخصص، وذلك يوجب حدوثها، وقد تبين وجوب قدمها. هف.
فتعين إذا وجوب وحدتها.
فإن قلت العلم في حقنا متعدد بحسب تعدد متعلقة، وكذا غيره، فلو قام العلم مثلا في حقه تعالى مقام معلوم، لجاز أن يقوم في حقه تعالى مقام القدرة، وساير الصفات، مجامع قيامه مقام صفات متغايرة، بل ويلزم عليه أن يجوز قيام ذاته تعالى، مقام الصفات كلها، وذلك مما ياباه كل.
قلنا: الفرق أن التغاير في العلوم الحادثة لأجل التغاير في المتعلق، مع الاتحاد في النوع، فحيث فرضت الوحدة في العلم مثلا أزال التغاير، أما العلم والقدرة وسائر الصفات فمتغايرات بحسب مفهوماتها في حقائقها وتعلقاتها من وجود ثمراتها من خصوص الذات، فلو قام بعضها بذلك الاختبار مقام بعض، لزم قلب الحقائق، والحاصل أن قيام الواحد مقام العدد عند التحاد النوع جائز، لأنه لا يوجد قلب حقيقة، بخلاف قيامه مقامه عند الاختلاف في النوع كالعلم والقدرة مثلا، فإنه لا يمكن أن تقوم صفة واحدة مقامها لأنه يوجب قلب الحقائق واجتماع متضادين في شيء واحد وذلك مما لا يعقل.
الثالث: إن كيفية تعلق المتعلقات بمتعلقاتها ليس من مدارك العقول، سواء قلنا أن التعلق نفسي أو نسبة وإضافة، .. وكذا في التنجيزي والصلاحي، سواء كانت المتعلقات من المؤثرات أو ... لا؟ ولو سئل عاقل عن كيفية تعلق القدرة القديمة بمقدورها؟ لم يمكنه عن ذلك جواب إلا (1/234)
صفحة 231
العجز وامتناع معقولية ذلك؟ بل ... ولو سئل عن كيفية قيام الأعراض المشاهدة بالحس بالجواهر؟ لما أمكنه معقولية ذلك أبدا، فكيف يتعلق المتعلقات بالمقتضيات الخارجة عن محالها، فهو طلب كيفية فيما لا تدرك له كيفية، وقد قامت الأدلة العقلية والنقلية، وشهدت الأفعال الحسية على إثبات مفهومها الصفات، واعتباراتها، وتعلق المتعلق منها، فلا يجب علينا علم بازلها تعلقا ولا كيفية في الأزل، وفيما لا يزال فإن الجهل بأمثال هذا غير مضر في العقائد ... ، وكذا لا يجب علينا أن نعلم، إن المتعلقات هل تعددت واتحدت؟ ولأيها تجددت باعتبارها نسبة أو إضافة أو لا تتجدد؟ باختبار أن التعلق نفسي ولا أنها تتعلق بالمعدوم، في الأزل، على تقدير وجوده فيما لا يزال ضرورة أنه لم يتنجز أو تتجدد في وقت وجوده، فإن ذلك كله من مواقف العقول خير مضر أيضا.
الرابع: أنه ليس المراد من قوله تعالى {إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} 27، أن الممكن يحدث ويتكون بالأمر لأن الكلام غير المؤثر في الإيجاد، وإنما الحدوث بالصفة المؤثرة كما مر، ولا استحالة اقتضاء أمر المعدوم على سبيل التنجيز، وإنما يتعلق الأمر بالمعدوم تعلقا معنويا لا تنجيزيا، وإنما ذلك تمثيل لسرعة نفوذ قدرته وإرادته في الكائنات، وعدم تعاصيها على مشيئة سبحانه من غير علاج ولا تعب ولا تغير لذات ولا صفة، والمعنى أنه إذا أراد وجودها أن تكون في ذلك بمنزلة ما لم يصدر منه سبحانه لها على سبيل الفرض والتقدير سوى مجرد أمرها بأن توجد، فأجابت بأنا وجدت أنفسها على حسب ما أراد منها من بطء أو تعجيل، أو ليس المراد من ذلك ما يظهر من الكلام من صدور الأمر منه تعالى للكائنات بلفظ «كن»، إذ اقتضاء أمر من المعدوم وإجابته بامتثال ذلك في حال العدم مما لا يعقل. (1/235)
صفحة 232
المقصد السادس عشر: في أسمائه تعالى قال المحقق الشماخي، اعلم إن الناس اختلفوا في الاسم والمسمى والتسمية فقال بعضهم، الاسم، هو المسمى، وبعضهم قال، الاسم، هو التسمية وبعضهم، الاسم غير واحد منهما، وبعضهم يقول، تارة يكون هو المسمى، وتارة يكون التسمية، وتارة يكون غيرهما، قال، ولا يتبين هذا إلا بالكشف عن معانيها، فيقال، أن الأشياء لها وجود في الأعيان، وهو الأصلي والحقيقي، كذات زيد مثلا، ولها وجود في الأذهان وهو الوجود العلمي والصوري، لأن صوت المعينات الخارجية تنطبع في الأذهان، ولها وجود في اللسان وهو اللفظي الدليلي وهو الذي يركب من الأصوات، وهو دليل على ما في الذهن صورة دالة على ما في الخارج وما في الخارج هو الحقيقة تدركه أنت أنه طويل أو قصير يقظان أو نائم حي أو ميت ... ، إلى غير ذلك، فاللفظ موضوع للدلالة، وله واضع، وموضع له، فالواضع له هو المسمى بلا خلاف، والوضع هو التسمية والمضوع له، هو المسمى، فإذا قلت، سمى فلان ابنه زيد، ففلان هو الواضع، والمسمى فعله هو التسمية، وذات زيد هم المسمى، ولفظ زيد وهو الحروف المقطعة، هل يطلق عليه الاسم أم لا؟ ... والصحيح أنه يطلق وعليه أدلة:
الأول: إنك إذا نظرت إلى شخص فيقول ما اسمه؟ إذا جهلت اللفظ الدال على ذاته.
الثاني: أنك تقول: أعجمي هذا الاسم أم عربي؟ وإن كان مدلوله على خلاف ذلك. (1/236)
صفحة 233
الثالث: أنك تقول: إذا جهلت ذات «زيد» قلت من هو؟ وإذا جهلت الدال عليه قلت ما هو؟
الرابع: أنه إذا كان شخص جميل وضع له لفظ قبيح يدل عليه، قلت: اسم قبيح وإذا كان كثير الحروف قلت: اسم ثقيل إلى غير ذلك.
الخامس: إنك إذا نظرت في حد الاسم وحقيقته، وجدته راجعا إلى اللفظ ولم يجده أحد بما يدل على المسمى، وهذا كما قال كاف لمن كان بصير أو نظيره الحركة هي: النقلة والمتحرك، هو الفاعل والتحريك فعله والمحرك هو المفعول به، وهو الشيء الذي فيه الحركة ... فإن قلت كيف وجه من يقول الاسم هو المسمى؟ قلت، إذ قلت رأيت اليوم «زيدا»، تصور المخاطب بهذا صورة ذاته، فصارت حقيقة في نفوس السامعين وكذا .. إذا قلت: خرج عمر، والله ربنا خالق كل شيء، قال: ولهذا قال: أصحابنا: من قال الله مخلوق فهو مشرك وهذا مجمع عليه، واختلفوا هل ذا من باب الحقيقة؟ وإن الاسم هو المسمى؟ أو من باب المجاز، وإن الاسم هو اللفظ، وإنما أطلقت الألفاظ على المعاني، لمغيبها عن الحواس وعدم مشاهدتها، لأنه لو كانت الأشياء كلها بحيث تدركها الحواس ولا تغيب عنها، لما وضعت الأسماء ولما احتيج إليها، ولكن لما كانت تغيب عن الحواس بل أكثرها غير مشاهد وضعت الأسماء لأجل ذلك لتنوب من النفوس مناسب المعاني، فصار من سمع الاسم تصور المعنى، فكأنه يشاهد ويراه، فقيل: الاسم هو المسمى لضرب من التأويل، يعني مجازا ويراه، فقيل: من باب إطلاق السبب على المسبب، فإن اللفظ غالبا هو السبب في فهم المعنى، وأيضا إنك إذا قلت «زيد» حي ومتحرك كان الحي والمتحرك وما شاكلها من الأسماء المشتقات هي (1/237)
صفحة 234
نفس المسمى لوجود الحياة والحركة وغيرهما في المسمى حقيقة لا مجاز فيه.
وحاصل ذلك أن الاسم غير التسمية لأنها تخصيص الاسم ووضعه لشيء، ولا شك أن تخصيص الاسم شيء مغاير للاسم كما تشهد به البديهة، وأيضا التسمية كما فعل الواضع، وأنه منقض فيما مضى من الزمان وليس الاسم كذلك، ولا يشك عاقل في أنه ليس النزاع في لفظه «فرس» مثلا؟ أهي نفس الحيوان المخصوص؟ وغيره؟ فإن هذا مما لا يشبه على أحد، بل النزاع في مدلول الاسم، أهو الذات من حيث هي هي؟ أم هو الذات باختيار أمر صادق عليه عارض له يبنى عليه؟، قال الأمدي، اتفق العقلاء على المغايرة بين التسمية والمسمى، وذهب أكثر أصحابه إلى أن التسمية هي نفس الأقوال الدالة، وأن الاسم هو نفس المدلول، ثم اختلف هؤلاء، فذهب «ابن فورك» وغيره، إلى أن كل اسم فهو نفس المسمى بعينه، فقولك الله قول دال على اسم هو المسمى، وكذا قولك عالم أو خالق فإنه يدل على الذات الموصوف بكونه عالما وخالقا، وقال بعضهم، من الأسماء ما هو عين كالوجود والذات، ومنها ما هو غير كالخالق والرازق، فإن المسمى ذاته والاسم هو نفس الخالق وخلقه غير ذاته، ومنها ما ليس عينا ولا غيرا كالعالم فإن المسمى ذاته، والاسم علمه الذي هو ليس عين ذاته ولا غيرها.
وذهبت المعتزلة، إلى أن الاسم هو التسمية، ووافقهم على ذلك بعض المتأخرين من الأشاعرة، وذهب بعضهم غلى أن لفظ الاسم مشترك بين التسمية والمسمى، فيطلق على كل منهما، ويفهم المقصود بحسب القرائض. (1/238)
صفحة 235
قال المحقوق السيد: ويكسى ما ذهب إليه ابن فورك، هو مقتضى إطلاق أصحابنا رحمهم الله.
قال الشماخي: وغيره، والخلاف لفظي، وقيل بل هو معنوي وذلك إنك إذا سميت شيئا باسم فالنظر في ثلاثة أشياء، وذلك الاسم وهو اللفظ ومعناه قبل التسمية، ومعناه بعدها وهو الذات التي أطلق عليها اللفظ والذات، واللفظ متغايران قطعا والنحاة إنما يطلقون الاسم على اللفظ، لأنهم إما يتكلمون في الألفاظ، وهي غير المسمى قطعا عند الفريقين، والذات هي المسمى عند الفريقين، وليس هو اللفظ قطعا، والخلاف في الأمر الثاني، وهو معنى اللفظ قبل التسمية، فعلى قواعد المتكلمين يطلقون الاسم عليه، ويختلفون في أنه من الثالث أم لا؟ فالخلاف عندهم في الاسم المعنوي هل المسمى أم لا؟ .. لا في الاسم اللفظي.
تنبيهات:
الأول: اعلم أن النكار، ممن يريد بالاسم اللفظ، ويريد به أصحابنا المعنى، وقد يطلق الاسم على اللفظ، وذلك عند أهل اللغة والنحو، قال الشماخي: وأصحابنا يقولون في كتبهم باب تفسير الأسماء الحسنى وقوله: {قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ} 28 الآية يأتي من بعد اسمه أحمد، وهو كثير، بل حدود الاسم عند أصحابنا كافة، إنما هو مما يفهم منه، ويظهر أنه اللفظ، إذا تأملت فافهم إلى أن قال: ولا يمنعون إطلاق الاسم غلى اللفظ البتة، بل قد يمنع، وقد يجوز قال: فإن قلت لم جعلت: {قُلِ ادْعُواْ اللّهَ} 29 الآية من هذا القبيل، وادعوا هنا متع
إلى واحد، والذي بمعنى سمي يتعدى إلى الاثنين والأصل عدم التقدير ... (1/239)
صفحة 236
قلت: لو حمل على غير معنى، سمى للزم، أما الشرك أن جعلت مسمى الله غير مسمى الرحمن، أو عطف شيء على نفسه أن كان عينه، وكلاهما معلوم البطلان، وأصح العطف بالواو باعتبار الصفات، فلا يصح بأو البتة، لأنها لأحد الشيئين المتغايرين، .. وأيضا أن التنجيز يكون بين الشيئين ... وأيضا يمنعه {أَيّاً مَّا تَدْعُواْ} 30 لأن أيا تكون لواحد من جماعة أو جزء من أجزاء، والتنوين عوض، وأما توكيد أي هذين الأسمين سميتموه وذكرتموه، وأيضا {فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} 31 فإن الجمع والتأنيث فيه راجعا إلى اللفظ وكذا {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} 32 {وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} 33 وهذا كله يراد به اللفظ في الظاهر، قال بعض المفسرين: الأسماء ها هنا بمعنى التسميات إجماعا من المتأولين لا يمكن غيره، والإلحاد أنما هو في التسمية ضرورة أنه الجور والميل والانحراف من جهات العرب كما علم في محله.
الثاني: أعلم أنه ليس في وصف الله تعالى بأنه الأول والأخر والظاهر والباطن، وبأنه قريب وبعيد، ومن اجتماع الوصف له والمتضادين شيء، كما قد يتوهم إذا ليس في وصفه بواحد من ذلك ما يمنع وصفه بمقابله، فإن الأول من تأويل القديم، لذلك لا يقال لغيرة أولا إلا بصلة كإضافية كأول قومه أو إخوته والأخر من تأويل الباقي كذلك، والظاهر بالدلائل عليه والباطن عن درك الحواس ومشاهدة الخلق، أو الظاهر الذي لا بعلم ولا يخفي، والباطن الذي يعلم ولا يشاهد ولا يجاهد ...
وفي القريب والبعيد تأويلات .. أحدها أنه قريب، أي غير منفصل عن الخلق، لا لاستلزام الانفصال العزلة والفرجة بينة وبين خلقة وكل ذلك من صفات الإجرام .. وبعيد أي غير ما تزم بالخلق وغير مماس له، كذلك (1/240)
صفحة 237
فالقرب والبعد صفتان فالقرب والبعد صفتان موجبتان، ففي الانفصال والالتزاق عنه تعالي، إذا كلاهما من صفات الأجسام.
وثانيها: إنه قريب لا علا الالتزاق والماسة، وبعيد لا على الانفصال والمفارجة، كما هما في شأن الخلق بمعني أن قربة وبعدة على غير معني الخلق وبعدة.
وثالثها: أنه قريب المعرفة، بالدلائل وبعيد المعرفة، بالمشاهدة بالحواس.
ورابعها: أنه قريب في استجاب الاتصاف بالوحدانية، وسائر كمالاته التي يتصف بها، وبعيد مما يتصف به المحدث، بمعني أنه لا يشبهه بوجه من الوجوه، كما يقال أنة داخل في صفات القدم وخارج من صفات الحدث.
خامسها: انه قريب في الإجابة لعباده إذا دعوه، وبعيد النظر إلى الكفار بالرحمة الخاصة، وقد يقال أنه قريب من أوليائه بعيد من أعدائه.
وسادسها: انه قريب من جميع خلقه، بمعنى أنه لا يخفى عنه منهم خافية، ضرورة أن الخلق صنعته والصنعة لا تغيب عن صانعها، وبعيد من الاتصاف مما يتصف به خلقه، ولا يخفى انه في بعيد يتكرر مع التأويل الرابع، ولم يظهر لي فيه وجه يغاير الوجوه السابقة، وكذا جميع ما يوهم الأنصاف له مما يوجب اجتماع متضادين كالحب والبغض والرضي والسخط والولاية والعداوة كما مر، فلاختلاف متعلقى كل من (1/241)
صفحة 238
المتقابلين يندفع اجتماع التضاد كما بيناه، ولا تتقلب صفاته، فلا يقال أحب بعد ما عادى ولا رضي بعد ما سخط، في أمثالها وصح ذلك في أفعاله كما يقال أمات بعد ما أحيا، وأحييا بعد ما أمات، أو بعد ما لم يحيى، وأمر بعد ما نهى، ونهى بعد ما أمر أو أمر بعد ما لم يأمر، ونهى بعد ما لم ينه وأثاب، وعاقب بعد ما لم يعاقب، في أمثال ذلك والله أعلم.
المرصد الثالث: في وجوب الوحدانية لله تعالى مطلقا وفيه مقاصد:
الأول: في معنى الوحدة، وفي أقسامها، أما معناها فقال: البيضاوي، هي كون الشيء بحيث لا ينقسم إلى أمور متشاركة في الماهية، وتعريفه، كما قيل: شامل للواحد الحقيقي، وهو ما لا يقبل القسمة أصلا، وللواحد الأضافى وهو ما يقبلها، لكن لا إلى أمور متساوية في الحقيقة كالإنسان المنقسم إلى الأعضاء المختلفة، من يد ورجل ونحوهما، فأنها غير متساوية في الماهية، ولكنه يخرج عن تعريفه ما انقسم إلى أمور متساوية في الماهية، كجمع نقط من عسل أو ماء ونحوهما.
وقال: الفخر، الواحد في إصلاح المتكلمين، هو الشيء الذي لا ينقسم، واحترز بذلك من اصطلاح الفلاسفة، فان الواحد عندهم يطلق على أمور تعرف مما يأتي، وبالذي يسمى واحد عند المتكلمين وان كان يسمى في اللغة وعند الفلاسفة .. وقد اختلف في الوحدة، فقيل هي صفة سلبية، وهى عبارة عن سلب الكثرة، وهو التحقيق، وقيل صفة نفسية. (1/242)
صفحة 239
وأقسام الوحدة كثيرة، الواحد الحقيقي، والواحد بالشخص، والواحد بالنوع، والواحد بالجنس، والواحد بالفصل، والواحد بالعرض، ثم الواحد بالشخص، أما واحد بالاتصال أو بالإجماع، ويسمى الواحد بالتركيب والارتباط أيضا، ثم الواحد بالعرض أما واحد بالمحمول أو بالموضوع، فهذه أقسام ثمانية، ووجه التقسيم إليها أن الواحد أما أن يكون بحيث لا ينقسم بوجه ما أولا، والأول: الحقيقي، والثاني: أما أن يكون بحيث يمتنع على كثير كزيد فهو الواحد بالشخص، وإما أن يكون بحيث لا يمتنع، ولا بد أن يكون واحدا من وجه كثيرا من وجه، ويجب تغاير الوجهين لتنافيهما، وإذا كان كذلك فجهة الوحدة أما أن تكون نفس الماهية لعروض الكثرة أو جزءا منها أو خارجا عنها.
والأول، هو الواحد بالنوع كاتحاد زيد وعمرو في الإنسانية.
الثاني: وهو جزء من الماهية، أما أن يعم حقيقتين فأكثر، وهو الواحد بالجنس، كاتحاد الإنسان والفرس في الحيوانية، أو يختص بحقيقة واحدة، وهو الواحد بالفصل، كاتحاد زيد وعمرو في الناطقية.
والثالث: وهو الواحد بالعرض، قسمان، لأنه أما أن تكون جهة الاتحاد فيه محمولة على المتتعد، كاتحاد القطن والثلج في حمل البياض عليها، وهو الواحد بالمحمول، أو موضوعة له كاتحاد الكاتب والضاحك في وضع الإنسان لهما، بمعنى أنهما يحملان عليه وهو الواحد بالموضوع ثم الواحد بالشخص القابل للقسمة، أما أن تكون الأقسام التي تحصل فيه بالقسمة متشابهة بالاسم والحد، وهو الواحد بالاتصال، سواء (1/243)
صفحة 240
كان قبوله للقسمة أو لغيره كالمجسم البسيط فإنه يقبلها بواسطة المقدار، أو تكون الأقسام فيه مختلفة كالبدن المنقسم إلى الأعضاء، وهو الواحد بالاجتماع، وبالتركيب وبالارتباط أيضا، وإذا عرفت هذا فأعلم، أن المراد من كونه جل وعلا واحدا نفي قبوله الانقسام ونفي نظير له في الإلوهية.
وحاصلة، بقى الكمية، والمنفصلة، وفي معنى نفي النظير له في ذلك عنه، نفي شريك معه في جميع الممكنات، فلا مؤثر فيه سواه، فهو الواحد في ذاته، أي غير مؤلف من جزءين فأكثر، والواحد في أفعاله فلا شريك له فيها ولا ضد ولا وزير، والواحد في عبادته، بمعنى أنه لا مستحق للعبادة سواه.
كما حكي من رابعة العدنية وهي من الخواص أنها قالت: يا رب ما عبدتك طمعا في جنتك ولا خوفا من نارك ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك، وليست الواحدة الثابتة لذاته بمعنى تناهيه في الدقة والصغر، إلى حد لا ينقسم، وإلا للزم أن يكون تعالى جوهرا، ولا بمعنى من المعاني، لأن المعاني لا تقبل القسمة لذاتها، وإلا للزم أن يكون صفة غير قائم بنفسه بل محتجا إلى محل يقوم به.
وبالجملة فالمقطوع به شهادة البراهين العقلية والقواطع السمعية، إنه جل وعلا، ذات قائم بنفسه مستغن عن المحل والمؤثر، لوجوب وجوده موصوفا بما لا يحاط به من صفات الإجلال والإكرام، ليس بصفة من الصفات، ولا بجرم تجري عليه الحوادث والتغيرات، ولا تمر عليه الأزمنة ولا يتخصص بالجهات، لا يقبل افتقارا ولا اجتماعا ولا صغرا (1/244)
صفحة 241
ولا كبرا ولا مثل له ولا نظير ولا ضد ولا وزير، كل المكنات مفتقرة إليه وهو الغنى عن جميعها، وهو على شيء قدير.
تنبيه، البسيط في اصطلاح الحكماء، هو الذي لا يتألف من أجزاء مختلفة الطبائع كالماء والعسل والمركب ما يقابله كالحيوان.
المقصد الثاني: يجب أن يكون الله تعالى واحدا، إذا لو كان معه ثان للزم أما عجزهما أو أدهما عند الاختلاف، أو قهرهما أو قهر أحدهما عند الاتفاق الواجب، مع استحالة ما علم إمكانه لكل واحد منهما، للاستغناء بكل منهما عن كل منهما، فإن لم يجب اتفاقهما، بل جاز اختلافهما لزم قبولها العجز وعاد الأول.
وبيان ذلك، أن الكلام هنا مرتب على ثلاثة مطالب:
الأول: إقامة البرهان على وحدة الذات، بالمعنى السابق.
الثاني: نفى النظير أو قسم له في الأولهية، وفي معناه انفراده بإيجاد جميع الكائنات ذواتا كانت أفعالا، وعدم إسناد التأثير لغيره في شيء من الممكنات.
الثالث: وحدته تعالى بمعنى مخالفته لجميع الحوادث، فلا مثل له منها كما أنه لا ضد له فيها، أما المطلب الأول: فقد سبق الكلام عليه، عند ذكر تنزيهه تعالى عن الجريمة والتركيب، وأما الثاني، فتعرض له هنا، فتقول: الدليل على نفى شريك له تعالى في الأولهية، أنه لو كان معه اله آخر لم يخل، إما أن يختلفا في الإرادة على حكم التضاد، أو (1/245)
صفحة 242
يتفقا، والتالي بقسميه محال، فالمقدم مثله أما الملازمة، فدليلها، ما سبق من وجوب عموم تعلق إرادته تعالى وقدرته وسائر صفاته المتعلقة فلو كان ثم الهان؟ لوجب تعلق إرادة كل منهما، وقدرته بكل، ومهما تعلق بالفعل إرادتان، لم يخل من الاتفاق عليه، أو التباين، وأما بطلان التالي، فبطلان طرفيه، وهما الاختلاف والاتفاق.
فوجه بطلان الطرف الأول: وهو الاختلاف أن تقول: لو اختلفا في الفعل، بأن يريد أحدهما وجود الجسم والآخر عدمه، أو يريد أحدهما تحركه والآخر تسكينه، للزم عجزهما معا، أو عجز أحدهما مع زيادة مستحيلات سيذكرها، وذلك لان نفوذ اراديتهما معا مستحيلا، لما يؤدي إليه من اجتماع النقيضين، أو ما في حكمهما، فيكون الجوهر في الزمان الواحد موجودا معدوما أو متحركا ساكنا، وذلك لا يعقل فإذا لا بد من تعطيا النفوذ لأحدى الإرادتين أو لكليهما، فان تعطلتا معا لزم عجز الإلهين بتعذر الفعل من كل منهما، ويلزم أيضا عليه خلو المحل عن النقيضين، وأيضا فلا مانع من نفوذ إرادة كل واحدة منهما وقدرته إلى نفوذ إرادة الآخر وقدرته، فإذا لم تنفذ الإرادتان، فان لزم وجود الفعل بهما وعدم وجوده بهما، أن ثبت المانع أو حصول المانع من غير مانع، إن لم يثبت المانع فهذه ثلاثة أوجه من الاستحالات، كلها تلزم على تعذر تعطيل الإرادتين، وأما إن كانت إرادة واحد منهما خاصة، هي المتعلقة فهو مستحيل من أوجه. أحدهما: يلزم عليه عدم عموم تعلق إرادة الإله قدرته، وقد أسلفنا أن ذلك مستحيل، وإذا استحال لم يمكن أحد الإلهين أقدر من الآخر. (1/246)
صفحة 243
ثانيها: أنه يلزم عليه عجز من تتعذر إرادته، مع كونه إلها، والعجز على الإله محال، لما سيأتي.
ثالثها: أنه يلزم عليه عجز الإله الذي نفدت إرادته أيضا، لأنهما مثلان، فيجب لأحدهما ما وجب للأخر.
رابعها: أنه يلزم عليه الترجيح لأحد المثلين على مثله بصفة من غير مرجح، فإن فرض المرجح لزم حدوثهما، ونقلنا الكلام إلى الثاني فيلزم التسلسل.
وأما بطلان الطرف الثاني من التالي وهو الاتفاق فمن أوجه، وذلك أن الاتفاق أما أن يكون واجبا، أو جائزا، فيلزم في الاتفاق الواجب أن يكون كل منهما مقهورا غير مختار، إن كان كل منهما لا يقدر على مخالفة الآخر، وإن كان أحدهما يقدر عليها دون الآخر، لزم قهر الذي يقدر عليها، ونفي كونه مختارا، لأن المختار هو الذي يتأتى منه الفعل، أو الترك، فإذا كان اتفاقهما معا وأحدهما واجبا لم يتأت من المجبور منهما ترك ما أختاره الأخر، فكيف وربك يخلق ما يشاء ويختار، وأيضا يلزم من قهر أحدهما قهر الأخر، لأنه مثله، ويلزم الافتقار إلى المرجح وفي تخصيص أحد المثلين بما لم يثبت لمثله، ويلزم أيضا في الاتفاق الواجب انقلاب الممكن مستحيلا، لأن كل واحد منهما إذا نظرنا إليه منفردا أمكن أن يوجد كلا من الحركة والسكون مثلا، لأنه إله لا جزء إله، فإذا فرضنا تعلق إرادة أحدهما بخصوص الحركة مثلا، صار وقوع السكون الممكن من الأخر مستحيلا، وذلك قلب الحقائق، وأيضا كون المانع له (1/247)
صفحة 244
تعلق إرادة الأخر بضده، يلزم منه إيجاب المانع حكم المنع ما لم يقم به، وذلك كله محال.
يلزم أيضا في الاتفاق الواجب، عدم تحقق وجوب الوجود لكل منهما، لأن تحقق وجوب الوجود إنما يثبت للإله، من حيث توقف وجود الحوادث، عليه، لئلا يلزم الدور والتسلسل عند تقدير جواز وجوده، فإذا قدر أن ثم الهين لم ينفردا أحدهما عن الأخر بشيء، بل هما متفقان أبدا، لزم عدم توقف الحوادث على خصوص كل واحد منهما، فلا يتحقق وجوب الوجود لكل منهما، إذ على تقدير عدمه تستغني الحوادث عنه بصاحبه، والإله متحقق وجوب وجوده، وهذا معنى قولنا،، فيما سبق للاستغناء بكل منهما على الخصوص.
فإن قلت: يكون وجوب الوجود متحققا لأحدهما لا بعينه، قلت: فيثبت جواز الوجود لأحدهما لا بعينه، وتمائلها يمنع اختلافها في في الجواز والوجوب، فإن قلت: تمنع أن الفعل يستغنى بأحدهما عن الأخر، بأن لا يوجد إلا بهما فوجودهما واجب، قلت، فيلزم أن يكون كل منهما جزء الإله لا إلها، فيقوم بكل واحد منهما جزء العلم، وجزء الإرادة إلى غير ذلك مما لا يقول به إلا معتوه، أو مبرسم، وإذا كان تركيب الإله من جزءين متصلين محالا، فما بالك من تركيبة من جزءين منفصلين.
ويلزم أيضا من وجوب استبداد الحوادث بكل منهم على الأخر أن تكون محتاجة إلى كل منهما غنية عن كل واحد منهما، وهو جمع بين متتاليين، وهذا اللازم كما قيل، أقوى من الذي قبله، لأن السابق قد (1/248)
صفحة 245
يرعى فيه أنه من باب التمسك، بعكس الدليل، والمراد من قولنا وإن لم يجب اتفاقهما بل جاز اختلافهما: لزم قبولهما العجز، وعاد الأول أنه هو النوع الثاني من نوعي الاتفاق، وهو الاتفاق الجائز، فقد ذكرنا في وجه بطلاته أنه يلزم فيه ما لزم في الاختلاف من عجزها، أو عجز أحدهما، أعني مع سائر الاستحالات التي ذكرناها هنالك، وذلك ظاهر لأنه كلما كان الاتفاق جائزا كان الاختلاف جائزا، لأن جواز أحد المتقابلين يستلزم جواز الأخر، لكن التالي باطل لما مر من استحالة الاختلاف من أوجه، فالمقدم مثله، وهو كون الاتفاق جائزا محال.
وبعبارة أخرى: أن تقول: كلما جاز اتفاقهما، جاز اختلافهما، وكلما جاز اختلافهما، لزم قبولهما العجز، لأن الاختلاف ملزوم العجز، فالقابل للاختلاف قابل للعجز ضرورة، أن القابل للزوم الشيء قابل للازمة، فينتج أذن كلما جاز اتفاقهما لزم قبولهما العجز، وهذا التقدير أنسب لما قدمناه صدر البحث.
المقصد الثالث: أنه يلزم أيضا في الاتفاق، سواء قدر واجبا أو جائزا للعجز، لأن الفعل يستحيل عليه الانقسام فيتمانعان فيه، فيلزم عجزها أو عجز أحدهما كما في الاختلاف، والاختلاف على الإله محال، لأنه يضاد القدرة، فإن كان قديما لزم استحالة عدمه، فيجب أن لا يقدر هذا الإله على شيء دائما، وإن كان حادثا فضده، وهو القدرة قديمة، فيستحيل عدمها فلا يوجد العجز، وأيضا يستحيل اتصاف الإله بصفة حادثة.
وحاصل ذلك، أن الإله لو اتصف بالعجز، لكان ذلك العجز أما (1/249)
صفحة 246
حادثا أو قديما، ضرورة أن كل موجود منحصر في القسمين، لكن كونه قديما محال، لأنه يؤدي إلى استحالة اتصاف الإله بالقدرة، وقد عرفت وجوب كونه قادرا، وذلك لأنه اتصف بها مع العجز، لزم اجتماع الضدين، وإن اتصف بها مع عدم العجز، لزم اجتماع الضدين، وإن اتصف بها مع عدم العجز، لزم انعدام ما ثبت قدمه، وكذا أيضا كون العجز حادثا فضده، وهو القدرة قديمة، فإن اتصف بالعجز مع وجود القدرة لزم اجتماع الضدين، وإلا لزم عدم القديم كما مر، وأيضا فاتصاف الإله بالعجز الحادث محال لما سبق من وجوب القدم لجميع صفات ذاته، واستحالة اتصافه بصفة حادثه، وأيضا يستحيل أن يتصف الإله بالعجز مطلقا، لأنه في حق كامل حي نقص، واتصاف الإله بالنقائض محال عقلا ونقلا. واستدل على استحالة اتصاف الإله بالعجز، بأنه لو كان عاجزا لكان عاجزا بعجز قديم، لاستحالة اتصافه بالحوادث، والعجز القديم محال، لأنه يستدعي معجوزا عنه، وهو لا يمكن إلا ممكنا ولا ممكن في الأزل، لا يقال ما ذكر لازم عليكم بإثبات القدرة أزلا، فإن أثباتها يستدعي مقدورا، وهو لا يكون إلا ممكنا، ولا ممكن في الأزل، فيلزم أن لا قدرة ولا قادر في الأزل لأنا نقول: معنى القدرة، صفة يتأتى بها إيقاع الفعل، ولا يلزم من الوصف على ما مر بالقدرة وجود المقدور بها، بل يتأتى أن يفعل بها حيث يمكن الفعل، والفعل في الأزل محال، فثبت أن القدرة الأزلية متعلقة بصحة الفعل فيما لا يزال، فأما العجز فمعناه، تعذر ما يحاول إيجاده، فلا يثبت بمعنى الصلاحية، لأن الصالح لأن يعجز لا يكون عاجزا في الحال بل قادرا، فالعجز إذن، لا يكون إلا بالفعل لا بالصلاحية. (1/250)
صفحة 247
تنبيهات، الأول، أنه يصح تعلق القدرة على معنى الصلاحية، وعى معنى افعل، بخلاف العجز لأن الصالح لأن يعجز ليس بعاجز في الحال، بخلاف من يتأتى أن يفعل فإنه قادرا، فالقدرة للقادر مثلا، ولله المثل الأعلى كالقلم يعده الكاتب ليكتب به في الوقت الذي يصح فيه الفعل، هذا تقريب لفهم وجود القدرة في الأزل مع عدم وجود الممكن فيه، وقيل: القدرة للقادر حالة يحصل بها الإيجاد، كالسيف يحصل به القطع، والقلم يحصل به الكتابة، وليس من لوازمها التعلق، بل صفة قابلة له، يعني التعلق التنجيزي، وكذا الإرادة أيضا تتعلق على المعنى الثاني، بخلاف العلم فلا يتعلق إلا تنجيزيا، لأن المتأني منه أن يعلم ليس بعالم كما مر في العجز.
وأما السمع والبصر، فلهما التعلق التنجيزي منه قديم، وهو تعلقها في الأزل بالذات العلية، فإنك قد علمت مما مر أنهما يتعلقان بكل موجود ومنه حادث، وهو تعلقهما بالممكن، وقد يعبر عن هذا بالتعلق الصلاحي، وهو ثابت في الأزل، وعلى القول بأن التعلق نسبة أو إضافة فلا إشكال فيه.
الثاني: إنه قد يقال في تعريف العجز، بما هو تسامح فإنه أمر وجودي يضاد القدرة، والتغير يشعر بالعدم، وقد يتجوز بإطلاق العجز على نفي القدرة، كقولنا: فلان عاجز عن الصعود إلى السماء والدخول في الأرض ونحو ذلك.
نعم، مذهب الحكماء، أن العجز عبارة عن عدم القدرة، عما من شأنه أن يقدر على الفعل، والدليل، عليه، أنه مهما تصورنا هذا العدم، (1/251)
صفحة 248
حكمنا بكونه عاجزا، وإن لم نعقل فيه أمرا آخر، وذلك يدل على أنا لم نعقل من العجز إلا هذا العدم، واحتج الجمهور، على أن العجز عرض موجود يضاد القدرة، بالقطع بأن في الزمن معنى لا يوجد في الممنوع مع اشتراكهما في عدم التمكن من الفعل.
المقصد الرابع: أنه قد يقال: لا نسلم أنه يلزم من وجود إله ثان عجزهما أو عجز أحدهما، لأن ذلك إنما يلزم أن لو كان يجب أن يتعلق إرادة كل منهما وقدرته بمراد الأخر ومقدوره، فلم لا يجوز أ يكون أحدهما قسما للأخر، بحيث ينقسم العالم بينهما قسمين، كل واحد ينفرد بقسم منه، فلا ينبغي تزاحم بينهما ولا تمانع، حتى لا يلزم عجزهما أو عجز أحدهما.
فجوابه من وجهين، الأول: أن القسم محال لما عرفت من وجوب عموم تعق إرادة الإله وقدرته، فإذا يجب تعلق إرادة كل منهما بكل ممكن فيلزم التمانع كما هو.
الثاني: أن أحد النوعين الذي تعلقت به إرادة أحدهما أو قدرته أن كان مماثلا للنوع الأخر، الذي هو مقدور الإله الثاني، ومراده كأن يكون معاني الجواهر لزم عموم قدرة كل منهما إرادته للنوعين ضرورة أن القادر على أحد المثلين قادر على مثله، وإن كان مخالفا له كأن يكون أحدهما جواهر والآخر، أعراضا فهو محال من وجهين، أحدهما، أن الجوهر والعرض مما لا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر، استحال تصور القدرة على أحدهما بدون الآخر، وثانيهما، أن التمانع لا ينتفي بذلك على تقدير تسليمه، لأنه من الجائز أن يريد أحدهما وجود الجوهر، (1/252)
صفحة 249
والآخر يريد عدم العرض أو بالعكس، ونفوذ الإرادتين معا محال، فيلزم أما عجزهما، أو عجز أحدهما، قلت: ويصح أيضا أن يجاب عن هذا الإيراد بأن اختصاص أحد الإلهين بنوع دون، نظيره يلزم فيه التخصيص بلا مخصص إذ ليس اختصاص أحدهما بنوع بأولى من اختصاص الآخر به فإن فرض ثم مخصص لهما بما اختصا به لزم حدوثهما. فإن قلت: لعل ذلك التخصيص باختيارهما.
قلت: لو صح لتأتى منهما تركه، بأن يتصرف كل واحد منهما في مقدور الآخر ومراده، لكن التالي باطل لما يلزم عليه من التمانع، فالمقدم وهو كون التخصيص باختيارهما باطل أيضا، فتعين أن يكون التخصيص من الغير، فلزم التخصيص بلا مخصص، وكلا الأمرين محال، وإذا عرفت بطلان أن يكون معه تعالى قسيم عرفت بطلان ما ذهبت إليه الثنوية القائلون بالهين تعالى عن ذلك، وشبهتهم في ذلك أن قالوا: إنا وجدنا في الموجدات الممكنة خيرا وشرا ونظاما وفسادا وخلافا، واختلاف دلالة العقل بالتضاد يدل على اختلاف الفاعل بالتضاد، فدل على أن فاعل الخير غير فاعل الشر، وقد ساكت المعتزلة هذا المسلك حيث قالوا: فاعل الخير يقال له خير وفاعل الشر يقال له شرير، فالشر قالوا ليس من فعل الله.
أجاب المتكلمون بأن الأفعال تنسب إلى الله، من حيث تجددها وافتقارها إلى المخصص، وذلك لا يختلف بكونها خيرا وشرا فإنهما أمران إضافيان ليسا من صفات نفس الأفعال، فإن قتل الشخص المعين قد يكون شرا بالنسبة إلى أوليائه، وخيرا بالنسبة إلى أعدائه، وإذا تحقق أن الحسن والقبيح يرجعان إلى الشرع، بمعنى الحسن هو المقول فيه، (1/253)
صفحة 250
افعلوه ومعنى القبيح وهو المقول فيه لا تفعلوه، وذلك لا يتحقق إلا بالنسبة إلى العباد، فالأفعال كلها بالنسبة إلى الله تعالى حسنة، إذ معنى الحسن ما لفاعله أن يفعله، وما ورد أثناء على فاعله، والأفعال كلها بالنسبة إلى الله تعالى كذلك، لأن له تعالى أن يفعل كل ممكن وهو المثنى عليه بكل كمال، وأما قول المعتزلة أن فاعل الشر شرير فليس بلازم كما مر، فإن أسماءه تعالى توقيفية
أو يقال، إنما لا يطلق عليه في ذلك لما فيه من النقص الذي يجب تنزيه الباري تعالى عنه، وله الأسماء الحسنى فيقال له: يا خالق كل شيء، ولا يقال له: يا خالق القرد والخنازير.
تنبيه: قال بعضهم ليس المباح بحسن ولا قبيح، وكذا المكروه بناء على أنهما واسطة، وعلى أن الحسن ما أمر بالثناء عليه والقبيح ما أمر بالذم، وقيل: بالواسطة في المكروه فقط، بناء على أن الحسن ما ساغ الثناء عليه، والقبيح ما ساغ الذم، عليه فيخرج المكروه عنهما، ويدخل المباح في الحسن، لأنه يسوغ الثناء عليه وإن لم يؤمر به،
والصحيح كما قال بعضهم: أن لا واسطة، وأن المباح حسن، والمكروه قبيح، بناء على أن الحسن هو المأذون فيه فيشمل الواجب، والمندوب، والمباح، والقبيح هو النهى عنه فيشمل، الحرام، والمكروه.
المقصد الخامس: اعلم أن عقود التوحيد على ثلاثة أقسام:
الأول: ما لا يصح الاستدلال عليه إلا بالدليل العقلي والقطعي، وهو كل ما يتوقف ثبوت المعجزة، عليه كوجوده تعال، وقدمه، وإرادته، وحياته، إذ لو استدل على هذه الأمور بالسمع للزم الدور. (1/254)
صفحة 251
الثاني: ما لا يصح الاستدلال عليه إلا بالسمع، وهو كل ما يرجع إلى وقوع جائر، كالعبث، وسؤال المكلفين، من الملكين في القبر، والصراط، والميزان، والثواب، والعقاب، والجنة، والنار، وغير ذلك مما لا يحصى كثيرة لأن غاية ما يدركه العقل وحده من هذه الأمور، جوازها، وأما وقوعها فلا طريق له إلا السمع.
الثالث: ما يصح الاستدلال عليه بالعقل والفعل، بحيث يستقل كل واحد منهما بالدلالة عليه، وهو ما ليس بوقوع جائز، ولا يتوقف ثبوت المعجزة عليه، وذلك كإثبات سمعه تعالى وبصره وكلامه، وجواز تلك الأمور التي أخبر الشرع بوقوعها، وقد اختلف في معرفة الوحدانية، فقيل: هي من هذا القسم الثالث، فيصبح الاستناد فيها إلى كل من العقل والنقل، بمعنى أن كل واحد منهما على الإنفراد يخرج من ريقه التقليد، وقيل: هي من القسم الأول، قال العلامة الشماخي للمعتزلة في حكم التحسين والتقبيح بالعقل، حجج كثيرة منها، لو لم يكن الحاكم عقليا بل كان شرعيا، للزم إفحام الرسل، بيانه، أنه إذا قال الرسول الشخصي: انظر في معجزتي كي تعلم صدقي فيقول له: لا أنظر حتى يجب على حتى أنظر، قلنا: وجوب النظر لازم نظرا أو لم ينظر.
وقال أصحابنا والأشاعرة: أن الحاكم هو الشرع ويتفرغ عليه أمران أحدهما إن شكر المنعم، ليس بواجب عقلا عندنا خلافا للمعتزلة، والثاني، الأشياء قبل ورود الشرع، حكمها عندنا وعند معتزلة بغداد وابن أبي هريرة على الحظر، ن وعند الشيخ أبي يحيى ابن أبي زكريا، واختاره الإمام أبو يعقوب، وعند معتزلة البصرة وطائفة من الحنفية والشافعية على الإباحة، وعند الأشعري، ن والسيرافي على الوقف، لكن (1/255)
صفحة 252
أدلة المعتزلة: راجعة إلى العقل، وعند غيرهم إلى الشرع، واجتمعت الأمة إلا من لا يعبأ بخلافة على أن الله أوجب على العبد الإيمان به، ثم اختلفوا.
فقال أصحابنا: أوجب الله على العباد معرفته سمعوا أو لم يسمعوا، وكذا ما يدعو إليه الرسول عليه السلام، لأن الحجة فيما لا يسمع إلزام الله العبد وهو موجود فلا عذر لأحد، وقال ابن يزيد: الحجة لا تقوم إلا بسماع والناس كلهم قد سمعوا، وقامت عليهم، ونفرض لذلك مثالا، تظهر فيه ثمرة الخلاف، نحو رجل كان في بعض الجزائر حيث لم ير أحدا ولم يسمع برسول أو بلاد الصقالبة، فإن كان على دين نبي من الأنبياء أو دعاه من كان على دين نبي فأجابه، فلا يلزمه معرفة الرسول، بل واسع عليه حتى تقوم عليه الحجة، وإن لم يكن على دين نبي فقال لأصحابنا: تجب عليه معرفة الرسول، وكذا ما لا يسع جهله بل جميع ما أمر الله به.
وقالت المعتزلة والأشاعرة: يجب عليه الإيمان بالله، ثم اختلفوا فأوجبوا عليه النظر أول البلوغ، ثم لا يعذر بعده في معرفة ربه عند الأشاعرة، وعذره المعتزلة ما دام ينظر، وليت شعري كيف أباحوا له الكفر في الحالة الأولى من البلوغ، فما بين الأولى والثانية؟ ولم يكلفوه معرفة الرسول؟ فإن قلت أن الأشاعرة رجعت إلى المعتزلة في التحسين العقلي، حيث حكموا بوجوب الإيمان مع عدم الشرع، قلت: نعم لا محيد لهم عن ذلك، فإن قلت وكذا يلزمكم أيضا، قلت: لا يلزمنا، لأن الحجة عندنا الإلزام، فكل من بلغ الحكم فقد أوجب الله عليه المعرفة سمع أو لم يسمع نظر أو لم ينظر. (1/256)
صفحة 253
والأصح وأن العقل حجة، كما أن الشرع حجة، وهو مذهب الإمامين أبي يعقوب وابن بركة العماني، ووافقهم جماعة وصوبه الشماخي، وهو عندهم يحسن ويقبح كالشرع، فإن قلت: قررتم من قول أهل الفكر شم رجعتم إليه، قلت أن التحسين عند أهل الفكر للعقل مطلقا مع الشرع ومع عدمه كما مر، إلا فيما لا يرجع إلى العقل وعند أصحابنا، أن العقل يحسن ويقبح عند عدم الشرع، فإن ورد الشرع بخلافه ترك ورجع التحسين والقبيح للشرع، فالحكم في الحقيقة هو الشرع.
قال الإمام ابن بركة وقد سئل عن صاحب الجزيرة على من كلفه الله في حال التكليف أن يعلم أن له خالقا، ثم قال وعلم ذلك يقع له من طريق العقل بما يراه من خلق نفسه والسموات والأرض واختلاف الليل والنهار، ثم قال ويجب عليه الكف عما قبح في عقله كقتل الحيوان، وأكل لحومها وعليه الإنكار على من فعل ذلك، ثم قال: لولا أن ذلك أجازته الشريعة لما كان حسنا، ألا ترى كيف جعل الحاكم هو العقل وأساغ له التقبيح، وهذا عند عدم الشرع ولم يجعل له حكما مع وجوده، ولم يذكر وجوب معرفة الرسول، قال، فإن قلت: إذا قررت أن الحسن والقبيح راجعان في الحقيقة إلى الشرع وأن الحجة، هي الإلزام فيم يتعلق الإلزام والتكاليف، قلت: يتعلقان بحكم الفعل لا بالفعل، نحو كونه، حسنا، وطاعة، وواجبا، وما يقابلها وليست هذه بأوصاف الأفعال، لأن قولك القتل: ظلم قبيح والقتل: قصاص حسن الفعل فيه واحد، واختلف عليه الحسن والقبيح بالاعتبارين. (1/257)
صفحة 254
وحاصل المقام أنه لا خلاف في صحة الاستناد في الوحدانية في علم الناظر، وإن توقف وجود المعجزة عليها في نفس الأمر لاستحالة وجود الفعل مع وجود الشريك، فيكفي الدليل النقلي، ولا بد فيها من الدليل العقلي، نظرا إلى توقف دلالة المعجزة المتوقف على الوحدانية، لأن المعجزة فعل والفعل يستحيل وجوده على تقدير الأثنينية في الألوهية، والمتوقف على المتوقف على الشيء متوقف على ذلك الشيء، وهذا الذي ذكرناه مأخوذ من احتجاج المجيز والمانع، ففي احتجاج المجيز ما يقتضي أنه لما كان حدوث الحادث يثبت للناظر وجود الصانع الموصوف بما ذكر، والخارق على الوجه المخصوص، يثبت صدق النبي مع الغفلة عن كون الإله المرسل واحدا، أو متعددا، صح أن توجد الوحدانية من النبي، حيث ثبت صدقه عند الناظر، فلزمه أن يصدقه في جميع ما أخبر به من وحدانية وغيرها.
والمانع من كلامه، ما يقتضي أن المنع من جهة توقف ثبوت النبوة على تحقق الوحدانية، وثبوتها في نفس الأمر، وأنه لولا ذلك لم يتحقق تصديقه بالخارق ودلالته على الصدق، وقد يوجه الأول بأن معرفة دلالة المعجزة على صدق الرسل فرع ثبوتها، وثبوتها متوقف على اتصافه تعالى بالوحدانية لكونه فعلا، ن والثاني، بأن المعجزة وأن توقف في نفس وجودها على نفي التعدد للفاعل، فلا تتوقف معرفة دلالتها على سبق المعرفة بنفي التعدد، لأنه قد تفهم دلالتها على التصديق مع الذهول عن كون موجدها منفردا بالإلوهية، أو يشاركه فيها غيره، تعالى عن ذلك، ورجح الفخر القول الأول، وقال: أن العلم بصحة النبوة لا يتوقف على العلم بكون الإله واحدا، فلا جرم أمكن إثبات الوحدانية بالدلائل السمعية. (1/258)
صفحة 255
قال: وإذا ثبت هذا، فنقول: إن الكتب الإلهية أطبقت على اعتقاد الوحدة لله تعالى، والإقرار بها وتقرير ذلك: أن يقال: ك إذا حدث حادث ما، واستحال وجوده بدون استناده إلى واجب بذاته حسي غني عالم قدير مريد، فقد ثبت وجوده، فإذا أظهر الرسول عليه السلام معجزة على أنه رسوله، ن وأثبت صدقه بتصديقه له فقد ثبت صدقه، فإذا أخبر بأن لا إله غيره، ولا خالق سواه فقد ثبت الوحدانية، واعترضه بعضهم بأنا لا نسلم أن العلم صحة النبوة لا يتوقف على ذلك، وبيانه، أن القائل أنه رسول، إذا ادعى الرسالة وأقام الخارق على صدقه، فلا يدل وجود الخارق على صدقه، ما لم يتحقق أن هذا الفعل الذي جاء به لا يقدر عليه غير مرسله، ليكون فعله مطابقا لتحويله وسؤاله نازلا منزلة قوله؟ صدقت، فإن لم يكن لنا علم بنفي فاعليه غيره فلا يعلم أنه فعله، فلا يتم ذلك إلا بعد إثبات أن هذا الخارق، كأحياء الموتى مثلا، لا يفعله غير الله عز وجل، وذلك يتوقف على إثبات الوحدانية.
نعم أي القرآن مرشدة إلى وجه الاستدلال العقلي على الوحدانية، كقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} 34 وكقوله: { ... إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} 35، والآية الأولى، كاشف لوجه الاستدلال على أبطال الهين عامي القدرة، والإرادة، والعلم، وسائر يقضي إليه الصفات، لما يقضي إليه من الفساد والتمانع من وقوع الممكنات، والثانية مرشدة إلى أبطال قول من يدعي فاعلين، يقدر كل منهما على ما لا يقدر الآخر، كما قالت الثنوية بتمييز فاعل الخير وفاعل الشر، فإن كل واحد منهما يذهب بما خلق، ويلزم علو كل واحد منهما على الآخر، للإستغاء عنه بما يفعله الآخر فيكون عاليا عليه بذلك، (1/259)
صفحة 256
والإله يعلو ولا يغلي عليه، قيل: ولا يعرف أحد من العقلاء يثبت فاعلين على النعت الأول، بل من أثبت فاعلا غير الله عز وجل لم يثبت له عموم تأثيره.
المقصد السادس: يصح أن يستدل على الوحدانية أيضا بما مر في وحدة الصفات فنقول: لو تعدد الإله، لم يخل أما أن يتعدد وبتعدد الممكنات أولا، والملازمة ظاهرة، والقسم الأول: من قسمي التالي، ن محال، لما فيه من وجود ما لا نهاية لعدوه، والقسم الثاني أيضا، محال لما فيه من استلزام، الجواز، والحدوث لتلك الإلهة، الافتقار وجودها على عددها المخصوص دون غيره من الأعداد المساوية عقلا بالسبة إليها إلى فاعل مختار، وإلا للزم ترجيح أحد المتساوين بلا مرجح، لا يقال يلزم مثله في الوحدة، لأن وجوده على ذلك دون العدد يفتقر إلى مخصص، لأنا نقول، قد قام البرهان على أن الإله واجب الوجود، ولا يتحقق الوجود دون ذات واحدة، فوجب الذات الواحدة لذلك، أعنى لأنه لا يتحقق الوجود دون ذات واحدة، فالواحد لا بد منه، وإذا كان الواحد واجبا فلا يتخصص بإرادة، لكونها لا تتعلق إلا بالمكن، والزائد على الواحد مستغن عنه، فنسبة الأعداد فيه متساوية، فلو جاز عدد منها جاز غيره، ولا يمكن وجود جميعها لعدم تناهيها، وتخصيص جائز منها بالوجود بدلا عن غيره يفتقر إلى فاعل مختار. فإن قلت: ما المانع أن يقال بجواز تعدد الإله بعدد الممكنات، ولا يلزم منه وجود ما لا نهاية له، لجواز أن يقال المراد بالممكنات ما سبق قضاء الله بأنه يوجد لا كل ما يفرضه العقل من الممكنات، وإن كان لا يوجد أصلا، قات: يلزم من قصر عدد الإلهة وقدرتهم (1/260)
صفحة 257
وإرادتهم على ما يوجد من الممكنات، دون ما لا يوجد منها انقلاب الحقائق، وهو عدد الممكنات التي لا توجد مستحيلة، إذ لا يصح الحكم بإمكان وجود شيء مع استحالة وجود مانعه، على أن مل يوجد من الممكنات لا نهاية لها أيضا، أعنى باعتبار عدم الانقطاع، لا أن لجميعها في الوجود الاجتماع، ولا شك أن هذا النوع من عدم النهاية ممكن عقلا موجود شرعا كما مر، بدليل نعيم أهل الجنة، وأليم عذاب أهل النار 0
فيلزم إذ وجد لكل واحد منهما أله، أن يدخل في الوجود ما لا نهاية له من عدد الإلهة، وعدم النهاية اللازم في الآلهة هو النوع المستحيل منة، لأنة لا يجب أن يكون بحسب الاجتماع، لا بحسب عدم الانقطاع، كما في الممتلكات المذكورة، لوجوب قدم الآلهة، فيستحيل أن يتأخر في هذا الغرض بعض الآلهة على بعض، والله أعلم0
المقصد السابع: إذا علمت ما مر من وجوب الوحدانية لله تعالى مطلقا، علمت أنه يستدل بدليل التمانع على أنه تعالى هو الموجود لأفعال العباد من غير تأثير لقدرتهم فيها، بل هي موجودة مقارنة لها، خلافا للمعتزلة في دعواهم، أنها هي المؤثرة في أفعالهم، على وفق اختيارهم، ولا تأثير للقدرة القديمة أصلا في تلك الأفعال الاختيارية ولا جريان لها على وفق إرادة الله تعالى، ووجه الاستدلال بذلك الدليل على أن اللازم في تعدد ثبوت العجز للإله عند عدم نفوذ إرادته، وذلك بعينه لازم في مذهب المعتزلة، فإنهم جعلوا تعلق قدرة العبد وإرادته بالفعل مانع من تعلق قدرة الله تعالى، وإرادته بذلك الفعل مع القطع بأن ذلك الفعل من جملة الممكنات التي قام البرهان القطعي على وجوب تعلق قدرة الله تعالى وإرادته بالوصف العام لجميعها، فصار إذا هذا الفعل (1/261)
صفحة 258
قد توجهت نحوه قدرة العبد وإرادته، وقدرة مولانا وإرادته لما عرفت من عموم تعلق قدرة الله وإرادته، ثم زعمت القدرية أن الذي نفذ وأثر في الفعل والحالة هذه، إنما هو أضعف القدرتين، وأوهن الإرادتين، وهما قدرة العبد ورادته.
وهل هذا القول الشيخ، إلا قول بإثبات الشريك له، تعالى عن ذلك، ووسم بنقيضه العجز وغلبة الغير له تعالى، ومن ثم جعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مجوس هذه الأمة، لولا أن الأزم للمذهب ليس بمذهب، وإذا كان عجز الإله بتقدير نفوذ إرادة إله آخر يماثله قادحا قي إلوهيته وموجبا لنقصه وعدم ذاته، فكيف يعجزه بنفوذ قدرة عبده وإراداته؟ ولا ينفعهم ما يجيبون به من عدم لزوم عجزه تعالى عن ذلك الفعل الذي أوجده عبده، لأنه تعالى قادرا أن يوجده بأن يسلب عبده القدرة عليه، والإرادة له كما يفعل بالمرتعش ونحوه.
لأنا نقول، عجز الإله وكونه مغلوبا على إيجاد ممكن ما مستحيل مطلقا، وهذا الجواب منهم، اقتضى أنه تعالى لا يتمكن من إيجاد فعل العبد، إلا عند عدم قدرته وإرادته، أما مع وجودها فلا، فإن ذلك الفعل الممكن يتعاصى عليه ولا يتمكن من إيجاده، فإنه تغلبه عليه قدرة العبد وإرادته، على أن جوابهم المذكور لا يستقيم على أصلهم الفاسد من وجوب مراعات الصلاح والأصلح عليه تعالى، وأنه يستحيل في حقه أن يسلب العبد القدرة التي هي خلق له بعد أن كلفه، بل يجب أن يمده بما تتيسر عليه به الأفعال.
وإذا عرفت هذا، عرفت أن الصواب: ما عليه الجمهور، ودل عليه (1/262)
صفحة 259
ظاهر الكتاب والسنة، وأجمع عليه السلف قبل ظهور البدع، من أن الله خالق وما سواه مخلوق وأنه تعالى لا يشاركه في ملكه شيء، وأن التأثير والإيجاد خاصية من خواصه يستحيل ثبوتها لغيره ونقل عن الجو يني أنه قال، أن القدرة الحادثة تؤثر في الأفعال، لكن لا على سبيل الاستقلال، كما تقول المعتزلة بل على أقدار قدرها الله تعالى، بمعنى أرادها، وعن الباقلاني، والإسفراييني أيضا، أنها تؤثر في أخص وصف للفعل لا في وجوده، إلا أن الباقلاني يقول: إن ذلك الأخص، والأسفراييني ينفي الأحوال ويقول: أن الأخص وجه واعتبار، واختار بعضهم مذهب الباقلاني، وفرق بين وجهي الاختراع والكسب، حركة من حيث هي حركة تنسب إلى فعل الله تعالى إيجادا واختراعا، ويلزم من ذلك علمه بها من جميع وجوهها، وأنها لا تفعل في ذاته تعالى ولا يتصف بها اتصاف قيام ولا يقال أنه متحرك بها، لأنه أوجدها واختراعها، ونسب إلى العبد من حيث خصوصها وهو كون تلك الصفة صلاة مثلا أو غصبا أو سرقة أو زنى ولا تأثير لقدرة العبد إلا في ذلك الوجه، ولا يشترط علمه بالفعل من كل وجه، وذاته محل لفعله وكسبه، ويكون صفة له، فيقال: أنه متحرك أو ساكن ومصل وغاصب وسارق وزان، ونحو ذلك وإن اتصل به أمر فوقع على موافقته يسمى طاعة وعبادة، وإن
اتصل به نهي فوقع على خلافة يسمى معصية وجريمة، وذلك الوجه هو المكلف به، وهو الذي توجه إليه الخطاب فقيل له: صل صم ولا تغضب ولا تسرق وهو المقابل بالثواب والعقاب والمدح والذم، إلا من حيث أنه موجود فإن ذلك الوجه لا يختلف به الأفعال. (1/263)
صفحة 260
قال ذلك البعض، وهو أعدل من قوله المعتزلة، فإنهم أثبتوا الأشياء على حقائقها في العدم، بمعنى أن حقيقة الممكن المعدوم وأوصافه النفسية ثابتة متقررة في حال عدمه كما مر، وأن الوجود عندهم زائد على الماهية مشترك بالاشتراك المعنوي حال أي واسطة بين الوجود والعدم، فغن الفاعل لا يفعل فعلا في تلك الأشياء غير الوجود، وهو حال لا يختلف معقولة باختلاف الحقائق والتكليف لم يتوجه بطلب الحال، بل الخصوصيات، واعتبارات حسنت الأفعال وقبحت، وعلى تلك الخصوصيات ورد المدح والذم فما توجه به التكليف غير مقدور للبعد عندهم، والذي يقدر عليه لم يتوجه به التكليف بخلاف ما ذهب إليه الباقلاني.
فكأن ما صار إليه مطابقا للقضايا العقلية والشرعية معا، وما ذكره الثلاثة وإن كان ما قاله الجو يني بالنسبة إلى ما قال الباقلاني، والأسفراييني، أدخل في مقالة المعتزلة، وإن كان فيما قالوه خروج عن معتقدهم الشنيع وعن إلزام التكليف بالمحال بتقدير لا يكون لقدرة العبد معه تأثير البتة كما صار إليه الجمهور، حيث قالت المعتزلة لنا: إن حاصل التكليف يكون على هذا التقدير: فعل يا من لا فعل له، أنا فاعله إلا أنه ضعيف، فإن معتمد الباقلاني، في نسبة سائر الممكنات إلى الله تعالى إمكانها
فليس تخصيص بعضها بأولى من بعض، وذلك يطرد فيما أضافوه للعبد، فإن هذا الوجه أما أن يكون ممكنا امتنعت نسبته على قدرة ما، وما فروا منه من الخبر لأزم لهم، لأن تلك الحال لا تتصور القصد إلى إيجاده، على حيالها، فلا يتأتى من العبد (1/264)
صفحة 261
فعلها ما لم يفعل الله تعالى تلك الذات، ومتى فعل الذات فلا يتصور من العبد تركها على زعمهم، فكان الخبر لازما لهم، وهذا الأسفراييني أشد إلزاما، فإن الوجه الاعتباري يكون في العقل، فكيف يتوجه القصد إلى فعل ما ليس له وجود في الخارج؟ والحاصل أن في هذه المسألة خمسة أقوال:
الأول: قول الجمهور، إن قدرة العبد لا تأثير لها أصلا، وإنما هي مقارنة لمقدورها فقط،.
والثاني: الجويني.
والثالث: الباقلاني ومتابعيه.
والرابع: للمجبرة (الجبرية)، فأنهم نفوا أن يكون للعبد في فعله اختيار البتة.
والخامس: للمعتزلة.
تنبيه: قال أصحابنا، لا يتحقق من العبد إلا بتحقق خمسة أمور: إرادة الله وخلقه إياه، في حال الفعل لا قبله ولا بعده، وإرادة العبد له وكسبه إياه، وأعانه الله له عليه، وإن كان طاعته وخذلانه إياه، أن كان معصية، وسيأتي لهذا مزيد بحث.
المرصد الرابع: فيما يجوز في حقه تعالى، أعنى ما ليس بواجب ولا يمتنع، وهو الإمكان الخاص وفيه مقاصد.
الأول: يجب المكلف أن يعتقد أن الله سبحانه خلق العباد وخلق أعمالهم وخلق الثواب والعقاب عليها، وأنهم اكتسبوا أفعالهم وعملوها (1/265)
صفحة 262
ولم يجبروا عليها، ولم يضطروا إليها، وقد أختلف في أحد الفعل، من حيث هو فعل، وأصح الأقوال فيه على قاعدة أصحابنا، ومن وافقتهم فيه، أنه عرض يوجد مع الاستطاعة، وهذه المسألة مترجمة بمسألة الكسب، وهى، من غوامض علم الكلام، والحق أن العبد لا بخلق أفعاله، وإنما هو مكتتسب لها ضرورة تعلق التكليف بها، فانا نعلم بالبرهان أن لا خالق سوى الله تعالى، ونعلم بالضرورة أن القدرة الحادثة للعبد تتعلق ببعض أفعاله، كالصعود دون البعض كالسقوط، فيسمى أثر القدرة الحادثة كسبا، وان لم نعلم حقيقته وقيل بالمراد وقيل بالمراد بكسبه إياه، مقارنته لقدرته، وإرادته، من غير أن يكون هناك منه تأثيرا ومدخل في إيجاده، سوى كونه محلا له، فالكسب لا يوجب وجود المقدور، وأن أوجب اتصاف الفاعل بذلك المقدور ولأجل اتصافه به كان مرجفا لاختلاف الإضافات، ككون الفعل طاعة أو معصية حسنا أو قبيحا، فان الاتصاف بالقبيح بالقصد والإرادة قبيح، بخلاف خلق القبيح فانه لا ينافى المصلحة الحميدة، بل ربما اشتمل عليهما، وحقيقته أنه قد ثبت أن الخالق حكم فلا يخلق الأشياء إلا وله فيها عاقبة حميدة، وان لم نطلع عليها فوجب الجزم بأن ما عسى أن يتوهم فيه القبيح من أفعاله تعالى قد يكون له فيه حكم ومصالح كما في خلق الأجسام الخبيثة الضارة المؤله، بخلاف الكاسب فأنه قد يفعل الحسن، وقد يفعل القبيح، فجعلنا كسبه القبيح بعد ورود النهى عنه قبيحا سفها موجبا لاستحقاق الذم والعقاب عليه.
لا يقال، قد قام البرهان على وجوب استقلاله تعالى بخلق الأفعال، والمقدور الواحد لا يدخل تحت قدرتين كما يستلزم إثباتكم للعبد مع خلق الله فعله كسبه. (1/266)
صفحة 263
لأنا نقول: لما ثبت بالبرهان أن الخالق هو الله سبحانه وبالضرورة أن لقدرة البعد وإرادته مدخلا في بعض الأفعال كحركة البطش دون بعض كحركة الارتعاش، احتجنا في التخلص عند هذا المضيق إلى القول بأن الله تعالى خالق والعبد كاسب، وتحقيق إن صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل كسب، لما ثبت بالبرهان أن الخالق هو الله سبحانه وبالضرورة أن لقدرة البعد وإرادته مدخلا في بعض الأفعال كحركة البطش دون بعض كحركة الارتعاش، احتجا في التخلص عند هذا المضيق إلى القول بأن الله تعالى خالق والعبد كاسب، وتحقيق أن صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل كسب، وإيجاد الله تعالى الفعل عقب ذلك الصرف خلق، والمقدور الواحد داخل تحت فدرتين بجهتين مختلفتين تحت قدرة العبد بجهة الكسب، وهذا القدر من المعنى ضروري وإن لم نقدر على أزيد منه في تخليص العبارة المفصحة عنه تحقيق كون فعل العبد بخلق الله وإيجاده مع ما للعبد فيه من القدرة والاختيار، وإن عبروا عن الفرق بينهما بمثل الكسب ما وقع بآلة والخلق ما وقع لا بآلة، وذهب المجبرة إلى أنه ليس للعبد في أفعاله مطلقا اختيار البتة، بل هو مجبور عليها وآلة لها كالسكين للقطع والشجرة للريح بل كخيط معلق في الهواء تميله الرياح تارة يمينا وتارة شمالا لا من غير قدرة على مخالفتها أو موافقتها، فالحيوانات عندهم في أفعالها بمنزلة الجمادات لا تتعلق بها قدرتها ايجادا ولا اختراعا ولا تناولا واكتسابا، وبطلانه ظاهر، فإن الضرورة قاضية باختياره في بعض أفعاله وبجبره في بعضه الآخر كحركتي مد اليد للتناول والارتعاش، ويلزمهم عدم التكليف للعبد بأمر من الأمور، فلا يصلح لغة ولا شرعا طلبة بالفعل ونهيه عنه ولا مدحه به، ولا ذمه عليه ولا توبيخه عليه، ولا التعجب من كفره نحو {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} 36 والكل باطل بإجماع الموحدين.
لا يقال: الجبر لازم لكم حيث لم تجعلوا للعبد تأثيرا في أفعاله.
لأنا نقول: عن الجبر المحذور هو الحسي، وأما العقلي وهو سلب (1/267)
صفحة 264
الخالقية عن العبد، فهو متوجه على جميع الفرق، بل هو محض الإيمان كما إذا أراد الله تعالى من العبد لابد من وقوعه باختياره، فإن الوجوب بالاختيار محقق للاختيار لا مناف له.
تنبيه: قال بعضهم، معنى الاختيار أنه إذا سنح بباله فعل شيء وتردد في فعله وتركه نشأ عن تردده الميل إلى أحد الجانبيين وترجيحه، فالميل هو المعبر عنه بالإرادة، والترجيح هو المعبر عنه بالاختيار، فإذا طفق في محاولة الفعل وترجيح وقوعه فالمخرج له من العدم إلى الوجود هو الله سبحانه وتعالى.
