صفحة 1
الكتاب: مدخل إلى دراسة الإباضيّة وعقيدتها
المؤلف: بيير كوبرلي Pierre Cuperly
ترجمة: عمّار الجلاصي
الناشر: مؤسسة تاوالت الثقافية
تاريخ النشر: [د. ت]
الطبعة: [د. ط] مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] (1/1)
صفحة 2
[صفحة بيضاء] (1/2)
صفحة 3
منشورات مؤسسة تاوالت الثقافية سلسلة الأبحاث التاريخية – 5
مدخل إلى دراسة الإباضيّة وعقيدتها
بحث مقارن في اللاهوت الإباضي في بلاد المغرب وعُمان
تأليف: بيير كوبرلي
ترجمة الأستاذ: عمّار الجلاصي
أعده للنشر: موحمد ؤمادي
هذا الكتاب هو ترجمة لكتاب:
Introduction à l’étude de l’Ibadhisme et sa théologie
تأليف:
Pierre Cuperly (1/3)
صفحة 4
[صفحة بيضاء] (1/4)
صفحة 5
[صفحة بيضاء] (1/5)
صفحة 6
[صفحة بيضاء] (1/6)
صفحة 7
توطئة
إلى مناسبتين اثنتين يعود هذا البحث: المناسبة الأولى: أثناء زيارتي للمزاب لأوّل مرّة في (1961م) أتيح لي أن ألاقي الأب دافيد، من الآباء البيض بغرداية، وألاحظ كيف توصّل هذا الرّجل بمثابرته وعمله الدءوب إلى معرفة عميقة للبلاد وثقافتها. صار هذا العامل الّذي لا يعرف الكلل، ورجل الله الّذي يعطي قدوة ومثالا، محلّ احترام الجميع. ولم تنس غرداية مظاهر المحبّة الاستثنائيّة الّتي أولاه بها الأهالي عند وفاته. المناسبة الثانية: عند عودتي إلى المزاب في (1969م)، بعد دراسة اللّغة العربيّة في تونس، وجدت نفس ذلك الجوّ من الثّقة والمحبّة، وجدت في تلك الحفاوة الّتي يحيط بها المزاب ضيوفه دعوة إلى القيام برحلة طويلة لمعرفة أهاليه وثقافتهم بنحو أفضل.
شدّ اهتمامي أوّلا تاريخُ وادي ميزاب الّذي قدّمت دراسة وجيزة عنه معتمدا على الرّسالة الشّافية لمحمّد بن يوسف أطفيّش. ففي ثقافة المزاب يبرز الدّين كأحد الرّوافد الكبرى والمهيمنة. يظهر ذلك مثلا في شعار معهد "الحياة" بالقرارة: "مكارم الأخلاق خير من العلم ومصلحة الجماعة قبل مصلحة الفرد"، وكذلك في الأدب الإباضيّ الّذي يمتاز بغزارته وجودته. ولقد استرشدت بنصائح الأستاذ [أرنلديز] الحكيمة إلى دراسة الجوانب الدّينيّة للإباضيّة. ورغم مصاعب المشروع، لم أندم (1/7)
صفحة 8
على الجلوس إلى أولئك العلماء الّذين بلوروا المذهب الإباضيّ على مرّ العصور والإصغاء إلى من لا يزالون إلى اليوم يحملون ذلك التّقليد في صميمهم.
في هذا البحث، سمحت لي التّشجيعات والتّوجيهات الّتي تلقّيتها أثناء زيارات قمت بها إلى شتّى المدن، مثلا لدى مفتي برّيان الشّيخ عبد الرّحمن بكلّي، وفي القرارة لدى الأستاذ والمؤرّخ محمّد عليّ دبّوز والرّجل السّمح الشّيخ بيّوض اللّذين توفّيا مؤخّرا وقد أتاح لي معرفتهما الشّيخ فرصوص عزّابيّ مسجد مليكة، وعدّة أشخاص آخرين يطول تعدادهم، سواء في محادثات بسيطة أو في مقابلات مسجّلة، بمعرفة أدقّ لعدّة جوانب من المذهب، وللأهمّيّة النّسبيّة لشتّى المسائل، والتّمييز بين الّتي ما زالت والّتي لم تعد ذات أهمّيّة في الوقت الرّاهن. وقد كان فتح مكتبات المزاب للباحثين عونا كبيرا. وأنا أعبّر هنا عن عرفاني بوجه خاصّ للمأسوف عليه محمّد أطفيّش الّذي اضطلع طويلا بمهامّ أمين مكتبة "القطب" ببني يزقن، والشّيخ بازملال، فقد تلقّياني بهاته الودادة الّتي هي من مفاتن النّزعة الإنسانيّة المزابيّة. أتيح لي كذلك الدّخول إلى مكتبتي القرارة ومليكة.
أنا على وعي تامّ بمحدوديّة محاولة كهذه للولوج إلى أسرار تطوّر المذهب الإباضيّ. وكما يبيّن العنوان، هذا البحث عبارة عن مقدّمة لا أكثر ولا يدّعي الاستيفاء، فذلك يتطلّب فريقا دوليّا نظرا إلى تفرّق مراكز الإباضيّة وصعوبات الاطّلاع على المصادر الأصليّة وقلّة المنشور- في طبعات حجريّة أو حديثة- من جملة الكتابات الإباضيّة، وندرة الوثائق الأساسيّة الّتي نُشرت مع التّحقيق. وحيثما حقّق باحثون ونشروا نصوصا هامّة تحقّقت بذلك فائدة كبرى: مثلا قدّم لي نشر النّامي لكتاب أصول الدّين لتبغورين وعمّار الطّالبيّ للموجز لأبي عمّار (1/8)
صفحة 9
عبد الكافي أكبر العون.
في اختيار العقائد كان هدفي التقاط الفكر الإباضيّ على امتداد رقعة انتشاره الجغرافيّة: المزاب، ورجلة/سدراتة، جربة، نفوسة، عمان. زمنيّا تغطّي هذه الوثائق الفترة (ق 5 - 8هـ/11 - 14م)، ولا يخلو تأريخ بعضها من إشكال. وكلّما أمكن حاولت جاهدا أن أضعها في السّياق التّاريخيّ والثّقافيّ الّذي نشأت فيه: بذلك تصطبغ بالحياة تلك النّصوص الشّديدة الاختصار وذات الطّابع الفقهيّ في ظاهرها: هي بنود عقديّة وفي نفس الوقت تترجم الإيمان كما يعيشه في الواقع التّاريخيّ الإباضيّة، وتعكس التّغيّرات والتّطوّرات- الطّفيفة في واقع الأمر- تيّارات متنوّعة لا تخلو من مؤثّرات خارجيّة، وتعطيها لونا متميّزا.
يعتمد الجزء الثّاني من البحث الّذي يتناول 5 من أمّهات القضايا الأصوليّة (التّوحيد وصفات الله، خلق القرآن، رؤية الله، القدر، الإمامة) على العقائد بطبيعة الحال، لكنّه يضيف إليها كتابات الشّرّاح والمتكلّمين، القدماء والمحدثين. درست كذلك الولاية والبراءة في معرض تحليل كتاب التّوحيد للجيطاليّ، وفي الخاتمة قدّمت ملخّصا لموقف الإباضيّة من مسألة الوعد والوعيد، أي مآل العباد عند المعاد، بحيث يمكن تكوين فكرة عن مجمل العقيدة، فأنا لم أسع إلى دراسة اختلافات الإباضيّة عن بقيّة المذاهب في الشّعائر العباديّة والأحكام الفقهيّة، وإن كانت العقائد لا تغفلها تماما وهي لا تُعدّ أمورا غير ذات بال.
ليعذرْنا القارئ الإباضيّ على الثّغرات والأخطاء الّتي قد يجدها عبر هذه الصّفحات، وسأكون ممتنّا له على الملاحظات والتّصويبات الّتي يوجّهها إليّ. هذا وإنّي لم أشأ في أيّ موضع من هذا البحث إصدار حكم على الأفكار المعروضة، (1/9)
صفحة 10
فقد كان غرضي قبل كلّ شيء تقديم عرض أمين للفكر الإباضيّ كما عبّر عن نفسه. هذا العمل هو في الحقيقة ثمرة تعاون، وما كان ليُنجز بدون دعم وتشجيع أصدقاء عديدين بالمزاب أقدّم لهم هاهنا أصدق عبارات العرفان. (1/10)
صفحة 11
مقدّمة
نشأت كلّ فرق الإسلام الكبرى- أو بعبارة أخرى كلّ أسره الرّوحيّة الكبرى- معا في ظرف تاريخيّ واحد، وحدّدت نفسها من خلال موقفها من الأخريات. وكبريات الفرق سابقة بنحو ما للسّنّة الّتي ليست هي الأخرى سوى فرقة وحدّدت نفسها بالمقابلة ببقيّة الفرق كتجمّع للأمّة ليس بمنأى عن الانقسامات في وجه العلويّين المنادين بشرعيّة آل البيت والخوارج بنزعتهم الإقليميّة التّمرّديّة (1).
بحثت الإباضيّة من خلال تمييز ذاتها عن فروع أخرى متطرّفة من الخوارج وأحيانا بضمادتها عن طريق وسطيّة معتدلة مع التّمسّك بالمطلب الأساسيّ للمحكّمة (2) الأولى: نقاوة الإيمان. إلى رفض التّطرّف هذا قد يعود الفضل في بقاء مجموعات إباضيّة إلى هذا اليوم في عمان وتنزانية (زنجبار) وليبيا (جبل نفوسة، زوارة) وتونس (جربة) والجزائر (المزاب) بينما لم تبق الحركات الخارجيّة الأخرى بعد الدّولة العبّاسيّة.
أيّا كان الأمر لا يمكن أن تستغني معرفة تطوّر مجموعة بشريّة عن دراسة بداياتها. يصحّ ذلك أيضا على علم الكلام وعلى ما يخصّ العقائد (3). ولن ندرك أبعاد إعلان العقائد الإباضيّة الكبرى بين القرنين (5 و 8هـ) دون توجيه
__________
(1) - انظر ملاحظات [لاوست]، الانشقاقات في الإسلام، ص84 - 85.
(2) - الّذين أعلنوا في صفّين: "لا حكم إلاّ لله".
(3) - انظر [ونسيك]، العقيدة الإسلاميّة، كمبردج 1932م، وقائمة المصادر الّتي قدّمها [مونتغومري وات] في: دائرة معارف الإسلام 2: 1: 342 - 346 مقالة: "عقيدة". (1/11)
صفحة 12
اهتمامنا إلى تاريخ نشأتها والتّذكير بإيجاز بالملابسات التّاريخيّة الّتي ظهرت فيها الإباضيّة قدر ما تسمح معرفتنا بالمصادر المتوفّرة.
نبذة تاريخيّة
بعد مقتل عثمان (في 35هـ/656م) شبّ نزاع بين الخليفة الجديد الّذي اتّهمه البعض بالضّلوع في العمليّة ومعاوية بن أبي سفيان قريب الخليفة المقتول المطالب بثأره. وقد نقل المؤرّخون السّنّة والإباضيّة الظّروف الّتي تواجه فيها الجيشان في صفّين (في صفر 37هـ/يوليو 657م) على ضفّة الفرات اليمنى (1).
لمّا بدا أنّ النّصر آيل لعليّ، عرض معاوية تطبيق إجراء التّحكيم الّذي نصّ عليه القرآن: "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا" (ق 49: 9). أحدث اللّجوء إلى تحكيم بشر شرخا عميقا بين المسلمين. فبينما توخي بعض الصّحابة الحياد والإمساك تجنّبا للفتنة وسُمّوا لذلك المعتزلة (2)، ثار آخرون معظمهم من قبيلة بني
__________
(1) - انظر تاريخ الطّبريّ 1: 3356 - 3368، البرّاديّ: الجواهر المنتقاة، ط ح، القاهرة، 1302هـ، ص106 - 129.
- درس نزاع عليّ ومعاوية وانشقاق الخوارج بصفة معمّقة لـ[فكيا [فاليري]] وبيّن إسهام المصادر الإباضيّة في تعريفنا بالأحداث: "نزاع عليّ ومعاوية وانشقاق الخوارج: إعادة نظر على ضوء المصادر الإباضيّة" في "حوليّات المعهد الجامعيّ للدّراسات الشّرقيّة بنابولي" 1952م: ص1 - 94. انظر كذلك لنفس الكاتب ترجمة الصّفحات الّتي خصّصها للموضوع البرّاديّ في "الجواهر" والشماخي في "كتاب السّير" ح م ج د ش ن 1953م، ص1 - 98، في نفس هذا المقال يعطي [فاليري] رواية للأحداث لكاتب مناصر لعليّ: نصر بن مزاحم المنقاريّ (ت 212هـ): "واقعة صفّين".
(2) - انظر [لاوست]، الانشقاقات ص12. (1/12)
صفحة 13
تميم العربيّة الشّماليّة (1) ضدّ تحكيم رجال في مجال "لا حكم (فيه) إلاّ لله" (2)
فتخلّوا عن معسكر عليّ وتجمّعوا في قرية حروراء غير بعيد عن الكوفة واختاروا رئيسا لهم عبد الله بن وهب الرّاسبيّ (3). لذلك سُمّوا الحروريّة أو المحكّمة. وقويت صفوفهم بانضمام أعداد متتالية من أنصار عليّ الّذين تخلّوا عنه. ومن بينهم نسبة كبيرة من القرّاء خرجوا خفية من الكوفة والتحقوا بمعسكر عبد
__________
(1) - انظر [فلّهاوزن]، أحزاب المعارضة السّياسيّة الدّينيّة في صدر الإسلام: ص1 - 7 ..
(2) "لا حكم إلاّ لله"، أوّل من قال هذه القولة عروة بن أُديّة حسب المسعوديّ: مروج الذّهب (ترجمة [شارل بلاّ] ج3 ص827 والملاحظة 2077)، انظر كذلك الأشعريّ: مقالات الإسلاميّين، ج1 ص192.
- من تحميل تلك الجملة ما لا تحمل أن نرى فيها يوم قيلت إدانة لمعاوية وأنصاره بالشّرك. في المقابل كان موقف المحكّمة:
أنّ معاوية وأصحابه هم بين الطّائفتين المقتتلتين الفئة الباغية والفاسقة،
أنّ الحكم الإلهيّ يقتضي قتال هذه الطّائفة حتّى تفيء إلى أمر الله،
إن وُجد نصّ حكم إلهيّ لا يجوز استبداله بحكم إنسانيّ،
بما أنّ معاوية وأصحابه لم يتوبوا ولم يفيئوا إلى الدّين الحقّ يمكن قتالهم كأهل الحرب وفق ما جاء في سورة "براءة"،
قرار التّحكيم في ما فيه حكم إلهيّ صريح خطأ تبنا عليه وعلى مطالب بإعلان توبته أيضا ونقض عهده مع معاوية.
انظر فكيا [فاليري]، نزاع (ح م ج د ش ن ج4 (1952) ص31 - 38).
(3) - حول هذه الأحداث راجع مقالات لـ[فكيا [فاليري]] المذكورة أعلاه وكذلك [فلّهاوزن]، الأحزاب ... (وهو يعتمد على رواية أبي مخنف في تاريخ الطّبريّ)، [ليفيتسكي]، مقال "الإباضيّة" في دائرة المعارف الإسلاميّة ج3 ص669 - 682، وخاصّة مقالته المعتمدة على وفرة من الوثائق: الإباضيّة في جزيرة العرب وإفريقيا (1 - الجماعة الإباضيّة في البصرة وأصول الدّول الإباضيّة في الجزيرة العربيّة وإفريقيا، في: مجلّة تاريخ العالم، ج13 (1971م)، ص51 - 81. (1/13)
صفحة 14
الله بن وهب الرّاسبيّ. وغادرت مجموعة أخرى البصرة بقيادة مسعر بن فدكي والتحقت بهم. وقد أقاموا معسكرهم قرب النّهروان في الموضع الّذي شيدت عليه بغداد لاحقا. بعد هزيمة النّهروان (9 صفر 37هـ/17 يوليو 658م) الّتي لقي فيها الرّاسبيّ مصرعه، آلت قيادة الخوارج إلى المستورد بن عُلّفة.
كان لا بدّ من التّذكير بإيجاز بهذه الأحداث الأولى الّتي هي أصل الانقسامات السّياسيّة الدّينيّة الّتي مزّقت الأمّة الإسلاميّة. والإباضيّة وإن كانوا يكرهون أن يصنّفوا بين الخوارج (1) لا يخشون التّصريح بأنّهم ورثة المحكّمة والحروريّة، ويعدّون في جماعتهم عبد الله بن وهب الرّاسبيّ (2). ونقدهم لعليّ لا يصل حدّ نعته بالشّرك مثل غلاة الخوارج، بل يعتبرون موقفه كفر نعمة (3). يعترفون له بإمامة حقه أساسها العلم ورفعة المقام. وإنّما تمثّل خطأه عندهم في التّردّد والقبول في النّهاية بالتّحكيم رغم اعتراضات القرّاء. ويحسبون له ندمه، "فالاعتراف بالذّنب والتّوبة والإقرار علنا بالخطأ كان يكفي ليُعذر هو بالخصوص وأمثاله" (4). لكنّ هذا
__________
(1) - يؤكّد ذلك بوضوح: أبو اليقظان إبراهيم في "دفع شُبه الباطل" (نصّ مرقون، مطبعة القرارة 1386هـ/1966م) وإبراهيم بيّوض في: "الإباضيّة ليسوا خوارج" (أجوبة وفتاوى، نالوت، 1390هـ/1971م، ص37 - 53).
(2) - محمّد بن يوسف أطفيّش: "الرّسالة السّلفيّة في بعض تواريخ أهل وادي ميزاب" (طبعة حجريّة 1299هـ/1880م، ص177)
(3) - انظر الأشعريّ: مقالات ج2 ص126، لـ[فكيا [فاليري]]، نزاع (ح م ج د ش ن، ج4 (1952م) ص69 - 71).
(4) - "يقولون لعليّ: أنت الإمام الحقّ، ويقرّون له بالإمامة والعلم والمقام الرّفيع. ويرفضون التّحكيم الّذي قبل به ويقولون: حيث أعطى الله الحكم لحكمين، كما في الصّيد المحرّم والشّقاق بين الزّوجين، فالحكم لهما، أمّا حيث - حكم الله فحكمه يسري، وتلك حالة قتال الفئة الباغية. وليس لأحد أن يتخلّى عنه أو يماطل ليعرف إن كان حقّا مواصلته أو التّخلّي عنه. قال له الإباضيّة: تب عن التّحكيم وارجع معنا لقتال عدوّنا وعدوّك (أهل الشّام في ذلك الوقت. لهذا السّبب أو بسبب الأكاذيب الّتي نُقلت له عنهم، أو بسبب ما فعل بعض الجاهلين بدون أمره ولا رضاه، قُتل أغلبهم. يقال إنّ 4 آلاف قُتلوا وبقي 10. قالوا له: إنّ العهد الّذي عقدته مع معاوية للتّحكيم معصية ويجب أن تنقضه، وممنوع أن تفي به، مجيبين بذلك على اعتراضه أنّه يجب الوفاء بالعهود. وصحيح أنّ عليّا تاب وتبيّن له أنّه ارتكب معصية بقتلهم، لكنّه أظهر توبته بمدحهم. الاعتراف بالذّنب والتّوبة والإقرار علنا بالخطإ كان يكفي ليُعذر هو بالخصوص وأمثاله". أطفيّش: الرّسالة السّلفيّة ص161 - 162. حول حكم الخوارج على عليّ انظر كذلك المسعوديّ: مروج الذّهب (ترجمة [بلاّت]،ج3 ص680، الفقرة 1729). (1/14)
صفحة 15
الموقف الإيجابيّ من إباضيّ عصريّ، أطفيّش، والّذي يقارب التّبرئة، يختلف عن أحكام الإباضيّة عليه في الماضي والّتي كانت أشدّ بل وصلت حدّ الإدانة (1). ركّزت جلّ العقائد الإباضيّة على أحداث صفّين والأطراف في قضيّة التّحكيم.
لم يُخرس مطلب الخوارج بعد كارثة النّهروان، بل نتج عن تفريقهم إثرها انتشار مذهبهم إن صدّقنا قول البغداديّ (2). وما انفكّوا طيلة خلافة عليّ يؤجّجون ثورات في المشرق الإسلاميّ. ألم يبلغ عددها 21 بين (658
__________
(1) - انظر مثلا خطبة المختار بن عوف الأزديّ (أبي حمزة) الّذي نقل حكمَه المعتدل على عليّ، الجاحظ في "البيان والتّبيين"، أو مدح ابن ملجم قاتل عليّ (انظر إحسان عبّاس: شعر الخوارج، بيروت ص46) (المترجم: عمران بن حطّان الصّفريّ: يا ضربةً من تقيّ ما أراد بها/ - إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا// إنّي لأذكره يوما فأحسبه/ - أوفى البريّة عند الله ميزانا// - أكرمْ بقوم بطون الطّير قبرهم/ - لم يخلطوا دينهم بغيا وعدوانا).
(2) - عبد القاهر البغداديّ: الفرْق بين الفِرَق (بيروت، 1393هـ/1973م ص61). (1/15)
صفحة 16
و680م؟ (1) وساهموا بصفة غير مباشرة في انتصار معاوية على عليّ وقيام الدّولة الأمويّة، كما ساهموا بعد (90 سنة) في انتصار العبّاسيّين على الأمويّين (2).
ينبغي مع ذلك أن يسترعي انتباهنا من الآن عدّة وقائع لندرك طبيعة القضايا الأصوليّة الّتي طُرحت منذ البداية، ونتبيّن الملابسات الّتي انفصلت فيها الإباضيّة لاحقا عن بقيّة فرق الخوارج وحدّدت ذاتها بينها.
ذكرنا المحكّمة الأولى والأهمّيّة الّتي كانوا يولونها لكتاب الله باعتباره الفيصل ومصدر الأحكام الّذي يعلو على كلّ حكم إنسانيّ. ساهم في إعطاء هذا المعيار وزنه عند الخوارج الأوائل انتماؤهم إلى طائفة القرّاء، أصحاب الجباه السّود ممّن سيماهم على وجوههم من أثر السّجود (ق 48: 29). لم يكن أولئك القرّاء الأتقياء يعتزلون الحياة العامّة، بالعكس كانوا "أسودا في النّهار ورهبانا في اللّيل" (3)، وشكّلوا العنصر الأنشط في التّحضير للثّورة ضدّ عثمان، ولعبوا دورا رئيسيّا في واقعة الجمل وفي صفّين ثمّ ضدّ الحجّاج بن يوسف. كان شعار "لا حكم إلاّ للّه" الصّيحة الّتي جمعتهم.
لا بدّ أن تسترعي انتباهنا واقعتان: التّنافس بين قبائل الشّمال والجنوب (4) ومساندة
__________
(1) -[م. وات]، "الفكر الخارجيّ في العصر الأمويّ" في "الإسلام" ص36 (1961م)، ص215 - 217.
(2) - حول ثورات الخوارج في الخلافة العبّاسيّة، انظر [فكيا [فاليري]]، تطوّرات المذهب الخارجيّ في العصر العبّاسيّ، مجلّة الدّراسات الشّرقيّة، ج24 ص1 - 4، ص31 - 34).
(3) - انظر: أطفيّش: الرّسالة السّلفيّة ص163، [فلّهاوزن]، أحزاب ص13.
(4) - انظر: [فلّهاوزن]، المصدر نفسه ص7. (1/16)
صفحة 17
الموالي أي العناصر غير العربيّة للخوارج الّذين تجمّعوا في معسكر النّهروان (1). يتطابق التّضادّ القبليّ بين الشّمال والجنوب على وجه الإجمال التّضادّ بين الشّيعة الّذين انضوت تحت لوائهم قبائل الجنوب خاصّة والخوارج الّذين ينتمي أتباعهم بالأخصّ إلى قبائل الشّمال، ويعكس كما لاحظ البعض بصواب (2) تصوّرين مختلفين عن الأمّة ودور القائد. تنتمي قبائل الجنوب إلى حضارة قديمة نزعت إلى إلقاء صورة مثاليّة بل هالة من القداسة شبه الإلهيّة على ملوكها، بينما لم تخل نظرة القبائل الشّماليّة على الأرجح من تأثير النّموذج الدّيمقراطيّ الّذي ساد عراق ما قبل الإسلام. سهّلت هذه الجذور انفتاح الإباضيّة لعناصر غير عربيّة بإعطاء الجميع مبدئيّا حظوظا متساوية في الاضطلاع بدور القائد، وفتح المجال بهذا النّحو لإقامة إمامة مبنيّة على مبدأ إلغاء التّمييز القبليّ، واعتماد كتاب الله مرجعا أوحد.
لا بدّ كذلك من التّأكيد على أهمّيّة مدينة البصرة المدعوّة لتلعب على مدى عدّة أجيال دور مركز لنشأة وتصارع الأفكار، ولصياغة ونشر المذهب بالنّسبة للإباضيّة كما لغيرها من الفرق (3). والظّاهر أنّ جلّ الخوارج المعتدلين عادوا بعد هزيمة النّهروان (37هـ/658م) وسط أهاليهم بالبصرة الّتي عُرف سكّانها بالشّغب والعداء لعليّ ومعاوية سويّا. كذلك استفاد الإباضيّة من حياد بل ربّما حماية زعيم بني تميم الأمير الأحنف بن قيس السّعديّ (ت 87هـ/686م). ذلك على الأرجح ما يفسّر
__________
(1) - انظر: [فلّهاوزن]، المصدر نفسه ص28.
(2) -[م. وات]، الفلسفة واللاهوت الإسلاميّان (1962م، ص8 - 9). توسّع في وجهة النّظر في "التّشيّع في العصر الأمويّ، مجلّة الجمعيّة الملكيّة الآسيويّة 1969م، ص158 - 172).
(3) - انظر الصّورة العامّة للوسط السّنّيّ والشّيع السّياسيّة الدّينيّة في البصرة عند [شارل بلاّت]، "الوسط البصريّ وتكوّن فكر الجاحظ" (باريس 1953م)، خاصّة الفصل 5، ص183 - 222. (1/17)
صفحة 18
الحصانة النّسبيّة الّتي تمتّعوا بها (1).
__________
(1) - انظر [ليفيتسكي]، "الإباضيّة في الجزيرة العربيّة وإفريقيا" ص56 - 57. (1/18)
صفحة 19
الأفكار الأولى في مجال العقيدة
هل يمكننا عند هذا الحدّ أن نكوّن فكرة عن المواضيع الّتي برزت وسط مجموعات الخوارج وساهمت في بلورة مذهبهم؟ لا يقدّم لنا شعرهم المحفوظ في دواوين الأدب عونا كبيرا بهذا الشّأن. لكن يبرز في بعض الشّذرات من شعر أولئك الخوارج الورعين المواظبين على الجهاد والعبادة الاعتقاد في عذاب النّار (1). شكّل مع ذلك مدح الشّهادة والشّوق إليها وذمّ عالم مُلئ فسادا وازدراء الموت أهمّ مواضيع هذا الشّعر القديم (2).
غير أنّ القضيّة الّتي أثارت جدلا أكثر من سواها في (ق 1هـ) كانت بالتّحقيق حكم مرتكب الكبيرة. لم يتمّ تناول المسألة على المستوى النّظريّ بعد، فقد كان النّقاش يدور حول تحديد الذّنب الّذي اقترفه المشاركون في واقعتي الجمل وصفّين، ثمّ بالنّسبة إلى الخوارج إقصاء العناصر الخطيرة من الجماعة.
هكذا أدان المحكّمة الأولى بالكفر عليّا وعثمان ومقاتلي واقعة الجمل ومعاوية
__________
(1) - مثلا لمّا قُتل نافع بن الأزرق في الدّولاب، رثاه أحد أصحابه: "أن مات غير مداهن في دينه - ومتى يمرَّ بذكر نار يُصعقِ (الكامل) انظر [غبريالي]، "الشّعر الدّينيّ للإسلام القديم" في مجلّة الدّراسات الإسلاميّة، 41: 1 (1973م)، ص29 وما بعد.
(2) - مثلا هذه الشّذرات: "إذا ما اللّيل أظلم كابدوه/ - فيسفر عنهم وهمُ ركوع" (شذرة 9). أو للطّرمّاح: "خوفا تبيت القلوب واجفة/ - تكاد عنها الصّدور تنفلق". أو لسُمَيرة بن الجعد: "إلى عصبة أمّا النّهار فإنّهم/ - هم الُسْد عند الحرب حرب التّهايج// وأمّا إذا ما اللّيل جنّ فإنّهم/ - قيام كأنواح النّساء النّواشج". انظر [غبريالي]، "الشّعر الدّينيّ" 29 وما بعد. وهناك شذرات عديدة من هذا الشّعر جمعها [غبريالي] في "الشّعر الخارجيّ في قرن الدّولة الأمويّة" في "مجلّة الدّراسات الشّرقيّة" (مجلّد 20، ص3 - 4 (أكتوبر 1943م)، ص331 - 372) وإحسان عبّاس: "شعر الخوارج". (1/19)
صفحة 20
وأنصاره والحكمين عمرو بن العاص وأبا موسى الأشعريّ وكلّ من وافقوا على التّحكيم. وبتوسيع هذا المبدأ أعلنوا كفر كلّ مرتكب كبيرة (1). بذلك ظهر أوّل انقسام مذهبيّ بين المسلمين. فبينما رأى السّنّة أنّ مرتكب الكبيرة يبقى مؤمنا طالما بقي محافظا على إيمانه بالله وأنبيائه، وأنّ فسقه لا يسحب عنه صفته كمؤمن ومسلم، فهو فاسق لا أكثر، اعتبره آخرون منافقا وذلك أخطر من ذنب الكافر الّذي يكتم كفره، أمّا في نظر الإباضيّة فيقع تحت طائلة الوعيد: هو كافر نعمة لا كافر شرك (2). وابتكر واصل بن عطاء بشأنه مقولة المنزلة بين المنزلتين: فهو في وضع بين الإيمان والكفر.
ثمّ توقّف القتال لفترة وأخذت البصرة تبدو تدريجيّا كمدينة تجاريّة كبرى. واغتنمت العناصر المعتدلة الفرصة لمصالحة الخلافة. ورغم عدّة انتفاضات قام بها الخوارج أيّام الأمويّين- وقُمعت بسرعة وبشدّة- بان أنّ قائد الإباضيّة الجديد أبا بلال مرداس بن أُديّة التّميميّ (658 - 679م) (3)، الّذي جلبت له خصاله تقدير شتّى الفرق كالإباضيّة والصّفريّة (الّذين عدّوه من أئمّتهم) من جهة والشّيعة والمعتزلة (الّذين عدّوه من أتباع مذهبهم) من جهة أخرى، تخلّى عن العمل الثّوريّ المسلّح وتفرّغ للدّعوة وفتحَ مفاوضات مع السّلطة الأمويّة. وقد فرض
__________
(1) - عبد القاهر البغداديّ: الفَرق بين الفِرق ص55 - 56 و61.
(2) - البغداديّ: الفرق ص97؛ الشّهرستانيّ: الملل والنّحل، بيروت، نشر الخيّاط ج1 ص60 و181. انظر قاموس المصطلحات بعد الخاتمة
(3) - أبو بلال مرداس أخ عروة بن أديّة الّذي قُتل في (58هـ). حسب المؤرّخين كان لا يدين بالاستعراض ويحرّم خروج النّساء ويقاتل دفاعا عن النّفس، فكان يقول: "لا نقاتل إلاّ من قاتلنا"، ويجوّز التّقيّة. انظر ابن الأثير: الكامل في التّاريخ، نشر النّجّار، القاهرة، المنيريّة ج3 ص255 - 256. (1/20)
صفحة 21
التّقدير الّذي كان يحظى به على المتطرّفين مرّتين (في 666 و670م) ترك نهج العنف، ممّا جعل الغلاة يدعونه القاعد أي المرجئ والمهادن.
لكنّ علاقاته الجيّدة بالأمويّين تحوّلت من التّسامح إلى المجابهة بعدما خلف زيادَ بن أبيه عبيدُ الله بن زياد الّذي ولي شؤون العراق من (675 إلى 684م) وصمّم على استئصال كلّ الفرق المناهضة. واضطهد بضراوة خاصّة غلاة الخوارج. هل عدد الخوارج الّذين أُعدموا بأمره- 900 حسب بعض المصادر- مبالغ فيه؟ الواقع أنّه في ردّه الصّارم على أسلوب الاستعراض أي القتل بدافع دينيّ لم يكن يعفي أحدا. ألم تبلغ شدّته الأمر بصلب عروة أخ أبي بلال مرداس (1)؟ انتقلت عندئذ قيادة الخوارج إلى أبي الوازع ثمّ إلى نافع بن الأزرق.
__________
(1) - دفعه قتل بنت أخيه عروة إلى الخروج في (60هـ/679م). خرج في 40 رجلا من أصحابه إلى الأهواز لأنّه لم يعد يستطيع العيش في البصرة. في آسك (وهو موضع يقع بين رامهرمز وأرّجان) قاتلوا جيشا مؤلّفا من ألفي رجل فهزموه (فأرسل إليهم عبيد الله بن زياد بن أبيه والي البصرة) في (61هـ/680م) 3000 عليهم عبّاس بن الأخضر التّميميّ، فقُتلوا عن آخرهم. انظر [فلّهاوزن]، أحزاب 41 - 42 (1/21)
صفحة 22
تمايز فرق الخوارج
إلى هذه الفترة (64هـ/683م) يعود حسب المؤرّخين (1) تكوّن فرق الخوارج الفرعيّة. أوّلا عزلت الاختلافات حول ممارسة العمل الثّوريّ والاستعراض الأزارقة الّذين جرّوا أتباعهم إلى مغادرة البصرة للإعداد للانتقاض على الدّولة الأمويّة. ويبدو أنّ انشقاق الفرق الأخرى لم يأت إلاّ لاحقا. ذاك ما توحي به رواية البغداديّ.
نافع بن الأزرق
كان نافع بن الأزرق الحنفيّ المكنيّ بأبي راشد (2). وأوّل منظّر للفكر الخارجيّ يطبّق بنحو لا يخلو من شطط مقولة [ cujus regio, ejus religio] ( كلّ على دين بلده، أو النّاس على دين ملوكها) بتأكيده أنّ من يقيمون بدار الكفر كافرون، وهو أوّل من أعلن البراءة من القعدة أتباع عبد الله بن إباض الّذين كانوا يعارضون القتال رغم مشاركتهم له في المعتقد. كان أيضا يحكم بكفر من يرفضون الهجرة أي الالتحاق بمعسكره، ويبرّر في إطار الحرب الضّارية على الكافرين استعراض النّساء والأطفال، وهي ممارسة رفضها أبو بلال مرداس. كان على أتباعه قطع علاقتهم بالعشيرة. ويتعرّض الأتباع الجدد إلى امتحان صارم، وكلّ تحوّل إلى الفرقة يشتبه في أنّ باعثه الخوف أو التّقيّة مريب (3). لاحقا أضاف
__________
(1) - انظر ابن الأثير: الكامل ج3 ص335 - 336.
(2) - (ت 65هـ/684م). انظر الطّبريّ: تاريخ الرّسل والملوك، دار المعارف المصريّة، ج5 ص613.
(3) -[فلّهاوزن]، أحزاب 46 - 47؛ انظر كذلك الإشارات الدّقيقة الّتي تقدّمها عقيدة عمان في كشف الغمّة (انظر أدناه الفصل 6). (1/22)
صفحة 23
دارسو الفرق نقاطا أخرى (1)
بعد الخروج من البصرة، أقام الأزارقة مركز قيادتهم بالأهواز، وجبوا فيها الخراج، لكن ظلّ خطرهم يهدّد البصرة حتّى أقصاهم المهلّب بن أبي صفرة إلى هضبة إيران وألحق بهم هزيمة نكراء في سلّبرى (66هـ/686م). وقاد واحدة من أشهر ثوراتهم شبيب بن يزيد الشّيبانيّ (76 - 77هـ/696 - 697م) الّذي نشر الرّعب في كامل العراق ومات غرقا في دجلة (2). خلف نافعا عبيدُ الله بن مأمون التّميميّ (ت 65هـ/683م)، ثمّ الشّاعر قطريّ بن الفجاءة (ت 78 أو 79هـ/696 أو 698م) الّذي اشتهر بفصاحته (3). وصارت فارس لهم دار
__________
(1) - حسب الشّهرستانيّ، أتى ابن الأزرق ب8 بدع: 1) كفّر عليّا وصوّب عبد الرّحمن بن ملجم (قاتله) وزاد (على ذلك) تكفير عثمان وطلحة والزّبير وعائشة وعبد الله بن عبّاس وسائر المسلمين معهم، وتخليدهم في النّار. 2) كفّر القعدة وهو أوّل من أظهر البراءة من القاعد عن القتال وإن كان موافقا له على دينه وأكفر من لم يهاجر إليه. 3) إباحة قتل أطفال المخالفين والنّسوان معهم. 4) إسقاط الرّجم في الزّاني وحدّ القذف على المحصنين من الرّجال. 5) حكمه بأنّ أطفال المشركين في النّار مع آبائهم. 6) أنّ التّقيّة غير جائزة في قول ولا في عمل. 7) تجويزه أن يبعث الله نبيّا يعلم أنّه يكفر بعد نبوّته أو كان كافرا قبل البعثة. 8) مرتكب الكبيرة كافر كفر ملّة خرج به من الإسلام جملة. انظر الملل ج1 ص163 - 164؛ الأشعريّ: مقالات ج1 ص156 - 161؛ البغداديّ: الفرْق بين الفِرَق بيروت، دار الآفاق الجديدة، (1393هـ/1973م)، ص62 - 66 (أضاف: امتحان من يريدون الدّخول في فرقته).
(2) - انظر مقال "الخوارج" لـ[ليفي دلاّ فيدا] في دائرة المعارف الإسلامية ج1 ص959.
(3) - قطريّ بن الفجاءة عربيّ من تميم ولد حوالي (20هـ/640م) شخصيّة فذّة، عيّنه أصحابه أمير المؤمنين وبقي كذلك 10 س (69 - 79هـ/688 - 698 أو 699م)، سُكّ نقد باسمه. انظر [غبريلي]: الشّعر الدّينيّ 29. كان يقول بالاستعراض وسبي الذّراري وقتلهم حسب الجاحظ الّذي أورد خطبة له في البيان والتّبيين، نشر فوزي عطوي ص277 - 279. (1/23)
صفحة 24
الهجرة (1).
نجدة بن عامر
أوهن انشقاق النّجدات الأزارقة. فبعدما أعلن نافع بن الأزرق الاستعراض أمام الجميع، رفض بعض أصحابه تكفير القعدة وقصدوا نجدة بن عامر باليمامة (وسط جزيرة العرب) وبايعوه إماما (2). وقد اضطرّ نجدةَ اتّساع البلاد الّتي كانت تحت سلطته (البحرين، لفترة، عمان، بعض نواحي اليمن وحضرموت) (3) إلى إدخال شيء من المرونة على مبادئ الخوارج الصّارمة بخصوص الهجرة والإعدام، وعلى التّمييز بين المسائل الأساسيّة والثّانويّة في الدّين. ورغم صعوبة الفصل بين جوهر مذهبه وإضافات دارسي الفرق لاحقا (4)، يبدو أنّ نجدة كان يعتبر أركانا هامّة معرفة الله والأنبياء وتحريم دماء المسلمين وأموالهم. كان مذهبه يفرض
__________
(1) - البغداديّ: الفرق، ص62 - 66.
(2) - ابن الأثير: الكامل ج3 ص336؛ الشّهرستانيّ: الملل ج1 ص165.
(3) -[فلّهاوزن]، أحزاب 49؛ الشّهرستانيّ: الملل ج1 ص168.
(4) - عند نجدة وأصحابه (1هـ) الدّين أمران: أ- معرفة الله ومعرفة رسله وتحريم دماء المسلمين- يعنون موافقيهم- والإقرار بما جاء من عند الله جملة، فهذا واجب على الجميع والجهل به لا يُعذر فيه؛ ب- ما سوى ذلك فالنّاس معذورون فيه إلى أن تقوم عليهم الحجّة في الحلال والحرام؛ قالوا ومن جوّز العذاب على المجتهد المخطئ في الأحكام قبل قيام الحجّة عليه فهو كافر. 2) استحلّ دماء أهل العهد والذّمّة في حال التّقيّة وحكم بالبراءة ممّن حرّمها. 3) قال: وأصحاب الحدود من موافقيه لعلّ الله يعفو عنهم، وإن عذّبهم ففي غير النّار ثمّ يدخلهم الجنّة فلا تجوز البراءة منهم. 4) قال ومن نظر نظرة أو كذب كذبة صغيرة أو كبيرة وأصرّ عليها فهو مشرك، ومن زنى وشرب وسرق غير مصرّ فهو غير مشرك، وغلّظ على النّاس في حدّ الخمر تغليظا شديدا. انظر الأشعريّ: مقالات ج1 ص163؛ الشّهرستانيّ: الملل ج1 ص165؛ البغداديّ: الفرق ص68 - 69. (1/24)
صفحة 25
الإقرار بما جاء من عند الله جملة، وهي عبارة نجدها كذلك في عقائد الإباضيّة. هذه المعرفة لازمة لكلّ عبد سواء كان مكلّفا
أو لا. ويُعذر بالجهل قبل قيام الحجّة في الحلال والحرام.
كان حلّ نجدة لقضيّة مرتكب الكبيرة وعلاقته بالجماعة ينطوي على مفارقة صارخة: فبينما لا يُلفظ السّرقة والزّناة من الجماعة باعتبار جرائمهم أعمالا خاصّة لا تخلّد أصحابها في النّار، يجعل الإصرار على معصية صغرى مقارفها مشركا. هكذا بدأ التّمييز بين الكبيرة والصّغيرة، واستخدام مفهوم الإصرار الّذي حملت العقائد الإباضيّة لاحقا توضيحات بخصوصه. صادق نجدة على فكرة الأزارقة بخصوص الجماعة: كلّ من يقرّون الإسلام في دار الهجرة يحظون برضا الله، ودون الوصول إلى حدّ تبرير قتل الأعداء بممارسة الاستعراض، اعتبر معارضي مذهبه من أهل النّار، وقبل التّقيّة.
كان الانتماء إلى الجماعة في نظره إذن أهمّ من الالتزام الفرديّ بالحدود الشّرعيّة. ينتج عن ذلك أنّه لا يُحتاج إلى إمام أصلا في مجتمع يقيم قدرا وفيرا من المساواة ويقرّ كلّ فرد فيه بسيادة القرآن. وكان أصحابه يمارسون الاجتهاد لتطبيق أحكام القرآن على أوضاع مستجدّة. هل كانوا يعتقدون في خلود مرتكبي الكبائر في النّار؟ حسب البغداديّ كان نجدة يصادق أشخاصا لا يتقيّدون بنواهي الشّرع، ويقول إنّ الله سيعاقبهم في غير جهنّم ثمّ يدخلهم جنّته.
كانت بدع نجدة واضحة لم تخف حتّى على عيون أتباعه، لذلك طلبوا منه التّخلّي عنها. ممّا أدّى إلى انقسامات. بويع أبو فديك إماما واستولى على اليمامة. وقُتل نجدة في (73هـ/692م). وظلّ فرع من فرقته يُعرف بالعذريّة (1/25)
صفحة 26
موجودا في عصر البغداديّ (ت429هـ/1037م) (1).
__________
(1) - البغداديّ: الفرق ص69 - 70؛ [فلّهاوزن]، أحزاب 50. (1/26)
صفحة 27
فروع الخوارج المعتدلة
رأينا أنّ الخوارج المعتدلين بقوا في البصرة منذ أيّام ثورة نافع بن الأزرق، رافضين "الخروج" كيلا يعطوا موافقتهم ضمنيّا لممارسة الاستعراض. كان من بينهم أبو بلال مرداس. وفي ردّة فعل على تطرّف الأزارقة تكوّنت في البصرة حوالي (61هـ/680م) فرق معتدلة هي الإباضيّة والصّفريّة والبيهسيّة. وقد قدّم المؤرّخون ودارسو الفرق معلومات عن تاريخها ومذاهبها- لا تخلو من تضارب- أكثر ممّا أعطوا عن مؤسّسيها.
كذلك هو الشّأن في الصّفريّة (1) الّذين ربّما أُطلقت عليهم هذه الكنية باعتبارهم خوارج لا نجدات ولا أزارقة كما يرى [منتغومري وات] (2). يقول البغداديّ: "يتّفق كلّ الصّفريّة مع عبد الله بن وهب الرّاسبيّ وحرقوص بن زهير من المحكّمة الأولى". وهم يقرّون بإمامة أبي بلال مرداس ومن بعده عمران بن حطّان. من جهة أخرى ما زال الغموض يلفّ عدّة نقاط: مثلا ماذا كانت علاقة الأجاردة أتباع عبد الكريم بن أجرد الّذي كان بدوره تابع عطيّة بن الأسود الحنفيّ وانفصل عن النّجدات بهذه الفروع المعتدلة (3)؟ أيّ دور لعب أبو بيهس هيصم (4) الّذي لا نعرف عنه سوى نزر قليل؟ لم توضَّح بعد هذه الملابسات. هنا تنطبق تماما ملاحظة [شارل بلاّت] عن الحركات الفكريّة في البصرة في (ق 2هـ): "قد تؤدّي المبالغة في التّمييز بين الفرق والفروع المتعدّدة إلى إغفال إحدى الخصائص الجوهريّة
__________
(1) - الأشعريّ: مقالات ج1 ص169 - 170؛ البغداديّ: الفرق ص70 - 72؛ الشّهرستانيّ: الملل ج1 ص183 - 185.
(2) -[م. وات]، مرحلة تكوّن الفكر الإسلاميّ، المنشورات الجامعيّة أنمره، 1973م، ص27.
(3) -[لاوست]، الانشقاقات ص78.
(4) - الشّهرستانيّ: الملل ج1 ص169 - 170. (1/27)
صفحة 28
للنّشاط الفكريّ في البصرة في أواخر (ق 2هـ) التي تتمثّل في دوّامة الأفكار والنّظريّات الّتي حملت من فرقة إلى أخرى حتّى ذوي الفكر الرّزين دون أن يعرّضهم ذلك إلى الاتّهام بالتّقلّب" (1).
__________
(1) - انظر [شارل بلاّت]، الوسط البصريّ ص216. (1/28)
صفحة 29
رسائل عبد الله بن إباض
أيّا كان الأمر، وحتّى إن كانت مقدّمات الإباضيّة ترقى إلى أبي بلال مرداس، ينبغي بالتّحقيق أن نردّ إلى عبد الله بن إباض (1) الّذي منه استمدّت الفرقة اسمها نشأتها كجماعة مستقلّة، وبالأخصّ
بلورة أولى صياغات مذهبها، وذاك بالتّحديد موضوع بحثنا. سنرى عند تحليل عقيدة عمان إلى أيّ مدى يمكن أن يُنسب إليه مذهبها أو على الأقلّ بعض عناصره. من جهة أخرى
__________
(1) - جاء في الفقرة الّتي خصّصها له الدّرجينيّ: "عبد الله بن إباض المرّيّ التّميميّ، كان إمام أهل الطّريق وجامع الكلمة لمّا وقع التّفريق، فهو العمدة في الاعتقادات والمبيّن لطرق الاستدلالات والمؤسّس لأبنية هي مستندات الأسلاف والمهدّم لما اعتمده أهل الخلاف. وكان رأس العقد ورئيس من بالبصرة وغيرها من الأمصار والمتقدّم في حلبة الفضل بين أولئك الأخيار. قعد عن اللّحاق فاشتراه في غير إنكار، وقنع بالخمول من غير قصور ولا إقصار، وقلى ما اعتقده ابن الأزرق في المحمّديّة وعدل عن طريق البيهسيّة والنّجديّة، وسلك محجّة العدل وكان قدوة لأهل الفضل، فإليه تُنسب العقائد". الدّرجينيّ: طبقات المشايخ بالمغرب، نشر إبراهيم طلاّي، ج2 ص214. ونجد عند البرّاديّ (الجواهر 155 - 156) تفسيرا لهذه الجملة: بعد مقتل أبي بلال اجتمع المسلمون في مسجد البصرة وعزموا على الخروج، وكان من بينهم عبد الله بن إباض ونافع بن الأزرق ... ولمّا أتى اللّيل وسمع دويّ القرّاء ورنين المؤذّنين وحنين المسبّحين، عندئذ قال لأصحابه: أعن هؤلاء أخرج؟ وكتم أمره واختفى ولم يخرج معهم. وهو من الطّبقة ج2 (50 - 100هـ). انظر أطفيّش: الرّسالة الشّافية، ص177. تاريخ وفاته غير ثابت حسب ابن حوقل (صورة الأرض، نشر كريمرز 1: 37) في اليمن، في المذيخرة بالجنوب الغربيّ. وتدعم شكَّ [ليفيتسكي] (دائرة المعارف الإسلامية 2، 3: 670 مقال "الإباضيّة") في رأي الشّهرستانيّ والقزوينيّ اللّذين ذكرا أنّه عاش حتّى خلافة مروان 2 (127 - 132هـ/744 - 750م) عقيدة عمان حيث قيل إنّه عاش إلى زمن عبد الملك بن مروان، وذلك يعني أنّه من الطّبقة 2. انظر في الفصل 6 تحليل عقيدة عمان. (1/29)
صفحة 30
نعرف أنّه كتب ضدّ غلاة الخوارج (1). ظهر لأوّل مرّة في (64هـ/683م) في الدّفاع عن مكّة إلى جانب عبد الله بن الزّبير المطالب بالخلافة (2). وبعد مبايعته على رأس جماعة المسلمين السّرّيّة في البصرة مع مخاطبته بلقب أمير المؤمنين (3)، واصل ابن إباض سياسة المصالحة الّتي اتّبعها سلفه أبو بلال. عاش مع الفرقة في كتمان، ولم يجل بخاطره أن ينتصب خليفة. لكن في (73هـ/692م) قُضي على ابن الزّبير، فسعى عبد الله بن إباض إلى عقد صلات بالسّلطة القائمة.
تعود الرّسائل الّتي وجّهها إلى الخليفة عبد الملك بن مروان (4) بعد (67 إلى 76هـ/695 - 696م) حسب ليفيتسكي (5). استمرّت المراسلة بينهما. يبدو فعلا أنّ ابن إباض حدّد بدءا موقفه من الخلفاء الأوائل والأمويّين، لأنّ عبد الملك طلب منه مزيدا من التّوضيحات وذكر لصالح عثمان صلاته المميّزة مع الرّسول. أو ليست انتصارات معاوية ومسارعته بالثّأر لعثمان علامة على مباركة الله؟ سبق للخليفة
__________
(1) - انظر الشماخي: السّيَر، ط ح، القاهرة 1301هـ، ص77.
(2) - وقعت ثورة عبد الله بن الزّبير في (61 - 64هـ/680 - 683م) في خلافة يزيد. انظر [موير]: الخلافة، صعودها وانحطاطها وسقوطها، بيروت (1963م)، ص329 - 331.
(3) - لا يعني هذا اللّقب ادّعاء الإمارة على دار الإسلام بل فقط على المؤمنين الحقيقيّين. وهذا ينطبق أيضا على ألقاب أخرى: إمام أهل التّحقيق، إمام المسلمين، إمام القوم. انظر الشماخي ص77؛ البرّاديّ ص155.
(4) -[روبناتشي]، الخليفة عبد الملك بن مروان والإباضيّة، ح م ج د ش ن 1954م، ص99 - 121. والرّسالة المدوّنة في كتاب الجواهر للبرّاديّ وترجمتها هي جوهريّا نفس الّتي وردت في كشف الغمّة الّذي أضاف رسالة أخرى تتعلّق بعليّ. انظر [سخاو]، حول التّصوّرات الدّينيّة لإباضيّة عمان وشرق إفريقيا، و م لـ ش، برلين 1899م، ص52 - 61.
(5) -[ليفيتسكي]، إباضيّة بلاد العرب وإفريقيا ص63. (1/30)
صفحة 31
تحذير ابن إباض من تطرّف الخوارج، بل اتّهمه بالخروج من الإسلام، وطرح عليه أسئلته طالبا منه جوابا صريحا.
أعلن عبد الله أوّلا هذا المبدأ: أنّ سلوك المؤمن محكوم بشريعة القرآن، فالحلال والحرام "حدود" وضعها الله. على ضوء هذا المبدأ حُدّدت المواقف العمليّة تجاه الخلفاء الأوائل والأمويّين. بهذا النّحو وُضعت الخطوط العريضة لمذهب الإمامة: إقرار أبي بكر وعمر اللّذين ليس في سيرتهما ما يعاب، رفض عثمان الّذي أخذوا عليه إعطاء الفيء إلى من أحبّ من أقاربه دون مستحقّيه (1) وإحداثه في الدّين (2). كان أحد الأئمّة الّذين نقضوا الميثاق ووجبت محاربتهم. هل تكفي صداقته مع النّبيّ وقرابته منه لتبرئته؟ كلاّ، حسب ابن إباض، ففي الجماعة الإسلاميّة يُعدّ من لا يحكم بما أنزل الله كافرا (ق 5: 55) وطاعته إذن بمثابة طاعة الشّيطان. وفق نفس المعايير (3) أصدر حكمه على معاوية ويزيد، ذلك الفاسق الشّرّيب الكافر والملعون الّذي لم يصل البلوغ قطّ. بتكفير هؤلاء الخلفاء أكّد بدون أيّ لبس مبدأ الوَلاية والبراءة، ودون إعطاء هاتين الكلمتين المعنى الّذي اتّخذتاه لاحقا: "باللّسان والجوانح
(3)
__________
(1) - ممّا نقموا عليه أنّه أخذ خمس الله لنفسه وأعطاه أقاربه، وضمّ كلّ ضالّة إلى إبله، ومنع أهل البحرين وأهل عمان أن يبيعوا شيئا من طعامهم حتّى يباع طعام الإمارة، وجعل المال دولة بين الأغنياء، الخ. ورأوا أنّه في كلّ تصرّف خالف أحكام القرآن (مثلا تصرّفه في الصّدقات مخالف للآية 8: 41) فضلا عن استخدامه القسر (الجبريّة) في ذلك. انظر البرّاديّ: الجواهر ص158 - 161.
(2) - منع مساجد الله أن يقضى فيها بكتاب الله، نفى صحابة كأبي ذرّ الغفاريّ من المدينة، أمّر على المؤمنين أخاه الوليد بن عقبة الّذي كان فاسقا ويلعب بالسّحرة ويصلّي بالنّاس سكران. استتيب فلم يتب، بل زاد على ذلك، والحال أنّ الأعمال بخواتيمها. انظر البرّاديّ المصدر نفسه.
(3) - البرّاديّ: ن م، ص163 - 165. (1/31)
صفحة 32
والقلب" (4)
__________
(1)
(2)
(4) - "نشهد الله والملائكة أنّا لمن حارب المسلمين أعداء ولمن والاهم أولياء بألسنتنا وأيدينا وقلوبنا، نعيش على ذلك ما عشنا ونموت عليه إذا متنا ونُبعث عليه إذا بُعثنا نحاسَب بذلك عند الله"، انظر البرّاديّ: الجواهر، ص165.
من تكفير أئمّة الضّلالة الدّاعين إلى النّار (ق 28: 41) الّذين يحكمون بغير ما أنزل الله ويوزّعون الأرزاق حسب رغبتهم ويتّبعون أهواءهم (1)، تُحدّد بالمقابلة صفات إمام الهدى الّذي يتّبع الكتاب ويوزّع الأرزاق وفق معايير القرآن ويحكم بما أنزل الله (ق 32: 24): ولمثله تجب الطّاعة. وإنّما سُفك دم المسلمين لمّا تخلّى الخليفة عن القرآن والسنّة.
يوحي ذكر اسم الخوارج فقط بخصوص تلك الفرق بأنّ الفرق الخارجيّة المعتدلة لم تتمايز بعد في عصر عبد الله بن إباض، أو على الأقلّ لم تكن الفروق بينها تُعَدّ ذات بال (2).
تضيف رسالة ابن إباض الثّانية بخصوص عليّ توضيحات هامّة: هنا أيضا لا يكفي فضله العظيم ولا قرابته بالرّسول لتبرئته. والحكم عليه يعتبر خاتمة عمله. عليه تنطبق هذه الآية من سورة الأعراف: "واتل عليهم نبأ الّذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشّيطان فكان من الغاوين" (ق 7: 175). ثمّ في فقرة هامّة قارن ابن إباض سلوك عليّ وتصرّف إبليس وآدم ويونس مظهرا جسامة الإصرار على الذّنب وضرورة الإسراع بالتّوبة، ولا جدوى التّحوّل في اللّحظة الأخيرة. ولئن لم يصغ بصريح العبارة معتقد التّخليد في النّار لمرتكب الكبيرة فإنّ بالإمكان استنتاجه من موقفه ذلك، وكذلك عدم (1/32)
صفحة 33
كفاية الإيمان بدون الأعمال (3).
__________
(1) - (ق 28: 41، 25: 52، 18: 28).
(2) - البرّاديّ: الجواهر ص165.
(3) - "ولقد علمت ما الّذي ذكره الله من إبليس ومنزلته في أهل السّماء لم ينفعه شيء من سالف عمله عند المعصية إذ لم يتب. وأنّ آدم لم ينجه من سخط الله إلاّ الاعتراف بالذّنب والتّوبة. وأنّ ذا النّون من ذلك بمنزلة آدم. وإنّما التّوبة على الله للّذين يعملون السّوء بجهالة ثمّ يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم، وليست التّوبة للّذين يعملون السّيّئات حتّى إذا حضر أحدَهم الموتُ قال إنّي تبت الآن ولا الّذين يموتون وهم كفّار". انظر [سخاو]، حول التّصوّرات ص57.
كذلك تلمّح هذه الرّسالة الثّانية إلى عقائد الشّيعة عن الرّجعة (أي بعث الموتى قبل يوم القيامة) وانتظار المهديّ، ويأخذ ابن إباض عليهم دعواهم الباطلة امتلاك معرفة مستمدّة من مصدر غير القرآن (1).
لم يحبك عبد الله بن إباض تلك الرّسائل في شكل عقيدة متكاملة، لكنّها تؤلّف مع ذلك رؤية مذهبيّة متّسقة للتّاريخ الدّينيّ ومبادئ الإمامة وحكم المذنب ومصيره يوم القيامة، وتقدّم نواة لنظريّة الولاية والبراءة الّتي صيغت لاحقا بنحو أكمل. ويحتلّ فيها مطلب المساواة الاجتماعيّة مكانة عالية. بعد (50 سنة) عبّر عن نفس تلك المبادئ المختار بن عوف الأزديّ المعروف بأبي حمزة في الخطبة الّتي ألقاها عند دخول مكّة (في 129هـ/747م): لكنّ الجوّ السّائد إذّاك لم يعد جوّ تسامح ومحاولات مصالحة ونصائح متعقّلة لبني مروان: بل باتت إدانتهم نهائيّة لا رجعة فيها (2). (1/33)
صفحة 34
باتّجاه تكوّن العقائد
__________
(1) -[سخاو]، المصدر نفسه ص58.
(2) -[سخاو]، المصدر نفسه ص59.
واصل جابر بن زيد (1) سياسة المصالحة مع الخلفاء الأمويّين الّتي انتهجها عبد الله بن إباض. وخلفه على رأس جماعة البصرة الإباضيّة أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التّميميّ كورين (أو كودين) مولى بني تميم. نعلم أنّه كتب رسالة في الزّكاة (2) ومجموعة أحاديث مرويّة عن جابر بن زيد وجعفر بن السّمّاك وصُحار العبديّ (3)
__________
(1) - أبو الشّعثاء جابر بن زيد الأزديّ، أهمّ علماء الفرقة وإن كان هو نفسه لا يقرّ بذلك حسب ما جاء في طبقات ابن سعد (نشر [سخاو]، ليدن، 1904م، (7: 1: 132)، ومحدّث عمانيّ الأصل من منطقة نزوى. ولد على الأرجح في (18هـ/639م) (ومات في 93 أو 96 أو 103هـ). كان رأيه مقدَّما على رأي أبي عبيدة حسب الدّرجينيّ (2: 238). أعماله: ديوان من 5 أجزاء (مفقود)، 18 رسالة إلى أصحابه (ع خ النّامي: وصف وثائق إباضيّة حديثة العهد بالإكتشاف في إفريقيا الشمالية، في مجلّة الدّراسات السّاميّة، 1970م، عدد 1، 1: 65؛ [فان إسّ]، بحوث حول بعض المخطوطات الإباضيّة، في مجلّة الجمعيّة الألمانيّة للدّراسات الشّرقيّة، 126 (1976م)، ص27 - 28)، كتاب النّكاح، كتاب الصّلاة، وحسب ابن سعد (طبقات، 5: 344، 7: 2 و18) صحيفة (تفسير للقرآن؟). انظر: دائرة المعارف الإسلامية مقال "جابر بن زيد" لـ[روبناتشي] (الطّبعة 2، 2: 369) ومقال "الإباضيّة" لـ[ليفيتسكي] (3: 670)، الشماخي: سيَر ص70 - 77، الدّرجينيّ: طبقات ج2 ص205 - 206.
(2) - أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة توفّي حسب الشماخي (سير، 83) في خلافة أبي جعفر المنصور (136 - 158هـ/753 - 775م)، وحسب أبي زكريّا (سير) في أيّام الإمام عبد الوهّاب بن عبد الرّحمن بن رستم (168 - 208هـ/785 - 823م) وهو مستبعد في رأي [ليفيتسكي] (مقال "الإباضيّة" في دائرة المعارف الإسلامية 2، 3: 672). جمع أحاديث حسب الشماخي ورسالة في الزّكاة، انظر النّامي: وصف ص21.
(3) - من طبقة جابر بن زيد، النّصف الثاني من (ق 1هـ). انظر أطفيّش: الرّسالة الشّافية ص177؛ الشماخي: السّيَر ص81.
ومن مؤرّخي الفرقة نعلم أنّه أنكر مقالة بعض الإباضيّة الّذين اعتبروا أهل القبلة (1/34)
صفحة 35
المتأوّلين في الآيات الّتي توهم التّشبيه مشركين (1) وبدعا أخرى في مسائل عباديّة وفقهيّة. وقد طرد أولئك المخالفين عبد الله بن عبد العزيز وأبا المؤرج وشعيبا من المجالس ثمّ أعادهم بعدما تابوا عن مقالتهم، ثمّ أظهروها من جديد في زمن الرّبيع بن حبيب (النّصف الثاني من ق 2هـ).
__________
(1) - "وفي أيّامه (الرّبيع) خالف عبد الله بن عبد العزيز وأبو المؤرج وشعيب وأصحابهم في الجمعة والمرأة الّتي تؤتى في ما دون فرجها وأنّ أهل القبلة المتأوّلين في الّذي ورد ما يوهم التّشبيه مشركون. وردّ الرّبيع مقالتهم وبرئ منهم. وكانوا تكلّموا بذلك في أيّام أبي عبيدة فأنكرها عليهم وطردهم من المجالس، وأتوا حاجبا والرّبيع فتابوا وأعادهم إلى المجالس، ثمّ أظهروها في أيّام الرّبيع".
لكنّ أهمّ قضيّة عقديّة تمثّلت في مسألة القدر. نعلم أنّها طُرحت منذ عصر أبي عبيدة من قِبل صُحار العبديّ، وهو زاهد تعلّم عليه أبو عبيدة كان "ممّن يدعو إلى الله على بصيرة ويده في العقائد طويلة". لكنّ كتابه عن القدر والقدريّة (1) لم يصلنا لسوء الحظّ. وقدر ما نستطيع تبيّن موقفه من إشارات الدّرجينيّ المقتضبة (2) اعتبر أبو عبيدة القدر علم الله بالأشياء قبل أن تكون. لكنّ ذلك العلم لا يؤثّر في أعمال البشر، لا "يحدّدها". لا يمكن تقديم دليل على ذلك من الكتاب، فتصوّر القدر كتحديد مسبق هو رأي أحدثه النّاس.
__________
(1) - الشماخي: السّيَر ص81.
(2) - "كان أبو عبيدة يُضعف أمر القدر ويقول: والله ما فيه نكاح ذات بعل ولا انتحال هجرة ولا حكم بغير ما أنزل الله، إنّما هو رأي أحدثه النّاس فيما بينهم. فمن أقرّ بأنّ الله علم الأشياء قبل أن تكون فقد أقرّ بالقدر. قال أبو سفيان (محبوب بن الرّحيل الّذي استمدّ منه الكاتب روايته): وذلك أنّ صُحارا يقول في القدريّة: كلّموهم في العلم، فإن أقرّوا به نقضوا أقوالهم، وإن أنكروه كفروا". الدّرجينيّ: طبقات ج2 ص233.
لا بدّ أنّ النّقاشات حول هذا الموضوع احتدمت في ذلك العصر، لأنّها أفضت إلى طرد حمزة الكوفيّ وعطيّة من الجماعة الإباضيّة. ويكشف النّقاش الّذي نقله الدّرجينيّ (1/35)
صفحة 36
عن وجود علاقة بين حمزة الكوفيّ وغيلان (1). إن كان نصّه قد نُقل بأمانة، فهو يُظهر أنّ زعماء
__________
(1) - جاء في سير الشماخي ج84 - 85 "قال أبو سفيان: أتى حمزة الكوفيّ أبا عبيدة ليذاكره في أمر القدر، فخرجنا إلى منزل حاجب (وزير أبي عبيدة لشؤون المال والحرب)، فتناظرا كثيرا. وآخر ما سمع من أبي عبيدة: يا حمزة على هذا فارقتُ غيلان. فخرج فكلّمه حاجب، وكان هيبته من حاجب أعظم من هيبته من أبي عبيدة. فقال حمزة: إنّما أخذت هذا القول عن المسلمين. فقال له حاجب: لم تدرك أحدا إلاّ وقد أدركتُه إلاّ جابرا، فعمّن أخذته؟ قال: عنك. فقال حاجب: إنّي أرجع عنه، فارجع عنه كما رجعتُ عنه. فقال: ارفق بي واقبل ما أقول: "ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك" (ق 4: 79)، فالحسنة من الله والسّيّئة من العباد. فقال: أمّا هذه الكلمة فمقبولة من غيرك، وأمّا منك فأنا أعرف مذهبك فيها أوّلا. فخرج فسئل عنه حاجب فقال: ارفقوا بحمزة. ثمّ بلغهم بعد مدّة أنّه مشى إلى النّساء والضّعفاء وكلّمهم. قال (أبو سفيان): فأمر أبو عبيدة حاجبا، فجمع له النّاس، قال: فتكلّم المتكلّمون ثمّ تكلّم حاجب فحمد الله وأثنى عليه وقال: إنّ حمزة وعطيّة أحدثا علينا أحداثا فمن آواهم وأنزلهم أو جالسهم فهو عندنا الخائن المتّهَم. فتفرّق النّاس وطُردا من المجلس. قال أبو سفيان: هجره أبو عبيدة وأمر بهجرانه، فقال يوما عجبا بأبي عبيدة يأمر بهجراني وهؤلاء الفتيان يقولون: أراد وشاء وأحبّ ورضي وهو يدنيهم ولا يقول بمثل قولهم. قال: فبلغ قوله أبا عبيدة فقال: هؤلاء أرادوا إثبات القدر فقالوا فغلوا فيه، وحمزة يريد إزالته، وليس مثبته كمزيله." انظر كذلك السّيَر ص105 و120، الدّرجينيّ: طبقات (ج2 ص241 و243 - 244.
الجماعة الإباضيّة كانوا ينكرون أن يفرض الله على الإنسان ما يفوق طاقته، مستدلّين بما جاء في القرآن بشأن اليتامى: "لا نكلّف نفسا إلاّ وسعها" (ق 6: 152). كما كانوا يرفضون مقولة أنّ "الحسنة من الله والسيّئة من النّاس" (انظر ق 4: 79). نحن إذن بإزاء طور تمهيديّ للمذهب الّذي صيغ لاحقا في العقائد حول القدر: أنّ الله خالق الخير والشّرّ سويّا (1).
يمكن أن نلمس كذلك منذ هذه الفترة تأثير واصل بن عطاء على بعض الإباضيّة (1/36)
صفحة 37
كأبي محمّد النّهديّ (2) الّذي كان له في البصرة مجلس معروف. لا بدّ أنّه كان في الخفاء تلميذا لواصل بن عطاء الّذي استمدّ منه أفكارا عن القدر تخلّى مع ذلك عنها فيما بعد. (1/37)
صفحة 38
عقد محبوب بن الرّحيل
__________
(1) - يمكن كذلك أن نستشفّ تأثيرا ممكنا لغيلان على حمزة وأصحابه: كان غيلان يرى أنّ إرادة الله لا تحدّد أفعال العبد، و"نفى أن يكون الله قد أراد أن يطيعه العبد قبل طاعته"؛ الأشعريّ: مقالات ج2 ص177.
(2) - من طبقة أبي عبيدة. "كان يقول: إنّ أهل الأحداث من القبلة كفّار ليسوا بمشركين ولا مؤمنين. (قال أبوسفيان) فبلغ أمره جماعة من المسلمين فواصفوه في الأمر فكان من أفاضل المسلمين". الشماخي: السٍيَر ص97، الدّرجينيّ: طبقات ج2 ص258.
بين الشّهود القدماء الّذين سبقوا صياغة العقائد بالمعنى التّامّ، يجدر أن نذكر العقد الّذي وجّهه أبو سفيان محبوب بن الرّحيل (1) إلى عبد الله بن يحيى المعروف بطالب الحقّ (2)، ينصح فيه بالاعتدال فاتح حضرموت وجنوب الجزيرة المندفع الّذي أرسله أبو عبيدة ليؤسّس هناك أوّل إمامة إباضيّة (في 127 أو 128هـ) (3). بيّن محبوب بن الرّحيل في تلك الوثيقة مضمون الطّاعة. ما يُدعى عادة أركان الإسلام جزء منها. تشمل الطّاعة (أو البرّ كما جاء في القرآن) الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة ... (إلى آخر الآية 2: 177)، وصيام رمضان وحجّ البيت من استطاع إليه (1/38)
صفحة 39
سبيلا والوفاء بالعهود وأداء الأمانة وملازمة أهل الحقّ وفراق أهل الباطل. هذه عرى
__________
(1) - أبو سفيان محبوب بن الرّحيل من النّصف الثاني من (ق 2هـ) (انظر أطفيّش: الرّسالة الشّافية ص179) مؤرّخ إباضيّة المشرق، استشهد به الشماخي مرارا في كتاب السّيَر وهو من أهمّ مصادره: "المقيّد غرائب الفقه وعجائب الأخبار، ساد الفضلاء علما وحفظ الآثار" (سيَر ص117). انظر [ليفيتسكي]، المؤرّخون وكتّاب السّير والمحدّثون من الوهبيّة-الإباضيّة بشمال إفريقيا من (ق 8هـ) إلى (ق 16هـ)، مستخرج من "ورقات شرقيّة" المجلّد 3 (1961م)، كراكوف، (1962م)، ص19، نفس الكاتب: كتاب أخبار إباضيّ: سيَر أبي العبّاس أحمد الشماخي، في مجلّة الدّراسات الإسلاميّة ج8 (1934م)، ص71 - 72.
(2) - من الطّبقة الثالثة (100 - 150هـ) حسب الدّرجينيّ: طبقات ج1 ص258 - 265)، كان قاضي إبراهيم بن جبلة الّذي كان عامل القوسم في حضرموت. أرسل إليه أبو عبيدة مجموعة من النّاس لتنظيم الإمامة، منهم أبو حمزة المختار بن عوف وبلج بن عقبة وأبو الحرّ عليّ بن الحصين ويحيى بن حرب وأبرهة. انظر الشماخي: سيَر ص98.
(3) - حول هذه الأحداث راجع مقال الإباضيّة في دائرة المعارف الإسلامية 2، 3: 672 - 673 و [ليفيتسكي]، الإباضيّة في بلاد العرب وفي إفريقيا ص69 - 79.
الإسلام ووظائف الدّين وأصل الإيمان. ميّز محبوب بن الرّحيل بين التّعاليم الأساسيّة كاجتناب الشّرك بالله وتحريم القتل والزّنا، وأخرى هي من الطّاعات لكنّها ملزمة بدرجة أدنى، كالحجّ بعد الفريضة والعمرة والصّدقة والصّيام بعد رمضان وقيام اللّيل والإنصات عند قراءة القرآن. فمن بلّغه الله هذه كانت له الفضيلة، ومن لم يستطعها كان مسلما ما استمسك بوظائف ما كان يعرف قبل ذلك (1).
كذلك ميّز بين كبائر الكفر وصغائر المعاصي الّتي ليس لها تحديد دقيق ولا تزيل الولاية، ومنها اللّمم (2). ويستتاب العبد حين يصيبها فإن أبى وأخذته العزّة بالإثم وحميّة الجاهليّة وأصرّ على هذا فعندئذ تُخلع ولايته. وكلّ معصية أصابها ممّا نهى الله عنه وأوجب الله فيها عذابا في الآخرة ونكالا في الدّنيا يصير بها كافرا، ولا يقبل الله منه عملا حتّى يتوب إلى الله متابا. لكن لم يذكر إن كان يخلّد في العذاب. أكثر من ذلك، لطّف تأكيد ابن إباض القويّ أنّ التّوبة ساعة الموت لا تنفع "فربّما أحدث الله التّوبة بين اللّيل والنّهار".
قدّم محبوب بن الرّحيل بخصوص الولاية وبالأخصّ شروط عودة المذنب إلى الجماعة الإسلاميّة عناصر احتفظت بها العقائد الّتي صيغت لاحقا. أشار على طالب الحقّ بالاعتماد على معايير موضوعيّة كالتّوبة (1/39)
صفحة 40
وإقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة، لا على مجرّد ظنّة النّفاق. وانتقد تشدّده، فإنّ المرسلين والنّبيّين لم يزل بعضهم أفضل من بعض، ولكلّ درجات (ق 6: 132) ولم يكن النّاس فيما مضى ولا فيما غبر اجتهادهم ولا أعمالهم سواء. الدّين لا يفرضه إذن وهو زيادة على ذلك خطأ سياسيّ يعوق انتشار الإباضيّة.
__________
(1) - الدّرجينيّ: طبقات ج2 ص279 - 281.
(2) - "الّذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلاّ اللّمم إنّ ربّك واسع المغفرة" (ق 53: 32)
لم تعط هذه الفترة التّمهيديّة من تاريخ الإباضيّة عقيدة بالمعنى التّامّ، أي مذهبا متكاملا لأتباع ابن إباض. بالانفصال عن الأزارقة المتطرّفين بخصوص الاستعراض وبروز الفرقة وسط حركات معتدلة، طُرحت المسائل الأساسيّة المتعلّقة بحكم المذنب، والعلاقات بين جماعات المسلمين (1) الّتي خُصّصت لها في العقائد لاحقا فصول عن المنزلة بين المنزلتين وعن الأسماء والأحكام. بدأ الخوض في مسألة القدر منذ النّصف الثاني من (ق 1هـ) من قِبل صُحار العبديّ وأبي عبيدة، بينما لم يتلقّ التّخليد في العذاب بعد صياغته النّهائيّة الدّقيقة. استمرّ الإباضيّة كالخوارج في استخلاص النّتائج المترتّبة عن مبدأ "لا حكم إلاّ لله". وكما يحدث غالبا سبقت الاختيارات السّياسيّة التّفكير المذهبيّ أو بالأحرى اتُّخذت بدوافع اكتشفوا شيئا فشيئا كلّ ما يترتّب عنها. أشرنا (1/40)
صفحة 41
كما كان ينبغي إلى أهمّيّة مراسلات عبد الله بن إباض وعقد محبوب بن الرّحيل. فالأحكام الّتي تضمنّتها تلك النّصوص على الأحداث الأولى في التّاريخ الإسلاميّ وعلى الخلفاء الأوائل وجّهت تصوّر الإمامة ووضعت الأسس لمذهب الولاية والبراءة البالغ الأهمّيّة في عقائد الفرقة. لكن قبل الانتقال إلى تحليل العقائد، يجدر بنا إلقاء نظرة إجماليّة على المصادر الرّئيسيّة لعلم الكلام الإباضيّ. (1/41)
صفحة 42
الجزء الأوّل
مصادر اللاّهوت الإباضيّ
- عقيدة أبي زكريّا الجنّاونيّ وأبي حفص عمر بن جميع.
- كتاب أصول الدّين لتبغورين.
__________
(1) - ما لبثت تلك المواقف أن أثارت من جانب السّنّة ردودا، مثلا في الفقه الأكبر 1 (المنسوب إلى أبي حنيفة)، بند 1 "لا نكفّر أحدا بذنب ولا ننفي أحدا من الإيمان" وبند 5: "نردّ أمر عثمان وعليّ إلى الله وهو عالم السّرّ والخفيّات". انظر [ونسنك]، العقيدة الإسلاميّة، كمبردج المنشورات الجامعيّة (1932م)، ص103؛ [غارديه]، مقدّمة إلى اللاّهوت الإسلاميّ، باريس، فرن، (1948م)، ص139.
- عقيدة أبي سهل يحيى.
- كتاب التّوحيد لأبي طاهر إسماعيل الجيطالي.
- عقيدة عمان. (1/42)
صفحة 43
الفصل الأول: مصادر العقيدة الإباضيّة
لن يمكننا أن نقدّم هنا سوى عرض جزئيّ للمصادر الرّئيسيّة للاهوتّ الإباضيّ لقلّة الموادّ الأصليّة الّتي في حوزتنا أو الّتي أمكننا التّوصّل إليها. والعروض الّتي كتبها الإباضيّة أنفسهم هي على حدّ علمنا كتاب البرّاديّ (1) الّذي أشار إليه [موتيلنسكي] (2)، وكتاب عبد الله بن حميد السّالميّ (3). سنستخدم بالخصوص أعمال [شاخت] (4) و [ليفيتسكي] (5) وعمرو خليفة النّامي (6) و [فان إسّ] (7) وبالنّسبة إلى عمان [سميث] و [ولكنسُن] (8). إلى هذا اليوم لم يحاول أحد (1/43)
صفحة 44
تقديم جرد شامل. سنتبع هنا التّرتيب التّاريخيّ، ونشير عند الإحالة إلى هذه المراجع إلى التّرقيم المستخدم داخل المقالات، لا إلى أرقام الصّفحات، ما لم نذكر غير ذلك.
1 - إباضيّة المغرب
__________
(1) - البرّاديّ: الجواهر ص218 - 221.
(2) -[موتيلنسكي]، جرد كتابات المزاب، كتب الفرقة الإباضيّة، في بطاقة المراسلات الإفريقيّة ج3 (1885م)، ص15 - 30.
(3) - عبد الله بن حميد السّالميّ: اللمع المرضيّة من أشعّة الإباضيّة في "مجموع ستّة كتب"، الجزائر، المطبعة العربيّة 1968م، ص67 - 77.
(4) -[شاخت]، المكتبات والمخطوطات الإباضيّة في م إ عدد 100 (1956م) ص375 - 398.
(5) -[ليفيتسكي]، المؤرّخون ص1 - 134.
(6) - النّامي: وصف.
(7) -[فان إسّ]، بحوث.
(8) -[ولكنسن]، "خلفيّة فترة الأزمة في إمامة عمان الإباضيّة" ضمن "دراسات" ج3 ص137 - 164. جرد المخطوطات العمانيّة، ج1 وصف عامّ للمخطوطات لـ[سميث]، في د ع ج4، 1978م، ص161 - 190؛ ج 2: الكتابات الإباضيّة المبكّرة لـ[ولكنسن].
رأينا في المقدّمة أهمّيّة رسائل عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان، وعقد محبوب بن الرّحيل. أمّا أبو الشّعثاء جابر بن زيد الأزديّ الّذي خلف ابن إباض على رأس الفرقة فلا يبدو أنّه ترك وثائق كلاميّة، لأنّ رسائله الّتي هي أجوبة قدّم فيها رأيه حول قضايا راهنة تبدو مركّزة على مسائل فقهيّة (1). حسب الجيطالي (2) كتب أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة أجوبة على مسائل عقديّة طرحها إباضيّة شمال إفريقيا (3).
__________
(1) - النّامي: وصف 1: 1؛ [فان إسّ]، بحوث ص1.
(2) - الجيطاليّ: شرح النّونيّة ج2 (عن النّامي).
(3) - النّامي: دراسات ص285.
ظهرت المؤلّفات الأولى الكلاميّة بالمعنى التّامّ مع عبد الله بن يزيد الفزاريّ (1) (1/44)
صفحة 45
صاحب كتاب الرّدود (2) الّذي هو أحد أقدم المؤلّفات في علم الكلام. وقد اتّخذ حول القرآن، وحول العون والعصمة اللّذين يطابقان في رأيه استطاعة الإيمان، وحول حجّة الله مواقف عُدّت مخالفة لمذهب الإباضيّة (3). وطرده أبو عبيدة من مجالسهم. وسنرى عند دراسة قضيّة خلق القرآن أقواله فيها.
__________
(1) - الشماخي: السّيَر ص104 - 105. روى عبد الله الفزاريّ بلا شكّ كتاب النّهروان الّذي هو أحد مصادر كتاب الجواهر للبرّاديّ. ذكره ابن النّديم (الفهرست نشر فلوغل، ليبسش، 1871 - 1872م، ص83) كأحد الخوارج المشاهير ومؤلّف عدّة كتب، والمسعوديّ (ج5 ص442 - 444) كعالم كان يدرّس بالكوفة وله عدّة أتباع؛ وذكر الطّبريّ رجلا يدعى عبد الله بن (اقرأ "عن" حسب ما رجّح [فاليري]) جابر الأزديّ له علاقة بأحداث صفّين حسب رواية أبي مخنف. انظر [فاليري]، نزاع عليّ ومعاوية، ص15. عاش (ق 1 - 2هـ).
(2) - حُفظ كتاب الرّدود غير كامل (40 ورقة) في مكتبة خاصّة تابعة لعيّاد العزّابيّ بزوارة (ليبيا). تساءل النّامي إن كان كتاب الرّدّ على القدريّة الّذي ألّفه عبد الله بن يزيد هو عين كتاب الرّدود. انظر النّامي: دراسات ص286 و292؛ [فان إسّ]، بحوث 3.
(3) - تبغورين: أصول الدّين ص57.
في النّصف الثاني من (ق 3هـ) ألّف عيسى بن علقمة المصريّ (1) كتابا هامّا: كتاب التّوحيد الكبير حيث فنّد أفكار عبد الله بن يزيد الفزاريّ وبيّن أنّ الأسماء والصّفات غير مخلوقة. أكّد كذلك أبو عمّار عبد الكافي أنّ عيسى ابن علقمة كان "من حذّاق المتكلّمين" (2).
__________
(1) - غير صاحب أبي الحرّ عليّ بن الحصين الّذي قد يكون نفس عيسى بن عليّ بن عمرو المكّيّ (الشماخي: سيَر ص113) بل المتكلّم الإباضيّ المصريّ الشّهير؛ انظر سيَر ص122 - 123.
(2) - انظر الموجز، نشر عمّار الطّالبيّ، آراء الخوارج الكلاميّة، الجزائر، ش و ن ت، (1398هـ/1978م)، ج2 ص189.
إلى أيّ عصر ينبغي ردّ كتاب الجهالات؟ (1) يعالج هذا الكتاب المجهول المؤلّف الّذي قدّم [فان إسّ] تحليلا ضافيا لمحتواه مسائل التّوحيد: أدلّة وجود الله، قدمه، صفاته، التّشبيه، مفاهيم الإيمان والكفر، الإسلام كإيمان وعمل، الولاية والبراءة. وفيه تكرار في عدّة مواضع. وتتمثّل أصالته في شكله كمجموعة من الأسئلة (1/45)
صفحة 46
والأجوبة الّذي يوحي بأنّه مفكّرة أُعدّت ليستخدمها الدّعاة في نشر المذهب. يمكن إذن أن تكون نواته قديمة جدّا، وأُثريت بإضافات لاحقة (2)، كما يوحي أسلوبه غير المتجانس والطّابع التّجميعيّ لمادّته: إذ تتعلّق بعض الأسئلة على ما يبدو بأمازيغ وثنيّين، وأخرى بمشاكل داخليّة للجماعة. والنّصّ لا يتضمّن أيّة إشارة إلى مؤلّف. نسبته إلى تبغورين مشكوك فيها، ومؤلّفه مجهول للبرّاديّ (3). لكلّ ذلك لا يُستبعد أن يكون مؤلَّفا جماعيّا، خاصّة أنّ ملاحظة في مقدّمة المخطوط الّذي اطّلع عليه [فان إسّ] تشير إليه كتأليف السّادات من أهل الدّعوة. وقد شرحه أبو عمّار عبد الكافي (4).
__________
(1) -[فان إسّ]، بحوث ص6.
(2) - ذكر الوسيانيّ مثلا أنّ الإنسانيّات أضافها أبو إسماعيل إبراهيم بن ملاّل المزاتيّ (من الطّبقة 9) ص450 - 500 حسب الدّرجينيّ: طبقات ج2 ص412 - 413، الشماخي: سيَر ص403). لكنّ أبا عمّار عبد الكافي ذكر في شرح الجهالات أنّ عدّة مشايخ ساهموا في تلك الإضافات.
(3) -[موتيلنسكي]، جرد، ص65.
(4) -[شاخت]، المكتبات، ص75.
بين مؤلّفات المغاربة ذكر البرّاديّ 3 كتب لأئمّة رستميين (1). في أيّام إمامة أفلح (2) برزت بين الإباضيّة فتن الخلفيّة والنّفّاثيّة والحسينيّة (3). ففنّد علماء نفوسة تلك البدع. يجدر بالذّكر هنا بين عدّة مؤلّفات كتابا عمروس بن فتح (ت (1/46)
صفحة 47
283هـ/896م) (4): أصول الدّينونة الصافية (5)
__________
(1) -[موتيلنسكي]، جرد، ص16 - 18.
(2) - (208 - 258هـ/823 - 872م) حسب [ليفيتسكي] (المؤرّخون ص100 - 102)؛ (211 - 240هـ/788 - 855م) حسب دبّوز (تاريخ المغرب الكبير، دار إحياء الكتب العربيّة، ط 1، 1384هـ/1964م، ج1 ص526).
(3) -[ليفيتسكي]، فرق الإباضيّة، في "دراسات إسلاميّة" (1958/ 9م)، ص71 - 72؛ مقاله "الإباضيّة" في دائرة المعارف الإسلامية ج3 ص680 - 681.
(4) - من طبقة الإمام أبي بكر وأبي اليقظان (السّادسة حسب أبي زكريّا والدّرجينيّ: النّصف الثاني من (ق 3هـ)، من قطراس قرب الرّحيبات (نفوسة). ولاّه القضاء أبو منصور إلياس العامل على جبل نفوسة. اتّصل ببشر بن غانم كاتب المدوّنة الّتي أثرت مكتبة تيهرت المعصومة. بطلب من العالم عبد الخالق الفزّانيّ ألّف وأرسل إليه كتابا في الأصول هو المعروف بالعمروسيّ. عند قيامه بالحجّ اجتمع بنحمّد بن محبوب إمام الفرقة آنذاك ودخل في مجلسه. شارك في وقعة مانو (283هـ/896م) وأُسر فيها ثمّ أُطلق سراحه. "همّ أن يعلّق تأليفا في الفقه لم يسبق في طريقته: عزم أن يفرّق العلم على 3 أوجه: التّنزيل والسّنّة والرّأي، ويكون تأليفه طرازا لما صنّف في علوم شرائع الإسلام، فلم يقدّر الله بذلك بل قضى له بإعجال الحِمام". انظر الشماخي: سيَر ص225 - 226، الدّرجينيّ: طبقات 2ج ص320 - 325، السّالميّ: اللّمع ص76، عليّ يحيى معمّر: الإباضيّة في موكب التّاريخ، ج2: الإباضيّة في ليبيا، المكتبة الوهبيّة، 1384هـ/1964م، ج1 ص136 - 143.
(5) - مخطوط من 11 ص يتناول موقف المسلمين من المشركين وأهل الكتاب والمجوس والمنافقين وينقض على الخوارج والشّيعة، ثمّ يعرض بعض أساسيّات الإيمان. انظر النّامي: وصف (12: 1).
والرّدّ على النّاكثة وأحمد بن الحسين (1). ردّ أحمد بن الحسين من جهته بكتاب المقالات وأتبعه بالمختصر في الفقه (2).
كان الإمام أبو اليقظان محمّد بن أفلح (3) إماما متكلّما كتب في مسألة الاستطاعة وألّف عدّة رسائل وأجوبة، نخصّ بالذّكر منها مقالة عن خلق القرآن سنعود إليها في الفصل عن القرآن، وقد حفظ لنا البرّاديّ نصّها (4). (1/47)
صفحة 48
من متكلّمي (ق 4هـ/9م) أبو خزر يغلا بن زلتاف (ت 380هـ/990م) من حامّة قابس (5) الّذي ألّف كتاب الرّدّ على جميع المخالفين حيث نقض كلّ خصوم الإباضيّة حول مسائل كخلق أسماء الله ومسائل دينيّة لا يسع المسلمين جهلها. انتقد المعتزلة حول مسألتي الاستطاعة و"خلق الأفعال" (6). كذلك جادل معاصره وصديقه أبو نوح سعيد بن زنغيل المعتزلة حول أسماء الله (7) وألّف كتاب سعيد بن زنغيل في "سجلاّت" "عفا الزّمن على بدايتها" (8).
__________
(1) - هذا الكتاب الّذي يعرض وجهة النّظر الإباضيّة في الفقه وعلم الكلام أقدم مؤلّف محفوظ من نوعه، انظر النّامي: وصف (12: 2).
(2) - ألّف أحمد بن الحسين عدّة كتب أفضلها: المقالات ويتبعه المختصر في الفقه، انظر الشماخي: السّيَر ص262.
(3) - حول إمامة أبي اليقظان (241 - 281هـ/856 - 895م) انظر محمّد عليّ دبّوز: تاريخ المغرب الكبير (1383هـ/1963م)، دار الكتب العربيّة ج3 ص583 - 598.
(4) - الجواهر ص183 - 201.
(5) - من الطّبقة السابعة (300 - 350هـ) حسب الدّرجينيّ. تعلّم على أبي الرّبيع سليمان بن زرقون. بعد مقتل أخيه أبي القاسم يزيد بن مخلد دعا إلى الثّورة على المعزّ الفاطميّ. عُيّن إماما للدّفاع، لكنّه انهزم، ولمّا ذهب المعزّ إلى مصر أخذه معه. انظر الدّرجينيّ: طبقات ج2 ص340 - 341، الشماخي: السّيَر ص346 - 347، عليّ يحيى معمّر: الإباضيّة في موكب التّاريخ ج3 ص59 - 63.
(6) - النّامي: وصف 13: 1.
(7) - الشماخي: السّيَر ص353 - 354 و358.
(8) -[موتيلنسكي]، جرد ص53.
بفضل الشّخصيّة الفذّة أبي محمّد عبد الله بن محمّد بن بكر (ت 440هـ/1048 - 1049م) مؤسّس "حلقات" العزّابة، ازدهر النّقاش حول المسائل الكلاميّة مجدّدا (1). "تعترف الرّوايات بقدراته كداعية وتعتبره أنشط عون نشر الإباضيّة وضمن لها شعبيّة شمال الصّحراء. وإليه يُنسب إلى حدّ كبير عمل كانت له نتائج بالغة الأهمّيّة في تاريخ الإباضيّة الزّاهي في شمال إفريقيا: تحويل بني مصعب- القبيلة الأمازيغية الّتي كانت تقيم على أرض المزاب الحاليّة وتتبع حتّى (1/48)
صفحة 49
ذلك العصر المذهب المعتزليّ- إلى الإباضيّة" (2). ومع أنّه لم يُعرف له كتاب في اللاّهوت بالمعنى التّامّ بل فقط كتابة سيرة (أي نظام داخليّ) للحلقة (3)، كان يشجّع تلاميذه على دراسة علم الكلام. ويظهر تأثيره من خلال أتباعه:
__________
(1) -[ليفيتسكي]، المؤرّخون ص29 - 31.
(2) - المصدر نفسه ص30.
(3) - انظر مقال "حلقة" لـ[ليفيتسكي] في دائرة المعارف الإسلاميةج2، 3: ص97 - 101؛ [روبناتشي]، وثيقة قديمة عن حياة الرّهبنة الإسلاميّة: سيرة الحلقة للشّيخ أبي عبد الله محمّد بن بكر، في ح م ج د ش ن 10 (1961م)، ص37 - 98؛ [غرُسّمانّ]: نبذة عن تاريخ المزاب الدّينيّ (سيرة الحلقة لأبي عبد الله محمّد بن بكر النّفوسيّ على رواية البرّاديّ)، أطروحة دكتوراه باريس 1976م، 81 ص ووثائق.
تلقّى أبو الرّبيع سليمان بن يخلف (ت 471هـ/1078 - 1079م) (1) دروس أبي عبد الله محمّد بن بكر بتين إيصلي في وادي ريغ ودرس القضاء في جربة، ثمّ أقام بتونين قرب تامولست (نفوسة)، وأسّس حلقة من التّلاميذ القادمين من وادي سوف ووادي ريغ وورجلان (ورجلة الحاليّة) والزّاب وقسطيلية. وبإلحاح من تلاميذه قبِل نشر الملاحظات الّتي أخذوها عن دروسه وصحّحها بعنوان كتاب التّحف في سفرين (2).
تعلّم على أبي الرّبيع أبو العبّاس أحمد (ت 504هـ/1110 - 1111م) ابن (1/49)
صفحة 50
مؤسّس الحلقات أبي عبد الله محمّد بن بكر (3). كتب مسائل التّوحيد ممّا لا يسع النّاس جهله وغير ذلك من مسائل الكلام (4) وكتاب تبيين أفعال العباد في 3 أجزاء، وقد قدّم النّامي عرضا تامّا لعناوين فصوله (5).
__________
(1) - مؤرّخ، متكلّم وفقيه من الطّبقة العاشرة ص450 - 500، حسب الدّرجينيّ: طبقات ج2 ص425 - 429، الشماخي: السّيَر ص412، [ليفيتسكي]، المؤرّخون ص72 - 75.
(2) - انظر البرّاديّ: الجواهر ص219 - 220، حسب الشماخي عنوانه: كتاب التّحف في الأصول. ذكر كذلك البرّاديّ عنوانه الصّحيح. رأى النّامي هذا الكتاب في المكتبة البارونيّة بجربة بعنوان رسالة في طلب العلم؛ انظر النّامي: وصف 6: 1.
(3) - أبو العبّاس أحمد محدّث ومتكلّم وفقيه من نفوسة كان يسكن وادي ريغ. حول حياته ومصنّفاته، خاصّة في مجال الفقه والعقيدة، انظر [ليفيتسكي]، المؤرّخون ص21 - 22.
(4) - النّامي: وصف 9: 1.
(5) - المصدر نفسه 9: 2.
بدءا من هذه الفترة ظهرت كتابات هامّة في العقائد. أنتج الغرب الإباضيّ عددا كبيرا من المؤلّفات سواء في جربة أو في ورجلان أو في جبل نفوسة: عقائد وكتبا في علم الكلام والجدل. منها عقيدة الجنّاوُنيّ الّتي سنعرضها في الفصل التّالي، وكتاب الوضع من تأليفه أيضا (1). سنعيد النّظر في علاقة هذه العقيدة ومقدّمة التّوحيد لأبي حفص عمر بن جميع.
هناك تلميذ آخر لأبي الرّبيع سليمان في النّصف الأول من (ق 6هـ/12م): أبو عمرو عثمان بن خليفة السّوفيّ الّذي عاش كما تبيّن نسبته في وادي سوف (الوادي) (2). له كتاب السّؤالات المؤلّف من أجوبة مفصّلة وموسّعة على أسئلة شتّى، تمثّل 9 منها بنود العقيدة الإباضيّة، وقد تعرّض إلى عدّة مراجعات ذكرها (1/50)
صفحة 51
النّامي. كذلك ألّف رسالة في بيان فرق الإباضيّة السّتّ وغيرها (3).
__________
(1) - أبو زكريّا الجنّاونيّ: كتاب الوضع، مختصر في الأصول والفقه، إعادة طبع نشرة إبراهيم أطفيّش، القاهرة، 254 ص.
(2) - عالم محدّث من الطّبقة الحادية عشر النّصف الأول من (ق 6هـ/12م)، انظر الدّرجينيّ: طبقات ج2 ص483 - 485، الشماخي: سيَر ص37 - 40.
(3) -[فان إسّ]، بحوث ص11.
في (ق 6هـ/12م) الّذي نستعرضه الآن، هيمنت شخصيّة أبي عمّار عبد الكافي التناوتي النّصف الأول من (ق 6هـ) على كلّ الآخرين. فقد "كان في الفنون غاية وفي الكلام خصوصا آية" (1). تتلمذ على أبي يحيى زكريّا بن أبي بكر في مسقط رأسه ورجلان، وأتمّ في تونس دراساته في الأدب والنّحو. ترك 3 مؤلّفات في علم الكلام: كتاب الاستطاعة (مفقود)، وشرح الجهالات (الّذي ذكرناه آنفا) والموجز (2).
القسم الأوّل من الكتاب الأخير ردّ على الفرق المخالفة ويتضمّن 4 فصول فيها نقض على:
- أهل الدّهر منكري حدوث العالم: الدّهريّة، المنجّمين، أصحاب الطّبائع (أي الفلاسفة الطّبيعيّين)، أصحاب [أرسطوطاليس]، منكري نهاية العالم، السُّمانيّة، السّفسطائيّة، (1/51)
صفحة 52
- الثنوية: الدّيصانيّة، المرقيونيّة، البراهمة، المجوس، أهل الكتاب،
- منكري رسالة النّبيّ: اليهود والنّصارى،
- المشبّهة.
__________
(1) - أبو عمّار عبد الكافي التّناوتيّ الورجلانيّ متكلّم ومؤرّخ وفقيه من ورجلان. يزار قبره الّذي يوجد على 5 كلم شمال غرب ورجلة. وهو من علماء الطّبقة الثانية عشر حسب الدّرجينيّ. مصنّفاته: طبقات المشائخ، كتاب السّيَر، شرح الجهالات، كتاب الفرائض، كتاب الاستطاعة (مفقود). انظر الدّرجينيّ: طبقات ج2 ص485 - 491، الشماخي: سيَر ص441، [ليفيتسكي]، المؤرّخون ص33 - 37.
(2) - كتب مقدّمة عن حياة ومصنّفات عبد الكافي وحقّق ونشر كتاب الموجز (انطلاقا من مخطوطين بدار الكتب بالقاهرة: 21787ب و21939ب ومخطوط للأستاذ صدقي محمّد بن أيّوب من بني يزقن ومخطوط للأستاذ صالح حباشة) د عمّار الطّالبيّ: آراء الخوارج الكلاميّة، الجزائر، ش ق ن ت، 1398هـ/1978م، في جزءين.
يبدأ القسم الثّاني بمبادئ النّظر، ثمّ يعالج المسائل الكلاميّة التّالية: خلق أفعال العباد وأقوال القدريّة، إرادة الله، العدل، الوعيد، منزلة مرتكب الكبائر، النّقض على جهم بن صفوان وعلى من زعم أنّ القرآن غير مخلوق، حجّة الله على الخلق، أسماء الله، الإمامة: النّقض على الزّيديّة والنّجدات والمعتزلة.
في ورجلان في (ق 6هـ/12م) أيضا كتب أبو سهل يحيى بن إبراهيم بن سليمان عقيدة تتناول التّوحيد والفروض ومعرفة أسرار القلب الشّريفة والدّنيئة. سنرجع مرارا إلى مؤلّف هامّ لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلانيّ (ت 570هـ/1174 - 1175م) (1): هو كتاب الدّليل لأهل العقول لباغي السّبيل بنور الدّليل لتحقيق مذهب الحقّ بالبرهان والصّدق في 3 أجزاء. غرض الكاتب كما يكشف العنوان تبيين حقيقة الإباضيّة بوجه الفرق الإسلاميّة.
__________
(1) - أبو يوسف بن إبراهيم الورجلانيّ السّدراتيّ من أبرز علماء الإباضيّة في المغرب. من ورجلة وتحديدا من مدينة سدراتة بلا شكّ. اهتمّ بعدّة مجالات منها التّاريخ. حجّ مع عبد الكافي ثمّ ذهب إلى الأندلس حيث درس في قرطبة علم اللّسان والحساب (فرائض المواريث، علم الحكماء المنجّمين). كتب التّاريخ الكبير لورجلان وسدراتة ووادي ريغ وتفسير كتاب الله، وهما مفقودان. انظر الشماخي: سيَر ص443 - 445، [ليفيتسكي]، المؤرّخون ص89 - 90.
1 - الجزء الأوّل تحليل لأحداث الماضي يُظهر زلاّت الفرق المختلفة، لاسيما الأشاعرة الّذين فنّد مذهبهم في صفات الباري ونفي خلق القرآن. ترجم [إ س (1/52)
صفحة 53
علّوش] فصلين من هذا الجزء: الرّدّ على مذهب الأشعريّة في الصّفات ونفي خلق القرآن (ص30 - 54) ورسالة الفقيه عبد الوهّاب بن محمّد بن غالب بن نمير الأنصاريّ إلى الفقيه الأجلّ أبي عمّار عبد الكافي، وقد طلب فيها رأيه في بعض مسائل السّنّيّة في الوعد والوعيد والنّظر إلى الباري سبحانه وخلق القرآن (ص543 - 72) (1).
2 - الجزء الثّاني ذو طابع تجميعيّ: يتضمّن قسما يتناول اختلافات المدارس حول الإيمان والكفر، "حجّة" الله، اختلاف النّاس في الّذي يجب من الإيمان اعتقادا ونطقا، الذّنب، النّفاق، أصول الشّريعة (الرّأي، القياس، الاجتهاد)، وآخر يعالج قضايا ناقشها بعض الأئمّة الإباضيّة، وختمه بمسائل في المنطق والحساب والهندسة.
3 - يتكوّن الجزء الثّالث من 6 رسائل فيها ردود توسّع فيها بدرجات متفاوتة على أسئلة وُجّهت إليه حول:
أ- صفات الله (1 - 28)،
ب- مسألة عليّ (قبول التّحكيم): هل هي مسألة ديانة أو مسألة شهوة وهوى غالب؟ (28 - 92)، وعد الله بإجابة من يدعوه (ق 2: 186): هل هو خاصّ بالمسلمين وحدهم أم يشمل الكافرين؟ (92 - 99)،
ج- حديث رواه ابن قتيبة في زهرة العيون (99 - 123)،
د- طبيعة الصّوت وهل هو جسم؟ (123 - 126)، (1/53)
صفحة 54
ه- سؤال طرحه أهل نفوسة حول الولاية والبراءة، صفات الله، الخلافات مع الأشاعرة، أحكام الطّاعن في دين المسلمين أي الإباضيّة (126 - 157).
ينتهي الكتاب بجواب على رسالة محمّد بن الشّيخ النّفوسيّ الأبدلانيّ (157 - 253).
__________
(1) -[علّوش]: رسالتان في اللاّهوت الإباضيّ، في هسبريس، عدد22 (1936م)، ص57 - 88.
يجدر بنا أن نذكر أيضا في (ق 6هـ) أصول الدّين لتبغورين بن عيسى الملشوطيّ من جبل نفوسة، وسيكون موضوع دراسة خاصّة، وعقيدة نظمها شعرا أبو نصر فتح بن نوح الملوشائيّ النّفوسيّ (1) عنوانها القصيدة النّونيّة في التّوحيد (2). يشكّل شرح أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي لها في 3 أسفار في حدّ ذاته كتابا متكاملا في علم الكلام. ألّف أبو نصر أيضا نونيّة في الرّدّ على من قال بخلق القرآن.
__________
(1) - أبو نصر فتح بن نوح الملوشائيّ، من الطّبقة الثانية عشر أي النّصف الأول من (ق 7هـ/13م) حسب أبي زكريّا. تملوشايت (قصر من مديريّة لالوت). عالم فائق وواعظ صادق، أخذ العلم عن خاله أبي يحيى زكريّا بن بن إبراهيم، كان شاعرا وقاضيا، وذُكر عنه أنّه إذا أراد أن يحكم بين الخصمين جعل بينه وبينهما سترا من باب وغيره خشية ميل النّفس. انظر البرّاديّ: الجواهر ص218، الشماخي: السّيَر ص548، إبراهيم النّفوسيّ: أخبار جبل نفوسة ص103، [موتيلنسكي]، ص103 ملاحظة رقم2، عليّ يحيى معمّر: الإباضيّة في موكب التّاريخ ج2 ص97 - 101.
(2) -[شاخت]، مكتبات، ص82.
شهد (ق 8هـ) ظهور عدّة عقائد. تشكّل مقدّمة قواعد الإسلام لأبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي (1) في الواقع عقيدة. تؤلّف كتاب التّوحيد الّذي هو توسّع (1/54)
صفحة 55
في عرض العقيدة المعروف بعقيدة الجيطالي (2). هذه العقيدة بمثابة عرض عقيدة مبسّطة معدّة ليحفظها الأطفال ثمّ ينتقلون إلى دراسة العقيدة الرّسميّة: عقيدة نفوسة للجنّاونيّ أو عقيدة العزّابة لأبي حفص. إلى منتصف (ق 8هـ) أيضا وفي نفوسة، تعود عقيدة أبي ساكن عامر الشماخي (ت 792هـ/1389 - 1390م) الّتي عنوانها كتاب أصول الدّيانات. نصّه وجيز وبنوده دقيقة مختصرة يسهل حفظها، وقد كُتبت عدّة شروح له (3) (انظر الملحق 2). ولم يكن عمل أبي حفص عمر بن جميع آخر (ق 8هـ/15م) في الحقيقة سوى ترجمة عربيّة لعقيدة قديمة بالأمازيغية (4) رجّح النّامي أنّها من تأليف أولئك العزّابة الّذين ألّفوا ديوان العزّابة. عند دراسة عقيدة نفوسة للجنّاوُنيّ في الفصل الآتي، سنطرح افتراضا حول تكوين تلك العقائد.
كتب أبو القاسم بن إبراهيم البرّاديّ صاحب كتاب الجواهر الّذي عاش حوالي (810هـ) (5) مقالة وجيزة بعنوان رسالة في الحقائق قدّم فيها تعريف المصطلحات الفنّيّة للإباضيّة.
__________
(1) - عاش الجيطاليّ في جربة ونفوسة، (ت 750هـ/1349 - 1350م).
(2) - عقيدة التّوحيد للشّيخ إسماعيل الجيطاليّ، ص1 - 3، في مجموعة من الحجم الصّغير تتضمّن كذلك أساس الطّاعات لجميع العبادات.
(3) -[شاخت]، مكتبات ص86.
(4) -[موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ضمن مجموعة مذكّرات ونصوص نُشرت بمناسبة مؤتمر المستشرقين 14، الجزائر، 1950، 547
(5) -[شاخت]، مكتبات ص87.
في العصر الحديث، يجدر التّنويه بعبد العزيز بن إبراهيم الثّمينيّ (ت (1/55)
صفحة 56
1223هـ/1808م) مؤلّف معالم الدّين (1) الّذي شرح محمّد بن يوسف أطفيّش جزءه الأوّل (2). وبمحمّد بن يوسف أطفيّش (ت 1332هـ/1914م) كاتب الذّهب الخالص المنوّه بالعلم القالص (القاهرة 1343هـ في 340 صفحة) والحجّة في بين المحجّة في التّوحيد بلا تقليد (مطبوعة حجريّة، 40 صفحة).
2 - إباضيّة المشرق (عمان)
بالنّسبة إلى عمان قرّرت السّلطنة في العقود الأخيرة جرد تراث البلاد الثّقافيّ الثّريّ. وأثناء إقامة في عمان في تشرين الأوّل (1967م)، أمكن [لسميث] و [ولكنسن] إجراء تصنيف أوّل للكتب والمخطوطات العربيّة تضمّن عددا من الكتابات الإباضيّة. ويمكن الاطّلاع على قائمة أوّليّة بمكتشفاتهما في "دراسات عربيّة". نكتفي هنا بإيراد بعض العناوين:
__________
(1) - عبد العزيز الثّمينيّ من بني يزقن (1130 - 1223هـ/1718 - 1808م). أهمّ مؤلّفاته كتاب النّيل (في الفقه الإباضيّ)، نشره مؤخّرا مع شرحه الشّيخ بكلّي عبد الرّحمن، الجزائر، المطبعة العربيّة، في 3 أجزاء (1387هـ/1967م)، وكتب محمّد بن يوسف أطفيّش شرحا مسهبا: شرح كتاب النّيل وشفاء العليل، القاهرة، المكتبة السّلفيّة في 10 أجزاء، وأعادت نشره دار الفتح ببيروت (1392هـ/1972م) في 24 سفرا. حول حياته وأعماله انظر محمّد عليّ دبّوز: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، الجزائر، المطبعة التّعاونيّة، (1385هـ/1965م)، ج1 ص263 - 279. حول شروح معالم الدّين انظر [شاخت]، مكتبات ص89.
(2) - مخطوط ق 224/ 5.
كتاب الأسئلة والأجوبة لأهل عمان عبارة عن أسئلة ذات طابع فقهيّ (1/56)
صفحة 57
وكلاميّ موجّهة إلى علماء إباضيّة من عمان وكذلك من المغرب (1). وجلّ الأجوبة لسعيد بن خلفان الخليليّ. توجد المسائل الكلاميّة في الجزء الثّالث حيث بُحث بين قضايا أخرى خلق القرآن ورؤية الله وعلاقة الصّفات بالذّات (والمؤلّف يرفض المطابقة بين الصّفات والذّات كعلماء آخرين من الإباضيّة) والتّخليد في النّار.
نجد عناصر هامّة فيما يخصّ الجدالات المذهبيّة بين القدريّة والمرجئة والإباضيّة وكذلك قضيّة خلق القرآن في جامع أبي الحسن الّذي ذكره [ولكنسن] (2)، تكمّل المعلومات التّاريخيّة القيّمة حول تلك الجدالات وتطوّر الإمامة في عمان الّتي يقدّمها كتاب تحفة الأعيان لنور الدّين عبد الله بن حميد السّالميّ (3).
ألّف أبو عبد الله محمّد بن سعيد الأزديّ القلهاتيّ (ت قبل 1070م) (4) الكشف والبيان في شرح افتراق الفرق والأديان: يعرض الجزء الأوّل منه الأحداث الأولى في تاريخ الإسلام، ويفنّد الثّاني آراء الفرق الأخرى. وقد حقّق محمّد بن عبد الحليل ونشر نصوصه الّتي تتناول خلافة عثمان وعليّ (5). يستمدّ الكتاب المجهول المؤلّف كشف الغمّة الجامع لأخبار الأمّة (1/57)
صفحة 58
أهمّيّته من حفظه عقيدة تُنسب إلى عبد الله بن إباض سنخصّها بدراسة عند عرض معتقدات إباضيّة عمان.
__________
(1) -[فان إسّ]، بحوث، ص15.
(2) -[ولكنسن]، دراسات عربيّة، ج4 ص204.
(3) - نور الدّين عبد الله بن حميد السّالميّ: تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، ط 2، القاهرة 1350هـ في جزءين.
(4) -[شاخت]، مكتبات ص88. يلاحَظ أنّ مخطوط الكشف والبيان الموجود بالمتحف البريطانيّ لا يتضمّن الجزء الأول حول التّوحيد.
(5) - محمّد بن عبد الجليل: خلافة عثمان وعليّ من كتاب الكشف والبيان تأليف أبي سعيد محمّد سعيد الأزديّ القلهاتيّ، في حوليّات الجامعة التّونسيّة، جزء11 (1974م)، ص179 - 238.
ترك نور الدّين عبد الله بن حميد السّالميّ (ت 1332هـ/1914م) عقيدة وجيزة نظمها شعرا: غاية المراد في نظم الاعتقاد (1) ومنظومة في خلق القرآن والرّؤية وفي علم الكلام بهجة أنوار العقول في التّوحيد (2).
3 - الكتابات الجدليّة والدّعائيّة
نورد على سبيل الذّكر الكتابات الجدليّة والدّعائيّة الكثيرة في الأدب الدّينيّ الإباضيّ (3) والّتي تستحقّ في حدّ ذاتها دراسة خاصّة. في هذا الباب وبصلة مباشرة بدراستنا نذكر:
جواب أبي مهديّ عيسى بن إسماعيل (ت 971هـ/1563 - 1564م) على الشّيخ المالكيّ أبي عليّ بن أبي الحسن البُهلوليّ (4).
جواب الشّيخ أبي عبّاس أحمد بن سعيد لأهل الخلاف (ت جمادى (1/58)
صفحة 59
928هـ/مارس-أبريل 1522م) (5): مخطوط (6) يفحص فيه مقالات الخصوم الآتية: خلق القرآن، رؤية الله، التّشبيه، حقيقة الإيمان، انقطاع العذاب عن أصحاب الكبائر، دخول الجنّة بعد المرور مؤقّتا بالنّار، جواز نسيان المصرّ على ذنب تلك الكبائر، احتفاظ مرتكب الكبيرة بصفة المؤمن، الشّفاعة.
__________
(1) - طبعها أبو راس عبد الله بن محمّد الكامليّ، الجزائر-قسنطينة، (1371هـ/1951م)، 20ص. انظر [شاخت]، مكتبات ص99.
(2) -[شاخت]، مكتبات ص100.
(3) - عرضها [شاخت]، مكتبات، فصل 7، ص394 - 395.
(4) - أبو مهديّ عيسى بن إسماعيل: عالم من مليكة بالمزاب، تلميذ عمّي سعيد الجربيّ، انتقل من المالكيّة إلى الإباضيّة. يوجد قبره وقبور أسرته في مقبرة تشرف على مدينة مليكة. لجوابه طبعة حجريّة ضمن مجموعة نصوص تبدأ بنصّ أطفيّش: جواب على العقبيّ، تونس 1321هـ، ص106 - 107.
(5) -[ليفيتسكي]، المؤرّخون ص16 - 21.
(6) - 11 وريقة مكتوبة على الوجه والظّهر بخطّ متراصّ، ق سفر 9.
الرّدّ على الصّفريّة والأزارقة لمحمّد بن يوسف أطفيّش (1)، ولنفس الكاتب شرح الدّعائم حيث شرح قصيدة أبي بكر أحمد بن سليمان المدعوّ ابن النّظر العمانيّ (ق 10هـ)، وفنّد خاصّة القول بأنّ القرآن غير مخلوق (2).
4 - الشّروح
من عقيدتي نفوسة وأبي حفص حظيت الثّانية بالنّصيب الأوفر من الشّروح. تعود أهمّيّة حاشية القصبيّ (3) إلى كونها على حدّ علمنا الحاشية الوحيدة لعقيدة الجنّاوُنيّ. اعتمد فيها على صحاح الجوهريّ بالنّسبة إلى الجانب اللّغويّ وعلى عقيدة أبي عمّار عبد الكافي وكتاب السّؤالات لأبي عمر (أو عمرو) عثمان بن خليفة المارغنيّ النّصف الأول (ق 6هـ/12م) بالنّسبة إلى جانب الكلام والفقه. فضلا عن شرحه للعقيدة من وجهة النّظر الكلاميّة، بحث القصبيّ الجوانب (1/59)
صفحة 60
الفلسفيّة (تصنيف الكائنات، طبيعة العقل، الخ) المعروضة في بداية كتاب الوضع، والمحالة إلى آخر لائحة المعتقدات في عقيدة نفوسة مع عرضها بنحو مبسّط.
__________
(1) - في "مجموع خمسة كتب". انظر [شاخت]، مكتبات ص111.
(2) - محمّد بن يوسف أطفيّش: شرح الدّعائم، ط ح (1325هـ)، ج1 650 ص، ج 2 678 ص
(3) - محمّد بن عمر بن أبي ستّة القصبيّ (المُحشّي) (ق 11هـ/17م): خاصّيّة على كتاب الوضع، القاهرة، البارونيّة 1350هـ، 691ص.
تخصّ الشّروح الأخرى عقيدة أبي حفص عمر بن جميع. أعدّ أحدها أبو سليمان الثّلاثيّ (ت 967هـ/1559 - 1560م) بعنوان شرح عقيدة التّوحيد، وعمر بن رمضان الجربيّ الثّلاثيّ (ق 12هـ/18م) آخر بعنوان عمدة المريد لنقاط التّوحيد (1)، ويشتركان في عدم الدّخول في نقاشات تنمّ عن مذهبيّة ضيّقة، وكونهما بالأساس شرحا حرفيّا لنصّ العقيدة (خاصّة عمدة المريد)، بينما اختار شرح عمر بن عبد الرّحمن الجربيّ أهمّ مقاطع العقيدة وبحثها بشيء من التّوسّع، وعرّف المصطلحات الأساسيّة وأعطى مزيدا من الإحالات إلى القرآن.
__________
(1) - نُشرا في سفر واحد بورق من الحجم الصّغير (18 ½ على 13 سم) بقسنطينة، (1323هـ).
أعدّ بدر الدّين أبو العبّاس بن سعيد الشماخي (ت 928هـ/1522م) الّذي هو في نفس الوقت كاتب سيَر ومؤرّخ وفقيه مشهور (1) شرح مقدّمة التّوحيد (2) حيث ركّز على المسائل الكلاميّة، وتبرز فيه دقّة الفقيه المتكلّم. ورغم توخّي الاختصار ذكر الاختلافات بين المشارقة والمغاربة ووجهات نظر المدارس الفقهيّة الأخرى حيثما بدا مناسبا، وقدّم حوصلة لمسائل منتقاة من المذهب في الفقرات الّتي تبدأ بعبارة "مسألة" مع عرض رأيه الخاصّ. ويجيد خاصّة في الجدل، (1/60)
صفحة 61
فيتوقّع الاعتراضات ويجيب عليها. أحيانا يخالف رأيه نصّ العقيدة، مثلا بخصوص الأعراف فهي تعتبر أنّ المقصود مجموعة من النّاس تتساوى في ميزان أعمالهم الحسنات والسّيّئات ويعلن من جهته خطأ ذلك التّأويل (3). بين الكتّاب الإباضيّة، كثيرا ما يستشهد بصاحب كتاب الدّليل والبرهان أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلانيّ، وهو متكلّم بارز. وقد أتاحت له سعة معرفته بتاريخ الفرقة (فهو مؤلّف كتاب السّير) تقديم عدّة أمثلة من الواقع لتوضيح شتّى الآراء. أمّا من خارج الإباضيّة، فيستشهد كثيرا بكشّاف الزّمخشريّ الشّارح المعتزليّ، وبالنّظّام (يقصد بلا شكّ المتكلّم المعتزليّ المشهور) وسعد الدّين (التّفتزانيّ بلا شكّ) ويرجع على الأرجح إلى مقاصد الطّالبين في أصول الدّين.
__________
(1) -[ليفيتسكي]، المؤرّخون ص16 - 21.
(2) - نشرهما أبو إسحاق إبراهيم أطفيّش في سفر واحد: مقدّمة التّوحيد وشروحها، القاهرة 1353هـ، 120 ص، يتضمّن متن أبي حفص وشرحي الشماخي وأبي سليمان داوود الثّلاثيّ. أعاد نشره مع نفس الشّروح سعيد الشّيبانيّ (1392هـ/1973م)، 167 ص. وإلى هذه الطّبعة نحيل فيما. يلي.
(3) - مقدّمة التّوحيد، ص136 - 137.
سنرجع في عدّة مناسبات إلى شرحه، وكذلك إلى الشّرح الغزير الّذي أعدّه القطب محمّد بن يوسف أطفيّش بعنوان شرح عقيدة التّوحيد (1)، حيث يُظهر سعة اطّلاع مدهشة، ويغطّي الجوانب اللّغويّة والفقهيّة والكلاميّة، وكذلك التّاريخيّة أحيانا. مثلا لا يخشى سرد فيض أخبار الأنبياء بحذافيرها تقريبا، ويبدو في هذا المضمار أقرب إلى مجمّع النّصوص منه إلى النّاقد. ويتألّق أكثر في الرّدّ على اعتراضات المذاهب وفرق الخوارج الأخرى، بالرّجوع إلى المعنى الظّاهر للنّصوص القرآنيّة. يعدّد كلّ اعتراضات المخالفين المستندة إلى القرآن والحديث، ثمّ يستعرضها واحدا واحدا للرّدّ عليها. في الجزء الثّاني منه خاصّة (أي بدءا من ص281) يبحث بتوسّع كبريات المسائل الكلاميّة: الشّرك، النّفاق، الإيمان، (1/61)
صفحة 62
رؤية الله، الكبائر، الولاية والبراءة، القرآن، الخ.
شرح عقيدةَ تبغورين بن عيسى الملشوطيّ (كتاب أصول الدّين) عمر الثّلاثيّ في مرآة النّاظرين في أصول تبغورين (2) وفي نخبة المتين من أصول تبغورين. وحشّاها يوسف المصعبيّ في حاشية تبغورين، وشرحها محمّد بن يوسف أطفيّش لكن لم نقف على شرحه.
أمّا قواعد الإسلام للجيطاليّ فكتب لها حاشية محمّد بن أبي ستّة (3). وأعدّ شرحا لكتاب أصول الدّيانات لأبي ساكن عامر بن عليّ الشماخي كلّ من محمّد عبد الله بن سعيد السّدويكشيّ وعمر الثّلاثيّ (4) في لآلئ المنظومات في عقد الدّيانات (5).
__________
(1) - ط ح، الجزائر (1326هـ)، 458 ص من الحجم الكبير.
(2) - مخطوط ق 813.
(3) - ط ح 430 ص و ق 776، 777.
(4) - كان أستاذ محمّد بن أبي ستّة القصبيّ. انظر عليّ يحيى معمّر: الإباضيّة في موكب التّاريخ ج3 ص183.
(5) -[شاخت]، مكتبات ص86.
ستشكّل العقائد وشروحها إذن المصادر الأساسيّة لدراستنا، مع كتابات الفرقة الكلاميّة الّتي قدّمنا نبذة عنها. ومع أنّ بعض المؤلّفات كموجز أبي عمّار عبد الكافي تضمّ فصلا مخصّصا لدراسة الفرق، لا بدّ من مقارنة حكم الإباضيّة على المذاهب الأخرى باستمرار بكتب المقالات الكبرى للأشعريّ والبغداديّ وابن حزم والشّهرستانيّ. تساهم أعمال و [نسنك] (العقيدة الإسلاميّة) و [وات] (مرحلة تكوّن الفكر الإسلاميّ) وكتب ومقالات [غارديه] و [ألاّر] في اللاّهوت الإسلاميّ، و [لاوست] و [سوردال] عن الفرق، وعدّة كتابات أخرى في وضع (1/62)
صفحة 63
هذه العقائد داخل الإطار العامّ لتطوّر اللاّهوت الإسلاميّ. ندين كذلك، فيما يتعلّق بالقسم الدّينيّ، للأعمال الرّائعة الّتي أعدّها المستشرقون الإيطاليّون، خاصّة من المعهد الشّرقيّ بنابولي: [مورينو]، [فاليري]، [روبِناتشي] و [كريمونيزي]، وبالنّسبة إلى القسم التّاريخيّ لإسهامات [موتيلنسكي] و [ليفيتسكي]، هذا عدا الإباضيّة المحدثين أمثال إبراهيم بيّوض ومحمّد عليّ دبّوز وفخّار وبكلّي والنّامي وآخرين كثيرين. انظر قائمة المراجع العامّة. (1/63)
صفحة 64
الفصل الثاني: عقيدتا الجنّاونيّ وابن جميع
الوسط الاجتماعيّ والثّقافيّ
تعكس عقيدة أبي حفص عمر بن جميع معتقد إباضيّة المغرب الأوسط (ولا تزال في الوقت الرّاهن عقيدة إباضيّة المزاب وجربة)، وعقيدة الجنّاونيّ خاصّة بنفوسة، لذلك ستتيح لمحة عن الوسط الاجتماعيّ والثّقافيّ الّذي صيغت فيهما هاتان العقيدتان فهم مضمونهما بنحو أفضل. لن نقدّم هنا سوى بضع ملاحظات ذات أهمّيّة خاصّة، إذ سبق أن قدّم [ليفيتسكي] بحثا معمّقا عن تاريخ الإباضيّة في المغرب (1).
بعد وصول الرّوّاد القادمين من البصرة مع بدايات (ق 2هـ/8م)، سلمة بن سعد وعكرمة (الّذي هو صفريّ)، تكوّنت نواة إباضيّة أولى في منطقة طرابلس حول عبد الله بن مسعود التّجيبيّ حيث تركزت على قبيلة هوّارة الأمازيغية، وامتدّت لتشمل معظم المنطقة. عُيّن الحارث إمام الأحكام وبعبارة أدقّ شارك في السّلطة عبد الجبّار. في عهد هذين الإمامين اعتنقت قبائل أمازيغية أخرى الإسلام، خاصّة زناتة (صفريّة) وربّما قبيلة نفوسة القويّة (إباضيّة). وفي (131 أو (1/64)
صفحة 65
132هـ) قاتل كلاهما الآخر، وهي حادثة تفسّر بلا شكّ موقف العقيدة القاضي بعدم جواز إمامة شخصين.
__________
(1) - انظر خاصّة [ليفيتسكي]، مقال "الإباضيّة" في دائرة المعارف الإسلامية 2، 3: ص675 - 678، و"الإباضيّة في بلاد العرب وإفريقيا" في "مجلّة تاريخ العالم" ج13 (1971م)، ص51 - 130. مع جرد للمصادر؛ عليّ يحيى معمّر: الإباضيّة في موكب التّاريخ، ج 2 و3، المكتبة الوهبيّة 1384هـ/1964م؛ كتابي طبقات الدّرجينيّ والشماخي، وأخبار ابن الصّغير وسيَر أبي زكريّا الورجلانيّ الّتي هي المصادر الأساسيّة.
منذ ما قبل (140هـ) أخذ الأمازيغ يسافرون إلى البصرة ويتعلّمون الفكر الإباضيّ على أبي عبيدة ويعودون إلى بلادهم حملة للعلم. من بينهم عاصم السّدراتيّ (من سدراتة قرب ورجلان)، (ت 155هـ/772م)، أبو داود القبلّيّ (قرب قابس) وإسماعيل بن درار الغدامسيّ (من غدامس)، ورجل من عرب الجنوب: أبو الخطأب عبد الأعلى بن السّمح المعافريّ الحميريّ الّذي صار إماما فيما بعد، ورجل من أصل فارسيّ: عبد الرّحمن بن رستم.
في (140هـ) أُعلن أبو الخطأب إماما، وفي مدّة إمامته القصيرة (من 140 إلى 144هـ) نجح في الاستيلاء على طرابلس والقيروان الّتي كان يحتلّها الصّفريّة ورفجومة. كان نفوذه يتجاوز حدود منطقة طرابلس بكثير، فقد كان تأثيره يمتدّ حتّى سجلماسة وفي فزّان. لم يتوصّل انتصار محمّد بن الأشعث إلى اجتثاث الإباضيّة: أدّى إلى تحرّكهم نحو المغرب الأوسط حيث تكوّنت مراكز مقاومة جديدة. هكذا أدّى فرار عبد الرّحمن بن رستم والي القيروان الإباضيّ سابقا أمام الجيش العربيّ الّذي استردّ المدينة وهجرته نحو الغرب إلى تأسيس تيهرت الّتي باتت ملتقى لعناصر أمازيغية.
غدت تيهرت، مركز الإباضيّة الجديد، عاصمة اقتصاديّة وفكريّة ودينيّة لها طيلة (130 سنة) (من 160 أو 162 إلى 296هـ). وامتدّ إشعاعها إلى التّجمّعات المنشقّة في بلاد الأمازيغ وخارجها. لا شكّ أنّ هيبة السلالة الحاكمة فيها ساهمت في ذلك إلى حدّ كبير. شهدت المدينة ازدهارا اقتصاديّا قوامه (1/65)
صفحة 66
نموّ الزّراعات وتربية الماشية والتّجارة مع المناطق الرّئيسيّة للعالم الإسلاميّ والمغرب وخاصّة إفريقيا السّوداء (العبيد، الذّهب) ونموّ مدن حول الأسواق وانفتاح المدينة لأقلّيّات دينيّة غير إسلاميّة من يهود ونصارى، في الحيّ المسمّى بالكنيسة "بأعلى المدينة" (1): وستبحث العقائد أوضاعهم. كان الأئمّة مولعين بالعلم وألّف بعضهم كتبا مشهورة (2)، فكانوا يشجّعون الثّقافة وإقامة العلماء في تيهرت (3). خلافا للقيروان كان معظم العلماء أمازيغا وإباضيّة، لكن استقرّ بها كذلك علماء من مذاهب أخرى: صفريّة ونكّاريّة ويزيديّة ومالكيّة ومعتزلة.
__________
(1) - انظر [موتيلنسكي]، أخباَر ابن الصّغير، 98 و122.
(2) - مثل أبي اليقظان الّذي سنتحدّث عنه في الفصل حول القرآن.
(3) - انظر شيخ بكري: مذهب الخوارج عند البربر، في حوليّات معهد الدّراسات الشّرقيّة، 15 (1957م)، ص82 - 97.
كانت لتيهرت مكتبة مشهورة تدعى المعصومة أحرقها الدّاعية الفاطميّ أبو عبد الله الشّيعيّ. وقد اعتاد طلاّب العلم فيها الاجتماع في حلقات حول شيوخ مشاهير. في القرن اللاّحق اتّخذت تلك "الحلقات" طابع مؤسّسة دائمة سواء في ورجلان (ورجلة) وسدراتة أو في المزاب. وكانت بين أولئك العلماء مناظرات تتجلّى فيها من الجدال فنون وألوان، غالبا باللّغة العربيّة، لكن كذلك بالأمازيغية. أحيانا كانت نصوص باللّغة الأمازيغية تُكتب بحروف عربيّة لتفقيه الشّعب الإباضيّ في مذهبه (1). وتبوّأت المرأة الأمازيغية- الّتي كان لها دورها في (1/66)
صفحة 67
المجتمع الأمازيغيّ منذ القديم- مكانها في الحياة الفكريّة (2). هل كانت عقيدة أبي حفص عمر بن جميع- الّتي ظلّت لمدّة طويلة تُحفظ (وربّما تُكتب؟) بالأمازيغية قبل ترجمتها إلى العربيّة- خلاصة لأصول الإيمان منذ زمن تيهرت؟ سنرى فيما يلي بالمقارنة
__________
(1) - حسب شيخ بكري في المقال المذكور ألّف أقدم كتاب بالأمازيغية في النّصف الأول من (ق 3هـ) مهديّ النّفوسيّ في الرّدّ على بدع نفّاث. ذكر كذلك شرحا بالأمازيغية على مجموعة أحاديث إباضيّة. ترك أبو سهل الفارسيّ (النّصف الثاني ق 3هـ/9م) ديوان شعر بالأمازيغية حول مواضيع تاريخيّة. لنذكرْ كذلك دراستين لـ[ليفيتسكي]، "متفرّقات أمازيغيّة إباضيّة" في مجلّة دراسات إسلاميّة 1936م، ص268 - 285؛ و"نصوص غير منشورة بالأمازيغية القديمة من كتاب أخبار إباضيّ لم يُذكر مؤلّفه" في م د إ، ج8، 1934م، ص275 - 296.
(2) - منهنّ زيديت بنت عبد الله الملوشائيّة الّتي كانت أثناء غزل الصّوف تعظ النّساء وتذكّرهنّ بيوم القيامة. لم تكن النّساء أحيانا دون الرّجال نضاليّة: مثلا خنقت نسوة رجلا انتقد الوهبيّة. انظر الدّرجينيّ، ورقة 296 (ذكره شيخ بكري). لنذكرْ كذلك أنّ النّساء أسّسن في فترة متأخّرة منظّمة العزّابيّات على غرار جماعة العزّابة للرّجال. انظر معنى هذه الكلمات في قاموس المصطلحات.
بعقيدة الجنّاوُنيّ أيّة مشاكل تطرح. وأيّا كان الأمر، لن تفوت المحلّل المتمعّن العبارات العديدة الّتي تشير على ما يبدو إلى فترة الرستميين المزدهرة.
كما نرى، لم تكن إمامة تيهرت عالما منغلقا: من خلال عمّالهم أي الجباة لم يكن الأئمّة يحكمون ولايات بالمعنى التّامّ لا تفتأ حدودها تتغيّر من جهة أخرى، بقدر ما كانوا يمارسون نفوذا أو تأثيرا على جماعات إباضيّة متفاوتة الأهمّيّة، بينما كانت في حالات أخرى تشكّل طوائف يتيح لها الانشقاق الدّينيّ الإفلات من سلطتهم (1): هكذا أمكن رسم خريطة لمناطق تأثير إمامة تيهرت في أواخر (ق (1/67)
صفحة 68
2هـ/8م) (2).
__________
(1) - أهمّ انشقاقات أيّام الرّستميين: الخلفيّة في طرابلس أواخر (ق 2هـ/8م) (خلف بن السّمح)؛ الحسينيّة (أو الحسنيّة) في بداية (ق 3هـ/9م) (أحمد بن الحسين: واستمرّ وجود أتباعها إلى عصر الجنّاونيّ في بعض المناطق بشرق جبل نفوسة)؛ النّفّاثيّة في قنطرارة في بلاد الجريد (أتباع نفّاث)؛ النّكّاريّة الّذين أسّسوا في أواخر (ق 3هـ/9م) إمامة موازيّة لإمامة تيهرت، انظر [ليفيتسكي]، "فروع الإباضيّة"، دائرة المعارف الإسلامية 9 (1958م)، ص71 - 82.
(2) - شيخ بكري: المصدر نفسه ص76 - 82؛ [ليفيتسكي]، التّوزيع الجغرافيّ للجماعات الإباضيّة في شمال إفريقيا في العصر الوسيط، في الكتاب السّنويّ للدّراسات الشّرقيّة عدد21 (1957م)، ص301 - 343؛ [ليفيتسكي]، إباضيّة تونس في العصر الوسيط، روما، نشر [أ سقنورلّي]، ص1 - 16؛ محمّد الطّالبيّ: الإمارة الأغلبيّة، باريس، أدريان ميزونّوف (1966م)، ص354 - 362.
عُقدت علاقات قويّة بنفوسة الّتي كانت تشكّل حصنا منيعا في وجه النّفوذ الأغلبيّ. أما كان يقال: "إنّما قام هذا الدّين بسيوف نفوسة وأموال مزاتة"؟ بعد سقوط إمامة طرابلس، التحق كثير منهم بتيهرت، كانوا يهبّون بأعداد غفيرة كلّما استنجد الإمام بهم. وكان يُلجأ إلى علماء نفوسة في الجدالات اللاّهوتيّة الدّقيقة. بعد الهزيمة السّاحقة الّتي مُنيت بها قبائل نفوسة في مانو (في 283هـ/896م) بين طرابلس وقابس والّتي قُتل فيها 12000 من سكّان الجبل (4000 نفوسة و8000 أمازيغ)، بينهم 400 من فطاحل العلماء (1)، قُضي على قوّة نفوسة. مع ذلك استمرّ جبل نفوسة في إمداد الإباضيّة بعلماء أفذاذ: منهم صاحبنا أبو زكريّا يحيى بن الخير الجنّاوُنيّ (2).
عرض أبو زكريّا يحيى بن الخير بن أبي الخير الجنّاوني عقيدته في صيغتين: إحداهما في بداية كتاب الوضع في فروع مع حاشية كتبها محمّد أبو ستّة القصبيّ السّدويكشيّ (ت 1088هـ/1677م) وأعاد نشرها إبراهيم أطفيّش (القاهرة (1/68)
صفحة 69
، بلا تاريخ، 97 صفحة)، والثّانية في نشرة منفصلة في أوّل مجموعة من النّصوص طُبعت في (1325هـ) تتضمّن 56 ضمن الحجم المتوسّط (18/ 13 ص م)، هي الّتي اخترناها. وهي لا تتقدّم في شكل كتاب في الأصول، بل كلائحة معتقدات معدّة للحفظ، وتوازي بالنّسبة إلى نفوسة عقيدة أبي حفص عمر بن جميع عند إباضيّة المزاب وجربة، وتشبهها في نقاط عدّة على مستوى الشّكل والمضمون كما سنرى.
__________
(1) - لـ[و. تورنو]، سيَر أبي زكريّا ص334؛ ابن العذاريّ: البيان المُغرب، نشر [ليفي بروفنسال]، ج1 ص129.
(2) - حول علماء نفوسة راجع مثلا [ليفيتسكي]، إباضيّات، 1:ص تسمية شيوخ نفوسة، في ك س د ش، 25/ 2 (1967م)، ص87 - 120. ملحوظة: الكتاب ترجم من قبل مؤسسة تاوالت الثقافية تحت عنوان: تسمية شيوخ جل نفوسة وقراهم (دراسة لسنية في الطبونوميا والأنومية الأمازيغية) ترجمة الأستاذ عبد الله زارو.
أمّا عقيدة أبي حفص المسمّاة مقدّمة التّوحيد أو عقيدة العزّابة أو توحيد العزّابة (انظر Brock. S. II, 357) فقد نشرها [موتيلنسكي] (في "عقيدة الإباضيّة" ضمن "مجموعة مذكّرات ونصوص منشورة بمناسبة مؤتمر المستشرقين 14، الجزائر، (1905م)، 505 - 545).
كاتب عقيدة نفوسة
في الحقيقة تفصل الكاتبين 4 قرون: فقد عاش أبوحفص عمر بن جميع في آخر (ق 8هـ) أو أوّل (ق 9هـ/14 - 15م)، بينما عاش أبو زكريّا الجنّاونيّ في النّصف الأول من (ق 5هـ/11م) على ما يبدو أو في النّصف الأول من (ق 6م) (1). وهو كما تبيّن نسبته من قرية إجناوُن من جبل نفوسة. يمكن جمع عدّة معلومات هامّة ومفصّلة عن حياته عند كاتب السّير الشماخي. أشار إلى صداقة حميمة كانت تربطه بالشّيخ أبي الخير الزّواغيّ إذ دعا له وسمّى باسمه وكنى (1/69)
صفحة 70
بكنيته (2)
__________
(1) - كما لاحظ [روبناتشي]، عقيدة الجنّاونيّ، في ح م ج د ش ن 14 (1964م)، ص554.
