صفحة 1
الكتاب: مشارق أنوار العقول
المؤلف: نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي
شهرته: نور الدين السالمي
المحقق: عبد الرحمن عميرة
شهرته:
دار النشر:
البلد:
الطبعة:
سنة الطبع:
عدد الأجزاء:
التصنيف:
العلم:
ملاحظات:
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] مشارق أنوار العقول ج2
الإمام نور الدين عبدالله بن حميد بن سلوم السالمي
الفهرس
بيانات الكتاب
مقدمة
الباب الثالث من الركن الثاني: المقصد الأول
المقصد الثاني: فيما يجب للرسل.....
المقصد الثالث " في تفضيل الأنبياء بعضهم على بعض "
المقصد الرابع في نسخ شرائعهم (الرسل) بشرائع نبينا
المقصد الخامس في الملائكة
الإيمان بالأنبياء والملائكة
المقصد السادس في الكتب والإيمان بها
الحديث في خلق القرآن
فصل في المحكم والمتشابه
أقسام المحكم والمتشابه
الباب الرابع من الركن الثاني(في الوعد والوعيد وفيه أربعة فصول)
(الفصل الأول: في الموت والبعث([1]) والحساب)
النهي عن حديث الروح
الكلام في عذاب القبر
الكلام في الحساب
الكلام في خلق الجنة والنار
الكلام في الكتب والحوض
(الفصل الثاني: في الميزان والصراط)
(الفصل الثالث: في الشفاعة)
شفاعة الرسول للأتقياء من أمته
الفصل الرابع في الخلود في الجنة والنار
(الباب الخامس من الركن الثاني) (في القضاء والقدر)
أي في الإيمان بهما وفي حكم الخوض فيهما وحكم من خاض فيهما والرد عليه.
أفعال العباد خلق لله وكسب لهم
القائلون بالجبر فساق
إثبات خلق الأفعال لله تعالى
الباب السادس (في الإيمان والإسلام وبه يتم الكلام على الركن الثاني إن شاء الله
الركن الثالث(في الولاية والبراءة وما يشتملان عليه وما يتولدان منه
الباب الأول(في وجوب الولاية والبراءة وأقسامها)
أقسام الولاية والبراءة
الباب الثاني (من الركن الثالث)
(في الولاية والبراءة بحكم الظاهر)
(فصل في أحوال الولي بحكم الظاهر)
الباب الثالث(من الركن الثالث(في أقسام الوقوف وأحكامه)
الباب الرابع (من الركن الثالث)(في الصغائر والكبائر من الذنوب وأحكام ذلك)
(أقوال العلماء في الولي المرتكب للذنب)
الباب الخامس(من الركن الثالث)
(في ذكر شيء من الكبائر وفي أحكام القاذف)
(حكم قاذف الولي)
الباب السادس (من الركن الثالث)
( (1/1)
صفحة 2
في انقسام الكبائر إلى كفر جحود وكفر نعمة)
(وبه يتم الكلام على الركن الثالث إن شاء الله تعالى)
أقسام الكفر
(أحكام المشركين)
(تحليل ذبيحة أهل الكتاب وجواز مناكحتهم)
(حكم المشركين عبدة الأوثان)
(الركن الرابع)(في التوبة وأحكامها وما يشتمل عليها وفيه أربعة أبواب)
أقسام التوبة
أركان التوبة
قبول وقت التوبة
كل العصاة تقبل توبتهم بمشيئة الله
الباب الثاني (من الركن الرابع) (في حالات التائب)
(حكم المصر على المعصية إذا فعل الطاعة)
الباب الثالث (من الركن الرابع)(في توبة المحرم والمستحل)
(حكم ارتكاب المعاصي)
(الباب الرابع (من الركن الرابع) (في الأمور التي لا تجب توبة منها))
(الفصل الأول في التقية)
(حكم المكره على فعل يقام عليه الحد)
(الفصل الثاني في الخطأ)
(الفصل الثالث في النسيان والوسوسة)
(خاتمة الكتاب)
بيانات الكتاب
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على محمد بن عبدالله خاتم الأنبياء والمرسلين. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، ويسر لنا العمل كما علمتنا وأوزعنا شكر ما آتيتنا، وانهج لنا سبيلا يهدي إليك وافتح بيننا وبينك بابا نفد منه عليك، لك مقاليد السماوات والأرض وأنت على كل شيء قدير.
لقد كان من عون الله تعالى لنا وعنايته بنا أن وهبنا الصحة والعافية ومنحنا فسحة من الوقت تمكنا من خلالها من إنجاز تحقيق الجزء الثاني من كتاب ((مشارق أنوار العقول)) للإمام نور الدين أبي محمد عبدالله بن حميد السالمي.
ولقد تكلمنا في مقدمة الجزء الأول عن الكتاب ومؤلفه بما يغني عن الحديث عنه مرة أخرى، وإن كان هناك من شيء يجب إضافته، فإنه يطيب لنا أن نلقي بعض الأضواء على ما حوته دفتا هذا الجزء من أبواب وفصول مشيرين إلى طريقة المؤلف في عرضها وتبيانها. (1/2)
صفحة 3
بدأ المؤلف حديثه في هذا الجزء عن جواز بعث الرسل والأنبياء، وفيه يستعرض أقوال العلماء والفرق المختلفة، موضحا معتقدهم من هذه القضية مفندا آراءهم، مشيرا لصوابهم كاشفا عن أخطائهم، مبرزا في النهاية الرأي الأمثل والذي يتوافق مع كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وما كاد المؤلف ينتهي من عرض هذه القضية التي كثرت فيها الآراء وتبادلت فيها الأفكار حتى نراه يعقد فصلا مطولا عن القرآن الكريم يستعرض من خلاله المحكم والمتشابه في كتاب الله تعالى، موضحا أقسام كل منهما مبتعدا عن الرأي العجل مبرأ نفسه عن الهوى والغرض الذي هو آفة بعض العلماء، والذي أدى ببعضهم في النهاية إلى البلبلة والتمزق، وتوسيع هوة الخلاف بين أبناء الأمة الواحدة.
ثم تناول المؤلف السمعيات بالحديث، وأسهم إسهاما مميزا في توضيح قضية الروح، وعذاب القبر، وتباين الآراء في خلق الجنة والنار، وما يتبع ذلك من قضية البعث والحساب، والميزان والصراط، وشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهو في كل ذلك مفندا أقوال العلماء مبينا زيفها مشيرا إلى ما فيها من آراء فاسدة، ومعتقدات باطلة يفعل المؤلف ذلك بعد عرض آراء الخصوم كما جاءت عنهم أو نقلت في مؤلفاتهم وكتبهم بلا زيادة أو نقصان.
والكتاب بهذه الصورة يعتبر أحد المراجع الهامة في علم الكلام وذلك باستعراضه للكثير من آراء الفرق الكلامية والتي واكبت تاريخ الفكر الإسلامي، وساهمت مساهمة فعالة في نضجه واكتماله.
نسأل الله العلي القدير أن يجزي مؤلفه جزاء العاملين الذين أجابوا داعي الله، وأخلصوا دينهم لله، وأن يجعل عمله في هذا الكتاب في حسناته يوم القيامة إنه نعم المولى ونعم النصير.
مسقط في 25 جمادى الأولى 1408 هـ.
14 يناير 1988 م
المحقق
د. عبد الرحمن عميرة
رئيس قسم العلوم الإسلامية
بجامعة السلطان قابوس
الباب الثالث من الركن الثاني: المقصد الأول
في جواز بعث الرسل والحكمة في بعثهم
( (1/3)
صفحة 4
ثم من الجائز بعث الرسل =يهدوننا إلى الصراط الأعدل)
(مقرونة دعواهم تفضلا= بمعجزات تبطل التقولا)
(قوله ثم من الجائز) أي العقلي المعبر عنه بالإمكان الخاص المنافي للوجوب والاستحالة أي من الجائز في حقه تعالى بعث الرسل الخ لا من الواجب عليه تعالى خلافا للمعتزلة والفلاسفة، ولا من المستحيل عليه خلافا للبراهمة(1) والسمنية (2) ونحوهم، أما المعتزلة فأوجبوا بعثة الرسل على الله تعالى لأن صلاحية أمر المعاش والمعاد متوقفة على وجودهم، فلا يتم نظامها إلا بهم، وهو مبني على مذهبهم الفاسد بوجوب رعاية الأصلحية على الله تعالى ووجوب مراعاة الأصلحية مبني على قولهم بتحكيم العقل ورد الشرع إليه وقد تقدم إبطاله. (وأما الفلاسفة) فقد أوجبوا ذلك على الله تعالى بطريق العلة والطبيعة، وبطلان مذهبهم ظاهر لأن الله تعالى هو الصانع المختار لا العلة ولا الطبيعة.
(وأما) القائلون باستحالة البعثة فمنهم من ذهب أنها مستحيلة لذاتها لاحتمال أن يكون ذلك الخبر الذي جاء إلى هذا البشر إنما هو من إلقاء الجن إليه.
وأجيب بأنه يخلق الله في البشر الموحى إليه علما يدرك به أن ذلك الخبر من عند الله تعالى لا من عند الجن والشياطين.
(ومنهم) من زعم أنها مستحيلة لاستحالة التكليف مع إمكانها في نفسها (ومنهم) من زعم أنها مستحيلة لاستحالة خرق العادة عقلا وأجيبوا بأن خرق العادة ليس هو بأشد من إبداء خلق السماوات والأرض. (ومنهم) من قال بجوازها وأنكر وقوعها وأجيبوا بوجود المعجزات الدالة على وقوع النبوة حيث لا معارض.
(قوله: بعث الرسل) أي إرسال الرسل إلى الخلق مبشرين ومنذرين مقرونين بالمعجزة الدالة على صدقهم وكذلك أيضا من الجائز عليه تعالى الإيحاء إلى نبي لم يأمره بالتبليغ فيختص باسم النبي دون الرسول لما سيأتي من الفرق بينهما.
( (1/4)
صفحة 5
تنبيه) يترتب على قولنا أن بعث الرسل من الجائز العقلي عدم وجوب معرفة أن لله رسولا بخاطر البال فإنه متى ما جوز العقل وجود بعث الرسول وعدمه كان معه كلا الطرفين سواء، فلا يكون طريق معرفة البعث إلا السماع.
(قوله يهدوننا) أي ينصبون لنا الأدلة الكائنة سببا لهدايتنا إلى سلوك طريق رضوان ربنا، وهذا هو الحكمة في إرسالهم ولا يغني عنهم في ذلك العقل كما زعمه بعض الملحدة، حيث قالوا: إن العقل يهتدي إلى معرفة الحسن فيفعله والقبيح فيتركه والأشياء التي لم يحكم فيها العقل بحس ولا قبح تفعل عند الضرورة وتجتنب عند عدمها.
(وجوابهم): أن العقل لا يدرك من التكاليف إلا بعضها، فلا يدرك ما كان كالصلاة ووظائفها والصوم ووظائفه ونحو ذلك، فلا غنى عن الرسول به ولو سلمنا أنه يدرك ذلك لكان إدراكه له متفاوتا محتاجا إلى مدة طويلة، وربما وقع في مهلكة قبل إدراكه لها فالرسول كالطبيب الحاذق الذي يعرف الداء والدواء وطبائع الأدوية، فيخبر الناس أن هذا لكذا وهذا لكذا وذا لكذا، فإنه وإن أمن أن الناس يدركون طبائع تلك الأدوية وأسرارها بمحض التجربة فلربما وقعوا في مدة تجربتهم لها في الدواء القاتل لهم فظهرت حكمة وجود الطبيب لهم.
(قوله إلى الصراط الأعدل) أي الطريق المستوي المبلغ إلى رضوان الله تعالى.
(قوله مقرونة دعواهم) حال من فاعل يهدوننا، أي يهدوننا إلى الصراط المستقيم حال كونهم مقرونة دعواهم بأنهم أنبياء وأنهم رسل من الله إلى خلقه، وأنهم مبلغون عن الله ما أمرهم بتبليغه بمعجزات خارقة للعادة مبطلة لمعارضة المعاند لهم، شاهدة على تصديق مدعاهم نازلة منزلة صدق عبدي في كل ما بلغه عني، وقرن دعواهم بتلك المعجزات إنما هو عن محض تفضل الله تعالى لا عن وجوب ولا عن إيجاب.
قال الباجوري: (وأعلم) أن المعجزة لغة: مأخوذة من العجز وهو ضد القدرة وعرفا: أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي الذي هو دعوى الرسالة أو النبوة مع عدم المعارضة. (1/5)
صفحة 6
وقال السعد(3): هي أمر يظهر بخلاف العادة على يد مدعي النبوة تحدي المنكرين على وجه يعجز المنكرين على الإتيان بمثله وقد اعتبر المحققون فيها سبعة قيود.
الأول: أن تكون قولا أو فعلا أو تركا فالأول كالقرآن.
والثاني: كنبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم.
والثالث: كعدم إحراق النار لسيدنا إبراهيم، وخرج بذلك الصفة القديمة كما إذا قال: آية صدقي كون الإله متصفا بصفة الاختراع.
الثاني: أن تكون خارقة للعادة وهي ما اعتاده الناس واستمروا عليه مرة بعد أخرى، وخرج بذلك غير الخارق كما إذا قال: آية صدقي طلوع الشمس من حيث تطلع وغروبها من حيث تغرب.
الثالث: أن تكون على يد مدعي النبوة أو الرسالة، وخرج بذلك الكرامة وهي: ما يظهر على يد عبد ظاهر الصلاح والمعونة وهي ما يظهر على يد العوام تخليصا لهم من شدة.
والاستدراج: وهو ما يظهر على يد فاسق خديعة ومكرا به.
والإهانة: وهي ما يظهر على يده تكذيبا له كما وقع لمسيلمة(4) الكذاب فإنه تفل في عين أعور لتبرأ فعميت الصحيحة.
الرابع: أن تكون مقرونة بدعوى النبوة أو الرسالة حقيقة أو حكما بأن تأخرت بزمن يسير، وخرج بذلك الإرهاص وهو ما كان قبل النبوة والرسالة تأسيسا لها كإظلال الغمام له صلى الله عليه وسلم قبل البعثة.
الخامس: أن تكون موافقة للدعوى وخرج بذلك المخالف لها كما إذا قال آية صدقي في انفلاق البحر فانفلق الجبل.
السادس: أن لا تكون مكذبة له وخرج بذلك ما إذا كانت مكذبة له كما إذا قال آية صدقي نطق هذا الجماد فنطق إنه مفتر كذاب، بخلاف ما لو قال: آية صدقي نطق هذا الإنسان الميت وإحياؤه فأحيا ونطق بأنه مفتر كذاب والفرق أن الجماد لا اختيار له فاعتبر تكذيبه لأنه أمر إلهي والإنسان مختار فلا يعتبر تكذيبه لأنه ربما اختار الكفر على الإيمان.
السابع: أن تتعذر معارضته وخرج بذلك السحر ومنه الشعبذة وهي: خفه في اليد يرى أن لها حقيقة ولا حقيقة لها، كما يقع للحواة وزاد بعضهم. (1/6)
صفحة 7
ثامنا: وهو أن لا تكون في زمن نقض العادة كزمن طلوع الشمس من مغربها، وخرج بذلك ما يقع من الدجال كأمره للسماء أن تمطر فتمطر وللأرض أن تنبت فتنبت، وقد نظم بعضهم أقسام الأمر الخارق للعادة فقال:
إذا ما رأيت الأمر يخرق عادة = فمعجزة أن من نبي لنا صدر
وإن بان منه قبل وصف نبوة= فالإرهاص سمه تتبع القوم في الأثر
وإن جاء يوما من ولي فإنه الكر=امة في التحقيق عند ذوي النظر
وإن كان من بعض العوام صدوره= فكنوه حقا بالمعونة واشتهر
ومن فاسق إن كان وفق مراده=يسمى بالاستدراج فيما قد استقر
وإلا فيدعى بالإهانة عندهم=وقد تمت الأقسام عند الذي اختبر
وزاد بعضهم السحر وقيل أنه ليس من الخوارق لأنه معتاد عند تعاطي أسبابه انتهى.
(قوله تفضلا) أي إعطاء غير ناشئ عن وجوب عليه تعالى كما تقول المعتزلة، ولا عن إيجاب كما تقول الفلاسفة، وانتصب على أنه حال من معجزات تقديره متفضلا بها عليهم.
(قوله بمعجزات) جمع معجزة بالمعنى المتقدم ذكره وإنما جمع المعجزات مع أنه يكفي لكل رسول معجزة واحدة من باب مقابلة الجمع بالجمع وذلك أنه جمع الرسل فقابلهم بجمع المعجزات، كقولك لبس القوم ثيابهم أي لبس كل واحد منهم ثوبه المختص به (قوله تبطل التقولا) أي تلك المعجزات تسقط تقول المعارض وذلك التقول تكذيبهم الرسل وزعمهم أنهم يقدرون على الإتيان بمثل ما جاؤوا به كما وقع مثل ذلك لفرعون مع موسى عليه السلام حيث قال: ((فلنأتينك بسحر مثله))(5) وكما وقع لكذاب اليمامة في وضعه سجعات يزعم أنها أوحيت إليه يريد بها معارضة الكتاب العزيز، فبقيت أضحوكة عليه إلى يوم القيامة.
------------------------------ (1/7)
صفحة 8
1- من الناس من يظن أنهم براهمة لانتسابهم إلى إبراهيم عليه السلام وذلك خطأ فإن هؤلاء هم المخصصون بنفي النبوات أصلا ورأسا فكيف يقولون بإبراهيم عليه السلام؟ والقوم الذين اعتقدوا نبوة إبراهيم عليه السلام من أهل الهند فهم الثنوية القائلون بالنور والظلمة على رأس أصحاب الاثنين وهؤلاء إنما انتسبوا إلى رجل منهم يقال له براهم وقد مهد لهم نفي النبوات أصلا وقرر استحالة ذلك في العقول.
والبراهمة تفرقوا أصنافا فمنهم أصحاب البدوة ومنهم أصحاب الفكر ومنهم أصحاب التناسخ.
2- السمنية: قوم ينفون النظر والاستدلال ويقولون بقدم العالم وزعموا أنه لا معلوم إلا من جهة الحواس الخمس وأنكر أكثرهم المعاد والبعث بعد الموت وقال فريق منهم بتناسخ الأرواح في الصور المختلفة وأجازوا أن ينقل روح الإنسان إلى كلب وروح الكلب إلى إنسان.
راجع التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين ص149. راجع الفرق بين الفرق ص270
3- هو مسعود بن عمر بن عبدالله التفتازاني سعد الدين، من أئمة العربية والبيان والمنطق، ولد بتفتازان عام 712 هـ من بلاد خراسان وأقام بسرخس وأبعده تيمور لنك إلى سمرقند فتوفي فيها ودفن في سرخس كانت في لسانه لكنة.
من كتبه (تهذيب المنطق، والمطول في البلاغة، ومقاصد الطالبين، وإرشاد الهادي) وغير ذلك كثير وكانت وفاته عام 793 هـ.
راجع بغية الوعاة 391 ومفتاح السعادة 1: 165 والدرر الكامنة 4: 350 وآداب اللغة 3: 235 ودائرة المعارف الإسلامية 5: 339.
4- هو مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي الوائلي أبو ثمامة متنبئ من المعمرين، وفي الأمثال ((أكذب من مسيلمة)) ولد ونشأ باليمامة بوادي حنيفة في نجد وتقلب في الجاهلية بالرحمن وعرف برحمان اليمامة ولما ظهر الإسلام ودانت بذلك العرب جاءه وفد من بني حنيفة فأسلم الوفد، ادعى النبوة فأرسل إليه أبو بكر الجيوش بقيادة خالد بن الوليد فقضى عليه عام 12 هـ. (1/8)
صفحة 9
راجع ابن هشام 3: 74 والروض الأنف 2: 340 والكامل لابن الأثير 2: 137 ـ 140 وشذرات الذهب 1: 23.
5- سورة طه آية رقم 58 وتكملة الآية (فاجعل بيننا وبينك موعداً لا نخلفه نحن ولا أنت مكاناً سوى).
قال ابن عباس: وكان يوم الزينة يوم عاشوراء، وقال السدي وقتادة وابن زيد كان يوم عيدهم، وقال سعيد بن جبير: كان يوم سوقهم، ولا منافاة.
وقال وهب بن منبه: قال فرعون يا موسى اجعل بيننا وبينك أجلا ننظر فيه قال موسى لم أؤمر بهذا إنما أمرت بمناجزتك إن أنت لم تخرج دخلت إليك، فأوحى الله إلى موسى أن اجعل بينك وبينه أجلا وقل له أو يجعل هو. قال فرعون اجعله إلى أربعين يوما ففعل. وقال مجاهد وقتادة مكانا سوى منصفا، وقال السدي: عدلا، وقال عبدا لرحمن بن زيد ابن اسلم مكانا مستو بين الناس وما فيه لا يكون صون ولا شيء يتغيب بعض ذلك عن بعض مستو حين يرى. والله أعلم.
المقصد الثاني: فيما يجب للرسل.....
المقصد الثاني: فيما يجب للرسل وما يستحيل عليهم وما يجوز في حقهم وفي حكم ذلك
(وواجب عليك أن تعرف ما= يجوز للرسل وما قد لزما)
(وما استحال عنهم فاللازم =في حقهم نعتا هي المكارم)
(كالصدق والتبليغ والأمانة=والعقل والضبط وكالفطانة)
(والمستحيل ضدها كالكذب =وكالجنون وارتكاب الريب)
(قوله وواجب عليك) أي وجوبا شرعيا بعد قيام حجة السمع به.
(قوله أن تعرف ما يجوز للرسل الخ) أعلم أن للرسل صفات جائزة وواجبة ومستحيلة، وكذلك الأنبياء أيضا وخص الرسل بالذكر لشرفهم على الأنبياء، ولا عناد المعاند وتكذيبه أكثر ما وقع في حقهم (قوله يجوز للرسل) أي جوازا شرعيا (قوله وما قد لزما) أي لزوما شرعيا.
( (1/9)
صفحة 10
قوله وما استحال عنهم) استحالة شرعية وإنما قيدنا جميع ذلك بالشرع لأن الشرع هو الذي قضى لهم بذلك، أي استفيد اتصافهم بالمكارم الآتي ذكرها واستحالة أضدادها عليهم وجواز ما عدا ذلك في حقهم إنما علم من طريق الشرع، كما ستقف عليه من أدلة العصمة، وذهب بعضهم إلى أن اتصافهم بتلك المكارم واستحالة أضدادها عليهم إنما هو من طريق العقل أي العقل قضى بأن من كان نبيا يجب له كذا ويستحيل عليه كذا (قوله فاللازم في حقهم) أي في جانبهم أي في جانب نعتهم (قوله نعتا) أي وصفا تمييز مبين لإجمال النسبة الإضافية والأصل في حق نعتهم (قوله هي المكارم) جمع مكرمة بضم الراء وهي الخصلة المحمودة.
( (1/10)
صفحة 11
قوله كالصدق) هو مطابقة للواقع أي يجب في حق الأنبياء اتصافهم بالصدق في إخبارهم قال الباجوري: ولو بحسب اعتقادهم كما في قوله صلى الله عليه وسلم ((كل ذلك لم يكن))(1) لما قال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله حين سلم من ركعتين (أقول) إن الخبر لا يوصف بالصدق بنفس مطابقة الاعتقاد دون الواقع، كما هو مذهبنا ومذهب الأشاعرة فينبغي أن يقال في مثل هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم إنما أخبر عن الواقع في ظنه فإنه ظن حال إخباره أن كل ذلك لم يقع فإذا هو واقع بعضه قال (فإن قيل) قد مر صلى الله عليه وسلم على جماعة يؤبرون النخل وقال: لو تركتموها لصلحت فتركوها فشاصت(2) (أجيب) بأن هذا من قبيل الإنشاء لأن المعنى كان في رجائي ذلك والإنشاء لا يتصف بصدق ولا كذب، وعدم وقوع المترجي لا يعد نقصا قال: ودليل صدقهم عليهم الصلاة والسلام لو لم يصدقوا للزم الكذب في خبره تعالى لتصديقه تعالى لهم بالمعجزة النازلة منزلة قوله تعالى ((صدق عبدي في كل ما يبلغ عني)) وتصديق الكاذب كذب وهو محال في حقه تعالى، فملزومه وهو عدم صدقهم محال وإذا استحال عدم صدقهم وجب صدقهم وهو المطلوب، لكن هذا الدليل إنما يدل على صدقهم في دعوى الرسالة وفي الأحكام الشرعية لأن ذلك هو الذي بلغوه عن الله تعالى ولا يدل على صدقهم في غير ذلك كقام زيد وقعد عمرو، لكن يدل عليه دليل الأمانة لأنه داخل فيها وعلم من ذلك أن أقسام الصدق ثلاثة المقصود هنا الأولان وأما الثالث فهو داخل في الأمانة كما علمت انتهى.
( (1/11)
صفحة 12
قوله والتبليغ) وهو إيصال ما أمروا بإيصاله ولو أدى ذلك إلى هلاكهم خلافا للشيعة(3) القائلين بجواز ترك التبليغ وإظهار الكفر من الأنبياء للتقية إذا خافوا الهلاك (قلنا) لو جاز في حقهم ذلك للزم إبطال الدعوة أصلا لكثرة المخالفين لهم في مبدأ أمرهم والقاصدين لهم بالسوء حتى أن منهم من القي في النار ومنهم من نشر بالمنشار وإنما قيدنا التبليغ بالمأمورين بتبليغه ليخرج ما أمروا بكتمانه فإنه يجب في حقهم كتمانه وما خيروا فيه في تبليغه وعدمه فإنه يكون في حقهم ما شاؤوا من الطرفين. قال الباجوري: والدليل على وجوب تبليغهم عليهم الصلاة والسلام أنهم لو كتموا شيئا مما أمروا بتبليغه للخلق لكنا مأمورين بكتمان العلم لأن الله تعالى أمرنا بالإقتداء بهم واللازم باطل لأن كاتم العلم ملعون، ولو جاز عليهم كتمان شيء لكتم رئيسهم الأعظم صلى الله عليه وسلم قوله تعالى ((وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه))(4).
وأصح محامله ما نقله من يعول عليه في التفسير عن علي بن الحسين من أن الله تعالى كان أعلم نبيه أن زينب ستكون من أزواجه فلما شكاها إليه زيد قال: أمسك عليك زوجك واتق الله وأخفى في نفسه ما أعلمه به من أنه سيتزوجها والله مبدي ذلك بطلاق زيد لها وتزويجها له صلى الله عليه وسلم ومعنى الخشية: استحياؤه صلى الله عليه وسلم من الناس أن يقولوا تزوج زوجة ابنه أي من تبناه فعاتبه الله على هذا الاستحياء لعلو مقامه وما قيل من أنه صلى الله عليه وسلم تعلق قلبه بها وأخفاه فلا يلتفت إليه وإن جل ناقلوه فإن أدنى الأولياء لا يصدر عنه مثل هذا الأمر فما بالك به صلى الله عليه وسلم؟ وهذا هو الذي نعتقده وندين لله به كما نقله السنوسي(5) في كتبه ا. هـ.
( (1/12)
صفحة 13
قوله والأمانة) وهي حفظ ظواهرهم وبواطنهم من التلبس بمنهي عنه ولو نهي كراهة أو خلاف الأولى وهم محفوظون ظاهرا من الزنا وشرب الخمر والكذب وغير ذلك من منهيات الظاهر، ومحفوظون باطنا من الحسد والكبر والرياء وغير ذلك من منهيات الباطن، ولا يقع منهم مكروه ولا خلاف الأولى على وجه كونه مكروها أو خلاف الأولى وإذا وقع صورة ذلك فهو للتشريع فيصير واجبا أو مندوبا في حقهم فأفعالهم عليهم الصلاة والسلام دائرة بين الواجب والمندوب، ودليل وجوب الأمانة لهم عليهم الصلاة والسلام أنهم لو خانوا بفعل محرم أو مكروه أو خلاف الأولى لكنا مأمورين به لأن الله تعالى أمرنا بإتباعهم في أقوالهم، وأفعالهم، وأحوالهم من غير تفصيل، وهو تعالى لا يأمر بمحرم ولا مكروه ولا خلاف الأولى، فلا تكون أفعالهم محرمة ولا مكروهة وخلاف الأولى وهذا الدليل وإن كان على صورة الدليل العقلي هو في الحقيقة دليل شرعي، لأن دليل الملازمة شرعي وبطلان التالي بدليل شرعي وهو أن الله لا يأمر بالفحشاء ا. هـ باجوري بتصرف.
(قوله والعقل) هو ما يدرك به حقائق الأشياء قيل محله الرأس وقيل محله القلب أي يجب في حقهم أن يكونوا عاقلين للأشياء المعقولة فلا يكون النبي مجنونا ولا معتوها ولا من سائر الحيوانات الغير العاقلة والدليل على أن النبي لا يكون مجنونا إنكاره تعالى على من وصف نبيه بالجنة في قوله تعالى ((أم به جنة))(6) ((قالوا ساحر أو مجنون))(7) فلو جاز وصفهم بالجنة لما أنكر على من وصفهم بها لكنه أنكر على من وصفهم بها فدل على أنه لا يجوز وصفهم بلك، وأما العته فهو من الجنون فدليل استحالته دليل استحالته.
( (1/13)
صفحة 14
وأما) دليل وجوب عدم كونه من الحيوانات الغير العاقلة قوله تعالى((وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم))(8) الآية فهذه الآية صريح في نفي إرسال غير الرجال قبل نبينا عليه الصلاة والسلام ونبينا رجل أيضا فدل على أنه لم يكن رسول من غير جنس العقلاء. لكن الآية دليل في الرسل خاصة.
(وأما) الأنبياء فيستدل على أنهم من جنس العقلاء بقوله تعالى ((أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح))(9).
ويحتمل أن يقال أن هذا الدليل خاص بالمشار إليهم وهم المذكورون في السورة.
( (1/14)
صفحة 15
اعلم) أن وجود الأنبياء من غير العقلاء ليس مما يستحيل عقلا بل جائز لكنه لم يقع ولو وقع لنقل أما قوله تعالى ((وأوحى ربك إلى النحل))(10)فليس هو من الإيحاء بالنبأ وإنما هو بمعنى الإلهام أي وألهمها ربك أن تتخذ من الجبال بيوتا إلى آخره (قوله والضبط) هو حفظ الشيء بحزم وفي الاصطلاح: سماع الكلام كما يحق سماعه ثم فهم معناه الذي أريد به ثم حفظه ببذل مجهوده والثبات عليه بمذاكراته إلى حين أدائه إلى غيره ا. هـ والمراد به ها هنا المعنى اللغوي أي ومما يجب في حقهم أن يكونوا حافظين لما ألقي إليهم من الوحي على سبيل الحزم منهم عن نسيان شيء منه لأن الإهمال مؤد إلى التهاون بأمر الآمر بالتبليغ والتهاون بأمر خالقهم كبيرة وهم معصومون عنها فدليل وجوب الضبط هو دليل وجوب العصمة كما سيأتي إن شاء الله (قوله وكالفطانة) هي التفطن والتيقظ لإلزام الخصوم وإبطال دعاويهم الباطلة والدليل على وجوب الفطانة لهم عليهم الصلاة والسلام آيات كقوله تعالى((وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم))(11) والإشارة عادة إلى ما احتج به إبراهيم على قومه من قوله ((فلما جن عليه الليل)) إلى قوله ((وهم مهتدون))(12) وكقوله تعالى حكاية عن قوم نوح ((يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا))(13) أي خاصمتنا فأطلت جدالنا أو أتيت بأنواعه وكقوله تعالى ((وجادلهم بالتي هي أحسن))(14) أي بالطريق التي هي أحسن بحيث تشتمل على نوع إرفاق بهم ومن لم يكن فطنا بأن كان مغفلا لا تمكنه إقامة الحجة ولا المجادلة (لا يقال) هذه الآيات ليست واردة إلا في بعضهم فلا تدل على ثبوت الفطانة لجميعهم لأنا نقول (ما ثبت لبعضهم من الكمال يثبت لغيره فثبتت الفطانة لجميعهم وإن لم يكونوا رسلا بل أنبياء فقط، فاللائق بمنصب النبوة أن يكون عندهم من الفطانة ما يردون به الخصم على تقدير وقوع جدال منهم ا. هـ باجوري.
( (1/15)
صفحة 16
قوله والمستحيل ضدها) أي والممتنع ثبوته في حقهم ضد تلك المكارم وضد الشيء هي الصفة التي تعاقبه في محله ولا تجتمع معه ونقيض الشيء كذلك أيضا لكن الفرق بين الضدين والنقيضين أن الضدين لا يجتمعان وقد يرتفعان كالسواد والبياض فإنهما قد يرتفعان عن المتلون فيتصف بالحمرة والخضرة ونحوهما، وأما النقيضان فلا يجتمعان ولا يرتفعان بمعنى أنه لا ينعدمان معا ولا يوجدان معا، بل إذا وجد أحدهما امتنع الآخر كالوجود والعدم(15) والحدوث والقدم (قوله كالكذب) هو عدم مطابقة الخبر للواقع ودليل استحالته هو دليل وجوب الصدق لهم، فإن من وجب صدقه استحال كذبه (قوله وكالجنون) هو اختلال العقل بحيث يمنع جريان الأفعال والأقوال على نهج العقل إلا نادرا، وهو عند أبي يوسف(16) إن كان حاصلا في أكثر السنة فمطبق وما دونها فغير مطبق ا. هـ وقد تقدم دليل استحالته عليهم وكذلك العته وهو عبارة عن آفة ناشئة عن الذات توجب خللا في العقل، فيصير صاحبه مختلط العقل فيشبه بعض كلام العقلاء وبعض كلام المجانين بخلاف السفه فإنه لا يشابه المجنون لكن تعتريه خفة إما فرحا وإما غضبا ا. هـ وهو أيضا مستحيل في حقهم لأن تلك الخفة مغيرة للعقل فتجري أفعالهم وأقوالهم على خلاف الحكمة ولأن السفه مناف لرتبة الاصطفاء وداع إلى التنفر عن الإتباع وقاض برد القول إلى قائله، وقد أخبرنا تعالى أنهم المصطفون وقد أمرنا بإتباعهم ونهانا عن رد قولهم إليه فوجب أن لا يكونوا سفهاء، وهذه الأدلة قاضية أيضا باستحالة الجنون والعته عليهم (قوله أو ارتكاب الريب) جمع ريبة وهي ما تكون سببا للتهمة أي يتهم بها فاعلها فتشمل جميع المعاصي ما عدا الصغير الغير الخسيس الناشئ عن غير تعمد، فإن وقوع هذا لا يجب تهمة فاعله.
( (1/16)
صفحة 17
أعلم) أن الأمة اتفقوا على عصمة الأنبياء من ارتكاب الشرك عمدا وأجازت الشيعة ارتكابه لهم إذا خافوا الهلاك بعدم ارتكابه، وقد تقدم بطلان قولهم وإنه يؤدي إلى إخفاء الدعوة التي بعث لأجلها الرسول وأجمعوا أيضا على استحالة الكذب عليهم فيما بعثوا به عمدا وسهوا وقد تقدم دليله واختلفوا في جواز الكذب عليهم سهوا في غير ما بعثوا بتبليغه وكذلك أيضا اختلفوا في جواز ارتكاب الصغيرة الغير الخسيسة، وأما الخسيسة كسرقة لقمة ونحوها فمستحيلة عليهم اتفاقا وكذلك كبائر غير الشرك، وذهبت الحشوية إلى جوازها عليهم ومنع الجبائي(17) في حقهم الصغيرة والكبيرة والخسيسة وغيرها على سبيل التعمد، هذا كله بعد النبوة وأما قبلها فذهب جمهور من الأشاعرة والمعتزلة إلى جوازها أي الكبائر عليهم ومنعها بعض المعتزلة لأنها مما ينفر عن الإتباع بعد النبوة، ومنع بعضهم كل ما ينفر ككون الأم عاهرة ونحو ذلك ومنعت الرافضة(18) الصغيرة والكبيرة قبل النبوة وبعدها.
( (1/17)
صفحة 18
والمذهب) أنهم معصومون بعد النبوة من الكبائر مطلقا ومن خسيس الصغائر أيضا لما تقدم من الأدلة على وجوب ما يجب لهم وعلى استحالة ما يستحيل عليهم وأما قبل النبوة فلا دليل سمعي يرفع ذلك عنهم أما بعد النبوة فغير مسلم لأن الاصطلاح الأخير ممح للإفساد الأول (لا يقال) إن في قوله تعالى ((إن عبادي ليس لك عليهم سلطان))(19)وفي قوله تعالى حكاية عن إبليس ((إلا عبادك منهم المخلصين))(20)دليلا على أن الشيطان لا سبيل له عليهم وعدم السبيل غير مقيد بزمان دون زمان فتستحيل عليهم مطلقا قبل النبوة وبعدها (لأنا نقول) إن السبيل ممتنع حال الإخلاص لا قبله لأنه نفي عنهم حال اتصافهم بذلك (واعلم) أن تجويزنا عليهم الكبائر قبل النبوة لا يستلزم وقوعها منهم لأن الجواز أخص من الوقوع وقد قلنا به لاستصحاب الحال مع عدم المانع ولو صح دليل على منعه لمنعناه لأن المنع هو اللائق بمنصبهم الكريم (ولنا) على عصمتهم بعد النبوة أدلة (منها) أنا قد أمرنا بإتباعهم كقوله تعالى ((وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا))(21) وقوله ((قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوه يحببكم الله))(22) فلو جازت عليه الكبائر والخسائس لكنا مأمورين بارتكابها حال إتباعنا لهم فيها وهو باطل (ومنها) أنهم لو جاز عليهم ذلك لكانوا غير مقبولي الشهادة في شيء من أمور الدنيا لقوله تعالى ((إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا))(23) فكيف يقبل منهم ما جاؤوا به عن الله تعالى (ومنها) أنه لو جاز عليهم ذلك لدخلوا تحت اللوم والتوبيخ من قوله تعالى ((أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم))(24) (ومنها) انه لو جاز عليهم ذلك لجاز عليهم الزجر والتعنيف لعموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيكون ذلك إيذاء في حقهم وهو محجور (ومنها) لو جاز عليهم ذلك لضوعف العذاب في حقهم ولكانوا أشر من فساق العوام لأن ذا المنصب العالي إذا عصى كان العصيان أقبح منه ولضوعف عليه العذاب بدليل ((من يأت منكن بفاحشة (1/18)
صفحة 19
مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين))(25) (ومنها) قوله تعالى ((لا ينال عهدي الظالمين))(26) ولا عهد فوق النبوة (ومنها) قوله تعالى ((ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين))(27) (ومنها) أنه تعالى قسم المكلفين قسمين فجعلهم حزبين وحزب الشيطان هم العصاة وهم الخاسرون ((ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون))(28) وأنت إذا تأملت هذه الأدلة كلها رأيتها أدلة لعدم الوقوع لا لرفع الجواز بالكلية لكن دليلنا على رفع الجواز أن نقول هكذا لو جاز عليهم ذلك لوقع منهم أو من أحدهم كما وقع من غيرهم لكنه لم يقع منهم ولا من أحدهم فدل على أنهم معصومون منه، ودليل آخر هو قوله تعالى حكاية عن إبليس ((إلا عبادك منهم المخلصين))(29) وقوله ((إن عبادي ليس لك عليهم سلطان))(30) ولا شك أن الإخلاص لم يفارقهم منذ اصطفاهم الله لوحيه وإنهم عباده المصطفون وإذا كانوا كذلك فليس للشيطان عليهم سبيل فثبتت لهم العصمة (لا يقال) إن هذا الدليل ناف لارتكابهم الصغائر الخفيفة أيضا (لأنا نقول) إن صدور مثل ذلك منهم ليس هو من تسليط الشيطان عليهم وإنما منشأ ذلك غفلة أو سهو أو تأويل من فاعله كما في قصة آدم عليه السلام (فإن قيل) إن ما وقع لآدم هو من كيد الشيطان لأنه هو الموسوس والمزين لهم ذلك (اجبنا) بأنه ليس ذلك من تسليط الشيطان عليه وإنما وقع بتأول آدم عليه السلام النهي عن شجرة مخصوصة لا عن جنس تلك الشجرة فأكل من شجرة غير المشار إليها لكنها من جنسها كذا قيل، وفي ظاهر قوله تعالى حكاية عن إبليس ((ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة))(31) ما يرده لكن الجواب عنه أن آدم عليه السلام نسي النهي فأكل بعد النسيان لقوله تعالى ((ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي))(32) ولا يرد هذا بذكر إبليس لهم النهي لاحتمال أن يكون النسيان بعد ذلك وهذا الاحتمال موجود أيضا في تأول آدم النهي عن شجرة بعينها لا عن جنسها فإنه وإن أشار إليها الخبيث فيحتمل أن يكون آدم (1/19)
صفحة 20
عليه السلام لم يلتفت إلى تلك الإشارة وقيل أكل آدم من الشجرة قبل أن ينبأ، وعليه فلا إشكال لأنا لا ندعي العصمة للأولياء بل للأنبياء ولا ندعيها أيضا لهم قبل النبوة.
وما عدا ذلك فهو ممكن = في حقهم إلا الذي يستهجن
(قوله وما عدا ذلك) أي المذكور من واجب ومستحيل فهو ممكن أي جائز في حقهم. أخر هذا القسم عن الواجب والمستحيل لأنه بمنزلة المركب منهما حيث جاز لهم الطرفان الفعل والترك، وذلك كالأكل والشرب والنوم والجماع، ومخالطة الناس والمشي في الأسواق نحو ذلك من الخصال الجبلية التي خلقوا محتاجين إليها لا يستطيعون منع أنفسهم عنها أو التي خيروا في فعلها وتركها (قوله إلا الذي يستهجن) أي يستقبح أي يستثني من جواز ما عدا ذكره من الواجب والمستحيل الأشياء التي يستقبح فعلها للأنبياء كالبول قياما، فإن القوم رووا ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو باطل لقوله تعالى ((وإنك لعلى خلق عظيم))(33) وأن البائل قائم ليس على خلق حسن فضلا من أن يكون على خلق عظيم.
-------------------------------
1 - الحديث رواه البخاري في كتاب الصلاة 88 باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره. (1/20)
صفحة 21
482 حدثنا ابن شمل أخبرنا ابن عون عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال صلى بنا الرسول صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا قال: فصلى بنا ركعتين ثم سلم فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى وخرجت السرعان من باب المسجد. فقالوا قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه وفي القوم رجل في يديه طول يقال له ذو اليدين فقال: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة...؟ قال وذكره. ورواه أيضا في الأذان 69 والسهو 5، 4 وأدب 45 وإيمان 15 ورواه الإمام مسلم في المساجد 97، 98، 99، 102 وأبو داود في الصلاة 189 والترمذي في الصلاة 175 والنسائي في السهو 22 وابن ماجة في الإقامة 134 والدرامي في الصلاة 175. ورواه صاحب الموطأ في النداء 58، 59 وأحمد بن حنبل في المسند 77: 2، 235، 423، 460 (حلبي).
2 - الحديث رواه الإمام أحمد ثنا عبد الصمد ثنا حماد عن ثابت عن أنس قال سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصواتا فقال: ما هذا؟ قالوا: يلقحون النخل فقال: لو تركوه فلم يلقحوه لصلح فتركوه فلم يلقحوه فخرج شيصا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم وذكره. ورواه الإمام مسلم في الفضائل 141 وابن ماجة في الرهون 15.
3 - شيعة الرجل أتباعه وأنصاره وتشيع الرجل ادعى دعوى الشيعة، وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع وقوله تعالى) كما فعل بأشياعهم من قبل (أي بأمثالهم من الشيعة الماضية.
والشيعة: أتباع الإمام على – رضي الله عنه – وقد غلا بعضهم في حب الإمام علي، ويسمون الغلاة كاليونسية أصحاب يونس بن عبد الرحمن القمي، والنصيرية، والاسحاقية. (1/21)
صفحة 22
4 - سورة الأحزاب آية رقم 37 وتكملة الآية)فلما قضى زيدا منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ادعيائهم إذا قضوا منهن وطراً وكان أمر الله مفعولا).
5 - هو محمد بن يوسف بن عمر بن شعيب السنوسي الحسني من جهة الأم أبو عبدالله عالم تلمسان في عصره وصالحها له تصانيف كثيرة منها شرح صحيح البخاري لم يكمله، وشرح مقدمات الجبر والمقابلة لابن الياسمين وتفسير سورة (ص) وما بعدها من السور، وعقيدة أهل التوحيد ويسمى (العقيدة الكبرى) وأم البراهين ويسمى (العقيدة الصغرى) وغير ذلك كثير. توفي عام 895 هـ.
راجع البستان 237 وتعريف الخلف 1: 176 ومعجم المطبوعات 1058 ومناقب الحضيكي 1: 224 – 233.
6 - سورة سبأ آية رقم 8 وتكملة الآية (بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد).
7 - سورة الذاريات آية رقم 52 وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: (وقالوا شاعر أو مجنون) وصوابها: (ساحر أو مجنون) وآية 39 (الذاريات) وقال (ساحر أو مجنون)
8 - سورة يوسف آية رقم 109 وسورة النحل آية رقم 43.
9 - سورة مريم آية رقم 58 وتكملة الآية (ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا)
10 - سورة النحل آية رقم 68 وتكملة الآية) أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون)
11 - سورة الأنعام آية رقم 83.
12 - سورة الأنعام آية رقم 76 – 82
13 - سورة هود آية رقم 32 (وتكملة الآية): (فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين)
14 - سورة النحل آية رقم 125 وتكملة الآية (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) (1/22)
صفحة 23
15 - العدم ضد الوجود، وهو مطلق أو إضافي فالعدم المطلق هو الذي لا يضاف إلى شيء، والعدم الإضافي أو المقيد هو المضاف إلى شيء كقولنا عدم الأمن، وعدم الاستقرار، وعدم التأثر. قال ابن سينا (البالغ في النقص غايته، فهو المنتهي إلى مطلق العدم فبالحري أن يطلق عليه معنى العدم المطلق. راجع الإشارات 69- 70.
16- هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة وتلميذه وأول من نشر مذهبه كان فقيها علامة من حفاظ الحديث ولد بالكوفة عام 113 هـ وتفقه بالحديث والرواية ثم لزم أبا حنيفة فغلب عليه الرأي وولى القضاء ببغداد أيام المهدي والهادي والرشيد. ومات في خلافته عام 182 هـ.
وهو أول من دعي قاضي القضاة وأول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة وكان واسع العلم بالتفسير والمغازي وأيام العرب من كتبه (الخراج) و(اختلاف الأمصار) و(أدب القاضي) وغير ذلك كثير. راجع مفتاح السعادة 2: 100- 107 وابن النديم 203 وأخبار القضاة لوكيع 3: 254 والنجوم الزاهرة 2: 107 والبداية والنهاية 10: 180 والجواهر المضيئة 2: 220.
17 - هو محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي أبو علي من أئمة المعتزلة ورئيس علماء الكلام في عصره وإليه نسبة الطائفة ((الجبائية)) له مقالات وآراء انفرد بها في المذهب نسبته إلى جبى من قرى البصرة اشتهر في البصرة ودفن بجبى عام 303 هـ له تفسير حافل مطول رد عليه الأشعري.
راجع المقريزي 2: 348 ووفيات الأعيان 1: 480 والبداية والنهاية 11: 125 واللباب 1: 208 ومفتاح السعادة 2: 35 ودائرة المعارف الإسلامية 6: 270 -274.
18 - الرافضة: الذين كانوا مع زيد بن علي الباقين على اتباعه ثم تركوه لأنهم طلبوا إليه أن يتبرأ من الشيخين فقال: لقد كانا وزيري جدي فلا أتبرأ منهما فرفضوه وتفرقوا عنه، وقد يطلق بعض الناس اسم الرفض على كل من يتولى أهل البيت وعلى هذا جاء قول الذي يقول: (1/23)
صفحة 24
أن كان رفضا حب آل محمد =فليشهد الثقلان أني رافض
أنظر مقالات الإسلاميين 1: 129 ومروج الذهب 3: 220
19 - سورة الحجر آية رقم 42 وتكملة الآية (إلا من اتبعك من الغاوين)
20- سورة الحجر آية رقم 40
21- سورة الحشر آية رقم 7
22- سورة آل عمران آية رقم 31 وتكملة الآية (ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم).
23 - سورة الحجرات آية رقم 6 وتكملة الآية (أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين).
24 - سورة البقرة آية رقم 44.
25- سورة الأحزاب آية رقم 30 وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث ذكرت (ومن بزيادة الواو) ومنكم بدلا من (منكن).
26 - سورة البقرة آية رقم 124.
27 - سورة سبأ آية رقم 20.
28 - سورة المجادلة آية رقم 19.
29 - سورة الحجر آية رقم 40 وسورة ص آية رقم 83.
30 - سورة الحجر آية رقم 42.
31 - سورة الأعراف آية رقم 20.
32 - سورة طه آية رقم 115.
33 - سورة القلم آية رقم 4
المقصد الثالث ( في تفضيل الأنبياء بعضهم على بعض )
وهو مقصور على السماع، أي ليس لأحد أن يدخل هذا الباب باجتهاد منه لأنا لسنا أهلا للحكم في ذلك وقد اختلفت الطرق في تفضيل بعضهم على بعض مع الاتفاق أن أفضل الكل نبينا صلى الله عليه وسلم ففضل بعضهم بعده آدم وبعضهم نوحا، وبعضهم موسى، وبعضهم عيسى، وبعضهم إبراهيم، قال القطب رح وهو الصحيح فموسى فنوحا فعيسى وبعضهم فضل عيسى على نوح فقال: هكذا أفضل الأنبياء نبينا فإبراهيم، فموسى، فعيسى، فنوح، عليهم جميعا الصلاة والسلام فسلك المصنف هذه الطريق.
أفضلهم نبينا ثم الخليل = ثم الكليم بعده عيسى الجليل
وبعدهم نوح فباقي الرسل = فالأنبياء ذوو المقام الأكمل
( (1/24)
صفحة 25
قوله أفضلهم نبينا) أي محمد صلى الله عليه وسلم والإضافة لتشريف المضاف إليه لا للتخصيص لأنه رسول إلى كافة من الأولين والآخرين والجن، وفي الملائكة قولان ومعنى إرساله للأولين أنه لو وجد أحد منهم بعد بعثته ما وسعه([1]) إلا إتباعه كما يرشد إلى ذلك بعض الأحاديث النبوية، والدليل على أفضليته صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء قوله تعالى ((أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده))([2]) فإنه ذكر أولا أخلاق الأنبياء ووصف كل واحد منهم بخلق يفهم اختصاصه به ثم أمر نبيه أن يتصف بجميع تلك الأخلاق ولا شك أن المتصف بجميعها أفضل من المتصف ببعضها، وقوله صلى الله عليه وسلم ((أنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر))([3]) أي ولا فخر فوق ذلك أو ولا فخر أعظم من ذلك أو ولا أقول ذلك فخرا وقوله عليه الصلاة والسلام ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر))([4]) ينافي هذا ما روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ((لا تفضلوني على يونس بن متى))([5]) وقوله ((لا تخيروني على موسى))([6]) لاحتمال أن يكون قال ذلك تواضعا، أو قال قبل أن يعلم أنه أفضل منهم.
( (1/25)
صفحة 26
قوله ثم الخليل) هو إبراهيم عليه السلام سمي خليل الرحمن تشريفا له على غيره، ومعنى الخليل في اللغة: هو من تخللت الأعضاء بحبه ويفدى بالنفس والمال، استعير هنا لعظم المنزلة ورفع الشان والدليل على أن خليل الرحمن هو أفضل الأنبياء بعد نبينا عليه الصلاة والسلام قوله تعالى ((وأوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم))([7]) قوله ((بل ملة إبراهيم حنيفا))([8]) وقد ثبت الدليل على أفضلية نبينا على سائر الأنبياء، ومع ذلك فقد أمر بإتباع ملة إبراهيم فدل على ذلك أفضلية إبراهيم على سائر الأنبياء (لا يقال) هذا دليل على أفضلية إبراهيم على جميع الأنبياء حتى نبينا لأن المتبوع أفضل من التابع (لأنا) لا نسلم أن المتبوع أفضل من التابع مطلقا لإمكان أن يختص التابع بميزة لم تكن في المتبوع (قوله ثم الكليم) بتخفيف اللام بمعنى الكليم بتشديدها هو موسى بن عمران بن يصهر بن لاوي بن يعقوب عليه السلام، والدليل على أن موسى أفضل من سائر الأنبياء بعد نبينا وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام قوله تعالى ((وكلم الله موسى تكليما))([9]) وقوله تعالى ((واصطنعتك لنفسي))([10]) ففي الآية الأولى دليل على أن الله أسمعه كلاما لأجل سماعه إياه بلا واسطة ملك ونحوه ومن كان بهذه المنزلة فهو أفضل ممن لم يصلها، وفي الآية الثانية دليل على أن الله اصطنعه لنفسه ومعناه لأمره، ومن قيل له كذلك أفضل ممن لم يقل له ذلك وإن كان مخلوقا لذلك أيضا (قوله وبعده عيسى) أي في مرتبة التفضيل بعد موسى عيسى بن مريم عليه السلام، والدليل على أن عيسى أفضل من سائر الأنبياء بعد من ذكر قوله تعالى في حقه ((وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه))([11]) وهذا تشريف له وتعظيم حيث أضافه إلى نفسه.
( (1/26)
صفحة 27
قوله وبعدهم نوح) عليه السلام والدليل على أن نوحا أفضل من غيره بعد الأربعة لأنه أحد أولي العزم الممدوحين بمضمون قوله تعالى ((فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل))([12]) قالوا: وهم الخمسة المذكورون في قول المصنف وقد جمعهم غيره على هذا الترتيب أيضا فقال:
محمد إبراهيم موسى كليمه= فعيسى فنوح هم أولوا العزم فاعلم
وجمعهم غيره أيضا على ترتيب تقدمهم في الزمان فقال:
أولوا العزم نوح والخليل كلاهما = وموسى وعيسى والنبي محمد
وأولو العزم أفضل من غيرهم، وأنت إذا تأملت هذه الأدلة رأيتها ظنية والاعتقاد علم لا يبنى على الظن فلا يجب اعتقاد هذه المفاضلة كذلك ولذلك لم يعتن أصحابنا المشارقة بذكر هذه المفاضلة في كتبهم لأنها موقوفة على السماع من الشارع ولم يرد فيها تصريح خبر ولو قدرنا فيها وجود ذلك لقلنا خبر آحاد لا يثبت به الاعتقاد، ولو تواتر لاشتهر نعم يجب اعتقاد أفضلية نبينا صلى الله عليه وسلم على جميع الخلق لإجماع الأمة المحمدية على ذلك وللأخبار المروية عنه في ذلك أيضا وقد تلقتها الأمة بالقبول ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
(قوله فباقي الرسل) وجملتهم مع الخمسة المذكورين ثلاثمائة وثلاثة عشر على المشهور، وقيل ثلاثمائة وأربعة عشر ة وقيل ثلاثمائة وخمسة عشر أولهم آدم عليه السلام فإنه رسول إلى بنيه وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم سبعة منهم بعثوا إلى الكافة وهم المذكورون في قوله:
وآدم نوح والخليل كليمه= وداود عيسى والنبي محمد (1/27)
صفحة 28
قال البدر([13]) للشماخي رحمه الله: والقياس أن يوشع ممن أرسل إلى الكافة أيضا لأنه خليفة موسى وأمر بأحكام التوراة، وأن منهم سليمان عليه السلام لأنه خليفة داود (وخمسة) منهم بعثوا بالسيف موسى ويوشع وداود وسليمان ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم (وأربعة) منهم عربيون هود وشعيب وصالح ومحمد عليه وعليهم الصلاة والسلام (وثلاثة) سريانيون آدم وشيت وإدريس عليهم السلام (ومن قوله) منهم اسمان أربعة الأول: يعقوب سمي به لتعقبه بعد أخيه العيص في بطن أمه وإسرائيل ومعناه صفي الله.
(والثاني) عيسى وهو المسيح.
(والثالث) يونس وهو ذو النون.
( (1/28)
صفحة 29
والرابع) محمد وهو أحمد صلى الله عليه وسلم (والأجداد) منهم ثلاثة آدم لأنه أبو البشر ونوح لأنه لم يبق نسل بعد الطوفان إلا له وإبراهيم لأن الله تعالى سماه أبا لأنه أبو العدنانيين من قريش وغيرهم وهو أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمة الرسول في حكم أولاده وما ورد في بعض كتب أصحابنا المغاربة من أن أربعة منهم أحياء إلى الآن اثنان منهم في السماء وهما إدريس وعيسى واثنان في الأرض وهما الخضر والياس فهو من الممكن وقوعه، لكن لا يتوصل إلى ذلك إلا بتوقيف من الشارع ولم يصل إلينا خبر في ذلك فلعل القائل بذلك قد اطلع على ما لم نطلع عليه فنحسن به الظن ويسعنا جهل ما ذكر (قوله فالأنبياء) جمع نبي فعيل بمعنى مفعول من النبأ الذي هو الخبر، بمعنى أن جبريل أخبره عن أمر الله تعالى أو بمعنى فاعل لأنه مخبرنا عن أمر الله تعالى أو من النبوة بمعنى الرفعة لأن الله رفع رتبته أو لأنه سبب رفعة أمته إذ ما من أحد نال رفعة إلا وسببها نبيه لأن من لم يتبع النبي فلا رفعة له أصلا، لكن هذا المعنى مختص بالرسل لأنهم هم الذين وجب إتباعهم وما قبله من المعاني مشترك بين الأنبياء والرسل، فإن النبي مخبر عن الله أنه نبي وقد تقدم تعريف كل واحد من النبي والرسول في شرح الخطبة وعدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا كلهم أحرار خلافا لمن قال بنبوة عبد كلقمان، فإنه نوبي لأنا نقول: إن ثبت أنه نوبي لم يثبت أنه مملوك هذا مع الخلاف في ثبوت نبوته وكلهم من أهل القرى خلافا لمن قال بنبوة من لم يكن منها مستدلا بقوله تعالى ((وجاء بكم من البدو))([14]) وجوابه أن البدو في بعض التفاسير مكان وجواب آخر أنهم لم يكونوا في الأصل من البدو، وإنما حدثوا إليهم فجاوروهم وكلهم ذكور عند بعض مستدلا بقوله تعالى ((وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم))([15]) أقول وليس في هذا دليل على حصر النبوة في الرجال، وإنما هم دليل على قصر الرسالة عليهم ولذا قال ابن (1/29)
صفحة 30
حجر: ([16]) ومن النساء من تنبأ وهن ست: حواء وسارة وهاجر ومريم وأم موسى وآسية امرأة فرعون، وعن غيره وقد وقع الاختلاف في نبوة أربع نسوة مريم وآسية وسارة وهاجر (قوله ذوو المقام الأكمل) أي أصحاب المقام الكامل عند الله تعالى بأن خصهم بالإيحاء إليهم واصطفاهم من بين سائر خلقه.
---------------------------------------------------------------------------
[1] - الحديث رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء 3414 عن أبي هريرة بلفظ (لا تفضلوا بين أولياء الله فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض الخ)
[2] - سورة الأنعام آية رقم 90.
[3] - الحديث رواه الترمذي في المناقب 1 والدرامي في المقدمة 8.
[4] - الحديث رواه ابن ماجة في كتاب الزهد 37 باب ذكر الشفاعة 4308، عن أبي نظرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره وفيه زيادة (وأنا أول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر، ولواء الحمد بيدي يوم القيامة ولا فخر).
ورواه الترمذي في التفسير سورة 17، 18 وأحمد بن حنبل في المسند 1، 5، 281، 295، 3: 2، 114، 5: 137، 138، 393 (حلبي).
[5] - الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء 35 باب قول الله تعالى (وإن يونس لمن المرسلين – إلى قوله – فمتعناهم إلى حين) سورة الصافات آية رقم 139، 3416 عن سعيد بن إبراهيم سمعت حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكره ولفظه عند البخاري (لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى).
[6] - سبق تخريج هذا الحديث.
[7] - سورة النحل آية رقم 123.
[8] - سورة البقرة آية رقم 135.
[9] - سورة النساء آية رقم 164.
[10] - سورة طه آية رقم 41.
[ (1/30)
صفحة 31
11] - سورة النساء آية رقم 171 وتكملة الآية (فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا)
[12] - سورة الأحقاف آية رقم 35 وتكملة الآية (ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون)
[13] - هو أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي اليفرني، بدر الدين مؤرخ من علماء الأباضية في المغرب له كتاب السير في تاريخ الأباضية، وشرح مختصر العدل والإنصاف في أصول الفقه وشرح متن العقيدة، توفي عام 928 هـ. راجع السير 577 والدعاية إلى سبيل المؤمنين 28
[14] - سورة يوسف آية رقم 100 وتكملة الآية (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما شاء أنه هو العليم الحكيم)
[15] - سورة يوسف آية رقم 109 وتكملة الآية (من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون).
[16] - هو أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني أبو الفضل شهاب الدين بن حجر من أئمة العلم والتاريخ أصله من عسقلان (بفلسطين) ومولده عام 733 بالقاهرة، ولع بالأدب والشعر ثم أقبل على الحديث ورحل إلى اليمن والحجاز وغيرهما لسماع الشيوخ وعلت له شهرة فقصده الناس للأخذ عنه وأصبح حافظ الإسلام في عصره.
قال السخاوي: انتشرت مصنفاته في حياته وتهادتها الملوك وكتبها الأكابر وكان فصيح اللسان راوية للشعر عارفا بأيام المتقدمين وأخبار المتأخرين ولي القضاء بمصر مرات ثم اعتزل توفي عام 852 هـ.
من مصنفاته (الأحكام لبيان ما في القرآن من الأحكام) والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، والإصابة في تمييز الصحابة وفتح الباري شرح صحيح البخاري وغير ذلك كثير. (1/31)
صفحة 32
راجع التبر المسبوك 230 والضوء اللامع 2: 36 والبدر الطالع 1: 87 وخطط مبارك 6: 37 ولسان الميزان 6 وبدائع الزهور 2: 32 وانظر ترجمته لنفسه في كتابه رفع الأصر 1: 85.
المقصد الرابع في نسخ شرائعهم (الرسل) بشرائع نبينا
(قد نسخت شرائع الجميع= سوى الهدى بشرعنا البديع)
(وما له أي شرعنا مغير= فهو على الدوام لا يغير)
(قوله قد نسخت شرائع الجميع الخ) النسخ لغة: مشترك بين الإزالة والنقل يقال نسخت الشمس الظل أي أزالته، ونسخت الكتاب أي نقلته وقيل حقيقة في الإزالة، وقيل في النقل خاصة وفي الاصطلاح: رفع حكم شرعي بشرع متأخر فخرج برفع الحكم بيان المجمل وتخصيص العام فإنه تبين للمراد من المجمل والعام وبقوله حكم شرعي: ما ثبت حله مثلا باستصحاب الأصل كالخمر قبل التحريم فإن تحريمها لا يسمى نسخا وقوله بشرع متأخر مخرج لما إذا اقترن الشرعان كالآيتين مثلا فإن أحداهما مخصصة للأخرى فهو تخصيص ولا يصح اقترانهما متناسختين أعني أنه لا يرد خطاب الشارع بشيء فيقرنه بما يرفعه كله في الحال نحو صل الظهر لا تصلها لأنه عبث في الكلام، والباري جل وعلا منزه عنه فلزم من اقتران الآيتين أن تكون إحداهما أخص من الأخرى لأنه من الحكمة فصح الاحتراز عنه بما ذكر.
(واعلم) أن النسخ بيان لمدة انتهاء الحكم الأول عند الله تعالى أي أن الله عز وجل شرع الحكم إلى مدة علمها هو وأخفاها علينا فبعد انقضاء تلك المدة أنزل إلينا حكما آخر، فعلمنا أن الأول مخصوص بالمدة التي انقطعت فوجب علينا الأخذ بالشرع الثاني.
قيل: ومن هنا أنكر أبو مسلم الأصفهاني([1]) النسخ أي أنكر تسمية النسخ نسخا وسماه تخصيصا لأنه خصص الحكم الأول بالمدة التي انقضت فالخلاف بيننا وبينه على هذا لفظي.
( (1/32)
صفحة 33
وأعلم) أيضا أن شريعة نبينا عليه الصلاة والسلام ناسخة لجميع الشرائع الأول إلا ما لا يصح نسخه كالتوحيد ومكارم الأخلاق، فإنه بعث ليتممها لا ليبدلها وأما التوحيد فلا يصح نسخه لأن صفات الله تعالى لا يصح تبديلها فلا يجوز أن يؤمر هذا النبي أن يعتقد أن الله تعالى لا يرى ويؤمر هذا أن يعتقد أنه يرى فإذا عرفت هذا (فاعلم) أن نبينا صلى الله عليه وسلم لم يكن متعبدا بشريعة أحد من قبله وقال بعضهم أنه متعبد بشريعة إبراهيم لقوله تعالى ((ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم))([2]) قلنا أمر باتباعه في الحنيفية المنافية للشرك، وإدعاء الولد له تعالى ونحو ذلك، وهذه الحالة مشترك فيها جميع الأنبياء وخص إبراهيم بإضافتها إليه لمزية هي اتفاق أهل الكتابين والمشركين على نبوته وشهرته عندهم وقال بعضهم: بعضهم متعبد بشريعة نوح لقوله تعالى ((إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح))([3]) قلنا تشبيه للإيحاء بالإيحاء لا الموحى بالموحى ولو قلنا له تشبيه للموحى بالموحى ما لزمنا أن يكون متعبدا بشريعته لأن تشبيه الشيء بالشيء لا يستلزم أن يكون عينه بل لا يجوز أن يكون ذلك فيلزم منه تشبيه الشيء نفسه وقال بعضهم: إنه متعبد بشريعة موسى لقوله صلى الله عليه وسلم ((نحن أحق بموسى بن عمران))([4]) قلنا كونه أحق به لا يستلزم تعبده بشريعته وقال بعضهم أنه متعبد بشريعة عيسى لقوله صلى الله عليه وسلم ((أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم))([5]) قلنا فيه ما في الذي قبله وقال بعضهم: أنه متعبد بشريعة أولي العزم لقوله تعالى ((فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل))([6]) قلنا ليس فيه سوى أمره بالإقتداء بهم في الصبر وهو غير المطلوب.
( (1/33)
صفحة 34
تنبيه) إذا ورد في شيء من الشرائع الأول حكم في شيء لم يكن فيه من شريعتنا شيء لا نسخ ولا تقرير هل يصح الأخذ به أم لا؟ ذهب بغضهم إلى المنع من ذلك لأن جميع الشرائع نسخت بشرعنا، والمنسوخ لا يعمل به، فإن ورد فيه من شرعنا شيء عملنا به، وإلا رددنا إلى أصل الأشياء.
أقول أصل ذلك الشيء هو حكمه الذي أنزل الله فيه فلا ينتقل عنه إلا بحكم آخر، ولا يلزم من هذا كون نبينا عليه الصلاة والسلام متعبدا بشريعة من قبله لاحتمال أن يكون فيه حكم آخر أو تقرير له، لم يصل إلينا نقله (لا يقال) أن التقرير للشرع الأول هو عين التعبد به (لأنا نقول) لا نسلم أنه عينه بل غيره، لأن الشرع في اللغة عبارة عن البيان والإظهار يقال شرع الله كذا أي جعله طريقا ومذهبا فإن الشرع الثاني الذي تعبد به غير الأول الذي قرر، وقال بعضهم: إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ وهو عين ما نحن عليه لكن هؤلاء بنوا مذهبهم على أن محمداً صلى الله عليه وسلم متعبد بشريعة من قبله وقد عرفت ما فيه.
(قوله سوى الهدى) الهدى يطلق على التوحيد والتقديس، ويطلق على ما لا يعرف إلا بلسان الأنبياء من الفعل والترك، ثم أنه يطلق على الكل ويطلق على الجزء ا. هـ أبو البقاء([7]) والمراد به هنا الإطلاق الأول وما لا يصح نسخه من مكارم الأخلاق.
(قوله بشرعنا) متعلق بنسخه والإضافة فيه لتشريف المضاف إليه.
(قوله البديع) أي الحسن نعته بصفة ملازمة له كشفنا لحقيقته عند الغبي به كمن أنكره من اليهود والنصارى.
(قوله وما له أي شرعنا) بجر شرع بدل من الضمير أو عطفا عليه بأي التفسيرية على مذهب من جعلها عاطفة.
(قوله مغير) أي مزيل بمعنى ناسخ أي ليس لشرعنا ناسخ أبدا لقوله تعالى ((وخاتم النبيين))([8]) وليس بعد الخاتم أحد إذ لو كان بعده أحد لما كان خاتما لهم وقوله صلى الله عليه وسلم ((لا نبي بعدي))([9]) فيجب اعتقاد هذا المعنى على كل من بلغه علمه.
( (1/34)
صفحة 35
قوله فهو على الدوام) الثابت إلى يوم القيامة لا يغير أي لا يزال بمعنى أنه لا ينس
--------------------------------------------------------------------------------
[1] - هو أبو مسلم بن بحر الأصفهاني أبو مسلم: وال من أهل أصفهان معتزلي من كبار الكتاب كان عالما بالتفسير وبغيره من صنوف العلم وله شعر ولي أصفهان وبلاد فارس للمقتدر العباسي واستمر إلى أن دخل ابن بويه أصفهان عام 321 هـ فعزل من كتبه (جامع التأويل) في التفسير أربعة عشر مجلدا، جمع سعيد الأنصاري الهندي نصوصا منه وردت في (مفاتيح الغيب) المعروف بتفسير الفخر الرازي وسماها (ملتقط جامع التأويل لمحكم التنزيل) في جزء صغير، ومن كتبه الناسخ والمنسوخ وكتاب في النحو، ومجموع رسائله توفي عام 322 هـ
راجع إرشاد الأريب 6: 420 وابن النديم 136 وملتقط جامع التأويل مقدمته.
[2] - سورة النحل آية رقم 123 وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال (وأوحينا) بدلا من (ثم أوحينا).
[3] - سورة النساء آية رقم 136 وتكملة الآية (والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا)
[4] - الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب الصوم 69 باب صيام يوم عاشوراء 2004 حدثنا عبد الوارث عن أيوب عن عبدالله بن سعيد بن جبير عن أبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا قالوا: هذا يوم صالح هذا يوم نجّى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى. قال: فأنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه.
ورواه في التفسير سورة 10 ورواه الإمام مسلم في الصيام 126 وابن ماجة في الصيام 41.
[5] - الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب الفضائل 145 وفيه زيادة (في الأولى والآخرة)
[ (1/35)
صفحة 36
6] - سورة الأحقاف آية رقم 35 وتكملة الآية (ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون).
[7] - هو أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي أبو البقاء صاحب الكليات كان من قضاة الأحناف عاش وولي القضاء في (كفة) بتركيا وبالقدس وببغداد وعاد إلى استانبول فتوفي بها عام 1094 هـ ودفن في تربة خالد وله كتب أخرى بالتركية.
راجع هدية العارفين 229 وفيه وفاته قاضيا بالقدس وإيضاح المكنون 2: 380 ومعجم المطبوعات 293 وفيه وفاته سنة 1095.
[8] - سورة الأحزاب آية رقم 40.
[9] - الحديث رواه الإمام أحمد بن حنبل في المسند 1: 177 – عن قتادة وعلي بن زيد بن جدعان قالا ثنا ابن المسيب حدثنا ابن سعد بن مالك ثنا عن أبيه قال دخلت على سعد فقلت حديثا حدثينه عنك حين استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه على المدينة قال: فغضب فقال من حدثك به فكرهت أن أخبره أن ابنه حدثنيه فيغضب عليه ثم قال (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى غزوة تبوك استخلف عليا رضي الله عنه على المدينة. فقال يا رسول ما كنت أحب أن تخرج وجها إلا وأنا معك فقال: أو ما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي).
ورواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة 9 باب مناقب علي بن أبي طالب القرشي 3076 بسنده عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن الرسول صلى الله عليه وسلم وليس فيه (لا نبي بعدي) وذكرها ابن حجر في الشرح ورواه ابن ماجة في المقدمة 11 والترمذي في المناقب 20
المقصد الخامس في الملائكة
وبعدهم ملائك حباهم= مولاهم بالقرب واجتباهم
أفضلهم جبريل والذي زعم= تفضيله على الحبيب قد غشم
( (1/36)
صفحة 37
قوله وبعدهم ملائك) أي وبعض الأنبياء في رتبة الأفضلية ملائك الخ (أعلم) أنه لا نزاع في أفضلية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على جميع الخلق إلا ما سيأتي عن الزمخشري([1]) في تفضيل جبريل على نبينا عليهما الصلاة والسلام، وسيأتي رد قوله فهو صلى الله عليه وسلم مستثنى من الخلاف الآتي في تفضيل الأنبياء على الملائكة أو العكس، وكذلك أيضا لا نزاع في تفضيل الأنبياء عليهم السلام على الملائكة السفلية الأرضية، وأما تفضيلهم على الملائكة العلوية فذهب إلى جمهورنا وجمهور الأشعرية مستدلين بأدلة منها: قوله تعالى ((وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم))([2]) لأن المتبادر إلى الذهن أمر الأدنى بالسجود للأعلى لا العكس (لا يقال) إن السجود يكون على وجوه فلعله لم يكن سجود تعظيم (لأنا نقول) قوله تعالى حكاية عن إبليس ((أرأيتك هذا الذي كرمت علي))([3]) وقوله ((أنا خير منه))([4]) ينفي ما عدا التعظيم من الاحتمالات (ومنها) قوله تعالى ((وعلم آدم الأسماء كلها)) ([5]) والعالم أفضل من غيره بدليل ((هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون))([6]) (ومنها) أن عبادة الأنبياء إنما تكون بتحمل المشاق في قطع العوائق من قمع الشهوات ومصادفة المكروه، ومن كان كذلك فهو أفضل لقول النبي صلى الله عليه وسلم ((أفضل الأعمال أحمزها أي أشقها))([7]) (ومنها) أن الملائكة ذوو عقول بلا شهوة والبهائم شهوة بلا عقول، والأنبياء قد جمع فيهم العقل والشهوة، فمن غلبت شهوته عقله فهو أشر من البهائم لقوله تعالى ((أولئك كالأنعام بل هم أضل))([8]) ((إن شر الدواب عند الله))([9]) الآية وذلك يقتضي أن من غلب عقله شهوته أفضل من الملائكة وهذا الدليل والذي قبله يقتضيان تفضيل سائر المؤمنين عليهم أيضا وسيأتي الخلاف فيه قريبا إن شاء الله.
( (1/37)
صفحة 38
وذهبت) المعتزلة وأبو عبدالله الحليمي([10]) والقاضي أبو بكر([11]) إلى أن الملائكة أفضل من الأنبياء واستدلوا على ذلك بوجوه عقلية ونقلية فأما (العقلية) فمبنية على قواعد الفلسفة التي لا يسلمها الإسلاميون فلا نذكرها، وأما (النقلية فمنها) قوله تعالى حكاية عن نبيه صلى الله عليه وسلم ((ولا أقول إني ملك)) ([12]) قلنا لم يقل على سبيل التواضع وإنما قاله ليتبرأ من دعوى القوة حيث استعجلوه بإنزال العذاب الذي توعدوا به وذلك أن الملائكة أقدر على زلزلة الأرض وقلبها مع أن ظاهر الآية يقتضي تفضيلهم أيضا على محمد صلى الله عليه وسلم والخصم لا يقول بذلك فينتقض بذلك استدلاله.
(ومنها) قوله تعالى حكاية عن إبليس ((ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين)) ([13]) إنهما رأيا الملائكة أعظم خلقة وأقوى فعالا فخيل لهما أن ذلك هو الكمال (ومنها) ((لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون)) ([14]) (قلنا): هو رد على النصارى حيث زعموا ألوهية عيسى من حيث أنه يحيي الموتى ويبرئ الأكمة والأبرص وأنه لا أب له والملائكة أقدر على ذلك من عيسى بتقوية الله لهم ولا أب لهم ولا أم فلم يكن ذلك موجبا لاستنكافهم عن العبودية.
(ومنها) ((ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم)) ([15]) (قلنا) هو حكاية عن نسوة غير متفقهات وأيضا فهو تفضيل في الحسن لا في الخصال وذلك أنه تخيل لهن أن الملك أحسن صورة من جميع خلق الله فقلن ذلك (ومنها) أنهم رسل الله إلى أنبيائه والرسول أفضل من المرسل إليه (قلنا): هذا يقتضي أن الملك إذا أرسل أحدا من عوام الناس إلى ملك آخر أن يكون ذلك العامي أفضل من الملك المرسل هو إليه وأيضا فهذا يستلزم تفضيلهم على نبينا والخصم لا يقول بذلك.
( (1/38)
صفحة 39
واختلف) القائلون بتفضيل الأنبياء على الملائكة هل الملائكة أفضل من سائر المؤمنين أم المؤمنون أفضل منهم احتج من قال بأفضلية الملائكة بقوله تعالى ((بل هم عباد مكرمون)) ([16]) وفيه أن وصفهم بالإكرام لا يقتضي نفيه عن غيرهم وبقوله تعالى ((لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون)) ([17]) (واستدل) القائلون بتفضيل المؤمنين على الملائكة بقوله تعالى حكاية عنهم ((نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة)) ([18]) أي نخدمكم فيهما وفيه أن من يخدم أحدا لا يستلزم أن يكون المخدوم أفضل منه (فإن سيد القوم خادمها) ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما خدم غيره كما هو مشهور في كتب التواريخ وبقوله تعالى ((إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين)) ([19]) وفيه أنه اصطفاء للأنبياء على سائر العالمين لا لعامة المؤمنين عليهم. وبما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ((المؤمن من بني آدم أفضل عند الله من جميع الملائكة))([20]) وهذا دليل صريح في تفضيلهم على الملائكة لكنه خبر واحد لا يوجب العلم ولا يقال: إنه مردود بظاهر قوله تعالى ((لا يعصون الله ما أمرهم))([21]) لأنه إخبار عن كونهم لا يعصون لا عن تفضيلهم على غيرهم فلا تنافي ولبعضهم:
حرمة المسلم فاقت= حرمة البيت الحرام
وله الإعزاز في الدنيا= وفي دار المقام
وهو أعلا عند مولاه = من أملاك كرام (1/39)
صفحة 40
هذا وأنت خبير أن أدلة التفضيل مطلقا ظنية فإنها وأن كانت آيات قرآنية ففيها احتمالات تأويلية، وما كان محتملا لمعنيين فصاعدا ولم يكن ثمة قاطع بإرادة أحد المعاني خاصة، فتلك الاحتمالات متساوية الدلالة وترجيح أحدها على الباقي أو نحو ذلك ترجيح ظني فقط، والظني لا يفيد العلم القطعي، والاعتقاد الجازم ثمرة العلم القطعي لا الظني، فبهذا تعرف أنه ليس المكلف من اعتقاد هذا المعنى شيء ولذا سكت عنه أصحابنا المشارقة رحمهم الله تعالى فلم يذكروه في مؤلفاتهم لاقتصارهم غالبا على بيان اللازم من الاعتقاد، وإنما ذكرناه نحن توسعة للمقام وإطلاعا للطالب وإظهارا للفائدة، وهكذا سبيلنا في المسائل الغير قطعية.
(واعلم) أن الملائكة أجسام لطيفة من نور وقيل من غيره لكنها تضيء كالنور وليست لحما ولا دما ولا عظما، قادرة على التشكل بأشكال مختلفة وهكذا تراهم الرسل. وقالت طائفة من النصارى: إن الملائكة هي أرواح الفضلاء الطيبين من بني آدم الذين ماتوا. قال القطب رحمه الله تعالى: ومن اعتقد هذا حكمنا بإشراكه لقيام الأدلة القاطعة على أن الملائكة ليسوا بذلك من الأحاديث الدالة عن أن بعضها خلق من النور وبعضا من الذكر، ومن اعتقد غير ذلك فهو مخالف للإجماع قال: والواجب أن تعلم أن كل جملة غير الأخرى. الملائكة جملة والجن جملة وبنو آدم جملة، فإذا قلنا الملائكة أرواح الموتى الفضلاء لزم أن يكونوا من بني آدم وأيضا قامت الأدلة أن الملائكة تبعث على حدة فيلزم أن يكون بنو آدم مبعوثين بلا روح أو غير مبعوثين أو مبعوثين بأرواح غير ما كانت فيهم في الحياة الدنيا. (1/40)
صفحة 41
وذلك كله شرك لأنه إنكار للبعث الموصوف شرعا بأنه بأرواح وحياة، وأنه لا يترك منهم شيء غير مبعوث مما كان فيهم في الدنيا فكيف يبعثون بدون الروح التي كانت فيهم..؟ وإنما ينادي الملك أيتها الروح ارجعي إلى أجسادك وزعم الحكماء أنها جواهر مجردة مخالفة للنفوس الناطقة في الحقيقة فهي أرواح لم تكن في أجساد قال: والملائكة قسمان قسم للعبادة وهم العليون والمقربون والكروبيون قال الله جل وعلا ((يسبحون الليل والنهار لا يفترون))([22]) وقسم لخدمة ما أمر الله به من وحي وسحاب ورجم وغير ذلك فمنهم المدبرات أمرا أو هم كلهم المدبرات أمرا أعني القسم الثاني بعضهم سماوي وبعضهم أرضي قال الله تعالى ((لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون))([23]) ا. هـ. ولا يجوز وصفهم بأنهم إناث ومن وصفهم بذلك فهو مشرك، لقوله تعالى ((وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا))([24]) لا يجوز وصفهم أيضا بأنهم رجال قال الباجوري([25]): ومن وصفهم بذلك فقد نافق وجوز ذلك بعض أصحابنا وتأولوا عليه قوله تعالى ((وعلى الأعراف رجال))([26]) على القول بأنهم ملائكة ولا دليل على نفاق من قال بذلك اللهم إلا أن يريد القائل بأنهم رجال وصفهم بالصفات اللازمة للرجال من وجود الذكورية ولوازمها ومجوز ذلك من أصحابنا لم يرد إلا إطلاق اسم الرجال عليهم لا مدلول الاسم فافهم ولا يجوز الشك في هل هم إناث أو هل هم صبيان أو مجانين؟ قال عبد العزيز([27]) رحمه الله تعالى ومن شك في ذلك فهو مشرك قال: ومن شك في أنه هل فيهم الإناث والصبيان والمجانين؟ فهو موحد. (1/41)
صفحة 42
وهذا إذا لم تقم عليه الحجة القاطعة بأنهم ليسوا كذلك (واختلف) في مبدأ خلقهم فقيل خلقوا دفعة واحدة ويموتون كذلك بعد فناء الخلق وقيل خلقوا متفاوتين وهو الصحيح للأحاديث الدالة على ذلك والأولى التوقف في فنائهم هل هو دفعة أم لا؟ ولا يجوز أن يوصفوا بأنهم يأكلون أو يشربون أو ينامون قال عبد العزيز رحمه الله تعالى: ومن وصفهم بشيء من ذلك فهو مشرك والمراد بالشرك هنا الشرك الجزئي الذي لا يترتب عليه أحكام المشركين وهو النفاق في العقائد كما مر من بيان اصطلاحهم في ذلك، ووجه نفاقه بما ذكر أن تلك الصفات يختص بها غير الملائكة فمن وصفهم بها أو بشيء منها فقد جعل غير الملائكة ملائكة وهو زعم باطل (قوله حباهم) أي أعطاهم على سبيل اللطف (قوله مولاهم) أي ناصرهم (قوله بالقرب) أي برفع المنزلة وعلو الشأن (قوله واجتباهم) أي اصطفاهم والاصطفاء للملائكة مجمع عليه (والخلف) في عصمتهم ذهب بعض إلى نفيها عنهم مستدلين بقوله تعالى ((قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء))([28]) الآية (قالوا) ففيها من المعاصي أشياء.
(أحدها): الغيبة لأن فيها ذكر مثالب الغير.
(وثانيها): تزكية النفس والجواب عنهما أن الغيبة ذكر مثالب الغير مع من لم يعلمها والتزكية ذكر فضائل النفس مع من لم يعلمها أيضا كذا قال العضد([29]) وفيه أن كر مثالب المؤمن مع من علم ذلك ليس بغيبة وليس كذلك لحديث عائشة في المرأة التي وصفتها مع رسول الله بالقصر([30]) فقال لها اغتبتيها مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى منها ذلك أيضا وللعضد أن يقول إن عائشة رضي الله عنها مبني على ظنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير منها ما رأت مع احتمال أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم لم ير قصرها أصلا.
(ثالثها): الاعتراض على الله تعالى في فعله والجواب إنها استفسار لا اعتراض أي قول الملائكة طلب لبيان الحكمة لا اعتراض على فعل الصانع.
( (1/42)
صفحة 43
ورابعها): أن قولهم ذلك رجم بالغيب وقول بالظن والظن في مثل هذا لا يجوز، والجواب: أنه لم يكن رجما بالغيب لاحتمال أن يكونوا علموا ذلك علما من عند الله تعالى أو شاهدوا مكتوبا في اللوح ما قالوا (واستدل) ذلك البعض أيضا بقوله تعالى: ((فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس))([31]) (قالوا) لو لم يكن من الملائكة لما صح استثناؤه منهم (قلنا) هو من الجن بدليل ((إلا إبليس كان من الجن))([32]) والاستثناء منقطع على حد:
وبلدة ليس بها أنيس= إلا اليعافير وإلا العيس([33])
(قالوا) فالجن اسم لبعض الملائكة (قلنا) هو خلاف الظاهر ولا دليل عليه (قالوا) ولو لم يكن من الملائكة لما عصى بترك السجود (قلنا) الأمر للملائكة ولغيرهم فخصوا بالذكر لشرفهم عند الله تعالى ولأغلبيتهم على غيرهم كثرة، واستدلوا أيضا بما ورد في بعض الأخبار أن هاروت وماروت كانا ملكين بل نصت الآية على ذلك وقد وقعت منهما المعصية.
(قلنا) ليس في الآية دليل على أنهما عاصيان أو فعلا شيئا من المناكر، والإخبار بذلك من كذب اليهود كيف يكونان عاصيين مع قولهما فلا تكفر وتعليمهم الناس السحر يحتمل أن يكون بأمر من الله تعالى فتنة للمتعلمين، إذ ليس ينافي الحكمة أن يعلمهم شيئا وينهاهم عن إتيانه، ويدل على أنهما مأموران بذلك قوله تعالى ((وما أنزل على الملكين ببابل))([34]) فالظاهر أنهما لم يكونا مأمورين بذلك ما سمي ما أوتياه منزلا وهذا أولى مما قيل أنهما رجلان صالحان شبها بالملكين فأطلق عليهما اسمهما إذ لا دليل عليه.
(واستدل) المثبتون للعصمة بقوله تعالى ((لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون))([35]) (1/43)
صفحة 44
((يسبحون الليل والنهار لا يفترون))([36]) (وأجيب) عنها بأنها تكون دليلا على المطلوب أن لو استغرقت كل فرد منهم وكل زمان وليس فيها ذلك إنما دلت على أنهم في الجملة متصفون بذلك فلا ينافي عصيان البعض منهم دون البعض لجواز تخصيص العام وكذلك لا ينافي عصيانهم في زمان غير الزمان الذي مدحوا فيه (قلنا) الآيات أخبار عامة شاملة لجملتهم والخبر لا يخصص ولا يقيد إلا بمتصل به أو بما هو في حكم المتصل كالعقل مثلا وهنا ليس كذلك فوجب أن يعتقد حقية مدلول الآيات (وأيضا) فلو جازت عليهم المعصية ما وجب على الرسول أن يصدق الملك فيما جاءه به لاحتمال أن يكون كاذبا في ذلك ويجاب بأن وجوب التصديق لا يتوقف على ثبوت العصمة لاحتمال أن يرى عليه شاهد الصدق فينقطع عذر التكذيب. (1/44)
صفحة 45
(وبالجملة) فليس هنا دليل قاطع على ثبوت العصمة لجميع أشخاصهم حتى يكفر من خالفه لكن الراجح أن العموم مستغرق لأفراده حتى يخصص ولا مخصص هنا (قوله أفضلهم جبريل) أي أكثرهم فضلا عند الله عز وجل وهو الملك جبريل، قيل ومعناه بالعربية هو عبدالله، والدليل على أفضليته أنه هو الرسول من الله إلى أنبيائه والرسول أفضل ممن لم يرسل لاصطفاء الرسول على غيره وهو مشاهد للواقع التي أذن الله له أن يشهدها والمجاهد أفضل من غيره لقوله تعالى ((فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة))([37]) (فإن قيل) إن غيره من الملائكة أرسل وشهد أيضا (قلنا) إرساله وجهاده أكثر من إرساله غيره وجهاده، ومن كان أكثر خصالا في الخير كان أفضل عند الله تعالى (قوله والذي زعم) أي قال بتفضيل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم قد غشم حيث دخل مدخلا ليس له أن يدخله بلا تثبت في أمره، والإشارة إلى الزمخشري([38]) مستدلا بأن الله عز وجل وصف جبريل بقوله ((إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين))([39]) ووصف محمدا بقوله ((وما صاحبكم بمجنون))([40]) فاقتصر على نفي الجنة عنه وأطال في وصف جبريل بما سمعت.
(قلنا) ليس في تطويل الصفات وتقصيرها ما يدل على تفضيل وغيره وإنما ذلك شيء اقتضاه المقام فإن قريشا كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنه معلم مجنون فرد عليهم القرآن قولهم حيث نفى عنه الجنة (قوله على الحبيب) هو نبينا عليه الصلاة والسلام، وإنما سماه حبيبا لقوله صلى الله عليه وسلم ((اتخذ الله إبراهيم خليلا وموسى نجيبا واتخذني حبيبا ثم قال عزتي وجلالي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيبي))([41]).
( (1/45)
صفحة 46
قوله قد غشم) أي في حق محمد صلى الله عليه وسلم حيث فضل غيره عليه وخرق بذلك الإجماع حتى قال من قال: إن الزمخشري خالف مذهبه في تفضيل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم قال القطب رحمه الله وليس هو مخالفا لمذهبه لأن مذهبه تفضيل الملائكة على الأنبياء. (أقول) في المواقف([42]) وشرحه للسيد إن المعتزلة مجمعون مع من أجمع على تفضيل محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق وأنه مستثنى من النزاع الواقع في تفضيل الملائكة على الأنبياء، لكن صحح القطب رحمه الله عدم استثنائه من محل النزاع وتصحيحه ذلك مؤذن بأن فيه قولا آخر فلعله علم أن ذلك القول هو مذهب الزمخشري.
-----------------------------------------------------------------------------
[1] - سبق الترجمة له في كلمة وافية في هذا الجزء.
[2] - سورة البقرة آية رقم 34 وتكملة الآية (فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين).
[3] - سورة الإسراء آية رقم 62.
[4] - سورة الأعراف آية رقم 12 وتكملة الآية (خلقتني من نار وخلقته من طين) وسورة ص آية رقم 76.
[5] - سورة البقرة آية رقم 31 وتكملة الآية (ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين).
[6] - سورة الزمر آية رقم 9 وتكملة الآية (إنما يتذكر أولوا الألباب).
[7] - لم نعثر على هذا الحديث على كثرة البحث والتقصي ولعل بعض الأخوة يدلنا عليه.
[8] - سورة الأعراف آية رقم 179.
[9] - سورة الأنفال آية رقم 22.
[10] - هو الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الجرجاني أبو عبدالله فقيه شافعي. قاض كان رئيس أهل الحديث في ما وراء النهر. مولده بجرجان عام 338 هـ ووفاته في بخارى عام 403 هـ له (المنهاج في شعب الإيمان) قال الأسنوي: جمع فيه أحكاما كثيرة، ومعاني غريبة.
راجع الرسالة المستطرفة 44 وملخص المهمات وفهرس المخطوطات المصورة 1: 110.
[ (1/46)
صفحة 47
11] - هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر، أبو بكر: قاض من كبار علماء الكلام انتهت إليه الرياسة في مذهب الأشاعرة، ولد في البصرة عام 338 وسكن بغداد فتوفي فيها عام 403 هـ كان جيد الاستنباط سريع الجواب من كتبه: إعجاز القرآن، والإنصاف وكشف أسرار الباطنية، والتمهيد في الرد على الملحدة، والمعطلة والخوارج والمعتزلة وغير ذلك. راجع وفيات الأعيان 1: 481 وتاريخ بغداد 5: 379 ودائرة المعارف الإسلامية 3: 294 والديباج المذهب 267 ودار الكتب 1: 165.
[12] - سورة الأنعام آية رقم 50 بزيادة (لكم) وسورة هود آية رقم 31 (ولا أقول إني ملك) وتكملة الآية (ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين).
[13] - سورة الأعراف آية رقم 20
[14] - سورة النساء آية رقم 172
[15] - سورة يوسف آية رقم 31.
[16] - سورة الأنبياء آية رقم 26
[17] - سورة التحريم آية رقم 6
[18] - سورة فصلت آية رقم 31
[19] - سورة آل عمران آية رقم 33
[20] - لم نعثر على هذا الحديث في كتب الصحاح وهناك حديث رواه الإمام أحمد في المسند بلفظ (إن عبدي المؤمن عندي بمنزلة كل خير يحمدني وأنا أنزع نفسه من بين جبينه)
[21] - سورة التحريم آية رقم 6
[22] - سورة الأنبياء آية رقم 20.
[23] - سورة التحريم آية رقم 6.
[24] - سورة الزخرف آية رقم 19 وتكملة الآية (أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون).
[25] - سبقت الترجمة له في كلمة وافية في الجزء الأول.
[26] - سورة الأعراف آية رقم 46 وتكملة الآية (يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون)
[ (1/47)
صفحة 48
27] - لعله عبد العزيز بن محمد الضمدي مجتهد من العلماء بالحديث زيدي يماني من أهل ضمد، ولي القضاء في زبيد والمخا وغيرهما وصنف كتبا اشتهرت في اليمن منها (حاشية على شرح الخبيصي على الكافية في النحو) وتخريج أحاديث شفاء الأوام وبيان طرقها من دواوين أئمة الحديث الأعلام.
[28] - سورة البقرة آية رقم 30 وتكملة الآية (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون).
[29]- هو عبدالرحمن بن أحمد بن عبدا لغفار أبو الفضل عضد الدين الإيجي عالم بالأصول والمعاني العربية من أهل (إيج) بفارس ولي القضاء وأنجب تلاميذ عظاما وجرت له محنة مع صاحب كرمان فحبسه بالقلعة فمات مسجونا من تصانيفه (المواقف) في علم الكلام والعقائد العضدية، وجواهر الكلام، ومختصر المواقف، والمدخل في علم المعاني والبيان البديع. توفي عام 756 هـ. راجع بغية الوعاة 296 ومفتاح السعادة 1: 169 والدرر الكامنة 2: 322 وطبقات السبكي 6: 108.
[30] - الحديث رواه الإمام أحمد في المسند 6: 206 حدثني أبي ثنا وكيع قال ثنا سفيان عن علي بن الأقر عن أبي حذيفة عن عائشة أنها ذكرت امرأة وقالت إنها قصيرة فقال: اغتبتها ما أحب أني حكيت أحدا وأن لي كذا وكذا).
[31] - سورة الحجر آية رقم 30 وسورة ص آية رقم 73
[32]- سورة الكهف آية رقم 50 وتكملة الآية (ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا)
[33] - هذا البيت من أرجوزة لعامر بن الحارث المعروف بحران العود وهكذا يرويه النحاة من سيبويه إلى اليوم وإن كانت الرواية في ديوانه هكذا
الذئب أو ذو لبد هموس... بسابسا ليس بها أنيس
إلا اليعافير وإلا العيس... وبقر ملمع كنوس
[ (1/48)
صفحة 49
34] - سورة البقرة آية رقم 102 وتكملة الآية (هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علوا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاف ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون)
[35] - سورة التحريم آية رقم 6
[36] - سورة الأنبياء آية رقم 20 وقد جاءت في الأصل الآيتان على أنهما آية واحدة.
[37] - سورة النساء آية رقم 95 وقد جاءت هذه الآية محرفة في المطبوعة حيث ذكرت (فضل الله المجاهدين على القاعدين درجة)
[38] - سبقت الترجمة له في هذا الجزء
[39] - سورة التكوير آية رقم 20
[40] - سورة التكوير آية رقم 22
[41]- الحديث رواه الإمام البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه
[42] - كتاب المواقف لعضد الدين الإيجي وقد قامت أخيرا إحدى دور النشر بلبنان بطبع المتن ولا زال الشرح في حاجة إلى تحقيق وتبويب حتى يمكن للباحثين الانتفاع به.
الإيمان بالأنبياء والملائكة
بهم جميعا يجب الإيمان = وبالذي أنزله الرحمن
وهو كلام دل بالنظم الاتم = على معان فيه إرشاد الأمم
(قوله بهم جميعا) الضمير عائد على الأنبياء والملائكة (قوله يجب الإيمان) أي التصديق بوجودهم لقوله تعالى ((آمنوا بالله واليوم الآخر))([1]) وقوله ((والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله))([2]) وقدم ذكر الملائكة لتقدمهم في الوجود ولأنهم أخفى من الكتب فالإيمان بهم أبعد مما هو أظهر للحس.
------------------------------------------------------------------------------
[1]- سورة النساء آية رقم 39 وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة
[2]- سورة البقرة آية رقم 285 وتكملة الآية (وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)
المقصد السادس في الكتب والإيمان بها
( (1/49)
صفحة 50
قوله وبالذي أنزله الرحمن) معطوف على قوله بهم جميعا يجب الإيمان أي ويجب الإيمان بالذي أنزله الرحمن من الكتب السماوية إلى أنبيائه عموما وبالقرآن خصوصا، وهي مائة كتاب وأربعة كتب كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه خمسون منها على شيث وثلاثون على إدريس، وعشرة على إبراهيم، وعشرة على موسى قبل التوراة والأربعة هي التوراة على موسى، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى والفرقان على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو ناسخ لكتابتها وتلاوتها وبعض أحكامها وهو أفضلها أيضا ويليه التوراة فالإنجيل فالزبور وهو كلام عربي والتوراة عبراني، والإنجيل رومي، والزبور سرياني، كذا قيل ونزلت صحف إبراهيم لثلاث مضين من رمضان وقيل في أول ليلة منه ونزلت التوراة لست مضين منه ونزل الإنجيل لثلاث عشرة مضين منه، والزبور لثماني عشرة مضين منه، وكلها أنزلت إلى أنبيائها دفعة واحدة والقرآن في الرابعة والعشرين منه في ليلة القدر، أنزل دفعة واحدة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا واللوح المحفوظ: هو درة بيضاء طولها مسير خمسمائة عام وعرضها كذلك، وقيل جبهة ملك ثم نزل بعد ذلك منجما على حسب المصالح، ثم إنزاله بعشر سنين بمكة وعشر بطيبة وقيل بثلاث عشرة سنة بمكة وعشر بطيبة قال القطب رحمه الله تعالى: وكل الكتب عن جبريل عن ميكائيل عن إسرافيل عن اللوح المحفوظ أو عنه أو عن ملائكة بالنسخ من اللوح أو عن جبريل عن اللوح أقوال ا. هـ.
(قوله وهو كلام) أي المنزل من عند الله تعالى إلى أنبيائه كلام مركب من حروف ومعان مختلفة عباراته باختلاف لغات أنبيائه ((وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه))([1]) ((ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي))([2]).
( (1/50)
صفحة 51
واعلم) أن هذا وما بعد تشخيص للكلام المنزل لا تعريف له لأن الكتب من الشخصيات والشخصي لا يعرف أي لا يمكن تعريفه كزيد مثلا فإنك متى قلت إنه رجل طويل عريض كان تشخيصا له لا تعريفا فلا يكمل تمييزه إلا بالإشارة إليه، فكذا الكتب لا يكمل تمييزها إلا بالإشارة إليها وتلاوتها من أولها إلى آخرها، ولذا كان هذا الكلام جامعا غير مانع، فإنه شامل لكل كلام بليغ فيه معان يهتدى بها إلى طريق النجاة (قوله دل بالنظم الأتم) على معان عبر بالنظم لما فيه من حسن التعبير في تشبيه الكلام بنظم اللالي في السلك بخلاف التعبير باللفظ فإنه لغة الطرح ولذا قالوا إن في التعبير به سوء أدب ولأن اللفظ خاص بما عدا الكلام الإلهي قاله الرضي([3]) ووصف النظم بالأتم أي التام بحسب لغة ما أنزل إليهم، وإن كان متفاوتا في الكمال فنظم القرآن معجز بخلاف غيره من الكتب وهل الآية الواحدة منه معجزة للبلغاء والعلماء أو الثلاث الآيات فما فوق باقتصاره تعالى عليها لقوله ((فأتوا بسورة من مثله))([4])..؟ وأقصر السور ثلاث آيات قولان وقيل مجموعة معجز فقط قال القطب رحمه الله تعالى: وهو باطل أقول ووجه بطلانه أن قوله تعالى ((قل فأتوا بعشر سور))([5]) وقوله ((قل فأتوا بسورة مثله))([6]) مشعر بأن الإعجاز بأقصر سورة منه لا بمجموعة فقط ولإعجازه جهات أخر (منها) إيجازه وبلاغته وبيانه وعدم كلال قارئه ومستمعه وخرق العادة في نظمه وإخباره بالغيب وإخباره عما مضى في الأمم الخالية وجمعه علوما لم يجمعها غيره من الكتب من حلال وحرام ومواعظ وأمثال وقصص وصرف الهمة عن معارضته وعارضه قليل فافتضحوا.
( (1/51)
صفحة 52
واعلم) أن النظم هو ركن الكلام المنزل به هو الركن الأعظم والركن الثاني هو المعنى فلا يجوز لقارئه سلخ معناه إلى لفظ آخر، وفاعل ذلك في صلاته تفسد صلاته خلافا لأبي([7]) حنيفة في تجويزه قراءة القرآن في الصلاة بالفارسية وهي إحدى أعجوباته واعتذار بعض أصحابه عنه بما لا طائل تحته غير مسموع (قوله فيه) أي الكلام المنزل (قوله إرشاد الأمم) أي دلالتهم إلى طريق مرضاة ربهم.
----------------------------------------------------------------------------
[1] - سورة إبراهيم آية رقم 4 وتكملة الآية (ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم)
[2] - سورة فصلت آية رقم 44 وتكملة الآية (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد)
[3] - هو محمد بن الحسين بن موسى أبو الحسن، الرضي العلوي الحسيني الموسوي، أشعر الطالبين على كثرة المجيدين فيهم مولده عام 359 هـ ووفاته ببغداد عام 406 هـ انتهت إليه نقابة الأشراف في حياة والده وخلع عليه بالسواد له ديوان شعر في مجلدين وكتب منها الحسن من شعر الحسين.
راجع وفيات الأعيان 2: 2 وتاريخ بغداد 2: 246 ويتيمة الدهر 2: 297 – 315 ونزهة الجليس 1: 359 والذريعة 7: 16
[4] - سورة البقرة آية رقم 23 وتكملة الآية (وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين).
[5]- سورة هود آية رقم 13 وتكملة الآية (مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين)
[6] - سورة يونس آية رقم 38 وتكملة الآية (وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: (بسورة من مثله) بزيادة (من)
[ (1/52)
صفحة 53
7] - هو النعمان بن ثابت التميمي بالولاء الكوفي أبو حنيفة إمام الحنفية الفقيه المجتهد المحقق، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، قيل أصله من أبناء فارس ولد عام 80 هـ بالكوفة وكان يبيع الخز ويطلب العلم في صباه ثم انقطع للتدريس والإفتاء، وأراده عمر بن هبيرة أمير العراق على القضاء فامتنع ورعا وأراده المنصور العباسي بعد ذلك على القضاء ببغداد فأبى توفي عام 150 هـ
من كتبه: المخارج في الفقه، والفقه الأكبر.
راجع تاريخ بغداد 13: 323 – 433 وابن خلكان 2: 163 والنجوم الزاهرة 2: 12 والبداية والنهاية 10: 107 والجواهر المضية 1: 26.
الحديث في خلق القرآن
والكل مخلوق لإمكان العدم= ولانفراده تعالى بالقدم
( (1/53)
صفحة 54
قوله والكل مخلوق) أي وكله فأل عوض عن المضاف إليه (اعلم) أنه (لا خلاف) بين الأمة في أن كلامه تعالى المكتوب في المصاحف المتلو بالألسن المحفوظ في الصدور مخلوق، لأنه مركب من حروف وكل حرف منها مشروط وجوده بانقضاء ما قبله، فيكون له ابتداء وانتهاء، وما كان له ابتداء وانتهاء فهو حادث، والمركب من الحادث حادث بالضرورة، ولأنه ممكن وجوده وعدمه وكل ما كان كذلك فهو حادث بالضرورة أيضا، ولأنه شيء غير الله عز وجل فلو قيل بقدمه بطلت الوحدانية في القدم، لأنه يلزم أن يكون حينئذ قدمان وهو باطل، ولأن الله عز وجل قال في حقه ((قرآنا عربيا))([1]) فيقتضي أن يكون بعض الكلام الإلهي عربيا وبعضه عبرانيا ونحو ذلك من اللغات فيكون متغيرا بتغير العبارات والمتغير حادث، ولأن الله تعالى وصفه بأنه ذكر بقوله ((وأنه لذكر لك))([2]) ووصف الذكر بأنه حادث بقوله ((وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث))([3]) ولأنه تعالى قال في حقه ((كتاب أحكمت آياته ثم فصلت))([4]) وهذا دليل على تركيبه من أجزاء هي آياته والمركب حادث، ولأنه تعالى وصفه بأنه تنزيل وذلك يقتضي تنقله من مكان إلى مكان والمتنقل حادث، ولأنه تعالى وصفه بأنه في اللوح به هو ((قرآن مجيد في لوح محفوظ)) ([5]) واللوح حادث فكذا الحال فيه ولأنه تعالى وصفه بقوله ((بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم))([6]) وتلك الصدور حادثة وكذا الحال فيها، ولأنه ذكر فيه أنا أرسلنا ونحوها من صيغ الماضي فلو كان قديما لزم أن يكون الإرسال قبل وجود ذلك القديم ولا وجود قبله فيلزم الكذب، ولأنه تعالى قال فيه ((إنا جعلناه قرآنا))([7]) والمجعول مخلوق ولأنه لو كان قديما لزم أن يكون المتكلم به حيث لا مخاطب سفيها والله يتعالى عن ذلك. (1/54)
صفحة 55
وخالفت الحنابلة في هذا كله وقالوا إن كلامه تعالى حروف وأصوات قائمات بذاته عز وجل قديمة معه وبالغوا في ذلك حتى قال بعضهم جهلا: إن الجلد والغلافة قديمان وهؤلاء مشركون وقد حكى السيد عنهم في الحواشي الكشاف أنهم أجازوا تعدد القدماء وهذا من ذلك الباب وهو شرك أيضا.
وذهبت الكرامية([8]) إلى أن كلامه تعالى حروف وأصوات محدث قائم بذاته لتجويزهم قيام الحوادث بالذات العلية وهذا شرك أيضا لأنهم ساووا بين الله وخلقه حيث وصفوه بصفاتهم (وأما) الحنابلة فقد وصفوا المخلوق بالصفة المختصة بالخلق فكان شركهما شرك مساواة (وإنما الخلاف) في الصفة الذاتية المسماة بالكلام فذهبت الأشعرية([9]) وطائفة من المشارقة إلى أنه قديم لأنه صفة ذات وصفات الذات قديمة، وأطلقوا عليها اسم قرآن فقالوا القرآن الذي هو صفة الذات ليس بمخلوق ولم يقم على تسمية الكلام الذاتي بالقرآن دليل، ولكن لهم أن يصطلحوا على ذلك فيكون الخلاف لفظيا حاصله هل يسمى الكلام الذاتي قرآنا أم لا؟
(واعلم) أن أصحابنا اختلفوا في إثبات الكلام الذاتي فمن أثبته جعله عبارة عن نفي الخرس عنه تعالى وهم الجمهور، ونفاه البعض كالإمامين ابن النضر وأبي ساكن وغيرهما، واكتفوا في نفي الخرس عنه تعالى بصفة القدرة فإذا عرفت هذا وقد تقدم لك أن صفات الذات عين الذات فأعلم أن الكلام الذاتي ليس هو شيئا غير الذات العلية، وإنما هو عبارة عن اتصافها بصفة كمالية ليست هي غيرها بمعنى أن الذات العلية كاملة وعبر عن ذلك الكمال بألفاظ دالة على أنواع الكمال فليس هنالك غير الله المتصف بالكمال الذاتي حتى يوصف ذلك الغير بأنه قديم، نعم على مذهب الأشاعرة الزاعمين بأن صفات الذات غير الذات فيلزمهم تعدد القدماء كما مر.
( (1/55)
صفحة 56
(قالوا) المحذور من تعدد القدماء قدم ذاتين لا ذات وصفات (قلنا) الكل محذور لأنكم إن جعلتم صفاته معاني حقيقية هي غيره لزم افتقاره إليها لأنكم تزعمون أنه بها يعلم وبها يقدر إلى آخرها، والمفتقر إلى الغير ليس باله كما مر، فإذا عرفت هذا فاعلم أنه لا وجه لقول من قال من أهل المذهب أن القرآن قديم إلا أن يريدوا أن الله تعالى ليس بأخرس فيعبرون بهذه العبارة القاصرة عن ذلك المعنى المطلوب، فتنتفي عنهم البراءة بهذا الاحتمال حسن ظن بالمسلمين ولكون مذهبهم معروفا في قولهم إن صفات الذات عين الذات، فيجب رد تلك العبارة منهم إلى هذه القاعدة المنيعة. ولا عبرة بمن جهل المذهب من بعض العوام فوصف القرآن المتلو بالقدم، وشنع على مخالفه في ذلك ونظم نونية عزاها إلى ابن النضر حاشاه من ذلك، فإن مذهبه رحمه الله تعالى معروف من قوله:
وأما كلام الله فهو كتابه= كذلك قال الله للطاهر الشيم
ومن قوله:
قال فالجعل هو الخلق أم = الجعل شيء غيره فيما ذكر
قلت جعل الله خلق كله = ومن الناس مقال مشتهر
قال قال الله لم أجعل لكم= من بحير ووصيل في البقر
قلت قال الله لم أجعل لكم= فاعلموا التبحير دينا يحتجر
فإنه نفى في كلامه الأول الكلام الذاتي وحصر الكلام في الكلام الفعلي، ولا يتصور ممن نفى الكلام الذاتي أن يقول بقدم الكلام الفعلي ومن نسب إليه ذلك فقد رماه بكبيرة لأنه زعم أن ابن النضر يقول إن الكلام الفعلي قديم وهذا لم يقل به أحد من المسلمين إلا الحنابلة، وبذلك القيل كفروا فلو قال به قائل من غيرهم حكم عليه بالكفر أيضا، لأنه جعل غير القديم قديما، وذكر في كلامه الآخر أن جعل الله كله خلق وناظر من خاصمه في ذلك، وقد وصف الرب القرآن بقوله ((إنا جعلناه))([10]) فعلم من قاعدته رحمه الله أن القرآن مخلوق فمن نسب إليه النونية بعد ذلك فقد عزاه إلى الجهل لأن فيها ما يناقض ما هنا وذلك قوله:
إن كان من أنا جعلناه فما = في الجعل إن أنصفت من تبيان (1/56)
صفحة 57
إلى آخره وقد عارض أخونا الراشدي رحمه الله تعالى هذه النونية بنونية أخرى أصاب فيها فصل الخطاب، سماها فيض المنان في الرد على من ادعى قدم القرآن أولها:
انكرت جهلا فطرة القرآن= وجعلت كالمولى قديما ثاني
ولئن من الله علي لأكتبن عليها شرحا يفتح مغلقها ويشهد بصوابها (قوله لإمكان العدم) لأن ما أمكن عدمه استحال قدمه، وبهذا تنكشف شبهة القائلين بقدم القرآن حيث استدلوا عليه بأنه غير فان لقوله تعالى ((وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين))([11]) وهذا الكلام لا شك أنه قرآن (وجوابهم) أن إمكان الفناء يكفي في الدلالة على الحدوث لو لم يقع الفناء كيف وليس في الآية دليل على أنه غير فان بالفعل..؟
(قوله ولانفراده تعالى بالقدم) فلو كان القرآن قديما لكانا قديمين فتبطل الوحدانية في القدم المقطوع بثبوتها لله عز وجل (لا يقال) إن الكلام صفة المتكلم فلا يلزم من قدمها معه تعدد القدماء لأن الصفة ليست غير الموصوف (لأنا نقول) أن أريد بالكلام الكلام المنزل فلا إشكال أنه غيره، وإن أريد به الكلام الذاتي فقد بينا أن صفات الذات هي عين الذات أي مدلولها عين ذاته تعالى، فليس هنالك غير الذات العلية حتى يوصف بالقدم وغيره فسقط ذلك الاعتراض.
-------------------------------------------------------------------------
[1] - سورة طه آية رقم 113، وسورة الزمر آية رقم 28، وسورة فصلت آية رقم 3، وسورة الزخرف آية رقم 3.
[2] - سورة الزخرف آية رقم 44 وتكملة الآية (ولقومك وسوف تسألون)
[3]- سورة الشعراء آية رقم 5 وتكملة الآية (إلا كانوا عنه معرضين) وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال (ما يأتيهم) وصوابها (وما يأتيهم)
[4] - سورة هود آية رقم 1
[5] - سورة البروج آية رقم 22
[6] - سورة العنكبوت آية رقم 49
[7] - سورة الزخرف آية رقم 3
[ (1/57)
صفحة 58
8] - الكرامية: زعيمها المعروف محمد بن كرام كان مطرودا من سجستان وقد دعا ابن كرام وأتباعه إلى تجسيم معبوده وزعم أنه جسم له حد ونهاية من تحته والجهة التي منها يلاقي عرشه وهذا شبيه بقول التنويه.
وقد وصف ابن كرام معبوده في بعض كتبه بأنه جوهر كما زعمت النصارى أن الله تعالى جوهر وقد ذكر ابن كرام في كتابه أن الله تعالى مماس لعرشه وأن العرش مكان له وأبدل أصحابه لفظ المماسة بلفظ الملاقاة منه للعرش وقالوا: لا يصح وجود جسم بينه وبين العرش إلا بأن يحيط العرش إلى الأسفل وهذا معنى المماسة التي امتنعوا من لفظها وزعم ابن كرام وأتباعه أن معبودهم محل للحوادث.
راجع الفرق بين الفرق 217
[9] - سبق الحديث عنهم في كلمة وافية فليرجع إليها وعلي بن إسماعيل بن إسحاق، أبو الحسن من نسل الصحابي أبي موسى الأشعري رئيس الأشاعرة
[10] - سورة الزخرف آية رقم 3
[11] - سورة يونس آية رقم 10.
فصل في المحكم والمتشابه
(وفي القرآن محكم ومشتبه= ومجمل مفصل نؤمن به)
(كل أتى من ربنا والخلف في= حديهما على أقاويل تف
(مع اتفاق منهم أنهما= نوعان أي مختلف حكمهما)
( (1/58)
صفحة 59
قوله وفي القرآن محكم ومشتبه) أي من الآيات القرآنية ما هو محكم متضح معناه، ومنه ما هو متشابه على الأذهان لا يدرك معناه إلا بتأمل لخفائه، وربما لا يدرك أصلا كالحروف المقطعة أوائل السور، فإنه لا سبيل إلى معرفة معانيها إلا بتوقيف من الشارع، ولم يرد ذلك فالكف عن الخوض فيها أسلم، وإنما قلنا إن من القرآن محكما ومنه متشابها لقوله تعالى ((منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات))([1]) فلا يرد علينا أنه تعالى وصف جميع القرآن بأن محكم بقوله ((كتاب أحكمت آياته))([2]) وبقوله ((تلك آيات الكتاب الحكيم))([3]) ووصف جميعه بأنه متشابه بقوله ((كتابا متشابها مثاني))([4]) (لأنا نقول): إن وصف جميعه بالإحكام راجع إلى النظم والتركيب تقول العرب هذا بناء محكم أي متقن قوي وكذلك وصف جميعه بالمتشابه راجع إلى النظم والتركيب أيضا فإنه متشابه من تلك الحيثية فليس بعضه بأحكم من بعض في التركيب، فلا يقع فيه تفاوت في البلاغة ككلام المخلوقين فإنه وإن بلغ من البلاغة أقصاها فلا بد من تفاوته فيها ((أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كبيرا))([5]) وأما وصف بعضه بالحكم وبعضه بالمتشابه فراجع إلى النظم بالنظر إلى مدلوله فلا تناقض قال الفخر: (واعلم) أن العلماء ذكروا في فوائد المتشابهات وجوها.
(الوجه الأول): أنه متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب قال الله تعالى ((أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين))([6]).
( (1/59)
صفحة 60
الوجه الثاني): لو كان القرآن محكما بالكلية لما كان مطابقا إلا لمذهب واحد وكان تصريحه مبطلا لكل ما سوى ذلك المذهب، وذلك مما ينفر أرباب المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه فالانتفاع به إنما حصل لما كان مشتملا على المحكم وعلى المتشابه، فحينئذ يطمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يقوي مذهبه ويؤثر مقالته، فحينئذ ينظر فيه جميع أرباب المذاهب ويجتهد في التأمل فيه كل صاحب مذهب، فإذا بلغوا في ذلك صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات فبهذا الطريق يتخلص المبطل عن باطله ويصل إلى الحق.
(الوجه الثالث): أن القرآن إذا كان مشتملا على المحكم والمتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بدليل العقل، وحينئذ يتخلص عن ظلمة التقليد ويصل إلى ضياء الاستدلال والبنية، أما لو كان كله محكما لم يفتقر إلى التمسك بالدلائل العقلية فحينئذ كان يبقى في الجهل والتقليد.
(الوجه الرابع): لما كان القرآن مشتملا على المحكم والمتشابه افتقر إلى تعلم طرق التأويلات وترجيح بعضها على بعض، وافتقر إلى تعلم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو، وعلم أصول الفقه، ولو لم يكن الأمر كلك ما كان يحتاج الإنسان إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة فكان إيراد هذه المتشابهات لأجل هذه الفوائد الكثيرة.
(الوجه الخامس): وهو السبب الأقوى في هذا الباب أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام بالكلية، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم لا بمتحيز ولا مشار إليه ظن أن هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما يتوهمونه ويتخيلونه، ويكون ذلك مخلوطا بما يدل على الحق الصريح (فالقسم الأول) وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر يكون من باب المتشابهات، والقسم الثاني وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر هو المحكمات ا. هـ.
( (1/60)
صفحة 61
قوله ومجمل) هو ما خفي المراد منه إلا ببيان من المجمل بكسر الميم الثانية وهو أنواع ثلاثة، لأن خفاء المراد منه إما أن يكون بسبب اشتراك اللفظ بين معنيين فأكثر كالقرء للحيض والطهر، فلا يعلم عند إطلاقه أي المعنيين أريد حتى ينصب المتكلم قرينة على مراده منه، وتلك القرينة هي البيان وإما أن يكون بغرابة اللفظ وذلك كأن يكون اللفظ غريبا لا يعرف معناه إلا ببيان، ومثلوا له بالهلوع من قوله تعالى ((خلق الإنسان هلوعا))([7]) فقوله ((إذا مسه الشر جزوعا))([8]) إلى آخره بيان للهلوع، وإما أن يكون بسبب نقل اللفظ عن معناه المعلوم منه إلى معنى آخر لم يعلم بعد كالصلاة فإن معناها لغة، ونقل إلى العبادة المخصوصة ببيان من الرسول وكالربا فإنه لغة الزيادة ونقل إلى بيع الشيء بمثله نسيئة كان معه زيادة أولا ببيان من الرسول صلى الله عليه وسلم هذا كله مبني على مذهب الحنفية في المجمل، أما على مذهبنا ومذهب الشافعية فهو عندنا ما احتمل معنيين لم يكن أحدهما بالنسبة إليه أظهر من الآخر، فلا تكون الغرابة ولا النقل إجمالا عندنا، وسيأتي أن المجمل عندنا قسم من المتشابه فعطفه عليه من عطف البعض على الكل.
(قوله مفصل) أي مبين وهو ما ظهر معناه سواء كان ظهوره بنفس لفظه ويسمى بيانه ابتدائيا أو بغيره وذلك الغير إما أن يكون كتابا أو سنة أو إجماعا أو عقلا والأول أعني ما فيه البيان بنفس لفظه إما أن يكون لا يحتمل غير معناه أو يحتمل غيره احتمالا مرجوحا، وهذان النوعان هما المسميان عندنا بالمحكم كما ستعرفه قريبا إن شاء الله، فعلم أن المبين أعم مطلقا من المحكم لأن كل محكم مبين ولا عكس.
(قوله نؤمن به) أي نصدق به على وجه الإذعان أنه من عند الله وأنه حق سواء ظهر لنا معناه أو خفي ونعتقد أن ما خفي معناه خفي لحكمة سواء عرفناها أو لم نعرفها، لأنا لا نحيط علما بحكم الله عز وجل وليس لنا أن نعترض عليه في شيء من أفعاله.
( (1/61)
صفحة 62
فإن قيل) إن قوله نؤمن به تكرارا لقوله وبالذي أنزله الرحمن.
(قلنا) ليس هو بتكرار لأن ما هنالك بيان للحكم وما هنا تصريح باعتقاد الناظم ولأنه كما كان القرآن على أنواع منها يطلب الإيمان به فقط كالذي خفي معناه صرح النظم بأنه ممن يؤمن بذلك لأن بيان الاعتقاد في مثل هذا المقام مطلوب فلذلك أردفه بقوله: كل أتى من ربنا.
(قوله والخلف في حديهما) أي المحكم والمتشابه فإن الأمة قد أكثرت من الاختلافات في بيانهما وادعى كل أهل مذهب أن المحكم هو مطابق مذهبه وأن المتشابه هو ما خالفه وتلك حكمة الله في عباده ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حيي عن بينة.
(قوله على أقاويل تفي) أي تجي أي سنذكرها في هذا النظم إن شاء الله.
(قوله مع اتفاق منهم أنهما نوعان) أي وقع الخلاف من الأمة في حد المحكم وحد المتشابه مع اتفاق منهم أنهما نوعان من الكلام كل نوع منهما له حكم يخالف حكم الآخر، فلذا قال (أي مختلف حكمهما) فأي هنا تفسيرية والجملة بعدها مفسرة لغير منطوق به.
---------------------------------------------------------------------------
[1] - سورة آل عمران آية رقم 7 وتكملة الآية (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب).
[2] - سورة هود آية رقم 1 وتكملة الآية (ثم فصلت من لدن حكيم خبير)
[3] - سورة يونس آية رقم 1
[4] - سورة الزمر آية رقم 23 وتكملة الآية (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يظلل الله فما له من هاد)
[5] - سورة النساء آية رقم 82.
[6] - سورة آل عمران آية رقم 142
[7] - سورة المعارج آية رقم 19
[8] - سورة المعارج آية رقم 20 (1/62)
صفحة 63
قال الإمام أحمد حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى بن علي بن رباح سمعت أبي يحدث عن عبد العزيز بن مروان بن الحكم قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (شر ما في رجل شح هالع وجبن خالع) رواه أبو داود بن عبدالله بن الجراح عن أبي عبدالرحمن المقري به وليس لعبد العزيز عنده سواه.
أقسام المحكم والمتشابه
(فالمحكم المتضح المعنى انقسم=
للنص والظاهر معنى فانحسم)
(في النص حكم القطع بالمراد=
والظن في الظاهر للعباد)
(وإن أتى بعكسه الدليل=
صير إليه وهو التأويل)
(وهو قريبا أو بعيدا وقعا=
أو متعذرا فلن يتبعا)
(قوله فالمحكم المتضح المعنى) اعلم أن اللفظ إما لا يحتمل غير معنى واحد ((فاعلم أنه لا إله إلا الله))([1]) وإما أن يحتمل لكن أحد معنييه أظهر من الآخر فبالنسبة إلى المعنى الظاهري يسمى ظاهرا، وهو قسم من المحكم، وبالنسبة على المعنى الآخر يسمى مؤولا، وهو قسم من المتشابه إن لم يدل عليه دليل وإما أن يكون المعنيان بالسواء أي لا يرجح أحدهما على الآخر إلا بمرجح من خارج فهو المجمل، وهو قسم من المتشابه ولذا قال: فالمحكم المتضح المعنى أي ما كان معناه واضحا وهو قسم من المتشابه ولذا قال فالمحكم المتضح المعنى أي ما كان معناه واضحا وهو المحكم سواء كان وضوحا لا يحتمل معنى غيره أو يحتمله مرجوحا والمحكم عند الحنفية: هو ما لا يحتمل النسخ كالآيات الدالة على صفات الله تعالى نحو ((وهو بكل شيء عليم))([2]) ((خالق كل شيء))([3]) فإن اللفظ عندهم إذا ظهر منه المراد فإن لا يحتمل النسخ فهو محكم، وإلا فإن لم يحتمل التأويل فمفسر، وإلا فإن سيق الكلام لأجل ذلك المراد فنص، وإلا فظاهر وإذا خفي لعارض أي لغير الصيغة فخفي وإن خفي لنفسه أي لنفس الصيغة وأدرك عقلا فمشكل أو نقلا فمجمل، أو لم يدرك أصلا فمتشابه ا. هـ وهي اصطلاحات وليس في الاصطلاح مشاحة.
( (1/63)
صفحة 64
قوله للنص والظاهر) فالنص ما لا يحتمل غير معناه منقول من نصت الظبية جيدها إذا رفعته والظاهر ما احتمل عير معناه احتمالا مرجوحا قال البدر([4]): وقد يطلق النص على الظاهر أي مجازا عرفيا بجامع الوضوح (قوله معنى) تمييز محلول عن فاعل أي الظاهر معناه (قوله فانحسم) أي فانقطع تقسيمه أو الكلام فيه وسنشرع في بيان حكمه إن شاء الله (قوله في النص حكم القطع بالمراد) اعلم أن المحكم له حكمان لأنه قسمان لكل قسم منهما حكم يخصه فحكم النص هو القطع بمراد المتكلم، بمعنى أنا إذا سمعنا قوله تعالى
((فاعلم أنه لا إله إلا الله))([5]) وقوله ((وأحل الله البيع وحرم الربا))([6]) حكمنا أن المراد ما فهمناه وقطعنا بكفر من خالفنا في ذلك، خلافا للفخر في زعمه أن الأدلة اللفظية لا تكون بنفسها قطعية لتوقفها على نقل اللغة والنحو والصرف، ونقلها ظني والمتوقف على الظني أولى أن يكون ظنيا قلنا: لا نسلم أنها متوقفة على ظني لأن العرب تعرف معاني ألفاظها من غير توقف على نقل، وما توقف منها على نقل فذلك النقل متواتر والمتواتر مقطوع بصدقه.
(قوله والظن في الظاهر) أي وحكم القسم الثاني من المحكم هو الظن بأن مراد المتكلم منه ظاهر معناه فيجب العمل به حتى يدل دليل على خلافه، ولا نخطئ من خالف الظاهر في موضع يجوز فيه خلافه، لاحتمال أن يكون له دليل صار إليه (قوله للعباد) تتمة وفائدته أن كون أحد المعنيين أظهر من الآخر إنما هو بالنسبة إلى العباد لا إلى الرب عز وجل، فإنه يتساوى في علمه الظاهر والخفي.
( (1/64)
صفحة 65
قوله وإن أتى بعكسه) أي بعكس الظاهر أي إذا دل دليل على أن المراد من هذا اللفظ غير ظاهره ترك الظاهر وأخذ بذلك الدليل، والأخذ به يسمى تأويلا للفظ وهذا معنى قولهم ولا يعدل عن الظاهر إلا بدليل. وذهبت الباطنية إلى أن الأخذ بخلاف الظاهر هو الراجح سواء كان مع دليل أو لا وهي مقالة باطلة قائلها فاسق لأنها تفضي إلى تعطيل غالب الأحكام الشرعية، ولهم فيها أباطيل افتضحوا بها بين الملا ذكر بعضها صاحب العدل فراجع العدل إن شئت.
(قوله صير إليه) أي الدليل لأنه أقوى حينئذ من الظاهر وذلك أنه لما كان اللفظ لمعنيين ظننا أن المراد أظهرهما مع أنا نجوز أن يراد المعنى الآخر، فلما دل الدليل على أن المراد المعنى الثاني عرفنا أن الظاهر لم يكن مرادا وذلك الدليل إما أن يكون قطعيا فيوجب القطع بإرادة الباطن أو ظنيا فيفيد الظن بإرادته، واختلف حينئذ في الصيرورة إليه لأنه دليل ظني أيضا فذهب بعضهم إلى أن الأخذ بالظاهر أولى لأنه الأصل، وذهب آخرون إلى أن الأخذ بالدليل الظني أولى وهو المذهب. قال البدر: وإن تعارض العموم وأخبار الآحاد فالأولان أقوى من الظاهر ا. هـ.
والعدول عن الأصل ممنوع فيما إذا كان بغير دليل، وهذا دليل قوى أحد معنيي اللفظ على الآخر وإن كان أظهر فأخذ به. وذهبت الحنفية إلى أن حكم الظاهر قطعي فلا يعدل عنه إلا بقطعي هو أقوى منه، ودعوى القطعية غير مسلمة لأنا نظن أن المراد ظاهره لكثرة إرادة المعنى الباطن بنصب الأدلة عليه، ولما كثر ذلك الاستعمال ظننا أن الظاهر هو المراد لاحتمال أن يراد من ذلك اللفظ باطنه بدليل لم يبلغنا.
(قوله وهو التأويل) أي المصير إلى عكس الظاهر هو التأويل وعرفوه بأنه حمل الكلام على المحتمل المرجوح من معاني اللفظ. (1/65)
صفحة 66
قوله وهو قريبا أو بعيدا) الخ هذا تقسيم للتأويل إلى ثلاثة أقسام إلى قريب يترجح على الظاهر بأدنى مرجح، وبعيد لا يترجح إلا بمرجح قوي ومتعذر لا يقبل، كتأويل بعض الحنفية قوله صلى الله عليه وسلم لرجل أسلم على عشر نسوة ((أمسك أربعا وفارق سائرهن))([7]).
قالوا: يحمل على تجديد النكاح قلنا: ينفي ذلك قوله وفارق سائرهن فإن الفراق لا يكون عن ثبوت عقد وكذلك قوله أمسك أربعا فإن الإمساك لا يدل إلا على شيء ثابت فلو أراد تجديد النكاح لأمره به صريحا لأن تجديده متوقف على شروط كإذن الولي ورضاء المرأة وحضرة الشهود، وكلك حملهم قوله صلى الله عليه وسلم ((أمسك أيتهما شئت))([8]) للذي أسلم على الأختين على تجديد النكاح أيضا وجوابهم ما مر وكذلك حملهم قوله صلى الله عليه وسلم ((في أربعين شاة وشاة))([9]) على قيمة الشاة ووجه تعذره أن فيه إبطال العين الذي هو جزء المال وهو الشاة فتبطل الحكمة المطلوبة من المال وهو النمو، وكذلك حملهم ((أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل))([10]) على الصبية والأمة ووجه تعذره أن المرأة لا تطلق على الصبية إلا مجازا وأي من صيغ العموم فهي شاملة لكل امرأة، وفيه أن العموم يخصص والمجاز يصار إليه مع القرينة، والدليل المخصص قوله صلى الله عليه وسلم ((الثيب أحق بنفسها من ولي))([11]) فيجاب أن معنى الحديث أنها أحق بنفسها في رضاها فلا يحل لوليها جبرها، ومما يعضد عموم الأول قوله صلى الله عليه وسلم ((لا نكاح إلا بولي))([12]) فعم ولم يخص ومن ذلك حملهم قوله تعالى ((ولذي القربى)) على فقراء الأقارب ووجه تعذره أن أهل القربى شامل للأغنياء والفقراء.
( (1/66)
صفحة 67
قوله حاصل) ما ذكروه من أمثلة التأويل المتعذر وأقول: إن هذه الأمثلة جميعها ليست من التأويل المتعذر الذي لا يقبل وإنما هي من التأويل البعيد الذي لا يترجح إلا بمرجح قوي ولا مرجح لهذه التأويلات فبطل الأخذ بها (أما أمثلة) التأويل المتعذر فكتأويل بعض الصوفية البقرة بالنفس في قوله تعالى ((إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة))([13]) وكتأويل بعض الشيعة فيها بعائشة رضي الله عنها، وكتأويل بعض أولئك الشيعة أيضا قوله تعالى ((أو جاء أحد منكم من الغائط))([14]) قالوا: الغائط أبو بكر، وكتأويلهم قوله تعالى ((كمثل الشيطان إذ قال للإنسان أكفر))([15]) قالوا: الشيطان عمر والإنسان أبو بكر وكتأويلهم قوله تعالى ((مرج البحرين يلتقيان))([16]) قالوا: هما علي وفاطمة بينهما برزخ لا يبغيان قالوا: البرزخ هو حاجز التقوى فلا يبغي علي على فاطمة ولا فاطمة على علي ((يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان))([17]) هما الحسن([18]) والحسين([19]) ونحو ذلك من التأويلات المتعذر حمل الكتاب والسنة على مثلها، وأكثر ما ورد مثل هذا عن أهل الباطن من الشيعة، كما هو معتمد مذهبهم الفاسد.
(وذو اشتباه ما اختفى كالمجمل=
أو مفهم تشبيه مولانا العلي)
(فمنه ما قيل بأنه الذي=
له احتمالان فصاعد أخذ)
(ومنه أيضا ما يكون مبهما=
كتسع عشر أمرهم قد أبهما)
(ومنه أنه الذي لم يعلم =
تأويله غير المهيمن أعلم)
(فكل هذا أصله متحد =
وجعله أشياء ليس يحمد)
(ومنه أحرف أوائل السور =
وقيل بالأمثال مع كل خبر)=
(وقيل ما يكون منسوخا وما=
قد كان ناسخا يسمى محكما)
( (1/67)
صفحة 68
قوله وذو اشتباه) أي وصاحب اشتباه والمراد به المتشابه (قوله ما اختفى) أي معناه فهو مقابل المحكم وذلك الاختفاء إما لإجمال في اللفظ كلفظة القرء أو لإفهامه تشبيه الرب تعالى بخلقه، كالاستواء في إسناده إلى الرحمن فهو قسمان، وهذا التعريف شامل لغالب الأقوال التي في المتشابه، وذلك أن بعضا ذهب إلى أن المتشابه هو ما كان له معنيان فصاعدا. قلنا: إن كان معانيه أظهر من الباقية فبالنسبة إلى ذلك المعنى محكم وبالنسبة إلى غيره متشابه، فيدخل تحت المختفي معناه وإن كانت معانيه متساوية في الظهور والخفاء فهو مجمل وبإجماله اختفى المعنى المراد منه، فيدخل تحت المختفي معناه وبعض ذهب إلى أن المتشابه ما لا يعرف كميته كـ ((عليها تسعة عشر))([20]) ((ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية))([21]) قلنا هو من قبيل المختفي معناه، وبعض ذهب إلى أن المتشابه هو ما لا يعلم تأويله إلا الله، قلنا: راجع إلى الخفي معناه أيضا وبعض ذهب على أن المتشابه هو الحروف المقطعة أوائل السور: كالم وطس وهو راجع إلى المختفي معناه أيضا (قوله كالمجمل) إنما سمي المجمل متشابها لتشابه معانيه التي احتملها حتى لا يترجح بعضها على بعض، وذكر صاحب المنهاج وهو معتزلي المذهب أن مذهبهم أن المجمل ليس من المتشابه إذ لا بد للمتشابه من معنى ظاهر ليس بمراد، ومعنى خفي هو المراد منه لقوله تعالى ((فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه))([22]) قال: ففي هذه الآية دليل على أن في المتشابه معنى ظاهرا يتبع. ( (1/68)
صفحة 69
قلنا): ما ذكرته هو بعض المتشابه لا كله فلا ينافي وجود قسم آخر للمتشابه ومن اتبع شيئا من المتشابه يصدق عليه أنه متبع للمتشابه (قوله أو مفهم تشبيه مولانا) أي القسم الثاني من المتشابه هو ما كان ظاهره يفهم تشبيه المولى عز وعلا بالخلق كآيات الاستواء، وآية الجنب، وآيات اليد، ونحوها وإنما سمي هذا النوع متشابها لأن ظاهره مشابه لحكم الوهم وباطنه موافق لحكم العقل، فاشتبه المعنيان فصدق عليه اسم المتشابه (قوله فمنه ما قيل بأنه الذي الخ) أي فمن الخفي معناه القول بأن المتشابه هو ما كان له معنيان فصاعدا وقد يقال: إن هذا قول آخر لأنه شامل للظاهر أيضا وعلى هذا الاحتمال فهو مردود لأنه يلزم عليه أن يكون غالب الكتاب والسنة متشابها، وقد يجاب بأنه لا محذور في كون غالبهما متشابها كيف والكتاب يشير إلى ذلك بقوله ((منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات))([23]) فيفيد أن المحكم قليل حيث عبر عنه بمن التبعيضية وإن ما عدا ذلك البعض متشابه وهذا جواب حسن ولا ضير في إطلاق المتشابه على الظاهر مع العمل به، بل هو خلاف لفظي وإنما الضير في ترك العمل بالظاهر (قوله له احتمالان) أي محتملان أي معنيان يصح حمله على كل واحد منهما.
(قوله فصاعدا) حال محذوف عاملها وجوبا تقديره فذهب الاحتمال صاعدا.
(قوله خذ) فعل أمر به يتعلق منه في صدر البيت أي خذ من تعريفنا هذا القول.
(قوله ومنه أيضا) أي ومن تعريفنا القول بأن المتشابه ما كان مبهما على الخلق لا يعرفونه كوقت الساعة والتسعة عشر في قوله تعالى ((عليها تسعة عشر))([24]) والثمانية من قوله تعالى ((ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية))([25]) فإنه لا يدري أتسعة عشر ملكا أم ألفا وكذلك القول في الثمانية (قوله مبهما) هو الذي لا بيان له (قوله كتسع عشر) في الآية ((عليها تسعة عشر)) حذفت تاؤه للوزن.
( (1/69)
صفحة 70
قوله أمرهم) أي حالهم قد أبهم أي لم يبين ليكون فتنة للذين كفروا ويزداد الذين آمنوا إيمانا (قوله ومنه أنه الذي لم يعلم الخ) أي ومن تعريفنا المتشابه بما خفي معناه القول بأن المتشابه هو ما لا يعلم تأويله إلا الله، لأنه من جملة ما خفي على العباد المراد به، وذلك كمعرفة وقت نزول العذاب على الكفار ومعرفة مقادير الثواب والعقاب ومعرفة وقت الساعة متى يكون..؟ فإن هذه الأشياء مما خوطب بها العباد وخفيت عليهم والقول بأنه تعالى لا يخاطب بما لا يعقل غير متوجه على مثل هذا لأن الخطاب به في الجملة معقول ومعناه عندهم مفهوم، ولا يشترط في المعقول تمام المعرفة بمقادير الشيء وتفاصيله, نعم يرد على القول بأن الحروف المقطعة أوائل السور لا يدرى ما المراد منها فيجاب بأن الخطاب هو توجيه الكلام نحو الغير للإفهام، فيخرج ما لم يقصد به الإفهام من الكلام فإنه وإن تكلم به المتكلم من غير أن يقصد به إفهام غيره لا يكون عبثا، إذ لا يصدق عليه أنه مخاطب وإنما يخص باسم متكلم. (قوله تأويله) أي تفسيره (قوله غير المهيمن) هو اسم من أسماء الله عز وجل ومعناه الشاهد.
(قوله اعلم) تكملة للبيت وفيه أمر بالعلم برد هذه الأقوال إلى أصل واحد والتنبيه أن ردها على أصل واحد مما تفرد به الناظم بجامع الخفاء في كل منها.
