صفحة 1
الكتاب: لماذا خلقنا الله وهو غني عنا؟ لمصطفى شريفي لماذا خلقنا الله وهو غني عنا؟
[جواب لسؤال طرحه علي أحد الطلبة]
- الجواب البدهي هو قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (سورة الذاريات: 56). ولكن أليست الملائكة أعظم المخلوقات عبادة؟ فقد لا يقتنع المجادل بهذا الجواب.
- الله تعالى خَلَقَنَا لعبادته، ولا نتصور إلها بدون عبادة، وإلا فَقَدَ صفة الألوهية. وإن هناك صفات لله تعالى، وله كل صفات الكمال، لا تظهر إلا بعد استيفاء جميع أنواع المخلوقات: مخلوقات لها عقول بلا شهوات (الملائكة)، ومخلوقات لها شهوات وغرائز بلا عقول (البهائم)، ومخلوقات لها عقول وشهوات (الإنسان). ومن الصفات التي تظهر: العدل، الجبار، الرحمن الرحيم، العزيز، المتكبر ...
- والإنسان مخلوق ضعيف أمام النوازع النفسية؛ لذلك فهو بفطرته محتاج إلى الاستناد إلى قوة عظمى يلجأ إليها عند الملمات.
- الله خالقنا، باعتراف أكثر الكفار، وبما أنه صانعنا فهو أدرى بما يصلح لِمَا صنعه، وما يصلح للبشر هو خضوعهم وعبادتهم لله خالقهم، أعظم قوة في العالم.
- إن عبادة الله ليست محصورة في العلاقة بين الإنسان والله، وإنما هي تتجلى في كل شيء، في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وبالحيوان، وبالنبات، وحتى الجماد (المحافظة على البيئة ... ). لذلك فالعبادة إذن هي في صالح الإنسان، والله غني عنا.
- إن تميز الإنسان بالعقل عن سائر الكائنات، فكان مسخِّرا لا مسخَّرا، وقائدا لا مقودا ... كلها تمييزات مُنحت للإنسان دون سعي منه؛ ألا تستحق هذه التكريمات منَّا شكرًا واستغلالاً فيما يصلح الكون ولا يفسده؟ وما يصلحه هو ما شرعه الله لأنه أدرى بنا من أنفسنا.
إذا لم تقنعك هذه الأجوبة، فلتضع في ذهنك مسلمتين أساسيتين، هما:
• إن الله حكيم، ولا يفعل شيئا عبثا، وحكمته أعلى من حكمتنا، وعلمه أعلى من علمنا، ولا نسبة ولا مناسبة بينهما.
• أن علم الإنسان محدود جدا، وأن ما جهله أكثر وأعظم مما علمه بكثير ...
وبالتالي فإذا نحن لم نصل إلى حكمة الله من خلق الإنسان - رغم هذه الإيضاحات - فهل نتصور أن الله عابث بخلقنا؟ فلنتَّهم عقولنا القاصرة ولا نتهم الله تعالى. ولنضع في ذهننا القاعدة: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (سورة الأنبياء: 23). وهنا يطمئن قلبك. وتعمل للنجاة بنفسك يوم لا ينفع فيه ما ولا بنون، ولا تنفع فيه هذه الاعتذارات، ويقال لأهل النار: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (129) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالاِنسِ أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمُ ءَايَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمُ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ (130) ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكِ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَّشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ـ اخَرِينَ (133) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ قُلْ يَا قَوْمِ اِعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمُ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135)} (سورة الأعراف).
لماذا يدافع الإنسان عن الله، ويموت من أجله؟
- إن هذا الدفاع ليس عن الله، وإنما لردِّ تفكير المنحرفين إلى صوابهم، فلا يُعقل أن يبقى الإنسان مخطئا لا مصوِّب له، وظالما لا رادع له، ومظلوما لا مدافع عنه، ومفسدا لا موجِّه له إلى الإصلاح ... وموت الإنسان في الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله هو في صالح الإنسان، وهو حياة له (1/1)
صفحة 2
{وَلاَ تَحْسِبَنَّ الذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلَ اَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ... } (سورة آل عمران: 169)؛ فالحياة الحقيقية هي الدائمة لا الفانية. فالمستفيد في النهاية هو الإنسان الداعي والمدعو في آن واحد.