المقصد الثاني: أعلم أنه إنما قلنا بوجود قدرة للعبد مقارنة للعبد مقارنة لمقدورها، لما تجد من الفرق الضروري بين حركتي الاضطرار والاكتساب، وهذا الحكم وهو المقارنة ليس ثابتا لها من حيث كونها قدرة، بل من حيث أنها عرض، ومن أحكام العرض انعدامه عقب زمان وجوده واستحالة بقائه زمانين في الأكثر كما مر، وإذا لو تقدم لزم انعدامها حال وجود استحالة تقدم القدرة الحادثة، إذ لو تقدمت لزم انعدامها حال وجود المقدور، فيكون بقدرة معدومة وذلك محال وتقرير، ذلك أنه إذا عدمت جاز وجود ضدها وهو العجز، فيلزم كونه مقدورا حال وجود العجز وهو يستدعي معجوزا عنه فيقع الشيء حال مقدورا عليه معجوزا عنه وذلك محال.
قال بعضهم، وهذا عنده فيه نظر من حيث أن امتناع التقدم، إذا لم يكن مأخوذا إلا من حيث استحالة بقاء الأعراض، فالقدرة في التحقيق ليست علة في وجود المقدور، ولا مؤثرة فيه لم يكن من حكمها وجود (1/268)
صفحة 265
المقدور، فيجوز وجودها قبل وقوع المقدور وتنعدم ويوجد مثلها فالمقارنة متعلقة، والسابقة متعلقة، ويصح أن يقال كانت تلك متعلقة به قبل عدمها، ثم انتفت فانتفى تعلقها ووجد مثلها، وهذا كما أن لو علم إنسان وجود زيد غدا وقت طلوع الشمس مثلا بإخبار صادق، ثم قدرنا تجدد علمه في ذلك الوقت المعلوم إلى حالة وجود المعلوم في الوقت الذي أخبر عنه، فإن المقارن المتعلق بالوجود السابق متعلق بالوجود في الزمان المخصوص، فالمعلوم متعلق لهما وأحدهما متقدم والآخر متأخر، وإن قدروا وجود ضد العلم في ذهول أو غفلة أو جهل أو شك، حال وجود المعلوم، لكان مجهولا بما قارنه وقد كان متعلقا لما سبق في العلم، فإن نظر إلى أن غير متعلق للعالم السابق في حال الوجود فذلك المقدور ليس متعلقا للقدرة السابقة في حال الوجود، ولا يمنع من هذا تقدم وجودها ولاسيما على القول بأنها لا تؤثر وأنها تعلقت بالمقدور تعلقا ر على وجه التأثير، كما نقول العلم بالمعلوم، فأي شيء يمنع به تعلق القدرة حتى أن الإنسان يحس من نفسه تفرقة قبل الفعل بين يديه في حال رعشته من بين يديه في حال سلامته وما ذاك إلا لأن وجد قبل الفعل صفة نفسية متعلقة به، فالقدرة تتجدد أمثالها إلى حالة وجود المقدور.
وتقرير الدليل، على إثبات القدرة الحادثة أنا نفرض حركتين متجردتين في الجهة والجبر، لا أن أحداهما اضطرارية والأخرى اكتسابية، فلا شك أنا نجد تفرقة ضرورية بين الحركتين، ويبطل رجوع التفرقة إلى نفسهما لتماثلهما وإلى ذات المتحرك، لأن معقولها في الحالتيين واحد، فتعين أن ترجع إلى صفة زائدة في المتحرك ثم يبطل رجوعهما إلى الحال لا نظرا بمجردها على الجوهر، لأن الحال (1/269)
صفحة 266
لا يصح أن يعقل على حيالها، وإلا للزم أن تتميز بحال أخرى يقوم بها، ثم حال كذلك، فيلزم التسلسل ويبطل رجوعها إلى صحة البنية لأنها غير مفقودة في حال حركة الاضطرار، وهي حال كونه غيره محركا يده مع وجدان التفرقة، فتعين أن تكون تلك الصفة عرضا، ثم لا يخلو إما أن يكون مما يشترط ثبوته الحياة أولا.
والثاني: باطل لأنه لا تعلق له بالحركة، ولأنه مشترك بين شيئين لا يفرق به بينهما فتعين الأول، وهو ما يشترط فيه ذلك، ثم يبطل كونه علما أو حياة أو كلاما، لوجود الكل مع الحركتين حال الذهول، فتعين أن يكون عرضا له نسبة وتعلق ما بالحركة، وهو الذي سميناه قدرة وإن اختلفنا نحن والمعتزلة في أنها الصفات أولا مع الاتفاق على أنها من الصفات المتعلقة.
المقصد الثالث: ليس المراد بالكسب إلا تعلق هذه القدر ة الحادثة في محلها المقدرو مقارنة له من غير تأثير والكسب متعلق التكليف الشرعي، وإمارة على حصول الثواب والعقاب، فبطل مذهب الجبرية، وهو إنكار تلك القدرة لما فيه من جحد الضرورة، وإبطال محل التكليف والإمارة المذكورة، ومن ثم كان بدعة مؤثرة في عقد الإيمان، ومذهب المعتزلة وهو كون العبد يخترع أفعاله على وفق مراده بالقدرة التي خلق الله تعالى له بواسطة أقداره له، ووافقونا في كونها مخلوقة له تعالى، إذ لو كانت له مخلوقة للزم التسلسل، وقد مر وجه بطلانه وهو ما علمت من دليل الوحدانية واستحالة الشريك والكسب درجة متوسطة بين المذهبين الفاسدين، ومتعلق التكليف، أعني وجود المقدور مع القدرة الحادثة، هو الذي كلف به الشرع فيما كلف به، لأن وقوع ذلك المقدور عاريا عن (1/270)
صفحة 267
تلك القدرة كحركة الارتعاش مثلا قد تفضل مولانا سبحانه علينا بإسقاط التكليف بنفيه، بأن ينهى عنه، بإثباته بأن يؤمر به فلا ينهى الساقط عن علو في حال سقوط عن الوقوع على من يشاء منه، بأن يقال له لا تقع عليه، ولا يؤمر بالوقوع بأن يقال له وقع عليه، وكذا المرتعش لا يؤمر بتلك الحركة ولا ينهى عنها، ولو عكس سبحانه التكليف، أو كلف بالجميع لكان حسنا، إذ لا تأثير لقدرة المكلف في الجميع، لكن المناسب لحكمته تعالى ما استقر عليه الشرع ما تقدم، فالحاصل أن تلك الأفعال المخلوقة لله تعالى نصبها الشرع عند اقترابها بأعراض حادثة، كالقدرة والإرادة، إمارة على حصول الثواب والعقاب، أو غيرهما، أعني المجعول إمارة على الثواب، هو فعل الواجب والمندوب والكف عن الحر ام والمكروه بنية الامتثال، وعلى العقاب فعل الحرام والكف عن الواجب، وعلى غيرهما الذي هو عدم الثواب والعقاب فعل المباح والمكروه والكف عن المندوب وعن المكروه بلآنية الامتثال ولا ينافي هذا ما حققناه فيما سلف، لأنه تمثيل لا يقتضي حصرا ولدخول ترك الواجبات في المحرمات وترك المندوبات في المكروهات.
وأما الحكم بالسعادة والشقاوة، فهو أزلي لا سب له سوى أن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وغاية ما لزم في مذهب المجبرة التناهي في الغباوة وضعف العقل، وهو مصادم للشريعة لأنها جاءت بإسقاط التكليف بالأفعال التي لا يمكن الضد فيها عادة من الاتصاف بوجودها وعدمها وبالتكليف بما تيسر منها على العبد عادة فعله وتركه، ولا تأثير له في شيء منها حتى يصح لنا التعريف به، كما تزعم المعتزلة فلم يبق ما يفرق بين ما يكلف به الشرع وبين ما لا يكلف (1/271)
صفحة 268
به إلا الاكتساب وعدمه، ولو استوت الأفعال كلها كما تقول المجبرة لبطل تفريق الشرع بينهما، ولبطل ما أحال عليه التكليف منها، وهو الفعل الذي في وسع المكلف دون غيره، ولكانت الفعال حينئذ لا شيء منها في وسعه عادة، فلا تكليف إذا بشيء منها لقوله تعالى {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} 37 وهذا إبطال للكتاب والسنة والإجماع.
المقصد الرابع: يلزم أيضا في مذهب المعتزلة زيادة على ما سبق في دليل التمانع من عجز القدرة القديمة محذوران آخران، أحدهما، لزوم عود الممكن مستحيلا، والثاني، ترجيح المرجوح وتقريره ظاهر مما مروا، أما الأول فيقال: فعل العبد قبل أن يخلق له القدرة ممكن، وكل ممكن فهو مقدور لله تعالى، والنتيجة ظاهرة، فإذا خلق للعبد قدرة قالت المعتزلة، إنه يزول عن الفعل حينئذ بما ثبت له، من إمكان أن يوجد بقدرة الله تعالى، وصار إذ ذاك مستحيل الوجود بها، فقد لزم أن ما كان ممكنا باعتبار قدرته تعالى صار مستحيلا بالنسبة إليها.
لا يقل استحالة عرض له لسبب، وهو تعلق القدرة الحادثة به، فاستحال ذلك أن يكون الفعل الواحد موجودا بقدرتين، والاستحالة العارضة لا تقدح في الإمكان الذاتي، لأنا نقول، لم يظهر لهذه الاستحالة سبب يصح، فتعين على زعمهم أن تكون الاستحالة ذاتية، لأن القدرة الحادثة التي جعلوها مانعة من تعلق القدرة القديمة بالفعل لا يصح أن تكون مانعة من ذلك، بل الذي يصح عقلا ونقلا العكس.
وقالوا: لم يزل يقدر على فعل العبد بأن يسلب له قدرته، قلنا: فقد لزم إذا أن لا يقدر عليه من وجود قدرة العبد، وأيضا من أصلكم (1/272)
صفحة 269
وجوب مراعاة الصلاح والأصلح، فلا يكون سلبها عندكم بعد التكليف وقالوا، لم يكن لقدرة العبد تأثير في فعله، لما صح أن يثاب عليه أو يعقاب، والتالي معلوم البطلان، فالمقدم مثله، وبيان الملازمة، أن الفعل إذا لم يكن أثرا لقدرته، صار لا فرق بينه وبين ذاته وسائر ذوات العالم وأعراضه، بجامع أن الجمع لا أثر له، فيه، فكما أنه لا يثاب ولا يعاقب على وجود ذلك لكونه لا أثر له في شيء منه، كذلك يلزم أن لا يثاب ولا يعاقب على شيء من أفعال، لأن لا تأثير له في شيء منها قلنا، الملازمة ممنوعة، بأن جهة الكسب كافية في حصول الثواب والعقاب في فعله دون ما ذكرتم ضرورة انتفاء الاكتساب فيه.
وقالوا كيف يمدح أو يذم على غير ما فعل؟ ويلزم أن يكون للعباد الحجة في الآخرة، وقد قال الله تعالى {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} 38.
قلنا: هذا من النمط الأول، وغن ذلك حاصل لحصول الاكتساب له، ويلزمهم أيضا ما مر منه وأمنه، وذلك إنهم قالوا: إن القدرة الحادثة هي المؤثرة في الأفعال الاختيارية، وإنهم وافقونا في أنه تعالى هو الخالق لتلك القدرة، والداعي للفعل في العبد يخلق الشهوة فيه وقوة تصميم العزم عليه ونحو ذلك من أسباب الفعل، وإذا كانت أسباب وجوده منه تعالى والفعل معها واجب لا يمكن تركه، صار العبد إذا مضطرا ملجأ إلى ذلك الفعل، وأن الله اضطره وألجأه إليه، بأن خلق له جميع أسبابه وما يتوقف عليه بحيث لا يجد مع تلك الأسباب انفكاكا عن الفعل، وهو سبحانه مع ذلك عالم بما يفعل هذا العبد من طاعة أو معصية، (1/273)
صفحة 270
فكان للعاصي أن يحتج أيضا على أصلهم بزعمهم ويقول يارب لم خلقت في الشهوة، بل ولم خلقتني إذا علمت أني لست ممن يصلح لطاعتك، وإذا قد خلقتني فلم لم تمتني صغيرا قبل أن أبلغ سن التكليف، وإذ قد بلغتنيه فلم لم تجعلني مجنونا لا أمير الأرض من السماء، فذلك أسهل على من تحمل العذاب، وإذ قد جعلتني عاقلا فلم كلفتني وقد علمت أن التكليف لا يفيدني شيئا، بل هو من أعظم المصائب على إلى غير ذلك.
وقال الفخر، لقد كان واحد من الأذكياء المعتزلة يقول هذان السؤالان، هما العدوان للاعتزال، ولولا هما لتم الدست لنا وهي اللعبة من الشطرنج ونحوه، ويعني بالسؤالين العدوين جوابين للجمهور عن إشكالات أوردها المعتزلة عليهم، وأجابوهم بأنها ترد عليكم من وجهين، أحدهما إن ما علم الله تعالى أنه يوجد كان واجب الوقوع، وما علم أنه لا يوجد كان ممتنع الوقوع، الثاني، لم يوجد رجحان الداعي امتنع الفعل، وإن وجب فكان الإشكال ورادا عليهم في هذين المقامين، وبمعنى هذا ما قاله الإمام صحار العبدي من أنه يسألونهم عن العلم، فإن أقروا به فقد أقروا بالخلق، يعني قوله {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} 39، {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} 40فإنهما قضيتان عامتان فيما تتعلقان به، لا يدخلهما تخصيص البتة، فإن قلت قولك، وما علم الله أنه لا يوجد كان ممتنع الوقوع، هو خلاف مذهبك، فإن أصحابك أبوآ: من أجراء علم الله على الممكن الذي لا يقع، فما ظنك بالممتنع لذاته، قلت، قد سلف لنا جوابه في تعلق العلم، والمراد في الممتنع الوقوع، ما هو شامل لذلك الممكن.
تنبيه: اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أجرى عادته بإمداد العبد بالإرادة والقدرة على وجه التوالي بحيث لا يحس أنه أكره على الفعل (1/274)
صفحة 271
والمجيء إليه، ومهما صمم عزمه على فعل أمده الله سبحانه بخلقه وخلق القدرة عليه طاعة، كان الفعل أو معصية كما قال تعالى {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ} 41 الآية وقال {كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء} 42 الآية، فرتب الإمداد على الإرادة منهم إذا شاء وذلك الإمداد هو المعبر عنه بالعون والخذلان، فإن قلت قد فسرتم الخذلان بترك العون، فما وجه كونه إمدادا، قلت، معناه أنه سبحانه لما ترك عون الشخص وخلاه إلى ما سولت له نفسه مع خلق ذلك فكأنه أمده، «اللهم يا ذا الجلال والإكرام لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين»، فصار العبد مع ذلك الإمداد بحسب الظاهر، كأنه موجد لفعله، حتى أن الوهم والخيال لا يرتابان في ذلك، ولقد دخل بهما كثير ولولا أن الله سبحانه بمنه وكرمه أيد عقول المؤمنين فخرقوا حجب التوهمات المظلمة وبرزوا إلى شموس المعرفة فأدركوا بها الأمر كيف هو، لكانوا كغيرهم.
ولهذا المعنى فسر بعضهم معنى الكسب، بتعليق الثواب والعقاب على فعله، حسنا وشرعا وعرفا وعقلا، ولهذا يحسن أن يمدح ويذم على أفعاله، وأما إن نظرنا إلى الباطن كما قيل، وإلى حقيقة الأمر لم يصح جعل فعله سببا عقليا لشيء، وقد جاء القرآن والسنة بملاحظة الأفعال تارة، نحو {ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} 43 وبلغوها تارة نحو «لا يدخل الجنة أحدكم بعمله»، ولملاحظة الأمرين، وخفاء المراد في الكسب، حتى قيل الجزاء الاختياري أدق من الشعر عند الأشعري.
قال شيخنا حبه الله كثيرا، ما يقرر لنا في هذا المقام، إنا نضيف إلى الله تعالى ما أضافه إلى نفسه وهو الخلق، وإلى العبد ما أضاف إليه وهو الكسب، وتمسك عن كون ذلك الكسب هو ما لكونه إذا حقق، فإنه (1/275)
صفحة 272
يؤدي إلى القول بالجبر، ولقوله صلى الله عليه وسلم عن ربنا سبحانه وتعالى «القدر سري فلا ينبغي لأحد أن يطلع على سري» قلت، ومن ثم قال بعضهم: العبد مجبور في قالب مختار، وقد جمع بين الآية والحديث بأوجه، أحدها، أنه اعتبر العمل في الآية من حيث أنه جعل سببا للثواب لما في العبد من الاختيار بحسب الظاهر، ولم يعتبر في الحديث حيث ما فيه من الجبر في الباطن، فكان كالأفعال الضرورية كحركة المرتعش والألوان والطعوم ونحو ذلك مما لا يكون سببا في ثواب أو عقاب.
والثاني: أن يعتبر عمله فيها لما فيه من الاختيار في الظاهر، لكن سببه الآية المثبتة شرعية، وسببية الحديث النافية عقلية، فلم يرد النفي والإثبات على شيء واحد، بل ورد النفي على السببية العقلية والإثبات على السببية الشرعية.
والثالث: بمعنى الآية، «أدخلوها بأعمالكم» رحمة من الله. والحديث، «لا يدخلها أحد بالاستحقاق بعمله».
والرابع: معنى الآية، «أدخلوها بالعمل»، لكن الهداية والقبول إنما هو بفضل الله، فصح أن لم يدخلها بمجرد العمل.
والخامس: أن الحديث محمول على دخول الجنة، والآية على حصول المنازل فيها.
والسادس: أن الباء في الآية للمقابلة، وفي الحديث للسببية.
والسابع: معنى الحديث: أن العمل من حيث هو عمل لا يستفيد منه العامل دخول الجنة، ما لم يكن مقبولا وإذا كان كذلك، فأمر القبول (1/276)
صفحة 273
إلى الله تعالى، إنما يحصل برحمته لمن تقبل منه، ومعنى الآية «أدخلوها بعملكم» أي المقبول، فلا تعارض حينئذ بين الآية والحديث.
قال ابن النبا المراكشي في الكسب، كل أحد يجد في نفسه استطاعة على الإقدام والإحجام، فلم يقدم أو يحجم لأجل إطلاعه على مراد الله من ذلك، بل يقدم أو يحجم بما يجد من نفسه من إرادته وشهوته، وما يقدر من استطاعته، وبعد الوقوع يعلم أنه كان مجبورا في عين اختياره، ذلك لا قبل الوقوع، فالجهة التي منها أقدم وأحجم بحسب إدراكه هو كسبه، والجهة التي منها حقق ذلك هو الجبر، وكلاهما حق، فالكسب من حال الخليفة، والجبر من وجه الحقيقة، والتكليف والثواب والعقاب، كل ذلك رتبه الله تعالى على الكسب من وجه الخلق، لا على الجبر من وجه الحق، قال وهذا القدر كاف في الإرشاد إلى سبيل الرشاد، وينبغي ترك الخوض في تقرير الشبهات والأجوبة عنها، وتحقيق البحوث مع الخصوم، فإنه وإن كان مدافعة ومحارة كلامية، فهي اليوم جهاد في غير أعداء، وكدح في صفاء قلوب الأولياء لأن كثرة النظر إلى الباطل يكدر صفاء نور الحق بظلام القلوب، وهو من أكبر العيوب. (1/277)
صفحة 274
«المقصد الخامس»
قد عرفت أن القدرة الحادثة لا تأثير لها في شيء من الممكنات، وهي تتعلق من غير تأثير، بل نسبته إليها كنسبة العلم من معلومه، إلا أنها لا تتعلق بمقدورها، إلا في محلها، وما خرج عن محلها فلا نسبة بينه_ وبينها لا تأثير ولا غيره، وقد علمت أن المعتزلة يقولون: أن العبد يخترع أفعاله، ووافقونا على أن القدرة الحادثة لا تتعلق مباشرة إلى بالمقدور الذي هو في محلها، غير أنهم يرون أن ما في محلها، سبب يوجد به ما هو خارج عن محلها، وزعموا أن السبب والمسبب مقدوران للعبد الآن، أحدهما مباشرة، والآخر وهو المسبب بواسطة إيقاع السبب، ولم يذكروا تولدا في محل القدرة الحادثة، إلا العلم النظري، فإن النظر عندهم يولده في محل القدرة عليه، فحقيقة التولد عندهم إيجاد حادث بواسطة مقدور بالمقدرة الحادثة، ولا ينافي في هذا ما أسلفناه من تعريف التولد، وهذا المذهب أخذوه عن الفلاسفة في الأسباب الطبيعية على ما مر من أن الطبيعة تؤثر في مفعولها ما لم يمنعها مانع، وليست عندهم كالعلم العقلية الواجبة الأحكام لذواتها، إذ لا يجوز أن يمنعها مانع على ما سلف، فأخذ المعتزلة ولقبوه بالتولد ولم يجعلوا حكم السبب المولد بمثابة العلة العقلية، لجواز أن يمتنع التولد المانع، ثم غيروا العبارة كي لا يظهر ما خذهم، وقالوا هو فاعل السبب، وهذا إذا حقق لم يكن له حاصل، لأن الأثر الواحد يمتنع أن يكون تابعا لمؤثرين، فمن ضرورة تأثير السبب فيه امتناع تأثير القدرة فيه، والقول بأنه تؤثر فيه بواسطة السبب يول حاصل القول به كما قيل، إلى أنه فعل سببه، كما أن الباري (1/278)
صفحة 275
تعالى عندهم فعل العبد، وهو مخترع لفعله ولم يكن فعله فعلا لله تعالى، لأنهم يمنعون إضافته إليه من جهة، إن في فعل العبد قبحا، ولزمهم في التولد ما فروا منه، من جهة إن التولد عندهم هو فعل فاعل السبب.
والقول باتفاق المعتزلة على التولد مردود، بأن النظام منهم يضيف المتولدات إلى الباري سبحانه، لا على معنى إنه فعلها، ولكن على معنى إنه خلق الأجسام على طبايع وخصائص تقتضي حدوث الحوادث الناشئة عنهما، ولم يقل إنها فعل الفاعل سببها.
وذهب حفص القرد إلى إنما يقع مبانيا لمحل القدرة، على قدر اختيار المسبب، فهو فعل فاعل السبب، كالقطع، والفصد، والذبح، ولا يقع على قدر اختيار المسبب، كالهواء عند الاندفاع ونحوه، وليس من فعله.
واختلفوا في وقت انقطاع تعلق القدرة بالمتولد فقال بعضهم لا يزال مقدورا إلى حين وقوع سببه فيجب وقوعه فينقطع أثر القدرة فيه، وقال آخرون: إنما ينقطع كونه مقدورا، إذا وقع المتولد، ووجد لا عند وقوع سببه فقط، واختلفوا في الألوان والطعوم، هل يجوز أن تقع متولدة أم لا؟ فذهب ثمامة ابن اشرس، إلى أن هذه المتولدات، فعل لا فاعل لها، ويلزمه بطلان الدليل على إثبات الصانع، وذهب معمر صاحب المغاني إلى أن جميع الأعراض واقعة بطباع الأجسام، سوى الإرادة.
والمتولدات عندهم أربعة الاعتماد، والمجاورة، والنظر المولد للعلم، والوهاء، وهو افتراق الأجزاء المتولدة للألم، وقد اختلف الجبائي وابنه في أن المولد الاعتماد أو الحركة فذهب الجبائي إلى الثاني وابنه إلى (1/279)
صفحة 276
الأول، والاعتمادات عندهم راجعة إلى شدة العضلات وقوة ارتباط العصب على الأعضاء، وكل ذلك من مذهب الطبايعين.
وحاصل ما ذكر، إنهم اختلفوا في سبب الألم فقيل الاعتماد على الغير، بضرب، أو قطع، ومال إليه أبو هاشم، ثم رجع عنه واستقر جوابه على أن الاعتماد تولد افتراق الأجزاء، وقد يسمى هذا الافتراق الوها، فنقول الاعتماد تولد الوها والوهاء يولد الألم فإذا خلق الله الماء في جسم بغير افتراق، أجزاء ولا اعتماد، فذلك ضروري باتفاق، وإن المراد باختلافهم في الألوان والطعوم، هو أن مايحدث من لون بفعل الصباغ، والغسال، وجائز الغسل بعد طبخها البيض، ونحو ذلك، هل هو أثر بالتولد على فعله أو إنما هو بخلق الله سبحانه، ولا أثر للعبد ولا لفعله في ذلك، وكذا الطعوم الحادثة بالطبخ، وتركيب الأشربة والمعاجن ونحوها، كما هو في كتب الطب، ومما يلزمهم القول بكون الألوان متولدة عن فعل العبد، كالدبس، وهو عسل الرطب، إذ ضرب في الناطق، وهو الأناء، وكذا جميع الأعسال فإنهما عند الضرب يتغير لونها، وتحول عما كانت عليه، وقد منعه الأكثرون.
وذهبت شرذمة في البغداديين والبصريين إلى وقوعها متولدة طردا لقياسهم، ثم اختلف المعتزلة في أنه هل يجوز أن يكون في أفعال الباري سبحانه وتعالى تولد أم لا، فصار فريق إلى المنع، لعموم قدرته تعالى، وفريق إلى الجواز، فإن السبب المولد لما جاز وقوعه من الله تعالى لم يجز أن ينتفي تأثيره في مسببه إلا لمانع، وليس صدور المولد مانعا، وإلا لمنع في الشاهد، فيلزم أن يولد، هذا حاصل مذهبهم في التولد. (1/280)
صفحة 277
«المقصد السادس»
قد علمت مما مر من البرهان القطعي، على إسناد الحوادث كلها للباري سبحانه، وأنه لا تأثير لما عداه جملة وتفصيلا في شيء منها وذلك كان في رد ما ذهبوا إليه من التولد ولا بأس علينا أن نشير إلى بعض اللوازم، التي تلزمهم، فمنها وجود أثر عن مؤثرين، هما القدرة الحادثة، ومقدورها الذي هو السبب المولد، لأنهم ادعوا أن الحادث واجب عند سببه المولد ومقدوره للفاعل بالقدرة الحادثة، ومنها وجود الفعل بلا فاعل، وبدون إرادة، وشعور بالفعل فإن من رمي سهما واختر منه المنية قبل وصوله إلى الرمية، ثم اتصل بها.
وصادف حبا فإنه يحصل به جرح، ولا يزال متألما إلى أن يفضي إلى الزهوق مثلا، وهذه السريات والآلام أفعال الرامي، وقد بليت عظامه ولا مزيد في الفساد على نسبة قتل إلى الميت مع انتفاء مصححات الفعل من ميت، وإلا لبطلت دلالة الفعل على كون الفاعل حيا ثم وجود الفعل حال عدم الفاعل، يمنع أيضا الاستدلال بوجود الحوادث على وجود الصانع، وإن قالوا الفعل يدل على فاعل ولا يلزم منه وجود الفاعل حالة وجود فعله.
فالجواب أنه لا بد من إضافة الفعل إلى الفاعل، ويمتنع صدوره مضافا إليه في حالة امتناع كونه فاعلا، إذ الصدور منه يقتضي صحة ذلك، والامتناع ينافي الصحة، ومما يلزمهم أيضا أن يكون الموت المستعقب للآلام متولدا عن فاعل الألم، فإن نسبة تعقب الآلام، المتوالية المتعاقبة إلى فعله كنسبة تعقب الموت له، وهذا الإلزام كما قيل لا يتأتى منهم دفعه، ولم يتأت للجبائي أن ينفصل عنه، إلا بالتحاسر على خرق إجماع الأمة، فقد نسب الموت إلى فاعل الألم، والأمة قد أجمعت (1/281)
صفحة 278
على أن الباري سبحانه هو الذي يحيي ويميت، وهو قد نسب الإماتة إلى غيره، ويلزمه أيضا أن يكون قادرا على الإحياء في الجملة لأنه ضد الإماتة والقدرة عندهم على الشيء، قدرة على ضده، وقد احتجوا على التوالد بأنا نجد المسببات واقعة على حسب المقصود والدواعي، كما أن المقدور المباشر بالقدرة الحادثة، كذلك.
وجوابهم أن ارتباط شيء بشيء بحسب مجرى العادة، فلا يدل على أن لأحدهما تأثيرا في الآخر، ولو أطرد فارتباط الأصل المقيس عليه، والفرع الذي هو المقيس مستويان على عدم الدلالة على التأثير عند الأكثر من العلماء، وأيضا مما ينقض عليهم هذه الحجة، أنا نجد أمورا واقعة على حسب الدواعي، والمقصود قد ساعدونا على عدم تولدها، منها الشبع والري عند الأكل والشرب، والسقم والبرئ والموت عند معظم المعتزلة، والحرارة عند احتكاك جسم بجسم تحصل على تحامل واعتماد وسقط الزناد عند الاقتداح، وفهم المخاطب وخجل الخجل ووجل الوجل عند الأفهام، والتخجيل والتوجيل، وبعضهم التزم التولد في الشبع والري والحرارة عند أسبابها وهو قول غير معظمهم، والمحصلين منهم، ولزم هذا البعض أن تكون الأجسام متولدة مع أنها ليست من جنس مقدورنا بإجماع، وذلك لأن سقط الزناد عند الإقتداح يقع على حسب الدواعي، فإذا تولد لزم أن يتولد سائر الأجسام لتماثلها، فإن زعموا أن النار كانت كامنة في الجسم فتحرك وأن المتولد حركة الجسم لا وجود جسم، كان هذا هوسا لا يرضى بقوله عاقل، فإن الحجر والزناد ليس فيهما قبل القدح شيء، وكذلك العود كالمرخ مثلا إذا نشر بالمنشار فلا نار فيه، وعند حكة تظهر، وإن أجابوا بعدم التولد في تلك (1/282)
صفحة 279
الأمور التي ألزموها، بأنهم إنما قالوا فيها بعدم التولد، لعدم اطرادها، بأن يقصد إلى الشبع مثلا بقدر من الطعام،، ولا يشبعه وإلى الري بقدر من الماء ولا يرويه، وإلى أسقام غيره بضرب ونحوه ولا بسقم، وكذا الطبيب قد يعالج المريض للبرء ويبرأ، وكذا وقد يقصد بالقدح سقط النار ولا تسقط، والافهام والتخجيل والتوجيل والحرارة عند الحك، ثم لا يقع المسبب عن ذلك.
قيل لهم، وكذلك ثبت عدم الاطراد فيما ادعيتموه متولدا كالرمي والجرح ورفع الثقيل وحمله، وغير ذلك مما وقع قيه النزاع، أما الرمي فإن الإنسان يرمي ويصيب الغرض تارة، ويرمي ولا يصيب أخرى، والجرح قد يفضي إلى السريان وقد يندمل ولا يفض، ورفع الثقيل وحمله قد يرتفع للشخص تارة وقد لا يرتفع أخرى، ومذهب المعتزلة في حركة الأشياء الثقيلة تحريك الثقيل يمنة ويسرة، لا باعتماد عليه ورفعه وإذا أريد رفعه وإقلاله، واختلفوا فيه فذهب المتقدمون منهم إلى أن الاعتماد الذي يحركه يمنة ويسرة به يرتفع إلى جهة التصعد.
وقال هاشم ومتابعوه، ليس ذلك بصحيح بل لابد عن زيادة حركات على الحركة التي تحرك بها في جهة اليمنة واليسرة، قال، لأن معتمدنا في التولد ما نحسه من جريان الأمر على حسب دواعينا وقصورنا، ولا شك أن نجد من شخص قدرة على تحريكه بها يمنة ويسرة ولا يقدر على رفعه، فلزم أن ما به يحركه ليس ما به يرفعه، وقد اختلفوا أيضا إذا رفعت جماعة ثقيلا وكل واحد منها يستقل بالانفراد بحمله فقال الكعبي وعباد الضميري وأتباعهما، يحمل كل واحد من الأجزاء ما- لم يحمله الآخر، ولا يشتركان في حمل جزء، وذهب غيرهم من المعتزلة إلى (1/283)
صفحة 280
أن كل واحد منهم يؤثر في كل جزء، والشركة حاصلة، وهذا مذهب معظمهم وكلام جميعهم في المسألتين باطل، أما إذا قلنا بالمذهب الحق وهو إبطال أصل التولد وإسناد الممكنات كلها ابتداء إلى الله تعالى فلا إشكال، وإن سلمناه جد ألا فيبطل مذهب الأقدمين في المسألة الأولى.
وبما ذكر أبو هاشم فيها، ويبطل ما ذهب هو إليه بأن فيه اجتماع المثلين لقوله، لا بد من زيادة حركات وهو محال سلمنا جواز اجتماع المثلين، لكن يقال له إذا ولد الرافع حركة واحدة في هذا الثقيل، استحال رفعه إلا بتحريك، إذ يلزم منه قيام حركة بجسم وهو ساكن بحيزه، وفي ذلك إبطال حقيقة الحركة إذ لابد فيها من تفريج واستحالة فاشتراط زيادة الحركات في جهة التصعد على باب يتحرك إلى سائر الجهات، اشتراط لما يتحقق فيه المشروط بدون شرطه، وذلك ينافي حقيقة الشرط.
وأما اختلافهم في المسألة الثانية في الجماعة، إذا حملوا ثقيلا وكل واحد منهم يستقل بحملة، فقد قيل لعباد القائل بالقول الأول فيها الجزء الذي لا يختص به أحد الحاملين معين، أم مبهم، فإن كان مبهما فارتفاع الجزء المبهم محال، لأن معنى إبهامه هو أن يؤخذ كليا، بل أن يقال أثر في أحد أجزاء ذلك لا بعينه فاستحال، لأن الكلي لا يوجد إلا في أحد أفراده، ولا وجود له منفصلا، فإن أخذ في فرد منها فهو التأثير في جزء معين، وهو القسم الثاني الآتي، وإن أخذ في فرد فهو عدم ولا شيء، فيستحيل رفعه، والتأثير فيه، وإن كان معينا فارتفاع الجزء المعين أيضا محال، أن تعين جزء منها، وليس بأولى من تعين جزء آخر، لغرض أن هذا الحاصل إذا كان بانفراده يستقبل، فالحمل لجميع الجزاء، فما وجه (1/284)
صفحة 281
انفراده بجزء دون جزء؟ وذلك لأن أحد الحاملين لو كان لا يستقل بحمل الجميع لظهر وجه تعيين الجزء المحمول، وهو مما يلي رأسه مثلا، لكونه لا يقدر على أكثر منه، وكذا الآخر والآخر بخلاف ما لو كان مستقلا بالحمل، فلا وجه للتعيين حينئذ، فلما قرر هذا على عباد قال، لا أعرف وجه الاختصاص بالجزء المذكور، ثم قيل للقائلين الثاني هل ما تولد من فعل أحد الحاملين هو عين ما تولد من فعل الآخر أم لا؟
فإن كان الأول لزم وقوع أثر من مؤثرين وهو محال، وإن كان الثاني فارتفع الجسم قد حصل بأحدهما، ولزم أن يكون الزائد لا فائدة فيه.
فالقول بذلك، محض تحكيم الوهم، أعني أنه يقال، لمن قال منهم أثر كل واحد منهم في كل جزء ما تولد من هذا الجزء من فعل زيد مثلا، هل هو عين ما تولد من فعل عمرو؟ بمعنى أن الرفع الذي هو أثر زيد هو عين الرفع الذي هو أثر عمرو أم هذا أثر في هذا الجزء رفعا، وهو أثر فيه رفعا آخر، فيلزم في الأول حصول أثر بين مؤثرين، وفي الثاني ارتفاع الجسم بأحد الأثرين فقط، وأنت إذا تتبعت كتب الفقه لأصحابنا وجدتهم يقولون بالتولد في بعض المسائل الفقهية، لا في الاعتقادية، إذا القول به فيها محض الوهم المؤدي إلى التحير والفساد، إذ حاصله لزوم وجود أثر بين مؤثرين، ووجود فعل من غير فاعل، أو فاعل من غير إرادة ولا شعور بالمفعول، ونحو ذلك من الاستحالات المذكورة في المطولات. (1/285)
صفحة 282
«المقصد السابع»
قد أسلفنا أن الله سبحانه وتعالى خلق العباد، وخلق أعمالهم، وخلق الثواب عليها، من غير أن يجب عليه تعالى مراعات الصلاح والأصلح لهم، وإلا لوجب أن لا يكون تكليفا ولا محنة دنيوية ولا أخروية، والأفعال كلها خيرها وشرها نفعها وضرها مستوية في الدلالة على باهر قدرته وسعة علمه ونفوذ إرادته، ولا يتطرق لذاته تعالى من ذلك كمال ولا نقص كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما كان عليه، فأكرم سبحانه من شاء بمالا يكيف من أنواع القيم بمجرد فضله لا لميل غليه، أو قضاء حق واجب له عليه، وعدل فيمن شاء بمالا يطاق وصفه من أوصاف الجحيم لا لشفاء غيظ ولا لضرر ناله من قبله، وإنما الأفعال دلالات لنا على وجوده سبحانه، على ما تقرر، ولو وجب عليه مراعات صلاح العبد لما كلفه، ولا مراعاة الأصلح له، وإلا لما خلق الكافر الفقير لأن الأصلح له لا يخلق حتى لا يكون معذبا في الدنيا والآخرة وأيضا الأصلح للعباد أن يخلقهم في الجنة.
وبالجملة فلو وجب عليه مراعاة الأصلح لما وجدت محنة أصلا، وقد مرة مناظرة الأشعري مع الجبائي في ذلك، وإذا عرفت استواء الأفعال بالنسبة إلى الله تعالى وأنه مختار في جميعها، لا يجب عليه شيء منها وجوبا عقليا، وما يوجد في عبارات أصحابنا من وجوب الثواب والعقاب فهو وجوب بمقتضى حكمته علمت استحالة أن يكون فعله تعالى لغرض، لأن لو كان له غرض في الفعل لما وجب عليه وإذا لم يكن الغرض علة له، فيكون مفهوما كيف؟ {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} 44 وأيضا فالغرض إما قديم فيلزم قدم الفعل، وقد سبق برهان حدوثه أو حادث، فيفتقر إلى غرض آخر ويتسلسل فيؤدي إلى حوادث لا أول لها وقد (1/286)
صفحة 283
مر برهان بطلانه، وأيضا فالغرض إما مصلحة تعود إليه أو إلى العبد وكلاهما، محال، أما الأول، فلاستلزامه اتصاف ذاته العلية بالحوادث، وكونه ناقصا في ذاته متكملا لفعله، وأما الثاني، فلعدم وجوب مراعاة الصلاح والأصلح عليه، ولأن غرض العبد إنما هو حصول لذة له، أو دفع ألم عنه، والله تعالى قادر على إيصال تلك المصلحة إلى العبد مثلا، بلا واسطة فعل، ولأنه يلزم فيه أيضا تعليل الشيء بنفسه أو التسلسل لنقل الكلام إلى تلك المصلحة نفسها.
وبيان ذلك أن نقول: ما الواجب لخلق هذه المصلحة؟ ووجودها بواسطة الفعل؟ فإن قيل، لذات كونها مصلحة، لزم تعايل الشيء بنفسه، لأنها صارت غرض نفسها، وإن قيل، لغرض زائد عليها نقلنا الكلام إليه وتسلسل، وإن معنى الغرض أن يشتمل الفعل على حكمة تبعثه عقلا على إيجاده، بحيث يلزم نقصه لو لم يفعله فيكون موجبا للفعل، والألم يكن غرضا له وعلة فيه، لكنه لا يكون الفعل واجبا عليه لما يلزم عليه من قهره وعدم اختياره لما مر، أن المختار هو الذي يتأتى معه تركه، وقد علمت وجوب كونه تعالى مختارا، فبطل إذا أن يكون في فعل من أفعاله غرض يحمله على الفعل قال تعالى، {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} 45، وكما عرفت وجوب نفي الغرض في أفعاله تعالى كذلك، فاعلم وجوب نفيه أيضا في أحكامه، وما يذكره الفقهاء من علل الأحكام إنما هو بالجعل الشرعي تفصلا، لا بالحكم العقلي وإيجابه الأحكام.
ولذلك أول قول، من قال منهم كابن الحاجب في العلة، ومنها أن تكون بمعنى الباعث له، فإن مراده الباعث للمكلف على الامتثال، (1/287)
صفحة 284
لا الباعث له تعالى على الحكم، وكذا ما يوجد في الكتاب والسنة موهما للتعليل بالأعراض، كقوله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} 46فإنه يؤول بجعل اللام للصيرورة والعاقبة مثلها في قوله: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} 47، أو يجعلها من قبيل الاستعارة بالتبعية على ما تقرر في محله، وشبهة المعتزلة القابلين بثبوت الأغراض الموجبة للأفعال والأحكام، إن قالوا، لو كان الفعل والحكم واقعا بغير غرض للزم السفه والعبث ممن صدر منه، لكنه تعالى حكيم يستحيل عليه ذلك، فيستحيل أن يفعل أو يحكم إذا لا لغرض، قلنا، الملازمة ممنوعة، لأن السفه في العرف، عبارة عن الجهل بالمصالح وخفة العقل، حتى أن السفيه ليفعل ما يضر به أو يهلكه حالا ومآلا وهو لا يشعر، أو يشعر ولكنه لجهله وخفة عقله يرجح المرجوح عن قضاء لذة خالية لإبقاء لها مثلا، على عقوبات عظيمة دائمة، وأما العبث فيطلق في العرف على فعل الشيء مع الذهول وعدم القصد، وهذا كله لا تلازم بينه وبين نفي الغرض، لأنا نقول، لا غرض للبارئ سبحانه في الفعل، مع أن كلها جارية على وفق علمه وإرادته، لا يلحقه ضرر من قبلنا ولا يتجدد له كمال بفعلها، بل هو الغني في ذاته وكمالاته أزلا، وفيما لا يزال ثم الحكمة المنسوبة إليه تعالى عبارة عن علمه بالأشياء وقدرته على أحكامها وإتقانها، فهي تقتضي العلم والقدرة لا فعل الشيء لغرض.
وفي تعريف الحكمة والخلق، في أنها هل هي صفة أو فعل؟ كلام ذكرته في الشرح، وإذا فهمت هذا في أفعاله تعالى فافهم مثله في أحكامه فإنها أيضا جارية على وفق علمه لا يتطرق إليه من قبلها نقص، كيف ما وجهه على عبيده، وإن فسرت المعتزلة السفه والعبث بنفي الغرض سلمنا (1/288)
صفحة 285
الملازمة ومنعنا الاستثنائية، وغاية الأمر أنا نمنع على هذا التقرير إطلاق هذين اللفظين، بالنسبة إليه تعالى لأنها معنى يستحيل في حقه تعالى، وهو ما ذكرناه من أنهما يدلان عليه عرفا، لا لما ذكروه من دلالتهما على نفي الغرض.
تنبيه: اعلم أن المعتزلة أوجبوا على الله تعالى مراعاة الصلاح والأصلح للعباد، وأوجبوا اللطف أيضا، وهو خلق الشيء الذي يوجب للمكلف ترجيح جانب الطاعة من غير أن ينتهي إلى حد الإلجاء، وأوجبوا كمال عقل من يريد تكليفه وإقداره وإزاحة العلل التي تمنعه من أداء ما كلف به عنه، حتى أنه لو أخل بذلك لكانت لهم خصومته ومطالبته بحقهم، يتعالى مولانا عن ذلك، ولقد صدق فيهم قوله صلى الله عليه وسلم: «القدرية خصماء الله في القدر» والعقل والنقل يكذبان ما ذهبوا إليه كما علمت.
«المقصد الثامن»
فحين ما علمت أن الأفعال كلها مستندة إلى الله تعالى، ابتداء من غير واسطة لا تأثير لغيره في شيء منها، علمت أن الأفعال كلها مستوية بالنسبة إليه، لا يتصف بعضها بالحسن من حيث ذاته أو صفته، ولا بعضها بالقبح كذلك، فلا مجال للعقل إذن في إدراك حكم شرعي لها، إذ لا سبب له على ما عرفت، فليس الحسن شرعا إلا ما قيل فيه أفعلوه، ولا القبيح إلا ما قيل لا تفعلوه، على ما مر، وقالت المعتزلة، إن الأفعال الاختيارية حسنة وقبيحة من جهة العقل، وأن منها ما يدركه العقل بالضرورة، كحسن الصدق النافع والإيمان، وقبح الكذب الضار والكفران، ومنها ما يدركه العقل بالنظر كحسن الصدق (1/289)
صفحة 286
الضار، وقبح الكذب النافع، ومنها ما لا يهجم على إدراكه إلا بإخبار من الشرع، كحسن صوم آخر يوم من شهر رمضان، وقبح صوم أول يوم من شوال، وقضوا أن الشارع في هذا النوع مخبر من حال المحل لا أنه منشئ فيه حكما قالوا، كالحكيم الذي يخبر أن هذا العقار حار أو بارد مثلا.
ثم اختلفوا، فذهب القدماء منهم إلى أن الأفعال حسنة وقبيحة لذاتها، وقال قوم منهم لصفة لازمة كالصوم المشتمل على كسر الشهوة المفضي إلى عدم المفسدة، وكالزنا المشتمل على اختلاط الإنسان المفضي إلى ترك تعاهد الأولاد، وفرق قوم بين القبيح والحسن فقالوا: القبيح قبيح لصفته، والحسن حسن لذاته، وحجتهم أن الذوات كلها مستوية، والتميز إنما هو بالصفات، فلو قبح الفعل لذاته لزم قبح فعله تعالى، وقال الجبائي وأتباعه، العقل يحسن ويقبح لوجه واعتبار، كضرب اليتيم يحسن ‘ن كان للتأديب ويقبح، إن كان لغيره، والرد على الجميع، ما مضى من كونه الأفعال لا تأثير للعباد في شيء منها حتى يحسن عقلا طلبها منهم، والنهي عنها، وإنما مرجع الأحكام الشرعية إلى بين كون تلك الأفعال إمارة على ما جعلت عليه ممن ثواب أو عقاب، أو عدمها على ما مر، ولو اتصف الفعل بالحسن والقبيح لذاته أو لصفة لازمة لما كلف الله الكافر بالإيمان، والتالي باطل بالإجماع.
وبيان الملازمة، أنه تعالى علم أن الكافر لا يؤمن، فتكليفه الإيمان تكليف بالمستحيل، وهو عنده قبيح، وأيضا لو كان الفعل حسنا أو قبيحا لذاته أو لصفة لازمة، لما اختلف بأن يكون تارة حسنا وتارة قبيحا، وإلا اجتمع النقيضان في قول القائل لأكذبن غدا صدق أو كذب، (1/290)
صفحة 287
وبيانه أن قوله، ذلك أن طابق الواقع كان حسنا لصدقه وقبيحا، لاستلزامه وقوع متعلقه الذي هو الكذب القبيح، ولا شك أن انتفاء القبيح وتركه حسن.
وتقريره أن ملزوم الحسن حسن وملزوم القبيح قبيح، فيلزم في الكلام اليومي اجتماع صفتي الحسن والقبيح الذاتيين، وهما متناقضان ضرورة، أن الحسن لا قبيح وفي هذا أحمل التناقض على معناه الاصطلاحي بضرب من التأويل كما قاله السعد، وهو أن كلا من الحسن والقبيح مساو لنقيض الآخر، كأنهما نقيضان، وبيانه بعبارة أخرى أنه لا يخلو من أن يكذب في الغد أو يصدق، فإن كان الأول يلزم قبحه لكونه كذبا، وحسنه مستلزما لصدق الخبر الأول المستلزم للحسن والحسن، فيجتمع في الخبر الثاني الحسن والأحسن وهما اجتماع النقيضين، وإن كان الثاني يلزم أيضا حسن الخبر الثاني من حيث أنه صدقه وقبحه من حيث أن مستلزم لكذب الخبر الأول، فيلزم اجتماع النقيضين، وهذا الإلزام والذي قبله إنما يتأتيان على الأقوال الثلاثة السابقة، لا على الرابع، لكونه الفعل قد يتصف عليه بالحسن والقبح معا، لكن باعتبارين مختلفين، كاجتماع الأبوة، والنبوة، في شخصين بإضافتين مختلفين، بخلاف غيره من الأقوال.
«المقصد التاسع»
يستبين فساد ما ذهب إليه المعتزلة أيضا، في أن العقل يدرك حكم الشرع في الأفعال، وإن لم يبعث نبي، على تقدير، أن نسلم لهم جدلا أصل التحسين والتقبيح عقلا لتضاد أوجه النظر، بحيث يظهر بها فساد رأيهم في تلك، بأنا لو نظرنا قبل مجئ الشرع في شكره تعالى على أنعامه علينا، لكان العقل يقتضي عندهم، أن شكره (1/291)
صفحة 288
تعالى واجب، من غير أن يتوقف في ذلك على مجيء مشرع، لأن معرفته تعالى، ومعرفة كونه منعما، يدركهما العقل بدون الشرع، وكذا يدرك بدونه حسن شكر المنعم وقبح كفرانه، فيدرك إذا وجوب الشكر، وتحريم الكفران بدون الشرع، فيقال لهم، هذا الشكر لوجوب قبل الشرع لكان له فائدة، إذ لا فائدة له ليس بحسن حتى يجب، لكن ثبوت الفائدة قبل مجيء الشرع باطل، لأن الفائدة فيه إما أن ترجع إلى العبد الشاكر، أو إلى الرب المشكور، وعودها إلى العبد أما في العاجل أو في الآجل، والأقسام كلها باطلة، أما بطلان عودها إلى العبد عاجلا، فلأن إنما يحصل له في العاجل التعب فقط، وأما بطلان عودها إليه آجلا، فلأن العقل لا مجال له قبل مجيء الشرع في شيء من أمور الآخرة إجماعا، وأما بطلان رجوعها إلى الرب تعالى فالتعاليه عز وجل عن أن يتجدد له كمال، بل هو بذاته الغني عن الخلق وأعمالهم، فهذا الوجه من النظر العقلي، يدفع وجوب الشر، ويعارض الوجه الذي أوجبه عندهم، وهو إدراك كونه تعالى.
منعما فإن قالوا لا نسلم به، ليس في الشكر فائدة قبل الشرع، بل فيه فائدة للعبد وهي الأمن من العقوبة التي يحتمل ثبوتها، على تقدير الإعراض عن الشكر، قلنا، وكذلك يحتمل أن يعاقب على فعل الشكر من وجهين.
الأول: أنه أتعب فيه الذات المملوكة لله تعالى وتصرف في ذلك بغير إذنه، فصار كمن شكر ملكا أوصل له نعمة بأن يتعب عبد الملك في أداء شكرها بغير إذنه، فلا إشكال أنه قد تعرض بنفسه يشكر الملك على هذا الوجه للعقوبة. (1/292)
صفحة 289
الثاني: أنه أمر اعطاه ملك جواد في غاية الجود، كسرة صغيرة من خبز الشعير مثلا، وله من خزائن أنواع الأطعمة وأجناس الأموال ما لا نهاية له ولا تنقض بما يعطي منها، ثم صار ذلك الفقير المحتاج بذكر الملك ويثن عليه في المحافل على إعطاء تلك الكسرة، فإنه يستحق العقوبة من الملك لاستهزائه به واستصغاره قدره جبن بمدحه بما لا خطر له عنده، ولا شك أن نعيم الدنيا والآخرة كلها بالنسبة إلى عظم قدرة الله تعالى وسعة ملكه وجلاله كلا شيء، فقد بان لك بهذا أن دخول العقل إلى أحكام الله تعالى في الأفعال بميزان التحسين والتقبيح، دخول بميزان مختل ينقلب صاحبه خاسئا وهو حسير.
فإن قلت، هذا كله مصادم لما قررت، أولا من مذهب أئمتك القائلين بما ذهبت إليه المعتزلة.
قلت، ما كونه مصادما له، فنعم، فإن هذا الذي قررته هنا، إنما هو مذهب جمهور أصحابنا وعليه الأشاعرة، وأما كون ما ذهب إليه بعض أئمتنا، هو عين ما ذهب إليه أهل الاعتزال فلا، فإنه قد مر جوابه هناك، للفرق الظاهر بين المذهبين، فإن مذهب المعتزلة أن الحاكم هو العقل، وأن الشرع تأكيد له ولا يرد بما يخالف العقل، وأما مذهب أولئك الأئمة فإن الحكم قبل ورود الشرع عندهم، إنما هو العقل، فبعد وروده فهو الأصل، وقد يرد بما يخالف العقل فحصل الفرق، ومما برهن به أيضا على نفي قاعدة التحسين والتقبيح العقليين أن نقول، كل من تساوت الأفعال بالنسبة إليه، فلا يحسن شيء ولا يقبح في حقه، والبارئ قد تساوت الأفعال بالنسبة إليه، ولا يحسن شيء ولا يقبح في حقه، فلأن الترجيح يستدعي ترجيح العقل على (1/293)
صفحة 290
الترك، والتقبيح ترجيح الترك على الفعل، والتساوي ينافي الترجيح، ومن ثم أسلفنا أن المرجح في الممكنات إنما هو إرادته تعالى.
وأما بيان تساوى الأفعال بالنسبة إليه، فهو أنه سبحانه يتعالى عن النفع والضرر، ولو قدرنا فعلا لا يلحقنا فيه ضرر ولا يفوتنا بتركه نفع، لك يقع استحثاث منا فعله وتركه، وجميع الأفعال بالنسبة إليه تعالى، هكذا الفعل المفروض بالنسبة إلينا، وأيضا فإنه لو لم تتساو الأفعال بالنسبة إليه، لكان وجودهما منه أولى من أن لا نوجدها وذلك يؤدي إلى أن يكون كماله بأفعاله، وقد علمت أنه كامل بذاته وصفاته، التي هي عين ذاته، لا بأفعاله، فتعين أن لا يسحن شيء ولا يقبح في حقه تعالى، وبالله التوفيق. (1/294)
صفحة 291
فهرس الموضوعات
الموضوع
الصفحة
مقدمة: في التعريف بمؤلف الكتاب 9
صحيفة خطبة الكتاب 11
المرصد الأول: في المقدمات وفيه مقاصد 16
الأول: فيما يجب تقديمه في كل علم 16
المقصد الثاني: في موضوع العلم إذ به تتمايز العلوم 18
المقصد الثالث: في فائدته 20
المقصد الرابع: في مرتبة العلم ليعرف قدره فيوفي حقه والجد فيه 20
المقصد الخامس: في مسائله التي هي مقاصده 21
المقصد السادس: في وجه تسميته بالكلام 21
المرصد الثاني: في تعريف مطلق العلم وفيه ثلاثة مذاهب 24
الأول: 24
الثاني: 24
الثالث: نظري أيضا 26
المرصد الثالث في أقسام العلم وفيه مقاصد 28
الأول: إن كان حكما ... إلى آخره 28
الثاني: العلم الحادث ينقسم إلى ضروري وكسبي 28
الثالث: 29
الرابع: في مذاهب ضعيفة في هذه المسألة 29 (1/295)
صفحة 292
المرصد الرابع: في إثبات العلوم الضرورية لأنه إليها المنتهى 34
المرصد الخامس: إذ به يحصل المطلوب الذي هو إثبات العقائد الدينية وفيه مقاصد 53
الأول: في حقيقته 53
الثاني: في منع إفادة النظر 55
الثالث: اختلف القائلون بإفادة النظر .. إلى آخره 56
الرابع: ما مر كان في إفادة النظر الصحيح 57
الخامس: اعلم أن النظر في الشيء أضداد_ إلى آخره 60
المرصد السادس: في البرهان والحجة وفيه مقاصد 61
الأول: في انقسام الحجة 61
الثاني: في الجدل 62
الثالث: في أسباب العلم الحاصلة للخلق الذي هو الملك والإنس والجن 64
الرابع: في النفس 65
الخامس: في الخبر الصادق وهو المطابق للواقع 72
السادس: في العقل، والقوة إلى النفس إلى آخره 75
المعلم الثاني في الممكنات وأحوالها وفيه مراصد 76
الأول: في حكم الحادث في الاستدلال وبيان احتاج الحادث وفيه مقاصد 76
الأول: في الحكم الحادث ينشأ عن أمور خمسة إلى آخره 76
الثاني: اعلم أن الاستدلال على أربعة أضرب إلى آخره فهو في أقسام الاستدلال 80 (1/296)
صفحة 293
الثالث: اختلاف المتكلمين في منشاء احتياج الحادث إلى الصانع 82
الرابع: في الفرق بين الاستدلال بطريقة الإمكان وغيره 84
الخامس: في انحصار جهات التأثير 87
السادس: في حدوث الزائد من الذات 90
السابع: فيما اشتهر بين المتكلمين في حدوث العالم 95
المرصد الثاني: في إبطال حوادث لا أول لها وفيه مقاصد 102
الأول: أن يقال لو وجد حوادث لا أول لها .. إلى آخره 102
الثاني: أنه يلزم أيضا على تقدير وجوب حوادث لا أول لها .. إلى آخره 108
الثالث: في إبطال حوادث لا أول لها109
الرابع: في إبطال ما ذهبوا إليه من وجود حوادث لا أول لها 110
المرصد الثالث: في بيان أجناس العالم وفيه مقاصد 113
الأول: نعتقد أن العالم محدث 113
الثاني: في تقرير أن العالم أعراض وأعيان 115
الثالث: أقوال الفلاسفة في المركبات التي لا مزاج لها 119
الرابع: جوز المتكلون وجود عالم آخر 123
المرصد الرابع: في مباحث النفس وفيه مقاصد 125
الأول: قول الحكماء في النفوس الفلكية 125
الثاني: في النفوس الإنسانية 128
الثالث: اتفاق المليون على أن النفس الناطقة حادثة 134
الرابع: في تعلق النفس بالبدن 138 (1/297)
صفحة 294
المرصد الخامس: في العقل والجن والشياطين وفيه مقاصد 140
الأول: في إثبات العقل 140
الثاني: في ترتيب الموجودات 142
الثالث: في أحكام العقول وهي سبعة 143
الرابع: في الجن والشياطين 148
المرصد السادس: في ذكر مذاهب بعض المعطلة تفصيلا وبيان فسادها استدلالا وتفصيلا .. وفيه مقاصد 149
الأول: أنكر فريق من السوفسطائية حقائق الأشياء 149
الثاني: أنكر فريق من الدهرية حدوث الأجسام 151
الثالث: ذهب المنجمون إلى أن العالم العلوي هو المؤثر 152
الرابع: زعمت السمنية أن الأرض لم تزل تسفل 153
الخامس: زعمت المنانية أن الأشياء تكون عن أصلين 154
السادس: اعلم أن الثنوية فرق كالمجوس .. إلى آخره 155
المعلم الثالث: في الالهيات وفيه مراصد 157
الأول: في ذات الباري تعالى وفيه مقصدان 157
الأول: وجوب وجوده 157
الثاني: اختلف في أن ذاته تشبه الذوات أو تخالفها 158
المرصد الثاني: فيما يجب للباري تعالى من الكمالات وفيه مقاصد 158
الأول: يجب أن يكون سبحانه وتعالى قديما 158
الثني: يجب أن يكون ربنا سبحانه وتعالى باقيا 162
الثالث: في تنزيهه تعالى أن يكون جرما أو قائما به 169
الرابع: يجب أن يكون مولانا قادرا 174 (1/298)
صفحة 295
الخامس: يجب أن يكون الباري تعالى مريدا 176
السادس: يستحيل أن يكون الصانع طبيعة أو علة 183
السابع: يجب أن يكون الله سبحانه وتعالى عالما 190
الثامن: في الاستدلال على كونه تعالى عالما 193
التاسع: في الاستدلال على كونه عالما تفصيلا بعد الإجمال 200
العاشر: يجب أن يكون ربنا عز وجل حيا 208
الحادي عشر: يجب أن يكون ربنا سميعا بصيرا متكلما 208
الثاني عشر: اختلف في معنى كونه سميعا بصيرا 211
الثالث عشر: في الخلاف هل الصفات عين الذات 216
الرابع عشر: يجب أن تكون صفاته تعالى قديمة 227
الخامس عشر: يجب عليك أن تعتقد وحدة الصفات 231
السادس عشر: في أسمائه تعالى 236
المرصد الثالث: في وجوب الوحدانية لله تعالى مطلقا وفيه مقاصد 242
الأول: في معنى أقسامها 242
الثاني: يجب أن يكون الله تعالى واحدا 245
الثالث: إنه يلزم أيضا في الاتفاق سواء قدر واجبا أو جائز العجز 249
الرابع: أنه قد يقال لا نسلم أنه يلزم من وجود إله ثان عجزهما ... إلى آخره 252
الخامس: اعلم أن عقود التوحيد على ثلاثة أقسام 254
السادس: يصح أن يستدل على الوحدانية أيضا بما في وحدة الصفات 260 (1/299)
صفحة 296
السابع: في الاستدلال على أنه تعالى هو الموجد لأفعال العباد 261
المرصد الرابع: فيما يجوز في حقه تعالى وفيه مقاصد 265
الأول: يجب على المكلف أن يعتقد أن الله خلق العباد وخلق أعمالهم 265
الثاني: في وجوب قدرة للعبد مقارنة لمقدوره 268
الثالث: ليس المراد بالكسب إلا تعلق هذه القدرة الحادثة 270
الرابع: يلزم في مذهب المعتزلة عجز القدرة القديمة 272
الخامس: في تعلق القدرة الحادثة من غير تأثير 278
السادس: في إسناد الحوادث كلها للباري وأنه لا تأثير بما عداه 281
السابع: في الرد على من قال بوجوب الصلاح والأصلح على الله 285
الثامن: في الرد على من قال الحسن والقبح عقليان 289
التاسع: في الرد على من قال العقل يدرك الشرع 291
«انتهى الجزء الأول ويليه الجزء الثاني»
مطابع سجل العرب (1/300)
صفحة 297
[الصفحة الخارجية للغلاف]
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
سَلطنة عُمَان
وزارة التراث القومي والثقافة
كتاب
مَعَالِم الدِّين
تأليف
العلامة الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم الثميني المصعبي
الجزء الثاني
1407هـ/1986م (2/1)
صفحة 298
[صفحة بيضاء] (2/2)
صفحة 299
[صفحة بيضاء] (2/3)
صفحة 300
[صفحة بيضاء] (2/4)
صفحة 301
[الصفحة الداخلية للغلاف]
سَلطنة عُمَان
وزارة التراث القومي والثقافة
كتاب
مَعَالِم الدِّين
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العلامة الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم الثميني المصعبي
الجزء الثاني
1407هـ/1986م (2/5)
صفحة 302
[صفحة بيضاء] (2/6)
صفحة 303
بسم الله الرحمن الرحيم (2/7)
صفحة 304
[صفحة بيضاء] (2/8)
صفحة 305
المرصد الخامس
في الكلام وفيه مقاصد
الأول: أعلم أن الكلام يضاف تارة إلى الله تعالى، على معنى نفى الخرس، فيكون صفة ذات على ما في الصفات، وتارة يضاف إليه على معنى أنه فعل له، فيكون فعلا من أفعاله سبحانه، فمعنى كونه متكلما على الأول، أنه ليس بأخرس، وعلى الثاني، أن خالق الكلام وقد أسلفنا أن الدليل على ثبوت كونه متكلما إجماع الأنبياء، وإجماع المسلمين، فأن تواتر عنهم أنهم كانوا يثبتون له الكلام، ويقولون أن الله تعالى أمر بكذا ونهى عن كذا وأخبر بكذا وكل ذلك من أقسام الكلام فثبت المدعى.
فان قيل: صدق رسول الله، موقوف على تصديق الله إياه، إذ لا طريق إلى معرفته سواه, وتصديق الله إياه إخبار عن كونه صادقا، وهذا الأخبار كلام خاص له تعالى، فإذا قد توقف صدق الرسول على كلامه تعالى، فإثبات الكلام لله سبحانه به دور، قلنا لا نسلم أن تصديق له كلام، بل هو إظهار للمعجزة على وفق دعواه، فانه يدل على صدقه ثبت الكلام بأن تكون المعجزة من جنس الكلام، كالقرآن الذي يعلم أولا أنه معجزة خارجة عن طريق البشر، ثم يعلم به صدق الدعوى، أو لم يثبت كما إذا كانت المعجزة شيئا آخر، أن ها هنا فياسين متعارضين، أحدهما أن كلام الله تعال صفة له، وكل ما هو صفة له فهو قديم، فكلامه تعالى قديم وثانيها، أن كلامه مؤلف من أجزاء مترتبة متعاقبة في الوجود، وكل ما هو كذلك فهو حادث, فكلامه تعالى حادث، فافترق (2/9)
صفحة 306
الموحدون لذلك ولما ستراه إلى فرق أربع، فرقتان منهم ذهبوا إلى صحة القياس الأول، وقدحت واحدة منهما في صغراه، وقدحت الأخرى في كبراه، وفرقتان أخرتان ذهبوا إلى صحة الثاني، وقدحوا في إحدى مقدمتي الأول.
فقالت الحنابلة، كلامه تعالى حروف وأصوات، تقوم بذاته تعالى، وأنه قديم وقد بالغوا في قدمه، حتى قال بعضهم جهلا الجلد والقلائد قديمان، فكيف باطل بالضرورة، فإن حصول كل حرف من الحروف التي تركب منهما كلامه على زعمهم مشروط بانقضاء الآخر منها، فيكون للحرف المشروط أولا, فلا يكون قديما، وكذا يكون للحرف الآخر انقضاء فلا يكون هو أبضا قديما، بل حادثا فكذا المجموع المركب منها، والكرامية وافقوا الحنابلة في أن كلامه حروف وأصوات، وسلموا أنه حادث لكن زعموا أنها قائمة بذاته تعالى، لتجويزهم قيام الحوادث بذاته تعالى عن ذلك، فقد قالوا بصحة القياس الثاني، وقدموا في كبرى الأول.
قلنا نحن والمعتزلة ومن وافقنا في ذلك كما ستقف عليه، كلامه تعالى حروف وأصوات، كما ذهبت إليه الفرقتان المذكورتان، لكنها ليست قائمة بذاته تعالى بل يخلقها الله سبحانه في غيرة كاللوح المحفوظ، أو جبرائيل، وهو حادث كما ذهبت الكرامية، خلافا فاللحنابلة.
فنحن أيضا صححنا القياس الثاني، لكن قدحنا في صغرى الأول، وهى أن كلامه تعالى لا بمعنى نفى الخرس صفة له، وهذا الذي قلناه لا تنكره الاشاعرة، بل يقولون به، ويسمونه كلاما لفظيا ونظما مخيلا، (2/10)
صفحة 307
بمعنى أن صورته تكون في الخيال يعترفون بحدوثه، وعدم قيامه بذاته تعالى، لكنهم يثبتون أمرا زائدا وراء ذلك، وهو المعنى القائم بالنفس، ويزعمون أنه غير العبارات الدالة عليه، إذا قد تختلف العبارات بالأزمنة والأمكنة والأقوام، واستدلوا على ثبوته بوجهين، أحدهما أن المتكلم من قام به الكلام لأمر أوجده في محل آخر، للقطع بأن موجد الحركة في الجسم لا يسمى بذلك متحركا، وأن الله تعالى لا يسمى بخلق الأصوات مصوتا، وأنا إذ اسمعنا قائلا يقول أنا قائم نسميه متكلما، وأن لم نعلم أنه الموجد لهذا الكلام، بل وإنا علمنا أن موجده هو الله تعالى، فتعين أن الكلام صفة له قائمة بذاته تعالى، وحينئذ يتعين أن يكون هو المعنى النفسي لحدوث اللفظي كما مر، أذلا ثالث يطلق عليه اسم الكلام.
والجواب، تمنع أن المتكلم من قائم به الكلام، لا من أوجده، إذا سم الفاعل لمن تثبيت له الفعل مطلقا، سوءا قام به كقائم أو لا كمتكلم وخالق ورازق وقاتل وشارب، إذ قد يشتق للمحل اسم وان لم يقم مبدأ الاشتقاق به، كالمكي والحداد، واللابن، والتأمر، ونحوها فان قيل: إن الضرب والخلق والرزق والقتل ونحوها من الأفعال القائمات بالمفعول. هي الأثر بل التأثير، قلت وان سلمنا أنها التأثير فلا نقول في الخلق، انه قديم، لقوله تعالى {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ} 1سلمنا أنه غير قائم بالمخلوق، ولكن إذا كان حقيقيا، لزم عليه قدم العالم، وان كان اعتباريا فلا قدم، والحدث كفة في المحدث، وكذا الخلق وقيل هو نفس الوجود لا صفة زائدة، والخلق هو الإيجاد، وعلى كل تقدير، فإما صفة وإما وجود وإما تعلق، وهو اعتباري نفسي اضافى على ما مر، وعليه فلا يقوم مأخذ الاشتقاق بشئ، وعلى الأولين فهو قائم بالمخلوق. (2/11)
صفحة 308
قال المحقق الشماخي, أن الخلق لو لم يكن مثلا بمعنى المخلوق, أعنى الأثر الحاصل من الخالق, لكان هو التأثير فإن جعل قديما, لزم قدم العالم, إذ لا يتصور تأثير ولا أثر, وإن جعل حادثا لزم التسلسل.