( (1/70)
صفحة 71
قوله فكل هذا أصله متحد) الإشارة إلى المذكور هنا من الأقوال وعلى أن أصلها واحد وهو خفاء معناها على العباد سواء خفي خفاء ضعيفا كالذي يدرك بالقرينة الضعيفة ويكون التأويل فيه قريبا أو خفي خفاء قويا كالذي يحتاج في تأويله للدليل القوي، أو خفاء لا يدرك معناه كالذي يتعذر تأويله إلا بتوقيف، وذلك هو الذي استأثر الله بعلمه كمقادير الثواب ونحوها (قوله وجعله أشياء الخ) أي وجعل المذكور أشياء بمعنى أقاويل متعددة مختلفة المعنى غير محمود لأن الخلاف فيه لفظي، ألا ترى أن أهل كل قول من تلك الأقوال أشاروا إلى أن المتشابه هو ما خفي معناه فيؤخذ من مجموع الأقوال أن كل ما خفي معناه فهو متشابه.
(قوله ومنه أحرف أوائل السور) هذا القول منسوب لابن عباس([26]) رضي الله عنه ونسب إليه أيضا أن المحكم هو الثلاث الآيات التي في آخر سورة الأنعام ((قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم))([27]) إلى آخر الآيات واستخرج منه الفخر أن المحكم هو ما لا ينسخ بشرع وشرع كالأمر بالقسط، وتحريم الظلم، وقتل النفس بغير حق والمتشابه: هو ما ينسخ بشرع وشرع كالصلاة والصوم.
(واعلم) أن القول بأن الحروف الواقعة أوائل السور كالم وطس وق هي المتشابه راجع إلى علة الخفاء فتعريفنا شامل له أيضا إلا أن يقال إن صاحب هذا القول معه أن ما عدا تلك الأحرف محكم فيرد بأن هذا مخالف لمفهوم قوله تعالى ((منه آيات محكمات))([28]) فإن من فيها للتبعيض كما تقدم ومفهوم البعض هو أن يكون أقل من الباقي وهو المتبادر وإن أطلق على الأكثر في مواضع.
( (1/71)
صفحة 72
قوله وقيل بالأمثال) هذا القول والذي يليه خارجان عن تعريف الناظم ولذا لم يقل مع ذكرهما ومنه وذلك أن بعضا قال إن المتشابه من القرآن هي القصص والأمثال أي الآيات التي فيها ذكر الأخبار عن الأوائل وعن المغيبات والأمثال المضروبة للناس كما في قوله تعالى ((إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها))([29]) وكما في قوله ((مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري))([30]) الآية ويلزم على هذا أن يكون ما عدا القصص والأمثال محكما وهو خلاف الظاهر وأيضا فلا معنى لرد القصص والأمثال إلى الآيات المحكمات وقد قال تعالى ((منه آيات محكمات هن أم الكتاب))([31]) أي أصله فيرد المتشابه إلى الأصل الذي هو المحكم (قوله وقيل ما يكون منسوخا) هذا القول مروي عن ابن عباس أيضا وحاصله أن المتشابه هو المنسوخ من الآيات، وأن المحكم هو الناسخ فيجب رد المنسوخ إلى الناسخ، بمعنى أن العمل بالناسخ دون المنسوخ (قوله وما قد كان ناسخا) أي والذي قد كان ناسخا.
(وحكمه الوقوف في الإجمال=
حتى يبين اظهر احتمال)
(والرد للمحكم حكم الثاني =
أو يلزمن تناقض القرآن)
(قوله وحكمه الوقوف إلى آخره) هذا بيان المتشابه بقسميه فإن كان مجملا فحكمه الوقوف حتى يظهر دليل على أن المراد منه كذا فيؤخذ به، وذلك في قوله تعالى ((والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء))([32]) فإنه لما كان القرء يطلق على الحيض تارة وعلى الطهر أخرى بسبيل الاشتراك بينهما لم يدر ما المراد من الآية أهي ثلاثة أطهار أم ثلاث حيض..؟ التمس الدليل على المراد من خارج ولذا اختلف فيه فقال بعض: إن المراد ثلاثة أطهار وقال آخرون: ثلاث حيض (قوله حتى يبين أظهر احتمال) أي حتى يعرف المراد منه ببيان ولو كان ذلك البيان قرينة خفية مثلا ولذا عبر عنه يبين ولم يقل حتى يأتي دليل بالبيان.
( (1/72)
صفحة 73
واعلم) أنه قد أجمع أصحابنا ومن حذا حذوهم ممن منع التكليف بما لا يطاق على منع تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وذلك كما إذا خاطب الله العباد بما هو محتمل لمعان ليس بعضها أظهر من بعض ثم أمرهم بالعمل المراد منه فإنه لا يأمرهم بذلك إلا مع بيان المراد منه، لأن تكليفهم بالعمل المراد منه مع عدم علمهم به مما لا يطاق، وتكليف ما لا يطاق لا يصح عندنا وجوزته الأشعرية، وليست المسألة دينية لأنهم يقولون إن حكمة التكليف بما لا يطاق هي اختبار المكلف هل يتهيأ للامتثال فيثاب أو يتهيأ فيعاقب..؟ ثم رأيت القطب رحمه الله قال: بجواز ذلك واعلم أن أصحابنا والمعتزلة إنما قالوا بمنع التكليف بما لا يطاق نظرا إلى جانب وقوعه لا إلى جانب الاختبار لأن وقوعه ممن لا يطيقه محال، والتكليف بالمحال محال، وما ذكرته هنا من مقالة الأشعرية هو ما صرح به بعض متأخريهم, أما قدماؤهم فلم يقولوا بذلك التفصيل، ولذا صح لأصحابنا والمعتزلة توجيه الرد عليهم في هذه المسألة، واختلفوا هل يصح تأخير البيان إلى وقت الحاجة..؟ المذهب أنه يصح لقوله تعالى ((ثم إن علينا بيانه))([33]) فعطف بثم المقتضية للتراخي وفيه مذاهب آخر. راجع مختصر العدل وشرحه (قوله والرد للمحكم حكم ثاني) أي حكم القسم الثاني من المتشابه وهو ما ظاهره التشبيه رده إلى المحكم لقوله تعالى ((هن أم الكتاب))([34]) وإلى هذا ذهب أصحابنا والمعتزلة ومتأخرو الأشعرية، وذهب سلفهم إلى الإمساك عن تأويله مع القطع بحقية المراد ولذا قال في الجوهرة:
وكل نص أوهم التشبيها = أوله أو فوض ورم تنزيها (1/73)
صفحة 74
ومن اعتقد تنزيه الله تعالى عن مشابهة الأشياء لزمه تأويل ما أوهم التشبيه من الآيات، والسنة سواء صرح به أو لم يصرح، فلا معنى لقول بعض متأخريهم أن مذهب السلف أسلم بل الأسلم رده إلى المحكم لئلا يتوهم الضعيف أن المراد ظاهره (قوله أو يلزمن تناقض القرآن) هذا دليل وجوب رد المتشابه إلى المحكم أي لو لم يرد إليه لزم تناقض القرآن وذلك كما في قوله تعالى ((وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها))([35]) فإنه متشابه يجب رده إلى قوله تعالى ((قل إن الله لا يأمر بالفحشاء))([36]) فيتأول الأمر الأول وإلا لزم تناقض الآيتين وكما في قوله تعالى ((نسوا الله فنسيهم))([37]) فإنها متشابهة محكمها ((وما كان ربك نسيا))([38]) ((لا يظل ربي ولا ينسى))([39]) وكما في قوله تعالى ((الرحمن على العرش استوى))([40]) ((بل يداه مبسوطتان))([41]) فإنه متشابه محكمه ((ليس كمثله شيء))([42]) فلو لم يرد إليها لزم التناقض، و(أو) في البيت عاطفة للجملة الفعلية على الجملة الاسمية قبلها، ومعناها تخيير الواقفين عن تأويل المتشابه بين أمرين إما أن يردوه إلى المحكم فيلزمهم تأويله أو يقولوا أنه على ظاهره فيلزمهم تناقض القرآن بعضه ببعض فليختاروا أي الأمرين شاؤوا ولا مخرج لهم، عن أحدهما والجملتان فيهما التخيير خبريتان لفظا إنشائيتان معنى لأن التخيير مختص بالإنشاء والله أعلم.
-----------------------------------------------------------------------------
[1] - سورة محمد آية رقم 19 وتكملة الآية (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم)
[2] - سورة البقرة آية رقم 29 وصدر الآية (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات)
[3] - سورة الأنعام آية رقم 102 وسورة الرعد آية رقم 16 وسورة الزمر آية رقم 62 وسورة غافر آية رقم 62
[4] - سبقت الترجمة له في كلمة وافية في هذا الجزء. (1/74)
صفحة 75
5] - سورة البقرة آية رقم 275 وتكملة الآية (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)
[6] - سورة محمد آية رقم 19 وتكملة الآية (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم)
[7] - الحديث رواه الإمام مالك في كتاب الطلاق 29 باب جامع الطلاق 76 وحدثني يحيى عن مالك عن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلمقال لرجل من ثقيف أسلم وعنده عشر نسوة حين أسلم الثقفي وذكره.
[8] - وصله الترمذي 9 – كتاب النكاح 33 باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده نسوة وابن ماجة في 9 كتب النكاح 40
[9] - الحديث رواه صاحب الموطأ 11 باب صدقة الماشية 22 حدثني يحيى عن مالك أنه قرأ كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الصدقة. قال فوجدت فيه: بسم الله الرحمن الرحيم – كتاب الصدقة- وذكره.
[10] - الحديث رواه الإمام أحمد بن حنبل في المسند 6: 47 حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا إسماعيل ثنا ابن جريج قال أخبرني سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره وفيه زيادة (فإن أصابها فلها مهرها بما أصاب منها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له)
قال ابن جريج فلقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه قال: وكان سليمان بن موسى وكان فأثنى عليه. قال عبدالله قال أبي: السلطان القاضي لأن إليه أمر الفروج والأحكام. ورواه أبو داود في النكاح 16 والترمذي في النكاح 14 والدارمي في النكاح 11.
[11] - الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب النكاح 9 باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت 68 وحدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان بهذا الإسناد وقال: وذكره وسنده: وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان عن زياد بن سعد عن عبدالله بن الفضل سمع نافع بن جبير يخبر عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وذكره ورواه أبو داود في النكاح 25.
[ (1/75)
صفحة 76
12] - الحديث رواه ابن ماجة في كتاب النكاح، 15 باب لا نكاح إلا بولي 1881 – حدثنا محمد ابن عبدالملك بن أبي الشوارب، ثنا أبو إسحاق الهمداني عن أبي بردة عن أبي موسى. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره.
ورواه البخاري في كتاب النكاح 36 وأبو داود في النكاح 19 والترمذي في النكاح 14 – 17 والدرامي في النكاح 11.
ورواه الإمام أحمد بن حنبل في المسند 1: 250، 4: 394، 413، 418، 6: 260
[13]- سورة البقرة آية رقم 67
[14] - سورة النساء آية رقم 43 وسورة المائدة آية رقم 6
[15] - سورة الحشر آية رقم 16 وتكملة الآية (فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين)
[16] - سورة الرحمن آية رقم 19
[17] - سورة الرحمن آية رقم 22
[18] - هو الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي أبو محمد: خامس الخلفاء الراشدين وآخرهم، وثاني الأئمة الإثني عشر عند الإمامية ولد في المدينة المنورة عام 3 هـ وأمه فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أكبر أولادها، وكان عاقلا حليما محبا للخير فصيحا من أحسن الناس حج عشرين حجة ماشيا توفي عام 50 هـ. راجع تهذيب التهذيب 2: 295 والإصابة 1: 328 واليعقوبي 2: 191 وتهذيب ابن عساكر 4: 199
[19] - هو الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي العدناني أبو عبدالله السبط الشهيد ابن فاطمة الزهراء وفي الحديث: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ولد في المدينة عام 4 هـ ونشأ في بيت النبوة وإليه نسبة كثير من الحسينيين قتل عام 61 هـ بكربلاء.
راجع تهذيب ابن عساكر 4: 311 وخطط مبارك 5: 93 ومقاتل الطالبين 54 و64 وابن الأثير 4: 19
[20] - سورة المدثر آية رقم 30
[21] - سورة الحاقة آية رقم 17
[22] - سورة آل عمران آية رقم 7 وتكملة الآية (ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب).
[ (1/76)
صفحة 77
23] - سورة آل عمران آية رقم 7 وتكملة الآية (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله)
[24]، 4- سورة المدثر آية رقم 30
[25]- سورة الحاقة آية رقم 17
[26] - هو عبدالله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي أبو العباس حبر الأمة الصحابي الجليل ولد بمكة ونشأ في بدء عصر النبوة فلازم رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد مع علي الجمل وصفين وكف بصره في آخر عمره فسكن الطائف وتوفي بها له في الصحيحين وغيرهما 1660 حديثا قال ابن مسعود نعم ترجمان القرآن ابن عباس، ينسب إليه كتاب في تفسير القرآن جمعه بعض أهل العلم من مرويات المفسرين توفي عام 68 هـ.
[27] - سورة الأنعام آية رقم 151 وتكملة الآية (ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون)
[28] - سورة آل عمران آية رقم 7
[29] - سورة البقرة آية رقم 26 وتكملة الآية (فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين)
[30] - سورة النور آية رقم 35 وتكملة الآية (يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم)
[31] - سورة آل عمران آية رقم 7
[32] - سورة البقرة آية رقم 228 وتكملة الآية (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم)
[33] - سورة القيامة آية رقم 19
[34] - سورة آل عمران آية رقم 7
[ (1/77)
صفحة 78
35] - سورة الإسراء آية رقم 16 وتكملة الآية (فحق عليها القول فدمرناها تدميرا)
[36] - سورة الأعراف آية رقم 28 وتكملة الآية (أتقولون على الله ما لا تعلمون)
[37] - سورة التوبة آية رقم 67
[38] - سورة مريم آية رقم4 6
[39] - سورة طه آية رقم 52
[40] - سورة طه آية رقم 5
[41] - سورة المائدة آية رقم 64
[42] - سورة الشورى آية رقم 11 وصدر الآية (فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه)
الباب الرابع من الركن الثاني(في الوعد والوعيد......
الباب الرابع من الركن الثاني(في الوعد والوعيد وفيه أربعة فصول)
(الفصل الأول: في الموت والبعث([1]) والحساب)
أي في بيانها ووجوب الإيمان بها، وفي بيان صحة عذاب القبر، وخلق الجنة والنار الآن، وفي بيان الكتب والحوض، واقتصار المصنف في الترجمة على بعضها من باب الترجمة عن الشيء والزيادة عليه وهو حسن، والمعيب عندهم الترجمة عن الشيء والنقصان منه، ثم إن الوعد والوعيد يطلقان على ما فيه الخير والشر يقال: وعدته بكذا وأوعدته بكذا، فإن حذف المتعلق وهو الموعود به أطلق الوعد على ما فيه الخير خاصة، والوعيد على ما فيه الشر كذا في المختار وهو المراد هنا.
(والموت حق يجب الإيمان =
به كذاك البعث والحسبان)
(فالموت أن تفارق الروح الجسد=
والبعث ردها إليه للأبد)
(قوله والموت حق) أي ثابت (قوله يجب الإيمان به) هذا الحكم هو المطلوب من ذكر الموت هنا وإلا فحقيته معلوم بالضرورة.
( (1/78)
صفحة 79
اعلم) أنه يجب على كل مكلف أن يعتقد أن كل حي ميت إلا الله، وقيل يكفيه أن يعتقد أن كل عاقل يموت، والأول أصلح لقوله تعالى ((كل نفس ذائقة الموت))([2]) والبهائم ذوات أنفس ويجب عليه أيضا أن يعتقد أن كل شيء فان إلا الله عز وجل لقوله تعالى ((كل شيء هالك إلا وجهه))([3]) والفناء شامل للموت ومطلق العدم بعد الوجود، لأنه إعدام فجميع الأشياء فانية حتى عجب الذنب وهو شيء مثل حبة الخردل أسفل الصلب عند العصعص كذا في الذهب الخالص، وفي المصباح أن العجب: هو العصعص وفي المختار: أن العجب هو عظم الذنب والعصعص هو ذلك العظم أيضا وما ورد من حديث ((كل ابن آدم يفنى إلا عجب الذنب فمنه يركب))([4])قال القطب رحمه الله تعالى: الاستثناء منقطع أي لكن عجب الذنب منه يركب بعد إعادته، وقال في معنى الحديث: أنه سبحانه يعيد الأعيان الفانية ويركبها عليه لحكمة لا لتعذر الإعادة إلا بذلك والأشياء منها ما هو فان على الانقلاب إلى دار أخرى وهم العقلاء ومنها ما هو فان على التلاشي والذهاب وهو ما عدا العقلاء من الحيوانات وغيرها من النباتات والجمادات، فإنها لا تحشر وهو مذهب ابن عباس رضي الله عنه والجمهور على أن كل حي محشور لقوله تعالى ((وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه))([5]) إلى قوله تعالى ((ثم إلى ربهم يحشرون)) لكن حشر ما عدا العقلاء على التلاشي والذهاب واختلفوا أيضا في أولاد المشركين فمنهم من ذهب إلى أن فناءهم على الانقلاب وهو المذهب، ومنهم من ذهب إلى أن فناءهم على التلاشي كسائر الحيوانات، والحق الأول لقوله تعالى ((وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت))([6]) (قوله كذلك البعث) أي البعث كالموت في كونه حقا وفي وجوب الإيمان به. (1/79)
صفحة 80
قوله والحسبان) أي كحكم الموت في أنه حق وإن الإيمان به واجب والدليل عليهما قوله تعالى ((زعم الذي كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم))([7]) وأمثالها من الآيات وخص المصنف الموت والبعث والحساب بالذكر مع أنه سيذكر أشياء أخرى كعذاب القبر وصحة خلق الجنة والنار الآن، والكتب والحوض، لأن المطلوب الذي لا يتم الإيمان إلا به بعد قيام الحجة من هذه الأشياء كلها هو الإيمان بهذه الثلاثة ولذا وقع الخلاف في بعض ما ذكرنا وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. (قوله فالموت إن تفارق الروح الجسد) هذا تعريف للموت وحاصله: إن الموت مفارقة الروح للجسد وعرفه بعضهم بأنه انقطاع الحياة وبعضهم عرض تضمحل به الحياة، وبعضهم بأنه كيفية مخلوقة في الحي، ودليل هذين التعريفين قوله تعالى: ((خلق الموت والحياة))([8]). (1/80)
صفحة 81
والمخلوق إما جوهر أو عرض وأجيب بأن الخلق في الآية بمعنى التقدير أي قدر الموت والحياة ويرد بأن الحياة مخلوقة وهي عرض فيلزم استعمال الخلق في معنييه التقديري والإيجادي وأيضا فحمل الآية على التقدير خلاف الظاهر لأنه يستلزم حذف مضاف تقديره قدر أجل الموت والحياة والحذف خلاف الأصل ولا دليل عليه، وكلام المصنف محتمل لأن يكون الموت انقطاع الحياة وأن يكون عرضا تضمحل به الحياة أو كيفية مخلوقة في الحي لأنه لم يزد على أن الموت مفارقة الروح للجسد، ولم يذكر فيه توقفا عن تعيين السبب (قوله والبعث ردها إليه) أي رد الروح إلى الجسد وفيه تصريح بأن الإعادة هي للأرواح وأجسادها التي كانت في الدنيا خلافا لمن زعم من الكفار أنها تعاد في أجسام هي مثل الأجسام الأول لا عينها ولمن قال إن الأرواح هي المعادة دون الأجسام وقد تقدم التصريح بأن المذهب أن الأجسام هو إعدامها بالكلية لا تفريق أجزائها فقط، واستعبد قوم إعادة حقيقتها على ما كانت في دار الدنيا بعد عدمها بالكلية قلنا: ولا بعد ذلك لأن النشأة الآخرة ليست بأشد من النشأة الأولى فكل منهما ممكن لذاته قالوا: ليس الوجود الثاني كالأول لأنه وجود خاص بكونه مسبوقا بوجود آخر، والوجود الأول عام ولا يلزم من إمكان العام بإمكان الخاص كما لا يلزم من انتفاء الخاص انتفاء العام.
قلنا لا نسلم أن الوجودين متغيران بحسب ذاتهما بل بالإضافة إلى الأزمان وتغاير الإضافات لا يوجب تغاير الذات. قالوا: يجب في إعادة الجسم بعينه إعادته بجميع أعراضه ومن أعراضه الزمان فيجب إعادته معه وإذا أعيد معه لزم أن يكون المعاد هو المبدأ. (1/81)
صفحة 82
قلنا: لا نسلم أن وجود الشيء يستلزم وجود جميع أعراضه معه بل الواجب وجود أعراضه الشخصية فقط والزمان ليس منها وأنت خبير أن حقيقة زيد اليوم هي حقيقته أمس، ولم تختلف ذاته بتخلف أمس عنه، وقد وقع هذا البحث لابن سينا([9]) مع أحد تلامذته وكان ذلك التلميذ مصرا على التغاير فقال له ابن سينا: إن كان الأمر على ما تزعم فلا يلزمني الجواب لأني غير من كان يباحثك وأنت أيضا غير من يباحثني، فبهت التلميذ وعاد إلى الحق واعترف بعدم التغاير في الواقع، وبأن الوقت ليس من المشخصات. كذا في المواقف وشرحه. (قوله للأبد) متعلق بردها والأبد عدم الغاية في المستقبل أي ترد الروح للأجساد لحكمه هي التأبيد إما في نعيم وإما في جحيم والعياذ بالله والحكمة في بعث غير العقلاء هي الاقتصاص لها ممن ظلمها كما يرشد إلى ذلك بعض الأحاديث النبوية.
-----------------------------------------------------------------------------
[1] ـ أصل البعث إثارة الشيء وتوجيهه يقال بعثته فانبعث ويختلف البعث بحسب اختلاف ما علق به فبعثت البعير أثرته وقوله تعالى (والموتى يبعثهم الله) أي يخرجهم ويسيرهم إلى القيامة. راجع المفردات ص52، 53.
[2] ـ سورة آل عمران آية رقم 185 وتكملة الآية (وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور).
وسورة الأنبياء آية رقم 35
وسورة العنكبوت آية رقم 57
[3] سورة القصص آية رقم 88 وتكملة الآية (له الحكم وإليه ترجعون)
[4] الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب التفسير سورة 78 – 1 باب يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا زمرا 4935 عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره. (1/82)
صفحة 83
ورواه ابن ماجة في كتاب الزهد 32 باب ذكر القبر والبلى 4266 عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره، ورواه الإمام أحمد بن حنبل في المسند 2: 315، 322، 428، 499 (حلبي)
وفد جاء في المطبوعة (عجم) بالميم وهو تحريف.
[5] سورة الأنعام آية رقم 38 وتكملة الآية (إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون).
[6] سورة التكوير آية رقم 9
[7] سورة التغابن آية رقم 7
[8] ـ سورة الملك آية رقم 2 وتكملة الآية (ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور)
[9] ـ هو الحسين بن عبدالله بن سينا أبو علي شرف الملك الفيلسوف الرئيس صاحب التصانيف في الطب والمنطق والطبيعيات والإلهيات أصله من بلخ عام 370 هـ موله في إحدى قرى بخارى، نشأ وتعلم في بخارى، وطاف البلاد، وناظر العلماء، واتسعت شهرته، وتقلد الوزارة في همذان وثار عليه عسكرها ونهبوا بيته فتوارى ثن صار إلى أصفهان وصنف بها أكثر كتبه. وعاد في أواخر أيامه إلى همذان فمرض في الطريق ومات عام 428 هـ كان ابن سينا كما أخبر عن نفسه من أهل دعوة الحاكم من القرامطة الباطنيين.
وقال ابن تميمة: تكلم ابن سينا في أشياء من الإلهيات ونبوات والمعاد والشرائع لم يتكلم بها سلفا ولا وصلت إليها عقولهم ولا بلغتها علومهم.
صنف نحو مائة مصنف من أشهرها (القانون) ورسالة في المعاد وأسرار الحكمة المشرقية، والإشارات وغير ذلك كثير.
راجع وفيات الأعيان 1: 152 وتاريخ حكماء الإسلام 27: 72 ودائرة المعارف الإسلامية 1: 203 ولسان الميزان 2: 291 وإغاثة اللهفان لابن الجوزي 2: 266
النهي عن حديث الروح
(والقول بالإمساك في الروح أحق =
وما سوى التخمين للذي نطق)
(قوله والقول بالإمساك) أي الكف عن الخوض في الروح وعن تعاطي بيان ماهيتها (أحق) أي أثبت، من حق الشيء إذا ثبت أو بمعنى أقرب إلى الحق.
( (1/83)
صفحة 84
اعلم) إن العلماء اختلفوا في بيان الروح وتعيين ماهيتها فمنهم من ذهب مذهب الوقوف عنها قائلا: إن الله تعالى لم يخبر نبيه عن ماهيتها فالوقوف بنا أحق قال بعضهم:
والروح ما أخبر عنها المجتبي=
فنمسك المقال عنها أدبا
وقال الجنيد([1]): الروح شيء استأثر الله بعلمه فلم يطلع عليه أحدا من خلقه فلا يجوز لعباده البحث عنها بأكثر من أنها موجودة، وخاض آخرون في بيانها متأولين للأمر بالكف عن بيانها في قوله تعالى ((قل الروح من أمر ربي))([2]) قائلين: إنه عليه الصلاة والسلام أمر أن يقول هكذا ليوافق ما في التوراة فتكون تلك الموافقة آية لنبوته وذلك أن اليهود أمروا قريشا أن يسألوه عليه الصلاة والسلام عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح، وقالوا لهم: إن أجاب عليها كلها أو وقف عنها فليس بنبي وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي. فأجاب عن الأولين وأبهم أمر الروح لأنه مبهم في التوراة قيل: والصحيح أنه لم يمت صلى الله عليه وسلم إلا وأطلعه الله على ما أبهم عليه من أمر الروح وغيرها أي مما يمكن اطلاعه عليه لا على جميع معلوماته تعالى، لأن علم البشر بجميعها محال ولا ينافي هذا قوله ((ولا أعلم الغيب))([3]) قيل لاحتمال أن يكون قال ذلك القول قبل اطلاعه على الغيب، والظاهر لا منافاة مطلقا أي وإن قالها حال الإطلاع لعموم الغيب، وخصوص العلم الحادث (واختلف) هؤلاء الخائضون في بيانها على مذاهب.
(أحدها) أن الروح هي الدم واستدلوا بأنه لا يفقد من الميت إلا دمه ويرد عليهم بأنه قد يذهب بعض الدم بجرح ونحوه فيلزم نقصان الروح بحسب نقصان ذلك الدم وهو باطل.
(ثانيها) وهو المروي عن أصحاب مالك([4] أن الروح هي جسم ذو صورة كصورة الجسد في الشكل والهيئة. قال
الباجوري: فإن اصبغ نقل عن ابن القاسم([5]) عن عبد الرحيم بن خالد قال: الروح ذو جسم ويدين ورجلين وعينين ورأس تسل من الجسد سلا.
( (1/84)
صفحة 85
وثالثها) ما رواه النووي([6]) وصححه عن إمام الحرمين([7]) إنها جسم لطيف شفاف مشتبك بالجسم كاشتباك الماء بالعود الأخضر فتكون سارية في جميع البدن. قال الباجوري: فإن قيل أنه يرد على ذلك إنه إذا قطع عضو حيوان لزم قطع نظيره من الروح أجيب بأن لطافتها تقتضي سرعة انجذابها وانضمامها من ذلك العضو المقطوع قبل انفصاله أو سرعة الالتحام بعد القطع. قال الباجوري: وهذا يقتضي انقطاع الروح ثم تلتحم سريعا والأول يقتضي عدم انقطاعها فهو أولى لان الأصل عدم الانقطاع ا. هـ (وفيه) أنا لا نسلم أن الثاني أولى لان أصل بقاء جزء الروح في ذلك الجزء المقطوع انتقالها منه مفتقر إلى دليل وأيضا إن جزء الروح الذي قطع محله من الجسد لا يخلو إما أن يوجد له عضو آخر يحل فيه أو يحل في محل الجزء الآخر منها، فالأول ظاهر البطلان لانا نشاهد غن العضو المقطوع من البدن لم يبدل غيره مكانه، وأما الثاني فباطل أيضا لاستحالة حلول جسمين في مكان واحد فالتوقف أولى كما صرحنا به.
(واختلفوا) أيضا في محلها على أقوال.
(احدها) إنه البطن.
(ثانيها) هو القلب.
(ثالثها) مكان قريب من القلب ولا دليل على شيء من هذا كله قال الباجوري: وأما بعد الموت فأرواح السعداء بأفنية القبور على الصحيح وقيل عند آدم عليه السلام في سماء الدنيا، لكن لا دائما فلا ينافي إنها تسرح حيث شاءت وأما أرواح الكفار ففي سجين في الأرض السابعة السفلى محبوسة، وقيل أرواح السعداء بالجابية في الشام، وقيل ببئر زمزم، وأرواح الكفار ببئر برهوت في حضرموت التي هي مدينة في اليمن ا. هـ. ولا دليل قطعي على شيء من هذه الأقوال أيضا فالواجب التوقف.
( (1/85)
صفحة 86
قوله وما سوى التخمين) أي وليس غير التخمين للذي نطق في الروح أي تكلم فيها والتخمين: هو رؤية الوهم قال في المصباح قال الجوهري: التخمين القول بالحدس وقال أبو حاتم([8]) هذه كلمة أصلها فارسي من قولهم خمانا على الظن والحدس وإذا عرفت إنه لا دليل للخائضين في الروح سوى التخمين ظهر لك أن الوقوف عن الخوض فيها واجب، كما هو مذهب الجنيد لقوله تعالى ((ولا تقف ما ليس لك به علم))([9]) وقوله صلى الله عليه وسلم ((أمر أشكل عليك فقف عنه أو مكروه))([10]) كما هو مذهب القائل:
(والروح ما أخبر عنها المجتبى=
فنمسك المقال عنها أدبا)
(ولم يمت قبل انقضا العمر أحد=
وقبل رزقه الذي له يجد)
(كان حلالا أو حراما حجرا=
أو شبهة والله كلا قدرا)
(إذ ليس في العالم شيء يصدر =
إلا وربنا له مقدر)
(قوله ولم يمت قبل انقضا العمر أحد) أي كل من مات وفارقت روحه جسده بأي سبب كان أو بلا سبب فهو ميت بأجله ((فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون))([11]) ((ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون))([12]) ((لكل أجل كتاب))([13]) هذا مذهبنا ومذهب جمهور الأشعرية قال في الجوهرة:
وميت بأجله من يقتل=
وغير هذا باطل لا يقبل
وزعم الكعبي([14]) وهو أحد شيوخ المعتزلة أن للمقتول أجلين أحدهما أجل القتل والآخر أجل الموت وأنه لو لم يقتل لبقي إلى الأجل الآخر الذي هو الموت (وزعم) بعضهم أن القاتل قطع على المقتول أجله وإنه لو أخر لبقي إلى أجله الذي يموت فيه والفرق بين القولين أن الأول أثبت للمقتول أجلين والثاني لم يثبت له إلا أجلا واحدا وقد قطعه عليه القاتل فمات في غير أجله واحتج الجميع بحجتين.
(إحداهما): أن القاتل لو لم يكن له تأثير في موت المقتول لما استحق العقاب إذا كان المقتول مظلوما ولما لزمه الدية إلى أوليائه.
( (1/86)
صفحة 87
والثانية): بما ورد من أحاديث أن بعض الطاعات تزيد في العمر (فأما) الأولى فأجاب عنها ابن أبي نبهان حيث قال وأما ما اعتقده المعتزليون من أنه لو لم ينقص ذلك من عمره لم يكن مستحقا بفعله العقاب لأن كل من قتل نفسا ظلما متعمدا فجزاؤه جهنم حكما من الله تعالى فقد يمكن أن يوافق قتل هذا وفاء أجله على زعمهم فلا يكون عليه عقاب وذلك من علم الغيب وحكم الله تعالى على العموم ولا يصح في صفة الله تعالى أن يكون الأمر على غير ما أخبر من علم الغيب ولا من العلم الذي عرفه عباده ويتفاوت القتل في المقتول وقد يمكن أنه لا يبقى من عمره إلا ساعة أو يوم أو شهر أو عام أو دهر طويل أو يكون موافقا للعمر فتختلف أحكام الجزاء في قتل النفس ظلما وفعل المعصية في ذلك سواء بالقصد فصح بطلان هذا القول من المعتزلة ا. هـ.
أقول: وكذلك يلزمهم تقدير الدية التي وجبت على القاتل على حسب ما بقي من عمر المقتول وهذا باطل ضرورة وإنما استحق القاتل العقاب لأنه مرتكب لما حرم الله ارتكابه ووجبت عليه الدية زجرا له عن مثل ذلك الفعل لا كما زعموا.
(وأما) الثانية فأجاب عنها الإمام عبد العزيز في شرح النونية حيث قال وحديث أن بعض الطاعات تزيد في العمر لا يعارض القواطع لأنه خبر واحد أو أن الزيادة فيه بحسب الخير والبركة أو بالنسبة إلى ما ثبته الملائكة في صحفها لأنه قد يثبت فيها الشيء مطلقا وهو في علم الله تعالى مقيد ثم يؤول إلى موجب علمه تعالى، كما يشير إليه قوله ((يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب))([15]) أي اللوح المحفوظ المكتوب فيه جميع الكائنات، كأن يكون الموجود في صحفها أن عمر زيد خمسون سنة مثلا وهو مقيد في علم الله تعالى بأن لا يفعل طاعة كذا وإنه إن فعلها كان عمره ستين سنة مثلا، وسبق في علمه تعالى أنه يفعلها فإنه يفعلها ويعيش ستين سنة، فالمعتبر في العمر هو ما تعلق العلم الأزلي بالوصول إليه ا. هـ كلامه. (1/87)
صفحة 88
أقول وهذه المسألة وإن ظهر بطلان قول المعتزلة فيها لعدم الدليل الشاهد لدعواهم ليست من المسائل الدينية التي يفسق بها من خالف فيها، لاحتمال أن يقول ذلك المخالف أن للمقتول في علمه تعالى أجلين: أجلا مقيدا بما إذا لم يقتل فإنه ينتهي إليه وأجلا مقيدا بما إذا قتل فإنه يموت فيه، وقد علم الله أنه يقتل فلا يتبدل في علمه تعالى وكذلك يحتمل لمن قال: إن القاتل قطع على المقتول أجله أنه تعالى أجل لهذا أجلا لو لم يقتله القاتل لانتهى إليه لكن علم الله أنه يقتل فيموت قبل الأجل المحدود بإرادته تعالى فلا يتبدل في علمه ولا إرادته، نعم هي من مسائل الدين أن لو قيل أنه تعالى لم يعلم بأن القاتل يقطع على المقتول أجله أو أن المقتول يموت في أجل لم يرد الله موته فيه وإنما قلنا أنها حينئذ من مسائل الدين لما فيها من وصف الله تعالى بالجهل حيث أن بعض الأشياء لم يعلمها وبالعجز حيث أن إرادته لم تنفذ، والمعتزلة يعتقدون أنه تعالى لم يرد وقوع المعاصي والقتل ظلما معصية فيبني على مذهبهم أن الله تعالى لم يرد قتل المقتول ظلما، ولا يبعد أن تكون مسألة قطع الأجل على المقتول مبنية على هذه القاعدة، وإنما قلنا ولا يبعد ولم نقل أنها مبنية قطعا لإطلاقهم أن القاتل قطع أجل المقتول ولم يقيدوه بما إذا كان ظالما له.
( (1/88)
صفحة 89
قوله وقبل رزقه) أي وقبل انقضاء رزقه بكسر الراء بمعنى مرزوقه وهو ما ساقه الله إليه لينتفع به سواء كان بملكه أو بدون ملكه بأن كان ملكا للغير فظلمه إياه وانتفع به سواء كان مما يؤكل أو يلبس أو يتقى به عن الحر والبرد أو نحو ذلك، كان المنتفع به عاقلا أو غير عاقل هذا مذهبنا، ومذهب جمهور الأشاعرة، ويدل عليه ما في الخبر مرفوعا عن ابن مسعود ((أن روح القدس نفث في روعي لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته))([16]) ويدل عليه أيضا قوله تعالى ((وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم))([17]) ((وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها))([18]).
(وذهبت) المعتزلة إلى أن الرزق هو ما يملك لا ما ينتفع به مطلقا قلنا وهو باطل لوجهين.
(أحدهما): أنه يلزم عليه أن يسمى ما ملكه الله تعالى رزقا له.
(وثانيهما): أنه يستلزم أن تكون الدواب وما لا ملك له غير مرزوق وكلاهما باطل.
(أما) الأول: فلاستلزامه أن يكون الرب سبحانه مرزوقا (وأما) الثاني: فلمصادمته قوله تعالى ((وكأين من دابة لا تحمل رزقها))([19]) وقوله ((وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها))([20]).
(قوله الذي له يحد) أي يقدر والموصول وصلته صفة للرزق وفيه إشارة إلى أن الرزق لا يزيد ولا ينقص على ما قدر في علمه تعالى وإن كان بعضه معلقا بالأسباب وبعضه غير معلق بها، فإن المعلق بالأسباب لا بد أن يكون معلوما لله تعالى أنه يناله فهو في علمه مقدر كذلك لعلمه بأنه يفعل السبب فيعطى ذلك الرزق المعلق به، أما إذا علم أنه لا يفعل السبب فلا ينال الرزق، فذلك الرزق من الر زق الغير المحدود له فهو يموت قبل استيفائه.
( (1/89)
صفحة 90
قوله كان حلالا) أي كان الرزق حلالا وهو ما ورد في حوازتنا وله نص أو إجماع أو قياس جلي، سواء كان في علم الله تعالى أنه حلالا كذلك أو لا فإنه إنما تعبدنا بالظواهر لا بما غاب عنا علمه قال القزويني([21]): ومن قال إن الحلال ليس بموجود فقد طعن في الشريعة وهو أحمق حصل له ذلك من جهله، فإن الله لم يكلف الخلق عين الحلال في علم الله تعالى بل كلفهم أن يصيبوا الحلال في اعتقادهم ظنهم ا. هـ.
أقول: وفي قوله في اعتقادهم وظنهم نظر لأنهم مكلفون أن يصيبوا الحلال على وفق الشريعة المحمدية لا على وفق اعتقادهم وظنهم فقط لأن الاعتقاد والظن قد يوافقان الشرع وقد يخالفه، فما وافق الشرع منهما جاز الاعتماد عليه، وما خالفه حرم التعويل عليه، وعند التحقيق فالتعويل على ظاهر الشريعة لا على نفس الاعتقاد والظن، وقد مر الكلام في آخر الركن الأول علم من يأتي الأشياء على وفق ظنه من غير علم بحكم الشرع فيه فراجعه إن شئت.
(قوله أو حراما حجرا) أي منع من تناوله، والحرام هو ما تناوله نص أو إجماع أو قياس جلي كتحريم الخمر
والدخان الملحق به في القياس لإسكاره أو يقال إنه حرام بنص السنة لدخوله تحت قوله صلى الله عليه وسلم ((وكل مسكر حرام))([22]) فلا عبرة بمن حلله زاعما أنه ليس بمسكر، و، إنما هو مرقد فقط قائلا أن الإسكار هو تغير العقل مع طرب وهذا تغيره مع انقباض فليس هو باسكار قلنا: لا نسلم أن الإسكار هو تغير العقل مع الطرب فقط بل نقول إن الاسكار هو تغير العقل مطلقا من غير قيد بطرب وانقباض لكن لا على وجه الآفة ليخرج نحو الجنون والعته فإنهما ليسا بسكر وأيضا فالحكمة التي لأجلها حرم الإسكار هي حفظ العقل عن التغير لا حفظه عن الطرب فلقط، فاندفع الإشكال والحمد لله.
( (1/90)
صفحة 91
قوله أو شبهة) هي أن يتجاذب الشيء أصلان أصل يحلله وأصل يحرمه ولا مرجح لواحد منهما فالواجب فيه التوقف وتقسيم الرزق إلى حلال وحرام وشبهة هو مذهب الجمهور مستدلين بأحاديث رووها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب بعض إلى أن الأشياء إما حلال وإما حرام لا غير قال الشماخي رحمه الله: وهو قول الربيع وظاهر قول جابر قال: وللمشايخ في الريبة ثلاثة أجوبة إذا وقع في الريبة ولم يدخل عليها أحدها يمسكها ولا يبالي، والثاني يبيعها ويمسك مقدار ما أنفق ويتصدق الباقي، والثالث يبيعها ويمسك جميع الثمن قال: قال المصنف: حكاه سلمة الدرجيني عن الشيخ أبي الربيع رضي الله عنه وإن دخل عليها محققة فكالحرام وغير محققة كالذي يكون في يد من لا يتقي الحرام فيردها وينفق مثلها ويأثم.
(قوله والله كلا قدرا) أي وقدر الله كل واحد من أنواع الرزق التي هي الحلال والحرام والشبه إذ لا رازق سواه تعالى، لكن لا ينبغي أن يقال لله رازق الحرام كما لا يقال إنه خالق القذر لا لأنه لم يخلقه لكن لما فيه من إيهام التنقيص، وكما يقال إنه مفسد للأشياء الفاسدة، وإن كان في الحقيقة هو الذي فعل ذلك غير أن فعله بالنسبة إليه تعالى ليس بمفسدة بل هو حكمة خفيت علينا، فكانت بالنسبة إلينا مفسدة لعلمنا بظاهر المضرة وجهلنا بما فوق ذلك ولذا قلت:
والرزق من ربنا لا شك فيه كما =
لا شك في ما قضى الرحمن من قدر
فالحل والحرم كل من لدنه كما =
من عنده وأردات النفع والضرر
لكنه قال خير الرازقين وما =
أتى به النص من وصف به اقتصر
فلا تصفه برزاق الحرام كما =
لا يوصفن بخلاق القذى والوضر (1/91)
صفحة 92
وقد تقدم أن المختار أن أسماءه تعالى توقيفية فلا يسمى بما لم يرد فيه نص من كتاب أو سنة، وذهبت المعتزلة إلى أنه تعالى لا يرزق الحرام بناء على ما مر من أن الرزق عندهم هو ما يملك، وعلى قاعدتهم في التحسين والتقبيح والعقليين، وكل منهما قد مر جوابه ونزيدها هنا أن نقول يلزم هؤلاء القائلين أن يكون من عاش طول عمره بأكل الحرام غير مرزوق، وهو مصادم لقوله تعالى ((وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها))([23]) ولا قبح في أنه تعالى يرزق الحرام لأن الأشياء كلها ملك له فالحلال والحرام بالنسبة إليه سواء قال ابن أبي نبهان: إن هذه المسألة مما يسع جهلها أي ليست من مسائل الدين التي يجب اعتقادها وهي كذلك فإنها وإن صادمت ظاهر الكتاب فلا دليل قطعي بكفر المخالف فيها، لأن الظاهر والعموم ليس بدليل قطعي عندنا، وإنما جاء بطلان قولهم من قبل التأويل بلا دليل والتخصيص بلا مخصص.
(قوله إذ ليس في العالم شيء يصدر) إلى آخره هذا دليل لقوله والله كلا قدرا وحاصله أن الأشياء كلها إنما تصدر بإرادة الله وتقدير منه فلا فاعل على الحقيقة إلا هو، فلو قلنا إنه لم يرزق الحرام لآكله للزم أن يكون هناك رازق غيره يرزق الحرام وهو يرزق الحلال فقط، وإنما احتملنا للمعتزلة في هذه المسألة مع ظهور هذا اللزوم لا مكان أن يريدوا نفي النسبة إليه لفظا مع إقرارهم بأنه تقدير الله فيكون الخلاف لفظيا، لكن إذا رجعت إلى قواعدها رأيتهم ينفون نحو هذا عن الله تعالى معنا طلبا لتنزيهه عما لا يليق به في زعمهم، فالمسألة حينئذ دينية لأنها يلزم عليها إثبات رازق غيره تعالى لوجود أكل المحرم وسوقه إلى آكله وتقديره له، وهذه كلها أفعال لا تقوم إلا من فاعل والفاعل على الحقيقة هو الرب عز وجل ينفونها عنه فرجعت المسألة قدرية.
-----------------------------------------------------------------------------
[ (1/92)
صفحة 93
1] ـ الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي الخزاز أبو القاسم، صوفي من العلماء بالدين موله ونشأته ببغداد، أصل أبيهم من نهاوند، وكان يعرف بالقوارير، وعرف الجنيد بالخزاز لأنه كان يعمل الخز قال أحد معاصريه: ما رأت عيناي مثله.
قال ابن الأثير: إمام الدنيا في زمانه، وعده العلماء شيخ مذهب التصوف لضبط مذهبه بقواعد الكتاب والسنة من كلامه: طريقنا مضبوط بالكتاب والسنة من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث ولم يتفقه به له رسائل منها دواء الأرواح توفي عام 297 هـ.
راجع وفيات الأعيان 1: 117 وحلية 10: 255 وصفة الصفوة 2: 235 وتاريخ بغداد 7: 241 وطبقات السبكي 2: 28 - 37
[2] ـ سورة الإسراء آية رقم 85
[3] ـ سورة الإسراء آية رقم 50 وتكملة الآية (ولا أقول لكم أني ملك إن اتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون)
[4] ـ هو مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري، أبو عبدالله إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة وإليه تنسب المالكية موله عام 93 هـ ووفاته في المدينة عام 179 هـ كان صلبا في دينه بعيدا عن الأمراء والملوك وشي به إلى جعفر عم المنصور العباس فضربه سياطا انخلعت لها كتفه. سأله المنصور أن يضع كتابا للناس يحملهم على العمل به فصنف الموطأ، وله رسالة في الوعظ، ورسالة في الرد على القدرية، وكتاب في النجوم وتفسير غريب القرآن.
راجع الديباج المذهب 17 – 30 والوفيات 1: 439 وتهذيب التهذيب 10: 5 وصفة الصفوة 2: 99 وحلية 6: 316.
[5] ـ هو عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي المصري أبو عبدالله ويعرف بابن القاسم فقيه جمع بين الزهد والعلم تفقه بالإمام مالك ونظرائه موله عام 132 ووفاته بمصر عام 191 هـ له (المدونة) وهي من أجل كتب المالكية رواها عن الإمام مالك.
راجع وفيات الأعيان 1: 276 والمكتبة الأزهرية 1: 403.
[ (1/93)
صفحة 94
6] هو يحيى بن شرف بن مري بن حسن الحزامي الحوراني النووي الشافعي أبو زكريا، محيي الدين، علامة بالفقه والحديث موله ووفاته في نوا من قرى حوران بسورية عام 631 هـ وإليها نسبته.
تعلم في دمشق وأقام بها زمنا طويلا من كتبه تهذيب الأسماء واللغات، ومنهاج الطالبين، والمنهاج في شرح صحيح مسلم وشرح المهذب للشيرازي وغير ذلك كثير توفي عام 676 هـ. راجع طبقات الشافعية للسبكي 5: 165 وطبقات الشافعية والنجوم الزاهرة 7: 278 وآداب اللغة 3: 242 ومفتاح السعادة 1: 398.
[7] - هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي ركن الدين الملقب بإمام الحرمين، أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي ولد في جوين عام 419هـ ورحل إلى بغداد فمكة حيث جاور أربع سنين وذهب إلى المدينة فأتى ودرس جامعا طرق المذاهب ثم عاد إلى نيسابور فبنى له الوزير نظام الملك المدرسة النظامية فيها وكان يحضر دروسه أكابر العلماء.
له مصنفات منها غياث الأمم والتياث الظلم، العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية، والشامل في أصول الدين، والإرشاد في أصول الدين وغير ذلك كثير توفي عام 478هـ.
راجع وفيات الأعيان 1: 287 والسبكي 3: 349 وتبيين كذب المفتري 278: 285.
[8] - هو محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد التميمي أبو حاتم البستي ويقال له أبن حبان، مؤرخ علامة جغرافي محدث ولد في بست من بلاد سجستان وتنقل في الأقطار فرحل إلى خراسان والشام ومصر والعراق والجزيرة وتولى قضاء سمرقند مدة ثم عاد إلى نيسابور ومنها إلى بلده حيث توفي في عام 345هـ. (1/94)
صفحة 95
وهو أحد المكثرين من التصنيف قال ياقوت أخرج من علوم الحديث ما عجز عنه غيره، وكانت الرحلة في خراسان إلى مصنفاته من كتبه المسند الصحيح في الحديث يقال إنه أصح من سنن ابن ماجة، وروضة العقلاء، ومعرفة المجرمين من المحدثين وغير ذلك كثير. راجع معجم البلدان 2: 171 وشذرات الذهب 3: 16 واللباب 1: 122 وتذكرة الحفاظ 3: 125 وميزان الاعتدال 3: 39 وطبقات السبكي 2: 141 ولسان الميزان 5: 112.
[9] - سورة الإسراء آية رقم 36.
[10] - الحديث رواه ابن ماجة في المقدمة 8 باب اجتناب الرأي والقياس 55 – ثنا يحيى بن سعيد الأموي عن محمد بن سعيد بن حسان عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم، ثناء معاذ بن جبل قال: لما بعثني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الى اليمن قال " لا تقضين ولا تفصلن إلا بما تعلم وذكره ".
[11] ـ سورة الأعراف آية رقم 34
[12] ـ سورة الحجر آية رقم 5 وسورة المؤمنون آية رقم 43
[13] ـ سورة الرعد آية رقم 38
[14] ـ هو عبدالله بن أحمد بن محمود الكعبي من بني كعب البلخي الخراساني أبو القاسم احد أئمة المعتزلة، كان رأس طائفة منهم تسمى (الكعبية) وله آراء ومقالات في الكلام انفرد بها، وهو من أهل بلخ أقام ببغداد مدة طويلة وتوفي ببلخ عام 319 هـ له كتب منها التفسير، وتأييد مقالة أبي الهذيل، وقبول الأخبار وعرفة الرجال، ومقالات الإسلاميين، وأدب الجدل، وتحفة الوزراء، ومفاخر خراسان، والطعن على المحدثين قال ابن حجر في لسان الميزان: أثنى عليه أبو حيان التوحيدي، وقال الخطيب البغدادي، صنف في الكلام كتب كثيرة وانتشرت كتبه ببغداد وقال السمعاني: من مقالته: أن الله تعالى ليس له إرادة وجميع أفعاله واقعة منه بغير إرادة ولا مشيئة منه لها.
راجع تاريخ بغداد 9: 384 والمقريزي 2: 348 ووفيات الأعيان 1: 352 ولسان الميزان 3: 255 وهدية العارفين 1: 444
[15] ـ سورة الرعد آية رقم 39
[ (1/95)
صفحة 96
16] ـ رواه في مسند الفردوس عن جابر في حرف الهمزة، ورواه في حرف النون عنه بلفظ نفث في روعي روح القدس أن نفسا لن تخرج من الدنيا حتى تستكمل رزقها، الحديث ورواه أبو نعيم والطبراني عن أبي أمامة والبزار عن حذيفة وأخرجه أيضا ابن أبي الدنيا وصححه الحاكم عن ابن مسعود كذا في فتح الباري.
[17] ـ سورة العنكبوت آية رقم 60
[18] ـ سورة هود آية رقم 6
[19] ـ سورة العنكبوت آية رقم 60
[20] ـ سورة هود آية رقم 6
[21] ـ هو عمر بن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد، إمام الدين أبو القاسم الكرخي التميمي القزويني الشافعي: فقيه من العلماء ينعت بقاضي القضاة، ولد بتبريز قال ابن العماد: أنجفل إلى مصر فتألم في الطريق وتوفي بالقاهرة عام 699 هـ وكان تام الشكل متواضعا لم يتكهل. قلت: له مختصر شعب الإيمان في شسترين 3682.
راجع شذرات 5: 451 وهدية العارفين 1: 788
[22] ـ الحديث رواه البخاري في كتاب الأدب 80 باب قول النبي صلى الله عليه وسلم يسروا ولا تعسروا 6124 عن سعيد بن أبي برده عن أبيه عن جده قال لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذ ابن جبل قال لهما: يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا قال أبو موسى يا رسول الله، أنا بأرض يصنع فيها شراب من العسل يقال له البتع، وشراب من الشعير يقال له المزر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره. ورواه الإمام مسلم في الأشربة 73 – 75، 64، 69، وأبو داود في الأشربة 5، 7 والترمذي = في الأشربة 1، 2 والنسائي في الأشربة 53، 40، 49 وابن ماجة في الأشربة 9، 13، 14 وصاحب الموطأ في الضحايا 8 وأحمد بن حنبل في المسند 1: 274، 289، 350، 2: 16، 29، 31، 91، 98، 105 (حلبي).
[23] ـ سورة هود آية رقم 6
الكلام في عذاب القبر
(ثم عذاب القبر مما جاء به=
تواتر الأخبار معنا فانتبه)
(واعتقدنا صدقه ولا تحل=
تعذيب ميت لوجوه يحتمل)
( (1/96)
صفحة 97
قوله ثم عاب القبر الخ) عطف بثم المقتضية للتراخي، وذلك أنه لما استطرد في بيان الرزق وأخذ بالكلام عليه كان بين ذكر الموت وذكر عذاب القبر مهلة فناسب عطفه بثم، وذكر القبر تغليبا لما عليه العادة لأنه هو الغالب في أحوال الموتى، وإلا فكل ميت أراد الله تعذيبه فكذلك حكمة سواء قبر أو أكلته السباع أو حرق وذري في الريح، ولا يمنع منه تفرق الأجزاء، لأن الله على كل شيء قدير، وكذلك أيضا نعيم القبر واقتصاره على ذكر العذاب دون النعيم لكثرة التعبير به عن المقام.
(اعلم) إن العلماء اختلفوا في ثبوت عذاب القبر فذهب جابر بن زيد([1]) رضي الله عنه، والجمهور إلى ثبوته لما ورد من الآيات والأحاديث الدالة على ذلك حتى قال في المعالم إنها متواترة معنى، فمن الآيات قوله تعالى ((النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب))([2]) ولقد تكلف ابن أبي نبهان وهو ممن ينكر عذاب القبر تأويل هذه الآية حتى خرج بها عن أسلوب النظم الشريف فقال: فيها تقديم وتأخير والأصل ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا (ومنها) قوله تعالى ((سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم))([3]) فإنه ذكر يعذبون ثلاث مرات فالأول بإقامة الحدود، والثانية في القبر والثالثة بعد البعث كذا قيل (ومنها) قوله تعالى حكاية عن الكفار ((ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين))([4]) فذكروا أنهم أميتوا اثنتين كما إنهم أحيوا اثنتين.
( (1/97)
صفحة 98
ورد) بأن الحياة الأولى هي الحياة الدنيوية، والثانية الأخروية، وإن الإماتة الأولى هي عبارة عن عدمهم قبل الوجود والإماتة الثانية هي التي فارقوا بها الدنيا. (وأما) الأحاديث فمنها ما أخرجه ابن شيبة وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((يسلط الله على الكافر في قبره تسعة وتسعين تنينا تنهشه وتلدغه حتى تقوم الساعة لو أن تنينا منها نفخ على الأرض ما انبتت خضراء))([5]) قال الباجوري: والتنين بكسر المثناة الفوقية وتشديد النون وهو أكبر الثعابين قيل وحكمة هذا العدد أنه كفر بأسماء لله الحسنى وهي تسعة وتسعين ا. هـ.
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة تراجع من محلها (واحتج) النافون بقوله تعالى ((يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا))([6]) قالوا: لو كانوا معذبين في القبر ما سموه مرقدا وأجيب بأنهم سموه بلك نظرا إلى ما شاهدوا من هول الموقف حتى صار القبر بالنسبة إليهم كالمرقد، فبقوله تعالى ((يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة))([7]) قالوا: لو كانوا معذبين لاستطالوا المدة ولما أقسموا أنهم لم يلبثوا إلا ساعة.
(وأجيب) عنه بأنهم إنما سموا تلك المدة ساعة بالنسبة إلى ما كشف لهم من التأبيد الذي لا انقطاع له فمدة البرزخ بالإضافة إلى ما بعدها من الأبد أقل من ساعة (وبقوله) تعالى: ((لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى))([8])
(قالوا) لو عذبوا في القبر لزم إحيائهم فيه ثم إماتتهم بعد التعذيب، ويجاب بأن الخطاب لأهل الجنة فإذا أحياهم الله في القبر لما أراده منهم فلا يسمى ما بعد تلك الحياة موتا بالإضافة إليهم، كيف وقد ورد في الحديث أن المؤمن يرى منزله في النار أن لو عصى ومنزله في الجنة لما أطاع فيريد أن ينهض إليه فيقال له: لم يأت أوان ذلك نم سعيدا نومة العروس وليس النوم بموت فلا يذوقون إلا الموتة الأولى.
( (1/98)
صفحة 99
قوله تواتر الأخبار معنا) أي تواتر معنى الأخبار النبوية فمعنى تمييز محول عن مضاف، والمتواتر في إصلاحهم: هو خبر جماعة عن جماعة لا يمكن تواطي مثلهم على الكذب عادة مسندين الخبر إلى الحسن فإن رووا الخبر بلفظه سمي تواترا لفظيا، وإن روى كل منهم بلفظ يخالف لفظ الآخر واتفقوا في المعنى سمي التواتر معنويا، لاشتراك جميع الرواة في ذلك المعنى بنفسه وإن اختلفت عباراتهم.
(قوله فانتبه) أي فاستيقظ من غفلتك تكملة للبيت وفائدته التنبيه للسامع من غفلته، والمعنى إذا عرفت أن عذاب القبر جاء به التواتر المعنوي فلا تكن ذا غفلة عن أخذ الحذر منه ولا ذا تماد في الجهل به فإن حق ما جاءت به الأخبار المتواترة أن يكون معلوما لك.
(قوله واعتقدن صدقه) أي مطابقة التواتر المعنوي للواقع أي انتبه للعلم به واعتقد صدقه، فالتواتر مما يقطع بصدقه وكذلك يقطع بصدق كل خبر عرف بالضرورة وبصدق كل خبر عرف بالاستدلال، وبصدق خبر الله تعالى وبصدق خبر رسوله وبصدق من أخبر الصادق بصدقه وبصدق الإجماع وبصدق خبر أخبر به عن قائله وهو حاضر يسمع الخبر ولا ينكره، ولم يمنعه من الإنكار مانع وبصدق الخبر المستفيض المتلقى بالقبول لكن وجوب تصديق ما ذكر من التواتر إنما هو متوقف على من بلغه ذلك أما في زماننا فقد تعذر إدراك التواتر من غيره، وصارت الأخبار كلها منزلة الآحاد لانقطاع الرواة إلا ما اجتمعت عليه الأمة أن هذا متواتر أو أنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فحينئذ يجب تصديق الإجماع والقطع بصدق الخبر، ولذا قال صاحب المرآة: المعتبر في تصحيح الأخبار وفي كونها تواترا أو آحادا هو ما عليه السلف في الثلاثة القرون لا يوجب القطع به على من هو في زماننا لأن كلا متعبد بعلمه ثم إن رواية أنه متواتر في تلك القرون لا تكون غالبا إلا أحادية فينقلب المتواتر أحاديا فيكون مظنون الصدق، والعقائد لا تنبني على ظن فلذا صح الخلاف في عذاب القبر.
( (1/99)
صفحة 100
فإن قيل) فما وجه كلام الناظم في قوله واعتقدن صدقه؟
(قلنا): إنه مبني على غير الوجوب أو على إرادة من بلغه ذلك التواتر الموجب للصدق فلا إشكال.
(قوله ولا تحل) بضم المثناة الفوقية أي ولا تقل بإحالة تعذيب ميت ردا على من قال إن تعذيب الميت خارج عن المعقول قالوا: إن قدرنا إمكانه في القبر لإعادة الروح فيه فلا يمكن ذلك في كل ميت فأنا نشاهد من قتل فصلب بعد القتل مدة طويلة حتى تنفى أجزاؤه فلا نرى أنها حدثت حياة يدرك بها العذاب، وكذلك من أكلته السباع أو أحرق بالنار وأذري في الرياح، أنا نعلم ضرورة أن أجزاؤه تفرقت وحياته مع تفرق أجزاؤه تعذرت.
(وأجيب) عن الأول: بأنه يحتمل أن يخلق فيه حياة لا ندركها نحن وعن الثاني: أنه مبني على انه يشترط في الحياة وجود البنية بتمامها ونحن لا نقول به لإمكان أن يخلق الله لكل جزء انفرد حياة يحس بها ألم العذاب (قوله لوجوه يحتمل) أي يحتملها التعذيب وتلك الوجوه هي ما في الأجوبة التي ذكرناها.
-----------------------------------------------------------------------------
[1] ـ هو جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي أبو عبدالله تابعي من فقهاء الشيعة من أهل الكوفة، أثنى عليه بعض رجال الحديث واتهمه آخرون بالقول بالرجعة، وكان واسع الرواية غزير العلم بالدين مات بالكوفة عام 128 هـ.
راجه تهذيب التهذيب 2: 46 وفهرست الطوسي 45 وميزان الاعتدال 1: 176 وذيل المذيل 98
[2] ـ سورة غافر آية رقم 46
[3] ـ سورة التوبة آية رقم 101 وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال (غليظ) بدلا من (عظيم)
[4] ـ سورة غافر آية رقم 11 وتكملة الآية (فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل).
[5] ـ الحديث رواه الإمام أحمد بن حنبل في المسند 3: 38 – حدثني أبي، ثنا أبو عبد الرحمن، ثنا سعيد بن أبي أيوب. قال سمعت أبا السمح يقول سمعت أبا الهيثم يقول، سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره. (1/100)
صفحة 101
ورواه الدارمي في الرقاق 94، ورواه الترمذي في القيامة 36.
[6] ـ سورة يس آية رقم 52 وتكملة الآية (هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون).
[7] ـ سورة الروم آية رقم 55.
[8] ـ سورة الدخان آية رقم 65 وتكملة الآية (ووقاهم عذاب الجحيم).
الكلام في الحساب
(أما الحساب فهو تمييز العمل=
خيرا وشرا ليراه من فعل)
(خص به مصر ليعلما =
أو فاسق ليكثر التندما)
(وما عداهما إلى الجنان=
بلى حساب أو إلى النيران)
(قوله أما الحساب) الخ هو لغة: العدد وفي الاصطلاح: ما أشار إليه المصنف بقوله: هو تمييز العمل خيرا وشرا أي تبيين عمل الخير لصاحبه وتبيين المقبول منه والمردود وتبيين مقدار ثوابه وتبيين عمل الشر لصاحبه وتبيين أنه مردود عليه وتبيين مقدار عقابه. وعرف بعضهم بأنه: توقيف الله الناس على أعمالهم خيرا كانت أو شرا قولا كانت أو فعلا تفصيلا بعد أخذهم كتبها. قال الباجوري: وقد اختلف في المراد بتوقيف الله الناس على أعماهم فقيل المراد به إن يخلق الله في قلوبهم علوما ضرورية بمقادير أعمالهم من الثواب والعقاب، وقيل المراد به أن يوقفهم بين يديه ويؤتيهم كتب أعمالهم فيها سيئاتهم وحسناتهم فيقول: هذه سيئاتكم وقد تجاوزت عنها، وهذه حسناتكم وقد ضاعفتها لكم، وهذا القول نقل عن ابن عباس قال الباجوري: وفيه قصور لأن الحساب غير قاصر على هذا المقدار وقد ورد أن الكافر ينكر فتشهد جوارحه وقيل المراد به أن يكلمهم في شأن أعمالهم وكيفية ما لها من الثواب وما عليها من العقاب فيسمعهم كلامه القديم. قال: وهذا هو الذي تشهد له الأحاديث الصحيحة ا. هـ.
( (1/101)
صفحة 102
أقول): وهذا الذي يرده النقل والعقل لأن القدم مختص به عز وجل وكلامه الذاتي إنما هو وصفة توجب عدم الخرس لا حروف وأصوات مسموعة، فلو قدرنا أن كلامه الذاتي كذلك للزم أن يكون مشابها لخلقه في وصفتهم بالكلامية وهذا خلاف قوله تعالى ((ليس كمثله شيء))([1]) وقد تقدم في بيان الكلام ما فيه غنى عن الإعادة، وأما القول المروي عن ابن عباس فمحتمل للإيقاف بين يدي ملك من ملائكته يحاسبهم أو بين قدرته ونعمته، وما جاء به الكتاب من قوله تعالى ((اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون))([2]) دليل على أن الحساب غير مقصور على نفس التبيين فقط بل معه مكالمة ومخاطبة وشهادة، فيحمل على أن المحاسب للخلق هو خلق من خلق الله تعالى خلقه لذلك وجعل له قدرة على محاسبة الخلق كلهم جنهم وإنسهم مؤمنهم وكافرهم إلا من استثنى كما سيأتي، ويحتمل أن يخلق الله صوتا يسمعونه يكلمهم به فيسألهم عن أعمالهم فيحاسب هذا حسابا يسيرا وهذا عسيرا، وهذا سرا وهذا جهرا، هذا هو الذي ظهر لي بعد ما نظمت هذه القصيدة ولا بأس به على مذهب أصحابنا فإنهم إنما فيسرون الحساب بالتبيين فقط فرارا عن التشبيه ولا تشبيه في هذا.
(قوله خيرا وشرا) منصوبان على التمييز المحول عن مضاف تقديره تمييز خير العمل وشره، أو على الحال من المضاف إليه لاقتضاء المضاف العمل أي تمييز العمل في حال كونه خيرا وفي حال كونه شرا.
(قوله ليراه من فعل) أي ليعلمه من فعله (وفائدة) الحساب بيان مراتب الكمال والنقصان، فيعلم المؤمن ما كتب له وما محي عنه فيشكر ويرى الفاسق ما أثبت عليه فيفتضح.
(قوله خص به مقصر) الخ في القواعد أن الناس بالنسبة إلى الحساب ثلاثة أقسام: قسم يحاسب وهو مؤمن مقصر وفاسق غير جاحد. وقسم يدخلون الجنة بغير حساب وهم الموفون من المؤمنين. (1/102)
صفحة 103
وقسم يدخلون النار بغير حساب وهم المشركون. فبنيت النظم على ما هنالك ثم ظهر لي بعد ذلك خلافه بظاهر قوله تعالى ((زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم))([3]) فهذا صريح بأن منكري البعث ينبؤن بأعمالهم وقوله تعالى ((وقفوهم إنهم مسؤولون))([4]) وفي السنة عن صلى الله عليه وسلم ((يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا ليس عليهم حساب فقيل هلا استزدت ربك فقال استزدت فزادني كل واحد من السبعين ألفا سبعين ألفا فقيل له هلا استزدت ربك فقال استزدته فزادني ثلاث حثيات بيده الكريمة))([5]) أي برحمته والثلاث الحثيات ثلاث دفعات قال القطب رحمه الله: وحيث ورد نفي الحساب عن المؤمن فالمراد نفي المناقشة بعد أن قال ولا يسأل نبي أو مشرك عمله شيئا فشيئا، وقيل يسأل المشرك ثم قال بعد ذلك هذا تحقيق المقام فدع ما سواه، وتلخيصه أن سؤال شيئا فشيئا كائن لما عدا الأنبياء من مؤمن وفاسق، والخلاف في المشرك (قوله ليعلما) إشارة إلى حكمة حساب المؤمن المقصر أي ليعلم نعمة الله عليه حيث محا عنه سيئاته وأثبت له حسناته مضاعفة.
(قوله أو فاسق) أي فسق غير شرك على ما القواعد.
(قوله ليكثر التندما) أي التأسف على ما فرط في جنب الله وهي الحكمة في حسابه (قوله وما عداهما) أي المؤمن المقصر والفاسق الغير المشرك.
(قوله إلى الجنان بلا حساب) وهم المؤمنون الموفون والجنان جمع جنة وهي دار الثواب فيجب اعتقاد وجودها في الآخرة وأنها غير فانية وان أهلها غير منتقلين عنها بفناء ونحوه، وأن لهم ما تشتهي أنفسهم وتلذ أعينهم.
( (1/103)
صفحة 104
قوله أو إلى النيران) أي بلا حساب ففيه اكتفاء وهم المشركون على ما في القواعد، والنيران جمع نار وهي دار العذاب في الآخرة فيجب اعتقاد وجودها هنالك وأن أهلها العصاة أهل الكبائر الذين لم يتوبوا منها وإنها لا تنفي، وإن أهلها مخلدون فيها فمن دخلها لا يخرج منها وإنما جمع الجنان والنيران نظرا إلى تعددهما فالجنان ثمان، والنيران سبع أعلاها جهنم، وتحتها لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية وباب كل من داخل الأخرى على الاستواء وبين أعلاها وأسفلها خمس أو سبع مائة سنة، وحرها هواء محرق ولا جمر لها سوى بني آدم، والأحجار المتخذة آلهة من دون الله تعالى، والشياطين أيضا، وهذه النار التي في الدنيا ما أخرجها الله عز وجل للناس من جهنم حتى غسلت في البحر مرتين ولولا ذلك لم يحصل الانتفاع بها لأحد من شدة حرها، وكفى بها زاجرا عن عصيان الله تعالى الموجه غليها ا. هـ. من شرح الرائية للشيخ عبد العزيز([6]) رحمه الله تعالى.
---------------------------------------------------------------------------
[1] ـ سورة الشورى آية رقم 11 وصدر الآية (فاطر السماوات والأرض وجعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه)
[2] ـ سورة يس آية رقم 65
قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عبدالله بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث التميمي حدثنا أبو عامر الأزدي حدثنا سفيان عن عبيد المكتب عن الفضل بن عمرو عن الشعبي عن أنس بن مالك – رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه ثم قال: صلى الله عليه وسلم أتدرون مما اضحك..؟
قلنا: الله ورسوله أعلم؟؟ (1/104)
صفحة 105
قال: صلى الله عليه وسلم من مجادلة العبد ربه يوم القيامة يقول رب ألم تجرني من الظلم..؟ فيقول بلى، فيقول: لا أجيز علي إلا شاهدا من نفسي فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، وبالكرام الكاتبين شهودا فيختم على فيه، ويقول لأركانه أنطقي بعمله ثم يخلي بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل وقد رواه مسلم والنسائي كلاهما عن أبي بكر أبي النضر عن أبي النضر عن عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي عن سفيان هو الثوري ثم قال النسائي لا أعلم أحدا روى هذا الحديث عن سفيان غير الأشجعي وهو حديث غريب والله تعالى اعلم.
[3] ـ سورة التغابن آية رقم 7
[4] ـ سورة الصافات آية رقم 24
[5] ـ الحديث رواه ابن ماجة في الزهد 34 باب صفة امة محمد صلى الله عليه وسلم
4286 – حدثنا هشام بن عمار، ثنا إسماعيل بن عياش ثنا محمد بن زياد الألهاني قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وذكره.
ولفظه (وعدني ربي سبحانه أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب مع كل ألف سبعون ألفا وثلاث حثيات من حثيات ربي عز وجل)
[6] ـ هو الشيخ عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم الثميني ولد في يسجن بجنوب الجزائر عام 1130 هـ كان أحد أقطاب علماء الأباضية وإليه انتهت رئاسة العلم له مؤلفات كثيرة توفي عام 1220 هـ من مقدمة كتاب معالم الدين.
الكلام في خلق الجنة والنار
(والخلف هل قد خلقا وهو الأصح=
أو يخلقان بعد ما الفنا اتضح)
(والوقف عن تعييننا ذاك المحل=
أولى بنا إذ لا دليل ثم دل)
(وعدم التعيين ليس يقدح =
في قولنا أن الوجود أرجح)
(قوله والخلف هل قد خلقا) أي الآن والضمير عائد إلى الجنان والنيران وكان مقتضى الظاهر أن يقول خلقتنا بتاء التأنيث فعدل عنه باعتبار كونهما محلين.
( (1/105)
صفحة 106
اعلم) أن الأمة اختلفت في وجود الجنة والنار الآن فذهب جمهورنا والأشاعرة وبعض المعتزلة إلى أنهما موجودان الآن، واستدلوا بقصة آدم وحواء عليهما السلام وإسكانهما الجنة وإخراجهما منها بالزلة، وهذا دليل لا يمكن الجواب عنه لنص محكم الكتاب به ولتواتره ضرورة حتى عند من جحد النبوة، والقول بأن الجنة التي كانا فيها غير الجنة الموعود بها في الآخرة تحكم من قائله إذ لا دليل عليه، والأخبار الصحيحة سالكة هذا المسلك فإن كثيرا منها ما يدل على وجودهما الآن.
(واستدلوا) أيضا بقوله تعالى ((أعدت للمتقين))([1]) ((أعدت للكافرين))([2]) بصيغة الماضي لكن يبحث فيه بأنه لا دلالة فيه على المطلوب فقد قال تعالى ((ونفخ في الصور))([3]) ((وسيرت الجبال))([4]) ونحو ذلك.
(وذهب) جمهور المعتزلة وبعض أصحابنا كأبي المؤثر، وأبي سهل وابن أبي نبهان إلى أنهما غير مخلوقين الآن، وإنما يخلقان يوم الجزاء (واستدلوا) بقوله تعالى في حق الجنة ((أكلها دائم))([5]) بمعنى مأكولها دائم أي لا ينقطع، مع قوله تعالى ((كل شيء هالك إلا وجهه))([6]) ((ويبقى وجه ربك والجلال والإكرام))([7]) (قالوا): فلو كانت الجنة مخلوقة الآن لزم فناؤها وهلاكها فلا تكون دائمة والنار مثلها إذ لا قائل بالفرق.
(وأجيب) عنه بأن دوام مأكولها إنما هو على سبيل البدل بمعنى أنه إذا فني واحد جيء بآخر أي لا يتصور دوام مأكول واحد بعينه فلا تنافي (أو نقول): إن فناءهما أن تتفرق أجزاؤهما وتبقى واتهما على ما هي فتكونان فانيتين صورة باقيتين ذاتا (أو نقول): أن كون ذاتيهما قابلتين للفناء كاف في كونهما فان ما أمكن فيه الفناء لذاته فان على الحقيقة ورفع الفناء عنه فعلا لعارض عرض عليه من خارج لا يدفع ذلك الإمكان الذاتي.
( (1/106)
صفحة 107
أقول): وهذا هو الجواب لأن الأول والثاني وإن أمكنا فهما محتاجان إلى دليل يدل على أن ذات الجنة والنار فانية فعلا على الأول وأن صورتهما دون ذاتهما فانية فعلا أيضا على الثاني (وبقوله) تعالى ((وجنة عرضها السماوات والأرض))([8]) (قالوا) فلو كانتا موجودتين لزم تداخل الأجسام لأن الآية صريحة في أن عرض الجنة هو عرض السماوات والأرض.
(والجواب) أن في الآية تشبيه العرض بالعرض مع حذف أداة التشبيه وهو من أبلغ وجوه التشبيه ويدل عليه التصريح بها في آية أخرى كعرض السماوات والأرض أيضا فلو كان العرض عين العرض لزم قيام العرض محلين مختلفين وهو باطل.
(قوله وهو الأصح) أي القول بخلقهما الآن هو الأصح لما في قصة آدم وحواء وقد عرفت أنه لا يمكن الجواب عنها.
(قوله أو يخلفان) أي أو سيوجدان بعدما يقع الفناء لئلا يلزم فناؤهما (قوله بعدما الفناء أتضح) أي بعد ما وقع وظهر وعبر بالاتضاح مكان الوقوع نظرا للجاحدين للمعاد والتعريض بهم على أنهم في شك مريب وإنه سيتضح وينكشف صدق الرسل بما وعدوا به واوعدوا (قوله والوقف عن تعييننا ذاك المحل الخ) أي ووقوفنا عن تبيين محل الجنة والنار بعينه أي أنه في مكان كذا أو مكان كذا أحق بنا لأنه محتاج إلى دليل ولا دليل يدل على ذلك ولا نعلم إلا ما أطلعنا على علمه وأتى بالإشارة مع إمكان أن يأتي باين مكان ذاك لما في الإشارة من إشارة لبعد المحل وتعظيمه وخفائه علينا إلا بالإشارة ممن أطلع عليه.
( (1/107)
صفحة 108
اعلم) أن بعض العلماء القائلين بوجود الجنة والنار أخذوا في تعيين محلهما فقال جمهورهم إن الجنة فوق السماء السابعة عند سدرة المنتهى، وإن النار تحت الأرض السفلى وقال البيضاوي([9]) في قوله تعالى ((وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين))([10]): بمعنى هيئت لهم وفيه دليل على أنها خارج هذا العلم ا. هـ. ورأى السعد([11]) التوقف وحققه شارح الرائية وهو الحق كما في النظم (قوله أولى بنا) أي أحق بنا لجهلنا بما غاب عنا إلا إذا أطلعنا على علمه.
(قوله إذ لا دليل ثم دل) أي ليس هنالك دليل دل على تعيين المحل من كتاب وسنة (لا يقال) أنه يلزم على هذا أي على كون الدليل معدوما أن يكون القائلون بتعيينه قد تكلموا بلا علم فيكون طعنا عليهم.
(لأنا نقول): إن نفي الدليل إنما هو بحسب ما ظهر للناظم لا بالنظر إلى ما في نفس الأمر، فإنه يحتمل أن يكون لهم دليل لن نطلع عليه نحن فهم محمولون على حسن الظن وعلينا الوقوف عما لا نعلم.
(قوله وعد التعيين الخ) هذا جواب اعتراض مقدر وصورته يلزمكم على القول بوجودهما الآن أن تعينوا محلهما كما عينه جمهور القائلين بذلك.
(وجوابه): لا يلزمنا ذلك لأنه لا علم لنا إلا بما علمنا وقد علمنا بأنهما موجودتان وأبهم علينا محلهما.
(قوله ليس يقدح) القدح في النسب لغة: تنقيصه وعيبه وفي الاصطلاح: هو منع الدليل أو إحدى مقدمتيه (قوله في قولنا) أي مقولنا بمعنى مذهبنا في ترجيح الوجود (قوله إن الوجود) أي وجودهما الآن فأل عوض عن المضاف إليه (قوله أرجح) أي أقوى عن القول بأنهما غير موجودتين الآن.
------------------------------------------------------------------------------
[1] ـ سورة آل عمران آية رقم 133
[2] ـ سورة البقرة آية رقم 24 وسورة أل عمران آية رقم 131
[3] ـ سورة الكهف آية رقم 99
[4] ـ سورة النبأ آية رقم 20
[5] ـ سورة الرعد آية رقم 35
[6] ـ سورة القصص آية رقم 88
[7] ـ سورة الرحمن آية رقم 27
[ (1/108)
صفحة 109
8] ـ سورة آل عمران آية رقم133
[9] ـ هو عبد الله بن عمر بن محمد بن علي الشيرازي أبو سعيد أو أبو الخير ناصر الدين البيضاوي قاض، مفسر علامة، ولد في المدينة البيضاء بفارس قرب شيراز، وولي قضاء شيراز مدة، وصرف على القضاء فرحل إلى تبريز فتوفي بها عام 685 هـ.
من تصانيفه (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) يعرف بتفسير البيضاوي وطوالع الأنوار، ومنهاج الوصول إلى علم الأصول، ولب اللباب في علم الأعراب، ونظام التواريخ وغير ذلك كثير.
راجع البداية والنهاية 13: 309 والفهرس التمهيدي 205 و561 وبروكلمان في دائرة المعارف الإسلامية 4: 418 وبغية الوعاة 286 ومفتاح السعادة 1: 436 وطبقات السبكي 5: 59
[10] ـ سورة آل عمران آية رقم133
[11] ـ سبقت الترجمة له في كلمة وافية في الجزء الأول
الكلام في الكتب والحوض
(والكتب صحف حوت الأعمال = والحوض حق فاترك الجدال)
(يرده من أمة الرسول = من قد وفى بعهده المسؤول)
( (1/109)
صفحة 110
قوله والكتب صحف حوت الأعمال) أي والكتب التي ذكرها الله عز وجل في كتابه العزيز وعلى لسان نبيه الكريم، كالتي في قوله تعالى ((فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرأوا كتابيه)) إلى قوله ((وأما من أوتي كتابه بشماله))([1]) ونحوها من الآيات كقوله ((ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا))([2]) هي صحف حاوية لأعمال العباد خيرها وشرها لأمور عبر بها عن علم المرء عمله بدليل قوله تعالى ((يلقاه منشورا))([3]) وقوله تعالى ((وإذا الصحف نشرت))([4]) فلا يصح تأويلها بالمعاني الاعتبارية التي لا وجود لها في الخارج، والإيمان بوجودها في الخارج واجب، ولا يلزمنا تعيين الصحف ما هي بل يكفي الإيمان بها إجمالا كما ذكرها الله عز وجل وفي الحديث ((ما من مؤمن إلا وله كل يوم صحيفة فإذا طويت وليس فيها استغفار طويت وهي سوداء مظلمة وإذا طويت وفيها استغفار طويت ولها نور يتلألأ))([5]) قال الباجوري: والأحاديث صريحة الظواهر في أن كل مكلف له صحيفة واحدة يوم القيامة، مع أنها كانت متعددة في الدنيا. (1/110)
صفحة 111
وقد اختلف فقيل توصل صحف الأيام والليالي وقيل ينسخ م في جميعها في صحيفة واحدة إلى أن قال: وظواهر الآيات والأحاديث شاهدة بعمومه لجميع الأمم نعم الأنبياء لا يأخذون صحفا وكذا الملائكة لعصمتهم، ومن يدخل الجنة بغير حساب، وقد ورد أن الريح تطيرها من خزانة تحت العرش فلا تخطي صحيفة عنق صاحبها، وورد أيضا أن كل أحد يدعى فيعطى كتابه، فحصل التعارض بين الروايتين وجمع بينهما أن الريح تطيرها أولا من الخزانة فتتعلق كل صحيفة بعمل صاحبها، ثم تناديهم الملائكة فتأخذها من أعناقهم وتعطيها لهم في أيديهم والمؤمن المطيع يأخذ كتابه بيمينه، والكافر يأخذه بشماله، من وراء ظهره ا. هـ كلامه بتصرف وجميع ما فيه محتمل للحق لكن لا يجب الإيمان به في حقنا تفصيلا هكذا، فإنها وإن كانت فيه أحاديث فهي أحادية لا تواترية، نعم يجب الإيمان بأن المؤمن يؤتى كتابه بيمينه وأن الفاسق يؤتى كتابه بشماله أو من وراء ظهره، لأنه ثبت بنص الكتاب. (قوله والحوض حق) أي إعطاء الحوض لسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم في الآخرة حق وردت به الأحاديث المتواترة قال بعضهم أقول: وقد تلقتها الأمة بالقبول قال ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ((حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك وكيزانه أكثر من نجوم السماء من شرب منه فلا يظمأ أبدا))([6]). (1/111)
صفحة 112
وقد ورد تحديده بجهات مختلفة، ففي رواية لأحمد أن الحوض كما بين عدن وعمان، وذلك نحو شهر وفي رواية للصحيحين ما بين صنعاء والمدينة وذلك نحو شهرين، وفي رواية ما بين مكة وأيلة وذلك نحو شهر كالأولى وفي رواية لابن ماجة ما بين المدينة إلى بيت القدس، وهو كالذي قبله قد تحدث المصطفى بحديث الحوض مرات وذكر فيه تلك الألفاظ المختلفة، فكان يخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها، ولا تنافي من حيث تقدير المسافة بنحو شهر في بعض الروايات وبنحو شهرين في بعض آخر لأن الله سبحانه وتعالى تفضل عليه باتساعه شيئا فشيئا، فأخبر صلى الله عليه وسلم بالمسافة القصيرة أولا ثم أخبر بالمسافة الطويلة والاعتماد على ما يدل على أطولها مسافة كم أشار إليه النووي([7]) ا. هـ كلامه.
وهذه المسألة مما يسه جهله لمن لم يبلغه تواتر الأخبار، ويجوز التصديق بخبر الواحد فيها لأنها من زيادة الفضائل لنبينا عليه الصلاة والسلام، فالتصديق بها تصديق بمزيد فضيلة له ولذا قال المصنف: والحوض حق ولم يقل والإيمان به واجب ولم يذكره مع المسائل التي يجب اعتقادها في أول الفصل.
(قوله فاترك الجدال) أي في حقيقته فإن الأخبار واردة به كما رأيت فإن أنكرتها وهي في نفس الأمر مطابقة للواقع كنت منكرا لما هو حق في نفس الأمر فالوقوف عن لم تصدق أولى من الإنكار وأسلم فإنها وإن كانت لا تقوم بها حجة عليك فلا يصح تكذيبك لراويها، وهكذا يجب في كل حديث ورد وفيه محتمل للحق أن لا يرد فإن قامت به حجة فذاك وإلا فأمر راويه إلى الله.
(قوله يرده) أي الحوض من أمة الرسول أي محمد صلى الله عليه وسلم.
( (1/112)
صفحة 113
قوله من قد وفى بعهده المسؤول) أي عنه أي يرد الحوض من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من جاء موفيا بعهده الذي أخذه الله ورسوله، وهو الطاعة فمن أوفى بها ورد الحوض ودخل الجنة بفضل الله تعالى ومن لا فلا والمراد بالموفى بالعهد هو من مات على الطاعة مطلقا، أي سواء كان مطيعا فيما مضى من عمره أم عاصيا وفي البيت تخصيص ورود الحوض بالموفين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم لما روي عنه عليه الصلاة والسلام ((ترد علي أمتي الحوض وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله فقال رجل: يا نبي الله تعرفنا، قال: نعم لكم سيما ليست لأحد غيركم تردون علي غرا محجلين من إثارة الوضوء وليصدن عني طائفة منكم فلا يصلون إلي فأقول يا رب هؤلاء من أصحابي فيجيبني مالك فيقول وهل تدري ما أحثه بعدك..؟ ))([8]) الحديث وفي رواية عنه عليه الصلاة والسلام: ((إني لأكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة فبينما أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتى إذا عرفتم خرج رجل بيني وبينهم فقال: هلم فقلت: إلى أين..؟ فقال على النار والله فقلت ما شأنهم فقال: إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى ثم إذا زمرة أخرى حتى إذا عرفتم خرج رجل بيني وبينهم فقال لهم: هلم قلت إلى أين..؟ قال: إلى النار والله قلت ما شأنهم..؟ فقال إنهم ارتدوا على أدبارهم فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم))([9]) يعني أن الناجي منهم قليل كضالة النعم بالنسبة إلى جملتهم، وقد ورد أن لكل نبي حوضا ترده أمته، فعن الحسن مرفوعا ((إن لكل نبي حوضا وهو قائم على حوضه وبيده عصا يدعو من عرفه من أمته إلا وأنهم يتباهون أيهم أكثر تبعا وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تبعا))([10]) وفي أثر حوضه صلى الله عليه وسلم أعرض الحيضان وأكثرها واردا.
---------------------------------------------------------------------------
[1] ـ سورة الحاقة آية رقم 19 و25 وتكملة الآية (_ فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه)
[ (1/113)
صفحة 114
2] ـ سورة الإسراء آية رقم 13
[3] ـ سورة الإسراء آية رقم 13
[4] ـ سورة التكوير آية رقم 10
[5] ـ الحديث رواه ابن ماجة في كتاب الأدب 57 باب الاستغفار 3818 ثنا أبي ثنا محمد بن عبد الرحمن بن عرف سمعت عبد الله بن بسر يقول قال النبيصلى الله عليه وسلم وذكره
ولفظه (طوبي لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا)
وفي الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات.
[6] ـ الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب الرقاق 53 باب في الحوض وقول الله تعالى (إن أعطيناك الكوثر)
6579 – حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا نافع عن ابن عمر عن ابن أبي مليكة قال: قال عبد الله بن عمرو قال النبي صلى الله عليه وسلم وذكره ورواه الإمام مسلم في الطهارة 36، 38 والفضائل 27، 34، 35، 39، 41 ورواه الترمذي في القيامة 14، 15
ورواه ابن ماجة في كتاب الزهد 36 باب ذكر الحوض وعنده زيادة (وأول من يرده فقراء المهاجرين الدنسي ثيابا والشعث رؤوسا الذين لا ينكحون المنعمات ولا يفتح لهم السدد)
قال: (فبكى عمر حتى اخضلت لحيته ثم قال: لكني قد نكحت المنعمات وفتحت لي السدد لا جرم إني لا أغسل ثوبي الذي على جسدي حتى يتسخ ولا أدهن راسي حتى يشعث)
[7] ـ هو يحيى بن شرف بم مري بن حسن الخزامي الحوراني، النووي الشافعي أبو زكريا، محيي الدين، علامة بالفقه والحديث مولده عام 631 هـ في نوى من قرى حوران بسورية وإليها نسبته وتوفي بها عام676 هـ تعلم في دمشق وأقام بها زمنا طويلا
من كتبه: تهذيب الأسماء واللغات، ومنهاج الطالبين، والمنهاج في شرح صحيح مسلم وغير ذلك كثير.
راجع طبقات الشافعية للسبكي 5: 165 والنجوم الزاهرة 7: 278 ومفتاح السعادة 1: 398 التيمورية 3: 307.
[ (1/114)
صفحة 115
8] ـ الحديث رواه ابن ماجة في كتاب الزهد 36 باب ذكر الحوض 4302 ثنا علي بن مسهر عن أبي مالك، سعد بن طارق عن ربعي عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره ورواه الإمام البخاري في كتاب الرقاق 53 باب ذكر الحوض وقول الله تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر).
6584، 6583 حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن مطرف حدثني أبو حازم عن سهل بن سعد قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم وذكره.
[9] ـ الحديث رواه البخاري في كتاب الرقاق 53 باب في الحوض وقول الله تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر) 6587 حدثنا محمد بن فليح حدثنا أبي قال: حدثني هلال عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكره.
[10] ـ الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب الإيمان باب قول النبي صلى الله عليه وسلم أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعا
حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان عن مختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة الخ
ورواه ابن ماجة في كتاب الزهد 36 باب ذكر الحوض 4301 – ثنا زكريا ثنا عطية عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وذكره ورواه الإمام أحمد في المسند 2: 341، 451 (حلبي).
(الفصل الثاني: في الميزان والصراط)
(وإنما الميزان في الحسبان =
عدل وإنصاف من الرحمن)
(لا مثل قول ذي الخلاف إذ غدا=
يؤولنه كفة وأعمدا)
(وقوله الصراط فهو الحق لا=
جسر كما بعضهم تأولا)
(قوله وإنما الميزان) إلى آخره (اعلم) أنه ورد ذكر الوزن والميزان في الكتاب والسنة فقال تعالى ((ونضع الموازين القسط ليوم القيامة))([1]) وقال ((فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدين))([2]) وقال ((والوزن يومئذ الحق))([3]).
( (1/115)
صفحة 116
واختلفت) الأمة في تأويله فذهب أصحابنا وجمهور المعتزلة إلى أنه عبارة عن ثبوت السعادة لقوم والشقاوة لآخرين على سبيل الاستعارة التمثيلية، حيث شبه ثبوت العمل الصالح بثقل الموازين والعمل السيئ بخفتها على وجه لا يظلم أحد فيه شيئا، وهو معنى قول الناظم عدل وإنصاف، فإن من ثبت له العمل الصالح لا ينقص منه شيئا ومن ثبت له العمل السيئ لا يزداد عليه شيئا وذلك هو العدل والإنصاف، وهو معنى قوله تعالى ((والوزن يومئذ الحق))([4]) ففسر الوزن بأنه الحق ونضع الموازين القسط فالقسط بدل من الموازين لا صفة لها ويعضده قوله تعالى ((فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا))([5]) فإنه دل على أن الكافر لا يقام له وزن يوم القيامة، فيلزم القائل بثبوت الوزن الحقيقي أن يقول: أنه خاص بما عدا الكافر وهم لا يقولون بذلك.
(وذهبت) الأشاعرة إلى أن الميزان هو قصبة عمود وكتفان كل واحدة منهما أوسع من طباق السماوات والأرض وجبريل آخذ بعموده ناظر إلى لسانه وميكائيل أمين عليه ومحله عندهم بعد الحساب (ثم) اضطربت أقوالهم في الموزون فقال بعضهم: هي الكتب بناء على أن الحسنات مميزة بكتاب والسيئات كذلك ويرد بأنكم تزعمون أن الموزون أعمالهم والكتب محل بيان الأعمال لا عينها، ولا محلها.
(وذهب) آخرون إلى أن الموزون أجسام حسنة وقبيحة وذلك أن الأعمال الحسنة تنقلب أجساما حسنة والأعمال القبيحة تنقلب أجساما قبيحة، ورد بأن هذا من باب قلب الحقائق وهو ممتنع عقلا فمن المحال قلب الأعراض أجساما وأجيب بأن المحال في ذلك متوقف على القسمة العقلية، فلا ينقلب الواجب مستحيلا ولا العكس، وأما في ما عدا ذلك فلا استحالة والجواب أنه لم يصح أنه ستقلب الأعراض أعيانا، والقول في ذلك بلا دليل تحكم.
(وذهب) آخرون إلى أن الموزون هي أنوار وظلمات ورد بأن النور والظلمة ليسا بعمل العامل وهم يزعمون أن الموزون أعمالهم.
( (1/116)
صفحة 117
وذهب) آخرون إلى أن الموزون العامل نفسه ويرد بأنه يحتاج إلى شيء يوازنه في الكفة الأخرى فما هو؟ وبالجملة فهذه المسألة ليست من المسائل الدينية التي لا يجوز الخلاف فيها فلا يخطي في دينه من قال بشيء في لك مع تمسكه وأن بشبهة إذ لا دليل قاطع على رد قولهم اللهم إلا أن يخطئ من خالفه فيها فيجب تضليله حينئذ لا بالخلاف فيها بل بتضليله من خالفه وهكذا كل مسألة تحتمل الحق والباطل وعدم الدليل القاطع فيها، وإنما قلنا أن هذه المسألة ليست دينية لقولهم برجحان العمل الصالح على السيئ في حق السعيد وعكسه في حق الشقي، فيحتمل على قولهم أن يرجح العمل الواحد المختوم به سائر الأعمال المتقدمة فليس هي من مسائل الإحباط الآتي بيانها آخر الكتاب.
(قوله في الحسبان) أي في الحساب يوم القيامة وفي بمعنى مع.
(قوله عدل وإنصاف) العدل: هو وضع الشيء في موضعه من غير اعتراض على فاعل، والإنصاف معاملة الغير بالعدل والقسط، فهو تعالى يعامل خلقه بالعدل والقسط ويضع لهم يوم القيامة موجب أعمالهم وضعا لا يظلم فيه أحدا فيعترض عليه (قوله من الرحمن) متعلق بقوله عدل أو بقوله إنصاف على ما قيل في التنازع (قوله لا مثل قول) خبر لمحذوف تقديره قولي لا مثل قول ذي الخلاف الخ أو صفة لمصدر محذوف مع فعله تقديره لا أقول قولا مثل قول ذي الخلاف.
(قوله ذي الخلاف) بكسر الخاء المعجمة بمعنى المخالفة وذي بمعنى صاحب وفي العبارة بذي الخلاف إشارة إلى أن المسألة ليست مما لا يسع جهله كما قدمنا فلو كانت من مسائل الدين لعبر بالضلال مكان الخلاف.
( (1/117)
صفحة 118
قوله إذ غدا) أي حين صار متعلق بقوله يؤولونه بنون التوكيد الخفيفة خبر غدا لأنه بمعنى صار أي لا أقول مثل قول المخالف حيث صار يقول كان الميزان كفتين وعمودا وأفرد الكفة وجمع الأعمدا مع أنهما كفتان وعمود واحد تعبير بالمفرد عن المثنى وبالجمع عن المفرد على سبيل التجوز، وفائدته بيان تعظيم العمود حيث جمعه وبيان تشابه الكفتين حتى كأنهما كفة واحدة (قوله وقوله الصراط فهو الحق) أي الصراط المذكور في قوله تعالى ((أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم))([6]) وفي الروايات المروية عنه صلى الله عليه وسلم كالمروية عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: ((يوضع الصراط على سواء جهنم مثل الحد السيف المرهف مدحضة مزلة عليه كلاليب من نار يختطف بها فمسك يهوي فيها ومصروع ومنهم من يمر كالبرق فلا ينشب ذلك أن ينجو([7]) ثم يكون آخرهم إنسانا رجل قد لوحته النار ولقي فيها شرا ثم يدخله الله الجنة بفضله وكرمه ورحمته))([8]) هو عبارة عن الحق المشروع وذكر أصناف السالكين فيه تمثيل لرتب المكلفين كما صرح به الغزالي([9]) في المضنون به على غير أهله وبين هنالك إنما بين الحق والباطل أحد من السيف وأدق من الشعرة فالأشياء إما حق أو باطل.
( (1/118)
صفحة 119
قوله لا جسر) بفتح الجيم وكسرها هو ما يعبر عليه (اعلم) أن الأشعرية قالوا: إن الصراط جسر ممدود على متن جهنم أي ظهرها يرده الأولون والآخرون حتى الكفار، وفيه طريقان يمنى ويسرى فأهل السعادة يسلك بهم ذات اليمين، وأهل الشقاوة يسلك بهم ذات الشمال، وفيه طاقات كل طاقة تنفذ إلى طبقة من طبقات جهنم، وطوله ثلاثة آلاف سنة ألف صعود، وألف هبوط، وألف استواء، وهذا كله ممكن وليست المسألة من باب الدين فقد ذهب إلى مثل ما ذهبوا إليه بعض أصحابنا منهم الشيخ هود بن محكم القاسم البرادي([10]) والشيخ إسماعيل([11]) في القناطر وقطب الأئمة في الهيميان وجامع([12]) الشمل ومعول الاستدلال القائلين بجسريته قوله تعالى ((فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون))([13])وقوله تعالى ((فأهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسؤولون))([14]) وأجيب بأن الصراط في الآيتين بمعنى الطريق ولا دلالة فيهما على الجسر المذكور واستدلوا على ثبوت الجسرية بالأحاديث المروية وأجيب إنها أحاديث آحادية لا توجب الأمور الإعتقادية والذي يظهر لي إبقاء الأحاديث على أصلها من غير تعرض لردها على راويها وتفويض أمره إلى الله فمن صدقها من غير قطع بفكر من خالفه فيها فقد أحسن ظنه بالراوي ولا بأس عليه إن شاء الله.
(قوله كما بعضهم تأولا) عبر بالبعض مع إن القائلين بالجسرية كثيرون نظرا إلى القائل بها من أصحابنا فإنهم قليلون وعبر بالتأويل لأنه فيه صرف الصراط عن ظاهره.
-------------------------------------------------------------------------------
[1] ـ سورة الأنبياء آية رقم 47
[2] ـ سورة المؤمنون آية رقم 102
[3] ـ سورة الأعراف آية رقم 8
[4] ـ سورة الأعراف آية رقم 8
[5] ـ سورة الكهف آية رقم 105
[6] ـ سورة الملك آية رقم 22
[7] ـ ثم كالريح فلا ينشب ذلك أن ينجو ثم كجري الفرس ثم كسعي الرجل ثم كرسل الرجل ثم كمشي الرجل
[ (1/119)
صفحة 120
8] ـ هذا من كلام ابن مسعود رضي الله عنه كما قال ابن مسعود وقد جاء عن البخاري 52 باب الصراط جسر جهنم 6573 بسنده عن أبي هريرة وهو حديث طويل وفيه (ويضرب جسر جهنم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأكون أول من يجيز)
[9] ـ الغزالي: سبق الترجمة له في كلمة وافيه في الجزء الأول
[10] ـ لم نعثر عليه على كثرة البحث والتقصي ونرجو الله أن يوفقنا إليه.
[11] ـ هو الشيخ أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي الإمام البارع أحد أعلام الفكر العربي وأكبر فطاحل الفقه في الإسلام، وأكبر الأئمة الأعلام في زمانه قال في الطبقات: وهو حجة الإسلام الإمام أبو طاهر إسماعيل بم موسى الجيطالي النفوسي.
كان من علماء الخمسين الثانية للقرن السابع والأول من القرن الثاني وأخذ العلم عن أكبر علماء وقته أبي موسى عيسى بن عيسى الطربيسي المتوفي في سنة 722 هـ.
راجع مقدمة قناطر الخيرات
[12] ـ كتاب جامع الشمل في حديث خاتم الرسل تأليف العلامة الشيخ محمد بن الحاجر يوسف أطفيش.
[13] ـ سورة يس آية رقم 66
[14] ـ سورة الصافات آية رقم 23 – 24 وقد جاءت الآية الأولى محرفة في المطبوعة حيث قال: إهدوهم بدلا من (فاهدوهم)
(الفصل الثالث: في الشفاعة)
وهي لغة الوسيلة والطلب وعرفا سؤال الخير من الغير للغير وشرعا طلب تعجيل دخول الجنة أو زيادة درجة فيها من الرب عز وجل لعباده المؤمنين فتكون للأنبياء وغيرهم ويختص نبينا عليه السلام منها بخصلة هي تقدمه إليها قبل كل شافع فلا يفتح بابها إلا له ثم من بعده يشفع من شاء الله أن يشفع. قيل وهو المحمود الذي في قوله تعالى ((عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا))([1]) أي يحمدك فيه الأولون والآخرون حيث لم يجدوا قبلك شافعا.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] ـ سورة الإسراء آية رقم 79
شفاعة الرسول للأتقياء من أمته
(شفاعة الرسول للتقي=
من الورى وليس للشقي)
( (1/120)
صفحة 121
ومن يقل يغير ذا فقد كفر=
كفر نعيم إن تأول ظهر)
(وإن يكن بغير ذا تأول=
فذاك شرك أي أشد منزل)
(لأنه مخالف الكتاب =
وسنة الرسول والألباب)
(كليس للظلام من حميم=
ولا شفيع من لظى الجحيم)
(قوله شفاعة الرسول للتقي) أي شفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مقصورة على التقي من المكلفين، والتقي: هو من جانب المحرمات وأدى الواجبات فلا شفاعة لغيره من الأشقياء لقوله تعالى ((ولا يشفعون إلا لمن ارتضى))([1]) وقوله ((واتقوا يوم لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة))([2]) وقوله ((فما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع))([3]) وهذه الآيات عامة كما رأيت ففي الأولى تصريح بأن الشفاعة مقصورة على من ارتضاه الله، وفي الثالثة دليل على نفيها عن الظالم وهو اسم لكل من ظلم نفسه أو ظلم غيره، فلا تخص المشركين كما زعموا، فإنها وإن كان سبب نزولها فيهم فلا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ، ويعضد هذه الآيات ما سيأتي من الأدلة القاطعة في تخليد أهل الكبائر فإنهم متى ما ثبت تخليدهم في النار بالقطعيات الآتية انتفت عنهم الشفاعة في الموقف ضرورة، فإن من ثبتت له الشفاعة في دخول الجنة لا يدخل النار فضلا من أن يخلد فيها، وخالفت الأشاعرة فيها فأثبتوها لأهل الكبائر تعويلا على حديث رووه ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي))([4]) ويجاب بوجوه.
(أحداهما): إنه خبر واحد لا يعارض القطعي.
(وثانيها): إنه عارضته رواية مثلها ونصها ((لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي))([5]) فهذه بتلك على أن هذه قد عضدها الكتاب وتلك قد خالفته فوجب. أما القول بوضع تلك الرواية كما ذهب إليه المحقق الخليلي رحمه الله قائلا إنه لو كانت الشفاعة لأهل الكبائر لتقرب إليه المتقربون بالكبائر.
( (1/121)
صفحة 122
وأما) القول بأنها معلقة بشرط دل عليه الكتاب وهو ما إذا تابوا فإن من فعل كبيرة وتاب منها كان مستحقا لأن يشفع له غيره ولا يلزم من هذا تخصيص الشفاعة بمن أتى الكبيرة ثم تاب منها دون من أوفى ي طول عمره لتغليب من عصا فتاب على من لم يعص قط، والفائدة من تخصيصه بالذكر دفع اياسهم من رحمة الله وتسهيل الطريق لهم ((قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله))([6]).
(قوله من الورى) أي الخلق والمراد به المكلفون (قوله وليس للشقي) أي وليس المذكور من الشفاعة للشقي: وهو من مات مصرا على كبيرة، وهذه الجملة تصريح بالمفهوم من قوله شفاعة الرسول إلى آخره وإنما خص شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم بالذكر دون شفاعة غيره لأن من لم تنفعه شفاعته لم تنفعه شفاعة غيره بطريق الأولى.
(قوله ومن يقل بغير ذا) أي بغير القول الذي ذكرناه إنه كافر كفر نعمة إذا كان متأولا في قوله لأن تأويله عاد إلى إبطال ما أثبته الله في كتابه، والمتأول إنما يتأول قوله تعالى ((عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا))([7]) وقوله تعالى ((ولسوف يعطيك ربك فترضى))([8]) والجواب أنه ليس في الآيتين دليل على ثبوت الشفاعة أصلا فضلا عن أن يقال إنها ثابتة لأهل الكبائر، أما الأولى ففيها ذكر البعث إنه في مقام محمود فلخصم هذا المتأول أن يتأول ذلك المقام بغير الشفاعة تأوله هو بالشفاعة فيصار إلى الأدلة الخارجية، وكذلك الآية الثانية وأيضا فالشفاعة معنى ولا يوصف المعنى بالإعطاء وإنما يوصف بالجعل، بان يقال جعلت لك الشفاعة أو جعلت لك أن تشفع لمن شئت، وأيضا فسياق الآية غير دال على أن المعطى هو الشفاعة لقوله ((وللآخرة خير لك من الأولى))([9]) هذا على أنا لا ننكر ثبوت الشفاعة له صلى الله عليه وسلم لإجماع الأمة على ثبوتها له، فنسأل الله أن يجزل لنا حظنا منها، وإنما قلنا في الآيتين ذلك لتعلم أنه لا تعلق للقوم فيهما.
( (1/122)
صفحة 123
فإن قيل) ليس للخلق أن يتكلموا فيما لا يعلمون ولا للأمة أن يجتمعوا على مغيب عنهم.
(قلنا): أردنا بإجماعهم اتفاقهم على ثبوتها من لسان الرسول عليه السلام فكل موافق وكل مخالف مقر بذلك لا لأنهم قالوا فيها من تلقاء أنفسهم (قوله إن تأويل ظهر) أي إن ظهر تأول منه فتأول فاعل للفعل المحذوف يفسره الفعل الظاهر ومتعلقه محذوف (قوله وإن يكن بغير ما تأول) أي وإن يكن القول بغير تأول للكتاب العزيز فحكمه الشرك فما زائدة، واسم كان ضمير يعود إلى القول المأخوذ من قوله، ومن يقل على حد قوله:
ولقد نزلت فلا تظني غيره=
مني بمنزلة المحب المكرم
أي فلا تظني غير نزولك واقعا مني الخ (قوله فذاك شرك) أي فذلك الكفر المحكوم به عن القائل هنالك هو شرك هنا، لأن فيه مصادمة الكتاب العزيز، وذلك إن اجتماع الآيات الدالة على نفي الشفاعة عن الظالم وقصرها على المرضي مع الآيات الدالة على تعذيب أهل الكبائر قاطعة على نفي الشفاعة لأهل الكبائر، فمن أثبتها لهم من غير تأويل كان رادا لهذه القواطع والراد لشيء من الكتاب العزيز مشرك اتفاقا.
(قوله أي أشد منزل) هذا تفسير الشرك إن منزلة عند الله وعند العباد أشد شرا من كفر النعمة وذلك إشارة لما فيه من الأحكام الآتي بيانها في الباب السادس من الركن الثالث.
(قوله لأنه مخالف الكتاب) أي لأن ذلك القول مخالف للكتاب الذي هو القرآن العظيم، والكتاب في الأصل، اسم لكل مكتوب، فصار بالتغليب علما على القرآن والمراد بخلاف القرآن هنا خلاف بعضه، وهي الآيات الدالة على نفي الشفاعة عن صاحب الكبيرة وعبر بالكل عن البعض تجوزا تنبيها على إن المراد للبعض من القرآن في حكم الراد للكل وهكذا القول في رد السنة المتواترة.
( (1/123)
صفحة 124
قوله وسنة الرسول) أي ومخالف لسنة الرسول فإنه صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي)). وقال: ((ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي)) وفي رواية جابر([10]) بن زيد رضي الله عنه أنه لما نزلت ((وانذر عشيرتك الأقربين))([11]) جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يفخذ أفخاذ قريش فخذا فخذا حتى أتى على بني عبد المطلب فقال يا بني عبد المطلب إن الله أمرني أن أنذركم ألا وإني لا أغني عنكم من الله شيئا إلا وإن أوليائي منكم المتقون ألا لأعرفن ما جاء الناس غدا بالدين وجئتم بالدنيا تحملونها على رقابكم يا فاطمة بنت محمد، ويا صفية عمة محمد، اشتريا أنفسكما من الله فإني لا أغني عنكما([12]) من الله شيئا.
(قوله والألباب) أي العقول أي ذلك القول مخالف لأهل الألباب كما انه مخالف للكتاب والسنة وذلك لأنهم مجمعون على نفي الشفاعة عن أهل الكبائر ولا عبرة من خلاف من خالفهم في ذلك، وعبر بالألباب والمراد أهلها تنبيها على أن لهم ألبابا كاملة حتى كأن جميع أجسادهم ألباب، ومن كان هذا شأنه في كمال عقله فلا يخالف نصا صح معه.
(قوله كليس للظالم من حميم) أي قريب ينفعه، والظالم لغة من وضع الشيء في غير موضعه، كمن وضع العبادة لغير مستحقها، أو استعمل جوارحه التي جعلها الله له في غير ما خلقت لأجله أو أنفذ عمره الذي أمده الله به ليقدم فيه لآخرته في غير طاعة الله تعالى، وشرعا: هو المتعدي عن الحق إلى الباطل، وعلى كل الاصطلاحين فهو شامل للمشرك والفاسق (قوله ولا شفيع) أي يطاع كما في الآية الكريمة والشفيع: هو طالب الخير من الغير للغير (قوله من لظى الجحيم) أي من لهيبها متعلق بمحذوف أي يجيزه من ذلك.
-------------------------------------------------------------------------------
[1] ـ سورة الأنبياء آية رقم 28 وتكملة الآية (وهم من خشيته مشفقون)
[2] ـ سورة البقرة آية رقم 48
[ (1/124)
صفحة 125
3] ـ سورة غافر آية رقم 18 وقد جاءت الآية في المطبوعة محرفة حيث قال (فمال الظالمين) وصوابها (مال) بدون الفاء
[4] ـ الحديث رواه ابن ماجة في كتاب الزهد 37 باب ذكر الشفاعة 4310 ثنا الوليد بن مسلم، ثنا زهير بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره ورواه أبو داود في السنة 21، والترمذي في القيامة 11 وأحمد بن حنبل في المسند 3: 213.
[5] ـ لعل هذا الحديث ذكره الربيع بن حبيب في وسنده، والذي عند ابن ماجة عن نعيم بن أبي هند، عن ربعي بن حراش عن أبي موسى الأشعري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أمتي الجنة فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى أترونها للمتقين..؟ لا. ولكنها للمذنبين والخطائين المتلوثين)
في الوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات ورقمه عند ابن ماجة 4311 في كتاب الزهد (37) باب ذكر الشفاعة.
[6] ـ سورة الزمر آية رقم 53
[7] ـ سورة الإسراء آية رقم 79
[8] ـ سورة الضحى آية رقم 5
[9] ـ سورة الضحى آية رقم 4
[10] ـ هو جابر بن زيد الأزدي البصري، أبو الشعثاء، تابعي فقيه من الأئمة من أهل البصرة، أصله من عمان، صحب ابن عباس، وكان من بحور العلم، وصفه الشماخي (وهو من علماء الأباضية) بأنه أصل المذهب وأسه الذي قامت عليه آطامه، نفاه الحجاج على عمان، وفي كتاب الزهد للإمام أحمد بن حنبل: لما مات جابر بن زيد عام 93 هـ قال قتادة: اليوم مات أعلم أهل العراق.
راجح السير للشماخي، 70 – 77 وذكره الحافظ 1: 67 وتهذيب التهذيب 2: 38 وحلية الأولياء 3: 85 وحاشية الجامع الصحيح للسالمي 1: 7 والبداية والنهاية 9: 93 – 95.
[11] ـ سورة الشعراء آية رقم 214
[12] ـ قال الإمام أحمد – حدثنا وكيع، حدثنا هشام عن أبيه، عن عائشة قالت: لما نزلت (وانذر عشيرتك الأقربين) قام رسوا الله صلى الله عليه وسلم فقال: وذكره. (1/125)
صفحة 126
انفرد بإخراجه مسلم، ورواه أيضا مسلم والترمذي من حديث عبد الملك بن عمير به وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه، ورواه النسائي من حديث موسى بن طلحة مرسلا ولم يذكر فيه أبت هريرة، والموصول هو الصحيح وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة.
الفصل الرابع في الخلود في الجنة والنار
والناس فيه على مذاهب إحداها([1]) وهو قول الأشعرية أن أهل الشرك مخلدون في النار. وأهل الكبائر مما عدا الشرك
إما أن يعفى عنهم فلا يدخلونها، وإما أن يعذبوا بقدر أعمالهم ثم يخرجون منها.
(المذهب الثاني): أن أهل النار مشركهم وفاسقهم غير مخلدين فيها ونسب هذا إلى طائفة خرجت عن الإسلام.
(المذهب الثالث): إن أهل الكبائر غير معذبين قطعا وإنما العذاب لأهل الشرك خاصة ونسب هذا إلى مقاتل([2]) وبعض المفسرين.
(المذهب الرابع): أن الجنة والنار فانيتان بعد دخول أهل كل واحد منهما فيها ونسب هذا القول إلى جهم([3]) بن صفوان.
(المذهب الخامس): وهو مذهب أهل الاستقامة والمعتزلة أن أهل الكبائر من معاصي الله كانوا مشركين أو فاسقين مخلدون في النار دائما وأهل الطاعة مخلدون في الجنة دائما، لكن أهل الاستقامة يقولون إن التعذيب بعدل الله والثواب بفضله، والمعتزلة يقولون بوجوب ذلك عليه تعالى عن ذلك بناء على أصلهم الفاسد في التحسين والتقبيح العقليين، وقد تقدم الجواب عنه فها نحن نشرع الآن في بيان مذهب أهل الاستقامة وبيان حكم من خالفهم في ذلك من أهل تلك المذاهب كلها.
(ومن عصى ولم يتب يخلد=
في النار دائما بهذا نشهد)
( (1/126)
صفحة 127
قوله ومن عصى ولم يتب) الخ هذا بيان مذهب أهل الاستقامة، أي من عصى بكبيرة ولم يتب منها حتى مات عليها فهو مخلد في النار دائما نشهد بذلك لأخبار الله إيانا به، كما في قوله تعالى ((ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا))([4])واعترض بأن المراد من عصى الله ورسوله في التوحيد، وأجيب: بأن اللفظ عام ولا مخصص وقوله تعالى ((بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئة فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون))([5]).
(واعترض) بأننا لا نسلم أن صاحب الكبيرة أحاطت به خطيئة من كل جانب، لأن له حسنات لا يظلم إياها (ويجاب) بأنه أحبط حسناته بإصراره على الكبيرة فلم يظلم شيئا، لأنه قد أخبر إنما يتقبل الله من المتقين ولا شك أن صاحب الكبيرة ليس بمتق فلم يتقبل شيئا من حسناته مع إصراره على الكبيرة، ولا قبله إذا مات عليه.
(وقوله) تعالى: ((وما يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها))([6]) (واعترض) بأن المراد من قتل مؤمنا على إيمانه ولا يقتل مؤمنا على إيمانه إلا مشرك.
(ويجاب) أن سياق هذه الآية ينفي هذا التعليل لأنه ذكر أولا حكم قاتل المؤمن خطأ ثم ذكر حكم قاتله عمدا، والمحكوم عليه في كلا الموضوعين واحد (وقوله) تعالى ((إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين))([7]) فلو كانوا يخرجون منها لزم أن يغيبوا عنها والفجور شامل للشرك وغيره.
(وأعترض) بأن المراد بالفجار هنا الكاملون في الفجور كما في ((أولئك هم الكفرة الفجرة))([8]).
(ويجاب) بأنه خلاف ظاهر من غير دليل (وقوله) تعالى ((أم حسب الذين أجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين عملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون))([9]).
(واعترض) عليه بوجهين.
(إحداهما): إن المراد بمجترحي السيئات هم المشركون.
(ويجاب): إنه لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ.
( (1/127)
صفحة 128
وثانيهما): إنه ليس في الآية دليل إلا على نفي مساواتهم للمؤمنين في المحيا والممات ونحن نقول إن من عذب وأخرج ليس كما لم يعذب أصلا.
(ويجاب): بأن التسوية بينهما منفية مطلقا فمن دخل الجنة من مكتسبي السيئات كان يومئذ كالذين آمنوا (وقوله) ((والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب))([10]) ففي هذه الآية التصريح بأن قتل النفس المحرم قتلها بغير حق يوجب التخليد، والزنا كذلك، كما أن منت يدعو مع الله إلها آخر يخلد (ويعترض) عليه بوجهين.
(إحداهما): إنه قال ومن يفعل ذلك ولم يقل ومن يفعل شيئا من ذلك فظاهرها من فعل الشرك والقتل الزنا يخلد.
(ويجاب): بأنه قد أجمعت الأمة وأنتم معهم بأن الشرك بالله تعالى موجب للتخليد في النار، واعتراضكم هذا يبطل ذلك الإجماع لأنه يستلزم إن المشرك لا يخلد إلا إذا قتل النفس الحرام وزنا، وإذا ثبت أن المشرك مخلد ولو لم يقتل ويزني فما فائدة ذكر القتل والزنا في الآية إلا ليبني عليهما حكم التخلد..؟ كما أن الشرك لو انفرد صاحبه مخلد كذلك القتل المحرم والزنا فلو انفرد كل واحد منهما خلد فاعله في النار إلا إن تاب (وثانيهما): لا دليل لكم في الآية على التخليد الأبدي فلم لا يجوز أن يطلق التخليد على طول المكث من غير تأبيد.
( (1/128)
صفحة 129
ويجاب) بأن هذا الخلاف الظاهر بغير دليل وأيضا فهذا التخليد المذكور شامل للمشرك أيضا فيلزم أن يكون تخليده أيضا غير أبدي (لا يقال) إن اللفظ الواحدة تستعمل ويراد بها معنياها الحقيقيان إن كانت مشركا أو الحقيقي والمجازي إن كانت غير مشترك، أو المجازيان فنحمل الخلود هنا على الخلود الأبدي في حق المشرك، وعلى طول المكث في حق القاتل والزاني (لأنا نقول) لا نسلم جواز استعمال الكلمة في معنييها المذكورين مع إرادتهما معا في حال واحد، ولو سلمنا ذلك لقلنا إن ذلك الجواز ليس بلغوي والرب تعالى خاطبنا بلغتنا ولو سلمنا إنه لغوي لقلنا إن استعمالها في معنييها مجاز محتاج إلى قرينة ولا قرينة.
(فإن قيل) إن القرينة قوله تعالى في حق المشركين ((ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا))([11])
(قلنا) إن هذه الآية عامة للمعاصي مطلقا فلا تخص المشرك دون الفاسق، وقد اجتمعت الأمة قبل ظهور المخالف وبعده على الأخذ بهذه النصوص القرآنية مع ما يعضدها من الأحاديث النبوية التي بلغت في تعدد طرقها مبلغ التواتر، وإن لم يتواتر لفظها فالقدر الذي تواطت عليه متواتر وقد تلقنها الأمة كلها بالقبول، كحديث: ((من قتل نفسه بحديده))([12]) وحديث ((لا يجد ريح الجنة))([13]) ونحوهما لكن تأولوها بمن فعل ذلك مستحلا لفعله فيكون باستحلاله ما حرم الله مشركا، وهذا التأويل صارف لتلك الأحاديث عن نصوصها وزائد فيها ما لم يكن منها وليت شعري ما الذي حملهم على الدخول في هذا المضيق..؟ (1/129)
صفحة 130
فإن خبر الخروج من النار إنما هو خبر أحاد لا يعارض القطعيات ولا يثبت به العلم في الأمور الاعتقاديات وربما وقع في رجاله جهالة، والخبر المجهول راويه لا يعمل به في الظنيات فضلا من أن يعول عليه في القطعيان وسيأتي قريبا بطلان تعلقهم بقوله تعالى ((إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء))([14]) (قوله يخلد في النار دائما) أي يقيم فيها إقامة لا انقطاع لها وجملة يخلد خبر من أن قلنا أنها موصولة وفعل بخلد جواب الشرط إن قلنا إنها شرطية، ورفع لكون فعل الشرط ماضيا لم تؤثر فيه أداة الشرط وإذا لم تؤثر في فعل الشرط الذي هو قريب منها فأولى أن لا تؤثر في فعل الجزاء الذي هو بعيد عنها، وذهب قوم إلى أنه خبر لمبتدأ محذوف مع الفاء الرابطة تقديره فهو يخلد. وذهب آخرون إلى أن الجزاء محذوف وهذا دليله على حد ما قيل في قول الشاعر:
وإن أتاه خليل يوم مسغبة =
يقول لا غائب مالي ولا حرم
(لا يقال) إن في كلام المصنف شمول حكم التخليد لكل من فعل معصية ولم يتب منها، فيدخل تحته فاعل الصغيرة، والكتاب العزيز مصرح بأنها تغفر باجتناب الكبائر من غير توبة تخصها (لأنا نقول) إن كلام المصنف محمول على فاعل الكبيرة خاصة لأنه سيأتي له في باب الصغائر والكبائر ما نصه:
والحكم للراكب ذنبا صغرا=
إسلامه حتى يرى مستكبرا
فاجعل هذا البيت قيدا لما هنا فيندفع الإشكال (قوله بهذا نشهد) أي نعلمه ونقطع به إنه كذلك.
(وكافر بنعمة من فرقنا = ما بين ذي شرك ومن قد فسقا)
(أعني لدى الخلود والفرق نشا =
لدى منازل العذاب وفشا)
( (1/130)
صفحة 131
قوله وكافر بنعمة من فرقنا) الخ هذا بيان حكم من نفى العذاب عن الفاسق مطلقا وحكم من نفى عنه التخليد، أي من فرق بين المشرك والفاسق في الخلود في النار بأن قال: يخلد أحدهما دون الآخر فهو كافر كفر نعمة وهو المخصوص باسم الفسق عند المعتزلة، ويدخل تحته حكم من قال إن صاحب الكبيرة لا يعذب لا يدخل الجنة مع السعداء، وفيه إغراء بمعصية الله تعالى فإن من علم أنه أتى الكبيرة لا يعذب سارع في إتيانها وفيه أيضا تعطيل للحكم الشرعي، وهو تحريم الكبيرة فإن ما لا يعاقب على فعلبه ليس بمحرم فأين هو من قوله تعالى ((ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا))([15]) وقوله: ((ومن يقتل مؤمنا متعمدا))([16]) الآية وأمثالها وإنما قلنا إن هذا كافر نعمة ولم نحكم بشركه مع ما خالف من تلك النصوص لأنه يتأولها بنحو قوله تعالى ((فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى))([17]) قال فقد قصر الرب تعالى النار على من كذب وتولى والفاسق لم يكذب.
(وجوابه): إن هذا القصر إضافي لا حقيقي فإنه إنما قصرها على من كذب وتولى بالنظر إلى انقسام الناس يوم نزولها إلى مكذب ومصدق ليفيد الترغيب في التصديق والترهيب في التكذيب.
(وجواب) آخر إن قصر اصلاء النار إنما هو على الشقي، وهو اسم شامل للمشرك والفاسق وما بعد الشقي فهو وصف له لم يتناوله القصر لكن فهم منه على سبيل مفهوم الصفة، وقد عرفت أن مفهوم الصفة دليل ظني اختلف في وجوب العمل به فضلا من أن يثبت به العلن الاعتقادي.
( (1/131)
صفحة 132
وجواب) آخر لأبي طاهر إن النار أبواب فالقصر إنما هو لباب منها فلا ينافي تعذيبهم في باب آخر وإذا ثبتت هذه الاحتمالات قطعنا أن المراد بالآية غير ظاهرها لثبوت القاطع بخلافه (وقوله تعالى) ((إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى))([18]) (وجوابه) ليس في الآية قصر العذاب على المكذب المتولي وإنما فيه إخبار عنه أنه معذب وخص بالذكر في الآية لاقتضاء المقام ذلك فإنه في خطاب فرعون لعنه الله فلو قال إن العذاب على من كذب أو فعل كبيرة مع التصديق لم يناسب المقام (وقوله تعالى) ((فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين))([19]) وصح استدلاله بها لأنه يخص اسم الكافر بالمشرك (وجوابه) لا نسلم تخصيصه به فإن الفاسق كافر كفر نعمة كما سيأتي بيانه إن شاء الله في محله. ولو سلمنا اختصاص اسم الكافر بالمشرك لقلنا إن جوابها كجواب التي قبلها.
(أما القائلون) بأن صاحب الكبيرة غير مخلد وإن عذب فإنهم يقولون هو في مشيئة الله إن شاء غفر له وعفا عنه بلا تعذيب وإن شاء شفع فيه من شاء وإن شاء عذبه في ناره بقدر عمله أو إلى ما شاء الله من المدة، ثم يقطعون بخروجه منها ويتأولون في ذلك آيات (منها) قوله تعالى ((لابثين فيها أحقابا))([20]) والأحقاب جمع حقب وهو ثمانون سنة وأكثر جمع القلة عشرة فتكون الثمانون عشر مرات.
(وجوابه) أن الآية في المشركين خاصة لقوله تعالى ((إنهم كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا))([21]) فيلزمكم عدم تخليد أهل الشرك وأنتم لا تقولون به والكتاب يرده فوجب حمل الأحقاب على عدم الغاية، أي مدة غير متناهية (ومنها) قوله ((فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره))([22]) (قالوا) فالآية دالة على أن من عمل خيرا رآه ومن عمل شرا رآه.
( (1/132)
صفحة 133
قلنا): إن حملتموها على ظاهرها لم تفد إلا العلم بعلمهم ى الجزاء عليه فالله عز وجل يري الكافر عمله لا لينتفع به بل ليكون حسرة عليه كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار وإن حملتموها على رؤية جزاء الأعمال وجب دخول المشرك فيهم وأنتم لا تقولون به (فإن قيل) إن المشرك خرج بدليل آخر دل على إحباط عمله (قلنا) وكذلك الفاسق دل الدليل على أن عمله غير مقبول إنما يتقبل الله من المتقين فوجب حمل الرؤية في الآية على العلم بالأعمال لا علو وجود جزائها.
(ومنها) قوله تعالى ((من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها))([23]) مع قوله تعالى ((وما ربك بظلام للعبيد))([24]) ((لا أضيع عمل عامل منكم))([25]).
(وجوابه) أن الحسنة المضاعفة هي حسنة المؤمن لقوله تعالى ((من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون))([26]) ولا شك أنه لا يأمن من فزع ذلك اليوم إلا المؤمن ومن لا تقبل حسناته لفسقه فهو الظالم لنفسه، والمضيع لعمله فلم يظلمه الله ولم يضيع عمله (ومنها) قوله تعالى ((إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء))([27]) مع قوله تعالى ((قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا))([28]) (قالوا) ففي هذه الآية دليل على أن جميع الذنوب مغفورة ثم أخرج من جميعها الشرك بقوله لا يغفر أن يشرك به فبقي ما عدا الشرك من الكبائر في المشيئة لقوله ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
( (1/133)
صفحة 134
قلنا): عن في الآية الثانية غفران الذنوب كلها فأخرج الشرك على زعمكم فوجب أن تقولوا إن ما عدا الشرك مغفور فصاحب الكبيرة مغفور له قطعا فينتقض مذهبكم ولا ينفعكم. قوله لمن يشاء فإنه قد علق بالمشيئة أشياء قطعتم بثبوتها فقد قال تعالى ((ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم))([29]) وأنتم تخصون اسم المنافق بمن أخفى الشرك وأظهر الإسلام وجزمتم بتعذيبهم وتخليدهم في النار وقال تعالى ((وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء))([30]) وقد قطعتم بتعذيب اليهود والنصارى وتخليدهم فما بالكم لا تعلقون تعذيبهم على المشيئة (فإن قيل) إن الله أخبرنا بقوله (إن الله لا يغفر أن يشرك به) أن المشركين لا يغفر لهم فبقي مَن عداهم في المشيئة.
(قلنا): إن أردتم بالشرك اللغوي فلا يشمل جميع اليهود والنصارى فإن منهم الموحد لغة والقرآن نزل على لغة العرب لا على الاصطلاح الثاني. (وإن قلتم) إن اسم الشرك وضعه الشرع لكل من أشرك أو كذب رسولا أو أنكر كتابا، والآية على هذا الوضع فخرج اليهود والنصارى من المشركين مع من خرج.
(قلنا) وكذلك أيضا الفاسق قد خص بآيات أخر تدل على القطع بتعذيبه كما في آكل مال اليتيم ظلما وقاتل المؤمن عمدا ونحوهما، فظهر أن المغفور له وهو التائب وهو الذي شاء الله أن يغفر له، لخروج المشركين بأدلة وأهل الكبائر بأدلة أخرى (فإن قيل) إن المشرك والفاسق مغفور لهما بالتوبة أيضا فما فائدة قوله ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء..؟
(قلنا): فائدته التنبيه على أن ليس كل تائب مقبولة توبته، وإنما يقبل الله توبة من يشاء أن يغفر له (وإن قيل) وعد الغفران بوجود التوبة فمهما وجدت وجب قبولها لأن وعده الحق.
( (1/134)
صفحة 135
قلنا) نعم إن وعده حق وإن التوبة النصوح مقبولة عنده لا بوجوب عليه بل بتفضيل منه فإن نفس الوعد بها تفضل وقطعنا باستحال كذبه لكن للتوبة المقبولة شروط فمن شاء أن يغفر له وقفه على تلك الشروط فوفى بها فهذه فائدة التعليق بالمشيئة لا ما زعمتموه، وأما فائدة الإطلاق في نفي غفران الشرك في الآية مع أنه مغفور بالتوبة في آيات أخر فهي لتعظين كبيرة الشرك على كبائر الفسق، وتهويل شأنه حتى ينفر عنه السامع فلا يحوم حول حماه.
(ومنها) قوله تعالى في أهل النار ((وأما الذي شقوا ففي النار خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك))([31]) قالوا: فالاستثناء في الآية دليل على أن الخلود غير أبدي وإلا فما معناه..؟ (أجيب) بأنه لا دلالة في الاستثناء على الخروج منها فإنه يصح أن تكون المدة المستثناة هي ما بين خروج أرواحهم إلى وقت دخولهم فيها، كما نقول نقعد غدا كلها مع زيد إلا مدة نصنع فيها كذا، فيصح أن تكون تلك المدة المستثناة قبل القعود مع زيد وذلك أن الله أوعد الأشقياء بالخلود في النار في الدار الآخرة، وأن من مات فقد حضرت آخرته وقامت قيامته بناء على القول بأنه ليس بين الدنيا والآخرة مدة، فصح استثناء وقت ما قبل الدخول ويحتمل أن يكون الاستثناء لوقت أراده الله فيه تعذيبهم بغير النار كالزمهرير وهو زاد في النار إذا أدخل فيه الشقي استغاث منه إلى النار، وفائدة إدخالهم فيه تنويع عذابهم فهم خالدون فيها بالنظر إلى أنه وارد فيها وجزء منها ومخرجون منها بالنظر إلى أن نوع عذابه يخالف نوع عذابها، أيضا فلو قيل أن الاستثناء دال على خروجهم منها للزم عدم تخليد الفاسق والمشرك فإن اسم الشقي شامل لهم والاستثناء وارد على خلودهم جميعا، وأيضا فهذا الاستثناء بعينه حاء في تخليد السعداء فيلزمكم أيضا عدم تخليدهم في الجنة.
( (1/135)
صفحة 136
لا يقال): إنه قال في حق أهل الجنة ((عطاء غير مجذوذ))([32]) أي غير مقطوع ولم يكر في آية الأشقياء ما يدل على عدم انقطاع تعذيبهم فيدل ذلك على تخليد أهل الجنة دونهم (لأنا نقول) إن كلامنا في الاستثناء لأنكم استدللتم به على خروج أهل النار فبينا لكم أنه لا تعلق لكم به فلو كان لكم به تعلق للزم تناقض آية السعداء حيث كان الاستثناء فيها دالا على خروجهم، وقوله: عطاء غير مجذوذ دال على غير ذلك أو تقولوا ما قلناه.
(ومنها) قوله تعالى ((وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم))([33])
(قالوا): فعسى من الله واجب إجماعا.
(وأجيب) بأنه وعد المعترفين بأن يتوب عليهم والمعترفون هم التائبون فإنهم إن فعلوا عملا صالحا ثم سيئا ثم اعترفوا بسيئتهم كانوا تائبين، فغن لم يرجعوا عنها فليسوا بمعترفين فلو قدرنا أنهم لم يتوبوا منها وجاريناكم على ما أنتم عليه للزم أن تقطعوا بالغفران لهم لأن عسى من الله واجب إذ لا يصدر منه الشك وأنتم تزعمون أنهم في المشيئة وترجون لهم الغفران (وإن قيل) إن عسى في الآية للرجاء كما هي في أصل اللغة وإن الرب تعالى خاطب الناس على لغتهم مع علمه بما يؤول إليه أمرهم وأبهم الأمر عليهم لنكتة.
(قلنا): وعلى هذا المعنى فلا تعلق بكم بها أيضا فإنه متى كانت عسى للرجاء علمنا أنهم لم يوعدوا بل رجوا فنقول إن ذلك الرجاء معلق بما إذا تابوا (قوله مابين ذي شرك ومن قد فسقا) أي كافر بنعمة من فرق بين ي شرك أي صاحب شرك ومن فسق، فما زائدة وبين ظرف مبهم لا يتبين معناه إلا بإضافته إلى اثنين فصاعدا أو ما يقوم مقام ذلك كقوله تعالى ((عوان بين ذلك))([34]) (1/136)
صفحة 137
والمشهور في العطف بعدها أن يكون بالواو لأنها للجمع المطلق، نحو المال بين زيد وعمرو، وأجاز بعضهم بالفاء مستدلا بقول امرئ القيس([35]): (بين الدخول فحومل) وأجيب بأن الدخول اسم لمواضع شتى فهو لمنزلة قولك المال بين القوم وبها يتم المعنى ا. هـ مصباح (قوله أعني لدى الخلود) أي أقصد بذلك الحكم من فرق بين المشرك والفاسق في الخلود لا في منازل العذاب فإنهم متفاوتون في ذلك وفي الخلود مشتركون وللمفرقين بينهم في الخلود أعاجيب.
(منها) أن قالوا إن العصاة إذا دخلوا النار يموتون بعد الدخول بساعة علم الله مقدارها ثم اختلفوا في كيفية ذلك الموت فقال بعضهم: إنهم يفقدون ألم العذاب ولا يحسون بشيء أصلا حتى يخرجوا منها واختار آخرون إنهم يموتون موتا حقيقيا بزهق أرواحهم (قل هل عندكم من سلطان بهذا أم تقولون على الله ما لا تعلمون..؟ ولهم حديث يطول ذكره ويشهد الكتاب برده فلا حاجة لذكره هنا على أنه آحادي الإسناد فعلى تقدير صحته لا يثبت به الاعتقاد فكيف لهؤلاء أن يعولوا عليه دينا يجعلوه علما يقينا ((قل الله أذن لكم أم على الله تفترون..؟ ))([36]).
( (1/137)
صفحة 138
قوله والفرق نشا) أي الفرق بين المشرك والفاسق ثبت عند منازل العذاب ونشا بمعنى حدث وتجدد، وهو نوع من الوجود أطلقه هنا علو مطلق الوجود على تقدير أن الكلام في وجود الفرق بينهما موجود عن الشارع، فهو مجاز مرسل لعلاقة التقييد والإطلاق وفائدة التجوز التنبيه على أن بيان ذلك الفرق موجود كثيرا فلكثرته كان بمنزلة المتجدد حتى كأنك إذا سمعت بيانا آخر ظننت أنه حدث ذلك اليوم فمن ذلك البيان ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: ((إن أهون أهل النار عذابا رجل في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل بالقمقم ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا وأنه لأهونهم عذابا ومنهم من هو في النار إلى كعبيه مع أجزاء العذاب ومنهم من هو في النار إلى ركبتيه مع أجزاء العذاب ومنهم من قد اغتمر)) وفي رواية ((إن أدنى أهل النار عذابا لرجل عليه نعلان يغلي منهما دماغه مسامعه جمر وأضراسه جمر واشفاره لهب النار وإن منهم من يغلي كحبات قليل في الماء)) وقال سويد بن غفلة([37]) إذا أراد الله تعالى أن يكسو أهل النار جعل للرجل منهم صندوقا على قدره من نار لا ينبض منهم عرق إلا وفيه مسمار من نار، ثم تضرم فيه النار ثم يقفل بقفل من نار ثم يجعل ذلك الصندوق في صندوق من نار ثم يضرم بينهما نار ثم يقفل ثم يلقى أو يطرح في النار فذلك قوله تعالى ((من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل))([38]) فإذا يئس القوم فما هو إلا الزفير والشهيق تشبه أصواتهم أصوات الحمير أولها شهيق وآخرها زفير، وكان صلى الله عليه وسلم يقول ((يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود ولو أرسلت فيها السفن لجرت))([39]) نسأل الله تعالى العافية (قوله وفشا) أي ظهر وانتشر.
(كذاك من قال بأنه يجيء=
وقت على النار بلى تأجج)
( (1/138)
صفحة 139
قوله كذلك من قال بأنه يجيء الخ) هذا بيان حكم أهل القول بأن أهل النيران جميعا مشركهم وفاسقهم ينقطع تعذيبهم، وجعله كحكم القائلين بأن أهل الكبائر يخرجون من النار أنهم يتأولون في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ((حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط أي كفاني))([40]) ورووا أيضا أنه ينبت فيها شجر الجرير وعن
عبد الله([41]) بن عمرو بن العاص ((ليأتين علي النار يوم تصفق فيها أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا)) وتأولوا أيضا:
قوله تعالى ((وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين))([42]) (قالوا): فاللعنة محصورة في الدار الدنيا لمل يقتضيه من طبع الفساد فيها وأما يوم القيامة فتنكشف له الحقائق فلا عناد فيعود إلى قربه، وهذا الاستدلال كما ترى ينفي دخوله النار أصلا فيؤول إلى إنكار تعذيب أهل المعاصي وليس في الآية قصر اللعنة في دار الدنيا، لأن لفظ إلى غاية لا قصر ومقتضاه تأبيد اللعن فلا مفهوم له.
(وأما) الحديثان فلا تعلق لهم بهما أيضا لأن قولها قط قط أي حسبي حسبي لا يدل على انقطاع عذابهم وإنما يدل على أن أهلها يكفونها ((يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد))([43]) وكذلك حديث ابن عمرو فإنه لا يدل على أن عذابهم منقطع فعلى تقدير صحته فيحتمل أنهم أخرجوا إلى الزمهرير لتنويع العذاب لهم (واستدلوا) أيضا بأدلة عقلية.
(الأول): إن القوة الجسمانية متناهية فلا بد من فنائها (الجواب) منع تناهيها.
(الثاني): دوام الإحراق مع بقاء الحياة خروج عن قضية العقل الجواب هذا بناء على شرط البنية واعتدال المزاج ولا تقول بدليل الحياة بخلق الله تعالى وقد يخلقها دائما أبدا أو يخلق في الحي قوة لا تخرب معها بنيته بالنار كما خلقها في السمندر وهو حيوان مأواه النار.
(الثالث): النار يجب إفناؤها الرطوبة بالتجربة قليلا قليلا فتنتهي بالآخرة إلى عدمها وتتفتت الأجزاء فلا تبقى الحياة.