(2) - "أخذت فيه بركة الشّيخ أبي الخير الزّواغيّ إذ دعا له وسمّى باسمه وكنى بكنيته وبقي أثرها في ذرّيّته. وأبو زكريّا في زماننا أشهر من جدّه لكثرة تآليفه، ومن غزارة علمه وعمق بحره أنّه يفتي للنّاس حين رجع عن أستاذه أبي الرّبيع سليمان بن أبي هارون ستّة أشهر، ولم يتوقّف ولو في مسألة واحدة مع كثرة السّائلين في أيّ فنّ من الفنون سألوا. (ثمّ قدّم مثالا على "شدّة عدله") ... وذكر في آخر كتاب النّكاح- وكان سفرا مستقلاّ-: وإنّما كتبناه رغبة فيما يتحفّظه من آثار من أدركنا، ثمّ قال: وقصدنا فيه إلى الحاجة ممّا يحتاج النّاس إلى استعماله ممّا أفتاه الشّيخ أبو الرّبيع سليمان بن هارون رحمه الله إلاّ القليل منه فربّما أسندناه إلى غيره وربّما لم نسنده ... وجازت عليه نسبة الدّين وأخذ عنه بشر كثير. وكان اعتماد أهل نفوسة على كتبه حفظا وفتيا لكونه أودع فيه المأخوذ من الأقوال وربّما ذكر الخلاف. وهي كتب مفيدة في الأحكام، وممّا ذكر عنه (أنّه) أقام عند أبي الرّبيع مدّة طويلة في مسجد إبناين". الشماخي: السّيَر ط ح، القاهرة 1301هـ، ص535.
وقد فاق جدّه "بكثرة تآليفه وغزارة علمه وعمق بحره". صوّره الشماخي كقطب جاذب، كمعلّم وسط تلاميذه المتلقّين علمه، وفي مديح لافت عدّه ممّن "جازت عليه نسبة الدّين". وأشار مثلا إلى حفظ أهالي نفوسة كتبه. يعود شغفهم بكتبه في الفقه إلى أنّه كان لا يخشى ذكر شتّى الآراء وحتّى الخلافات إن وُجدت. إلى أيّ مدى تأثّر بمعلّمه أبي الرّبيع سليمان بن هارون الّذي أقام عنده طويلا في جامع إبنايِن على ما يقال؟ يصعب تحديد ذلك. وأيّا كان قدر الموضوعيّة الّذي نقرّ به لهذا التّقريظ، يرشح من النّصّ تقدير كانت شخصيّته وكتاباته تحظى به لدى معاصريه. عُدّ مرجعا "يُنسب إليه الدّين"، والدّين هنا يعني المذهب الإباضيّ. كان يتمتّع إذن وسط الفرقة بسمعة فكريّة وأخلاقيّة أضفت على عقيدته- وبمباركتها- طابع الاستقامة العقديّة. بل كان من سلاسل الإسناد المعتمدة في نقل العلم الإباضيّ (1). (1/70)
صفحة 71
__________
(1) -[جنروزا كروبي لاروزا]، نقلة المذهب الإباضيّ، في ح م ج د ش ن 1953م ص123 - 129.
كان أبو زكريّا الجنّاونيّ إذن من إجناون (حاليّا: جنّاون) قرب جادو غربي جبل نفوسة (1). عدّه [ليفيتسكي] من علماء النّصف الأول من (ق 6هـ/12م) (2). يبدو مع ذلك أفضل اعتباره من علماء النّصف الأول من (ق 5هـ/11م) أو على الأقلّ أواسط هذا القرن، وفق ترتيب الإخباريّ الإباضيّ أبي زكريّا يحيى بن أبي بكر الورجلانيّ صاحب كتاب السّير وأخبار الأئمّة (3)، والّذي يبدو تأريخه جديرا بقدر معقول من الثّقة. فعلا درس على الشّيخ أبي الرّبيع سليمان بن أبي هارون. والحال أنّ هذا الأخير، حسب إشارة نفس الكاتب، صُنّف ضمن الطّبقة الثّامنة أي في النّصف الثاني من (ق 4هـ). نعلم من جهة أخرى أنّه حفيد عالم آخر من جبل نفوسة: أبي الخير توزين الزّواغيّ الّذي كان يعيش في عهد أمير القيروان الزّيريّ المعزّ بن باديس (406 - 454هـ/1016 - 1062م) (4). إن كان جدّه قد شهد السّنوات الأولى من عهد المعزّ الّذي بلغ طوله مستوى استثنائيّا، لا يُستبعد أن يكون كاتبنا من علماء (ق 5هـ/11م).
حسب قائمة المؤلّفات الإباضيّة الّتي وضعها البرّاديّ في كتاب الجواهر المؤلَّف بعد (775هـ/1373 - 1374م)، ألّف الجنّاونيّ كذلك كتابا لم يُذكر عنوانه يضمّ 7 أجزاء ويبحث في الصّوم، النّكاح والطّلاق، الوصايا، الأجور، الأحكام، (1/71)
صفحة 72
حقّ الشّفعة، الرّهن (5) لم يُنشر بعد إلاّ كتاب الصّوم (القاهرة 1310هـ) وكتاب النّكاح الّذي نُشر في القاهرة مع حاشية أعدّها محمّد أبو ستّة القصبيّ.
__________
(1) -[ديبوا]، جبل نفوسة، باريس 1953م، ص213.
(2) - "أبو زكريّا الجنّاونيّ"، في دائرة المعارف الإسلامية ج1 ص171.
(3) -[موتيلنسكي]، جرد، في ب م إ ج3 (1885م)، ص67؛ عليّ يحيى معمّر: الإباضيّة في موكب التّاريخ، ج2 ص93 - 95.
(4) - الشماخي: السّيَر، ص336.
(5) -[موتيلنسكي]، جرد، م36.
رغم فرق 4 قرون بين أبي حفص عمر بن جميع وأبي زكريّا الجنّاونيّ تعود العقيدتان إلى نفس العصر، كما أثبت [روبِناتشي] من خلال النّقد الدّاخليّ في دراسته المقارنة (1). ذلك ببساطة لأنّ أبا حفص، في (ق 8 - 9هـ)، ترجم في الحقيقة من الأمازيغية إلى العربيّة (2) هذه العقيدة الّتي كانت متداولة في عصر الجنّاونيّ وربّما قبله.
بهذا الصّدد يُطرح سؤال هامّ: ألا تعود هذه العقيدة في الحقيقة إلى عصر أقدم من عصر الجنّاونيّ؟ سندرس هذا الافتراض بعد تحليلها.
خلافا لمقدّمة كتاب الوضع ليس عرض عقيدة الجنّاونيّ بناء منطقيّا. وفي عدّة مواضع يعود الكاتب إلى موضوع تناوله من قبل لإعطاء ملاحظة إضافيّة. فيما يلي نقدّم أقسام الكتاب الكبرى.
محتوى الكتاب
1 - التّوحيد: الشّهادة المختصرة والموسّعة، بنودها الثّلاثة أو العشرة: ص1 إلى ص6 سطر 6، الولاية والبراءة، الشّرك والنّفاق من 6: 6 إلى 13: 1 ولاية وبراءة المجموعة والأفراد (1/72)
صفحة 73
2 - مجاري الدّين 13: 1 - 16: 11، التّنزيل، الصّلاة، الزّكاة، الصّوم، الحجّ، السّنّة، الرّأي،
3 - الدّين الإباضيّ 16: 11 - 21: 11: أ- قوائمه وأركانه، الكفر: قوائمه أركانه؛ ب- مسالكه: الظّهور، الشّراء، الدّفاع، الكتمان؛ ج- فرز الدّين؛ د- حرز الدّين؛ ه- تحديد الدّين
4 - العلاقات بالملل الأخرى 21: 11 - 26: 2 الإسلام، الفئة الباغية، جماعات الشّرك (النّصارى، الصّابئة، اليهود)، المجوس، عبدة الأوثان،
5 - صفات الله، وتوضيحات جديدة لمفاهيم: التّوحيد، الإيمان، الوحي، الشّرك، النّفاق، السّنّة، الأمر، الإلزام 26: 2 - 29: 9،
6 - الأنبياء، تعدادهم وتصنيفهم، الكتب 29: 9 - 33: 4،
__________
(1) -[روبناتشي]، عقيدة الجنّاونيّ، ص553 - 595.
(2) -[موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص517.
7 - مجموعة بنود أو تعاليم في الأخلاق، جُمّعت الموادّ فيها على ما يبدو بحسب درجة الإلزام: الفرض، المندوب، المباح، المكروه، المحظور 33: 4 - 46: 9، الصّلوات، الفرض والسّنّة؛ أسئلة وأجوبة حول الدّين؛ التّكليف: الجنّ، النّاس، الملائكة، الشّياطين، الحيوانات؛ كبائر النّفاق؛ ستّة أشياء متلازمة؛ سنن إبراهيم؛ معايير الانتماء إلى الإسلام؛ موانع النّكاح؛ العمل والذّهول؛ أشهر المدّة، أشهر الحجّ ...
8 - عقائد متّفق عليها عند الإباضيّة وتخالفهم فيها الفرق الأخرى 46: 9 - 49: 11، التّوحيد؛ الخلق؛ العدل؛ الوعد والوعيد؛ الأمر والنّهي؛ تتبع بنود عقديّة أخرى، (1/73)
صفحة 74
9 - التّصنيف المنطقيّ للأشياء 49: 12 - 53: 9،
10 - مسائل أخيرة بخصوص العقيدة مقدّمة في قالب أسئلة وأجوبة وبصيغة متضادّات 53:956
11 - خاتمة
بعد البسملة وذكر بعض الصّفات، افتُتحت العقيدة بالشّهادة، وهي- سواء قُصرت على بنودها الأساسيّة الثّلاثة (التّوحيد، رسالة محمّد، والإيمان بما بلّغ عن ربّه) أو وُسّعت إلى 10 بنود هي تفصيل لمجمل الإيمان ذلك- عين الشّهادة السّنّيّة، وتحرّم دم كلّ موحّد، خلافا لفرق الخوارج المتطرّفة الّتي كانت تأمر بقتل غير المسلمين، أي الموحّدين الّذين لا ينتمون إلى فرقتهم، وتستحلّ غنيمة أموالهم وسبي نسائهم وأطفالهم.
الولاية والبراءة والوقوف
يعالج الكاتب بعد ذلك بتوسّع مفهومي الولاية (التّعاون، الصّداقة) والبراءة (الفصل من الجماعة، العداوة)، ولهما في عقيدة أبي حفص نفس الأهمّيّة. ولاية جملة المؤمنين والمعصومين الممدوحين في القرآن والبراءة من جملة الكافرين والمذمومين المخصوصين بأسمائهم في القرآن جزء أساسيّ من التّوحيد لأنّهما ترتكزان على القرآن ولأنّ الولاية، مثل السخط والرّضا هي في نظر الإباضيّة صفة أزليّة لله: هي علمه الأزليّ بمآل كلّ واحد من عباده.
تلحّ عقيدة الجنّاونيّ بالأحرى على الجانب الإباضيّ تخصيصا لمفهومي الولاية والبراءة. تخصّ الولاية الأشخاص الملتزمين بصدق بتعاليم الدّين، وهي في هذه (1/74)
صفحة 75
الحال تتّصل بنظرة الإباضيّة إلى الإيمان الّتي تعتبر العمل جزءا من الإيمان مثل القول، ومن لا يوفّي بما أقرّ به ليس على شيء من الإيمان، والجماعة في حلّ من رابطة التّضامن الّتي تربطه بها.
تذكر العقيدة على وجه الخصوص ولاية الإمام العادل وأعوانه الأقربين: الوزير، القاضي، الخازن، الكاتب. قد تكون في هذا البند إشارة إلى عصر أبي عبيدة البعيد النّصف الأول من (ق 2هـ) - فقد أسّس ذلك الإمام دولة ثوريّة سرّيّة تشتمل على وزارة للحرب والماليّة (1) - أو إلى فترة حكم أبي الخطاب القصيرة (141 - 144هـ/758 - 761م)، أو، وهو الأرجح، إلى إمامة تيهرت الّتي شهدت ازدهارا طويلا (160 - 296هـ/777 - 909م) واشتملت على كلّ المؤسّسات الإداريّة اللاّزمة للدّولة: الوزارة والقضاء والحسبة وبيت المال (2). وسريان البراءة في هذه النّظرة على الإمام الجائر دون من كان تحت لوائه لأنّه ربّما كان فيهم مسلم (إباضيّ) فاز منه تقيّة على نفسه، قد يشير إلى نفس تلك الفترة أو فترات لاحقة، فهو يثير في الأذهان صورة الجماعات الإباضيّة الصّغيرة المتعدّدة أيّام الخلافة العبّاسيّة والّتي اضطرّت إلى التّعايش السّلميّ مع السّلطة المحلّيّة الأغلبيّة ثمّ الفاطميّة في إفريقية وفي المغرب الأوسط.
__________
(1) - مقال "الإباضيّة" لـ[ليفيتسكي] في دائرة المعارف الإسلامية 2، 3: 671.
(2) - شيخ بكري: مذهب الخوارج عند البربر، جوانب من المملكة الرّستميّة، في حوليّات معهد الدّراسات الشّرقيّة، 15 (1957م)، ص55 - 108؛ دنجل: إمامة تيهرت الإباضيّة، سيما الفصل 3: التّنظيم الإداريّ لمملكة تيهرت.
لم يوضع لولاية الخارج من الشّرك إلى الإسلام شرط كالّذي فُرض على (1/75)
صفحة 76
الخارج من مذهب الخلاف إلى الإباضيّة: كان حقيقا أن تغتبط الفرقة بانضمام مستجيب. وما كان إلاّ لكاتب متأخّر كالجيطالي (ت 750هـ/1349 - 1350م) أن يشترط في الحالة الأولى إعلان العضو الجديد التّخلّي عن مذهبه السّابق. لكنّ الشّأن مختلف في الخروج من فرقة مخالفة إلى مذهب الحقّ. يُمتحن صدق هذا التّحوّل، والمعيار مراعاة أحكام الدّين بمنتهى الجدّ. يسهل فهم هذه الصّرامة الّتي يبرّرها خوف الفرقة من الفتن داخلها. إذا اقتصرنا على مثال جبل نفوسة نرى أنّ عدّة فتن كسرت وحدة الجماعة. منها فتنة الخلفيّة الّتي أحدثها خلف بن السّمح المعافريّ الحميريّ في آخر (ق 2هـ/8م). كذلك في شرق جبل نفوسة وفي عصر الجنّاونيّ ظلّت توجد بعض عناصر الفرقة الحسينيّة (أو الحسنيّة) الّتي عاش مؤسّسها على ما يبدو في النّصف الأول من (ق 3هـ/9م).
لم يكن رجوع المنشقّ أو المبتدع إلى حظيرة الإباضيّة يُقبل إلاّ بعد عودته عند أصحابه السّابقين ليبيّن لهم ضلالهم: كذلك كان الشّأن بالنّسبة إلى هلال بن عطيّة الصّفريّ (1). هذا المطلب الّذي كان عند الإباضيّة يهمّ بالأخصّ المستوى الدّينيّ يبدو معتدلا حقّا بالمقارنة بما كان الأزارقة يشترطون على التّابع الجديد: كانوا على ما يقال يمتحنون من ادّعى أنّه منهم بدفع أسير من عشيرته وأمره بقتله لقطع صلة القربى نهائيّا (2).
__________
(1) - الجيطاليّ: قواعد الإسلام، ج1 ص52 - 53؛ السّالميّ: تحفة الأعيان، ج1 ص72؛ الشماخي: السّيَر ص119.
(2) - انظر [كات تشمبرز سيليى]: الانشقاقات والفِرق في الإسلام (الفَرق بين الفِرق للبغداديّ ت 1037)، نيويورك (1966م)، ص83.
يدلّ استخدام كلمة براءة بالتّفضيل على عداوة (الّتي استخدمها مع ذلك الجنّاونيّ (1/76)
صفحة 77
في مقدّمة كتاب الوضع) (1)، وترخيص التّقيّة، ومنع هجرة جديدة (2)، وإغفال الجهاد في عرض جوانب التّنزيل (3) على أنّ العلاقات العاديّة بالفرق الإسلاميّة الأخرى لم تكن عدوانيّة بنحو سافر، وأنّ أرض المخالفين كانت تُعدّ دار الخلط لا دار الحرب. مع ذلك كان الإباضيّة يؤكّدون الاختلاف مع الفرق الأخرى دون مواربة، ويعتبرون الولاية والبراءة ضدّين يستبعد كلاهما الآخر، وما انفكّت الغاية الأساسيّة عندهم (كما عند الفرق الأخرى) أن يكونوا في عداد الفرقة النّاجية، أو بعبارة أخرى من أهل الجنّة.
لذلك يبدو الوقوف أي موقف التّحفّظ المدعوّ كذلك بمرادفيه الكفّ والإمساك، رغم ذكره بين العناصر الّتي "تحرز" الدّين (ص21)، غير ذي موضوع كموقف وسط بين الولاية والبراءة اللّتين تستبعد كلتاهما الأخرى في الحالات العاديّة. وبالتّالي فإنّ الوقوف في عصر الجنّاونيّ ذُكر تقريبا للحفظ كحلّ لحالات عمليّة تثير الشّكّ، وبيّنٌ أنّ الولاية والبراءة فيها لا تلائمان. بعد بضعة قرون وضع علماء الإباضيّة الوقوف على نفس مستوى الولاية والبراءة وبحثوا شتّى الحالات الّتي تدخل في إطاره وحلولها (4).
__________
(1) - نجد كذلك كمرادف: تكفير.
(2) - ليس منّا من يقول بالهجرة بعد مكّة، انظر عقيدة الجنّاونيّ ص48.
(3) - انظر عقيدة 13. ذكر أبو حفص الجهاد بين أسهم الإسلام. انظر [موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة ص521.
(4) - كما هو الشّأن عند الجيطاليّ (منتصف ق 8هـ/14م) في قواعد الإسلام كما سنرى في الفصل 5.
أيّا كان الأمر يبدو أنّ الوقوف كمصطلح فنّيّ استُعير، أو هو مفردة، من لغة اصطلاحيّة مشتركة بين بعض الفرق الخارجيّة، وبوجه خاصّ فرقة الواقفيّة الّتي (1/77)
صفحة 78
ذُكرت في مقالات الأشعريّ بين فروع الإماميّة (1). يجوز التّساؤل مع [وات] إن لم تكن فرقة الواقفة هذه غير المعروفة فيما عدا ذلك، ومن خلال إعطاء ذلك الموقف طابع منهج عامّ، أصل المرجئة (2). في عقيدة الجنّاونيّ خُصّص ذلك الموقف لوضع أبناء غير المسلمين وأبناء عبيدهم. بالنّسبة إلى المذهب الإباضيّ لم يكن يمكن للوقوف أن يمثّل سوى حالة مؤقّتة وغير قارّة نظرا إلى الارتياب الّذي تثيره الشُّبَه أي الحالات الملتبسة.
مجاري الدّين
__________
(1) - كان رجل من الإباضيّة يقال له إبراهيم أفتى بأنّ بيع الإماء من مخالفيهم جائز، فبرئ منه رجل يقال له ميمون وممّن استحلّ ذلك، ووقف قوم منهم فلم يقولوا بتحليل ولا بتحريم، وكتبوا يستفتون العلماء في ذلك. فأفتوا بأنّ بيعهنّ حلال، وهبتهنّ حلال في دار التّقيّة، ويستتاب أهل الوقف من وقفهم في وَلاية إبراهيم ومن أجاز ذلك، وأن يستتاب ميمون من قوله، وأن يبرؤوا من امرأة كانت معهم (كانت) وقفت فماتت قبل ورود الفتوى، وأن يستتاب إبراهيم من عذره لأهل الوقف في جحدهم الولاية عنه وهو مسلم يظهر إسلامه، وأن يستتاب أهل الوقف من جحدهم البراءة عن ميمون وهو كافر يُظهر كفره. فأمّا الّذين وقفوا ولم يتوبوا من الوقف وثبتوا عليه فسُمّوا الواقفة وبرئت الخوارج منهم، وثبت إبراهيم على رأيه في التّحليل لبيع الإماء للمخالفين، وتاب ميمون
(2) -[وات]: الفكر الخارجيّ في العهد الأمويّ، في "الإسلام" 36 (1961م)، ص226 - 227.
في تعداد مجاري الدّين ذكر الجنّاونيّ القرآن (التّنزيل) والسّنّة والرّأي. توجد هذه المجاري الثّلاثة عند أبي حفص عمر بن جميع (1). والحال أنّ الجنّاونيّ نفسه، في بداية كتاب الوضع، دعا هذه المصادر الثّلاثة القرآن والسّنّة والإجماع، والظّاهر (1/78)
صفحة 79
أنّ ذلك يعني ترادف مصطلحي الإجماع والرّأي عنده. في كلّ الأحوال، يبدو أنّ القياس لا يُعدّ من تلك المصادر. وقد بيّن [روبِناتشي] جيّدا العمليّة الّتي يُحتمل أنّ الرّأي حلّ من خلالها محلّ الاجتهاد: في الأصل لا تذكر المصادر سوى القرآن والسّنّة وعند الاقتضاء الرّأي. هذا مطابق للحديث الّذي جاء فيه أنّ معاذ بن جبل (ت 18هـ) أُرسل كقاض إلى اليمن، ولمّا سأله النّبيّ عمّا سيعتمد في أحكامه إن لم يجد شيئا في كتاب الله وسنّة رسوله أجاب أنّه "سيجتهد رأيه" (2). أمّا الإجماع فيأتي مصدّقا لتطبيق صحيح للقرآن، ونقل أمين للسّنّة واستخدام موفّق للرّأي. ثمّ ابتلع الإجماع وظيفة الرّأي. وفي طور لاحق فقط استعاد الرّأي، في صيغة القياس المحدودة، قيمة ذاتيّة كمصدر رابع للتّشريع. في عصر الجنّاونيّ لم تكن هذه الخطوة قد خُطيت (3). وأبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلانيّ، معاصر الجنّاونيّ تقريبا، لا يستخدم سوى كلمة العقل ذات المعنى الواسع والّتي لم تأخذ لاحقا معنى فنّيّا واختفت في النّهاية من نظام اصطلاحات الفقه. والكتّاب الآخرون الّذين ذكروا القياس ينتمون إلى عصور جدّ متأخّرة.
__________
(1) - أبو حفص عمر بن جميع: مقدّمة التّوحيد، نشر الحاجّ خليفة بن الحاجّ سعيد الشّيبانيّ، طبعة ثانية، 1392هـ/1973م، 61.
(2) - انظر البرّاديّ: الجواهر ص147. جدير بالذّكر أنّ لدينا 14 فتوى لجابر بن زيد الأزديّ (ت 93 - 104هـ/711 - 722م) قدّم فيها رأيه حول مسائل فقهيّة استشير فيها. انظر [فان إسّ]، بحوث ص17 - 31.
(3) -[روبناتشي]، عقيدة الجنّاونيّ، ص574 - 575.
من جهة أخرى ليس خُلفا اعتبار تعداد هذه المصادر الثّلاثة رفضا لبدعة السّكّاكيّة، وهي فرقة متفرّعة عن الإباضيّة كان أتباعها- القلائل في الواقع- يوجدون في منطقة قنطرارة من بلاد الجريد (بالجنوب التّونسيّ) فقط واختفوا في (1/79)
صفحة 80
أواخر (ق 5هـ/11م)، أي بُعيْد عصر الجنّاونيّ. في شرح عقيدة أبي حفص (1)، أعلن محمّد بن يوسف أطفيّش: "ندين بتكفير من أنكر الرّأي". كان السّكاكيّة فعلا يرفضون السّنّة والرّأي مكتفين بمصدر واحد: القرآن، ولا يرون اتّباع السّنّة فرضا بناء على الآية: "ما فرّطنا في الكتاب من شيء" (ق 6: 38) (2).
تستعرض العقيدة بعد ذلك بعض جوانب التّنزيل والسّنّة والرّأي تشترك في معظمها مع المذهب السّنّيّ. لكنّ "صلاة" الوتر الّتي هي من السّنن يعدّها الإباضيّة فريضة، ويشتركون في ذلك مع المعتزلة (3).
قوائم الدّين
__________
(1) - أطفيّش: شرح عقيدة التّوحيد، ص93.
(2) - أطفيّش: الرّسالة الشّافية في بعض تواريخ وادي ميزاب، ط ح 1299هـ/1880/ 84م.
(3) -[روبناتشي]، عقيدة الجنّاونيّ، ص9؛ الأشعريّ: مقالات ج1 ص266.
قوائم الدّين 4 يجب أن تجتمع في المؤمن: العلم والعمل والنّيّة والورع. العلم علم ما لا يسع النّاسَ تركه وما لا يسع النّاسَ فعله أي المحرّمات. وهو إذن موجَّه نحو العمل. العمل هو التّطبيق، والعلم شرط له. النّيّة حسب الشّرّاح هي الإخلاص والعمل لله واجتناب الرّياء، وهو أمر شدّد عليه الحسن البصريّ (1). تعني روح الورع ترك الشُّبَه، أي الأفعال الّتي يصعب البتّ في إباحتها أو تحريمها ومن طبيعتها تسهيل الوقوع في الذّنب. ليس الورع خاصّا بالإباضيّة، ويطابقه في الفقه الإسلاميّ مبدأ سدّ الذّرائع المتمثّل في اتّخاذ قرار يسدّ الطّريق المؤدّية إلى وضع فيه مضرّة في مجال (1/80)
صفحة 81
المعاملات، أو ببساطة وعلى مستوى العبادات، إلى وضع يقارب الذّنب (2).
__________
(1) -[روبناتشي]، الطّهارة الطّقوسيّة على مذهب الإباضيّة، في ح م ج د ش ن، 6 (1957م)، ص13.
(2) - الثّمينيّ: محاضرة ألقاها في معهد IPEA بروما. انظر كذلك أبا العبّاس الشماخي: شرح مقدّمة التّوحيد لأبي حفص عمر بن جميع، نشر الحاجّ خليفة بن الحاجّ سعيد الشّيبانيّ (1392هـ/1973م)، ص50 - 51.
استشهد الشّارح أبو سليمان التّلاتيّ الجربيّ (ت 967هـ/1559م) بالأحاديث التّالية لشرح معنى الورع: "كنّا نتجنّب (ندع) 70 بابا من الحلال مخافة أن نقع في الحرام"، وكذلك: "من استقصى في حقّه لم يترك للشّرّ مطلبا"، وهذا القول: "الدّين بلا ورع كسفينة بلا شراع" (1). كذلك يرى أبو ستّة القصبيّ تدرّجا في الورع: العدول يجتنبون الحرام، والصّالحون يجتنبون الشّبهات، والمتّقون يدعون ما لا بأس به مخافة ممّا به بأس، والصّدّيقون يدعون ما لا بأس به دون خشية ما به بأس (2).
أركان الدّين
أركان الدّين 4. في كامل هذا الفصل يتبنّى الكاتب تقسيما رباعيّا بلا شكّ لتسهيل حفظه. ذلك تبسيط خاصّ بمنهج التّعليم الدّينيّ. مفاهيم الاستسلام لأمر الله والرّضا بقضائه والتّوكّل عليه والتّفويض إليه ذات أهمّيّة كبرى وتدخل في باب التّصوّف، وقد حظيت بتحليل أوسع في عقيدة أبي سهل يحيى، نحيل عليه.
__________
(1) - انظر أبا حفص عمر بن جميع: مقدّمة التّوحيد مع شرحي أبي العبّاس الشماخي وأبي سليمان الثّلاثيّ ص50 - 51.
(2) - واضح أنّ هذا التّدرّج مستمدّ من الغزاليّ: إحياء علوم الدّين، بيروت دار المعرفة، 2: 95 - 96. انظر كذلك [لاوست]، سياسة الغزاليّ، باريس (1970م)، ص320 - 321.
بتواز مع الدّين، للكفر قوائمه الأربع وأركانه الأربعة. نلاحظ أنّ الكبر (1/81)
صفحة 82
والحسد والرّغبة هي أوّلا ذنوب باطنة، وعُدّدت لاحقا (ص39) بين كبائر النّفاق. في الكفر إذن يغلب العنصر الأخلاقيّ على الجانب العباديّ. وليس مدهشا أن نرى العصبيّة الّتي كانت تكتسي أهمّيّة قصوى في سياق عربيّ ومغربيّ تظهر بين أركان الكفر: تتمثّل في نصرة ابن العشيرة على حقّ كان أو على باطل على أساس الانتماء إلى نفس العشيرة. هي حميّة الجاهليّة، وتخالف روح الإسلام الّذي يؤكّد وحدة المسلمين (1).
مسالك الدّين
لا يُعذر الجهل "بمسالك" الدّين الأربعة. وُصف مسلك الظّهور لا على أساس سياسيّ كما قد يتبادر إلى الذّهن بل بالأحرى وفق معيار شرعيّ: هو وضع يستطيع الإمام فيه إقامة حدود الله دون عراقيل. تحقّق ذلك في خلافة أبي بكر وعمر وفي ظلّ الأئمّة الرستميين الكبار.
__________
(1) - إنّها لمفخرة للجنّاونيّ- العالم النّفوسيّ الّذي لم يكن يجهل أنّ إباضيّة جبل نفوسة اعتمدت على قبيلة هوّارة ثمّ على قبيلة نفوسة القويّة لتقع تحت ضربة بني الأغلب- أن يُدين بهذا النّحو العصبيّة، جاعلا منها إحدى قوائم الكفر.
ذكرت العقيدة 4 جوانب فقط في التّنزيل (ص13): الصّلاة، الزّكاة، الصّوم، الحجّ، وأغفلت الجهاد. هل يقوم مقامه الشّراء عند الإباضيّة؟ الشّراء حالة خروج: يعني الموت في الحرب (1). كان الشّراة يرتّبون أمورهم ويعلنون وصيّتهم ولم يكن يجوز لهم أن يعودوا، دون أن يُتّهموا بالانهزاميّة أو الخيانة أمام ضمائرهم، إلاّ أن يموتوا أو يصبح عددهم 3 أو أقلّ. لم تكن هذه الحالة القصوى تسري إلاّ كلّما (1/82)
صفحة 83
كان الوضع السّياسيّ سيّئا تماما. كذلك كان شأن أبي بلال مرداس وحمزة المختار اللّذين احتلاّ مكّة أو المدينة (في 129هـ) وأقاما عبد الله بن يحيى إماما. في عصر الجنّاونيّ صار الشّراء مجرّد ذكرى. كذلك اضطرّ الإباضيّة بعدما سحق الجيش الأغلبيّ قبيلة نفوسة في معركة مانو بين طرابلس وقابس في (283هـ/896م)، وسقطت تيهرت نهائيّا في (296هـ/909م) تحت ضربات أبي عبد الله الشّيعيّ، وكاد مذهبهم يختفي من المغرب، إلى حفظ بقائهم بالعيش في حالة دفاع أو كتمان. في الدّفاع تعجز الإباضيّة عن الاستمرار في الوجود كجماعة منظّمة لأنّها تتعرّض إلى القمع. لكن يستمرّ وجود إمام يأخذ لقب أمير، مهمّته عسكريّة بحتة ومؤقّتة. يميّز الكتمان العصر الّذي عاش الجنّاونيّ. هو حالة الإباضيّة منذ سقوط تيهرت. ميزان القوى يجعل الظّهور مستحيلا، والشّراء عاجز عن تغيير الواقع، والدّفاع غير لازم إذ ليس هناك هجوم. يوجد في الكتمان أمير لكنّه ليس إماما، ولا يصبح إماما إلاّ متى صار بوسعه تطبيق الشّريعة. هل حلّت حلقة العزّابة (2) بوصفها صيغة جديدة للحكم ذات طابع مؤسّساتيّ محلّ الإمامة منذ عصر الجنّاونيّ؟ ذلك
__________
(1) - اشتراء المسلم الجنّة بنفسه.
(2) - انظر مقال "الحلقة" لـ[ليفيتسكي] في دائرة المعارف الإسلامية 2، 3: ص97 - 101؛ الجعبيريّ: نظام العزّابة عند الإباضيّة في جربة، تونس، المطبعة العصريّة، 1975م؛ [غروسّمانّ]، لمحة عن تاريخ المزاب الد ّينيّ، أطروحة (1976م)، 94 ص.
ممكن، بما أنّ مؤسّس الحلقة الرّسميّ وكاتب سيرتها، أبا عبد الله محمّد بن بكر (ت 440هـ/1049 - 1050م) معاصر- إن لم يكن سابقا- للجنّاونيّ. بالتّحقيق لم تكن تلك المؤسّسة قد أخذت بعد صفة رسميّة في تلك الفترة، وعلى أيّة حال لا تتحدّث عنها عقيدة الجنّاونيّ. (1/83)
صفحة 84
أصناف الأفراد الثّلاثة الّتي استعرضت بعد ذلك: مؤمن موف بدينه، ومنافق خائن لشهادته، ومشرك جاهل منكر للعقيدة الإسلاميّة لا تشتمل، وفق منطق الخوارج، على الفاسق.
أحكام الملل
الفصل حول أحكام الملل هامّ لمعرفة علاقات إباضيّة نفوسة بالفرق الأخرى. بخصوص الفئة الباغية تنمّ الفقرة المناظرة من عقيدة أبي حفص موقفا أكثر تشدّدا من الّذي في عقيدة الجنّاونيّ: "إن غلبت عليهم فئة المسلمين ولهم مأوى يأوون إليه وملجأ يلجؤون لديه تُبع الفارّ منهم وقُتل جريحهم" (1)، وهو إجراء يذكّر باستعراض الأزارقة (2)، لكنّه أكثر اعتدالا بما أنّه لا يستهدف إلاّ المحاربين، ولا ينسحب على النّساء والأطفال، وقد شُفع بشرط: "إن لم يكن لهم مأوى يأوون إليه وملجأ يلجؤون لديه لم يُتبع هاربهم ولم يُقتل جريحهم". تكتفي عقيدة الجنّاونيّ بالقول أنّه في حالة الإصرار على البغي "تحلّ دماؤهم، ولا تحلّ أموالهم ولا سبي أطفالهم". هل يمكن لهذا الاختلاف في المعاملة أن يعكس في عقيدة أبي حفص، وفق ملاحظة [روبِناتشي]، صياغتها في مرحلة متقدّمة على عصر الجنّاونيّ؟ يبدو صعبا على أيّة حال أن نرى فيه أثرا لمذهب الأزارقة في الاستعراض الّذي يرفضه كلّ الإباضيّة بنحو قطعيّ، والّذي يفصل منذ البدء الإباضيّة عن الأزارقة، كما يشهد هذان البيتان لعروة بن أُديّة: (1/84)
صفحة 85
"وقالوا كتاب الله يحكم بيننا/ فقلنا كتاب الله خير محكّم// قبلناه منكم والحوادث جمّة/ رضينا به في حرمة المال والدّم" (3).
__________
(1) -[موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة ص532.
(2) - انظر في دائرة المعارف الإسلامية 2 مقالي "الاستعراض" لـ[بلاّت] ج3 ص281 و"الأزارقة" لـ[روبناتشي] ج1 ص833 - 834. هو قتل النّساء والأطفال لسبب دينيّ.
(3) - استشهد به الدّرجينيّ: طبقات، ج2 ص296.
فعلا لا يتتبّع الإباضيّة المدبرين ولا يجهزون على الجرحى. ورغم التزامهم الدّقيق بهذه القواعد في نفوسة (1) كما في تيهرت (2)، يبيّن فحص المصادر التّاريخيّة أنّهم خاضوا كذلك معارك بلا هوادة. مثلا لمّا أرادوا، إثر عدوان غادر، تطبيق شريعة الذّحل (3)، في قتال إلياس أبي منصور عمروس بن فتح النّفوسيّ قاضي الإمام يوسف بن محمّد بن أفلح والمنشقّ خلف الّذي لجأ إلى قبيلة زواغة: بعد قتال شديد، انهزمت زواغة وتفرّقت في ريف طرابلس، وكان أكثر شجر الرّيضة قريب عهد بالإنشاء، وكانوا لمّا غرسوه حفّوه بأعواد أثبتوها في حفر ووصلوا ما بينها بالحبال لتردّ عنها الوحش لئلاّ يفسدها. "فاعترضتهم تلك الحبال فكلّما راموا مهربا وطلبوا ملجأ حالت بينهم وبين ما يطلبون، فطفق أصحاب أبي (1/85)
صفحة 86
منصور يقتلونهم في كلّ مكان حتّى مات منهم عدد كثير فرجع عنهم" (4). إن اعتبرنا أنّ شريعة الذّحل تخضع إلى قوانين غير قوانين الحرب العاديّة، ومع أنّه يصعب أحيانا في معركة تقرير الحدّ الّذي
__________
(1) - "بلغنا أنّ أبا الخطّاب لمّا هزمهم أحسن فيهم السّيرة وأمر أصحابه ألاّ يتبعوا مدبرا ولا يجهزوا على جريح، فقال رجل من لواتة في عسكره: أنأكل من أموالهم كما يأكلون أموالنا ويعتقدون أنّها غنيمة أُحلّت لهم؟ فقال أبو الخطّاب: إن فعلنا كما فعلوا فحقّ على الله أن يرفضنا ويدخلنا معهم جهنّم". الدّرجينيّ: طبقات ج1 ص31.
(2) - مثلا في الحرب بين أبي عبيدة قائد جيش الإمام الرّستميّ أفلح والمنشقّ خلف: "فلمّا رأى أبو عبيدة أنّهم لا يريدون إلاّ نهب الأموال وقتل الأنفس وما قدروا عليه من الفساد غشيهم. وأسرع الموت في أصحاب خلف فانهزموا وقتلت منهم مقتلة عظيمة وأمر أبو عبيدة أصحابه ألاّ يتبعوا مدبرهم وألاّ يجهزوا على جريحهم وأحسن السّيرة فيهم". انظر [مسكراي]: سيَر أبي زكريّا، الجزائر (1878هـ)، ص157 و167.
(3) -[موتيلنسكي]، أخبار ابن الصّغير ص118.
(4) - المصدر نفسه، ص191.
ينتهي عنده القتال وتبدأ الملاحقة، ينبغي إذّاك ردّ هذه الشّدّة المتضمّنة في عقيدة أبي حفص (إن وُجدت أصلا، فهي من جهة أخرى ترخّص ردّ سلاح البغاة إليهم) إلى الحروب المتعدّدة الّتي خاضتها إمامة تيهرت مع منشقّيها، فهي من هذا المنظور وبنحو ما مبرّر العمليّات الانتقاميّة الّتي كانت تلك الحركات التّمرّديّة تستدعيها حتما. بالفعل كانت كلّ عشيرة ذات شأن ولها حصن في تيهرت أو ضواحيها (1) ولا تبادر إلى التّحصّن بها حالما تدور عليها الدّوائر تواجه من ثمّة خطر الإبادة. لكنّ الأمر كان مختلفا بالنّسبة إلى قبائل البدو الرّحّل الّتي كانت تجد قدرا أوفر من الحلم أو الرّحمة (2). قد يكون ذلك ولا شيء سواه سبب الاختلاف بين عقيدتي أبي حفص والجنّاونيّ بخصوص معاملة المتمرّدين.
حكم الجماعة الإسلاميّة (الإباضيّة) أكثر تشدّدا من نظيره السّنّيّ، فقد كان يبيح في حدود الفرقة المناكحة والموارثة والشّهادة أمام القضاء والمساواة في المعاملة (الدّيّة، الصّلاة على الميّت، الخ)، لكنّ ذلك لا يسري على كلّ الموحّدين. مثلا لم يكن يُسمح بشراء أمة من رجل من أهل الخلاف إلاّ في أرض (1/86)
صفحة 87
التّقيّة كما في حادثة إبراهيم وميمون الّتي رواها الأشعريّ (3). يخوّلنا الافتراضَ بأنّ هذا التّشريع كان يطبَّق في عصر الجنّاونيّ أنّه ما زال متّبعا في المزاب وأنّ المرأة الإباضيّة لا تزوَّج بحال بغير الإباضيّ.
__________
(1) -[موتيلنسكي]، سير ابن الصّغير: كان للواتة حصن (ص102) ولحزب أبي حاتم (في تماليت، ص117)، ولبعض قبائل الصّحراء (في تلغمت بين لغواط وغرداية).
(2) - ذكر أطفيّش أنّ عمرو بن العاص سأل وفدا من لواتة: هل لكم حصون تتحصّنون فيها؟ قالوا لا. الرّسالة الشّافية ص74.
(3) - انظر أعلاه الملاحظة 19 والأشعريّ: مقالات ج1 ص175.
يبدو غريبا عدّ الكتابيّين اليهود والنّصارى بين جماعات الشّرك خلافا لمذاهب فقهيّة أخرى تعطيهم وضعا خاصّا (1) ولعقيدة أبي حفص الّتي تشير إليهم باسم أهل الكتاب. ويزيد في غرابته أنّ إحدى الطّائفتين- المسيحيّة- كان لها ممثّلون في تيهرت (2)، وأنّ إشارات- نادرة لا محالة- وردت في كتب السّير تفيد بوجود نصارى في نفوسة أو تحوّلهم من المسيحيّة إلى الإسلام (3)
__________
(1) - بما أنّ الذّمّيّ يتميّز عن المسلم والمشرك؛ انظر مقال "الذّمّيّ" لـ[كوهن] في دائرة المعارف الإسلامية 2، 2: ص234.
(2) - أشار ابن الصّغير إلى وجود نصارى بل تحدّث عن وجوه أهل البلاد من المسيحيّين. انظر [موتيلنسكي]، سير ابن الصّغير ص52 (في النّصّ العربيّ) ص117 (التّرجمة). تحدّث كذلك عن دور العجم (غير العرب) في تيهرت: رجّح [ليفيتسكي] أنّ هذا المصطلح كان يُطلق في الجزء الغربيّ من العالم العربيّ الإسلاميّ على السّكّان ذوي الأصول الرّومانيّة والمسيحيّة في المغرب وصقلّية وإسبانية وجنوب فرنسا. فيما يتعلّق بتيهرت لا بدّ أنّ هؤلاء المسيحيّين أتوا من المناطق القريبة من تيهرت وسكنوا العاصمة مع المسلمين. هم أحفاد الأمازيغ الّذين اعتنقوا المسيحيّة في العصر الرّومانيّ، فهل هم من دعاهم اليعقوبيّ أفارق؟ ذلك احتمال مرجّح. لا يشكّ [ليفيتسكي] في أنّ الاسمين لنفس المسمّى، انظر "دراسات مغربيّة وسودانيّة" في "دراسات علميّة من بولونيا"، وارسو، 1976م، ص84؛ [دنجيل]: الإمامة الإباضيّة بتيهرت ص188 - 194.
(3) - مثلا كانت أمّ أبي يحيى تسكنيت (من طبقة الإمام أبي بكر نصرانيّة، انظر الشماخي: السّيَر ص245. روى الكتاب كذلك إسلام أمّ الخطّاب وزواجها بأبي يحيى الأزداليّ (من نفس الطّبقة)، فقد "أراد صرم العنب فأرسل إلى نصرانيّ كان يقضي له حوائجه ليأكل العنب. فأتاه وعياله وبناته وكنّ بدور الحذور. فأبصرهنّ الشّيخ، فقال: أعندكم هذا الجمال؟ قال: نعم، وإن جاز في دينكم زوّجتك واحدة منهنّ. قال: نعم. قال: اختر. فاختار أمّ الخطّاب؛ فلمّا دخل بها وكانت كاملة العقل قال لها: اختاري الإسلام أو الرّجوع إلى أهلك. وكان الخروج عندهم عن الزّوج حراما، يعني في دين النّصارى، واختارت الإسلام على الخروج، فاغتسلت وأسلمت". السّيَر ص256 - 257.
فرض القرآن على أهل (1/87)
صفحة 88
الكتاب أن يعطوا الجزية "عن يد وهم صاغرون" (ق 9: 29). في حالة النّصارى يُترجم هذا الصّغار إلى دفع درهمين زيادة عن العشرة المفروضة، لعلف دوابّ المسلمين ولسدّ كلفة الفحم الّذي يستخدمونه للتّدفئة لمّا يبيتون عندهم لمّا يجبون منهم الجزية. يفترض تحصيل الجزية طبعا وجود تنظيم حكوميّ مستقلّ: كيف لا تتبادر إلى الذّهن بهذا الصّدد الدّولة الرّستميّة الّتي كانت تعيّن في أقاليمها، وعلى وجه الخصوص نفوسة، عمّالا لجمع الجباية الّتي لها نفس المبلغ الوارد في عقيدة أبي حفص. تدعم هذه القرينة احتمال تبعيّة نفوسة لأئمّة تيهرت. تجدر الإشارة بهذا الشّأن إلى أنّ ال10 دراهم المفروضة رسميّا- والّتي قد يعود فرضها إلى الرّبيع بن حبيب بالذّات (ق 2هـ/8م) (1) - هي بوضوح دون المبلغ الّذي حدّده قضاة الحنفيّة (2)، وفي الواقع حتّى في المذهب الإباضيّ- لكن في فترة لاحقة- اختُلف كثيرا في مقدار الجزية (3). (1/88)
صفحة 89
__________
(1) - انظر روايات ضمام، مخطوط 2: من فتيا الرّبيع بن حبيب، الباب 9: باب زكاة الذّهب والفضّة وعشر أهل الحرب، النّامي: وصف ص69.
(2) - انظر الماورديّ: الأحكام السّلطانيّة، ترجمة [فغنان]، الجزائر، جوردان (1915م)، ص303.
(3) - "اختلفوا في مقدار الجزية فقيل ذلك إلى ما يرى الإمام، وقيل 10 دراهم على اليهود و12 على النّصارى وقيل 15؛ وقيل على الدّهقان 4 د والأوسط 2 والدّون درهم هذا في كلّ شهر، وبهذا كتب عمر بن الخطّاب إلى عثمان بن حنيف بالكوفة فوضع على الغنيّ 48 د وعلى ما دونه 24 وعلى من دون ذلك 12 وذلك بمحضر من الصّحابة". الجيطاليّ: قواعد الإسلام ج1 ص108 - 109.
مثل اليهود والنّصارى كان المجوس يؤلّفون ملّة تربطهم بالمسلمين علاقة لها خصوصيّتها. أكانوا يمثّلون في المغرب وضعيّة نظريّة فقط؟ ربّما كان المقصود بالمجوس أتباع المذاهب الثنوية عموما. يلاحَظ أنّ عقيدتي أبي حفص والجنّاونيّ تتحدّثان عنهم (1) وأنّ بعض كتب علم الكلام تردّ عليهم (2). لا يُستبعد أن تكون أفكار ثنويّة قد دخلت إلى المغرب: مثلا توحي البحوث حول شخصيّة أبي حفص سليمان بن حفص الفرّاء (ت 269هـ/882 - 883م) - الّذي بيّن محمّد الطّالبيّ بناء على تحليل مخطوط ليحيى بن عون (3) لم يُنشر بعد أنّه عين سليمان الفرّاء بن أُربان بن مرتينه المنّانيّ الّذي كان أبوه وجدّه مانويّين والّذي نعلم من الشماخي أنّه ابتعد عن الإباضيّة ثمّ عاد إليها على ما يبدو (4) - بأنّ المذاهب الثنوية- الّتي كانت توجد في شمال إفريقيا حتّى في زمان القدّيس [أغسطين]- تركت بصمة في المغرب. بهذا النّحو نفهم أكثر إدراج هذه الفقرة حول المجوس.
أسماء الله
__________
(1) - أبو حفص، انظر [موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة ص533؛ الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة ص24 - 25.
(2) - عبد الكافي: الموجز ج1 ص284 - 290، الرّدّ على الثّنويّة أتباع ماني، وج1 ص307 - 311. الرّدّ على المجوس.
(3) - محمّد الطّالبيّ: جديد حول الاعتزال في إفريقية، في المجلّة التّونسيّة للعلوم الاجتماعيّة، (1975م)، ص45 - 54.
(4) - الشماخي: السّيَر ص262.
يعود الفصل اللاّحق إلى مسألة التّوحيد، ثمّ يصنّف بعجالة الأسماء الإلهيّة: الّتي تصف الله هي وأضدادها، الّتي تعني فقط نفي أضدادها عنه، الّتي لا تليق بالله. في (1/89)
صفحة 90
الصّفات تُستخدم صيغة صرفيّة واحدة هي اسم الفاعل، بتعبير آخر الصّفات المعنويّة لا الأسماء والمعاني الّتي تتضمّن معنى زائدا على الذّات. من الملفت بهذا الصّدد غياب الفقرة عن أسماء الله كلّيّا من عقيدة أبي حفص، وقد يكون إشارة إضافيّة إلى أسبقيّة تأليفها، ربّما قبل (ق 3هـ) بما أنّ مسألة الصّفات لم تبدأ تثير اهتمام العالم الإسلاميّ إلاّ منذ هذه الفترة. تقتصر عقيدة أبي حفص على إعلان مبدأ عامّ: "ليس منّا من يقول بأنّ أسماء الله مخلوقة" (1).
الأنبياء
__________
(1) -[موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة ص540.
بخصوص الأنبياء، اكتفت عقيدة الجنّاونيّ كعقيدة أبي حفص بتعداد جافّ وتصنيف. ذكرت عددهم المختلف فيه، وميّزت بين الأنبياء والرّسل. والشّأن مماثل بالنّسبة إلى الملائكة: لم تتناول طبيعتهم النّورانيّة، ولم يتمّ إلاّ في وقت لاحق تأكيد طبيعتهم البسيطة كأرواح مجرّدة من الأهواء لا تفتر عن الطّاعة ولا تعتريها الشّهوة (1). وأكّدت عصمة الأنبياء (2) والملائكة (3) وأنّ هؤلاء بعد امتحانهم إذ طُلب منهم السّجود أمام آدم (ق 20: 115 - 116) "لم يعصوا ما أمرهم الله" (4). لا يُستغرب ألاّ توجد أيّة إشارة إلى شفاعة الملائكة أو الأنبياء مثلما نجد في المذاهب (1/90)
صفحة 91
الأخرى (5)، بما أنّ الإباضيّة لا يثبتون شفاعة النّبيّ محمّد إلاّ للمسلمين "الحقيقيّين" وهي في حالهم كرامة وهبها لنبيّه. دور الملائكة تبليغ نعمة الله إلى المسلمين وعقابه إلى الكافرين (6). تناول الجنّاونيّ ضمنيّا مسألة درجات الملائكة في سلّم الكائنات بخصوص التّكليف: فحسب التّرتيب الّذي استخدمه في التّعداد بدا كأنّه يضع الملائكة في منزلة أدنى من الجنّ والنّاس، بينما تبع كتّاب آخرون أتوا بعده بفترة قصيرة سلّما مستوحى من الأفلاطونيّة المحدثة، جاعلين الملائكة في قمّته باعتبار طبيعتهم الرّوحيّة (7)
__________
(1) - انظر رسالة الفقيه عبد الوهّاب بن محمّد بن غالب بن نمير الأنصاريّ إلى الفقيه والمتكلّم الشّهير أبي عمّار عبد الكافي (النّصف الأول من ق 6هـ/12م)؛ [علّوش]: "رسالتان"، في هسبريس 22 (1936م)، ص75.
(2) - انظر رسالة الفقيه عبد الوهّاب بن محمّد بن غالب بن نمير الأنصاريّ إلى الفقيه العلاّمة أبي عمّار عبد الكافي (النّصف الأول من ق 6هـ/12م)؛ [علّوش]: رسالتان ص75.
(3) - أكّدها بصريح العبارة الجنّاونيّ في كتاب الوضع، ص4.
(4) - انظر عقيدة الجنّاونيّ ص6 و52.
(5) - انظر مثلا الفقه الأكبر 2، البند 10، [ونسنك]، العقيدة الإسلاميّة ص182.
(6) -[موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة ص537.
(7) -[علّوش]: رسالتان ص75 - 76، والملاحظة ص204 من شرح عقيدة الجنّاونيّ في الملحق.
المسائل الأخلاقيّة
بحث علماء الكلام لاحقا التّوزيع بين الشّرك والنّفاق بخصوص مقولة المنزلة بين المنزلتين. لنلاحظْ فقط أنّ في قائمة كبائر النّفاق (ص38 - 40 من العقيدة) ذنوبا تندرج ضمن تعاليم من القرآن (القتل، الزّنا، شرب الخمر، شهادة الباطل، الخ)، وأخرى هي مخالفات للفرائض العباديّة والمحارم ومكارم الأخلاق عند المسلم، وأخرى تتمثّل في أفعال تمزّق لحمة المجتمع الإباضيّ وروح التّضامن داخل الفرقة: كالإدبار أمام العدوّ والعصبيّة والنّميمة. من الملفت أنّ ضمن هذا الصّنف أيضا ذنوبا باطنة محضة مثل الكبر والحسد والرّغبة، تقتضي الوضوء ممّا يعني أنّ الطّهارة عند الإباضيّة تقتضي نقاوة القلب. مع ذلك لا تستوي كلّ الذّنوب في الجسامة، فخمسة منها يجب ألاّ يرتكبها المسلم أبدا حتّى إن كانت حياته في (1/91)
صفحة 92
خطر ولا يمكن في أيّ ظرف تبريرها بحالة الضّرورة (1)، هي الزّنا وأخذ أموال النّاس بالباطل، والرّيبة والخمر.
__________
(1) - انظر مقال "الضّرورة" لـ[لينان دو بلفون] في دائرة المعارف الإسلامية 2، 2: ص168 - 169.
قد يكون إلحاح عقيدة الجنّاونيّ بوجه خاصّ على هذه النّقطة الأخيرة الّتي أُغفلت عند أبي حفص أثرا لردّ الإباضيّة على مذهب نجدة بن عامر الحنفيّ (1). حسب الجنّاونيّ لا يمكن الشّكّ في كفر مرتكب الكبيرة إلاّ في حالات ثلاث: المُحلّ والمُسرّ والرّاجع (2). والحال أنّ نجدة، كما رأينا، يعتبر أنّ ذنوبا متّفقا عليها كالسّرقة والزّنا والخمر، طالما بقيت أفعالا معزولة، لا تُخرج مرتكبيها من الجماعة أو توجب لهم النّار. لكنّ الإصرار على ذنوب دون السّرقة والزّنا يعطي مقارفها صفة المشرك ويُخرجه من الجماعة ويرصده للنّار. بهذا النّحو يمكن إذن أن يتلقّى مذنب غير مصرّ عذابا يناسب ذنبه لكن دون التّخليد في النّار، وفي النّهاية يدخل الجنّة (3).
__________
(1) -[لاوست]، الانشقاقات ص39 و45.
(2) - انظر معاني هذه الكلمات في قاموس المصطلحات في آخر الكتاب.
(3) - انظر [سليى]: الانشقاقات والفرق الإسلاميّة ص90؛ الأشعريّ: مقالات ج1 ص163؛ الشّهرستانيّ: الملل ج1 ص166؛ البغداديّ: الفَرق ص66.
ضدّ نجدة أكّد الجنّاونيّ كفر المُحلّ والمصرّ والرّاجع. الإصرار على مقارفة ذنب- ولو صغير كما وضّح شارح- كفر. حول هذه النّقطة يبدو كأنّ الجنّاونيّ يصادق على مذهب نجدة؛ لكنّ موقفه لا يعني أنّ ارتكاب ذنب معزول أمر معذور؛ بالعكس إن كان من الكبائر فعاقبته النّار، وهكذا فإنّ المُحلّ الّذي يقرّ ب (1/92)
صفحة 93
تحريم الزّنا (العرضيّ والمتكرّر) ويزعم أنّ مقارفه مسلم (عقيدة، ص38) هو في الحقيقة كافر. كذلك يجعله جهله بالقرآن وخلطه بين الحلال والحرام راجعا (من نسي القرآن بعد حفظه). ألا يمكن أن نرى هنا أيضا هجوما على نجدة الّذي كان يرى في الدّين جانبين: أحدهما أساسيّ يتمثّل في معرفة الله ومعرفة رسله وتحريم دماء المسلمين وأموالهم، بينما يشتمل الثّاني على ما سوى ذلك والنّاس معذورون (1) فيه إلى أن تقوم عليهم الحجّة في الحلال والحرام؟ كان من الطّبيعيّ أن يحتجّ الإباضيّة على هذا التّقسيم الاعتباطيّ للشّريعة والتّنزيل.
إن كان الإصرار على ارتكاب الصّغيرة كفرا وإن لم تكن الصّغائر معروفة كلّها (عقيدة، 39) فمن يستطيع التّباهي بأنّه من الفرقة النّاجية؟ لكنّ الاستناد إلى مبدأ "أنّ الصّغائر تُغفر لمن يجتنب الكبائر" وأنّ "الحسنات يذهبن السّيّئات" (2) يبعث لدى المؤمن المخلص رجاء المغفرة المعلّقة بمشيئة الله (الاستثناء) (3).
مسائل أخرى
تذكّر صفحات العقيدة اللاّحقة المؤمن بنقاط المذهب "الموصى" بمعرفتها: الملائكة، المتلازمات، سنن إبراهيم، المحارم، الأشهر "الحرُم"، أشهر "المدّة"، الأيّام "المعروفة"، الأيّام "المحسوبة".
__________
(1) - من هنا تسمية هذه الفرقة بالنّجدات العاذرة.
(2) - (ق 11: 114)
(3) - من ذلك الاستثناء في شهادة الإيمان. انظر [غارديه]، الله ومصير الإنسان ص388 - 399؛ وكذلك الملاحظة ص218 في شرح عقيدة الجنّاونيّ في الملحق.
ثمّ يأتي فصل كلاميّ مهمّ دافع فيه عن المواقف المتّفق عليها في الفرقة ضدّ (1/93)
صفحة 94
أفكار الفرق المخالفة: المشبّهة، المعتزلة، الجبريّة، المرجئة، النّكّاث. وأتبع هذه النّقاط الخلافيّة الخمس ب12 معتقدا. سنعود إلى هذه الإثباتات العقائديّة وكذلك الّتي أتت في خاتمة العقيدة مباشرة بعد تصنيف الكائنات، بخصوص التّوحيد والصّفات الإلهيّة وخلق القرآن ورؤية الله في الجزء الثّاني من دراستنا.
بالنّسبة إلى تصنيف الموجودات بالإمكان مراجعة الدّراسة الممتازة الّتي أعدّها [روبِناتشي] في الكتاب المذكور (عقيدة الجنّاونيّ) انطلاقا من كتاب الوضع: وهي تضع هذا التّصنيف في إطار أوسع: مصادر المعرفة. ورغم الملاحظات الوجيهة الّتي قدّمها [روبِناتشي] في مقارنة عقيدة نفوسة وعقيدة المزاب وجربة، يبدو من الصّعب بالانطلاق من كتاب الوضع وحده إثبات تبعيّة أو أسبقيّة إحداهما على الأخرى: والكاتب نفسه يعترف بتردّده، جاعلا تارة عقيدة أبي حفص بعد عقيدة الجنّاونيّ (ص20) ومقرّا تارة أنّ أبا حفص يمثّل طورا من فكر الإباضيّة الفقهيّ والعقائديّ (ص23). فعلا تنتمي مقدّمة كتاب الوضع إلى نوع أدبيّ آخر، كتب أصول الدّين، مع البناء المنطقيّ الّذي يميّزها. من جهة أخرى لا يُعتقد أنّه يمكن الاستناد على وجهة النّظر الأدبيّة وما يخصّ التّعليم الدّينيّ- على الأقلّ فيما يتعلّق بالمذهب الإباضيّ- لتأكيد أنّ هذا النّوع يمثّل فترة لاحقة في صياغة العقائد. يلاحَظ فعلا أنّ الكتب المكوّنة من موادّ قديمة، مثل كتاب الجهالات (1) الّذي شرحه أبو عمّار عبد الكافي (ق 6هـ/12م)، قد تبنّت شكل (1/94)
صفحة 95
المذكّرة
__________
(1) - كتاب الجهالات، تأليف السّادات من أهل الدّعوة والقادات في الخير ذوي الكرامات (لم يُذكر اسم مؤلّفه). انظر [شاخت]، المكتبات والمخطوطات الإباضيّة في م إ (1956م) ن 390، رقم 100؛ [موتيلنسكي]، "جرد كتابات المزاب" في ب م إ 3، 1885م، 26، رقم 65؛ [فان إسّ]، بحوث، رقم 6.
المستخدم في تعليم العقائد والّذي يقدّمها في صيغة أسئلة وأجوبة، وهي مفكّرات معدّة للدّعاة للإجابة على أسئلة واعتراضات مخاطبيهم. والحال أنّ بعض فقرات عقيدة الجنّاونيّ تبدو مجرّد تكرار لكتاب الجهالات المذكور (1). توجد هذه السّمات أيضا في عقيدة أبي حفص (2). والشّأن مماثل بالنّسبة إلى جمع المفاهيم في متضادّات وأزواج وثواليث أو رباعيّات وسداسيّات لتيسير الحفظ، وهو أسلوب متداول في تعليم العقائد.
__________
(1) - انظر مثلا ص34 - 35 من عقيدة نفوسة: "إن قيل لك: هل الله صادق؟ فقل: نعم الله صادق، ليس لرجاء الثّواب ومخافة العقاب، ومحمّد صادق لرجاء الثّواب ومخافة العقاب". يطابق ذلك فقرة كتاب الجهالات: "كيف علمنا أنّ الله صادق وأنّ محمّدا صادق؟ الجواب: محمّد صادق لرجاء الثّواب ومخافة العقاب، أمّا الله فلا". انظر كذلك ص54 - 56 من العقيدة، وقد طُرحت بعض الأسئلة في قالب أحاج لإحراج المعارض المحتمل: "ما الّذي إن كان كان الإيمان، وإن لم يكن لم يكن الإيمان وهو من الإيمان؟ " ص44.
(2) - انظر مثلا [موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة ص548.
لمّا نضع بتواز لا مقدّمة كتاب الوضع بل عقيدة نفوسة لنفس الكاتب وعقيدة العزّابة لأبي حفص الّتي تنتمي إلى نفس النّوع الأدبيّ، تختفي عدّة اختلافات لفت إليها [روبِناتشي]. فباستثناء بضع نقاط ثانويّة كمهمّة وجنس الملائكة أو الرّأي حول الأعراف (ق 7: 46 و48) لا يوجد عند أبي حفص شيء لم يرد عند الجنّاونيّ، لذا لا ينبغي الاحتفاظ بالنّقطتين (أ، ب) اللّتين اعتبرهما [روبِناتشي] من خصوصيّات أبي حفص (ص20). ونرى بالعكس الجنّاونيّ يُدرج تعليقه داخل تعداد مقتضب لأبي حفص (1)، ويتمّم تعدادا (2)، ويتّخذ (1/95)
صفحة 96
موقفا حيث تركت عقيدة أبي حفص الخيار مفتوحا (3)، ويأتي بتقسيمات فرعيّة جديدة (4)، ويوضّح ويعمّق بعض المفاهيم (5)، ويغني بفقرة تفسير طويلة ما لم يكن معرّفا فيها إلاّ بمصطلح فنّيّ (6). وفضلا عن ذلك يضيف عناصر جديدة تماما:
أ- ذات الله وصفاته (ص26 - 27) لكن بصفة أكثر اختصارا وتبسيطا ممّا في كتاب الوضع. حول نفس النّقطة اكتفت عقيدة أبي حفص بهذه الجملة: "ليس منّا من قال إنّ أسماء الله مخلوقة".
ب- أسئلة وأجوبة عن الدّين، التّكليف والكسب، كبائر النّفاق (ص37 - 40)، سنن إبراهيم، معايير الانتماء إلى الإسلام، موانع النّكاح، العمل والذّهول (ص42 - 44 و45 - 46).
ج- تصنيف الموجودات (ص50 - 53).
د- أقوال متنوّعة في التّوحيد (وردت في آخر العقيدة).
تقييم عقيدتي الجنّاونيّ وأبي حفص
__________
(1) - مثلا عن قوائم الدّين: عقيدة ص17.
(2) - مثلا عن المعصومين ص8.
(3) - مثلا عن اختلاف الشّرائع ص33.
(4) - مثلا عن المنّ والدّلائل ص41.
(5) - مثلا عن مفاهيم الولاية والبراءة والشّرك والنّفاق.
(6) - مثلا عن "مسالك" الدّين: الظّهور، الشّراء، الدّفاع، الكتمان.
تدفعنا هذه الملاحظات الأخيرة بطبيعة الحال إلى طرح سؤال له أهمّيّته بخصوص بلورة هذه العقيدة. الافتراض الّذي نقترحه هو أنّ الجنّاونيّ وضّح ووسّع وفصّل عقيدة سابقة، وأنّ هذه الأخيرة بمثابة جذع مشترك أو إن شئتم (1/96)
صفحة 97
نموذج أصليّ. وأُلحقت بها حسب هذا الافتراض عناصر مستمدّة من مصادر إباضيّة قديمة أخرى: لمّحنا إلى موادّ قديمة ألّفت كتاب الجهالات، لكن يمكن أن نذكر أيضا رسائل عبد الله بن إباض إلى الخليفة عبد الملك (مبدأ الولاية والبراءة، مفهوم الإصرار، حكم المذنب، الخ) وعقد محبوب بن الرّحيل (إعادة ما جاء فيه عن أسس الطّاعة، توضيح حول التّمييز بين كبائر الكفر وكبائر النّفاق، وحول التّخليد في النّار، انظر أعلاه المقدّمة). مع ذلك ليست بصمة ذلك الفقيه المتكلّم غائبة منها: بل هذا دون ما ينبغي قوله في الجنّاونيّ الّذي إليه بلا شكّ يجب أن يُنسب التّصنيف العقليّ للعلوم والموجودات. فضلا عن ذلك نتبيّن فيها سمات أصيلة لجماعة نفوسة، يكفي أن نذكر منها معاملة أقل شدّة تجاه المتمرّدين.
هناك دليل يدعم، إلى حدّ ما، افتراضنا: هو أنّ أبا حفص ترجم تلك العقيدة من الأمازيغية إلى العربيّة (1). قد يُعترض بأنّ هذه التّرجمة، الّتي هي عمل أبي حفص، تمّت في فترة متأخّرة: فهي تعود إلى (ق 8 - 9هـ). لكنّ التّحليل الدّاخليّ المقارن للعقيدتين يدفع إلى التّفكير بأنّ عقيدة أبي حفص تمثّل بالأساس معتقدات عصر سابق للجنّاونيّ (2). وإن صمدت فرضيّتنا أمام التّحليل، يمكن الذّهاب إلى أبعد من ذلك والتّساؤل إن لم يكن ممكنا أنّ بعض عناصر عقيدة أبي حفص تعود إلى فترة مبكّرة، ربّما حتّى إلى (ق 3هـ). (1/97)
صفحة 98
__________
(1) - انظر مقدّمة عقيدة التّوحيد لأبي حفص، ترجمة [موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة 517 -
(2) - مثلا تدلّ الإشارة في آخر تلك العقيدة إلى يونس بن أبي زكريّا تلميذ الشّيخ أبي عبد الله بن أبي بكر والّذي عاش في النّصف الأول من (ق 5هـ/11م) على أنّ مقاطع منها تعود على الأقلّ إلى عصر الجنّاونيّ. انظر [موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة ص538.
يجب أن تسترعي انتباهنا واقعة أولى: هي صمت هذه العقيدة التّامّ بخصوص مسائل بأهمّيّة رؤية الله وتخليد المسلم الّذي كفر بعد إيمانه في النّار. يجوز التّفكير بأنّه لو نوقشت هذه المسائل داخل الفرقة أو مع فرق مخالفة، لبقي أثر من تلك النّقاشات على مستوى العقيدة، على الأقلّ في قالب تأكيدات أو تلميحات، والحال أنّها لا تبرز في النّصّ. وما دام الأشعريّ (ت 324هـ/935 - 936م) لا يذكر في مقالات الإسلاميّين نفي الرّؤية كمذهب خاصّ بالإباضيّة أو الخوارج (1)، فذلك مؤشّر على أنّ هذه المقولة لم تكن قد قد دخلت في عصره ضمن المعتقدات المتّفق عليها عند الإباضيّة، بينما كانت تُعَدّ فكرة معتزليّة. في المقابل اهتمّ بتسجيل اختلاف الإباضيّة والمعتزلة حول مسألة الوعد والوعيد: "الخوارج يقولون إنّ مرتكبي الكبائر ممّن ينتحل الإسلام يعذّبون عذاب الكافرين، والمعتزلة يقولون إنّ عذابهم ليس كعذاب الكافرين" (2).
__________
(1) - مقالات، ج1 ص189).
(2) - المصدر نفسه.
من المعروف أنّ مسألة صفات الله نوقشت منذ فترة مبكّرة في أوساط الإباضيّة (1). منذ النّصف الثاني من (ق 3هـ) ظهر مع عيسى بن علقمة المصريّ (2)، ردّ على القائلين بأنّ أسماء الله مخلوقة. لا يُستبعد أن يكون عبد الله بن يزيد الفزاريّ واحدا منهم (3). من هنا نفهم لماذا لا تغفل عقيدة أبي حفص مسألة (1/98)
صفحة 99
الصّفات كلّيّا. ووفق معارفنا الحاليّة فيما يخصّ المصادر الإباضيّة، لا يبدو أنّ قضيّة رؤية الله طُرحت قبل النّصف الثاني من (ق 3هـ) (4). في هذه الفترة تعرّض أبو نوح سعيد بن زنغيل (5) إلى هذه المسألة وكذلك إلى قضيّة الصّفات والمحدث، وأجرى جدالات فيها مع المعتزلة، يتردّد صداها في كتاب السّير للشّمّاخيّ (6). إن استندنا إلى استشهادات البرّاديّ (7)، يتّضح أنّ أبا نوح تناول كبريات القضايا الكلاميّة الّتي لا يسع المؤمنَ جهلها، ومنها رؤية الله.
__________
(1) - يمكن الرّجوع حول هذه النّقطة إلى شهادة أبي عمّار عبد الكافي النّصف الأول من (ق 6هـ) في الموجز ج2 ص99.
(2) - أطفيّش: الرّسالة الشّافية ص179.
(3) - الشماخي: السّيَر ص122.
(4) - أبو نوح سعيد بن زنغيل من النّصف الثاني من (ق 3هـ) حسب أطفيّش: الرّسالة الشّافية ص179، أو الطّبقة الثامنة أي ص350 - 400. حسب الدّرجينيّ.
(5) - لا يشير عقد محبوب بن الرّحيل الموجّه إلى طالب الحقّ النّصف الأول من (ق 2هـ) إلى هذه المسألة. انظر الدّرجينيّ: طبقات، ج2 ص279 - 280. كانت الجدالات أيّام أبي عبيدة في نفس الفترة تتعلّق بالقدر وتأويل الآيات الّتي توهم التّشبيه، لا بقضيّة رؤية الله. انظر الشماخي: السّيَر ص84 - 85، 105، 120؛ الدّرجينيّ: المصدر نفسه ج2 ص241، 243 - 244.
(6) - السّيَر ص353 - 354 و358.
(7) - في شفاء الحائم في شرح بعض الدّعائم، وهو شرح لقصيدة أبي بكر أحمد بن النّظر العمانيّ (ق 6هـ)، وقد ذكره النّامي في "دراسات في الإباضيّة" ص285 - 286، مشيرا إلى ص48، 53، 181، 276، 298 و305 من المخطوط.
كيف تبدو حاضرا، على ضوء ما تقدّم، الفرضيّة الّتي طرحناها؟ إنّها تأخذ في أعيننا بعدا جديدا. فعلا ماذا يعني صمت عقيدة أبي حفص حول نقطتين جوهريّتين كرؤية الله وخلود صاحب الكبيرة في النّار؟ يبدو ممكنا تأويله بهذا النّحو: في فترة كتابة أقسامها الأساسيّة، كما في فترة كتابة عقيدة الجنّاونيّ السّابقة لها، لم تكن المواجهة الفكريّة قد دارت (1/99)
صفحة 100
على مستوى هاتين النّقطتين المهمّتين. ونستغرب أكثر إذا تذكّرنا تعدّد وإبكار الاتّصالات بين الإباضيّة والمعتزلة الّتي تشهد بها كلّ المصادر. (1/100)
صفحة 101
الفصل الثالث: كتاب أصول الدّين لتبغورين
كتاب أصول الدّين (1) أكثر من عقيدة: هو مؤلّف صغير في علم الكلام. مؤلّفه، تبغورين بن داود بن عيسى الملشوطيّ من جبل نفوسة، هو حسب الشماخي (2) معاصر أبي العبّاس بن بكر، ابن الشّيخ الإباضيّ المشهور أبي عبد الله بن بكر النّفوسيّ (3) الّذي نشر الإباضيّة في المزاب. أخبرنا الشماخي أيضا أنّ تبغورين تعلّم على أبي الرّبيع سليمان بن يخلف الزّواغيّ (أو المزاتيّ) الّذي روى لنا أبو زكريّا قصّته في "أخباره" (4) والّذي عاش في النّصف الثاني من (ق 5هـ). يجب إذن وضع تبغورين- كما فعل أطفيّش (5) - في طبقة علماء النّصف الأول من (ق 6هـ) الّذي لمعت فيه أسماء علماء مشاهير من الإباضيّة، لاسيما أبي يعقوب (1/101)
صفحة 102
بن إبراهيم الورجلانيّ وأبي عمّار عبد الكافي.
__________
(1) - يوجد الكتاب مخطوطا في 3 نسخ في مكتبة القطب ببني يزقن، رقم (ق 827 - 2)، وذكره البرّاديّ ضمن قائمة الكتب الإباضيّة (انظر ب م إ 3: ص24، 56، وشاخت: المكتبات والمخطوطات الإباضيّة في المجلّة الإفريقيّة، 100 (1956م)، ص78). اعتمد ع خ النّامي- الّذي حقّق النّصّ ونشره كملحق بأطروحته "دراسات في الإباضيّة" (كمبردج، رسالة دكتوراه 7538) - على 6 مخطوطات أخرى من نفوسة وجربة. ولا تختلف مخطوطات المزاب جوهريّا عن البقيّة. يوجد مخطوط آخر في مكتبة الشّيخ صالح باعمارة بملكة في المزاب مع جزء من ديوان الأشياخ والجزء الأوّل من كتاب الإحكام ممّا يحتاج النّاس إليه من مسائل الأحكام. انظر [فان إسّ]، بحوث، ص54.
(2) - الشماخي: السّيَر، ص432.
(3) - (ت 440هـ/1048 - 1049م).
(4) - المجلّة الإفريقيّة، الثّلاثيّان ج1 - 2 (1961م)، ص166 وما بعد.
(5) - أطفيّش: الرّسالة الشّافية، ط ح 1299هـ/1880م، ص181.
رأى كاتب السّير الإباضيّ الشماخي فيه "أعظم النّاس قدرا وأكثرهم علما وأشدّهم عملا. وقد دخل في حلقة العزّابة (1). استفاد وأفاد وطلب العلا فساد. وله تآليف في العقائد تدلّ على نباهة شأنه ورفعة درجته. وأخذ عنه جماعة". يشهد فعلا عدد الشّروح والحواشي الّتي وُضعت لهذا "التّأليف في العقائد"- كتاب أصول الدّين تحديدا- بمنزلة كاتبه في الفرقة. شرحه عمر الثّلاثيّ في مرآة النّاظرين في أصول تبغورين الّذي طُبع ضمن مجموعة من النّصوص استُهلّت بعقيدة أبي حفص. بين أيدينا أيضا حاشية ليوسف المصعبيّ بعنوان حاشية تبغورين (2)، وشرح للشّيخ أطفيّش (3).
تبيّن مقدّمة الكتاب غرضه، وهو تبيين أصول الدّين الّتي تفرّقت الأمّة حولها سبلا متنافسة وشيعا متنازعة. واتّبع فيه التّرتيب المتّبع في عرض كبريات قضايا علم الكلام، وبالنّسبة إلى العشر الأوائل التّخطيط المعتزليّ المنهج في مؤلّفات علم الكلام حول الأصول الخمسة: التّوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، الأمر والنّهي. وهذه هي محاوره:
1 - التّوحيد، 2 - القدر، 3 - العدل، 4 - الوعد والوعيد، 5 - المنزلة بين (1/102)
صفحة 103
المنزلتين، 6 - لا منزلة بين المنزلتين، 7 - الأسماء والصّفات، 8 - الأمر والنّهي، 9 - الولاية والبراءة، 10 - الأسماء والأحكام.
تلا ذلك بحثُ مسائل متنوّعة: 1 - حجّة الله، 2 - الاستطاعة، 3 - العون والعصمة، 4 - خلق القرآن، 5 - رؤية الله، 6 - الشّفاعة، 7 - الميزان، 8 - ضغطة القبر وعذابه.
__________
(1) - لفظاً "المنقطعون"، المنصرفون إلى خدمة المذهب، وهم أعضاء المجلس الأعلى للمسجد. انظر قاموس المصطلحات في آخر هذا البحث ومقال [ليفيتسكي] "حلقة" في دائرة المعارف الإسلامية ج2، 3: ص97 - 101.
(2) - مخطوط بمكتبة القطب ببني يزقن.
(3) - مخطوط إبراهيم بن بكير، بني يزقن.
يتّضح من مجرّد استعراض عناوين الفصول أنّه تناول كبريات مسائل علم الكلام الإسلاميّ. ومن بينها، تلقّت أطول التّحاليل مسائل: التّوحيد، أسماء الله وصفاته، خلق القرآن. وسنقدّم تحليل الكتاب في قسمين: أصول الدّين والمسائل الكلاميّة.
أصول الدّين
تتضمّن هذه الأصول: القرآن، الحديث، الإجماع، القياس.
القرآن أساس استدلال تبغورين. ولم يخل فصل من الاستشهادات به، وبلغ مجموعها 247. لكنّ حجّيّة آية قد تتنازع شتّى الفرق معناها في شتّى الاتّجاهات لا تستمدّ كامل قوّتها إلاّ من الإجماع الّذي سنبحثه في الفقرة التّالية. يعرض الكاتب أحيانا أسباب التّنزيل لتوضيح معنى آية (1)، وقلّما يقدّم بخصوص سورة تحليلا أوسع من ذلك (2). غالبا يراكم الآيات لدعم فكرة (3)، أو تبيين لُبس (1/103)
صفحة 104
الألفاظ الموحية بالتّشبيه (4) أو بالعكس لبيان أنّ بعض الألفاظ الّتي لها معنى دقيق متّفق عليه لم ترد بحرفيّتها في القرآن لوصف الله (5). قد يبدو اختيار الآيات اعتباطيّا ومتناقضا، لكنّ مبدأ يحكمه في الحقيقة: هو التّنزيه ورفض التّشبيه (إفراد الله عن المخلوقات وتأكيد تعاليه عن أيّ شبه بها). لذلك ينبغي الاعتماد على آيات محكمة وتأويل المتشابهة بنحو مجازيّ ونبذ التّآويل المغرضة. بطبيعة الحال يقتضي فهم المعنى المقصود قاعدة أوّليّة: التّقيّد بالقواعد العامّة للّغة العربيّة، وهو ما أمر به النّبيّ نفسه، مشيرا بحمل الكلام على أحسن وجوهه (6). الاستشهادات بالحديث أقلّ من الاستشهادات بالقرآن. بل اتّهم تبغورين أهل الحديث الّذين يدعوهم الحشويّة هزؤا بالإتيان بأحاديث موضوعة لتبرير المعنى الحرفيّ للسّراط كشفرة أحدّ من السّيف يمرّ النّاس عليها يوم
__________
(1) - مثلا (ق 16: 1) انظر أصول ص7.
(2) - مثلا سورة الإخلاص، انظر أصول ص2 - 3.
(3) - مثلا نفي الجسمانيّة عن الله.
(4) - يد الله، وجهه، عينه، الخ: المصدر نفسه، ص7 - 9.
(5) - مثل: جسم، نور، شيء ص7.
(6) - انظر أصول، ص2 - 3.
القيامة. تلك الأحاديث من تزيين الشّيطان لهم. وما دمنا نتناول المصادر والمنهج، بإمكاننا أن نلاحظ أنّ التّفسيرات الفلسفيّة والاستشهاد بالشّعر العربيّ تحتلّ حيّزا ضئيلا في التّدليل، إلاّ في البرهنة على استحالة رؤية الله بتفسير "نظر" بمعنى انتظر. وهو تأويل قال به ابن عبّاس ونقله الرّبيع بن حبيب، من علماء "الجيل" الثّالث النّصف الثاني من (ق 2هـ) (1). (1/104)
صفحة 105
عند تبغورين يرادف اتّفاق الجماعة الإباضيّة إجماع شهود العقيدة الإسلاميّة الأوائل الّذين تشكّل الإباضيّة ممثّلهم الأمين والمواصل لرسالتهم. يعطي تبغورين الإجماع أهمّيّة قصوى، لذلك يستهلّ كلّ الفصول بهذه الجملة: "أجمعت الأمّة على القول". على ماذا يرتكز حسب تبغورين هذا التّواصل الّذي كسرته لاحقا فرق أخرى؟ بصفة أساسيّة على التّأويل الصّحيح لآيات القرآن والاعتماد على استدلال تتوفّر فيه الضّمانات اللاّزمة. قد تقدَّم آيات متناقضة لتبرير تصوّرات مختلفة تزعم كلّها التّواصل مع السّلف: في تلك الحال، يغلب حتما خبر آت من الله في صيغة عامّة ومطلقة أخبارا أخرى ذات طابع خاصّ، ولا يقبل النّسخ. طبّق الكاتب هذا المبدأ على قضيّة رؤية الله مستشهدا بالآية "لن تراني" (ق 7: 143) (2).
__________
(1) - انظر ترتيب التّرتيب لمسند الرّبيع بن حبيب في حديث المصطفى، تأليف محمّد بن يوسف أطفيّش، ط ح (1326هـ)، ص15. لم يصلنا هذا المسند إلاّ بترتيب الورجلانيّ ثمّ ترتيب التّرتيب الّذي أعدّه أطفيّش. لذا لا ينبغي الاعتماد عليه إلاّ بصفة محدودة. انظر [شاخت]، المكتبات، م6.
(2) - أصول ص68.
لم يعرّف الكاتب القياس في ذاته، وإنّما من خلال تطبيقه في حالة خاصّة في معرض تفنيده للقدريّة. ماذا عاب عليهم؟ خطأ يراه جسيما: نفي خلق الله للشّرّ، وهو رأي يشترك فيه معهم المجوس والزّرادشتيّة القائلون بالثنوية. والصّحيح في نظره هو أنّ القضاء خيره وشرّه من الله (1). في هذا لم يأت بجديد، فقد طرح تلك الفكرة قبله الجنّاونيّ (كتاب الوضع، 13). وتوجد أيضا في عقيدة عمان (2) المنسوبة إلى عبد الله بن إباض (3). لكنّ نقده يذهب إلى أبعد: (1/105)
صفحة 106
فالقدريّة فوق ذلك نفوا حسب قوله إمكانيّة اكتساب الإنسان أفعاله خيرها وشرّها: إذ يلغي القول بأنّ العباد خالقي أفعالهم الحاجة إلى أن يكتسبوها، ونسبتها إليهم بذلك النّحو أساس التّكليف. بعد تطبيق القياس على هذه الحالة الخاصّة، أبدى تبغورين تحفّظه على استخدامه بدون رويّة، خاصّة أنّ الإيمان عنده يوجد أساسا "في قلب المؤمن" "كمصباح في زجاجة" (ق 24: 35) (4)، ولا بدّ إذن أن يؤمن النّاس بحقائق تتجاوز عقولهم الّتي لا تدرك إلاّ معطيات الحسّ وما يصل إليها بالدّلالة
__________
(1) - الباب ج2 القدر ص12 - 15.
(2) - انظر كشف الغمّة، الباب 29، مخطوط م ب 8076، ورقة 244.
(3) - يجدر بالملاحظة أنّ الكاتب يستخدم ما يدعوه قياسا وهو في الحقيقة استدلال مبنيّ على المنطق القديم الثّنائيّ للنّقض على القدريّة: الفعل حادث ولا يدوم إلاّ لحظة، والكفر يدخل في هذا الباب، هو شرّ ومذموم وضدّ الإيمان: تلك هي صفاته. لا شكّ أنّ إرادة العبد تقاومه في البداية، لكن بتنفيذ الفعل يصير الكفر واقعا. لكنّ ذلك لا يعني أنّ العبد خالق الفعل بالمعنى التّامّ. فموضوع الإرادة هو فقط التّحرّك والسّكون، الإيمان أو الكفر. من جهة أخرى لا يمكن أن يكون ما يضادّ الإرادة من فعلها: لا يمكن أن يكون إلاّ فعل الله إلاّ إن قيل أنّه فعل لغير فاعل وذلك محال، من ثمّة فمن اليقينيّ أنّ الله هو خالق الفعل. انظر أصول، ص15.
(4) - أصول، ص8.
والقياس. لذا ينبغي فيما يتعلّق بصفات الله الّتي لا نملك بشأنها سوى معرفة سلبيّة أن نكتفي بالبراهين الّتي أتى بها الأنبياء، فهي في حدّ ذاتها مقنعة بقدر كاف (1). بل أورد تبغورين أقوالا منسوبة إلى عمر حول مضارّ هذا النّوع من الاستدلال في فصل حجّة الله. في الحقيقة كان نقده أحمد بن الحسين من فرقة النّاكثة الخارجيّة (2)، الّذي أخذ عليه رفض القرآن والسّنّة واتّباع القياس وحده (3). (1/106)
صفحة 107
المسائل الكلاميّة
تتعلّق المسائل الكلاميّة الّتي تناولها الكاتب بما يلي: التّوحيد وصفات الله، الاكتساب، الاستطاعة، خلق القرآن، الوعد والوعيد، الإمامة، أحكام الملل، رؤية الله.
ترتكز وحدة الكتاب على المبدأ الأساسيّ المتمثّل في التّوحيد والتّنزيه (نفي الشّبه بين الله والمخلوقات)، وعلى التّمسّك بإجماع فترة الأصول الّذي لم تتخلّ الفرقة عنه يوما. هدف الكاتب أن يبيّن أنّ بنود العقيدة تتفرّع من التّوحيد وتتمفصل حول الآية "ليس كمثله شيء" (ق 42: 11) الّتي استشهد بها أكثر من مرّة وبها يواجه الخصم في المقام الأخير (4).
يقع تفنيد المجسّمة في قلب باب التّوحيد. ردّ الكاتب على زعمهم أنّ الله جسم أو صورة باستدلال من نوع متّبع في علم الكلام: الجسم قابل في ذاته للعدد والتّجزّؤ، والحدّ بستّة جوانب، والتّحيّز في مكان، وتلك ميّزات الحادث، الّذي يقتضي محدثا (5).
__________
(1) - المصدر نفسه، ص5 - 6.
(2) - مقال "الإباضيّة" لـ[ليفيتسكي]، دائرة المعارف الإسلامية 2، 3: ص681.
(3) - اتّخذ اتّباع قياسه دينا؛ أصول ص47.
(4) - انظر مثلا حول القدر: أصول، ص13، العدل: المصدر نفسه، ص17؛ الاستطاعة: ص53.
(5) - انظر أصول، ص4.
واجه تبغورين الدّهريّة على الصّعيد الفلسفيّ. كانوا يقولون بقدم الجواهر وحدوث الأعراض. في نقده أمر لافت: هو تأويله مصطلح "جوهر" الفلسفيّ بمعنى قديم هو: "جسم". لذلك وما دامت الحوادث عنده من طبيعة الأجسام، لا (1/107)
صفحة 108
مفرّ للدّهريّة من تهمة التّشبيه (1). ولأنّه لم يعط إيضاحات إضافيّة، من الصّعب معرفة نظريّات أولئك الدّهريّة وتصوّرهم للجوهر. لكن من الثّابت أنّ فلاسفة مسلمين أكّدوا، على أثر [أرسطوطاليس]، أنّ الله موجود وجوهر وعلّة (2). وتفنيد تبغورين للدّهريّة يرتكز على رفضهم وجود علّة أولى أوجدت العالم. فقدم العالم أوّل بند في مذهبهم (3). لكن من الثّابت أنّه حوّل في محاجّته معنى مصطلح جوهر إلى معنى جسم. ندرك بنحو أفضل لماذا لم يكن ليقبل كلمة جوهر أكثر من كلمة جسم لمّا نرى الفرق بين وجهتي نظر علماء الأصول والفلاسفة المسلمين: يستتبع مفهوم الجسم التّغيّر، الانتقال من حالة إلى أخرى، مثلا من الطّفولة إلى الشّباب فالكهولة كما يلاحظ تبغورين، بينما الجوهر في اصطلاح الفيلسوف موجود قائم بذاته لا في
__________
(1) - أثبت الدّهريّة قدم الجواهر رغم الأدلّة المتعدّدة على حدوثها. فالجسم لا ينفصل عن الأعراض الّتي تقوم به وتتعاقب فيه، وهو لا يسبقها ولا يتبعها. وما لا يقوم بغير الحادث حادث مثله، وما لا يبقى بعد الفاني فان مثله. انظر أصول ص4. لنا أن نتساءل بأيّة طرق وصل إلى الدّهريّة مفهوما الجوهر والعرض الغريبان عن الفكر السّاميّ والمستعاران على الأرجح من أرسطوطاليس (المنطق 1، المقولات (قاطيغورياس) 5، الجوهر. واضح أنّهما دخلا في قاموس مصطلحات علم الكلام منذ (ق 2هـ/8م) مع ممثّلي الاعتزال كما نرى من مقالات الإسلاميّين للأشعريّ.
(2) - العلّة aitia انظر أرسطوطاليس "ما بعد الطّبيعة" 11: 5؛ الجوهر ousia المصدر نفسه 11: 1؛ موجود esti.
(3) - انظر مقال [غولدتسيهر] و [غواشون] "الدّهريّة" في دائرة المعارف الإسلامية 2، الجزء 2.
موضوع (ويقابل العرض) (1)، وهو مصطلح يأخذ في الله معنى أرقى لأنّ ماهيته تتطابق مع وجوده الواجب بذاته. لكن بما أنّ المتكلّمين الأوائل أعطوا لمصطلح جوهر معنى مادّيّا صرفا، لا يجوز (1/108)
صفحة 109
مطلقا تطبيقه على الله. لذلك كان على الكاتب، بصفته متكلّما، أن يستبعد كلمة جوهر مثل كلمة جسم في هذا الباب.
سمح له المبدأ الّذي وضّحه آنفا، وهو أنّ العرض لا يقوم إلاّ بمحلّه ولا يوجد في غيره، بإقامة الدّليل ضدّ الأشعريّة، أو الخصوم الّذين دعاهم كذلك، أنّ الصّفة الإلهيّة لا يمكن أن تكون حادثة ومخلوقة نظرا إلى التّماهي في الله بين الاسم والمسمّى، بين الدّالّ والمدلول. كلّ اسم يقتضي صفة، وكذلك العكس. تأتي أسماء المسمّى من صفاته وترتبط بها. الحديث مثلا عن علم الله يعني أنّه عالم في الأزل، والحديث عن قدرته يعني أنّه قادر في الأزل، لأنّ الشّيء الّذي يوجد ويوصف هو الشّيء الّذي يسمّى ولا يسبق الصّفات والأسماء المعطاة له (2). وما له صفات وأسماء حادثة (أي مخلوقة حسب ما يضيف تبغورين ناسبا إلى الأشعريّة هذا الاستنتاج) حادث، بما أنّه لا يسبقها في الأزل. لذلك يوجّه تبغورين إلى الأشاعرة النّقض الّذي واجه به الدّهريّة: إن افترضنا الصّفات حادثة ومن ثمّة أعراضا والجواهر قديمة كما يزعمون (وإن كانت صفات شيء موصوف لا تتجاوزه ولا توجد باستقلال عنه)، إن أمكن أن تحلّ الصّفات بشيء غير الموصوف، فإنّه يستحقّ أكثر من سواه أن يوصف بها، ولو جاز وصف القديم بصفة حادثة لجاز أيضا وصف الحادث بصفة قديمة: وذلك شرك وكفر صراح (3).
__________
(1) - انظر [غواشون]، قاموس مصطلحات ابن سينا الفلسفيّة، باريس، (1938م)، ص51.
(2) - أصول، ص28.
(3) - المصدر نفسه، ص29.
يتوجّه تبغورين بعد ذلك إلى من يجعلون صفات الله ألفاظا نطلقها عليه (1/109)
صفحة 110
وأوصافا نحن مصدرها (1). يظهر الإشكال خاصّة بالنّسبة إلى صفات الفعل مثل "خالق" و"رازق". من المحقّق في نظره أنّ هذه الصّفات الفعليّة عين الذّات. بهذا الصّدد لفت [مورينو] (2) و [كريمونيزي] الّذي تبعه حول هذه النّقطة (3) إلى الاختلاف في وجهة النّظر في هذا الباب بين إباضيّة المشرق وإباضيّة المغرب باستثناء علماء نفوسة الّذين تبنّوا على ما يبدو أفكار المشارقة (4). عند المغاربة إلاّ متكلّمي نفوسة أسماء وصفات الفعل قديمة، تعبّر الأولى عن قدرة أزليّة على الفعل والثّانية عن تحقّقها في الزّمان (حدوثها)، بينما يعتبر المشارقة الأسماء (مثل راض وساخط) قديمة والصّفات الّتي تطابقها (الرّضا والسّخط) حادثة (5). موقف تبغورين هو أنّ أسماء الله الّتي تترجم فعلا إلهيّا في العالم والّتي يعبَّر عنها في العربيّة بصيغة اسم الفاعل مثل خالق، رازق، راض
__________
(1) - المصدر نفسه، ص29.
(2) -[مورينو]، ملاحظة عن اللاّهوت الإباضيّ، في ح م ج د ش ن 3 (1949م) ص204 - 303.
(3) -[كريمونيزي]، وثيقة ص153 - 154.
(4) - كان التّمييز بين الصّفات الذّاتيّة الّتي لا تجتمع بضدّها (مثلا لا يمكن أن يكون الله عالما وجاهلا، قادرا وعاجزا) والفعليّة الّتي لها أضداد (الله يخلق ويُفني، يرفع ويخفض) متداولا عند المعتزلة منذ الجبّائيّ. انظر [ألاّر]، قضيّة صفات الله، المطبعة الكاثوليكيّة، بيروت (1965م)، ص115.
(5) - أفكار متكلّم (ق 6هـ) الكبير أبي يعقوب بن إبراهيم الورجلانيّ مثال على موقف إباضيّة المغرب. في مقطع من كتاب الدّليل والبرهان أخذ على الأشعريّة قولهم بأنّ العدل والإحسان والفضل والمنّ والإنعام صفات أفعال ومن ثمّة مخلوقة (الحقّ أنّهم لا يوافقون على هذا الاستنتاج). في مواضع أخرى (مثلا 3: 13 - 15) بيّن أنّ صفات الفعل المعبّر عنها بصيغة المصدر مثل الرّضا والسّخط والبغض هي عين الذّات.
هي عين الذّات. ذاك اعتقاد كلّ (1/110)
صفحة 111
الإباضيّة (1). مع ذلك يبدي مخالفته لمتكلّمي نفوسة بتأكيد قدم صفات الفعل كالولاية والعداوة والبغض والسّخط والرّضا لارتباطها بعلم الله القديم بمآل العباد (2).
لا يواجه تبغورين مباشرة اعتراض الأشاعرة الأساسيّ: وهو أنّ صفات الله معان زائدة على ذاته، وكان أبو يعقوب إبراهيم الورجلانيّ قد ردّ عليه في كتاب الدّليل (3) بنفي الغيريّة في الله أي بتأكيد أنّ الصّفات عين الذّات، وبالتّمييز بين الوصف والصّفة. يجوز لنا التّفكير بأنّ تبغورين ينطلق من مفترضات متكلّم ورجلان، بما أنّه يرفض اعتبار أسماء الله ألفاظا أو أوصافا خارجيّة بالنّسبة إلى الذّات الإلهيّة.
__________
(1) - زعم بعضهم أنّ أسماء الله ألفاظ أطلقها النّاس على الله أو هي عبارة عن التّوحيد. وقال غيرهم صفاته أوصاف وصفوه بها. نسألهم إذن عن وصفهم لله بأنّه خالق ورازق وغاضب وراض وبأسماء أخرى ينسبونها إلى الفعل: هل هذه الصّفات كما وصفوها من ذاته أم لا؟ إن قالوا هي من ذاته، فذلك ما نقول لا ما يقولون. وإن قالوا غير ذلك فقد أثبتوا الكذب والافتراء على الله تعالى. وصف الله بأنّه خالق رازق غاضب راض لم يزل قول عظيم عندهم، وهم يرمون بالشّرك من يصفه كذلك. نسألهم أن يعطوا حجّة على أنّ أسماء الله وصفاته ألفاظ: لا يجدونها في كتاب الله ولا سنّة رسوله ولا في إجماع المسلمين. انظر أصول، ص29.
(2) - أصول، ص33.
(3) -[علّوش]: رسالتان، ص59 - 70.
من جهة أخرى ليس ثابتا أنّ نقد القائلين بأنّ أسماء الله ألفاظ نطلقها عليه وأنّ الوصف والصّفة واقع واحد يبلغ هدفه حقّا. هل يستهدف تبغورين هنا أستاذ الأشعريّ أبا هاشم الجبّائيّ الّذي يرى أنّ الصّفة ليست في نهاية المطاف سوى الوصف؟ هذه التّسوية بينهما ناتجة عن سلبيّة مذهب الجبّائيّ الكلاميّ ذي الطّابع المعتزليّ المميّز: "لا تعلّمنا صفات الله شيئا ثبوتيّا عن الله، لا شيء أكثر من (1/111)
صفحة 112
حكم وجوديّ عامّ: الله موجود. والمعنى الخاصّ لكلّ صفة والّذي يميّزها عن بقيّة الصّفات له حقيقة بالنّسبة إلينا لا في الله" (1). أم يستهدف الأشعريّ ذاته في ردّ فعل على التّعطيل الّذي أفضت إليه مواقف المعتزلة؟ ماثل الأشعريّ أيضا بين الوصف والصّفة لكن بمعنى مختلف تماما: بإرجاع أسماء الفاعل الّتي هي أوصاف إلى مجرّد اشتقاقات صرفيّة ينحصر فيها واقع الصّفات: الله عالم بعلم لا هو ذاته ولا شيء غير ذاته، العلم هو الّذي يتمّ التّركيز عليه. الظّاهر أنّه هو المستهدف. هناك فعلا عند تبغورين الّذي يستشهد بقول ابن عبّاس: "أعلمنا الله بأسمائه في الأزل" تطابق وتلازم تامّان في الله بين الاسم ومسمّاه، فالاسم والمسمّى فيه واقع واحد. ولو كان لا بدّ من إعطاء الأولويّة لعنصر على الآخر، لكان ذلك العنصر الواقع المسمّى. ورغم إقراره كالأشعريّ بأنّ أسماء المسمّى مشتقّة من صفاته وبها توجد (2)، يقدّم في الواقع الاسم على الصّفة باعتبار نصّ القرآن الّذي يؤكّد علوّ أسماء الله ومطابقتها المطلقة للذّات وخصوصيّتها الّتي تختلف بها عن أسماء الخلق (3)
__________
(1) -[ألاّر]، الصّفات، ص120.
(2) - إن قلنا له علم أثبتناه عالما، وإن وصفناه بالقدرة دعوناه قادرا. انظر أصول 28. بالنّسبة إلى الأشعريّ أسماء الفاعل مشتقّة من المصادر: الحيّ من الحياة، المتكلّم من الكلام، فمن وجهة النّظر اللّغويّة المصادر سابقة منطقيّا.
(3) - أسماء الأشياء كلّها على 4 أوجه: أسماء البنية الّتي بُنيت عليها طبيعة الأشياء (مثل جسم ومحدث وأشباه ذلك)، وأسماء استحقّها الشّيء بمعنى حلّ فيه وتداول عليه (مثل حيّ وميّت ومتحرّك وساكن)، وأسماء استحقّها بخواتم عمله وما تصير إليه عاقبته (مثل مؤمن وكافر)، وأسماء لقب يلقيها النّاس على بعضهم بعضا وينزعونها إن شاؤوا (ولا معنى لها تتعلّق إليه بل هي معارف بينهم. وأسماء الله تعالى أسماء ذاته لا يقال استحقّها لأفعال فعلها تعالى عن ذلك علوّا كبيرا).
هي الأسماء المتعالية بنحو ما، ولا يجوز القول بأنّه استحقّها على أفعال فعلها. (1/112)
صفحة 113
وقد عدّدها القرآن: الله، المنعم، الرّحيم، الخالق. ما هو بقول ولا فعل (1). في بداية فصل التّوحيد أكّد تبغورين أنّ الله خاطب العباد بلغة يفهمونها (2)، ورغم استناده إلى غيب الإيمان كان يدرك محدوديّة الكلام الإنسانيّ والقياسَ في كلّ خطاب حول الله.
عالج مسألة الاكتساب بمزيد من الإسهاب في فصل العدل، وأعلن: "ما أجمعت عليه الأمّة، وكما ورد في القرآن، وكما هو سائد في العقول عند جميع النّاس هو أنّ الله عادل وليس بظالم ... وهو ما يتعارض مع المجبّرة والمجبّلة الّذين يذهبون إلى أنّ الله قهر عباده على أفعالهم وأجبرهم عليها، فليس لهم اختيار أو اكتساب، بل هم مسخّرون كما سخّر الله الشّمس والقمر وغيرهما من المسخّرات كجري الأنهار وإحراق النّار" (3). غريب أنّ تبغورين، عالم جبل نفوسة، لا يقيم بين الجبْر والجبْل التّمييز الّذي أجراه علماء آخرون من نفوسة، كأبي نصر فتح بن نوح الملوشائيّ. الإنسان بالنّسبة إلى أبي نصر مخلوق ومفطّر ومطبوع ليفعل ما يعلم الله في الأزل أنّه فاعله لكن دون أن يكون مجبورا على فعله. ويستشهد لتأييد قوله بحديث رواه ابن عبّاس: "كلّ ميسّر لفعل ما علمه الله وكتبه في لوحه المحفوظ. ولا اختيار لهم في أصل أفعالهم. وأعمالهم كلّها كسب مقدّر لهم. وهم لم يُجبروا عليها". هل اعتبر تبغورين الفرق بين الجبر والجبل فرقا شكليّا صرفا ولم يعره لذلك اهتماما؟ أم اختار عن تدبّر وتروّ وجهة نظر علماء الإباضيّة في المغرب المخالفين لمشائخ نفوسة حول (1/113)
صفحة 114
هذه المسألة؟ ذلك ما يبدو فعلا، فقد دافع عن الاختيار والاكتساب الّذي نفاه أبو نصر عمليّا بردّه إلى حركة البدن لا أكثر: "فأفعالنا خلق من الله كلّها ومنّا اكتساب بتحرّك للبدن" (4)
__________
(1) - انظر أصول، ص29 - 30.
(2) - المصدر نفسه، ص5.
(3) - المصدر نفسه، ص16.
(4) - يرى عبد العزيز المصعبيّ أنّ هذه الحركة نفسها مخلوقة لله: "كلّ أفعال النّاس مخلوقة لله: هو الّذي يخلق الكسب والقصد، ويخلق حركاتهم وسكناتهم الّتي يحسبها لهم أعمالا"؛ انظر شرح القصيدة لنّونيّة، القاهرة، المكتبة البارونيّة (1306هـ)، ص160.
حول هذه النّقطة أيضا يبدو أنّ تبغورين ابتعد عن مواقف مواطنيه بنفوسة الّّدين كانوا يفضّلون وجهة نظرهم على رأي مشائخ المغرب. لم يكن اختيار أحد الموقفين يؤدّي إذن إلى الإقصاء من الجماعة. كانت نقطة الاتّفاق الأساسيّة رفض الجبر في كلّ أشكاله. يبيّن موقف تبغورين بتفرّده أنّ قدرا من الاستقلال في الرّأي كان يُترك للعالم داخل جماعته، بخصوص مسائل كلاميّة ذات أهمّيّة محدودة.
هكذا أكّد حرّيّة الإنسان، فهل يمكن تحديد ما يعود إلى كلّ من الله والعبد في الفعل الإنسانيّ، مع الحفاظ على مبدأ التّوحيد المقدّس؟ رفض فكرة شركة بين فاعلين لإيجاد الفعل (1)، واستبعد فكرة علّة ثانية مضمّنة أو تابعة بالنّسبة إلى علّة أولى رئيسيّة، فذلك مخالف للتّوحيد، واعتبر أنّ هناك مستويي نشاط غير متنافسين لله وللإنسان: ميّز في الفعل جهة خلق لله الّذي "يخلق ويبعث حركة ويحكم" وجهة عرضيّة تضاف إلى العبد الّذي "يؤمن أو يكفر، ويتحرّك أو يسكن، ويصوم ويصلّي، الخ"، والأفعال الأخيرة لا تضاف إلى الله. والهدف من التّمييز في الفعل الإنسانيّ بين جهة خلق وجهة عرضيّة حلّ مسألة نسبة الفعل إلى (1/114)
صفحة 115
الإنسان. لكنّ قضيّة الاختيار تظلّ قائمة بأتمّها. هل للإنسان استطاعة الفعل بحرّيّة؟ (2)
__________
(1) - الشّركة هي إضافة الفعل إلى فاعلين على وجه واحد؛ أصول، ص13.
(2) - طُرحت مسألة الاستطاعة للنّقاش في فترة مبكّرة عند الإباضيّة، وكانت محلّ جدال مع المعتزلة منذ أيّام الرّستميين: ذُكر أنّ الإمام محمّد بن أفلح (241 - 281هـ/856 - 895م) وضع في الاستطاعة أربعين كتابا (انظر الشماخي: السّيَر). وفي أيّامه ناظر فيها عبد الله اللّمطيّ المقرّب له عالما معتزليّا (انظر [موتيلنسكي]، أخباَر ابن الصّغير، في مؤتمر المستشرقين العالميّ 14 بالجزائر في (1905م)، ص44 و108 - 109؛ [ليفيتسكي]، المؤرّخون 16؛ البرّاديّ: الجواهر، ص179 - 180). روى الجاحظ أنّ شيخا ينتحل الإباضيّة هو ختَن أبي بكر بن بريرة كان يقول بأنّ الاستطاعة مع الفعل (كتاب الحيوان، نشر عبد السّلام محمّد هارون، القاهرة، (1356هـ/1938م)، 3: 9
وهل توجد فيه هذه الاستطاعة باستمرار؟ هل تسبق الفعل وتنتهي لحظة الفعل بإنجازه أو الامتناع عنه؟ عند المعتزلة (1) الاستطاعة قدرة مستمرّة في الإنسان تسبق الفعل فتنتج الفعل أو ضدّه، مثلا الإيمان أو الكفر. أمّا عند تبغورين فالاستطاعة مع الفعل لا تزايله. لا يؤكّد أنّ الله يخلق هذه القدرة بمناسبة كلّ فعل (2)، بل أنّ الفعل دليل عليها وعلى وجودها.
__________
(1) - تلك فكرة متداولة عند المعتزلة الّذين يختلفون حول طبيعة الاستطاعة. انظر الأشعريّ: مقالات 1: 274، وكذلك ش بوعمران: قضيّة الحرّيّة الإنسانيّة في الفكر الإسلاميّ (الحلّ المعتزليّ)، باريس، [فرين]، (1978م)، ص177 - 180. قال بعض المعتزلة كأبي الهذيل ومعمّر والمردار هي عرض وهي غير الصّحّة والسّلامة، وقال آخرون كبشر بن المعتمر وثمامة بن أشرس وغيلان هي السّلامة وصحّة الجوارح وتخلّيها من الآفات، وهي فكرة يشاركهم فيها ابن حزم. انظر [أرنلديز]: عقيدة ابن حزم، في وقائع المؤتمر الأوّل للدّراسات العربيّة والإسلاميّة، قرطبة، (1962م)، طبعة (1964م)، ص143. يجدر بالذّكر أنّ فرقة الحارثيّة الإباضيّة كانت تؤكّد كالمعتزلة أنّ الاستطاعة تسبق الفعل. انظر البغداديّ: الفرق، ص84. وقد أشار تبغورين إلى هذه المواقف المختلفة: أصول، ص52 - 53.
(2) - قد نفكّر بذلك لمّا نراه في باب العون والعصمة يعرّف استطاعة الكفر بالخذلان واستطاعة الإيمان بالعون. يمكن تقريب تعريفه للعون والعصمة من مفهوم النّعمة في اللاّهوت المسيحيّ: "هو شرح الصّدر والهداية إلى الخير، توجيه الله للمؤمنين عند قيامهم بالفعل إلى الإيمان وإخلاص الدّين لله، فيكون حاجزا على الضّلال والكفر، وذلك بإنعام وفضل من الله على المسلم يقوّيه أمام الشّيطان - ومن يريدون بإذنه إيذاء المؤمن، ورحمة من الله من لطائف تدبيره. "ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكنّ الله يزكّي من يشاء" (ق 24: 21). انظر أصول، ص57.
يفضي هذا إلى تصوّر تجزيئيّ (1/115)
صفحة 116
ذرّيّ للنّشاط الإنسانيّ: لكلّ فعل إنسانيّ استطاعة خاصّة به. استطاعة الإيمان مثلا غير استطاعة الكفر: "الكافر لا يملك استطاعة الإيمان وهي غير ممكنة له" (1). لا يقوم بفعل الإيمان لحظة قيامه بفعل الكفر لأنّ قدرته مصروفة إلى الكفر (2). نلاحظ هنا استخدام مصطلح الاشتغال المستعار من النّحو. بإمكاننا أن نضيف أيضا أنّ استحالة استطاعة تجمع بين فعلين، مصروفة إلى الكفر والإيمان في وقت واحد، يقوّيها عند الإباضيّة تصوّرهم لهذين المفهومين كضدّين، كالحركة والسّكون أو الحياة والموت، لا توجد حالة وسط بينهما.
__________
(1) - مع ذلك ذكر تبغورين أنّ بعض الإباضيّة يقولون بأنّ استطاعة الكفر يمكن بها الإيمان وإن لم يستطعه (العبد) ولم يفعله، وذلك بالتّمييز بين الإمكان والاستطاعة. وهو طرح يرفضه تماما: لا يمكن للكافر أن يفعل الإيمان باستطاعة الكفر اللّهمّ إلاّ بتحوّل تامّ أي باستطاعة أخرى. تبيّن إشارته إلى هذا الاختلاف أنّه لم يحصل بين الإباضيّة إجماع حول هذه المسألة وأنّ بعضهم ظلّوا متأثّرين بمذهب المعتزلة. ولسوء الحظّ لم يعيّن أصحاب هذا الموقف. انظر أصول، ص53.
(2) - باشتغال قوّته في الكفر. انظر أصول، ص52.
بخصوص مسألة الوعد والوعيد (1) ينتقد المؤلّف موقف المرجئة والواقفة في الحيرة حول مصير مرتكب الكبائر في الآخرة. والتّسمية الأخيرة تميل بنا إلى التّفكير بأنّ دعاة الوقوف (أي الامتناع بحذر عن الحكم على شخص ما) الّذين (1/116)
صفحة 117
ذُكروا بخصوص حادثة إبراهيم وميمون (2) هم أسلاف المرجئة. بالنّسبة إلى الإباضيّة ليس هناك شكّ في أنّ الله "لا يُخلف الميعاد" (ق 39: 20) ولا يبدّل القول (ق 50: 29) حتّى من باب الإنعام والإحسان تجاه الموحّدين، أو بشفاعة النّبيّ. هذه الشّفاعة هي كرامة من الله لنبيّه دون غيره، ثابتة للمسلمين دون الكافرين، ولا يمكن بحال أن تجعل لازما ما توقّف عن الوجود ولا إلغاء ما ينبغي أن يكون.
__________
(1) - أصول، ص17 - 20.
(2) - الأشعريّ: مقالات، 1: ص173 - 177.
كمشكلة الوعد والوعيد، كانت مسألة خلق القرآن أو قدمه محلّ نقاشات كما بيّن [كريمونيزي] الّذي قدّم وترجم رسالة الإمام أبي اليقظان (242 - 281هـ/855 - 894م) (1). الظّاهر أنّ مذهب خلق القرآن استقرّ في المغرب منذ بداية (ق 3هـ/9م). وأفكار تبغورين بهذا الشّأن امتداد لموقف الإمام محمّد أبي اليقظان والمتكلّمين المعتزلة القائلين بخلق القرآن، مع التّميّز عنهم حول بعض النّقاط. وقد أعاد في كتابه جوهر استدلال الرّسالة إجمالا مع الاختصار. استدلّ على أنّ القرآن مخلوق محدث من أنّ الله جعله سورا وآيات مفصّلات منها المحكمات والمتشابهات ومنها النّاسخ والمنسوخ، فهو متغاير ومتفاضل بعضه على بعض. هذا الكلام الإلهيّ صوت مقطّع مؤلّف مسموع، وهذا التّقطّع ماثل في حركة اللّسان والشّفتين واللّهاة. وهو مجمّع من حروف وحركات. وكلّ هذا فعل الإنسان، وبوسعه التّوقّف عنه متى شاء. والدّليل المستخدم بوجه خاصّ هو أنّ فعل جعل (المستعمل في القرآن مرارا في هذا السّياق) يعني خلق. كان أبو (1/117)
صفحة 118
اليقظان قد توسّع في هذا الدّليل الّذي قدّمه المعتزلة (2). مثله وعلى أثر النّظّام (160 - 231هـ/775 - 846م)، أكّد تبغورين بناء على ذلك أنّ كلام الله صفة فعليّة لا صفة ذاتيّة كالعلم والقدرة. وردّ على من يقول إنّ القرآن كلام الله وكلام الله صفة له لم يزل بها كالعلم والقدرة، بأنّه يلزمه أن يكون تكلّم به في أزليّته وكلّم موسى لم يزل، فيكون ثلاثة أشياء لم يزالوا: المكلِّم والكلام والمكلَّم، وهذا هو الشّرك بالله صراحا (3). يهدف التّشديد على أنّ القرآن مخلوق، "قول رسول كريم"، إلى إبراز تضارب الأشعريّة في تأكيدهم أنّ القرآن حادث دون أن يكون مخلوقا في نفس الوقت، الشّبيه حسب ما لاحظ بتضارب المعتزلة الّذين يزعمون أنّ أفعال الإنسان حادثة دون أن تكون مخلوقة لله.
__________
(1) -[كريمونيزي]، وثيقة، ص133 - 178.
(2) - راجع البرّاديّ: الجواهر، ص187.
(3) - أصول، ص61.
بعد التّسليم بأنّ الكلام صفة فعل وبالتّالي خلق لله، قد نتساءل إن كان هذا الكلام جسما أو عرضا. رغم أنّ تبغورين لا يجيب على هذا السّؤال مباشرة، يمكن أن نفترض أنّه يشاطر رأي سلفه الجنّاويّ الّذي صنّف القرآن بين الأعراض (1)، فقد واجه نظريّة عبد الله بن يزيد وأصحابه أنّ القرآن كبقيّة الكتب المنزّلة جسم لا عرض، وليس للعباد فيه فعل، والقراءة فيه غيره والحكاية فيه غيره. ليس مستحيلا أن يكون عبد الله بن يزيد (ق 1 - 2هـ) قد أثّر على النّظّام في هذا الباب (أو تأثّر به). كان الأخير يصنّف كلام الله بين الأجسام وكلام الإنسان بين الأعراض. كلام الله في رأيه جسم هو صوت مقطّع مؤلّف (1/118)
صفحة 119
مسموع وهو فعل الله وخلقه. وإنّما يفعل الإنسان القراءة والقراءة الحركة وهي غير القرآن. وأحال أن يكون كلام الله في أماكن كثيرة في وقت واحد، وزعم أنّه في المكان الّذي خلقه الله فيه (2). يرفض تبغورين هذا التّقسيم، معتبرا أنّ ترتيل القرآن وتلاوته وقراءته عين القرآن لا شيء آخر. قراءته منّا وهي صادرة عنّا: فكلّه إذن فعل الإنسان. بأيّ معنى إذن يكون القرآن كلام الله؟ يجيب تبغورين: بأنّ الله خلقه كلاما لا من أحد وابتدأه لا من أحد ولم يسبقه إلى تأليفه وإحداثه أحد، بنفس المعنى الّذي تنسب إلى النّبيّ أقواله، وتُنسب إلى الشّاعر قصائده لأنّه استمدّها من ذاته (3). ويلتقي جوابه مع جواب المعتزلة كالقاضي عبد الجبّار (4). ذلك جواب حذر لا مطعن عليه، لكنّه يبقى دون محاولات معتزلة البصرة وبغداد، باجتناب البحث في
__________
(1) - الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص51.
(2) - الأشعريّ: مقالات، ج1 ص245.
(3) - أصول، ص62.
(4) - "وإن لم يكن (القرآن) محدثا من جهة الله تعالى فهو مضاف إليه على الحقيقة كما يضاف ما ننشده اليوم من قصيدة امرئ القيس على الحقيقة، وإن لم يكن محدثا من جهته الآن". عبد الجبّار: شرح الأصول الخمسة، نشر عبد الكريم عثمان، القاهرة، (1384هـ/1965م)، ص528.
العلاقة بين فعل الكلام الإلهيّ والقرآن، كلام الله والرّكائز الإنسانيّة الّتي يتجسّد فيها، ويدع جانبا مسألة الأمر الإلهيّ "كن" مطبّقا على القرآن، والتّمييز الّذي أقامه أبو الهذيل العلاّف بين أمر التّكوين وأمر التّكليف والّذي سمح له بوضع الكلام الخالق فوق الخلق. اكتفى تبغورين بتأكيد أنّ القرآن خبر وحقّ وهدى وأنّه أتى من الله، وسعى بذلك جاهدا إلى حفظ طابعه المخلوق ووحدته، ولذلك رفض افتراض وجود قرآن علويّ، أصل سماويّ مكنون في اللّوح المحفوظ، وهو الحلّ الّذي خطا باتّجاهه بعض معتزلة بغداد (1/119)
صفحة 120
كجعفر بن مبشّر الثّقفيّ وأبي الفضل جعفر بن حرب (1).
__________
(1) - أصول، ص61؛ الأشعريّ: مقالات ج2 ص243.
بحث تبغورين مسألة الإمامة والإمارة في فصل الأمر والنّهي (1). لم يميّز بين المؤسّستين، لكنّا نعلم أنّ الإمارة تخصّ عند الإباضيّة مسلك الدفاع. لا يحقّ للإمام الّذي عيّنه المسلمون (الإباضيّة) التّهرّب من مهمّته، وإلاّ حقّ لهم قتله واختيار غيره. بذلك أمر عمر وأبو عبيدة. وقد أبرز بقوّة فرضيّة الإمامة. أحد الأدلّة على ذلك وجود أوامر أخرى واجبة تتبعها ولا تتمّ إلاّ بها. فهي لازمة بوجه أسمى من هذه الأوامر ذات الطّابع الثّانويّ. إذ لا بدّ منها، بمقتضى أمر الله، للقضاء بين المسلمين، وتوزيع الغنائم على أساس المساواة، وإقامة الحدود على منتهكي الشّرع، ونصب القتال مع أعداء الدّولة. لم يعدّد الصّفات المطلوبة في المرشّح للإمامة، ولم يوضّح شروط اختياره، ولم يذكر المسالك الأربعة للإمامة الإباضيّة. وردت فقط إشارة إلى أبي بكر وعمر وكذلك إلى أبي عبيدة الّذي منه بالأخصّ استوحى الإباضيّة نظريّاتهم الاجتماعيّة السّياسيّة. بدون أيّ لبس دافع عن ثورة الخوارج الأوائل عند تحكيم أذرح، فما من اعتبار إنسانيّ، مهما بلغ من النّبل والسّموّ، حتّى لو كان وحدة الأمّة، لا يُبذل في سبيل أمر الله الّذي يمثّل الإمام الإباضيّ الضّامن لتنفيذه والّذي يبرّر اللّجوء إلى السّيف تجاه أهل القبلة أي المسلمين الآخرين. مع ذلك يدخل تأكيد شرعيّة قتال أهل القبلة في إطار ظروف تاريخيّة محدّدة هي أحداث صفّين. فقد وجبت البراءة ممّن قبلوا بتحكيم الحكمين ورضوا وهادنوا وتخلّوا عن قتال الفئة الباغية قبل أن تفيء إلى أمر الله، وتركوا الكتاب والسّنّة مؤثرين راحة الدّنيا، بينما (1/120)
صفحة 121
بلغت المحنة المدى وقامت الحرب (2). لا تخلو العناصر الّتي قدّمها تبغورين حول نظريّة الإمامة من الأهمّيّة، لكنّها أقلّ دقّة وتفصيلا من التّحاليل ذات الطّابع الإباضيّ المميّز الّتي قدّمها أبو حفص أو الجنّاونيّ. وخلت من الجوانب
__________
(1) - أصول، ص35 - 38.
(2) - أصول، ص36 - 37.
التّاريخيّة الّتي وضّحتها عقيدة عمان (1)، لكنّها في المقابل تضمّنت التّأكيد على وجوب هذه المؤسّسة، وتبيين أنّها تنبني على القرآن وسنن السّلف- وذاك بالتّحديد غرض الكاتب.
لم يأت الفصل القصير المخصّص للولاية والبراءة بأيّ عنصر جديد ذي بال.
وفيما يتعلّق بأحكام الملل يعيد تبغورين النّقاط الّتي أبرزها من قبل الجنّاونيّ في كتاب الوضع (2) وعقيدة نفوسة (3) بخصوص عبّاد الأوثان والمجوس والكتابيّين والموحّدين، مع إضافة بعض التّوضيحات عن الصّفريّة. كانت هذه الفرقة تعتبر مرتكبي الكبائر مشركين، كما روى عنهم كذلك الشماخي (4)، واستحلّت من ثمّة أموالهم وسبيهم. يرى تبغورين أنّ تصرّف الصّفريّة متضارب ويفضي إلى الخلط والالتباس: إذ يعاملون مخالفيهم من جهة كمشركين ومن جهة أخرى كمنافقين مقرّين بالتّوحيد ويجيزون مناكحتهم وموارثتهم. والحال أنّ حديثا يقرّر أنّ ما يورث لا يجوز اغتنامه كما لا تجوز وراثة الغنيمة، ويؤيّده حديث (1/121)
صفحة 122
آخر يحيل اجتماع حكمين مختلفين في شخص: "لا يتورّث ملّتان، لا يرث المؤمن كافرا ولا الكافر مؤمنا. ولا يجتمع الحكمان في ملّة واحدة" (5). نفهم بسهولة لماذا كان الإباضيّة يعارضون الخلط بين وضعي الشّرك والتّوحيد. وكان الصّفريّة يرون، حسب ما ذكر كتّاب المقالات (6) أنّ الكبيرة الّتي تستوجب حدّا كالزّنا والسّرقة لا تجعل مرتكبها كافرا ولا تفقده حكمه الشّرعيّ كمسلم، وهو مذهب يمهّد، كما نرى، لرأي المعتزلة القائل بمنزلة بين المنزلتين لمقارف الكبيرة، وما كان الإباضيّة ليقبلوه.
__________
(1) - راجع الفصل 6 عن عقيدة عمان.
(2) - الجنّاونيّ: كتاب الوضع، ص17 - 20.
(3) - المصدر نفسه، عقيدة نفوسة، ص21 - 26.
(4) - "قال الصّفريّة: كلّ معصية شرك، وكلّ كبيرة شرك، ومشرك من ارتكب الكبائر"، الشماخي: السّيَر، ص405.
(5) - أصول، ص69.
(6) - الشّهرستانيّ: الملل ج1 ص184.
تناول تبغورين قضيّة رؤية الله في الأقسام الأخيرة من كتابه، وأعاد، مع توسّع في التّحليل، الطّرح الّذي قدّمه قبله الجنّاونيّ: ادّعاء أنّ رؤية الله ممكنة في الدّنيا وأنّ أحد مخلوقاته رآه أو أنّ بالإمكان رؤيته في الآخرة يعني تشبيهه بمخلوقاته وتحديده بمكان وحصره بين جوانب، وهو شرك (1). لكنّ تأكيد إمكانيّة رؤية الله في يوم القيامة عيانا وبنحو مباشر وبيّن شأن كلّ المرئيّات في نظر تبغورين ذنب أهون فقد اعتبره من النّفاق. وهو يقصد بالتّحقيق بعض مواقف المعتزلة والممهّدين لهم كضرار وحفص الفرد، الّتي ذكرها الأشعريّ (2) وموقفه هو نفسه (3). (1/122)
صفحة 123
يستشهد القائلون بالرّؤية- الأشعريّ وأتباعه- بالآيتين: "وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربّها ناظرة" (ق 75: 22 - 23)، وكثيرا ما يضيفون إليهما حديثا جاء في نفس السّياق: "ترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر ولا تُضامون في رؤيته" (4). تعني الآية: "إلى ربّها ناظرة" بلا ريب توجّه الأنظار إلى الله ولا شيء سواه. يوضّح تبغورين معنى الآية "إلى ربّها ناظرة" وكلمة ناضرة بآيات قرآنيّة موازية (80: 38، 83: 24)، وفعل نظر خصوصا أصل الإشكال ويجب فهمه بمعنى انتظر الّذي يؤيّده استعمال اللّغة العربيّة والشّعراء، والمقصود إذن أنّ أهل الجنّة ينتظرون فيض نعمه، والآية لا تشير إلى رؤية الله. يتعلّق الاعتراض الثّاني بجزء الآية "إلى ربّها": المنظور إليه هو الله ولا شيء سواه. يردّ تبغورين: ليس المقصودُ ذاتَه بل هو الفعل الّذي يفعله. كذلك لمّا يقول القرآن: "ألم تر إلى ربّك كيف
__________
(1) - أصول، ص65.
(2) - "وقال قائلون منهم ضرار وحفص الفرد: إنّ الله لا يُرى بالأبصار، ولكن يخلق لنا يوم القيامة حاسّة سادسة غير حواسّنا هذه، فندركه بها وندرك ما هو بتلك الحاسّة". الأشعريّ: مقالات ج1 ص264).
(3) - الأشعريّ: كتاب الإبانة عن أصول الدّيانة، المنيريّة، القاهرة، (1348هـ)، ص16.
(4) - صحيح مسلم، باب الإيمان، ص299.
مدّ الظّلّ" (ق 25: 45)، المعنى الجليّ: ألم تر إلى الظّلّ كيف يمدّه الله؟ بنفس النّحو ينبغي تأويل الحديث المذكور والّذي يعني: لا تشكّون في وجود ربّكم يوم القيامة كما لا تشكّون في القمر وهو يسطع ليلة البدر. يقرّر تبغورين كمبدأ عامّ أنّ العرب كثيرا ما يستخدمون الكلمات على المجاز. وبإمكان الخصوم أن يقلبوا ضدّه هذا التّأكيد. وقد عرّض نفسه فورا إلى ذلك النّقد في ردّه على الاعتراض الثّالث. أساس هذا الاعتراض القياس على التّناسب بين المعرفة العقليّة والإدراك الحسّيّ: فإنّ حدود إدراكنا لحقيقة الله لا تنفي هذه المعرفة ولا تحيل الله إلى الموضوعات الصّوريّة لملكة المعرفة. قياسا على ذلك ومع أخذ الفروق بعين الاعتبار، يمكن أن يكون الشّأن مماثلا بالنّسبة إلى الرّؤية: كما نؤكّد معرفة الله (1/123)
صفحة 124
لكن على نحو مختلف عن معرفة المعلومات الأخرى، ألا يمكننا القول كذلك إنّ الله سيُرى يوم القيامة لكن لا كالمرئيّات، بما أنّ أوضاع الآخرة تختلف تماما عن أوضاع الدّنيا؟ وجواب تبغورين هو أنّ قياس الإدراك الحسّيّ على المعرفة العقليّة لا يقلّ سخفا عن تعميم خواصّ حاسّة إلى أخرى، لأنّ "الرّؤية لا تدرك متعلّقها إلاّ من جهة واحدة، هي اللّون، والحال كذلك في كلّ الحواسّ" (1). لحاجة استدلاله، يؤكّد تبغورين وحدة معنى لفظة رأى، وهو الإدراك الحسّيّ للّون. وكان قبيْل ذلك قد أكّد بثقة على أساس سورة الفيل (ق 105: 1) أنّ فعل رأى قد يعني علم. وغرضه نفي أيّة إمكانيّة لرؤية الله بواسطة حاسّة البصر.
__________
(1) - حسب تبغورين: لو جاز أن يقال كما يزعمون إنّ الله يُرى لكن لا كما نرى المرئيّات، مثلما يُعلم لكن لا كما نعلم المعلومات، لجاز أن يقال أيضا إنّه يمكن أن يذاق ويُلمس ويُسمع ويُدرك بكلّ الحواسّ، لكن لا كما ندرك الأشياء بكلّ حاسّة. لكنّ البصر لا يدرك الشّيء إلاّ من جهة اللّون، والحال كذلك في كلّ حاسّة أصول، ص67.
هل يمكن تصوّر إمكانيّة إدراك الله بالقلب؟ تحدّث تبغورين عن خاصّة العلم (1) الّتي اختصّ بها القلب، وبها يدرك المحدَث والقديم. هل قصد بعضَ المعتزلة كأبي الهذيل وآخرين كثيرين (لكن لا الفوَطيّ وعبّاد) (1/124)
صفحة 125
يقولون برؤية بالفؤاد (2)؟ ذلك ممكن. تناظر خاصّة العلم تلك ربّما ملكة التّجريد (3)، ويرى من اللاّزم تمييزها عن ملكة الإدراك الحسّيّ الّتي لها طابع خاصّ يحدّده موضوعها: فالبصر يدرك الألوان فقط ولا يمكنه إدراك الوقائع الّتي تلتقطها الحواسّ الأخرى. ومزيد القوّة الّذي يُمنح لعضو لا يخرجه من مجاله المحدّد: ذلك تلميح مقنّع إلى حلّ نادى به الأشعريّ (4)
__________
(1) - خاصّة العلم تتبع القلب، ويدرك بها الأشياء من جهة اختلافها وتضادّها، وليس في إدراكها لها أيّ لبس. ألا ترى أنّ القلب يعلم كلّ المحسوسات، ويعلم المحدث والقديم، لكنّ كلّ حاسّة لا تدرك ما تدركه حاسّة أخرى والحواسّ لا يدرك بعضها بعضا. فالقلب يعلم كلّ الأشياء في اختلافها أمّا البصر فلا يدرك غير اللّون حتّى لو زيدت قوّته 10 أضعاف. والأمر كذلك في بقيّة الحواسّ. أصول، ص67.
(2) - "أجمعت المعتزلة على أنّ الله لا يُرى بالأبصار واختلفت هل يُرى بالقلوب، فقال أبو الهذيل وأكثر المعتزلة: نرى الله بقلوبنا بمعنى أنّا نعلمه بقلوبنا. وأنكر هشام الفوَطيّ وعبّاد بن سليمان ذلك". الأشعريّ: مقالات ج1 ص265. عبّاد بن سليمان العمريّ (ت ح 250هـ) تلميذ هاشم الفوَطيّ من مدرسة البصرة.
(3) - ميّز القاضي عبد الجبّار- الّذي ربّما استمدّ منه تبغورين تحليله- بنحو أوضح بين هذين النّوعين من الإدراك: "العلم يتعلّق بالمعلوم على ما هو به، ولهذا يتعلّق بالموجود والمعدوم، والمحدَث والقديم، فإن كان معدوما عُلم معدوما ... وليس كذلك الرّؤية فإنّها لا تتعلّق إلاّ بالموجود، ولهذا لا يصحّ في المعدوم أن يُرى". شرح الأصول الخمسة، ص252.
(4) - "لا يثبت البصر للنّظر إلى الله إلاّ أن يقوّيه"، الأشعريّ: الإبانة، ص16.
دون أيّ حكم مسبق على إمكانيّة إدراك الإنسان لله بواسطة خاصّة العلم الّتي لا يبتّ فيها في آخر المطاف، تبقى رؤية الله بالعين النّقطة الّتي يركّز عليها محاجّته، وهو ينفيها نفيا قاطعا. ولتفنيد من يستبقون تلك الإمكانيّة للآخرة، يلجأ تبغورين إلى تدليل يجمع بين الاستنتاج التّضمينيّ وبرهان الخُلف. لو جاز أن يدرك البصر الله في الآخرة لجاز أن يدركه في الدّنيا. لا يخلو ذلك من أحد أمرين: إمّا إدراكه في مكان دون سواه، وإمّا في كلّ الأماكن معا. تعني الحالة الأولى (1/125)
صفحة 126
أنّ الله محدود بمكان وذلك شرك، والافتراض الثّاني محال (1).
تقييم عامّ
__________
(1) - أصول، ص67.
في نهاية هذا التّحليل، يبدو تفكير تبغورين متواصلا مع فكر سابقيه لاسيما الجنّاونيّ. مجموع كتابه، الّذي يتناول كبريات مسائل علم الكلام الإسلاميّ، مركّز على التّوحيد والتّنزيه. تبدو له الآية "ليس كمثله شيء" (ق 42: 11) الّتي يعيدها مرارا ويواجه بها الخصم في المحلّ الأخير، والإجماع الّذي يعني لديه إجماع علماء الفرقة الأوائل ركيزتين صلبتين تثبّتان الأفكار الكبرى للإلهيّات الإباضيّة على الأصول، وهو غرض الكتاب. مثل الجنّاونيّ، أكّد في وجه الثنوية أنّ الله خالق الخير والشّرّ، وحارب التّشبيه بكلّ أشكاله. كان همّه تفنيد المجسّمة، بنفي كون الله جسما أو حتّى جوهرا وأيّ تحديد له في المكان، ولا شكّ أنّ الفهم القويم للآيات الموحية بالتّجسيم كالاستواء على العرش واليد الخ، المبنيّ على قواعد التّأويل الّتي تتيح إبراز معناها المجازيّ، يرتبط لديه بالتّصوّر الصّحيح حول مسألة رؤية الله. حول هذه النّقطة انتقد بشدّة مذهب الأشاعرة، من خلال تأويل الآيات القرآنيّة الّتي فيها إشكال (لاسيما 75: 23) والتّمييز بين الرّؤية بمعناها العينيّ الأصليّ- والّتي لا يمكن بحال تصوّرها لأنّها تؤول إلى الشّرك- ومعرفة الله بخاصّة العلم الّتي يمكن تقريبها من المعرفة بالتّجريد لكن لا يمكن اعتبارها بمثابة حاسّة سادسة أو رؤية بالقلب. (1/126)
صفحة 127
تبع تبغورين المعتزلة في مسائل منها بالتّحقيق مسألة الرّؤية هذه حيث تبدو أدلّته بوضوح مقتبسة منهم. كما تظهر تبعيّته لهم في التّرتيب العامّ للمسائل المبحوثة حيث ينعكس ترتيب محاور الاعتزال الخمسة. وكذلك وبوضوح في تأكيد الطّابع المخلوق للقرآن، وإن لم يتبنّ مذهبهم في الاستطاعة كقدرة متواصلة في الإنسان سابقة للفعل. يمكن أن يعاب على نظريّته- المشتركة مع بقيّة الإباضيّة- القائلة "بقدرة" ترافق وتزامن الفعل ويجدّدها الله لكلّ عمل أنّها تقود إلى فرقعة وتجزئة العمل الإنسانيّ وتقويض فكرة اختيار العبد لأفعاله الّتي دافع عنها المعتزلة ولم يتبعهم فيها الإباضيّة تماما: فقد كانوا يغلّبون اعتبارات أخرى: كالتّضادّ المطلق بين الإيمان والكفر من جهة، ومن جهة أخرى حدوث و"عرضيّة" فعل الإنسان الّذي لا يمكن أن يكون خالقه وإنّما هو مجرّد مكتسب له. تبرز التّبعيّة للمعتزلة أيضا إلى حدّ ما في تصوّره عن صفات الله، حيث أكّد أنّ أسماء الله عين ذاته. وضدّ خصوم أشاعرة أو يدعوهم بهذه التّسمية- فالأشاعرة لا يصادقون حقّا على الأفكار الّتي نسبها إليهم كحدوث الصّفات بينما تحدّث مؤسّس المدرسة فقط عن ثبوتها كواقع قائم بالذّات مغاير لها- أكّد التّطابق التّامّ بين الاسم والمسمّى، وحول هذه النّقطة بالتّحديد هو على اتّفاق مع تفكير الأشعريّ في كتاب الإبانة (1) لكن مع تقديم الاسم على الصّفة.
__________
(1) -[ألاّر]، الصّفات، ص283.
وهو وإن كان من جبل نفوسة الّذي اشتهر علماؤه في المغرب (1/127)
صفحة 128
بكفاءتهم في مسائل الدّين (1) لم يتردّد في مخالفتهم على الأقلّ حول مسألتين: حرّيّة الاختيار وصفات الله. يبدو كأنّه اعتبر الفرق بين الجبر والجبْل أمرا غير ذي بال، وذلك يشير على وجه الاحتمال إلى أنّ هذه المسألة فقدت أهمّيّتها قبل عصره. من جهة أخرى قد يشير تأكيده مع المغاربة أنّ صفات الفعل غير مخلوقة إلى أنّ علماء نفوسة قد انضمّوا حول هذه المسألة منذ عصره إلى متكلّمي المغرب.
لا يتضمّن كتاب تبغورين قسما للمنافحة المذهبيّة شأن كثير من العقائد والمؤلّفات الكلاميّة الأكثر تفصيلا، مثل خلاصة أبي عمّار عبد الكافي في كتاب المعجز في تحصيل السّؤال وتخليص الدّلال الّذي تقدّم تحاليله المعمّقة والمتكاملة للقارئ تفنيدا لأهل الخلاف وعرضا متّسقا لعقائد الإباضيّة والمصطلحات الأساسيّة على غرار "الخلاصات اللاّهوتيّة". وهو لا يُدخلنا في تفاصيل جدال كأبي يعقوب بن إبراهيم الورجلانيّ في كتاب الدّليل والبرهان. في آخر الأمر تتمثّل مزيّة تبغورين الفريدة في تقديمه، من خلال كتاب مرتّب ومتوازن، خلاصة للاّهوت الإباضيّ في عصره، على أساس تدليل متين عقليّ ونقليّ. (1/128)
صفحة 129
الفصل الرابع: عقيدة أبي سهل يحيى
__________
(1) - مثلا في إمامة عبد الوهّاب كان الإباضيّة يدعون علماء نفوسة البارعين في فنون الجدل لمناظرة المعتزلة. انظر لـ[و. تورنو]، سيَر أبي زكريّا، ص144 - 152.
تتضمّن عقيدة أبي سهل يحيى بن إبراهيم الورجلانيّ (1)، كما سنرى، سمات فريدة تميّزها عن عقيدتي جربة ونفوسة اللّتين عرضناهما. هي من عصر تبغورين تقريبا، لكنّها صدرت عن منطقة ثقافيّة مختلفة قليلا عن جبل نفوسة وإن كانت قريبة منه وذات علاقة به: واحة ورجلان (ورجلة) في (ق 6 - 7هـ/12 - 13م). لنفهم ماذا قدّمت مقارنة بما سبقها، نبدأ بنبذة عن الوسط الاجتماعيّ والثّقافيّ الّذي عاش فيه المؤلّف لا تخلو من فائدة.
الوسط الاجتماعيّ والثّقافيّ
__________
(1) - في هذا الفصل تكملات وتصحيحات- خاصّة بالنّسبة إلى الجزء الأخير من هذه الدّراسة، لمقالنا في مجلّة إبلا، عدد 143 (1979م) "الإباضيّة في (ق 12هـ): عقيدة أبي سهل يحيى".