- ليس الجهاد بالسيف وبالموت فقط، بل بالكلمة الطيبة، وإسداء الخير لكل البشرية، وبقدر ما يقدم الإنسان من خير لغيره (بشرية، حيوان، نبات، بيئة ... ) بقدر ما تزداد سعادته، وهذا باعتراف علماء النفس (ينظر مثلا: دايل كارنيجي: دع القلق ... ).
لماذا يحتدم الصراع عندما نتحدث في مجال الدين؟
- ليس هذا صحيحا بهذا الإطلاق، بل إن كثيرا من صراعات العالم والاقتتالات الدموية، إنما هي بسبب مصالح مادية (مالية واقتصادية ... ) وهي الأغلب، وقد تكون بسبب صراع الأيديولوجيات (مثال: المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي) وقد تكون بسبب نوازع استعلائية (اليهود مثلا: شعب الله المختار، الجنس الجرماني في الحربين العالميتين)، وقد تتخذ وجها عرقيا (بين القبائل: العربية، الإفريقية ... ). والدين إنما جاء لتلافي كل هذه الصراعات، إذا تم تطبيقه على أكمل وجه. (1/2)
صفحة 3
لماذا خلقنا الله؟
لمصطفى محمود
في كل لحظة منذ ميلاد الإنسان حتى موته .. منذ يقظته في أول ساعات الصباح حتى دخوله في الفراش لينام .. و هو يتعرض لامتحان تلو امتحان.
كل لحظة تطرح على الإنسان موقفا و تتطلب منه اختيارا بين بديلات.
و هو في كل اختيار يكشف عن نوعية نفسه و عن مرتبته و منزلته دون أن يدري.
شهوته تناديه ليشبعها.
قد تكون شهوة إلى طعام، أو شهوة إلى إمرأة، أو شهوة إلى سلطة، أو شهوة إلى جاه.
و إشباع أي شهوة يستدعي تأجيل الأخرى، و تكشف النفس عن منزلتها بما تفضله، و بما تعجل إليه من شهوات من أدنى السلم حيث الإنسان هو الحيوان الذي لا يشغله سوى شهوة بطنه أو عضوه التناسلي، إلى الطاغية الجبار الذي لا شاغل له سوى شهوة التسلط على الآخرين و سحقهم و استغلالهم .. يكشف لك اختيارك عن نوعك و منزلتك و رتبتك.
و يقول لك سلوكك .. من أنت .. بين هؤلاء الشهوانيين .. و أي نوع من الحيوان أنت .. فإذا رفضت هذه الشهوات جميعها و استجبت لنداء المنطق و الاعتدال .. فأنت من أهل النظر و العقل و أنت إنسان و لست حيواناً.
و لكن الإنسانية أيضا درجات و العقل درجات.
و أدنى درجات العقل هو العقل المادي البحت الذي لا يعترف إلا بالواقع المحدود الذي يراه و يعيشه، و ينكر تماما ما وراء هذا الواقع الملموس المحسوس.
و يكاد يكون هذا العقل عضوا ملحقا بالحيوان الذي حكينا عنه يعمل في خدمة شهواته، و ذلك بالتماس المبررات و اصطناع المنطق و الذرائع لاقتناص اللذات.
فإن احتكمت في سلوكك لهذا العقل فأنت مجرد حيوان متطور تستخدم طلقة المسدس بدلا من المخالب، و تتآمر بالعقول الإلكترونية بدلا من الانطلاق وراء غضب عشوائي غير محسوب.
و لكن النتيجة مازالت واحدة .. إنك مجرم .. و حياتك هي مخطط إجرامي .. مهما بدت في ظاهرها مهذبة معقولة و منطقية.
إنها أدنى درجات العقل و أخس منزلة من منازل العقلاء.
فإن ارتقيت درجة فأنت تستشعر بشيء وراء الواقع.
و لكن هذا الاستشعار لا يزيد عن شبهة و ظن.
و لكن هذه الشبهة و هذا الظن يؤديان بك إلى أن تكون أقل مادية، و أقل ظلما و أقل صلفا و أقل غرورا، و أقل اقتناعا بالمنطق المقفل و بالواقع الغليظ المحدود.