أجاب الأشاعرة, بأن الخلق نسبة وهو التعلق, فإذا نسبت إلى القدرة فهو إيجابها له, وإذا نسبت إلى ذي القدرة فهو خلقه, فالخالق كون الذات تعلقت قدرتها, وهذه نسبة قائمة بالخالق, وباعتبارها اشتق له, فيصح ما ذكروا من الدليل, على وجوب القيام, وإذا نسبت إلى المخلوق فهو صدوره عن الخالق, قلت هذا هروب من الواضح إلى المشكل, لأن إطلاق الخلق على التعلق ممنوع, إن أرادوا حقيقة, وإن كان مجازا من- إطلاق الملزوم على اللازم- فلا يشتق منه, ثم إن هذه النسبة لا تخلوا من أن تكون قائمة بالثلاثة, أو بالخالق وحده, فيلزم على المعنى الأول أن يقوم المعنى الواحد بالقديم والمحدث, وهو باطل وأيضا إن قدرته قديما, لزم قيام المعنى القديم بالمحدث, وإن جعلته محدثا لزم قيامه بالقديم, وكلاهما باطل, ولزم على الثاني قدم العالم أو التسلسل على ما هو.
وأيضا قالوا في الخلق, إذا نسب إلى ذي القعدة, وهو كون الذات تعلقت قدرتها, فجعلوه صفة للقدرة لا ذي القدرة, فكيف تقوم الصفة بغير محلها وذاتها, وأيضا أن الخلق من صفات الأفعال وصفات الأفعال محدثة, فكيف تقوم بالقديم؟ فإن قلت أنها قائمة بالقدرة, والقدرة قائمة بذي القدرة, والقائم بالقائم بالشئ قائم بذلك الشئ, قلت يلزم عليه المحذوران, قدم العالم أو التسلسل, وأيضا القدرة معنى وهم منعوا قيام المعنى بالمعنى, فصح أن الخلق بمعنى المخلوق, والفعل قائم (2/12)
صفحة 309
بغير الفاعل, وقد يرد عليهم بمذهبهم واعتقادهم, أن صفات المعاني قائمة بالذات طلبا للإنصاف, ومذهبنا واعتقادنا تنزيه البارئ تعالى أن يكون محلا لشئ كما مر, وأن يكون له مغاير في الأزل.
والجواب, عن قولهم أن الله لا يسمى بخلق الأصوات مصوتا, ما مر في عدم إطلاق الشرع عليه, وهو إما لا يهام قيام الصوت به, وإما لعدم التوقيف على ما هو مذهبهم, وثانيها أن كل من يورد صفة أمر أو نهى أو نداء أو إخبار أو غير ذلك يجد في نفسه معان, ثم يعبر عنها بالألفاظ التي تسمى بالكلام الحسي, وربما دل عليها أيضا بالكتاب والإشارة, فتلك المعاني التي يجدها في نفسه لا تختلف باختلاف العبارات, بحسب الأوضاع والإصلاحات, ويقصد المتكلم حصولها في نفس السامع يجرى على موجبها, وهي ما يسمى بكلام النفس.
والجواب أن تلك المعاني التي يجد في نفسه, وهي العلم, ولا يرد أن الشخص قد يخبر عما لا يعلم, بل يعلم خلافه أو يشك فيه, إذ لا تلازم بين الأخبار وما في نفس, ولو سلم فذلك في الشاهد, فيكون إثباته في الغائب من باب القياس, وقد مر بطلانه وحينئذ لا يرد كلام الأخطل:
وإنما ... الفؤاد ... لفي ... الكلام ... إن
دليلا ... الفؤاد ... على ... اللسان ... جعل
قال الإمام أبو يعقوب ما حاصله, وكفاهم أن بنوا أصلهم في ذلك على كلام من لا يوثق به, ولو عكس عليه بعض نظائره, قوله لكان له ذلك, قلت ولو سلم, لكان ذلك في الشاهد على ما مر, فإذا عرفت ما قررناه لك, فاعلم إنما نقلوه في كلام الله تعالى وهو خلق الأصوات والحروف الدالة على المعاني المقصودة, وكونها حادثة غير قائمة بذاته, (2/13)
صفحة 310
لا تنكره الاشاعرة كما مر, بل يقولون به ولا نزاع بيننا وبينهم في ذلك آنفا, وما يقولون هم من الكلام النفسي المغاير لسائر الصفات, فنحن ننكره, فصار محل النزاع بيننا وبينهم في نفي المعنى النفسي وإثباته, فإذا الأدلة الدالة على حدوث الألفاظ, إنما تفيدنا بالنسبة إلى الحنابلة القائلين بقدم الألفاظ, وأما بالنسبة إليهم فيكون نصبا للدليل في غير محل النزاع.
واستدل المعتزلة على نفي الكلام النفسي, بأن الأمر والخبر في الأزل, ولا مأمور ولا سامع فيه سفه, فكيف يتصور ثبوته للبارئ سبحانه؟ وأجيب بأن السفه المدعي إنما هو في اللفظ, وأما- كلام النفسي فلا سفه فيه- كطلب التعلم من أين سيولد, ورد بأن ما يجده أحدنا في باطنه هو العزم على الطلب وتخيله, وهو ممكن وليس بسفه, وأما نفس الطلب فلا شك في كونه سفها, بل قيل هو غير ممكن, لأن وجود الطلب بدون من يطلب منه شئ محال, ولهذا زيادة تحقيق, فاطلبه في المطولات عند تقسيم الأشعرية الكلام النفسي في الأزل إلى أمر ونهي وغيرهما, واضطرابهم واختلافهم فيه تقسيم التعلق إلى معنوي وتنجيزى, واكتفاء بعضهم في مسمى الأمر ونحوه بالتعلق المعنوي, وعدم اكتفاء بعض ذلك, وإنما أوجب تلك الحيرة القول بالكلام النفسي الذي اختصت به الأشاعرة, والاستدلال المذكور بما يأتي على أصول أصحابنا حيث منعوا أمرا ونهى في الأزل, وأجازوا فيه آمرا وناهيا, واستدلال النافون للكلام النفسي بوجوده.
الأول: أن القرآن ذكر, والذكر محدث, فيكون القرآن محدثا, دليل الصغرى {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ} 2 الآية.
الثاني: قوله تعالى {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ} 3 وإذ ظرف زمان ماض, (2/14)
صفحة 311
فيكون فيه الظرف مختصا بزمان معين, والمختص بزمان محدث, فينتج قوله الواقع في ذلك الظرف محدث.
الثالث: قوله {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} 4, فإنه يدل على أن القرآن مركب, وكل مركب حادث.
الرابع: قوله تعالى {حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ} 5, والمسموع لا يكون إلا حروفا وأصواتا وذلك حادث.
الخامس: أن القرآن معجز إجماعا, فيجب مقارنته للدعوى, حتى يكون تصديقا للمدعي في دعواه, فيكون حادثا مع حدوثها.
السادس: أن القرآن موصوف بأنه منزل, وتنزيل ومجعول, وما هو كذلك حادث ضرورة, استحالة الأثقال بالإنزال والتنزيل على القديم.
السابع: قوله عليه السلام في دعائه" يا رب القرآن العظيم ورب طه ويس" والقرآن مربوب كلا وبعضا, والمربوب محدث اتفاقا.
الثامن: أنه تعالى أخبر بلفظ الماضي, نحو {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ} 6 {إِنَّا أَرْسَلْنَا} 7 ولا شك أنه لا إنزال ولا إرسال في الأزل, فلو كان كلامه قديما لكان كاذبا, لأن إخبار بالواقع في الماضي, ولا
يتصور ما هو ماض بالقياس إلى الأزل.
التاسع: النسخ حق بإجماع الأمة, وواقع في القرآن, وهو رفع وانتهاء على ما حقق في محله, ولا شئ منها في القديم إذ ما ثبت قدمه استحال عدمه, وأنت خبير تأن هذه الأدلة كلها إنما تدل على حدوث اللفظ, وهو غير المتنازع فيه وقد طال النزاع بين الفريقين, والإلزام من الجانبيين, ولا بد لنا أن نشير من ذلك أن شاء الله. (2/15)
صفحة 312
"المرصد الثاني"
اختلف القائلون بالكلام النفسي، فقال فريق منهم: إن الكلام حقيقة في اللساني، مجاز في النفسانى، وقال فريق منهم: بالعكس والتحقيق عندهم، إن كلام الله تعالى اسم مشترك بين الكلام النفسي القديم، ومعنى الإضافة كونه صفة لله تعالى، وبين اللفظي الحادث المؤلف في السور والآيات، ومعنى الإضافة أنه مخلوق لله تعالى، ليس من تأليف المخلوقين في تقسيمات لهم، لا طائل تحتها قد كنت قررتها، ثم بد إلى أن الإعراض عنها أفضل، فبسطت عما كنت كتبته، فنقول لا يخفى أن الأصل عدم الاشتراك، وان جعل القرآن صفة لله تعالى يحتاج إلى برهان عقلي أو نقلى، ولا ثبوت لواحد منهما، فان قيل دل البرهان العقلي على ثبوته من حيث أنه كمال له، وإلا كان ناقصا والنقلى أيضا من حيث أنه قد ثبت بالإجماع أنه متكلم، وأن القرآن كلامه، قلنا أما الأول، وهو كونه كمالا له، فهو حاصل بمجرد نفى الخرس نفى أضدادها عنه تعالى من غير إثبات معنى زائد على ذلك، وإلا لكان للمعاني كما مر.
وأما الثاني: وهو ثبوته بالإجماع أنه متكلم، فذلك مما لا ينكر، وإنما أنكرنا كونه نفسيا، وهو محل النزاع، والخضم يقر بثبوت إطلاق القرآن على النظم المؤلف المنزل بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب والسنة فظاهران وأما الإجماع فقد ذكره كثير من الاشاعرة الذين هم حجة على أحزابهم. (2/16)
صفحة 313
قال عياض، أجمع المسلمين، أن القران المتلو في جميع الأنظار المكتوب في المصاحف بأيدي المسلمين من أول {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} 8 إلى آخر {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} 9، انه كلام الله ووحيه المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأن جميع ما فيه حق.
وقال ابن حزم مثله، وقال غيرهما لا خلاف بين الفرق المنتميه إلى الإسلام من أهل السنة، والمعتزلة، والخوارج، والمرجية، والزيدية، وغيرهم في وجوب الأخذ بما في القرآن، وأنه هو المتلو عندنا نفسه، وإنما خالف في ذلك غلاة الروافض، وهم في ذلك مشركون عند جميع أهل الإسلام.
قال ابن الحاجب، القرآن هو الكلام النزل للإعجاز بسورة منه، ولو أطلق على غيرة لبطل الإجماع وانتقص الحد، ولا يشرك من خرقة واللازم باطل، ثم بعد هذا لا يبقى لإثبات كلام الله النفسي دليل لا عقلي ولا نقلى، اللهم إلا بقياس الغائب على الشاهد، بعد تسليم أنه ثابت فيه، وقد عرفت ما فيه، والقول بأن الكلام في الأزل ينقسم إلى الأمر والنهى والخبر والاستخبار، اعتراف بفساد قول الاشعرى ومن تبعه، وتصحيح مذهب ابن سعيد كما سيأتي، وهو أقرب من غيره، وبيان الصحة أن هذه الأقسام حادثة، لتعلقها بالحادث، ثم أن الكلام لا يوجد بدونها، إذ هي والجنس لا يوجد إلا في ضمن أنواعه اتفاقا، فيكون الكلام محدوثا لحدوث هذه الأقسام.
فإن قلت، هذه عوارضه لا أنواعه، قلت: يلزم عليه أن يكون (2/17)
صفحة 314
الأمر والنهى والخبر والاستخبار، ليست بكلام، لأن العارض خارج عن الماهية، وهذا الباطل، وعلى الوجهين فهو تصحيح لخلق القرآن، إذ هو هذه الأقسام اتفاقا، وما قيل أن الكلام القديم يصير أحد هذه الأقسام عند التعلق، فيتحول من القدم إلى الحدوث وهو عكس ما قاله بعضهم من أن الحروف حين الوضع محدثه، ثم تصير قديمه، وقول من قال منهم أن اسم الله المكتوب هو الله بعينه، وما لأشبه ذلك من الأقوال المؤذنة بأن قائلها جاهل، كما ستقف على تخليطهم، ومن ذلك أن ابن سعيد يمنع أن يصف خلاف البارئ سبحانه بتلك الأقسام، وان الأكثرين يصفونه بها، ولا يخفى ما بين المثبت والنافي من التنافي، وانه ينافى قصر الحق في واحد، وأيضا نقول أن الكتب المنزلة كالقرآن والتوراة وغيرها، لو لم تكن مخلوقة لم تدخل تحت تدبير الله تعالى وقدرته وإنزاله وحفظه، ولم يجز لنا تدبره، واللازم باطل، ودعواهم أن ذلك للألفاظ لا للمعاني سفسطة غير مسموعة، لأن نظم الألفاظ تابع لنظم المعاني.
فان الشيخ عبد القاهر يطلق على ترتيب المعاني الأول على ترتيب الألفاظ على حذورها، اسم النظم، ويقول، ليست الفضيلة في الألفاظ المنطوقة، ولا في المعاني الثواني، التي هي الأعراض وقال: لما كانت المعاني تليق بالألفاظ، ولم يكن لترتيب المعاني سبيل إلا بترتيب الألفاظ في النطق، تجوزوا فعبروا عن ترتيب المعاني بترتيب الألفاظ، ثم بالألفاظ بحذف الترتيب، وقال، أيضا، إذا وصفوا اللفظ بما يدل على تفخيمه لم يريدوا اللفظ المنطوق، ولكن معنى اللفظ الذي يدل له على المعنى الثاني. (2/18)
صفحة 315
فإذا فهمت هذا، فاعلم، أن القول بتجريد القرآن من المعاني وخلوه عنها، باطل شنيع، فان جميع المعاني، إنما تسمع بالألفاظ الدالة عليها، فان وصلت معانيها القديمة على زعمهم مع سماع اللفظ إلينا، حل القديم بالمحدث، وان خلا اللفظ من المعاني البتة، حين السماع، كان القرآن خاليا من المعاني، وأن وصلت مع سماعه معان محدثه فهو الحق، لأن بها وقع إعجاز وأورث اللفظ كما مر، وفيه التدبير {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} 10 والله الموفق للصواب (2/19)
صفحة 316
" المقصد الثالث"
كلام الأشاعرة في القرآن
قال الأشاعرة, القرآن مكتوب في صحائفنا, محفوظ في قلوبنا مقروء بألستنا مسموع بآذاننا, ومع ذلك ليس حالا في المصاحف, ولا في القلوب, ولا في الألسن, ولا في الآذان, بل هو معنى قديم قائم بذاته تعالى, يلفظ ويسمع باللفظ الدال عليه, ويحفظ بالنظم المخيل, ويكتب بنقوش وصور وأشكال للحروف الدالة عليه, كما يقال النار جوهر محرق يذكر ويكتب بالقلم, ولا يلزم مذكور حقيقة صوتا وحرفا, لو كان من قال نار أحرقت فاه, لما تلفظ باسم النار مخلوق, وتحقيق ذلك أن للشئ, وجودا في الأعيان, ووجودا في الأذهان, ووجودا في العبارة, ووجودا في الكتابة, فهذه أربع وجودات للشئ, فالكتابة تدل ما في العبارة وهي على ما في الأذهان, وهو على ما في الأعيان, فحيث يوصف القرآن بما هو من لوازم القديم, كما في قولهم القرآن غير مخلوق, فالمراد حقيقته الموجودة في الخارج, وحيث يوصف بما هو من لوازم المخلوقات, يراد به الألفاظ المنطوقة المسموعة, كما في قولنا قرأت نصف القرآن, أو المخيلة, كما في قولنا: حفظت القرآن, أو الأشكال المنقوشة, كما في قولنا: يحرم على المحدث مس القرآن.
ولما كان دليل الأحكام الشرعية, هو اللفظ دون المعنى القديم, عرفه أئمة الأصول بالمكتوب في المصاحف المنقول بالتواتر, وجعلوه اسما للنظم والمعنى منعا, أي للنظم من حيث الدلالة على المعنى, لا لمجرد المعنى, قالوا: وأما الكلام القديم الذي هو صفة لله تعالى, فذهب (2/20)
صفحة 317
الأشعري, إلى أنه يجوز أن يسمع صفته لأصفيائه, وهو اختيار أبي منصور الماثريدى, بمعنى قوله أن يسمع ما يدل عليه, كما يقال سمعت علم فلان, فموسى عليه السلام سمع صوتا دالا على كلام الله تعالى, ولكن لما كان بلا واسطة الملك والكتاب خصه باسم الكليم, هذا كلامهم, ولا يخفى ما فيه من التنافي حيث أثبتوه مكتوبا في المصاحف محفوظا في القلوب, وليس حالا في شئ من ذلك, ليت شعري المقنع بقول مولانا من كونه" في صدور الذين أوتوا العلم" أم قول الأشعرية القائلين, إنه ليس حللا في شئ من ذلك, وفيه من التجاسر على حرمة القرآن العظيم, من كونه حلوله في القلوب مجازا لا حقيقة, ومن كونه مخيلا النظم لا محقق العلم, لأن المجاز يفارق الحقيقة, بل يعاندها ويضادها, والمخيل يفارق العلم والعقل, فهما أوجه لأنهما أبدا صادقان ومختصان بالعقلاء, وأكثر الخيالات كاذبة, وتكون في ذوي العقل وغيرهم ويفارق الرأي والحس, لأن الحس خاص بالماس الحاضر المحقق, والخيال قد يكون السليم والغائب وأكثر الخيال باطل, والحس ضروري, والخيال مكتسب, والحس خاص بالشئ الصحيح, والخيال خاص بالضعيف, ويشاركه العلم والعقل في بعض هذه الفروق, وأما الرأي فلا يصدر إلا عن تمييز وبصيرة وإن كان حصل بخلاف الخيال, وأبحاث التخيل كثيرة.
وبالجملة, فحمل لفظ القرآن عليه مما لا يليق نظم {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} 11, وأما أن للشئ وجودات أربعة, فهو حق وصواب, وأما أن الكتابة تدل على العبارة, فممنوع, لأن النقوش والكتابة, إنما تدل على المعاني الأولية المقصودة بتوسط الألفاظ والعبارات, وكذا الألفاظ تدل على المعاني, الأول, ثم المعاني المقصودة, (2/21)
صفحة 318
أي التي إثباتها أونفيها, ثم القول بأن ما في الأذهان يدل على ما في الأعيان, وإنما يفسر بحقيقته الموجودة في الخارج القائمة بذاته تعالى لا يخفى ما فيه, فأنا إذا سمعنا أن زيدا قائم, فهمنا منه نسبة القائم إلى زيد مؤكدة, أو فهمنا تأكيد النسبة بينهما, وتلك النسبة ثابتة فقد فهمنا تأكيد ثبوت النسبة, ولا بد من وجود قيام زيد في الخارج, أو عدم قيامه, فإن طابق الذهن الخارج كان صادقا, وإلا كان كاذبا, وما في الخارج ليس مدلول ما في الذهن, بل مدلول ما في اللفظ أيضا, فإنا نفهم مما أخبر الله سبحانه من قول {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ} 12, تأكيد ثبوت النسبة, الطغيان إلى فرعون في الأرض, أرض مملكته, ومجاوزة الحد في الظلم فيها, وله خارج وهو ظلم فرعون وطغيانه في أرض مصر في ذلك الوقت.
فإن أرادوا, أن هذا الخارج قام بذات البارئ, فظاهر البطلان, وإن أرادوا خارجا آخر, دل عليه هذا الكلام, فهم بإثباته, وإن أرادوا خارجا عن أذهاننا, لا ما لا يرى في الأعيان فغير مفهوم من كلامهم, بل كلامهم نص على أن المراد بالخارج هو الموجود في الأعيان, وأنه القائم بذاته تعالى عن ذلك وهو واضح الاستحالة, والذي فسر أئمة الأصول القرآن به, هو ملتزما وما وراء ذلك, فالقائل به لا يساعد عليه, لأن مرجعه أما إلى العلم أو الإرادة.
وبيان ذلك أن ما في النفس, أما العلم سواء تعلق بمفرد ويسمى معرفة وتصورا, ويدخل فيه الشك والوهم, لأن تصور النسبة بغير حكم, أما تعلق بمركب ويسمى تصديقا واعتقادا, ويدخل فيه الظن والاعتقاد الجازم المطابق الثابت, ويدخل في التصور العلم بالألفاظ, أي (2/22)
صفحة 319
حفظها, وأنها وصفت لكذا من المعاني والفكر, وهو ترتيب المعاني في النفس على وجه مخصوص, والقدرة عليه تسمى القوة المفكرة, أو إرادة شئ من الأفعال في النفس, إلا هذه الوجوه, ومن ادعى غير هذا فعليه بيانه, وما ذهب إليه الأشعري من جواز سماع الكلام القديم, فهو بين الاستحالة ضرورة أنه المعنى, ولا سماع لمجرد المعنى, وإنما هو من ضروريات الصوت, وإلا كان سماع علمه أيضا, واللازم باطل, ولذلك أوله بعضهم بما يدل عليه, والحق أن سماع موسى عليه السلام, كسماع الملائكة الكرام, كيف شاء الله تعالى أن يسمع, والتدقيق في مثل هذه المضايق مما لا ينبغي, إذ الروح في أجسادنا لا تطيق الخوض فيها جهلا, فكيف في صفات الواحد الأزلي الذي ليس كمثله شئ؟ وما أوتينا من العلم إلا قليلا, فلو لم يأذن الشرع لنا أن نصفه بالصفات العلية وما فعلناه (2/23)
صفحة 320
" المقصد الرابع"
اختلاف العلماء في القرآن
اختلف العلماء في القرآن, فقال النظام, ومن وافقه هو الشئ المقطع, وهو من الله, والقراءة فعل القارئ وحركته وهي غير القرآن, جسم, والله جهله, وبالله كان أبو الهذيل وأتباعه من المعتزلة وبشر المريسى, وهو المسموع ولكنه محكي لا منزل.
ابن يزيد وأتباعه, من النكار, القرآن مخلوق والله أحدثه والقراءة حركات اللسان وهو خلق الله, وأفعالنا والقرآن هو المقطع وليس لنا بفعل.
هشام ابن الحكم ومن وافقه هو، على وجهين، الأول: المسموع، وهو الصوت المقطع، وهو رسم القرآن، وهو مخلوق وفعل الله سبحانه، والثاني: العلم والحركة منه، لا هو ولا غيرة.
جمهر ابن صفوان وشيعته، القرآن وحركاته أجسام، وهى أفعال الله سبحانه.
ثمامة ابن الأشرس ومن قال مثل قوله: أن كان القرآن من الطبيعة فلا خالق ولا مخلوق، وان ابتدأه الله، فهو مخلوق معمر صاحب المعاني القرآن خلق الجواهر.
يحيى ابن معين ومن قال بقوله من أئمة الحديث، القرآن كلام الله، وكتابه وهو محدث، والله قائله وجاعله، وأنه كان بالله ولا نقول مخلوق. (2/24)
صفحة 321
وكيع القرآن بعض الله، لا يجوز أن يقال مخلوق أو غير مخلوق.
سليمان ابن جرير الزيدى ومن وافقه، ما كان من القرآن من علم الله، فلا نقول مخلوق ولا غير مخلوق، وما كان منه من أمر ونهى فهو مخلوق، ونسبه ابن الحسين أيضا إلى ابن حنبل، والذي اشتهر عنه هو والمتقدمين من الاشعرية، القرآن كلام الله ليس بمخلوق، فيبيد وهو الحروف، والألفاظ، وهى قديمة أزلية.
قال الشماخي، وذكر في كتاب لبعض الاشاعرة، أن القرآن من الله وما كان من الله فليس بمخلوق، وهكذا قال مالك والفقهاء من قبله ومن بعده، قال، وفيه أيضا من قال لفظي، فالقرآن مخلوق، فهو مبتدع، كذا قال ابن حنبل وهو تأليف ابن الإسلامية، ومن زعم أن القرآن كلام الله وألفاظنا مخلوقة، فهو مبتدع، قال، لفظ الاشاعرة أن المسموع من أصوات القرآن والنغمات، هي كلام الله تعالى، لفظ الظاهرية، منهم أن المسموع منه صوت الله تعالى عن ذلك، بعضا منهم أيضا أذا كتب الله جسم رسوما ورقوما وأسطرا وكلاما، فهي بعينها كلام الله القديم، فقد كان جسما حادثا ثم انقلب قديما على ما مر.
وقالوا، إن المرئي من الأسطر هو الكلام القديم الذي هو حروف عرف، وفى الكتاب المذكور أن موسى عليه السلام سمع من الله الكلام، بصوت وقع في مسامعه منه تعالى، لا من غيرة، فمن قال غير هذا أو شك فيه فقد كفر, ثم قال فيه، هذا مذهب جمهور أهل السنة، ومعظهم بعض الحنابلة، أن الله تكلم لا بحروف، فكلامه قديم فلا شك أن الحروف قديم، سواء وقعت في كلام الله تعالى، أو في كلام الآدميين. (2/25)
صفحة 322
فحكمها في جميع المقولات, حكم واحد فلا تندرج تحت الخلق,
فحكمها في جميع المقولات, حكم واحد فلا تندرج تحت الخلق, والإبداع, بل إنها من قبيل الكلام المنسوب إلى صفة البارئ, وهو ما ذكر أن يتكلم بالصفة, ويقول هذه الحروف من غير احتجاج إلى الآلات والمخارج، ونسب الغزالي هذه المقالة إلى عقلاء الحنابلة، ثم قال، وقال قوم من أهل السلامة، أن الحروف إذا وقعت في القرآن تكون قديمة، ثم قال أيضا، وقال قوم أن الحروف محدثة، ثم قال، فهذا كلام الذين هم معظم أهل السلام، عتبة المنكب كلام الله لم يزل وكلام غيرة، وأن الله صورة كصورة الإنسان، بعض أهل السنة، القرآن وهو كلام يقع على خمس مسميات، المسموع، وما خط في المصحف، والمستقر في صدور الحافظين، والمعاني المفهومة من القرآن، وعلم الله سبحانه، أما الثلاثة الأولى فمخلوقة، وكذا الرابع، إلا اسم الله تعالى، وأما الخامس فغير مخلوق، فمن قال في القرآن غير مخلوق صدق، ومن قال مخلوق كذب، كاثوات حمر فيها واحد أبيض، فمن قال حمر كذب ومن قال غير حمر صدق للأبيض الذي معها، ونسب لابن حنبل والمشهور عنه ما تقدم.
بعض الاشاعرة، إذا كتبت الحروف بالرقم المرئي فهو الله تعالى بذاته وعينه، ويصممون على ذلك، وهو عندهم المعبود الذي يصمد إليه.
وخالف الاشعرى أهل هذه المقالات الإحدى عشرة، وهى أقوال أكثر المتقدمين ألسنه فقال، هو صفة واحدة قائمة بذات الله تعالى، ومع كونه واحدا هو توراة، وزبور، وإنجيل، وفرقان، وأمر، ونهى، وخبر، واستخبار، وهو زائد على الذات. (2/26)
صفحة 323
وخالفه عبدالله بن سعيد الديوسى وقال، إن كلام صفة الله تعالى، وهو واحد أزلي، وهذه الأقسام محدثة، وقال الفخر: ترجع إلى الأخبار، لان الأمر عبارة عن الإعلام بحصول الثواب والعقاب والنهى كذلك، والاستفهام إعلام مخصوص، وخالف بعض بأن تلك الأقسام أنواع الكلام، وهى جزئيات تظهر حقيقة، وقال بعض الاشاعرة، أن القائم بذات الله تعالى، والمعنى وليس الله تعالى الذات بمرتب الأجزاء، حتى يلزم الحدوث، ونسب إلى العضد.
وقال بعض الكلام الأزلي، معنى قائم بالذات، لا اللفظ، ولا مجموعهما، وقال جماعة منهم أن الكلام صفة لذات الله تعالى، لا تفارقه بوجه، ولا في وقت، فإذا أراد أن يتكلم يوحى معاني كلامه إلى أنبيائه، ويلقى في قلوبهم نورا إلهيا بواسطة نور القدس، حتى يعبر الشارع عن كلام الله تعالى بلسانه لقوله تعالى {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} 13 إلى قوله {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} 14، فالحروف يقع في كلام الله تعالى عند عبارة النبي عليه السلام، فقد علمت أن القرآن المسموع، عبارة النبي عليه السلام، كذا قال الغزالي في كتاب المعارف، وهو قول الشافعية، وقال، إن صفات الذات غير الذات، فتلك ثمان عشرة مقاله للسنية.
والتاسع عشرة مقاله الكرامية، أن القرآن خلق الله في ذاته كما مر، والمتممة عشرين مقالة الغزالي، وهو أن ليس كلام البارئ شيئا، سوى إفاضة مكنونات علمه على من أراد إكرامه من عباده، وقال عيسى بن عمر وتلميذه أحمد بن الحسين ومن تبعهما من الإباضية، القرآن (2/27)
صفحة 324
مخلوق، وأن القرآن شئ واحد، لأنهما يعبران عن معاني مختلفة، من أمر الله ونهيه ووعده ووعيده.
قال الغزالي، وأما قول الله، فليس إلا إفاضة المعاني على العقول تحسب قوتها وعلى قدرتها، وقال أيضا فيكون علمه تعالى كلاما، وإفاضة قولا، وقال أيضا وأما كلام من خلقه، فالإفاضة فعل، وكل فعل مخلوق، وأما إثبات الكلام النفسي بعدم التغيير عند تغيير العبارة ممنوع، لان ما في النفس محصور كما مر في العلم والإرادة والفكر، والقول بأن القرآن كلام نفسي، والنفسي نسبة قائمة بذات الباري تعالى ظاهر الفساد عقلا ونقلا، لأن النسبة بلا خلاف مفتقرة، وكل مفتقر ممكن فالنسبة ممكنة، وكل ممكن حادث، وإنما نقلت هذه الأقوال للعلم باضطرابها، وعدم انضباطها، وذلك دليل عدم الإصابة،
حاشى قول الغزالي والله الموفق للصواب. (2/28)
صفحة 325
المرصد السادس
في الرؤية
وفيه مقصدان. الأول, في الاستدلال على امتناع رؤيته تعالى مطلقا من جهة العقل, وهذا المرصد عندنا من جملة الممتنعات في حقه تعالى, وذلك أن أصحابنا والأكثرين من علماء الأمة على امتناعها عقلا ونقلا, وذهب الأكثر من الاشاعرة إلى جوازها عقلا ونقلا, وقال أصحابنا من قال أنه يرى في الدنيا فقد أشرك, ومن قال أنه يرى في الآخرة فقد نافق, واستدل كل على ما ادعاه بالعقل والنقل, وسيتضح لك إن شاء الله ضعف مدعاهم من الجواز بالعقل والنقل, ومن ثم وافق بعض المحققين منهم الجمهور في الامتناع, كالفخر والغزالي وغيرهما, وهؤلاء من أعاظم أئمتهم, وقد اختلف القائلون برؤيته تعالى, فقال أبو حنيفة, يرى بحاسة سادسة غير الحواس الخمس, التي هي معقولة للخلق وتلك الحاسة هي القلب يعرف سبحانه وتعالى, بزدياد الآيات معرفة أوضح وأبين من معرفة الدنيا, وقال الأكثرون, منهم يرى بعين الرأس, وهو يحاسبهم بلا حجاب وبلا ترجمان, برؤية منكشفة لا لبس فيها.
وقال الفخر والغزالي, واللفظ له الرؤية أن يحصل للبشر إدراك بالنسبة إلى ذات الله سبحانه وتعالى, كنسبة الإبصار إلى المبصرات في قوة الجلا والظهور, ولا نقول محلها العين ولا غير العين, وقال الفخر هذا هو المراد من قولنا, تصح رؤية الله تعالى.
وقال الغزالي أيضا, لم يفهم الخصم ما يريد بالرؤية, وظن (2/29)
صفحة 326
المرصد السادس
في الرؤية
وفيه مقصدان. الأول, في الاستدلال على امتناع رؤيته تعالى مطلقا من جهة العقل, وهذا المرصد عندنا من جملة الممتنعات في حقه تعالى, وذلك أن أصحابنا والأكثرين من علماء الأمة على امتناعها عقلا ونقلا, وذهب الأكثر من الاشاعرة إلى جوازها عقلا ونقلا, وقال أصحابنا من قال أنه يرى في الدنيا فقد أشرك, ومن قال أنه يرى في الآخرة فقد نافق, واستدل كل على ما ادعاه بالعقل والنقل, وسيتضح لك إن شاء الله ضعف مدعاهم من الجواز بالعقل والنقل, ومن ثم وافق بعض المحققين منهم الجمهور في الامتناع, كالفخر والغزالي وغيرهما, وهؤلاء من أعاظم أئمتهم, وقد اختلف القائلون برؤيته تعالى, فقال أبو حنيفة, يرى بحاسة سادسة غير الحواس الخمس, التي هي معقولة للخلق وتلك الحاسة هي القلب يعرف سبحانه وتعالى, بزدياد الآيات معرفة أوضح وأبين من معرفة الدنيا, وقال الأكثرون, منهم يرى بعين الرأس, وهو يحاسبهم بلا حجاب وبلا ترجمان, برؤية منكشفة لا لبس فيها.
وقال الفخر والغزالي, واللفظ له الرؤية أن يحصل للبشر إدراك بالنسبة إلى ذات الله سبحانه وتعالى, كنسبة الإبصار إلى المبصرات في قوة الجلا والظهور, ولا نقول محلها العين ولا غير العين, وقال الفخر هذا هو المراد من قولنا, تصح رؤية الله تعالى.
وقال الغزالي أيضا, لم يفهم الخصم ما يريد بالرؤية, وظن (2/30)
صفحة 327
إنا نريد بها حالة تساوى الحالة التي يدركها عند النظر إلى الأجسام والألوان, هيهات, نحن نعترف باستحالة ذلك في حقه تعالى, وقال أيضا أما المحل يعني العين فليس بركن في صحة الرؤية, ثم قال, العين نحل وآلة لا تراد تعينها, بل حيث حلت الحالة صح الاسم, ثم قال, وراء تخيل الصور رتبة أخرى, ثم تسمى بالنسبة إلى الخيال برؤية. فكذا ما نعلمه ولا نخيله وهو ذات الله تعالى وصفاته, وهل يخبل العقل أن يكون لهذا الإدراك مزيد استكمال, نسبة إليه نسبة الإبصار إلى التخيل, تسمية بالنسبة إلى العلم رؤية, وفي جميع ما ذكره كما ترى نفي للرؤية المعتادة, بل إستحالها, وتصريح بأن ذلك ازدياد علم لا إحساس بالعين, وما ذكر كما قال الشماخي, لا ينكره نافي الرؤية, إلا أنه يسميه رؤية, بل علما يقينا, والخلاف كما قال لفظي.
احتج المثبت لها على صحتها بقوله تعالى {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} 15, وعلى وقوعها بقوله تعالى {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} 16 وبقوله صلى الله عليه وسلم" إنكم سترون ربكم", الحديث ووجه الاحتجاج في الآية الأولى, من وجهين الأول: أن الرؤية الإرادة لو لم تكن ممكنة لما سألها موسى عليه السلام, والتالي باطل.
وبان الملازمة, إن سؤال المستحيل, إما عن جهل باستحالة, أو عن علم, وكلاهما لا يليق بمنصب النبوة, أما الأولى: فلأن من حق النبي أن لا يجهل ما يستحيل في حق الله تعالى, وأما الثاني فلأن مع علمه بذلك عبث, وهو عنه منتف, والثاني: إنه علق فيها الرؤية إلى استقرار الجبل وهو ممكن في نفسه, والمتعلق إلى الممكن ممكن, (2/31)
صفحة 328
وإلا للزم صدق الملزوم وأنه محال, ووجه الاحتجاج في الآية الثانية, أن النظر الموصول بالى رؤية ولا سيما أنه أسند إلى الوجه الذي هو محل العين الباصرة, وأنه قيل بيومئذ, ووجه الاحتجاج بالحديث أن فيه تشبيه الرؤية بالرؤية, لا لمرئي بالمرئي وبدون جهة جسمية ولوازمها, إذ كل ذلك مستحيل في حقه تعالى.
قالوا: وهذه الأدلة السمعية, ونحوها, وإن كان كل واحد منها ظاهر, ليس بنص, فهي لكثرتها وتواطئها على معنى واحد تفيد القطع بالرؤية, وأجاب النافي لها عن الوجه الأول من وجهي الاحتجاج بالآية الأولى, بأن معين الشرطين فيه جواز سؤال الأخص, وهو الرؤية, عند فرض جواز سؤال الأعم, وهو العلم لأن الرؤية بالعين جزئية من جزئيات العلم, وجواز سؤال الأخص عند فرض جواز سؤال الأعم غير مسلم, فإن وجود الأعم لا يستدعي وجود الأخص, كما هو ظاهر, على أن الأخص ها هنا وهو الإدارة ممتنع اتفاقا, فإن المثبت يقول, أن الله تعالى يخلق لهم قدرة في أبصارهم, فيرونه, تعالى عن ذلك بها, لا إنه تعالى يريهم ذاته, فيرونه عند الملازمة في قوله, لو لم تكن ممكنة لما سألها موسى عليه السلام, بأن لا ملازمة بين أن تكون ممتنعة, وبين سؤاله لها, لجواز أن يكون عالما بامتناعها ومع ذلك سألها, بأن يكون إنما سألها ليكبت قومه ويلقمهم الحجر, وقد بين الله سبحانه ذلك في غير موضع من كتابه النحو, {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} 17 أي عيانا {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ} 18, الآية وفي تأكيد نفيها بما يفيد كونه مؤيدا بقوله {لَن تَرَانِي} 19 دليل أنه عليه السلام كثيرا ما يراد دهم القول, بأن رؤيته تعالى ممتنعة, لأن لن نفى سيفعل, فأبوا إلا (2/32)
صفحة 329
قلت معنى نفي لزومه ولا مرية في أن نفي الأخص وهو اللزوم لا يستلزم في الأعم وهو الإنتاج, فثبت إنتاجه وإلا لزم العبث في كلامه تعالى, والتالي باطل.
وعن الآية الثانية: يمنع التزام كون النظر الموصول بالى هو الرؤية, وإذا كان مبنى الاحتجاج استعمال الكل, وهو الوجوه في البعض, وهو العين فلا مانع من أن يكون الجواب استعمال البعض, وهو الوجوه في الكل وهو الذات, والجملة, وأن الآية من قبل ما يقال ها أنا أنظر إلى فلان عندما يصنع-بي فيما يتوقعه منه أو يرجوه, والقول بأن سوق الآية لبشارة المؤمنين بما هو هناك من النعيم لا يلائم, بل ينافي حمل النظر على الانتظار, لتباعد ما هو نعمة, وما هو سلب نعمة وأن الانتظار موت أحمر, وأنه بالغم والحزن والقلق وضيق الصدر أجدر, ومرجع التأويل إلى أنه, قال: {يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ} 24 بعد الانتظار بأسرة, وذلك من القبح بمكان.
قال الشماخي, نبو ظاهر عن مظان استعمال العرب بغير سلطان ولا هدى ولا كتاب منير, فإن الآية نزلت في حال يوم القيمة, فالمؤمنون ناظرة وجوههم بالبشارات, والكفار باسرة وجوههم بتحقيق الوعيد, فالأولون منتظرون دخول الجنة, والكافرون يتوقعون أن ينبذوا في الحطمة, هذا وأهل الأعراف لم يدخلوا وهم يطمعون, وأهل الجنة في نعيم ينظرون, وأيضا فإن في ذلك تجاسرا, بأن يكون المؤمنون ناظرة وجوههم, نعم الانتظار نعمته سلب النعمة, وسبب الغم وضيق الصدر والموت الأحمر والحزن الأكبر والقلق الأخسر (2/33)
صفحة 330
وبالبؤس أجدر, ويدل على أن النظر في الآية, بمعنى أنه لا يفيد الحصر والاختصاص, ولو كان من نظر العين لا نحصر نظرهم في ذات الله تعالى عن ذلك, ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء كثيرة لأنهم الآمنون, الذين {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} 25 {وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} 26, {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} 27 ويدل عليه ذكر تظن في مقابلة ناظرة أي تتوقع أن يفعل بها فعل شديد فظيع يقصم فقار الظهور, كما ترتجي الوجوه, ومعلوم أن الوجوه لا تظن, وإنما تظن القلوب, فتكون الوجوه عبارة عن الجملة في الأول, والثاني للمعادلة, والموازنة بينهما.
والقول, بأن النظر الموصول بالى بمعنى الانتظار مما لم يثبت عن الثقات, قصور عن تتبع كلام البلغاء, قال تعالى {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} 28 وقال الشاعر:
ملك ... من ... إليك ... نظرت ... وإذا
نعما ... زدتني ... دونك ... والبحر
سجاله ... ينظرون ... الخلائق ... كلا
هلال ... طلوع ... إلى ... الحجيج ... نظر
ناظرات ... بدر ... يوم ... وجوه
بالفلاح ... يأتي ... الرحمن ... إلى
وعن علي بن أبي طالب: ناظرة, أي تنتظر متى يأذن لهم ربهم (2/34)
صفحة 331
في دخول الجنة, ومثله عن محمد المنكدر, وقال: ما رأيت أحدا له عقل يقول, أن الله يراه أحد من خلقه {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا} 29, الآية, وروى مثله عن مالك, وقال به ابن عباس, وجابر بن زيد, وعائشة ومجاهد, وإبراهيم النخعي, والحسن, وكحول, وعطاء بن ياسر, وسعيد بن المسيب, وسعيد بن جبير, والضحاك, وأبو صالح, وعكرمة, وغيرهم ممن يطول تعدادهم, وقالوا, معنى الآية أن أنفس المؤمنين يوم القيامة مع نضارة أجسامهم مرتجية منتظرة مجئ الثواب الذي تأمله من عند الله, لا من عند غيره ولا ترتجى شيئا غيره, والمجرمون مع بسور وجوههم تتوقع شدة العذاب, وما يقصم لفظاعته قفار ظهورهم, والمناسبة والموافقة ظاهرة بما ذكرنا, وعن الحديث بمنع التزام المعنى الحقيقي, لجواز أن يكون من استعمال الرؤية في لازم معناها, أي ازدياد العلم, وإطلاق اللفظ وإرادة لازم معناه سائغ شائع, أو من استعمال المشترك في أحد معنييه فإن الرؤية مشتركة بين إدراك لبصيرة وإدراك الباصرة, والقرنية صرفتها عن الباصرة, فتحققت البصيرة, أي المعرفة وفي بعض الروايات " سترون ربكم عيانا" أي يقينا يقوم مقام العيان, وعلى كل تقدير, فالتأويل واجب حذرا من التشبيه.
والقول، بأن الحديث من قبل تشبيه الرؤية بالروية، لا الكيفية بالكيفية، ولا المرئي بالمرئي، لا محصل له، إذ لا فائدة قي تشبيه رؤية العين برؤية العين نفسها، وإنما نختلف باعتبار التعليق، فيكون حال رؤية الله تعالى عن ذلك، كحال رؤية البدر، فيلزم التشبيه، وأيضا فالغرض، إما حال المشبه أو مقدار حالة أو تقدير في ذهن السامع، (2/35)
صفحة 332
فتلزم الكيفية على جميعها، ولا يتأتى الإمكان، إذ الشمس أقوى ضياء منه، وإذا حمل على المعرفة استقام الكلام وزال الكف، وصح المعنى، وهو أنهم يعرفونه معرفة جلية لا لبس فيها هي وفى الجلاء والظهور كأبصارهم القمر إذا امتلأ واستوي، وفى القول بأنه لا الكيفية بالكيفية إثبات الكيفية لله تعالى عن ذلك، ولكنها لا تشبيه كيفية القمر، والحمل على ما اخترناه نفى للتجسم وحمل الرؤية عليه كثير {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ} 30، {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ} 31، {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ} 32، {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} 33, ومثله في القرآن كثير وفي الشعر كذلك قال الكميت:
نزارا ... سمى ... إذ ... الله ... رأيت
قاطنينا ... بمكة ... وأسكنها
وقال آخر: رأيت الله أكبر كل شئ آخر. رأيت الله أهلك قوم عاد على غير ذلك، والقول بأن تلك الأدلة لكثرتها تفيد القطع بالرؤية ممنوع، وإنما ذلك أن لو كانت بحيث يكون تأويل كل منها على خلاف الأصل، فكيف وتأويلها واجب، وإلا لاستلزم ظاهر كل منها محالا في حقه تعالى وأيضا، فإنها لم تبلغ في كثرتها مبلغ ما يفيد ذلك، والأدعية المأثورة عندهم في ذلك المعنى ممنوعة من تلقاء بدعتهم وضلالتهم.
واحتج الثاني بقوله تعالى {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} 34 على نفى الوقوع وعلى الامتناع، وتوجه الآية على الأول، أن الرؤية إدراك البصر ولا شئ من إدراك البصر يتعلق به تعالى، فينتج لا شئ من الرؤية يتعلق (2/36)
صفحة 333
به تعالى، فإن الإدراك المضاف إلى الإبصار إنما هو الرؤية، فمعنى قولك أدركته ببصري، معنى رأيته، ولا فرق إلا في اللفظ.
ودليل الصغرى، أن الرؤية هي الإدراك، لأنه لا يصح ثبوت الرؤية مع نفى الإدراك.
ودليل الكبرى، عموم نفى الإدراك في الآية عن كل بصر لان الجمع المحلى بالإلف واللام يقتضى استغراق الأفراد، ويلزم من عمومه في الأزمان كما عليه المحققون من أئمة الأصول، من أن العموم في الأشخاص يستلزم العموم في الأحوال، والبقاع والأزمان، فيلزم على هذا أن يراه مؤمن ولا كافر في الدنيا ولا في الآخرة، وتوجيهها على الثاني، وهو امتناع رؤيته تعالى، فإن الآية ذكرت في معرض المدح بها، فيكون نفى الإدراك بالنسبة إليه سبحانه كمالا، فثبوته في حقه بنقص، وهو في حقه تعالى محال.
واعترض المثبت من وجوه الأول: أن الإدراك هو الرؤية على نعت الإحاطة جوانب المرئي حقيقة النيل والوصول، والرؤية المكيفة بكيفية الإحاطة أخص مطلقا من الرؤية المطلقة، ونفى الأخص لا يستلزم نفى الأعم، الثاني: بعد تسليم كون الاستغراق، وقد دخل عليها النفي، فيكون لسلب العموم، ورفع الإيجاب الكلى وتلك سالبة جزئية وهى لا تنافى الموجبة الجزئية، التي هي المدعى، وحاصله أن تدركه الأبصار, موجبة كلية, لأن موضوعها جمع محلى باللام الاستغراقية, وقد دخل عليها النفي فيرفعها, ورفع الموجبة الكلية سالبة جزئية, وبالجملة فيحتمل إسناد النفي إلى الكل, بأن يلاحظ أولا دخول النفي ثم ورود العموم (2/37)
صفحة 334
عليه, فتكون سالبة كلية ونفي الإسناد إلى الكل, بأن يعتبر العموم أولا, ثم ورود النفي عليه فتكون سالبة جزئية, ومع احتمال المعنى لم يبق فيه حجة.
الثالث: الدال على الاستغراق للأفراد: مطلق في الأزمان, فتكون القضية سالبة مطلقة لا دائمة, والمعنى لا تدركه الأبصار ما دامت في الدنيا لا دائما إشارة إلى مطلقة عامة موجبة, أي تدركه الأبصار في دار البقاء.
الرابع: أن الآية تدل على على أن الأبصار لا تراه، ولا يلزم منه أن المبصرين لا يرونه.
والجواب النافي عن الاعتراض الأول يمنع كون الإدراك ملزوما بالإحاطة بجوانب المرئي، لأن الوصول إلى الشئ لا يقتضى الإحاطة به من جميع وجوهه، لصدقه عند تعذر ذلك، كما أدركنا للإجرام العظيمة، فإن الرؤية إنما تتعلق بجانب الإنس من المرئي لا الوحشي، وعن الثاني بأن مبنى الاعتراض فيه ما عليه علماء الميزان، من أن النفي في ذلك مقدر الدخول على العموم، وهو غير ملتزم، فإن مبنى الاحتجاج في الآية ما ورد على أساليب التنزيل الحكيم، من أن النفي في ذلك مقدر الدخول على الجميع بشهادة قوله تعالى {لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} 35، لا يحب الظالمين، لا يحب الخائنين، إذ لا يسوغ لعاقل أن يقول: أن الله تعالى يحب بعض من ذكر حتى سالبة جزئية.
الثالث بأن مبنى القول في ذلك أن الدال على استغراق الأفراد (2/38)
صفحة 335
مطلقا في الأزمان ما عليه بعض أئمة الأصول كالامدى، والقرافى، والأصفهاني، وهو بمعزل عن التحقيق، والتحقيق في ذلك ما عليه المحققون منهم كالفخر، وابن دقيق العيد، والسبكى، وابنه، وكثير من المتأخرين، من أراد استغراق الأزمان لازم لمدلول الدال على استغراق الأفراد، ويشهد له بالتحقيق كما قال الشماخي منتصرا لذلك، إفادة قضية التركيب اتفاقا كما اعترف به المثبت آنفا.
فإن قلت، إذا كان ذلك كذلك؟ فما فائدة توجيه صدر القضية بالدوام أو بالضرورة، قلت: فائدتها التصريح بما يعلم التزاما، والتفرقة بين حاله في الانفكاك وعدمه، ثم يلزم المثبت القول بأن القول بأن تراه أبصار الكفرة، فإن الجزء الثاني من القضية المركبة مع وجود كونه مخالفا للأول في الكيف، موافق له في الكم أبدا، كما علم في محله فيكون لا دائما مدعاة في قضية النزاع موجبة كلية لما تقرر، من أن الجزء الأول سالبة كلية، بناء على ما عليه القرآن العظيم، وقد كان يمنع أن تراه أبصار الكفرة.
وعن الرابع, يمنع أن يراه المبصرون، لما شاع من استعمال إدراك البصر في الإدراك به، ولأن جميع الأشياء كذلك لان المرئيات منها إنما يدركها المبصرون، لا أبصارهم، فلا تمدح في ذلك بل لا فائدة فيه، وبأنه تعالى ما ذكر سؤال الرؤية في موضع من كتابه إلا ويستعظمه، ومما يدل على القطع بالنفي والتمويل على ما تقدم من التأويل، أن النزاع في الرؤية بحاسة البصر، وهى كما سيأتي، تستدعى انحياز المرئي وتكييفه وتحديده، والكل محال، في حقه تعالى، ورؤيته تعالى على ما قل بلا كيف مما لا حقيقة له ولا تحقق. (2/39)
صفحة 336
ثم ما قيل، في نفى الانحياز والتحديد على في عن الرؤية، أنه تعالى يرى لا في مكان ولا في جهة، وثبوت مسافة بين الرأي وذاته تعالى إن أريد به خروجه عن الامكنه حالب رؤيته كما هو المتبادر من وقوع الفكرة في سياق النفي، أي يرى خارجا من جميع الأمكنة، فهو مع كونه محالا في حقه تعالى نوع تجديد، إذ مما يلزم على ذلك التقدير أن خروج الموجود عن شئ ووجوده في آخر غيرة، وإلا بطل الوجود فهو ظاهر وان أريد به أنه يرى، لا في مكان واحد، بل في جميع الأمكنة، وجميع الجهات فهو متعذر في جميع جهة واحدة، لعدم انضباطها من حيث، إبهاما، وإذا تعذر في جميع جهة واحدة، كما لا يخفى على المنصف، فأحرى أن يتعذر في جميع الجهات، ثم نفى المسافة إثبات للإلصاق والالتزاق، ولا تحقق معه للرؤية.
وأجاب المثبت، بأنه تعالى قادر على خرق العوائد، فإن قال النافي: إما كونه تعالى قادرا على ذلك وخارق، ويستخرج مطلقا فما لا شك فيه ولا نزاع، وأما القول بالتعيين في غير المعين كما هنا، فمن الشهادة على الغيب {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} 36، والقول بالتعين بناء على ما سلف من الظواهر محجوج بما سبق من التأويل، والصحيح المنجى من التورط في الإهلاك ولله الحمد. (2/40)
صفحة 337
"المقصد الثاني"
في الاستلال على الامتناع بالدليل العقلي، ومشهور أدلة المثبت من جهة العقل، الوجود، وهو ضعيف جدا، كما أعترف به، لان الوجود عن الصحيح، فلا يصح أن يكون علة وتقرير الاستدلال به، أن يقال، البارئ تعالى موجود، وكل موجود يصح أن يرى، فالبارئ تعالى يصح أن يرى.
ودليل الصغرى، ظاهر، وأما دليل الكبرى، وهى أن كل موجود يصح أن يرى، فلأن صحة الرؤية موقوفة على مصحح، وإلا لصح تعلقها بالمعدوم، كالعلم، والرؤية تتعلق بالمختلفات، بدليل تعلقها بالجوهر والعرض على زعمه، وهما مختلفان، فالمصحح لرؤيتها إذا لا يخلوا أما أن يكون ما به الافتراق أو ما به الاشتراك، لا جائر أن يكون ما به الافتراق، وإلا للزم الإحكام المتساوية بالنوع بالعلل المختلفة، وأنه محال، فتعين أن يكون المصحح أمرا واقعا به الاشتراك، وذلك المشترك إما أن يكون أمرا ثبوتا أو عدميا، لا جائرا أن يكون أمرا عدميا، وإلا لصح رؤية المعدوم، وامتنع رؤية الوجود، ولأن العدمى لا يصلح، لأن يكون علة للأمر الثبوتى، فتعين أن يكون أمرا ثبوتيا، والأمر الثبوتى لا يخلو أما أن يتقيد بالوجود أولا، فإن لم يتقيد به امتنع رؤية الموجود، وإن تقيد بالوجود فلا يخلوا إما أن يتقيد بكونه صفة أو موصفا، لا جائز أن يتقيد بأحدهما، وإلا لما رأى الأجر، فتعين أنه لما صح رؤيته لكونه موجودا، والباري تعالى موجود، فصح أن يرى.
قال الفخر: وهذا عندي ضعيف لأنه يقال، الجوهر والعرض مخلوقان، فصحة المخلوقية فيهما حكم مشترك فيهما، فلا بد له من (2/41)
صفحة 338
علة مشتركة والمشترك أما الحدوث أو الوجود, فبطل أن يكون هو مخلوقا, فإنا ندرك باللمس الطويل والعريض, وندرك الحرارة والبرودة, فصحت الملموسية حكم مشترك, ونسوق الكلام إلى آخره حتى يلزم صحة كونه ملموسا, والتزامه مدفوع ببديهة العقل هذا كلامه.
وأجابوا عنه بأجوبة ضعيفة واهية, وقل اعترف المحققون منهم بعسر الجواب مع البناء على ما هو الصحيح, من أن وجود كل شئ عينه وأنه مقول بالاشتراك اللفظي لا المعنوي, وهذا مذهب الأشعري ومتابعيه, خلافا للباقلاني, وذهبوا إليه ذهبوا إليه من أن علة الرؤية, هو الوجود وضوحا بيانا في ضعفه, حتى يصير إن شاء الله أوهن من بيت العنكبوت, فنقول, لو جاز ذلك, لجاز تعلق الرؤية بالأصوات والطعوم والروائح وبالرؤية نفسها وبالاعتقاد وبسائر الأعراض الموجودة المحققة ضرورة أن الكل موجود, واللازم باطل, فكذا الملزوم.
وبيان الملازمة, أن مصحح الرؤية على ذلك التقدير, هو الوجود, وأن يتصف به البارئ سبحانه وغيره من الجواهر والأعراض, فالاتفاق في العلة دليل الاتفاق في الحكم, ومستلزم له.
وبيان بطلان اللازم إن عادته تعالى جرت بعدم تعلق الرؤية بكثير من الأعراض, إن أنصفوا وتركوا السفسطة, فإن قلت الخصم لا ينكر ذلك, ولكنه يقول: إن الله تعالى قادر أن يخرق تلك العادة, قلنا, هذا مسلم, ولكنه يستلزم محالا ضرورة أنه لو جاز ذلك, لجاز أن يتعلق بالألوانه والطعوم والروائح وغير ذلك, وأن يتعلق بها الشم والذوق واللمس أيضا, فتكون كل حاسة تتعلق بغير ما طبقت عليه بعادته تعالى (2/42)
صفحة 339
فيلزم الانقلاب المنافي للحكمة الإلهية, فلا تستقر له عادة, وتبطل حينئذ فائدة اختصاص كل من الحواس بما طبقت عليه, فإن قلت: ما تنكر أن يكون الله تعالى قلب حقيقة تعلق الرؤية إذ ذاك, قلت: لا يخلو إما أن يكون ذلك القلب في آلة الإدراك, أو في المدرك, والثاني محال لأنه يلزم عليه الواجب تعالى عن ذلك, والأول مسلم وغير بعيد للخصم, إذ غايته أبطال الرؤية, التي هي المدعي, ومع بقاء الآلة على إدراكها الثابت لها, لا محيد فيه عن إثبات محال, ضرورة أن تلك الآلة حاسة فتقتضي محسوسا بها, وأياما كان فأما أن ترجع الرؤية إلى العلم وإما أن يلزم كونه تعالى مماثلا للحوادث, فإن الرؤية على ما سيأتي وعلى ما مر, معناها انطباع مثل صورة المدرك في العين وانبعاث الأشعة منها, فتفعل بالمرئي وعلى كل منهما يستلزم الجهة والمقابلة, ويشترط لها مع ذلك عدم القرب والبعد المفرطين, ولا تتصل تلك الأشعة إلا بالإجرام التي لها جهة ومقابلة على ما مر غير مرة, والله سبحانه منزه عن ذلك, ويسمى طرف الأشعة المتصلة بالمرئي قاعدة, والمتصل منها بالناظر, منبعث الشعاع وأن قاعدة الشعاع إذا لاقت جسما صقيلا لا تغرس فيه كالمرأة, لم ينبعث به, بل تنعكس إلى الرائي, فيرى فيها نفسه.
والقول, بأنه لو صح ما ذكر, لوجب أن لا يرى الإنسان إلا قدر حدقته, واللازم باطل فكذا الملزوم, قد تقدم جوابه, بأنا نمنع الملازمة, أو سند المنع أنه إنما يرى أكثر من حدقته, لأن أجزاء الهواء مضيئة فيصل الشعاع بها, وهي تتصل بالسماء مثلا, فتعين على الإبصار, فكما أن البلور إذا اتصل الشعاع به وهو جسم لطيف مضئ نتصل بما فيه, فيعين على رؤية ما فيه, ولا يرد النقض أيضا بالجوهر الفرد الذي أدعوه, وقالوا, لو صح ما قلتم, للزم رؤيته إذا كان في سمت الشعاع, فإنه (2/43)
صفحة 340
لا مانع من اتصال به, بدليل أنه يتصل به عند اجتماعه مع غيره, ولا يناله من الشعاع عند الاتصال إلا ما يناله عند الانفصال, فكان يجب على زعمكم أن برى عند الانفراد مع إنه لا يدرى لأنا نقول, قد مر أنه يشترط في المريء أن لا يكون صغيرا جدا, حيث يكون بحيز العدم, والقول باله لا يناله من الشعاع عند الاتصال إلا ما يناله عند الانفصال ممنوع, مما أن قد يحصل للشئ مع غيره ما لا يحصل عند تجرده, وذلك مما لا شبهة فيه, ولا يرد النقض أيضا برؤية الكبير مع البعد صغيرا, لما قدمنا, من أن الشعاع ينفذ من زاوية حادة لمثلث قاعدته سطح المرئي, فيقوم خطا مستقيما بواسطة القاعدة على زوايا قائمة, ومعلوم أنه أصغر مما يقوم عليها من سائر الخطوط, فزيادة البعد تمنع من رؤية طرفي المرئي, أي يمتنع استواء نسبة أجزاء الكبير مع البعد إلى الرائي, حتى يلزم أن يرى على حاله كبيرا وذلك لان الجزء الواقع في وسط المرئي أقرب من الناظر من الجزء الواقع في طرفيه.
وبيان ذلك, أنه إذا خرج خطان شعاعان متوهمان في مثلث, وفرضنا أن قاعدة هذا المثلث أي الخط الذي يقوم عليه ذانك الساقان جسم المرئي البعيد, فيكون هذان الساقان على طرفيه, وخرج من نقطة العين خط آخر, قسم ذلك المثلث الضعيف, وقام وسط تلك القاعدة, فإنه تحدث فيه زاويتان قائمتان, يكون كل واحد من الخطين الواقعين على الطرفين وترا للزاوية, وقد ثبت في الهندسة أن أوتار الزاوية القائمة, التي في المثلث أطول من كل واحد من الخطين المحطين بها, فالخطان الواقعان على الطرفين أطول من الخط الواقع على وسط الجسم المرئي, فتكون الأجزاء إذا ليست متساوية في القرب والبعد فلذلك أن ترى بعض الجسم دون بعض, فيرى الكبير صغيرا وهذه صورة (2/44)
صفحة 341
المثلث, ثم شرعوا في أجوبة لا تجدي ولا تغنى من الحق شيئا، فلما راؤها كذلك رجعوا إلى المكابرة والتعصب، وقالوا ولو سلم ذلك كله، فرؤية الله تعالى عن ذلك تكون بدون اتصال، وبلا ارتسام ولا مقابلة ولا جهة، ولا كيف، قلنا، ولله الحمد اعتراف بامتناع الرؤية المعهودة، التي هي محل النزاع ورجوع عن القول بها إلى العلم، الذي هو محل الاتفاق، ونفى لها كما صار إليه الإمام الفخر كالغزالي، والله درهما وقد حدى حدوها بعض المحققين من الاشاعرة، إذا ما قررناه من البراهين القطيعة، شاهد صدق لا ترد شهادته ولا تجرح عدالته، فإن ما حققنا لرؤية البصر لازم لها، وترتفع بارتفاعه.
ولو جاز أن يرى تعالى من غير اتصال، لجاز أن يتسم ويذاق ويلمس، وقد التزمه البعض منهم لجاجا وتعصبا، لجاز أن يكون جسما من غير تأليف، أوبه بدون تحيز، وأن يكون له وجه وكف وساعد وقدم من غير صورة أو على صورة الإنسان بغير شكل، وأن يكون طويلا وعريضا بلا نهاية، أو بها، وقد قال بكل ذلك كثير من المرجئة والأشعرية، وإن كانوا يقرون منهم لا محيد لهم عنهم في كثير من الأصول، لأنهم من مذاهبهم يستقون، ولو جاز أن يرى تعالى على ما قالوا، لجاز أن يرى علمه وقدرته وإرادته وحياته وسائر صفاته العلية عن ذلك، ضرورة أن الكل موجود، ولجاز عليها أن تذاق وتسمع وتلمس، فما فضل الرؤية عليها.
هذا ما قد بان فساده لمن لأنصف وبعقله اعترف، ومع ذلك قد قالوا به فريق من المرجئة أيضا، ولجاز أن يرى علمنا وقدرتنا وسائر أعراضنا، واللوازم كلها في ذلك منفية، ولو أنصفا في القول بالرؤية وسائر الصفات، وجعلوا عمدة ذلك كله، أنه تبارك وتعالى لا يشبه شيئا ولا (2/45)
صفحة 342
يشبهه شئ من كل وجه، ومن كان كذلك استحال في حقه أن يرى، لسلموا من التورط في التشبيه، لأنه أنه لم يكن السلامة في تنزيهه تعالى عن كل ما يخطر في الأوهام، وخصوصا مع صحة التأويل في كل ما يوهم الوقوع في التشبيه، وفي اتصافه تعالى بالنقص، لم تكن في اعتقاد ما يؤدى إلى ذلك، ويستلزمه، ونحن نوضح ذلك إن شاء الله بما لا يبقى معه اشتباه لمنصف، مما لم نره لغيرنا.
فنقول، دليل الصغرى في قولنا: أن الله تعالى لا يشبه شيئا ولا يشبه شئ، العقل والنقل، أما العقل والنقل، أما العقل، فلما مر غيره مرة، من أنه تعالى مخالف لسائر الحوادث، وقد أعترف الخصم بذلك، وأما النقل، فلقوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} 37، والآية نصا في المراد، كما اعترف به أيضا.
وأما الكبرى، وهى قولنا، ومن هو كذلك استحال في حقه أن يرى، فلأن لو لم يكن مستحيلا رؤيته لكان أما واجبا رؤيته أو جائرا، والأول محال اتفاقا، والثاني لا يخلوا أما أن يكون لقبول ذاته تعالى عن ذلك، أو لقبول جوهر البصر له، والأول وهو أنه لقبول ذاته لا يخلو من أن يكون ذلك القبول حقيقا ذلك القبول حقيقيا أو اعتباريا، وكلاهما فاسد، أما الأول وهو أن يكون حقيقيا، فلا يخلوا من أن يكون نفسي ذاته تعالى، وهو الحق لما مر غير مرة، أو زائد عليها، فالأول، يستلزم إما قدم الأبصار أو قيام الحوادث بذاته تعالى، والثاني، يوجب التسلسل في القوائل الكل محال.
وأما الثاني: وهو يكون القبول اعتباريا، فلأن الاعتباري لا يصلح لأن يكون علة للأمر الثبوتى، ضرورة أن الاعتباريات عندهم (2/46)
صفحة 343
من قبل الإعدام، وهو أنه لقبول جوهر البصر له فاسد أيضا من وجهين، أحدهما أنه يوجب لما كونه تعالى مماثلا للحوادث، أو خروج جوهر البصر عما طبع عليه، فيكون غيرة من الحواس أيضا يشاركه في ذلك المعنى، والتخصيص بالبصر تحكم، والاستدلال بالظواهر قد مر تأويله.
والقول، بأنه لا بعد في أن يخرق الله سبحانه في ذلك اليوم عادته، فيخلق قوة في الإبصار فتراه مع ما هي عليه من طبعها، ظاهر الفساد ولعلى تعالى عن ذلك علوا كبيرا، خرق عادته في ذلك اليوم، بأن تتبدل ثم حاشاه ذاته العلية فتكون من قبيل المرئيات، هذا ما قد بان بطلانه لمن يعقل، وثانيهما أنه لو كان ذلك القبول لجوهر البصر، مع ما هو عليه من طبعه، لصح له أن يراه في الدنيا، وقد قيل به جهلا لازما بالذات لا يتغير ولا يرد القول المذكور أيضا، لظهور بطلانه على كل تقدير مع الإنصاف، وإذا بطل الجواز بجميع احتمالاته، ولا سبيل إلى القول بالوجوب تعين الامتناع المقتضى لتنزيهه تعالى، وبالجملة فاضطراب أقوال الاشاعرة في الرؤية، دليل قاطع على عدم إصابة وجه الحق في تنزيه البارئ سبحانه، فإن قلت بين لنا هذا الاضطراب حتى يثبت ما ادعيت، قلت علينا البيان.
قال الأشعري، إن محمدا"صلى الله عليه وسلم" رأى ربه ببصره، وعيني رأسه، وقال أحمد، رآه بذلك، ويكررها حتى انقطع نفسه تأكيدا للرؤية.
أبو بكر الرازي، عن سهل بن سعيد، أن الله تعالى، أظهر من (2/47)
صفحة 344
سبعين ألف حجاب نورا قدر الدرهم، وكل مقدار منخر ثور، وقال قوم: خص الله عليه السلام بالرؤية من بين سائر الأنبياء.
وقال الباقلانى: أن موسى عليه السلام، رأى ربه، ولذا خر صعقا، وأن الجبل رآه، ولذا صار دكا، ومعنى ربه تجلى ربه للجبل: ظهر له، وقال بعضهم، شغله حتى تجلى، ولولا ذلك لمات، وهذا دليل، أن محمدا وموسى عليهما السلام والجبل رأوا ربهم.
قال الرازي: إنه دنى فتدلى من ربه، أي زاد في القرب، قال مكي، والماوردى، دنى الرب تعالى عن ذلك من محمد فتدلى إليه. وقال النقاش مثله، وهذا في الدنيا وقال كثير منهم بامتناعها في الدنيا، وبعضهم بامتناعها مطلقا كما مر، وفسر بعضهم اللقاء بالرؤية في الآخرة، وعليه فالكفار والمنافقون يرونه، لقوله تعالى {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} 38، فأين تخصيصها بالمؤمنين، ولا يظل بحكايات الأقدمين من المرجئة لقبحها جدا، وأين اضطراب أشد وأعظم من هذا، ولو حملوا الرؤية على العلم لكان خيرا لهم، ولزال اللبس واستقام المعنى وبطل التجسيم والتشبيه، وارتكاب التمجل في التأويل، ولو اعترفوا بالعجز عن إدراكه تعالى لكان أسلم لهم، فإن أرواحنا في أجسادنا لا مطمع لنا في إدراكها البتة، فكيف بذات من ليس كمثله شئ؟ إذ لا سبيل إلى معرفته إلا بالآيات البينات، فالسلامة، إنما هي في الخوض بما لا يليق في حقه تعالى، ونستغفر الله مما صدر منا في غير صواب. (2/48)
صفحة 345
المعلم الرابع في النبويات
وما يتعلق بها وفيه مراصد وخاتمة: الأول: في خصوص النبويات وفيه مقاصد.