لم تكن واحة ورجلان تجمّعا إباضيّا صغيرا منعزلا. منذ عصر الإمامة الرّستميّة (160 - 296هـ/776 - 909م) لقد استقرّ الإباضيّة في ورجلان، لكنّ تاريخ الإباضيّة في هذه الواحة الواقعة على بعد (515 كم) جنوب بجاية وازدهارها بدآ حقّا إثر تدمير أبي عبد الله الشّيعيّ لتيهرت عاصمة الرستميين في (296هـ/909م) وإجباره أبا يعقوب يوسف على الانسحاب إلى تخوم (1/129)
صفحة 130
المملكة الصّحراويّة في واحة ورجلة حيث أسّس مدينة سدراتة (1). شهدت المدينة الجديدة فترة ازدهار تعود خاصّة إلى تجارة الذّهب والعبيد عبر الصّحراء (2) وإلى نموّ الزّراعة الّذي أتاحه نظام ريّ مبتكر، وهو ميدان برع فيه الإباضيّة دوما (3). رافق هذا النّموّ الاقتصاديّ ازدهار للفنون (4)
__________
(1) - روى أبو زكريّا وصول الإمام ومرافقيه: "فتلقّاهم أبو صالح جنّون في مجموع أهل وارجلان. فأدخلوه وأكرموه وأحسنوا القيام به. فطلبوه أن يولّوه على أنفسهم، فامتنع من ذلك وقال: لا تستتر الجمال بالغنم. فأرسلها مثلا. ومكث فيهم دهرا طويلا". لـ[و. تورنو]، سيَر أبي زكريّا، ص358.
(2) - بيّن [ليفيتسكي] في كتاب صدر حديثا "دراسات مغربيّة وسودانيّة"، وارسو، مركز الدّراسات العلميّة ببولونيا، (1976م) أهمّيّة مدينة (مدن) ورجلة كمركز للتّجارة مع الصّحراء والسّودان الغربيّة.
(3) - على وجه الخصوص عين صفا، والقنوات والأحواض الّتي كتب [م فان] برغم تقريرا عن نتائج تنقيباته فيها: "حملتان من الحفريّات في سدراتة (1951 - 1952م) " في "أعمال معهد البحوث الصّحراويّة"، عدد 10 (النّصف الثاني من 1953م)، ص123 - 138، وكذلك: "البحث عن سدراتة" في "الجزائر" أكتوبر (1953م)، ص5 - 12. تظهر تجهيزات الرّيّ هذه وكذلك آثار بعض القصور المحصّنة على الصّور المأخوذة من الجوّ الّتي عرضها [م روفلّوا بريغول] في "بلاد ورجلة (بالصّحراء الجزائريّة). تنظيم البيئة الرّيفيّة في وسط صحراويّ وتنوّعها"، باريس، السّوربون (1975م).
(4) - انظر [ج مارسيه]: العمران الإسلاميّ الغربيّ، ص58 - 59 (فنّ سدراتة).
لم يسبق مثله في تاريخ الفرقة تشهد به الحفريّات الّتي أجريت في سدراتة. عاقت ازدهار الواحة من حين لآخر أحداث غزو وتدمير عرضها ابن خلدون (1) أو فتن ذكرها المؤرّخون الإباضيّون (2). (1/130)
صفحة 131
لم تؤثّر هذه الملمّات كثيرا في النّشاط الأدبيّ والدّينيّ الّذي شهد فيها ازدهارا ملحوظا. يكفي فعلا أن نتصفّح كتب السّير ككتاب الشماخي لنرى قائمة مدهشة لعلماء عاشوا فيها (3). لم يتردّد بعضهم في السّفر إلى بلدان بعيدة والإقامة في ديار الغربة لتلقّي علوم الدّين والدّنيا. لنأخذ مثال أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم السّدراتيّ: هو كما تشير نسبته أصيل سدراتة، وفيها تابع دراساته الأولى، ثمّ سافر لتوسيع معارفه،
__________
(1) - مثلا (ح 460 - 461هـ/1067 - 1068م) "بعث النّاصر (من بني حمّاد) ابنه المنصور في العساكر ونزل واغلان بلاد المنتصر بن خزرون وهدمها؛ وبعث سراياه وجيوشه إلى بلد وارجلا وولّى عليها وقف بالغنائم والسّبي". تاريخ البربر، ترجمة [دو سلان] 2: 50. لنذكر خصوصا الغزوة المدمّرة الّتي قام بها يحيى بن غانية - في (1226 أو 1229م) والّتي "دمّرت ورجلة وتركت تلك المدينة قاعا صفصفا". انظر مقال [مارسي] "ابن غانية" في دائرة المعارف الإسلامية 2، 2: 1030 وكذلك [برنشفيغ]، م م 1: 298.
(2) - أشار إلى تلك الفتن محمّد أطفيّش في الرّسالة الشّافية، ص116 ومحمّد عليّ دبّوز: نهضة الجزائر ج1 ص154 - 156.
(3) - منهم: أبو صالح النّفوسيّ وهو محدّث من (ق 3هـ/9م) (الشماخي: السّيَر، ص275 - 276)؛ نفّاث بن أبي عبد الله السّدراتيّ (أواسط ق 3هـ/9م) مؤسّس فرقة النّفّاثيّة المخالفة؛ أبو عبد الله محمّد بن بكر وهو مصلح أسّس الحلقات الّتي امتدّ إشعاعها على واد ريغ والمزاب حيث أدخل في الإباضيّة قبائل أمازيغيّة كانت على مذهب المعتزلة وقد قضى آخر حياته في ورجلة ومات في (440هـ)؛ وإخباريّ الفرقة الشّهير أبو زكريّا يحيى بن أبي بكر صاحب كتاب السّيرة وأخبار الأئمّة؛ الخ.
وحجّ برفقة أبي عمّار عبد الكافي أحد أبرز علماء الفرقة، ثمّ قصد الأندلس وأقام خاصّة في قرطبة حيث درس علم اللّسان والرّياضيّات (1). ثمّ ألّف كتبا في الفقه والأصول محلّ اعتبار عند الإباضيّة، وله تفسيرا ضخما للقرآن وكتابا في تاريخ ورجلان وسدراتة ووادي ريغ مفقودا للأسف. قامت في ورجلان كذلك حلقات (2) أدباء وعلماء دين.
الكاتب ومؤلّفاته
في هذا الوسط- ورجلان- ظهر أبو سهل يحيى. لا نعرف إلاّ القليل عن (1/131)
صفحة 132
حياته، وتواريخها غير ثابتة. والظّاهر أنّه من علماء (ق 6هـ/12م) (3). أفاد الشماخي، في الفقرة الّتي خصّصها له بين سيره (4)، بأنّ عدّة علماء تتلمذوا عليه، وذكر أنّه كان من أئمّة ورجلان ونقل أخبارا عن أبي زكريّا يحيى بن أبي بكر، الورجلانيّ مثله، وابن مؤسّس الإباضيّة في المزاب، ومؤلّف كتاب السّيرة وأخبار الإمامة (أو "أخبار أبي زكريّا") (5). من الوارد التّفكير بأنّ أبا يحيى تأثّر بهذين المعلّمين وتشرّب روح الحلقات الّتي أسّسها أبو عبد الله بن أبي بكر والّتي بدأت تزدهر في المزاب إثر سقوط الدّولة الرّستميّة، وانتعشت كذلك في ورجلة ومناطق أخرى امتدّت إليها الإباضيّة في الغرب ممّا قد يفسّر النّزعة التّقويّة الّتي تسم عقيدته أكثر ممّا سبقها. يرجع أبو سهل إلى سلطة أبي زكريّا منذ البداية في الفصل المهمّ عن التّوحيد (ص1) ويعود إلى الاستشهاد به عند وصف مسالك الدّين الأربعة (ورقة 30، الوجه).
__________
(1) - انظر [ليفيتسكي]، المؤرّخون، ص89 - 90.
(2) - انظر مقال "حلقة" لـ[ليفيتسكي] في دائرة المعارف الإسلامية 2، 3: ص97 - 101.
(3) - حسب [ليفيتسكي] (المؤرّخون 79): أواخر (ق 5هـ/11م)، وحسب كتّاب الطّبقات الإباضيّة (الدّرجينيّ: طبقات ج1 ص10): النّصف الأول من (ق 7هـ/13م)، وحسب أطفيّش (الرّسالة الشّافية): النّصف الثاني من (ق 6هـ/12م).
(4) - الشماخي: السّيَر، ص507 - 508.
(5) -[ليفيتسكي]، المؤرّخون، ص93 - 94.
ذكر الشماخي لأبي سهل كتبا أخرى إلى جانب العقيدة، لكنّها الكتاب الوحيد الّذي وصل إلينا حتّى اليوم، والوحيد الّذي ذكره له البرّاديّ ضمن قائمة (1/132)
صفحة 133
من المؤلّفات الإباضيّة (1)، إلاّ إن كانت جوابات أبي سهل اللاّلوتيّ الّتي توجد مخطوطة منها ضمن الخزانة البارونيّة بجربة من تأليفه هي أيضا (2).
يوجد نصّ العقيدة في نسختين مخطوطتين في مكتبة القطب ببني يزقن، رغم أنّ شاخت ذكر واحدة فقط (المكتبات والمخطوطات الإباضيّة في المجلّة الإفريقيّة، عدد 100، (1956م)، (ص391 رقم 81). يقع المخطوط الّذي سنتبعه في 50 ورقة مكتوبة بالخطّ المغربيّ بواقع 17 سطرا بالصّفحة و26 بدءا من (ص35). النّصّ مهترئ في بعض المواضع والمخطوط ناقص. سنستخدم في عرضه ترقيم الصّفحات العاديّ دون ذكر أرقام الأوراق (3). والنّسخة الثّانية موجودة ضمن مصنّف يضمّ نصوصا مخطوطة تبدأ بقصيدة محمّد الرّحّال وقصيدة محمّد بن شيخان، تتبعهما مجموعة أدعية. وتقع في 26 ورقة: حزمتين تضمّ كلتاهما 10 أوراق، و6 أوراق في حزمة ثالثة، وتكمّل السّابقة لكنّها ناقصة هي الأخرى. وسنحيل في استشهادنا بها إلى أرقام الأوراق.
مخطّط الكتاب
يمكن تجميع القضايا الّتي تناولها المؤلّف في قسمين: قسم تعليميّ هو الأكبر حجما (من ص1 حتّى ص43، السّطر 8)، وآخر يتمثّل في منافحة (ص43 (1/133)
صفحة 134
-ص50) ناقص.
__________
(1) - عنوانه: العقيدة في علم التّوحيد وعلم السّرّ. انظر [موتيلنسكي]، "جرد كتابات المزاب" في بطاقة المراسلات الإفريقيّة 3، (1885م) عدد 81. لم يذكر الكتاب البرّاديّ في الجواهر ولا نور الدّين السّالميّ في اللّمع المرضية. انظر: مجموع ستّة كتب، ص68 - 77.
(2) - انظر قائمة المصادر في أطروحة النّامي: دراسات في الإباضيّة.
(3) - سلّمَنا المرحوم الشّيخ أطفيّش أمين مكتبة القطب نسخة من هذا المخطوط.
يبدو أنّ أبا سهل كان يقصد جمع موادّ القسم الأوّل تحت عنوان "العلم" العامّ، وقد اتّبع في ذلك تقسيما ثلاثيّا: علم التّوحيد، علم الشّريعة الحقّة السّمحاء والمناسبة لطاقة الإنسان، علم القلب وخفاياه والأعمال الواجبة عليه. غرضه، كما نرى، ليس نظريّا (1) بقدر ما هو عمليّ، يركّز على سلوك المؤمن.
يتصدّر علم التّوحيد والصّفات تقليديّا كلّ كتاب في الأصول. وقد جاء في صدر العقيدة (1 - 12: 16). وتلاه علم الشّريعة (12: 16 - 13: 3) حيث عدّد أركان الإسلام الّتي يتعيّن بشأنها جمع المعرفة والتّطبيق، وقد رأى الكاتب بلا شكّ أنّ لا جدوى من تخصيص عرض مطوّل له لأنّه تعرّض لتحليل على قدر كاف من التّفصيل في العقائد السّابقة (خاصّة عقيدتي نفوسة والمزاب). ثمّ تناول علم أسرار القلب (13: 3 - 30: 9) حيث فحص على التّوالي مفاهيم النّيّة، البصيرة، الرّضا، الغمّ، الرّجاء والخوف، التّوبة، طهارة القلب، التّقوى، 4 خصال متلازمة، العلم والعمل والإخلاص والخشية، الشّكر والعلاقة بين الحمد والشّكر. عند هذا الحدّ أدرج عدّة فصول قصيرة حول فوائد تلاوة بعض النّصوص الدّينيّة التّقليديّة كالاستعاذة والبسملة والفاتحة (30: 9 - 37: 22). وأنهى هذه الاعتبارات بفصل عن فضل العلم وبوجه خاصّ علم القرآن (37: 22 - 43: 8). (1/134)
صفحة 135
__________
(1) - انظر تصنيف إمام الحرمين للعلم إلى نظريّ وضروريّ (الإرشاد، [لُسياني]، باريس (1988م)، ص24 - 25/ 8 أو تصنيف الخوارزميّ العامّ إلى علوم الشّريعة وعلوم العجم؛ وحول تصنيفات العلوم الأخرى [غارديه]، مقدّمة إلى اللاّهوت الإسلاميّ ص101 - 134.
تناول القسم الثّاني الّذي جاء في شكل منافحة مسألة اختلاف الفرق: الواقع والسّبب (43: 8 - 44: 19)، التّوحيد الّذي واجه به هنا المجسّمة والمشبّهة (44: 19 - 45: 19)، مرجعيّة كتاب الله وحكمه بخصوص سلوك المؤمن والأمّة بعد تحكيم صفّين (45: 19 - 48: 9)، الولاية والبراءة، الله الخالق مع نقد القدريّة (48: 9 - 49: 23)، الوعد والوعيد مع نقد المرجئة والمالكيّة (49: 23 إلى آخر النّصّ).
التّوحيد
لدراسة التّوحيد وضّح أبو سهل المعنى الّذي يمكن فهم "الواحد" به. يمكن فهمه بأربع طرق، تعتبر الأوليان الله في ذاته ومن جهة تفرّده المطلق عن المخلوقات، والرّابعة فعله في العالم، وتستخلص الثّالثة النّتائج المنجرّة عن النّظر في العلاقة الصّاعدة بين العبد والله: 1 - يستحيل تصوّر الله حالاّ في مكان أو مؤلّفا من أجزاء (ليس بمتحيّز ولا ذا أبعاد)، 2 - لا ثاني له إذ ينتفي فيه العدد والأعراض، 3 - هو واحد أحد وإليه وحده يعود الحمد لاتّصافه وحده بالقدرة والعلم وهو الجدير وحده بالعبادة وفضلا عن ذلك يفيض على العباد نعمه، 4 - هو واحد في انفراده بأفعال الخلق والتّنزيل وبعث الرّسل (وهذه نقطة ذكرها تبغورين من قبل (1). استمدّ أبو سهل يحيى هذه الطّريقة في عرض التّوحيد من أبي زكريّا، وأشار إلى ذلك الشماخي: "روى عن الشّيخ أبي زكريّا الواحد في صفة الله على 4 أقسام: أحدها وثانيها نفي الكمّيّة المتّصلة والمنفصلة أي ليس بذي أجزاء ولا عدد، والثّالث واحد في الصّفة والرّابع (1/135)
صفحة 136
واحد في أفعاله" (2).
__________
(1) - أصول الدّين، ص3.
(2) - الشماخي: السّيَر، ص507 - 508.
تتركّز النّقاط المهمّة الأخرى الّتي يمكن إبرازها في باب التّوحيد على تأكيد انفراد الله بإيجاد العالم من عدم، لا من هيولى سابقة الوجود ألقى عليها الصّورة. يفضي التّحليل إلى تأكيد التّنزيه بإيجاز وبقوّة في نفس الوقت: "هو وحده خالق العالم، الأدنى والأعلى، بجواهره وأعراضه على تنوّع صورها، بلا بداية ولا نهاية، في غير مكان ولا زمان، لا نهار ولا ليل، لا سماء ولا أرض، لا ظلمات ولا أنوار، هو القديم وكلّ ما سواه حادث وخاضع ومصنوع، هو وحده خلق من عدم بلا مُعين ولا شريك، لا مثيل له ولا موجود معه، لا إله إلاّ هو" (ص3). ويتمثّل أبو سهل ببيتي أبي العتاهية: "ألا إنّنا كلّنا بائد/ وأيّ بني آدمٍ خالد؟ // وبدؤهم كان من ربّهم/ وكلّ إلى ربّه عائد". يقنع هذا الكلام المستمع القريب من الفطرة، وفيه صدى من القرآن. ربّما تضمّن ردّا على الثنوية (النّور/الظّلام)، لكن خصوصا على الدّهريّة القائلين بقدم العالم. بهذا الصّدد يعيد أبو سهل حجّة تبغورين: "العرض لا ينفصل عن الجسم"، لا يسبقه ولا يتبعه، هو مثله من جنس الحادث. (المترجم: بقيّة الأبيات: فيا عجبا كيف يعصي الإله أم كيف يجحده جاحد// ولله في كلّ تحريكة وفي كلّ تسكينة شاهد// وفي كلّ شيء له آية تدلّ على أنّه الواحد" وقد علّق عليها الجنّاونيّ في كتاب الوضع: "وهذه الحجّة من واجبات العقل الّتي لا خلاف بين أهل العقول فيها". رأى الثنوية في كلّ شيء في الكون ثنائيّات، و [أغسطين] آية على سرّ التّثليث، وبعض الفلاسفة أنّ حقيقة الكون التّربيع بدءا من العناصر الأربعة والطّبائع الأربع!). (1/136)
صفحة 137
في الواقع لا يتمثّل تعالي الله على العالم المخلوق، الّذي هو أصل عبادة وحمد مخلوقاته، في وحدته تلك بقدر ما يتمثّل في كونه "سابقا" للحادثات، ذلك أنّ الجوهر والعرض هما أيضا عند الفلاسفة واقع بسيط بلا تركيب لا يقبل التّبعيض والتّجزيء (1). يبيّن أبو سهل باختصار أنّ وجود الله يُثبت بالطّرق الأربع: 1 - الشّريعة (إنكار إبراهيم عبادة النّجوم: ق 6: 76)، 2 - الطّبع (أي الفطرة: لا صنع بدون صانع أو خالق)، 3 - العقل (لو كان لله شريك لما أظهر تلك القدرة الفريدة في خلق وتدبير العالم ولكانت الفوضى تسوده)، 4 - اللّغة (المصدر يدعو اسم الفاعل، ولا سبيل إلى تصوّر حادث بدون محدث (2). نجد هنا أدلّة استمدّها الكاتب من الورجلانيّ، وهي في نفس الوقت شائعة عند المتكلّمين (3).
__________
(1) - إن قيل: إنّا نجد في الحوادث الموجودة شيئا لا ينقسم ولا يتجزّأ هو الجوهر والعرض، فما الفرق بين هذين النّوعين من الواحد؟ أجبنا: الله قديم بلا بداية ولا نهاية، أمّا الأشياء - فلا توصف بالواحد على وجه المدح بسبب العجز والحدوث والعدم الّذي يعتور ذاتها. عقيدة، ص7.
(2) - عقيدة، ص8.
(3) - الورجلانيّ: الدّليل والبرهان، ص44؛ [علّوش]: رسالتان ص64 - 65.
فيما يتعلّق بالصّفات، يستعرض الكاتب 3 مواقف: الأوّل نفي وجودها كلّيّا باعتبارها بمثابة آلهة مع الله، والثّاني القول بحدوثها وهو يعني أنّ الله كان يتّصف بالموت قبل الحياة والعجز قبل القدرة والاستكراه قبل الإرادة والبلادة قبل الرّضا والسّخط، وذاك خطأ النّكّار. يعني رفض هذا الموقف ضمنيّا قبول أبي سهل الاعتقاد في أزليّة صفات الفعل كالرّضا والسّخط، والنّصّ إذن دليل إضافيّ لصالح مذهب متكلّمي الإباضيّة الغربيّين القائل بأزليّة صفات الفعل، ولا يوضّح الكاتب هنا إن كانت قبل تحقيقها الفعليّ محض قوّة في الله، مجرّد قدرة على (1/137)
صفحة 138
الفعل (1). يتمثّل الموقف الثّالث في نظريّة الأشاعرة القاضية بأنّ الصّفات معان أزليّة كالله ذاته. أمّا بخصوص الموقف الصّحيح فلا يزيد أبو سهل عن تأكيد سلبيّة الصّفات الإلهيّة، مثلا ليس القول بأنّ الله حيّ سوى إخبار عن ذات الله فحواه: ليس ميّتا.
العلم
الفصل المخصّص للعلم هو القسم الأكثر توسّعا في التّحليل. بعد تأكيد أنّ طلب العلم فريضة وتعداد أنواعه الثّلاثة (التّوحيد، الشّريعة، خفايا القلب)، حلّل الكاتب هذا الجانب الأخير في نوع من الإنشاء الحرّ حول مواضيع كبرى في الرّوحانيّات الإسلاميّة انطلاقا من القرآن، وأكثر من الأحاديث الّتي استشهد بعدد منها.
__________
(1) -[مورينو]، ملاحظة عن اللاّهوت الإباضيّ ح م ج د ش ن 3 (1949م) ص303.
عند البحث في مفهوم دينيّ (مثل التّوكّل أو التّقوى) يحاول الكاتب أن يستفيد ممّا تحمل التّسمية العربيّة من معان أصليّة، ويقدّم أحيانا تعريفا، لكنّه يعطي بالأحرى وصفا له يربطه بمفاهيم روحيّة قريبة، وذاك أسلوب لا يخلو من تكرار. وتحاذي الملاحظات النّفسيّة، مثلا حول الغمّ، التّحاليل الدّينيّة، وذلك أمر عاديّ في الأخلاقيّات. يضيف الكاتب أيضا بخصوص عدّة مفاهيم تصنيفها فقهيّا: كفرضيّة التّوكّل وطلب العلم. تفضي هذه التّحاليل بطبيعة الحال إلى الوعظ، ممّا يوحي بأنّ الكاتب – الذي كان إماما - دمج في هذه العقيدة تعليما ومواعظ كان يلقيها على مريديه وهو يشرح لهم الجوانب الرّوحيّة للعقيدة. فعلا (1/138)
صفحة 139
كانت العقائد الأخرى قد أشارت باقتضاب إلى جلّ تلك المعاني كالعلم والنّيّة والعمل والاستسلام والتّوكّل. لكنّه أضاف أخرى كالرّجاء والتّوبة والغمّ والإخلاص والبصيرة والتّقوى، مع عقد مقارنات بين معان متضادّة (كالخوف والرّجاء) أو متكاملة (كالحمد والشّكر). في بعض المقاطع يتحوّل الأسلوب إلى الحضّ والوعظ (ص16 مثلا): كما نرى في دعوته إلى الرّضا بقضاء الله الّذي هو أحبّ وأنفع للإنسان، هنا يأخذ الوعظ نبرة مؤثّرة وينتقل الخطاب إلى ضمير المتكلّم: "ما قُضي لك يا نفس ... "
أسرار القلب
ثمّ انتقل الكاتب إلى دراسة قضيّة مركزيّة: أسرار القلب. كتاب أبي سهل امتداد للعقائد السّابقة، لكنّه هنا يحمل طابعا مبتكرا يبرز حتّى في عنوانه: "عقيدة في علم التّوحيد وعلم السّرّ والفروض ومعرفة أسرار القلب الشّريفة والدّنيئة". هناك كما نرى عنصر جديد: معرفة أسرار القلب. هذا الموضوع ذو مكانة هامّة ويحتلّ ثلث المخطوط تقريبا.
نلمس لدى الكاتب اتّجاها قويّا إلى الباطن، ونبرة في هذا المجال نميل إلى نعتها بالإنجيليّة. مصدر زكاء القلب ودنسه نزعاته الخفيّة. ونلاحظ استخدام عبارة العقل الرّوحانيّ (الّتي كان القدّيس بولس قد استخدم عبارة تشبهها): هو الّذي يحكم نشاط الرّوح في مجال "العلوم" (والعلوم المقصودة تحمل بطبيعة الحال ميسم المذهب الإباضيّ (1) تنقية القلب شرط لبلوغ معرفة حقيقيّة لله. القلب، أي العقل الرّوحانيّ، ا (1/139)
صفحة 140
لّذي يميّز الأشياء ويبسط عليها سلطانه، والّذي يحكم ويدرك كذلك العلوم، لا يمكن أن يتعارض مع الشّرع. يبدو معيارا ذاتيّا ومتعارضا مع واجب تلقّي المعرفة من معلّم وفي قالب تعليم خارجيّ. والحقّ أنّ الإباضيّة أكّدوا بقوّة وجود مصدر ذاتيّ باطن للمعرفة في باب الحجّة (أي معرفة الله الطّبيعيّة). هل يطابق القلب المنقّى في فكر أبي سهل الفطرة، أي القلب الّذي هو بطبعه على دين الإسلام إن جاز التّعبير، موافقا بصفة غريزيّة للحقيقة المنزّلة؟ في الواقع لا يوجد تعارض، لأنّ تبليغ تعليم
__________
(1) - علم أسرار القلب غايته تنقية وتطهير القلب الّذي ينظر الله إليه في المقام الأوّل. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم. لأنّ القلب هو الأساس والقطب الّذي يتبعه كلّ شيء، بل هو الملك والرّئيس وبقيّة الأعضاء تابعة. وقد رُوي عن سيّد الأنام هذا الحديث: إنّ في الجسد مضغة إن صلحت صلح الجسد كلّه وإن فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب، فإيّاكم أن تفسد. وهو مستودع كلّ نفيس عند الإنسان، وكلّ معنى له شأن يأتي أوّلا من العقل الرّوحانيّ الّذي يتبيّن به الأشياء ويحكمها. تجد فيه كلّ العلوم مرجعها. وهو يحكم عليها ويميّز بينها. والدّليل الّذي يحمله هو من الله تعالى. والشّرع لا يتنافى معه. وغايته معرفة الله تعالى. وهو أصل سعادة العبد في الدّارين. والقلب مقرّه. عقيدة ص25 س 8 وما بعده.
يفترض لدى المتلقّي استعدادا للتّلقّي، وبدءا تطابقا بنحو ما مع الحقيقة المقدّمة. هذا الاستعداد بُثّ في الأصل في قلب الإنسان، على الأقلّ كقدرة على التّمييز بين الخير والشّرّ، وبين الحسن والأحسن، ومعرفة الله غايته ومنتهاه. لمّا يؤكّد أبو سهل أنّ كلّ فكرة ذات وزن مصدرها العقل الرّوحانيّ الّذي منه يأتي تمييز الأشياء، يذكّر ذلك حتما ببعض أفكار الغزاليّ حول القلب. وراء المعنى الجسمانيّ وربّما بعلاقة به للقلب معنى ثان: فهو "لطيفة ربّانيّة وروحانيّة: هذه اللّطيفة هي حقيقة الإنسان، وهي المدرك العالم العارف من الإنسان ... هذا المعنى الثّاني متعلّق لعلوم المكاشفة، وتحقيقه يستدعي إفشاء سرّ الرّوح" (1). طبعا ليس أبو سهل يحيى في المذهب الإباضيّ (1/140)
صفحة 141
الوحيد الّذي أكّد على دور القلب في المعرفة. بنحو شبيه، قال أطفيّش لاحقا بخصوص النّيّة: "هي عمل القلب لا يدخلها رياء والقلب هو منبع المعرفة" (2).
__________
(1) - الغزاليّ: إحياء 3: 3.
(2) - أطفيّش: شرح كتاب النّيل، القاهرة ج10 ص181.
في موضع لاحق، بعد الحديث عن الشّفاعة، عاد الكاتب إلى موضوع القلب مشيرا إلى ضرورة عمليّة تطهير (1) يصل القلب من خلالها إلى أطوار أرقى. واستخدم مصطلحا من لغة التّصوّف الإسلاميّ: المنازل. يقتضي حفظ القلب وصونه يقظة دءوبا لما يدعوه- مثل المتصوّفة هنا أيضا- الأحوال (2)، وتنبّها إلى الخواطر الّتي كثيرا ما تنشأ فيه. في نفس الوقت لا بدّ من مجاهدة مجموعة من الرّذائل التي هي أعداء القلب بالمعنى الّذي حدّده به: الكبْر، الرّياء، التّباهي، الرّغبة، الحسد، الإلحاد، الكفر، طول الأمل (3) (رجاء استمرار البقاء)، التّسرّع، حبّ البروز، الإسراف، حبّ الدّنيا الّذي هو أصل كلّ الذّنوب، إيثار
__________
(1) - عقيدة، ص23 - 24.
(2) - يفرّق الغزاليّ بين الحال العابرة والمقام الثّابت والّذي هو طور أرقى. الحال تميّز الطّالب، والمقام وضع السّالك. انظر إحياء ج4 ص142. يختلف معنى هاتين الكلمتين من كاتب إلى آخر. وبين المتصوّفة (كالسّرّاج) من قلبوا العلاقة بينهما: فالمقام عندهم مجموع الرّياضات الّتي يقهر بها الصّوفيّ نزعاته ويتجرّد من أعراض الدّنيا، فيعيش حياة زهد كالرّهبنة المسيحيّة. تعقب هذه المرحلةَ الانتقاليّةَ الّتي هي ثمرة جهد الإنسان (جهاد النّفس) الحالُ الّتي هي هبة من الله ويميّزها التّقلّب (كما يوحي معنى اللّفظ في العربيّة) وطابع ذاتيّ يتعذّر التّعبير عنه هو التّصوّف بالمعنى التّامّ: يطابق عند الكتّاب المسيحيّين الاتّحاد بالمسيح. انظر توفيق بن عامر: "حول الأحوال والمقامات في التّصوّف الإسلاميّ"، في إبلا عدد 135 (1975م)، ص33 - 37.
(3) - طول الأمل "له سببان: الجهل وحبّ الدّنيا، وهو أنّه إذا أنس بها وبشهواتها ولذّاتها وعلائقها ثقل على قلبه مفارقتها فامتنع قلبه من الفكر في الموت الّذي هو سبب مفارقتها، وكلّ من كره شيئا دفعه عن نفسه؛ والجهل أنّ الإنسان قد يعوّل على شبابه فيستبعد قرب الموت مع الشّباب". إحياء ج4 ص456 - 457.
الدّنيا على (1/141)
صفحة 142
الآخرة، المظاهر الزّائفة، التّظاهر بالفضيلة، الخ ...
يجدر بالملاحظة أنّ الذّنوب الّتي سمّاها الجنّاونيّ في عقيدته (1) ومن ضمنها ذنوب باطنة صرفة وتقتضي من ثمّة الوضوء دُرست هنا لعلاقتها بضرورة نقاوة القلب. هذه النّقاوة جزء أساسيّ من الطّهارة، بصفة مماثلة بل وبدرجة أرفع، لطهارة البدن الّتي تبقى مع ذلك الأولى والأساس الّذي تنبني عليه: "إنّها الطّهارة الباطنة وهي الأهمّ: نقاوة القلب المجرّد من المفاسد وطهارة الأعضاء المطهّرة من الذّنوب والنّجاسات. إن طهر القلب، كان الإنسان بأكمله تحت سلطان التّقوى، وبذلك يبلغ السّعادة في الدّنيا والآخرة."
النّيّة والتّوكّل
ثمّ تناول مواضيع أخرى كالنّيّة والتّوكّل اللّذين عُدّا من أركان الإسلام الأربعة في عقيدتي أبي حفص (2) والجنّاونيّ (3). تقترن النّيّة قطعا بالأعمال، فالمبدأ ينصّ بوضوح على أنّ "الأعمال بنيّاتها". ماذا تستطيع أن تحقّق؟ لا يمكن أن توصل إلاّ إلى قربى الله، لأنّ فكرة حلول الله في المخلوق مرفوضة لمخالفتها للتّنزيه. واستخدام كلمة حلول غريب من إباضيّ، فهي تنتمي إلى لغة المتصوّفة حيث تُطلق على حلول الله في نفس الإنسان، لكنّ لها هنا معنى أضيق. ومع النّيّة (1/142)
صفحة 143
ركّز الكاتب على أهمّيّة البصائر (4)، أي إدراك باطن الأشياء.
__________
(1) - انظر عقيدة نفوسة، ص38 - 39.
(2) -[موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة ص520.
(3) - انظر عقيدة نفوسة ص16 - 17.
(4) - على إخلاص النّيّة في أداء الطّاعات يتوقّف الثّواب الدّائم والحلول قرب ربّ العزّة في مقام النّعيم. بالبصائر نفوز بالقرب من الله ناهيك عن العلوم المختلفة الّتي يُكرم بها الإنسان في الدّنيا والآخرة. ص14.
التّوكّل بوضوح موضوع قرآنيّ، ولم يكن صعبا على الكاتب جمع بضع آيات ذات صلة، تقرنه بحياة الله (ق 25: 8) وبالإيمان (ق 9: 51) وبالتّعلّق بالله وحده (ق 65: 3). تأتي وصيّة للنّبيّ لتكمّل عرض مزاياه، مبيّنة علاقته بمسألة الرّزق: "قال النّبيّ: لو أنّكم توكّلتم على الله حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطّير تغدو خماصا وتروح بطانا". يتبيّن من ذلك أنّ التّوكّل هو توكّل القلب على الله: على العبد أن يفوّض أمره إلى الله ويعيش في أنسه دون سواه. هو فرض على العبد يقتضيه العقل والقرآن. أتت كلمة توكّل الّتي صيغت على وزن تفعّل من الوِكالة. التّوكّل على شخص يعني اتّخاذه وكيلا يهتمّ بشأن موكّله ويؤمّن سيره على ما يرام ودون أن يتوجّس منه خيفة: "وكفى بالله وكيلا" (ق 4: 81).
الرّضا بقضاء الله
في دراسة الرّضا، قابل الكاتب الاستسلام- استسلام العبد التّامّ لقضاء الله وما يفترضه من توكّل واثق- مع الخوف من سكرة الموت "ذلك اليوم الّذي تبيضّ لهوله رؤوس الولدان" والّذي قد يُظهر ما يخشاه الإنسان رغم إخلاصه الحاضر: العقاب الّذي كتبه له الله مسبقا.
تظهر مقارنة بتفكير أبي حامد الغزاليّ التّقابل بينهما. عند حجّة الإسلام، الرّضا من ثمار المحبّة ومن مقامات المقرّبين. وحقيقته تخفى على أكثر النّاس، ولا (1/143)
صفحة 144
يُجلى الغموض الّذي يلفّها إلاّ لمن يعلّمهم الله التّأويل ويكشفها لهم. الرّضا هو أقصى ما يبتغيه أهل الجنّة. بهذا الصّدد ذكر الغزاليّ حديثا يقول إنّ الله يتجلّى للمؤمنين فيقول: سلوني، فيقولون: رضاك. وسؤالهم الرّضا بعد النّظرة نهاية التّفضيل في رأي الغزاليّ. ورضا الله على عبده قريب من الحبّ الّذي يخصّه به. وإنّما يسأل أهل السّعادة الرّضا بعدما ظفروا بنعيم النّظر، لأنّ الرّضا سبب دوام النّظر ورفع الحجاب (1). هذا التّصوّر كما نرى غريب عن تفكير أبي سهل وبصفة أعمّ الفكر الإباضيّ الّذي فضلا عن ذلك ينفي إمكانيّة رؤية الله.
__________
(1) - الغزاليّ: إحياء ج4 ص343 - 344.
تلا ذلك نصّ حول القضاء (1) لا ينبغي أن يمرّ دون لفت انتباهنا، فهو يُبرز جوانب هامّة من المذهب الإباضيّ. لا نقول مع ذلك إنّه قدّم دراسة متكاملة لقضيّة العلاقة بين قضاء الله وحرّيّة الإنسان، فقد شدّد بالأحرى على موقف الرّضا التّامّ المطلوب أمام قضاء الله. هذا الرّضا فرض لازم، أوّلا لأنّه ليس مسموحا للإنسان بمساءلة الله على قضائه. ولأنّ القضاء بصفته قرارا إلهيّا يقتضي رضا العبد به وإلاّ لما كان الوضع وضع ربوبيّة وعبوديّة. ثمّ لأنّ لله وحده الحكمة الكفيلة بتحديد ما يناسب الإنسان أو لا. وإن كان الله قد نفى الإيمان عمّن لم يرض بحكم النّبيّ، فكيف بمن يثور على قضاء الله تعالى؟ هذا الرّضا، مع لزومه، يفترض في نفس الوقت استعدادات تنشأ عنها فوائد جمّة: طمأنينة النّفس، الشّعور بالأمن، الثّقة في حسن تدبير العناية الإلهيّة؛ وهو من جهة أخرى ينجينا من غضب الله ومن أخطار جسام، من الكفر والنّفاق. يعرض الكاتب كذلك (1/144)
صفحة 145
المواقف الّتي تستوجبها في المؤمن شتّى الأوضاع الّتي يوجدها القضاء: قد تمسّ الإنسان سرّاء أو ضرّاء، قد يصيبه خير أو شرّ، فكيف ينبغي أن يتصرّف؟ يلزم في السّرّاء الرّضا بالله الّذي هو واهب النّعمة وبنعمته. وفي الضّرّاء الرّضا بصبر بالقضاء الّذي هو مصدره وبما قضى. الخير- بالمعنى الواسع الّذي تعطيه له اللّغة العربيّة والّذي يشمل الخير المادّيّ والمعنويّ على حدّ سواء- يستوجب بالأخصّ الشّكر. أمّا الشّرّ فليس مطلوبا من الإنسان الرّضا به من حيث كونه أمرا مكروها، وإنّما الاقتناع بحكمة الله وعدله.
__________
(1) - انظر عقيدة، ص15 - 17.
عالج برصانة قضيّة أخرى، قضيّة مصير الإنسان في الآخرة. أكّد أوّلا تحديد مصير الإنسان بنحو مطلق في الأزل. وصياغته الّتي تتّفق مع التّقليد الإسلاميّ لا تدع مجالا للإفلات من تلك الحتميّة. فقد قال النّبيّ: "السّعيد من سعد في بطن أمّه". قد يُعترض بألاّ جدوى لأفعال الإنسان في تلك الحال، وهو يجيب بالإحالة على العناية الإلهيّة وتدبيرها الخفيّ. ومن الملفت أنّه يطرح ضمن التّوقّعات احتمالا تشاؤميّا هو إمكانيّة فقدان الإيمان ومعرفة الله في آخر ساعة من العمر. هكذا تظهر بكلّ وضوح مشيئة الله المطلقة: كلّ شيء تابع لقضاء الله الأصليّ، وقد يغيّر حدث لا يمكن التّكهّن به مصير الإنسان في ساعة العمر الأخيرة فتكون عاقبته ما يدعوه القرآن "الخسران المبين". ينسجم هذا الطّرح حول القضاء مع ما جاء في العقائد الإباضيّة الأخرى ويطابق موقف الأشاعرة. بهذا الصّدد يعدّ انسحاب الإيمان ساعة الموت احتمالا واردا بما أنّ مصير الإنسان محدّد مسبقا وتابع بنحو وثيق لعلم الله بالغيب. (1/145)
صفحة 146
الغمّ
إمكانيّة فقدان الإنسان إيمانه وانمحاء معرفته السّابقة بالله بنحو فجائيّ، كما رأينا، هي أسوأ مأساة قد تواجهه ساعة الموت، وهي مصدر غمّ (1)، بل الغمّة الوحيدة لأنّها تتجاوز كلّ ما يمكن أن يدور بخاطره. هناك غمّ قد يفاجئنا يصاحب الطّاعة، لأنّها قد تقترن بالخوف من ألاّ تُقبل. كذلك هناك الغمّ المتولّد عن ذكرى الذّنوب الماضية الّتي ليست مغفرتها مضمونة تماما. وهناك غمّ أخير يبعثه في المحتضر وعيه الحادّ بنزع الإيمان ومعرفة الله بنحو فجائيّ من جنانه. يجيز الكاتب طبعا وجود أشكال أخرى من الغمّ في الإنسان، ويشدّد على حتميّة القضاء وشموله كلّ شيء في حياة الإنسان: "كلّ ذلك قضاء مكتوب على اللّوح المحفوظ، لا يقبل زيادة ولا نقصانا، ويجري بلا تبديل ولا تحويل إلى يوم القيامة وبمقتضى علم الله بخلقه" (ص17).
الرّجاء والخوف
__________
(1) - هناك 3 أنواع من الغمّة: غمّة الطّاعة لمّا يخاف العبد أن لا تُتقبّل منه؛ وغمّة الذّنوب لمّا يخاف ألاّ يغفرها الله له، قال تعالى: "كلّ نفس بما كسبت رهينة" (ق 74: 38)؛ غمّة نزع الإيمان ومعرفة الله، قال تعالى: "فلا يأمن مكرَ الله إلاّ القوم الخاسرون" (ق 7: 99). وقيل كذلك إنّ كلّ غمّة تتلخّص في حقيقة واحدة هي نزع معرفة الله. كلّ غمّة مباحة. كلّ هذا من القدر وهو مكتوب على اللّوح المحفوظ، لا يزيد ولا ينقص، وهو باق ويجري حسب علم الله بخلقه إلى يوم القيامة. عقيدة، ص17.
يتمّم تحليل ثنائيّ الرّجاء والخوف (1) بنحو منطقيّ ما تقدّم. طلب أبو سهل أن يكونا متوازنين، وقرن الرّجاء بالوعد والخوف بالوعيد، وأشار بموقف وسط (1/146)
صفحة 147
بينهما، مقرّعا في نفس الوقت شططين: اليأس والاغترار. الخوف المفرط يدفع إلى اليأس من رحمة الله، والرّجاء الّذي يتجاوز بلا مبرّر حدود الاعتدال يأمن ما يدعوه القرآن "مكر الله" (ق 7: 99). هكذا إذن تُعدّ المواقف المفرطة "خطيرة ومهلكة، ومرذولة ومنبوذة". ثمّ انتقل الكاتب إلى تطبيقات على مستوى الأشخاص، مقتصرا على مرحلتين مهمّتين من العمر: الكهولة والشّيخوخة. للكهولة أخطارها: إن بلغ العبد أشدّه فترك أوامر الله وستحلّ نواهيه وانتهك وصاياه، فسيحرمه الله بلا شكّ من رحمته، لأنّ طلب الرّحمة في حالته محض مساومة وغرور. ثمّ لمّا يرى الإنسان تناقص قواه مع المشيب فالأنسب له الانتقال من الخوف إلى الرّجاء، لأنّ الله، حسب ما ذكر نبيّه، لم يُخْف تقديره لعباده الّذين يرجون رحمته وقربه من القلوب الوجلة من ذكره. مع ذلك يقتضي توطيد رجائه أن يكون وهو في أوج القوّة والصّحّة قد تمسّك بالطّاعة وتحاشى الذّنوب. وفي كلّ فترات العمر، التّمادي في الذّنوب مع رجاء العفو محض اغترار، يدفع إليه الشّيطان: "يعدهم ويمنّيهم وما يعدهم الشّيطان إلاّ غرورا" (ق 4: 120).
__________
(1) - انظر عقيدة، ص19 - 20.
الحرص على الوسطيّة كما وصفها يشبه بنحو ملحوظ ما ذهب إليه الغزاليّ في هذا الباب، فعلى حدّ قوله: "الرّجاء والخوف جناحان بهما يطير المقرّبون إلى كلّ مقام محمود، ومطيّتان بهما يقطع من طرق الآخرة كلّ عقبة كؤود" (1). وهو أيضا يرى أنّ "العمل على الرّجاء أعلى منه على الخوف لأنّ أقرب العباد إلى الله تعالى أحبّهم إليه، والحبّ يغلب الرّجاء" (2). يفسَّر هذا التّرتيب بالموقع المركزيّ (1/147)
صفحة 148
الّذي يعود، عند الغزاليّ، إلى المحبّة بين المقامات الّتي وصفها. فهي أعلى مقام يبلغه الإنسان (3)، والأحوال الأخرى كالشّوق والأنس والرّضا ثمرة محبّة الله. والمقامات السّابقة كالتّوبة والصّبر والزّهد تمهّد لها (4). بعد التّحليل الّذي قدّمه بقليل (ص20، في الفقرة عن التّوبة)، أعلن أبو سهل الّذي يبدو قريبا من الغزاليّ ومتأثّرا به بلا شكّ أنّ "المعرفة والمحبّة هما نهاية المرغوب وغاية المطلوب".
التّوبة
__________
(1) - انظر إحياء ج4 ص142.
(2) - المصدر نفسه، ص144.
(3) - يمكن تقريبه بعدّة كتّاب مسيحيّين، خاصّة القدّيس أغسطين في شرح رسالة القدّيس يوحنّا: "لا مخافة مع المحبّة الكاملة، بل المحبّة الكاملة تنفي المخافة إلى خارج" (يوح1 4: 18). لا بدّ أن تدخل المخافة إلى النّفس أوّلا لتهيّء المكان للمحبّة: "كلّما زادت المحبّة نقصت المخافة، وكلّما نقصت المحبّة زادت المخافة، لكن لا محبّة بدون المخافة". في هذا الباب تشبه أفكار الغزاليّ الّذي يقرن بين ثنائيّ الرّجاء/الخوف والمحبّة تحاليل أبي سهل ولها نفس النّكهة الأغسطينيّة. انظر القدّيس أغسطين: شرح رسالة القدّيس يوحنّا الأولى (النّصّ اللاّتينيّ مع التّرجمة الفرنسيّة وملاحظات ومقدّمة لـ[بول أغيس]، باريس، سرف، مجموعة المصادر المسيحيّة، عدد 75، 161، ص68.
(4) -[لاوست]، سياسة الغزاليّ، 327.
يعرض تحليل التّوبة الّذي يلي ذلك (1) شتّى العناصر الّتي يقوم عليها تحوّل تامّ: حرقة القلب، كراهية الذّنب، العزم الوطيد، الإقرار، تغيير الحياة الفعليّ. بذلك يحصل العبد، لا على اليقين، بل على الرّجاء في المغفرة والعودة إلى مودّة الله. لا يظهر الجانب الخارجيّ للتّوبة إلاّ في الاعتراف باللّسان، ويغيب تقريبا جانبها الاجتماعيّ وإن كان الإقرار يتضمّنه لا محالة.
لنتفحّص بالتّفصيل ما كتب عن التّوبة. تحمل هذه الكلمة عدّة معان: النّدامة، تغيّر (1/148)
صفحة 149
وجهة النّفس، الابتعاد عن الذّنب، الإنابة إلى الله، التّحوّل. في تحليله يحتلّ مفهوم الذّنب موقعا مركزيّا ويظهر كواقع هامّ في حياة الإنسان. ما هو الذّنب؟ هو عند الله شرّ يجب اجتنابه "في كلّ فرصة وفي كلّ لحظة"، ورجس ينبغي تطهير النّفس منه. مع أنّ للإنسان دورا في هذا الباب، إلى الله تعود المغفرة وهي منوطة برحمته. لكن على العبد أن يبعث في نفسه أحوالا تدفعه إلى الإنابة إلى الله. كيف؟ يلحّ المنهج التّربويّ المقترح على التّفكّر في الثّمن الواجب دفعه مقابل الذّنب، وعلى الضّرر النّاجم عنه والعواقب الجسيمة المترتّبة عليه والّتي تصل حدّ "العذاب الدّائم الأليم في مقام الذّلّة". يسبّب هذا الوعي ما يدعوه الكاتب "حرقة القلب" ويؤدّي إلى الأسف والحسرة.
__________
(1) - عقيدة، ص20 - 22.
يقيم الكاتب صلة بين معنيي السّعادة والتّوبة. ما دامت الذّنوب عند الله شرورا وأدواء، فعلينا أن نتذكّر أنّ لتلك الأدواء أدوية، منها التّوبة تحديدا. وهي تفتح للعبد باب الرّجاء في الحصول من الله لا على المغفرة فقط بل كذلك على المحبّة. والحال أنّها تمنح العبد امتيازا مدهشا: "فلمن يحبّه الله لا يحمل عمل مشوب بذنب أذى". وليس ذلك كلّ ما في الأمر، فقد "قيل ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم 70 مرّة. لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار". يستخدم الكاتب من جهة أخرى تأويلا مجازيّا ينسب إلى الله دفع الإنسان إلى المعصية ثمّ مكافأته، ودفعه إليها مرّة أخرى ثمّ مكافأته من جديد. ومن ثمّة فإنّ "الصّالحات يأتين من مغفرة السّيّئات". ويؤوّل مغزى المصائب على المستوى الرّوحيّ انطلاقا من الآية: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير" (ق 42: 30).
كما ذكرنا آنفا يبدو جانب التّوبة الاجتماعيّ غائبا هنا، كما لو كانت شأنا (1/149)
صفحة 150
فرديّا صرفا. والسّبب هو أنّ الجانب الاجتماعيّ لا يلعب دوره حقّا إلاّ في حالة البراءة. في تلك الحالة الّتي تمثّل عقابا استثنائيّا، يُلفظ الفرد المعنيّ ويُنبذ من الجماعة الإباضيّة ولا تُرفع حالة النّبذ إلاّ بمراسيم إعادة هذا المذنب الكبير إلى حظيرة الجماعة. كان هذا الطّقس الّذي وصفه محمّد عليّ دبّوز يوجد قديما وما زال العمل به مستمرّا في المزاب (1). وتذكّر بعض جوانب فيه بالتّوبة العلنيّة الّتي كانت الكنيسة تعمل بها في الماضي.
__________
(1) - انظر محمّد عليّ دبّوز: نهضة الجزائر ج1 ص209 - 212؛ و [كوبرلي]: الإباضيّة في (ق 12هـ)، إبلا عدد 144 (1979م)، العدد 2 ص300 - 301.
لماذا لم تتناول عقيدة أبي سهل هذه المسألة؟ الظّاهر أنّ ذلك لا يدخل في إطار هذا النّوع الأدبيّ. وأيّا كان السّبب، لا يستدعي الموقف تدخّل الجماعة إلاّ في حالة تعدّ سافر مشهود له جانب خارجيّ ظاهر، كالسّرقة والتّعدّي على حقوق النّاس والعدوان وترك الصّلاة وشرب الخمر. توقَّع العقوبة في تلك الحال على مراحل: فبعد فشل محاولات إعادة المذنب إلى الجادّة فقط تُعلن البراءة منه في المسجد. إذّاك يفقد عمليّا حقوقه المدنيّة، وتزيد وضعه سوءا مقاطعة الأهل والعشيرة وعزلته على مستوى المهنة والفئة الاجتماعيّة، الخ.
يتيح هذا المثال المعروض باختصار فهم أبعاد ما قدّم الكاتب بخصوص التّوبة. ويرجّح أنّ انعكاسات الخطايا على مستوى علاقة الفرد بالجماعة كانت ماثلة في ذهنه وإن لم يوضّحها. (1/150)
صفحة 151
الشّفاعة
في فقرة وجيزة عن الشّفاعة (1)، الّتي اختصّ بها النّبيّ والله، ذكّر الكاتب بمذهب الإباضيّة حول هذه النّقطة. أكّد بحزم: "ليس في الأمّة اختلاف حول هذا المعتقد الثّابت، وأهمّ منها شفاعة الله لعباده". وهي معتقد راسخ أساسه القرآن، ومشروطة بإذن الله: "الله لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم ... من ذا الّذي يشفع عنده إلاّ بإذنه" (ق 2: 255). ولا تكون إلاّ للمؤمن الموفي بدينه. وهذا ردّ على الأشعريّ الّذي لم يشترط على المسلم ليتمتّع بها سوى الإيمان.
التّقوى
__________
(1) - انظر عقيدة، ص22 - 23.
عاد الكاتب إلى موضوع خفايا القلب. ثمّ بحث مفهوم التّقوى (1) الّتي هي "حرز قائم بين العبد والذّنب"، وهي في فكره على صلة وثيقة بالنّقاوة: إن طهر القلب أساس الإنسان في كلّ سلوكه القياد للتّقوى. يوحي الجذر "وقى" (صان وحصّن) بمعنى النّقاء. من ناحية سلبيّة يجب إذن في المقام الأوّل تجنّب الكبائر وبالأخصّ الشّرك. على مستوى إيجابيّ تحمل التّقوى للمتّقي عديد الخيرات، لا فقط النّعم الرّوحيّة البحتة كالحصانة والنّعمة واليقين بالقرب من الله لأنّ "الله مع الّذين اتّقوا" (ق 16: 128)، بل كذلك ومثل الحكمة الّتي طلب سليمان من الله خيرات الدّنيا وسعادة تروي الغليل: غبطة تامّة ونيل المنى ومُلكا عظيما، وهي خيرات تثير التّنافس بين المؤمنين. (1/151)
صفحة 152
قوائم الدّين
اعتبر أبو سهل العلم والعمل والإخلاص والخوف قوائم الدّين مستخدما تقسيما رباعيّا مثل أبي حفص والجنّاويّ (2) الّذي كان قد عدّد عناصر الدّين الأساسيّة الّتي لا يقوم إلاّ باجتماعها. وقد استبدل النّيّة والورع بالإخلاص الّذي خصّه بتحليل لاحق والخوف الّذي تحدّث عنه في تحليله السّابق لثنائيّ الخوف والرّجاء المتضادّين. لا يتعلّق الأمر بإبدال بأتمّ المعنى، فهما في الحقيقة يناظرانهما، ولا أدلّ على ذلك من تعريف الشّرّاح غالبا للنّيّة بالإخلاص والعمل لله. ثنائيّ العلم والعمل مشترك بين كلّ العقائد، ومن ذلك نستنتج أنّه أساسيّ، لكن مع تقديم العلم على العمل إذ يجب أن يأتي العمل من العلم، هو بالتّالي من ثماره كما قال أبو سهل في فقرة لاحقة. النّيّة قريبة من معنى الإخلاص، والخوف ذو صلة بالورع.
__________
(1) - انظر عقيدة، ص24 - 25. استشهد بالآيات (ق 5: 27، 53: 32، 16: 128، 54: 4).
(2) -[موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص520 و522؛ الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص16.
لنلج في صميم الموضوع: أيّة خصال يجب أن تتوفّر في العبد؟ يجيب أبو سهل: العلم والعمل والإخلاص والخوف. نلاحظ أوّلا أنّه قدّم العلم على العمل (1). وهو كعالم يضع في الحضيض الجهل، الّذي فيه شبه بالعمى، بل إنّ نوم العالم لأرفع درجة من صلاة الجاهل. يرافق هذا الحكمَ الّذي يجعل الجهل في الدّرك الأسفل تقييم سلبيّ لسلوك الجاهل: فهو لا يفعل الخير لأنّه لا يملك القدرة على فعله ولا يعلم ما هو أصلا، خاصّة أنّ عمى بصيرته يُنئيه عن تنفيذ ما أُمر. هكذا يرى هذا الشّقيّ انحراف فعله يغلب ما قد يتضمّن من خير. ما لهذا الشّخص من وسيلة (1/152)
صفحة 153
سوى أن يصير عالما مثل أبي سهل. "فليعملْ عن علم وإلاّ حُرم أجر الطّاعة والحسنات والأعمال الصّالحات". لماذا؟ لأنّ العلم والعمل مرتبطان ارتباطا حميميّا وثيقا، ولا قيمة لأيّ عمل بدون العلم، وصحيح كذلك أنّ العلم بلا عمل تجارة بائرة، لأنّ العمل من "ثمار العلم". إن لم نضع أمام أعيننا هذا الدّرس، فسنعرّض أنفسنا إلى إحباط من "لم ينل من عنائه واجتهاده ومكابدته أجرا ولا ثوابا". رفع الكاتب العلماء بوضع الجاهلين. لكن يجب ألاّ نسيء فهم وجهة نظره الحقيقيّة الّتي ترتبط بفكرة القضاء والقدر وتولّد الخوف. عبّر عن ذلك أبلغ تعبير: "قيل: النّاس كلّهم هلكى إلاّ العالمون، والعالمون كلّهم هلكى إلاّ العاملون، والعاملون كلّهم هلكى إلاّ المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم (2). فلا يغترَّ الإنسان بأمن السّاعة الحاضرة بما فيها من عبوديّة لله واستقامة وعصمة وتوجّه إلى سواء السّبيل. فإنّه لا يدري ما قضى الله في الغيب في أمره، فالأعمال تجرّ عواقبها وللأشياء غايتها. كم من النّاس تغرّهم سلامة بعض اللّحظات وهي تخفي لهم شرورا شتّى. لقد غرّ الله إبليس ببعض أعمال العبوديّة له بينما كان قد لعنه في علمه الأزليّ. أن يكون الشّيطان الرّجيم
__________
(1) - انظر عقيدة، ص25 - 26.
(2) - الغزاليّ: إحياء ج4 ص362، بخصوص الإخلاص.
معَدّا لذلك المصير أمر معلوم مسبقا. هنا غيّر كاتبنا وجهته ليهاجم النّبيّ بلعام الشّهير الّذي لم يذكره القرآن لكنّ المفسّرين جعلوه خلفا لموسى، إمامَ العور وقائد البور، لقد "أوهمه الله بأنّه كان في نور صداقته بينما كان حسب قضائه عدوّا لله" (انظر ق 7: 175 - 176). تنحو لهجة هذا الحديث عن القضاء والقدر إلى إحلال جوّ من الخوف هو في نظر الكاتب أحفظ للسّلامة، لكنّه في الحقيقة قد يولّد الشّكّ: "قيل من (1/153)
صفحة 154
كان واثقا بأنّه على الدّين الصّحيح، الله ينزعه منه". بيّنٌ أنّ هذا الموقف يزيل كلّ شعور بالأمن. والعلم أيضا، رغم منزلته الرّفيعة، وحتّى إن اقترن بالأعمال الصّالحة والعبادة الصّادقة، قد يكون غرورا. حسب النّظرة الإباضيّة تهمّ حالة النّفس الأخيرة فقط (1)، فهي تكشف عن فكرة الله عنها في الأزل. مع تحفّظ: هو أنّ التّبرير الّذي توحي به تلك الحالة النّهائيّة لن يتحقّق فعليّا إلاّ إن سبقه إيمان صادق مدى العمر.
الصّدق أو الإخلاص
يقود تشدّد هذا المذهب المفرطُ الكاتبَ بنحو منطقيّ إلى طرح مسألة الصّدق أو إخلاص العبادة. ميّز نوعين من الصّدق (2): مجرّدا من الأغراض ونفعيّا. يعني الأوّل التّوجّه الخالص إلى الله بالطّاعة واتّباع أحكامه، وهو منبثق من الإيمان الصّحيح وسالم من الإشراك الّذي هو أن يُبتغى بالعمل غير الله. الصّدق النّفعيّ هو الّذي كلّ همّه وديدنه الحصول على الأجر والثّواب، ونظرة الكاتب إليه غير إيجابيّة. ويتمثّل حسب تعريفه في "إرادة الظّفر بالآخرة بفعل الخير وأعمال الطّاعة". إن لم يحبّ العبد الله لذاته ويسع إليه وهو لا يبتغي سواه، فإنّ سعيه في الدّنيا وراء الأجر فقط وإشراك هذا الغرض مع الله علامة إرادة منحرفة.
__________
(1) - لا قيمة لتحوّل في اللّحظة الأخيرة يمليه الخوف حسب إبراهيم بيّوض في تفسير "من قريب" (ق 4: 17) (في محادثة).
(2) - عقيدة، ص27 - 28.
بعد عدّة استشهادات بالقرآن والحديث، تناول الكاتب تمييزا آخر، هذه المرّة بين نوعين من النّعم: دنيويّة ودينيّة، مع تقسيم كلّ منها إلى (1/154)
صفحة 155
أصناف. "الأولى نوعان: نعم نفع ونعم دفع. نعم النّفع نوعان: منح مزايا ومنافع، ونعم الدّفع نوعان: دفع فُرص الفساد ودرء الشّرّ. ونعم الدّين نوعان: التّوفيق والعصمة، الّتي هي عون الله لعباده لوجه الإسلام في المقام الأوّل، وهي أعظم النّعم وأرفعها درجة، وبها نيل النّعيم الدّائم" (1).
يستدعي منح النّعم طبعا الشّكر والحمد. هنا يُجري تمييزا دقيقا بين الرّياضات الباطنة الّتي يرتبط بها الشّكر، ويحلّل بإيجاز المعطيات الّتي يقوم عليها هذان المفهومان (2). الحمد مدح وضدّه التّوبيخ، والشّكر هو طاعة الخالق سرّا وعلانية، وهو نفي الكفر، بل ينبغي القول إنّه الصّيغة المثلى للعبادة. لماذا؟ لأنّ إنكار نعم الله كفر، كما نرى من فعل كفر الّذي يعني "أنكر نعم الله"، وهو يرادف إذن غياب الإيمان بالله كلّيّا.
بهذا النّحو يمكن تلخيص أقوال أبي سهل يحيى حول خصال العبد الأربع، ولا بدّ من التّنويه بوجوب اجتماعها، ومطابقتها لا للسّنّة فقط بل كذلك لما يدعوه "الطّريق" أي الإباضيّة.
الأدعية
__________
(1) - عقيدة، ص28.
(2) - جرت العادة عند هؤلاء الكتّاب على مقارنة معنيين متقاربين. انظر مثلا عند الغزاليّ مقارنة الشّكر والصّبر، وقد طرح قضيّة التّوفيق بينهما وجود الشّرّ (انظر إحياء ج4 ص127) لا التّضادّ بين الخاصّ والعامّ.
تتناول الفصول الخمسة التّالية دراسة بعض الأدعية المتداولة: الاستعاذة، البسملة، الفاتحة. بخصوص كلّ منها يذكّر أبو سهل بالأسس القرآنيّة أو بأسباب (1/155)
صفحة 156
التّنزيل (1). تعدّد بعض الأحاديث الّتي تتّصل سلسلة إسنادها غالبا بابن عبّاس، وأحيانا بمحدّثين آخرين (2) فوائد تلاوة هذه الأدعية الورعة. وقد يستعين الكاتب باعتبارات لغويّة (3)، مستشهدا بالرّمّانيّ (4) وسيبويه (5). ويطبّق التّأويل المجازيّ الّذي استخدمه المفسّرون منذ فترة مبكّرة (6) مستشهدا ببعض الكتّاب غير الإباضيّين، لكن مع العودة إلى الإباضيّين كلّما لزم البتّ في استخدام هذا الدّعاء أو ذاك في بعض شعائر العبادة: مثلا ترى الجماعة أنّ قراءة الاستعاذة غير إلزاميّة رغم إشارة ابن سيرين (7)
__________
(1) - مثلا بالنّسبة إلى الاستعاذة، (ق 7: 200، 5: 6)، وقعقعة إبليس 3 مرّات عند نزول الفاتحة الّتي أجمعت الأمّة من بعد ابن عبّاس على أنّها نزلت بمكّة بعد سورة المدّثّر (74)، فنزلت إثر ذلك الآية (111: 1).
(2) - منهم أنس بن مالك ومجاهد والحسن البصريّ، ومسلم والبخاري في صحيحيهما
(3) - مثلا في تفسير أصل كلمة الله من علوّ أو وله: يتألّه يعني يتعبّد، إله مع حذف الهمزة
(4) - الرّمّانيّ (أبو عيسى الحسن بن عليّ بن عيسى) (276 - 384هـ/889 - 994م) نحويّ وعالم لغة ومتكلّم معتزليّ. انظر [بروكلمان]، تاريخ الأدب العربيّ، دراسات إسلاميّة ص175.
(5) - سيبويه: نحويّ زعيم مدرسة بغداد مؤلّف "الكتاب"؛ انظر [بروكلمان]، المصدر نفسه، ص160
(6) - مثلا ابن عبّاس والحسن البصريّ وشهر بن خوشب الّذين استشهد بهم في تأويل حروف البسملة: الباء للبهاء، السّين للسّناء، الميم للمُلك الخ. شهر بن خوشب الأشعريّ محدّث (20 - 100هـ/641 - 718م)، انظر: الأعلام ج3 ص259.
(7) - أبو بكر محمّد بن سيرين محدّث (ت 110هـ/728م)، معاصر وصديق الحسن البصريّ. انظر مقال "ابن سيرين" لفهد في دائرة المعارف الإسلامية 2، 3: ص972 - 973.
وإبراهيم النّخعيّ (1) بقراءتها بعد الفاتحة.
فضل العلم
لفصل فضل العلم الّذي يختم هذا القسم نفس سمات فصول أسرار القلب. (1/156)
صفحة 157
يجمع في بدايته آيات قرآنيّة تمدح العلم، ويستشهد أكثر بالأحاديث، ولا يغفل الحكمة الشّعبيّة (قال بعض الحكماء). يذكر مصادر الحديث كلّها ولا يهمل في استدلاله عن شرف العلم أيّ مصدر، بل يفاجئنا بذكر اسم عثمان بن عفّان نفسه الّذي لا يحظى عادة بالتّبجيل عند الإباضيّة، مع إضافة "عليه السّلام". لا شكّ أنّ ثناءه على العلماء أعفاه من التّنديد الّذي يتبع اسمه غالبا في كتاباتهم. وقد قدّم جلّ الأحاديث الّتي أوردها هنا- كما في بقيّة الكتاب- دون ذكر إسنادها ولا درجة صحّتها. إذ ليست غايته تصنيف الأحاديث بل الحضّ على تقدير العالِم (2) وطلب العلم المجرّد من الأغراض الّذي هو فريضة على كلّ محتلم.
تقسيم العلم الّذي رسم ملامحه ذو طابع تجريبيّ أكثر ممّا هو منطقيّ. ولا يتطابق مع تصنيف المعارف الّذي قدّمه الجنّاويّ في صدر كتاب الوضع (3) وفي عقيدة نفوسة (4). وقد قدّم الكاتب تقسيمه ب"قيل" الّتي توحي بأنّه لا يعطيه سوى مصداقيّة محدودة: "قيل: العلم نوعان: علم القرآن وعلم الفقه، وما سوى ذلك فتنة. قيل كذلك إنّه يشتمل على ثلاثة أمور لم يعلّمها الله إلاّ لنبيّه: تفسير القرآن، والأحاديث، ولسان العرب" (5). (1/157)
صفحة 158
معاني القرآن
__________
(1) - إبراهيم النّخعيّ (ت 71هـ/690م). انظر الزركلي: الأعلام ج1 ص53.
(2) - مثلا: "نظرة إلى العالم أحبّ إليّ من عبادة سنة (من الصّيام وقيام اللّيل) "، "فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي"، الخ. عقيدة، ص39.
(3) - نشره في القاهرة إبراهيم أطفيّش، انظر، ص3.
(4) - عقيدة، ص49 - 53.
(5) - عقيدة، ص38 - 39.
أصول الدّين هي كما عند الجنّاونيّ: القرآن والسّنّة والإجماع (1). في تفسير القرآن هناك المعنى الظّاهر الّذي يبرز عند القراءة، لكن لا ينبغي أن يحتكر وحده اهتمامنا، فللمعنى الباطن أهمّيّة مماثلة. وإن كان المعنى الظّاهر يبرز عند القراءة، فالمعنى الباطن قد يخفى عن العالم، وهو مدعوّ في تلك الحال إلى تفويض ما يتجاوز فهمه إلى الله. نصل إلى هذا المعنى الباطن بالتّأويل. في هذا المضمار يستشهد أبو سهل بأحاديث تشجّع على سبر كلّ معاني القرآن، فنصوصه ذات تآويل متعدّدة ومعان لا يمكن استنفادها (2). في نفس الوقت، يحذّر العالم بخصوص استعمال الرّأي، ويذكّره بخطورة مسؤوليّته: فإنّه إن أخطأ ربّما أوقع كثيرين معه في الخطأ. ومن الحكمة اللّجوء الحذر في حالة الشّكّ إلى "لا أعلم" و"الله أعلم".
لرّدّ على أهل الخلاف
__________
(1) - عقيدة، ص44.
(2) - استشهد أبو سهل بهذا الخصوص بقول لابن عبّاس: إنّ القرآن يضمّ آيات تحتمل تأويلات شتّى، وفيه بطون وظاهر، وآياته لا تنفد ولا تستوفى. فمن تلطّف في درسه نجا، ومن تعنّف هوى. والقرآن ذو وجوه متعدّدة: فيه الخبر والحكم والحلال والحرام والنّاسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والظّاهر والباطن. ظاهره في التّلاوة وباطنه في التّأويل. فاطلبوا للقرآن العلماء واجتنبوا الحمقى. وإيّاكم وزلّة العالم والجدال الّذي يحرّف القرآن". عقيدة، ص42.
للجزء الأخير من العقيدة طابع المنافحة. وينتقد فيه الكاتب بقوّة المشبّهة (1/158)
صفحة 159
والمجسّمة والمالكيّة والقدريّة والمرجئة. الفرقتان الأخيرتان صنفان لُعنا على لسان 70 نبيّا. تطابق الآراء المنسوبة إلى القدريّة أفكار المعتزلة، وقد عدّد لهم الآراء التّالية: 1 - الإنسان خالق أفعاله، ويردّ على ذلك بأنّ تأكيد خلق الإنسان لأفعاله يعني طرحها من فعل الخلق الإلهيّ، وذلك يؤول إلى الشّرك. 2 - يستطيع الإنسان بعقله الوصول إلى حجّة وجود الله. 3 - ليس مرتكبو الكبائر، باستثناء الشّرك، كفّارا، ويفنّد هذا الرّأي من خلال الاستشهاد ب3 آيات جاء بناؤها متوازيا واستُخدمت فيها كلمات كافر وظالم وفاسق كمترادفات (1).
أمّا المرجئة فعلّلوا إرجاء الوعيد بالتّخليد في النّار بأنّ الله سيمحو الوصمة اللاّصقة بعباده. لكنّ هذا الدّليل المشبوه يسقط أمام التّأكيدات المكرّرة في محكم القرآن (2) الّتي تدعمها حجّة نفي التّبديل والتّحويل عن كلام الله (3)، ولا يجوز تغليب "تأويل" بغيض عليها. النّحو أيضا يأتي ليؤيّد هذا التّفسير، ففي الآية: "إنّما المؤمنون الّذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم" (ق 8: 2)، يفيد حرف "إنّما" الحصر المتعلّق بالجزء الأوّل من الجملة، وموضوعه الإيمان الّذي حُدّد بتحقيق ما جاء في الآية (4).
__________
(1) - انظر، (ق 5 44 و45 و47)، "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ... الظّالمون ... الفاسقون". عقيدة، 48 - 49.
(2) - (ق 82: 14 - 16، 4: 93، 5: 37، 4: 14، 3: 192، 66: 8، 22: 71).
(3) - "لا يبدَّل القول لديّ" (ق 50: 29).
(4) - عقيدة، ص49 - 50.
يرتكز نقض الجبريّة القائلين بأنّ الإنسان مجبر على أعماله على أنّ حساب (1/159)
صفحة 160
العبد على أفعال لم يفعلها (باختياره) تخالف العقل وحكمة الله وعدله، ويعتمد بوجه خاصّ على الآية: "لكلّ نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت" (1)، وما في القرآن من أمر ونهي، ومن عقاب وثواب، ومن مدح وذمّ أثبت الاختيار والاكتساب (2) ونفى الجبْل والجبْر. نرى هنا أنّ أبا سهل كتبغورين لا يفرّق بين معنيي الجبْل والجبْر. بالنّسبة إليه يتضمّن الفعل جانبين: جهة خلق واختراع لله وجهة اختيار واكتساب تعود إلى العبد (3).
نعلم من مخطوط العقيدة الآخر أنّها تناولت كذلك المسائل التّالية: حقيقة الإيمان والرّدّ على المرجئة (ورقة 27، وجه)، استحالة رؤية الله (27 ظ)، الاستواء على العرش (28 و)، القرآن غير مخلوق (28 و)، عدل الله ضدّ المجبرة (28 ظ)، حرمة أهل التّوحيد ضدّ الصّفريّة (28 ظ-29 و)، حجّة الله (29 و)، فتنة السّكّاكيّة (29 و) والفرثيّة (30 و)، مسالك الدّين الأربعة (30 و)، وربّما مسائل أخرى لأنّ هذا المخطوط أيضا ناقص.
__________
(1) - استشهد بالآيات (ق 98: 6 - 7، 2: 202 و286).
(2) - المقصود أحكام موضوعيّة وشرعيّة لا ذاتيّة، ولا ينظر إلى المعايير الذّاتيّة إلاّ الإباضيّة المحدثون كبيّوض الّذي يقرّ بالتّجربة المباشرة الّتي يكتشف بها كلّ إنسان فيه قدرة على الفعل.
(3) - عقيدة، ورقة 28 ظ.
يبني الكاتب ردّه على المذاهب المخالفة بالأساس على القرآن والسّنّة ولا يدخل في حجاج الخصوم. في الفصل عن كتاب الله يدافع عن مرجعيّة القرآن (1/160)
صفحة 161
المطلقة لحسم خلافات الأمّة في قضيّة التّحكيم في صفّين (1)، ويُصدر ضدّ عليّ حكم إدانة بلا رجعة، فقد ارتكب ذنبا لا يُغتفر إلى يوم القيامة، وهو حكم يثبّته عليه تردّده أكثر ممّا يخفّفه. ولا تؤخذ بالاعتبار في الدّفاع عنه توبته لحظة لمّا رأى جماعة القرّاء على ساحة المعركة. وقد ارتكب الحكمان كفر نعمة، وحكمهما لاغ وباطل لأنّه يعني نقض حكم الله وأوامره ونواهيه والّذي تضمن الإمامة الشّرعيّة تطبيقه. يبدو كذلك إعلان البراءة ضدّ الفئة الباغية وضدّ الحكمين وضدّ معاوية وأهل الشّام الّذين قتّلوا محاربي النّخيلة، والولاية لأئمّة الفرقة التّسعة (4 عرب (2) و5 فُرس (3) مستمدّا من عناصر قديمة في عقائد إباضيّة. وقد عبّر عن تلك المواقف بعبارة "نَدين ب" غير المعهودة في أسلوبه. واكتفى بتعداد الأشخاص المشمولين بالولاية والبراءة، بينما دأب سابقوه على تقديم تحليل ضاف لهذين المفهومين.
الإيمان
__________
(1) - يعتمد على الآية (ق 33: 36) "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالا مبينا".
(2) - الأئمّة العرب: أبو بكر وعمر وعبد الله بن الأعلى بن السّمح المعافريّ وعبد الله يحيى اليمنيّ وأبو الخطّاب.
(3) - الأئمّة الفرس: أئمّة تيهرت الخمسة الأوائل.
هناك في المخطوط الثّاني ردّ على مذهب المرجئة في الإيمان الّذي هو عند أهل العدل (الإباضيّة) معرفة بالجنان وإقرار باللّسان وعمل بالأركان. لم تذكر العقائد (1/161)
صفحة 162
السّابقة (1) سوى عنصري القول والعمل، فربّما استعار أبو سهل لإثراء مفهوم الإيمان من مذهب الأشاعرة العنصر الفكريّ فيه ودون التّقليل من شأن العنصرين التّقليديّين. وليس غريبا أن يسند إلى المعرفة بالجنان المقام الأوّل، فقبيْل ذلك تحدّث بإسهاب عن خفايا القلب. مع ذلك ظلّ متمسّكا بموقف الإباضيّة، كما تبيّن إدانته للمرجئة الّذين لا يضيفون العمل إلى المعرفة و/أو التّصديق، وكذلك استشهاده بقول عمر بن عبد العزيز المستمدّ من مراسلته مع عديّ بن عديّ: "الإيمان يشتمل على حدود وفرائض وأوامر وعادات: من أتمّها أتمّ الإيمان، ومن لم يتممها لم يتمّ إيمانُه" (2).
قضيّة حجّة الله، البدع
__________
(1) - انظر عقيدة نفوسة، ص28، وعقيدة عمان حيث عُرّف الإيمان بأنّه قول وعمل كما جاء في كشف الغمّة، و245.
(2) - انظر عقيدة، ورقة 27 و.
بعد النّقض على فرق أخرى كالمجبّرة فيما يتعلّق بالعدل، وصل به المطاف إلى الفرق المنشقّّة عن الإباضيّة. فردّ أوّلا على أحمد بن الحسين حول حجّة الله، أي معرفة الله بالعقل، الّتي يرى الإباضيّة أنّها لا تحصل بالاستدلال والقياس فقط بل بعون الله وتعليم معلّم منبّه. ثمّ على سكّاك (1) (1/162)
صفحة 163
الّذي اعتمد على الآية "ما فرّطنا في الكتاب من شيء" (ق 6: 38) لرفض حجّيّة السّنّة والرّأي، مستشهدا حسب المنهج المتّبع في الجدال بين المتكلّمين بنصوص أخرى، مثلا: "وما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" (ق 59: 7) وآيات أخرى (2). وأضاف إلى البدع الّتي نسبها أبو زكريّا إلى سكّاك أخرى ناعيا عليه أمورا مخالفة للأعراف الّتي اطّرحها، مثلا: ترخيص أكل لحم الإنسان (3)، ترك عادة رجم الزّاني، إهمال الاستنجاء والاختتان والوتر، وسنن يتّبعها المسلمون منذ عصر النّبيّ كعِدّة المفقود والحدّ في الخمر وميراث الأجداد والجدّات وفرضيّة الإمامة (29 و)، وأضاف أنّ هناك أمورا
__________
(1) - يحمل النّصّ الّذي بأيدينا شكّاك ربّما من باب الطّعن والسّخرية. القراءة المرجّحة: "سكّاك" كما في سيَر أبي زكريّا الّذي كتب: "حدّث عدّة من أصحابنا أنّ السّكّاك يكنّى أبد الله. سوّلت له نفسه مسائل خالف فيها أهل العدل: 1 إبطال السّنّة، سنّة رسول الله، وإبطال رأي المسلمين، وأنّ الله أغنى بكتابه أهل العقول عن غيره، فليس رأي ولا سنّة؛ 2 أنّ الصّلاة بالجماعة بدعة؛ 3 أنّ الأذان بدعة فإذا سمع هو وأصحابه أذان الصّلاة قالوا: نهيق الحمير؛ 4 أنّ الصّلاة عندهم - لا تجوز بشيء من القرآن إلاّ ما عُرف معناه وتفسيره؛ 5 الأجنّة نجسة بما تعدّ به من سماد بني آدم؛ 6 أنّ الصّلاة لا تجوز بثوب فيه القمّل؛ 7 أنّ الأندُر إذا بالت فيها الدّوابّ الّتي تدرس فإنّ القمح لا يطهر إلاّ بالغسل". ص369 - 370.
(2) - ق 24: 63، 53: 3، 16: 44.
(3) - محرّم إلاّ للضّرورة. انظر عقيدة نفوسة، ص39.
أخرى خالفت فيها تلك الفرقة المنشقّة عن الإباضيّة الدّين. أمّا بخصوص مكانها وزمانها فأشار مثل أبي زكريّا: "في زمان مشايخ قنطرارة" (1) مضيفا تفاصيل منفّرة عن سلوك أتباعها الغريب، بوضوح للتّشنيع وتثبيط أيّ تقليد (2). وحسب ما ذكر نشأت (1/163)
صفحة 164
بدعة الفرثيّة (3) في سدراتة أيّام الشّيخ جنّون بن يمريان (4)، وكانت هذه الفرقة تحرّم فرث الغنم، وقد اتّهم أتباعها بالكفر والنّفاق (5).
مسالك الدّين
__________
(1) - أي في (ق 5هـ/11م). أكّد أبو زكريّا، (ت 471هـ/1078م) أنّ الفرقة لم تعد توجد في أيّامه. انظر ل [و. تورنو] ص370.
(2) - "في زمان مشائخ قنطرارة كانوا يصلّون على موتى أهل القبلة كلّهم من المخالفين إلاّ أصحاب السّكّاك فإذا مات أحدهم - لم يصلّوا عليه ودفنوه كالكافر. كانوا إذا سمعوا الأذان قالوا نهق الحمار. ولا يصلّون ووجوههم على الأرض بل يجعلون حفرة في الأرض مثل القطا. وكانوا يعدّون البقول نجسة ولا يُحلّون أكلها. ويجيزون الصّلاة على غير ما يرضى القرآن وأمّة محمّد. وهذا يكفي لخزيهم.
(3) - انظر مقال الإباضيّة، لـ[ليفيتسكي] في دائرة المعارف الإسلامية، 2، 3: 681.
(4) - عاش الشّيخ جنّون بن يمريان في ورجلة في عصر أبي نوح سعيد بن زنغيل (من الطّبقة الثامنة 350 - 400هـ حسب الدّرجينيّ) أي أنّ هذا الافتراق حصل في (ق 4هـ/10م). انظر سير أبي زكريّا، ص126؛ الشّمّاخي: السّيَر، ص503، 374 - 375؛ الدّرجينيّ: طبقات ج2 ص340 - 341؛ عليّ يحيى معمّر: الإباضيّة في موكب التّاريخ ج3 ص59 - 63 عن أبي خزر.
(5) - عقيدة، ورقة 30 و.
ختم أبو سهل العقيدة بوصف مسالك الجماعة الإباضيّة الأربعة الّتي لكلّ منها طابعه المميّز وسيرته. لاختيار هذه الكلمة دلالة، فقد استخدمها أبو عبد الله محمّد بن بكر في عرض النّظام الّذي يلتزم به العزّابة، وهم شيوخ يتولّون شؤون الجماعة الإباضيّة في فترة الكتمان. بهذا الوضع بدأ الكاتب لا بمسلك الظّهور الّذي يبدو البدء به أقرب إلى المنطق. ولا غرو ففي حالة الكتمان كانت الإباضيّة تعيش في أيّامه (1).
في مسلك الكتمان لا يحمل الشّخص الّذي اختارته الجماعة لقب (1/164)
صفحة 165
إمام، ولا يضطلع بمفرده بتطبيق مبدأ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر كما في حالة الظّهور، بل تشاركه في تلك الوظيفة مجالس، تدعى في نصوص أخرى حلقات (2)، أقيمت منذ سقوط تيهرت (في 296هـ/909م). وهناك تشاور بين السّلطتين في الاتّجاهين لم يوضّح طبيعتها ولا مشمولاتها. تقام صلاة الجماعة لكن لا صلاة الجمعة لغياب الإمام والخطبة. والشّخص المعيّن على رأس الجماعة والّذي ليس إماما يقوم مقام الإمام بما أنّه عُيّن في ذلك المنصب باتّفاق الجماعة، وهو مسؤول أمام الله عن حقوق وواجبات كلّ فرد. وقد كرّرت الفقرات الّتي تناولت المسالكَ الأخرى: الظّهور والدّفاع والشّراء ما جاء في عقائد سابقة.
تقييم عامّ
رغم غياب نقاط هامّة عالجتها العقائد الأخرى، كتفصيل البنود العشرة الّتي بها يكتمل الإيمان، وحكم أهل الشّرك، والأنبياء، تشكّل عقيدة أبي سهل كتابا في أصول الدّين يغطّي مجموع القضايا الّتي تهمّ الإباضيّة.
__________
(1) - سيرة الكتمان أن يختاروا رجلا يجمعون عليه فيجعلون إليه ما فرض الله عليهم من حقوق. في الكتمان هناك التّعاون والمشاورة ومجالس المشايخ للحضّ على الخير، والأذان والإقامة، والصّلاة الجامعة وكلّ الإجراءات للأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. ورقة 30.
(2) - انظر مقال "حلقة" لـ[ليفيتسكي]، في دائرة المعارف الإسلامية 2، 3: ص97 - 101.
أعاد، مع الاقتصار على الجوهر ودون الدّخول في تفاصيل التّدليل، طروح سابقيه حول الولاية والبراءة واستحالة رؤية الله وخلق القرآن وحكم أهل التّوحيد والوعد والوعيد. ولا شكّ أنّ ملاحظاته الدّقيقة (1/165)
صفحة 166
بخصوص السّيرة الواجب اتّباعها في مسلك الكتمان تعكس الظّروف الّتي كانت جماعته تعيش فيها في عصره الّذي كان فترة كتمان. والصّفحات الّتي خصّصها لخلافات الفرائق، وحكمه الصّارم على عليّ، وإدانة معاوية وأهل الشّام تذكّر بلا شكّ في أسلوبها بالعقيدة المنسوبة إلى عبد الله بن إباض والّتي نُقلت في كشف الغمّة، وهي تدخل ضمن النّواة المشتركة بين العقائد الإباضيّة. وقد أكّد بقوّة تنزيه الله ووحدانيّته وتقدّمه على الحادث، وذلك بند مشترك بين كلّ العقائد. ولم يستثن شيئا من فعل الخلق الإلهيّ الشّامل (ودون أن يوضّح كالجنّاونيّ أنّ الله خالق الخير والشّرّ سويّا): حتّى أفعال الإنسان الّتي هي بتمامها من خلقه. ومثل تبغورين لم يميّز بين الجبْل والجبْر. وللإنسان في نظريّته الاختيار والاكتساب.
لا شكّ أنّه لم ير جدوى من الدّخول في تفاصيل الفرائض والأحكام العديدة والّتي كانت معروفة من عقيدتي أبي حفص والجنّاونيّ، لكنّها كانت بالتّحقيق ماثلة في ذهنه وذُكرت على وجه الإجمال في الفقرة القصيرة عن علم الشّريعة.
قدّم إسهاما أصيلا بإعطاء توضيحات حول بدع الحسينيّة والسّكّاكيّة والفرثيّة وبتعريف الإيمان بنحو أكمل: وهو موافق لمذهب الفرقة التّقليديّ، إذ اعتبره "الوفاء بجميع الدّين"، ولا تفاجئنا إضافته في المقام الأوّل عنصرا جديدا: المعرفة بالجنان، لأنّ الجوانب الرّوحيّة في العقائد تستحوذ على اهتمامه: وقوائم الدّين الأساسيّة: العلم والعمل والنّيّة (1/166)
صفحة 167
والورع، و"أركانه": الاستسلام والرّضا والتّوكّل الخ الّتي لم تزد العقائد السّابقة على تعدادها حُلّلت هنا بإسهاب مع المفاهيم القريبة منها. ونتبيّن يقينا تأثّرا بالغزاليّ (مثلا: في ما يتعلّق بتطهير القلب) في هذه المعاني المستوحاة من القرآن والحديث والّتي هي الخلفيّة للرّوحانيّات الإسلاميّة. والكاتب يُظهر في هذا الميدان رهافة كبرى في التّحليل ويدفعها أحيانا في اتّجاها ذي طابع إباضيّ مميّز مختلف عن الّذي أعطاها العالم السّنّيّ الكبير (مثلا: الرّضا بقضاء الله).
في هذا الاتّجاه التّقويّ ربّما ينبغي أن نفهم تشجيعه على سبر كلّ معاني القرآن، من ظاهر وباطن، وإدراجه في العقيدة فقرة عن القيمة الدّينيّة لأعمال تقليديّة كتلاوة الفاتحة والاستعاذة والبسملة لا نجد مثلها في العقائد الإباضيّة الأخرى. وبالأهمّيّة الّتي أولاها "لخفايا القلب"- ذاك فعلا هو عنوان فصل طويل في الكتاب- كان مجدّدا وساهم في تطوير العقائد في اتّجاه تبعه على أثره أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي. (1/167)
صفحة 168
الفصل الخامس: كتاب التّوحيد (مقدّمة كتاب قواعد الإسلام) للجيطاليّ
(ت 750هـ/1349 - 1350م)
يثير كتاب التّوحيد (1) لأبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي (2) الاهتمام من أكثر من وجه. هو بوضوح امتداد لعقيدتي أبي حفص عمر بن جميع (المزاب وجربة) وأبي زكريّا الجنّاونيّ (نفوسة)، بما أنّ مؤلّفه عاش في نفوسة وجربة. ومن المفروض أن يمكّننا من تكوين فكرة عن تطوّر الفكر الإباضيّ في أهمّ جوانبه في هذين المركزين الهامّين للإباضيّة في شمال إفريقيا، قرنين بعد موت الجنّاونيّ.
الكاتب ووسطه
__________
(1) - وُضع كتاب التّوحيد في مستهلّ كتاب قواعد الإسلام، ط ح مع حاشية لمحمّد أبي ستّة، ص430 ص؛ أعاد نشره وحقّقه عبد الرّحمن بكلّي بالمطبعة العربيّة، غرداية، في سفرين 383 و290 ص، (1976م). توجد أيضا صيغة مختصرة لعقيدته نشرها في كتيّب يحتوي كذلك على أساس الطّاعات لجميع العبادات دودو سليمان بن أيّوب من بو نورة (المزاب).
(2) - انظر سيرته عند الشماخي: السّيَر، ص556 - 559.
من جهة أخرى، لا بدّ أن تشدّ اهتمامنا شخصيّة الكاتب اللاّفتة: كان بلا شكّ عالما بأتمّ معنى الكلمة، ويستفاد من سيَر الشماخي أنّ ثقافته لم تقتصر على الفقه حيث أظهر ضلاعة كبرى، فقد ذكر عددا من الكتب الّتي كانت مكتبته تحفل بها، مثل كتاب العدل (1) وجُمل الزّجّاج في النّحو (2) (1/168)
صفحة 169
ومقامات الحريريّ وكتاب الدّعائم (3) والقصائد السّتّ وكتب أخرى يطول عدّها. وقد عدّد صاحب كتاب السّيَر مؤلّفاته (4) وعرض مراحل حياته الكبرى: تعلّم مدّة- بلا شكّ في بلدته جيطال قرب جادو بين أمسين وإينر (جبل نفوسة) - على أبي موسى عيسى بن عيسى الطرميسيّ وصاحبه أبي عزيز. ثمّ التحق بالشّيخين أبي عزيز ويدراسن في جامع مزغورة (بمنطقة فسّاطو). تحدّث الجيطالي لاحقا حديث عارف عن العلاقات بين "المسلمين الحقيقيّين" (الإباضيّة) والمنشقّين: فخلال الفترة الّتي استقرّ فيها بغريان (نفوسة) انتقل سكّان هذه البلدة من الإباضيّة إلى المالكيّة، ولمّا ذهب إلى جربة نزل في قسمها الغربيّ، في مستاوة أو نُكّار. ولا شكّ أنّ الدّراسة المفصّلة لحالات الإقصاء والإعادة في الفصل المخصّص للتّعامل مع هؤلاء المنشقّين تعكس وضعا سياسيّا كان فيه طرفا فاعلا رئيسيّا
__________
(1) - بلا شكّ كتاب العدل والإنصاف لأبي يعقوب بن إبراهيم الورجلانيّ (ق 6هـ).
(2) - لأبي القاسم عبد الرّحمن بن إسحاق الزّجّاجيّ، نشره محمّد بن شتب: الزّجّاجيّ، الجُمل، موجز في النّحو العربيّ، باريس، كـ[لنكسيك] (1957م)، 402 ص.
(3) - لأبي بكر أحمد بن سليمان المدعوّ ابن النّظر العمانيّ، (ق 6هـ).
(4) - الشماخي: السّيَر، ص556: 1) قواعد الإسلام؛ 2) قناطر الخيرات، ط ح، القاهرة، البارونيّة، 1307هـ، في 3 أسفار، (494، 459، 566 ص)؛ شرح النّونيّة، في 3 أسفار حول أصول الدّين (للشّيخ أبي نصر فتح بن نوح من النّصف الأول من (ق 7هـ/13م)؛ 3) كتاب في الحساب وقسم الفرائض؛ 4) كتاب الحجّ والمناسك؛ 5) رسائل؛ 6) قصائد.
بصفته أحد مقدّمي ملّته، فقد كان "شيخا حافظا وعالما عاملا محافظا شديدا في الأمر والنّهي) ".
حتّى في أوساط جماعته الإباضيّة لم يجلب له تفانيه في القيام بواجب الأمر (1/169)
صفحة 170
بالمعروف والنّهي عن المنكر صداقات فقط: فبسبب تنقّله في الأسواق لإلقاء المواعظ على السّوقة وبلغ بعض حاسديه في عرضه وقالوا، حسب ما ذكر كاتب سيرته، إنّه "يعلّم السّوقة مسائل الغشّ، يعني ينهاهم عنها فتعلّموها."
مع ذلك لم يكن هذا التّشدّد في المبادئ يتنافى مع قدر من اللّباقة في المعاملات اليوميّة. والظّاهر أنّ تقريعه المتكرّر لم يلبث أن أثار عليه أمير وقاضي طرابلس، حيث نزل ومعه عبيد أراد بيعهم، وقد تحدّاه: "هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ " أغضبت هذه الكلمات القاضي والأمير فما زالا يلتمسان عليه الأسباب حتّى سجناه. وأمكنه الخروج من السّجن بنظم قصيدة مدح بها ابن مكّيّ (1) حاكم قابس، الّذي تشفّع فيه عند حاكم طرابلس فأطلق سراحه، لكن بعدما تسلّم من ابني أبي زكريّا بن مسور مالا ساعد على ما يبدو على اتّخاذ قرار الإفراج عنه. ذكر الشماخي أنّه بعدما خرج بعث رسالة إلى ابن مكّيّ يعتذر فيها ويخبره أنّه لا يستحقّ ذلك المدح كلّه وذلك من تحفّظه وورعه أن لا يكون كذب في شعره وأن لا يكون من الّذين يهيمون في كلّ واد.
__________
(1) - حول علاقات أحمد بن مكّي مع الحفصيّين انظر: [برنشفيغ]، تاريخ إفريقية في العهد الحفصيّ، باريس، ميزونّوف، (1940م)، ج1 ص158 - 159 و173 وما بعد.
يصعب أكثر تفسير موقفه من "أهل الكتاب". ولعلّ نبذة تاريخيّة تسمح بفهمه. نعلم أنّه بعد الإقامة (9 سنوات) بفرسطّا في جبل نفوسة ارتحل إلى جربة. وكان البابا [بونيفاكيوس الثامن] قد أقرّ في (1295م) بملكيّة [روجر دي لوريا] لها ولجزر قرقنة الّتي استولى عليها على سبيل الإقطاع. وفي السّنوات الّتي تلت شهدت الجزيرة وضعا بالغ الارتباك. تخبرنا المصادر التّاريخيّة- كتب (1/170)
صفحة 171
التّاريخ العامّ والمؤلّفات الإباضيّة- أنّها كانت مقسّمة بسبب الصّراع بين صفَّين: إباضيّ وهبيّ ونكّاريّ. في (1309هـ) أقنع [فردريك السّكسونيّ] القائد [ريمون مُنتانِر القطلونيّ] بالارتحال إليها لتهدئتها. وبعد قتال دام سنتين تمكّن من إنهاء الاشتباك بين الصّفّين، ولم يستمرّ في المقاومة إلاّ النّكّاريّة بقيادة رجل يدعى يخلف (وبدعم من قوات حفصيّة بلا شكّ). في ربيع (1311هـ) سحق [مُنتانِر] المقاومين. "ابتداء من ذلك التّاريخ استتبّ الأمن في الجزيرة، الّتي أحياها من جديد أتباع فرقة الوهبيّة المتمتّعون بجميع المزايا جزاء وفائهم للسّلط الرّسميّة، وما لبثت أن استعادت في كنف الهدوء ازدهارها الرّاجع بالفائدة على حكّامها النّصارى وسكّانها الأهليّين على حدّ سواء" (1).
إن تذكّرنا باستمرار وضع النّزاع الحادّ الّذي ميّز العلاقات بين المنشقّين النّكّار والإباضيّة في جربة قبل سنوات معدودة من قدوم الجيطالي، ولم ننس من جهة أخرى أنّ الجزيرة كانت نظريّا تحت حكم مسيحيّ وتعيش في كنف السّلام، فسنفهم بنحو أفضل الأهمّيّة والتّحاليل المستفيضة الّتي خصّ بها الكاتب مسألة العلاقات بين الملل، وسنرى أنّ الأجوبة الّتي قدّمها لم تصدر على الأرجح من اعتبارات شرعيّة مجرّدة فقط.
__________
(1) -[برنشفيغ]، تاريخ إفريقية في العهد الحفصيّ، ج1 ص142.
توفّي في جربة في (750هـ/1349 - 1350م). كان في حياته محلّ إكبار من مواطنيه يضاهي الاعتبار الّذي ظلّ عالقا باسمه بعد موته، فقد كان "مستجاب الدّعاء" (1). من أحسن ما قيل في مدحه قول أبي ساكن عامر (1/171)
صفحة 172
الشماخي (2)، وهو فقيه وناظم أشعار دينيّة معروف معاصر له: "كان وحيد عصره".
مخطّط الكتاب
تسمح نظرة أولى إجماليّة على محاور الكتاب الكبرى بالحكم على الأهمّيّة النّسبيّة للمواضيع الّتي تناولها.
الفصل 1: معرفة الله (ص2 - 44 من طبعة بكلّي):
قيام السّاعة، البعث، الحساب، الثّواب، العقاب، الملائكة، الأنبياء والرّسل، الكتب المنزّلة، القدر، التّوحيد والشّرك، الفرز ما بين كبائر الشّرك والنّفاق، الأمر والنّهي، المنّ والدّلائل، الخوف والرّجاء.
الفصل 2: الولاية والبراءة والوقوف (ص45 - 98):
1 - الولاية: ولاية جملة المسلمين، والأولياء الموصوفين بالعصمة، والإمام، والخارج من الشّرك إلى الإسلام، ومن مذهب أهل الخلاف إلى مذهب أهل الوفاق. ولاية الأشخاص. أشكال الولاية. شروطها.
2 - البراءة: معناها، أدلّة فرضها. براءة الجملة، ومن إمام الجور، والمرتدّ، والخارج من مذهب أهل الحقّ إلى مذهب أهل الخلاف. براءة الأشخاص. الجهات الّتي تصحّ عليها. استتابة المتولّى إذا قارف كبيرة.
3 - حقيقة ولاية الله في العباد وبراءته منهم. (1/172)
صفحة 173
4 - الوقوف: الأدلّة على فرضه. حكم الموقوف عنه. أحكام الوقوف.
الفصل 3: أحكام الملل (ص98 - 129):
عموميّات. حكم ملّة الإسلام. ملل أهل الشّرك والأصنام. الذّمّيّون. قواعد وأركان الإسلام: العلم، العمل، النّيّة وتوابعها من الصّدق والإخلاص، الورع. الأركان الأربعة: الاستسلام، الرّضا، التّوكّل والاتّكال.
__________
(1) - انظر القصص الّتي أوردها عنه الشماخي، السّيَر، ص558 - 559.
(2) - (ت 792هـ/1389 - 1390م).
في تحليل محتوى الكتاب سنتوقّف عند الجوانب الأصيلة فيه. تظهر وجهة النّظر الخاصّة بالكاتب- الّذي هو فقيه أكثر ممّا هو متكلّم- منذ البداية: فهو لا يستهلّ الفصل الأوّل بتعداد الصّفات الإلهيّة أو عرض العقيدة كما هو منتظر، وإنّما بالبحث عن أساس الفروض الّتي تقع على الإنسان. العبد قبل كلّ شيء مكلّف، متّصف بالتّكليف أي المسؤوليّة على أفعاله. تظهر كذلك اهتمامات الفقيه بوضوح في منحى تفكيره: مثلا لا ينتج الدّليل الّذي يرجّحه عن استدلال (في الواقع يعتمد الكاتب على التّأكيد أكثر من التّدليل) أو الاستشهاد بآيات القرآن (رغم إيراد العديد منها كما عند تبغورين) بقدر ما يأتي من تبيّن علّة أي سبب حاسم. كذلك يتمّ الانتقال من الأصل إلى الفرع، ومن العامّ (أو الجملة) إلى الخاصّ من خلال اكتشاف علّة مشتركة. نلاحظ ذلك مثلا في الانتقال من ولاية جملة المسلمين إلى ولاية الأشخاص (ص76)، وكذلك بالنّسبة إلى البراءة.
الإيمان، التّوحيد، الآخرة، الملائكة والأنبياء، خلق القرآن، العلم والعمل
لذلك يقع منطلق الكتاب ومفاصله الرّئيسيّة على مستوى إنسانيّ أكثر ممّا هو (1/173)
صفحة 174
إلهيّ: وهو مركّز على العبد باعتباره مكلّفا (1) وملزَما بفروض. تفوق معرفة الله أهمّيّة كلّ الفروض الأخرى، وهي أوّل "قنطرة" يتعيّن اجتيازه يوم القيامة، وتشكّل موضوع الفصل الأوّل من الكتاب. ولها وجهان: إيجابيّ وسلبيّ. والمدخل إليها الإيمان. يتّضح من كتاب التّوحيد أنّ الإباضيّة في عصر الجيطالي أدخلوا في تعريف الإيمان، على أثر أبي سهل يحيى، العنصر الثّالث الّذي يضاف إلى القول والعمل (2) والمتمثّل في دور القلب. لا يستخدم الجيطالي كلمة تصديق لكنّ تفكيره واضح تماما: "يجب على العبد معرفة ربّه والإيمان به نّطقا باللّسان واعتقادا بالجنان ويعقد في قلبه أن لا إله إلاّ الله" (ص7). لم يذكر "العمل" في هذا التّعريف، لكن يتّضح من الكتاب في مجموعه أنّ هذا العنصر كان بالتّأكيد ماثلا في ذهن الكاتب: وإنّما ينوب عنه الالتزام بالشّريعة الّذي هو شرط أساسيّ لمنح الولاية لأيّ مسلم.
__________
(1) - "إنّ الله سبحانه خلق الدّنيا وحفّها شهوات وملأها آفات، وأسكنها الثّقلين من عباده وسخّر لهم كلّ ما في بلاده ليبلوهم أيّهم أحسن عملا وأسرع إلى طاعته قبولا وفعلا وامتثالا. ثمّ ركّب فيهم عقولا غريزيّة يتعلّق التّكليف بكمالها ويتميّز بها الإنسان من سائر الحيوانات على اختلاف أجناسها." قواعد، ج1 ص2 - 3.
(2) - انظر أبا حفص: "الإسلام لا يتمّ إلاّ بالقول والعمل" ([موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص548)؛ والجنّاونيّ: "الإسلام ينقسم إلى قسمين: قول وعمل" (كتاب الوضع، ص11). مع ذلك أقرّ الجنّاونيّ في مقطع آخر من عقيدة نفوسة أنّ القلب في الباطن هو الّذي يشرك؛ انظر عقيدة نفوسة، ص54 - 55.
أكّد الكاتب كسابقيه التّنزيه، خاصّة بإيراد آيات القرآن المناسبة. ذات الله لا تتبعّض. ولا يجوز فهم الاستواء كحلول على عرش في السّماء (تلميح محتمل لجدالات مع الأشاعرة لكنّ الكاتب لم يسمّهم). نفى الكاتب رؤية الله طبقا للتّقليد الإباضيّ، مستشهدا بالآية: "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" (ق (1/174)
صفحة 175
6: 103). كذلك يجب نفي الاتّصال والانفصال عن الله، فهو "ليس بمتّصل فتمسّه صفحات الأجرام، ولا بمنفصل فتدركه لمحات الأجسام" (1). الغرض من هاتين القضيّتين المتناقضتين ظاهريّا دعم القول باستحالة رؤيته: فهي في فكر الكاتب تفترض مسافة بين العين والمرئيّ تجعل الرّؤية ممكنة، الأمر الّذي يجب نفيه مطلقا. مثل تبغورين، أعلن أنّ الله لا يمكن أن يكون جوهرا ولا عرضا، ولا أن يكون فيه حادث. من الوارد افتراض أنّ الجيطالي يعتمد على تصنيف الأشياء المقدّم في كتاب الوضع (ص3) وعقيدة نفوسة (ص49 - 51). الله من فئة "الشّيء"، والأشياء بهذا المعنى (أي الكائنات) نوعان: قديم ومحدث أي مخلوق، وينقسم هذا بدوره إلى جسم وعرض. هنا نجد أنّ كلمة جسم الّتي كانت لا تزال مستخدمة ضمن مصطلحات الجنّاونيّ استُبدلت نهائيّا عند الجيطالي بمصطلح جوهر.
يعني التّوحيد إفراد الله عن الخلق وجميع معانيهم. فالأشياء لا تشبهه ولا يشبهها في جميع الجهات: في فعل ولا اسم ولا صفة ولا ذات؛ ولا وجه لمناظرتهما، فحتّى إن اتّفقت الأسماء في اللّفظ، فمعانيها مختلفة تماما (ص33).
نقيض التّوحيد هو الشّرك الّذي يميّز الكاتب نوعين منه: أصغر وأكبر. الأصغر على 3 وجوه:
1 - شرك الإكراه الّذي يعبّر عن كراهة أو إنكار ويتمثّل في الكلام عن الله بدون الإجلال الواجب لاسمه (1/175)
صفحة 176
2 - شرك يعكس قلّة ثقة العبد بالله واعتماده على قواه الذّاتيّة أو فطنته
__________
(1) - عقيدة، ص8.
3 - شرك الرّياء وهو أهونها ويقوم على حبّ البروز أمام النّاس. أمّا الشّرك الأكبر فهو مماثلة الله بالمخلوق في الذّات والصّفات، ويظهر في شكلين رئيسيّين: الجحود والمساواة. ذكر الكاتب خصّيصا في هذا الباب الدّهريّة الّذين لا يقرّون بأنّ للأشياء محدثا، والثنوية- سواء منهم المنّانيّة (1) أو الدّيصانيّة (2) وكذلك المجوس الزّاعمة أنّ الأشياء القبيحة مخلوقة للشّيطان (ص34).
تبع الجيطالي سابقيه في مواقفه حول كبريات القضايا العقيديّة، مثل القدر الّذي كلّه، خيره وشرّه، من الله، ولا يتنافى مع طلب العبد، لأنّ "الطّلب" أيضا من القدر، لكنّ بمقدور الله تعليق تنفيذه، إن جاز التّعبير، استجابة لطلب الإنسان (3). لكن لا يمكن مطلقا أن يبدّل الله ما قدّر، إذ لا تبدو له البدوات (ص8).
__________
(1) - أو المانويّة أتباع ماني، انظر: الشّهرستانيّ، الملل، ج2 ص81.
(2) - المصدر نفسه، ج2 ص88، كما ذكر ابن النّديم تعود تسمية الدّيصانيّة إلى ابن ديصان (بار ديصان بالسّريانيّة، وديصان اسم نهر يشقّ الرّها)، ص154 - 222، ذكره [أفريكانوس] في "القلائد"، وهو من القدريّة ومزج المسيحيّة بالغنوصيّة وأنكر أن يكون الله خالق الشّرّ والعالم والشّيطان، إنّما تمّ الخلق عبر وسائط.
(3) - "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. كما أنّ ما علم الله أن يكون فهو كائن لا محالة؛ ومن خالفنا في القضاء والقدر وافقنا في العلم. فرُبّ أمر قدّر الله وصوله إليك بعد الطّلب، فلا يصل إليك إلاّ بالطّلب، والطّلب أيضا من القدر. فبهذا يتحقّق العبد أنّ التّقدير من الله؛ فإن تعذّر شيء فبتقديره، وإن اتّفق فبتيسيره"، ص13.
بخصوص نبوّة محمّد، يلاحَظ أنّ الكاتب اهتمّ بخصال نبيّ الإسلام الإنسانيّة (1/176)
صفحة 177
والأخلاقيّة ولم يقتصر على مهمّته التّبليغيّة (1). وهي اعتبارات لم تكن تشغل حيّزا مماثلا في العقائد الإباضيّة السّابقة على حدّ علمنا.
__________
(1) - "ليس بفظّ ولا غليظ ولا صخّاب في الأسواق ولا يجزي بالسّيّئة السّيّئة، لكن يعفو ويصفح. أشدّ النّاس تواضعا في غير ذلّة وأسكتهم من غير تكبّر وأبلغهم من غير تطويل، آكلا ما وجد ولا يسأل ما فقد"، ص9.
يتردّد في مقدّمة الفقرة المخصّصة للآخرة صدى بعض المعتقدات التّقليديّة عن نهاية الدّنيا والفناء، وقد خصّها الكاتب بعرض أكثر تفصيلا من العقائد السّابقة (1) الّتي تحدّثت عنها بإيجاز. إنّ كلّ نفس ذائقة الموت (ق 3: 185) وسالكة سبيل الفوت، وإنّ الفناء جار على أهل الأرض ومن عليها وعلى من في السّماء من سكّانها. كلّ حيّ يموت إلاّ الحيّ القيّوم. ولقد كتب على الدّنيا الفناء وعلى الآخرة البقاء. الأشياء كلّها فانية على التّلاشي لا الانقلاب ما خلا المكلّفين وأطفال المسلمين فإنّ فناءهم على الانقلاب (ص15). يتمّ الفناء الأكبر بين نفختي الصّور: يميت الله بالأولى كلّ حيّ، وبينها وبين الثّانية (40 سنة)، وإذّاك يكون البعث (ص15). ناقش الجيطالي حالة أطفال الكافرين والأصحّ في رأيه أنّ فناءهم على الانقلاب، بالاستناد إلى ابن عبّاس الّذي أكّد فناء كلّ الأشياء إلاّ الثّقلين (الإنس والجنّ) اللّذين يُستبقيان للحساب. قصْر شمول الفناء الكونيّ مؤشّر فترة متأخّرة، فقد كانت هذه المسألة محلّ نقاشات في أوساط غير إباضيّة (2). أمّا فيما يتعلّق بالحساب فليس من شكّ حول مآل فئتين من النّاس: فالأنبياء إلى الجنّة والمشركون إلى النّار بغير حساب، وصنف ثالث يُسأل عن (1/177)
صفحة 178
أعماله وهم المؤمنون. حكم مرتكب الكبيرة محلّ للنّقاش.
__________
(1) - اكتفى أبو حفص والجنّاونيّ بالإقرار بأنّ "الموت حقّ والبعث حقّ والحساب حقّ والجنّة حقّ والنّار حقّ"، وكتب تبغورين فقرة قصيرة عن ضغطة القبر: أصول، ص12.
(2) -[غارديه]، الله ومصير الإنسان، ص264 - 265.
في باب الملائكة والأنبياء، دمج الجيطالي عناصر مستمدّة من مصادر أوسع من الكتابات الإباضيّة. مثل الجنّاونيّ قبله أكّد أنّ الملائكة مكلّفون، ملزمون بالفرائض والأوامر، ومكتسبون لأعمالهم: يصلّون ويصومون ويحجّون. ووفق ما جاء في القرآن ومصادر نقليّة أخرى ميّز أصنافا منهم. هناك كتبة ورسل و"ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون" (ق 66: 6). وهم حسب قوله جملتان: روحانيّون هم الرّسل، وكروبيّون هم عباد مكرمون يسبّحون الله اللّيل والنّهار لا يفترون. الملائكة بمنأى عن آفات الجسد، ويجب أن نتولاّّهم بالتّرحّم دون الاستغفار (ص20 - 21). وفق حديث رواه أبو ذرّ يبلغ عدد الأنبياء 124000 منهم 311 رسولا. أشار الجيطالي، دون اتّخاذ موقف، إلى الاختلاف في النّبوّة: هل هي اضطرار أم اكتساب؟ كإرسال من الله هي اضطرار، وكتبليغ من الرّسل هي اكتساب (1) (ص22 - 23).
لأنّ مسألة خلق القرآن حُسمت منذ زمن بعيد، اكتفى الكاتب بالتّذكير باعتقاد الفرقة بشأنها: "القرآن كلام الله ووحيه وفرقانه، تنزيل من حكيم حميد معجزة للرّسول، أنزله إليه من اللّوح المحفوظ ... " (1: 26 - 27).
__________
(1) - يطابق مصطلحا مضطرّ ومكتسب نوعي الحركة في تصنيف الكائنات عند الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص50، وحركة المضطرّ هي الّتي تصدر عنه دون قصد وإرادة، كالارتعاش وحركة الرّاكب في سفينة. يستند التّمييز بين الحركتين إلى تحاليل أبي زكريّا يحيى بن أبي بكر الورجلانيّ، الطّبقة العاشرة النّصف الثاني من (ق 5هـ/11م) وأبي عمّار عبد الكافي، النّصف الأول من (ق 6هـ/12م).
في عرضه لقواعد الإسلام يجدر التّنويه بالعلاقة بين العلم والعمل، فهي مؤشّر (1/178)
صفحة 179
توجّه روحيّ عند الكاتب الّذي يؤثر علما "نافعا". العلم والعمل متلازمان. هناك علم اللّغة وعلم الجنان: هذا فقط "نافع" للإنسان، ولا يتمثّل في تجميع الأحاديث والأقوال، بل هو نور يقذفه الله في قلب من يشاء. والعلم النّافع نوعان: أحدهما بأمثال الفرائض والتّقرّب بها إلى الله واجتناب المعاصي، والثّاني ما ازداد به العبد حبّا لله وطاعته وخلص إيمانه واشتدّ به يقينه. وما سوى هذا فلينزله العبد من جهله فإنّه فتنة لكلّ مفتون. الرّاجع عن علمه مذنب عند الجيطالي، لا لنسيانه القرآن فقط، بل خاصّة لترك العمل به، حتّى إن كان قد حفظه على أتمّ الوجوه، وكلّ ما لم يُفرض العمل به لا يؤاخذ الإنسان بنسيانه (ص117 - 118).
ينتهي هذا الفصل ببعض الاعتبارات حول مفاهيم جُمعت في ثنائيّات: الأمر والنّهي، المنّ والدّلائل، الخوف والرّجاء. تبيّن بعض الجمل المليئة بالإيحاءات في الفقرة عن المنّ والدّلائل مجّانيّة عمليّة الخلق الإلهيّة: فهي لا تعبّر، من جانب الله، عن حاجة لإيجاد عابدين، وإنّما صدرت عن فيض جوده (1).
الولاية والبراءة والوقوف
__________
(1) - "إنّ الله سبحانه خلق خلقه أطوارا وأفاض عليهم النّعم صغارا وكبارا منّا وفضلا لا وجوبا وفرضا، بل خلقهم لإظهار قدرته وتحقيقا لما سبق من إرادته ولما حقّ في الأزل من كلماته، لا لافتقاره إليهم وحاجته، (وبعث إليهم رسله وشرع لهم دينه) لغير حاجة دعته إلى تكليفهم ولا من ضرورة دعته إلى تعبّدهم. وإنّما قصد نفعهم تفضّلا منه عليهم كما تفضّل بما لا يحصى عددا من نعمه". ص14.
يحتلّ قسم الولاية والبراءة والوقوف (1) حيّزا أهمّ (1/179)
صفحة 180
__________
(1) - بيّن عمرو خليفة النّامي في أطروحته حول الإباضيّة (دراسات في الإباضيّة، كمبردج، (1971م)، رسالة دكتوراه 7538، ص360 وما بعد) أصول نظام الولاية والبراءة الّذي يضرب جذوره في العصبيّة القبليّة منذ أيّام الجاهليّة. كانت القبيلة تبرأ من الأفراد الّذين لا تستطيع التّحكّم في أفعالهم: كان الأب يأتي بابنه إلى مكان تجمّع القبيلة- في الأسواق ومراكز الحجّ- ويعلن على الملإ أنّه بريء منه غير مسؤول عن أفعاله ولا يطلب الثّأر، إذا ارتكب جرما. يدعى الفرد الّذي نبذته القبيلة الخليع أو اللّعين أو الطّريد. ويمكن أن نرى آثار هذا النّظام في المعلّقات. وقد طبّقته قريش ضدّ بني هاشم وبني عبد المطّلب في مكّة لحمايتهم النّبيّ: فكتب المشركون في الصّحيفة أنّهم لا يزوّجونهم ولا يتزوّجون منهم ولا يتعاملون معهم (انظر سيرة ابن هشام، القاهرة، (1955م) ج1 ص350. واستُخدم هذا المبدأ في الإسلام أوّلا، حسب النّامي، لتقوية لحمة الجماعة الإسلاميّة وإفرادها عن الجماعة المجاورة من المشركين وأهل الكتاب. ثمّ طُبّق على من لا يؤدّون واجباتهم نحو الجماعة الجديدة. أوّل حادثة بهذا الصّدد هي رفض بعض مسلمي مكّة الهجرة إلى المدينة، ممّا أثار نقاشا بين مسلمي المدينة نزلت على إثره (الآيتان 8: 72 و4: 89). والحادثة الثّانية تراخي كعب بن مالك ومرارة بن الرّبيع وهلال بن أميّة عن غزوة تبوك، فنهى النّبيّ عن مخاطبتهم وبعد أسبوعين أمر بتفريقهم عن زوجاتهم. نجد عناصر متفرّقة عن مذهب الولاية والبراءة في أدب الإباضيّة خلال القرون الأربعة الأولى. لم تُنشر تلك النّصوص كلّها ممّا يجعل من الصّعب حاليّا إجراء تحليل مستوفى لتلك الوثائق. هناك عناصر في كتاب الاستقامة في الولاية والبراءة لأبي سعيد أحمد بن سعيد الكدميّ وفي كتاب التّخصيص لأحمد بن عبد الله الكنديّ. وقدّم أوّل دراسة منهجيّة للموضوع على ما يبدو أبو الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتيّ (ت 471هـ/1078م) في كتاب التّحف المخزونة والجواهر المصونة.
ممّا في العقائد الأخرى. بنحو ما قدّم الجيطالي بعرضه المبوّب المستفيض لهذه المفاهيم خلاصة محيطة بجوانب هذه المسألة الهامّة في نظر الإباضيّة. ليس مفاجئا أن توجد في قلب فصل التّوحيد: ففي نظره كما بالنّسبة إلى الجنّاونيّ قبله، الولاية والبراءة جزء من التّوحيد.
1 - الولاية
عرض الجيطالي معنى الولاية اللّغويّ، ولاية أمر اليتيم، ولاحظ أنّه ينطبق على ولاية الله لأوليائه، ثمّ قدّم معناها الشّرعيّ: "إيجاب التّرحّم والاستغفار للمسلمين"، وهي من حقيقة الإيمان (ص45). قواعد الولاية نفس الّتي وردت (1/180)
صفحة 181
عند أبي حفص والجنّاونيّ وجاءت بنفس الصّيغة: هي نقطة ثابتة من المذهب. وقد اعتبر عدّة حالات.
أ- ولاية الجملة
1 - الطّابع المتبادل للولاية بين الله وعباده
من جانب العبد تتمثّل في التّقيّد بالشّريعة والقيام بكلّ الفرائض والامتناع من الكبائر ومن التّمادي في الصّغائر (ص59). من جهة الله، ينفي الكاتب، ضدّ أحمد بن الحسين والنّكّار، أيّ تغيّر لعلم الله ومشيئته، إذ "لا تبدو له البدوات" (ص8 و86 - 87)، وعلمه ثابت لا يتبدّل. لم يزل عالما بأسماء المعدّين للجنّة وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم. لا ينتقل علم الله إذن من حال إلى حال بتغيّر أعمال النّاس بين الحسن والقبح.
2 - ولاية المعصومين الّذين ذكرهم الله في كتابه
نفي الولاية عن الّذين لم يذكرهم القرآن وليسوا معصومين أقلّ خطورة: الإلزام إذّاك من الطّاعة لا من التّوحيد، وإهماله من الكفر لا من الشّرك. يظهر هنا، كما في عدّة مواضع أخرى من الكتاب، التّوازي بين مفهومي التّوحيد والطّاعة مع تضادّهما مع الشّرك والكفر على التّوالي.
ب- ولاية الأشخاص
اعتبر الجيطالي مثل سابقيه على التّوالي: البيضة (إمام المسلمين)، المشرك المتحوّل إلى الإسلام، الموحّد الآتي من فرقة مخالفة، الأطفال، متّخذا حول عدّة نقاط موقفا أصيلا. (1/181)
صفحة 182
1 - ولاية البيضة (إمام المسلمين)
بعكس الجنّاونيّ الّذي أعفى من ولاية الإمام العدل الّذي ارتكب كبائر علنا (1)، يؤكّد الجيطالي بنحو لا يخلو من مفارقة، خلافا لمبدأ "الأمر بالمعروف" وعلى ما يبدو لجملة التّقليد الإباضيّ، أنّ "المتولّى بولاية البيضة لا يلزمنا استتابته إذا قارف كبيرة". بلا شكّ كان يعتبر أصلح للجماعة الإباضيّة، إذا كان ميزان القوى غير موات لها، كما في أيّامه في جربة ونفوسة تجاه دولة بني حفص القويّة، الحفاظ على الإمام في فترة مضطربة رغم ذنوبه، من خلعه، لأنّه يبقى ضامن وحدتها الظّاهر وناشر العقيدة. ورغم أنّه قدّم الجملة الّتي يعتبر فيها هذه الحالة ب "قيلَ" ممّا يُنقص قيمتها، يثير موقفه حتما تساؤلنا. هل أراد حصر وضع الإمام الاستثنائيّ في أئمّة الفرقة التّسعة الأوائل، أئمّة الظّهور (2) الّذين تحيط بهم هالة من قداسة الأصول، بحيث تساوي الولاية في حالهم عمليّا ضربا من العصمة عن الخطأ؟ لا يبدو أنّ ذلك ما أراد، فقد أضاف بخصوص الأئمّة اللاّحقين: "وأمّا أئمّة الدّين والهدى وقادة المسلمين من أهل المروءة والتّقوى فإنّهم يُتولّون عند أصحابنا بغير حجّة لأنّها بمنزلة الدّيانة وليست بمنزلة ولاية الأشخاص، لا تنتقل عنها بالشّهود ولو كثروا" (ص65).
__________
(1) - لم يتناول أبو حفص عمر بن جميع هذه المسألة.
(2) - عدّدهم في ص65؛ كلّهم أئمّة ظهور إلاّ عبد الله بن يحيى فقد كان إمام دفاع.
باستثناء الإمام من الأحكام المشتركة لولاية الأشخاص والنّزوع إلى إرقائه إلى منزلة ولاية الجملة، عبّر الجيطالي عن نزعة إلى إحاطته بنوع من الحصانة وإعطائه نوعا من القداسة، وهو اتّجاه لم يترك أثرا في الفكر الإباضيّ. يجب أن يسترعي (1/182)
صفحة 183
انتباهنا كذلك مقطع آخر: يبدو حقّا أنّ دار العدل في تصوّره أوسع ممّا تعني في التّقليد الإباضيّ. فحتّى في "دار الجور" يمكن اعتبار سلطة محتلّة، حتّى إن كانت أجنبيّة وبشرط ألاّ تكون متعصّبة وأن تظهر التّسامح نحو المسلمين واحترام أحكام الإسلام العامّة، كإمامة عادلة، خاصّة إن ساهمت من جهتها في ردّ البدع (1). ألا ينبغي أن نرى في هذه التّوسعة الغريبة لدار العدل إشارة إلى الظّرف التّاريخيّ الّذي عايشه الجيطالي في جربة بوجه خاصّ، وتشجيعا ضمنيّا لبني ملّته على القبول بوضع سياسيّ قائم على تسوية في ظلّ سلطة أجنبيّة تمكّنت من إحلال السّلام بعد الصّراعات الطّويلة بين الصّفّين الوهبيّ والنّكّاريّ؟ هادن الإباضيّة الوهبيّة هذه السّلطة الأجنبيّة، وفي نفس الوقت لا بدّ أنّهم سُرّوا بإضعاف الفرقة المارقة المناوئة. وتأتي سيرة عبد الوهّاب إمام تيهرت- الّذي لم يعتبر في الواقع- سوى حالة الإمامة العادلة لتعطي بفضل سلطان ووزن سنن السّلف غطاء لهذه التّوسعة لمفهوم الإمام العدل الّتي اقترحها بعبارات متّزنة على معاصريه. لا بدّ أن نضيف أنّ من الضّروريّ تمييز
__________
(1) - "كلّ دار يكون أهلها الغالبون عليها القاهرون لأهلها هم العاملين بما جاء به التّنزيل المتعبّدين بما شرعه الرّسول النّاهين بما نهى عنه الشّرع والعقول الدّاعين إلى السّنّة والعمل بها الرّادّين البدعة على من جاء بها غير متجانفين للأقارب ولا متعصّبين على الأجانب، يتولاّهم الإنسان ويسمّيهم أهل العدل والإحسان، وينسب الدّار إليهم فيسمّيها دار العدل والحقّ، فكلّ من رآه منهم في زيّ أهلها فليحكم عليه بحكمهم إلاّ إن ظهر منه خلافهم"، ص48.
هذه الحالة لحكم أجنبيّ غالب وقاهر لكنّه يحترم شرائع الإسلام عن حالة إمام الجور الّتي تستدعي عند الكاتب كما عند سابقيه البراءة (ص71). والدّوافع الّتي تحمل الإباضيّة على الخضوع رغم ضمائرهم لمن يأتمرون بأوامر ذلك الإمام مختلفة تماما: قد يوجد بين أولئك (1/183)
صفحة 184
الأعوان مسلمون حقيقيّون (إباضيّة) يكتمون إيمانهم تقيّة.
2 - الانتقال من فرقة إلى أخرى
كان ذلك الانتقال يطرح مشاكل قانونيّة عويصة. ولا بدّ أنّ الكاتب شاهدها، ففي عصره، كما ذكرنا، تخلّت منطقة غريان (بنفوسة) عن الإباضيّة واعتنقت المالكيّة. وقد عالج الكاتب عدّة حالات.
أ) الخارج من الشّرك إلى الإسلام. قول النّبيّ: "الإسلام جَبّ لما قبله" معروف للجميع. ليس في حالته إشكال إن استجاب إلى الإسلام وترك كلّ المعاصي. ذلك يعصم دمه. يقبل الجيطالي إمكانيّة "إسلام رغبة": إن مات قبل حلول الفرض عليه فهو مسلم ما لم يكن منه حدث أو تفريط في شيء من الفروض. هنا يبدي الجيطالي أسفه على عصر الرّسول والخلفاء الأوائل المثاليّة لمّا كانت الولاية لا تُمنح للمستجيب إلاّ بعد أن يدين بالبراءة من الجبابرة (ص49 - 50).
ب) الآتي من فرقة مخالفة يستحقّ اهتماما أكبر. هناك حالات:
- جمهور المقلّدين يكفي حسب المشارقة أن يقولوا: "وليّكم وليّي وعدوّكم عدوّي" (ص53).
- أمّا المتديّن العارف فيجب أن يعلن نبذ كلّ أخطائه بالتّفصيل (1). (1/184)
صفحة 185
- أمّا المبتدع فيجب أن يعود إلى أصحاب بدعته ليبيّن لهم أخطاءهم (2). طُبّق هذا المبدأ على حالات عائشة بعد واقعة الجمل وعليّ وخلف (3)، وهي حالات ما انفكّت تثير جدلا بين الإباضيّة. في رأي الجيطالي كان يكفي أن يُظهروا بوضوح توبتهم ليعودوا إلى الجماعة دون أيّ لبس في وضعيّتهم.
3 - ولاية الأطفال
__________
(1) - مثلا محمّد بن عبّاد المدنيّ أمام محمّد بن محبوب بمكّة: شهدوا عليه بمعذرة من جهل محمّدا عليه السّلام أو جهل الجنّة والنّار والثّواب والعقاب والبعث وتحريم دماء المسلمين. وقالوا إنّ مفتي هذه المسائل كافر. فالتقى ابن عبّاد مع محمّد بن محبوب رحمه الله بمكّة. فنقض عليه ابن محبوب هذه المسائل وعرّفه الحقّ ودعاه إليه. فقال ابن عبّاد: تبت من جميع الخطأ. فقال له من حضر من المسلمين: إنّك متديّن لا يجزئك ذلك حتّى تعيدها وتتوب في اعتقادك فيها كلّها وتقرّ بالخطأ في كلّ واحدة. فخاف من البراءة فصار كالجمل المحرنجم إن تقدّم نُحر وإن تأخّر عُقر. فلمّا رآه ابن محبوب كذلك قال له: المعترف بذنبه الرّاجع عنه لا يبرأ منه في قول بعض المسلمين. فتاب ورجع إلى مقالة المسلمين"، ص51 - 52.
(2) - ذكر الكاتب بذلك الخصوص حادثة رواها أبو سفيان محبوب بن الرّحيل: "أنّ المسلمين دعوا بسطام أبا النّظر إلى دعوتهم وكان صفريّا. وكان أبو النّظر يقول: لما تدعونني؟ قالوا: إنّا قد ندعوك إلى ولاية من قد علمته يقول بالحقّ ويعمل به، وندعوك إلى البراءة ممّن قد علمته يقول بخلاف الحقّ ويعمل به، وندعوك إلى الوقوف عمّا لم تعلم حتّى تعلم. قال وذلك في الكتمان" (ص 54) وهو وضع شبيه بالّذي عاش فيه الكاتب.
(3) - خلف بن السّمح، حفيد الإمام أبي الخطّاب عبد الأعلى بن السّمح المعافريّ الحميريّ، تزعّم فتنة ضدّ الإمام عبد الوهّاب في طرابلس في أواخر (ق 2هـ/8م).
لا بدّ أنّ ولاية الأطفال طرحت إشكالا على فقيه كالجيطالي، بما أنّهم قبل البلوغ غير مكلّفين، والحال أنّ التّكليف في نظره معيار أساسيّ يحدّد الحكم الشّرعيّ الّذي ينطبق على الإنسان كما رأينا. وقبل تقديم حلّه، بدأ بتفنيد عدّة تصوّرات خاطئة. ردّ أوّلا على المرجئة الّذين يقرّون، وفق منطقهم الّذي يعتبره الإباضيّة متساهلا، بولاية كلّ الأطفال أيّا كانت ملّتهم. كان معاذ بن جبل (ت 18هـ) الّذي يعدّه الإباضيّة من جماعتهم الأوائل قد قال بهذا الرّأي. كذلك (1/185)
صفحة 186
انتقد خطأ النّكّار (1) الّذين عرفهم، إذ كانوا في عصره يحتلّون موقع قوّة في جربة (2). لنذكّرْ بأنّه عند نزوله فيها أقام في الجزء الّذي كان يقطنه المستاوة، وأنّهم رحّبوا به على ما يبدو، فقد رجوه أن يبقى بين ظهرانيهم حسب الشماخي (3). قال النّكّار بالوقوف في الأطفال جميعا (ص59)، وسحب عليهم الصّفريّة وأهل الحديث حكم آبائهم: مسلمين إن كان الآباء مسلمين، ومشركين
__________
(1) - يُدعون النّكّار أو النّكّاث لإنكارهم أو نكثهم بيعة الإمام عبد الوهّاب، (168 أو 171 - 211هـ/787 - 827م) أو المستاوة وهو اسم قبيلة أمازيغيّة، أو اليزيديّة لاتّباعهم عبد الله بن يزيد الفزاريّ الكوفيّ الّذي خالف أبا عبيدة في بعض المسائل فأُطرد من الفرقة.
(2) - كان النّكّار يحتلّون قديما شرق وربّما وسط الجزيرة، والإباضيّة قسما صغيرا بالشّمال الغربيّ. فيما بعد (ق 8هـ/14م)، حسب ابن خلدون (تاريخ البربر، ترجمة [دو سلان]، ج3 ص63)، ازداد عدد الوهبيّة وصاروا يحتلّون شرق الجزيرة. انظر كذلك [ليفيتسكي]، الإباضيّة في تونس في العصر الوسيط، نشر سنيورلّي روما، 1958م، ص10 - 11. يمكن أن نفترض أنّ المجموعتين كانتا في عصر الجيطاليّ السّابق بقليل لعصر ابن خلدون متساويتين في العدد تقريبا، وإن كان تأثير الوهبيّة أقوى بسبب هزيمة النّكّار في الحرب ضدّ منتانر كما ذكرنا في بداية هذا الفصل.
(3) - الشماخي، السّيَر، ص557.
إن كانوا مشركين. قال الجيطالي بولاية أطفال المسلمين والكفّ عمّا سواهم حتّى يبلغ الحلم، فيُتولّون إذا ظهر منهم الوفاء ويُتبرّأ منهم إذا ظهرت منهم الكبائر. ودعم رأيه بالآية: "والّذين آمنوا واتّبعتهم ذرّيّتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرّيّتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء" (ق 52: 21). وتجوز ولاية أطفال المتولّى ب4 أوجه:
- المعرفة أنّهم ولدوا على فراش أبيهم،
- إقرار الأب أنّه ابنه إذا حضر (وقيل حتّى يكون معه أمين آخر)، (1/186)
صفحة 187
- شهادة الأمناء أنّ لفلان أولادا كانوا حضورا أو غيابا، أحياء كانوا أو أمواتا،
- شهادة أهل الجملة يثبت بهم النّسب.
تطرح ولاية أطفال العبيد والمعتوقين عدّة مسائل كان حلّها مع استقصاء الحالات المتنوّعة لذّة الفقهاء. بعد استعراض عدد من تلك الحالات (ص61)، لخّص الكاتب موقفه الشّخصيّ في جملة تسمح باستنتاج أنّ المبدأ الّذي طبّقه على أطفال المسلمين يشمل أطفال العبيد.
2 - البراءة
البراءة ضدّ الولاية، لذلك تتكرّر حلول المشاكل المذكورة في باب البراءة على وجه سلبيّ. لذا سنقتصر على الجوانب الخاصّة الّتي تنفرد بها. تعني الولاية القرب من الله والعمل بالشّريعة، بينما يتضمّن مفهوم البراءة فكرة البعد عنها بل مخالفتها. بمقتضى هذا المبدأ العامّ، يجب على الإباضيّ هجران كلّ مرتكبي المعاصي: ذلك فرض ينبني على عدّة آيات وأحاديث، يعرض الكاتب عددا منها (1). ويستخدم إلى جانب كلمة براءة هذه المرادفات: العداوة (وقد استخدمها مرارا)، الهجران، الإبعاد (2)، المفارقة (3)، الإفكار (انظر مقدّمة هذا البحث: الأفكار الأولى ذات الطّابع العقيديّ)، التّكفير (انظر في هذا الفصل الفقرة عن الملل). بعدما عرض الكاتب براءة الكفّار جملة أحياء كانوا أو أمواتا، وبراءة أهل الوعيد (1/187)
صفحة 188
المذكورين في القرآن بأسمائهم (4)، انتقل إلى براءة الأشخاص فبحث الحالات التّالية:
1 - أئمّة الجور والسّلاطين الجورة (ص71 - 72)
نصّ الحديث بدون لبس على البراءة منهم: "أطيعوهم ما أقاموا فيكم كتاب الله وسنّتي، فإذا عصوهما فلا طاعة لهم عليكم، ثمّ خذوا أسيافكم واجعلوها على عواتقكم واضربوهم بها حتّى تبيدوا خضراءهم، وإلاّ فعيشوا تحتهم حرّاثين فدّادين حتّى تلاقوني بسوء حال".
2 - المرتدّ:
__________
(1) - (ق 3: 27، 60: 4، 9: 23 الخ).
(2) - انظر الدّرجينيّ، طبقات، ج1 ص5.
(3) - انظر كشف الغمّة، مخطوط المتحف البريطانيّ، ورقة، ص247.
(4) - إلى القائمة الّتي قدّمها الجنّاونيّ (عقيدة نفوسة، ص11) وأبو حفص عمر بن جميع ([موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص531) أضاف الجيطاليّ: من الأقوام قوم نوح ولوط وعاد وثمود وأصحاب الرّسّ (ق 25: 38)، ومن الأفراد أبا لهب وجالوت وممّن لم يُذكروا بأسمائهم في القرآن: الّذي حاجّ إبراهيم في ربّه (ق 2: 258) وقيل إنّه نمرود بن كنعان، والّذي آتاه الله آياته فانسلخ عنها وهو بلعام بن باعوراء أو أميّة بن أبي الصّلت الثّقفيّ؛ ص71.
حقّه البراءة والسّيف (ق 2: 217)، رأى عمر استتابته (3 أيّام) ثمّ يحلّ دمه، لكن لا يُسبى ذراريه ولا تُغنم أمواله. وبما أنّ ذنبه ينتقل إلى ذرّيّته يبقى ذلك ساريا 3 أجيال. تلتغي الولاية الّتي كانت قائمة بينه وبين المسلمين، ويزول معها حقّ الموارثة والمناكحة والمدافنة (ص73).
3 - الإباضيّ المارق من الجماعة والملتحق بأهل الخلاف (1/188)
صفحة 189
يتّصف موقف الجيطالي بنفس الصّرامة الّتي تشهد بها تقاليد الفرقة. ولا بدّ من الانتظار إلى فترة متأخّرة لنرى أحكاما أكثر تسامحا، مثلا عند محمّد بن يوسف أطفيّش (ق 19م). يُحرم هذا الشّخص من الولاية إلى أن يتوب، وإن تجاوز الخروج من الفرقة إلى محاربتها، حلّ قتله واغتياله بأيّ سبب وصلوا إلى إهلاكه.
كيف يعاد إلى الجماعة الشّخص الّذي صدر حكم بالبراءة منه؟ إلا في فاحشة الزّنا حيث يُبرأ منه في حين الفعل، يستتاب المذنب أوّلا، فإن تاب أعيد فورا إلى الجماعة. وبينما أبّد كاتب آخر البراءة لمن عاد إلى الجرم 3 مرّات، دعا الجيطالي إلى موقف أكثر تسامحا، رافضا وضع مثل تلك الشّروط على التّوبة. فما لم يتغرغر العبد، يسقط الذّنب عنه كلّما تاب، والكاتب يعتقد أنّ الله يقبل توبته، لذا يرى استتابته (ص80 - 81) (1).
3 - الوقوف
__________
(1) - في تعليق على الجيطاليّ أورد الشّيخ بكلّي هذه الأحاديث: "ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم 70 مرّة"، "إنّ الله لا يملّ من التّوبة حتّى يملّ العبد من الاستغفار"، "من تاب قبل أن تطلع الشّمس من مغربها تاب الله عليه"، وهذا القول الّذي رُوي عن أبي عبيدة مسلم: "يُستتاب حتّى يكون الشّيطان هو الخاسر".
يتمثّل الوقوف في الإمساك عن الإمضاء في من لا يبدو حكمه واضحا تماما (1). (1/189)
صفحة 190
فعلا تنقسم الأمور الإنسانيّة إلى 3 أنواع: البيّنة الاستقامة وهي واجبة، البيّنة الخطأ ويجب اجتنابها، والّتي هي بين بين ويجب ترك الحكم فيها إلى الله. في حالة ملتبسة تأتي بعد حالة واضحة- سواء كانت حالة ولاية أو براءة- يجب الثّبات على الأصل الّذي نحن فيه حتّى يأتي ما يخالفه لأنّ اليقين لا يزيله إلاّ اليقين (ص94 - 95) (2).