( (1/139)
صفحة 140
الجواب): فناء الرطوبة بالنار غير واجب عندنا بل هو بإفناء الله تعالى أو يفنيها ويخلق بدلها مثلها ا. هـ عضد مع بعض تصرف (ثم طهر لي) في حكم هذه الفرقة أن يقال إنهم مشركون كما صرح السيد بخروجهم عن الإسلام لقوله تعالى ((لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين))([44]) ولأن تأويلهم هذا ليس بالتأويل القوي حتى يرفع عنهم حكم الشرك واستدلالهم العقلي إنما هو أمر فلسفي لا يثبت لقائله الحكم الإسلامي وهذا الحكم أيضا شامل لمن عذر المشرك إذا اجتهد فأخطأ بخلاف ما إذا لم يجتهد، ونسب هذا القول إلى الجاحظ([45]) والعنبري([46]) لأن هذا التفصيل لم يدل عليه دليل فهو راد للكتاب ومصادم له ولا ينفعهم كل مجتهد مصيب، لأنه خاص فيما يجوز فيه الاجتهاد، وإلا لزم تعارض الأصول القطعية وتضادها على أنه لا يقاومها فإن خبر الآحاد لا يوجب علما، على تقدير أنه موجب للعلم فلا يوجب العلم القطعي بل الظن فقط ويلزم أرباب هذا القول أن يعذروا بعض من قاتل محمدا صلى الله عليه وسلم فإن منهم المجتهدين وليس كلهم معاندين، وإذا سلموا هذا لزمهم بأن إرسال الرسل عبث لأن من اجتهد فهو سالم، وإن خالف نبيه وقاتله وهذا ظاهر البطلان كما ترى.
(قوله وقت على النار بلا تأجج) أي بلا توقد أي زعموا أن النار يأتي عليها وقت أي مدة ينطفي لهبها فلا توقد فيها فلا عذاب على أحد هنالك.
(وهكذا من قال كل يدخل=
فيها سعيد وشقي مبطل)
(ومن يقل دار الخلود فانية=
أو أهلها ففاسق علانية)
( (1/140)
صفحة 141
قوله وهكذا من قال كل يدخل فيها) الخ أي وهكذا حكم من زعم أن السعداء والأشقياء يدخلون النار معا، ثم ينجي الذين آمنوا ويذر الكافرين مستدلين بقوله تعالى ((وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا))([47]) ولا دليل لهم فيها لأن قوله وإن منكم خطاب لمنكري البعث لقوله تعالى ((ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا أو لا يذكر الإنسان إنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا))([48]). ثم قال على سبيل الالتفات ((وإن منكم إلا واردها))([49]) أي يا معشر منكري البعث ثم قال ((ثم ننجي الذين اتقوا))([50]) والنجاة من الشيء لا تكون إلا قبل الوقوع فيه ((فلما جاء أمرنا نجينا هودا))([51]) فلم يكن هود ومن معه داخلين معهم في العذاب.
(واعلم): أن أصحابنا جعلوا الخطاب في آية الورود عاما للمؤمنين والكافرين وفسروا الورود في حق الكافرين بالدخول وفي حق المؤمنين بالإشراف، فيلزم عليه إطلاق الكلمة على معنييها الحقيقيين إن قلنا الورود مشترك بين الدخول والإشراف أو الحقيقي والمجازي إن قلنا بأنه حقيقة في أحدهما فتلخص أن مذهبهم جواز ذلك (وإنما حكم) عليهم بكفر النعمة لأن تأويلهم هذا مخالف لآيات الكتاب.
(ومنها) قوله تعالى ((إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها))([52]) (ويعترض) عليه من وجوه.
(أحدها): إن الآية عامة مراد بها الخصوص فهي في ناس مخصوصين ويجاب بأن الأصل عدم المخصص ولا يثبت التخصيص إلا بدليل وليس في آية الورود دليل يخصص به.
( (1/141)
صفحة 142
وثانيها): أن قوله أولئك عنها مبعدون يحتمل أن يكون الإبعاد بعد الدخول فيها (ويجاب) بأنه يلزم عليه أن يكون الإبعاد غير حقيقي بل مجازي ولا يصح العدول به عن حقيقته إلا بدليل أو نقول إن الإبعاد مطلق ولا يصح تقييده بوقت دون وقت إلا بدليل (وأيضا) فلو كانوا قربوا منها ثم ابعدوا عنها يلزم أن يكونوا مقربين منها مبعدين عنها.
(وثالثها): إن الآية دلت على أنهم لا يسمعون حسيسها ولم تدل على نفي الدخول فيها فيحتمل أنهم يدخلونها ولا يسمعون لها حسا (ويجاب): بأنه كناية عن عدم قربهم إياها فيستلزم عدم دخولهم فيها.
(ورابعها): يحتمل أن يكونوا لا يسمعون حسيسها بعد أن يخرجوا منها لا وقت دخولهم فيها ولا قبل ذلك (ويجاب): بأنه تقييد للمطلق بلا قيد (ومنها) قوله تعالى ((لا يحزنهم الفزع الأكبر))([53])وقوله ((وهم من فزع يومئذ آمنون))([54]) فلو كانوا يدخلون النار لأحزنهم ذلك ولما أمنوا من فزع ذلك اليوم (ويعترض) عليه من وجهين.
(أحدهما): أنه يحتمل أن الموصوفين بذلك ناس مخصوصون من المؤمنين (ويجاب) بأنه تخصيص بلا مخصص.
(وثانيهما): إنه لا يستلزم دخولهم والنار الحزن والخوف لإمكان أن يخلق الله ألا من في قلوبهم ويرفع الحزن عنهم (ويجاب) أما أولا: فإن رفع حزن من يرى أنه معذب وخلق الأمن في قلبه خلاف الظاهر وأما ثانيا: فإنه وإن أمكن ذلك فيحتاج ثبوته إلى دليل وما من دليل ومنها قوله تعالى ((فريق في الجنة وفريق في السعير))([55]) فلو دخلوها جميعا لزم بطلان هذا التقسيم لأنهم يكونون فريقا واحدا (ويعترض) عليه بأن محل التقسيم بعد خروجهم من النار (ويجاب) بأنه دعوى تحتاج إلى دليل.
( (1/142)
صفحة 143
واعلم) إن حكم كفر النعمة إنما كان على هؤلاء لما أدى إليه مذهبهم من تعذيب المؤمنين كما زعم بعضهم أن هذه الأمة لا يصلحون لسكون الجنة إلا بعد تصفيتهم بالنار، فتزيل الغش عنهم أما من زعم أنهم يدخلونها وهي خامدة لا يسمعون لها حسا ولا يجدون منها ألما ولا يعلمون أين هي ولا متى مروا عليها يفضي بهم قولهم هذا إلى تفسيق لأنهم لم يخالفوا فيه قطعيا لاحتمال أن يؤول قوله تعالى ((أولئك عنها مبعدون))([56]) أي عن عذابها وإن كان محتاجا إلى دليل.
(قوله سعيد أو شقي مبطل) بدل تفصيلي من قوله كل يدخل والمراد سعيد أي محق ليقابل وصف الشقي بالمبطل كما قابل السعيد بالشقي ففيه مع المطابقة اكتفاء (قوله ومن يقل دار الخلود فانية أو أهلها الخ) هذا بيان حكم أهل القول بأن الجنة والنار يفنيان بعد دخول أهل كل فيها ويفني أهلهما فيبقى الله وحده فحكم هؤلاء أنهم فاسقون لتأولهم نحو قوله تعالى ((كل شيء هالك إلا وجهه))([57]) وتأولهم الخلود في آيات الخلود بالمكث الطويل مثلا وتأولهم الأبد بالمبالغة في طول المكث مثلا (ثم ظهر لي) بعد ذلك أنهم مشركون لأن شبهتهم هذه لا ترفع عنهم حكم الشرك، لأن تأويلهم ليس بتأويل يقبل لإبطاله تلك القواطع.
(قوله ففاسق علانية) أي فهو فاسق جهرة بمعنى أن فسقه شاهد لا يشك فيه أحد.
(هذا إذا ما كان بالتأويل=
والشرك في الرد على التنزيل)
(قوله هذا إذا ما كان بالتأويل) أي هذا الحكم الذي ذكرناه ثابت على أهل هذه المذاهب إذا كان قولهم ناشئا عن تأويل للكتاب والسنة، أما إذا كان ناشئا عن رد له أو للسنة المتواترة فحكمهم الشرك، كما سيأتي إن رد الكتاب نوع من الشرك وتكذيب الرسول نوع منه أيضا (قوله والشرك في الرد) أي بسبب الرد على التنزيل ومفعول الرد محذوف أي في الرد على التنزيل حكمه.
------------------------------------------------------------------------ (1/143)
صفحة 144
1- ـ مسألة الخلود في النار من مسائل الاعتقاد المهمة التي اصطدمت فيها الآراء وكثر فيها الكر والفر والأخذ والرد والذي يطلق لنظرة العنان ويقف إمام كل مذهب من مذاهب العلماء فيها بتجرد وإمعان لا يتحيز إلا للدليل ولا يتعصب إلا للحق يجد إن ما ذهب إليه القائلون بخلود أهل النار – والعياذ بالله – فيها خلودا أبديا لا فرق في ذلك بين المشرك وغيره هو الحق الذي لا حوم حوله ريب وناهيك أن غالب آيات والوعيد نصت على الخلود في النار ولم يفرق بين المشرك وغيره كما كشف عن ذلك الغطاء المصنف رحمه الله في هذا الشرح الحافل ولا تجد بجانب ذلك في القرآن ما يشير إلى عدم خلود أحد ولو من بعيد ولقد أوضح القرآن أن فكرة الخروج من النار نشأت عند اليهود فدفعت بهم إلى الموبقات وأغرقتهم في بحار الشهوات فلم يستطيعوا خلاصا مما وقعوا فيه فقد كانوا يمنون أنفسهم إنهم لن يعذبوا – على جرائمهم الخطير ة – إلا زمنا محدودا فما عليهم أن أشبعوا رغباتهم وانهمكوا في شهواتهم (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) ولكن يا ترى هل سكت القرآن عن هذا المدعى بعد حكايته أم قرر الحقيقة الناصعة التي لم تترك مجالا لأحد في الطمع فيما طمعوا فيه أو في تحديث النفس بمثل هذه الأماني الفارغة التي ألهت اليهود عن الواجب وأردتهم في مهاوي الموبقات إننا نجد الرد الصريح بعد حكاية هذه الفرية عنهم مباشرة بحيث لم يدع لقائل مقالا ولا لشاك مجالا (قل اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) أي رد أصرح من هذا الرد. (1/144)
صفحة 145
وأي تقريع أبلغ من هذا التقريع على التمني ما لم يجعل الله سبيلا إليه ولكن رغبات النفوس وأمانيها الباطلة لا يكاد يقف في سبيلها شيء ما لم تسيطر على صاحبها عقيدة مكنية في قلبه مهيمنة على أحاسيسه فكم من عالم فتح لنفسه باب التأويل في الآية فادعى أن المراد بالسيئة الشرك أو إن المراد بالخلود طول المكث جاهلا أو متجاهلا إن الآية جاءت مجتثة لمطامع اليهود في تحديد مدة مسيس النار مقررة المصير الذي ينتظر كل من ارتكب سيئة ولم يتب منها قبل فوات الفرصة ولا عبرة بخصوص سببها مع عموم لفظها وستسمع إن شاء الله ما قاله فيها بعض من طلب الحقيقة فأدركها من محققي المتأخرين هذا وإذا نظرت إلى تقسيم القرآن مصائر البشر يوم الدين لم تعثر في هذا التقسيم إلا على مصيرين مصير إلى الجنة ومصير إلى النار وكلا المصيرين خالد وإن شئت معرفة أصحاب كل منهما فاسمع إلى قول العزيز الحكيم في سورة يونس (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم لفترة ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون والذين كسبوا السيئات جزاء السيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) فإن الآية الكريمة واضحة كل الوضوح في إن أهل الجنة وهم أصحاب المصير السعيد – لا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة وهؤلاء هم الذين أحسنوا فاستحقوا الحسنى وزيادة ومما لا يمكن بحال أن يصلى أحد النار ولو فترة قصيرة وهو لا يرهق وجهه قتر ولا ذلة فأي ذلة أفظع من ذلة العذاب وكيف لا يرهق القتر وجه من يتقلب في الجحيم وبعد حصر أصحاب السعادة في هذا الصنف أتبع بيان أصحاب المصير الآخر مصير الشقاء والويل وأوضح إنهم كسبوا السيئات ولم يقيد هذه السيئات بل أطلقها وبين سبحانه جزائهم المحتوم وأنهم لا ينفكون عن هذا الجزاء بل هم فيه خالدون. ( (1/145)
صفحة 146
والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) أي أشكال بعد هذا الإيضاح وأي غموض بعد هذا البيان وهل بعد هذا كله مساق للدعوى بأن ثم طريقا ثالثا يشارك كلا الفريقين في مصيرهما ويأخذ حضه في جزاء كل منهما فيصلى أولا النار ثم يتقلب إلى النعيم المقيم وبالجملة فإن الآيات القرآنية ليس فيها ما يشير ولو من بعيد إلى الخروج من النار وإنما جاء كثير منها في الخلود لمطلق أهل الكبائر وقد أدرك هذه الحقيقة التي لا غبار عليها جماعة من أهل التحقيق من المتأخرين يحضرني منهم الإمامان الكبيران محمد عبده ومحمد رشيد رضا وذلك صريح في غير موضع من كلاهما في تفسيرهما القيم (المنار) ومن ذلك ما قالا في تفسير قول الله تعالى (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئة فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) فقد قال الإمام للسيئة هنا إطلاقها وخصها مفسرا – الجلال – وبعض المفسرين بالشرك ولو صح هذا لما كانلقوله تعالى (وأحاطت به خطيئة) معنى فإن الشرك أكبر السيئات وهو يستحق هذا الوعد لذاته كيفما كان والمعنى أحاطت الخطيئة هو حصرها لصاحبها وأخذها بجوانب إحساسه ووجدانه كأنه محبوس فيها لا يجد لنفسه مخرجا منها يرى نفسه حرا مطلقا وهو أسير الشهوات وسجين الموبقات ورهين الظلمات وأن تكون الإحاطة بالاسترسال في الذنوب والتمادي على الإصرار قال تعالى (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) أي من الخطايا والسيئات ففي كلمة (يكسبون) معنى الاسترسال والاستمرار وران عليه غطاه وستره أي أن قلوبهم أصبحت في غلف من الظلمات المعاصي حتى لا يبق منفذ للنور يدخل إليها منه ومن أحدث لكل سيئة يقع فيها توبة نصوحا وإقلاعا صحيحا لا تحيط به الخطايا ولا يعين على قلبه السيئات روى أحمد والترمذي والحكم وصححاه والنسائي وابن ماجة وابن حبان وغيرهم من حديث أبي هريرة أن النبي (1/146)
صفحة 147
صلى الله عليه وسلم قال (إن العبد إذا أذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن عاد زادت حتى تعلوا قلبه فذلك الران الذي ذكره الله في القرآن (بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) لمثل هذا كان السلف يقولون المعاصي بريد الكفر. وجاء عقب هذا الكلام الأستاذ الإمام في المنار ما نصه قوله (فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) خبر (من كسب سيئة وأحاطت به خطيئة) أي هم أصحاب دار العذاب في الآخرة الأحقاء بها دوم من لم يصل إلى درجتهم في الدنيا وهو من في قلبه شيء من نور الإيمان وتوحيد الله تعالى وما يتبعه من الخير قال الأستاذ الإمام: ومن المفسرين من ترك السيئة في الآية على إطلاقها ولم يؤولها بالشرك ولكنهم أولوا أجزائها فقالوا إن المراد بالخلود طول مدة المكث لأن المؤمن لا يخلد في النار وإن استغرقت المعاصي عمره وأحاطت الخطايا بنفسه فانهمك فيها طول حياته. أولوا هذا التأويل هروبا من قول المعتزلة: إن أصحاب الكبائر مخلدون في النار. وتأييدا لمذهبهم نفسهم المخالف للمعتزلة (1/147)
صفحة 148
= والقرآن فوق المذهب يرشد إلى أن من تحيط به خطيئته لا يكون أو لا يبقى مؤمنا ا. هـ وقد تعقبه السيد محمد رشيد بما أوضح به عواقب تأويل الخلود فقال إن فتح باب تأويل الخلود يجرئ أصحاب استقلال الفكر في هذا الزمان على الدخول فيه والقول بأن معنى خلود الكافرين في العذاب طول مكثهم فيه لأن الرحمن الرحيم الذي سبقت رحمته غضبه ما كان ليعذب بعض خلقه عذابا لا نهاية له لأنهم لم يهتدوا بالدين الذي شرعه لمنفعتهم لا لمنفعته ولكنهم لم يفقهوا المنفعة وإذا كان التقليد مقبولا هند الله – كما يرى فاتحو الباب – فقد وضح عذر الأكثرين لأنهم مقلدون لعلمائهم – الخ ما يتكلم به الناس ولا سيما في هذا العصر فأن هذه المسألة قديمة وهي أكبر مشكلات الدين. نعم إن العلماء محتجون عليهم بالإجماع ولو سكوتيا ولكن التأويل باب لا يكاد يسده متى فتح شيء ا. (1/148)
صفحة 149
هـ وكلام هذين العالمين الجليلين واضح في إن عقيدة الخلود في النار لأهل الكبائر هي الموافقة لنصوص الكتاب وإن تأويل شيء من هذه النصوص لموافقة مذهب معين أمر يترتب عليه ما بعد إذ لا يستقر معه مدلول نص من النصوص وأوضح من كلامهما – هنا – في تفسير قول الله سبحانه (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) ونص كلامهما في الآية كما في المنار أي ومن عاد إلى ما كان يأكل من الربى المحرم بعد تحريمه فأولئك البعداء عن الاتعاظ بموعظة ربهم الذي لا ينهاهم إلا عما يضر بهم في أفرادهم أو جميعهم هم أهل النار الذين يلازمونها كما يلازم الصاحب صاحبه فيكونون خالدين فيها وقد أول الخلود المفسرون لتتفق الآية مع المقرر في العقائد والفقه من كون المعاصي لا توجب الخلود في النار فقال أكثرهم إن المراد ومن عاد إلى تحليل الربى واستباحته اعتقادا ورد بعضهم بأن الكلام في أكل الربا وما ذكر عنهم من جعله كالبيع هو بيان لرأيهم فيه قبل التحريم فهو ليس بمعنى استباحة المحرم فإذا كان الوعيد قاصرا على الاعتقاد بحله لا يكون هناك على أكله بالفعل والحق إن القرآن فوق ما كتب المتكلمون والفقهاء يجب إرجاع كل قول في الدين إليه ولا يجوز تأويل شيء منه ليوافق كلام الناس وما الوعيد بالخلود هنا إلا كالوعيد بالخلود في آية قتل العمد وليس هناك شبهة في اللفظ على إرادة الاستحلال ومن الغريب أن جعل الرازي الآية هنا حجة على القائلين بخلود مرتكب الكبيرة في النار انتصارا لأصحابه الأشاعرة وخير من هذا التأويل تأويل بعضهم الخلود بطول المكث أما نحن فنقول ما كل ما يسمى إيمانا يعصم صاحبه من الخلود في النار الإيمان إيمانا ن إيمان لا يعدو التسليم الإيماني بالدين الذي نشأ فيه المرء أو نسب إليه ومجاراة أهله ولو بعدم معارضتهم فيما هم عليه وإيمان هو عبارة عن معرفة صحيحة بالدين على يقين بالإيمان متمكنة (1/149)
صفحة 150
في العقل للبرهان مؤثرة في النفس بمقتضى الإذعان حاكمة على الإرادة المعرفة للجوارح في الأعمال بحيث يكون صاحبها خاضعا لسلطانها في كل حال إلا ما لا يخلو عنه الإنسان من غلبة جهالة أو نسيان وليس الربا من المعاصي التي تنسى أو تغلب النفس عليها خفة الجهالة والطيش كالحدة وثورة شهوة أن يقع صاحبها منها في غمرة النسيان كالغيبة والنظرة فهذا هو الإيمان الذي يعصم صاحبه بإذن الله من الخلود في سخط الله ولكنه لا يجتمع مع الإقدام على كبائر الإثم والفواحش عمدا إيثارا لحب المال واللذة على دين الله وما فيه من الحكم والنصائح. وأما الإيمان الأول فهو صوري فقط فلا قيمة له عند الله تعالى لأنه تعالى لا ينظر إلى الصور والأقوال ولكنه ينظر إلى القلوب والأعمال كما ورد في الحديث والشواهد على هذا الذي قررناه في كتاب الله كثيرة جدا وهو مذهب السلف الصالح وإن جهله كثير ممن يدعون إتباع السنة حتى جرأوا الناس على هدم الدين بناء على أن مدار السعادة على الإعتراف بالدين وإن لم يعمل به حتى صار الناس يتبجحون بارتكاب الموبقات مع الاعتراف بأنها من كبائر ما حرم كما بلغنا عن بعض كبرائنا أنه قال إنني لا أنكر إنني آكل الربا ولكنني مسلم أعترف بأنه حرام وقد فاته أنه يلزمه بهذا القول الاعتراف بأنه من أهل هذا الوعيد وبأنه يرضى بأن يكون محاربا لله ولرسوله وظالما لنفسه وللناس كما سيأتي في آية أخرى – فهل يعترف بالملزوم أن ينكر الوعيد المنصوص فيؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض نعوذ بالله من الخذلان ا. (1/150)
صفحة 151
هـ ومن كلام هذين الإمامين الجليلين المنصفين يتضح لكل من طلب الحقيقة أن مذهب القائلين بخلود أهل الكبائر في النار هو مذهب السلف الصالح وأن القول بخلافه يتعارض مع النصوص القرآنية القاطعة والمنصف يدرك أنه لا متعلق للقائلين بالخروج من النار في الآيات الكريمة إذ لا إشارة في القرآن على الخروج فضلا من الدلالة البينة عليه أما الروايات التي يتعلقون بها فهي – مع مخالفتها لمدلول الكتاب - معارضة بأحاديث لا تقل عنها كثرة ولا تضعف عنها قوة وإلى القارئ الكريم أمثلة منها:
1– روى أحمد البزار والحاكم والنسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر) وفي رواية (ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة مدمن الخمر والعاق لوالديه والديوث وهو الذي يقر السوء في أهله).
2 - روى الشيخان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله (من شرب الخمر في الدنيا يحرمها في الآخرة).
3 – روى البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (من استرعاه الله رعية ثم لم يحطها بنصحه إلا حرم الله عليه الجنة).
4 – روى الإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك رضي الله عنهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (من اقتطع حق مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار) فقال رجل وإن كان شيئا قليلا يسيرا يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (وإن كان قضيبا من أراك) والحديث رواه أيضا الإمام مالك في الموطأ ومسلم والنسائي وآخرون من حديث أبي أمامة رضي الله عنه.
5 – روى الشيخان وغيرهما عن طريق أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قتل نفسه بحديده فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا فيها أبدا ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا فيها أبدا ومن نزل من جبل فقتل نفسه فهو ينزل في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا). (1/151)
صفحة 152
6 – روى مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) وبالجملة فإن الروايات الدالة على الخلود في النار لمرتكبي الكبائر أكثر من أن تحصى تدل تارة على الخلود بصريح اللفظ وتعبر تارة عنه بحرمان الجنة أو عدم شم ريحها ومحصلها واحد وإذا كانت الروايات في الخلود متعارضة فحسبنا أن نتمسك بما اعتضد بالكتاب العزيز ونسكت عما تعارض معه والله وراء القصد وهو تعالى ولي التوفيق. (سماحة المفتي).
[2] ـ هو مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي بالولاء، البلخي أبو الحسن من أعلام المفسرين، أصله من بلخ انتقل إلى البصرة، ودخل بغداد فحدث بها وتوفي بالبصرة، كان متروك الحديث.
من كتبه (التفسير الكبير) و(نوادر التفسير)، والرد على القدرية ومتشابه القرآن، والناسخ والمنسوخ، والوجوه والنظائر، توفي عام 150 هـ.
راجع وفيات الأعيان 2: 12 وتهذيب 10: 279 والأزهرية 1: 207 وميزان الاعتدال 3: 196 وتاريخ بغداد 13: 160.
[3] ـ هو جهم بن صفوان السمرقندي أبن محرز، من موالي بني راسب رأس الجهمية قال الذهبي: الضال المبدع هلك في زمان صغار التابعين وقد زرع شرا عظيما، كان يقضي في عسكر الحارث بن سريج الخارج على أمراء خراسان فقبض على نصر بن سيار فطلب جهم استبقاءه قال نصر: لا تقوم علينا مع اليمانية أكثر مما قمت وأمر بقتله فقتل عام 102 هـ.
راجع ميزان الاعتدال 1: 197 ولسان الميزان 2: 142 وخطط المقريزي 2: 349، 351.
[4] ـ سورة الجن آية رقم 23.
[5] ـ سورة البقرة آية رقم 81.
[6] ـ سورة النساء آية رقم 93.
[7] ـ سورة الانفطار آية رقم 14.
[8] ـ سورة عبس آية رقم 42.
[9] ـ سورة الجاثية آية رقم 21.
[10] ـ سورة الفرقان آية رقم 68.
[ (1/152)
صفحة 153
11] ـ سورة الجن آية رقم 23.
[12] ـالحديث رواه الإمام البخاري في كتاب الجنائز 83 باب من جاء في قاتل النفس 1363 – حدثنا يزيد بن زريع حدثنا خالد عن قلابة عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حلف بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال. ومن قتل نفسه بحديده عذب بها في نار جهنم) ورواه الإمام مسلم في كتاب الإيمان 175 والترمذي في الطب 7 والنسائي في الجنائز 68 والدارمي في الديات 10 وأحمد بن حنبل في المسند 2: 254، 478، 488 (حلبي).
[13] ـ الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب الجنائز 83 باب ما جاء في قاتل النفس 1364 – قال حجاج بن منهال حدثنا جرير بن حازم عن الحسن (حدثنا جندب – رضي الله عنه - في هذا المسجد فما نسينا وما نخاف أن يكذب جندب على النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان برجل جراح فقتل نفسه فقال الله: بدرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة.
[14] ـ سورة النساء آية رقم 48، 116.
[15] ـ سورة النساء آية رقم 10.
[16] ـ سورة النساء آية رقم 93
[17] ـ سورة الليل آية رقم 14 – 16
[18] ـ سورة طه آية رقم 48
[19] ـ سورة البقرة آية رقم 24 وقد جاءت هذه الآية محرفة في المطبوعة حيث قال (واتقوا) بدلا من (فاتقوا).
[20] ـ سورة النبأ آية رقم 23.
[21] ـ سورة النبأ آية رقم 27.
[22] ـ سورة الزلزلة آية رقم 7، 8.
[23] ـ سورة الأنعام آية رقم 160.
[24] ـ سورة فصلت آية رقم 46.
[25] ـ سورة آل عمران آية رقم 195.
[26] ـ سورة القصص آية رقم 84.
[27] ـ سورة النساء آية رقم 48.
[28] ـ سورة الزمر آية رقم 53.
[29] ـ سورة الأحزاب آية رقم 24
[30] ـ سورة المائدة آية رقم 18.
[31]ـ سورة هود آية رقم 107.
[32] ـ سورة هود آية رقم 8 وصدر الآية (وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ).
[33] ـ سورة التوبة آية رقم 2.
[ (1/153)
صفحة 154
34] ـ سورة البقرة آية رقم 68 والآية تقول (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تأمرون).
[35] ـ هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي من بني آكل المرار أشهر شعراء العرب على الإطلاق يماني الأصل موله بنجد نحو 130 ق هـ اختلف المؤرخون في اسمه. وكان أبوه ملك أسد وغطفان، وأمه أخت المهلهل الشاعر، فلقنه المهلهل الشعر وهو غلام وجعل يشيب ويلهو ويعاشر صعاليك العرب فبلغ ذلك أباه فنهاه عن سيرته فلم ينته فأبعده إلى (مون) بحضرموت موطن آبائه وعشيرته وهو في نحو العشرين من عمره فأقام زهاء خمس سنين ثم جعل ينتقل مع أصحابه في أحياء العرب يشرب ويطرب ويغزو ويلهو إلى أن ثار بنو أسد على أبيه وقتلوه، فبلغ ذلك امرأ القيس وهو جالس للشراب فقال: رحم الله أبي ضيعني صغيرا وحملني دمه كبيرا لا صحو اليوم ولا سكر غدا اليوم خمر وغدا أمر.
ونهض في غده فلم يزل حتى ثأر لأبيه من بني أسد، وقال في ذلك شعرا كثيرا توفي عام 80 ق هـ.
راجع الأغاني ط دار الكتب 9: 77 وتهذيب ابن عساكر 3: 104 وابن قتيبة في الشعر والشعراء 31 وخزانة البغدادي 1: 160.
[36] سورة يونس آية رقم 59.
[37] ـ هو سويد بن غفلة بن عوسجة الجعفي معمر كان شريكا لعمر بن الخطاب في الجاهلية، وعاش في البادية، وأسلم، ودخل المدينة يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وشهد القادسية ثم كان مع علي في حرب صفين، وسكن الكوفة، ومات بها في زمن الحجاج وكان شديد الساعد سمع الناس يوم القادسية يصيحون الأسد الأسد، فضرب الأسد على رأسه، فمر سيفه في فقار ظهره، وخرج من عكوة ذنبه، وكان فقيها إماما مات وهو ابن 125 سنة عام 81 هـ. راجع الاستيعاب بهامش الإصابة 2: 116 والإصابة 2: 118 والذهبي في العبر 1: 93.
[38] ـ سورة الزمر آية رقم 16 وتكملة الآية (ذلك يخوف الله بها عباده يا عباد فاتقون).
[ (1/154)
صفحة 155
39] ـ الحديث رواه ابن ماجة في الزهد 38 باب صفة النار 4324 حدثنا محمد بن عبدالله بن نمير، ثنا محمد بن عبيد عن الأعمش عن يزيد الرقاش عن أنس بن مالك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره في الزوائد: في إسناده يزيد بن ابان الرقاش وهو ضعيف.
[40] ـ الحديث رواه البخاري في كتاب التفسير 50 سورة ق 1 باب (وتقول هل من مزيد) 4848 حدثنا عبد الله بن أبي الأسود حدثنا حرمى بن عمارة، حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وذكره.
ورواه أيضا بسنده عن أبي هريرة رفعه وأكثر ما كان يوافقه أبو سفيان بلفظ (يقال لجهنم هل امتلأت وتقول: هل من مزيد..؟ فيضع الرب تبارك وتعالى قدمه عليها فتقول: قط قط) ورواه الترمذي في تفسير سورة 50.
[41] ـ هو عبدالله بن عمرو بن العاص، من قريش صحابي من النساك من أهل مكة، كان يكتب في الجاهلية، ويحسن السريانية وأسلم قبل أبيه فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يكتب ما يسمع منه فإذن له، وكان كثير العبادة حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم (إن لجسدك عليك حقا وإن لزوجك عليك حقا، وإن لعينيك عليك حقا) وكان يشهد الحروب والغزوات ويضرب بسيفين له في كتب الحديث 700 حديث توفي عام 65 هـ.
راجع الإصابة ت 4838 وحلية الأولياء 1: 283 وصفة الصفوة 1: 270.
[42] ـ سورة ص آية رقم 78.
[43] ـ سورة ق آية رقم 30.
[44] سورة ص آية رقم 85.
[45] ـ هو عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء الليثي أبو عثمان الشهير بالجاحظ كبير أئمة الأدب ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة موله عام 163 هـ ووفاته في البصرة عام 255 هـ مات والكتاب على صدره له تصانيف كثيرة: (الحيوان) و(البيان والتبيين) و(البخلاء) و(المحاسن والأضداد) و(الجد والهزل) وغير ذلك كثير.
راجع إرشاد الأريب 6: والوفيات 1: 388 وتاريخ بغداد 12: 212 ونزهة الألبا 254.
[ (1/155)
صفحة 156
46] ـ هو سوار بن عبد الله بن سوار بن عبد الله بن قدامة من بني العنبر من تميم أبو عبد الله العنبري: قاض، له شعر رقيق، وعلن بالفقه والحديث من أهل البصرة سكن بغداد، وولي القضاء بالرصافة وكف بصره في أواخر أعوامه، وتوفي ببغداد عام 245 هـ.
راجع تاريخ بغداد 9: 210.
[47] ـ سورة مريم آية رقم 71 – 72.
[48] ـ سورة مريم آية رقم 66 – 70.
[49] ـ سورة مريم آية رقم 71.
[50] ـ سورة مريم آية رقم 72 وتكملة الآية (ونذر الظالمين فيها جثيا).
[51] ـ سورة هود آية رقم 58 وتكملة الآية (والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ).
[52] ـ سورة الأنبياء آية رقم 101 – 102 وتكملة الآية (وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون)
[53] ـ سورة الأنبياء آية رقم 103 وتكملة الآية (وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون).
[54] ـ سورة الشورى آية رقم 7 وصدر الآية (وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه).
[55] ـ سورة الأنبياء آية رقم 101.
[56] ـ سورة النمل آية رقم 89.
[57] ـ سورة القصص آية رقم 88.
الباب الخامس من الركن الثاني) (في القضاء والقدر.......
(الباب الخامس من الركن الثاني) (في القضاء والقدر)
أي في الإيمان بهما وفي حكم الخوض فيهما وحكم من خاض فيهما والرد عليه.
(وبالقضا نؤمن أيضا والقدر =
ولم يجز إغراقنا فيه النظر)
( (1/156)
صفحة 157
قوله وبالقضا نؤمن أيضا والقدر) أي نصدق على وجه الإذعان والتسليم بالقضاء والقدر كما صدقنا بالرسل والكتب والملائكة واليوم الآخر، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم لعبادة بن الصامت([1]) إنك لن تجد ولن تبلغ حقيقة الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله تعالى قال: يا رسول الله وكيف لي أن أعلم خير القدر وشره..؟ قال: تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك فإن مت على غير ذلك دخلت النار))([2]) وبقوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن الإيمان ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ولقائه واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله تعالى))([3]) (والقضاء) بالقصر والمد إلا في البيت فإنه يتعين فيه القصر، قال أبو البقاء: ([4]) وقد أكثر أئمة اللغة في معناه وآلت أقوالهم إلى أنه تمام الشيء قولا وفعلا (والقدر) بفتح الدال وسكونها يرد في اللغة علو وجوه
سبعة نظمتها في قولي:
معاني القدر سبع هالك نظمها=
حواها وهي خلق فيه يحلو
وتقدير وتصوير وجود =
قضاء ثن تضييق ومثل
وفي المصباح القدر بفتح لا غير: هو ما يقدره الله من القضاء (والفرق) بينهما في الاصطلاح هو أن (القضاء) عبارة عن ثبوت صور جميع الأشياء في العلم الأعلى على الوجه الكلي، وهو الذي تسميه الحكماء العقل الأول.
(والقدر) حصول صور جميع الموجودات في اللوح المحفوظ الذي تسميه الحكماء بالنفس الكلية، (وقيل القضاء) عبارة عن وجود جميع الموجودات في العالم العقلي مجتمعة ومجملة على سبيل الإبداع.
( (1/157)
صفحة 158
والقدر) عبارة عن وجود جميع الموجودات في موادها الخارجية أو بعد حصول شرائطها واحدا بعد واحد (وقيل) إن (القضاء) هو الحكم الكلي الإجمالي على أعيان الموجودات بأحوالها من الأزل إلى الأبد مثل الحكم بأن كل نفس ذائقة الموت (والقدر) هو تفصيل هذا الحكم بتعيين الأسباب وتخصيص إيجاد الأعيان بأوقات وأزمان بحسب قابليتها واستعدادها المقتضية للوقوع منها، وتعليق كل حال من أحوالها بزمان معين وسبب مخصوص مثل الحكم بموت زيد في اليوم الفلاني بالمرض الفلاني (وقد) يطلق (القضاء) على الشيء المقتضي نفسه وهو في قوله عليه الصلاة والسلام ((اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء والرضى به لا يجب))([5]) على هذا المعنى ولذلك استعاذ منه والواجب والرضا بالقضاء أي بحكم الله وتصرفه وأما المقضي فلا إلا إذا كان مطلوبا شرعا كالإيمان ونحوه، وقد ورد أن الله تعالى يقول من لم يرض بقضائي ولم يشكر نعمائي ولم يصبر على بلائي فليتخذ إلها سوائي.
(والقدر) مرضي لأن التقدير فعل الله لا المقدر إذ يمكن أن يكون في تقدير القبيح حكمة بالغة (وسر القدر) هو أنه يمتنع أن تظهر عين من الأعيان إلا حسب ما يقتضيه استعدادها ا. هـ من الكليات مع تصرف.
( (1/158)
صفحة 159
قوله ولم يجز إغراقنا فيه النظر) أي ولم يجوز لنا الشرع أن نمعن الفكر ونستقصيه في القدر لقوله صلى الله عليه وسلم ((إذا ذكر القدر فأمسكوا وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا))([6]) وفي الحديث الرباني: ((القدر سري ولا ينبغي لأحد أن يطلع على سري)) وقوله صلى الله عليه وسلم ((لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة القدرية))([7]) وقوله صلى الله عليه وسلم ((المرجئة يهود هذه الأمة والقدرية مجوسها))([8]) وقوله صلى الله عليه وسلم ((لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا قبلي))([9]) والمراد بالقدرية الخائضون في القدر والمتكلمون فيه بما لا يحل، وهم (صنفان): صنف منهم أنكروا أن تكون أفعالهم خلقا لله تعالى ونسبوا خلقها لأنفسهم وهو مذهب المعتزلة بجميع فرقهم.
(وصنف) نفوا الكسب عنهم وأضافوا جميع أفعالهم إلى الله عز وجل على سبيل الجبر منه لهم على فعلها ورفع الاختيار عنهم فيها، وجعلوا أنفسهم كالميت في يد المغسل وكالخيط في الهواء تقلبه الرياح لا يستطيع امتناعا. وسيأتي بيان شبه الصنفين ورد قولهم عليهم.
(وذهب) أهل الاستقامة والأشعرية إلى التوسط بين الحالين فقالوا: إن أفعالنا خلق لله عز وجل وهي لنا اكتساب فنثاب ونعاقب على اكتسابنا لا على خلق الله أفعالنا بدليل قوله تعالى ((لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت))([10]) فالآية صريحة في إثبات الكسب والاكتساب لها وهي مبطلة لمذهب الجبرية ولقوله تعالى ((وأنه هو أضحك وأبكى))([11]) فالآية صريحة على أن الله تعالى هو خالق الضحك والبكاء فيهم وهو فعل لهم وهذا مبطل لمذهب المعتزلة.
( (1/159)
صفحة 160
واعترض) عليه بان إسناد الفعل إليه مجاز عقلي والمراد أنه فاعل سبب الضحك والبكاء لأنفسهما (والجواب) أن الأصل عدم المجاز ولا يصار إليه إلا بقرينة مانعة من إرادة الحقيقة وليس هنا قرينة فإذا جمعت بين الآيتين أعني قوله تعالى ((وأنه هو أضحك وأبكى))([12]) وقوله تعالى ((لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت))([13]) حصل لك طريق إثبات خلق الأفعال لله وكسبها للخلق (وعن) عكرمة([14]) عن ابن عباس رضي الله عنه سئل عن القدر فقال: الناس فيه على ثلاث منازل، من قال إن في الأمر المشيئة إلى العباد وإن الأعمال مفوضة إليهم ولا قدر فقد ضاد الله في أمره، ومن أضاف إلى الله شيئا مما ينزه عنه فقد افترى عظيما على الله عز وجل، ورجل قال: إن رحمت فبفضل الله فذلك الذي سلم له دينه ودنياه.
----------------------------------------------------------------------------
[1] ـ هو عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي أبو الوليد صحابي من الموصوفين بالورع، شهد العقبة، وكان أحد النقباء وبدرا وسائر المشاهد ثم حضر فتح مصر، وهو أول من ولي القضاء بفلسطين ومات بالرملة عام 34 هـ.
روى 181 حديثا اتفق البخاري ومسلم على ستة منها وكان من سادات الصحابة.
راجع حسن المحاضرة 1: 89 وتهذيب التهذيب 5: 111 والإصابة 4488 وتهذيب ابن عساكر 7: 206.
[ (1/160)
صفحة 161
2] ـ الحديث رواه الإمام أحمد بن حنبل في المسند 5: 189 حدثني أبي ثنا قران بن تمام عن أبي سنان الشيباني عن وهب الحمصي عن ابن الديلي قال أتيت أبي بن كعب فقلت له إنه قد وقع في نفسي من القدر شيء فأحب أن تحدثني بحديث لعل الله أن يذهب عني ما أجد قال لو أن الله عز وجل عذب أهل السماوات، وأهل الأرض عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم ولو كان أحد لك ذهبا فأنفقته في سبيل الله ثم لم تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وإن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ما تقبل منك ولو مت على غير ذلك دخلت النار (وفيه زيادة) ولا عليك أن تلقى أخي عبد الله بن مسعود فتسأله، فلقي عبد الله فقال له مثل ذلك ثم لقي حذيفة بن اليمان فقال له مثل ذلك ثم لقي زيد بن ثابت فقال له مثل ذلك إلا أنه حدثه عن نبي الله صلى الله عليه وسلم
[3] ـ الحديث رواه الإمام مسلم في الإيمان 1، 7 وأبو داود في السنة 16 والترمذي في القدر 10 وإيمان 4 والنسائي في الإيمان 5، 6 وابن ماجة في المقدمة 9، 10 وأحمد بن حنبل في المسند 1: 17، 28، 52، 97، 133، 319 (حلبي).
[4] ـ سبقت الترجمة له في الجزء الأول من هذا الكتاب.
[5] ـ الحديث رواه البخاري في كتاب القدر 13 باب تعوذ بالله من درك الشقاء وسوء القضاء، 6616 – حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكره.
ورواه الإمام مسلم في الذكر 53 والنسائي في الاستعاذة 24، 31، 33، 34، 35، ورواه الإمام أحمد في المسند 2: 173، 246.
[6] ـ لم نعثر على هذا الحديث ولعل الله يوفقنا إليه.
[ (1/161)
صفحة 162
7] ـ الحديث رواه أبو داود في باب القدر 4692 حدثنا محمد بن أبي كثير أخبرنا سفيان عن عمر بن محمد عن عمر مولى غفرة عن رجل من الأنصار عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره وفيه زيادة (من مات منهم فلا تشهدوا جنازته ومن مرض منهم فلا تعودوهم، وهم شيعة الدجال، وحق على الله أن يلحقهم بالدجال.
وروا الإمام أحمد في المسند 2: 86، 5: 407 (حلبي).
[8] ـ الحديث رواه ابن ماجة في المقدمة 9 باب في الإيمان 73 بسنده عن جابر بن عبد الله بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: أهل الإرجاء وأهل القدر).
[9] ـ لم نعثر على هذا الحديث.
[10] ـ سورة البقرة آية رقم 134.
[11] ـ سورة النجم آية رقم 43.
[12] ـ سورة النجم آية رقم 43.
[13] ـ سورة البقرة آية رقم 134.
[14] ـ هو عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام المخزومي القرشي من صناديد قريش في الجاهلية والإسلام كان هو وأبوه من أشد الناس عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم وأسلم عكرمة بعد فتح مكة وحسن إسلامه فشهد الوقائع وولي الأعمال لأبي بكر واستشهد في اليرموك أو يوم مرج الصفر وعمره 62 سنة وفي الحديث (لا تؤذوا الأحياء بسبب الموتى) قال المبرد: فنهى عن سب أبي جهل من أجل عكرمة.
راجع تهذيب الأسماء 1: 338 والإصابة ت 5640 وتاريخ الإسلام للذهبي 1: 380.
أفعال العباد خلق لله وكسب لهم
(ومن يقل الهنا لم يخلق=
أفعالنا بعدا له من أحمق)
(لقوله لكل شيء خالق=
سبحانه الرب المليك الرازق)
(لو كان خالقا سواه لزما =
تعدد الإله قطعا حتما)
(ولو تعدد الإله لظهر =
فساد هذا العالم الذي بهر)
(لكن لنا في فعلنا اكتساب=
به الثواب وبه العقاب)
من ثم قد نيل به أعلى المراتب=
إلا النبوات فليس تكتسب)
( (1/162)
صفحة 163
قوله ومن يقل الهنا لم يخلق أفعالنا الخ) أي من اعتقد اعتقادا جازما أن الله عز وجل لم يخلق أفعال العباد فهو فاسق منافق أحمق بعدا له، وإنما قلنا اعتقادا جازما ليخرج من اعتقد لقصور عقله إن ريح المروحة ونحوها خلق له من غير أن يخطئ من خالقه في ذلك، فإنه لا يفسق لأنه من الخطأ المرفوع عنا كذا في الذهب الخالص، وعزاه إلى بعض محققي أصحابنا، وفي عدم تفسيق هذا المعتقد إشارة إلى أن المعتزلة إنما كان فسقهم هي هذه المسألة من باب اعتقادها دينا وتخطئة من خالفهم في ذلك لكن المعتزلة أنكروا إيجاد الله لأفعالنا وجهلوها موجودة لنا فهم فاسقون بذلك أيضا، وأول من قرر هذا المذهب الفاسد واصل بن عطاء([1]) وقد تلمذ للحسن البصري([2]) ومكث في مجالسته عشرين سنة، وهو المقدر لقواعد القول بقدرة العبد وخلقه الفعل، وقال: إن الباري عادل حكيم لا يجوز أن يضاف إليه شين ولا ظلم ولا يجوز عليه أي يريد من العباد خلاف ما يأمرهم به ولا يجوز عليه أن يخلق للعباد شيئا فيجازيهم عليه والعبد هو الفاعل للخير والشر والطاعة والمعصية، والله سبحانه وتعالى مجازيه بفعله وقال: ليس من الحكمة أن يكون الله سبحانه وتعالى يخلق الكفر للكافرين به وهو مبغض للكفر معاد للكافرين فيكون ذلك كمن أعان على شتم نفسه ا. هـ وهذا مبني على جعل العقل حاكما على الشرع لا يجوز عندهم أن يرد الشرع بخلافه وحاصل ما عول عليه ها هنا ثلاثة أشياء.
(أحدها): أنه لا يجوز أن يضاف إلى الله شين ولا قبح لأنه عدل ولا شك أن أفعال المعاصي قبح وشين فلا تصح إضافتها إليه.
(وجوابه) أن الشين والقبح في اكتسابهما لا في خلقهما (وبيان) ذلك أن القبح عندنا معشر الأباضية، وعند الأشعرية، وعند من وافقنا على ذلك ما نهى عنه الشرع لا ما قبحه العقل فقط، لأن الحسن والقبح شرعيان عندنا وأما المعتزلة فعندهم أنهما عقليان، وقد تقدم فساد مذهبهم.
( (1/163)
صفحة 164
الثاني): أنه لا يجوز عليه تعالى أن يريد من العباد خلاف ما يأمرهم به فعنده أن الإرادة ملازمة للأمر.
(وجوابه) أن المعاصي قد صدرت من فاعلها فإذا كان الله لم يرد صدورها منه فيكون مغلوبا حيث كان من المعاصي شيء لم يرد الله وقوعه فيكون مكرها مقهورا مغلوبا، ومن كان كذلك فليس بإله، وقد وقع هذا الجواب من أبي عبيدة رضي الله عنه لواصل بن عطاء، روى أن واصلا كان يتمنى لقاء أبي عبيدة وكانا أعميين فقال قائد واصل: هذا أبو عبيدة فقال واصل لأبي عبيدة: أنت الذي تقول إن الله يعذب على القدر فقال لا ولكني أقول: إن الله يعذب على المقدور أأنت الذي تزعم أن الله يعصي باستكراه فانقطع واصل ثم قيل له سألته فتخلص وسألك فوقفت فقال: بنيت له بنيانا منذ أربعين سنة فهدمه وهو واقف (والفرق) بين القدر والمقدور في كلام أبي عبيدة أن القدر فعل الله والمقدور كسب العباد.
(الثالث): أتنه لا يجوز أن يخلق الله للعباد فعلا فيجازيهم عليه وحاصله أنه لو كانت أفعالنا خلقا لله تعالى لم يجز أن يجازينا عليها.
(وجوابه): إن الجزاء على اكتسابنا لها لا على خلقه إياها ((لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت))([3]) ((تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم))([4]) ((أولئك لهم نصيب مما كسبوا))([5]) ونحوها من الآيات. (وبيانه) أن للفعل جهتين جهة خلق أي إيجاد واختراع، وهي لله تعالى وبها تعلقت قدرته، وجهة كسب وهي للعبد وبها تعلقت قدرته وليس فيما يفعله الحكيم قبح وإنما القبح في أفعالنا إذا خالفت أوامره. (وتشبثوا) من الكتاب العزيز بآيات قال السيد والعضد: وهي أنواع.
(الأول): ما فيه إضافة الفعل إلى العبد نحو ((فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم))([6]) ((ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم))([7]).
(الثاني): ما فيه مدح وذم نحو ((وإبراهيم الذي وفى))([8]) ((وكيف تكفرون بالله))([9]) وما فيه وعد ووعيد كقوله
(( (1/164)
صفحة 165
من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها))([10]) ((ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم))([11]) وهو أكثر من أن يحصى.
(الثالث): الآيات الدالة على أن أفعال الله تعالى منزهة عما يتصف به فعل العبد من تفاوت واختلاف قبح وظلم كقوله تعالى ((ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت))([12]) ((ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا))([13]) ((الذي أحسن كل شيء خلقه))([14]) ((وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون))([15]).
(والرابع): تعليق أفعال العباد بمشيئتهم أي الآيات الدالة عليه نحو ((فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر))([16]).
(الخامس): الأمر بالاستعانة نحو ((إياك نستعين))([17]) ((استعينوا)) ولا معنى للاستعانة فيما يوجده الله في العبد بل فيما يوجده العبد بإعانة من ربه.
(السادس): اعتراف الأنبياء بذنوبهم كقول آدم عليه السلام ((ربنا ظلمنا أنفسنا))([18]) وقول يونس عليه السلام ((سبحانك إني كنت من الظالمين))([19]).
(السابع): ما يوجد في الآخرة من الكفار والفسقة من التحسر وطلب الرجعة نحو((ارجعون لعلي أعمل صالحا))([20]) ((لو أن لي كرة فأكون من المحسنين))([21]) ا. هـ.
(والجواب): حمل الآيات التي فيها إضافة الأفعال إلى العبد وجزاؤه عليها على كسبه لها وحمل آيات الاستعانة على طلب التوفيق لكسبهم أفعال الخير وإعانتهم على ذلك إذ ليس في كل هذا تصريح بأن العبد خالق لفعله وإضافة الفعل إليه تكفي لوجه ما ولو بأدنى ملابسة، كيف ولا يخفى أن كسب الفعل ملابسة قوية فيصح أن يضاف الفعل إلى كاسبه وأن يستعين العبد بغيره على كسبه، وكذلك الآيات التي فيها حكاية تأسف المجرمين وتحسرهم يوم القيامة وطلبهم الرجوع ليعملوا، فإنما كان ذلك منهم لتفريطهم في الكسب لا في الخلق.
( (1/165)
صفحة 166
وأما الآيات) الدالة على تنزيه أفعاله تعالى عن القبح والشين والظلم فليس فيها دلالة على أن أفعالهم مخلوقة لهم وإنما تدل على أن خلق الله حسن وليس في خلقه قبح ولا يظلم أحدا، ونحن نقول: إن جميع الأفعال بالنسبة إليه تعالى حسنة ولا قبح فيها ولا ظلم وإنما القبح والظلم في اكتسابنا لها إذا خالفنا فيها المشروع وبهذا الجواب تنحل جميع شبههم إن شاء الله وستأتي فيها أدلة نقلية وعقلية لا يمكنهم الجواب عنها إن شاء الله تعالى فانتظرها. (قوله بعدا له من أحمق) مصدر بعد عن رحمة الله بعدا ناب عن فعله فأقيم مقامه كقبحا وسحقا والأحمق فاسد العقل وإنما وصفه بذلك لما في قوله من ادعاء ما ليس له فكان ذلك القول دليلا على فساد وعقله (قوله لقوله لكل شيء خالق) أي حكمنا بتفسيق ذلك القائل حيث دعونا عليه بالإبعاد عن رحمة الله ووصفناه بالحمق الذي هو فساد العقل لأدلة (منها) قوله تعالى ((خالق كل شيء))([22]) الآية (واعترض) عليه بثلاثة أوجه.
(أحدها): أن الآية عامة لكل ما أطلق عليه الشيء فإن حكمتم بعمومها لزمكم أن يكون الله مخلوقا وأن يكون المعدوم مخلوقا لأنه شيء.
(وجوابه): إن دليل العقل قد خصص ما ذكرتم من عموم تلك الآية لأن العقل قاض أنه لو كان الله مخلوقا للزم أن يكون له خالق هو غيره فيتسلسل أو يدور وإن الخلق لا يتعلق بالمعدوم لأنه ليس بشيء في ذاته حتى يكون مخلوقا لغيره وإطلاق اسم الشيء عليه لا يستلزم أنة يكون مخلوقا فصح استثناء ما ذكرتم من عموم الآية وبقي ما عدا لك داخلا تحتها.
(الثاني): إن الخلق حقيقة بمعنى التقدير وعلى هذا فنحن نقول بعموم الآية لأن الله تعالى مقدر كل شيء.
( (1/166)
صفحة 167
وجوابه): إن للشرع وضعا نقل فيه بعض العربية إلى معان أخر فكانت حقيقة شرعية فيها من ذلك الصلاة في العبادة المعروفة والصوم في الإمساك المخصوص والزكاة في النصيب المحدود وهكذا فإن هذه الألفاظ وما أشبهها لها معان في اللغة هي حقائق فيها غير الشرعية ثم صارت باستعمال الشرع لها فيما ذكرنا حقيقة شرعية وكذلك الخلق أن أضيف إليه تعالى فإن الشرع لم يستعمله مضافا إليه تعالى إلا وهو بمعنى الإيجاد والاختراع.
(الثالث): إن الآية عامة وأنتم تقولون إن دلالة العام ظنية فما بالكم قطعتم بها هنا.
(وجوابه): إن القطع بها حيث قضى العقل بمقتضاها وأجمعت الأمة على أن المراد منها عمومها وكلا الوجهين قطعي ولا عبرة بخلاف المعتزلة فيها فإن خلافهم جاء بعد انعقاد الاجتماع، ولأن خلافهم خالف العقل المؤيد بالنقل ولو لم يكن ثمة إجماع ما التفت إليه (ومها) قوله تعالى ((هل من خالق غير الله))([23]) فإن في الآية نفيا أن يكون خالق غيره (واعترض) عليه بأن النفي متوجه على منفي مقيد بقيد هو قوله تعالى ((يرزقكم من السماء والأرض))([24]). بيانه أن الآية نفت أن يكون خالق يرزقنا غير الله تعالى ونحن نقول لا خالق يرزقنا إلا الله.
(وجوابه): أنا لا نسلم أن النفي متوجه إلى القيد المذكور وهو الاتصاف بالرزق لأنه لو كان متوجها إليه وخصوصا به ما كان لذكر الخالق فائدة ولقال هل من رازق الخ فذكر الخالق حينئذ عبث يتعالى عنه نظم القرآن (ومنها) قوله تعالى ((وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى))([25]) فإنه تصريح بإسناد الرمي إليه تعالى ولا شك إنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم (واعترض) بأن الرمي في الآية بمعنى الإصابة أي وما أصبتم إذ رميتم ولكن الله أصابهم.
( (1/167)
صفحة 168
وجوابه): إن إطلاق الرمي على الإصابة مجاز محتاج إلى قرينة ولا قرينة ثمة (ومنها) قوله تعالى ((والله خلقكم وما تعملون))([26]) أي وعملكم (واعترض) عليه بأن ما موصولة والتقدير والله خلقكم والذي تعملون به والمراد الآلة التي بها العمل.
قالوا: لو لم تكن الآية على هذا المنوال للزم إخلال النظم القرآني فإنها صدرت من إبراهيم عليه السلام على سبيل التوبيخ لهم على عبادة الأصنام التي ينحتونها بأيديهم، فلو أراد والله خلقكم وعملكم للزم أن يكون عذرا لهم لا توبيخا وبيانه أنه لو قال لهم إن الله خلقكم وعملكم فما بالكم تعبدون الأصنام التي تنحتونها لحسن أن يكون جوابهم له إذا كان الله خلق عملنا فينا فعلام نلام على حد قول المشركين ولو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا. (وجوابه): إنه يلزم ما ذكرت أن لو كانوا مجبورين على إتيان ذلك العمل الذي خلقه الله فيهم ونحن لا نقول به بل نقول إن الله خالق أعمالهم وجاعل لهم اختيارا فيها واكتسابا فالتوبيخ على اختيارهم ما نهوا عنه واكتسابهم. لخلاف ما طلب منهم مع أنه تعالى خلقهم وخلق فعلهم وجعل لهم قدرة على اكتساب ذلك الفعل فأمرهم ببعضه ونهاهم عن بعضه.
(ومنها) قوله تعالى ((فعال لما يريد))([27]) ولا شك أنه يريد الإيمان إجماعا فهو فاعله وكذا الكفر إذ لا قائل بالفرق بينهما (ويعترض) عليه بأن الآية عامة لكل ما يريد فتحتمل التخصيص فيكون بعض ما يريده فاعلا له والبعض الآخر فاعله غيره.
( (1/168)
صفحة 169
وجوابه): أن التخصيص بلا مخصص لا يصح وما ذكرتموه من الآيات الدالة على إضافة الفعل إلى العبد تقدم جوابها فلا يصح أن تكون مخصصة لهذه الآية وأيضا فلو كان غيره فاعلا لبعض ما يريده لزم أن تكون قدرته تعالى قاصرة وغيره تعالى هو المتمم لمراده (لا يقال) أنه متى أراد شيئا وانفعل ذلك الشيء لم يلزم أن تكون قدرته قاصرة (لا نقول) إن هذا صحيح أن لو كان ذلك الانفعال بقدرة الله تعالى أما إذا كان بقدرة الغير إيجاده فغير مسلم لأنه وإن كان مراد له تعالى فهو مخلوق لغيره فلزم أن تكون قدرته تعالى لم ينفعل لها ما أراده وإنما انفعل بقدرة الغير.
(قوله سبحانه) أي من أن يكون خالقا سواه (قوله الرب) أي المالك لنا والمصلح لشأننا (قوله المليك) أي المتصرف في الأشياء تصرفا لا راد له (قوله الرازق) أي المعطي لخلقه ما ينتفعون به وفي ذكر هذه الصفات في هذا المقام إشارة إلى نقض استدلال تعلقت به المعتزلة (من قوله) تعالى ((فتبارك الله أحسن الخالقين))([28]).
(قالوا) ففي الآية دليل على تعدد الخالقين لأنه لو لم يكن الخالق إلا واحدا لما كان للجميع معنى فأشار المصنف إلى نقضه بقوله تعالى ((وهو خير الرازقين))([29]) (وحاصل) الجواب أنه يلزمكم أن تقولوا بتعدد الرازقين كما قلتم بتعدد الخالقين لأن تعلقكم بالآية إنما هو بوجود الجمع فيها وهو موجود في الرازقين فوجب حمل الآيتين على غير الحقيقة فالمراد بأحسن الخالقين أي أحسن الصانعين صنعا وخير الرازقين أي خير المعطين عطاء.
( (1/169)
صفحة 170
قوله لو كان خالقا سواه لزما) الخ هذا هو الدليل العقلي المبطل لتعدد الخالقين، وصورة البرهان أنه لو كان غيره تعالى خالقا للزم أن يكون ذلك الخالق إلها لما خلق، فتتعدد الآلهة، وبيان الملازمة أنه تعالى أشار إلى أن الخلق صفة يختص بها الإله في قوله ((إذا لذهب كل إله بما خلق))([30]) وإذا كانت صفة الخلق وهي الإيجاد والاختراع مختصة بالإله لزم من تعددها تعدد الإله إذ لا يتصف بها إلا من كان لها والعقل قاض بذلك أما قوله تعالى ((وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير))([31]) وقوله ((وتخلقون أفكا))([32]) فالخلق فيها مجاز وكذلك ما أشبههما والمراد تصور من الطين وتجعلون الأفك حديثا لكم (قوله تعدد الإله) أي كونه أكثر من واحد (قوله قطعا حتما) أي قطع به والمراد تعدد الإله وقطعا مصدر انتصب بفعل يفسره ما بعده (قوله ولو تعدد الإله لظهر) هذا برهان للبرهان الأول فهو تدقيق (وصورته) أنه لو تعدد الإله لظهر فساد هذا العالم الذي بهر الخلق صنعه ونحن نشاهد أنه لم يفسد ونعلم ذلك ضرورة فلا تعدد وإلى هذا أشار قوله تعالى ((لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا))([33]) وقد تقدم بسط هذا المقام في محله (قوله فساد هذا العالم) المراد بالفساد ها هنا تلاشيه وذهابه وخروجه عن سلك الحكمة والعالم بالفتح الخلق سمي بذلك لأنه يستدل به على وجود الصانع، وعرفه بعضهم بأنه عبارة عن أجسام في ظروف مكان وزمان والأول أعم لدخول الأعراض تحته فإنها مما يستدل بها أيضا على وجود الصانع المختار، وأشار إليه بذا المختصة بالقريب مع ها التنبيه أشار إلى أن بديع صنعه تعالى موجود جدا لا يخلو منه مكان فلو استغرق الإنسان فكره في صنع نفسه التي هي أقرب الأشياء إليه ما استقصى غرائب ما فيها وعجائب صنعها وفي ها التنبيه على غفلة غالب الخلق عن التفكير في هذا الصنع العجيب.
( (1/170)
صفحة 171
قوله الذي بهر) الذي غلب أهل العقول الثاقبة في استنباط الحكم واستخراج العجائب حيث لم يستطيعوا على الإتيان بمثل أحقر شيء فيه ولم يطلعوا على السر الذي كن فيه وإنما خصصنا أهل العقول بذلك لأنهم هم أرباب الحكم فإن عجزوا عن شيء من ذلك فغيرهم أعجز.
(قوله لكن لنا في فعلنا اكتساب) اعلم أنه لما صرح بإبعاد من قال أن الله لم يخلق أفعالنا واحتج عليهم بالعقل والنقل خاف أن يتوهم من كلامه إسناد الأفعال إليه تعالى جبرا كما هو مذهب الجبرية الآتي بيان بطلانه استدرك عليه بهذا البيت قائلا إن لنا في أفعالنا اكتسابا ترتب عليه الثواب والعقاب والمدح والذم لا كما زعمت الجبرية ((لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت))([34]).
(قوله يه الثواب) أي بسبب ذلك الاكتساب يكون جزاء الخير في الآخرة (قوله وبه العقاب) أي بسبب ذلك الاكتساب يكون الجزاء بالشر في الآخرة فلا جبر ولا تعذيب على ما خلق الله (قوله من ثم قد نيل به أعلا المراتب) أي من هنالك نال من نال بالاكتساب في الدنيا أعلا الرتب وهذا دليل على أن الاكتساب يصح أن يثاب ويعاقب عليه أي كما أعطانا الله بسبب اجتهادنا واكتسابنا في الدنيا أعلى الرتب فيها كذلك يصح أن يثنينا في الآخرة باكتسابنا الخير في الدنيا ونيل أعلا الرتب في الدنيا مشاهد أكثر من أن يذكر فمنه تحصيل العلم لطالبه ونيل العز للمجد فيه وكرامات الأولياء التي لا تكاد تحصر فإنا نعلم أن هذه الأشياء إنما حصلت بسبب اكتساب طالبها لأسبابها وجده في استعمالها لا بخلقه طلبها والجد في تحصيلها تلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.
(قوله إلا النبوات) جمع نبوة بمعنى الرفعة وفي الاصطلاح عبارة عن إيحاء الله لمن شاء من خلقه بشرع قوله فليس تكتسب أي فلا تحصل بالكسب لمستعمل أسباب تحصيلها لأنها شيء خص الله به من يشاء من عباده من غير اكتساب منهم لها فتأتيهم على وجه الاضطرار لا الاختيار وهذا مذهب لبعضهم قال صاحب الجوهرة: (1/171)
صفحة 172
ولم تكن نبوة مكتسبة=
ولو رقي في الخير أعلا عقبه
وكذلك الرسالة نظرا إلى الكون عند الله رسولا وذهب بعض إلى أن النبوة والرسالة اكتسابيتان نظرا إلى جانب القبول للوحي في النبوة إلى جانبه مع التبليغ في الرسالة وقيل بل نظرا إلى جانب استعمال الأسباب الموصلة إليها وهو مذهب الفلاسفة قال الباجوري: وهي من المسائل التي كفروا بها لاستلزامها جواز وجود نبي بعد نبينا عليه الصلاة والسلام أو في زمانه مع قوله تعالى ((وخاتم النبيين))([35])وقوله صلى الله عليه وسلم ((لا نبي بعدي))([36]) وقد أجمعت الأمة على إبقائهما على ظاهرهما (وقيل) النبوة ضرورية نظرا إلى جانب الكون عند الله نبيا والرسالة اكتسابية نظرا إلى جانب التبليغ، فالخلاف بين المسلمين في كونهما ضروريتين أو اكتسابيتين لفظي.
------------------------------------------------------------------------------
[1] ـ هو واصل بن عطاء الغزال أبو حذيفة من موالي بني ضبة أو بني مخروم رأس المعتزلة ومن أئمة البلغاء والمتكلمين، سمي أصحابه بالمعتزلة لاعتزاله درس الحسن البصري، ومنهم طائفة تنسب إليه تسمى (الواصلية) وهو الذي نشر مذهب الاعتزال.
ولد بالمدينة عام 80 هـ ونشأ بالبصرة، وكان ممن بايع لمحمد بن عبد الله بن الحسن في قيامه على أهل الجور ولم يكن غزالا وإنما لقب به لتردده على سوق الغزالين بالبصرة له تصانيف منها
(أصناف المرجئة) و(المنزلة بين المنزلتين) و(معاني القرآن) وغير ذلك كثير توفي عام 131 هـ.
راجع وفيات الأعيان 2: 170 ومروج الذهب 2: 298 وتاريخ الإسلام الذهبي 5: 311 والنجوم الزاهرة 1: 313 – 314.
[ (1/172)
صفحة 173
2] ـ هو الحسن بن يسار البصري أبو سعيد تابعي، كان إمام أهل البصرة وحبر الأمة في زمنه، وهو أحد علماء الفقهاء الفصحاء الشجعان النساك ولد بالمدينة، وشب في كنف علي بن أبي طالب واستكتبه الربيع بن زياد والي خراسان في عهد معاوية، وسكن البصرة وعظمت هيبته في القلوب فكان يدخل على الولاة فيأمرهم وينهاهم لا يخاف في الحق لومة لائم وكان أبوه من أهل ميسان مولى لبعض الأنصار. قال الغزالي: كان الحسن البصري أشبه كلاما بكلام الأنبياء توفي عام 110 هـ.
راجع تهذيب التهذيب ووفيات الأعيان وميزان الاعتدال 1: 254 وحلية الأولياء 2: 131.
[3] ــ سورة البقرة آية رقم 246.
[4] ـ سورة البقرة آية رقم 134 - 141.
[5] ـ سورة البقرة آية رقم 202.
[6] سورة البقرة آية رقم 79.
[7] ـ سورة الأنفال آية رقم 53.
[8] ـ سورة النجم آية رقم 37.
[9] ـ سورة البقرة آية رقم 28.
[10] ـ سورة الأنعام آية رقم 160.
[11] ـ سورة الجن آية رقم 23.
[12] ـ سورة الملك آية رقم 3.
[13] ـ سورة النساء آية رقم 82.
[14] ـ سورة السجدة آية رقم 7.
[15] ـ سورة النحل آية رقم 33.
[16] ـ سورة الكهف آية رقم 29.
[17] ـ سورة الفاتحة آية رقم 5.
[18] ـ سورة الأعراف آية رقم 23 وتكملة الآية (وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين).
[19] ـ سورة الأنبياء آية رقم 87.
[20] ـ سورة المؤمنون آية رقم 99، 100 وتكملة الآية (فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث ذكر (ارجعوني) بدلا من (ارجعون).
[21] ـ سورة الزمر آية رقم 58.
[22] ـ سورة الرعد آية رقم 16 وسورة الزمر آية رقم 62 وسورة غافر آية رقم 62.
[23] ـ سورة فاطر آية رقم 3.
[24] ـ سورة فاطر آية رقم 3.
[25] ـ سورة الأنفال آية رقم 17 وتكملة الآية (وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم).
[26] ـ سورة الصافات آية رقم 96.
[ (1/173)
صفحة 174
27] ـ سورة البرج آية رقم 16.
[28] ـ سورة المؤمنون آية رقم 14 وصدر الآية (ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين).
[29] ـ سورة المؤمنون آية رقم 72 وسورة سبأ آية رقم 39.
[30] ـ سورة المؤمنون آية رقم 91وتكملة الآية (ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون).
[31] ـ سورة المائدة آية رقم 11وتكملة الآية (بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج من الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين).
[32] ـ سورة العنكبوت آية رقم 17 وتكملة الآية (إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون).
[33] ـ سورة الأنبياء آية رقم 22.
[34] ـ سورة البقرة آية رقم 286
[35] ـ سورة الأحزاب آية رقم 40
[36] ـ قال الإمام احمد، حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن عبد الرحمن بن جبير قال سمعت عبد الله بن عمر يقول:
خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما كالمودع فقال: أنا محمد النبي الأمي ثلاثا ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلم وجوامعه وخواتمه وعلمت كم خزنة النار، وحملة العرش، وتجوز بي وعرفت وعرّفت أمني فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله تعالى أحلوا حلاله وحرموا حرامه)
تفرد به الإمام أحمد.
ورواه الإمام أحمد أيضا عن أحمد بن إسحاق عن ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة ابن شريح الخولاني عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عبد اله بن عمرو رضي الله عنهما فذكر مثله سواء والأحاديث في هذا كثيرة.
القائلون بالجبر فساق
(وفاسق من قال إن الله جل=
قد جبر الإنسان فيما قد فعل)
(وإنه لم يجعل استطاعه=
له لكفر شاءه أو طاعة)
(لأنه لو كان هذا بطلا= (1/174)
صفحة 175
أمر ونهي مع وعد جعلا)
(وبطل الوعيد مع بعث الرسل=
وجاء تكليف الجماد كالنبل)
(وخلقه أفعالنا وعلمه =
بهن لا يوجب جبرا حكمه)
(كذاك كونها لها مرادا=
لأنه قد خير العبادا)
(قوله وفاسق من قال إن الله جل قد جبر الإنسان) الخ أي من قال إن الله – عظم شأنه – قد جبر المكلف على فعله الحسن والقبيح وإنه لم يجعل له اختيار في شيء من ذلك ولا كسبا له ولا استطاعة على إتيانه، فهو فاسق لأنه حمل أفعاله جميعا على الله تعالى ويبطل بمذهبه هذا إرسال الرسل وإنزال الكتب والوعد والوعيد والمواعظ والحكم والمدح والذم لأن من كان مجبورا على فعل من الأفعال مضطرا إليه لا يستطيع عنه محولا كان إرسال الرسل إليه ووعده إن امتثل ووعيده عن لم يمتثل مع أن لا يستطيع شيئا من ذلك عبث لا يليق بشأن الحكيم ولا يستحق المدح على امتثاله ولا الذم على عدمه.
(أجابوا): بأنه استحق المدح والذم لما خلق الله فيه ذلك الممدوح أو المذموم كما يقال في الألوان هذا حسن وهذا قبيح فيمدحان بفعل الغير إذ من المعلوم أنها لم تكتسب بنفسها الحسن والقبيح وإرسال الرسل وإنزال الكتب والوعد والوعيد، علامة لأهل السعادة وأهل الشقاوة.
( (1/175)
صفحة 176
قلنا) عن (الأول): إن المدح والذم في الألوان ليس كالمدح والذم في الأفعال الاختيارية، فإن الحسن من الألوان حسن في أي محل كان وكذلك القبيح منها والحسن من الأفعال تختلف باختلاف أمر الشرع ونهيه فيكون في حق هذا حسنا إذا أمر به وفي حق هذا قبيحا إذا نهى عنه فرأينا الحسن والقبيح تابعا لأمر الشارع ونهيه، لا لمحلهما كالألوان (وعن الثاني): إنا لا نسلم أن إرسال الرسل وإنزال الكتب للتعريف بأن هذا سعيد وهذا شقي، إذ لو كان كذلك لما كان للمواعظ والزجر والتهديد فائدة، وكذلك الترغيب والترهيب ولكان يكفي في التعريف بالسعيد والشقي أن يقال من فعل كذا فهو سعيد ومن فعل كذا فهو شقي، من غير تطويل بتكثير أوامر ونواهي وتفصيل عبادات ونحو ذلك، على أنا لا نقطع بأن من مات مصرا على معصية من معاصي الله تعالى إنه في النار قطعا لاحتمال أن يكون تاب توبة لا نعلمها وكذلك لا نقطع بمن مات على طاعة الله في حكم الظاهر أنه في الجنة قطعا لاحتمال أن يكون أصر على معصية غاب عنا علمها، وإنما نقول: إن كان فلان مات على ما ظهر منه فهو كذا فأين فائدة التعريف..؟ (وإنما) قلنا بفسق هؤلاء القائلين بالجبر على الأفعال الاختيارية ولم نقل بتشريكهم مثلا في هذه المسألة لتعلقهم فيها بظواهر آيات، كما في قوله تعالى ((وأنه هو أضحك وأبكى وإنه هو أمات وأحيا))([1]).
(قالوا) فقد أخبرنا في هذه الآية عن أفعالنا الاختيارية وهي الضحك والبكاء، والاضطرارية وهي الإماتة والإحياء، وأضاف الكل إلى نفسه ولم يفرق بين اختياري واضطراري.
(قلنا) الإضافة إليه بالنظر إلى أنه خالق ذلك لا لأنه المجبر عليه فأين دليل الجبر..؟ (ولا يقال) إن خلقه لها جبر عليها لما سيأتي أن خلق غير الجبر لا عينه، وبالجملة فجميع ما استدللنا به من الآيات الدالة على أن الله خالق أفعال العباد استدل به هؤلاء على ثبوت الجبر في الأفعال الاختيارية.
( (1/176)
صفحة 177
وجوابهم): إجمالا أن تلك الآيات لم تدل إلا على ثبوت خلق الفعل من الله تعالى لا على ثبوت الجبر، فلو دلت على ثبوت الجبر للزم تناقض القرآن لأنه صرح بأن الجزاء إنما هو بأعمالنا ((أصلوها اليوم بما كنتم تكفرون))([2]) ((ذلك بما قدمت أيديكم))([3]) إلى ما لا يحصى عددا فأين مقام الجبر..؟
(واعلم) إنه لا يمكن الجمع بين الآيات الدالة على ثبوت الفعل من الله وبين الآيات الدالة على ثبوته من العبد إلا بجعلنا للفعل جهتين إحداهما تضاف إليه تعالى وهي الخلق، والأخرى تضاف إلى العبد وهي الاكتساب، والجمع على هذا الطريق يستلزم صرف جملة من القرآن إلى خلاف الظاهر من غير دليل (قوله فيما عدا قد فعل) أي على فعله ففي بمعنى على وما مصدرية أو موصولة.
( (1/177)
صفحة 178
قوله وإنه لم يجعل استطاعة له الخ) هذا تمام قول الجبرية وذلك أنهم قالوا إن الله جبر الإنسان على فعله ولم يجعل له استطاعة توصله إلى كفره إن شاء كفرا أو طاعة، والاستطاعة عرض يخلقه الله في الحيوان يفعل به الأفعال الاختيارية، وهي عندنا وعند الأشعرية مقارنة للفعل، وعند المعتزلة موجودة قبل الفعل، والخلاف فيها مبني على الخلاف في خلق الأفعال ولا حجة عليهم في قوله تعالى ((إنك لن تستطيع معي صبرا))([4]) ولا في قوله تعالى ((انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا))([5]) إذ لا دليل فيهما على نفيها قبل الفعل فقط بل نفيها محتمل للإطلاق وإنما الحجة عليهم هي الحجة في أن الأفعال خلق لله تعالى، لأن استطاعة العبد أي قدرته لا تصلح لإيجاد شيء لم يوجد وإنما تصلح لاكتساب موجود فقط وهي حادثة، فلا يخلو إما أن تكون حادثة قبل الفعل أو بعد الفعل أو حال الفعل، والقول بأنها محدثة بعد الفعل مخالف للضرورة فينتقل الكلام إلى وجودها قبل الفعل فنقول: إن وجودها قبل الفعل لا يخلو إما أن يكون حال وجود العبد وهذا باطل، لأنا نشاهد بالضرورة أن المولود لا يستطيع على شيء وإما أن يكون حدوثها حال صلاحيته للفعل قبل تمكنه منهن وانفعاله له هذا أيضا باطل، لأنا نشاهد من كان في قوة من يستطيع فعل شيء يحاول فعل ذلك الشيء ولا ينفعل له فلو كانت له قدرة على فعله لفعله ومتى ما بطا هذان الاحتمالان ثبت قولنا وهو مقارنتها للفعل.
(لا يقال) إن عدم انفعال الفعل للقادر على مثله إنما هو لوجود مانع من نفوذ قدرته إليه لا لعدم وجودها أصلا (لأنا نقول) إن ذلك المانع هو الذي دلنا على عدم وجودها إذ لو كانت ثمة قدرة ما منعها شيء وبالجملة فالمسألة ليست من باب الدين وإن تفرعت عن مسألة خلق الأفعال لاحتمال أن تفارقها فيصح لقائل أن يقول بها من غير أن يقول بخلق الأفعال.
( (1/178)
صفحة 179
قوله لكفر شاءه) أي العبد (قوله أو طاعة) المراد بها هنا ما يقابل الكفر فتشمل الواجب والمندوب والمباح والمكروه كراهة تنزيه (قوله لأنه) أي لأن الشأن المحذور من صحة هذا المذهب هو لم صح هذا المذهب يلزم عليه إبطال الأمر والنهي والوعد والوعيد وإرسال الرسل، لأنها تكون حينئذ عبثا لا فائدة فيها كما تقدم ولجاز تكليف الجمادات إذ لا فرق حينئذ بينها وبين العقلاء لأن الاختيار مرفوع عن الكل.
(قوله لو كان) أي لو صح (قوله هذا) أي مذهب الجبر (قوله بطل أمر ونهي) أي بطل الكلام الذي فيه الأمر والنهي إذ لا فائدة فيه (قولا مع معد جعلا) وبطل الوعيد أي لزم بطلان الكلام الذي فيه الوعد والوعيد والمراد بالبطلان ها هنا مخلفة الحكمة.
(قوله مع بعث الرسل) أي إذ لا فائدة في ذلك وكذلك إنزال الكتب (قوله وجاز تكليف الجماد كالنبل) أي لو ثبت مذهب الجبر لجوز العقل تكليف الجمادات لأنها كالنبل أي العقلاء لا اختيار لكل واحد منهما فمتى ما صح تكليف العقلاء مع عدم الاستطاعة لإتيان ما أمروا به جاز تكليف الجمادات عبث يتعالى الحكيم عنه.
(فإن قيل) إن العبثية إنما هي من خطاب ما لا يسمع ولا يعقل لا من تكليفه (قلنا): وجود السماع والعقل كعدمهما على مذهبكم لأن السمع والعقل إذا لم ينفعا فوجودهما كعدمهما، على أنه يحتمل أن يكون تكليف الجمادات من غير خطاب بوجه شاء الله تكليفها منه فما بالكم تمنعونه..؟
( (1/179)
صفحة 180
فإن قيل) لا نمنع جوازه وإنما نمنع وقوعه فلو وقع لصح في العقل أن يجعل الله للجماد حالة يكون فيها من المكلفين (قلنا) هذا من باب قلب الحقائق والله على كل شيء قدير، وكلامنا في الجماد الذي نشاهده نحن على حالته التي نشاهده عليها فإن جوزوا تكليف هذا المذكور خرجوا عن حيز العقلاء فلا يخاطبون (قوله وخلقه أفعالنا وعلمه بهن الخ) أي خلق الله تعالى لأفعالنا وعلمه بهن لا يستلزمان الجبر على إتيانهن لأن خلقه لهن وعلمه بهن لا ينافيان الاكتساب والاختيار الصادرين منا، فإنه وإن خلقها لنا فلا يكون مجبرا لنا على فعلها، لأنها كانت باختيارنا وكسبنا وكذلك علمه بهن فإنه علم بجميع ما كان وما يكون، وكما أن علمه تعالى بأفعالنا لا يستلزم الجبر بهن كذلك لا يستلزم خلقه لهن فلا حجة على المعتزلة على خلقهن بعلمه تعالى بهن خلافا لمن توهم ذلك.
(قوله لا يوجب جبرا حكمه) أي لا يستلزم ذلك أي ثبوت خلقه لأفعالنا وعلمه بهن لا يثبت جبرا على إتيانهن (قوله كذاك كونها له مرادا) أي وكذلك لا يوجب جبرا إرادة الله تعالى لأفعالنا لأنه قد خيرنا بين فعلها وتركها وهو مريد لأحد الطرفين، ونحن نقطع أنه لا يكون إلا ما يريد لكن لا على جهة الجبر وإنما قلنا إنه لا يكون إلا ما يريد لئلا يلزم أن يكون مغلوبا.
(قوله لأنه قد خير العبادا) أي خيرهم بين أن يفعلوا فيثيبهم أو يتركوا فيعاقبهم ونحو ذلك وذلك التخيير مناف للجبر فلو كنا مجبورين على ذلك ما كان في تخييره إيانا حكمة.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] ـ سورة النجم آية رقم 43
[2] ـ سورة يس آية رقم 64
[3] ـ سورة آل عمران آية رقم 182 وتكملة الآية (وإن الله ليس بظلام للعبيد)
[4] ـ سورة الكهف آية رقم 76، 72
[5] ـ سورة الإسراء آية رقم 48
إثبات خلق الأفعال لله تعالى
(لو لم يكن يعلمه لجهله=
لو لم يكن خالقه من جعله)
(لو لم يرد وقوعه ووقعا= (1/180)
صفحة 181
لكان مكرها على ما صنعا)
(لكن لدا التخيير واكتسابنا=
قد انتفى الإجبار عن رقابنا)
(قوله لو لم يكن يعلمه لجهله) أي لو لم يكن إلهنا يعلم المذكور من أفعالنا للزم أن يكون جاهلا به، ومن كان جاهلا فلا يكون إلها، وهذا وما بعده استدلال على ثبوت العلم لله بأفعالنا وعلى خلقه وإرادته لهن وبيان أن هذه الصفات لا تستلزم الجبر للعبد على الفعل.
(قوله لو لم يكن خالقه) أي المذكور من أفعالنا (قوله من جعله) أي من خلقه..؟ أي إذ لم يكن الله خالقا لفعلنا فمن ذا الذي خلقه يا قد ترى هل من خالق غير الله..؟ أيكون غيره مشاركا له في خلقه أم يخلق الغير شيئا غير ما خلق الله..؟ وقد عرفت من الأدلة المتقدمة أنه لا خالق غيره وهذا الإنكار في غاية الحسن والاختصار.
(قوله لو لم يرد وقوعه ووقعا) أي لو لم يرد ربنا عز وجل وقوع المذكور من أفعالنا ووقع ذلك الفعل الذي لم يرد وقوعه للزم أن يكون مكرها على وقوع ذلك الفعل مغلوبا حيث وقع خلاف ما يريد، قال بعض المعتزلة: لم يلزمني أحد مثل ما ألزمني مجوسي ركب معنا في سفينة فقلت له: لم لم تسلم..؟ فقال: لم يرد الله إسلامي فقلت بل أراد الله إسلامك ولكن شياطينك لا يدعونك فقال: إذا أكون مع الشريك الأغلب يعني إذا كان الشيطان لم يرد إسلامه والله عز وجل أراده فلم يسلم لزم نفاذ إرادة الشيطان، ومن نفذت إرادته فهو الغالب على من لم تنفذ إرادته، ويلزم أن يكون الشيطان شريكا لله تعالى حيث كان له نفوذ إرادة في كثير من الأشياء بل في غالبها، فإنه يريد الكفر وهو أكثر وقوعا من الإيمان، ومن هذا الباب قصة أبي عبيدة مع واصل وقد تقدم ذكرها.
( (1/181)
صفحة 182
واعلم) أن المعتزلة قصروا الإرادة على الأمر، وقالوا: لا يصح أن ينهي عن شيء وهو يريد وقوعه أو يأمر بشيء وهو لا يريد وقوعه، إذ ليس من الحكمة ذلك فلو فعله عاقل عد عابثا ونحن نقول: إن الإرادة لا تلازم الأمر بل يجوز أن يأمر بشيء وهو لا يريد وقوعه، وينهى عن شيء وهو يريد وقوعه، وليس ذلك عبثا بل فيه حكمة هي ابتلاء العب واختبارهم ((ليبلوكم أيكم أحسن عملا))([1]) وابتلاؤهم واختبارهم لا لجهل بما يصنعون بل لإظهاره للخلق ما علم أنه صادر منهم وإلزام الحجة لهم لئلا يكون للناس على الله حجة فلو شاء أن يعذبهم بغير ذلك لكان منه عدلا، لأنه هو المالك لهم من غير معارض، والمالك الذي لا معارض له متصرف في مملوكه كيف شاء والظلم يصدر من المالك المعارض في ملكه، (أما قولهم) ليس من الحكمة أن يأمر بشيء وهو يريد خلافه، (فجوابه) أن ذلك من الحكمة إذا كان لمعنى آخر ألا ترى أن السيد إذا كان له عبد يعصيه في أمره وهو يعلم ذلك منه ويريد أن يظهر عصيانه مع غيره فإذا حضر مع جماعة قال له: افعل كذا وكذا وهو لا يريد فعل ذلك الشيء وإنما أراد إطلاع الحاضرين على عصيانه هل يعد هذا السيد عابثا في أمره..؟
( (1/182)
صفحة 183
قوله لكان مكرها) أي مقهورا مغلوبا من أكرهته على الشيء إذا حملته عليه قهرا (قوله على ما صنعا) بضم المهملة مبنيا للمجهول أي لو لم يرد وقوع ذلك الشيء وصنعه صانع لوم أن يكون الله مقهورا على صنع ذلك الصانع حين كان وهو لم يرده (لا يقال) إن القهر لا يكون إلا إذا كان من لم يرد الفعل هو المحمول على فعله، أما إذا كان فاعله غيره فلا يكون مقهورا عليه (لأنا نقول) إن هذا الاعتراض لو سلم فإنما يتصور في حق من لم يملك كل الأشياء، أما في حق المالك للأشياء كلها فعدم نفوذ إرادته في جميع ممالكه قهرا له وغلبة عليه، مع أنا لا نسلم أنه إذا فعل الفعل أحد غير الذي لم يرده ليس بقهر في بعض المواضع بل هو قهر مطلقا، فإنه لا يتصور من أحد أن يتأخر عن نفوذ ما يريد إلا لمعنى يحاذره أو غرض يرجوه ومن كان كذلك فهو مقهور على خلاف ما يريد عاجز عن نفوذ إرادته.
(قوله لكن لذا التخيير واكتسابنا) الخ هذا استدراك على ما أمر لأنه قد يتوهم منه أنة كان الله مريدا لكفر الكافر وإرادته نافذة وهو خالق لفعله أن يكون العبد مجبورا على فعله, فدفع ذلك التوهم بهذا الاستدراك 0
(وحاصله) أنه تعالى خيرنا في فعل الخير والشر وبين لنا عاقبة الأمرين ((فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا للظالمين))([2]) الآية وجعل لنا قدرة على اكتساب أيهما شئنا لا على خلقه, فإنه هو الذي يخلقها فينا حال اكتسابنا له, وبهذا التخير وهذا الاكتساب ارتفع الاتصاف بالجبر فلا نقول إنه مجبر لنا على فعلنا وفوق ما ذكرنا إنا قد أمرنا بالكف عنه وترك الخوض فيه ((لا يسأل عما يفعل وهم يسألون))([3]) على أنا نعلم أنه هو الخالق لفعلنا والخالق لقدرتنا التي نكتسب بها والخالق لاختيارنا الذي اخترنا به سلوك إحدى الطريقين، ومع هذا كله فلا نقول إنه جبرنا على فعلنا, وإنما نقول إنه نشأ باختيار منا واكتساب لنا فإن رحمنا فبفضله وإن عذبنا فبدله.
( (1/183)
صفحة 184
قوله قد انتفى الإجبار عن رقابنا) أي لذلك التخيير والاكتساب قد ارتفع الجبر عنا، فالإجبار بكسر الهمزة مصدر أجبره بمعنى جبره وعبر بالرقاب وهي الأعناق عن النفس كلها مع محلها الذي هو الجسد تعبيرا بالبعض عن الكل، وفيه نوع لطافة وتنبيه على أن صورة الجبر عند الناس هو جعل حبل أو نحوه في رقبة المجبور فيجر قهرا إلى خلاف ما يريد وفي التعبير بالانتفاء حسن اختتام للباب والله الهادي إلى طريق الصواب.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] ـ سورة هود آية رقم 7وسورة الملك آية رقم 2.
[2] ـ سورة الكهف آية رقم 29
[3] ـ سورة الأنبياء آية رقم 23
الباب السادس (في الإيمان والإسلام وبه يتم الكلام....
الباب السادس (في الإيمان والإسلام وبه يتم الكلام على الركن الثاني إن شاء الله)
(إيماننا التصديق والإسلام=
إذعاننا لما دعا الأحكام)
(ولهما في الشرع معنى ملتزم=
تصديق قول عملا إذا لزم)
(ومن يكن مضيعا لواحد=
منها استحق هلكة المعاند)
(قوله إيماننا التصديق) الخ أعلم أن للإيمان والإسلام استعمالين أحدهما لغوي والآخر شفوي، وكل منهما حقيقية في موضعه، أما الإيمان والإسلام الشرعيان فسيأتي بيانهما وأما الإيمان اللغوي: فهو التصديق بالقلب قال تعالى ((قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا))([1]) أي لم تصدقوا، وأضاف الناظم الإيمان إلى ضمير المتكلم لأنه من العرب أي إيماننا معشر العرب، مع قطع النظر عن استعمال الشرع هو التصديق بالقلب.
( (1/184)
صفحة 185
وأما) الإسلام اللغوي فهو الانقياد والإذعان وترك العناد. ولذا قال: ((ولكن قولوا أسلمنا))([2]) (قوله والإسلام إذعاننا) أي وإسلامنا اللغوي هو إذعاننا أي انقيادنا وترك تمردنا على من طلب منا الانقياد والإذعان (قوله لما دعاء الأحكام) أي لما دعتنا أحكام من طلب منا ذلك والأحكام: جمع حكم وهو هنا ثبوت نسبة أو نفيها كانت على حق أو باطل، لان العرب كانت تسمي الانقياد مطلقا إسلاما (قوله ولهما في الشرع معنى ملتزم الخ) أعلم إن للإيمان والإسلام في الشرع استعمالا غير الاستعمال اللغوي وذلك أن الشرع نقلهما عن معناهما اللغوي فأستعملهما مترادفين في مطلق الواجب كان ذلك الواجب تصديقا باللسان فقط، أو تصديقا بالجنان مع قول باللسان، أو كان معهما عمل لازم إتيانه فمن أدى جميع ما وجب عليه كان مؤمنا مسلما عندنا، ومن أخل بشيء من الواجبات لا يسمى مؤمنا عندنا، بل يخص باسم المنافق والفاسق والعاصي والكافر ونحو ذلك على ما سيأتي في آخر الركن الثالث ونعني بمنع تسميته مسلما مؤمنا أو مسلما فقط التسمية التي ينبني عليها حكم المؤمنين من الولاية وأتباعها، أما إطلاق التسمية من غير ترتب حكمها عليها فجائز، لأنا نقول في حق المخل بالفرائض العمليات هذا مسلم ولا نريد به أنه ولي لكن أطلقنا عليه اسم مسلم.
إما باعتبار المعنى اللغوي وهو الانقياد، فإنه وإن كان غير منقاد في الكل فهو منقاد في البعض وإما أن يكون استعمالا عرفيا عاما حيث أطلقناه في مقابلة المشرك.
( (1/185)
صفحة 186
واعلم) أن المعتزلة وافقونا على ترادف الإيمان والإسلام الشرعيين وأن الشرع نقلهما إلى الإتيان بالواجبات، ولنا على صحة قولنا قوله تعالى ((وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة))([3]) فسمى إتيان المأمور به دينا والدين هو الإسلام لقوله تعالى ((إن الدين عند الله الإسلام))([4]) وما ليس بإسلام فليس بدين فعلم أن الإيمان إسلام وقوله تعالى ((فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين))([5]) واعترض على الاستدلال الأول بأن الإشارة في الآية عائدة إلى الإخلاص أي وذلك الإخلاص هو الدين القيمة وعلى الاستدلال الثاني بأن الآية دالة على إنه لا دين سوى الإسلام فتبطل سائر الأديان والإيمان بعض الإسلام وليس هو بدين آخر وعلى الثالث بأن الآية دالة على صدق إطلاق المؤمن على المسلم، والمسلم على المؤمن على ترادف المسلم والمؤمن، فضلا من أن تدل على ترادف الإيمان والإسلام.
( (1/186)
صفحة 187
أقول): وهذه الاعتراضات قوية فالأولى الاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم ((لا يزني الزاني هو مؤمن))([6]) ((لا إيمان لما لا أمانة له)) ونحوهما من الأحاديث فإنها لا اعتراض عليها وما قيل إنها مبالغة على معنى أن هذه الأفعال ليست من شأن المؤمن فدعوى لم يقم عليها دليل مع ما فيهم من ارتكاب صرف الأحاديث عن ظاهرها والعدول بها عن مقتضاها، حملهم على ذلك الفرار عن نقل الإيمان من معناه اللغوي إلى معنى آخر، وقد وقعوا فيما فروا عنه من النقل فإنهم جعلوا الإيمان في الشرع التصديق بأمور تعرف من الدين بالضرورة إجمالا في موضع الإجمال، وتفصيلا في موضع التفصيل، ولا يخفى أن إطلاق الإيمان على هذا التصديق المخصوص غير إطلاقه على أصله اللغوي، فإنه في اللغة مطلق التصديق (واستدلوا) على ثبوت قولهم هذا بأشياء منها الآيات الدالة على محلية القلب للإيمان، نحو ((أولئك كتب في قلوبهم الإيمان))([7]) ((ولما يدخل الإيمان في قلوبكم))([8]) ((وقلبه مطمئن بالإيمان))([9]) والآيات الدالة على الختم والطبع على القلوب وقالوا: ويؤيده دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ((اللهم ثبت قلبي على دينك))([10]) وقوله لأسامة وقد قتل من قال لا إله إلا الله ((هلا شققت قلبه))([11]) (ومنها) أنه جاء الإيمان مقرونا بالعمل الصالح في عير موضع من الكتاب نحو ((الذين آمنوا وعملوا الصالحات))([12]) فدل على التغاير.
(ومنها) أنه قرن بضد العمل الصالح نحو ((وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا))([13]) ونحو مفهوم قوله
((الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم))([14]).
(والجواب) عن جميعها أن الإيمان في هذه المواضع كلها بمعنى التصديق وهو المعنى اللغوي لا بمعنى الإيمان الشرعي والشارع تارة يعبر بهذا وتارة بهذا فقد قال في الصلاة الشرعية ((وأقيموا الصلاة))([15]) ونحوها في الصلاة اللغوية ((صلوا عليه وسلوا تسليما))([16]) ونحوها.
( (1/187)
صفحة 188
وذهبت) الكرامية إلى أن الإيمان هو التلفظ بالشهادتين وإن لم يكن معه تصديق ولا عمل واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين كانوا يكتفون ممن جاء مسلما بالتلفظ بالشهادتين من غير أن ينتظروا بهم الأعمال ومن المعلوم أنهم لم يطلعوا على ما في قلوبهم من التصديق. ورد بأنهم يكتفون بذلك في الأحكام الظاهرية لأنهم قد تعبدوا بذلك، والكلام فيما بين العبد وبين ربه، والإجماع على أن من أسر الشرك مشرك عند الله وإن أظهر الإسلام وأما عدم انتظارهم للأعمال فلأنه لم يرد بها تعبد بعد ولكل نازلة حكم.
(وذهب) قوم إلى أن الإيمان هو المعرفة ولو لم يكن معها تصديق ولا عمل، وهذا باطل لاستلزامه أن يكون من عرف محمدا صلى الله عليه وسلم من اليهود ونحوهم مؤمنا فقد قال فيهم ((يعرفونه كما يعرفون أبنائهم))([17]).
(وذهب) آخرون وهم سلف الأشعرية وأهل الحديث إلى أن الإيمان تصديق بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان.
(أقول): وهذا هو عين مذهب الأصحاب لكنهم لم يعمموا هذا التعميم بل فصلوا وجعلوا من الإيمان التصديق بالجنان، والقول باللسان، إذا لزم القول، والعمل بالأركان إذا لزم العمل، وربما وقع في آثارهم مجملا هكذا ففصلهم أهل التحقيق منهم كالإمام أبي سعيد رضوان الله تعالى عليه في معتبره وقطب الأئمة في هيميانه.
(وذهب) آخرون إلى أن جميع الطاعات إيمان أعني فرضها ونفيها مستدلين بقوله صلى الله عليه وسلم ((الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق))([18]) ورد بأن في الحديث إطلاق الإيمان على مطلق الطاعة تجوزا لا حقيقة لثبوته حقيقة في فعل الواجبات.
(قوله تصديق قوم) مفعول لقوله والتزم يعني أن معنى الإيمان والإسلام في الشرع ملتزم لتصديق القول وملتزم للعمل.
( (1/188)
صفحة 189
واعلم) أن المراد بالقول هو التلفظ بشهادتين وتصديقه شامل لتصديقه الباطني، وهو التصديق بالجنان ولتصديقه الظاهري وهو فعل العمليات الواجبة لكن ذكر العمل دفعا لتوهم مذهب الأشعرية القائلين إن الأعمال ليست من الإيمان.
(واعلم) أن فائدة التعبد بالقول إنما هي إظهار ما في الجنان من التصديق وفائدة التعبد بالقول تصديق القول الذي قال به (لا يقال) إن ظاهر كلام المصنف قصر الإيمان على التصديق والعمل دون القول باللسان (لأنا نقول) إن القول مستلزم له قوله تصديق قول إذ لا تصديق لمعدوم مع إنه لو اقتصر على التصديق والعمل ولم يذكر القول تصريحا ولا التزاما لقلنا إن القول داخل تحت العمل لأن العمل حركة البدن واللسان جزؤه.
(قوله عملا إذا لزم) أي إذا وجب معطوف على قوله تصديق قول بحذف العاطف وإنما قيد بقوله إذا لم ليعلم أن العمل لا يكون من الإيمان إلا إذا كان لازما فيخرج القول بأن جميع الطاعات إيمان، وفيه تنبيه على إنه يأتي على المكلف حال وليس عليه من الأعمال البدنية مفترض كما إذا لم تبلغه الحجة بشيء من السمعيات أو كان لم يأت عليه وقت يجب فيه عليه عمل (قوله ومن يكن مضيعا لواحد منها) أي التصديق والقول والعمل أي من ضيع واحدا من هذه الثلاثة بعد لزومه فهو هالك استوجب بتضييعه ما افترض الله عليه هلاك المعاند لأنه حينئذ يكون كافرا إما كفر شرك أو كفلا نعمة كما سيأتي فهو إما شاكرا وإما كفورا، ولا منزلة بين الإيمان والكفر معنا.
( (1/189)
صفحة 190
وذهبت) المعتزلة إلى جعل منزلة الفسق بين منزلتي الإيمان والكفر قالوا: لا يسمى الفاسق مؤمنا ولا كافرا فهو بين بين، لأن له في الدنيا أحكام المؤمنين وفي الآخرة أحكام الكافرين، والخلاف بيننا لفظي لأنهم خصوا اسم الكفر بالمشرك ومنعوا إطلاقه على الفاسق، ونحن نطلقه عليه لكنا نقيده بكفر النعمة، لا نجري عليه أحكام المشركين بل نقول فيه إن أحكامه في الدنيا أحكام المؤمنين إلا في الولاية وقبول الشهادة ونحوهما من الأحكام المختصة بالعدول، وليست التسمية بنفسها موجبة خلافا معنويا بين الفرق، وإنما الموجب لذلك الخلاف بناء الأحكام على الأسماء كما ذهبت الأزارقة([19]) والصفرية([20]) والنجدية([21]) إلى تسمية صاحب الكبيرة كافرا وأجروا حكم المشركين عليه وزادت الأزارقة على الطائفتين بتسمية صاحب الصغيرة كافرا وإجراء حكم المشركين عليه.
(قوله استحق) أي استوجب يذلك التضييع وفيه إشارة إلى أن العبد إنما يعذب باستحقاقه العذاب (لا ظلم اليوم) (قوله هلكت) وزن قصبة بمعنى الهلاك كذا في المصباح (قوله المعاند) أي التارك للانقياد وهو اسم شامل لأهل الكبائر لا خاص بالمشركين الجاحدين كما قد يتوهم وإنما قلنا بعمومه لأن صاحب الكبيرة معاند معنى وإن لم يعاند لفظا.
(في وجهه الشرعي ليس ينقص=
لكن يزيد هكذا قد خصصوا)
(لأنه إن هدم البعض إنهدم =
جميعه وذا هو القول الأتم)
( (1/190)
صفحة 191
قوله في وجهه الشرعي ليس بنقص) ([22]) الخ أي الإيمان بالمعنى الشرعي الذي هو أداء الواجبات مطلقا ليس ينقص نظرا إلى إيمان كل مؤمن, فإنه في ذاته غير متفاوت وإن تفاوت بالنسبة إلى إيمان غيره (بيانه) أن إيمان زيد مثلا التصديق والقول لوجوبهما عليه بقيام الحجة عليه فيهما ولم تقم عليه حجة العمل فإنه يجب عليه أن يأتي بما قامت عليه به الحجة, ولا يجوز له أن يترك القول مثلا اعتمادا على التصديق ولا ينقص عنه بمعنى انه لا ينحط عنه فرض القول فإن قامت عليه حجة شيء من العمليات وجب عليه الإتيان وزاد عليه إيمانه حيث زاد عليه واجب عملي فإن زاد عمله آخر زاد الإيمان أيضا وهكذا ولا ينقص الإيمان بالنسبة على الشخص الواحد, فإنه وإن إنحط عنه فرضه يصير معه في حكم النفل, وهكذا ونقصان الإيمان الذي نفاه أصحابنا هو الإخلال بشيء من الواجبات لا رفع بعض المفترضات ولا يعتبرون نفس الإيمان من حيث هو هو أي مع قطع النظر عن محله الذي هو المكلف وعن عوارضه التي هي زيادة الفرائض ورفعها فإنه لا شك أن الإيمان بهذا الاعتبار متفاوت فإن إيمان زيد مثلا ناقص بالنسبة إلى إيمان عمرو إذا كان زيد كلف بفرائض دون فرائض عمرو, وهكذا إيمان عمرو زائد بالنسبة إلى إيمان زيد.
(واختلفت) الأشعرية في زيادة الإيمان ونقصانه مع اتفاقهم على أن الإيمان هو التصديق بأمور تعلم من الدين بالضرورة كما قدمنا.
( (1/191)
صفحة 192
فذهب) الفخر الرازي([23]) وكثير من المتكلمين إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص لأن نقصانه هو أن تحتمل النقيض ولا شك أن احتمال النقيض في الإيمان شك ومن كان شاكا في تصديقه فليس بمؤمن وورد بأن نقصان الإيمان ليس هو باحتمال نقيضه الشك فيه, وإنما هو باعتبار ضعفه وقوته والالزم أن يكون إيمان النبي عليه الصلاة والسلام كإيمان واحد من العوام, وهذا باطل وللزم أيضا أن يكون ثواب المؤمن بالأمور الدينية إجمالا كثواب المؤمن بها تفصيلا بعد قيام الحجة بذلك وهذا باطل أيضا.
(قوله لكن يزيد) أي الأيمان الشرعي لا ينقص لكن يزيد لأنه عندنا هو نفس فعل الواجبات، فهي تزيد على المكلف ولا تنقص بمعنى أنها إذا وجبت لا يصح تنقيص شيء منها لا بمعنى أنه إذا وجبت على العبد لا يرفع فإن سمى رفع بعض الواجبات عن بعض المكلفين نقصانا في الإيمان فلا ضير فإنه خلاف لفضي وقد صرح حديث ذم النساء بذلك في قوله عليه الصلاة والسلام ((ناقصات عقل ودين)) ([24]) وبين نقصان الدين بترك الصلاة شطر دهرها بسبب الحيض (قوله هكذا قد خصصوا) أي أصحابنا رحمهم الله تعالى (قوله لأنه إن هدم البعض إنهدم جميعه) ها تعليل لتخصيص أصحابنا بأن الإيمان يزيد ولا ينقص، وصورة التعليل أن هدم بعض الإيمان الذي هو مطلق الواجبات هدم لجميعه لأنه يخرج من الإيمان إلى الكفر إما شركا وإما نفاقا فهما منزلتان وهذا معنى هدم جميعه لأنه يخرج من الإيمان إلى الشرك، كما ذهبت إليه الأزارقة (قوله وذا هو القول الأتم) الإشارة إلى تخصيص الأصحاب بزيادة الإيمان دون نقصانه قائلا إن هذا هو القول الأتم أو إلى التعليل أي هذا التعليل هو القول التام لكن الأول أظهر وفي ذكر معنى التمام هنا حسن اختتام للباب والركن معا والحمد لله رب العالمين.
------------------------------------------------------------------------
[1] ـ سورة الحجرات آية رقم 14.
[ (1/192)
صفحة 193
2] ـ سورة الحجرات آية رقم 14 وصدر الآية (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم...... ).
[3] ـ سورة البينة آية رقم 5.
[4] ـ سورة آل عمران آية رقم 19وتكملة الآية (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب).
[5] ـ سورة الداريات آية رقم 36.
[6] ـ الحديث رواه ابن ماجة 3 باب النهي عن النهبة 3936 أنبأنا الليث بن سعد عن عقيل عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وذكره، وفيه زيادة (ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ير فع الناس إليه أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)
[7] ـ سورة المجادلة آية رقم 22
[8] ـ سورة الحجرات آية رقم 14
[9] ـ سورة النحل آية رقم 106
[10] ـ الحديث رواه ابن ماجة في المقدمة 13 باب فيما أنكرت الجهمية 199 بسنده عن النواس ابن سمعان الكلابي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من قلب إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه). وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك). في الزوائد: إسناده صحيح. رواه الترمذي في القدر 7 والإمام أحمد بن حنبل في المسند 2: 7، 8 (حلبي).
[11] ـ هذا جزء من حديث طويل رواه ابن ماجة في كتاب الفتن 1 باب الكف عمن قال: لا إله إلا الله 3930 عن الصميت بن السمير عن عمران بن الحصين وذكره. في الزوائد: هذا إسناد صحيح والصميت وثقة العجلي، وروى له مسلم في صحيحه وعاصم هو الأحوال. ويروي له مسلم أيضا في صحيحه، وذكره ابن حبان في الثقات، وسويد بن سعيد مختلف فيه. ورواه الإمام مسلم في إيمان 158 وأبو داود في الجهاد 95 وأحمد بن حنبل في المسند 4: 439، 207 (حلبي).
[ (1/193)
صفحة 194
12] ـ سورة البقرة آية رقم 25
[13] ـ سورة الحجرات آية رقم 9
[14] ـ سورة الأنعام آية رقم 82
[15] ـ سورة البقرة آية رقم 43، 110
[16] ـ سورة الأحزاب آية رقم 56
[17] ـ سورة البقرة آية رقم 146
[18] ـ الحديث رواه ابن ماجة في المقدمة 9 باب في الإيمان 57 حدثنا علي بن محمد الطنافسي ثنا وكيع ثنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره. وفيه زيادة (والحياء شعبة من الإيمان). ورواه أبو داود في السنة 14 والنسائي في الإيمان 16.
[19] ـ الأزارقة: أتباع نافع بن الأزرق الحنفي المكنى بأبي راشد ولم تكن للخوارج قط فرقة أكثر عددا ولا أشد منهم شوكة. وزعم نافع وأتباعه أن دار مخالفيهم دار كفر ويجوز فيها قتل الأطفال والنساء وأنكرت الأزارقة الرجم واستحلوا كفر الأمانة التي أمر الله تعالى بأدائها وقالوا: إن مخالفينا مشركون فلا يلزمنا أداء أمانتنا إليهم ولم يقيموا الحد على قاذف الرجل المحصن، وأقاموه على قاذف المحصنات من النساء وقطعوا يد السارق في القليل والكثير. ولم يعتبروا في السرقة نصابا.
[20] ـ الصفرية: هم أتباع زياد بن الأصفر وقولهم في الجملة كقول الأزارقة في أن أصحاب الذنوب مشركون غير أن الصفرية لا يرون قتل أطفال مخالفيهم ونسائهم وافترقت الصفرية ثلاث فرق:
1 ـ فرقة تزعم أن صاحب كل ذنب مشرك كما قالت الأزارقة.
2 ـ والثانية تزعم أن اسم الكفر واقع على صاحب ذنب ليس فيه حد.
3 ـ الثالثة تزعم أن اسم الكفر يقع على صاحب الذنب إذا حده الوالي على ذنبه.
[ (1/194)
صفحة 195
21] ـ النجدات أتباع نجدة بن عامر الحنفي، وكان السبب في رياسته وزعامته أن نافع بن الأزرق لما أظهر البراءة من القعدة عنه بعد أن كانوا على رأيه وسماهم مشركين واستحل قتل أطفال مخالفيه ونسائهم وفارقه أبو فديك وعطية الحنفي وراشد الطويل ومقلاص وغيرهم وذهبوا إلى اليمامة فاستقبلهم نجدة بن عامر في جند من الخوارج يريدون اللحاق بعسكر نافع فأخبروهم بأحداث نافع وردوهم إلى اليمامة وبايعوا بها نجدة بن عامر واكفروا من قال بإكفار القعدة منهم عن الهجرة إليهم.
أنظر في شأن هذه الفرقة مقالات الإسلاميين 1: 162 وما بعدها والتبصير 30 والملل والنحل للشهرستاني 1: 122 وخطط المقريزي 2: 254.
[ (1/195)
صفحة 196
22] - ذهب أصحابنا رحمهم الله إلى أن الإيمان يزيد ولا ينقص وهذا المذهب إذا تؤمل له أصالته في العقيدة سواء حملنا الإيمان على حقيقته اللغوية أو حقيقته الشرعية فإن حمل على حقيقته اللغوية وهو التصديق الذي هو قاعدة الإيمان تجلت صحة هذا المذهب من حيث أن أول واجب يخاطب به الإنسان الإتيان بالجملة التي كان يدعوا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تتألف من ثلاث كليات تنطوي تحتها جزئيات الإيمان الإعتقادي ولا يلزمهم أن يعتقد شيئا من تفاصيلها التي لم تقم بها الحجة عليه فإذا قامت عليه بشيء من هذه الجزئيات وجب اعتقاده وتصبح بلك دائرة الإيمان أوسع من ذي قبل فإن معرفة الشيء إجمالا تختلف عن معرفته تفصيلا ولا يمكن أن يرجع الإنسان من العلم إلى الجهل وعليه فإن إنكار شيء ما قامت به الحجة في تفسيرها إما أن يؤدي إلى الشرك وإما إلى كفر النعمة وكل منهما مناف للإيمان وإن حمل على معناه الشرعي الذي يشمل الاعتقاد والقول والعمل تجلت صحة هذا المذهب من حيث أن أول ما يتعبد به الإنسان الاعتقاد وإذا أعتقد ما لزمه اعتقاده ولم يحظره فرض قولي أو عملي كان مؤمنا كامل الإيمان وإذا وجب عليه شيء من الأقوال أو الأفعال وأده كما وجب عليه ازداد لإيمانه وإذا أخل به بهذا الواجب إنهدم إيمانه كله والله أعلم. سماحة المفتي.
[23]- سبقت الترجمة له في الجزء الأول في كلمة وافيه.
[24] ـ الحديث رواه ابن ماجة في كتاب الفتن 19 باب فتنة النساء 4003 عن ابن الهاد عن عبدالله ابن دينار عن عبدالله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: يا معشر النساء تصدقن وأكثرن من الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار. (1/196)
صفحة 197
فقالت امرأة منهن جزلة: (يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال تكثرن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن قالت: يا رسول الله وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا من نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان فهذا من نقصان الدين). ورواه الإمام مسلم في الإيمان 132 وأبو داود في السنة 15 وأحمد بن حنبل في المسند 2: 67 (حلبي).
الركن الثالث(في الولاية والبراءة وما يشتملان عليه وما يتولدان منه (1/197)
صفحة 198
أي يتسببان منه كالوفاء بالطاعة سبب للولاية، وارتكاب الكبيرة سبب للبراءة، والمراد بقوله وما يشتملان عليه كأقسامهما وأحكامهما وأحكام الولي والعدو، والوقوف عمن لم يعلم منه خير ولا شر فإنهما مشتملتان عليه، وبيان اشتمالهما على الوقوف أن الولي من علم منه الوفاء، والعدو من علم منه الإخلال بشيء من الواجبات الدينية، فالأول محل للولاية والثاني محل للبراءة، فبقي الكلام هل هما نقيضان لا يرتفع أحدهما إلا بوجود الآخر أو ضدان يرتفعان ولا يجتمعان؟ فذكر الوقوف في ركنهما إشعار بأنهما ضدان يرتفعان عن شخص لا تعلم حاله فيجب فيه الوقوف، ولا يجتمعان في شخص واحد في حال واحد، وإنما قلنا في حال واحد لأن الشخص قد يكون وليا في حال عدوا في حال آخر، فعلم من هنا أم محل الولاية والبراءة أحوال المكلف، فهي موضوع هذا العلم أي فأحوال المكلف هي موضوع علم الولاية والبراءة وحده هو العلم بأحوال المكلف التي يعلق بها الخطاب الشارع، فخرج بأحوال المكلف أحوال غيره كالبهائم ونحوها، ولا يخرج بالقيد بالمكلف الملائكة فإنهم مأمورون منهيون فهم مكلفون بمعنى أنهم ملزمون للأوامر والنواهي، وهو معنى التكليف فإنه وإن فسر بإلزام الله العبد ما على النفس فيه مشقة فلا يستلزم وجود تلك المشقة في كل مكلف بل يكفي اعتبارها في جملة المكلفين ولا الصبيان فإن ولايتهم تبعية أي بالتبع لآبائهم فأحوال آبائهم هي المعتبرة، ولا شك أن آباءهم مكلفون هذا على القول المشهور، أما على القول بأن جميع الأطفال في الولاية فإنما هو بالنظر إلى حالهم حيث أنهم لم ينقضوا الميثاق الذي أخذه الله عليهم، ولا المجانين فإن العلم بحالهم قبل الجنون وهو المعتبر هنا، فهم أولياء وأعداء باعتبار حالهم الأول وخرج بالأحوال التي تعلق بها خطاب الشارع الأحوال التي لم يتعلق بها ذلك، كالأعراض والألوان من أحوال المكلفين أيضا لكن لم يتعلق بها خطاب الشارع فانطبق الحد على المحدود.
( (1/198)
صفحة 199
وثمرته) التوصل إلى رضوان الله في موالاة أوليائه ومعاداة أعدائه وهو الفوز الأكبر والمقام الأفخر.
(ومن) ثمرته ائتلاف المؤمنين واجتماع شملهم، فينتظم أمرهم ومجانبة الفساق واعتزالهم والسلامة من مخالطتهم.
(واعلم) إن علماءنا رحمهم الله تعالى قد جعلوا علم الولاية والبراءة علما قائما بنفسه وأفردوا فيه مصنفات عديدة ما بين مطول ومختصر وآخذ بأقصى غايته ومقتصر وقد وضعنا له من هذه المنظومة هذا الركن لعلمنا أنه نوع من علن الاعتقاد، وما في هذا الركن إن شاء الله تعالى واف بالمراد وفيه أيضا ستة أبواب.
الباب الأول(في وجوب الولاية والبراءة وأقسامها)
(ولاية المؤمن فرض حققا =
وهكذا براءة الذي فسقا)
أي في بيان ذلك (قوله ولاية المؤمن فرض حققا) هذا شروع في بيان أحكام الولاية والبراءة ولم يتكلم المصنف على تعريفهما، فأما الولاية فهي لغة: القرب والقيام للغير بالأمر والنصر والاهتمام بالمصالح والحفظ والاتصال، يقال فلان موال لفلان إذا كان مقربا له وقائما بأمره ونصره ومهتما بمصالحه، وحافظا لغيبته ومتصلا به في مواضع الاتصال.
قال القطب رمه الله: وعلى هذا تبنى الولاية الشرعية أي وعلى ما ذكر من بيان تعريف الولاية اللغوية ينبني تعريف الولاية الشرعية فجميع ما ذكر هنالك من فصول التعريف هو موجود هنا، لكن الولاية الشرعية شاملة لولاية العباد بعضهم لبعض، ولولاية الله فلا يصح أن تعرف الولاية الشرعية بذلك التعريف لأنه غير جامع لها.
( (1/199)
صفحة 200
بيان): أن من بعض قيوده الاهتمام بمصالح الغير والاتصال به والله عز وجل يتعالى عن ذلك التعريف المذكور خاص بولاية العباد بعضهم لبعض أما ولاية الله لعباده فهي توفيقه إياهم لطاعته وإعانتهم عليها ونصرته لهم على أعدائهم الذين من جملتهم أنفسهم وشياطينهم. وأصل الولاية الموافقة في الدين فكل من وافقك في الدين فهو وليك، سواء علمت بموافقته أو جهلتها أو برئت منه بالظاهر لحدث عرفته منه، وهو قد تاب ورجع عنه فالملائكة عليهم السلام أولياؤنا، لأنهم موافقونا في أصل الامتثال وكذلك أهل الطاعة من الأمم السالفة فإنه وإن اختلفت الأوامر بالنظر إلى اختلاف الشرائع فالدين عند الله الإسلام أي الانقياد لأحكامه مطلقا، لكن فرق بين ولايتنا وولاية الملائكة فإن الملائكة لا يصح أن يستغفر لهم، لأنه لا ذنب لهم ول لا يعصون الله ما أمرهم ويجب الاستغفار من بعضنا معشر المؤمنين لبعض وجائز في حق الأنبياء لقوله تعالى ((ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر))([1]) فطالب الغفران للأنبياء إنما يطلب غفران ذلك الذنب الذي ذكره الله، والأولى رفع منصبهم العالي عن درجة الاستغفار إلى درجة التحية، وسلام على المرسلين وإلى درجة الصلاة مع التحية المخصوصة برتبتهم ((يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما))([2]).
(وأما حكم): الولاية فهو الوجوب لمن اتصف بصفة الإيمان، ولذا قال المصنف فرض حققا أي ولاية من اتصف بالإيمان فرض واجب ثبت وجوبه بأدلة قاطعة.
(منها) قوله تعالى((فاعلم أنه لا اله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات))([3]) (1/200)
صفحة 201
فقرن الأمر بالاستغفار للمؤمنين والمؤمنات بالأمر بمعرفة الوحدانية، والاستغفار ثمرة الولاية، وفي اقتران الأمرين تنبيهان أحدهما بيان وجوب الأمرين إذ لا معنى لوجوب الأمر الأول وندبية الأمر الثاني مع عدم قرينة تدل على صرفه عن حقيقته، وثانيها بيان وجوب الولاية على جميع المكلفين، كما أن معرفة الوحدانية واجبة عليهم جميعا وكفى بها دليلا لمن ألقى السمع وهو شهيد.
(ومنها) قوله تعالى ((فبايعهن واستغفر لهن الله))([4]) في الأمر بالاستغفار لهن أمر بولايتهن وإذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأمر شمل الأمة شرعا إلا بدليل يخصه ولا دليل هنا على التخصيص.
(ومنها) قوله تعالى ((إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أوليا بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير. والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير))([5]).
والاستدلال بهذه الآية على وجوب الولاية من وجهين أحدهما قوله تعالى ((وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر)) فقد ألزمهم النصر في الدين والنصر في الدين هو عين الولاية الشرعية.
وثانيهما قوله تعالى ((إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)) أي إن لم تفعلوا ما فرض عليكم من موالاة المؤمنين ومناصرتهم ومعاداة الكافرين ومباعدتهم تكن فتنة في الأرض باستيلاء الكفار على المسلمين، وفساد كبير بظهور الشرك على الإسلام وقد كلفوا درء المفاسد ما استطاعوا وألزموا قمع الشرك ما قدروا، ومجاهدة الكفار ما أمكنهم وبإيجاب ما ذكرنا ثبت وجوب المولاة والمناصرة للمؤمنين والمعاداة والمباعدة للكافرين، ففي الآية مع الاستدلال على وجوب الولاية الاستدلال على وجوب البراءة أيضا.
( (1/201)
صفحة 202
قوله وهكذا براءة الذي فسقا) أي ومثل الولاية في ثبوت الفرضية البراءة من الفاسقين مطلقا أي كانوا مشركين أو أهل كفر نعمة فالبراءة منهم واجبة بنص الكتاب العزيز وإجماع المحمدية، والبراءة: هي لغة البعد عن الشيء والتخلص، يقال فلان بريء من كذا إذا بعد عنه أو تخلص منه قال القطب رحمه الله: وعلى ذلك تنبني البراءة الشرعية، ثم عرف الشرعية بما نصه وشرعا البغض والشتم واللعن للكافر لكفره قوله للكافر لكفره أي لأجل كفره أي يكون البغض والشتم واللعن للكافر إثم هو بسبب كفره لا بسبب شيء آخر غير الكفر فإن ذلك لا يسمى براءة في الشرع ويدل على وجوبها آيات.
(منها) قوله تعالى ((لقد كان لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده))([6]) مع قوله تعالى ((لقد كان فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد))([7]) فإنه تعالى أوجب التأسي بإبراهيم عليه السلام والذين معه بقوله ((لمن كان يرجو الله واليوم الآخر)) وبقوله ((ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد))([8]).
(ووجه) الاستدلال الأول جعل التأسي لمن كان يرجو الله واليوم الآخر فمن لم يرج الله واليوم الآخر فلا يتأسى بإبراهيم والذين معه في هذه الصفات المذكورة وهو وعيد على ترك التأسي.
(ووجه) الاستدلال الثاني إنما هو حيث بين أنه تعالى غني حميد عمن تولى عن التأسي بهم وهذا الكلام لا يرد إلا في ترك الواجبات كما في قوله تعالى ((ومن كفر فإن الله غني عن العالمين))([9]) (ومنها) الآيات التي فيها ترتب اللعن على الكفر والظلم كما في قوله تعالى ((أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين))([10]) ((ألا لعنة الله على الظالمين))([11]) ونحوهما من الآيات.
( (1/202)
صفحة 203
أما) قوله تعالى ((ومن يتولهم منكم فإنه منهم))([12]) وقوله تعالى ((لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله))([13]) الآية ونحوها من الآيات فليس فيها دلالة على وجوب البراءة نعم تدل على تحريم ولايتهم وليس كل ما دل على تحريم ولاية أحد يدل على وجوب البراءة منه، لأن هنالك أمرا ثالثا هو الوقوف.
(واعلم) أن الأمة مجمعة على وجوب البراءة من أعداء الله جملة لكن اختلفوا في ثبوتها تفصيلا في الأشخاص فمذهب الأصحاب ثبوتها في الأشخاص مستدلين أن العلة التي لأجلها وجبت البراءة في الجملة إنما هي الإخلال بشيء من أوامر الله تعالى، أو ارتكاب شيء من مناهيه، فإذا وجدنا هذه العلة في شخص بعينه وجب علينا أن نجري عليه الحكم الذي أوجبته هذه العلة، فثبت القياس قطعيا للقطع بأن علة الحكم في الأصل هي ما ذكرنا، وهي مقطوع بوجودها في الفرع فثبت الحكم قطعا.
-------------------------------------------------------------------------------
[1] ـ سورة الفتح آية رقم 2.
[2] ـ سورة الأحزاب آية رقم 56.
[3] ـ سورة محمد آية رقم 19.
[4] ـ سورة الممتحنة آية رقم 12.
[5] ـ سورة الأنفال آية رقم 72 – 73.
[6] ـ سورة الممتحنة آية رقم 4.
[7] ـ سورة الممتحنة آية رقم 6 وقد جاءت هذه الآية محرفة في المطبوعة حيث قال(لقد كان فيهم) بدلا من قوله(لقد كان لكم فيهم)
[8] ـ سورة الحديد آية رقم 24.
[9] ـ سورة آل عمران آية رقم 97.
[10] ـ سورة آل عمران آية رقم 87.
[11] ـ سورة هود آية رقم 18.
[12] ـ سورة المائدة آية رقم 51.
[13] ـ سورة المجادلة آية رقم 22.
أقسام الولاية والبراءة
(والكل من ذين على أقسام=
ثلاثة تأتي على تمام)
(حقيقة وهي التي قد نطقا=
بها كتاب أو رسول حققا)
(والحكم بالظاهر فهو الثاني=
ثالثهما عقيدة الإنسان)
( (1/203)
صفحة 204
قوله والكل من ذين) أي الولاية والبراءة وذكر الإشارة باعتبار أنهما فرضان أي وكل واحد من هذين الفرضين على أقسام ثلاثة.
(قوله على أقسام) متعلق بمحذوف أي يكون على أقسام.
(قوله ثلاثة) بدل من أقسام (قوله تأتي على تمام) الجملة نعت لثلاثة.
(اعلم) أن كل واحد من الولاية والبراءة على ثلاثة أقسام.
(الأول): ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة ولهذا القسم طريقان أحدهما أن يرد الكتاب بما يوجب ولاية أحد أو البراءة منه، وهذا الطريق على وجوه أحدها من صرح باسمه كالأنبياء المخصوصين بأسمائهم في الولاية وكإبليس، وفرعون، وهامان، في البراءة.
(الثاني): من كني عنه كأم موسى، وامرأة فرعون في الولاية، وكأبي لهب([1]) في البراءة.
(الثالث): من جاء مبهما لم يخص باسم ولا بكنية كمؤمن آل فرعون المذكور في قوله تعالى ((وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى))([2]) من أهل الولاية وكالذي حاج إبراهيم في ربه من أهل البراءة.
( (1/204)
صفحة 205
الطريق الثاني): ما نطق فيه رسول من رسل الله أن فلانا من أهل السعادة أو من أهل الشقاوة، وفيه الوجوه المتقدمة وشرطوا في هذا الطريق أن يسمع السامع من لسان الرسول ذلك الكلام حين نطقه به، وأن يكون السامع ينظر إلى شفتي الرسول عند النطق، أما إذا نقل له العدول أن الرسول قال في فلان كذا بما يقتضي السعادة أو الشقاوة فليسوا عليه بحجة في الحقيقة، بل ولا يجوز له أن يقطع بحقيقة قولهم لاحتمال الكذب إلا إذا بلغوا رتبة لا يمكن تواطؤ مثلهم على الكذب عادة، فإن الخبر يكون حينئذ من باب المتواتر والمتواتر مقطوع بصدقه. (1/205)
صفحة 206
أما إذا لم يكونوا بتلك المنزلة بأن كانوا اثنين أو ثلاثة أو نحو ذلك فرفعوا عن الرسول ما يقتضي الولاية بالحقيقة في شخص بعينه فإن على من نقل إليه من يتولى ذلك الشخص بولاية حكم الظاهر، وحكمه عنده في جميع أحواله حكم الولي بالظاهر، أما إذا نقلوا ما يقتضي البراءة في شخص معين فليسوا بحجة على المنقول إليه إلا إذا جاؤوا بذلك النقل على سبيل الشهادة، كأن قالوا: نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في فلان كذا فإنه يلزم المشهود معه أن يبرأ بشهادتهم براءة حكم الظاهر، وإنما قلنا أنهم ليسوا بحجة في نقل ما يقتضي البراءة بخلاف ما يقتضي الولاية، لأن أمر البراءة أشد من أمر الولاية لأنه خلع مسلم من الدين، والولاية هي إبقاء مسلم على إسلامه، فالاعتقاد في الولاية حاصل لنا قبل وجود هذا الخبر أما في ذلك الشخص بعينه كأن نعلم أنه مسلم لكن لم ينكشف لنا تصديق إسلامه فخبر الاحاد إنما كشف لنا له صدق بإسلامه ووفى بما عليه، وأما في الجملة فإنا نعلم أن كل مولود يولد على الفطرة فالفطرة أصل لكل المولودين، ثم نحن نجهل حالهم بعد البلوغ لكثرة الأحداث فكشف لنا هذا الخبر على لسان هؤلاء العدول أو العدل الواحد على قول سيأتي أن فلانا مثلا باق على الفطرة التي ولد عليها فبهذا تعرف فرق ما بين الولاية والبراءة بخبر الاحاد، وإنما قلنا إن شهادتهم بأن الرسول قال في فلان ما يقتضي البراءة حجة على المشهود معه لأن شهادتهم عن لسان الرسول ليست بأدنى قوة من شهادتهم على إقرار الفاعل بالكبيرة، فإنهم متى ما شهدوا بإقراره على نفسه بكبيرة لزم قبول شهادتهم.
( (1/206)
صفحة 207
فإن قيل) إن شهادة العدول إذا لم يبلغوا حد التواتر لا توجب علما كخبرهم فما بالكم أوجبتم البراءة.؟ قلنا: إنما أوجبناها بشهادتهم دون خبرهم لتنزيلها منزلة العمليات فإنا نعتقد البراءة منه بثبوت تلك الشهادة عندنا لتعبده تعالى إيانا بقبول شهادة العدلين في العمليات، فنحن نحكم عليه بالبراءة بتلك الشهادة مع احتمالنا أن يكون خلاف ما شهدوا به وعدم قطعنا بصدق شهادتهم كما نحكم عليه بقطع يده إذا شهد العدول أنه سارق دينارا من حرز مثلا، وكما نحكم عليه بقطع رقبته قصاصا إذا شهد عليه العدلان بقتل إنسان حر فليس خلعه عن الإسلام بأشد من قطع رقبته بالسيف، ومحصل ما ذكرناه أن لكل من الولاية والبراءة جهتين إحداهما: جارية مجرى العبادات الاعتقادية وهي كون اعتقادهما عبادة الله، والثانية: جارية مجرى المعاملات وتلك الجهة هي كونهما من حقوق العباد فاعتبرنا في ثبوتهما بشهادة العدلين الجهة الثانية لأن بشهادة العدلين تثبت الحقوق وتسقط.
(القسم الثاني): الولاية بحكم الظاهر والبراءة بحكم الظاهر ومحلها مكلف ظهر منه موافقة أو مخالفة دينية، ولها طرق يأتي الكلام عليها في الباب الثاني من هذا الركن إن شاء الله تعالى.
( (1/207)
صفحة 208
القسم الثالث): ولاية الجملة وبراءة الجملة وصورتها أن يعتقد المكلف ولاية أهل طاعة الله من الأولين والآخرين إلى يوم الدين انسهم وجنهم وملائكتهم، وأن يعتقد البراءة من جميع أهل معصية الله من الأولين والآخرين انسهم وجنهم إلى يوم الدين، وهذا القسم لابد منه الذي عبرنا عنه بعقيدة الإنسان، وإنما عبرنا عنه بذلك لأنه لا بد لكل مكلف أن يعتقده دينا، وقسما الحقيقة والظاهر وإن وجبتا فوجوبهما لا على عموم المكلفين بل على من وصل إليه علم ذلك فهذه ستة أقسام بالنظر إلى كل قسم من أقسام الولاية والبراءة، ولاية الحقيقة، وولاية الحكم بالظاهر، وولاية الجملة فتلك ثلاثة أقسام للولاية، والقسم الرابع براءة الحقيقة. والخامس براءة الحكم بالظاهر. والسادس براءة الجملة. (1/208)
صفحة 209
أما ولاية الجملة وولاية الحقيقة فلا يصح أن يفترقا لأن من أخبر الصادق بولايته عند الله تعالى هو الذي اعتقدت أنت ولايته في الجملة، وكذلك براءة الحقيقة وبراءة الجملة فعلم من هذا أن ولاية الحقيقة لا تكون في شخص متبرأ منه في الجملة وكذا العكس، وكذا ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة لا يصح اجتماعهما في شخص بعينه لئلا يلزم كذب الصادق، وكذا الولاية بحكم الظاهر لا يجتمعان في حال واحد لتضاد أسبابهما، لكن الولاية بالظاهر قد توافق ولاية الحقيقة وقد تخالفها، وبراءة الظاهر قد توافق الحقيقة وقد تخالفها، وذلك فيما إذا كان ولاية الولي بالحقيقة وبراءة العدو بالحقيقة لم تبلغ هذا المتولي والمتبرئ بحكم الظاهر، أما إذا بلغته وجب عليه الأخذ بالحقيقة وترك الظاهر لما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى وكذا كل واحد من الولاية والبراءة بحكم الظاهر قد توافق الولاية في الجملة وقد تخالفها فيصح أن يكون الشخص الواحد في الحال الواحد وليا بالحقيقة عند فلان عدوا في الظاهر عند غيره وأن يكون عدوا في الحقيقة وليا في الظاهر بهذا الاعتبار، وكذا يصح أن يكون وليا في الظاهر عدوا في الجملة وبالعكس ولا يصح أن يكون وليا عدوا في الحقيقة ولا وليا في الحقيقة عدوا في الجملة، وهكذا.
( (1/209)
صفحة 210
واعلم) أن هنا مسألة أحببت أن أسمعك إياها وإن تعذرت صورتها في زماننا لكن لتنبه بها على أصل حكم السلف الصالح، وهي ما إذا كان لك ولي في الحقيقة ففعل ما يوجب حدا أو ارتد والعياذ بالله وجب عليك إقامة الحد عليه وقتاله على ارتداده إن كنت ممن يقوم بذلك وأنت تقطع أنه ولي لله في الحقيقة بأن تعلم أنه لا يموت إلا على حالة يرضاها ربه لوجوب القطع بصدق خبر الشارع وإجراء الأحكام الظاهرية عليه، إنما هي بحسب إتيانه لموجباتها فهي نافذة حكما ظاهريا على جميع من فعل أسبابها المناطة بها فإذا مات على حال شرك في الظاهر مثلا لزم تنزيله حيث نزل نفسه في أحكام الظاهر كترك الصلاة عليه وعدم دفنه في مقابر المسلمين، وعدم ميراثه كذا قالوا وعندي فيه خلاف ذلك فإنه متى ما فارقت روحه الدنيا لزمنا القطع أنه مات على توبة مقبولة وإن لم نطلع عليها لأن الله لا يغفر أن يشرك به، وقد أخبرنا أن هذا من أهل الجنة فبضم كل واحد من الخبرين إلى الآخر يحصل القطع بأنه مات على توبة من شركه وإذا قطعنا بذلك لزمنا تنزيله منزلة المسلمين فتجب الصلاة عليه ويجوز ميراثه لورثته المسلمين ودفنه في مقابر المسلمين، والأصحاب رحمهم الله تعالى جعلوا هذه الأشياء من جملة الأحكام الظاهرية التي سبب نفوذها وجود الشرك في الظاهر، وأنت خبير بأن الشرك منحسم عن هذا الولي حين موته فهو مسلم قطعا فإذا عرفت هذه القاعدة فاعلم أن بقية أصحابنا من أهل النهر رضي الله تعالى عنهم إنما حكموا بقتل من قتل أصحابهم لفعله بحكم الظاهر ما يستوجب به القتل، وهو قتل المسلمين فقتله لهم لا ينافي كونه سعيدا عند الله تعالى وإن صح خبر سعادته مع قاتله فإجراء حكم القتل عليه إنما هو بحسب الظاهر أما إذا لم يصح خبر سعادته عند قاتله أو عند أحد من المسلمين وجب أن يبرأ من بحكم الظاهر لما ارتكبه من موجب البراءة، وهو قتل المسلمين حتى تعلم له توبة من ذلك.
( (1/210)
صفحة 211
تنبيه) الولي بالحقيقة لا يصح أن يبرأ منه أصلا ولو فعل موجب البراءة في الظاهر، وإنما تبغض منه تلك الأفعال التي توجب البراءة الظاهرية لا ذاته، وكذا العدو بالحقيقة فإنه وإن فعل موجبات الولاية بالظاهر فإنما تحب منه تلك الأفعال لا ذاته لعلمنا بما سيصيران إليه، ولا يصح لنا الرجوع عن علمنا فإذا عرفت هذا فاعلم أن الولي لله تعالى ولي دائما أبدا وإن أشرك، وأن العدو لله تعالى عدو دائما وإن أطاع لاستحالة تغير علمه تعالى، فسقط قول النكار إن المرء عدو لله في حالة معصيته، ولي لله في حالة طاعته وهكذا.
(قوله حقيقة) إنما سمي هذا القسم حقيقة لموافقته ما في نفس الأمر أو لثبوته بعدم التغير والانتقال في قسم الظاهر مأخوذ على التوجيه الثاني من حق الشيء إذا ثبت.
(قوله قد نطقا بها كتاب) نكر الكتاب ليفيد التعميم، لأن المراد كل كتاب من كتب الله أو رسول من رسله حجة في ذلك على السواء لوجوب الصدق في الكل، وإسناد النطق إلى الكتاب مجاز عقلي أو نجعل النطق استعارة عن الإبانة بجامع الظهور في كل منهما، فنقول نطق بمعنى أبان أي أظهر والباء في بها ترشيح للاستعارة، أو تقول شبه الكتاب بناطق حقيقة وحذف المشبه به وذكر من لوازمه النطق فهي استعارة بالكناية وذلك اللازم استعارة تخييلية.
(قوله أو رسول حققا) أي ثبت (قوله والحكم بالظاهر فهو الثاني) أي فثبوت الولاية بحكم الظاهر وثبوت البراءة بحكم الظاهر هو القسم الثاني من الأقسام الثلاثة الجامعة للولاية والبراءة.
(قوله ثالثها) أي الأقسام (قوله عقيدة الإنسان) أي المكلف والعقيدة فعلية بمعنى مفعولة أي معتقدة وهي ما ينطوي عليها ضمير الإنسان كانت صحيحة أو فاسدة، والمراد بها ها هنا ولاية الجملة وبراءة الجملة.
-------------------------------------------------------------------------
[ (1/211)
صفحة 212
1] ـ هو عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم من قريش، عم الرسول صلى الله عليه وسلم وأحد الأشراف الشجعان في الجاهلية، ومن أشد الناس عداوة للمسلمين في الإسلام، كان غنيا عتيا كبر عليه أن يتبع دينا جاء به ابن أخيه فآذى أنصاره وحرض عليهم وقاتلهم وفيه نزلت الآية ((تبت يدا أبي لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب)) وكان أحمر الوجه، مشرقا فلقب في الجاهلية بأبي لهب، مات بعد وقعة بدر بأيام ولم يشهدها عام 2هـ.
راجع ابن الأثير 2: 25 والديار بكري 1: 169 ودائرة المعارف الإسلامية 1: 393 - 396 وتاريخ الإسلام للذهبي 1: 84 و169 والروض الأنف 1: 265.
[2] ـ سورة القصص آية رقم 20 وتكملة الآية ((قال يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين)).
الباب الثاني (من الركن الثالث......
الباب الثاني (من الركن الثالث)
(في الولاية والبراءة بحكم الظاهر) (1/212)
صفحة 213
أي في بيان طرقهما التي يتأديان منها وفي أحوال الولي وأحكام ذلك. (اعلم) أن موجب الولاية هو الموافقة في القول والعمل، وأن موجب البراءة هو المخالفة فيهما أو في أحدهما، هذا مما اتفق عليه أصحابنا واختلفوا في الموافقة بالقول قبل معرفة العمل، فأوجب بعضهم الولاية به ومنعها آخرون، والأول أصح لقوله تعالى ((يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات)) إلى قوله ((فبايعهن واستغفر لهن الله))([1]) فأمره بالاستغفار لهن على نفس تلك المتابعة ولم يأمره بالانتظار في أمرهن فإذا صح معنا لأن فلانا موافق لنا في الاعتقاد ألزمنا أنفسنا ولايته من غير أن ننتظر به العمل لتلك الآية وهذا شامل لمن خرج عن الشرك إلى الإسلام، ولمن رجع عن مذهب أهل الضلال إلى مذهب أهل الحق، ولمن كان مختفيا علينا حقيقة اعتقاده فظهرت لنا بعد لكن بشرط أن لا تظهر منه إمارة تدل على مخالفته لحديث ((استفت نفسك))([2]) ((ودع ما يريبك))([3]) فإذا جمعنا بين هذين الخبرين وبين تلك الآية حصل لنا المطلوب وهو أنه لا يتولى بنفس القول إذا اتهم ولكل واحد من موجبات الولاية والبراءة طرق فأما طرق البراءة فهي أربع كلها متفق عليها.