و بين حين و آخر سوف تظهر عليك بدوات و سوانح تضحية وكرم.
و سوف تعطيك لمسة الغيب بعض المواقف الشاعرية.
و سوف تتأرجح بين هذه المنازل على حسب ما في نفسك من خير .. و ما في عقلك من نور.
فإذا ارتقيت أكثر فإن الاستشعار الروحي للغيب و الإحساس بما وراء الواقع سوف يغلبان على عقلك المسجون في زنزانة الماديات، و سوف تنفتح لك نوافذ من البصيرة و الحكمة تضيء الظلمة التي تزيد عليك من غواشي الحس، و سوف يبدو كرم الخلق كأنه طبعك. (1/3)
صفحة 4
و لكن استشعار الغيب لم يرتفع بعد ليصبح يقينا .. و إنما هو مجرد ترجيح.
فإذا حدثك أحد عن وجود الله فأنت تميل إلى تصديقه .. و لكن ليس لدرجة أن تصلي و تصوم و تدين بالعبادة.
و غاية ما تبلغ إليه من حال .. أن تعتقد أن هناك قوة ما وراء الأشياء .. و أنك تخشى هذه القوة.
و لكن ما عدا ذلك غير واضح، و اهتمامك بالدنيا يغطي على هذا الإحساس .. و أنت تمضي في حياتك تحاول أن تحقق أقصى النفع و لكنك تتحرى ألا تؤذي أحدا.
فإن ارتقيت أكثر فإن الاستشعار الروحي يتضح أكثر و غواشي الحس تنحسر عنك أكثر و أكثر، و يخالجك اليقين بأنك لست وحدك .. و بأنك لم تكن قط وحدك .. و إنما كان الله دائما معك و أنت تسمي هذه القوة لأول مرة باسمها الديني .. الله .. و تصفها بما وصفتها به الكتب السماوية من أسماء حسنى .. و تسند إليها العناية و الخلق و الوحي.
و تتفاوت المراقي في هذه الرتبة الشريفة من المؤمن العادي الذي يصلي و يصوم و يتحرى الخير، و لكن نفسه تغالبه إلى السقوط في الدنيا بين حين و آخر .. إلى المؤمن صاحب الإيمان الرفيع الذي يعيش في شهود و حضور و امتثال للذات الإلهية على الدوام فيعبد الله كأنه يراه.
و منزلتك في كل درجة من هذه الحالات يشهد عليها سلوكك .. فإذا كنت من أهل هذا الإيمان الرفيع فلابد أن تكون من أهل الإحسان .. تتقن كل عمل يوكل إليك دون نظر إلى مكافأة .. و تعامل أعداءك بالتسامح و النصح، و تجاهد الباطل بيدك و قلبك و لسانك و لا تخشى في الحق لومة لائم، و تزجر شهواتك و هي مازالت همسا في الخاطر و قبل أن تنمو إلى دوافع و أعمال.
و لا حقيقة لحال إلا إذا شهد عليه عمل، و لهذا يقلبك الله بين المواقف بين لحظة و أخرى من لحظة تصحو إلى لحظة تنام، و كل لحظة تضعك في موقف.
و كل موقف يتطلب منك اختيارا بين بديلات، و لا يعفيك من الامتحان ألا تختار .. لأن عدم الاختيار هو في ذاته نوع من الاختيار .. و معناه أنك ارتضيت لنفسك ما اختارته لك الظروف أو ما اختاره أبوك، أو ما اختارته شلة أصحابك الذين أسلمت نفسك لهم.
و معنى هذا أن الحياة تعريك في كل لحظة، و تكشف حقيقتك و تنزع عنك قشرتك لتخرج مكنونك و مكتومك.
و المكر الإلهي هنا هو أن يضعك في موقف بعد موقف، و مشكلة بعد مشكلة .. و كل مشكلة تتطلب حلا .. و كل حل يتطلب اختيارا .. و كل اختيار يكشف عن حقيقتك رغما عنك مهما حاولت الاستخفاء.
و بقدر ما تمتد حياتك يوما بعد يوم .. بقدر ما تتمزق عن وجهك الأقنعة .. و يظهر و يفتضح أمرك و ينتهك سرك.
و الله يعلم حقيقتك و سرك من البداية .. و لكنك أنت لا تعلم و لا تريد أن تعلم .. لأنك مدع .. و كل منا مدع ..