المقصد الأول: في معنى النبوة والنبي والرسالة والرسول, أما النبوة في اللغة: فعلى وجهين, مهموز, وغير مهموز, فالأول مأخوذ من النبأ وهو الخبر, ويحتمل أن يكون فعيلا بمعنى مفعولا, أي منبأ بالغيوب, أو بمعنى فاعل أو مفعول, أي هو منبأ بما أطلق الله عليه, ويصح ترك الهمزة في هذين الوجهين تخفيفا, والثاني, مأخوذ من النبوة بفتح النون, وهو ما ارتفع من الأرض يقال نبأ الشئ إذا ارتفع فالمعنى على هذا أن النبي مرتفع على طور البشر باختصاصه بالوحي, وخطاب الله تعالى, وليست النبوة صفة ذاتية لنبي, كما صار إليه الكرامية, ولا مكتسبة كما صار إليه الفلاسفة, حيث قالوا: إنها ترجع إلى التخلي عن الأخلاق الذميمة, والتخلي بالأخلاق الكريمة الحميدة, بالرياضة, إلى أن يصير إلى حالة هي, صفاء مرآة القلب وجلائه, بحيث ينتهي لما لا ينتهي لإدراكه غيره.
ونحن نقول باكتساب هذا المعنى, لكن لا نسميه نبوة, والنبوة عندنا, اصطفاء الله عبدا من عبيده, واختصاصه بسماع وحي من الله بواسطة ملك أو دونه, ولا شك في عدم اكتسابها بهذا المعنى, فلم تختلف معهم في الاكتساب وعدمه, فليس الخلاف إذا بخلاف معنوي, إذ من شرطه أن يرى الإثبات والنفي على شئ واحد, وإنما (2/49)
صفحة 346
هو اختلاف راجع إلى التسمية, بمعنى أن النبوة اسم, لما ذا نحن لا نسميه ما وصفوه بالنبوة, فلذا لا نقول بالاكتساب, وهم لا يسمون ما وصفنا باسم النبوة, فلذا لا يقولون بعدم الاكتساب, بل هم نافقون للوجه الذي نقوله في النبي كم مخاطبة الملك له حقيقة, وأن ذلك موجود في الخارج, ويزعمون أن الصورة لخطاب النبي لا وجود لها في الخارج, وإنما هي أفعال الخيال, قال: أو الذي يراه في النوم واحد منا, من أشخاص تحدثه وتخاطبه, لا وجود لتلك الأشخاص في الخارج, وإنما هي شئ تخيل فيحدث للنبي في اليقظة ما يحدث لواحد منا في النوم, هذا ما ذهبوا إليه, ولا إشكال, بأنه كفر وتكذيب, فإذا علمت ذلك فاعلم أن النبي رسول أيضا, أن أمر بتبليغ ما أوحى إليه, فالمختص بالأول والثاني رسول, وبالأول فقط نبي, فالرسول إذا أخص من النبي مطلقا, فكل رسول نبي من غير عكس, وعليه أصحابنا والأكثرون وقيل, هما بمعنى, وقيل بينهما عموم وخصوص من وجه, فيجتمعان في الرسول من البشر, وينفرد النبي فيمن أوحى إليه من البشر, ولم يؤمر بالتبليغ, وينفرد الرسول فيمن أوحي إليه من الملائكة, وبعث إلى غيره, وما قيل أنهما متباينان, وأن الرسل هم أصحاب الكتب والشرائع, والنبيون هم الذين يحكمون بالمنزل على غيرهم, مع أنهم يوحى إليهم فهو ظاهر الفساد, إذ لا يلائم ما في القرآن, فإنه قد وصف فيه" سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم" بالنبي والرسول, وكذا قال سبحانه وتعالى في كل من موسى وإسماعيل, على الجميع الصلاة والسلام {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} 39. (2/50)
صفحة 347
" المقصد الثاني"
في حكم الرسالة: ذهب أصحابنا والأكثرون إلى أن الرسالة ممكنة, تفضل بها مولانا عز وجل, على من اصطفاه من خلقه, وأوجبتها المعتزلة عقلا على أصلهم في وجوب مراعاة الصلاح والأصلح, وأنها تأكيد للعقل منعتها البراهمة عقلا, ولا يخفى فساد المذهبين, على من حقق ما مضى من بطلان أصل التحسين والتقبيح, ووجوب مراعاة ما مر, فلا حاجة لنا إلى التطويل بكثرة الأدلة والبراهين, وها هنا مباحث شريفة عزيزة الوجود سمحنا بها في الشرح.
تنبيه: اتفقت البراهمة على إنكار ما سوى آدم من الرسل, واختلفوا فيه, وفي إبراهيم, فقد قيل إنهم سموا براهمة: لأنهم لا يصدقون إلا بإبراهيم عليه السلام, وليس بصحيح, وقيل: أنهم منسوبون على برهم رجل كان من المجوس فيما ذكره المؤرخون, وقيل: لأنهم جمع من الهند أصحاب برهم, وقيل: ثلاث فرق, فرقة جحدت الرسل أصلا, وفرقة يقولون: بنبوة آدم وحده, وفرقة يقولون: بنبوة ابراهيم وحده. (2/51)
صفحة 348
"المقصد الثالث"
في فائدة بعثة الرسل, وما يتعلق بها منها, أن بعثهم ليقطع بهم أعذار الجاحدين, ليرشد بهم العقول إلى الحق بغير تعب, وليفطنوها إلى دقائق الأنظار التي لا تهتدي العقول إليها, لولاهم, وليبلغوا عن الله خطابه من الأمر والنهي والإباحة, وما يتعلق بها من خطاب الوضع, وهو الحكم على أمر, بأنه سبب أو شرط أو مانع لتلك الأشياء المذكورة, فالسبب حكم الشرع على دخول الوقت مثلا, بأنه سبب لوجوب الصلاة, والأمر بها, وعدة المرأة: بأنها سبب لمنع النكاح وانعقاد البيع: بأنه سبب لإباحة التصرف في البيع, والشرط وهو: حكم الشرع على الطهارة, بأنها شرط في أداء الصلاة, والمانع: هو حكم الشرع على وجود الحيض, بأنه مانع من الاستمتاع بالزوجة, أو السرية أو وجود الدين, بأنه مانع من وجوب الزكاة كما علم ذلك في محله, ويدخل تحت خطابه تولى ما بينه الشرع من الوعد والوعيد, المرتبين على الامتثال وعدمه, وما شرعه من أحوال الآخرة, وما خوف به من أحوال الأمم الماضية, إذ كل هذه الأمور لها تعلق بالأحكام التكليفية, وما ليس بطاعة ولا معصية, كالمباح, وخطاب الوضع, إذ كل ذلك لا يعرف إلا من قبال الشرع, وها هنا فوائد جمة شريفة لبعثة الرسل, ذكرناها في الشرح. (2/52)
صفحة 349
" المقصد الرابع"
تفضل الله سبحانه بتأييد الرسل المعجزات الدالة على صدقهم، وهي: فعل الله سبحانه الخارق للعادة، لمقارن لدعوى الرسالة، متحدى به قبل وقوعه، غير مكذب، يعجز من يبغى معارضته عن الإتيان بمثله، فاحترز بقولنا، فعل الله مما لا يكون فعلا له، كالصفة، فلا يكون معجزة، ودخل في معجزاته"صلى الله عليه وسلم" تلاوة القرآن، فهي معجزة له دون غيره، إذا تلاه فهجائي له، لأنه ليس بآخذ له من الملك، ودخل الفعل أيضا ما لا تتعلق القدرة الحادثة به، كإحياء الموتى وتكثير الطعام وانقياد الحجر والشجر، وغير ذلك، وخص بعضهم المعجزة، بما كان من النوع الثاني، ما لا تتعلق به القدرة الحادثة، لا الأول: وهو ما تتعلق به، كالتلاوة، وعليه فتكون معجزة القرآن في نظمه المخصوص، واطلاع النبي" صلى الله عليه وسلم" على ذلك دون سائر الناس، وكلا الأمرين ليس هو من فعله، ولا من كسبه، وهذا الثاني، أظهر، فإن قيل: قد يتحدى النبي بعدم الفعل، كما قال عليه السلام"قد عصمني ربى من اذاية الخلق بضرب أو قتل" وكما قال نوح:"عليه السلام" {فَكِيدُونِي جَمِيعاً} 40 الآية.
فالجواب: أن علمه وأخباره بذلك، على وفق ما ظهر، هو المعجزة، وهو فعل الله خلقه له، ولذلك زاد بعضهم وقال: المعجزة فعل أو ما يقوم مقام الفعل، واحترز السحر ونحوه، وما يوجد في بعض الأجسام من الخواص كجذب الحديد بحجر المغناطيس، فإن المعجزة لا بد فيها أن يعرى وقوعها عن جميع الحيل المعتادة في الكثرة أو النذور، ولأجل أن هذا النوع النادر من المعتاد لا يدل على شئ. (2/53)
صفحة 350
وقالت البراهمة: قد استقر في أذهان العقلاء ما توصل إليه الحكماء، من العلوم، كالكلسمات وأنواع الحيل، لحجر الثقيل بالخفيف، وقد اشتهر في أبرار الموجودات، حتى أن من لم يعرف حكم حجر المغناطيس في جذب الحديد فرآه، وتعجب من ذلك أول رؤيته، وقضى بأنه يخالف العادات، فما الذي يؤمنكم أن مدعى النبوة أطلع على علم من العلوم، وظهر له من أسرار الموجودات، ما أذا أتى به لمن لا يعرف ذلك؟ عده خارقا.
والجواب، أنا إنما نستدل بالخارق، إذا علمنا من قبيل المعجزة، ونحن نعلم قطعا أن إحياء الموتى، وقلب العصي حية، وإبراء الأكمة والأبرص عن غير معاناة، ليس مما يدخل تحت الحيل، ولا مما يتوصل إليه بغوص في هذه العلوم، وقد تقترن بشئ قرائن تفيد العلم، واليقين بأن ما أتى به ليس من قبيل ما ذكرتموه، وقد طرد الله عادته أنبيائه وأصفيائه، بأن يقطع عنهم الوهم ببعدهم عن أرباب هذه العلوم، فشخص يخرج إلى شعب بعيد، بحيث لا يتوهم فيه مخالطة السحرة، وآخر يخلقه أميا يمنعه من المخالطة لأرباب العلوم، وتعلم الكتب، قال الله تعالى {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ} 41 الآية، وقرائن الصدق المقترن بالخارق مما يرفع اللبس، والمخالطون للأنبياء الباحثون عن أحوالهم، والشاكون في أبطال دعواهم يجدون من أحوالهم ما يخيل نسبتهم إلى ذلك، حتى ينتهوا إلى البوح، بأنهم في عناد وفي إنكار نبوتهم وجحدهم، هذا مع أن في نفوس الأعداء والحسدة ما يحرك الدواعي إلى البحث والتفتيش، والعادة تحيل أن يكون لشخص نسبة إلى ما ذكروه، إلا ويعلم ويفرغ به، إلا ويعلم ويفرغ به، وبهذا نعرف الفرق بين المعجزة والسحر، وهو أن السحر له سبب عادى مرتبط به، بخلاف المعجزة، وبهذا عرف ابن السحر: بأنه أمر خارق للعادة مطرد الارتباط بسبب (2/54)
صفحة 351
قال، وزعم القرافى، أنه غير خارق للعادة، وغرابته إنما هي: بجهل أسبابه لأكثر الناس، كصنعة الكيمياء بعيد، واحترز بقوله مقارنة لدعوى الرسالة، مما وقع بدون دعوى أو بدعوى غير الرسالة كدعوى الولاية على القول بجوازها، والصحيح المنع، والولاية هي الكرامة، والفرق بين المعجزة والكرامة من وجوه ذكرتها في الشرح، وأما بين الكرامة وبين السحر، فهو أن الكرامة ظهور الخارق فيه إنما يظهر على أيدي الكفرة والفساق، وجد بعضهم الكرامة بأنها عبارة عن ظهور خارق على يد عبد طاهر الصلاح، ليس يبنى لا في الحال ولا في المال، فخرج بقوله على يد إلى آخره، السحر والاستدراج وهو، خلق الخارق على يد الأشقياء، كالدجال وفرعون والجهلة والضالين المضلين، وبقوله ليس بنبي العجزة، وبقوله: لا في المآل.
الإرهاص: وهو عبارة عن العلامات الدالة على بعثه نبي قبل بعثه، وها هنا كلام في الشرح، وبقوله: متحدى به، قبل وقوعه، بأن يقول: آية صدقي كذا وكذا مما وقع بدون تحديد كالإرهاص ونحوه، أو تحدى به، لكن بعد وجوده، والتحدي هو: طلب المعارضة، والصحيح منع تأخير المعجزة عن موته، كما أن جواز تأخير ما يدل على الرسالة إلى الوفاة، قد يضيع معه فائدة البعثة وهى: العلم بأحكام الله سبحانه، وبقوله غير مكذب، مما إذا قال: آية صدقي أن ينطق الله يدي فنطقت بتكذيبه، وفي تكذيب الميت المتحدى بإحيائه في القدح وعدمه قولان، لبعض قومنا، واختار بعضهم عدم القدح في تكذيب، اليد، وشبهها لعدم التحدي بتصديقها، وإنما المتحدى به، مجرد النطق، وقد وقع. (2/55)
صفحة 352
" المقصد الخامس"
في دلالة المعجزة
أعلم أن دلالة المعجزة, لا يصلح أن يكون من جملة الأدلة السمعية, إذ يستحيل أن يثبت صحة الأدلة السمعية قبل ثبوت دلالة المعجزة, ثم اختلف في وجه دلالتها على ثلاثة أقوال, الأول: أنها عقلية, لأن خلق الله تعالى لهذا الخارق على وفق دعوى الشخص وتحديه مع العجز عن معارضته, وتخصيصه بذلك يدل على إرادته تعالى تصديقه كما يدل اختصاص الفعل كالبياض مثلا بالوقت المعين, والمحل المعين على إرادته تعالى ذلك بالضرورة, وبالجملة فقد جعلوا التصديق في هذا القول صفة للخارق الواقع على الوجه المخصوص, مع جواز يعري ذلك الخارق عن صفة التصديق, بانعدام شرط المعجزة, فصارت صفة التصديق للخارق والحادث كسائر صفات الأفعال الحادثة.
وقد علمت: أن اتصاف الحادث بصفة, بدلا عن نقيضها الجائز, يدل عقلا على إرادة الفاعل: وهو الباري تعالى بذلك، لما تقرر أن الطبيعة والعلة لا يخصصان جائزا بالوقوع، بدلا عن جائر يساويه، الثاني: أن دلالتها وضعية كدلالة الألفاظ بالوضع على معانيها، قالوا: لأن المواضعة قد تعرف بصريح يدل على التواضع، كما لو قال شخص لآخر: إن فعلت كذا فاعلم بذلك، قصدي في طلبك، ففعل ما وضعه عليه، فإن من وقعت منه المواضعة يفهم طلبه، على حسب ما وضعه عليه، وقد تعرف المواضعة بصريح من أحد المتواضعين، وبفعل من الثاني، من غير أن يسمع كلامه، فإذا قال شخص في محفل بمجلس ملك، وقد تآزر مجلسه بجميع، أنا رسول الملك إليكم، وأيتى أن يخرق الملك عادته، وهو بمرأى من الملك ومسمع منه، ثم قال: أيها الملك إن كنت صادقا في ذلك فاخرق عادتك، وقم، واقعد، فأجابه إلى (2/56)
صفحة 353
لقيام والقعود، كان ذلك كالتصريح بالمواضعة، على أن خرق عادته بقيامه وقعوده، يدل على إرساله، وظاهر كلام جماعة أن هذين القولين يرجعان إلى واحد وهو أن الدلالة عقلية، وإنما اختلف في تقرير كونها عقلية والأمر فيه كما قيل قريب.
الثالث: أن دلالتها عادية، كدلالة قرائن الأحوال على خجل الخاجل، ووجل الواجل، وخوف الخائف، قالوا، فإن خلق الله تعالى لهذا الخارق على هذا الوجه المفروض، تدل عادته على صدقه بالضرورة، فعلى الأولين يستحيل عقلا صدور المعجزة على أيدي الكاذبين، أما على الأول فلما يلزم عليه من نقيض الدليل العقلي، بأن يوجد ولا يوجد مدلوله، فيصير ذلك الدليل شبهة، ويصير العلم الذي استلزمه جهلا مركبا، وذلك قلب الحقائق، ولا خفاء في استحالته، وأما على الثاني: وهو المواضعة، فلما يلزم عليه من الخلف، في خبرة تعالى، لأن حكم المواضعة في الفعل حكم الكلام الصريح، ثم لما كان هذا يتوقف على معرفة استحالة الكذب على الله تعالى، ذكروا في بيانه استحالة عليه أوجها، أحدها: أن الله تعالى عالم بالأشياء كلها على ما هي عليه، فيكون أخباره على وفق ذلك، فاستحال عليه الكذب، وهو: الخبر عن الشيء بخلاف ما هو عليه، وذلك في حق مزعم علمه ما لا يتناهى محال، ثانيها: أن كل خبر تجرد إليه، فإنه يصح من العالم به أن يخبر على وفق علمه، فلو صح الكذب عليه تعالى، لوجب أن لا يتصف بضده الذي هو الصدق وهو محال، ثالثها: قد ثبت اتصاله تعالى بالكمال والصدق، صفة كمال فضدها: نقص، والنقص على الله تعالى محال، فوجب كونه صادقا، هذا بيان ما قرره القوم في وجه دلالة المعجزة، ولم أر لأصحابنا في ذلك نصا، غير أن شيخنا لما عرضت عليه هذا المقام استظهر الوجه الأول، وهو: الذي وقع في نفسي اختياره. (2/57)
صفحة 354
المقصد السادس
إن قولنا أن دلالة المعجزة عادية بحسب القرائن، فحيث حصل العلم الضروري عنها بصدق الآتي بالمعجزة، فإنه يستحيل أن يكون كاذبا، وإلا انقلب العلم الضروري جهلا، ولم يجر سبحانه وتعالى عادته من أول الدنيا إلى الآن إلا بعدم تمكين الكاذب من المعجزات، وإذا خيل بسحر ونحوه فضيحته عن قريب ولله الحمد على معاملته في ذلك، ونحوه بمحض الفضل والكرم، وأجاز أن تظهر المعجزة على يد الكاذب، لو انخرقت العادة، ولا يحصل بها حينئذ علم م بصدقة، وإلا لكان الجهل علما، وتجويزنا خرق للعادة عقلا عند حصول العلم في حق المحقق، بمعنى أنه لو كان الواقع في حقه الكذب بدلا عن الصدق والذي علمنا وقوعه في حقه لم لزم منه محال، لا يقدح في علمنا بصدقه، إذ لا يلزم من جواز الشيء وقوعه، ألا ترى أنا نجور استمرار عدم العالم، مع علمنا ضرورة بوجوده، إذ معنى الجواز أنه لو قدر واقعا لم يلزم منه محال لذاته، لأنه محتمل الوقوع وحاصل ذلك أنه يجوز عقلا، على القول بأن دلالة المعجزة عادية أن تظهر على أيدي الكاذبين، ولا يكون العلم بنبوتهم حينئذ حاصلا، وإلا انقلب جهلا، إلا أنه تعالى تفضل بعدم خرق العادة في هذا الأمر، فلم يظهر سبحانه المعجزة قط على يد كاذب، بل أجرى سبحانه عادته، بأن يفضح كل من أراد أن يبرز بمنصب النبوة، وهو ليس من أهلها، هذا فيما علم بالاستقراء من عادته تعالى فيما مضى، وأما في المستقبل فقد كفانا الله سبحانه هذه المؤنة بحصول العلم القطعي، بأن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، فكل من ادعى بعده منصب النبوة فلا يقبل منه إلا (2/58)
صفحة 355
الإسلام والسيف، ولا يتلفت إلى قوله ولا إلى الخارق الذي يظهر عل يديه، وقد ألزم المعتزلة من يقول بأن الله سبحانه خالق لأفعال العباد، جواز صدور المعجزة على أيدي الكاذبين، من جهة أخرى، وهي أن قالوا: من مذهبكم أن الله يضل من يشاء، ولا يتعين في حقه خوارق العادات على وقف دعوى المدعين للنبوة، ويكون المراد من ذلك إظهار الضلالات.
فأما القائلون بالقولين الأولين في وجه دلالة المعجزة، فأجابوا على مقتضى الوجهين، أما على الأول فقالوا: نعم يجوز للبارئ سبحانه الإضلال، لكن لا بالمعجزة لاستحالة ذلك معها، كما يجوز خلق السواد في محل معين، ولكن لامع وجود البياض فيه، وألمعية في النقيضين محال، والإضلال بالدليل قلب شبهه، وللعلم الحاصل عنه جهلا وذلك محال.
وأما على الثاني: فيجوز أن يضل لكن لا بالخلق في العقول، وإذا كانت المعجزة تنزل منزلة التصريح بكلام ناص على التصديق، فلا يصح الإضلال بما يدل عل التصديق، وإن كان بحكم المواضعة.
وأما القول الثالث: وهو أن الدلالة عادية فأمر الجواب أيضا سهل، وهو أن آية صدق النبي حصول العلم لنا على تلك المعجزة، فإذا حصل انتقى معه احتمال عدم الصدق، لأن العلم لا يحتمل النقيض بوجه، وإلا انقلب جهلا، وتجويزنا عقلا، كذب المحق الذي تيقنا صدقه، ولا يقدح في العلم بصدقه، لأن معنى جواز الكذب في حقه أن لو وقع (2/59)
صفحة 356
بدلا عن الصدق الواقع في حقه لم يلزم منه محال، لا أن معناه احتمال وقوع الكذب في حقه، وكثيرا ما تعلم وقوع أشياء علما ضروريا، مع تجويزنا عقلا نقيض ذلك الواقع، وذلك كعلمنا بوجودنا، فإنه لا شك فيه عاقل، وإن كنا نجوز عدمنا، بمعنى أنه لو استمر عدمنا ولم نوجد أصلا يلزم منه محال، لا بمعنى أن عدمنا محتمل الحصول حال علمنا بوجودنا. (2/60)
صفحة 357
" المقصد السابع"
في وجوب تصديق الرسل عليهم السلام
إذا علم صدق الرسل عليهم الصلاة والسلام، بدلالة المعجزة، وجب تصديقهم في كل ما أتوا به الله سبحانه، أذا يستحيل منهم الكذب عقلا، والمعاصي شرعا، لأنا مأمورون بالاقتداء بهم، فلو جازت عليهم المعصية لكنا مأمورين بها {قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء} 42 وبهذا تعرف عدم المكروه منهم والمباح، على الوجه الذي يقع من غيرهم، وبيان ذلك: أن عصمة الأنبياء عليهم السلام إما قبل النبوة، أو بعدها، أما حكمهم قبلها، فذهب أكثر الاشاعرة وكثير من المعتزلة، إلى أنهم لا يمتنع عقلا على الأنبياء قبل البعثة صدور المعصية منهم مطلقا، وذهب أصحابنا إلى عصمتهم من الكبيرة على كل حال دون الصغائر، ولا يقرون عليها بعد النبوة، وذهب بعض الأشاعرة إلى امتناع المعصية منهم مطلقا، قال: فإن المعاصي إنما تكون بعد تقرير الشرع، إذ لا يعلم كون الفعل معصية إلا من الشرع، وقال بعضهم: الامتناع منها بالسمع إذ لا مجال للفعل، لكن دل السمع بعد وروده على أنهم كانوا معصومين قبل البعثة، وذهب الرافضة إلى امتناع ذلك كله عليهم عقلا، ووافقهم أكثر المعتزلة في امتناع وقوع الكبائر منهم قبل البعثة، ومعتمد الفريقين التقبيح العقلي، لأن صدور العصية منهم ما يحقرهم في النفوس، وينفر الطباع عن إتباعهم وهو خلاف ما تقتضيه الحكمة، بعثة الرسل، فيكون قبيحا عقلا، وأما بعد النبوة، فالإجماع على عصمتهم من تعمد الكذب في الأحكام، لأن المعجزة دلت على صدقهم فيما يبلغونه عن الله سبحانه، فلو جاز تعمد الكذب عليهم لبطلت دلالة المعجزة على الصدق، وأما جواز صدور الكذب منهم (2/61)
صفحة 358
في الإحكام غلطا أو نسيانا، فمنعه الأكثرون لما فيه من مناقصة دلالة المعجزة القاطعة، وجوزه بعضهم وقال: المعجزة إنما دلت على صدقهم فيما يصدر منهم قصدا واعتقادا.
وقال بعضهم: لا خلاف في امتناعه سهوا أو غلطا، لكن عند بعض، بدليل المعجزة القائمة مقام قول الله تعالى "صدق عبدي"، وعند بعض، بدليل الشرع، وأما غير ما ذكر من المعاصي القولية والفعلية، فالإجماع على عصمتهم من تعمد الكبائر والصغائر الخسة، خلافا لبعض الخوارج، وأما إتيان ذلك نسيانا أو غلطا، فقيل اتفقوا على امتناعه، فقيل بدليل السمع، وهو الإجماع، وقيل به وبدليل العقل أيضا، وأما الصغائر التي لاخسة فيها، فجوزها الأكثرون عمدا وسهوا، ومنها الأقلون، وقالوا: لاختلاف الناس في الصغائر، ولما ذهبوا إليه جماعة من أنه ليس فيما يعصى الله به صغيرا، ولأن الله تعالى أمرنا بإتباعهم في الأقوال والأفعال، فيجب الاقتداء بهم، فلو جازت منهم المعصية لكنا مأمورين بإتباعهم فيها.
وبهذا كما قلنا: تعرف عدم جواز وقوع المكروه منهم، فالحق أن أفعالهم دائرة بين الوجوب والندب والإباحة، وليس وقوع المباح منهم بحسب مقتضى الشهوة، كوقوعه من غيرهم، فإنهم لعظم معرفتهم بالله كان وخوفهم منه، واطلاعهم على ما لم يطلع عليه غيرهم، لا يصدر منهم المباح، إلا على وجه بصير في حقهم طاعة وقربة لقصدهم، إما تشريعه أو التقوى به على طاعة الله تعالى، ونحو ذلك مما يليق بقاماتهم الرفيعة، وإذا كان أهل المراقبة من أولياء الله تعالى بلغوا في الخوف منه تعالى، برسوخ المعرفة ما منعهم أن تصدر منهم حركة أو سكون في غير رضاه تعالى، فكيف بأنبيائه ورسله صلاة وسلاما عليهم أجمعين. (2/62)
صفحة 359
تنبيه: يجوز أن يبعث الله رسولين بشريعتين إلى أمتين، كإبراهيم ولوط، وبشريعة إلى أمة كموسى وهارون، أو رسولا بشريعة يختلف فيها حكم القبائل، كشرط ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحرم واديها على من يرعاه سواهم، وكشرط على أهل دومة الجندل حين شرط الضاحية من البعل، وقوله لا تقتل قريش صبرا بعد اليوم، أو كحكم الأماكن كالحرمين وغيرهما، أو الأصناف كبعض أحكام السودان والحمران، وأن يبعث رسولا بالخط، فقيل بعث به نبيا، أو بالرؤيا، كبعض الأنبياء، وبالصواع كما حكي عن يوسف عليه السلام، أو التكليم بغير واسطة كموسى عليه السلام، أو بالإلهام كالخضر، أو بالفراسة، أو منطق الطير، أو الحشرات، أو بعلم ضروري، أو اكتسابي، أو رسولا إلى غير العقلاء منهم، أو من العقلاء، وجزاء غير العقلاء في الدنيا لأنها لم تكن مكلفة، لان شرط التكليف العقل، وقد عدم فيها، لكن يرسل الله إليها بمصالحها كقول النملة: {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ} 43 الآية أو بعبادته كقوله تعالى {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} 44 الآية {وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} 45 الآية وغيرها، وعقوبتها في الدنيا، إما طلبا لتأديبها أو لمصالحها، ونحو {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ} 46 الآية وإذا تأملت طاعتها لكبارها وسياسيتها لصغارها، كالجراد والنخل، وغيرهما من الأنواع، ظهر لك صدق ما ذكرناه جوازا عقليا، سواء وقع أو لم يقع، {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} 47 أي ألهمها، ولا يجوز عقلا ولا شرعا أن يقبض الرسول قبل أن يبلغ، أو الأمة قبل أن يأتيها الرسول، لأن ذلك نوع من البدء وهو على الله محال، وكذا لا يرسل رسولا بتكذيب آخر، لأن هذا عبث وليس من أفعال الحكيم (2/63)
صفحة 360
"المقصد الثامن"
في إثبات رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
قد ادعى "سيدنا ومولانا محمد صلى عليه وسلم، النبوة والرسالة، وظهر الخارق على وفق دعواه، مع العجز عن معارضته، وكل من هو كذلك فهو رسول الله، فنبيا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله سبحانه.
أما الصغرى: فهي معلومة بالتواتر، الذي ينقله الموافق والخالف، والتواتر يفيد ضرورة على ما تقرر في أصول الفقه، وأما دليل الكبرى فيما قد سلف في وجه دلالة المعجزة.
وأعلم أن من المنكرين لنبوته صلى الله عليه وسلم، اليهود، وهم فرقتان: فرقة امتنعت من تصديقه لما تضمنته شريعته من نسج شريعة موسى عليه السلام، وزعموا أن النسخ محال، وتمسكوا في إحالته بالعقل، وهو أن النسخ يستلزم البدء، وبعضهم تمسك فيه بالنقل، وهو أن موسى نص على شريعته لا تنسخ، قال:" تمسكوا بالسبت أبدا" وفرقة: تعرف بالعيسوية، أقروا برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنهم قالوا: إلى العرب خاصة.
والرد على من أحال النسخ بالبدء، أن يقال له: إن عنيت به، أن الله سبحانه ظهر له من الحكمة ما كان خفي عليه عند شرع الحكم الأول، ولذلك نسخه، فلا نسلم ذلك في النسخ، فإنه لو استلزم تصرفه في أفعال عبادة بمنع ما أطلقه في وقت (2/64)
صفحة 361
البدء لا ستلزمه تصرفه فيهم من نقلهم من الصحة إلى المرض وبالعكس، ومن الغنى إلى الفقر، وبالعكس ومن الحياة إلى الموت، وإذا لم يدل الثاني، فلا يدل الأول، كيف، ومن العلوم أن لا يمتنع الحكمة أن يأمر الحكيم مريضا باستعمال الدواء في وقت ثم ينهاه عنه في وقت آخر، لعلمه بصلاحه في الحال، فمن الحكمة نهيهم عن القتال في أول الإسلام لقتلهم، وإيجابه عليهم عند كثرتهم، إذ قال تعالى، {اقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ} 48، هذا إذا تنزلنا إلى القول بمراعاة الصلاح والأصلح، وإلا فمعتقدنا أن الله سبحانه يفعل في ملكه ما يشاء ويحكم ما يريد، ثم نقول لليهود: وقوع الخارق على وفق دعوى التحدي مع العجز عن معارضة من تحدى عليه، لا يخلوا أما يدل على صدق مدعى الرسالة أولا، فإن لم يدل، لزم أن لا تقوم دلالة على صدق موسى، إن دل وجب_ تصديق محمد صلى الله عليه وسلم، وعيسى أيضا، وأما النسخ فهو لازم في شرعهم أيضا، إذ قد ثبت في نص الشوراة أن الله تعالى قال لنوح خرج من السفينة:" إني جاعل لك كل دابة مأكلا لك ولذريتك، وأطلقت ذلك لكم كسائر العشب ما خلا الدم" وقد حرم بعد ذلك في التوراة أشياء كثيرة، وفيها أيضا أن شريعة آدم عليه السلام جواز نكاح الأخت، وقد حرموا ذلك، وقد كان من شرع يعقوب عليه السلام الجمع بين الأختين، وقد حرموه وقد كان العمل في السبت قبل شريعة موسى عليه السلام مباحا، ثم حرمه موسى على زعمهم، ولم يكن الختان واجبا وقد أوجبوه، وأما دعوى أن موسى عليه السلام أعهد إليهم أن شريعته لا تنسخ، فما لقنه لهم أبن الزواندى، وقد كان يعلم الفرق والشبه طلبا للدنيا، ولا يخفى كذب هذا النقل، (2/65)
صفحة 362
إذ لو كان حقا لما ظهرت المعجزة على يد عيسى ولا يد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كما لم تظهر ولا تظهر على يد أحد بعده، إذ قال:" لابني بعدى وأيضا لو كان حقا، لكان أولى الأزمنة بذكره، والاحتجاج به الزمان الذي دعاهم فيه محمد صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، وقد بالغوا حينئذ في إخفاء نوره جهدهم، حتى غيروا صفته في كتبهم وفي غيرها، ولم يحتج أحد منهم بذلك مع شدة حرصهم عليه، وتوفر الدواعي على نقله لو كان موجودا حقا.
وإما العيسوية: فإذا سلموا أنه مرسل إلى العرب، لزمهم تصديقه في جميع ما أخبر به، وقد أخبر أنه رسول إلى الكافة، وأنه مبعوث إلى الأحمر والأسود، فإقرارهم بنبوته، ثم تكذيبه في أنه رسول لجميع
أهل الأرض، لا يخفى تناقصه على كل عاقل.
تنبيه: بعث محمد صلى الله عليه وسلم من قريش، وهم أولاد النظر من كنانة ومحمد بن عبدالله بن عبدالمطلب أبن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب أبن لوي أبن غالب بن فهر بن مالك بن النظر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة أبن اليأس بن مضر بن نزار ابن معد بن عدنان، وقد قال صلى الله عليه وسلم" أنسبوني إلى على عدنان"، يعنى لا إلى فوق الخطأ في نسبته إلى ما فوق ذلك، لقوله" كذب الناسبون"، وقد جمعت ذلك في بيتين وهما:
قرآنه ... قلبي ... هال ... عظيما ... عهدت
غرائبه ... لي ... كامل ... مبين ... كتاب
خلاصة ... كرام ... نفسي ... مصر ... فدا
عواقبه ... مجدا ... نال ... مذ ... الفهم ... مدى (2/66)
صفحة 363
"المقصد التاسع"
في معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
تحدى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بمعجزات لا يحاط بها، وقد أنهاها بعضهم إلى ألف، وبعضهم إلى ثلاثة الآف، وبعضهم إلى العجز عن الحصر، وبعضهم إلى عشرة آلاف بعضها ارهاصيه ظهرت قبل دعوى النبوة، وبعضها تصديقيه ظهرت بعدها، وأفضلها وأعظمها، القرآن العظيم الذي لم يزل يقرع أسماء البلغاء، بتضليل كل دين غير دين الإسلام آياته، ويحرك بطلب المعارضة على سبيل التعجيز حمية اللسن المتوقدى الفطنة الأقوياء المعارضة، نظما ونثرا، الخائضين في كل فن من فنون البلاغة طولا وعرضا، بحيث لا نقلت عن معارضتهم، أمنع كلمة وإن لم يفرض فيها تعجيزهم فيها تعجزيهم، فكيف وهم يسمعون تعجزيهم صريح قوله: {فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} 49 ثم تنزل معهم فقال: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} 50، ثم صرح بعجز الجميع جنهم وأنسهم مفترقين ومجتمعين فقال: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} 51 ومع ذلك لم تتحرك أنفهم، وهم المجبولون عليها، ومن عادتهم أنهم لا يتمالكون معها ضبط أنفسهم عند ورود أدنى عارض، يقدح في مناصبهم، وإن كان في ذلك حتف أنفسهم، فكيف بما هو من نوع البلاغة، التي هي كلامهم، وتدب فيهم دبيبا، حتى أنهم فيها في كل واد يهيمون، لكن القوم أخرسهم أنهم أحسوا بأن الأمر الالهى لا تمكن مقاومته، أما لأن ليس في طوقهم وهو الأصح، أو للصدقة، وهما قولان للمتكلمين، ومن لم يستحى منهم. (2/67)
صفحة 364
وانتدب لهذا الأمر الالهى ككذاب اليمامة، افتضح وأتى بمخرفة يتضاحك منها إلى قيام الساعة، ولو أنهم نقل إليهم القرآن نقل غيره من الكلام، نقل أجاد، لامكن الاعتذار عنهم بعدم الوصول، كلا بل امتلأت بحملته وصخفه وأشجاره أمره الأرض كلها سهلها، ووعرها بدوها وحضرها برها وبحرها مؤمنها وكافرها جنها وانسها، وقد تطاولت أزمنته على تلك الصفة قريبا من اثنتي عشرة مائة سنة، فلا يستريب عاقل بعد هذا في كونه من عند الله تعالى صدق به نبيه عليه السلام، فهذا مع ما فيه من الأخبار قبل الوقوع بالغيوب المطابقة ومحاسن علوم الشريعة المشتملة على ما لبشر على ضبطه من المصالح الدنيوية والأخروية، وتحرير الأدلة، والرد على المخالفين بالبراهين القطعية، وسرد قصص الماضين تزكية النفوس بمواعظ تعزق أدنى بحارها جميع وعظ الواعظين، هذا كله على يد نبي أمي لم يخط قط كتابا ولا حصلت له مخالطة لذوى علم، كما يمكن بها تحصيل أدنى شئ من ذلك، وعلم ذلك كله بالضرورة {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ} 52 الآية.
وحاصل ذلك أن لنبيا محمد صلى الله عليه وسلم آيات ومعجزات، لا تحصى، والفرق بينهما، أن الآية تدل على صحة ما جاء به، وأن لم يتحد بها، وأن المعجزة مشروطة مع ذلك بالتحدي، ومعجزته العظمى التي تحدى بها على الكافة القرآن، لأن القوم الذي نشأ فيهم الغالب عليهم في ذلك الزمان، والفصاحة، والبلاغة، فكانت من جنس ما غلب عليهم، وذلك أبلغ في العجز، وأقطع للعذر، وقد أجمع المسلمون على أنه معجز، واختلفوا في تعين الوجه المعجز الذي تحدى به، فإنه اشتمل على وجوه من الإعجاز، فقال بعض المعتزلة، إعجازه، أسلوبه، ونظمه (2/68)
صفحة 365
الخاص، وقال قوم: فصاحته، وجزالته، وقال قوم: مجموع ذلك وهو المختار.
وقال قوم: بالصرفة عن معارضته، وأن كان في مقدورهم، وبه قال النظام كالاشعرى، قال النظام: كانت العرب تقدر على النطق بمثله قبل بعثه عليه السلام، فلما بعث أسلبوا_ أسلموا تلك القدرة، وقيل: بعدم مناقضته في آياته، وتصديق بعضها بعضا، وقيل: بموافقته لقضايا العقول، وإنما كان المختار ما تقدم، لأنه كان عليه السلام تحدى بسورة مثله، وهى مشتملة على الأمرين، وهما الجزالة والأسلوب الخاص، وإنما يتحقق الإتيان بمثلها عند الإتيان بالمشتمل على الأمرين، إن الشاعر البليغ إذا جرد قصيدة بليغة ودعي إلى المعارضة بمثلها، فعورض بخطبة بليغة، أو بنثر مرسل بليغ، لم يكن الآتي بذلك معارضا لها، ولو أتى شاعر بمثل وزن شعره عاريا عن فصاحته وجزالته لم يكن معارضا له، وهو نظير معارضة مسيامية الكذاب له بمخرفته، أي مضحكة كقوله عندما سمع بسيرة الفيل،" الفيل ما الفيل وما أدراك ما الفيل، له ذنب وميل وخرطوم طويل، وإن ذلك في خلق ربنا لقليل". وقد سبق التنبيه على ضعف القول، بأن إعجازه بالصرف، بأنه لو كان لنقل لوجد فإنه مما تتق من الدواعي على نقله، وأيضا فلو كان فلو كان إعجازه به لكان كونه في أدنى مراتب الفصاحة أنسب لظهور إعجازه، كيف؟ ولا خلاف في أنه في أعلى مراتب البلاغة.
وأما من قال، إعجازه في جملته بعدم التناقض فيه على طوله، وتصديق بعضه بعضا، فلا شبهة، فإنه ما ذكره من أعظم دليل على أنه (2/69)
صفحة 366
{مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} 53 وقد وصفه الله تعالى بأنه {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} 54، الآية ألا أن التحدي لم يقع بذلك، وكذا من قال: بأبنائه عن المغيبات، فلا ريب في اشتماه على ذلك أيضا، وأنه من أصدق الآيات، إلا أنه لم يقع التحدي به، إذ لا تحقق له في كل سورة، والتحدي وقع بمطلق سورة منه، وأن لم يشتمل على المغيبات، ومن قال بموافقته القضايا العقول، لا ينكر أن ذلك وصفه، لكن التحدي لم يقع بذلك، وإذا تقرر أن العجز على المختار المتحدى به البلاغة، وأن التحدي قد استقر بإتيان سورة، علم ضعف القول، بأن السورة: هي المشتملة على أي التعجيز، يعنى قدر السورة المشتملة على ذلك كسورة يونس، وسورة هود، لأن لفظ السورة منكر فيها مطلق, فلا يفيد بمثلها قدرا, والحق أن يكفي في ذلك أقصر سورة, كالعصر, والكوثر, والذي ارتضاه بعضهم, أن الإعجاز إنما يتعلق بقدر ما من كلام, بحيث يتبين فيه تفاضل ذوي البلاغة, ولا يتبين لك إلا فيما طال من السور بعض الطول, وقال: وهذا لا يضبط بحروف وكلام, وإنما يصار في مثله إلى المتعارف بين أهل الخبرة والدراية بالبلاغة والنظم.
وقد اعترض بعض أهل الزيغ والضلال على معجزة القرآن, فقال: إنكم وعمتم أوجه إعجازه فصاحته وجزالته ونظمه وبلاغته, ثم اختلفتم على ما مر, وإن من يزعم أن ذلك هو النطق فقط فقد أنكر كون الفصاحة والجزالة فيه معجزة, وبالعكس, ومن زعم أنه الصرف, فقد أنكر الوجهين, ومن قال بغيره أنكر كونه معجزا وحق المعجزة أن تكون ظاهرة للكل, بحيث لا يرتاب فيها البتة. (2/70)
صفحة 367
وجوابه, أن عجز الخلق عن معارضته بسورة من مثله معلوم بالضرورة, لا ريب فيه البتة, ولم يختلف فيه أحد, وبهذا يعرف كونه معجزة, والاختلاف بعد ذلك في وجه إعجازه لا يقتضي الخلاف في كونه معجزة, ولا عدم ظهور ذلك, وإنما هو خلاف في تحقيق الوجه الذي جاء فيه الإعجاز, وقد بينا عجز البلغاء عن معارضته بيانا شافية, ومعنى البلاغة والفصاحة وما يتصف بها مقرر في محله. (2/71)
صفحة 368
"المقصد العاشر"
في الدليل على نبوته صلى
الله عليه وسلم
الدال على نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم, أشياء كثيرة, كل واحد منها يصلح لأن يكون دليلا له مستقلا, لو انفرد, كيف؟ وقد اجتمعت كلها فيه, ومرجعها إلى طريقين: عقلي, ونقلي, فالعقلي وجوه, أحدهما معجزة بلاغة القرآن, ثانيها إخباره عن المغيبات فطابقت أخباره, فمنها ما ورد في القرآن العظيم, ومنها ما ورد في الأخبار, فمن الوارد في القرآن قوله تعالى {وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} 55 وكان كما أخبر أن الروم غلبوا فارسا بعد غلبهم على الروم وقوله {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} 56, أي مكة, وقد وقع ذلك, هذا المراد {قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} 57 عند بعضهم بنوا حنيفة, وقد دعي أبو بكر رضي الله عنه إلى قتالهم, وعند آخرين فارس, وقد عمر رضي الله تعالى عنه إلى قتالهم وقوله {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ} 58, والمراد بهم الصحابة رضي الله عنهم, بدليل قوله منكم وبدليل قوله: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} 59وكانوا هم الخائفين في صدر الإسلام.
ومن الوارد في الأخبار" قوله عليه السلام" الخلافة بعدي ثلاثين سنة, وكانت خلافة الخلفاء الراشدين في الجملة هذا القدر, وقوله اقتدوا بالذين من بعدي, يعنى أبا بكر وعمر, وهذا إخبار عن بقائهما بعده فكان ذلك, وقوله لعمار بن ياسر رضي الله عنه" تقتلك (2/72)
صفحة 369
الفئة الباغية يا عمار" فقتل يوم صفين وقوله لعمه العباس حين أسره" افد نفسك فإنك ذو مال" فقال. لا مال عندي فقال له صلى الله عليه وسلم:" أين المال الذي وضعته عنه أم الفضل" وليس معكما أحد فقلت لها أن أصبت في سفري فلعبد الله كذا وللفضل كذا فقال له العباس" والذي بعثك بالحق ما علم هذا أحد غيرك وإنك لرسول الله عليك السلام" وأسلم ومنها إخباره عن موت النجاشي حين موته, ونحو ذلك مما هو كثير مشهور في المطلولات.
وثالثهما: أنه قد بلغ في الحكمة النظرية كمعرفة الله تعالى وأحكامه العلمية, وهي علم الأخلاق وسياسة البدن, وتدبير أمر الخلق المبلغ العظيم الذي لا يمكن للعقلاء الوصول إليه في مئات من السنين, ووصل هو إليه بغتة من غير تعلم ولا مخالطة, لمعروف بالعلم, ورابعهما: أنه قد نقل عنه آيات ومعجزات كانشقاق القمر, وتسليم الحجر, وانقياد الشجر, وتسبيح الحصى, وإحياء الموتى, وتكثير الطعام القليل, ونبوع الماء من بين أصابعه, وحنين الجذع, وشكاية الناقة, وشهادة الشاه المسموعة, إلى غير ذلك مما لا ينحصر مشهورا في كتب الحديث, وقد حصل بعضه بالتواتر.
وخامسها: بالاستدلال بسيرته وأوصافه التي تواتر إلينا وهي كثيرة, أحدها ملازمة الصدق من أول عمره إلى آخره, إذا لم يسمع منه أحد كذبة فقط, وقد اعترف له أعداؤه بذلك, وأيضا لو صدر منه كذب ما ولو مرة في عمره لنبذه له أعداؤه.
ثانيها ترك الدنيا والإعراض عنها وعن زخارفها, حتى أن قريشا (2/73)
صفحة 370
عرضوا عليه المال والنسب والرئاسة ويترك ما يدعوهم إليه فلم يلتفت إلى ذلك.
وثالثها كان في أعظم الدرجات في الخسارة، حتى أنه سبحانه عاتبه بقوله {وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} 60. والشجاعة حتى أنه لم يفر قط ولا تزحزح للقرار في معركة قط.
ورابعها كان في غاية البلاغة والفصاحة، حتى أعيا البلغاء من الشعراء والخطباء من العرب ولذا قال: "أوتيت جوامع الكلم".
خامسها أنه تحمل في أداء الرسالة أنواعا من المشاق والمتاعب، لا يثبت معها إلا من هو على الحق من الله تعالى، وهو مع ذلك مصر على دعوى الرسالة، ولم يظهر في عزمه فتور، ولا في إصراره قصور.
وسادسها أنه كان مع أهل الدنيا في غاية الترفع ومع الفقراء والمساكين في غاية التواضع.
وسابعها ما كان عليه من حسن الخلق، حتى أنه لا يزيد مع الغضب إلا حلما.
وثامنها حسن ذاته الكريمة وما اشتمل عليه من المحاسن التي خرقت العادة فيه ولم توجد لمبشر سواه، وما أحسن قول عبدا لله بن رواحة الأنصاري في ذلك يشير إلى محاسنه خلقا وخلقا:
مبينة ... آيات ... فيه ... تكن ... لم ... لو
بالخير ... ينبئك ... منظره ... لكان (2/74)
صفحة 371
ولذا أسلم أبو ذر رضي الله عنه عند رؤيتها إياه، وقال: لما رأيت وجهه عرفت أنه ليس وجه كذاب، لإخفاء أن في مجموع هذه الأوصاف بل بعضها لا يكون لغير الأنبياء عليهم السلام.
وأما النقلي فهو، نصه تعالى على نبوته في الكتب الماضية، وذكر الأنبياء له، وإيصالهم على أتباعه، وهذا الدليل وحده كاف بدون المعجزة، فإن شهادة من يثبت نبوته لأحد بالنبوة دليل قاطع على ثبوت نبوته، وإن لم تظهر معجزة على يديه، وقد تواتر عن الأخبار عن كتبهم وأتباعهم بنبوته قبل بعثته معينين اسمه وبلده وصفته، وأيضا لم يزل ولا يزال نص نبوته والحمد لله موجودا في التوراة والإنجيل والزبور إلى الآن، مع مبالغتهم في تبديلها، وذلك يدل على الاعتناء بأمره وكثرة ترديد ذكره فيها على وجه لا يزيل جمعية التبديل، وقد أطلع علماؤنا على كثير من تلك النصوص فيما بأيدي اليهود والنصارى لعنهم الله من الكتب اللف، فمنها أن في السفر الخامس من التوراة التي بأيديهم إلى الآن" قال الله لموسى عليه السلام إني أقيم لبني إسرائيل من بني إخوتهم نبيا مثلك، أجعل كلامي على فيه فمن عصاه انتقمت منه" فقوله تعالى، من بني إخوتهم، يدل على أن هذا النبي ليس من بني إسرائيل فلا محالة أنه من العرب، أو من الروم فأما الروم فلا يكن منهم نبي، سوى أيوب عليه السلام كان قبل موسى بزمان، فتعين أن يكون المراد بالأخوة العرب، فالذي بشرت به التوراة إذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقال بعض علماء قرطبة ناظرني يوما واحدا من أخبار اليهود وأهل الذكاء منهم في هذا، فقال: هذا كله صحيح، لا أحد فيه اعتراضا عليه غير أنه قال تعالى" سأقيم لبني إسرائيل نبيا" ولم يكن محمد (2/75)
صفحة 372
صلى الله عليه وسلم رسولا، إلا إلى العرب، فقات له ما على وجه الأرض من يجهل أمر محمد عليه السلام، وأنه قال: بعثت إلى الأحمر والأسود والحر والبعيد والمذكر والأنثى، وهذا كتابه ينطبق بأنه مبعوث إلى الخلق كافة، قلت ليس في قوله" سأقيم لبني إسرائيل"، ما يقتضي انحصار بعثته لهم فقط، إذ ليس فيه شيء من أدوات الحصر، وإنما عينوا بالذكر، ليدفع ما يتوهمون أنه لا يبعث إليهم من ليس منهم.
ثم قال القرطبي، ذلك الخبر ما يمكنني ولا غيري دفع ذلك، وبذلك أخبرنا أسلافنا اليهود عنه أنه قال:"بعثت إلى الخلق كافة إلا فرق من اليهود يقال لها العيسوية" تقول بنبوته ومعجزاته كما مر، وتنكر أنه بعث إلى غير العرب، ولسنا على شيء مما هم عليه، ثم عطف على يهودي إلى جنبه وقال له نحن قد جرأ نشأتنا على اليهودية، وتالله ما أدري كيف يكون الخلاص من هذا العربي.
وفي التوراة أيضا" جاء الله من سيناء وأشرف من سأغير واستعلن من جبال فاران"، مجيه سبحانه وتعالى من سيناء عبارة عن مجيء أمره وشرعه لموسى عليه السلام، وإنزاله التوراة عليه فيه، وعليه كلم الله موسى، فهو على حد قوله في القرآن {وَجَاء رَبُّكَ} 61 الآية "واشراقة من سأغير" عبارة عن إنزاله الإنجيل على عيسى، وإظهار دينه، لأن سأغير من جبال الروم، وإستعلانه من جبال فاران عبارة عن إنزاله القرآن، وبعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين منها، إذ لا خلاف أن فاران هي مكة، وقد قال الله تعالى في التوراة"أن الله أسكن هاجر وأبنها إسماعيل فاران" وانظر إلى تعبيره في التوراة عن ظهور شرع (2/76)
صفحة 373
نبينا محمد صلى الله عليه وسلم باستعلان المؤذن بكمال الظهور، فهو نظير قوله في القرآن {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} 62 وقال: في التوراة أيضا " لها جرحين دعته سمعت خشوعك في إسماعيل وستكون يده فوق يد إسحاق، لأن في أولاد إسحاق كانت النبوة فلما بعث الله نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، جعل يد إسماعيل فوق يد الجميع، ورد النبوة فيهم فأغناهم وعظمهم وبارك عليهم جدا.
كما قال: في التوراة وفي الزبور الذي في أيدهم إلى الآن، ذاكر صفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقال فيه: وتجوز من البحر إلى البحر ومن منقطع الأنهار إلى منقطع الأنهار، وأن يحز أهل الجزائر بين يديه على ركبهم، ويجلس أعدائه بالتراب، وتأتيه ملوكهم بالقرابين، وتسجد له وتدين له الأمم بالطاعة والانقياد، لأنه يخلص المضطر البائس ممن هو أقوى منه، وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له، ويرأف بالصغار والمساكين، وأنه يعطى من ذهب بلا ذهب، ويصلى عليه كل وقت ويدوم أمره إلى آخر الدهر وفي الزبور أيضا أن الله أظهر من صهيون إكليل محمود، فصهيون أولاد إسماعيل، والإكليل كناية عن الرئاسة بالسريانية ومحمود: هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي الزبور أيضا: ليفرح إسرائيل بخلافة ولد صهيون من أجل أن الله اصطفى لهم أمة، وأعطاهم النصر وسدد الصالحين منهم بالكرامة، يسبحون الله على مضاجعهم بأصوات مرتفعة، بأيديهم سيوف ذوات شفرين لينتقم بهم من الأمم الذين لا يعبدونه، موثقون الأمم بالقيود وأشرافهم بالأغلال، فانظر من هذه الأمة التي سيوفها ذوات شفرين ينتقم الله بها ممن لا يعبده من الأمم، ومن المبعوث بالسيف على العموم من (2/77)
صفحة 374
الأنبياء ومن الذين يكبون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم بأصوات مرتفعة بالأذان.
وفي الزبور أيضا: تقلدا أيها الجبار السيف فأر ناموسك وشراعيك مقرونة بيمينك، وسهامك مسنونة، والأمة يخرون تحتك، وفيه أيضا يقول الله سبحانه لداود عليه السلام، سيولد لك ولدا دعي له أبا ويدعى لي ابنا، فقال داود عليه السلام، اللهم ابعث جاعل السنة كي يعلم الناس أنه بشر مولود داود، الذي دعي ابنا لله تعالى، هو، عيسى ابن مريم عليه السلام، لأنه من أحفاد داود عليه السلام، فاعتبر كيف دعا داود الله تعالى، حين أفزعه ما أخبره الله من شأنه ولده عيسى، أن يبعث الله جاعل السنة وكاشف الغمة، وهو، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ليعلم الناس أن عيسى بشر عبد لله سبحانه، وليس بإذن الله تعالى عن ذلك.
وكذا قال المسيح في الإنجيل الذي بايدى الكفار اليوم، اللهم ابعث البارقليط ليعلم الناس أن ابن الإنسان بشر، وقال أيضا في الإنجيل الذي في أيديهم عن يوحنا البارقليط لا يجيئكم ما لم أذهب فإذا جاء وبخ العالم على الخطيئة، ولا يقول من تلقاء نفسه شيئا، ولكنه مما يسمع يكلمهم ويسوسكم ويخبركم بالحوادث والغيوب، إلى أن قال عنه: وسيعظمني، ثم تمادى على وصفه بكلام بين وقال هو: يشهد لي كما شهدت له وأنا أجيئكم بالأمثال، وهو يأتيكم بالتأويل، وفي الإنجيل أيضا، أن المسبح قال للحواريين، من أبغضني فقد أبغض الرب سبحانه وتعالى، ثم تمادى إلى أن قال فلا بد أن تتم الكلمة التي فيها الناموس، أي يختم النبوة لأنهم أبغضوني مجانا، أي من غير ذنب فلو قد جاء المنحمنا (2/78)
صفحة 375
وهو الذي يرسله الله إليكم، فهو شهيد علي وانتم أيضا، لكنكم قديما كنتم معي، هذا قولي لكم لكي لا تشتكوا إذا جاءكم المنحمنا بلسان السريانية، وهو بالرومية البارقليط، وبالعربية محمد عليه السلام.
وفى الإنجيل أيضا عن المسيح، أن ضرب مثلا للدنيا فقال:" الدنيا كمثل رجل اغترس كرما ومضى على ذلك"، ثم ضرب للأنبياء وأنفسه في كلام كثير، ثم لمحمد صلى الله عليه وسلم، وعلهم، وجعله الموكل آخرا بالكلام عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال، أقول أنه سيزاح عندكم الله سبحانه وتعطاه الأمة المعطية العاملة، ثم ضرب مثلا بصخرة وقال:" من سخط على هذه الصخرة سينكر ومن سقطت عليه ينشهم" يريد بذلك محمدا صلى الله عليه وسلم، ومن ناوأه وحاربه أظهره الله عليه.
وقال أشعياء النبي عن الله سبحانه:" عبدي الذي سرت به نفسي، أنزل عليه فيظهر في الأمم عدلي، ويوصى الأمم بالوصايا لا يضحك ولا يصخب ولا يسمع صوته في الأسواق، ويفتح العيون العور، ويسمع الآذان الصم ويحيى القلوب الغلف، وما أعطيه لا أعطيه أحدا غيره، أحمد يحمد الله حمدا، ثم أشار إلى بلدة مكة وقال، لتفوح البرية وسكنها يهللون الله على كل شرف، ويكبرونه على كل راية، ولا يضعف ولا يغلب ولا يميل إلى الهوى ولا يذل الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة، بل يقوى الصديقين وهو ركن للمتواضعين وهو نور الله الذي لا يطفئ، ولا يخصم، أي يغلب بالحجة حتى يثبت في الأرض حجتي، وينقطع به العذر والى توراته ينقاد الحق" فانظر إلى هذا التصريح نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من غير ما وجد. (2/79)
صفحة 376
وفي نسخة:"لا يؤذي الصالحين" بدل قوله"لا يذل" والمعنى واحد وفي الإنجيل: أن المسيح قال:"إني لم أبعث إلى جميع الأجناس، وأنا بعثت إلى الغنم الرابضة من بني إسرائيل".
وفي صحف حيقون النبي جاء الله من التين، وتقدس من جبال فاران. و
إمتلات الأرض من تحميد أحمد وتقديسه، وملك الأرض بهيبة إلى أن قال في آخره، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء.
وفي صحف أشياء:" لتفرج أرض البادية العظمى، واتبتهج البراري والفلوات، لأنها ستعطى لأحمد محاسن البيان، وكمثل هذا حسن الدساكن والرياض"، وفي صحف أشعيا أيضا" أتت أيام الافتقاد، أي الإحسان، وأتت أيام الكمال، ثم قال لتعاموا يا بني إسرائيل الجاهلين أو تسمونه ضالا وهو صاحب النبوة، وتفترون ذلك على كثرة ذنوبكم وعظيم فجوركم، وفي نسخة، أن تسمونه بدلا والظاهر الأولى لإفادتها التوبيخ"، وفي صحف أشيعا أيضا" يقول قيل لي قم فانظر فما ترى تخبر به، قلت أرى راكبين مقبلين أحدهما على حمار والأخر على جمل، يقول أحدهما لصاحبه، سقطت بابل وأصنامهما النخرة، فصاحب الجمل هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كما أن صاحب الحمار هو عيسى عليه السلام مشهورين بذلك، وإنما سقطت عبادة الأصنام من دون الله ببابل، وهدت أوثانها بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، لا بعيسى عليه السلام ولا بغيره، فما زالت ملوك بابل يعبدون الأصنام، من لدن إبراهيم عليه السلام، إلى مبعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأمته. (2/80)
صفحة 377
وفي صحف خر قيائيل النبي عليه السلام، بقول الله عز وجل بعد ما ذكر معاصي بني إسرائيل وشبههم بكرمه قال" لك تلبث تلك الكرمة أن قلعت بالسخطة، ورمى بها على الأرض، وأحرقت السمائم ثمارها عنده، فعند ذلك غرس في البدو غرسا وفي الأرض المهملة العطشى، وخرجت من أغصانها الناضلة نارا أكلت الكرمة، حتى لم يوجد فيها غصن قوي ولا قضيت"، ما اعتبر هذا التصريح به وبصفاته بلده كلها، بقوله:" الأرض المهملة البدو العطشى"، تلك صفات مكة، لأنها صحراء ولأنها كانت مهملة من النبوة، من عهد إسماعيل.
وفي صحف ذانيال عليه السلام: وقد نعت الكذابين وقال:" لا تمتد دعوتهم ولا يتم قربانهم واقسم الرب بساعده لا يظهر الباطل، ولا تقوم لمدع كذاب دعوة أكثر من ثلاثين سنة" فاعتبر من هذا الكلام عدم طول دعوة كذاب، وهذه دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قائمة ظاهرة إلى يوم القيامة، وقال أيضا أعنى ذانيال عليه السلام،" وقد سأله بخت نصر عن منامة رآها وطلبه أن يخبره، ثم بتفسيرها فقال: " يا أيها الملك رأيت صنما بارعا في الجمال أعلاه من مذهب ووسطه من فضة، وأسفله من نحاس، وساقه من حديد، ورجلاه من فخار، فبينما أنت تنظر إليه وقد أعجبك، إذ نزل عليه حجر من السماء فضرب رأسه فطحنه حتى اخلط ذهبه وفضته ونحاسه وحديده وفخاره، ثم إن الحجر ربي وعظم حتى ملا الأرض، كلها، وقال له: بخت نصر صدقت فاخبرني بتأويلها فقال ذانيال عليه السلام: أما الصنم فأمم مختلفة في أول الزمان، وفي وسطه وآخره، فالرأس من ذهب أنت أيها (2/81)
صفحة 378
الملك، والفضة: ابنك من بعدك، والنحاس: الروم، والحديد: الفرس، والفخار: أمتان ضعيفتان تملكها إمراتان باليمن والشام، والحجر النازل من السماء دين نبي، وملك أبدي، يكون في آخر الزمان يغلب الأمم كلها، ثم يعظم حتى يملأ الأرض كلها، كما يملاها ذلك الحجر، فأنظر هل كان نبي غير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بعث إلى جميع الأمم، وجعل جميع أجناسها على اختلاف لغاتها جنسا واحدا، وعلى لغة واحدة، إذ كلهم يقرأون القرآن بلغة العرب، ويدينون بدين واحد.
ومما أكد به ربنا عز وجل بفضله، زوال اللبس نبوته، أن منع العرب قبله من التسمي باسمه الخاص به، إلا أناسا قليلا، تسموا قريبا من مولدة باسمه، رجاء حصول النبوة لهم، لم سمعوا من الأخبار، وهم سبعة: محمد بن مسلمة الأنصاري ومحمد بن أجيحة ابن الجلاح بضم الهمزة، وحاءين مهملتين مفتوحتين بينهما ياء ساكنة والجلاح بضم الجيم واللم، مخفقة وآخره حاء مهملة، ومحمد بن براء البكري بتخفيف الراء، ومحمد بن سفيان بن مجاشع، ومحمد بن حمران الجعلي، ومحمد بن خزاعة السلمي، ومحمد بن اليحمدي بفتح الياء وضم الميم وفتحها، ثم من عظيم فضل الله سبحانه في إزالة اللبس أنه لم ينطلق لسان أحد من أولئك الذين تسموا باسمه بدعوى النبوة، وبالجملة فنصوص الكتب الماضية في إثبات رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبشارات الأنبياء عليهم السلام، والإخبارية، لا تكاد تنحصر، ويكفي هذا الذي أشرنا إليه منها في هذا المختصر. (2/82)
صفحة 379
تنبيه: اختلف في أنه هل كان متعبدا؟ قبل نبوته بشرع من قبله أولا؟ فأثبته بعض، ووقعت آخرون، وعلى الإثبات فقيل: متعبد بشريعة نوح لقوله تعالى {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ} 63 وقيل: بشريعة إبراهيم لقوله تعالى {واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا} 64 وقيل بشريعة موسى لقوله {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ} 65 الآية وقيل: بشريعة عيسى لقوله عليه السلام"أنا أحق بعيسى بن مريم لأن لابني بيتي وبينه" وقيل: بشريعة أولى العزم لقوله تعالى {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} 66 وبعد النبوة، فالصحيح أنه غير متعبد بشريعة أحد. (2/83)
صفحة 380
المرصد الثاني
فيما جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وفيه مقاصد.
المقصد الأول: إذا وقفته لعلم ما ذكرناه حصل لك العلم ضرورة بصدق رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم, فوجب على كل مكلف الإيمان به في عن الله سبحانه جملة وتفصيلا, والعلم بأنه حق, فمن الواجبات معرفة, {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} 67 وأنه هو جميع ما أمر الله به عباده أن يطيعوه به من كل قول وعمل واعتقاد, وهي العبادات المعتبرة.
والإيمان لغة: التصديق وشرعا: أن تشهد لله بالوحدانية, ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة, وأن جميع ما جاء به حق من المأمورات ووضايف الدين كلف الله بها عباده.
والإسلام لغة: الخضوع والانقياد, وشرعا: أعمال الجوارح والقلب بجميع المأمورات.
والتوحيد: لغة إثبات الوحدانية لله تعالى, وشرعا: عاما استعمله من الخصال, ومعنى قولهم للدين عيون وأصول أن كل واحد من القول والاعتقاد والعمل عين واصل.
فإذا علمت ذلك فاعلم: أن الدين والإسلام والإيمان تصدق, تطلق هذه الأمور على شئ واحد, وهو جميع ما أمر الله به وإن اختلف (2/84)
صفحة 381
مفهوماته وهي العبادة المعتبرة, لقوله تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} 68 إلى قوله {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} 69 وقوله {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} 70 والدين المعتبر يقبل إجماعا فهو الإسلام وقوله {وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} 71 وقوله {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} 72 إلى المسلمين, فلولا اتحاد الإيمان والإسلام لم يتم الاستثناء.
والتأويل مع كثرة الأدلة تعسف, وهذا مراد من قال: هي أسماء مختصة لخصال ثلاث متآلفة, أي مختلفة المفهوم, متحدة المصدوق, وسيأتي لهذا مزيد إن شاء الله, فإن قلت إذا قيل باتحاد مصدوقها شرعا, فما معنى قوله تعالى {قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا} 73, قلت هو محمول على المفهوم اللغوي, والصحيح أن الإيمان: هو مجموع المعرفة والإقرار والعمل وأن المؤمن هو المفي بدين الله سبحانه, وأن غيره يقال له, " آمن" وما ورد مما ظاهره أن يؤمن وليس بموف, فهو مؤؤل بالمقر, وكذا يكون مسلما حتى يقر بالتوحيد ويعمل الفرائض, لأن الإسلام لا يتم إلا بقول وعمل وأما القول, بأن يقر لله سبحانه بالوحدانية كما مر, ويثبت له ما يجب له إثباته وما يجوز, وينفى عنه سبحانه ما يستحيل في حقه تعالى كما مر, وأن يقر لمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة والصدق والتبليغ كما مر, وبأن ما جاء به حق من عند الله, وأما العمل فهو امتثال جمع الفرائض, مثل الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والضوء والاغتسال, والكف عن جميع المحرمات.
تنبيه: من فارق النبي صلى الله عليه وسلم على بعض الأحكام وحدثت بعده أحكام, فالصحيح أنها لا تلزمه حتى تقوم عليه الحجة بها. (2/85)
صفحة 382
" المقصد الثاني"
قد علمت أن أول الواجبات معرفة الله سبحانه, ومعرفة محمد صلى الله عليه وسلم, ومعرفة أنه عبد الله سبحانه, لا كما قالت اليهود في عزير الأنصاري في المسيح وأنه نبيه ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق أحوج أوقات الناس إليه حين انطمست آثار الهدى وامتلأت بالضلالة الدنيا, وأظهرت اليهود التشبيه, وقالت النصارى بالتثليث, وادعت المجوس التثنية, والعرب التسوية, وانهمك سائر الخلق في ظلمة الضلالة, فبان ما كان من الحق خافيا وأضاء ما استبهم من الأمور كافيا, فانقلب به الكفر إيمانا والظلام ضياء وانطلقت الألسن بتوحيد ربنا ورسخت معرفته في صدورنا صلى الله عليه وسلم حتى يرضى.
وقال الشيخ أبو الربيع سليمان بن يخاف رحمه الله, أول الواجبات ما لا يسع جهله, وقد اختلف أصحابنا فيه, فأكثر المشارقة كما قال البدر الشماخي, وعمروس بن فتح, وأبو حرز والإمام عبد الرحمن, وابن زرقون, أنه الجملة التي يدعوا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقال المتأخرون, أنه الجملة, وأن الله خالق لجميع الأشياء, وأن له الملائكة والنبيين والمرسلين والكتب التي أنزلت عليهم كما سيأتي, وأن يقصد إلى جبرائيل من الملائكة باسمه ويتولاه ويعلم أنه رسول رب العالمين إلى محمد صلى الله عليه وسلم بالدين والقرآن, وأن يقصد إلى محمد صلى الله عليه وسلم من بين المرسلين, أيضا بأنه أول المرسلين إلى نبيه, وإلى القرآن أيضا, ويعلم أنه كلام رب العالمين, على نعت ما تقدم في ابحاثه إجمالا, ومما لا يسع جهله أيضا معرفة الموت والبعث والحساب والجنة والنار, وأن الجنة ثواب (2/86)
صفحة 383
الله المطيعين له, والنار عقابه للعاصين له, وأن ثوابه لا يشبه ثوابا, وعقابه لا يشبه عقابا, ومعرفة الخلق, وأن الله أخرجه من العدم إلى الوجود, ومعرفة تحريم دماء المسلمين بتوحيدهم لربهم, وتحليل المشركين كشركم كما سيأتي.