الرّوحانيّات
__________
(1) - "الوقوف اصطلاحا هو الإمساك عن الدّخول في ولاية أحد بعينه ومن الدّخول في البراءة منه. وأقسامه خمسة: 1) وقوف الدّين: الّذي هو أصل الوقوفات وهو المجتمع عليه وعلى وجوبه وهو الكفّ عن ولاية معيّن وعن البراءة منه ويكون في كلّ مكلّف لم تعلم منه من أعمال الخير ما يوجب الولاية ولا من أفعال الشّرّ ما يوجب البراءة؛ 2) وقوف الرّأي: هو أن تقف عن الّذي تقدّمتْ له عندك ولاية بسبب ركوبه أمرا أشكل عليك حكمه واستتر عنك علمه؛ 3) وقوف السّؤال: وهو مصاحب لوقوف الرّأي وحليفه، وقد أوجبوا أن تسأل عن حكم حدث وليّك أهل الذّكر؛ 4) وقوف الإشكال: هو الوقوف عن الوليّين إذا فعلا فعلا يوجب كفر أحدهما وذلك مثل أن يلعن بعضهما بعضا أو يبرأ بعضهما من بعض ولم يُعلم أيّهما المبطل وأيّهما المحقّ، وتلك حال الحارث وعبد الجبّار اللّذين وُجدا قتيلين في (131 أو132 أو135هـ) وقوف الشّكّ هو ترك ولاية من دخل فيه بشرط أن يكون ذلك الشّيء لا يوجب بطلان الدّاخل فيه، وهو محرّم لما فيه من ترك ولاية المحقّ لأجل حقّ دخل فيه من لا يشكّ مثل شكّك". السّالميّ: مشارق أنوار العقول، ج1 ص170 - 173.
(2) - ذلك هو الحلّ الّذي يراه لحالة الإمامين اللّذين اقتتلا الحارث وعبد الجبّار.
في الجزء الثّالث من كتاب التّوحيد أعاد الجيطالي- مع شيء من التّوسّع أحيانا- التّحاليل ذات التّوجّه الرّوحيّ الّتي احتلّت في عقيدة أبي سهل السّابقة حيّزا شاسعا، والّتي تدور حول مفاهيم الخوف والرّجاء والعمل والنّيّة والإخلاص والورع. عنده - كما عند سلفه - يظهر التّأثّر بالغزاليّ، وورد ذكر الصّوفيّة بصريح العبارة، مثلا في قوله بخصوص الرّضا: "أمّا المتصوّفة فالرّاضي عندهم هو المحبّ لما يغشاه من قبل الله عزّ وجلّ من أمر ونهي وحادث محبوبا كان أو مكروها ... وليس الرّاضي عندهم راضيا حتّى يكون في جريان المقادير عليه من (1/190)
صفحة 191
قبل الله كالميّت بين يدي الغاسل" (1). سنكتفي في هذا التّحليل ببعض أفكار الكاتب حول النّيّة. هي أحد "أركان الدّين" (2) ولباب الفعل وصفوته. هي من العمل بمنزلة البذر في الزّراعة: من زرع بالبذر فحقيق أن يحصد غبطة، ومن تعنّى بلا بذر فثمرته النّدامة. ثمّ، مثل كتّاب الأخلاق في كلّ زمان، أحبّ الكاتب أن يُظهر ترابط الفضائل: النّيّة بغير إخلاص رياء وهو والنّفاق سواء، والإخلاص من غير صدق وتحقيق هباء. وهي توأم العمل الّذي منها يستمدّ معناه وقيمته. لذلك يهمّ الإنسان أن يعرف حقيقتها بمساءلة ضميره، وإلاّ فكيف يستطيع معرفة صحّتها؟ ومع أنّ العمل يستمدّ منها قيمته كما يبيّن الحديث المشهور الّذي شرحه الكاتب،
__________
(1) - أورد الغزاليّ صورة الميّت والغاسل في باب التّوكّل لا في باب الرّضا: "الدّرجة الثّالثة أن يكون بين يدي الله تعالى في حركاته وسكناته مثل الميّت بين يدي الغاسل، لا يفارقهما إلاّ في أن يرى نفسه ميّتا تحرّكه القدرة الأزليّة كما تحرّك يد الغاسل الميّت. وهو الّذي قوي يقينه بأنّه مُجرٍ للحركة والقدرة والإرادة والعلم وسائر الصّفات، وأنّ كلاّ يحدث جبرا، فيكون بائنا عن الانتظار لما يجري عليه" إحياء، كتاب التّوكّل، ترجمة [غارديه]، إبلا 13 (1950م)، 38.
(2) - انظر الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص16.
لا تغيّر طبيعة الأفعال، إذ لا يمكن أن يتّخذ الإنسان الشّرّ وسيلة للخير مثل من يغتاب النّاس تطييبا لقلب مسلم أو يُطعم فقيرا من مال غيره. لا تؤثّر النّيّة إذن في المعاصي فتنقلب بها لله قربة وعبادة، وظنّ ذلك جهالة واغترار. لكنّها تؤثّر في المباحات- الّتي ليست في ذاتها خيرا ولا شرّا- فتنقلب بها طاعات، من ذلك حظوظ النّفس من المباح كالأكل والنّوم والنّكاح. تتيح إذّاك انبعاث (1) القلب والتّحرّي به إلى مرضاة الرّبّ، ومن أثرها العجيب استمرار العمل بنحو (1/191)
صفحة 192
ما بعد انتهائه: "نيّة المؤمن اعتقاده طاعة الله ولو عاش ألف سنة، وإن مات دونها انقطع عمله ولم تنقطع نيّته" (ص119 - 121).
الملل
__________
(1) - نجد مصطلحات غزاليّة كالانبعاث، والحرص على معرفة حقيقة الأحوال الرّوحيّة كالرّضا والنّيّة الخ.
تناول باب الولاية التّعامل الواجب تجاه الأشخاص دون تصنيفهم في الطوائف، بينما أعطى باب الملل لكلّ فئة حكما يملي على المسلم التّعامل المناسب تجاهها. يطرح تعدّد الملل في حدّ ذاته مشكلة على المؤمن، عالجها الكاتب في عمومها مفكّرا في دلالتها قبل النّظر في كلّ ملّة على حدة. ذلك واقع يطابق في رأيه مقصدا إلهيّا حكيما. في صفحة (ص99) تحدّث عن مجابهة سماويّة بين الله وقوى الشّرّ سبقت تفرّق الملل، وتكشف سببه وبُعده الكونيّ. فهو مرتبط بظهور الشّرّ في الكون: أظهر الله على إبليس محنته في أمره بالسّجود لآدم فأبى استكبارا وأظهر الإصرار فصارت معصيته أصلا للعاصين، ثمّ إغراء ثمرة الشّجرة المحرّمة الّذي استسلم له آدم، و"نزوله" من الجنّة ثمّ استقراره على الأرض. عند ذلك بينما اشترع الله الإسلام دينا ميسّرا للنّاس إلى "يوم الفرقان"، أقام لهم إبليس 5 أديان دسّ فيها الكفر والمعصية، وأرسل جنده لمحاربة ومقاومة الحقّ (1) (1/192)
صفحة 193
__________
(1) - قلّما نجد عند المتكلّمين والمفسّرين في شكل موضوع لاهوتيّ مجموع المعطيات القرآنيّة المتعلّقة بالشّرّ في العالم وترابطها لتفسير نشأة الملل. تناولت جلّ النّصوص، مثلا شرح الآية (2: 213) "كان النّاس أمّة واحدة فبعث الله النّبيّين ... "، تلك المعطيات منفصلة، مع اعتبار فترة زمنيّة (مثلا وفق حديث مسند إلى عكرمة وابن عبّاس مرّ بين آدم ونوح 10 قرون وكان النّاس يعيشون جميعا وفق الشّريعة ثمّ تفرّقوا فأرسل الله إليهم النّبيّين كما جاء في التّفسير الكبير للطّبريّ: القاهرة، دار المعارف، 4، 4048) أو حادثة (كقابيل وهابيل، نوح والطّوفان، لمّا بعث الله آدم إلى بنيه كانوا كلّهم مسلمين مطيعين لله ولم يتفرّقوا إلاّ بعدما قتل قابيل أخاه حسدا وتمرّدا وذلك ثابت) أو خلق الإنسان على الفطرة ثمّ تفرّق النّاس بسبب آبائهم الّذين يهوّدونهم أو ينصّرونهم أو يمجّسونهم وفق حديث كثيرا ما يستشهد به الكتّاب (انظر تفسير الرّازي، القاهرة، المطبعة البهيّة المصريّة، (1357هـ/1938م)، (5: 12 - 13)).
حكم ملّة الإسلام. بعكس أبي حفص والجنّاونيّ، لم يذكر الجيطالي مسالك الدّين الأربعة على مذهب الإباضيّة (1)، واكتفى بتحديد الحقوق والواجبات المتعيّنة تجاه الأشخاص حسب علاقة الولاية أو العداوة الّتي تربطهم بالمسلمين المحقيّن.
1 - هناك أوّلا حالة أهل البغي والفساد (2) الّتي يختلف رأي الجيطالي فيها عمّا في عقيدتي المزاب ونفوسة. فقد ميّز حالة المحاربين الأعداء و"قطّاع الطّريق" وحالة أهل البغي. بالنّسبة إلى الأوائل تنطبق شريعة الحرب بلا هوادة، أمّا بالنّسبة إلى البغاة فإنّ آراءه حولها تعكس تطوّرا. بالاعتماد على ما ورد في النّصوص، نشاهد نوعا من التّطبيع: فإقامة الحدود ومفهوم القوَد الّذي تقدّم به ودفع الدّيّة عناصر تعكس خطوة في اتّجاه صياغة تشريع حول النّزاعات، وتدلّ على أنّ الحرب مع المنشقّين لم تعد في عصره تتّصف بالحدّة الّتي ميّزتها في الفترات السّابقة. (1/193)
صفحة 194
__________
(1) - الظّهور والدّفاع والكتمان والشّراء. انظر عقيدة نفوسة، ص17 - 20، [موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص524 - 525.
(2) - "فإن صدر البغي والفساد عنهم دُعوا إلى ترك ذلك وإعطاء الحقّ والإنصاف، فإن أجابوا إلى الحقّ أقيمت عليهم الحدود مع غرم المتلفات وردّ التّباعات وفي الأنفس القوَد والدّيّات بخلاف المحاربين وقطّاع الطّرق التّائبين قبل القدرة عليهم. وإن أبوا من الرّجوع إلى أمر الله والكفّ عن الفساد بعد الإعذار قوتلوا حتّى يفيئوا إلى أمر الله؛ ولا يُغنم لهم مال ولا يُسبى لهم أهل ولا عيال؛ وإن انهزموا لم يُتبع مدبرهم ولم يجهَز على جريحهم؛ ولا يحلّ الفرار منهم في حال حربهم إلاّ متحرّفا لقتال أو متحيّزا إلى فئة"، ص102.
2 - ينعكس هذا التّطبيع أيضا في العلاقات الجديدة مع أهل الخلاف، مقارنة بالّتي كانت سائدة في الماضي. ويلاحَظ أنّ العقائد السّابقة لم تكن تتناولها في إطار باب الملل. عند الجيطالي نشاهد شبه اعتراف رسميّ بوضعهم كمنشقّين، هو مؤشّر تعايش سلميّ بين فرق متعارضة، وهو وضع مستجدّ تُحفظ فيه سلطة وكرامة إمام العدل، حيث يبادر هو نفسه إلى إعفاء رعايا انفصلوا عنه منذ أمد بعيد من واجب الطّاعة، ولا يمارس أدنى قسر عليهم (1). إن نقارن هذا الموقف الّذي ينمّ عن تسامح كبير مع الصّرامة الشّديدة المشار بها، وفق إجراءات براءة الأشخاص تجاه من يتخلّى عن الفرقة المحقّة (الإباضيّة) ويلتحق بأهل الخلاف، نستنتج أنّ الصّرامة كانت تهدف في عصر الكاتب إلى الحفاظ على مبدأ البراءة التّقليديّ الموروث عن السّلف أكثر من الإبقاء على جوّ من الصّراع مع الفرق المخالفة. عمليّا كان يكفي أن تتعايش الملل جنبا إلى جنب دون تدخّل أيّة فرقة في شؤون الأخرى ومع الاعتراف ضمنيّا بالإمام أو من ينوب عنه لاجتناب أيّة مجابهة معلنة، بل يجب لأهل الخلاف أيضا حقوقهم في الفيء والغنائم والصّدقات. وإن امتنعوا من طاعة الإمام وإجرائه واجب الحقوق عليهم وأظهروا مناكرهم قاتلهم إمام المسلمين حتّى يذعنوا بعد الدّعوة والإعذار. في هذا الباب يلتقي الجيطالي بالجنّاونيّ. وبعد بضع سنوات من موته، نجد أنّ الإمام الإباضيّ في جربة يملك من النّفوذ ما أتاح له فرض سلطته على فرقة النّكّار المنشقّة
__________
(1) - "إن امتنعوا وسفّهوا مقالتنا دعوناهم إلى رفع واجب رفع الحقوق إلينا والاستسلام لأحكامنا وإقامة الحدود عليهم كما نقيمها على أهل مذهبنا. فإن أذعنوا لذلك تركناهم وما هم عليه من غير إكراه على شيء من الدّين، مع تحليل جميع ما - يحلّ من أهل مذهبنا منهم من المناكحة والذّبائح والموارثة والمدافنة وغير ذلك من حقوقهم دون الولاية والبراءة والحدود وما فيه تكفير للمسلمين" ص102 - 104.
كما يشهد نصّ (1/194)
صفحة 195
لابن خلدون (1).
أحكام أهل الكتاب (2) (النّصارى والصّابئة واليهود) مماثلة جوهريّا لما عند الكتّاب السّابقين. وأضاف الجيطالي إلى الفئات المعفاة من الجزية (النّساء والعبيد والمجانين عند الجنّاونيّ، ولم يذكرها أبو حفص) الأطفال والشّيوخ، وذكر اختلاف الآراء في الرّهبان (3). تسترعي انتباهنا في الباب المخصّص لأهل الكتاب فقرة طويلة حول التّعامل الواجب مع الذّمّيّ. واضح أنّ عدّة تفاصيل من هذا التّشريع مستعارة أو مستوحاة من "عهد عمر" (4). وقد
__________
(1) - "كان أهل جربة قديما على رأي الخوارج، وبقي بها إلى الآن فرقتان منهم: الوهبيّة وهم بالنّاحية الغربيّة ورياستهم ببني سمومن، والنّكّارة وهم بالنّاحية الشّرقيّة ... والظّهور والرّياسة على الكلّ ببني سمومن"، تاريخ ابن خلدون، المجلّد 3، ترجمة [سلان] ج3 ص63.
(2) - يلاحَظ أنّ اليهود والنّصارى ما زالوا يصنَّفون في عصره ضمن "أهل الشّرك".
(3) - ذكر الجنّاونيّ كذلك الصّغار في كتاب الوضع. حسب ابن النّظر العمانيّ (ق 6هـ) جزية ساقطة عن النّساء والأطفال والمرضى ولا تجب على الرّهبان ولا على الشّيخ الفاني. وقد فرّق بين العرب والعجم، فأهل الكتاب من العرب عليهم في أموالهم ضعف ما على المسلمين من الزّكاة ولا جزية عليهم من غير ذلك. وقد اعتبر أطفيّش في شرح الدّعائم بين 3 إمكانيّات: 1) النّظر إلى الدّين دون الجنس (عربيّا كان أو لا): في تلك الحال تؤخذ الجزية، واستشهد على ذلك بما رُوي عن النّبيّ؛ 2) لا تؤخذ جزية من العرب؛ 3) تؤخذ من كلّ الكافرين إلاّ المرتدّ. والله أعلم! وحسب العهدة النّبويّة "لا تؤخذ الجزية من الرّهبان والأساقفة ومن يتعبّد" "ولا يؤخذ شيء من النّساء والصّبيان ولا من أهل العاهات الّذين لا يخالطون النّاس"؛ انظر جرجي زيدان: تاريخ التّمدّن الإسلاميّ ج3 ص94.
(4) - يوجد نصّ عهد عمر في سراج الملوك للطّرطوسيّ، القاهرة، المكتبة العربيّة، باب 51 ص252.
أضاف الجيطالي بعض النّقاط الّتي تشي بخصوصيّة بيئته التّاريخيّة. نجد فيه كما في مصادر أخرى التّوصية بمنع بنيان كنائس جديدة وإظهار أمور العبادة كالنّواقيس والصّلبان، وواجب (1/195)
صفحة 196
ضيافة المسلمين وإظهار التّبجيل لهم وكلّ التّراتيب الكفيلة بإبقاء النّصارى "صاغرين" كإلجائهم إلى أضيق الطّريق. نلاحظ كذلك فرض علامة مميّزة في اللّباس: الزّنّار. أشار الجيطالي كذلك بهذا الصّدد بأن تحمل المرأة في عنقها خاتما يدخل معها الحمّام، وتنتعل خفّين مختلفين في اللّون. وفي حالة نقض العهد فالإمام مخيَّر فيه بين القتل والاسترقاق. لا يوجد عقد شراكة مع الذّمّيّ بل فقط عقود إجارة. وإن دخل المسجد واستقبل القبلة فلا يُترك بعد ذلك حتّى يرجع إلى الإسلام، ويُنهى عن الأكل مع الكتابيّين (1).
تقييم عامّ
إن أردنا الآن تقييم إسهام الجيطالي، سنجد أنّ مواقفه حول كبريات قضايا علم الكلام كالصّفات ورؤية الله وخلق القرآن امتداد لمكاسب سابقيه أكثر ممّا تعكس تجديدا في طرح تلك القضايا. وسنجد نفيه، في باب القدر، لإمكانيّة تبديل قضاء الله في عقيدة عمان الّتي سندرسها في الفصل التّالي. والحلّ الّذي قدّمه للتّوفيق بين دعاء العبد وقضاء الله الأزليّ الثّابت بلا تبديل قريب من الحلّ الأشعريّ الّذي يجعل الدّعاء من شروط نفاذ العقد و"يعلّقه" بنحو ما (2).
__________
(1) - ألحقنا نصّ الجيطاليّ بهذا الفصل.
(2) - انظر [غارديه]، الله ومصير الإنسان، ص138.
وقد أمكننا خلال التّحليل أن نلاحظ توسّعا حول مسائل غير خلافيّة، يشهد بتأثّره بمصادر غير إباضيّة، مثلا بخصوص النّبوّة وفناء الدّنيا وخصال النّبيّ الإنسانيّة. وقد ثبّت دمج الاعتقاد بالجنان كعنصر ثالث في الإيمان، الّذي رأيناه عند أبي سهل يحيى. وتبدو الاستعارة من قاموس المصطلحات الفنّيّة لتصوّف (1/196)
صفحة 197
الغزاليّ بنحو أوضح ممّا عند سابقه أبي سهل الّذي واصل اتّجاهه التّقويّ. رأينا مثالا على ذلك في تحليل مفهوم النّيّة. ولا شكّ أنّ تأثير الغزاليّ يظهر أكثر في كتابه "قناطر الخيرات". لا تتجلّى في هذا المجال إذن أصالته.
إن اعتبرنا أنّ علم الكلام يظلّ، حتّى في فترة ركود، مرآة لقضايا العصر، ففي القسم المركزيّ من الكتاب، في باب الولاية والبراءة، وكذلك في باب الملل، يمكننا أن نرى ذلك بحقّ. هنا حلّ الفقيه مكان المتكلّم. وكما بيّنّا، تعكس الحلول الّتي قدّمها الأوضاع السّياسيّة المضطربة لعصره، حيث طرحت العلاقات بين الفرق في نفوسة وجربة إشكالات عويصة على فقيهنا الّذي كان عاملا في فترة كتمان. حول هذه المسائل ذات الأهمّيّة الكبرى عند الإباضيّة، تمّم على وجه مُرض وجمع في خلاصة متّسقة إسهامات سابقيه التّمهيديّة. توجد كذلك في حكم الذّمّيّ عناصر أصيلة رغم أنّه في جملته مستوحى من عهد عمر. فيما يخصّ الإمام رأينا أنّه قدّم مشروعا أكثر انفتاحا حول مفهوم إمامة العدل. مثلا حيث اكتفت العقائد السّابقة بعدم فرض الهجرة من دار الجور، أظهر اتّجاها إيجابيّا منفتحا بقبوله ولاية إمام قاهر إن كان يحترم شرائع الإسلام. في المقابل قدّم فيما يتعلّق بإبقاء الإمام مرتكب الكبيرة رأيا فيه قدر من المجازفة، يبدو أنّه انفرد به في فرقته.
لم تبق القواعد المفصّلة الّتي عرضها حول الولاية والبراءة بدون تأثير في الفقه الإباضيّ، وقد لمّح الكاتب عرضا إلى صداها. نكتفي بمثالين في هذا الباب.
أ- في تواصل مع سابقيه، أكّد أنّ المحكوم بالبراءة منه أو مرتكب الكبيرة يفقد العدالة (فلا يقبل القاضي شهادته) وحقّ المناكحة والموارثة والمدافنة. (1/197)
صفحة 198
ب- في المقابل يُظهر موقفه حول الزّكاة مرونة بالمقارنة بموقف سابقيه الأكثر تشدّدا. فبينما أشار معظمهم بأخذها من الأولياء وتوزيعها عليهم (1)، ذهب إلى توزيعها على كلّ الفقراء، سواء كانوا في الولاية أم لا (2).
هكذا نرى، بخصوص هذه النّقطة كما بخصوص العلاقات الجديدة الّتي كان يودّ إقامتها مع أهل الخلاف الّذين أدرج حكمهم ضمن أحكام الملل، أنّ التّصلّب والتّشدّد اللّذين كانا يميّزان الإباضيّة في البداية واللّذين خفّف الجنّاونيّ حدّتهما باستبدال دار الحرب بمفهوم دار الخلط استمرّا في التّراجع وأفسحا المجال شيئا فشيئا لتطبيع تدريجيّ للعلاقات مع الفرق المخالفة. (1/198)
صفحة 199
ملحق بالفصل الخامس: حكم الذّمّيّ
من الجيطالي: قواعد الإسلام، نشر بكلّي، ج1، ص111 - 112.
__________
(1) - انظر مثلا عامر الشماخي: كتاب الإيضاح، بيروت، (1391هـ/1971م)، ج2 ص110.
(2) - انظر قواعد الإسلام، ج2 ص55.
"ولا يتركهم الإمام أن يُظهروا شيئا من أمورهم مثل الخمر (أضاف المحشّي: في الخارج) وإمساك السّلاح وبنيان الكنائس، وإجماع الصّلاة وضرب النّاقوس وبيع الرّبا. وقد أمر عمر رضي الله عنه أن تُهدم كلّ كنيسة لم تكن قبل الإسلام. وقيل إنّ هذا إجماع من النّاس. وكان عروة بن محمّد بن عروة يهدمها بصنعاء. وشدّد عمر بن عبد العزيز وأمر أن لا تُترك في الإسلام بيعة ولا كنيسة بحال، قديمة ولا حديثة، وهو مذهب الحسن البصريّ. ويعلم الإمام أهل الذّمّة بالزّنّار في أطراف أرديتهم، والنّصارى يمسكون في أيديهم العصيّ الصّغار. وقيل يميّز أهل الذّمّة بالزّنانير في أوساطهم، ويكون في رقابهم خواتم من رصاص أو نحاس أو جرس. وليس لهم أن يلبسوا العمائم ولا الطّيلسان. وأمّا المرأة فتشدّ الزّنّار تحت الإزار، وقيل فوقه، ويكون في عنقها خاتم يدخل معها الحمّام، ويكون أحد خفّيها أسود والآخر أبيض. ولا يركبون الخيل، ويركبون البغال والحمير بالأُكُف عرضا ولا يركبون السّروج، ولا يصدرون في المجالس ولا يبدؤون بالسّلام، ويُلجؤون إلى أضيق الطّريق، ولا يعلون على المسلمين في البنيان. ولا يُستعملون على الأمور. وقد روي أنّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى عمّاله أن لا تولّوا على أعمالنا إلاّ أهل القرآن، فكتبوا إليه: إنّا وجدناهم خونة، فكتب إليهم: إن لم يكن في أهل القرآن خير فأجدر ألاّ يكون في غيرهم خير. (1/199)
صفحة 200
ومتى نقض الذّمّيّ العهد بمخالفة لأيّ من الشّروط المأخوذة عليه لم يردّ إلى مأمنه. والإمام فيه مخيَّر بين القتل والاسترقاق في قول بعض العلماء. ولا يصحب الذّمّيّ إلاّ بالجعل وإن قلّ، ولا يؤاكل ولا يجالس ولا يحدّث لئلاّ تحلّ اللّعنة به فتشمل جليسه، والله أعلم، ولا يسلّم عليه ولا يصافح، فإن سلّم الذّمّيّ على أحد فليردّ عليه: وعليك ما قلت. وإن دخل المسجد واستقبل القبلة فلا يُترك بعد ذلك حتّى يرجع إلى الإسلام. وفي البلل من أهل الكتاب اختلاف بين
العلماء. وأمّا المجوس وعبدة الأوثان فإنّ البلل منهم نجس باتّفاق الجمهور الأعظم من أهل العلم، ومسائلهم أكثر من أن نأتي عليها. والله أعلم وبالله التّوفيق". (1/200)
صفحة 201
الفصل السادس: عقيدة عمان
بتناول العقيدة المتضمّنة في كشف الغمّة (1)، ننتقل إلى نطاق اجتماعيّ ثقافيّ مختلف كثيرا: مجال الإباضيّة الشّرقيّة. وردت هذه العقيدة في الباب 29 (2) من كتاب الأخبار المجهول الكاتب (3) المعروف بكشف الغمّة الجامع لأخبار الأمّة، وهي جديرة بالاهتمام من وجهين: أوّلا لأنّها تعكس معتقدات إباضيّة عمان وشرق إفريقيا (زنجبار وتنزانيا) أي
__________
(1) - انظر [بروكلمان]، ت أ ع ج2 ص409؛ مخطوط المتحف البريطانيّ 8076؛ توجد نسخة من كشف الغمّة في المكتبة القوميّة بتونس 3812 في 497 ص. وهو حسب محمّد بن عبد الجليل مختصر للكشف والبيان للقلهاتيّ، انظر: خلافة عثمان وعليّ من كتاب الكشف والبيان تأليف أبي سعيد محمّد بن سعيد الأزديّ القلهاتيّ في حوليّات الجامعة التّونسيّة، ص11 (1974م)، ص186.
(2) - قدّم الباب 27 من كشف الغمّة المراسلة بين الخليفة عبد الملك بن مروان وعبد الله بن إباض. وهذه الوثائق مهمّة لمعرفة تصوّرات الإباضيّة الاجتماعيّة والسّياسيّة، وقد أشرنا إليها في المقدّمة.
(3) - لا يُستبعد أن يكون رجل يدعى خلفان بن قيصر ورد اسمه في مواضع من كشف الغمّة مؤلّفه، وإن كان يكتفي غالبا بانتساخ نصوص من كتب أخرى دون ذكر المصادر. يتعيّن حتّى إن قبلنا ذلك إثبات أنّه كاتب المقاطع الّتي وردت بضمير المتكلّم المفرد. يصعب هناك أيضا إقامة الدّليل على أنّه يتكلّم باسمه الخاصّ. على أيّة حال لا نستطيع مطابقته بعبد الله بن خلفان بن قيصر الّذي كتب سيرة للإمام ناصر بن مرشد انتهت في (1050هـ/1640م)، (انظر المتحف البريطانيّ 1252، 1؛ ت أ ع 2: 409). ذُكر كذلك المدعوّ عبد الله بن قيصر بين علماء عمان (كشف ورقة 462 ب 15). ما زالت مشكلة التّعرّف على الكاتب قائمة.
الجماعات الإباضيّة الوحيدة الّتي استمرّ وجودها إلى هذا اليوم في المشرق، فقد اختفت جماعات العراق والجزيرة العربيّة (1/201)
صفحة 202
منذ العصر الوسيط (1)، ثانيا لأنّ كلّ ما يتعلّق بالمعتقدات فيها نُسب إلى عبد الله بن إباض (2)، ويرجع إذن إلى أصول الفرقة وإلى مؤسّسها، رغم أنّ كشف الغمّة أُلّف في فترة متأخّرة. والباب الّذي جاء بعنوان عقيدة أهل عمان في تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان (3) لا يحمل على المستوى العقيديّ أيّة عناصر جديدة. ويتّضح من دراسة [كلاين] (4) الّذي إستعان بعدّة مصادر أنّ كشف الغمّة وتحفة الأعيان نهلا من روايات مشتركة عن تاريخ البلاد وأنّ عصريهما متقاربان، وإن كانت بعض القرائن تشير إلى أنّ الكشف متأخّر على الأرجح عن التّحفة.
رغم أنّ الصّيغة النّهائيّة للعقيدة تعود إلى فترة متأخّرة، وحده النّقد الدّاخليّ كفيل بإظهار النّقاط العقيديّة الّتي يمكن إرجاعها إلى مؤسّس الفرقة أو على الأقلّ بالتّمييز بين العناصرالعتيقة والإضافات اللاّحقة. سوف نستعين بتحفة الأعيان لمعرفة السّياق التّاريخيّ الّذي يمكن على ضوئه أن نتبيّن مغزى تأكيدات العقيدة الواردة في كشف الغمّة. سنرجع إلى النّصّ الّذي ترجمه [سخاو] (5) وإلى مخطوطة المتحف البريطانيّ (6) الّتي يحتوي نصّها على عدّة أخطاء وثغرات مقارنة بالمخطوطة الّتي استخدمها [سخاو]. (1/202)
صفحة 203
__________
(1) - انظر دائرة المعارف الإسلامية، 2 3: ص671 - 673 مقال "الإباضيّة".
(2) - انظر [سخاو]، حول التّصوّرات، ص62.
(3) - ص79 - 85، من الطّبعة الّتي حقّقها إبراهيم أطفيّش، دار الكتاب، القاهرة، (1380هـ/1961م).
(4) -[كلاين]: الباب 33 من كتاب الأخبار العربيّ المجهول المؤلّف كشف الغمّة والجامع لأخبار الأمّة والمعنون أخبار أهل عمان من أوّل إسلامهم إلى اختلاف كلمتهم، أطروحة، همبورغ، (1938م).
(5) - نسخة الكشف الّتي درسها [سخاو]، غير موضوعة على ذمّة الباحثين حاليّا.
(6) - رقم 8076 (نشير إليه ب: مخ م ب).
مضمون العقيدة
افتُتحت العقيدة بتعداد المسلمين الأوائل الّذين يتولاّهم (1) الإباضيّة أو يبرؤون منهم (2). وتناولت هذه النّقاط:
-الإباضيّة هي الفرقة المحقّة لارتباطها بمحمّد بن إباض ومن خلاله بالصّحابة.
- محتوى الإيمان: الله، الملائكة، الرّسل، الآخرة، القدر، الصّفات.
- الإسلام وأركانه الخمسة.
- مبادئ أخلاقيّة وتشريعيّة مستمدّة من القرآن والسّنّة.
في الختام أتى الجزء الجدليّ فأكّد الانفصال عن كلّ الفرق الضّالّة. يلاحَظ وجود عدّة نقاط أخرى بين هذه الخطوط الكبرى غير مرتّبة، مع تكرار لبعض البنود.
__________
(1) - أبي بكر وعمر.
(2) - عثمان؛ وعليّ الّذي ترك القتال ضدّ الفئة الباغية قبل أن تفيء إلى حكم الله، وقبل تحكيم رجلين حذّر النّبيّ أصحابه منهما، وقتل أهل النّهروان، 4000 هم الأفضلون من أصحاب النّبيّ؛ طلحة والزّبير؛ والحسن والحسين ابني عليّ؛ ومعاوية؛ وأبي موسى الأشعريّ وعمرو بن العاص الحكمين بين عليّ ومعاوية؛ ويزيد بن معاوية. انظر [سخاو]، حول التّصوّرات، ص59 - 60.
بإعلان الاختلاف عن الفرق الأخرى: المعتزلة، القدريّة، الصّفاتيّة، الجهميّة، الخوارج، الرّوافض، الشّيع، والارتباط الصّريح بمحمّد بن إباض، تؤكّد إباضيّة عمان، كإباضيّة شمال إفريقيا، انبثاقها من الأصل مباشرة. أسّس عبد الله بن إباض مذهبه على تعاليم عبد الله بن عبّاس ابن عمّ النّبيّ، وكذلك على عالم الفرقة الكبير (1/203)
صفحة 204
أبي الشّعثاء جابر بن زيد أصيل نزوى بعمان الّتي عاد إليها منفيّا بأمر من الحجّاج بن يوسف، كان إباضيّا بارزا من جماعة البصرة (1). من خلال جابر ترقى سلسلة نسبها إلى النّبيّ عبر أهل النّخيلة (41هـ/661م) والنّهروان (38هـ/658م) وصفّين (37هـ/657م) والجمل (35هـ/656م) وعدد من الصّحابة والخليفتين الأوّلين.
من الملفت للنظر أنّ العقيدة لا تشير إلى الدّعوة الأولى إلى الإسلام الّتي وجّهها إلى أهل عمان النّبيّ بالذّات، وقد ذُكرت في كشف الغمّة (الباب 33) (2) ومن الثّابت أنّها أدّت إلى إسلام مازن بن غضوبة وعبد وجيفر أبناء الجلندا بن مسعود.
__________
(1) - مركز الفرقة الأوّل: فمن البصرة أيّام إمامة الرّبيع بن حبيب تلميذ أبي عبيدة مسلم التّميميّ الّذي أخذ هو نفسه عن جابر ابن زيد، رحل إلى عمان حملة العلم ومنهم ابن عمرو الفراهيديّ و3 من أصحابه. انظر كشف ورقة 459 ب 14.
(2) - "إلى أهل عمان: أمّا بعد فأقرّوا أن لا إله إلاّ الله (وأنّي رسوله) وأدّوا الزّكاة واعمروا المساجد وإلاّ غزوتكم".
نسب كشف الغمّة العقيدة الّتي نقلها إلى عبد الله بن إباض (1). وعلى افتراض أنّ النّواة الأصليّة هي حقّا من تأليفه، يبيّن تحليل النّصّ بوضوح أنّ إضافات لاحقة أثرت تلك النّواة. بوجه خاصّ سنرى، فيما يتعلّق بالقرآن، أنّ بعض العبارات تشي بصياغة متأخّرة. كذلك، ومن باب الحرص على التّبسيط وعلى إرجاع المذهب في جملته إلى ابن إباض، أعلنت العقيدة أنّه فارق جميع أهل الفرق الضّالّة الّتي عدّدتها كما ذكرنا. هنا حتّى لو قبلنا رأي الشّهرستانيّ والقزوينيّ، (1/204)
صفحة 205
على ضعف احتماله، أنّ ابن إباض عمّر إلى خلافة مروان بن محمّد (127 - 134هـ/745 - 752م) (2)، لم يظهر الإسماعيليّة إلاّ بعد موته: إذ يصنّفه مؤرّخو الفرقة (كالدّرجينيّ) عادة في الطّبقة الثّانية (50 - 100هـ)، بينما مات الإمام السّادس، جعفر بن محمّد الصّادق في (145هـ/762م). وأهل عمان، في إعلان عبد الله بن إباض مصدر عقيدتهم، يلتقون مع المغاربة كما جاء في شهادة الدّرجينيّ: "هو العمدة في الاعتقادات" (3).
الإيمان والعمل
__________
(1) - انظر مقال "الإباضيّة" لـ[ليفيتسكي] في دائرة المعارف الإسلامية 2، 3: ص669 - 670.
(2) - انظر [ليفيتسكي]: مقال الإباضيّة في دائرة المعارف الإسلاميّة 2، 3: 670.
(3) - الدّرجينيّ: طبقات ج2 ص214.
في أساس العقيدة تقع قضيّة الإيمان والعمل. وأوّل بنودها أنّ الإيمان قول وعمل. تطابق هذه الصّياغة الطّرح الإباضيّ التّقليديّ، الّذي جاء مثلا عند أبي حفص بهذه الصّيغة: الإيمان إقرار باللّسان وعمل، مع وضع العنصرين على نفس المستوى، وتتّفق مع موقف بعض المعتزلة الّذين اعتبروا العمل قوام الإيمان، وتتعارض مع رأي المرجئة الّذي يعرّف الإيمان بالتّصديق بالقلب. تجعل العبارة المستخدمة هنا العمل جزءا من الإيمان كالقول، ودون إعطاء أولويّة لأيّ من العنصرين. وقد اتّبع الأشعريّ في كتاب الإبانة نفس الصّياغة. وصادقت عليها عدّة عقائد حنبليّة، مع إضافة عنصر النّيّة عادة (ابن حنبل، ابن تيميّة). والشّأن مماثل في الصّوفيّة (الكلاباديّ). لا ينبغي أن نتسرّع في المقاربة بين المواقف: لمّا نقرأ في كشف الغمّة أنّ "الإيمان اتّباع السّنّة" قد يتبادر إلى أذهاننا أنّ نظرة الإباضيّة إلى الإيمان مجانسة لتقليد أهل الحديث، والحقيقة غير ما لاح لنا: (1/205)
صفحة 206
فالمقصود بالسّنّة التّقليد الإباضيّ الّذي يقي من مزالق التّأوّل الشّخصيّ والاعتباطيّ. فالإيمان "ليس فيه اعتلال على أحد ولا أخذ بالحنّات ولا ميلولة إلى هوى". هكذا أكّدت بقوّة الطّابع العلويّ والموضوعيّ للإيمان ضدّ مذهب المرجئة الّذي يعطيه طابعا ذاتيّا، ورفضت تدليل علم الكلام لإعطائه أساسا عقليّا. ماذا يجب أن نستنتج من هذا التّعريف؟ أمرا في غاية الأهمّيّة: تكافؤ القول والعمل: ليس العمل مجرّد علامة وتنفيذ للإيمان، بل هو من صميمه. هكذا نفهم أنّ الصّدع بالعقيدة هو الفعل الأساسيّ والأوّل من أفعال الإيمان: إنّما الإيمان "اتّباع سبيل التّقوى، وأن يؤمن بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، وجنّته وناره، ووعده ووعيده، والبعث والحساب واليوم الآخر". يلاحَظ أنّ العقيدة لم تعد فيما بعد إلى مسألة الملائكة، والكتب، وحكم أهل الكتاب، ولا إلى موضوع الرّسل. هذه النّقطة الأخيرة على الأخصّ تحتلّ
موقعا مهمّا من العقائد الإباضيّة الأخرى. صحيح أنّ العقيدة عالجت بإيجاز، في قسمها الأخير المخصّص لنقد الفرق المخالفة مسألة النّبوّة الّتي هي محلّ خلاف مع الفرق الشّيعيّة المجاورة.
القرآن
"القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله أنزله على نبيّه محمّد". تحوصل هذه الجملة جانبا من عقيدة إباضيّة عمان. وهي بصياغتها المختزلة، نتيجة جدل طويل أفضى في النّهاية إلى حلّ وسط. وهذه الصّيغة تحافظ، فيما يتعلّق بالقرآن على الحدّ الأدنى المجمع عليه بين الإباضيّة، ولا تعلن أيّ موقف من خلق القرآن الّذي أكّده الإباضيّة المغاربة (1)، وقد ذكر الشماخي اختلاف الجماعتين حول تلك (1/206)
صفحة 207
المسألة (2).
__________
(1) - الجنّاونيّ: "ليس منّا من من يقول إنّ القرآن غير مخلوق"، (عقيدة نفوسة 49).
(2) - "أجمع الوهبيّة على خلق القرآن إلاّ من خالف إجماعهم، فبعض أهل عمان خالف في خلق القرآن بخلاف دون أهل العراق ومصر ودون أهل مكّة والمغرب وسائر الإباضيّة". الشماخي: السّيَر، ص486.
في عمان نشب النّزاع حولها أيّام إمامة المهنّا بن جيفر (1). أثناء اجتماع للأشياخ في دُما حضره أبو زياد وسعيد بن محرز ومحمّد بن هاشم ومحمّد بن محبوب وغيرهم، تذاكروا في القرآن، فقال محمّد بن محبوب: "أنا أقول إنّ القرآن مخلوق"، فغضب محمّد بن هاشم وقال: "أنا أخرج من عمان ولا أقيم بها". فظنّ محمّد بن محبوب أنّه يعرّض به فقال: "بل أنا أوْلى بالخروج من عمان لأنّي غريب". فخرج محمّد بن هاشم من البيت وهو يقول: "ليتني متّ قبل اليوم". ثمّ تفرّقوا، ثمّ اجتمعوا بعد ذلك، ثمّ رجع محمّد بن محبوب عن قوله، واجتمع من قولهم أنّ الله خالق كلّ شيء، وما سوى الله مخلوق، وأنّ القرآن كلام الله ووحيه وكتابه وتنزيله على محمّد (ص) (2)، وأمروا الإمام المهنّا بالشّدّ على من يقول إنّ القرآن مخلوق.
خلافا للظّواهر، لم تكن نتيجة الجدال تبنّي وجهة النّظر السّنّيّة، إذ لم يقترن نفي خلق القرآن بتأكيد قدمه. في القضيّة جانبان: ينبغي من جهة الحفاظ على مبدأ أنّ الله خالق كلّ شيء وأنّ القرآن إذن من الأشياء المخلوقة، ومن جهة أخرى اجتناب موقف المرجئة القائلين بحدوث الصّفات الذّاتيّة في الله. في نظر (1/207)
صفحة 208
الإباضيّة لا يمكن على الإطلاق نعت القرآن بالقدم الّذي انفرد به الله. والصّيغة المحايدة: "القرآن كلام الله" تسمح بتفادي المأزق. تندرج هذه الإشكاليّة، كما نرى، في مناخ النّصف الأول من (ق 3هـ)، وتنتمي إلى فترة متأخّرة عن عصر ابن إباض، وهي بالتّحقيق غريبة عمّا رُوي عنه، ولا نرى لها أثرا في مراسلته مع عبد الملك.
__________
(1) - إمامته، (226 - 237هـ/840 - 851م). انظر [بدجر]، تاريخ أئمّة عمان وساداتها لسليل بن رزيق، نيويورك، (1871م)؛ السّالميّ: تحفة الأعيان ج1 ص128 وما بعد.
(2) - تحفة الأعيان.
التّأكيدات اللاّحقة تتعلّق بالقدر، وبالوعد والوعيد. "الله خالق كلّ شيء ولا خالق سواه": يعني هذا فيما يعني أنّ الإنسان ليس خالق أفعاله كما عند المعتزلة. ولم تتناول العقيدة مشكل التّوفيق بين قضاء الله واختيار العبد. "الله لا يخلف وعده ولا يبطل وعيده"، حول هذه النّقطة نلاحظ الاتّفاق التّامّ مع المعتزلة، ضدّ المرجئة والأشعريّة. اكتفت العقيدة بهذه الصّيغة الفجّة دون الإشارة إلى مفاهيم التّوبة والتّوكّل والورع الّتي وردت في العقائد الأخرى. وأداء الفرائض العباديّة بمفرده غير كاف لإرجاء الوعيد. تتالى التّأكيدات الّتي عرضناها وجيزة وبدون اتّساق منطقيّ ولا محاولة لرفع التّناقض بينها، وحده سلطان كلام الله يبرّر هذا النّسق.
الله "لا تدركه الأبصار في الدّنيا ولا الآخرة"، و"لا تحويه الأقطار": حول هذه النّقطة يلتقي إباضيّة عمان مع المغاربة.
أسماء الله وصفاته
أوردت الجمل التاّلية وبدون ترتيب محدّد عددا من أسماء الله وصفاته. لم تأت في شكل بيانات على النّمط المتّبع في علم الكلام، وبقيت قريبة من النّصّ القرآنيّ. وأكّدت بالأساس التّنزيه، إفراد الله المطلق عن المخلوق. يستهدف مذهب التّوحيد في (1/208)
صفحة 209
الصّيغة الّتي قُدّم بها بالأخصّ المجسّمة الّذين يصفون الله بعبارات تشبيهيّة. وقد كُرّرت الصّيغة القرآنيّة "ليس كمثله شيء" (ق 42: 11) في أشكال شتّى. نلاحظ أيضا أسلوب النّفي أو الاستثناء الّذي يميّز عدّة جمل: "لا إله إلاّ هو"، "لا تأخذه سنة ولا نوم" (ق 2: 255)، "لا يموت"، "لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد" (ق: 112)، الخ.
في معارضة للعقائد الحنبليّة لم تذكر أيّة آية من المتشابه (الاستواء، اليد، العين، المجيء ... ) مع ذلك ذكر السّالميّ الاستواء على العرش موضّحا أنّه غير ما يتصوّر العقل، وأنّه كناية عن المُلك والمقدرة (1). وقدّمت صفات قد تؤوَّل بمعنى تشبيهيّ أوّلا بصيغة مطلقة: "محيط بكلّ شيء"، ثمّ مع نفي أيّ شبه بصفات بشريّة، أو تأكيد المسافة اللاّمتناهية بين هذه وتلك: "النّاظر لا بخواطر وأفكار"، العالم بلا اكتساب ولا اضطراب"، "المطّلع على خفيّات الأسرار"، "قريب فلا تراه العيون والأبصار"، "العالم بما يكون قبل كونه".
أكّدت العقيدة علوّ الله عن الإدراك والتّحيّز وعن التّحديد بالمقولات وقصور الأنساق الّتي يسعى فكر الإنسان بها إلى بلوغه عن كنه ذاته. "لا يوصف بالحركات والسّكون. لا تحويه الأمكنة ولا تغيّره الأزمنة. البريء من الأشباه والأضداد، المنزّه عن الصّفات والإلحاد. المتعالي عن إدراك النّواظر وتحصيل الأوهام والخواطر. ليس قبله شيء وليس بعده شيء. القادر بلا أعوان (1/209)
صفحة 210
وأنصار" (2).
لم تُذكر أيّة صفة من صفات المعاني الّتي توحي بإضافة مفهوم إلى الذّات. يرفض اللاّهوت الإباضيّ صفات مثل القدرة والإرادة والحياة ... في شكل صفات معان تؤخذ بحرفيّتها وتُعدّ مغايرة للذّات. فالصّفات فيه ذاتيّة لا غيريّة، وفي ذلك يلتقي الإباضيّة مع الإماميّة والمعتزلة الّذين يؤكّدون أنّ الصّفات عين الذّات (3).
__________
(1) - انظر السّالميّ: غاية المراد في نظم الاعتقاد، نشر الكامليّ، قسنطينة، المطبعة الجزائريّة الإسلاميّة، ص7.
(2) - تذكّر هذه المقاربة السّلبيّة الّتي تؤكّد قصور الكلمات المطلق عن وصف واقع الألوهيّة بعقيدة الحلاّج، انظر: [لويس مسّينيون]، آلام الحلاّج، باريس، (1922م)، ص636.
(3) - انظر محمّد رضا المظفّر: العقائد الإماميّة، القاهرة، مطبعة الأمل، (1381هـ)، ص16.
تشير الأسماء والصّفات الّتي وردت في العقيدة بالأخصّ إلى وحدانيّة الله وجلاله وعظمته: هو الواحد القهّار الحيّ القويّ الغنيّ العليّ الوليّ الجبّار المتكبّر الأحد الفرد الصّمد القيّوم ذو العزّة والملكوت والقوّة والجبروت، والصّفتان الأخيرتان لا يجب اعتبارهما من صفات المعاني. ومن ضمها بعض صفات الفعل وخاصّة الخلق: الخالق الباري المصوّر الباعث المحيي المميت خالق كلّ شيء والمحيط بكلّ شيء. لم ترد في هذه العقيدة الأسماء السّتّة غير القرآنيّة (القابض الباسط الخافض الرّافع المعزّ المذلّ) المدرجة عادة ضمن أسماء الله الحسنى، ولا كذلك نعوت تتردّد بكثرة في القرآن مثل الرّحمن والرّحيم. لم يُنعت كذلك بالغفور ولا الغفّار كما في عقيدة أبي سهل يحيى. فهل يفسَّر غيابهما برفض الله غفران ذنوب المصرّين؟
كذلك لم يوصف بالحليم، بالعكس أكّدت العقيدة أنّه لا يبطل وعيده. نلاحظ كذلك قلّة الصّفات الّتي تؤكّد قرب الله أو عنايته بالعباد، مثل الوهّاب (1/210)
صفحة 211
الرّزّاق الودود. مع ذلك نُعت باللّطيف والوليّ لكن لا بالمجيب.
الإيمان والإسلام
الإسلام من الإيمان: لكنّهما غير مترادفين، فالإيمان يتضمّن الإسلام ويتجاوزه: ممّا يوحي- وإن لم يُذكر ذلك هنا- بأنّ الإسلام هو شهادة التّوحيد وأنّ الإيمان يتضمّن، فضلا عن هذه الشّهادة الّتي تعطي صاحبها منزلة المؤمن من وجهة النّظر التّشريعيّة، عنصرا تدعوه مدارس أخرى وعقائد إباضيّة أخرى الاعتقاد الّذي علمه عند الله وحده.
بالتّمييز بين الفعلين- اعتقاد القلب ونطق اللّسان (1) - اقتربت عقيدة الجنّاونيّ من الموقف الأشعريّ (كتاب اللُّمع) أو من الاتّجاه الحنفيّ الماتريديّ (وصيّة أبي حنيفة). أمّا في عقيدة عمان فنحن بإزاء نظرة أقلّ تطوّرا تقصر الإيمان على الشّهادة الخارجيّة الصّرفة. "فهو (دين محمّد) الحقّ المبين لا شكّ فيه ولا ارتياب، والسّاعة آتية لا ريب فيها والله يبعث من في القبور". نجد هنا قرينة أخرى توحي بالقدم: تحمل الدّعوة إلى اعتناق الإسلام دون تردّد لقرب السّاعة نبرة كالّتي تميّز الدّعوات الخارجيّة الأولى إلى الانضمام إلى الفرقة النّاجية. لم يُبحث بعد في النّفاق وشتّى أشكاله ولا في منزلة المنافق والأحكام المترتّبة عليها: ربّما كنّا أمام إحدى النّوى الأصليّة للعقيدة الإباضيّة والّتي بلورتها وطوّرتها العقائد مضيفة إليها تلك المسائل وغيرها.
__________
(1) - القلب وليس اللّسان هو الّذي يشرك بالله. انظر عقيدة نفوسة، ص54.
الشّهادة موسّعة مقارنة بصيغتها التّقليديّة: وهي أنّ "لا إله إلاّ الله وحده لا (1/211)
صفحة 212
شريك له، وأنّ محمّدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقّ". نلاحظ أنّ هذه الصّياغة تطابق البنود الثّلاثة الأساسيّة الّتي تطلبها عقيدة نفوسة لاستكمل الإيمان عند النّاس (1). جملة العلم هذه الّتي يقتضيها الإيمان والّتي أكّد الشماخي أنّها خاصّة بإباضيّة المشرق وبعض الجماعات الأخرى (2) نلاحظ أنّها توجد هنا فعلا وأنّ قوله يصحّ إذن على عمان (3). فعلا كانت تلك هي الشّهادة الّتي يُطلب النّطق بها للدّخول في الإسلام، كما حصل فعلا في حالة يهوديّ طُلب منه الارتداد عن دينه (4).
"أركان" الإسلام
بعد ذلك، خصّصت العقيدة للأركان الّتي "لا يتمّ الإسلام إلاّ بها" تحليلا فيه شيء من الإطناب. بالنّسبة إلى كلّ الأركان، هناك تشديد على أداء فرائض العبادة على الوجه الأكمل وفي جانبها المادّيّ الخارجيّ، وعلى ما لا يجوز الجهل به وإلاّ بطلت تلك العبادات. اكتفى النّصّ بتعداد جافّ لهذه الفرائض دون تفصيل الحالات المتنوّعة وأحكامها. الخطأ الكبير في هذا المجال هو الجهل بإلزاميّة هذه الفرائض الّتي أُكّد بصدد كلّ واحدة منها طابعها الإجباريّ. وهو طابع يجدر بالملاحظة خاصّة لوجود فرق أخرى بجوار عمان (1/212)
صفحة 213
كالقرامطة الّذين كانوا يرون أنّ تلك الفرائض ذات طابع نسبيّ وفي بعض الحالات يعفون منها الأتباع. في مذهبهم "من حصّل علم القرآن أُعفي من كلّ تكليف" حسب السّالميّ (5) الّذي حكم بأنّهم "أبطلوا كلّ أحكام الإسلام"، وقد تساعدنا في فهم هذا الحكم نبذة تاريخيّة قصيرة.
__________
(1) - انظر عقيدة نفوسة، ص1.
(2) - الشماخي: مقدّمة التّوحيد، نشر السّيبانيّ، (1392هـ/1973م)، ص27.
(3) - كذلك: عبد العزيز المصعبيّ: شرح على القصيدة النّونيّة المسمّاة بالنّور، القاهرة، (1306هـ)، ص165؛ الورجلانيّ: الدّليل، ج2 ص4 - 17.
(4) - السّالميّ: تحفة، ج1 ص112.
(5) - المصدر نفسه ج1 ص226.
لم يكن القرامطة يمثّلون خطرا خياليّا فقط. إذ تفيد كتب الأخبار العمانيّة (1) بأنّهم زحفوا عليها أيّام عمر بن محمّد مطرّف الهدّانيّ (2) الّذي تخلّى عن الإمامة. ثمّ انسحبوا إلى البحرين في أيّام أبي المؤثر (3). قاد الزّحف أبو سعيد حسن بن بهرام الجنّابيّ في العشريّة الأخيرة من (ق 3هـ) (4). أكّد كذلك سليل بن رزيق في كتابه عن أخبار عمان أنّهم أسقطوا الصّلاة والصّيام والحجّ والزّكاة زاعمين أنّها ذات معنى مجازيّ فقط. هكذا نرى أنّ لتشديد عقيدة عمان على أداء الفرائض بحذافيرها مسوّغاته.
__________
(1) - انظر سيرة محمّد بن روح الّتي استشهد بها السّالميّ.
(2) - بدأت إمامته في (300هـ/912م)، ثمّ جاء الكرّاميّة إلى عمان بأعداد كبيرة منعت عمر من ممارسة الإمامة. [بدجر] ص27 - 28.
(3) - الصّلت بن خميس البهلويّ العمانيّ أبو المؤثر عالم إباضيّ من النّصف الثاني من (ق 3هـ/9م)، انظر دائرة المعارف الإسلامية 2، 1: ص145 - 146.
(4) - انظر دائرة المعارف الإسلامية 2، 2: ص464.
بالنّسبة إلى الصّلاة، فضلا عن التّعاليم الّتي توجد في كلّ كتب الفقه (عن أمكنتها وأوقاتها والوضوء وطهارة البقعة والقبلة وأصولها وأنواعها: صلاة العيدين، صلاة السّفر الخ)، أوصت بالمواظبة عليها، وهي توصية لم تأت- والحقّ (1/213)
صفحة 214
يقال- عبثا: فإنّ النِّزاريّين الّذين كانوا يشكّلون الجماعة الإسلاميّة الأفضل تنظيما في شرق إفريقيا كانوا يفرضون 3 صلوات فقط: الصّبح والسّنج (العصر) والسّمني (العشاء) (1). بخصوص صلاة الجمعة، يجب اتّباع سنّة رسول الله وأئمّة الهدى من بعده في الأمصار. يلاحَظ هنا أنّ ما سجّله [تريمنغام] عن إباضيّة زنجبار وساحل شرق إفريقيا ينطبق أيضا على عادات إباضيّة المغرب: إذ لا توجد عندهم خطبة بالمعنى التّامّ لغياب إمام عدل، وإنّما تُقرأ آيات من القرآن ويُلقى وعظ إثر صلاة الظّهر الّتي تضمّ 4 ركعات (2). بهذا الصّدد تجدر بالذّكر شهادة ابن بطّوطة الّذي سافر إلى عمان في (725هـ) فوصف صلاة الجمعة كما شاهدها هناك: "يصلّون الجمعة ظهرا أربعا، فإذا فرغوا منها قرأ الإمام آيات من القرآن ونثر كلاما شبه الخطبة يرضّي فيه عن أبي بكر وعمر ويسكت عن عثمان وعليّ" (3).
__________
(1) -[ترمنغام]، الإسلام في شرق إفريقيا، أكسفورد (1964م)، ص107. لاحظ أنّ هذه الممارسة متّبعة حاضرا في زنجبار.
(2) - المصدر نفسه، ص82 - 83.
(3) - استشهد به السّالميّ: تحفة، ج1 ص314.
أمّا الزّكاة فأكّد النّصّ وجوب فرضها شأن الصّلاة وكرّره، واشترط لذلك استكمال النّصاب، وهو توضيح موجَّه خاصّة إلى الحكّام: فالظّاهر أنّ بعضهم لم يكونوا يراعون ذلك الشّرط، حتّى أنّ كاتب أخبار عمان شعر بحاجة إلى التّنويه بحاكم تقيّ كراشد بن الوليد (1) كان يأخذ الزّكاة طبق الأحكام الشّرعيّة (2) (1/214)
صفحة 215
ويكتفي بالعشر. فعلا لم يكن نادرا أن تؤخذ الزّكاة عنوة، وقد لا يكتفي الحاكم بالعشر ويفرض معه الخراج ممّا يعرّضه إلى الاتّهام بالكفر، مثل الإمام محمّد بن إسماعيل وابنه بركات (3) الّذي أُخذ عليه استحصال جبايات من الأرامل واليتامى قسرا، فأعلن الفقيه محمّد بن عبد الله بن مداد النّزويّ (ت 917هـ) خلعه من إمامة المسلمين (4).
صيام رمضان يجب أن يقترن بالحلم والعفاف، وينبغي العلم بوجوب فرضه هو الآخر. فيما يتعلّق بالحجّ ذكّر النّصّ بمناسكه وبوجوب معرفة "ما يلزم الجزاء فيه من قتل الصّيد وقطع شجر الحرم".
فرائض شرعيّة وأخلاقيّة
أشارت الفقرة التّالية إلى فريضة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وإلى الجهاد الّذي لم تزد على ذكره، وقدّمت جملة تعاليم شرعيّة وأخلاقيّة مفصّلة يمكن جمعها تحت عنوان الفروع أو الأخلاق أو المعاملات، وهي مستوحاة من القرآن والسّنّة. ومنها:
- التّحريمات القرآنيّة المعروفة: الميتة والدّم ولحم الخنزير والخمر والمسكر ... (ق 2: 173)،
- إقامة الحدود على السّارق والقاذف والزّاني والقاتل، (1/215)
صفحة 216
- أحكام الزّواج، المحارم، الطّلاق،
__________
(1) - (ق 4هـ)، بدون تواريخ دقيقة.
(2) -[بدجر]، تاريخ، ص31.
(3) - بداية غمامة محمّد بن إسماعيل: (906هـ/1500م) [بدجر]؛ بداية إمامة بركات: (936هـ/1529م) [بدجر]، (942هـ/1535م)، (السّالميّ).
(4) - السّالميّ: تحفة، ج1 ص333 - 334.
- قواعد السّلوك الاجتماعيّ: صلة الرّحم، البرّ بالوالدين، أداء الأمانة، العدل في المعاملات، تحريم مال اليتيم، الإحسان إلى الجار، القيام بالشّعائر الواجبة للموتى ...
- تعاليم أخلاقيّة صرفة: ترك الكذب والغيبة والحسد والبخل والتّبذير، لين الجانب وحسن الصّحبة ...
نجد هنا قائمة من الأوامر والنّواهي وُضعت كلّها على مستوى واحد ودون نعت انتهاكاتها بالشّرك أو النّفاق كما في العقائد الأخرى. وهي قائمة مفتوحة، والقاسم المشترك بين تعاليمها هو أنّها ملزمة لأنّ الله مصدرها: مبدأها "تحريم ما حرّم الله من القول والعمل ممّا ذكرته ولم أذكره". سنختار من هذه اللاّئحة بعض النّقاط المميّزة الخاصّة بالإباضيّة، وبالأخصّ من أهل عمان.
1) ما هو خاصّ بالإباضيّة
- اجتناب الشّبهات: يعكس تكرّر هذا المعنى حساسيّة خارجيّة وإباضيّة، تتمثّل في التّشديد على اجتناب كلّ حالة يشوبها لبس وكلّ تسوية، والاقتصار على الأوضاع المستبينة الّتي يتوفّر فيها للمسلم اليقين، سواء في الأخلاق أو العقيدة أو السّياسة. في شؤون المعتقد مثلا يمسك هذا الموقف "المسلم" عن الخوض في نقاشات عن قضايا شائكة كي لا ينزلق إلى حلول فيها مساس بأمور أساسيّة في العقيدة. من هنا نفهم الحيطة الّتي تطبع الموقف الختاميّ الّذي أعلن التّمسّك بما نقل الأمناء من الكتاب والسّنّة والإجماع: وما ذاك اعترافا بالعجز بقدر ما يعبّر عن رغبة البقاء على أرض النّقل الصّلبة. عبّرت عقائد أخرى عن (1/216)
صفحة 217
هذا الاستنكاف عن الشّبهات في شكل إحساس دينيّ هو الورع، أي الحرص الشّديد على اجتناب الذّنوب، وبوجه خاصّ في ما لا يُعرف جيّدا حِلّه من حرامه. رأينا ذلك مثلا عند عرض عقيدة نفوسة للجنّاونيّ. ومن باب أوْلى أن تُظهر تلك الحساسيّة الدّينيّة الإباضيّة يقظة وحيطة إذا كان الشّكّ يتعلّق بجوانب أساسيّة من العقيدة: كالوعد والوعيد ومجال الأخلاق. وهي تُدين من ارتكب آثاما أو جوّزها، وتبرأ لا ممّن ينتهك المحظورات فقط بل كذلك من يقلّل من خطورة انتهاكها.
قد يكون هذا الحرص على البقاء على أرضيّة اليقين الصّلبة هو تحديدا ما يفسّر غياب الوقوف في الشّبهات الّذي ذكرته عقائد المغرب. فالنّواة الأصليّة لعقيدة عمان لا تعتبر سوى وضعين مستبينين: الولاية والبراءة.
- لا نجد هنا، بخصوص مفهومي الولاية والبراءة المستمدّين من القرآن التّحاليل المفصّلة الّتي خصّصتها لهما عقائد المغرب وكتب الأصول، ومن ذلك على وجه الخصوص ولاية أو براءة الأشخاص. اكتفت عقيدة عمان في هذا الباب بإعلان المبدأ التّالي الّذي يحدّد العلاقات مع الآخرين على أساس علاقتهم مع الله: "الولاية لأهل طاعة الله ومفارقة أعداء الله". طاعة أوامر الله، لا رابطة القرابة ولا المنزلة الاجتماعيّة، هي العهد الّذي يفي به المؤمن: "الولاية ممّن عمل بالحقّ كان له ذكر أو كان غير مذكور". هذا المبدأ أساس موقف الإباضيّة من عليّ وبراءتهم من عثمان وشروط طاعة الإمام والولاء له، وعليه أيضا ينبني واجب "قتال أهل البغي بعد إقامة الحجّة عليهم حتّى يفيئوا إلى أمر الله، وقتل المحاربين الممتنعين عن الحقّ حتّى يأخذوا (1/217)
صفحة 218
بما وجب عليهم أو يُنفوا من الأرض". نجد تعاليم مماثلة في العقائد (1) الأخرى مع نفس الصّياغة جوهريّا، ويُحتمل أنّ عبد الله بن إباض مصدر هذا المذهب (2).
__________
(1) - عقيدة نفوسة 22؛ [موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص532.
(2) - الأشعريّ: مقالات، ص1 ص189؛ ابن الأثير: الكامل، ج3 ص336 - 337.
2) بعض التّعاليم الخاصّة بالأخلاق والحياة الاجتماعيّة لا توجد إلاّ في هذه العقيدة. منها مثلا ما يتعلّق بالزّينة والموسيقى: "تحريم إظهار الزّينة للنّساء عند غير البعل سوى الكحل للعين والخاتم في اليد، ولا يخضعن بالقول فيطمع الّذي في قلبه مرض ... " (1) كلّ تبرّج محرّم. كذلك يجب أن يقتصر الرّجال على اللّباس البسيط: "تحريم لبس الحرير والذّهب على الرّجال". كذلك وُضعت قيود صارمة على التّعبير على الحزن عند موت الأقرباء: "تحريم النّوح ولطم الخدود وشقّ الجيوب وجزّ الشّعور والنّداء بالويل." حتّى مظاهر الفرح الطّبيعيّة قُنّيت وقُنّنت بحزم: "تحريم المرح" وكذلك الغناء والملاهي. والحقّ أنّ التّعليمات بخصوص الطّرب والغناء لم ترد بدقّة ووضوح إلاّ هنا، وهي تندرج ضمن تقاليد التّزمّت الإباضيّة وما زال أهالي المزاب يعملون بها، وإن كانوا حاليّا يجيزون الغناء (2). منذ سقوط إمامة تيهرت (296هـ/909م) يستبعد الإباضيّة المسرّات والغناء والطّرب، باختصار: كلّ ما قد يوهن قوى جماعتهم الّتي تعيش في حالة دفاع أو كتمان. ليس أدلّ على ذلك من الفقرة الّتي (1/218)
صفحة 219
خصّصها الدّرجينيّ لأبي محمّد وسلان بن يعقوب المزاتيّ (3)
__________
(1) - (ق 24: 33).
(2) - بُعثت مؤخّرا في المزاب مجموعة غنائيّة تدعى البلابل الرّستميّة وهي تنظّم أمسيات موسيقيّة ومهرجانات ثقافيّة كمهرجان أبي اليقظان ومهرجان أطفيّش، (1981م).
(3) - "ذكروا أنّه كان راعي غنم (في شبابه)، فأتى عليه حين من العمر وهو لم يدر ما الصّلاح ولا أهله. وكان عادته إذا خرج في رعاية أن تجتمع الرّعاة فيغنّي لهم وكان حسن الغناء، فإذا كان آخر النّهار ختم غناءه بكلمات فيذكر الله فيها ويدعوه. فكانوا إذا سألوه أن يغنّي لهم بعد فراغه من الدّعاء يقول لهم: أمّا بعد إذا ختمت فلا. وكانت له هذه خيرة فهداه الله إلى الطّريق المرضيّ، فتاب ورجع إلى الله، ولحق بتلامذة القرآن في أيّام أبي القاسم يزيد بن مخلد". الدّرجينيّ: الطّبقات، ج2 ص369 - 370.
لا بد والحال تلك أن تبقى الجماعة في يقظة دائبة. في ذلك مصداق لملاحظات ابن خلدون (1) عن يقظة سكّان اللأرياف المستمرّة (2).
قد يكون لإلحاح عقيدة عمان على هذا الجانب تفسير آخر أفضل: هو قربهم من الشّيعة الّذين ربّما دفعت مظاهر الألم الصّاخبة في بعض أعيادهم- مثل التّعزيات في ذكرى مقتل الحسين في كربلاء- الإباضيّة إلى التّخلّي عن صرامتهم في هذا المجال. يمكن أن نتساءل عن سبب إدانة الآلات الموسيقيّة: من المرجّح أنّها موجّهة ببساطة إلى الجماعات الّتي تمارس الذّكر بنحو فرديّ أو جماعيّ كلّ يوم جمعة ليلا أو بعد الظّهر وتمزج الإنشاد مع العزف على الآلات الموسيقيّة (3). (1/219)
صفحة 220
الرّدّ على الفرق الأخرى
الجزء الأخير من العقيدة مخصّص لنقض الفرق المخالفة. ويتضمّن البراءة من 8 فرق ضالّة: الصّفاتيّة والمرجئة والشّيع والإسماعيليّة والرّوافض والأزارقة والقدريّة أو المعتزلة والجهميّة.
يهمّ في المقام الأوّل إعلان البراءة من كلّ الأثمة وأهل الجور. تلك نقطة في غاية الأهمّيّة عند الإباضيّة، ذكّرت بها العقيدة في صيغة عامّة ومطلقة. والآن لنستعرض الفرق المختلفة الّتي أعلنت البراءة منها.
__________
(1) - انظر ابن خلدون: المقدّمة، ج1 ص264.
(2) - يلتقي كبار المفكّرين على اختلاف البلدان والعصور. تحدّث أفلاطون في الجمهوريّة عن نوع من الأنغام ليديّ يدعونه "رخوا" فقال إنّ لا مفسدة للحرس كالسّكر والميوعة والكسل، لكنّه مع اعترافه لمحدّثه بجهله بهذا الميدان سأله أن يبقي له على الأقلّ من الأنغام ما يحسن تقليد نبرات وحماسة رجل همام في ساحة الوغى أو في عمل فيه شدّة وبأس". أفلاطون: الجمهوريّة، في الأعمال الكاملة، نشر بوديه، (1943م)، ص111 - 112.
(3) - حسب [ترمنغام]، ما زالت تمارسه بنفس الكيفيّة في شرق إفريقيا عدّة طرائق منها الشّاذليّة والقادريّة والرّفاعيّة والعلويّة والأحمديّة والإدريسيّة. انظر "الإسلام في شرق إفريقيا"، ص91 و96 - 97.
لا يشكّل الصّفاتيّة فرقة بالمعنى التّامّ (1) لكنّ العقيدة وصمتهم بالضّلال. لماذا؟ لأنّ المدرسة الأشعريّة كانت تستخدم هذه التّسمية لإدانة الفرق المتطرّفة المخالفة لأهل السّنّة. مثلا شكّل البند الأوّل من الفقه الأكبر 1 الّذي كُتب حوالي (750م) خاصّة ضدّ الخوارج ردّا على موقفهم في مسألة الإيمان: "لا نكفّر أحدا بذنب ولا ننفي أحدا من الإيمان" (2). تبنّت نفس الموقف وصيّة أبي حنيفة الّتي كُتبت حوالي (820م): "العاصون هم من أمّة محمّد، وكلّهم مؤمنون ليسوا كافرين" (3). بل تمادى الفقه الأكبر 2 إلى حدّ إضافة أنّ الإيمان لا يُرفع "حتّى بالكبيرة" (4). من الوارد التّفكير بأنّ الإباضيّة كانوا يردّون في وجه خصومهم نفس تهمة الضّلال بنعتهم بالصّفاتيّة؛ والدّليل على ذلك أنّ كشف الغمّة أعلن "البراءة (1/220)
صفحة 221
ممّن أثبت الإيمان لمن لا يجتنب محارم الله وانتهكها وشكّ في وعد الله ووعيده وهم الصّفاتيّة" (5).
__________
(1) -[ونسنك]، العقيدة الإسلاميّة، ص106.
(2) - المصدر نفسه، ص103.
(3) - المصدر نفسه، بند 4، ص125.
(4) - المصدر نفسه، بند 11، ص192.
(5) - كشف الغمّة الباب 29 في اعتقاد الفرقة الوهبيّة، ورقة 247.
لم يكن المرجئة ليفلتوا من الإدانة، أوّلا لقولهم بإرجاء عقاب الله، وزعمهم، على حدّ تعبير العقيدة أنّ الله إنّما "يعذّبهم أيّاما معدودة ثمّ يخرجهم ويدخلهم الجنّة ويتولاّهم بعد الغضب عليهم". ولم تذكر تفاصيل ولا أساس خلافهم مع الإباضيّة. ولم تلمّح مثلا إلى حصرهم الإيمان في التّصديق الّذي يبقى أيّا كان الذّنب، ويمنع في رأيهم التّخليد في النّار. ونلاحظ أنّ نعت المرجئ يشمل هنا كلّ مخالفيهم حول مسألة الوعيد، بينما يطلقه المعتزلة على مخالفيهم في مسألة القدر (1). وتذكّر النّبرة المستخدمة في الحديث عنهم والّتي تنمّ عن العداء بلهجة النّوبختيّ الّذي أكّد أنّهم نشؤوا لمّا قُتل عليّ بانضمام أصحاب طلحة والزّبير وعائشة إلى معاوية: "وهم السّواد الأعظم وأعوان من غلب" (2). لكنّ لذلك النّعت دلالة سياسيّة بالأخصّ. ذلك أنّ الخطر السّياسيّ لم يكن مجرّد افتراض، بل كان حقيقيّا في عمان. فعلا تكشف وثيقة أوردها السّالميّ (3) عن التّهديد الّذي شكّلوه على الإباضيّة أيّام إمامة عبد الملك بن حميد الأزديّ (4)، (1/221)
صفحة 222
والّذي بلغ من الخطورة ما اضطرّ هاشم بن غيلان، أحد أعيان صحار (5)، إلى إخبار الإمام. فذكّر بأنّه في الماضي كان إذا ظهر صاحب بدعة عُرض عليه الإسلام وإلاّ أُمر بالخروج من البلاد. وأضاف: "بلغنا أنّ قوما من القدريّة والمرجئة بصحار قد أظهروا دينهم ودعوا النّاس إليه، وقد كثر المستجيبون لهم. ثمّ قد صاروا بتوأم (6) وغيرها من عمان. وقد يحقّ عليك أن تنكر
__________
(1) - انظر ملاحظة أحمد أمين في ضحى الإسلام، ج3 ص321.
(2) - "سُمّوا جميعا المرجئة لأنّهم توالوا المختلفين جميعا وزعموا أنّ أهل القبلة كلّهم مؤمنون بإقرارهم الظّاهر بالإيمان ورجوا لهم جميعا المغفرة". انظر ه [رِتّر]: فِرق الشّيعة، [ليبسيغ]، إسطنبول، (1931م)، ص6.
(3) - تحفة، ج1 ص113 - 114.
(4) - إمامته، ص207 أو 208 - 226.
(5) - مدينة ساحليّة.
(6) - بالدّاخل شمال جبل أُكدات.
ذلك عليهم، فإنّا نخاف أن يعلو أمرهم في سلطان المسلمين. فمُرْ يزيد أو اكتب إليه ألاّ يترك أهل البدع على إظهار دعوتهم حتّى يطفأ الضّلال والبدع". لا يدخل هذا النّصّ في تفاصيل "بدع" هؤلاء المرجئة والقدريّة، لكنّه يبيّن جيّدا صدى أفكار القدريّة والمرجئة في عمان، وخطرها على أمن السّلطة القائمة.
تمتاز عقيدة عمان عن بقيّة العقائد الإباضيّة بإعطاء مزيد من الإيضاحات حول نظريّات الشّيعة والأزارقة والمعتزلة الّذين ساوتهم بالقدريّة. تشهد بوجود الشّيعة في عمان والبلدان المجاورة المصادر القديمة والحديثة، سواء منها الإباضيّة أو غير الإباضيّة. في (ق 10م) كان أمراء من ساحل شرق إفريقيا، كأمّو زيد وشيراز (في 952م) وعلى الأرجح حسن بن عليّ (في 975م) شيعة، وإن لم يكن السّاحل قد تحوّل بعد إلى الإباضيّة في زمن الأخير، كان سيتشيّع قطعا، لمّا دخلت قوّة كِلْوا في البلاد. وقد أخبر ياقوت (ت 1229م) أيضا أنّ "أهل (1/222)
صفحة 223
البحرين بالقرب من الإباضيّة بضدّهم كلّهم روافض" (1). وفي زنجبار وشرق إفريقيا كان السّكّان سنّة شافعيّة لكنّ السّلطان والزّعماء العرب كانوا إباضيّة (2). من هنا نفهم لماذا أعلنت عقيدة عمان "البراءة ممّن زعم أنّ الله فرض عليهم معرفة الأوصياء (أئمّة الشّيعة خلفاء النّبيّ وعليّ) والطّاعة لهم والولاية وإن كانوا أهل ضلال ومعصية وأنّ من تولاّهم وأطاعهم فهو مغفور لهم". لم يكن الإباضيّة ليقبلوا الرّأي فكرة أنّ أولئك الأوصياء يتمتّعون بالعصمة (3). وإنّه لأمر ذو دلالة أن مأخذ الإباضيّة الأساسيّ على الشّيعة نفس مطعنهم في المرجئة: أنّه لا يمكن لمسلم (إباضيّ) أن يطيع إماما عاصيا لله. والمأخذ الثّاني يحمل توضيحا ويتعلّق بمعنيي القرآن طبقا
__________
(1) - انظر معجم البلدان، مادّة "عمان".
(2) - انظر [إنغرامس]، زّنجبار: تاريخها وسكّانها، ف كيس وشركاؤه، (1967م)، الفصل ص7.
(3) - انظر محمّد رضا المظفّر: عقائد الإماميّة، ص34 - 35.
لمذهب الشّيعة: معنى ظاهر للنّاس، وعلم باطن للأئمّة. يشترك في هذا التّمييز بين الظّاهر والباطن كلّ الشّيعة (1). يصحّ ذلك أيضا على الاعتقاد في أنّ الأوصياء يتلقّون علمهم ذاك، وبنوع من الوحي النّبويّ إن أخذنا الكلمة العربيّة المستخدمة بمعناها المألوف (يوحى إليهم)، والحقّ أنّ استخدام هذه العبارة يبعث على الشّكّ في صحّة هذا الاتّهام الّذي ربّما كان فرية على أولئك المخالفين. هذا وقد درج على التّأويل الباطنيّ بالأخصّ الإسماعيليّة (2). يؤمن الإباضيّة مع كلّ السّنّة أنّ الوحي خُتم بالنّبيّ محمّد. والإماميّة يقولون (1/223)
صفحة 224
أيضا بانتهاء النّبوّة الظّاهريّة أو نبوّة التّشريع، لكن مع استمرار النّبوّة الباطنيّة حتّى رجعة الإمام (3) في رأيهم. وتختلف آراء الشّيعة حول تحديد أيّتهما أفضل، والشّيخ المفيد لا يبتّ برأي في المسألة (4). بالنّسبة إلى كثيرين، الإمامة امتداد للنّبوّة، لأنّ الدّاعي لكلتيهما واحد (5)، وهذا التّصوّر هو الّذي تدينه عقيدة عمان هنا على ما يبدو (6). يرى كثير من الإماميّة أنّ الولاية في زمن الأئمّة أدنى مرتبة من زمن النّبوّة، بينما يعتقد معظم الإسماعيليّة أنّ ولاية الأئمّة، على الأقلّ إمام الحجّة أعلى شأنا. والإباضيّة أشدّ إنكارا لهذا التّصوّر طبعا. ماذا يمكن أن يستفاد من هذا القول في كشف الغمّة: "يوحى
__________
(1) - انظر مثلا لـ[أرنولد]: عقيدة الشّيعة الاثناعشريّة، في الأعمال والأيّام 17 (1965م)، ص40 - 41.
(2) - راجع مقال "الباطنيّة" [لهُدغسون] في دائرة المعارف الإسلامية 2، 1: 1131.
(3) - رأي الملاّ سدرا الشّيرازيّ.
(4) -[سوردال]: الإماميّة من منظور الشّيخ المفيد.
(5) - انظر المظفّر: عقائد الإماميّة، ص49.
(6) - "والبراءة ممّن زعم أنّ للقرآن ظاهرا وباطنا، وعلم ظاهره عند النّاس وعلم باطنه عند الأوصياء، وأنّهم يوحى إليهم أنّه لا تخلو الدّنيا من نبيّ أو وصيّ يوحى إليه، وهم الإسماعيليّة والرّوافض.
إليهم أنّه لا تخلو الدّنيا من نبيّ أو وصيّ يوحى إليه"، ثمّ هذا التّوضيح: "وهم الإسماعيليّة والرّوافض"؟ نميل إلى التّفكير بأنّ ذلك هو بالأحرى مذهب الإماميّة، أولئك الشّيعة الاثناعشريّة القائلين بأنّ الله في خفيّ لطفه يكفل استمرار الإمامة عبر الأجيال. مع ذلك أشار النّصّ بصريح العبارة إلى الإسماعيليّة وربّما استهدف كذلك النّظاريّة الّذين ما زالوا موجودين إلى اليوم في زنجبار وشرق إفريقيا. في مذهب النّظاريّة الإسماعيليّ، الإمام هو كاشف الحقائق الباطنيّة، ومقامه أرفع من النّاطق (أي مبلّغ الشّريعة) (1). يتعلّق المطعن الثّالث بالاعتقاد في المهديّ، وفي إنكار شرعيّة إمامة أبي بكر (1/224)
صفحة 225
وعمر (2)، وهو حسب الأشعريّ سبب تسميتهم بالرّوافض (3). يستهدف هذا البند الإماميّة الاثناعشريّة الّذين كانوا يرفضون كذلك الخليفة الثّالث عثمان معتبرين أنّ عليّا وحده الوصيّ، الخليفة الشّرعيّ بتعيين النّبيّ. وقد برئ الإباضيّة أيضا من عثمان فيما عدا السّنوات الأولى من خلافته (4). على ماذا ينطوي الاعتقاد في مجيء المهديّ تصديقا للمذهب العلويّ؟ هو معتقد يتعلّق بمصير العالم وبالمخلّص، يتضمّن نزعة إلى اعتبار الإمام
__________
(1) - انظر مقال "الإمامة" [لمادلنغ] في دائرة المعارف الإسلامية، 2، 3: 1197.
(2) - "البراءة ممّن برئ من أبي بكر وعمر وزعموا أنّهما ظلما الأوصياء ومنعا الإمامة والأوصياء وأنّ دولتهم وظهور أمرهم وبيان تصديق قولهم خروج رجل منهم في آخر الزّمان وهو المنتظر عندهم، وهم الرّافضة".
(3) - راجع الأشعريّ: مقالات، ج1 ص87.
(4) - كتب عبد الله بن إباض في الرّسالة الثّانية إلى عبد الملك: "عثمان في منزلة البراءة من المسلمين ... وجدنا أصحاب النّبيّ قد قدّموا عثمان بن عفّان إماما لهم ... ثمّ قصدوا إليه فقتلوه على ما استحقّ عندهم من الأحداث الّتي زايل بها الحقّ وسبيله"، انظر [سخاو]، التّصوّرات الدّينيّة، و م لـ ش (1898م)، ج2 ص59.
إنسانا كاملا. وهو تصوّر ينطوي، فضلا عن نظرته المثاليّة المرفوضة، على خطر الطّعن في شرعيّة كلّ سلطة قائمة. المهديّ فيه علامة لقيام السّاعة، وخروج هذا الإمام الحاضر باستمرار لكن في حالة غيبة (أي استتار) كفيل بإقامة الدّولة العلويّة في الوقت المناسب. ولقد أتاحت الظّروف التّاريخيّة ظهوره (1) وفيه إذن تصديق للحقيقة الرّبّانيّة الّتي يقولون (2). من هذا الوجه يشبهه خروج الجماعة الإباضيّة ضدّ دولة الجور، لكن لا وجه للمماثلة بين كتمان المسلك الإباضيّ الرّابع حيث لا يوجد إمام وغيبة الشّيعة. (1/225)
صفحة 226
__________
(1) - مثلا في مذهب الفاطميّين وهم من الإسماعيليّة.
(2) - عقيدة م ب 247 ب.
هناك احتمال قويّ لأن يكون بند العقيدة المتعلّق بالأزارقة جزءا من النّواة الأصليّة للمذهب الإباضيّ. وقد أعلن "البراءة ممّن زعم أنّ كلّ دار يُحكم فيها بغير ما أنزل الله لا يقبل الله من أحد فيها حسنة ولا يستوجب أحد فيها ثوابا ولا يُغفر لأحد خطيئته، وأنّ الله لا يعذر أحدا بالمقام فيها حتّى يهاجروا"، وهو يطابق البند الّذي جاء مختزلا في العقائد الأخرى: "لا هجرة بعد مكّة" (1). لم يشر النّصّ إلى التّقيّة، ذلك المبدأ الّذي وضعه الإباضيّة لاحقا موضع التّنفيذ في مسلك الكتمان. ومن ثمّة قد تحيلنا هذه الفقرة إلى زمن نشأة الإباضيّة وانفصالها عن الأزارقة بعد الانفصال عن الصّفريّة، أي إلى حوالي سنة (65هـ/684 - 685م) كما رأينا في المقدّمة. كما نرى دفع الأزارقة مبدأ وجوب الهجرة إلى نتائجه الأخيرة، وأعلنوا أنّ الله لا يرتضي إلاّ المقيمين في دار الهجرة (2). وقد علّق كشف الغمّة على موقفهم مستنتجا: "القاذف والقاتل والزّاني والسّارق وصاحب الموبقات في دار هجرتهم مسلمون ولهم الثّواب عند الله" (3). هنا يتجلّى الجانب الجدليّ والسّعي إلى تشويه الخصم بتقويله ما لم يقل وإنّما يُستنتج بتعسّف من موقفه، انطلاقا من واقعة حقيقيّة نقل الأشعريّ في المقالات ملابساتها (4). (1/226)
صفحة 227
وأضاف النّصّ
__________
(1) - انظر عقيدة نفوسة، ص49؛ [موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص542.
(2) - الأشعريّ، مقالات، ج1 ص162.
(3) - انظر عقيدة عمان م ب 247 ب.
(4) - ذلك "أنّ امرأة من أهل اليمن عربيّة ترى رأي الخوارج تزوّجت رجلا من الموالي على رأيها ... ثمّ إنّ أهل بيتها استكرهوها فزوّجوها ابن عمّ لها لم يكن على رأيها، فكتب بحضرتها بأمرها إلى نافع بن الأزرق ... فقال إنّه كان ينبغي أن يلحقا (هي وزوجها الأوّل) بنا، لأنّا اليوم بمنزلة المهاجرين بالمدينة، ولا يسع أحدا من المسلمين التّخلّف عنّا كما لم يسع عنهم". إذّاك برئوا من أهل التّقيّة. انظر: الأشعريّ، مقالات، ج1 ص161.
أنّهم في نفس الوقت أنكروا الرّجم للقاذف (1). والسّبب أنّ ذلك الحدّ لم ينزل في القرآن، إذ ورد فيه الجلد فقط، وكذلك لشارب الخمر (2). بل لم يكن الأزارقة يعاقبون قاذف الرّجال بل فقط من يرمون المحصنات من النّساء بدون شهداء (3).
__________
(1) - ذكر ذلك أيضا عبد القاهر البغداديّ. انظر سيلي: الفتن والفرق الإسلاميّة، نيويورك، (1966م)، ص85.
(2) - (ق 24: 4).
(3) - بالنّسبة إلى جوانب المذهب الأخرى انظر مقال "الأزارقة" لـ[روبناتشي] في دائرة المعارف الإسلامية 2، 1: 833 - 834.
يلاحَظ أنّ المعتزلة قُرنوا بالقدريّة وتعرّضوا معهم إلى نفس الإدانة، (هذا وخلافا لما قد يتبادر إلى الأذهان) أُطلقت تسمية القدريّة على القائلين بالاختيار لا على المجبرة (1) (القائلين بالقضاء والقدر). فعلا أعلن النّصّ "البراءة ممّن زعم أنّ الله لم يخلق أعمالهم وأنّهم هم خلقوها، وأنّ الله لا يهدي المؤمنين ولا يخصّهم منه برحمة وأنّ الهدى والضّلال إليهم (2)، وليس لله مشيئة في أعمال العباد وأنّهم عملوا خلاف ما شاء الله ... وهم القدريّة والمعتزلة" (3). "لا هدى ولا إضلال": تبدو هذه الفكرة خارجيّة بقدر ما هي قدريّة، وقد دافع عنها الشّبيبيّة، أتباع الخارجيّ شبيب النّجرانيّ الّذي عاش حوالي (100هـ/718م) (4)، وميمون الّذي مهّدت أفكاره لمذهب المعتزلة وهي تطابقه في مسألة القدر، وفحواها أنّ (1/227)
صفحة 228
الله فوّض للإنسان أعماله وأعطاه الاستطاعة، على الكفر والإيمان معا، ولا مشيئة له على أعمال العبد، وهي ليست مخلوقة لله (5). كان القدريّة يشكّلون خطرا سياسيّا ودينيّا في عمان أيّام الوالي عبد الملك بن حميد (6). بعد ردّ فعل المتوكّل (7) الّذي نصر السّنّة، ربّما لجأ بعض القدريّة والمعتزلة إليها لبعدها عن مركز الخلافة، إلا إن كانت العقيدة قد واصلت التّقليد الّذي يقرن بين المعتزلة والقدريّة، ذلك أنّ القدريّة كفرقة قائمة الذّات اختفوا من المسرح السّياسيّ منذ بداية (ق 3هـ/9م) مع رسوخ نفوذ المعتزلة نهائيّا. ربّما يحرو بنا أن نفهم الشّهادة الواردة في الوثيقة الّتي نقلها السّالميّ (8)
__________
(1) - انظر ملاحظة [فان إسّ] في مقال "القدريّة" في دائرة المعارف الإسلامية 2، 4: 384.
(2) - يضيف مخطوط م ب: " فأيّهما شاؤوا أخذوا".
(3) -[سخاو]، حول التّصوّرات الدّينيّة، ص69.
(4) - غير شبيب بن يزيد الشّيبانيّ الّذي مات غريقا في دجلة في (77هـ/697م).
(5) - الأشعريّ: مقالات، ج1 ص165.
(6) - (208 - 226هـ/824 - 840م).
(7) - (232 - 247هـ/847 - 861م).
(8) - انظر تحفة الأعيان، ج1 ص113 - 114.
بمعنى دمج بين القدريّة والمعتزلة كتسميتين لمسمّى واحد.
تقييم عامّ
أثناء التّحليل أبرزنا السّمات الأصيلة الّتي تعطي عقيدة عمان طابعها المميّز. مع ذلك لا تدعم بعض العبارات الّتي تعكس وضع عمان وخصوصيّته فرضيّة قدمها. رأينا ماذا يعني ما جاء فيها حول خلق أو قدم القرآن (ضمنيّا) وحول العلاقات مع الشّيعة والرّوافض: بوضوح تحيلنا القضايا المتنوّعة الّتي تثيرها بهذا الصّدد إلى سياق تاريخيّ متأخّر عن عصر عبد الله بن إباض. فضلا عن ذلك جُمعت في هذا النّصّ عناصر عقيديّة لا يمكن الجزم إن كان يجب ردّها إليه أو إن (1/228)
صفحة 229
كانت نتيجة صياغة للمذهب في عصر لاحق، لأنّها عناصر أساسيّة في المذهب حظيت على ما يبدو منذ البداية بإجماع الإباضيّة. مثلا في تعريف الإيمان كيف يمكن تحديد ما يعود إلى مؤسّس الفرقة وما يعود إلى الإضافات المتتالية؟ قد نميل إلى التّفكير بأنّ التّصديق مفهوم غريب عن علماء المذهب الأوائل، كما قد نعجب من أنّ الشّهادة لم تتبوّأ مقام الصّدارة الّذي يعود إليها في العقائد الأخرى بل أتت وسط فقرة حول أسماء الله وصفاته. تُرى من يستطيع الجزم إن كان الجمع بين "العناصر الثّلاثة اللاّزمة لاستكمال الإيمان عند النّاس" الّتي عرضها الجنّاونيّ (1) وأبو حفص عمر بن جميع (2) يجد هنا أساسه الأصلانيّ وإن أتى بصيغة يعوزها التّنسيق؟
__________
(1) - انظر عقيدة نفوسة، ص1 - 2.
(2) -[موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص518 - 519.
مع ذلك يقودنا عدد من المؤشّرات إلى تأكيد الفرضيّة الّتي منها انطلقنا والمتمثّلة في ردّ النّواة الأصليّة في هذه العقيدة إلى عبد الله بن إباض أو على الأقلّ قسم هامّ منها إلى فترة متقادمة. هناك أوّلا وبالذّات نسبتها إلى ذلك العالم الّذي تضمن مصداقيّته وسمعته بنحو ما صحّة المذهب: لا بدّ أنّه كان يحظى عند كاتبها باعتبار كبير يفسّر إسنادها إليه بالأحرى عن جابر أكبر علماء الفرقة والّذي عنه مباشرة أخذ مذهبه. يلاحَظ بهذا الصّدد أنّه، في نقل العلم الإباضيّ على مدى عصور، لم يرد اسمه في أيّة وثيقة. ولا شكّ أنّ الفضل الّذي يعود إليه في تأسيس الفرقة ككيان مستقلّ بالانفصال عن كلّ الفرق الضّالّة يبرّر توقيع أقدم نصّ دُوّنت وجُمّعت فيه معتقداتها باسمه. من القرائن الّتي توحي بقدمها (1/229)
صفحة 230
أشرنا إلى أنّها جمعت بدون ترتيب ظاهر عناصر تؤلّف بوجه ما مادّة خاما أعطاها مفكّرو المذهب لاحقا، بعد عمل ترتيب وصياغة مفاهيم وتنظير، شكل نسق متكامل. مثلا خلط تعدادُ التّعاليم الأخلاقيّة بدون تمييز نواهي قرآنيّة ووصايا من السّنّة وعادات محلّيّة. كذلك لم يرد التّمييز المعتاد بين ذنوب الشّرك والكفر والنّفاق. كذلك لا يدعو تعداد الصّفات الجافّ إلى الارتياب في وجود أيّ تلميح إلى مجادلة في ميدان جرت فيه لاحقا نقاشات حادّة مع الأشاعرة تُظهر أهمّيّة تلك المسألة.
نعت الصّفاتيّة الّذي وجّهه الإباضيّة إلى خصومهم، الأشاعرة على الأرجح، وردّه هؤلاء عليهم، يحيلنا على وجه الاحتمال، إن اعتمدنا على الفقه الأكبر 1، إلى تاريخ متأخّر كثيرا عن عصر عبد الله بن إباض، لكنّ القضيّة المثارة (هل مرتكب الكبيرة مؤمن؟ هل الإسلام من الإيمان؟) تتعلّق بتصوّر للإيمان طُرح منذ (ق 1م).
في ما يتعلّق باستحالة رؤية الله، يبدو لأوّل وهلة بالإمكان الاستنتاج من مجرّد الاستشهاد مرّتين بالآية "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" (ق 6: 103) أنّ هذا البند من العقيدة بات في زمن مؤسّس الإباضيّة أمرا مفروغا منه: فقد وُضع في أوّل الفقرة عن صفات الله، وهو في ذلك الموقع يؤكّد فقط، مع عدّة آيات أخرى عن أسماء الله، تنزيهه واستحالة إدراكه. بيد أنّ اختيار هذه الآية النّافية لرؤيته دون سواها ذو دلالة في حدّ ذاته ويشكّل توجّها لعلماء الفرقة في المستقبل: بناء على غياب المجادلة تحديدا مع الاقتصار على هذه الآية الّتي صارت في مرحلة من تطوّر المذهب الحجّة الحاسمة في كلّ النّقاشات، قد نميل إلى التّفكير (1/230)
صفحة 231
بأنّ أمامنا هنا أحد الشّهود الأوائل للمذهب الإباضيّ بخصوص نفي رؤية الله.
كان الإلحاح على الوعد والوعيد دوما واحدا من المواضيع الكبرى عند الخوارج والإباضيّة منذ البداية وبقي كذلك فيما بعد، بما أنّ كلّ العقائد أثارت جدلا مع المرجئة. كذلك لا نعجب من ذكر "الإيمان بالقدر خيره وشرّه"، إذ نعلم أنّه كان محلّ جدالات في زمان أبي عبيدة القريب من عصر عبد الله بن إباض بما أنّه من أتباع جابر بن زيد وهو من علماء الطّبقة الثّالثة (100 - 150هـ) (1).
ليس في الموقف المشار باتّخاذه تجاه أهل البغي من المسلمين ذلك التّعقيد الّذي يتضمّنه النّظر في حالات متنوّعة: يجب إقامة الحجّة عليهم ثمّ قتالهم ونفيهم من الأرض. يوحي هذا الموقف الصّلب بقدم الصّياغة.
__________
(1) - الشماخي: السّيَر، ص84 - 85 و105 و120.
نلاحظ الصّمت التّامّ حول حكم أهل الكتاب، النّصارى واليهود والصّابئة. وهو أمر يستحقّ التّنويه (1). وقد انتشرت المسيحيّة في بلاد العرب، بل تجعل بعض (1/231)
صفحة 232
الرّوايات [أبجر] ملك الرّها أوّل ملك يعتنق دين المسيح
__________
(1) - نعلم فعلا أنّ تلاميذ المسيح، مثل "حملة العلم" المسلمين الّذين أُرسلوا إلى كلّ حدب وصوب، تفرّقوا على كلّ المعمورة بعد خراب أورشليم في 70م ليحملوا إلى اليهود والأمم بشارة ملكوت السّماء. وقد ذكر [أوسبيوس القيساريّ] في تاريخه الكنسيّ تبشير الرّسل في العالم الوثنيّ: "حسب الرّوايات، وُكل إلى توما ببلاد الفرتيّين وإلى [أندراوس بسكوثية]، وإلى [يوحنّا] بآسيا، وإلى [بطرس] ببنطس وغلاطية وكبّادوكية وآسية وأخيرا رومية، وإلى [بولص] بالمنطقة الممتدّة من أورشليم إلى إلّيركون وقد كرز برومية أيّام [نيرون]." وقد ردّد المؤرّخون المسلمون كالطّبريّ صدى هذه الرّوايات، وذكروا بالنّسبة إلى المناطق الّتي تهمّنا: "وُجّه [فطرس] الحواريّ ومعه [بولس]- وكان من الأتباع ولم يكن من الحواريّين- إلى رومية، و [أندراييس] و [متّى] إلى الأرض الّتي يأكل أهلها النّاس- وهي فيما نرى للأساود-، و [توماس] إلى أرض بابل من أرض المشرق، و [فيلبّس] إلى القيروان وقرطاجنّة- وهي إفريقية-، و [يُحنّس] إلى أفسوس قرية الفتية أصحاب الكهف، و [يعقوبس] إلى أورشليم - وهي إيليا بيت المقدس-، و [ابن تلما] إلى العرابية- وهي أرض الحجاز-، و [سيمن] إلى أرض الأمازيغ دون إفريقية، و [يهوذا]- ولم يكن من الحواريّين- إلى الأريوبوس، جُعل مكان [يوذس] زكريّا [لوطا] حين أحدث ما أحدث ... " وحسب رواية مسيحيّة استشهد بها [أوسبيوس]، نشر [برتلماوس] (ابن تلما كما يدعوه الطّبريّ) المسيحيّة في الهند كامتداد لمهمّته التّبشيريّة في بلاد العرب. انظر: [أوسبيوس القيساريّ]: التّاريخ الكنسيّ، 3، و [فرّي]: حياة المسيح عند الطّبريّ، في: مجلّة إسلاميّات ومسيحيّات، 5 (1979م)، ص24.
وهي ناتجة عن خلط مع ملك بنفس الاسم من (ق 3هـ). لكنّها لم تنتشر بنفس الدّرجة في منطقة عمان ربّما بسبب بعدها عن العالم البيزنطيّ وقربها من بلاد الفرس الّذين في مواجهتهم للبيزنطيّين اعتبروها بدءا من (ق 4هـ) كقوّة معادية. وقد عُثر في منطقة قريبة على آثار كنائس) هل ينبغي أن نستنتج من ذلك أنّ عمان لم تشهد في ذلك العصر مرور مبشّرين مسيحيّين؟ في انتظار نتائج بحوث أعمق، نكتفي بالإشارة إلى هذه الواقعة الّتي تبدو شاذّة إذا تذكّرنا أنّ كلّ العقائد الأخرى حدّدت، على الأقلّ باختصار، التّعامل المناسب مع أهل الكتاب.
في القسم الجدليّ، حدّدت براءات قاطعة لا لبس فيها معسكر الأعداء الّذين يجب الابتعاد عنهم. يظهر بوضوح أنّ موقف تردّد أو انتظار أو تقيّة- من باب أوْلى- غير وارد بالنّسبة إلى الفرقة الّتي هي وحدها على الحقّ. والفقرة الوحيدة الّتي لمّحت إلى موقف من ذلك القبيل استخدمت فعل "وقف" بمعنى تعليق الحكم، وهو غير المعنى الاصطلاحيّ الّذي أخذه لاحقا، وذلك لإدانة للمتفرّج غير الملتزم الّذي "وقف عن المسلمين" (الإباضيّة) ولم يتولّهم، وهو إذن منهم في (1/232)
صفحة 233
منزلة البراءة. هل رفض مواقف التّسوية والمهادنة هذا انعكاس لتشدّد الأزارقة؟ يجوز التّفكير بأنّه فعلا كذلك. هو بلا شكّ من سمات هذه العقيدة الّتي توحي بقدمها، ويحيل على الأرجح إلى الفترة الّتي ارتسمت فيها بمزيد من الوضوح خطوط الفصل عن فرق الخوارج الأخرى وبالأخصّ الأزارقة. وذلك يسمح بأن نحدّد كتاريخ لصياغة العناصر الأقدم في العقيدة والّتي لا تبدو حصّتها في ختام هذا التّحليل ضئيلة حوالي (65هـ/684 - 685م) (1). ويدعو عدم ذكر الأشاعرة بصريح العبارة، مع ورود أفكارهم باسم الصّفاتيّة والمرجئة، إلى تأريخ هذه العقيدة بالنّصف الثاني من (ق 4هـ/10م) كحدّ أقصى.
__________
(1) - مقال "الإباضيّة" في دائرة المعارف الإسلامية 2، 3: 669.
وسط خلافات الفرق الّتي أشارت إليها، تتمثّل الطّريقة الوحيدة لمدّ جسر إلى الفرق المخالفة وتخطّي حواجز الانتماء القبليّ في قصر الولاية على "من يعملون بالحقّ". من تلك الجماعة المثاليّة ينبثق بالبيعة الإمام الصّادق الشّكور، والولاء له واجب ما بقي أوّل العاملين بالحقّ. يلتقي الطّرح مع التّأكيد الأوّل في العقيدة الّذي يدخل في إطاره العامّ، والّذي اعتبر أنّ الفرقة المحقّة من هم على القرآن والسّنّة والإجماع، اتّبعوا الرّسول وسلكوا سبيله ولم يحيدوا عنه، ولم يكتفوا بالصّلاة والصّيام والشّهادة. ذاك أيضا بلا شكّ محكّ بالنّسبة لإباضيّة فترة التّأسيس. (1/233)
صفحة 234
ملحقان: 1 - أصول الدّين، 2 - الإيمان وعناصره
1 - أصول الدّين
في تحليل عقيدة الجنّاونيّ (1)، بيّنّا أنّ الإجماع والرّأي مترادفان عنده. رأينا كذلك أنّ الرّأي كان في فترة أولى متطابقا مع اتّفاق العلماء الّذي يضمن صحّته، ثمّ اكتسب قيمة مستقلّة في صيغة القياس المحدودة بعد عصر الجنّاونيّ. لا غرابة إذن في أن نجد إلى جانب القائمة: القرآن، السّنّة، الرّأي (عند أبي حفص، الجنّاونيّ، أبي سهل يحيى) (2)، أخرى مرادفة: القرآن، السّنّة، الإجماع (عقيدة عمان، الورجلانيّ) (3)
__________
(1) - انظر أعلاه الفصل، ص2.
(2) - أبو حفص: [موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص521؛ الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص13؛ أبو سهل يحيى: عقيدة، ص44.
(3) - عقيدة عمان: "فهؤلاء الّذين أخذنا عنهم ديننا وقبلنا قولهم، وهو الأمناء عندنا فيما نقلوه إلينا من الكتاب والسّنّة والإجماع". انظر [سخاو]، حول التّصوّرات الدّينيّة، و م لـ ش (1899م)، ص74؛ مخطوط: و 298 ب؛ نصّ الورجلانيّ على هذه المصادر بهذه العبارة في كتاب الدّليل والبرهان: الكتاب والإجماع والعقل (2: 18) وبعد 3 أسطر: الكتاب والسّنّة ورأي المسلمين والعقل، مؤكّدا بذلك تطابق الرّأي والإجماع. انظر كذلك السّالميّ: بهجة الأنوار 31: "أصول الفقه ثلاثة: كتاب الله وسنّة رسوله وإجماع المهتدين من الأمّة. أمّا الكتاب فلأنّه معجز وهو من عند الله، وأمّا السّنّة فلثبوت أصلها من الكتاب، وأمّا الإجماع فلثبوت أصله من الكتاب والسّنّة". كذلك [مورينو]، ملاحظة عن اللاّهوت الإباضيّ، ح م ج د ش ن، 3 (1949م)، ص301 عقيدة عمان: "فهؤلاء الّذين أخذنا عنهم ديننا وقبلنا قولهم، وهو الأمناء عندنا فيما نقلوه إلينا من الكتاب والسّنّة والإجماع". انظر [سخاو]، حول التّصوّرات الدّينيّة، و م لـ ش (1899م)، ص74؛ مخطوط: و 298 ب؛ نصّ الورجلانيّ على هذه المصادر بهذه العبارة في كتاب الدّليل والبرهان: الكتاب والإجماع والعقل (2: 18) وبعد 3 أسطر: الكتاب والسّنّة ورأي المسلمين والعقل، مؤكّدا بذلك تطابق الرّأي والإجماع. انظر كذلك السّالميّ: بهجة الأنوار 31: "أصول الفقه ثلاثة: كتاب الله وسنّة رسوله وإجماع المهتدين من الأمّة. أمّا الكتاب فلأنّه معجز وهو من عند الله، وأمّا السّنّة فلثبوت أصلها من الكتاب، وأمّا الإجماع فلثبوت أصله من الكتاب والسّنّة". كذلك [مورينو]، ملاحظة عن اللاّهوت الإباضيّ، ح م ج د ش ن، 3 (1949م)، ص301.
يضيف إليها محدثون القياس (أطفيّش، السّالميّ) (1). قد يكون العقل (1/234)
صفحة 235
الّذي أضافه الورجلانيّ إلى الأصول الثّلاثة: القرآن والسّنّة والإجماع بدلا للقياس الزّيديّ (؟) (2). مع ذلك يبقى العقل على مستوى أدنى: "فهو لا يأتي ليشرع إذنا إلاّ بعد كلّ الّذي ذكرنا في الشّرع. وهو من الجائزات، ولا يبتّ في مسألة" (3). في الواقع لم تأخذ كلمة عقل المفرطة في العموميّة معنى فنّيّا واختفت من مصطلحات الفقه الإباضيّ.
لتكتمل الصّورة يجب أن نضيف أنّ الرّأي يشمل القياس والاجتهاد، كما يدلّ استخدام السّالميّ (4) ومحمّد بن يوسف أطفيّش (5). وليس ترتيب الأصول غير مهمّ: ذلك أنّ بعضها نابع من بعض: مثلا حسب أطفيّش يُستمدّ الإجماع من القرآن (1/235)
صفحة 236
والسّنّة، وهو في هذه النّقطة متّفق مع السّالميّ (6). لكنّه لا يزيد عن توضيح ما يوجد ضمنيّا في هذين المصدرين: لو كانت الحقيقة تبرز صريحة ناصعة من القرآن والسّنّة، فما جدوى الإجماع حينذاك؟ يفترض هذا الأخير إذن إعمال الرّأي والاجتهاد.
__________
(1) - أطفيّش: شامل الأصل والفرع، القاهرة، السّلفيّة، (1348هـ)، ج1 ص9.
(2) -[مورينو]، ملاحظة، ص301.
(3) - الورجلانيّ: الدّليل، ج2 ص59.
(4) - "الرّأي يشتمل على القياس والاجتهاد. يقال مثلا: هذا رأي فلان وهو يعتمد عل قياس أو اجتهاد. وليس شرعيّا الحديث عن رأي شخصيّ في مسائل لا اجتهاد فيها كفرض الصّلاة". السّالميّ: مشارق أنوار العقول، ص76.
(5) - أطفيّش: شرح عقيدة التّوحيد، ط ح (1326هـ)، ص93 - 94.
(6) - "الرّأي اجتهاد العلماء. وأمّا الإجماع فمأخوذ من القرآن والسّنّة، لكن خفي مأخذه منهما، وهو اجتهاد وإنّما خفاؤه على غير المجتهدين". أطفيّش: عقيدة التّوحيد، ص93.
ينبغي كذلك تطبيق مبدأين عامّين يحكمان عمل "الأصول". في الحديث عن مبادئ التّأويل في مستهلّ كتاب الوضع ميّز الجنّاونيّ في الشّرع 3 أقسام: الأصل ومعقول الأصل (1) واستصحاب حال الأصل (2). يتمثّل الأخير في افتراض استمرار حالة حتّى يتبيّن ما يخالفها. مثلا: ولاية أئمّة العدل، أو حظر الارتياب في أحد حتّى يثبت الذّنب عليه (3). وحدّد قاعدة عامّة: من ادّعى فرض شيء فعليه الدّليل، ولا فرض على المؤمن إلاّ بثبوت الشّرع عليه، وذلك خلافا للمعتزلة فعندهم العقل طريق الحكم (4). هناك أيضا مبدأ الاستحسان، وهو "قول بتقليد لا تقييد ولا دليل ولا برهان". هكذا نرى أنّ الإباضيّة المؤيّدين للاجتهاد لا يستبعدون التّقليد (5). (1/236)
صفحة 237
1 - القرآن والسّنّة
__________
(1) - معقول الشّرع يعني العناصر العقلانيّة الّتي تسمح بفهم حكم شرعيّ على وجهه الصّحيح، وهو 3 أقسام: لحن الخطاب (أي الجوانب اللّغويّة والنّحويّة للنّصّ الشّرعيّ، مثلا "به أذى من رأسه": (حلق)، فحوى الخطاب (الّذي يقتضيه المعنى دون ذكر، مثلا: "لا تقل لهما أفّ ولا تنهرهما": يغطّي ذلك أيضا من باب أولى الشّتم والضّرب والقتل)، معنى الخطاب (المفهوم من ظاهر الكلام).
(2) - الجنّاونيّ: كتاب الوضع، ص6 - 7.
(3) - الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص37.
(4) - الجنّاونيّ: كتاب الوضع، ص7، ملاحظة 4 لأبي إسحق إبراهيم أطفيّش.
(5) -[روبناتشي]، عقيدة الجنّاونيّ، ص558 - 559.
بخصوص القرآن ينبغي التّنويه بأهمّيّة التّأويل، الّذي كان منذ البداية سمة مميّزة للخوارج والإباضيّة كما لاحظ ابن خلدون (مناهج الأدلّة في عقائد الملّة). سنرى عند دراسة مسائل الأسماء والقرآن ورؤية الله أنّ الإباضيّة يستخدمونه بكثرة. وقد وضّح كاتب كعبد الكافي حدوده، معيدا في الحقيقة المبادئ الّتي نصّ عليها الرّبيع بن حبيب: لا ينبغي التّأوّل في الّذي ورد ممّا يوهم التّشبيه (الشماخي: سيَر 105)، في اتّباع الرّأي الشّخصيّ في التّأويل خطر: إن أخطأ المؤوّل نزع الله نور قلبه، في المواضع الغامضة يفضّل قول: "لا أدري" أو "والله أعلم" (عقيدة أبي سهل يحيى 38، 42 - 43). كان التّأويل تهمة يتقاذفها الخصوم: مثلا يتّهم الإباضيّة الخوارجَ بالاعتماد على المتشابه من القرآن. وفق بعض الفقهاء، كان التّأويل المجازيّ للآية "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" (ق 5: 44) أصل قتل عثمان. في المقابل، لمّا ذُكرت قراءة الخوارج للقرآن أمام ابن عبّاس قال: "يؤمنون بالمحكم ويدعون المتشابه". حسب الإباضيّة يقتضي التّأويل كفاءة عالية: ويكفَّر أهل التّأويل المخطئون في تأويلهم (عامر بن عليّ الشماخي: أصول الدّيانات، 8).
تنطبق نفس المبادئ على الحديث مع اعتبار فارق التّرتيب. الحديث الموافق للقرآن مقبول، وتُستبعد الأحاديث الأخرى. وبعض الأحاديث بعد صحّتها تحتمل التّأويل (أطفيّش: شامل الأصل والفرع، 1: 9).
فيما يتعلّق بمعاني القرآن، يأخذ معظم العلماء الإباضيّة بالمعنى الظّاهر ويرفضون التّأويل الباطنيّ الّذي يقدّمه الشّيعة الرّوافض (عقيدة عمان). وحده أبو (1/237)
صفحة 238
سهل يحيى، على ما يبدو، وفق الاتّجاه التّقويّ الّذي يميّزه، لا ينكر وجود معنى خفيّ للقرآن يقدّمه "تأويل" يتيح الوصول إلى كنوزه الّتي لا تُستنفد. مع ذلك لطّف من تشجيعه للتّأويل، كما رأينا، بالتّحذير من استخدام الرّأي.
2 - الإجماع والرّأي
عرّفه أطفيّش: "اتّفاق من وُجد في عصر بعد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من مجتهديْن لم يوجد غيرهما أو أكثر كذلك من أهل ملّة الإسلام على اعتقاد أو قول أو فعل" (ن م، 9) والسّالميّ: "اتّفاق مجتهدي الأمّة على أمر في عصر" (السّالميّ، بهجة الأنوار 32). بناء على ذلك لا يُعتبر على الصّحيح وفاق غير المجتهدين ولا مخالفتهم المجتهدين. والحقّ أنّ الإجماع، إن حكمنا بناء على عقائد وعلماء (ق 6 - 8هـ) (كـ تبغورين)، هو رأي علماء الفرقة الأوائل.
ليس إجماع المجتهدين بالضّرورة صريحا معلنا، بل الخفيّ أو السّكوتيّ أيضا حجّة لأنّ سكوت باقيهم على ما حكم به بعضهم مع قدرتهم كالنّطق بتصويبه علامة الرّضا. هل يعني الإجماع الاتّفاق التّامّ في أوجه النّظر؟ في البداية لا، لأنّ موضوع الإجماع قيد النّقاش، ويمكن أن يضع المجتهدون استثناءات أو شروطا، لكن لا بدّ أن يكون كذلك في النّهاية، ويأخذ العلماء موقفا موحّدا، ولو حدث مخالف للأكثرين لم يكن إجماع على ذلك القول (أطفيّش: الشّامل 9 - 10).
حسب السّالميّ يوجد بالنّسبة لكلّ أصل نوعان قطعيّ الدّلالة وظنّيّ الدّلالة. والقطعيّ من الإجماع هو ما كان في شيء لم يتقدّم فيه خلاف ولم ينازع فيه أحد من المجمعين لا قبل انعقاده ولا بعده، ولم يكن مخالفا لنصّ من الكتاب والسّنّة. وما عدا ذلك ظنّيّ (السّالميّ: بهجة الأنوار 33). وحسب كشف الغمّة (1/238)
صفحة 239
لا يُعتمد إلاّ على إجماع الإباضيّة المجتهدين وأهل الحقّ (كشف الغمّة، ورقة 3). يرتبط الإجماع إذن، كما نرى، بنحو وثيق بالاجتهاد والقياس والرّأي (1).
3 - الاجتهاد
__________
(1) - يلاحَظ أنّ الجنّاونيّ لفت الانتباه ضمن النّقاط الّتي جمعها في باب الرّأي إلى 4 رئيسيّة: ميراث الأجداد والجدّات السّدس، الجلد في الخمر، عقد الإمامة، الفقد. انظر عقيدة نفوسة، ص16، انظر أعلاه في الفصل 2 فقرة مجاري الدّين والملاحظة، ص32.
نعرف أهمّيّة العلم في الإباضيّة: خير دليل على ذلك صفحات التّقريظ الّتي خصّصها له أبو سهل في عقيدة التّوحيد مع ذمّ الجهل. خصّص كذلك من ألّفوا كتبا في علوم الدّين مثل شرح طلعة الشّمس وشرحه بهجة الأنوار في شرح أنوار العقول لنفس الكاتب (السّالميّ) صفحاتها الأولى للعلم، ولنتذكّرْ كذلك حرص "العلماء" على تعيين الحدّ الأدنى من المعارف الواجبة للإيمان والّتي لا يسع المؤمنَ جهلُها. مع ذلك ما دام متعذّرا أن يكونوا جميعا فقهاء أو متكلّمين، لسائل أن يسأل: ما هو المرجع القادر على الحكم في كلّ المسائل المستجدّة الّتي لم يذكرها القرآن ولا السّنّة؟ والجواب: الاجتهاد. وهو وفق تعريف الورجلانيّ "استفراغ الوسع في استخراج الحكم"، أو "استفراغ الجهد لاستخراج الحقّ" (1)، ويجد أساسه في القرآن (ق 4: 83، 2: 213). أمّا ما يجوز فيه الاجتهاد فما لم يجدوه في كتاب الله ولا في السّنّة ولم يجدوه في آثار من كان قبلهم من العلماء، وهو إذن حالة مستجدّة أو نازلة يجب أن نقابل ظروفها ومجالها بحالات ورد حكمها في القرآن والسّنّة، بحيث لو دخل حكمها في الشّرع لجاز عند الله (1/239)
صفحة 240
والرّسول. لا بدّ للمجتهد إذن من معرفة عميقة بالقرآن والسّنّة وإجماع العلماء، وباللّغة والنّحو، وبالفقه وأركانه (2).
__________
(1) - الدّليل، ج2 ص59.
(2) - السّالميّ: مشارق، منشور في زنجبار، ص74.
أكّد السّالميّ أنّه يجب أن يختار المجتهد الحلّ الأعدل لا الأرجح، وذلك خلافا لابن حنبل وسفيان الثّوريّ وابن راهويه الّذين أجازوا بنحو مطلق تقليد عالم موثوق به. كذلك لا يمكن اتّباع رأي مجتهد يفرّق بين ما يعمل به في حالته الخاصّة وما يفتي به لغيره، فوفق منطق الإباضيّة لا فرق بين الفتوى والعمل. أخيرا يعارض هذا النّهج مذهب أحمد بن الحسين الّذي أوصى بأن يتّبع الإنسان مجتهدا أعلم منه، لأنّ الوصول إلى الحقّ ليس رهنا بسعة العلم (1). نلاحظ هنا نقطة يشترك فيها الإباضيّة مع الشّيعة: أنّ الاجتهاد فرض.
4 - القياس
هو حسب تعريف أطفيّش حمل الفرع على الأصل في الحكم لمساواته للأصل في علّة حكمه، بأن توجد فيه علّة الحكم بتمامها عند الحامل المجتهد (2). وقال ابن بركة من جهته: "القياس لا يجوز إلاّ على علّة تجمع بينهما" (3). هذه التّعريفات متّبعة من جمهور العلماء، وقد قدّم الكتّاب الإباضيّة تطبيقات عمليّة، مثلا للانتقال من ولاية الجملة إلى ولاية الأشخاص (4). (1/240)
صفحة 241
__________
(1) - المصدر نفسه، ص77 - 78.
(2) - أطفيّش: شامل، ص11.
(3) - ابن بركة: كتاب الجامع، نشر عيسى يحيى البارونيّ، (1394هـ/1974م)، ج1 ص140.
(4) - انظر الجيطاليّ: قواعد الإسلام، ج1 ص76.
لا يجهل القطب (أطفيّش) بعض أقوال عمر وابن عبّاس الّتي تحذّر من الإكثار من القياس (1). يجب اجتناب قياس من يأتي بأحاديث يجهل إسنادها، لكن لا خوف من العالم الّذي لا يألو جهده، وإذا لم يجد في النّقل ما يستند إليه يقيس على معلوم الحكم لأنّ الأحكام لا تظهر بيّنة من القرآن والسّنّة. والقياس يجد مبرّرا في أمر القرآن: "فاعتبروا يا أولي الألباب" (ق 9: 2)، وسنن الصّحابة، ورسالة لعمر إلى أبي موسى والي شريح دعاه فيها أن قيس الأمور وانظر الأشباه ولا يمنعنك قضاء قضيته أمس فراجعت فيه نفسك وهُديت فيه لرشدك أن ترجع عنه إلى الحقّ" (2). حسب أطفيّش أجاز ابن بركة قياس الفرع بالفرع، لكنّه ردّ (بعض) أمثلته إلى قياس عاديّ (3).
5 - ملاحظة
يجدر بنا الذكر أنّ للإباضيّة كذلك أعرافا تتمثّل في "القوانين" الخاصّة ببعض مدن المزاب وذات الصّفة المرجعيّة في القضاء، وليست طبعا من الأصول الشّرعيّة (4). "نجد في المزاب مشاركة فعليّة للعزّابة في ممارسة السّلطة، ويؤكّدون أنّ لهم صفة المجتهدين، أي صلاحيّة سنّ أحكام تشريعيّة جديدة، ويبرّرون مداولاتهم (1/241)
صفحة 242
مع أشخاص غير مختصّين بربطها بالإجماع ثالث أصول الفقه الإسلاميّ" (5).
2 - الإيمان ومقوّماته
__________
(1) - استشهد بقول عمر: "إيّاكم والقياس فإنّ أصحابه أعداء السّنن (أعيتهم الأحاديث أن يعوها واستحيوا أن يقولوا إذا سئلوا لا نعلم فقاسوا برأيهم).
(2) - أطفيّش: شامل، ص10.
(3) - المصدر نفسه.
(4) -[موراند]، قوانين المزاب، الجزائر، جوردان، (1903م)، ص37 وما بعد.
(5) -[ميليو]، مجموعة من مداولات جماعات المزاب، باريس (1930م)، ص222.
تناولت العقائد عددا من المفاهيم ذات صلة وثيقة بالإيمان يتعيّن علينا الآن جمعها وتبيين علاقاتها المتبادلة وكذلك علاقتها بالإيمان. وقد عرّفته بأنّه قول وعمل (1)، أو ببساطة الوفاء بجميع الدّين (أبوسهل). من هنا ترادف الإسلام والإيمان وفق الجنّاونيّ، أو الطّاعة والإسلام حسب الإباضيّة الأوائل كمحبوب بن الرّحيل (2). أمّا العنصر القلبيّ فيوجد، حتّى قبل التّنصيص الصّريح، بصفة ضمنيّة في القول: من منظور سلبيّ قال الجنّاونيّ إنّ القلب هو الّذي يخالطه الشّرك، بحيث يجوز اعتبار أنّ أبا سهل وضّح فقط بنحو صريح هذا العنصر الثّالث: المعرفة بالجنان، وبنحو مماثل أكّد لاحقا أبو العبّاس الشماخي أنّ التّوحيد، موضوعَ الإيمان الأوّلَ، من أفعال القلب، وإنّما نُسب إلى العمل لأنّه يحقّق تقريب العبد من الله. هكذا نرى أنّ القلب، سواء دعونا إسهامه معرفة بالجنان (كأبي سهل) (3) أو تصديقا (الثّلاثيّ) (4) أو اعتقادا بالجنان (الجيطالي)، هو الّذي يجمع بين القول والعمل: الإيمان صادر عن القلب، هو فعل يسمه (1/242)
صفحة 243
الإخلاص ولا يشوبه الشّرك، ينطق به اللّسان وتعمل به الجوارح. في تطوّر معقول فصل كتّاب متأخّرون كالجيطالي (5)، لحاجة العرض، بين الجانب النّظريّ (بالشّهادات الثّلاث) والجانب العمليّ، لكنّ النّظرة إلى الإيمان، كقول وعمل، تبقى جوهريّا هي هي.
__________
(1) -[موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص514 و536؛ الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص28؛ كشف الغمّة ورقة 245.
(2) - انظر أعلاه: المقدّمة، نحو تكوين العقائد.
(3) - أبو حفص: مقدّمة التّوحيد ص129؛ أبو سهل: عقيدة، مخطوط ورقة 27 و.
(4) - ميّز عمر بن رمضان الثّلاثيّ بين الإقرار والامتثال والتّصديق. انظر نخبة النتين من أصول تبغورين فيما عليه أئمّة الحقّ من الأصول، مقتطف من العقيدة المباركة (انظر [شاخت]، مكتبات، ملاحظة، 78، ق 486)، ص155.
(5) - الجيطاليّ: قواعد الإسلام، ج1 ص7 - 11.
نلاحظ أيضا أنّ الإيمان في تصوّر الإباضيّة غير ممكن بدون "عون الله" (1).
العنصر الأوّل (القول) يمكن أن يكون:
- صيغة موجزة هي الشّهادتان مع إضافة الجملة "وأنّ ما بلّغ عن ربّه حقّ" الّتي تتضمّن بقيّة الشّهادات المفصّلة في:
- صيغة مطوّلة تتألّف من الشّهادات العشر الّتي يكتمل بها الإيمان حسب إباضيّة المغرب (2).
يعطي هذا التّصريح صفة الموحّد وما تستتبع من حقوق (حرمة الدّم والمال)، وفي هذا العنصر يتميّز الإباضيّة عن باقي فرق الخوارج الأخرى الّتي تعتبر بقيّة المسلمين (أهل القبلة) مشركين (3).
__________
(1) - الجنّاونيّ عقيدة نفوسة، ص44.
(2) -[موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص518 - 519؛ الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص2 - 3.
(3) - ذاك رأي الأزارقة تحديدا. انظر الأشعريّ: مقالات، ج1 ص156؛ الشّهرستانيّ: الملل، ج1 ص163 - 164.
موضوع الإيمان الأوّل والرّئيسيّ التّوحيد، لكنّ مضمون التّوحيد، حسب ما جاء في العقائد، أوسع. فعلا، تدخل فيه نقاط أخرى جوهريّة مثل ولاية المسلمين جملة والمعصومين من كبائر الذّنوب، وبراءة الكفّار جملة وأهل الوعيد، والاعتقاد (1/243)
صفحة 244
في حضور الله غير المحدّد بمكان، والتّمييز بين كبائر الشّرك وكبائر النّفاق، الخ (1). ضدّ التّوحيد هو الشّرك الّذي يجعل لله أشباها وشركاء، وهو نوعان: شرك جحود وشرك مساواة- أو بعبارة أخرى: كفر جحود وكفر مساواة. والشّرك والكفر متساويان في الخطورة: من يشرك بالله فهو كافر (2). أمّا المنزلة بين المنزلتين، أي بين الإيمان والشّرك، فهي النّفاق (3). وإنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار (4)، ومن وجهة نظر الأحكام يُعتبرون موحّدين لا مشركين، وتقام عليهم الحدود (5). ويشمل معنى النّفاق إسرار الشّرك وإعلان التّوحيد (6).
2 - عنصر الإيمان الثّاني، العمل
__________
(1) - الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص6 و11؛ تبغورين: أصول الدّين، ص44؛ الشماخي: السّيَر، ص163.
(2) -[موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص535؛ الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص28. أضاف الجيطاليّ إلى تقسيم الشّرك إلى نوعين أساسيّين شرك الإكراه (المتمثّل في التّهاون بكلام الله) وشرك الرّياء؛ انظر: قواعد الإسلام، ج1 ص35؛ كذلك أطفيّش: الذّهب الخالص، ص25 - 26.
(3) -[موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص523 و527؛ الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص20 - 21؛ عامر الشماخي: أصول الدّيانات الفقرة 7؛ سليمان داود بن إبراهيم الثّلاثيّ: نخبة المتين، ص154.
(4) - تبغورين: أصول الدّين، ص21.
(5) - المصدر نفسه، ص24.
(6) - أطفيّش: الذّهب الخالص 26 ملاحظة 2.
لا ينفصل عن الأوّل، فعند الإباضيّة ما من مؤمن ليس بمسلم، أي لا بدّ أن يجمع الأعمال بالشّهادة: ذاك هو المؤمن الموفي بدينه (1). والعمل يُفهم كاعتقاد القلب (1/244)
صفحة 245
لأنّه في الحقيقة فعله الخاصّ (2)، أو كأداء الفرائض (3) والنّوافل (كتاب الوضع 13).
يقود هذا إلى اعتبار حالة المؤمن تارك الفرائض، وإلى تعريف الذّنب: أكبره الكفر الّذي يقابل الإيمان، ولا منزلة بينهما، من هنا بند "لا منزلة بين المنزلتين" الّذي تضمّنته العقائد. كما أنّ الإيمان، من منظور الفعل، طاعة وإسلام، وأساسه الاستسلام أي الخضوع لله طوعا شأن الملائكة الّذين سجدوا لآدم امتثالا لأمر الله، أساس الكفر المعصية المرتبطة بالكبر مثل إبليس الّذي استكبر وعصى وأبى أن يكون من السّاجدين (4).
ضمن الكبائر يميَّز بين:
__________
(1) - انظر الجنّاونيّ: "طاعة الله هي التّوحيد، وفحواها الفرائض"، عقيدة نفوسة، ص34، و [موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص511 و529. تظهر الصّلة بين الإيمان والعمل في حوار بين الحسن البصريّ وجابر بن زيد نقله الدّرجينيّ. لمّا دخل الحسن على جابر وهو مضطجع انكبّ عليه وهو يقول: قل لا إله إلاّ الله، فرفع جابر عينيه وهو يقول: أعوذ بالله من غدوّ ورواح إلى النّار، (مرّتين) ثمّ قال: "يا أبا سعيد يوم يأتي بعض آيات ربّك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا". ليس أبلغ من هذه الحادثة للتّعبير عمّا يعتقد الإباضيّة: أنّ الإيمان- أو التّوبة- في الرّمق الأخير لا ينجي، والإيمان المقترن بالأعمال هو سبيل النّجاة. انظر الدّرجينيّ: الطّبقات، ج2 ص207.
(2) - أطفيّش: شرح عقيدة التّوحيد، ص344.
(3) - الشماخي: مقدّمة التّوحيد، ص34.
(4) - الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص36.
أ- كبائر الشّرك: المتمثّلة في ترك أحد مقوّمات الإيمان الرّئيسيّة (كالتّوحيد ومعرفة النّبيّ والإيمان بالملائكة) أو تحليل ما ورد تحريمه في القرآن. والشّرك أعظم الكبائر، وصاحبه يوصف بالمشرك.
ب- كبائر النّفاق: المتمثّلة في بقيّة الكبائر، وقد قدّم الكتّاب قوائم بها، ومنها مثلا استحلال ما حرم الله بتأويل الخطأ (1). (1/245)
صفحة 246
ج- يضاف إلى هذين الصّنفين الإصرار على صغائر الذّنوب (2).
توجب كبائر النّفاق نكال الدّنيا ووعيد الآخرة إن لم يتب مرتكبها. لا يُعدّ صاحب الكبيرة مؤمنا ولا مشركا، وإنّما هو منافق أو كافر كفر نعمة (3). هكذا يبدو النّفاق وكفر النّفاق وكفر النّعمة مصطلحات مترادفة تصف الأفعال لا جانب التّصريح. والإباضيّة يرفضون فكرة المنزلة الوسطى الّتي قدّمها واصل بن عطاء والمعتزلة الّذين اعتبروا مرتكب الكبيرة لا مؤمنا ولا مشركا بل فاسقا. وإذا كان في نفس الوقت يتقلّد سلطة (سلطلنا جائرا)، للإباضيّة منه موقف خاصّ: لم يُلزموا بالخروج عليه ولا بالهجرة خارج دار الجور المدعوّة أيضا دار الحرب كما دعا الأزارقة، بل أجازوا لجماعة المسلمين أو أهل الدّعوة، أي فرقتهم، العيش تحت السّلطان الجائر أو أهل البدع (أو المبتدعين) في كتمان مع توخّي التّقيّة.
__________
(1) - الجيطاليّ: قواعد الإسلام، ج1 ص38.
(2) - الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص38 - 39؛ أبو العبّاس الشماخي: مقدّمة التّوحيد، ص149 - 150.
(3) - ذلك ضدّ الصّفريّة الّذين يعتبرون كلّ معصية شركا. "أصحاب الكبائر مشركون"، الشماخي: السّيَر، ص405. لذا لا يسري عليهم تحريم الدّماء الّذي هو من حقوق الموحّدين. انظر تبغورين: أصول الدّين، ص43.
تنتهي العقائد الأقدم غالبا بإعلان البراءة من كبريات البدع، أي إبعاد أصحابها من الجماعة. يأتي ذلك في صيغة إثبات ("اتّفقت الجماعة على القول") أو نفي ("ليس منّا من يقول") (1). ومع أنّه لا يعطي وصفا دقيقا لنوع الكفر أو الشّرك، بإمكاننا الاستنتاج أنّ اعتناق تلك الأفكار (خلق الأسماء، قدم القرآن الخ) كفر ملّة. (1/246)
صفحة 247
الجزء الثّاني
قضايا كلاميّة
- التّوحيد والصّفات
- خلق القرآن
- الرّؤية، القدر
- الإمامة (1/247)
صفحة 248
الفصل السابع: التّوحيد والصّفات
لا يمكن قيس أهمّيّة قضيّة الأسماء والصّفات في المذهب الإباضيّ بالعرض الوجيز غالبا المخصّص لها في العقائد. لذلك سنعتمد في هذا الجزء الثّاني من دراستنا على كتّاب العقائد وشرّاحهم وكذلك على المتكلّمين.
__________
(1) -[موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص540 - 543؛ الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة (فيها صيغتا الإثبات والنّفي)، ص46 - 49؛ كشف الغمّة و 247.
إن بنينا حكمنا على العقائد الأقدم، سنجد أنّ المواقف المذهبيّة بهذا الخصوص كانت تقتصر على بنود قليلة، فقد بدت مسائل حكم المؤمن ومعايير الانتماء إلى الفرقة النّاجية وحدود البراءة أهمّ في نظر الإباضيّة الأوائل، كما ذكرنا في المقدّمة. حول هذه المسائل أساسا تركّزت الجدالات وتمايزت الفرق، حتّى أنّ كلمة صفة (1) لم ترد أصلا في أقدم عقيدتين (2). قدّمت العقائد الأولى مجموعة من أسماء الله مستمدّة من القرآن تؤكّد التّنزيه (انظر عقيدة عمان). أمّا إشكاليّة الأسماء والصّفات (قدم الصّفات، التّمييز بين الصّفات الذّاتيّة وصفات الفعل ... ) فهي غائبة من هذه التّعابير الأولى عن الإيمان.
علاوة على ذلك، تحدّثت الوثائق التّاريخيّة عن مواجهات بين الفرق، لكنّها لم تقدّم معطيات دقيقة عن موضوع الجدالات إلاّ فيما ندر. لا ينقص هذا طبعا (1/248)
صفحة 249
قيمة عدد من الأخبار الواردة في الطّبقات: فهي من العناصر الّتي تساهم في تحديد نشأة صياغة المذهب حول تلك المسائل. يبدو مثلا أنّ عيسى بن علقمة المصريّ من النّصف الثاني من (ق 3هـ/9م) لعب دورا مهمّا في نشأة المعتقد حول الصّفات، وقد لمّح أبو عمّار عبد الكافي إلى ذلك، وسنعود إليه بخصوص الجدال مع الدّهريّة، أي القائلين بقدم العالم.
__________
(1) - عند النّحويّين تغطّي الكلمة اسم الفاعل والصّفة المشبّهة. والصّفات عند متكلّمي الإسلام لا تنحصر في الكمالات الذّاتيّة بما أنّ منها ما يطلَق على أفعال إلهيّة (أو اشتُقّ كصيغة اسم فاعل من صيغ فعليّة وردت في القرآن) وصور ذات طابع تشبيهيّ لله وأفعال أو أحوال له يصعب تصنيفها كالعرش. انظر [ألاّر]، مشكلة صفات الله في مذهب الأشعريّ وأتباعه الكبار الأوائل، بيروت، المطبعة الكاثوليكيّة (1965م)، 2 وما يلي.
(2) - لا في عقيدة أبي حفص ولا في عقيدة عمان.
تعلمنا كتب الأخبار الإباضيّة كذلك أنّ العالم أبا نوح سعيدا بن زنغيل المزاتيّ (1) تجادل مع عالم يدعى ابن حمّو بحضرة المنصور بن بلكّين حول الفرق بين القديم والحادث (2)
__________
(1) - أبو نوح سعيد بن زنغيل، (350 - 400هـ): حرّض سكّان جربة ونفوسة على الثّورة على المعزّ لدين الله الفاطميّ- أبي تميم في المصادر الإباضيّة- بعد مقتل أبي القاسم يزيد بن مخلد، وربّما حاول التّحالف مع أمويّي الأندلس. فيما يلي مناظرته مع مبتدع- معتزليّ- كما أوردها أبو زكريّا: "وذكر أيضا أنّه أرسل إليه أبو تميم ذات مرّة. قال: قال أبو نوح: فقدمت عليه فوجدته ورجلا من المعتزلة واقفا بين يديه، فأخذ في مسألة الأسماء، فنصبت إليه وأفرغت ذهني إلى كلامه حتّى عثر عثرة ما نجا منها بحمد الله. إذ قال: "إنّ أسماء الله متغايرة كزيد وعمرو"، فأقبلت إليه بالكلام وقلت له: "إنّ كلامك إليّ أم إلى مولانا؟ " قال له السّلطان: "كلامك إليه". فقلت له: "أليس لهما مغيِّر فجعل أحدَهما غير الآخر، زيدا غير عمرو؟ " فقال لي: "نعم". فقلت له: "وكذلك الله والرّحمن هذا غير هذا ولهما مغيّر غيرهما، فجعل أحدَهما على الآخر". قال: فقطع السّلطان جوابه فقال: "هذا والله الكفر بعينه". انظر لـ[و. تورنو]، سيَر أبي زكريّا الورجلانيّ، في المجلّة الإفريقيّة"، (1961م)، ص118. وكذلك الدّرجينيّ: طبقات المشائخ بالمغرب، ج1 ص136.
(2) - هذه رواية - المناظرة بين أبي نوح وابن حمّو: قال أبو نوح: فسألته: "ما علامة الصّنعة؟ " قال: "الحدث والحركة والسّكون والانتقال والزّوال". قال: فقلت له: "الحدث والحركة والسّكون والانتقال والزّوال كلّ محدث (مخلوق) وغير مخلوق". (فقلت:) "فيلزمك أن يكون القديم على ضربين خالق وغير خالق". قال: فقال عند ذلك: "بل القديم كلّه خالق". قال: فقلت: "وكذلك المحدث كلّه مخلوق لأنّه محدث". انظر الدّرجينيّ: طبقات، ج1 ص147 - 148، الشماخي: سيَر، ص358 - 359، لـ[و. تورنو]، سيَر، (1961م)، ص128 - 129.
كما نعلم منها أنّ قضيّة الفرق بين الأسماء والذّات طُرحت (1/249)
صفحة 250
منذ هذه الفترة في الجدال مع الفرق المخالفة (1)، وكذلك مشكلة التّشبيه (2). لا بدّ مع ذلك أن ننتظر ظهور المؤلّفات الكبرى لمتكلّمي (ق 5 و6هـ) (خاصّة تبغورين، وأبي يعقوب الورجلانيّ وعبد الكافي) لنصل إلى صياغة أكمل لقضيّة الصّفات. شكّل إثبات وجود الله، والتّوحيد المبنيّ على التّمييز الجذريّ بين الله والحادث مقدّمة ضروريّة للدفاع عن التّنزيه ضدّ المشبّهة وتحديد علاقات الذّات والصّفات على الوجه الصّحيح. ذاك تحديدا مخطّط دراستنا.
1 - وجود الله
أ- فريضة معرفة التّوحيد
__________
(1) - تدعو رواية الشماخي للحادثة إلى التّحفّظ على نسبة الأفكار إلى الفرق المذكورة. القصد الجدليّ في هذه الحال واضح، وينبغي فهم اسم المعتزلة بالمعنى الأصليّ للكلمة: الابتعاد وبالتّالي الضّلال.
(2) - لمّا دخل أبو القاسم يزيد بن مخلد أصيل حامّة قابس مدينة القيروان اضطربت المدينة كلّها من أجله بفنون العلم والسّؤالات المعضلة الّتي يدّخرونها ... وناظر رجلا من الورّاقين يقال له إبراهيم المشبّه، انظر الشماخي: سيَر، ص347 - 348، ول [و. تورنو]، سيَر، (1960م)، ص371 - 372. كذلك بعث المعزّ الفاطميّ إلى معاصره وصديقه أبي خزر يغلا بن زلتاف الواسينيّ مثله لمناظرة معتزليّ في مصر من الشّرق، فتنازلا في قبّة قد نصبها السّلطان في الفسطاط. قال أبو خزر: "ما دخلت معه بابا من العلوم إلاّ غلبته فيه". انظر لـ[و. تورنو]، سيَر، (1961م)، ص125.