كل منا يتصور أنه رجل طيب و أنه مستحق لكل خير، حتى الجبارون الذين شنقوا و سجنوا، و عذبوا شعوبهم تصوروا أنهم مصلحون.
كل منا جاء إلى الحياة و معه دعوى عريضة مزعومة بأنه رجل صالح و طيب.
و لهذا اقتضى عدل الله أن يطلعنا على حقائقنا، حتى لا تقوم أعذار حينما يبدأ تصنيف الناس في الآخرة حسب درجاتهم .. و حتى يكون التصنيف على حسب الحقائق، و ليس على حسب المزاعم و الدعاوى.
و لهذا خلق الله الدنيا.
خلقها لتنكشف الحقائق على ما هي عليه .. و يعرف كل واحد نفسه و يعرف مقدار خيره و شره .. ثم ليعرف الأبرار خالقهم و ربهم، و ليذوقوا رحمته قبل لقائه.
ثم خلق الآخرة لتنكشف فيها حقائق الربوبية، و عالم الملكوت و الجبروت و الغيب.
و الله لا يخلق أي شيء إلا بالحق و للحق، لأنه سبحانه هو الحق. (1/4)
صفحة 5
((وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ (85))) [الحجر]
((وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38))) [الدخان]
((مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39))) [الدخان]
((مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ (5))) [يونس]
((خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3))) [النحل]
((مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى (8))) [الروم]
((وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ (22))) [الجاثية]
((خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ (3))) [التغابن]
((الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (2))) [الملك]
((رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ (191))) [آل عمران]
((أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115))) [المؤمنون]
لا عبثية و لا عبث ...
و ما نرى حولنا من تداول الأحوال على الناس من فقر إلى غنى، إلى مرض إلى عز إلى ذل، إلى حوادث مفاجئة إلى مصائب إلى كوارث إلى نجاح إلى فشل، ليست أمورا عبثية و لا مصادفات عشوائية، إما هي ملابسات محكمة من تدبير المدبر الحكيم الذي يريد أن يفض مكنون النفوس و يخرج مكتومها.
((وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (72))) [البقرة]
إننا جميعا شجعان حتى يدعو داعي الحرب، فيبدي كل واحد عذرا و يختلق كل واحد ظروفا تمنعه و لا يثبت ساعة الضرب إلا القليل.
و لولا محنة القتال ما انكشفت النفوس على حقيقتها، و نحن جميعا كرماء حتى يدعو داعي البذل، فتنكمش الأيدي التي كانت ممدودة بدعوى السخاء، و لا تنبسط بالكرم إلا أكف معدودة.
و كما قال المتنبي:
لولا المشقة ساد الناس كلهم
الجود يفقر و الإقدام قتّال
فالمشقة هي التي كشفت النفوس و فضحت دعاويها، و من هنا جاءت ضرورتها.
و ما كنا لنعرف صلابة الصلب لولا اختباره.
و لهذا خلق الله الدنيا ليعرف الضعيف ضعفه، و ليعرف القوي قوته، و لتفتضح الدعاوى الكاذبة، و يتم العدل باقتناع كل نفس باستحقاقها، و بعدالة مصيرها النهائي في أعلى عليين أو أسفل سافلين.
خلق الله الدنيا ليحق الحق و يبطل الباطل.
و يصدق أيضا الكلام الذي يقول .. إن الله خلقنا ليعطينا .. فهو كلام يؤدي بنا إلى نفس المعنى.
فهل يصح عطاء إلا بمعرفة الاستحقاقات أولا ليكون العطاء حقا.
إن معرفتنا لأنفسنا أيضا مطلوبة، لتكون قناعة كل واحد بعطائه قناعة حقيقية .. و لينتفي الإعتراض.
فمعرفة النفوس لحقائقها .. و معرفة الإنسان لخالقه .. هي الحكمة من خلق الدنيا.
((خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (2))) [الملك]
و ما كانت هذه المعرفة لتتم إلا بالدم و الدموع، لأن النفوس ما كانت لتبوح بأسرارها و حقائقها إلا بالدم و الدموع. (1/5)
صفحة 6
و لأن كلا منا يخفي حقيقته وراء أقنعة غليظة من الشعارات و الأكاذيب، و يسدل على وجهه حجابا من الافتعال و التمثيل و بسمات النفاق و الملاطفة و المجاملة.