(أحدهما): العيان أي المشاهدة وذلك أن تشاهد مكلفا يرتكب كبيرة لا يحتمل له فيها عذر فالواجب عليك البراءة منه وسيأتي لهذا الطريق زيادة بسط في الباب الرابع من هذا الركن.
(الطريق الثاني): الإقرار وهو أن يقر المكلف بأنه فعل كبيرة ولم يتب منها أو أقر بذلك على سبيل السرور بها أو على سبيل الافتخار بها فإنه يجب على من سمعه أن يبرأ منه لا إذا أقر بها على سبيل الندم والتحسر على ارتكابها فإن هذا تائب منها.
(الطريق الثالث): شهادة العدلين بأن فلانا فعل كبيرة وسيأتي بسطه.
( (1/213)
صفحة 214
الطريق الرابع): الشهرة التي لا دافع لها على أن فلانا فعل كذا وسيأتي بيانها (وأما طرق الولاية) فهي أربعة أيضا ثلاثة منها متفق عليها وواحد مختلف فيه فالمتفق عليها هي العيان أي مشاهدة الوفاء بدين الله ورفيعة العدلين للوفاء والشهرة بالوفاء (وأما المختلف فيه) فهي رفيعة العدل الواحد للوفاء بدين الله وسيأتي بسطه إن شاء الله تعالى.
(براءة الظاهر حكما تجب=
بواحد من أربع تعتقب)
(عيان أو إقرار أو شهادة=
عدلين أو حق أتى بشهرة
واستثن الإقرار لدى الولاية=
وإنما الواجب بالثلاثة)
(قوله براءة الظاهر حكما) أي براءة حكم الظاهر فحكما تمييز محول عن مضاف إليه وفي إضافة البراءة إلى الحكم إضافة المسبب إلى سببه لأن حكم الظاهر سبب لوجود البراءة.
(قوله تجب) أي تلزم أو تثبت (قوله بواحد) أي بسبب طريق واحد أو من طريق واحد (قوله من أربع) أي من أربع طرق.
(قوله تعتقب) أي تأتي عقب هذا البيت ويجوز بناء الفعل للمجهول والمعنى يؤتى بها عقب هذا البيت وعلى الوجهين فالجملة نعت لأربع.
(قوله عيان) بالجر وهو وما بعده بدل من أربع والمراد بالعيان المشاهدة كما مر وعبر بعضهم عن هذا الطريق بالخبرة أي العلم بحال التولي وكلا التعبيرين إما حقيقة عرفية أو مجاز مشهور علاقته الإطلاق والتقيد وذلك أن العيان حقيقة لغة في الرؤية والمراد بها هاهنا علم الرجل بأحوال رجل آخر سواء كانت تلك الأحوال مبصرة أو مسموعة فهي مقيدة لغة بالمبصرة مطلقة عرفا على المبصر والمسموع، لكن المعنى اللغوي أعم من وجه آخر لأن المراد بالمبصر هنا هي الأحوال التي يتعلق بها حكم الولاية والبراءة، وفي اللغة هي عامة لكل معاين، والخبر بضم المعجمة هي لغة العلم من أي طريق كان والمراد به هاهنا العلم من طريق السمع والنظر.
(قوله أو إقرار) بكسر الهمزة مصدر أقر على نفسه بكذا إذا قال بقول يثبت عليه حقا، والمراد به هاهنا ما إذا أقر بكبيرة لم يتب منها.
( (1/214)
صفحة 215
قوله أو شهادة) عدلين اثنين كل منهما يشهد بما يشهد له الآخر فخرج بقولنا كل منهما يشهد بما يشهد به الآخر ما إذا شهد أحدهما إن فلانا ارتكب كبيرة هي كذا وشهد الآخر بأنه ارتكب كبيرة غير الكبيرة التي سماها الأول فإنه لا يبرأ بشهادتهما حينئذ أما إذا أجملا في شهادتهما كأن قالا أن فلانا فعل كبيرة ولم يسمياها فتجب البراءة بشهادتهما إذا كانوا علماء بالكبائر الصغائر لأن شهادتهم حينئذ متفقة وللعدلين أن يشهدا بذلك الإجمال ولو علم كل واحد منهما منه بكبيرة غير التي علم بها الآخر منه وقيل يبرأ بقول العدل الواحد إذا كان ذكرا وقيل وإن كان أنثى كما قيل بذلك في الولاية صرح به القطب رحمه الله في البراءة بالسماع قولين أقول وهؤلاء القائلون بثبوت البراءة بقول العدل الواحد وبالسماع نظروا إلى أن البراءة عبادة لا إسقاط حق للغير وكثير من العبادات يثبت بالظن ويحصل بخبر العدل وبالسماع ظن قوي تترتب عليه عبادات كثيرة والمراد بالعدل هو الموافق في الدين الملازم للتقوى والمروءة فخرج بقولنا في الدين المبتدع في دينه المعتقد خلاف الحق وبقولنا الملازم للتقوى تارك الفرض وفاعل الكبيرة لأن التقوى هي تأدية الواجبات واجتناب المحرمات والمراد بالمروءة هنا اجتناب الرذائل من المباحات كالحرف الردية من نحو الحجامة وكمخالطة الأراذل ومجالسة السفل (قوله أو حق أتى بشهرة) المراد بالشهرة هنا التواتر فهما عبارتان لمعنى واحد كذا عندنا وعند الشافعية أما الحنفية ففرقوا بينهما وجعلوا للشهرة منزلة دون منزلة التواتر والخلاف لفظي وفي قول الناظم أو حق أتى بشهرة إشارة إلى أن الموجب للبراءة من طريق الشهرة إنما هو الحق الذي جاءت به الشهرة لا الشهرة نفسها فخرج به الشهرة الغير المحقة كشهرة الشيع بالبراءة من التصديق والفاروق وعائشة وأهل النهى رضي الله عنهم. (1/215)
صفحة 216
وسئل الإمام أبو سعيد رضي الله عنه عن الشهرة المحقة فقال: معي إنها تكون على معان كثيرة في وجوه كثيرة ومبلغ ثبوتها ووجوبها وورود علمها على الممتحن فيها من المبتلي بها من تظاهر صحة الإخبار بها على غير تناكر من أهلها الذين تقوم بهم الحجة فيها ولو كثر التناكر والاختلاف من غير أهلها على سبيل الدعاوى وإنكار اليقين ا. هـ وحاصله أن لشهرة الحق شرطين أحدهما أن تكون صادرة عن أهلها وثانيهما أن لا يعارضها من أهلها معارض مثل ذلك أن يصدر من بعض المحقين خبر ويصدر من البعض الآخر خبر يخالفه كل واحد من الخبرين المتعارضين آحادي ليس بشهرة أما إذا كان الإنكار صادرا من غير أهلها فلا يعبأ به وذلك كإنكار أهل الخلاف للشهرة القاضية بحقية أهل النهر فإنه إنكار صادر على سبيل الدعوى منهم وها أنا أبين أهل الشهرة فأقول هم جماعة لا يمكن تواطؤ مثلهم على الكذب عادة بأن كانوا من جهات شتى فلا يشترط فيهم تعيين عدد خلافا لمن قال بتعيين العدد فيهم فمنهم من ذهب إلى أنهم من الخمسة فصاعدا محتجين بأن أكثر الشهود أربعة لا يصح القطع بخبرهم فإن كانوا خمسة ازدادوا قوة على الأربعة فكانوا شهرة قلنا هذا التعليل عليل فإنه لا يدل على أن الخمسة يجب القطع بخبرهم وإنما يدل على عكس ذلك فإنه لما لم يصح القطع بالخبر في شهادة الأربعة علم أن زيادة الواحد لا تفيد صحة القطع لأن العلة التي منعت من القطع بخبر أولئك الأربعة هي احتمال الكذب عادة وذلك الاحتمال موجود في الخمسة.
( (1/216)
صفحة 217
ومنها): من ذهب إلى أن جماعة الشهرة من العشرة فصاعدا على عدد المبشرين بالجنة عندهم وحجتهم في ذلك قوله تعالى ((وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون))([4]) (قالوا) فأكثر عدد يفسدون في الأرض تسعة فإذا كانوا عشرة فهم يصلحون ولا يفسدون (قلنا): في الآية إخبار عن الواقع لا حصر لمنتهى عدد أهل الفساد (ومنهم) من ذهب أنهم إذا كانوا عشرين فصاعدا لقوله تعالى ((إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين))([5]) ووجه أن أقل عدد اعتبر في هذا المقام هم العشرون قلنا ذكر العشرين في الآية لا يفيد اعتبارهم في الأخبار المتواترة وغيرها.
(ومنهم): من ذهب إلى أنهم إذا كانوا أربعين فصاعدا عدد من تجب عليه الجمعة (قلنا): اعتبار ذلك العدد في الجمعة لا يوجب اعتباره في غيرها على أنا لا نسلم اعتبار ذلك العدد في صلاة الجمعة وعندنا أنها إن كملت شروطها وجبت وإن بأقل من الأربعين.
(ومنهم): من ذهب إلى أنهم إن كانوا أربعين فصاعدا وفيهم ثقة.
(قلنا): يرد على هذا ما يرد على الذي قبله واشترط وجود الثقة فيه لا يزيده يقينا نعم أقوى بخبره الظن وكلامنا في الخبر الموجب للعلم القطعي.
(ومنهم) من ذهب إلى أنهم إن كانوا سبعين فصاعدا عدد من اختار موسى عليه السلام من قومه ووجهه أن موسى عليه السلام إنما اختار السبعين ليبلغوا عنه قومهم ما يسمعون من كلام الله عز وجل فلولا أن خبر السبعين حجة على قومهم يحصل به العلم اليقيني معهم لما خص ذلك العدد.
(قلنا): قيام الحجة عليهم لا يتوقف على ذلك العدد بل هي قائمة عليهم بكلام موسى عليه السلام وحده والعلم القطعي حاصل لهم من كلامه أيضا لوجوب صدقه بإظهار المعجزة على يده.
(ومنهم) من ذهب إلى أنهم إن كانوا ثلاث مائة وثلاثة عشر على عدد الرسل وأهل بدر وأصحاب طالوت.
( (1/217)
صفحة 218
قلنا): موافقة الأعداد لا تفيد ثبوت العلم القطعي فلا عبرة بموافقة شيء من ذلك وعلى كل واحد من هذه الأقوال اختلاف في وجوب العلم القطعي بذلك العدد المخصوص عند أهل كل قول من هذه الأقوال أي اختلف القائلون بتعيين العدد في ثبوت الشهرة (فمنهم) من ذهب إلى أن مقدار العدد بيان لوجوب القطع بالعلم الذي أداه ذلك العدد.
(ومنهم) من ذهب إلى أنه بيان لعدم جواز القطع بخبر ما دون ذلك العدد فإن وجد العدد المخصوص جاز أن يقطع بصدق خبره وجاز أن لا يقطع (ويبحث) فيه أن التواتر مقطوع بصدقه ضرورة وجواز أن يقطع وأن لا يقطع مناف لتلك الضرورة (ومن شروط) التواتر أن يكون مستندا إلى حس أي شرط خبر التواتر أن يكون المخبر عنه محسوسا بأحد الحواس الخمس كالسمع والبصر والشم والذوق واللمس، كأن يقال قال فلان كذا أو العاج أبيض أو المسك طيب الرائحة أو الشهد حلو أو الحرير لين فخرج بهذا الشرط الأمور العقلية كقدم الله تعالى، وحدوث العالم، فإنها مقطوع بها من مجرد العقل (وشرط) بعضهم أن يتساوى عدد الناقلين وعدد المنقول بها من مجرد العقل (وشرط) بعضهم أن يتساوى عدد الناقلين وعدد المنقول عنهم وليس هذا بشيء فإنه متى ما كان كلا الطرفين لا يمكن تواطؤ مثلهم على الكذب عادة وجب القطع بصدق ما أخبروا به ولو كان أحدهما أقل عددا من الآخر.
( (1/218)
صفحة 219
قوله واستثن الإقرار لدى الولاية الخ) هذا بيان للطرق المؤدية للولاية وهي ثلاثة متفق عليها وواحد مختلف فيه فالثلاثة المتفق عليها هي المشاهدة وشهادة العدلين والشهرة الحقية وهذا معنى قوله واستثن الإقرار أي استثن من طرق البراءة المتقدم ذكرها الإقرار فإنه لا يثبت للمقر ولاية لأن المقر بالوفاء لنفسه مدع لنفسه فلا يثبت له إقراره حكم الولاية على الغير والمراد بالإقرار هنا هو ادعاء الوفاء بدين الله لا الإقرار بما يجب الإقرار به كالتلفظ بالجملة فإنه قد تقدم أن الخارج من الشرك إلى الإسلام تجب ولايته من حين ما أقر بالإسلام فإقراره بالإسلام إتيان بما وجب عليه من الإقرار لا ادعاء فلا يرد على المصنف ذلك نعم يرد عليه ثبوت الولاية لطفله بإقراره أنه ولده على مذهب من يقول أولاد الأولياء أولياء والوقوف عن غير أولاد الأولياء، وهذا المذهب هو المشهور عندنا ولنا فيهم قول ثان وهو بولاية جميع الأطفال ما كانوا أطفالا وصححه القطب رحمه الله في ذهنه وصرح بأن الحديث الذي فيه تعذب أولاد المشركين موضوع، وكذا الحديث الذي فيه يوقد لأولاد المشركين والمنافقين يوم القيامة نار يقتحمونها فمن اقتحمها نجا ومن وقع فيها هلك، إذ لا تكليف يومئذ.
( (1/219)
صفحة 220
وقيل) لا يجزي إقراره بولده حتى يخبر معه بذلك أمين واحد، وقيل أمينان، وفي إطلاق الإقرار على دعوى الوفاء بدين الله مجاز علاقته المشاكلة وذلك أنه لما أطلق الإقرار في البيت الأول على حقيقته أطلقه هنا على سبيل التجوز مشاكلة لما هنالك على حد ((ومكروا ومكر الله)) ويبحث فيه بأن الإقرار الثاني عين الإقرار الأول لأن القاعدة أن النكرة إذا أعيدت معرفة فالثانية عين الأولى وجوابه أن تلك القاعدة إنما هي ثابتة إذا لم يقم دليل على عدم إرادتها، أما إذا قام الدليل على عدم إرادتها كما هنا تركت القاعدة وصير إلى ما يقتضيه الدليل، ومن قواعدهم ولا يعدل عن الأصل إلا بدليل، وبهذا الجواب تنحل شبه كثيرة أوردت على تلك القاعدة حتى أن بعضهم قال: إن تلك القاعدة أغلبية لا دائمة ونحن نقول إنها دائمة ونخرج ما خالفها بالدليل.
( (1/220)
صفحة 221
فأما المشاهدة) وهي المعبر عنها في النظم بالعيان فهي أن تشاهد من المكلف الإتيان بالواجبات والمسارعة إلى المندوبات واجتناب المحرمات والتجافي عن المكروهات فتتولاه على ذلك ونحسن به الظن في تأدية الفرائض التي لا تشاهد منه كحق الزوجة وكذا نحسن به الظن في اجتناب المحرمات في الحال التي نفارقه فيها، هذا كله إذا رضيت منه جميعا أفعاله المسموعة والمبصرة، ووافق القلب على قبول ذلك وإنما شرطنا موافقة القلب على قبول ذلك لأن من ظهرت منه إمارات الكبر أو الحسد أو الرياء أو شيء من المحرمات لا يتولى على ذلك، وهذا معنى قول الأصحاب رحمهم الله: الولاية اصطفاء ودليله قوله صلى الله عليه وسلم ((استفت نفسك يا وابصة وإن أفتوك))([6]) ولأعمى البصر أن يتولى من سمع منه أقوال الخير وظن بما لا يرى خيرا واصطفاه قلبه على ذلك، لأن الولاية تصح بمجرد الظن. ألا ترى أن بعض أصحابنا قال بوجوبها بخبر الواحد وهو الصحيح كما سيأتي إن شاء الله فقول العلامة الصبحي رحمه الله تعالى لولا أن ما بي من عمى البصر لتوليت رجالا يستحقون للولاية وسمى منهم رجالا محمول على أن ذلك الشيخ لا يرى وجوب الولاية إلا إذا كملت شروط طرقها ومن شرط طريق المشاهدة عنده وجود البصر ونحن نشترط ذلك إذ لم يزده وجود البصر إلا قوة ظن، والظن لا يتفاوت بالنظر إلى العبادات وما علق منها بالظن ثبت عند وجوده من غير نظر إلى تفاوت درجاته قوة وضعفا.
(وأما شهادة) العدلين فهي أن يشهد أن فلانا ولي وكذلك خبرهما بولايته وفي حكم الشاهدين رجل وامرأتان وقد عرفت أن الحرية شرط في قبول الشهادة فلا تقبل شهادة العبد عند بعض وقيل هنا (وأما شهرة) الحق فهي أن تتواطأ الأخبار من جماعة لا يمكن تواطؤ مثلهم على الكذب عادة.
( (1/221)
صفحة 222
واعلم) أن الشهرة هنا أوسع منه في البراءة لأنها في البراءة لا تثبت إلا شهرة الحق وفي الولاية تثبت بمجرد الظن أنها حق فشهرة نسبة النونية التي فيها قدم القرآن عن الإمام ابن النظر رحمة الله تعالى شهرة دعوى لأن فيها نسبة الكبائر إليه، وتلك الكبائر هي تفسيق أهل الحق وهو أحدهم والقول بأن القرآن المتلو بالألسن قديم فشهرتها عنه كشهرة البراءة عند الشيع من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
(قوله وإنما الوجوب بالثلاثة) أراد بالوجوب المتفق عليه وبالثلاثة هي العيان وشهادة العدلين والشهرة فالقصر في البيت إضافي أي قصر الوجوب على الثلاثة المذكورة إنما هو بالنظر إلى الوجوب المتفق عليه.
(والخلف في رفيعة الولاية=
من واحد عدل بلا عناية)
(وإن تكن عنيته فألزم=
وقيل لا لزوم ثم يعلم)
(لكن على العدول ليس العلما=
تفصيل ما جاؤوا به ليعلما)
(قوله والخلف في رفيعة الولاية) الخ هذا هو الطريق المختلف في وجوب الولاية به وهو خبر الواحد العدل بولاية أحد.
( (1/222)
صفحة 223
فذهب) آخرون إلى أنها تجب إذا كان المخبر عالما وهؤلاء زادوا على شرط الذكورية والحرية وجود العلم بالولاية والبراءة، وبعضهم ذهب إلى عدم اشتراط جميع ذلك فأوجبها برفيعة المرأة والعبد وبعضهم فصل بما إذا سئل الرافع وإذا لم يسأل فقال: إن سئل عن الولاية فأخبر بها لزمت السائل وإن أخبر بها ابتداء لم تلزم، وبعضهم قال بالتخبير في خبر الواحد العدل، فمن شاء تولى بخبره ومن شاء ترك وبحث القطب رحمه الله في هذا بأن الولاية ليست على التخيير، لأنها إن ثبتت وجبت وإن لم تثبت امتنعت، والصحيح أن خبر الواحد العدل بالولاية موجب لها سواء كان ذكرا أو أنثى عالما أو كان غير عالم لكن لا تجب برفيعة غير العالم إلا إذا فسر السبب الذي استحق به ذلك المتولي الولاية أو رفع الولاية عن عالم بالولاية والبراءة، وذلك كما إذا قال العدل الضعيف أن الشيخ فلانا ولي وإنما قلنا أن الصحيح وجوبها بخبر العدل الواحد لأن خبر العدل الواحد يفيد الظن والولاية مبنية على ظن الخير، وإنما قلنا بالتفصيل بين خبر العدل العالم وغيره فلم نوجبها بخبر غير العالم إلا إذا فسر السبب لما سيأتي بيانه عند قول الناظم لكن على العدول الخ.
(قوله من واحد عدل) إنما قيد بالعدل لأن خبره مظنون الصدق فخرج به غير العدل سواء كان فاسقا أو مجهول الحال، فأما الفاسق فللظن بكذب خبره وأما مجهول الحال فلاستواء الأمرين فيه أعني لا يظن بصدقه ولا يظن بكذبه.
(قوله بلا عناية) أي بلا قصد وأراد به السؤال فإطلاق العناية عليه مجاز مرسل علاقته اللزوم وذلك أن السؤال ملازم للقصد (قوله وإن تكن عنيته) أي سألته وفيه التجوز المذكور (قوله فألزم) أي فأشد لزوما عند بعض.
(قوله وقيل لا لزوم) أي برفيعة الواحد للولاية بل أنت مخير في قبولها وعدمه.
( (1/223)
صفحة 224
قوله ثم يعلم) بفتح المثلثة بمعنى هنالك والإشارة إلى مكان رفيعة الواحد العدل (قوله لكن على العدول) المتحملين للولاية أو البراءة لأن الاستدراك من قوله أو شهادة عدلين.
(اعلم) أن المتحملين للولاية أو البراءة إما أن يكونوا علماء بالولاية أو البراءة، وإما أن يكونوا غير علماء فإن كانوا علماء بها وجب قبول قولهم، وإن كانوا غير علماء لا يجب قبول قولهم حتى يفصلوا أي يبينوا السبب الذي استوجب به ذلك الولي الولاية أو السبب الذي استحق به العدو البراءة، والفرق بين العلماء والضعفاء أن الضعفاء وإن كانوا عدولا فلا يؤمن منهم أن يرفعوا البراءة في موضع ليس هو محل البراءة أو الولاية في موضع ليس هو محلا للولاية على ظن منهم إنما رفعوه كذلك فإذا فسروا السبب نظر فيه المرفوع له فإن رآه موجبا لشيء من ذلك حكم به وإلا تركه، وقيل قول العدول مطلقا سواء كانوا علماء أو ضعفاء فسروا أو لم يفسروا لأنهم إذا كانوا عدولا فلا يقولون بما لا يعلمون ولا يخفى أن هذا التعليل اشتراط للعلم، لأن من لم يكن عالما بالشيء فتكلم فيه لا يؤمن أن يقول فيه بما لا يعلم ظنا منه أنه كذلك.
(قوله ليس العلماء) أي إلا العلماء (قوله تفصيل ما جاؤوا به) أي تبيين لما جاؤوا به من الأخبار أو الشهادة (قوله ليعلما) تعليل لقوله تفصيل ما جاؤوا به.
--------------------------------------------------------------------------
[1] ـ سورة الممتحنة آية رقم 12.
[2] ـ الحديث رواه الإمام أحمد في المسند 4: 227 بلفظ (البر ما انشرح له صدرك، والإثم ما حاك في صدرك وأن أمثال الناس وأفتوك) ورواه الدارمي في البيوع 2.
[3] ـ الحديث رواه الإمام أحمد في المسند 3: 153 بلفظ: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، ورواه البخاري في البيوع 3 ـ والترمذي في القيامة 60.
[4] ـ سورة النمل آية رقم 48.
[5] ـ سورة الأنفال آية رقم 65.
[ (1/224)
صفحة 225
6] ـ الحديث رواه الأمام أحمد بن حمبل في المسند 4: 228 – حدثني أبي ثنا يزيد بن هارون، ثنا حماد بن سلمة، الزبير أبي عبد السلام عن أيوب بن عبدالله بن مكرز عن وابصة ابن معبد قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أريد أن لا أدع شيئا من البر والإثم إلا سألته عنه وإذا عنده جمع فذهبت أتخطى الناس فقالوا إليك يا وابصة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك يا وابصة.
فقلت: أنا وابصة دعوني أدنو منه فإنه من أحب الناس إلي أن أدنو منه فقال لي: أدن يا وابصة أدن يا وابصة فدنوت منه حتى مست ركبتي ركبته.
فقال يا وابصة: أخبرك ما جئت تسألني عنه أو تسألني..؟
فقلت يا رسول الله: فأخبرني، قال: جئت تسألني عن البر والإثم، قلت: نعم فجمع أصابعه الثلاثة فجعل ينكث بها في صدري ويقول: (يا وابصة استفت نفسك. البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر- وإن أفتاك الناس).
قال سفيان (وأفتوك) ورواه الدارمي في البيوع 2.
(فصل في أحوال الولي بحكم الظاهر)
والمراد بأحواله هنا كونه ممن تجب ولايته على العامة أو على الخاصة فقط، وكونه مرتكبا لمحجور في الظاهر مع احتمال حقه فيه وكونه تاركا لفرض لزمه.
( (1/225)
صفحة 226
اعلم) أن الأولياء صنفان: صنف تجب ولايتهم على جميع أهل مصرهم وجميع من بلغه خبرهم وهم أئمة العدل الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر، كأبي بكر الصديق وعمر الفاروق وعبدالله بن يحيى الكندي والجلنداء بن مسعود الولي وعزان بن قيس بن عزان رضي الله عنهم (وأئمة الدين) الذابون عنه بالأدلة والبراهين الكاشفون لشبه الملحدين الملزمون للمعاندين كعبدالله بن إباض([1])، وأبي الشعثاء جابر بن زيد([2]) رضي الله عنهما، فأهل هذا الصنف كلهم تجب ولايتهم على أهل مصرهم ومن بلغه خبرهم ويسع جهلهم من لم يبلغه خبرهم، ولا يحل لأحد ولو اطلع على كبيرة منهم أن يبرأ منهم مع من لم يعلم كعلمه فيهم لئلا يبيح من نفسه البراءة نعم يبدأ منهم في نفسه من غير أن يطلع أحد على ذلك ويتولى ممن يتولاهم من أوليائه، لأن كلا مخصوص بعمله.
حكي أن الإمامين ابن محبوب وموسى بن علي رضي الله عنهما كانا يبران من المهنا بن جيفر في السريرة لعلم خصمهما فيه وفي هذه الحكاية نظر لأنهما كانا يبرآن في أنفسهما فمن الرافع ذلك نهما إذ لا يحل لهما أن يبدياها مع أحد لم يعلم موجب البراءة من المهنا، فإن كانا أبدياها مع أحد يعلم من المهنا كعلمهما فيه فحكم ذلك الذي أبديا معه كحكمهما لا يحل له أن يبدي ذلك إلا مع من علم كعلمه في المهنا، وهكذا حتى ينقطع الخبر ولم يكن المهنا رضي الله عنه من أئمة الجور حتى يكون ممن تجوز منه البراءة جهرا هذا وما حكي أن رجلا أتى إلى الإمام ابن محبوب رضي الله عنهفقال: أنا أبرأ من المهنا فقال ابن محبوب: أنا براء منك فوجهه ظاهر على عدم صحة تلك الحكاية أن ابن محبوب لم يبرأ من المهنا سرا أما على تقدير صحتها فوجهه أن ذلك الرجل أظهر البراءة من المهنا مع من لم يعلم أنه يعلم كعلمه فيه وهو بإبدائه البراءة ممن تجب على العمة ولايته مع من لم يعلم أنه اطلع على ما اطلع عليه مبيح من نفسه البراءة.
( (1/226)
صفحة 227
الصنف الثاني): لم تجب ولايتهم على العامة وإنما تجب على من بلغه موجب ولايتهم بإحدى الطرق المتقدم ذكرها، فمن علم بكبيرة من أهل هذا الصنف لا يحل له أن يبديها مع من علم أنه يتولاه لئلا يبيح من نفسه البراءة معه.
(واختلفوا) في جواز إبدائها عند من لم يعلم أنه يتولاه فذهب بعضهم إلى جواز ذلك لأنه لم تجب له ولاية على الكل والأشياء على إباحتها ما لم يمنعها مانع، وبعض يمتنع من ذلك لئلا يصادف وليا له فيكون قد أباح من نفسه البراءة مع من يتولاه وقال آخرون: إن فعل ذلك صغيرة من الذنوب ورده الإمام رضي الله عنه أما إذا كان فسقه مشتهرا بين الأنام فلا بأس بإبداء البراءة منه وإشهارها لقوله عليه الصلاة والسلام ((أذيعوا بخبر الفاسق ليحذر الناس شره ما لكم وللمنافق قولوا فيه ما فيه)) ويدخل تحت هذا الصنف البراءة من أئمة الضلال المتدينين والجبابرة المعتدين، فإن إشهار البراءة في مثلهم مما يندب إليه لئلا يغتر جاهل بما هم عليه أو يظن ظان بسكوت المسلمين عن الإنكار عليهم رضي بفعلهم وربما وجب الإنكار عليهم وذلك كما إذا كان المسلمون في حيز القدرة في الإنكار عليهم، ويسقط الوجوب مع عدم القدرة على الإنكار وتبقى الفضيلة لمن أنكر فإن قتل على ذلك كان من أفضل الشهداء (أفضل الجهاد عند الله كلمة حق عند سلطان جائر يقتل عليها صاحبها).
(وفي ولي وجبت ولايته=
على الورى سريرة براءته)
(إن وجبت عليك والذي نطق=
بها جهارا للبراءة استحق)
(قوله وفي ولي) أي والقول في ولي أو الحكم في ولي وجبت ولايته على الخلق إذا اطلعت على موجب البراءة منه فحكمه أن تبرأ منه سريرة ولا تبدي ذلك مع غيرك لئلا تبيح من نفسك البراءة معه.
(قوله على الورى) أي الخلق المكلفين الذين بلغتهم أخبار الولي ففي إطلاق الورى على ما ذكرنا مجاز مرسل علاقته العموم والخصوص.
( (1/227)
صفحة 228
قوله سريرة براءته) أي براءته مسرورة فسريرة فعلية بمعنى مرفوعة ورفع على أنه خبر المبتدأ المحذوف أول البيت وهو القول أو الحكم على التقديرين المتقدمين ورفع براءته على أنه فاعل لسريرة.
(قوله إن وجبت عليك) شرط حذف جوابه بدلالة ما قبله.
(قوله والذي نطق بها جهارا) أي والذي يظهر علمه بالبراءة ممن وجبت ولايته على العامة مع من لم يعلم كعلمه في ذلك الولي فقد استحق للبراءة منه، لأنه لا يحل له أن يبدي ذلك مع من لم يعلم أنه يعلم كعلمه لأن ولايته ذلك الولي واجبة على الكل ولا يجوز لأحد أن يبدي البراءة من أحد مع من يتولاه ذلك المتولي (بالكسر) يجب عليه نصرة المتولى (بالفتح) والذب عنه وعن عرضه وعن دينه، فإذا قدح فيه قادح عنده صار مبيحا من نفسه البراءة على أنه يجب عليه أن لا يبيحها من نفسه وأن لا يظهر حكم الشريعة وإن كان محقا في السريرة.
(ومن يبح براءة من نفسه=
فهالك وهو حر بخسه)
(وإن يكن من الألى لم تلزم=
لهم ولاية على الكل اعلم)
(فبعضهم رخص ما لم تعلم=
ولاية والبعض من ذا يحتمي)
(قوله ومن يبح براءة من نفسه فهالك) أي ومن يظهر ما يوجب البراءة من نفسه فهو هالك لوجوب إتباع حكم الشريعة في الظاهر (قوله وهو حر بخسه) أي وهو حقيق بحقارته فحر بمعنى حقيق حكي لغة النقص فيه صاحب المصباح عن التهذيب والمشهور فيه تشديد الياء وخس بفتح المعجمة مصدر خس كضرب وتعب وزنا بمعنى حقر (قوله وإن يكن) أي الولي (قوله من الألى لم تلزم لهم ولاية على الكل) أي إذا كان الولي من الذين لم تجب ولايتهم على كل من بلغه خبرهم فاطلع أحد على ما يوجب البراءة منهم هل يجوز أن يبدي ذلك العلم عند من لم يعلم أنه يتولاهم..؟ قولان إشارة إليهما بقوله فبعضهم الخ.
( (1/228)
صفحة 229
قوله اعلم) تكملة للبيت وفيه تنبيه السامع على الجواب الأتي (قوله فبعضهم) أي بعض العلماء (قوله رخص ما لم تعلم ولاية) أي قال بجواز ذلك عند من لم يعلم أنه يتولى المتبرأ منه وفي إطلاق الرخصة على القول مجاز استعاري بجامع السهولة في كل منهما، لأن الرخصة شرعا هي ما شرع ثانيا لأعذار العباد كالفطر في رمضان للمريض، والمسافر فإنه شرع أولا الصوم في رمضان وشرع ثانيا الإفطار لذلك العذر فالشرع الأول يسمى عزيمة، والشرع الثاني يسمى رخصة، وكذلك أكل الميتة للمضطر فإنه شرع أولا تحريمها وهو العزيمة، وشرع ثانيا إباحتها للمضطر وهو الرخصة (قوله والبعض من ذا يحتمي) أي يمتنع.
(وإن يكن كفرانه مشتهرا=
لا بأس إن بكفره قد جهرا)
(قوله وإن يكن) أي من اطلعت على كبيرة منه (قوله كفرانه) مصدر كفر الشيء بمعنى غطاه لغة وهو في الشرع بمعنى الفسق أي شامل لكفر الشرك وكفر النعمة كما سيأتي (قوله مشتهرا) المراد بالاشتهار هنا أن لا يقول فيه من يعرفه إلا شرا ومن لا يقول فيه شيئا.
(قوله لا بأس إن بكفره قد جهرا) أي فإذا كان من أهل هذا القبيل فليس على من أظهر البراءة بأس لأن المحذور هنا مأمون والمحذور مصادفة من يتولاه فإنه وإن أمكن مصادفة ذلك المحذور فهو إمكان بعيد لا يلتفت إليه حتى قال الأمام رضوان الله علي إن من تاب معه هذا المشهور بالفسق أو علم منه التوبة بوجه ما إنما يتولاه سرا والدليل على جميع ذلك قوله عليه الصلاة والسلام ((من ألقى جلباب الحياء على وجهه فلا غيبة له)) وقوله صلى الله عليه وسلم ((ما لكم وللمنافق قولوا فيه ما فيه)).
(ومتبر من ولي لك قل=
يكفره إن لم يتب عما فعل)
( (1/229)
صفحة 230
قوله ومتبر من ولي لك قل) الخ الواو للاستئناف ومتبر مبتدأ مسوغه العمل في الجار والمجرور بعده وخبره الجملة الإنشائية في قوله قل بكفره إلى آخره بناء على مذهب من أجاز أن يكون خبر المبتدأ جملة إنشائية، والمعنى أنه إذا كان لك ولي فلا يجوز لأحد أن يبرأ منه عندك ولو اطلع على ما يوجب البراءة منه، فإن برئ منه متبر عندك فاستتبه فإن تاب فذاك المطلوب وإن أبى عن التوبة فابرأ منه، قال الشيخ ابن أبي نبهان: إن لم يتب فنبهه أن التوبة عليه واجبة فإن أبى فابرأ منه وكذلك حكم من قذف وليك بكبيرة أو قال برئ مني فلان الولي بلا موجب استحق به البراءة لأنه إذا قال بذلك فقد رماه بكبيرة ويستثنى من هذه القاعدة أربع مسائل.
(أحدهما): ما إذا فعل وليك فعلا لا تدري أنت ما حكم ذلك الفعل مع علمك بوقوع الفعل منه فبرئ منه متبرئ على ذلك الفعل فلا يحل لك أن تبرأ من ذلك المتبرئ مخافة أن يكون ذلك الفعل مما يستوجب فاعله البراءة، هذا إذا لم يعلم أنك قد اطلعت على ذلك الحدث فبرئ منه عندك، وعلمت أنت أنه لم يطلع على علمك بذلك الحدث فعليك أن تبرأ من المتبرئ ولو كنت قد اطلعت على الحدث الذي برئ هو بسببه إذ لا يحل له أن يبدي البراءة من أحد مع من يتولاه إلا إذا علم أنه اطلع على حدثه.
(الثانية): إذا قال وليك لواحد من أهل الجملة وأنت تسمعه يا فاسق أو يا ضال أو يا منافق فرد عليه بشيء من هذه الأسماء العامة فلا يبرأ من ذلك الراد لاحتمال أن يكون غير فاسق ولا ضال ولا منافق، وإنما رماه الولي فإنه إن كان الولي قد رماه بذلك فذلك الولي هو الضال المنافق أما إذا قال له يا سارق أو يا آكل الربا أو نحو ذلك من الأمور الخاصة فرد عليه بشيء مما قاله له فإنه يبرأ منه بذلك في الحين، لأن الولي إما أن يكون محقا في ذلك القول أو مبطلا، فإن كان مبطلا فليس كل مبطل سارقا أو آكلا للربا أو نحو ذلك فظهر أنه قد رماه بكبيرة لم يكن مستحقا لها.
( (1/230)
صفحة 231
الثالثة): ما يقوله الخصم للولي المدعى عليه قد دعيت على ما ليس علي أو يقول للشهود المتولين شهدتهم علي بالزور أو يقول للحاكم المتولي حكمت علي بالجور ونحو ذلك في مقام الخصومة فإنه لا يبرأ منه كذا في القواعد ومختصره، ودليلهم على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ((إن لصاحب الحق مقالا))([3]) أما إذا قال للولي المدعي أنت ظالم أو تظلم الناس أو للشهود أنتم شهود الزور أو للحاكم أنت حاكم الجور فإنه يبرأ منه بذلك الإطلاق.
(الرابعة): ما إذا كان المشهور بالفسق والضلال قد اطلعت على توبته من فسقه وضلاله ولم يطلع عليها غيرك مثلا فإنه تجب عليك ولايته لما علمت منه ولا تبرأ ممن برئ منه معك على ما مر.
(تنبيهان): الأول: من ادعى ولاية أحد فليحتمل أن يكون صادقا في دعواه فله الحجة على من سواه أي فلا يجوز لأحد أن يبرأ منه معه أما إذا لم يحتمل أنه تولاه بحق فهو مبطل ولا حجة له.
(الثاني): من رمى أحدا من أهل الوقوف بكبيرة ما عدا الزنا والشرك فليس عليك منه شيء إلا إذا علمت أنه مبطل في قذفه أما إذا رماه بالزنا فهو فاسق وكذا إن رماه بالشرك عند أهل المغرب وإن كان فيما بينه وبين الله صادقا حتى يأتي بأربعة شهود في الزنا وشاهدين في الشرك، وقيل يجري ثلاثة شهود في الزنا وهو رابعهم إذا كان عدلا وشاهد آخر معه في الشرك إذا كان هو عدلا، وسيأتي الكلام مبسوطا في القذف بالزنا إن شاء الله تعالى.
(وفي ولي ترك الفرض اقتف=
عذرا له إن لم تجد عنه قف)
(ثم استتبه إن يكن منك قبل=
ولتبر إن لم يرجعن عما عمل)
( (1/231)
صفحة 232
قوله وفي ولي ترك الفرض) الخ (اعلم) أنه إذا أحدث الولي حدثا لا يحل فعله فلا يخلو ذلك الحدث من أحد أمرين: إما أن يكون من الأشياء التي لم تتعلق بها حقوق العباد ولم يكن فيها حق إلا لله وإما أن يكون من الأشياء التي للعباد فيها حق وسيأتي بيان هذا النوع أما إذا كان حدثه من الأشياء التي لا حق للعباد فيها وذلك كترك الفرض الواجب عليه فعله من نحو الصلوات الخمس وصوم رمضان فحكم هذا الولي أن يلتمس له عذر في ذلك الترك ولا يبرأ منه في الحال، لاحتمال أن يكون ترك الصلوات أو أكل ناسيا فإن احتمل ذلك العذر بقي على ولايته وإن لم يحتمل كما إذا نبه على ترك الصلاة وتضييعه الصوم فلم يزدجر أو أقر أنه فعل ذلك بغير نسيان فإنه يوقف عن ولايته حتى يستتاب فإن تاب رجع إلى ولايته وإن أصر برئ منه ومثل هذا ما إذا رأى وليه يصلي بلا وضوء أو يصلي قاعدا ويراه صحيح الجسم يذهب ويجيء وهكذا أما إذا رآه مرتكبا لمحجور بالدين فسيأتي حكمه في الباب الرابع من هذا الركن إن شاء الله تعالى.
(قوله اقتف عذرا له) أي استتبع له عذرا في تركه ذلك الفرض وفيه إشارة إلى المبالغة في طلب العذر للولي إذا كان بينك وبين أخيك المؤمن مثل نسج العنكبوت فلا تهتك ستره.
(قوله عنه قف) أي عن ولايته أي قف عن ولايته إذا لم تجد له عذرا بترك ذلك الفرض ثم استتبه كذا في الأثر، وفيه التفرقة بين ما إذا ترك الولي فرضا بلا عذر وبين ما إذا ارتكب محجورا بلا عذر، فإنه سيأتي أنه إذا ارتكب كبيرة يستتاب فإن أبى برئ منه وقيل يبرأ منه ثم يستتاب وليس فيه قول بالوقوف حتى يستتاب والظاهر أن ترك الفرض بلا عذر وارتكاب الكبيرة سواء لأن الكل كبيرة ولا ينفعه وجود كثرة الاحتمالات في تركه الفرض بخلاف ارتكاب الكبيرة فإن الكلام مفروض عند ارتفاع العذر وبارتفاعه ترتفع الاحتمالات فلا فرق.
( (1/232)
صفحة 233
قوله ثم استتبه) ثم هنا لمطلق الترتيب أي ليست على حقيقتها التي هي التراخي بقرينة المقام لأنه لا يشترط المهملة بين الاستتابة والوقوف فهي فيه مجاز مرسل لعلاقة الإطلاق والتقييد (قوله إن يكن منك قبل) شرط حذف جوابه تقديره إن قبل منك فأرجعه إلى ولايته (قوله ولتبر) أي وابرأ منه فاللام للطلب (قوله لم يرجعن عما عمل) شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه وسمى ترك الفرض عملا بناء على أن الترك فعل كما مر في نظيره.
(وإن أتى الولي ما لله به=
حق وللعباد كالقتل انتبه)
(توله والبعض منهم يقف=
عنه وفي البراة منه ضعف)
(قوله وإن أتى الولي الخ) هذا بيان حكم النوع الثاني من حكم الولي المحدث وهو ما إذا أحدث حدثا للعباد فيه حق كما لله فيه حق كقتل النفس فإنه فيه حقا لله تعالى من حيث النهي عن قتلها بلا حق وفيه حق للعباد لما جعل الله لولي المقتول من السلطان على القاتل فإذا أتى الولي بحدث هذه صورته فإما أن يتبن حقه في ذلك الفعل فلا ينتقل عن حكمه الأول من الولاية وما أن يتبن باطله فلا قول فيه إلا البراءة منه بعد أن يستتاب فلم يتب وفي قول آخر قبل أن يستتاب وإما أن يحتمل حقه وباطله أي لم يقم الدليل على أنه محق في قتله، ولا على أنه مبطل فيه فإنه احتمل كذلك ففيه للائمة ثلاثة مذاهب.
(المذهب الأول): للإمام أبي علي موسى بن علي واختاره الإمام أبو سعيد رضي الله عنه وهو إبقاؤه على ولايته ما دام محتملا أن يكون فعله حقا لأن ولايته ثبتت بيقين ولا يزيل اليقين إلا يقين مثله وهذا المذهب هو الصحيح عندنا والمطابق للقواعد الأصولية لما فيه من استصحاب حال الأصل حتى يتيقن زواله وفي الرجوع عن الولاية إلى ما سيأتي من مذهبي الوقوف والبراءة رجوع عن العلم إلى الشك.
( (1/233)
صفحة 234
المذهب الثاني): لبعض الأئمة الوقوف عن الفاعل لما في فعله من الإشكال حيث احتمل أن يكون حقا وأن يكون باطلا وقد قال الله تعالى ((ولا تقف ما ليس لك به علم))([4]) وقال صلى الله عليه وسلم ((وأمر أشكل عليك فقف عنه))([5]) وفي رواية ((فكله إلى الله)).
(قلنا) ليس في هذا إتباع لما ليس له علم فإنه قد تقدم له العلم بأن الفاعل ولي فهو مقتف لعلمه الأول لا لما لا يعلم وليس مع العلم إشكال فلا وقوف.
(المذهب الثالث): البراءة من الفاعل لما يقتضيه الحكم الظاهر فإن الظاهر في القتل الحجر وهو الأصل ولا يحل إلا بعارض ففي البراءة منه عمل بحكم الأصل ونسب هذا المذهب للإمام أبي جابر موسى ابن أبي جابر رضي الله عنه وضعفه جدا الإمام أبو سعيد رضي الله عنه ووجه تضعيفه له أن فيه تركا للأصل الأول الذي هو الولاية الثابتة بيقين والانتقال عنه إلى أصل آخر لم يتيقن باطل.
(قوله ما لله به حق) أي ما لله حق فيه وحق الله في الأشياء حكمه الذي شرعه على عباده.
(قوله وللعباد) أي فيه حق فهو اكتفاء وحق العباد في الأشياء هو السبيل الذي جعله الله لهم.
(قوله كالقتل) لأن فيه حقا لله وهو النهي عن فعله وحقا للعباد وهو السلطان لوليه (قوله انتبه) أي استيقظ لما سيأتي من الجواب (قوله توله) أي على أصل ما كنت عليه (قوله والبعض منهم يقف) عنه لما فيه من الأشكال عندهم (قوله وفي البراة) بإسقاط الهمزة وكسر الهاء أو بإثباتها وسكون الهاء ضرورة (قوله منه ضعف) أي من الولي وضعف بفتحتين أما الأولى فاصلية على لغة تميم وأما الثانية فتابعة وهو خلاف القوة وقريش تضم أوله وقال بعضهم الضعف بالفتح في الرأي وبالضم في الجسم كذا في المصباح.
(كذا إذا أتى بفعل حجرا=
في الأصل والحل بعارض يرى)
(هذا إذا ما كان فعله احتمل=
حقا وباطلا وإلا حيث حل)
( (1/234)
صفحة 235
قوله كذا إذا أتى بفعل حجرا في الأصل) الخ أي حكم الولي إذا أتى بفعل محجور في الأصل لكن يحتمل أن يكون فعله بحق كحكمه إذا أتى فعلا فيه حق لله وللعباد وذلك كما إذا رأيت الولي يأكل لحما من يد مجوسي فإن ذبيحة المجوسي حرام وحكم ما في يده من اللحم حرام كذلك حتى يعلم أنه ذبح تلك الذبيحة غيره ممن تجوز ذبيحته فإذا رأيت وليك يفعل ذلك ففيه المذاهب المتقدم ذكرها وهي الولاية لاحتمال أن يكون قد علم أن ذلك اللحم حلال والوقوف لما أشكل من أمره والبراءة بما ارتكبه لأن فعله محجور في الأصل.
(قوله والحل بعارض يرى) أي يحتمل ذلك الفعل أن يكون حلالا لعارض عرض عليه وذلك العارض مثلا في لحم المجوسي هو احتمال أن يكون ذبحه من تجوز ذبيحته.
(قوله هذا إذا ما كان فعله احتمل) الخ أي هذا حكمه إن احتمل فعله أن يكون حقا وأن يكون باطلا.
(قوله وإلا حيث حل) أي وإن لم يحتمل فعله إلا أحد الأمرين أم الحق والباطل فأنزله حيث حل المنازل فمثاله إذا لم يحتمل إلا الحق في قتله للنفس كأن ترى إنسانا يعدو إليه يطلب قتله فسبقه فقتله فإن قتله هذا حق لا يزيده في منزلة الولاية إلا علو درجة ومثاله إذا لم يحتمل قتله إلا بالباطل كأن تراه يقتل رجلا وذلك الرجل يستغيث بالله والمسلمين وهو لا ينفك عنه أو ترى المقتول مذعنا بما عليه ينادي إن كان لك علي حق فأنا أؤديه على يد المسلمين وهو لا ينفك عن قتله، فإنه من حين ما أذعن بما عليه أو استغاث بالله أو بالمسلمين وجب الكف عن قتله فالقادم على قتله بعد ذلك قادم على محجور، ومثاله إذا لم يحتمل أكله اللحم من يد المجوسي إلا الحق كأن تعلم أن ذلك اللحم ذكاه من تجوز ذبيحته ومثاله إذا لم يحتمل إلا الباطل كأن تعلم أن ذلك اللحم بعينه ذبحه من لا تحل ذبيحته.
(وفي وليين تخالفا بما=
يوجب كفر واحد فأنبهما)
(تولى بالرأي وإن شئت فقف=
وقوف رأي أن يكونا في ضعف)
(وأن يكونا عالمين تلزم=
ولاية المحق فيما نعلم)
( (1/235)
صفحة 236
قوله وفي وليين) أي والقول في وليين أو الحكم في وليين إلى آخره، فالمحذوف مبتدأ خبره تول بالرأي الخ على مذهب من أجاز الأخبار بالجملة الطلبية.
(اعلم) أنه إذا اختلف المختلفان في الدين فلا يجوز أن يكون كلاهما محقين ويجوز أن يكون كلاهما مبطلين، وأن يكون أحدهما محقا والآخر مبطلا فإذا وقع ذلك في حضرتك أو بلغك علمه من حيث لا تشك فيه فلا يخلو هذان المختلفان من أحد أمرين إما أن يكونا وليين لك فيما تقدم أو غير وليين فإن كانا غير وليين فيما تقدم فأنت في سلامة من أمرهما، اللهم إلا أن يكون المحق منهما عالما فيقيم الحجة عليك ببطلان من خالفه، فحينئذ يلزمك أن تبرأ من المبطل على المذهب المختار، أو يكون الحدث في الجملة فلا يسعك الجهل بضلال المضل أو يكون الحدث في تفسيرها فأنت على ما تقدم من الاختلاف، وإن كانا وليين لك فيما تقدم فلا يخلوان من أحد أربعة أمور: إما أن يكونا ضعيفين معا أو عالمين معا أو المحق عالما والمبطل ضعيفا أو العكس: فإن كانا ضعيفين معا فلك في أمرهما طريقان. الطريق الأول: تنزيلهما من ولاية الدين إلى ولاية الرأي ومعنى ولاية الرأي على ما صرح به العلامة الصبحي وغيره أن تعتقد أنك تتولى المحق منهما وتبرأ من المبطل. (1/236)
صفحة 237
الطريق الثاني: أن تقف عنهما وقوف رأي ومعنى وقوف الرأي أن تعتقد أنك واقف عنهما لما عن لك من الأمر المشكل بحيث لا يجوز أن يكون فيه كلاهما محقا وتعتقد مع ذلك أنك تتولى المحق منهما وتبرأ من المبطل فتلخص مما ذكرنا أنك إذا توليتهما برأي يجوز لك أن تدعو لهما كما كان للولي بشريطة وإذا وقفت عنهما بالرأي فلا يجوز لك أن تدعو لهما بما يستحقه الولي حتى يتبن لك المحق منهما فتواليه والمبطل فتعاديه، وإن كان كلاهما عالما فلا يجوز لك إلا أن تتولى المحق منهما على ما كان عليه من ولاية الدين وتبرأ من المبطل بدين وهذه إحدى طريقتين فيه والطريقة الثانية لا يلزمك البراءة من المبطل منهما إذا لم يتبن لك ضلاله بل يجوز لك أن تتولاه برأي وأن تقف عنه برأي، وهذه الطريقة موقوفة على شرطين أحدهما: أن لا تجمع المختلفين في ولاية الدين وثانيهما: أن لا تبرأ من المحق منهما لأجل قوله بالحق وأن لا تقف عنه برأي ولا دين وإن كان المحق عالما والمبطل ضعيفا فهما بمنزلة أن لو كانا عالمين وإن كان المبطل عالما والمحق ضعيفا فهما بمنزلة أن لو كانا ضعيفين.
(قوله مما يوجب كفر واحد) أي منهما والمراد بالكفر ما هو أعم من الشرك وكفر النعمة، واحترز بالخلاف الموجب لكفر واحد منهما عن الخلاف الذي لم يوجب كفرا كما إذا اختلفا في شيء من المسائل الاجتهادية ولم يضلل بعضهم بعضا.
( (1/237)
صفحة 238
قوله فأنبهما) أي فخفي حكمه على السامع والألف للإطلاق (قوله تولى بالرأي) أي تولاهما ولاية رأي وولاية الرأي هنا هي أن تبقيهما على ولايتهما الأصلية مع اعتقاد البراءة من المبطل منهما وفي غير هذا الموضع (وهي) أن تتولى وليك على أصل ما كان عليه من الولاية مع اعتقاد البراءة منه إن كان حدثه يخرجه من الولاية إلى البراءة (وولاية) الرأي هي ولاية الشريطة وبعضهم يعبر بولاية الشريطة عن الولاية في الجملة (وأما) براءة الشريطة فهي أن تبرأ من الفاعل إن كان حدثه يفضي به إلى البراءة وبراءة الشريطة ملازمة لولاية الرأي، أي لا تكون ولاية الرأي في أحد لا وتلازمها فيه براءة الشريطة. (واعلم) أن التعبير بولاية الرأي وبراءة الشريطة عما ذكرنا إنما هو اصطلاح لأئمتنا أهل المشرق أما أئمتنا من أهل المغرب فليس معهم هذا الاصطلاح، وإنما يجعلون الولي على ولايته لكن يلزمون المكلف اعتقاد البراءة من كل عدو لله فهم متفقون معنى هذا المقام وليس في الاصطلاح مشاحة.
(قوله وإن شئت فقف وقوف رأي) أي وإن شئت فقف عنهما وقوف رأي لا وقوف دين (ووقوف) الرأي هو أن تعتقد أنك واقف عنهما لما أشكل عليك من أمرهما حتى يتبن لك حق واحد منهما فترده إلى ولايته وبطلان الآخر فتبرأ منه وهذا المذهب لبعض أئمتنا من أهل عمان، ومثلوا لذلك بالآنية النجسة إذا اختلطت بالأواني الطاهرة وبلحم الميتة إذا اختلطت بالمذكى وبالزوجة إذا اختلطت بغيرها من النساء ولم تعلم فإنه يجب الوقوف في جميع هذه الأمثلة حتى يتبن المباح من غيره.
(واعلم) أن الفرق بين وقوف الرأي ووقوف الدين هو أن وقوف الرأي إنما تقف عن الولي أو عن الوليين حتى يتبن لك أن ذلك الحدث الذي وقفت لأجله لا يكفر به صاحبه فترجعه إلى الولاية ووقوف الدين إنما تقف عن المكلف لما جهلت من حاله ولا ينقله عن هذا الوقوف إلا موجب الولاية أو موجب البراءة.
( (1/238)
صفحة 239
والفرق) بين وقوف الرأي وولاية الرأي أن ولاية الرأي إبقاء الولي على ولايته مع اعتقاد البراءة منه إن كان حدثه يفضي به إلى البراءة ووقوف الرأي هو خروج عن حيز الولاية وثمرة الخلاف فيهما أن المتولي بولاية الرأي يصح أن يدعى له بخير الآخرة ولا يصح في الموقوف عنه برأي كما تقدم (قوله أن يكونا في ضعف) بفتحتين على ما مر أي إن كان الوليان المختلفان في ضعف من قبل العلم فلك فيهما هذان الطريقان وإنما جاز الوقوف بالرأي في الوليين الضعيفين إذا اختلفا دينا لما أشكل من أمرهما ولم يجز ذلك في العالمين المختلفين بالدين لأن المحق منهما حجة بنفسه لما في يده من الحق، فلا يصح أن تترك ولايته مع نطقه بالحق الذي هو حجة فيه بنفسه، والضعيف لا يكون حجة في شيء من ذلك فهو على ما أشكل من أمره (قوله وإن يكونا) أي الوليان المختلفان بالدين (قوله عالمين) أي بالكتاب والسنة والإجماع وبكيفية استنباط الأحكام من هذه الثلاثة (قوله تلزم ولاية المحق) أي يجب إبقاء المحق منهما على ولايته ولا يصح نقله منها إلى غيرها لأن في نقله عن ولايته ظلما لحقه وجهلا لحجته (قوله فيما نعلم) أي لأنا لم نجد خلافا في ذلك.
(وأوجبن براءة من المصر=
وقيل من لم يتوله عذر)
(ومن تولى محدثا لفعله=
قالوا فذاك هالك كمثله)
(قوله وأوجبن براءة من المصر) أي واحكم بوجوب البراءة من المخطئ منهما لأن قول العالم المحق حجة في ذلك أي إذا قال العالم المحق إن فلانا هذا خالفني في ديني وهو مبطل بذلك القول حجة منه على السامع تجب البراءة من المبطل هذا كله على المذهب المختار من أن العالم الواحد حجة في ما يسع جهله من الدين.
(قوله وقيل من لم يتوله عذر) أي وفي قول ثان أن من لم يتول المبطل فهو معذور وذلك كما إذا أخرجه من ولاية الدين إلى ولاية الرأي أو إلى وقوف الرأي فإنه واسع له على هذا القول وهذا القول مبني على القول بأن العالم الواحد ليس بحجة فيما يسع جهله من الدين. (1/239)
صفحة 240
قوله ومن تولى محدثا لفعله) الخ أي ومن تولى محدثا لحدث لا يحل دينا عن حدثه ذلك فهو هالك كهلاك فاعل الحدث لأنهما فيه سواء قال الله تعالى ((ومن يتولهم منكم فإنه منهم))([6]) وقال تعالى ((قل فل تقتلون أنبياء الله من قبل))([7]) وليس المخاطبون هم القاتلين وإنما القاتل آبائهم لكنهم كانوا يتولونهم فسمي الرب تعالى متولي القاتل قاتلا وقال صلى الله عليه وسلم ((من أحب قوما فهو منهم))([8]) ولهذه الدلالة حرم ولاية الناس كلهم لأن فيهم المشرك والمنافق فمن تولاهم كلهم فهو فاسق لأن من تولى المشرك ضال وقيل مشرك ومن يتولهم منكم فإنه منهم ولهذه الأدلة أيضا حرم البراءة من الناس كلهم لأن فيهم الأنبياء والأولياء أيضا وحرم الوقوف عن الناس كلهم لأن فيهم من تجب عليه ولايته وفيهم من تجب عليه البراءة منه وقطع عذر المتولي لهم كلهم والمتبرئ منهم كلهم والواقف عنهم كلهم خلافا لمن قال يعذر في الولاية لهم كلهم لاحتمال أن يكون أراد البعض منهم وعبر عنه بالكل والقرينة الصارفة عن الكل كونه موحدا لأنا نقول: إن هذا الاحتمال موجود في الثلاثة المواضع فإن عذر في جانب الولاية لذلك الاحتمال وجب عذره في جانبي البراءة والوقوف لأن ذلك الاحتمال موجود فيهما أيضا كذا قال القطب رحمه الله في المذهب (قوله قالوا) أي المسلمون جميعا ففيه إشارة إلى الإجماع (قوله فذاك هالك) أي فذلك المتولي للمحدث هالك مثل المحدث والفاء رابطة لجواب الشرط وحملة القول معترضة بين الشرط وجوابه.
(قوله كمثله) أي مثل هلاك المحدث فالكاف زائدة والمضاف محذوف.
--------------------------------------------------------------------------------
[ (1/240)
صفحة 241
1] ـ هو عبدالله بن إباض المقاعسي المري التميمي من بني مرة بن عبيد بن مقاعس رأس الإباضية وإليه نسبتهم اضطرب المؤرخون في سيرته وتاريخ وفاته وكان معاصرا لمعاوية، وعاش إلى أواخر أيام عبد الملك بن مروان عده الشماخي في التابعين وقال: كان على ما حفظت ممن خرج إلى مكة لمنع حرم الله من مسلم (بن عقبة المري) عامل يزيد بن معاوية، وكان كثيرا ما يبدي النصائح لعبد الملك بن مروان، وفي حفظي أنه يصدر في أمره عن راي جابر بن زيد.
نشا في زمان معاوية بن أبي سفيان وعاش إلى زمان عبد الملك بن مروان وكتب إليه بالسيرة المشهورة وأراد بالسيرة رسالة بعث بها عبدالله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان يقول فيها بعد البسملة والمقدمة: جاءني كتابك مع سنان بن عاصم الخ ويذكر فيها أنه أدرك معاوية ورأى عمله وسيرته ونقل نشوان الحموي عن أبي القاسم البلخي المعتزلي حكى أصحابنا يعني المعتزلة أن عبدالله لم يمت حتى ترك قوله أجمع ورجع إلى الإعتزال) الخ توفي عام 86 هـ.
راجع في دائرة المعارف الإسلامية الأباضية.
[2] ـ سبقت الترجمة له في هذا الجزء.
[3] ـ الحديث رواه الأمام البخاري في كتاب الاستقراض الإبل 2390- حدثنا شعبة أخبرنا سلمة بن كهيل قال سمعت أبا سلمة عن أبي هريرة- رضي الله عنه: أن رجلا تقاضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأغلظ له، فهم به أصحابه فقال: دعوه فإن لصاحب الحق مقالا واشتروا له بعيرا فأعطوه إياه.
ورواه أيضا 13 باب لصاحب الحق مقال 3401 عن سلمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة –رضي الله عنه وذكره.
ورواه الأمام مسلم في المساقاة 120 وأحمد بن حنبل في المسند 4: 268، 416، 456 (حلبي).
[4] ـ سورة الإسراء آية رقم 36.
[ (1/241)
صفحة 242
5] ـ الحديث رواه ابن ماجه في المقدمة 8 باب اجتناب الرأي والقياس 55 حدثنا الحسن بن حماد، سجادة، ثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن محمد بن سعيد بن حسان عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم، ثنا معاذ بن جبل قال: لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال: لا تقضين ولا تفصلن إلا بما تعلم وإن أشكل عليك أمر فقف حتى تبينه أو تكتب إلي فيه)).
[6] ـ سورة المائدة آية رقم 51 وتكملة الآية: ] إن الله لا يهدي القوم الظالمين [.
[7] ـ سورة البقرة آية رقم 91 وصدر الآية (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه، وهو الحق مصدقا لما معهم).
[8] ـ الحديث رواه البخاري في كتاب الأدب 96 باب علامة الحب في الله لقوله تعالى (إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله).
6169 حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي وائل قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، كيف تقول في رجل أحب قوما ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (المرء مع من أحب).
الباب الثالث(من الركن الثالث(في أقسام الوقوف وأحكامه)
أراد بأقسامه أنواعه الخمسة الآتي بيانها، وبأحكامه أحكام كل نوع منها وآخر هذا الباب عن الذين قبله لأن المصير إليه عند تعذر موجبات الولاية والبراءة، وقدمه على الذي يليه لأنه ضد الولاية والبراءة فناسب أن يذكر عقبهما.
( (1/242)
صفحة 243
والوقوف) لغة: انتصاب القامة واصطلاحا: هو الكف عن القدوم في أحد بولاية أو براءة وهو في موضعه واجب لقوله تعالى ((ولا تقف ما ليس لك به علم))([1]) ولقوله صلى الله عليه وسلم ((وأمر أشكل عليك فقف عنه))([2]) وقوله عليه الصلاة والسلام ((المؤمن وقاف والمنافق وثاب)) وعلى هذا اجتمعت الأمة المحمدية فوجوبه ثابت بالكتاب والسنة والإجماع وله أقسام خمسة كلها مختلف فيها إلا الأول فإنه محل الإجماع الذي ذكرناه وكلها يجوز الأخذ به على خلاف في بعضها إلا الخامس الذي هو وقوف الشك.
(القسم الأول): وهو المجتمع عليه وقوف الدين وسماه بعض وقوف السلامة ومحله في مكلف لم تعلم حاله بصلاح ولا فساد، فإنه يجب عليك الوقوف عن ولايته وعن البراءة منه دينا وفي الكفاية وقوف السلامة هو أن يقف عن الفتيا بجهله بعدلها ويتولى العالم المفتي بها أو يقف عن المحدث ويتولى من برئ منه من العلماء أو يقف عن المحق ويتولى من تولاه من العلماء فإن وقف عن المفتي والمتولي والمتبرئ فقد دخل فيما لا يسعه جهله لأنه قد وقف وقوف الشك المهلك لأهله وعلى هذا فأقسام الوقوف ستة.
(القسم الثاني): وقوف الرأي ومحله فيما إذا كان لك ولي أحدث حدثا لا تدري أنت حكمه فإنه يجوز لك عند بعض أن تقف عنه حتى تعلم حكم حدثه فترده إلى الولاية إن كان حدثه له يخرجه منها.
(القسم الثالث): وقوف السؤال وهو وقوف الرأي بعينه لكن بعض القائلين بوقوف الرأي أوجبوا على الواقف وقوف الرأي السؤال عن حكم حدث وليه فسموا الوقوف مع اعتقاد السؤال عن حكم الولي وقوف سؤال فهو مع من قال به ملازم لوقوف الرأي.
(القسم الرابع): وقوف الإشكال ومحله في الوليين إذا تلاعنا أو تقاتلا ولم يعلم المبطل منهما من المحق فإن بعض الأصحاب جوز الوقوف عنهما لما أشكل من أمرهما حتى يعلم المحق منهما فيتولى والمبطل فيبرأ منه وسموا هذا الوقوف وقوف إشكال لا يخفى أنه نوع من وقوف الرأي.
( (1/243)
صفحة 244
القسم الخامس): وقوف الشك وهو أن يقف الواقف عن ولاية جميع الناس فلا يتولى أحدا منهم إلا من شك مثل شكه وهذا الوقوف محرم لا يجوز الأخذ به لما فيه من ترك ولاية المحق بعد وجوبها ولما فيه من الولاية لمن ترك ولاية المحق بعد وجوبها أيضا.
(وقوف دين رأي أو سؤال=
إشكال أو شك على ضلال)
(قوله وقوف دين) أي منهما وقوف دين فهو مبتدأ محذوف الخبر وقدم وقوف الدين على سائر الأقسام لأنه محل الإجماع كما تقدم (قوله رأي) أي ومنها وقوف رأي فحذف المبتدأ لدلالة ما قبله عليه وحذف الخبر للعلم به من المقام فهو على حد قوله تعالى ((واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر))([3]) واللائي لم يحضن أي فعدتهن كذلك وحذف العاطف لجواز حذفه وكذا القول في نظيره وقدم وقوف الرأي على ما يليه لأنه أعم منهما فبعض القائلين بوقوف الرأي لم يقولوا بوقوف السؤال.
(قوله أو سؤال) أي أو وقوف سؤال وأو بمعنى الواو أي ومنها وقوف سؤال (قوله بكسرة الهمزة) أي ومنها وقوف إشكال والإشكال لغة الالتباس فهذه الوقفات كلها مختلف فيها ما عدا الأول والمختار عندي وفاقا لجمهور أهل المغرب عدم جوازها لما فيها من الرجوع عن اليقين إلى الشك ومن العلم إلى الجهل.
(بيان) ذلك: أنه إذا كان لك ولي فأنت على يقين من ولايته فإذا أحدث حدثا لا تعرفه وتركت ولايته لذلك كنت راجعا عن يقينك فيه إلى الشك وربما كان ذلك الحدث الذي جهلته أنت فعل طاعة فتترك ولايته لأجلها فالواجب عليك في وليك أن تبقيه على ولايته حتى تعلم ضلالته واعتقاد البراءة في الجملة من كل ضال مجز لك إن كان حدثه قد أخرجه عن حد البراءة تتولاه على ما عندك من العلم السابق، وتبرأ منه في الجملة إن كان عدوا لله (قوله على ضلال) أي ومنها وقوف على ضلال أي ملتبس بضلال.
(فالدين في كل فتى لم تعهد=
خيرا وشرا منه كيما تقتدي)
(والرأي في الولي إن تسنما=
أمرا عليك حكمه قد أبهما)
( (1/244)
صفحة 245
وقيل والسؤال مع ذا يلزم=
فهو حليف الرأي مع من الزموا)
(قوله فالدين) أي فإذا أردت أن تعرف محل كل واحد من الوقفات على سبيل اللف والنشر فوقوف الدين كذا الخ (قوله في كل فتى لم تعهد الخ) أي فمحل وقوف الدين كل مكلف لم يتقدم له عندك ما يوجب الولاية ولا ما يوجب البراءة وعبر بالفتى عن المكلف على سبيل المجاز الإرسالي لعلاقة الإطلاق والتقييد وفائدة التجوز الإشارة إلى أن جميع الصبيان في الولاية كما هو المذهب المختار.
(بيان): أخذ هذه الفائدة من ذلك التجوز أن لفظ فتى لا يطلق بموجب ولاية ولا بموجب براءة (قوله خيرا وشرا) المراد بالخير هنا موجب الولاية وبالشر موجب البراءة ففي التعبير بهما مجاز إرسالي لعلاقة الإطلاق والتقييد وفائدة التجوز بهما التنبيه على أن موجب الولاية لا يكون إلا خيرا وموجب البراءة لا يكون إلا شرا.
(قوله كيما تقتدي) أي كي تقتدي بواحد من الخير أو الشر المذكورين فما زائدة كافة لكي عن نصب الفعل (قوله والرأي في الولي الخ) أي وحل وقوف الرأي الولي إذا أتى بحدث لا تدري أنت حكمه (قوله إن تسنما أمرا) أي إن ركب فعلا ففي إطلاق الأمر على الفعل مجاز عند بعض، وفي البيت تشبيه الأمر بمركوب له سنام لأن التسنم ركوب على السنام والمشبه به محذوف ذكر من لوازمه التسنم فالمحذوف استعارة بالكناية واللازم استعارة تخييلية (قوله قد أبهما) بالبناء للمفعول أخفي، والمراد أنه لم يفتح الله لك معرفة حكم ذلك الحدث الذي ارتكبه وليك.
(قوله وقيل والسؤال مع ذا يلزم) أي وذهب بعض من قال بوقوف الرأي مع اعتقاد السؤال وقوف سؤال (قوله فهو حليف الرأي) أي فوقوف السؤال ملازم لوقوف الرأي مع من قال بوجوب السؤال على الصبي حقيقة ومعنى لم تعد أي لم يتقدم في وجودك فيه والقائلون بوجوبه في وقف الرأي قالوا بوجوبه في وقوف الإشكال لكن وقوف الإشكال نوع من وقوف الرأي.
( (1/245)
صفحة 246
قوله مع من ألزموا) أي مع الذين قالوا إن السؤال لازم (قوله وفي وليين الخ) أي لعن كل منهما الآخر أو برئ كل واحد منهما من الآخر ولم يعلم أيهما البادي أما إذا علم أيهما البادي فيحكم عليه بالظلم كما في الحديث ((إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما))([4]) إن كان الذي قيل له كافرا فهو كافر وإلا رجع على من قال.
(قوله أحكم وقوف إشكال) أي أحكم فيهما بوقوف الإشكال لما أشكل من أمرهما (قوله إذا لم يعلم بطلان كل منهما) أي أو أحدهما والمعنى أن وقوف الإشكال في الوليين إذا تلاعنا محله إذا لم يعلم أنهما مبطلان معان في لعن بعضهما بعضا أو أن المبطل واحد بعينه وفيه إشارة إلى أنه يمكن أن يكونا مبطلين معا وأن يكون المبطل واحدا منهما دون الآخر وعدم إمكان حقيقتهما معا (قوله والشك أن لا تولي غير من يشك) أي ووقوف الشك صورته أن لا تتولى غير من يشك مثل شكك وهو حرام لما تقدم من أنه فيه تعطيل الولاية لمن وجبت ولايته.
-----------------------------------------------------------------------------
[1] ـ سورة الإسراء آية رقم 36 وتكملة الآية (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا).
[2] ـ الحديث رواه ابن ماجة في المقدمة 8 باب اجتناب الرأي والقياس 55 حدثنا الحسن بن حماد سجادة، ثنا يحيى بن سعيد الأموي عن محمد بن سعيد بن حسان عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم، ثنا معاذ بن جبل قال: لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال: وذكره.
[3] ـ سورة الطلاق آية رقم 4.
[4] ـ الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب الأدب 73 باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال. 6103 حدثنا عثمان بن عمر أخبرنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وذكره. (1/246)
صفحة 247
وقال عكرمة بن عمار عن يحيى بن عبدالله بن يزيد سمع أبا سلمة سمع أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم
ورواه أيضا بسنده عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وذكره.
ورواه الإمام مسلم في إيمان 111 وصاحب الموطأ في الكلام 1 وأحمد بن حنبل في المسند 2: 18، 44، 60، 77، 105، 113 (حلبي).
الباب الرابع (من الركن الثالث)(في الصغائر والكبائر.....
الباب الرابع (من الركن الثالث)(في الصغائر والكبائر من الذنوب وأحكام ذلك)
ناسب ذكره في هذا الركن لأن ارتكاب الكبائر موجب للبراءة وارتكاب الصغائر له أحكام تناسب المقام أيضا ثم إنه لا بد للعالم بالولاية والبراءة من أن يكون عالما بالصغائر والكبائر من الذنوب، والمراد من علمه بالصغائر والكبائر تمييزه بين الأحوال التي يكفر بها المكلف والأحوال التي لا يكفر بها، فيحتاج أولا إلى معرفة حدودهما ليميز بينهما إجمالا ثم يحتاج إلى معرفة أحكام كل واحد منهما. وبدأ المصنف بذكر حد الكبائر ثم ضبط الصغائر بأنها عكس الكبائر والمراد أن ما عدا الكبير من الذنوب فهو صغير وقد ذكر ابن حجر([1]) للكبائر حدودا أحدهما: أنهما ما لحق صاحبها عليها بخصوصها وعيد بنص كتاب أو سنة، فخرج بالخصوص ما اندرج تحت عموم فلا يكفي ذلك في كونه كبيرة بخصوصه.
(ثانيها): أنها كل معصية أوجبت الحدود بأنهم نصوا على كبائر كثيرة ولا حد فيها كأكل الربا ومال اليتيم والعقوق وقطع الرحم والسحر والنميمة وشهادة الزور والسعاية والقيادة والرياسة وغيرها.
(ثالثها): أنها كل ما نص الكتاب على تحريمه أو وجب في جنسه حدا وترك فريضة تجب فورا والكذب في الشهادة والرواية واليمين وزاد الهروي([2]) وشريح([3]) وكل قول خالف الإجماع العام.
(رابعها): كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين رقة الديانة مبطلة للعدالة وكل جريمة لا تؤذن بذلك بل يبقى حسن الظن ظاهرا بصاحبها لا تحبط العدالة. (1/247)
صفحة 248
قال الأذرعي([4]) وإذا تأملت بعض ما عد من الصغائر توقفت فيما أطلقه أ. هـ واعتذر عنه ابن حجر بما حاصله وإذا تأملت كلام الإمام الأول ظهر لك أنه لم يجعل ذلك حدا للكبيرة خلافا لمن فهم منه ذلك، لأنه يشمل صغائر الخسة وليست بكبائر، وإنما ضبط به ما يبطل العدالة من المعاصي الشامل لصغائر الخسة نعم هذا الحد أشمل من التعريفين الأولين لصدقه على سائر مفردات الكبائر ولكنه غير مانع لما علمت أنه يشمل صغائر الخسة ونحوها.
(خامسها): أنها ما أوجب الحد أو توجه إليه الوعيد والصغيرة ما قال فيه الإثم.
(سادسها): أنها كل محرم لعينه منهي عنه لمعنى في نفسه فإن فعله على وجه يجمع وجهين أو وجوها من التحريم كان فاحشة فالزنا كبيرة وبحليلة الجار فاحشة والصغيرة تعاطي ما تنقص رتبته عن رتبة المنصوص عليه أو تعاطيه على وجه دون المنصوص عليه، فإن تعاطاه على وجه يجمع وجهين أو وجوها من التحريم كان كبيرة فالقبلة واللمس والمفاخذة صغيرة ومع حليلة الجار كبيرة، كذا نقل عن الحليمي وفيه نظر.
(سابعها): أنها كل فعل نص الكتاب على تحريمه أي بلفظ التحريم وهو أربعة أشياء أكل لحم الميتة والخنزير ومال اليتيم ونحوه والفرار من الزحف ورد بمنع الحصر في الأربعة.
( (1/248)
صفحة 249
ثامنها): أنه لا حد يحصرها يعرفه العباد واعتمده الواحدي([5]) من الشافعية وبعض أصحابنا قالوا: لو أن للكبيرة حدا يحصرها يعرفه العباد لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها ولكن الله عز وجل أخفى ذلك عن العباد ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه رجاء أن تجتنب الكبائر، ونظائره إخفاء الصلاة الوسطى وليلة القدر وساعة الإجابة ونحو ذلك أ. هـ وقال الغزالي([6]): ولا مطمع في معرفة الكبائر مع الحصر إذ لا يعرف ذلك إلا بالسمع ولم يرد وقال مرة أخرى: كل معصية يقدم المرء عليها من غير استشعار خوف ووجدان ندم تهاونا واستجراء عليها فهي كبيرة وما يحمل على فلتات النفس ولا ينفك عن ندم يمتزج بها وينقص التلذذ بها فليس بكبيرة. واعترض العلامي ما قاله هنا بأنه إن كان ضابطا للكبيرة من حيث هي فهو مشكل جدا إذ يرد عليه من ارتكب نحو الزنا نادما عليه فقضيته أنه لا تنخرم به عدالته ولا يسمى كبيرة حينئذ، وليس كذلك اتفاقا وإن ضابطا لما عدا المنصوص عليه فهو قريب أ. هـ بتصرف. ولما كان الحد الخامس من هذه الحدود هو الذي عول عليه الإمام رضي الله عنه وجمهور الأصحاب – رحمهم الله – وكان ما عداه من الحدود مدخولا عول عليه الناظم أيضا.
(والذنب قسمان كبير وجبا=
حد به والباري منه غضبا)
(فأوجب اللعن عليه أو سخط=
أو قبح الرسول من به سقط)
( (1/249)
صفحة 250
قوله الذنب قسمان) المراد بالذنب ما يشمل الإثم والزلة ونحوهما ولذا صح له تقسيمه إلى صغير وكبير (قوله كبير) أي القسم الأول كبير (قوله وجبا حد به) أي الكبير ما وجب بسببه حد في الدنيا على فاعله كالسرقة فإنها موجبة للقطع وكشرب الخمر فإنه موجب للجلد (قوله منه غضبا) أي ومن الكبيرة ما ذكره الله تعالى مقرونا بالغضب (قوله فأوجب اللعن) عليه مرتب على قوله والباري منه غضبا والمراد بغضب الله تعالى عقوبته وبلعنه الطرد عن رحمته (قوله أو سخط) معطوف على غضب والسخط والغضب من الله بمعنى (قوله أو قبح الرسول) بضم اللام فاعل قبح أي ومن الكبير ما قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم ((قبح الله فاعل كذا)) وحاصل ما ذكره أن الكبير من الذنوب هو ما ثبت فيه حد في الدنيا أو عذاب في الآخرة (قوله من به سقط) أي من وقع فيه.
(وعكسه الصغير مثل الكذب=
إن خف والرقص ومثل اللعب)
(ومن أصر لصغير فكمن=
أتى الكبير في الكتاب والسنن)
(قوله وعكسه الصغير) أي عكس الكبير من الذنوب هو الصغير والمراد بالعكس هنا مطلق المخالفة أي ما عدا الكبير من الذنوب فهو صغير بناء على المذهب المشرقي أن الصغائر موجودة في الخارج وأنها معلومة للعلماء وهو مذهب النكار وجمهور قومنا وذهب أصحابنا من أهل المغرب وبعض أهل المشرق إلى أنها موجودة لكنها غير معينة إذ ليس في تعيينها حكمة لأنها لو عينت وهي مغفورة كان تعيينها إغراء بارتكابها والغرض أنها حرام منهي عنها فيناقض تعيينها النهي عنها.
(قلنا): غفرانها موقوف على اجتناب الكبائر ولا يدري المرء أنه يموت على كبيرة أم لا فليس في تعيينها إغراء وفي قول ثالث ونسب إلى ابن عباس رضي الله عنه أن الصغائر لا وجود لها في الخارج أخذا من قوله كل معصية يعصى بها الله فهي كبيرة إذ ليس النظر إلى المعصية وإنما النظر إلى من يعصى.
( (1/250)
صفحة 251
وذهب) مالك([7]): إلى أن الكبائر معاصي أهل البدع والصغائر معاصي أهل السنة وهو باطل لأن في معاصي أهل السنة الزنا وشرب لخمر وقتل النفس، إلى غيرها من الكبائر التي جاء النص بأنها موبقات.
(وقيل) إن الكبائر معاصي إبليس والصغائر معاصي من سواه وهو باطل أيضا لأنه إما أن يريد بمعصية إبليس الاستكبار والوسوسة للناس وبغض الحق وأهله فالكبائر غير منحصرة فيما ذكر، وإما أن يريد بها أن المعاصي التي تصدر من غير إبليس صغائر مطلقا ولا تصدر الكبيرة إلا من إبليس فيلزمه جعل الشرك وقتل النفس والزنا وشرب الخمر ونحوهما من غير إبليس صغائر ولا يشك عاقل في بطلانه.
(قوله مثل الكذب إن خف) هذا وما بعده مثال للصغير من الذنوب بناء على مذهب المشارقة للقائلين بتعيينها فمن ذلك الكذب الخفيف والمراد بالكذب الخفيف هو الذي لم يكن كذبا على الله أو رسوله ولا يسفك به دم ولا يتلف به مال.
(وقيل) هو كبيرة مطلقا أي كان خفيفا أو ثقيلا (وقيل) إن كان الكذب على غير الله تعالى وغير رسوله صلى الله عليه وسلم فهو صغيرة (ومن ذلك) اللطمة إذا لم تؤثر.
(وقيل) هي كبيرة مطلقا وصححه القطب رحمه الله تعالى قيل (ومن ذلك) التعري نهارا حيث لا يراه أحد (قيل) ومن ذلك التعري ليلا أيضا (ومن ذلك) دخول الحمام في ظلمة بلا ثوب (ومن ذلك) الدخول بلا إذن والغيبة وقيل هما كبيرتان قال القطب رحمه الله وهو الصحيح.
(قوله والرقص) أي ومثل الرقص أي ومن الصغائر الرقص (ومنها) أيضا ضرب الدف بلا غناء ولا اجتماع (وقيل) كبيرة ما لم يغن عليه فهو صغيرة وقيل ما لم يجتمع عليه فهو صغيرة قال القطب رحمه الله تعالى وليس ضرب الطبل لحاجة غير لهو معصية كضربه لجمع الناس أو لإنفارهم أو لإشهار نكاح وكضربه عند ملدوغ حية لئلا يغشى عليه بلا صوت يلتذ به.
( (1/251)
صفحة 252
ومنها) أيضا المزمار (ومنها) أيضا ضرب الطنبور (ومنها) أيضا آلات اللهو (قوله ومثل اللعب) المراد باللعب الغير المقرون باللعن كلعب الشطرنج ونحوه وغير المقرون بالإباحة كملاعبة الرجل عرسه وفرسه ورميه قوسه.
(قوله ومن أصر لصغير) أي على صغير الخ هذا بيان حكم الصغائر (اعلم) أن للصغائر حكمين.
(أحدهما) أنها مغفورة بفعل الحسنات بشرط اجتناب الكبائر قال تعالى ((إن الحسنات يذهبن السيئات))([8]) وقال تعالى ((إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم))([9]) والمراد بالسيئات هنا الصغائر وقال تعالى ((والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة))([10]) والمراد باللمم الصغائر من الذنوب (والحكم الثاني): أن الإصرار عليها كبيرة قال تعالى ((ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون))([11]) فمدحهم بعدم الإصرار على المعصية وفي مدحه تعالى بعدم الإصرار ذم للإصرار وما ذمه الله تعالى فهو كبير.
(بيانه) أنه تعالى لا يذم شيئا وهو يرضاه لعباده وقد قال تعالى ((ولا يرضى لعباده الكفر))([12]) فاستنتج من الآيتين أن الإصرار كفر نعمة وفي هذا الاستدلال ما لا يخفى فينبغي التعويل على صريح ما يأتي من أحاديث لشهرتها وتلقي الناس لها بالقبول قال صلى الله عليه وسلم ((الإصرار على الصغائر كبيرة)) وقال ((هلك المصرون قدما إلى النار))([13]) (قوله فكمن أتى الكبير) أي في حكم الولاية والبراءة في أحكام الآخرة ويبحث فيه الإصرار على الصغيرة كبيرة وفاعل الإصرار فاعل الكبيرة، فيلزم المصنف تشبيه الشيء بنفسه، ويجاب بأن في كلام المصنف بيان أن فاعل الإصرار آت لكبيرة لكن لما كان كون الإصرار على الصغيرة كبيرة يخفى على كثير من العوام فيعتقدون الإصرار عليها بجهلهم صغيرة أيضا خاطبهم بما وقع في أذهانهم فشبه لهم المصر بفاعل الكبيرة هذا ما اقتضاه الحال ومقتضى الحال مراعى في البلاغة.
( (1/252)
صفحة 253
قوله في الكتاب) أي القرآن العظيم أي هذا الحكم في الكتاب إلى آخره (وقوله السنن) جمع سنة وهي أقواله وتقريراته عليه الصلاة والسلام وعبر بالجمع مكان المفرد تجوزا على حد: شابت مفارقه وما له إلا مفرق واحد أو تقول جمعها باعتبار أن كل حديث من الأحاديث سنة أو باعتبار تعدد سنن الأنبياء فإنه مما انطبقت على تحريمه سنن الأنبياء إذ لا يجوز لنبي أن يحله.
(وراكب الكبير توبه فان=
أبى إلى الله ببعضه فدن)
(وبعضهم ضلله وتوبا=
ثم استمر أن عن التوب أبى)
(قوله وراكب الكبير توبه الخ) هذا بيان حكم راكب الكبير من الذنوب بالنظر إلى الخلق، أما حكم الكبير على نفسه فيؤخذ من تعريفه الكبائر بأنها ما وجب عليها حد في الدنيا أو عذاب في الآخرة فوجوب الحد في الدنيا ووجوب العذاب في الآخرة حكمان للكبير من الذنوب.
(اعلم) أن لراكب الكبير حكمين أحدهما: بالنظر إلى ما بينه وبين ربه وهو ما أوعده الله به من العذاب في الدارين بالحد والعقوبة، أو بالعذاب في الآخرة إلا إذا تاب من ذنبه.
وثانيهما: بالنظر إلى الخلق وهو البراءة منه والمعاداة له فيجب على كل مكلف علم فسقه أن يبرأ منه ويضلله لكن اختلفت الأئمة في القدوم على البراءة منه قبل الاستتابة فبض ذهب إلى أنه لا يبرأ منه حتى يستتاب فإن تاب قبل منه وإن أبى برئ منه وهو اختيار الإمام رحمه الله تعالى مستدلا عليه بأنه لا يحكم على أحد بشيء إلا بعد الاحتجاج عليه إن أمكن إجماعا واستدل عليه غيره بقوله تعالى لإبليس ((ما منعك أن تسجد إذ أمرتك))([14]) فلم يعاجله بالطرد حتى استخبره، والله عالم بكل شيء وإنما هو تعليم لعباده وإظهار لما في حكمته فيستفاد من الآية ثبوت إقامة الحجة. (1/253)
صفحة 254
وذهب آخرون إلى أنه يبرأ منه قبل أن يستتاب وصححه القطب رحمه الله تعالى فإن تاب قبل منه وإن أبى بقي على حكم البراءة، ولأهل هذا القول أنه من حين ما ركب الكبيرة صار عدوا لله ووجبت علينا معاداته فالوقوف عنه بعد وجوب المعاداة وقوف عن الواجب، وإهمال عن إنفاذ الحكم لا احتجاج عليه فيما لا يحتل إلا باطلا وموضع الاحتجاج على المحكوم عليه إنما هو في شيء يكون له فيه مخرج عن الباطل ولا مخرج لراكب الكبيرة أصلا فإنها لا تقع بخطأ. (وأما) الآية فليس فيها إلا أنه تعالى استخبره عما منعه عن السجود إظهارا لحجته عليه فهي دليل على حلمه تعالى وعفوه ولا يجب علينا الإقتداء في مثل ذلك فكثير مما عفا عنه بحلمه أوجب علينا نحن أن نعاجله بالإتلاف، فالكفار أخر الله عنهم العذاب في الدنيا وأعطاهم الأموال والخول، وألزمنا عند القدرة أن نقتلهم ونسبي
ذراريهم ونغنم أموالهم وغاية ما في الآية الإخبار عن اتصافه تعالى بالحلم لا إيجاب ذلك علينا.
(قوله توبه) أي إذا قدرت على ذلك وظاهر كلام الجامع أن التتويب واجب عليك، وجعله الإمام من باب الأمر بالمعروف فأوجبه عند القدرة.
( (1/254)
صفحة 255
قوله فإن أبى) أي امتنع (قوله إلى الله) متعلق بدن إلى بمعنى اللام أي اعتقد الدينونة لله ببغضه والبغض محله القلب وهو أصل البراءة ثم يترتب عليه الشتم باللسان في مواضعه والزجر باليد في مواضعه أيضا (قوله وبعضهم ضلله) أي اعتقد تضليله (قوله وتوبا) أي بعد أن ضلله أخذ يتوبه لئلا يكون معطلا للأمر بالمعروف (قوله ثم استمر) أي ذلك البعض يعني أنه بقي على تضليله إذا امتنع من التوبة وفيه إشارة إلى أنه إن أحدث أحد حدثا يستوجب به البراءة فبرئ منه لذلك ثم أحدث مرة أخرى حدثا يستوجب به البراءة أيضا أنه لا يلزم تكرار البراءة منه بتكرار أحداثه الموجبة لها بل يكفي فيه اعتقاد أنه مضل بأي حدث كان وذلك أن الامتناع عن التوبة كبيرة أخرى، فحكى المصنف عن ذلك البعض الاستمرار على تضليله الأول ولم يحك لهم تضليلا ثانيا بالامتناع عن التوبة وهذا ظاهر (قوله إن عن التوب أبى) أي إن امتنع عن التوبة فحكمه ما مر عندهم.
(والحكم للراكب ذنبا صغرا=
إسلامه حتى يرى مستكبرا)
(قوله والحكم للراكب ذنبا صغرا) الخ أي والحكم فيمن ركب ذنبا صغيرا أنه مسلم حتى يصر عليه لعفو الله تعالى عن الصغائر باجتناب الكبائر ((إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما))([15]) ولا شك أن كمنم عفا الله عنه فهو مسلم مؤمن أما إذا أصر على ذنبه الصغير فقد تقدم حكمه أن الإصرار على الصغير كبيرة وقد تقدم أيضا حكم فاعل الكبيرة.
( (1/255)
صفحة 256
واختلفوا) في صفة الإصرار الذي يصير به الصغير من الذنوب كبيرة فعن أبي عبيدة([16]) رضي الله عنه وقد سأل عن المصر فقال: الذي لا يندم ولا يرجع ولا يتوب وعن بشير رحمه الله تعالى وقد عن من أصاب صغيرا من الذنوب ونيته أن يتوب منه غدا أو بعد ذلك ومن دينه التوبة من ذلك إلا أنه لم يتب حين مواقعة الذنب فقال: إن عزم على ترك التوبة ومات قبل أن يتوب هلك، وإن تاب قبل الموت سلم وقول علي أن يتوب من حين ما واقع المعصية الصغيرة ولا يؤخر ذلك وإن أخر فقد أصر، وهو أشد القولين والآخر أفسح ثم قال: من أذنب ذنبا ثم ندم عليه فهو إقلاع عنه وتوبة لأن الندم توبة فكل من أكثر الندم على ذنبه إجلالا لله تعالى وتعظيما له كان أرجى لقبول توبته والله أعلم. (1/256)
صفحة 257
أقول: ويبحث في أقول الذي حكاه بشير لا فرق إذا بين الصغير والكبير من الذنوب، لأن كلا منهما تلزم منه توبة في حال المعصية ويجاب بأنه مبني على مذهب من رأى أن جميع ما يعصى به الله فهو كبير وعن السدي: إن الإصرار على الذنب هو السكوت عن التوبة والتمادي في الذنب وعن الحسن أن إتيان الذنب عمدا إصرار وقيل لا يكون صاحب الصغيرة من الذنوب مصرا هالكا حتى يكون أتى بها مستخفا لنهي الله فيها ومستحقرا لها، فإن الذنب كلما استعظمه العبد من نفسه صغر عند الله تعالى وكلما استصغره كبر عند الله تعالى لأِن استعظامه يصدر عن نفور القلب وكراهيته له، وذلك النفور يمنع من شدة تأثره به واستصغاره يصدر عن الإلف به، وذلك يوجب شدة الثر في القلب والقلب هو المطلوب تنويره بالطاعات والمحذور تسويده بالسيئات ولذلك لا يؤاخذ بما يجري عليه في الغفلة فإن القلب لا يتأثر بما يجري في الغفلة وقد جاء في الخبر ((المؤمن يرى ذنبه كالجبل فوقه يخاف أن يقع عليه، والمنافق يرى ذنبه كذباب مر على أنفه فأطاره))([17]) وقال بعضهم: الذنب الذي لا يغفر قول العبد ليت كل ذنب عملته مثل هذا وإنما يعظم الذنب في قلب المؤمن بعلمه لجلال الله فإذا نظر إلى عظم من عصى به رأى الصغيرة كبيرة أ. هـ.
أقول: وقد حرر القطب رحمه الله هذا المقام فجعل الإصرار بأشياء منها الإقامة على الذنب ومنها الإعراض عن التوبة ومنها اعتقاد المعاودة إلى الذنب ومنها اعتقاد عدم التوبة ثم ذكر بعد ذلك أنه لا يحكم عليه بالإصرار، وإن سكت عن التوبة مثلا كما إذا قيل له تب فسكت حتى يقول أنه لا يتوب أو نحو ذلك.
(والخلف في الإصرار للصغير هل=
إذا مضى ولم يتب من العمل)
(أو إن يكن أتاه باستخفاف=
والثاني عندهم بلا خلاف)
( (1/257)
صفحة 258
قوله والخلف في الإصرار للصغير الخ) أي اختلف العلماء في صفة الإصرار على الذنب فقيل: هو الاستمرار على عدم التوبة منه ولو لم يعتقد عدم التوبة وذلك كما إذا أذنب ومضى ولم يتب من ذلك الذنب ولم يعتقد الإقامة عليه لكنه استرسل في أمر كذلك وقيل الإصرار هو أن يأتي بالذنب ثم يعزم على ترك التوبة من ذلك أو يتهاون ويستخف بالعقوبة على ذلك من الله ويستصغر المعصية لله بذلك أو يدين بحلال إنه حرام وإذا لم يكن منه شيء من هذا أو ما أشبهه فلا يلزمه حكم الإصرار كذا قال الإمام.
قال: ويعجبني في الحكم بين العباد إن لا يحكم عليه بحكم المصر حتى يستتاب من ذلك فلا يتوب قال: وأما فيما أخاف عليه من الله في أحكام دينه فما لم يكن له اعتقاد يبريه من الإصرار بالتوبة من جميع ما ركب من معاصي الله في جملته يبني عليه ويعتقدها أو كلما ذكرها جددها أو كلما أبطأ منها عاودها وتعاهدها فإني أخاف عليه إن لم يكن هذا لا يسلم بالإقامة على شيء من معاصي الله حتى يتوب منها بعينها وباعتقاده يدخل في جلتها ما قد عصى الله به أ. هـ.
(قوله هل إذا مضى) أي هل الإصرار إذا مضى العاصي بعد مقارفة الذنب ولم يتب من عمله..؟ (قوله أو إن يكن أتاه باستخفاف) أي أو الإصرار أن يأتي العاصي بالذنب مستخفا لنهي الله فيه ومستحقرا لذنبه..؟ قولان كما مر بيانهما.
(قوله والثاني عندهم) أي والقول الثاني وهو أن يأتي الذنب على سبيل الاستخفاف إصرار بلا خلاف عند العلماء، يعني أن الخلاف في أول الوجهين هل هو إصرار أو لا؟ وأما الوجه الثاني فأجمعوا على أنه إصرار.
-----------------------------------------------------------------------------
[ (1/258)
صفحة 259
1] ـ هو أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني أبو الفضل شهاب الدين بن حجر من أئمة العلم والتاريخ أصله من عسقلان (بفلسطين) ومولده عام 773هـ بالقاهرة. ولع بالأدب والشعر ثم أقبل على الحديث ورحل إلى اليمن والحجاز وغيرهما لسماع الشيوخ وعلت له شهرة فقصده الناس للأخذ منه وأصبح حافظ الإسلام في عصره، قال السخاوي انتشرت مؤلفاته في حياته وتهادتها الملوك وكتبها الأكابر، وكان فصيح اللسان راية للشعر عارفا بأيام المتقدمين والمتأخرين، ولي قضاء مصر مرات ثم اعتزل من كتبه (لسان الميزان) و(الأحكام لبيان ما في القرآن من الأحكام) و(تقريب التهذيب) وغير ذلك كثير توفي عام 852هـ.
راجع التبر المسبوك 230 وخطط مبارك 6: 37 ولسان الميزان 6 خاتمة.
[2] ـ هو عبد الله بن محمد بن علي الأنصاري الهروي أب إسماعيل، شيخ خرسان في عصره من كبار الحنابلة من ذرية أبي أيوب الأنصاري كان بارعا في اللغة حافظا للحديث عارفا بالتاريخ والأنساب مظهرا للسنة داعيا إليها امتحن وأوذي. من كتبه (ذم الكلام وأهله، والفاروق في الصفات) وكتاب الأربعين في التوحيد، منازل السائرين وغير ذلك توفي عام 481هـ.
راجع الذيل على طبقات الحنابلة 1: 64.
[3] ـ هو شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي أبو أمية من أشهر القضاة في الإسلام، أصله من اليمن ولي قضاء الكوفة في زمن عمر وعثمان وعلي ومعاوية واستعفى في أيام الحجاج فأعفاه سنة 77هـ وكان ثقة في الحديث مأمونا في القضاء، له باع طويل في الأدب والشعر، وعمر طويلا ومات بالكوفة عام 78هـ.
راجع طبقات ابن سعد 6: 90 – 100 ووفيات الأعيان 1: 224 وحلية الأولياء 4: 132.
[ (1/259)
صفحة 260
4] ـ هو أحمد بن حمدان بن أحمد بن عبد الواحد، أبو العباس شهاب الدين الأذرعي، فقيه شافعي، ولد بأذرعات الشام وتفقه بالقاهرة وولي نيابة القضاء بحلب وراسل السبكي بالمسائل (الحلبيات) وهي في مجلد، وجمعت فتاويه في رسالة، عاد إلى القاهرة سنة 772هـ ثم استقر في حلب إلى أن توفي عام 783هـ وكان لطيف العشرة كثير الإنشاد، وله نظم قليل.
راجع الدرر الكامنة 1: 125 وأعلام النبلاء 5: 86 وهدية العارفين 1: 115 ودار الكتب 1: 527 والبدر الطالع 1: 35.
[5] ـ هو علي بن أحمد بن محمد بن علي بن متويه أبو الحسن الواحدي: مفسر عالم بالأدب، نعته الذهبي بإمام علماء التأويل، كان من أولاد التجار أصله من ساوة (بين الري وهمذان) ومولده ووفاته عام 468هـ بنيسابور.
له البسيط، والوسيط، والوجيز كلها في التفسير، وقد أخذ الغزالي هذه الأسماء وسمى بها تصانيفه، وشرح ديوان المتنبي، وأسباب النزول، والواحدي نسبة إلى الواحد بن الديل بن مهرة.
[6] ـ سبقت الترجمة له في الجزء الأول في كلمة وافية.
[7] ـ هو مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري، أبو عبد لله إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه تنسب المالكية مولده عام 93 هـ في المدينة ووفاته بها عام 179هـ كان صلبا في دينه بعيدا عن الأمراء والملوك، وشي به إلى جعفر عم المنصور العباسي فضربه سياطا انخلعت لها كتفه ووجه إليه الرشيد العباسي ليأتيه فيحدثه فقال: العلم يؤتى، فقصد الرشيد منزله واستند إلى الجدار فقال مالك: " يا أمير المؤمنين من إجلال رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلال العلم – فجلس بين يديه فحدثه.
وسأل المنصور أن يضع كتابا للناس يحملهم على العمل به فصنف الموطأ وله رسالة في الوعظ، وكتاب في المسائل، ورسالة في الرد على القدرية وكتاب في النجوم. وتفسير غريب القرآن وغير ذلك كثير.
راجع الديباج المذهب 17 – 30 والوفيات 1: 439، وتهذيب التهذيب 10: 5 وصفة الصفوة 2: 99.
[ (1/260)
صفحة 261
8] ـ سورة هود آية رقم 114 وتكملة الآية (ذلك ذكرى للذاكرين).
[9] ـ سورة النساء آية رقم 31.
[10] ـ سورة النجم آية رقم 32 وتكملة الآية (هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى).
[11] ـ سورة آل عمران آية رقم 135.
[12] ـ سورة الزمر آية رقم 7.
[13] ـ الحديث رواه الإمام أخمد في المسند 2: 165 (حدثني أبي ثنا يزيد أنا جرير ثنا حيان الشرعي عن عبد الله عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وهو على المنبر: ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم ويل لأقماع القول، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون).
[14] ـ سورة الأعراف آية رقم 12.
[15] ـ سورة النساء آية رقم 31..
[16] ـ هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي نسبة إلى تميم قبيلة عظيمة من نزار قال البدر الشماخي: كان مولى فيهم توفي في ولاية أبي جعفر بعد وفاة حاجب رضي الله عنهما، تعلم العلوم وعلمها ورتب روايات الحديث وأحكامها، وهو الذي يشار إليه بالأصابع بين أقرانه.
قال أبو عبد الله: كان أبو عبيدة أفقه من ضمام وأبي نوح، وكان المقدم عليهما وعلى جعفر بن السماك، ولكن جعفر كان أوضع للأنى من أبي عبيدة وكان هو الحجة في الدين، وكانوا كلهم أهل شرف وفضل.
راجع الجزء الأول من حاشية مسند الإمام الكامل الربيع بن حبيب ص 6، 7.
[17] ـ الحديث رواه الإمام أحمد في المسند بسنده عن عبد الله بن مسعود 1: 383 ورواه الإمام الترمذي في كتاب القيامة 49 ورواه الإمام البخاري في كتاب الدعوات 4.
(أقوال العلماء في الولي المرتكب للذنب)
(والخلف في الولي إن أتاه=
فبعضهم في حكمه رآه)
(ولم يتوبه وبعض ذهبا=
إلى الوقوف قبل أن يتوبا)
(وبعضهم أحسن ظنه به=
وبعد ذا استتابه من ذنبه)
(قوله والخلف في الولي إن أتاه الخ) أي اختلف العلماء في حكم الولي إن ارتكب الذنب الصغير على ثلاثة مذاهب.
( (1/261)
صفحة 262
المذهب الأول): وهو الصحيح أنه باق على حكم ولايته لأن الله قد عفا عن الصغير من الذنوب لمن اجتنب الكبائر ولا شك أن المعفو عنه مؤمن وكل مؤمن ولي.
(المذهب الثاني): الوقوف عنه لأنه أتى بذنب وهو بفعله عاص ولا يكون العاصي وليا ولأنه يحتمل أن يكون قد أصر على ذلك الذنب فأسلم ما يكون من الأحوال أن فيه أن يوقف عنه ثم يستتاب فإن تاب رجع إلى ولايته وإن أصر برئ منه.
(قلنا): أما الوقوف عنه لكونه عاصيا بعد أن ثبتت ولايته فليس بمسلم لأن عصيانه مغفور باجتناب الكبائر ومن غفر له معصيته فهو كمن لم يعص حكما شرعيا وأما الاحتمال أن يكون أصر على ذنبه أنه يحتمل أن يكون لم يصر أيضا وهو أمين في دينه، فالأصل عدم الإصرار وأسلم الأحوال فيه أن يحكم فيه بما كان عليه من الحال لا أن ينتقل فيه من حكم ثبت بيقين إلى حكم آخر لم يثبت إلا بمحض تهمه، مع ما فيه من إساءة الظن بالولي.
(المذهب الثالث): حسن الظن بالولي وإبقاؤه على ولايته كما في المذهب الأول لكنه يستتاب من ذنبه فإن تاب فذاك المطلوب منه وإن أصر برئ منه، وكأن اشتراك الاستتابة هنا مقصود به اختبار الولي هل تغير عن حاله الأول أم هو باق على حالته؟ وفائدة اختباره هو التحرز من أن يتولى مصر وطلب ما فيه السلامة والاختبار بهذا المعنى جائز وليس هو بتجسس ونحن (نقول) أن هذا التعليل كله لا يفيد وجوب الاستتابة وإنما يفيد الندب إليها، فإن أراد هذا المذهب باشتراط الاستتابة له شرطا واجبا وغير مسلم وإن أرادوا به التنبيه على طاعة الله والندب إليها فهو حسن لكنه راجع إلى أول المذاهب لأنه ما من أحد إلا ويحسن الاستتابة في مثل هذا المقام لأنها من باب الأمر بالمعروف.
(قوله فبعضهم): أي فبعض المسلمين (قوله في حكمه) أي وهو الولاية (قوله رآه) أي ظهر له في رأيه (قوله ولم يتوبه) أي ولم يطلب التوبة منه لعلمه أن الصغير من الذنوب معفو باجتناب الكبير.
( (1/262)
صفحة 263
قوله وبعض ذهب إلى الوقوف) أي وبعض المسلمين رأى الوقوف أسلم فذهب إليه حتى يستتيبه.
(قوله قبل أن يتوبا): أي قبل أن تطلب منه التوبة فيتوب فيرجع إلى ولايته أو يصر فيبرأ منه وفي قوله: يتوبا بالبناء للمفعول إشارة إلى أنه لا يشترط أن تكون الاستتابة من الواقف فقط بل يكفي في طلبها من المحدث شكل من طلبها منه إذا علم بذلك هذا الواقف عن ولايته لأن المقصود من الاستتابة اختبار حالة أهو مصر على ذنبه أم لا؟
(قوله وبعضهم): أي بعض المسلمين (قوله أحسن ظنه به) فأبقاه على ولايته (قوله وبعد ذا استتابة من ذنبه) أي بعد ما أحسن الظن به طلب منه التوبة من ذنبه الصغير
الباب الخامس(من الركن الثالث).....
الباب الخامس(من الركن الثالث)
(في ذكر شيء من الكبائر وفي أحكام القاذف)
أي في بيان حكم شيء من الكبائر وهي الغيبة، والتجسس، والقذف، وفي أحكام القاذف بالزنا وأما القاذف بغير الزنا فقد تقدم حكمه وخص من الكبائر الظاهرية هذه الثلاث مع أنها كثيرة ليتوصل بذكرها إلى بيان أحكام القاذف، فإن ذلك هو مقصودة فأما التوصل بذكر القذف إلى أحكام القاذف فظاهر وأما ذكر الغيبة والتجسس فلمناسبتهما للقذف في المحل والصورة والحكم فأما مناسبة المحل فلأن كل واحدة من الكبائر الثلاث محله اللسان وأما المناسبة في الصورة فلأن كل واحدة منهن ثلم في عرض الغير، وأما المناسبة في الحكم فلأن كل واحدة منهن حرام بنص الكتاب.
(وغيبة المؤمن والتجسس =
والقذف في الكل حرام أسسوا)
( (1/263)
صفحة 264
قوله وغيبة المؤمن) أي حرام مبتدأ حذف خبره بدلالة ما بعده عليه والغيبة بكسر المعجمة: هي أن تذكر أخاك في غيبته بما يكرهه على قصد التنقيص له لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ((هل تدرون ما الغيبة؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال: ذكرك أخاك بما يكرهه قيل أرأيت إن كان في أخي ما أقول قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته))([1]) ومن طريق معاذ أنه قال: ((ذكر رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما أعجزه فقال صلى الله عليه وسلم اغتبتم أخاكم قالوا يا رسول الله قلنا ما فيه قال: إن قلتم ما ليس فيه فقد بهتموه)) ([2]) وعن حذيفة عن عائشة رضي الله عنها أنها ذكرت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت أنها قصيرة فقال صلى الله عليه وسلم ((اغتبتها)) ([3]) فهذه الأحاديث دالة على أن الغيبة هي ذكر المؤمن بما يكره أما قولنا على قصد التنقيص فمأخوذ من الأحاديث الآتي ذكرها في بيان ما لا يكون غيبة فخرج بالتقييد بالمؤمن الفاسق، لأنه لا غيبة له لقوله صلى الله عليه وسلم ((أذيعوا بخبر الفاسق ليحذر الناس شره)). (1/264)
صفحة 265
وقوله صلى الله عليه وسلم ((ما لكم وللمنافق قولوا فيه ما فيه)). وقوله صلى الله عليه وسلم ((من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له))ودخل تحت قوله بما يكرهه كلما كان يكرهه أن لو بلغه سواء كان نقصا في بدنه أو نسبه أو في خلقه أو في فعله أو في خلقه أو في فعله أو في قوله أو في دينه أو في دنياه، فمثال الغيبة في البدن فهو كذكر العمش والحول والقصر والطول والسواد والصفرة، وجميع ما يتصور أن يوصف به مما يكرهه كيفما كان، ومثال الغيبة في النسب فكأن تقول: أبوه زطي أو هندي أو زبال. ومثال الغيبة في الخلق فكأن تقول: هو بخيل ضعيف عاجز جبان وما يجري مجراه. ومثال الغيبة في الفعل فهو كأن تقول: إنه قليل الأدب متهاون بالناس أو لا يرى لأحد على نفسه حقا أو يرى لنفسه الحق على الناس أو أنه كثير الكلام كثير الأكل نؤوم ينام في غير وقت النوم ويجلس في غير موضعه، وكأن تقول: طويل الذيل دنس الثياب، وخرج في غير بقولنا على قصد التنقيص ما إذا لم يقصد بذكر المؤمن بما يكرهه تنقيص وذلك أشياء.
(أحدها): التظلم فإن من ذكر قاضيا بالظلم والخيانة وأخذ الرشوة كان مغتابا عاصيا إن لم يكن مظلوما، أما المظلوم من جهة القاضي فله أن يتظلم إلى الإمام وينسبه إلى الظلم إذ لا يمكنه استيفاء حقه إلا به قال صلى الله عليه وسلم ((إن لصاحب الحق مقالا)) ([4]) وقال عليه السلام ((لي الواجد يحل عقوبته وعرضه)).
(ثانيها): أن يكون الإنسان معروفا بلقب يعرب عن عيبه كالأعرج والأعمش والأعور والأصم فلا إثم على من يقول روى أبو الزناد عن الأعرج وسلمان عن الأعمش وما يجري مجراه فقد فعل العلماء ذلك لضرورة التعريف لأن ذلك قد صار بحيث لا يكرهه صاحبه لو علمه بعد أن قد صار مشهورا به. نعم إن وجد عنه معدلا وأمكنه التعريف بعبارة أخرى فهو أولى.
( (1/265)
صفحة 266
ثالثا): تحذير المسلم من الشر وذلك كمن اشترى مملوكا وقد عرفت المملوك بعيب في بدنه أو خلقه فلك أن تذكر ذلك لمشتريه المسلم إن كان العبد وليا وكذلك المزكي إذا سئل عن الشاهد فله أن يقول مثلا هو بقال أو دباغ أو حجام أو حياك وإن كان الشاهد وليا وكذلك المستشار في التزويج له أن يقول إن هذه المرأة غير جميلة ونحو ذلك وهذا الرجل ليس هو من حسب ونحو ذلك وإن كان المستشار فيه وليا.
(رابعها): الاستفتاء كأن يقول للمفتي ظلمني أبي أو زوجتي أو أخي فكيف طريقي في الخلاص لما روي عن هند بن عتبة([5]) أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم إن أبا سفيان([6]) رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني أنا وولدي فآخذ من غير علمه فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف([7]).
فذكرت الشح والظلم لها ولولدها ولم يزجرها صلى الله عليه وسلم إذ كان قصدها الاستفتاء.
(خامسها): الاستعانة على تغيير المنكر ورد المعاصي إلى منهج الصلاح فلك أن تقول فلان فعل كذا من المنكرات عند من يعنيك على ردعه عن منكره وإن كان فاعل المنكر وليا عند المستعان به كما روي أن عمر رضي الله عنه مر على عثمان وقيل طلحة فسلم عليه فلم يرد عليه السلام فذهب إلى أبي بكر رضي الله عنه فذكر له ذلك فجاء أبو بكر إليه ليصلح ذلك ولم يكن ذلك غيبة عندهم وكذلك لما بلغ عمر رضي الله عنه أن أبا جندل قد عاقر الخمر بالشام، كتب إليه (بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب) الآية. فتاب ولم يرد ذلك سيدنا عمر ممن أبلغه غيبة إذ كان قصده أن ينكر عليه ذلك فينفعه نصحه ما لا ينفعه نصح غيره أ. هـ مختصرا من الأحياء([8]) وقد نظم هذه الخمسة مع غيبة الفاسق بعضهم فقال:
القدح ليس بغيبة في ستة=
متظلم ومعرف ومحذر
ولمظهر فسقا ومستفت ومن=
طلب الإعانة في إزالة منكر
( (1/266)
صفحة 267
قوله والتجسس) أي حرام في الكل ومعنى التجسس المحرم هو السؤال عن عورات الناس لقصد الإطلاع عليها، عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم))([9]) فدخل تحت قولنا عن عورات الناس عورة المسلم والفاسق والمشرك لأن السؤال عن جميع ما ذكر حرام وهو معنى قولنا في تفسير النظم حرام في الكل بخلاف الغيبة فإنها إنما تحرم في المؤمن كما قيدنا به، وخرج بقولنا على قصد الإطلاع عليها ما إذا سئل عن العورات لقصد سترها وإصلاح العالم كسؤال الإمام عن أحوال رعيته وفحصه عن أخبارهم فإن هذا وإن كان سؤال عن العورات لكنه ليس بالتجسس المحجور.
لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه مر بامرأة حامل على باب فسطاط فسأل عنها فقالوا: هذه أمة لفلان فقال: ألم بها..؟ فقالوا: نعم فقال صلى الله عليه وسلم ((لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له كيف يستخدمه وهو لا يحل له))([10]) وقد سأل صلى الله عليه وسلم أم علقمة عن حال علقمة لما لم ينطق لسانه بالتلفظ بالشهادة عند موته ما نصه: يا أم علقمه أصدقيني وإن كذبتني جاء الوحي من الله تعالى كيف كان حال ولدك علقمه..؟ قالت يا رسول الله كان كثير الصلاة كثير الصوم كثير الصدقة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فما حالك..؟ قالت يا رسول الله: أنا عليه ساخطة قال: لم..؟ قالت يا رسول الله كان يؤثر زوجته ويعصيني الخ والخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون كانوا يتفحصون عن أخبار الرعية ويسألون عن أحوالهم السارة والضارة ولم يعد ذلك منهم إلا حزما في المملكة ونظرا في السياسة وكفى ما جرى من مثل هذا النوع لسيدنا عمر رضي الله عنه مع عماله فإنه كثيرا ما يمتحنهم وقد كان يجعل عليهم عيونا ويجعل على العيون عيونا.
( (1/267)
صفحة 268
قوله والقذف في الكل حرام أسسوا) أي أصلوا أي جعلوا في أصولهم إن غيبة المؤمن حرام وإن التجسس والقذف حرام في الكل أي في كل أحد بارا كان أو فاجرا، للإطلاق النهي في التجسس والقذف وتقييده في الغيبة أما الإطلاق في التجسس فقوله تعالى الخبر ((ولا تجسسوا))([11]) وأما الإطلاق في القذف فهو قوله تعالى ((والذين يرمون أزواجهم))([12]) ولم يقيد الزوج بصف إيمان ونحوه ((إن الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا))([13]) الآية. وأما تقييده في الغيبة فهو قوله تعالى ((ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا))([14]) (والقذف): هو رمي الغير بالفاحشة سواء كانت تلك الفاحشة زنا أو غير زنا كذا في اصطلاحه لكن غلب في عرفنا إطلاقه على القذف بالزنا خاصة وهو حرام مطلقا ولذا شرع على فاعله الحد وهو أن يجلد ثمانين جلدة جلدا متوسطا كما قال الشيخ هود رحمه الله تعالى صونا للأعراض لكنهم شرطوا في ثبوت الحد في القذف شروطا منها ما هو القاذف ومنها في المقذوف فأما شروط القاذف.
(فأحدها): أن يكون القاذف بالغا إذ لا حد على الصبي.
(وثانيها): أن يكون عاقلا إذ لا حد على المجنون.
(وثالثها): أن يكون مسلما فلا حد على اليهودي والنصراني إن قذف المسلم عند بعضهم والصحيح إن عليه الحد لدخوله تحت قوله تعالى ((إن الذين يرمون المحصنات)) الآية.
(ورابعها): الحرية فلا حد على العبد إذا قذف المسلم عند بعضهم وقيل يحد أربعين (وأما شروط) المقذوف:
(فإحداها): البلوغ فلا حد على قاذف الصبي.
(وثانيها): العقل فلا حد على قاذف المجنون وقيل يحد قاذفها.
(وثالثها): الحرية فلا حد على قاذف المملوك ولا المدبر.
(ورابعها): الإسلام فلا حد على قاذف الذمي.
(وخامسها): الإحصان فيعزر قاذف غير المحصن ولا يحد.
( (1/268)
صفحة 269
وسادسها): العفة فلا يحد قاذف من عرف بما قذف به عند بعض ولا يحد قاذف محدود بما حد عليه أما إذا قذفه بما لم يحد عليه ففيه الحد وسيأتي لهذا المقام تتمه في آخر الباب فاعطفها على ما هنا.
-----------------------------------------------------------------------------
[1] ـ الحديث رواه الترمذي في كتاب البر 23 باب ما جاء في الغيبة 1934 حدثنا قتيبة، حدثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله ما الغيبة؟ وذكره.
قال الترمذي: وفي الباب عن أبي برزة وابن عمر، وعبد الله بن عمرو وقال: هذا الحديث حسن صحيح.
ورواه في الموطأ في الكلام 1 وأحمد بن حنبل في المسند 2: 384، 386 (حلبي).
[2] ـ الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب البر والصلة والآداب 20 باب تحريمه الغيبة 70 (2589) حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر قالوا حدثنا إسماعيل عن العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وذكره.
ورواه أبو داود في كتاب البر 35 والترمذي في البر 23 والدارمي في الرقاق 6 وأحمد ابن حنبل في المسند 2: 230، 384 (حلبي).
[3] ـ الحديث رواه الإمام أحمد في المسند 6: 206 ثنا وكيع قال: ثنا سفيان عن علي بن الأقر عن أبي حذيفة عن عائشة أنها: وذكره وفيه زيادة (ما أحب أني حكيت أحدا وأن لي كذا وكذا).
[4] ـ الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب المساقاة 22 باب من استلف شيئا فقضي خيرا منه، وخيركم أحسنكم قضاء 120 (1601) حدثنا محمد بن بشار بن عثمان العبدي، حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن سلمة بن كهيل عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال كان لرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حق فأغلظ له فهم به أصحابه فقال النبي صلى الله عليه وسلم وذكره.
ورواه الإمام البخاري في الاستقصاء 4 والوكالة 6 ورواه الإمام أحمد بن حنبل في المسند 4: 268، 416، 456 (حلبي).
[ (1/269)
صفحة 270
5] ـ هي هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف: صحابية قرشية عالية الشهرة، وهي أم الخليفة الأموي (معاوية) بن أبي سفيان تزوجت أباه بعد مفارقتها لزوجها الأول: الفاكهة بن المغيرة المخزومي في خبر طويل من طرائف الجاهلية، وكانت فصيحة جريئة، صاحبة رأي وحزم ونفس وأنفة.
تقول الشعر الجيد. كانت ممن أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمائهم يوم فتح مكة، وأمر بقتلهم ولو وجدوا تحت أستار الكعبة فجاءته مع بعض النسوة فأعلنت إسلامها، ورحب بها وأخذ البيعة عليهن. من كلام عتبة: المرأة غل لا بد للعنق منه، فانظر من تضعه في عنقك، شهدت اليرموك وحرضت على قتال الروم توفيت عام 14هـ.
راجع طبقات ابن سعد 8: 170 وخزانة البغدادي 1: 556 والروض الأنف 2: 277 وأسد الغابة 5: 562.
[6] ـ هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف: صحابي من سادات قريش في الجاهلية، وهو والد معاوية رأس الدولة الأموية كان من رؤساء المشركين في حرب الإسلام عند ظهوره قاد قريشا وكنانة يوم أحد، ويوم الخندق لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأسلم يوم فتح مكة سنة 8هـ وأبلى بعد إسلامه البلاء الحسن، وشهد حنينا والطائف ففقئت عينه يوم الطائف ثم فقئت الأخرى يوم اليرموك، وكان من الشجعان الأبطال. قال المسيب: فقد الأصوات يوم اليرموك إلا صوت رجل يقول: " يا نصر الله اقترب " قال: فنظرت فإذا أبو سفيان، تحت راية ابنه يزيد توفي بالمدينة عام 31هـ.
راجع الأغاني 6: 89 والإصابة ت 4041 وابن عساكر 6: 388.
[7] ـ الحديث رواه ابن ماجه في كتاب التجارات 65 باب للمرأة من مال زوجها 2293 ثنا وكيع، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: جاءت هند إلى النبيصلى الله عليه وسلم فقالت: وذكره.
ورواه البخاري في البيوع 95 والنسائي في القضاء 31 والدارمي في النكاح 54.
[ (1/270)
صفحة 271
8] ـ الكتاب وضعه الإمام حجة الإسلام الغزالي في أربع مجلدات وتبارى العلماء في شرحه وتخريج أحاديثه ويعد من أنفس الكتب في الوعظ والإرشاد والتعرف على أمراض القلب والنفس.
[9] ـ الحديث رواه أبو داود في كتاب الأدب باب النهي عن التجسس 4888- حدثنا عيسى بن محمد الرملي، وابن عوف، وهذا بلفظه قالا: ثنا الفريابي، عن سفيان، عن ثور، عن راشد ابن سعد، عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: وذكره وفيه: قال أبو الدرداء: كلمة سمعها معاوية من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعه الله تعالى بها.
[10] ـ الحديث رواه أبو داود في كتاب النكاح باب في وطئ السبايا 2156 حدثنا النفيلي، ثنا مكسين، ثنا شعبة عن يزيد بن خمير عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ق=في غزوة فرأى امرأة مجحن (أي قربت ولادتها- فقال لعل صاحبها ألم بها..؟ قالوا: نعم وذكره.
ورواه الإمام في اللباس 120 والنكاح 139 والدارمي في السير 37 وأحمد بن حنبل في المسند 5: 195) 6: 446 (حلبي).
[11] ـ سورة الحجرات آية رقم 12 وتكملة الآية (ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم).
[12] ـ سورة النور آية رقم 6 وتكملة الآية (ولم يكن لهم شهدا إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله أنه من الصادقين).
[13] ـ سورة النور آية رقم 4 وتكملة الآية (بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا أولئك هم الفاسقون).
[14] ـ سورة الحجرات لآية رقم 12.
(حكم قاذف الولي)
(وقاذف الولي إن حرا وإن=
عبدا وإن صبي كفره زكن)
(وإن يكن حرا ولم يكن ولي=
وبالغا كان فمثل الأول)
( (1/271)
صفحة 272
قوله وقاذف الولي إلى آخره) هذا بيان الحكم الإعتقادي في القاذف (اعلم): أنه إن قذف أحد أحدا بالزنا فلا يخلو إما أن يكون المقذوف مجهول الحال أي لا يدري هل هو من أهل الإسلام أم من أهل الشرط؟ أو هو حر أم عبد؟ أو هو صبي أم بالغ؟ وإما أن يكون حاله معروفا فإن كان حاله مجهولا فلا شيء على من سمع القاذف أي يسعه السكوت عنه ولا يلزمه تتويب ولا غيره، وإن كان المقذوف معلوم الحال فلا يخلو إما أن يكون حرا بالغا مسلما وإما أن يكون غير ذلك..؟ فإن كان حرا بالغا مسلما فيبرأ من قاذفه اتفاقا سواء كان المقذوف وليا أو غي ولي وإن كان صبيا أو عبدا فإما أن يكونا وليين أو غير وليين..؟ فإن كانا وليين برئ من قاذفهما اتفاقا وإن كانا غير وليين أو كان المقذوف مشركا فالخلاف في حكم قاذفهم فقيل: يبرأ منه لحينه وقيل يستتاب فإن أصر برئ منه هذا كله إذا كان السامع للقذف ممن تعبد بتحريمه في أصل دينه، أما إذا كان السامع مشركا يستحل القذف أو صبيا لم يتعبد بعد بحكمه فلا شيء على القاذف إذا كان صادقا في قوله أما إذا كان كاذبا فعليه التوبة من بهتانه.
(قوله إن حرا) أي إن كان الولي حرا (قوله وإن عبدا) أي وإن كان الولي عبدا (قوله وإن صبي) أي وإن كان الولي صبيا ولم ينون صبيا في النظم لضرورة الوزن لأنه لو نونه مثلا لزم عليه زيادة ساكن بين حركتي الوتد المجموع من مستفعل (قوله كفره زكن) أي علم والمراد بالكفر هاهنا كفر النعمة.
(قوله وإن يكن حرا) أي وإن يكن المقذوف حرا إلى آخره.
(قوله ولم يكن ولي) أي والحال أنه لم يبلغ درجة الولاية لكنه من أهل الإقرار بالشهادتين (قوله وبالغا كان) أي وكان ذلك المقذوف بالغ الحلم بأن كان فيه إحدى علامات البلوغ وهي الإنبات والإستحلام أو انتهاء خمسة عشرة سنة أو سبع عشرة على قول وهذه العلامات تكون في الرجال والنساء ومن العلامات ما يختص بالنساء دون الرجال وهي الحيض وظهور الحمل وتكعب الثديين.
( (1/272)
صفحة 273
قوله فمثل الأول): أي في حكم قذفه والمراد الأول هو الولي أي فحكم قاذف الحر البالغ المسلم الغير الولي مثل حكم قاذف الولي لأن القاذف فيهما كاذب لا محالة لتكذيب الله إياه في قوله ((فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون))([1])
أي وإن كانوا صادقين في سريرتهم فهم كاذبون في حكم الله عليهم، لأن الشارع عز وجل شرع في حكمه أن من قذف المحصنة ولم يأتي بأربعة شهداء فهو كاذب.
(وإن يك المقذوف عبدا أو صبي=
غير وليين ومشرك أبي)
(فالخلف في تكفيره من قبل=
تتويبه عما أتى من فعل)
(قوله وإن يكن المقذوف عبدا) الخ أي إذا كان المقذوف عبدا مملوكا غير وليا أو صبيا غير ولي أو مشرك ممتنعا عن قبول الحق فالخلاف في حكم قاذفهم هل يبرأ منه قبل الامتناع من التوبة أو لا؟ استدل القائلون بالبراءة من قاذف العبد بقوله صلى الله عليه وسلم ((من قذف مملوكه وهو بريء مما قال جلد يوم القيامة حدا إلا أن يكون كما قال)) ([2]).
أقول: وليس في الحديث دلالة على المطلوب لقوله وهو بريء مما قال وقوله إلا أن يكون كما قال فالوعيد في الحديث متوجه على الإفك في المملوك لا على قذفه وقاس الإمام رضوان الله عليه قذف العبيد في حكم البراءة على اختلاس المال، وعلى لمس فرج الأجنبية قائلا: إن اختلس أربعة دراهم اختلاسا لا يجب عليه حد القطع وتجب منه البراءة ومن لمس فرج أجنبية بذكره مثلا ولم يطأها لا يجب عليه حد الزاني، وتجب منه البراءة وكذلك قاذف العبد لا يجب عليه الحد وتجب منه البراءة أي فهذه الصور الثلاث كلها رفع منها الحد لعدم كمال شروطه، وبقيت البراءة لعدم المانع لها.
( (1/273)
صفحة 274
واستدل) على البراءة من قاذف المشرك بقوله صلى الله عليه وسلم ((من قذف ذميا حد له يوم القيامة بسياط من نار)) ([3]) ولم أجد دليلا على البراءة من قاذف الصبي وأقول إنه لا تحل البراءة من قاذفه لأن الصبي غير مكلف بشيء من الأحكام الشرعية فلم يكن قاذفه راميا له بكبيرة في حقه، لأنه لو ارتكب الكبائر كلها مثلا ما كان ارتكابه ذلك في حقه فسقا فكيف يفسق من قال إنه ارتكب كذا..؟ وهذا التعليل كما ترى شامل للصبي المتولى وغير المتولى فإنه وإن كان المتولى له حرمة فوق ما لغيره فلا تبلغ به حرمته إلى تكفير من قذفه وتفسيقه لأن التضليل لا يكون إلا بقطعي ولا قطعي هنا هذا ما ظهر لي ولم أرد بذلك خلافا لأصحابنا رحمهم الله.
(قوله أو صبي) بالسكون على لغة ربيعة فإنهم يقفون في المنصوب على السكون.
(قوله غير وليين) حال من العبد والصبي ساغ مجيء الحال منهما مع أنهما نكرتان لوجود التنويع فيهما (قوله ومشركا أبي) بالسكون على لغة ربيعة أيضا ومعنى أبي ممتنع أي أو كان المقذوف مشركا أبيا أي ممتنعا من قبول الحق.
(قوله فالخلف في تكفيره) أي في الحكم بأن قاذفهم كافر أي كفر نعمة (قوله من قبل تتويبه) أي من قبل مطالبته بالتوبة أما إذا طولب بها فلم يتب فهو مصر يبرأ منه معهم (ويبحث) هل طلب التوبة من قاذف هؤلاء واجب أم لا؟ (ويجاب) بأنه لا يجب لأنه إما أن يكون قذفهم كبيرة فيبرأ من فاعله قبل الاستتابة كما هو رأي بعضهم وإما أن يكون صغيرة وليس على من شاهد راكب صغيرة استتابة (قوله عما أتى من فعل) متعلق بتتويب والمراد بالفعل هنا القذف.
(وإن يك المقذوف مجهولا فلا=
تحكم بكفر قاذف مستعجلا)
(قوله وإن يك المقذوف مجهولا) الخ أي وإن كان المقذوف ممن لا يدري حاله أي ممن جهله السامع فلا يدري أهو مسلم أم مشرك أم بالغ أم صبي؟
( (1/274)
صفحة 275
قوله فلا تحكم بكفر قاذف مستعجلا) أي فلا تتعجل في الحكم على القاذف بأنه كافر كفر نعمة لوجود تلك الاحتمالات وهذا على مذهب من لم ير البراءة من قاذف العبد الولي والصبي الغير الولي والمشرك المعاند أما على مذهب من يرى البراءة من قاذف هؤلاء أيضا فلا محل للتوقف معه لأن حكم البراءة معه مرتب على وجود القذف فمهما وجد من أحد في أي كان برئ منه.
(والقذف عند مشرك لم يوجب=
كفران آتيه إذا لم يكذب)
(كذاك مع من لم يكن مكلفا=
بحكمه مثل صبي فاعرفا)
(هذا إذا ما القذف كان بالزنا=
أو يحضر الشهود في ذا معلنا)
(قوله والقذف عند مشرك الخ) أي إذا وقع القذف من فاعله بحضرة مشرك يستحل القذف أو بحضرة صبي لم يكلف بشيء من التكاليف فلا يخلو إما أن يكون القاذف صادقا في قذفه أو كاذبا..؟ فإن كان كاذبا هلك بكذبه وإفكه، وإن كان صادقا في مقاله فلا شيء عليه بخلاف ما إذا قذف عند من تعبد بتحريم القذف أو عند من لا يستحل ذلك فإنه يكون بقذفه فاسقا سواء كان المقذوف معه ممن لم يعلم أن دينه تحريم القذف أم ممن لا يعلم ذلك وعليه التوبة من قذفه كذا قال الإمام رضوان الله عليه.
(قوله لم يوجب كفران آتيه) أي لم يثبت القذف فسق فاعله (قوله إذا لم يكذب) أي في قوله إن فلانا زان مثلا فإن كذب فهو فاسق بكذبه.
(قوله كذاك مع من) أي كذلك حكم القاذف مع من لم يكن مكلفا بحكم القذف (قوله مثل صبي) حال من اسم يكن (قوله فاعرفا) تتمة للبيت وفائدتها تنبيه السامع على معرفة ما بينه.
( (1/275)
صفحة 276
قوله هذا إذا ما القذف كان بالزنا) أي هذا حكم القاذف إذا كان قذفه بالزنا وذلك كأن يقول البالغ العاقل لمحصن أو محصنة: يا زاني أو يا زانية أو يا ابن الزاني أو يا ابن الزانية أو يا بنت الزنا أو يا بنت الزانية أو يا ولد الزنا لست لأبيك، وإن قال معرضا أما أنا فما زنيت أو ليست امرأتي زانية فليس بقذف على الصحيح وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وقال مالك: يجب الحد أي لأنه قذف، وقلا أحمد، يجب إن قال ذلك في حال الغضب أما إذا كان القذف بغير لفظ الزنا كأن يقول يا فاسق أو يا فاجر أو يا خبيث أو يا من لا يرد يد لامس أو امرأته لا ترد يد لامس فليس على سامع ذلك شيء من قبل القاذف إلا أن يكون المقذوف وليا للسامع فقد تقدم أن عليه أن يبرأ من رامي وليه بالكبيرة.
( (1/276)
صفحة 277
قوله أن يحضر الشهود) بنصب يحضر أي إلا أن يحضر الشهود الذين يشهدون على صدق مقالته ويبرئونه من حكم القذف ولا يبريه من ذلك إلا أربعة شهود عدول لقوله تعالى ((ثم لم يأتوا بأربعة شهداء))([4]) ولا تكفي فيهم شهادة امرأتين مكان شاهد منهم وسواء شهدوا مجتمعين أو متفرقين وقال أبو حنيفة إن شهدوا مفترقين فهم قذفة ولا يكون الزوج أحد الأربعة عندنا وعند الشافعي ويكون عند أبي حنيفة وإن شهد اثنان أو ثلاثة أم المقذوف زان أو زنى برئوا منهم وحدوا لأنهم قذفة ولا يبرأ من المقذوف ولا يحد وزعم بعض أنه يبرأ منه ولا يحد وفي قوله أو يحضر الشهود نكتة وهي أن على القاذف أن يحضر الشهود لا على الحاكم كما يرشد إليه ظاهر قوله تعالى ((ثم لم يأتوا بأربعة شهداء)) وهل على الشهود أن يحضروا لأداء الشهادة إذا استحضروا لذلك؟ نعم عليهم ذلك قال ابن حجر([5]) ويسن للشاهد الستر بأن يترك الشهادة بها إن رآه مصلحة فإن رأى المصلحة في الشهادة بها شهد فإن لم ير مصلحة في شيء فالأقرب أنه لا يشهد وعلى هذا التفصيل حمل إطلاقهم في موضع آخر عدم ندب ترك الشهادة ثم محل ندب تركها إذا لم يتعلق بتركها إيجاب حد على الغير فإن تعلق به ذلك كأن شهد ثلاثة بالزنا فيأثم الرابع بالتوقف ويلزمه الأداء (قوله في ذا) أي على هذا المذكور وهو القذف (قولنا معلنا) أي مظهرا من أعلن القول إذا أظهره حال من فاعل يحضر.
-------------------------------------------------------------------------
[1] سورة النور آية رقم 13 وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: (فإن) بدلا من فإذ وقال (بأربعة) وليست في الآية وقال (شهداء) والصواب (بالشهداء).
[ (1/277)
صفحة 278
2] ـ الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب الحدود 45 باب قذف 6858 حدثنا يحيى ابن سعيد عن فضيل بن غزوان عن ابن أبي معن، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره وروا الإمام مسلم في إيمان 37: وأبة داود في الأدب 124، والترمذي في البر 30 وأحمد بن حنبل في السند 2: 431، 500 (حلبي).
[3] ـ الحديث رواه الإمام أحمد في المسند 5: 155 ثنا قتيبة بن سعيد ثنا ليث بن سعد عن عبيد الله بن أبي جعفر الحمصي عن أبي طالب عن أبي ذر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وذكره.
ولفظه في المسند (من زنى أمة لم يرها تزني جلده الله يوم القيامة بسوط من نار).
[4] ـ سورة النور آية رقم 4 وتكملة الآية (فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون).
[5] ـ سبقت الترجمة له في كلمة وافية في هذا الجزء.
الباب السادس (من الركن الثالث) في انقسام الكبائر.....
الباب السادس (من الركن الثالث)
(في انقسام الكبائر إلى كفر جحود وكفر نعمة)
(وبه يتم الكلام على الركن الثالث إن شاء الله تعالى) (1/278)
صفحة 279
وفي حصر المصنف الكبائر في ذينك القسمين أعني كفر الجحود وكفر النعمة نفي للمنزلة بين المنزلتين، أي لا منزلة عندنا بين منزلتي الإيمان والكفر لأن المكلف إما مؤمن وإما كافر، وقد تقدم لك في باب الإيمان أن الإيمان عندنا فعل الواجبات فالكفر مقابله أي فالكفر هو ترك شيء من الواجبات، أو فعل شيء من المحرمات من الكبائر وقيدنا الكفر بالكبائر لأنه قد تقدم لك أن فاعل الصغيرة مسلم ما لم يصر على فعله وزعمت المعتزلة أن فاعل الكبيرة التي هي ليست بشرك لا يسمى كافرا لكن يخص باسم الفاسق، فالفسق عندهم منزلة بين منزلتي الإيمان والكفر وذلك أنهم قالوا: إنا رأينا أحكام الفاسق في الدنيا موافقة لأحكام المؤمن من جواز مناكحته وموارثته وذبائحه ودفنه في مقابر المؤمنين، وأحكامه في الآخرة موافقة لأحكام الكافر أي المشرك من إدخاله النار وتخليده فيها والعياذ بالله فالخلاف بيننا وبينهم على هذا لفظي.
(بيانه): أن فاعل الكبيرة من غير الشرك لا يسمى مؤمنا ولا كافرا عندهم بل يخص باسم الفاسق لقصرهم اسم الكافر على المشرك ونحن نطلق عليه اسم الكافر دون المؤمن لعموم الكفر عندنا للفاسق والمشرك كما ستعرفه إن شاء الله تعالى.
(وذهب) الأزارقة([1]) إلى أن المعاصي كلها كفر وشرك مستدلين بقوله تعالى ((ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا بينا))([2]) والضلال البعيد هو الشرك.
(قلنا): عموم الآية مخصوص بقوله تعالى ((إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر سيئاتكم))([3]) الآية فمجتنب الكبيرة غير ضال ضلالا بعيدا وإن أتى الصغيرة وأيضا فلا نسلم أن الضلال البعيد مقصور على الشرك بل يطلق عليه وعلى النفاق أيضا.
( (1/279)
صفحة 280
وقالت) النجدية([4]): الكبائر كلها شرك وأما الصغائر فلا مستدلين على ذلك بأشياء (أحدها): قوله تعالى للمؤمنين لما جادلهم الكفار في تحليل الميتة ((وإن أطعتموهم إنكم لمشركون))([5]) (قلنا) معنى الآية وإن أطعتموهم في استحلال الميتة لا في أكلها ولا شك أن المستحل لما حرم الله مجاهرة مشرك.
(وثانيها): قوله تعالى ((وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه)) إلى قوله ((إنه كان لا يؤمن بالله العظيم))([6]) والفاسق لا يؤتى كتابه بيمينه وهو ظاهر بل بشماله إذ لا ثالث هناك فيكون كافرا أي مشركا.
(قلنا): إن قوله ((إنه كان لا يؤمن بالله العظيم))([7]) ليس عاما لكل من يؤتى كتابه بشماله لأن فساق أهل القبلة مصدقون بالله فلا يندرجون في قوله (إنه كان لا يؤمن)
(وثالثها): الفاسق ظالم لغيره أو لنفسه وكل ظالم كافر أي مشرك لقوله تعالى ((ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون))([8]).
(قلنا): يلزم مما ذكرتم تشريك الأنبياء حيث اعترفوا بظلمهم فإنه قال آدم وحواء ((ربنا ظلمنا أنفسنا))([9]) وقال موسى ((إني ظلمت نفسي))([10]) وقال يونس ((إني كنت من الظالمين))([11]) وحاله أن يقال ما ذكر بعد الظالمين صفة مخصصة فلا يلزم تشريك كل ظالم أ. هـ.
(ورابعها): قوله تعالى ((وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون)) ([12]) فإنه يدل على أن كل فاسق مشرك (قلنا) ليس قوله وأما الذين فسقوا باقيا على عمومه الظاهر لأنه يقتضي أن كل فاسق مكذب بيوم القيامة وأنه باطل قطعا أ. هـ.