يرى علماء الإباضيّة أن الله أوجب التّوحيد على كلّ بالغ مكلّف من عباده، حرّا كان أو عبدا، ذكرا كان أو أنثى (1). يستفاد من الجنّاونيّ أنّ معرفة الله تأتي (1/250)
صفحة 251
بتعليم وإلاّ بقيت محدودة (2)، وأضاف أنّ الله يُعلم من آيات القرآن ويُثبت وجوده بعلامات: معجزة القرآن ودلائل الخلق (3).
هل ينحصر هذا الفرض في معرفة الله ووحدانيّته أم هو أشمل؟ (4) هل هو مفروض على العقل بصفته تلك وقبل التّنزيل (كما يرى المعتزلة)؟ أم هو فرض شرعيّ محض (كما في مذهب الأشاعرة كالقاضي الجرجانيّ)؟ أم يأمر به الشّرع والعقل معا (كما يرى الماتريديّ: فتلك المعرفة كانت ممكنة قبل نزول الشّريعة وصارت بعده فعليّة) (5)؟ أكّد تبغورين بدون لبس أنّ الحجّة الّتي قدّمها الله للعباد هي الكتب والرّسل، وهي تقوم على كلّ إنسان بالغ، سمع البلاغ أو لم يسمع. من كان على سبيل الهدى علم بالسّماع، ومن كان في سبل الضّلال سيواجَه بحجّة الله، سواء سمع البلاغ أو لم يسمع ولا عذر له. هو ملزم إذن بالدّرس المتمعّن بموجب قول الله تعالى: "فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون" (ق 21: 7) (6).
__________
(1) - الجنّاونيّ: كتاب الوضع، ص8.
(2) - "إن أدرك أحد إحدى صفات الله وفهمها في لغته، أو إن تبادرت إلى ذهنه معرفة تلك الصّفة بلا وساطة غيره، فإنّه لا يستطيع أن يصف الله إلاّ بها"؛ عقيدة نفوسة، ص4.
(3) - الجنّاونيّ: كتاب الوضع، ص53.
(4) - طُرحت مسألة حدّ المعرفة الأدنى اللاّزم للإيمان في عقيدة نفوسة، ص1 - 2؛ انظر ترجمتنا في الملحق والملاحظة 13.
(5) - مقال "الله" لـ[غارديه] في دائرة المعارف الإسلامية 2، 1: 422.
(6) - تبغورين: أصول الدّين، ص45 وما بعد.
لذلك انتقد بقوّة أحمدَ بن الحسين من فرقة النّكّار، والقدريّةَ (الّذين طابقهم (1/251)
صفحة 252
هنا بالمعتزلة) على تأكيدهم أنّ فرض معرفة الله مبنيّ بالأساس على العقل (1). إذن تنبني فريضة معرفة الله الواحد عند الإباضيّة، كما عند الأشاعرة، على أمر إلهيّ، أي على دليل نقليّ مصدره القرآن الّذي ليس سوى إعادة للحجّة الأصليّة الّتي تلقّتها البشريّة في أبيها آدم (2).
ب- النّقض على الدّهريّة
__________
(1) - "زعم أحمد بن الحسين أنّ العقل بجميع ما يعلم حجّة الله على النّاس، وأنّ الإنسان قادر بذاته على معرفة الله والجنّة وحدود الزّنا والسّرقة والخمر وأنّها أمور لا تحتاج إلى حجّة. وترك القرآن والسّنّة وعمل بقياس عقله. فما وافقه اتّخذه دينا وما خالفه رفضه". تبغورين: أصول الدّين، ص46 - 47. كما نرى هذه العقلانيّة الّتي نادى بها أحمد بن الحسين مستمدّة إلى حدّ بعيد من المعتزلة. وقد أخذ أبو سهل على القدريّة نفس المأخذ، انظر عقيدة، ص48.
(2) - "تلقّوا الحجّة الأصليّة في آدم عليه السّلام. وكفر بعضهم، وورث الأبناء هذا الكفر عن آبائهم، وذلك على فترة طويلة، فالخلف ملزمون بالشّرائع الّتي نزلت على السّلف، كما قال تعالى (ق 2: 166): إذ تبرّأ الّذين اتُّبعوا من الّذين اتَّبعوا ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب"؛ تبغورين: أصول الدّين، ص46.
كذلك لا يوجد خلاف بين الإباضيّة والأشعريّة حول إثبات وجود الله انطلاقا من حدوث العالم (1). وقد قدّم الورجلانيّ دليل وجود الله وصفاته الرّئيسيّة بهذا النّحو: "فإن قال قائل: ما الدّليل على إثبات وجود الباري سبحانه؟ قلنا: الحدث. فإن قال: ما الدّليل على قدمه؟ قلنا: سبقه الحدث. فإن قال: ما الدّليل على حياته؟ قلنا: تصرّفه في الحدث. فإن قال: ما الدّليل على علمه؟ قلنا: إتقانه الحدث. فإن قال: ما الدّليل على قدرته؟ قلنا: صدور الحدث. فإن قال: ما الدّليل على إرادته؟ قلنا: تمييزه الحدث. فإن قال: ما الدّليل على رضاه وسخطه؟ (1/252)
صفحة 253
قلنا: اختلاف الحدث. فإن قال: ما الدّليل على الحدث؟ قلنا: الحدث." (2)
__________
(1) - انظر مثلا الغزاليّ: الاقتصاد في الاعتقاد، القاهرة، مكتبة حجازي، ص13 - 19.
(2) - الورجلانيّ: الدّليل والبرهان، ص43 - 44؛ [علّوش]: رسالتان، ص64.
تُظهر هذه المقولات طبيعة الله المخالِفة للحوادث بصفة مطلقة. بنحو سلبيّ يتمثّل دليل وجود الله في اختلافه التّامّ عن الحادث، وذلك يفنّد قول الدّهريّة. فعلا كان مذهبهم منافيا، أكثر من أيّ مذهب سواه، لوحدانيّة الله وانفراده بالقدم (1). الظّاهر أنّهم كانوا يشكّلون، أكثر من الثنوية، حركة فكريّة مؤثّرة، فقد ذكرهم جلّ الكتّاب. وردّ عليهم عبد الكافي في عرضه لشتّى الفرق ودعاهم الملحدين (2). وأوّل كاتب إباضيّ عارضهم عيسى بن علقمة المصريّ من النّصف الثاني من (ق 3هـ) (3)، فقد روى عبد الكافي أنّه "عارض مقالة أصحاب أرسطوطاليس من أهل الدّهر حين زعموا أنّ الهيولى قديم لم يزل ليس بذي أعراض ولا بذي صفات إلى أن صار في زعمهم موصوفا بالأعراض والصّفات. وناظر مقالتهم النّاكثة حين زعموا أنّ الله قديم لم يزل وأنّ صفاته محدَثة مخلوقة كائنة بعد أن لم تكن". فجادلهم عيسى- الّذي عدّه "من حذّاق متكلّمي هذه الدّعوة المباركة"- لكنّهم "لم ينفصلوا (1/253)
صفحة 254
عند معارضته من مقالة أهل الدّهر". كما نرى أمكن للقائلين بخلق الصّفات أن
__________
(1) - ذكر القرآن من قالوا: "ما هي إلاّ حياتنا الدّنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلاّ الدّهر" (ق 45: 24)، وهو في رأيهم قوّة لاشخصيّة تحكم حياة الإنسان، والحال أنّ الله وحده حسب الإسلام يحيي ويميت. انظر مقال [غولدتسيهر] و [غويشون]: الدّهريّة في دائرة المعارف الإسلامية 2، 2: 97 - 99.
(2) - عبد الكافي: الموجز، ج1 ص284.
(3) - انظر أطفيّش: الرّسالة الشّافية، ص179. حسب الشماخي "هو من أصحاب أبي الحرّ عليّ بن الحصين والله أعلم إن كان هو عيسى بن أبي عمرو (المكّيّ) أو غيره" وقد ألّف هذا المتكلّم الإباضيّ الشّهير كتاب التّوحيد الكبير المفقود؛ ولم يذكره [موتيلنسكي] في "جرد كتابات المزاب"، ب م إ 3 (1885م) ص15 - 30، ولا السّالميّ في اللّمع المرضيّة من أشعّة الإباضيّة في "مجموع ستّة كتب"، غرداية (1968م)، ص67 وما بعد.
يجدوا حجّة في نظريّات الدّهريّة. وقد واجههم تبغورين (1) ولمّح إليهم الورجلانيّ (2) وانبرى عبد الكافي لتفنيد مذهبهم بنحو منهجيّ (3). كان الدّهريّة أو أهل الدّهر يقولون بقدم الجواهر. وفي نظر من لا يفرّق بين العلّيّة الأنطولوجيّة (وجوب الكائن بغيره) والإحداث في الزّمان، يتعارض قدم العالم مع التّوحيد لأنّه يعني وجود شريك لله في القدم. يبيّن الاستدلال أنّ الإباضيّة يرجعون ضمنيّا إلى فلسفة طبيعيّة من الطّراز الذّرّيّ المناسبيّ ذات صبغة أشعريّة (4). أشياء هذا العالم نوعان: جسم وعرض. ووفق مسلّمة أوّليّة لا يوجد جسم مجرّد من العرض، هو لا ينفصل عنه أبدا. "لا يسبقه ولا يلحقه بحال" على حدّ قول تبغورين (5). يفترض ذلك خلقا إلهيّا مباشرا في كلّ آن (وفق مبدأ المناسبات).
هذه هي النّقاط المهمّة الّتي تناولها عبد الكافي في نقضه على الدّهريّة:
1 - يثبت تعاقب الأعراض المتضادّة في الجسم (تناوب الحركة والسّكون، إتيانها وذهابها) حدوث الأجسام محدثة، ولا بدّ إذن لجسم (جوهر) قديم أن يجمع هذه الأعراض المتضادّة، وهو محال (6). (1/254)
صفحة 255
__________
(1) - انظر تبغورين: أصول، ص4؛ والفصل 3 أعلاه.
(2) - الورجلانيّ: الدّليل، ص46؛ [علّوش]: رسالتان، ص66.
(3) - عبد الكافي: الموجز، ج1 ص257، (نشر الطّالبيّ).
(4) - انظر [أنواتي]: "فلسفة الطّبيعة عند المفكّرين المسلمين" في "دراسات في الفلسفة الإسلاميّة" باريس، (1974م)، ص99 وما بعد. عرض عبد القاهر البغداديّ مبادئها الأساسيّة في الفرْق بين الفرَق، ص315 - 316.
(5) - مرّ الكتّاب من مفهوم الجوهر إلى الجسم كما بيّنّا بالنّسبة إلى تبغورين في الفصل 3.
(6) - عبد الكافي: الموجز، ج1 ص257 - 258.
2 - على اعتراض الدّهريّة بإمكان حدوث الأشياء بدون محدِث من تلقاء نفسها، أجاب عبد الكافي بأنّ الأشياء تقتضي خالقا يبعثها إلى الوجود في الوقت الّذي يجب أن تحدث فيه وإلاّ سادت الفوضى، وبأنّ القول بحدوث الأشياء من تلقاء نفسها ينطوي على تناقض: إذ لا بدّ أنّها كانت لحظة حدوثها إمّا في العدم (والحال أنّه لا يخلق شيئا، لا ذاته ولا غيره) وإمّا موجودة (فلا داعي إذّاك لتُحدث نفسها ما دامت كذلك) (1).
3 - ردّ على اعتراضهم: "لم تزل الأشياء تحدث" باستحالة التّسلسل إلى ما لا نهاية له، ولزوم بداية مطلقة كما نقرّ بالنّسبة إلى العدد (2).
4 - احتجّ الدّهريّة بفرضيّة كمون الأجسام (3) انطلاقا من مثال الإنسان الّذي ينتقل من الطّفولة إلى الشّباب ثمّ الشّيخوخة فيبقى على نفس الهيئة دون أن يبقى هو هو، وهكذا فالأشياء خفيّة في الأجسام تظهر تارة وتظلّ تارة مخفيّة فيها، ممّا يجعل قدمها واردا. ونقض هذا الاعتراض مماثل لنقض الاعتراض الأوّل (4).
تُظهر محاجّة الدّهريّة أنّ الإباضيّة كانوا يضعون تحت هذه التّسمية بعض أقوال المعتزلة.
ج- دليل وجود الله (1/255)
صفحة 256
__________
(1) - المصدر نفسه، ج1 ص265 - 266.
(2) - المصدر نفسه، ج1 ص261.
(3) - مسألة الكمون تجادل فيها أبو الهذيل العلاّف والنّظّام، انظر نادر: نظام المعتزلة الفلسفيّ، بيروت، (1956م)، ص166.
(4) - عبد الكافي: الموجز، ج1 ص263 - 264.
تمّ أوّلا إثبات الفرق بين القديم والحادث، وانطلق الدّليل على وجود الله من الصّنعة معتبرا أنّه الصّانع أو المحدِث القديم. وقد صيغ برهان واحد مبنيّ على نظام العالم (1) متاح لكلّ النّاس لمطابقته للفطرة، وتؤيّده 4 وجهات نظر: العقل والشّرع واللّغة والطّبع؛ "إن قال قائل: وما في الحدث ممّا يدلّ على وجود الباري سبحانه؟ قلنا: انطباق الفطرة العقليّة على أنّ البناء دالّ على بان والكتابة دالّة على كاتب والأثر دالّ على مؤثّر والصّناعات كلّها دالّة على صانعها عقلا وشرعا ولغة وطبعا" (2)
__________
(1) - شبيه بالدّليل الخامس عند توما الإكوينيّ.
(2) - "أمّا من جهة العقل فإنّ علوم العقل ثلاثة مغروزة في جبلّته ومنقوشة فيه مجملة، وهي وجوب الواجبات وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، فهذه إحدى الواجبات، ومحال ظهور أثر ولا مؤثّر وكتابة ولا كاتب وبناء ولا بان وصناعة ولا صانع وحدث ولا محدِث. وأمّا الشّرع فقول الله عزّ وجلّ: "إنّ في خلق السّماوات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار" إلى قوله: "لآيات لقوم يعقلون" (ق 2: 164)، فجعل الله عزّ وجلّ حدوث هذه الأسباب دلالة على صدقه في ما قال فضلا عن وجوده، وقد ثبت وجود الفرع فما بال الأصل، وقوله: قل من يحيي العظام وهي رميم، قل يحييها الّذي أنشأها أوّل مرّة وهو بكلّ خلق عليم" (ق 36: 79). وأمّا اللغة فمن جهة اللّفظ قسّمت العرب هذه الألفاظ على جميع لغتها أنّ الحدث يقتضي الإحداث والمحدِث والمحدَث، والخروج يقتضي المخرِج والمخرَج والإخراج والخروج، وهذه في سائر لغة العرب، ولا بدّ للفعل من هذه المعاني الأربعة: الفاعل والمفعول والفَعل والفِعل الاسم: قال عزّ وجلّ "وفعلتَ فِعلتك الّتي فعلتَ وأنت من الكافرين" (ق 26: 19). وأمّا الطّبع فمحال وجود الحدث ولم يفعله أحد عقلا، نفرت منه الطّباع واستحال الاختراع، إلاّ من مخترع مبتدئ، وساغ الامتناع". الورجلانيّ: الدّليل، ص44، [علّوش]: رسالتان، ص65.
نجد عند أبي سهل يحيى (1) نفس التّدليل على وجود الله كصانع العالم بنظامه البديع، وبانيه القديم، مع مجرّد التّلميح إلى دليل التّغيّرات الّتي تظهرها الحركة (1/256)
صفحة 257
والسّكون والّتي تقتضي سببا أوّل (2) والإلحاح أكثر على الدّليل القرآنيّ (3).
والواقع أنّ جهة الورجلانيّ الرّابعة عين الأولى، الّتي تؤسّس مثلها معرفة الله على بنية الفكر الإنسانيّ والمبادئ الأوّليّة للمعرفة (وجوب الواجب وإمكان الممكن واستحالة المستحيل). ليس الطّابع الفطريّ للاعتقاد في وجود الله فكرة مبتكرة، فقد عبّر كذلك الغزاليّ (4) وغيره على هذه الفطرانيّة. ربّما وجد دليل تقدّم الله على صنعه صياغته الأولى في الاستدلال على خلق القرآن، وبالأخصّ في رسالة الإمام أبي اليقظان كما سنرى في الفصل التّالي.
2 - تأويل المتشابه من القرآن
__________
(1) - أبو سهل يحيى: عقيدة، ص3 - 5.
(2) - استدلّ الغزاليّ على وجود الله بالحركة والسّكون اللّذين لا يخلو منهما العالم: في تتابع الحركات والسّكنات تتجلّى تغيّرات وبداية وزوال. والعالم يقتضي علّة أولى أحدثته ولا تحتاج هي ذاتها إلى علّة توجدها، لاستحالة التّسلسل اللاّمتناهي، انظر: الاقتصاد في الاعتقاد ص13 - 19.
(3) - مثلا امتناع إبراهيم عن عبادة الكواكب لأفولها، (ق 6: 76).
(4) - "فإنّ ذلك كان مجبولا في فطرة عقولهم من مبدأ نشوئهم وفي عنفوان شبابهم ... فإذن في فطرة الإنسان وشواهد القرآن لاما يغني عن إقامة البرهان (على وجود الله) ". إحياء، ج1 ص94.
يستفاد من أقوال تبغورين أنّ الدّهريّة كانوا، فضلا عن القول بقدم الجواهر، يتمثّلون الله جسما أو صورة (1): ذلك على أيّة حال مذهب المجسّمة. وقد ردّ الكتّاب بقوّة على تمسّك المجسّمة بظاهر ألفاظ القرآن وأكّدوا التّنزيه وطبّقوه بصرامة بالغة. من بين مواطن الاختلاف بين الإباضيّة والأشعريّة الّتي عرضها الورجلانيّ، يتعلّق واحد بالصّفات الّتي (1/257)
صفحة 258
توحي بالتّشبيه: "وصفوه (الله) بالوجه واليدين والرّأس والعينين والجنب والجلسة واليمين والقبضة والسّاق والقدم والاستواء والميل وخرق الحجب وركوب الحمار الأقمر وأنّه النّور الأنور" (2).
من الثّابت أنّ الأشعريّ كان يقبل المعنى الحرفيّ لهذه الصّفات لكن "بلا كيف" (3). يمكن أن يستهدف هذا النّقد كذلك الحنابلة الّذين كانوا يتمسّكون بحرفيّة النّصوص، لكن في سياق إفريقيا حيث عاش الورجلانيّ وحيث قاوم الأشاعرة المذهب الشّيعيّ بنجاح، لا بدّ أنّهم هم المستهدفون (4).
طريقة الإباضيّة القائمة على تأويل المتشابه بما يحفظ التّنزيه تقرّبهم من المعتزلة. لعلّ من المفيد هنا عرض المبادئ العامّة للتّأويل عند علماء الإباضيّة في ردّهم على المشبّهة.
مبادئ منهجيّة
__________
(1) - تبغورين: أصول، ص3.
(2) - الورجلانيّ: الدّليل، ص38، [علّوش]: رسالتان، ص60. الرّكوب على الحمار الأقمر؟ لم نجد تفسيرا لهذه الصّورة في النّصوص الّتي راجعناها. هل هو تلميح إلى نزول الله كلّ ليلة إلى السّماء الدّنيا كما يتصوّر الحنابلة؟ انظر [لاوست]، عقيدة ابن بطّة، دمشق (1958م)، ص104 ملاحظة 6. أم المقصود اسم كوكب؟ "الحمار" كوكبة العذراء، أو "الحماريْن" كوكبة السّرطان؟ انظر [كونيتش]: المجسطيّ، [فيسبادن] (1974م)، ص275 و288.
(3) - "أخبر عزّ وجلّ أنّ له وجها وعينا لا يكيَّف ولا يُحدّ" الأشعريّ: الإبانة، ص37.
(4) - انظر إدريس: بلاد البربر الشّرقيّة في عهد الزّيريّين، باريس، ميزونّوف (1962م)، ج2 ص687 - 757 (الحياة الدّينيّة).
عرض أبو عمّار عبد الكافي عددا من المبادئ المنهجيّة العامّة بهذا الشّأن: (1/258)
صفحة 259
1 - يجب الرّجوع إلى نصّ القرآن مجرّدا من تحريف التّأويل وأيّ تفسير فاسد (1). والاعتماد على النّصّ القرآنيّ يختلف من كاتب إلى آخر، ففي كتاب أصول الدّين لتبغورين تعتمد البرهنة بالأساس على الدّليل النّقليّ ونجد 247 استشهادا بآي القرآن، بينما قدّم الورجلانيّ في كتاب الدّليل والبرهان حجاجا عقليّا بالأخصّ، أمّا عبد الكافي فقد استعان في الموجز بالعقل والنّقل سويّا.
2 - ما العمل في حالة تعارض الآيات واختلاف معانيها حسب الظّاهر؟ دعا عبد الكافي إلى تجاوز ذلك الاختلاف الظّاهريّ لأنّ التّنزيل واحد: يجب حمل ما جاء فيها على السّائغ اللاّئق بحكمة الله وعدله، وإن قادنا النّظر في كلّ الآيات والأحاديث إلى قول قبيح في الله، يجب استبعاد ذلك الحلّ (2).
3 - ينبغي كذلك الاعتماد على ما يستعمله أهل اللّغة والنّاس بينهم في خطابهم ممّا تقتضيه دلالة القياس دون عبارة اللّفظ. والاستشهاد بلغة العرب- أقوال الشّعراء لكن كذلك، وإن بدرجة أقلّ، اللّغة المتداولة- يأتي غالبا في المحلّ الثّاني، لدعم تأويل آية يستمدّ قوّته بالأساس من القرآن ذاته، لكنّ له دورا حاسما في اعتماد أو استبعاد معنى ما لأنّه يفحم الخصم، لأنّ اللّغة العربيّة هي الفيصل ولها نوع من القداسة. لكنّ هذا المعيار يبقى خاضعا للتّنزيه وما يباح أو يُحظر قوله في الذّات العليّة بناء عليه (3). وقد ذكّر تبغورين كذلك بهذه المبادئ بعبارات (1/259)
صفحة 260
مشابهة (4).
4 - لذا يجب ألاّ يُحمل النّصّ القرآنيّ على ظاهره دون سائغه وعلى معقوله دون مفهومه وعلى حقيقته دون مجازه (5).
__________
(1) - عبد الكافي: الموجز، ج1 ص364.
(2) - المصدر نفسه، ج1 ص361 - 364.
(3) - المصدر نفسه، ج1 ص364.
(4) - تبغورين: أصول، ص8 - 9؛ انظر أعلاه الفصل 3 "المسائل الكلاميّة".
(5) - عبد الكافي: الموجز، ج1 ص361.
5 - تبرّر هذه المبادئ، في نظر الإباضيّة، البحث عن المعنى المجازيّ عبر التّأويل.
فعلا وبعكس علماء السّنّة القدماء الّذين استبعدوا التّأويل ولجؤوا إلى التّفويض (1) (فقط تحت تأثير المعتزلة والفلاسفة استخدم "المجدّدون" التّأويل) (2)، يبدو أنّ الإباضيّة طبّقوه منذ البداية لتفسير آيات القرآن الموحية بالتّشبيه. تشهد مثلا مجموعة الأحاديث الإباضيّة الّتي تعود إلى الرّبيع بن حبيب من النّصف الثاني من (ق 2هـ/8م) - وإن كانت قد نُقلت إلينا مع إعادة ترتيبها من قِبل كاتبين متأخّرين: الورجلانيّ وأطفيّش- أنّ ابن عبّاس كان يؤوّل على المجاز رؤية الله (3) (1/260)
صفحة 261
والاستواء (4). "يد" الله هي ثناؤه وجزاؤه وهدايته، و"وجهه" في الآية "كلّ شيء هالك إلاّ وجهه" (ق 28: 88) يعني: أنّه وحده باق، و"عينه" كناية عن علمه (5)
__________
(1) - في رسالة إلى أهل الثّغر تبنّى الأشعريّ وجهة نظر حنبليّة: "وأجمعوا على وصف الله تعالى بجميع ما وصف به نفسه ووصفه به نبيّه من غير اعتراض فيه ولا تكييف له وأنّ الإيمان به واجب وترك التّكييف لازم". انظر [ألاّر]، صفات، ص193.
(2) - مثلا فخر الدّين الرّازي في لوامع البيّنات في الأسماء والصّفات. انظر [أنواتي]: رسالة في أسماء الله لفخر الدّين الرّازي، في "دراسات في الفلسفة الإسلاميّة"، باريس (1974م)، ص370. مع ذلك فالجوينيّ وإن كان في الإرشاد قد استعمل التّأويل ورأى في عبارات القرآن التّشبيهيّة ظاهر الأسماء الّتي تحيل بمعناها إلى الصّفات امتنع عن التّأويل في العقيدة النّظاميّة. انظر [ألاّر]، صفات، ص403.
(3) - انظر عبد الكافي: الموجز، ج1 ص378 حول رؤية الله الّتي سنتناولها في الفصل التّالي.
(4) - انظر أطفيّش: ترتيب، ص23.
(5) - انظر أطفيّش: ترتيب التّرتيب، ص27. بخصوص "ساق" الله (ق 68: 42 "يوم يُكشف عن ساق") غضب ابن عبّاس لمّا علم أنّ قوما تصوّروا أنّ لله ساقا كالّتي للإنسان، فإنّما المقصود أنّ الله كشف ما أعدّ، كما تقول العرب: "قامت الحرب على ساق"، انظر ترتيب ص27 - 28، وكذلك القاضي عبد الجبّار: شرح الأصول الخمسة، (1384هـ/1965م)، ص229.
يستند الإباضيّة كذلك لتبرير اللّجوء إلى المعنى المجازيّ على حديث نبويّ (1). تُبرز هذه الدّعوة إلى التّأويل المجازيّ لجوء اللّغة المستمرّ إلى الاستعارة والتّشبيه. ويقرّ الإباضيّة بذلك على الأقلّ لتأويل المتشابه مثل المعتزلة ولنفس الأسباب. رفض الأشعريّ من جهته (في الإبانة) بشدّة حمل العبارات القرآنيّة على معاني مفردات اللّغة العاديّة لكن دون أن يستبعد كلّيّا وبصفة قطعيّة التّشابه الّذي بدونه يتعذّر الكلام عن الله: في نظره ليس "ليد" الله المعنى المضبوط الّذي نستخدم به هذه المفردة في حديثنا عن جارحة الإنسان، لكنّ معناها ليس مختلفا كلّيّا (2). من جهة أخرى، في تأكيد حقيقة الصّفات أخذ الأشعريّ على المعتزلة (1/261)
صفحة 262
إفراطهم في تعطيل الذّات- أي إخلائها- من الصّفات إلى درجة إفراغ الكلام عن الله من أيّ معنى إنسانيّ (3). موقف الإباضيّة- غير المتجانس تماما-
__________
(1) - قال رسول الله (ص): "ما من كلمة إلاّ ولها وجهان فاحملوا الكلام على أحسن وجوهه". لذلك حملنا الاستواء على العرش على معنى الاستيلاء والهيمنة، كقولنا: استوى زيد على العراق أي بسط على هذه البلاد سلطانه، أو قولنا: استوى فلان على أملاك فلان، لا نحمل معنى هذه الأقوال على القعود والحلول. أطفيّش: ترتيب، ص23.
(2) - "معنى قوله بيديّ إثبات يدين ليستا جارحتين ولا قدرتين ولا نعمتين، لا توصفان إلاّ بأن يقال: إنّهما يدان ليستا كالأيدي خارجتان عن سائر الوجوه الثّلاثة الّتي سلفت" الأشعريّ: الإبانة، ص37. هكذا في الحديث عن "يدي" الله لا يمكن ألاّ نفكّر في واقع هو من الذّات الإلهيّة بمثابة يد الإنسان منه كما لاحظ بصواب [ألاّر]، الصّفات، ص282.
(3) - يستهدف هذا المأخذ على وجه الخصوص المعتزليّ النّاشئ الّذي قال: "الباري عالم قادر حيّ سميع بصير قديم عزيز عظيم جليل كبير فاعل في الحقيقة والإنسان عالم قادر حيّ سميع بصير فاعل في المجاز"، الأشعريّ مقالات، ص2 ص167 - 168.
رفض تعطيل المعتزلة، لكنّه يطابق تماما أفكارهم عن المعنى المجازيّ للمتشابه.
يقدّم تحليل تأويل 7 آيات تحدّثت عن الاستواء على العرش مثالا على منهج التّأويل المتّبع، كما جاء عند عبد الكافي. بدأ بعرض عدد من الآيات أتى فيها حرف "على"، مبيّنا أنّ تنوّع المعاني الّتي ورد بها في القرآن يمنع حصرها في المعنى المادّيّ البحت (1). ثمّ تناول 3 آيات لتحليل مبناها مبيّنا أنّها متساوية السّبك متقاربة المعنى، ممّا يدفع إلى نبذ الحلول المادّيّ. وهي: "الرّحمن على العرش استوى" (20: 5)، "الله غالب على أمره" (12: 21)، "وهو القاهر فوق عباده" (6: 18). فيها: قوله "الرّحمن" مثل قوله "الله" ومثل قوله "هو"، وكذلك قوله "على" مكان قوله "على" ومكان قوله "فوق"، وقوله "استوى" مكان قوله "غالب" ومكان قوله "القاهر"، وقوله "العرش" مكان قوله "أمره" ومكان قوله "عباده". رغم تأخير الفعل في الأولى واستبدال حرف "على" (1/262)
صفحة 263
بالظّرف "فوق" المرادف له في الأخيرة، هذه الآيات متشابهة في المبنى والمعنى. فلِم ترجيح معنى الالتزاق في الأولى أو الفوقيّة في الثّالثة على المعنى المجازيّ؟ (2). ووردت في الكتاب المقدّس أيضا فكرة استواء الله على العرش وجلوسه للقضاء مثلا في (مز 9: 5 - 9)، وذكر العهد الجديد أنّ الابن يجلس على يمين الآب ويدين النّاس).
__________
(1) - استشهد بالآيات (23: 28) "استويت أنت ومن معك على الفُلك" حيث يعني الالتزاق والفوق، (13: 24) "سلام عليكم" أي أنتم في سلام وسلامة، (5: 104)، "وجدنا عليه آباءنا" استُخدم على الإغراء، (2: 259) "مرّ على قرية" أي بحيالها لا من فوقها.
(2) - عبد الكافي: الموجز، ج1 ص367.
في موضع لاحق، طبّق الكاتب مبدأ وحدة التّنزيل المذكور أعلاه بتوسيع السّياق: الإنباء الصّريح بالعرش هو صورة مفادها التّأكيد على الجلال، كذلك يجب وضعه في جملة الخلق الخاضع لسلطان الله الكونيّ (1)، فهو "على كلّ شيء قدير" (2). ورغم رفعة منزلة العرش في الخلق يبقى شيئا أكّد القرآن سلطان الله عليه في الآيات المتعلّقة بصفات القدرة. بتوسيع السّياق، انتقل الكاتب من مستوى الدّراسة اللّغويّة المحدودة إلى موضوع أوسع.
3 - الأسماء والصّفات
أ- العلاقات بين الذّات والصّفات، الجدل حول المعاني
أبرز الجدال حول الآيات المتشابهة حرص الإباضيّة على صون التّنزيه من تجسيم المشبّهة. يطغى هذا الحرص أيضا، مقترنا بضرورة حفظ وحدانيّة الله المطلقة، على الجدل حول الصّفات. كيف نوفّق بين التّوحيد وتعدّد الصّفات (1/263)
صفحة 264
الّذي ورد في القرآن؟ هل هي مغايرة لذات الله؟
__________
(1) - عبد الكافي: الموجز، ج1 ص367، الاستواء على العرش بمعنى العلم والحفظ والقدرة والإحاطة والظّهور بالسّلطان.
(2) - (ق 5: 120، 33: 27) وآيات أخرى.
عرض الورجلانيّ 10 مواطن اختلاف مع الأشعريّة: "أوّلها أنّا قلنا: الباري سبحانه يوصف بالعلم والقدرة والإرادة وسائر الصّفات الّتي يوصف بها، فقالوا إنّها معان وليست بصفات: فالعلم عندنا صفة وعندهم معنى لا صفة، والقدرة عندنا صفة وهي عندهم معنى ليست بصفة، وكذلك الإرادة وسائر الصّفات ليست بصفات ولكنّها معان، فالصّفة عندهم هي الوصف. والثّاني أنّهم أطلقوا على هذه المعاني الّتي ذكروها أنّها أغيار لله تعالى فأوجبوا التّغاير بينها البين. والثّالث أنّهم أثبتوها معاني غير الله وهي قديمة، ونحن نقول ليس هناك معنى غير الله ولا قديم مع الله. والرّابع أنّ بمقتضى هذه المعاني كان الله موصوفا بها: فبالعلم كان عالما وبالقدرة كان قادرا وبالإرادة كان مريدا، وعلِم بعلم وقدر بقدرة وأراد بإرادة وحيي بحياة وقدم بقِدم. والخامس أنّ هذه المعاني الّتي وصفوه بها معان قائمة بالذّات، ذات الباري سبحانه. والسّادس أنّهم وصفوه بالوجه واليدين والرّأس والعينين والجنب والجلسة واليمين والقبضة والسّاق والقدم والاستواء والميل وخرق الحجب وركوب الحمار الأقمر وأنّه النّور الأنور. والسّابع أنّ الكلام من المعاني الّتي وصفوه بها وهو قائم بذاته ولم يزل به. والثّامن أنّ الأمر والنّهي المندرجين في الكلام من المعاني الّتي وصفوه بها وقائمان بذاته ولم يزل كذلك وتعالى الله عن ذلك. والتّاسع أنّ القرآن وسائر الكتب المنزّلة من الله من المعاني الّتي يوصف بها في ذاته لم يزل بذلك سبحانه. والعاشر أنّ العدل والإحسان والفضل والمنّ والإنعام صفاته، ولكنّها أفعاله محدثة" (1). إن افترضنا أنّه قصد حقّا أشاعرة في مواطن (1/264)
صفحة 265
الاختلاف هذه، فأيّ أشاعرة عنى؟ قد تساعد نبذة عن تطوّر الأشعريّة وتطوّر مدارسها المختلفة على تحديد الخصوم الّذين استهدفهم الورجلانيّ بمزيد من الدّقّة.
__________
(1) - الورجلانيّ: الدّليل ص38؛ [علّوش]: رسالتان ص60؛ كذلك الدّليل، ج3 ص192.
نعلم أنّ أوّل المعطّلة قبل المعتزلة كانوا الجهميّة أتباع جهم بن صفوان (1)، منكري تعدّد الصّفات في الله (2). حمل المعتزلةَ جدلهم ضدّ المشبّهة إلى تأكيد وحدانيّة الله المطلقة واختلافه التّامّ عن الخلق (ليس كمثله شيء) إلى حدّ آل معه إلى نفي وجود الصّفات، وإن أقرّوا بصفات القدرة والعلم والإرادة والحياة فلتأكيد أنّها عين الذّات.
__________
(1) - جهم بن صفوان قُتل في (128هـ/746م)؛ انظر مقالي [وات] في دائرة المعارف الإسلامية 2 "جهم" 2: 398 - و"الجهميّة"، ج2 ص398 - 399؛ [غارديه]، دراسات في الفلسفة والتّصوّف المقارنين، باريس، فرين (1972م)، ص98 - 100.
(2) - ردّ عبد الكافي (الموجز، ج1 ص425) على الجهميّة.
بيّن ابن خلدون أنّ الرّدّ الإصلاحيّ الأشعريّ اجتهد في التّوسّط بين تشبيه المجسّمة وتنزيه المعتزلة (1). دون التّخلّي عن وحدانيّة الله، تحفظ الأشعريّة، على الأقلّ في فكر مؤسّسها، موضوعيّة الصّفات الّتي تعتبرها قائمة بالذّات وليست هي الله ولا غيره. في الأصل لا تختلف نظريّة الأشعريّة في الصّفات تقريبا عن نظريّة المعتزلة، هي مثلها لاهوت سلبيّ، كما نرى مثلا في "رسالة إلى أهل الثّغر" (2) أو في "كتاب اللُّمع" (3). مع ذلك، يلاحَظ أنّ الأشعريّ، حتّى في "الإبانة"، ودون مناقضة (1/265)
صفحة 266
الكتب السّابقة بنحو صريح، شدّد أكثر على موضوعيّة الصّفات وانتقد مذهب المعتزلة الّذي يرى فيها مجرّد تسميات (4). مع ذلك لم تظهر النّزعة إلى إعطاء الصّفات حقيقة موضوعيّة بأتمّ المعنى إلاّ عند أتباعه. يتبادر إلى أذهاننا مثلا: الباقلاّنيّ (ت 403هـ/1013م) الّذي ميّز بين فعل الوصف والصّفة القائمة بالله الّتي بوجودها الله عالم قادر مريد، وأكّد أنّ الصّفة هي ما يوجد في الموصوف وهو تابع له (5). وبالأخصّ عبد القاهر البغداديّ (ت 429هـ/1037 - 1038م) الّذي أشار إلى الصّفات بكلمة معنى كواقع قائم بالله (6)
__________
(1) - انظر [ف مونتاي]: ابن خلدون: المقدّمة، بيروت (1968م)، ج3 ص976 - 977.
(2) - مثلا في رسالة إلى أهل الثّغر: "الأسماء والصّفات لا يجب أن تكون أعراضا، ولا يجب أن تكون غيره عزّ وجلّ، ولا هي نفسه"؛ انظر [ألاّر]، صفات، ص198 - 199.
(3) - نجد نفس التّوكيد على عدم انفصال الذّات والصّفات في كتاب اللُّمع، نشر [ماكارتي]، ص12 - 13.
(4) - "قالت المعتزلة إنّ الله عالم قادر حيّ سميع بصير من طريق التّسمية، من غير أن يثبتوا له كحقيقةٍ العلمَ والقدرةَ والسّمعَ والبصرَ"، الأشعريّ: الإبانة، ص42.
(5) - انظر [ألاّر]، صفات، ص304.
(6) - يرى البغداديّ أنّ "أسماء الله على 3 أقسام: قسم منها يستحقّه لذاته كوصفه بأنّه شيء وموجود وذات وغنيّ ونحو ذلك، وقسم منها يستحقّه لمعنى قام به كالحيّ والمريد والمتكلّم والسّميع والبصير، وقسم منها يستحقّه لفعل من أفعاله كالخالق والغافر ونحو ذلك". أصول الدّين، ص121 - 122، انظر [ألاّر]، الصّفات، ص340 - 341.
ومثّل تمييز الجوينيّ (ت 478هـ/1085م) بين الصّفة النّفسيّة أي المرتبطة بالذّات والصّفة العنويّة الّتي هي ميّزة في الموصوف تأتي من سبب قائم بذاته خطوة جديدة باتّجاه إعطاء مزيد من الموضوعيّة للصّفات الإلهيّة وتمييزها بمزيد من الجلاء عن الذّات، وذلك بتقديم مفهوم الصّفة-الحال (بالمعنى الّذي يشكّل امتدادا للاتّجاه الأشعريّ لا الّذي أعطاه أبو هاشم): فحسب الجوينيّ يمكن أن نعرف شيئا دون أن نعرف كيفيّاته، وبما أنّ هناك اختلافا بين معرفتنا به وبالكيفيّات لا بدّ أنّها هي أيضا تختلف بنحو ما عن (1/266)
صفحة 267
الكائن الّذي تصفه (1).
__________
(1) - انظر [ألاّر]، صفات، ص390.
بين الحلول الأربعة الّتي عرضها الرّازي لمسألة الصّفات واحد يقضي بأنّ الصّفة أمر ثبوتيّ معلوم "زائد على الذّات" (1). في هذا الصّنف الأخير ربّما يجب أن ندرج من دعاهم الأشعريّ في المقالات (2) أصحاب الصّفات أو الصّفاتيّة والّذين لم يذكر اسم أحد منهم ولم يعط توضيحات كافية عن مذهبهم. يتبادر إلى أذهاننا عبد الله بن كلاّب وسليمان بن جرير اللّذان ذُكر اسماهما مقترنين غالبا في المقالات (3) أو أتباعهما (4). وذكر القاضي عبد الجبّار أنّ سليمان بن جرير الّذي صنّفه بين الصّفاتيّة يرى "أنّه تعالى يستحقّ هذه الصّفات لمعان لا توصف (1/267)
صفحة 268
__________
(1) - ذكر الرّازي 4 مذاهب لأهل العلم في الأسماء والصّفات: 1) طريقة الإلهيّين من الفلاسفة: وقد سلّموا الأسماء ونفوا الصّفات: صفات سلبيّة وإضافيّة؛ 2) طريقة المعتزلة: مثلا الله عالم قادر، للصّفة مفهوم سلبيّ (عالم: ليس بجاهل) حسب النّظّام، أو ثبوتيّ هو عين ذاته على مذهب أبي الهذيل؛ 3) طريقة أبي هاشم: العالميّة والقادريّة لا يقال فيهما موجودتان أو معدومتان، معلومتان أو لامعلومتان؛ 4) الصّفتان أمران ثبوتيّان معلومان زائدان على الذّات. انظر [أنواتي]: رسالة في أسماء الله، ص370.
(2) - الأشعريّ: مقالات، ج1 ص231.
(3) - كما يلاحظ [م. وات]، مرحلة تكوّن الفكر الإسلاميّ، (1973م)، ص287. انظر مقالات الإسلاميّين، ج1 ص230 - 231، ج2 ص177 و203. كانت تسمية الصّفاتيّة في البداية- أو على الأقلّ كما استُخدمت في عقيدة عمان كما رأينا في الفصل 6 - تحمل معنى عامّا: أهل البدع. لكنّ حنابلة كابن تيميّة لم يتردّدوا في الانتساب إلى الصّفاتيّة. انظر [لاوست]، بحث في نظريّات تقيّ الدّين أحمد بن تيميّة الاجتماعيّة والسّياسيّة، القاهرة، (1939م)، ص158.
(4) - "اختلف أصحاب عبد الله بن كلاّب، فمنهم من زعم أنّ الله قديم لا بقدم" واختلف كذلك أتباع سليمان بن جرير هل هي أشياء أو لا. انظر مقالات، ج1 ص230 وج2 ص203.
بالوجود ولا بالعدم ولا بالحدوث ولا بالقدم" (1). يعلّق [م أرنلديز] أننا هنا بإزاء مفهوم الصّفة المعنويّة، الذّاتيّة، الّتي تصف الحال أو الذّات (2).
كذلك ربّما قصد الأشعريّ بأصحاب المعاني بعض المعتزلة كمعمّر الّذي يذكر عنه في المقالات فيما عدا قوله بالمعاني (3) سوى القليل. وربّما عنى أتباعه. وقد نعته عبد الكافي من جهته بصاحب المعاني (4).
نرى من هذه اللّمحة السّريعة أنّ من الشّاقّ تبيّن أشخاص الخصوم وأنّ مفهوم المعاني معقّد ولا يخلو من لبس. من هذا الفحص يتبيّن أنّ الورجلانيّ لم يستهدف الأشعريّ بقدر ما قصد بعض أتباعه، وكذلك الصّفاتيّة أصحاب سليمان بن جرير أو قوما من المعتزلة متأثّرين بمذهب معمّر. أيّا كانوا، واضح أنّ ما يحاربه الإباضيّة تصوّر المعنى كواقع موضوعيّ متميّز عن الذّات العليّة مضاف إليها أو قائم بها.
منهج علم الكلام
مثلما وضع عبد الكافي في نقاشه حول التّشبيه مبادئ منهجيّة، حدّد الورجلانيّ "مقدّمات تكون بين يدي هذه المسائل وصلا بين المتناظرين أو عدلا وفصلا بين المتخاصمين". (1/268)
صفحة 269
__________
(1) - عبد الجبّار: شرح الأصول الخمسة، ص183.
(2) - انظر مقال "القدم" لـ[أرنلديز] في دائرة المعارف الإسلامية 2، الجزء 6.
(3) - "إنّ الباري عالم بعلم وإنّ علمه كان علما له لمعنى لا إلى غاية، وكذلك قوله في سائر الصّفات" مقالات، ج2 ص160.
(4) - عبد الكافي: الموجز، ج2 ص191.
1 - قرّر أوّلا أنّ الله لم يفرد نفسه بلغة غير لغتنا الّتي نستعملها بيننا (1)، مؤكّدا بذلك أنّ اللّغة تقوم على الاستعارة والتّشبيه. وما دامت الكلمات الّتي أخبر بها عن نفسه بشريّة، بإمكان لغة البشر إدراك شيء من حقيقة الألوهيّة. بذلك يُستبعد من جهة تصوّر مفرط السّلبيّة كالّذي ذهب إليه جهم بن صفوان يؤول إلى نوع من اللاّأدريّة انتقده عبد الكافي (2)، ومن جهة أخرى ردّ الصّفات إلى مجرّد ألفاظ. رأينا أنّ تبغورين عارض هذا التّقليص (3) وإن كان نقده مركّزا على صفات الفعل. ورفضه عبد الكافي بخصوص الصّفات بأتمّ المعنى (4)، وكذلك الورجلانيّ (5).
__________
(1) - الورجلانيّ: الدّليل، ص38؛ [علّوش]: رسالتان، ص60.
(2) - "إن قالوا لا نصف الله ولا نُخبر عنه ولا نذكره أبطلوه وجعلوه في حدّ العدم والتّلاشي"، الموجز، ج1 ص425.
(3) - تبغورين: أصول، ص12 - 13.
(4) - "غلط من زعم أنّ الاسم والصّفة هي التّسمية من المسمّي والوصف من الواصف"، الموجز، ج2 ص180.
(5) - "فرّق أهل الّسان بين الوصف والصّفة وأوجبوا الوصف للواصف (كفعل له) والصّفة للموصوف (كنعت له) " الورجلانيّ: الدّليل، ج3 ص14 وج1 ص39؛ [علّوش]: رسالتان، القسم، ص2.
2 - القاعدة الثّانية هي ألاّ يطلَق على الباري ما لم يأذن به الشّرع أو معنى يحيله العقل. برّر الورجلانيّ سابقا اللّجوء إلى العقل لإثبات وجود الله، واستعان به لاحقا في جداله مع الأشاعرة حول قضيّة الذّات والصّفات، ورأينا كذلك أهمّيّة الاستدلال في فكر عبد الكافي، وخاصّة في نقضه على الدّهريّة. أمّا بخصوص الاقتصار في وصف الله على ما أذن به الشّرع، فنعلم أنّ الأشاعرة سرعان ما عمّموا استخدام الاشتقاق (مثل عالم من عِلم) موسّعين بذلك قائمة الصّفات بحيث شملت صفات (1/269)
صفحة 270
لم يذكرها القرآن بحرفيّتها (كالقدرة الّتي لم ترد وإنّما وردت صيغ أخرى: قادر، قدير، يقدر). طبّق الورجلانيّ أيضا هذا المبدأ بمرونة ولم يتردّد هو أيضا في استخدام المصدر قدرة، وكذلك الكاتب الإباضيّ العمانيّ أبو محمّد عبد الله بن حميد السّالميّ (1).
__________
(1) - يرى السّالميّ أنّه لا يجوز وصف الله بصفة لم يصف بها نفسه في كتبه أو على لسان أحد من أنبيائه، وما لم يرد كذلك فالتّوقّف عنه أولى والمنع فيه أظهر. وذكر أنّ آخرين جوّزوا أن نصفه بصفة تدلّ على كمال ولو لم يرد الشّرع بها. بهجة الأنوار، ج1 ص69.
3 - "مراعاة اللّغة الّتي يقع بها التّناظر والتّحاور بين الختلفين": ذلك بلا شكّ تلميح إلى القواعد المتّبعة في كتب الأصول وهي بمثابة أوّليّات لكلّ جدال، أو ببساطة تذكير بقواعد الأدب الّتي يلزم أن تحكم كلّ نقاش (1).
إلى هذه المبادئ الثّلاثة أضاف الورجلانيّ ثلاثة أخرى.
1 - أن يتّضح المعنى الّذي أراده المتناظران، بتحديد موضوع النّقاش بدقّة، فلا يكونا كالأحولين.
2 - أن يستند كلّ قول إلى البرهان الصّحيح فيحصل علما ضروريّا أو عقليّا أو شرعيّا أو لغويّا. (1/270)
صفحة 271
3 - الإقرار بالحقّ إذا ظهر والإذعان له والانتصار له عنها ضدّ أهل الضّلال (2).
__________
(1) - لا أحد يجهل فعلا أنّ حدّة النّقاشات تدفع الخصوم أحيانا إلى تجاوز حدود الأدب، وربّما أفضت المناظرات إلى شجار عنيف. كما حدث في هذه المشادّة بين نكّاريّ ووهبيّ: "بلغنا أنّ رجلا من أهل الدّعوة ناظر رجلا من النّكّار من مدينة توزر وجرى بينهما كلام. فقال أحدهما لصاحبه: "يا حمار"، وقال له الآخر: "يا ثور". فخرجا من المدينة غاضبين. فشكا النّكّاريّ إلى النّكّار بما أصابه من الوهبيّ، واشتكى الوهبيّ إلى الوهبيّة بما أصابه من النّكّاريّ وبما دهاه، وأبو نوح بتوزر. ثمّ إنّ الوهبيّة والنّكّار اجتمعوا في فحص توزر وكان بينهم قتال شديد. وأسرع الموت في النّكّار فانهزموا ... "، لـ[و. تورنو]، سير، (1961م)، ص130.
(2) - الورجلانيّ: الدّليل، ص39؛ [علّوش]: رسالتان، ص61.
بما أنّ الله قديم غير حادث، فما هو جوهرا ولا جسما ولا عرضا. ولا يمكن أن تكون الحوادث قائمة به (انظر الجيطالي: قواعد 1: 8). بالتّالي لا يجوز اعتبار الصّفات معاني قائمة بذاته، بل هي في نظر كتّاب الإباضيّة عين ذاته (1). وهي نقطة أجمعوا عليها، وسنرى بعد قليل بعض التّنويعات في تعبير بعضهم عنها. نفهم عندئذ لماذا وقع جدال مع أصحاب المعاني الّتي هي في اعتبارهم كمالات مغايرة للذّات وتفترض من ثمّة انقساما في الله. يؤول القول بالغيريّة، أي بأنّ تلك المعاني أغيار لله، إلى نفي الوحدانيّة. ولا يجدي تأكيد أنّها قديمة كالله، لأنّ سمات التّعدّد والمشاركة والتّغاير فيها تثبت أنّها لا يمكن أن تقوم بذاتها بل بغيرها (2).
يستهدف الاتّهام الّذي وجّهه الورجلانيّ هنا إلى الأشاعرة نتيجة مفترضة لمذهبهم لم يعبّر عنها أبدا بمثل تلك العبارة الصّريحة مؤسّس المدرسة ولا أتباعه، وإنّما عمد الكاتب، في سعيه إلى تشويه الخصم، إلى تخطيته خطوة حاسمة. فقد اكتفى الأشعريّ بتأكيد أنّ لله علما أو أنّه عالم بعلم، وفي المقابل لم يتردّد في القول بقصد جدليّ واضح: "وقال قائلون: أسماء الله هي غيره وكذلك صفاته، (1/271)
صفحة 272
وهذا قول المعتزلة والخوارج" (3).
أمّا رفض الغيريّة فسببه أنّ نسبتنا إلى الله "معاني" مغايرة لذاته توحي بأنّ شيئا يعوزها وتعني وصمه بالنّقصان والعجز (4).
__________
(1) - "الصّفات هي الله ليست شيئا غيره": عبد الكافي: الموجز، ج2 ص188؛ "إنّ صفاته ليس هناك معنى غيره أو شيء يلازمه أو يفارقه": الورجلانيّ: الدّليل، ص48، [علّوش]: رسالتان، ص69؛ "الصّفات ليست بزائدة على الذّات، هي قائمة بها، وهي في الحقيقة ذات الله": عبد العزيز الثّمينيّ: شرح القصيدة النّونيّة، ص104.
(2) - الورجلانيّ: الدّليل، ص40؛ [علّوش]: رسالتان، ص62
(3) - الأشعريّ: مقالات، ج1 ص320.
(4) - الورجلانيّ: الدّليل، ص40؛ [علّوش]: رسالتان، ص67 الفقرة 2.
تمّم السّالميّ تدليل الورجلانيّ بآخر يقوم على استبعاد شتّى الاحتمالات الواردة: "لو كانت صفات الله غير ذاته للزم عليه أن تكون إمّا حالّة في ذاته العليّة وهو باطل لأنّ ذاته العليّة لا يصحّ أن تكون محلاّ للأشياء، وإمّا أن تكون بعضا من الذّات العليّة وهو باطل أيضا لأنّ ذاته العليّة غير متبعّضة والتّبعّض عليها محال، وإمّا أن تكون شيئا زائدا على الذّات لا حالاّ فيها ولا بعضا منها فيلزم افتقارها إليه والذّات العليّة كاملة بنفسها ... وإمّا أن تكون مقارِنة لذاته في الوجود فيلزم عليه تعدّد القدماء، وإمّا أن تكون سابقة على ذاته في الوجود فيلزم عليه حدوث الذّات العليّة، وإمّا أن تكون موجودة بعد الذّات فيلزم عليه أن يكون قبل حدوثها غير متّصف بهذه الكمالات فيكون غير قادر وغير عالم إلى آخرها" (1).
زيادة على ذلك، إن كانت هذه المعاني متغايرة وقديمة مع الله، سنسأل حتما عن المحلّ أو المقام الّذي تقوم به (2). يجيب الخصوم بأنّها قائمة بالذّات؛ تتبادر هنا إلى أذهاننا نظريّة ابن كلاّب أنّ "أسماء الله وصفاته لذاته، لا هي الله ولا هي (1/272)
صفحة 273
غيره، وأنّها قائمة بالله" (3). والرّدّ عليهم سهل: المعاني إذّاك بمثابة الأعراض الحالّة بالأجسام، والحال أنّ الأجسام والأعراض محدثة (أي ذات بداية في الزّمان).
__________
(1) - السّالميّ: أنوار، ص67.
(2) - عبد الكافي: الموجز ج2 ص186.
(3) - الأشعريّ: مقالات، ج1 ص229.
قدّم اعتراض جديد مسألة الوحدة والتّعدّد: رفضُ تغاير الصّفات وتعدّدها على أساس أنّها عين الذّات لا يعني فقط تماثل الذّات مع كلّ صفة على حدة، بل كذلك لاتمايز الصّفات التّامّ، بحيث تصحّ المعادلة: الذّات= القدرة= الإرادة= الحياة الخ. أي: كلّ معنى عين المعنى الآخر. وهو تماثل يبدو الورجلانيّ مستعدّا لقبوله (1). لكنّ عبد الكافي حاول حلّ مسألة التّغاير في التّماثل بالانتقال من صيغة المصدر إلى صيغة الفعل (قدرة/يقدر، عِلم/يعلم، إرادة/يريد ... ) الّذي يُبرز، بفضل الشّبه مع العلاقات بين قوى النّفس والأشياء الّتي تقع عليها، أنّ وحدة الذّات والقدرة والإرادة والعلم الخ لا تمنع التّنوّع من منظور آخر. رفض القول بأنّ علم الله هو قدرته وأنّ قدرته هي إرادته لما يوجبه القول في معنى "يقدر" ولا يوجبه في معنى "يريد" أو "يعلم". مثلا يقع معنى "يعلم" يقع على الفعل وغير الفعل، ولا يقع معنى "يقدر" و"يريد" إلاّ على الفعل، ويقع معنى "يقدر" على كائن وغير كائن ممّا ليس كونه بمحال ولا يقع معنى يعلم ويريد إلاّ على كائن، فهناك اتّفاق بين تلك الصّفات من ذلك الوجه، ولا يعود التّغاير إلى اختلاف القدرة والعلم والإرادة (1/273)
صفحة 274
وإنّما إلى اختلاف متعلّقاتها (2)
__________
(1) - الورجلانيّ: الدّليل، ص38؛ [علّوش]: رسالتان 60 ف 2.
(2) - " (فإن سأل سائل من أصحاب الأشعريّة: فإذا زعمتم أنّ صفات الله عزّ وجلّ غير متغايرة ولا متعدّدة وإنّما هي الله وليست شيئا غيره وليس شيء منها غير شيء فهل تقولون: إنّ علم الله هو قدرته وإنّ قدرته هي علمه وكلّ معنى من ذلك هو الآخر؟ قيل لهم:) إنّا لم نأب ما سألتم عنه من ذلك من جهة التّغاير ولا من جهة العدد، وإنّما أبينا من القول بأنّ علم الله هو قدرته وأنّ قدرته هي إرادته في سائر ذلك لما يوجبه القول في معنى يقدر ولا يوجبه في معنى يريد ولا في معنى يعلم. ومن ذلك أنّ معنى يعلم يقع على الفعل وغير الفعل، ومعنى يقدر ويريد لا يقعان إلاّ على الفعل، وأيضا فإنّ معنى يقدر يقع على كائن وغير كائن ممّا ليس كونه بمحال ومعنى يعلم ويريد لا يقعان إلاّ على كائن، فاتّفق القول في باب يعلم ويريد في هذا الوجه كما اتّفق معنى يقدر ويريد في أنّهما لا يقعان إلاّ على الفعل، وليس ذلك لاختلاف القدرة والعلم والإرادة وإنّما ذلك لاختلاف المقدور عليه والمراد والمعلوم". عبد الكافي: الموجز، ج2 ص189 - 190.
تلتقي هذه الصّفات في بعض متعلّقاتها واختصّ بعضها بموضوعات عن الأخرى، ومن ثمّة تتغاير وتتعدّد بتغاير وتعدّد متعلّقاتها.
إن افترضنا القبول بتغاير الصّفات المذكور، سيُطرح إذّاك اعتراض الوحدة والتّعدّد في كلّ صفة، مثلا بالنّسبة إلى العلم: أيعلم بواحد علمه أم بعلوم كثيرة يعكس تعدّدها اختلاف الأشياء بالأعيان (1) والأزمان والمكان (2)؟ هنا كالذي قبل، ننظر إلى القوّة وما تقع عليه. يرتكز جواب الورجلانيّ على أنّ تعدّد تلك الأعيان لا يمسّ وحدة القوّة الّتي تقع عليها في تنوّعها. تقع النّسبة إليها من جهة كلّ قوّة نسبة واحدة وليس اختلاف الجهات بضائر الذّات شيئا، وكذلك لو علم رجلان (1/274)
صفحة 275
شيئا واحدا والشّيء على حدته والعالمان اثنان، أو علم رجل شيئين. من جهة القوّة المدركة لا يجرّ تنوّع الأحوال المتعاقبة تعدّدا في العلوم لأنّ الأشياء ليست بضائرة الذّات الّتي تدركها (3). ومن جهة الشّيء يمكن أن يدرَك من جوانب شتّى، لكنّ هذا التّنوّع في كيفيّة إدراكه لا يمنع بقاءه هو هو. ينطبق هذا على إدراكنا لله: فإنّ الصّفات المتنوّعة الّتي نصفه بها لا تحدث تعدّدا في ذاته. لتقريب الفكرة إلى الأذهان ضرب الورجلانيّ مثلا: "رجلا قاعدا في موضع من المواضع تختلف فيه عليه الأشياء من بين مارّ بين يديه وآخر من خلفه وآخر فوقه وآخر تحته، وليس اختلاف هذه الجهات ما يقتضي اختلاف ذات الإنسان وتوهّم تقسيمه بجعل الرّأس ناحية والرّجْلين ناحية والجنبين ناحية. فإنّ غرضنا الذّات، ومن جاز على إنسان فقد جاز عليه كلّه، وكذلك سائر الجهات. واختلاف النّسب إلى هذه الجهات لا يقتضي
__________
(1) - نفضّل ترجمة "عين" (ج أعيان) ب individu concret ( أي ماهية توجد في فرد معيّن) على substance كما فعل [علّوش] فقد يقع القارئ في لبس. انظر [غواشون]، قاموس مصطلحات ابن سينا الفلسفيّة، ص257.
(2) - الورجلانيّ: الدّليل، ص47؛ [علّوش]: رسالتان، ص67 - 68.
(3) - لا تؤثّر فيها.
الاختلاف فيه" (1). رغم نقائص هذا التّشبيه بحالة إنسانيّة، نرى جيّدا مقصد الكاتب: لا يتأثّر الله بإدراكنا له. علمنا به (من خلال الصّفات الّتي نصفه بها) جزئيّ لا محالة، لكنّه يقع على حقيقته الكاملة الّتي لا تتجزّأ.
قدّم الورجلانيّ حلاّ لمشكلة التّمييز بين الذّات والمعاني جديرا بالاهتمام، يجيب على اعتراض مستمدّ من لغة العرب: فإنّهم إذا وصفوا إنسانا بالشّجاعة أو الجبن، أو بالسّخاء أو البخل، أثبتوا تلك الخصال والعيوب معاني مغايرة له، والشّأن مماثل في الصّفات في رأي الخصم. جواب الورجلانيّ هو أنّ مدلول الكلمة هو الواقع الّذي يشيرون إليه بالدّرجة الأولى، وهذا لا يقتضي بالضّرورة (1/275)
صفحة 276
اعتبار تلك الخصال والعيوب حقائق موضوعيّة قائمة باستقلال عن الأشخاص. ويذهب جواب ثان إلى أبعد بالاعتماد، هنا أيضا، على الشّبه بذوات العالم أي وقائع الخلق (2). وينبني على الصّلة الّتي بالإمكان عقدها بين معنيين سواء في الخلق (العالم) أو بالنّسبة إلى علاقة الذّات والصّفات الإلهيّة. الخلق (أي واقع ما هو مخلوق) يمكن اعتباره "صفة ذاتيّة" للخلق (أي المخلوق) لأنّهما واقع واحد (وتماثلهما يوحي به إطلاق المصدر خلْق على كليهما)، ولا يمكن بحال تصوّر الجسميّة والعرضيّة بمعزل عن الجسم والعرض اللّذين يمكن اعتبارهما بالمثل صفتيهما. بالنّسبة إلى الله، هناك تماهٍ
__________
(1) - الورجلانيّ: الدّليل، ص47؛ [علّوش]: رسالتان، ص67 - 68.
(2) - أعطى الورجلانيّ الطّرف الأوّل من المقارنة دون التّطبيق على ذات الله وصفاته: "إنّ العرب إذا وصفت شيئا بصفة يتوجّهون إلى معنى تلك الصّفة وليس في صفاتهم ما يقتضي في لسانهم أنّها هي هو أو غيره، وإنّما تدرك معرفة ذلك من وجه آخر من طريق مَن نظر في ذوات العالم، وعلى أنّ الجسميّة صفة الجسم وليس في ذلك ما يقتضي أنّها غير الجسم، وكذلك العرضيّة للعرض، والخَلق صفة الخَلق وهي هو"، الدّليل، ص48، [علّوش]: رسالتان، ص68.
مطلق (1) بين صفته الذّاتيّة (الألوهيّة) وذاته، وتمييز الصّفات الأخرى المماهية أيضا للذّات عنها يعبّر بنحو مقنّع عن تمييز الأشاعرة بين صفات الذّات والصّفات الذّاتيّة أو النّفسيّة (2)، وقد تبنّاه الإباضيّة المحدثون عمليّا في تصنيف الصّفات (3).
عرّض الإباضيّةَ قولُهم بأنّ الصّفات عين الذّات إلى نقد خصومهم الّذين اعتبروا أنّ موقفهم يخالف المنطق إذ يؤول إلى القول بأنّ زيدا هو عمرو وليس (1/276)
صفحة 277
إيّاه (4). ردّ عبد الكافي بأنّ الأشاعرة أيضا يقعون في التّناقض بتأكيد تغاير الصّفات دون تمايز الصّفة والموصوف: إذ لا يجوز القول بأنّ صفتين متماثلتان ومختلفتان معا (هذا يفترض القبول بأنّ الصّفة عين الموصوف- وذاك ما يظنّ الإباضيّة).
هناك اعتراض آخر ينطلق من انعكاسيّة علاقات المطابقة. يقول الأشاعرة: أنتم تزعمون أنّ علم الله هو ذاته وأنّ قدرته هي ذاته، أفلا تقولون: الله هو العلم، أو هو القدرة، الخ؟ لكنّ عبد الكافي لا يجيز قلب تلك الجمل: الصّفة هي الله لكن لا يجوز أن يكون الموصوف نفسه (الله) صفة (5). ذلك حسب الورجلانيّ خطأ لغويّ، جاء في اللّغة إطلاقه في أسماء الله، كقولنا: الله الرّبّ، الله العدل، الله الوتر، الله هو الحقّ المبين (6). كذلك لا يرى غير خطإ لغويّ في القول بتماهي الصّفات (7).
__________
(1) - لصفات الألوهيّة (كالوحدانيّة والقدم) مكانة متميّزة بين الصّفات.
(2) - انظر مقال "الله" لـ[غارديه] في دائرة المعارف الإسلامية، 2، 1: 423.
(3) - مثلا الثّمينيّ: شرح القصيدة النّونيّة، ص115.
(4) - عبد الكافي: الموجز، ج2 ص190 - 191.
(5) - المصدر نفسه، ج2 ص193.
(6) - الورجلانيّ: الدّليل، ج41؛ [علّوش]: رسالتان، ص69.
(7) - "القول بأنّ العلم هو القدرة والقدرة هي العلم ممنوع من جهة التّخاطب واللّغة ولو أطلقه إنسان لما جاوز خطؤه اللّغة، وهو أحسن حالا ممّن أخطأ في ذات الباري"، الورجلانيّ: الدّليل، ص49، [علّوش]: رسالتان، ص69.
بعد الرّدّ على اعتراضات أصحاب المعاني وفي ختام عرضه للعلاقات بين صفات الله وذاته، انضمّ الورجلانيّ إلى الموقف الّذي اعتبره الأسلم في مسألة بالصّفات: "فإنّ بعض أصحابنا يطلقون على صفات الله أن تقول: هي هو، فتقول: علم الله هو الله لا غيره، والأحسن عندي أن نقول: ليس هناك شيء غير (1/277)
صفحة 278
الله". الحرص على حفظ التّنزيه، الرّهان الأهمّ الّذي بمقتضاه أُوّلت آيات القرآن المتشابهة مجازا، حكم كذلك تحديد علاقة الذّات بالصّفات: "فإنّا نمتنع من أن نجعل صفات الباري سبحانه معاني لما يتوهّم علينا من الغيريّة وقد أطلقت اللّغة الصّفات العلى والأسماء الحسنى".
ب- نظريّة الصّفات
هناك ملاحظة أولى تتعلّق بترتيب الصّفات فهو مختلف عن الّذي نجده عند المعتزلة، خاصّة القاضي عبد الجبّار الّذي صدّرها بالقدرة (1) ورتّب البقيّة وفقا لها فأتت بهذا التّرتيب: قادر، عالم، حيّ، سميع، بصير، ثمّ موجود، قديم (2)، بينما نجد عند الورجلانيّ، كما عند عبد الكافي، هذا التّرتيب الّذي علّله قبلهما الجنّاونيّ (3): الوجود، القدم، الحياة، العلم، القدرة، الإرادة، الرّضا والسّخط (4). نلاحظ تقديم (1/278)
صفحة 279
الوجود: الله هو الكائن الّذي ماهيّته الوجود، أو الّذي هو واجب الوجود (5)
__________
(1) - "اعلم أنّ أوّل ما يُعرف استدلالا من صفات القديم جلّ وعزّ إنّما هو كونه قادرا وما عداه من الصّفات يترتّب عليه. لأنّ الدّلالة الّتي دلّت على أنّه تعالى هو المحدِث للعالم دلّت على هذه الصّفة الّتي هي كونه تعالى قادرا من غير واسطة. وليست كذلك باقي الصّفات، لأنّا نحتاج فيها إلى واسطة أو واسطتين أو وسائط، فلذلك قدّمنا الكلام فيه"، القاضي عبد الجبّار: شرح الأصول الخمسة، ص151. انظر كذلك [مونّو]: أسماء القدرة في المغني، العدد 14 ص301 - 316 من مجلّة MIDEO.
(2) - عبد الجبّار: شرح الأصول الخمسة، ص149 وما بعد.
(3) - يرتقي الجنّاونيّ من الفعل إلى الوجود وفق تدرّج منطقيّ للصّفات: "من الواجبات في العقل ثبوت القدرة لمن ثبت له الفعل، وثبوت العلم لمن ثبتت له القدرة، وثبوت الحياة لمن ثبت له العلم وثبوت الوجود لمن ثبتت له الحياة، فمستحيل فاعل غير قادر وقادر غير عالم وعالم غير حيّ وحيّ غير موجود" (كتاب الوضع، ص6). نلاحظ هنا فكرة القوّة والفعل الأرسطوطاليسيّة. حول التّرابط المنطقيّ بين الصّفات انظر كذلك الورجلانيّ: الدّليل، ص50.
(4) - الورجلانيّ: الدّليل، ص43، [علّوش]: رسالتان، ص64.
(5) - تعريف مستوحى من الفلاسفة كالفارابيّ وخاصّة ابن سينا. انظر [غارديه]، فكر ابن سينا الدّينيّ، باريس (1951م)، ص50. وهو تعريف غير شائع عند متكلّمي الإباضيّة، لكنّا نجده مثلا عند عمر بن رمضان الثّلاثيّ: عمدة المريد لنكتة التّوحيد، شرح الشّيخ العلاّمة عمر بن رمضان الثّلاثيّ على متن العقيدة المباركة، طبعة حجريّة، قسنطينة (1323هـ)، ص31، 33، 35 الخ. انظر كذلك: أطفيّش: شرح عقيدة التّوحيد، ص404.
، وبالأخصّ القدم على القدرة: ففي الله الوجود قديم وجوبا، لذا فأوّل ما يوصف به القدم الّذي يشمل الأزليّة والأبديّة (1)، مع التّنويه أكثر بالأزليّة لأنّ الله امتاز على الخلق بتقدّمه عليهم في الأزل. في لغة العرب يوحي التّقدّم والسّبق بالتّفوّق، وبالانتقال من أخلاق البداوة إلى الإسلام حوّلت القيم إلى ذات الله، فصار القدم يعني فضلا عن أسبقيّة الله علوّه المطلق على الأشياء (2). وصفه بالقدم إذا تأكيد لانفراده عن الحادث (3)، ونفي للحدوث الّذي هو علامة المحدوديّة ومن ثمّة العجز والقصور عنه. يمكن إذن جمع كلّ الصّفات الأخرى حول القدم مثلما يمكن ترتيبها انطلاقا من القدرة كما فعل عبد الجبّار. ترتيب المعتزلة نتيجة مجهود مفهمةٍ وتصنيفٍ منطقيٍّ للصّفات، بينما يعكس ترتيب الإباضيّة طورا أسبق: فترة الجدالات الأولى حول التّوحيد، والتّمييز بين القديم والحادث.
2 - أظهرت الجدالات الّتي أثارها تأويل الآيات المتشابهة وتفنيد المعاني اتّفاق (1/279)
صفحة 280
الإباضيّة في تصوّرهم للصّفات. وسيسمح التّذكير بمراحل تطوّر موقفهم من هذه المسألة للوصول إلى صياغة متكاملة لمذهبهم وتصنيف الصّفات بإظهار الفوارق الدّقيقة بين الكتّاب في التّعبير عنه.
تأكيد أسماء الله فقط: لم تذكر عقيدة عمان الآيات المتشابهة، ووصفت الله بعدد من أسمائه القرآنيّة دون الصّفات، مع استخدام مصادر العزّة والقوّة والجبروت مضافة إلى ذي وفق معان وردت في القرآن، ولم تطرح قضيّة الصّفات، وتلك علامة على قدم نواتها الأصليّة كما أسلفنا.
__________
(1) - الجنّاونيّ: كتاب الوضع، ص12.
(2) - انظر دائرة المعارف الإسلامية 2، 4، مقالة [أرنلديز]: القدم.
(3) - إليك تعريف الورجلانيّ: "القديم من سبق وجوده وجود الحدث، فكلّ من لم يكن ثمّ كان فهو المحدَث، وكلّ من كان ولا تكوين فهو القديم". الدّليل، ص45، [علّوش]: رسالتان، ص65.
نفي خلق الأسماء: اكتفت عقيدة العزّابة الّتي ترجمها أبو حفص عمر بن جميع بهذه الجملة المقتضبة: "ليس منّا من يقول إنّ أسماء الله مخلوقة" (1)، ونجد إعلانا مماثلا في عقيدة نفوسة (2).
ذكر الصّفات وأنّها نفي أضدادها: عدّد الجنّاونيّ كصفات مصادر العلم، القدرة، الإرادة، الحياة، الكلام، السّمع، البصر، معلنا أنّها تعني اختلاف الله التّامّ عن الخلق وأنّ وصفه بها يعني نفي أضدادها عنه، مثلا: الله حيّ أي غير ميّت.
اعتبار الأسماء عين الذّات: ميّز تبغورين بين الاسم والصّفة مع تأكيد أنّ كليهما يستدعي الآخر، لكن مع تقديم الاسم. واعتبر الأسماء عين الذّات، ونفى أن تكون مجرّد ألفاظ لأنّ الاسم يطابق المسمّى.
__________
(1) -[موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص516 و540.
(2) - الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص49.
التصوّر السّلبيّ ونفي الغيريّة: عند أبي سهل يحيى الصّفات مجرّد إخبار عن (1/280)
صفحة 281
الذّات، ذي طابع سلبيّ. ورفض الورجلانيّ 3 حلول خاطئة: نفي وجود الصّفات (التّعطيل) (1)، خلقها أو حدوثها، اعتبارها معاني غير الله وغير محدثة (2). وقد استعمل مصادر العلم والقدرة والإرادة الخ كصفات لكنّ تصوّره لها سلبيّ بالأساس: لم يعتبر الأسماء والصّفات عين الذّات ولا أنّ الله عالم بعلم (الأشعريّ)، بل اكتفى بالصّيغة: "الله يوصف بالعلم والقدرة الخ" و"نحن نقول ليس هناك معنى غير الله ولا قديم مع الله". مثل الجنّاونيّ أعلن أنّ أسماء الله تحمل معنى سالبا: "قولنا الله حيّ إخبار عن الذّات أنّها ليست بميّتة وله التّصرّف في الغير. وقولنا الله قادر إخبار عن الذّات أنّها ليست بعاجزة ولا يعوزها شيء" (3). من جهة أخرى شدّد على تماهي الذّات والصّفات إلى درجة بدا فيها موقفه غير بعيد عن نفي تغاير الصّفات (انظر في الفقرة أ أعلاه الملاحظة 91). ونلاحظ أنّ موقفه من مصطلح معنى المشار به إلى الصّفة هو الرّفض تارة (4) والقبول تارة بشرط استبعاد الغيريّة. فقد كتب مثلا: "إخبارك عن ذات الباري سبحانه هو الإخبار عن شيئيّته وعن عينه ومعناه، وإن اختلفت الألفاظ فليس في ذلك ما يقتضي الغيريّة" (5). لذلك فضّل استخدام الصّفات العلى والأسماء الحسنى، أو القول ليس هناك شيء غير الله. (1/281)
صفحة 282
__________
(1) - المستهدف بالأخصّ النّظّام الّذي ينفي الصّفات الذّاتيّة: العلم والقدرة والحياة والسّمع والبصر. انظر الأشعريّ: مقالات، ج2 ص159.
(2) - الورجلانيّ: الدّليل، ص46؛ [علّوش]: رسالتان، ص66.
(3) - المصدر نفسه.
(4) - "الصّفة ليست معنى غيره أو شيئا يلازمه ويفارقه"؛ الدّليل، ص46؛ [علّوش]، ص66.
(5) - الورجلانيّ: الدّليل، ص50؛ [علّوش]: رسالتان، ص70 (مع إصلاح التّرجمة).
مماهاة الصّفات بالذّات: موقف عبد الكافي في جوهره نفس موقف الورجلانيّ معاصره، لكنّه أقرب إلى مماهاة الصّفة والذّات بصيغة إثبات (1). حسب عبد الكافي الصّفات "هي الله، ليست شيئا غيره" (2)، وقوله غير بعيد عن قول المعتزلة (3). مثل الورجلانيّ لم يقل: الله عالم بعلم، لكن وضّح أكثر منه: هو عالم قادر الخ بذاته. "بقولنا إنّ علم الله هو وإنّ قدرته هو أردنا أنّ الله العالم القادر بذاته ليس ثمّ شيء غيره ولم يستحدث علما ولا قدرة ولا صفة من الصّفات" (4)، هنا يتبادر إلى الذّهن حتما قول المعتزليّ أبي الهذيل: "لله علم هو هو، وقدرة هي هو، (1/282)
صفحة 283
وكذلك باقي الصّفات" (5)
__________
(1) - انظر أعلاه الفقرة أ ملاحظة، ص105، على الأرجح لمّح الورجلانيّ بعبارة "بعض أصحابنا" إلى معاصره عبد الكافي.
(2) - عبد الكافي: الموجز، ج1 ص187. نجد صياغة شبيهة عند عمر بن عبد الرّحمن الثّلاثيّ (ق 12هـ/18م) في نخبة المتين من أصول تبغورين، ص146.
(3) - "قالت المعتزلة نحن لا ننكر الوجود والاعتبارات العقليّة لذات واحدة، ولا نثبت الصّفات إلاّ من حيث تلك الوجوه. أمّا إثبات صفات هي ذوات موجودات أزليّة قديمة قائمة بذاته (ف) هو المنكر عندنا. فإنّها إذا كانت موجودات وذوات وراء الذّات فإمّا أن تكون عين الذّات وإمّا أن تكون غير الذّات. فإن كانت عين الذّات فهو مذهبنا وبطل قولكم (الأشاعرة) هي وراء الذّات. وإن كانت وراء الذّات فهي حادثة أو قديمة، وليس من مذهبكم أنّها حادثة، وإن كانت قديمة فقد شاركت الذّات في القدم والوجوب بالذّات، ونفى الأوّليّة، فهي آلهة أخرى"، الشّهرستانيّ: كتاب نهاية الإقدام، استشهد به [بومان]: الجدل حول القرآن وحلّ الباقلاّنيّ، أمستردام، (1959م)، ص13.
(4) - عبد الكافي: الموجز، ج2 ص193. أعاد نفس الصّيغة الكتّاب الإباضيّة اللاّحقون ومنهم الشّيخ عامر الشماخي: أصول الدّيانات ص55 - 56؛ انظر نصّه في الملحق بالخاتمة.
(5) - مع ذلك لا يطابق النّظّام ومعظم المعتزلة البصريّين والبغداديّين من الصّفات الذّاتيّة سوى العلم والقدرة مع الذّات (استنادا إلى ق 4: 166 و41: 15)؛ وحسب الأشعريّ يفترض ذلك ردّ الصّفة إلى الاسم (لم يكونوا يقولون "حياة" بمعنى "حيّ")؛ انظر مقالات ج1 ص243.
، وإن كان الإباضيّة يجتنبون هذه الصّيغة، فقد يوهم حرف المِلكيّة "لِ" بجعل مسافة بين الذّات والصّفة. بالمثل، أعلن أبو نصر فتح الملوشائيّ (ق 6 - 7هـ/12 - 13م) في القصيدة النّونيّة: "وأمّا صفات الله ليست كوصفنا/ ولكنّها ذاته بالتّيقّن" (1).
الصّفة أمر اعتباريّ: الإباضيّ عمر بن رمضان الثّلاثيّ (ق 12 - 13هـ) على حدّ علمنا أوّل من عرّف الصّفة كأمر اعتباريّ لا وجود له في ذاته ولا في الذّات الإلهيّة، معنى ذلك أنّه ما تقتضي حقيقة الله أن يقال عنه وبدونه لا يمكن قول شيء عنه، فالصّفة هي الذّات لا معنى مضاف إليها وهي سلبيّة (2).
__________
(1) - عبد العزيز المصعبيّ الثّمينيّ: شرح القصيدة النّونيّة، ص4.
(2) - انظر نخبة المتين، ص145 - 147.
تصنيف الصّفات: أعاد الإباضيّ المحدث عبد العزيز الثّمينيّ (ت 1223هـ/1808م) من بني يزقن فكرة الأمر الاعتباريّ وأدرجها في تصنيف للصّفات (1) قريب من تصنيف الأشاعرة (الّذين أثنى عليهم). قسّمها إلى 4 أصناف: 1) النّفسيّة: وجوده الذّاتيّ (الألوهيّة) ووجود خاصّ به هو أنّه يوجد بذاته لا بعلّة لأنّها تقتضي ذاته (الثّبوتيّة) وتأكيد هذه الصّفة يعني التّعبير عن الذّات بدون معنى مزيد: والكاتب بهذا التّوضيح يعلن عن تواصله مع سابقيه؛ (1/283)
صفحة 284
2) السّلبيّة: كلّ صفة مضمونها نفي صفة لا تناسب الله: القدم، البقاء، مخالفة الحوادث، القيام بنفسه، الوحدانيّة؛ 3) صفات المعاني: تتميّز عن المعاني الأشعريّة من حيث هي مفهومات اعتباريّة لا معان حقيقيّة زائدة على الذّات، وهي: القدرة، الإرادة، العلم، الحياة، السّمع، البصر، الكلام؛ 4) المعنويّة: وهي تابعة للسّابقة (حيّ عالم قادر الخ)، ميّز الثّمينيّ أسماء الله والألفاظ الّتي نطلقها عليه، فاللّفظ موضوع ومدلوله أو معناه غير مخلوق (2). ومثل عبد الكافي عرّف الثّمينيّ الصّفة "هي في حقّه عين ذاته" (3). وقد عبّر عن نفس الفكرة أطفيّش في شرح بند عقيدة أبي حفص: "ليس منّا من قال إنّ الصّفات مخلوقة" بهذه العبارة: "لا أحد يقول إنّ معاني أسمائه مخلوقة"، وانطلق من معنى الاسم فاستنتج أنّ الصّفة عين الذّات بهذا القياس: "معنى عالم هو الذّات الواجبة والعلم، والذّات قديمة بمقتضى الإجماع، إذن صفته عين
__________
(1) - الثّمينيّ: شرح النّونيّة، ص115.
(2) - حسب الثّمينيّ (معالم الدّين): يسمّى الله بأسماء كالقدير والعليم والبصير، والألفاظ ليست أسماء الله، وإنّما أُطلقت الألفاظ على المعاني. فالألفاظ مخلوقة يقينا، أمّا المعاني فهي ذات الله ولا يمكن أن تكون مخلوقة؛ استشهد به [موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص540 ملاحظة 2.
(3) - "هي في حقّه عين ذاته" الثّمينيّ: شرح النّونيّة، ص104؛ السّالميّ: غاية المراد، ص7.
ذاته" (1). تشبه أفكار العمانيّ السّالميّ حول الصّفات أفكار معاصره المغربيّ، ولم يبد تحفّظا على استعمال مصطلح معنى للحديث عن الصّفة وأضاف نعت "اعتباريّ" (2). إليك (1/284)
صفحة 285
تصوّره للعلاقة بين الذّات والصّفة: "للذّات كمالات ذاتيّة لا يدلّ عليها نفس لفظ الذّات، ولكلّ واحد من تلك الكمالات معنى اعتباريّ يعبَّر عنه بالصّفة، (فالصّفات عبارة عن المعاني الاعتباريّة الدّالّة على الكمالات الذّاتيّة). فبهذا الاعتبار لم يكن قولنا الله قدير بمنزلة قولنا ذاته ذاته لما في قولنا قدير من التّعبير عن المعنى الاعتباريّ المفيد للكمال الذّاتيّ. (حاصل ما في المقام أنّ ذاته تعالى متّصفة بالكمالات الذّاتيّة قائمة مقام ذات وصفه أي غنيّة بنفسها ... ) نقول إنّه عليم بذاته لا بعلم هو غيره، أي ذاته عزّ وجلّ منكشفة لها المعلومات انكشافا تامّا غير محتاجة في ذلك الانكشاف إلى واسطة بينها وبين المعلوم". والأمر مماثل في صفتي البصر والسّمع. في ما يتعلّق بالإرادة، استخدم السّالميّ مفهوم "المرجِّح": فالله "يريد بذاته لا بإرادة هي غيره أي ذاته العليّة كافية في ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر" (3).
__________
(1) - أطفيّش: شرح عقيدة التّوحيد 416. ألّف أطفيّش كتيّبا في شرح أسماء الله الحسنى لمسمّى بظهر الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ط ح (1326هـ) في 273 ص.
(2) - "ووافقنا على كونها صفات اعتباريّة المعتزلة والحكماء وأنّها لا وجود لها في الخارج من اعتبار الذّهن وخالفنا الأشعريّة"؛ الثّمينيّ: شرح النّونيّة، ص105.
(3) - السّالميّ: مشارق أنوار العقول، ص72.
هكذا يبيّن التّصنيف الّذي اتّبعه الثّمينيّ والسّالميّ تطوّرا هامّا عن الصّياغات الأولى وتقاربا مع المدرسة الأشعريّة بتبنّي مصطلحات أساسيّة مشتركة (1). مع ذلك تبقى الصّياغات الحديثة في تواصل مع المذهب الإباضيّ: اتّسم منذ البداية بلاهوت سلبيّ، واقتصر في الأصل على أسماء الله، ثمّ استوعب تدريجيّا حقيقة الصّفات، مع المحافظة على تماهيها بالذّات. (1/285)
صفحة 286
4 - مسألة صفات الفعل
__________
(1) - انظر تصنيف الصّفات عند الباجوريّ: خاصّيّة على جوهرة التّوحيد، القاهرة، (1352هـ/1934م)، ص33 وما بعد.
هناك معيار آخر لتصنيف الصّفات: تقسَّم وفقه إلى صفات الذّات وصفات الفعل (1). وهو تمييز أقرّه بالأخصّ المعتزلة، ولعب جهم بن صفوان دورا رياديّا في استنباطه (2). هذا وقد ذكر الأشعريّ أنّ المعتزلة كانوا منقسمين حول مسألة قدم صفات الفعل (3). وربّما كان لاختلافهم صلة باختلاف الإباضيّة
__________
(1) - تقسيم أجراه المعتزلة. يجدر التّذكير بأنّ الأشعريّ لم يذكر موقفا للإباضيّة (ولا الخوارج) في هذا الباب ولا حمل التّوحيد بوجه عامّ، بل اكتفى بتأكيد أنّ "قول الخوارج فيه كقول المعتزلة". انظر مقالات، ج1 ص189. عند الإباضيّة: صفات الذّات كالحياة والعلم والقدرة والإرادة اعتباريّة وصف بها الله نفسه لنفي أضدادها عنه، وصفات الفعل كالخالق والرّازق معان حقيقيّة قائمة بالمخلوق وبعكس الأولى تجامع ضدّها عند اختلاف المحلّ: فالله قد يكون راضيا على عبد وساخطا على آخر.
(2) - انظر [لاوست]، بحث في مذاهب ابن تيميّة الاجتماعيّة والسّياسيّة، ص158.
(3) - "أمّا البغداديّون فيقولون: إنّ الباري سبحانه لم يزل عالما كبيرا قادرا حيّا ... بنفسه لا بعلم وحياة وقدرة ... وهم ينفون صفات الذّات أجمع. وبعض البصريّين وهو الشّحّام وطوائف من البغداديّين ... أنكروا أن يكون الباري سبحانه لم يزل مريدا متكلّما راضيا ساخطا ... وزعموا أنّ هذا أجمع من صفات الأفعال. فمنها ما يوصف به الباري لنفسه كالقول: عالم قادر حيّ سميع بصير؛ وشيء يوصف به لفعله كالقول: خالق رازق محسن منعم متفضّل عادل جواد حكيم متكلّم صادق آمر ناه مادح ذامّ محيٍ مميت ممرض مُصحّ وما أشبه ذلك؛ وشيء يوصف به الباري لذاته وقد يوصف به لفعله كالقول حكيم بمعنى عليم من صفات النّفس، والقول حكيم على طريق الاشتقاق من فعله الحكمة من صفات الفعل، وكالقول صمد بمعنى سيّد يوصف به لذاته وقد يوصف به بمعنى أنّه مصمود إليه في النّوائب فيوصف به عن طريق الاشتقاق من الفعل". انظر الأشعريّ: مقالات، ج2 ص170.
المشارقة والمغاربة حولها كما سنرى. لم يُجْر كلّ أتباع الأشعريّ هذا التّمييز: فقد أكّده البيهقيّ (1) بوضوح بينما غاب عن كتابات الجوينيّ حيث اعتُبرت صفات الفعل صفات (1/286)
صفحة 287
ممكنة لله (2)، وورد عند الغزاليّ مرتبطا بمقولة القوّة والفعل الأرسطوطاليسيّة (3).
__________
(1) - البيهقيّ: الأسماء والصّفات، بيروت، دار إحياء التّراث العربيّ، ص110.
(2) - انظر [ألاّر]، صفات، ص386.
(3) - " (السّيف في الغمد صارم بالقوّة وعند حصول القطع صارم بالفعل). فبالمعنى الّذي يسمّى السّيف في الغمد صارما يصدق اسم الخالق على الله تعالى في الأزل". الغزاليّ: الاقتصاد في الاعتقاد، ص72 - 73.
ميّز الكتّاب الإباضيّون (1) بين النّوعين (2). عند المشارقة والمغاربة سويّا، ليس للصّفات الذّاتيّة أضداد، إذ لا يمكن أن يكون الله عالما وجاهلا أو قادرا وعاجزا معا. لكن ظلّت مسألة قدم الصّفات- الذّاتيّة والفعليّة- قائمة. أراد المغاربة حفظ قدم كلّ الصّفات- سواء منها الذّاتيّة أو الفعليّة- فنفوا حدوثها (3). لكن كيف يمكن لصفة فعليّة تعبّر عن فعل إلهيّ حادث في الزّمان أن تكون قديمة؟ صفة الفعل حسب الثّمينيّ هي الّتي لم يتّصف بها الله فعليّا في الأزل لكنّها تتحقّق في الزّمان: "لم يزل الله خالقا، بمعنى سيخلق" (4). بهذا المعنى يكون الرّضا والسّخط، والولاية والبراءة صفات قديمة (5). أضاف عبد الكافي أنّ لهذه الصّفات بالضّرورة صلة بعلم الله القديم المنزّه عن التّغيّر (للقدم كما نلاحظ صلة بالثّبات): قد يُظنّ أنّ حدوث أفعال الله يؤول إلى (1/287)
صفحة 288
نفي علمه السّابق بالحوادث ومن ثمّ البدء وتقلّب الولاية والعداوة، وذلك يعني تبنّي مواقف الرّافضة والجهميّة الّتي يعارضها عبد الكافي (6).
__________
(1) - انظر [مورينو]، ملاحظة على اللاّهوت الإباضيّ، ح م ج د ش ن، 3 (1949م)، ص303 - 304.
(2) - انظر السّالميّ الّذي يميّز بين الصّفات الذّاتيّة الّتي تنفي عن الله أضدادها والفعليّة (مشارق، ص66)؛ والثّمينيّ الّذي يعرض وجهة نظر المشارقة وعلماء نفوسة وفكرة المغاربة (شرح النّونيّة، ص113 وما بعد)؛ وعبد الكافي الّذي تناول مسألة قدم الصّفات الفعليّة في الموجز ج2 ص193 وما بعد.
(3) - تعني الكلمة هنا عند الثّمينيّ الصّفة والاسم معا.
(4) - الثّمينيّ: شرح النّونيّة، ص114 - 115.
(5) - يؤكّد الورجلانيّ بكلّ وضوح أنّ الرّضا والسّخط والولاية والبراءة صفات ذاتيّة وهي إذن أزليّة؛ انظر الدّليل ج3 ص12؛ كذلك عبد الكافي: الموجز ج2 ص195. يطابق هذا رأي سليمان بن جرير وعبد الله بن كلاّب؛ انظر الأشعريّ: مقالات، ج2 ص231.
(6) - عبد الكافي: الموجز، ج2 ص203 و422.
عند المشارقة، الّذين انضمّ إليهم علماء نفوسة (1)، لصفات الفعل أضداد (الله يرفع ويخفض، يحيي ويميت الخ)، وهي إذاً محدَثة تظهر في الزّمان. بناء على ذلك ميّزوا بين الأسماء (مثل راض وساخط) الّتي تحمل مضمونا قديما، والصّفات المطابقة (مثل الرّضا والسّخط) الّتي هي محدثة. يطابق ذلك الرّأي السّائد في أوساط المعتزلة (2).
ما هو أصل هذا الاختلاف بين المشارقة والمغاربة؟ لم يقدّم الثّمينيّ الّذي ذكره كواقعة تاريخيّة تعليلا له. طُرحت القضيّة على الأرجح انطلاقا من الصّلات الّتي قامت بين الإباضيّة والمعتزلة بمناسبة النّقاشات حول مسألة خلق القرآن، خاصّة في أيّام الإمام الرّستميّ أبي اليقظان محمّد بن أفلح بن عبد الوهّاب (241 - 281هـ/856 - 895م)، أي في النّصف الثاني من (ق 3هـ/9م). في وثيقة هامّة سنعود إليها عند دراسة قضيّة القرآن (3)، أكّد الإمام خلق القرآن وميّز بوضوح بين الفاعل والفعل (4)، وفي فقرة من رسالته وضع صفتي الرّضا والسّخط على نفس مستوى الكلام، موحيا بأنّهما مثله من أفعال الله. ليس في الصّيغة الصّرفيّة المستخدمة- صيغة الفعل- تمييز بين اسم الفاعل والمصدر. قد يتضمّن (1/288)
صفحة 289
هذا النّصّ صيغة أصليّة لنظريّة إباضيّة المغرب. إليكه كما نقله البرّاديّ: " (ممّا يدلّ على أنّ الكلام من الله حدثٌ وأنّه غيره) جائز أن يقال: متى كلّم الله موسى ولِم كلّم الله موسى؟ ولا يجوز أن يقال: لِم قدر الله على موسى ولا متى قدر الله على موسى؟ لا يجوز أن يقال: لم يزل يكلّمه كما يجوز أن يقال: لم يزل يعلّمه ويقدر عليه. يجوز أن يقال: لِم رضي
__________
(1) - باستثناء بعضهم مثل تبغورين.
(2) - الأشعريّ: مقالات، ج2 ص231.
(3) - النّصّ العربيّ في كتاب الجواهر المنتقاة للبرّاديّ، ص182 - 201. ترجمه إلى الإيطاليّة وحلّله [كريمونيزي]، وثيقة إباضيّة قديمة حول خلق القرآن" في "دراسات مغربيّة" 1، نابولي (1966م)، ص133 - 178.
(4) - البرّاديّ: الجواهر، ص186.
الله على نبيّه، فيقال: لأنّه أطاعه. ويقال: لِم غضب الله على أعدائه فيقال: لأنّهم عصوه. فدخل الكلام في باب الفعل، وهذا يدلّ على أنّ الكلام تدبير منه وفعل، وليس صفة له في الأزل" (1). نلاحظ أنّ فعل قدر يشير إلى صفة القدرة، من هنا لم يجز السّؤال عنه بمتى ولا القول عنه: "لم يزل". في المقابل جاز السّؤال بمتى عن كلّم وعلم، وذلك يعني حدوث الصّفتين المطابقتين، وشروع الكاتب في صياغة فكرة حدوث العلم، ونلاحظ أنّه اتّخذ موقفا صلبا بخصوص الكلام، إذ رفض أن يكون صفة قديمة وأحال أن يقال: "لم يزل يتكلّم". في فعلي رضي وسخط التباس: لم يسأل بشأنهما بمتى، ممّا كان سيجعل الصّفتين المعنيّتين في عالم الحادث (مثل الكلام والعلم)، ومن جهة أخرى يوحي قرنهما بالكلام وإجازة السّؤال عنهما بلماذا بإمكان وضعهما في مجال الفعل، من هنا المشاكل الّتي أثيرت لاحقا بشأنهما واختلاف المشارقة والمغاربة حول المسألة.
__________
(1) - البرّاديّ: الجواهر، ص191.
من النّصوص الّتي عرضنا يتبيّن إجماع الإباضيّة على أنّ الصّفة لا تنفصل عن الذّات الإلهيّة. وتُظهر دراسة تطوّر أفكارهم في هذا الباب من خلال العقائد وكتابات كبار متكلّميهم المقاربة السّلبيّة للصّفات، باستبعاد الغيريّة فيها وتأكيد (1/289)
صفحة 290
معنى السّلب في الأسماء (يعني القول بأنّ الله عالم مثلا نفي الجهل عنه). هل الإباضيّة برآء من التّعطيل الّذي عابوه على المعتزلة (1)؟ ليس ثابتا أنّ متكلّما كالورجلانيّ رغم إنكاره تلك التّهمة بريء منها تماما. في محاولة التّوفيق بين وحدانيّة اللهى وتعدّد أسمائه وصفاته، وفي مناقشة دلالة اللّغة- هل تقوم على القياس والتّشبيه، فهي المشكلة الّتي تقع في أصل الجدال حول الصّفات- صاغ الإباضيّة مذهبا أرادوه نهجا وسطا بين تصوّر اسميّ صرف للصّفات وإقرار مضمون ثبوتيّ موضوعيّ لها. من جهة أحالوا ردّها إلى مجرّد ألفاظ وأكّدوا إدراك لغتنا لجانب من حقيقة الألوهيّة وتطابق الاسم والمسمّى (ضدّ المعتزلة)، ومن جهة أخرى حاربوا تصوّرها كمعان غير ذات الله قائمة بها أو مزيدة عليها وقديمة معها، رافضين أو متحاشين عبارات مثل "الله عالم بعلم" أو "لله علم". مع ذلك رأينا أنّ تصنيف ومصطلحات الإباضيّة المحدثين تُظهر تقاربا مع المدرسة الأشعريّة. ومن الأدلّة على ذلك قبولهم لمصطلح معنى لكن مع نعته بالاعتباريّ، أي نظرهم إليه كمفهوم يوجد في الفكر فقط وليس من حقيقة الله. هكذا انتقلوا من رفض إقرار قيمة لفظيّة صرفة إلى شكل من المفهمة: بذلك نُقلت مشكلة الوحدة والتّعدّد لكنّها ظلّت قائمة بكلّيّتها.
__________
(1) - انظر الورجلانيّ: الدّليل، ص46؛ [علّوش]: رسالتان، ص66.
هناك اختلاف آخر مع المدرسة الأشعريّة يتمثّل في تقديم الاسم على الصّفة (1)، (1/290)
صفحة 291
بل يلاحَظ غياب الصّفات في صياغات العقيدة الأولى. تبرز هذه الأولويّة من كتابات تبغورين رغم التّرابط بينهما، كذلك استنتج كاتب كأطفيّش انطلاقا من مدلول الأسماء تماهي الصّفة والذّات.
لا ينبغي أن تدفعنا هذه الاختلافات بين الإباضيّة والأشاعرة، الّتي كثيرا ما ضخّمها الجدل والتّحامل على الخصم، إلى التّقليل من أهمّيّة نقاط الاتّفاق: كحجّة الله الّتي هي عند الفريقين فرض نابع من أمر إلهيّ ولا يستند إلى العقل الإنسانيّ كما تصوّره المعتزلة، كما أنّ الاستدلال على وجود الله من حدوث العالم والقياس على ما يشاهَد في الخلق (2) والقول بمعرفة فطريّة لله من الأفكار المتداولة عند الأشعريّة، كذلك يبيّن استخدام بعض أفكار الدّهريّة لإثبات سبق القديم للحادث وجوديّا أنّ الإباضيّة يشاركون الأشعريّة في فلسفتهم الطّبيعيّة القائمة على مبدأ المناسبات.
__________
(1) - يلتقون حول هذه النّقطة مع المعتزلة، مثلا النّظّام في "تثبيت الأسماء مع إيجاب التّسمية ونفي المضادّ، فقد "كان إذا قيل له تقول إنّ لله علما؟ قال: أقول ذلك توسّعا وأُرجع ذلك إلى تثبيته عالما"؛ انظر الأشعريّ: مقالات، ج2 ص159. يلاحَظ أنّ الثّمينيّ- وهو محدث- يربط الأسماء أو الصّفات المعنويّة بالمعاني (كالقدرة والإرادة الخ). وأيّا كان رأينا في مقاربة [مسّينيون] "للمعاني" بالمثل الأفلاطونيّة، من الواضح أنّ الإباضيّة يرفضون القول بصفة مغايرة للذّات أو زائدة عليها.
(2) - كان بعض المعتزلة يرفضون الاستدلال بالخلق على الخالق على سبيل القياس، منهم مثلا عبّاد بن سليمان: "كان لا يستدلّ بالشّاهد على الغائب ولا يستدلّ بالأفعال على أنّ الباري عالم حيّ قادر، وكان لا يستدلّ على الباري بالأعراض"؛ انظر الأشعريّ: مقالات، ج2 ص167.
من جهة أخرى لا بدّ أن نلاحظ أوجه الاتّفاق بين الإباضيّة والمعتزلة حول النّقاط الأساسيّة. رأينا مثلا التّشديد على التّنزيه الّذي حملهم جميعا إلى تأويل الآيات المتشابهة بمعنى مجازيّ ضدّ الآخذين بحرفيّتها من الحنابلة والأشاعرة، بترجيح مفهومها على معقولها وظاهرها، وأهمّ معيار في (1/291)
صفحة 292
ذلك اختيار المعنى الأليق بجلال الألوهيّة (استبقاء السّائغ واستبعاد القبيح- وهو معيار المعتزلة).
حول نظريّة الصّفات ذاتها، يبدو حكم الأشعريّ- الّذي وضع الإباضيّة في عداد المعتزلة (1) - صحيحا على وجه العموم: فالمدرستان تعتمدان لاهوتا سلبيّا أساسا لنظريّتيهما، وترفضان مقولة المعاني الّتي تفضي إلى تشييء الصّفات كأغيار للذّات الإلهيّ. حول هذه النّقطة يلتقي نقد الإباضيّ الورجلانيّ للأشعريّ مع نقد القاضي عبد الجبّار الّذي نعى "وقاحته وقلّة مبالاته بالإسلام والمسلمين" (2). يتّفق الإباضيّة مع المعتزلة في القول بأنّ صفة الله عين ذاته وفي تأكيد قدمها (3). لا يختلف قول عبد الكافي: "الصّفات عين الذّات" عن أفكار أبي الهذيل (4)، وإن كان الإباضيّة لا يقولون مثله: "الله عالم بعلم". بتوضيح فكرة عبد الكافي والإعلان أنّ الله يعلم الأشياء مباشرة بلا واسطة، بذاته لا بعلم هو غيره، وأنّ كلّ الأشياء منكشفة لذاته، وقف الثّمينيّ ضدّ أبي الهذيل وتبنّى بالأحرى موقف عبد الجبّار ومعلّمه أبي هاشم الجبّائيّ الّذي أكّد (1/292)
صفحة 293
أنّ الله يستحقّ الصّفات لذاته أو لما هو عليه في ذاته (5)
__________
(1) - الأشعريّ: مقالات، ج1 ص189.
(2) - عبد الجبّار: شرح الأصول الخمسة، ص183
(3) - بخصوص قدم الصّفات الذّاتيّة انظر النّظّام (مقالات، ج2 ص159) وهشام الفوَطيّ ضدّ الأزليّة: إثبات قدم الأشياء مع باريها (مقالات، ج2 ص159).
(4) - مقالات، ج2 ص157.
(5) - "لذاته" (أبو عليّ الجبّائيّ)، "لما هو عليه في ذاته" (أبو هاشم الجبّائيّ). انظر عبد الجبّار: شرح الأصول الخمسة، ص182 - 183. حول الفرق بين وجهتي نظر الكاتبين انظر مونّو: أسماء القدرة في المغني، في ميديو، ج14 ص302 - 303.
بخصوص مسألة قدم صفات الفعل، كثيرا ما أُشير إلى اختلاف وجهتي نظر إباضيّة المشرق والمغرب. هل جاء شبه أفكار المغاربة بأفكار سليمان بن جرير وعبد الله بن كلاّب (1) صدفة؟ لا تكفي الفقرات الّتي خصّصها الأشعريّ لهذين المفكّرين لتأكيد تأثيرهما عليهم. وقد لاح لنا أحد الأصول المحتملة للاختلاف بين المجموعتين عند البحث في مسألة قدم كلام الله أو حدوثه. ودراسة قضيّة خلق القرآن وحدها تستطيع أن تحمل لنا عناصر جديدة بخصوص تلك المسألة (2). (1/293)
صفحة 294
الفصل الثامن: خلق القرآن
رأينا كيف جُرّ الإباضيّة مثل المعتزلة إلى التّمييز ضمن الصّفات بين صفات الذّات وصفات الأفعال، واعتبار أنّ الأخيرة هي الّتي يمكن أن يتّصف الله بضدّها أو يقدر على فعل ضدّها، فقد يحبّ ويبغض، ويأمر وينهى. يحملنا الأمر والنّهي إلى مجال كلام الله: هنا نخرج من مجال طبيعة الله ونتناول فعله في العالم.
__________
(1) - الأشعريّ: مقالات، ج2 ص231.
(2) - عند بعض الأشاعرة "الكلام" هو الرّابطة بين الصّفات الفعليّة والذّاتيّة. ميّز الباقلاّنيّ مثلا بين الذّاتيّة (الحياة، العلم، القدرة، البصر، السّمع، الكلام، الإرادة، البقاء، الغضب، الرّضا الخ) والفعليّة (الخلق، العناية، الرّزق، العدل، الإحسان، الحشر والنّشر الخ)، لكنّ تسمية الله نفسه بهذه الأخيرة قديم لأنّ ذلك كلامه، أو هو لم يزل متكلّما بكلام غير مخلوق. انظر التّمهيد، نشر مكّارتي، بيروت (1957م)، ص263.
في هذا المجال الفرعيّ من ميدان الصّفات، مجال كلام الله، طُرحت بحدّة أكبر المشكلة الّتي أثيرت حول الصّفات الأخرى: كيف نوفّق بين التّنزيه، أي إفراد الله المطلق عن الخلق الّذي هو ركيزة علم الكلام الإباضيّ- والمعتزليّ- وظاهرة القرآن كما نشاهده: كلام مؤلّف مقطّع منطوق بألسنتنا مجموع في مصحف يدعى القرآن؟ يطرح هذا الموضوع أكثر من سواه مشكلة الشّبه في اللّغة: إن كان الله قد تكلّم- وهي حقيقة لا ريب فيها- فهل يمكن أن يكون كلامه شبيها بكلام البشر؟ هل القرآن الّّذي نقرأه حكاية لقرآن آخر مكنون في اللّوح المحفوظ؟ في هذه الحالة ما الّذي يضمن مطابقة النّسخة للأصل المحكيّ؟
نبذة تاريخيّة
لا نملك معلومات كافية عن الملابسات الّتي جرت فيها النّقاشات الأولى حول القرآن. من الوارد التّفكير بأنّه لم يكن للنّقاشات مع النّصارى حول الكلمة (1/294)
صفحة 295
(اللّوغوس) الكائن في البدء تأثير حاسم حول الأفكار في العالم الإسلاميّ الّذي تبع، حول هذه المسألة، إشكاليّته الخاصّة كما لاحظ وات (1) و [كريمونيزي] (2) بعد و [نسنك] (3)، رغم المقاربات الّتي توحي بها مثلا كتابات القدّيس [يوحنّا] الدّمشقيّ (4).
__________
(1) -[م. وات]، "النّقاشات المبكّرة حول القرآن" في "العالم الإسلاميّ"، 40 (1950م)، ص27 - 28.
(2) - ف [كريمونيزي]، وثيقة إباضيّة قديمة حول خلق القرآن: رسالة الإمام الرّستميّ محمّد أبي اليقظان، ضمن "دراسات مغربيّة"، ج1، نابولي (1966م)، ص133 - 135.
(3) -[ونسنك]، العقيدة الإسلاميّة، ص77 - 79.
(4) - القدّيس [يوحنّا] الدّمشقيّ: مناظرة مسيحيّ و [سراكينيّ] (عربيّ/مسلم)، نشر مغنه، ج47 ص763 - 770، ج48 ص747 - 752.
يبدو الآن ثابتا أنّ من أوّل القائلين بخلق القرآن الجعد بن درهم معلّم مروان بن محمّد آخر الخلفاء الأمويّين (1) والملقّب لذلك بالجعديّ. كان قوله يرتبط لا محالة بنفي قدم الصّفات حسب جار الله (2)، ممّا أدّى إلى تتبّع السّلطة له وهربه إلى الكوفة حيث التقى بجهم بن صفوان الّذي تبع مذهبه (3). وقد حرص الجهم بوجه خاصّ على تفنيد أفكار السّمّانيّة المادّيّة (4) ونفي كلّ تشبيه: فالله في نظره لا يُرى وليس له وجه وليس مستويا على العرش بمعنى الجلوس، وكلامه محدث لكن لا يجوز أن يقال إنّ الله نطق به، وقد مهّد بتشديده على تنزيه الله للمعتزلة. (1/295)
صفحة 296
__________
(1) - مروان 2 (ت 127هـ/744م).
(2) - جارالله: المعتزلة، القاهرة (1366هـ/1947م، ص34.
(3) - انظر مقال "جهم بن صفوان" في دائرة المعارف الإسلامية 2، 2؛ و [بومان]: النّزاع حول القرآن وحلّ الباقلاّنيّ، أمستردام (1959م)، ص4 - 6.
(4) - فرقة فارسيّة من منطقة خراسان حيث أقام جهم وصار من أتباع الحارث بن سريج.
وقعت الجدالات الأولى حول القرآن إذن في النّصف الأول من (ق 2هـ). في نفس الفترة على ما يبدو طُرحت المسألة ايضا في أوساط الإباضيّة، وظهرت الانشقاقات الأولى حولها. في الوسط البصريّ حيث اختلطت عناصر من أجناس شتّى أبدى الإباضيّ عبد الله بن يزيد الفزاريّ مخالفته لأبي عبيدة رئيس جماعة البصرة (1). لأيّ سبب أُطرد من مجالس الفرقة (2)؟ هل ساهمت في ذلك أفكاره حول القرآن؟ ذلك محتمل جدّا: إذ كان يرى أنّ القرآن وكتب الله كلّها أجسام ليست بأعراض، وليس للعباد فيها فعل والقراءة فيها غيرها والحكاية فيها غيرها (3). بهذا التّمييز بين القرآن وحكايته بالتّلاوة، مهّد عبد الله بن يزيد لأفكار جعفر بن مبشّر (4).
__________
(1) - انظر مقال "الإباضيّة" في دائرة المعارف الإسلامية 2، 3: ص671 - 672.
(2) - الشماخي: السّيَر، ص104 - 105. حول كتابات عبد الله بن يزيد الفزاريّ انظر الفصل 1 "الإباضيّة الغربيّون" ملاحظة 12.
(3) - انظر تبغورين: أصول الدّين، ص57 و61؛ أطفيّش: شرح الدّعائم ط ح (1325هـ)، ج1 ص234. ربّما كان عبد الله بن يزيد الفزاريّ يقول مع حسين النّجّار إنّ العون والعصمة استطاعة الإيمان.
(4) - الأشعريّ: مقالات، ج2 ص243 - 244.
يجدر بالملاحظة أنّ الإشكاليّة تعكس ولوج التّقليد الفلسفيّ اليونانيّ أو على الأقلّ استخدام مصطلحات وضعتها تلك الفلسفة، والمناخ الفكريّ السّائد في حلقات المتكلّمين الأولى الّتي بعثها الخلفاء العبّاسيّون الأوائل الّذين نشطت في أيّامهم حركة ترجمة كتب الفلاسفة اليونان (1). نستطيع أن نحدس منزلة عبد الله (1/296)
صفحة 297
بن يزيد في حلقات العلماء من إشارات جاءت في كتب المؤرّخين (2)، فقد ذكرت أنّ هشام بن الحكم الّذي هو أحد متكلّمي الإماميّة البارزين كان يذهب في الكوفة إلى دكّان يجلس فيه مع متكلّم إباضيّ يدعى عبد الله بن يزيد، وأنّ النّظّام المعتزليّ التقى، أثناء زيارة إلى الكوفة، بهشام بن الحكم، واطّلع على كتب الفلاسفة (عبد الله بن يزيد). سنرى أنّ متكلّمي الإباضيّة اللاّحقين اعتبروا القرآن عرضا لا جسما. وربّما أراد عبد الله بن يزيد أن يأخذ، خلافا لهشام بن الحكم الّذي توخّى الحياد حول طبيعة القرآن (3)، وبتأثير أو على سبيل معارضته، موقفا بجعله في دائرة الله قديما معه وذلك بتعريفه كجسم. ففي إطار التّوجّه المضادّ للتّشبيه/التّشبيهيّ الّذي اتّبعه داخل المدرسة الإماميّة النّاشئة ضدّ معاصريه الجواليقيّ وشيطان الطّاق (4)، كان هشام بن الحكم يتصوّر الله جسما لأنّ لا وجود في رأيه لغير "الأجسام" (5). وقد تأثّر هشام بن عبد الملك هذا بأبي شاكر الدّيصانيّ الّذي حسب أطفيّش أدخل البدعة وكسر
__________
(1) - بدوي: انتقال الفلسفة اليونانيّة إلى العالم العربيّ، باريس، فرين (1968م)، ص17.
(2) - انظر [وات]: مرحلة تكوّن الفكر الإسلاميّ، منشورات الجامعة، (1973م)، ص186 - 187؛ "هشام بن الحكم" لـ[مادلنغ] في دائرة المعارف الإسلامية 2، 3: 514.
(3) - "لا خالق ولا مخلوق، ولا يقال أيضا غير مخلوق"، انظر الأشعريّ: مقالات، ج1 ص109.
(4) - "قال إنّ الله على صورة الإنسان وأنكر أن يكون لحما ودما"، انظر الأشعريّ مقالات، ج1 ص254.
(5) - مقالات، ج1 ص257.
إجماع الأمّة حول خلق القرآن (1). (1/297)
صفحة 298
بعد ذلك بفترة قصيرة، في الرّبع الرابع من (ق 2هـ)، وفي البصرة أيضا، أنشأ الأصمّ (ت 200 - 201هـ/816 - 817م) (2) حلقة، ولا شكّ أنّ شهرته في هذه المدينة تعود إلى غزارة إنتاجه وكذلك إلى حدّ ما إلى علاقاته الجيّدة مع الإباضيّة الّذين لم يكونوا قد غادروا المدينة بعد في ذلك الوقت. فقد قدّمه التّوحيديّ في البصائر كصاحب الإباضيّة (3). كتب عن خلق القرآن قبل أن يتناول المعتزلة هذه القضيّة، وكان يعتبر القرآن هو أيضا "جسما" وربّما استمدّ من ذلك فكرته أنّ الكتاب مخلوق بما أنّ الله وحده "شيء" ليس بجسم (4). الظّاهر إذن أنّ النّقاش حول خلق القرآن نشأ في حلقات البصرة والكوفة في النّصف الأول من (ق 2هـ/8م). ولئن لم يكن الإباضيّة مصدره، فلا شكّ أنّهم كانوا على صلة وثيقة به.
__________
(1) - "وقد اتّفقت الأمّة على خلق القرآن حتّى جاء أبو شاكر الدّيصانيّ يريد إدخال الشّرّ والكفر والبدع في الإسلام، فأظهر العبادة وأكثر حضور مجالس العلم، ورغبوا فيه وأحبّوه. ثمّ انقطع عن المجلس مرّة فسُئل: لمَ انقطعت عنّا؟ فجعل يبكي ويقول: كيف يستقيم لي عيش وأنتم تقولون في ما هو صفة قديمة لله تعالى وهو القرآن إنّه مخلوق. فكان يجلب النّاس إلى دعوى قدم القرآن فشاع قدمه" أطفيّش: شرح العقيدة، ص406، انظر كذلك السّالميّ: تحفة الأعيان ج1 ص128. حول علاقة هشام بن الحكم والدّيصانيّة انظر نادر: كتاب الانتصار والرّدّ على ابن الرّاونديّ الملحد لأبي الحسين بن عثمان الخيّاط المعتزليّ، بيروت (1957م) ص32، و [مونتغومري واتّ]: مرحلة تكوّن الفكر الإسلاميّ ص187.
(2) - انظر مقال "الأصمّ" لـ[فان إسّ] في دائرة المعارف الإسلامية 2، جزء 1.
(3) - نشر الكيلانيّ ج2 ص825 - 826.
(4) - "هذه حكاية جعفر بن مبشّر وأظنّ أنا أنّ هذا قول الأصمّ" الأشعريّ: مقالات، ج2 ص236.
والحقّ أنّ النّقاش لم يُحسم منذ البداية وبشكل نهائيّ باتّجاه القول بخلق القرآن، بما أنّ بعض إباضيّة عمان على الأقلّ استمرّوا حتّى أيّام الإمام المهنّا بن جيفر في النّصف الأول من (ق 3هـ) (1) في نفيه. في تحليل عقيدة عمان رأينا أنّ (1/298)
صفحة 299
فريقين من الإباضيّة اتّفقا- تفاديا للانقسام- على صيغة وسطى (2). هل استمرّ في عمان، بعد حادثة دما حيث وقعت المواجهة بينهما، وجود القائلين بقدم القرآن؟ في العصر الحديث ظهر الاتّفاق من جديد بين إباضيّة الشّرق والغرب (3). في (ق 6هـ/12م) ألّف الإباضيّ العمانيّ أبو بكر أحمد ابن سليمان الملقّب بابن النّظر قصيدة دافع فيها، في جملة ما دافع، عن قدم القرآن (4). وقد كتب أطفيّش تفنيدا قويّا ومطوّلا لقوله (5)، لكنّه في أكثر من موضع أبدى شكوكا حول صحّة نسبة القصيدة لابن النّظر (6) رغم جزم أبي سعيد محمّد سعيد الأزديّ القلهاتيّ (ق 11هـ/17م) بها في الكشف والبيان (7).
__________
(1) - (226 - 237هـ/840 - 851م).
(2) - السّالميّ: تحفة ج1 ص128.
(3) - السّالميّ: بهجة الأنوار ج1 ص103 "والكلّ مخلوق لإمكان العدم/ ولانفراده تعالى بالقدم"، وذلك يشمل الكتب المنزّلة.
(4) - انظر [شاخت]، مكتبات، ملاحظة 26.
(5) - أطفيّش: شرح على بعض منظومة ابن النّظر العمانيّ المسمّاة بالدّعائم، ط ح (1325هـ) في جزءين من 650 و678 ص. تناول مسألة القرآن في ج1 ص104 - 158.
(6) - أطفيّش: شرح الدّعائم، ج1 ص225 و229.
(7) - المصدر نفسه، ج1 ص224.
خلافا لإباضيّة عمان، اعتنق المغاربة خلق القرآن كأحد معتقداتهم، ولم ينازع فيه أحد لاحقا، ولحسن الحظّ حفظ كتاب الجواهر للبرّاديّ بالكامل رسالة الإمام الرّستميّ محمّد أبي اليقظان (241 - 281هـ/856 - 895م) الموجّهة إلى إباضيّة المغرب (1). تشهد هذه (1/299)
صفحة 300
الوثيقة بمفردها بتأصيل ذلك المعتقد عند إباضيّة المغرب في (ق 3هـ/9م). وقد روى المؤرّخون الإباضيّون أنّ أبا اليقظان- قبل مبايعته بالإمامة- لمّا سافر إلى الشّرق بغرض الحجّ قبض عليه عمّال بني العبّاس في خلافة المتوكّل (232 - 247هـ/847 - 861م) (2). تمّ ذلك إذن أيّام ردّ الفعل السّنّيّ بعد محنة المعتزلة (3). ألّف الإمام أبو اليقظان، الّذي كان يولي المسائل الكلاميّة اهتماما بالغا (4)، تلك الرّسالة لترسيخ معتقد خلق القرآن في أبناء ملّته. ربّما جعله، على غرار الخليفة المأمون،
__________
(1) - البرّاديّ: الجواهر، ص182 - 201.
(2) - وافق حبسه حبس أخ الخليفة، فكان مؤالفا له في الحبس شديد المحبّة له، وإذا بالخليفة قد قّتل واستقلّ المُلك لصاحبه فأمر به فأُخرج وعرض عليه أن يولّيه من المشرق أيّ بلاد أرادها، لكنّ أبا اليقظان آثر العودة إلى المغرب، وكان أبوه الإمام أفلح قد مات (240هـ/854م) وهو في المشرق، فعُقد لأخيه أبي بكر الّذي لم يطل ملكه، فخلفه في (241هـ/855م). حول هذه الأحداث انظر أخباَر ابن الصّغير (ترجمة [موتيلنسكي]، ص27 و78.
(3) - في (218هـ) كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم (وعمّاله) في امتحان القضاة في خلق القرآن، وقد نقل رسالته الطّبريّ في تاريخ الأمم والملوك، القاهرة، مكتبة الاستقامة (1358هـ/1939م)، ج7 ص195 وما بعدها.
(4) - حسب أبي زكريّا "له في الرّدّ على المخالفين كتب كثيرة بليغة شافية". وفي إمامته وقعت مناظرة بين عبد الله اللّمطيّ وعالم معتزليّ حول مسألة الاستطاعة. انظر [لو ترنو]: سيَر أبي زكريّا، ص329؛ ابن الصّغير: السّيَر، ص44،108؛ البرّاديّ: الجواهر ص179 - 180.
معتقدا رسميّا، ردّا على إعادة السّنّة المالكيّة كمذهب رسميّ إلى القيروان على يدي القاضي سحنون. فقد تمّ التّخلّي رسميّا عن أفكار المعتزلة في إفريقية الأغلبيّة حيث خلع محمّد الأوّل، بعد فشل المغتصب أبي جعفر أحمد، القاضي المعتزليّ ابن أبي الجواد، وعهد بالقضاء في (234هـ/849م) إلى سحنون الّذي بادر بإخراج أصحاب الحلقات المعتزلة والإباضيّة من المسجد الجامع. هكذا رغم تبنّي الأمراء الأغالبة الأوائل لأفكار المعتزلة، (1/300)
صفحة 301
يكتسي موقف أبي اليقظان الحازم حول خلق القرآن طابعا مناهضا للعبّاسيّين والأغالبة معا (1). كان كذلك إنكارا ضمنيّا لأفكار محمّد بن محبوب وأصحابه في عمان وحضرموت الرّافضين لخلق القرآن (2) قبل اجتماع دما، وإن لم تذكرهم الرّسالة بصريح العبارة. لأهمّيّة هذه الوثيقة وتأثيرها على الفكر الإباضيّ، نقدّم في ما يلي أهمّ أفكارها.
رسالة الإمام أبي اليقظان
__________
(1) - انظر محمّد الطّالبيّ: جديد حول الاعتزال في إفريقية في (ق3هـ/9م) بالفرنسيّة في المجلّة التّونسيّة للعلوم الاجتماعيّة، (1975م)، ص46 وكذلك م الطّالبيّ: الإمارة الأغلبيّة، باريس (1966م)، ص222 - 236. حول السّياسة الخارجيّة لأئمّة تيهرت انظر [دنجل]: إمامة تيهرت الإباضيّة، أطروحة بجامعة ستراسبورغ (1977م)، ص269 - 272.
(2) - انظر أعلاه الفصل 6 فقرة "القرآن".
يهدف تدليل الإمام في مجمله إلى تبيين أنّ كلام الله غير قديم وأنّه غير الله ومحدَث، وهو إذن فعل إلهيّ خلافا لمذهب الأشعريّة (1). اتّبع الكاتب أوّلا استدلالا يقوم على الحذف- أي فرز الحلّ باستبعاد شتّى الحالات- مقرّرا أوّلا أنّ القرآن كلامَ الله لا يخلو من أن يكون شيئا أو ليس بشيء. يعني القول إنّه ليس بشيء إنكار وجود الكتب المنزّلة: التّوراة والإنجيل والقرآن. وإن كان شيئا فهو إمّا الله وإمّا هو من الله بمثابة الجزء من الكلّ وإمّا هو غير الله. القول بأنّه هو الله يضاهي (1/301)
صفحة 302
زعم اليعاقبة أنّ عيسى هو الله (2). أمّا القول بأنّه من الله بمثابة الجزء فيعني افتراض التّبعّض في الله والحاجة إلى كمال ومن ثمّة النّقصان. القرآن إذن غير الله. هنا خيار جديد: هو إمّا قديم وإمّا محدَث. يجب رفض الفرض الأوّل، إذ لو وُجد قديم مع الله فمَن منهما يستحقّ الألوهيّة والرّبوبيّة؟ إذن كلام الله محدَث ويحتاج إلى محدِث: القرآن إذن حدث (3).
__________
(1) - عرض الأشعريّ في كتاب اللّمع تصوّره للقرآن كصفة إلهيّة قديمة. للاطّلاع على تفاصيل محاجّته للمعتزلة انظر [ألاّر]، الصّفات ص223 - 244.
(2) - نجد نفس المأخذ في رسائل المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم، وبعبارات متقاربة. في تاريخ الطّبريّ ج7 ص198، نجد: "وضاهوا به قول النّصارى في ادّعائهم في عيسى بن مريم أنّه ليس بمخلوق"، وفي الرّسالة: "ضاهوا بذلك اليعقوبيّة من النّصارى الزّاعمة أنّ عيسى هو الله". انظر البرّاديّ: الجواهر، ص184.
(3) - البرّاديّ: الجواهر، ص185.
تلت اعتبارات حول خلق القرآن انطلاقا من كونه، شأن كلّ كلام بشريّ، مقطّعا ومؤلّفا من حروف وحركات، يدلّ ترابط أجزائه على الحاجة إلى من يؤلّفها، ومن ثمّة على الحدوث (1). بعدما أثبت حدوث القرآن، بيّن أبو اليقظان تباين الله وكلامه انطلاقا من اعتبارات حول تركيب الكلام كالّتي بيّن الورجلانيّ بعده بناء عليها اختلاف الله عن الخلق، وربّما استمدّها من رسالة الإمام: ما دام كلّ فاعل سابقا للفعل وكلّ صانع للصّنعة، لزم الإقرار باختلافهما وبعلوّ الأوّل عن الثّاني الّذي كان بعد أن لم يكن، وأوجد في الزّمان، وهو إذن فعل الفاعل ومفعوله، والشّأن كذلك في الكلام: لا كلام بدون متكلّم مختلف (1/302)
صفحة 303
عن المتكلَّم ضرورة (2). يعني سبق أحدهما للآخر قدم الأوّل وحدوث الثّاني. وقد استشهد أبو اليقظان بعدّة آيات ليبيّن أنّ لفعل جعل الّذي استُخدم في آيات للإخبار عن القرآن معنى خلق (3).
__________
(1) - نجد هذا الدّليل عند كلّ الكتّاب الإباضيّين اللاّحقين، كما نجده عند المعتزلة، مثلا عبد الجبّار: شرح الأصول الخمسة، ص531 - 532.
(2) - فنّد أبو اليقظان المطابقة بين الكلام والمتكلّم بالاستدلال التّالي: لو لم يتقدّم المتكلّم على الكلام لما استحقّ أن يكون المتكلّمَ أكثر منه، بل يمكن أن يكون الكلام هو المتكلّم والمتكلّم هو الكلام، وذلك فساد ويجب التّمييز بينهما. هناك التّغاير وحاجة بعضه إلى البعض الآخر. في وجوب التّقدّم إثبات أنّ أحدهما قبل الآخر. في إثبات أنّ أحدهما قبل الآخر إيجاب القدم للأوّل والحِدث للآخر. في حدوث الثّاني إثبات أنّه كان بعد أن لم يكن. وذلك دليل على خلق القرآن ووحدانيّة الخالق. انظر البرّاديّ: الجواهر، ص187.
(3) - من الآيات الّتي استشهد بها: (ق 43: 2، 42: 52، 6: 1، 4: 1، 10: 67، 27: 61، 71: 16، 17: 12). انظر الجواهر، ص187 - 188.
قدّم اعتراضا وجيها: إن كان المحدَث المخلوق حكاية عن كلام الله الّذي هو صفة قائمة به قديمة، كيف يمكن أن تطابق الحكاية الأصل المحكيّ؟ إن كانت مطابقة له حقّا، كيف يمكن أن يوجد شيئان متطابقان أحدهما محدَث والآخر قديم (1)؟ هل يستهدف السّؤال عبد الله بن يزيد الفزاريّ تحديدا؟ على أيّة حال يجدر بالذّكر أنّ المدرسة المعتزليّة البغداديّة، ممثّلة في جعفر بن مبشّر، كانت قد لجأت، لحلّ مشكلة العلاقة بين القرآن ككلام الله وكجزء من العالم المادّيّ المتّصف بالتّعدّد، إلى فكرة قرآن كائن باللّوح المحفوظ القرآن المنزّل المسموع والمكتوب حكايته الأمينة (2). رفض أبو اليقظان هذا التّفريق: لا يمكن أن يوجد (1/303)
صفحة 304
قرآنان أحدهما قائم بذات الله، والآخر هو الّذي نُزّل على محمّد. سمع موسى كلاما من الله، ولم يجز أن يكون سمع الخالقَ إنّما سمع كلامَ الخالق: صوتا مقطّعا بتقطيع قائم فيه مؤلّفا، أي شيئا مخلوقا لأنّ الحواسّ لا تستطيع أن تدرك إلاّ الأشياء الّتي تناسبها. هناك دليل آخر على الحدوث، هو أنّه جائز أن يقال: "متى كلّم الله موسى؟ " يجد هنا ما ذكرنا قبل عن أصل التّمييز بين صفات الذّات وصفات الأفعال ما يؤيّده: صفة الكلام الّذي نزل تباعا وتجسّد بوجه ما في كتاب هي الّتي طرحت في المقام الأوّل على المتكلّمين المسلمين قضيّة صفات الأفعال وقدّمت دليلا على سبق الله للحادث.
__________
(1) - المصدر نفسه، ص189.
(2) - فكرة جعفر بن مبشّر هي "أنّ القرآن خلقه الله في اللّوح المحفوظ لا يجوز أن يُنقل ولا أن يوجد إلاّ في مكان واحد، لأنّ وجود شيء واحد في وقت واحد في مكانين على الحلول والتّمكّن يستحيل، وأنّ ما يُسمع ويُحفظ ويُكتب هو القرآن الّذي في اللّوح المحفوظ بعينه على أنّه مثله وحكايته" انظر الأشعريّ: مقالات، ج2 ص244.
هكذا أخذ أبو اليقظان موقفا ضدّ المعتزلة البغداديّين بخصوص "حكاية" القرآن، وتبنّى صياغة أقرب إلى أفكار النّظّام القائل بأنّه صوت مقطّع مؤلّف مسموع (1) وأبي عليّ الجبّائيّ القائل بأنّ وصف الله بالمتكلّم يعني أنّه يخلق الكلام (2) وإن لم يتبعه إلى نفس المدى بجعل النّبيّ محلّ الكلام وبوجه ما حامله (3)، مظهرا (1/304)
صفحة 305
بذلك قربا من مذهب المعتزلة البصريّين. والقرآن غير مستثنى من قدرة الله ونُعت بكلمات أمر، روح، نور، كلام (4)، وذلك أيضا يدلّ على أنّه مخلوق (5). لا يجوز الاحتجاج بالآيتين حيث وُصف عيسى بأنّه كلمة الله ألقاها إلى مريم وروح منه (6) وجبريل بأنّه الرّوح الأمين (7)، ولا بإمكان وجود أمر وكلام وروح محدَثة وأخرى قديمة: إذ كيف تكون كلمة الله وأمره وروحه مخلوقة تارة وقديمة تارة أخرى؟ هنا أيضا أشار الإمام إلى استحالة الوجود في مكانين حلولا وتمكّنا، وتلك مقولة وردت من قبل عند النّظّام.
__________
(1) - الأشعريّ: مقالات، ج1 ص245.
(2) - الأشعريّ: مقالات، ج2 ص189.
(3) - لمّا يتكلّم الله لا يمكن أن يكون محلاّ لكلامه، بل يخلقه في النّبيّ الّذي - يصير محلاّ يقوم به كلامه. ولمّا يتكلّم به النّبيّ فكلامه بطبيعة الحال صوت مقطّع وحروف مؤلّفة هي تعبير إنسانيّ عن الوحي المتلقّى. مع ذلك ليس كلام النّبيّ سوى حكاية إنسانيّة، لأنّ صاحب الكلام الحقيقيّ ليس النّبيّ بل الله الّذي يوحي إليه. من كلّ ذلك يظهر أنّ الصّيغة الّتي يبلّغ بها النّبيّ الوحي المتلقّى إنسانيّة صرفة. ويمكن أن نستنتج من تحليل الجبّائيّ أنّ الصّيغة العربيّة للقرآن ليست سوى التّعبير الإنسانيّ عن الوحي، وإن لم يقل هو نفسه ذلك بصريح العبارة". [بومان]، النّزاع حول القرآن، ص25 - 26.
(4) - (ق 65: 4، 52: 52).
(5) - البرّاديّ: الجواهر، ص192.
(6) - (ق 4: 171).
(7) - (ق 26: 193).
قدّمت خاتمة الرّسالة أدلّة إضافيّة على خلق القرآن مستمدّة من آيات وصفت القرآن بأنّه منزَل أو منزَّل مثل مخلوقات أخرى: الأنعام (ق 39: 6)، ماء مبارك (50: 9)، "الحديد فيه بأس شديد" (57: 25). في هذه الآيات معنى أنزل "خلق". كذلك وُصف القرآن بأنّه محكَم ومفصَّل، وهو إذن من لدن "حكيم خبير" (ق 11: 1) هو محكِمه ومفصِّله: وقد ورد هذا الدّليل من قبل في رسالة المأمون (1). وجود آيات محكمة ومتشابهة، ناسخة ومنسوخة علامة على التّنوّع (1/305)
صفحة 306
والتّعدّد والتّفاضل (2)، وهو دليل كثيرا ما ساقه بعده المتكلّمون الإباضيّون.
__________
(1) - جاء في تاريخ الطّبريّ، ج7 ص196 بعد ذكر الآية (ق 11: 1) "كلّ محكَم مفصَّل فله محكِم مفصِّل، والله محكِم كتابه ومفصِّله فهو خالقه ومبتدعه".
(2) - مثلا هذا الحديث الّذي ورد في الرّسالة: "روي عن عليّ بن أبي طالب أنّه قعد ذات يوم في ملإ من المهاجرين والأنصار في خلافة عمر، وأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتذاكرون فضائل القرآن. فقال بعضهم: أفضل القرآن خاتمة سورة براءة: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم ... " 9: 128. وقال بعضهم: آخر سورة بني إسرائيل: "قل ادعوا الله أو ادعوا الرّحمن ... " 17: 110. وقال قوم: أفضل القرآن يس، وقال بعضهم: أفضل القرآن السّجدة. وعليّ عنهم ساكت، فقال له عمر رحمه الله: ما لك يا أبا الحسن ساكت؟ فقال: سمعت رسول الله ص يقول: خير البشر آدم، وخير العرب أنا ولا فخر، وخير الفرس سلمان، وخير الرّوم صهيب، وخير الحبشة بلال، وخير الجبال الطّور، وخير البقاع مكّة، وخير الشّجر السّدرة، وأعظم القرآن البقرة، وأعظم البقرة آية الكرسيّ. ألا ترون أنّه فاضل بين أجزاء القرآن؟ ولم ينكر أصحاب الرّسول هذا الحديث. ومثل هذه الأحاديث كثير". البرّاديّ: جواهر، ص198.
في المقاربات الّتي أجريناها مع رسالة المأمون وفي الشّبه بأفكار متكلّمين معتزلة كالنّظّام والجبّائيّ شهادة كافية على معرفة أبي اليقظان بحجج المعتزلة. لا بدّ أيضا أنّ سفره في شبابه إلى المشرق ساهم في تكوين فكره ووصله بتيّارات الاعتزال الّتي كانت إذّاك في أوج ازدهارها. كذلك كانت مناظرات تقام بتيهرت وإفريقية الأغلبيّة بين الإباضيّة والمالكيّة والمعتزلة، وقد أتى بعض المناظرين من المشرق ولهم خبرة في فنون الجدال، ومن مواضيع تلك المناظرات قضيّة خلق القرآن أو قدمه (1). وفي كتب كرياض النّفوس للمالكيّ (2) وطبقات علماء إفريقية (1/306)
صفحة 307
لأبي العرب (3) خير دليل على ذلك. ورغم احتمال تأثّر أبي اليقظان بمفكّرين معتزلة، تبدو لنا الرّسالة مؤلَّفا أصيلا أراد أن يجمع ويرتّب فيه عدّة أدلّة على خلق القرآن في صيغة يستطيع عامّة الإباضيّة استيعابها (4).
__________
(1) - "لم يصل إليه (سحنون) أذى وأعزّه الله تعالى وشرّف قدره وأقام به السّنّة وأمات به البدعة. ولم يقم أحمد بن الأغلب بعد ذلك. كان عليّ بن حميد (الوزير) يجلّ محمّدا بن سحنون ويعظّمه ويكبره، وفي مجلسه ناظر شيخا قدم من المشرق يقال له أبو سليمان النّحويّ صاحب الكسائيّ الصّغير وكان يقول بخلق القرآن ويذهب إلى الاعتزال. فسأله فسكت الشّيخ ولم يحر جوابا". انظر إدريس: "مساهمة في تاريخ إفريقية" في مجلّة الدّراسات الإسلاميّة، (1936م)، ص137 - 138.
(2) - أبو بكر المالكيّ: رياض النّفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية، باريس، جوتنر (1936م)، ص129 وما بعد (الجدالات الدّينيّة).
(3) - ترجمة ابن شنب، باريس (1915م).
(4) - يلاحَظ أنّ الرّسالة لا تستخدم المصطلحات الفلسفيّة، مصطلح محدَث مثلا قرآنيّ.