وولاية المسلمين جملة, وولاية من لا يسع جهله, والبراءة من الكافرين جملة, ومعرفة الأنبياء أنهم من نسل آدم, ومعرفة الله سبحانه أنه أمر بطاعته, ونهى عن معصيته, وأنه يثيب ويعاقب على ذلك, وأن التوحيد إفراد ومعرفة فرز ما بين كبائر الشرك وكبائر النفاق, ومعرفة أن الله موال لأوليائه ومعادلا لأعدائه, وزاد الشيخ أبو الربيع, أنه لا يسع جهل الملل وموت محمد ومعرفة الإسلام والمسلمين والكفر والكافرين.
قال الشماخي: وفي الضياء ما مخلصه يجب على بعد عن الإدراك من قبل العقل أن يعرف خالقه, وعبودية نفسه, وأنه لا يشبه خلقه, كما أن فعله لا يشبه أفعاله وأنه واحد وأن له عليهم طاعته, لوجوب طاعة العبد لسيده, وإلا استوي المالك والمملوك, وأنه مثيب ومعاقب لئلا يفوت نفع الطاعة, وأن الجزاء في دار أخرى, ولا يفنى لاستحقاقه بالعمل, وليست بدار عمل وإلا لجاز زوال ما استحقه من قبل, فيستوي الأولى والأخرى, وقوله: لاستحقاقه بالعمل, أي تفضلا لا وجوبا كما مر, وتجيب ولاية المطيعين وبراءة العاصين, لأنه ليس بمطيع لله من لا يوالي وليه ويعادي عدوه, وأن يعلم أن لله رسولا يبين ما يأتي وما يتبقى, وهو محمد صلى الله عليه وسلم, بالسمع وهو التواتر, وأن يقبل كل ما جاء به, ويجب عليه أن يلحق الأطفال بالآباء في الاسم والحكم, ويجب عليه أيضا بعد الخطور بالبال لابتدأ أن يسمى أهل كل دار ظهر فيها حكم بما استحقوا من الأسماء في الظاهر, أما أهل عدل وإسلام, (2/87)
صفحة 384
أو أهل جور وكفران, ويتولدهم أو يتبرأ منهم, وأن يقف فيما ورد عليه مما لا يعلم حتى يتبين له من صفة الله أو من حلال أو حرام, وينفي عن الله ما ليس له بصفة, وأن يصفه بصفته, وما لم يخطر ببالك أو لم تسأل عنه فأنت فيه معذور.
والحاصل: أن الصفة إذا وردت عليه أو خطرت بباله أو سئل عنها, فلا بد أن يعرف الحق فيها لقيام الحجة عليه, ويجب عليه أيضا من قبل التواتر, معرفة محمد صلى الله عليه وسلم, والقبلة وقبول الوقائع, وكذا سائر الفروض والأحكام, يجب على الناس الإقرار بها جملة, والعبد معذور بجهالتها مفسرة, ما لم يترك فريضة أو يقترف محرما هذا حاصل ما ذكره.
وأعلم أنه لا يسعك جهل ما أخذت من تفسير التوحيد, وفي أعذار الناشئ خلاف في المذهب كما سيأتي, والحاصل فما ذكره صاحب العقيدة أن الإسلام وهو الإيمان لا يتم إلا بقول وعمل, أما القول فبشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله, وأن ما جاء به حق من ربه, وأما العمل فالإتيان بجميع الفرائض, فهذه ثلاثة أقاويل, من جاء بهن تامة لم ينقص منهن شيئا, كمل توحيده فيما بينه وبين الخلائق, وأما فيما بينه وبين الله تعالى فحتى يأتي بعشرة أقاويل, الإيمان بجميع الملائكة والأنبياء والرسل, وجميع الكتب التي أنزلت على جميعهم, والموت والبعث ويوم القيامة والحساب والعقاب, الجنة والنار, وجميع ما كان وما يكون, وما هو كائن فالله هو المكون له, فهذه عشرة أقاويل, من جاء بهن تامة كمل توحيده مطلقا, ومن ترك واحدة منهن أشرك, وكذا الشاك في شركه إلى هلم جرا, والتارك أعلم من الجاهل, والناسي والمنكر والشاك كما سيأتي. (2/88)
صفحة 385
" المقصد الثالث"
اعلم أن أحكام المنكر والمستحيل والناسي والجاهل والشاك والسامع مختلفة, فالمنكر لجميع ما ذكر, بل وتفسير التوحيد مشرك, وأما المستحيل لما حرم من الكبائر فهو مشرك, ولا يشرك الفاعل لما دون المشرك, واستحلال الصغير كبير, وهذا معنى قولهم يشرك المستحيل ولا يشرك الفاعل, ولهم في المستحيل تفسيرا آخر, وهو أن يقول راكب المحرم من المعاصي مسلم, يقول الزنا مثلا حرام ومرتكبه مسلم, وأما الناسي فشدوا فيه لقوة الوعيد فيه قال تعالى {نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ} 74, {كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا} 75 الآية {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} 76 إلى" يفسقون" و {وَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ} 77 وغير ذلك من الآيات وقوله عليه السلام" نظرت في ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من ناسي القرآن" ولكثير منهم شركوا من نسى ملكا أو نبيا أو رسولا أو فريضة منصوصة أو قضية من كتاب الله مخصوصة, وكذا مما ذكرنا لا يسع جهله أصالة أو بعد قيام الحجة.
وقال المحسى: الظاهر أن المراد به الترك عن عمد, وشدوا فيمن نسى وليا أو عدوا أو ما يتراء به منه عليه عند بعض أو تابعة من الأموال والأنفس, ولم يعذروه, وقالوا: إنه راجع عن علمه لأن من قواعدهم رحمهم الله, أن الحجة إذا قامت فيما يسع صار بمنزلة ما لا يسع, وذلك بأن يفهم من الكتاب أو من السنة أو من الإجماع, قال ذلك الفاضل في نسيان التباعة من الأموال إن تاب توبة نصوحا, وأدى ما عليه من (2/89)
صفحة 386
التباعات, ونسى بعضها, فإن ذلك يخرج من حسناته إن كانت له, وإلا فالمودات على مولاه كما في القواعد.
وقال الشيخ مصالة بن يحيى: إنه ليس علينا أن يكون حفظة لا ننسى, وتبعه الإمام أبو يعقوب على ذلك, في قوله تعالى {لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا} 78 الآية ولقوله عليه السلام" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، وقسم النسيان إلى جهل وذهل, أما الذهل فلا بأس فيه ولا حرج, وأما الجهل إلى الجحود أقرب, وجعل من وسع له الجهل أولا كعمروس فتح وعراز بن السفر, وأبي حرز وابن زرقون, والإمام عبد الرحمن في أمثالهم, النسيان أوسع, فالجهل أصل, والنسيان أضعف, وحكي الخلاف فيمن نسى ما يسع جهله, أولا إذا قامت عليه الحجة به, فالكثير المذكور قالوا: هالك وراجع عن علمه, وبعض وسع عليه ولم يره رجوعا عنه إلا تباعات الناس تخرج من حسناته, وأما الجاهل, والشاك, فقد تقدم حكمهما في الاختلاف فيما لا يسع جهله, وأما السامع فقال أصحابنا: إن كل ما لا يتم الإيمان به فلا يسع الشك في تشريك دافعه, وجاهله أو الشاك فيه, وإلا كان مشركا مثلهم, وكذا الشاك في الشاك إلى هلم جرا.
وقال المعتزلة إلى ثلاثة, وأما ما يتم الإيمان مع جهله فيسع السامع عدم تشريك الدافع, والجاهل والشاك, وذلك كصفه, أو نبي غير آدم ومحمد عليه السلام, فإنه لا شك أنه يتم إيمان الشخص مع جهل ذلك, ما لم تقم عليه الحجة فيهما, وتخطر بباله الصفة, أو بيان عنها, والحاصل كما قيل: أن الدافع مشرك فيهما, والجاهل يصح إيمانه (2/90)
صفحة 387
فيهما, والشاك مشرك في الصفة دون النبي, وإنما يسع السامع عدم تشريك الدافع, إذا لم يأخذان ذلك من خصال الشرك, وأما إذا أخذ فإنه لا يعذر.
وقال الشيخ أبو الربيع, بعد أن ذكر ما قدمنا مما لا يسع فإن شك في شئ مما ذكرناه فهو كافر, والشاك في كفره كافر, وكذا الشاك في الشاك إلى هلم جرا, وقيل: إن الشاك في شئ من ذلك مشرك, والشاك في الشاك كافر, وليس بمشرك ما لم يؤاخذ أن جاهل ذلك مشرك, ما خلا القول بآلهين اثنين, فإنه لا يعذر في عدم الحكم عليه بالشرك ولو لم يأخذ وفيما لا يسع
تفصيل, أما الجملة فلكون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إليها, وشرعها للوفود وكتب بها إلى ملوك الأرض, مثل المقوقس ملك مصر, كسرى ملك فارس, وقيصر ملك الروم, وهوده بن علي الحنيفي, وبني الجلندا بعمان, ومن شاكلهم.
وأما الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر فلقوله تعالى {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} 79وقوله {وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ} 80 الآية, وعليه المعتزلة, وبعضهم الكلمات العشر لقوله عليه السلام" اللهم أنت حق, وقولك حق, ولقاك حق, ووعدك حق, والجنة حق, والنار حق, والموت حق, والبعث حق" الحديث وفي الآخر, ونؤمن بالقدر خيره وشره, إنه من الله عز وجل, وأما تفسير الجملة, وجميع ما ذكرنا قبل, ففيه تفصيل, فأما ما قامت به الحجة من تفسير التوحيد, فلا يسع جهله, وأما ما قامت به الحجة على السامع بتكفير المنكر أو الجاهل أو غيرهما أو بتشريكهم, فلا يسعه الوقوف وإلا كان مثلهم, وهذا معنى قولهم إذا أخذ. (2/91)
صفحة 388
قال الشيخ أبو خرز, يسع جهل جميع الحرام ما خلا الشرك, والاستحلال لما حرم الله, والإصرار على ما حرم الله يعني ما لم تقم عليه الحجة أو يفارق, قال الإمام أبو يعقوب: أراد بالشرك تسوية البارئ تعالى بغيره خاصة, فمن شك فيمن أنكر الله فهو مشرك, وأما غير الله فحتى تقوم عليه الحجة بتشريكه أو بتفكيره, يعني وإن لم يأخذ.
قال أبو عمر: من أنكر نبيا فقد أشرك, وليس على السامع شئ إن لم يعرف, وإلا فعليه أن يكفره, وإن لم يفعل كان مثله, وإن أخذ بتشريكه, وإن لم يفعل أشرك.
قال البدر الشماخي: وكذا الحكم في الحرف والملك, قال: وعن ابن سجميعان, ن أنكر نبيا أو ملكا بهذا اللفظ فلا عذر للسامع, قال الشماخي: وفي توحيد نفوسه, إلا أن دفع دينيا لم يسع السامع جهالته كأبينا آدم ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم, وجملة الأنبياء, فعلى السامع أن يشركه علم ذلك أو جهله, وإلا كان مشركا, قال: وكذلك الحكم عنده فيما لا يسع جهله مطلقا, كما تقدم, وعن أبي حرز, إذا أشرك, فكفرته أجزاك, قال أبو نوح: إلا أن أنكر الله سبحانه أو أثبت العدد, قال أبو عمران قال: هذا ربي فعليك تشريكه وإلا كنت مثله ولم تأخذ, قال البدر الشماخي: هذا تقوية لتفسير أبي يعقوب, كلام أبي خزر, وأما السامع إن أنكر ما فيه تأويل, فقامت عليه الحجة بتضليله, فلم يضلله فهو منافق, والحجة في تشريك الشاك في الشاك قوله تعالى {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً, لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً} 81 وفي تشريك مستحيل الميتة قوله تعالى {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} 82, ووجه الاحتجاج (2/92)
صفحة 389
في تشريك الشاك, أن هذا المسلم لو شك في شرك هذا الشاك لا شرك, فلذلك قال {وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً} 83.
تنبيه: قال البدر الشماخي: الشك تردد بين أمرين متقابلين, طالبة للإمارة المرئية ترددها بينهما, لا لطالبها, والريبة توهم النفس أمرا, ثم ينكشف والإرادة توهمها أمرا, ثم ينكشف على خلاف ما توهم, والتخمين توهم لا عن إمارة, والحدس إسراع الحكم بما يخطر من غير توقف, والوهم ما يتصور في النفس مطلقا, أي سواء كان له وجود أولا, والحسبان ترجيح الحكم, والظن أعم منه, وبعضهم يجعل التخمين والحدس والحسبان والظن بمعنى, والباقي شك وسوى الوهم. (2/93)
صفحة 390
" المقصد الرابع"
قال أبو عمر: إن جاء مشرك بالجملة التي يدعو إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وجبت عليك ولايته, واثبات التوحيد له والشهادة عليه بالتوحيد, وتحريم دمه سواء رتبها أو نكسها ويخرج المستجيب لها من الشرك إلى الإيمان, ويتولى على ذلك ما لم يحدث حدثا, ويجب له ما ذكر كله علينا بالوفاء الذي أتى به, وهو ترك الذنوب لقوله تعالى {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} وقوله {وقولوا حطة} الآية, فإن قلت إنما ذلك فيما بينه وبين خالقه, قلت لا تجوز ولاية من ظن فيه عدم كمال إيمانه.
قال الشماخي: بعد تقرير ما ذكر, ويقويه نصوص المشارقة, كابن جعفر وغيره, قال أبو عمر: وعلينا أن نعلم أن قول لا إله إلا الله توحيد وفرض وطاعة, وعلى فعله ثواب, وعلى تركه عقاب, وأن نعلم أن خصال التوحيد التي هي غير لا إله إلا الله كمعرفة البعث والجنة والنار والرسل وغير ذلك فرض طاعة, وعلى فعله ثواب وعلى تركه عقاب, ليس علينا أن نعلم أنها توحيد ما لم نأخذ, ثم قال وعلينا أن نعلم أن الصلاة والزكاة ونحوهما مما هو دون التوحيد فرض وطاعة, وعلى فعله ثواب, وليس علينا أن نعلم أن على تركه عقابا, ما لم نأخذ أيضا, ولا يجزئ في اعتقاد التوحيد من لم ينطق بالجملة أو نطق ببعضها فقط, وقال الإمام أفلح يجزيه اعتقاده فيما بينه وبين الله, ومن جاء بما ذكرنا من الوجوه التي ذكرناها على الرأيين, حرم دمه وماله وسبى ذريته للتوحيد الذي أتى به, وعلمه لقوله عليه السلام" أمرت (2/94)
صفحة 391
أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله, فإذا قالوها فقد حقنوا مني دمائهم وأموالهم, وسبى ذراريهم إلا بحقها, قيل: وما حقها يا رسول الله, قال: كفر بعد إيمان وزنى بعد إحصان, وقتل النفس ظلما وعدوانا" ولقوله تعالى {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً} 84 ولقوله في خطبة الوداع" دماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام, كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا, في شهركم هذا". (2/95)
صفحة 392
" المقصد الخامس"
قواعد الإسلام أربعة: العلم, والعمل, والنية, والورع, أما العلم: فعلم ما لا يسع جهله من التوحيد, وعلم ما لا يسع تركه من جميع الفرائض, أي علم المكلف كيفية امتثال الفعل وعلم الأمر به والالتزام, وعلم وجوب الثواب كما مر, وقال النكار: إنا علينا عمل الفرائض لا علمها, وقال أصحابنا يكفر من جهل ما فرض الله سبحانه عليه حين يكفر بتركه, بمعنى أنه حين يكفر بالترك, يكفر بالجهل وهو ما إذا لم يبق من الوقت ما يسع الفرض, بشروطه, ويقفون في الموسع ما لم يتخذه ديانته ويقطع عليه عذر من خالفه أو يتجاوز القول إلى الفعل, وأما العمل فيجب عليه أن يفعله كما أمر راجيا فيه الثواب خائفا من تركه العقاب, وذلك في جميع الفرائض عند حضور السبب ووجود الشرط وانتقاء المانع, وكفران من ضيع ولم يبق من الوقت ما يسع الفرض بشروطه, وأما النية فبأن يقصد بالعمل رضي الآمر سبحانه وامتثال أمره, لقوله عليه السلام" إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى" ومن عمل وأهمل, صار بمنزلة من لم يعمل, وأما الورع فهو الكف عما لا يحل, وترك جميع الشبهات والمناهي, فإذا عدم حبطت الأعمال ولم ينتفع بشئ منها.
قال الشماخي: وفي الضياء كل مصر كافر, وأن المقام على الكبائر والإصرار على الصغائر يصيران الأعمال هباء, وبهما تحبط ويغضب الله على أهله ويسخط, ودلائل ذلك في الكتاب والسنة كثيرة, وبعض أصحابنا يعبر عن هذه الأربعة المذكورة بقوائم الدين, لأن الدين لا يقوم (2/96)
صفحة 393
ولا ينهض مع عدم واحدة منها, وبقواعده عن الاستسلام لأمر الله, والرضى بقضاء الله, والتوكل على الله, والتفويض إلى الله, وعبر عنها لأصاحب العقيدة بأركان الإسلام, والمناسبة في الكل ظاهرة, فالاستسلام هو الخضوع والانقياد إلى ما أمر الله به بسرور القلب, والرضى بقضاء الله هو: العزم على الامتثال ما حكم الله به, والتوكل على الله هو: الاستيثاق بما عنده, والاعتماد عليه, وإظهار العجز.
ومنع بعض أشياخنا أن يقال لمخلوق, توكلت عليك, أو فوضت أمري إليك, وأجازوا اتكلت عليك, والتفويض إلى الله هو رد مفاتيح الأمور كلها إليه تعالى, وبيان أركانا شديدة, أن الخضوع غاية جميع الطاعات, ومرجع العبادات, وبه يحصل الإخلاص, وأن الرضا بالقضاء أصل الطاعة, فإنه القبول والعزم على امتثال ما أمر الله به, وسكون النفس إلى قضائه وقدره, وترك السخط له نظرا إلى أن في قضائه حكمة عظيمة ومصلحة جليلة, لكنها خفية علينا, وقد حث الله سبحانه العباد على الرضى به, وفي تركه آفة عظيمة وهي اكتساب سخط الرب عز وعلا وفوات الرشد ومصلحة أمره سبحانه, وعدم استراحة نفس العبد ومن رضى استراح هذا وحكم الله ماض, رضى أو سخط, {إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} 85, وفي الحديث" من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم شكر نعمائي فليخرج من فوق أرضي ومن تحت سمائي وليطلب ربا سوائي" أنظر إلى ما رجع إليه أمر إبليس, إذ لم يرض بقضاء ربه سبحانه, وترك الرضى كفر, كما سيأتي , وإن التوكل أن يثق بما عند الله سبحانه وتوطن نفسك, لأن قوام بيتك وسد (2/97)
صفحة 394
خلتك إنما هو من الله لا من أحد, وأن لا يفوتك ما قسم لك, وفي تركه عوارض شاغلة عن العبادة, وعلائق ظاهرة وباطنه, وأن التفويض ردك الأمر إلى من بيده التدبير ومفاتيح الأمور العالم بالمصالح, فيختار لك ما هو خير لك وأصلح, وفي تركه آفة واقتحامك فساد, ربما أن لا إقالة منه, وأن يوقعك اختيارك فيما الإصلاح لك فيه, لعدم علمك بغاية الأمور وبتركك التدبير لمن علمه أصلح لك.
تنبيه: فرق بعضهم بين القضاء والقدر من وجوه أربعة, حاصل المشهور منها أن القضاء, عبارة عن وجود الأشياء في اللوح المحفوظ إجمالا, والقدر عن إيجادها في المواد الخارجة تفصيلا, ولم تحضر في الوجوه الباقية عند كتابة هذا الكتاب. (2/98)
صفحة 395
" المقصد السادس"
قواعد الكفر أربعة: الجهل, والكبر, والحمية, والحسد, فالجهل هو: تصوير المعلوم على خلاف هيئته, وقيل هو: انتفاء العلم المقصود, وهذا أعم من الأول لشموله المركب والبسيط والأول خاص بالمركب, وهو ضد العلم, ولا شئ أقبح منه, ودليل قبحه, أن كل أحد يتبرأ منه, ودليل حسن العلم وشرفه: أن كلا يدعيه, والمراد من الجهل هنا ما لا يسع, وهو ما أسلفناه في العلوم, أنه يجب, والكبر هو أن يسفه الحق ويغمط الناس, وبه استوجب إبليس اللعنة والبعد هن رحمة الله, فمكان المتكبر أسفل وإن استعلى, والمتواضع العلو وإن استفل, والحمية هي الأنفة, تحمل صاحبها عند الغضب والغيرة على غير أحكام الشرع, بل على غراء الجاهلية, وعن النبي صلى الله عليه وسلم" هلاك أمتي في العصبية" وعنه أيضا" يهلك من هذه الأمة ستة بست خصال, الأمراء بالجور, والأغنياء بالكبر, والعلماء بالتحاسد, والتجار بالخيانة, والعرب بالعصبية, وأهل الرساتيق بالجهل" وعنه أيضا" من تعزا بعزاء الجاهلية أعضه بهن أبين ولا تنكروا" أو ورد فيه قوارع ومناه, وهي من أعظم جند الشيطان وأكبر آفة على الإنسان, والحسد هو تمنى زوال نعمة الله على الغير, وهو ظلم وبغي لأنه طلب العبد ما ليس من حقه, فكيف يجوز له أن يتمنى زوال نعمة, علم الله موضعها وموقعها, وأن يطلب إزالة ما اقتضت الحكمة ثبوته واستقراره, فطلب ذلك وتمنيه ظلم ولا ظالم في صورة مظلوم مقهور سوى الحسود, وأين داء أدوا منه وقد حمل إبليس اللعين على أن وسوس لآدم وحواء, فأكلا من الشجرة, فأخرجا من الجنة, وحمل قابيل على أن قتل أخاه هابيل, وحمل أكثر المشركين على عدم الإيمان, وعرف بعضهم النعمة بأنها أمر ملائم تحمد عاقبته, ومن ثم (2/99)
صفحة 396
لا نعمة لله على الكافر, ويرد عليه {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ} 86 الآية.
وأركان الكفر أربعة: الرهبة, والرغبة, والشهوة والغضب, فالرغبة المرادة هنا, إنما هي فيما لا يحل من وجوه الشر, ومن الرغبة فيما لا يحل منع الواجب في المال من الحقوق, وأخذ الرشاء ابتغاء الجاه وإرضاء الناس والاستكثار من الدنيا والمراهنة والمصانعة والعلانية, لئلا تفسد عليك دنياك, وأما ابتغاء فضل الله من الوجوه الجائزة, وتناول ملاذ المأكول والملبوس والمنكوح والمركوب, فليس من الرغبة في الشر, بل في الخير, قال تعالى {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} 87 لآية {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ} 88 الآية {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ} 89وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله وآخرون يضربون في الأرض والرهبة أن تصانع السلطان بما يسخط الرحمن بتركك العدل في الحكم, أو غيره, خشية أن يؤذيك ولو في مالك أو قريبك أو صديقك, ومنها خوف الرزق, فيمنع حقوق الله والشهوة والغضب أصلان للرغبة والرهبة.
وبيان ذلك: أن ثوران دم القلب وانتشاره إما لإرادة الانتقام مما هو دونك فهو غضب, وأما الطلب الملاذ فهو شهوة وانقباضه على الأول جبن ورهبة وحزن, وعلى الثاني قناعة وعفة, وعن محمد بن بصير احتفظوا: بهذه الأربعة من الشيطان, تتركوه كالخابية بلا عدو, وازدياد الشهوة رغبة, فمن منع الأربعة, استراح, فراقه, وأجر عظيم, وها هنا مسائل ذكرناها في الكتاب الأخير من النيل في الفقه. (2/100)
صفحة 397
" المقصد السابع"
قال صاحب العقيدة أسهم الإسلام ثمانية: الصلاة, والزكاة, والصوم, والحج, والعمرة, والجهاد, والأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, وأراد بها أجزاءه التي تركب منها بعد التوحيد الذي هو أشرفها, وإنما جعلها ثمانية, مع أنه ورد أيضا" أن الإسلام نيف وستون جزءا, أعلاها كلمة التوحيد وأدناها إماطة الأذى من الطريق" للمبالغة والشرف, لأن الإتيان بها على الوجه المأمور به يستلزم الوفاء بجميع الدين, ولأن الجهاد منها شامل لجهاد النفس, ولأن من وجدت فيه شهد له بالإسلام, ما لم يظهر منه غيره, فمن ترك الصلاة كفر, ولا صلاة لمانع زكاتها {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} إلى {وَمَن كَفَرَ} 90الآية ونحوها العمرة, والصوم, مثلها إجماعا {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ} 91 الآية, لعن {الَّذِينَ كَفَرُواْ} 92 الآية والأمر مثل النهي.
والأدلة: كثيرة في كل واحد من الكتاب والسنة والإجماع, وإنما ترك التوحيد لتنزيله من الذين منزلة الذات, وهذه الأنصباء بمنزلة صفاتها, وكمال الدين, ثلاثة: التنزيل, والسنة, والرأي, فأخرجوا من التنزيل وجوها, واختاروا منها أربعة, الصلاة, والزكاة, والصوم, والحج, ومن السنة وجوها واختاروا منها أربعة, الاستنجاء والإختتان, والوتر, والرحم, ومن الرأي: وجوها واختاروا منها أربعة, الفقد والإمامة, والحد في الخمر, وميراث الأجداد والجدات السدس.
وبيان ذلك: أن حكم جميع النوازل, إنما تؤخذ من الأصول الثلاثة, فالمصرح بها في التنزيل سوى مسائل التوحيد {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ (2/101)
صفحة 398
وَآتُواْ الزَّكَاةَ} 93, {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} 94, {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} 95, {فَوَلِّ وَجْهَكَ} 96 الآيات {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} 97 الآية {وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ} 98, و {اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُوا} 99, {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} 100, {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} 101, {أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} 102, {لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ} 103, {لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} 104, {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً} 105, {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} 106, {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} 107, {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} 108, {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} 109, {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} 110, {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ} 111 الآية {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} 112 إلى من الحكمة {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} 113 الآية {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} 114 الآية {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ} 115 الآية {لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا} 116, {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى} 117 {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} 118 الآية {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} 119, {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} 120, {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} 121 مما يكثر في التنزيل, فالإيمان بهذا واجب, بعد قيامها جملة ما لم يقع التفصيل, والشاك والمنكر مشركان, وفي سامع الشاك في شركهما أعني الشاك في الجملة أو التفصيل إن قامت عليه الحجة به تفصيلا, خلاف تقدم.
قال البدر الشماخى: والتحقيق أنه إذا علم, وقامت عليه الحجة وأخذ فهو مثلها, وأما المصرح بها في السنة فكفل النفاس والميت, وكفنه ودفنه والصلاة عليه, وكالاستنجاء, وركعتين في السفر, وزكاة الفطر, وقتل المرتد, وككفارة الواطئ في نهار رمضان, والاختتان, وصلاة الوتر, والمضمضة والاستنشاق, والأذان والإقامة, وتوريث بنت الابن السدس, مع بنت الصلب, والجد والجدة السدس, وكعدد (2/102)
صفحة 399
ركعات الصلاة, ومقادير الزكاة, وأحكام تفاصيل ذلك ولا وصية لوارث, ولا يرث القاتل المقتول, ولا يتوارث أهل ملتين, وميراث البنتين الثلثان, والوصية من الثلث, والدين مائة من الإبل, عزل النساء حال النفاس, وجواز ملاصقتهن وقت الحيض, وكمواقيت الحج والعمرة, وقصر الصلاة على فرسخين, وجميع تفاصيل الحج وغيره من الفرائض, وتفاصيل مسائل النكاح, واستبراء الإماء, وأن لا يقتل والد بولده, وخيار المعتقة, والولاء لمن أعتق, ومثل ذلك كثير, والعمل به واجب, وتركه كفر إلا فيما اختلف في فرضه, وكذا المنكر له بعد قيام الحجة كافر منافق أيضا.
قال المحقق الشماخي: وهذا مع قولهم من رد قول النبي مواجهة, أي من غير تأويل ولا تحريف مشرك فيه إشكال, وهذا في السنة المتواترة ولو معنى, وأما السامع الشاك في كفره بعد أخذه فهو راجع عن دينه, وأما المصرح به في الرأي كالإمامة والفقد والجد في الخمر, وميراث الجدة وأخوة الأب مع عدم الأشقاء, وعدم ارث المملوك مطلقا وعدم توريث الجدة مع الأم, وأخوة الأب مع الأشقاء, والأخوة مطلقا مع الأب والابن وأن سفل, وعدم إعادة لحائض والنفساء الصلاة, وإنما جعلنا أخوة الأب محبوبين بالأشقاء من الرأي مع ورود السنة بذلك لأنهم قالوا: روايتها الحارث للأعور وقد رماه الشعبي بالكذب, فالمنكر لما أجمعوا عليه كالمنكر للسنة, والسامع كالسامع والجد كالأب عندنا في كونه يحجب الأخوة مطلقا. (2/103)
صفحة 400
" المقصد الثامن"
فرز الدين معرفة منازل: معرفة منزل المسلم الموفي لما أقر به, والمنافق, والمقر الخائن بما أقر به, والمشرك الجاحد, ومن ها هنا عرفت بطلان مذهب من نفي المنزلة بين المنزلتين, وزعم أنه ليس إلا المشرك, والمؤمن, وذهل عن قوله تعالى {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً} 122 وعن قوله {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} 123 وعن قوله {وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ} 124 لأن الفاسق عند المرجئة مؤمن, وعند الصغيرة مشرك, ولا حجة لهم في {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} 125 لما مر من التأويل باستحلال الميتة, والمعتزلة يثبتون المنزلة: وهي الفسق, ويتمسكون بالإجماع, لأن الوفي مؤمن والمشرك كافر والعاصي فاسق, ولا كافرا ولا مشركا ولا يسمونه مؤمنا للخلاف في تسميته بذلك, ولا كافرا ولا مشركا ولا منافقا, الخلاف في الكل, وذهلوا عن قوله تعالى {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} 126 وقوله {وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} 127, وإطلاق الكافر على العاصي كثير, لكن الخلاف بيننا وبينهم إنما هو لفظي لا معنوي. (2/104)
صفحة 401
المقصد التاسع
حرز الدين وحفظه فعل أربعة ولاية: من علم منه خير وبراءة, من علم منه شر, والوقوف فيمن جهل حاله حتى يعلم وترك المعاصي, وهو عند التحقيق: كاف عما قبله, فالولاية المودة والمصافاة, والبراءة العداوة والطرح, لأن من والى على الدين وعادى أو توقف عليه فقد حرزه وحفظه, وكذا من ترك المعاصي بمعنى أن من عرف حيث يتولى فتولى, وحيث يتبرأ فتبرأ, وحيث يتوقف فتوقف, وحيث يترك المعاصي فتركها, فقد أحرز دينه, والوقوف: هو عدم الحكم وإن أسقطه صاحب العقيدة عن الاعتبار, فقال: حرز الدين ثلاثة. (2/105)
صفحة 402
المقصد العاشر
تحديد الدين, وتمييزه: معرفة ما لا يسع جهله طرفة عين, وهو التوحيد والشرك, وما في معناهما مما مر, وفعل ما لا يسع تركه, وهو جميع الفرائض المضيفة كدخول رمضان على المكلف الحاضر, وآخر الوقت للصلاة على المكلف, وهو مما لا يسع جهله أيضا كما مر, وترك ما لا يسع فعله, وهو جميع المعاصي, ويدخل فيه أيضا ما لا يسع جهله كمعرفة عين الشرك, وما يسع جهله إلى الافتراق أو قيام الحجة, وهو بقية المعاصي, وهذه الثلاثة, تميز الدين وتجمعه من جميع جهاته. (2/106)
صفحة 403
المقصد الحادي عشر
مسالك الدين وطرقه أربعة: الظهور, والدفاع, والثراء, والكتمان, فالظهور: وهو الأصل, والمأمورية إذا استجمعت شروطه, وعليه توفي" سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم" وسلكه الخليفتان من بعده, أبو بكر, وعليه ماتا, وكذلك عبد الله بن يحيى الكندي, والجلندى ابن مسعود, الإمام وارث بن كعب غرق في سيل- هو وجماعة من المسلمين نحو سبعين, وغسان بن عبد الله, وعبد الملك بن حميد, والمهنا بن جيفر, والصلت بن مالك, واختلف في إمامة عزان بن تميم, وكذا غيره من أئمة أهل المشرق, كالمالك بن شاذان وابنه, وأئمة أهل المغرب كأبي الخطاب المتعافري بفتح الميم, والإمام عبد الرحمن ومن بعده من أولاده رضي الله عن الجميع, وخصوا في العقائد ذكر أبي بكر وعمر, لأن ولايتهما عامة على جميع بلاد المسلمين, ولا طاعة عليهما سوى من لا يعتد بخلاف, كالرافضة من عدل بعدهما فهو ناظر لطريقتهما, كعمر بن عبد العزيز فإنه قد أعطي الخلافة حقها عدلا وزهدا, غير أنه يتوقف في عثمان, وتولى الإمارة من غير مشورة المسلمين فتوقف فيه, وإنما قلنا الظهور هو الأصل, لأن الحدود لا تتم إلا معه من القطع والجلد وقسم: ذلك, وغير ذلك من الأحكام كما هو مبين في الفقه.
والدفاع كعبد الله بن وهب الراسبي: إمام أهل التحكيم الدين, الفرقة المحقة بايعوه, إذ غشيهم العدو, كما بين في السير فاستشهد بالنهر, وأن هو ومن معه من المسلمين ولم يلفت منهم غير قليل, فرحمة الله عليهم, فلولا ما رفعوا من منار الحق ولواء الصدق حتى قتلوا (2/107)
صفحة 404
علانية اختيارا لإحياء دين الله عن حياة أنفسهم لا نطمس الأثر وانغمس الدين إلى يوم القيامة, فرحمة الله عليهم أجمعين, وكأبي حاتم الملزوري ومن مثلهما رحمهم الله, قال البدر الشماخي: والأقرب عندي أن يا حاتم من الأولين, لأنه رحمه الله ما استكان للشيطان منذ بويع, ولا طلب الراحة للبقاء بل جرد سيفه وأقام دين الله طاقته, فقاتل جنود الظلمة ميمنة وميسرة, قلت: كذلك ويكفيك ما في السير موافقا ومخالفا, حتى قال بعضهم في حقه, أعطى لأبي حاتم الخارجي ما لم يعطه لخارجي قبله ولا بعده, والكلام على إمامة الدفاع وشروطه وأحكامه مبسوطة في محله, كالنيل وغيره, والشراء كأبي بلال مرداس بن حدير بالحاء المهملة كما في المنهاج, وقد غفل عن ذلك البدر الثلاثي فضبطه بالجيم, وكذا أخوه عروة بن حدير, وهو أول من قال: لا حكم إلا لله, وكأبي حمزة المختار ابن عوف, وكقريب والزحاف, ومثلهم, وأول من شق عصا الحكمة, نافع بن الأزرق واتبعه الأزارقة, والكتمان كحال أبي الشعثاء جابر بن زيد, الأصح أنه أحول لا أعور, ومن طبقته حاجب وأبو عبيدة مسلم, بن أبي كريمة وقد أخذ عن جابر وعن غيره, وهو مولى النبي تميم, وكان قبل أعور وكان أفضل أصحاب جابر. (2/108)
صفحة 405
المقصد الثاني عشر
يجب على المكلف مع بلوغه أن يعلم: أن الله آمر بطاعته, وناه عن معصيته, وإن لم يعلم ذلك أشرك, وإن علم بالتوحيد ونهى عن الشرك أو أمر بالتوحيد وما دونه من الفرائض, ونهى عن الشرك وما دونه من الفرائض, ونهى عن الشرك وما دونه من الكبائر, فلا يجوز إلا أن يعلم أنه يأمر بالطاعة, وينهى عن المعصية, وقيل: يجزيه إذا عطف على التوحيد ما دونه من الفرائض, وعلى الشرك ومل دونه من الكبائر, وأمر الله ونهيه معناهما: إيجابه, وخطابه, وكلاهما فعل له كما مر, وأن يعرف الخالق الرازق المستحق لغاية الخضوع, وأن يخلص العبادة له, وأن يعرف رسوله وحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم, وإلا أشرك كما مر وإن شاء الله من علينا بالنعم, وهي عبارة عن المنفعة التي أوصلها الله إلينا على جملة الإحسان والتفضل منه, ونعمه علينا لا تحصى, كخلق البدن وقواه, وإشراقة بالروح, والعقل, والفهم, والفكر, والإيمان, والعلم, والهدى والتوفيق, والعون, وجميع الملاذ كما تقدم.
والنعمة العظمى الجنة: خاصة بالمسلمين, وأن يعرف ما نصبه من الدلائل على وجوده ووحدانيته, كالكتب والرسل, والسموات وما فيها, والأرض وما فيها وما عليها, وسائر الحيوان وما فيه من العجائب ونحو ذلك من الآيات الواضحة على معرفته, وقد نبه على ذلك في أكثر القرآن كقوله {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ} 128 فتضمنت هذه الآية دلالة الآفاق (2/109)
صفحة 406
من الإجرام والإعراض, فذكر أعظمها جرما ليدخل فيه سائر الأجسام, من الكبر والصغر, وأشملها وأغمضها متناولا الإعراض, ليدخل في الدلالة بها الدلالة سائر الإعراض الظاهرة والخفية, ثم قال {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ} 129 الآية.
فنبه فيها على دلالة الأنفس, فذكر المبتدأ أو المنتهى تصريحا, ولوح بغيرهما, مما صرح به في غير هذه الآية كقوله {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ} 130الآية, وما شاكلها, وكذا سائر الأشياء التي ذكرناها في غيرها تفصيلا, للدلالة على باهر قدرته وكمال علمه وعموم إرادته, ألا ترى كيف استبعد الكفر والشك مع ظهور هذه الآيات البينات وقال: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ} 131 الآية بلفظ, ثم المشعرة بل صدور الكفر معه مجرد عتو وحماقة, إلى غير ذلك من الآيات كما سبق, وأن يخاف من عذاب الله ويشفق منه بحيث لا يخرجه الإفراط في الخوف إلى الكفر, وهو الأياس من رحمة الله, وأن يرجوها ويطمع فيها بحيث لا يخرجه الإفراط في طمعه إلى الخسران, وهو إلا من مكر الله, أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة, ويرجون رحمته ويخافون عذابه, بل الواجب عليه الخوف الخالي من القنوط, والرجاء الخالي من الغرور فهما سوطان زاجران, الخوف زاجر رادع عن المعاصي والمناهي, والرجاء رادع باعث إلى فعل الطاعات والمأمورات, وضدها الأمن والأياس, ولا يصح الخوف خاليا من الرجاء, وإلا كان إياسا ولا الرجاء خاليا من الخوف, وإلا كان آمنا, وأن يتولى أهل الولاية ويتبرأ من أهل البراءة, وهذا مراد صاحب العقيدة بقوله: ستة تجب على ابن آدم بستة, (2/110)
صفحة 407
الكلفة مع البلوغ, والأمر, والنهي, ومعرفة الله, ومعرفة الرسول, والمن, والدلائل, والخوف, والرجاء, والولاية, والبراءة.
وحاصل معناه, أن التكليف هو إلزام الله العبد ما فيه كافة: أي العلم بأنه مكلف يجب عليه مع حصول بلوغه, وأن يجب عليه أن يعرف الله سبحانه, بأنه يجب له الإلوهية والربوبية والوحدانية, وبأن يجوز له, الخلق, والإفناء, والإعادة, وبأنه يستحيل عليه الشريك, والصاحبة, والولد, مع معرفة رسوله بما يجب له من الصدق, والتبليغ والرسالة, وبما لا يجوز له من النوم, والغلط, والنسيان, وسائر المباح, وبما يستحيل عليه من: الغش, والخيانة, والكذب وما في معناها, ومعرفة أن الله أمر بطاعته مع معرفة أنه ناه عن معصيته, ومعرفة نعمه مع معرفة كونها دلائل وجوده ووحدانيته, ومعرفة وجوب الخلق عليه من عقاب الله, وإثباته في قلبه مع معرفة وجوب رجائه لرحمته عليه, وإثباته في قلبه أيضا ومع معرفة وجوب الولاية عليه لأهل طاعة الله, مع معرفة وجوب البراءة عليه لأهل معصيته, فمعنى معية الكل اجتماعه في وجوب العلم والامتثال على المكلف. (2/111)
صفحة 408
المقصد الثالث عشر
ندين لله تعالى ونطيعه ونتقرب إليه بعشرين صلاة, ثماني منها فرض, واثني عشرة سنة, فالفرض: هي الصلوات الخمس, والوتر: على رأى جماعة من أصحابنا, منهم محمد بن محبوب, وأكثرهم لا يرونه واجبا, وهو مذهب الربيع بن حبيب رحمهم الله, والجمعة: والحج على المستطيع, والسنة: هي ركعتان قبل صلاة الفجر, ركعتان بعد صلاة المغرب, وصلاة العيدين, وصلاة الميت, وقيام رمضان, وصلاة الخسوف, والكسوف, وصلاة الزلزلة, وركعتان خلف المقام, وسجود التلاوة, والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: وهي الترحم, في الصلوات الخمس فرض على الأعيان, وشهرتها وعدد ركعاتها وما فيها, مقرر كل ذلك محله, ولا ينقص من عددها إلا المسافر في الرباعية والخائف في الجميع, والمصلي مع الإمام الجمعة, ويرى ابن حجوب: الكفارة على ترك الوتر إلى خروج وقته, ومن أنكره أو أنكر الاختتان قتل ولا يصلى عليه.
قال الشماخي: ويحتمل أن يكون الكفر عنده شركا, ومن أنكر السنة المتواترة ولو كانت فضيلة أو رد على النبي مواجهة أشرك, وقيل: نافق, ومن أنكر فريضة من المنصوصة إنكارا من غير تأويل فهو مثل, من أنكر الله, ورسوله, وملائكته وغيرهم في الشرك, خلافا لجهم بن صفوان, ومن وافقه في ذلك, كابن الحسين, وابن عمير فإنهما يقولان: التوحيد محصور في قوله لا إله إلا الله, فإن ذلك تكذيب لله عز وجل, بدليل ولا أشرك بربي أحدا بعد قوله: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} 132, (2/112)
صفحة 409
{وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} 133, والإيمان هو ما ذكر قبل, ومعنى الرد في قولهم الرد على الله وعلى الرسول, مواجهة مشرك للنقض, فإن من رد شيئا فقد نقضه وبالعكس.
ويجب علينا أن نعلم: أن على امتثال جميع الطاعات ثوابا, وأن على ترك التوحيد وفعل الشرك عقابا, وأما ترك سائر الطاعات, وفعل سائر الكبائر فقيل لا يجب علينا, بل يسع جهل العقاب فيها, وقيل: يجب في ترك الصلاة خاصة, وقيل: غير الصلاة لا حق بالصلاة, وهي مسألة أبي زكريا مع المشايخ, فتحصل في المسألة ثلاثة أقوال. (2/113)
صفحة 410
المرصد الثالث
في الولاية والبراءة وفيه مقاصد
الأول: الناس ثلاثة, مسلم ومنافق, والمراد بالمسلم: الموفي ودليله قوله تعالى {وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} 134 أي مخلصون {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} 135, {فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ
} 136, {وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} 137 وكل ذلك بمعنى الإخلاص, وهو في القرآن كثير- قال الشماخي: فإن قلت كيف يحمل على الإخلاص؟ مع قولهم {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا} 138 الآية بعد {واشهد بأنا مسلمون} وهذا غير الشك- قلت لما ادعوا الإخلاص اتبعه تعالى بذكر سؤالهم, تنبيها على بطلان دعواهم, أو يكون سؤالهم لازدياد اليقين, والتثبيت, كقول الخليل عليه السلام {أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} 139 ومعنى {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} 140 هل يتألف, عبروا عن المسبب بالسبب, لكونه أولى, ويؤيد ما مكنا من أن المسلم هو الموفي قوله تعالى {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ} 141 لا يقال: هذا انقضى لدعواكم, فإنكم تقولون في حق الموحدين, أسلم فلان, وإن كان غير موف, فيلزم اتحاد الموفى وغيره-لأنا نقول: الأمر كذلك, لكن الاستدلال باسم هذا لأجل وقوعه في صلة الدين, والموصول إنما سيق وصله لوصف المعارف بالجمل, فكأنه اسم فاعل مع الكاف, أي المسلمون, ويؤيد صحة ذلك أن الله سبحانه ساق الآية مدحا للأنبياء, وإظهار لشرف الإسلام, ليرغب فيه بخلاف, أسم إذا لم يكن هذا لأن الأفعال لا تقتضي الأسماء, حتى يرشح ذلك, والمراد من المشترك من معه خصلة من الشرك, وكذا المنافق. (2/114)
صفحة 411
المقصد الثاني
الولاية, وحقيقتها, الحب بالجنان, والذكر باللسان, والميل بالقلب والجوارح, إلى مطيع لطاعة أربعة أوجه: وقيل سبعة: أحدها ولاية الجملة, وهي فرض عين مع البلوغ كما مر, وتاركها مشرك, والشاك فيه يسعه عدم تشريكه حتى تقوم عليه الحجة به, لا عدم تكفيره, وهي: أن توالي جميع أولياء الله تعالى من المسلمين الأولين والآخرين, من الجن, والإنس, والأحرار, والعبيد, والذكران, والإناث, والصغار والكبار عرفهم أو لم يعرفهم.
الثاني: ولاية المعصومين وهي: ولاية الجملة, غير أن المعصومين أخص من المسلمين, فيجب ولاية جملة الأنبياء, والرسل, ويشرك تاركها, والقسيسين, أي الرؤساء في العلم والذين من المؤمنين والرهبان أي الخائفين من الله المؤمنين, وهم أي الرهبان سبعون رجلا أرسلهم النجاشي ذووا فقه وسنة, فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم"يس" فبكوا, وقيل: هم اثني عشر رجلا سبعة قسيسون, وخمسة رهبان وجه بهم, فلما لقوه عليه السلام, قرأ عليهم ما أنزل عليه فبكوا, وآمنوا, وقيل: هذا النجاشي نفسه, أي المراد قوله تعالى {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ} 142 الآية ومثله في القرآن كثير, وقيل: اثنان وثلاثون من الحبشة, وثمانية من رهبان الشام, أسلموا حين هاجر إليهم المؤمنون وأصحاب الكهف, أي الغار الواسع في الجبل, وقصتهم مشهورة, وقد اختلف فيهم الآن فرجح قوم أنهم أموات, وآخرون أنهم أحياء, وسترهم الله عن الأعين, وهو الأرجح عندي, (2/115)
صفحة 412
كما يدل عليه ظاهر التنزيل وأصحاب الأخدود, وهو حفير في الأرض صنعه بعض ملوك اليمن لمن أسلم من رعيته, فأوقدوه لعنه الله نارا أو ألقاهم فيها.
وقوم يونس ابن متى, بوزن حتى قيل متى أمه, وهو من الأسباط, وكان في زمان أشعياء, أرسله الله إلى أهل نينوى من أرض الموصل فكذبوه, فذهب عنهم مغاضبا فخافوا نزول العذاب عليهم حين فقدوه, قيل: أضرهم بنزوله لأربعين ليلة, فنزل غيم من السماء, اسودت به مدينتهم لخمس وثلاثين فبزوا إلى الصعيد, ففرقوا بين الأنعام وأولادها, والنساء وبنيها, وأظهروا الإيمان فعلت الأصوات بالضجيج, وقيل: عجوا أربعين ليلة, فكشف عنهم وكان يوم جمعة فوافقت عاشوراء, والخلف في كونهم أحياء إلى الآن وستروا عن لأعين, أو أمواتا كما مر.
وسحرة فرعون, وقصتهم مشهورة, وكانوا عما قيل مائتي ألفا ومائتين واثنين وخمسين, وقيل: غير ذلك, وحبيب النجار المراد بقوله تعالى {إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} 143 فإن حبيبا اسمه والنجار نعت له, وصف بذلك لأنه كان قبل إسلامه ينحت الصلبان, ومؤمن آل فرعون المشار إليه بقوله تعالى {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} 144 الآية, فهؤلاء المعصومون عشرة من الرجال.
وأما النساء فأمنا حواء بالفتح والتشديد والمد, أم البشر زوج آدم عليه السلام, وسميت بذلك لأنها خلقت من حي, وهو: ضلع من أضلاعه, وهو القصير من الجانب الأيسر منه, قيل: أنه لما دخل الجنة (2/116)
صفحة 413
واستوحش, خلقت من ضلعه المذكور, فلما انتبه رآها’ فقال: من أنت, فقالت له: امرأة, خلقت من ضلعك الأيسر لتسكن إليها. قال البدر الثلاثي: لم تسم في القرآن, لأن آدم لا زوج له غيرها, فقد عاشت تسعمائة سنة, وسبعين سنة منها بعد آدم, سبع وستون وسبعة أشهر, وعاش آدم ألف سنة, وقيل: تسعمائة سنة, وستين سنة, وسارة بنت هارون بنت حوى بنت عم إبراهيم عليه السلام, وهي زوجته المشار إليها بقوله تعالى {فَضَحِكَتْ} 145 الآية.
قال العلامة الشماخي: والصواب, أن هارون أخو إبراهيم أبو لوط عليهم السلام, ورحمة امرأة أيوب من ولد ردم بن عيص ابن إسحاق ابن إبراهيم, وأم من أولاد لوط, ورحمة قيل: بنت يوسف, وأمها زليخا, وقد أشير إليها بقوله تعالى {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ} 146, وآسية بنت مزاحم, امرأة فرعون, المشار إليها بقوله تعالى {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا} 147 الآية, وحنة أم مريم, هي زوج زكريا, أم يحيى المشار إليها بقوله تعالى {وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} 148, وآمنة امرأة عمران, المشار إليها بقوله تعالى {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ} 149 وهي أم مريم, وزليخا امرأة يوسف, المشار إليها بقوله تعالى {الآنَ حَصْحَصَ الْحَقّ} 150 الآية, ومريم بنت عمران, أم عيسى قيل: حملت به على ثلاثة عشر عاما, وعاشت بعد ما رفع ستة وستين سنة, وماتت على مائة واثني عشرة سنة, والخلاف كثير, وقد صرح باسمها في القرآن, وأما قنة وهي الماشطة لابنة فرعون, المصلحة لرأسها, وهي امرأة حزقيل, وهو مؤمن آل فرعون, فقال الثلاثي, تبعا للشماخي, لم أطلع على التصريح بها في القرآن ولا على الإشارة إليها, وعائشة بنت أبي بكر: عبد الله (2/117)
صفحة 414
عتيق الصديق ابن أبي قحافة, وهو: عثمان بن عامر بن سعيد بن تميم بن مرة كعب بن لوي, وهو قرشي وكذا عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العربي رياح بت عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لوي, وفي بعض النسخ بدل بن رزاح ورواح وعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم, وأمها أم رومان بنت عامر, كانت مسماة على جبير بن مطعم, فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجها بمكة عام عشرة من النبوة في شوال بنت ست سنين, وأعرس بها في المدينة في شوال على رأس ثمانية عشر شهرا, وقيل سبعة عشر, وقيل بنت تسع سنين, وبقيت معه مثلها, وماتت ليلة سبع عشرة من رمضان, عام سبعة وخمسين, وقيل ثمانية في أيام معاوية, ودفنت ليلا بالبقيع بإيصاء منها بذلك, وصلى عليها أبو هريرة, ولم يتزوج سيدنا بكر سواها, وكانت فقيهة عالمة, فصيحة, كثيرة الرواية عنه, عارفة بأيام العرب, أي حروبها الواقعة بينهم, وإشعارهم روى عنها جماعة, وهي أحب الناس إلى سيدنا, وقد ابتليت بقضية الجمل وتابت, وقد أثنى الله عليها بقوله {أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ} 151 الآية وما قبلها, وقال صلى الله عليه وسلم" كل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع, مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم, وخديجة بنت خويلد, وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام".
قال الشماخي في النساء في الأول, يعني قوله ولم يكمل من النساء, والثاني: يعنى قوله, وإن فضل عائشة على النساء, ما عدى الثلاث, وهن مريم, وخديجة, فهذه المعصومات عشرة, وزاد الشماخي أم موسى واسمها على ما قيد يوخابذ بضم التحية ثم واو ساكنة, ثم خاء (2/118)
صفحة 415
معجمه مفتوحة, ثم ألف مقصورة, ثم باء موحدة مفتوحة, ثم ذال معجمه, وهو غير منصرف للعملية والتأنيث, وهو اسم عجمي, وأخت موسى واسمها مريم, وأم إبراهيم, بدليل استغفاره لها, ولم يبرأ منها, كما تبرأ من أبيه, وكذا سائر نساء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم, التي مات عنهن, وخديجة وبناته, وقد أثنى الله على أزواجه" إن اخترن الله ورسوله وقد بلغن ووعدهن على الإحسان" وقد أحسن, وصاحبه سليمان والخضر واسمه قيل أبو العباس وقيل موسى وهي بلقيس المشار إليها بقوله {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ} 152الآية, وبنات لوط, المشار إليهن بقوله {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ} 153 الآية وبقوله {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا} 154 الآية وأم إسماعيل, واسمها هاجر, فولاية من صرح باسمه توحيد والبراءة منه شرك, قال ولكن مما يوسع فيه قبل قيام الحجة به علينا, ولا يتهم جملة, والمصرح باسمه كالأنبياء المسمين, ومريم وفي عطف أم موسى عليها سهو, بل هي من المصرح به لا باسمه, كإمراة فرعون, وامرأة عمران وامرأة إبراهيم, ونحوهن, وفتى موسى ومؤمن آل فرعون, وأبو بكر, وابن أم مكتوم, ومن دخل في العموم كإضماره حيث قال تعالى {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ} 155 الآية, والنجاشي ووفده لقوله تعالى {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً} 156 تنقل الثقات إنهما فيهم نزلت. (2/119)
صفحة 416
المقصد الثالث
إذا عرفت معنى الولاية وترتيبها.
فاعلم أن سبب وجوبها, الأعمال الصالحة, بأن يكون الشخص المستحق لها موافقا في المذهب, موفيا بدين الله عز وعلا, بمعنى أن تكون إخباره ومذاهبه مقبولة, فمن استوفى ما افترض الله عليه من علم ما لا يسع جهله, وفعل ما لا يسع تركه, وترك ما لا يسع فعله, فقد حسنت هيئته وحالته, والمعنى إنها لا تجب على المكلف, إلا لمن علم منه خيرا, وهو فعل المأمورات وترك المنهيات, ويثاب لأجلها المتولي, المائل بقلبه وجوارحه, إلى المتولي المستحق للولاية, وقيل يثابان عليها معا.
أما الأول فلأدائه الفرض الواجب عليه.
وأما الثاني فلطاعته وإظهاره الحالة الحسنة, التي تكون سببا للإقتداء به, فالساعي في الخير كفاعله, ومن ضيع ولاية من وجبت ولايته, فقد كفر, فإن كان من المنصوص عليها, أو نزل فيهم النص بعد التضييع, فهو مشرك, وقيل من ضيع ولاية من نزل فيه النص بعد التضييع, إنه منافق, ومن تولى من لا تجب ولايته, بأن كان معه كبيرة وتولاه عليها فقد نافق, إن لم يكن منصوصا عليه بالشر, وأشرك إن كان منصوصا عليه به, وكذا من آخرها بعد وجوبها فقد نافق أيضا, إن كان غير منصوص عليه بالخير, وأشرك إن كان منصوصا عليه, نيرة وضد.
الولاية: البراءة, فلا يجوز الانتقال من أحدها إلى الوقوف فيمن (2/120)
صفحة 417
كانت ولايته أو براءته لذاته, لا بالتبع لغيره, كأطفال المسلمين الذاهبة ولايتهم ببلوغهم, فإنهم ينتقل فيهم من الولاية إلى الوقوف, فقول مشايخنا: لا انتقال من الولاية, إلا إلى البراءة, محمول عليهم الولاية الذاتية, وعليه فلا يرد اعتراض البدر الشماخي, وتجب على الشخص ولاية نفسه, وهي توبته عما صدر منه, وانكفافه عن الذنوب فالباء في قول لصاحب العقيدة, وذلك بالتوبة إلى آخره تصييرية لا سببية, خلافا للثلاثي, وكذا ولاية أطفاله, وعبيده الأطفال ومواليه الصغار, ومعنى ولاية الله لعباده: علمه بهم ورجوعهم إلى دار الثواب, وبمنازلهم فيها, أي ثبوتهم وإقرارهم, قال البدر الثلاثي: الظاهر أن ولاية الله لهم, وتوقيفه لهم وهدايته إياهم لامتثال المأمورات, وترك المنهيات, قلت: وهو حسن, غير أن تفسيره منازلهم بمراتبهم بعيد, وأدلة أن الله موال لأوليائه قوله {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} 157 وقوله {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ} 158 إلى غير ذلك من الآيات, وكذا إجماع الأمة, أن الولاية من الصفات يوصف بها في الأزل, فلا تنقلب على الصحيح, فإن أبا بكر لم يزل بعين الرضى, ومعنى ما نقل عنه رضي الله عنه أن الله عادى, فلم يوالي, ووالى فلم يعادي, الإشارة إلى ذلك, وليس المراد منها إثبات الأفعال في الأزل, لإنه يستلزم من إثباتها فيه إثبات الموالي والمعادي فيه, وهو محال, بخلاف الأسماء, فإنها لا تقتضي أزمنة كما مر, ومعنى ولاية العباد لله عز وعلا قبول جميع ما أمرهم به, امتثالا, وجميع ما نهاهم عنه, تركا. (2/121)
صفحة 418
المقصد الرابع
في ولاية الأشخاص, وهي أربعة من وجوه الولاية, وأدلة وجوبها كثيرة, وغرضنا الاقتصاد, قال الشماخي: ويستدل على وجوبها أيضا, أدلة براءة الأشخاص, فإن الدليل إذا قام على براءة الأشخاص التي هي ضد ولاية الأشخاص, قام على وجوب ولاية الأشخاص, ولها في غير المنصوص عليه شروط, وأما المنصوص عليه, فولاية توحيد, وتركها شرك, إذا تعين باسمه على لسان الرسول عليه السلام له, كأسماء الأنبياء, وتلك الشروط, أن تظهر جلية, ترضاها العين, وأن ينقل عنه الوفاء, فلا تسمع عنه إلا ما يرضيها, وأن يسكن القلب إلى ما تؤدي إليه الحواس من حسن المذاهب, بامتثال ما أمر به, وترك ما نهى عنه, وأن يوافقك في مذهبك الخاص بك, ومن آخرها بعد استكمال الشروط نافق في غير المنصوص عليه من عند الله, وفيه أشرك, سواء كان الترك بالتضييع, أو بالجهل, ومثله من تولى قبل العلم بالوفاء, ومن ولاية الأشخاص, ولاية البيضة, وهي: الجماعة, وهي: ولاية السلطان العادل, وولاية كاتبه ووزيره وخازنه وجميع من كان تحت لولايته كل مشهور بالخير, بل وجميع أئمة المسلمين وقادة الدين.
قال الشماخي: ومن ولاية الجملة عندي, ولاية من كان تحت الولاية, وقال الفاضل المحشي: ما حاصله, أن ولاية الجملة لا قصد بها إلى حصة في الخارج, ولا يدخل فيها إلا المؤمن عند الله, بخلاف المتولي بولاية البيضة, فإنها ممن توالى ولا تزكى, فالأحسن أن تكون قسما برأسه, فعلى كلام الشماخي, ترجع الولاية إلى قسمين, وهما (2/122)
صفحة 419
ولاية الجملة وولاية الأشخاص, فإن المعصومين إما جمل وإما أشخاص, والمراد بكاتبه ضبط ما يدخل إليه, ويخرج منه في الأموال, وأمره, ونهيه بالكفاية, وبوزيره خادمه الحامل لثقله المعين له برأيه, وبخازنه حافظ ماله ومحرزه بمن كان تحت لولاية من كان تحت أمره ونهيه.
قال الثلاثي: وفي التعبير به عنهما مجاز مرسل, علاقته اللزوم من قبيل التعبير باسم الملزوم عن اللازم, لاستلزام لوازم السلطان أمره ونهيه.
قال الشماخي: وجهات الولاية أربع العلم بالوفاء, والشهرة التي لا تدفع, وشهادة العدلين, وشهادة العدل الواحد, ولو امرأة, قال ابن جعفر, أو عبد حكاه عن أبي المؤثر, ويثبت العبد العدالة عنده ولا يشهد, قال وفيه الخلاف, الصحيح أن الولاية والعدالة تجبان بالعبد حملا على وجوب العمل بخبر العدل, وهي: قضية أبي ميمون الخطابي, مع ابن عباد المصري, من أصحاب أبي عبيدة رضي الله عنهم, كما هو معلوم في السير, والمشهور في الخبر, لتمكن ولايته ورسوخها في النفس, لا يبرأ منه إلا بشهادة, كالإمام العدل, وأئمة المسلمين وقادتهم في الدين, ومن تبرأ من متولي برئ منه, ولو كان متولي, وهي قضية: ضمام ابن السائب رضي الله عنه, ومن تبرأ منه متوليان برئ منه, وهي قضية: جابر بن زيد في قوله: لعن الله من لعنتما, ومن ولاية الأشخاص ولاية من رجع من الشرك إلى الإسلام, لقوله تعالى {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} 159 ولقوله عليه السلام" الإسلام حب لما قبله". (2/123)
صفحة 420
وقيل: لا يتولى في هذا الزمان حتى يدين بالبراءة من الجبابرة, ومنها أيضا: ولاية من رجع من دين الخلاف إلى دين الوفاق, إذا لم يمنعه من الولاية إلا الخلاف الذي كان عليه, وقد رجع عن جميع ما يدين به.
وقال الشماخي أيضا, ومن ولاية الجملة عندي, ولاية أطفال المسلمين, إن لم يقصد إلى معين, وإن قصد, فمن ولاية الأشخاص لقوله تعالى {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ} 160 الآية, ولقوله عليه السلام" تمام رضاعتك يا بني في الجنة", وفي الآية الأطفال من مماليكهم خلاف, يعني قال: بعضهم تجب وقال: بعضهم بالوقوف فيهم, إلى ظهور حالهم عند البلوغ, وأما أطفال المشركين والمنافقين فقال: أئمتنا بالوقوف فيهم لقوله عليه السلام" الله أعلم بما كانوا عاملين أن لو كانوا عاملين" وقالت الصفرية وأصحاب الحديث: أن الأطفال بمنزلة الآباء, فأطفال المسلمين مسلمون, وأطفال المشركين مشركون, وأطفال المنافقين منافقون, وقيل: بولاية الجميع, وهو قول معاذ بن جبل رضي الله عنه لقوله عليه السلام" كل مولود يولد على الفطرة" والحديث, وقال النكار بالوقوف في الكل. (2/124)
صفحة 421
المقصد الخامس
في البراءة وهي: البغض بالجنان, والشتم باللسان, والميل بالقلب والجوارح عن عارض لعصيانه, وهي أربعة أوجه: وقيل سنة.
أعلم أن البراءة: من الفروض الواجبة على المكلف, عند بلوغه, كالولاية, كما مر ودليل وجوبها قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء} 161 الآية {لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى} 162الآية, {لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً} 163 الآية في أمثالها.
قال الشماخي أيضا: قد بين الله تعالى موضع الولاية بقوله {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ} 164 الآية, إلى" الغالبون", أي فقد تولى من توله الولاية, وجعلها في موضعها, وتولى حزب الله, واعتقد بمن لا يغالب, وهو الله تعالى ألا تراه كيف حصر الولاية فيمن ذكر, وأخلصها بالذين يقيمون الصلاة وأخلاها من المنافقين والكفار, وقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ} 165 الآية إلى" الفاسقين" {لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} 166 الآية {لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} 167, وأدلة البراءة, أكثر من أن تحصى, وكذلك ما سمعت في الحديث:" ليس منا فهو براءة" على اختيار ابن بركة, وغيره من الأئمة, فبراءة الجملة توحيد وهي: البراءة من جميع المشركين والفاسقين, ولو إناثا أو عبيدا أو أمواتا أو أحياء, وكذا من أهل الوعيد, وهم كل من ذكره الله تعالى على لسان رسوله, وذمه بإساءته وعصيانه, وأوجب له النار والهلاك وهي من براءة الجملة. (2/125)
صفحة 422
قال الشماخي: هذا إذا أخذتها جملة, وأما إذا تتبعتها تفصيلا فهي إلى براءة الأشخاص أقرب, وأهل الوعيد هم: هامان, من جند فرعون وهو وزيره من أقارب موسى عليه السلام, والنمرود وهو كنعان الجبار الآمر بحرق إبراهيم عليه السلام, وامرأة نوح وإمراة لوط المشار إليها بقوله تعالى {كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ} 168 إلى قوله تعالى الداخلين, الآية, وكذا سائر الأمم المكذبة لرسلها, وأخبر الله تعالى بإهلاكها, كعاد, وقوم نوح, وقوم لوط, وأصحاب الأيكة, وقوم تبع, وأصحاب الرس, والمعذبين لأصحاب الأخدود, والذين اعتدوا في السبت والذين كفروا من أهل المائدة, وكل من مات على غير الإسلام.
وبراءة الأشخاص, وهي: كل من رأينا منه شرا, أو سمعنا عنه, على ما ستقف عليه, فتجب علينا البراءة منه, والقصد إليه بها, وبراءة السلطان الجائر, وكاتبه, ووزيره, وخازنه, وجميع من يعينه على ظلمه, لا من كان تحت لوائه, لأنه ربما فيه مسلم فلزمه تقية على نفسه أو ماله وبراءة كل من رجع من الإسلام إلى الشرك, أو من أهل الوفاق إلى أهل الخلاف.
وأدلة وجوب براءة الأشخاص: قوله تعالى {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} 169, {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ} 170 إلى "الجحيم", {إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ} 171الآية, {وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} 172 لأنه كما قال الشماخي, إذا تبرأ من شركهم, فقد تبرأ منهم, وقوله: لنوح عليه السلام {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} 173 إلى" الجاهلين", {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} 174, وهي كثيرة, وتجب البراءة من الشخص بأحد (2/126)
صفحة 423
أمور أربعة: أن يخبر الله عنه باسمه, كفرعون, وأبي لهب, فالبراءة من هذا توحيد, أو يقر بأنه مصر على صغيرة, أو مقترف للكبيرة, ولم يتب منها, أو أن تشاهده بفعلها, أو يخبرك عدلان فما فوق أنه فعلها, أو أنهما تبرأ منه, ولا يتبرأ من المشهور في الخبر بالشهرة, ولا بالشهادة, أو أن يشهر في الشر كأئمة الجورة.
تنبيه: المتولي إذا قارف كبيرة, فعلينا استتابته, فإن أصر تبرأنا منه, وقيل: يبرأ منه, ثم يستتاب, وإن تكرر منه الفعل, والتوبة, فكذاك الحكم, إلى ثلاث, ثم لا عليك منه, قال أبو عبيدة: دائما حتى يكون الشيطان هو الخاسر, ولا يتبرأ من الفاعل حتى الفعل كبيرة, وإن أخذت عن عالم واحد, أن الفعل كبيرة فتبرأ ولا عليك, إن سبق الأخذ, وإلا فلا بد من اثنين: وهو على ما كان عليه, حتى تسأل إن جهلت, وأن تبرأ من متولاك تبرأت منه, وهي قضية ضمام السابقة, ولو كان المتبرئ متولي لك أيضا.
وقال أبو عبيدة, من رأى متولي على فعل معصيته, شبه الزنى, وهو لا يعلم ما الحكم فيه, فله أن يكفه عنه, حتى يسأل ولا يتولى على ذلك الفعل ولا يتبرأ ممن تبرأ منه, وعليه أن يبقى من تبرأ منه على ولايته, إن سبقت, وليس عليه أن يكف عنه, وإن قال المتولي تبرأ مني فلان, وفلان, وهما متوليان برئ منه, ومرتاب من جميع ذنوبه, فلا يجزيه حتى يقصد إلى ذلك الذنب بعينه, فيما بيننا وبينه, وقيل: يجزيه, ومن قال برئ مني فلان, على غير استحقاق فقيل: يبرأ منه, لأنه رمى المتولي بكبيرة, إذا نسب إليه, أنه أوقع البراءة في غير موضعها ومن قال: هذا الفعل كبيرة, أو كفر, ففعله, فهو كما قال الشماخي: (2/127)
صفحة 424
إلى البراءة أقرب, ومن تبرأ من واحد من جماعة المسلمين فهو هالك, قال: وبقى في حفظي من آثار أهل فزان, أن لا تتولى أحدا ولو أعجبك حاله, إلا أن أخبرك المسلمون بولايته, قال: ونصوص المشارقة والمغاربة, على أن الولاية بالظواهر, وحكم السرائر إلى الله تعالى, وكذلك البراءة, ومن لم يستتب متولي رآه ارتكب كبيرة فهو مثله, وإذا تبرأ أحد المتولين من الآخر على فعل, وتبرأ منه الآخر لبراءته منه, فليس على السامع منهما شئ, حتى يتبين الأمر, وكذا الشاك في المحرم, مسلم, والمستحيل هو الذي يرى راكب الزنا مسلما مثلا, والمحرم الذي يراه غير مسلم, وإنما حكمنا على المصر على ذنب ولو صغير, بالكفر, والبراءة منه لكثرة الأدلة وقوتها.