( (1/280)
صفحة 281
وخامسها): قوله تعالى ((يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر))([13]) إلى قوله ((وكنا نكذب بيوم الدين))([14]) فثبت بذلك أن كل مجرم داخل في النار مشرك ولا شبهة أن الفاسق مجرم يدخل النار (قلنا) إن الآية على غير ظاهرها وإلا لزم كون كل مجرم مكذبا بيوم القيامة وهو باطل قطعا اهـ.
(سادسها): قوله تعالى حكاية عن موسى وهارون ((إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى))([15]) فإنه يدل على انحصار العذاب في المكذب وهو مشرك ولا شك أن الفاسق معذب لما ورد فيه من الوعيد.
(قلنا): هو بخلاف الظاهر للاتفاق على عذاب شارب الخمر والزاني مع أنه غير مكذب لله تعالى بل اليهود والنصارى لا يكذبون الله تعالى. اهـ.
(سابعها): قوله تعالى ((فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى))([16]) فإنه يدل على أن كل من يصلى النار فهو مشرك والفاسق يصلاها للآيات العامة الموعدة بدخولها.
(قلنا): لعل ذلك نار خاصة يعني أن الضمير في يصلاها عائد إلى نار منكرة فلعل تنكيرها للوحدة النوعية فتكون نارا مخصوصة لا يصلاها إلا المشرك. اهـ.
(ثامنها): قوله تعالى في حق من خفت موازينه ((ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون))([17]) والفاسق من خفت موازينه وكل من خفت موازينه فهو مكذب بالآية المذكوره وكل مكذب مشرك (قلنا) قوله تعالى ((ألم تكن آياتي تتلى عليكم)) الآية خطاب خاص لمن كذب بالآيات وأما الفساق فمسكوت عنهم في الآية ولا يلزم من كونهم ممن خفت موازينه كونهم داخلين تحت هذا الخطاب لاحتمال أن يقدر محذوفا أي فيقال لبعضهم، وهذا وإن كان خلاف الظاهر فهو ثابت بأدلة قطعية كما ستعرفه إن شاء الله تعالى.
(وذهبت) الأشعرية إلى أن فاعل الكبيرة مؤمن واستدلوا بأدلة تقدم الكلام عليها في باب الإيمان والإسلام والحاصل أن كل فرقة جعلت الكفر مقابلا للإيمان فعلى حسب اختلافهم في الإيمان يكون اختلافهم في الكفر. (1/281)
صفحة 282
(ولنا) على أن الكفر شامل للشرك والفسق أدلة منها قوله تعالى ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون))([18]) فإن كلمة من عامة في كل من لم يحكم بما أنزل فيدخل فيه الفاسق المصدق وأيضا فقد علل كفرهم بعدم الحكم فكل ما لم يحكم بما أنزل كان كافرا والفاسق لم يحكم بما أنزل الله أ. هـ.
(ومنها): قوله تعالى ((وهل نجازي إلا الكفور))([19]) فإنه يدل على أم كل من يجازى فهو كافر وصاحب الكبيرة ممن يجازى لقوله ((ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم))([20]) فيكون كافرا.
(واعترض) عليه بأنه خلاف الظاهر لأن ظاهره حصر الجزاء في الكفور وهو متروك قطعا إذ يجازى غير الكفور وهو المثاب لأن الجزاء يعم الثواب والعقاب.
(قلنا): لا نسلم أنه متروك الظاهر بل هو على ظاهره والمجازاة محصورة على الكفور الشامل للمشرك والفاسق ولا تطلق على الثواب والذي يشمل الثواب والعقاب هو الجزاء لا المجازاة.
(ومنها): قوله تعالى بعد إيجاب الحج ومن كفر أي لم يحج فإن الله غني عن العالمين فقد جعل ترك الحج كفرا (واعترض) بأن المراد من جحد وجوبه ولا شك في كفره.
(قلنا): لا نسلم أن المراد ذلك لأن حمل الآية عليه خلاف الظاهر بغير دليل وبحملها عليه يختل نظم القرآن وذلك أنه لو قال مكان ومن كفر ومن جحد وجوبه فإن الله غني عن العالمين لما كان مناسبا بل المناسب حينئذ أن يقول ومن جحد وجوبه فإن الله شديد العقاب.
(ومنها): قوله تعالى ((يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم))([21]) والفاسق ممن وجهه مسود بالمعصية فيكون كافرا (واعترض) بأنا لا نسلم أن كل فاسق كذلك أي مسود الوجه يوم القيامة فإن الآية لا تقتضي ذلك بل هي واردة في بعض الكفار الذين كفروا بعد إيمانهم لقوله ((أكفرتم بعد إيمانكم))([22]).
( (1/282)
صفحة 283
قلنا): الآية واردة في أحوال الناس يوم القيامة فدلت على أنهم صنفان شقي وسعيد كما ترشد إليه سائر الآيات فالسعداء مبيضة وجوههم والأشقياء مسودة وجوههم ووجود صنف ثالث أشقياء لم تسود وجوههم مما لم يدل عليه دليل وإن أمكن عقلا فحمل الآية على التخصيص بغير مخصص تحكم.
(ومنها): قوله تعالى ((إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون))([23]) والفاسق يائس من روح الله أي ثوابه (واعترض) بأن كونه يائسا ممنوع للرجاء الحاصل له بسبب إيمانه (قلنا) لا نسلم أنه راج لأن صاحب الكبيرة مخلد في النار والعياذ بالله كما تقدم بالبرهان القاطع فلا رجاء له أصلا
(ومنها): قوله تعالى ((إنك من تدخل النار فقد أخزيته))([24]) مع قوله إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين وتقديره أن الفاسق يدخل النار للآيات العامة الموعدة وكل من يدخل النار فهو مخزي للآية الأولى وكل مخزي كافر للآية الثانية.
(واعترض) بأن المفرد المحلى باللام وهو الخزي هاهنا لا عموم له عندنا فلا يلزم انحصار الخزي مطلقا في الكافر أو بأن المراد به على تقدير عمومه الخزي الكامل فيلزم حينئذ انحصار أفراده في الكافر لا انحصار أفراد الخزي مطلقا فيه (قلنا) المفرد المحلى باللام عام عندنا وحمل الآية على الخزي الكامل خلاف الظاهر فظهر انحصار جميع أفراد الخزي في الكافر.
(ومنها): قوله تعالى ((وسيق الذين كفروا))([25]) إلى قوله ((وسيق الذين اتقوا))([26]) إذ يعلم منه أن الإنسان إما متق يساق إلى الجنة أو كافر يساق إلى النار.
(واعترض) بأن ذكر قسمين لا يدل على عدم قسم ثالث (قلنا) ثبوت قسم ثالث غير متق ولا كافر خلاف ظاهر الآية سلمنا أنها لا تدل على عدمه لكن لا يجوز ثبوته إلا بدليل ولا دليل هنا (ومنها) قوله عليه السلام ((من ترك صلاة متعمدا فقد كفر في أمثاله))([27]) (واعترض) بأن الآحاد لا تعارض الإجماع المنعقد قبل حدوث المخالفين.
( (1/283)
صفحة 284
قلنا): لا نسلم انعقاد الإجماع على مدعاه وأنى له بدعوى الإجماع وهذا الكتاب العزيز وهذه السنة المطهرة يناديان على خلاف مدعاه أينعقد إجماع على خلاف نص؟ أيكون إجماعا بلا مستند من كتاب أو سنة؟ ألهم أن يشرعوا من تلقاء أنفسهم؟.
----------------------------------------------------------------------------
[1] ـ سبق الحديث عنها في كلمة وافية.
[2] ـ سورة الأحزاب آية رقم 36 وقد جاءت هذه الآية محرفة في المطبوعة حيث قال (بعيدا) بدلا من (مبينا).
[3] ـ سورة النساء آية رقم 31.
[4] ـ سبق الحديث عنها في كلمة وافية.
[5] ـ سورة الأنعام آية رقم 121.
[6] ـ سورة الحاقة آية رقم 25.
[7] ـ سورة الحاقة آية رقم 33.
[8] ـ سورة الأعراف آية رقم 45.
[9] ـ سورة الأعراف آية رقم 23.
[10] ـ سورة القصص آية رقم 16.
[11] ـ سورة الأنبياء آية رقم 87.
[12] ـ سورة السجدة آية رقم 20.
[13] ـ سورة المدثر آية رقم 42.
[14] ـ سورة المدثر آية رقم 46.
[15] ـ سورة طه آية رقم 48.
[16] ـ سورة الليل آية رقم 16.
[17] ـ سورة المؤمنون لآية رقم 105.
[18] ـ سورة المائدة آية رقم 44 وصدر الآية (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا).
[19] ـ سورة سبأ آية رقم 17 وقد جاءت هذه الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: يجازي بدلا من (نجازي).
[20] ـ سورة النساء لآية رقم 93.
[21] ـ سورة آل عمران آية رقم 106.
[22] ـ سورة آل عمران آية رقم 106 وتكملة الآية (فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون).
[23] ـ سورة يوسف آية رقم 87.
[24] ـ سورة آل عمران آية رقم 192.
[25] ـ سورة الزمر آية رقم 71.
[26] ـ سورة الزمر آية رقم 73.
[27] ـ الحديث رواه ابن ماجة في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها 77 باب ما جاء فيمن ترك الصلاة. (1/284)
صفحة 285
1078 – حدثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره ولفظه (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة).
ورواه النسائي في الصلاة 8 والترمذي في الإيمان 9 ورواه ابن ماجة في الفتن 23، وأحمد ابن حنبل في المسند 5: 346، 355، (حلبي).
أقسام الكفر
(والكفر قسمان جحود ونعم=
وبالنفاق الثاني منهما وسم)
(وامنعه في الأول حتما وهو ما=
لرد تنزيل ومرسل نما)
(قوله والكفر قسمان) ترجم هنالك عن انقسام الكبائر إلى كفر جحود وكفر نعمة وعبارته هنا تقتضي انقسام الكفر إلى كفر جحود وكفر نعمة وجوابه أن الكبائر هي الكفر لا غير ففي عبارته تفنن.
(قوله جحود) أي كفر جحود والمراد به هاهنا مطلق النفي سواء كان نفيا للصانع ككفر من جحد وجود الصانع المختار أو نفيا لوحدانيته ككفر من عبد مع الله غيره أو نفيا لصفاته ككفر من وصف الله عز وجل بشيء من صفات غيره أو أنكر شيئا من كمالاته أو أنكر شيئا من أفعاله الثابتة بالبرهان القاطع كبعث الرسل وإنزال الكتب فلا يرد على المصنف أن عبارته غير شاملة إلا لكفر الجحود ويفوته كفر المساواة على أن الأئمة قسموا الشرك إلى جحود ومساواة فشرك الجحود هو جحدانية الصانع المختار وكفر المساواة هو أن يصف الصانع بصفات المصنوع أو يصف المصنوع بالصفات المختصة بالصانع ولنا في غاية المراد:
والشرك لا بد من أن تعرفنه لكي =
تكون في مقعد عن غيه اعتزلا
وهو المساواة بين الله جل وبين=
الخلق أو جحده سبحانه وعلا
(تنبيه) ما كان من ألفاظ الصفات يوصف به الصانع المختار والمصنوع كعليم، وقدير، وسميع، وبصير، فمعناها في حق الصانع غير معناها في جانب المصنوع على أن المراد بالصفات معانيها لا ألفاظها فلا يشكل عليك.
( (1/285)
صفحة 286
قوله ونعم): أي كفر نعم وهو ما نشأ عن تأويل الخطأ كاستحلال ما حرمه الله تعالى بتأويل الخطأ من فاعله أو قائله كخلاف جميع من خالف المسلمين وبرأتهم منهم بتأويل الخطأ وما فعل انتهاكا كمقارنة شيء مما أوعد الله على فعله النكال في الدنيا والعذاب في الآخرة أو عذاب به أمة من الأمم الماضية كالقتل والزنا والربا والسرقة وبخس المكيال، والميزان، وإتيان الرجال، وعقر الناقة والاعتداء في السبت، لأهل ذلك الزمان وغير ذلك أ. هـ فهو قسمان:
(أحدهما): ما فعل باستحلال وهو ما دان به المتدين بتأويل الخطأ ويسمى مستحلا بالتأويل أما المستحل بلا تأويل فهو مشرك كما سيأتي.
(وثانيهما): ما فعل بانتهاك وهو ما يفعله المتدين والحال أنه محرم له في دينه أي يعتقد في دينه أن ذلك الشيء حرام فيأتيه ولكل واحد منهما حكم سيأتي بعضه في ركن التوبة إن شاء الله تعالى ونذكر هنا بعضه الآخر.
(اعلم) أن حكم المستحلين بالتأويل أن يدعوهم الإمام للدخول في دين الحق وولاية المسلمين والخروج من دين الضلال والبراءة من أئمة الضلال فإن أجابوا إلى ذلك كان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين وإن أبوا دعاهم إلى الإذعان لحكمه والتسليم له فإن أذعنوا أجي فيهم حكم المسلمين وأخذ الزكاة من أغنيائهم ووضعها في فقرائهم وإن امتنعوا من ذلك ناصبهم الحرب ولا يحل منهم غير دمائهم فلا تغنم أموالهم ولا تسبى ذراريهم ولا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم، إلا إذا كان لهم مأوى يأوون إليه أو فئة ينحازون إليها فإنه حينئذ يجهز على جريحهم ويتبع مدبرهم إن ظن أنهم يصلون ذلك المأوى وتلك الفئة أما إذا ظن أنهم لا يبلغون إليها فحكمهم كما لو لم يكن لهم مأوى ولا فئة، وتحل ذبائحهم ومناكحتهم وموارثتهم في السلم والحرب وحكم المنتهكين كحكم هؤلاء المستحلين في جميع ما مر إلا أنهم لا يدعون إلى براءة من أئمة الضلال فإنهم يدينون بها ولا إلى ولاية لأهل العدل فإنها معتقدهم.
( (1/286)
صفحة 287
قوله وبالنفاق الثاني منهما وسم) أي سمي كفر النعمة وهو القسم الثاني من قسمي الكفر بالنفاق يعني أن الكافر كفر نعمة يسمى منافقا لقوله صلى الله عليه وسلم ((آية النافق ثلاث إذا وعد أخلف وإذا حدث كذب وإذا ائتمن خان))([1])
(واعلم): أن النفاق عندنا نوعان (أحدهما): التكذيب بالقلب مع الإيمان باللسان وهذا النوع هو الذي نزل في أهله القرآن كقوله تعالى ((إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار))([2]).
(وثانيهما): هو ارتكاب شيء من الكبائر كما يرشد إليه الحديث فالمنافق يطلق على من كذب بقلبه وآمن بلسانه وعلى من ارتكب شيئا من الكبائر.
(قوله وامنعه في الأول حتما) أي وامنع اسم النفاق في القسم الأول وهو الشرك منعا وجوبا أي لا يسمى الشرك نفاقا ولا المشرك منافقا.
(واعلم): أن الأسماء على صنفين صنف منها مختص بأهل الطاعة الموفين بدين الله وهي مؤمن ومسلم ومهتدي ومتقي وطائع وصالح وصنف مختص بأهل الكبائر وهذا أيضا نوعان يطلق على أهل الكبائر كلهم وهي ضال وظالم وفاسق وفاجر وعاص وكافر والنوع الثاني مختص فلا يطلق إلا على أهل صفة مخصوصة كالمشرك فإنه لا يطلق إلا على صاحب الشرك كالنافق فإنه لا يطلق إلا على صاحب النفاق، وكالسارق فإنه لا يطلق إلا على صاحب السرقة وهكذا.
( (1/287)
صفحة 288
قوله وهو ما لرد تنزيل ومرسل نما) أي والشرك ما زاد في الكفر حتى انتهى إلى رد تنزيل من عند الله أو رسول من رسل الله، فيشمل التنزيل جميع الكتب السماوية مجموعة وآية آية فإن كل آية منها تنزيل فالراد لشيء منها كالراد لجميعها، ويشمل المرسل جميع الرسل على سبيل البدلية لأن الراد لرسول من رسل الله كالراد لجميعهم، وإذا عرفت أن الراد للتنزيل مشرك والراد للرسل مشرك، عرفت بطريق الأولى أن منكر الصانع ومنكر بعض صفاته الواجبة له مشرك لأنه إن ثبت الشرك برد شيء من أفعاله الجائزة عليه وهي إنزال الكتب وإرسال الرسل كان برد ما هو واجب في حقه أثبت، وللشرك وجوه قال في القواعد (منها) أن ينكر وجود الله سبحانه البتة، كالدهرية الزاعمة أن الأشياء لا محدث لها.
(ومنها): أن يقيم غير الله مقامه في الخلق والإنشاء والاختراع كالمنانية([3]) والديصانية([4]) الذين يدعون أن الأشياء تكونت من أصلين قديمين وهما النور والظلمة، وكالمجوس الزاعمة أن الأشياء القبيحة مخلوقة للشيطان وما أشبه هذا من مذاهب الملحدة.
(ومنها) أن يقيم الخلق في العبادة مقام الله تعالى كمشركي العرب الذين يعبدون الأصنام ويقولون هي شفعاؤنا عند الله مع إقرارهم بأن الخلق والرزق والإحياء والإماتة لله وحده.
(ومنها): أن يكذب الله تعالى بإنكار حرف من كلامه أو نبي من أنبيائه أو رسله أو ملك من ملائكته وجهلة البعث والمعاد وشكه في وجه من وجوه التوحيد وما أشبه ذلك من جميع ما لا يسع جهله.
( (1/288)
صفحة 289
ومنها): أن يصف ربه بصفات الخلق ومعاني النقص من الجهل، والعجز، والحدوث، والعدم، والجور، والظلم، والهيئة، والجسم، والسهو، والنوم، والأكل، والشرب، والتعب، والنصب، والحركة، والسكون، والأشكال، والأضداد، والصاحبة، والأولاد في جميع ما لا يليق به سبحانه، أو يصف الخلق بصفاته عز وجل من العلم، والقدرة، والقدم، على الحقيقة، والإحياء، والإماتة، والخلق، والاختراع من العدم، إلى الوجود، والإرسال، والإنزال، من جميع صفاته التي لا يليق الخلق بها.
(ومنها): أن يتقرب العبد إلى الله سبحانه وتعالى بمعاصيه أي لا على وجه الاستحلال بالتأويل ليخرج هؤلاء المتدينون فإنهم يتقربون إلى الله بالبراءة من أهل الحق وهي معصية وليسوا بذلك مشركين لتأولهم.
(ومنها): أن يزعم العبد أن الله نهى عن طاعته من التوحيد وغيره مما لا يحتمل التأويل في التنزيل (وجعل منها) في موضع آخر أن يستحل ما حرم الله نصا أو يحرم ما أحله من غير تأويل أ. هـ.
---------------------------------------------------------------------------
[1] ـ الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب الأدب 69 باب قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).
6095 حدثنا ابن سلام، حدثنا إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وذكره ورواخ أيضا في الإيمان 24، ورواه الإمام مسلم في إيمان 107- 109 والترمذي في إيمان 14.
[2] سورة النساء آية رقم 145.
[ (1/289)
صفحة 290
3] ـ هم أتباع ماني وكان في الأصل مجوسيا فأحدث دينا ودعا إليه وزعم أن صانع العالم اثنان أحدهما فاعل الخير وهو نور وثانيهما فاعل الشر وهو ظلمة وهما قديمان لم يزالا ولن يزالا وهما مختلفان في النفس والصورة متضادان في الفعل والتدبير، وقد ظهر في أيام سابور ابن أردشير وتبعه خلق عظيم من المجوس وادعوا له النبوة ومازال إلى أن قتل في زمان سابور ابن بهرام (راجع سرح العيون ص 155 والملل والنحل 1: 244).
[4] ـ الديصانية: أصحاب ديصان أثبتوا أصلين: نورا وظلاما فالنور يفعل الخير قصدا واختيارا والظلام يفعل الشر طبعا واضطرارا.
فما كان من خير ونفع وطيب، وحسن فمن النور، وما كان من شر وضرر وفتن وقبح فمن الظلام وزعموا أن النور: حي عالم قادر، حساس دراك، ومنه تكون الحركة والحياة. والظلام: ميت جاهل عاجز جماد موات لا فعل له ولا تمييز الخ.
راجع الملل والنحل للشهرستاني 2: 55.
(أحكام المشركين)
(واحكم برجس أهله على الأبد=
واغتنمن في الحرب منهم السبد)
(واسب ذراريهم وحرم ذبحهم=
تناكحا توارثا منالهم)
(وهكذا منهم لنا سواء =
في الحرب أو بجزية هم جاؤوا)
(قوله واحكم برجس أهله الخ) هذا شروع في بيان أحكام المشركين.
( (1/290)
صفحة 291
اعلم) أن المشركين أصناف منهم أهل كتاب ومنهم ليسوا أهل كتاب، فأهل الكتاب منهم اليهود وهم أهل ملة موسى عليه السلام، والنصارى، وهم ملة عيسى عليه السلام، والصابئون([1]) على خلاف فيهم هل هم أهل كتاب أم لا؟ وقيل: هم قوم اختاروا مطائب التوراة ومطائب الإنجيل وقالوا قد أصبنا دينا، وأما غير أهل الكتاب فهم مجوس والمشركون الذين يعبدون الأوثان وغيرهم من أصناف المشركين ولهم أحكام عامة لجميعهم وخاصة في بعضهم دون بعض فأما أحكامهم العامة (فمنها): الحكم عليهم بأن جميعهم نجس لقوله تعالى ((إنما المشركون نجس)) ([2]) الآية وهو مذهب ابن عباس وعن الحسن أن من صافح مشركا وهو متوضئ انتقض وضوءه وعليه جمهور أصحابنا وذهب آخرون منا ومن غيرنا إلى أن ذواتهم ليست نجسة وإنما وصفوا بالنجس لمباشرتهم له وقلة تنزههم عنه.
( (1/291)
صفحة 292
ومنها): أن يدعوهم الإمام إلى الدخول في الإسلام فإن كانوا أهل قرى ومدائن دعي كبراؤهم وإن كانوا أهل بادية دعاهم واحدا واحدا وقيل يدعو المنظور إليه منهم فإن كانوا لا يعرفون لغته ترجم لهم وقيل يجزى بأمين واحد ولا بد من الدعوة إلى الجملة التي كان يدعو إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه بعث سرية فقال: يا علي لا تقاتل القوم([3]) حتى تدعوهم وتنذرهم وبذلك أمرت فإن أخذوا بغير دعوة ردوا إلى مأمنهم. لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه جيء بأسارى من حي من أحياء العرب قالوا يا رسول الله ما دعانا أحد ولا بلغنا قال: الله..؟ فقالوا: الله، فقال: خلوا سبيلهم حتى تصل إليهم الدعوة فإن دعوتي تامة لا تنقطع إلى يوم القيامة فإن أبوا عن الدخول في الإسلام قاتلهم الإمام وحل غنيمة أموالهم وسبى ذراريهم أينما كانوا ومن أي صنف كانوا إلا قريشا فإنهم تغنم أموالهم ولا تسبى ذراريهم لحرمة النبي عليه الصلاة والسلام أي لئلا تكون أنسابه صلى الله عليه وسلم خدما، والدليل على ذلك أنه كان عليه الصلاة والسلام لم يسب من ذراريهم شيئا أو أن قتاله لهم فعلينا الإقتداء به، وفي قول آخر إن جميع العرب لا تسبى ذراريهم لحرمة النبي عليه الصلاة والسلام لأنه منهم، ولا يخفى أن هذا القول مخالف لفعله صلى الله عليه وسلم فيهم فإنه سبى بني المصطلق وهم من العرب، وسبى هوازن وهم منهم أيضا.
(وأما): أحكامهم الخاصة فلليهود والنصارى والصابئين والمجوس حكم يخصهم مع المشركين من العرب وهو تحريم ذبائحهم ونكاح نسائهم فحكم المجوس في قبول الجزية حكم اليهود والنصارى والصابئين وفي الذبايح والنكاح حكم مشركي العرب من أهل الأوثان والليل على أن المجوس تقبل منهم الجزية ولا تحل ذبائحهم ولا نكاح (1/292)
صفحة 293
نسائهم ما روي عنه صلى الله عليه وسلم من طريق عبد الرحمن بن عوف([4]) رضي الله عنه أنه قال: سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم.
(وأما) الحكم الخاص بمشركي العرب من أهل الأوثان فهو أنه لا يقبل منهم صلح ولا تقبل منهم جزية، ولا تحل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم ولكن يقاتلون ويناصبون الحرب حتى يسلموا، والدليل على ذلك أنه تعالى خص قبول الجزية بأهل الكتاب فقال تعالى ((حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون))([5]) وقال في حق المشركين ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله))([6]) والدليل على تحريم ذبائحهم ونكاح نسائهم أنه تعالى خص أهل الكتاب بجواز ذلك منهم فقال ((وطعام الذين أتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم))([7]) (الآية) والدليل على تحريم مناكحة المشركين من العرب قوله تعالى ((ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم))([8]) وقوله تعالى ((فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن))([9]) وأما تزويج بناته صلى الله عليه وسلم ببعض المشركين فقبل نزول التحريم.
( (1/293)
صفحة 294
تنبيه) إذا أسلمت المرأة قبل زوجها ثم أسلم بعدها قبل أن تنكح زوجا غيره فإنها ترد إليه بالنكاح الأول لقوله صلى الله عليه وسلم لرجل أسلم على أختين ((أمسك أيتهما شئت))([10]) ولا يخفى أن الإمساك إنما هو على النكاح الذي كانوا عليه قبل الإسلام ولقوله صلى الله عليه وسلم لمن أسلم على عشر نسوة ((أمسك أربعا وفارق سائرهن))([11]) فلو لم يكن النكاح الأول ثابتا لم يقل صلى الله عليه وسلم وفارق سائرهن ولأنه صلى الله عليه وسلم رد زينب([12]) لأبي العاص وقد أسلمت قبله بسنة ورد زوجة عكرمة بن أبي جهل([13]) له وقد أسلمت قبله وكل ذلك لم يكن بتجديد نكاح فإذا عرفت هذا فاعلم أنه من كان مسلما ثم ارتد والعياذ بالله ثم أسلم وكانت له زوجة في إسلامه الأول ولم تتزوج بعده غيره فإنه يرد إليها بذلك النكاح الأول لأنه إذا ثبت البناء على النكاح الواقع في الشرك فثبوت النكاح الواقع في الإسلام أولى لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه وكذلك إذا ارتدت هي ثم أسلمت وهو باق على إسلامه (قوله على الأبد) أي مصاحبا له أي يكون حكمك برجسهم مصاحبا للأبد الذي هو عدم الغاية في المستقبل ولا يخفى أن تأبيد كل شيء بحسبه فتأبيد حكم الرجس على المشركين إلى أن يتوبوا أو تضمحل دار التكليف.
(قوله واغتنمن) بنون التوكيد الخفيفة أي خذ الغنيمة منهم وهي في اللغة: ما يناله الرجل أو الجماعة بسعي وفي الشرع ما ناله المسلمون من المشركين بالقتال أو بالقهر كائنا ما كان واستثنى بعضهم الأصول فلا تسمى غنيمة بل تسمى فيئا. (1/294)
صفحة 295
قال القطب رحمه الله: وليس كذلك فإن الفيء ما جاء بلا قتال وقهر كالعشر، والجزية، وأموال الصلح، والمهادنة، ومال من مات منهم في دار الإسلام، ولا وارث له، وخراج الأصول قيل: وخمس الغنيمة ونحو ذلك ولا خمس فيه قال: وهذا هو الصحيح وهو قول الثوري([14]) وعطاء قال قتادة كل ذلك يسمى غنيمة ويسمى فيئا والغنيمة والفيء شيء واحد وفيه الخمس وكذا حكى ابن المنذر([15]) عن الشافعي أن في الفيء الخمس قال القطب رحمه الله أيضا والأكثرون على أنه لا يخمس الفيء وأنه يقسم على المسلمين مطلقا بحسب المصلحة فيعطى الرجل بالنظر إلى قومه والرجل بالنظر إلى عياله والرجل بالنظر إلى حاجته وكان الفيء في زمان النبي –صلى الله عليه وسلم- فيما ذكروا عن عمر خاصا به يتصرف فيه كما شاء ينفق منه نفقة على عياله والباقي في السلاح والكرائم ويصرف بعده للمقاتلة لأن بهم إرهاب العدو كالنبي صلى الله عليه وسلم وقيل هو للإمام وكذا الأرض وسائر الأصول فإن شاء الإمام قسمها كسائر الغنيمة وإن شاء تركها في أيدي غيرها بجزء من غلتها أو بخراج يضربه عليها وإن شاء فعل غير ذلك بحسب المصلحة مثل أن يرى أنه لو قسمها لاشتغلوا بها عن الجهاد فلا يقسمها.
(أما): سائر الغنائم من نحو الذهب والفضة والإبل والغنم وجميع أنواع الأموال فتجب قسمته على خمسة أقسام قسم منها هو الخمس وهو لمن ذكره الله في قوله عز وجل قائلا ((واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل))([16]). (1/295)
صفحة 296
قال القطب رحمه الله تعالى: والمراد بذكر الله تعظيمه وافتتاح الجملة به للتبرك وأن من حق الخمس أن يتقرب به إليه كما قال مالك([17]) وأنه هو الحاكم في الخمس يقسمه كيف شاء وليس المراد أن له سهما من الخمس فالدنيا والآخرة كلها لله وإنما يقسم الخمس على الخمسة المذكورة بعده أو سهمه سهم الرسول فليقسم أيضا الخمس المذكور على الخمسة المذكورة وقال مالك والزجاج([18]): قسمه على الخمسة تمثيل بأهم من يدفع إليه لا حصر فيجوز إعطاء الغير منه بقوله سبحانه ((قل ما أنفتم من خير فاللوالدين))([19]) الخ وقد اجمعوا على جواز إنفاق الخير على غير من ذكر الله والصحيح الأول وبه أقول وهو قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك وابن عباس والحسن بن محمد وعطاء وقتادة والنخعي([20]) وهو ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله وذكر الطبري([21]) عن ابن عباس أن الخمس مقسوم على أربعة وسهم الرسول لقرابته وليس له ولا لله شيء. (1/296)
صفحة 297
وقال أبو العالية المراد بذكر الله أن له سهما فيقسم الخمس على ستة وسهم الله يصرف للكعبة قيل قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأخذ الخمس فيقرب يده فيه فيأخذ قبضة يجعلها للكعبة وهو سهم الله ثم يقسم الباقي على خمسة وقيل سهم الله لبيت المال وقيل يضم إلى سهم الرسول وقال منذر بن سعيد([22]): قالت فرقة لفقراء المسلمين أو لبيت المال ورد عليه أي على هذا القول بظاهر قوله تعالى ((وللرسول))([23]) قال: وسهمه صلى الله عليه وسلم بعد موته لمصالح المسلمين وما فيه قوة الإسلام عن الشافعي وأحمد وقال فلرقة للكراع والسلاح وقال الأعمش والنخعي هو الذي كان أبو بكر وعمر يفعلانه قال علي وقتادة والحسن للإمام قال: وهو حسن وقال أبو حنيفة للأربعة المذكورة بعد وقالت فرقة: هو لأصحاب أربعة الأخماس الباقية وهو الجيش، وقال قوم: لقرابته صلى الله عليه وسلم وقال مالك إلى رأي الإمام وقال أصحاب الرأي هو لليتامى والمساكين وابن السبيل دون القرابة لأنه صلى الله عليه وسلم لا يورث وذوو القربى هم بنو هاشم وبنو المطلب يعطى منه غنيهم وفقيرهم للذكر مثل حظ الأنثيين وذهب قوم إلى أنه ليس لأغنيائهم منه شيء وإنما هو لفقرائهم وصحح القطب رحمه الله الأول مستدلا عليه بإعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه العباس وهو من الأغنياء فإذا لم يوجد أحد من ذوي القربى فأمر سهمهم إلى الإمام يضعه حيث شاء من مصالح الإسلام.
( (1/297)
صفحة 298
أما): أربعة أخماس الغنيمة وهي ما عدا الخمس المذكور فيقسم على المقاتلة للفارس منهم سهمان وللراجل سهم وليس لأحد منهم أن يأخذ شيئا من الغنيمة قبل القسمة لأنهم شركاء في ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم وقد أخذ من بعير وبرة فقال ما لي ولا لكم منها أي من الغنيمة مثل هذه إلا الخمس ثم هو رد عليكم فأدوا الخياط والمخيط فإن([24]) الغلول عار وشنار على الغلة يوم القيامة ولكم الأكل والركوب والعلف ولي أحدكم أحق بالغنيمة من الآخر ولو بالسهم وقيل يا رسول الله استشهد فلان فقال كلا إني رأيته يجر إلى النار بعباءة غلها([25]). وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفي وهو ما يختاره لنفسه قبل القسمة وتركه إكراما لأمته وادخارا لأجره وكتب به إلى بني زهرة وقيس أنه له فيما غنموه أي إن آمنوا وبكلمة الإخلاص والزكاة والصلاة وأن لكم حظا في الخمس ولا صفي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجماع إلا ما قاله أبو ثور([26]) أنه باق للإمام وهو قول شاذ.
(قوله في الحرب) فيه أنه لا يجوز أخذ أموالهم في غير الحرب كما هو أصل المسألة فلا يجوز لمن دخل معهم بأمان أن يأخذ شيئا من أموالهم ولا لمن دخلوا معه بأمان أن يأخذ شيئا أيضا وهنا مسألة وهو ما إذا دخل المسلم دار المشرك بأمان هل يحل له أن يشتري مما غنم المشركون أو سبوا من بعضهم بعض؟ في الأثر أنه لا يحل ذلك لأنه خيانة لهم وعن المحقق الخليلي رحمه الله جواز ذلك وعنده أنها ليس بخيانة لهم.
(قوله السبد) أي المال مطلقا وحقيقة السبد هو المال ما كان من ذهب وفضة وفي إطلاق اسم البعض على الكل.
( (1/298)
صفحة 299
قوله واسب ذراريهم) أي أولادهم الصغار والمراد به هاهنا الأولاد ما كانوا دون البلوغ من النساء فإنهن يسبين أيضا وأما من بلغ من رجالهم فإنهم يقتلون بدليل أن سعد بن معاذ([27]) حكم على بني قريظة بقتل مقاتليهم فأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وقال له حكمت بحكم الله إلى آخر الحديث والحكمة في سبي أولادهم ثلاثة أشياء:
(أحدها): ليجروهم إلى الإسلام فيكون ذلك سببا لدخولهم فيه وذلك انفع لهم.
(والثاني): شفقة بهم حين قتل آبائهم لئلا يموتوا عطشا وجوعا.
(والثالث): تقوية لبيت المال.
(قوله وحرم ذبحهم) أي ما ذبحوه من الحيوانات التي يحل أكلها (قوله تناكحا) مصدر تناكحوا إذا تزاوجوا أي حرم التزاوج منهم لنا ومنا لهم (قوله توارثا) مصدر توارثوا إذا ورث كل منهم الآخر وانتصب تناكحا وتوارثا عطفا على ذبحهم بحذف العاطف وهي الواو.
(قوله منالهم) أي كان النكاح والميراث من قبلنا لهم لو من قبلهم لنا (قوله سواء) أي سواء حكمهم فيما ذكرناه كانوا في حرب أو جاؤوا بجزية ومعنى سواء هنا مستو وارتفع على أنه مبتدأ خبره الجملة التي بعده.
( (1/299)
صفحة 300
قوله أو بجزية هم جاؤوا) قد تقدم أن بعض المشركين لا تقبل منهم الجزية أصلا وهم أهل الأوثان من العرب وبعضهم تقبل منهم وهم أهل الكتاب من اليهود، والنصارى، والصابئين، ومثلهم المجوس، ولا جزية على امرأة أو عبد، أو طفل، أو شيخ، أو حبر، أو مجنون، أو راهب، أو مفلس، وعن بعض قومنا يعطيها أيضا جميع من ذكر هو ضعيف كيف يطالب بها المجنون وقال بعض العلماء يعطيها رهبان الكنائس الذين لم ينقطعوا ومن ضربت عليه ثم انقطع لم تسقط عنه وقيل يعطيها الراهب مطلقا ولا يأخذ الجزية إلا الإمام العادل بنفسه أو بأمره وإذا لم يكن إمام أو كان ولم يقدر على منع الظلم عنهم لم تؤخذ منهم ومن أخذها بدون الإمام لم يعامل فيها وقيل يأخذها منهم كل من منع الظلم عنهم ولو في الكتمان وقيل تؤخذ من الفقير الذي لا شيء له وقيل إذا كان له ما يكتسب منه وشدد بعضهم فقال يطلى بلبن أو عسل أو نحو ذلك مما يتأذى منه بالذباب أو النمل أو نحوها ويحبس في الشمس حتى يعطيها لأنه ترك التوحيد باختياره. (1/300)
صفحة 301
والجزية بحسب ما يرى الإمام من قوة المشرك وضعفه وكثرة المال وقلته وشدة بغض الإسلام وعدمها، وغير ذلك، حتى لو رأى الصلاح في تسويتهم لفعل وقيل دينار على كل واحد في السنة وإن رضوا بالزيادة فعلى التوسط ديناران وعلى الفقير دينار وإن شاءوا أعطوا الدراهم بدل الدينار فيحسب باثني عشر درهما كدينار الديات، والأرش، وجماع الحيض، وغير ذلك، أما دينار الزكاة فعشرة دراهم، ودينار المعاملات يزيد وينقص، وإن شاء الإمام أخذ في كل شهر دراهم فيكون على الغني في الشهر أربعة دراهم وعلى المتوسط درهمان وعلى الفقير درهم وقيل على اليهودي عشرة دراهم في كل سنة، وعلى النصراني اثني عشر، وقيل خمسة عشر ولم يذكر صاحب هذا القول الصابئين والمجوس ولعله يقول الأمر فيهم على ما يراه الإمام وعلى من تؤخذ عنه الجزية ضيافة المسلمين ثلاثة أيام وقيل الضيافة على النصارى والمبيت على اليهود بعد أكل العشاء عند النصارى وعن عمر أنه ضرب على أهل الكتاب أيضا كسوة للمسلمين وعن عمر أنه ضرب الجزية دينارا على كل واحد في السنة وبه قال الشافعي وبه أمر صلى الله عليه وسلم معاذا حين أرسله إلى اليمن وقال له أو خذ قيمة الدنانير مغافر وهي ثياب وقد عمل به عمر في بعض القرى وروي عنه أنه كتب إلى عامله عثمان بن حنيف([28]) في الكوفة بأن على الغني أربعة دنانير وعلى المتوسط دينارين وعلى الفقير دينارا وروي عنه غير ذلك فدل على أنها ليست محدودة وفعل النبي صلى الله عليه وسلم ليس حدا لها وأنها برأي الإمام وقال ابن القاسم([29]) من المالكية: أربعة دنانير على كل غني أو فقير لا ينقص عنها وهو قول أصبغ منهم لكن قال: يحط على الفقير بقدر حاله وقال ابن الماجشون([30]) منهم: لا جزية على الفقير ويؤخذ من نصارى العرب ضعف ما يلزم المسلم في الزكاة على أموالهم فيعطي منهم من له مائتا درهم عشرة دراهم ومن له مائة درهم خمسة دراهم ولو كان لا زكاة على المسلم في ما دون المائتين (1/301)
صفحة 302
وكذلك في الذهب والغلة والماشية، وكذا فعل خالد بن الوليد بنصارى تغلب في الشام فأجازه عمر وتؤخذ على تمام السنة من حين قهرهم الإمام وضربها عليهم وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة من حينه وهو ضعيف وكل ما صالحهم أعني أهل الكتاب الإمام عليه قبل القتال أو بعد القتال إن لم يكن غالبا فجائز عليهم أ. هـ من الهيميان للقطب رحمه الله تعالى.
---------------------------------------------------------------------------
[1]ـ في اللغة: صبأ الرجل إذا مال وزاغ فبحكم ميل هؤلاء عن سنن الحق، وزيغهم عن نهج الأنبياء قيل لهم الصابئة وقد يقال: صبأ الرجل إذا عشق وهوى. وهم يقولون الصبوة هي الانحلال عن قيد الرجال.
وإنما مدار مذهبهم على التعصب للروحانيين كما أن مدار مذهب الحنفاء هو التعصب للبشر الجسمانيين.
والصابئة: تدعي مذهبها الاكتساب، والحنفاء تدعي أن مذهبها هو الفطرة.
فدعوة الصابئة إلى الاكتساب، ودعوة الحنفاء إلى الفطرة.
راجع الملل والنحل 2: 63.
[2] ـ سورة التوبة آية رقم 28 وتكملة الآية (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم).
[3] ـ عند الإمام أحمد في المسند 1: 231 – ثنا حفص بن غياث ثنا حجاج بن أرطاة عن ابن أبي نجيح عن أبيه عن ابن عباس قال: ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما حتى يدعوهم.
[4] ـ هو عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث، أبو محمد الزهري القرشي صحابي من أكابرهم، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذي جعل عمر الخلافة فيهم، وأحد السابقين إلى الإسلام وكان من الأجواد الشجعان العقلاء. ولد بعد عام الفيل بعشر سنين 44ق. هـ وأسلم وشهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها، وجرح يوم أحد 21 جرحا، وأعتق في يوم واحد ثلاثين عبدا، وكان يحترف التجارة والبيع توفي عام 32هـ. (1/302)
صفحة 303
راجع صفة الصفوة 1: 135 وحلية الأولياء 1: 98، وتاريخ الخميس 2: 257، والبدء والتاريخ 5: 86 والرياض النضرة 2: 281-291
[5] ـ سورة التوبة آية رقم 29.
[6] ـ سورة الأنفال آية رقم 39 وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال ويكون الدين لله بدلا: ويكون الدين كله لله.
[7] ـ سورة المائدة آية رقم 5.
[8] ـ البقرة آية رقم 221 وتكملة الآية (أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون).
[9] ـ سورة الممتحنة آية رقم 10.
[10] ـ الحديث رواه ابن ماجة في كتاب النكاح 39 باب الرجل يسلم وعنده أختان، 1951- حدثنا يونس بن عبد الأعلى ثنا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن أبي وهب الجيشاني حدثه أنه سمع الضحاك بن فيروز الديلمي يحدث عن أبيه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: وذكره.
[11] ـ الحديث رواه صاحب الموطأ في كتاب الطلاق29 باب جامع الطلاق 76- وحدثني يحيى عن مالك عن ابن شهاب أنه قال بلغني أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم قال: وذكره، ووصله الترمذي في كتاب النكاح 33 باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة.
[12] ـ هي زينب بنت سيد البشر محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشية الهاشمية كبرى بناته. تزوج بها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع، وولدت له عليا وأمامة فمات علي صغيرا وبقيت أمامة فتزوجها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بعد موت فاطمة الزهراء- رضي الله عنها توفيت عام 8هـ.
راجع الإصابة كتاب النساء ت 464 وتاريخ الخميس 1: 273 والسمط الثمين 157 وطبقات ابن سعد 8: 20.
[ (1/303)
صفحة 304
13] ـ هو عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام المخزومي القرشي، من صناديد قريش في الجاهلية والإسلام، كان أبوه من أشد الناس عدواة للنبي –صلى الله عليه وسلم- وأسلم عكرمة بعد فتح مكة، وحسن إسلامه، فشهد الوقائع وولي الأعمال لأبي بكر واستشهد في اليرموك أو يوم مرج الصفر وعمره 62 سنة عام 13هـ. وفي الحديث: لا تؤذوا الأحياء بسبب الموتى، قال المبرد: فنهى عن سب أبي جهل من أجل عكرمة.
راجع تهذيب الأسماء 1: 338 وخلاصة التهذيب 228 والإصابة ت 5640 وتاريخ الإسلام للذهبي 1: 380.
[14] ـ هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري من بني ثور بن عبد مناة من مضر أبو عبد الله أمير المؤمنين في الحديث، كان سيد أهل زمانه في علوم الدين والتقوى. ولد عام 97هـ ونشأ في الكوفة وراوده المنصور العباسي على أن يلي الحكم فأبى. وخرج من الكوفة سنة 144هـ فسكن مكة والمدينة ثم طلبه المهدي فتوارى وانتقل إلى البصرة فمات فيها مستخفيا له من الكتب (الجامع الكبير) و(الجامع الصغير) كلاهما في الحديث وكتاب الفرائض وفاته عام 161هـ.
راجع دول الإسلام 1: 84 وابن النديم 1: 225 وابن خلكان 1: 210 وطبقات ابن سعد 6: 257.
[15] ـ هو محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري أبو بكر: فقيه مجتهد من الحفاظ كان شيخ الحرم بمكة قال الذهبي: ابن المنذر صاحب الكتب التي لم يصنف مثلها منها (المبسوط) في الفقه والأوسط في السنن والإجماع والاختلاف والإشراف على مذاهب أهل العلم، وتفسير القرآن وغير ذلك بشيء توفي عام 319هـ.
راجع تذكر الحفاظ 3: 4 والوفيات 1: 461 وطبقات الشافعية 2: 126 ولسان الميزان 5: 27 والوافي بالوفيات 1: 336 ودار الكتب 1: 85 و497.
[16] ـ سورة الأنفال آية رقم 41.
[17] ـ سبقت الترجمة له في هذا الجزء.
[18] ـ سبقت الترجمة له في هذا الجزء.
[ (1/304)
صفحة 305
19] ـ سورة البقرة آية رقم 215 وتكملة الآية (فاللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم).
[20] ـ هو حفص بن غياث بن طلق بن معاوية النخعي الأزدي الكوفي، أبو عمر: قاض من أهل الكوفة ولي القضاء ببغداد الشرقية لهارون الرشيد ثم ولاه قضاء الكوفة ومات فيها 149هـ. كان من الفقهاء حفاظ الحديث الثقات حدث بثلاثة أو أربعة آلاف حديث من حفظه وله كتاب فيه 170 حديثا من روايته، وهو صاحب أبي حنيفة ويذكره الأمامية في رجالهم.
راجع تذكرة الحفاظ تهذيب التهذيب وميزان الاعتدال 1: 266 وتاريخ بغداد 8: 188.
[21] ـ هو محمد بن جرير بن يزيد الطبري أبو جعفر المؤرخ المفسر الإمام ولد في آمل طبرستان عام 224هـ واستوكن بغداد وتوفي بها وعرض عليه القضاء فامتنع والمظالم فأبى، له أخبار الرسل والملوك، وجامع البيان في تفسير القرآن، واختلاف الفقهاء، والمسترشد في علوم الدين وغير ذلك، وهو من ثقات المؤرخين قال ابن الأثير أبو جعفر أوثق من نقل التاريخ وفي تفسيره ما يدل على علم غزير وتحقيق توفي عام 310هـ.
راجع إرشاد الأريب 6: 423 وتذكرة الحفاظ 2: 351 والوفيات 1: 456 وطبقات السبكي 2: 135 -140 ومفتاح السعادة 1- 205 و415.
[ (1/305)
صفحة 306
22] ـ هو منذر بن سعيد بن عبد الله بن عبد الرحمن النفزي القرطببي أبو الحكم البلوطي: قاضي قضاة الأندلس في عصره. كان فقيها خطيبا شاعرا فصيحا. نسبته إلى (فحص البلوط) بقرب قرطبة ويقال له (الكزني) نسبة إلى فخذ من البربر يسمى (كزنة) رحل حاجا سنة 308هـ فأقام في رحلته 40 شهرا، أخذ بها عن بعض علماء مكة ومصر. قال ابن الفرضي كان بصيرا بالجدل منحرفا إلى مذاهب أصحاب الكلام لهجا بالاحتجاج ولي قضاء (ماردة) وما والاها ثم قضاء الثغور الشرقية فقضاء الجماعة بقرطبة سنة 339هـ واستمر إلى أن توفي بها عام 355هـ له كتب في القرآن والسنة على أهل الأهواء منها (الأنباء على استنباط الأحكام من كتاب الله)ويسمى أحكام القرآن، والإبانة عن حقائق أصول الديانة، والناسخ والمنسوخ.
راجع تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي 2: 17 ونفح الطيب 1: 353 وقضاة الأندلس 66 وبغية الملتمس 450 وبغية الوعاة 398 والكامل لابن الأثير 8: 223.
[23] ـ سورة الأنفال آية رقم 24 وتكملة الآية (إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون).
[24] ـ الحديث رواه كتاب الجهاد 34 باب الغلول 2850 ثنا أبو أسامة عن أبي سنان عيسى بن سنان عن يعلى بن شداد عن عبادة بن الصامت قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين إلى جنب بعير من المقاسم ثم تناول شيئا من البعير وذكره.
في الزوائد: في إسناده عيسى بن سنان واختلف فيه كلام ابن معين قال: لين الحديث، وليس بالقوي، قيل: لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجال الإسناد ثقات. ورواه أبو داود في الجهاد 121، والنسائي في الهبة 1 والدارمي في السير 45 وصاحب الموطأ في الجهاد 22، وأحمد بن حنبل في المسند 2: 184 4: 128، 5: 317، 326، 330 (حلبي).
[ (1/306)
صفحة 307
25] ـ الحديث رواه ابن ماجد في كتاب الجهاد 34 باب الغلول 2849 حدثنا هشام بن عمار، ثنا سفيان بن عيينه عن عمرو بن دينار عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن عمرو. قال: كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة فمات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم (هو في النار) فذهبوا ينظرون فوجدوا عليه كساء أو عباءة قد غلها.
[26] ـ هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي أبو ثور: الفقيه صاحب الإمام الشافعي. قال ابن حبان: كان أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وورعا وفضلا، صنف الكتب وفرع على السنن وذب عنها يتكلم في الرأي فيخطئ ويصيب. مات عام 240هـ وقال ابن عبد البر له مصنفات كثيرة منها كتاب ذكر فيه اختلاف مالك والشافعي، وذكر مذهبه في ذلك وهو أكثر ميلا إلى الشافعي في هذا الكتاب وفي كتبه كلها.
راجع تذكرة الحفاظ 2: 87 وميزان الاعتدال 1: 15 وتاريخ بغداد 6: 65 والانتقاء 107.
[27] ـ هو سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس الأوسي الأنصاري صحابي من الأبطال، من أهل المدينة، كانت له سيادة الأوس، وحمل لواءهم في بدر، وشهد أحدا فكان ممن ثبت فيها، وكان من أطول الناس وأعظمهم جسما. ورمي بسهم يوم الخندق فمات من أثر جرحه، ودفن بالبقيع، وعمره 37 سنة، وحزن عليه النبي صلى الله عليه وسلم وفي الحديث (اهتز عرس الرحمن لموت سعد بن معاذ).
راجع صفة الصفوة 1: 180 وطبقات ابن سعد 3: 2 القسم الثاني، والإصابة ت 3197.
[28] ـ هو عثمان بن حنيف بن وهب الأنصاري الأوسي أبو عمر، وال من الصحابة شهد أحدا وما بعدها، وولاه عمر السواد، ثم ولاه البصرة، ولما نشبت فتنة الجمل بين عائشة رضي الله عنها وعلي كرم الله وجهه دعاه أنصار عائشة إلى الخروج معهم على علي فامتنع فنتفوا شعر رأسه ولحيته وحاجبيه واستأذنوا به عائشة فأمرتهم بإطلاقه فلحق بعلي وحضر معه الوقعة ثم سكن الكوفة، وتوفي في خلافة معاوية عام 41هـ. (1/307)
صفحة 308
راجع الكامل لابن الأثير وإصابة ت 5437 والاستيعاب بهامش الإصابة 3: 89 وتهذيب التهذيب 7: 112.
[29] ـ هو عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي المصري أبو عبد الله، ويعرف بابن القاسم فقيه جمع بين الزهد والعلم تفقه بالإمام مالك ونظرائه مولده عام 132هـ ووفاته بمصر عام 191هـ له (المدونة) وهي من أجل كتب المالكية.
راجع وفيات الأعيان 1: 276 وحسن المحاضرة 1: 121 والمكتبة الأزهرية 1: 403.
[30]ـ هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة التميمي، مولاهم المدني أبو عبد الله فقيه من حفاظ الحديث الثقات له تصانيف كان وقورا عاقلا ثقة أصله من أصبهان نزل المدينة ثم قصد بغداد فتوفي بها عام 164هـ وصلى عليه الخليفة المهدي ودفن في مقابر قريش، وهو يعد من فقهاء المدينة.
راجع تذكرة الحفاظ 1: 206 وتهذيب 6: 343 وتاريخ بغداد 10: 436.
(تحليل ذبيحة أهل الكتاب وجواز مناكحتهم)
(والذبح من أهل الكتاب جوزا=
مع النكاح دون حرب جوزا)
(ويرفع الحرب لجزية أتت=
منهم وفي المجوس حكمهم ثبت)
(ألا الذباح والنكاح فهما=
محرمان في المجوس فاعلما)
( (1/308)
صفحة 309
قوله والذبح من أهل الكتاب) وهم اليهود والنصارى بالاتفاق والصابئون على المعتمد عليه عند أصحابنا، وسمي هؤلاء أهل كتاب لأن اليهود في أيديهم التوراة، وفي أيدي النصارى الإنجيل، والصابئون قوم اختاروا مطايب التوراة، ومطايب الإنجيل وهذا الحكم شامل لجميع أهل الكتاب كانوا عربا أو عجما، لأن المعتبر هاهنا هو الدين لا النسب وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى تخصيص العجمي بهذا الحكم دون العربي سواء كان العربي أو العجمي كتابيا أو غير كتابي، وذهب مالك والأوزاعي([1]) إلى تعميم هذا الحكم فيما عدا المرتد وليس الجميع بشيء لمخالفته ظاهر الكتاب والسنة، ومن دخل في دين أهل الكتاب بعد نسخه فلا تقبل عنه الجزية قال بعضهم: وكذلك إن دخل فيه بعد نسخه ولم يبدل فيه والذبيحة والنكاح تابعان للجزية وإن وقع الشك في دخولهم قبله أو بعده قبلت منه الجزية ولا يتزوج منهم ولا تؤكل ذبائحهم حوطة، وعن علي ولا تؤكل ذبيحة نصارى العرب فإنهم لن يبلغوا من النصرانية إلا شرب الخمر، واختار بعض أصحابنا من دخل من العرب في دين النصارى قبل نزول الآية فهو منهم ومن دخل بعد نزولها قتل أ. هـ.
(قوله جوازا) بفتح الجيم أمر من جوز الشيء يجوزه إذا أذن في فعله والمراد جوزه لتجويز الله له (قوله مع النكاح) أي منهم أي جوز الذبح مع النكاح من أهل الكتاب بشرط أن لا يكونوا حربا للمسلمين قيل ويشترط المسلم على الكتابية إذا أرد تزويجها خمس خصال، أن تغسل من الحيض، وأن تغتسل من الجنابة، وأن تحلق العانة، وأن لا تشرب الخمر، وأن لا تعلق الصليب.
( (1/309)
صفحة 310
قوله دون حرب): أي إنما تحل ذبائحهم ونكاح نسائهم إذا صالحوا المسلمين وتركوا الحرب، أما إذا حاربوا فلا يحل شيء من ذلك منهم وهذا هو الذي صححه أصحابنا قال بعضهم: لأنهم حين حاربوا لم تكن لهم حرمة تحل بها ذبائحهم ولا نسائهم ألا ترى أنه لا يحل في امرأة واحدة أن تحل لرجلين مسلمين هذا بنكاح وهذا بسباء وملك أعني لو كانت حلالا لرجل مسلم فتزوجها ليس لغيره من المسلمين أن يسبيها حين حاربوا ولا يجوز أن تحل لهذا بنكاح ولهذا بسباء وملك انتهى. أقول: وهذا التعليل لا يفيد تحريم تزويج نسائهم في الحرب لأنه لقائل أن يقول إن من حل سبيه منهن إنما هو من لم يكن منهن زوجة لمسلم أما التي كانت زوجة المسلم فلا تحل سبيها لحرمة ذلك المسلم، وقال الشيخ عامر رحمه الله في إيضاحه في كتاب الذبائح: ولا بأس بذبائح أهل الحرب من أهل الكتاب ولا نكاح نسائهم، ولا صيد كلابهم، أقول وهذا هو الظاهر من إطلاق الكتاب والتقييد في حل ذلك منهم بما إذا كانوا غير حرب للمسلمين محتاج إلى دليل.
(قوله جوازا) بضم الجيم فعل ماض مبني للمفعول حذف فاعله للعلم به لأن فاعل الجواز هو الشارع (قوله ويرفع الحرب لجزية) أي يرفع الحرب عن اليهود والنصارى ومن كان في حكمهم بسبب جزية أتت منهم وإنما قبلت منهم الجزية حرمة لآبائهم الذين انقرضوا على الدين الذي هو من الله قبل نسخه، ولأن في أيديهم كتبا قديمة ولعلهم يتفكرون فيها فيعرفوا صدق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مع ما ينضم إلى ذلك من مشاهدتهم محاسنه وقوته وكثرة الداخلين فيه، وسميت جزية لأنها تجزي عن قتلهم أو لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجيزوه أي يقضوه ويقال جزا دينه بمعنى قصاه أو لأنها مكافأة للمسلمين على إبقائهم أ. هـ.
( (1/310)
صفحة 311
قوله أتت منهم) فيأتون بها صاغرين كما ذكر عز وجل قيل الصغر أن يأتي بها ماشيا غير راكب ويسلمها قائما والقابض قاعد، ويحرك ويزعج بإقلال ويؤخذ بمجامع ثيابه ويقال له أد الجزية وإن كان يؤديها ويضرب في قفاه، وفسره عكرمة بإعطائه قائما والقابض جالس وابن عباس بأن الضرب باليد عنقه والكلبي بأن الضرب باليد مبسوطة في قفاه، وقيل هو أن يؤخذ بلحيته ويضرب في لحميته تحت الأذن ويقال له أد حق الله يا عدو الله والضرب في ذلك كله خفيف. (قوله وفي المجوس حكمهم ثبت) أي وثبت حكم أهل الكتاب من رفع الحرب عنهم بإتيان الجزية بالشرط المتقدم في المجوس، وهم قوم لا كتاب لهم فمنهم من يعبد النيران ومنهم من يعبد الكواكب إلى غير ذلك.
(قوله إلا الذباح والنكاح فهما) الخ أي يستثني من حكم أهل الكتاب في المجوس شيئان هما تحريم ذبحهم وتحريم نكاح نسائهم، ن فإن حكمهم فيهما حكم عبدة الأوثان لقوله عليه السلام ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم))([2]). هذا مذهبنا ومذهب الجمهور وعليه مالك، وابن حبيب([3]) وغيره من أصحاب مالك إلا قليلا منهم وظاهر ما روي عن علي أنه تحل ذبائح المجوس وحرائرهم بالجزية، وبه فسر بعضهم حديث عبد الرحمن المذكور حيث لم يثبت عندهم زيادة غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم فقالوا في معناه: سنوا بهم سنة أهل الكتاب في كل شيء كالجزية والذبيحة ونكاح الحرة منهم وسواء في ذلك مجوس العرب وغيرهم وقيل لا يقبل من مجوس العرب إلا الإسلام أو القتل ولا تحل ذبيحتهم ولا حرائرهم وقيل يؤخذ منهم الجزية ولا تحل ذبيحتهم وحرتهم وهذا الخلاف أيضا في السامرة ونسب القول بأنهم والصابئين من أهل الكتاب وأحكامهم واحدة إلى الجمهور أ. هـ (قوله فاعلما) أمر من علم الشيء إذا أدركه وهو تتمة للبيت وفائدتها تنبيه السامع لحكم المجوس المستثنى م جملة أحكام أهل الكتاب، وألفه بدل عن نون التأكيد الخفيفة. (1/311)
صفحة 312
---------------------------------------------------------------------------
[1] ـ هو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي من قبيلة الأوزاع أبو عمرو إمام الديار الشامية في الفقه والزهد، وأحد الكتاب المسترسلين، ولد في بعلبك، ونشأ في البقاع وسكن بيروت وتوفي بها، وعرض عليه القضاء فامتنع. له كتاب (السنن) في الفقه، والمسائل ويقدر ما سئل عنه بسبعين ألف مسألة أجاب عليها كلها وكانت الفتيا تدور بالأندلس على رأيه إلى زمن الحكم بن هشام ولأحد العلماء كتاب (محاسن المساعي في مناقب الإمام أبي عمرو الأوزاعي) توفي عام 157هـ. =
راجع ابن النديم 1: 227 والوفيات 1: 275 وتاريخ بيروت 15 وحلية الأولياء 6: 135.
[2] ـ الحديث رواه صاحب الموطأ في كتاب الزكاة 24 باب جزية أهل الكتاب والمجوس، 42 وحدثني عن مالك عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم فقال عبد الرحمن بن عوف –رضي الله عنه- أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره.
[3] ـ هو عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون السلمي القرطبي أبو مروان عالم بالأندلس وفقيه في عصره أصله من طليطلة من بني سليم أو من مواليهم ولد في إلبيرة عام 174هـ وسكن قرطبة وزار مصر ثم عاد إلى الأندلس فتوفي بقرطبة، كان عالما بالأدب والتاريخ رأسا في فقه المالكية له تصانيف قيل تزيد على الألف. منها (حروب الإسلام) وطبقات الفقهاء والتابعين وتفسير موطأ مالك، ومصابيح الهدى، ومكارم الأخلاق وغير ذلك كثير توفي عام 238هز
راجع معجم البلدان 1: 323 وتاريخ علماء الأندلس لأبن الفرضي 1: 225 وتذكرة 2: 107 وميزان الاعتدال 2: 148 ولسان الميزان 4: 59 ونفح الطيب 1: 331.
(حكم المشركين عبدة الأوثان)
(والمشركون من ذوي الأوثان=
ليس لهم واق سوى الإيمان)
(كذاك حكم راجع عن دينه=
وآخذ بالشك عن يقينه)
( (1/312)
صفحة 313
قوله والمشركون من ذوي الأوثان) أي من أصحاب الأصنام وهم أهل اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ونحوها من الأصنام سواء كانت العبدة لها من العرب كمشركي قريش ونحوهم أو من العجم أو من البربر أو السودان خلافا لمن خصهم بالعرب كأبي حنيفة حيث قال تؤخذ الجزية أيضا ممن كان من العجم مشركا غير كتابي ولا تؤخذ من عربي مشرك غير كتابي ولأبي يوسف حيث قال تؤخذ الجزية من المشرك العجمي كتابيا كان أو غيره ولا تؤخذ من العربي ولو كتابيا ولمالك والأزاعي حيث قالا تؤخذ من جميع الكفار إلا المرتد وإنما قلنا بذلك لأن المعتبر عندنا الديانة لا النسب (قوله ليس لهم واق سوى الإيمان) أي ليس لهؤلاء المذكورين من المشركين حافظ يحفظهم من سيوف المسلمين ومن غنم أموالهم وسبي ذراريهم غير التصديق بالله وأنه لا شريك له في ذلك من كمالاته ولا يشابه شيء من مخلوقاته والتصديق بينه والشهادة له بأنه رسول الله وأن ما جاء به هو الحق مجملا ومفصلا.
( (1/313)
صفحة 314
قوله كذاك حكم راجع عن دينه) وهو المرتد فحكمه حكم عبدة الأوثان في أنه لا يقبل منه جزية ولا صلح ولا تحل ذبيحته ولا مناكحته ولا موارثته وليس له شيء يحفظه من سيوف المسلمين إلا الإسلام سواء رجع عن دين الإسلام إلى عبادة الأوثان أو إلى دين اليهودية أو النصرانية أو المجوسية أو نحو ذلك بحديث ((من بدل دينه فاقتلوه)) ويكفي في دخوله في الإسلام أن يقر بالجملة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إليها وفي الأثر ما نصه: والراجع إلى الإسلام كالمبتدئ ودخولهما فيه سواء لا فرق بينهما وهو أن يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وأن ما جاء به محمد من عند الله هو الحق كذلك قال علماؤنا: فإن لم يقر بما جاء به من عند الله لم يكن مؤمنا حتى يقول ذلك قال أبو محمد: ويعجبني أم لا يعذر من قول ,انه بريء من كل دين يخالف الدين الذي دعا إليه محمد صلى الله عليه وسلم فإن من الكفار من يقول أن محمدا رسول الله إلى العرب دون غيره. انتهى.
(قوله وآخذ بالشك عن يقينه) بيان لحكم من أشرك بالشك في وجود الله تعالى أو في شيء من كلامه أو في تصديق نبي من أنبيائه أو في قبول شيء من كتبه فإن الشاك في شيء من ذلك مشرك وحكمه إذا تبين بشكه حكم عبدة الأوثان والمرتد فيدعى أولا للتصديق بما تردد فيه فإن أبى قوتل حتى يصدق ويرجع عن شكه ولا يقبل منه صلح وكذلك حكم من أشرك بجهله لوجود الله تعالى بعد قيام الحجة عليه أو بجهله بشيء من كمالاته بعد قيام الحجة عليه بذلك والله أعلم.
(الركن الرابع)(في التوبة وأحكامها وما يشتمل عليها وفيه أربعة أبواب)
ختم بهذا الركن سائر الأركان تفاؤلا بحسن الخاتمة، فإن من ظفر بالتوبة لعلمه فقد ظفر.
الباب الأول
(في التوبة وأقسامها وأحكامها)
الباب الأول
(في التوبة وأقسامها وأحكامها) (1/314)
صفحة 315
أي في بيان حقيقة التوبة ما هي؟.. وفي بيان انقسامها إلى واجب وغير واجب وإلى سر وجهر، وفي بيان أحكامها متى تكون مقبولة ومتى لا تكون مقبولة وممن تقبل وممن لا تقبل...؟
أقسام التوبة
(توبتنا قسمان فرض وجبا=
لمن عصى والثاني نفل ندبا)
(قوله توبتنا) أي معشر الأمة المحمدية (قوله قسمان) أي بالنظر إلى حكم الشارع فيها فهي إما واجبة وإما مندوبة فالفرض الواجب منها هو ما إذا عصى المكلف فإنه يجب عليه أن يرجع عن عصيانه في الفور فأما وجوبها فمأخوذ من قوله تعالى ((وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون))([1]) وأما وجوب الفورية فيها فلما في تأخيرها من الإصرار المحرم قطعا وأما المندوب منها فهي تكرار توبة من عصى فتاب إذا تذكر ذنبه الذي تاب من فإنه يندب له أن يعيد توبته، ولا يجب عليه إعادتها خلافا لبعضهم لأن الصحابة ومن أسلم بعد كفره يتذاكرون ما كان في الجاهلية من الكفر ولا يجدون له توبة.
(قوله لمن عصى) أي على من عصى سواء كانت المعصية كبيرة أم صغيرة، فإن التوبة واجبة على فاعل شيء منهما على الفور لتحريم الإصرار مطلقا وذهب الجبائي([2]) من المعتزلة إلى أنه لا تجب التوبة من الذنب الصغير لأن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر قلنا تكفيرها باجتناب الكبائر لا ينافي وجوب التوبة منها على الإجمال فإن العاصي متى ما عصى وجب عليه أن لا يقيم على معصية وذلك الإقلاع هو عين التوبة منها فإن لم يقم عليها ولم يندم على فعله لكنه استرسل كذلك أي مهملا لا مسترا بها ولا نادما عليها ثم مات على ذلك مجتنبا للكبائر غفر الله له تلك المعصية وعدم التوبة منها أي فتركه التوبة من الصغيرة مع عدم الإصرار عليها صغيرة أيضا فهي مكفرة باجتناب الكبائر، وفعل الطاعات أما إذا أصر عليها فلا تكفرها إلا التوبة.
(قوله والثاني) أي والقسم الثاني من التوبة (قوله نفل)([3])، أي زيادة على الواجب (قوله ندبا) أي طلب فعله طلبا غير جازم. (1/315)
صفحة 316
---------------------------------------------------------------------------
[1] ـ سورة النور آية رقم 31.
[2] ـ هو محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي أبو علي: من أئمة المعتزلة ورئيس علماء الكلام في عصره، وإليه نسبة الطائفة الجبائية، له مقالات وآراء انفرد بها في المذهب نسبته إلى جبى (من قرى البصرة) اشتهر في البصرة ودفن بجبى عام 303هـ له تفسير حافل مطول، رد عليه الأشعري.
راجع المقريزي 2: 348 ووفيات الأعيان 1: 480 والبداية والنهاية 11: 125 واللباب 1: 208 ومفتاح السعادة 2: 35 وانظر دائرة المعارف الإسلامية 6: 270 – 274.
[3] ـ النفل: أي الزيادة على الواجب ويقال له النافلة قال تعالى(ومن الليل فتجديه نافلة لك) وعلى هذا قوله (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة) ويقال نفلته كذا أي أعطيته نفلا.
أي في بيان حقيقة التوبة ما هي؟.. وفي بيان انقسامها إلى واجب وغير واجب وإلى سر وجهر، وفي بيان أحكامها متى تكون مقبولة ومتى لا تكون مقبولة وممن تقبل وممن لا تقبل...؟
أركان التوبة
(أركانها ندم مع استغفار=
والعزم والرجوع بانكسار)
(قوله أركانها) الخ أي أركان التوبة الشرعية أربعة كما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: التوبة النصوح الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع بالبدن، والإضمار على أن لا يعود، وبعضهم جعل هذه الأشياء ما عدا الرجوع عن الذنب شروطا للتوبة لا أركانا لها وجعل بعضهم الخلاف في كونها أركانا أو شروطا لفظيا وبين وجه الخلاف بأن من اعتبر معنى التوبة في اللغة جعل تلك الأشياء شروطا ومن لم ينظر إلى معناها اللغوي جعلها أركانا.
( (1/316)
صفحة 317
قوله ندم) بسكون الدال للوزن وهو غم يصيب الإنسان ويتمنى أن ما وقع منه لم يقع وإنما يعتد به إن كان على ما فاته من رعاية حق الله تعالى ووقوعه في الذنب حياء من الله وأسفا على عدم رعاية حقه فلو ندم لحظ دنيوي كعار أو ضياع مال أو تعب بدن أو يكون مقتوله ولده لم يعتبر كما ذكره بعضهم وذكر أبو نصر القشيري عن والده الإمام أبي القاسم: أن من شرط التوبة أن يذكر ما مضى من الزلة ويندم فلو أسلف ذنبا ونسيه فتوبته من ذنوبه على الجملة وعزمه على أن لا يعود على ذنب على ما يكون توبة مما نسيه وما دام ناسيا لا يكون مطالبا بالتوبة عما نسيه ا. هـ.
المراد منه وقال القاضي أبو بكر([1]): إن لم يتذكر تفصيل الذنب فليقل إن كان لي ذنب لم أعلمه فإني تائب إلى الله تعالى ولعله إنما قال هذا فيما إذا علم لنفسه ذنوبا لكنه لا يتذكرها فأما إذا لم يعلم لنفسه ذنبا فالندم على ما لم يكن محال إن علم له ذنبا لكنه لم يتعين له في التذكر فيمكن أن يندم على ما ارتكب من المخالفة على الجملة ثم العزم على أن لا يعود إلى المخالفة أصلا ا. هـ.
(قوله مع استغفار) أي مع طلب الغفران لذنبه سواء كان ذلك الطلب بالقول والقلب أو بالقلب فقط لقوله تعالى ((والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم))([2]) ولا يشترط فيه التلفظ به مطلقا لما سيأتي من أن توبة كل ذنب مثله سرا وإعلانا وقال بعضهم: إن كانت المعصية قوليه كالقذف والغيبة اشترط في التوبة الاستغفار لفظا وإن كانت غير قوليه لم يشترط وتجزى فيه التوبة بالسريرة.
( (1/317)
صفحة 318
قوله والعزم) أي على أن لا يعود في المستقبل إليه أو إلى مثله وهذا إنما يتصور اشتراطه في من يتمكن من مثل الذي قدمه أما من جب بعد الزنا أو قطع لسانه بعد نحو القذف فالشرط في حقه عزمه على الترك لو عادت إليه قدرته على الذنب وبهذا علم أن توبة العاجز عن العود صحيحة ولم يخالف فيها إلا ابن الجبائي([3]) قال لأنه ملجأ إلى الترك وردوا عليه بما تقرر في نحو المجبوب ا. هـ.
(قوله والرجوع بانكسار) أي ومن أركان التوبة الإقلاع عن الذنب بتذلل وانكسار نفس وذلك كما إذا كان ملتبسا بالذنب أو مصرا عليه فإنه يجب عليه ترك ما تلبس به حالا وإن لم يتركه فلا توبة له، قال ابن حجر واعترض بأن الجمهور لم يتعرضوا لهذا الشرط قال وأجيب بأن من أهمله نظر إلى غير الملتبس والمصر إذ لا يتصور منه الإقلاع ومن ذكره نظر إلى الملتبس والمصر فلا بد من إقلاعهما قطعا أو يستحيل حصول الندم الحقيقي على شيء وهو ملازم له في الحال أو مع العزم على معاودته إذ من لازم الندم الحزن على ما فرط من الزلة، ولا يوجد ذلك إلا بتركها مع العزم على عدم معاودتها ما بقي وإنما قال الناظم: الرجوع بانكسار ليخرج نحو ما إذا كان الرجوع بغير ذلك كالراجع عن معصية خوف تعزير من الإمام وتنكيل السلطان فإن هذا وإن رجع عن الفعل فهو عاص بالقصد لأنه مصر وكالراجع عن الزنا مخافة أن يظفر به أهل المرأة أو بعد ما جبت آلته وفي نفسه لو يستطيع لفعل (واعلم) أنهم قد ذكروا للتوبة شروطا فوق ما ذكرنا راجعة إلى ما ذكرنا.
(ومنها): أن يفارق مكان المعصية على ما ذكره الزمخشري([4]) قال ابن حجر: وهو شاذ قال وجعل صاحب التنبيه ذلك مستحبا (ومنها) أن لا يعود للذنب على ما زعمه الباقلاني([5])أقول وعدم العود ليس بشرط في التوبة وإنما الشرط العزم على أن لا يعود واشتراط عدم العود بعيد جدا.
( (1/318)
صفحة 319
ومنها): أن يمكن من إقامة حد ثبت عليه عند الحاكم فتتوقف التوبة على التمكين من استيفائه لا على استيفائه فلو مكن فلم يجده الإمام ولا نائبه إثما دونه أقول وهذا الشرط أذا وجب داخل تحت الرجوع بالتذلل والخضوع فإنه إذا كان راجعا بذلك استلزم أن لا يترك واجبا عليه لله تعالى فإن ترك الواجب معصية أخرى إذا ارتكبها دل على أن رجوعه عن المعصية لم يكن لكونها معصية.
(ومنها) ما اشترطته المعتزلة من رد المظالم أقول وهذا الشرط أيضا داخل تحت الرجوع فإنه يجب كما تقدم أن يكون الرجوع عن المعصية لكونها معصية فيستلزم أن لا يبقى مظلمة يقدر التائب على ردها فإن لم يفعل كان مصرا ورد المظالم معتبر في صحة التوبة عند أصحابنا أيضا فلا عبرة بمن لا يعتبره وأجيب عنه بأنه واجب آخر لا مدخل له في صحة التوبة سلمنا أنه واجب آخر لكنا لا نسلم أنه لا مدخل له في صحة التوبة فإن التوبة الصحيحة منافية للإصرار وترك رد المظالم مع القدرة على ردها ترك للواجب وتارك الواجب عمدا عاص أيكون عاصيا تائبا؟ فظهر اشتراطه.
(واصلها امتثال أمر الباري=
ومنتهاها الحط للأوزار)
(قوله وأصلها) أي أصل التوبة أي سببها الحامل على فعلها هو امتثال العبد لأمر مولاه، فإن العبد متى ما سمع قوله تعالى ((وتوبوا إلى الله جميعا))([6]) الآية فسارع في فعل التوبة كان امتثال الأمر الذي سمعه من الآية سببا لفعل تلك التوبة فصح أي يعبر عنه بالأصل.
(قوله امتثال أمر الباري) أي الخالق في المصباح امتثلت أمره إذا أطعته.
(قوله ومنتهاها): أي غايتها التي ينتهي إليها العبد بسبب فعلها أي ثمرتها وفائدتها فغاية الشيء وثمرته وفائدته شيء واحد لكن اختلفت العبارات لاختلاف الاعتبارات فسمي غاية باعتبار أنه طرف الفعل وثمرة باعتبار أنه مترتب على الفعل كترتب ثمرة الشجرة عليها وتسمى فائدة باعتبار عود نفعه إلى الفاعل.
( (1/319)
صفحة 320
قوله الحط للأوزار): أي منتهى التوبة وثمرتها حط الأوزار بمعنى إزالة الآثام عن المذنب وتلك الثمرة إنما هي بمحض تفضل منه تعالى لا بوجوب عليه خلافا للمعتزلة الزاعمين أنه يجب على الله قبول التائب عقلا ونقلا واستدلوا على ذلك من طريق النقل بقوله تعالى ((إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء))([7]) الآية واستدلالهم بهذه الآية على مطلوبهم من وجهين الأول أن كلمة على للوجوب فقوله إنما التوبة على الله للذين يدل على أنه يجب على الله عقلا قبولها.
الثاني: لو حملنا قوله: إنما التوبة على الله على مجرد القبول لم يبق بينه وبين قوله فأولئك يتوب الله عليهم فرق لأن هذا أيضا إخبار عن الوقوع أما إذا حملنا ذلك على وجوب القبول وهذا على الوقوع يظهر الفرق بين الآيتين ولا يلزم التكرار ورد هذا المذهب الفخر([8]) الرازي بوجوه الأول:
أن لازمه الوجوب استحقاق الذم عند الترك فهذه الأزمة إما أن تكون ممتنعة الثبوت في حق الله تعالى أو غير ممتنعة في حقه والأول باطل لأن ترك ذلك الواجب لما كان مستلزما لهذا الذم وهذا الذم محال الثبوت في حق الله تعالى وجب أن يكون ذلك الترك ممتنع الثبوت في حق الله، وإذا كان الترك ممتنع الثبوت عقلا كان الفعل واجب الثبوت فحينئذ يكون الله تعالى موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار وذلك باطل وأما إن كان من استحقاق الذم غير ممتنع الحصول في حق الله تعالى فكل ما كان ممكنا لا يلزم من فرض وقوعه محال فيلزم جواز أن يكون الإله مع كونه إلها يكون موصوفا باستحقاق الذم، وذلك محال لا بقوله عاقل ولما بطل هذان القسمان ثبت أن القول بالوجوب على الله تعالى باطل.
( (1/320)
صفحة 321
الحجة الثانية): أن قادرية العبد بالنسبة إلى فعل التوبة وتركها إما أن يكون على السوية أو لا يكون على السوية فإن كان على السوية لم يترجح فعل التوبة على تركه إلا لمرجح ثم ذلك المرجح إن حدث لا عن محدث لزم نفي الصانع وإن حدث عن العبد عاد التقسيم وإن حدث عن الله فحينئذ العبد إنما أقدم على التوبة بمعونة الله وتقويته فتكون تلك التوبة إنعاما من الله تعالى على عبده وإنعام المولى على عبده لا يوجب عليه أن ينعم عليه مرة أخرى فثبت أن صدور التوبة عن العبد لا يوجب على الله القبول وأما إن كانت قادرية العبد لا تصلح للترك والفعل فحينئذ يكون الجبر ألزم وإذا كان كذلك كان القول بالوجوب أظهر بطلانا وفسادا.
(الحجة الثالثة): التوبة عبارة عن الندم على ما مضى والعزم على الترك في المستقبل والندم والعزم من باب الكراهات والإرادات، والكراهة والإرادة لا تحصلان باختيار العبد وإلا افتقر في تحصيلهما إلى إرادة أخرى ولزم التسلسل وإذا كان كذلك كان حصول هذا الندم وهذا العزم بمحض تخليق الله تعالى وفعل الله لا يوجب على الله فعلا آخر فثبت أن القول بالوجوب باطل.
( (1/321)
صفحة 322
الحجة الرابعة): إن التوبة فعل يصل باختيار العبد على قولهم فلو صار ذلك علة الوجوب على الله لصار فعل العبد مؤثرا في ذات الله وفي صفاته وذلك لا يقوله عاقل فأما الجواب عما احتجوا به فهو أنه تعالى وعد قبول التوبة من المؤمنين فإذا وعد الله بشيء وكان الخلف في وعده محالا كان ذلك شبيها بالواجب، فبهذا التأويل صح إطلاق كلمة على وبهذا الطريق ظهر الفرق بين قوله ((إنما التوبة على الله))([9]) وبين قوله ((فأولئك يتوب الله عليهم))([10]) إن قيل فلما أخبر عن قبول التوبة وكل ما أخبر الله عن وقوعه كان واجب الوقوع فيلزمكم أن لا يكون فاعلا مختارا قلنا الإخبار عن الوقوع تبع للوقوع والوقوع تبع للإيقاع والتبع لا غير الأصل، فكان فاعلا مختارا في ذلك الإيقاع أما أنتم فتقولون بأن وقوع التوبة من حيث أنها هي المؤثر في وجوب القبول على الله تعالى وذلك لا يقوله عاقل فظهر الفرق ا. هـ. بلفظه.
(والتوب مثل الذنب عن نبينا=
سرا وجهرا هكذا قد بينا)
( (1/322)
صفحة 323
قوله والتوب مثل الذنب) اعلم أن من الذنوب ما هو ظاهر كالزنا، وشرب الخمر، وأكل الخنزير، وأكل الربا، وشهادة الزور، إلى غير ذلك ومنها ما هو باطن كالعجب والكبر والرياء والحسد والعزم على الفسق ونحو ذلك، وتجب التوبة من جميعها لكن توبة كل ذنب بما يناسبه فالتوبة من الذنوب الظاهرة يجب أن تكون ظاهرة على اللسان بطلب الغفران من المنان، وأما التوبة من الذنوب الباطنة يكفي أن تكون باطنة من غير إظهار على اللسان فإن أظهرها مظهر كان ذلك فضلا له، وقد فعل فوق ما يجب نفلا، والدليل على هذا التفصيل قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ ((إذا عملت سيئة فاحدث بها توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية)) والجهر في المعاصي هو أن يعمل معصية بدنية والسر فيها هي المعاصي القلبية والجهر في التوبة هي إجراء الاستغفار على اللسان مع الندم والانكسار في الجنان، والسر منها هو الاقتصار على ما عدا الاستغفار باللسان من الأركان فإذا عمل المكلف معصية من المعاصي البدنية وجبت التوبة عليه جهرا ثم اختلفوا في حد الجهر فقال قوم: هو ما سمعته أذنان فصاعدا وقال آخرون: هو ما سمعه من يليك فصاعدا وجعل أرباب هذا القول ما سمعته الأذنان من السر وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا عمل رجل شيئا من المعاصي البدنية وقد اطلع عليه غيره هل عليه أن يظهر التوبة عند من علم بمعصيته أم لا..؟ قولان للفقهاء صحح الإمام رضوان الله عليه أن ليس عليه إظهار ذلك عند من علم بمعصيته، ونوقش في ذلك بأن من اطلع على معصيته مستصحب للبراءة منه حتى يعلم رجوعه وتوبته فأجاب بما حاصله أن المتبرئ منه إنما برئ منه بحق فيجوز له أن يقيم على حقه في البراءة منه ولا شيء عليه. (1/323)
صفحة 324
أقول: وهذا الجواب لا يدفع تلك المناقشة فإنها مبنية على قاعدة مشهورة صرح بها هذا الإمام وغيره هي أنه ليس لأحد أن يبيح البراءة من نفسه، ومن أباح البراءة من نفسه فهو هالك عند الله أنه صادق واستدل عليها الإمام بقوله تعالى ((فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون))([11])قائلا أنه تعالى حكم على القذفة بالكذب إن لم يأتوا بالشهداء ولو كانوا صادقين في نفس الأمر كذلك من أباح من نفسه البراءة في الظاهر يبرأ منه، وإن كان محقا في السريرة لكن للإمام أن يقول هذا التائب إنما أباح من نفسه البراءة حين مباشرة المعصية فتوبته جب لما قبلها مطلقا، وقد يجاب بأن إبقاء من علم أنه يبرأ منه بموجب البراءة على البراءة منه مع القدرة على نقله من البراءة منه إباحة للبراءة من نفسه، أما القائلون بأن الجهر هو ما سمعه من يليك فصاعدا فقد أوجبوا على من عمل المعصية وأطلع عليها غيره أن يبلغ توبته من أطلع على معصيته ووجهه أنه لما كان الجهر هو ما سمعه الغير وكان بعض الغير مطلعا على المعصية والبعض لم يطلع كان لا معنى لإيجاب إظهار التوبة عند من لم يطلع على معصيته، فتعين أن الواجب هو إظهارها عند من اطلع على معصيته نعم يستثنى من ذلك إذا كان هذا العاصي مشهور الفسق في جميع النواحي أو كان فقد اطلع على معصيته من لا يصل إلى أخباره فإنه ليس عليه في الأول إلا إشهار التوبة كما شهرت معصيته وفسقه لتعذر إظهارها على كل فرد ممن اشتهر معه فسقه، وكذلك ليس عليه في الحال الثاني شيء لأنه إذا لم يكن من اطلع على معصيته بمحل يصل إليه خيره ولو بالكتابة فقد تعذر إخباره، والتكليف بما هو متعذر الوجود تكليف بما لا يطاق وهو ممنوع.
(قوله عن نبينا) أي محمد صلى الله عليه وسلم والإشارة إلى تلك الرواية والإضافة لتشريف المضاف إليه.
( (1/324)
صفحة 325
قوله سرا وجهرا) انتصبا على التمييز المفسر لإجمال المماثلة في قوله: والتوب مثل الذنب فإن المماثلة هنالك مجملة فسرت بهذا التمييز هنا.
(قوله هكذا قد بينا) الإشارة إلى هذا التمييز أي هكذا قد بين المذكور من تلك المماثلة.
(فالعجب والكبر معا والحسد=
كذا الريا توبتها أن تفقد)
(وهكذا العزم على الكفران =
فالحق أنه من العصيان)
(قوله العجب) تفريع على قوله والتوب مثل الذنب والعجب بضم المعجمة: هو استعظام النعمة والركون إليها مع قطع النظر أنها من الله عز وجل، أما إذا استعظمها بالنظر إلى صدورها من الله تفضيلا عليه وأستر بها لذلك فليس هذا بعجب ((قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير ما يجمعون))([12]) (سببه) صفة كمال في النفس من علم أو جمال أو حسب أو نحو ذلك وهو كبيرة لما في ذلك الحديث الصحيح ((لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر منه))([13]) (العجب) وفي الحديث الرباني قال الله عز وجل ((لولا أن الذنب خير لعبدي المؤمن من العجب ما خليت بين عبدي المؤمن وبين الذنب))([14]) وفي حديث الديلمي: لولا أن المؤمن يعجب بعلمه لعصم من الذنب حتى لا يهم به ولكن الذنب خير له من العجب، وروى الدارقطني ليس بالخير أن يقضي العبد القول بلسانه والعجب في قلبه، وروى أبو الشيخ: شرار أمتي العجب بدينه المرائي بعلمه المخاصم بحجته والرياء شرك.
(وعلاجه) أن يعلم أن تلك النعمة إنما تفضل بها عليه مولاه وأنه هو محلها لا موجدها وليس للمحل شيء من التأثير في الحال، فأنى له أن يعجب بشيء ليس هو من فعله فإن قال: إنه كان هو السبب لوجودها قيل له جعلك سببا لها نعمة أخرى تفضل بها عليك غيرك فليس لك من الأمر شيء، فالواجب عليك شكر المنعم بها لا كفرانه.
( (1/325)
صفحة 326
قوله والكبر): بكسر الكاف وسكون المعجمة هو رد الحق ودفعه واحتقار الناس وازدراؤهم وهو من أعظم الكبائر لقوله تعالى ((سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق))([15]) ((واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد))([16]) ((كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار))([17])((إنه لا يحب المستكبرين))([18]) ((إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين))([19]) أي صاغرين والآيات في ذم الكبر كثيرة وفي الحديث ((اجتنبوا الكبر فإن العبد لا يزال يتكبر حتى يقول الله تعالى اكتبوا عبدي هذا في الجبارين)) وفي حديث حسنه الترمذي ((لا يزال العبد يذهب بنفسه أي يرتفع ويتكبر حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم)) وفي الحديث الرباني يقول الله تعالى ((الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منها قذفته في النار)) وعبر بالرداء والإزار هنا عن الخصوصية أي الكبرياء والعظمة مختصان بي ليس لأحد أن ينازعني في شيء منهما كما يختص الواحد منكم بردائه وإزاره فلا ينازعه فيهما منازع وفي حديث النسائي والترمذي ((يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صورة الرجال يغشاهم الذل من كل مكان يساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس تعلوهم نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال)).
وفي حديث مسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجة لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر وفي حديث مسلم ((أن الله لا ينظر إلى من يجر إزاره بطرا لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قيل إن الرجل يجب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال: إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحب وغمط الناس)).
( (1/326)
صفحة 327
والكبر أنواع) لأنه (إما) على الله تعالى وهو أفحش أنواع الكبر كتكبر فرعون ونمرود حيث استنكفا أن يكونا له عبدين تعالى وادعيا الربوبية قال تعالى ((إن الذين يستكبرون هن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين)) أي صاغرين لن يستنكف المسيح الآية (وإما) على رسوله بأن يمتنع من الانقياد له تكبرا جهلا وعنادا كما حكى الله ذلك عن كفار مكة وغيرهم من الأمم.
( (1/327)
صفحة 328
وإما) على العباد يستعظم نفسه ويحتقر غيره ويزدريه فيأبى عن الانقياد له أو يرتفع عليه ويأنف من مساواته وهذا وإن كان دون الأولين إلا أنه عظيم إثمه أيضا لأن الكبرياء والعظمة إنما يلقيان بالملك القادر القوي المتين دون العبد العاجز الضعيف فتكبره فيه منازعة لله في صفة لا تليق إلا بجلاله فهو كعبد أخذ تاج ملك وجلس على سريره فما أعظم استحقاقه للمقت وأقرب استعجاله للخزي ومن ثم قال تعالى كما مر في أحاديث أن من نازعه العظمة والكبرياء أهلكه أي لأنهما من صفاته الخاصة به تعالى فالمنازع منازع في بعض صفاته تعالى وأيضا فالتكبر على عباده لا يليق إلا به تبارك وتعالى فمن تكبر عليهم فقد جنى عليه إذ من استذل خواص غلمان الملك منازع له في بعض أمره وإن لم يبلغ قبح من أراد الجلوس على سريره ومن لازم هذا الكبر بنوعيه مخالفة أوامر الحق لأن المتكبر ومنه المتجادلون في مسائل الدين بالهوى والتعصب تأبى نفسه من قبول ما سمعه من غيره وإن اتضح سيله بل يدعوه كبره إلى المبالغة في تزييفه وإظهار إبطاله فهو على حد قوله تعالى ((وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون))([20]) ((وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد))([21]) وقال ابن مسعود كفى بالرجل إثما إذا قيل له اتق الله أن يقول عليك بنفسك وقال صلى الله عليه وسلم لرجل يأكل بشماله كل بيمينك فقال([22]) متكبرا لا أستطيع فشلت يده فلم يرفعها بعد فإذن التكبر على الخلق يدعو إلى التكبر على الخالق ألا ترى أن إبليس لما تكبر على آدم وحسده بقوله ((أنا خير منه))([23]) جره ذلك إلى التكبر على الله لمخالفة أمره فهلك هلاكا مؤبدا ا. (1/328)
صفحة 329
هـ (وعلاجه) بجميع أنواعه أن ينظر في مبدئه ومنتهاه وفي حقيقة أحواله فإنه متى ما استغرق نظره في ذلك عرف ماهيته وتبين له عجزه وانكسرت عند ذلك نفسه وإلى هذا يشير قوله تعالى ((قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره))([24]) وقوله تعالى ((هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا))([25]) الآيات.
(قوله معا) أي جميعا انتصب على الحال وصاحبه توبتها والعامل فيه تفقد والمعنى فالعجب والكبر وما بعدهما توبتها جميعا أن تفقد.
( (1/329)
صفحة 330
قوله والحسد): هو التمني زوال نعمة الغير بلا حق فخرج بقولنا بلا حق هو ما إذا كان التمني بحق وذلك كأن يكون المنعم عليه باغيا مثلا فإنه يحل شرعا إضاعة ماله، وكل ما حل إضاعته جاز تمني زواله ضرورة وبقولنا تمنى إزالة النعمة ما إذا لم يتمن زوالها لكن تمنى أن يكون له مثلها، فإن هذا ليس بحسد وإنما هو غبطة وفي الحديث ((المؤمن يغبط والمنافق يحسد))([26]) وللحسد مراتب أعلاها تمني زوال نعمة الغير من غير أن يكون للحاسد نفع في زوالها (ثانيها) تمني زوالها مع رجاء أن تنتقل إليه أو ينتقل إليه مثلها (ثالثها) تمني زوالها ليساويا في المنزلة فلا يكون المحسود زائدا عليه بشيء وهو بجميع أنواعه حرا قال تعالى ((أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله))([27]) وقال تعالى ((ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء))([28]) وقال صلى الله عليه وسلم ((الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار والصلاة نور المؤمن والصيام جنة))([29]) أي ساتر ووقاية وفي رواية الديلمي الحسد يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل في رواية أبي داود ((إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)) وفي حديث آخر ((دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر والذي نفس محمد بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحابيتم افشوا السلام بينكم))([30]). (1/330)
صفحة 331
وفي حديث الطبراني ليس مني ذو حسد ولا نميمة ولا كهانة ولا أنا منة وفي حديث الحاكم والديلمي أن إبليس يقول: ابغوا من بني آدم البغي والحسد فإنهما يعدلان عند الله الشرك فهذه الأحاديث كلها دالة على أن الحسد من الكبائر أما قوله صلى الله عليه وسلم ((الحسد في اثنين رجل آتاه الله القرآن فقام به وأحل حلاله وحرم حرامه ورجل آتاه الله مالا فوصل به أقرباءه ورحمه وعمل بطاعة الله تمنى أن يكون مثله))([31]) ففيه إطلاق الحسد على الغبطة تجوزا ألا ترى إلى قوله في آخر الحديث ((تمنى أن يكون مثله)) ولم يقل تمنى أن تزول نعمته وأما قوله عليه الصلاة والسلام ((كل ابن آدم حسود لا يضر حاسدا حسده ما لم يتكلم باللسان أو يعمل باليد)) ففيه بيان الحسد المعفو عنه وهو ما يجده الإنسان في نفسه اضطرارا فإنه لا يؤاخذ به حتى يحققه بالأفعال الاختيارية ومن (آفات) الحسد أن فيه تسخطا لقضاء الله إذا أنعم على الغير بما لا مضرة عليك فيه وشماتة بأخيك المسلم قال تعالى ((إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها))([32]) (وعلاجه) أن تعرف أنه يضر الحاسد دينا ودنيا ولا يضر الحسود لا دينا ولا دنيا إذ لا تزول نعمة بحسد قط، وإلا لم تبق لله نعمة على أحد حتى إيمان لأن الكفار يحبون زواله عن أهله بل المحسود منتفع بحسدك دنيا لأنه مظلوم من جهتك سيما إن أبرزت حسدك إلى الخارج بالغيبة وهتك الستر وغيرهما من أنواع الإيذاء، فهذه هدايا تهدي إليه حسناتك بسببها حتى تلقى الله يوم القيامة مفلسا محروما من النعم كما حرمت منها في الدنيا ودينا لسلامته من غمك وحزنك وغيرهما ا. هـ.
(قوله كذا الرياء) ويسمى الشرك الأصغر وهو إرادة العامل بعبادته غير وجه الله كأن يقصد اطلاع الناس على عبادته وكماله حتى يحصل له منهم مال أو جاه أو ثناء.
( (1/331)
صفحة 332
إما) بإظهار نحول وصفرة وجه ونحو تشعث شعر وبذاذة هيئة وخفض صوت وغمض جفن إيهاما لشدة اجتهاده في العبادة وحزنه وقلة أكله وعدم مبالاته بأمر نفسه لاشتغاله عنها بالأهم، وتوالى صومه وسهره وإعراضه عن الدنيا وأهلها.
(وإما) بإظهار زي الصالحين كإطراق الرأس في المشي والهدوء في الحركة وإبقاء أثر السجود على الوجه ولبس الصوف وخشن الثياب وتقصيره وغير ذلك و(إما) بالوعظ والتذكير وإظهار حفظ السنن ولقاء المشايخ وإتقان العلوم وغير ذلك من الطرق الكثيرة.
(وإما) بنحو تطويل أركان الصلاة وتحسينها وإظهار التخشع فيها وكذا الصوم والحج وغيرهما من العبادات (وإما) بالاصطحاب والزائرين والمخالطين كمن يطلب من عالم أو أمير أو صالح أن يأتي إليه لزيارته إيهاما لرفعته وتبرك الأكابر به وكمن يذكر أنه لقي شيوخا كثيرين افتخارا بهم وترفعا بذلك على غيره وهو بجميع أنواعه حرام بشهادة الكتاب والسنة وإجماع الأمة قال تعالى ((الذين هم يراءون ويمنعون الماعون))([33]) وقال تعالى ((ولا يشرك بعبادة ربه أحدا))([34]) أي لا يرائي بعمله، ومن ثم نزلت فيمن يطلب الأجر والحمد بعبادته وأعماله قال صلى الله عليه وسلم ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر الرياء يقول الله يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا انظروا هل تجدون عندهم جزاء..؟ ))([35]) وفي حديث آخر إن أدنى الرياء شرك ((وأحب العبيد إلى الله الأتقياء الأسخياء الأخفياء))([36]) أي المبالغون في ستر عباداتهم وتنزيهها عن شوائب الأغراض الفانية والأخلاق الدنيئة وفي حديث آخر ((إن أخوف ما أخاف على أمتي الإشراك بالله أما أني لست أقول يعبدون شمسا ولا قمرا ولا وثنا ولكن أعمالا لغير الله وشهوة خفية))([37]). (1/332)
صفحة 333
وفي حديث آخر ((إن الله إذا كان يوم القامة ينزل إلى العباد أي ينزل إليهم أمره ليقضي بينهم وكل أمة جاثية فأول من يدعي به رجل جمع القرآن ورجل قتل في سبيل الله ورجل كثير المال فيقول الله للقارئ ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي قال: بلى يا رب قال: فماذا عملت فيما عملت..؟ قال: كنت أقوم آناء الليل وآناء النهار فيقول الله له: كذبت بل أردت أن يقال فلان قارئ فقد قيل ذلك ويؤتى بصاحب المال فيقول الله له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد..؟ قال: بلى يا رب قال: فما عملت فيما أتيتك قال: كنت أصل الرحم وأتصدق فيقول الله له: بل أردت أن يقال فلان جواد فقد قيل ذلك ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول الله له: فيما ذا قتلت..؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول الله له: كذبت ويقول الله له بل أردت أن يقال فلان جريء أي شجاع فقد قيل ذلك يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة))([38]) (وعلاجه) هو أن يعرض عن رغبته في كل ذلك لما فيه من المضرة وفوات صلاح القلب وحرمان التوفيق في الحال والمنزلة الرفيعة في الآخرة والعقاب العظيم والمقت الشديد والخزي الظاهر حيث ينادى على رؤوس الخلائق ويقال للمرائي: يا فاجر يا غادر يا مرائي أما استحييت إذ اشتريت بطاعة الله تعالى عرض الحياة الدنيا راقبت قلوب العباد واستهزأت بنظر الله تعالى وطاعته وتحببت إلى العباد بالتبغض إلى الله تعالى وتزينت لهم بالشين عند الله تعالى وتقربت إليهم بالعبد من الله تعالى ولو لم يكن في الرياء إلا إحباط عبادة واحدة لكفى في شؤمه وضرره ا. هـ.
(قوله توبتها أن تفقد) أي توبة هذه الأربع كبائر هي فقدانها أصلا من القلب وانعدامها حتى لا يبقى لها ثمرة ولا تأثير مع الندم على وجودها، ورفع (تفقد) على إهمال أن حملا على ما المصدرية قال في الخلاصة:
(وبعضهم أهمل أن حملا على=
ما أختها حيث استحقت عملا)
( (1/333)
صفحة 334
قوله وهكذا العزم على الكفران) أي ومثل هذه الكبائر الأربع في صورة التوبة العزم على الكفر لأنه من الكبائر القلبية فالتوبة منه إعدامه وردع النفس عنه فلا يشترط فيه إظهار التوبة على اللسان، وقد عرفت مما مر أن الكفر نوعان كفر نعمة وكفر شرك فالعزم على كفر النعمة فسق على الصحيح، وأما العزم على الشرك فقد صرح ابن حجر بأنه شرك ووجهه أنه لا يكون عازما على الشرك إلا وهو شاك في الإسلام أو جاهل بحقيقته أو معاند له وجميع الأوجه شرك.
(قوله فالحق أنه من العصيان) أي فالحق أن العزم على الكفران هو من جملة العصيان، وأنه لم يدخل تحت الأشياء المعفو عنها بحديث ((إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به))([39]) لحديث ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه كان حريصا على قتل صاحبه))([40]) فعلل بالحرص وللإجماع على المؤاخذة بأعمال القلوب كالحسد ونحوه ولقوله تعالى ((ومن يرد فيه بإلحاد بظلم))([41])الآية على تفسير الإلحاد بالمعصية ولقوله تعالى ((إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا))([42]) وللسبكي([43]) في تفصيل حديث النفس كلام أحسن فيه جدا فقال ما نصه الذي يقع في النفس من قصد المعصية على خمس مراتب. (1/334)
صفحة 335
الأولى: الهاجس وهو ما يلقى فيها ثم جريانه فيها وهو الخاطر ثم حديث النفس وهو ما يقع فيها من التردد هل يفعل أو لا؟ ثم الهم وهو ترجيح قصد الفعل، ثم العزم وهو قوة ذلك القصد والجزم به بالهاجس لا يؤاخذ به إجماعا لأنه ليس من فعله وإنما هو شيء ورد عليه لا قدرة له عليه ولا صنع، والخاطر الذي بعده كان قادرا على دفعه بصرف الهاجس أول وروده ولكن هو وما بعده حديث النفس مرفوعان بالحديث الصحيح وإذا ارتفع حديث النفس ارتفع ما قبله بطريق الأولى، وهذه المراتب الثلاث أيضا لو كانت في الحسنات لم يكتب له بها أجر أما الأول فظاهر وأما الثني والثالث فلعدم القصد، وأما الهم فقد بين الحديث الصحيح أن الهم بالحسنة يكتب حسنة والهم بالسيئة لا يكتب سيئة وينتظر فإن تركها لله كتبت حسنة، إن فعلها كتبت سيئة واحدة، والأصح في معناه أنه يكتب عليه الفعل وحده وهو معنى قوله واحدة وإن الهم مرفوع ومن هذا يعلم أن قوله في حديث النفس ما لم تتكلم به أو تمل به ليس له مفهوم حتى يقال إنها تكلمت أو عملت يكتب عليها حديث النفس، لأنه إذا كان الهم لا يكتب فحديث النفس أولى، وأما العزم فالمحققون على أنه يؤاخذ به وخالف بعضهم وقال: إنه من الهم المرفوع وربما تمسك بقول أهل اللغة هم بالشيء عزم عليه، والتمسك بهذا غير سديد لأن اللغوي لا يتنزل على هذه الدقائق ا. هـ كلامه. (1/335)
صفحة 336
لكن ذكر في شرح المنهاج ما يخالف ما هنا في الهم حيث قال: إني ظهر لي الآن المؤاخذة من إطلاق قوله صلى الله عليه وسلم وتعمل ولم يقل أو تعمله قال فيؤخذ منه تحريم المشي إلى المعصية وإن كان المشي في نفسه مباحا لكن الانضمام قصد الحرام إليه فكل واحد من المشي والقصد لا يحرم عند انفراده أما إذا اجتمعنا فإن كان مع الهم عمل لما هو من أسباب المهموم به فاقتضى إطلاق أو تعمل المؤاخذة به، وعلى هذا مشى ابنه في جمعه ومنعه فقال ما نصه: إن عدم المؤاخذة بحديث النفس والهم ليس مطلقا بل بشرط عدم التكلم والعمل حتى إذا عمل يؤاخذ بشيئين همه وعمله ولا يكون همه مغفورا وحديث نفسه إلا إذا لم يتعقبه العمل كما هو ظاهر الحديث ا. هـ.
---------------------------------------------------------------------------
[1] ـ هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر أبو بكر قاض من كبار علماء الكلام انتهت إليه الرياسة في مذهب الأشاعرة، ولد بالبصرة عام 338 هـ وسكن بغداد فتوفي بها وكان جيد الاستنباط سريع الجواب من كتبه (إعجاز القرآن، والإنصاف، ومناقب الأئمة، والملل والنحل، والفرق بين المعجزة والكرامة، وكشف أسرار الباطنية توفي عام 403 هـ
راجع وفيات الأعيان 1: 481 وقضاة الأندلس 37 – 40 وتاريخ بغداد 5: 379 ودائرة المعارف الإسلامية 3: 294.
[2] ـ سورة آل عمران آية رقم 135
[3] ـ هو عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي من أبناء أبان مولى عثمان عالم بالكلام من كبار المعتزلة له آراء انفرد بها، وتبعته فرقة سميت البهشمية، نسبة إلى كنيته (أبي هشام) وله مصنفات في (الشامل) في الفقه، وتذكرة العالم، والعدة في أصول الفقه توفي عام 321 هـ
راجع المقريزي 2: 348 ووفيات الأعيان 1: 292 والبداية والنهاية 11: 176 وميزان الاعتدال 2: 131 وتاريخ بغداد 11: 55
[4] ـ سبقت الترجمة له في الجزء الأول في كلمة وافية
[5] ـ سبقت الترجمة له في كلمة وافية في هذا الجزء
[ (1/336)
صفحة 337
6] ـ سورة النور آية رقم 31.
[7] ـ سورة النساء آية رقم 17
[8] ـ سبقت الترجمة له في الجزء الأول في كلمة وافية.
[9] ـ سورة النساء آية رقم 17
[10] ـ سورة النساء آية رقم 17
[11] ـ سورة النور آية رقم 12 وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال (فإن لم يأتوا بأربعة شهداء) وصوابها ما ذكر.
[12] ـ سورة يونس آية رقم 58
[13] ـ الحديث رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة بلفظ (لو لم تذنبوا لذب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم)
ورواه أيضا عن أبي أيوب رفعه بلفظ (لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون يغفر لهم). وللقضاعي عن ابن عمر مرفوعا لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيغفر لهم ويدخلهم الجنة، وله أيضا عن أنس رفعه أو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أشد من ذلك: العجب العجب. وقال الدريني: إنما كان العجب أشد لأن العاصي معترف بذنبه فترجى له التوبة، والمعجب مغرور بعلمه فتوبته بعيدة ويشير إليه قوله تعالى (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا).
[14] ـ لم عثر على هذا الحديث على كثرة بحثنا عليه ونرجو أن يوفقنا الله سبحانه وتعالى إليه.
[15] ـ سورة الأعراف آية رقم 146
[16] ـ سورة إبراهيم آية رقم 15
[17] ـ سورة غافر آية رقم 35
[18] ـ سورة النحل آية رقم 23
[19] ـ سورة غافر آية رقم 60
[20] ـ سورة فصلت آية رقم 26
[21] ـ سورة البقرة آية رقم 206
[22] ـ لم نعثر على هذا الحديث
[23] ـ سورة الأعراف آية رقم 12 والآية (قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين). وسورة ص آية رقم 76
[24] ـ سورة عبس آية رقم 17- 22
[25] ـ سورة الدهر آية رقم 1
[26] ـ لم نعثر على هذا الحديث على كثرة البحث والتقصي
[27] ـ سورة النساء آية رقم 54 وتكملة الآية (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما).
[28] ـ سورة النساء آية رقم 89
[ (1/337)
صفحة 338
29] ــ الحديث رواه ابن ماجة في كتاب الزهد 22 باب في الحسد 4210 حدثنا هارون ابن عبد الله الحمال وأحمد ابن الأزهر. قالا: ثنا ابن أبي فديك عن عيسى ابن أبي الحناط عن أبي الزناد عن أنس أن الرسول صلى الله عليه وسلم وذكره
وفي زيادة (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والصلاة نور المؤمن، والصيام جنة من النار)
وفي الزوائد: الجملة الأولى رواها أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة وإسناد حديث أنس بن مالك فيه عيسى بن أبي عيسى، وهو ضعيف.
[30] ـ الحديث رواه ابن ماجة في المقدمة 9 باب في الإيمان 68 ثنا وكيع وأبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره
ورواه الإمام مسلم في الإيمان 93 وأبو داود في الأدب 131 والترمذي في الاستئذان 1 وأحمد بن حنبل في المسند 1: 165، 167، 2: 391، 442، 477، 495، 512، (حلبي)
[31] الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب العلم 15 باب الاختباط في العلم والحكمة، وقال عمر: تفقهوا قبل أن تسودوا 73 – حدثنا سفيان قال: حدثني إسماعيل بن أبي خالد على غير ما حدثناه الزهري قال: سمعت قيس بن أبي حازم قال: سمعت عبد الله بن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم وذكره.
ورواه الإمام مسلم في المساقاة 29 والنسائي في الزكاة 20 وأحمد بن حنبل في المسند 2: 9، 88، 152.
[32] ـ سورة آل عمران آية رقم 120
[33] ـ سورة الماعون آية رقم 6 – 7 وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: والذين بزيادة (الواو).
[34] ـ سورة الكهف آية رقم 110
[35] ـ الحديث رواه الإمام أحمد بن حنبل في المسند 5: 428 ثنا يونس ثنا ليث عن يزيد يعني ابن الهادي عن عمرو عن محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وذكره.
[ (1/338)
صفحة 339
36] ـ الحديث رواه ابن ماجة في كتاب الفتن 3989 عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللهُ عَنه أنه خرج يوما إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد معاذ بن جبل قاعدا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يبكي فقال ما يبكيك؟ قال يبكيني شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن يسير الرياء شرك، وإن من عادى لله وليا فقد بارز الله بالمحاربة وذكره. وفي الزوائد: في إسناده عبد الله ابن لهيعة وهو ضعيف.
[37] ـ الحديث رواه الإمام أحمد في المسند 4: 124 ثنا زيد بن الحباب قال حدثني عبد الواحد ابن زيد أخبرنا عبادة بن نسي عن شداد بن أوس أنه بكى فقيل له ما يبكيك قال شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله فذكرته فأبكاني. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وذكره. وفيه زيادة (ولكن يراؤون بأعمالهم، والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائما فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه)
[38] ـ زهد ت 48
[39] ـ الحديث رواه ابن ماجة في الطلاق 16 باب طلاق المكره والناس 2044 ثنا سفيان بن عيينة، عن مسعر، عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره وروا الإمام البخاري في العتق 6 والطلاق 11 وإيمان 15 , ورواه الإمام مسلم في إيمان 201، 202، وأبو داود في الطلاق 15 والترمذي في الطلاق 8 والنسائي في الطلاق 22، والإمام أحمد بن حنبل في المسند 2: 398، 425، 474، 481، 491، (حلبي)
[ (1/339)
صفحة 340
40] ـ الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب الفتن 10 باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما 7083 حدثنا حماد عن رجل لم يسمه عن الحسن قال: خرجت بسلاحي ليالي الفتنة فاستقبلني أبو بكر فقال: أين تريد؟ قلت: أريد نصرة ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فكلاهما من أهل النار، قيل: فهذا القاتل فما بال المقتول..؟ قال: إنه أراد قتل صاحبه) قال حماد بن زيد فذكرت ذلك لأيوب ويونس بن عبيد وأنا أريد أن يحدثاني به فقال: إنما روى هذا الحديث الحسن عن الأحنف بن قيس عن أبي بكرة، حدثنا سليمان، حدثنا حماد بهذا وقال مؤمل: حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب ويونس وهشام ومعلى بن زياد عن الحسن عن الأحنف عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه معمر عن أيوب ورواه بكار بن عبد العزيز عن أبيه عن أبي بكرة، وقال غندر حدثنا شعبة عن ربعي بن حراش عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرفعه سفيان عن منصور. ورواه أيضا في إيمان 22 وديات 2 والقسامة 33، وأبو داود في الفتن 5، والنسائي في التحريم 29، والقسامة 7 وابن ماجة في الفتن 11 وأحمد بن حنبل في المسند 4: 401، 418، 5: 43، 47، 48، (حلبي)
[41] ـ سورة الحج آية رقم 25
[42] ـ سورة الإسراء آية رقم 36
[43] ـ هو علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام االسبكي الأنصاري الخزرجي أبو الحسن تقي الدين: شيخ الإسلام في عصره، وأحد الحفاظ المفسرين الناظرين وهو والد التاج السبكي صاحب الطبقات ولد في سبك من أعمال المنوفية عام 683 هـ وانتقل إلى القاهرة ثم إلى الشام وولي قضاء الشام سنة 739 هـ واعتل فعاد إلى القاهرة فتوفي فيها عام 756 هـ من كتبه الدر العظيم في التفسير، ومختصر طبقات الفقهاء، وإحياء النفوس في صنعة إلقاء الدروس. وغير ذلك كثير توفي عام 756 هـ
راجع طبقات الشافعية 6: 146 – 326 وخطط مبارك 12: 7 وحسن المحاضرة 1: 177. (1/340)
صفحة 341
قبول وقت التوبة
(ولم يرد تائب من ذنبه =
حتى يرى الموت دنا من قربه)
(أو تطلع الشمس من المغرب قد =
أتى عن المختار فيما قد ورد)
(قوله ولم يرد تائب عن ذنبه) الخ هذا بيان لوقت قبول التوبة اعلم أن توبة التائب مقبولة ما لم يغرغر بالموت أو تطلع الشمس من مغربها فإذا كان أحد الأمرين لم تقبل التوبة لقوله تعالى ((وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن))([1]) ولقوله تعالى في صفة فرعون ((فلما أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين))([2]) فلم يقبل الله توبته عند مشاهدة العذاب ولو أنه أتى بذلك الإيمان قبل تلك الساعة بلحظة لكان مقبولا ولقوله تعالى ((حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها))([3]). (1/341)
صفحة 342
ولقوله تعالى ((وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فاصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجله))([4]) ولقوله تعالى ((فلم يكن ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا))([5]) ولما روى أبو أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)) ([6]) أي ما لم تتردد الروح في حلقه وعن عطاء ولو قبل موته بفواق ناقة وعن الحسن أن إبليس قال حين أهبط إلى الأرض وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام روحه في جسده فقال وعزتي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر ولقوله صلى الله عليه وسلم ((التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس عن مغربها))([7]) ولقوله صلى الله عليه وسلم ((للتوبة باب بالمغرب مسيرة سبعين عاما لا يزال كذلك حتى يأتي بعض آيات ربك طلوع الشمس من مغربها))([8]) ولقوله صلى الله عليه وسلم ((أن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها))([9]) وفي هذه الآيات والأحاديث تنبيه على أمرين.
( (1/342)
صفحة 343
أحدهما): أن الإيمان عند الغرغرة وعند معينة عذاب الاستئصال لا ينفع وهو مجمع عليه لأنه إنما كان بإلجاء لا باختيار إلا قوم يونس فإنه إنما نفعهم إيمانهم عند معاينة عذاب الاستئصال كرامة لنبيهم وخصوصية لهم، وخالف هذا الإجماع ابن العربي([10]) وحكاه بعضهم عن الصوفية أيضا فزعموا أن إيمان الملجى نافع. وبالغ ابن العربي فزعم أن فرعون مؤمن شهيد حيث قال ما حاصله لما حال الغرق بين فرعون وبين أطماعه لجأ إلى الله تعالى وإلى ما أعطاه باطنه مما كان عليه من الذلة والافتقار فقال ((آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل))([11]) لرفع الإشكال كما قالت السحرة لما آمنت: آمنا برب العالمين رب موسى وهارون لرفع الارتياب وإزاحة الإشكال ثم قال وأنا من المسلمين فخاطبه بلسان العتب الآن أظهرت ما كنت قبل علمته وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين في اتباعك فاليوم ننجيك فبشره قبل قبض روحه لتكون لمن خلفك آية أي لتكون النجاة علامة له إذا قال ما قلته كانت له النجاة مثل ما كانت لك إذ العذاب ما يتعلق إلا بظاهرك وقد أريت الخلق نجاته من العذاب. (1/343)
صفحة 344
فكان ابتداء الغرق عذابا وصار الموت فيه شهادة خالصة كل ذلك حتى لا ييأس أحد من رحمة الله تعالى فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، والأعمال بالخواتيم أما قوله تعالى ((سنة الله التي قد خلت))([12]) (في عباده) يعني الإيمان عند رؤية اليأس وإنما قبض فرعون ولم يؤخر في أجله في حال إيمانه لئلا يرجع إلى ما كان عليه من الدعوى، وأما قوله تعالى ((فأوردهم النار))([13]) فما فيه نص أنه يدخلها معهم بل قال الله تعالى ((أدخلوا آل فرعون))([14]) ولم يقل أدخلوا فرعون ورحمة الله أوسع من حيث أن لا يقبل إيمان المضطر، وأي اضطرار أعظم من اضطرار فرعون في حال الغرق والله تعالى يقول ((أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء))([15]) فقرن للمضطر إذا دعاه الإجابة كشف السوء عنه فلم يكن عذابه أكثر من الغرق في الماء انتهى كلامه قال ابن حجر: فهل هذا الكلام مقرر أو مردود فما وجه رده..؟ قلت ليس هذا الكلام مقررا وإن كنا نعتقد جلالة قائله فإن العصمة ليست إلا للأنبياء.
ثم أطال في الرد عليه بما يغني المسترشد وسكت عن حكم هذا القائل وحكمه أنه مشرك لمعارضة قوله هذا لنصوص الكتاب منها قوله تعالى ((فلم يكن ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا))([16]) وتأويل هذه الآية بما قالوه إن النافع هو الله لا الإيمان بها عن مقتضاها وعدول عن الظاهر من غير دليل وإلغاء لمعنى الآية إذ لا يخفى أن النافع في الحقيقة هو الله عز وجل لكنه سبحانه رتب النفع على الأسباب فأثبت ترتب النفع على الإيمان قبل رؤية البأس ونفاه عنه حين رؤيته، ومنها قوله تعالى في حق فرعون ((فأخذه الله نكال الآخرة والأولى))([17]) فهذه الآية نص في إنه في نكال الدنيا والآخرة.
( (1/344)
صفحة 345
والأمر الثاني): أنه إذا تاب أحد من ذنب ثم رجع إليه ثم تاب منه وهكذا يقبل إذا تاب ويترك إذا عصى ومن هنا قال حيان([18]) الأعرج في رجل في ولاية المسلمين ويكون منه ما يكره المسلمون فيستتاب فيتوب ويعطي الرضا ثم يرجع فيدعى فيجيب ويطيع وهذه حالته أنه يدعى إذا أدبر ويقبل إذا أقبل وقال أبو عبيدة رضي الله عنه: في مثل هذا توبة حتى يكون الشيطان هو الخاسر.
(قوله حتى يرى الموت) أي إلى أن يرى أسباب الموت وعلامات الخروج من دار الفناء.
(قوله دنا من قربه) أي قرب منه وهو كناية عن الحال التي يغرغر فيها.
(قوله من المغرب) أي محل بنصب تطلع عطفا على مدخول حتى (قوله من المغرب) أي محل الغروب لأن ذلك من علامات الساعة ((يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا))([19])
وإنما لم يك ينفعها إيمانها حينئذ لأنها لم تكن آمنت اختيارا بل إلجاء واضطرارا فلا فرق بين من شاهد بعض الآيات القاطعة على حضور نقله من دار التكليف وبين من كان في الموقف أو في النار أعاذنا الله منها (قوله قد أتى عن المختار الخ) إشارة إلى تلك الأحاديث المروية عنه عليه الصلاة والسلام.
-------------------------------------------------------------------------
[1] ـ سورة النساء آية رقم 18
[2] ـ سورة يونس آية رقم 90- 91
[3] ـ سورة المؤمنون آية رقم 99
[4] ـ سورة المنافقون آية رقم 10 وتكملة الآية (والله خبير بما تعملون) آية 11
[5] ـ سورة غافر آية رقم 85
[6] ـ الحديث رواه ابن ماجة في كتاب الزهد 30 باب ذكر التوبة 4253 أنبأنا الوليد بن مسلم، عن ابن ثوبان، عن أبيه عن مكحول، عن جبير بن نفير عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وذكره
في الزوائد: في إسناده الوليد بن مسلم - وهو مدلس، وقد عنعنه، وكذلك مكحول الدمشقي ورواه الإمام مسلم في الدعوات 98، وأحمد بن حنبل 2: 132، 153، 3: 425 (حلبي)
[ (1/345)
صفحة 346
7] ـ الحديث رواه الإمام أحمد بن حنبل في المسند 4: 240، 241 ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال أتيت صفوان بن عسال المرادي فقال ما جاء بك فقلت جئت أطلب العلم قال فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره. ورواه الترمذي في كتاب الدعوات 99 باب في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله لعباده، 3535 بسنده عن زر بن حبيش وذكره قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
[8] ـ الحديث رواه الترمذي في كتاب الدعوات 3536 حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، حدثنا حماد ابن زيد عن عاصم عن زر بن حبيش قال أتيت صفوان بن عسال المرادي فقال: ما جاء بك قلت ابتغاء العلم وذكره.
[9] ـ الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب التوبة 5 باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت من الذنوب والتوبة 31 (2759) حثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا عبيدة يحدث عن موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وذكره. ورواه الإمام أحمد في المسند 4: 395، 404 (حلبي) بسنده عن أبي عبيدة، عن أبي موسى الأشعري.
[10] ـ سبقت الترجمة له في كلمة وافية في الجزء الأول
[11] ـ سورة يونس آية رقم 90
[12] ـ سورة غافر آية رقم 85 وتكملة الآية (وخسر هنالك الكافرون)
[13] ـ سورة هود آية رقم 98 وتكملة الآية (وبئس الورد المورود)
[14] ـ سورة غافر آية رقم 46
[15] ـ سورة النمل آية رقم 62
[16] ـ سورة غافر آية رقم 85
[17] ـ سورة النازعات آية رقم 25
[18] ـ لعله حيان بن خلف بن حسين بن حيان الأموي بالولاء أبو مروان مؤرخ بحاث من أهل قرطبة، كان صاحب لواء التاريخ في الأندلس أفصح الناس بالتكلم فيه، وأحسنهم تنسيقا له من كتبه (المقتبس) في تاريخ الأندلس، والمبين في تاريخ الأندلس أيضا وكتاب في تراجم الصحابة توفي عام 469 هـ
راجع وفيات الأعيان 1: 168 ودائرة المعارف الإسلامية 1: 146 وجذوة المقتبس 188
[ (1/346)
صفحة 347
19] ـ سورة الأنعام آية رقم 158 وقد جاءت هذه الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: (إن كسبت) بدلا من (أو كسبت)
كل العصاة تقبل توبتهم بمشيئة الله
(فقاتل المؤمن عمدا تقبل =
توبته وهكذا المضلل)
(من بعد موت من أضل وإذا=
آلا ليبطلن حقا فكذا)
(وقيل أن لا توبة له وفي =
قول أبي نبهان أن ليس اصطفي)
(لكن على المضل أن يبلغ من=
أضله بما دعى ومن فتن)
(إن كان في مقدرو وإلا =
فهو حري بمتاب المولى)
(قوله فقاتل المؤمن الخ) هذا تفريع على قوله ولم يرد التائب الخ أي إذا كان التائب من الذنب لا ترد توبته حتى يغرغر أو تطلع الشمس من المغرب، فاعلم أن من أتى جرما صغيرا كان أو كبيرا داخل تحت هذا العموم فتوبته قاتل المؤمن عمدا وتوبة من أضل غيره بمعصيته وتوبة من حلف ليبطلن حقا أثبته الله مقبولة لدخول الثلاثة تحت ما مر وخص هؤلاء الثلاثة بالذكر ليبين اختلاف الفقهاء في قبول توبتهم فإنهم اختلفوا في قبولها منهم وفي قبول توبة الملحقة بزوجها ولدا من غيره وفي قبول توبة من قتل نبيا أو قتله نبي لحديث يروى في ذلك إجمالا ولأحاديث وردت في بعض ما ذكر تفصيلا فأما توبة من قتل نبيا أو قتله نبي فلم يرو فيها غير الحديث العام لجميع المذكورات، وقد استدل به القائلون بعدم التوبة لهؤلاء وكأنه صحيح عندهم وعلى تقدير صحته فنحمله على عدم التوفيق لأسباب التوبة غالبا لا على عدم قبولها إذا أتى بها كما وجب عليه شرعا وعبر عن عدم التوفيق بما ذكر للزجر والتنفير عن هذه الكبائر جمعا بينه وبين تلك الأدلة، أو نقول إنه إخبار عن عدم قبول توبة هؤلاء في أول الإسلام مثلا ثم نسخ بقبولها بعد بما ورد من الأدلة على قبول توبة كل تائب بل وبما ورد من الأحاديث على قبول توبة قاتل المؤمن عمدا ونحو ذلك وبالجملة فلم تثبت معنا صحة ذلك الحديث. (1/347)
صفحة 348
أما قوله تعالى ((ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها))([1]) الآية فمقيد بما إذا لم يتب وأما قوله صلى الله عليه وسلم ((أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة))([2]) وقوله صلى الله عليه وسلم أن الله أبى علي فيمن قتل مؤمنا ثلاثا فأخبار آحاد لا تعارض القطعية وعلى تقدير صحتها يحتمل أن المراد منها عدم التوفيق للتوبة غالبا لا عدم قبولها ليحصل الزجر والتنفير عن قتل المؤمن أو تحمل على قاتل مخصوص كما روي فيمن قتل قائل لا إله إلا الله ظنا أنه التجئ بها عن السيف وأما قوله صلى الله عليه وسلم ((أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله شيء ولن يدخلها الله جنته))([3]) فمعناه إذا لم تتب وأما قوله عليه الصلاة والسلام ((ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليها وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء))([4]) وفي رواية أخرى صحيحة ومن سن شرا فاستن به كان عليه وزرة ومثل من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئا فمعناه أيضا إذا لم يتب وكذا القول في قوله تعالى: ((إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانه ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم))([5]) وكذا القول في أمثالها من أحاديث (قوله عمدا) أخرج قاتل المؤمن خطأ فإنه لا إثم عليه فضلا من أن لا تقبل توبته وقد فرض الله على قاتل المؤمن خطأ تسليم الدية إلى أهل المقتول إن كانوا مؤمنين أو بيننا وبينهم ميثاق وتحرير رقبة مؤمنة، وإن كان من قوم عدو لنا وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة لا غير فمن لم يجد تحرير رقبة مؤمنة فصيام شهرين متتابعين، وما فرضا الله تعالى عليه هنا لا يدل على ثبوت الإثم بقتل الخطأ لأنه إيجاب لما ذكر من تسليم الدية وتحرير الرقبة وإن كان إنما كان ذلك الإيجاب بسبب صدر منه فليس كل سبب أوجب فرضا بإثم صاحبه.
( (1/348)
صفحة 349
قوله تقبل توبته) بشرط أن يتخلص إلى أولياء المقتول فإما العفو عنه أو قبول الدية منه أو القصاص النفس بالنفس فإن قتل نحو عشرة مثلا ولم يقبل أوليائهم شيئا دون القصاص وكلوا جميعا من يقتله، وما بقي فهو ديات في ماله وأما كفارة بتحرير رقبة مؤمنة أو صيام شهرين إذا لم يجد فقد اختلف في ثبوتها بقتل العمد (قوله وهكذا المضلل من بعد موت من أضل) أي ومثل قاتل المؤمن عمدا في قبول التوبة هو من دعا غيره لضلالة فأجابه إليها ثم مات المجيب على تلك الضلالة فإنه إن تاب هذا المضل قبلت توبته أما إذا لم يمت من أضله على تلك الضلالة فتوبته مقبولة قولا واحد لكن يشترط في توبته أن يدعو إلى ترك الضلالة كما دعي إلى الدخول فيها.
(قوله وإذا إلا ليبطلن حقا فكذا) أي وكذلك إذا حلف ليبطل حقا أثبته الله شرعا فإنه إن تاب قبلت توبته سواء كان الحق الذي حلف على لإبطاله لله كأن يحلف أنه تعالى لم يفرض الصلوات الخمس أو لم يوجب كفارة اليمين أو لم يحلل النكاح أو لم يحرم الخمر أو للعباد كأن يحلف على أن هذا المال لي ليس لفلان منه شيء وذلك الحق للمحلوف عنه فإن كان الحق الذي حلف على إبطاله لله سبحانه فهو مشرك لرده ما أنزل الله مصادمة من غير تأويل فتوبته منه رجوعه إلى الإسلام، والإسلام جب لما قبله وإن كان الحق لأحد من العباد فشرط توبته منه أن يتخلص إلى صاحبه برد ذلك الحق إليه إن كان باقيا بعينه ويرد مثله إن كان لم يبق بعينه، وإن يكفر عن يمينه هذا كله إذا كان غير مستحل للمال الذي حلف عليه أما إذا كان مستحلا فلا شيء عند الأكثر سوى الرجوع إلى الحق والإقرار ببطلان ما كان عليه.
( (1/349)
صفحة 350
قوله وقيا أن لا توبة لهم) أي ما ورد من تلك الأحاديث (قوله وفي قول أبي نبهان) هو الشيخ جاعد بن خميس الخليلي الخروصي رضوان الله عليه فإنه ضعف هذا القول جدا (قوله أن ليس اصطفى) أي أنه غير مختار (قوله لكن على المضل الخ) هذا استدراك على مفهوم قوله وهكذا المضلل الخ اعلم أن من دعا إلى ضلالة ثم أراد التوبة منها عليه أن يدعو إلى الخروج منها كما دعا إلى الدخول فيها، فعليه أن يبلغ توبته كل من أجابه إلى ضلالته وأن يبين لهم أنها ضلال هذا كله إذا كان قادرا على ذلك فإن كان غير قادر كما إذا مات المدعو إليها أو كان بمكان باعد لا يستطيع الوصول إليه، ولا يصل إيه كتابه فإنه يعذر لعجزه عن ذلك لأن الله لم يكلف العباد فوق طاقتهم.
(قوله أن يبلغ من أضله) أي أن ينهي إليهم بيان ضلالته.
(قوله بما دعى) أي إليه (قوله ومن فتن) أي ومن فتنهم بضلالته (قوله إن كان في مقدرة) أي على ذلك والمقدرة بمعنى القدرة وأدخل عليها في مع إمكان أن يقول إن كان ذا مقدرة مبالغة حيث جعل القدرة ظرفا للقادر وفي هذه المبالغة إشارة إلى قوله تعالى ((يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر))([6]) ولقوله صلى الله عليه وسلم ((يسروا ولا تعسروا))([7]).
(قوله وإلا فهو حري) أي وإن لم يكن في مقدرة فهو حقيق بتوبة الله عليه.
-----------------------------------------------------------------------------
[1] ـ سورة النساء آية رقم 93
[2] ـ الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب التفسير 2 باب والذين لا يدعون مع الله إلها آخر 4763 – حدثني محمد بن بشار حدثنا غندور شعبة. عن المغيرة بن النعمان عن سعيد ابن جبير قال اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن، فدخلت فيه إلى ابن عباس فقال: نزلت في آخر ما نزل ولم ينسخها شيء وفي رواية (قتال: لا توبة له)
ورواه ابن ماجة في كتاب الديات 3 باب هل لقاتل مؤمن توبة عن ابن عباس أيضا ورواه الإمام مسلم في كتاب التحريم 2 والقسامة 49.
[ (1/350)
صفحة 351
3] ـ أبو داود في الطلاق 29 والدرامي في النكاح 42
[4] ـ الحديث رواه ابن ماجة في المقدمة 14 باب من سن سنة حسنة أو سيئة 203 – ثنا أبو عوانة، ثنا عبد الملك بن عمير عن المنذر بن جرير، عن أبه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره.
ورواه في الصيام 45 وفي التجارات 65، ورواه صاحب الموطأ في القرآن 41، وأحمد بن حنبل في المسند 2: 380، 397، 505، 521 (حلبي) ورواه الإمام مسلم في العلم 15، 16 وأبو داود في الصلاة 51 والسنة 6، والترمذي في العلم 15.
[5] ـ سورة آل عمران آية رقم 77
[6] ـ سورة البقرة آية رقم 185
[7] ـ هذا جزء من حديث رواه الإمام البخاري في كتاب العلم 11 باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم ينحو لهم بالموعظة والعلم مي لا ينفروا 69 – حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا شعبه قال: حدثني أبو النياح عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكره وفيه زيادة (وبشروا ولا تنفروا)
ورواه في المغازي 60 والأدب 80 ورواه الإمام مسلم في الجهاد 4 وأبو داود في الأدب 17 وأحمد بن حنبل في المسند 1: 239، 283، 365، 3: 131، 209 (حلبي)
الباب الثاني (من الركن الرابع) (في حالات التائب)
ويبحث فيه عن أمرين أحدهما: إذا كان تائبا مضيعا لحق من حقوق الله عز وجل ماذا عليه..؟ وثانيهما: ما إذا كان عمل الطاعة في حال إصراره هل يعطي ثواب تلك الطاعة إذا تاب من تلك المعصية..؟
(وتارك فرضا لمولاه مضى=
كفارة وتوبة قد فرضا)
(عليه مع إبداله وقيل لا =
شيء سوى التوبة في ذا جعلا)
(وذا كمثل الصوم والصلاة=
في حكم من حرم للحرمات)
( (1/351)
صفحة 352
قوله وتارك) مبتدأ سوغه العمل في فرضا، وقوله لمولاه متعلق بفرضا (قوله كفارة) مبتدأ ثان وتوبة معطوفة عليه (وقوله قد فرضا عليه) الخ خبر للمبتدأ الثاني وخبره خبر للمبتدأ الأول الذي هو تارك. (اعلم) أن العاصي لربه إما أن يكون في عصيانه مستحلا أو محرما فإن كان مستحلا فلا شيء عليه عند الأكثر سوى الرجوع إلى الحق والدينونة ببطلان ما كان عليه وإن كان محرما لفعله ففعله انتهاكا فإما أن يكون في فعله ذلك مضيعا لشيء من حقوق الله كالصوم والصلاة أو من حقوق العباد، كإتلاف مال أو قتل أو ارتكاب فرج غضبا أو غير مضيع شيئا من ذلك فإن كان غير مضيع شيئا من هذه الحقوق فليس عليه شيء سوى التوبة من عصيانه، وإن كان مضيعا شيئا من حقوق العباد فعليه الخروج منها بالخلاص إلى أربابها كما سيأتي وإن كان مضيها لشيء من حقوق الله كما إذا ترك فرضا حاضرا ففات وقته فإنه تجب عليه التوبة عن ذلك التضييع واستدراكه بالقضاء وستره بالكفارة وهي تحرير رقبة أو إطعام ستين مسكينا أو صيام شهرين متتاليين، فأما وجوب التوبة فظاهر مما مر وأما وجوب القضاء فلما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بقضاء الفوائت فرضا ونفلا. (1/352)
صفحة 353
وأما وجوب الكفارة في تضييع الصيام فلما ورد عن أبي هريرة أنه قال: ((جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة فقال: يا رسول الله أفطرت في رمضان فقال: أعتق رقبة أو صم شهرين متتابعين أو أطعم ستين مسكينا))([1]) وقيس عليه تضييع الصلاة بجامع إن كلا منهما فرض مؤقت فأوجبوا في تضييعها الكفارة كما وجبت في تضييعه وقال آخرون لا شيء عليه سوى التوبة واستقبال ما يأتي عليه بالأداء واستدلوا على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له))([2]) قلنا ومن شرط التوبة من ذلك الذنب قضاء ما فات والكفارة عنه بما ذكر قالوا قال صلى الله عليه وسلم (الإسلام جب لما قبله) [3] قلنا ذلك في المشركين فإن له حكما آخر يخلف ما هنا (قوله وذا كمثل) الخ وهذا الفرض المذكور فيه هذا الحكم هو مثل الصوم والصلاة فالكاف زائدة وإنما خص الصوم والصلاة بالتمثيل لأن لكل واحد منهما وقتا محدودا فعله بعد ذلك الوقت قضاء لا أداء أما الزكاة وإن كانت حقا لله عز وجل فلا تدخل تحت هذا الخلاف لأن أداءها غير مؤقت فمن ضيعها وجب عليه غرمها وما قيل في الأثر من أنها مثل الصوم والصلاة في هذا الخلاف فمحمول على ما إذا ضيعها وهو مؤسر ثم تاب وهو معسر لا يجد ما يغرمها به فإنه على هذا القول لا شيء عليه سوى التوبة وعلى قول آخر تلزمه الوصية بها كسائر الحقوق هذا ما ظهر لي في حمل ذلك الإطلاق فليحرر.
(قوله في حكم من حرم للحرمات) أي هذا الحكم ثابت في حكم من اعتقد حرمة ما فعله من المحرمات أما المستحل فليس عليه قضاء ولا كفارة عند الجمهور وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه أوجب القضاء على المرتد وبه قال أبو حنيفة.
----------------------------------------------------------
[ (1/353)
صفحة 354
1] ـ الحديث رواه ابن ماجة في كتاب الصوم 14 باب ما جاء في كفارة من أفطر يوما من رمضان 1671 - ثنا سفيان بن عينة عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال أتي النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: هلكت قال: وما أهلكك..؟
قال: وعت على امرأتي في رمضان فقال النبي صلى الله عليه وسلم وذكره ورواه البخاري في كتاب الأدب 68، 95، وأبو داود في الصوم 37 والطلاق 17 والترمذي في الطلاق 20 والدارمي في الصوم 19، 33، وأحمد بن حنبل في المسند 2: 208، 241 281 (حلبي).
[2] ـ الحديث رواه ابن ماجة في كتاب الزهد 30 باب ذكر التوبة 4250 ثنا محمد بن عبد الله الرقاش ثنا وهب بن خالد ثنا معمر بن عبد الكريم عن أبي عبيدة بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره
قال السندي: الحديث ذكره صاحب الزوائد وقال: إسناده صحيح ورجاله ثقات. ثم ضرب على ما قال:
وأبقى الحال على الحال، وفي المقاصد الحسنة. رواه ابن ماجة الطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب من طريق أبي عبد الله بن عبد الله بن مسعود عن أبيه رفعه، ورجاله ثقات بل حسنة شيخنا بعين لشواهده وإلا فأبو عبيدة: جزم غير واحد بأنه لم يسمع من أبيه.
[3] ـ هذا جزء من حديث طويل رواه الإمام أحمد بن حنبل في المسند 4: 198 عن أبي إسحاق قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب عن راشد مولى حبيب بن أبي أوس الثقفي عن أبي حبيب ابن أوس قال حدثني عمرو بن العاص من فيه وذكره.
(حكم المصر على المعصية إذا فعل الطاعة)
(وفي مصر قد أتى الطاعة هل =
له ثوابها إذا الغفران حل)
(أو لا أو التفصيل أولى إن عصى=
من غير أن شرك أتى محصحصا)
(قوله وفي مصر قد أتى الطاعة) الخ اختلف في المصر على المعصية إذا فعل شيئا من الطاعات كالصلاة والزكاة والصوم ونحو ذلك ثم تاب من ذنبه وأناب إلى ربه هل يعطى ثواب تلك الطاعة؟ ففيه ثلاثة مذاهب.
( (1/354)
صفحة 355
المذهب الأول): وهو لأبي عبدا لله محمد بن محبوب رضي الله تعالى عنهما واختار ابن أبي نبهان أنه يعطى له ثواب وظاهر كلامهما عدم التفصيل بين المشرك والمنافق في الإصرار.
(المذهب الثاني): لبشير واختاره الزاملي أنه إذا كان هذا المصر حين فعله للطاعة مشركا فلا ثواب له وإن كان غير مشرك فله الثواب بعد التوبة.