والظّاهر أنّ رسالة أبي اليقظان قدّمت لمدّة طويلة إجابات كافية للإباضيّة، فقد اكتفت عقيدتا المزاب ونفوسة بجملة واحدة حول المسألة (1)، وأعاد كتّاب (ق 6هـ/12م) استدلاله في جوهره. وضّح تبغورين مصطلحات سابقيه المشتقّة من القرآن بالأساس، وأكّد أنّ القرآن عرض وليس جسما، تابعا في ذلك الجنّاونيّ (2) ومتبنّيا وجهة نظر معظم المعتزلة (3). يسمح هذا التّوضيح بإزالة اللّبس الّذي بقي في رسالة الإمام أبي اليقظان بخصوص الكلام وقائله. بالتّمييز بين المتكلِّم والكلام والمكلَّم- الّذي أخذه عنه تبغورين- وبجعل الله فاعل الكلام، (1/307)
صفحة 308
استبعد الإمام إمكانيّة كلام قديم قائم بالله، لكنّه لم يبيّن ماهية هذا الكلام الملقى إلى بشر: بأيّ معنى نقول إنّ هذا الكلام، مسموعا بالآذان مقروءا بالألسن مكتوبا في المصاحف وفي قلوب الّذين أوتوا العلم، كلام الله؟ يعني وصف الكلام بالعرض جعله في دائرة المحدَث- لأنّ العرض حركة أو سكون- والحكمَ بأنّه قابل للزّوال. صحيح أنّ تبغورين أكّد في نفس الوقت أنّ القرآن خبر وصدق، وكلّه من الله، لكن ألا يشتمل التّشديد على صفته كعرض ومخلوق خطر تضخيم أهمّيّة فعل الإنسان (4)
__________
(1) - "ليس منّا من قال إنّ القرآن ليس مخلوقا" (عقيدة العزّابة). عبارة الجنّاونيّ أعمّ ولا تشير إلى خلق القرآن: "ليس منّا من يقول بأنّ القرآن ليس كلام الله" أو "ليس بيننا من يقول بأنّ القرآن ليس مخلوقا" (عقيدة نفوسة، ص48 - 49). لكنّه أشار عرضا إلى أنّه "عرض" (ن م 51)، وفي كتاب الوضع أكّد المعنى السّلبيّ لصفة الكلام: "الله متكلّم أي ليس بأخرس" (ص 11).
(2) - انظر عقيدة نفوسة، ص51. قال جعفر بن مبشّر والأصمّ إنّ القرآن جسم وليس عرضا بخلاف معظم المعتزلة. انظر الأشعريّ: مقالات، ج2 ص236.
(3) - مثلا معمّر والإسكافيّ وأبو الهذيل، انظر مقالات، ج1 ص246.
(4) - "القرآن هو هذا المقطّع المسموع المفهوم كما قلنا، هو كلام صادر عنّا، لفظ صادر عنّا. هو خبر وصوت مقطّع. التّقطيع أمر آخر: هو حركة اللّسان والشّفاه واللّهاة، وتأليف الحروف. هذا الأمر من أفعال الإنسان" (أصول الدّين، ص63).
؟ فعل الله فيه، كما قال القاضي عبد الجبّار (1) لاحقا، أنّه محدِثه وهو مضاف إليه كما يضاف ما ننشده اليوم من قصيدة امرئ القيس وإن لم يحدثه الآن.
دافع عن هذه الرّؤية الواقعيّة كذلك الورجلانيّ الّذي رفض التّفريق ضمن القرآن بين كلام يتبع المجال الإلهيّ ويتضمّن الأوامر والنّواهي، وآخر دعاه "هيولا خيولا" هادفا بهذا التّلاعب اللّفظيّ إلى كشف التّناقض الّذي ينطوي عليه ذلك الجانب الّذي يدعونه "العبارة عنه" والّذي هو في رأيه بمثابة خيال للأوّل (2). وتابع ساخرا أنّه (1/308)
صفحة 309
"لم ينزل به جبريل على قلب محمّد عليه السّلام وإنّما نزل بالعبارة لا القرآن، وخيال جبريل هو الّذي نزل على خيال محمّد عليهما السّلام، ولم ينزل علينا نحن أيضا القرآن وإنّما نزل على خيالنا، وأنّ قوم محمّد ما كذّبوا بالقرآن وإنّما كذّب خيالهم، وليس القرآن في نفسه بحقّ وإنّما العبارة عنه هي الحقّ وهي الّتي كذّب خيالُ القوم وضلالُهم". من يقول بتلك التّرّهات منكرا خلق القرآن حقيق بأن يُنفى وجوده هو ذاته!
__________
(1) - عبد الجبّار: شرح الأصول الخمسة، ص528.
(2) - "فما حاججناهم به من صفات الخلق الموجود في القرآن قالوا: صدقتم غير أنّ ذلك يتوجّه إلى العبارة عن القرآن لا نفس القرآن. قلنا لهم: إنّ الله تعالى يقول: "إنّا جعلناه قرآنا عربيّا" (ق 43: 2). أجابوا: العبارة عنه. قلنا لهم: إنّ الله تعالى يقول: "ما يأتيهم من ذكر من ربّهم محدَث إلاّ استمعوه وهم يلعبون" (ق 21: 2). قالوا: العبارة عنه ... انظر: [علّوش]: رسالتان، ص71 - 72.
يخالف رفض التّمييز بين كلام إلهيّ قديم قائم بالله وعبارة إنسانيّة مخلوقة هي دلالة ذلك الكلام المعدّة لحاجات النّاس محاولات مفكّرين كابن كلاّب (1) إيجاد طريق وسط بين أفكار المعتزلة عن خلق القرآن وطرح الحنابلة الغلوائيّ الجانح إلى إعطاء صفة القدم لا للقرآن فقط بل حتّى للعبارة الإنسانيّة من قراءة وكتابة وحفظ (2). كذلك لم يكن ممكنا أن يصادق أولئك الكتّاب على صياغات قريبة (1/309)
صفحة 310
من الّتي قدّمها ابن كلاّب مثل وصيّة أبي حنيفة (3)
__________
(1) - "فأمّا عبد الله بن كلاّب فالقراءة عنده هي غير المقروء، والمقروء قائم بالله، كما أنّ ذكر الله سبحانه غير الله، فالمذكور قديم لم يزل موجودا وذكره محدَث. فكذلك المقروء لم يزل الله متكلّما به، والقراءة محدثة مخلوقة وهي كسب الإنسان". انظر الأشعريّ: مقالات ج2 ص245. أو كذلك ميّز بين المعنى والرّسم: "إنّ الكلام معنى واحد بالله وإنّ الرّسم هو الحروف المتغايرة وهو قراءة القرآن"، مقالات ج2 ص233. تلك النّظريّة مرفوضة عند الإباضيّة الّذين يعتبرون الاسم مطابقا للمسمّى كما ذكر أبو العبّاس الشماخي (ت 928هـ/1522م):، نشر الشّيبانيّ، (1392هـ/1973م)، ص153.
(2) - مثلا ابن بطّة: "القرآن غير مخلوق. كيفما قرئ وكيفما كُتب وأينما قرئ وأينما وُجد، سواء كان في السّماء أو محفوظا في الصّدور على الأرض، في اللّوح المحفوظ أو في مصاحف، مرسوما في ألواح الصّبيان أو منقوشا على الحجر، هو في كلّ الأحوال والأماكن كلام الله غير المخلوق". انظر [لاوست]، الانشقاقات في الإسلام، ص399. حول ابن تيميّة وتردّده حول مقالة ابن حنبل: ("الكلمة كلمة الله والصّوت صوت القارئ") انظر [لاوست]، بحث في أفكار ابن تيميّة الاجتماعيّة والسّياسيّة ص169 - 171. الأشاعرة أيضا يرفضون هذا الموقف المتطرّف. انظر الباجوريّ: خاصّيّة ص42.
(3) - انظر وصيّة أبي حنيفة: "كلام الله تعالى غير مخلوق، هو صفته على التّحقيق، مكتوب في المصاحف مقروء بالألسن محفوظ في الصّدور غير حالّ فيها، والحروف والحركات والكاغد والكتابة كلّها مخلوقة لأنّها أفعال العباد. كلام الله تعالى غير مخلوق لأنّ الكتابة والحروف والكلمات كلّها آلة القرآن لحاجة العباد إليها. وكلام الله تعالى قائم بذاته ومعناه مفهوم بهذه الأشياء"؛ انظر [ونسنك]، العقيدة الإسلاميّة، وصيّة أبي حنيفة، البند 9.
أو الفقه الأكبر 2 (1) اللّذين ميّزا بين قرآن قديم وعبارات إنسانيّة عنه محدثة. لكنّهم كانوا على الأرجح سيرتضون أفكار حنبليّ عصريّ كعليّ مصطفى الغرابيّ الّذي ينسب الكلام إلى مبتدعه ويحرص على الحفاظ على وحدة كلام الله، وسيشاركونه في رفض القول بأنّ القرآن كما نعرفه عبارة عنه (ضدّ ابن كلاّب)، لكن دون وصفه بالقدم (2).
__________
(1) - الفقه الأكبر 2، البند 3: "لمّا كلّم الله موسى كلّمه بكلامه الّذي هو له صفة في الأزل ... والله تعالى يتكلّم بلا آلة ولا حروف والحروف مخلوقة وكلام الله تعالى غير مخلوق". انظر [ونسنك]، المصدر نفسه، ص189.
(2) - "من الإيمان بالله وكتبه الإيمان بأنّ القرآن كلام الله المنزل غير المخلوق، منه بدأ/بدا وإليه يعود. والله تكلّم به على الحقيقة. هذا القرآن الّذي أنزله على محمّد عليه السّلام كلامه تعالى على الحقيقة وليس كلام غيره. لا يجوز القول بأنّ هذا الكلام حكاية لكلام الله ولا عبارة، والمقروء على الألسن الكتوب في المصاحف هو كلام الله على الحقيقة، لأنّ الكلام يُنسب إلى المبتدئ به لا إلى مبلّغه وناقله، وهو كلام الله بحروفه ومعانيه. الحروف بدون المعاني ليست كلام الله، ولا كذلك المعاني بدون الحروف". هذا ضدّ المعتزلة والجهميّة، وضدّ ابن كلاّب (الحكاية) وضدّ الأشعريّة (العبارة). انظر عليّ مصطفى الغرابيّ: المنحة الإلهيّة في شرح العقيدة الواسطيّة (لأحمد بن تيميّة) القاهرة (1383هـ/1963م)، ص60.
تستبعد الأفكار الّتي عبّر عنها تبغورين أن تكون تلاوة القرآن تلاوة نسخة مطابقة لمثال علويّ مكنون باللّوح المحفوظ. ربّما بدت الآفاق الّتي فتحها جريئة (1/310)
صفحة 311
شيئا ما، إذ كانت خطوة تكفي للقول كابن كلاّب إنّ كلام الله كسب الإنسان. وإنّه لأمر ذو دلالة أنّ كاتبا كأبي ساكن عامر الشماخي (ت 792هـ/1389 - 1390م) شدّد، ربّما في ردّ فعل على تبغورين، على أنّ القرآن فعل لله: الله، وفق أقواله، خالق كلامه ووحيه ومحدِثه، جعله وأنزله (1). كذلك يمكن أن نرى في كتابه أصول الدّيانات أنّ بنود العقيدة الخاصّة بالقرآن لم تُدرَج في باب التّوحيد مع الفصل حول الكتب والرّسل، بل أُلحقت بباب القدر. "الله خالق كلّ شيء وعالم بكلّ شيء ومريد كلّ شيء. هو خالق أفعال العباد ومحدثها ومريدها، وهو خالق كلامه ووحيه ومحدثه". هكذا نُقل لبّ القضيّة إلى باب القدرة. كان توجّه مماثل يوجد قبلئذ بنحو ضمنيّ عند عبد الكافي: فلإثبات خلق القرآن، بصفته شيئا كائنا محدثا، أحال على نقضه للقدريّة (2) النّافين خلق الأفعال. أعاد أبو مهديّ عيسى بن إسماعيل (ت 871هـ/1465م) جوهر تدليل أبي اليقظان والورجلانيّ (3). وأكّد عمر بن رمضان الثّلاثيّ (ق 12هـ/18م) أنّ القرآن كلام الله المخلوق، لفظه ومعناه، لكنّه استثنى (ربّما بتأثير أشعريّ) اسم الجلالة واسمي الرّحمن والرّحيم فقد أقيم الدّليل على قدم معانيها (4).
__________
(1) - أبو ساكن عامر الشماخي: أصول الدّيانات، في مجموعة مستهلّة بعقيدة العزّابة، مع شرح الثّلاثيّ، ط ح 62 ص
(2) - عبد الكافي: الموجز ج2 ص33.
(3) - انظر جواب الشّيخ أبي مهديّ عيسى بن إسماعيل ضمن مجموعة نصوص تبدأ بالرّدّ على العقبيّ لأطفيّش، نشرها محمّد بن الحاجّ صالح بن عيسى في ط ح (1321هـ)، ص171 - 187.
(4) - عمر الثّلاثيّ: نخبة المتين، ص162.
تظهر لدى استعراض الصّياغات اللاّحقة لرسالة أبي اليقظان صعوبة تحديد ما (1/311)
صفحة 312
يعود إلى الله وما يعود إلى الإنسان أو العلاقة بين مصدر الكلام الأوحد و"مجاري" الوحي- النّبيّ والكتب الّتي دُوّن وحُفظ فيها الوحي الّذي هو في تصوّر المسلمين تنزيل بل إملاء. امتدادا لأفكار أبي اليقظان تمّ التّشديد على أنّ الكلام فعل لله وأنّ الكتاب واحد محدث مقروء: بهذا المعنى ينبغي فهم خلق القرآن. ساهمت التّحاليل الّتي تناولت التّنوّع والتّعدّد فيه في إثبات هذه الحقيقة. ولم تدخل فكرة محلّ بشريّ للكلام إلاّ مع المحدثين.
طريقة الاستدلال
مع أنّ نقاشات حول قضيّة القرآن جرت داخل الجماعة الإباضيّة في فترة مبكّرة في عمان، وقعت الجدالات الأشدّ حدّة بين الإباضيّة والأشعريّة. قبل تقديم مثال على منهج الاستدلال العقليّ حول جانب منها هو مفهوم الكلام النّفسيّ، من المفيد إبراز جملة من الثّوابت تشترك فيها تحاليل الكتّاب الإباضيّين.
1 - اختيار الآيات وطريقة تأويلها: يقدّم نموذجا لذلك استخدام فعل جعل: استظهر أولئك الكتّاب بآيات ورد فيها ونصّ على القرآن وعلى مخلوقات (1) مبيّنين أنّ معناه فيها "خلق"، وعارضهم القائلون بقدمه بآيات أخرى (2) أو أوّلوه بمعنى التّصيير والتّسمية لا الخلق (3). (1/312)
صفحة 313
__________
(1) - البرّاديّ: الجواهر، ص186؛ عبد الكافي: الموجز ج2 ص134؛ أطفيّش: شرح العقيدة ص403.
(2) - مثلا (ق 55: 1 - 4) "الرّحمن. علّم القرآن. خلق الإنسان. علّمه البيان". لاحظ الأشعريّ أنّ الله قال علّم القرآن ولم يقل خلقه كالإنسان.
(3) - أطفيّش: شرح الدّعائم ج1 ص228.
2 - مقارنة فعل جعل بأفعال أخرى أُشير بها إلى القرآن: أنزل، أحدث (1). يلاحَظ بهذا الصّدد انتقالهم من معنى الحدوث إلى معنى الخلق وتأكيدهم على ترادفهما، بينما لم يتماد بعض المعتزلة إلى حدّ القول بأنّهما معنى واحد ولذلك سُمّوا الواقفة (2).
3 - الاستظهار بآيات تبيّن أنّ القرآن يندرج ضمن سلسلة أحداث متتابعة في الزّمان: تعني الآية "كذلك نقصّ عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنّا ذكرا" (ق 20: 99) مثلا أنّ القرآن ظهر في الزّمان بعد الأحداث الّتي أنبأ عنها، فضلا عن ذلك يفترض قصّها بداية ومنتصفا ونهاية. وتفترض الكتب المتتابعة- التّوراة والإنجيل والقرآن- تقدّما وتأخّرا في الزّمان (3).
__________
(1) - تبغورين: أصول الدّين، ص61؛ عبد الكافي: الموجز ج2 ص134.
(2) - "قال محمّد بن شجاع الثّلجيّ ومن وافقه من الواقفة: إنّ القرآن كلام الله وإنّه محدَث كان بعد أن لم يكن وبالله كان وهو الّذي أحدثه، وامتنعوا من إطلاق القول هل هو مخلوق أو غير مخلوق" الأشعريّ: مقالات ج2 ص232. أخذ هذا الموقفَ البين بين عددٌ من مفكّري (ق 3هـ/9م) - كزهير الأثيريّ وأبي معاذ التّومنيّ (ح 200هـ) وكذلك داوود بن عليّ الإصبهانيّ مؤسّس فرقة الظّاهريّة (ت 270هـ). انظر واتّ النّقاشات المبكّرة، المصدر المذكور، ص38 - 39.
(3) - انظر البرّاديّ: الجواهر، ص195 - 196. بخصوص الآية (ق 2: 30) "وإذ قال ربّك للملائكة ... " لاحظ بعض الكتّاب أنّ حرف إذ يبيّن أنّ كلام الله وقع في ظرف زمانيّ. انظر أطفيّش: خاصّيّة الدّيانات، مخطوط ورقة 21 ظ. انظر كذلك القاضي عبد الجبّار: شرح الأصول الخمسة، ص531.
4 - تحميل بعض ألفاظ القرآن معنى فلسفيّا لم تكن تحمله في الأصل في سياقها القرآنيّ، بحيث تحوّلت إلى مصطلحات فنّيّة: مثال ذلك كلمة محدَث (أي جديد (1) (1/313)
صفحة 314
وبالتّالي موجد في الزّمان) في شتّى صيغها الصّرفيّة (2)، بينما لم ترد في القرآن حدث وحدوث. والشّأن مماثل في كلمة شيء الّتي أُعطيت معنى موجود وكائن (3).
5 - التّشديد على "أنّ القرآن يتكوّن من حروف وحركات وأصوات مقطّعة وآيات محكمة ومتشابهة وناسخ ومنسوخ، وكلّ هذا من علامات الحادث" (4).
6 - رفض استثناء القرآن من صفة الشّيء العامّة، وتأكيد أنّه يخضع لقدرة الله "خالق كلّ شيء"، وإحالة أن يكون حالا أو صفة قديمة مع الله: التّخصيص يحتاج إلى دليل وهو غير موجود (5).
7 - إحالة التّثنية المتمثّلة في التّمييز بين اللّفظ والمعنى: إن كانت الحكاية غير المحكيّ فما هو القرآن: الحكاية أم المحكيّ؟ موقف الخصم مرفوض لأنّ الاسم يطابق المسمّى (6).
8 - حقيقة القرآن الألفاظ الّتي لا يجوز صرفها إلى المجاز، وإلاّ فليؤت بدليل على (1/314)
صفحة 315
ذلك: وهو غير موجود (7).
__________
(1) - انظر (ق 21: 2) "ما يأتيهم من ذكر محدث من ربّهم إلاّ استمعوه وهم يلعبون".
(2) - انظر تبغورين: أصول، ص60؛ عمر الثّلاثيّ: نخبة المتين، ص162.
(3) - البرّاديّ: الجواهر، 184؛ عبد الكافي: الموجز، ص2، ص132 - 133.
(4) - البرّاديّ: الجواهر، ص186؛ أبو سهل يحيى: عقيدة مخطوط و ص28؛ تبغورين: أصول، ص60.
(5) - البرّاديّ: الجواهر، ص183 - 184؛ عبد الكافي: الموجز، ج2 ص132 - 133؛ أطفيّش: شرح الدّعائم، ج1 ص339؛ السّالميّ: مشارق، ج1 ص103.
(6) - الشماخي: مقدّمة التّوحيد، ص153؛ أطفيّش: شرح الدّعائم ج1 ص227.
(7) - في (ق 76: 23) "إنّا نحن نزّلنا عليك القرآن تنزيلا"؛ وقد فسّر أبو مهديّ عيسى بن إسماعيل المصدر تنزيلا بأنّه لا ينبغي فهم النّزول على المجاز بل على الحقيقة بالمعنى المطلق.
9 - لا يمكن أن يُعتبر القرآن صفة لله لأنّ هذا يحتاج إلى وحي صريح أو توقيف، وهذا غير موجود (1).
10 - القول بأنّ القرآن هو الله يجعل أصحابه من اليعاقبة والنّصارى (2).
11 - كما رأينا بخصوص الصّفات عموما، استعان الكتّاب بموارد اللّغة العربيّة للتّدليل مستخدمين قواعد الاشتقاق: بما أنّ محدَث لا يكون إلاّ بمحدِث (لا مفعول بدون فاعل) فلا كلام بدون متكلِّم مختلف عن المتكلََّم (المصدر واسم الفاعل) (3).
__________
(1) - أطفيّش: شرح الدّعائم ج1 ص227.
(2) - البرّاديّ: الجواهر، ص184؛ تبغورين: أصول، ص61؛ أطفيّش: شرح الدّعائم ج1 ص226.
(3) - البرّاديّ: الجواهر، ص184 - 185 و186 و194 الخ.
كان لا بدّ أن تجرّ قضيّة خلق القرآن إلى التّساؤل عن طبيعة صفة الكلام: تفترض الأوامر والنّواهي والأخبار الّتي احتوى عليها القرآن أنّ الله متكلّم متّصف بالكلام. وضّح الإباضيّة، وفق منطق مذهبهم العامّ في الصّفات، أنّ الكلام ليس من الصّفات الذّاتيّة. قدّم الورجلانيّ المسألة بهذا النّحو: لا يجوز اعتبار صفة الكلام مثل صفة العلم كما يزعم الأشاعرة مستدلّين بكونها لا تجامع ضدّها في الوجود في الله وأنّ خلق الكلام يفترض أنّ الله كان أخرس قبل الاتّصاف به، كما يفترض حدوث العلم الجهل قبله. ردّ الورجلانيّ: ليس الخرس بنقيض الكلام بل نقيضه السّكوت، وقد يكون الحيّ ساكتا لا متكلّما ولا أخرس بينما لا يصحّ في الحيّ أن يكون غير (1/315)
صفحة 316
عالم وغير قادر أو مريد أو راض أو ساخط (1)، فهاتيك مهما انخرمت منها صفة انخرمت الحياة وليس ذلك في الكلام البتّة. لكن إن كان الكلام من طبيعة الحيّ وإن كان الحيّ في حالة الله هو الكائن القائم بذاته، ألا يجب أن يكون الكلام قديما نظرا إلى أنّ الحياة والوجود متلازمان هنا؟ استدلّ الأشعريّة على أنّ المتكلِّم هو المتّصف بالكلام صفة قائمة به لا الّذي أوجده في غيره بالاعتماد على الكلام البشريّ العاديّ: لا يجوز أن يقال إنّ الله متحرّك لأنّه أصل الحركة ولا مصوّت لأنّه خالق الصّوت، لكن لكونه حيّا قيّوما يمكن وصفه بالمتكلّم حتّى إن لم نعلم أنّه أوجد كلاما، لأنّ افتراض العكس يعني وصمه بالنّقصان. رأى أبو محمّد عبد الله بن سعيد السّدويكشيّ في إلحاق الكلام بالحيّ الكائن إضافة خارجيّة: الذّات خالق فعل لا من حيث اتّصافها بالحياة والقيام بل من حيث هي فاعل، موجد لفعله. ننسب فعل الكلام إلى زيد باعتباره متكلّما حتّى إن توسّعنا بعدئذ في الاشتقاق: نعوت "مكّيّ" و"حدّاد"
__________
(1) - انظر الورجلانيّ: الدّليل، ص51؛ [علّوش]: رسالتان، ص71؛ ردّ كذلك على هذا الاعتراض القاضي عبد الجبّار: المغني، ج7 ص133 وما بعد.
وغيرهما الّتي نصفها به تزاد إليه إن اعتبرنا أنّه أوتي قبل كلّ شيء صفة الكلام (1).
احتجّ الأشعريّة بأنّ الله لا يسمّى مصوّتا، خالق صوت، لأنّ ذلك يفضي منطقيّا وفق مذهبهم في الصّفات، إلى القول بأنّ الصّوت قائم به، وكذلك لعدم ورود توقيف، وفي المحلّ الثّالث لأنّهم ميّزوا الكلام الحسّيّ المؤلّف من ألفاظ وحروف خطّيّة (1/316)
صفحة 317
وإشارات عن الكلام النّفسيّ. جواب السّدويكشيّ أنّ معاني الأمر والنّهي والإخبار والدّعوة الخ الّتي هي قائمة بالله وقديمة هي عين العلم؛ ورغم إقراره للأشاعرة بأنّ الله يخلق الأصوات والحروف كوسائل لنقل "المعاني" الّتي أرادها وهي حادثة غير قائمة بذاته، اعتبر الكلام النّفسيّ كمعنى قائم بالذّات خُلفا كما رأينا بخصوص الصّفات عموما (2).
الكلام النّفسيّ
هكذا طرحت قضيّة وجود كلام نفسيّ لله. بات موضوع النّقاش يشمل إلى جانب طبيعة القرآن بوجه عامّ حدوثه أو قدمه، طبيعة الأوامر والنّواهي والأخبار الّتي تضمّنها وعلاقتها بالكلام النّفسيّ الإلهيّ، وذلك يطرح أيضا مشكلة أفعال الله في العالم، وعلاقة الكلام بصفتي العلم والإرادة.
__________
(1) - أبو محمّد عبد الله بن سعيد السّدويكشيّ أستاذ محمّد أبي ستّة القصبيّ الّذي عاش في (ق 11هـ/17م)، (انظر عليّ يحيى معمّر: الإباضيّة في موكب التّاريخ، ج3 ص183). انظر خاصّيّة الدّيانات، مخطوط (ق 829هـ/5 - 6م)، ورقة 19 ظ.
(2) - السّدويكشيّ: خاصّيّة الدّيانات، و ص19 - 20.
ورد التّمييز المتّبع من الأشاعرة المتأخّرين (1) بين كلام لفظيّ وكلام نفسيّ قائم بالله عند الباقلاّنيّ الّذي ذهب إلى أنّ الكلام فكر يدور بالخلد ودون الإلحاح على ذلك. شدّد الجوينيّ من جهته على حقيقة ذلك الكلام الباطنيّ الّذي سمّاه كلاما نفسيّا، هو القول القائم بالنّفس الّذي تدلّ عليه العبارات وما يصطلح عليه (1/317)
صفحة 318
من الإشارات ونحوها" (2). وفي رأيه "لا تشكّل الأصوات والعلامات الخطّيّة أو حتّى بعض الإشارات الكلام، وإنّما هي تعبير خارجيّ عنه. لنجد الكلام الحقيقيّ لا بدّ أن نرجع إلى مركز الشّخصيّة: في نفس المتكلّم يتكوّن الكلام الباطنيّ" (3).
__________
(1) - من تُنسب إليه أقوال لفظيّة له كلام نفسيّ. ونحن ننسب إلى الله كلاما لفظيّا كالقرآن الّذي هو بلا ريب كلام الله الّذي جعله في اللّوح المحفوظ. هذا يدلّ ضرورة على أنّ لله كلاما نفسيّا. ذلك ما يعنون بقولهم إنّ القرآن حادث ومتعلّقه- أي الكلام النّفسيّ- قديم. نسبته إجمالا إلى الله كافية، وإن كان الكلام اللّفظيّ غير قائم بالذّات. الباجوريّ: خاصّيّة، ص43.
(2) - الجوينيّ: الإرشاد، نشر [لُسياني]، ص101 - 102.
(3) - انظر [ألاّر]، الصّفات، ص391.
في شرح عقيدة التّوحيد، فحص أطفيّش تصوّر الكلام النّفسيّ الّذي بلوره عضد الدّين الإيجيّ وسعد الدّين التّفتزانيّ. "قالا: لا ننكر على قول المعتزلة أنّ الألفاظ مخلوقة حادثة وأنّها غير قائمة بذاته، ونسمّيه كلاما لفظيّا. لكنّا نثبت أمرا وراء ذلك، وهو المعنى القائم بالنّفس المترجَم عنه بالألفاظ، ونزعم أنّه غير العبارات، إذ قد تختلف بالأزمنة والأمكنة والأقوام ولا يختلف ذلك المعنى النّفسيّ، إذ قد يُدَلّ عليه بالإشارة والكتابة، كما يُدَلّ عليه بالعبارة، والطّلب (الّذي هو أمر) الّذي هو معنى قائم بالنّفس لا يتغيّر مع تغيّر العبارات ولا يختلف باختلاف الدّلالات. وما ليس متغيّرا- وهو المعنى النّفسيّ- مغاير للمتغيّر الّذي هو العبارات. ونزعم أنّ المعنى النّفسيّ الّذي هو خبر غير العلم، إذ قد يخبر الرّجل عمّا لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشكّ فيه، وأنّ المعنى النّفسيّ الّذي هو الأمر غير الإرادة، لأنّه قد يأمر الرّجل بما لا يريده ... (وباختصار فإنّ) المعنى النّفسيّ المترجم عنه بصيغة الخبر والأمر صفة ثالثة مغايرة للعلم والإرادة قائمة بالنّفس". ردّ أطفيّش أنّه "يلزم من إثبات الكلام النّفسيّ كونه تعالى مكيّفا وظرفا، وذلك يتصوّر في الحادث". (1/318)
صفحة 319
يردّ الخصوم بأنّ الإباضيّة ينفون حقيقة الصّفات. مع ذلك يقبل أطفيّش تصوّرا معيّنا للمعنى النّفسيّ، لا تبدو صياغته له واضحة تماما، والظّاهر أنّه قصد ما يلي: المعنى النّفسيّ المذكور مقبول إن اعتُبر علاقة بين إرادة الله تبليغ أمره أو خبره والإنسان متلقّي الأوامر والأخبار باعتبارها صادرة من الله، لأنّ هذه المعطيات تُدرَك في شكل عبارات متعدّدة ومتنوّعة ومغايرة بالضّرورة لإرادة الله القديمة (1). نلمس هنا مرّة أخرى الصّعوبة الّتي تواجه الكتّاب إذ يريدون التّعبير عن العلاقة بين وحدانيّة الله والعبارات المتعدّدة والمتنوّعة حتما لإرادته. هناك حسب أطفيّش مبرّر آخر لرفض قدم الأمر والخبر: هو التّناقض الصّارخ بين الأمر بفعل والنّهي عنه معا: "لو كان كلام الله قديما لاستوى نسبته إلى جميع المتعلّقات لأنّه يكون حينئذ كالعلم في أنّ تعلّقه بمتعلّقاته يكون بذاته. فكما أنّ علمه يتعلّق بجميع ما يصحّ تعلّقه به، كذلك كلامه يتعلّق بكلّ ما يصحّ تعلّقه به. ولمّا كان كالحسن والقبح بالشّرع، صحّ في كلّ فعل أن يؤمر به ويُنهى عنه، فيكون كلّ فعل مأمورا به منهيّا عنه، وهذا فساد" (2). (كذلك فإنّ الأمر والنّهي في الأزل ولا مأمور ولا سامع سفهٌ).
__________
(1) - أطفيّش: شرح العقيدة، ص408.
(2) - المصدر نفسه، ص409.
ردّ الخصوم بأنّ السّفه المزعوم لفظيّ فقط ولا يوجد في الكلام النّفسيّ. خير دليل على ذلك ما درج النّاس عليه كطلب التّعليم لولد لم يولد بعد. فرّق أطفيّش بين العزم على الطّلب وتخيّله وهو ممكن وليس سفها، ونفس الطّلب (1/319)
صفحة 320
الّذي هو سفه بل غير ممكن بدون من يُطلب منه (1). أجابوا على الاعتراض معتبرين الكلام النّفسيّ القديم "بأنّ الشّيء القديم الصّالح للأمور المتعدّدة قد يتعلّق ببعض منها دون بعض، كالقدرة القديمة، هي قابلة لكلّ جائز وبعض الجائزات واقع، وهو ما تعلّقت به الإرادة. فلا بدّ في الكلام أيضا من مخصِّص ويعود الكلام إليه ويلزم التّسلسل" (2). جواب أطفيّش هو أنّ تعلّق الكلام ببعض دون بعض كتعلّق الإرادة لذاتها ببعض ما يصحّ تعلّقها به دون بعض فلا تسلسل (3)
__________
(1) - أطفيّش: شرح عقيدة التّوحيد، ص410. عند الإباضيّة الطّلب والأمر والنّهي الخ كالكلام ليست قديمة ولا قائمة بالذّات، بل هي مخلوقة. انظر الورجلانيّ: الدّليل، ص38؛ [علّوش]: رسالتان، ص60؛ والفصل 7 أعلاه. حسب مذهب الإباضيّة في الصّفات، الإرادة الّتي هي عين الذّات مختلفة عن الأمر، وهو يوافق مذهب معتزلة البصرة كأبي الهذيل (انظر مقالات، ج1 ص244) ويخالف رأي الكعبيّ أنّ إرادة الله أمره. انظر البغداديّ: الفرق، ص166.
(2) - حسب نظرة الأشعريّة، تتعلّق الإرادة والقدرة بكلّ الممكنات بدون استثناء، ودور الإرادة تخصيص القدرة بتحديد ما يجب أن يكون أولا. وما خصّصه الله بإرادته يوجده بقدرته. والكلام القديم الواحد يتّصف بنحو ما، كالقدرة والإرادة والعلم، بعموم تعلّقه بكلّ الممكنات. وبشرط وجود الشّيء المأمور به أو المنهيّ عنه، يتعلّق به الكلام بالقوّة في الأزل قبل وجوده وبالفعل حدوثا بعد وجوده. انظر الباجوريّ: خاصّيّة، ص39 - 40؛ [غارديه]، الله ومصير الإنسان، ص111 - 112.
(3) - يمكن أن يقال أيضا والمعنى واحد: كما أنّ الإرادة هي الذّات من حيث هي تخصيص أو ترجيح لتحقيق واحد من الممكنات، كذلك الأمر والنّهي الخ هي الكلام من حيث هو تخصيص لطلب الله في صيغة أمر أو نهي. انظر أطفيّش: شرح العقيدة، ص410.
الإباضيّة والمذاهب الأخرى
يُبرز هذا الجدال بين أطفيّش والأشاعرة حول الكلام النّفسيّ الإلهيّ التّواصل في المذهب الإباضيّ بين المفكّرين المحدثين وأسلافهم. فمع أنّه قدّم تنازلا طفيفا (1/320)
صفحة 321
بخصوص المعنى النّفسيّ الّذي اعتبره مجرّد علاقة بين الإنسان والله المخبر الآمر النّاهي الخ، رفض جملةً مقولةَ كلام نفسيّ يتصوّره خصومه كبقيّة الصّفات معنى قائما بالله. الأمر والنّهي كمعان قديمة قائمة بالذّات- وحسب الخصوم تزاد عليها- عين العلم القديم في رأي الإباضيّة. من الواضح إذن أنّ قدم صفة الكلام الّذي أكّده الأشاعرة تطبيق لنظريّتهم العامّة في الصّفات.
اعتبر الأشاعرة الله متكلّما في الأزل، لأنّ تصوّر العكس يعني في رأيهم وصمه بالنّقصان. واعترض الإباضيّة بأنّ السّكوت غير العجز المطلق عن الكلام، وأنّ وصفه بالمتكلّم يعني نفي الخرس عنه، ولا يمكن أن يكون الكلام الّذي تحقّق في الزّمان بنزول الكتب إلاّ محدثا مخلوقا. ولئن اختلف إباضيّة المشرق والمغرب حول بعض صفات الأفعال كالرّضا والسّخط، فإنّ لا خلاف بينهم حول الكلام إذ كلّهم متّفقون على القول بأنّ القرآن كلام الله كان بعد أن لم يكن، أي هو محدَث. يعود إلى رسالة أبي اليقظان الفضل في وضع أسس نظريّة متينة حول هذه المسألة اعتنقها إباضيّة المغرب ونفوسة وإن كنّا لا ندري ماذا كان صداها عند العمانيّين الّذين لم يذكرهم ونعلم أنّهم كانوا في الأصل يعتقدون أنّ القرآن غير مخلوق.
أظهرت دراسة فحوى الرّسالة عدّة نقاط مشتركة مع المعتزلة، لاسيما البصريّين (النّظّام والجبّائيّ) في الاستدلال على خلق القرآن. لكنّ ما أتيح لنا اكتشافه من خلال المعطيات التّاريخيّة، رغم اقتضاب الإشارات، يسمح بالقول إنّ المسألة طُرحت في المغرب الإباضيّ قبل هذا الإمام عالم الكلام النّصف الأول من (ق 3هـ). هل كانت فكرة خلق القرآن جزءا من التّحصيل الّذي عاد به حملة العلم الأوائل الّذين أرسلهم أبو عبيدة (1/321)
صفحة 322
النّصف الأول من (ق 2هـ)؟ ذلك غير مستبعد فقد أثار المسألة في البصرة منذ تلك الفترة المبكّرة أشخاص كأبي شاكر الدّيصانيّ، وكانت صلات توجد بين هشام بن الحكم والمتكلّم الإباضيّ عبد الله بن يزيد الفزاريّ شهدت بها المصادر التّاريخيّة. هذه الصّلات المبكّرة بين الإباضيّة والمعتزلة، وفي العراق بالذّات، كافية- كما لاحظ [كريمونيزي]- لتفسير إمكانيّة التّأثّر بالمعتزلة والتّأثير فيهم من متكلّمي البصرة الإباضيّين الّذين كانوا يُدعون إذا حمي وطيس الجدال حول القضايا الخلافيّة. ليس ضروريّا إذن أن نفترض- مع [نلّينو] (1) و [روبناتشي] (2) - توسّط الواصليّة والأدارسة الّذين من الثّابت لا محالة أنّهم كانوا على اتّصال بإباضيّة تيهرت، لتفسير تغلغل أفكار التّوحيد وخلق القرآن بين إباضيّة المغرب.
__________
(1) -[نلّينو]: علاقة مذهبي المعتزلة والإباضيّة في شمال إفريقيا، م د ش، ص7، (1916 - 1918م)، ص445 - 460.
(2) -[روبناتشي]، عقيدة الجنّاونيّ، ص576.
لكن هل يعني ذلك استبعاد أيّ تأثير لمذاهب الشّيعة على نظريّة الإباضيّة في خلق القرآن؟ هنا أيضا يجدر التّنويه بنقاط الاتّفاق- إن لم نقل التّأثيرات- سيما ونحن نعلم أنّ المعتزلة انضمّوا إلى الإماميّة بدءا من النّصف الثاني من (ق 3هـ/9م) بتبنّي نظريّتهم في الإمامة في جوهرها مع الاحتفاظ بنظريّاتهم في الإلهيّات، متصدّين معهم للسّلطة العبّاسيّة بعد ردّة فعل المتوكّل السّنّيّة (1). فمع أنّ كاتبا إماميّا كالشّيخ المفيد لم يذهب إلى حدّ القول بأنّ القرآن مخلوق (كمعتزلة البصرة) اعتبره محدثا (2) مع الواقفيّة (1/322)
صفحة 323
والمعتزلة البغداديّين. وبالنّسبة إلى عالم اثناعشريّ كالعلاّمة الحلّيّ (3)، يعني القول بأنّ الله متكلّم أنّه يوجد الكلام في جسم، والكلام هو حروف وأصوات مسموعة مؤلّفة (4). تشبه هذه الأقوال صياغات الإباضيّة إلى حدّ مدهش. يجدر بالذّكر أنّ تطوّر الأفكار داخل الفرق الإماميّة، بدءا من القطعيّة والزّراريّة، جرّها إلى القول في الصّفات بنظريّة الإحداث في الذّات الّتي أخذها عنها الكرّاميّة وكذلك، لتطبيقها على القرآن، معتزلة البصرة (5). وقد عدّ الإباضيّ المعاصر أطفيّش الكرّاميّة من المتكلّمين الّذين قدّموا أفضل الصّيغ لنظريّة خلق القرآن (6)
__________
(1) - انظر [مادلنغ]: الإماميّة وعلم الكلام المعتزليّ، في "الشّيعة الإماميّة"، ندوة ستراسبورغ، النّشرات الجامعيّة الفرنسيّة، (1970م)، ص14؛ [لاوست]، الآنشقاقات، ص111 - 114.
(2) -[د سورديل]: الإماميّة من منظور الشّيخ المفيد، في م د إ 40، 2 (1972م)، ص239.
(3) - (ت 726هـ/1325م)، انظر [لاوست]، الانشقاقات، ص301 - 307.
(4) - انظر حسن بن يوسف بن عليّ بن المختار الحلّيّ: الباب الحادي عشر، ترجمة [ماك إلوي مِلّر]، لندن، الجمعيّة الملكيّة الآسيويّة، (1928م)، ص25.
(5) -[لاوست]، تصنيف الفِرق في الفَرق للبغداديّ، في م د إ، 29 (1961م)، ص29 - 30.
(6) - يتمثّل الموقف الصّحيح حسب أطفيّش (خاصّيّة الدّيانات، و 18 ظ-19 وجه) في أخذ الحقائق الجزئيّة الّتي تتضمّنها أفكار الحنابلة والكرّاميّة مع ترك الشّطط الّذي في مواقف هؤلاء وهؤلاء. يرى الحنابلة والكرّاميّة أنّ كلام الله حروف وأصوات وذلك حقّ، وهي قائمة بذاته وقديمة إذن حسب الحنابلة وفي ذلك شطط، وحادثة وقائمة بالذّات حسب الكرّاميّة لأنّ مذهبهم يجيز قيام الأعراض بالذّات.
يجب الإقرار، حسب قوله، بأنّ الكلام صوت وحرف (كما يقول الحنابلة والكرّاميّة)، وأنّه غير قائم بالذّات (ضدّ الكرّاميّة) وإنّما خلقه الله في غيره (كاللّوح المحفوظ وجبريل)، وأنّه حادث (1)، والله قادر على خلق الكلام في ما شاء من الأجسام. ذلك في رأيه القول الصّحيح. القرآن مخلوق، وجائز أن يكون أيّ جزء من الخلق محلاّ لآخر: وهكذا فإنّ اللّوح المحفوظ والألسن والصّدور محالّ للقرآن. حول هذه النّقطة يوافق الكرّاميّة (1/323)
صفحة 324
أفكار الجبّائيّ.
ما كان مفكّرو (ق 6هـ/12م) لا يجرؤون على قوله، إمكانيّة محلّ، كيلا يوحي بوجود القرآن في مكانين، يُنصّ الآن عليه بدون لبس. باستخلاص كلّ النّتائج النّاجمة عن اعتبار القرآن فعلا لله- مثلما أكّد الكتّاب الأوائل (كأبي اليقظان) واللاّحقون بدون انقطاع- تجاوز أطفيّش الاعتراضات الّتي تثيرها "قراءة" القرآن أو "حكايته" (تبغورين) والإشكال المترتّب حول طبيعة الكتاب. خلق الله الحروف والأصوات الّتي هي حادثة والّتي صارت بذلك وسائل لنقل المعاني الّتي أرادها الله. فهو قادر على خلق الكلام أين شاء، وهو دوما كلامه باق كما هو لأنّ الله هو قائله (2). (1/324)
صفحة 325
الفصل التاسع: رؤية الله
__________
(1) - المصدر نفسه.
(2) - أطفيّش: شرح الدّعائم، ج1 ص236.
تناولنا في الفصل المخصّص للصّفات مسألة الآيات المشبّهة، كالّتي ذكرت الاستواء على العرش ويد الله وعينه. رأينا كيف جرّت الإباضيّة كالمعتزلة إلى تأويلها على وجه المجاز للحفاظ على مبدأ التّنزيه. مسألة رؤية الله الّتي سنبحث فيها الآن على صلة وثيقة بمسألة الاستواء. فقد حمل المعتزلةَ تأكيدُ خصومهم علاقة مكانيّة بين الله وعرشه إلى الخوض في هذا النّقاش حول تمكّن الله، وهو أيضا أصل جدالات الإباضيّة حول مشكلة الرّؤية كما يشهد مثلا كتاب تبغورين (أصول، ص65). طُرحت المسألة في مبحث الإلهيّات لا من منظور الإنسانيّات لأنّها تدخل في باب التّوحيد. السّؤال الجوهريّ هو: هل الله مرئيّ بالأعين؟ متى وممّن؟ في الدّنيا و/أو في الآخرة؟ لبّ النّقاش هو: هل يجوز أن يُرى الله؟ من البيّن أنّ الجواب على السّؤال الأوّل بالنّفي يلغي السّؤالين التّاليين من الأصل.
تحدّثت وصيّة أبي حنيفة (ح 820م) عن "لقاء الله تعالى لأهل الجنّة" (1)، وأكّد الفقه الأكبر 2 (ح 1000م) هذه الرّؤية (2). وهي من أطروحات الأشاعرة (1/325)
صفحة 326
التّقليديّة (3)، دافع عنها الحنابلة بمعناها الحرفيّ (4) ضدّ المعتزلة (5)
__________
(1) - "و (نقول إنّ) لقاء الله تعالى لأهل الجنّة بلا كيف ولا تشبيه ولا جهة حقّ" انظر [ونسنك]، العقيدة الإسلاميّة، كمبردج، (1932م)، ص130.
(2) - " (ونقول ... ) والله تعالى يُرى في الآخرة ويراه المؤمنون وهم في الجنّة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كيفيّة ولا كمّيّة ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة"، [ونسنك]، المصدر نفسه، ص193.
(3) - الأشعريّ: الإبانة، ص10، "ندين بأنّ الله تعالى يُرى في الآخرة بالأبصار كما يُرى القمر ليلة البدر، ونقول إنّ الكافرين محجوبون عنه إذا رآه المؤمنون في الجنّة". انظر كذلك مقالات، ج1 ص321؛ الباقلاّنيّ: كتاب التّمهيد، ص266 - 279؛ ابن حزم: الفِصل بين الملل ج3 ص2 - 4؛ البغداديّ: أصول الدّين، إسطنبول، (1928م)، ص98 - 102؛ فخر الدّين الرّازي: التّفسير الكبير، القاهرة، البهيّة (1357هـ/1938م) خاصّة ج13 ص124، (تفسير الآية 6: 103) و14: 227 (ق 7: 143)؛ [لُسياني]، الإرشاد لإمام الحرمين (الجوينيّ)، باريس، [لورو] (1938م)، ص156 - 172 في التّرجمة و94 - 103 من الأصل؛ الخ.
(4) - لخّص ابن تيميّة موقف الحنابلة كما يلي: والإيمان بأنّ المؤمنين يرون ربّهم يوم القيامة عيانا بأبصارهم كما يرون الشّمس صحوا ليس دونها سحاب وكما يرون القمر ليلة البدر ولا يضامون في رؤيته. يرونه سبحانه وهم في عرصات القيامة ثمّ يرونه بعد دخول الجنّة كما يشاء الله سبحانه وتعالى". الواسطيّة ص22، والاستشهاد من [لاوست]، عقيدة ابن بطّة، دمشق (1958م)، ص102، ملاحظة 2. انظر: عليّ مصطفى الغرابيّ: المنحة الإلهيّة، ص54 و62 - 63.
(5) - القاضي عبد الجبّار: المغني ج14 ص33 - 240؛ شرح الأصول الخمسة، ص232 - 277، (الكتاب من إملائه وجمع أحد تلاميذه). ابن متّويه (ت 469هـ/1076م): كتاب المجموع في المحيط بالتّكليف، نشر [هوبن]، المطبعة الكاثوليكيّة ببيروت (1965م)، ص206 - 211. كان رأي جهم بن صفوان شبيها برأي المعتزلة حسب ابن حزم: الفِصل 2.
ذهب المعتزلة (مذهب المعتزلة) حول هذه المسألة، فهل سبقوهم إليه؟ في المواجهات حول قضايا الإلهيّات، هل قدّموا إسهاما أصيلا أم اكتفوا باستعمال مادّة جاهزة استعاروها من غيرهم؟ لا بدّ قبل أن نقرّر ذلك أن نجيب على سؤال يتبادر إلى أذهاننا: متى ظهرت داخل الفرقة النّقاشات الأولى حول هذا الموضوع؟
إن تأكّد افتراضنا عن عقيدة عمان الّتي ينسبها التّقليد الإباضيّ إلى عبد الله بن إباض (قبل منتصف (ق 2هـ/8م) أنّ نواتها الأصليّة تعود إليه فعلا، ترتّب عن (1/326)
صفحة 327
ذلك أنّ مجرّد ذكر الآية الّتي تؤكّد استحالة إدراك الأبصار لله في حدّ ذاته ذو دلالة، ويعني كما بيّنّا (1) أنّ الفرقة اختارت منذ البداية اتّجاها تلقّى لا محالة تنويعات كما سنرى لكن دون المسّ بجوهره: هو نفي رؤية الله.
__________
(1) - انظر أعلاه خاتمة الفصل 6.
في انتظار مزيد من المعلومات حول المصادر الإباضيّة، لا يبدو بالإمكان العثور على أثر لنقاشات حول هذه المسألة قبل أبي نوح سعيد بن زنغيل النّصف الثاني من (ق 3هـ) (1)، إذ لا نجد أيّة إشارة إليها في عقد محبوب بن الرّحيل النّصف الثاني من (ق 2هـ/8م) (2) معاصر الرّبيع بن حبيب (3)، ومن ناحية أخرى لم يذكرها الأشعريّ في مقالات الإسلاميّين بين المواقف الخاصّة بالإباضيّة بل فقط كعقيدة مشتركة بين الخوارج (4). والرّبيع بن حبيب يحيلنا إلى أصول الفرقة، فهو من "الجيل" الثّالث، فقد خلف أبا عبيدة على رأس إباضيّة البصرة. أيّة قيمة نعطي الأحاديث الّتي رواها عن ابن عبّاس وتتضمّن نفي الرّؤية (5)
__________
(1) - من النّصف الثاني من (ق 3هـ) حسب أطفيّش (الرّسالة الشّافية، ص179) أو من الطّبقة الثامنة (350 - 400هـ) حسب الدّرجينيّ. انظر الشماخي: السّيَر، ص353 - 354 و368.
(2) - ميّز هذا العالم في "عهده" بين الطّاعة الّتي هي تطوّع بعد الفريضة وليست مخالفتها كفرا والطّاعة الّتي هي إيمان بالله وبقيّة أركان الإسلام، ولم تُذكر بينها رؤية الله. انظر الدّرجينيّ: الطّبقات، ج2 ص279 - 280.
(3) - انظر مقال "الإباضيّة" لـ[ليفيتسكي] في دائرة المعارف الإسلامية 2، 3: 672.
(4) - "وقالت المعتزلة والخوارج وطوائف من المرجئة وطوائف من الزّيديّة: إنّ الله لا يُرى بالأبصار في الدّنيا والآخرة، ولا يجوز ذلك عليه"، الأشعريّ: مقالات، ج1 ص265.
(5) - مثلا هذه الأحاديث حول الآية (ق 7: 143) "سئل ابن عبّاس عن قول الله تعالى: ربّ أرني أنظر إليك، فقال: موسى قال ذلك على وجه الاعتذار لقومه ليريهم الله آية من آياته فيئسوا من رؤية الله. عمير بن إسماعيل عن إبراهيم قال: حدّثنا أبو صالح عن حسب ما روى عن ابن عبّاس، ابن عبّاس عن جويبر عن الضّحّاك في قوله تعالى: سبحانك تبت إليك، أي عن مسألتي أنّي أنظر إليك. وأنا أوّل المؤمنين، أي المصدّقين بأنّك لا يراك أحد. وقال مجاهد مثل ذلك. وقال الحسن (البصريّ): لن تراني ولا ينبغي لبشر أن يراني. قال الرّبيع بن حبيب: لن من حروف الإياس عند النّحويّين وأهل اللّغة، أي لن يراه أحد في الدّنيا ولا في الآخرة. وبخصوص الآية (ق 75: 23) إلى ربّها ناظرة، قال ابن عبّاس: ينتظر أهل الجنّة الثّواب بعد الثّواب والكرامة بعد الكرامة، وقال عليّ بن أبي طالب: تنتظر متى يأذن لهم ربّهم في دخول الجنّة. انظر أطفيّش: ترتيب التّرتيب لمسند الرّبيع بن حبيب في حديث المصطفى، ط حجريّة (1326هـ)، ص13 - 15.
؟ يجب طبعا أن (1/327)
صفحة 328
تسترعي انتباهنا بوصفها من الشّواهد الأولى على هذا التّقليد الّذي تواصل عبر الأجيال داخل الجماعات الإباضيّة، وربّما لعبت دورا حاسما عند متكلّمين لاحقين للبتّ في معنى الآيات الّتي فيها لبس (1). لن نستخدمها مع ذلك إلاّ بشيء من الحذر، فقد وصلتنا عبر "ترتيب" بل و"ترتيب ترتيب" (2).
بما أنّ الإباضيّة كانوا يشاطرون المعتزلة رأيهم حول تلك المسألة، واجهوا في جدالهم بالأخصّ المالكيّة من أهل السّنّة، وقد ذكروا الأشعريّ والغزاليّ وفخر الدّين الرّازي بأسمائهم. سنبدأ بتقديم لمحة عن تطوّر الأفكار حول هذا الموضوع بوجه عامّ. وعند عرض الأفكار الّتي طُرحت حول مشكل الرّؤية النّظريّ أو حول تأويل الآيات المتنازع فيها، سنركّز حول 3 متكلّمين: أبي يعقوب يوسف (1/328)
صفحة 329
بن إبراهيم الورجلانيّ (ت 570هـ/1174م) ومعاصره أبي عمّار عبد الكافي (ق 6هـ/12م) ومحمّد بن يوسف أطفيّش (ت 1914م).
1 - تطوّر المبحث بوجه عامّ
__________
(1) - يلاحَظ أنّ التّقليد لعب كذلك عند الأشعريّ دورا حاسما (لكن باتّجاه إثبات الرّؤية). ذكر ابن عساكر أنّ "تحوّله" (إلى مذهب أهل السّنّة) جعله يترك التّأويل العقلانيّ للقرآن ويكتشف قيمة السّنّة, في الأزمة الّتي مرّ بها حوالي (300هـ/912 - 913م) والّتي ترك إثرها الاعتزال، كانت قضيّة الرّؤية في غاية الأهمّيّة: فحيثما كانت آيات القرآن تحمل لبسا، كانت الأحاديث الواضحة تقنعه بالمعنى الصّحيح، فأدرك أنّه يجب تأويل القرآن على ضوء الحديث. انظر [ألاّر]، مشكلة صفات الله في مذهب الأشعريّ وأتباعه الكبار الأوائل، ص247 - 249.
(2) - الرّبيع بن حبيب: المسند أو الجامع الصّحيح؛ ترتيب الورجلانيّ؛ ترتيب التّرتيب لأطفيّش. انظر [شاخت]، مكتبات، ملاحظة.6
بين كتّاب العقائد، رأينا أنّ أبا حفص عمر بن جميع (ق 9هـ/15م) لم يشر في عقيدة التّوحيد أو عقيدة العزّابة المترجمة من الأمازيغية إلى اللّسان العربيّ إلى المسألة. وسكوته من الأدلّة على تقدّمها على عقيدة نفوسة لأبي زكريّا الجنّاونيّ النّصف الأول من (ق 5هـ/11م) الّذي خصّص في آخرها فقرة قصيرة لتلك المسألة، دون الدّخول في جدال حولها، مكتفيا بتقرير استحالة رؤية الله "لا بذاته ولا بواسطة مخلوقاته"، والاستشهاد بالآية "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" (ق 6: 103) (1).
__________
(1) - الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص55 - 56.
أمّا تبغورين بن داوود بن عيسى الملشوطيّ النّصف الأول من (ق 6هـ/12م) فقد خصّص بابا "لمسألة الرّؤية" (1) استمدّ فيه حججا من المعتزلة للرّدّ على القائلين بالرّؤية بالاستناد إلى الآية (ق 75: 23) (2). كما ناقش تأويل "إلى ربّها ناظرة"، رادّا على زعم الخصوم اتّجاه الأنظار إلى الله ولا شيء سواه أنّ المقصود ليس ذاته بل فعله، وفق المعنى المجمع عليه للآية الشّبيهة في التّركيب "ألم تر إلى ربّك كيف مدّ الظّلّ" (ق 25: 45) والّتي تُفهم بهذا المعنى: ألم تر الظّلّ كيف مدّه ربّك؟ وقد أعاد أطفيّش هذا التّفسير. في الآيات الّتي يستظهر بها (1/329)
صفحة 330
أنصار الرّؤية، وفي الحديث الّذي كثيرا ما استشهدوا به (3) والّذي لم يُبد شكّا في صحّته، يجب في رأيه فهم فعل رأى بمعنى مجازيّ هو: علم. ميّز كذلك بين خاصّة العلم الّتي أوتيها القلب (الّّذي يمتاز بقدرته على التّجريد وجمعه بين معرفة كلّ المحسوسات ومعان غير حسّيّة كالحدوث والقدم) وملكة الإدراك الحسّيّ المتعلّقة بنوع معيّن من معطيات الحسّ: لا يدرك البصر مثلا غير اللّون حتّى لو زيدت قوّته 10 أضعاف (4).
__________
(1) - تبغورين: أصول 65 وما بعد.
(2) - "وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربّها ناظرة".
(3) - (ق 105: 1) "ألم تر كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل"، والحديث: "سترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر ولا تُضامون في رؤيته" أورده مسلم: إيمان، 299 والبخاريّ 100: 24.
(4) - تبغورين: أصول، ص66 - 67.
عند أبي يعقوب الورجلانيّ، طغت لهجة الجدال ضدّ الأشاعرة على الصّفحات الّتي خصّصها لهذه القضيّة في الجزء الأوّل من كتاب الدّليل والبرهان (1). ونجد تفنيدا لفرضيّة الحاسّة السّادسة الّتي قدّمها الأشاعرة وفي فترة مبكّرة ضرار بن عمرو أحد الممهّدين للتّيّار المعتزليّ وكذلك فحص الفرد (2) وساندها ابن حزم الظّاهريّ (ت 456هـ/1063م) (3) كالّذي قدّمه الورجلانيّ (4) وبصفة أكثر منهجيّة عند معاصره المتكلّم الإباضيّ أبو عمّار عبد الكافي أصيل واحة ورجلان (ورجلة) مثله (5). (1/330)
صفحة 331
خصّص أبو سهل يحيى النّصف الثاني من (ق 6هـ/12م) من جهته صفحة واحدة للقضيّة (6) دون إضافة شيء من عنده إلى تحاليل سابقيه.
__________
(1) - الورجلانيّ: الدّليل، ص63 - 68.
(2) - الأشعريّ: مقالات، ج1 ص264.
(3) - ابن حزم: الفِصل، ص4.
(4) - الورجلانيّ: الدّليل، ص64.
(5) - أبو عمّار عبد الكافي: الموجز، انظر: عمّار الطّالبيّ: آراء الخوارج الكلاميّة، ج1 ص414 - 421.
(6) - أبو سهل يحيى: عقيدة مخطوط ق 1513 ورقة 27 و.
أمّا جواب الشّيخ أبي مهدي عيسى بن إسماعيل (ت 871هـ/1466م) (1) العالم المزابيّ (من بلدة مليكة) فقد أعاد بخصوص الرّؤية محاجّة أبي عمّار عبد الكافي الّذي ذكره. والصّفحات الّتي خصّصها لها (2) على قصرها ولم يأت فيها بجديد تبيّن تواصل التّقليد الإباضيّ حول استحالة الرّؤية. ومن بين أسلاف الإباضيّة الّذين رووا عنهم نفي رؤية الله ابن عبّاس وعائشة ومجاهد وإبراهيم النّخعيّ ومكحول الدّمشقيّ وعطاء بن يسار وسعيد بن موسى وسعيد بن جبير والضّحّاك بن مزاحم وأبو صالح (الّذي كتب تفسيرا للقرآن) وعكرمة (3) ومحمّد بن كعب وابن شهاب الزّهريّ. كذلك نقل أبو مهدي جوهر استدلال أبي نوح سعيد بن زنغيل الّذي يبدو، كما قلنا، من الأوائل الّذين عرضوا نظريّة استحالة الرّؤية. يستفاد من هذا العالم الّذي تحوّل من المالكيّة إلى الإباضيّة أنّ هذه القضيّة لم تزل في عصره محلّ جدالات حامية بين الفريقين. (1/331)
صفحة 332
__________
(1) - أبو مهديّ عيسى بن إسماعيل، عالم من مليكة تلميذ عمّي سعيد الجربيّ. يوجد قبره وقبور أسرته في المقبرة الّتي تحمل اسمه والّتي تشرف على مليكة. ألّف ديوان شعر وجوابا لأبي عليّ بن أبي الحسن البهلوليّ يوجد منه مخطوط بمكتبة غرداية 35 ص وطبعة حجريّة ضمن مجموعة نصوص تبدأ بجواب على العقبيّ لأطفيّش، تونس (1321هـ)، ص106 - 187.
(2) - جواب مخطوط، ص23 - 28.
(3) - توجد هذه القائمة أيضا عند سلفه عبد الكافي (الموجز، ج1 ص379 - 381) الّذي ذكر أيضا عليّا بن أبي طالب. لكن حسب ابن حزم "رُوي عن الحسن وعكرمة إيجاب الرّؤية له تعالى". انظر الفِصل، ج3 ص2.
بيّن أبو محمّد عبد الله بن حميد السّالميّ (ق 14هـ/20م) في بهجة الأنوار: شرح أنوار العقول في التّوحيد (1) استحالة الرّؤية ببراهين عقليّة ونقليّة، منتقدا تفسير فخر الدّين الرّازي لمسألة موسى: ربّ أرني أنظر إليك (ق 7: 143).
أخيرا تناول محمّد بن يوسف أطفيّش (ت 1914م) المسألة فلم يركّز على الجانب النّظريّ قدر ما ركّز على تفسير دقيق ومتّسق للآيات المقدّمة لإثبات أو نفي الرّؤية، مستعينا بموارد علوم اللّغة والنّحو ودقائق التّأويل لدعم أقوال سابقيه. عرض أفكاره مثلا في فصل من الرّسالة الشّافية في بعض تواريخ أهل ميزاب (2) وفي تفسيره للقرآن (3).
تُظهر هذه الحوصلة للمعطيات المنتثرة في العقائد وكتب علم الكلام إجماع علماء الإباضيّة حول هذه القضيّة الهامّة. وبما أنّ الإباضيّة ينفون إمكانيّة الرّؤية، لن نتعرّض في هذا البحث إلى كيفيّة أو طبيعة رؤية الله كما عرضهما كتّاب السّنّة (4)، وسنقتصر على عرض الحجج العقليّة والنّقليّة على استحالتها.
2 - القضيّة النّظريّة، الحجّة العقليّة
رؤية الله عيانا مستحيلة في رأي الإباضيّة الّذين يعتمدون في ذلك على:
- نظريّة في طبيعة الرّؤية فحواها أنّ الرّائي والمرئيّ يوجدان بالضّرورة في جهة (1/332)
صفحة 333
بحيث يتحقّق شرط المقابلة،
- تنزيه الله الّذي ليس كمثله شيء، بينما تقتضي الرّؤية تشبيهه بالخلق،
- حسّيّة الكلمات الّتي تعبّر عن الرّؤية (رؤية، بصر، إدراك) وخلوّها من أيّ ازدواج في المعنى.
__________
(1) - نُشرت على هامش شرح طلعة الشّمس لنفس الكاتب، القاهرة، الموسوعات، ج1 ص90 وما بعد.
(2) - ط حوالي (1299هـ/1880م)، الباب 8.
(3) - أطفيّش: تيسير التّفسير، ط حوالي (1326هـ)، 6 أسفار.
(4) - حول كيفيّة الرّؤية وميّزاتها انظر [غارديه]، الله ومصير الإنسان، ص340 - 345.
على سبيل المثال وضع السّالميّ (1) بين الشّروط الّتي تتطلّبها إمكانيّة الرّؤية أمورا تتعلّق بمادّيّة المرئيّ واختصاصه بمكان: من لوازمها أن يكون متميّزا أي متشخّصا متبعّضا متحيّزا، لكنّ الله منزّه عن التّحيّز والاختصاص بالأمكنة. وقد أكّد معظم الكتّاب تنافي طبيعة الله مع كونه شيئا مرئيّا (2). بوقوع الشّيء المتحيّز في مجال الرّؤية ينطبق عليه تحديد إضافيّ: لا بدّ أن يكون حالاّ في جهة مقابلة (أو في حكم المقابلة) للرّائي بحيث يكون في مجاله البصريّ حتّى يلتقط صورته: ذاك شرط للرّؤية حسب السّالميّ، وهو اعتراض تقليديّ نجده عند المعتزلة (3). (1/333)
صفحة 334
__________
(1) - السّالميّ: مشارق أنوار العقول، ج1 ص90 - 91.
(2) - انظر أطفيّش: "من لوازم رؤية الله أن يكون متحيّزا في جهة وأن يكون حالاّ فيها ومتبعّضا وذا لون وجوانب، وذلك يقتضي الحدوث والعجز والجهل والله منزّه عن كلّ ذلك". انظر الرّسالة الشّافية، ص65؛ تبغورين: أصول، ص67؛ الورجلاني، الدّليل، 1 63.
(3) - مثلا كتب القاضي عبد الجبّار: "الشّيء يُرى إذا كان مقابلا وإلاّ في مقابل أو في حكم المقابل"، ذلك ممّا يدعوه أسباب الرّؤية. من جهة أخرى تُعدّ المقابَلة شرطا للرّؤية. ذلك أنّ الشّعاع ينطلق من العين نحو المرئيّ. انظر شرح الأصول الخمسة، ص257. ولا تشذّ عن تلك القاعدة حالة المشاهد الّذي ينظر في مرآة فهو في حكم المقابل "لأنّ الشّعاع ينفصل من نقطته ويتّصل بالمرآة فيصير كالعين ثمّ ينعكس إلى العكس فيرى وجهه كأنّه مقابل له" (ص249). ليس الله في حكم المقابل لأنّ المقابلة والحلول إنّما تصحّ على الأجسام والأعراض.
رغم أنّ علماء بصريّات عربا كابن الهيثم (1) في (ق 10م) بيّنوا أنّ الرّؤية لا تنتج عن انبعاث أشعّة من العين، يرتكز استدلال معظم المتكلّمين الإباضيّة وغيرهم- كالقاضي عبد الجبّار- على تصوّر القدماء الّذي يعود على ما يبدو إلى [أنباذقليس الأقريقنتيّ] (2) الّذي هو من الفلاسفة السّابقين لسقراط. ذهب هذا الفيلسوف إلى أنّ الشّبيه يعرف الشّبيه، والرّؤية مماسّة عن بعد قناتها الشّعاع البصريّ المكوّن من امتزاج النّور بالنّار الحيويّة الصّادرة عن العين. تبنّى أفلاطون هذه النّظريّة وعرضها في [طيماوس] (3): تفيض النّار الكامنة في "حملة النّور"، والّتي هي صنو النّار الخارجيّة، نحو مثيلتها فتمتزج بها، فيتكوّن جسم واحد يلائم جسم الرّائي على طول الخطّ المستقيم الصّادر من العينين، بحيث تلتقي النّار المنبعثة من الدّاخل بالّتي ترسلها الأشياء من الخارج: هكذا أكّد بوضوح تشابه وتجانس الرّائي والمرئيّ، وعبّر عن اتّصالهما عن بعد بفكرة خطّ مستقيم يصل بين العينين والشّيء المرئيّ. وهي
__________
(1) - كان ابن الهيثم (ت 430هـ/1039م) "يرى مثل معاصريه ابن سينا والبيرونيّ أنّ الضّوء ينتقل من المرئيّ إلى العين الّتي اعتبرها بمثابة عدسة"، سيّد حسين نصر: العلوم والمعرفة في الإسلام، باريس، سندباد، ص180.
(2) - "هناك نظريّة على جانب من الأهمّيّة وإن يكن من العسير استشفاف صلتها بما سواها، هي نظريّة الإدراك الحسّيّ الخارجيّ. فالكائنات تصدر عنها إشعاعات أو أبخرة لطيفة فتلاقي المسامّ الكائنة في أعضاء الحواسّ. فإن تكن درجة التّوافق مناسبة دخل الشّعاع إلى المسامّ وتمّ الإدراك الحسّيّ. أمّا الرّؤية فتتمّ عن طريق تلاقي الشّعاع الصّادر عن النّور الخارجيّ والشّعاع النّاريّ المنبثق عن النّار المحتواة في العين". [إميل بريهييه]، باريس (1938م)، ج1 ص67 - 68.
(3) - أفلاطون: الأعمال الكاملة، ترجمة لـ[روبن]، مكتبة لابلياد، ج 2، [طيماوس]، ص462 - 463.
فكرة نجدها عند الكتّاب المسلمين في مفهوم المقابلة بين الرّائي والمرئيّ كشرط للرّؤية. مثلا أحال الجيطالي الرّؤية بناء على انتفاء الاتّصال والانفصال معا عن الله: فهو "ليس بمتّصل فتمسّه صفحات الأجرام ولا (1/334)
صفحة 335
بمنفصل فتدركه لمحات أبصار الأجسام"، ذلك أنّ الإبصار تناوش من بعيد (انظر أعلاه الفصل 5 والجيطالي: قواعد الإسلام 1: 8).
مع ذلك وقبل الأدلّة العلميّة الّتي قدّمها ابن الهيثم مثلا، اقتنع الأشعريّ وأتباعه بأنّ ظاهرة الرّؤية عمليّة تتمّ في الرّائي، وعارضوا المسلّمة المتناقلة عن تجانس طبيعتي الرّائي والمرئيّ كشرط لها. في الإبانة مثلا أعلن: "أنّ الرّؤية لا تؤثّر في المرئيّ لأنّ رؤية الرّائي تقوم به، فإذا كان هذا هكذا وكانت الرّؤية غير مؤثّرة في المرئيّ لم توجب تشبيها ولا انقلابا عن حقيقة ولم يستحل على الله عزّ وجلّ أن يُري عباده المؤمنين نفسه في جِنانه" (1) لكنّ الكتّاب الإباضيّين لم يأخذوا بعين الاعتبار هذا الاعتراض الّذي يفتح مجالا لإمكانيّة الرّؤية، لأنّها في رأيهم تنافي التّنزيه. يقدّم نقد أبي يعقوب الورجلانيّ للأشعريّ- كما ورد في كتاب الدّليل والبرهان (2) - مثالا لمنهجه الجدليّ في الدّفاع عن العقيدة الإباضيّة.
__________
(1) - لنلاحظْ هنا أنّ الأشعريّة رفعوا هذا التّصوّر عن الرّؤية ضدّ المعتزلة لا باسم نظريّة "علميّة" جديدة في الإدراك الحسّيّ بل انطلاقا من مبادئ كلاميّة قريبة من نظريّة المناسبات، منها قولهم بأنّ مطابقة الإدراكات الحسّيّة للواقع الموضوعيّ تخضع للعادة الّتي هي من الله. يمكن للقارئ أن يتابع هذا النّقاش عند إمام الحرمين الجوينيّ. انظر [لُسياني]، الإرشاد، ص160.
(2) - الورجلانيّ: الدّليل، ص63 وما بعد.
يقول الأشاعرة إنّ دليل جواز رؤية الله وجوده، فكلّ موجود جائز أن يُرى، لذا يجوز أن يُري الله نفسه لكن لا في جنسه، ولا في مكان أو حدّ أو صورة أو شكل بما أنّه لا يوصف بالأمكنة والحدود والمقابلة إذ لا تقابله الأجسام (1). حسب (1/335)
صفحة 336
الورجلانيّ، القولان متناقضان: "القول بأنّ الله يُرى لأنّه موجود وكلّ موجود جائز أن يُرى لأنّه موجود مناقض لانتفاء رؤية الأعراض غير اللّون رغم وجودها". يعني ذلك أنّ الورجلانيّ يعتبر ضمنيّا الوجود كعرض ومن ثمّة يحيل رؤية الله لأنّ العرض لا يُدرَك بالبصر إلاّ إن كان من اللّون: وذلك في الله محال. ردّ الأشعريّة بأنّ الوجود ليس صفة ولا يقتضي حكما أو علّة: فهو في ذاته إثبات. لكنّ الورجلانيّ رفض هذا الاعتراض، لأنّه في رأيه لا يلغي التّناقض، ولا معنى للحديث عن رؤية الله بدون معاني المكان والشّكل والجنس الّتي نفاها الأشعريّ عن الله. لا بدّ كذلك أن يقرّ الخصم بتهافت موقفه، بما أنّ الإدراك أي الفعل الّذي "يلتقط" به المدرِك الأشياء واقع موجود مع أنّه لا يقع في مجال الرّؤية (2)
__________
(1) - بالنّسبة إلى الأشعريّ ومدرسته يجوز أن يُرى الله في الآخرة وفق حديث أجمع عليه الصّحابة يؤكّد أنّ العيون تراه في الآخرة، وذلك ممكن لأنّه نور ولأنّه موجود: "ليس موجود إلاّ وجائز أن يريناه الله عزّ وجلّ وإنّما لا يجوز أن يُرى المعدوم، فلمّا كان الله عزّ وجلّ موجودا مثبتا، كان غير مستحيل أن يرينا نفسه" الأشعريّ: الإبانة، ص16 - 17، الباقلاّنيّ: التّمهيد، ص266، "كلّ موجود يجوز أن يُرى" الجوينيّ، ترجمة [لُسياني] الإرشاد، ص163.
(2) - من السّهل الرّدّ على هذا الاعتراض حسب الجوينيّ: "هل يجوز أن يدرك المدرك إدراك نفسه؟ فالمرضيّ عندنا أنّه يجوز أن يدرك المدرك إدراك نفسه. وإن لم يدركه فإنّما لم يدركه لمانع ينافي إدراك الإدراك" إرشاد، ص163؛ وقد طوّر السّنوسيّ هذا النّقاش الّذي بدأ - بين المعتزلة والباقلاّنيّ؛ انظر [لُسياني]، مقدّمات السّنوسيّ في الإلهيّات، الجزائر، [فونتانا]، (1908م)، ص188 - 190.
تقوم هذه الحجّة على مفهوم انعكاسيّة الإدراك الّتي أكّدها الأشعريّ مستدلاّ على قوله بأنّ ملكة في المدرك قادرة على رؤية نشاطه بفضل "إدراك" خاصّ توجده خارج قنى الإدراك العاديّة بحيث تتيح له إدراك إدراكه. والاعتراض ينمّ عن مكابرة في رأي الورجلانيّ الّذي ردّ بأنّه يلزمه التّسلسل (أي تتالي تلك الإدراكات المنعكسة إلى ما لا نهاية له). من جهة ترتبط حتما هذه (1/336)
صفحة 337
الملكة الثّانية الّتي تدرك في قناة أخرى بالأولى وتفترض اتّصالا بها وفق معنى كلمة إدراك. ومن جهة أخرى يفترض هذا الإدراك الثّاني حتما ملكة ثالثة تدركه في وعاء آخر، وهكذ إلى ما لا نهاية له.
لم يُحل الأشاعرة أن يكون للملكة الّتي يخلقها الله للعباد ليروه في الآخرة مقرّ غير العين: قد يكون مقرّها القلب أو جارحة أخرى في الإنسان يستطيع بها أن يشاهد الله على التّحقيق دون حدّ ولا كيفيّة. نفى الورجلانيّ تلك الفرضيّة نفيا قاطعا: هي تعني ببساطة نفي الرّؤية الّتي هي غير مفهوم العلم (1)، لذا يجب التّقيّد بمعنى الرّؤية البيّن: إدراك المحسوسات بالعين. في تحليل الآية (ق 6: 103) سنرى أنّ الإباضيّة لنفس السّبب منعوا التّوسّع في معنى البصر وصرفه إلى المجاز كمرادف للعقل والبصيرة (كما في عبارة "أولو الأبصار"). تلك الملكة الّتي يهبها الله للمؤمنين حسب مجيزي الرّؤية في الآخرة بمثابة حاسّة سادسة يخلقها لهم (2) (1/337)
صفحة 338
__________
(1) - ردّ القاضي من جهته على الأشاعرة بأنّه لا يجوز قياس الرّؤية على العلم بدون اشتراكهما في العلّة "فإنّ للعلم أصلا في الشّاهد وللرّؤية أصلا فيجب أن يُرَدّ كلّ منهما إلى أصله. فالعلم من حقّه أن يتعلّق بالمعلوم على ما هو به، ولهذا يتعلّق بالموجود والمعدوم والمحدث والقديم، فإن كان معدوما عُلم معدوما، وإن كان موجودا عُلم موجودا، وكذلك الكلام إذا كان محدثا أو قديما، وليس كذلك الرّؤية فإنّها لا تتعلّق إلاّ بالموجود، ولهذا لا يصحّ في المعدوم أن يُرى"، شرح الأصول الخمسة، ص252.
(2) - ترفض النّصوص المدروسة تمثّل الإنسان لله بالرّؤية أيّا كان نوعها: سواء بالعين أو بالقلب. لكنّها لا تعتبر فرضيّة تمثّل عقليّ لله في فكر الإنسان بالرّؤية- وهو أكثر من خلق الله لحاسّة جديدة- بحيث "تصير الذّات الإلهيّة بالنّسبة إلى فكر المبرور تمثّلها معوّضة بذلك بنحو يتجاوز بما لا يقبل المقارنة كلّ تمثّل تلقّاه الفكر سابقا يناسب ضعفه"، انظر قاموس اللاّهوت الكاثوليكيّ 7 (2): مقال الرّؤية الحدسيّة 2360. الحاسّة السّادسة الّتي اقترحها المتكلّمون المسلمون غير "نور المجد" lumen gloriae الّذي افترضه علماء اللاّهوت المسيحيّون. لا يمكن في علم الكلام الإسلاميّ أن يتلقّى الإنسان، حتّى بحاسّة سادسة تضاعف قدرته الطّبيعيّة هذا التّمثّل الفكريّ للذّات الإلهيّة الّذي يفترض تجانسا في الطّبيعة مع الله. يعطي اتّحاد الكلمة الجوهريّ بين الكلمة والإنسانيّة- الّذي هو سرّ في الدّين المسيحيّ- مثالا على هذه الإمكانيّة. قال القدّيس [توما الأكوينيّ]: "بما أنّ الله أراد أن يتجسّد في إنسان، قدّم للإنسان مثالا لهذا الاتّحاد العظيم بين الرّوح الخالق والرّوح المخلوق. ليس مستحيلا أن يتّحد روح الخليقة بالله في تأمّل ذاته بما أنّ الله اتّحد بالإنسان متقمّصا طبيعته" الخلاصة اللاّهوتيّة ص100، 201.
هذا الحلّ الّذي عرضه بعض المفكّرين الممهّدين للمعتزلة كضرار بن عمرو وحفص الفرد (1)، والّذي استبعده معظم المعتزلة (2) جوّزه كذلك ابن حزم (3) لكن رفضه كلّ الإباضيّة (4). نفى عبد الكافي مثلا إمكانيّة حاسّة سادسة باستدلال يقوم على الحذف أي استعراض واستبعاد شتّى الاحتمالات (5). جوّز الخصوم باسم قدرة الله أن يحوّل الأبصار في المعاد عن معانيها كما نعرفها في الدّنيا فيكون مدرَكا بها (6). في ردّه قرّر عبد الكافي أنّ ذلك لا يعدو وجهين: إمّا (1/338)
صفحة 339
أنّ الله بتحويل الأبصار عن معانيها غيّر صفاتها فلم تبق أبصارا، فبطل القول بأنّها ترى وتبصر ومن ثمّة الحديث عن رؤية، وإمّا أنّه تغيّر في ذاته وتحوّل في صفته فصار لونا من الألوان وشخصا من
__________
(1) - الأشعريّ: مقالات، ج1 ص264.
(2) - فنّده القاضي عبد الجبّار لنفس السّبب الأساسيّ الّذي عرضه أبو عمّار عبد الكافي، وأضاف أنّ ذلك الافتراض لا يقدّم في شيء بما أنّ اختلاف هذه الحاسّة السّادسة مع الحواسّ الأخرى لن يكون أكبر من اختلافها فيما بينها فهي مختلفة في البناء؛ فضلا عن ذلك "لو جاز أن يُرى القديم بحاسّة سادسة لجاز أن يذاق بحاسّة سابعة وأن يُلمس بثامنة ويُشمّ بتاسعة ويُسمع بعاشرة، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا"، شرح الأصول الخمسة، ص252 - 253.
(3) - انظر الفِصل، ج3 ص4؛ كتاب المحلّى، المكتب التّجاريّ للطّباعة والنّشر والتّوزيع، بيروت 1 ملاحظة 63.
(4) - رأينا أعلاه التّحفّظات الواجبة في حالة تبغورين.
(5) - انظر الموجز، ج1 ص418.
(6) - ترتكز فكرة الأشعريّة عن تحويل البصر عن متعلّقه على قولهم بأنّ الله يخلق مانعا يمنع رؤيته وبمقدوره أن يزيله: "فرجْع ذلك إلى استقرار العوائد واستمرارها دون موجبات العقول. فكيف وقد خصّص الرّسل برؤية الملائكة على القرب من صحبهم وكانوا لا يرونهم، إذ الدّهر دهر انخراق العوائد ووضوح المعجزات المجانبة للعادات"، انظر [لُسياني]، الإرشاد، ص167 - 168.
الأشخاص: فيكون مدرَكا بالأبصار، لكنّه يتحوّل إذّاك من صفة القدم الخالق إلى صفة المحدَث المخلوق: وذلك طبعا من المحال.
هناك افتراض ثان، هو أنّ الله يقوّي البصر فيصير بوسعه أن يراه (1). والرّدّ هنا أيضا أنّ القوّة الزّائدة لا تخلو من حالتين. في الأولى تحوّل التّقوية البصرية عن معناها الاعتياديّ (درك الألوان والأشخاص) فتصير بجهة الدّرك للرّوائح والملامس والأذواق والأصوات فلا تبقى عندئذ أبصارا. وفي الثّانية لا تخرج بها التّقوية عن معناها وصفتها وإنّما هي زيادة في قوّة النّاظر: في تلك الحال ليس هناك ما يوجب أن تدرك ما ليس بلون أو ترى ما ليس بشخص، وإنّما تتيح للعين تبيّن الألوان الخفيفة والأشخاص الضّئيلة والصّور المهتزّة كما يستطيع الأسد الرّؤية في الظّلام لحدّة بصره ما لا يرى سواه من الحيوان. لكنّ زيادة قوّة الحاسّة لا تغيّر طبيعتها ولا طبيعة متعلّقاتها (2). أمّا افتراض حاسّة سادسة يحدثها الله للمؤمنين في المعاد يرونه بها فيؤول إلى الأوّل: ما دامت الرّؤية هي درك (1/339)
صفحة 340
الألوان، يعني تحويل الأبصار عن معناها إبطال الرّؤية.
__________
(1) - قدّم الأشعريّ هذا الافتراض: "لأنّ العين لا تدرك في الدّنيا الأنوار المخلوقة على حقائقها، لأنّ الإنسان لو حدّق إلى عين الشّمس فأدام النّظر إلى عينها لذهب أكثر نور بصره. فإذا كان الله عزّ وجلّ حكم في الدّنيا بأن لا تقوم العين بالنّظر إلى عين الشّمس فأحرى أن لا يثبت البصر للنّظر إلى الله في الدّنيا إلاّ أن يقوّيه الله".
(2) - "كما أنّ النّار إذا قويت قوي إحراقها وتمييزها، وليس من زيادة قوّتها ما يخرجها عن معنى الإحراق والتّمييز، كذلك الثّلج كلّما تقوّى أو كثر قوي تبريده للأشياء وتجميده إيّاها، ولا تخرجه قوّته عن صفته ومعناه" عبد الكافي: الموجز، ج1 ص418 - 419.
يستحيل إذن إدراك الله في أيّ زمان وبأيّة جارحة، سواء كانت العين أو القلب، إذ لو تصوّره القلب للزم التّحيّز وما يترتّب عنه من مقتضيات (1). ولا يلجأ الخصم إلى مهرب الرّؤية "بلا كيف" (2)، فإدراك الله مستحيل في ذاته وأيّا كان الكيف حسب أطفيّش. ورؤيته إدراك له حتّى إن لم نعرف كيفها وعجزنا عن وصفه. نفي المعرفة كنفي الشِّبْه يتعلّق بالذّاتيّ. وكلّ ما يتعلّق بالذّات يتجاوز الإدراك في الدّارين، ولا أحد يجهل قدم الله وتنزّهه عن كلّ اتّصال مباشر بالحادث (3).
في نفس السّياق، قدّم أطفيّش حجّة أخرى: التّضادّ الجذريّ بين الله والحوادث. لفهم فكرته يجب أن نتذكّر أنّ الله في تصنيف الكائنات ليس من جنس المحدَث الّذي ينقسم إلى جسم وعرض (4). لا نستطيع أن ندرك من الله سوى أفعاله في العالم الّتي تجلّي لنا صفاته. هو ضدّ الحوادث بالضّرورة. والحال أنّ الضّدّيّة تُطلق على شيئين موجودين تحت جنس واحد يوجد بينهما تعارض في درجته القصوى بحيث يستحيل تجامع الأضداد في محلّ واحد (5)، فما هو مضادّ للحوادث لا يمكن أن تدركه الحوادث، ومن ثمّة يستحيل مبدئيّا إدراك الله كيفما (1/340)
صفحة 341
كان (6).
__________
(1) - أطفيّش: تيسير التّفسير، ج2 ص372.
(2) - انظر الباجوريّ: خاصّيّة على جوهرة التّوحيد، ص67: "الله يُنظر (يوم القيامة) بالأبصار لكن بلا كيف".
(3) - أطفيّش: تيسير التّفسير، ج2 ص372.
(4) - الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص49 - 50
(5) - الشماخي: مقدّمة التّوحيد وشروحها، ص36.
(6) - أطفيّش: تيسير، ج2 ص372.
يبيّن تحليل الأدلّة العقليّة تأثّر الإباضيّة بالمعتزلة إلى درجة كبيرة. رأينا مثلا أثناء عرض مذهبهم في هذا الباب فهمهم لفعل نظر بمعنى "انتظر"، واشتراط المقابلة في الرّؤية، ورفض فرض حاسّة سادسة، كذلك مثل المعتزلة واجه الإباضيّة خصومهم الأشاعرة بردّ القاضي عبد الجبّار: لو جاز أن يُرى الله لرأيناه الآن (1). نفس الحجّة قدّمها تبغورين وإن بنحو مختلف مبيّنا أيضا أنّ افتراض الرّؤية يفضي إلى محال (2). يلاحَظ في نفس الوقت امتناع الإباضيّة عن استخدام حجّة متداولة عند المعتزلة: العقلانيّة وضرورة التّقيّد بمشاهدات الواقع الموضوعيّ (3)، ورفضُ فتح الباب للاّعقلانيّة والدّعوةُ
__________
(1) - قدّم المعتزلة هذا الرّدّ البارع القائم على برهان الخُلف: "هو أنّ الواحد منّا حاصل على الصّفة الّتي لو رأى المرئيّ لما رأى إلاّ لكونه عليها، والقديم سبحانه وتعالى حاصل على الصّفة الّتي لو رئي لما رئي إلاّ لكونه عليها والموانع المعقولة مرتفعة، فيجب أن نراه الآن، فمتى لم نره دلّ على استحالة كونه مرئيّا"، عبد الجبّار: شرح الأصول الخمسة، ص253.
(2) - "لو جاز أن يدركه البصر في الآخرة لجاز أن يدركه في الدّنيا، فلزم أحد أمرين: إمّا أن يدركه في مكان دون غيره أو في كلّ الأماكن معا. فالأوّل إثبات لأنّ الله محدود بالمكان وذلك شرك، والثّاني محال". تبغورين: أصول، ص67.
(3) - (ردّا على قول الأشعريّة أنّ ما نرى ولا نرى يخضع لعادة خلقها الله وهو قادر على تغييرها بحيث يمكن أن نراه في الآخرة وإن لم نره في الدّنيا، كتب عبد الجبّار:) " لو رأى (الرّائي) ما يراه برؤية خلقها الله فيه لصحّ أن لا يخلقها مع هذه الأحوال كلّها فلا يرى المرئيَّ أو يراه مع فقْد هذه الأمور وذلك مستحيل. ولو كان ذلك بالعادة فيجب أن يُرى المحجوب كما يُرى المكشوف، ويُرى البعيد كما يُرى القريب، ويُرى الرّقيق كما يُرى الكثيف ( ... ) ومعلوم خلافه" شرح الأصول الخمسة، ص250.
إلى الوثوق بالتّجربة الحسّيّة الّذي يرقى إلى (1/341)
صفحة 342
مستوى المبادئ الأوّليّة (1). قد يفسّر ذلك امتناعهم عن الرّدّ على اعتراض الأشاعرة أنّ ظواهر العالم الحسّيّ تخضع للعادة الّتي يخلقها الله في الإنسان فيبدّل حاله ليمكّنه من الرّؤية ويرفع الموانع- بينما رفضه المعتزلة باعتبار أنّه يفتح باب الجهالات (2). أمّا اعتراض الأشاعرة أنّ الله العالم بالأشياء قادر على جعلنا نعلمها (3) فلم نجد له أثرا في النّصوص الّتي رجعنا إليها: وهو في الحقيقة يستند إلى ازدواجيّة معنى رأى (الإبصار الحسّيّ والعرفان) الّتي يرفضها الإباضيّة مقتصرين على المعنى الحسّيّ المتداول. أهمّ حجّة عقليّة هي في رأيهم تنزّه الله عن أيّ حلول في الخلق، فذلك يجعله بعيدا عن متناول الحواسّ. هذه الحجّة يؤيّدها النّقل الّذي هو عند بعض الإباضيّة (4) أثبت وأصدق إنباء من حجج العقل. (1/342)
صفحة 343
3 - الحجّة النّقليّة
__________
(1) - "لو كان معنى لواجب في الواحد منّا مع صحّة الحاسّة وارتفاع الموانع ووجود المدرك أن لا يرى ما بين يديه من الحالات بأن لا يخلق له الله الإدراك، وهذا يقتضي أن يكون بأيدينا أجسام ضخام عظيمة ونحن لا نراها لفقد الإدراك، وهذا يرفع الثّقة بالمشاهدات ويُلحق البصراء بالعميان، وذلك محال وما أدّى إليه وجب أن يكون محالا"، عبد الجبّار: شرح الأصول الخمسة، ص260.
(2) - "إثبات ما لا يُعقل يفتح باب الجهالات"، شرح، ص260.
(3) - الاعتراض موجّه ضدّ قول المعتزلة بأنّ الله لا يرى ذاته، بناء على المبدأ الّذي لا يقبل أيّ استثناء والقاضي بأنّ نفي الرّؤية- حتّى رؤيته لذاته- مدح يرجع إلى ذاته (انظر شرح، ص241). ويعتمد كذلك على تأكيد أنّ "من زعم أنّ الله عزّ وجلّ لا يجوز أن يُرى بالأبصار يلزمه أن لا يجوز أن يكون رائيا ولا عالما ولا قادرا لأنّ العالم القادر الرّائي يجوز أن يُرى"، انظر الأشعريّ: الإبانة، ص16.
(4) - السّدويكشيّ (ق 11هـ/17م): حاشية الدّيانات ورقة 5 و.
1) الآيات القرآنيّة
سنبدأ بالنّظر في الآية "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" (ق 6: 103) الّتي تقدّم أساسا قرآنيّا لنفي الرّؤية، قبل عرض الآيات الأخرى الّتي يطبّق الإباضيّة عليها التّأويل للرّدّ على خصومهم. سنرى أنّ عدّة حجج مشتركة بينهم وبين المعتزلة، وسنُبرز في نفس الوقت إسهامهم الأصيل.
أ- امتناع كلّ إدراك
تعني الآية الاستحالة المطلقة لإدراك الذّات الإلهيّة (1). أعلن أطفيّش أنّ من العبث التّهرّب بالتّمييز بين الكنه أو الإحاطة أي الإدراك الشّموليّ والإدراك الجزئيّ السّطحيّ، فمن المستحيل النّفاذ إلى جوهر الألوهيّة بأيّ وجه: تلك حقيقة يعلمها الجميع (2). من أدرك سطح شيء أدركه حقّا وإن لم يحط بكلّيّته، وكلّ رؤية- مهما كانت جزئيّة- تستلزم التّحيّز في الزّمان والمكان، أي الحلول في الخلق ومن ثمّة الحدوث (3). (1/343)
صفحة 344
ب- معنى المدح
__________
(1) - السّالميّ: مشارق، ص91.
(2) - ميّز الأشعريّ الإدراك الّذي يعني الإحاطة عن الرّؤية أو الإبصار الّذي هو من العلم وهو إبصار القلب. وتحدّث الغزاليّ عن المشاهدة مقرّا مع ذلك باستحالة المعرفة المحيطة لذات الله تعالى: ذلك بحر لا شاطئ له ولا قاع. انظر إحياء، 4 التّوبة، الرّكن 2، البيان 2.
(3) - أطفيّش: تيسير، ج2 ص372.
مدح الله نفسه بامتناع رؤيته. لا يجب حصر المدح في الجزء الثّاني من الآية ("وهو يدرك الأبصار") كما فعل الورجلانيّ (1)، فإنّه بهذا التّنازل قدّم للخصوم فرصة للهجوم عليه، إذ احتجّوا بعطف ذلك الجزء من الآية ليُضعفوا معنى الحصر المتضمّن في الجزء الأوّل. بالعكس، مدح الله نفسه كذلك في الجزء الأوّل بامتناع رؤيته الّذي يزيد الرّغبة فيها، والتّمدّح مقتضاه أن يكون على سبيل الدّوام والاستمرار قياسا على سائر تمدّحاته (2). فضلا عن ذلك، بخصوص الله وصفاته، حيثما يكون وجود صفة نقصا غيابها بالضّرورة حمد ومدح (3).
ج- دليل العموم
__________
(1) - الورجلانيّ: الدّليل، ص65.
(2) - أطفيّش: تيسير، ج2 ص372.
(3) - أبو عبد الله السّدويكشيّ: خاصّيّة الدّيانات، ورقة 5 ظ.
أكّد المعتزلة أنّ جزء الجملة الثّاني في الآية (ق 6: 103) (وهو يدرك الأبصار) معطوف على الأوّل (لا تدركه الأبصار) وأنّه عامّ أي صحيح في الدّنيا والآخرة، ولا بدّ إذن من الاعتراف بعموم الجزء الأوّل نظرا إلى العطف، أي بأنّ الأبصار لا تدركه في الدّنيا ولا في الآخرة (1). لكنّ الأشاعرة رفضوا عموميّة لا تدركه الأبصار واعتبروا أنّ استثناء عمّا تؤكّد هذه الآية جاء في الآية (ق 75: 23) ("وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربّها ناظرة") واستعانوا لدعم رأيهم بآيات (1/344)
صفحة 345
قرآنيّة (2) وبما جرى عليه لسان العرب (3) وأكّدوا أنّ لكلمة بصر معنيين: فهو الرّؤية بالعين وكذلك بالقلب. ولنفي الإطلاق في الآية أكّدوا أنّ العموم المتضمّن في الألف واللاّم في كلمة الأبصار والعائد إلى الاستغراق (4) نُفي بنفي ما سبقه ("لا تدركه"). ردّ أطفيّش بأنّ عموم السّلب يغلب حتّى إن سبق النّفيُ وأنّ الألف واللاّم للاستغراق باقية على العموم الشّموليّ بعد النّفي فشملت أبصار المؤمنين وأبصار الكفّار كما هو وارد في القرآن بلا تكلّف تأويل "لا يحبّ كلّ مختال فخور" (ق 4: 36): إذ هل يمكن أن يحبّ كافرا أو مشركا شاء الله ألاّ يدخل في الإسلام أبدا؟ طبعا لا، ذلك أنّ "كلّ" تفيد العموم لا التّوزيع. مع ذلك ما يتبادر إلى الذّهن هو أنّ أداة "ال" تعني هنا تعريف الشّيء ولا تشير إلى الاستغراق بحيث لا يبطل النّفي السّابق عموم الحكم باستثناء حالة خاصّة منه. يجرّ ذلك إلى هذه النّتيجة: أنّ رؤية الله
__________
(1) - عبد الجبّار: شرح الأصول الخمسة، ص242؛ الأشعريّ: الإبانة، ص17.
(2) - "فإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب الّتي في الصّدور" (ق 22: 46)، "واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار" (ق 38: 47).
(3) - تُستعمل كلمة بصر للعينين والقلب، فيقال: "أبصرته بقلبي".
(4) - الاستغراق: ناتج عن استخدام أداة التّعريف "ال" فتدلّ الكلمة إذّاك على عدّة أشياء [كازيمرسكي].
في الآخرة كما في الدّنيا تعني نقصا هو منزّه عنه (1). فضلا عن ذلك أكّد مجدّدا على المعنى الحسّيّ لكلمة بصر.
د- الآية ذات صبغة مطلقة لغياب الاستثناء وتماسك الخطأب القرآنيّ.
تناول عبد الكافي القضيّة (2) فقدّم رأي الأشعريّة: وهو أنّ الأبصار لا تدركه (1/345)
صفحة 346
في الدّنيا لكن جائز أن تدركه في الآخرة؛ وردّ أنّ القبول بهذا القول يعني أنّ آيات ذات بناء نحويّ شبيه مثل "لا تأخذه سنة ولا نوم" (ق 2: 255) لا تحمل هي الأخرى طابعا مطلقا بل تقبل الاستثناء وهي تصحّ على الدّنيا فقط، وهو ما لا يقبله عاقل. ردّ بأنّ لا يجوز ضرب آية بأخرى، وإلاّ لجاز في مجال آخر نقل إليه النّقاش- هو علم الله- أنّ إطلاق الآية "لا يعلمها إلاّ هو" (ق 6: 59) يحتمل هو أيضا الاستثناء بناء على آيات أخرى مثل (ق 8: 23) (ولو علم الله فيهم خير لأسمعهم) فيكون الله قد استثنى بهذا في علم الغيوب، ويجب على هذا الوجه ألاّ يكون الله يعلم شيئا ممّا يكون حتّى يكون. انطلق عبد الكافي في ردّه من الإطلاق الّذي لا يدع مجالا للاستثناء (لا ... إلاّ) ليبيّن أنّ الاستثناءات الّتي يحتجّ بها الخصم مستظهرا بآيات توحي بأنّ الله لا يعلم الأشياء حتّى تكون تعني في الحقيقة التّشبيه، وبمقتضى قدم العلم الإلهيّ السّابق للأحداث وتماسك الخطأب القرآنيّ، من الخطأ تأويلها كاستثناء من آيات أخرى لا يجوز الشّكّ في شموليّتها؛ وبالمثل لا تحتمل الآية "لا تدركه الأبصار" أيّ استثناء.
ه- بناء الجملة
__________
(1) - أطفيّش: الرّسالة السّلفيّة، ص65 - 66، استدلال شبيه عند السّدويكشيّ: خاصّيّة الدّيانات، ج1 ص240 - 241.
(2) - عبد الكافي: الموجز، ج1 ص240 - 241.
يدعو فحص بنية الآية، المركّبة من جملتين أولاهما فعليّة والثّانية اسميّة، إلى التّشديد على الاختلاف الجوهريّ لا التّطابق في المعنى: فالفعليّة (لا تدركه الأبصار) للتّجدّد والاستمرار التّجدّديّ، والاسميّة (وهو يدرك الأبصار) للدّوام الّذي يتّصف به الله تعالى (1). (1/346)
صفحة 347
2) تأويل الآيات
لنر الآن كيف يؤوّل الإباضيّة الآيات الّتي يحتجّ بها القائلون بجواز الرّؤية.
أ- الآية الّتي يستشهد بها مجوّزو الرّؤية أكثر من سواها هي "وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربّها ناظرة" (ق 75: 22 - 23).
أأ- معنى نظر
يرى الأشعريّة أنّ فعل نظر متعدّ بالأداة إلى وبدون مفعولين، ويعني العيان ما دام السّياق يتضمّن كلمة وجه بمعناها الأصليّ المعروف (فقد تعني أيضا الرّئيس المقدّم على القوم كما في "وجوه القوم") (2). يؤوّل الإباضيّة الآية على النّحو التّالي: نظر يعني هنا انتظر وتجوز تعديته بإلى كما في الآية (ق: 280) (3). والمقصود هو أنّ وجوه أهل الجنّة تنتظر رحمة ربّها. يمكن أيضا أن يكون إلى أيضا جمع إليون أي النّعمة، فيكون المعنى إذّاك أنّها تنظر نِعم ربّها. يمكن أيضا إضمار كلمة من قبيل مُلك، ثواب، رحمة (4).
أب- الحصر
لاحظ أطفيّش في تفسيره بخصوص بناء الجملة النّحويّ تقديم المفعول (إلى ربّها ناظرة)، وفحص حالتين:
__________
(1) - أطفيّش: تيسير، ج2 ص373.
(2) - الباقلاّنيّ: تمهيد، ص267، الجوينيّ: الجوينيّ، ص169 ترجمة [لُسياني].
(3) - "وإن كان ذو عُسرة فنظِرة إلى ميسرة".
(4) - أطفيّش: الرّسالة السّلفيّة، ص66.
وجود الحصر: تقديم إلى يفيد الحصر والاختصاص (أي تركيز الانتباه على (1/347)
صفحة 348
المفعول حسب تعريف النّحاة). ولو كان من نظر العين لانحصر نظرهم في ذات الله، والحال أنّ القائلين بالرّؤية لا يقولون إنّ أهل الجنّة ينظرون إلى ذات الله حصرا ودوما (1) بل هم ينظرون إلى أشياء كثيرة. لذا فلو قُصد بالحصر قصر النّظر على ذات الله دون سواها لاستعمل الخصوم هذه الحجّة، والحال أنّهم يقرّون بأنّ رؤية الله لا يمكن أن تكون إلاّ متقطّعة.
غياب الحصر: حتّى في هذه الحالة يقتضي النّظر إلى الذّات الإلهيّة، ولو للمحة خاطفة، التّحيّز الّذي لا يجوز على الله. تقول الآية ختاما: "وهو اللّطيف الخبير"، بهذه الاستعارة، ألا توحي بأنّ الله خفيّ عن الإدراك؟
هناك في القرآن مقطع آخر مشكل هو الآية (ق 7: 143).
"ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربّه قال ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكّا وخرّ موسى صعقا فلمّا أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين". كان على الإباضيّة أن يردّوا على عدّة اعتراضات ومسائل تثيرها إحالتهم الرّؤية:
- طلب محال من قِبل نبيّ كموسى،
- تعليق التّجلّي باستقرار الجبل: هل الاستقرار جائز أم محال في حدّ ذاته؟
- معنى "أرِني أنظر إليك": هل الرّؤية حقيقيّة أم مجازيّة؟ وهل طلب لموسى خاصّ أم هو لقومه؟ (1/348)
صفحة 349
- توبة موسى: أهي على طلبه أم لسبب آخر؟
أ- مسألة موسى
__________
(1) - أطفيّش: تيسير، ج6 ص426.
كيف الرّدّ على من يعترض بأنّ موسى ما كان ليسأل الرّؤية لو كانت مستحيلة، وهو النّبيّ الّذي اتّخذه الله رسولا أمينا إلى بني إسرائيل، وبأنّ طلب مستحيل يتنافى مع رسالته (1)؟ ردّ الورجلانيّ بأنّ موسى لا يعلم كلّ المستحيلات (2). ذلك أنّ علم كلّ الممكنات اختصّ به الله، وتحديد هذه الإمكانيّة تحديد لعلم الله ومن ثمّة قدرته؛ أمّا ألاّ يعلم موسى الحدود بين الممكن والمستحيل فهو أمر يشي بمحدوديّة علمه، لذلك يجوز أن يطلب المستحيل. يعتمد دليله على ضعف موسى لكونه بشرا، بينما يستند دليل الخصم إلى عصمة النّبيّ. استشهد الورجلانيّ بعد ذلك بقول الله لنوح بعدما طلب، هو أيضا، أمرا مستحيلا: "لا تسألْني ما ليس لك به علم" (ق 11: 46). شفع نوح، وهو النّبيّ المستجاب الدّعاء، لابنه، جهلا باستحالة دخول مشرك الجنّة. ولو جاء جواب الله السّلبيّ على سؤال موسى بحرف لا لما أغلق الباب أمام الرّجاء، لكنّه جاء بحرف لن الّذي يعني الإياس ويفيد استحالة المطلوب في الحاضر والآتي. لكنّ الباقلاّنيّ مثلا ردّ بأنّ نفي شيء لا يعني استحالته إذ قد يُنفى الممكن كالمستحيل. هكذا بقي النّقاش مفتوحا (3). (1/349)
صفحة 350
ب- التّجلّي واستقرار الجبل
__________
(1) - عبّر عن هذا الاعتراض الباقلاّنيّ: التّمهيد، ص267.
(2) - الورجلانيّ: الدّليل، ص66.
(3) - الباقلاّنيّ: التّمهيد، ص274.
قدّم الورجلانيّ هذا الاعتراض الّذي سجّله فخر الدّين الرّازي: كلّ ما يتعلّق بجائز جائز، وقد علّق الله رؤيته باستقرار الجبل وهو في علم الله من الجائزات، فرؤية الله جائزة إذن (1). ردّ السّالميّ مشيرا إلى غيب الله الّذي لا يُطلع عليه أحدا، فالاستقرار يبدو لنا ممكنا من حيث أنّا نجهل حقائق الأشياء. أمّا في علم الله فاستقرار الجبل محال، وكذلك بالتّالي الرّؤية الّتي علّقها به لأنّ المعلَّق على محال محال (2). فهم الباقلاّنيّ تجلّي الله للجبل كقوّة إدراك شبيهة بالّتي عند الإنسان منحها الله للجبل لتمكينه من رؤيته (3)، وهو تأويل لم يشر إليه الكتّاب الإباضيّون.
ج- معنى مسألة موسى: "ربّ أرني أنظر إليك" وجواب الله: "لن تراني"
__________
(1) - قدّم الرّازي الحجّة بهذه الصّيغة: "لمّا كان ذلك الشّرط (استقرار الجبل) أمرا جائزا، لم يلزم من فرض وقوعه محال، فبتقدير حصول ذلك الشّرط إمّا أن يترتّب عليه الجزاء الّذي هو حصول الرّؤية أو لا يترتّب، فإن ترتّب عليه حصول الرّؤية لزم القطع بكون الرّؤية جائزة الحصول، وإن لم يترتّب عليه حصول الرّؤية قدح هذا في صحّة قوله إنّه متى حصل ذلك الشّرط حصلت الرّؤية، وذلك باطل"، انظر: التّفسير الكبير، القاهرة، (1358هـ/1938م)، ج13 ص231.
(2) - السّالميّ: مشارق أنوار العقول، ص92.
(3) - الباقلاّنيّ: التّمهيد، ص272، 1 - 5. انظر [ألاّر]، صفات، ص311: "أزال الله عن الجبل ما كان يمنعه من الرّؤية، وأحياه وخلق فيه مليكة الإدراك فرآه
لمّا ذاق موسى عذوبة كلام الله، نشأت فيه ونمت رغبة في رؤيته رغم (1/350)
صفحة 351
علمه باستحالتها في الدّنيا كما في الآخرة (1). قدّم أطفيّش ملاحظات وجيهة حول المضمر في الخطأب القرآنيّ. لاحظ من جهة أنّه لم يردّ: "لن تنظر إليّ" وإنّما "لن تراني"، إمّا لأنّ النّظر هو إدراك للشّيء بالعين وهو من ثمّة رؤية، وإمّا لأنّه توجّه الحدقة نحو الشّيء بغرض الرّؤية، ولا يمكن قطعا أن يخالجنا ريب في أنّ نزغا كذلك راود موسى، لأنّه نبيّ، لكنّ القرآن تحدّث بصريح العبارة عن الرّؤية فلم يدعْ مجالا لأدنى لبس. من جهة أخرى لم يأت جواب الله السّلبيّ في صيغة المبنيّ للمفعول لن أُرى بحيث لم يتضمّن ازدجارا وانتهارا لموسى. ورغم أنّه جاء سلبيّا، هو ردّ إيجابيّ بوجه ما، ولأنّ موسى طلب الرّؤية كإنعام خاصّ لم يأت كجواب عامّ في صيغة فعل مبنيّ للمفعول. يجدر بالملاحظة أنّ الرّازي أوّلَ عدمَ استخدام تلك الصّيغة في اتّجاه مختلف (2). فضلا عن ذلك للجواب السّلبيّ على مسألة موسى دلالة عامّة. يرى أطفيّش أنّه لا ينبغي أن يقال: لو صدر الطّلب عن قوم موسى لبيّن لهم خطأهم (ضمنيّا: ما داموا لم يعربوا عن رغبتهم في رؤية الله، يمكن أن يُعترض بأنّ الرّفض موجّه إلى موسى لا إليهم). ويرى من اللاّزم إعادة الرّفض إلى سياقه، عبور بحر القلزم (ق 7: 138 - 141)، فقد سأل بنو إسرائيل موسى إلها محسوسا، وطلبهم: "أرنا الله جهرة" (ق 4: 153) هو (1/351)
صفحة 352
طلب دليل عقليّ يعضد الدّليل السّمعيّ (3)
__________
(1) - أطفيّش: تيسير، ج2 ص633.
(2) - أوّله الرّازي بمعنى جواز الرّؤية: "لو كان في يد رجل حجرٌ فقال له إنسان ناولني هذا لآكله، فإنّه يقول له: هذا لا يؤكل، ولا يقول له: لا تأكل. ولو كان في يده بدل الحجر تفّاحة لقال له: هذا ممّا يؤكل ولكنّك لا تأكله. فلمّا قال تعالى لن تراني ولم يقل لا أُرى، علمنا أنّ هذا يدلّ على أنّه تعالى في ذاته جائز الرّؤية"، التّفسير الكبير، ج13 ص231.
(3) - إلى ذلك ذهب الأصمّ والمعتزلة: "الوجه الرّابع المقصود من هذا السّؤال أن يذكر تعالى من الدّلائل السّمعيّة ما يدلّ على امتناع رؤيته حتّى يتأكّد الدّليل العقليّ بالدّليل السّمعيّ. وتعاضد الدّلائل أمر مطلوب للعقلاء وهو الّذي ذكره أبو بكر الأصمّ. فهذا مجموع أقوال المعتزلة في تأويل هذه الآية ... وهو أيضا بعيد لأنّه لو كان المراد ذلك لكان الواجب أن يقول: أريد يا إلهي أن يقوى امتناع رؤيتك بوجوه زائدة على ما ظهر في العقل. وحيث لم يقل ذلك بل طلب الرّؤية علمنا أنّ هذه التّأويلات بأسرها فاسدة"، انظر التّفسير الكبير
ووجِه هنا إصرارهم على طلب إله محسوس ملموس برفض باتّ، ذلك أنّ موسى وجّه الطّلب باسمه الخاصّ نيابة عنهم، وإن كان موسى مُنع الرّؤية فالأوْلى أن يُمنعوها. الرّفض الموجّه إلى موسى موجّه إليهم لأنّ المطلوب محال، كما لو أنّ الله قال: لست شيئا يُرى (1).
د- معنى توبة موسى ("تبتُ إليك وأنا أوّل المؤمنين")
أوّل الأشاعرة هذه التّوبة لا كندم على سؤاله رؤية الله بل كذكرى ذنوب سابقة طلب الله منه تجديد توبته عليها. أضاف الباقلاّنيّ أنّه ربّما تاب على إغفاله استئذان الله في هذه المسألة (2). لكنّ الورجلانيّ والعلماء الإباضيّين الآخرين يرون أنّ موسى تاب على تقديم ذلك الطّلب ولم يتب الله على طلب موسى أو قومه ذلك منه (3). وفي رأي أطفيّش لم يخطئ موسى بالتّقدّم بذلك الطّلب. فلو طلب الرّؤية لأنّه لم يكن يعلم أنّها ستُرفض لم يلزم شيء سواء من جانب الله أو من جانبه، وإذ لم (1/352)
صفحة 353
يفعل لا وزر عليه فإنّما سأل اللهَ العلمَ. ذلك أنّ النّبوّة لا تعني اكتساب العلم وكلّ أركانه دفعة واحدة، كما كان الحسن البصريّ يرى وهو محقّ في ذلك (4). (1/353)
صفحة 354
__________
(1) - أطفيّش: تيسير، ج2 ص634.
(2) - الباقلاّنيّ: التّمهيد، ص271.
(3) - الورجلانيّ: الدّليل، ص66.
(4) - أطفيّش: تيسير، ج2 ص634.
ما معنى امتناع رؤية الله إذن؟ في نظر متكلّمين سنّيّين (1) أو متصوّفة كالغزاليّ (2)
__________
(1) - بالنّسبة إلى الحنبليّ ابن بطّة: في يوم القيامة يتجلّى الله للمؤمنين من عباده، فيرونه ويراهم، ويكلّمهم ويكلّمونه، ويسلّم عليهم، ويضحك الله لهم ويضحكون لله، ولا يضامون في رؤيته ولا يكون لديهم شكّ ولا تردّد. انظر [لاوست]، عقيدة ابن بطّة، ص89 - 90.
(2) - رؤية الله حسب الغزاليّ انكشاف وارتفاع للحجاب يتحقّق للإنسان بعد الموت، فينتقل من ظاهر الأشياء في الدّنيا إلى حقيقتها في الآخرة. انظر [لاموست]: "سياسة الغزاليّ"، باريس، (1971م)، ص227. "هذه الحياة حجاب عن المشاهدة كحجاب الأجفان عن رؤية الأبصار ... وإذا ارتفع الحجاب بالموت بقيت النّفس ملوّثة بكدورات الدّنيا غير منفكّة عنها بالكلّيّة وإن كانت متفاوتة. (فمنها ما تراكم عليه الخبث والصّدأ فصار كالمرآة الّتي فسد بطول تراكم الخبث جوهرها فلا تقبل الإصلاح والتّصقيل ... ) فإذا أكمل الله تطهيرها وتزكيتها ( ... ) فعند ذلك يشتغل بصفائه ونقائه عن الكدورات حيث لا يرهق وجهه غبرة ولا قترة، لأنّ فيه يتجلّى الحقّ سبحانه وتعالى، فيتجلّى له تجلّيا يكون انكشاف تجلّيه بالإضافة إلى علمه كانكشاف تجلّي المرآة بالإضافة إلى ما تخيّله. وهذه المشاهدة والتّجلّي هي الّتي تسمّى رؤية. فإذن الرّؤية حقّ بشرط أن لا يُفهم من الرّؤية استكمال الخيال في متخيَّل متصوَّر مخصوص بجهة ومكان، فإنّ ذلك ممّا يتعالى عنه ربّ الأرباب علوّا كبيرا، بل كما عرفته في الدّنيا معرفة حقيقيّة تامّة من غير تخيّل وتصوّر وتقدير شكل وصورة فتراه كذلك. بل أقول المعرفة الحاصلة في الدّنيا بعينها هي الّتي تستكمل فتبلغ كمال الكشف والوضوح وتنقلب مشاهدة، ولا يكون بين المشاهدة في الآخرة والمعلوم في الدّنيا اختلاف إلاّ من حيث زيادة الكشف والوضوح (كما ضربنا من المثال في استكمال الخيال بالرّؤية). إحياء: باب المحبّة، نشر بدوي طبانه، ج4 ص303 - 304. انظر كذلك [ونسنك]، فكر الغزاليّ، باريس (1940م)، ص195 - 197.
أوّلوا "المزيد" في الآية (ق 10: 26) (1) بمعنى رؤية الله يبدو الرّدّ سلبيّا حقّا. هل هو مجرّد منع وحرمان؟ كلاّ بل يجب أن نرى في رفض الله أن نراه لونا من المدح، وهو بخفائه عن أعيننا يزيد رغبتنا في معرفته. وقد استشهد أطفيّش في هذا المعنى بحديث بليغ الدّلالة: "قال الصّدّيق رضي الله عنه: الامتناع يبعث الرّغبة في (1/354)
صفحة 355
معرفته" (2). وهو حديث استظهر به بالتّفضيل على أحاديث أخرى يستشهد بها الأشعريّة تأييدا للرّؤية (3): "سترون ربّكم" (4)، "ترون ربّكم عيانا بأبصاركم" يرى أطفيّش أنّه ينبغي تأويلها بهذا النّحو: ستؤتون مزيدا من اليقين في الجنّة بواسطة دلائل لم تعرفوها من قبل (5). مع ذلك ليس في انتظار أهل الجنّة ضير عليهم لأنّ النّضرة الّتي في وجوههم نعمة عظمى
__________
(1) - "للّذين أحسنوا الحسنى وزيادة"، الحسنى هي نِعم الجنّة، والزّيادة رؤية الله. انظر الأشعريّ: الإبانة، ص17.
(2) - أطفيّش: تيسير ج2 ص373.
(3) - انظر مثلا الأحاديث العديدة الّتي رواها مثلا مسلم في باب الإيمان والبخاريّ، انظر ترجمة [هوداس]: الأحاديث الإسلاميّة، باريس، ميزونّوف (1977م)، الجزء 4، 24: 1 و2 و3 و4 و8 و9.
(4) - رفض القاضي عبد الجبّار الحديث: "سترون ربّكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر" لعدّة أسباب منها: أنّه يتضمّن التّشبيه بالخلق، وأنّه رُوي عن قيس بن أبي حازم الّذي "قيل إنّه خولط في عقله آخر عمره، وهذا الخبر معارض بأخبار رُويت عن ابن قلابة عن أبي ذرّ وجابر بن عبد الله"، انظر شرح الأصول الخمسة، ص268 - 269.
(5) - مثل القاضي عبد الجبّار جرّح أطفيّش بعض الأحاديث الّتي وضعها حسب قوله الأشعريّة: "ينظر إليهم وينظرون إليه، فلا ينفكّون ينظرون إليه حتّى يحتجب عن أبصارهم" أو "وإنّ أفضلهم منزلة لينظر في وجه الله جلّ ثناؤه بكرة وعشيّا"، انظر تيسير التّفسير، ج6 ص427، والجُنّة في وصف الجَنّة، القاهرة، المكتبة السّلفيّة (1345هـ)، ص75 - 76.
تلغي أيّ تنغيص يوحي به معنى الانتظار، بل جعل الله ذلك الانتظار نفسه نعمة إضافيّة.
الحقّ أنّ الذّبّ عن معتقد استحالة الرّؤية لم يكن من النّقاط الّتي تركّز حولها الجدال سواء داخل الفرقة الإباضيّة أو ضدّ الفرق المخالفة. فالظّاهر أنّ مسألة خلق القرآن شكّلت أمرا أهمّ أثناء محنة المعتزلة. وقد انصبّ جهد العلماء الإباضيّين على الحفاظ على هذا المعتقد الّذي اعتنقته الفرقة منذ الأصل على ما يبدو، وقد يعود إلى مؤسّسها عبد الله بن إباض الّذي اشتُقّ منه اسمها. هناك (1/355)
صفحة 356
إجماع تامّ على استحالة الرّؤية في الدّنيا، ويُرمى متّبعو هذه البدعة بكبيرة الشّرك، لكنّ القول برؤية الله في الآخرة على سبيل التّأويل الخطأ ذنب أهون، هو كفر نعمة، وصاحبه ليس مشركا وإنّما هو منافق (1). ولم نر في أيّ عصر إباضيّا يقول بذلك علنا. انفرد تبغورين بالحديث، بكثير من الاحتياط وبمصطلحات يعوزها الجلاء عن خاصّة العلم الّتي هي ملكة للقلب قادرة على إدراك الحسّيّ والقديم، ويقرّبه توجّهه ذلك من بعض المعتزلة كأبي الهذيل العلاّف، لكنّ هذه الحاسّة تبدو أقرب إلى ملكة التّجريد منها إلى حاسّة طبيعيّة مقوّاة بنحو يتيح رؤية الله بالقلب.
__________
(1) - السّالميّ: مشارق، ص93؛ أبو سهل يحيى: عقيدة ورقة 27 و.
هل وقع اتّصال أو تأثّر بالمعتزلة؟ تشابه الحجج بيّن إلى درجة تحدو حتما إلى الجزم بوجود صلات، وإن لم ترد في كتابات الفريقين إشارات إلى استعارات محدّدة. في المواجهة مع الأشعريّة، نهل الإباضيّة والمعتزلة من معين مشترك. مع ذلك لم يبلغ الإباضيّة شأو أقرانهم ومنافسيهم المعتزلة في استعمال فنون الجدال لتفنيد نظريّات الأشعريّة "كعادة" الله، لذلك لا نراهم يتبعون الخصم على هذا الصّعيد بحيث ينتهي النّقاش لغياب مجادلين- أو بالأحرى يتواصل مع المعتزلة فقط بينما يؤثر الإباضيّة الانكفاء على المواقف الآمنة المرتكزة على الكتاب وعلى إجماع تقليديّ لم يشذّ عنه أحد من مفكّريهم. لكن من بوسعه مؤاخذتهم على امتناعهم الحذر عن اتّباع "عقلانيّي الإسلام" إلى أقصى نتائج منطقهم الصّارم وإرقاء التّقيّد بالتّجربة الحسّيّة إلى مصافّ المبادئ الأوّليّة الّتي لا يجوز المسّ بها؟ من جهة أخرى بيّنّا ضعف تلك العقلانيّة في معرض حديثنا بعجالة عن نظريّة (1/356)
صفحة 357
الرّؤية المستمدّة من علم الطّبيعة القديم.
في هذه القضيّة الأصوليّة لم يكن الغرض الرّدّ على خصم خارجيّ بحجج عقليّة بقدر ما كان الحفاظ على معتقد والدّفاع عن عقيدة الفرقة داخليّا؛ لذا كان القرآن المرجع الأفضل: في هذا الباب تبقى التّحاليل الثّاقبة الّتي قدّمها المفكّر الكبير أطفيّش إسهاما منقطع النّظير. (1/357)
صفحة 358
الفصل العاشر: القدر
تُدرج قضيّة القدر في كتب الكلام والعقائد الإباضيّة غالبا ضمن المسائل الّتي تأتي مباشرة بعد التّوحيد، قبل أو بعد مسألة العدل (1). القدر من أفعاله تعالى، أي يدخل في نطاق علاقته بالحوادث كما يوحي الاسمان المشار إليه بهما: القضاء (الحكم المقرّر في الأزل) والقدر (إيجاده بالأمر الإلهيّ). باعتباره أمرا إلهيّا، يتّصل بالإرادة. وبما أنّ الإباضيّة اعتبروها صفة ذاتيّة، كان عليهم أن يوضّحوا العلاقة بين الإرادة القديمة والقدر المحدَث. من هذا المنظور، تتبع المسألة بالأحرى باب الصّفات. فضلا عن ذلك للقدر صلة وثيقة بالعدل وبوجه أعمّ بقضيّة الشّرّ: كيف يجوز أن يريد الله المعصية من عباده؟ ألا يكون ظالما إن عاقب من قدّر له عمله وحمّل العبد ما لا طاقة له به؟ ... سنركّز في دراستنا على مسألة تحتلّ موقعا مركزيّا وتتّصل بالقضيّتين المذكورتين: هي فعل الإنسان، خلقه واختياره. وهذا يُبرز محدوديّتها. ولتشعّب المسألة وتعقيدها، لا تقدّم الصّفحات التّالية سوى إحدى المقاربات الممكنة.
1 - الوضع التّاريخيّ
__________
(1) - في كتب المعتزلة تدخل في باب العدل.
رأينا في المقدّمة أنّ مسألة القدر أثارت نقاشا وقلاقل في الأوساط الإباضيّة المجتمعة حول أبي عبيدة: جدالات حول أفكار عبد الله بن يزيد الفزاريّ القائل بأنّ العون والعصمة عين استطاعة الإيمان (1)، طرد حمزة الكوفيّ وعطيّة (2). منذ خلافة (1/358)
صفحة 359
عثمان ألّف صُحارُ العبديّ وهو أحد شيوخ أبي عبيدة وكان متكلّما بارزا وكاتبا وخطيبا ينسبه المؤرّخون (3) إلى عمان ويعدّه الإباضيّة واحدا منهم (4) في القدر (5). هناك صلات وثيقة بمؤسّسي التّيّار القدريّ، إن لم نقل معبد الجهنيّ مؤسّسها المفترض فعلى الأقلّ غيلان الدّمشقيّ، فقد اشتُبه في أنّ حمزة الكوفيّ أخذ بمذهبه في القدر. والنّصوص الّتي تروي إدانته توحي بتوجّه أبي عبيدة نحو تصوّر للقدر كعلم الله السّابق للأحداث ورفضه تحديد قدرة الله، كما هو الشّأن عند نفي إضافة المعاصي إلى الله.
__________
(1) - في كتاب الرّدود.
(2) - انظر أعلاه المقدّمة، "نحو تكوّن العقائد".
(3) - انظر [وات]: مرحلة تكوّن، ص76، ملاحظة 29.
(4) - من الطّبقة، 2، أي طبقة جابر بن زيد حسب الدّرجينيّ. انظر [ليفيتسكي]، ملاحظة - حول سيَر الدّرجينيّ الإباضيّة، ص168.
(5) - الشماخي، سير، ص81.
هل أتت من أفكار الحسن البصريّ الصّياغات الإباضيّة الأولى حول المسألة؟ لقد وصلتنا مقتضبة بنحو لا يسمح بتأكيد انحدارها منه. لكن تبيّن فقرة قصيرة وردت عند الدّرجينيّ على الأقلّ وجود صلة مباشرة بين أبي محمّد النّهديّ (من الطّبقة 3 وفق تصنيفه) والحسن وواصل بن عطاء، قدّم فيها الحسن على أنّه يُدين القول بالقدر الّذي قصد به تحديد العبد أفعاله (1). من المحقّق أنّ القدر من المسائل الأولى الّتي ثار حولها الجدال. نعلم مثلا من كتّاب المقالات أنّ الفرقتين اللّتين (1/359)
صفحة 360
انبثقتا عن العجاردة (2) تكوّنتا إثر خلاف نشب بين شعيب وميمون حول مسألة القدر تحديدا. وقد روى الأشعريّ الحادثة كما يلي: "كان سبب فُرقة الشّعيبيّة والميمونيّة أنّه كان لميمون على شعيب مال فتقاضاه، فقال له شعيب: أعطيكه إن شاء الله، فقال ميمون: قد شاء الله أن تعطينيه السّاعة، فقال شعيب: لو شاء لم أقدر إلاّ أعطيكه، فقال ميمون: فإنّ الله قد شاء ما أمر، وما لم يأمر لم يشأ، وما لم يشأ لم يأمر. فتابع ناس ميمونا، وتابع ناس شعيبا. فكتبوا إلى عبد الكريم بن عجرد وهو في حبس خالد بن عبد الله البجليّ يعلمونه قول ميمون وشعيب. فكتب عبد الكريم: إنّا نقول ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا نلحق بالله سوءا. فوصل الكتاب إليهم. ومات عبد الكريم، فادّعى
__________
(1) - انظر الدّرجينيّ: طبقات، ج2 ص258، والشماخي: سير، ص97، "قال أبو سفيان (محبوب بن الرّحيل): قال أبو محمّد: لا تذكر الحسن في شيء من القدر فإنّي عاتبته فيه فقال: معاذ الله أن أقول ذلك، إنّما أفسد عليّ قلبي واصل بن عطاء أيّام كنت عنده مستخفيا، وأمّا أن أقول بالقدر فمعاذ الله. وقال: هو أبعد النّاس من القدر".
(2) - مؤسّس الفرقة عبد الكريم بن عجرد الّذي لا نعلم عنه سوى القليل: أنّ خالد بن عبد الله والي العراق من (724 إلى 738هـ) سجنه وأنّه- على ما يبدو- مات في السّجن. انظر الشّهرستانيّ: الملل، ص172 - 173.
ميمون أنّه قال بقوله حين قال: لا نلحق بالله سوءا. وقال شعيب: لا بل قال بقولي حيث قال: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. فتولّوا جميعا عبد الكريم وبرئ بعضهم من بعض" (1). لا نغترَّ بتفاهة سبب الخصومة، فقد كانت هناك على الأرجح اعتبارات أخرى أهمّ: إلى جانب التّيّار القدريّ المعتدل أو التّقويّ الّذي يستمدّ أفكاره من رسالة الحسن البصريّ (2)، كان يوجد تيّار سياسيّ مناهض للسّلطة الأمويّة الّتي (1/360)
صفحة 361
كانت تدّعي أنّها قامت بمشيئة إلهيّة ومن ثمّة فإنّ لأفعالها قوّة الأقدار (3)، وهي دعوى يدمّرها تأكيد القدريّة أنّ الحسن من الله والقبيح من الإنسان. ونميل إلى الاعتقاد بأنّ الإباضيّة تجاوبوا مع القدريّة لتفنيدها. كان شعار الخوارج "لا حكم إلاّ لله" بمفرده ردّا كافيا على سلطة بشريّة مغتصبة تدّعي الشّرعيّة. مع ذلك نعلم أنّ رئيسي إباضيّة البصرة جابرا وأبا عبيدة كان يتأرجحان بين سياسة مصالحة وسياسة معارضة علنيّة (4). مع ذلك يبدو لنا أنّ المذهب المتّبع حول القدر لم يكن مستقلاّ عن الموقف من السّلطة القائمة، بل في ما يتعلّق بالموقف من عثمان ذلك ثابت لا شكّ فيه. كما رأينا في المقدّمة، عدّدت رسالة عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بإسهاب أحداث عثمان: في البداية "عمل ما
__________
(1) - الأشعريّ: مقالات، ج1 ص165 - 166، البغداديّ: الفرق، ص74 - 75.
(2) - ألّف الحسن تلك الرّسالة الّتي تُعَدّ أقدم وثيقة حول تلك المسألة بين (75هـ/694م) مقدم الحجّاج إلى العراق و (80هـ/699م) بداية ثورة ابن الأشعث. انظر دائرة المعارف الإسلامية 2، 3: 385، مقال: القدريّة لـ[فان إسّ]. بالنّسبة إلى نصّ الرّسالة انظر [رِتّر]: دراسات في تاريخ التّقوى الإسلاميّة، في "الإسلام"، 21، (1933م)، ص67 - 83.
(3) - من شعراء البلاط الأمويّ من مدح الأمراء بأنّ سلطتهم قدّرها الله في الأزل كما كتب الفرزدق.
(4) - انظر مقال "الإباضيّة" في دائرة المعارف الإسلامية، 2، الجزء 3.
شاء الله بما يعرف أهل الإسلام"، لكنّه نقض العهد، و"إنّ أملك الأعمال خواتيمها" والحال أنّه بعدما جامع أهل الإسلام وعمل بالحقّ "ترك الحقّ وتعاطى كفرا" (1)، فعلم المؤمنون أنّ "طاعته على ذلك طاعة إبليس". لا يجوز أن نرى هنا أكثر من موقف عمليّ أملاه الإيمان تجاه سلطة غير شرعيّة لأنّها جنحت إلى الكفر واستوجبت بذلك إعلان البراءة منها. لكنّ المبدأ القائل بأنّ الأعمال بخواتيمها فهي تعطي حياة الإنسان معناها الحقيقيّ يتلقّى هنا بعدا جديدا: فقد عُقدت علاقة بينه وبين القدر من خلال تقريب حالة عثمان ضمنيّا من حالة إبليس الّذي لم ينفعه شيء من سالف عمله عند المعصية، كذلك جاء في الرّسالة الثّانية بخصوص عليّ: "من (1/361)
صفحة 362
ختم أجله بطاعة الله والمسالمة لأهل دينه رجا له المسلمون أن يكون سعيدا، ومن ختم أجله بسخط الله والمخالفة لأهل العدل كان عند الله شقيّا" (2).
__________
(1) - انظر [سخاو]، حول التّصوّرات الدّينيّة، و م لـ ش (1898م) ج2 ص53.
(2) - نلاحظ أنّ الصّيغة هنا تختلف عن صيغة الجبر المطلق للحديث المعروف: "السّعيد من سعد في بطن أمّه ... "؛ انظر [سخاو]، حول التّصوّرات الدّينيّة ج2 ص56.
في هذا الطّور تكتسي مسألة القدر أهمّيّة أساسيّة، لا بمفردها، بل بمعيّة مشاكل أخرى لها صلة ما بالقدر: العصبيّة القبليّة، والانتماء إلى الفرقة النّاجية (أو الاستبعاد منها)، وحكم أطفال المشركين الّذي أحدث انشقاق الشّبيبيّة أصحاب السّؤال والواقفة (1). لم تقدّم فرق الخوارج لقضيّة القدر حلاّ واحدا: فبين فرقها نلاحظ تقاربَ عددي القدريّة (الحمزيّة، الميمونيّة، الأطرافيّة، المجهوليّة، الحارثيّة، الشّبيبيّة) وغير القدريّة (الحازميّة، العجاردة، الشّعيبيّة، الخلقيّة، البيهسيّة، الإباضيّة). منطقة انتشار تلك الفرق هي المشرق بوجه عامّ (2)، ما عدا الإباضيّة، وقد تزامنت نشأتها مع نشأة الإباضيّة أو حصلت بعدها بجيل (3). داخل الإباضيّة نفسها، لم تتحدّد الاختيارات تماما بعد، وإن كان الاتّجاه الغالب لاقدريّا، بل إنّ الحارثيّة، أتباع الحارث بن مزيد الإباضيّ، الّذين يُرجعون أصولهم إلى المحكّمة الأولى وإلى عبد الله (1/362)
صفحة 363
بن إباض، ذهبوا في القدر مذاهب المعتزلة: وهو أنّ الاستطاعة توجد قبل الفعل، وهو ما أكفرهم الإباضيّة عليه (4). أشار الأشعريّ إلى فرقة إباضيّة لم يذكر
__________
(1) - الأشعريّ: مقالات، ج1 ص165 و179.
(2) - سجستان (الخازميّة)، خراسان ومكرّان (الشّعيبيّة)، كرمان (الخلفيّة)، سجستان وخراسان ومكرّان وقهستان (الحمزيّة). انظر البغداديّ: الفرق، ص73 - 75؛ الأشعريّ: مقالات، ج1 ص166.
(3) - عاش شبيب النّجرانيّ مؤسّس الشّبيبيّة حوالي (100هـ/718م)؛ أمّا أبو بيهس (مؤسّس النّجدات: نجدة، (ت 693هـ) فقُتل في (713هـ). وحسب أقوى الاحتمالات وقع انفصال الشّبيبيّة عن البيهسيّة (حول القدر) وعن الواقفة (بخصوص حكم الأطفال) في فترة أبدى فيها الأخيرون، الممهّدون للمرجئة القائلين بتأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، الحياد حول قضيّة أعلنت الفرق الأخرى مواقفها مواقف متعارضة.
(4) - الأشعريّ: مقالات، ج1 ص171، البغداديّ: الفرق، ص84.
أصلها ولا اسمها تقول بطاعة لم يردها الله- على مذهب أبي الهذيل- صادرة عن أمر الله لا إرادته: طاعة العبد عمل ما أمره الله الّذي هو "مريد لما علم من طاعات العباد ومعاصيهم لا بأن أحبّ ذلك ولكن بمعنى أنّه ليس بآب عنه ولا بمكره عليه" (1). ذكر الأشعريّ كذلك أنّ الإباضيّة لم يجمعوا على القول بأنّ أعمال العباد مخلوقة لله (2).
وقد قال الميمونيّة بأنّ "الله فوّض الأعمال إلى العباد وجعل لهم الاستطاعة إلى ما كُلّفوا فهم يستطيعون الكفر والإيمان جميعا" (3). لم يظهر بين الإباضيّة أتباع لهؤلاء المفوّضة (4) الممهّدين للمعتزلة والّذين حاولوا شقّ طريق وسط بين تأكيد القدر ونفيه: بالعكس ردّوا عليهم كأصحاب بدعة (5). بيد أنّ هذه المحاولات تدلّ على أنّ التّيّارات الخارجيّة والإباضيّة الّتي نشأت قبل ازدهار الاعتزال مهّدت له الطّريق حول مسائل القدر والاستطاعة والإرادة الّتي هي من أمّهات القضايا فيه. (1/363)
صفحة 364
__________
(1) - الأشعريّ: مقالات ج1 ص172. أُسّست بعد منتصف (ق 2هـ/8م)، انظر [ليفيتسكي]، فروع الإباضيّة، دراسات إسلاميّة، 9 (1958م)، ص77.
(2) - "وكانوا يقولون في كثير من الإباضيّة إنّ أعمال العباد مخلوقة"، مقالات، ج1 ص174.
(3) - مقالات، ج1 ص164 - 165.
(4) - صنّف خشيش المفوّضة كفرقة قدريّة، انظر [وات]: مرحلة تكوّن الفكر الإسلاميّ، ص94.
(5) - أكّد تبغورين ومتكلّمو الإباضيّة بعده أنّ استطاعة الإيمان غير استطاعة الكفر.
لا تتوفّر نصوص تاريخيّة كافية تروي بالتّفصيل الجدالات- الّتي نعلم مع ذلك بوجودها (1) - بين المعتزلة والإباضيّة حول القدر. نقل يوسف بن محمّد المصعبيّ (ت 1188هـ/1774 - 1775م) (2) نصّا يروي مناظرة بين أبي أيّوب وائل بن أيّوب الحضرميّ وواصليّ معتزليّ يدعى كهلان وأصحابه (3). يبيّن الحوار أنّ الاستدلال يعتمد على تصنيف كلا الطّرفين للآيات المتّصلة بالمسألة (بين محكمة ومتشابهة) وتأويلها وفق مذهبه، ويُظهر رفض الإباضيّة للقول باستطاعة باقية سابقة للفعل (4): لم يوضّح أبو أيّوب أنّها تُخلق وقت الفعل، وإنّما أكّد فقط أنّها فانية (5)
__________
(1) - يروي مثلا هذا النّصّ مناظرة بين مهديّ النّفوسيّ وشابّ معتزليّ زمن الإمام عبد الوهّاب في تيهرت: "ثمّ إنّهما خرجا ودار بينهما وجوه من المناظرة والنّاس يعلمون ما يقولون. فلم يفلح أحد على صاحبه. ثمّ إنّهما دخلا في فنون العلم، فخفي ذلك عمّن حضرهما غير أنّ الإمام يعلم ما يقولان. حتّى صار كلامهما عند عامّة من حضرهما كالصّفق بين الحجر، عند الإمام وعند غيره ... فلمّا أوشك أن يغلبه مهديّ الخ"، لـ[وتورنو]: سير أبي زكريّا، المجلّة الإفريقيّة، (1960م)، ص151 - 152.
(2) - انظر فرحات الجعبيريّ: نظام العزّابة عند الإباضيّة في جربة، تونس، المعهد القوميّ للآثار والفنون، (1975م)، ص229 - 230.
(3) - أبو أيّوب وائل بن أيّوب الحضرميّ من طبقة الرّبيع بن حبيب، النّصف الثاني (ق 2هـ).
(4) - ربّما انفرد بين المعتزلة ضرار بن عمرو المستقلّ بالقول بأنّ استطاعة الفعل توجد عند العبد قبل الفعل وأثناء إنجازه؛ أمّا عند معظم المعتزلة فإنّ الاستطاعة توجد عند العبد قبل الفعل وتبقى فيه ما بقّاها الله تعالى لكنّها تنتهي على عتبة الفعل، انظر [برنشفيغ]، الواجب والاستطاعة في دراسات إسلاميّة، 20 (1964م)، ص12.
(5) - انظر يوسف بن محمّد المصعبيّ: خاصّيّة على رسالة الشّيخ تبغورين، مكتبة القطب، بني يزقن، المجموعة 3، 1507/ 3 - 4، نسخة في (1199هـ) (حول مسألة الاستطاعة).