ومختصرنا لا يفي بالاستيعاب. (2/128)
صفحة 425
المرصد الرابع
في الملل وهي الشرائع وأحكامها وما يتعلق بذلك وفيه مقاصد
الأول: يجب علينا مع البلوغ معرفة الملل وأحكامها, وأصل الملة: من أمللت الكتاب, أما ملة الإسلام, فهو اسم لما شرع الله على لسان أنبيائه, ليتواصلوا به إلى جواره, وهو: قريبة المعنى من الدين, والفرق بينهما, على ما قيل: أن الملة تضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم, والدين إلى الله تعالى- وأما سائر الملل: فهو اسم ما شرعه الشيطان, والملل ست: واحدة في الإسلام, وخمس في الشرك, وقد أشار إلى جميعها بقوله تعالى {إن الذين آمنوا والذين هادوا} الآية فمن لم يعلم الملل فهو مشرك, ومن علمها, فلم يعلم حكم الله في أهلها, فهو كمن لا يعلمها, في أنه مشرك أيضا, ومعنى علم ملة الإسلام: العلم بأنها ملة الإسلام, وشريعته, وبأن أهلها مسلمون, ومعنى علم ما عداها العلم, بأنها ملل الشرك, وشرائعه, وبأن أهلها مشركون.
ومعنى علم حكم أهل الملل: العلم بأحكامها الجارية فيهم, ومعنى شرك بأهلها وجاهل حكم أهلها إتيانه بخصلة من خصال الشرك, وقد ابتدأ الله عز وجل بملة الإسلام, وقدمها إظهارا لشرفها والاهتمام بها, إذ هي رأس الأمر, وعماده, وعرفها بالموصول, والجملة الفعلية, قدحا لهم, بتحديد كل خير في كل زمان, وأتبعهم بالذين هادوا, لكونهم أهل كتاب, ترجع إليه أحكام سائر الأنبياء, حتى نسخ بالقرآن بعد نسخ بعضه بالإنجيل, وعرفهم بالأمرين ذما لهم بكثرة تلويهم, ونقضهم (2/129)
صفحة 426
لما عاهدوا عليه, ويتجدد لهم في كل زمان أمر, ولما ثبت الصائبون على واحدة, وكذا النصارى, عرفها بالألف واللام وقدم الصائبين, لكونهم أقدم, وفي بعض الآيات, تقديم النصارى لكونهم أهل الإنجيل.
والمجوس: قوم يعبدون الشمس والقمر, وينكحون ذوات المحارم, ويزعمون أنهم على شريعة آدم عليه السلام, {وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} 175 هم: عبدة الأوثان ولفرط قبحها أخرهم الله سبحانه وتعالى- ومن أحكام ملة الإسلام أخذ الصدقات من أغنيائهم- ووضعها في فقرائهم- والولاية والبراءة, وأن يدعي من ضل منهم إلى الهدى, وترك ما به ضل فإن بغى قاتله الإمام حتى يرجع إلى أمر الله, وحل سفك دمه, وحرم سبي ذريته وغنيمة أمواله, ويجاز عليه بأن يخرج, ويتبع أن أدبر إذا كان له مأوى يأوي إليه, والخلف في سلاح الباغي بعد انقضاء الحرب.
قال الشماخي: فالصحيح أنه يرد إليه, وبذلك حكم أصحاب عبد الله بن يحيى, وقيل: يدفن كما فعل أصحاب أبي بلال في الرجل الذي فتكوا به في داره, فدفنوا معه ماله وسلاحه, وقيل: يباع, ويتصدق بخمسه مع الفقراء الذين شهدوا, أو حضروا القتال, وقال بعض: أئمتنا لا بأس للمسلمين أن يستعينوا بخيل, إن وجدوها سارحة أو في رباطها إن كانت لعدوهم, أو قتلوا أهلها عليها, وكذا السلاح إن قتلوا أهله, أو من وجوده في منازلهم, وقال أيضا: أيما رجل دخل في الإسلام فوجد شيئا من خيل أو سلاح, وتشاوروا المسلمين في صدقاتهم, فإن اتفقوا على أن يؤثروه به على أهل الجهاد جاز لهم ذلك. (2/130)
صفحة 427
قال الشماخي: بعد حكاية, هذه الأقوال والأحسن ترك حكايتها وتحل الدماء بالابتداء بالظلم, وبإظهار النفاق, والإرجاف, وبالطعن, وبقتل النفس ظلما, وبالسعي في الفساد, وبتبديل أحكام الله, إلى غير ذلك من الوجوه المفصلة في كتب الفقه.
وأما أحكام الملل الباقية: فالحكم في أهل الكتاب منهم, أن يدعوهم الإمام إلى الإسلام, وهم: اليهود, والنصارى, بلا خوف, وحكم الصابئين عندنا كحكم أهل الكتاب, لأنهم يقرأون الزبور, ويعبدون الملائكة, ويصلون إلى القبلة, وعن ابن عباس رضي الله عنهما" أنهم قوم بين اليهود والنصارى, اختاروا مطايب التوراة, ومطايب الإنجيل فقالوا أصبنا" وقيل: بين اليهود والمجوس, وقيل: هم فرقتان فرقة تقرأ الزبور وتعبد الملائكة, وفرقة تعبد النجوم ولا تقرأ كتابا, فهذه على هذا ليست من أهل الكتاب, فإن جاءوا بالإسلام فلهم ما للمسلمين, وعليهم ما على المسلمين, وإلا فليدعوهم, إلى الجزية بالذل والصغار, والقهر, والهوان, فإن استكانوا لذلك ودفعوها, حرمت دماؤهم وأموالهم وسن ذراريهم, وهل للمسلمين أكل ذبائحهم, وقيل جميع طعامهم ونكاح الحرائر من نسائهم, وصفة الدعوى, أن يدعوا الرؤساء والأمراء من أهل القرى, وأهل البادية, وقيل: أن أهل البادية يدعوهم فرادى, إن علم لغتهم, وإلا فبترجمانين أمينين, وقيل: يجزئ واحد, فهذا حكم جميع أهل الكتاب عند عامة الفقهاء.
وسئل علي عن النصارى من بني تغلب, فقال" ليسوا على النصرانية ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر" وبه أخذ الشافعي, وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات, وإذا سئل قرأ {وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ (2/131)
صفحة 428
حَتَّى يُؤْمِنّ} 176وتأويل المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم بالذين كانوا منهم وأسلموا لقوله تعالى {مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} 177 الآية وقال: لا شرك أعظم من قولها عيسى ربها, ولا يجوز نكاح إمائهم, خلافا لأبي حنيفة, وإن أبوا الجزية, حلت دماؤهم وسبيهم وغنيمتهم, وحرمت ذبائحهم, ونكاح حرائرهم, ومقدار الجزية ما يرى الإمام.
قال الشماخي: وفي عقيدة نفوسة, والجزية على كل بالغ عاقل منهم عشرة دراهم, ولا يحل منهم غير الجزية, وليس على النساء, ولا على العبيد, ولا على المجانيين جزية, ويزيدون على النصارى درهمين, لعلف دواب المسلمين, وحميرا يصطلون بها في الشتاء, إذا باتوا عندهم في حيال الجباية, وقبل: في غيرها خمسة عشرة, وفي كتب المشارقة أربعة دراهم على الغني, ودرهمان على المتوسط ودرهم على الفقير, وليس على الشيخ, والراهب, والطفل والعبد شئ وذلك في كل شهر, وقيل: كتب به عمر رضي الله عنه, إلى سهل بن حنيف حين ولاه على الكوفة, واختلف في الفقير المفلس, فقيل: يعطى لأن غناه في لسانه, وقول أئمتنا من أهل المشرق أن لا شئ عليه, وقول الجزية منهم من أعظم النعم عليهم, وإنما سمى المأخوذ منهم جزية, لأنه يجزئ عنهم دماءوهم, وغنيمة أموالهم, وسبي صغارهم.
وحكم المجوس: كحكم أهل الكتاب, إلا في, الذبائح, والنكاح, لقوله عليه السلام" وسنوا بهم سنة أهل الكتاب", أي في الجزية فقط, وفي الكشاف وقد روى عن ابن المسيب إنه إذا كان المسلم مريضا فأمر مجوسيا أن يذكر اسم الله ويذبح فلا بأس, وقال أبو المؤثر إن أمره بذلك في الصحة فلا بأس, وقد أساء, والوثنية لا يقبل منهم غير الإسلام, فإن أبول منه قوتلوا بعد الدعوة إليه, ولا يقبل منهم صلح, ولا جزية, ويسبون, ويغنمون, وأما أهل مكة وهم قريش فلا يسبون, لحرمة النبي عليه السلام وقيل العرب كلها. (2/132)
صفحة 429
المقصد الثاني
جملة ما أنزل الله سبحانه من الكتب على أنبيائه: مائة كتاب وأربعة كتب, منها خمسون على شيث ابن آدم, وثلاثون على إدريس, وعشرة على إبراهيم, وعشرة على موسى قبل التوراة, والتوراة لموسى, والإنجيل على عيسى, والزبور على داود, والفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم, وكلها أنزلت مكتوبة في الألواح, إلا القرآن, أعلم أن الله تعالى لما هبط آدم إلى الأرض فتاب عليه, بعد أن لقنه كلمات دالة على نبوته لقوله {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} 178 عقب ذلك بقوله {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} 179 أي أبعث رسلا وأنزل كتبا بدليل قوله {وَالَّذِينَ كَفَرواْ} 180 إلى الخالدون, فعمل آدم بموجب ما أمر الله به, وانتهى عما نهى, وأمر ببنيه ونهاهم فلما احتضر جمعهم وأوصاهم بدوام الطاعة لله سبحانه, وصى عليهم ابنه شيث من بعده, فأنزل الله عليه الخمسين كتابا, وهو أول من تقلد بالسيف على ما قيل, ثم أطاعه أخوته غير قابيل, وكانوا يعملون بحكمها, ثم لما احتضر أوصى إلى ابنه أنوشي, فلما أحتضر أوصى إلى ابنه نينان, فأوص إلى ابنه مهليل فأوص إلى ابنه اخنخ, وهو إدريس المشهور بهرمس الهرامسة, وبالمثلث بالحكمة أي الملك, والرسالة والحكمة, والمراد من الرسائل في قول نوح {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي} 181 رسائل جده إدريس, ورسائل شيث, وكان نزول التوراة على موسى بعد غرق فرعون, وارتفع بنزولها ما وقع في الأمم قبلها من استئصال شافي من كذب نبيه, إلا ما وقع بالمعتدين في السبت وأصحاب المائدة, وأهل أنطاكية. (2/133)
صفحة 430
المقصد الثالث
المشهور أن جملة الأنبياء مائة ألف وعشرون ألفا, فالمرسلون منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر, وأهل الكافة منهم سبعة, آدم وهو أبو البشر, وأول الرسل إلى بنيه, ثم نوح ابن لامك بن متوشلح بن إدريس, أرسل إلى أهل الأرض كافة, بدليل الإغراق بعد التكذيب, ثم إبراهيم بن تارح بحاء مهملة بن مجور ابن اشرع بن فالغ بن عابر بن شاتح بن ارفخشد بن نوح, وقيل في مكان اشرع سالوغ, وقيل بين مولده والطوفان ألف وتسع وسبعون سنة, وبين الطوفان وموت آدم ألف سنة وكسر, وقيل ألف وسبعمائة وكسر, ثم موسى بن عمران بن يعهد بن قاهت بن لوي بن يعقوب, وقيل غير ذلك, ثم داود بن ايشامن ذرية يهوذ ابن يعقوب, ثم عيسى بن مريم, ثم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين, ودليل كل منهم من الكتاب ظاهر, وقد نظمهم على الترتيب في بيت وهو:
كليمه ... والخليل ... نوح ... وآدم
محمد ... والنبي ... عيسى ... وداود
والعرب منهم أربعة: أعني من نطقت ألسنتهم بلغة العرب, ممن ذكر في القرآن, وإن لم تكن نسبتهم عربية, وهم هود, واختلف في نسبه, فقيل بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح, وقيل بن الخويلد بن عاد بن سعيد بن عاد, وقيل: بن عبد الله بن الخويلد, وقيل: ابن عامر بن ارفخشد وهو عربي لسانا ونسبة لأن عادا عرب, ثم صالح بن عبيد بن جابر بن هود, وقيل: لبن كانوه بن عبيد بن ثمود بن (2/134)
صفحة 431
يعقوب, وثمود عربي وفي الكشاف ثمود بن عامر بن آدم, ثم شعيب عربي اللسان من ذرية مدين بن إبراهيم, وقيل: كان من أعمى وبه فسروا {إِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً} 182, ويرد ما ذكروه, من أن شرط الرسول أن يكون سالما من آفة العمى ونحوه, ويسمى خطيب الأنبياء بحسن مراجعة قومه, ثم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر, وأربعة بعثوا بالسيف, وهم: موسى بن عمران, ثم يوشع بن النون بن افراثيم بن يوسف بن يعقوب.
قال الشماخي: وفي القياس أن يكون ممن أرسل إلى الكافة, لأنه أمر بإحكام التوراة وخليفة موسى من بعده, ثم داود, وفي حكمه سليمان وهو ممن يكون مرسلا إلى الكافة في القياس أيضا, ثم نبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين, وأربعة منهم لم يموتوا إلى الآن, وهم عيسى بن مريم بنت عمران بن ساسان, من ولد سليمان من سبط يهوذا بن يعقوب, وإدريس في السماء, والخضر وهو أبو العباس بن عامر, وقيل: اسمه موسى وقيل في نسبه وهو: سليمان بن ملكان بن فالغ جد إبراهيم, وقيل: من ولد فارس, وقيل: من ولد إسماعيل, وقيل: عنه ذلك, وكان قيل على مقدمة ذي القرنين, الأكبر, الذي كان في زمان إبراهيم, وبلغ الخضر مع ذي القرنين, لهو نهر الحياة فشرب منه ولم يعلم به ذو القرنين, وهو المشار إليه بقوله تعالى {فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا} 183 الآية, وعيسى قيل: في السماء الثالثة, مكسوا بالريش كالملائكة عابدا لله فيها, وإدريس أيضا كذلك في السماء الرابعة, وقيل: في السادسة, وقيل: في السابعة, وقيل في الجنة متخلقا بأخلاق الملائكة في العرو من الشهوة والبول والغائط, والرافع لعيسى السحاب, ولإدريس ملك موكل بالشمس, ولم ينزل منها إلى الآن, وعيسى قيل (2/135)
صفحة 432
نزل منها ورجع إليها, والله أعلم, وإلباس بن ياسين بن الغران بن هارون بن عمران, قيل: لما كذبه قومه, واعتكفوا على بعل أي صنم, وآمن به اليسع, دعي الله أن يرفعه إليه ويؤخر عنه ملاقاة الموت, فخرج مع اليسع فوجد فرسا من نور, فأمر بركوبه فكساه الله الريش, وألبسه النور, وقطع عنه لذة المطعم والمشرب, ويلتقي مع الخضر من بالموسم, قيل: كل عام وهما في الأرض.
ومن له أسماء أربعة أيضا يعقوب سمى به لتعقبه بعد أخيه العيص في بطن أمه, وإسرائيل ومعناه صفي الله, وعيسى وهو المسيح, ويونس وهو ذو النون, ومحمد وهو أحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين, وقيل: بزيادة إدريس وهو اخنوج, وذي الكفل, وهو إلياس, ثلاثة منهم سريانيون, وشيث, وإدريس, لما نقله أبو ذر عن الرسول عليه السلام, والأجداد منهم ثلاثة, آدم لأنه أبو البشر, ونوح لأنه لم يبق نسل بعد الطوفان الإله, وإبراهيم لأن الله تعالى سماه أبا لأنه أبو العدنانيين من قريش, وغيرهم وهو أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أبا لانه, لأن أمة الرسول في حكم أولاده, وأولو العزم, وهو القوة والصبر, خمسة جميعها بعضهم في بيت وهو:
أولو العزم نوح والخليل كلاهما *ِش* وموسى وعيسى والنبي محمد
وأحزم الحزمة: من جمع عزما, وحزما, والحزم: النهي, وجودة الرأي وفي المثل, احزم من فرخ عقاب, واحزم من الحرباء لأن, فرخ العقاب يعرف من صغره وقت تجربته, أن الصواب له قلة الحركة, إذا جاءه أبوه بطعامه, لأن وكره في أعلى الجبل, فلو تحرك سقط ومات والحر بالا تخلى ساق شجرة حتى تمسك بأخرى. (2/136)
صفحة 433
المقصد الرابع
في معنى السنة
أعلم أن السنة: لغة: الطريقة, والعادة, واصطلاحها: قسمان, أما في العبادات فما ليس بفرض من المندوب إليه, وأما في الدليل: وهو المقصود هنا, فهو ما صدر عن الرسول عليه السلام, من غير القرآن, من قول, أو فعل, أو تقرير, وتحقيق, ذلك أن يقال: الفعل إما أن يكون مجردا من القول الموافق له, أو مقارنا له, أو مقارنا له على وجه الأمر, أما الفعل المجرد, إما أن يكون جليا, كالأكل, واللباس, والقيام, والمستحب: التأسي به, لأنه مباح, وإما أن يكون خاصا وقد ذكرناه في النيل, فالمستحب التأسي به أيضا في غير ما حرم علينا منه, لأنه مندوب إليه, وأما أن يكون بيانا للنص من وجوب, كأفعاله في الصلاة والحج بقوله" صلوا كما رأيتموني أصلي", بعد قوله تعالى {فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} 184 إذ اليد في اللغة عامة إلى المنكب, واغتساله لمغيب الحشفة فيما أخبرت عائشة لقوله:" إذا التقى الختانان وجب الغسل" أو ندب كصلاة ركعتي الفجر, والركعتين بعد المغرب, لقوله {فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} 185 أو إباحة, كانتشاره بعد الجمعة, وهو كثير, وإما أن يكون غير بيان للنص, وهو معلوم الجهة والصفة من الوجوب, كالختان لأنه لو لم يجب لكان ممتنعا, كما امتنع قطع بعض الأعضاء غير الختان, والحد والصلاة بالآذان أو الندب, كقصد مجرد القربة, أو الإباحة كسائر أفعال الإباحة إذا فعلها, فأمته مثله فيه مطلقا. (2/137)
صفحة 434
وقيل في العبادات فيه خاصة، وقيل: هو بمنزلة ما لم تعل م له جهة، وأما يكون غير بيان بالنص وله معلوم الجهة، فيحمل بالنسبة إلى الأمة عندنا على الندب، وقيل: على الوجوب لقوله تعالى {و َما آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} 186 الآية وما فعله فقد أتى به وقوله {فَاتَّبِعُوهُ} 187وقوله {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ} 188والأمر الموجوب، ولقوله تعالى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} 189، لقولة عائشة: "اغتسلنا تعني نفسها والنبي" حين سئلت عن مغيب الحشفة فأوجبوا الغسل أيضا، وخلع نعله للصلاة فخلعوا فاق4رهم، وأجيب بأن ما أتاكم: معنى ما أمركم والإتباع أن تفعل مثل فعله على الوجه الذي فعله، وكذا التاسى به والمتابعة بمثل ما أمر به، أو نهى عنه وقول عائشة: بيان لقوله "إذا التقى الختانان وجب الغسل"، وخلع نعله بيان" لصلوا كما رأيتموني أصلي" وقيل: للإباحة، وقيل: للوقوف، وقيل: إن فهم قرينه، فندب، وإلا فإباحة قال الشماخي: وهذا قول حسن، ولا يعبد أن يحمل عليه قول أصحابنا، والتقرير كأن يفعل فعلا بمحضر علمه به، ولم ينكر إنكارا واضحا كمرور كافر إلى الكنيسة، وكأن قادرا على الإنكار، فإذا كان ذلك دل على الجواز من فاعله ومن غيره، لأن حكمه على الواحد كحكمه على الجماعة وأن تقدم التحريم فهذا نسخ له.
تنبيه: الفعلان لا يتعارضان، إلا أن دلت قرينته على تكرار الأول، فيكون الثاني حينئذ ناسخا له، وأن عارض القول نحو، "من أصبح جنبا أصبح مفطرا"، فالفعل خاص به بأنه أصبح جنبا من جنابة غير احتلام، والقول متوجها إلينا وأن قامت قرينة على التأسي ودلت على تكرار الفعل، فالمتأخر ناسخ، فمثال الفعل الناسخ بالقول، نهيه عن (2/138)
صفحة 435
السرب قائما، وورد عنه أنه شرب من زمزم قائما، وإن جهل التاريخ، ولم يكن الجمع نفي حق الأمة ثالثها المختار العمل بالقول، لأن دلالته أقوى، لأنه وضع لذلك ولأنه يعم الموجود، والمعدوم، والمعقول، والمحسوس، ولأنه متفق عليها، وذلك كقوله" لا تستقبلوا القبلة أو تستدبروها ببول أو غائط" مع حديث ابن عمر، أن وجده صلى الله عليه وسلم بين لبنتين مستدبرا القبلة مستقبلا لبيت المقدس، وهذه الباحث محلها أصل الفقه. (2/139)
صفحة 436
المقصد الخامس
أعلم أن الكفر في عرف الشرع يطلق عندنا تارة على الشرك، وتارة على النفاق، وهو ضد الإيمان،
والكفران: جحود النعم، والأول: نحو {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُم} 190 الآية وهو في القرآن، والثاني: وهو عدم شكر النعم، نحو {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَر} 191 الآية {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ} 192 الآية {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ} 193 , {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ} 194، ودلائله من الكتاب والسنة كثيرة، لا أن بعضها تحتمل الرجوع إلى الأول، وللأمة في الكفر خلاف وتشعب، والشرك يكون بجحود، كاعتقاد أهل الدهر، والثنوية كما مر، ويكون تسوية كشرك من عداهم، والأصل فيه اعتقاد التساوي بين الله وخلقه في صفة كالنصارى كما مر، أو فعل كإنكار الإرسال أو ذات كالمجسمة.
فإن قلت لأي علة جعلت بعض الكفر شركا وبعضه غير الشرك؟
فالجواب أن تذكر علة الأخص، فتقول: بعض المساوات ولو النفاق، لقوله تعالى {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ} 195 الآية، وقيل أصله النفاق، لقوله تعالى {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ} الآية، وقيل أصله الخيانة، وقد جمعها صلى الله عليه وسلم في قوله إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف، ونفاق الخيانة، هو: تضييع الفرض وارتكاب الكبيرة بشهوة، ومعنى نفاق التحليل والتحريم، ما يقوله أهل الخلاف من غير الحق، وما ارتكبوه بتأويل وديانة، فحاصلة: إن النفاق قسمان، نفاق خيانة، ونفاق تحليل وتحريم. (2/140)
صفحة 437
تنبيه: يجب في العلة أن تكون غير زائدة على حد المعلول، ولا ناقصة عنه، فإذا كانت زائدة عليه وضمنت المعلول وغيره، كان الجواب بالإثبات، وكان فاسدا، بمعنى أن يكون المجيب حينئذ مثبتا لكل فرد من أفراد الأعم، معنى الأخص، وحاملا للأخص على الأعم، كقوله: إنما صار الشرك شركا لأنه كفر، فيعلل الأخص بالأعم، فيكون مثبتا أن كل كفر شرك وإذا كانت ناقصة عن حد المعلول قاصرة عنه، كان الجواب: بالإبطال، وكان فاسدا أيضا بمعنى أن يكون المجيب حينئذ مبطلا عن غير الأخص، أن يكون محمولا عليه الأعم، كقوله:" إنما حصار الكفر كفرا لأنه شرك"، فيعلل الأعم بالأخص، فيكون مبطلا عن غير الشرك من العاصي، أن يكون كفرا_ وإنما الصواب في التعليل: أن يقال: إنما صار الشرك شركا لعلة الجحود والمساواة، وصار الكفر كفرا: لعلة الإفساد الشامل لما ذكر، وللخيانة، والخلف، وكذا الجواب في الكفر، والمعصية، صوابا، وخطأ، لان كل كفر معصية من غير عكس، كما إن كل شرك كفر من غير عكس، فيعلل الكفر بما مر، والمعصية، بالنهى.
وكذا يقال: في التوحيد والإيمان، فإذا قال: إنما صار التوحيد توحيدا لأنه لما كان مثبتا لكل فرد من أفراد الأمم، وهو: الإيمان معنى الأخص، وهو التوحيد، حاملا له عليه، فيكون مثبتا أن كل إيمان توحيد، ولو عكس. وقال: إنما صار الإيمان إيمانا، لأنه توحيد لكان مبطلا من غير عكس، من سائر الطاعات، أن يكون أيمانا_ فالصواب أن يقال: إنما صار التوحيد توحيدا لعلة الإفراد، وصار الإيمان إيمانا لعلة الأمر (2/141)
صفحة 438
وكذا الجواب في التوحيد، والطاعة، وهذا حكم باب العموم، والخصوص، وأما باب التضاد: مثل التوحيد والشرك، فيعلل كل منهما بصفته الخاصة به، كالإفراد، والمساواة، كما أن الفرق بين الطاعة والمعصية، هو: الأمر، والنهى، وبين الاستطاعة والزمانة، هو: وجود الفعل وعدمه، وبين القديم والمحدث هو: سلب الحدوث، وسلب القدم، أو يقال فيهما هو سلب العدم السابق: والوجود بعد العدم، وكذا ما هو من الباب، وأما باب الاختلاف فانه يعلل كل من المختلفين بعلته الخاصة به، مثل التوحيد والكفر، فيقول: الفرق بينهما الثواب والعقاب، ويقول: الفرق بين التوحيد والمعصية، هو الأمر والنهى، لما أن التوحيد مفارق المعصية من جهة ما كان طاعة، كما أنه مخالف للكفر من جهة ما كان إيمانا، وكذا الفرق بين الشرك والإيمان، هو: وجوب الثواب، والعقاب، وبين النفاق والطاعة، هو: الأمر والنهى وكذا ما هو بمعنى ذلك، فيجب على المتكلم أن يحسن التعليل، والفرق في الأبواب، وإلا كان خاطبا وغرضنا الاختصار. (2/142)
صفحة 439
المقصد السادس
في إطلاق الإيمان على التوحيد والعمل
الإيمان لغة: التصديق، وشرعا: وجهان: توحيد كمعرفة الله، ومعرفة الرسول، ومعرفة ما جاء به، وغير ذلك ما جاء به، وغير ذلك مما لا يسع جهله، وغير توحيد وهو: جميع ما أمر الله به، ولو أماطه الأذى من الطريق، وإذا حصلت الطاعة حصل وجوب الثواب ولإيمان، وإذا حصل الكفر حصل الكبير، ووجوب العقاب، فهذه الأسماء الثلاثة متلازمة.
فالتوحيد: قول، فلا يسع جهل التوحيد ولا تركه، ولا جهل الشرك ولا فعله، وحاصل ذلك أن التوحيد: معرفة الله، ومعرفة الرسول، ومعرفة ما جاء به، أنه حق، والشرك: جهل ذلك وهو مصدر وحدة الله، أي وصفته بالوحدانية، والموحد بالفتح، هو الله الذي وحد نفسه ووحده المؤمنون، وهو من أفعال القلب واللسان بنية وتسامح صاحب العقيدة، في قوله: وهو قول وعمل، فإن قلت
كيف يكون التوحيد عملا، والمعرفة: إنما هي بالقلب والإقرار: بيان له_ قلت: لا خلاف أن التوحيد في الحقيقة لا يكون عملا بالجوارح، وإنما أطلقه على العمل تبعا لغيرة، لما كان في العمل من التقرب، توحيد_ كما أطلق الشرك على عبادة غير الله، لما فيه من التقرب إليه، ومرجعه في الحقيقة إلى القلب، وأيضا أنما يدل على توحيد الأخرس، بأفعاله، وكذا غيره ممن: يجهل توحيده، وعلى المكلف لأن يصف الله سبحانه بجميع كمالاته، ويخلص له العبادات، ولا تغنيه المعرفة عن ذلك، {فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً} 196 الآية فلا يسع جهل الشرك، لان جاهلة لم يعلم التوحيد، ومن لم يعلم فهو مشرك، فجاهل الشرك مشرك وفاعله أن يعبد غير الله، أو يتقرب إلى بمعصيته، أو بلسانه فقط. (2/143)
صفحة 440
المقصد السابع
في معنى الإلزام
الإلزام: وهو: التكليف، أما مضيق: وهو: ما وقته غير زائد على الفعل، كالتوحيد وآخر أوقات الفرائض، ورمضان، كما مر، وأما موسع: وهو ما وقته زائد على الفعل، كتفسير التوحيد، وأول أوقات الفرائض ومن قال: أن الإلزام قد يكون قبل الوقت فمن الموسع عنده، لأنه لم يجيء وقته، وأعلم،، أن وقت الموسع عندنا كله وقت للأداء، ففي أي جزء أوقعه المكلف فيه، فقد أوقعه في وقته، وقيل: يجب في كل جزء العمل أو العزم، وهو: مذهب الشافعي، وقيل: آخره، فإن قدم، فهو: نفل سقط به الغرض، وهو مذهب الحنيفية، وقيل: أوله، فإن أخر فهو: قضاء.
هو: طلب الفعل ممن دونك، فينقسم إلى الوجوب، أن طلب بحث، ومنع تركه كالأمر بالتوحيد، والفرائض، وكل ما كان الأمر به توحيد، فالنهي عنه شرك_، وإلى الندب أن طلب ولم يمنع_ وإلى التحدي وأن قصد به التعجيز، وإلى الوعيد، أن قصد به السخط بالمأمورية_ وإلى التهديد، وغلى الماء، وإلى الالتماس لمن يساويك_ وإلى الإباحة وإلى الإطلاق بعد الخطر، وإلى الأذن، وإلى الإرشاد، وإلى التأديب، وإلى الامتنان وإلى الإكرام، وإلى الإهانة والتسخير وإلى التهكم، وإلى التكوين، وإلى التسوية وغلى التمني، وإلى الاختصار، وإلى الخير، وإلى الأنعام، و
إلى التعجب، وإلى التكذيب، وإلى التعجيز، وإلى التفويض واردة الامتثال، وإلى الإنذار، وإلى المشاورة، وإلى الاعتبار، كذا قرره، ولا يخفى أن بعضها داخل في (2/144)
صفحة 441
بعض ومحلها أصول الفقه_ وأعلم أن الأمر من الله، والإلزام والتكليف: عبارة عن فعل الله سبحانه، ويطلق عندنا على الإيجاب والخطاب.
تنبيهات: الأول: الأمر الإلزام، وغير الإلزام، والإلزام أما توحيد أو فرض، والفرض: أما فرض عين، أو تخيير، أو كفاية، وغير الإلزام توحيد، وغير توحيد_ فالتوحيد: كالتقرب بالنوافل، وغير التوحيد: كالندب والمباح الثاني.
قال أصحابنا: الأمر مع الفعل، قال البدر الشماخي: وهو مشكل، والأحسن: أن يعبر عن ذلك، بأن تعلق الأمر مع إمكان الفعل لإحالة ملابسه الفعل، فيتحدد وجود الأمر والفعل لانتقاء فائدة التكليف، وهو الابتداء، فإذا لا يتصور إلا مع التردد بين الفعل والترك، فلا بد إذا أن يتقدم عليه خلافا_ للأشعري في الإتحاد، وإن التقدم إعلام، لا أمر، وأقل أوقات التقدم، وقت السماع والفهم، وأعلى به الخطاب، وليس هذا محل بسطه.
الثالث: الأمر: أن تجرد من القرائن فهو للوجوب عندنا مطلقا، وقيل: شرعا، وقيل: لغة، وقيل: عقلا، وقيل: للندب، وقيل: المشترك بينهما، وهو الطلب وقيل: مشترك بينهما، أي حقيقة في كل منهما، وقيل: الوقف، أي لا تدري لأيهما وضع، وقيل: للأذن، وهو القدر المشترك بينهما، والإباحة، وقيل: مشترك بينهما، والتهديد وقيل: لإدارة الامتثال، وقيل: مشترك بين الأربعة، والإرشاد، وقيل: للأحكام الخمسة، وقيل: أمر الله للوجوب وأمر الرسول للندب، وأعلم: أن الأمر قيل: وقته لإرادة الامتثال، وأن المندوب مأمور به، وليس (2/145)
صفحة 442
بتكليف على الأصح فيهما، لأن التكليف إلزام ما فيه كلفة، أي مشقة والمباح: حكمه شرعي، وفي كونه مأمورا به خلاف.
الرابع: اتفق الموحدون، على أن الله موال ومعاد لم يزل، وأنه لم يزل عالما بما كان وبما يكون وبأسماء أهل الجنة وعشائرهم وقبائلهم وعددهم، وأنه والى المسلمين، بمعنى أنه فقهم لدينه ووالوه، بمعنى أنهم امتثلوا أوامره واجتنبوا نواهيه، وعادى الكافرين وعادوا على الضد من ذلك، ولا يقال وإلى الله نفسه، ولا لم يواليها لعدم ورود الشرع بذلك: (2/146)
صفحة 443
المقصد الثامن
تقدم، أنه يجب علينا أن نعلم: أن لله جملة الملائكة وهي الأجسام النورانية اللطيفة القادرة على التشكل بالأشكال الحسنة المختلفة. وعلى الأفعال الشاقة، ونقصد إلى جبريل منهم، وهو عبد الله سبحانه. أنه الملك النازل بالوحي على الأنبياء، ونتولاه ونعلم أنه رسول رب العالمين، إل الرسل عليهم السلام، ومن جهل كونه من الملائكة أشرك، وقيل: لا إذ لا دليل عليه من الكتاب ولا السنة، وأن نعلم أن جملتهم غير جملة الأنس، وغير جملة الجن، وأن كل واحدة غير الأخرى، ومن جهل ذلك أشرك ومن وصفهم بالذوات، قيل: أشرك، لأنه وصفهم بالشهوة والخطأ في صفة الملائكة شرك وفي صفة الله تعالى نفاق، وفي الحديث أن الملائكة تتأذى بالروائح الكريهة، وكذا من وصفهم بالأكل والشرب، ونقل عن المارودي، أن الملائكة تأكل من شجرة الخلد، ومن وصفهم بالتناسل وبالأنثوية أشرك سماعا، لأنه راد على الله سبحانه ولا يوصفون بلحم، ولا بدم، ولا ببول، ولا بغائط، ولا بنوم، ولا بذكورية، ولا يتفاوت موتهم، ومن قال: لا يفنون، أشرك، وقيل: خلقتهم متفاوتة، ويوصفون بالأيدي والأرجل والعوائق، والأجنحة، والأفواه والأذان، وبأنهم ملزمون، مكتسبون، مأمورون، مكلفون عقلا، ويدل على أنهم مكلفون، خوفهم، وإشفاقهم، ورغبتهم، ومعنى قول الإمام عمروس بن فتح: أن_ الملائكة تكتسب، وليس عليها تكليف، المعنى اللغوي: وهو المشقة، لا الاصطلاحي ففي الحقيقة ما خالف، ومن قال: يعصون الله تعالى أشرك، وفيمن وصفهم بالاجتهاد، خلاف.
ويجب علينا ولاية جملتهم بالترحم، لأن الرحمة وسعت كل شيء. دنو الاستغفار لأنهم ليسوا بمذنبين، ويوصفون بأنهم لا يفترون عنة (2/147)
صفحة 444
العبادة، وأنهم يصلون ويصومون ويحجون، ويسبحون، ويستغفرون، ويهللون، ويكبرون، إلى غير ذلك من العبادات وأنواع الطاعات، وعلمهم الإلهام عليهم، وليس عليهم من شرائع بني آدم، وعليهم ما كلفوا من ما كلفوا به من الولاية، والبراءة، والتوحيد، والكف عن الذنوب، لأنهم طبعوا طبع من لا يعصى، والاستغفار للمؤمنين، ولا يقال: فيهم طبعوا على الطاعة، لاستلزامه الجد وسقوط الثواب، وفي تسميتهم بالأنبياء، خلاف.
وهل يقال: بلغ أو رجال، قيل: ذلك ثقيل، ونحب لهم ما يوافق طبائعهم.
قال الشماخي: والأصح أنهم أفضل من بني آدم، وفي المسالة خلاف مشهور، وقيل: أن الذي يوافق طبائعهم هو: وصول الهدايا إلى المسلمين، والعقاب للكافرين، وقيل من دعا الملائكة بالجنة أو قال: ثوابهم الجنة، أو استغفر لهم من العصيان، فقد كفر، وقال أبو عمرو: في قوله تعالى {وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ} 197 قيل هم الملائكة، وقيل: قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، هذا القول خطأ، وخاف، لأن من مات على الكبيرة فالوعيد له لازم، لأن سيد الأعمال خاتمته، وأعماله كلها محبة له، قال الشماخي: هذه غفلة من أبي عمر: لأن من مات على التوبة استحق الجنة، وليس لهم منزلة السابقين، فيحبسون لقصور أعمالهم، إلى أن يأذن الله لهم، قلت: حاصلة: أنه يحتمل أن يكون هؤلاء ماتوا على التوبة، والحال: أنهم لا أعمال لهم حتى يدخلوا الجنة، فيحبسون على الأعراف، إلى الأذن بدخولها، بسبب توبتهم.
قال صاحب الحواشي: وفي قوله غفلة تنكيت على أبي عمر، بأنه لم من مات على التوبة من أصحاب السيئات، فجعل الشماخي هذا هو قول المراد، بمن استوت حسناتهم وسيئاتهم، لكن قد يقال: لا غفلة، (2/148)
صفحة 445
ولا يصبح الاستواء، لأن صاحب الكبيرة حبطت حسناته، وصاحب التوبة محيت سيئاته، فأين الاستواء، فالقول به خطأ كما قال أبو عمر.
وروي عن الحسن: لما قيل له قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، أنه ضرب على فخذه وقال لهم: قوم جعلهم الله على عرف أهل الجنة، وأهل النار، يميزون البعض، من البعض، والله لا أدري، لعل بعضهم الآن معنا، قال الشماخي: ومما يقوى هذا القول، أن الله تعالى ذكر أصحاب الجنة ومقالتهم، وأصحاب النار ومقالتهم، ومناظراتهم، وما جرى بينهم، فوسط بين المقالتين ذكر قوم توسط حالهم بين حاليهما، في المكان، والنزلة، أما المكان: فقوله: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ} 198وأما المنزلة: والمقام، فالخوف والرجاء في قوله {وَهُمْ يَطْمَعُونَ} 199 {لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} 200، إن الجزاء على قدر العمل، وكذا التقدم والتأخر على حسبه أيضا، وقيل: قوم فيهم عجب، وفيه نظر، فإنه من أعظم الذنوب، وقيل: قوم عليهم ديون من غير إسراف،
قال الشماخي: هذا أحسن، لأنه من القرائن، وفيه خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال ابن محبوب: يقر بما عليه وليس شيء، ويعني المدين بغير مسرف، إذا لم يجد الوفاء.
قال الشماخي: والله أعلم بصحة ذلك عنه، وقيل: قوم خرجوا إلى الجهاد بغير أذن أبائهم، وحسنة أيضا، وقيل أنهم ذراري المشركين، والمنافقين الصبيان، وقيل: هم الأشراف من الملائكة، والأنبياء، والشهداء، وفيه نظر أيضا، وفيه اثنا عشر قولا.
وقال القرطبي: واختلف العلماء في تعيين أهل الأعراف على اثني عشر قولا.
الأول: أنهم من تساوت حسناتهم وسيئاتهم، قاله: ابن مسعود، وكعب، وابن عباس. (2/149)
صفحة 446
الثاني: أنهم قوم صالحون فقهاء علماء، قاله: مجاهد.
الثالث: هم شهداء، قاله المهدوي.
الرابع: هم فضلاء المؤمنين والشهداء، وفزعوا من شغل أنفسهم، وتفرغوا لمطالعة أحوال الناس، من ذكره القشيري.
الخامس: المستشهدون في سبيل الله، الذين خرجوا عصاه لوالديهم، قاله شرحبيل بن سعيد.
السادس: هم العباس، وعلى ابن أبي طالب، وجعفر ذو الجناحين، ذكره الثعلبي عن ابن عباس.
السابع: يشهدون يوم القيامة على الناس بأعمالهم، ذكره الزهراوي، واختاره الناس.
الثامن: هم قوم أحياء، قاله: الزجاج.
التاسع: هم قوم كانت لهم صغائر، حكاه ابن عطية.
العاشر: هم أصحاب الذنوب العظام من أهل القبلة، ذكره ابن وهب، عن ابن عباس.
الحادي عشر: هم أولاد الزنا، روي ذلك عن ابن عباس.
الثاني عشر: أنهم الملائكة المكلفون بهذا السور، يميزون المؤمنين من الكافرين، قبل إدخالهم الجنة، وإنما نقلتها برمتها مع ما فيه من التكرار لبعض ما تقدم، لاشتمال غالبها على النسبة، والقائلين بها، المضروب بين الجنة والنار، وهو أعالية جمع عرف استعير من عرف الفرس، وعرف الديك، والله أعلم. (2/150)
صفحة 447
المقصد التاسع
اعلم أنه يجب علينا أن نعلم، أن جملة المسلمين من بني آدم غير الأنبياء والرسل، وجاهل ذلك مشرك، وولايتهم توحيد، والأمر بها والتقرب والاستحلال توحيد، والإنكار لها والتحريم والجهل والتخطئة شرك، وأن نعلم أن الأنبياء كلهم من نسل آدم، وأما الرسل فلا يجب علينا، وإلا لوجب علينا تكفير المخالف في أنه قد يكون من غير بني آدم.
واختلف في الجن هل يبعث إليهم رسول؟ أم لا؟ فتعلق القائلون به بظاهر قوله تعالى {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} 201 والخطاب للجن والإنس، ولا فرق بينهم مكلفون، ولأنهم يرسل منهم أنس، وبه ألف، والجمهور على أن الرسل من الأنس خاصة، وإنما قال {رُسُلٌ مِّنكُمْ} 202 لأنه لما جمع بين الثقلين في الخطاب صح ذلك، كقوله: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} 203 قال الشماخي: والأحسن أن المراد أنه أرسل الرسل من الجن إليهم، لقوله تعالى {وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} 204 ونقل عن الكعبى: أن الرسل، قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم، يبعثون إلى الإنس ورسوله الله إلى الإنس والجن.
قال أبو عمر عن بعض الكتب عن النظام، ما من رسول إلا وقد بعث إلى الناس كافة، وليس علينا أن نعلم أن شرائعهم متفقة أو مختلفة، قال تعلي: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} 205 وقال علية السلام "نحن معاشر الأنبياء أخوة لعلات أبونا واحد وأمهاتنا شتى" أي أبوهم دين الإسلام، وأمهاتهم شرائعهم، وعلينا كما مر، أن نعلم أن آدم رسول الله إلى أولاده، وجاهل آدم مشرك، ومن قال: لا تجب على (2/151)
صفحة 448
لأبي ذر، حين سأله عن أول الأنبياء، قال"آدم" قلت: طيا رسول لأبي ذكر، حين سأله عن أول الأنبياء، وقال:"نعم" وبعضهم قال: ليس علينا من معرفة اسمه، ولا نبوته، ولا رسالته شيء، إذ ليس في القرآن، ولا في السنة نص، ولا أثر في إيجابه، حكاه الجيطالي عن أبي يعقوب.
ومن قال: لا أعرف محمدا، فقد أشرك، ومن قال: ليس على من معرفته شيء، فقد نافق،، وهو قول: ابن الحسين وشيخه، وهو عيسى بن عمير، وروي في الحديث أن أبا البشر، إنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض كلها فخرج ذريته، بين أبيض، وأسود، وأحمر، وأسمر، وأشهب وصلب، وطيب، وخبيث، وخلقت حواء، من ضلعه القصير اليسرى، وقيل: اليمنى ليسكن إليها، لأنه إذا كانت منه، كالبضعة من جسده، كان أبلغ في المحبة والسكون، وهذا باق بين الرجال والنساء، وفي الحديث" أن المرأة خلقت من ضلع عوجاء، فإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها". (2/152)
صفحة 449
المقصد العاشر
في من يستحب معرفته من الملائكة
يستحب لنا أن نعلم: من الملائكة أحدى وعشرين ملكا، منهم أربعة يختلفون على ابن آدم، بين الليل، والنهار، وهم: الحفظة، واثنان مزكيان لعمله، وثمانية حملة العرش، ورضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار، وجبريل وميكائيل، وإسرائيل، وعزرائيل، واللوح المحفوظ، وملك الإلهام.
قال الشماخي: أعلم أنهم اختلفوا في عدد الحفظة، فقيل: اثنان، قوله تعالى {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} 206 والمشهور: أنهم أربعة بين الليل والنهار كما مر، وقيل: ستة بالليل، وستة بالنهار، وقيل: لا حصر في ذلك، بل تكثر وتقل لقوله عليه السلام" رأيت بضعا وثلاثين ملكا يبتدرون أيهم يكتبها"، أو لا يعني في قول الإعرابي خلفه في الصلاة، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وذلك مشهور نقل عن الغزالي أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، " أن لكل مسلم مائة وستين ملكا يحفظونه من الشيطان، ويكتبون ما عليه يؤجر ويوزر"، قال مجاهد: يكتبون كل شئ، وبعد موتهم يقفون على قبورهم، يكبرون الله ويهللونه إلى يوم القيامة، وثواب ذلك للمؤمنين الصالحين، أو يلعنوهم، كذلك إن كانوا طالحين، قال تعالى {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} 207 {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ} 208 الآية، أي جماعة من الملائكة، تعقب في حفظه وكفاءته، والأصل متعقبات، أي يعقب بعضهم بعضا، أو يعقبون ما يتكلم به، يكتبونه ويحفظونه، من أجل أن الله أمرهم بحفظه، وقرئ بأمر الله، أو يحفظونه من بأس الله، ونقمه، وقيل: يجتنبون (2/153)
صفحة 450
الآدمي عند غائطه، وجماعه، وقيل: اثنان يحفظانه، واثنان يكتبان عمله، وأربعة يتخلفون بين الليل والنهار، يشهدون عليه.
وأختلف في اللوح المحفوظ، فقيل جبهة ملك، وقيل لوح من درة بيضاء طوله مسيرة خمسمائة عام، وعرضه كذلك، فيما به يزيد بن مسلم، إلى جابر، ما أول ما خلق الله؟ فأجابه بالقلم، والعرش، والماء قال الشماخى: ولا أدرى أيهما تقدم.
تنبيهات: الأول: اختلف العلماء في الأفضل من السماء والأرض، فقال بعضهم: الأرض أفضل لأنها مسكن الأنبياء عليهم السلام ومدفنهم، ولوقوع الصلاة والحج ونحوهما فيها، مالا في السماء، وقيل: السماء أفضل، لأنها لم تقع فيها معصية أصلا، ولأنها مسكن الملائكة عليهم ومحل الشمس، والقمر، والكواكب، ونزول الوحي، وغير ذلك.
قال الثلاثي: ومحل الخلاف، في غير قبور الأنبياء، لأنها أفضل منها باتفاق، خصوصا قبر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه أفضل مما ذكر، ومن العرش والكعبة وسائر بقاع الدنيا العاوية والسفلية.
الثاني: قال الثلاثي: لعل المراد من تركية الأعمال مدحها عند الله، عند عرضها عليه، الثابت بقوله صلى الله عليه وسلم" تعرض أعمال العباد على الله عز وجل كل يوم اثنين ويوم خميس". (2/154)
صفحة 451
الثالث: قال أيضا: المراد بجمله العرش: وهو الجسم النوراني العلوي المحيط بجميع الأجسام، أنهم في الدنيا أربعة، وفي الآخرة ثمانية، لقوله تعالى {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} 209، أي فوق رؤوسهم يوم القيامة، ثمانية ملائكة، تلك الأربعة الحاملة له في الدنيا، وأربعة أخرى تعينها من شدة طول ذلك اليوم، وبين أكتافها وركبها مسيرة خمسمائة عام، وبين شحمة أذنها وعوائقها مسيرة سبعمائة عام، وبين أكعابها وأسفل أقدامها مسيرة خمسمائة عام، ولما خلقهم الله تعالى قال لهم: احملوا عرشي فلم يقدروا على عمله، فخلق أكل واحد منهم أعواننا مثل جنود السموات السبع والأرض السبع، وما في الأرض من الحمى والثرى، وقال لهم:"احملوا عرشي" فلم يقدروا، فقال لهم" فقولوا لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم"، فقالوا فحملوه، ونفذت إقدامهم في الأرض السابعة على متن الريح، ولم تستقر فكتب في كل منها اسما من أسماء الله تعالى فاستقرت.
وقيل: الحامل له ثمانية آلاف ملك، وقيل ثمانية، صفوف من الملائكة، والمراد بجبريل، أي عبد الله النازل على الأنبياء والرسل بالوحي كما مرر، وبميكائل أي عبد الله الموكل بالنفخ في الصور.
ويقال: أن الله تعالى يظهر القضية التي قضاها في الأزل ليلة النصف من شعبان، ويأمر السفرة الكرام بنسخها من اللوح المحفوظ، في صحائف، وأعطى منها صحيفة الأرزاق المكتوبة فيها كل واحد، من الخلق، في تلك من تلك الليلة، إلى مثلها من العام القابل، لميكائيل وصحيفة الحروب، والزلازل، والخسوف، المكتوب فيها جميع ما يقع من تلك المذكورات، في تلك السنة، من تلك الليلة إلى مثلها من (2/155)
صفحة 452
العام المقبل، لجبرائيل، وصحيفة الإعمال المكتوب فيها جميع ما يقع من العباد من الإعمال، في تلك السنة من تلك الليلة، إلى مثلها من العام القابل لاسرافيل، صاحب السماء الدنيا، وصحيفة المصائب: والموت،/ المكتوب فيها جميع ما يقع منها في تلك السنة، من الليلة إلى مثلها من العام القابل، لعزرائيل أي عبد الجبار، قلت: الذي رأيته في غير واحد من كتب أسرار الحروف، أن الموكل بالحروف، والخسوف والزلازل، والصواعق، إنما اسرافيل عليه السلام.
الرابع: المراد باللوح المحفوظ، أي المصون في علم ما أبرزه الله تعالى لخلقه، من نحو الأمر والنهى والوعد، والوعيد، والإيجاد، والإعدام- قال البدر الثلاثي: فهو على هذا ملك وقيل: جبهة ملك، وقيل درة بيضاء، وقيل: أنه جسم نوراني، كتب فيه القلم بإذن الله سبحانه ما كان، وما سيكون، وما هو كائن، وفي بعض الآثار: أن الله تعالى لوحا، أحد وجهيه ياقوتة حمراء، والأخرى زمردة خضراء، النور فيه يخلق وفيه يرزق، وفيه يحي ويميت، وفيه يفعل ما يشاء في كل يوم.
الخامس: المشهور أن القلم جسم نوراني، خلقه الله سبحانه، وأمره فكتب كل ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وأن المراد بملك الإلهام الملك الموكل بإيقاع ما يشاء الله بأذنه من الأمور في قلب من شاء من عباده، والله أعلم. (2/156)
صفحة 453
لمقصد الحادي عشر
في الأشهر الحرم
الأشهر الحرام: أي العظيمة، أربعة، وسميت تلك الأزمنة أشهر، لشهرتها، ولأن الناس ينظرون إلى الهلال في أولها، ويشهرونه ويسمى القمر هلالا من تلك الليلة إلى الثالثة، ثم يسمى قمرا واحدا منها فرد، أي متفرد عن الثلاثة لبعده، والثلاثة سرد، أي مسرورة متوالية في الوجود، فالمنفرد رجب، وسمي بذلك: لترجيهم أي لتعظيمهم له، والمسرودة ذو القعدة بالفتح، وهو أشهر من الكسر، والضم غريب وإن حكي، وسمي بذلك: لقعودهم فيه عن القتال، وذو الحجة بالكسر، هو أفصح من الفتح وسمي بذلك: لوقوع الحج فيه في الإسلام، وفي الجاهلية، تارة، يكون فيه وتارة يكون فيما بعده، على التوالي، والمحرم بالضم وسمي بذلك: لتحريم القتال فيه، وقيل: لتحريمه الجنة فيه على إبليس.
قال الثلاثي: ودخوله إلا لمعرفة، دون بقية الشهور، لأنه أولها، ولأنه قيل هذا الشهر الذي يكون أول السنة العربية، قال: كذا قيل، والصحيح أنهما فيه للمح الوصف، وإنما كان هذا الاسم فيه علما عليه، دون باقي الأشهر الحرم، لأن التحريم فيه أشد منه فيها، لأنه أفضل منها، وكأن أكتسب أمرا زائدا بسبب تلك الفضيلة، وسميت الأشهر حرما: لأن الله تعالى حرم فيها القتال على العرب، في ذلك الزمان، فإذا دخلت تلك الأشهر نصلوا الأسنة، وغمدوا السيوف، ولا تسمع فيها مقعقعة السلاح، وإنما حرم فيها القتال: ليأمن الحج، في طريق مكة ذاهبا، وراجعا، بالنظر إلى السرد، وإلى الفرد، لأن الناس، كانوا يحجون فيه النافلة. (2/157)
صفحة 454
وقال بعض المحققين: معنى كونها حرما: أن المعصية فيها أشد قوية منها في غيرها، وأن الطاعة أشد فيها من غيرها، وكانت العرب تعظمها جدا، حتى لو لقي الرجل منهم فيها قاتل أبيه، لم يتعرض له بشيء تعظيما لها، وقد شدد أصحابنا فيمن لم يعرفها، واختلف في أولها، فقيل: ذو القعدة، فذو الحجة، فالمحرم، فرجب، فهي من سنتين، وقيل: المحرم، فرجب، فذو القعدة، فذو الحجة، فهي من سنة واحدة، على هذا قال، والراجح الأول، لقوله عليه السلام في خطبة حجة الوداع" ألا أن الزمان قد استدار على هيئته، يوم خلق الله السموات والأرض" أي أن الأشهر قد رجعت إلى ما كانت عليه، وعاد الحج في ذي الحجة، وبطل الأمر الذي كان في الجاهلية، وإن حجة الوداع وافقت_ ذو الحجة، وكانت حجة أبي بكر رضي الله عنه قبلها في ذي القعدة.
قال: وتظهر فائدة الخلاف في كونها من عامين، أو من عام واحد. فيمن ندر صومها مرتبة، فعلى الأول يبدأه من ذي القعدة، وعلى الثاني: من المحرم، ولما كان الأشهر محرم مزيد فضل على شهور العام، ناسب أن يبدأ بأحدها، فجعل أولها المحرم، لأن الأشياء تبتدئ غالبا بأشرافها، وليتوسط أحدها، وهو: رجب لنعم بركته، طرفي العام، وليختم بالبقية وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، لتتسم بركة الطرف الثاني. لأن الطرف الأول له بركتان: إبتداه بالمحرم، وأخذه جزاءا من رجب، ولهذا رتبت الأشهر الحرم ذلك الترتيب، وإنما كان الابتداء بشهر منها، والتوسط بآخر منها، والختم بشهرين منها، ليوقع في الآخرين الحج، الذي هو ختام الأركان الأربعة، المشتملة على مال محض، وهو الزكاة وعمل بدن محض، أما بالجوارح، وهو الصلاة وما بالقلب، وهو الصوم، لأنه الكف عن المحرمات، وعمل مركب من مال وبدن، وهو الحج، فلما جمع المال والبدن ناسبت أن يكون له شهرا من الأربعة. (2/158)
صفحة 455
المقصد الثاني عشر
أشهر المدة التي وقع فيها صلح النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين: أربعة أشهر: مشار إليها بقوله تعالى {بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ} 210 الآية، المحرم، وصفر، وربيع، الأول، وعشرة أيام من ربيع الآخر، وسماها شهرا تغليبا لها، أشرفها على باقية، قال الثلاثي: ففيه مجاز التغليب لعلاقة الصحبة، والمجاورة، أو دونه لعلاقة الكلية، والبغضية، أو هما معا، حيث عبر باسم الكل عن البعض تعبير لها_ مجازيا، ارساليا علاقته، ما ذكر، كما في قولنا: رأيتك سنة كذا، وفعلت كذا في شهر كذا، وأنت إنما رأيته في بعض السنة، وفعلته في بعض الشهر، وإطلاق الجمع على ما فوق الواحد، وقيل: هي عشرون يوما من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع الأول، وعشرة أيام من ربيع الآخر، وقيل: هي عشرون يوما من ذي القعدة، إلى عشرة أيام من ربيع الأول وقيل: هي الأشهر الحرم المتقدمة لصيانتها عن القتال فيها، وإلى ذلك الصلح أشار تعالى بقوله: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} 211 وصفر بفتح الصاد والفاء مأخوذ من صفر، والخلو، وسمي بذلك: لخلو مكة فيه من أهلها، لخروجهم فيه إلى الحرب، وقيل: لأن وضع هذا الاسم وافق زمان خروجهم، وتركهم ديار القوم صفرا لا ديارهم، وأستظهر وسمي ذلك: الشهران ربيعين لارتياع الناس فيهما، الناس فيهما، أي إقامتهم فيهما بلا غزو، وقيل لأن وضعهما وافق ارتفاع الأرض واستظهر أيضا. (2/159)
صفحة 456
المقصد الثالث عشر
الأشهر التي يوقع فيها الحج: شوال، وذلك لتشيل الإبل أذنابها للطروق، حين الوضع له، وقيل لشوال أرباب اللقاح فيه، أي لقلة اللبن عنهم، وذو القعدة، وعشرة أيام من ذي الحجة، وإليه ذهب أصحابنا، وأبو حنيفة، وقال الشافعي: هي الشهران، وتسعة أيام من ذي الحجة، وليلة النحر إلى طلوع الفجر، وقال مالك: الأشهر الثلاثة بتمامها، وقال بعضهم: الأولان منهما، وعشرون يوما من الأخير.
قال الثلاثي: وتظهر فائدة الخلاف، في طواف الإفاضة، فإنه يجوز تأخيره إلى آخر ذي الحجة، عند القائل: أنها ثلاثة، وإلى آخر العشرين من ذي الحجة، عند القائل: بأنها الشهران، والعشرون يوما منه، وإلى أي وقت أريد عند القائل: بأنها الشهران، والعشرة أيام منه، ويأتي به الحاج متى شاء، ما لم يصيب النساء، لأنه لا أحد له معين على هذا القول.
والأيام المعلومات: عشرة أيام قبل يوم النحر، الذي ينحر فيه الهدى، وتذبح فيه الأضحية المشار إليها بقوله تعالى {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ} 212 الآية، وسميت عشرة وإن كانت تسعة تغليبا، للأكثر كما مر نظيره.
والأيام المعدودات: أي المحصيات، المأخوذة من العد وهي: الإحصاء، وقيل: المحصورة، لأن العد يستلزم الحصر ثلاثة أيام بعد يوم النحر الذكورة، بقوله تعالى {َيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} 213 وهي أيام التشريق وبهذا يقول أصحابنا، والشافعي، وقال أبو حنيفة: هي يوم النحر، وبعده، (2/160)
صفحة 457
المقصد الرابع عشر
في معرفة الكبائر
يجب علينا معرفة الكبائر، وقد اختلف فيها، فقيل: هي ما توعد الله عليه بخصوصه، وقيل: ما أوجب الله فيه الحد، وقيل: ما نص الكتاب على تحريمه وأوجب في جنسه حدا، وقيل: كل ذنب ولو صغيرة وقيل، كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقة الديانة كسرقة لقمة، وتطفيف تمرة، والصغائر عندنا غير معلومة لنا، إلا في لبوصف، لا على التعين، خلافا للنكار، وهي اللمم، إذ ليس من الحكمة أن تكون معلومة في ذاتها، والإنكار فيها إغراء بفعلها، والكبائر منها معلوم، وغير معلوم، كما هو، ويجب علينا أيضا فرز كبائر الشرك، من كبائر النفاق، ويشرك من لم يفرز بينهما، أو يوصله عدم فرزه إلى الشرك، لأن أكثر ضلالة الناس من عدم التفرقة بينهما.
قالت الأزارقة: الذنوب كلها شرك، وكفر، وكبير لقوله تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ} 214
الآية {َإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} 215 الآية، في أمثالها وقالت النجدات: منها كبير مشرك، وصغير غير شرك، وقالت المعتزلة: منها كبير شرك، وكبير فسق، لا كفر وصغير، وقال أصحابنا: الكبير كفر وضلال وفسق فمنه شرك، وهو ما كان فيه تكذيب لله عز وجل، وإنكار لشيء مما أمر به سبحانه وتعالى نصا، كالتشبيه والتسوية والإنكار، ولو وحد الله تعالى، أو لتوحيده، والجهل بمعرفته أو إنكار حرف أو ملك، أو رسول، أو نبي، أو جهل البعث، أو المعاد، كما سيأتي، أو شك في وجه من وجوه التوحيد، أو وصف الله تعالى بصفات النقص، أو تقرب إليه بمعصية منصوص عليها، أو بترك بعض (2/161)
صفحة 458
الطاعات، زاعما أن الله أمره، أو تقرب إلى الخلق بالطاعات، أو دعي إلى عبادة غير الله سبحانه، إلى غير ذلك من الوجوه.
ومنه نفاق وهو جميع ما حرم الله تعالى، أن اقترفه غير محل له، أو ترك واجبا عليه، لا بتحريم له ككسب الحرام وأكله من الأموال، أو من الميتة، والدم، ولحم الخنزير، والخمر والمسكر مطلقا، والأخبثين من الإنسان، وأقدار أهل الشرك، والفواحش كالزنا، ومقدماته، والربا أو الغش، والتطيف، والبغي، والسرقة، والخيانة، وقول الزور مطلقا من الكذب، والقذف والشهادة به، والحكم بالجور، والرشوة عليه، والقتل ظلما، والميسر، وحقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، ومنع الحق ولو نفقة عبد أو زوجه، والسحر، والتنابز، والغيبة والنميمة، والإيمان الفاجرة، وكشف العورة، والنظر إليها، والجوز في قسم الإرث، وكتمان الشهادة، وترك المفروضة، والكبر، والحسد، والرياء، وسوء الظن بالله والإياس، والأمن، وإصرار والعصبية، والرغبة، والرهبة، والشهوة، والغضب فيما لا يحل من ذاك كما مر، واستحلال، والتحريم بتأويل إلى غير ذلك.
فالكاذب على الله منافق، كمن قال: إن الله يبعث نبيا وهو لم يبعثه، أو قال: قد أنزل كتابا وهو لم ينزله، والمكذب لله مشرك كالمنافي لثابت مما ذكر، فمن أنكر واحدا من الأنبياء، أو ملكا من الملائكة، أو حرفا من الكتاب أشرك، والشاك في شركه ليس بمشرك، ما خلا آدم ومحمدا عليهما السلام، والشاك في شرك منكر جملة الأنبياء مشرك، وكذا الشاك في الشاك، إلى هلم جر. (2/162)
صفحة 459
وحاصل ذلك: أنهم اختلفوا فيمن ادعى النبوة، لمن ليس بنبي، هل يشرك؟ أو ينافق؟ قال تعالى {مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً} 216 أي لا أحد أظلم من كذب على الله، فزعم أنهه بعثه، أو أوصى إليه ولم يوصى إليه، بشئ نزلت، في مسيلمة الكذاب، والأسود الصنعانى، وعنه عليه السلام" رأيت فيما يرى النائم كأن في يدي سوارين من الذهب وكبرا على وأهماني فأوحى الله إلى أن أنفخهما فنفخت لهما فطارا فأولتهما الكذابين الذين أنا بينهما كذاب اليمامة وكذاب صنعاء"، قالوا: أن شرك مسيلمة الكذاب لدفع رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكافة والله يقول {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ} 217 ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله" نزلت في عبد الله بن سعيد بن أبى سرح أخي عثمان لامه، كان يكتب للرسول الوحي فتعجب من تفضيل خلق الله للإنسان حين نزل {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ} 218 الآية فقال: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} 219 فقال الرسول عليه السلام" اكتبها" كذلك نزلت فكتبها فقال: لئن كان محمد صادقا لقد أوصى إلى كما
وصى إليه ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال، فارتد فلحق بمكة ثم أسلم بعد ذلك.
وأعلم أن من أنكر نبينا، أو ملكا، أو حرفا فهو مشرك، وان للسامع حالات، الأولى: أن يعلم ما دفع والثانية: أن يدفع هكذا من غير تعيين واحد من الفرع والثالثة: أن تقوم عليه الحجة، فيجب عليه أن يشركه والرابعة: أن ترفع آدم ومحمدا عليهما السلام فلا يسع السامع إلا أن يشركه، وقد مر الخلف في آدم، والخامسة: أن يرفع نبيا باسمه ولم يعلم، والحاصل أن السامع كما قال الشماخي في سعة: إذا لم يعلم ما رفع، ما لم تقم عليه الحجة، إلا أن رفع نبيا لم (2/163)
صفحة 460
يسعه جهله ممن تقدم، فلا يسعه حينئذ إلا تشريكه، وأما أذا دفع الحملة من الأنبياء والملائكة والكتب، فعليه أن يشرك الدافع علم ذلك أو جهله، وكذا من أنكر شيئا مما لا يسع جهله، وقد مر واعلم: أن من أنكر نبيا، أو ملكا، أو حرف، كمن أنكر الله، والجملة لقوله تعالى {وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} 220 الآية وقوله {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ} 221 وقد كذبوا هودا قال أبو عمر: من أنكر نبيا أشرك، وليس على سامعه شئ أن لم يعرفه، وأن عرفه فعليه تفكيره، وأن لم يفعل كان مثله، وأن أخذ تشريكه فعليه أن يشركه، وأشرك أن لم يفعل، وقد مر تفسير ذلك، إذا كان مسمى معينا، وأما أن قال: أنكرت واحد من النوع، فلا يسعه ألا أن يكفره وأن يبرأ منه، كذا عن بعض المشايخ، وأما أن عين وقال هذا نبي أو حرف أو ملك أنكرته، فعلى السامع أن يبرأ منه، أخذ أم لا.
قال الشماخي: وعنه أي على المذكور أشرك، لأنه اساغ له ذلك، وقيل: إن كان الأمر كما ذكر يبرأ منه، وان كان على خلافه فلا يشرك، وأن رجع وقال: لا أدرى، فإنه يبرأ منه، لان هذا رجوع عن العلم، والرجوع عنه فيما يشرك فيه الجاهل مشرك، وفيما ينافق فيه منافق، وليس منا من قال: القرآن غير مخلوق، بل هو في البراءة، ولا من قال: أسماء الله، أي المعاني الدال عليها، نحو العالم القادر، والمريد، والسميع، والبصير مخلوقة، أي موجودة، بعد أن كانت معدومة، فالألفاظ المذكورة ونحوها مما في القرآن، ليست أسماء الله تعالى، وإنما أسماءه معانيها، ولا شك أنها غير مخلوقة، لأنها عين ذاته تعالى بالمعنى، السابق وأن تلك الألفاظ ونحوها محدثة اتفاقا.
ولا من قال: أن أهل القبلة أي أصحاب التوجه إلى الكعبة في صلاتهم، جميعا في الولاية، فالمراد بهم القرون بالجملة وأن لم يتبعوها بالعمل، ولا من قال: بصحة اجتماع إمامين عادلين في طريقة واحدة، (2/164)
صفحة 461
خلافا للخليفة من الإباضية الزاعمة، أن كل حوزة تستقل بأهلها، ولا يجمع إمام حوزتين وهذا فرق للإجماع، ولا من زعم أن الهجرة باقية بعد فتح مكة، أي صيرورتها وراء الإسلام، فإنها قبل، كانت دار حرب وشرك، ولا من قال أن علم الديانة يدرك بغير التعلم من المشايخ، المتقين، بل لا بد منه في تعلمه، لقوله تعالى {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} 222 الآية ولا من قال: أن جميع من يحل دمه يحل ماله.
وحاصل ما ذكر: أن الخوارج يقولون: بتشريك أهل الكبائر، وسببهم، وغنمهم، وانتحلوا الهجرة، واستدلوا على التشريك بقوله تعالى {َإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} 223 الآية، وعلى السبي والعتم، بما وقع من أهل دبا من بني ناجية، قرية بعمان، وعمدوا إلى زلة المسلمين، واتخذوها دينا فعموا، وصموا وضلوا، ونقضوا، قاعدتهم، بجواز توريث أهل الكبائر، ومنا كحتهم، قال: الصفرية أن العلوم تدرك بغير تعلم، وإذا أكثر العبد من الطاعة، وأخلى ذهنه من شوائب الدنيا، وعلائق الخلق بالاجتهاد والتصفية، انطبعت فيه العلوم كالمرأة الصقلية، ولا يعيده الإمام أبو يعقوب، كما يعلم بالوقوف على الدليل والبرهان له.
قال الشماخي: معنى قول الخوارج بإتحاد الدماء والأموال، إنه إذا حل الدم حل المال فيما أظن، لا مطلقا لأن الذي يلزمه الحد والقصاص، لا أظن أنهم يستبيحون ماله، وقال النكار: أن الإمامة: لا تحب على الخلق، مع استيفاء الشروط.