(المذهب الثالث): للفضل بن الحواري أنه لا يعطي ثوابها كان حين فعله إياها مشركا أو منافقا مستدلا بقوله تعالى ((إنما يتقبل الله من المتقين))([1]) ففي المسألة إطلاقان وتفصيل وعندي فيها تفصيل آخر هو الحق إن شاء الله تعالى وهو ما إذا كانت تلك الطاعة التي فعلها المصر مشروطا في صحتها الإسلام كالصلاة والصوم والحج ونحو ذلك من العبادات فلا يثاب عليها بعد التوبة إذا فعلها وهو مشرك، لأن الثواب ثمرة الصحة والصحة مشروطة بالإسلام وما هنالك إسلام فلا صحة ولا ثواب ويثاب عليها إذا فعلها هو مصر غير شرك لأنها تكون حينئذ صحيحة فيصح ترتب الثواب عليها أما قوله تعالى ((إنما يتقبل الله من المتقين))([2]) فلا يعارض ما قررناه لأنا لا نقول بقبول العمل من المصر حال إصراره وإنما نقول بقبوله منه بعد توبته وإن كانت تلك الطاعة غير مشروط في صحتها الإسلام كرفع المنكر ورفع الظلم ونفع الضعيف وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم وفك العاني وصلة الرحم وإقراء الضيف، ونحو ذلك فإنه يثاب عليها بعد التوبة كل من فعلها وإن كان مشركا لقوله تعالى ((فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات))([3]). (1/355)
صفحة 356
ولقوله صلى الله عليه وسلم ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له))([4]) ومن لا ذنب له يعطى ثواب صلى الله عليه وسلم فكذا من ماثله ولقوله صلى الله عليه وسلم ((أسلم على ما أسلفت من خير))([5]) أما قوله صلى الله عليه وسلم ((من أشرك ساعة حبط عمله))([6]) فإن تاب جدد له العمل فليس فيه دليل على المطلوب هذا كله إذا فعل الطاعة حال الإصرار ثم تاب، أما إذا فعلها قبل الإصرار ثم أشرك أو فسق ثم تاب أو أسلم فإنه يرد إليه الثواب ذلك العمل لأن الإحباط مشروط عندنا بالموت على الإصرار لقوله تعالى ((ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون))([7]) وعلى هذا التقييد يحمل الإطلاق في قوله تعالى ((ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون))([8]) والإطلاق الذي في قوله تعالى ((ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله))([9]) والإطلاق الذي في قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون))([10]) والإطلاق الذي في قوله صلى الله عليه وسلم ستة أشياء تحبط الأعمال الاشتغال بعيوب الخلق وقسوة القلب وحب الدنيا وقلة الحياء وطول الأمر، وظالم لا ينتهي وفي هذا الحديث وفي الآية التي قبله دليل على إحباط العمل بالكبائر الغير الشرك أما الحديث فصريح في ذلك وأما الآية فلما فيها من ترتيب الإحباط على رفع الصوت على صوته صلى الله عليه وسلم وعلى الجهر معه بالقول كجهر بعضنا لبعض، ولا شك أن هاتين الخصلتين ليستا بشرك.
( (1/356)
صفحة 357
اعلم) أن مسألة الإحباط مبنية على مسألة القطع بتعذيب الفساق فذهب أصحابنا والمعتزلة إلى إحباط صالح الأعمال بمطلق الفسق إذا لم يتب منه، وذهب القائلون بعدم القطع بوعيد الفساق إلى أن الأعمال إنما تحبط بالشرك لا بشيء غيره من أنواع الفسق وهي كأصلها من المسائل الدينية فما ورد في الأثر مما نصه قال جابر بن النعمان رحمه الله: اختلف المسلون من أهل صحار في الذي يعمل الحسنات والسيئات فقال قائلون منهم إنها تحصى عليه حتى يموت ثم ينظر في حسناته وسيئاته أيهما أكثر جري به وقال آخرون: إذا عمل حسنة ثم عمل سيئة محت السيئة الحسنة قال جابر: فخرجنا من صحار إلى سمائل فسألت هاشم بن غيلان رحمه الله عن ذلك فقال: كفوا عن هذا فقد وقع هذا بصحار وكتبوا إلينا فلم نجبهم وعند هذا ومثله تقع الفرقة وبالله التوفيق. هل هذا الخلاف مقرر أم مردود..؟ فالجواب فيه أن هذا المقام ليس محلا للخلاف وإن القائل إن السيئة تمحو الحسنة إذا جاءت بعدها هو المصيب لكن بشرطين أحدهما أن تكون السيئة كبيرة لأن الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر وثانيهما: أن يموت عليها لأنه إذا تاب منها رد إليه ثواب حسنته. وناهيك بسكوت هاشم عن الجواب عليها وبقوله: «وعند هذا ومثله تقع الفرقة» تنبيها على أنها من مسائل الدين.
(فإن قيل) لو كانت المسألة من مسائل الدين ما وسع هاشما السكوت عنها لحديث: إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه فإن لم يفعل فعليه لعنة الله. (1/357)
صفحة 358
(قلت) فهم هاشم أن المراد من الحديث شيئان أحدهما: إلزام المبتدع الحجة، وثانيهما: إنقاذ المسلمين من هلكة البدعة فعلم أن الحجة قد لزمت هذا المبتدع بظهور العلم على لسان خصمه ولا يلزم تكرار إظهار العلم ورأى أن المصلحة في إنقاذ المسلمين من تلك البدعة هي السكوت عن الخوض في تلك المسألة أصلا فإنها لو طال الكلام فيها لاتسع الخرق واستطارت الفتنة فيعم ضررها الأمصار ومتى ما كف عن الخوض فيها خمدت نارها ولم يتعد صاحبها ضررها فلله در هاشم ما أغزر علمه وأثقب فهمه.
(قوله هل له ثوابها) الخ خبر للمبتدأ المحذوف عند قوله وفي مصر إذ التقدير والقول في مصر الخ بناء على مذهب من أجاز الإخبار عن المبتدأ بالجملة الإنشائية (قوله إذا الغفران حل) أي وجب أي هل يعطى ثوابها إذا وجب له الغفران أما إذا لم يغفر له فلا ثواب له قد حبط عمله بما فعل..؟ (قوله أو لا) أي أو ليس له (قوله أو التفصيل أولى) أي أحق (قوله إن عصى من غير ما شرك) أي من غير شرك فما زائدة والجملة تفسير للتفصيل المذكور (قوله أتى محصحصا) أي أتى الخلاف موضحا.
-----------------------------------------------------------------------------
[1] ـ سورة المائدة آية رقم 27
[2] ـ سورة المائدة آية رقم 27
[3] ـ سورة الفرقان آية رقم 70 وقد جاءت هذه الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: (أولئك) بدلا من (فأولئك)
[4] ـ سبق تخريج هذا الحديث في هذا الجزء
[5] ـالحديث رواه الإمام البخاري في كتاب الزكاة 24 باب من تصدق في الشرك ثم أسلم 1436 حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا هشام، حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أرأيت أشياء كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة ومن صلة رحم فهل فيها من أجر..؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم وذكره (1/358)
صفحة 359
ورواه في الأدب 16 والبيوع 100 والعتق 12، ورواه الإمام مسلم في إيمان 194، 195، 196 والإمام أحمد في المسند 3: 402 (حلبي).
[6] ـ لم نعثر على هذا الحديث على كثرة البحث والتقصي.
[7] ـ سورة القرة آية رقم 217
[8] ـ سورة الأنعام آية رقم 88
[9] ـ سورة المائدة آية رقم 5
[10] ـ سورة الحجرات آية رقم 2
الباب الثالث (من الركن الرابع)(في توبة المحرم والمستحل)
ويبحث فيه عن أمرين أحدهما: كيفية توبة كل واحد من المستحل والمحرم إجمالا وتفصيلا.
وثانيهما: في التبعات والضمانات المتعلقة بالمنتهك لما حرمه في دينه وبالمستحل لما فعله.
(اعلم) أن المحرم المنتهك هو من يأتي الأشياء المحرمة في دينه على غير اعتقاد لها باستحلال، والمستحل هو الذي يأتي الأشياء المحرمة في دين الله تعالى اعتقادا منه أنها حلال متمسكا على ذلك بشبهة من كتاب أو سنة أو إجماع، فهو جازم بتلك الشبهة ومعتقد أنها الدليل القاطع ويلتزم بها تخطئة من خالفه في ذلك دينا أما إذا لم يكن بهذه المثابة فليس هو بالمستحل، وإن اعتقد حل ذلك المحرم أو تحريم ذلك المحلل وإنما هذا جاهل بقواعد الدين الذي هو عليه.
(ومجمل توبة من يحرم =
والمستحل عكس هذا يلزم)
(قوله ومجمل توبة من يحرم) أي من يأتي ذنبا حرم الله ارتكابه على وجه يعتقد أن ذلك الذنب حرام فأن توبته منه مجملا مجزية فلا يطالب بالتفصيل ذنبا ذنبا بل إذا قال: أنا تائب إلى الله من جميع ذنوبي قبل منه. (1/359)
صفحة 360
قوله والمستحل عكس هذا يلزم) أي ويلزم المستحل للذنب الذي ارتكبه أن يتوب منه تفصيلا أي إذا كان له عدة ذنوب كلها يدين باستحلالها فإنه لا يجزيه في التوبة منها إلا أن يتوب عنها ذنبا ذنبا لأنه يعتقدها دينا وتوبة، فإذا قال أنا تائب من جميع ذنوبي لم يدخل ما استحله تحت هذا اللفظ إذ ليس ذلك ذنبا عنده وهذا فيما بينه وبين الناس أما فيما بينه وبين الله فإذا اعترف بخطأ ما كان عليه وضلالته فندم على استحلاله لذلك وارتكابه له وعزم أن لا يعود إلى شيء منه وطلب الغفران من ربه لمجمل ذنبه فإنه يجزيه ذلك وقيل تجزيه التوبة مجملا حتى عند الناس ويقبل منه إن عرف إنه راجع عن ذلك الذي يستحله وهو قول أفتى به الإمام محمد بن محبوب، في حق محمد بن عباد، وقد استحل أشياء فتاب منها عند المسلمين مجملا فطلبوا منه التفصيل فبقي كالمجمل المحرنجم إن تقدم نحر وإن تأخر عقر فأفتى ذلك الإمام حينئذ بذلك القول وقبلوا منه إجمالا وفي الأثر ما نصه وسألته عمن يتوب فقال استغفر الله من كل ما دنت بشيء من الباطل ومن جميع ما خالفت فيه الحق أيجزيه ذلك إذا كان قد دان بشيء من الباطل أو تولى عدوا أو عادى وليا..؟ قال: يجزيه ذلك إذا كان تدينه من جهة خطأ أو قذف وقال من قال لا يجزيه في هذا وإن كان تدينه بشيء من البدع والضلال فذلك لا يجزيه حتى يتوب من ضلالته تلك بعينها إلا أن يكون نسيه وقد تاب من جميع ذلك فإن ذلك يجزيه فيما بينه وبين الله ا. هـ ففي هذا الأثر تفصيل بين المستحل من إحدى الفرق الضالة المعتقدة لاستحلال ما حرمه الله كالأزارقة([1]) وبين ما إذا كان أصله من أهل الاستقامة([2]) فاستحل شيئا في دين الله حرام بدليل في زعمه فاجتزى بالإجمال في حق هذا الآخر بعض ولم يجتز آخرون وأما المستحل الأول فلم يحك فيه إلا عدم الاجتزاء بإجمال قولا واحدا.
-------------------------------------------------------------------------------
[ (1/360)
صفحة 361
1] ـ سبق الترجمة لهم في كلمة وافية
[2] ـ هم فرقة الأباضية
(حكم ارتكاب المعاصي)
(ومن أتى شيئا على التحريم=
لم يجزه التوب بلا تغريم)
(وإن يكن أتاه باستحلال=
بعكسه في أعدل الأقوال)
(وإن يكن في يده ما قد كسب =
عليه أن يرده لمن سلب)
(وحكمه محرم حين فعل =
حتى يصح أنه قد استحل)
(قوله ومن أتى شيئا) من الأشياء التي فيها حقوق العباد كأخذ مال الغير وارتكاب فرج محرما غصبا أو تأثير في نفس بما لا يحل ونحو ذلك فأما أن يأتيه الفاعل وهو معتقد لحرمته وإما أم يأتيه وهو معتقد لحله فإن أتاه وهو يعتقد حرمته فعليه مع التوبة أن يغرمه لصاحبه ولا تجزيه التوبة بدون ذلك إن كان قادرا على ذلك أما إذا كان غير قادر كما إذا تعذر عليه وجوب صاحبه، أو تعذر عليه ما يتخلص به فإنه يجب عليه حينئذ أن يعتقد الخلاص عند القدرة عليه فإن حضره الموت ولم يجد سبيلا إلى الخلاص وجبت عليه الوصية ولا شيء عليه فوق ذلك، وإن كان أتاه وهو يعتقد حله فسيأتي حكمه إن شاء الله قريبا.
(قوله على التحريم) حال من فاعل أتى (قوله لم يجزه التوب بلا تغريم) أي إلا أن يعفو عنه من له الحق فيحله منه فإن لم يحله منه حكم عليه بتغريمه إن تحاكما، ويلزمه فيما بينه وبين الله أن يغرمه لأن شرط توبته التخلص من حقوق العباد.
( (1/361)
صفحة 362
قوله وإن يكن أتاه باستحلال عكسه) أي أن يأتي الآتي ذلك الشيء الذي فيه حق للعباد والحال أنه مستحل لإتيانه فحكمه بعكس من أتاه وهو يعتقد حرمته أي فتجزيه التوبة من ذلك الشيء دون غرمه سواء كان قائما في يده أو كان قد أتلفه وهذا الحكم ظاهر في المشركين لقوله تعالى ((قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف))([1]) ولقوله صلى الله عليه وسلم إنما قيل للجاهلية جاهلية لجهالة أهلها وضعف علمها، فمن أسلم على شيء وهو في يده فهو له ولحديث سلمان رضي الله عنه حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستكتب وهو على دين فباعه المشركون لليهود فأمره عليه الصلاة والسلام أن يستكتب فاستكتب ولحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دور مكة ورباعها وقد دخلها على أهل مكة عنوة فهي لهم فسوغ لهم جميع ما في أيديهم من كسب أو غصب وكان للمسلمين المهاجرين فيها دور فخالف عليها المشركون من بعدهم واغتصبوها فهنأها رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولم يرد على أحد من المهاجرين داره ولا انتزعها من أيدي المشركين وقد اغتصب عقيل بن أبي طالب([2]) دور رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولده ودور بني عبد المطلب وصارت دار خديجة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فردها إلى داره واغتصب أيضا أبو سفيان دار أبي أحمد بن جحش فاستدعى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعده فقال يا رسول الله دار أبي اغتصبها أبو سفيان فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه من على يمينه فأعرض عنه من قبل شماله فأعرض عنه ثم مضى وتركه وقال: أي أحمد بن جحش يعرض بأبي سفيان:
دار ابن عمك بعتها=
تنفي بها عنك الغرامة
اذهب بها اذهب بها =
طوقتها طوق الحمامة (1/362)
صفحة 363
وابتاعت تلك الدور بعد ذلك في غلاء دور مكة بمائة ألف دينار اشتراها أبان بن عثمان([3]) في دور كثيرة على هذا النعت وقال أسامة ابن زيد([4]) في يوم الفتح لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده أين تنزل غدا يا رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام وهل ترك لنا عقيل من منزل أنزل بالأبطح وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولسنا بنازعين شيئا من يد أحد إذا أسلم عليه وعلى هذا اجتمعت الأمة المحمدية لكن الخلاف من وراء ذلك في أربعة أشياء:
(أحدها): المرتد إذا أخذ شيئا من أموال المسلمين بعد ارتداده هل عليه رده إذا أسلم..؟ ذهب أبو حنيفة إلى أنه عليه ذلك والمذهب أنه ليس عليه إ لا فرق بينه وبين سائر المشركين.
(الثاني): الذمي إذا أخذ شيئا من أموال المسلمين حال إعطائه الذمة هل عليه رده إذا أسلم..؟ فمذهب الزمخشري وصححه القطب رحمه الله أن عليه ذلك والمذهب عندنا أن ليس عليه إذ لا فرق بينه وبين سائر المشركين أيضا وإخراج المرتد والذمي من العمومات المتقدمة في المشركين يحتاج إلى دليل.
(الثالث): ما اغتصبه المشركون من المسلمين هل يكون لهم قبل أن يسلموا وليس لصاحبه أن يأخذه منهم وتجوز معاملتهم فيه أم لا..؟ ذهب إلى الثاني ابن بركة وصاحب السؤالات والإمام أفلح والمحقق الخليلي وحجتهم قوله تعالى
((ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا))([5]) وقوله صلى الله عليه وسلم ((لا حق لعرق ظالم ولا ثواء على (1/363)
صفحة 364
مال امرئ مسلم))([6]) وما روى نافع عن ابن عمر أنه قال: ذهب فرس له فأخذه العدو فظهر عليه المسلمون فرده عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبق عبد له فلحق بالروم فظهر عليه المسلمون فرده عليه خالد بن الوليد بعد النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في زمان أبي بكر رضي الله عنه والصحابة متوافرون من غير نكير منهم على ذلك وذهب إلى الأول جماعة منهم الربيع([7]) بن حبيب وأبو يعقوب يوسف بن إبراهيم والمحققون من أهل المغرب وصححه القطب رحمه الله وحجتهم في ذلك ما مر من إبقائه عليه الصلاة والسلام ما أخذه المشركون في أيديهم يوم الفتح وقد طلبه أربابه فلم ينزعه من يد المشركين وبأمره صلى الله عليه وسلم سلمان أن يستكتب من اليهودي وسلمان ذو دين ويبحث في الاستدلال الثاني بأن سلمان إنما أخذه المشركون قبل أن يظهر الإسلام وهو يومئذ نصراني ولا يخفى ما في تلك النصرانية من جعل عيسى ولدا وجعل الآلهة ثلاثة والكل شرك وأيضا فاليهودي الذي استكتب منه سلمان لم يغتصب سلمان بنفسه وإنما اشتراه من غيره فلما لم تقم بينة أنه مغتصب فهو ملك لليهودي وعند وجود هذه الاحتمالات لا يتم ذلك الاستدلال فظهر أن الصحيح ما عليه الأولون والأبحاث التي وجهت على استدلالاتهم يمكن الجواب عنها بلا تكلف.
( (1/364)
صفحة 365
(الرابع): الموحد المقر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم الداين بحقيقة ما جاء به عليه الصلاة والسلام إذا استحل بتأويل الخطأ ما كان حراما في دين الله عز وجل كالأزارقة والصفرية في حكمهم على أهل القبلة بحكم المشركين هل يكون حكمهم فيما استحلوا كحكم المشركين ليس عليهم إلا التوبة منه أم لا؟. ذهب البعض إلى أن حكمهم في ذلك حكم المشركين قياسا عليهم بجامع الاستحلال وجعلوا من هذا الباب خروج عائشة رضي الله عنها على المسلمين فسفكت بسبب خروجها الدماء فلما تابت قبل المسلمون منها ولم يلزموها شيئا من الحقوق وجعلوا منه أيضا قتل علي لأهل النهر رضي الله عنهم حتى قالوا لو تاب علي ما كان عليه إلا ذلك قال ابن محبوب رضي الله عنه وزعمت البهشمية([8]) أن عليا قد تاب من ذلك ثم اختلفوا في هذا المستحل حسب اختلافهم فيما اغتصبه المشركون من المسلمين هل يكون لهم قبل أن يسلموا عليه أم لا؟ فمنهم من ذهب إلى أن ما أخذه المغتصب على وجه الاستحلال كان له وليس لربه أن يأخذه منه وتجوز معاملته فيه ولو لم يتب من استحلاله. ومنهم من ذهب إلى أن ذلك ليس للمستحل إلا إذا تاب عليه ولا تحل معاملته فيه قبل التوبة ولصاحبه أن يأخذه إن قدر عليه.
(وذهب) آخرون إلى أن هذا الحكم مخصوص بالمشركين وإن الموحد المستحل لا يشابههم في ذلك الحكم فعليه أن يرد جميع ما اغتصبه أو ضمانه إن كان قد أتلفه قبل التوبة من استحلاله وبعدها وكأن أرباب هذا القول يرون أن علة الحكم ها هنا هي الشرك لا الاستحلال فلم توجد العلة في الموحد عندهم فلم يثبت القياس.
( (1/365)
صفحة 366
(وذهب) آخرون إلى التفصيل فقالوا: إن تاب هذا المستحل وفي يده شيء من المغتصبات قائم العين لزمه رده إلى أربابه وإن تاب وليس في يده ما هو قائم العين فلا غرم عليه وكأن هؤلاء نظروا إلى قوله تعالى ((يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر))([9]) وإلى قوله تعالى ((وما جعل لكم في الدين من حرج))([10]) وجه الاستدلال بهاتين الآيتين إن من كان مستحلا لشيء لا يكاد يتوقف عنه عند القدرة عليه فهو منهمك فيه ومتهور منه فإن ظهر له خطأه وأراد التوبة منه لا يكاد أن يتيسر له الخلاص منه لعظم ما أتلفه فحصلت له المشقة والحرج ولا مشقة ولا حرج عليه في رد ما كان في يده فظهر الفرق عند هؤلاء، وعلى هذا المذهب عولت في النظم ثم ظهر لي بعد ذلك ضعف هذا القول ووجه ضعفه أن علته هذه غير مطردة لأن من تهور من شيء وهو منتهك له لزمه غرمه اتفاقا سواء شق عليه ذلك أم لا، فلو كان شدة العسر ووجود المشقة رافعين للضمان لرفعاه عن هذا المنتهك المتهور أيضا؛ فظهر أن العلة الرافعة للضمان إنما هي الاستحلال مطلقا أو مقيدا بالتوبة، كما هو عند أهل القول الأول أو الشرك مطلقا أو مقيدا بالإسلام كما هو عند أرباب القول الثاني، وإذا دار الأمر بين ترجيح المذهب الأول والثاني قلنا: إن الراجح أن العلة الرافعة للضمان هي الشرك بقيد الإسلام فلا يكون ما اغتصبه المشرك ملكا له حتى يسلم عليه لما مر، ولا يشترط في المشرك أن يكون مستحلا لما اغتصبه لما صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حط ضمان ذلك عن جميع المشركين من أهل الكتاب أو غيرهم ولا شك أن أهل الكتاب يعرفون حقيقة محمد صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: ((الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم))([11]) ومن عرف الحق لا يعتقد حل معاندته ولا قتال أهله ولا يستحل أموالهم فظهر بحمد الله أن العلة في ذلك هي الشرك بقيد الإسلام. ولا يعترض علينا بحط المسلمين للضمان عن عائشة فيمن قتل يوم الجمل وبقولهم إن (1/366)
صفحة 367
عليا لو تاب لم يكن عليه غرم ولا قود في أهل النهر لأنه ليس بالمجتمع عليه لوجود الخلاف في المسألة. (قوله في أعدل الأقوال) إشارة إلى الخلاف المذكور آنفا، وترجيح لعدم التغريم في هذه الصورة، وهذا الترجيح هو المشهور، وقد عرفت ما فيه (قوله وإن يكن في يده) أي في ملكه (قوله ما قد كسب) أي من الشيء الذي كان قد استحل كسبه (قوله عليه أن يرده) أي على أحد قولين فيه.
(قوله لمن سلب) إي لمن سلبه منه ومعنى سلبه اختلسه فالواجب أن يرده إلى أن من أخذه من يده سواء كان ذلك المأخوذ من يده صاحب الحق أم كان أمينه أو نحو ذلك فيه إشارة إلى جواز رد الشيء إلى اليد التي أخذ منها ولو لم يكن لها إذا كان الشيء باقيا بعينه، أما إذا أتلف فلا يرد إليها ضمانه إلا إذا كان ربه.
(قوله وحكمه محرم حين فعل) أي والحكم في فاعل الشيء يجب فيه الضمان أنه محرم لفعله فيحكم عليه الحاكم بغرمه، وإن قال إنه مستحل لفعله فلا يقبل منه لأنه مدع لرفع الضمان عنه حتى يأتي بحجة أنه كان مستحلا حال فعله هذا كله فيما إذا طلب منه مع الحاكم ضمان ما أتلفه أما إذا لم يطلب منه مع الحاكم ذلك فهو أعرف بنفسه فإن كان يعلم منها أنه غير مستحل فعليه غرم ذلك وإن لم يطلب منه وإن كان يعلم منها أنه مستحل فلا غرم عليه على ما في النظم. (قوله حتى يصح) أي بوجه من وجوه الصحة كالشهرة أو شهادة العدلين (قوله أنه قد استحل) أي لفعله ذلك ويكفي في ثبوت الصحة أن يقول العدلان مثلا إن فلانا هذا كان على دين كذا إلى وقت كذا.
------------------------------------------------------------------
[1] ـ سورة الأنفال آية رقم 36
[ (1/367)
صفحة 368
2] ـ هو عقيل بن عبد مناف (أبي طالب) الهاشمي القرشي وكنيته أبو يزيد أعلم قريش بأيامها ومآثرها ومثالبها وأنسابها صحابي فصيح اللسان، شديد الجواب، وهوة أخو (علي) و(جعفر) لأبيهما وكان أسن منهما برز اسمه في الجاهلية، وكان في قريش أربعة نفر يتحاكم الناس إليهم في المنافرات: عقيل صاحب الترجمة، ومخرمة، وحويطب، وأبو جهم وبقي عقيل على الشرك إلى أن كانت وقعت بدر فأخرجت قريش للقتال كرها فشهدها معهم وأسره المسلمون ففداه العباس بن عبد المطلب فرجع إلى مكة ثم أسلم بعد الحديبية وهاجر إلى المدينة سنة 8 هـ وشهد غزوة مؤتة ولم يسمع له بخبر في فتح مكة ولا الطائف وثبت يوم حنين وتوفي عام 60 هـ
راجع الإصابة ت 5630 وطبقات ابن سعد 4: 28
[3] ـ هو أبان بن عثمان الأموي القرشي، أول من كتب في السيرة النبوية وهو ابن الخليفة عثمان مولده بالمدينة ووفاته بها عام 105 هـ شارك في وقعة الجمل مع عائشة وتقدم عند خلفاء بني أمية فولي إمارة المدينة سنة 76 إلى 83 وكان من رواة الأحاديث الثقات، ومن فقهاء المدينة أهل الفتوى، ودون ما سمع من أخبار السيرة النبوية والمغازي وسلمها إلى سليمان ابن عبد الملك في حجه سنة 82 فأتلفها سليمان وكانت فيه دعابة أورد صاحب الأغاني حكايات منها.
راجع العبر 1: 129 والأغاني 2: 4 وطبقات ابن سعد - التابعين.
[4] ـ هو أسامة بن زيد بن حارثة من كنانة عوف أبو محمد: صحابي جليل ولد بمكة، ونشأ على الإسلام وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه حبا جما وينظر إليه نظره إلى سبطيه الحسن والحسين، وهاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبلغ العشرين من عمره فكان مظفرا موفقا انتقل إلى دمشق بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فسكن المزة، وعاد إلى المدينة فأقام إلى أن مات بالجرف عام 54 هـ له في كتب الحديث 128 حديثا (1/368)
صفحة 369
راجع طبقات ابن سعد 4: 42 وتهذيب ابن عساكر 2: 391 - 399 والإصابة 1: 29
[5] ـ سورة النساء آية رقم 141
[6] ـ الحديث روا البخاري في كتاب الحرث والمزارعة 15 باب من أحيا أرضا مواتا ورأى ذلك عليّ في أرض الخراب بالكوفة موات، وقال عمر من أحيا أرضا ميتة فهي له، ويروى عن عمر وابن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال في غير حق المسلم، وليس لعرق ظالم فيه حق، ويروى عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم
ورواه أبو داود في الإمارة 37 والترمذي في الأحكام 38 والموطأ في الأقضية 26 وأحمد ابن حنبل في المسند 5: 327.
[7] ـ هو الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي عالم بالحديث إباضي من أعيان المئة الثانية للهجرة من أهل البصرة له كتاب في الحديث سما يوسف بن إبراهيم الرجاني (الجامع الصحيح) راجع حاشية الصحيح للسالمي 1: 3.
[8] ـ هؤلاء أتباع أبي هاشم بن الجبائي وأكثر معتزلة القرن الخامس الهجري على مذهبه لدعوة ابن عباد وزير آل بويه ويقال لهم الذمية، لقولهم باستحقاق الذم لا على الفعل، وقد شاركوا المعتزلة في أكثر ضلالاتها وانفردوا عنهم بفضائح لم يسبقوا إليها.
وانظر في شأن هذه الفرقة التبصير ص 53 وقد أدمجها الشهرستاني في الملل والنحل مع الجبائية 1 / 78 لكون أبي هاشم صاحب هذه الفرقة ابن أبي علي صاحب الفرقة السابقة.
[9] ـ سورة البقرة آية رقم 185
[10] ـ سورة الحج آية رقم 78 وقد جاءت هذه الآية محرفة حيث قال: (ما) بدون الواو وزاد لفظ (الله) ولا يوجد في الآية.
وتكملة الآية (ملة أبيكم إبراهيم هم سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير).
[11] ـ سورة البقرة آية رقم 146
الباب الرابع (من الركن الرابع) (في الأمور التي لا تجب توبة منها) (1/369)
صفحة 370
لعفو الله تعالى بمنه وكرمه عنها على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام حيث قال ((إن الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))([1]) وفي حديث آخر ((إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به([2]) أو تعمل به)) فدل هذان الحديثان على أن العفو والتجاوز منه تعالى إنما هو لأربعة أمور: الخطأ والنسيان والاستكراه وحديث النفس. فعقد المصنف لكل واحد من الاستكراه والخطأ فصلا وعقد النسيان وحديث النفس فصلا واحدا ولذا قال (وفيه ثلاثة فصول).
----------------------------------------------------------------------------
[1] ـ الحديث رواه ابن ماجة في كتاب الطلاق 16 باب طلاق المكره والناسي 2043 - حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف الفرياني ثنا أيوب بن سويد ثنا أبو بكر الهذلي عن شهر بن حوشب عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره.
في الزوائد إسناده ضعيف لاتفاقهم على ضعف أبي بكر الهذلي والرواية الأخرى عن الوليد ابن مسلم ثنا الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس عن النبي.
[2] ـ سبق تخريج هذا الحديث في المجلد
الفصل الأول في التقية (1/370)
صفحة 371
وهي اسم للفعل الذي يتقي به عن النفس سواء كان قولا أو غير قول وهو المستكره عليه لا بد من أن نبين أولا حد الإكراه ثم نشرع ثانيا في بيان المكره عليه فنقول: قال العلقمي: وحده الإكراه أن يهدد قادر على الإكراه يعاجل من أنواع العقوبات يؤثر العاقل لأجله الإقدام على ما أكره عليه وقد غلب على ظنه إنه يفعل به ما هدده به أن أمتنع مما أكره عليه وعجز عن الهرب والمقاومة والاستغاثة بنحوه وغيرهما من أنواع الدفع ويختلف الإكراه باختلاف الأشخاص والأسباب المكرهة عليها قال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وخباب([1]) وصهيب([2]) وبلال([3]) وعمار([4]) وسمية أما الرسول عليه الصلاة والسلام فحماه أبو طالب وأما أبو بكر فحماه قومه وأخذ الآخرون وألبسوا دروع الحديد ثم جلسوا في الشمس فبلغ منهم الجهد بحر الحديد والشمس وأتاهم أبو جهل يشتمهم ويوبخهم ويشتم سمية ثم طعن الحربة في فرجها وقال ا لآخرون ما نالوا منهم غير بلال فإنهم جعلوا يعذبونه فيقول أحد أحد حتى ملوا فكتفوه وجعلوا في عنقه حبلا من ليف ورفعوه إلى صبيانهم يلعبون به حتى ملوه فتركوه قال عمار: كلنا تكلم بالذي أرادوا غير بلال فهانت عليه نفسه فتركوه قال خباب: لقد أوقدوا لي نارا ما أطفأها إلا ودك ظهري وإنما ذكرت لك هذه النبذة هنا لتعرف بها كيفية الإكراه التي وقعت لأولئك السادة.
(أما بيان) أنواع التقية فهي إما أن تتنوع باعتبار ذاتها أي باعتبار ذلك الفعل المكره عليه وإما أن يكون تنويعها باعتبار حكم الشارع فيها.
(أما) تنويعها باعتبار ذاتها فلان من الأفعال ما يقبل الإكراه عليه كالقتل والتكلم بكلمة الكفر ومنه ما لا يقبل الإكراه عليه قيل وهو الزنا لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الألة فحيث دخل الزنا في الوجود علم أنه وقع بالاختبار على سبيل الإكراه.
(وأما) تنويعها باعتبار حكم الشارع فيها فهي أنواع.
( (1/371)
صفحة 372
النوع الأول): مباح وذلك كما إذا أكرهه على التلفظ بكلمة الكفر فها هنا يباح له ولكنه لا يجب لوجوه.
(أحدهما): أنا روينا أن بلال صبر على ذلك العذاب وكان يقول أحد أحد ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم بئس ما صنعت بل عضمه عليه فدل ذلك على أنه لا يجب التكلم بكلمة الكفر.
(وثانيها): ما روي أ مسيلمة الكذاب أخذ رجلين فقال لأحدهما.. ما تقول في محمد فقال رسول الله فقال ما تقول في قال: أنت أيضا فخلاه وقال للآخر ما تقول في محمد قال رسول الله قال ما تقول في قال: أنا أصم فأعاد عليه ثلاثة فأعاد جوابه فقتله فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما الأول فقد أخذ برخصة الله وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له والاستدلال بهذا الخبر من وجهين.
(الأول): أنه سمى التلفظ بكلمة الكفر رخصة.
(الثاني): أنه عظم حال من أمسك عنه حتى قتل.
(وثالثهما): أن بذل النفس في تقرير الحق أشق فوجب أن يكون أكثر ثوابا لقوله عليه الصلاة والسلام أفضل العبادات أحمزها([5]) أي أشقها.
(ورابعها): أن الذي أمسك عن كلمة الكفر طهر قبله ولسانه عن الكفر. أما الذي تلفظ بها فهب أن قلبه طاهر عنه إلا أن لسانه في الظاهر قد تلطخ بتلك الكلمة الخبيثة فوجب أن يكون حال الأول أفضل والله أعلم ا. هـ.
(والنوع الثاني): يحرم فعله وذلك كما إذا أكرهه إنسان على قتل إنسان آخر أو على قطع عضو من أعضائه فها هنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية وهل يسقط القصاص عن المكره أم لا قولان.
( (1/372)
صفحة 373
النوع الثالث): ما ذهب السيد الفخر الرازي وابن بركة العماني من أنه يجب فعل ما أكره عليه إذا كان الفعل المكره عليه مما يباح عند الضرورة وذلك كما إذا أكرهه على شرب الخمر وأكل الخنزير وأكل الميتة فإذا أكرهه عليه بالسيف فها هنا يجب الأكل عندهما وذلك لأن صون الروح عن الفوات واجب ولا سبيل إليه في هذه الصورة إلا بهذا الأكل وليس في هذا الأكل ضرر على حيوان ولا فيه إهانة لحق الله تعالى فوجب أن يجب لقوله تعالى ((ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة))([6]) وذهب غيرهما إلى إباحة هذا النوع وعدم وجوبه وهو الصحيح لما تقدم من الأدلة على إباحة التقية بكلمة الكفر وعدم وجوبها هنالك فإنه متى لم تجب التقية بالقول فمن الأولى أن لا تجب بالفعل وليس هنا إلقاء بالنفس إلى التهلكة حتى يجب فإنه وإن وجب إحياؤها بهذه الأمور فيما إذا اضطر إليها من غير إكراه كما إذا اضطره الجوع فلا يقاس عليه ما هنا كيف يقاس وهو لا يصدق عليه في هذا الموضع أنه قاتل نفسه، وإنما يقال إنه قتل بخلاف ما اضطره الجوع إلى ذلك، والحال أن الله قد أباحه له فإنه إذا أمسك عنه حينئذ حتى مات صح أن يقال أنه قتل نفسه فيدخل فعله تحت قوله تعالى ((ولا تقتلوا أنفسكم))([7]) وفي السنة النبوية وفي آثار الصلحاء من هذه الأمة وغيرها ما يدل على عدم وجوب ذلك.
(أجز تقية بقول أن خلص=
من نيل ضر من به القول يخص)
(وامنعها في إتلاف نفس أن جنى=
والخلف في إتلاف مال ضمنا)
( (1/373)
صفحة 374
قوله أجز تقية بقول) الخ اعلم أن التقية وهي الفعل المكره عليه إما أن يكون قولا أو فعلا غير القول فإن كان قولا فقد أبيحت التقية به إلا إذا جر ضررا بإنسان أو أتلف نفسا، أما إذا أتلف مالا لغيره فيه خلاف يأتي فمثال التقية بالقول إذا لم يكن في القول ضرر على أحد هي كإجراء كلمة الكفر على اللسان والقلب مطمئن بالإيمان، وكولاية المبطل وعداوة المحق باللسان إذا كان القلب مضمرا خلاف ذلك، وكالعتاق والطلاق وهل يثبت الطلاق بذلك القول الناشئ عن الإكراه..؟ قولان ومثالها إذا كان في القول ضرر على أحد كما إذا كان في القول دلالة على إنسان أريد ظلمه بنحو جرح أو قتل أو نحو ذلك فإن هذا لا يحل لأحد لأنته إنما اتقى بغيره عن نفسه وليست نفسه أولى بالبقاء من نفس غيره، ومثاله إذا أتلف مالا كما إذا دلهم على مال غيره وخاف أنه إن لم يدلهم عليه قتل أو نحو ذلك وإن دلهم على المال أتلفوه.
(قوله إن خلص من نيل ضر) أي جواز التقية بالقول مشروط أن يخلص القول من أصابه ضرر لمن فيه القول (قوله به القول يخص) أي يقصد على الخصوص.
(قوله وامنعها) أي التقية في إتلاف نفس أن جنى أي أمنع التقية بالقول أن جنى القول إتلاف نفس.
(قوله والخلف في إتلاف مال ضمنا) أي الخلف واقع في التقية بالقول إذا جنى القول إتلاف مال للغير اعتقد المكره ضمانه والصحيح أن ذلك جائز.
(ولم تجز تقية بالفعل =
كالحرق والغرق ومثل القتل)
(لكن جواز ما أبيح في الضرر=
كالأكل لميتة والدم اشتهر)
( (1/374)
صفحة 375
ولم تجز تقية بالفعل) أي إذا كان الفعل غير قول بقرينة ما مر من بيان التقية وبقرينة ما سيأتي من التمثيل اعلم أن الفعل إذا لم يكن قولا فأما أن يكون من الأفعال التي أباحها الله للمضطر كأكل الميتة وأكل لحم الخنزير وأكل الدم ونحو ذلك وإما أن يكون من الأفعال التي لم يبحها الله للمضطر كحرق نفس وغرقها والقتل بغير الحق ونحو ذلك فإن كان من الأفعال التي أباحها الله للمضطر فقد اختلف في جواز التقية بها على ثلاثة أقوال تقدم منها قريبا منها قولان الأول: الوجوب والثاني:
الإباحة والقول الثالث: الحظر واستدل القائلون به بقصر إباحة هذه الأشياء على المضطر بالجوع فإن النص إنما أباحها في ذلك المحل لا مطلقا والقائلون بإباحتها في التقية لم يعتبروا المعتاد وإن كان الفعل من غير المباح للمضطر فلا يجوز في التقية قولا واحدا.
(قوله كالحرق) وهو إلقاء إنسان في النار أو إلقاء النار عليه (قوله والغرق) هو إلقاء إنسان في ماء يبلغ إلى أعلى من منخريه أو إلقاء ماء كذلك عليه (قوله ومثل القتل) هو إزهاق روح إنسان وإنما قيدنا في الثلاثة بالإنسان إشارة إلى أن غير الإنسان من الحيوانات ليس في حكم الإنسان بل يجوز للمكره أن يفدي بها نفسه (قوله لكن جواز ما أبيح من في الضرر) الخ استدراك على قوله ولم تجز تقية بالفعل أي يستدرك على منع التقية بفعل جوازها في الأشياء التي أبيحت للمضطر كأكل الميتة والدم فإن جواز ذلك قد اشتهر بين العلماء (قوله كالأكل للميتة والدم) تمثيل للذي أبيح في الضرر (قوله اشتهر) خبر جواز في أول البيت.
---------------------------------------------------------------------------
[1] ـ هو خباب الأرت بن جندلة بن سعد التميمي أبو يحيى أبو عبد الله صحابي من السابقين كان في الجاهلية يعمل السيوف بمكة. شهد المشاهد كلها ونزل الكوفة فمات فيها وهو ابن 73 سنة. راجع الإصابة 1: 416 وحلية الأولياء 1: 143
[ (1/375)
صفحة 376
2] ـ هو صهيب بن سنان بن مالك، من بتي النمر بن قاسط: صحابي من أرمى العرب سهما وله بأس، وهو أحد السابقين إلى الإسلام كان أبوه من أشراف الجاهليين ولاه كسرى على الأبلة (البصرة) ولد عام 32 ق. هـ قال له النبي صلى الله عليه وسلم عندما هاجر إلى المدينة وترك ماله لقريش (ربح صهيب ربح صهيب) شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها 307 أحاديث توفي عام 38 هـ
راجع طبقات ابن سعد 3: 161 وابن عساكر 6: 446 وصفة الصفوة 1: 169.
[3] ـ هو بلال بن رباح الحبشي أبو عبد الله مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم وخازن على بيت ماله من مولدي السراة وأحد السابقين للإسلام وفي الحديث بلال سابق الحبشة، وكان شديد السمرة وشهد المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي عام 20 هـ
[4] ـ هو عمار بن ياسر بن عامر الكناني المذحجي أبو اليقضان صحابي من الولاة الشجعان ذوي الرأي وهو أحد السابقين إلى الإسلام والجهر به هاجر إلى المدينة وشهد بدرا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان وولاه عمر الكوفة وشهد الجمل وصفين له 62 حديثا توفي عام 37 هـ.
[5] ـ الحديث رواه ابن عباس وفي الصحاح (أحمزها) أي أمتنها وأقواها.
[6] ـ سورة البقرة آية رقم 195
[7] ـ سورة النساء آية رقم 29
حكم المكره على فعل يقام عليه الحد
(ومكره جاء بما الحد يجب=
عليه في أن لا يحد نستحب)
( (1/376)
صفحة 377
قوله ومكره) مبتدأ خبر جملة قوله في أن لا يحد نستحب سوغ كونه مبتدأ وصفه بالجملة بعده اعلم أنه إذا أكره احد على فعل شئ يجب فيه الحد أو القصاص ففعل هل يقام علية الحد ويقتص منه ام لا 00؟ قولان هب قول إلى وجوب إقامة الحد عليه والقصاص منه لأنه إنما فعل ذلك على قصد منه في حال لا يحل له فعله ولأنه إنما قتل أو جرح عمدا عدوانا فيجب عليه القصاص لقوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى))([1]) ولقوله تعالى ((والجروح قصاص))([2]) ولأنهم أجمعوا على أنه لو قصد المكروه قتله أو جرحه حل لمن تقصد أن يدفعه عن نفسه حال قصده إياه فلما كان توهم إقدامه على القتل يوجب إهدار دمه فلان يكون عند صدور القتل منه حقيقة يصير دمه مهدرا كان أولى، وذهب آخرون إلى عدم وجوب ذلك لما فيه من الشبهة بالإكراه وقد قال صلى الله عليه وسلم ((إدرأوا الحدود عن المسامين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله فإن الإمام لئن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة))([3]) وقال صلى الله عليه وسلم ((إدرأوا الحدود بالشبهات وأقيلوا الكرام عثراتهم إلا في حد من حدود الله))([4]). (1/377)
صفحة 378
وقال صلى الله عليه وسلم: إدرأوا الحدود ولا ينبغي للإمام تعطيل الحدود وقال صلى الله عليه وسلم: ادفعوا الحدود عن عباد الله ما وجدتم له مدفعا (قوله جاء بما الحد يجب عليه) أي بسببه والذي يجب بسببه الحد أمور منها الزنا وحده مائة جلده إن كان الزاني بكرا والرجم إن كان محصنا ومنها القذف بالزنا على ما مر من بيانه وحده أن يجلد القاذف ثمانين جلدة ومنها شرب الخمر وحده ثمانون جلده ومنها السرقة لنحو أربعة دراهم فما فوق من حرز وحد السارق على هذه الصفة قطع يده اليمنى من الرسغ ومنها قطع الطريق وحده أن يقتل القاطع أو تقطع يده ورجله من خلاف أو ينفى من الأرض على حسب ما بين في محله ومنها القتل المعمد العدواني وحده القتل بالسيف وقيل إن القتل ليس بحد وإنما هو حق لولي المقتول بدليل جواز العفو عن القاتل وشأن الحدود أنه لا يجوز العفو عنها.
------------------------------------------------------------------------------
[1] ـ سورة البقرة آية رقم 178 وتكملة الآية (الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فإتباع بالمعروف وأدا إليه الإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم).
[2] ـ سورة المائدة آية رقم 45 وتكملة الآية (فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون).
[3] ـ الحديث رواه الترمذي في كتاب الحدود 2 باب ما جاء في درء الحدود 1424- حدثنا عبد الرحمن بن الأسود أبو عمرو البصري حدثنا محمد بن ربيعة حدثنا يزيد بن زياد الدمشقي عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره.
[4] ـ الحديث رواه ابن ماجة في كتاب الحدود 5 باب الستر على المؤمن ودفع الحدود بالشبهات 2545 حدثنا عبد الله بن الجراح حدثنا وكيع عن إبراهيم بن الفضل عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره. (1/378)
صفحة 379
الفصل الثاني في الخطأ
وهو القصد لفعل شيء يجوز فعله فيخطأ من غيره، كما إذا قصد أن يضرب طيرا مباحا فأصابت الضربة إنسانا مثلا أو يقصد أن يقول لزوجته أنت بارة أو جالس فيقول لها أنت طالق مثلا أو يقصد أن يقول لعبده أنت صالح يقول له: أنت حر ونحو ذلك أو يقصد أن يقول: اللهم ارحمني فيقول: اللهم عذبني كما جرى ذلك لبعض الصحابة أراد أن يقول اللهم أدخلني الجنة فيقال اللهم أدخلني النار فاشتد ذلك عليه حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا بأس عليك لك ما نويت))([1]) فإذا يظهر لك أن في الخطأ نوعا من القصد ولذا صلح أن يكون سببا لبعض الأحكام كتسليم الدية وتحرير الرقبة ونحو ذلك لكن لما كان القصد فيه غير تام صلح أن يكون مخففا فتجب الدية على العاقلة ويرتفع القصاص بسببه ونحو ذلك.
(ورفع الإثم لدى الخطأ ومن=
ألزمه الظاهر حكما يسلمن)
(كالقاتل النفس وكالمطلق=
زوجته خطأ ومثل المعتق)
(قوله ورفع الإثم لدى الخطأ) أي رفع الله إثم الخطأ عن صاحبه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وسكت المصنف عن رفع الأحكام بالخطأ لأن المذهب المشهور بيننا إنما هو رفع الإثم بالخطأ لا غيره من الأحكام من نحو الضمانات وذهب قوم إلى رفع الأحكام أيضا فلا ضمان عندهم على من أخطأ فأتلف بخطئه مالا أو نحو ذلك. وفي الجزء الثامن عشر من المصنف من المسائل ما هو مبني على هذا المذهب فراجعه. وهل يجوز على الله المؤاخذة أم لا..؟ ذهبت المعتزلة إلى منع ذلك وأجازته الأشعرية وفي ظاهر قوله تعالى ((لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا))([2]) قالوا لم تجز المؤاخذة به ما طلبوا رفعها والاتفاق على عدم وقوع المؤاخذة به.
( (1/379)
صفحة 380
قوله ومن ألزمه الظاهر حكما) أي والذي ألزمه الحكم الظاهر حكما من الأحكام يجب عليه أن ينقاد له وإن كان فيما بينه وبين الله مخطئ (قوله يسلمن) بنون التوكيد الخفيفة أي ينقاد ويذعن إذ لا يصح له أن يكابر الحكم الظاهر (قوله كالقاتل النفس) أي مثال ذلك كقاتل نفس خطأ فإنه إذا حولكم ولم تكن له بينة على أنه مخطئ فحكم عليه الحاكم بالقود فإنه يجب عليه أن يذعن وينقاد لذلك (قوله وكالمطلق زوجته خطأ) أي ومثال ذلك أيضا كمن طلق زوجته خطأ كما إذا أراد أن يقول لها أنت بارة فقال: أنت طالق فإنها لا تطلق فيما بينه وبين الله فإن حاكمته وحكم الحاكم بوقوع الطلاق وجب عليه الانقياد والإذعان لحكم الحاكم.
(قوله ومثل المعتق) أي ومثال ذلك أيضا كمن اعتق عبده على خطأ فحاكمه عبده فحكم له بالعتق فإنه يعتق.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] ـ لم يعثر على هذا الحديث على كثرة البحث والتقصي
[2] ـ سورة البقرة آية رقم 286 وتكملة الآية (ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين).
الفصل الثالث في النسيان والوسوسة
أي في بيان عدم المؤاخذة بهما (فأما) النسيان إما نسيان ذهول وهو ما يتنبه له بأدنى منبه كنسيان الرجل بعض أعضائه وهذا لا بأس به، وأما نسيان جهل وهو ما لا ينبه صاحبه لمل نسيه بتنبيه عليه وهذا هو المراد المصنف.
(وأما) الوسوسة: فهي القول الخفي لقصد الإضلال من وسوس إليه ووسوس له أي فعل الوسوسة لأجله وهي حديث النفس والشيطان بما لا نفع فيه ولا خير كالوسواس بالكسر والاسم بالفتح يقال لما يقع في النفس من عمل الشر وما لا خير فيه وسواس. ولما يقع من عمل الخير الهام. ولما يقع من الخوف إيجاس. ولما يقع من تقدير نيل الخير أمل. ولما يقع من تقدير لا على إنسان ولا له خاطر. (1/380)
صفحة 381
أقسام النسيان
(ورفض الوزر لدى النسيان=
وهكذا وسوسة الشيطان)
(من بعد أن جاهده بما قدر=
إذا لم تكن أشد من رؤيا البصر)
(قوله ورفض الوزر) أي وترك الإثم لدى أي عند النسيان وعند الوسوسة الخ (اعلم) إن النسيان إما أن يكون في الأشياء التي لا يلزم العمل بها ولا العلم وصاحبه معذور اتفاقا وإما أن يكون في الأشياء التي يلزم العلم بها كمعرفة الله تعالى ومعرفة رسوله ومعرفة ما جاء به رسوله فصاحبه هالك اتفاقا لأنه بمنزلة من جهل هذه الأشياء بعد قيام حجة العلم بها أما إذا كان المنسي نبيا غير محمد صلى الله عليه وسلم أو ملكا غير جبريل عليه السلام ففي عذره قولان وأما أن لا يكون في الأشياء التي يلزم العلم بها. (1/381)
صفحة 382
وهذا نوعان: لأنه إما أن يكون من حقوق الله تعالى خاصة كالصلاة والصوم ونحوهما فناسي هذه الأشياء معذور اتفاقا وإما أن يكون من حقوق العباد وهذا أيضا نوعان أحدهما: ما تعلق بالذمة كالدين والوديعة والأمانة ونحوها فناسيها معذور أيضا ولو كان متعديا في أول أمره ثم تاب منه ونسي ضمانه وثانيها: ما كان قائم العين كزوجه طلقها وعبد اعتقه فنسي الطلاق والعقاد فاستمر على الاستمتاع والتملك ففي عذر هذا الناسي مع إقامته على ذلك الشيء قولان من المسلمين من عذره لعموم الحديث ومنهم من لم يعذره وجعله بمنزلة من ارتكب الحرام جهلا بأنه حرام (قوله وهكذا وسوسة الشيطان) أضاف الوسوسة إليه لأنه هو المحدث بها والمزين لها (قوله من بعد أن جاهده) أي من بعد جاهده أي من بعد جهاده الشيطان في إزالة الوسوسة من الجنان (قوله بما قدر) كتعلق بقوله جاهده أي رفع الإثم عن الإنسان بوسوسة النفس إنما هو بعد اجتهاده في دفعها حسب طاقته فيجب عليه أن لا يحب ذلك الخاطر ولا يقرره في نفسه (قوله إذ لم تكن) إي تلك الوسوسة (قوله أشد من رؤيا البصر) أي ليست تلك الوسوسة أشد من التكليف من رؤيا البصر فإن البصر إذا أمسك عن المحرمات ثم وقع في محرم فإنه معفو عنه، وكذلك الوسوسة وهذا تمثيل لما خفي في الصدور بما ظهر على الحس تقريبا للإفهام لا قياس للوسوسة على رؤيا البصر فإن كلا منهما إنما ثبت حكمه بدليل يخصه وما ثبت فيه دليل خاص فلا يثبت في القياس.
خاتمة الكتاب
نذكر فيها بيان تمام هذه القصيدة والثناء على الله تعالى على تمامها والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه تبركا بذلك ورجاء أن تقبل.
(تم بحمد الله أنوار العقول =
حاوية أهم شي ء في الأصول)
(عارية عن وصمة الإخلال =
سالكة طريقة الكمال)
(أهديتها صرفا لكل طالب =
تصونه من كل قول كاذب)
( (1/382)
صفحة 383
قوله تم بحمد الله أنوار العقول) أي تمت أنوار العقول ملتبسة بالثناء الجميل على الجميل الاختياري ووجه تسمية هذه المنظومة بأنوار العقول هو أن موضوعها أصول الديانات وفيها معرفة الاعتقادات وهي عبادة محلها العقل فإذا اعتقدها الإنسان على الوجه الذي ينبغي نار عقله واتضح له الحق وصار من المؤمنين الكاملين في الإيمان.
(قوله حاوية) أي جامعة حال من أنوار العقول ومعنى حاوية أي محيطة من حوى الشيء إذا أحاط به (قوله أهم شيء) أي الشيء المهم هو الذي يحق أن يعنى به.
(قوله في الأصول) أي في علم الأصول والمراد به هنا أصول الديانات وإنما سمي أصول الديانات أصولا لإبتناء سائر العبادات عليها صحة وفسادا (قوله عارية) أي مجردة (قوله من وصمة الإخلال) أي من عيب الإخلال من أخل بالشيء إذا لم يف بالمراد منه (قوله سالكة طريقة الكمال) أي آخذه في قصدها بأكمل الأحوال من فنها شبه الكمال بقصر عال له طريق ثم حذف المشبه به وأبقى من لوازمه الطريق ورشح بذكر السلوك (قوله أهديتها صرفا) أي صيرتها هدية خالصة من شائبة الزيغ في الاعتقاد ومضلات البدع (قوله لكل طالب) للحق قاصد للرشاد (قوله تصونه) أي تحفظه (قوله من كل قول كاذب) أي من كل اعتقاد مخالف لما في نفس الأمر ففي إطلاق القول على الاعتقاد تجوز إرسالي.
(واحمد الله على التيسير في = أتم ما قد رمته من شرف)
(ثم الصلاة مع تسليم على= محمد المبعوث من خير ملا)
(وآله وصحبه ومن قفا = منهاجهم على التمام والوفا)
( (1/383)
صفحة 384
قوله واحمد الله) ختمها بالحمدلة كما ابتدأ بها تفاؤلا بحسن الاختتام وشكرا لنعمة التمام ورجاء للقبول وأتى بجملة الحمدلة هنا مضارعية لتفيد تجدد الحمد وحدوثه وقد أتى بها أول القصيدة اسمية لتنفيذ الثبوت والدوام فبالجمع بينهما يحصل تجدد دائما وفيه تأس بحديث الحمد لله أحمده (قوله على التيسير) أي لأجل التسهيل (قوله في أتم ما قد رمته) أي قصدته أي وحمد لله لأجل تسهيله لأتم ما قد قصدته أي لتمام مقصودي (قوله من شرف) معمول لرمته وأطلق الشرف على هذا الحال وهو مقام التأليف لأنه لا شيء بعد الإسلام أشرف منه فهو من نعم الله العظمى على عباده العلماء فيجب أداء الشكر عليها والوفاء بالحمد لديها (قوله ثم الصلاة مع التسليم) أي ثم الرحمة المقرونة بالتعظيم مع التحية الخاصة على محمد الخ (قوله وآله وصحبه) أي على آله وصحبه (قوله ومن قفا منهاجهم) أي ومن تبعهم من منهاجهم أي طريقهم وهو التقوى وفي إطلاق المنهاج على أهله تجوز إرسالي (قوله على التمام والوفا) حال من فاعل قفا أي والصلاة والتسليم على من تبعهم ملتبسا بالتمام لما وجب عليه والوفاء بدين الله وفي ذكر التمام والوفا حسن الاختتام على حد ما مر وهو أن يذكر المتكلم آخر كلامه ما يشعر باختتامه ولشاعر زمانه في هذا المقام قوله:
منطقي في ابتدأ المديح قصير=
فيك فاسمح يا منتهى الإحسان
هذا آخر ما يسر الله تعليقه على هذه المنظومة والحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافي المزيد والصلاة والسلام على من بوجوده جددت معالم التوحيد وعلى آله وصحبه آمين ذوي الرأي السديد والمنهج الرشيد على تابعيهم وتابعي تابعيهم في أتم خلق وأكمل تفريد. قد استراح القلم من الجولان على تسويد هذه الطروس في عصر لأربعاء لسبع بقين من محرم سنة 1313 ثلاث عشر وثلاث مائة وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأكمل التسليم.
العنوان: http: //ibadhiyah. net/maktabah/showthread. php?threadid=216 (1/384)
صفحة 385
وصفاته لانها هي اللائقة بهذا المقام لان
وصفاته المرئيتين.
من رأى الشيء عرف حاله
(قوله والتبعيض (مصدر بعضته اذا جعلته أبعاضا اي ومن لوازم
الرؤية تبعيض المرئي لان شعاع الباصرة إما أن يقع على جميع أجزاء المرئي فيصح تبعيضه ضرورة لان ما احيط به متبعض لا محالة، واما أن
ما
يقع على جزء منه وذلك الجزء المرئي هو بعضه فصح تبعضه حينئذ بالفعل (قوله والتحيز) في جهة مصدر تحيز بالفتح اذا اتخذ الحيز لنفسه والحيز عند المتكلمين هو الفراغ المتوهم الذي يشغله شيء ممتد كالجسم أو غير ممتد كالجوهر الفرد، وعند الحكماء هو السطح الباطن من الحاوي المماس السطح الظاهر من المحوي، والحيز الطبيعي هو يقتضي الجسم بطبعه الحصول فيه كذا في التعريفات (1) أي ومن لوازم الرؤية تحيز المرئي في جهة وهو من المحال على الله تعالى. (قوله تقابل الذي نظر (أي تواجهه والمقابلة من شروط الرؤية التي تصح بدونها كما مر (قالوا (اشتراط المقابلة للرؤية عادي والآخرة محل خرق العادات.
لا
(قلنا (لا نسلم انه عادي بل عقلي ضروري لان الرؤية التي تعرفها
أن
العرب لا تصح عقلا الا لمقابل ومن ادعى انها رؤية اخرى فعليه الدليل، ولو سلمنا أن اشتراط المقابلة عادي كان لنا أن نقول وما الدليل على هذا العادي مما يخرق يوم القيامة؟ (فان قيل (ان الدليل على ذلك هو قوله تعالى (ليس كمثله شيء) (2) فعلمنا أن رؤيته ليست كرؤية غيره لما يلزم في المقابلة من التشبيه المستحيل في حقه تعالى.
385
A{
(1) راجع التعريفات صفحة 83 - (2) سورة الشورى، آية رقم 11. (1/385)
صفحة 386
(قلنا) هذا دليل نفي الرؤية اصلا لا دليل على أن رؤيته مخالفة لرؤية المخلوقين فقط فانه متى ما كان مرئيا لزم أن يكون مثله شيء وهو سائر المرئيات (لا يقال) لا يلزم من اتصافه بالرؤية تشبيهه بالمرئيات كما لا يلزم من اتصافه بالحياة والعلم والقدرة والارادة ونحوها تشبيهه بمن اتصف بذلك خلقه.
من
(لانا نقول (ان الاتصافين ليسا بمتساويين لان الاتصاف بالرؤية نقص ولذا امتدح الرب تعالى بنفيه عنه فهو مختص بالمخلوقين والاتصاف بالحياة والعلم والقدرة ونحوها صفات كمال مختصة به تعالى ان كانت ذاتية فافاض بمنه على من شاء من عباده ان يحدث له حياة وعلما وقدرة صفات الى آخرها ليرتقي الى كمال ليس بذاتي في حقهم ليمتازوا عن الالوهية، فمن قال أن الله يرى في احدى الدارين أو فيهما معا فقد وصفه بالصفة المختصة بخلقه ومن جوز عليه بأنه يرى فقد جوز عليه المستحيل في حقه.
الآن
(قوله فهذه) اي الادلة العقلية أو فافهم هذه الأدلة العقلية وسنشرع
في بيان الأدلة النقلية فنقول.
386 (1/386)
صفحة 387
المقصد الثاني
الأدلة النقلية
ونقتصر منها على آيتين احداهما قوله تعالى (لا تدركه الابصار» والأخرى قوله تعالى (لن تراني» (قوله وما اتى به السور) اي والذي اتى به السور جمع سورة وهي طائفة مخصوصة من القرآن كافية للتحدي بها في الاعجاز مشتملة على ثلاث آيات فصاعدا (قوله من قول لا تدركه الابصار (أي من مقول ذلك فالقول بمعنى المقول على سبيل المجاز الارسالي لعلاقة التعلق.
(اعلم) ان هذه الآية صريح في نفي الرؤية عنه تعالى لوجهين.
(احدهما) انه نفي ادراك الابصار له تعالى مطلقا فهي نفي
له
لادراك
كل بصر تعالى. (وثانيهما) انه تعالى ذكر هذه الآية ممتدحا بها كما تمدح بنفي الولد وبنفي السنة والنوم) واعترض (على الأول بان الادراك هو الرؤية المقيدة بالاحاطة بالمرئي من جميع جوانبه وجهاته وهو اخص من الرؤية المطلقة ونفي الأخص لا يقتضي نفي الأعم.
387 (1/387)
صفحة 388
(قلنا) لا نسلم أن الادراك هو الرؤية المقيدة بالاحاطة (1) لانه حقيقة
(1) حصر
الادراك في الاحاطة خروج
العرب
عند
عما تقتضيه أوضاع اللغة العربية فان ادراك كل شيء. بحسب حالة ذلك الشيء فادراك العين رؤيتها وادراك اليد مسيسها وادراك الاذن سماعها وهكذا. ولا يقيد شيء. من ذلك بالاحاطة ففي اللسان الدرك اللحاق وقد أدركه ورجل دراك مدرك كثير الادراك ونحو هذا في القاموس وشرحه وفي اللسان أيضاً والادراك اللحوق يُقال مشيت حتى أدركته وعشت حتى أدركت زمانه وأدركته ببصري أي رأيته ا. هـ وهو نص في تفسير ادراك البصر بالرؤية ويؤيده أمور:
من حياته.
1 ـ ان العرب تقول أدركت زمانه مع عدم الاحاطة بزمانه كما نص عليه صاحب اللسان ولربما قال أحدهم أدركت حياة فلان وهو لم يولد إلا في الزمن الأخير 2 ـ ان العرب تسمّي المطر المتوالي بالمتدارك مع العلم انه ليس المقصود منه أن كل ديمة منه تحيط بغيرها وانما المقصود تلاحق الديم.
ـ عدم مخالفة أحد في صواب قول من قال أدركه السهم ومن المعلوم انه ليس المراد منه احاطة السهم به ولو قال قائل أحاط به السهم لعد من هذيان الكلام.
ـ مجيء
الألفاظ المشتقة الادراك دالة
من
على
غير معني الاحاطة كما في قوله تعالى
الفرية
ه حتى اذا اداركوا فيها. اذ ليس من المعقول أن يكون المراد من الآية احاطة كل فوج من أهل النار بالآخر مع أن التفاعل يقتضي التشارك من الجانبين أو الجوانب وانما المراد من الآية تلاحق الأفواج في النار والعياذ بالله. احتجاج أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بقوله تعالى: لا تدركه الأبصار، على عدم رؤية النبي عل الله له به فقد أخرج الامام الربيع في مسنده والشيخان في صحيحهما عن مسروق قال كنت متكئاً عند عائشة فقالت يا أبا عائشة ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله قلت ما هن قالت من زعم ان محمداً عله الا الله رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية قال وكنت متكئاً فجلست فقلت يا أم المؤمنين انظريني ولا تعجليني ألم يقل الله عز وجل، ولقد رآه بالأفق المبين ولقد رآه نزلة، فقالت أنا أول هذه الامة يسأل عن ذلك رسول الله لعل الله فقال و انما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطاً من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء الى الأرض، فقالت أولم تسمع أن الله يقول: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، الخ ما جاء في الرواية فكيف عائشة تحتج رضي الله عنها بنفي الادراك على نفي الرؤية لو كان ثم فارق بينهما انها رضي الله عنها عربية المتحد واللسان وقد تربت في حضن النبوة وارتوت من معين الوحي واذا كانت أقوال أهل الجاهلية دليلاً على مقاصد التنزيل فالثابت من كلام الصحابة الله رضي عنهم أولى بذلك ولا سيما كان كعائشة الحصائصها المعروفة. و سماحة المفتي).
من
رضي
الله عنها
388 (1/388)
صفحة 389
في الوصول الى الشيء وتقييده بالاحاطة، مجاز لا يصح الا بقرينة، ولا قرينة بل القرائن دالة على نفي مطلق الادراك) واعترض) عليه أيضا أن الآية لسلب العموم لا لعموم السلب، أي أن النفي غير عام لجميع الابصار فيحتمل أن يراه بعضها فيكون المعنى هكذا: لا تدركه كل الأبصار بل بعضها وهي أبصار المؤمنين.
(قلنا (لا نسلم أنها لسلب العموم لانها وردت مدحاً له تعالى وادراك بعض الأبصار له تعالى مزيل لهذا التمدح ولا يصح أن يزول عنه صفاته التي تمدح بها تعالى إذ لو جاء ذلك لجاز أن يكون في الآخرة متصفاً بالسنة والنوم، والصاحبة والولد والشريك والشبيه، لأن هذا كله مما تمدح تعالى بنفيه عنه، ولو جاز عليه ذلك لكان حينئذ ذليلا عاجزاً مقهوراً مغلوباً جاهلاً بخيلاً، فيستحق على ذلك الشتم تعالى الله ذلك عن
علوا كبيرا. حاصل الجواب: أن قاعدة سلب العموم إنما هي ثابتة فيما إذا لم يدل دليل على أن المراد خلافها أما إذا دل دليل على ذلك عدل عنها الى ما يقتضيه الدليل، ودليل العدول هنا قصد التمدح بنفي الرؤية فإن حمل على تلك القاعدة فات هذا المقصود) لا يقال (إن نفي الرؤية ليس من مدائحه تعالى لأنه قد اتصف به من خلقه أشياء كالاعراض والارواح ونحوها، وما اتصف به غيره لا يكون مدحاً له.
(لانا نقول) وكذلك أيضا بعض المخلوقات لا يتصف بالنوم ولا بالسنة كالحائط والشجر ونحو ذلك، فلا يكون نفيهما عنه مدحاً على زعمكم (قوله: لن تراني ((1) الآية التي أجاب الله بها موسى عليه السلام
(1)
(1) سورة الأعراف آية رقم 143 والآية ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني انظر اليك قال لن تراني ولكن انظر الى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين .. وقد جاءت الآية في المطبوعة محرفة حيث قال: ولن تراني (بزيادة الواو).
389 (1/389)
صفحة 390
بانتفاء الرؤية عنه تعالى والاستدلال بها على نفي الرؤية من وجهين.
(أحدهما): أنه تعالى نفاها (بلن» وهي لنفي الاستقبال المؤبد
فيكون نفيها دائماً
في الدنيا والآخرة.
(وثانيهما): أنه تعالى نفاها عن موسى
کليمه فغيره أحق بنفيها عنه.
أكدت
کليمه ومتى
ما نفاها عن
(واعترض) على الأول بأن «لن» لا تقتضي التأييد ولو اقتضته ما به في قوله تعالى «ولن يتمنوه أبداً» (1) (قلنا) هذا تأكيد الشيء بمرادفه وقد ورد في لغة العرب منه كثير. فمن ذلك قوله:
وقوله الآخر:
أنت بالخير حقيق قمن
وقلن على الفردوس أول مشرب
أجل جيران كانت أبيحت دعاثره
مطلقاً
(قوله فانتفى الإبصار (بكسر الهمزة أي الإدراك البصري والفاء تفريعية (قوله لأنه مدح له) أي لان الانتفاء للرؤية مدح له تعالى (قوله ولا يصح زوال ما به الخ (أي لا يمكن أن تنتقل مدائحه تعالى وتتبدل فكما لا يمكن أن يتصف بالولد في حال من الأحوال كذلك لا يمكن أن يتصف بالرؤية والصحة مع المتكلمين بمعنى الأصوليين بمعنى الاجزاء في العبادات وبمعنى ترتب أثر الشيء عليه واعتباره سببا لحكم آخر في المعاملات، وفي اللغة بمعنى الثبوت ومنه
قوله:
وصح عند الناس أني عاشق
الامكان
(1) سورة البقرة آية رقم 95 وتكملة الآية) بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين).
وعند
390 (1/390)
صفحة 391
(قوله لو جاز أن يزول مدحه الخ (هذا دليل لقوله ولا يصح زوال ما به الى آخر وذلك دليل لنفي الرؤية، فهو اثبات دليل لدليل فهو التدقيق (قوله لزم تبديل عزه بذل) أي لو جاز أن يزول مدحه للزم جواز تبديل عزه بذل، لانه ممتدح بالحياة والقدرة والعلم والارادة ونحوها فيجوز أن يكون ميتا عاجزا، جاهلا مكرها، لأن من زال عنه صفة وجب أن يتصف بنقيضها (قوله وشتم (بالبناء للمفعول أي وصف بنقص وازدراء.
391 (1/391)
صفحة 392
(ومن يدن
المقصد الثالث
حكم معتقد الرؤية
بكفر النعـ فاحك
(كأن يقول يده مثل يدي
أيضا
له والشرك ان يجسم)
أو وجهه كوجه بعض الأعبد)
(قوله ومن يدن بها الخ) أي ومن يعتقدها دينا فهذا حكمه وكذلك من يعتقد ثبوتها على سبيل الاجتهاد حيث لم يخط مخالفه فيها فانها ليست من المسائل الاجتهادية وإنما قيد المصنف هذا الحكم بالدائن بها لأنه لا يوجد قائل بها الا وهو يخطئ من خالفه فيها.
(اعلم) ان معتقدي الرؤية صنفان:
(أحدهما) قالوا: إن الله تعالى يرى في الدنيا والآخرة كل ولي شاء الله أن يراه وهؤلاء مشركون لمصادمة الكتاب.
وصنف منهم خصوا الرؤية في الدنيا لمحمد وهؤلاء منافقون لتأولهم الكتاب بحديث وضع لهم أن محمدا ع رأى ربه ليلة الاسراء
392 (1/392)
صفحة 393
فخصصوا بهذا الحديث قوله تعالى (لا تدركه الأبصار) وهذا التخصيص باطل لان هذا الخبر خبر آحاد لا يثبت به الاعتقاد ان لو صح عن رواية وفي كتاب الجهالات ما معناه (ان قال أن محمدا رأى ربه من فهو مشرك) (2) وعليه فكأنه لم ير تأويلهم هذا شيئا يخرجون به عن
مصادمة النص.
(الصنف الثاني (من معتقدي الرؤية قالوا: ان الله لا يرى في الدنيا أصلا لا يولي ولا لنبي وإنما يرى في الآخرة خاصة وهؤلاء ايضا صنفان. (أحدهما) قالوا: انه يرى في الآخرة في جهة وحيز كأجسامنا وأوجهنا وأيدينا وهؤلاء مشركون لمساواتهم ربهم فهم يعبدون صنما يزعمونه ربا.
ويد
له
جسم ووجه
بخلقه
(وثانيهما) تستروا عن هذا التشبيه فقالوا نراه في الآخرة بلا كيف أي بلا هيئة ولا حالة نكيفها وهذا فرار من صريح التشبيه مع الوقوع فيه معنى ولذا قال الزمخشري (2) فيهم:
(2)
(1) سورة الأنعام آية رقم 103 وتكملة الآية (وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير). (2) الحديث رواه البخاري في كتاب التوحيد 4 باب قول الله تعالى: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً وإنَّ الله عنده علم الساعة، وأنزله بعلمه، 7380 حدثنا سفيان عن اسماعيل عن الشعبي عن الله عنها قالت: وذكره وفيه فقد (كذب) بدلاً. من (مشرك). مسروق عن عائشة – رضي وأيضاً في بدء الخلق 7 وتفسر سورة 53 ورواه الإمام مسلم في كتاب الإيمان 287، 289 ورواه الإمام الترمذي في التفسير سورة 6، 5، 53، 3، 47.
(3) هو محمود بن عمر بن محمد بن
أئمة
أحمد الخوارزمي الزمخشري جار الله أبو القاسم، من العلم بالدين والتفسير واللغة والآداب ولد في زمخشر عام 467 وتوفي عام 538 هـ سافر الى مكة فجاور زمنا فلقب بجار الله من أشهر كتبه و الكشاف، وأساس البلاغة، والقسطاس في العروض، وأطواق الذهب وغير ذلك كثير. راجع وفيات الأعيان 2: 81 وارشاد الأريب 7 147 ولسان الميزان 6: 4 ومفتاح
السعادة 1: 431
393 (1/393)
صفحة 394
لجماعة سموا
وجماعة
قد شبهوه بخلق
فتخوفوا
لعمري مؤكف
شنع الورى فتستروا بالبلكفه
وزيادة بلا كيف لم يقم عليها دليل من كتاب ولا سنة، ولذا قال المحقق (1) الخليلي رحمه الله تعالى في قصيدة له طويلة:
فالآي ما قالت بلا كيـ ــــــــف ولا
قال النبي بذا فمن ذا أردفه
أترى مقاله بلا كيف سوى
افك يزاد لقائل ما اسخف
(وحكم) هؤلاء عندنا انهم منافقون لتأولهم الكتاب وتعلقهم به وذلك أنهم تأولوا قوله تعالى: (لا تدركه الابصار» بنفي الادراك في دار الدنيا لقوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة» (2) وقد تقدم الآية (قوله بكفر النعم (متعلق بقوله فاحكم له أي النفاق الظاهري، وسيأتي بيانه ان شاء
»
بسط الكلام في معنى فاحكم عليه بذلك، وكفر النعم
الله
هو
في الباب السادس من الركن الثالث.
(قوله والشرك) معطوف على قوله يكفر النعم أي واحكم عليه
(1) هو الشيخ العلامة المحقق سعيد بن خلفان
بن أحمد بن صالح الخليلي الخروجي ينتهي نسبة الى
الامام الخليل بن شاذان ابن الامام الصلت بن مالك بن بلعرب الخروصي، وقد لقبه العلماء بالمحقق لشهرته بتحقيق المسائل وتأصيلها واقترانها بالادلة كانت ولادته ببلد توشر عام 1226 هـ وكان كثير الخلوة والتبثل الى الله تعالى كانت له اليد الطولي في الأسرار. توفي عام
1287 هـ بمسائل راجع شقائق النعمان 2: 333.
(2) سورة القيامة، آية رقم 22
علم
394 (1/394)
صفحة 395
بالشرك ان
يجسم
والمراد بالتجسيم هو أن يقول: إن الله عز وجل جسم ولما كان المجسمة على صنفين منهم من يقول: إنه جسم لا كالاجسام ومنهم من يقول: إنه كالاجسام أشار الى أن الشرك خاص بهذا الصنف الاخير، فلذا قال كأن يقول يده الخ وانما لم يشرك القائلون بالتجسيم حتى يحددوا هذا التحديد لأنهم يتعلقون بآيات وأحاديث ويتأولونها على خلاف ما هي عليه، وحكم بتشريك القائلين بالتحديد لأن هذا التحديد لم يتأول فيه كتاب ولا سنة فهو مصادمة للنص حيث قال تعالى «ليس كمثله شيء» (1) (قوله كأن يقول (أي مثل أن يقول بيان للتجسيم المذكور، وقيد للحكم بالشرك (قوله يده (الضمير عائد الى الرب عز وجل (قوله مثل يدي) أي في كون كل منهما جارحة (قوله أو وجهه أي المذكور في قوله تعالى (ويبقى وجه ربك) ونحوها (قوله كوجه بعض الأعبد) أي الخلق بأن يقول كل منهما جارحة
محدودة.
(1) سورة الشورى آية رقم 11 والآية (فاطر السموات والأرض جعل لكم من انفسكم ازواجاً ومن
الأنعام ازواجاً يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).
(2) سورة الرحمن آية رقم 27 وتكملة الآية (ذو الجلال والاكرام).
395 (1/395)
صفحة 396
[صفحة فارغة] (1/396)
صفحة 397
=
الخاتمة
(في تفسير ألفاظ تعلقت بها المشبهة من كتاب الله)
(الخاتمة .. في تفسير ألفاظ تعلقت بها المشبهة من كتاب الله) (1) أي ومن سنة رسوله الله وهي ألفاظ ذكر المصنف منها الوجه، والعين،
(1)
خلاصة مذهب أهل التشبيه حمل الآيات والأحاديث على ظواهرها ومنع تأويلها بما تدل عليه القرائن ومدار اعتماد أكثرهم على انكار المجاز وهم في ذلك على طرائق فمنهم من ينكره من كلام العرب رأساً ومنهم من يثبته في كلام العرب وينفيه من الكتاب والسنة والغريب أنك تجد أحدهم يناقض نفسه فينكره تارة ويثبته أخرى بحسب ما يمليه عليه الهوى ولعمري ان انكار المجاز رأساً أو انكاره من كلام الله وكلام رسوله الا الله ليس هو إلا مكابرة صريحة للعقل وتحدياً سافراً للواقع الذي لا يحتاج في وضوحه الى دليل: وليس يصح في الأذهان شيء اذا احتاج النهـ ـار الـ
لغة
اللغات
دليل
فان المجاز ليس مقصوراً على من اللغات وانما هو من محاسن جميع وبه يستطيع المتحدث بها أن يجاري أساطينها في مضمار البلاغة وانكاره في كلام الله وكلام رسوله دعوى لم يقم عليها دليل ويترتب عليها اخراج القرآن والحديث عن أسلوب الكلام العربي المبين وسلبهما بلاغة اللسان العربي وأقوى دليل وأوضح حجة وقوع المجاز في الكتاب العزيز والحديث الله سبحانه الامر بالتقوى بلفظ: اتقوا الله، ونحوه ومن المعلوم ان بمعنى تجنّب لأن اتقى على وزن افتعل مطاوع لوقاه يقيه أصل وضعها. في بمعنى جنبه وليس من المعقول أن يكون المراد من الأمر بتقوى الله تجنب ذاته تعالى وانما المراد
الشريف فكم مخبر في
كلمة اتقى
-
کلام:
تجنب سخطه بفعل أوامره وترك نواهيه ومن المجاز في القرآن قوله تعالى، واعتصموا بحبل الله
397 (1/397)
صفحة 398
واليد والقبضة، والاستواء والجد والمكر أهمل أشياء (منها) الجنب
جميعاً، وإلا فأين الحبل الذي أمرنا بالاعتصام به فان قيل هو دين ا الله فالدين لم تعهد سميته حبلا ومنه قوله سبحانه و وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. فان الخيط معروف ولكن المقصود في الآية من الخيط الأبيض ضياء النهار ومن الخيط الأسود ظلام الليل كما فسرها النبي عل الله في حديث عدي بن حاتم رضي ا الله عنه ولو كان هذا الاستعمال حقيقة لما اشتبه الأمر على عدي ومنه قوله عز من قائل في وصف كتابه العزيز: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلقه، وليس للقرآن يدان محسوستان ولا خلف حقيقي ومنه قوله سبحانه ه اولئك كتب في قلوبهم الايمان، ومن المعروف بالبديهة انه ليس المراد منه أنه أخذ القلم وخط في قلوبهم الايمان كما يخط الكتاب في الصحيفة ومنه قوله عز وجل فامشوا في مناكبها» مع ان الأرض لا مناكب لها وهو في القرآن أكثر من أن يمكننا استيفاؤه.
الوجه
أما
هذا واذا ألقينا نظرة الى الآيات المتشابهة التي يتعلق بظواهرها المشبهة رأينا ترك تأويلها يفضي الى تناقض فظيع في آيات الذكر الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وكذلك الأحاديث النبوية فماذا أن يقال عسى مع عدم التأويل في قوله تعالى «كل شيء هالك الا وجهه، هل يُقال بهلاك الذات العلية وبقاء الوجه لأن الذات تستثن وانما استثنى دعرى بعض المتحذلقين ان ذكر الوجه في الآية دليل على أن الذات العلية لها وجه وان حمل الوجه في الآية على معنى الذات لامتناع اطلاق أي اسم على شيء. مجازاً ـ إلا اذا كان فيه أصل. معني ذلك الاسم فهي دعوى لم يقم عليها دليل بل الواقع يردّها فالله تعالى يقول في القرآن ه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهل أصل اليد موجود في القرن ويقول سبحانه في الأرض، فامشوا في مناكبها. أن الأرض لا مناكب لها ويقول الشاعر:
-
وفي يدك السيف الذي امتنعت به صفاة الهدى أن ترق فتخرقا من وهل للهدى صفاة يخشى عليها ترق فتخرق ويقول الآخر:
وغداة
اذا أصبحت بيد الشمال زمامها
قد كشفت وقرة ريح ومن المعلوم أن الشمال لا يد لها والغداة لا زمام لها ونحو هذا كثير. وتتجلى ضرورة التأويل في قوله سبحانه و فأينما تولوا فثم وجه الله، فان المجسمين يحصرون الذات العلية في جهة العلو فوق العرش لقوله سبحانه (الرحمن على العرش استوى. والآية الأولى – إن لم
الله
وفي هذا ما يقتضي
أن
الله
وجه
تؤول ـ أفادت أن الانسان أينما ذهب في هذه الأرض فهناك وجه سبحانه متدل من عرشه الى أرضه عام لكل جوانب الأرض ولا أظن أحداً ممَّن لا يتأول يقول بذلك وانما يرجعون الى ما فروا منه من التأويل كما يتأولون قوله سبحانه، وهو معكم أينما كنتم، فيجعلون هذه المعية معية العلم والاحاطة وذلك عين التأويل وماذا عسى أن يقولوا. ان منعوا التأويل في قوله تعالى من حيث لم يحتسبوا، هل يزعمون مجيئه اليهم بذاته كما زعموا وقوع ذلك يوم القيامة
1
ا فأتاهم الله.
لقوله سبحانه، وجاء ربكم، وكيف يسوغ تأويل هذه ويمتنع تأويل تلك. اللهم هذا بهتان عظيم
=
"
398 (1/398)
صفحة 399
كما
في قوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله» (1) و معناه في أمر الله، اذ لا تأويلها بغير ذلك، لان الندم انما يصح يقع على ترك الاوامر وارتكاب المناهي، والعرب تطلق الجنب على الامر
قال الشاعر (2)
:
أما تتقيد الله في جنب عاشق
له كبد حرى وعي ن ترقرق
جسم،
وقول من زعم أن الله صفة تسمى
فسقط قول من تأولها ان الله الجنب لا تعرف ما هي لانهم إما أن يحملوها على الجنب الذي تعرفه
الصلاة
بشيء
منه
-
في
= وليت شعري ماذا أن ان حملوا كل الآيات والأحاديث على ظواهر ألفاظها يقولوا. عسى الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن الرسول الأمين عليه أفضل والتسليم انه قال: ان الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب الي عبدي أحب الي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لاعيذنه، فانه يلزمهم أن يكون الله سبحانه العابد الناسك وبصره ويده ورجله فيكون سمع العابد بعد ارتقائه مراتب العبادات وتقربه الى خالقه بأنواع التنفلات لا يعبد الا سمعه وبصره ويده ورجله التي هي أجزاء من حقيقته وهل هذا الا عين المحال ورأس الشرك والضلال وماذا عسى أ أن يقولوا في قوله سبحانه فيما حكى عنه نبيه الأمين علي الا الله و من تقرب مني شبراً تقربت ذراعاً ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً ومن أتاني يمشي أتيته أهرول، ولا ريب ان اخراج أمثال هذا الكلام عن قاعدتهم في منع التأويل كسر للخجر الذي افترضوه على أنفسهم وعلى الناس أجمعين ومن العجب انك تجدهم يثبتون د سبحانه ـ تمشياً مع قاعدتهم - من صفات النقص ما صرح القرآن بنفيه عن الله كالنسيان الذي يصفون سبحانه أخذاً من قوله «نسوا الله فنسيهم، كأنهم لم يقرع مسامعهم قول العزيز الحكيم، وما كان ربكم نسيا، وصدق الله سبحانه، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء، فهم يتركون الآيات المحكمات التي هي أم الكتاب ويتبعون ما تشابه من آياته التي يجب رد تفسيرها الى المحكمات - وهو المصطلح عليه بالتأويل - حرصاً على سلامة الآيات من التناقضات التي يتعالى عنها كلام الله وحملا لكلام الله على ما تقتضيه قواعد اللسان العربي المبين الذي شرفه الله لسان كتابه ولسان نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام. (سماحة المفتي).
الله به
تأويله
(1) سورة الزمر آية 056
(2) الشاعر: هو سابق البربري.
الله
بجعله
399 (1/399)
صفحة 400
العرب حقيقة فيلزم التجسيم، أو مجازا فيلزم ما قلنا، او على
تعقله العرب فيلزم الخطاب بما لا يعقل.
(ومنها) القدم أخذا من رواية عنه في حديث مطول «فيضع الجبار قدمه في النار فتقول قط قط أي حسبي حسبي». وفي رواية أخرى حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها الى بعض وتقول قط قط بعزتك وكرمك، وفي أخرى (يقال لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد حتى يضع الرب قدمه عليها فتقول قط قط (1) فعلى تقدير صحة هذه الروايات فهي على حذف مضاف تقديره حتى يضع معاند الجبار أو معاند الرب فيها قدمه وهو من علم من معانديه ولا يلزمنا تعيينه ويدل على هذا التأويل ما ورد في بعض الروايات، وأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله رجله فيها وانما تأولناها بحذف المضاف ولم نفسر القدم بالقدرة كما فسرنا اليد بها لان العرب لا تطلق القدم والرجل على القدرة ولا يعرف ذلك من مجازاتهم اذ لا يتجوزون في الالفاظ الا بعلاقة ولا
الله
(1) الحديث رواه الامام البخاري في كتاب التفسير ا باب) وتقول هل من مزيد) 4848 يسنده عن انس، 4849 بسنده عن أبي هريرة 4850 عن أبي هريرة. وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس وهو ضعيف، ورجح الطبري انه لطلب الزيادة على ما دلت عليه الأحاديث المرفوعة، وقال الاسماعيلي: الذي قاله مجاهد موجه فيحمل على انها قد تزاد وهي عند نفسها لا موضع فيها للمزيد، وأخرجه أحمد ومسلم) حتى يضع قدمه فيها) في رواية شعبة، وفي رواية سعيد) حتى يضع رب العزة فيها قدمه).
اطلقت بتمثيل المجاورة وذلك ان
قال ابن حبان في صحيحه بعد اخراجه: هذا الأخبار التي من القيامة يلقى في النار من الأمم والأمكنة التي عصي! الله فيها فلا تزال تستزيد حتى يضع الرب
يوم
فيها موضعاً. من الأمكنة المذكورة فتمتلئ لأن العرب تطلق القدم على الموضع. واختلف في المراد بالقدم فطريق السلف في هذا وغيره مشهورة وهو ان تمر كما جاءت ولا يتعرض لتأويله بل نعتقد استحالة ما يوهم النقص على الله وخاض كثير من أهل العلم في تأويل ذلك من ذلك انه ليس المراد حقيقة القدم والعرب تستعمل الفاظ الأعضاء في ضرب الأمثال ولا تريد أعيانها. كقولهم: رغم انفه، وسقط في يده، وغير ذلك.
400 (1/400)
صفحة 401
علاقة في اطلاق القدم والرجل على القدرة، وقد تأول الشيخ أبو نبهان الله تعالى عنه القدم بما حاصله انه بكسر القاف وفتح الدال المهملة وتأول ذلك بالأمم السابقة من أهل الشقاوة، لكن هذا التأويل يتعذر في
رضي
رواية الرجل.
(ومنها) الأصابع لما في الرواية عنه ان قلب المؤمن بين اصبعين من اصابع الرحمن (1) ومعناه أن قلب المؤمن تحت قدرة الرحمن يقلبه كيف شاء واطلاق الأصابع على القدرة مجاز مرسل علاقته السببية (لا يقال) انه يلزم أن يكون قلب غير المؤمن ليس في قدرة الله (لانا نقول (لا يلزم ذلك لان ذكر قلب المؤمن خاصة مع شاملة للكل لتشريف المؤمن على غيره، كما يقال بيت
على غيره من البيوت.
الله
أن القدرة
لتشريف البيت
(1) الحديث رواه ابن ماجة في المقدمة 13 باب فيما انكرت الجهمية 199 ثنا ابن جابر، قال سمعت يسر بن عبيد الله يقول: سمعت أبا ادريس الخولاني يقول، حدثني النواس بن سمعان قال:
سمعت رسول الله - الله يقول: وذكره.
وفيه زيادة:: ان شاء اقامه وان شاء ازاغه ..
ورواه الامام الترمذي في القدر 7 والدعوات 89، ورواه الامام مسلم في القدر 17 واحمد ابن حنبل في المسند:2 168، 173، 2: 182، 201 302، 315 (حلبي).
2.1 (1/401)
صفحة 402
الوجه هو الذات
(فوجهه أي ذات ـه في قولـ
وعينه أي حفظ
(واليد منه قدرة أو قل نعم
الفعل
وقبضة والاستوا ملكا يسم)
(وجده كوجهه أو قل عظم
ومكره عقوبة لمن
(قوله فوجهه أي ذاته في قوله (أي الوجه المذكور في قوله تعالى ويبقى وجه ربك» (1) كل شيء هالك الا وجهه) (2) انما هو بمعنى الذات أي الا ذاته تعالى أي كل شيء هالك الا هو والعرب تطلق الوجه على الذات كما في وجوه يوم بدر البيت وتطلقه على غير الذات وفي اطلاقه على الذات مجاز ارسالي علاقته اطلاق اسم الجزء على الكل وارادة حقيقته في حقه تعالى محال لما قدمنا من البراهين القطعية، فوجب المصير الى المجاز، والقول بأن الله تعالى صفة ذاتية ليست بجارحة تسمى الوجه مما لا يعقل فهو باطل كما تقدم في نظيره.
(قوله وعينه أي حفظه (العين الواقعة في كتابه عز وجل المضافة اليه تعالى كما في قوله تعالى (تجري بأعيننا» (3) «ولتصنع على عيني
(1) سورة الرحمن آية رقم 27 وتكملة الآية (ذو الجلال والاكرام).
(2) سورة القصص آية 88 (3) سورة القمر آية رقم 14.
(4) (
(4) سورة طه آية رقم 39 والآية (ان اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه
عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني).
402 (1/402)
صفحة 403
هي بمعنى الحفظ على سبيل المجاز الارسالي علاقته اطلاق اسم السبب الذي هو الباصرة على المسبب الذي هو الحفظ، لأن الحفظ لا يحصل غالبا الا بها، والعرب تعرف ذلك من لغتها ولا يصح ارادة حقيقتها في حقه تعالى لوجهين:
(احدهما (لزوم تشبيهه بخلقه وقال تعالى: «ليس كمثله شيء».
معني
(وثانيهما) أن العين في الآيتين لا يحتمل تأويلها بالباصرة فانه قال: «ولتصنع على عيني» فيلزم من تفسيرها بالباصرة أن يكون موسى مصنوعا فوق عينه الباصرة، وهذا مما لا يقول به عاقل وقال: «تجري بأعيننا فيلزم من تفسيرها بالباصرة ان تكون سفينة نوح عليه السلام تجري باعينه التي يبصر بها وهذا مما لا يقول به عاقل ايضا (وأيضا) فالمشبهة يزعمون أن لالههم عينين يبصر بهما واستدلوا على ذلك بالآيتين واستدلالهم بهما لا يتم لانه افرد العين في احداهما وجمعها في الاخرى فيلزمهم على قولهم أن تكون له عيون من الثلاثة فصاعدا، لان أقل الجمع ثلاثة، وسقط ايضا القول بأن الله صفة ذاتية تسمى العين لا ندري لان الله حكيم لا يخاطب الناس الا بما يعقلون. (قوله حفظه لفعله (أي صونه له ومنعه مما يضر به بالفعل بمعنى المفعول أي صونه لمفعوله (قوله واليد منه قدرة) اي اليد الواردة في قوله تعالى «يد الله فوق أيديهم» (1) وفي قوله «لما خلقت بيدي» (2) مما عملت أيدينا أنعاماً» (3) ونحوها من الآيات هي بمعنى القدرة لا بمعنى الجارحة فانها وان كانت هي حقيقة اليد فحمل الآيات عليها محال
ما
مي
(1) سورة الفتح آية رقم 10 وتكملة الآية (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه اجراً عظيماً).
(2) سورة ص آية رقم 75 وتكملة الآية) استكبرت أم كنت من العالين). (3) سورة يس آية رقم 71.
403 (1/403)
صفحة 404
لما يلزم من
أيديا
يدين
الله تشبيه تعالى بخلقه، وقد عرفت خلانه مما تقدم ولا يتم استدلال المشبهة بهذه الآيات على مطلوبهم لانهم يزعمون ان الله وفي مما عملت أيدينا صيغة الجمع فان حملوها لمعنى ظاهرها لزم ان له الثلاث فصاعدا وان تأولوا الجمع بالتثنية حملا على الآية الأخرى من لزمهم صرف رف اللفظ عن حقيقته الى مجازه لان اطلاق لفظ الجمع على اثنين مجاز لغة فوقعوا فيما فروا عنه عن العدول عن الحقيقة الى المجاز ا ارتكبوه من فحش التشبيه (قوله أو قل نعم) جمع نعمة أي أو أول اليد في حقه تعالى بالنعمة في مواضع يصلح فيها الا ذلك كما في قوله تعالى «بل يداه مبسوم طتان) (1) فانه يتعين تأويل اليدين بالنعمتين الظاهرة والباطنة أو العاجلة والآجلة، لان القدرة غير متعددة فلا تثنى وانما قلنا ان القدرة غير متعددة لان صفات الذات الذات لا شيء آخر فيتعدد تارة ولا يتعدد أخرى) لا يقال (انه لا يلزم من تثنية اليد تعدد القدرة فانها وردت بمعنى القدرة وهي مثناة (لانا نقول (ان تثنيتها وجمعها في تلك المواضع لبيان كمال القدرة لا لتعددها وهنا لبيان تعدد النعم بدليل السياق وأيضا فقوله «يرزق من يشاء» (2) دليل يمنع تأويل اليدين بالقدرة ويصرف معناهما الى النعم (قوله وقبضة الخ (يشير الى القبضة من قوله تعالى «والارض جميعا قبضته يوم القيامة ((3) وفسرها هي والاستواء بالملك، اي والارض ملكه
الله
هي عين
ومجموعة.
(1) سورة المائدة آية رقم 64 وتكملة الآية) ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفرا والقينا بينهم العداوة والبغضاء الى يوم القيامة كلما أوقدوا ناراً للحرب اطفأها ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين). (2) جاءت هذه الآية محرفة في المطبوعة) حيث قال: يرزق كيف يشاء) والصواب: يرزق من يشاء بغير حساب 212 سورة البقرة وسورة آل عمران آية رقم 37 وسورة النور آية رقم 38، وسورة الشورى آية رقم 19 و يرزق من يشاء وهو القوي العزيز .. (3) سورة الزمر آية رقم 67 وتكملة الآية) والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما
يشركون).
404 (1/404)
صفحة 405
يوم القيامة، وانما فسرها بذلك لتعذر المعنى الحقيقي عليه تعالى (لا يقال) ان الارض في ملك الله تعالى يوم القيامة وفي ايام الدنيا، وتفسيركم القبض بالملك يستلزم أن يكون الله غير مالك لها قبل ذلك اليوم (لأنا نقول) لا نسلم ذلك الاستلزام فان تخصيص ذكره بملك يوم أنه مالك لما قبلها يفيد بيان عظمته وجلال سلطانه حيث لا
القيامة مع
مالك سواه، ولا مد. لذلك، ومنه قوله تعالى «مالك
بدع
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
بالملك
(2)
"
(1) (
الدين يوم فلو لزمنا على تفسيرنا القبضة
مع ما ذكرتموه لتمشى ذلك اللزوم على نصوص هذه الآيات (قوله والاستواء) أي من قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى» (3) ونحوها من الآيات هو بمعنى الملك وهذا المعنى هو الذي قال به المحققون من المفسرين، وعبروا عنه بالاستيلاء وأنشدوا عليه قول
الشاعر:
قد استوى بشر
العراق
ودم مهراق
ولنا في غاية المراد.
وإنم
وا ملك ومقدرة
له على كلها استيلاء وقد عدلا
كما يقال استوى سلطانهم فعلا
(1) سورة الفاتحة آية رقم 4. (2) سورة غافر آية رقم 16. (3) سورة طه آية رقم 5.
على البلاد فحاز السهل والجبلا
2.0 (1/405)
صفحة 406
ملکه
وتخصيص ذكر العرش بالاستيلاء مع انه تعالى مستول على جميع المخلوقات لأن العرش، اعظمها واذا كان مستوليا على أعظمها فهو مستول على أحقرها بطريق الاولى) لا يقال (انه يلزم على تفسير الاستواء بالاستيلاء والملك ان يكون هنالك محاولة ومزاولة حتى واستوى عليه (لانا نقول (لا نسلم ذلك اللزوم لأن ما ذكرتموه ليس مدلول اللفظ وأنما هو من مألوف الوهم وذلك ان الحس شاهد أن استيلاء بعضنا على بعض مقرون غالبا بمحاولة ومزاولة، فقضى الوهم بذلك، وقد تقدم ان الله لا يشابه خلقه في ذات ولا صفة ولا فعل (قوله يسم) بالبناء للمفعول مضارع سمي بمعنى انه يطلق على القبضة والاستواء اسم الملك أي يفسران به في حقه تعالى، وانما افرد الفعل مع ان القبضة والاستواء اثنان نظرا الى افراد كل منهما على حدة فالقبضة تسمى ملكا والاستواء يسمى ملكا أيضا ففي البيت اكتفاء.
ملكا
الآية
(قوله وجده كوجهه) أي الجد من قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن «وانه تعالى جد ربنا) (1) فالجد في الآية بمعنى الذات كما أن الوجه في قوله «ويبقى وجه ربك) (2) بمعناها أيضا فيكون معنى وانه تعالى ربنا اي تجاوز عما لا يليق به من اتخاذ الصاحبة والولد ونحوهما (قوله أو قل عظم (بكسر المهملة وفتح المعجمة مصدر عظم بالضم اذا صار عظيما، وهو هنا بمعنى العظمة التي هي الكبرياء، أي وان شئت فقل في تفسير الجد من تلك الآية انه بمعنى العظمة، فيكون المعنى هكذا وانه تعالى عظمته وانما حصرنا تفسير الجد في ذينك المعنيين لانهما هما اللائقان في حقه تعالى، ويستحيل عليه ما سوى ذينك من معاني الجد.
(1) سورة الجن آية رقم 3 وتكملة الآية (ما اتخذ صاحبة ولا ولدا).
(2) سورة الرحمن آية رقم 27.
406 (1/406)
صفحة 407
تنبيه
استدل بعض المشبهة على أن الله عينا ووجها ويدا الى آخرها حقيقة بأن الصحابة لما سمعوا هذه الألفاظ وأمثالها في كتاب الله عز وجل لم عن معناها، وأن النبي عل الله لم يخبرهم بشيء من ذلك، فلو أريد غير معناها الظاهر لبين لهم الرسول علل ذلك لأنه جاء بتبيين الأحكام لا بالتشكيل على الأنام.
يسألوا
(قلنا): ليس في السكوت عن مثل هذا تشكيل، لان العرب كانوا يستعملون اللفظة فيما وضعت له وفي غير ما وضعت له، فان أرادوا استعمالها في غير ما وضعت له نصبوا لمرادهم منها قرينة، وكان ذلك عندهم في غاية الظهور واتم الوضوح فلا يسألون عنه، لان البحث عنه ظهوره عبث وكذلك اخبار المخبر بالوضوح
اشكال.
انما يعد من
مع
العبث فلا
(قوله ومكره عقوبة لمن ظلم (أي المكر من قوله تعالى «ومكروا مكرا ومكرنا مكرا» (1) (فلا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون» (2)
(1) سورة النمل آية رقم 50 وتكملة الآية (وهم لا يشعرون).
(2) سورة الأعراف آية رقم 99.
407 (1/407)
صفحة 408
ونحوهما فالمكر المسند اليه تعالى بمعنى العقوبة لان معناه الحقيقي
الاحتيال والخديعة ولا يجوزان على الله تعالى.
هو
تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله الباب
الثالث
في الرسل والملائكة والكتب
الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وآخر دعوانا أن الحمد
وصلي
رب العالمين.
مسقط في 27 رمضان 1407 هـ
408 (1/408)
صفحة 409
السورة
رقم
الآية
110
53
1
V
{
17
9
44
09
13
فهرس الآيات القرآنية
الآية
عدد
مسلسل
قال تعالى: «اقرأ باسم ربك الذي خلق.»
قال تعالى: «قل ادعو الله أو ادعوا الرح
قال تعالى: «وما بكم من
نعمة فمن
الله.
قال تعالى: «له الملك وله الحمد.» قال تعالى: (ما يكون من نجوى ثلاثة الا
رابعهم.»
قال تعالى: «وهو معكم أينما كنتم.»
"
العلق
الأسراء
النحل
التغابن
هو
المجادلة
قال تعالى: «ونحن أقرب اليه من حبل الوريد.» قال تعالى: «ثم دلي فتدلى.»
الحديد
ق
النجم
النجم
قال تعالى: «فكان قاب قوسين أو أدنى.» قال تعالى: ه وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما النحل
نزل اليهم ولعلهم يتفكرون.»
قال تعالى: ه وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا.
هو.،
الأنعام
الأحقاف
قال تعالى: (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.»
قال تعالى: ه صلوا عليه وسلموا تسليماً.»
الأحزاب
409
1
2
4
6
>
9
10
11
12
13 (1/409)
صفحة 410
ةة
السورة
رقم
الآية
09
24
130
قة
40
22
22
30
13
17
الآية
قال تعالى: و ذق إنك أنت العزيز الكريم.»
الدخان
فاطر
قال تعالى: (وإن من أمة الا خلافيها نذير.» قال تعالى: «يا معشر الجن والانس ألم يأتكم رسل الأنعام
منكم.
الأحقاف
قال تعالى: (فلما قضى ولوا الى قومهم منذرين.» قال تعالى: و الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الحج
الناس.»
قال تعالى: (انه لقوم رسول كريم.» قال تعالى: (وما صاحبكم بمجنون.»
الحاقة
التكوير
قال تعالى: ه لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر المجادلة
يوادون من حاد الله ورسوله.»
قال تعالى: و فسوف يأتي الله بقوم يحبهم
المائدة
ويحبونه.»
قال تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم.
الحجرات
قال تعالى: (والملك على أرجائها ويحمل عرش الحاقة ربك فوقهم يومئذ ثمانية.»
قال تعالى:: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت المائدة عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام ديناً. فمن اضطر
رحيم.
في مخمصة غير متجانف لاثم فإن الله غفور قال تعالى: «ومالنا معذبين حتى نبعث رسولاً.
@
الاسراء
قال تعالى: و لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.»
النساء
قال تعالى: (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا طه
21.
عدد
مسلسل
14
10
16
17
18
19
20
21
22
23
24
25
26
27
28 (1/410)
صفحة 411
السورة
الآية
8
133
6
129
133
19
43
29
11
03
الآية
ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل
أن نذل ونخزى.»
قال تعالى: كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها الملك
ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا
ما نزل الله من شيء.»
قال تعالى: «أو لم تأتهم بينة ما في الصحف
طه
الأولى.
قال تعالى: لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم يس
غافلون.
"
قال تعالى: «ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو البقرة عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك
أنت العزيز الحكيم.»
"
قال تعالى: (أو لم تأتهم بينة ما في الصحف
طه
الأولى.
"
قال تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك محمد
وللمؤمنين والمؤمنات.»
قال تعالى: (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا النحل
تعلمون.»
قال تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم النساء
رحيماً.»
قال تعالى: (وأما بنعمة ربك فحدث.»
قال تعالى: «لئن شكرتم لأزيدنكم. .
a
الضحى
ابراهيم
قال تعالى: (وإنك لتهدي الى صراط مستقيم. و الشورى
411
عدد
مسلسل
29
30
31
32
33
34
35
36
37
38
39 (1/411)
صفحة 412
255
الآية
ياد
13
24
23
23
79
عدد
مسلسل
40
41
42
43
44
45
46
47
48
49
50
51
52
الآية
السورة
قال تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله القصص
يهدي من يشاء.»
الأنفال
قال تعالى: (وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى. قال تعالى: (ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء الرعد وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال.»
قال تعالى: (وما رب العالمين قال رب السموات الشعراء
والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين.)
(
قال تعالى: و لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.» الأنبياء قال تعالى: (ففهمناها سليمان. الأنبياء
هود
قال تعالى: ه يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد آل عمران بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار. قال تعالى: (بادئ الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين. قال تعالى: «قل لا أجد فيما أوحى إلي محرماً الأنعام على طاعم يطعمه.»
قال تعالى: (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم البقرة الخنزير وما أهل به لغير الله.»
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا التوبة
مع الصادقين.»
قال تعالى: «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو البقرة
أخطأنا. .
قال تعالى: «إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا الحجرات قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين.»
13
27
145
173
119
286
412 (1/412)
صفحة 413
عدد
مسلسل
03
54
00
57
58
09
السورة
رقم
الآية
قال تعالى: «ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين النساء
سبيلاً.
(
قال تعالى: (وسارعوا الى مغفرة من ربكم وجنة آل عمران
عرضها السموات والأرض.
"
"
قال تعالى: (واذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم. قال تعالى: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت من الفعالين قال أنا خير منه)
"
البقرة
ص
الأعراف
قال تعالى: (ما منعك الا تسجد اذ أمرتك.،: «فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها طه قال تعالى وكذلك سولت لي نفسي.»
قال تعالى: «قل لا أجد في ما أوحى الي محرماً الأنعام على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير.»
141
133
34
V 7_10
12
96
145
121
96
173
119
قال تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله الأنعام
عليه وانه لفسق.»
قال تعالى: (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً المائدة لكم وللسيارة.»
قال تعالى: (وما ذبح على النصب وأن تستسقموا المائدة بالأزلام ذلكم فسق.»
قال تعالى: ه وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير البقرة باغ ولا عاد فلا اثم عليه إن الله غفور رحيم.
قال تعالى: «إلا ما اضطرتم إليه.» قال تعالى: (فمن اضطر في مخمصة.»
الأنعام
المائدة
413
7.
71
62
63
64 (1/413)
صفحة 414
السورة
رقم
الآية
196
29
23
24
36
V
1.7
14
9
178
72
11
الآية
قال تعالى: (فمن كان منكم مريضاً أو به أذى البقرة من رأسه فقدية من صيام أو صدقة أو نسك.» قال تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إنه كان بكم النساء
رحيماً.)
قال تعالى: (وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في النساء حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم
تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم.» قال تعالى: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت النساء
ايمانکم.
قال تعالى: «ولا تقف ما ليس لك به علم إن الاسراء
السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً. قال تعالى: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد.» قال تعالى: (وقلبه مطمئن بالايمان.»
الرعد
النحل
قال تعالى: (ولما يدخل الايمان في قلوبكم.» قال تعالى:: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا الحجرات
الحجرات
فاصلحوا بينهم.»
قال تعالى: (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر البقرة بالحر والعبد بالعبد.)
قال تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم الأنعام أولئك لهم الأمين. .
قال تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع الشورى
البصير.)
414
عدد
مسلسل
66
67
68
69
Y.
71
72
73
74
Yo
76
77 (1/414)
صفحة 415
عدد
مسلسل
78
79
80
81
82
السورة
رقم
الآية
قال تعالى: (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون آل عمران
أجوركم يوم القيامة.»
قال تعالى: «قل إنما علمها عند لا يجليها الأعراف
لوقتها إلا هو.»
قال تعالى: الى ربك منتهاها.»
ربي
النازعات
لقمان
قال تعالى: (ان الله عنده علم الساعة.» قال تعالى: زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل التغابن بلى وربي لتبعثن.»
110
187
44
34
>
86
38
38
38
40
164
14
47
Y
قال تعالى: (يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا مريم ونسوق المجرمين الى جهنم وردا.»
قال تعالى: (وما من دابة في الأرض ولا طائر الأنعام يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب
من شيء.»
قال تعالى: «وما من دابة في الأرض ولا طائر الأنعام يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم.
قال تعالى: (ثم إلى ربهم يحشرون.)
الأنعام
قال تعالى: (يوم يعصى الظالم على يديه يقول يا النبأ
ليتني كنت تراباً.
"
قال تعالى: «ولا تزر وازرة وزر أخرى.»
قال تعالى: (ومن يعص
الله
ورسوله.
الأنعام
النساء
قال تعالى: (وإن تك مثقال حبة من خردل أتينا الأنبياء
بها وكفى بنا حاسبين.)
قال تعالى: (قلما بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما التغابن
عملتم.»
810
83
84
85
86
87
88
89
90
91 (1/415)
صفحة 416
السورة
رقم
الآية
8،7
71
108
2019
26
27
2
6968
10
285
4544
58
عدد
مسلسل
92
93
شه
90
قال تعالى: و فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن الزلزلة يعمل مثقال ذرة شراً يره.»
قال تعالى: (وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين الزخرف وأنتم فيها خالدون.»
قال تعالى: و لا يبغون عنها حولاً.»
الكهف
قال تعالى: و لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفاكهة الواقعة
مما يتخيرون.)
قال تعالى:. فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق الفجر
وثاقه أحد. و
قال تعالى: «أولئك أصحاب النار هم
فيها يونس
خالدون.»
قال تعالى: ه كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا السجدة
فيها.»
قال تعالى: ه والذين لا يدعون مع الله الها آخر الفرقان ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم
القيامة ويخلد فيه مهاناً إلا من تاب.» قال تعالى: «بأيدي سفرة كرام بررة.)
عيسي
قال تعالى:: كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله البقرة
لا نفرق بين
أحد
من رسله.»
قال تعالى: (وأفوض أمري الى الله إن الله
بصير
غافر
بالعباد فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون
سوء العذاب.»
قال تعالى: (فتوكل على الحي الذي لا يموت.)
الفرقان
817
96
97
98
99
33
101
102
103 (1/416)
صفحة 417
رقم
الآية
23
07
55 - 56
90
87
99
16
19
82
ريه
163
148
16
19
22
11
السورة
عدد
مسلسل
1.8
100
1.7
107
قال تعالى: (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين.
a
المائدة
قال تعالى: (يرجون رحمته ويخافون عذابه إن الاسراء
عذاب ربك كان محذوراً.»
قال تعالى: (أدعو ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين ولا تفسدوا في الأرض بعد اصلاحها وادعوه خوفاً وطمعاً.»
الأعراف
قال تعالى: (ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا الأنبياء
خاشعين.»
قال تعالى: «ولا ييأس من روح الله إلا القوم يوسف
الكافرون.»
D
قال تعالى: «ولا يأمن مكر الله إلا القوم الأعراف
الخاسرون.»
قال تعالى: (لمن الملك اليوم لله الواحد القها .. » قال تعالى: «قل أي شيء أكبر شهادة قل الله.» قال تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.»
غافر
الأنعام
يس
البقرة
الرعد
قال تعالى: (إن الله على كل شيء قدير.» قال تعالى: «والله خالق كل شيء.» قال تعالى: (والهكم اله واحد لا إله إلا هو الرحمن البقرة
الرحيم.)
فصلت
قال تعالى: «ويوم يحشر أعداء الله الى النار. . قال تعالى: (لو كان فيهما الهه إلا الله لفسدتا.، الأنبياء قال تعالى: (فقال لها وللأرض أئتيا طوعاً أو كرهاً فصلت قالتا أتينا طائعين.
417
108
109
110
111
112
113
114
110
117
117
118 (1/417)
صفحة 418
عدد
مسلسل
119
120
121
الآية
السورة
رقم
الآية
قال تعالى: ليس كمثله شيء وهو السميع الشورى
البصير.)
قال تعالى: «والله هو الغني الحميد.»
قال تعالى: و انني معكما اسمع وأرى.)
"
فاطر
طه
11
15
46
401
201
قال تعالى: (وما أرسلنا من رسول الا بلسان ابراهيم
قومه.»
قال تعالى: (أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن الأعراف أنظر الى الجبل فإن استقر مكانه فسوف يراني فلما
تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين.)
قال تعالى: «اتهلكنا بما فعل السفهاء منا.»
الأعراف
قال تعالى: «فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا النساء
أرنا الله جهرة.»
قال تعالى: (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى البقرة
ده
نري
جهرة.)
الله
قال تعالى: (ولكن أنظر الى الجبل فإن استقر مكانه الأعراف
143
23،22
27
103
فسوف تراني.»
قال تعالى: وجوه يومئذ ناضرة الى ربها القيامة
ناظرة.»
قال تعالى: «ويبقى وجه ربك ذو الجلال الرحمن
والاكرام.»
قال تعالى: «لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار الأنعام
وهو اللطيف الخبير.»
418
122
123
124
125
126
127
128
129
130 (1/418)
صفحة 419
24، 25
28
26
46
VY
23
20
78
11
90
103
23 ،22
السورة
الآية
قال تعالى: (وجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها القيامة
فاقرة.)
قال تعالى: فنظرة الى ميسرة.» قال تعالى: ه للذين أحسنوا الحسنى وزيادة.)
قال تعالى: (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم.»
البقرة
يونس
البقرة قال تعالى: (يا أيها الانسان إنك كادح الى ربك الانشقاق
كدحاً فملاقيه.)
قال تعالى: (فاعقبهم نفاقاً في قلوبهم الى يوم التوبة
يلقونه.»
قال تعالى: ه كلا إنهم عن ربهم يومئذ المطففين
المحجوبون.»
قال تعالى: 1 على الأرائك ينظرون.»
المطففين
قال تعالى: (وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً الانسان
كبيراً.» قال تعالى: (فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون النساء حديثاً.»
قال تعالى: ليس كمثله شيء وهو السميع الشورى
البصير.)
قال تعالى: (ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم البقرة والله عليم بالظالمين.»
قال تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار الأنعام
وهو اللطيف الخبير.)
قال تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة.)
القيامة
419
عدد
مسلسل
131
132
133
134
135
136
137
138
139
140
141
142
143
144 (1/419)
صفحة 420
السورة
رقم
الآية
27
27
12
39
10
Yo
VI
64
19
67
الآية
قال تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال الرحمن
والاكرام.»
قال تعالى: و أن تقول نفسي يا حسرتي على ما الزمر فرطت في جنب الله. .
قال تعالى: ه ويبقى وجه ربك ذو الجلال الرحمن
والاكرام.»
قال تعالى: (تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر القمر قال تعالى: ه وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على طه
عيني.»
قال تعالى: (يد الله فوق أيديهم فمن نكث فانما الفتح ينكث على نفسه.»
قال تعالى: (لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت
من العالين.)
ص
پس
قال تعالى: ل مما عملت أيدينا أنعاماً. قال تعالى: (بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء المائدة
وليزيدن كثيراً
منهم
ما أنزل إليك من ربك طغياناً
وكفراً. و
"
قال تعالى: «يرزق من يشاء وهو القوي العزيز.)
الشورى
قال تعالى: (والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة الزمر
والسموات مطويات بيمينه.)
قال تعالى: (مالك يوم الدين.»
قال تعالى: (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار.»
قال تعالى:: الرحمن على العرش استوى.»
الفاتحة
?
غافر
16
طه
O
420
عدد
مسلسل
145
146
147
148
149
10.
101
152
153
154
100
157
158 (1/420)
صفحة 421
عدد
مسلسل
109
17.
السورة
رقم الآية
قال تعالى: (وإنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة الجن
ولا ولداً.»
قال تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال الرحمن
27
والاكرام.»
"
421 (1/421)
صفحة 422
[صفحة فارغة (1/422)
صفحة 423
رقم
الصفحة
49، 62
54
ده
73
74
83
89
بيسم
فهرس الأحاديث النبوية
الحديث
قال رسول الله الله: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه
يضرع مع
?
الله فهو أبتر.
قال رسول الله: «باسم
الله الذي
الله
رفعه.»
قال رسول الله: من تواضع قال رسول الله الله: «فيما يرويه عن رب العزة: لا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعاً
وبصراً.»
وفي الحديث أيضاً: من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ومن ومن أتاني يمشي أتيته
تقرب مني ذراعاً تقربت
منه
باعاً
أهرول.
قال رسول الله الله: «إني لأخشاكم الله وأتقاكم له.» قال رسول الله: إن الله اصطفى من ولد اسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بن هاشم، واصطفاني من بني هاشم فأنا خيار من خيار من خيار.»
423
عدد
مسلسل
2
O
V (1/423)
صفحة 424
عدد
مسلسل
الحديث
قال رسول الله علل الله: و أنا سيد ولد آدم ولا فخر.» قال رسول الله الا الله: (أنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا
فخر)
رقم الصفحة
91
ةةة
93
95
95 - 96
96
96
96
97
@
قال رسول الله: ه لا تفضلوني على الأنبياء.
قال رسول الله الا الله
قال رسول الله الله
: ه لا تفضلوني على يونس بن متى.»
: لا تخيروني على موسى.» قال رسول الله لعل الله: «اللهم صل على محمد وعلى آله
محمد)
قال رسول الله لعل الله: (خير أمتي القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يخلف قوم يحبون السمانة يشهدون قبل أن يستشهدوا. .
وفي رواية: خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته. وفي رواية: خير الناس قرني الذي أنا فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم والآخرون أراذل: قال رسول الله لعل الله: و أمتى قوم يؤمنون بي يعملون بأمري ولم يروني فأولئك لهم الدرجات العلى إلا من تعمق في الفتنة.» قال رسول الله له: (هذه الأمة مثل المطر لا يدري أوله خير
أو آخره.
قال رسول الله لعل الله: «لو تعلق الدين بالثريا لنالته رجال من
الفرس.)
قال رسول الله: «ما من يوم إلا وما بعده شر منه وإنما
424
يسرع بخياركم.»
10
11
12
13
14
15
17
17 (1/424)
صفحة 425
عدد
مسلسل
18
19
20
21
22
23
24
25
26
27
28
29
الحديث
قال رسول الله عالى: (أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها
فنكاحها باطل.)
قال رسول الله:: اقتلوا الساحر والساحرة.»
قال رسول الله الله
:
ه اطلبوا العلم ولو بالصين.) قال رسول الله الله: 1 اطلبوا العلم ولو بالصين فإن طلب العلم
رقم
الصفحة
104
133
148 - 138
139
: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم 139 – 148
فريضة على كل مسلم ومسلمة.»
قال رسول الله الله
رضي بما يطلب.»
حشره
قال رسول الله لا الله: «من تعلم العلم عز وجل فعمل به الله يوم القيامة آمنا ويرزق الورود على الحوض. . قال رسول الله لا لا لا له: هل تعلموا العلم فإن تعليمه قربة الى الله عز وجل وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة وان العلم ينزل بصاحبه في موضع الرفعة والشرف والعلم زين لأهله في الدنيا والآخرة.» قال رسول الله لعل الله: (تعليم الصغار يطفئ غضب الرب.» قال رسول الله الله: (تعلموا العلم قبل أن يرفع ورفعه ذهاب
أهله.:
10
قال رسول الله الله: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين.»
قال رسول الله الا الله
):
رسم
المداد في ثوب أحدكم اذا كان
يكتب علماً كالدم في سبيل الله ولا يزال ينال الثواب ما
دام ذلك المداد في ثوبه.»
عن ابن عباس قال: و خرج رسول الله لا ذات يوم الى 149 المسجد فوجد أصحابه عزين يتذاكرون فنون العلم فأول حلقة وقف عليها وجدهم يقرأون القرآن فقال له: بهاذا أرسلني ربي ثم قام الى الثانية فوجدهم يتكلمون في الحلال والحرام فجلس
129
149
149
149
149
149
1.11
425 (1/425)
صفحة 426
رقم
الصفحة
170
188
202
217
240
242
246
249
250
228
262
267
عدد
مسلسل
30
31
32
33
34
35
36
37
38
39
40
{1
42
الحديث
اليهم ولم يقل شيئاً ثم قام الى الثالثة فوجدهم يذكرون توحيد عز وجل ونفي الأشباه والأمثال عنه فجلس اليهم كثيراً
الله
فقال: بهذا أمرني ربي.)
قال رسول الله لعل الله: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من
النار.)
قال رسول الله: و أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب
من
الطير حرام.»
قال رسول الله الله
: رفع عن
أمتي الخطأ والنسيان.» قال رسول الله لعل الله: (أقبل الحق ممن جاءك به بعيدا كان أو
a
قريباً ورد الباطل على من جاءك به بغيضاً كان أو حبيباً. قال رسول الله الا الله: «هو الطهور ماؤه والحل ميتته.» قال رسول الله لا لا لا له: له ما أمكر كثيره فقليله حرام.» قال رسول الله لعل الله: لا أتؤذيك هوام رأسك ... ؟ قال: نعم. فقال: أحلق وافتد.»
قال رسول الله: ه يحرم من الرضاع ما يحرم من
النسب. .
قال رسول الله لعل الله: و لا تنكح المرأة على عمتها ولا على
خالتها.»
قال رسول الله الله: حجوا قبل أن لا تحجوا.» قال رسول الله الله: «كل مسكر حرام.» قال رسول الله لعل الله: (أمر بان لك رشده فاتبعه، وأمر بان كل غيه فاجتنبه، وأمر أشكل عليك فقف عنده.»
قال رسول الله الله: (علماء أمتي كأنبياء
بني
اسرائيل.»
426 (1/426)
صفحة 427
رقم
الصفحة
283
292
293
302
307
309
309
311
311
325
الحديث
عدد
مسلسل
43
44
45
46
47
48
49
50
01
02
03
قال رسول الله: و العلماء ورثة الأنبياء.
قال رسول الله لعل الله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله
إلا الله.
قال رسول الله الله: «إن بينها وبين النفخة الثانية التي للبعث
اربعين سنة.)
قال رسول الله الله: ه كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.»
قال رسول الله الله: (من عرف نفسه فقد عرف ربه.) جاء في الحديث القدسي: (من استسلم لقضائي وشكر نعمائي وصبر على بلائي كتبته صديقاً ومن لم يستسلم لقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي فليتخذ رباً سواي.» قال رسول الله لال لابن مسعود: «ليقل همك ما قدر أتاك وما لم يقدر لا يأتيك.»
قال رسول الله الله: (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطيور تغدو خماصاً يطاناً. .
وتروح
قال رسول الله له: «لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه بميزان بريص ما زاد أحدهما على الآخر.
قال رسول الله لالالالالالالالاله الشاب على فراش الموت .. كيف تجدك .. ؟ قال أرجو الله يا رسول وإني أخاف ذنوبي فقال ه لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا
أعطاه الله ما يرجو منه
وآمنه مما يخاف.)
قال رسول الله الله: فرغ الله عز وجل الى كل عبد من أجله ورزقه وأثره ثره ومضجعه وشقي أو سعيد.»
خمس، من
427 (1/427)
صفحة 428
عدد
ا البيان
رقم
مسلسل
54
البدر.»
07
58
09
قال رسول الله عله: و قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين الف سنة.)
قال رسول الله لعل الله: (ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار إلا وقد كتبت شقية أو سعيدة.) قال رسول الله الله: «سترون ربكم كما ترون القمر ليلة
قال رسول الله لعل الله: «إن من قال إن محمداً رأى ربه فهو
مشرك. .
قال رسول الله علعل الله: (حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها الى بعض وتقول قط قط بعزتك وكرمك.» قال رسول الله لعل الله: هو إن قلب المؤمن بين اصبعين من أصابع
الصفحة
325
325
376
393
400
401
الرحمن.)
428 (1/428)
صفحة 429
عدد
مسلسل
2
قال الشاعر:
فهرس الأشعار
البيان
رقم
الصفحة
حرف الهمزة
فذاك ولم إذا نحن اقرينا تكن في الناس يدرك المراء
قال ابن النظر:
والسكر مكروه حرام كله من كل مشروب ولو من ماء
حرف الباء
قال الشاعر: أفادتكم النعماء مني
ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا
قال الشاعر:
?
لحى الله الضريب فإن فيه ضروباً لم يدعن له ضروبا وأخزى الله ماقت شاربيه وأسكن في أخادعهم ضريبا
6
شراباً قهوة خلا شفاء معتقة لها نفعاً وطيباً
أليس مزاجها عسل
وماء
فيا لنجيبة ولدت نجيبا
429
236
243
77
242
242
242
242 (1/429)
صفحة 430
رقم
الصفحة
55
373
243
308
308
352
563
113
حرف التاء
قال ابن الفارض:
فلو كنت لي من نقطة الباء خفضة رفعت الى ما لم تنله بحيلتي بحيث ترى أن لا ترى ما عددته وأن الذي أعددته غير عدة
حرف الحاء
قال حسان بن ثابت:
وجوه يوم بدر ناظرات الى الرحمن يأتي بالفلاح
حرف الدال
قال ابن النظر:
وما ذبحوا لغير قال الشاعر:
حرم
ولو ذكوه في الملأ الشهود
يريد العبد أن يؤتى مناه ويأبى الله إلا ما أرادا يقول العبد فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل ما استفادا
قال الشاعر:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد قال الشيباني:
ومن قال في الدنيا يراه بعينه فذلك زنديق طغى وتمردا
حرف الراء
قال محمد بن شيخان:
لقد كملت فيك الفضائل وانتهى بك المجد واستوفت اليك البشائر
430
عدد
مسلسل
9
10
11
13
12
15
16 (1/430)
صفحة 431
رقم
الصفحة
338
113
309
309
309
333
398
113
236
البيان
قال الشاعر:
قالت الأنساع للبيد الحق قالت لها
ريع الصبا قرقار
قال محمد بن شيخان:
کملت محاسنه فلم تر
مسلكاً
في الفضل إلا وهو فيه جار
قال الشاعر:
نفسي تنازعني فقلت لها اقصري موت يريحك أو صعود المنبر ما قد قضى سيكون فاصطبري له ولك الأمان الذي لم يقدر من كي تعلمي أن المقدر كائن لا بد منه صبرت أم لم تصبري
قال الإمام السالمي:
ولو تعدد الاله لظهر
فساد هذا العالم الذي بهر
حرف القاف
قال الشاعر:
أما
الله في جنب عاشق تتقين
له کبد حرى وعين ترقرق
قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ولا دم مهراق
قال ابن النظر:
حرف اللام
واستصحب القرآن مستشعراً مستظهراً خاتمة النحل
قال الشاعر
وأضحت مغانيها قفاراً.
رسومها
كأن لم سوى أهل من الوحش تأهل
431
عدد
مسلسل
17
18
19
20
21
22
23
24
25
26 (1/431)
صفحة 432
رقم
الصفحة
245
245
245
245
246
246
370
370
405
405
253
253
253
257
257
البيان
عدد
مسلسل
قال الشاعر:
اصطاد الغزالة والغزالا
مررت لدى الصباح على يزيد قد وقد عاينت يأكل لحم ميت فيا عجبا لذلك
حين
مالا
ولم يك ذاك حوتاً أو جراداً ولكن ميتة ليست حلالا
فقال على الصواب ولست ممن لعمر أبيك يرتكب الضلالا
قال الشاعر: فهذا محرم والصيد حجر عليه هكذا الرحمن قالا وعند الاضطرار له حلال بلا كما طعم الحلالا حرج
قال امرؤ القيس:
كأني لم أركب جواداً للذة ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل لخيلي كري كرة بعد اجفال
قال الشاعر:
وإنما الاستواء ملك ومقدرة له على كلها استيلاء وقد عدلا كما يقال استوى سلطانهم فعلاً على البلاد فحاز السهل والجبلا قال ابن النظر:
فقد أحل الله
فضله
من
والجهل إن لم يعلموا واسع بالنسب الواشج في الأصل وطء ذوات الأعين النجل
من كل خود غضة بضة مهضومة ذات شوي خدل
قال ابن النظر:
وجهل تفكيرك ذا بدعة مرتكبا المكفر في الفعل
تقشع غيم الشك بالجهل
432
معا
موسع
لم تقم
27
28
29
31
32
33
35
36
37
38
39
{.
41 (1/432)
صفحة 433
رقم
الصفحة
166
166
167
304
304
373
261
البيان
حرف الميم
قال الشاعر:
قريب محيط مالك ومدبر مرب كثير الخير والمولى للنعم وخالقنا المعبود جابر كسرنا ومصلحنا والصاحب الثابت القدم
وجامعنا والسيد احفظ فهذه معان أتت للرب فادع لمن نظم
قال الشاعر:
أيها المقتدي لتطلب علماً كل علم عبد العلم الكلام تطلب الفقه كي تصحح حكماً ثم أغفلت منزل الأحكام
قال الشاعر:
وإذا نظرت إليك
ملك
من
والبحر دونك زدتني
نعما
عدد
مسلسل
حرف النون
قال ابن النظر:
فإن بانت فتزويج جديد بمهر والولي وشاهدين
قال أبو نصر:
304
بفقه المعاش مولعين بالسن نظرت الى قرائنا فوجدتهم تناسوا أصول الدين من أجل أنها صعاب وما فيها ثمار لمن يجن
304
134
134
حرف الهاء
قال الشاعر:
عرفت الشر لا لك
ولك
لتوقيه
ومن
لا يعرف الشـ
من الناس يقع فيه
433
42
43
44
45
055
46
47
48
49
50
01
02 (1/433)
صفحة 434
رقم
الصفحة
206
353
353
353
353
353
373
310
310
383
383
383
390
394
394
البيان
عدد
مسلسل
قال الشاعر:
أعطيت فيها طائعاً أو كارها حديقة غلباء في جدارها
وفرساً أنثى وعبداً فارها
قال العلامة البطاشي:
ما بالكم ولكم لكم من
نكتة في كتب كشف المشكلات مصنفه
جزاتم ذات الاله لزعمكم قدماء قائمة به تدعى صفه وهو الغني فذاته تكفي لكل من صفات كماله المتوقفه ان الصفات على ثبوت قيامها بالذات توجب كونها متكلفه منها فيلزم في القديم تعدد وتركب وطريقة مستنكفه قال خداش بن بشر:
وجوه بها ليل الحجاز على الهوى الى ملك ركن المعارف ناظرة
قال اعرابية:
لو أن في صخرة في البحر راسية صما ململمة ملسا نواحيها رزقاً لنفس براها الله لا نفلقت حتى تؤدي إليها كل ما فيها حتى تنال الذي في اللوح خط لها فإن أتته وإلا سوف يأتيها
قال أبو الوفا:
والسر في قول موسى إذ يراجعه ليجتلي النور فيه حيث يشهده يبدو سناه على وجه الرسول فيها الله حسن رسول إذ يردده قال الشاعر:
وقلن على الفردوس أول مشرب أجل جيران كانت أبيحت دعائره
قال الزمخشري:
الجماعة سموا هواهم سنة وجماعة حمر لعمري مؤكفه قد شبهوه بخلقه فتخوفوا شنع الورى فتستروا بالبلكفة
434
53
54
55
07
08
09
به ري
61
62
63
64
66
67
F F (1/434)
صفحة 435
عدد
مسلسل
69
قال المحقق الخليلي:
البيان
رقم
الصفحة
394
فالآي ما قالت بلا كيف ولا قال النبي بذا فمن ذا أردفه إفك يزاد لقائل ما أسخفه أترى مقالهم بلا كيف سوى
393
435 (1/435)
صفحة 436
[صفحة فارغة] (1/436)
صفحة 437
آدم عليه السلام: 127؛ 318
فهرس الأعلام
حرف الألف
ابراهيم عليه السلام: 128، 319
ابراهيم بن محمد
198
بن
أحمد الباجوري: 63، 69 79 80 83؛ 490 91؛ 93؛
101 107 110؛ 140؛ 208؛ 281؛ 303؛ 318؛
ابراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي:
أبو بكر محمد بن
50
بن عبدالله البناني: 258، 268
أبو طالب بن عبد المطلب: 158
الأحدي:
350
أحمد بن الحسين: 295
أحمد بن حنبل الشيباني: 183، 188
أحمد
بن سعيد الشماخي: 61، 196، 197، 218، 350
أحمد
بن عبد الله الكندي: 195
أحمد
بن فارس بن زكريا القزويني: 146
أربد بن ربيعة: 162
ارسطو «الفيلسوف»: 169
اسحاق
بن راهوية:
184
اسماعيل عليه السلام: 129
437 (1/437)
صفحة 438
اسماعيل الجيطالي صاحب القواعد: 312
آسية امرأة فرعون: 87 أفلاطون و الفيلسوف:: 169
عليه السلام: 87
أم
موسي
امرؤ القيس:
أنس
مالك
بن
371
-
صاحب رسول الله: 70 138؛ 18؛ 149؛ 311
أيوب عليه السلام: 88
وب بن موسى الحسيني (أبو البقاء): 142، 145، 150، 170، 237، 240
أيوب
حرف الباء
البدر أبو ستة: 93 97، 139، 350، 352
البدر الشماخي: 363
بشر بن غياث المريسي: 179
حرف الجيم
جابر بن زيد (أبو الشعثاء»: 70 96 138؛ 18؛ 149؛ 186؛
جبريل عليه السلام: 83؛ 92
جعفر بن محمد الباقر: 76
الجلندي بن مسعود: 144
حرف الحاء
حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: 312
الحسن البصري: 186
حواء عليها السلام: 87
438
251 (1/438)
صفحة 439
خداش بن بشر بن خالد:
72
حرف الخاء
داود عليه السلام: 308
حرف الدال
حرف الراء
راشد بن النظر: 93؛ 113؛ 165؛ 193 243؛ 25؛ 261؛ 323 الربيع بن حبيب 80؛ 96؛ 138؛ 149؛ 189
حرف السين
سارة عليها السلام: 87
سعيد بن خلفان الخليلي المحقق: 162
سعيد بن سعدة البلخي: 287
سفيان الثوري: 184
سلطان
محمد البطاشي: بن
353
سليمان بن خلف (أبو الربيع): 103
سليمان الفارسي: 96
صالح بن علي: 45
الصلت
الصلت
بن خميس: 195
مالك: 193، 195 بن
حرف الصاد
439 (1/439)
صفحة 440
عائشة أم المؤمنين
رضي
حرف العين
عنها: 368، 382، 304
عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي: 99، 112، 168
عبد الرحمن بن
أحمد الايجي
348:
عبد السلام محمد بن عبد الوهاب: 198
عبد العزيز الثميني: 135، 284، 286
عبدالله
بن عباس
عبدالله
رضي الله عنهما: 96؛ 190؛ 192؛ 371؛ 375؛ 382
بن محمد بن بركة أبو) (محمد) 130 139 140 195؛ 185؛ 221؛
222
عبدالله بن مسعود
-
رضي
الله
عنه: 309
أحمد
عبدالله بن يوسف بن عبد المطلب بن هاشم: 93 الملك عبدالله بن
عبد
عبد الملك بن مروان:
بن هشام: 167، 239، 261
بن محمد الجويني: 93
250
عثمان بن أبي عبدالله الأصم: 179
عثمان بن جني الموصلي: 206
عزير عليه السلام: 319
علي بن
أبي طالب
-
رضي
الله
عنه
372، 374:
علي بن اسماعيل بن اسحاق الأشقري: 60، 198
علي بن محمد بن ابراهيم المعروف (بالخازن): 312
علي بن محمد بن وفا: 382
عمر بن الخطاب
رضي
الله عنه
عمر بن علي بن مرشد: 54
119:-
عمر بن محمد بن منصور المعروف بابن الحاجب: 218
عمرو بن بحر بن محبوب الجاحظ: 179
عمرو بن العاص: 142
{{. (1/440)
صفحة 441
عمرو بن علي بن الفارض: 54 عمرو بن هشام (أبو جهل): 65 عمروس بن فتح: 103
عيسى عليه السلام: 129، 320
حرف الفاء
فرعون (الطاغية): 163
حرف الكاف
كعب بن عجرة: 246
کهمس بن طلق الصريمي: 321
لقمان عليه السلام: 87
مالك بن
أنس
الله
رضي
حرف اللام
حرف الميم
عنه: 110؛ 190؛ 237؛ 251؛ 283
المحلي: 207
بن أحمد القرطبي: 56
محمد
محمد
بن
أحمد الأزهري الهروي أبو منصور: 147، 286
محمد بن ادريس الشافعي: 188 236، 237، 254
محمد بن الحسن بن فورك:
محمد
350
بن سعيد بن محمد الكدمي أبو سعيد 45؛ 83؛ 130؛ 193؛ 201؛
219؛ 221؛ 4222 4241 4243 4263 4266 268 280؛ 280؛ 297
محمد بن شيخان: 113، 118
بن
الطيب بن محمد الباقلاني: 60
441 (1/441)
صفحة 442
محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: 375
محمد بن عبد الله
مالك الطائي بن
207،110:
محمد بن عبد الواحد المعروف بابن الهمام: 60، 238
محمد
بن عبد الوهاب الجبائي: 197، 198
محمد بن علي الصبان: 170
محمد بن علي بن محمد الجرجاني: 78، 324
محمد بن عمر الفخر الرازي: 236، 240، 363 محمد بن كرام السجستاني:
محمد
بن محمد بن محمد الغزالي: 363
محمد بن مكي بن محمد القرشي: 209
محمد بن يوسف اطفيش: 45 57 113، 130، 283، 284، 285
محمود بن عمر الزمخشري: 92، 393
مريم عليها السلام: 87
مسعود بن عمر بن عبد الملك التفتازاني:
المضر حي بن كلاب: 321
معاوية بن أبي سفيان:
142،70
86
معمر بن المثنى البصري أبو عبيدة النحوي: 200
المناوي: 335
عليه السلام: موسي
391،390،163
موسي بن موسي: 194، 195
حرف النون
النعمان بن ثابت أبو حنيفة): 236، 383
نافع بن الأزرق: 371
نوح عليه السلام: 128 النووي و الامام): 281
442 (1/442)
صفحة 443
الهاء
هاجر عليها السلام: 87
هلال بن عطية: 144
حرف الواو
ورقة بن نوفل: 129
حرف الياء
يحيى الشاري: 318
يعقوب عليه السلام: 88
يوسف ابراهيم الورجلاني (أبو يعقوب): 103، 130، 217، 776
الأبناء
ابن أبي بنهان: 186، 188، 192، 285
ابن رسلان: 136
ابن زياد: 135
ابن محبوب: 135
الكني
أبو حنيفة: 283
أبو عبيدة: 96، 139، 149
أبو عمار: 352
أبو هريرة: 149
192 – 191،188
أبو زيد البسطامي: 385
443 (1/443)
صفحة 444
[صفحة فارغة] (1/444)
صفحة 445
عدد
مسلسل
1
{
7
ثبت بالمراجع
البيان
القرآن الكريم طبعة: مجمع البحوث الاسلامية
المعجم المفهرس
ط: دار الفكر
-
-
مصر
لألفاظ القرآن الكريم، وضعه محمد فؤاد عبد الباقي،
فتح الباري شرح صحيح البخاري أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، مراجعة: محمد فؤاد عبد الباقي، ومحب
الدين
الخطيب. دار المعرفة
-
-
لبنان بيروت
صحيح مسلم
-
للامام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري
النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ط: دار احياء
التراث العربي
سنن
-
بيروت
الحافظ أبي عبدالله محمد بن يزيد القزويني
-
نصوصه ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه، علق عليه محمد فؤاد
ابن ماجة، حقق
عبد الباقي.