فكان لابد من حادث عنيف ليخترق هذه الحجب.
و الدنيا كانت ذلك الحادث.
لقد أخرجنا الله من العدم و كان كل منا حقيقة مكنونة، و أعطى كلا منا اليد و القدم ليضر و ينفع.
فأما الذين تحروا النفع و البر و الخير فهم أهله .. و مأواهم إلى ظله يوم لا ظل إلا ظله.
و أما أهل الضرر و الأذى و الظلم فهم المبعدون عنه و عن رحمته .. و البعد عن الله نار .. لأن كل ما سوى الله نار ..
و علامة أهل الله هي عرفانهم لربهم من قبل لقائه .. أن يعرفوه في هذه الدنيا .. و أن يشهدوا الدنيا دالة عليه.
و كلام القرآن بأن الله خلقنا لنعبده هو كلام يشتمل على كل هذه المعاني السالفة في باطنه.
و حينما تقول الآيات.
((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56))) [الذاريات]
فإنها تعني بداهة.
(و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعرفون).
لأنه لا عبادة بلا معرفة.
و المعنى أنه خلقنا لنعرفه، فإذا عرفناه عبدناه .. و إذا عبدناه تفاضلت عباداتنا، و تفاضل إيماننا و إنكارنا، و تفاضلت منازلنا .. و بالتالي تفاضلت استحقاقاتنا حسب ما نتعرض له من امتحانات في الدنيا .. و بالتالي تفاضل العطاء من المعطي.
و عطاء الله مبذول للكل.
((كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا (20))) [الإسراء]
فالله خلق ليعطي .. و كلنا مستحقون للعطاء بحكم رتبة العبودية، و كل هذه المعاني باطنة في كلمة ((ليعبدون)).
((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56))) [الذاريات]
أما الذي يقول: إن الله خلقنا لأنه خالق و لابد للخالق أن يخلق، فقد أوجب على الله أن يخلق هذا أو يخلق ذاك ..
و لا حق لأحد أن يوجب على الله شيئا.
و لا يوجد قانون يوجب على الله شيئا.
لأنه لا توجد سلطة أو حكم خارج عن الله أصلا، و إنما الله يخلق ما يشاء.
و مشيئة الله لا تحدها قوانين .. لأنه سبحانه مصدر جميع القوانين.
و المشيئة مردودة إلى الله، و بالتالي ليست مسببة بحيث يمكن أن نسأل: و لماذا خلق الله هذا و لم يخلق ذاك؟
إن ((لماذا)) هنا لا مكان لها بتاتا و لا يصح أن توجه إليه سبحانه
((لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23))) [الأنبياء]
و كنه المراد لا يعلمه أحد.
و السؤال يقال بوجه إجمال.
و مجال التأمل هو في الحكمة العامة للخلق و للدنيا.
أما السؤال تفصيلا عن خلق هذا و خلق ذاك، فهو أمر غيبي .. و هو في العمى لا يعلمه أحد. (1/6)
صفحة 7
يقول الصوفي ابن عربي: إن الله خلق هذا و خلق ذاك لأنهما سألاه في العدم أن يرحمهما بإيجادهما فأوجدهما .. و أن الله لا يأتي بأحد إلى الدنيا كرها .. و إنما كل ما جاء إلى الدنيا بطلبه.
و هو كلام غيبي.
و هو كلام يستتبع أنه كان لنا وجود في العدم .. و أن العدم غير معدوم.
و هو كلام يجرنا مرة أخرى إلى المعضلة التي أثرتها في كتابي ((الوجود و العدم)).
و لمن يريد أن يغوص وراء الأسرار أكثر أن يعود إلى الكتاب.
و حسب المؤمن الذي يريد أن يقف عند بر الأمان، و لا يلقي بنفسه في وادي العماء .. أن يقول:
آمنت بكلمات الله على مراد الله.
و ما خفى عني فالله به أعلم.
المصدر: كتاب ((القرآن كائن حي))
للدكتور مصطفى محمود
للمزيد: http://www.hrdiscussion.com/hr497.html#ixzz1K3Sr2vg2 (1/7)