تنبيه: اعلم: أن كل ما كان الإقرار به توحيدا، فالإنكار له شرك، وما كان الإقرار به طاعة، فإنكاره كفر، وكل تقرب لله بطاعة، ولو نفلا توحيد، وكل تقرب إليه بمعصية وإن صغيرة شرك، وكل تقرب إلى غيره بهما أو أحدهما مشرك، على ما مر وإن الاستحلال إذا لم يصحبه تأويل شرك. (2/165)
صفحة 462
المقصد الخامس عشر
أعلم: أن من لم يأت بخمس، فهو كافر حقا، معرفة المعبود بأسمائه وصفاته، وما يجب له، وما يجوز، وما يمتنع عليه، والرضا بالموجود والمقدور له أو عليه من الصحة والإنعام والسقم والألم، ومن الواجبات علينا: امتثال المأمورات، واجتناب المنهيات، وإقامة الحدود، والمراد بها المأمورات والمنهيات التي حدها الله ورسوله للمكلفين، وقول الثلاثي: ونص عليها، وبينها من خشونة وسوء أدب، كما يعلم بالوقوف على أصول القرافى وغيره، وهو وان كان لا يخفى ذلك غافل عنه، أو يقال: أنه لا يرى ذلك سوء أدب، واللائق على ما ذكروه، إن يقول: ونص الله عليها وبينها وكذا رسوله، والأمر سهل، أعنى من جميع الواجبات، والندوبات، والمباحات، والمحرمات، والمكروهات، والمراد بإقامتها لا خصوص، نحو الجلد، والرجم، والقطع، والضرب والصيد، على المفقود المراد به: حبس النفس عن الجزع والتحزن، والتوجع والتلهف، ونحوها عند الشدائد، وقيل: هو ترك الشكوك من ألم البلوى.
قال بعض الموفقين: الصبر على ثلاثة أقسام: الصبر: على طاعة الله سبحانه، وهو الدوام والاستمرار، عليها، والصبر: عن معصية الله تعالى، وهو حبس النفس على اجتنابها وتركها، ورد النفس عن تمنيها، والصبر: على البلوى بالمصائب، وهو ترك الجذع عند حصولها، فمن صبر على طاعة الله تعالى ثلاثمائة درجة في الجنة، ما بين الدرجة إلى الدرجة مثل ما بين عنان السماء إلى الأرض، ولمن صبر عن معصيته الله ستمائة درجة كذلك، ولمن صبر على معصية الله تسعمائة درجة (2/166)
صفحة 463
كذلك، وعنان السماء ما ظهر منها، والمراد بالفقود، أي المعدوم من نحو الراحة في فعل الطاعة، واللذة في ترك العصية، وفقد الأموال، والأولاد والغذاء والصحة، وسعة الرزق، والسلامة من ألسنة الناس، والوفاء بالعهود أي المعهوادت من نحو الوصايا بإنفاذها، والأمانات بردها لأهلها، والديون بأدائها لأصحابها، والمأمورات بامتثالها، والمنهيات بتركها، ولا يذهب عليك أن المراد من قولنا: أن لم يأت بهن فهو كافر، القدر المشترك بين النفاق والشرك، الذي هو المعصية فإنه في بعض تلك الأشياء: كمعرفة المعبود شرك، وفي بعضها نفاق، وإنما جامعة لعلوم الدنيا والآخرة، وعلوم القلب والجوارح، وعلوم التوحيد وغيره. (2/167)
صفحة 464
"المقصد السادس عشر"
في الاستطاعة
قد علمت مما مر، أن الاستطاعة عندنا وعند الأشاعرة مع الفعل، خلافا للمعتزلة، وهى عرض يخلقه الله سبحانه في الحيوان يفعل به الأفعال الاختيارية، بمعنى أنه تعالى يخلقها عند قصد اكتساب الفعل، بعد سلامة الأسباب والآلات، والحق أنها شرط لاكتساب الفعل، وهو مذهب الجمهور، ولا علة للفعل، خلافا لبعضهم، وقد يقع اسم الاستطاعة على سلامة الأسباب، والآلات، والجوارح، وصحة التكلف تعتمد هذه الاستطاعة، ولا يكلف العبد بما ليس في وسعه، وما يوجد من الألم في المضروب عقب ضرب إنسان، والانكسار في الزجاج عقب كسره، والموت عقب القتل، فهو مخلوق لله سبحانه كما مر لا صنع للعبد فيه، والمقتول ميت بأجله المقدر لموته، خلافا لبعض المعتزلة في أن الله تعالى قد قطع عنه الأجل، قلنا: إن الله تعالى قد حكم بآجال العباد على ما علم، من غير تردد، وبأنه {إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ} 224 الآية، واحتجوا بالأحاديث الواردة في أن بعض الطاعات نزيد في العمر، بأنه لو كان ميتا بأجله لما استحق القاتل دما ولا عقابا ولا دية ولا قودا، إذ ليس موت المقتول بخلقه، ولا بكسبه.
والجواب عن الأول: أن الله تعالى كان يعلم أنه لو لم يفعل الطاعة لكان عمره أربعين سنة مثلا, لكنه علم أنه يفعلها فيكون سبعين, فنثبت الزيادة إلى الطاعة بناء على علم الله سبحانه, أنه لولاها لما كانت هذه الزيادة, وعن الثاني: أن وجوب العقاب, والضمان على القتل تعبد لارتكابه المنهي عنه, ولأنه مكتسب للفعل الذي يخلق الله سبحانه عقبة الموت, يجري عادته فإن القتل فعلا للقاتل كسبا, والموت خلق الله (2/168)
صفحة 465
تعالى، وهذا مبني على أن الموت أمر وجودي، بدليل قوله تعالى {َّ خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} 225، والأكثرون على أنه عدمي، ومعنى خلق الموت أنه قدره، وقد مر، ولأجل واحد لا كما زعم الكعبي أن للمقتول لأجلين، القتل والموت، وانه لو لم يقتل لعاش إلى الذي هو الموت ولا كما زعم الحكماء أن للحيوان أجلا طبيعيا، وهو وقت موته بتحلل رطوبته، وانتقاء حرارته الغزيرتين، وأجلا احتراميا بحسب الآفات، والأمراض، والحرام، رزق، خلافا للمعتزلة إذا فسروه تارة بمملك يأكله المالك، وتارة بما لا يمنع من الانتفاع به، وذلك لا يكون إلا حلالا، فليزم على الأول أن لا يكون ما تأكله الدواب رزقا، وعلى الوجهين أن من أكل الحرام طول عمره لم يرزقه الله تعالى أصلا، وهو يقول {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا} 226 " إن الله هو الرزاق" وكلا يستوفي رزق نفسه بعينه، حلالا كان، أو حراما، لحصول التعدي بهما معا ولا شعور أن لا يأكل الإنسان رزقه، أو يأكل غيره، ورزقه، لأن ما قدره الله غذاء للشخص، يجب أن يأكل ويمتنع أن يأكله غيره، وأما بمعنى الملك فلا يمتنع والله أعلم. (2/169)
صفحة 466
المرصد الخامس
في أحوال الآخرة وفيه مقاصد
الأول: في أشراط الساعة
اعلم: أن أشراط السعة كثيرة، ونذكر منها العشرة التي تضافرت الأحاديث الصحاح عليها، ورواها موافق، ومخالف، فيجب الإيمان بها، لما أنها أخبرها الصادق، وهي: أمور ممكنة قال حذيفة بن أسيد الغفاري" اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر الساعة فقال: " ما تذكرون فقلنا نذكر الساعة" قال: إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات، فذكر: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف، خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، آخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم، وقد روي أحاديث وآثار في تفاصيلها، وكيفيتها، فلتطلب من كتب التفسير والتواريخ والسير. (2/170)
صفحة 467
المقصد الثاني
في عذاب القبر
عذاب القبر للكافرين، والتنعم للمؤمنين، وسؤال الملكين وهما منكر ونكير، ثابت بالدلائل السمعية، لأنها أمور مكنة أخبر بها الصادق على ما نطقت به النصوص، قال تعالى {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً} 227، الآية وقال: {أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً} 228 وقال: صلى الله عليه وسلم" استنزهوا من البول، فإن عامه عذاب القبر منه" وفي حديث آخر، أنه مر على قبرين يعذبان على كبيرة، ولا يعذبان على كبيرة، أي عندكم، "أما أحدهما فكان لا يستبري من البول، وأما الآخر فكان يمسي بين الناس بالنميمة"، وقال تعالى {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} 229، نزلت كما قيل في عذاب القبر، إذا قيل للميت فيه بعيد رد الروح إليه، " من ربك وما دينك وما نبيك، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقال أيضا: " إذا قبر ميت أتاه ملكان أسودان أزرقا العينين، يقال: لأحدهما المنكر، والآخر النكير" الحديث، وقال أيضا" القبر روضة من رياض الجنة أو حفره من حفر النار" وقال تعالى في حق السعداء {و َلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} 230، وفي حق الأشقياء ما مر من قوله {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً} 231، ولا يصح أن يكون المراد منه عذاب الآخرة، لعدم تقيده بغدو وعشي، بدليل: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} 232 فميز بين العذابين_ قلت: وقد يقال: لا تمييز بينهما، والتقيد بما مر إشارة إلى استغراق النهار.
وبالجملة، فالأحاديث في هذا المعنى في أخوال الآخرة، متواترة (2/171)
صفحة 468
المعنى، أن لم يبلغ آحادها حد التواتر، وقد نقل عن ضرار وبشر المريسي والروافض وجماعة من المعتزلة إنكار عذاب القبر، ورد الأرواح فيه إلى الأجسام، وسؤال الملكين وقالوا: إن الميت جماد، لا حياة له، ولا إدراك، فتعذيبه محال، قلنا: يجوز أن يخلق الله سبحانه في جميع الأجواء، وفي بعضها نوعا من الحياة، قدر ما يدرك ألم العذاب، ولذة النعيم، وهذا لا يستلزم إعادة الروح إلى بدنه، ولا أن يتحرك، أو يضطرب، أو يرى، أثر العذاب عليه، حتى أن الغريق في الماء، والمأكول في بطون الحيوانات، والمصلوب في الهواء، يعذبون وأن لم تطلع عليه.
وزعم أبو الهذيل: أن من خرج من الدنيا على غير سمة الإيمان، فإنه يعذب بين النفختين، وليسله أن أدراك، وأثبت البلخي والجبائي وابنه عذاب القبر للكفار والفسق، دون المؤمنين، وأنكروا تسمية الملكين بما مر، والشرع ورد بتسميتها بذلك وقال صالح: رقبة بكسر القاف من المعتزلة: عذاب القبر جائز ويجري على المؤمنين، من غير رد الأرواح إلى أجسادهم، قال: إن الميت يجوز أن يحس ويألم، وهو كما قيل: خلاف الضرورة، وقالت طائفة من الكرامية والمعتزلة: أن الله يعذب الموتى في قبورهم، ويحدث فيهم الألم، وهم لا يشعرون، فإذا أحبوا بعد ذلك، وجدوا تلك الآلام قالوا: كالسكران إذا ضرب فإنه يحس ألمه بعد إفاقته، ونحن نمنع أن السكران لا يتألم، وإنما منعه من الأنين والتأوه حاله.
وبالجملة، فإنه لا مانع في العقل من رد الحياة كما مر إلى، بعض أجزائه أو كلها، ويجعل له من الفعل الفهم ما يفهم، به، ويجيب ويدركه الملكان منه، وإن لم نسمع نحن كلامهم، وكذا يجوز أن يسمع كلام من يسلم عليه، وكل ذلك جائر، وقد ورد السمع به فوجب اعتقاد ظاهره، ولا حاجة إلى تكلف تأويله، والله تعالى على كل شيء قدير. (2/172)
صفحة 469
وقالوا: وليس في أحياء الأطفال خبر مقطوع به، وظاهر الخبر على التعميم، إلا أنه لا بد في ذلك من تكميل فهمهم، ليعرفوا بذلك سعادتهم وشقاوتهم، على ترائي، وكذلك المعصومون من الذنوب، ويكون ذلك فيهم تعريفنا لسعادتهم، ومثل في قوله تعالى {رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} 233، إن أحدى الحياة، حياة القبر وأورد عليه، أنه يلزم عليه أن يكون ثلاثا، وأجيب بأن نفي الثالثة إنما هو الطريق المفهوم، وهو ضعيف، وأسقط المعارضة القاطع له، ويحتمل كما قيل أنه إنما خص الحياتين الذكر، لأنهما اللتان أنكروهما بعد الموت، أما الحياة الأولى محسوسة، فلا يحتاج إلى النص عليها، فإن تمسكوا بقوله تعالى {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} 234 قلنا: النفي هو أن يذوقوا في الجنة غصص الموت، التي لم تثبت إلا للأولى، فمن ثم خصت بالذكر.
فإن قالوا: نحن نرى من تدفنه على حاله، ونعم بالضرورة كونه ميتا_ قلنا: هذا يؤذن من قائلة، بعدم طمأنينة إلى الإيمان، وهو بمثابة استبعاد الكفر، حشر العظام البالية، ومن يسلم اختصاص الرسول برؤية الملك دون القوم، وتعاقب الملائكة فينا، وقوله تعالى في إبليس لعنة الله وجنوده {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} 235 الآية، لا يشك في التصديق بذلك، كيف والنائم يدرك أحوالا من السرور والغموم، والألم، من نفسه، ونحن لا نشاهد ذلك منه، والبرزخ أول منزلة من منازل الآخرة، وفيها تغيير العادات وخرفها، فيصح أن يكون الميت حال مشاهدتنا له، والقبر حال نظرنا إليه، على غير الحالة التي نشاهدها، ولم نشعر بشئ مما هنالك، والأمر بيد الله تعالى، يظهر ما يشاء، ويحجب ما يشاء، ومن تأمل في عجائب ملكه وملكوته، وغرائب قدرته وجبروته، لم يستبعد أمثال ذلك، فضلا من الاستحالة، نسأله سبحانه أن يجعلنا ممن به وبملائكته، وكتبه، ورسله، ويختم لنا بخواتم السعداء، بمنه وكرمه. (2/173)
صفحة 470
المقصد الثالث
في إعادة المعدوم لتوقف المعاد الجسماني عليه
في إعادة المعدوم، فإن المعاد الجسماني يتوقف عليها عند من يقول، بإعدام الأجسام، دون من يقول: بأن فناءها عبارة عن تفرق أجزاءها، واختلاط بعضها ببعض، كما تدل عليه، قصة إبراهيم عليه السلام، في إحياء الطير، والإعادة جائزة عندنا، عند الأشاعرة، والمعتزلة، لكن عندهم: أن الموجود إذا أعدم بقيت ذاته المخصوصة، وأمكن لذلك أن يعاد، وعندنا وعند الأشاعرة، ينقضي بالكلية مع إمكان الإعادة، أن كنا نقول أن المعدوم شئ، خلافا لهم، وخلافا الفلاسفة، والمتناسين في إنكارهم المعاد الجسماني، ولفظ الكرامية وأبى الحسن البصري، ومحمود الخوارزمي، من المعتزلة، وأن هؤلاء وأن كانوا معترفين بالمعاد الجسماني، ينكرون إعادة المعدوم، ويقولون: إعادة الأجسام: هي جمع أجزائها المتفرقة لنا في جواز الإعادة، أن لا يمتنع وجود التأثير لذاته، والألم يوجد ابتداء، وكان من قبيل الممتنعات، لأن مقتضى ذات الشئ ولازمه يختلف بحسب الأزمنة، وإذا لم يمتنع لذاته كان ممكنا لذاته، فإن قيل العود لكونه وجود إصلاحا بعد طريان العدم، أختص من الوجود المطلق، ولا يلزم من إمكان الأعم إمكان الأخص، ولا من امتناع الأخص امتناع الأعم، فجاز أن يمتنع وجوده بعد عدمه، إما لذاته، أو لازمه، ولا يمتنع وجوده مطلقا.
قلنا: الوجود أمر واحد، في حد ذاته، لا يختلف ابتداء، وإعادة، بحسب ذاته، بل بإضافته إلى أمر خارج عن ماهيته، وهو: الزمان، وكذا الإيجاد، واحد أيضا لا يختلف ابتداء المبدأ وإعادة، إلا بحسب تلك الإضافة، فإذا يتلازمان أي في الوجدين المبدأ والعاد، وكذا الإيجاد (2/174)
صفحة 471
إن إمكانا وجوبا وامتناعا، لان الأشياء المتوافقة في الماهية يجب اشتراكها في هذه الأمور المستندة إلي ذواتها، ولو جوزنا كون الشئ الواحد ممكنا في زمان كزمان الابتداء ممتنعا، في زمان آخر، كزمان الإعادة، معلل ذاك الكون، بأن الوجود في الزمان الثاني أخص من الوجود مطلقا، ومغاير للوجود في الزمان الأول بحسب الإضافة، فلا يلزم من امتناع الوجود الثاني، امتناع ما هو أعم منه، وامتناع ذلك المغاير لجاز الانقلاب الذاتي إلى الوجود الذاتي، معلل بأن الوجود في زمان أخص من الوجود المطلق، ومغاير للوجود في زمان آخر، فجاز أن يكون ذلك الأخص ممتنعا، والمطلق والمغاير واجبا إلي التجويز الثاني، اللازم للتجويز الأول، مخالفة لبديهة العقل، وفية اغتناء للحوادث عن المحدث، لجواز أن تكون ممتنعة لذواتها، في زمان كونها معدومة، وواجبة لذواتها في حال كونها موجودة، فلا حاجة بها إلي الصانع يحدثها، بل ذواتها كان في حدوثها، وفية سد لباب إثبات الصانع بالاستدلال علية من المصنوعات، ويمكن في إثبات جواز الإعادة أن يقال: هي أهون من الابتدا، كما ورد في الكلام المجيد، وله المثل الأعلى عن ذالك، لان ذاك المعدوم استفاد بالوجود الأول، الذي كان فد أتصف به ملكة الاتصاف بالوجود، فتقيد الوجود أسرع، وأنت خبير بان تلك الاهونية إنما هي بالقياس إلى القدرة الحادثة، التي تتفاوت مقدوراتها مقيسة إليها، وأما القدرة القديمة فجميع مقدوراتها عندها على السوية كما تقدم، لا بتصور هناك تفاوت بالاهونية فأهون هنا بمعنى هبني، والخصم يدعى الضرورة تارة، ويلتجئ إلى الاستدلال أخرى.
إما الضرورة فقالوا: تخلل العدم بين الشيء ونفسه محال بالضرورة، (2/175)
صفحة 472
إذ لا بد للتخلل من طرفين متغايرين، فيكون حينئذ الوجود بعد العدم غير الوجود قبله، حتى يتصور تخلل العدم بينهما، وهو على هذا فلا يكون المعاد هو المبدي بعينه، لأن كلا منهما موجود مغاير لوجود صاحبه، فهما موجودان، متغايران، فلا يكون الموجود الأول بعينه معادا له بعد عدمه.
والجواب: أنه لا معنى لتخلل العدم ها هنا، سوى أنه كان موجودا زمانا، ثم زال عنه ذاك الوجود في زمان آخر، ثم اتصف به في زمان ثالث، ومن هنا تبين لك أن التخلل بحسب الحقيقة، إنما هو لزمان العدم بين زماني الوجود، إلى الواحد وإذا اعتبر نسبة هذا التخلل إلى العدم، مجازا كفاه اعتبار التغاير في الوجود الواجب، بحسب زمانه، على أن دعوى الضرورة في حكم خالفه جمهور العقلاء، غير مسموعة.
وأما الاستدلال فهو من وجوه الأول: إنما يكون المعاد معادا بعينه إذا أعيد بجميع عوارضه، ومنها الوقت الذي كان فيه مبتدأ، ويلزم أن يعاد في وقته الأول، فهو متبعا، فيكون حينئذ مبتدأ، من حيث أنه معاد.
والجواب: أنه إنما اللازم في إعادة الشيء بعينه، إعادة عوارضه المشخصة، والوقت ليس منها ضرورة، إن بدأ الموجود في هذه الساعة هو بعينه الموجود قبلها، بحسب نفسه الأمر الخارجي، أي بحسب نفس الأمر المعتبر في وجوده في الخارج، لا تفاوت ولا تغاير في ذلك، فلو كان الوقت من المشخصات المتغيرة في وجوده خارجا، لكان (2/176)
صفحة 473
هو كل وقت شخص آخر، وهو باطل قطعا، وما يقال: إنها نعلم بالضرورة، أن الموجود مع قيد كونه في هذا الزمان غير موجود، مع قيد كونه قبل هذا الزمان، فأمر وهمي والتغاير الذي يحكم به في هذه الصورة إنما هو بحسب الذهن، والاعتبار دون الخارج.
ويحكى، أنه وقع هذا البحث لابن سينا مع أحد تلميذته، وكان التلميذ مصرا على التغاير بحسب الخارج، بناء على أن الوقت من العوارض المشخصة، فقال ابن سينا له: إن كان الأمر على ما تزعم، فلا يلزمني الجواب لأني غير من كان يباحثك، وأنت أيضا غير من كان يباحثني، فبهت التلميذ ورجع إلى الحق، واعترف بعدم التغاير في الواقع، وبأن الوقت ليس من المشخصات، ولئن سلمنا جدلا أن الوقت داخل في العوارض المشخصة، وأن المعدوم معاد بوقته الأول، فلم قلتم أن الواقع في وقته الأول مطلقا، مبتدأ حتى يلزم كونه مبتدأ، ومعادا معا وإنما يكون كذلك، إن لو يمكن وقته أيضا معادا معه.
وبعبارة أخرى الواقع في وقته الأول، إنما يكون مبتدأ إذا لم يكن مسبوقا بحدوث آخر، أما إذا كان مسبوقا به، ويكون معادا لابتداء، الثاني: لو أمكنه الإعادة، فرضنا إعادته بعينه، والله قادر على إيجاد مثله مستأنف بلا شبهة، فلنفرضه أيضا موجودا، مع ذلك المعاد، وحينئذ لا يتميز المعاد من المستأنف، ويلزم لأثنيتية بدون الامتياز بين، ذانك الاثنين، وهو ضروري البطلان.
والجواب: منع عدم التمايز بين المعاد والمستأنف المذكورين، بل يتميزان بالهوية، أعنى بالعوارض المشخصة مع الاتحاد في الماهية، كما يتمايز مبتدأ مع التماثل في الحقيقة، وكل اثنين متماثلين يتمايزان (2/177)
صفحة 474
بالهوية، سواء كان مبتدأين أو معادين، أو أحدهما مبتدأ والأخر معاد أو أنه لا اختصاص لهذا الذي ذكروه في المحال بالمبتدأ، أو المعاد، بل هو جار في المبتدأين أيضا، فلو صح لزم امتناع وجود المبتدأ بغير ذلك الدليل، فإن قيل المراد بالموثل المستأنف ما لا يتميز عن المعاد بوجه من الوجوه، قلنا: إمكان وجوده بهذا المعنى ممنوع، أذلا تعدد بلا تمايز، على أن النقص بالمبتدأ، إذا لا فرض له بمثل ذلك وارد_ الحكم الصحيح، بأن هذا الذي وجد الآن غير الأول، يستدعي تمييزه حال العدم، وإنه محال، لأن النفي الصرف لا يتصور له تميزا، وأما الشرطية فلان صحة ذلك الحكم يستدعي اتصاف ذلك المعدوم حال عدمه بصحة العود، إذ لو لم يتصف بصحة العود لامكن عوده، فلا يصح ذلك الحكم عليه، واتصافه بصحة العود يقتضي امتيازه، وإلا لم يكن ذلك الاتصاف أولى به من غيره.
والجواب: على أصل المعتزلة: وهوة كون أمرا ثابتا متقررا، على ما علمه ظاهر، لأن بطلان التالي حينئذ ممنوع، وما ذكر في بيانه مردود، على أصلنا، وأصل الأشاعرة كما مر، منع الشرطية، لانا نمنع استدعاء ذلك الحكم، وصحته، لتميز في الخارج، فإن صحة العود صفة اعتبارية، هو إمكان الوجود بعذر، وإله، فلا يكون الاتصاف بها مقتضيا للامتياز الخارجي، بل التميز في الخارج، إنما يحصل حال الإعادة، أعنى زمان الوجود الثاني، والتمييز الحاصل للمعدوم حال عدمه، واتصافه بصحة العود أمر وهمي لا حقيقة له، بحسب الخارج، كالتمييز الحاصل في الممكنات التي لم توجد بعد، فإن قيل نحن ندعي لزوم هذا التمييز، قلنا بطلانه ممنوع حينئذ لأن مثل هذا التميز حاصل للمعدومات الصرفة، كالممتنعات. (2/178)
صفحة 475
المقصد الرابع
في الإجماع على جواز حشر الأجسام
اجمع المليون المتكلمون عن آخرهم، على جواز حشر الأجساد ووقوعه، وأنكرها الفلاسفة، أما الجواز فلان جمع الأجزاء على ما كانت عليه، وإعادة التأليف المخصوصة فيها، أمر ممكن، فان الحشر: عبارة عن جمع الأجساد، وأحيائها وسوقها إلى الموقف وغيره من مواطن الآخرة، والنشر، على ما سيأتي عبارة عن إحيائها بعد مماتها، وذلك لأن الأجزاء المتفرقة المختلطة بغيرها قابلة للجمع، بلا ريبة وإن فرض أنها عدمت، جاز إعادتها ثم جمعها إعادة التأليف فيها لما عرفت من جواز إعادة المعدوم، والله سبحانه وتعالى عالم بتلك الأجزاء، ولأنها لأي بدن من الأبدان قادر على جمعها وتأليفها، لما يبقى من عموم علمه وقدرته، وصحة القبول من القائل، والفعل من الفاعل، يوجب صحة الوقوع، والجواز قطعا وهو المطلوب.
وأما الوقوع: فلان الصادق الذي عم صدقه بأدلة قاطعة، أخبر عنه في مواضع لا تحصى بعبارات لا تقبل التأويل، حتى صار معلوما بالضرورة، كونه من الدين القويم، والصراط المستقيم، فمن أراد تأويلها بالأمور الراجعة إلى النفوس الناطقة، فقد كابر بإنكار ما هو من ضرورات ذلك الدين، وكل ما أخبر به الصادق فهو حق، واحتج المنكر بوجهيه، الأول: أنه لو أكل إنسان إنسانا فحيث صار المأكول جزاء من الأكل، فلو أعاد الله ذلك الإنسان بعينهما، فتلك الأجزاء التي كانت لمأكول، ثم صارت لأكل، أما أن تعاد في كل منهما، وهو محال لاستحالة أن يكون جزءا واحدا بعينه في آن واحد، في شخصين متباينين، أو تعاد في أحدهما وحده، فلا يكون الآخر معادا بعينه، (2/179)
صفحة 476
والمقدر خلافه، فثبت أنه لا يمكن إعادة جميع الأبدان بأعيانها كما زعمتم.
قلنا: إن المعاد أنها هو الأجزاء الأصلية، وهي الباقية من أول العمر إلى آخره، لا جميع الأجزاء على الإطلاق، والأجزاء الأصلية التي كانت للإنسان المأكول في الأكل فضل، فأنا نعلم قطعا أن الآنيان باق مدة عمره وأجزاء الغذاء تتوارد عليه وتزول عنه، وإذا كانت فضلا فيه، لم يجب إعادتها في الأكل، بل في المأكول، الثاني: لو حشر فأما لا لفرض، وهو عبث لا يتصور في أفعاله تعالى، وأما لفرض وهو لا يخلو أما أن يعود إلى الله تعالى، وهو منزه عنه، أو إلى العبد، وهو أيضا لا يخلو أما أن يكون هو الإيلام، وهو، منتف إجماعا من العقلاء، وبديهة العقل أيضا، وذلك لقبحه وعدم ملاءمته للحكمة الإلهية، والإرادة الأزلية، أو لالتذاذ وهو أيضا باطل، لأن اللذة الجسمانية لا حقيقية لها، وإنما هي لدفع الألم للاستقراء، كما بيناه في الشرح، وأنه لو ترك على حاله ولم يعد لم يكن له ألم، فهذا الغرض حاصل بدون الإعادة، فلا فائدة منها، وإلا يلام أولى بأن يدفع.
والجواب: أنا نختار، أنه لا لفرض، وحكاية الغرض والقبح عقلي قد سلف جوابه، أولا نسلم أن الغرض، هو: أما الإيلام واللذاذة، ولعله شيء آخر لا نعلمه، سلمنا أن الغرض منحصر فيهما، لكن لا نسلم أن اللذة الجسمانية لا حقيقة لها، وإنها دفع الإيلام غايته، أن في دفع الألم لذة، وأما أنها ليست إلا هو فلا دليل عليه، ولا يجوز أن تكون تلك اللذة أمرا آخر يحصل مع دفع الألم تارة ودونه أخرى، والدوران وجودا وعدما في بعض الصور لا ينافي ما ذكرنا، سلمنا ذلك في اللذات (2/180)
صفحة 477
الدنيوية، فلم قلتم أن اللذات الجسمانية الأخروية كذلك، ولم لا يجوز أن تكون اللذات الأخروية مشابها للدنيوية صورة ومخالفة لها فتكون حقيقة فتكون حقيقة الدنيوية دفع الألم، وحقيقة الأخروية أمر آخر وجوديا، ولا مجال لوجدان والاستقرار في اللذات الأخروية، حتى يدرك بهما حقيقتهما كما أدركت حقيقة الدنيوية بهما على زعمكم.
وحاصل المقام: أن الله سبحانه وتعالى يحيى الأبدان بعد موتها، والدليل عليه: أن الإعادة إما أن تكون بمعنى إعادة الجواهر بعد إعدامها، أو جمعها بعد تفريقها، وكلاهما ممكن، وكل ممكن أخبر الصادق بوقوعه فهو حق، فالإعادة حق، وإنما قلنا أن الإعادة بالمعنى الأول ممكنة، لأن ماهية الجواهر والإعراض تقبل الوجود والعدم لذاتها، إما عرفت أن القبول لا يكون إلا نفسيا، والأ للزم التسلسل، وذواتها لا تتقلب بعد عدمها، فلما قبلت الوجود والعدم ابتداء تقبلهما انتهاء.
وإنما قلنا أنما تقبل الوجود والعدم، لأنها لو لم تقبل إلا الوجود لكانت قديمة واجبة الوجود، وهو باطل لما سبق من برهان حدوثها، ولو لم تقبل إلا العدم لكانت ممتنعة الوجود، والعيان بكذبه، وأما إمكان الإعادة بالمعنى الثاني، وهو جمع الأجزاء بعد تفريقها، وخلق الحياة فيها، فواضح هذا أذا نظرنا إلى الإعادة بحسب قابلها، وأن نظرنا ليها بحسب فاعلها وهو الله سبحانه، فلا خفاء في أن قدرته لا يتعاصى عليها ممكن، وعلمه محيط بكل شئ، فلا تعذر إذا، لا من جهة الفاعل، وإلى نفى العذرين أشار القرآن العظيم في قوله تعالى {قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} 236، الآية فنفى التعذر من جهة المعاد القابل بقوله {أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} 237 وأنها قابلة للوجود، بدليل: النشأة (2/181)
صفحة 478
الأولى ويستحيل أن تنقلب الحقيقة من الإمكان إلى الاستحالة، ونفى التعذر من جهة الفاعل بقوله {وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} 238 بصيغتي المبالغة وبقوله" أنشاها"، ثم أرشد إلى الجواب عن شبه المنكرين وعن شبههم: استبعاد جميع الأجزاء إلى أبدانها المخصوصة، بعد اختلاطها بغيرها، كما قالوا: {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} 239 بأنه تعالى عالم بجميعها، غير عاجز عن تأليفها، وخلق الحياة فيها، وقال {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ} 240 الآية ومن شبههم، أيضا أنها إذا صارت ترابا، فقد تغير طبعها عن طبع الحياة، التي هي الحرارة والرطوبة، فرد هذا الاستبعاد بقوله {الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً} 241 إلى غير ذاك_ فإن قيل قد ردك السمع عن أن اللذات الآخرة من جنس لذات الدنيا، كأكل، والشرب، وغيرهما، فتكون أيضا دفعا للألم وخلاصا منه.
قلنا: قد مر جوابه أنها، لو أشبه بعضها لذات الدنيا في الصورة، فلا جرم أنها تخالفها في الحقيقة، كما تقل: أنه لا شركة بينهما، إلا في الأسماء، وحينئذ لا يلزم اشتراكها في دفع الألم.
تنبيهات: الأول: ذهب الفخر: إلى أنه لم يثبت بدليل قطعي عقلي أو نقلى، أن الله سبحانه يعدم الأجزاء ثم يعيدها، واحتج غيره ممن جزم بإعدامها بقوله {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} 242والهلاك هو: الإفناء، والأجزاء من جملة الأشياء، فتكون فانية، وجوابه لا نسلم أن الهلاك هو الفناء فقط، بل التفريق أيضا هلاك. (2/182)
صفحة 479
الثاني: إذا قلنا بعدم الأجزاء فالمعاد عين تلك الأجساد المعدومة لا مثلها، وإلا للزم أن المثاب والمعاقب غير هذه الأجسام، التي أطاعت أو عصت، وهو باطل إجماعا، واختلف في إعادة أعيان الإعراض، والصحيح إعادة أعيانها، ويعاد الوقت أيضا، كما يعاد الجسم عند بعضهم، وكذا الأول، وذلك كما قيل جائز في حكم الله تعالى وقدرته، وهين عليه، ولكن لم يرد بإعادة الوقت خبر، وقد قال الله تعالى دلالة على عدم أعادة الوقت {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} 243 الآية، يعنى غيرها في الوقت، وإلا فالجلود الأوائل بأعيانها التي نضجت هي التي تعاد أبدا إلى تأليفها، أذا تفرق، وأعيانها إذا عدمت، والله أعلم. (2/183)
صفحة 480
المقصد الخامس
هل يعدم الله الأجزاء البدنية؟ ثم يعيدها أو يفرقها ثم يعيد فيها_ التأليف؟ فيه خلاف، قال بعض المحققين: والحق أنه لم يثبت الجزم بذلك، نفيا ولا إثباتا بعدم الدليل على شئ من الطرفين، وما يحتج به على الإعدام من قوله {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} 244 ضعيف كما مر، فإن هلاك كل شئ خروجه عن صفاته المطلوبة منه الشامل للتفريق، وان زوال التأليف الذي به فعل الأجزاء لأفعالها، وتتم منافعها هلاك كذلك، ومثل ذلك يسمى أيضا فناء عرفا، فلا يتم الاستدلال لقوله تعالى {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} 245 على الإعدام أيضا.
قال السيد: أعلم أن الأقوال الممكنة في مسألة المعاد لا تزيد على خمسة، الأول: ثبوت المعاد الجسماني فقط، وهو قول أكثر المتكلمين النافين للنفس الناطقة، والثاني: المعاد الروحاني_ فقط، وهو قول الفلاسفة الإلهيين، والثالث: ثبوتهما معا وهو قول كثير من المحققين فأنهم قالوا: الإنسان بالحقيقة هو النفس الناطقة، وهى المكلف والمطيع والمعاصي والمثاب والمعاقب، والبدن يجرى منها مجرى الآل’، والنفس باقية بعد فساد البدن، فإذا أراد الله سبحانه حشر الخلائق، خلق لكل واحدة من الأرواح بدنا تتعلق به، وتتصرف فيه كما كان في الدنيا، والرابع: عدم ثبوت شئ منهما، وهو قول القدماء من الفلاسفة الطبيعيين، والخامس: التوقف في هذه الأقسام، وهو المنقول عن جالينوس، فإن قال لم يتبين إلى أن النفس هل هي المزاج؟ فينعدم عنه الموت، فيستحيل إعادتها، أو هو جوهر باق بعد فساد البنية؟ فيمكن المعاد حينئذ. (2/184)
صفحة 481
المقصد السادس
في حكاية مذهب الحكماء المنكرين لحشر الأجساد في أمر المعاد، قالوا: النفس الناطقة لا تقبل بعد وجودها، لأنها بسيطة، وهى موجودة بالفعل، فلو ثبت الفناء، لكان للبسيط الذي هو النفس حال كونها موجودة فعل، بالنسبة إلى وجودها، وقوة قابلية بالنسبة إلى فنائها وفسادها، وأنه محال لأنه حصول أمرين متنافين لا يكون إلا في محلين متغايرين، وهو يتأنى البساطة.
وتخليصه: أن الموجود بالفعل لا يكون هو بعينه متصفا بقابلية فناءه، وفساده، لأن القابل يجب بقاؤه مع حصول المقبول، ولا بقاء لذلك الموجود مع الفناء، والفساد، فبين وجود الشئ بالفعل، وقابلية فنائية منافاة، فلا يجتمعان في بسيط، فلو اجتمعا في النفس الناطقة، لكانت مركبة من جزءين، يكون أحدهما قابلا لفسادها، بمنزلة المادة في الأجسام، فأن قيل هي قبل حدوثها معدومة بالفعل، وقابلة للوجود، ولا يمكن اجتماعها، بمثل ما ذكرتم، ولم يلزم من ذلك تركها، قلنا لان المتصف بقابلية وجودها، هو المادة البدنية الحاصلة عند حدوثها، فلا حاجة إلى إثبات مادة الجوهر، والنفس، بخلاف ما نحن فيه، وإذا لم تقبل النفس الناطقة الفناء، كانت باقية بعد المفارقة، ثم أنها أما جاهلة جهلا مركبا، أو أما عالمة، أما الجاهلة فتتألم بعد المفارقة أبدا، كالكافر عندنا، وذلك يشعرها بنقصانها لا مطمع لها في زواله، وإنما لم تتألم قبل المفارقة، لأنها كانت مشتغلة بالمحسوسات منغمسة في العلائق البدنية، ولو لم تكن تعلقاتها ما فيه من الشوائب العادية، والظنون والأوهام الكاذبة لم تنته لنقصانها، وقوات كمالاتها، بل ربما تخيلت (2/185)
صفحة 482
أضداد الكمال كمالا، وفرحت بعقائدها الباطلة، واشتاقت إلى الوصول إلى معتقداتها، وإذا فارقت صفة تعلقاتها وشعرت بفوات كمالاتها، وامتناع نيلها وحصول نقصانها، شعورا لا يبقى فيه التباس.
وأما العالمة: فإما أن تكون لها هيئات رديئة، اكتسبتها بملابسة البدن، ومباشرة الرذائل المقتضية للطبيعة وميلها إلى الشهوات، أولا، فإن كانت تلك الهيئات حاصلة لها، تألمت بها تألما عظيما واشتاقت إلى التي بها اشتياق العاشق الهجور، الذي لم يبق له رجاء بالوصول ما دامت تلك باقية فيها، لكنها تزول عاقبة الأمر، بحسب شدة رسوخها فيها، وضعفها لأنها أنما حصلت لها للركون إلى البدن، وجرت تلك الهيئات للنفس محجتها للبدن، وذلك مما ينوء بطول العهد به ويزول بالتدريج، فتنقطع عقوبتها بها، ومثلها الأشاعرة بالمؤمن الفاسق على رأيهم، وإن لم تكن تلك الهيئات للنفس، كانت عالمة بريئة عن الهيئات الردئيه، التذت بوجدان ذاتها كذلك، أبدا مبتهجة بادراك كمالها باقيا سرمدا، كالمؤمن الموفى عندنا، وعندهم، وأما النفوس الساذجة التي غلبت عليها سلامة الصدر، وقلة الاهتمام بأمر الدنيا فلا عقوبة لها، لعدم شعورها لاء كمالات، وانتفاع اشتياقها إليها، كغير المكلفين، هذا ما عليه جمهور الفلاسفة.
وقال: أهل التناسخ منهم: إنما تبقى مجردة عن الأبدان النفوس الكاملة، التي أخرجت قوتها إلى الفعل ولم يبق شئ من الكمالات الممكنة لها بالقوة، فصارت طاهرة عن جميع العلائق الجسمانية، وتخلصت إلى عالم القدس، وأما النفوس الناقصة التي بقى لها شئ من كمالاتها، (2/186)
صفحة 483
فإنها تتردد في الأبدان الإنسانية، وتنتقل من بدن إلى بدن آخر، حتى تبلغ النهاية فيما هو كمالها، من علومها وأخلاقها، فحينئذ تبقى مجردة مطهرة عن التعليق بالأبدان، ويسمى هذا الانتقال نسخا وقيل: ربما تنازلت إلى الأبدان حيوانا يناسبه في الأوصاف، كبدن الأسد للشجاع، والأرنب للجبان، ويسمى مستنسخا وقيل تنازلت إلى الأجسام النباتية، ويسمى رسخا وقيل: إلى الجمادية كالمعادن والبسايط ويسمى فسخا، وقالوا: هذه التنازلات المذكورات هي: مراتب العقوبات، وإليها الإشارة بما ورد من الأركان السبع في جهنم، هذا ما في المتنازلة منها، وأما المتصاعدة في مرتبة إلى ما هو أكمل منها، فقد تتخلص من الأبدان كلها لصيرورتها كاملة في جميع صفاتها كما مر، وقد تتعلق ببعض الأجرام السماوية لبقاء حاجتها إلى الاستكمال، ولا يخفى أن ذلك كله رجم وتخيل، وظنون بمقتضى الوهم، بناء على قدم النفوس وتجردها وقد أبطلناها كما عرفت.
قال الفخر: وأما القائلون بالمعاد الروحاني والجسماني معا، فقد أرادوا أن يجمعوا بين الحكمة والشريعة، دل العقل على أن سعادة الأرواح بمعرفة الله سبحانه، ومحبته، وأن سعادة الأجسام في إدراك المحسوسات، والجمع بين السعادتين في هذه الحياة غير ممكن، لأن الإنسان مع استغراقه، وفي تجلى أنوار عالم الغيب، ولا يمكنه الالتفاف إلى شئ من اللذات الجسمانية، ومع استغراقه إلى استيفاء هذه اللذات لا يمكن أن يلتفت إلى اللذات الروحانية، وأما تعذر هذا الجمع، فلكون الأرواح البشرية ضعيفة في هذا العالم، فإذا فارقت بالموت واستمدت من عالم القدس، فالطهارة قويت وكملت، فإذا أعيدت (2/187)
صفحة 484
إلى الأبدان مرة ثانية كانت قوية قادرة على الجمع بين الأمرين، ولا شبهة في أن هذه الحالة هي الغاية القصوى بين مراتب السعادات.
وأما المنكرون للمعاد مطلقا فهم الذين قالوا: النفس هي المزاج، فإذا مات الإنسان، فقد عدمت النفس، وإعادة المعدوم عندهم محال، وقال أيضا: مسألة المعاد، مبنية على أركان أربعة، وذلك أن الإنسان هو العالم الصغير، وهذا العالم هو الكبير، والبحث عن كل منهما، إما بتخريبه أو تعميره، فهذه مطالب أربعة_ الأول: كيفية تخريب العالم الصغير، وهو بالموت؟ والثاني: أنه تعالى كيف يعمره بعد ما خربه؟ وهو أنه يعيده كما كان حيوانا عاقلا ويوصل إليه الثواب والعقاب، والثالثة: أ، ه كيف يخرب هذا العالم الكبير؟ وتخريبه إما بتفريق الأجزاء أو بالإعدام والإفناء، والرابع: أنه كيف يعمره بعد تخريبه؟ والله أعلم. (2/188)
صفحة 485
المقصد السابع
في الصراط، قالت الحشوية: ومن تأسى بهم، الصراط جسم ممدود على متن جهنم، يرد الأولون والآخرون، وورد أنه أدق من الشعرة، وتكون سرعة الناس عليه على قدر أعمالهم، ومن أمسك السموات والأرض أن تزولا، قادر أن يسير العباد معتمدين على شئ وعلى غير شئن فلا معنى للشك في ثبوته، أو التعرض للتأويل على خلاف الظاهر، كما سلكته المنزلة، هذا كلامهم وما قالوه: أنه وارد فيه غير ثابت عندنا، وعند المعتزلة، بل مما زين لهم الشيطان في أحاديثهم الكذبة المخالفة لظاهر القرآن العظيم، فوجب الحمل عليه لقوله صلى الله عليه وسلم" بلوت اليهود فوجدتهم قد كذبوا على أخي موسى، وبلوت انصارلى فوجدتهم قد كذبوا على لأخي عيسى، وسيكذب على من هدى فما جاءكم عنى فاعرضوه على كتاب الله عز وجل، فما وافقه فهو عنى، وأنا قلته، وما خالفه فهو ليس عنى، ولم أقله، وكيف أخالفه وبه هداني ربى" وكيف لا يجب الحمل على ما في كتاب الله عز وجل، من أن الصراط هو دين الله سبحانه في جميع ما نطق به القرآن، فهو حمل على ما قاله أهو الحشو لنا في قوله عز وعلا {لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} 246 الآية وقوله {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ} 247 الآية {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} 248 {أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} 249 في أمثال ذلك، نعم ما وصفوه به في الحديث، رووه من آه أرق وأدق من الشعرة، وأحد من السيف.
فلو سلم ثبوته فهو من صفات الدين، فأنه أدق شئ من حيث أنه لا يوافق الهوى ولا الشهوات، فلذلك كان يشبه بالمصوفات ضرورة أنه (2/189)
صفحة 486
لا يميز بين صفاته المستقيمة، إلا ذو الحجى والنهي والبصيرة النافذة، مع عون الله وتوفيقه لقوله صلى الله عليه وسلم" إن الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل في صخرة صماء في ليلة ظلماء" وقال: أيضا " إلا أن الشرك بضعا وسبعين بابا" وقال أيضا" أن هذا الدين متين فكل من شدة يغلبه فعليكم بالقصد فيه لتبلغوا، بأن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى" فكل ذلك تمثيل مناسب لما قلنا، أو ما نسبوه إلى الله سبحانه من القدرة عليه، فأمر مجمع عليه، فلما لم يثبت عندنا ما ردوه، حملنا الصراط على ما نطق به التنزيل، وأساغة التأويل، بعد تسليم الورود يكون عليه التعويل، نعم المراصد ثابتة، كما يعلم أمرها بالموقف على شرح النونية،
وغيرها. (2/190)
صفحة 487
المقصد الثامن
في الميزان، وهو حق نطق به القرآن والسنة، غير أنه ليس على ما زعموه أيضا من أنه بعمود وكفتين، فالموزون فيه قالوا: صحف الأعمال، أو مثالات يخلقها الله سبحانه ويزنها على قدر أجود الأعمال، وما يتعلق بها من ثوابها وعقابها، وإنما المراد عندنا وعند معظم المعتزلة من الميزان، اعتبار الحسنات وتمييزها من غيرها، والعدل الذي وضعه عز وعلا بين خلقه {الْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} 250 كما قال {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} 251 {للَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} 252, {َأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ} 253 الآية، يعني العدل بين عباده، وكل ذلك تمثيل يجب الحمل عليه كما يقال: اجعلوا بيننا ميزانا يعدل بيننا، مراد به قاضيا عادلا، ولا ضرورة تدعوا إلى الميزان المتعارف، لما أنه إنما يحتاج إليه من لا يعرف مقادير الأشياء، وأراد معرفتها، والله سبحانه وتعالى غني على الإطلاق، محيط علمه بكل شيء، فإنه يحكم فيهم وعليهم بسرائرهم، وما تخفى صدورهم.
وأيضا أن أفعال العباد: أعراض لا تقبل الخفة والثقل، ونحو ذلك من: الإعادة، والبقاء، إلى أن يقال أنها تجسم، كما قدمنا، والخطب في ذلك يسير، وهذا مما نؤمن به قطعا، ونحمله ظاهرا على اللائق، وعلم الحقيقة لعلام الغيوب، والحاصل أن وزن كل شيء بما يليق، وفال الجبابي: يخلق الله جواهر على أعداد الأعمال الصالحة وضدها، وقال ابن المعتم: يجوز ما ذكره الأشاعرة، ولا نقطع به سمعا، ثم هل الوزن خاص بالمؤمنين، أم عام بهم، والكافرين، ويكون معنى قوله تعالى {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً} 254، أي نافعا، فيه تردد للعلماء. (2/191)
صفحة 488
المقصد التاسع
شفاعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: حق ثابت للمسلمين، عندنا، وعند المعتزلة دون من سواهم من أهل الكبائر، قالوا: لا، لوجوب ما قد زال ولا لزوال ما قد وجب، وهى كرامة من الله سبحانه، دون سواه من الأنبياء، وهى شفاعته العظمى، وذلك أن الخلق إذا فرغوا من الحساب، أستأذن المسلمون من يشفع لهم إلى الله سبحانه وتعالى أن يأذن لهم في الدخول إلى منازلهم في الجنة، فيطلبونها من آدم أولا، ثم من نوح، ثم من إبراهيم، وكلهم يدفعهم إلى غيره، حتى تصل إلى سيد الأولين والآخرين، ولا تحرمنا يأرب شفاعته بفضلك، لا يعلمنا فيطلبونه، فيدعوا مولاه فيعطيه مفاتيح الجنان، وهو المراد من قوله تعالى {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} 255 وهو الذي يحمده الأولون والآخرون، وليست هذه الشفاعة لأهل الكبائر من أمته على ما زعمه القوم، وله شفاعة أخرى سوى تلك، على ما يعلم بالوقوف عليه في غير مختصرنا، ولشهرة ذلك تركنا التعرض له، وقد استفاض وأشتهر ثبوت الحوض له، جعلنا الله من الواردين له بفضله، لكن اختلف العلماء في أنه قبل الحساب، أو بعده، وفي أنه واحد أو حوضان، والله أعلم، والكلام عليه معلوم في محله، وكذا تطاير الصحف وأخذها والكل يجب الإيمان به. (2/192)
صفحة 489
المقصد العاشر
أعلم: إنما يجوزه العقل، إذا أخبر الشرع بوقوعه يجب أن نؤمن به على ظاهره، وندع تأويله، إذ هو مع ذلك بدعة، وأما ما أخبر به، وكان ظاهرة مستحيلا، في العقل، بأن نصرفه عن ظاهرة الممتنع، لانا نعلم قطعنا أن الشرع لا يخبر بوقوع، ما لم يمكن وقوعه، فلو كذبنا العقل في هذا، وعلمنا بظاهر النقل المستحيل، لأدى ذلك إلى لانهدام النقل أيضا، لأن العقل أصل لثبوت النبويات، التي يتفرع عنها صحة النقل، فيلزم إذا من تكذيب العقل تكذيب النقل، ثم بعد صرف اللفظ عن ظاهرة الممتنع، أن لم يمكن له بعد ذلك إلا تأويل واحد صحيح، تعين الحمل عليه، لعدم وجود غيره، وذلك مثل قوله تعالى {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} 256 والرعاية، ونظيره {إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} 257 الآية، ونحو ذلك مما هو كثير وأن كان له بعد ذلك تأويلات، كل واحد منها مستقيم.
فهل يتعين واحد منها؟ ليندفع اللبس به من العوام؟ وهو مذهب بعضهم كالجوينى، ويوقف عن التعيين ويفوض الأمر إلى الله سبحانه، رفعا للتحكم اللازم من التعين، وهو مذهب الأقدمين من الأشاعرة، وذلك مثل قوله {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 258 فإن الاستواء بمعنى الاستقرار المكاني محال في حقه تعالى، ويبقى بعد ذلك تأويلات صحيحة، أحدها: أن يكون استوي بمعنى استولى عليه بتصريف كيف يشاء، والثاني: أن يكون بمعنى قصده، بمعنى أنه قصد إلى شئ هنالك، الثالث: أن تكون على بمعنى الباء، واستوي بمعنى كمل، أي كمل خلق ما ذكر بالعرش، الرابع: أن المستقر فوق العرش مخلوق من مخلوقاته تعالى، أي خلق ما ذكر الشامل للعرش، وخلق استوي فوقه وهو اعزها، والله أعلم. (2/193)
صفحة 490
المقصد الحادي عشر
اختلف الناس، في نفوذ الوعيد، على ثلاثة مذاهب، الأول: أن الوعيد الوارد في الكتب الإلهية، إنما جاء للتخويف فقط، لا لفعل الإيلام، وهو قول الباطنية، واحتجوا بقوله تعالى {ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ} 259 ولا يخفى فساده، فان التخويف المذكور في الآية، أنما هو في الدنيا، ويقع المخوف به في الآخرة، وبأن الحليم أرحم الراحمين، كيف يعذب حيوانا ضعيفا تعالى نفع في عمل أحد، أو ضرر به، وأيضا فالأفعال كلها واقعة بإرادته تعالى، وخلقه لا أثر للعبد في شئ منها، وهذا الكلام مهم مبنى على التحسين العقلي، وهو باطل، وعلى طلب الاطلاع على سر القدرة، وهو مما نهينا عن الغوص فيه، وقد قال صلى الله عليه وسلم" إذا ذكر القدر فأمسكوا" والله سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا علم لنا بشئ إلا أن يعلمنا الله سبحانه بفضله.
الثاني: العذاب إنما يحصل في حق المشرك دون الموحد، مذهب المرجئة، وجزموا بنفي عقاب من مات من أهل الكبائر قبل أن يوفق للتوبة، واحتجوا بقوله تعالى {إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالْسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ} 260 المراد بهم من ذكر، ودخول النار خزي بدليل {مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} 261 الآية، فهو إذا خاص بالكافرين وبقوله {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى} 262، والألف واللام في العذاب للعموم وبقوله {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا} 263* الآية، وبقوله {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} 264 وبقوله {وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} 265 (2/194)
صفحة 491
والكفور لفظ مبالغة، فوجب أن يختص به الكافر، المراد به من ذكر كما مر، لا يقال يعارض قوله {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} 266 لانا نقول، يرجح عند التعارض، أي الوعد على أي الوعيد، لأن رحمته وفضله أغلب، وبقوله {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} 267 الآية وبقوله {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ} 268 الآية.
وبقوله {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا} 269 الآية، والمراد منهم المؤمنون، لأن الإضافة تشعر بالتشريف ولا شرف للكافرين.
والجواب عن الجميع: أن الآيات المخصصة العذاب بالكافر، مراد بها، عذاب خزي خاص، وهو: الذي يقتضى الخلود ولا فلاح بعده، وعلى هذا، أصل الأشاعرة، وأما على أصلنا، فالمراد بالكافر في ذلك: القدر المشترك كما عرفت، وأنم المراد من {يَا عِبَادِيَ} 270 الآية، العموم، والمراد منه الخصوص، وأيضا أنه أريد به الحث على التوبة، والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، وأن لا يقنطوا بمواقعه الذنب من رحمة الله حتى يصدهم ذلك عن التوبة، ويدل عليه قوله {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} 271 الآية, الثالث: أن العذاب ثابت حسن في حق الكافرين، وعصاه المؤمنين عندنا وعند الأشاعرة والمعتزلة، غير أن حسنه عندهم من جهة العقل، وعند غيرهم من جهة الشرع عل ما عرفت قبل، ولا يخفى عليك الخلاف السابق في المذهب.
وبالجملة: فالناس ضربان: مقر، وجاحد: مخلد في النار بالإجماع، والمقر ضربان: محفوظ من المعاصي عمره، وغير محفوظ، والأول في الجنة بالإجماع، والثاني: صاحب صغائر، أو صاحبها، (2/195)
صفحة 492
صاحب كبائر تائب منها، وغير تائب، والأولاد أيضا في الجنة بالإجماع، والثالث: في المشقة عند الأشاعرة: وهو الذي لا يخلد في النار، أن دخلها بمعدلها، وعندنا وعند المعتزلة مقطوع به، من أل النار مخلدا فيها، وفي كلام الإمام أبى يعقوب ما يطمع_ للمتمادي أن خرمته النية، فأنظر الدليل، ونحن عرضنا فيما هو مشهور، وعلمه مفصل في الكتاب والسنة، وكتب علماء الأمة، فتدبر ذلك والله هو الموفق إلى الصواب. (2/196)
صفحة 493
المقصد الثاني عشر
في الجنة والنار، وقد اختلف الناس، في أنهما مخلوقتان الآن، أولا، ذهب أكثر أصحابنا الأشاعرة، والجبائى، وبشر بن المقسم وأبو الحسين البصري، إلى أنهما مخلوقتان الآن، وأنكره جمهور المعتزلة وبعض أصحابنا، وقالوا: أنهما مخلوقتان يوم الجزاء، واحتج الأولون بوجهين، الأول: قضية آدم وحواء، وإسكانهما الجنة، وإخراجهما منها بالزلة، على ما نطق به الكتاب، وإذ كانت الجنة مخلوقة، كانت النار كذلك، إذ لا قائل بالفرق الثاني، قوله في صفتهما {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} 272، أعدت للكافرين، بلفظ الماضي، وهو صريح في وجودهما، ومن تتبع الأحاديث الصحيحة، وجد فيها كثيرا مما يدل على وجودها دلالة ظاهرة.
وتمسك عباد الضميري، من الآخرين، في استحالة كونهما مخلوقين في وقتنا هذا، بدليل العقل، وأبو هاشم بدليل النقل، إذ ليس عنده للعقل دلالته على ذلك، قال عباد: إن وجدتا، فإما في عالم الأفلاك، أو العناصر، أو في عالم آخر، والأقسام الثلاثة باطلة، أما الأول: فلان الأفلاك لا تقبل الخرق والالتئام، فلا يخالطها شئ من الكائنات الفاسدة، وهما على الوجه الذي يثبتونه، من قبيل ما يكون ويفسد، أي من قبيل الكون والفساد، وأما الثاني: فلانة قول بالتناسخ، لأن النفوس تعلقت حينئذ بأبدان موجودة، في العناصر، بعد أن فارقت أبدانا فيها وأنتم لا تقولون به، وقد أبطل أيضا بدليله كما مر، وأما الثالث: فلان الفلم بسيط، وشكله كروي، فلو وجد عالم آخر لكان كرويا أيضا. (2/197)
صفحة 494
فيفرض بينهما خلاء، سواء تباينا أو تماسا، أنه ومحال وأنت خبير بأن هذا دليل لمن وجودهما مطلقا، لا لمن نكر وجودهما في الحال فقط، وأجاب الأولون: بأنا لا نسلم امتناع الخرق والالتئام على الأفلاك، ودليله مذكور في الموافق، ولانا لا نسلم أنه في عالم العناصر قول بالتناسخ، وإنما يكون كذلك، لو قلنا باعدتها في أبدان أخرى، وبأنا لا نسلم استحالة وجود عالم آخر، وقد مر دليله.
واحتج أبو هاشم بوجهين: الأول: قوله تعالى في وصف الجنة (أكلها) أي مأكولها دائم، مع قوله تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} 273، فلو كانت الجنة مخلوقة، وجب إهلاك أكلها، لاندراجه فيما حكم عليه بالهلاك، فلم يكن دائما، هو مطلوب بالآية الأولى، فتعين أنها ليست مخلوقة الآن، فكذا النار.
الجواب: أن أكلها دائم على البدل، بمعنى أن كلما فني منه شئ جيء ببدله، فأن دوام أكل بعينه غير متصور، لأن إذا أكل فقد فني، ودوام أكله على سبيل البدل لا ينافى هلاكه.
ونقول المراد بهلاك كل شئ: أنه هالك في حد ذاته فضعف الوجود الإمكاني، فالتحق بالهلاك المعدوم، ونقول: أن الجنة والنار تقدمان بتفريق أجزائها، فتكونان دائمين ذاتها، هالكتين صورة في آن واحد.
والثاني: لقوله تعالى، في وصف الجنة أيضا،" عرضها السموات والأرض" ولا يتصور ذلك إلا بعد فناء السموات والأرض، لامتناع تداخل الأجسام. (2/198)
صفحة 495
والجواب: أن المراد أن عرضها كعرض السموات والأرض لامتناع أن يكون عرضها، لا حال البقاء، لامتناع أ يكون عرضها هو عرضها, لا حال البقاء, ولا بعد الفناء, إذ يمتنع قيام عرض واحد بشخصين، بمحلين موجدين معا, أو أحدهما موجود، والآخر معدوم، والتصريح بالآية الأخرى، بأن عرضها كعرض السموات والأرض، فتحمل تلك عليها، كما يقال أبو يوسف أبو حنيفة، أي مثله، والله أعلم بحقيقة الحال.
الخاتمة في ذكر الفرق
التي تفرقت إليها هذه الأمة, وقد أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله (فترقت المجوس إلى سبعين فرقة, واليهود إلى إحدى وسبعين فرقة, وافترقت النصارى إلى اثنين وسبعين فرقة, وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة, كلها هالكة ما خلا واحدة ناجية, وهي ما أنا عليه وأصحابي) , وكان ذلك من معجزاته صلى الله عليه وسلم, حيث وقع ما أخبر به وكلهم يدعي تلك الناجية.
أعلم: أنه كان المسلمون عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم, على عقيدة واحدة, وطريقة واحدة, ثم نشأ الخلاف بينهم أولا, في أمور اجتهادية لا توجب إيمانا, ولا كفرا, وكان غرضهم منها, إقامة مواسم الدين, وإدامة مناهج الشرع القويم, وذلك كاختلافهم في موته, وفي موضع دفنه, وفي إرثه, وفي الأمانة, ونحو ذلك مما يكثر الكلام عليه, وكان الخلاف يتدرج ويرتقي شيئا فشيئا, إلى آخر أيام الصحابة, حتى ظهر معبد الجهني, وغيلان الدمشقي, ويونس ألأسواري, وخالقوا في القدر, وإسناد جميع الأشياء إلى تقدير الله عز وجل, ولم يزل الخلاف يتشعب, والآراء تتفرق, حتى تفرق أهل (2/199)
صفحة 496
الإسلام وأرباب المقالات إلى الثلاثة والسبعين, وإذا عرفت ذلك, فنقول: قد اختلف الناس في وجه تفريقها على طرق, فلنقتصر على ذكر طريقتين منها, ومعتمدين على الثانية منها, كما سنقف على بيانها.
الأولى: إنها ذكر بعضهم, أن منها عشرين في المرجئة, وأربعة, وأربعة وعشرون في الشيعة, وسبعة في الحكمة, واثنتي عشر في المعتزلة, وقد نظمها شيخنا, في بيت وقال:
يز ... ومحكم ... شيعي ... فكل
معتز ... ويب ... لمرجئ ... وكاف
والثانية: هي التي قررها, العضد في المواقف, وسلكها معه شارحه السيد, وإنما ذكرتها مع ما فيها من التطويل في بيانها, لما أني لم أرى من تعرض له مثله, وإن تعرض له صاحبه كشف الغمة فيما تشاجرت فيه الأمة, ولقد شفا وكفى رحمه الله, وإن كان لا على ذلك الوجه, وقد نقلت بعض كلامه منبها عليه, ولتعلم أنك على الحق فيما كانت عليه, وأن الناجية بما حصل لها النجاة, وأن الباقي منها بما استوجب الهلاك, قال: أعلم أن كبار الفرق الإسلامية ثمانية: المعتزلة, والشيعة, والخوارج والمرجئة, والنجارية, والجبرية, والمشبهة, والناجية.
المعتزلة وهم عشرون فرقة
الفرقة الأولى: المعتزلة, أصحاب واصل بن عطاء الغزال, اعتزل عن مجلس الحسن البصري, وذلك أنه دخل على الحسن رجل فقال: يا إمام الدين ظهر في زماننا جماعة يكفرون صاحب الكبيرة, يعني يشركونه, وهم الخوارج, وجماعة أخرى يوجبون الكبائر, ويقولون (2/200)
صفحة 497
لا تضر مع الإيمان معصية, كما لا تنفع مع الكفر طاعة, فكيف تعتقد في ذلك؟ فتفكر الحسن, وقبل أن يجيب, قال واصل: أنا لا أقول صاحب الكبيرة مؤمن مطلقا, ولا كافر مطلقا, ثم قام إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد, وأخذ يقرر على جماعة من أصحاب الحسن, ما أجاب به من أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر, ويثبت المنزلة بين المنزلتين قائلا: إن المؤمن اسم مدح, والفاسق لا يستحق المدح, فلا يكون مؤمنا, وليس بكافر لإقراره بالشهادتين, فإذا مات بلا نوبة خلدني النار, إذ ليس في الآخرة إلا فريقان, فريق في الجنة, وفريق في السعير لكن يخفف عليه, فتكون دركته فوق دركات الكفار.
وأنت خبير: بأن الخلاف بيننا وبينه لفظي, على ما مر, فإنه يسميه فاسقا ويثبت الواسطة, ونحن: لا نقول بها, بل: إنه كافر كفر نفاق, فإن ندين بأن منزلة النفاق بين منزلة الإيمان ومنزلة الشرك, وبأن المنافقين ليسوا بمؤمنين ليسوا ولا بمشركين, وبأن المشركين ليسوا بمؤمنين ولا بمشركين, وبأن المشركين ليسوا بمؤمنين ولا بمنافقين, وبأن المؤمنين ليسوا بمشركين ولا بمنافقين, ومن سمى كل واحد منهم باسم صاحبه فقد كفر, وبأن لا منزلة بين منزلتي الإيمان والكفر, فقال الحسن عند ذلك: اعتزل عنا واصل, فسمى هو وأصحابه معتزلة, ويلقبون بالقدرية لما عرفت, وقالوا: هم أن من يقول بالقدر خيره وشره, أنه من الله أولى باسم القدرية منا, ويرده قوله صلى الله عليه وسلم:" القدرية مجوس هذه الأمة" وقوله خصماء الله في القدر, ولا خصومة للقائل بالتفويض وتعبوا أنفسهم بأصحاب العدل والتوحيد, بقولهم بوجوب الصلاح والإصلاح, ونفى زيادة الصفات على الذات, على (2/201)
صفحة 498
ما عرفت, وبأن القدم أخص وصف لله, لا يشاركه فيه غيره, وبأن كلامه محدث, وبأنه لا يرى مطلقا, وبأن الحسن والقبح عقليان, وبوجوب رعاية الحكمة والمصلحة في أفعاله سبحانه, وبوجوب الثواب والعقاب عقلا, ثم بعد اتفاقهم على ذلك, افترقوا على عشرين فرقة, كل واحد تكفر الأخرى ونفسها.
الأولى: منهم الواصلية القائلون: باستناد أفعالهم إلى قدرهم, وبامتناع إضافة الشر إلى الله تعالى, وبالمنزلة بين المنزلتين, وبتخطئة أحد الفريقين, من عثمان وقاتليه, وبتجويز أن يكون عثمان لا مؤمنا, ولا كافرا, وأن يخلد في النار, وكذا على ومقاتلوه, وحكموا بأن عليا وطلحة والزبير بعد وقعة الجمل لو شهدوا على بقلة, لم تقبل شهادتهم, كشهادة المتلاغيين, وتفطن أنت أن أتقنت مذهبك, لما وافقوا عليه, ولما خالفوا.
الثانية: العمرية أتباع عمرو بن عبيد, هم مثل الواصلية فيما مر, إلا أنهم عمموا في تفسيق الفريقين في قضية عثمان وعلي.
الثالثة: الهذيلية: أصحاب أبو الهذيل بن حمدان العلاف, شيخ المعتزلة, أخذ عن عثمان بن خالد الطويل, وعن واصل بن عطاء أيضا قالوا: بفناء مقدورات الله تعالى, وهو قريب من قول الجهمية, وقالوا: إن حركات أهل الجنة ضرورية, مخلوقة لله سبحانه, إذ لو كانت مخلوقة لهم, لكانوا مكلفين, ولا تكليف في الآخرة, وإن أهل الخالدين: تنقطع حركاتهم, ويصيرون إلى جمود دائم, ويجتمع في ذلك السكون, اللذات لأهل الجنة, والآلام لأهل النار, وإنما أرى كتب (2/202)
صفحة 499
هذا, لأنه التزام في حدوث العالم, إنه لا فرق بين الحوادث لا أول لها, وحوادث لا آخر لها, وقيل: إنه قدري الأولى, وجهمس الآخرة, وأن صفات الله غير ذاته, سوى إرادته, فإنها عندهم حادثة لا في محل, وبعض كلامه لا في محل, وهو قوله" كن", وبعض في محل: هو الأمر والنهي, ونحوهما وبأن إرادته غير المراد, وأن الحجة لا تقوم فيمن غاب, إلا بخبر عشرين, وفيهم واحد أو أكثر من أهل الجنة, ولأنه لا تخلو الأرض من أولياء الله, وهم معصومون.
الرابعة: النظامية: أصحاب إبراهيم بن سيار النظام, وهو من شياطين المعتزلة, طالع كتب الفلاسفة وخلط كلامهم بكلام المعتزلة, قالوا: لن يقدر الله على أن يفعل بعباده في الدنيا ما لا صلاح لهم فيه, ولا أن يزيد في الآخرة, أو ينقص من ثواب أو عقاب, وغاية تنزيهه عن القبائح, لا يكون إلا بسلب قرته عليها, فهم في ذلك كمن نفر من المطر إلى الميزاب, وكونه مريدا لفعله, أنه خالقه على وفق علمه, ومريدا لفعل العبد, أنه أمر به, وأن الإنسان: هو الروح, والبدن, أخذ هذا من الفلاسفة, ومال إلى الطبيعيين منهم, فقال: الروح جسم لطيف, سار في البدن سريان ماء الورد في الورد, والدهن في اللبن, والسمسم, وإن الأعراض: أجسام, والجوهر ما لف من الأعراض, والعلم: مثل الجهل, والإيمان مثل: الكفر في تمام الماهية, وهي: حصول الصورة في القدرة العاقلة, والامتياز بينهما, بأمر خارجي, وأن الله خلق الخلود دفعة, والتقدم والتأخر إنما هو: الكمون والظهور, وأن نظم القرآن ليس بمعجز, إنما الإعجاز: بالصرف, والإخبار بالغيب كما مر, والتواتر: يحتمل الكذب, والإجماع, والقياس ليس بحجة, وأنه لا يفسق من خان بالسرقة, فيما دون النصاب. (2/203)
صفحة 500
الخامسة: الأسوارية: أصحاب ألأسواري, وافقوا النظامية فيما مر, وزادوا أن الله لا يقدر على ما أخبر بعدمه, أو علم, والعبد: قادر عليه, وأن قدرته صالحة للضدين.