سنن أبي داود
ابن
-
الامام الحافظ المصنف المتقن أبي داود سليمان
الدين
الأشعث السجستاني الأزدي. مراجعة: محمد محيي
عبد الحميد دار احياء السنة النبوية.
-
445 (1/445)
صفحة 446
عدد
مسلسل
Y
مسند الامام أحمد
بن حنبل
الاسلامي
-
10
11
12
-
البيان
المكتب وبهامشه منتخب کنز العمال
بيروت لبنان 1398 هـ 1978 م.
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد
-
الهيثمي مكتبة القدس القاهرة.
للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر
سنن الامام الترمذي: (الجامع الصحيح)، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف نشر المكتبة السلفية المدينة المنورة 1384 هـ. سنن الامام النسائي: بشرح الامام السيوطي وحاشية السندي احياء التراث العربي: بيروت لبنان.
دار
المعجم المفهرس. لألفاظ الحديث النبوي عن الكتب التسعة رتبه ونظمه:
أ. ي. ونسنك وي. ب. منسخ مطبعة بريل في مدينة لين
1969 م.
—
الأدب المفرد للامام البخاري – ترتيب وتقديم كمال يوسف الحوت عالم
صححه ورقمه
-
الله رضي عنه
-
الكتب
بيروت.
الموطأ للامام مالك بن أنس
وعلق عليه: محمد فؤاد عبد الباقي - دار احياء الكتب العربية
عيسى البابي الحلبي وشركاه
شرح الجامع الصحيح
-
مسند الامام الحافظ الربيع بن حبيب،
تأليف: العلامة الشيخ عبدالله بن حميد السالمي
الطبعة
الثالثة لحفيدي المؤلف - الناشر مكتبة الاستقامة. - سلطنة عمان جامع الشمل في أحاديث خاتم الرسل - للشيخ محمد بن يوسف أطفيش، حقق نصوصه وخرج أحاديثه: د. عبد الرحمن عميرة، الناشر:
مكتبة الاستقامة.
الجامع الصحيح - مسند الامام الربيع بن حبيب
للطباعة والنشر ومكتبة الاستقامة
-
-
روي مسقط
الناشر: دار الفتح
446
13
18
10 (1/446)
صفحة 447
عدد
مسلسل
17
البيان
صحيح الامام البخاري - تأليف أبي عبدالله محمد بن اسماعيل بن ابراهيم ابن بردزيه الجعفي، ط: المجلس الأعلى للشئون الاسلامية.
1386 هـ.
الحديث والمحدثون أو عناية الأمة الاسلامية بالسنة النبوية
للشيخ
محمد أبو زهو
-
مطبعة مصر.
تفسير الطبري جامع البيان عن تأويل آي القرآن الكريم ــ لأبي جعفر
-
محمد بن جرير الطبري، حققه: محمود محمد شاكر، وأحمد
محمد شاکر
-
ط: ثانية. دار المعارف مصر
-
هيمان الزاد الى دار المعاد للعالم: محمد بن يوسف الوهبي
ط: وزارة التراث القومي والثقافة
القرآن العظيم تفسير
-
-
1406 هـ 1986 م
الأباضي.
الحافظ عماد الدين ـ أبو الفداء للامام الجليل
-
اسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي المتوفي 774 هـ، ط: دار
المعرفة بيروت لبنان.
المفردات في غريب القرآن تأليف أبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني، تحقيق: محمد سيد كيلاني دار المعرفة
الأحاديث على السنة الناس عما اشتهر من
—
بيروت
لبنان.
-
کشف الخفا ومزيل الألباس
للشيخ اسماعيل بن محمد العجلوني – اشرف على تصحيحه: أحمد القلاش، نشر وتوزيع: مكتبة التراث الاسلامي
-
أقيول أمام جامع أسامة.
-
حلب
الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن علي بن اسماعيل الأشعري،
ط: القاهرة 348 هـ
-
الاباضية في موكب التاريخ - لعلي يحيى معمر الحلقة الأولى، مكتبة
وهبه
-
القاهرة 1384 هـ 1964 م.
447
18
19
20
21
22
23
24
25 (1/447)
صفحة 448
عدد
مسلسل
26
البيان
البداية والنهاية لابن كثير عماد الدين اسماعيل بن كثير، مطبعة السعادة
مصر 1313 هـ.
تاريخ الفلسفة في الاسلام لدي بور
أبو ريدة مصر 1954
تاريخ الفلسفة في الاسلام كوربان
بيروت 1966 م.
-
-
ترجمة: محمد عبد الهادي
ترجمة نصير مروة وحسن قبيسي
التمهيد في الرد على الملحدة والمعطلة والرافضة والخوارج والمعتزلة لأبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني تحقيق: محمود محمد الخضيرة ومحمد عبد الهادي أبو ريده ط: القاهرة 1947/ 1366.
-
د. محمد البهي القاهرة 1967 م
الجانب الالهي من التفكير الاسلامي دائرة المعارف الاسلامية نقلها الى العربية محمد ثابت الفندي وأحمد
الشنتاوي، وابراهيم زكي، خورشيد وعبد الحميد يونس مصر
1957/ 1933
دراسات في الفلسفة الاسلامية للدكتور محمود قاسم
المصرية
-
القاهرة، ط: 1385 هـ 1966 م.
شامل الأصل والفرع
-
محمد بن يوسف أطفيش
-
-
مطبعة الانجلو
ط: وزارة التراث
القومي والثقافة 1404 هـ 1984 م.
الصلة بين التصوف والتشيع للدكتور كامل مصطفى الشيبي
-
1964 م ومطبعة مكتبة وهبة
الزهراء بغداد 1383 هـ
لابن المرتضى
1969 م مصر.
طبقات المعتزلة
ط: بيروت 1961 م.
-
الزبيدي
-
-
مطبعة:
أحمد
840 هـ
يحيى
الفرق بين الفرق للبغدادي: أبو منصور عبد القاهر بن طاهر
محمد
محيي
الدين عبد الحميد
-
القاهرة.
-
تحقيق:
448
35
1
36
32
33
34
1 1
27
28
29 (1/448)
صفحة 449
عدد
البيان
مسلسل
37
38
14
40
41
42
43
44
45
{7
فلسفة ابن رشد فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال والكشف
الأدلة
عن مناهج في عقائد الملة) تحقيق: الدكتور محمود
-
قاسم مطبعة الأنجلو المصرية 1966 م.
الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ـ تحقيق: الدكتور عبد الرحمن عميري والدكتور محمد ابراهيم نصر - ط: مكتبات عكاظ
جده السعودية.
قناطر الخيرات في أصول الدين للشيخ اسماعيل الجيطالي
ط: 1307 هـ.
القاهرة
الارشاد الى قواطع الأدلة: في أصول الاعتقاد لعبد عبد الملك الجويني
أمام الحرمين
-
تحقيق: محمد يوسف موسى، وعلي عبد المنعم عبد الحميد مكتبة الخانجي القاهرة 1369 هـ
—
190 م.
-
اجتماع الجيوش الاسلامية على غزو المعطلة والجهمية ابن قيم الجوزية التبصر في الدين للأسفر ايني (أبو المظفر شاهفور طاهر بن محسن 471 هـ / 1080 م تقديم الشيخ زاهد الكوثري ومحمود محمد
الخضيري
-
القاهرة 1940.
الاشارات والتنبيهات لابن سينا أبو الحسن على حسين بن عبدالله) تحقيق: سليمان دنيا، ط: دار المعارف القاهرة 1968 م.
الأسماء والصفات للبيهقي (أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي) مطبعة السعادة
القاهرة 1358 هـ.
بن الحسين بن علي
الاعتقاد على مذهب السلف: للبيهقي (أبو بكر أحمد تحقيق: أحمد محمد مرسي، ط: القاهرة 1380 هـ 1961 م.
اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للفخر الرازي أبو عبدالله محمد
449 (1/449)
صفحة 450
عدد
مسلسل
47
48
49
51
52
53
?
54
البيان
بن عمر بن حسين القرشي. تقديم الشيخ مصطفى عبد الرازق
ومراجعة: د. علي سامي النسار، ط: مصر 1938. تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان للشيخ نور الدين عبدالله بن حميد السالمي 1332 هـ ـ 1914 م، ط: الامام 13 شارع قرقول المنشية
بالقلعة
مصر.
تفسير القرطبي: شمس الدين بن أحمد، 671 هـ / 1273 م دار الكتب المصرية القاهـ رة 1356 هـ
1937 م
تلبيس ابليس: لابن الجوزي (جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن البغدادي 1201/ 597 القاهرة بدون تاريخ.
الروص الأنف في تفسير ما اشتمل عليه حديث السيرة النبوية لابن هشام لعبد الرحمن بن عبدالله السهيلي 1185/ 581 مصر 1332 هـ
-
1914 م
الشامل في أصول الدين للجويني – تحقيق: الدكتور علي سامي النشار وزميليه دار المعارف الاسكندرية 1969 م.
العقيدة والشريعة في الاسلام لجولدزيهر، ترجمة: يوسف موسى، وعبد العزيز عبد الحق، وعلي حسن عبد القادر، مطبعة الكاتب
المصري 1946 م.
الفهرست لابن النديم أبو الفرج محمد بن اسحاق) 995/ 385
1348 هـ.
مصر
کشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي (مولانا) نجم الدين) 675 1272
كلكتا 1854.
كشف الظنون عن أسماء الكتب والفنون لحاجي خليفة (مصطفى بن عبد
الرحمن) استنبول 1360 هـ ـ 1941 م.
450 (1/450)
صفحة 451
عدد
مسلسل
56
07
البيان
مقالات الاسلاميين واختلاف المصلين. للأشعري (أبو الحسن علي بن
اسماعيل) 1935/ 324، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد. الملل والنحل للشهرستاني (محمد بن عبد الكريم بن أحمد) 1153/ 548، تحقيق: محمد سيد كيلاني - البابي الحلبي مصر 1387
1967 م. (1/451)
صفحة 452
فهرس الموضوعات
البيان
رقم
الصفحة
9
18
16
19
26
41
45
47
53
58
60
الكلام عن بسم
الله
452
مقدمة المحقق
سلطنة عمان
المؤلف: نسبه وحياته
أخلاق السالمي وشمائله آثار الشيخ السالمي
منهجية العمل في هذا الكتاب
تنبيه من
المصنف
مقدمة المؤلف
المقصد الأول: في «الباء»
المقصد الثاني: في. اسم.
المقصد الثالث: الله
المقصد الرابع: في ه الرحمن الرحيم (1/452)
صفحة 453
رقم
الصفحة
630
67
68
82
89
110
117
119
123
132
138
12.
148
101
100
162
166
172
174
178
البيان
الكلام عن «الحمد الله،
المقصد الأول: في تعريف الحمد لغة واصطلاحاً
: «أل» في الحمد المقصد الثاني
المقصد الثالث: في جملة الحمدلة أنواع الصلاة
محمد خاتم النبيين الله
الركن الأول: في العلم وما يشتمل عليه الباب الأول: في العلم وأقسامه وأحكامه
تقسيم العلم الى قديم ومحدث
العلم الضروري والنظري
تقسيم العلم الى واجب ومندوب
ضابط العلم الواجب
البحث عن علم ما لا
جهله
يسع
فضل العلم
الباب الثاني: في السؤال
أقسام السؤال
أقسام السؤال باعتبار الشرع
فصل في الألفاظ الممتنع بها السؤال عن المولى جل وعلا
الألفاظ التي يمتنع بها السؤال عن
الباب الثالث: في الاجتهاد والفتوى
أصول التشريع
الاجتهاد وشروطه
الله
تعالى
453 (1/453)
صفحة 454
رقم الصفحة
181
183
204
208
212
215
226
232
249
256
262
264
268
270
273
279
291
298
300
301
303
307
ان
أقسام الاجتهاد
الأخذ بالرأي الأعدل في الفتوى
حكم العامل بفتوى المخطئ علماً أو جهلاً
الباب الرابع في الجهل ..
أقسام الجهل
بيان المحل الذي يسع الجهل فيه والذي لا
حكم غير الموقت
الواجب تركه من المحرمات
الجهل يحرمه النسب
أقوال العلماء في جهل ضلالة المصر
التوقف عن ما لا يعلم حله وحرمته
خاتمة ..
العلم يلزم من علم به
الركن الثاني: في بيان الجملة وتفسيرها وما يشتمل عليها الباب الأول: في الجملة وكيفية لزومها
الاعتقاد في الجملة وشروطها
أحكام منكر و الجملة)
الجملة مشتملة على جميع قواعد الدين
قيام الحجة في الجملة على السماع
الباب الثاني: من الركن الثاني في التوحيد وفيه أربعة فصول وخاتمة الفصل الأول: في نفي الأضداد والأنداد والتجسيم عن الله
حقيقة التوحيد
اخلاص العبادة الله
تعالى
454 (1/454)
صفحة 455
رقم
الصفحة
315
326
..
328
333
335
336
340
342
346
355
362
364
3680
379
380
387
392
397
402
407
البيان
تنزيه
الله تعالى من صفات الأجسام
الفصل الثاني: في البراهين العقلية الدالة على نفي الأشباه والشركاء
عن المولى جل وعلا.
نفي الشريك الله تعالى (1)
تفي
الشريك الله تعالى (2)
دليل التمانع
الفصل الثالث: في صفاته تعالى
المقصد الأول: مخالفة الله تعالى للحوادث
المقصد الثاني: من الفصل الثالث المقصد الثالث: الصفات الذاتية والفعلية
ذاته المقصد الرابع: صفاته الذاتية عين
الصفات
عين
الذات
الفصل الرابع: في نفي الرؤية عنه تعالى
المقام الأول:
المقام الثاني:
استحالة الرؤية وفيه ثلاثة مقاصد
المقصد الأول: في بيان استحالتها عقلا المقصد الثاني: في الأولة النقيلة المقصد الثالث: في حكم معتقد الرؤية
الخاتمة
ألفاظ تعلقت بها المشبهة من كتاب الله تعالى في
455
الوجه هو
الذات
تنبيه (1/455)
صفحة 456
رقم
الصفحة
409
423
429
437
445
452
البيان
الفهارس
فهرس الآيات القرآنية
فهرس الأحاديث النبوية فهرس الأشعار
فهرس الأعلام
المراجع
فهرس الموضوعات (1/456)
صفحة 457
[صفحة فارغة] (1/457)
صفحة 458
الامام عبد الله بن حميد السالمي
مشاق انوار الحقون
حتى نصوصه وضع أحاديثه الدكتور عبد الرحمن عميره (2/1)
صفحة 459
مشراق انوار العقول (2/2)
صفحة 460
مشكاة انوار العقول
للامام أبي محمد عبد الله بن حميد السالمي
تصحيح وتعليق
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
حقق نصوصه وخرج أَحَادِيثَه الدكتور عبد الرحمن عميره
الجزء الثاني (2/3)
صفحة 461
جميع الحقوق محفوظة لدار الجيل
الطبعة الأولى
1409 - 1989 (2/4)
صفحة 462
الرحمن الرحيم
الجزء الثاني
مقدمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على محمد بن عبدالله خاتم الأنبياء والمرسلين. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، ويسر لنا العمل كما علمتنا وأوزعنا شكر ما آتيتنا، وانهج لنا سبيلاً يهدي إليك وافتح بيننا وبينك بابا نفد منه عليك، لك مقاليد السموات والأرض وأنت على كل شيء قدير.
لقد كان من عون الله تعالى لنا وعنايته بنا أن وهبنا الصحة والعافية ومنحنا فسحة من الوقت تمكنا من خلالها من انجاز تحقيق الجزء الثاني من كتاب (مشارق أنوار العقول (للامام نور الدين أبي محمد عبدالله بن حميد السالمي.
اضافته،
ولقد تكلمنا في مقدمة الجزء الأول عن الكتاب ومؤلفه بما يغني عن الحديث عنه مرة أخرى، وان كان هناك من شيء يجب فإنه يطيب لنا ان نلقي بعض الأضواء على ما حوته دفتا هذا الجزء من أبواب وفصول مشيرين الى طريقة المؤلف في عرضها وتبيانها. (2/5)
صفحة 463
بدأ المؤلف حديثه في هذا الجزء عن جواز بعث الرسل والأنبياء، وفيه يستعرض أقوال العلماء والفرق المختلفة، موضحاً معتقدهم من هذه القضية مفنداً آراءهم، مشيراً لصوابهم كاشفاً عن أخطائهم، مبرزا في النهاية الرأي الأمثل والذي يتوافق مع كتاب الله تعالى وسنة الرسول
?
وما كاد المؤلف ينتهي من عرض هذه القضية التي كثرت فيها الآراء وتبادلت فيها الأفكار حتى نراه يعقد فصلاً مطولاً. عن القرآن الكريم يستعرض من خلاله المحكم والمتشابه في كتاب الله تعالى، موضحاً اقسام كل منهما مبتعداً عن الرأي العجل مبرأ نفسه عن الهوى والغرض الذي هو آفة بعض العلماء والذي أدى ببعضهم في النهاية الى البلبلة
والتمزق، وتوسيع هوة الخلاف بين أبناء الأمة الواحدة.
ثم تناول المؤلف السمعيات بالحديث، وأسهم اسهاماً مميزاً في توضيح قضية الروح، وعذاب القبر، وتباين الآراء في خلق الجنة والنار،
ذلك
وما يتبع من قضية البعث والحساب والميزان والصراط، وشفاعة
الرسول.
وهو في كل ذلك مفنداً أقوال العلماء مبيناً زيفها مشيراً الى ما فيها من اراء فاسدة ومعتقدات باطلة يفعل المؤلف ذلك بعد عرض آراء الخصوم كما جاءت عنهم أو نقلت في مؤلفاتهم وكتبهم بلا
زيادة أو نقصان.
والكتاب بهذه الصورة يعتبر أحد المراجع الهامة في علم الكلام وذلك باستعراضه للكثير من آراء الفرق الكلامية والتي واكبت تاريخ الفكر الاسلامي، وساهمت مساهمة فعالة في نضجه واكتماله.
? (2/6)
صفحة 464
نسأل الله
العلي
القدير
أن
داعي
حسناته
يجزي مؤلفه جزاء العاملين الذين اجابوا
الله، واخلصوا دينهم الله، وأن يجعل عمله في هذا الكتاب في يوم القيامة انه نعم المولى ونعم النصير.
مسقط في 25 جمادى الأولى 1408
هـ.
14 يناير 1988 م
المحقق
د. عبد الرحمن عميره
رئيس قسم العلوم الاسلامية بجامعة السلطان قابوس (2/7)
صفحة 465
[صفحة فارغة] (2/8)
صفحة 466
الباب الثالث من الركن الثاني
المقصد الأول
في جواز بعث الرسل والحكمة في بعثهم
رثم
الجائز
بعث الرسل
يهدوننا الى الصراط الاعدل
(مقرونة دعواه
زات تبطل التقولا
(قوله ثم من الجائز أي العقلي المعبر عنه بالامكان الخاص، المنافي للوجوب والاستحالة اي من الجائز في حقه تعالى بعث الرسل الخ الواجب عليه تعالى خلافاً للمعتزلة والفلاسفة، ولا من المستحيل عليه خلافا للبراهمة والسمنية) ونحوهم، أما المعتزلة فأوجبوا بعثة
لا
(1)
من
من الناس من يظن انهم براهمة لانتسابهم الى ابراهيم عليه السلام وذلك خطأ فان هؤلاء المخصصون بنفي النبوات أصلاً ورأساً فكيف يقولون بابراهيم عليه السلام؟ والقوم الذين اعتقدوا نبوة ابراهيم عليه السلام من أهل الهند فهم الثنوية القائلون بالنور والظلمة على رأس اصحاب الاثنين، وهؤلاء انما انتسبوا الى رجل منهم يقال له براهم وقد مهد لهم نفي النبوات اصلاً وقرر استحالة ذلك في العقول. والبراهمة تفرقوا اصنافاً فمنهم اصحاب البدوة، ومنهم اصحاب الفكر ومنهم أصحاب التناسخ. (2) السمنية: قوم ينفون النظر والاستدلال ويقولون بقدم العالم، وزعموا انه لا معلوم الا من جهة الحواس الخمس وأنكر اكثرهم المعاد والبعث بعد الموت وقال فريق منهم بتناسخ
في الصور المختلفة واجازوا ان ينقل
?
الأرواح
الانسان الى كلب وروح الكلب الى انسان.
راجع التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين ص 149.
راجع الفرق بين الفرق ص
TV. (2/9)
صفحة 467
الرسل على الله تعالى لان صلاحية أمر المعاش والمعاد متوقفة على بهم، وهو مبني على مذهبهم الفاسد نظامها الا
وجودهم،
فلا
يتم
بوجوب رعاية الاصلحية على الله تعالى، ووجوب مراعاة الاصلحية مبني على قولهم بتحكيم العقل ورد الشرع اليه وقد تقدم ابطاله. (وأما الفلاسفة) فقد أوجبوا ذلك على الله تعالى بطريق العلة أو الطبيعة، وبطلان مذهبهم ظاهر لان الله تعالى هو الصانع المختار لا العلة ولا الطبيعة. (وأما) القائلون باستحالة البعثة فمنهم من ذهب انها مستحيلة لذاتها لاحتمال أن يكون ذلك الخبر الذي جاء الى هذا البشر انما هو من
القاء الجن اليه.
أن
مع امكانها في
وأجيب بأنه يخلق الله في البشر الموحى اليه علما يدرك به الله لا عند ذلك الخبر من من عند الجن والشياطين. (ومنهم) من زعم أنها مستحيلة لاستحالة التكليف نفسها (ومنهم من زعم انها مستحيلة لاستحالة خرق العادة عقلا واجيبوا بأن خرق العادة ليس هو باشد ابداء خلق السموات والأرض. من (ومنهم) من قال بجوازها وانكر وقوعها واجيبوا بوجود المعجزات الدالة على وقوع النبوة حيث لا معارض.
(قوله: بعث الرسل) أي ارسال الرسل الى الخلق مبشرين ومنذرين مقرونين بالمعجزة الدالة على صدقهم، وكذلك ايضا من الجائز عليه تعالى الايحاء الى نبي لم يأمره بالتبليغ فيختص باسم النبي دون الرسول لما سيأتي من الفرق بينهما. (تنبيه) يترتب على قولنا أن بعث الرسل من الجائز العقلي عدم وجوب معرفة أن الله رسولاً بخاطر البال فانه متى ما جوز العقل وجود بعث الرسول وعدمه كان معه كلا الطرفين سواء، فلا يكون طريق
معرفة البعث الا السماع. (2/10)
صفحة 468
(قوله يهدوننا) أي ينصبون لنا الادلة الكائنة سببا لهدايتنا الى سلوك
طريق رضوان ربنا، وهذا هو الحكمة في ارسالهم ولا يغني عنهم في ذلك العقل كما زعمه بعض الملحدة، حيث قالوا: إن العقل يهتدي الى معرفة الحسن فيفعله والقبيح فيتركه، والأشياء التي لم يحكم فيها
العقل بحسن ولا قبح تفعل عند الضرورة وتجتنب عند عدمها. (وجوابهم ان العقل لا يدرك من التكاليف الا بعضها، فلا يدرك ما كان كالصلاة ووظائفها والصوم ووظائفه ونحو ذلك، فلا غنى عن الرسول به ولو سلمنا أنه يدرك ذلك لكان ادراكه له متفاوتا محتاجا الى مدة طويلة، وربما وقع في مهلكة قبل ادراكه لها فالرسول كالطبيب الحاذق الذي يعرف الداء والدواء وطبائع الادوية، فيخبر الناس ان هذا لكذا وهذا لكذا وذا لكذا، فانه وإن أمن أن الناس يدركون طبائع تلك الادوية وأسرارها بمحض التجربة فلربما وقعوا في مدة تجربتهم لها الدواء القاتل لهم فظهرت حكمة وجود الطبيب لهم.
(قوله الى الصراط (الاعدل أي الطريق المستوي المبلغ الى رضوان
الله
الله تعالى. (قوله مقرونة (دعواهم حال من فاعل يهدوننا، اي يهدوننا الى الصراط المستقيم حال كونهم مقرونة دعواهم بأنهم أنبياء وانهم رسل من الى خلقه، وانهم مبلغون عن الله ما أمرهم بتبليغه بمعجزات خارقة للعادة مبطلة لمعارضة المعاند لهم شاهدة على تصديق مدعاهم نازلة منزلة صدق عبدي في كل ما بلغه عني وقرن دعواهم بتلك المعجزات انما هو عن محض تفضل منه تعالى لا عن وجوب ولا عن ايجاب.
قال الباجوري: (واعلم أن المعجزة لغة: مأخوذة من العجز وهو ضد القدرة وعرفا: أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي الذي هو دعوى الرسالة أو النبوة مع عدم المعارضة.
11 (2/11)
صفحة 469
وقال السعد): هي أمر يظهر بخلاف العادة على يد مدعي النبوة عند تحدي المنكرين على وجه يعجز المنكرين عن الاتيان بمثله، وقد اعتبر المحققون فيها سبعة قيود.
الاول: أن تكون قولا أو فعلا أو تركا فالاول كالقرآن.
والثاني: كنبع الماء من بين اصبعه.
والثالث: كعدم احراق النار لسيدنا ابراهيم وخرج بذلك الصفة القديمة كما اذا قال آية صدقي كون الاله متصفا بصفة الاختراع. الثاني: أن تكون خارقة للعادة وهي ما اعتاده الناس واستمروا عليه مرة بعد أخرى، وخرج بذلك غير الخارق كما اذا قال: آية صدقي طلوع الشمس من حيث تطلع وغروبها من حيث تغرب الثالث: أن تكون على يد مدعي النبوة أو الرسالة، وخرج بذلك الكرامة وهي: ما يظهر على يد عبد ظاهر الصلاح والمعونة وهي ما يظهر على يد العوام تخليصا لهم من شدة والاستدراج وهو ما يظهر على يد فاسق خديعة ومكرا به والاهانة وهي ما يظهر على يده تكذيباً له كما وقع لمسيلمة الكذاب فانه تفل في عين أعور لتبرأ فعميت الصحيحة.
(1) هو مسعود بن عمر بن عبدالله التفتازاني سعد الدين من أئمة العربية والبيان والمنطق، ولد بتفتازان عام 712 هـ من بلاد خراسان وأقام بسرخس وأبعده تيمور لنك الى سمرقند فتوفي فيها ودفن في سرخس كانت في لسانه لكنة. من كتبه تهذيب المنطق والمطول في البلاغة، ومقاصد الطالبين وإرشاد الهادي) وغير ذلك
كثير وكانت وفاته عام 793 هـ.
راجع بغية الوعاة 391 ومفتاح السعادة 1: 165 والدرر الكامنة 4: 350 وآداب اللغة: 235 ودائرة المعارف الاسلامية 5: 339
(2) هو مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي الوائلي ابو ثمامة متنبئ من المعمرين، وفي الأمثال و أكذب من مسيلمة، ولد ونشأ باليمامة بوادي حنيفة في نجد وتلقب في الجاهلية
بالرحمن وعرف برحمان اليمامة.
=
12 (2/12)
صفحة 470
الرابع: أن تكون مقرونة بدعوى النبوة أو الرسالة حقيقة أو حكما بأن تأخرت بزمن يسير، وخرج بذلك الارهاص وهو ما كان قبل النبوة والرسالة تأسيسا لها كاظلال الغمام له الله قبل البعثة.
الخامس: أن تكون موافقة للدعوى وخرج بذلك المخالف لها كما اذا قال آية صدقي في انفلاق البحر فانفلق الجبل.
السادس: ان لا تكون مكذبة له وخرج بذلك ما اذا كانت مكذبة له كما اذا قال آية صدقي نطق هذا الجماد فنطق انه مفتر كذاب، بخلاف ما لو قال: آية صدقي نطق هذا الانسان الميت واحياؤه فاحيا ونطق بأنه مفتر كذاب والفرق ان الجماد لا اختيار له فاعتبر تكذيبه لأنه أمر الهي والانسان مختار فلا يعتبر تكذيبه لأنه ربما اختار الكفر
على الايمان.
السابع: أن تتعذر معارضته وخرج بذلك السحر ومنه الشعبذة وهي: خفة في اليد يرى أن لها حقيقة ولا حقيقة لها، كما يقع للحواة
وزاد بعضهم.
ثامنا: وهو
أن لا تكون في زمن نقض العادة كزمن طلوع الشمس
من مغربها، وخرج بذلك ما يقع من الدجال كأمره للسماء ان تمطر فتمطر وللارض ان تنبت فتنبت وقد نظم بعضهم أقسام الأمر الخارق
للعادة فقال:
=
ولما ظهر الاسلام ودانت بذلك العرب جاءه وفد من بني حنيفة فاسلم الوفد، ادعى النبوة فارسل اليه ابو بكر الجيوش بقيادة خالد بن الوليد فقضى عليه عام 12 هـ.
راجع ابن هشام 3 74 والروض الأنف 340:2 والكامل لابن الأثير 2: 137 – 140
و شذرات الذهب 1: 23 (2/13)
صفحة 471
إذا ما رأيت الأمر يخرق عادة،
فمعجزة أن من نبي
وإن بان منه قبل وصف نبوة
صدر
فالارهاص سمه تتبع القوم في الأثر
وإن جاء يوما من ولي فانه الكر
وإن كان
امة في التحقيق عند ذوي النظر
من بعض العوام صدوره
فكنوه حقا بالمعونة واشتهر
ومن فاسق إن كان وفق مراده
بالاستدراج فيما قد استقر يسمى
وإلا فيدعى بالاهانة عندهـ
وقد تمت الاقسام عند الذي
اختبر
وزاد بعضهم السحر وقيل انه ليس من الخوارق لانه معتاد عند تعاطي أسبابه انتهى.
(قوله تفضلا) أي اعطاء غير ناشيء عن وجوب عليه تعالى كما تقول المعتزلة، ولا عن ايجاب كما تقول الفلاسفة، وانتصب على أنه حال من معجزات تقديره متفضلا بها عليهم.
(قوله بمعجزات) جمع معجزة بالمعنى المتقدم ذكره وانما جمع المعجزات مع أنه يكفي لكل رسول معجزة واحدة من باب مقابلة الجمع بالجمع وذلك أنه جمع الرسل فقابلهم بجمع المعجزات، كقولك لبس القوم ثيابهم أي لبس كل واحد منهم ثوبه المختص به (قوله تبطل التقولا) أي تلك المعجزات تسقط تقول المعارض وذلك التقول تكذيبهم الرسل وزعمهم انهم يقدرون على الاتيان بمثل ما جاؤوا به كما وقع مثل ذلك لفرعون مع موسى عليه السلام حيث قال: «فلنأتينك
12 (2/14)
صفحة 472
بسحر
مثله) وكما وقع لكذاب اليمامة في وضعه سجعات يزعم أنها اوحيت اليه يريد بها معارضة الكتاب العزيز، فبقيت أضحوكة عليه
الى يوم القيامة.
(1) سورة طه آية رقم 58 وتكملة الآية فاجعل بيننا وبينك موعداً لا تخلفه نحن ولا أنت مكاناً
سوي).
كان يوم عيدهم،
موسي
ان
قال ابن عباس وكان يوم الزينة يوم عاشوراء، وقال السدي وقتادة وابن زيد وقال سعيد بن جبير كان يوم سوقهم، ولا منافاة. وقال وهب بن منبه قال فرعون ياموسى اجعل بيننا وبينك اجلا ننظر فيه قال موسى لم أومر بهذا انما امرت بمناجزتك ان انت لم تخرج دخلت اليك، فأوحى الله الى اجعل بينك وبينه اجلاً وقل له او يجعل هو. قال فرعون: اجعله الى اربعين يوماً ففعل. وقال مجاهد وقتادة مكاناً سوي منصفاً، وقال السدي: عدلاً، وقال عبد الرحمن بن زيد مكاناً مستو بين الناس وما فيه لا يكون اصون ولا شيء يتغيب بعض ذلك عن بعض مستو حين يرى. والله أعلم.
ابن اسلم
10 (2/15)
صفحة 473
المقصد الثاني
في ما يجب للرسل وما يستحيل عليهم وما يجوز في حقهم وفي حكم ذلك
وواجب عليك ان تعرف ما
يجوز للرسل وما
لزما
(وما استحال عنهم فاللازم
في حقهم نعتا
المكارم)
كالصدق والتبليغ والامانة
والعقل والضبط وكالفطانة)
والمستحيل ضدها كالكذب
وكالجنون وارتكاب الريب)
(قوله وواجب عليك أي وجوبا شرعيا بعد قيام حجة السمع به. (قوله أن تعرف ما يجوز للرسل الخ (اعلم أن للرسل صفات جائزة وواجبة، ومستحيلة وكذلك الانبياء ايضا وخص الرسل بالذكر لشرفهم على الانبياء، ولا عناد المعاند وتكذيبه أكثر ما وقع في حقهم (قوله يجوز للرسل) أي جوازا شرعيا (قوله وما قد لزما) أي لزوما شرعيا (قوله وما استحال عنهم استحالة شرعية وانما قيدنا ذلك بالشرع لان الشرع هو الذي قضى لهم بذلك، أي استفيد اتصافهم بالمكارم الآتي ذكرها واستحالة أضدادها عليهم وجواز ما عدا ذلك في حقهم انما علم من طريق الشرع، كما ستقف عليه من أدلة العصمة، وذهب
جميع
16 (2/16)
صفحة 474
وهي
له كذا
بعضهم الى أن اتصافهم بتلك المكارم واستحالة اضدادها عليهم إنما هو من طريق العقل أي العقل قضى بأن من كان نبيا يجب ويستحيل عليه كذا قوله فاللازم في حقهم أي في جانبهم أي في جانب نعتهم (قوله نعتا) أي وصفا تمييز مبين لاجمال النسبة الاضافية والاصل في حق نعتهم (قوله هي المكارم) جمع مكرمة بضم الراء الخصلة المحمودة (قوله كالصدق هو مطابقة للواقع أي يجب في حق الأنبياء اتصافهم بالصدق في اخبارهم قال الباجوري: ولو بحسب اعتقادهم كما في قوله عل كل ذلك لم يكن» لما قال له ذو اليدين اقصرت الصلاة ام نسيت يا رسول الله حين سلم من ركعتين (أقول) ان الخبر لا يوصف بالصدق بنفس مطابقة الاعتقاد دون الواقع، كما هو مذهبنا ومذهب الاشاعرة فينبغي أن يقال في مثل هذا الحديث أنه علي الا الله انما اخبر عن الواقع في ظنه فانه ظن حال اخباره أن كل ذلك لم يقع فاذا هو واقع بعضه قال (فان قيل) قد على جماعة يؤبرون النخل وقال: لو تركتموها لصلحت فتركوها
مر
(1) الحديث رواه البخاري كتاب الصلاة 88 باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره. 482 حدثنا ابن شمل اخبرنا ابن عون عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال صلى بنا الرسول احدى صلاتي العشي قال ابن سيرين سماها ابو هريرة ولكن نسيت أنا قال: فصلى بنا ركعتين ثم سلم فقام الى خشبة معروضة في المسجد فاتكاً عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين اصابعه ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى وخرجت السرعان من أبواب المسجد.
في
فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا ان يكلماه وفي القوم رجل في يديه طول يقال له ذو اليدين قال: يا رسول الله انسيت ام قصرت الصلاة .. ؟ قال: وذكره. ورواه أيضاً الأذان 69 والسهو 4، 5 وأدب 45 وايمان 15 ورواه الامام مسلم في المساجد 97 98 99، 102 وأبو داود في الصلاة 189 والترمذي في الصلاة 175 والنسائي في السهو 22 وابن ماجة في الاقامة 134 والدارمي في الصلاة 175. ورواه صاحب الموطأ في النداء 58، 59 وأحمد بن حنبل في المسند 77:2، 235، 423،
460 (حلبي).
17 (2/17)
صفحة 475
فشاصت) (اجيب) بأن هذا من قبيل الانشاء لان المعنى كان في رجائي ذلك والانشاء لا يتصف بصدق ولا كذب، وعدم وقوع المترجي لا يعد نقصا قال ودليل صدقهم عليهم الصلاة والسلام لو لم يصدقوا للزم الكذب في خبره تعالى لتصديقه تعالى لهم بالمعجزة النازلة منزلة قوله تعالى «صدق عبدي في كل ما يبلغ عني» وتصديق الكاذب كذب وهو محال في حقه تعالى، فملزومه وهو عدم صدقهم محال واذا استحال عدم صدقهم وجب صدقهم وهو المطلوب، لكن هذا الدليل انما يدل على صدقهم في دعوى الرسالة وفي الاحكام الشرعية لان ذلك هو الذي بلغوه عن الله تعالى ولا يدل على صدقهم في غير ذلك كقام زيد وقعد، عمرو، لكن يدل عليه دليل الامانة لانه داخل فيها وعلم من ذلك أن أقسام الصدق ثلاثة المقصود هنا الاولان، وأما الثالث فهو داخل في الامانة كما علمت انتهى. (قوله والتبليغ) وهو ايصال ما أمروا بايصاله ولو ادى ذلك الى هلاكهم خلافا للشيعة (2) القائلين بجواز ترك التبليغ واظهار الكفر من الانبياء للتقية اذا خافوا الهلاك (قلنا) لو جاز في حقهم ذلك للزم ابطال الدعوة أصلا لكثرة المخالفين لهم في مبدا أمرهم والقاصدين لهم بالسوء حتى أن من القي في النار ومنهم من نشر بالمنشار، وانما قيدنا التبليغ بالمأمورين
منهم
سمع رسول
(1) الحديث رواه الامام احمد ثنا عبد الصمد ثنا حماد عن ثابت عن انس قال الله الاصواتاً فقال: ما هذا .. ؟ قالوا: يلقحون النخل فقال: لو تركوه فلم يلقحوه لصلح فتركوه فلم يلقحوه فخرج شيصاً. فقال النبي - - وذكره.
ورواه الامام مسلم في الفضائل 141 وابن ماجة في الرهون 15. (2) شيعة الرجل أتباعه وأنصاره وتشيع الرجل ادعى دعوى الشيعة، وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع وقوله تعالى كما فعل بأشياعهم من قبل كم أي بأمثالهم
من الشيع الماضية.
والشيعة: أتباع الامام علي - رضي الله عنه ـ وقد غلا بعضهم في حب الامام علي، ويسمون الغلاة كاليونسية أصحاب يونس بن عبد الرحمن القمي، والنصيرية، والاسحاقية.
18 (2/18)
صفحة 476
بتبليغه ليخرج ما أمروا بكتمانه فانه يجب في حقهم كتمانه وما خيروا فيه في تبليغه وعدمه فانه يجوز في حقهم ما شاؤوا من الطرفين. قال الباجوري: والدليل على وجوب تبليغهم عليهم الصلاة والسلام أنهم لو كتموا شيئاً مما أمروا بتبليغه للخلق لكنا مأمورين بكتمان العلم، لان الله تعالى أمرنا بالاقتداء بهم واللازم باطل لان كاتم العلم ملعون، ولو جاز عليهم كتمان شيء لكتم رئيسهم الاعظم الله قوله تعالى واذ للذي أنعم الله عليه وانعمت عليه امسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن
تخشاه (1).
من
واصح محامله ما نقله من يعول عليه في التفسير عن علي بن الحسين أن الله تعالى كان أعلم نبيه أن زينب ستكون من أزواجه فلما شكاها اليه زيد قال: أمسك عليك زوجك واتق الله واخفى في نفسه أنه سيتزوجها، والله مبدي ذلك بطلاق زيد لها وتزويجها ومعنى الخشية. استحياؤه الا الله من الناس أن يقولوا تزوج
ما اعلمه به من له
قيل من
زوجة ابنه أي من تبناه فعاتبه الله على هذا الاستحياء لعلو مقامه وما أنه لا تعلق قلبه بها وأخفاه فلا يلتفت اليه وان جل ناقلوه فان أدنى الاولياء لا يصدر عنه مثل هذا الأمر فما بالك به؟ به كما نقله السنوسي) في
وهذا هو الذي نعتقده وندين
ا. هـ.
الله
(1) سورة الأحزاب آية رقم 37 وتكملة الآية فلما قضى زيد منها وطر أزوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ادعيائهم إذا قضوا منهن وطراً وكان امر الله مفعولا ک ہے? (2) هو محمد بن يوسف بن عمر بن شعيب السنوسي الحسني من جهة الأم ابو عبدالله عالم تلمسان في عصره وصالحها له تصانيف كثيرة منها شرح صحيح البخاري لم يكمله، وشرح مقدمات الجبر والمقابلة لابن الياسمين وتفسير سورة (ص) وما بعدها من السور، وعقيدة أهل التوحيد ويسمى (العقيدة الكبرى) وام البراهين ويسمى العقيدة الصغرى وغير ذلك كثير. توفي
عام 895 هـ.
19 (2/19)
صفحة 477
(قوله والامانة) وهي حفظ ظواهرهم وبواطنهم من التلبس بمنهي عنه ولو نهي كراهة أو خلاف الأولى فهم محفوظون ظاهرا من الزنا وشرب الخمر والكذب وغير ذلك من منهيات الظاهر، ومحفوظون الحسد والكبر والرياء وغير ذلك من منهيات الباطن، ولا من
باطنا
يقع منهم مكروه ولا خلاف الأولى على وجه كونه مكروها او خلاف الاولى واذا وقع صورة ذلك فهو للتشريع فيصير واجبا أو مندوبا في حقهم، فافعالهم عليهم الصلاة والسلام دائرة بين الواجب والمندوب، ودليل وجوب الامانة لهم عليهم الصلاة والسلام أنهم لو خانوا بفعل محرم أو مكروه أو خلاف الأولى لكنا مأمورين به لان الله تعالى أمرنا باتباعهم في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم من غير تفصيل، وهو تعالى لا يأمر بمحرم ولا مكروه ولا خلاف الأولى، فلا تكون أفعالهم محرمة ولا مكروهة وخلاف الأولى وهذا الدليل وان كان على صورة الدليل العقلي هو في الحقيقة دليل شرعي، لان دليل الملازمة شرعي وبطلان التالي بدليل شرعي وهو أن الله لا يأمر بالفحشاء ا. هـ باجوري بتصرف. (قوله والعقل) هو ما يدرك به حقائق الاشياء قيل محله الرأس وقيل محله القلب أي يجب في حقهم أن يكونوا عاقلين للاشياء المعقولة فلا يكون النبي مجنونا ولا معتوها ولا من سائر الحيوانات الغير العاقلة والدليل على أن النبي لا يكون مجنونا انكاره تعالى على من وصف نبيه بالجنة في قوله تعالى «أم به جنة) «قالوا ساحر أو مجنون) فلو جاز وصفهم بالجنة لما أنكر على من وصفهم بها
راجع البستان 237 وتعريف الخلف 1 176 ومعجم المطبوعات 1058 ومناقب الحضيكي
1 224 - 232:
(1) سورة سبأ آية رقم 8 وتكملة الآية (بل) الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد). (2) سورة الذاريات آية رقم 52 وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: (وقالوا شاعر او مجنون وصوابها ساحر) أو (مجنون) وآية 39 (الذاريات) وقال (ساحر او مجنون).
20 (2/20)
صفحة 478
لكنه أنكر على من وصفهم بها فدل على أنه لا يجوز وصفهم بذلك، وأما العته فهو نوع من الجنون فدليل استحالته دليل استحالته.
(وأما) دليل وجوب عدم كونه من الحيوانات الغير العاقلة قوله تعالى وما أرسلنا من قبلك الا رجالا نوحي اليهم) الآية فهذه الآية صريح في نفي ارسال غير الرجال قبل نبينا عليه الصلاة والسلام ونبينا رجل أيضا فدل على أنه لم يكن رسول من غير جنس العقلاء. لكن الآية دليل في الرسل خاصة.
(وأما) الانبياء فيستدل على أنهم من جنس العقلاء بقوله تعالى «الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا
نوح).
أولئك
مع
ويحتمل أن يقال أن هذا الدليل خاص بالمشار اليهم وهم المذكورون
في السورة.
(اعلم) أن وجود الانبياء من غير العقلاء ليس مما يستحيل عقلا بل جائز لكنه لم يقع ولو وقع لنقل اما قوله تعالى «وأوحى ربك الى النحل (3) فليس هو من الايحاء بالنبأ وانما هو بمعنى الالهام أي وألهمها ربك أن تتخذ من الجبال بيوتا الى آخره (قوله والضبط) هو حفظ الشيء بحزم وفي الاصطلاح سماع الكلام كما يحق سماعه ثم فهم معناه الذي اريد به ثم حفظه ببذل مجهوده والثبات عليه
(1) سورة يوسف آية رقم 109 وسورة النحل آية رقم 43. (2) سورة مريم آية رقم 58 وتكملة الآية ومن ذرية ابراهيم واسرائيل وممن هدينا واجتبينا اذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً ..
(3) سورة النحل آية رقم 68 وتكملة الآية ان اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ..
21 (2/21)
صفحة 479
بمذاكراته الى حين أدائه الى غيره ا هـ. والمراد به ها هنا المعنى اللغوي اي ومما يجب في حقهم أن يكونوا حافظين لما ألقي اليهم من الوحي على سبيل الحزم منهم عن نسيان شيء منه لان الاهمال مؤد الى التهاون بأمر الآمر بالتبليغ والتهاون بأمر خالقهم كبيرة وهم معصومون عنها فدليل وجوب الضبط هو دليل وجوب العصمة كما سيأتي ان شاء الله (قوله (وكالفطانة هي التفطن والتيقظ لالزام الخصوم وابطال دعاويهم الباطلة والدليل على وجوب الفطانة لهم عليهم والسلام آيات كقوله تعالى وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم)» والاشارة
الصلاة
عليه
عائدة الى ما احتج به ابراهيم علي قومه من قوله «فلما جن الليل» الى قوله «وهم مهتدون) وكقوله تعالى حكاية عن قوم نوح «يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا (3) أي خاصمتنا فأطلت جدالنا أو أتيت بأنواعه وكقوله تعالى (وجادلهم بالتي هي أحسن) أي بالطريق التي هي احسن بحيث تشتمل على نوع ارفاق بهم ومن لم يكن فطنا بأن كان مغفلا لا تمكنه اقامة الحجة ولا المجادلة (لا يقال هذه الآيات ليست واردة الا في بعضهم فلا تدل على ثبوت الفطانة لجميعهم لانا نقول ما ثبت لبعضهم من الكمال يثبت لغيره فثبتت الفطانة لجميعهم وان لم يكونوا رسلا بل أنبياء فقط، فاللائق بمنصب النبوة أن يكون عندهم من الفطانة ما يردون به الخصم على تقدير وقوع جدال منهم ا. هـ. باجوري.
(1) سورة الأنعام آية رقم 83.
(2) سورة الأنعام آية رقم 76 – 82.
(3) سورة هود آية رقم 32 وتكملة الآية و فأتنا بما تعدنا ان كنت من الصادقين .. (4) سورة النحل آية رقم 125 وتكملة الآية ان ربك هو اعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم
بالمهتدين.
22 (2/22)
صفحة 480
(قوله والمستحيل ضدها أي والممتنع ثبوته في حقهم ضد تلك
وجد
احدهما
المكارم وضد الشيء هي الصفة التي تعاقبه في محله ولا تجتمع معه ونقيض الشيء كذلك أيضا لكن الفرق بين الضدين والنقيضين أن الضدين لا يجتمعان وقد يرتفعان كالسواد والبياض فانهما قد يرتفعان عن المتلون فيتصف بالحمرة والخضرة ونحوهما، وأما النقيضان فلا يجتمعان ولا يرتفعان بمعنى انه لا ينعدمان معا ولا يوجدان معا، بل اذا امتنع الآخر كالوجود والعدم والحدوث والقدم (قوله كالكذب) هو عدم مطابقة الخبر للواقع ودليل استحالته هو دليل وجوب الصدق لهم، من وجب صدقه استحال كذبه قوله (وكالجنون) هو اختلال العقل بحيث يمنع جريان الافعال والاقوال على نهج العقل الا نادرا، وهو عند أبي يوسف) ان كان حاصلا في أكثر السنة فمطبق وما دونها
فان
فغير مطبق ا. هـ وقد تقدم دليل استحالته عليهم وكذلك العته وهو
عبارة عن آفة ناشئة الذات عن توجب خللا في العقل، فيصير صاحبه مختلط العقل فيشبه بعض كلام العقلاء وبعض كلام المجانين بخلاف
(1) العدم ضد الوجود، وهو مطلق أو اضافي فالعدم المطلق هو الذي لا يضاف الى شيء، والعدم الاستقرار، وعدم التأثر. قال ابن سينا، البالغ في النقص غايته، فهو المنتهي إلى مطلق العدم فبالحري أن يطلق عليه
(2)
الاضافي او المقيد هو المضاف الى شيء كقولنا عدم الأمن، وعدم
معنى العدم المطلق.
راجع الاشارات 69 -
113 هـ
V.
هو يعقوب بن ابراهيم بن حبيب الانصاري الكوفي البغدادي أبو يوسف صاحب الامام ابي حنيفة وتلميذه وأول من نشر مذهبه كان فقيهاً علامة من حفاظ الحديث ولد بالكوفة عام وتفقه بالحديث والرواية ثم لزم أبا حنيفة فغلب عليه الرأي وولي القضاء ببغداد أيام المهدي والهادي والرشيد ومات في خلافته عام 182 هـ. وهو أول من دعي قاضي القضاة وأول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة وكان واسع العلم بالتفسير والمغازي وأيام العرب من كتبه (الخراج) و (اختلاف الأمصار) وأدب القاضي) وغير ذلك كثير.
23 (2/23)
صفحة 481
أفعالهم
السفه فانه لا يشابه المجنون لكن تعتريه خفة إما فرحا وإما غضبا ا. هـ وهو ايضا مستحيل في حقهم لان تلك الخفة مغيرة للعقل فتجري وأقوالهم على خلاف الحكمة ولان السفه مناف لرتبة الاصطفاء وداع الى التنفر عن الاتباع وقاض برد القول الى قائله، وقد اخبرنا تعالى أنهم المصطفون وقد أمرنا باتباعهم ونهانا عن رد قولهم اليه فوجب أن لا يكونوا سفهاء، وهذه الادلة قاضية ايضا باستحالة الجنون والعته عليهم (قوله أو ارتكاب الريب) جمع ريبة وهي ما تكون سببا للتهمة أي يتهم بها فاعلها فتشمل جميع المعاصي ما عدا الصغير الغير هذا لا الخسيس الناشيء عن غير تعمد، فان وقوع يوجب تهمة فاعله. (اعلم أن الامة اتفقوا على عصمة الانبياء من ارتكاب الشرك عمدا وأجازت الشيعة ارتكابه لهم اذا خافوا الهلاك بعدم ارتكابه، وقد تقدم بطلان قولهم وانه يؤدي الى اخفاء الدعوة التي بعث لاجلها الرسول واجمعوا أيضاً على استحالة الكذب عليهم فيما بعثوا به عمدا وسهوا، وقد تقدم دليله واختلفوا في جواز الكذب عليهم سهوا في غير ما بعثوا بتبليغه وكذلك ايضا اختلفوا في جواز ارتكاب الصغيرة الغير الخسيسة، وأما الخسيسة كسرقة لقمة ونحوها فمستحيلة عليهم وكذلك كبائر غير الشرك، وذهبت الحشوية الى جوازها عليهم ومنع في حقهم الصغيرة والكبيرة والخسيسة وغيرها على سبيل
الجبائي)
اتفاقا
=
راجع مفتاح السعادة 2: 100 – 107 وابن النديم 203 واخبار القضاة لوكيع 3: 254 والنجوم الزاهرة 2: 107 والبداية والنهاية 10: 180 والجواهر المضيئة 2: 220. (1) هو محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي أبو علي من أئمة المعتزلة ورئيس علماء الكلام في عصره وإليه نسبة الطائفة و الجبائية، له مقالات وآراء انفرد بها في المذهب نسبته الى جبى من قرى البصرة اشتهر في البصرة ودفن بجبى عام 303 هـ له تفسير حافل مطول رد عليه الأشعري. =
24 (2/24)
صفحة 482
التعمد هذا كله بعد النبوة وأما قبلها فذهب الجمهور من الاشاعرة والمعتزلة الى جوازها أي الكبائر عليهم ومنعها بعض المعتزلة لانها مما ينفر عن الاتباع بعد النبوة، ومنع بعضهم كل ما ينفر ككون الام عاهرة ونحو ذلك ومنعت الرافضة (1) الصغيرة والكبيرة قبل النبوة وبعدها.
(والمذهب) انهم معصومون بعد النبوة من الكبائر مطلقا ومن خسيس الصغائر ايضا لما تقدم من ما الادلة على وجوب يجب لهم وعلى استحالة ما يستحيل عليهم وأما قبل النبوة فلا دليل سمعي يرفع ذلك بعد النبوة فغير مسلم لان الاصلاح الاخير للافساد الاول ممع
عنهم
أما
(لا يقال ان في قوله تعالى (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان (2) وفي قوله تعالى حكاية عن ابليس (الا عبادك منهم المخلصين (3) دليلا على أن الشيطان لا سبيل له عليهم وعدم السبيل غير مقيد بزمان دون زمان فتستحيل عليهم مطلقا قبل النبوة وبعدها (لانا نقول) إن السبيل ممتنع حال الاخلاص لا قبله لانه نفي عنهم حال اتصافهم بذلك (واعلم) أن تجويزنا عليهم الكبائر قبل النبوة لا يستلزم وقوعها
274
راجع المقريزي 2: 348 ووفيات الأعيان 1: 480 والبداية والنهاية 11: 125 واللباب 1: 208 ومفتاح السعادة 2: 35 ودائرة المعارف الاسلامية 6: 270 – (1) الرافضة: الذين كانوا مع زيد بن علي الباقين على اتباعه ثم تركوه لأنهم طلبوا اليه ان يتبرأ من الشيخين فقال: لقد كانا وزيري جدي فلا أتبرأ منهما فرفضوه وتفرقوا عنه، وقد يطلق بعض الناس اسم الرفض على كل من يتولى أهل البيت وعلى هذا جاء قول الذي يقول:
إن كـ
ان رفضا حب
فليشه
محمد
الثق د
و مروج
لان الذهب 3: 220
رافض
انظر مقالات الاسلاميين 1: 129
(2) سورة الحجر آية رقم 42 وتكملة الآية (إلا) من اتبعك من الغاوين).
(3) سورة الحجر آية رقم 40.
25 (2/25)
صفحة 483
منهم
لان الجواز اخص من الوقوع وقد قلنا به لاستصحاب الحال
عنه
مع عدم المانع ولو صح دليل على منعه لمنعناه لأن المنع هو اللائق بمنصبهم الكريم (ولنا) على عصمتهم بعد النبوة أدلة (منها) أنا قد أمرنا باتباعهم كقوله تعالى (وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم فانتهوا) وقوله «قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوه يحببكم الله) فلو جازت عليه الكبائر والخسائس لكنا مأمورين بارتكابهما حال اتباعنا لهم فيها وهو باطل (ومنها) أنهم لو جاز عليهم ذلك لكانوا غير مقبولي الشهادة في شيء من أمور الدنيا لقوله تعالى «ان جاءكم فاسق بنبا فتبينوا» فكيف يقبل منهم ما جاؤوا به عن الله تعالى (ومنها) أنه لو جاز عليهم ذلك لدخلوا تحت اللوم والتوبيخ من قوله تعالى «أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) (ومنها) انه لو جاز عليهم ذلك لجاز عليهم الزجر والتعنيف لعموم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فيكون ذلك ايذاء في حقهم وهو محجور (ومنها) لو جاز عليهم ذلك لضوعف العذاب في حقهم ولكانوا أشر من فساق العوام لان ذا المنصب العالي
اذا عصى
منه
كان العصيان اقبح ولضوعف عليه العذاب بدليل «من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين) (ومنها) قوله تعالى (لا ينال عهدي الظالمين) ولا عهد فوق النبوة (ومنها) قوله تعالى ولقد صدق عليهم ابليس ظنه فاتبعوه الا فريقا من
(1) سورة الحشر آية رقم 7. (2) سورة آل عمران آية رقم 31 وتكملة الآية ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم). (3) سورة الحجرات آية رقم 6 وتكملة الآية ان تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين). (4) سورة البقرة آية رقم 44.
(ه) سورة الأحزاب آية رقم 30 وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث ذكرت (ومن ـ
بزيادة الواو) ومنكم بدلاً من (منكن).
(6) سورة البقرة آية رقم 124.
26 (2/26)
صفحة 484
المؤمنين). (ومنها) أنه تعالى قسم المكلفين قسمين فجعلهم حزبين وحزب الشيطان هم العصاة وهم الخاسرون «ألا ان حزب الشيطان هم الخاسرون (2) وأنت اذا تأملت هذه الادلة كلها رأيتها ادلة لعدم الوقوع لا لرفع الجواز بالكلية لكن دليلنا على رفع الجواز ان نقول هكذا لو جاز عليهم ذلك لوقع منهم أو من احدهم كما وقع من لكنه غيرهم لم يقع منهم ولا من أحدهم فدل على أنهم معصومون منه، ودليل آخر هو قوله تعالى حكاية عن ابليس «إلا عبادك منهم المخلصين (3) وقوله «ان عبادي ليس لك عليهم سلطان) ولا شك أن الاخلاص لم يفارقهم منذ اصطفاهم الله لوحيه وانهم عباده المصطفون واذا كانوا كذلك فليس للشيطان عليهم سبيل فثبتت لهم العصمة (لا يقال إن هذا الدليل ناف لارتكابهم الصغائر الخفيفة أيضا لانا نقول إن صدور مثل ذلك منهم ليس هو من تسليط الشيطان عليهم وانما منشأ ذلك غفلة أو سهو أو تأويل من فاعله كما في قصة آدم عليه السلام (فان قيل) ان ما وقع لآدم هو من كيد الشيطان لانه هو الموسوس والمزين لهم ذلك (اجبنا) بأنه ليس ذلك من تسليط الشيطان عليه وانما وقع بتأول آدم عليه السلام النهي عن شجرة مخصوصة لا عن جنس تلك الشجرة فأكل من شجرة غير المشار اليها لكنها من جنسها كذا قيل، وفي ظاهر قوله تعالى حكاية عن ابليس «ما نها كما ربكما عن هذه الشجرة (*) ما يرده لكن الجواب عنه ان آدم عليه السلام نسي النهي فأكل بعد النسيان لقوله تعالى «ولقد عهدنا
(1) سورة سبأ آية رقم 20. (2) سورة المجادلة آية رقم 19.
(3) سورة الحجر آية رقم 40 وسورة ص آية رقم 83.
(4) سورة الحجر آية رقم 42. (5) سورة الأعراف آية رقم 20.
27 (2/27)
صفحة 485
النهي
الى آدم من قبل فنسي) ولا يرد هذا بذكر ابليس لهم لاحتمال أن يكون النسيان بعد ذلك وهذا الاحتمال موجود أيضا في تأول آدم النهي عن شجرة بعينها لا عن جنسها فانه وان أشار اليها الخبيث فيحتمل أن يكون آدم عليه السلام لم يلتفت الى تلك الاشارة وقيل أكل آدم من الشجرة قبل أن ينبأ، وعليه فلا اشكال لانا لا العصمة للاولياء بل للانبياء ولا ندعيها أيضا لهم قبل النبوة.
ندعي
وما عدا ذلك فهو ممكن
في حقهم الا الذي يستهجن)
(قوله وما عدا ذلك) أي المذكور من واجب ومستحيل فهو ممكن أي جائز في حقهم. أخر هذا القسم عن الواجب والمستحيل لانه بمنزلة المركب منهما حيث جاز لهم الطرفان الفعل والترك، وذلك كالاكل والشرب والنوم والجماع ومخالطة الناس والمشي في الاسواق نحو ذلك من الخصال الجبلية التي خلقوا محتاجين اليها لا يستطيعون منع أنفسهم عنها أو التي خيروا في فعلها وتركها (قوله الا الذي يستهجن) أي يستقبح أي يستثنى من جواز ما عدا ما ذكره من الواجب والمستحيل الاشياء التي يستقبح فعلها للانبياء كالبول قياما فان القوم رووا ذلك عن رسول الله الله وهو باطل لقوله تعالى «وانك لعلى خلق عظيم، وأن البائل قائم ليس على خلق حسن فضلا من ان يكون
على خلق عظيم.
(1) سورة طه آية رقم 115. (2) سورة القلم، آية رقم 4.
28 (2/28)
صفحة 486
المقصد الثالث»
في تفضيل الأنبياء بعضهم على بعض)
وهو مقصور على السماع، أي ليس لاحد أن يدخل هذا الباب باجتهاد منه لانا لسنا أهلا للحكم في ذلك وقد اختلفت الطرق في تفضيل بعضهم على بعض مع الاتفاق أن افضل الكل نبينا عل ففضل بعضهم بعده آدم وبعضهم نوحا وبعضهم موسى وبعضهم عيسى، وبعضهم ابراهيم، قال القطب رح وهو الصحيح فموسى فنوحا فعيسى وبعضهم فضل عيسى على نوح فقال: هكذا أفضل الأنبياء نبينا فإبراهيم، فموسى، فعيسي، فنوح عليهم جميعا الصلاة والسلام فسلك المصنف هذه الطريق.
29 (2/29)
صفحة 487
أفضلهم
}
الخليل
وبعدهم نوح فباقي الرسل
الله
بعده عيسى الجليل)
فالأنبيا ذوو المقام الأكمل)
منهم بعد
(قوله أفضلهم نبينا) أي محمد والاضافة لتشريف المضاف اليه لا للتخصيص لانه رسول الى الكافة من الأولين والآخرين والجن، أحد وفي الملائكة قولان ومعنى ارساله للاولين انه لو وجد بعثته ما وسعه (1) الا اتباعه كما يرشد الى ذلك بعض الاحاديث النبوية، والدليل على أفضليته الله على سائر الانبياء قوله تعالى «أولئك فبهداهم اقتده (2) فانه ذكر أولا اخلاق الانبياء ووصف كل واحد منهم بخلق يفهم اختصاصه به ثم أمر نبيه أن يتصف تلك الاخلاق ولا شك أن المتصف بجميعها أفضل من المتصف بجميع ببعضها، وقوله الا الله انا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر (3) أي ولا فخر فوق ذلك أو ولا فخر أعظم ذلك أو من ولا اقول ذلك فخرا وقوله عليه الصلاة والسلام «انا سيد ولد آدم ولا فخر» ينافي هذا
الذين هدى
(1) الحديث رواه البخاري في كتاب احاديث الأنبياء 3414 عن أبي هريرة بلفظ (لا تفضلوا بين اولياء الله فانه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض الخ).
(2) سورة الأنعام آية رقم 90.
(3) الحديث رواه الترمذي في المناقب 1 والدارمي في المقدمة. (4) الحديث رواه ابن ماجة في كتاب الزهد 37 باب ذكر الشفاعة 4308، عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - وذكره وفيه زيادة وأنا أول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة ولا فخر، وأنا اول شافع وأول مشفع ولا فخر، ولواء الحمد بيدي يوم
ولا فخر).
القيامة
ورواه الترمذي في التفسير سورة 17، 18 واحمد بن حنبل في المسند 1، 5، 281، 295،
:2، 11، 0: 137، 138، 393 (حلبي).
30 (2/30)
صفحة 488
ما روي عنه أنه قال «لا تفضلوني على يونس بن متى) وقوله «لا تخيروني على موسى لاحتمال أن يكون قال ذلك تواضعا، أو قاله قبل أن يعلم انه أفضل منهم.
على
ومع
بحبه
(قوله) ثم (الخليل هو ابراهيم عليه السلام سمي خليل الرحمن تشريفا له على غيره ومعنى الخليل في اللغة: هو من تخللت الأعضاء ويفدى بالنفس والمال، استعير هنا لعظم المنزلة ورفع الشان والدليل أن خليل الرحمن هو أفضل الأنبياء بعد نبينا عليه الصلاة والسلام قوله تعالى «وأوحينا اليك أن اتبع ملة ابراهيم» قوله «بل ملة ابراهيم حنيفا) وقد ثبت الدليل على أفضلية نبينا على سائر الانبياء، ذلك فقد أمر باتباع ملة ابراهيم فدل على ذلك أفضلية ابراهيم على سائر الانبياء (لا يقال هذا دليل على أفضلية ابراهيم على جميع الأنبياء حتى نبينا لان المتبوع أفضل من التابع (لانا) لا نسلم ان المتبوع أفضل من التابع مطلقا لإمكان أن يختص التابع بميزة لم تكن في المتبوع (قوله ثم الكليم بتخفيف اللام بمعنى الكليم بتشديدها هو موسى بن عمران بن يصهر بن لاوي بن يعقوب عليه السلام، والدليل أن عليه السلام أفضل من سائر الانبياء بعد نبينا وابراهيم عليهم الصلاة والسلام قوله تعالى «وكلم الله موسي تكليما») وقوله
على
موسي
(1) الحديث رواه الامام البخاري في كتاب احاديث الأنبياء 35 باب قول الله تعالى (وان يونس فمتعناهم الى حين سورة الصافات آية رقم 139 الى قوله
لمن المرسلين
-
3416 عن سعيد بن ابراهيم سمعت حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي وذكره ولفظة عند البخاري (لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى).
—
(2)
ال
سبق تخريج هذا الحديث.
(3) سورة النحل آية رقم 123.
(4) سورة البقرة آية رقم 135. سورة النساء آية رقم 164.
(0)
31 (2/31)
صفحة 489
تعالى واصطنعتك لنفسي (1) ففي الاية الاولى دليل على أن الله اسمعه كلاما خلقه لاجل سماعه إياه بلا واسطة ملك ونحوه ومن كان بهذه المنزلة فهو أفضل ممن لم يصلها، وفي الآية الثانية دليل على أن الله اصطنعه لنفسه ومعناه لامره، ومن قيل له كذلك أفضل ممن لم يقل له ذلك وان كان مخلوقا لذلك أيضا (قوله وبعده عيسى) مرتبة التفضيل بعد موسى عيسى بن مريم عليه السلام، والدليل أن عيسي افضل من سائر الانبياء بعد من ذكر قوله تعالى في وكلمته ألقاها الى مريم وروح منه) وهذا تشريف له
أي على
حقه
وتعظيم حيث اضافه الى نفسه.
(قوله وبعدهم نوح عليه السلام والدليل على أن نوحا أفضل من غيره بعد الأربعة لانه أحد أولي العزم الممدوحين بمضمون قوله تعالى (3) قالوا: وهم الخمسة أولوا العزم من الرسل صبر المذكورون في قول المصنف وقد جمعهم غيره على هذا الترتيب أيضا
فاصبر كما
فقال:
محمد
راهيم موس کليمه
فعيسي فنوح هم أولوا العزم فاعلم
وجمعهم غيره أيضا على ترتيب تقدمهم في الزمان فقال:
(1) سورة طه آية رقم 41.
(2) سورة النساء آية رقم 171 وتكملة الآية فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً
لكم انما
بالله وكيلاً).
إله واحد سبحانه ان يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى
(3) سورة الأحقاف آية رقم 35 وتكملة الآية (ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا الا ساعة من نهار بلاغ فهل يُهلك الا القوم الفاسقون).
32 (2/32)
صفحة 490
أولوا العزم نوح والخليل كلاهما
وموسى وعيسى والنبي محـ
وأولو العزم أفضل من غيرهم وأنت اذا تأملت هذه الادلة رأيتها
ظنية والاعتقاد علم لا يبنى على الظن فلا يجب اعتقاد هذه المفاضلة كذلك ولذلك لم يعتن أصحابنا المشارقة بذكر هذه المفاضلة في كتبهم لانها موقوفة على السماع من الشارع ولم يرد فيها تصريح خبر ولو قدرنا فيها وجود ذلك لقلنا خبر آحاد لا يثبت به الاعتقاد، ولو تواتر لاشتهر نعم يجب اعتقاد أفضلية نبينا الله على جميع الخلق لاجماع الامة المحمدية على ذلك وللاخبار المروية عنه في ذلك أيضاً وقد تلقتها الامة بالقبول ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. (قوله فباقي (الرسل) وجملتهم مع الخمسة المذكورين ثلاثمائة وثلاثة عشر على المشهور، وقيل ثلاثمائة وأربعة عشر وقيل ثلاثمائة وخمسة عشر أولهم آدم عليه السلام فانه رسول الى بنيه وآخرهم محمد ال سبعة منهم بعثوا الى الكافة وهم المذكورون في قوله:
وآدم نوح والخليل كليمه
و داود
محم
الله والقياس أن يوشع ممن
أرسل
قال البدر الشماخي رحمه الى الكافة أيضا لانه خليفة موسى وأمر باحكام التوراة، وان منهم سليمان
(1) هو احمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي اليفرني بدر الدين مؤرخ من علماء الأباضية المغرب له كتاب السير في تاريخ الاباضية، وشرح مختصر العدل والانصاف في أصول
الفقه وشرح متن العقيدة، توفي عام 928 هـ
راجع السير 577 والدعاية الى سبيل المؤمنين 28.
33 (2/33)
صفحة 491
عليه السلام لانه خليفة داود (وخمسة) منهم بعثوا بالسيف موسى ويوشع وداود وسليمان ونبينا محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم (وأربعة) منهم عربيون هود وشعيب وصالح ومحمد عليه وعليهم الصلاة والسلام (وثلاثة سريانيون آدم وشيت وادريس عليهم السلام (ومن قوله) منهم اسمان أربعة الاول: يعقوب سمي به لتعقبه بعد أخيه العيص في بطن
أمه وإسرائيل ومعناه صفي الله.
منهم
(والثاني) عيسى وهو المسيح.
(والثالث) يونس وهو ذو النون.
منهم
(والرابع) محمد وهو احمد صلى الله عليه وعليهم وسلم (والاجداد) ثلاثة آدم لانه أبو البشر ونوح لانه لم يبق نسل بعد الطوفان إلا له وابراهيم لأن الله تعالى سماه أبا لانه أبو العدنانيين من قريش وغيرهم وهو ابو رسول الله الا الله وأمة الرسول في حكم أولاده وما ورد في بعض كتب أصحابنا المغاربة من أن أربعة أحياء الى الآن اثنان منهم في السماء وهما ادريس وعيسى واثنان في الارض وهما الخضر والياس فهو من الممكن، وقوعه لكن لا يتوصل الى ذلك الا بتوقيف من الشارع ولم يصل الينا خبر في ذلك فلعل القائل بذلك قد اطلع على ما لم نطلع عليه فنحسن به الظن ويسعنا جهل ما ذكر (قوله فالانبياء) جمع نبي فعيل بمعنى مفعول من النبأ الذي الخبر، بمعنى أن جبريل أخبره عن أمر الله تعالى أو بمعنى فاعل لانه مخبرنا عن أمر الله تعالى أو من النبوة بمعنى الرفعة لان الله رفع رفعة أمته إذ ما من أحد نال رفعة الا وسببها النبي فلا رفعة له، اصلا لكن هذا المعنى مختص
هو
رتبته أو لانه
سبب
نبيه لان من لم يتبع بالرسل لانهم هم الذين وجب اتباعهم وما قبله من المعاني مشترك الانبياء والرسل، فان النبي مخبر عن الله انه نبي وقد تقدم تعريف
بين
34 (2/34)
صفحة 492
فانه
كل واحد من النبي والرسول في شرح الخطبة وعدد الانبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا كلهم أحرار خلافا لمن قال بنبوة عبد كلقمان، نوبي لانا نقول: إن ثبت أنه نوبي لم يثبت انه مملوك هذا مع الخلاف في ثبوت نبوته وكلهم من أهل القرى خلافا لمن قال بنبوة من لم يكن منها مستدلا بقوله تعالى «وجاء بكم من البدو) وجوابه أن البدو في بعض التفاسير مكان وجواب آخر أنهم لم يكونوا في الاصل من البدو، وانما حدثوا اليهم فجاوروهم وكلهم ذكور عند بعض مستدلا بقوله تعالى «وما أرسلنا من قبلك الا رجالا نوحي اليهم» (2) أقول وليس في هذا دليل على حصر النبوة في الرجال، وإنما هو دليل على قصر الرسالة عليهم ولذا قال ابن حجر (3): ومن
(1) سورة يوسف آية رقم 100 وتكملة الآية من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين اخوتي ان ربي لطيف لما يشاء انه هو العليم الحكيم).
(2) سورة يوسف
338
(3)
رقم 109 وتكملة الآية من أهل القرى افلم يسيروا في الأرض فينظروا
كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون).
هو
أحمد
أئمة بن علي بن محمد الكناني العسقلاني أبو الفضل شهاب الدين بن حجر من العلم وال والتاريخ أصله عسقلان (بفلسطين) ومولده عام 733 بالقاهرة، ولع بالأدب والشعر من ثم اقبل على الحديث ورحل الى اليمن والحجاز وغيرهما لسماع الشيوخ وعلت له شهرة فقصده الناس للأخذ عنه وأصبح حافظ الاسلام في عصره.
قال السخاوي: انتشرت مصنفاته في حياته وتهادتها الملوك وكتبها الأكابر وكان فصيح اللسان راوية للشعر عارفاً بأيام المتقدمين وأخبار المتأخرين ولي القضاء بمصر مرات ثم اعتزل توفي
عام 852 هـ
من مصنفاته الأحكام) لبيان ما في القرآن من (الأحكام والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة،
والاصابة في تمييز الصحابة وفتح الباري شرح صحيح البخاري وغير ذلك كثير. راجع التبر المسبوك 230 والضوء اللامع 2: 36 والبدر الطالع 1: 87 وخطط مبارك 6: 37 ولسان الميزان 6 وبدائع الزهور 2: 32 وانظر ترجمته لنفسه في كتابه رفع الاصر
35
Ao: 1 (2/35)
صفحة 493
النساء
تنبأ وهن ست حواء وسارة وهاجر ومريم وام موسى وآسية من امرأة فرعون، وعن غيره وقد وقع الاختلاف في نبوة أربع نسوة مريم وآسية وسارة وهاجر (قوله ذوو المقام الأكمل) أي أصحاب المقام الكامل عند الله تعالى بأن خصهم بالايحاء اليهم واصطفاهم من بين
سائر خلقه.
36 (2/36)
صفحة 494
المقصد الرابع»
(في نسخ شرائعهم (الرسل) بشرائع نبينا)
قد نسخت شرائع الجميع
سوى الهدى بشرعنا البديع)
وما
له أي شرعنا
فهو على الدوام لا يغيـ
(قوله قد نسخت شرائع الجميع الخ النسخ لغة: مشترك بين الازالة والنقل يقال نسخت الشمس الظل أي أزالته ونسخت الكتاب أي نقلت ... وقيل حقيقة في الازالة، وقيل في النقل خاصة وفي الاصطلاح: رفع حكم شرعي بشرع متأخر فخرج برفع الحكم بيان المجمل وتخصيص العام فانه تبين للمراد من المجمل والعام وبقوله حكم شرعي: ما ثبت حله مثلا باستصحاب الأصل كالخمر قبل التحريم فان تحريمها لا نسخا وقوله بشرع متأخر مخرج لما اذا اقترن الشرعان كالآيتين مثلا فان أحداهما مخصصة للاخرى فهو تخصيص ولا يصح اقترانهما متناسختين أعني أنه لا يرد خطاب الشارع بشيء فيقرنه بما يرفعه كله في الحال نحو صل الظهر لا تصلها لانه عبث في الكلام، والباري جل وعلا منزه عنه فلزم من اقتران الآيتين أن تكون احداهما أخص من الاخرى لانه الحكمة فصح الاحتراز عنه بما ذكر.
يسمى
من
(واعلم أن النسخ بيان لمدة انتهاء الحكم الاول عند الله تعالى أي أن الله عز وجل شرع الحكم الى مدة علمها هو واخفاها علينا فبعد انقضاء تلك المدة انزل الينا حكما آخر، فعلمنا أن الأول مخصوص
37 (2/37)
صفحة 495
بالمدة التي انقطعت فوجب علينا الأخد بالشرع الثاني. قيل: ومن هنا انكر أبو مسلم الاصفهاني (النسخ اي انكر تسمية النسخ نسخا وسماه تخصيصا لانه خصص الحكم الاول بالمدة التي انقضت فالخلاف بيننا وبينه على هذا لفظي.
(واعلم) أيضا أن شريعة نبينا عليه الصلاة والسلام ناسخة لجميع الشرائع الاول الا ما يصح نسخه كالتوحيد ومكارم الاخلاق، فانه
تعالى لا
يصح
تبديلها فلا
بعث ليتممها لا ليبدلها وأما التوحيد فلا يصح نسخه لان صفات الله أن يعتقد أن الله أن يؤمر هذا النبي يجوز يرى ويؤمر هذا أن يعتقد أنه يرى فاذا عرفت هذا (فاعلم) أن نبينا الله لم يكن متعبدا بشريعة أحد من قبله وقال بعضهم انه متعبد
لا
بشرية ابراهيم لقوله تعالى «ثم أوحينا اليك أن اتبع ملة ابراهيم قلنا أمر باتباعه في الحنيفية المنافية للشرك، وادعاء الولد له تعالى ونحو ذلك، وهذه الحالة مشترك فيها جميع الانبياء وخص ابراهيم باضافتها اليه لمزية هي اتفاق اهل الكتابين والمشركين على نبوته وشهرته عندهم وقال بعضهم: بعضهم متعبد بشريعة نوح لقوله تعالى «إنا أوحينا اليك
(1) هو ابو مسلم بن بحر الأصفهاني ابو مسلم وال من أهل أصفهان معتزلي من كبار الكتاب كان عالماً بالتفسير وبغيره من صنوف العلم وله شعر ولي اصفهان وبلاد فارس للمقتدر العباسي واستمر الى ان دخل ابن بويه اصفهان عام 321 هـ فعزل من كتبه (جامع التأويل) في التفسير جمع سعيد الأنصاري الهندي نصوصاً. أربعة عشر وردت في 1 مفاتيح الغيب) المعروف بتفسير الفخر الرازي وسماها: ملتقط جامع التأويل لمحكم التنزيل في جزء صغير،
مجلداً،
منه
ومن كتبه الناسخ والمنسوخ وكتاب في النحو، ومجموع رسائله توفي عام 322 هـ راجع ارشاد الأريب 6: 420 وابن النديم 136 وملتقط جامع التأويل مقدمته.
(2) سورة النحل آية رقم 123 وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال (وأوحينا) بدلاً من ثم أوحينا).
38 (2/38)
صفحة 496
كما أوحينا الى نوح (1) قلنا تشبيه للايحاء بالايحاء لا الموحى بالموحى ولو قلنا له تشبيه للموحى بالموحى ما لزمنا أن يكون متعبدا بشريعته لان تشبيه الشيء بالشيء لا يستلزم أن يكون عينه بل لا يجوز أن يكون ذلك فيلزم منه تشبيه الشيء نفسه وقال بعضهم: انه متعبد بشريعة موسى لقوله الله) نحن أحق بموسى بن عمران (2) قلنا كونه أحق به لا يستلزم تعبده بشريعته وقال بعضهم انه متعبد بشريعة عيسى لقوله الله (3) قلنا انا أولى الناس بعيسى بن مريم
فيه ما في الذي قبله وقال بعضهم: انه متعبد بشريعة أولي العزم لقوله أولو العزم من الرسل ((قلنا ليس فيه سوى
تعالى (فاصبر
كما
صبر
أمره بالاقتداء بهم في الصبر وهو غير المطلوب.
(تنبيه)
اذا ورد في شيء من الشرائع الاول حكم في شيء لم
?
به
يكن فيه من شريعتنا شيء نسخ ولا تقرير هل يصح الأخذ أم لا؟ ذهب بعضهم الى المنع من ذلك لان جميع الشرائع نسخت بشرعنا، والمنسوخ لا يعمل به، فان ورد فيه من شرعنا شيء عملنا به، وإلا رددنا الى أصل الاشياء.
(1)
سورة النساء آية رقم 163 وتكملة الآية والنبيين من بعده وأوحينا الى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبوراً). (2) الحديث رواد الامام البخاري في كتاب الصوم 69 باب صيام يوم عاشوراء 2004 حدثنا عبد الوارث عن أيوب عن عبدالله بن سعيد بن جبير عن أبي عن ابن عباس
-
رضي
الله
عنهما قال: قدم النبي - الله المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا قالوا: هذا هذا يوم صالح يوم نجي الله إسرائيل من عدوهم فصامه موسى. قال: فأنا أحق
بني
بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه. ورواه في التفسير سورة 10 ورواه الامام مسلم في الصيام 126 وابن ماجة في الصيام 41
(3) الحديث رواه الامام مسلم في كتاب الفضائل 145 وفيه زيادة (في الأولى والآخرة) (4) سورة الأحقاف آية رقم 35 وتكملة الآية ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون
لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون).
39 (2/39)
صفحة 497
أقول أصل ذلك الشيء هو حكمه الذي أنزله الله فيه فلا ينتقل
عنه الا بحكم آخر، ولا يبزم من هذا كون نبينا عليه الصلاة والسلام متعبدا بشريعة من قبله لاحتمال أن يكون فيه حكم آخر او تقرير له، لم يصل الينا نقله (لا يقال ان التقرير للشرع الأول هو عين التعبد به لانا) (نقول لا نسلم انه عينه بل غيره لان الشرع في اللغة عبارة عن البيان والاظهار يقال شرع الله كذا اي جعله طريقا ومذهبا فان الشرع الثاني الذي تعبد به غير الاول الذي قرر، وقال بعضهم: إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ وهو عين ما نحن عليه لكن هؤلاء بنوا مذهبهم على أن محمداً متعبد بشريعة من قبله وقد
عرفت ما فيه.
(قوله سوى الهدى الهدى يطلق على التوحيد والتقديس، ويطلق على ما لا يعرف الا بلسان الانبياء من الفعل والترك، ثم انه يطلق على الكل ويطلق على الجزء ا. أبو البقاء والمراد به هنا نسخه من مكارم الاخلاق. يصح
الاطلاق الاول وما لا
هـ
(قوله بشرعنا متعلق بنسخت والاضافة فيه لتشريف المضاف اليه.
(قوله البديع) أي الحسن نعته بصفة ملازمة له كشفا لحقيقته عند به كمن أنكره من اليهود والنصارى.
الغبي
من
(1) هو أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي أبو البقاء صاحب الكليات كان. قضاة الأحناف عاش وولي القضاء في (كفة) بتركيا وبالقدس وببغداد وعاد الى استانبول فتوفي بها عام 109 هـ ودفن في تربة خالد وله كتب أخرى بالتركية.
راجع هدية العارفين 229 وفيه وفاته قاضيا بالقدس وإيضاح المكنون 2: 380 ومعجم المطبوعات 293 وفيه وفاته سنة 1095.
40 (2/40)
صفحة 498
(قوله وما له اي شرعنا بجر شرع بدلا من الضمير أو عطفا عليه بأي التفسيرية على مذهب من جعلها عاطفة.
(قوله مغير) أي مزيل بمعنى ناسخ أي ليس لشرعنا ناسخ أبدا لقوله تعالى (وخاتم النبيين) وليس بعد الخاتم أحد إذ لو كان بعده أحد
لما كان خاتما لهم وقوله المعنى على كل من بلغه علمه.
>>
نبي بعدي) فيجب اعتقاد هذا لا
(قوله فهو على الدوام الثابت الى يوم القيامة لا يغير أي لا يزال
بمعنى
أنه لا ينسخ.
(1) سورة الأحزاب آية رقم 40
(2)
الحديث رواه الامام احمد بن حنبل في المسند 1: 177 – عن قتادة وعلي بن زيد بن جدعان قالا ثنا ابن المسيب حدثنا ابن سعد بن مالك ثنا عن أبيه قال دخلت على سعد
فقلت حديثا حدثينه عنك حين استخلف رسول الله الالات العليا.
المدينة قال: فغضب فقال حدثك به من
قال: و إن رسول الله
-
-
-
الله
رضي
4:5
على
فكرهت أن أخبره أن ابنه حدثنيه فيغضب عليه ثم
حين خرج الى غزوة تبوك استخلف علياً -
الله
رضي
عنه على المدينة. فقال يا رسول الله ما كنت أحب أن تخرج وجهاً إلا وأنا معك فقال:
غير
أنه لا
نبي بعدي ..
أو ما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ورواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة 9 باب مناقب علي بن ابي طالب القرشي 3706 بسنده عن ابراهيم بن سعد عن أبيه عن الرسول علا الا الله وليس فيه (لا نبي بعدي) وذكرها
ابن حجر في الشرح ورواه ابن ماجة في المقدمة 11 والترمذي في المناقب 20
41 (2/41)
صفحة 499
المقصد الخامس» (في الملائكة)
وبعده
ملائك حباهـ
مولاه
بالق
واجتباهـ
أفضلهم جبريل والذي زعم
تفضيله على الحبيب قد غشم)
(قوله وبعدهم ملائك) أي وبعض الأنبياء في رتبة الافضلية ملائك الخ (اعلم) أنه لا نزاع في افضلية نبينا محمد علي الله على جميع الخلق الا ما سيأتي عن الزمخشري في تفضيل جبريل على نبينا عليهما الصلاة والسلام، وسيأتي رد قوله فهو المستثنى من الخلاف الآتي في تفضيل الأنبياء على الملائكة أو العكس، وكذلك أيضا لا نزاع في تفضيل الانبياء عليهم السلام على الملائكة السفلية الارضية، وأما تفضيلهم على الملائكة العلوية فذهب اليه جمهورنا وجمهور الاشعرية مستدلين بادلة (منها): قوله تعالى واذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) لان المتبادر الى الذهن أمر الادنى بالسجود للاعلى لا العكس (لا يقال إن السجود يكون على وجوه فلعله لم يكن سجود تعظيم (لانا نقول) قوله تعالى حكاية عن إبليس «أرأيتك هذا الذي کرمت علي (3) وقوله (أنا منه) ينفي ما عدا التعظيم من
خير
(1) سبق الترجمة له في كلمة وافية في هذا الجزء. (2) سورة البقرة آية رقم 34 وتكملة الآية فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين). (3) سورة الاسراء آية رقم 62 (4) سورة الأعراف آية رقم 12 وتكملة الآية (خلقتني من نار وخلقته من طين). وسورة ص
آية رقم 76.
42 (2/42)
صفحة 500
الاحتمالات (ومنها) قوله تعالى (وعلم - آدم – الأسماء كلها (1) والعالم أفضل من غيره بدليل «هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) (ومنها) أن عبادة الانبياء إنما تكون بتحمل المشاق في قطع العوائق من قمع الشهوات ومصادفة المكروه، ومن كان كذلك فهو أفضل لقول النبي عل الله «أفضل الأعمال أحمزها أي اشقها (3) (ومنها) أن الملائكة ذوو عقول بلا شهوة والبهائم شهوة بلا عقول، والأنبياء قد جمع فيهم العقل والشهوة، فمن غلبت شهوته عقله فهو أشر من البهائم لقوله تعالى (أولئك كالانعام بل هم أضل» «إن شر الدواب عند الله) الآية وذلك يقتضي أن من غلب عقله شهوته أفضل من الملائكة وهذا الدليل والذي قبله يقتضيان تفضيل سائر المؤمنين عليهم أيضا وسيأتي الخلاف فيه قريبا إن شاء الله. (وذهبت) المعتزلة وأبو عبد الله الحليمي والقاضي أبو بكر الى
(7)
(1) سورة البقرة آية رقم 31 وتكملة الآية (ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء
إن كنتم صادقين).
(2) سورة الزمر آية رقم 9 وتكملة الآية إنما يتذكر أولوا الألباب). (3) لم نعثر على هذا الحديث على كثرة البحث والتقصي ولعل بعض الأخوة يدلنا عليه. (4) سورة الأعراف آية رقم 179
(5) سورة الانفال آية رقم 22
(6) هو الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الجرجاني أبو عبدالله فقيه شافعي قاض كان رئيس أهل الحديث في ما وراء النهر مولده بجرجان عام 338 هـ ووفاته في بخارى عام 403 هـ له: المنهاج في شعب الايمان، قال الأسنوي: جمع فيه أحكاماً كثيرة، ومعاني
غريبة.
راجع الرسالة المستطرفة 44 وملخص المهمات وفهرس المخطوطات المصورة 1: 110 (7) هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر، أبو بكر: قاض من كبار علماء الكلام انتهت إليه الرئاسة في مذهب الأشاعرة، ولد في البصرة عام 338 وسكن بغداد فتوفي فيها عام الجواب من كتبه: إعجاز القرآن، والانصاف وكشف أسرار الباطنية والتمهيد في الرد على الملحدة والمعطلة والخوارج والمعتزلة وغير ذلك. =
403
هـ كان جيد الاستنباط
43 (2/43)
صفحة 501
أن الملائكة أفضل من الأنبياء واستدلوا على ذلك بوجوه عقلية ونقلية فاما (العقلية) فمبنية على قواعد الفلسفة التي لا يسلمها الاسلاميون فلا نذكرها، وأما النقلية) فمنها قوله تعالى حكاية عن نبيه الله ولا أقول إني ملك) قلنا لم يقل على سبيل التواضع وإنما قاله ليتبرأ من دعوى القوة حيث استعجلوه بانزال العذاب الذي توعدوا به وذلك أن الملائكة أقدر على زلزلة الارض وقلبها مع أن ظاهر الآية يقتضي تفضيلهم أيضا على محمد علا الله والخصم لا يقول بذلك فينتقض بذلك
استدلاله.
المسيح
هذه
(ومنها) قوله تعالى حكاية عن إبليس (ما نهاكما ربكما عن الشجرة الا أن تكونا ملكين) (قلنا) انهما رأيا الملائكة أعظم خلقة أقوى فعالا فخيل لهما أن ذلك هو الكمال (ومنها) «لن يستنكف أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون) (قلنا): هو رد على النصارى حيث زعموا ألوهية عيسى من حيث أنه يحيي الموتى الأكمه والأبرص وأنه لا اب له والملائكة أقدر على ذلك من عيسى بتقوية الله لهم ولا اب لهم ولا أم فلم يكن ذلك موجبا لاستنكافهم عن العبودية.
ويبرئ
(ومنها) «ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم.
راجع وفيات الأعيان 1: 481 وتاريخ بغداد 5: 379 ودائرة المعارف الاسلامية 3: 294 والديباج المذهب 267 ودار الكتب 1: 165 (1) سورة الأنعام آية رقم 50 بزيادة (لكم) وسورة هود آية 31 ولا أقول إني ملك) وتكملة الآية (ولا) أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيراً الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا
لمن الظالمين).
(2) سورة الأعراف آية رقم 20 (3) سورة النساء آية رقم 172 (4) سورة يوسف آية رقم 31.
14 (2/44)
صفحة 502
الحسن
?
(قلنا): هو حكاية عن نسوة غير متفقهات وأيضا فهو تفضيل في في الخصال وذلك أنه تخيل لهن أن الملك أحسن صورة من جميع خلق الله فقلن ذلك (ومنها) أنهم رسل الله الى أنبيائه والرسول أفضل من المرسل إليه (قلنا) هذا يقتضي أن الملك اذا أرسل أحدا من عوام الناس الى ملك آخر أن يكون ذلك العامي أفضل المرسل هو إليه وأيضا فهذا يستلزم تفضيلهم على نبينا والخصم لا يقول بذلك.
من
الملك
(واختلف) القائلون بتفضيل الانبياء على الملائكة هل الملائكة أفضل من سائر المؤمنين أم المؤمنون أفضل منهم احتج من قال بأفضلية الملائكة بقوله تعالى «بل هم عباد مكرمون (1) وفيه أن وصفهم بالاكرام لا يقتضي نفيه عن غيرهم وبقوله تعالى (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (2) (واستدل) القائلون بتفضيل المؤمنين على الملائكة بقوله تعالى حكاية عنهم «نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي خرة (3) اي نخدمكم فيهما وفيه أن من يخدم أحداً لا يستلزم أن
الآخر
منه
يكون المخدوم أفضل فإن سيد القوم خادمها» ولان رسول الله الا ربما خدم غيره كما هو مشهور في كتب التواريخ وبقوله تعالى " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين) وفيه أنه اصطفاء للانبياء على سائر العالمين لا لعامة المؤمنين عليهم. وبما روي عنه ا انه قال «المؤمن من بني آدم
(1) سورة الأنبياء آية رقم 26
(2) سورة التحريم اية رقم 6
(3) سورة فصلت آية رقم 31 (4) سورة آل عمران آية رقم 33
45 (2/45)
صفحة 503
أفضل عند الله من جميع الملائكة) وهذا دليل صريح في تفضيلهم على الملائكة لكنه خبر واحد لا يوجب العلم ولا يقال: إنه مردود بظاهر قوله تعالى لا يعصون الله ما أمرهم (2) لانه اخبار عن لا يعصون لا عن تفضيلهم على غيرهم فلا تنافي ولبعضهم:
كونهم
ــة المسلـ
ف
اقت
رام
وله الاعزاز
دار المقـ
سام
أعلا عن
الدلالة
خبير
هذا وأنت أن أدلة التفضيل مطلقا ظنية فإنها وإن كانت آيات قرآنية ففيها احتمالات تأويلية، وما كان محتملا لمعنيين فصاعدا ولم يكن ثمة قاطع بارادة أحد المعاني خاصة، فتلك الاحتمالات متساوية وترجيح أحدها على الباقي أو نحو ذلك ترجيح ظني فقط، والظني لا يفيد العلم القطعي، والاعتقاد الجازم ثمرة العلم القطعي لا الظني، فبهذا تعرف أنه ليس على المكلف من اعتقاد هذا المعنى شيء ولذا سكت عنه أصحابنا المشارقة رحمهم الله تعالى فلم يذكروه في مؤلفاتهم لاقتصارهم غالبا على بيان اللازم من الاعتقاد، وإنما ذكرناه نحن توسعة للمقام واطلاعا للطالب واظهارا للفائدة، وهكذا سبيلنا في المسائل الغير القطعية.
المسند
(1) لم نعثر على هذا الحديث في كتب الصحاح وهناك حديث رواه الامام أحمد بلفظ (إن عبدي المؤمن عندي بمنزله كل خير يحمدني وأنا أنزع نفسه من بين جنبيه)
(2) سورة التحريم آية رقم 6
46 (2/46)
صفحة 504
(واعلم أن الملائكة أجسام لطيفة من نور وقيل من غيره لكنها تضيء كالنور وليست لحما ولا دما ولا عظما، قادرة على التشكل باشكال مختلفة وهكذا تراهم الرسل. وقالت طائفة من النصارى: إن
الملائكة
رحمه
الله
تعالى: ومن
هي أرواح الفضلاء الطيبين من بني آدم الذين ماتوا. قال القطب اعتقد هذا حكمنا باشراكه لقيام الأدلة القاطعة على أن الملائكة ليسوا بذلك من الأحاديث الدالة عن أن بعضا خلق
من النور وبعضا من الذكر، ومن اعتقد غير ذلك فهو مخالف للاجماع قال: والواجب أن تعلم أن كل جملة غير الأخرى. الملائكة جملة والجن جملة وبنو آدم جملة، فاذا قلنا الملائكة أرواح الموتى الفضلاء لزم أن يكونوا من بني آدم وأيضا قامت الادلة أن الملائكة تبعث على حدة فيلزم أن يكون بنو آدم مبعوثين بلا روح أو غير مبعوثين أو مبعوثين بأرواح غير ما كانت فيهم في الحياة الدنيا، وذلك كله شرك لانه إنكار للبعث الموصوف شرعا بأنه بأرواح وحياة، وأنه لا يترك منهم شيء غير مبعوث مما كان فيهم في الدنيا فكيف يبعثون بدون الروح التي كانت فيهم .. ؟ وإنما ينادي الملك أيتها الأرواح ارجعي أجسادك وزعم الحكماء أنها جواهر مجردة مخالفة للنفوس الناطقة في الحقيقة فهي أرواح لم تكن في أجساد قال: والملائكة قسمان قسم للعبادة وهم العليون والمقربون والكروبيون قال الله جل وعلا يسبحون الليل والنهار لا يفترون .. وقسم لخدمة ما أمر الله من وحي وسحاب ورجم وغير ذلك فمنهم المدبرات أمرا أو هم كلهم المدبرات أمرا اعني القسم الثاني بعضهم سماوي وبعضهم أرضي قال الله تعالى (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (2) ا. هـ.
الى
به
(1) سورة الأنبياء، آية رقم 20. (2) سورة التحريم آية رقم 6
47 (2/47)
صفحة 505
ولا يجوز وصفهم بأنهم اناث ومن وصفهم بذلك فهو مشرك،
(4)
لقوله تعالى (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن اناثا» لا يجوز وصفهم أيضا بأنهم رجال قال الباجوري): ومن وصفهم بذلك فقد نافق وجوز ذلك بعض أصحابنا وتأولوا عليه قوله تعالى (وعلى الاعراف رجال) على القول بأنهم ملائكة ولا دليل على نفاق من قال بذلك اللهم الا أن يريد القائل بأنهم رجال وصفهم بالصفات اللازمة للرجال من وجود الذكورية ولوازمها ومجوز ذلك من أصحابنا لم يرد الا اطلاق اسم الرجال عليهم لا مدلول الاسم فافهم ولا يجوز الشك في هل هم إناث او هل هم صبيان أو مجانين؟ قال عبد العزيز رحمه الله تعالى ومن شك في ذلك فهو مشرك قال: شك أنه هل في و من فيهم الاناث والصبيان والمجانين؟ فهو موحد وهذا إذا لم تقم عليه الحجة القاطعة بأنهم ليسوا كذلك واختلف) في مبدإ خلقهم فقيل خلقوا دفعة واحدة ويموتون كذلك بعد فناء الخلق وقيل خلقوا متفاوتين وهو الصحيح للاحاديث الدالة على ذلك والأولى التوقف في فنائهم هل هو دفعة أم لا؟ ولا يجوز أن يوصفوا بأنهم يأكلون أو يشربون أو ينامون قال عبد العزيز رحمه الله تعالى ومن وصفهم بشيء من ذلك فهو مشرك والمراد بالشرك هنا الشرك الجزئي الذي لا يترتب
(1) سورة الزخرف آية رقم 19 وتكملة الآية (أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون). (2) سبقت الترجمة له في كلمة وافية في الجزء الأول (3) سورة الأعراف آية رقم 46 وتكلمة الآية يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن
سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون)
(4) لعله عبد العزيز بن محمد الضمدي مجتهد من العلماء بالحديث زيدي يماني من أهل ضمد، ولي القضاء في زبيد والمخا وغيرهما وصنف كتباً اشتهرت في اليمن منها و حاشية على شرح الخبيصي على الكافية في النحو، وتخريج أحاديث شفاء الأوام وبيان طرقها من دواوين أئمة الحديث الأعلام. وسماه الشوكاني: عبد العزيز بن أحمد النعمان. توفي عام 1059 هـ
48 (2/48)
صفحة 506
عليه أحكام المشركين وهو النفاق في العقائد كما مر من بيان اصطلاحهم في ذلك، ووجه نفاقه بما ذكر أن تلك الصفات يختص بها غير الملائكة فمن وصفهم بها أو بشيء منها فقد جعل غير الملائكة ملائكة وهو زعم باطل قوله حباهم أي أعطاهم على سبيل اللطف (قوله مولاهم) أي ناصرهم (قوله بالقرب أي برفع المنزلة وعلو الشان (قوله. واجتباهم) أي اصطفاهم والاصطفاء للملائكة عليه (والخلف) في عصمتهم ذهب بعض الى نفيها عنهم مستدلين بقوله تعالى «قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) الآية (قالوا) ففيها من المعاصي
مجمع
أشياء. (أحدها): الغيبة لان فيها ذكر مثالب الغير.
(وثانيها): تزكية النفس والجواب عنهما أن الغيبة ذكر مثالب الغير مع من لم يعلمها والتزكية ذكر فضائل النفس مع من لم يعلمها أيضا كذا قال العضد) وفيه أن ذكر مثالب المؤمن مع من علم ذلك ليس بغيبة وليس كذلك لحديث عائشة في المرأة التي وصفتها مع رسول الله الا الله بالقصر (3) فقال لها اغتبتيها مع أن رسول الله لقد رأى
(1) سورة البقرة آية رقم 30 وتكملة الآية (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون).
(2)
هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار أبو الفضل عضد الدين الإيجي عالم بالأصول والمعاني العربية من أهل (إيج) بفارس ولي القضاء وانجب تلاميذ عظاماً وجرت له محنة مع صاحب کرمان فحبسه بالقلعة فمات مسجوناً من تصانيفه و المواقف، في علم الكلام والعقائد العضدية، وجواهر الكلام، ومختصر المواقف، والمدخل في علم المعاني والبيان والبديع. توفي عام 756 هـ. راجع بغية الوعاة 296 ومفتاح السعادة 1 169 والدرر الكامنة:2: 322 وطبقات السبكي
108:
(3) الحديث رواه الامام أحمد في المسند 6: 206 حدثني أبي ثنا وكيع قال ثنا سفيان عن
عن
علي بن الأقر أبي حذيفة عن عائشة أنها ذكرت امرأة وقالت مرة حكت امرأة وقالت إنها قصيرة فقال: اغتبتها ما أحب أني حكيت أحداً وأن لي كذا وكذا).
49 (2/49)
صفحة 507
منها ذلك ايضا وللعضد أن يقول إن عائشة الله رضي
عنها مبني
على
ظنها أن رسول الله لا الله لم ير منها ما رأت احتمال أن يكون مع الرسول الله لم ير قصرها أصلا.
(ثالثها): الاعتراض على الله تعالى في فعله والجواب انها استفسار لا اعتراض أي قول الملائكة طلب لبيان الحكمة لا اعتراض على فعل
الصانع.
ورابعها): أن قولهم ذلك رجما بالغيب وقول بالظن والظن في مثل هذا لا يجوز، والجواب: أنه لم يكن رجما بالغيب لاحتمال أن يكونوا علموا ذلك علما عند الله من تعالى أو شاهدوا مكتوبا في اللوح ما قالوا (واستدل) ذلك البعض أيضا بقوله تعالى «فسجد الملائكة كلهم اجمعون الا ابليس () () (قالوا) لو لم يكن الملائكة لما من استثناؤه منهم (قلنا) هو من الجن بدليل «إلا ابليس كان من الجن) والاستثناء منقطع على حد:
صح
وبلدة ليس
بهـ
أن
الا اليعافي
خلاف الظاهر ولا
(قالوا) فالجن اسم لبعض الملائكة (قلنا) هو دليل عليه (قالوا) ولو لم يكن من الملائكة لما عصى بترك السجود
(1) سورة الحجر آية رقم 30 وسورة ص آية رقم 73 (2) سورة الكهف آية رقم 50 وتكملة الآية ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا).
من
(3) هذا البيت من أرجوزة لعامر بن الحارث المعروف بحران العود وهكذا يرويه النحاة من
سيبويه الى اليوم وان كانت الرواية في ديوانه هكذا الذئب أو ذو لبد هموس ... بسابسا ليس بها أنيس. إلا اليعافير وإلا العيس ... وبقر ملمع كنوس
50 (2/50)
صفحة 508
(قلنا) الأمر للملائكة ولغيرهم فخصوا بالذكر لشرفهم عند الله تعالى ولاغلبيتهم على غيرهم كثرة، واستدلوا أيضا بما ورد في بعض الأخبار أن هاروت وماروت كانا ملكين بل نصت الآية على ذلك وقد وقعت
منهما المعصية.
(قلنا) ليس في الآية دليل على أنهما عاصيان أو فعلا شيئا من المناكر، والاخبار بذلك من كذب اليهود كيف يكونان عاصيين مع قولهما فلا تكفر وتعليمهم الناس السحر يحتمل أن يكون بأمر الله تعالى فتنة من للمتعلمين، إذ ليس ينافي الحكمة أن يعلمهم شيئا وينهاهم عن اتيانه، ويدل على أنهما مأموران بذلك قوله تعالى (وما أنزل على الملكين ببابل) فالظاهر أنهما لم يكونا مأمورين بذلك ما ما أوتياه سمي منزلا وهذا أولى مما قيل أنهما رجلان صالحان شبها بالملكين فاطلق عليهما اسمهما إذ لا دليل عليه.
(واستدل) المثبتون للعصمة بقوله تعالى «لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (2) (يسبحون الليل والنهار لا يفترون (3) (واجيب) عنها بأنها تكون دليلا على المطلوب ان لو استغرقت كل فرد منهم وكل زمان وليس فيها ذلك إنما دلت على أنهم في الجملة متصفون بذلك فلا ينافي عصيان البعض منهم دون البعض لجواز تخصيص العام وكذلك لا ينافي عصيانهم في زمان غير الزمان الذي مدحوا
الله
(1) سورة البقرة آية رقم 102 وتكملة الآية: هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون .. (2) سورة التحريم آية رقم 6
(3) سورة الأنبياء آية رقم 20 وقد جاءت في الأصل الآيتان على أنهما آية واحدة.
01 (2/51)
صفحة 509
فيه (قلنا) الآيات اخبار عامة شاملة لجملتهم والخبر لا يخصص ولا يقيد الا بمتصل به أو بما هو في حكم المتصل كالعقل مثلا وهنا ليس كذلك فوجب أن يعتقد حقية مدلول الآيات (وأيضا) فلو جازت عليهم المعصية ما وجب على الرسول أن يصدق الملك فيما جاءه به لاحتمال أن يكون كاذبا في ذلك ويجاب بأن لا يتوقف على ثبوت العصمة لاحتمال أن يرى عليه شاهد الصدق فينقطع عذر التكذيب.
عند
الله
وجوب
التصديق
أذن
(وبالجملة) فليس هنا دليل قاطع على ثبوت العصمة لجميع أشخاصهم حتى يكفر من خالفه لكن الراجح أن العموم مستغرق لافراده حتى يخصص ولا مخصص هنا قوله أفضلهم جبريل) أي أكثرهم فضلا عز وجل وهو الملك جبريل، قيل ومعناه بالعربية عبدالله، والدليل على أفضليته أنه هو الرسول من الله الى أنبيائه والرسول أفضل ممن لم يرسل لاصطفاء الرسول على غيره وهو مشاهد للوقائع التي الله له أن يشهدها والمجاهد أفضل من غيره لقوله تعالى «فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة) (فان قيل) إن الملائكة أرسل وشهد أيضا (قلنا) ارساله وجهاده أكثر من ارساله غيره وجهاده، ومن كان أكثر خصالا في الخير كان أفضل عند الله تعالى (قوله والذي زعم أي قال بتفضيل جبريل على محمد قد غشم حيث دخل مدخلا ليس له أن يدخله بلا تثبت في أمره، والاشارة الى الزمخشري مستدلا بأن الله عز وجل وصف جبريل بقوله انه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش
غيره من
(1)
سورة النساء آية رقم 95 وقد جاءت هذه الآية محرفة في المطبوعة حيث ذكرت (فضل
الله المجاهدين على القاعدين درجة ..
(2) سبقت الترجمة له في هذا الجزء
02 (2/52)
صفحة 510
مكين) ووصف محمدا بقوله «وما صاحبكم بمجنون (3) فاقتصر على نفي الجنة عنه واطال في وصف جبريل بما سمعت.
(قلنا) ليس في تطويل الصفات وتقصيرها ما يدل على تفضيل وغيره وإنما ذلك شيء اقتضاه المقام فإن قريشا كانوا يقولون لرسول الله إنه معلم مجنون فرد عليهم القرآن قولهم حيث نفى عنه الجنة (قوله على الحبيب هو نبينا عليه الصلاة والسلام، وإنما سماه حبيبا لقوله لا اتخذ الله ابراهيم خليلا وموسى نجيا واتخذني حبيبا ثم قال عزتي وجلالي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي (قوله قد غنم) أي في حق محمد ال حيث فضل غيره عليه وخرق بذلك الاجماع حتى قال من قال: إن الزمخشري خالف مذهبه صلى الله في تفضيل جبريل على محمد علا قال القطب رحمه الله وليس هو مخالفا لمذهبه لان مذهبه تفضيل الملائكة على الأنبياء. (أقول) في المواقف وشرحه للسيد إن المعتزلة مجمعون مع من أجمع على تفضيل محمد على سائر الخلق وانه مستثنى من النزاع الواقع في تفضيل الملائكة على الأنبياء، لكن استثنائه من محل النزاع وتصحيحه ذلك مؤذن بان فيه قولا آخر فلعله علم أن ذلك القول هو مذهب الزمخشري.
صحح القطب رحمه
الله
عدم
(1) سورة التكوير آية رقم 20
(2) سورة التكوير آية رقم 22
(3) الحديث رواه الامام البيهقي في شعب الايمان عن أبي هريرة رضي الله عنه. (4) كتاب المواقف لعضد الدين الايجي وقد قامت أخيراً إحدى دور النشر بلبنان بطبع المتن ولا زال الشرح في حاجة الى تحقيق وتبويب حتى يمكن للباحثين الانتفاع به.
-
53 (2/53)
صفحة 511
جميعا
الايمان بالأنبياء والملائكة
الايمان
وبالذي أنزل
الرح
(وهو كلام دل بالنظم
على معان فيه ارشاد الام
(قوله بهم جميعا) الضمير عائد على الأنبياء والملائكة (قوله يجب الايمان) أي التصديق بوجودهم لقوله تعالى «آمنوا بالله واليوم) وقوله والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا من رسله) وقدم ذكر الملائكة لتقدمهم في الوجود الكتب فالايمان بهم أبعد مما هو أظهر للحس.
الآخر
نفرق بين
أحد
ولانهم أخفى أخفى من
(1) سورة النساء آية رقم 39 وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة
(2) سورة البقرة آية رقم 285 وتكملة الآية: وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ..
54 (2/54)
صفحة 512
المقصد السادس»
في الكتب والايمان بها
(قوله وبالذي انزله الرحمن) معطوف على قوله بهم جميعا يجب الايمان أي ويجب الايمان بالذي أنزله الرحمن من الكتب السماوية الى أنبيائه عموما وبالقرآن خصوصا، وهي مائة كتاب وأربعة كتب كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه خمسون منها على شيث وثلاثون على ادريس، وعشرة على ابراهيم، وعشرة على موسى قبل التوراة والاربعة هي التوراة على موسي
،
والزبور على داود، والانجيل على عيسى والفرقان على نبينا محمد وهو ناسخ لكتابتها وتلاوتها وبعض أحكامها وهو أفضلها أيضا ويليه التوراة فالانجيل فالزبور وهو كلام عربي والتوراة عبراني، والانجيل رومي، والزبور سرياني كذا قيل ونزلت صحف ابراهيم لثلاث مضين من رمضان وقيل في أول ليلة منه ونزلت التوراة لست مضين منه ونزل الانجيل لثلاث عشرة مضين منه والزبور لثماني عشرة مضين منه، وكلها أنزلت الى أنبيائها دفعة واحدة والقرآن في الرابعة والعشرين منه في ليلة القدر، أنزل دفعة واحدة من اللوح المحفوظ الى سماء الدنيا واللوح المحفوظ: هو درة بيضاء طولها مسير خمسمائة عام وعرضها كذلك وقيل جبهة ملك ثم نزل بعد ذلك منجما على حسب المصالح، ثم انزاله بعشر سنين بمكة وعشر بطيبة وقيل بثلاث عشرة سنة بمكة وعشر بطيبة قال القطب رحمه الله تعالى: وكل الكتب
أو
عن جبريل عن ميكائيل عن اسرافيل عن اللوح المحفوظ او عنه عن ملائكة بالنسخ اللوح أو عن جبريل عن اللوح اقوال ا. هـ.
من
55 (2/55)
صفحة 513
(قوله وهو كلام أي المنزل من عند الله تعالى الى أنبيائه كلام مركب من حروف ومعان مختلفة عباراته باختلاف لغات أنبيائه «وما رسول الا بلسان قومه) «ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا من لولا فصلت آياته أعجمي وعربي).
أرسلنا
(واعلم)
الكتب
من
أن هذا وما بعد تشخيص للكلام المنزل لا تعريف له لان الشخصيات والشخصي لا يعرف أي لا يمكن تعريفه كزيد مثلا فانك متى قلت إنه رجل طويل عريض كان تشخيصا له لا تعريفا فلا يكمل تمييزه الا بالاشارة اليه فكذا الكتب لا يكمل تمييزها الا بالاشارة اليها وتلاوتها من أولها الى آخرها، ولذا كان هذا الكلام جامعا غير مانع، فانه شامل لكل كلام بليغ فيه معان يهتدى بها الى طريق النجاة قوله) دل بالنظم الاتم على معان عبر بالنظم لما فيه من حسن التعبير في تشبيه الكلام بنظم اللالي في السلك بخلاف التعبير باللفظ فانه لغة الطرح ولذا قالوا إن في التعبير به سوء أدب ولان اللفظ خاص بما عدا الكلام الالهي قاله الرضي) ووصف النظم بالاتم اي التام بحسب لغة من أنزل اليهم وان كان متفاوتا في الكمال فنظم القرآن معجز بخلاف غيره من الكتب وهل الآية الواحدة منه معجزة للبلغاء والعلماء أو الثلاث الايات فما فوق باقتصاره تعالى عليها
(1) سورة ابراهيم آية رقم 4 وتكملة الآية ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم .. (2) سورة فصلت آية رقم 44 وتكملة الآية قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد .. (3) هو محمد بن الحسين بن موسى أبو الحسن الرضي العلوي الحسيني الموسوي، أشعر الطالبين على كثرة المجيدين فيهم مولده عام 359 هـ ووفاته ببغداد عام 406 هـ انتهت إليه نقابة الأشراف في حياة والده وخلع عليه بالسواد له ديوان شعر في مجلدين وكتب منها الحسن
من شعر الحسين.
راجع وفيات الأعيان 2:2 وتاريخ بغداد 2 246 ويتيمة الدهر 2: 297 - 315 ونزهة
الجليس 1 359 والذريعة 1.6:7
5 (2/56)
صفحة 514
لقوله «فأتوا بسورة من مثله .. ؟ واقصر السور ثلاث آيات قولان وقيل مجموعة معجز فقط قال القطب رحمه الله تعالى: وهو باطل اقول ووجه بطلانه ان قوله تعالى «قل فأتوا بعشر سور (2) وقوله قل فأتوا بسورة مثله (3) مشعر بأن الاعجاز بأقصر سورة منه لا يمجموعة فقط ولاعجازه جهات أخر (منها) ايجازه وبلاغته وبيانه وعدم کلال قارئه ومستمعه وخرق العادة في نظمه وإخباره بالغيب واخباره عما مضى في الامم الخالية وجمعه علوما لم يجمعها غيره من الكتب من حلال وحرام ومواعظ وأمثال وقصص وصرف الهمة عن معارضته و عارضه قليل فافتضحوا.
(4)
(واعلم) أن النظم هو ركن الكلام المنزل به هو الركن الاعظم والركن الثاني هو المعنى فلا يجوز لقارئه سلخ معناه الى لفظ آخر، وفاعل ذلك في صلاته تفسد صلاته خلافا لابي حنيفة في تجويزه قراءة القرآن في الصلاة بالفارسية وهي احدى اعجوباته واعتذار بعض أصحابه عنه بما لا طائل تحته غير مسموع (قوله فيه) أي الكلام
المنزل قوله ارشاد الامم اي دلالتهم الى طريق مرضاة ربهم.
(1) سورة البقرة آية رقم 23 وتكملة الآية وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين». (2) سورة هود آية رقم 13 وتكملة الآية مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون
(4)
کنتم صادقين ..
الله
إن
(3) سورة يونس آية رقم 38 وتكملة الآية وادعوا) من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين). وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: (بسورة من مثله) بزيادة (من) هو النعمان بن ثابت التميمي بالولاء الكوفي أبو حنيفة إمام الحنفية الفقيه المجتهد المحقق، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، قيل أصله من أبناء فارس ولد عام 80 هـ بالكوفة وكان يبيع الخز ويطلب العلم في صباه ثم انقطع للتدريس والافتاء، وأراده عمر بن هبيرة أمير العراق على القضاء فامتنع ورعاً وأراده المنصور العباسي بعد ذلك على القضاء ببغداد فأبى
توفي عام 150 هـ من كتبه: المخارج في الفقه، والفقه الأكبر. راجع تاريخ بغداد 13: 323 - 433 وابن خلكان 2 163 والنجوم الزاهرة 2: 12
والبداية والنهاية 10 107 والجواهر المضية 1: 26
OY (2/57)
صفحة 515
الحديث في خلق القرآن
والكل مخلوق لامكان العدم
ولانفراده تعالى بالقدم
من
الحادث
(قوله والكل مخلوق أي وكله فأل عوض عن المضاف اليه (اعلم) الامة أنه لا خلاف بين في أن كلامه تعالى المكتوب في المصاحف المتلو بالالسن المحفوظ في الصدور، مخلوق لانه مركب من حروف وكل حرف منها مشروط وجوده بانقضاء ما قبله، فيكون له ابتداء وانتهاء، وما كان له ابتداء وانتهاء فهو حادث والمركب حادث بالضرورة ولانه ممكن وجوده وعدمه وكل ما كان كذلك فهو حادث بالضرورة ايضا، ولانه شيء غير الله عز وجل فلو قيل بقدمه بطلت الوحدانية في القدم، لانه يلزم ان يكون حينئذ قدمان وهو باطل، ولان الله عز وجل قال في حقه «قرآنا عربيا) فيقتضي أن يكون بعض الكلام الالهي عربيا وبعضه عبرانيا ونحو ذلك من اللغات فيكون متغيرا بتغير العبارات والمتغير حادث، ولان الله تعالى وصفه بأنه ذكر بقوله «وأنه لذكر لك) ووصف الذكر بأنه حادث بقوله «وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث (3) ولانه
(1) سورة طه آية رقم 113 وسورة الزمر آية رقم 28 وسورة فصلت آية رقم 3 وسورة الزخرف آية رقم 3
(2) سورة الزخرف آية رقم 44 وتكملة الآية، ولقومك وسوف تسألون .. (3) سورة الشعراء آية رقم. وتكملة الآية (إلا) كانوا عنه معرضين) وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال (ما يأتيهم) وصوابها (وما يأتيهم).
08 (2/58)
صفحة 516
=
من
أجزاء
مي
تعالى قال في حقه «كتاب احكمت آياته ثم فصلت) وهذا دليل على تركيبه آياته والمركب حادث، ولانه تعالى وصفه بأنه تنزيل وذلك يقتضي تنقله من مكان الى مكان والمتنقل حادث، ولانه تعالى وصفه بأنه في اللوح به هو «قرآن مجيد في لوح محفوظ) واللوح حادث فكذا الحال فيه ولانه تعالى وصفه بقوله بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) وتلك الصدور حادثة وكذا الحال فيها، ولانه ذكر فيه انا أرسلنا ونحوها من صيغ الماضي فلو كان قديما لزم أن يكون الارسال قبل وجود ذلك القديم ولا وجود قبله فيلزم الكذب ولانه تعالى قال فيه انا جعلناه قرآنا» والمجعول مخلوق ولانه لو كان قديما لزم أن يكون
المتكلم به حيث لا مخاطب سفيها والله يتعالى عن ذلك.
وخالفت الحنابلة في هذا كله وقالوا إن كلامه تعالى حروف واصوات قائمات بذاته عز وجل قديمة معه وبالغوا في ذلك حتى قال بعضهم جهلا: إن الجلد والغلافة قديمان وهؤلاء مشركون وقد حكى السيد عنهم في حواشي الكشاف أنهم أجازوا تعدد القدماء وهذا من ذلك الباب وهو شرك أيضاً.
(وذهبت الكرامية) الى أن كلامه تعالى حروف وأصوات محدث
(1) سورة هود آية رقم (1)
(2) سورة البروج آية رقم 22 (3) سورة العنكبوت آية رقم 49 (4) سورة الزخرف آية رقم 3
(5) الكرامية: زعيمها المعروف محمد بن كرام كان مطروداً من سجستان وقد دعا ابن كرام وأتباعه
أنه الى تجسيم معبوده وزعم
وهذا شبيه بقول التنويه.
جسم
له حد ونهاية من تحته
والجهة التي منها يلاقي عرشه
وقد وصف ابن كرام معبوده في بعض كتبه بأنه جوهر كما زعمت النصارى أن الله تعالى جوهر
وقد ذكر ابن كرام في كتابه أن الله تعالى مماس لعرشه وأن العرش مكان له وأبدل أصحابه
09 (2/59)
صفحة 517
قائم بذاته لتجويزهم قيام الحوادث بالذات العلية وهذا شرك أيضا لانهم الله وخلقه حيث وصفوه بصفاتهم (وأما) الحنابلة فقد وصفوا ساووا بين المخلوق بالصفة المختصة بالخلق فكان شركهما شرك مساواة (وإنما الخلاف في الصفة الذاتية المسماة بالكلام فذهبت الاشعرية) وطائفة من المشارقة الى أنه قديم لانه صفة ذات وصفات الذات قديمة، وأطلقوا عليها اسم قرآن فقالوا القرآن الذي هو صفة الذات ليس بمخلوق ولم يقم على تسمية الكلام الذاتي بالقرآن دليل، ولكن لهم أن يصطلحوا على ذلك فيكون الخلاف لفظيا حاصله هل يسمى الكلام الذاتي قرآنا
ام لا؟
(واعلم)
أن أصحابنا اختلفوا في اثبات الكلام الذاتي فمن اثبته جعله عبارة عن نفي الخرس عنه تعالى وهم الجمهور، ونفاه البعض كالإمامين ابن النظر وابي ساكن وغيرهما، واكتفوا في نفي الخرس عنه تعالى بصفة القدرة فاذا عرفت هذا وقد تقدم لك أن صفات الذات عين الذات فاعلم أن الكلام الذاتي ليس هو شيئا غير الذات العلية، وانما هو عبارة عن اتصافها بصفة كمالية ليست هي غيرها بمعنى أن الذات العلية كاملة وعبر عن ذلك الكمال بألفاظ دالة على أنواع الكمال فليس هنالك غير الله المتصف بالكمال الذاتي حتى يوصف ذلك الغير بأنه قديم، نعم على مذهب الاشاعرة الزاعمين بأن صفات الذات غير الذات فيلزمهم تعدد القدماء كما مر.
لفظ المماسة بلفظ الملاقاة منه للعرش وقالوا: لا يصح وجود جسم بينه وبين العرش إلا بأن يحيط العرش الى أسفل وهذا معنى المماسة التي امتنعوا من لفظها
وزعم ابن كرام وأتباعه أن معبودهم محل للحوادث.
راجع الفرق بين الفرق 217
(1) سبق الحديث عنهم في كلمة وافية فليرجع إليها وعلي بن اسماعيل بن اسحاق، أبو الحسن
من نسل الصحابي أبي
موسي الأشعري رئيس الأشاعرة. (2/60)
صفحة 518
(قالوا المحذور من تعدد القدماء قدم ذاتين لا ذات وصفات (قلنا) الكل محذور لانكم ان جعلتم صفاته معاني حقيقية هي غيره لزم افتقاره اليها لانكم تزعمون انه بها يعلم وبها يقدر الى آخرها، والمفتقر الى الغير ليس باله كما وجه لقول من فاذا عرفت هذا فاعلم انه لا مر، قال من أهل المذهب ان القرآن قديم الا أن يريدوا ان الله تعالى ليس بأخرس فيعبرون بهذه العبارة القاصرة عن ذلك المعنى المطلوب، فتنفي البراءة بهذا الاحتمال حسن ظن بالمسلمين ولكون مذهبهم معروفا في قولهم إن صفات الذات عين الذات فيجب رد تلك العبارة منهم الى هذه القاعدة المنيعة ولا عبرة بمن جهل المذهب من بعض العوام فوصف القرآن المتلو بالقدم، وشنع على مخالفه في ذلك ونظم نونية عزاها الى ابن النظر حاشاه ذلك، فان مذهبه من رحمه تعالي معروف
عنهم
الله
من قوله:
وأما كلام الله فهو كتابه
كذلك قال الله للطاهر الشيم
ومن قوله:
قال فالجعل
الخلق ام
الجعل شيء
فيما ذكر
قلت جعل الله خلق كلـ
لناس مقال مشتهـ
قال قال الله لم اجعل
من بحي ووصيل في
قلت قال الله لم اجعل
فاعلموا التبحير دينا
فانه نفى في كلامه الاول الكلام الذاتي وحصر الكلام في الكلام الفعلي، ولا يتصور ممن نفى الكلام الذاتي أن يقول بقدم الكلام الفعلي
61 (2/61)
صفحة 519
ومن نسب اليه ذلك فقد رماه بكبيرة لانه زعم ان ابن النظر يقول أحد إن الكلام الفعلي قديم وهذا لم يقل به المسلمين الا الحنابلة، من وبذلك القيل كفروا فلو قال به قائل من غيرهم حكم عليه بالكفر أيضا، لانه جعل غير القديم قديما، وذكر في كلامه الآخر ان جعل الله كله خلق وناظر من خاصمه في ذلك، وقد وصف الرب القرآن قاعدته بقوله «انا جعلناه (1) فعلم من رحمه الله أن القرآن مخلوق فمن
نسب اليه النونية بعد ذلك فقد عزاه الى الجهل لان فيها ما يناقض
ما هنا وذلك قوله:
ان
كان
أنا جعلناه فما من
في الجعل ان انصفت
من تبيان
الى آخره وقد عارض أخونا الراشدي رحمه الله تعالى هذه النونية بنونية أخرى أصاب فيها فصل الخطاب، سماها فيض المنان في الرد
على من ادعى قدم القرآن أولها:
انكرت جهلا فطرة القرآن
وجعلت كالمولي قديما ثان
ـلي
ولئن مَنَّ الله علي لاكتبن عليها شرحا يفتح مغلقها ويشهد بصوابها (قوله لامكان العدم لان ما أمكن عدمه استحال قدمه، وبهذا تنكشف شبهة القائلين بقدم القرآن حيث استدلوا عليه بانه غير فان لقوله تعالى وآخر دعواهم ان الحمد الله رب العالمين) وهذا الكلام لا شك أنه قرآن (وجوابهم) أن امكان الفناء يكفي في الدلالة على الحدوث لو لم يقع الفناء كيف وليس في الآية دليل على أنه غير فان بالفعل .. ؟
(1) سورة الزخرف، آية رقم 3. (2) سورة يونس، آية رقم 10.
62 (2/62)
صفحة 520
(قوله ولانفراده تعالى بالقدم فلو كان القرآن قديما لكانا قديمين فتبطل الوحدانية في القدم المقطوع بثبوتها لله عز وجل (لا يقال) إن الكلام صفة المتكلم فلا يلزم من قدمها معه تعدد القدماء لان الصفة ليست غير الموصوف (لانا نقول ان أريد بالكلام الكلام المنزل فلا اشكال انه غيره، وان أريد به الكلام الذاتي فقد بينا أن صفات الذات هي الذات أي مدلولها عين ذاته تعالى، فليس هنالك غير الذات العلية
عين
حتى يوصف بالقدم وغيره فسقط ذلك الاعتراض.
63 (2/63)
صفحة 521
فصل في المحكم والمتشابه
وفي القرآن محكم ومشتبه
ومجمل مفصل نؤمن
كل أتى من ربنا والخلف في
حديهما على أقاويل تفي)
اتفاق م أنهما
نوعان أي مختلف حكمهما)
(قوله وفي القرآن محكم ومشتبه أي من الآيات القرآنية ما هو محكم متضح معناه، ومنه ما هو متشابه على الاذهان لا يدرك معناه الا بتأمل اخفائه، وربما لا يدرك أصلا كالحروف المقطعة أوائل السور، فانه لا سبيل الى معرفة معانيها الا بتوقيف من الشارع، ولم يرد ذلك فالكف الخوض فيها أسلم، وانما قلنا إن من القرآن محكما ومنه متشابها لقوله تعالى (منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) يرد علينا أنه تعالى وصف جميع القرآن بأنه محكم بقوله «كتاب احكمت آياته» وبقوله تلك آيات الكتاب الحكيم ووصف جميعه
عن
فلا
(1) سورة آل عمران آية رقم 7 وتكملة الآية فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب (2) سورة هود آية رقم 1، وتكملة الآية، ثم فصلت من لدن حكيم خبير ..
(3) سورة يونس آية رقم 1
64 (2/64)
صفحة 522
البلاغة
بأنه متشابه بقوله «كتابا متشابها مثاني () () () (لانا نقول): ان وصف جميعه بالاحكام راجع الى النظم والتركيب تقول العرب هذا بناء محكم أي متقن قوي وكذلك وصف جميعه بالمتشابه راجع الى النظم والتركيب أيضا فانه متشابه من تلك الحيثية فليس بعضه بأحكم من بعض في التركيب، فلا يقع فيه تفاوت في البلاغة ككلام المخلوقين فانه وان بلغ من أقصاها فلا بد من تفاوته فيها «أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (2) وأما وصف بعضه بالحكم وبعضه بالمتشابه فراجع الى النظم بالنظر الى مدلوله فلا تناقض قال الفخر: (واعلم) أن العلماء ذكروا في فوائد المتشابهات وجوها.
غير
الله
(الوجه الاول): أنه
متي
كانت المتشابهات موجودة كان الوصول
الى الحق أصعب واشق وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب قال الله تعالى «أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين (3).
(الوجه الثاني): لو كان القرآن محكما بالكلية لما كان مطابقا الا لمذهب واحد وكان تصريحه مبطلا لكل ما سوى ذلك المذهب، وذلك مما ينفر أرباب المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه فالانتفاع به إنما حصل لما كان مشتملا على المحكم وعلى المتشابه، فحينئذ يطمع صاحب كل مذهب ان يجد فيه ما يقوي مذهبه ويؤثر مقالته، فحينئذ ينظر فيه جميع أرباب المذاهب ويجتهد في التأمل فيه كل
(1) سورة الزمر آية رقم 23 وتكملة الآية تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم الى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد ..
(2) سورة النساء آية رقم 82 سورة آل عمران آية رقم 142
() (2/65)
صفحة 523
صاحب مذهب، فاذا بلغوا في ذلك صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات فبهذا الطريق يتخلص المبطل عن باطله ويصل الى الحق.
(الوجه الثالث): أن القرآن إذا كان مشتملا على المحكم والمتشابه
ظلمة
افتقر الناظر فيه الى الاستعانة بدليل العقل، وحينئذ يتخلص عن التقليد ويصل الى ضياء الاستدلال، والبينة، أما لو كان كله محكما لم يفتقر الى التمسك بالدلائل العقلية فحينئذ كان يبقى في الجهل والتقليد.
(الوجه الرابع): لما كان القرآن مشتملا على المحكم والمتشابه افتقر الى تعلم طرق التأويلات وترجيح بعضها على بعض، وافتقر الى تعلم ذلك الى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو، وعلم أصول الفقه، ولو لم يكن الأمر كذلك ما كان يحتاج الانسان الى تحصيل هذه الكثيرة فكان ايراد هذه المتشابهات لاجل هذه الفوائد الكثيرة.
العلوم
(الوجه الخامس) وهو السبب الأقوى في هذا الباب أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام بالكلية وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق فمن سمع من العوام في أول الامر اثبات موجود ليس بجسم بمتحيز ولا مشار اليه ظن أن هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما يتوهمونه ويتخيلونه ويكون ذلك مخلوطا بما يدل على الحق الصريح (فالقسم الاول وهو الذي يخاطبون به في أول الامر يكون من باب المتشابهات، والقسم الثاني وهو الذي يكشف لهم في آخر الامر هو المحكمات ا. هـ.
(قوله ومجمل) هو ما خفي المراد منه إلا ببيان من المجمل بكسر الميم الثانية وهو أنواع ثلاثة لان خفاء المراد منه إما أن يكون بسبب بين معنيين فأكثر كالقرء للحيض والطهر، فلا يعلم عند
اشتراك اللفظ
66 (2/66)
صفحة 524
اطلاقه أي المعنيين أريد حتى ينصب المتكلم قرينة على مراده منه، وتلك القرينة هي البيان وإما أن يكون بغرابة في اللفظ وذلك كأن يكون اللفظ غريبا لا يعرف ما معناه الا ببيان، ومثلوا له بالهلوع من قوله تعالى خلق الانسان هلوعا (1) فقوله «اذا مسه الشر جزوعا (2) الى آخره بيان للهلوع، وإما أن يكون بسبب نقل اللفظ آخر لم يعلم بعد كالصلاة فإن معناها لغة،
منه
عن
معناه
المعلوم الى معنى ونقل الى العبادة المخصوصة ببيان من الرسول وكالربا فانه لغة الزيادة ونقل الى بيع الشيء بمثله نسيئة كان معه زيادة أولا ببيان من الرسول لال هذا كله مبني على مذهب الحنفية في المجمل، أما على مذهبنا و مذهب الشافعية فهو عندنا ما احتمل معنيين لم يكن احدهما بالنسبة اليه أظهر من الآخر، فلا تكون الغرابة ولا النقل اجمالا عندنا، وسيأتي أن المجمل عندنا قسم من المتشابه فعطفه عليه من عطف البعض على
لفظه
الكل. (قوله مفصل) أي مبين وهو ما ظهر معناه سواء كان ظهوره بنفس بيانه ابتدائيا أو بغيره وذلك الغير إما أن يكون كتابا ويسمى أو سنة أو إجماعا أو عقلا والأول اعني ما فيه البيان بنفس لفظه إما أن يكون لا يحتمل غير معناه أو يحتمل غيره احتمالا مرجوحا، وهذان النوعان هما المسميان عندنا بالمحكم كما ستعرفه قريبا ان
(1) سورة المعارج آية رقم 19 رقم 20
(2) سورة المعارج قال الامام أحمد حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى بن علي بن رباح سمعت أبي يحدث عن عبد العزيز بن مروان بن الحكم قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ه شر ما في رجل شح هالع وجبن خالع ..
رواه أبو داود عن عبدالله بن الجراح عن أبي عبد الرحمن المقري به وليس لعبد العزيز عنده
سواه.
67 (2/67)
صفحة 525
شاء
الله فعلم أن المبين أعم مطلقا من المحكم لان كل محكم مبين
ولا عكس.
قوله نؤمن به أي نصدق به على الاذعان أنه
وجه
من
عند
الله
خفي معناه
خفي
وأنه حق سواء ظهر لنا معناه أو خفي ونعتقد أن ما لحكمة سيواء عرفناها أو لم نعرفها، لانا لا نحيط علما بحكم الله عز وجل وليس لنا أن نعترض عليه في شيء من أفعاله.
(فإن قيل إن قوله نؤمن به تكرارا لقوله وبالذي أنزله الرحمن. (قلنا) ليس هو بتكرار لان ما هنالك بيان للحكم وما هنا تصريح
باعتقاد الناظم ولانه لما كان القرآن على أنواع منها يطلب الايمان معناه فقط كالذي خفي النظم بأنه يؤمن بذلك لان بيان الاعتقاد في مثل هذا المقام مطلوب فلذلك أردفه بقوله: كل أتى
به
من ربنا.
صرح
ممن
(قوله والخلف في حديهما أي المحكم والمتشابه فإن الأمة قد من الاختلافات في بيانهما وادعى كل أهل مذهب أن المحكم ما طابق مذهبه وان المتشابه هو ما خالفه وتلك حكمة الله
أكثرت
هو
عباده ليهلك من
هلك عن بينة ويحيي من حيي
عن بينة.
في
(قوله على أقاويل تفي) أي تجي أي سنذكرها في هذا النظم ان
شاء الله
منهم
(قوله مع اتفاق أنهما حد المحكم وحد المتشابه مع
نوعان) أي وقع الخلاف من
اتفاق منهم
أنهما نوعان من
الأمة
في
الكلام
كل نوع منهما له حكم يخالف حكم الآخر، فلذا قال (أي مختلف حكمهما فأي هنا تفسيرية والجملة بعدها مفسرة لغير منطوق به.
68 (2/68)
صفحة 526
أقسام المحكم والمتشابه
فالمحكم المتضح المعنى انقسم
للنص والظاهر معنـ
في النص حكم القطع بالمراد
والظ
وان اتي بعکسه
الدلي
معني فانحسم)
الظاه
للعباد)
التأويل)
(وهو قريبا أو بعيدا وقعا
أو متعذرا ـــن يتبعـ
(قوله) فالمحكم المتضح المعنى) اعلم أن اللفظ إما يحتمل غير معنى واحد «فاعلم انه لا اله الا الله) وإما أن يحتمل لكن احد معنييه اظهر من الآخر فبالنسبة الى المعنى الظاهري يسمى ظاهرا، وهو قسم من المحكم، وبالنسبة الى المعنى الآخر يسمى مؤولا، وهو قسم من المتشابه ان لم يدل عليه دليل وإما أن يكون المعنيان بالسواء أي يرجح أحدهما على الآخر الا بمرجح من خارج فهو المجمل، وهو قسم من المتشابه ولذا قال فالمحكم المتضح المعنى أي ما كان معناه واضحا وهو قسم من المتشابه ولذا قال فالمحكم المتضح المعنى أي ما كان معناه واضحاً وهو المحكم سواء كان وضوحا لا يحتمل معنى غيره أو يحتمله مرجوحا والمحكم عند الحنفية: هو
?
(1) سورة محمد آية رقم 19 وتكملة الآية واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم
ومثواكم ..
69 (2/69)
صفحة 527
ما لا يحتمل النسخ كالآيات الدالة على صفات الله تعالى نحو «وهو بكل شيء عليم) «خالق كل شيء) فان اللفظ عندهم إذا ظهر منه المراد فان لم يحتمل النسخ فهو محكم، والا فإن لم يحتمل التأويل فمفسر والا فان سيق الكلام لاجل ذلك المراد فنص، والا فظاهر واذا خفي لعارض أي لغير الصيغة فخفي وان خفي لنفسه أي لنفس الصيغة وادرك عقلا فمشكل أو نقلا فمجمل، او لم يدرك اصلا
فمتشابه ا. هـ وهي اصطلاحات وليس في الاصطلاح مشاحة. (قوله للنص والظاهر فالنص ما لا يحتمل غير معناه منقول من نصت الظبية جيدها اذا رفعته والظاهر ما احتمل غير معناه احتمالا مرجوحا قال البدر) وقد يطلق النص على الظاهر أي مجازا عرفيا بجامع الوضوح (قوله معنى تمييز محول عن فاعل أي الظاهر معناه (قوله فانحسم أي فانقطع تقسيمه أو الكلام فيه وسنشرع في بيان حكمه ان شاء الله (قوله في النص حكم القطع بالمراد) اعلم أن المحكم له حكمان لانه قسمان لكل قسم منهما حكم يخصه فحكم النص هو القطع بمراد المتكلم، بمعنى انا اذا سمعنا قوله تعالى (فاعلم أنه لا اله الا الله، وقوله «واحل الله البيع وحرم الربا» حكمنا أن المراد ما فهمناه وقطعنا بكفر خالفنا في ذلك، خلافا للفخر في
من
(1) سورة البقرة آية رقم 29 وصدر الآية هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى
الى السماء فسواهن سبع سموات)
(2) سورة الانعام آية رقم 102 وسورة الرعد آية رقم 16 وسورة الزمر آية رقم 62 وسورة
(3)
غافر آية رقم 62
سبقت الترجمة له في كلمة وافية في هذا الجزء (4) سورة البقرة آية رقم 275 وتكملة الآية فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ..
وأمره الى
(5) سورة محمد آية رقم 19 وتكملة الآية واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم
ومثواكم ..
Y. (2/70)
صفحة 528
زعمه أن الادلة اللفظية لا تكون بنفسها قطعية لتوقفها على نقل اللغة والنحو والصرف، ونقلها ظني والمتوقف على الظني أولى أن يكون ظنيا قلنا: لا نسلم أنها متوقفة على ظني لان العرب تعرف معاني ألفاظها من غير توقف على نقل، وما توقف منها على نقل فذلك النقل متواتر والمتواتر مقطوع بصدقه.