في (ق 4هـ/10م) جادل أبو خزر يغلا بن زلتاف (ت 380هـ/990م) (1/364)
صفحة 365
المعتزلة حول مسألة الاستطاعة وخلق الأفعال في كتاب الرّدّ على جميع المخالفين (1). حوالي (ق 6هـ/12م) يبدو الموقف من مسألة القدر متجانسا إلى حدّ بعيد عند كتّاب العقائد والمتكلّمين. وقد بدا لنا أحصف تتبّع تطوّر فكرهم من خلال مفهوم أساسيّ هو خلق الأفعال. وسنعرض بعد تلك الدّراسة طريقة الاستدلال النّقليّ والعقليّ ثمّ نقدّم بعض مواقف الإباضيّة حول مسائل تتّصل بالقدر.
ولنبدأ بتوضيحات حول بعض المصطلحات.
القدر هو الحكم الإلهيّ، وكثيرا ما يُستخدم القضاء والقدر كمترادفين، بينما فرّق عدّة كتّاب بينهما. حسب السّالميّ: القضاء عبارة عن وجود المكوَّنات في اللّوح إجمالا والقدر عبارة عن وجودها في الموادّ تفصيلا (2). وفي رأي الثّمينيّ: القضاء إيجاد الأشياء في اللّوح إجمالا والقدر إيجادها بحكم خاصّ وتقدير على صفات مخصوصة بحسب ما سبق في علم الله الأزليّ (3). عند أطفيّش: القدر هو إيجاد الله الأجسام والأعراض والقضاء هو الحكم بها في الأزل، فهو صفة ذات، أمّا إثباتها في اللّوح فهو صفة فعل (4).
الاستطاعة (القدرة على الفعل) هي صحّة الجوارح وهي مع الفعل. (1/365)
صفحة 366
الكسب أو الاكتساب ما يعود على العبد من أفعاله من خير وشرّ.
__________
(1) - انظر أعلاه، الفصل 1، ملاحظة ص30.
(2) - السّالميّ: شرح أنوار العقول، ج1 ص134.
(3) - انظر الثّمينيّ: شرح النّور، ص147 - 148؛ السّالميّ: شرح النّور، ص149؛ يطابق ذلك تعريف الجرجانيّ في التّعرفة، جاوة، (1357هـ/1938م)، ص152 و155.
(4) - أطفيّش: الذّهب الخالص، ص22.
الهدى والخذلان: تطوّر هذان المصطلحان خاصّة الثّاني من معنى سلبيّ (ليس بمعنى فيوصف لأنّه ترك من الله للكافر إذا لم يطعه، وهو غياب العون وتوسّعا غياب وجوديّ قريب من التّصوّر المسيحيّ للشّرّ) إلى معنى ثبوتيّ، كخلق إلهيّ. التّوفيق عون الله على الخير وتيسيره العبد لفعله وهدايته إلى السّراط المستقيم، خلق استطاعة الخير فيه، بينما الخذلان انعدام كلّ ذلك (1).
الإرادة الإلهيّة صفة ذاتيّة عند الإباضيّة يقابلها الاستكراه.
2 - تطوّر فكرة خلق الأفعال
بما أنّ الله خالق كلّ شيء، كلّ شيء ما عداه مخلوق حتما. تلك هي الفكرة الأصلانيّة، والقاعدة العامّة الّتي لا يجوز استثناء الأفعال الإنسانيّة منها (2). اتّخذ المذهب الإباضيّ موقعا مضادّا للجبريّة (القائلين بأنّ الإنسان مسخّر في أفعاله مجبر عليها) الّذين يُردّ عليهم غالبا في باب العدل، لكن بالأخصّ للقدريّة والمعتزلة (القائلين بالعكس بأنّ العبد خالق أفعاله أو مختلقها أو مفتعلها) (3). لكن إن لم يكن الإنسان خالق أفعاله في نظر الإباضيّة، فإنّ له في المقابل الاختيار: اختيار الحركة أو السّكون، الإيمان أو الكفر، وهو إذن مكتسب لأفعاله، ولذلك هو مكلّف (4). (1/366)
صفحة 367
__________
(1) - الثّلاثيّ: نخبة المتين، ص151.
(2) - تبغورين: أصول، ص10.
(3) - أبو سهل يحيى: عقيدة، ص48.
(4) - تبغورين: أصول الدّين، ص12 - 15 و51 - 56.
في إطار هذا التّوجّه المضادّ للقدريّة في مجمله، الّذي أخذه المذهب الإباضيّ منذ فترة مبكّرة، أغرت فكرة الجبر بعض الكتّاب، خاصّة في نفوسة، فحاولوا دمجها وتكييفها به واستنبطوا فكرة الجبْل (معتبرين أنّ الإنسان مجبول لفعل ما يفعل لا مجبور ومقهور عليه). لكن يبدو أنّ الإباضيّة تخلّوا عن هذه الجبريّة المقنّعة منذ عصر تبغورين (1). للأخذ بموقف وسط، استُخدمت ضدّ الجبريّة أدلّة المعتزلة على الاختيار وضدّ المعتزلة أدلّة الجبريّة على أنّ العبد ليس خالق أفعاله (2). لن نعود هاهنا إلى نظرة تبغورين إلى الفعل الإنسانيّ وإلى الاستطاعة والكسب الّتي عرضناها في الفصل 3. لنذكّرْ فقط برأيه أنّ الاستطاعة مع الفعل لا تزايله، وهي فكرة تبنّاها كلّ الإباضيّة إلاّ الحارثيّة. عرّف تبغورين الاستطاعة بأنّها صحّة الجوارح وسلامتها من شوائب الآفات، وحلّل مفهوم الكسب المأخوذ من الأشعريّة والّذي ورد قبله عند الجنّاونيّ (3). وقد فنّد عبد الكافي فكرة خلق العبد لأفعاله، وسنعرض تفنيده عندما نتناول الاستدلال العقليّ عند الإباضيّة في هذا الباب.
__________
(1) - انظر أعلاه الفصل 3، الفقرة: الجبل والجبر.
(2) - ذلك ما يقول بصريح العبارة السّالميّ، مثلا في شرح أنوار العقول، ص145.
(3) - تبغورين: أصول، ص52. لم ترد لفظتا كسب واكتساب في كتاب الوضع، لكن في عقيدة نفوسة، ص35. انظر [روبناتشي]، عقيدة الجنّاونيّ، ص566.
الله خالق الخير: لا إشكال في ذلك. فهل هو خالق الشّرّ؟ أعلنت عقيدة عمان (1/367)
صفحة 368
فقط وجوب "الإيمان بالقدر خيره وشرّه" (1). تبنّى هذه الصّيغة جلّ الكتّاب الإباضيّين (2). أمّا خلق الله للشّرّ فلم يذكره الجنّاونيّ صراحة، وأكّده عبد الكافي (3)، وهو ضمنيّ عند تبغورين (4)، بينما اكتفى أبو سهل يحيى بالدّعوة إلى قبول القدر بكلّ وجوهه: سرّائه وضرّائه، خيره وشرّه (5). القدر فعل الله: ليفعل العبد الخير يعطيه توفيقه، أمّا الشّرّ فلم ترد إشارة إلى دور فعّال لله فيه، مثلا أنّه يريده أو يأمر به: هو فقط مقضيّ؛ لا يرضى الإنسان بجانبه القبيح، مع ذلك يجب أن يرضى بالقدر وبمن قدّره: ذلك سرّ من أسرار الله لا تدركه أفهامنا (6)
__________
(1) - كشف الغمّة ورقة 244. انظر كذلك أبا الحواريّ العمانيّ: "بُني الإسلام على ثلاثة: الإيمان بأنّ المقادير كلّها خيرها وشرّها من الله وعدم تكفير أهل القبلة، والجهاد". أبو الحواريّ: الدّراية وكنز الغناية في منتهى الغاية وبلوغ الكفاية في تفسير خمسمائة آية من تفسير القرآن الكريم، بيروت، دار اليقظة العربيّة ص289
(2) - تبنّى أبو حفص عمر بن جميع صيغة محايدة: "جميع ما كان وما هو كائن فالله هو المكوّن له" ([موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص519)؛ الجنّاونيّ: "الإيمان بأنّ القدر خيره وشرّه من الله" (كتاب الوضع، ص13).
(3) - انظر الموجز، ج2 ص25 و58 - 59 و64.
(4) - القول بأنّ الله يخلق الشّرّ ينجرّ عن أخذه على القدريّة مضاهاة المجوس في نفي خلق الله للشّرّ بل مجاوزتهم إلى نفي إسناد الشّرّ والخير إلى الله. يلاحَظ مع ذلك أنّ تبغورين خصّ بكلمة "خلق" ديانة المجوس، أمّا في حديثه عن القدريّة فاستخدم فقط مصطلح "اكتساب". انظر: أصول، ص14. في موضع آخر (ص 12) أورد الحديث عن الإيمان الّذي أوجب الإيمان بأنّ القدر خيره وشرّه من الله.
(5) - أبو سهل يحيى: عقيدة، ص16.
(6) - قال الجيطاليّ في نفس المعنى ومع النّظر إلى القضيّة من جانب الله إنّ الله يريد الشّرّ كشرّ لكن بغرض الخير الّذي هو فيه. انظر المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، نشر الشّهابي، بيروت، دار المشرق (1971م)، ص68.
أكّد الجيطالي (ت 750هـ/1349 - 1350م) وأبو ساكن عامر الشماخي (1/368)
صفحة 369
(ت 792هـ/1389 - 1390م) - ودون التّصريح بأنّ الله خالق الخير والشّرّ سويّا- أنّ "ما كان من خير أو شرّ ونفع وضرّ بالله يكون"، بقضاء وقدر، وبإرادة ومشيئة منه كما قال الجيطالي (1). ووضّح الشماخي أنّ "الله خالق أفعال العباد ومحدثها ومريدها" (2).
طرح أبو العبّاس الشماخي (ت 928هـ/1522م) فرضيّة كان تبغورين قد استبعدها: أنّ خيارا تُرك للإنسان بين القيام بالفعل والامتناع عنه يرتبط بإمكان الفعل: لم ينظر إلى المسألة من زاوية الاستطاعة بل انطلق من ضرورة تقدّم الأمر على الفعل لا مزامنته. للمسألة في رأيه خطورتها: فغياب الاختيار يلغي التّكليف. لكنّه حدّ من مدى تحليله بجعل الأمر مجرّد إعلام يسبق الفعل (3).
__________
(1) - الجيطاليّ: قواعد الإسلام، ج1 ص30.
(2) - أصول الدّيانات، الفقرة 3. فضلا عن ذلك وضع اكتساب العبد للفعل- الّذي لم يُجبر عليه- في باب العدل (الفقرة 2) وفصله إذن بوضوح عن خلق فعل العبد الّذي تناوله في باب القدر (ف 3).
(3) - "قال أصحابنا: الأمر مع الفعل، وهو مشكل والأحسن أن يفسّر بأنّ تعلّق الأمر مع إمكان الفعل لإحالة ملابسة الفعل، فيتّحد وجود الأمر والفعل لانتفاء فائدة التّكليف وهو الابتلاء، إذ لا يتصوَّر إلاّ مع التّردّد بين الفعل والتّرك. فإذن لا بدّ أن يتقدّم عليه خلافا للأشعريّ في الاتّحاد، وأنّ المتقدّم إعلام لا أمر، وأقلّ أوقات التّقدّم - وقت السّماع والفهم، وأعني به الخطاب. والمسألة تحتاج إلى بسط كبير". انظر مقدّمة التّوحيد، ص131 - 132.
قدّم محاولة لفتح سبل جديدة في هذا المجال أبو محمّد عبد الله بن سعيد بن أحمد بن عبد الملك السّدويكشيّ (ت 1068هـ/1657 - 1658م) الّذي أعطى المذهب الإباضيّ منعطفا جديدا باتّجاه تأكيد حرّيّة اختيار الإنسان لأفعاله، وحاول التّمييز بنحو أدقّ بين شتّى مستويات تدخّل الله والإنسان في (1/369)
صفحة 370
الأفعال. ذهب في ذلك الاتّجاه إلى حدّ القول: لا يقال إنّه ثبت بالبرهان أنّ الله وحده خالق الأفعال (1). كما نلاحظ عنده توجّها إلى إعادة النّظر في تأكيد أنّ الله خالق القبيح. اعتمد السّدويكشيّ على معطى تجريبيّ يدعوه دليل الضّرورة يتمثّل في وجود قدرة حادثة لدى الإنسان تدخل في بعض الأفعال (تلك الّتي تتوقّف على قدرته وإرادته) كحركة البطش دون البعض كحركة الارتعاش (الّتي تحمل طابع الضّرورة) (2). لكن ثبت بالبرهان أنّ الخالق هو الله سبحانه. فكيف التّخلّص من هذا المضيق؟ لندْعُ أثر القدرة الحادثة كسبا وإن كنّا نجهل حقيقته. قال أحد الكتّاب: المقصود بالكسب مقارنة الفعل بالقدرة والإرادة لكن دون أن يكون هناك تأثير في وجوده ودون أن تكونا محلاّ. لم يبد له هذا التّصوّر للكسب كإضافة الفعل إلى الإنسان من الخارج بوجه ما مقنعا. وعرض من جهته هذا التّعريف: "صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل كسب"، وبالقصد والإرادة يكون اتّصاف الفعل بالحسن والقبح، ويُقرن بالمقدور. لا يليق بحكمة الله خلق القبيح، وما بدا لنا في الأشياء قبيحا لا ينافي المصلحة والعاقبة الحميدة. أمّا الإنسان فقد يفعل الحسن وقد يفعل القبيح، فجعلنا كسبه للقبيح بعد ورود النّهي عنه قبيحا سفها موجبا لاستحقاق الذّمّ والعقاب (خاصّيّة الدّيانات و 11 ظ). يستفاد من أقوال
__________
(1) - خاصّيّة الدّيانات ورقة 11 ظ.
(2) - يعود تعريف الكسب باتّصاف الفعل بالحسن أو القبح على ما يبدو إلى الباقلاّنيّ. انظر [جيماريه]: نظريّات الفعل الإنسانيّ في علم الكلام الإسلاميّ، باريس، فرين، (1980م)، ص93.
السّدويكشيّ- الّتي لا تبدو واضحة تماما- أنّه، في انسجام مع التّيّار المعتزليّ وتعارض مع إباضيّة الماضي، يستقبح إضافة الشّرّ إلى الله. من (1/370)
صفحة 371
جهة أخرى يرى من اللاّزم تقدير حقيقة القبيح على الوجه الصّحيح: إذ كثيرا ما يكون ظاهريّا ويتضمّن مصلحة (يكون الألم مثلا في عدّة حالات للاعتبار). لكنّه لم يصل في توجّهه هذا إلى التّقبيح العقليّ السّابق للشّرع: بالعكس رأى أنّ النّهي الإلهيّ هو الّذي يلقي على القبيح صفته تلك: وذلك موقف أشعريّ خالص. لقدرة الإنسان وإرادته مدخل في بعض أفعاله (الأفعال الإراديّة)، وصرف هاتين القوّتين إلى الفعل كسب حسب تعريف السّدويكشيّ، وإيجاد الله الفعل عقب ذلك الصّرف (لضمان اختياريّته؟) خلق. مبدئيّا لا توجد شركة بين قدرتي الله والعبد، ولا مساس من عموم قدرة الخلق الإلهيّة لأنّ المقدور الواحد يتحقّق بقدرتين من جهتين مختلفتين: خلق لله وكسب للإنسان. ربّما بيّن السّدويكشيّ أكثر ممّا حلّ صعوبات الموقف التّقليديّ من مسألة القدر، بل انتهى رغم ما في تحاليله من جدّة إلى موقف موافق تماما للتّقليد الإباضيّ. لكنّ حرصه على إعطاء دور فعّال لقوى الإنسان من خلال مفهوم القدرة الحادثة (الّذي يشكّل مصطلحا جديدا) يستحقّ التّنويه. وتثير تحاليله تحفّظات: مثلا أليس إيجاد الله للفعل عقب صرف الإنسان إرادته وقدرته إليه حلاّ اسميّا لا أكثر؟
أشار يوسف بن محمّد المصعبيّ (ت 1188هـ/1774 - 1775م) (1) في تحليله إلى مفهوم التّرجيح الّذي يتضمّن معنى الاختيار إذا سنح ببال الإنسان فعل شيء وتردّد فنشأ عن تردّده الميل إلى أحد الجانبين وترجيحه، وذلك التّرجيح هو المعبّر عنه بالاختيار ويقترن بالكسب (2). أمّا الاستطاعة فذهب بشأنها إلى رابع (1/371)
صفحة 372
الآراء الّتي طرحها تبغورين: صحّة الجوارح (3).
__________
(1) - فرحات الجعبيريّ: تنظيم العزّابة، ص229 - 230.
(2) - خاصّيّة يوسف بن محمّد المصعبيّ على رسالة تبغورين، مكتبة القطب، المجموعة 3، 1507/ 3 - 4.
(3) - هذه هي الآراء الأربعة الّتي عرضها تبغورين: الأداة المادّيّة، المستطيع ذاته، الجوارح السّالمات، صحّة الجوارح وسلامتها من شوائب الآفات. انظر أصول، ص51.
أثارت محاولة السّدويكشيّ ردّ عمر بن رمضان الثّلاثيّ (ق 12هـ/18م): قيل إنّ الكسب صرف قدرة الإنسان إلى المقدور (تلميح إلى السّدويكشيّ)، لكنّه في رأينا الحركة والسّكون، وما هو كذلك بالتّرجيح (تلميح إلى المصعبيّ). في عرضه للقضيّة، مقارنا بتحليل السّدويكشيّ، أكثر من موطن خليق بالاهتمام. لم يرفض كلّ ما ورد عند سلفه: حافظ مثلا على التّمييز بين جهتين في الفعل: خلق لله (1) وكسب للإنسان (2)، واستبقى مفهوم "القدرة الحادثة"، وأبرز صلة ما لله وما للإنسان في فعله، كلٍّ على المستوى الخاصّ به، وبين المقدور، موضّحا في الحالتين مضمون العلاقة بين المقدور والقدرة (الإلهيّة القديمة والإنسانيّة الحادثة). لكنّ نقاطا من تحليله بقيت غامضة: مثلا أكّد بدون لبس أنّ الله وحده موجد المقدور، وفي نفس الوقت توحي مقولة القوّة الأرسطوطاليسيّة الّتي طبّقها على الإنسان بأنّ ما له في فعله أكثر من مجرّد الكسب بالمعنى التّقليديّ، خاصّة أنّ تلك القدرة ذات صلة بالمقدور. مع ذلك نلاحظ محدوديّة هذا الاتّجاه، فقد عرّف القدرة الحادثة بنحو سلبيّ، إذ أنكر دعوى امتلاك الإنسان القدرة على الفعل بأكملها. بخصوص الاستطاعة أعاد الثّلاثيّ التّحليل التّقليديّ كما ورد مثلا (1/372)
صفحة 373
عند تبغورين (قدرة تُخلق وقت الفعل) وقدّم عنصرا جديدا للتّوفيق بين هذا المفهوم التّقليديّ ومفهوم القدرة الحادثة وفق تصوّره: هو مفهوم العلّة: القدرة في رأيه علّة الفعل ولا تفارق المعلول- منطقيّا. بتوضيحه أنّ العلّة هي القدرة النّاتجة عن صحّة مدارك وجوارح الإنسان
__________
(1) - "الخلق هو ما يتمّ به إيجاد المقدور علما بأنّه تعالى وحده قادر على ذلك، فعل الخلق هو أيضا معنى، هو تعلّق القدرة القديمة بالمقدور. القدير هو الله الّذي له وحده قدرة الإيجاد"؛ نخبة المتين، ص149.
(2) - عُرّف الكسب بأنّه "ما به يكون المقدور، دون أن تكون له (الفاعل) وحده القدرة على ذلك"؛ المصدر نفسه، ص149.
مثل تبغورين، والاستدراك عليه بأنّها سابقة للفعل الّذي اعتبره بلا إعداد ولا امتداد زمنيّ (1)، أبدى نزعة إلى تجاوز إشكاليّة تبغورين الّتي تجرّد الإنسان من القدرة الدّائمة على الاختيار وتفضي إلى تجزيء نشاط الإنسان الفاعل (بإسنادها إلى كلّ فعل استطاعة خاصّة به)، وباتّجاه إسناد تلك الطّاقة المتواصلة إلى الإنسان بتقديم مفهوم العلّة. مع ذلك استمرّ في تأكيد الموقف التّقليديّ في التّفريق بين استطاعة الإيمان واستطاعة الكفر.
عند الكاتب عبد العزيز الثّمينيّ (ت 1223هـ/1808م) نشاهد تطوّرا واضحا نحو الجبر. تحدّث لا محالة عن قدرة الطّاعة في الإنسان، لكنّ الله هو الّذي يبعثها في من يشاء أن يقوده إلى مرضاته ومحبّته، كذلك هو الّذي يخلق "قدرة المعصية" في من يخذله ويقصيه عن مرضاته. الحتميّة مطلقة: فهو يعطي من شاء له السّعادة وعده الّذي قرّرته إرادته في الأزل (2).
دعم كذلك كاتبان من (ق 20م) الموقف التّقليديّ. فقد رأى السّالميّ أنّ الله يخلق الفعل للإنسان لحظة اختيار الإنسان له، لحظة صرف قدرته إليه ليكسبه، هكذا يكسبه العبد ويوجده الله (3). كذلك أخذ سعيد بن عليّ التّعاريتيّ على بعض (1/373)
صفحة 374
الأشاعرة "المتأخّرين" كإمام الحرمين الجوينيّ وأبي إسحاق الإسفرائينيّ قولهم، على غرار المعتزلة، بأنّ أفعال الإنسان يوجدها تظافر قدرتي الله والإنسان، لأنّ التّأثير والإيجاد في رأيه من اختصاص الله ولا يجوز أن يُنسبا إلى غيره. وأفعال الإنسان منسوبة إلى الله من حيث الخلق والاختراع (4). مع ذلك عرّف في موضع آخر الكسب بالعلاقة بين القدرة والفعل (5).
__________
(1) - نخبة المتين، ص161.
(2) - الثّمينيّ: شرح النّور، ص152.
(3) - السّالميّ: شرح أنوار العقول، ص141.
(4) - التّعاريتيّ: المسلك المحمود، ص57.
(5) - "مقارنة قدرته إيّاه"، المصدر نفسه.
تُظهر دراسة فكرة خلق الأفعال ثبات تأكيدات المتكلّمين الكبار الأوائل (ق 6هـ/12م). رغم ذلك يجب ألاّ نغفل محاولات عدّة كتّاب تجاوز النّظرة التّقليديّة إلى الكسب كإضافة الفعل إلى الإنسان من منظور فقهيّ ومن الخارج بوجه ما، مع تأكيد الاختيار (ضدّ الجبريّة) لكن دون إثباته حقّا بأدلّة مقنعة. لا شكّ أنّ فكرة قدرة تُخلق للعبد لحظة الفعل عاقت منذ البداية انطلاق فكر العلماء الإباضيّين. وتُظهر محاولات، كالّتي قام بها السّدويكشيّ أو الثّلاثيّ، مفكّرين يتلمّسون الطّريق إلى حلّ يوفّق بين هذه المسلّمة وإمكانيّة اختيار حقيقيّة دائمة أو على الأقلّ سابقة للفعل. أثرت الفكر الإباضيّ تيّارات خارجيّة كالأشعريّة والماتريديّة والاعتزال (الّذي لم تمنع محاربته استعارة أفكار منه)؛ مثلا بتحليل الآليّات النّفسيّة لعمليّة الاختيار كتحاليل الغزاليّ الدّقيقة حول التّرجيح، ومصطلحات مستجدّة استعارها المتكلّمون الإباضيّون كالعلّة ولاسيما القدرة الحادثة، هذا المفهوم الّذي تبنّوه في فترة متأخّرة وأبان خصوبة غير مكذوبة بما أنّ كاتبا حديثا كالتّعاريتيّ دمجه في تعريف الكسب. لا شكّ أنّ الرّجوع إلى مزيد (1/374)
صفحة 375
من الكتّاب كان سيتيح إعطاء صورة أدقّ عن تطوّر هذا المبحث في الفكر الإباضيّ ومعالمه الفاصلة، لكن لم تُتح لنا تلك الإمكانيّة، ومن جهة أخرى يتجاوز ذلك إطار عملنا.
3 - طريقة التّدليل
أ- القرآن
يستشهد الكتّاب في هذا الباب بآيات عديدة، سنكتفي بأقواها دلالة لتوضيح منهجهم.
1 - تعبّر عدّة آيات عن شموليّة الخلق. والّتي يستشهدون بها أكثر من سواها هي "خالق كلّ شيء" (ق 6: 102، كذلك 13: 16، 39: 62، 40: 62).
2 - هناك كذلك الآية: "والله خلقكم وما تعملون" (ق 37: 96). أوّل الإباضيّة "ما تعملون" بأعمالكم، بخلاف المعتزلة الّذين ذهبوا إلى أنّ المقصود "ما تنحتون" أي الأوثان كما يبيّن سياق الآية المباشر (1). وقد استشهد بها الجنّاونيّ وأبوسهل يحيى وعبد الكافي وغيرهم.
3 - نسبة الأفعال إلى الإنسان: هناك آيات تصف أفعالا إنسانيّة وتنسبها إلى الله، كـ (الآية 10: 22) "هو الّذي يسيّركم في البرّ والبحر حتّى إذا كنتم في الفلك ... " (2)؛ بينما نُسبت إلى الإنسان أفعال هو كاسبها، وإن كان ذلك لا يقتضي أن يكون خالقها (3): مثلا "فسوّلت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من (1/375)
صفحة 376
النّادمين" (ق 5: 30) (4).
4 - أفعال الإنسان هي ممّا يقع بين السّماء والأرض، وهي إذن مخلوقة لله بناء على الآية "خلق السّماء والأرض في ستّة أيّام" (ق 25: 59). يشترك الإباضيّة في هذه الحجّة مع السّنّة (5).
__________
(1) - عبد الجبّار: شر ح الأصول الخمسة، ص382.
(2) - عبد الكافي: الموجز، ج2 ص60.
(3) - المصدر نفسه، ج2 ص53 - 54.
(4) - آيات أخرى: (ق 12: 18، 9: 105، 32: 17، 9: 95).
(5) - انظر مثلا ابن حزم: الفصل، ج3 ص58.
5 - الاستعانة بآيات موازية تأييدا للمعنى الظّاهر للآيات المتعلّقة بأفعال الإنسان. مثلا أوّل المعتزلة الآية "ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام" (ق 5: 103) بأنّ الله نفى عن نفسه أن يكون جعل شيئا من فعل المشركين، بينما أوّلها الإباضيّة على ضوء الآيتين (ق 21: 16 و38: 27) ("وما خلقنا السّماء والأرض وما بينهما لاعبين"، "وما خلقنا السّماء والأرض وما بينهما باطلا") بهذا النّحو: ما خلق الله شيئا عبثا (1). بيد أنّ المعتزلة قدّموا تاويلا مختلفا لهاتين الآيتين: الباطل فيه معنى القبيح، ولا يجوز بحال أن نضيف إلى الله خلق القبيح كأفعال الإنسان المنطوية على الإثم، من ثمّة أوّلوهما بهذا النّحو: ليس في ما خلق الله باطل (2). أرجع عبد الكافي المعنى الظّاهر: ما خلق الله السّماء والأرض وما بينهما باطلا بل ليحقّ الحقّ ويبطل الباطل، موافقا الزّمخشريّ ضدّ عبد الجبّار.
6 - الصّلة بين علم الله والخلق: هناك علاقة بن العلم والخلق كما توحي الآيتان: "وأسرّوا قولكم أو اجهروا به إنّه عليم بذات الصّدور. ألا يعلم من خلق وهو اللّطيف الخبير" (ق 67: 13 - 14). (1/376)
صفحة 377
اعتبر عبد الكافي "مَن" فاعل "يعلم" لا المفعول به، مؤوّلا الآيتين بهذا النّحو: الله يعلم ما أسرّ العباد وما أظهروه فهو خلقه (3).
7 - صيغة الشّرط: "إن شاء الله" تعني أنّ أفعال الإنسانى تقع في "دائرة" مشيئة الله بما أنّها معلّقة بها (مثلا الآيات ق 81: 29، 18: 23 - 24 الّتي استشهد بها تبغورين) (1).
8 - دراسة السّياق: يتمثّل أحد أساليب الجدال في أخذ ألفاظ أو عبارات النّصّ القرآنيّ الّذي احتجّ به الخصم والاستظهار بآية أخرى وردت فيها ويُظهر سياقها خطل تأويله. مثلا بخصوص تحريف اليهود للكتاب، يستشهد المعتزلة بالآية: "ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله" (ق 3: 78) تأييدا لفكرة خلق الإنسان لأفعاله، ويرون أنّ النّفي في شطر الجملة الثّاني لا ينحصر في تأكيد ما ذكر الله في نفس الآية- أنّه لم يوح بما زعم اليهود أنّه من التّوراة- بل يعني كذلك أنّ تحريف الكتاب ليس فعل الله بل هو فعل النّاس. ردّ عبد الكافي مستشهدا بالآية (ق 24: 61) حيث وردت "من عند الله" وهي تؤيّد صدور (1/377)
صفحة 378
__________
(1) - عبد الكافي: الموجز، ج2 ص55.
(2) - يلاحَظ أنّ المعتزلة يرفضون تطبيق "وما بينهما" على أفعال العباد، ومن جملة اعتراضاتهم سخف القول بأنّها خُلقت في 6 أيّام وفق ما جاء في (ق 25: 59 و32: 4). انظر عبد الجبّار: شرح، ص362، 383؛ الزّمخشريّ: الكشّاف تفسير (ق 38: 27)، نشر دار الكتاب العربي، ج4 ص89 - 90.
(3) - عبد الكافي: الموجز، ج2 ص59 - 60. وترجمة بلاشير للقرآن تأخذ بتأويل ذي اتّجاه معتزليّ للآية حيث يعتبر "من" مفعولا به، وإن كان المعتزلة يقبلون الحلّين. انظر [جيماريه]: نظريّات الفعل الإنسانيّ، ص378 - 380
فعل الإنسان (هنا "تحيّة مباركة طيّبة") عن الله (2).
ب- الحديث
__________
(1) - تبغورين: أصول، ص14.
(2) - عبد الكافي: الموجز، ج2 ص54.
بعدما عرضنا الاستدلال بالقرآن، يجدر بنا التّوقّف قليلا عند الحديث. سنبحث فيه انطلاقا من ترتيب التّرتيب لأطفيّش حيث نقل أحاديث جمعها وبوّبها الورجلانيّ (1). من جملة 19 حديثا تتّصل بالقدر ذكرها أطفيّش هناك 3 تتعلّق بمعتقدات وممارسات الجاهليّة لا تهمّنا هنا (2). تعود هذه الأحاديث إلى الرّبيع بن حبيب النّصف الثاني (ق 2هـ) الّذي روى بعضها عن أبي عبيدة وجابر بن زيد النّصف الثاني (ق 1هـ) (3). وهي مرفقة بهذا الفصل وقد أحلنا إليها بأرقامها كما جاءت في الملحق.
__________
(1) - أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلانيّ: الصّحيح في حديث الرّسول، رواية الرّبيع بن حبيب عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التّميميّ، ط ح (1315هـ)، ص15.
(2) - مثلا "لا هامة ولا عدوى ولا صفَر"؛ أطفيّش: ترتيب التّرتيب، ص99؛ الورجلانيّ: الصّحيح، ص15.
(3) - في ما يتعلّق بمطابقة الرّبيع بأبي سلمة الحنفيّ في بعض المصادر غير الإباضيّة انظر: [فان إسّ]، بحوث 32 - 35. حاليّا لا يمكن أن نحدس الشّكل الأصليّ لكتاب الرّبيع الّذي نقله الورجلانيّ. وهو يعكس حالة علم الحديث غير المكتملة في (ق 2م). في ترتيب التّرتيب لأطفيّش رُويت 9 أحاديث عن الرّبيع (4، 5، 9، 10، 11، 12، 13، 15، 16) و1 عن ابن عبّاس مباشرة (14) و2 عن ابن عبّاس برواية جابر بن زيد، و3 عن رواة غير إباضيّين: عبادة بن الصّامت (2) وبلال بن سعيد (3) وعبد الله بن دينار (8).
لنبدأ بالأحاديث عن القدريّة. "القدريّة مجوس هذه الأمّة": ورد هذا الحديث بدون إسناد واستشهد به كلّ الكتّاب تقريبا. في الصّحيح المسند إلى الرّبيع نجده في 3 صيغ (الأحاديث 5، 10، 11)، سُمّوا فيها وحدهم (5) أو مع المرجئة (1/378)
صفحة 379
(10، 11)، وفي أحدها أُطلق اسم القدريّة على الجبريّة (10: "صنفان من أمّتي لا تنالهم شفاعتي يوم القيامة، لعنهم الله على لسان 70 نبيّا قبلي. قيل فمن هم يا رسول الله؟ قال: القدريّة والمرجئة. قيل: فمن المرجئة؟ قال: الّذين يقولون الإيمان قول بلا عمل، والقدريّة الّذين يعملون بالمعاصي ويقولون هي من عند الله إجبار، أما ولو شاء الله ما أشركنا ولا عصينا"). تشير صيغة هذا الحديث إلى فترة مبكّرة كان لقب القدريّة فيها مرادفا للمبتدعة والجبريّة (انظر: دائرة المعارف الإسلاميّة، 3، مقال "القدريّة") ولم يكن يعني القائلين بالاختيار. لكنّ الإباضيّة المتأخّرين أطلقوه على المعتزلة منكري خلق الله للشّرّ. مثلا كتب تبغورين: "يشبه القدريّة المجوس كثيرا في نفيهم خلق الله للشّرّ، وزادوا إلى ضلالهم بنفي كسب العبد من خير وشرّ" (1). كذلك قد يكون القدريّة مستهدفين بالمثل: "ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك" (الحديث 2) (2).
الإيمان بالقدر من أركان الإيمان (2، 4)، والقدر شامل لكلّ ما يكون في الدّنيا: "كلّ شيء بقضاء وقدر حتّى العجز والكيَس" (1) (3).
__________
(1) - تبغورين: أصول، ص14؛ أبو سهل يحيى: عقيدة، ص49.
(2) - رُوي هنا عن جابر عن عبادة بن الصّامت، وقد ورد عند أبي داود. انظر [ونسنك]، العقيدة الإسلاميّة، ص108، وإن كان الأخير قرنه بحديث آخر: القلم الّذي يكتب الأقدار).
(3) - في رواية عبد الكافي: "الزّنا بقدر وشرب الخمر بقدر والسّرقة بقدر"، الموجز، ج2 ص64، وعند تبغورين: "الزّنا والسّرقة"، أصول، ص12؛ انظر كذلك الورجلانيّ: الصّحيح، ص15.
يبدو الحديث 12 قريبا من مقولات الحسن البصريّ (1): "قال أبو بكر الصّدّيق (1/379)
صفحة 380
رضي الله عنه في شيء سئل عنه: أقول برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمنّي ومن الشّيطان".
لكنّ حديثا آخر وضّح أنّ القدر، خيره وشرّه، كلّه من الله (2). وتتّجه أغلبيّة الأحاديث نحو تأكيد التّحديد المسبق بنحو مطلق لأفعال العباد ومصائرهم (2): مثلا قد يخفي النّجاح في الدّنيا شقاء في الآخرة كُتب على صاحبه (3). والمصير في الآخرة، سعادة كان أو شقاء، كُتب على الإنسان مذ هو نطفة في بطن أمّه- بيد ملَك الأرحام الموكّل بكتابة أثره وعمله وأجله ورزقه (16) -، بل منذ الميثاق الأصليّ لمّا أخرج الله من ظهر آدم ذرّيّته وأمرهم بالسّجود فأجابت طائفة وأبت أخرى (13)، بل قبل ذلك عند خلق أوّل شيء، القلم الّذي كتب القدر فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة (3).
__________
(1) - حسب الحسن لا يخلق الله إلاّ الخير، أمّا الشّرّ فمن الإنسان والشّيطان، يختار الإنسان بحرّيّة بينهما لكنّ الله يعلم في الأزل ماذا سيختار، وهو لا يُضلّه إلاّ متى استحقّ ذلك بارتكاب المعصية. انظر [فان إسّ] دائرة المعارف الإسلامية، ج3 ص385، مقال "القدريّة". وكذلك رسالة الحسن: "لمّا زاغوا أزاغ الله قلوبهم"، [رِتّر] دراسات في تاريخ، ص73.
(2) - يمكن أن نقدّم قولا في نفس الاتّجاه نقله عبد الكافي عن وهب بن منبّه (ت 728هـ) في اليمن وله كتاب في القدر، انظر [وات]: مرحلة تكوّن، ص110: "في بعض كتب الله أنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا خالق الخير والشّرّ، فطوبى لمن خلقته ليكون الخير على يديه وويل لمن خلقته ليكون الشّرّ على يديه"، الموجز ج2 ص64 - 65.
(3) - هناك أحاديث شبيهة عند كبار المحدّثين كالبخاريّ (تفسير السّورة 92 وفي باب القدر، ترجمة [هوداس]، ج4 ص320، ومسلم (6، 7، 8) والتّرمذيّ (قدر 3)، ابن حنبل (ج4 ص67)، حسب المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النّبويّ لـ[ونسنك].
نجد صدى من هذه الأحاديث في تحاليل أبي سهل يحيى، مثلا: "قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: النّاس يبكون على خاتمتهم وأنا أبقي على سابقتهم"، (1/380)
صفحة 381
الخاتمة هي العاقبة في الآخرة والسّابقة ما قُدّر في البدء (1). إن كان كلّ شيء مقدَّرا فعلام يقدر العبد حسب هذه الأحاديث؟ حسب قول لم يُرو عن الرّسول نفسه بل عن ابن عبّاس، لا يلغي القدر كلّيّا قدرة الإنسان: "سئل ابن عبّاس عمّن زعم أنّ العباد لا يقدرون على الأخذ بما أُمروا به ولا الكفّ عمّا نُهوا عنه ولا يستطيعون ذلك وإنّما هو معمول بهم" (7). توحي الصّيغة "معمول بهم" بأنّ الإنسان أداة يتحقّق الفعل بواسطتها لا الفاعل الحقيقيّ، والحديث الّذي ساقه يعدّل هذه الصّورة. هناك حديث آخر أخذ به المتكلّمون الإباضيّون يعتبر القدر تيسير العبد لفعل ما خُلق له (2)، ولا داعي لديه بالتّالي للتّهرّب من مهمّة سُطرت له مسبقا (6).
__________
(1) - أبو سهل يحيى: عقيدة، ص16.
(2) - عرّف ابن حزم الهدى بأنّه توفيق من الله وعون وتيسير إلى الخير (الفِصل، ج3 ص45).
تتّجه أغلبيّة هذه الأحاديث إذن نحو تصوّر جبريّ ضدّ أفكار القدريّة (مع أخذ التّوضيحات الّتي قدّمناها بخصوص هذه الكلمة بعين الاعتبار). وهي مصدر تقليديّ للأدلّة المقدّمة لدعم الحجج المستمدّة من القرآن على القدر. وقد ورد بعضها في العقائد وعند المتكلّمين. وهي بالتّحقيق لا تعطي كلّ الحلول، ويوحي غياب الاستطاعة بأنّ بعضها يعود إلى عصر لم يكن هذا المفهوم قد تبلور بعد. ويحملنا حفظها رغم معارضتها لصياغة المذهب في عصر لاحق على الاعتقاد بأنّ بعضها ربّما يعكس فترة مبكّرة- رغم "ترتيبها" في عصر متأخّر-، كما يبيّن ورود أحاديث مماثلة مؤيّدة للجبر في عقائد كالفقه الأكبر 1 (1) ووصيّة أبي (1/381)
صفحة 382
حنيفة (2) وعقيدة الطّحاويّ (3) تناهض من جهة أخرى عقائد الخوارج أنّ الإباضيّة اتّخذوا حول مسألة القدر موقفا ذا توجّه سنّيّ حنفيّ مضادّ للقدريّة.
ج- الاحتجاج العقليّ
سنتبع هنا بالخصوص عبد الكافي في ردّه على القدريّة. قسّم القدريّةَ منكري خلق الله لأفعال الإنسان إلى 3 طوائف:
قال أصحاب الطّبائع إنّ الأفعال ليست لله بخلق ولا هي من أفعال الخلق وهي أفعال الطّبائع،
وقالت طائفة: جميع ما يحدث في العالم من حركات وسكون الاضطرار أفعال وأحداث ليس لها فاعل ولا محدِث،
__________
(1) -[ونسنك]، العقيدة الإسلاميّة، ص103، أ2.
(2) - المصدر نفسه، ص126، أ6.
(3) - مثلا هذا البند من عقيدة الطّحاويّ: "كلّ ميسَّر لما خُلق له والأعمال بالخواتم والسّعيد من سعد بقضاء الله والشّقيّ من شقي بقضاء الله"؛ انظر شرح العقيدة الطّحاويّة المكتب الإسلاميّ، بيروت (1391هـ)، ص275.
وقالت الطّائفة الثّالثة بأنّ الحركات والسّكون من جميع الأشياء الظّاهرة من الخلق فعل الله وخلقه ما عدا أفعال المكتسبين، وإلاّ أسقط ذلك التّكليف والكسب والحساب (1).
نمط جدليّ أوّل: الخيار بين البدائل (1/382)
صفحة 383
تتمثّل هذه الطّريقة في التّدرّج بالخصم إلى نتائج مقالته عبر سلسلة من الأسئلة في كلّ منها خيار بين بديلين، وجرّه إلى مناقضة نفسه أو إلى القول بمحال أو ببدعة. مثلا يؤول القول بأنّ العباد خالقو أفعالهم إلى تأكيد أنّهم خالقو أشياء حادثة، وإن كانت تلك الحوادث لا تدلّ بحدوثها على حدوث من حلّت به ووُصف بها فالعباد محمودون على أن جعلوا أفعالهم تدلّ على حدوث الأجسام، فينبغي أن يكون العاصون محمودين على معاصيهم. لكن أيّ عاقل يزعم ذلك؟ استخدم الكاتب أسلوبا مماثلا ليبيّن أنّ الأفعال عاجزة محتاجة ملازمة للفناء غير مدرَكة بالحواسّ (2).
2 - ثبات هيئة الأشياء
الفعل الإنسانيّ بالضّرورة مخلوق، مؤلّف من حركة وسكون: تلك بنية لا يستطيع أحد أن يبدّلها بحيث لا تكون الحركة حركة والسّكون سكونا ولا تكون العلاقة بينهما اختلافا وتضادّا. أساس الحجّة بقاء الأفعال على هيئة لا تتغيّر واقترانها بتأثيرات ثابتة مستقلّة عن إرادة الإنسان. هي لا تتوقّف على وعي الفاعل بأنّه في حالة تحرّك أو سكون. بل ينطبق ذلك على العباد والبهائم سويّا، وأضاف الكاتب في شيء من السّخرية: "بل قد وجدنا كثيرا ممّن ينتحل العلم وهو لا يعرف أنّ الحركة غير المتحرّك لكثرة أقاويل المختلفين في ذلك.
__________
(1) - ربّما قصد بالطّائفتين 1 و2 بعض المعتزلة الّذين اتّخذوا مواقف قريبة ممّا ذكر بخصوص الأفعال المتولّدة كما أشار عبد الجبّار: الأولى أتباع الجاحظ والثّانية أتباع النّظّام ومعمّر وثمامة بن الأشرس. وقد ردّ عليهم عبد الجبّار: شرح الأصول الخمسة، ص387 - 389، وعبد الكافي: الموجز، ج2 ص23.
(2) - عبد الكافي: الموجز، ج2 ص27 - 29.
قد يعترض القدريّة بأنّه لا يجوز الحدّ من قدرة الله بإنكار شمولها جعل الأفعال والأشياء بخلاف ما هي عليه، مثلا جعل السّكون متعبا مؤلما وجعل الحركة منها (1/383)
صفحة 384
سكونا: بعبارة أخرى القدرة على الفعل والتّرك (1). ردُّ عبد الكافي (2) ملتو: فهو لا يجيب مباشرة على الاعتراض بأنّ تحليله يقلّص قدرة الله بإنكار شمولها الفعل والتّرك، هو بالأحرى يرفض مماثلة قدرة الله الخلاّقة بهوج ساحر متعلّم ينشئ ويلاشي سنّة الكون أو بعبث الفكر البشريّ لمّا يتصوّر اعتباطا عالما افتراضيّا محكوما بقوانين مختلفة. باختصار يحيلنا إلى الواقع الموضوعيّ كمعطى أوّل وإلى مبدأ الهويّة (الشّيء هو ما هو): "الله لا يجعل الأفعال بخلاف هيئاتها ولا ينقلها من معانيها، ذلك من المحال الّذي لا يُتوهّم كونه، وليس في أن نصف الله بالقدرة على قلب أعيان الأشياء على هيئاتها ما يزيل عنه أنّه هو الجاعل لها في أعيانها والمدبّر لها على ما هي عليه" (3).
3 - الاستدلال بالصّيغ اللّغويّة
هناك اعتراضات أخرى صيغت على نمط لغويّ واحد ردّ عليها على منوال واحد يسمح بدحض ما شابهها من السّفسطات بكلّ ثقة.
__________
(1) - المصدر نفسه، ج2 ص30 - 31.
(2) - هذا ردّه: "أليس قد جاز أن يقال إنّ هذه الأفعال في أنفسها على ما هي به واستحال أن تكون على غير ما هي به، ولم تكن استحالة - كونها على غير ما هي به مبطلا أن تكون كائنة على ما هي به، فلِم لا كان هذا مجوّزا أن يقال إنّها مجعولة على ما هي به، وإن استحال أنّ الجاعل الّذي جعلها على ما هي به؟ " المصدر نفسه، ج2 ص31.
(3) - عبد الكافي: الموجز، ج2 ص32.
- الصّيغة الأولى هي: "لو جاز كذا ... لكان كذا"، وتتمثّل في افتراض يترتّب عليه محال. ينطلق المعتزلة من مسلّمة: أنّ الفعل لا يتجزّأ أو يتغاير ولا يمكن إذن أن يكون من فاعليْن، ويعترضون على ذلك: "لو جاز أن يكون فعل (1/384)
صفحة 385
واحد من فاعليْن لجاز أن يكون قول واحد لقائليْن، ولو جاز أن يكون الله مريدا لأفعال العباد لوجب أن يكون مريدا للكفر والمعصية ... " (1).
- الصّيغة الثّانية الّتي يحتجّ بها القدريّة هي: "هل ثَمّ إلاّ الله وما خلق؟ " كما يعتقد الإباضيّة. يؤدّي القبول بذلك منطقيّا إلى القول بأنّ الله خالق المعصية (وبانتفاء الاكتساب والثّواب والعقاب). بدءا ينكر عبد الكافي منطلق القدريّة: يسلّم معهم باستحالة صدور فعل واحد من فاعلين على جهة واحدة لأنّ عرَضا واحدا لا يحلّ في محلّين في وقت واحد، لكنّها في رأيه ليست دليلا على استحالة فعل واحد من فاعلين على جهتين مختلفتين، خلق واكتساب، كما أنّ استحالة وجود فاعلين في مكان واحد على جهة التّمكّن لا تنفي وجود الله في كلّ مكان مع وجود جسم في المكان على وجهين مختلفين: أحدهما بالتّدبير والآخر بالحلول.
__________
(1) - المصدر نفسه، ج2 ص33 - 34. ذلك اعتراض متداول عند المعتزلة، انظر عبد الجبّار: شرح، ص345.
لهذين الصّنفين من الاعتراضات صاغ مبدأ للحلّ: إثبات التّغاير والتّجزئة على الفعل الإنسانيّ وتعدّد الجهات فيه: جهة محدَث، عرَض، حركة، كسْب، سكون، طاعة، توحيد، معصية، كفر. للفعل صفة وجوديّة (حدوثه) وطابع أخلاقيّ (موافقة الشّرع أو مخالفته). وعقاب الكفر لا يعود إلى صفته الوجوديّة (أي بكونه شيئا، محدَثا، عرَضا، حركة أو سكونا) وإلاّ للزم أن نسلّم بوجوب عقاب كلّ شيء ومحدَث (1). هناك اعتراض يقوم على منهج قلب الجُمل الّذي دأب عليه القدريّة: أنّه لو جاز أن يكون فعل العبد خلقا لله لجاز أن يقال إنّ (1/385)
صفحة 386
العبد فعل خلق الله (2). وردّ الكاتب يقوم على مقولتي الخاصّ والعامّ، إذ ليس من فعل العبد ما لم يخلق الله لكنّ من خلق الله ما لم يفعل العبد، لذلك لا يقال فعَل العبدُ خلْقَ الله، بل الأحرى أن يقال: خلَق اللهُ فعْل العبد.
4 - استحالة الشّركة
فحوى هذا الاعتراض استحالة أن يكون فعل العبد خلقا لله لأنّه لا يكون لهما معا إلاّ على وجه الشّركة والشّركة عن الله منفيّة. ردَّ عبد الكافي بالتّمييز بين معنيين للشّركة أحدهما حقيقة (كاشتراك رجلين في ملْك مال) والثّاني استعارة ومجاز، ويطلَق على التّعاون والاتّفاق (كملاّحيْن سارا بسفينة في البحر). في حالة فعل العبد، لا يمكن الحديث عن شركة لاختلاف وجهي إضافته إلى الله والعبد ومدلوليهما: سبيل الله إخراجه من العدم إلى الوجود (ومن هذا المنظور لا يمكن إسناده إلى العبد لأنّه عاجز عن الخلق)، وسبيل العبد اختياره واكتسابه والتّحرّك به والسّكون والإيمان والكفر ... (3)
د- مشكلة الإرادة
__________
(1) - الموجز، ج2 ص45.
(2) - المصدر نفسه، ج2 ص38 - 39.
(3) - المصدر نفسه، ص2 ص47 - 52.
تدخل هذه المسألة في باب الصّفات (هل إرادة الله صفة ذات أم فعل) كما في باب القدر حيث تطرح مشكلات أكتفي هنا باثنتين منها: علاقة القدر بإرادة إيجاد الأشياء، وعلاقة مشيئة الله بالمعصية (هل يريد الله أن يُعصى؟ هل يريد الله (1/386)
صفحة 387
الطّاعة من العاصين؟)
يرى المعتزلة أنّ الإرادة عين الأمر بالطّاعة، ولا يجوز أن يأمر الله بشيء وهو له غير مريد. وهي من الله فعل، فهو مريد بإرادة محدثة موجودة لا في محلّ (1). وبخلافهم يؤكّد الإباضيّة أنّها صفة في ذاته واجبة له، تتمثّل في نفي الاستكراه (أو الكراهة) عنه: فهو مريد لم يزل. لا ينكرون أن يقال إنّ الله أراد الطّاعة من عباده على معنى أمرهم بها، وليس ذلك بصفة له في ذاته، الّتي هي نفي الاستكراه عنه. يعترض المعتزلة: إن كان الله مريدا لم يزل، وإن كانت إرادته نفي الاستكراه، لزم أن يكون "لم يزل" فعلا ليُنفى بالكره (2). ردُّ عبد الكافي هو أنّ اعتراضهم لا أساس له، فالكره لا يتقدّم الوقت الّذي يكون فيه الفعل كما لا يتقدّم الجهل الوقت الّذي يكون فيه المعلوم، فانتفى أن يكون في الأزل ما لا يكون. في ردّه يتفادى التّناقض الّذي أراد المعترض الزّجّ به فيه (فكرة أزليّة هي في نفس الوقت آنيّة)، ويرفض اعتبار نفي الاستكراه عن الذّات نفي شيء موجود، ويستبعد في نفس الوقت الفكرة الثنوية- فكرة خالق مع الله في الأزل يستكرهه أو يحدث له مانعا يكون من أجله مستكرها على كون ما يكون من فعله.
__________
(1) - عبد الجبّار: شرح، ص440.
(2) - عبد الكافي: الموجز، ج2 ص74.
تظهر من جديد صعوبة التّوفيق بين أزليّة الإرادة باعتبارها صفة ذاتيّة وحدوث الفعل عند النّظر في الأمر. يرى المعتزلة أنّ الإرادة الّتي هي فعل الله تطابق أمره: إذ لا يجوز أن يأمر الله بشيء وهو لا يريده، وإرادته لأفعال العباد (1/387)
صفحة 388
هي أمره بها (1) وهو غيرها، وإرادة تكوين الأشياء هي التّكوين حسب النّظّام. ردُّ عبد الكافي هو رفض مطابقة الإرادة بالخلق، كما هو الشّأن في الإيمان. الخلق والإيمان خاضعان لعلّة مشتركة: لا يأمر الله بشيء إلاّ وقد أراده. وكما أنّ الإرادة (ممثّلة في أمر التّكوين: "كن" في (ق 16: 40)) متقدّمة للخلق، كذلك هي في الإيمان متقدّمة للأمر به وهي غيره (2).
__________
(1) - يلمّح عبد الكافي هنا لا إلى أبي الهذيل (إرادة الله غير أمره) بل إلى النّظّام. انظر الأشعريّ: مقالات، ج1 ص244 - 245.
(2) - ("لا يجوز القول بأنّ) الإرادة لأن يخلق الخلق هي خلقه له، (لأنّه) إذا كانت العلّة في إرادته الإيمان أنّها عين الأمر به هي أنّه لا يكون أن يأمر به إلاّ وقد أراده، فكذلك يلزمكم في أنّه لا يخلق شيئا من الخلق إلاّ وقد أراده، فالإرادة متقدّمة للخلق، كما كانت للإيمان متقدّمة للأمر به، وقد قال عزّ وجلّ: إنّما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون (ق 16: 40)، فدلّ أنّ القول منه لأن يكون الشّيء بعد الإرادة منه له"؛ الموجز، ج2 ص79.
لو قبلنا فرضا أنّ الإرادة صفة ذاتيّة، أي أنّ الله لم يزل مريدا لوجود الأشياء، فلِم لم تكن الأشياء موجودة في الأزل؟ يجيب عبد الكافي: ليست العلّة في أن كانت الأشياء هي أنّ الله كان مريدا، ولو كان الشّان كذلك لما اختلفت إذ إرادته غير موصوفة بالاختلاف (1). ولكنّ العلّة أن كان كلّ شيء من الأشياء كلّها علّة أخرى من الأشياء، فالأشياء بعضها علّة لبعض، وغير جائز أن يقال إنّ لها علّة في أن كان جميعها (2): ذلك على الأرجح تلميح إلى فلسفة الطّبائع الّتي لم (1/388)
صفحة 389
تكن تُدخل في اعتبارها محدِثا أوّل. هل فتح عبد الكافي بذلك التّحليل المجالَ لنظريّة العلل الثّانية القائلة بأنّ الأشياء بعضها علل لبعض وهي معلولة لغيرها إلاّ العلّة الأولى أصل الجميع؟ هل لمّح ضمنيّا إلى نظريّة التّولّد الّتي أخذ بها المعتزلة وأنكرها أهل الإثبات (3)، أم هل استخدم ببساطة أسلوب محاجّة الخصم بكلامه (من فمك أُدينك)؟ يصعب البتّ في ذلك، لكنّ قوله يبدو على أيّة حال غريبا بلا أدنى شكّ.
هناك اعتراض شبيه الصّيغة يقوم على أزليّة الأوقات. القول بأنّ الله لم يزل مريدا للأشياء يعني أنّه مريد لأن تكون في أوقاتها. والحال أنّه لم يزل مريدا لكون الأوقات. فما بال الأوقات لم تكن لم تزل؟ الجواب هو أنّ الله أراد أن تكون الأوقات أوقاتا للأشياء الكائنات فيها. فبطلت أزليّة الأوقات بدون الكائنات (4).
__________
(1) - في عصر عبد الكافي لم يكن الإباضيّة قد أدخلوا إلى مذهبهم مصطلح المرجِّح الّذي يسمح حسب السّالميّ بميل الإرادة إلى أحد الممكنات وتخصيصها دون أن تفقد طابع الصّفة الذّاتيّة، انظر الفصل 7 ملاحظة 133.
(2) - الموجز، ج2 ص75.
(3) - الأشعريّ: مقالات، ج1 ص78 - 83.
(4) - الموجز، ج2 ص76.
هل أراد الله أن يُعصى؟ إن أُريد ذلك بمعنى الأمر بالمعصية فلا، لكنّه أرادها بمعنى جعلها خلافا للطّاعة غير مستكرَه على أن تكون المعصية من العصاة. كما أنّ إضافة المعصية إلى الله وإلى الإنسان هي على وجهين مختلفين، فسد أن يقال إنّ الله أراد أن يُعصى وجاز أن يقال إنّه أراد المعصية من جهة أنّه خلقها (1). هل أراد الله الطّاعة من العاصين؟ نعم من جهة أنّه أمر بها. الإرادة الّتي هي صفة ذاتيّة غير الأمر الّذي هو فعل (2). وجائز أن يأمر الله بما لا يريد، كما هي الحال في أبي (1/389)
صفحة 390
جهل وبعض قريش (3). لكنّ المعتزلة القائلين بإرادة إلهيّة محدثة يسألون: كيف يريد الله طاعة غير كائنة؟ يجيب عبد الكافي: "أراد الطّاعة ممّن لم تكن الطّاعة كائنة منه في علم الله. (وهو) غير موصوف بأنّه مريد لكون الطّاعة منه وهي غير كائنة لأنّه لا ينفي عنه الكره فيما لا يكون". يعني أنّ الله قد "يريد" طاعة وهي في علمه الأزليّ لن تكون، لكنّ "استكراه" شيء غير كائن كالجهل به منفيّ عنه كنقص ومحال. وذلك ما تؤكّد آيات قرآنيّة مثل: "ولو شاء الله ما أشركوا" (ق 6: 107) (4).
__________
(1) - الموجز، ج2 ص76 - 77.
(2) - يوافق في ذلك السّنّة ضدّ المعتزلة. انظر الباجوريّ: خاصّيّة، ص40.
(3) - "وقد أخبر الله على ما لا يريده، وقد أخبر على الكفر وهو لا يريده، بمعنى كرهه ونهى عنه. وحكايته عن الفقيه عبد الوهّاب عن الأشعريّة أنّ الله يأمر بما لا يريد قد كان، فالأمر فعل عندنا والإرادة صفة، وعند الأشعريّة أنّهما معنيان يوصف الله تعالى بهما، وما حكوا عن أبي جهل فصحيح وكذلك بعض قريش، لو أراده منهم حتما لأرادوه، ولو أراده منهم أمرا لأمكن الوجهان: أن يريدوه وأن لا يريدوه"؛ ردّ عبد الكافي، حسب الورجلانيّ في كتاب الدّليل والبرهان، ص60، انظر [علّوش]: رسالتان، ص81.
(4) - الموجز، ج2 ص77. استشهد بآيات أخرى (6: 112، 76: 30، 2: 253، 4: 78).
لكن أليست طاعة أرادها الله وقدّرها من الإنسان زيفا إذ "لا يكون شيء إلاّ والله لأن يكون بما هو به شاءٍ مريد"؟ قدّم عبد الكافي حلاّ يقرّبه من الرّازي (1) يوضّحه تفسيره للآية: "ولو أنّا نزّلنا إليهم الملائكة وكلّمهم الموتى وحشرنا عليهم كلّ شيء قُبُلا ما كانوا ليؤمنوا إلاّ أن يشاء الله" (ق 6: 111). يقول الله- حسب تفسيره-: لو شاء اضطرّهم على الإيمان ولكانوا إذّاك مضطرّين على الفعل وغير موصوفين بأنّهم مؤمنون لأنّه لا يجوز أن يكون مؤمنا من كان (1/390)
صفحة 391
مستعمَلا في فعله مضطرّا عليه لإبطال وجود الكسب" (2).
4 - حلول إباضيّة لمسائل متّصلة بالقدر
1) مشكلة إيلام الأطفال والأبرياء
__________
(1) - انظر [أرنلديز]: متناقضات حول الجبر عند الرّازي، في ميديو، ج6، ص135 - 136.
(2) - الموجز ج2 ص78.
أجاز الجبريّة، والسّنّة عموما، إيلام الأطفال، فالله لا يُسأل عمّا يعمل وليس عليه أن يبرّر ما شاء، وهو بمعاقبتهم دون أن يقترفوا ذنوبا لا يظلمهم. كان ذلك رأي الحسين بن محمّد النّجّار: "جائز أن يؤلم الله سبحانه الأطفال في الآخرة وجائز أن يتفضّل عليهم فلا يؤلمهم" (1)، وإليه ذهب الأشاعرة أيضا. أمّا المعتزلة فاتّفقوا على أنّه لا يجوز أن يؤلم الله الأطفال في الآخرة (2)، وربّما أجاز بعضهم كالإسكافيّ وأصحابه حسب ما ذكر الجرجانيّ أن يعذّب الله الأطفال والمجانين (3). لا يتبع حكم الأطفال إذن حكم الآباء عند المعتزلة، وإن آلم الله الأطفال في الدّنيا فذلك لا يكون في رأيهم بغير "عوض" في الآخرة (4). أمّا الخوارج فقد صنّف الأشعريّ أقوالهم في الأطفال إلى 3: صنف منهم يزعمون أنّ حكمهم حكم آبائهم- وهو حسب الجيطالي (5) رأي الصّفريّة- مع الاختلاف في حالة (1/391)
صفحة 392
انتقال الآباء بعد موتهم عن أديانهم، فقال بعضهم ينتقلون إلى حكم آبائهم، وآخرون: هم على الحال الّتي كان آباؤهم عليها في حال موتهم؛ وتبع الصّنف الثّاني مذهب الجبريّة أنّ الله يفعل ما يشاء فأجازوا أن يؤلم في النّار أطفال المشركين أو ألاّ يؤلمهم، وأطفال المؤمنين يلحقون بآبائهم (وفق ق 52: 21)؛ وقال الصّنف الثّالث وهم القدريّة: أطفال المشركين والمؤمنين في الجنّة (6). جعل الأزارقة أطفال المشركين، أي من ليسوا في ملّتهم، في النّار. وبرّروا موقفهم المتطرّف، حسب ما ذكر ابن حزم (7)، بدعاء نوح: "ربّ لا تذر على الأرض
__________
(1) - الأشعريّ: مقالات، ج1 ص316.
(2) - المصدر نفسه، ص193.
(3) - ش بوعمران: قضيّة الحرّيّة الإنسانيّة، ص164 - 166 حيث عرض حجج المعتزلة؛ [غارديه]، الله ومصير الإنسان، ص96 - 97.
(4) - الأشعريّ: مقالات، ج1 ص292. تحاليل مطوّلة في: القاضي عبد الجبّار: شرح، ص483.
(5) - الجيطاليّ: قواعد الإسلام، ج1 ص60.
(6) - الأشعريّ: مقالات، ج1 ص190.
(7) - ابن حزم: الفِصل، ج4 ص73.
من الكافرين ديّارا. إنّك إن تذرهم يُضلّوا عبادك ولا يلدوا إلاّ فاجرا كفّارا" (ق 71: 26 - 27). وردّ عليهم: ليس كلام نوح على كلّ كافر، وإنّما أراد كفّار قومه ووقته، ولو كان للأزارقة أدنى علم لعلموا أنّ إبراهيم ومحمّدا كان أبواهما كافرين مشركين وقد ولدا خير المؤمنين. وأكّد أنّ الله فطر النّاس على الإيمان، وهو صبغة الله الّتي تلقّاها كلّ إنسان بالميثاق الأصليّ عند الخلق (ق 30: 302: 138)؛ "صحّ يقينا أنّ كلّ نفس خلقها الله تعالى من بني آدم ومن الجنّ والملائكة فمؤمنون كلّهم عقلا مميّزون، فإذ ذلك كذلك فقد استحقّوا كلّهم الجنّة بإيمانهم حاشا من بدّل هذا العهد وهذه الفطرة وهذه الصّبغة وخرج عنها إلى غيرها ومات على التّبديل، وبيقين ندري أنّ الأطفال لم يغيّروا شيئا من ذلك فهم من أهل الجنّة" (1). (1/392)
صفحة 393
أمّا أنّ الإباضيّة لا يقولون بتعذيب الله أطفال الكافرين، فذلك لا يثبته فقط ما ذكر عنهم الجرجانيّ (2)، بل كذلك ما أكّد كتّابهم كأطفيّش: ذلك أنّهم في رأيه لم يبلغوا سنّ التّكليف ومخالف للعقل أن يُدخلوا في النّار وهم لم يفعلوا ما يستحقّون به ذلك المصير: "ولا تكسب نفس إلاّ عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى" (ق 6: 164)، ثمّ إنّ ذلك يمسّ بالعدل الإلهيّ لأنّ الله رحيم ولا يظلم أحدا. وفي تفسيره لحديث في اللاّهين الّذين أعطاهم الله رسوله خدما لأهل الجنّة، رأى أنّهم أطفال المشركين والمنافقين، أمّا أطفال المسلمين فإنّهم في درجات آبائهم فضلا من الله، لتقرّ بهم أعينهم، فهم من ملوك الجنّة لا من خدمها (3).
__________
(1) - المصدر نفسه، ص4 ص77 - 78.
(2) - الجرجانيّ: شرح المواقف، القاهرة، إحياء الكتب، (1928م)، ص228 - 229.
(3) - أطفيّش: شرح عقيدة التّوحيد، ص226 - 227.
كما نرى تغلب عند الأزارقة والخوارج الأوائل روابط العصبيّة القبليّة: ملّة الآباء أساس حكم الأطفال، لكنّ حالة الآباء الّذين يبدّلون دينهم بعد موت أطفالهم تثير التّساؤل حول حتميّة ارتباط حكم الأطفال بحكم الآباء، كما تتّصل بمبدأ ثبات العلم الإلهيّ (لا تبدو له اابدوات)، واختلفت فيها آراؤهم. أمّا الإباضيّة فينتمون إلى الطّائفة الثّالثة من تصنيف الأشعريّ، القدريّة: فرغم اختلافهم مع المعتزلة حول القدر، يلتقون هنا بهم حول العدل.
2) الأرزاق
الرّزق تابع للإرادة والقدر، فالله "له مقاليد السّماوات والأرض يبسط الرّزق لمن يشاء ويقدر" (ق 42: 12). ذهب عيسى بن عمير والإباضيّة الّذين تبعوه (1/393)
صفحة 394
وبعض المعتزلة (1) إلى أنّ من غصب إنسانا مالا أو طعاما فأكله أكل ما رزق الله غيره ولم يرزقه إيّاه، ولو كان رزقا له من الله لسقطت عنه المسؤوليّة (2). لكنّ جمهور الإباضيّة يتبعون قول الأشاعرة بأنّ من أكل الحرام فقد أكل رزقه غذاء ولم يأكله ملكا. الله مالك كلّ شيء، والإنسان يأكل رزقه فقط لا ما ملك وكسب باختياره واجتهاده. يدعو ضمان الرّزق إلى التّوكّل في رأي أبي سهل يحيى (3)، والله خلق الخلق ورزق الأرزاق منّا منه وفضلا لا وجوبا وفرضا (4). تابع الكتّاب اللاّحقون نفس التّوجّه الأشعريّ. عند الثّلاثيّ مثلا: الرّزق هو كلّ ما ينتفع به الإنسان، حلالا كان أو حراما، ولا "يأكل" أحد رزق آخر. وليس أكل الحرام فقط مخالفة- معلومة لله في الأزل- لتدبيره الّذي جعل لكلّ رزقه، بل هو كذلك جرم يستوجب العقاب لمن لا يتخلّص من وزره حسب الشّرع بدفع ثمنه (5).
3) الأجل
__________
(1) - خالف عيسى بن عمير أبا عبيدة، وتبع بدعته أحمد بن الحسين وابن عمارة. انظر الشماخي: السّيَر، ص104 - 105 و262.
(2) - الأشعريّ: مقالات، ج1 ص296.
(3) - أبو سهل يحيى: عقيدة، ص17.
(4) - الجنّاونيّ: كتاب الوضع، ص35.
(5) - الثّلاثيّ: نخبة المتين، ص166.
هو كالأجل قدّره الله، والإنسان لا يموت قبل الأجل الّذي حدّده له الله (1). ردّ (1/394)
صفحة 395
تبغورين على القائلين بأنّ من قُتل مظلوما مات قبل أجله (كما لو كان هناك أجلان واختُرم القتيل قبل أجله الأصليّ)، فسأل: ما معنى أجل ثان لم يعلمه الله أو لم يقدّره؟ ذلك يؤول إلى وصف الله بالجهل أو بإخلاف وعده. يخشى الكتّاب بالأخصّ أن يضع الله مانعا لأفعالهم ويحمّلهم فوق وسعهم (2).
4) الدّعاء
نفى المعتزلة فعاليّته: فهو لا يؤثّر في قدرة الله، وليس أثر العمل- الّذي هو فعل الإنسان الّذي يتحمّل وحده تبعاته- معلّقا باستجابة الله لدعائه. لكنّهم اعتبروا أنّ له قيمة كعبادة، فهو يجعل الإنسان إزاء الله في الوضع المطلوب: الخشوع والتّعبّد. وقد رأينا كيف جعل الجيطالي الطّلب نفسه من القدر: إذ ربّ أمر قدّر الله وصوله إلى الإنسان بالطّلب، والدّعاء حينئذ من أبواب تيسير المطلوب. هذه النّظرة قريبة من تصوّر الأشاعرة وربّما استوحاها منهم (3).
5 - تقييم عامّ
__________
(1) - من الآيات المستشهد بها: (ق 65: 3) "قد جعل الله لكلّ شيء قدرا"- أي أجلا لا يقدَّم ولا يؤخَّر- و (15: 5) "ما تسبق من أمّة أجلها ولا يستأخرون".
(2) - تبغورين: أصول، ص76؛ أبو سهل يحيى: عقيدة، ص17.
(3) - الجيطاليّ: قواعد، ج1 ص31؛ مقال "الدّعاء" لـ[غارديه] في دائرة المعارف الإسلامية 2، 2: 632 - 634.
بينما وافق الإباضيّة المعتزلة في مسألة الصّفات بوجه عامّ، وحول طبيعة القرآن كلام الله المخلوق، خالفوهم كما رأينا حول القدر. لا نستطيع حاليّا، على ضوء ما وصلنا من معلومات في المصادر المتوفّرة لنا، تفسير اختيار الإباضيّة الوقوف ضدّ مذهب القدريّة بينما انقسم الخوارج بالتّساوي تقريبا بين القدريّة والجبر حول مسائل القدرة والاستطاعة والإرادة، خاصّة أنّ الإباضيّة الأوائل لم (1/395)
صفحة 396
يتّفقوا على رأي موحّد: لم يحصل إجماع حول خلق الله لأفعال العبد، وأخذ الحارثيّة- وهم فرع من الإباضيّة- برأي المعتزلة في الاستطاعة.
كان يمكن أن تقارب بين الإباضيّة والقدريّة معارضتهم لسلطة جائرة- من ذلك إدانة عثمان- لكنّ المذهب الإباضيّ نحا في الواقع في اتّجاه مضادّ للقدريّة كما تشهد عقائدهم وكتاباتهم وردود متكلّميهم على القدريّة. عارض الإباضيّة الجبريّة نافين قسر الإنسان على أفعاله لمنافاته العدل، وأكثر منهم القدريّة وخلفاءهم المعتزلة (مع القرن بينهما أحيانا كما في عقيدة عمان) رافضين القول بأنّ الإنسان خالق أفعاله. بتأكيدهم باستمرار أنّ "الله خالق كلّ شيء"، ومن جهة أخرى أنّ للإنسان اختيار أفعاله واكتسابها الّذي هو أساس التّكليف حاولوا الأخذ بالوسط والجمع بين الطّرفين، لكنّهم ركّزوا أكثر على العنصر الأوّل. وقد بيّنت دراستنا لتطوّر مبحث خلق الأفعال، على إيجازها، الجهود لإبراز حقيقة الاختيار، والحذر عند إدخال مصطلحات جديدة والتّأكّد من أنّها لا تمسّ عموم القدرة الإلهيّة، شأن القدرة الحادثة المخلوقة للإنسان.
حرص الكتّاب الّذين شملهم مسحنا بالأخصّ على التّمييز بوضوح تامّ بين فعلي الله والإنسان: ليست العلاقة بينهما تبعيّة ولا شركة أو تعاون قدرتين لإنجاز فعل (على الأقلّ من وجه واحد كما وضّح عبد الكافي) وإلاّ وقعنا في الشّرك، وإنّما ينتج الفعل من تدخّل فاعلين على وجهين مختلفين: فهو لله خلق وإيجاد أي إخراج من العدم إلى الوجود، وكسب للإنسان الّذي لا يملك التّأثير على الفعل حقّا وإنّما دوره التّحرّك والطّاعة والإيمان الخ. وهو لا يفعله بدون الله الّذي قدّره وعلم في الأزل ماذا يكون (أطفيّش). أكّد عبد الكافي في جملة من (1/396)
صفحة 397
ردّه على القدريّة أنّ الأشياء بعضها علل لبعض، لكن لا يمكن أن نستنتج منها أنّه يأخذ بنظريّة العلل الثّانية. يبقى الله لديه محدِث كلّ شيء.
يحقّ لنا أن نتساءل إن لم يكن الإباضيّة، كعدد من الأشاعرة، من القائلين بنظريّة المناسبات في الفعل الإنسانيّ. ليست القدرة على الفعل ضدّ العجز، بل هي خاصّة بذلك الفعل لا تزايله: تنشأ وتنتهي معه. هي شرط- متمثّل في صحّة الأداة واشتغالها السّليم- أكثر ممّا هي استطاعة تحمل في ذاتها الفعل بالقوّة (1). والفعل يشير إلى وجودها (تبغورين).
__________
(1) - "عندنا يستطيع ويمكن ويفعل مترادفات" (تبغورين: أصول، ص52).
أشرنا مع ذلك إلى محاولة بعض الكتّاب (الثّلاثيّ بوجه خاصّ) إعطاء الإنسان قدرة قبل الفعل من خلال مفهوم العلّة الّتي تسبقه وتدفع إليه لكنّها منطقيّا لا تنفصل عنه لأنّ العلّة لا تفارق المعلول. ولئن انتهت محاولات كتّاب كالسّدويكشيّ والثّلاثيّ بالعودة إلى موقف تقليديّ، فإنّها تُظهر جهدا جديرا بالتّنويه لفتح سبل جديدة، فيها تواصل مع التّراث. مثال تعريف الكسب في هذا المضمار بليغ الدّلالة: في الأصل كان يُنظر إلى الكسب كإضافة خارجيّة بالأحرى إلى الإنسان لفعل لا يقع في نطاق استطاعته إذ لا قدرة له بالمعنى التّامّ (تبغورين)، ثمّ أُسندت إليه قدرة حادثة حتّى إن عُرّفت بنحو سلبيّ بالأساس بعدم شموليّتها (الثّلاثيّ)، وفي نهاية المطاف صار الكسب الصّلة بين القدرة والفعل (التّعاريتيّ).
قلّما نُصّ على أنّ الله خالق المعصية والشّرّ عموما بهذه الصّيغة الفجّة، وإن ذُكر (1/397)
صفحة 398
ذلك ففي الغالب من خلال حديث. والصّياغة الشّائعة والّتي تبدو محلّ إجماع تتمثّل في "نَدين بأنّ القدر، خيره وشرّه، كلّه من الله"، وهي عبارة تنفي الثنوية وتؤكّد شموليّة القدر. يتحرّج الإباضيّة من نسبة خلق الشّرّ إلى الله: مثلا يبدو السّدويكشيّ متأثّرا بفكرة المعتزلة عن القبيح الّذي قد يكون للاعتبار ويستحقّ العبد عنه عوضا.
تماشيا مع نفي البداء عن علم الله، شدّد الإباضيّة على أنّه "لا تبدو له البدوات"، لذلك فإنّ الولاية والبراءة أزليّتان ومرتبطتان بالإرادة: لم يزل الله وليّا لبعض عباده بريئا من بعض وهو يعلم في الأزل مآل الجميع. لكنّ علمه الأزليّ لا يعني الجبر، وليس هناك "تكليف ما لا يطاق". لو شاء الله لأكره العصاة على الطّاعة، لكنّه لم يشأ (والحلّ هنا قريب من الّذي بيّنه الرّازي). بخصوص تحديد حياة الإنسان وأفعاله مسبقا، ليس هناك إجماع تامّ. هناك تيّار يدفع في هذا الاتّجاه ويسير على الخطّ الّذي رسمته أحاديث تُظهر أنّ الله قدّر للعبد سلفا كلّ ما يمسّه: عمله ورزقه وأجله. إليه ينتمي مثلا أبو سهل يحيى. التّحديد المسبق ثابت في حالة المعصومين الّذين عيّنهم القرآن، وعلى وجه التّضادّ في حالة غير المعصومين الّذين ذكر القرآن غضب الله عليهم (1). بالنّسبة إلى بقيّة المؤمنين، يدخل في باب القدر التّوفيق المتمثّل في تيسير العبد للخير، وضدّه الخذلان الّذي توجد نزعة عند الكتّاب المحدثين إلى اعتباره واقعا ثبوتيّا يوجده الله وختما على القلب (أطفيّش) أكثر ممّا هو ترك وتخلّ من توفيقه (تبغورين). (1/398)
صفحة 399
ملحق بالفصل العاشر: أحاديث في القدر
نقدّم في ما يلي أحاديث عدّدها محمّد بن يوسف أطفيّش في كتاب ترتيب التّرتيب لمسند الرّبيع بن حبيب في حديث المصطفى، طبعة حجريّة 1326 ه، 94 - 99، باب القدر والحذر والتّطيّر.
1 - عن الرّبيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد: "كلّ شيء بقضاء وقدر، حتّى العجز والكيَس".
__________
(1) - الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص6 - 8 و11؛ أبو حفص (انظر [موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص527 - 529 و531).
2 - عن جابر عن عبيدة بن الصّامت: "إنّك لن تجد ولن تؤمن وتبلغ حقيقة الإيمان حتّى تؤمن بالقدر خيره وشرّه أنّه من الله ... تعلم أنّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، فإن متّ على غير ذلك دخلت النّار". (يتبع حديثان عن العيافة والحذر: "لا هامة ولا عدوى ولا صفَر"، "لا يرد هائم على مُصحّ"، والهائم الّذي جربت ماشيته)
3 - عن الرّبيع عن بلال بن سعيد: "ربّ مسرور مغبون وربّ مفتون لا يشعر، ويل لمن له الويل وهو لا يشعر يأكل ويشرب ويضحك وهو في الكتاب من وقود النّار".
4 - عن الرّبيع: "ما كان كفر إلاّ كان مفتاحه تكذيبا بالقدر".
5 - عن الرّبيع: "القدريّة مجوس هذه الأمّة، إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تصلّوا عليهم". (1/399)
صفحة 400
6 - عن الرّبيع: "قال جابر: سئل ابن عبّاس عمّن قال إنّه لا يستطيع أن يعمل بما أمر الله ويكفّ عمّا نهاه الله عنه من غير أن يخلق الله فعله. فقال: سأل سراقة بن جشعم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: ما العمل يا رسول الله، في أمر مبتدإ مستأنَف أم في شيء قد فُرغ منه؟ فقال: بل في شيء قد فُرغ منه، ثمّ قال: ففيم العمل إذن يا رسول الله؟ فقال: اعملوا فكلٌّ ميسّرٌ لما خُلق له."
7 - عن الرّبيع عن جابر: "سئل ابن عبّاس عمّن زعم أنّ العباد لا يقدرون على الأخذ بما أُمروا به ولا الكفّ عمّا نُهوا عنه، ولا يستطيعون ذلك وإنّما هو معمول بهم، فقال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ستكون بعدي شياطين في جثمان الرّجال يأتون المجالس وكلّهم يكذب على الله ورسوله، فتلك الأحاديث الكاذبة ونحوُها من أولئك الشّياطين من الإنس يوحيها إليهم إخوانهم الشّياطين من الجنّ ليُردوهم وليلبسوا عليهم دينهم".
8 - عن الرّبيع: "قال عبد الله بن دينار: كنت جالسا مع عبد الله بن عمر فاستسقى، فأتي بلبن، فلمّا أراد أن يشرب قلت له: إنّك صائم، فقال: أراد الله أن يسقيني فمنعتني".
9 - عن الرّبيع: "وكان عمر وابن مسعود وأبيّ بن كعب جالسين، فقال عمر: سبق الشّقاء للشّقيّ وشقي في بطن أمّه. فقال أبيّ: إنّه ليس كذلك ولكنّهم شقوا وسعدوا بأعمالهم الّتي عليها حُمدوا وذُمّوا. قال عمر: صدقت، سبقت رحمة الله غضبه ولولا ذلك لهلكوا".
10 - عن الرّبيع: "صنفان من أمّتي لا تنالهم شفاعتي يوم القيامة، لعنهم الله على لسان سبعين نبيّا قبلي. قيل: فمن هم يا رسول الله؟ قال: القدريّة والمرجئة. (1/400)
صفحة 401
قيل فمن المرجئة؟ قال: الّذين يقولون الإيمان قول بلا عمل، والقدريّة الّذين يعملون بالمعاصي ويقولون هي من الله إجبار، أما ولو شاء الله ما أشركنا ولا عصينا".
11 - عن الرّبيع: "أبرأ إلى الله من القدريّة، أبرأ إلى الله من المرجئة، برئ الله منهما ورسوله".
12 - عن الرّبيع: "قال أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه في شيء سئل عنه: أقول برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمنّي ومن الشّيطان. قال وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقسم بين نسائه ويعدل ويقول: اللّهمّ هذا فعلي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك".
13 - عن الرّبيع: "قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لمّا خلق الله آدم عليه السّلام أخرج من ظهره ذرّيّته كالذّرّ، فأخذ منهم مواثيقهم وأمرهم بالسّجود، فأبت طائفة وأجابت طائفة، فمن أجاب يومئذ فهم المؤمنون وهم السّعداء، ومن أبى يومئذ فهم الكافرون وهم الأشقياء". عقّب أطفيّش: فهذه الرّوايات تدلّ على أنّ الله خلق فعل العبد وأنّ العبد لم يفعله دون الله إذ قدره وعلمه وعلم ما هو صائر إليه.
14 - عن الرّبيع عن ابن عبّاس: "خرج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وبيده صحيفة فقال: بسم الله الرّحمن الرّحيم، كتاب من الله الرّحمن الرّحيم بأسماء أهل الجنّة وأسماء أهل النّار وأسماء آبائهم وأنسابهم ومنازلهم".
15 - عن الرّبيع: "أوّل ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: يا ربّ وما أكتب؟ (1/401)
صفحة 402
قال: اكتب القدر، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة".
16 - عن الرّبيع: "إذا وقعت النّطفة في الرّحم أوحى الله إلى ملك الأرحام أن يكتب، فيقول: يا ربّ وما أكتب؟ فيقول: اكتبه سعيدا أو شقيّا بعمله واكتب أثره وعمله وأجله ورزقه".
الأحاديث التّالية (ص99) تُدين العرافة، وتعلن البراءة من السّحر والتّطيّر. (1/402)
صفحة 403
الفصل الحادي عشر: الإمامة الإباضيّة
لا يمكن أن يقتصر بحث مستوفى في الإمامة الإباضيّة على المبادئ المعروضة في كتب الأصول والفقه في باب "الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر". هنا أكثر ممّا في مجالات أخرى يجب أن نكافح ونعدّل لدى الاقتضاء المبادئ النّظريّة والمعايير الّتي وضعها الفقهاء والمتكلّمون بالإنجازات الفعليّة على أرض الواقع عبر العصور. لقد تحقّقت للإمامة الإباضيّة تجربة تاريخيّة: ففضلا عن المحاولات المتفرّقة والقصيرة الأجل لإقامة إمامة في حضرموت واليمن خلال النّصف الأول من (ق 2هـ/8م) على يدي عبد الله بن يحيى (1) ثمّ في طرابلس على يدي أبي الخطأب عبد الأعلى بن السّمح المعافريّ (2)، هناك إمامة تيهرت الرّستميّة الّتي دامت قرابة قرن ونصف (3) وإمامة عمان ذات التّجربة الطّويلة والثّريّة (4): لا بدّ أن نتوقّف عندهما وندرس تطوّرهما. (1/403)
صفحة 404
هكذا تخلص بنا وجهات نظر المؤرّخ والفقيه والمتكلّم المتكاملة (5)
__________
(1) - انظر مقال "الإباضيّة" لـ[ليفيتسكي] في دائرة المعارف الإسلامية 2، 3: 673.
(2) - (140 - 144هـ).
(3) - (160 أو 162 - 296هـ/777 - 909م).
(4) - أوّل إمام نُصب كان الجلندى بن مسعود بن جيفر بن جلندى ح (132هـ/750م). وقد روى كتب الأخبار الإباضيّة في عمان تطوّر هذه الإمامة الّتي بقيت قائمة عبر تقلّبات تاريخيّة عديدة. انظر بالأخصّ: نور الدّين عبد الله بن حميد السّالميّ: تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، نشره إبراهيم أطفيّش في سفرين، القاهرة، (1350هـ)؛ [بدجر]، تاريخ أئمّة عمان وساداتها لسليل بن رزيق من ص661 إلى 1856، نيويورك، 435 ص؛ وكتاب الأخبار المجهول المؤلِّف: كشف الغمّة الجامع لأخبار الأمّة، مخطوط المتحف البريطانيّ رقم 8076؛ لـ[فتشيا [فالييري]]: "إمامة عمان الإباضيّة" في ح م ج ش بنابولي 3 (1949م)، ص245 - 282.
(5) - سنعتمد خصوصا على كتاب محمّد أطفيّش: شرح كتاب النّيل وشفاء العليل، الجزء 14 بعنوان "الكتاب 19 في الدّماء، ص263 وما بعد في الطّبعة 2 المؤلّفة من 24 جزءا، دار الفتح، بيروت (1392هـ/1972م). وهو شرح لكتاب النّيل وشفاء العليل لعبد العزيز الثّمينيّ (ت 1223هـ) يعطي نظرة عامّة على مبادئ الإمامة ويستشهد كذلك بكتّاب عمانيّين كأبي سعيد الكدميّ صاحب كتاب الآستقامة والجامع المفيد من جوابات أبي سعيد. حول هذا الكاتب انظر [ولكنسن]، "خلفيّة فترة الأزمة في إمامة عمان الإباضيّة" ضمن "دراسات عربيّة" 3: 147 - 148؛ وقد عاش على الأرجح في (ق 4هـ/10م) حسب ولسن (د ع 4: 196). استشهد أطفيّش كذلك بمحمّد بن محبوب صاحب المختصر الّذي لم يبق سوى الجزء 6 من كتبه ال70 (انظر الدّرجينيّ: طبقات، ج2 ص357). لم يتوفّر لنا كتاب سالم بن سعيد بن عليّ الصّائغيّ: كنز الأديب وسلافة اللّبيب، لذا سنستعين ب [ولكنسن] الّذي درس هذا الكاتب في "الإمامة الإباضيّة" ضمن "بطاقة معهد الدّراسات الشّرقيّة والإفريقيّة"، لندن، 39، 3 (1976م)، ص535 - 551.
إلى نظرة أكثر استيفاء وواقعيّة معا إلى الإمامة الإباضيّة في أطوار الظّهور والدّفاع والكتمان. سيبيّن فحص طبيعة الإمامة وإجراءات مبايعة الإمام وامتداد صلاحيّاته صيغ تلك الإمامة، المنوّعة أكثر ممّا يُعتقد والوفيّة في نفس الوقت لتصوّر دينيّ سياسيّ للأمّة وقائدها (انظر المقدّمة: الأفكار الأولى). ظلّ ذلك النّموذج المثاليّ المرجع والمحكّ خلال شتّى الأوضاع المحلّيّة والتّاريخيّة وتقلّبات الأحوال والملابسات الّتي مرّت بها تلك الإمامة عبر العصور. (1/404)
صفحة 405
1 - فرضيّة عقد الإمامة
قال الإباضيّة بفرضيّة الإمامة ودافعوا عنها ضدّ الخوارج. كانت هذه إحدى المسائل العقيديّة الّتي انفصلوا فيها عن غلوّ الخوارج الأوائل في تأكيد حاكميّة الله المطلقة، مبدين واقعيّة وسمت جماعتهم بطابع الاعتدال والاتّزان. عند غلاة الخوارج لم يكن شعار "لا حكم إلاّ لله"- أصل تسمية المحكّمة الّتي عُرفت بها الفرق الأولى- يحتمل أيّ استثناء: لذلك رفضوا توسّط أيّة سلطة بشريّة أيّا كانت. بالعكس أكّد الإباضيّة استحالة العمل بكتاب الله وحده ضدّ هؤلاء النّجويّة من نكّار ونجدات (1). يرى أطفيّش أنّ مثاليّتهم الزّائفة تؤول إلى تعطيل كتاب الله وإبطال الأحكام الّتي تتيح تسيير الأمّة وفق الشّرع، لأنّ الأحكام فرضيّة ولا تنفَّذ إلاّ بواسطة الإمام وعمّاله حسب ما لاحظ عبد الكافي (2) وتبغورين (3)، وفي مسلك الظّهور كما وضّح الجنّاونيّ (4). لذا كان تعيين إمام أوّل مطلب عبّر عنه إباضيّة تيهرت (5).
__________
(1) - حول النّكّار انظر مقال "النّكّار" لـ[ليفيتسكي] في دائرة المعارف الإسلامية 2، 1: 185 - 186. النّجدات أتباع نجدة بن عامر الّذي تقارب فترة مع الأزارقة كما رأينا في المقدّمة. انظر الأشعريّ: مقالات، ج1 ص162 - 163، الشّهرستانيّ: الملل والنّحل، بيروت نشر خيّاط، ج1 ص165. ملحوظة: ترجم مقال النكار ونشر ضمن كتيب بعنوان (دراسات شمال إفريقية) ترجمة أحمد بومزقو، نشر مؤسسة تاوالت الثقافية.
(2) - عبد الكافي: الموجز، ج1 ص233.
(3) - تبغورين: أصول في أطروحة النّامي: "دراسات في الإباضيّة"، كمبردج رقم 7538، ص37.
(4) - الجنّاونيّ: عقيدة التّوحيد، ص48.
(5) - "لا يقيم أمرَنا إلاّ إمام نرجع إليه في أحكامنا ... " انظر [موتيلنسكي]، أخبار ابن الصّغير، ص63.
مع كلّ المسلمين يجعل الإباضيّة أساس الإمامة في القرآن، ويستشهدون بالآية (1/405)
صفحة 406
"كنتم خير أمّة أُخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر" (آل عمران 3: 110) وعدّة آيات أخرى (1)، وكذلك في السّنّة، كهذا الحديث: "السّلطان ظلّ الله على الأرض فمن أكرمه أكرمه الله ومن أهانه أهانه الله" (2). وتبرير الإمامة بالكتاب والسّنّة كاف في نظر الإباضيّة، بحيث لا يرون جدوى من تعليلها بالدّليل العقليّ على طريقة بعض المعتزلة (3).
الإمامة عقد فرض (4) أوجبته الشّريعة. ومن أدلّة فرضيّتها حسب بعض الكتّاب (5) وجود فروض أخرى متفرّعة عنها ولا يمكن بدونها القيام بها، والإمامة إذن لازمة بدرجة أعلى من هذه الفروض الفرعيّة والثّانويّة. الإمامة ضروريّة لتنفيذ أوامر الله وإرساء العدل وتوزيع الفيء وإقامة الحدود وقتال أهل البغي.
__________
(1) - (ق 3: 104 و114، 5: 67، 4: 59 و83، 48: 1 - 6، 57: 25 الخ).
(2) - استشهد به أطفيّش: شرح كتاب النّيل، ج14 ص357 - 358.
(3) - لمّا وجب على (الإنسان) أن يمتنع عن القبيح وجب (أيضا) أن يمنع غيره، انظر أطفيّش: شرح كتاب النّيل، ج14 ص271، وفي الواقع لم يوجب الإمامة على أساس عقليّ ولهذه الحالة إلاّ أبو هاشم. عند بقيّة المعتزلة والقاضي عبد الجبّار وجوب الإمامة أساسه الشّريعة، انظر شرح الأصول الخمسة، ص742.
(4) - حسب الصّائغيّ (ق 12هـ/18م على الأرجح): كنز الأديب الّذي استشهد به [ولكنسن]، الإمامة الإباضيّة، ص536؛ من هنا مصطلح عقد المستخدم في وصف مبايعة الإمام حسب تبغورين: "عقد الإمامة فريضة" (أصول، ص37). انظر باب عقد الإمامة في الورد البسّام في رياضة الأحكام لعبد العزيز الثّمينيّ، ط ح، (1345هـ)، ص151 - 152؛ أطفيّش: شرح كتاب النّيل، ج14 ص313.
(5) - تبغورين: أصول، الباب 8 الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
وهي عقد بين الإمام والأمّة، وفرض كفاية، وهذه النّقطة العقيديّة الّتي هي (1/406)
صفحة 407
محلّ إجماع تدخل أيضا في نطاق الرّأي حسب الجنّاونيّ (1). الطّرفان ملزمان بعهد البيعة (2) الّتي تُعقد بصفقة من اليد، كعلامة رضا كلّ منهما بشروط العقد (3). واجب الإمام هو العمل بكتاب الله وسنّة رسوله وآثار الصّالحين (4)، وألاّ يُحدث (أي يفعل ما يخالف الشّرع) (5)، أمّا الرّعيّة فهم مطالبون بموالاة الإمام- ظلّ الله على الأرض- وبطاعته (6) ونصرته على العدوّ بينما يُعدّ الخروج عليه جريمة كبرى (7). تترتّب عن هذا العقد الّذي حفظت وثائق شروطه (8)
__________
(1) - الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص16؛ [موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص523.
(2) - تعود كلمة بيعة مرارا عند السّالميّ: تحفة، (ج1 ص99 و101 و109 و123 و133 الخ).
(3) - "تتمّ البيعة بصفقة في اليد علامة على القبول"؛ انظر الثّمينيّ: الورد البسّام، ص131. يتمّ صفق اليد فقط بين المبايع- الإمام أو القاضي- والإمام الجديد. أمّا "النّاس فليس عليهم أن يبايعوا بأيديهم، فكلّ من سمع وأطاع فقد بايع"؛ أطفيّش: شرح، ج14 ص318.
(4) - انظر الدّرجينيّ: طبقات، ج1 ص23. ذلك أيضا رأي العالم العمانيّ محمّد بن محبوب الّذي نقله أطفيّش: شرح، ج14 ص313.
(5) - تطيع الإمام إذا أمرك وتنتهي إذا زجرك وتنصره إذا استنصرك، على أن لا تُحدث ولا تؤوي محدثا؛ أطفيّش: شرح، ج14 ص314.
(6) - "لزمتهم (المسلمين) طاعته إن قبل إمامتهم"؛ الثّمينيّ: كتاب النّيل وأطفيّش: شرح، ج14 ص356.
(7) - هكذا تقع الفئة الباغية تحت طائلة الحكم بمقاتلتها وملاحقتها واستحلال دمائها إن أبت أن تفيء إلى أمر الله. انظر [موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص532؛ الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص22.
(8) - "كيفيّة المبايعة أن يقول الإمام: قد بايعتَني إماما على موضع كذا (يذكر البلدة الّتي قاموا في نصبه إماما فيها)، ومن رضي بذلك على طاعة الله ورسوله والعمل بكتابه وسنّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وأن تطيعني إذا أمرتك وتنتهي إذا زجرتك وتنصرني إذا استنصرتك. وقد أعطيتَني صحّة عهدك على الوفاء بما عاهدتك والصّبر عليها لله ومقاساة المكاره فيها إلى تمامها، وإنّك لملزم نفسك كلّ ما لله تعالى عليك فيها حقّا واجبا وميثاقا لازما وعهدا مؤكّدا لا براءة لك منه إلاّ بالوفاء لله به، وقد أعطيتَ لله عهد البيعة على رضا منك بها بالعزم من قلبك عليها وعلى الاختيار لها طاعة لله، وشهد عليّ ملائكته ومن حضر من المسلمين. ويقول قد بايعت فلان بن فلان على طاعة الله وطاعة رسوله وعلى الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، وعليك ما على الشّراة الصّادقين والله شهيد بذلك. فإن قال نعم ثبتت عليه البيعة في عنقه، وإن قال نعم إن شاء الله فقد انهدمت البيعة فليُعدها عليه ثانية حتّى يقول نعم بلا استثناء". أطفيّش: شرح كتاب النّيل، ج14 ص315 - 317. كما نرى يمكن أن تكون صيغة البيعة وجيزة أو طويلة وتفصّل واجبات الإمام.
وإجراءاته (1/407)
صفحة 408
بالتّفصيل (1) نتائج هامّة: فهو يقيم علاقة ولاية بين الإمام والشّعب (2)، ويستتبع الإخلال بأيّ بند أساسيّ فيه نقض البيعة والبراءةَ (3). مبدئيّا لا يوجد حدّ لسلطة الإمام فيما عدا الامتثال للشّريعة. في المقابل، بما أنّ كلّ مسلم مطالب بنصرته، (1/408)
صفحة 409
لا يحتاج نظريّا إلى جيش نظاميّ دائم وعلى أهبة
__________
(1) - بعد قراءة صيغة العقد على المرشّح للإمامة "إذا قال قد قبلت هذا كلّه فقل له وكفّك بكفّه بصفقة بيعة الإمامة، وذلك بحضرة العلماء الثّقاة، فيتقدّم أفضلهم فيمدّ يده يبايعه وهي اليمنى؛ فيمسكها الإمام بيمناه فيقول: قد بايعتك لله ورسوله والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله. فيقول الإمام: نعم. ثمّ يفعل ذلك الثّاني والثّالث، وما كثر فهو أفضل. ثمّ تجعل الكمّة في رأسه والخاتم في يده وينصب العلَم بحذائه. ثمّ يقوم الخطيب يحمد الله ويثني عليه ويصلّي على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ يذكر أمر الإمام بالعقد عليه والحثّ على البيعة، ثمّ يبايعه سائر النّاس، ويكبّر في سائر أوقاته ويكثر التّكبير والتّحميد بعد صلاة الفرائض فيقول: لا إله إلاّ الله والله أكبر ولله الحمد 3 مرّات، ثمّ يقول: لا حكم إلاّ لله ولا حكم لمن لم يحكم بما أنزل الله، لا حكم إلاّ لله حبّا وموالاة لأولياء الله، لا حكم إلاّ لله خلفا وفراقا لأعداء الله، لا حكم إلاّ لله ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله، لا حكم إلاّ لله والصّلاة عليك يا رسول الله. ثمّ يقول ثلاثا: لا إله إلاّ الله والله أكبر ولله الحمد. ثمّ يقطع التّكبير". أطفيّش: شرح كتاب النّيل، ج14 ص317. يلاحَظ في هذا الطّقس تكرار الشّعار الخارجيّ: لا حكم إلاّ لله.
(2) - ولاية الإمام العدل وأعوانه من ولاية الأشخاص، وكذلك البراءة من أئمّة الجور. انظر الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص8 و11.
(3) - "من نكث البيعة بُرئ منه وخُلّد في السّجن حتّى يتوب"؛ أطفيّش: شرح، ج14 ص359.
الاستعداد. لكنّ الأحداث التّاريخيّة أظهرت حدود هذا المبدأ المثاليّ على أرض الواقع، كما سنبيّن لمّا نتطرّق إلى مسلكي الدّفاع والشّراء.
إمام واحد في مصر واحد (1) في عصر واحد (2): تلك هي القاعدة مبدئيّا. هنا أيضا كذّب الواقع المثال النّظريّ مرارا، بدءا من الإمامة المشتركة في طرابلس حيث وُجد الحارث بن تالد الحضرميّ وصاحبه عبد الجبّار بن قيس المراديّ قتيلين في (131 أو 132هـ) ولم توضَّح أبدا ملابسات الحادثة والظّاهر أنّه كليهما قتل الآخر (3). يكفي التّذكير بأنّ زعماء إباضيّة البصرة فضّلوا على الإجراءات القصوى اللاّزمة لإقامة إمامة واحدة تجمع بين فرعيها في طرفي الخلافة الأمويّة (ثمّ العبّاسيّة) قيام دول إباضيّة على أطراف الخلافة يرأسها أئمّة مستقلّون (4). ولم يمنع ذلك قيام إمامات منشقّة تعتمد غالبا على نزعة بعض قبائل (1/409)
صفحة 410
__________
(1) - ورد في حديث: "لا يستقيم إمامان كما لا يستقيم سيفان في غمد واحد وكما لا يستقيم فحلان في ذود واحد"؛ انظر الصّائغيّ، [ولكنسن]، الإمامة الإباضيّة، ص535، أطفيّش: شرح، ص370 - 371. لا يُنصب إمامان للدّفاع في معسكر واحد لاجتناب الفتنة، لكن يمكن أن يوجد عدّة أئمّة دفاع كلّ في معسكره. أمّا في الظّهور فيكون إمام واحد على كلّ الأمصار الّتي بسط عليها المسلمون سلطانهم، ويعيّن عمّالا في كلّ مصر لجمع الجبايات. ولا يسمّى أمير المؤمنين أو أمير المسلمين- وهو اسم أُطلق أحيانا على الأئمّة الإباضيّين (انظر [موتيلنسكي]، سير ابن الصّغير، ص131؛ إلاّ من كانت إمارته على أهل القبلة كلّهم وعلى دار الإسلام كلّها، حسب أطفيّش: شرح، ص369 - 370، 372.
(2) - "ليس بيننا من قال باجتماع إمامين في عصر واحد"؛ الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص49.
(3) - انظر مقال "الإباضيّة" لـ[ليفيتسكي] في دائرة المعارف الإسلامية 2، 3: 675.
(4) - من ذلك تكوين أبي عبيدة في البصرة أثناء الرّبع الأول من (ق 2هـ) مرشّحين للإمامة ليرسلهم إلى شتّى نواحي البلاد الإسلاميّة.
الأمازيغ إلى التّكتّل على أساس العصبيّات العرقيّة، كدولة بني مسالة في قبيلة هوّارة في (ق 9م) (1). وتولّدت عن بعض الانشقاقات الّتي هي سياسيّة في الأصل فرق إباضيّة مخالفة (2).
وتطرح حالة تنافس إمامين كلاهما في الولاية مسائل شائكة على الفقهاء: إن كان الموقف غامضا كلّيّا فالأفضل الوقوف. يرى الإباضيّة، على ما يبدو، في حالة نشوب نزاع من هذا النّوع، أنّ الإمام الّذي ينجح في فرض نفسه بمناقبه وفضله وفي بسط النّظام بتنفيذ أحكام الشّريعة، يصير الإمام الشّرعيّ المعترف به (3).
2 - الصّفات المطلوبة في الإمام
__________
(1) - انظر [ليفيتسكي]، مملكة إباضية مغمورة: دولة بني مسالة (ق 9م)، الكتاب السّنويّ للدّراسات الشّرقيّة 31، 2 (1968م)، ص7 - 14. ملحوظة: ترجم هذا المقال ونشر ضمن مؤلف بعنوان: دراسات شمال إفريقية، ترجة الأستاذ: أحمد بومزقو، من منشورات مؤسسة تاوالت الثقافية.
(2) - مثلا انشقّ الخلفيّة في طرابلس في أواخر (ق 2هـ/8م) والنّكّار في أواخر (ق 3هـ/9م)، عن إمامة تيهرت، وكانوا عديدين في المغرب ويوجدون كذلك في عمان وفي جنوب جزيرة العرب. انظر [ليفيتسكي]، فروع الإباضيّة، دراسات إسلاميّة، 9 (1958م)، ص71 - 82.
(3) - إذا قدّم أحد من الأعلام على الإمام إماما: "فأخذ الإمامة وقعد في موضعه وحكم في الدّماء والفروج وجبى الصّدقة والأوّل ساكت، أو قبل أن يعمل شيئا إلاّ صفقة البيعة على الإمام، فقد زالت إمامة الأوّل وصار مدّعيا، وإن سلّم الخاتم والكمّة وبيت المال فلمّا وقعت البيعة أظهر النّكير فلا تُقبل دعواه ولا نكيره بعد ثبوت الإمامة للأخير وصفقتها من أهلها. ولا يكون باغيا حتّى يحارب ولا تُقبل له حجّة في الحكم الظّاهر، وإن قذف الإمامَ أو الأعلامَ بُرئ منه"، أطفيّش: شرح، ص336 - 337).
ما هي الصّفات المطلوبة في المرشّح للإمامة؟ هناك معيار عامّ ينطبق (1/410)
صفحة 411
على الجميع: المطلوب إمام عدل (1)، من أئمّة الدّين والهدى (2) بعد الأئمّة التّسعة الأوائل (4 عرب و5 فُرس (3)، لا من أئمّة الضّلالة والجور (4). في فترة مبكّرة كانت معايير اختيار الإمام أخلاقيّة ودينيّة بالأساس. مثلا لمّا وقعت فتنة ابن فندين في بداية إمامة عبد الوهّاب بن عبد الرّحمن بن رستم (168 - 208هـ/784 - 823م) استشار علماء تيهرت إباضيّة المشرق حول الإمامة فكان ردّهم أنّه يجب أن يكون "من أهل الفضل والدّين والعدل والسّياسة والمنزلة المرضيّة (5). وقد ذكر كتّاب السّير الإباضيّون أنّ خلافا وقع إثر موت أفلح، ثمّ بويع محمّد بن أفلح بالإمامة "لعلمه وورعه" (6). لكنّ تقديم الخصال الدّينيّة لم يصل درجة إلقاء هالة من العصمة على الإمام، شأن الأوصياء الّذين اعتبرهم الشّيعة ورثة الأنبياء بل جعلهم بعضهم في مرتبة فوق نبوّة التّشريع (7).
__________
(1) - الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص8؛ [موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص530.
(2) - الجيطاليّ: قواعد الإسلام، ج1 ص65.
(3) - أبو سهل يحيى: عقيدة، ص48؛ الجيطاليّ: قواعد، ج1 ص64 - 65.
(4) - حسب البرّاديّ يوجد نوعان من الأئمّة: إمام الهدى الّذي يتبع كتاب الله ويوزّع الأرزاق كما أمر الله ويحكم بشريعة الله، وإمام الضّلالة الّذي يتّبع هواه ويتعدّى حدود الله (الجواهر، ص166).
(5) - الدّرجينيّ: طبقات، ج1 ص50.
(6) - الشماخي: السّيَر، ص221.
(7) - انظر عقيدة عمان في كشف الغمّة، ورقة 247.
أمّا مواصفاته الخِلقيّة الّتي حدّدها الفقهاء المتأخّرون فهي بالأساس تلك الّتي (1/411)
صفحة 412
فصّلها الكتّاب السّنّة (1). مثلا في نظر الكاتب العمانيّ الصّائغيّ، يجب أن يكون رجلا بالغا عاقلا مميّزا لا أصمّ ولا أعمى ولا أخرس ولا ناقص الجوارح الّتي يسقط بها عنه فرض الجهاد ولا مجنونا ولا معتوها ولا خصيّا ولا مجبوبا الخ (2).
__________
(1) - عدّد الماورديّ في الأحكام السّلطانيّة، انظر ترجمة [فغنان]، الجزائر (1915م)، 7 - 8) 7 صفات في الإمام: العدالة، العلم، سلامة الحواسّ من السّمع والبصر واللّسان، سلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة وسرعة النّهوض، الرّأي المفضي إلى سياسة الرّعيّة وتدبير المصالح، الشّجاعة والنّجدة المؤدّية إلى حماية البيضة وجهاد العدوّ، النّسب القريشيّ. وهي عند ابن خلدون 4: العلم والعدالة والكفاية وصحّة الحواسّ والجوارح، انظر [فنسان مونتاي]: ترجمة كتاب العبر، بيروت (1967م)، ج1 ص377 - 379. وذكر الغزاليّ في المستظهريّ (فضائح الباطنيّة): "صفات الأئمّة وشروط الإمامة تحصرها 10 صفات، 6 منها خِلقيّة (البلوغ، العقل، الحرّيّة، الذّكوريّة، نسب قريش، سلامة حاسّة السّمع والبصر) و4 مكتسبة (النّجدة وإظهار الشّوكة، الكفاية، العلم، الورع). انظر [لاوست]، سياسة الغزاليّ، باريس (1971م)، ص247 - 248. والخصال المطلوبة عند إخوان الصّفا، ص12، انظر [ماركيه]: فلسفة إخوان الصّفا، الجزائر، الشّركة القوميّة للنّشر والتّوزيع، ص440 - 441.
(2) - الصّائغيّ، انظر [ولكنسن]، الإمامة الإباضيّة، ص538.
تجدر الإشارة إلى تركيز الكتّاب على العلم، إذ كيف يمكن بدونه- كما لاحظ الصّائغيّ- تطبيق الأحكام والقيام بالواجبات ومراعاة الحقوق؟ لذا يجب كذلك أن يكون مجتهدا. وفعلا كان كلّ أئمّة تيهرت علماء بارزين (1). وقد (1/412)
صفحة 413
جلبت شهرتهم إلى عاصمتهم كثيرا من "طلبة العلم" (2). لكن هل يجب أن يكون الإمام الأعلم أي الأفضل؟ ذلك غير ضروريّ عند جمهور علماء الإباضيّة، وقد أخطأ ابن فندين في إبطال إمامة رجل إذا كان في المسلمين من هو أعلم منه (3). في هذه القضيّة دعم علماء المشرق أنصار عبد الوهّاب بإعلان شرعيّة إمامة المفضول مع وجود من هو أفضل منه، إن توفّرت فيه شروط الإمامة العامّة (4). أمّا النّسب الّذي يشترطه علماء السّنّة عادة في الإمام (5)
__________
(1) - عديدة هي شهادات المؤرّخين على علم أئمّة تيهرت، والمقصود علوم الدّين خاصّة لكنّهم جمعوا إليها العلوم الأخرى. مثلا أكّد أبو زكريّا: "وكانت بيت الرّستميّين بيت العلم في جميع فنونه من الأصول والفقه والتّفاسير وفنون الرّدّ على المخالفين وعلم اختلاف النّاس وعلم النّحو واللّغة والإعراب والفصاحة وعلم النّجوم ... " انظر لـ[و. تورنو]، سير أبي زكريّا، المجلّة الإفريقيّة، 104 (1960)، ص145.
(2) - بعد تدمير تيهرت بزمان طويل لم يخْب إشعاع تلك المدينة. ففي (ق 16م) (ح 1519م) كتب يوحنّا ليون الإفريقيّ في "وصف إفريقيا": "لمّا فتحها المسلمون عادت مدينة متحضّرة جدّا تضمّ عددا وافرا من العلماء والشّعراء"، انظر ترجمة [إيبولار]، باريس، (1956هـ)، ج2 ص350.
(3) - الشماخي: سيَر، ص146.
(4) - الدّرجينيّ: طبقات، ص50. إمامة الأفضل مطلب مهمّ عند الشّيعة: "يجب أن يكون الإمام أفضل النّاس لما قيل قبل عن النّبيّ" (انظر الباب الحادي عشر للعلاّمة الحلّيّ، ترجمه إلى الأنكليزيّة [إلوى مِلّر]، لندن، (1928م)، ص69.
(5) -[فغنان]: الأحكام السّلطانيّة 8، [لاوست]، سياسة الغزاليّ، ص247، وذاك أيضا رأي أحمد بن حنبل والبغداديّ والقاضي أبي يعلى، لكن لم يُجمَع عليه، انظر [لاوست]، الانشقاقات في الإسلام، باريس (1965م)، ص433.
والّذي هو عند الشّيعة من علامات تميّزه (1) فلا تعتدّ به الإباضيّة.
تلغي بعض العيوب الأهليّةَ للإمامة. فبمقتضى مذهب الإباضيّة في الإيمان والعمل لا يجوز لمرتكب الكبيرة أن يُختار إماما وإن كان إماما يفقد شرعيّته (1/413)
صفحة 414
ويُخلع: لأنّ من ارتكب كبيرة انسلخ من الإيمان (2). لذا يجوز لأيّ مؤمن غير ذي كبيرة أن يترشّح للإمامة، وقد استشهد الكتّاب على ذلك بالحديث: "إن أُمّر عليكم عبد حبشيّ مجدوع الأنف فاسمعوا وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله". بهذا الحديث المشهور دافع الخوارج عن مبدئهم الدّيمقراطيّ. عند أطفيّش ذلك من باب ضرب الأمثال: "فالأمّة مجتمعة أنّ العبد لا يكون إماما أكبر"، لكن يجوز استخدام عبد في ولاية خاصّة كالصّلاة أو الجباية أو مباشرة الحرب، ولا يصير إماما أكبر إلاّ بعد عتقه (3). والشّأن مماثل
__________
(1) - ينبغي أن يكون الإمام لا من قريش فقط بل من أهل البيت. انظر [سوردال]: الإمامة من منظور الشّيخ المفيد، في مجلّة الدّراسات الإسلاميّة، 40، 2، (1972م)، ص253؛ [غارديه]، الله ومصير الإنسان، ص462 - 463.
(2) - مع التّحفّظات الّتي ذكرنا بخصوص الجيطاليّ، انظر الملاحظات هذا الفصل. "لا يُجعل ذو كبيرة إماما لأنّه قد يأمر بما لا يعرف المأمور أنّه باطل، وقد يأمر بما هو معصية، لا يدرك أحد أنّها معصية بالعلم. فلا يُجعل خائن أمينا على دين الله إلاّ إن تاب وظهر صلاحه ... وجُوّزت طاعة ذي كبيرة في الدّفاع إذا أمر بما هو مصلحة ولا معصية فيه ... وكما ورد: أطيعوهم ما لم يمنعوكم من الصّلوات الخمس، وكما ورد: أطع الأمير وإن ضربك أو حرمك أو ظلمك، أي أطعه فيما هو غير إثم ممّا هو طاعة". أطفيّش: شرح كتاب النّيل، ج14 ص329 - 330.
(3) - السّبب هو أنّ "العبد لا يملك أمر نفسه ولو أذن له سيّده لأنّ نقصه باق مع الإذن، وربّما عابوه فيُعصى وقد ورد في الحديث ردّه في النّكاح فكيف لا يُردّ في الإمامة"؛ أطفيّش: شرح كتاب النّيل، ج14 ص329 - 330.
في الطّفل والمرأة (1).
3 - مبايعة الإمام وخلعه
إن توفّرت في المرشّح للإمامة كلّ الشّروط المطلوبة فكيف يتمّ اختياره؟ يقدّم تاريخ الإمامة في تيهرت وعمان عدّة إمكانيّات. لنبدأْ بهذه الملاحظة (1/414)
صفحة 415
العامّة: تبدو البيعة تقليدا متّبعا في عمان لكن دون أن تكون لها صفة الضّرورة المطلقة (2). ولموضع عقدها أهمّيّة لا تُنكر، ففي العاصمة (تيهرت في دولة الرستميين، نزوى في عمان) يتمّ اختيار الإمام ونصبه ومبايعته بحضور الشّعب (3). من يختاره؟ مبدئيّا أهل الحلّ والعقد (4)، وهو مجلس شورى يتكوّن من 5 أو 6 أشخاص معيّنين مسبقا (تيهرت) (5). عند بعض الكتّاب يكفي لذلك اثنان من الخاصّة على أن يأخذا بعين
__________
(1) - المرأة لأنّها "ناقصة عقل ودين" و"ناقصة في العيون" وورد في الحديث: لن يفلح قوم أمّروا امرأة منهم (انظر صحيح البخاري، ترجمة [هوداس]، باريس (1977م)، ج4 ص488)؛ أطفيّش: شرح، ج14 ص330. كذلك الطّفل ناقص عقل وعلم وليس مكلّفا.
(2) -[ولكنسن]، الإمامة الإباضيّة، ص542. حصلت في عمان حالة إمام أقام سلطته على ولاية مفترضة ودون اتّباع إجراءات البيعة التّقليديّة: الإمام حفص بن راشد في (ق 5هـ/11م). انظر السّالميّ: تحفة، ج1 ص269.
(3) - نازع حزب في صحّة إمامة راشد بن النّظر في عمان لأنّها لم تُعقد له في نزوى. انظر [ولكنسن]، ص544.
(4) - الثّمينيّ: الورد البسّام، ص151 - 152؛ الصّائغيّ في [ولكنسن]، ص542؛ [بدجر]، تاريخ الأئمّة، ص10 ("مشايخ المسلمين")؛ [موتيلنسكي]، أخبار ابن الصّغير، ص63 ("اجتمع أهل الشّورى")؛ أبو زكريّا: السّيَر، ص131؛ ("جماعة المسلمين من أهل الكفاية").
(5) - لمّا حضرت عبد الرّحمن بن رستم الوفاة (168هـ/784 - 785م)، جعلها شورى في 6 أشخاص، صنيعَ عمر بن الخطّاب، فلمّا مات اجتمع أهل الشّورى على من يولّونه أمور المسلمين. انظر سيَر أبي زكريّا في المجلّة الإفريقيّة (1960م)، ص133؛ و [موتيلنسكي]، سير ابن الصّغير، ص72.
الاعتبار رأي عامّة المسلمين ويستشيرا علماء الدّين (1). لكنّ الممارسة تبيّن أنّ عناصر أخرى لعبت في الواقع، إلى جانب أهل المشورة (2)، دورا هامّا (1/415)
صفحة 416
في عقد الإمامة: المشايخ (3)، الأعيان، أفاضل النّاس، "المسلمون" (4)، زعيم حلف قبليّ (5) - فقد جرت العادة على استشارة القبائل أو رؤسائها على الأقلّ (نفوسة وتيهرت وعمان) (6). لكن قد يتجاوز الإمام ذلك الإجراء ويستعمل أسلوب المفاوضة لتوريث الإمامة وتحويلها إلى مُلك (7)
__________
(1) - ذاك أيضا رأي أبي المؤثر البهلويّ العمانيّ (ق 3هـ/9م) الّذي استشهد به أطفيّش: شرح، ج14 ص312؛ "أقلّ ما يعقد له اثنان لأنّ الإمامة لا تصحّ إلاّ عن مشورة وتراض من الخاصّة وأهل الحجّة". عند السّنّة يختلف العدد من 1 حسب جلّ الأشاعرة إلى الجمهور. انظر دائرة المعارف الإسلاميّة، ج3 ص1194، مقال الإمامة لـ[مادلنغ].
(2) - مثلا العقد للإمام المهنّا بن جيفر بمشورة جماعة المسلمين في ص226؛ انظر السّالميّ: تحفة ج1 ص123.
(3) - "جماعة المسلمين نظروا واجتمعوا وتشاوروا" في نزوى برئاسة موسى بن أبي جابر الأزكنيّ وعقدوا الإمامة لمحمّد بن عفّان. انظر [بدجر]، تاريخ أئمّة عمان، ص10.
(4) - بايع "المسلمون" الصّلت بن مالك (الخروصيّ في 237). انظر [بدجر]، تاريخ، ص19.
(5) - كذلك كان شأن الإمام راشد بن النّظر الّذي اختاره موسى بن موسى رئيس تكتّل قبليّ. انظر [بدجر]، تاريخ، ص19.
(6) - أبو زكريّا: السّيَر، ص112، 131.
(7) - أشار مؤرّخو إمامة تيهرت أنفسهم إلى هذا التّطوّر نحو الإمارة بالنّسبة إلى أفلح، انظر سير ابن الصّغير، ص23 و81. بخصوص أبي حاتم يوسف ابن الإمام أبي اليقظان تحدّث الشماخي عن خلافة (سير، ص262). وحسب البرّاديّ كان الحارث وعبد الجبّار اللّذان وُجدا قتيلين في طرابلس، (131 - 132هـ)، يتشاركان في المُلك (الجواهر، ص170). في تيهرت تمّ التّحوّل من الإمامة إلى الملك ح (198هـ/813م)، في إمامة عبد الوهّاب. على المستوى العمرانيّ انعكس هذا التّطوّر في بناء أسوار مثلا حول سجلماسة وتلمسان. انظر إبراهيم زرّوقيّ: نشر مذهب الخوارج أيّام إمامة تيهرت في الجزائر الحاليّة، أطروحة دكتوراه، باريس (1975م)، ص179 - 180.
، وقد ينتصب شخص إماما بمبايعة العامّة (1). يلعب دورا أهمّ القاضي الّذي قد ينجح في نصب إمام اختاره أو في عزله (2)، وقد يفرض (1/416)
صفحة 417
شروطا على الإمام الجديد (3). (65 فرض القاضي أبو عبد الله محمّد بن عيسى السرّي شروطا على الإمام راشد بن عليّ وأصحابه)
__________
(1) - بويع أبو حاتم من العامّة بعد موت أبي اليقظان: لمّا وصل إلى باب تيهرت تجمّع الشّعب أمامه ووراءه وبايعه، حسب ابن الصّغير، ص115.
(2) -[فاليري]: إمامة عمان الإباضيّة، ص15.
(3) - وضع القاضي أبو عبد الله محمّد بن عيسى السّرّيّ الشّروط للإمام راشد بن عليّ وأصحابه.
وقد تنشب خلافات قبل اختيار الإمام ثمّ يحصل الاتّفاق (1)، كما قد يرفض الإمام المعيّن ثمّ يقبل بعد أخذ وردّ (2). وليس من النّادر الاعتراض على نصب إمام أو الطّعنُ في شرعيّته: وقد أتاحت للفقهاء الاعتراضات على إمامات سابقة بلورة المبادئ العامّة للبيعة (3). والدّعاء للإمام القائم في خطبة الجمعة أو خطبة العيد هو اعتراف رسميّ بالإمام من سائر الشّعب (4) (1/417)
صفحة 418
__________
(1) - كذلك كان شأن الإمام الرّستميّ محمّد بن أفلح. انظر الشماخي: السّيَر، ص22.
(2) - مثلا عبد الرّحمن بن رستم مؤسّس دولة الرّستميين. انظر [دنجل]: إمامة تيهرت الإباضيّة، ستراسبورغ، (1977م)، ص64.
(3) - شأن إمامة راشد بن النّظر (272هـ)، فقد ذكر السّالميّ: تحفة الأعيان، ج1 ص180 و191 - 192، أنّ أصحاب شيخ نفسه "احتجّوا عليه بأنّ الإمامة لم يجتمع عليها. وأجيب: "ما لهم بذلك عليك من حجّة وإنّما التّقديم والعقد لمن حضر من أهل العلم والقدم في الإسلام وأعلام المسلمين. وقد قدّمها إمام المسلمين في زمانه وأيّامه موسى بن موسى ومن معه، ولو أنّ أحدا خالفه ممّن حضر كان تقديمه أولى لأنّه المقدّم على الجميع". وقال الحزب المعارض المتمثّل في أبي المؤثر (انظر في دائرة المعارف الإسلاميّة ط2، 1: 145 - 146 مقال [ليفيتسكي]، أبو المؤثر): أرسل موسى إلى راشد فبايعه على غير مشورة المسلمين بعد عزل الصّلت دون إجراء تحقيق، وعقدوا له في غير موضع عقد الإمامة: العاصمة نزوى، وقبض خزائن المسلمين وأنفق الأموال ... ولم يوقفوا الإمام الصّلت على ذنب ولا استتابوه منه. انظر كذلك [ولكنسن]، الإمامة الإباضيّة، ص543 - 544.
(4) - "كتب محمّد بن محبوب إلى أهل المغرب أنّه إذا صلّى الإمام والوالي صلاة العيد ابتدر النّاس إليه يسلّمون عليه فإنّ ذلك من برّ الرّعيّة براعيها"، أطفيّش: شرح، ص359. بالنّسبة إلى الإمام راشد بن الوليد كانت الخطبة باسمه بعد قلبه أميرا ديلميّا تابعا للبويهيّين في (442هـ) علامة استقلاله. انظر ابن الأثير: الكامل، ج9 ص387، الّذي استشهد به [فاليري]، الإمامة، ص23.
لا يجوز خلع الإمام بغير عذر مقبول (1): "كلّ إمام ثبتت إمامته بإجماع فلا يزول إلاّ بإجماع" (2)، وليس للرّعيّة أن تنزعه ولا له نزع نفسه (3). العلل الّتي تبرّر تنحية الإمام هي:
أ) الحدث مع الإصرار على المعصية (4)، وهو السّبب الأهمّ؛
__________
(1) - الصّائغيّ، انظر [ولكنسن]، الإمامة الإباضيّ، ص541.
(2) - أطفيّش: شرح، ج14 ص339.
(3) - "عن أبي عبد الله أنّه كتب إلى حضرموت: بلغنا أنّكم تريدون عزل الإمام وإمامة إمام غيره. فاتّقوا الله ثمّ اتّقوا الله، فإنّ هذا حوْب كبير إن عزلتم إماما عدلا على غير حدث، وقد أعطيتموه عهدكم وميثاقكم على أن تطيعوه ما أطاع الله عزّ وجلّ. وهذا عقد لا يحلّ لكم أن تحلّوه إلاّ بحدث يكفره ثمّ يحصر عليه. فإن عزلتموه على غير حدث فقد حللتم محلّ الهلاك وسلكتم جور المسالك، فلا زكاة لكم ولا جمعة ولا نكاح لمن لا وليّ له من النّساء إلاّ بأمر الإمام"، أطفيّش: شرح، ص342.
(4) - "إذا ركب معصية مكفّرة من الكبائر، إن استتيب فأصرّ، فإن أبى ولم يقبل النّزع حلّ دمه إن حارب"، الدّرجينيّ: طبقات ج1 ص50، استشهد به أطفيّش: شرح، ص342.
ب) عاهة جسديّة من عجز أو صمم أو خرس ... وهو سبب مهمّ في حالة إمام الشّراء (1)، ويمكن أن تؤدّي حالة العجز إلى تعيين من ينوب عنه (2)، وقد لا تشكّل عائقا مطلقا يحول دون مباشرة مهامّه حتّى إن جبن عن الجهاد بشرط الاحتفاظ بمداركه العقليّة (3)؛ (1/418)
صفحة 419
ج) تقصير في أداء مهمّته أو اقتراف ذنب غير متعمّد (4).
__________
(1) - "إن عجز الإمام عن إقامة الأمر فللمسلمين نزعه. وإن أبى حتّى هجم العدوّ فلم تكن لهم فسحة يتدبّرون فهو شار، فما نرى لهم سعة حتّى يجاهدهم ولو بنفسه حتّى يستشهد"، أطفيّش: شرح، ص350.
(2) - كما في حالة الإمام عبد الملك بن حميد لمّا شاخ وعجز، انظر [بدجر]، تاريخ، ص15.
(3) - "ويولّى غيره إن جنّ أو أتى كبيرا أو فرّ إلى العدوّ. وإن جبن أو دهش أو تحيّر أو ثقل عنه القتال، وترك الأمر والنّهي، وهو مع ذلك كلّه حاضر عاقل غير محدث، فهو كالإمام العدل الّذي كبر سنّه وضعف لا يُنزع"، أطفيّش: شرح، ص332.
(4) - تُلقى مسؤوليّة أخطاء الأئمّة المشاهير على الجند، لحفظ طيب ذكراهم، كشأن غسّان بن عبد الله (192 - 208هـ/807 - 823م) وعبد الملك بن حميد (207 - 226هـ/823 - 840م)، انظر [فاليري]، الإمامة، ص14 - 15.
أمّا تعويضه بآخر أعلم أو أفضل فليس سببا مقبولا. وكما عند اختيار الإمام، يمارس بعض الأشخاص المتنفّذين ضغوطا لحمله على التّنحّي (1): الفقهاء والعلماء (2) والقضاة (3). حصل كذلك أن اضطرّ إمام إلى التّنحّي لأنّ سياسته لم تكن توافق إرادة الشّعب (4). في حالة شغور المنصب، بخلع الإمام أو موته، يتولّى شؤون المسلمين وكيل (5). (1/419)
صفحة 420
4 - سلطات الإمام
لمّا نزلت الإباضيّة مدينة تيهرت وأرادوا عمارتها، شعروا بالحاجة إلى تولية إمام عليهم، قالوا: "لا ييوم أمرَنا إلاّ إمام نرجع إليه في أحكامنا وينصف مظلومنا من ظالمنا ويقيم لنا صلاتنا ونؤدّي إليه زكاتنا ويقسم فينا" (6). من هنا نرى أنّ للإمام سلطة دينيّة وإداريّة وقضائيّة، كذلك منوط به الدّفاع عن البلاد ضدّ الغزاة.
__________
(1) - انظر ملاحظتينا، ص45 و46 "لا يُنزع إمام الدّفاع ويولّى الأفضل لأنّ ذلك يؤدّي إلى الفتنة والخذلان"، أطفيّش: شرح، ص332
(2) - لفت [فاليري] إلى أنّ علماء الدّين هم الّذين أحدثوا الانقسام بين إمامة السّاحل العمانيّ وإمامة المناطق الدّاخليّة؛ وربّما لم يعد الأئمّة، بسبب نفوذ العلماء، يطالبون بصلاحيّات أسلافهم. انظر: الإمامة، ص32 و36.
(3) - نجح القاضي موسى بن موسى في عزل الإمام راشد بن النّظر (273 - 277هـ/886 - 890م). انظر [بدجر]، تاريخ الأئمّة، ص20
(4) - فقد الإمام محمّد بن عفّان بسبب تسلّطه ثقة العمانيّين وعُزل.
(5) - "إذا مات الوكيل على استقامة فعلى الوكيل (الّذي وكّله) الحفظ على ما في يده والكفّ عن إنفاذه حتّى يجتمع رأي المسلمين على رجل منهم، فيدفع ذلك إليه ويصير الأمر إلى غير ذلك ... فيعمل الوكيل بما يوافق العدل مع مشورة أهل الصّلاح ويفعل فيه مثل ما يفعل الإمام بالعدل في الفقراء أو يحفظه حتّى يصير الأمر إلى رجل يقوم بالعدل"، أطفيّش: شرح، ص333 - 334.
(6) -[موتيلنسكي]، أخبار ابن الصّغير، ص63.
1) هو في المقام الأوّل إمام الصّلاة؛ فبصفته رئيسا للجماعة يؤمّ صلاة الجمعة في المسجد الجامع (1) في الأمصار (2). في خطبة الجمعة يرضّي الإمام عن أبي بكر وعمر ويسكت عن عثمان وعليّ وعن الخلفاء العبّاسيّين. ذكر ابن الصّغير أنّ الخطيب في إمامة أبي حاتم كان يقرأ خطبة لعليّ بن أبي طالب أعطى نصّها (3). انقطع الإباضيّة عن إلقاء الخطبة بعد سقوط إمامة الظّهور بتيهرت والدّخول في مسلك الكتمان، واختفى مذّاك المنبر من جوامع إباضيّة المغرب) ويجب أن يكون ملمّا بعلوم الدّين: فمع أنّه غير ملهم (4)، وليس بالضّرورة الأعلم بتأويل القرآن (5)، (1/420)
صفحة 421
قد تنشأ ظروف تقتضيه حسم مسائل تتعلّق بالصّلاة (6) أو اتّخاذ موقف حول أمور عقيديّة (7).
__________
(1) - مثلا أبو الخطّاب في طرابلس (انظر: سير أبي زكريّا، م إ، 104، (1960م)، 114) وعبد الرّحمن بن رستم في تيهرت (انظر [موتيلنسكي]، سير ابن الصّغير، ص67).
(2) - انظر كشف الغمّة، ورقة، ص245.
(3) - سير، 126 - 127.
(4) - ضدّ الإسماعيليّة والرّوافض، انظر كشف الغمّة، ورقة 247.
(5) - أنيطت تلك المهمّة في عمان بقاضي الإيمان الّذي كان يقوم بدور شيخ الإسلام الحاليّ حسب إبراهيم أطفيّش في تعليقه على تحفة الأعيان للسّالميّ ج1 ص124، ملاحظة 1.
(6) - لـ[و. تورنو]، سيَر أبي زكريّا، ص156.
(7) - مثلا الإمام الرّستميّ محمّد أبو اليقظان حول خلق القرآن. انظر البرّاديّ: الجواهر، ص183 - 203؛ وأعلاه الفصل 8.
2) وهو أمين بيت مال المسلمين ودولتهم. ويملك في هذا المجال صلاحيّة لامحدودة ما لم تلحق أعماله مضرّة برعاياه. مثلا له أن يشتري العبيد للجهاد (1). بخصوص التّصرّف في الأموال والوصاية على الأشخاص، "الإمام وصيّ من لا وصيّ له، يقوم بمصالح الموتى ومصالح مخلّفيهم من مجانين وبله وأيتام وغيّاب وبمصالح الغائب، ويقبض الأموال الّتي لا يتعيّن صاحبها كالزّكاة والكفّارة والوقف واللّقطة والمال الضّائع والوصيّة المؤبّدة وغيرها كالوصيّة للمسجد والطّريق والمال المسبل والمال الحشريّ وقبض الدّيّة من قاتل العمد والخطأ ويصرف ذلك لأهله، وما لم يقدر على معرفة صاحبه من الأموال جعله في بيت المال لصالح المسلمين" (2). هذا ويعود إلى ولكنسن فضل إعداد دراسة مستوفاة عن سلطات الإمام على بيت المال ونظام الزّكاة المعقّد في عمان (3). (1/421)
صفحة 422
__________
(1) - الصّائغيّ؛ انظر [ولكنسن]، الإمامة الإباضيّة، ص539.
(2) - أطفيّش: شرح، ص361.
(3) - تقع تحت تصرّف الإمام: الأموال المعدوم أربابها مثل الزّكوات والكفّارات والأموال الموقوفات، واللّقطات والصّوافي، والوصايا المعيّنات والمؤبّدات وغير المؤبّدات كالوصايا للمساجد والمدارس والطّرق المسبلة والحشريّة وقبض الدّيّات من قاتل العمد والخطأ الّذي لا وليّ له من القتلى وكذلك فطرة الأبدان. صرف هذه الأموال كما يلي: الزّكوات ثلثها للفقراء، إلاّ أن يحتاج لها لعزّ دولة المسلمين. وكذلك الصّوافي أي الأراضي الّتي لم يترك أصحابها ورثة. الوصايا والوقوفات تُنفذ فيما جُعلت له، والإمام من ثمّة وكيل تلك الوقوفات. الدّيّات الّتي لا وليّ لها إن كان يرجى لها ورثة وبلوغ حجّة وُقفت، وإن يُئس من معرفتهم دخلت في حكم الاختلاف. أمّا متى تكون في حكم الغوائب أي الأموال الّتي لم يتعيّن أصحابها، فمسألة اختلف فيها الفقهاء؛ ويمكن أن تُجعل في عزّ الدّولة. انظر [ولكنسن]، نفس المصدر.
3) في حكمه للمسلمين لا يعفيه الجمع بين السّلطات التّشريعيّة والتّنفيذيّة والقضائيّة من واجب المشورة، فهي فرض واجب إن لم يقم به التغى واجب الطّاعة (عمان) (1). لذلك نراه يستشير لتعيين قاض (2). لكنّه غير ملزم بهذه المشورة، ويجوز له مبدئيّا أخذ قرار دون الرّجوع إلى الجماعة (3). حصل أن نقض حكم (1/422)
صفحة 423
قاض تحت ضغط الشّعب (4)
__________
(1) -[ولكنسن]، الإمامة الإباضيّة، ص539.
(2) - "لمّا دخل أبو حاتم مدينة تيهرت جمع مشايخ البلد واستشارهم فيمن يولّيه القضاء فأشاروا بأن يولّي عبد الله بن محمّد بن عبد الله بن الشّيخ. (وكان أبوه قاضيا. وقالوا وما عبد الله دون محمّد في العلم والورع والدّين) "؛ الشماخي: السّيَر، ص221.
(3) - تتمثّل إحدى نقاط الخلاف بين الإباضيّة وابن فندين- أصل انشقاق النّكّار- تحديدا في مسألة الشّورى: حسب ابن فندين يجب أن يستشير الإمام جماعة معلومة. وقد حاول أبو يزيد في النّصف الأوّل من (ق 4هـ/10م) تطبيق أفكاره بإقامة مجلس شورى مؤلّف من 12 عضوا: العزّابة. انظر في دائرة المعارف الإسلامية مقال "النّكّار" لـ[ليفيتسكي] ج1 ص186. في رسالة وجّهها الرّبيع بن حبيب إلى الإمام عبد الوهّاب بخصوص مطاعن ابن فندين، وضّح أنّ الإمام غير ملزم بألاّ يقضي أمرا دون الرّجوع إلى جماعة معلومة لإقامة الحدود (على السّارق والزّاني الخ). انظر محمود إسماعيل: الخوارج في المغرب الإسلاميّ، بيروت، دار العودة، (1976م)، ص340. وقد أقرّ السّالميّ (تحفة، ج2 ص217) بوجود هذا التّوتّر في عمان أيضا، حيث كانت لجماعة المسلمين تقليديّا سلطة كسلطة الإمام في إنفاذ الأحكام وإقامة الحدود، وقيل إنّها كانت تملك نفس الصّلاحيّات إلاّ إقامة الحدود الّتي ينفرد بها الإمام.
(4) - "جيء (إلى الإمام غسّان بن عبد الله) بناس كانوا قد استحقّوا القتل في رأي بعض المسلمين، فشاور الإمام القاضي مسبّح بن عبد الله، فلم ير قتلهم، فسجنهم الإمام. ثمّ ناظر المسلمون القاضي في قتلهم حتّى رجع إلى القول بالقتل"؛ السّالميّ: تحفة، ج1 ص107.
هذا مصدر نزاع مستمرّ بين سلطة الإمام و"جماعة" المسلمين سنرى أهمّ جوانبه لمّا نتناول تطوّر الإمامة في خاتمة هذا الفصل.
الإمام في مسلك الظّهور هو الّذي يعيّن كبار موظّفي حكومته المشمولين بنفس الولاية الواجبة له (ونفس البراءة إن صار في منزلة البراءة) (1) والّذين يفوّض إليهم جزءا من وظيفته الإداريّة (2). ويخضع توكيل صلاحيّاته إلى القواعد التّالية:
أ) لا يوكّل بوظيفة ذات صلة بالأحكام إلاّ من يكون في منزلة الولاية. لا يعيّن إذن في تلك المناصب مخالفا أو منافقا بين أهل الدّعوة.
ب) يكون الإمام جائرا إذا قدّم جائرا ويكون جوره جورا له.
ج) يجب اختيار خلفائه في الأمور من أهل الكفاية والثّقة والأمانة، "فلا يجوز أن يوكّل على الزّكاة إلاّ من له علمها، ولا على الدّماء والأحكام إلاّ من علمها، ولا على الحرب إلاّ من يعرف سياستها" (3). (1/423)
صفحة 424
__________
(1) - انظر الجنّاونيّ: "ولاية البيضة أي الإمام العادل وأصحابه الّذين تجب طاعتهم إلاّ إن ارتكبوا كبائر. والولاية للإمام ووزيره وقاضيه وخازنه وكاتبه" (عقيدة نفوسة، ص8). كذلك البراءة، ص11 - 12. انظر كذلك [موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص530 - 531.