السادسة: الإسكافية: أصحاب أبي جعفر الاسكافي, قالوا: إن الله لا يقدر على ظلم العقلاء, بخلاف ظلم الصبيان والمجانين, فإنه يقدر عليه.
السابعة: الجعفرية: أصحاب جعفر بن جعفر بن مسير بن حريب, وافق الإسكافية, وزادوا أن في فساق الأمة من هو شر من الزنادقة, والمجوس, والإجماع على حد الشارب خطأ, لأن المعتبر في الحد هو: النص, وسارق الحبة منخلع عن الإسلام.
الثامنة: البشرية, أتباع بشر بن المعتمد المحدث, للعقول بالتولد, قالوا: الأعراض تقع متولدة في الجسم, من فعل الغير, كما إذا كانت أسبابها من فعله, وأن القدرة والاستطاعة سلامة البنية, وإن الله قادر على تعذيب الطفل, ولو عذبه لكان ظالما, ولا يستحسن في حقه, فيقال: لو عذبه لكان الطفل بالغا عاقلا عاصيا, وفيه تناقض ظاهر.
التاسعة: المزدارية: هو أبو موسى عيسى بن صبيح المزدار, وهو تلميذ بشر, وتزهد حتى سمى راهب المعتزلة, قال: إن الله قادر على أن يكذب ويظلم, ولو فعل, لكان إلها كاذبا ظالما تعالى ربنا عن ذلك, ويجوز أن يقع فعل من فاعلين تولد مباشرة, وأن الناس قادرون على مثل القرآن, وأحسن منه نظما وبلاغة, كما قاله النظام وقد يكفر (2/204)
صفحة 501
القائل بقدمه, وملابس السلطان كافر, لا يرث ولا يورث, وكذا من قال بخلق الأفعال وبالرؤية.
العاشرة: الهشامية: وهو هاشم بن عمر البوطي, المبالغ في القدر أكثر من مبالغة سائر المعتزلة, قالوا: لا يطلق اسم وكيل الله سبحانه, لاستدعائه موكلا, ولم يعلموا أنه بمعنى الحفيظ, وأن الأعراض لا تدل على الله, ولا على رسوله, وأنه لا دليل له في القرآن على حلال وحرام, وأن الإمامة لا تنعقد مع الاختلاف, وأن عثمان لم يحاصر ولم يقتل, وإن من أفسد صلاة في آخرها وقد افتتحها بشروطها فأولها معصية منهي عنها.
الحادية عشر: الصالحة: أتباع الصالحي, جوزوا قيام العلم, والقدرة, والإدارة, ونحوها بالميت, وخلو الجوهر عن الأعراض.
الثانية عشر: الحائطية: أصحاب أحمد بت حائط, وهو من أصحاب النظامية, قالوا: أن للعالم ألهين قديما, هو الله, وحادثا هو: المسيح, وأن المسيح هو الذي يحاسب الناس في الآخرة, وهو المراد من قوله {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ} الآية274, وهو الذي يأتي في ظل من الغمام, وهو المعنى بقوله عليه السلام" أن الله خلق آدم على صورته" وبقوله" حتى يضع الجبار قدمه", الحديث ويسمى المسيح, لأنه درع الأجسام وأحداثها, قال ألأمدي: وهؤلاء مشركون.
الثالثة عشرة: الحدبية: أتباع فضل الحدبي, قالوا: بقول الحائطية, وزادوا التناسخ, وأن كل حيوان مكلف من تخليط طويل. (2/205)
صفحة 502
الرابعة عشرة: المعمرية: أصحاب معمر بن عباد السلمي, قالوا: إن الله لم يخلق غير الأجسام, ومن العجب أن حدوث الأجسام وفنائها عنده من الأعراض, فكيف يقول من فعل الأجسام؟ وهو المشهور بصاحب المعاني, إذ جوز أيضا وصف المعاني بالمعنى, وقيامه به إلى غير نهاية, وقالوا: إن الله لا يوصف بالقدم, لأنه يدل على التقدم الزماني, والله ليس بزمان, وأنه لا يعلم بنفسه, لاستلزامه الإتحاد, وأن الإنسان لا فعل له غير الإرادة.
الخامسة عشرة: الثمامية: أتباع ثمامة بن الأشرس النميري قالوا: الأفعال المتولدة لا فاعل لها, إذ لا يمكن استنادها إلى فاعل السبب, لاستلزامه إسناد الفعل إلى الميت, فيما إذا رمى سهما إلى شخص ومات قبل وصوله إليه, ولا إلى الله تعالى, لاستلزامه صدور القبيح عنه, وأن المعرفة متولدة من النظر, وأنها واجبة قبل الشرع, وأن النصارى, واليهود, والزنادقة يصيرون ترابا, لا يدخلون جنة, ولا نارا, وكذا البهائم, والأطفال, وأن من لا يعلم من الكفار خالقه والعالم فعل الله بطبعه, قال السيد: كأنهم أرادوا به, ما يقوله الفلاسفة من الإيجاب, ويلزم قدم العالم, وإن كان ثمامة في زمان المأمون, وله عنده منزلة.
السادسة عشرة: الخياطية: أصحاب أبي الحسن بن أبي عمر الخياط, قالوا: بالقدر, أي إسناد الأفعال إلى العباد, وتسمية المعدوم شيئا ثابتا, متقررا في حال العدم, وجوهرا وعرضا, أي الذوات المعدومات كالثابتة, متصفة بصفات الأجناس حال العدم, وأن إرادة (2/206)
صفحة 503
الله تعالى كونه قادرا غير مكره ولا كاره, وهي أفعال نفسه الخلق, أي كونه خالقها, وفي أفعال عباده الأمر بها.
السابعة عشرة: الجاحظية: أصحاب عمر بن بحر الجاحظ, وهو ممن مزج الفلسفة بالكلام, وهو غاية في البلاغة, ونهاية في البراعة, قالوا: المعارف كلها ضرورة, ولا إرادة في الواحد منا, إنما إرادته بفعله عدم السهو, وبفعل الغير الميل إليه, وأن الأجسام ذات طبائع مختلفة له آثار مخصوصة كما يقوله الطبائعيون, ويمتنع انعدام الجوهر, وإنما تتبدل الأعراض, والجوهر باقية بحالها, كما قيل في الهيولي, والنار تجذب إليها أهلها, بمعنى أنه يجذب إلى نفسها أهلها, وأنهم يصيرون إلى طبعها ولا يخلدون فيها, عقبا ولا أن الله يدخلهم فيها, والقرآن جسد ينقلب تارة رجلا, وتارة إمراة.
الثامنة عشرة: الكعبية: أتباع, أبي القاسم محمد الكعبي, كان معتزلة بغداد, وتلمذ من الخائط, قالوا: فعل الرب سبحانه واقع, بغير إرادته, فإذا قيل: إنه مريد لأفعاله, أريد أنه خالق لها, ولأفعال غيره, أريد أنه أمر بها.
التاسعة عشرة: الجبائية: أصحاب أبي علي بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي, وهو من معتزلة البصرة, قالوا: إرادة الرب سبحانه حادثة, لا في محل, وأنه متكلم بكلام يخلقه في جسم, وأنه لا يرى, والعبد خالق, وصاحب الكبيرة, لا مؤمن ولا كافر, وهو خالد في النار إن مات بلا توبة, ولا كرامات للأولياء, ويجب على الله إكمال عقل من كلف, وأن يهب له أسباب التكليف, والأنبياء معصومون, وشاركه في ذلك (2/207)
صفحة 504
ابنه أبو هاشم, ثم انفرد الجبائي: بأن الله عالم بلا صفة, ولا حالة توجب العالمية, وكونه سميعا بصيرا, معناه أنه حي لا آفة به, ويجوز الإيلام للعضو.
المتممة عشرين: الهشمية: أتباع هشام بن هبد السلام, انفرد عن ابنه بإمكان استحقاق الذم, والعقاب بلا معصية, مع كونه خارق للإجماع في ذلك, وكذا للحكمة أيضا, وبأنه لا توبة عن كبيرة مع الإصرار على غيرها, والعلم بقبحه, ولا توبة مع عدم القدرة, ولا يتعلق علم واحد بمعلومين على التفضيل, ولله أحوال لا معلومة ولا مجهولة, ولا قديمة ولا حديثة, وفيه تناقض.
فرقة الشيعة وهم اثنان وعشرون فرقة
الفرقة الثانية: من الكبار الشيعة: وهو اثنتان وعشرون فرقة, يكفر بعضهم بعضا, أصولهم ثلاث فرق غلاة, وزيديه, وإماميه, أما الغلاة: فثمان عشرة فرقة.
الأولى السبائية: أتباع عبد الله بن سبأ, قال: لعلي بن أبي طالب, كنت ألآله حقا, فنفاه علي, وقيل كان يهوديا فأسلم, وكان في اليهودية يقول: في يوشع بن نون, وفي موسى, مثل ما قال في علي, وهو أول من أظهر القول: بإمامة علي, ومنه تشعبت أصناف الغلاة, قال: إن عليا لم يمت, وإنما قتل عبد الرحمن بن ماجم شيطانا, تصور بصورة علي, وقد كان في السحاب والرعد صوته والبرق ضحكه, وإنه سينزل إلى الأرض ويملأها عدلا, وهو يقولون عند سماع الرعد عليك السلام يا أمير المؤمنين. (2/208)
صفحة 505
الثانية الكاملية: أتباع أبي الكامل, قال: بتكفير الصحابة, بترك مبايعة علي, وبتكفير علي, وبترك طلب الحق بالتناسخ في الأرواح عند الموت, وأن الإمامة تنتسخ, وقد تصير في شخص نبوة, بعد ما كانت في آخر إمامة.
الثالثة البنانية: قال: بنان بن سمعان التميمي, الله على صورة إنسان, ويهلك إلا وجهه, وروح الله حلت في علي, ثن ابنه محمد بن الحنفية ثم في ابنه أبي هاشم, ثم في بنان.
الرابعة المغيرية: قال: مغيرة بن سعيد العجلي, الله جسم على صورة رجل من نور, على رأسه تاج من نور, وقلبه منبع الحكمة, ولما أراد أن يخلق الخلق تكلم بالاسم الأعظم, فطار فوقع تاج إلى رأسه, وذلك قوله {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} الآية275, ثم كتب على كفه أعمال العباد, فغضب من المعاصي, فعرق فصار من عرقه بحران, أحدهما ملح مظلم, والآخر حلو نير, ثم أطلع في البحر فأبصر فيه ظلمه, فانتزع بعضا منه, فجعله الشمس والقمر, وأفنى الباقي نفيا للشريك, ثم خلق الخلق من البحرين, فالكفار: من المظلم, والمؤمنون: من النير, ثم أرسل محمدا, والناس في ضلال, وعرض الأمانة: وهي منع على من الأمان على السموات والأرض والجبال, فأبين أن يحملنها, وأشفقن وحملها الإنسان وهو: أبو بكر حملها بأمر عمر, بشرط أن يجعل الخلافة بعده له, وقوله {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ} الآية276, نزلت فيهما, فهؤلاء يقولون: الإمام المنتظر هو: زكريا بن محمد بن علي بن الحسن (2/209)
صفحة 506
ابن علي, وهو: حي مقيم في جبل خاجر, إلى أن يؤمر بالخروج, ولما قتل المغيرة, اختلف أصحابه بين قائل بانتظاره, هو قائل بانتظار زكريا, كما كان يقول المغيرة.
الخامسة الجناحية: قال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين, والأرواح تتناسخ, وكان روح الله في آدم, ثم في الأنبياء والأئمة, حتى انتهت إلى علي وأولاده الثلاثة, ثم إلى عبد الله هذا, وقالت الجناحية: عبد الله حي مقيم بجبل بأصبهان, وسيخرج كما مر, وأنكروا القيامة, واستحلوا المحرومات, كما يعلم ذلك بالوقوف على العدل للإمام أبي يعقوب.
السادسة المنصورية: أتباع أبي منصور العجلي, عزا نفسه إلى أبي جعفر محمد الباقر, فلما تبرأ منه وطرده, ادعى الإمامة لنفسه, قال: الإمامة صارت لمحمد علي بن الحسين, ثم إلى أبي منصور, وزعموا أنه عرج إلى السماء, ومسح الله رأسه بيده, وقال: يا بني اذهب, فبلغ عني, ثم أنزله إلى الأرض, وهو الكسف المذكور في قوله تعالى {وَإِن يَرَوْا كِسْفاً مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً} الآية277, وكان قبل إدعائه الإمامة لنفسه يقول: هو علي, وقالوا: الرسل لا تنقطع, والجنة: رجل أمرنا بموالاته, وهو الإمام, والنار: رجل أمرنا ببغضه, وهو ضد الإمام, وخصمه كأبي بكر, وعمر, والفرائض: أبناء رجل أمرنا بموالاتهم, والمحرمات: أبناء رجل أمرنا بمعاداتهم.
السابعة: أتباع أبي الخطاب ألأسدي, عزى نفسه إلى جعفر الصادق, فلما علم منه غلوه غي حقه, تبرأ منه فلما اعتزل منه, ادعى (2/210)
صفحة 507
الأمر لنفسه, قالوا: الأئمة أنبياء, وأبو الخطاب نبي, ففرض الأنبياء على الناس طاعتهم, وزادوا أن الأئمة آلهة, والحسنان أنبياء الله, وجعفر الصادق الله, وأبو الخطاب أفضل منه, ومن على هؤلاء يستحلون شهادة الزور, لموافقيهم على مخالفيهم.
فعند جماعة منهم معمر بعد قتل أبي الخطاب, كما كانوا يعبدونه, والجنة نعيم الدنيا, والنار آلامها, والدنيا لا تفنى, واستباحوا المحرمات وترك الفرائض, وأن كل مؤمن يوحى إليه, وقيل الإمام بعد قتل أبي الخطاب يزيغ, أعني صار إلى ذلك جماعة منهم, قالوا: في أصحاب يزيغ, من هو خير من جبرائيل, وميكائيل, وهم لا يموتون, بل إذا بلغوا النهاية يرفعون إلى الملكوت, وقيل: هو بعده عمر بن بنان العجلي, إلا أنهم يقولون أنهم يموتون.
الثامنة الغرابية: قالوا: محمد بعلي شد الغراب بالغراب, والذباب بالذباب, فبعث الله جبريل إلى علي, فغلظ من علي إلى محمد, فيعلنون صاحب الريش, يعنون: جبريل.
التاسعة الذمية: لقبوا بذلك: لأنهم ذموا محمدا, لأن عليا هو ألآله وقد بعثه, ليدعوا الناس إليه, فدعا إلى نفسه, وقال بعضهم: بآلهتهم, ولهم في التقديم في الأحكام الآلهة خلاف.
وقيل: بآلهة خمسة أشخاص, هم: فاطمة والحسنان, زعموا أن هذه الخمسة شئ واحد, وأن الروح حالة فيهم بالسوية, ولا يقولون فاطمة, تحاشيان وصفه بالتأنيث. (2/211)
صفحة 508
العاشرة الهشامية: أصحاب الهشامين ابن الحكم, وابن سالم الجوالقي, قالوا: الله ذو جسد, ثم اختلفوا, فقال بن الحكم طويل عريض عميق, تتساوى هذه المقادير, كالسبيكة البيضاء تتلألأ من كل جانب, وله لون وطعم ورائحة, ومحسته, أي الموضع الذي يحسه الطبيب.
قال السيد: كأنهم يرون بها النقص, قالوا: أليست هذه الصفات غيره, ويقوم ويقعد, ويفعل, ويتحرك, ويسكن, وله مشافهة بالأجسام, ولولاها لم يدل عليه, وهو يعلم ما تحت الثرى, بشعاع يسيل منه, والته سبعة بأشبار نفسه, مماسا للعرش, بلا تفاوت بينهما, وتفاضل, وإرادته حركة, لا هي غيره, والإعراض, ولا تدل على البارئ, والأئمة معصومون دون الأنبياء.
وقال ابن سالم: وهو على صورة إنسان, وله من الجوارح ما له غير الفرجين, وله وفرة سوداء, ونصفه الأعلى مجوف, والأشغل مصمت, إلا أنه ليس لحما ودما.
الحادية عشرة الزرارية: أتباع زرارة بن أعين, قالوا: بحدوث الصفات, وهو قبل حدوثها, لا حيا ولا عالما, ولا قادرا, ولا مريدا, ولا سميعا, ولا بصيرا, إلى غير ذلك.
الثانية عشرة اليونسية: أتباع يونس بن عبد الرحمن القمي, وفي كشف الغمة, الناونسية أتباع رجل منهم, يقال له: ناونسي, وقيل: بل نسبوا إلى قرية يقال لها ذلك, قالوا: الله تعالى على العرش, (2/212)
صفحة 509
تحمله الملائكة, وهو أقوى منهم, مع كونه محمولا لهم, كالكرسي تحمله رجلاه, وهو أقوى منها.
الثالثة عشرة الشيطانية: وهو محمد بن النعمان, الملقب: بشيطان الطاق, ويقال لها: النعمانية, كما في كشف الغمة, قال: أنه تعالى نور غير جسماني, ومع ذلك هو على صورة إنسان, وإنما يعلم الأشياء بعد كونها.
الرابعة عشرة الزرامية: قالوا: الإمامة بعد علي, لمحمد بن الحنفية, ثم لابنه عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس, وأولاده, إلى المصور, ثم حل الله في أبي مسلم, وأنه لم يقتل, واستحلوا المحارم, ومنهم من ادعى الآلهية.
الخامسة عشرة المفوضة: قالوا: الله تعالى فوض خلق الدنيا إلى محمد, فهو الخلاق لها بما فيها, بعد أن خلقه, وقيل: إلى علي.
السادسة عشرة البدائية: جوزوا البدء على الله تعالى.
السابعة عشرة النصرية والإسحاقية: قالوا: حل الله تعالى في علي, وأن ظهور الروحاني في الجسماني مما لا ينكر, إما في جانب الحيز, فكظهور جبريل بصورة البشر, وأما في جانب الشر فكظهور الشيطان في صورة الإنسان.
الثامنة عشرة الإسماعيلية: ولقبوا بسبعة ألقاب, بالباطنية لقولهم: بباطن الكتاب دون ظاهره, فإنهم قالوا: للقرآن ظاهر وباطن, (2/213)
صفحة 510
والمراد منه باطنه, لا ظاهره المعلوم من اللغة, ونسبة الباطن إلى الظاهر, كنسبة اللب إلى القشرة, والمتمسك بظاهره معذب بالمشقة, في الاكتساب وباطنه مرد إلى ترك العمل بظاهره, أخذوا بقوله تعالى {َ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ} 278.
وهذا القول أخذ من المنصورية, والجناحية, وبالقرامطة: لأن أولهم حمدان قرمط, وهي: إحدى قرى واسط, وبالحرمية: لإباحتهم المحرمات والمحارم, والسبقية لأنهم زعموا أنه النطقا بالشرائع سبعة: آدم, ونوح, وإبراهيم, وموسى, وعيسى, ومحمد, ومحمد المهدي سابعهم, وبين كل اثنين منهم سبعة أئمة, يتيممون شريعته, ولا بد في كل عصر من سبعة بهم يقتدي, وبهم يقتدي, إمام يؤدي عن الله, وحجة تؤدى عن الإمام, وذو مص يمص العلم من الحجة.
فهذه ثلاثة أبواب: وهم الدعاة, فداع أكبر, وهو رابعهم يرفع درجات المؤمنين, وداع دونه يأخذ العهود على البطالين من أهل الظاهر, فيدخلهم في ذمة الإمام, ويفتح لهم باب المعرفة, والعلم وهو خامسهم, ومكلب قد ارتفعت درجته في الدين, ولكن لم يؤذن له في الدعوة, بل في الاحتجاج على الناس, فهو يحتج ويرغب في الداعي, كطلب الصائد وهو سادسهم.
ومؤمن يتبع الداعي, وهو الذي أخذ عليه, وأمن وأتقن بالعهود, ودخل في ذمة الإمام, وحزبه وهو سابعهم.
قالوا: ذلك الذي-ذكرناه كالسموات والأرضيين والبحار, وأيام (2/214)
صفحة 511
الأسبوع, والكواكب السيارة وهي: المدبرات أمرا كما مر, كل منها سبعة ويقول: بالباكية, لإتباع طائفة منهم بابك, الحرص في الخروج بأذربيجان, وبالمحمرة: السهم الحمرة في أيام بابك, ولتسميتهم المخالفين لهم من المسلمين حمرا.
وبالإسماعيلية, لإثباتهم الإمامة لإسماعيل بن جعفر الصادق, وهو أكبر أبنائه, وقيل: لانتسابهم بزعمهم إلى محمد بن إسماعيل, وأصل دعواتهم إبطال الشرائع, لأن الكباريه: وهم طائفة من المجوس, راموا عند شوكة الإسلام, تأويل الشرائع على وجوه, تعود إلى قواعد أسلافهم, وذلك أنهم اجتمعوا فتذكروا ما كان عليه أسلافهم من الملك.
وقالوا: لا سبيل لنا إلى دفع المسلمين لغلبتهم, واستيلائهم على الملك, لكنا نحتال لهم بتأويل شرائعهم, إلى ما يعود إلى قواعدنا, ونستدرج به الضعفاء منهم, فإن ذلك يوجب اختلافهم, واضطراب كلمتهم, ورأسهم في ذلك حمدان بن قرمط, وقيل: عبد الله بن ميمون القداح, ولهم في الدعوة مراتب.
الرزق: وهو تفرس حال المدعو, أهل هو قابل للدعوة؟ أم لا؟ ولذلك منعوا إلقاء البذر في السبجة, أي الدعوة فيمن ليس قابلا لها, ومنعوا التكلم في بيت سراج, أي في موضع فيه فقيه, أو متكلم ثم التأنيس باستمالة كل من المدعوين, إلى ما يميل بهواه وطبعه, من زهو, وخلاعة, فإن كان يميل إلى الزهو زينه في عينه, وقبح له نقيضه, وإن كان يميل إلى الخلاعة, زينها وقبح نقيضها, حتى يحصل له الأنس, ولم يوجب قضاء الحائض صومها, دون صلاتها, والغسل من (2/215)
صفحة 512
المني دون البول, ولما كان عدد الركعات في الصلوات الخمس مختلف, إلى غير ذلك من الأمور العبقرية, وإنما شككوا في هذه الأشياء, وطووا الجواب عنها, لتتعلق قلوبهم بمراجعتهم فيها.
ثم الربط: وهو أمران, الأول: أخذوا الميثاق منه, بأن يقولوا قد جرت سنة الله بأخذ المواثيق والعهود, ويستدلون على ذلك بقوله تعالى {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ} 279 ثم يأخذون من كل أحد ميثاقا, يجب اعتقاده, وهو أن لا يفشى لهم سرا.
الثاني: حوالته على الإمام, في حل ما أشكل عليه من الأمور التي ألقاها عليه, فإن العالم الذي لا يقدر على حلها أحد سواه, حتى يترقى عن درجته, وينتهي إلى الإمام.
ثم التدليس: وهو دعوى موافقة أكابر الدين والدنيا لهم, حتى يزداد ميله إلى ما دعاه إليه, ثم التأنيس وهو بتمهد مقدمات يقبلها ويسلمها المدعو, ويكون سابقا إلى ما يدعوه إليه من الباطل, ثم الخلع عن الاعتقادات الدينية, فإذا آل حال المدعو إلى ذلك, أخذوا له في الإباحة والبحث عن الاستعجال إلى الذات.
وتأويل الشرائع, كقولهم والوضوء عبارة: عن موالاة الإمام, والتيمم هو: الأخذ من المأذون عند غيبة الإمام, الذي هو الحجة.
والصلاة: عبارة عن الناطق, الذي هو الرسول, بدليل قوله تعالى {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} 280. (2/216)
صفحة 513
والاحتلام: عبارة عن إفشاء شئ من أسرارهم, إلى من ليس أهلا لها, لغير قصد منه.
والغسل: تجديد العهد.
والزكاة: تزكية بمعرفة ما هم عليه من الدين.
والكعبة: النبي والباب: علي, والصفا: هو النبي, والمروة: علي.
والميقات: هو الاستئناس.
والتلبية: إجابة الدعوة.
والطواف: بالبيت سبعا موالاة الأئمة السبعة.
والجنة: راحة الأبدان عن التكليف.
والنار: مشقتها بمزاولة التكاليف, إلى غير ذلك من خرافاتهم ومضلاتهم.
ومن مذهبهم: أن الله لا موجود ولا معدوم, ولا عالم, ولا جاهل, ولا قادر, ولا عاجز, وكذا في جميع الصفات, وذلك أن الإثبات الحقيقي, يقتضي المشاركة بينه وبين الموجودات, وهو: تشبيه, والنفي المطلق, يقتضي مشاركته للمعدومات, وهو تعطيل, بل هو واجب هذه الصفات, وآب المتضادات.
وربما خلطوا كلامهم بكلام الفلاسفة, فقالوا: أنه تعالى أبدع (2/217)
صفحة 514
بالأمر العقل التام, ويتوسطه النفس: التي هي ليست تامة, فاشتاقت إلى العقل التام, مستفيضة منه, فاحتاجت إلى الحركة من نقصان, إلى الكمال, ولم تتم الحركة إلا بآلتها, فحدثت الأجرام الفلكية, وتحركت حرمة دورية, بتدبير النفس, فحدثت بتوسطها الطبائع البسيطة العضوية.
وبتوسط البسائط: حدثت المركبات من المعدن, والنبات, وأنواع الحيوانات, وأفضلها: الإنسان, لاستعداده لفيض الأنوار القدسية عليه, ولاتصاله بالعالم العلوى, وحيث كان العالم العلوى مشتملا على عقل كامل كلي, ونفس ناقصة كلية, يكون مصدرا للكائنات, وجب أن يكون في العالم السفلي عقل كامل, يكون وسيلة إلى النجاة, وهو الرسول الناطق.
ونفس ناقصة: يكون نسبتها إلى الناطق, في تعريف طرق النجاة, نسبة النفس الأولى إلى العقل الأول, فيما يرجع إلى إيجاد الكائنات, وهي: الإمام, الذي هو وصى الناطق, وكما أن تحرك الأفلاك بتحريك العقل والنفس, كذلك النفوس إلى النجاة, بتحريك الناطق والوصي, وعلى هذا في كل عصر وزمان, هذا ما كان عليه قدماؤهم, وحين ما ظهر الحسن بن محمد الصباح حدد الدعوة, على أنه الحجة: التي تؤدي عن الإمام, الذي لا يجوز خلو الزمان عنه.
وحاصل كلام ما لا يقوم في الاحتياج إلى المعلم, ثم إنه منع العوام عن الخوض في العلوم, والخواص عن النظر في الكتب المتقدمة, كي لا يطلع على فضائحهم, ثم أنهم تفلسفوا, ولم يزالوا مستهزئين (2/218)
صفحة 515
بالنواميس الدينية والأمور الشرعية, وتحصنوا بالحصون, وكثرت شوكتهم ملوك السوء منهم, فأظهروا إسقاط التكاليف, وإباحة المحرمات, وصاروا كالحيوانات العجموات, بلا ضابط دين, ولا رادع شرعي, نعوذ بالله من الشيطان وأتباعه.
وأما الزيدية: وهم المنسبون إلى زيد بن علي زين العابدين, فثلاث فرق:
الأولى: الجارودية, أصحاب أبي الجارود, الذي سماه الباقر سرحوبا, وفسره بأنه شيطان يسكن البحر.
قالوا: في النص من النبي في الإمامة علي وصفا لا تسمية, والصحابة: كفروا بمخالفته, وتركهم الإقتداء به بعد النبي, والإمامة بعد الحسن والحسين, شورى في أولادهما, فمن خرج منهم بالسيف, وهو: عالم شجاع, فهو إمام كما مر.
واختلفوا في الإمام: أهو محمد بن عبد الله بن الحسين بن علي الذي قتل بالمدينة في أيام المنصور؟ فذهب طائفة منهم إلى ذلك, وزعموا أنه لم يقتل, أو محمد بن القاسم بن علي بن الحسين, صاحب الطالعان, الذي أسر في أيام المعتصم, وحمل إليه, فحبسه في داره حتى مات, فذهبت طائفة أخرى إليه وأنكروا موته وهو: يحيى بن عمير صاحب الكوفة, من أخبار زيد بن علي, دعا الناس إلى نفسه, واجتمع إليه خلق كثير, وقتل في أيام المستعين بالله, فذهب إليه طائفة ثالثة, وأنكروا قتله. (2/219)
صفحة 516
الثانية: السليمانية: أصحاب سليمان بن جرير, قالوا: الإمامة شورى فيما بين الخلق, وإنما تنعقد برجلين من خيار المسلمين, وتصح إمامة المفضول, مع وجود الأفضل, وأبو بكر وعمر إمامان, وإن خطأ الأمة في البيع بينهما, مع وجود علي لكنه خطأ لم ينته إلى درجة الفسق, وكفروا عثمان وطلحة والزبير وعائشة.
الثالثة: البيترية: أصحاب بيتر النوجي, وافقوا السليمانية, إلا أنهم توقفوا في عثمان.
قال السيد: هذه فرق الزيدية, وأكثرهم في زماننا مقلدون, ويرجعون في الأصول إلى الاعتزال, وفي الفروع إلى مذهب أبي حنيفة, إلا في مسائل قليلة.
قلت: ومن ها هنا تعلم معنى قول الشيخ أبي عماد, وفي الموجز بعد كلامه مع الزيدية, وإنما هذا من الرموز على الزيدية خاصة, لأنهم يتعاطون المناظرة, ومضاهاة الإباضية في مذهبهم, فلست أعلم لهم خلافا, إلا في ثلاثة قولهم في الأمانة, بالأولى مع تركهم تخطية لكل من والي, ثم تجويزهم لعلي تحكيم الحكمان, وقولهم بتشريك أهل التأويل, ممن زعم أن الله يرى يوم القيامة, على مقالة طائفة من الإباضية في التشريك, وأراد بالطائفة عيسى بن عمير وتلميذه, كما في شرح الجهالات.
قال شيخنا: هي مقالة النكار أيضا, ولم أقف عليها, لكنني أجدد (2/220)
صفحة 517
الفحص عنه عند الكتابة, وهي مقالة الصفرية, والنظام أيضا من المعتزلة.
وأما الإمامة: فقد قالوا: بالنص الجلي على إمامة علي, وكفروا الصحابة, ووقعوا فيهم وساقوا الإمامة إلى جعفر الصادق, واختلفوا في المنصوص عليه بعده, والذي استقر عليه رأيهم, أنه ابنه موسى الكاظم, وبعد علي بن موسى, الرضي, وبعده محمد بن علي النقي, وبعده الحسن بن علي الزكي, وبعده محمد بن الحسن, وهو الإمام المنظر, ولهم في كل من المراتب التي بعد جعفر اختلافات.
وكانت الأمامية أولا على مذهب أئمتهم, حتى تمادى بهم الزمان, فاختلفوا وتشعب متأخروهم: إلى معتزلة, وإلى إخبارية يعتقدون ظاهر ما وردت به الأخبار المتشابهة, وهؤلاء ينقسمون إلى متشابهة, يجرون المتشابهات, على أن المراد بها: خلو ظواهرها, وإلى سلفية: يعتقدون أن ما أراد بها حق بلا تشبيه, بل تفويض وإلى ملتحقه بالفرق الضالة, فهذه جملة فرق الشيعة.
فرقة المرجئة وهم خمس فرق
الفرقة الثالثة: من الكبار المرجئة: لقبوا بذلك لأنهم يرجون العمل على النية, والاعتقاد, وقيل لغير ذلك, وهم خمس فرق:
الأولى الونسية: أتباع يونس النميري, قالوا: الإيمان هو المعرفة بالله, والخضوع له, والمحبة بالقلب, فمن اجتمعت فيه هذه الصفات, فهو مؤمن, ولا يضر معها ترك الطاعات, وارتكاب المعاصي, ولا يعاقب (2/221)
صفحة 518
عليها, وإبليس كان عارفا بالله, وإنما كغر باستكباره, وترك الخضوع لله تعالى.
الثانية العبيدية: أتباع عبيد المكذب, زادوا على الأولى, أن علم الله سبحانه لم يزل شيئا, غير ذاته تعالى, وكذا سائر صفاته, وأنه على صورة الإنسان.
الثالثة الغسانية: أتباع غسان الكوفي, قالوا: الأيمان هو المعرفة بالله ورسوله, وبما جاء من عند الله, ورسوله إجمالا, وهو يزيد ولا ينقص, وذلك الإجمال: مثل أن يقول قد فرض الله الحج, ولا أدري؟ أين الكعبة؟ وبعث الله محمدا ولا أدري؟ أهو الذي بالمدينة؟ أو غيره! وحرم الله الخنزير, ولا أدرى؟ أهو هذه الشاة؟ أم غيرها! وغسان كان يحكي هذا القول عن أبي حنيفة, ويعده من المرجئين.
قلت: نعم هو منهم كما تقدم, وإن قال السيد كالعضد تبعا له في تنزيهه مشهور, قال الآمدي: ومع هذا فأصحاب المقالات, قد عدوا أبا حنيفة وأصحابه مرجئة أهل السنة.
الرابعة الثوبانية: أصحاب ثوبان المرجئ, قال: الإيمان هو المعرفة, والإقرار بالله ورسوله, وبكل ما لا يجوز في العقل أن يفعل.
وأما ما جاز فيه مروان بن غيلان الدمشقي, وأبو شمر, ويونس بن عمران, والفضل الرقاش, وكلهم اتفقوا على أنه تعالى لو عفا في (2/222)
صفحة 519
القيامة عن عاص, لعفا عن كل ما هو مثله, وكذا لو أخرج واحدا من النار, لأخرج كل من هو مثله, ولم يجزموا بخروج المؤمنين من النار.
واختص بن غيلان من بينهم بإسناد الأفعال إلى العباد, إذ قد جمع بين الأرجاء, والقول بالقدر, وجواز أن يكون الإمام قرشيا.
الخامسة الثومنية: أصحاب معاذ الثومني, قالوا: الإيمان هو المعرفة, والتصديق والمحبة والإخلاص, والإقرار بما جاء به الرسول, وترك بعض ذلك كفر, وليس بعضه إيمانا, ولا غير إيمان, وكل معصية لم يجمع على أنها كفر, فصاحبها يقال فيه, أنه فسق, وعصى لأنه فاسق وعاصي.
ومن ترك الصلاة مستحلا كفر للتكذيب.
ومن تركها بنية القضاء لم يكفر.
ومن قتل نبيا أو لطمه كفر لا للقتل ولا للطمه بل لأنه دليل تكذيبه, وبغضه, وبه قال ابن الرواندي, وبشر المريسي.
وقالوا: السجود للصنم علامة للكفر, قال العضد: فهذه هي المرجئة الخالصة, ومنهم من جمع إلى الأرجاء, القدر كالصالح, يعني الحسن بن صالح, وأبي شمر, ومحمد بن شبيب, وغيلان.
الفرقة النجارية وهي ثلاث فرق
الفرقة الرابعة: من الكبار النجارية, أصحاب محمد بن الحسن النجار, وافقوا الأشاعرة في خلق الأفعال, وإن الاستطاعة مع الفعل, (2/223)
صفحة 520
وأن العبد يكتسب, والمعتزلة في نفي زيادة الصفات, وحدوث الكلام, ونفي الرؤية, ووافقهم على ذلك, ضرار بن عمر, وحفص الفرد, كما مر, وهم ثلاث فرق.
الأولى: البرغوثية, قالوا: كلام الله إذا قرئ فهو عرض, وإذا كتب في أي شئ فهو جسم.
الثانية: الزعفرانية, قالوا: كلام الله غيره, وكل ما هو غيره فهو مخلوق, ومن كلام الله غير مخلوق فهو كافر.
الثالثة: المستدركة على الزعفرانية, بأن كلام الله تعالى مخلوق مطلقا, لكنا وافقنا السنة الواردة بأنه غير مخلوق, وإجماع المنعقد عليه في نفيه, وأولناه, بأن حملنا قولهم غير مخلوق, على أنه غير مخلوق, على هذه الترتيب, والنظم, من هذه الحروف والأصوات, بل هو مخلوق على غير هذه الحروف, وهذه حكاية عنها.
وقالوا: قول مخالفينا كلها كاذبة, حتى قولهم لا إله إلا الله, قلت: وأصحابنا يعدون النجارية من المرجئة.
" فرقة الجبرية والمشبهة"
الفرقة الخامسة: من الكبار الجبرية, والجبر: هو إسناد فعل العبد إلى الله سبحانه, من كل وجه كما علمت, الجبرية متوسطة بين الجبر والتفويض, بمعنى أنها غير خالصة في القول بالخير المخص, تثبت للعبد كسبا, كالأشعرية, والنجارية, والضرارية, الإباضية, وخالصة لا تثبته كالجهمية أصحاب جهم بين صفوان الترمذي. (2/224)
صفحة 521
قالوا: لا قدرة للعبد أصلا, وأن الله لا يعلم الشئ قبل وقوعه, وعلمه حادث, لا في محل, ولا يتصف الله سبحانه بما يوصف بع غيره, إذ يلزم منه التشبيه كالعلم والحياة, والجنة والنار, يغنيان بعد دخول أهلهما فيهما, حتى لا ينفي موجود, سوى الله سبحانه, فكما تفرد بالقدم يتفرد بالبقاء, ووافقونا في نفي الرؤية, وخلق الكلام, ووافقوا المعتزلة أيضا, وبعض أصحابنا في إيجاب المعرفة بالعقل, قبل ورود الشرع, ونحن نعد أيضا هذه من المرجية.
الفرقة السادسة: الكبار المشبهة, الذين شبهوا الله بخلقه, وقد عدوهم فرقة واحدة, وإن اختلفوا في طرق التشبيه.
فمنهم مشبهة غلاة الشيعة القائلة بالتجسيم, والحركة والانتقال والحلول, وغير ذلك مما مر.
ومنهم مشبهة الحشوية, القائلة: بأنه جسم لا كالأجسام من لحم ودم لا كاللحوم والدماء, وله الأعضاء والجوارح, وتجوز عليه الملامسة والمصافحة والمعانقة, للمخلصين الذين يزورونه في الدنيا, ويزورهم.
حتى نقل عن بعضهم أنه قال: أعفوني عن اللحية والفرج, واسألوني عما وراء ذلك, ومنهم مشبهة الكرامية: أصحاب أبي عبد الله محمد بن كرام, قيل هو بكسر الكاف وتخفيف الراء, وفيه قيل الفقه فقه أبي حنيفة, والدين دين محمد بن كرام, وأقوالهم في التشبيهه متعددة مختلفة, غير أنها لا تنتهي, إلى من يعبأ به, ويبالي يقوله. (2/225)
صفحة 522
ولذلك قال العضد: فاقتصرنا على ما قاله زعيمهم, وهو أن الله على العرش من وجه العلو مماس له, من الصحفة العليا, ويجوز عليه النزول والحركة, واختلفوا في أيملاء العرش أم لا؟
وقال بعضهم: ليس هو على العرش, بل مجاور العرش, واختلفوا هل مجاورته ببعد متناه؟ وبغير متناه؟ ومنهم من أطلق عليه لفظ الجسم, ثم اختلفوا: عل متناه من الجهات كلها أو من جهة؟ من تحت فقط؟ أو ليس متناهيا؟ بل هو غير متناه في جميع الجهات؟
وقالوا: تحل الحوادث في ذاته تعالى, وزعموا أنه إنما يقدر على الحوادث الحالة فيه, دون الخارجة عن ذاته.
ويجب على الله أن يكون أول خلقه حيا, يصح منه الاستدلال, وأن النبوة والرسالة صفتان بذات الرسول, سوى الوحي, وسوى كلام الله, بالتبليغ وسوى المعجزة والعصمة, وصاحب تلك الصفات رسول, بسبب اتصافه بها من غير إرسال.
ويجب على الله إرساله, ولا يجوز إرسال غير الرسول, وهو حينئذ إذا أرسل رسول, فكل مرسل رسول, بلا عكس كلي, ويجوز عزل المرسل عن كونه مرسلا دون الرسول, فإنه لا يتصور عزله عن كونه لا رسولا, وليس من الحكمة رسول واحد, بل لا بد من تعدده.
وجوزوا إمامين في عصر واحد, كعلي ومعاوية, إلا أن إمامة علي على وفق السنة, بخلاف إمامة معاوية, لكن يجب على رعيته طاعته. (2/226)
صفحة 523
وقالوا: الإيمان: هو الإقرار الذي وجد من الذر, حين قال تعالى لهم {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى} 281 وهو باق في الكل على السوية, إلا المرتدين, وإيمان المنافقين كإيمان الأنبياء, لاستواء الجميع في ذلك الإيمان, والكلمتان ليستا بإيمان, إلا بعد الردة, وكل هؤلاء من المرجئة عندنا, ومنهم الأشاعرة أيضا, وهم وإن فرقوا من المرجئة ونزهوا أنفسهم عنهم, لا محيد لهم, لأنهم كما علمت في كثير من المسائل يستقون من مذاهبهم, وإن حصل لهم في بعضهم تهذيب وتقبيح, وعلى ذلك درج صاحب كشف الغمة.
ثم لا يخفى عليك إن أتقنت ما أسلفناه في كتابنا, ما هم معتقدهم, فلا معنى لإعادته ولو إجمالا, ولا يذهب عليك المشبهة المصرحين بالتجسيم, والمصرحين بالتشبيه على حقيقة التشبيه مشركون دون القائلين بدلا على حقيقة التشبيه, فإن هؤلاء منافقون, فإن اللازم للمذهب, ليس بمذهب على الأصح.
فرقة الخوارج
الفرقة السابعة: من الكبار الخوارج: والمراد بهم المحكمة القائلون لا حكم إلا الله, وقد أسلفنا أن أول من قالها: عروة, قالوا ذلك عند خروجهم على علي, عند إنكارهم التحكيم, وهم على مقتضى تقسيم العضد اثنتان وعشرون فرقة.
أولها: المحكمة القائلون: بأن كل من ذهب إماما من قريش أو من غيرهم فهو إمام, وإن غير جاز, وجب عزله أو قتله, ولم يوجبوا نصب الإمام, وكفروا مرتكب الكبيرة, وعثمان وبعض الصحابة. (2/227)
صفحة 524
الثانية: البيهسية, أتباع بيهس ابن الهيظم بن جابر, وفي كشف الغمة أبي بيهس, وانظروا الأصح.
قالوا: الإيمان: هو الإقرار, والعلم بالله وبالرسول, وبما جاء به, فمن وقع فيما لا يعرف أحلال أم حرام؟ فهو كافر, لوجوب الفحص عليه, حتى يعلم الحق.
وقيل: لا يكفر حتى يرفع أمره إلى الإمام.
وقيل: لا حرام إلا في قوله تعالى {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ} 282 الآية.
وقيل: إذا كفر الإمام كفر الرعية, حاضرا أو غائبا, والأطفال كآبائهم إيمانا وكفرا.
وقال بعضهم: السكر من شراب حلال لا يؤاخذ صاحبه بما قال, أو فعل, بخلاف السكر من شراب حرام.
وقيل: السكر مع الكبيرة كفر, ووافقوا القدرية في إسناد الأفعال إليهم.
الثالثة: الأزارقة, أتباع أبي راشد بن نافع بن الأزرق, قالوا كفر علي بالتحكيم, وهو الذي أنزل في شأنه {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} 283, وابن ماجم في قتله محق, وهو الذي أنزل فيه {وَمِنَ (2/228)
صفحة 525
النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ} 284 وفيه قال عمران بن حطان بكسر الحاء, رضي الله عنهما:
بها ... أراد ... ما ... تقى ... من ... ضربة ... يا
رضوانا ... العرش ... ذي ... من ... ليبلغ ... إلا
فأحسبه ... يوما ... لأذكره ... إني
ميزانا ... الله ... عند ... البرية ... في ... أو
وكفروا عثمان, وطلحة والزبير, ومن معهم, وقضوا بتنزيل يدهم, وكفروا القعدة عن القتال وإن كانوا موافقين لهم في الدين.
وقالوا: تحرم التقية في القول والعمل, ويجوز قتل أولاد المخالفين, ونسائهم, ولا جرم على الزاني المحصن, إذ هو غير مذكور في القرآن, ولا حد للقذف على النساء, بمعنى أنه إن كان القاذف إمراة لم يحد, لأن المذكور في القرآن هو صفة الذين, وهي للمذكورين, قال السيد: قال الآمدي وأسقطوا حد قذف المحصنين من الرجال, دون النساء, أي المقذوف المحصن إن كان رجل لا يحد قاذفه, وإن كان امرأة يحد قاذفها.
قال السيد: وهو أظهر, وأطفال المشركين في النار مع آبائهم, ويجوز نبي كان كافرا, وإن علم كفره بعد النبوة, ومرتكب الكبيرة كافر, وقد ذكر صاحب كشف الغمة عنهم, أكثر من ذلك, فليراجع وقد تعرض للرد عليهم في المسائل, كما فعل مع غيرهم. (2/229)
صفحة 526
الرابعة: النجدات, بنو نجدة بن عامر النجدي, منهم العاذرية, الذين عذروا الناس بالجهالات في الفروع, وذلك أن نجدة وجه ابنه مع حبيس لأهل القطيف, فقتلوهم وأسروا نسائهم ونكحوهن قبل القسمة, وأكلوا من الغنيمة قبلها, أيضا فلما رجعوا إلى نجدة أخبروه بما فعلوا, فقال لهم: يسعكم ما فعلتم, فقالوا له: ألم تعلم أنه لم يسعنا, فعذرهم لجهالتهم, فاختلف أصحابه بعد ذلك, فمنهم من تابعه.
وقالوا: الين أمران: أحدهما معرفة الله ورسوله, وتحريم دماء المسلمين, أي المنافقين لهم, والإقرار بما جاء به الرسول جملة, فهذا لا يعذر فيه الجاهل.
والثاني: ما سوى ذلك, والجاهل له معذور, فهؤلاء منهم سموا عذرية.
وقالت: النجدات كلها لا حاجة للناس إلى الإيمان, بل الواجب عليهم رعاة التصفية فيما بينهم, ويجوز لهم نصبه, بمعنى أن تلك الرعية لا تتم إلا بإمام يحملهم عليها, ووافقوا الازارقة في التفكير, وخالفوهم في أحكام التصفية.
الخامسة: الصفرية, أصحاب زياد بن الأصفر, الذي حفظته من كتبنا, أنهم أتباع عبد الله بن الصفار, وهم يخالفون الأزارقة في تكفير القعدة عند القتال, إذا كانوا موافقين لهم في الدين, وفي إسقاط الرجم, فإنهم لم يسقطوه, وفي أطفال الكافرين, فإنهم لم يكفروهم, ولم يقولوا بتخليدهم في النار. (2/230)
صفحة 527
وجوزوا التقية في القول, دون الفعل, وقالوا: المعصية الموجبة للحد, لا يسموا أصحابها إلا بها, فيقال له مثلا, سارق أو زاني, أو قاذف, ولا يقال له كافر, وما لا حد فيه لعظمته, كترك الصلاة, والصوم كفر, فيقال لصاحبها, كافر, وجوزوا دون دار العلانية.
السادسة: الإباضية, أصحاب عبد الله بن أباض رضي الله عنه, في وصفهم في الاعتقاد, ببعض ما سيأتي, وأخطأ نسبة القول بالاستطاعة قبل الفعل إليهم, إلا أن يكون قولا لبعض الفرق منهم, وهو غير مشهور.
قال: وتوقفوا في تكفير أولاد الكفار وتعذيبهم, وتوقفوا أهو مشرك أم لا؟ وفي جواز بعثه رسولا, بلا دليل, ومعجزة, وتكليف أتباعه فيما يوحى إليه.
قال السيد: أي ترددوا أن ذلك جائز أم لا؟
قال العضد: وافترقوا فرقا أربعا.
الأولى: الحفصية, أتباع أبي حفص ابن أبي المقدام, والذي في بعض كتبنا ابن أبي المقدات, ولم أره في كشف الغمة, وأنظر الأصح من النقلين, قال: زادوا على الإباضية, أن بين الإيمان والشرك معرفة الله تعالى, فإنها خصلة متوسطة بينهما, فمن عرف الله, وكفر بما سواه من رسول, أو جنة أو نار, أو نحو ذلك فهو كافر لا مشرك.
قلت: وهذا بعينه هو مذهب ابن الحسب وشيخه بأن اليهود والنصارى عندهم كفار غير مشركين, كما يعلم مما مر. (2/231)
صفحة 528
لثانية: اليزيدية, ويريد بها والله أعلم أتباع عبد الله بن يزيد الغزاري, وهم النكار المشهورون بمساواة, قالوا: أصحاب الحدود مشركون, وكل ذنب شرك وفيها قاله عنه نظر, كما يعلم بالوقوف على كتبنا, إن كان المراد بهم من ذكرنا.
الثالثة: الحارثية, أصحاب أبي الحارث الإباضي, خالفوا الإباضية في القدر, أي كونه أفعال العباد مخلوقة لله, وفي كون الاستطاعة قبل الفعل, وفيه نظر بالنسبة إلى الاستطاعة.
الرابعة القائلون بطاعة لا يراد بها الله, قال السيد: زعموا أن العبد إذا أتى بما أمر به, ولم يقصد به الله, كان ذلك طاعة.
السابعة: العجاردية, أصحاب عبد الرحمن بن عجرد, وفي كشف الغمة ابن عبد الكريم, وهو من أصحاب أبي بيهس, ثم خالفه زادوا على النجدات, بعد أن وافقوهم في مذهبهم, وجوب البراءة من الطفل حتى يدعي الإسلام بعد البلوغ, ويجب دعاؤه إليه إذا بلغ, وأطفال المشركين في النار, قال: وهم عشر فرق.
الأولى: الميمونة, أتباع أصحاب ميمون بن عمران, قالوا: بإسناد الفعل إلى قدرة العبد, وبأن الاستطاعة قبل الفعل, وبأن الله يريد الخير دون الشر, ولا يريد المعاصي كما هو مذهب المعتزلة, وأن أطفال الكفار في الجنة, ويروى عنهم نكاح بنات البنين, وبنات البنات وبنات الأخوة, وإنكار سورة يوسف, زعموا أنها قصة, وأن قصة الفسق لا يجور أن تكون قرآنا. (2/232)
صفحة 529
الثانية: الحمزية, أصحاب حمزة بن أدرك, وافقوا الميمونية فيما ذهبوا إليه, إلا أنهم قالوا: أطفال الكفار في النار.
الثالثة: الشعبية, أصحاب شعيب بن محمد, وهم كالميمونية إلا في القدر.
الرابعة: الحازمية, أتباع حازم ابن عاصم, وافقوا الشعبية, ويحكى عنهم أنهم يتوقفون في أمر علي, ولا يصرحون بالبراءة منه, كما يصرحون بالبراءة من غيره.
الخامسة: الخلفية, أصحاب خلف الخارجي, وهم خوارج كرمانه ومكرمان, أضافوا القدر خيره وشره إلى الله سبحانه, وحكموا بأن أطفال المشركين في النار بلا عمل ولا شرك.
السادسة: الأطرافية, هم أصحاب ريس, وهو رجل من سجستان يقال له غالب, وقد سماها صاحب كشف الغمة العطوية, لإتباعهم عطية بن الأسود, وهم على مذهب حمزة, إلا أنهم عذروا أهل الأطراف فيما لم يعرفوا من الشرعيات, إذا أتوا بما يعرف لزوم من جهة العقل, وقالوا: ينفي القدرة المؤثرة عن البعد.
السابعة: الملومية, وهم كالحمزية, إلا أن المؤمن عندهم من عرف الله بأسمائه وصفاته, ومن لم يعرفه كذلك, فهو جاهل لا مؤمن, وفعل العبد مخلوق لله تعالى. (2/233)
صفحة 530
الثامنة: المجهولية, وهم كالحمزية أيضا, إلا أنهم قالوا: تكفي معرفته ببعض أسمائه, فمن علمه كذلك فهو عارف به مؤمن.
التاسعة: الصلتية, أتباع عثمان بن الصلت, وقيل الصلت بن الصامت, وهم العجاردية إلا أنهم قالوا: من أسلم واستجار بنا توليناه وتبرأنا من أطفاله, حتى يبلغوا, فيدعوا إلى الإسلام فيقبلوا, أو ينكروا.
العاشرة: من فرق العماروة الثعالبية, أصحاب ثعلب بن عامر, قالوا: بولاية الأطفال صغارا كانوا أو كبارا, حتى يظهر منهم إنكارا أهل الحق بعد البلوغ, وقد نقل عنهم أيضا أن الأطفال, لا حكم لهم من ولاية وعداوة, إلى أن يدركوا, ويرون أخذ الزكاة من العبيد إذا استغنوا وإعطائهم لها إذا افتقروا أربع فرق.
الأولى: الأخنسية, أصحاب أخنس بن قيس, وهم كالثقالبية, إلا أنهم امتازوا عنهم بأن توقفوا فيمن هو في دار التقية من أهل القبلة, فلم يحكموا عليه بإيمان ولا كفر, إلا من علم حاله من إيمانه, أو كفره وحرموا الاغتيال بالقتل, لمخالفيهم, والسرقة من أموالهم, ونقل عنهم أنه يجوز تزويج المسلمات من مشركي قومهم.
الثانية: المعبدية, أصحاب معبد بن عبد الرحمن, خالفوا الأخنسية في التزويج, والثعالبية في زكاة العبد أي في الأخذ والدفع.
الثالثة: الشيبانية, أصحاب شيبان ابن سلمه, قالوا: بالجبر ونفي القدرة الحادثة. (2/234)
صفحة 531
الرابعة: المكرمية, أصحاب مكرم العجلي, قالوا: إن تارك الصلاة كافر, لا أنه لتركها بل لجهله بالله, فإن من علم الله أنه مطلع على سره وعلانيته ويجازيه على طاعته ومعصيته, لا يتصور منه الإقدام على ترك الصلاة, وكذا كل كبيرة, فإن مرتكبها كافر لجهله بالله, وموالاة الله ومعاداته لعباده باعتبار العاقبة, وما هم صائرون إليه عند موافاة الموت, لا باعتبار أعمالهم التي هم فيها, إذ هي غير موثوق بدوامها, فكذا نحن, فمن وصل إلى حالة الموت, فإن كان مؤمنا في تلك الحالة واليناه, وإن كان كافرا عاديناه.
قال السيد: فإذا فرق الخوارج عشرون, وفيه بحث, لأن العجاردة عشر فرق: نضمها إلى الست السابقة, تصير ستة عشرة, وتتشعب من الثعالبية, الإباضية, مع الست عشرة فرق أخرى, فالمجموع كما قال: عشرون وفيه بحث, لأن المقسم لا يعد مع أقسامه فلا تعتبر الثعالبية عشرة أقسام, والعجاردة مع فرقها الأربع, بل تنفي عنها بهذه فتكون الفرق حينئذ تسع عشرة, وأيضا إذا اعتبرت فرق الإباضية وفرق الثعالبة معا, كانت الفرق كلها اثنتين وعشرين, واعتبار أحد الأربعة دون الأخرى, تحكم محض, قلت: هذا ما قرره السيد, تبعا للعضد, وعليه فيجب أن تكون فرق الخوارج عشرين مع عدة لهما.
الفرقة الناجية
الثامنة: الناجية, أهل السنة, والجماعة الذين هم الأشاعرة, والسلف من المحدثين مع ما تقدم, فيكون المجموع ثلاثا وسبعين فرقة, وأما على اعتبارها تسع عشرة, واثنين وعشرين, فيلزم عليها أما الزيادة عنها, أو النقص فإذا فهمت ما ذكرت فتقول, أن الناس كما (2/235)
صفحة 532
قلنا أولا قد أكثروا في توجيه اعتبار الفرق, وأن كل فرقة تدعي أنها الناجية, فإذا كان الأمر كذلك صح أن يعتبر المشبهة فرقتان, وهم الحشوية والكرامية.
وأما القائلون بالتجسيم على حقيقته, فهم داخلون في الشيعة.
وفي المرجئة ست فرق, الخمسة السابقة, والسادسة: هي الأشعرية كما قدمنا, والمحكمة ثمان عشرة بإسقاط الإباضية الخلص منها, مع ما تقدم ويكون المجموع: اثنين وسبعون فرقة.
مع القطع الثامنة من الكبار, التي هي الناجية, المتممة للثلاث والسبعين فرقة, هي الإباضية الخلص, المنسوبون إلى عبد الله بن أباض, ولا عبرة بمن تشعب منهم, كالزيدية, والحسنية, والخلفية, غيرهم.
ثم إنه لا يخفى عنك أن مرجع الفرق الثمانية الكبار عند التحقيق إلى الأربعة السابقة, أولا فإن ما عدا المحكمة, والمعتزلة والشيعة, داخل في المرجئة, وإن تشعب عن كل منها كثيرا, وقد اعتبرها بعضهم ستا, وبعضهم اثنتي عشرة, وعرضنا الاختصار, وأنت إذا تتبعت كتابنا لا يخفى عليك اعتقاد الإباضية الخلص, المذكورين, الذي عليه نحيى, وعليه نموت, بتوفيق الله تعالى.
وهذه الفرق, هي التي وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم, والخليفتان من بعده, وعلى طريقتهم مات أكثر الصحابة, كأبي عبيدة (2/236)
صفحة 533
بن الجراح, ومعاذ بن جبل, وعمار بن ياسر, وابن مسعود, وأبي ذر, وحذيفة, وسلمان الفارسي, وصهيب, وبلال, وعبد الرحمن بن عوف, وابن عباس, وعائشة, وغيرهم من خيار الصحابة, وخيار التابعين, كجابر بن زيد, وأبي بلال, وعروة, وأبي حمزة, وعبد الله بن أباض, وحرقوص بن زهير, وغيرهم من يطول تعدادهم, وكذا تابع التابعين, وغيرهم في كل طبقة ممن يعملون بالوقوف عليهم, في السير والطبقات, والجواهر, وكشف الغمة, في ذكر افتراق الأمة, وغيرها, ثم لا بأس علينا أن نعيد ذكر اعتقاد الفرقة المحقة إجمالا واختصارا.
فنقول: إنما جاء اختلاف الناس من قبل تسعة أصول, وهي التوحيد والعدل, والقدر, والولاية, والعداوة, والأمر والنهي, والوعد والوعيد, والنزلة بين المنزلتين وأن لا منزلة بين المنزلتين, والأسماء والأحكام.
فإنا ندين لله تعالى بأنه ليس كمثله شئ في ذات ولا في صفة, ولا في فعل, وبأنه لا يرى مطلقا, وبأنه في كل مكان بالحفظ والتدبير, وبأن استواءه غير معقول, وبأنه كونه في الأشياء ومعها, على معنى العلم بها, والزيادة والنقصان فيها ومنها.
وبأن أسماءه هو وصفاته هو وبأنه عدل لا ينسب إليه الجور في حكم ولا في فعل.
وبتصويب أهل النهي, وأن المنكرين على التحكيم, بعد حكم الله. (2/237)
صفحة 534
وبأن أفعال العباد اكتسبوها وعملوها, وبأن الاستطاعة مع الفعل.
وبأن الله خالق كل شئ, وعليم بكل شئ, ومريد لكل فعل.
وبأن القدرة مطلقا من الله.
وبأنه خالق لكلامه ووحيه, ومحدثه جاعله وبأنه موال, ومعاد, وبأن ولايته وعداوته لا تتغيران.
وبولاية المسلمين كافة, وبراءة الكافرين كافة, وبولاية المذكورين في كتابه, أنهم من أهل الجنة.
وبعكسه, وبولاية المخصوص الموفي.
وبعكسه, وبراءة المخالفين, وبأن الولاية لا يزيلها إلا البراءة فيها بالذات.
وبالعكس, وبأن الوقوف في مجهول الحال, فرض بأن الله أمر بطاعته, ونهى عن معصيته, وبأن طاعته كلها إيمان, وليست معصيته كلها كفرا, وبأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان في كل زمان على قدر الطاقة, وبأن الإمامة واجبة مع وجود شروطها.
وبأن الله صادق في وعده ووعيده, وبخلو أهل الجنة في الجنة, وأهل النار في النار, وبأنهما دائمتان.
وبأن ثوابه لأهل الثواب لا يشبهه ثواب, وعقابه لأهل العقاب لا يشبهه عقاب. (2/238)
صفحة 535
وبأن منزلة النفاق بين منزلة الإيمان ومنزلة الشرك, وبأن المتصف بواحد من الثلاثة لا يتصف بالآخر.
وبأن لا منزلة بين منزلة الكفر.
وبتكفير من زعم أن إطاعة الله كلها, توحيد ومعصيته كلها شرك.
وبأن الله يغفر الصغائر باجتناب الكبائر, ولا يغفر الكبائر إلا بالتوبة, وبتكفير المرأة التي تؤتى فيما دون فرجها.
وأهل التأويل والمخطئين في تأويلهم, وبأن خطأهم فيه لا يخرجهم إلى الشرك, وبأن الأسماء تابعة للأحكام, وبأن أحكام الموحدين بينهم واحدة, إلا الولاية والتسمية بالأعيان, فلا يستحقها إلا المؤمن الموفي.
وبأن القاعد في دار التوحيد في شرك الاعتقاد, ولا في الزلة, والقاعد في دار الشرك هو الشرك, وبأنه يحرم على المسلم أن يتخذ دار الشرك دارا.
وقد قررنا أحكام الدارين, والسيرة فيها في النيل, فليراجع, وبأن أهل الكتاب ليسوا منافقين, ولكنهم مشركون, وبتكفير من بدل أحكام الله وأحكام رسوله, وبتكفير من أنكر الرأي, والسنة, أو أحدهما.
وبأن حجة الله على عباده الكتب, والرسل على الأشهر.
وبأن لا هجرة بعد فتح مكة, وبأن معرفة الله لا تنال بالتكفير, (2/239)
صفحة 536
ولا بالاضطرار, وإنما تنال بالاكتساب والتعلم, إلى غير ذلك من المسائل الجلية, والأحكام الجميلة.
وليكن هذا آخر ما قصدنا جمعه من معالم الدين, في هذا المختصر, والله الموفق للصواب, وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)} 285.
قد وقع الفراغ من نسخ هذا الكتاب الشريف, المسمى" بمعالم الدين" في يوم ثاني والجمعة من شهر المحرم سنة 1315 على يد العبد الفقير الحقير على نفسه بجميع التقصير" عبد الرحمن بن محمد بن سالم بن سيف الرواحي".
نسخه لأخيه الأريب الأريحي, سالم بن محمد بن سالم بن سيف الرواحي, رزقه الله حفظ مبانيه, وفهم معانيه, ووفقه للعمل بما فيه, إنه ولي ذلك. (2/240)
صفحة 537
فهرس الموضوعات
الموضوع
الصفحة
" المرصد الخامس"
في الكلام ... وفيه مقاصد9
المقصد الأول: الكلام يضاف تارة إلى الله تعالى على معنى نفي الخرس9
المقصد الثاني: في اختلاف القائلين بالكلام النفسي16\
المقصد الثالث: كلام الأشاعرة في القرآن20
المقصد الرابع: اختلاف العلماء في القرآن24
" المرصد السادس"
في الرؤية: وفيه مقصدان29
المقصد الأول: في الاستدلال على امتناع رؤيته مطلقا29
المقصد الثاني: في الاستدلال على امتناع بالدليل العقلي41
" المعلم الرابع"
في النبويات وما يتعلق بها ... وفيه مقاصد49
المرصد الأول: في خصوص النبويات .... وفيه مقاصد49 (2/241)
صفحة 538
لمقصد الأول: في معنى النبوة ... والنبي ... والرسالة ... والرسول49
المقصد الثاني: في حكم الرسالة51
المقصد الثالث: في فائدة بعثة الرسل52
المقصد الرابع: في تأييد الرسل بالمعجزات53
المقصد الخامس: في دلالة المعجزة56
المقصد السادس: إن قولنا دلالة معجزة عائدة58
المقصد السابع: في وجوب تصديق الرسل عليهم السلام61
المقصد الثامن: في إثبات رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم64
المقصد التاسع: في معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم67
المقصد العاشر: الدال على نبوته صلى الله عليه وسلم72
" المرصد الثاني"
فيما جاء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وفي مقاصد84
المقصد الأول: في تصديق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ووجوب الإيمان به84 (2/242)
صفحة 539
لمقصد الثاني: قد علمت أن أول الوجبات معرفة الله .... إلى آخره86
المقصد الثالث: في أحكام المنكر والمستحيل والناسي والجاهل والشاك والسامع89
المقصد الرابع: في ولاية من جاء بالجملة التي يدعو إليها صلى الله عليه وسلم94
المقصد الخامس: قواعد الإسلام أربعة
المقصد السادس: قواعد الكفر أربعة96
المقصد السابع: في قول صاحب العقيدة أسهم الإسلام ثمانية99
المقصد الثامن: في فرز الدين معرفة دلائله منازل101
المقصد التاسع: حرز الدين وحفظه105
المقصد العاشر: تحديد الدين من فضلك106
المقصد الحادي عشر: مسالك الدين وطرقه أربعة107
المقصد الثاني عشر: فيما يجب على المكلف من الأمر والنهي109
المقصد الثالث عشر: فيما ندين لله تعالى به من الصلاة فرضا ونقلا112 (2/243)
صفحة 540
" المرصد الثالث"
في الولاية والبراءة وفيه مقاصد114
المقصد الأول: الناس ثلاثة ... مسلم, ومنافق, ومشرك114
المقصد الثاني: في الولاية ... وحقيقتها الحب115
المقصد الثالث: في سبب وجوب الولاية120
المقصد الرابع: ولاية الأشخاص122
المقصد الخامس: في البراءة ... وهي البغض125
" المرصد الرابع"
في الملل ... وهي الشرائع وأحكامها
وما يتعلق بذلك ... وفيه مقاصد129
المقصد الأول: يجب علينا مع البلوغ معرفة الملل وأحكامها129
المقصد الثاني: في جملة ما انزل الله سبحانه من الكتب133
المقصد الثالث: المشهور أن جملة الأنبياء والرسل134
المقصد الرابع: في معنى السنة137
المقصد الخامس: في إطلاق الكفر شرعا على الشرك والنفاق140
المقصد السادس: في إطلاق الإيمان على التوحيد والعمل143 (2/244)
صفحة 541
المقصد السابع: في معنى الالزام ... وهو التكليف144
المقصد الثامن: يجب أن نعلم أن لله جملة الملائكة147
المقصد التاسع: يجب علينا أن نعلم أن جملة المسلمين من بني آدم غير الأنبياء والرسل151
المقصد العاشر: فيمن يستحب معرفته من الملائكة153
المقصد الحادي عشر: في الأشهر الحرم157
المقصد الثاني عشر: أشهر المدة التي وقع فيها الصلح للنبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين159
المقصد الثالث عشر: الأشهر التي يقع فيها الحج160
المقصد الرابع عشر: في معرفة الكبائر161
المقصد الخامس عشر: اعلم أن من لم يأت بخمس فهو كافر ... إلى آخره166
المقصد السادس عشر: في الاستطاعة168
" المرصد الخامس"
في أحوال الآخرة ... وفيه مقاصد170
المقصد الأول: في أشراط الساعة170 (2/245)
صفحة 542
المقصد الثاني: في عذاب القبر171
المقصد الثالث: في إعادة المعدوم لتوقف المعاد الجسماني عليه174
المقصد الرابع: في الإجماع على جواز حشر الأجسام ووقوعه179
المقصد الخامس: هل يعد الله الأجزاء البدنية ثم يعيدها أو يعزقها ثم يعي فيها التأليف184
المقصد السادس: في حكاية مذهب الحكماء المنكرين لحشر الأجسام185
المقصد السابع: في الصراط189
المقصد الثامن: في الميزان191
المقصد التاسع: في الشفاعة192
المقصد العاشر: في الإيمان بظواهر النصوص193
المقصد الحادي عشر: في نفوذ الوعيد194
المقصد الثاني عشر: في الجنة والنار197 (2/246)
صفحة 543
الخاتمة في ذكر الفرق199
الفرقة المعتزلة: وهم عشرون فرقة200
فرقة الشيعة: وهم اثنان وعشرون فرقة. 208
فرقة المرجئة: وهم خمس فرق. 221
فرقة النجارية: وهي ثلاث فرق. 223
فرقة الجبرية والمشبهة. 224
فرقة الخوارج: 17 سبعة عشر فرقة. 227
الفرقة الناجية: وهم أهل السنة235
تم ولله الحمد على التمام, والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الكرام.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الحقير إلى ربه القدير عبده
عبد الرحمن بن محمد بن سالم بن سيف الرواحي ..
في يوم رابع خلون من ربيع الأول سنة 1315. (2/247)