(2) - بخصوص إدارة الإمامة الإباضيّة، انظر دنجل: إمامة تيهرت الإباضيّة، الفصل 3: "التّنظيم الإداريّ لإمامة تيهرت" 104 - 133؛ شيخ بكري: مذهب الخوارج عند البربر، جوانب من المملكة الرّستميّة، في حوليّات م د ش، الجزائر 15 (1957م)، ص66 - 67.
(3) - أطفيّش: شرح، ص364.
من أهمّ أعوانه: الوزير (أو الوزراء) (1) - وفيه قال الإمام عبد الوهّاب بن عبد الرّحمن بن رستم: "إنّكم علمتم أنّ السّمح وزيري وأحبّكم النّاس إليّ وأنصحهم" (2) -، وشيخ البلد ومقدّمه (المكلّف بإدارة تيهرت) (3)، والقاضي الّذي يساعده عون على أداء مهمّته (تيهرت، عمان) (4) وكذلك رئيس الشّرطة (5) ومحتسب مكلّف بمراقبة سلوك السّكّان (6)، والوالي ممثّل الإمام في الإقليم (7) والّذي يجب عليه تفقّده ونصحه (8)
__________
(1) - استعمل عبد الوهّاب أكثر من وزير في وقت واحد: مروز بن عمران والسّمح بن عبد الأعلى. انظر لـ[و. تورنو]، سيَر أبي زكريّا، ص157 - 158.
(2) - انظر سير أبي زكريّا، ص158.
(3) - ابن مسعود في إمامة يعقوب بن أفلح، انظر أخبار ابن الصّغير، ص122.
(4) - عون يُختار بتيهرت غالبا من قبيلة نفوسة؛ انظر أخبار ابن الصّغير، ص86. بالنّسبة إلى عمان انظر السّالميّ: تحفة، ص1 ص131.
(5) - مثلا عيّن أبو حاتم رجلين لهذه المهمّة اقترحهما الأهالي. انظر لـ[و. تورنو]، سيَر أبي زكريّا، ص123.
(6) - "كانت نفوسة تلي عقد تقديم القضاة وبيوت الأموال وإنكار المنكر في الأسواق والاحتساب على الفسّاق"؛ [موتيلنسكي]، أخبار، ص86.
(7) - انظر تعليق إبراهيم أطفيّش على تحفة السّالميّ، ج1 ص130، ملاحظة 1. كان المعدي موظّفا من أعوان إمام عمان غير القاضي. يوحي اسمه، إن عدنا إلى معنى الجذر أعدى يُعدي (أي ساعد وساند ضدّ عدوّ حسب [كازيمرسكي]، بأنّه ربّما كان يمثّل المشتكي، وكان يؤدّي هذه الوظيفة في صحار زياد بن الوضّاح أيّام الإمام المهنّا. كان يوجد معد للإمام في نزوى، والظّاهر أنّ المعدي كان يتبع الوالي
(8) - كان الوالي أ) يعيّنه الإمام: مثلا "أراد الإمام (أفلح) أن يستعمل واليا على قنطرارة فاختبر النّاس لذلك وميّزهم، فوجد سعدا (بن وسيم النّفوسيّ) أصلح ولأمور الدّين أحسن ولحدود الله أطلب، فكتب سجلاّ باستعمال سعد، فطواه وختم عليه بخاتمه"؛ لـ[و. تورنو]، سير أبي زكريّا، م إ، 104، (1960م)، ص322 - 323، ب) أو يختاره ضمن قائمة تقترحها الأقاليم (ن م ص162 - 163)؛ لكنّ الإمام غير ملزم بالمصادقة على من رشّحه أهل الإقليم، كما نرى من مثال خلف في طرابلس حيث ولاّه العامّة على أنفسهم بعد موت أبيه السّمح، فعزله الإمام عبد الوهّاب مع تثبيت كلّ عامل استعمله أبوه في عمالته، وكان ذلك سبب فتنة الخلفيّة، انظر المصدر نفسه، ص158 - 159. لمزيد من التّفاصيل عن إدارة الأقاليم ودور الوالي، انظر [دنجل]: إمامة تيهرت الإباضيّة، ص104 - 133.
، وكان يعمل تحت إمرته في عمان موظّف يدعى (1/424)
صفحة 425
المُعدي (1)، والرّسل أو العمّال الّذين كان يبعثهم لجباية شتّى الضّرائب الّتي تغذّي بيت المال (2).
__________
(1) - "لزمه نصحهم والنّظر لهم والسّياسة في حربهم" أطفيّش: شرح، ج14 ص357.
(2) - في إمامة عبد الرّحمن "كان أهل الصّدقة على صدقاتهم يخرجون في أوان الطّعام (:الحصاد) فيقبضون أعشارهم في هلال كلّ من أهل الشّاة والبعير، يقبضون ما يجب على أهل الصّدقات لا يظلمون ولا يُظلمون. فإذا حضر جميع ذلك صرف الطّعام (:الحبوب) إلى الفقراء وبيعت الشّاة والبعير، فإذا صارت أموالا دفع منها إلى العمّال بقدر ما يستحقّون على عملهم. (ثمّ نظر في بقيّة سائر المال فإذا عرف مبلغه أمر بإحصاء من في البلد وفي ما حول البلد، ثمّ أمر بإحصاء الفقراء والمساكين، فإذا علم عددهم أمر بإحصاء ما في الأهراء من الطّعام، ثمّ أمر بجميع ما بقي من مال الصّدقة فاشترى منه أكسية صوفا وجبابا صوفا وفراء وزيتا، ثمّ دفع في كلّ بيت بقدر ذلك، ويؤثر بأكثر ذلك أهل الفاقة من مذهبه) ثمّ ينظر إلى ما اجتمع من مال الجزية وخراج الأرضين وما أشبه ذلك، فيقطع لنفسه وحشمه وقضاته وأصحاب شرطته والقائمين بأموره ما يكفيهم في سنته، ثمّ إن فضُل فضْل صرفه في مصالح المسلمين". انظر [موتيلنسكي]، سير ابن الصّغير، ص15 - 16 و71 - 72. تحدّث السّالميّ عن شبيب بن عطيّة في عمان: "وفي الأثر كلام في ولاية شبيب وفي البراءة منه وذلك لتصلّبه حتّى صار يجبي القرى احتسابا، فمنهم من لم ير له ذلك لأنّه ليس بإمام منصوب. قال الرّبيع (لمّا استشير في أمره): أنتم أعلم بأهل بلادكم"؛ تحفة، ج1 ص85 - 86. نرى من ذلك أنّ العامل كان في عمان في الأصل في أيّام الرّبيع (النّصف الثاني من ق 2هـ) واليا وجابيا.
4) تعود إقامة الحدود إلى الإمام وحده، وهو في ذلك لا يتصرّف باسمه الخاصّ، ولا أدلّ على ذلك من مثال قتيل الله: فعند موت شخص بسبب إقامة الحدّ عليه لا تُدفع ديّة لورثته لأنّه قتيل الله (أي وُقّع عليه حكم الإعدام بموجب أمر إلهيّ)، بينما لو أُعدم بتقرير الإمام الشّخصيّ للزم صرف ديّته لهم من بيت (1/425)
صفحة 426
المال. ولا يُلزم الإمام بدفعها إلاّ إن اتّضح أنّ إقامة الحدّ كانت مخالفة للشّرع (1). وإقامة الحدّ أمر مفوّض إلى تقديره، وله مبدئيّا صلاحيّة قتل مجرم دون إقامة بيّنة (2).
__________
(1) -[ولكنسن]، الإمامة الإباضيّة، ص539 - 540.
(2) - أطفيّش: شرح، ج14 ص359، "وإذا أمر الإمام بقتل رجل وقال: "قد قامت البيّنة معي" ولم يُتّهم، فليس عليهم أن يسألوه البيّنة إلاّ إن طلبها الّذي أمرهم الإمام أن يقتلوه أو رحِمُه. فإن سأل ذلك فعليه أن يحضرها ويسمعها الشّهود عليه، إذ الإمام خصم حينئذ".
5) يقع على الإمام، بصفته قائدا عسكريّا، ضمان أمن البلاد (1) الّذي يعني حراسة البيضة والذّبّ عن الأمّة، من هنا هذه القاعدة: لا تحالف مع الكافرين قبل أن يعلنوا خضوعهم، ولا يجب أن يدع لهم فرصة للتّدخّل في شؤون المسلمين (2). عاصمة الإمام مدينة مسوّرة (3). لم يكن جيش الرستميين مجهّزا على (1/426)
صفحة 427
طراز جند العبّاسيّين المتطوّر، لكن كانت فيه كتيبة من الفرسان الأشاوس (4). بوجه عامّ كان الإمام يتولّى بنفسه قيادة الجيش وإعداده لخوض المعارك (5). وكانت قبيلة نفوسة القويّة تمدّه بكتائبه الأوفى والأشدّ بأسا في النّصر على الأعداء (6). كذلك كانت للإمامة الإباضيّة في (ق 3هـ/9م) عدّة موان لأسطولها (7)
__________
(1) - مثلا في عمان كان الأئمّة يمنعون الأعراب من حمل السّلاح من سيوف ورماح وبنادق وخناجر، وكذلك أهل القرى إذا خيف منهم البطش. انظر [ولكنسن]، ص541.
(2) - ذلك تطبيق لمبدأ الولاية والبراءة: "البراءة ممّن برئ من المسلمين وطعن في دينهم وممّن وقف عن المسلمين ولم يتولّهم، والولاية للإمام الصّادق الشّكور ولكلّ من عمل بالحقّ، كان مذكورا أو غير مذكور"؛ كشف الغمّة ورقة 248.
(3) - "ثمّ إنّ تيهرت كانت (أيّام عبد الرّحمن بن رستم) حرزا وحصنا للمسلمين، وسُمّيت بالعسكر أو المعسكر المبارك. لـ[و. تورنو]، سير أبي زكريّا، ص133. والشّأن مماثل في نزوى، الّتي وصفها ولّستد (رحلات في بلاد العرب، ج1 ص119 - 126) بأنّها "في تقدير كلّ البلاد المجاورة منيعة حصينة"، انظر [بدجر]، تاريخ الأئمّة والسّادات في عمان، ص15، ملاحظة 1.
(4) -[موتيلنسكي]، أخبار ابن الصّغير، ص69؛ كذلك تحدّثت سيَر أبي زكريّا، ص150 عن "دار الدّوابّ" الّتي كانت للإمام عبد الوهّاب.
(5) - سيَر أبي زكريّا، ص151؛ أخبار ابن الصّغير، ص80.
(6) - مثلا تحدّثت سيَر أبي زكريّا عن "محاربة الواصليّة مع الإمام عبد الوهّاب".
(7) - منها مرسى فرّوخ (اليعقوبيّ: وصف شمال إفريقيا، نشره بيريس، الجزائر (1960م)، ص13؛ البكريّ: وصف شمال إفريقيا ترجمة [دو سلان]، باريس ميزونّوف، (1965م)، ص164)؛ مرسى الخرز (القالة) الّذي كان ترسخانة وقاعدة للعمليّات ضدّ روما بتنسيق مع الأدارسة والأمويّين؛ مرسى الدّجّاج شرق بني مزغانة (مدينة الجزائر)؛ الجزّة (شمال تيهرت)؛ سبتة الخضراء (حاليّا الجزيراس)؛ انظر ب زرّوقي: انتشار المذهب الخارجيّ ص222 - 223.
الدّعوة إلى الجهاد فرض إن غُشي على الإمام في بلده (1). وهناك حالات مختلفة حسب قدرة الدّولة على المقاومة (2).
إمام الدّفاع: يفرض وضع الدّفاع استثناء على مبدأ وحدة الإمامة. مثلا جوّز أبو (1/427)
صفحة 428
محمّد صاحب كتاب الضّياء (3) وجود إمامين فصل بينهما جبّار لم يطيقاه بصفة مؤقّتة، "فإن زال الجبّار واتّصل مُلكهما انفسخت إمامتهما واختار المسلمون إماما يقيمونه لأنفسهم" (4). وليست الخصال الدّينيّة (التّقوى) في إمام الدّفاع أقلّ أهمّية من المناقب العسكريّة (5). متى يولّى إمام للدّفاع؟ تجوز توليته قبل حضور العدوّ ولو لم يخافوا فجأته، لأنّ ذلك استعداد للحرب ومسارعة للمغفرة (6). مبدئيّا "ليس للإمام جبر الرّعيّة على الغزو أو الرّباط، وإنّما ذلك على من ألزم نفسه الشّراء. إلاّ إن جاءهم عدوّ، فإذّاك لزم كلاّ الجهاد ودفع العدوّ عن البلد وأهله، وإن خرج خارجةٌ وكان القاعدون إن لم يخرجوا مع الإمام غلبت الخارجة فإنّه يلزم القاعدين أن يخرجوا" (7). بما أنّ إمامة الدّفاع عقد بين الشّعب والإمام، حالما تنتهي حالة الدّفاع ينفسخ ذلك العقد. فإذا كانت الظّروف مواتية لإعلان الظّهور، لزم إمّا تجديد بيعته أو اختيار إمام جديد (8).
__________
(1) - أطفيّش: شرح، ج14 ص353.
(2) - هناك 4 حالات لتنظيم الجماعة، لكلّ واحد من مسالك الظّهور والدّفاع والشّراء الإمام الّذي يناسبه، وفي مسلك الكتمان لا يوجد إمام، وسوف لا نتعرّض إليه فيما يلي. انظر الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص17 - 20، [موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص524 - 525.
(3) - حول هذا الكاتب، انظر [فان إسّ]، بحوث حول بعض المخطوطات الإباضيّة، في مجلّة الجمعيّة الألمانيّة للدّراسات الشّرقيّة، ص126 (1976م)، م 7.
(4) - أطفيّش: شرح، ج14 ص370.
(5) - الثّمينيّ: كتاب النّيل، ج3 ص885؛ أطفيّش: شرح عقيدة التّوحيد، ص113.
(6) - أطفيّش: شرح، ج14 ص305.
(7) - المصدر نفسه، ص361.
(8) - الثّمينيّ: النّيل، ج3 ص885.
إمام الشّراء: يقتضي هذا المسلك الّذي قدّم أبو بلال مرداس (1) نموذجا منه ألاّ يخرج المقاتلون ما لم يبلغ عددهم 40، ولا يتوقّفوا عن (1/428)
صفحة 429
القتال إلاّ إن بقي منهم ثلاثة أو أقلّ (2). والميثاق المعقود بين الإمام والمقاتلين أشدّ صرامة في هذا المسلك: فهو يربط الإمام شخصيّا مع كلّ واحد منهم، والمقاتل انضوى تحت لواء ذلك الإمام بعينه فلو مات الإمام الّذي شاراه وعُقد لغيره سقط عنه الشّراء (3) في رأي بعض العلماء. لا أحد ينهي بتلقاء نفسه الشّراء، وعلى من أبرم ذلك العهد الوفاء بكلّ التزاماته. الإمام من جهته ملزم بقتال العدوّ، بشخصه إن لزم، حتّى الاستشهاد. وصيغة بيعة إمام الشّراء هي المستخدمة في الدّفاع مع النّصّ على الجهاد (4)
__________
(1) - (ت 62هـ). انظر الشماخي: السّيَر، ص66.
(2) - الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص19.
(3) - أطفيّش: شرح، ص350 - 351.
(4) - "وإنّك شريت نفسك لله على الجهاد في سبيل الله، تجاهد كلّ فرقة امتنعت عن الحقّ حتّى تفيء إلى أمر الله، وتدعو إلى دينه وتوالي فيه وتنهى عن الباطل وتعادي فيه. وإنّ عليك جميع ما على الأئمّة من قبلك، ولك علينا إذا وفيتَ بيعتَك إجابتُك إذا دعوتنا والطّاعة إذا أمرتنا والنّصر إذا استنصرتنا. ولا عذر لك ولا لنا إلاّ القيام بذلك. فإذا قال نعم ثبتت إمامته ووجبت طاعته ... (واليمين الّتي يحلف بها الإمام:) والله إنّك تخرج مع الإمام فلان بن فلان على الحقّ إذا أراد ذلك منك، ولا تخالف له أمرا يلزمك عند الله إلاّ من عذْر، ولا تغدر به ولا تغشّه ولا تأمر بغشّه ولا تأمر بظلمه ولا تعين أحدا بالباطل عليه ولا تكتمه أمرا ولا تقدح في دولة المسلمين بفساد ولا تسعى لها بعناد، فإن فعلتَ ذلك أو شيئا منه متعمّدا فكلّ امرأة لك هي طالق ثلاثا، وكلّما فاتت منك بطلاق أو غيره ثمّ راجعتها في العدّة أو بعدها بتزويج فهي يوم تتزوّج بها طالق ثلاثا، وعليك 50 حَجّة وثلث ما تملكه صدقة وعبيدك أحرار لوجه الله إن حنثت في يمينك هذه". أطفيّش: شرح، ج14 ص319.
ولأنّ مسلك الشّراء حالة طارئة استثنائيّة، قد يتخلّى الإمام مؤقّتا وهو في معمعة الجهاد عن إقامة الأحكام والحدود (لكن يجوز له إنفاذها بمزيد من الصّرامة)، ويجوز عموما ترك الأمر والنّهي وذلك ليصل إلى ما هو أعظم ممّا يأمر به أو (1/429)
صفحة 430
ينهى عنه (1). إلى أيّ حدّ يصل الشّراء الّذي يفرضه الإمام على نفسه أو يطلبه من الشّاري؟ يجمع التّقليد الإباضيّ في جملته على أنّ الأفضل، كلّما كان ميزان القوى بين الجماعة والعدوّ يهدّد بقاءها أصلا، اتّباع سبيل التّقيّة (2) ومسلك الكتمان (3).
تتمثّل السّيرة المناسبة لمسلك الشّراء في اختيار رجل يجتمع عليه الإباضيّة فيجعلون إليه الحقوق الّتي فرضها الله عليهم. أمّا في الكتمان فهناك تعاون ومشاورة ومجالس يعقدها المشايخ لنشر الخير، وينادى فيها للصّلاة بالأذان والإقامة وتقام فيها الصّلوات الجامعة، وتُتّخذ فيها إجراءات الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر (4). (1/430)
صفحة 431
__________
(1) - أطفيّش: شرح، ص352.
(2) - المسألة محلّ خلاف بين الإباضيّة، إذ يوجب البعض على الإمام القتال حتّى الموت، ويؤثر آخرون التّقيّة مجوّزين له القعود إن خاف القتل على نفسه، لأنّ ما أوجبه على نفسه ليس بأعظم ممّا أوجبه الله عليه من التّوحيد وقد جازت فيه التّقيّة لمن خاف القتل. انظر أطفيّش: شرح، ج14 ص351 - 352. لكنّ كتّاب العقائد عدّوا الإدبار في المعركة أحد أفعال خمسة يجب أن يفضّل المسلم العاديّ- ناهيك عن الإمام- الموت على إتيانها. ولا تُباح التّقيّة إلاّ في حالة الضّرورة لقول كلمة الكفر باللّسان وبشرط بقاء الإيمان في القلب. انظر الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص40.
(3) - يخالف هذا الموقف المعتدل غلواء الأزارقة الّذين يجوّزون الخروج بعدد أقلّ 20 ولا يقبلون مهادنة المخالفين ويبرّرون الاستعراض. انظر الشّهرستانيّ: الملل، ج1 ص161 - 162، ومقدّمة بحثنا: "نافع، نجدة، فروع الخوارج المعتدلة".
(4) - أبو سهل يحيى: عقيدة ورقة 30 و.
5 - تقييم عامّ
تُبرز هذه اللّمحة الخاطفة عن الإمامة الإباضيّة عدّة نقاط مشتركة مع نظريّة الإمامة الّتي بلورها كتّاب من خارج الفرقة. الصّفات المطلوبة في المرشّح للإمامة شبيهة بالّتي نصّوا عليها، مع عدم اشتراط القرشيّة وتقديم العلم والتّقوى. مسالك الإمامة الأربعة، الظّهور والدّفاع والشّراء والكتمان، نظريّة خاصّة بالإباضيّة، لكن يمكن أن نقارب بين الكتمان وحالة السّتر عند الإسماعيليّة، حيث يكون الإمام موجودا لكنّه غير معروف، بينما يختلف جذريّا عن حالة الغيبة عند الإماميّة حيث يكون الإمام كذلك غائبا عن عيون النّاس لكنّه باق في مقام علويّ حتّى يحين أوان مجيئه كمخلّص (المهديّ المنتظر) (1).
__________
(1) - انظر مثلا محمّد رضا المظفّر: عقيدة الإماميّة، القاهرة، مطبعة نور الأمل، (1381م)، ص63 - 64.
أظهرت دراسة تطوّر الإمامة في كلّ من تيهرت وعمان التّوتّر- بل النّزاع أحيانا- بين الإمام وجماعة الشّورى المؤلّفة من علماء الدّين ورؤساء القبائل، كما أشرنا بخصوص نصب الإمام ونزعه. الظّاهر أنّ هناك استمراريّة بين النّظام القبليّ ونظام الحكم الدّينيّ عند الإباضيّة: الإمام مبدئيّا شخص كالآخرين رفعته إلى مركز الزّعامة خصاله الاستثنائيّة، والإمامة تكريس لتميّزه مع إلقاء هالة من الجلال على شخصه. لكنّ لعناصر أخرى دورا هامّا في اختيار الإمام كما لاحظ ولكنسن محقّا بخصوص عمان. فمع أنّ إمكانيّة تحصيل العلم والوصول إلى الإمامة متاحة نظريّا لكلّ الأفراد، عمليّا تحصر قوّة العشيرة- عددا ونفوذا- في عدد محدود من الأسر إمكانيّة تقديم أئمّة، ولا ننس من جهة أخرى أنّ النّخبة في كلّ جماعة منظّمة على أساس الدّين تتمثّل بطبيعة الحال في العلماء. في تيهرت (1/431)
صفحة 432
أيضا يمكننا تتبّع التّفاعل السّياسيّ القائم على التّعارضات والتّحالفات بين رؤساء القبائل وجماعة العلماء وحزب الإمام لإحراز الإمامة أو حفظها في السّلالة الرّستميّة، وإزالة الشّورى تدريجيّا لتتحوّل الإمامة عمليّا إلى مُلك (1). هكذا كانت الإمامة دوما تسوية أو حالة انتقاليّة بين مثال أعلى دينيّ أساسه حاكميّة الله ومصالح الكتل القبليّة الّتي تنزع إلى تقويض ذلك الأساس الدّينيّ (2). لمّا يهدّد عدوّ من الخارج استمرار الجماعة، تبدو الإمامة المؤسّسة الوحيدة القادرة على جمع الشّعب لدرء الخطر.
__________
(1) - درس هذا التّطوّرَ بوجه خاصّ ب مرغوب في "المزاب ومفهوم التّطوّر السّياسيّ"، أطروحة لنيل الدّكتوراه في الدّراسات السّياسيّة، باريس (1970م)، 322 ص؛ و [دنجل]: إمامة تيهرت الإباضيّة.
(2) - انظر [ولكنسن]، الإمامة الإباضيّة، ص545 - 546.
في ذلك يكمن سبب عجز الإمامة الإباضيّة- رغم نجاحها على مستوى المدينة أو حلاف المدن، ورغم المؤسّسات المتطوّرة الّتي اتّخذتها- عن تحقيق حلم الخلافة أو تأسيس امبراطوريّة بحجم الخلافة الأمويّة أو العبّاسيّة؟ في شتّى أطوارها، هناك إنجازان استرعيا انتباهنا وهما جديران حقّا بالتّنويه: إمامة عمان الّتي تمكّنت عبر تاريخ حافل بالتّقلّبات والأزمات من البقاء إلى يومنا هذا، ودولة تيهرت الّتي لم تتعدّ حدود عصر معيّن لكنّها بقيت في نظر الإباضيّة نجاحا منقطع النّظير يعود إلى رفعة شأن أئمّتها الّتي لا تُنكر على الصّعيد السّياسيّ والفكريّ والأخلاقيّ. بعد سقوطها في (296هـ/909م) استمرّ في مسلك الكتمان (1/432)
صفحة 433
ودون أن يخلو من التّوتّرات توازن محكم بين السّلطة الدّينيّة لحلقة العزّابة (1) الّتي تعود إليها الكلمة الفصل غالبا والسّلطة الموازية لممثّلي الشّعب (العوامّ) المنظّمين في الجماعة. (1/433)
صفحة 434
الخاتمة
في نهاية مطافنا هذا، تظهر ملامح العقيدة الإباضيّة أوضح وصورتها أجلى، وبإمكاننا الآن إبراز ثوابت هذا المنهج الفكريّ الّذي حافظ على منحاه العامّ قبالة التّيّارات الكبرى الّتي واجهتها الفرقة. حتّى إن لم يكن جرد العقائد الّذي أتاحته المراجع المتوفّرة حاليّا كافيا وافيا، يعطي امتداد الفترة المغطّاة بهذا المسح (ق 2 - 8هـ/8 - 14م) بالنّسبة إلى العقائد، وإلى العصر الحديث بالنّسبة إلى الشّروح) وتنوّع الكتّاب (من متكلّمين وفقهاء وكتّاب ذوي نزعة تقويّة) والمنشإ (من المغرب إلى عمان) صورة عامّة لإجماع على مجمل المذهب برز منذ فترة مبكّرة ووفّر له علماء المشرق (البصرة) ضمانة في بداياته.
__________
(1) - العزّابة ج عزّابيّ أي "منقطع" عن الدّنيا. انظر قاموس المصطلحات الملحق بهذا الكتاب. الحلقة: انظر مقال [ليفيتسكي] في دائرة المعارف الإسلامية 2، 3: 97 - 101. للمزيد عن العلاقة بين سلطتي العزّابة والعوامّ، انظر أطروحة ب مرغوب: المزاب ...
بالتّعرّف أكثر على النّصوص لاسيما كتابات الشّرّاح والمحشّين، بان أنّ ذلك الإجماع أقلّ تجانسا وأحاديّة ممّا بدا بادئ الأمر، وأنّ الإباضيّة ليست عالما منغلقا متجمّدا ومتجلمدا. فعبر تاريخها الحافل بالتّقلّبات، سواء في المغرب أو في عمان، ورغم مرورها بعصور ظلمة، لم تعش بمعزل عن التّيّارات الفكريّة القريبة وبمنأى عن تأثيرها. حقّا لا يتمّ تطوّر المذاهب عادة عبر قفزات نوعيّة فجائيّة- إلاّ في حالة انسلاخ فروع مهمّة عن الجذع كفرق منفصلة- لكن رأينا ظهور اختلافات حول مسائل هامّة نسبيّا (كالقول بأنّ القرآن غير مخلوق في فترة ما) أو فروع وتفاصيل (كفكرة الجبْل بديلا عن الجبر في نفوسة)، هذا عدا أفكار انفرد بها علماء لهم وزنهم (كأفكار الجيطالي حول الإمامة). (1/434)
صفحة 435
سمح بقاء الباب مفتوحا باستمرار أمام الاجتهاد بتحصين المذهب الأصل ضدّ الفتن، وحدا كذلك إلى البحث عن سبل جديدة وأتاح استعارة مصطلحات من الفرق الأخرى مع تطويعها لخدمته- وإن كان بعض منها أُدخل في فترة متأخّرة. في كلّ العصور تبيّن أجوبة علماء الفرقة على أسئلة طرحها الأتباع نشاطا فكريّا كثيفا سواء في مرحلة الظّهور أو في مرحلة الكتمان، فقد استمرّ تبادل الآراء في الدّار الإباضيّة بلا انقطاع. ولم يكن الإباضيّة الّذين ذهبوا إلى السّودان والأندلس وصقلّية وحتّى إلى الصّين دون السّنّة في طلب العلم الّذي لا يعرف حدودا. قدّمت كذلك سلسلة نقل العلم عبر العصور معلّمين يكفلون مصداقيّة الإيمان الموروث، ولم تعدم الإباضيّة في كلّ منعطف هامّ من تاريخها "أقطابا" راسخين في العلم لإحياء علوم الدّين. يفسّر هذا التّواصل مع الماضي والمرجعيّة الّتي أكسبها أولئك العلماءَ علمُهم الغزير المصداقيّة الّتي حظيت بها عقائدهم.
كان على الإباضيّة بوصفهم أقلّيّات دينيّة- فيما عدا فترات محدّدة كإمامة تيهرت- تطوّقهم دول قويّة تعتنق عقائد مخالفة لمذهبهم، مهدّدة أو منتصرة (كالخلافة الفاطميّة المؤسّسة على المذهب الإسماعيليّ)، أن يحموا مذهبهم الأصيل بتأكيد خصوصيّاتهم. مثلا وللاقتصار على التّيّارات المهيمنة، رغم اتّفاقهم مع المعتزلة حول عدد من أمّهات القضايا (التّوحيد، الصّفات، العدل، الوعد والوعيد، استحالة رؤية الله، خلق القرآن، حقيقة الإيمان ... ) ممّا يقرّب بين الفرقتين، عارضوهم في مسائل أخرى كالقدر والاستطاعة ومنزلة صاحب الكبيرة والأسماء والأحكام، ورفضوا فكرة حجّة الله العقليّة السّابقة للشّرائع والأسس العقليّة للإمامة وفلسفة الطّبائع الّتي تبنّاها بعضهم. ولمّا هيمن بعدهم (1/435)
صفحة 436
الشّيعة الإماميّة انطلاقا من النّصف الثاني من (ق 3هـ/9م) (1)، وجد الإباضيّة أسبابا جديدة لمناهضة عقائدهم: ففضلا عن اعتبارهم مرتكب الكبيرة مؤمنا، هناك شفاعة النّبيّ والأئمّة، والقول بالبداء على الله، وبالرّجعة أو بعث الموتى عند مجيء المهديّ، ونظريّة النّبوّة والإمامة، وأفكارهم في الولاية والبراءة. أمّا خلاهم مع أهل السّنّة والجماعة فيضرب جذوره في الأحداث الّتي شهدتها خلافتا عثمان وعليّ: موقفهم من عثمان والفتنة الكبرى، ومن عليّ وأصحابه في قضيّة التّحكيم ثمّ الأحداث الّتي تلت وأوجدت صدعا لا سبيل إلى رأبه. فتأييدهم للمحكّمة الأولى وللخروج على الإمام مناقض للاتّجاه الحنفيّ الّذي رفض الحكم على الصّحابة حرصا على صيانة وحدة الأمّة (2). لذلك نجد خلافات عميقة ومستمرّة بين الفريقين حول مسائل ذات مضمون سياسيّ واجتماعيّ كالإمامة وأحكام الأشخاص والملل، والولاية والبراءة، وحكم مرتكب الكبيرة، كما تفرّق بينهما
__________
(1) -[مادلنغ]: الإماميّة وعلم الكلام المعتزليّ، في "الشّيعة الإماميّة"، م ج ف (1970م)، ص13 - 30.
(2) -[ونسنك]، العقيدة الإسلاميّة، 104 المادّة 4.
مسائل عقيديّة كعلاقة الصّفات والذّات، والقرآن، والرّؤية، والوعد والوعيد. لكن رأينا كذل: تشابه مواقفهما حول القدر والحجّة والنّبوّة، كما أشرنا إلى التّقارب خلال تطوّر المذهبين في صياغة نظريّة الصّفات وخلق أفعال الإنسان وحقيقة الإيمان.
تظهر المواقف حول بعض المسائل العقيديّة في مؤلّفات (ق 5 - 6هـ) محسومة بوضوح، لكنّها لم تكن كلّها كذلك في البداية: مثلا كانت فرق الخوارج منقسمة بالتّساوي تقريبا بين القدريّة والجبر، وأخذت بعض فرق (1/436)
صفحة 437
الإباضيّة عناصر من مذهب المعتزلة (1)، وفي (ق 3هـ/9م)، كانت هناك فرقة إباضيّة تقول "بطاعة لا يراد بها الله" وهي فكرة أبي الهذيل العلاّف (2)، بل وُجدت على ما يبدو- حسب أقوال المؤرّخين- فرق مختلطة واصليّة إباضيّة (3).
__________
(1) - مثلا الحارثيّة فكرة استطاعة سابقة للفعل، والحسينيّة فكرة الحجّة، والنّكّار وجوب معرفة الله بالعقل.
(2) - لم تُذكر هذه الفرقة ضمن قائمة فرق الإباضيّة في سيرة الإمام الصّلت بن مالك الّتي كُتبت (ح 250هـ)؛ انظر الشماخي: سيَر، ص84؛ [ليفيتسكي]، فروع الإباضيّة، ص77.
(3) - انظر مثلا البكريّ (ق 11م): وصف بلاد المغرب، ترجمة [سلان]، الجزائر (1911م)، و [ليفيتسكي]، فروع الإباضيّة، ص76.
لفهم هذه الأصول نودّ معرفة مضمون المؤلّفات الهامّة الّتي ظهرت في فجر تاريخ الإباضيّة مثل كتاب الرّدود لعبد الله بن يزيد الفزاريّ وكتاب التّوحيد لعيسى بن علقمة المصريّ أو كتاب صحار العبديّ في القدر، وكتب أخرى لا نعرف منها سوى نتف من استشهادات الكتّاب اللاّحقين أو ردودهم عليها. نودّ الحصول على توضيحات حول أفكار عالمي الفرقة الأوّلين جابر بن زيد وأبي عبيدة. قد تبيّن لنا تلك الكتابات في جدال الإباضيّة الأوائل مع القدريّة والمعتزلة وغيرهم تأثّر كلّ طرف بأفكار الخصم ومحاور النّقاش الّتي حدّدت اختيارات الفرقة لاحقا. حقّا لدينا معلومات عن افتراق الإباضيّة عن غلاة الخوارج (ح 65هـ/684 - 685م)، ورأينا أنّ موادّ في عقيدة عمان المنسوبة إلى عبد الله بن إباض تعكس ربّما أفكار فترة تأسيس المذهب. لكنّ الخطّ الفاصل بين الفرق الخارجيّة المعتدلة غير جليّ المعالم، ولا يمكننا حاليّا سوى تقديم افتراضات حول موقف الفرقة المناهض للقدريّة الّذي ما زلنا نجهل مبرّراته وظروف نشأته. ومع أنّ لدينا الآن أدلّة تسمح بترجيح تقدّم العقيدة الّتي ترجمها أبو حفص بن جميع (1/437)
صفحة 438
من الأمازيغية إلى اللّسان العربيّ على عقيدة نفوسة الّتي كتبها الجنّاونيّ، ما زلنا نجهل متى صار ذلك الموقف بندا من عقيدة إباضيّة المغرب.
قد يتيح في المستقبل نشر أو اكتشاف وثائق تعود إلى تلك الفترة المبكّرة تجديد البحث في هذه المسألة وإلقاء أضواء على دور بعض الأشخاص الّذين اعتبرناهم على سبيل التّبسيط ممهّدين للاعتزال، بينما لم يكونوا ينتمون في الواقع إلى أيّة مدرسة محدّدة، إذ عاشوا في عصر لم تكن المذاهب قد تشكّلت فيه بعد في صيغة دقيقة ومتّسقة وكان الرّجل ينتقل من "حلقة" إلى أخرى دون أن ينتمي إلى فرقة محدّدة أو يُعرف بتسمية مذهبيّة محدّدة. من ذلك مثلا تأثير غيلان الدّمشقيّ على حمزة الكوفيّ، وعلاقة عبد الله بن يزيد الفزاريّ بهشام بن الحكم في دكّانه بالكوفة كما ذكرنا بخصوص مسألة طبيعة القرآن، وعلاقات الأصمّ الودّيّة بإباضيّة البصرة في (ق 2هـ/8م).
شيئا فشيئا- وفي تاريخ يتعذّر تحديده بين النّصف الأول من (ق 1هـ) والنّصف الأول من (ق 2هـ) تكوّنت جملة من البنود العقائديّة حول نواة أصليّة أثرت واتّضحت لاحقا: اعتبار القرآن الفيصل الّذي يُحتكم إليه (لا حكم إلاّ لله)، بداية تنظير للإمامة على أساس العدل والأمانة (كما نرى في رسالتي عبد الله بن إباض وفي خطبة المختار)، تخطئة عليّ في قضيّة التّحكيم، البراءة من عثمان، حكم مرتكب الكبيرة، نقص الإيمان إن لم يقترن بالعمل (كما نرى في رسالتي عبد الله بن إباض). للإيمان في هذا الإطار مدلول سياسيّ: فهو يعني الانتماء إلى الأمّة أو الخروج منها (منزلتي الولاية والبراءة). وقد عرّفه بطاعة أوامر الله ونواهيه، والتّمسّك بأركان الدّين. لاحقا فُصّل محتوى الإيما (1/438)
صفحة 439
ن فعند إباضيّة المشرق الأوائل كان الاعتقاد في جملة ما بلّغ الرّسول عن ربّه كافيا.
من المحتمل أنّ الموادّ الّتي شكّلت العناصر الأولى من العقائد تضمّنت قوائم بأهمّ أسماء الله (عقيدة عمان)، وتعاليم منتقاة من القرآن (بالتّفضيل على السّنّة) لم تبوَّب بعد باتّساق، وتعداد ذنوب ومحرّمات لم تتلقّ بعد توصيفا مميّزا فيما عدا اعتبارها كفرا، ونتفا في شكل أسئلة وأجوبة يسهل حفظها على الدّعاة الأوائل وحملة العلم (انظر الفصل 2: الأخلاقيّات). متى صيغت مقالة التّخليد في النّار لأصحاب الكبائر ضدّ القائلين بالإرجاء؟ هل في شعر الخوارج الأوائل صيغة بسيطة منها؟ (انظر الفصل 1: "الأفكار الأولى"). شدّد ابن إباض، كما جاء في عقيدة عمان المنسوبة إليه، على خطورة الإصرار على الذّنب ولاجدوى توبة المحتضر. لكنّ محبوب بن الرّحيل قدّم رأيا حول المسألة الأخيرة فيه فارق دقيق: هو أنّ الله قد يأتي بالتّوبة ما بين ليلة ونهار واقتصر على تأكيد حتميّة عقاب المعصية في الدّنيا والآخرة (انظر الفصل 1: عهدة محبوب بن الرّحيل). لم تشر عقيدة أبي حفص إلى تلك القضيّة: وقد عُدّ ذلك مؤشّرا على تقدّمها على عقيدة نفوسة للجنّاونيّ، رغم تأخّره عن مؤلّفها (ب4 قرون).
كذلك أُكّدت استحالة رؤية الله على الأرجح كواحد من عناصر تنزيه الله عن الإدراك (عقيدة عمان) أكثر ممّا هي بند عقيديّ حقّا يميّز الإباضيّة عن فرق أخرى. هي غائبة كذلك من عقيدة أبي حفص، والأرجح إذن أنّها لم تكن بندا من العقائد قبل النّصف الثاني من (ق 3هـ) (انظر الفصل 2، التّقييم العامّ) مع أبي نوح سعيد بن زنغيل. في مسألة الرّؤية هذه، لا شكّ أنّ الإباضيّة استمدّوا آراءهم من المعتزلة (انظر الفصل 2: التّقييم). (1/439)
صفحة 440
لعب أبو عبيدة دورا أساسيّا على المستوى السّياسيّ كما في صياغة العقيدة الإباضيّة في النّصف الأول من (ق 2هـ). رغم أنّ ما وصلنا منه في شكل مكتوب ينحصر في مجموعة أحاديث ورسالة في الزّكاة، كان يحظى كرئيس للجماعة الإباضيّة بالبصرة بتقدير أتاح له الحفاظ على وحدتها رغم وجود نزعات سياسيّة متناقضة في صلبها (1)، وإزالةَ الانحرافات عن المذهب بطرد المخالفين أو مقاطعة النّزعات المخالفة بحزم. مثلا "أحدث صالح بن كثير أشياء (أي اتّخذ مواقف مخالفة للمذهب حول بعض المسائل) قلاها عليه المسلمون" (2)، وانشقّ عبد الله بن عبد العزيز وأبو المؤرج حاتم بن منصور وشعيب وهم أصل النّكّاريّة (3). من المعروف أنّ شعيبا وعبد الله بن عبد العزيز كانا يحاربان النّزعات القدريّة داخل الإباضيّة ممثّلة في حمزة الكوفيّ وعطيّة. وبطردهما من المجالس أعطى أبو عبيدة الفرقة اتّجاها مضادّا للقدريّة (4) قائما على رفض المساس بشموليّة قدرة الله بنفي خلقه للقبيح، والتّوجّه إلى اعتبار القدر علم الله في الأزل بما يكون. من الثّابت أيضا أنّه قد تمّ تطبيق التّأويل منذ عصر أبي عبيدة على الآيات الّتي تتضمّن التّشبيه (5) وتكفير المرأة الّتي تُغشى في الدّبر (6).
__________
(1) - انظر مقال "الإباضيّة" لـ[ليفيتسكي]، في دائرة المعارف الإسلامية 2، 3: 671.
(2) - الشماخي: السّيَر، ص84.
(3) - انظر مقال "النّكّار" لـ[ليفيتسكي]، في دائرة المعارف الإسلامية، ج1 ص185 - 186.
(4) - انظر أعلاه الفصل 10 "خلق الأفعال".
(5) - انظر أعلاه المقدّمة "نحو تكوّن العقائد" والملاحظة 63 وكذلك الملحق بالفصل 6 حول أصول الدّين.
(6) - قول شبيه في عقيدة عمان، انظر [سخاو]، حول التّصوّرات، ص66.
في تحليل مسألتي الصّفات والقرآن لاحظنا تشابها مع معتزلة البصرة كالنّظّام (1/440)
صفحة 441
والجبّائيّين (أبي هاشم في الصّفات وأبي عليّ في القرآن كما رأينا في الفصلين 7 و8). ولا غرابة في ذلك فإنّ ممثّلي المذهب الإباضيّ- مجلس العلماء الّذين كان يُرجع إليهم لحلّ حالات الخلاف (1) - كانوا على اتّصال بأساطين الاعتزال الّذي كانت البصرة مركزا نشيطا له. يمكن أن نجزم بأنّ الإباضيّة توجّهوا حول مسألة القرآن نحو القول بالخلق باستقلال عن المعتزلة وقبلهم: هل استمدّوا من جهم بن صفوان فكرة إحداث القرآن الّتي دافع عنها باسم التّوحيد- الأساس الّذي لا جدال فيه- رغم رفضهم من جهة أخرى ما ذهب إليه عن فناء النّار (2)؟ ذلك غير مستبعد. من جهة أخرى يمكن ردّ أصل اعتبار القرآن عرضا (كما في عقيدة الجنّاونيّ) (3) وتأكيد حدوثه في الجدل ضدّ عبد الله بن يزيد الفزاريّ الّذي كان يقول بأنّ القرآن جسم مثل هشام بن الحكم، مع تأكيد قدمه باعتبار صفته الإلهيّة (4). لا يُستبعد أيضا أن يكون إباضيّة البصرة قد أخذوا عن الزّراريّة عبر قدريّة البصرة ثمّ الكرّاميّة الّذين نسجوا على منوال زرارة حسب البغداديّ (5) - ورغم جهلنا
__________
(1) - مثلا اتّصل عبد الوهّاب إمام تيهرت بعلماء المشرق لفضّ النّزاع مع خلف بن السّمح حول الإمامة.
(2) - انظر [ونسنك]، العقيدة الإسلاميّة، ص121، عبد الكافي: الموجز، ج2 ص130.
(3) - عقيدة نفوسة، ص51.
(4) - انظر الفصل 8، النّبذة التّاريخيّة.
(5) - أتباع زرارة بن أعين الّذي "كان على مذهب القحضيّة (الفطحيّة؟) القائلين بإمامة عبد الله بن جعفر ثمّ انتقل إلى مذهب الموسويّة. وبدعته المنسوبة إليه أنّ الله لم يكن حيّا ولا قادرا ولا سميعا ولا بصيرا ولا مريدا حتّى خلق لنفسه هذه الصّفات. وعلى هذا المنوال نسجت القدريّة البصريّة قولها بحدوث كلام الله وإرادته، وعليه نسجت الكرّاميّة قولها بحدوث قول الله وإرادته وإدراكاته" البغداديّ: الفرق ص52.
حاليّا بقنوات النّقل- فكرة الإحداث في الذّات ومن ثمّة حدوث الكلام مع (1/441)
صفحة 442
نفي الحدوث عن الإرادة والعلم. هذه الاتّصالات الّتي جرت منذ البداية وفي البصرة مهد المذهب بالذّات تغني عن افتراض وساطة الأدارسة والواصليّة لتفسير دخول مقالة خلق القرآن إلى المغرب قبل أن يتلقّى دعما قويّا من الإمام أبي اليقظان (1) في ردّ على عودة المذهب السّنّيّ بقوّة في الخلافة العبّاسيّة كما في القيروان الأغلبيّة بعد ارتداد المتوكّل على المعتزلة، بينما كان إباضيّة المشرق ينفون خلق القرآن. هذا ولم يسحب الإباضيّة مفهوم الإحداث في الذّات على صفتي الإرادة والعلم. مع ذلك يجوز أن نرى في تمسّك طائفة من الإباضيّة (المشارقة والنّفوسيّين) في فترة معيّنة بحدوث صفتي الرّضا والسّخط امتدادا لأفكار القدريّة عن الإحداث في الذّات وحدوث صفات الأفعال في عصر لم يكن المتكلّمون قد ميّزوا فيه بعد بوضوح بين ذينك الصّنفين من الصّفات (2). في تأكيد تقدّم علم الله على الأحداث ونفي البداء عنه (عبد الكافي: انظر في الفصل 7 قضيّة "صفات الفعل"). بينما إباضيّة المشرق ونفوسة على رأي المعتزلة: أنّها من صفات الفعل، وأنّ علم الله "فعليّ". انظر الأشعريّ: مقالات (2: 231)
__________
(1) - انظر الفصل 8، النّبذة التّاريخيّة.
(2) - لاحظنا قرابة بين أفكار إباضيّة المغرب ومذهب سليمان بن جرير وعبد الله بن كلاّب (اعتبار الرّضا والسّخط والولاية والبراءة صفات ذاتيّة).
يبيّن هذان المثالان- القدر والصّفات- لوحدهما أنّ تتبّع أطوار تبلور النّظريّات حول شتّى القضايا العقيديّة يبقى مسألة تخمين قابل للمراجعة كلّما اكتُشفت معطيات جديدة. لذا نفضّل الآن أن نحوصل أهمّ بنود المذهب مع إعطاء فكرة عن خلفيّتها وتطوّر صياغتها، وهو ما سنفعله معتمدين على المقالات التّسع الّتي (1/442)
صفحة 443
لخّص فيها الشّيخ عامر بن عليّ الشماخي (ت 792هـ/1389 - 1390م) المذهب في أصول الدّيانات (1).
1 - التّوحيد، استحالة الرّؤية (ضدّ المشبّهة)،
2 - العدل، نفي الجور عن الله، فهو لا يؤاخذ العباد بغير ما اكتسبوا (ضدّ الجبريّة)،
3 - القدر: الله خالق كلّ شيء، والقدر خيره وشرّه منه. هو خالق أفعال العباد (ضدّ القدريّة والمعتزلة)، وخالق كلامه (ضدّ الأشعريّة)؛
4 - الولاية والبراءة: نفي التّغاير والبداء (ضدّ الحسينيّة والشّيعة)؛
5 - الأمر والنّهي: وجوب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، فرضيّة الإمامة (ضدّ النّكّار)؛
6 - الوعد والوعيد: الله صادق في وعده ووعيده، التّخليد في النّار (ضدّ المرجئة والأشعريّة)؛
7 - المنزلة بين المنزلتين: النّفاق بين الإيمان والشّرك (ضدّ المرجئة)؛
8 - لا منزلة بين المنزلتين: أي بين الإيمان والكفر (ضدّ المعتزلة)؛
9 - الأسماء والأحكام: الأسماء (المؤمنون، الكافرون، المشركون) تابعة للأحكام.
__________
(1) - انظر النّصّ بالملحق.
يذكّر توزيع الموادّ لأوّل وهلة بكتب المعتزلة المبوّبة وفق الأصول الخمسة؛ (1/443)
صفحة 444
وقد رأينا نسقا شبيها عند الجنّاونيّ (1) وتبغورين (2). ونلاحظ أنّ الفقرات 1، 2، 5، 7، 9 تطابق أصول الاعتزال الخمسة، وأنّ النّقطة 3 تتّصل بالنّقطة 2 وتكمّلها (علما بأنّ القدر عند المعتزلة يتبع باب العدل) (3)، وهي موجّهة ضدّ القدريّة. تدين الفقرة 4 فرقة الحسينيّة المنشقّة، بينما توضّح الفقرتان 7 و8 موقف الإباضيّة من مسألة المنزلة بين المنزلتين- بعبارة أخرى حقيقة الإيمان- ضدّ المرجئة والمعتزلة.
__________
(1) - الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص46 - 47؛ كتاب الوضع، ص21 - 25.
(2) - انظر أعلاه الفصل 3، تقديم كتاب أصول الدّين.
(3) - مثلا عبد الجبّار: شرح الأصول الخمسة، ص299 وما بعد.
يشبه الإباضيّة المعتزلة لا في تبويب محتويات كتبهم في الأصول فقط، بل كذلك في أسلوبهم الجدليّ. مثل منافسيهم المعتزلة- الّذين استمدّوا منهم حججا لمقارعة الأشاعرة- نبغوا في فنون الجدل، مستخدمين فيه إمكانيّات العربيّة بمواردها اللّغويّة وقواعدها النّحويّة والصّرفيّة والبلاغيّة من قلب واستثناء وحصر، ومن معنى حقيقيّ ومجازيّ، واستعمالات الشّعراء، ومن استنتاجات مبنيّة على الاشتقاق، والاستعانة بمفاهيم علم التّأويل لبيان قوّة الحجّة كتغليب العامّ على الخاصّ والمحكم على المتشابه، استخدام المقولات الأرسطوطاليسيّة كالواجب والممكن والمحال، استحالة اجتماع الأضداد في محلّ واحد، البحث عن العلّة أو الطّرف المشترك للجمع بين قضيّتين، إرجاع الأثر النّقليّ إلى سياقه، استخراج الضّمنيّ في الخطأب، قلب الجمل، استدلال الحذف (إمّا كذا ... وإمّا كذا) والخُلف والتّسلسل والدّائريّ، مع المزج بين مختلف هذه العناصر. بل لا يتورّع (1/444)
صفحة 445
المجادلون عن اللّمز وتقويل الخصم ما يعدّونه نتيجة مقالته والشّتم في هذه الجدالات حيث يتقاذف المعسكران آيات القرآن ضاربين بعضها ببعض، وتفضي هذه المشادّات أحيانا إلى معارك بين أتباع الفرق. وفي الحقيقة ليس بين فنون الحجاج الّتي ذكرنا ما لا نجد عند المعتزلة أو الأشاعرة: في خشب الخصم تُثقف السّهام.
ينبني هذا الأسلوب الجدليّ على قاعدة منهجيّة ضمنيّة تتمثّل في إبراز المعنى البيّن للآيات: الإباضيّة قريبون من ابن حزم في إثبات المعنى الظّاهر، لكن يعدّل هذا المبدأ عندهم استخدامُ التّأويل في حال الآيات الّتي تبدو متناقضة لأوّل وهلة لأنّ لا تناقض في التّنزيل. يقوم منهج التّأويل الّذي عمل به الإباضيّة منذ البداية (1) على الاقتصار على ما قوله في الذّات الإلهيّة سائغ ونبذ ما يتضمّن التّشبيه. أمّا التّأويل الباطنيّ على طريقة الشّيعة فمرفوض عند الإباضيّة جملة وتفصيلا. انفرد أبو سهل يحيى بإقرار قيمة محدودة لهذا النّوع من التّأويل في السّعي إلى استخراج المعنى الرّوحيّ الكامن في القرآن ضمن معان متعدّدة. في حالة الشّكّ الأسلم الاعتماد على إجماع السّابقين الّذي يشكّل أحد الضّوابط الّتي تحول دون انحراف الرّأي الفرديّ، لذا لا يتنافى مع الاجتهاد قدر ما من التّقليد. يقدّم كلّ كتّاب الإباضيّة القرآن على الحديث (الّذي يعطونه أهمّيّة دون تلك الّتي يسندها إليه الحنابلة)، والشّريعة على العقل (الّذي له عندهم دور دون ذلك الّذي أسنده إليه المعتزلة): الحقّ هو ما أتى من الله، وهذا لا يمنع من الإحالة أحيانا إلى الواقع الموضوعيّ (عبد الكافي) لكن في مجال أضيق ممّا عند المعتزلة. (1/445)
صفحة 446
__________
(1) - والّذي سبقوا إليه المعتزلة على ما يبدو. انظر أعلاه الملحق 1 عن أصول الدّين للفصل 6.
توحيد الإباضيّة (أصول الدّيانات 1) قريب جدّا من توحيد المعتزلة. وقد رأينا أنّهم دافعوا بقوّة كالّتي دافع بها المعتزلة، ضدّ المجسّمة والمشبّهة، عن التّنزيه، أي إفراد الله عن الخلق وتأكيد علوّه على كلّ شيء، إذ "ليس كمثله شيء" (42: 11)، وما هو بجوهر ولا جسم ولا عرض. يمكن الاستدلال على وجوده باللّغة والعقل والطّبع وخاصّة بالشّرع. يُظهر التّدليل أنّ الله أصل حدوث العالم، وأنّه علّته الأولى ومحدثه، ضدّ الدّهريّة القائلين بقدمه. لا يرتكز وجوب معرفة الله على العقل (كما عند المعتزلة والنّكّاريّة والحسينيّة: أصول الدّيانات 9) بل على الشّرع (كما عند الأشعريّة).
مع المعتزلة يرفض الإباضيّة التّمسّك بحرفيّة النّصوص على طريقة الحنابلة، منكرين حقيقة الصّفات الجسمانيّة ومؤوّلين عين الله ووجهه ويده وعرشه كما جاء في الآيات المشبّهة، لإبراز معانيها المجازيّة وفق مبدأ أساسيّ هو أنّه ليس كمثله شيء. وأنكروا مقولة البلاكيف الّتي حاول بها الأشاعرة الحفاظ على حقيقة الصّفات المذكورة دون الوقوع في التّشبيه الفجّ. والظّاهر أنّ إحالة رؤية الله يعود إلى أصول الفرقة إن صدّقنا الرّوايات الّتي أوردها الرّبيع بن حبيب لكنّها وصلتنا بترتيب الورجلانيّ ثمّ "ترتيب التّرتيب" الّذي قدّمها طبقا له أطفيّش. وهو على أيّة حال ينسجم مع إطار التّوحيد العامّ الّذي بمقتضاه ليس كمثل الله شيء ومن ثمّ يستحيل تحيّزه وإدراكه في الدّنيا (القول بإمكانيّته شرك) وفي الآخرة (القول بذلك نفاق) سواء بالعين أو بحاسّة سادسة أو بالقلب، وامتناع رؤيته من وجوه كماله وبه امتدح نفسه. لذلك صاغ الإباضيّة لاهوتا سلبيّا بالأساس: فالقول بأنّه عالم أو قادر مثلا يعني عندهم نفي الجهل والعجز عنه. هو عالم (1/446)
صفحة 447
ومريد لا بعلم وإرادة بل بذاته (وهي فكرة قريبة من قول أبي الهذيل). كذلك رفضوا فكرة الصّفة المعنى الأشعريّة كحقيقة مغايرة للذّات زائدة عليها، لأنّها تنحو إلى تشييء الصّفة. بهذا المعنى ينبغي أن نفهم نفيهم الغيريّة (تغاير الصّفات والذّات)، فالصّفات عندهم عين الذّات. مع ذلك كشفت دراسة تطوّر نظريّتهم في الصّفات تقاربا مع المدرسة الأشعريّة عند المتأخّرين يظهر في تصنيف الصّفات واعتراف تدريجيّ بواقعيّتها كمعان اعتباريّة تسمح بوصف الله بأشياء ثبوتيّة دون مساس بحقيقة وحدانيّته المطلقة.
يستحقّ الإباضيّة بتأكيدهم تلك الوحدانيّة بقوّة أن يُدعوا كالمعتزلة أهل العدل (فقرة 3). وقد أكّدوه ضدّ الجبريّة، وأنكروا أن يثيب الله العبد أو يعاقبه على أفعال قضاها عليه: "إنّ الله لا يظلم النّاس شيئا ولكنّ النّاس أنفسهم يظلمون" (ق 10: 44). ميّز بعض علماء نفوسة بين الجبْل والجبْر، لكنّه فرق لا يعتدّ به الإباضيّة (كما أكّد الشّيخ بيّوض في محادثة). باسم العدل الإلهيّ كذلك وانطلاقا من مبدأ أنّ لا حكم إلاّ لله، يجب قتال الفئة الباغية. لمقتضيات العرض، أُفردت لقضيّة العدل فقرة مستقلّة لكنّها على صلة وثيقة بقضيّة القدرة. تبدو هاتان الصّفتان أحيانا متنافرتين. بإضافة الأفعال إلى الإنسان، على غرار المعتزلة القائلين باختياره لها وبامتلاكه استطاعة دائمة، حرص الإباضيّة على حفظ الاختيار والاكتساب وعلى نفي الجبر والقسر عنه (2). مع ذلك لا يعني الاختيار والاكتساب عندهم نسبة قدرة على خلق الأفعال إليه. في باب القدر والاستطاعة، يعارضون القدريّة والمعتزلة، معتبرين تأكيد القرآن أنّ "الله على كلّ شيء قدير" لا يحتمل أيّ استثناء. بدءا من تبغورين وعبد الكافي، دمج الإباضيّة (1/447)
صفحة 448
بمذهبهم مفهوم الكسب الأشعريّ (الموجود أيضا في عقيدة نفوسة للجنّاونيّ). وعلى خلفيّة نظريّة المناسبات (الّتي تقول بأنّ الله خالق كلّ فعل، وتنفي امتلاك الإنسان قدرة دائمة) صاغوا مذهبا مناهضا للقدريّة أكثر ممّا هو سنّيّ في مجمله. والحقّ أنّ اتّجاهات البحث عندهم في هذا الباب- كما رأينا في موضوع خلق الأفعال- لم تتّبع خطّا واحدا، وظلّت منفتحة على التّيّارات الفكريّة في المذاهب الأخرى. إجمالا منيت جهود بعض مفكّريهم لتأصيل مفهوم القدرة الحادثة بالفشل. الإنسان وفق نظريّتهم "يفعل" فعله، أي يختاره ويكتسبه، لكنّه لا يملك قدرة التّأثير عليه: فالله هو الّذي يخلق كلّ فعل. مع ذلك لا يرفضون موقف المعتزلة تماما: إزاء قضيّة الشّرّ ذلك الغمر الّذي لا
قاع له حيث يقتضي التّوحيد رفض الثنوية (فكرة إله خالق للخير وآخر أصل الشّرّ)، اختار الإباضيّة حلولا معتزليّة للمسائل المتفرّعة عنها وحيث ينبغي في رأيهم تغليب العدل الإلهيّ: رفض إيلام الأبرياء والاستنكاف من نسبة الشّرّ إلى الله (واعتبار الشّرّ سلبا وتخلية)، بينما مالوا إلى مواقف الأشعريّة في مسائل أخرى (كالرّزق والأجل).
تحديد ما هو خير وما هو شرّ راجع إلى مشيئة الله الّتي يعجز فكر الإنسان عن سبر غورها، وحكمته الّتي جعلت الأشياء في عمليّة الخلق على الهيئة الّتي هي عليها والّتي ليس للإنسان أن يسأل عنها. التّحسين والتّقبيح من الشّرع، وليس الخير والشّرّ كذلك في ذاتيهما كما لا وجود للطّبائع (ضدّ المعتزلة). إرادة الله قارّة لا تتغيّر (ضدّ القائلين بالبداء: الإماميّة وفرقتي الحسينيّة واليزيديّة المنسلختين عن الإباضيّة). الإنسان يفعل بمحض إرادته ما علم الله به قبل أن يكون ودون أن يجبره عليه: وإنّما ييسّره إليه فقط. المآل الأخرويّ- فيما عدا المعصومين أو من (1/448)
صفحة 449
أنبأ الله بأنّهم من أهل النّار- من أسرار الغيب. فمثلا قد تكون خاتمة أعمال عبد مؤمن "الخسران المبين". وبينما اعتبر المعتزلة العلم والإرادة من صفات الفعل، هما عند الإباضيّة من صفات الذّات الأزليّة (1). مع ذلك ميّز الإباضيّ المحدث أطفيّش في القضاء الحكم في الأزل إجمالا على الأجسام والأعراض وإيجادها بالقدر وإثباتها على اللّوح المحفوظ الّذي هو فعل إلهيّ.
__________
(1) - أقرّ الإمام أبو اليقظان بقدم صفة القدرة، ويبدو أنّه قال في المقابل بعلم حادث: "يجوز أن يقال متى علم الله موسى لا: متى قدر عليه؟ ".
يترتّب عن اختيار الإنسان لأفعاله التّكليف. وقد أجمع إباضيّة المشرق والمغرب على التّخليد في الجنّة أو النّار (6)، موافقين في ذلك المعتزلة (مع اختلاف حول عذاب مرتكب الكبيرة)، وقبلهم الحسن البصريّ، ومعارضين المرجئة الّذين أجازوا ألاّ ينفذ الله وعيده تفضّلا، وجهما بن صفوان الّذي قال بفناء الجنّة والنّار (1)، والأشاعرة الّذين ذهبوا إلى أنّ الكبيرة تؤدّي إلى عذاب مؤقّت في النّار لكنّ الإيمان ينجي منه في النّهاية. يرى الإباضيّة أنّ الذّنب لا يمحى بغير التّوبة، وفي تشديدهم على الوعيد يذهبون إلى القول بأنّ الله لا يقبل توبة من حضره الموت كفرعون الّذي تاب بعدما أدركه الغرق (ق 4: 18، 10: 90 - 91). ولا يجوز ارتجاء شفاعة النّبيّ في أصحاب الكبائر من المسلمين.
__________
(1) - قال جهم بفناء النّار لأنّ الله وحده الباقي أبدا، وردّ عليه عبد الكافي: "اتّقيتم الإبرة وبلعتم الزّبرة"، الموجز، ج2 ص130.
يقرّ الإباضيّة لا محالة بأنّ الإيمان- أهمّ فعل للإنسان- قادر على افتداء بعض (1/449)
صفحة 450
الذّنوب، لكن لا ذنب "المصرّ والمعاند لربّه والمبتدع الّذي فارق الإسلام" (1). يلغي التّفاوت العظيم بين عمل الإنسان (من أداء أو ترك للفروض) وجزائه عند الله (من ثواب وعقاب) يلغي الفداء من الأساس ويبطل الشّفاعة (2)، وقد انتقد الإباضيّة بقوّة تساهل المرجئة الّذي اعتبروه استخفافا بوعيد الله ودعوا إلى الاحتراس منه (3). حقّا يبدو كأنّ الآيات (ق 11: 105 - 107) (4) تنصّ على استثناء من أبديّة العقاب، إذ تؤكّد تخليد أهل الشّقاء في النّار إلاّ ما شاء الله، وهو ما يؤوّله السّنّة على أنّه استثناء لأهل النّار الّذين كانوا موحّدين في الدّنيا، بينما لا يرى الإباضيّة في عبارة "شقيّ" و"الّذين شقوا" ما يجيز التّمييز بين الموحّدين والمشركين. ويؤوّلون الآية مع الآية التّالية الّتي توازيها (ق 11: 108) (5) بهذا النّحو: يكون العباد يوم القيامة في الجنّة أو في النّار إلاّ في الجزء الأوّل منه الّذي يشغله الحساب: يقضي الله بين النّاس، يمثلون لديه فيُسألون ويحاجّون عن أنفسهم، ثمّ يصدر الله حكمه فيهم، فإذّاك فقط- لا منذ أوّل ذلك اليوم- يبدأ الثّواب أو العقاب (6).
__________
(1) - الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص40؛ الشماخي: أصول الدّيانات، ف 8.
(2) -[علّوش]: رسالتان، ص79.
(3) - "كلّ ما نُصّ على إباحته يجوز أن يؤمر به، وكلّ ما يجوز أن يؤمر به يجوز أن يُفرض، ووجب أن يثاب على فعله ويعاقَب على تركه". تبغورين: أصول الدّين، ص20.
(4) - "يوم يأت لا تكلّم نفس إلاّ بإذنه فمنهم شقيّ وسعيد. فأمّا الّذين شقوا ففي النّار لهم فيها زفير وشهيق. خالدين فيها ما دامت السّماوات والأرض إلاّ ما شاء ربّك إنّ ربّك فعّال لما يريد".
(5) - "وأمّا الّذين سعدوا ففي الجنّة خالدين فيها ما دامت السّماوات والأرض إلاّ ما شاء ربّك عطاء غير مجذوذ".
(6) -[سخاو]، حول التّصوّرات، ص81 - 82.
الشّفاعة كرامة وهبها الله للنّبيّ تتيح للمؤمنين (1/450)
صفحة 451
دخول الجنّة، ولا وساطة بين الله والعبد (كما عند الحنابلة).
نظريّة النّبوّة (9) هي إلى حدّ كبير نظريّة السّنّة. فضلا عن التّمييز المتّبع في بقيّة المذاهب بين النّبيّ والرّسول، بين من تلقّى وحيا فقط ومن نُزّل عليه كتاب، ميّز الإباضيّة من أُرسل إلى قومه (من عرب وسريان وعبران) ومن بُعث إلى النّاس كافّة، ومن بُعثوا بالسّيف، وأولي العزم من الرّسل، ومن له اسمان، ومن لم يزل حيّا. آدم أوّل الأنبياء ومحمّد هو المفضّل بينهم. خلافا لما يقول الشّيعة لم يؤت الأنبياء عصمة مطلقة: فقد يرتكبون ذنوبا بعد تحميلهم الرّسالة: لكنّها من صغائر الذّنوب تعود إلى السّهو أو الغفلة وتخلو من التّعمّد، ولا يمكن بحال أن يأتوا كبائر (1). والإباضيّة يرفضون قول الشّيعة بتفوّق عصر الإمامة على عصر النّبوّة، وأنّ مهمّة الإمام كشف المعنى الباطن للكتاب، وينفون الوحي إلى الأئمّة، معتبرين أنّه خاصّ بالإنبياء وأنّهم معصومون عن الخطأ في تبليغ رسالاتهم فقط (2). يعدّ معظم الإباضيّة الأنبياء في مرتبة فوق الملائكة في سلّم الكائنات، أمّا وضع المؤمنين مقارنين بالملائكة فمختلف فيه. وقد اتّبع عبد الكافي اتّجاه الأفلاطونيّة المحدثة في ترتيب الكائنات إذ
__________
(1) - يستشهد كتّاب بالآية (ق 20: 115) "ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما". انظر تبغورين: أصول، ص44. ونسبة الإيجيّ القول بإمكانيّة كفر الأنبياء إلى الأزارقة وتعميم الشّيعيّ ابن المطهّر الحلّيّ ذلك على كلّ الخوارج من باب تقويلهم ما يترتّب عن مذهبهم في نظر خصومهم وإن لم يقولوه صراحة. انظر [غارديه]، الله ومصير الإنسان، ص185.
(2) - استخدم الجنّاونيّ كلمة إلهام. انظر عقيدة نفوسة، ص28. إلى جانب الوحي الّذي هو علامة النّبوّة قد تطلق هذه الكلمة كذلك على شرح الصّدر الّذي يمنحه الله لأوليائه والهداية إلى فعل الخير. انظر نفس المصدر،
جعل في المقام الأرفع الملائكة يتبعهم النّاس والجنّ (1/451)
صفحة 452
ثمّ الحيوانات، معتبرا أنّ "من أظهر عقلَه على نفسه التحق بالملائكة المقرّبين" (1) ومن غلبته شهوته اقترب من البهيمة.
وظيفة الإمام الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر (5)، يستهدف هذا البند بوضوح بدعة النّكّار (2). ليست الإمامة لطفا من الله (خلافا لأقوال الشّيعة) بل هي مؤسّسة إنسانيّة ضروريّة لإنفاذ الأحكام وإقامة الحدود. لذلك لزم أن يتوفّر في الإمام العلم بأمور الدّين، لكن ليس ضروريّا أن يكون قرشيّ النّسب ولا أن يكون لشخصه نوع من القداسة. وولايته لا تدخل في ولاية الجملة (3) - الأمر الّذي كان سيلقي عليه صبغة العصمة- بل في ولاية الأشخاص، ويجب خلعه إن أتى معاصي أو كفر. تأثّرت نظريّة الإمامة أكثر من بقيّة مقوّمات المذهب بتقلّبات الظّروف التّاريخيّة الّتي تعكسها تنظيرات الفقهاء اللاّحقة. من ذلك مثلا مبدأ وحدة الإمامة (الّذي برّر قتال الخلفيّة المنشقّين عن إمامة تيهرت) القاضي بأنّه لا يستقيم إمامان لمصر واحد كما "لا يستقيم سيفان في غمد واحد ولا فحلان في ذود واحد" (الثّلاثيّ) (4): إذ يكشف التّاريخ أنّ الإباضيّة كيّفوه بمقتضيات الواقع المتغيّر منذ أبي عبيدة الّذي أملى عليه الوضع السّياسيّ مباركة (1/452)
صفحة 453
قيام إمامات إباضيّة على أطراف العالم الإسلاميّ (5)
__________
(1) - الورجلانيّ: الدّليل، ص54؛ [علّوش]: رسالتان، ص75؛ عقيدة نفوسة، ص35 - 36.
(2) - فرقة منشقّة تعود إلى أبي قدامة يزيد بن فندين في أيّام الإمام عبد الوهّاب بتيهرت، وإلى شعيب بن المؤرج الّذي أراد أن يرجع الإمام في قراراته إلى جماعة معلومة وأن تُسند الإمامة إلى الأفضل. انظر دائرة المعارف الإسلامية، ج1 ص185 - 186، مقال النّكّار لـ[ليفيتسكي].
(3) - مع تحفّظات حول الجيطاليّ، انظر أعلاه الفصل 5، ولاية الأشخاص.
(4) - انظر [موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص541.
(5) - رغم النّزوع إلى إمامة تضمّ كامل دار الإسلام نجد في نفس الوقت إمامات في تيهرت وعمان وحضرموت. انظر [ليفيتسكي]، فروع الإباضيّة، دائرة المعارف الإسلامية، 9 (1958م) ص75.
ما لبثت إمامة الظّهور حيث برز بعد الخليفتين المباركين، 9 أئمّة (4 من العرب و5 من الفرس) (1) أن صارت ذكرى، حتّى أنّ أبا سهل بدأ عرض مسالك الدّين بالكتمان الّذي كان إباضيّة عصره في المغرب يعيشون في إطاره (2).
في مقابل الأئمّة المشهود باستقامتهم، تقدّم العقائد وكتب الأصول قوائم أشخاص في منزلة البراءة: عثمان بعد سنوات خلافته السّتّ الأولى؛ عليّ الّذي يتراوح الحكم عليه بين النّقد الخفيف اللّهجة (كما في خطبة أبي حمزة المختار، انظر بلاّت: الوسط البصريّ 212) والإدانة الصّارمة (على ترك الحرب ضدّ الفئة الباغية، وقبول التّحكيم، وقتل أهل النّهروان كما في عقيدة عمان) والتّسامح مع الدّعوة إلى ردّ الاعتبار إليه نظرا إلى تردّده وندمه (أطفيّش)؛ معاوية الّذي يعدّه الإباضيّة مغتصبا أخذ الإمامة لنفسه وسفك دماء المسلمين؛ ابنه يزيد الّذي يعتبرونه فاسقا، والأمويّين عموما "ببغيهم في الأرض فسادا" (عقيدة عمان)؛ طلحة بن عبد الله والزّبير بن العوّام لخروجهما على عليّ بدعوى المطالبة بالثّأر لعثمان من قتلته؛ ابني عليّ الحسن والحسين؛ الحكمين بين عليّ ومعاوية في أذرح: أبي موسى الأشعريّ وعمرو بن العاص (اللّذين ارتكبا في رأيهم كفر نعمة). (1/453)
صفحة 454
__________
(1) - انظر مثلا الجيطاليّ: قواعد الإسلام، ج1 ص64 - 65.
(2) - أبو سهل يحيى: عقيدة، ج48.
هكذا رُسمت منذ البداية بمنتهى الوضوح الفواصل بين من هم من الأمّة ومن هم خارجها بتطبيق الولاية والبراءة (4). نظريّا لم يكن اجتناب الشّبهات في المعاملات والعقيدة، والتّشدّد في الأخلاق يدعان مجالا ذا بال للوقوف، رغم أنّ الإباضيّة كانوا في السّياسة من القعدة، وتلك مفارقة. في الأصل كانت الولاية والبراءة تحدّدان معسكر الأولياء والأعداء، لكنّهما اكتستا دلالة تتجاوز المجال الإنسانيّ بإضافتهما إلى الله كصفتين أزليّتين. لذلك اقتصر الوقوف في الأصل (عند الجنّاونيّ) على أطفال المشركين. وقد دخل في المذهب الإباضيّ كمصطلح شرعيّ في طور متأخّر، وأُطلق فقط على أوضاع اجتماعيّة يصعب وجود الخانة المناسبة لها في تصانيف الفقهاء. ذلك أنّ الله الّذي يعلم في الأزل مصائر العباد لا تبدو له البدوات (ضدّ الشّيعة). يثير تصنيف أهل الكتاب- اليهود والنّصارى- باستمرار بين أهل الشّرك التّساؤل. لا نملك أنفسنا من الاستغراب ونحن نلاحظ إخفاق تعايش سلميّ وطويل، على الأقلّ في بعض العصور- فقد وُجد اتّصال حقيقيّ ربّما فيما عدا عمان- في إزالة سوء التّفاهم. ربّما أُفردت أو هُمّشت تلك المجموعات ولم يتح الاتّصال لكلا الطّرفين معرفة عميقة ومثرية لمعتقدات الآخر. الأرجح أنّ ذلك يعود إلى تشدّد الإباضيّة في الإيمان وحساسيّتهم تجاه المخالفين، فلم يكونوا يجشّمون أنفسهم عناء التّقصّي والتّحقيق. في هذا الباب لم يكن هناك مجال لاستثناء أهل الكتاب من تصنيف "الأسماء والأحكام" الإقصائيّ، وهم في ذلك سواء مع بقيّة الملل والنّحل. بل لاحظنا أنّ حكم الكتابيّ ألين من حكم المخالف أو المبتدع من أتباع الفرقة. لكنّ نصوص العقائد تُظهر تطوّرا في العلاقات بين فرق الإباضيّة المتعادية باتّجاه التّطبيع، نراه في الانتقال من مصطلح دار الحرب إلى دار الخلط. يبرز هذا التّوجّه بمزيد من الجلاء لدى تحليل وضع (1/454)
صفحة 455
الإباضيّة في بلدان المغرب في عصرنا، حيث نرى
اندماجهم- دون التّخلّي عن خصوصيّتهم- في المجتمع الكلّيّ للدّولة الحديثة.
تبدو لنا العناصر التّسعة الّتي عرضنا نبذة مجملة عنها والّتي هي خاتمة تطوّر تاريخيّ خلاصة للعقيدة الإباضيّة قدّمها أحد أبرز ممثّليها، وتُبرز من خلال تأكيد الفوارق مع الفرق الأخرى محتوى الإيمان الإباضيّ في خصوصيّته. في الأصل كانت النّظرة إلى الإيمان مماثلة لنظرة المعتزلة. وقد عرّفته العقائد بالقول والعمل (1)، من ثمّة رادفت بين الإسلام والإيمان أو بين الطّاعة والإيمان. يعدّ مثلا موقف الجنّاونيّ الّذي أدرج ضمن الإيمان النّوافل امتدادا لأفكار أبي الهذيل والقاضي عبد الجبّار (لكن لا لأبي عليّ وابنه أبي هاشم اللّذين قصراه على الفرائض). ونصّ الكتّاب اللاّحقون على التّصديق بالقلب، بحيث دمج المذهب الإباضيّ في الإيمان عنصر الاعتقاد القلبيّ مع الحفاظ على خصوصيّته الرّئيسيّة: اعتبار أنّ المؤمن الحقيقيّ هو الموفي بدينه. يجوز له إخفاؤه على سبيل التّقيّة الّتي هي غطاء للمؤمن (الجميّل)، وليس ملزما بالهجرة من دار الجور أو الكفر (ضدّ الأزارقة). لا يتيسّر الإيمان للإنسان بدون عون من الله (الجنّاونيّ)، وهو في قلب المؤمن "كمصباح في زجاجة"، ويتجاوز أسلوب المعرفة الإنسانيّ (غيب الإيمان: تبغورين). هو للمؤمن سبيل النّجاة، به يكون في الفرقة النّاجية مع كلّ الحقوق الّتي يضمنها له ذلك الانتماء، وينأى عن الشّرك. هكذا يتميّز المفهوم الإباضيّ للإيمان عن تصوّرات المرجئة (التّقليل من شأن العمل) وجهم بن صفوان (التّأكيد على المعرفة دون الإقرار باللّسان) وأبي حنيفة (الإقرار مع الاعتقاد) وغيلان (الإقرار دون المعرفة) (1/455)
صفحة 456
(9). لذا يُعَدّ تارك العمل كافرا لا إيمان له، بينما هو عند الصّفريّة مشرك كافر فاسق، وهو في رأي القدريّة فاسق غير مشرك ولا كافر جعله واصل بن عطاء في منزلة
__________
(1) -[موتيلنسكي]، عقيدة الإباضيّة، ص536؛ الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص27.
بين المنزلتين- وهو موقف ينكره الإباضيّة وينفون وجود منزلة بين الإيمان والكفر (8). المرتدّ يجرَّد من حقوقه (الموارثة، المناكحة، المدافنة) وهو عند المسلمين في منزلة البراءة ويحلّ دمه (1). المبتدع هو الآخر في منزلة البراءة وعودته إلى الجماعة مرهونة بشروط حدّدها الكتّاب بحسب بدعته وتأثيره (2).
يفرض الإيمان في جانبه العمليّ سلوكا أخلاقيّا: طاعة الأوامر والنّواهي، والتّحلّي بفضائل معيّنة. هناك 4 فضائل كبرى هي أركان الدّين أوردتها كلّ الكتب الإباضيّة: العلم والعمل والنّيّة والورع، تقابلها رذائل هي أركان الكفر: الكبر والحسد والحميّة والحرص (3). لا تخوض العقائد كثيرا في هذا الباب لكنّها تفتح المجال أمام تحاليل أكثر إسهابا لمواضيع ذات طابع روحيّ: الاستسلام، الرّضا، التّوكّل، التّفويض، التّوبة، المحبّة، الإخلاص، الرّجاء، الخوف، التّقوى الخ. ونلاحظ غياب الزّهد من العقائد (4).
__________
(1) - الجنّاونيّ: عقيدة نفوسة، ص12، ملاحظة 67.
(2) - انظر أعلاه الفصل 5 "الخارج من أهل الحقّ إلى أهل الخلاف".
(3) - أطفيّش: الذّهب الخالص، ص73 - 79.
(4) - بالنّسبة إلى الصّبر انظر الجيطاليّ: قناطر الخيرات، ج3 ص275 - 315، أطفيّش: شرح النّيل، ج10 ص225 - 242. لم يذكر الجيطاليّ الزّهد لكن ذكر القناعة "قلّة تمنّيك ورضاك بما يكفيك" الخ، انظر: قناطر، ج3 ص33 - 34.
في الأخبار الإباضيّة القديمة مثل يقول: "نشأ العلم في المدينة ونما في البصرة (1/456)
صفحة 457
وطار إلى عمان". ويواصل إباضيّة المغرب هذه الأحاديث الموضوعة الّتي يرفعون بها من شأن بلادهم "ثمّ يقع. وإنّما يقع رأس الدّين بالمغرب. والشّيء إذا وقع لا يُرفع من سطحه ولا من أصله وإنّما يُرفع من عند رأسه" (1). أكثر من مرّة كادت الإباضيّة تتلاشى: هزيمة مانو الّتي قُتل فيها صفوة علماء نفوسة، تدمير تيهرت، تدمير سدراتة وانغمارها تحت الرّمال ... لكنّ مسيرة الإباضيّة متواصلة. وقد عوّدتنا الجغرافية والتّاريخ على هذا النّوع من عمليّات الانبعاث. وما زالت صلات وثيقة تربط بين أعضاء الجماعة الإباضيّة المتفرّقين في العالم. أكثر من ذلك، في مرحلة الكتمان بالذّات ظهرت العقائد وكتب الأصول الّتي بنينا عليها دراستنا. في بداية (ق 20م) جدّد كاتبان بارزان، السّالميّ في عمان وأطفيّش "قطب الأئمّة" في المغرب، حيويّة هذا الجذع العتيق الّذي حافظ على نسغه. وأقرب منهما قاد الشّيخ بيّوض الّذي وافته المنيّة مؤخّرا حركة إحياء وإصلاح تجاوزت حدود مدن المزاب. وجرد المؤلّفات الإباضيّة الّذي شُرع فيه مؤخّرا في عمان مع نشر أو إعادة نشر كتب في الكلام والفقه والتّفسير (2) أمر يسترعي الانتباه ويمكن أن يجدّد معرفتنا للإباضيّة. (1/457)
صفحة 458
ملحق 1: في أهمّ المصطلحات المستعملة
الإسلام: لغة الخضوع. بما أنّ الإيمان قول وعمل، لا يفرّق الإباضيّة بين الإيمان والإسلام. يندرج صنف المسلم ضمن صنف المؤمن. لذا يقسّم الإباضيّة النّاس إلى 3: مؤمن موف بما يقرّ به، منافق يخون في عمله ما يقرّ به لسانه، ومشرك مكذّب بتعاليم الدّين (عقيدة نفوسة 20)
الإصرار: المقصود الاستمرار في صغائر المعاصي أو تكراراها. والمصرّ إذن كافر وهو من أصحاب الوعيد.
الإيمان: يجمع القول والعمل، وعند الكتّاب المتأخّرين كذلك المعرفة بالجنان.
__________
(1) - أطفيّش: الرّسالة السّلفيّة، ص73.
(2) - على سبيل المثال.
البدعة: الإحداث في الدّين، وصاحبها مبتدع، فإذا أراد العودة إلى سبيل الحقّ، طُلب منه أن يعود إلى أصحاب بدعته ليبيّن لهم ضلالهم. ويجوز للإباضيّة العيش تحت سلطان من أهل الخلاف في الكتمان تقيّة على أنفسهم.
البراءة: المفارقة والابتعاد، واصطلاحا تعني العداوة والتّكفير. "وجوب لعن الكافر وذمّه"، "الابتعاد عن العاصي بسبب معصيته. يميّز الكتّاب براءة الجملة (من كلّ الكافرين) وبراءة الأشخاص. وترادف العداوة والتّكفير أو الإكفار والهجران. وضدّها الولاية.
التّقيّة: لغةً الخشية والسّتر، واصطلاحا الإعفاء من أوامر الدّين ونواهيه في حالة الإكراه أو الخطر الأكيد. إخفاء الإيمان في مسلك الكتمان. تخالف (1/458)
صفحة 459
مذهب الصّفريّة والأزارقة والنّجدات، فهم يدعون إلى الخروج على الجورة.
التّوحيد: الإقرار بوحدانيّة الله، وهو البند الأوّل والأساسيّ في الإيمان. لكنّ مشمولاته أوسع: إذ يتضمّن مثلا ولاية جملة المسلمين والمعصومين، والبراءة من جملة الكافرين والمخصوصين في الكتاب بأسمائهم الّذين أوجب الله لهم النّار، والإيمان بوجود الله في كلّ مكان، والتّمييز بين أنواع الكبائر. ضدّه الشّرك.
الجبْل: من جبل أي خلق وكوّن وطبع. الإنسان مخلوق ومجبول لفعل أفعاله، لا مجبور عليها. استخدم بعض كتّاب نفوسة معنى الجبْل بدلا من الجبر لتمييز أنفسهم عن المجبرة.
الحلقة: مجلس من 12 عزّابيّا برئاسة شيخ.
الخروج: الثّورة؛ والخوارج هم الّذين غادروا الكوفة للالتحاق بمعسكر عبد الله بن وهب الرّاسبيّ، ثمّ أخذت الكلمة معنى التّمرّد.
الدّفاع: أحد المسالك الأربعة للجماعة الإباضيّة (انظر: الظّهور، الشّراء، الكتمان) ويتمثّل في مقاومة جبّار يضطهدها تحت إمرة إمام دفاع.
الشّراء: أحد مسالك الدّين الأربعة (انظر الظّهور، الدّفاع، الكتمان). يبيع الشّاري نفسه في سبيل الله ويموت في القتال دفاعا عن الجماعة.
الشّرك: نفي التّوحيد، جعل شركاء لله. أكبره شرك المساواة، وهو مماثلة الله بالخلق. أمّا شرك الجحود فيتمثّل في ارتكاب كبيرة في مجال الإيمان (1/459)
صفحة 460
(كإنكار الرّسل والملائكة). يتميّز المشرك في المذهب الإباضيّ عن المؤمن والمنافق.
الظّهور: أحد المسالك الأربعة للجماعة الإباضيّة (انظر الدّفاع، الشّراء، الكتمان)، وضع (1/460)
صفحة 461
يمكن فيه للإمام الّذي أقامه الإباضيّة عليهم أن يقيم الحدود
العداوة: البراءة
العزّابة: ج عزّابيّ، "من بعد عن الدّنيا ليعيش حياة زهد وتأمّل في إطار حلقة تخضع حياتها إلى نظام لينال بذلك أجرا في الآخرة" (غروسّمانّ: لمحة عن حياة الجزائر الدّينيّة، 39)
الفاسق: ليس لمن ارتكب كبيرة أو فسقا وضع خاصّ كالمنزلة بين المنزلتين- أي بين الإيمان والكفر- عند المعتزلة. عند الإباضيّة يُفقد الفسق أو الكبيرة صفة الإيمان الّذي لا ينفصل فيه القول عن العمل.
القاعد: ج قعدة، اسم يُطلَق على الإباضيّة الأوائل لامتناعهم عن الخروج.
الكبيرة: ج كبائر. ميّز الكتّاب: 1 - كبائر الشّرك المتمثّلة في جحود بند جوهريّ من الإيمان كالتّوحيد أو معرفة النّبيّ أو الإيمان بالملائكة أو استحلال ما حرّم الله في الكتاب، وهي أخطرها، 2 - كبائر النّفاق الّتي عدّدها الكتّاب (منها مثلا تحليل ما حرّم الله بتأويل الخطأ)، 3 - الإصرار على صغائر الذّنوب.
الكتمان: أحد مسالك الدّين الأربعة (انظر الظّهور، الدّفاع، الشّراء)، وضع المسلم إذا كان مغلوبا. يجيز الإباضيّة طاعة الموحّدين وحتّى المشركين مع الاحتفاظ بالإيمان في القلب تقيّة حتّى يمكنهم الظّهور. ولا يوجد إمام في الكتمان.
الكفر: لا توجد بينه وبين الإيمان منزلة، لذا لا يُعدّ صاحب الكبيرة مؤمنا، إنّما هو فاسق وكافر (بخلاف المعتزلة الّذين قالوا بمنزلة خاصّة به). الفسق والكفر إذن مترادفان. وتصنَّف بعض الذّنوب نفاقا أو كفر نفاق أو كفر نعمة، وهي دون كبائر الشّرك خطورة، وتدعى كبائر النّفاق. وليس مرتكبها مؤمنا ولا مشركا، إنّما هو منافق، والنّفاق عند الإباضيّة منزلة بين الإيمان والشّرك. من ثمّة تترادف عندهم مصطلحات نفاق وكفر نفاق وكفر نعمة، وهي تصف عمل العبد لا قوله، وتُعدّ كفرا من درجة أدنى.
المنزلة بين المنزلتين: توجد منزلة بين الإيمان والشّرك هي النّفاق، لكن لا منزلة بين المنزلتين المتمثّلتين في الإيمان والكفر، خلافا لواصل بن عطاء والمعتزلة الّذين يجعلون للفاسق وضعا خاصّا بينهما.
المحكّمة: هم الخوارج الّذين أعلنوا في صفّين: "لا حكم إلاّ لله" فصارت شعارا يجمعهم.
الموحّد: كلّ من ينطق بالشّهادة ويقرّ بوحدانيّة الله يخرج من حكم الشّرك ويصير في منزلة الموحّد فيحرّم دمه وغنيمة ماله وسبي ذراريه. عند غلاة الخوارج لا تكفي شهادة التّوحيد للخروج من الشّرك، بل يجب (1/461)
صفحة 462
لذلك الانضمام إلى جماعتهم الّتي هي الفرقة النّاجية.
النّفاق: لا يعني فقط إبطان الإنسان غير ما يُظهر، بل كذلك منزلة خاصّة بين الإيمان والشّرك، وهو كبيرة أدنى خطورة من الشرك. تستوجب كبائر النّفاق (الّتي قدّمت العقائد لائحة بها، مثلا عقيدة نفوسة 38 - 39) نكالا في الدّنيا وعذاب الآخرة بمقتضى الوعيد إن لم يتب عنها مقارفها. يميّز الكتّاب بين نفاق الخيانة المتمثّل في ترك فرض كالصّلاة أو فعل محرّم كالخمر، ونفاق التّحليل والتّحريم أي تحليل ما حرّم الله وتحريم ما أحلّ بتأويل الخطأ في الأصول.
الوقوف: التّحفّظ الحذر، الامتناع عن الحكم على شخص لم يُعرف خيره من شرّه.
الهجرة: فضلا عن هجرة النّبيّ إلى المدينة هناك الهجرة من دار الجور للالتحاق بالمسلمين الحقيقيّين.
الولاية: فيها معنى القرب، واصطلاحا هي الودّ والإخاء والتّواصل الرّوحيّ النّابع من الخضوع للشّرع: الودّ بالجنان والاستغفار باللّسان (الجنّاونيّ، الجيطالي)، "محبّة المؤمنين والدّعاء لهم بالخير في الدّنيا والآخرة" (بيّوض). يميّز الإباضيّة ولاية جملة المسلمين وولاية الأشخاص. (1/462)
صفحة 463
ملحق 2: متن الدّيانات لشيخ الإسلام العلاّمة الشّيخ عامر الشماخي
(من كتاب العقيدة المباركة وشرحها الشّيخ أبو سليمان داود بن إبراهيم الثّلاثيّ، جمع وترتيب محمّد خليفة مادي، مطبعة الفجّالة الجديدة، القاهرة، ص43 - 45. وكذلك في مجموعة من النّصوص تبدأ بعقيدة التّوحيد لأبي حفص بن جميع، ص49)
بسم الله الرّحمن الرّحيم
وإنّما جاء اختلاف النّاس من قِبل تسعة أصول، وهي التّوحيد، والعدل، والقدر، والولاية والعداوة، والأمر والنّهي، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، وأن لا منزلة بين المنزلتين، والأسماء والأحكام.
التّوحيد: ندين بأنّ الله واحد ليس كمثله شيء في صفة ولا في ذات ولا في فعل، وندين بأنّه لا يُرى في الدّنيا ولا في الآخرة، "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللّطيف الخبير" (6: 103)، وندين أنّه استوى على العرش وعلى كلّ شيء استواء غير معقول والاستواء صفة له لم يزل ربّنا موصوفا بها، وندين بأنّه في كلّ مكان بالحفظ والقدرة وبكونه في الأشياء ومع الأشياء بالإحاطة لها وبالزّيادة وبالنّقصان لا على الحلول والتّمكّن والاجتنان. وندين بأنّ أسماءه هو وبأنّ صفاته هو. وندين بأنّه ليس ثمّ شيء غيره لا يجري عليه العدّ والتّغاير والاختلاف.
العدل: ندين بأنّ الله عدل لا يُنسب إليه الجور في حكم ولا في فعل. وندين بتصويب أهل النّهر الّذين أنكروا على عليّ تحكيم الحكمين بعد حكم الله (1/463)
صفحة 464
تعالى في الفئة الباغية حين قال: "فقاتلوا الّتي تبغي حتّى تفيء إلى أمر الله" (49: 9). وندين بأنّ الله "لا يظلم النّاس شيئا ولكنّ النّاس أنفسهم يظلمون" (44: 10)، ومعناه لا يؤاخذهم بغير ما اكتسبوه ولا يعذّبهم بغير ما اجترموه. وندين بأنّ أفعال العباد اكتسبوها وعملوها ولم يُجبروا عليها ولم يُضطرّوا إليها.
القدر: ندين بأنّ الله خالق كلّ شيء وعالم بكلّ شيء ومريد كلّ شيء، وندين بأنّ القدر خيره وشرّه من الله. وندين بأنّ الله خالق أفعال العباد ومُحدثها ومريدها، وندين بأنّ الله خالق كلامه ووحيه ومحدِثُه وجاعله ومنزِّله.
الولاية والبراءة: ندين بأنّ الله موال لأوليائه ومعاد لأعدائه، وندين بأنّ ولاية الله وعداوته لا تتغايران بتغيّر الأزمان ولا تتقلّبان بتقلّب الأحوال، وندين بولاية المسلمين كافّة وبراءة الكافرين كافّة. وندين بولاية الّذين ذكرهم الله في كتابه أنّهم من أهل الجنّة، وندين ببراءة الّذين ذكرهم الله في كتابه أنّهم من أهل النّار. وندين بولاية المخصوص الموفي بدين الله تعالى وببراءة المخصوص المرتكب الكبائر. وندين ببراءة المخالفين النّافين لما في أيدينا ممّا ندين به من دين ربّنا. وندين بأنّ الوقوف فريضة عند الّذي لم يُعرف منه إيمان ولا كفر.
الأمر والنّهي: ندين بأنّ الله أمر بطاعته ونهى عن معصيته، وندين بأنّ طاعة الله كلّها إيمان وليست معصيته كلّها كفرا. وندين بأنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر واجب في كلّ زمان على قدر الطّاقة. وندين بأنّ الإمامة واجبة على النّاس إذا قدروا عليها. (1/464)
صفحة 465
الوعد والوعيد: ندين بأنّ الله صادق في وعده ووعيده. وندين بتخليد أهل الجنّة في الجنّة وأهل النّار في النّار. وندين بأنّ الجنّة والنّار دائمتان لا تفنيان. وندين بأنّ ثوابه لأوليائه في الآخرة وعقابه لأعدائه في الآخرة لا يشبه ثوابه وعقابه في الدّار الدّنيا.
المنزلة بين المنزلتين: وندين بأنّ منزلة النّفاق بين منزلة الإيمان ومنزلة الشّرك. وندين بأنّ المنافقين ليسوا بمؤمنين ولا بمشركين. وندين بأنّ المشركين ليسوا بمؤمنين ولا بمنافقين. وندين بأنّ المؤمنين ليسوا بمنافقين ولا بمشركين، ومن سمّى كلّ واحد منهم باسم صاحبه فقد كفر.
لا منزلة بين المنزلتين: وندين بأنّ لا منزلة بين منزلة الإيمان ومنزلة الكفر. وندين بتكفير من زعم أنّ طاعة الله كلّها توحيد وأنّ معصية الله كلّها شرك. وندين بتكفير من زعم أنّ الإيمان كلّه توحيد والكفر كلّه شرك. وندين بأنّ الله يغفر الصّغائر لمن اجتنب الكبائر ولا يغفر الكبائر إلاّ بالتّوبة. وندين بتكفير المرأة الفاسقة الّتي تؤتى فيما دون فرجها. وندين بتكفير أهل التّأويل المخطئين في تأويلهم.
الأسماء والأحكام: وندين بأنّ الأسماء تابعة للأحكام، وندين بأنّ أحكام الموحّدين ليست كأحكام المشركين وأحكام المشركين ليست كأحكام الموحّدين. وندين بأنّ أحكام الموحّدين بينهم واحدة إلاّ في الولاية والتّسمية بالإيمان فإنّها لا يستحقّها إلاّ المؤمن الموفي بدينه. وندين بأنّ أهل الكتاب اليهود والنّصارى والصّابئين ليسوا بمؤمنين ولكنّهم مشركون. وندين بتكفير من بدّل أحكام الله وأحكام رسوله. وندين بتكفير من أنكر الرّأي والسّنّة. (1/465)
صفحة 466
وندين بأنّ حجّة الله على عباده الكتب والرّسل. وندين بأنّ لا هجرة بعد فتح مكّة. وندين بأنّ معرفة الله لا تنال بالتّكفير ولا بالاضطرار وإنّما تنال بالكتاب والتّعليم، وذلك يصحّ بعد مُخبر ومنبِّه على ذلك. (1/466)
صفحة 467
قائمة المراجع
المراجع العامّة والدّوريّات
حوليّات الجامعة التّونسيّة، تونس
ابن النّديم: الفهرست، نشر Fluegel، [ ليبسيغ]، 1871 - 1872
AIEO : Annales de l’Institut d’Etudes Orientales, Alger
AIUON : Annali dell’Instituto Universitario Orientale di Napoli
AS : Arabian Studies
BCA : Bulletin de Correspondance Africaine, Alger
BSOAS : Bulletin of the School of Oriental and African Studies, Univ of London
Der Islam
EI : Encyclopédie de l’Islam, Leyde, 1913 - 1934
EI2, nouvelle édition de lEncyclopédie de l’Islam
FO : Folia Orientalia, Krakow
GAL : Brockelmann c., Geschichte der Arabischen Litteratur, 2e éd., Leyde, 1943 - 1949 ; S : Supplément, Leyde, 1937 - 1942
Hespéris : Rabat
Islamochristiana, Rome
IBLA : Institut des Belles-Lettres Arabes, Tunis
JSS : Journal of Semitic Studies
JWH: Journal of World History
Le Muséon : Louvain
MSOS : Mitteilungen des Seminars fuer orientalische Sprachen zu Berlin
MW : Muslim World
RA : Revue Africaine, Alger (1/467)
صفحة 468
REI : Revue d’Etudes Islamiques, Paris
RO : Rocznik Orientalistyczny, Lwow
RSO : Rivista degli Studi Orientali
RTSS : Revue Tunisienne de Sciences Sociales, Tunis
SI : Studia Islamica
ZDMG : Zeitschrift der Deutschen der Deutschen Morgenlaendischen Gesellschaft
2 - المصادر الإباضيّة
أطفيّش ("القطب" محمّد بن يوسف): أساس الطّاعات لجامع العبادات، نشر داود بن سليمان بن أيّوب، من بونورة (المزاب)
أطفيّش (ن ك): الذّهب الخالص المنوّه بالعلم القالص، نشر أبي إسحاق إبراهيم أطفيّش، طبعة ثانية، الجزائر-قسنطينة، دار البعث، (1400هـ/1980م)، 340 ص.
أطفيّش (ن ك): الجُنّة في وصف الجَنّة، القاهرة، السّلفيّة، (1345هـ).
أطفيّش (ن ك): إزالة الاعتراض عن محقّي آل إباض، ط ح داود بن إبراهيم من بني يزقن (1314هـ).
أطفيّش (ن ك): الحُجّة في بيان المحجّة، ط ح، 40 ص.
أطفيّش (ن ك): الرّدّ على الصّفريّة والأزارقة، في "مجموع خمسة كتب"، ق 116/ 4.
أطفيّش (ن ك): الرّسالة الشّافية في بعض تواريخ أهل وادي ميزاب، ط ح، (1299هـ/1880م).
أطفيّش (ن ك): شامل الأصل والفرع، القاهرة، السّلفيّة، (1348هـ)، (1/468)
صفحة 469
ج1: 287 ص، ج2: 264 ص.
أطفيّش (ن ك): شرح عقيدة التّوحيد، ط ح، القاهرة (1326هـ)، 458 ص.
أطفيّش (ن ك): شرح أسماء الله الحسنى المسمّى بالذّخر الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، ط ح، (1326هـ)، 273 ص.
أطفيّش (ن ك): شرح على بعض منظومات ابن النّظر العمانيّ المسمّاة بالدّعائم (أو باختصار: شرح الدّعائم)، ط ح، (1325هـ)، ج1: 650 ص، ج2: 678 ص.
أطفيّش (ن ك): شرح كتاب النّيل وشفاء العليل (للثّمينيّ)، 10 أسفار، القاهرة، (1305 - 1343هـ)؛ أعيد نشره في 24 سفرا، بيروت، دار الفتح، (1392هـ/1972م).
أطفيّش (ن ك): ترتيب التّرتيب لمسند الرّبيع بن حبيب في حديث المصطفى، ط ح، (1326هـ).
أطفيّش (ن ك): تيسير التّفسير، ط ح، الجزائر، (1326هـ)، 6 أسفار
أطفيّش (ن ك): وفاء الضّمانة، ط ح، القاهرة، البارونيّة، (1306هـ).
البارونيّ (سليمان بن عبد الله): الأزهار الرّياضيّة في أئمّة الملوك الإباضيّة، القاهرة، البارونيّة.
البرّاديّ الدّمّريّ (أبو الفضل أبو القاسم، النّصف الثاني (ق 8هـ/14م) والعقد الأوّل من (ق 9هـ)، كتاب الجواهر المنتقاة، ط ح، القاهرة (1302هـ)، 239 ص.
ابن بركة البهلويّ العمانيّ (أبو محمّد عبد الله بن محمّد، النّصف 2 ق 10 ه، انظر د م إ 2 و [ولكنسن]: دراسات عربيّة 3: 151 - 152): كتاب الجامع، (1/469)
صفحة 470
نشر عيسى يحيى البارونيّ 1394/ 1974، سفران
بيّوض (إبراهيم): الإباضيّة ليسوا خوارج، في "أجوبة وفتاوى"، دار الدّعوة، نالوت، ليبيا (1390هـ/1971م)، ص37 - 53.
التّعاريتيّ الغربيّ (سعيد): المسلك المحمود في معرفة الرّدود، ط ح، (1371هـ).
الثّلاثيّ/التّلاتيّ (عمر): مرآة النّاظرين في أصول تبغورين، شرح كتاب الأصول، مخطوط ق 813
الثَّلاثيّ/التّلاتيّ (أبو سليمان ت 967هـ/1559 - 1560م): شرح عقيدة التّوحيد (لأبي حفص) في سفر واحد مع عمدة المريد لنكتة التّوحيد لعمر بن رمضان الجربيّ التّلاتيّ، قسنطينة، (1323هـ)، 198 ص.
الثَّلاثيّ (أبو سليمان داوود بن إبراهيم، (ق 12هـ/18م): نخبة المتين فيما اتّفقت عليه أئمّة الحقّ في الأصول، مقتطف من العقيدة المباركة وشروحها، القاهرة، مطبعة الفجّالة الجديدة
الثّلاثي/التّلاتيّ الجربيّ؛ عمر بن رمضان، (ق 12هـ/18م): شرح أصول الدّيانات (حسب أبي ساكن عامر بن عليّ الشماخي)، اللّآلئ المنظومات في عقد الدّيانات، مخطوط ق 813.
الثّلاثيّ/التّلاتيّ (عمر): عمدة المريد لنكتة التّوحيد، نُشر مع شرح عقيدة التّوحيد لأبي سليمان الثّلاثيّ، قسنطينة (1323هـ)، 198 ص.
الثّمينيّ المصعبيّ؛ عبد العزيز، (1130 - 1223هـ): شرح على القصيدة النّونيّة المسمّاة بالنّور (لأبي نصر فتح بن نوح الملوشائيّ، (ق 6 - 7هـ)، القاهرة، البارونيّة، (1306هـ)، 536 ص. (1/470)
صفحة 471
الثّمينيّ (ن ك): معالم الدّين، مخطوط مكتبة الغنّاء (بني يزقن) 60.
الثّمينيّ (ن ك): النّيل وشفاء العليل، ط ح وأعاد نشره بكلّي عبد الرّحمن، الجزائر، المطبعة العربيّة، 1387/ 1967، 3 أجزاء
الثّمينيّ (ن ك): الورد البسّام في زيارة الأحكام، المطبعة الحشريّة، (1345هـ).
الجعبيريّ (فرخات): نظام العزّابة لاعند الإباضيّة في جربة، تونس، المطبعة العصريّة، (1975م)
الجميّل: قاموس الشّريعة، مخطوط، زنجبار، (1297 - 1304هـ).
الجنّاونيّ (أبو زكريّا يحيى بن الخير بن أبي الخير): عقيدة التّوحيد أو عقيدة نفوسة ط ح (1325هـ)، 56 ص.
الجيطالي؛ أبو طاهر إسماعيل بن موسى، (ت 750هـ/1349 - 1350م) شرح النّونيّة (قصيدة أبي نصر فتح بن نوح، النّصف الأول من (ق 7هـ/13م) في 3 أسفار، مخطوط (ق 816 و817).
الجيطالي (ن ك):عقيدة التّوحيد (ص1 - 3) في مجموعة ورقها من الحجم الصّغير تتضمّن كذلك "أساس الطّاعات لجميع العبادات" لأطفيّش.
الجيطالي (ن ك): قناطر الخيرات، ط ح، القاهرة، البارونيّة، (1307م)، 3 أسفار: 494، 459، 566 ص.
الجيطالي (ن ك): قواعد الإسلام، ط ح، مع حاشية لمحمّد أبي ستّة القصبيّ، (430 ص)، أعيد نشرها مع تعليق بكلّي عبد الرّحمن، غرداية، المطبعة العربيّة، (1965م)، سفران.
أبو حفص عمر بن جميع: مقدّمة التّوحيد، أو عقيدة العزّابة أو توحيد العزّابة (1/471)
صفحة 472
(انظر 357 Brock, S II) نشرها [موتيلنسكي] (انظر المراجع غير العربيّة)؛ وكذلك أبو إسحاق إبراهيم أطفيّش في "مقدّمة التّوحيد وشروحها" مع شرحي أبي العبّاس الشماخي وأبي سليمان الثّلاثيّ؛ وأعاد طبعها سعيد الشّيبانيّ، (1392هـ/1973م)، 167 ص (وعليها أحلنا في دراستنا).
دبّوز (محمّد عليّ): تاريخ المغرب الكبير، دار إحياء الكتب العربيّة، طبعة أولى (1384هـ /1964م)، ج 3.
دبّوز (ن ك): نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، الجزائر، المطبعة التّعاونيّة، (1385هـ /1965م)، ج 1.
الدّرجينيّ (أبو العبّاس أحمد بن سعيد بن سليمان بن عليّ بن يخلف، النّصف الثاني (ق 7هـ /13م)، انظر [ليفيتسكي]: المؤرّخون ص23 - 27): كتاب طبقات المشايخ بالمغرب، نشر إبراهيم طلاّي، الجزائر-قسنطينة، سفران.
أبو زكريّا؛ يحيى بن أبي بكر الورجلانيّ (ت 508هـ/1114 - 1115م): كتاب السّيرة وأخبار الأئمّة (انظر [ليفيتسكي]: المؤرّخون ص94، [مسكراي]: سيَر أبي زكريّا، لـ[و تورنو]: سيَر أبي زكريّا في المصادر الغير العربيّة).
السّالميّ؛ نور الدّين عبد الله بن حميد، (ق 14هـ/20م): بهجة الأنوار، شرح أنوار العقول في التّوحيد، القاهرة، الموسوعات، ج 1، على هامش كتاب شرح طلعة الشّمس.
السّالميّ (ن ك): شرح طلعة الشّمس على الألفيّة المسمّاة بشمس الأصول، القاهرة، موسوعات، ج 1.
السّالميّ (ن ك): مشارق أنوار العقول، نشر سلطان زنجبار حمّود بن محمّد بن (1/472)
صفحة 473
سعيد، وفي القاهرة، المحروسة، (1311هـ).
السّالميّ (ن ك): اللّمع المرضيّة من أشعّة الإباضيّة، مجموع ستّة كتب، الجزائر، المطبعة العربيّة (1968م).
السّالميّ (ن ك): تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، طبعة ثانية، القاهرة، (1350هـ)، سفران.
السّالميّ (ن ك): غاية المراد في نظم الاعتقاد، طبعها أبو راس عبد الله بن محمّد الكامليّ، الجزائر-قسنطينة، (1371هـ/1951م).
السّدويكشيّ؛ أبو عبد الله محمّد بن سعيد: خاصّيّة الدّيانات (لعامر الشماخي)، مخطوط (ق 829/ 5 - 6).
سليمان؛ بن يخلف المزاتيّ، أبو الرّبيع (ت 471هـ/1078م): كتاب التّحف المخزونة والجواهر المصونة، مخطوط، انظر النّامي: وصف، رقم 6 (في المصادر غير العربيّة)، يُحتمل أنّه عين "كتاب المتحف في الأصول (انظر الشماخي: السّيَر، ص412).
الشماخي؛ أبو العبّاس أحمد بن سعيد (ت جمادى الأولى 928هـ/مارس أبريل 1522م): كتاب السّيَر، ط ح، القاهرة، (1301هـ)، 600 ص.
الشماخي (ن ك): جواب الشّيخ أبي العبّاس أحمد بن سعيد لأهل الخلاف، مخطوط (ق سفر 9، 11 ورقة).
الشماخي؛ (أبو ساكن عامر بن عليّ (ت 792هـ/1389 - 1390م): كتاب الإيضاح، بيروت، مطبعة الوطن (1391هـ/1971م)، 4 أجزاء.
الشماخي (ن ك): أصول الدّيانات، ط ح في "مجموع" افتُتح بعقيدة التّوحيد لأبي حفص عمر بن جميع، مع شرح لعمر الثّلاثيّ. (1/473)
صفحة 474
الصّائغيّ؛ سالم بن سعيد بن عليّ: كنز الأديب وسلافة اللّبيب، في: [ولكنسن]: الإمامة الإباضيّة.
عيسى بن إسماعيل (أبو مهدي): جواب، ط ح في مجموعة افتُتحت بجواب على العقبيّ لمحمّد بن يوسف أطفيّش، ص106 - 186.
أبو غانم (الخراسانيّ الإباضيّ): المدوّنة الكبرى، نشر محمّد بن يوسف أطفيّش، دار اليقظة العربيّة، سوريا-لبنان، (1394هـ/1974م)، في جزءين (صورة من المخطوط).
القصبيّ؛ محمّد بن عمر بن أبي ستّة، "المحشّي" (ق 11هـ/17م): حاشية على كتاب الوضع، القاهرة، البارونيّة، (1305هـ)، 691 ص.
القلهاتيّ (أبو سعيد محمّد بن سعيد الأزديّ): كتاب الكشف والبيان، مخطوط بالمتحف البريطانيّ رقم 2606، انظر عبد الجليل (ضمن المصادر العربيّة الأخرى).
كتاب الجهالات، تأليف السّادات من أهل الدّعوة والقادات في الخير ذوي الكرامات، مخطوط (ق 1512/ 4).
الكدميّ (أبو سعيد أحمد بن سعيد): كتاب الاستقامة في الولاية والبراءة، مخطوط (الكاتب على الأرجح من النّصف الثاني من (ق 5هـ)، انظر [ولكنسن]: دراسات عربيّة، 3: 147 - 148).
كشف الغمّة الجامع لأخبار الأمّة، مخطوط، المتحف البريطانيّ 8076.
مجموع ستّة كتب، غرداية، (1968م).
مجموعة متون دينيّة، نشر إبراهيم بن أبي بكر، دار الفكر الإسلاميّ، 1، (1386هـ/1966م). (1/474)
صفحة 475
المصعبيّ (يوسف بن محمّد): حاشية على رسالة العلاّمة الشّيخ تبغورين، (ق مخطوط 3، 1507/ 3 - 4).
معمّر (عليّ يحيى): الإباضيّة في موكب التّاريخ، المكتبة الوهبيّة، طبعة أولى، (1384هـ /1964م)، 3 أجزاء.
أبو نصر؛ فتح بن نوح الملوشائيّ (ق 6 - 7هـ/12 - 13م): القصيدة النّونيّةالمسمّاة بالنّور، نُشرت في مستهلّ شرح النّونيّة لعبد العزيز المصعبيّ (الثّمينيّ)، ط ح، القاهرة، البارونيّة، (1306هـ).
ابن النّظر؛ العمانيّ (أبو بكر أحمد بن سليمان المدعوّ): كتاب الدّعائم، منشور مع شرح الدّعائم لمحمّد بن يوسف أطفيّش.
ابن النّظر؛ العمانيّ: شفاء الحائم في شرح بعض الدّعائم
أبو الهواريّ؛ العمانيّ: الدّراية وكنز الجناية في منتهى الغاية وبلوغ الكفاية في تفسير خمسمائة آية من تفسير القرآن الكريم، دار اليقظة العربيّة، سوريا-لبنان، (1394هـ)، (صورة من المخطوط).
الورجلانيّ؛ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم (ت 570هـ/1174 - 1175م): كتاب الدّليل لأهل العقول لباغي السّبيل بنور الدّليل لتحقيق مذهب الحقّ بالبرهان والصّدق، في 3 أجزاء، القاهرة، البارونيّة، (1306هـ).
الورجلانيّ؛ (ن ك): الصّحيح في حديث الرّسول عليه السّلام رواية الرّبيع بن حبيب عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التّميميّ، ترتيب أبي يعقوب بن إبراهيم الورجلانيّ
أبو اليقظان؛ (إبراهيم): دفع شُبه الباطل، نصّ مستنسخ، مطبعة القرارة، (1/475)
صفحة 476
(1386هـ/1966م).
أبو اليقظان (ن ك): سُلّم الاستقامة، الجزائر، (1387هـ/1967م)، 4 كراريس.
المصادر العربيّة الأخرى
ابن الأثير: كتاب الكامل في التّاريخ، القاهرة، النّجّار، المنيريّة
إسماعيل (محمود): الخوارج في المغرب الإسلاميّ، بيروت، دار العودة، (1976م).
الأشعريّ (أبو الحسن عليّ بن إسماعيل): الإبانة عن أصول الدّيانة، القاهرة، المنيريّة، (1348هـ)
الأشعريّ: كتاب اللُّمع، نشر Mc Carthy، (1953 م).
الأشعريّ: مقالات الإسلاميّين واختلاف المصلّين، القاهرة، مكتبة النّهضة المصريّة، (1373هـ /1954م)، جزءان.
أمين (أحمد): ضحى الإسلام، القاهرة، مكتبة النّهضة المصريّة، (1962م)، ج 3.
أمين (ن ك): فجر الإسلام، القاهرة، م ن م، (1961م).
الباجوريّ: خاصّيّة على جوهرة التّوحيد (للّقانيّ)، القاهرة، (1352هـ/1934م).
الباقلاّنيّ (أبو بكر): كتاب التّمهيد في الرّدّ على الملحدة والمعطّلة والرّافضة والخوارج والمعتزلة، نشر محمود محمّد الخذيريّ، القاهرة، (1366هـ/1947م)، ونشر Mc Carthy بيروت، (1957م). الطّبعتان تتكاملان. انظر Allard ( ألاّر: قضيّة الصّفات) في المصادر غير (1/476)
صفحة 477
العربيّة.
البغداديّ (عبد القاهر): الفَرق بين الفِرق، بيروت، دار الآفاق الجديدة، (1393هـ/1973م).
البكريّ (أبو عبيد): المسالك والممالك، انظر Slane (De).
البيضاويّ: أنوار التّنزيل، القاهرة، مطبعة مصطفى محمّد.
البيهقيّ: كتاب الأسماء والصّفات، بيروت، دار إحياء التّراث العربيّ.
الجاحظ: البيان والتّبيين، نشر فوزي عطويّ، بيروت.
الجاحظ: كتاب الحيوان، نشر عبد السّلام محمّد هارون، القاهرة، (1356هـ/1938م)، ج 3.
جارالله: المعتزلة، القاهرة، (1366هـ/1947م).
الجرجانيّ: التّعرفة، جاوة، (1357هـ/1938م).
الجزائريّ (طاهر): الجواهر الكلاميّة في إيضاح العقيدة الإسلاميّة، تونس، مطبعة التّليليّ، 64 ص
الجوينيّ: الإرشاد، انظر Luciani في المصادر غير العربيّة.
ابن حزم: كتاب المحلّى، بيروت، المكتب التّجاريّ للطّباعة والنّشر، ج 1 (تتضمّن المقدّمة عقيدة ابن حزم).
الحلّيّ (حسن بن يوسف بن عليّ بن المطهّر)، الباب الحادي عشر، لندن، الجمعيّة الآسيويّة الملكيّة، ترجمة W Mc Elwee Miller، (1928 م).
ابن حوقل: كتاب صورة الأرض، ترجمة: J H Kramers et G Wiet، بعنوان La Geographie d Ibn Hawkal، ليد (1964م)، جزءان.
ابن خلدون: كتاب العبر، انظر: De Slane . (1/477)
صفحة 478
الخيّاط: كتاب الانتصار والرّدّ على ابن الرّاونديّ الملحد، انظر Nader في المصادر غير العربيّة
الرّازي (فخر الدّين): كتاب التّفسير الكبير، القاهرة، المطبعة الباهيّة المصريّة، (1357هـ /1938م).
الرّازي (ن ك): لوامع البيّنات في الأسماء والصّفات، عرضهما Anawati G., Un traité des noms divins de Fakhr al dîn al Râzî, في Etudes، انظر المصادر غير العربيّة
ابن رشد: مناهج الأدلّة في عقائد الملّة، نشر محمود قاسم، القاهرة، (1969م).
الزّمخشريّ: الكشّاف، بيروت، دار الكتاب العربيّ
ابن أبي زيد القيروانيّ: الرّسالة (في العقيدة والشّريعة على المذهب المالكيّ)، ترجمة L Bercher، الجزائر، نشر Carbonel، (1949 م).
زيدان (جرجي): تاريخ التّمدّن الإسلاميّ.
ابن سعد: كتاب الطّبقات الكبير، تحقيق E Sachau، نشر Brill، ليدن، (1904م).
الشّهرستانيّ: كتاب الملل والنّحل، بيروت، الخيّاط.
الطّبريّ: كتاب التّفسير الكبير، القاهرة، دار المعارف.
الطّبريّ: تاريخ الأمم والملوك، القاهرة، دار المعارف، مجموعة: ذخائر العرب؛ والقاهرة، م الآستقامة، (1358هـ/1939م) (انظر كذلك Al Tabarî: Annales, éd De Goeje, Leyde 1879 - 1901 م).
الطّحاويّ: شرح العقيدة الطّحاويّة، بيروت (1391هـ)، المكتب الإسلاميّ. (1/478)
صفحة 479
الطّرطوسيّ: سراج الملوك، القاهرة، المطبعة العربيّة، الباب 51.
عبّاس (إحسان): شعر الخوارج، بيروت، دار الثّقافة.
عبد الجبّار (قاضي القضاة)، كتاب المغني في المحيط بالتّكليف، انظر Houben.
عبد الجبّار: المغني، القاهرة، ج 7 و14.
عبد الجبّار: شرح الأصول الخمسة، نشر عبد الكريم عثمان.
عبد الجبّار: تنزيه القرآن عن المطاعن، بيروت، المكتب التّجاريّ.
ابن عبد الجليل (محمّد): خلافة عثمان وعليّ من كتاب الكشف والبيان (لأبي سعيد محمّد سعيد الأزديّ القلهاتيّ)، في "حوليّات الجامعة التّونسيّة"، 11، (1974م)، 179 - 238.
الغرابيّ (عليّ مصطفى): المنحة الإلهيّة في شرح العقيدة الواسطيّة (لابن تيميّة)، القاهرة 1383هـ/1963م).
الغزاليّ (أبو حامد): إحياء علوم الدّين، القاهرة، دار إحياء الكتب العربيّة.
الغزاليّ: الاقتصاد في الاعتقاد، القاهرة، مكتبة حجازي.
ابن قدامة (موفّق الدّين): المغني في الفقه، القاهرة، (1341هـ)، ج 7.
المالكيّ (أبو بكر): رياض النّفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية، نشر حسن مؤنس، القاهرة، (1951هـ).
الماورديّ: الأحكام السّلطانيّة، انظر Fagnan في المصادر غير العربيّة.
المبرّد (أبو العبّاس محمّد بن يزيد): الكامل، نشر محمّد أبي الفضل إبراهيم، القاهرة، دار نهضة مصر
المسعوديّ: مروج الذّهب، ترجمة Meynard et Courteille، انظر (1/479)
صفحة 480
Pellat في المصادر غير العربيّة.
المظفّر (محمّد رضا): العقائد الإماميّة، القاهرة، مطبعة نور الأمل، طبعة ثانية، (1381هـ).
ابن هشام: السّيرة (النّبويّة)، القاهرة، 1955، ج 1
ياقوت (الحمويّ): معجم البلدان، القاهرة، (1323هـ/1955م).
اليعقوبيّ: كتاب البلدان، ترجمة Pérès، انظر المصادر غير العربيّة. (1/480)
صفحة 481
4 - المصادر الغير العربيّة
Allard M, Le problème des Attributs divins dans la doctrine d?l Ash?ri et de ses premiers grands disciples, Beyrouth, impr. Cath., 1965
Allouche I.S., Deux épîtres de théologie abadhite, dans Hesperis,XXII, (1936), 57 - 88
Anawati G., Etudes de philosophie musulmane, Paris, Vrin, 1974
Arnaldez R., Apories sur la prédestination de Râzî, dans MIDEO 6, (1959 - 1961)
Arnaldez R., La profession de foi d?bn Hazm, dand Actes du 1er Congrès d’’etudes arabes et islamiques, Cordoue, 1962 (éd.1964)
Arnold L., Le crédo du Shi’isme duodécimain, dans Travaux et Jours, 17 (1965)
Augustin (St), Commentaire de la 1ère épître de Saint Jean, texte latin, intr., notes par P. Agaèsse, Paris, Cerf, Sources Chrétiennes, n.75
Awa A., Ismâ’ilis Selections, Damas, 1958
Badger G.P., History of the Imams and Seyyids of Oman by Salîl Ibn Razîk, from A.D. 661 - 1856, New York, Burt Franklin, 1871
Bekri (Cheikh), Le Kharijisme berbère, quelques aspects du royaume rustumide, dand AIEO, XV, (1957), 55 - 108
Ben Ameur (Taoufik), A propos des Etats et Demeures dans la mystique musulmane, dans IBLA, n 135, (1975), 33 - 37
Bouamrane Ch., Le problème de la liberté humaine dans la pensée musulmane (solution mu’tazilite), Paris, Vrin, 1978 (1/481)
صفحة 482
Bouman J., Le conflit autour du Coran et la solution d?l Bâqillâni, Amsterdam, 1959
Brunschwig R., La Berbérie orientale sous les Hafsides, Paris, Adrien-Maisonneuve, 1940, t.I
Brunschwig R., Devoir et pouvoir, histoire d?n problème de théologie musulmane, dans SI, XX, (1964), 5 - 46
Corbin H., En Islam iranien, aspects spirituels et philosophiques, 1 - Le Shî’isme duodecimain, Paris. NRF, 1971
Cremonesi V., Un antico documento ibadîta sul Corano creato, La Risâlah dell’imâm rustemide Muhammad Abû ‘l Yaqzân, in Studi Magrebini, Napoli, I, 1966, 133 - 178
Crupi La Rosa G., I transmettitori della dottrina ibâdita, dans AIUON, (1953), 123 - 129
Dangel G., L’imamat ibadite de Tahert (761 - 909), contribution à l’histoire de l’Afrique du Nord durant le haut Moyen Age, thèse 3e cycle, Strasbourg, 1977, 331 p
Despois J., Le Djebel Nafûsa, Paris, 1953
Djaabiri F., L’organisation des Azzaba chez les Ibadhites de Jerba, Institut National a?rchéologie et d?rt, Tunis, 1975
Ennami A. Kh., A description of New Ibadi manuscripts from North Africa, dans Journal of Semitic Studies, 1970, I, 63 - 87
Ennami A. Kh., Studies in Ibadism, these, Cambridge, PhD 7538, (1971). L’ouvrage comporte en annexe l’édition critique du K. al Mûgiz d’Abu Ammâr Abd al Kâfî (1/482)
صفحة 483
Eusèbe de Césarée, Histoire ecclésiastique, coll. Sources chrétiennes, L III
Fagnan, Les Statuts Gouvernementaux de Mawerdi, Alger, Jourdan, 1915
Ferré A., La vie de Jésus dans Tabarî, dans Islamochristiana, 5, (1979)
Franck, The Neoplatonism of Jahm Ibn Safwân, dans Le Muséon, t. LXXVIII, 3 - 4, (1965), Louvain, 395 - 424
Gabrieli, La poésie religieuse de l’ancien Islam, dans REI, XLI, 1, 1973, p 29 s
Gabrieli, La poesia khârijita del secolo degli omayyadi, dans Revista degli Studi Orientali, vol. XX, fasac. III-IV (Oct. 1943), 332 - 372
Gardet L., L?bandon à Dieu (tawakkul), dans IBLA, n 49 (1950), 37 - 47
Gardet L., Dieu et la destinée de l’homme, Paris, Vrin, 1967
Gardet L., Etudes de philosophie et de mystique comparées, Paris, Vrin, 1972
Gardet L., Introduction à la théologie musulmane, Paris, Vrin, 1948
Gardet L., La pensée religieuse d’Avicenne, Paris, Vrin, 1951
Gardet-Anawati, Mystique musulmane, Paris, Vrin, 1969
Gateau A., Ibn Abd al Hakam, Conquête de l’Afrique du Nord et de l’Espagne, Alger, Carbonel, 1942
Goichon M.T., Lexique de la langue philosophique d’Ibn Sînâ, Paris, Desclée, 1938 (1/483)
صفحة 484
Grossmann C., Apercu sur l’histoire religieuse du Mzab en Algérie (La Sîrat al halqa d’Abu Abdallah Muhammad ben Bakr al Nafûsî dans la version d’al Barrâdî), thèse 3e cycle, Paris, 1976, 81 p et doc
Gimaret, Théories de l’acte humain en théologie musulmane, Paris, Vrin, 1980
Houben J.J., Qâdî ‘l qud^t Abû ‘l Hasan ‘Abd al Jabbar (m 415 AH/1024AD), Kitâb al Majmû’ fî ‘l muhît bi’l taklîf, t I, impr. Cath., Beyrouth, 1965
Houdas, El Boukhârî, Les traditions islamiques, Paris, Maisonneuve, 1977, (réimpr.)
Idrîs R., La Berbérie orientale sous les Zirides, Paris, Maisonneuve, 1962, II, 687 - 751 (la vie religieuse)
Idrîs R., Contribution à l’histoire de l’Ifrikiya (d?près le Riad en nufûs d?bû Bakr al Mâlikî), dans REI, 1936, Paris, Geuthner, 1 - 103
Ingrams, Zanzibar, its history and its people, F. Case et Co,LTD 1967, ch VII
Jean Damascène (St), Disputatio Christiani et Saraceni, Migne, t.47, 763 - 770 et t.48, 747 - 752
Klein H., Kapitel XXXIII der anonymen arabischen chronik Kashf al gumma al gami’ li achbar al umma betitelt Achbar ahl Oman min awwal islâmihim ilâ chtilâf kalimatihim, thèse Hambourg, 1938
Kunitzsch P., Der Almagest, O. Harrassowitz, Wiesbaden, 1974, 275 et 288
Laoust H., La classification des sects dans le Farq d’al Baghdadi, dans REI, XXIX, 1961 (1/484)
صفحة 485
Laoust H., Essai sur les doctrines socials et politiques de Takî l din Ahmad ibn Taymiyya, canoniste hanbalite né à Harrân en 661/ 1262 mort à Damas en 728/ 1328, Le Caire, Institut Français d’Archéologie Orientale, 1939
Laoust H., La politique de Ghazalî, Paris, Geuthner, 1971
Laoust H., La profession de foi d’Ibn Batta, Damas, 1958
Laoust H., Les Schismes dans l’Islam, Paris, Payot, 1965
Léon L’Africain (Jean), Description de l’Afrique, trad. Epaulard, 1956, t. II
Le Tourneau R., « La Chronique » d’Abû Zakariyyâ’al Wargalanî, dans Revue Africaine, t. CIV (1960), 99 - 176 et 322 - 386 ; et t. CV (1961), 117 - 176 et 323 - 374
Lewicki T., Une Chronique ibadîte, Kitab as Siyar d’Abû ‘l ‘Abbâs Ahmad ash Shammakhî, dans REI, VIII, (1934), 59 - 78
Lewicki T., nombreux articles dans EI ancienne et nouvelle édition sur les auteurs et sectes ibâdites, en particulier dans EI2, III, 669 - 682, Ibâdiyya, où est donnée une bibliographie abondante sur l’Ibâdisme
Lewicki T., Etudes maghrébines et soudanaises, Académie Polonaise des Sciences, Comité des Etudes Orientales, Varsovie, 1976, 94 p
Lewicki T., Les historiens, biographes et traditionnistes ibâdites-wahbites de l’Afrique du Nord du VIIIe au (1/485)
صفحة 486
XVIe s., extrait des Folia Orientalia, vol III, 1961, Krakow, 1962, 134 p
Lewicki T., The Ib6adites in Arabia and Africa, dans Journal of World History, 13, (1971), 51 - 130
Lewicki T., Les Ibâdites en Tunisie au Moyen Age, Rome, A. Signorelli, 1958, 1 - 16
Lewicki T., Un royaume ibâdite peu connu : l’Etat des Banû Masâla (Ixe s.), dans Rocznik Orientalistyczny, XXXI, 2, (1968), 7 - 14
Lewicki T., Les subdivisions de l’Ibâdiyya, dans SI, IX, (1958), 71 - 82
Lewicki T., Les prolégomènes théologiques de Senoussi, Alger, Fontana, 1908
Lewicki T., La répartition géographique des groupements ibâdites de l’Afrique du Nord au Moyen Age, RO, 21 (1957), 301 - 343
Lewicki T., Ibâditica, I. Tasmiyat Shuyukh Nafûsa, RO, XXVl2, (1961), 87 - 120
Luciani J.D., El Irchad par Imam el Haramein, Ve s., Paris, Leroux, 1938
Madelung, Imamism and Mu’tazilite Theology, dans “Le Schi’isme imâmite”, colloque de Strasbourg, PUF, 1970, 13 - 30
Marquet Y., La philosophie des Ikhwân al Safâ, Alger, SNED, 1971
Masqueray E., Chronique d’Abou Zakaria, Alger, 1878
Massignon L., Essai sur les origines du lexique technique de la mystique musulmane, Paris, Vrin, 1954 (1/486)
صفحة 487
Massignon L., La passion d?l Hallâj, Paris, Geuthner, 1922
Mc Carthy R.J., The Theology of al Ash’arî, the Arabic texts of al Ash’arî’s Kitab al Luma’ and Risâlat istihsan al Khawdh fi ‘ilm al kalâm, Beyrouth, impr. Cath, 1953
Merghoub B., Le Mzab et la notion de développement politique, thèse, Paris, 1970
Milliot, Recueil de délibérations des djemâas du Mzab, Paris, Geuthner, 1930
Monnot G., Les noms divins de puissance dans le « Mughni », dans MIDEO, 14, 301 - 316
Monteil V., Ibn Khaldûn, Discours sur l’histoire universelle (al Muqaddima), Beyrouth, 1968
Morand, Les Kanouns du Mzab, Alger, Jourdan, 1903
Moreno M., Note de teologia ibâdita, dand AIUON, NS III, (1949), 299 - 313
Motylinsky A. de C., Chronique d’Ibn Saghir sur les imams rostémides de Tahert, dans Actes du XIVe Congrès des Orientalistes, Alger, 1905, 1 - 132
Muir W., The Caliphate : its Rise, Decline and Fall, Beyrouth, Kayats, 1963
Nader A., Kitâb al Intisâr. Le Livre du Triomphe et de la Réfutation d’Ibn Rawandî l’hérétique par Abû l Husayn b. ‘Othmân al Khayyât le Mu’tazil, Beyrouth, Lettres Orientales, 1957
Nader A., Le système philosophique des Mu’tazila, Beyrouth, Lettres Orientales, 1956
Nallino, Rapporti fra la dogmatica mu’tazilita e quella degli ibâditi dell’Africa settentrionale, dans RSO, VII, 1916 - 1918, 455 - 460
Nasr (Seyyed Hossein), Sciences et savoir en Islam, Paris, Sindbad, 1979
Nwyia P., Exégèse coranique et langage mystique, nouvel essai sur le lexique technique des mystiques musulmans, Beyrouth, Libr. Orient., 1970
Pellat Ch., al Mas’ûdî, Les Prairies d’Or (murûj al dhahab), trad. Barbier de Meynard et Pavé de Courteille, revue par Ch. Pellat, Société Asiatique, t. III
Pellat Ch., Le Milieu basrien et la formation de Jâhiz, Paris, Maisonneuve, 1953, ch V, le milieu politico-religieux, IV le Kharijisme à Basra, 206 - 216
Pérès H., al Ya’qûbî, Description de l’Afrique du Nord, Alger, 1960 (1/487)
صفحة 488
Platon, Œuvres complètes, trad. L. Robin, Pléiade, II Timée
Ritter H., Die Sekten der Shî’a, Leipzig, Istambul, 1931
Rouvillois-Brigol M., Le pays de Ouargla (Sahara algérien), Variations et organisation d’un espace rural en milieu désertique, thèse, Paris, Sorbonne, 1975
Rubinacci R., un antico documento di vita cenobitica musulman, la regola della halqa dello shaykh Abû ‘Abdallâh Muhammad b. Bakr, dand AIUON, NS X, (1961), 37 - 78 (1/488)
صفحة 489
Rubinacci R., Il califfo ‘Abd al Malik b. Marwân e egli Ibâditi, dans AIUON, NS V, (1954), 99 - 121
Rubinacci R., La puritia rituale secondo gli Ibâditi, dans AIUON, NS XIV (1964), 553 - 595
Sachau E., Ueber eine arabische Chronik aus Zanzibar, dand Mitteilungen des Seminars fuer orientalische Sprachen zu Berlin, I, 2, (1898), 1 - 19
Sachau E., Ueber die religoesen Anscauungen der ibaditischen Muhammedener in Oman und Ostafrika, dans MSOS, Berlin, II, 2, Abteilung (1899), 47 - 82
Schacht J., Bibliothèques et manuscripts abadites, dans Revue Africaine, Alger, 100, (1956), 375 - 398
Slane (De), al Bakrî, Description de l’Afrique septentrionale, Paris, Maisonneuve, 1965
Slane (De), Ibn Khaldoun, Histoire des Berbères, Alger, 1852 - 1856, 4 vol
Senoussi, Les Prolégomènes théologiques, texte ar. Et trad. Fr. par J.D. Luciani, Alger, Fontana, 1908
Smith G.R. , The Omani manuscript collection at Muscat, Part I A general description of the Mss., dans Arabian Studies, IV, 1978, 161 - 190
Smogorzewski Z., Un poème abâdite sur certaines divergences entre les Mâlikites et les Abâdites, dans RO, t. Ii, 1919 - 1924, 260 - 268
Sourdel D., L’imamisme vu par le Cheikh al Mufîd, dans REI, LX, 2, 1972, 217 - 296
Talbi M., L’émirat aghlabide, Paris, Adrien-Maisonneuve, 1966 (1/489)
صفحة 490
Talbi M., Du nouveau sur l’I’tizâl en Ifriqiya, dans Revue Tunisienne de Sciences Sociales, 1975, 45 - 54
Trimingham, Islam in East Africa, Oxford, 1964
Van Berghem M., A la recherché de Sedrata, dans Algeria, Oct 1953, 5 - 12
Van Berghem M., Deux campagnes de fouilles à Sedrata (1951 - 1952), dans Travaux de l’Institut de Recherches Sahariennes, X, 2e sem., 1953, 123 - 138
Van Ess J., Untersuchungen zu einigen ibâditischen Handschriften, dans Zeitschrift der Deutschen Morgenlaendischen Gesellschaft, 126, (1976), 24 - 63 ; et WissEnschaftlische Nachrichten zu Untersuchungen ... S1 - 4
Veccia Vaglieri L., Il conflitto ‘Alî-Mu’âwiya e la secessione khârigita riesaminata alla luce di fonte ibâdite, dans AIUON, NS, IV (1952), 1 - 14
Veccia Vaglieri L., L’imâmato ibâdita dell’‘Oman, dans AIUON, NS, III, (1949), 245 - 282
Veccia Vaglieri L., Traduzione di passi riguardanti il conflitto ‘Alî-Mu’âwiya e la secessione khârigita, dans AIUON, NS V, (1953), 1 - 98
Veccia Vaglieri L., Le vicende del Khârigismo in epoca abbaside, dans Rivista degli Studi Orientale, vol XXIV, fasc I-IV, 31 - 44
Watt W. M., Early discussions about the Qur’ân, dans Muslim World, XL, (1950), 27 - 39 et 96 - 105
Watt W. M., The Formative Period of Islamic Thought, University Press Edimburgh, 1973
Watt W. M., Islamic Philosophy and Theology, EUP, 1962 (1/490)
صفحة 491
Watt W. M., Khârijite Thought in the Umayyad Period, dans Der Islam, n. 36, (1961)
Wellhausen J., The Arab Kingdom and its Fall, Beyrut, Khayats, 1963
Wellhausen J., The Religio-Political Factions in Early Islam, trad Ostle et Walzer, North-Holland Publishing Company, Amsterdam, Oxford, 1975
Wensink, La pensée de Ghazâlî, Paris, Adrien-Maisonneuve, 1940
Wensink, The Muslim Creed, Cambridge University Press, 1932
Wilkinson J.C., The Ibâdî imamate, dans Bulletin of the School of Oriental and African Studies, University of London, vol XXXIX, part 3, (1976), 535 - 551
Wilkinson J.C., The Omani Manuscript Collection at Muscat, part II, The Early Ibâdî Fiqh Works, 199 - 208
Wilkinson J.C., Bio-bibliographical Background to the Crisis Period in the Ibâdî Imâmate of Oman (End of 9th to end of 14th cent), dans Arabian Studies, III, 137 - 164
Zerouki B., La diffusion du Khârigisme sous l’imamat de Tahart en Algérie actuelle, thèse 3e cycle, Paris, 1975 (1/491)
صفحة 492
محتويات الكتاب
توطئة
مقدّمة
نبذة تاريخيّة
الجزء الأوّل: مصادر دراسة اللاّهوت الإباضيّ
الفصل الأول: مصادر العقيدة الإباضيّة
الفصل الثاني: عقيدتا الجنّاونيّ وأبي حفص (1/492)
صفحة 493
الفصل الثالث: كتاب أصول الدّين لتبغورين
الفصل الرابع: عقيدة أبي سهل يحيى
الفصل الخامس: كتاب التّوحيد للجيطاليّ
ملحق حول حكم الذّمّيّ
الفصل السادس: عقيدة عمان
ملحقان: أصول الدّين، الإيمان ومقوّماته
الجزء الثّاني: قضايا كلاميّة
الفصل السابع: التّوحيد والصّفات
الفصل الثامن: خلق القرآن
الفصل التاسع: رؤية الله
الفصل العاشر: القدر
ملحق: أحاديث في القدر
الفصل الحادي عشر: الإمامة الإباضيّة
الخاتمة
أهمّ المصطلحات
متن الدّيانات للشّيخ عامر الشماخي (1/493)
صفحة 494
قائمة المراجع
محتويات الكتاب (1/494)