هو
(قوله والظن في (الظاهر أي وحكم القسم الثاني من المحكم الظن بأن مراد المتكلم منه ظاهر معناه فيجب العمل به حتى يدل دليل على خلافه ولا نخطئ من خالف الظاهر في موضع يجوز له خلافه لاحتمال أن يكون له دليل صار اليه قوله للعباد) تتمة وفائدته أن كون أحد المعنيين أظهر من الآخر إنما هو بالنسبة الى العباد لا الى الرب عز وجل، فانه يتساوى في علمه الظاهر والخفي. (قوله وان اتي بعكسه أي بعكس الظاهر أي اذا دل دليل على أن المراد من هذا اللفظ غير ظاهره ترك الظاهر واخذ بذلك الدليل، والاخذ به يسمى تأويلا للفظ وهذا معنى قولهم ولا يعدل عن الا بدليل. وذهبت الباطنية الى أن الاخذ بخلاف الظاهر هو الراجح سواء كان دليل أو لا مع مقالة باطلة قائلها فاسق لانها تفضي الى تعطيل غالب الاحكام الشرعية ولهم فيها أباطيل افتضحوا بها بين الملا ذكر بعضها صاحب العدل فراجع العدل ان شئت.
وهي
الظاهر
أن
يراد
(قوله صير إليه) أي الدليل لانه أقوى حينئذ من الظاهر وذلك أنه لما كان اللفظ لمعنيين ظننا أن المراد أظهرهما انا نجوز المعنى الآخر، فلما دل الدليل على أن المراد المعنى الثاني عرفنا أن الظاهر لم يكن مرادا وذلك الدليل إما أن يكون قطعيا فيوجب القطع بارادة الباطن أو ظنيا فيفيد الظن بارادته واختلف حينئذ في الصيرورة اليه لانه دليل ظني أيضا فذهب بعضهم الى أن الاخذ بالظاهر أولى لانه الاصل، وذهب آخرون الى أن الاخذ بالدليل الظني أولى وهو
71 (2/71)
صفحة 529
المذهب. قال البدر وان تعارض العموم واخبار الآحاد فالاولان اقوى
من الظاهر ا. هـ.
قوى احد
والعدول عن الاصل ممنوع فيما اذا كان بغير دليل، وهذا دليل الآخر وان كان أظهر فأخذ به. وذهبت اللفظ على معنيي الحنفية الى أن حكم الظاهر قطعي فلا يعدل عنه الا بقطعي هو أقوى منه، ودعوى القطعية غير مسلمة لانا نظن ان المراد ظاهره لكثرة ارادة المعنى الباطن بنصب الادلة عليه ولما كثر ذلك الاستعمال ظننا أن المراد لاحتمال أن يراد من ذلك اللفظ باطنه بدليل لم يبلغنا. (قوله وهو التأويل) أي المصير الى عكس الظاهر هو التأويل وعرفوه بانه حمل الكلام على المحتمل المرجوح من معاني اللفظ. (قوله وهو قريبا أو بعيدا) الخ هذا تقسيم للتأويل الى ثلاثة أقسام الى قريب يترجح على الظاهر بأدنى مرجح، وبعيد
الظاهر هو
يترجح
الا
بمرجح
قوي ومتعذر لا يقبل، كتأويل بعض الحنفية قوله علي الا الله الرجل أسلم على عشر نسوة «أمسك أربعا وفارق سائرهن).
قالوا: يحمل على تجديد النكاح قلنا: ينفي ذلك قوله وفارق سائرهن فان الفراق لا يكون عن ثبوت عقد وكذلك قوله أمسك أربعا فان الامساك لا يدل الا على شيء ثابت فلو أراد تجديد النكاح لأمره به صريحا لان تجديده متوقف على شروط كاذن الولي ورضاء المرأة وحضرة الشهود، وكذلك حملهم قوله لعل الله أمسك ايتهما شئت "
))
(1) الحديث رواه الامام مالك في كتاب الطلاق 29 باب جامع الطلاق 76 وحدثني يحيى عن مالك عن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن رسول الله الله قال لرجل من ثقيف أسلم
وعنده عشرة نسوة حين أسلم الثقفي وذكره.
-
—
(2) وصله الترمذي 9 - كتاب النكاح 33 باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده نسوة وابن
ماجة في 9 كتب النكاح 40
72 (2/72)
صفحة 530
للذي أسلم على الاختين على تجديد النكاح أيضا وجوابهم وكذلك حملهم قوله الا الله) في أربعين شاة شاة) على قيمة الشاة ووجه تعذره أن فيه ابطال العين الذي هو جزء المال وهو الشاة فتبطل الحكمة المطلوبة من المال وهو النمو، وكذلك حملهم «ايما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل (2) على الصبية والامة ووجه تعذره ان المرأة لا تطلق على الصبية الا مجازا وأي من صيغ العموم فهي شاملة لكل امرأة وفيه أن العموم يخصص والمجاز يصار مع القرينة، والدليل المخصص قوله عل الله (الشيب أحق بنفسها من وليها) فيجاب أن معنى الحديث انها احق بنفسها في رضاها فلا يحل لوليها، جبرها ومما يعضد عموم الاول قوله
اليه
لا نكاح
(1) الحديث رواه صاحب الموطأ 11 باب صدقة الماشية 23 حدثني يحيى عن مالك أنه قرأ
الله
الرحمن
(2)
کتاب عمر بن
-
الله عنه الخطاب – رضي كتاب الصدقة - وذكره.
في الصدقة. قال فوجدت فيه: بسم
الرحيم
الحديث رواه الامام أحمد بن حنبل في المسند 6: 47 حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا اسماعيل ثنا ابن جريج قال أخبرني سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال وذكره وفيه زيادة فإن أصابها فلها مهرها بما أصاب منها فإن اشتجروا
رسول الله
-
فالسلطان ولي من لا ولي له).
قال ابن جريج فلقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه قال: وكان سليمان بن موسى وكان فاثنى عليه. قال عبدالله قال أبي: السلطان القاضي لأن إليه أمر الفروج والأحكام.
ورواه أبو داود في النكاح 16 والترمذي في النكاح 14 والدارمي في النكاح 11.
(3) الحديث رواه الامام مسلم في كتاب النكاح 9 باب استئذان الشيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت 68 وحدثنا ابن أبي حدثنا سفيان بهذا الإسناد وقال وذكره وسنده: وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان عن زياد بن سعد عن عبدالله بن الفضل سمع نافع بن جبير يخبر
عن ابن عباس أن النبي
قال: وذكره ورواه أبو داود في النكاح 25
73 (2/73)
صفحة 531
الا بولي القربي والفقراء.
فعم ولم يخص ومن ذلك حملهم قوله تعالى (ولذي على فقراء الاقارب ووجه تعذره أن أهل القربي شامل للاغنياء
(قوله حاصل ما ذكروه من أمثلة التأويل المتعذر وأقول: إن هذه الأمثلة جميعها ليست من التأويل المتعذر الذي لا يقبل وانما هي من التأويل البعيد الذي لا الا بمرجح قوي ولا مرجح لهذه التأويلات يترجح فبطل الاخذ بها (أما (أمثلة التأويل المتعذر فكتأويل بعض الصوفية البقرة بالنفس في قوله تعالى (ان الله يأمركم أن تذبحوا بقرة " وكتأويل بعض الشيعة فيها بعائشة رضي الله عنها، وكتأويل بعض أولئك الشيعة أيضا قوله تعالى (أو جاء أحد منكم من الغائط» قالوا: الغائط أبو بكر، وكتأويلهم قوله تعالى (كمثل الشيطان إذ قال للانسان اكفر) قالوا: الشيطان عمر والانسان أبو بكر وكتأويلهم قوله تعالى (مرج البحرين يلتقيان (قالوا: هما علي وفاطمة بينهما برزخ لا يبغيان قالوا: البرزخ هو حاجز التقوى فلا يبغي علي على فاطمة ولا فاطمة
(1) الحديث رواه ابن ماجة في كتاب النكاح 15 باب لا نكاح إلا بولي 1881 – حدثنا محمد ابن عبد الملك بن أبي الشوارب، ثنا أبو عوانة ثنا أبو اسحاق الهمداني عن أبي بردة عن أبي قال: قال رسول الله - الله - وذكره. موسي ورواه البخاري في كتاب النكاح 36 وأبو داود في النكاح 19 والترمذي في النكاح 14 17 والدارمي في النكاح 11. ورواه الامام احمد بن حنبل في المسند 1،250، 4 394، 413، 418 6: 260 (2) سورة البقرة آية رقم 67 (3) سورة النساء آية رقم 43 وسورة المائدة آية رقم 6 (4) سورة الحشر آية رقم 16 وتكملة الآية (فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله
(5) سورة الرحمن آية رقم 19
رب
العالمين)
74 (2/74)
صفحة 532
على
علي
يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ((1) هما الحسن) والحسين ونحو ذلك التأويلات المتعذر حمل الكتاب والسنة من على مثلها، وأكثر ما ورد مثل هذا عن أهل الباطن من الشيعة، كما
هو
معتمد مذهبهم الفاسد.
(1) سورة الرحمن آية رقم 22
(2)
هو الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي أبو محمد خامس الخلفاء الراشدين وآخرهم، وثاني الأئمة الاثني عشر عند الامامية ولد في المدينة المنورة عام 3 هـ وامه فاطمة الزهراء بنت رسول الله الا الله وهو أكبر أولادها وكان عاقلاً حليماً محباً للخير فصيحاً من أحسن الناس حج عشرين حجة ماشياً توفي عام 50 هـ
راجع تهذيب التهذيب:2 295 والاصابة 1: 328 واليعقوبي 2: 191 وتهذيب ابن
عساكر 4 199
(3) هو الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي العدناني أبو عبدالله السبط الشهيد ابن فاطمة الزهراء وفي الحديث الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ولد في المدينة عام بكربلاء بيت النبوة وإليه نسبة كثير من الحسينيين قتل عام 61 هـ
هـ
ونشأ
في
راجع تهذيب ابن عساكر 4: 311 وخطط مبارك 5: 93 ومقاتل الطالبيين 54 و 67 وابن الأثير 4: 19
Yo (2/75)
صفحة 533
وذو اشتباه ما اختفى كالمجمل
أو مفهم تشبيه مولانا العلي)
(فمنه ما قيل بأنه الذي
له احتمالان فصاعد اخذ
(ومنه أيضا ما يكون مبهما
كتسع عشر أمرهم قد ابهم
(ومنه انه الذي لم يعلـ
تأويله غير المهيمن
فکـل هذا أصله متحـ
وجعله اشياء ليس يحمد)
(ومنه احرف أوائل السور
وقيل بالامثال مع كل خبر)
(وقيل ما يكون منسوخا وما
قد كان ناسخا
محكما) يسمى
(قوله وذو اشتباه) أي وصاحب اشتباه والمراد به المتشابه (قوله ما اختفى) أي معناه فهو مقابل المحكم وذلك الاختفاء إما لاجمال اللفظ كلفظة القرء أو لافهامه تشبيه الرب تعالى بخلقه، كالاستواء
في
في اسناده الى الرحمن فهو قسمان وهذا التعريف شامل لغالب الاقوال التي في المتشابه، وذلك أن بعضا ذهب الى أن المتشابه هو ما كان له معنيان فصاعدا قلنا ان كان معانيه اظهر من الباقية فبالنسبة الى ذلك المعنى محكم وبالنسبة الى غيره متشابه، فيدخل تحت المختفي معناه وان كانت معانيه متساوية في الظهور والخفاء فهو مجمل وباجماله اختفى المعنى المراد منه فيدخل تحت المختفي معناه وبعض ذهب
76 (2/76)
صفحة 534
الى أن المتشابه ما لا يعرف كميته كـ عليها تسعة
قبيل
ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية (2) قلنا هو من المختفي معناه، وبعض ذهب الى أن المتشابه هو ما لا يعلم تأويله
الا الله، قلنا: راجع الى الخفي معناه ايضا وبعض ذهب الى أن المتشابه الحروف المقطعة أوائل السور كالم وطس وهو راجع الى المختفي معناه أيضا (قوله كالمجمل) انما المجمل متشابها لتشابه معانيه
هو
منه
سمي
التي احتملها حتى لا يترجح بعضها على بعض، وذكر صاحب المنهاج وهو معتزلي المذهب ان مذهبهم ان المجمل ليس من المتشابه اذ لا بد للمتشابه من معنى ظاهر ليس بمراد ومعنى خفي هو المراد لقوله تعالى «فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه (3) قال: ففي هذه الآية دليل على أن في المتشابه معنى ظاهرا يتبع. (قلنا): ما ذكرته هو بعض المتشابه لا كله فلا ينافي وجود قسم آخر للمتشابه ومن اتبع شيئا من المتشابه يصدق عليه انه متبع للمتشابه (قوله او مفهم تشبيه (مولانا) أي القسم الثاني من المتشابه هو ما كان ظاهره يفهم تشبيه المولى عز وعلا بالخلق كآيات الاستواء، وآية الجنب، و آيات اليد، ونحوها وإنما سمي هذا النوع متشابها لان ظاهره مشابه لحكم الوهم وباطنه موافق لحكم العقل، فاشتبه المعنيان فصدق عليه اسم المتشابه قوله فمنه ما قيل بانه الذي الخ اي فمن الخفي معناه القول بأن المتشابه هو ما كان له معنيان فصاعدا وقد يقال: إن هذا قول آخر لانه شامل للظاهر أيضا وعلى هذا الاحتمال فهو مردود لانه يلزم عليه ان يكون غالب الكتاب والسنة متشابها، وقد يجاب بأنه
(1) سورة المدثر آية رقم 30
(2) سورة الحاقة آية رقم 17
(3) سورة آل عمران آية رقم 7 وتكملة الآية ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب).
77 (2/77)
صفحة 535
لا محذور في كون غالبهما متشابهاً كيف والكتاب يشير الى بقوله (منه آيات محكمات من ام الكتاب وأخر متشابهات (1) فيفيد ان المحكم قليل حيث عبر عنه بمن التبعيضية وان ما عدا ذلك البعض متشابه وهذا جواب حسن ولا ضير في اطلاق المتشابه على الظاهر مع العمل به، بل هو خلاف لفظي وانما الضير في ترك العمل بالظاهر (قوله له احتمالان) أي محتملان اي معنيان يصح حمله على كل واحد
منهما.
قوله (فصاعدا حال محذوف عاملها وجوبا تقديره فذهب الاحتمال
صاعدا.
ملكا
من
ام
ألفا
(قوله خذ) فعل أمر به يتعلق منه في صدر البيت أي خذ تعريفنا هذا القول. (قوله ومنه ايضا) اي ومن تعريفنا القول بأن المتشابه ما كان مبهما على الخلق لا يعرفونه كوقت الساعة والتسعة العشر في قوله تعالى عليها تسعة عشر) والثمانية من قوله تعالى (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) فانه لا يدري أتسعة عشر وكذلك القول في الثمانية (قوله (مبهما هو الذي لا بيان له (قوله كتسع عشر) في الآية (عليهما تسعة عشر) حذفت تاؤه للوزن. (قوله أمرهم) أي حالهم قد أبهم أي لم يبين ليكون فتنة للذين كفروا ويزداد الذين آمنوا ايمانا (قوله ومنه انه الذي لم يعلم الخ) أي ومن تعريفنا المتشابه بما خفي معناه القول بأن المتشابه هو
ما
(1) سورة آل عمران آية رقم 7 وتكملة الآية فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه
ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله).
(2) و (4) سورة المدثر آية رقم 30.
(3) سورة الحاقة آية رقم 17
78 (2/78)
صفحة 536
لا يعلم تأويله الا الله لانه من جملة ما خفي على العباد المراد به، وذلك كمعرفة وقت نزول العذاب على الكفار ومعرفة مقادير الثواب والعقاب ومعرفة وقت الساعة متى يكون .. ؟ فان هذه الاشياء مما خوطب بها العباد وخفيت عليهم والقول بأنه تعالى لا يخاطب بما لا يعقل غير متوجه على مثل هذا لان الخطاب به في الجملة معقول ومعناه عندهم مفهوم، ولا يشترط في المعقول تمام المعرفة بمقادير الشيء وتفاصيله، نعم يرد على القول بأن الحروف المقطعة أوائل السور لا يدرى ما المراد منها فيجاب بأن الخطاب هو توجيه الكلام نحو الغير للافهام، فيخرج ما لم يقصد به الافهام من الكلام فانه وان تكلم به المتكلم أن يقصد به افهام غيره لا يكون عبثا، اذ لا يصدق من غير عليه انه مخاطب وانما يخص باسم متكلم. (قوله تأويله) أي تفسيره (قوله غير المهيمن) هو اسم من أسماء الله عز وجل ومعناه الشاهد. (قوله اعلم) تكملة للبيت وفيه أمر بالعلم برد هذه الاقوال الى أصل واحد والتنبيه أن ردها على اصل واحد مما تفرد به الناظم بجامع الخفاء في كل منها.
(قوله فكل هذا أصله متحد الاشارة الى المذكور هنا من الاقوال وعلى أن أصلها واحد وهو خفاء معناها على العباد سواء خفي خفاء ضعيفا كالذي يدرك بالقرينة الضعيفة ويكون التأويل فيه قريبا أو خفي خفاء قويا كالذي يحتاج في تأويله للدليل القوي، أو خفاء لا يدرك معناه كالذي يتعذر تأويله الا بتوقيف وذلك هو الذي استأثر الله بعلمه كمقادير الثواب ونحوها (قوله وجعله أشياء الخ) أي وجعل المذكور أقاويل متعددة مختلفة المعنى غير محمود لان الخلاف فيه لفظي، الا ترى أن أهل كل قول من تلك الاقوال أشاروا الى ما خفي معناه فيؤخذ من مجموع الاقوال أن كل
أشياء
بمعنى
أن المتشابه هو
ما خفي
معناه فهو متشابه.
79 (2/79)
صفحة 537
رضي
(قوله ومنه أحرف أوائل السور هذا القول منسوب لابن عباس) الله عنه ونسب اليه أيضا ان المحكم الثلاث الآيات التي هو آخر سورة الانعام «قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) الى الآيات واستخرج منه الفخر ان المحكم ما لا هو ينسخ بشرع
وشرع كالامر بالقسط وتحريم الظلم وقتل النفس بغير حق والمتشابه: ينسخ بشرع وشرع كالصلاة والصوم.
ما
(واعلم) ان القول بأن الحروف الواقعة أوائل السور كالم وطس وق هي المتشابه راجع الى علة الخفاء فتعريفنا شامل له ايضا الا أن يقال إن صاحب هذا القول معه ان ما عدا تلك الاحرف محكم فيرد بان هذا مخالف لمفهوم قوله تعالى (منه آيات محكمات (3) فان من فيها للتبعيض كما تقدم ومفهوم البعض هو أن يكون أقل من الباقي وهو المتبادر وان أطلق على الاكثر في مواضع.
(قوله وقيل بالامثال هذا القول والذي يليه خارجان عن تعريف الناظم ولذا لم يقل مع ذكرهما ومنه وذلك أن بعضا قال إن المتشابه من القرآن هي القصص والامثال أي الآيات التي فيها ذكر الاخبار عن الاوائل وعن المغيبات والامثال المضروبة للناس كما في قوله تعالى
(1) هو عبدالله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي أبو العباس حبر الأمة الصحابي الجليل ولد بمكة ونشأ في بدء عصر النبوة فلازم رسول الله علي الا الله وشهد مع علي الجمل وصفين وكف بصره في آخر عمره فسكن الطائف وتوفي بها له في الصحيحين وغيرهما 1660 حديثا قال ابن مسعود نعم ترجمان القرآن ابن عباس، ينسب إليه كتاب في تفسير القرآن بعض أهل العلم من مرويات المفسرين توفي عام 68 هـ.
(2) سورة الأنعام آية رقم 151 وتكملة الآية ألا) تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا
النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون).
(3) سورة آل عمران آية رقم 7
80 (2/80)
صفحة 538
ان الله لا يستحي ان يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها) وكما
في قوله «مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري (2) الآية ويلزم على هذا أن يكون ما عدا القصص والامثال محكما وهو خلاف الظاهر وأيضا فلا معنى لرد القصص والامثال الى الآيات المحكمات وقد قال تعالى (منه آيات محكمات هن أم الكتاب) اي أصله فيرد المتشابه الى الاصل الذي هو المحكم (قوله وقيل ما يكون منسوخا هذا القول مروي عن ابن عباس أيضا وحاصله أن المتشابه هو المنسوخ من الآيات، وأن المحكم هو الناسخ فيجب رد المنسوخ الى الناسخ، بمعنى أن العمل بالناسخ دون المنسوخ (قوله وما قد كان (ناسخا أي والذي قد كان ناسخا.
(1) سورة البقرة آية رقم 26 وتكملة الآية (فأما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم وأما ويهدي به كثيراً وما يضل به
الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به إلا الفاسقين).
كثيراً
(2) سورة النور آية رقم 35 وتكملة الآية (يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله
الأمثال للناس والله بكل شيء عليم).
(3) سورة آل عمران آية رقم 7.
81 (2/81)
صفحة 539
وحكمه الوقوف في الاجمال
والرد للمحكم حكم الثاني
اظه
احتمال)
أو يلزم يلزمن تناقض القرآن
ثلاثة
(قوله وحكمه الوقوف الى آخره هذا بيان المتشابه بقسميه فان كان مجملا فحكمه الوقوف حتى يظهر دليل على أن المراد منه كذا فيؤخذ به، وذلك في قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) فانه لما كان القرء يطلق على الحيض تارة وعلى الطهر أخرى بسبيل الاشتراك بينهما لم يدر ما المراد من الآية أهى أطهار ام ثلاث حيض .. ؟ التمس الدليل على المراد من خارج ولذا اختلف فيه فقال بعض: إن المراد ثلاثة اطهار وقال آخرون: ثلاث حيض (قوله حتى يبين اظهر (احتمال أي حتى يعرف المراد منه ببيان ولو كان ذلك البيان قرينة خفية مثلا ولذا عنه يبين ولم يقل
حتى يأتي دليل بالبيان.
عبر
(واعلم) أنه قد أجمع أصحابنا بما لا يطاق على منع تأخير البيان عن وقت الحاجة اليه، وذلك كما اذا خاطب الله العباد بما هو محتمل لمعان ليس بعضها أظهر من بعض ثم أمرهم بالعمل المراد منه فانه يأمرهم بذلك الا مع
و من حذا حذوهم ممن منع التكليف
بيان المراد
(1) سورة البقرة آية رقم 228) وتكملة الآية (ولا) يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً ولهن مثل
الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم).
82 (2/82)
صفحة 540
منه لان تكليفهم بالعمل المراد منه مع عدم علمهم به مما لا يطاق، وتكليف ما لا يطاق لا عندنا وجوزته الاشعرية، وليست المسألة يصح دينية لانهم يقولون إن حكمة التكليف بما لا يطاق هي اختبار المكلف هل يتهيأ للامتثال فيثاب أو يتهيأ فيعاقب .. ؟ ثم رأيت القطب رحمه الله قال: بجواز ذلك واعلم أن أصحابنا والمعتزلة إنما قالوا بمنع التكليف
المذهب
أنه
بما لا يطاق نظرا الى جانب وقوعه لا الى جانب الاختبار لان وقوعه لا يطيقه محال، والتكليف بالمحال محال وما ذكرته هنا من ممن مقالة الاشعرية هو ما صرح به بعض متأخريهم، أما قدماؤهم فلم يقولوا بذلك التفصيل، ولذا صح لاصحابنا والمعتزلة توجيه الرد عليهم في هذه المسألة، واختلفوا هل يصح تأخير البيان الى وقت الحاجة .. ؟ يصح لقوله تعالى «ثم إن علينا بيانه (1) فعطف بثم المقتضية للتراخي وفيه مذاهب أخر. راجع مختصر العدل وشرحه (قوله والرد للمحكم حكم (الثاني أي حكم القسم الثاني من المتشابه وهو ما ظاهره التشبيه رده الى المحكم لقوله تعالى «هن أم الكتاب) والى هذا ذهب أصحابنا والمعتزلة ومتأخرو الاشعرية، وذهب سلفهم الى الامساك تأويله عن مع القطع بحقية المراد ولذا قال في الجوهرة: وكل نص أوه التشبيه
أوله أو فوض ورم تنزيها
هم
الله تعالى عن مشابهة الأشياء لزمه تأويل ما أوهـ و من اعتقد تنزيه الآيات، والسنة سواء صرح به أو لم يصرح،
التشبيه من
فلا معني
لقول بعض متأخريهم ان مذهب السلف أسلم بل الاسلم رده الى المحكم لئلا يتوهم الضعيف أن المراد ظاهره قوله أو يلزمن تناقض القرآن)
(1) سورة القيامة، آية رقم 19. (2) سورة آل عمران، آية رقم 7.
83 (2/83)
صفحة 541
هذا دليل وجوب رد المتشابه الى المحكم أي لو لم يرد اليه لزم تناقض القرآن وذلك كما في قوله تعالى (واذا اردنا ان نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ((1) فانه متشابه يجب رده الى قوله تعالى قل ان الله لا يأمر بالفحشاء) فيتأول الأمر الاول والا لزم تناقض
ينسي
(?) ?
الآيتين وكما في قوله تعالى «نسوا الله فنسيهم (3) فانها متشابه محكمها وما كان ربك نسيا) «لا يضل ربي ولا وكما في قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) «بل يداه طتان (2) فانه متشابه محكمه ليس كمثله شيء) فلو لم يرد مبسود
اليها لزم التناقض، وأو في البيت عاطفة للجملة الفعلية على الجملة الاسمية، قبلها ومعناها تخيير الواقفين عن تأويل المتشابه بين أمرين إما أن يردوه الى المحكم فيلزمهم تأويله أو يقولوا انه على ظاهره فيلزمهم تناقض القرآن بعضه ببعض فليختاروا اي الامرين شاؤوا ولا مخرج لهم، عن أحدهما والجملتان فيهما التخيير خبريتان لفظا انشائيتان معنى لان التخيير مختص بالانشاء والله أعلم.
(1) سورة الاسرار آية رقم 16 وتكملة الآية فحق عليها القول فدمرناها تدميرا). (2) سورة الأعراف آية رقم 28 وتكملة الآية (أتقولون على الله ما لا تعلمون).
(3) سورة التوبة آية رقم 67.
(4) سورة مريم آية رقم 64. (5) سورة طه آية رقم 52.
O
(1) سورة طه آية رقم (7) سورة المائدة آية رقم 64
(8) سورة الشورى آية رقم 11 وصدر الآية (فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم
أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه).
84 (2/84)
صفحة 542
الباب الرابع
من الركن الثاني
فى الوعد والوعيد وفيه أربعة فصول
(الفصل الاول في الموت والبعث والحساب)
أي في بيانها ووجوب الايمان بها، وفي بيان صحة عذاب القبر، وخلق الجنة والنار الآن، وفي بيان الكتب والحوض، واقتصار المصنف في الترجمة على بعضها من باب الترجمة عن الشيء والزيادة عليه وهو حسن، والمعيب عندهم الترجمة عن الشيء والنقصان منه، ثم إن الوعد والوعيد يطلقان على ما فيه الخير والشر يقال: وعدته بكذا وأوعدته بكذا، فان حذف المتعلق وهو الموعود به اطلق الوعد على ما فيه الخير خاصة، والوعيد على ما فيه الشر كذا في المختار وهو المراد هنا.
(1) أصل البعث اثارة الشيء وتوجيهه يقال بعثته فانبعث ويختلف البعث بحسب اختلاف ما علق به فبعثت البعير اثرته وقوله تعالى: «والموتى يبعثهم الله،، أي يخرجهم ويسيرهم الى
القيامة. راجع المفردات ص 52، 53.
85 (2/85)
صفحة 543
والموت حق
الايمان
به كذاك البعث والحسبان)
فالموت أن تفارق الروح الجسد
هو
والبعث ردها اليه للأبد)
(قوله والموت حق أي ثابت (قوله يجب الايمان به) هذا الحكم المطلوب من ذكر الموت هنا والا فحقيته معلومة بالضرورة. (اعلم) انه يجب على كل مكلف ان يعتقد أن كل حي ميت الا الله، وقيل يكفيه أن يعتقد أن كل عاقل يموت، والأول أصلح لقوله تعالى «كل نفس ذائقة الموت) والبهائم ذوات أنفس ويجب عليه أيضا ان يعتقد أن كل شيء فان الا الله عز وجل لقوله تعالى «كل شيء هالك الا وجهه) والفناء شامل للموت ومطلق العدم بعد الوجود، لانه اعدام فجميع الاشياء فانية حتى عجب الذنب وهو شيء مثل حبة الخردل اسفل الصلب عند العصعص كذا في الذهب الخالص، وفي المصباح أن العجب هو العصعص وفي المختار: أن العجب هو عظم الذنب والعصعص هو ذلك العظم ايضا وما ورد من حديث «كل ابن آدم يفنى الا عَجْبُ الذنب فمنه يركب (3) قال القطب رحمه
(1) سورة آل عمران آية رقم 185 وتكملة الآية وإنما) توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور).
وسورة الانبياء آية رقم 35
وسورة العنكبوت آية رقم 57
(2) سورة القصص آية رقم 88 وتكملة الآية (له الحكم وإليه ترجعون).
(3) الحديث رواه الامام البخاري في كتاب التفسير سورة 78 – 1 باب يوم ينفخ في الصور
فتأتون أفواجا زمراً
=
86 (2/86)
صفحة 544
الله تعالى:: الاستثناء منقطع أي لكن عجب الذنب منه يركب بعد اعادته، وقال في معنى الحديث: انه سبحانه يعيد الاعيان الفانية ويركبها عليه لحكمة لا لتعذر الاعادة الا بذلك والاشياء منها ما هو فان على الانقلاب
وهو
))
الى دار اخرى وهم العقلاء ومنها ما هو فانٍ على التلاشي والذهاب ما عدا العقلاء من الحيوانات وغيرها من النباتات والجمادات، فانها لا تحشر وهو مذهب ابن عباس رضي الله عنه والجمهور على أن كل حي محشور لقوله تعالى (وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه) الى قوله تعالى ثم الى ربهم يحشرون» لكن حشر ما عدا العقلاء على التلاشي والذهاب واختلفوا أيضا في أولاد المشركين فمنهم من ذهب الى أن فناءهم على الانقلاب وهو المذهب، ومنهم من ذهب الى أن فناءهم على التلاشي كسائر الحيوانات، والحق الاول لقوله تعالى «وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت) (قوله كذلك البعث اي البعث كالموت في كونه حقا وفي وجوب الايمان به.
(قوله والحسبان) أي كحكم الموت في أنه حق وان الايمان به واجب والدليل عليهما قوله تعالى (زعم الذي كفروا أن لن يبعثوا
=
4935
-
-
عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة
وذكره.
-
رضي
الله عنه قال رسول الله
الأعمش عن أبي أحمد
بن حنبل
ورواه ابن ماجة في كتاب الزهد 32 باب ذكر القبر والبلى 4266 عن صالح وذكره، ورواه الامام
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
-
—
في المسند 2 322315 428، 499 (حلبي) وقد جاء في المطبوعة (عجم) بالميم وهو تحريف.
(1) سورة الانعام آية رقم 38 وتكملة الآية (إلا) أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم
الى ربهم يحشرون). (2) سورة التكوير آية رقم 9
87 (2/87)
صفحة 545
قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم» وأمثالها الآيات من المصنف الموت والبعث والحساب بالذكر مع انه سيذكر أشياء وخص أخر كعذاب القبر وصحة خلق الجنة والنار الآن، والكتب والحوض،
ويرد
هذه
لان المطلوب الذي لا يتم الايمان الا به بعد قيام الحجة من الاشياء كلها هي الايمان بهذه الثلاثة، ولذا وقع الخلاف في بعض ما ذكرنا وسيأتي بيانه ان شاء الله تعالى (قوله فالموت ان تفارق الروح الجسد) هذا تعريف للموت وحاصله أن الموت مفارقة الروح للجسد، وعرفه بعضهم بانه انقطاع الحياة وبعضهم عرض تضمحل به الحياة، وبعضهم بانه كيفية مخلوقة في الحي، ودليل هذين التعريفين قوله تعالى: «خلق الموت والحياة) والمخلوق اما جوهر أو عرض واجيب بأن الخلق في الآية بمعنى التقدير اي قدر الموت والحياة بأن الحياة مخلوقة وهي عرض فيلزم استعمال الخلق في معنييه التقديري والايجادي. وأيضا فحمل الآية على التقدير خلاف الظاهر لانه يستلزم حذف مضاف تقديره قدر أجل الموت والحياة والحذف خلاف الأصل ولا دليل عليه وكلام المصنف محتمل لان يكون الموت انقطاع الحياة وأن يكون عرضا تضمحل به الحياة أو كيفية مخلوقة في الحي لانه لم يزد على أن الموت مفارقة الروح للجسد، ولم يذكر فيه توقفا عن تعيين السبب (قوله والبعث ردها اليه أي رد الروح الى الجسد وفيه تصريح بان الاعادة هي للارواح واجسادها التي كانت في الدنيا خلافا لمن زعم من الكفار أنها تعاد في اجسام هي مثل الاجسام الأول لا عينها ولمن قال إن الأرواح هي المعادة دون الاجسام وقد تقدم التصريح بأن المذهب أن فناء الاجسام هو اعدامها بالكلية لا تفريق اجزائها فقط واستعبد قوم اعادة حقيقتها على ما كانت في
(1) سورة التغابن، آية رقم 7. (2) سورة الملك آية رقم 2 وتكملة الآية: ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور ..
88 (2/88)
صفحة 546
دار الدنيا بعد عدمها بالكلية قلنا: ولا بعد في ذلك لان النشأة الآخرة ليست باشد من النشأة الاولى فكل منهما ممكن لذاته قالوا: ليس الوجود الثاني كالأول لأنه وجود خاص بكونه مسبوقا بوجود آخر،
والوجود الاول عام ولا يلزم من امكان العام بإمكان الخاص كما لا انتفاء الخاص انتفاء العام.
يلزم من
قلنا لا نسلم أن الوجودين متغيران بحسب ذاتهما بل بالاضافة الى الازمان وتغاير الاضافات لا يوجب تغاير الذات. قالوا: يجب في اعادة أعراضه أعراضه الزمان فيجب اعادته
الجسم بعينه اعادته واذا أعيد
معد
قلنا: لا نسلم
معه
بجميع
و من
لزم أن يكون المعاد هو المبدأ.
أن
وجود الشيء يستلزم وجود جميع أعراضه
معه
بل الواجب وجود أعراضه الشخصية فقط والزمان ليس منها وانت ان حقيقة زيد اليوم هي حقيقته أمس، فلم تختلف ذاته بتخلف عنه، وقد وقع هذا البحث لابن سينا () مع أحد تلامذته وكان
خبير
أمس
في
بخاري،
في
هو الحسين بن عبدالله بن سينا أبو علي شرف الملك الفيلسوف الرئيس صاحب التصانيف الطب والمنطق والطبيعيات والإلهيات أصله من بلخ عام 370 هه مونده في احدى قرى نشأ وتعلم في بخاري وطاف، البلاد وناظر العلماء واتسعت شهرته، وتقلد الوزارة همدان وثار عليه عسكرها ونهبوا بيته فتوارى ثم صار الى أصفهان وصنف بها أكثر كتبه. أواخر أيامه الى همذان فمرض في الطريق ومات عام 428 هـ كان ابن سينا كما أخبر عن نفسه من أهل دعوة الحاكم من القرامطة الباطيين. وقال ابن تيمية: تكلم ابن سينا في أشياء من الالهيات والنبوات والمعاد والشرائع لم يتكلم بها سلفه ولا وصلت إليها عقولهم ولا بلغتها علومهم.
وعاد في
صنف نحو مائة مصنف من أشهرها. القانون، ورسالة في المعاد وأسرار الحكمة المشرقية،
والاشارات وغير ذلك كثير
راجع وفيات الأعيان 1: 152 وتاريخ حكماء الاسلام 27 72 ودائرة المعارف الاسلامية 1: 203 ولسان الميزان 2 291 وإغاثة اللهفان لابن الجوزي 2: 266
89
(1) (2/89)
صفحة 547
ذلك التلميذ مصرا على التغاير فقال له ابن سينا ان كان الامر على ما تزعم فلا يلزمني الجواب لاني غير من كان يباحثك وانت أيضا يباحثني، فبهت التلميذ وعاد الى الحق واعترف بعدم التغاير في الواقع، وبان الوقت ليس من المشخصات. كذا في المواقف وشرحه.
غير من
والعياذ
(قوله للابد) متعلق بردها والابد عدم الغاية في المستقبل أي ترد الروح للاجساد لحكمة هي التأبيد إما في نعيم وإما في جحيم بالله والحكمة في بعث غير العقلاء هي الاقتصاص لها ممن ظلمها كما يرشد الى ذلك بعض الأحاديث النبوية.
9. (2/90)
صفحة 548
النهي عن حديث الروح
والقول بالامساك في الروح أحق
وما سوى التخمين للذي
نطق)
(قوله والقول بالامساك) أي الكف عن الخوض في الروح وعن تعاطي بيان ماهيتها (أحق) اي اثبت، من حق الشيء اذا ثبت أو بمعنى أقرب الى الحق. (اعلم) أن العلماء اختلفوا في بيان الروح وتعيين ماهيتها فمنهم من ذهب مذهب الوقوف عنها قائلا: ان الله تعالى لم يخبر نبيه عن ماهيتها فالوقوف بنا احق قال بعضهم:
والروح ما
عنا المجتبى
فنمسك المقال عنها أدبا
وقال الجنيد: الروح شيء استأثر الله بعلمه فلم يطلع عليه أحدا خلقه فلا يجوز لعباده البحث عنها بأكثر من أنها موجودة، وخاض من
(1) الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي الخزاز أبو القاسم، صوفي من العلماء بالدين مولده ونشأته ببغداد أصل أبيهم من نهاوند وكان يعرف بالقوارير، وعرف الجنيد بالخزاز لأنه كان يعمل الخز قال أحد معاصريه: ما رأت عيناي مثله.
قال ابن
الأثير: إمام الدنيا في زمانه وعده العلماء شيخ مذهب التصوف لضبط مذهبه بقواعد الكتاب والسنة من كلامه طريقنا مضبوط بالكتاب والسنة من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدى به له رسائل منها دواء الأرواح توفي عام 297 هـ راجع وفيات الأعيان 1: 117 وحلية 10: 255 وصفة الصفوة 2: 235 وتاريخ بغداد 7 241 وطبقات السبكي 2: 28
37
91 (2/91)
صفحة 549
آخرون في بيانها متأولين للامر بالكف عن بيانها في قوله تعالى «قل قائلين: انه عليه الصلاة والسلام أمر أن يقول
الروح من
نبي.
أمر
ربي
هكذا ليوافق ما في التوراة فتكون تلك الموافقة آية لنبوته وذلك أن اليهود أمروا قريشا أن يسألوه عليه الصلاة والسلام عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح، وقالوا لهم: إن اجاب عنها كلها أو وقف عنها فليس بنبي وان أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو فأجاب عن الاوليين وأبهم أمر الروح لانه مبهم في التوراة قيل: والصحيح انه لم يمت لالالالالالاله الا وأطلعه الله على ما أبهم عليه من أمر الروح وغيرها أي مما يمكن اطلاعه عليه لا على جميع معلوماته تعالى، لان علم البشر بجميعها محال ولا ينافي هذا قوله «ولا أعلم الغيب (2) قيل لاحتمال ان يكون قال ذلك القول قبل اطلاعه على الغيب والظاهر لا منافاة مطلقا اي وان قالها حال الاطلاع لعموم الغيب، وخصوص العلم الحادث (واختلف) هؤلاء الخائضون في بيانها على مذاهب.
(أحدها) أن الروح هي الدم واستدلوا بأنه لا يفقد من الميت الا دمه ويرد عليهم بأنه قد يذهب بعض الدم بجرح ونحوه فيلزم نقصان الروح بحسب نقصان ذلك الدم وهو باطل.
(ثانيها): وهو المروي عن أصحاب مالك"، أن الروح هي جسم
(1) سورة الإسراء آية رقم 85
انها
ملك ان أتبع الا ما يوحى الي
(2) سورة الأنعام آية رقم 50 وتكملة الآية (ولا أقول لكم قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون). (3) هو مالك بن انس بن مالك الأصبحي الحميري ابو عبدالله امام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة واليه تنسب المالكية مولده عام 93 هـ ووفاته في المدينة عام 179 هـ كان صلباً في دينه بعيداً عن الأمراء والملوك وشي به الى جعفر عم المنصور العباس فضربه =
92 (2/92)
صفحة 550
ذو صورة كصورة الجسد في الشكل والهيئة. قال الباجوري: فان اصبغ نقل عن ابن القاسم) عن عبد الرحيم بن خالد قال: الروح ذو جسم ويدين ورجلين وعينين ورأس تسل من الجسد سلا.
(وثالثها): ما رواه النووي) وصححه عن امام الحرمين (3) انها
=
سياطاً انخلعت لها كتفه. سأله المنصور أن كتاباً للناس يحملهم على العمل به فصنف يضع الموطأ، وله رسالة في الوعظ، ورسالة في الرد على القدرية، وكتاب في النجوم وتفسير غريب. القرآن.
راجع الديباج المذهب 17 – 30 والوفيات 1: 439 وتهذيب التهذيب 10: 5 وصفة الصفوة 2: 99 وحلية 6: 316.
(1) هو عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جناده العتقي المصري ابو عبدالله ويعرف بابن القاسم فقيه جمع بين الزهد والعلم تفقه بالامام مالك ونظرائه مولده عام 132 ووفاته بمصر عام
(2)
(3)
191 هـ له: المدونة» وهي من اجل كتب المالكية رواها عن الامام مالك. راجع وفيات الأعيان 276:1 والمكتبة الأزهرية 1: 403.
هو يحيى بن شرف بن مري بن حسن الحزامي الحوراني النووي الشافعي أبو زكريا، محيي الدين علامة بالفقه والحديث مولده ووفاته في نوا من قرى حوران بسورية عام 631 هـ
واليها نسبته.
تعلم في دمشق وأقام بها زمناً طويلاً من كتبه تهذيب الأسماء واللغات، ومنهاج الطالبين، والمنهاج في شرح صحيح مسلم وشرح المهذب للشيرازي وغير ذلك كثير توفي عام 676 هـ. راجع طبقات الشافعية للسبكي ه: 165 وطبقات الشافعية والنجوم الزاهرة 7: 278 وآداب اللغة 3: 242 ومفتاح السعادة 1: 398. بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي ركن الدين الملقب بامام الحرمين، أعلم المتأخرين أصحاب من الشافعي ولد في جوين عام 419 هـ ورحل الى بغداد فمكة حيث جاور أربع سنين وذهب الى المدينة فأفتى ودرس جامعاً طرق المذاهب ثم عاد الى نيسابور فبنى له الوزير نظام الملك المدرسة النظامية فيها وكان يحضر دروسه اكابر العلماء.
هو عبد الملك عبدالله بن
له مصنفات منها غياث الأمم والتياث الظلم، العقيدة النظامية في الأركان الاسلامية، والشامل في أصول الدين والارشاد في أصول الدين وغير ذلك كثير توفي عام 478 هـ. راجع وفيات الأعيان 1: 287 والسبكي 3: 249 وتبيين كذب المفتري 278: 285.
93 (2/93)
صفحة 551
جسم
لطيف شفاف مشتبك بالجسم كاشتباك الماء بالعود الاخضر فتكون سارية في جميع البدن. قال الباجوري: فان قيل أنه يرد على ذلك انه اذا قطع عضو حيوان لزم قطع نظيره من الروح أجيب بأن لطافتها تقتضي سرعة انجذابها وانضمامها من ذلك العضو المقطوع قبل انفصاله أو سرعة الالتحام بعد القطع. قال الباجوري وهذا يقتضي انقطاع الروح
يوجد
ثم تلتحم سريعا والاول يقتضي عدم انقطاعها فهو اولى لان الاصل عدم الانقطاع ا. هـ (وفيه) أنا لا نسلم أن الثاني أولى لان أصل بقاء جزء الروح في ذلك الجزء المقطوع انتقالها منه مفتقر الى دليل وأيضا ان جزء الروح الذي قطع محله من الجسد لا يخلو إما أن له عضو آخر يحل فيه او يحل في محل الجزء الآخر منها، فالاول ظاهر البطلان لانا نشاهد ان العضو المقطوع من البدن لم يبدل غيره مكانه، وأما الثاني فباطل ايضا لاستحالة حلول جسمين في مكان واحد فالتوقف أولى كما صرحنا به.
((واختلفوا) أيضا في محلها على أقوال.
احدها) انه البطن.
(ثانيها): هو القلب.
(ثالثها): مكان قريب من القلب ولا دليل على شيء من هذا كله قال الباجوري: وأما بعد الموت فأرواح السعداء بافنية القبور على الصحيح وقيل عند آدم عليه السلام في سماء الدنيا، لكن لا دائما فلا ينافي انها تسرح حيث شاءت وأما أرواح الكفار ففي سجين في الارض السابعة السفلى محبوسة، وقيل أرواح السعداء بالجابية في الشام، وقيل ببئر زمزم، وأرواح الكفار ببئر برهوت في حضرموت التي هي مدينة ولا دليل قطعي على شيء من هذه الاقوال ايضا
في اليمن ا.
هـ.
فالواجب التوقف.
94 (2/94)
صفحة 552
(قوله وما سوى التخمين) أي وليس غير التخمين للذي نطق في
الروح اي تكلم فيها والتخمين: هو رؤية الوهم قال في المصباح قال الجوهري: التخمين القول بالحدس وقال أبو حاتم: هذه كلمة اصلها فارسي من قولهم خمانا على الظن والحدس واذا عرفت انه لا دليل للخائضين في الروح سوى التخمين ظهر لك أن الوقوف عن الخوض فيها، واجب كما هو مذهب الجنيد لقوله تعالى «ولا تقف ما ليس لك به علم) وقوله الله أمر اشكل عليك فقف عنه أو مكروه
(3) كما هو مذهب القائل:
والروح ما اخبر عنها المجتبى
فنمسك المقال عنها أدبا
(1)
هو محمد بن حيان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد التميمي أبو حاتم البستي ويقال له ابن حبان، مؤرخ علامة جغرافي محدث ولد في بست من بلاد سجستان وتنقل في الأقطار فرحل الى خراسان والشام ومصر والعراق والجزيرة وتولى قضاء سمرقند مدة ثم عاد الى نيسابور ومنها الى بلده حيث توفي في عام 345 هـ. وهو احد المكثرين من التصنيف قال ياقوت أخرج من علوم الحديث ما عجز عنه غيره، وكانت الرحلة في خراسان الى مصنفاته من كتبه المسند الصحيح في الحديث يقال أنه أصح من سنن ابن ماجة وروضة العقلاء، ومعرفة المجروحين من المحدثين وغير ذلك كثير. راجع معجم البلدان 2: 171 وشذرات الذهب 3: 16 واللباب 1: 122 وتذكرة الحفاظ 3: 125 و ميزان الاعتدال 3: 39 وطبقات السبكي 2: 141 ولسان الميزان
112:5
(2) سورة الإسراء آية رقم 36.
(3) الحديث رواه ابن
سعيد
ماجة
في
المقدمة 8 باب اجتناب الرأي والقياس 55 ـ ثنا يحيى بن
الأموي عن محمد بن سعيد بن حسان عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم،
ثنا معاذ بن جبل قال: لما بعثني رسول الله
تفصلن الا بما تعلم وذكره ..
?
الى اليمن قال: لا تقضين ولا
95 (2/95)
صفحة 553
ولم يمت قبل انقضا العمر احد
وقبل رزقه الذي له يحـ
ركان حلالا أو حراما حجرا
او شبهة والله كلا قدرا)
اذ ليس في العالم شيء يصدر الا وربن
مقدر)
أمة
(قوله ولم يمت قبل انقضا العمر احد) أي كل من مات وفارقت روحه جسده بأي سبب كان أو بلا سبب فهو ميت بأجله «فاذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) «ما تسبق من أجلها وما يستأخرون) () (لكل أجل كتاب (3) هذا مذهبنا ومذهب جمهور الاشعرية قال في الجوهرة:
و
با جله
يقتل
وزعم الكعبي
(3)
وغير هذا باطل لا يقبل
شيوخ المعتزلة أن للمقتول أجلين أحد وهو أحدهما أجل القتل والآخر أجل الموت وانه لو لم يقتل لبقي الى
(1) سورة الأعراف آية رقم 34.
(2) سورة الحجر آية رقم 5 وسورة المؤمنون آية رقم 43.
(3) سورة الرعد آية رقم 38
بن
أحد
(4) هو عبد الله أحمد بن محمود الكعبي من بني كعب البلخي الخراساني أبو القاسم أئمة المعتزلة، كان رأس طائفة منهم تسمى و الكعبية، وله آراء ومقالات في الكلام انفرد بها، وهو من أهل بلخ أقام ببغداد مدة طويلة وتوفي ببلخ عام 319 هـ له كتب منها التفسير، وتأييد مقالة أبي الهذيل، وقبول الأخبار ومعرفة الرجال، ومقالات الاسلاميين، وأدب الجدل، وتحفة الوزراء، ومفاخر، خراسان والطعن على المحدثين قال ابن حجر في لسان الميزان: أثنى عليه أبو حيان التوحيدي، وقال الخطيب البغدادي: صنف في الكلام كتباً كثيرة وانتشرت =
96 (2/96)
صفحة 554
الاجل الاخر الذي هو الموت (وزعم بعضهم أن القاتل قطع على المقتول اجله وانه لو اخر لبقي الى أجله الذي يموت فيه والفرق بين القولين أن الاول اثبت للمقتول اجلين والثاني لم يثبت له الا اجلا واحدا وقد قطعه عليه القاتل فمات في غير اجله واحتج الجميع بحجتين. (إحداهما): أن القاتل لو لم يكن له تأثير في موت المقتول لما استحق العقاب اذا كان المقتول مظلوما ولما لزمه الدية الى أوليائه. (والثانية): بما ورد من الأحاديث أن بعض الطاعات تزيد في العمر (فأما) الاولى فأجاب عنها ابن ابي نبهان حيث قال وأما ما اعتقده المعتزليون من أنه لو لم ينقص ذلك من عمره لم يكن مستحقا بفعله العقاب لان كل من قتل نفسا ظلما متعمدا فجزاؤه جهنم الله تعالى فقد يمكن أن يوافق قتل هذا وفاء اجله على زعمهم يكون عليه عقاب وذلك من علم الغيب وحكم الله تعالى على العموم يصح في صفة الله تعالى أن يكون الامر على غير ما اخبر من
ولا
حكما
من
فلا
علم الغيب ولا من العلم الذي عرفه عباده ويتفاوت القتل في المقتول وقد يمكن انه لا يبقى من عمره الا ساعة او يوم أو شهر أو عام أو دهر طويل أو يكون موافقا للعمر فتختلف أحكام الجزاء في قتل النفس ظلما وفعل المعصية في ذلك سواء بالقصد فصح بطلان هذا القول من المعتزلة ا. هـ.
أقول: وكذلك يلزمهم تقدير الدية التي وجبت على القاتل على حسب ما بقي من عمر المقتول وهذا باطل ضرورة وانما استحق القاتل
كتبه ببغداد وقال السمعاني من مقالته: ان الله تعالى ليس له ارادة وان جميع افعاله واقعة منه بغير ارادة ولا مشيئة منه لها.
راجع تاريخ بغداد 9: 384 والمقريزي 2: 348 ووفيات الأعيان 1: 352 ولسان الميزان 3: 255 وهدية العارفين 1: 444
97 (2/97)
صفحة 555
العقاب لانه مرتكب لما الله ارتكابه ووجبت عليه الدية زجرا حرم
له عن مثل ذلك الفعل لا كما زعموا.
(وأما) الثانية فأجاب عنها الامام عبد العزيز في شرح النونية حيث قال وحديث أن الطاعات تزيد في العمر يعارض القواطع لانه واحد أو أن الزيادة فيه بحسب الخير والبركة أو بالنسبة الى
بعض
وهو
مطلقا ما تثبته الملائكة في صحفها لانه قد يثبت فيها الشيء في علم الله تعالى مقيد ثم يؤول الى موجب علمه تعالى، كما يشير إليه قوله «يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب» أي اللوح المحفوظ المكتوب فيه جميع الكائنات، كأن يكون الموجود في صحفها ان عمر زيد خمسون سنة مثلا وهو مقيد في علم الله تعالى بأن لا يفعل طاعة كذا وانه ان فعلها كان عمره ستين سنة مثلا، وسبق في علمه تعالى انه يفعلها فانه يفعلها ويعيش ستين سنة، فالمعتبر في هـ كلامه. ما تعلق العلم الازلي بالوصول اليه ا. العمر هو اقول وهذه المسألة وان ظهر بطلان قول المعتزلة فيها لعدم الدليل الشاهد لدعواهم ليست من المسائل الدينية التي يفسق بها من فيها، لاحتمال أن يقول ذلك المخالف ان للمقتول في علمه تعالى اجلين: أجلاً مقيداً بما اذا لم يقتل فانه ينتهي اليه واجلاً مقيداً بما اذا قتل فانه يموت فيه، وقد علم الله انه يقتل فلا يتبدل فيه علمه تعالى وكذلك يحتمل لمن قال: إن القاتل قطع على المقتول أجله انه تعالى اجل لهذا اجلا لو لم يقتله القاتل لانتهى اليه لكن علم الله انه يقتل فيموت قبل الاجل المحدود بارادته تعالى فلا يتبدل فيه علمه ولا ارادته، نعم هي من مسائل الدين أن لو قيل انه تعالى لم يعلم بان القاتل
خالف
(1) سورة الرعد، آية رقم 39.
98 (2/98)
صفحة 556
يقطع على المقتول اجله أو أن المقتول يموت في اجل لم يرد الله موته فيه وانما قلنا انها حينئذ من مسائل الدين لما فيها من وصف الله تعالى بالجهل حيث أن بعض الاشياء لم يعلمها وبالعجز حيث أن ارادته لم تنفذ، والمعتزلة يعتقدون أنه تعالى لم يرد وقوع المعاصي والقتل ظلما معصية فينبني على مذهبهم أن الله تعالى لم يرد قتل المقتول ظلما، ولا يبعد أن تكون مسألة قطع الاجل على المقتول مبنية على هذه القاعدة، وإنما قلنا ولا يبعد ولم نقل أنها مبنية قطعا لاطلاقهم
وهو
أن القاتل قطع أجل المقتول ولم يقيدوه بما إذا كان ظالما له. (قوله وقبل رزقه) أي وقبل انقضاء رزقه بكسر الراء بمعنى مرزوقه ما ساقه الله اليه لينتفع به سواء كان بملكه أو بدون ملكه بأن كان ملكا للغير فظلمه إياه وانتفع به سواء كان مما يؤكل أو يلبس أو يتقى به عن الحر والبرد أو نحو ذلك، كان المنتفع به عاقلا أو غير عاقل هذا مذهبنا ومذهب جمهور الأشاعرة، ويدل عليه ما في الخبر مرفوعا عن ابن مسعود «أن روح القدس نفث في روعي لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله واجملوا في الطلب ولا يحملن احدكم استبطاء الرزق ان يطلبه بمعصية الله تعالى لا ينال ما عنده الا بطاعته) ويدل عليه ايضا قوله تعالى «وكأين دابة لا من تحمل رزقها الله يرزقها واياكم) «وما من دابة في الارض الا على الله رزقها).
(1) رواه في مسند الفردوس عن جابر في حرف الهمزة، ورواه في حرف النون عنه بلفظ نفث في روعي روح القدس ان نفسا لن تخرج من الدنيا حتى تستكمل رزقها، الحديث ورواه أبو نعيم والطبراني عن أبي امامة والبزار عن حذيفة وأخرجه أيضاً ابن أبي الدنيا وصححه
الحاكم عن ابن مسعود كذا في فتح الباري.
(2) سورة العنكبوت آية رقم 60.
(3) سورة هود آية رقم 6.
?? (2/99)
صفحة 557
(وذهبت) المعتزلة الى ان الرزق هو ما يملك لا ما ينتفع به مطلقا قلنا وهو باطل لوجهين.
(أحدهما): أنه يلزم عليه أن ما ملكه الله تعالى رزقا له. يسمى (وثانيهما): أنه يستلزم أن تكون الدواب وما لا ملك له غير مرزوق وكلاهما باطل.
(أما) الاول: فلاستلزامه أن يكون الرب سبحانه مرزوقا (وأما) الثاني: فلمصادمته قوله تعالى (وكأين من دابة لا تحمل رزقها») وقوله وما من دابة في الارض الا على الله رزقها ".
(قوله الذي له يحد) أي يقدر والموصول وصلته صفة للرزق وفيه إشارة الى أن الرزق لا يزيد ولا ينقص على ما قدر في علمه تعالى وان كان بعضه معلقا بالأسباب وبعضه غير معلق بها، فإن المعلق بد أن يكون معلوما لله تعالى أنه يناله فهو في علمه مقدر كذلك لعلمه بانه يفعل السبب فيعطي ذلك الرزق المعلق به، أما اذا علم انه يفعل السبب فلا ينال الرزق، فذلك الرزق من الرزق الغير المحدود له فهو يموت قبل استيفائه.
بالاسباب
(قوله كان حلالا) أي كان الرزق حلالا وهو ما ورد في حوازتنا وله نص أو اجماع او قياس جلي، سواء كان في علم الله تعالى انه حلال كذلك أو لا فانه انما تعبدنا بالظواهر لا بما غاب عنا علمه قال القزويني: ومن قال إن الحلال ليس بموجود فقد طعن في
(1) سورة العنكبوت آية رقم 60. (2) سورة هود آية رقم 6.
(3) هو عمر بن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد، امام الدين أبو القاسم الكرخي التميمي القزويني الشافعي: فقيه من العلماء ينعت بقاضي القضاة ولد بتبريز قال ابن العماد: انجفل الى مصر =
100 (2/100)
صفحة 558
الشريعة وهو أحمق حصل له ذلك من جهله، فان الله لم يكلف الخلق الحلال في علم تعالى بل كلفهم أن يصيبوا الحلال في اعتقادهم
عين
رظنهم ا.
هـ.
الله
أقول: وفي قوله في اعتقادهم وظنهم نظر لانهم مكلفون أن يصيبوا الحلال على وفق الشريعة المحمدية لا على وفق اعتقادهم وظنهم فقط لان الاعتقاد والظن قد يوافقان الشرع وقد يخالفانه، فما وافق الشرع منهما جاز الاعتماد عليه وما خالفه حرم التعويل عليه، وعند التحقيق فالتعويل على ظاهر الشريعة لا على نفس الاعتقاد والظن، وقد مر الكلام آخر الركن الأول على من يأتي الاشياء على وفق ظنه من غير علم بحكم الشرع فيه فراجعه ان شئت.
في
ما
(قوله أو حراما (حجرا أي منع من تناوله، والحرام هو تناوله نص أو اجماع أو قياس جلي كتحريم الخمر والدخان الملحق به في القياس لاسكاره أو يقال إنه حرام بنص السنة لدخوله تحت قوله الله وكل مسكر حرام) فلا عبرة بمن حلله زاعما انه ليس بمسكر، وانما هو مرقد فقط قائلا إن الاسكار هو تغير العقل مع طرب وهذا تغيره مع انقباض فليس هو باسكار قلنا لا نسلم أن الاسكار هو تغير
فتألم
في
الطريق وتوفي بالقاهرة عام 699 هـ وكان تام الشكل متواضعاً لم يتكهل. قلت:
له مختصر شعب الايمان في شستربن 3682.
راجع شذرات 5: 451 وهدية العارفين 1: 788.
(1) الحديث رواه البخاري في كتاب الأدب 80 باب قول النبي - - يسروا ولا تعسروا.
-
ومعاذ
6124 عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده قال لما بعثه رسول الله - عالم ابن جبل قال لهما: يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا قال أبو موسى يا رسول الله، انا بأرض يصنع فيها شراب من العسل يقال له البتع، وشراب من الشعير يقال له المزر قال
رسول الله
-
-
وذكره ..
101 (2/101)
صفحة 559
العقل مع الطرب فقط بل نقول إن الاسكار هو تغير العقل مطلقا من غير قيد بطرب وانقباض لكن لا على وجه الآفة ليخرج نحو الجنون والعته فانهما ليسا بسكر وأيضا فالحكمة التي لاجلها حرم الاسكار إنما هي حفظ العقل عن التغير لا حفظه عن الطرب فقط، فاندفع الاشكال والحمد الله.
(قوله أو شبهة) هي أن يتجاذب الشيء أصلان أصل يحلله وأصل يحرمه ولا مرجح لواحد منهما فالواجب فيه التوقف وتقسيم الرزق الى حلال وحرام وشبهة هو مذهب الجمهور مستدلين بأحاديث رووها عن رسول الله الله وذهب بعض الى أن الاشياء إما حلال واما حرام لا غير قال الشماخي رحمه الله: وهو قول الربيع وظاهر قول جابر قال: وللمشايخ في الريبة ثلاثة أجوبة إذا وقع في الريبة ولم يدخل عليها أحدها يمسكها ولا يبالي والثاني يبيعها ويمسك مقدار ما أنفق ويتصدق بالباقي، والثالث يبيعها ويمسك جميع الثمن قال: قال المصنف: حكاه سلمة الدرجيني عن الشيخ أبي الربيع رضي الله عنهما وان دخل عليها محققة فكالحرام وغير محققة كالذي يكون في يد من الحرام فيردها وينفق مثلها ويأثم. (قوله والله كلا قدرا أي وقدر الله كل واحد من أنواع الرزق التي هي الحلال والحرام والشبه إذ لا رازق سواه تعالى، لكن لا ينبغي أن يقال الله رازق الحرام كما لا يقال إنه خالق القذر لا لانه لم يخلقه لكن لما فيه من ايهام التنقيص، وكما يقال إنه مفسد للاشياء
-
يتقي
ورواه الامام مسلم في الأشربة 73 ـ 75، 64 69، وأبو داود في الأشربة 5، 7 والترمذي في الأشربة 1، 2 والنسائي في الأشربة 53 40 49 وابن ماجة في الأشربة 9، 13، 14 وصاحب الموطأ في الضحايا 8 وأحمد بن حنبل في المسند 1: 274، 289، 350، 2: 19،29، 31، 91، 98، 105 (حلبي).
102 (2/102)
صفحة 560
الفاسدة، وإن كان في الحقيقة هو الذي فعل ذلك غير أن فعله بالنسبة اليه تعالى ليس بمفسدة بل هو حكمة خفيت علينا، فكانت بالنسبة الينا مفسدة لعلمنا بظاهر المضرة وجهلنا بما فوق ذلك ولذا قلت:
والرزق من ربنا لا شك فيه كما
لا شك في ما قضى الرحمن من قدر
فالحل والحرم كل من لدنه كما
لكنه قال
من
عنده واردات النفع والضرر
الرازقين وه
فلا
أتى به النص من وصف به اقتصر
تصفه برزاق الحرام
يوصفن بخلاق القذى الوضر
وقد تقدم أن المختار أن اسماءه تعالى توقيفية فلا يسمى بما لم يرد فيه نص من كتاب أو سنة، وذهبت المعتزلة الى أنه تعالى لا يرزق الحرام بناء على ما أن الرزق عندهم هو ما يملك، وعلى من قاعدتهم في التحسين والتقبيح العقليين، وكل منهما قد جوابه ونزيدها هنا أن نقول يلزم هؤلاء القائلين أن يكون من عاش طول عمره بأكل الحرام غير مرزوق، وهو مصادم لقوله تعالى (وما من دابة في الارض رزقها) ولا قبح في أنه تعالى يرزق الحرام لأن الاشياء
الله
الا على كلها ملك له فالحلال والحرام بالنسبة اليه سواء قال ابن ابي نبهان: إن هذه المسألة مما يسع جهلها أي ليست من مسائل الدين التي اعتقادها كذلك فإنها وإن صادمت ظاهر الكتاب فلا دليل
يجب
وهي
قطعي بكفر المخالف فيها لان الظاهر والعموم ليس بدليل قطعي عندنا،
(1) سورة هود، آية رقم 6.
103 (2/103)
صفحة 561
وإنما جاء بطلان قولهم من قبل التأويل بلا دليل والتخصيص بلا
مخصص.
للزم
(قوله إذ ليس في العالم شيء يصدر الى آخره هذا دليل لقوله
الله
وتقدير
والله كلا قدرا وحاصله ان الاشياء كلها انما تصدر بارادة منه فلا فاعل على الحقيقة الا هو، فلو قلنا إنه لم يرزق الحرام لأكله أن يكون هناك رازق غيره يرزق الحرام وهو يرزق الحلال فقط، وانما احتملنا للمعتزلة في هذه المسألة ظهور هذا اللزوم لامكان ہے أن يريدوا نفي النسبة اليه لفظا مع اقرارهم بأنه تقدير الله فيكون الخلاف لفظيا، لكن اذا رجعت الى قواعدهم رأيتهم ينفون نحو هذا عن الله تعالى معنى طلبا لتنزيهه عما لا يليق به في زعمهم، فالمسألة حينئذ دينية لانها يلزم عليها اثبات رازق غيره تعالى لوجود أكل المحرم وسوقه الى آكله وتقديره له، وهذه كلها أفعال لا تقوم إلا من فاعل والفاعل على الحقيقة هو الرب عز وجل ينفونها عنه فرجعت
المسألة قدرية.
1.2 (2/104)
صفحة 562
الكلام في عذاب القبر
ثم عذاب القبر مما جاء به
واعتقدن
تواتر الاخبار
صدقه ولا تحا
تعذيب ميت لوجوه يحتمل)
بين
(قوله ثم عذاب القبر الخ عطف بثم المقتضية للتراخي، وذلك أنه لما استطرد في بيان الرزق واخذ في الكلام عليه كان ذكر الموت وذكر عذاب القبر مهلة فناسب عطفه بثم، وذكر القبر تغليبا لما عليه العادة لانه هو الغالب في أحوال الموتى، والا فكل ميت أراد الله تعذيبه فكذلك حكمه سواء قبر أو أكلته السباع أو حرق وذري في الريح، ولا يمنع منه تفرق الاجزاء، لان الله على كل شيء قدير، وكذلك أيضا نعيم القبر واقتصاره على ذكر العذاب دون النعيم لكثرة التعبير به عن المقام.
الله
الآيات
(اعلم أن العلماء اختلفوا في ثبوت عذاب القبر فذهب جابر بن عنه، والجمهور الى ثبوته، لما ورد من والاحاديث الدالة على ذلك حتى قال في المعالم انها متواترة معنى،
زيد رضي
(1) هو جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي أبو عبدالله تابعي من فقهاء الشيعة من أهل الكوفة، أثنى عليه بعض رجال الحديث واتهمه آخرون بالقول بالرجعة وكان واسع الرواية غزير العلم بالدين مات بالكوفة عام 128 هـ.
راجع تهذيب التهذيب 2: 46 وفهرست الطوسي 45 وميزان الاعتدال 1: 176 وذيل
المذيل 98.
100 (2/105)
صفحة 563
وهو ممن
بها عن
فمن الآيات قوله تعالى (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب (1) ولقد تكلف ابن ابي نبهان ينكر عذاب القبر تأويل هذه الاية حتى خرج أسلوب النظم الشريف فقال: فيها تقديم وتأخير والأصل ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا (ومنها) قوله تعالى (سنعذبهم مرتين ثم يردون الى عذاب عظيم (2) فانه ذكر يعذبون ثلاث مرات فالاول باقامة الحدود، والثانية في القبر والثالثة بعد البعث كذا قيل (ومنها قوله تعالى حكاية عن الكفار «ا ربنا اثنتين واحييتنا اثنتين (3) فذكروا أنهم أميتوا اثنتين كما انهم احيوا
اثنتين.
أمتنا
مي
(ورد) بأن الحياة الأولى هي الحياة الدنيوية، والثانية الاخروية، وأن الاماتة الأولى هي عبارة عن عدمهم قبل الوجود والاماتة الثانية
التي
فارقوا بها الدنيا.
أبي
(وأما) الاحاديث فمنها ما أخرجه ابن شيبة وابن ماجه عن سعيد الخدري قال سمعت رسول الله الله يقول «يسلط الله على الكافر في قبره تسعة وتسعين تنينا تنهشه وتلدغه حتى تقوم الساعة لو أن تنينا منها نفخ على الارض ما انبتت خضراء» قال الباجوري:
(1) سورة غافر آية رقم 46.
(2) سورة التوبة آية رقم 101 وقد جاءت الآية محرفة المطبوعة حيث قال (غليظ) بدلاً من (عظيم).
(3) سورة غافر آية رقم 11 وتكملة الآية فاعترفنا بذنوبنا فهل الى خروج من سبيل). (4) الحديث رواه الامام أحمد بن حنبل في المسند 3: 38 - حدثني أبي، ثنا أبو عبد الرحمن، ثنا سعيد بن أبي أيوب. قال سمعت أبا السمح يقول سمعت أبا الهيثم يقول، سمعت أبا
سعيد الخدري يقول: قال رسول الله
-
-
وذكره.
ورواه الدارمي في الرقاق،94، ورواه الترمذي في القيامة 36.
1.7 (2/106)
صفحة 564
والتنين بكسر المثناة الفوقية وتشديد النون وهو أكبر الثعابين قيل وحكمة هذا العدد أنه كفر بأسماء الله الحسنى وهي تسعة وتسعون ا. هـ. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة تراجع من محلها (واحتج) النافون
في
بقوله تعالى «يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ((1) قالوا: لو كانوا معذبين القبر ما سموه مرقدا واجيب بأنهم سموه بذلك نظرا الى ما شاهدوا من هول الموقف حتى صار القبر بالنسبة اليهم كالمرقد، وبقوله تعالى يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ((2) قالوا لو كانوا معذبين لاستطالوا المدة ولما اقسموا أنهم لم يلبثوا الا ساعة.
كشف لهم من
(واجيب) عنه بأنهم انما سموا تلك المدة ساعة بالنسبة الى ما التأييد الذي لا انقطاع له فمدة البرزخ بالاضافة الى ما بعدها من الأبد أقل من ساعة (وبقوله تعالى: «لا يذوقون فيها الموت الا الموتة الاولى).
منهم
فلا
يسمى
ما
(قالوا) لو عذبوا في القبر لزم احياؤهم فيه ثم اماتتهم بعد التعذيب، ويجاب بأن الخطاب لاهل الجنة فإذا أحياهم الله في القبر لما أراده بعد تلك الحياة موتا بالاضافة إليهم، كيف وقد ورد في الحديث أن المؤمن يرى منزله في النار ان لو عصى ومنزله الجنة لما أطاع فيريد أن ينهض اليه فيقال له: لم يأت أوان ذلك نم سعيدا نومة العروس وليس النوم بموت فلا يذوقون الا الموتة الاولى. (قوله تواتر الاخبار معنى أي تواتر معنى الاخبار النبوية فمعنى تمييز محول عن مضاف، والمتواتر في اصطلاحهم هو خبر جماعة عن
(1)
آية رقم 52 وتكملة الآية هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون).
سورة يس (2) سورة الروم آية رقم 55.
(3) سورة الدخان، آية رقم 56 وتكملة الآية، ووقاهم عذاب الجحيم ..
107 (2/107)
صفحة 565
جماعة لا يمكن تواطي مثلهم على الكذب عادة مسندين الخبر الى الحسن فإن رووا الخبر بلفظة سمي تواترا لفظيا وان روى كل منهم بلفظ يخالف لفظ الآخر واتفقوا في المعنى سمي التواتر معنويا، لاشتراك جميع الرواة في ذلك المعنى بنفسه وان اختلفت عباراتهم.
(قوله فانتبه أي فاستيقظ من غفلتك تكملة للبيت وفائدته التنبيه للسامع من غفلته، والمعنى إذا عرفت أن عذاب القبر جاء به التواتر المعنوي فلا تكن ذا غفلة عن أخذ الحذر منه ولا ذا تماد في الجهل ما جاءت به الاخبار المتواترة أن يكون معلوما لك.
به
كل
خبر
فان
خبر
حق
(قوله واعتقدن صدقه أي مطابقة التواتر المعنوي للواقع اي انتبه للعلم به واعتقد صدقه فالتواتر مما يقطع بصدقه وكذلك يقطع بصدق عرف بالضرورة وبصدق كل خبر عرف بالاستدلال، وبصدق الله تعالى وبصدق خبر رسوله وبصدق من أخبر الصادق بصدقه وبصدق الاجماع وبصدق خبر اخبر به عن قائله وهو حاضر يسمع الخبر ولا ينكره، ولم يمنعه من الانكار مانع وبصدق الخبر المستفيض المتلقى بالقبول لكن وجوب تصديق ما ذكر من التواتر انما هو متوقف على من بلغه ذلك أما في زماننا فقد تعذر ادراك التواتر من غيره، وصارت الاخبار كلها منزلة الآحاد لانقطاع الرواة الا ما اجمعت عليه الامة أن هذا متواتر أو أنه عن رسول الله لا فحينئذ يجب تصديق الاجماع والقطع بصدق الخبر، ولذا قال صاحب المرآة: المعتبر في تصحيح الاخبار وفي كونها تواتراً أو آحادا هو ما عليه السلف في الثلاثة القرون فما تواتر هناك فهو متواتر وما لا فلا، لكن كونه متواترا في تلك القرون لا يوجب القطع به على من هو في زماننا لان كلا متعبد بعلمه ثم إن رواية أنه متواتر في تلك القرون لا تكون غالبا الا آحادية فينقلب المتواتر احاديا فيكون مظنون الصدق، والعقائد لا تنبني على ظن فلذا
الخلاف صح
في عذاب القبر.
108 (2/108)
صفحة 566
(فان قيل) فما
وجه
كلام الناظم في قوله واعتقدن صدقه؟
(قلنا): إنه مبني على غير الوجوب أو على ارادة من بلغه ذلك التواتر الموجب للصدق فلا اشكال.
(قوله ولا تحل بضم المثناة الفوقية أي ولا تقل باحالة تعذيب ميت ردا على من قال إن تعذيب الميت خارج عن المعقول قالوا: إن قدرنا امكانه في القبر لاعادة الروح فيه فلا يمكن ذلك في كل ميت فانا نشاهد من قتل فصلب بعد القتل مدة طويلة حتى تفنى اجزاؤه فلا نرى انها حدثت حياة يدرك بها العذاب، وكذلك من أكلته السباع أو أحرق بالنار واذري في الرياح، فانا نعلم ضرورة ان أجزاءه تفرقت وحياته مع تفرق أجزائه تعذرت.
(واجيب) عن الأول: بأنه يحتمل أن يخلق فيه حياة لا ندركها نحن وعن الثاني: أنه مبني على أنه يشترط في الحياة وجود البنية بتمامها ونحن لا نقول به لامكان أن يخلق الله لكل جزء انفرد حياة
يحس بها ألم العذاب (قوله لوجوه يحتمل أي يحتملها التعذيب وتلك ما في الاجوبة التي ذكرناها.
الوجوه
هي
109 (2/109)
صفحة 567
الكلام في الحساب
أما الحساب فهو تمييز العمل
خيرا وشرا راه من
خص بـ
مقص
ليعلم
أو فاسق ليكثـ
التندم
(وما عداهما
الجنان
بلا حساب أو الى النيران)
(قوله أما الحساب) الخ هو لغة: العدد وفي الاصطلاح: ما أشار اليه المصنف بقوله: هو تمييز العمل خيرا وشرا أي تبيين عمل الخير لصاحبه وتبيين المقبول منه والمردود وتبيين مقدار ثوابه وتبيين عمل الشر لصاحبه وتبيين أنه مردود عليه وتبيين مقدار عقابه. وعرف بعضهم بأنه: توقيف الله الناس على أعمالهم خيرا كانت أو شرا قولا كانت أو فعلا تفصيلا بعد أخذهم كتبها. قال الباجوري: وقد اختلف في المراد بتوقيف الله الناس على أعمالهم فقيل المراد به أن يخلق الله في قلوبهم علوما ضرورية بمقادير أعمالهم من الثواب والعقاب، وقيل المراد به أن يوقفهم بين يديه ويؤتيهم كتب أعمالهم فيها سيئاتهم وحسناتهم فيقول: هذه سيئاتكم وقد تجاوزت عنها، وهذه حسناتكم وقد ضاعفتها لكم، وهذا القول نقل عن ابن عباس قال الباجوري: وفيه قصور لان الحساب غير قاصر على هذا المقدار وقد ورد الكافر ينكر فتشهد جوارحه وقيل المراد به أن يكلمهم في شأن أعمالهم وكيفية مالها من الثواب وما عليها من العقاب فيسمعهم كلامه القديم. قال: وهذا هو الذي تشهد له الاحاديث الصحيحة ا.
هـ.
أن
110 (2/110)
صفحة 568
(أقول): وهذا الذي يرده النقل والعقل لان القدم مختص به عز
وجل وكلامه الذاتي انما هو صفة توجب عدم الخرس لا حروف وأصوات مسموعة، فلو قدرنا أن كلامه الذاتي كذلك للزم أن يكون مشابها لخلقه في صفتهم الكلامية وهذا خلاف قوله تعالى «ليس كمثله وقد تقدم في بيان الكلام ما فيه غنى عن الاعادة، وأما القول المروي عن ابن عباس فمحتمل للايقاف بين يدي ملك ملائكته يحاسبهم أو بين قدرته ونعمته وما جاء به الكتاب من قوله
شيء
من
تعالى (اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون) دليل على أن الحساب غير مقصور على نفس التبيين فقط بل معه مكالمة ومخاطبة وشهادة، فيحمل على أن المحاسب خلق من خلق الله تعالى خلقه لذلك وجعل له قدرة على محاسبة الخلق كلهم جنهم وإنسهم مؤمنهم وكافرهم الا من
للخلق هو
استثني
(1) سورة الشورى آية رقم 11 وصدر الآية (فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجاً
و من الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه).
(2) سورة يس آية رقم 65 قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو شيبة ابراهيم بن عبدالله بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث حدثنا أبو عامر الأزدي حدثنا سفيان عن عبيد المكتب عن الفضل بن عمرو عن
التميمي
الشعبي عن انس بن مالك
-
رضي
الله عنه قال: كنا عند
النبي
-
صلي
الله عليه وآله وسلم
فضحك حتى بدت نواجذه ثم قال: الله أتدرون أضحك ... ؟ هم قلنا: الله ورسوله أعلم؟؟ قال الله من مجادلة العبد ربه يوم القيامة يقول رب ألم تجرني من الظلم ... ؟ فيقول: بلى، فيقول: لا أجيز عليَّ الا شاهداً من نفسي فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، وبالكرام الكاتبين شهوداً فيختم على فيه ويقول لأركانه انطقي بعمله ثم يخلي بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكن وسحقاً فعنكن كنت اناضل، وقد رواه مسلم والنسائي كلاهما عن أبي بكر أبي النضر عن أبي النضر عن عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي عن سفيان هو الثوري ثم قال النسائي لا أعلم أحداً روى هذا الحديث عن سفيان غير الأشجعي وهو حديث غريب والله تعالى أعلم.
111 (2/111)
صفحة 569
كما سيأتي، ويحتمل أن يخلق الله صوتا يسمعونه يكلمهم به فيسألهم أعمالهم فيحاسب هذا حسابا يسيرا وهذا عسيرا، وهذا سرا وهذا عن جهرا، هذا هو الذي ظهر لي بعد ما نظمت هذه القصيدة ولا بأس به على مذهب أصحابنا فانهم إنما يفسرون الحساب بالتبيين فقط فرارا عن التشبيه ولا تشبيه في هذا.
تمييز
خير
(قوله خيرا وشرا منصوبان على التمييز المحول عن مضاف تقديره العمل وشره، أو على الحال من المضاف اليه لاقتضاء المضاف العمل أي تمييز العمل في حال كونه خيرا وفي حال كونه شرا. (قوله ليراه من فعل) أي ليعلمه من فعله (وفائدة) الحساب بيان مراتب الكمال، والنقصان فيعلم المؤمن ما كتب له وما محي عنه فيشكر ويرى الفاسق ما أثبت عليه فيفتضح.
(قوله خص به مقصر) الخ في القواعد أن الناس بالنسبة الى الحساب ثلاثة أقسام: قسم يحاسب وهو مؤمن مقصر وفاسق غير جاحد. وقسم يدخلون الجنة يغير حساب وهم الموفون من المؤمنين. وقسم يدخلون النار بغير حساب وهم المشركون فبنيت النظم على ما هنالك ثم ظهر لي بعد ذلك خلافه بظاهر قوله تعالى (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم) فهذا صريح بأن منكري البعث ينبؤن بأعمالهم وقوله تعالى «وقفوهم إنهم مسؤولون) وفي السنة عنه علي يدخل الجنة أمتي سبعون ألفا من ليس عليهم حساب فقيل هلا استزدت ربك فقال استزدت فزادني مع كل واحد من السبعين الفا سبعين ألفا فقيل له هلا استزدت ربك
(1) سورة التغابن آية رقم 7. (2) سورة الصافات آية رقم 24.
112 (2/112)
صفحة 570
حمته بر
فقال استزدته فزادني ثلاث حثيات بيده الكريمة) أي والثلاث الحثيات ثلاث دفعات قال القطب رحمه الله: وحيث ورد نفي الحساب عن المؤمن فالمراد نفي المناقشة بعد أن قال ولا يسأل نبي أو مشرك عن عمله شيئا فشيئا، وقيل يسأل المشرك ثم قال بعد ذلك هذا تحقيق المقام فدع ما سواه، وتلخيصه أن السؤال شيئا فشيئا كائن لما عدا الأنبياء من مؤمن وفاسق، والخلاف في المشرك (قوله ليعلما) اشارة الى حكمة حساب المؤمن المقصر أي ليعلم نعمة الله عليه حيث محا عنه سيئاته واثبت له حسناته مضاعفة.
(قوله أو فاسق أي فسق غير شرك على ما القواعد.
الله
وهي
(قوله ليكثر (التندما أي التأسف على ما فرط في جنب الحكمة في حسابه (قوله وما عداهما أي المؤمن المقصر والفاسق
الغير المشرك. (قوله) الى الجنان بلا حساب) وهم المؤمنون الموفون والجنان جمع جنة وهي دار الثواب فيجب اعتقاد وجودها في الآخرة وأنها غير فانية وأن أهلها غير منتقلين عنها بفناء ونحوه، وان لهم ما تشتهي أنفسهم
وتلذ اعينهم. (قوله أو الى النيران) أي بلا حساب ففيه اكتفاء وهم المشركون على ما في القواعد، والنيران جمع نار وهي دار العذاب في الاخرة فيجب اعتقاد وجودها هنالك وان أهلها العصاة أهل الكبائر الذين لم
-
4286
(1) الحديث رواه ابن ماجة في الزهد 34 باب صفة أمة محمد حدثنا هشام بن عمار، ثنا اسماعيل بن عياش ثنا محمد بن زياد الألهاني قال: سمعت أبا امامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله لا يقول وذكره. ولفظه (وعدني ربي سبحانه ان يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب ألف سبعون وثلاث حثيات من حثيات ربي عز وجل).
كل
113 (2/113)
صفحة 571
يتوبوا منها وانها لا تفنى وان أهلها مخلدون فيها فمن دخلها لا يخرج منها وانما جمع الجنان والنيران نظرا الى تعددهما فالجنان ثمان، جهنم، وتحتها لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم
وبين
سبع
اعلاها والنيران سبع سقر ثم الجحيم ثم الهاوية وباب كل من داخل الاخرى على الاستواء أعلاها وأسفلها خمس أو مائة سنة، وحرها هواء محرق ولا جمر لها سوى بني آدم والاحجار المتخذة آلهة من دون الله تعالى، والشياطين أيضا، وهذه النار التي في الدنيا ما أخرجها الله عز وجل للناس من جهنم حتى غسلت في البحر مرتين ولولا ذلك لم يحصل الانتفاع بها لاحد من شدة حرها، وكفى بها زاجرا عن عصيان الله تعالى الموجه اليها ا. هـ. من شرح الرائية للشيخ عبد العزيز) رحمه الله تعالى.
هو الشيخ عبد العزيز بن الحاج بن ابراهيم الثميني ولد في يسجن بجنوب الجزائر عام 1130 هـ كان أحد أقطاب علماء الاباضية واليه انتهت رئاسة العلم له مؤلفات كثيرة توفي
عام 1220 هـ من مقدمة كتاب معالم الدين.
114
(1) (2/114)
صفحة 572
الكلام في خلق الجنة والنار
(والخلف هل قد خلقا وهو الأصح
أو يخلقان بعد ما الفنا
والوقف عن تعييننا ذاك المحل
أولى بنا اذ لا دليل ثم دل)
وعدم التعيين يس يقدح
في قولنا ان الوجود أرجح)
(قوله والخلف هل قد خلقا أي الآن والضمير عائد الى الجنان والنيران وكان مقتضى الظاهر أن يقول خلقتا بتاء التأنيث فعدل عنه
باعتبار كونهما محلين.
(اعلم) أن الامة اختلفت في وجود الجنة والنار الان فذهب جمهورنا والاشاعرة وبعض المعتزلة الى أنهما موجودان الان، واستدلوا بقصة آدم وحواء عليهما السلام واسكانهما الجنة واخراجهما منها بالزلة، وهذا دليل لا يمكن الجواب عنه لنص محكم الكتاب به ولتواتره ضرورة حتى عند من جحد النبوة، والقول بأن الجنة التي كانا فيها غير الجنة الموعود بها في الآخرة تحكم من قائله إذ لا دليل عليه، والأخبار الصحيحة سالكة هذا المسلك فإن كثيرا منها ما يدل على وجودهما الآن. (واستدلوا) أيضا بقوله تعالى أعدت للمتقين» «أعدت للكافرين) بصيغة الماضي لكن يبحث فيه بأنه لا دلالة فيه على
(1) سورة آل عمران آية رقم 133.
(2) سورة البقرة آية رقم 24 وسورة آل عمران آية رقم 131.
110 (2/115)
صفحة 573
المطلوب فقد قال تعالى (ونفخ في الصور) «وسيرت الجبال (2)
ونحو ذلك.
(وذهب) جمهور المعتزلة وبعض أصحابنا كأبي المؤثر، وأبي سهل وابن أبي نبهان الى انهما غير مخلوقين الآن، وانما يخلقان يوم الجزاء
(3) (
بمعنى
هالك الا
مأكولها
وجهه (((4)
(واستدلوا بقوله تعالى في حق الجنة «اكلها دائم دائم أي لا ينقطع، مع قوله تعالى «كل شيء ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام (): ((قالوا): فلو كانت الجنة مخلوقة الآن لزم فناؤها وهلاكها فلا تكون دائمة والنار مثلها اذ لا قائل بالفرق.
(واجيب) عنه بأن دوام مأكولها انما هو على سبيل البدل بمعنى أنه إذا فني واحد جيء بآخر اي لا يتصور دوام مأكول واحد بعينه فلا تنافي (أو نقول): ان فناءهما أن تتفرق اجزاؤهما وتبقى ذواتهما على ما فتكونان فانيتين صورة باقيتين ذاتا (أو نقول): أن كون ذاتيهما قابلتين للفناء كاف في كونهما فان ما أمكن فيه الفناء لذاته فان على الحقيقة ورفع الفناء عنه فعلا لعارض عرض عليه من خارج لا يدفع ذلك الامكان الذاتي.
هي
(أقول): وهذا هو الجواب لأن الأول والثاني وان امكنا فهما محتاجان الى دليل يدل على أن ذات الجنة والنار فانية فعلا على الأول وان صورتهما دون ذاتهما فانية فعلا أيضا على الثاني (وبقوله تعالى «وجنة
(1) سورة الكهف آية رقم 99. (2) سورة النبأ آية رقم 20.
(3) سورة الرعد آية
رقم 35
(4) سورة القصص آية رقم 88.
(5) سورة الرحمن آية رقم 27.
117 (2/116)
صفحة 574
عرضها السموات والارض» رها با فلو كانتا موجودتين لزم تداخل الاجسام لان الآية صريحة في أن عرض الجنة هو عرض السموات
والارض.
(والجواب) أن في الآية تشبيه العرض بالعرض مع حذف أداة الشبيه وهو من أبلغ وجوه التشبيه ريدل عليه التصريح بها في آية أخرى كعرض السموات والارض أيضا فلو كان العرض عين العرض لزم قيام العرض بمحلين مختلفين وهو باطل.
لما
في
(قوله وهو الاصح) أي القول بخلقهما الآن الاصح هو قصة آدم وحواء وقد عرفت أنه لا يمكن الجواب عنها. (قوله أو يخلفان) أي أو سيوجدان بعدما يقع الفناء لئلا يلزم فناؤهما (قوله بعدما الفنا اتضح أي بعد ما وقع وظهر وعبر بالاتضاح مكان الوقوع نظرا للجاحدين للمعاد والتعريض بهم على أنهم في شك مريب وانه سيتضح وينكشف صدق الرسل بما وعدوا به واوعدوا (قوله والوقف عن تعييننا ذاك المحل الخ) أي ووقوفنا عن تبيين محل الجنة والنار بعينه أي أنه في مكان كذا أو مكان كذا أحق بنا لانه محتاج الى دليل ولا دليل يدل على ذلك ولا نعلم الا ما اطلعنا على علمه وأتى بالاشارة مع امكان أن يأتي باين مكان ذاك لما في الاشارة من اشارة لبعد المحل وتعظيمه وخفائه علينا الا بالاشارة ممن اطلع عليه.
(اعلم)
أن بعض العلماء القائلين بوجود الجنة والنار أخذوا في تعيين محلهما فقال جمهورهم إن الجنة فوق السماء السابعة عند سدرة المنتهى،
(1) سورة آل عمران آية رقم 133.
117 (2/117)
صفحة 575
وان النار تحت الارض السفلى وقال البيضاوي) في قوله تعالى وجنة عرضها السموات والارض أعدت للمتقين (2): بمعني هيئت
هـ.
لهم وفيه دليل على أنها خارج هذا العالم ا. ورأى السعد (3) التوقف وحققه شارح الرائية وهو الحق كما في النظم (قوله أولى بنا) أي أحق بنا لجهلنا بما غاب عنا الا اذا اطلعنا على علمه. (قوله إذ لا دليل ثم دل أي ليس هنالك دليل دل على تعيين المحل من كتاب وسنة (لا يقال انه يلزم على هذا أي على كون الدليل معدوما أن يكون القائلون بتعيينه قد تكلموا بلا علم فيكون
طعنا عليهم.
لانا نقول: إن نفي الدليل انما هو بحسب ما ظهر للناظم لا بالنظر الى ما في نفس الأمر، فإنه يحتمل أن يكون لهم دليل لم نطلع عليه نحن فهم محمولون على حسن الظن وعلينا الوقوف عما
لا نعلم. (قوله وعدم التعيين (الخ هذا جواب اعتراض مقدر وصورته يلزمكم على القول بوجودهما الآن أن تعينوا محلهما كما عينه جمهور القائلين
بذلك.
(1) هو عبدالله بن عمر بن محمد بن علي الشيرازي أبو سعيد أو أبو الخير ناصر الدين البيضاوي قاض، مفسر علامة، ولد في المدينة البيضاء بفارس قرب، شيراز وولي قضاء شيراز مدة، وصرف عن القضاء فرحل الى تبريز فتوفي بها عام 685 هـ.
من تصانيفه (انوار التنزيل واسرار التأويل يعرف بتفسير البيضاوي وطوالع الأنوار، ومنهاج الوصول الى علم الأصول، ولب اللباب في علم الأعراب، ونظام التواريخ وغير ذلك كثير. راجع البداية والنهاية 13: 309 والفهرس التمهيدي 205 و 561 وبروكلمان في دائرة المعارف الاسلامية 4: 418 وبغية الوعاة 286 ومفتاح السعادة 1: 436 وطبقات السبكي
09:0
(2) سورة آل عمران آية رقم 133.
(3) سبقت الترجمة له في كلمة وافية في الجزء الأول.
118 (2/118)
صفحة 576
(وجوابه) لا يلزمنا ذلك لانه لا علم لنا الا بما علمنا بأنهما موجودتان وأبهم علينا محلهما.
وقد علمنا
(قوله ليس يقدح) القدح في النسب لغة تنقيصه وعيبه وفي الاصطلاح هو منع الدليل او احدى مقدمتيه (قوله في قولنا) أي مقولنا بمعنى مذهبنا في ترجيح الوجود (قوله إن الوجود) أي وجودهما الآن فأل عوض عن المضاف إليه (قوله أرجح أي أقوى عن القول بأنهما. غير موجودتين الان.
119 (2/119)
صفحة 577
الكلام في الكتب والحوض
والكتب صحف حوت الأعمال
يرده
هي
والحوض حق فاترك الجدالا)
أمة الرسول
قد وفي بعهده المسؤول)
له
يوم
(قوله والكتب صحف حوت (الأعمال أي والكتب التي ذكرها الله في كتابه العزيز وعلى لسان نبيه الكريم كالتي في قوله تعالى «فاما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرأوا كتابيه» الى قوله «وأما من أوتي كتابه بشماله) ونحوها من الآيات كقوله «ونخرج القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا (2) صحف حاوية لاعمال العباد خيرها وشرها لامور عبر بها عن علم المرء عمله بدليل قوله تعالى «يلقاه منشورا (3) وقوله تعالى (واذا الصحف نشرت) فلا يصح تأويلها بالمعاني الاعتبارية وجود لها في الخارج، والايمان بوجودها في الخارج واجب، ولا يلزمنا تعيين الصحف ما بل يكفي الايمان بها اجمالا كما عز وجل وفي الحديث (ما من مؤمن الا وله كل يوم صحيفة فاذا طويت وليس فيها استغفار طويت وهي سوداء مظلمة واذا
التي
ذكرها
الله
هي
(1) سورة الحاقة آية رقم 19 و 20 وتكملة الآية فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه).
(2) سورة الاسراء آية رقم 13.
(3) سورة الاسراء آية رقم 13 (4) سورة التكوير آية رقم 10.
120 (2/120)
صفحة 578
القيامة،
طويت وفيها استغفار طويت ولها نور يتلألأ () قال الباجوري: والأحاديث صريحة الظواهر في أن كل مكلف له صحيفة واحدة يوم مع أنها كانت متعددة في الدنيا، وقد اختلف فقيل توصل صحف الأيام والليالي وقيل ينسخ ما في جميعها في صحيفة واحدة الى أن قال: وظواهر الآيات والأحاديث شاهدة بعمومه لجميع الامم نعم الانبياء لا يأخذون صحفا وكذا الملائكة لعصمتهم، ومن يدخل الجنة بغير حساب، وقد ورد أن الريح تطيرها من خزانة تحت العرش فلا تخطي صحيفة عنق صاحبها، وورد أيضا أن كل أحد يدعى فيعطى كتابه، فحصل التعارض بين الروايتين وجمع بينهما أن الريح تطيرها أولا من الخزانة فتتعلق كل صحيفة بعنق صاحبها، ثم تناديهم الملائكة فتأخذها أعناقهم وتعطيها لهم في ايديهم فالمؤمن المطيع يأخذ كتابه بيمينه، والكافر يأخذه بشماله من وراء ظهره ا هـ كلامه بتصرف وجميع ما فيه محتمل للحق لكن لا يجب الايمان به في حقنا تفصيلا هكذا، فانها وان كانت فيه أحاديث فهي أحادية لا تواترية، نعم يجب الايمان بأن المؤمن يؤتى كتابه بيمينه وان الفاسق يؤتى كتابه بشماله أو من وراء ظهره، لانه ثبت بنص الكتاب (قوله والحوض حق) أي اعطاء الحوض لسيد المرسلين لعل الله في الآخرة حق وردت به الأحاديث المتواترة قال بعضهم أقول: وقد تلقتها الامة بالقبول قال ففي الصحيحين بن عمرو بن العاص) حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك وكيزانه أكثر
من
من حديث عبد
الله
(1) الحديث رواه ابن ماجه في كتاب الأدب 57 باب الاستغفار 3818 ثنا أبي ثنا محمد بن
عبد الرحمن بن عرق سمعت عبدالله بن بسر يقول قال النبي - عالم ولفظه و طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً ..
وفي الزوائد: اسناده صحيح، ورجاله ثقات.
-
وذكره.
121 (2/121)
صفحة 579
من نجوم السماء، من شرب منه فلا يظمأ ابدا) وقد ورد تحديده بجهات مختلفة، ففي رواية لاحمد أن الحوض كما بين عدن وعمان، وذلك نحو شهر وفي رواية للصحيحين ما بين صنعاء والمدينة وذلك نحو شهرين، وفي رواية ما بين مكة وايلة وذلك نحو شهر كالأولى وفي رواية لابن ماجة ما بين المدينة الى بيت المقدس، وهو كالذي قبله فقد تحدث المصطفى بحديث الحوض مرات وذكر فيه تلك الالفاظ المختلفة، فكان يخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها، ولا تنافي من حيث تقدير المسافة بنحو شهر في بعض الروايات وبنحو شهرين في بعض آخر لان الله سبحانه وتعالى تفضل عليه باتساعه شيئا فشيئا، بالمسافة القصيرة أولا ثم أخبر بالمسافة الطويلة والاعتماد على ما يدل على أطولها مسافة كما أشار اليه النووي" ا. هـ كلامه.
فاخبر
(1) الحديث رواه الامام البخاري في كتاب الرقاق 53 باب في الحوض وقول الله تعالى (انا اعطيناك الكوثر).
6579 - حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا نافع عن ابن عمر عن ابن أبي مليكة قال: قال عبد الله بن عمرو قال النبي - وذكره ورواه الامام مسلم في الطهارة 36، 38
والفضائل،27، 34 35،39، 41 ورواه الترمذي في القيامة 15،14. ورواه ابن ماجة في كتاب الزهد 36 باب ذكر الحوض وعنده زيادة (وأول من يرده فقراء المهاجرين الدنسي ثيابا والشعث رؤوسا الذين لا ينكحون المنعمات ولا يفتح لهم السدد). قال:، فبكي عمر حتى احضلت لحيته ثم قال: لكني قد نكحت المنعمات وفتحت لي السدد. لا جرم اني لا اغسل ثوبي الذي على جسدي حتى يتسخ ولا أدهن رأسي حتى يشعث».
(2) هو يحيى بن شرف بن مري بن حسن الحزامي الحوراني، النووي الشافعي أبو زكريا، محيي الدين، علامة بالفقه والحديث مولده عام 631 هـ في نوا من قرى حوران بسورية واليها
نسبته وتوفي بها عام 676 هـ تعلم في دمشق وأقام بها زمناً طويلاً. من كتبه: تهذيب الأسماء
ذلك كثير.
واللغات، ومنهاج الطالبين والمنهاج في شرح صحيح مسلم وغير
راجع طبقات الشافعية للمسبكي 5: 165 والنجوم الزاهرة:7 278 ومفتاح السعادة 1:
398 التيمورية 3 307.
122 (2/122)
صفحة 580
=
وهذه
المسألة مما يسع جهله لمن لم يبلغه تواتر الاخبار، ويجوز التصديق بخبر الواحد فيها لانها من زيادة الفضائل لنبينا عليه الصلاة والسلام، فالتصديق بها تصديق بمزيد فضيلة له ولذا قال المصنف والحوض
حق ولم يقل والايمان به واجب ولم يذكره مع المسائل التي اعتقادها في أول الفصل.
(قوله فاترك الجدالا) اي في حقيقته فإن الاخبار واردة به كما رأيت فان انكرتها وهي في نفس الامر مطابقة للواقع كنت منكرا لما هو حق في نفس الأمر فالوقوف إن لم تصدق أولى من الانكار واسلم فانها وان كانت لا تقوم بها حجة عليك فلا يصح تكذيبك لراويها، وهكذا يجب في كل حديث ورد وفيه محتمل للحق ان لا قامت به حجة فذاك وإلا فأمر راويه الى الله (قوله يرده) أي الحوض من أمة الرسول أي محمد
ومن
عنه
يرد فإن
أي يرد الحوض من
الله
قد وفي بعهده المسؤول) أي (قوله من أمة محمد عل الله من جاء موفيا بعهده الذي أخذه الله عليه ورسوله، وهو الطاعة فمن أوفى بها ورد الحوض ودخل الجنة بفضل تعالى لا فلا والمراد بالموفى بالعهد هو من مات على الطاعة مطلقا، أي سواء كان مطيعا فيما مضى من عمره أم عاصيا وفي البيت تخصيص ورود الحوض بالموفين من أمة محمد عل الله لما روي عنه عليه الصلاة والسلام» ترد علي أمتي الحوض وأنا اذود الناس عنه كما يذود الرجل ابل الرجل عن ابله فقال رجل: يا نبي الله، تعرفنا، قال: نعم لكم سيما ليست لاحد غيركم تردون علي غرا محجلين من اثار الوضوء وليصدن طائفة منكم فلا يصلون الي فأقول يا رب هؤلاء من أصحابي فيجيبني مالك فيقول وهل تدري ما أحدثوا بعدك .. ؟» الحديث
عني
(1)
الحديث رواه ابن ماجة في كتاب الزهد 36 باب ذكر الحوض 4302 ثنا علي بن مسهر
123 (2/123)
صفحة 581
وفي رواية عنه عليه الصلاة والسلام: ((إني لاكثر الانبياء تبعا يوم القيامة فبينما أنا قائم على الحوض اذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم فقلت: الى أين .. ؟ فقال الي النار والله فقلت ما شأنهم فقال: انهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى ثم اذا زمرة اخرى حتى اذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال لهم: هلم قلت الى أين .. ؟ قال: الى النار والله قلت ما شأنهم .. ؟ فقال إنهم ارتدوا على ادبارهم فلا اراه يخلص منهم الا مثل همل النعم) ان الناجي منهم قليل كضالة النعم بالنسبة الى جملتها، وقد ورد أن لكل نبي حوضا ترده امته، فعن الحسن مرفوعا «ان لكل نبي حوضا وهو قائم على حوضه وبيده عصى يدعو من عرفه من الا وأنهم يتباهون أيهم أكثر تبعا واني لأرجو أن أكون أكثرهم تبعا) وفي اثر حوضه لا لا لا لا لا أعرض الحيضان وأكثرها واردا.
يعني
أمته
عن
أبي مالك، سعد بن طارق عن ربعي عن حذيفة قال: قال رسول الله ـ ا ـ وذكره ورواه الامام البخاري في كتاب الرقاق 53 باب ذكر الحوض وقول الله تعالى: إنا اعطيناك الكوثر. 6584 6583 حدثنا سعيد بن أبي، مريم حدثنا محمد بن مطرف حدثني أبو حازم عن
-
وذكره.
سهل بن سعد قال: قال النبي (1) الحديث رواه البخاري في كتاب الرقاق 53 باب في الحوض وقول الله تعالى: (إنا اعطيناك الكوثر) 6587 حدثنا محمد بن فليح حدثنا أبي قال حدثني هلال عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة
عن
النبي
قال وذكره.
-
أنا أول الناس يشفع
(2) الحديث رواه الامام مسلم في كتاب الايمان باب قول النبي - في الجنة وأنا اكثر الأنبياء تبعاً. حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان عن مختار بن فلفل عن انس بن مالك قال: قال رسول
الله
-
—
أنا اكثر الأنبياء تبعاً
يوم القيامة الخ.
ورواه ابن ماجة في كتاب الزهد 36 باب ذكر الحوض 4301 - ثنا زكريا ثنا عطية
عن أبي سعيد الخدري ان النبي
: 341، 451 (حلبي).
—
قال: وذكره ورواه الامام احمد في المسند
124 (2/124)
صفحة 582
الفصل الثاني: في الميزان والصراط)
(وإنما الميزان في الحسبان
عدل وانصاف من الرحمن)
(لا مثل قول ذي الخلاف إذ غدا
يؤولن
(وقوله الصراط فهو الحق لا
كما
ة واعمدا)
بعضهم
تأولا)
(قوله وإنما الميزان) الى آخره (اعلم) أنه ورد ذكر الوزن والميزان في الكتاب والسنة فقال تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) وقال «فمن ثقلت موازينه فاولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا انفسهم في جهنم خالدون (2) وقال «والوزن يومئذ الحق (3).
(واختلفت)
الأمة في تأويله فذهب أصحابنا وجمهور المعتزلة الى
(1) سورة الأنبياء آية رقم 47. (2) سورة المؤمنون آية رقم 102. (3) سورة الأعراف آية رقم 8.
125 (2/125)
صفحة 583
أنه عبارة عن ثبوت السعادة لقوم والشقاوة لآخرين على سبيل الاستعارة التمثيلية، حيث شبه ثبوت العمل الصالح بثقل الموازين والعمل السيء بخفتها على أحد فيه شيئا، وهو معنى قول الناظم عدل يظلم وجه وانصاف، فإن من ثبت له العمل الصالح لا ينقص منه شيئا ومن ثبت له العمل السيء لا يزاد عليه شيئا وذلك هو العدل والانصاف، وهو معنى قوله تعالى (والوزن يومئذ الحق (1) ففسر الوزن بانه الحق ونضع الموازين القسط فالقسط بدل من الموازين لا صفة لها ويعضده قوله تعالى (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا (2) فانه دل على أن الكافر لا يقام له وزن يوم القيامة، فيلزم القائل بثبوت الوزن الحقيقي أن يقول انه خاص بما عدا الكافر وهم لا يقولون بذلك. (وذهبت) الأشاعرة الى أن الميزان هو قصبة عمود وكفتان كل واحدة منهما أوسع من طباق السموات والارض وجبريل آخذ بعموده ناظر الى لسانه وميكائيل امين عليه ومحله عندهم بعد الحساب (ثم) اضطربت أقوالهم في الموزون فقال بعضهم: هي الكتب بناء على أن الحسنات مميزة بكتاب والسيئات كذلك ويرد بأنكم تزعمون أن الموزون
أعمالهم والكتب محل بيان الأعمال لا عينها، ولا محلها.
(وذهب) آخرون الى أن الموزون اجسام حسنة وقبيحة وذلك أن الأعمال الحسنة تنقلب أجساما حسنة والأعمال القبيحة تنقلب أجساما قبيحة، ورد بأن هذا من باب قلب الحقائق وهو ممتنع عقلا فمن المحال قلب الاعراض أجساما وأجيب بأن المحال في ذلك متوقف على القسمة العقلية، فلا ينقلب الواجب مستحيلا ولا العكس، وأما
(1) سورة الأعراف آية رقم 8. (2) سورة الكهف آية رقم 105.
126 (2/126)
صفحة 584
في ما عدا ذلك فلا استحالة والجواب أنه لم يصح انه ستقلب الاعراض اعيانا، والقول في ذلك بلا دليل تحكم.
(وذهب) آخرون الى أن الموزون هي أنوار وظلمات ورد بأن النور والظلمة ليسا بعمل العامل وهم يزعمون أن الموزون أعمالهم.
ويرد
بأنه
يحتاج
(وذهب) آخرون الى أن الموزون العامل نفسه الى شيء يوازنه في الكفة الأخرى فما هو؟ وبالجملة فهذه المسألة ليست من المسائل الدينية التي لا يجوز الخلاف فيها فلا يخطي في دينه من قال بشيء في ذلك مع تمسكه وان بشبهة اذ لا دليل قاطع على رد قوله اللهم الا أن يخطئ من خالفه فيها فيجب تضليله حينئذ لا بالخلاف فيها بل بتضليله من خالفه وهكذا كل مسألة تحتمل الحق والباطل وعدم الدليل القاطع فيها، وانما قلنا أن هذه المسألة ليست دينية لقولهم برجحان العمل الصالح على السيء في حق السعيد وعكسه في حق الشقي، فيحتمل على قولهم ان يرجح العمل الواحد المختوم به سائر الاعمال المتقدمة فليس من مسائل الاحباط الآتي بيانها آخر الكتاب. (قوله في الحسبان) أي في الحساب يوم القيامة وفي بمعنى مع.
رقوله عدل وانصاف العدل: هو وضع الشيء في موضعه من غير اعتراض على فاعل والانصاف معاملة الغير بالعدل والقسط، فهو تعالى يعامل خلقه بالعدل والقسط ويضع لهم يوم القيامة موجب أعمالهم وضعا لا يظلم فيه أحدا فيعترض عليه قوله من الرحمن) متعلق بقوله عدل أو بقوله انصاف على ما قيل في التنازع (قوله لا مثل قول) خبر المحذوف تقديره قولي لا مثل قول ذي الخلاف الخ أو صفة لمصدر محذوف مع فعله تقديره لا أقول قولا مثل قول ذي الخلاف. (قوله ذي (الخلاف بكسر الخاء المعجمة بمعنى المخالفة وذي بمعنى
127 (2/127)
صفحة 585
صاحب وفي العبارة بذي الخلاف اشارة الى أن المسألة ليست مما جهله كما قدمنا فلو كانت من مسائل الدين لعبر بالضلال يسع
لا
مكان الخلاف.
(قوله اذ غدا) أي حين صار متعلق بقوله يؤولنه بنون التوكيد الخفيفة غدا لانه بمعنى صار أي لا أقول مثل قول المخالف حيث صار خبر يقول كان الميزان كفتين وعمودا وافرد الكفة الاعمدا
وجمع
انهما
مع کفتان وعمود واحد تعبير بالمفرد عن المثنى وبالجمع عن المفرد على سبيل التجوز وفائدته بيان تعظيم العمود حيث جمعه وبيان تشابه الكفتين كأنهما كفة واحدة (قوله وقوله الصراط فهو الحق) أي الصراط المذكور في قوله تعالى «أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن
حتى
يمشي سويا على صراط مستقيم (1) وفي الروايات المروية عنه كالمروية عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «يوضع الصراط على سواء جهنم مثل الحد السيف المرهف مدحضة مزلة عليه كلاليب من نار يختطف بها فمسك يهوي فيها ومصروع ومنهم من يمر كالبرق فلا ينشب ذلك أن ينجو ثم يكون اخرهم انسانا رجل قد لوحته النار ولقي فيها شرا ثم يدخله الله الجنة بفضله وكرمه ورحمته (3) هو عبارة عن الحق المشروع وذكر أصناف السالكين فيه تمثيل لرتب المكلفين كما صرح به الغزالي في (المضنون به على غير أهله
(2)
(4)
((
(1) سورة الملك آية رقم 22.
(2) ثم كالريح فلا ينشب ذلك أن ينجو ثم كجري الفرس ثم كسعي الرجل ثم كرسل الرجل
ثم كمشي الرجل. (3) هذا من كلام ابن مسعود رضي الله عنه كما قال ابن مسعود وقد جاء عن البخاري 52 باب الصراط جسر جهنم 6573 بسنده عن أبي هريرة ـ وهو حديث طويل وفيه ويضرب
جسر جهنم قال رسول الله -: فأكون أول من يجيز).
(4) الغزالي: سبق الترجمة له في كلمة وافية في الجزء الأول.
128 (2/128)
صفحة 586
بين الحق والباطل احد من السيف وادق من الشعرة
هنالك انما وبين فالاشياء إما حق أو باطل.
(قوله لا جسر) بفتح الجيم وكسرها هو يعبر عليه (اعلم) أن الاشعرية قالوا: إن الصراط جسر ممدود على متن جهنم أي ظهرها يرده الأولون والاخرون حتى الكفار، وفيه طريقان يمنى ويسرى فاهل السعادة يسلك بهم ذات اليمين، واهل الشقاوة يسلك بهم ذات الشمال، وفيه طاقات كل طاقة تنفذ الى طبقة من طبقات جهنم، وطوله ثلاثة آلاف سنة الف صعود، والف هبوط، والف استواء، وهذا كله ممكن المسألة من باب الدين فقد ذهب الى مثل ما ذهبوا اليه بعض أصحابنا منهم الشيخ هود بن محكم القاسم البرادي والشيخ اسماعيل في القناطر وقطب الائمة في الهيميان وجامع الشمل ومعول استدلال القائلين بجسريته قوله تعالى «فاستبقوا الصراط فاني يبصرون) وقوله تعالى» فاهدوهم الى صراط الجحيم وقفوهم انهم مسؤولون) واجيب بأن الصراط في الآيتين بمعنى الطريق ولا دلالة
وليست
في
الطبقات هو حجة
(1) لم نعثر عليه على كثرة البحث والتقصي ونرجو الله ان يوفقها اليه. (2) هو الشيخ ابو طاهر اسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي الامام البارغ أحد أعلام الفكر العربي واكبر فطاحل الفقه في الاسلام، واكبر الأئمة الاعلام في زمانه قال الاسلام الامام أبو ظاهر اسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي. علماء الخمسين الثانية للقرن السابع والأول من القرن الثامن وأخذ العلم عن اكبر علماء وقته أبي موسى عيسى بن عيسى الطرميسي المتوفى في سنة 722 هـ. راجع مقدمة قناطر الخيرات.
کار
من
(3) کتاب جامع الشمل في حديث خاتم الرسل تأليف العلامة الشيخ محمد بن الحاجر يوسف
اطفيش.
(4) سورة يس آية رقم 66.
(5) سورة الصافات آية رقم 23 – 24 وقد جاءت الآية الأولى محرفة في المطبوعة حيث
قال: اهدوهم بدلاً من
(فأهدوهم).
129 (2/129)
صفحة 587
فيهما على الجسر المذكور واستدلوا على ثبوت الجسرية بالاحاديث المروية واجيب أنها أحاديث أحادية لا توجب الامور الاعتقادية والذي يظهر لي ابقاء الاحاديث على اصلها من غير تعرض لردها على راويها وتفويض امره الى الله فمن صدقها من غير قطع بفكر من خالفه فيها فقد احسن ظنه بالراوي ولا بأس عليه ان شاء الله.
(قوله كما بعضهم تأولا عبر بالبعض مع أن القائلين بالجسرية كثيرون نظرا الى القائل بها من أصحابنا فانهم قليلون وعبر بالتأويل لان فيه صرف الصراط عن ظاهره.
130 (2/130)
صفحة 588
الفصل الثالث: في الشفاعة
وهي لغة الوسيلة والطلب وعرفا سؤال الخير من الغير للغير وشرعا طلب تعجيل دخول الجنة أو زيادة درجة فيها من الرب عز وجل لعباده المؤمنين فتكون للانبياء وغيرهم ويختص نبينا عليه السلام منها تقدمه اليها قبل كل شافع فلا يفتح بابها الا له ثم من بعده يشفع من شاء الله أن يشفع. قيل وهو المحمود الذي في قوله تعالى عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) أي يحمدك فيه الاولون والآخرون حيث لم يجدوا قبلك شافعا.
بخصلة
هي
(1) سورة الاسراء آية رقم 79.
131 (2/131)
صفحة 589
(شفاعة
شفاعة الرسول للأتقياء من أمته
الرسول للتقـ
الورى وليس للشقي)
(ومن يقل بغير ذا فقد كفر
كفر نعيم إن تأول ظهـ
(وإن يكن بغير ما تأول
فذاك شرك اي اشد منزل)
مخال
(کليس
للظال
الكتاب
وسنة الرسول والألباب)
ولا شفيع من لظى الجحيم)
(قوله شفاعة الرسول للتقي) أي شفاعة نبينا محمد عالمقصورة على التقي من المكلفين، والتقي: هو من جانب المحرمات وأدى الواجبات فلا شفاعة لغيره من الاشقياء لقوله تعالى «ولا يشفعون الا لمن ارتضى) وقوله «واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة) وقوله «فما للظالمين من حميم ولا شفيع وهذه الآيات عامة كما رأيت ففي الاولى تصريح بأن
يطاع
(1) سورة الأنبياء آية رقم 28 وتكملة الآية (وهم من خشيته مشفقون).
(2) سورة البقرة آية رقم 48 (3) سورة غافر آية رقم 18 وقد جاءت الآية في المطبوعة محرفة حيث قال (فمال الظالمين)
وصوابها (مال) بدون الفاء.
132 (2/132)
صفحة 590
الشفاعة مقصورة على من ارتضاه الله، وفي الثالثة دليل على نفيها عن الظالم وهو اسم لكل من ظلم نفسه او ظلم غيره، فلا تخص المشركين كما زعموا فانها وان كان سبب نزولها فيهم فلا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ، ويعضد هذه الايات ما سيأتي من الادلة القاطعة في تخليد أهل الكبائر فانهم متى ما ثبت تخليدهم في النار بالقطعيات الشفاعة في الموقف ضرورة فان من ثبتت له الشفاعة في دخول الجنة لا يدخل النار فضلا من أن يخلد فيها، وخالفت الأشاعرة فيها فاثبتوها لاهل الكبائر تعويلا على حديث رووه «شفاعتي لاهل الكبائر من أمتي) ويجاب بوجوه.
الآتية انتفت عنهم
(أحدهما) انه خبر واحد لا يعارض القطعي.
(وثانيها) انه لو لم يعارض قطعيا لما أوجب العلم.
(وثالثها): انه عارضته رواية مثلها ونصها «لا تنال شفاعتي اهل الكبائر من أمتي: (2) فهذه بتلك على أن هذه قد عضدها الكتاب وتلك قد خالفته فوجب اما القول بوضع تلك الرواية كما ذهب اليه المحقق الخليلي رحمه الله قائلا إنه لو كانت الشفاعة لاهل الكبائر اليه المتقربون بالكبائر.
لتقرد
(1) الحديث رواه ابن ماجة في كتاب الزهد 37 باب ذكر الشفاعة 4310 ثنا الوليد بن مسلم، ثنا زهير بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: سمعت رسول الله - وذكره ورواه أبو داود في السنة 21، والترمذي في القيامة 11 وأحمد بن حنبل في
-
المسند 3: 213.
(2) لعل هذا الحديث ذكره الربيع بن حبيب في مسنده والذي عند ابن ماجة عن نعيم بن
أبي هند، عن ربعي بن حراش عن أبي موسى الأشعري قال رسول الله
الشفاعة
بين
و بين
أن
-
ه خيرت
يدخل نصف أمتي الجنة فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى أترونها
للمتقين .. ؟ لا. ولكنها للمذنبين الخطائين، المتلوثين .. في الزوائد: اسناده صحيح ورجاله ثقات ورقمه عند ابن ماجة 4311 في كتاب الزهد (37)
باب ذكر الشفاعة.
133 (2/133)
صفحة 591
(وأما) القول بأنها معلقة بشرط دل عليه الكتاب وهو ما اذا تابوا
يلزم من
هذا تخصيص
الشفاعة
بمن
عصي
فان من فعل كبيرة وتاب منها كان مستحقا لان يشفع له غيره، ولا أتى الكبيرة ثم تاب منها دون فتاب على من لم يعص أوفى في طول عمره لتغليب من من قط، والفائدة في تخصيصهم بالذكر دفع اياسهم من رحمة الله وتسهيل الطريق لهم «قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من
رحمة الله).
(قوله من الورى) أي الخلق والمراد به المكلفون (قوله وليس للشقي) أي وليس المذكور من الشفاعة للشقي: وهو من مات مصرا على كبيرة، وهذه الجملة تصريح بالمفهوم من قوله شفاعة الرسول الى آخره وانما خص شفاعة الرسول الله بالذكر دون شفاعة غيره لان من لم تنفعه شفاعته لم تنفعه شفاعة غيره بطريق الأولى.
(قوله ومن يقل بغير ذا أي بغير القول الذي ذكرناه انه كافر كفر نعمة إذا كان متأولا في قوله لان تأويله عاد الى ابطال ما اثبته الله في كتابه، والمتأول انما يتأول قوله تعالى (عسى أن يبعثك ربك
مقاما محمودا) وقوله تعالى (ولسوف يعطيك ربك فترضى (3)
عن
والجواب انه ليس في الآيتين دليل على ثبوت الشفاعة أصلا فضلا أن يقال إنها ثابتة لاهل الكبائر، أما الاولى ففيها ذكر البعث أنه في مقام محمود فلخصم هذا المتأول أن يتأول ذلك المقام بغير الشفاعة تأوله هو بالشفاعة فيصار الى الادلة الخارجية، وكذلك الآية الثانية وأيضا فالشفاعة معنى ولا يوصف المعنى بالاعطاء وانما يوصف بالجعل،
(1) سورة الزمر آية رقم 53. (2) سورة الاسراء آية رقم 79. (3) سورة الضحى آية رقم 5.
134 (2/134)
صفحة 592
بأن يقال جعلت لك الشفاعة أو جعلت لك أن تشفع لمن شئت، وأيضا فسياق الآية غير دال على أن المعطى هو الشفاعة لقوله «وللاخرة لك من الاولى) هذا على انا لا ننكر ثبوت الشفاعة له الا الله لاجماع الامة على ثبوتها له، فنسأل الله ان يجزل لنا حظنا منها،
خير
وانما قلنا في الآيتين ذلك لتعلم أنه لا تعلق للقوم فيهما.
فان قيل ليس للخلق ان يتكلموا فيما لا يعلمون ولا للامة أن يجتمعوا على مغيب عنهم. (قلنا): أردنا باجماعهم اتفاقهم على ثبوتها من لسان الرسول عليه السلام فكل موافق وكل مخالف مقر بذلك لا لانهم قالوا فيها من تلقاء أنفسهم قوله إن تأويل ظهر) أي ان ظهر تأول فتأول فاعل للفعل المحذوف يفسره الفعل الظاهر ومتعلقه محذوف (قوله وان يكن بغير ما تأول) أي وان يكن القول بغير تأول للكتاب العزيز فحكمه الشرك فما زائدة، واسم كان ضمير يعود الى القول المأخوذ من قوله، ومن يقل على حد قوله:
ولقد نزلت فلا تظني غيره
منه
مني بمنزلة المحب المكرم
الشفاعة
أي فلا تظني غير نزولك واقعا مني الخ (قوله فذاك شرك) أي فذلك الكفر المحكوم به على القائل هنالك هو شرك هنا، لان فيه مصادمة الكتاب العزيز، وذلك أن اجتماع الآيات الدالة على نفي عن الظالم وقصرها على المرضي مع الآيات الدالة على تعذيب أهل الكبائر قاطعة على نفي الشفاعة لاهل الكبائر، فمن اثبتها لهم من غير تأويل كان رادا لهذه القواطع والراد لشيء من الكتاب العزيز مشرك اتفاقا.
(1) سورة الضحى، آية رقم 4.
135 (2/135)
صفحة 593
وعند
(قوله أي أشد (منزل هذا تفسير للشرك أن منزله عند الله العباد أشد شرا من كفر النعمة وذلك اشارة لما فيه من الاحكام الآتي بيانها في الباب السادس من الركن الثالث.
الذي هو
(قوله لانه مخالف الكتاب أي لان ذلك القول مخالف للكتاب القرآن العظيم، والكتاب في الأصل، اسم لكل مكتوب، فصار بالتغليب علما على القرآن والمراد بخلاف القرآن هنا خلاف بعضه، الآيات الدالة على نفي الشفاعة عن صاحب الكبيرة وعبر بالكل عن البعض تجوزا تنبيها على أن الراد للبعض من القرآن في حكم الراد للكل وهكذا القول في رد السنة المتواترة.
وهي
(قوله وسنة الرسول) أي ومخالف لسنة الرسول فانه لا قال: «لا أمتي». وقال: «ليست الشفاعة لأهل الكبائر
تنال شفاعتي أهل الكبائر من
من
(1)
الله
عنه
أنه لما نزلت
أمتي» وفي رواية جابر بن زيد رضي وانذر عشيرتك الاقربين) جعل رسول الله الا الله يفخذ افخاذ قريش فخذا فخذا أتى على بني عبد المطلب فقال يا بني عبد المطلب إن الله أمرني أن أنذركم ألا واني لا اغني عنكم شيئا الا وان أوليائي منكم المتقون ألا لا عرفن ما جاء الناس غدا بالدين وجئتم بالدنيا تحملونها على رقابكم يا فاطمة بنت محمد، ويا صفية
من
الله
(1) هو جابر بن زيد الأزدي البصري، أبو الشعثاء، تابعي فقيه من الأئمة من أهل البصرة، اصله من عمان صحب ابن عباس، وكان من بحور العلم وصفه الشماخي (وهو من علماء الأباضية) بأنه أصل المذهب وأسه الذي قامت عليه، آطامه نفاه الحجاج الى عمان، وفي كتاب الزهد للامام احمد بن حنبل: لما مات جابر بن زيد عام 93 هـ قال قتادة: اليوم مات أعلم أهل العراق. راجع السير للشماخي، 70 - 77 وتذكرة الحفاظ 1: 67 وتهذيب التهذيب 2: 38
وحلية الأولياء 3: 85 وحاشية الجامع الصحيح للسالمي 7:1 والبداية والنهاية
95 - 93 9
(2) سورة الشعراء آية رقم 214.
136 (2/136)
صفحة 594
عمة محمد، اشتريا انفسكما الله لا أغني عنكما) فاني من
شيئا.
الله
من
(قوله والألباب) أي العقول أي ذلك القول مخالف لأهل الالباب كما أنه مخالف للكتاب والسنة وذلك لانهم مجمعون على نفي الشفاعة أهل الكبائر ولا عبرة بخلاف من خالفهم في ذلك، وعبر بالالباب والمراد أهلها تنبيها على أن لهم ألبابا كاملة حتى كأن ألباب، كان هذا شأنه و من
عن
استعمل جوار
حه
جميع
في كمال عقله فلا يخالف نصا
أجسادهم
صح
معه.
(قوله كليس للظالم من (حميم أي قريب ينفعه، والظالم لغة من وضع الشيء في غير موضعه كمن وضع العبادة لغير مستحقها، أو التي جعلها الله له في غير ما خلقت لاجله أو انفذ عمره الذي أمده الله به ليقدم فيه لآخرته في غير طاعة الله تعالى، وشرعا: هو المتعدي عن الحق الى الباطل، وعلى كلا الاصطلاحين فهو شامل للمشرك والفاسق قوله ولا شفيع) أي يطاع كما في الكريمة والشفيع هو طالب الخير من الغير للغير (قوله من لظى الجحيم) أي من لهيبها متعلق بمحذوف أي يجيزه من ذلك.
الآية
(1) قال الامام احمد حدثنا وكيع، حدثنا هشام عن أبيه، عن عائشة قالت: لما نزلت (وأنذر عشيرتك الأقربين قام رسول الله - الله فقال: وذكره. انفرد باخراجه مسلم ورواه أيضاً مسلم والترمذي من حديث عبد الملك بن عمير به وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه، ورواه النسائي من حديث موسى بن طلحة مرسلاً ولم يذكر فيه أبا هريرة، والموصول هو الصحيح، وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة.
137 (2/137)
صفحة 595
الفصل الرابع
في الخلود في الجنة والنار
والناس فيه على مذاهب أحدها: وهو قول الأشعرية أن أهل
بتجرد و امعان
?
(1) مسألة الخلود في النار من مسائل الاعتقاد المهمة التي اصطدمت فيها الآراء وكثر فيها الكر والفر والأخذ والرد والذي يطلق لنظره العنان ويقف أمام كل مذهب من مذاهب العلماء فيها يتحيز الا للدليل ولا يتعصب الا للحق يجد أن ما ذهب اليه القائلون بخلود اهل النار - والعياذ بالله فيها خلوداً ابدياً لا فرق في ذلك بين المشرك وغيره هو الحق يحوم حوله ريب وناهيك ان غالب آيات الوعيد نصت على الخلود في النار ولم
الذي لا
يعذبوا
-
تفرق بين المشرك وغيره كما كشف عن ذلك الغطاء المصنف الله رحمه في هذا الشرح الحافل ولا تجد بجانب ذلك في القرآن ما يشير الى عدم خلود احد ولو من بعيد ولقد أوضح القرآن ان فكرة الخروج من النار نشأت عند اليهود فدفعت بهم الى الموبقات واغرقتهم في بحار الشهوات فلم يستطيعوا خلاصاً مما وقعوا فيه فقد كانوا يمنون انفسهم انهم لن على جرائمهم الخطيرة ــ الا زمناً محدوداً فما عليهم ان اشبعوا رغباتهم وانهمكوا في شهواتهم، وقالوا لن تمسنا النار الا اياماً معدودة، ولكن يا ترى هل سكت القرآن عن هذا المدعى بعد حكايته ام قرر الحقيقة الناصعة التي لم تترك مجالاً لأحد في الطمع فيما طمعوا فيه او في تحديث النفس بمثل هذه الأماني الفارغة التي ألهت اليهود عن الواجب واردتهم في مهاوي الموبقات اننا نجد الرد الصريح بعد حكاية هذه الفرية عنهم مباشرة بحيث لم يدع لقائل مقالاً ولا لشاك مجالاً و قل اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون بلى من كسب سيئة واحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب =
138 (2/138)
صفحة 596
الشرك مخلدون في النار. وأهل الكبائر مما عدا الشرك إما أن يعفى
=
كأنما اغشيت وجوههم
قطعاً
النار هم فيها خالدون، أي رد اصرح من هذا الرد وأي تقريع ابلغ من هذا التقريع على تمني ما لم يجعل الله سبيلاً اليه ولكن رغبات النفوس وأمانيها الباطلة لا يكاد يقف في سبيلها شيء ما لم تسيطر على صاحبها عقيدة مكينة في قلبه مهيمنة على احاسيسه فكم من عالم فتح لنفسه باب التأويل في الآية فادعى ان المراد بالسيئة الشرك او ان المراد بالخلود طول المكث جاهلاً او متجاهلاً ان الآية جاءت مجتثة لمطامع اليهود في تحديد مدة مسيس النار مقررة المصير الذي ينتظر كل من ارتكب سيئة ولم يتب منها قبل فوات الفرصة ولا عبرة بخصوص سببها مع عموم لفظها وستسمع ان شاء الله ما قاله فيها بعض من طلب الحقيقة فادركها من محققي المتأخرين هذا واذا نظرت الى تقسيم القرآن مصائر البشر يوم الدين تعثر في هذا التقسيم الا على مصيرين مصير الى الجنة ومصير الى النار وكلا المصيرين خالد وان شئت معرفة اصحاب كل منهما فاسمع الى قول العزيز الحكيم في سورة يونس ه للذين احسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قترة ولا ذلة اولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم من الليل مظلماً اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون، فان الآية الكريمة واضحة كل الوضوح في ان أهل الجنة وهم اصحاب المصير السعيد ــ لا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة وهؤلاء هم الذين احسنوا فاستحقوا الحسنى وزيادة ومما لا يمكن بحال ان يصلى احد النار ولو فترة قصيرة وهو لا يرهق وجهه قتر ولا ذلة فأي ذلة افظع ذلة العذاب وكيف لا يرهق القتر وجه من يتقلب في الجحيم وبعد حصر اصحاب السعادة في هذا الصنف اتبع بيان اصحاب المصير الآخر مصير الشقاء والويل واوضح انهم كسبوا السيئات ولم يقيد هذه السيئات بل اطلقها وبين سبحانه جزاءهم المحتوم وانهم لا ينفكون هذا الجزاء بل هم فيه خالدون، والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم قطعاً من الليل مظلماً اولئك اصحاب ذلة ما لهم من النار هم فيها خالدون، أي اشكال بعد هذا الايضاح وأي غموض بعد هذا البيان وهل بعد هذا كله مساغ للدعوى بأن ثم فريقاً ثالثاً يشارك كلا الفريقين في مصيريهما ويأخذ حظه من جزاء كل منهما فيصلى اولاً النار ثم ينقلب الى النعيم المقيم وبالجملة فان الآيات القرآنية ليس فيها ما يشير ولو من بعيد الى الخروج من النار وانما جاء كثير منها في الخلود لمطلق أهل الكبائر وقد ادرك هذه الحقيقة التي لا غبار عليها جماعة من أهل التحقيق من المتأخرين يحضرني منهم الإمامان الكبيران محمد عبده ومحمد رشيد رضا وذلك صريح في غير موضع كلاهما في تفسيرهما القيم (المنار) ومن ذلك ما قالا في تفسير قول الله تعالى: بلى من كسب سيئة واحاطت به خطيئته فاولئك اصحاب النار هم فيها خالدون، فقد قال الامام للسيئة هنا اطلاقها وخصها مفسرنا الجلال وبعض المفسرين بالشرك ولو صح هذا لما كان لقوله تعالى: واحاطت به خطيئته و معني فان الشرك اكبر السيئات وهو يستحق =
من
عن
من
الله
من عاصم
كأنما اغشيت وجوههم
-
-
139 (2/139)
صفحة 597
عنهم
فلا يدخلونها، واما أن يعذبوا بقدر أعمالهم ثم يخرجون منها.
منه ومن
الذي ذكره الله
كأنه
—
= هذا الوعد لذاته كيفما كان ومعنى احاطة الخطيئة هو حصرها لصاحبها وأخذها بجوانب يجد لنفسه مخرجاً منها يرى نفسه حراً مطلقاً وهو احساسه ووجدانه فيها لا محبوس أسير الشهوات وسجين الموبقات ورهين الظلمات وان تكون الاحاطة بالاسترسال في الذنوب والتمادي على الاصرار قال تعالى: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون، أي من الخطايا والسيئات ففي كلمة (يكسبون، معنى الاسترسال والاستمرار وران عليه غطاه وستره أي ان قلوبهم اصبحت في غلف من ظلمات المعاصي حتى لم يبق منفذ للنور يدخل اليها أحدث لكل سيئة يقع فيها توبة نصوحاً واقلاعاً صحيحاً لا تحيط به الخطايا ولا يرين على قلبه السيئات روى احمد والترمذي والحكم وصححاه والنسائي وابن ماجة وابن حبان وغيرهم من حديث أبي هريرة ان النبي الله قال و ان العبد اذا اذنب نكتت قلبه في نكتة سوداء فان تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وان عاد زادت حتى تعلو قلبه فذلك الران بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون، لمثل هذا كان السلف القرآن في يقولون: المعاصي بريد الكفر. وجاء عقب هذا الكلام للاستاذ الامام في المنار ما نصه قوله ه فاولئك اصحاب النار هم فيها خالدون، خبره من كسب سيئة واحاطت به حطيئته أي هم اصحاب دار العذاب الآخرة الاحقاء بها دون من لم يصل الى درجتهم في وهو من في قلبه شيء من نور الايمان وتوحيد الله تعالى وما يتبعه من الخير قال الاسناد الامام ومن المفسرين من ترك السيئة في الآية على اطلاقها ولم يؤولها بالشرك ولكنهم أولوا اجزاءها فقالوا ان المراد بالخلود طول مدة المكث لأن المؤمن لا يخلد في النار وان استغرقت المعاصي عمره واحاطت الخطايا بنفسه فانهمك فيها طول حياته. اولوا هذا التأويل هروباً من قول المعتزلة ان اصحاب الكبائر مخلدون في النار. وتأييداً لمذهبهم نفسهم المخالف للمعتزلة والقرآن فوق المذهب يرشد الى ان من تحيط به خطيئته لا يكون أو لا يبقى مؤمناً اهـ وقد تعقبه السيد محمد رشيد بما اوضح عواقب تأويل الخلود فقال ان فتح باب تأويل الخلود يجرئ اصحاب استقلال الفكر في هذا الزمان على الدخول فيه والقول بأن معنى خلود الكافرين في العذاب طول مكثهم فيه لأن الرحمن الرحيم الذي سبقت رحمته غضبه ما كان ليعذب بعض خلقه عذاباً لا نهاية له لأنهم لم يهتدوا بالدين الذي شرعه لمنفعتهم لا لمنفعته ولكنهم لم يفقهوا المنفعة واذا كان التقليد مقبولاً عند الله كما يرى فاتحه
الباب
في
-
?
الدنيا
فقد وضح عذر الأكثرين لأنهم مقلدون العلمائهم الخ ما يتكلم الناس ولا
-
سيما في هذا العصر فان هذه المسألة قديمة وهي اکبر مشکلات الدين. نعم ان العلماء يحتجون عليهم بالاجماع ولو سكوتياً ولكن التأويل باب لا يكاد يسده متى فتح شيء أهـ و كلام هذين العالمين الجليلين واضح في ان عقيدة الخلود في النار لأهل الكبائر هي الموافقة الكتاب وان تأويل شيء من هذه النصوص لموافقة مذهب معين امر يترتب عليه ما بعده اذ لا يستقر معه مدلول نص من النصوص وأوضح من كلامهما – هنا – كلامهما =
النصوص
12. (2/140)
صفحة 598
(المذهب الثاني: أن أهل النار مشركهم وفاسقهم غير مخلدين فيها
بموعظة
الآية
صاحبه
عاد
المقرر في
منه
الآية كما في
الله
المنار
قتل
يعصم
في تفسير قول الله سبحانه و فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره الى ومن عاد فاولئك اصحاب النار هم فيها خالدون، ونص كلامهما في و من ما كان يأكل من الربا المحرم بعد تحريمه فاولئك البعداء عن الاتعاظ ربهم الذي لا ينهاهم الا عما يضر بهم في افرادهم او جميعهم هم أهل النار الذين يلازمونها كما يلازم الصاحب صاحبه فيكونون خالدين فيها وقد اول الخلود المفسرون لتتفق العقائد والفقه من كون المعاصي لا توجب الخلود في النار فقال اكثرهم ان المراد ومن عاد الى تحليل الربا واستباحته اعتقاداً ورد بعضهم بأن الكلام في أكل الربا وما ذكر عنهم من جعله كالبيع هو بيان لرأيهم فيه قبل التحريم فهو ليس بمعنى استباحة المحرم فاذا كان الوعيد قاصراً على الاعتقاد بحله لا يكون هناك على اكله بالفعل والحق ان القرآن فوق ما كتب المتكلمون والفقهاء يجب ارجاع كل قول في الدين اليه ولا يجوز تأويل شيء ليوافق كلام الناس وما الوعيد بالخلود هنا الا كالوعيد بالخلود في آية العمد وليس هناك شبهة في اللفظ على ارادة الاستحلال ومن الغريب ان جعل الرازي الآية هنا ححة على القائلين بخلود مرتكب الكبيرة في النار انتصاراً لأصحابه الأشاعرة وخير من هذا التأويل تأويل بعضهم الحلود بطول المكث اما نحن فنقول ما كل ما يُسمى ايماناً الحلود في النار الايمان ايمانان ايمان لا يعدو التسليم الايماني بالدين الذي نشأ فيه المرء او نسب اليه ومجاراة أهله ولو بعدم معارضتهم فيما هم عليه وايمان هو عبارة عن معرفة صحيحة بالدين على يقين بالايمان متمكنة في العقل بالبرهان مؤثرة في النفس بمقتضى الاذعان حاكمة على الارادة المعرفة للجوارح في الأعمال بحيث يكون صاحبها خاضعاً السلطانها في كل حال الا ما لا يخلو عنه الانسان من غلبة جهالة او نسيان وليس الربا من المعاصي التي تنسى او تغلب النفس عليها خفة الجهالة والطيش كالحدة وثورة شهوة او يقع صاحبها منها في غمرة النسيان كالغيبة والنظرة فهذا هو الايمان الذي يعصم صاحبه باذن الله من الخلود في سخط الله ولكنه لا يجتمع مع الإقدام على كبائر الاثم والفواحش عمداً ايثاراً لحب المال واللذة على دين الله وما فيه من الحكم والنصائح. واما الايمان الأول فهو صوري فقط فلا قيمة له عند الله تعالى لأنه تعالى لا ينظر الى الصور والأقوال ولكنه ينظر الى القلوب والأعمال كما ورد في الحديث والشواهد على هذا الذي قررناه في كتاب الله كثيرة جداً وهو مذهب السلف الصالح وان جهله كثير ممن يدعون اتباع السنة حتى جرأوا الناس على هدم الدين بناء على ان مدار السعادة على الاعتراف بالدين وان لم يعمل به حتى صار الناس يتبجحون بارتكاب الموبقات مع الاعتراف بأنها من كبائر ما حرم كما بلغنا عن بعض كبرائنا انه قال انني لا أنكر انني آكل الربا ولكنني مسلم اعترف بأنه حرام وقد فاته انه يلزمه بهذا القول الاعتراف بأنه من أهل هذا الوعيد وبأنه يرضى بأن يكون =
181 (2/141)
صفحة 599
ونسب هذا الى طائفة خرجت عن الإسلام.
آية اخرى
-
فهل يعترف بالملزوم
محارباً لله ولرسوله وظالماً لنفسه وللناس كما سيأتي في أم ينكر الوعيد المنصوص فيؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض نعوذ بالله من الخذلان اهـ ومن كلام هذين الامامين الجليلين المنصفين يتضح لكل من طلب الحقيقة ان مذهب القائلين بخلود أهل الكبائر في النار هو مذهب السلف الصالح وان القول بخلافه يتعارض مع النصوص القرآنية القاطعة والمنصف يدرك انه لا متعلق للقائلين بالخروج من النار في الآيات الكريمة اذ لا اشارة في القرآن على الخروج فضلا عن الدلالة البينة عليه اما الروايات التي يتعلقون بها فهي ـ مع مخالفتها لمدلول الكتاب معارضة بأحاديث لا تقل عنها كثرة ولا تضعف عنها قوة والى القارئ الكريم امثلة منها: 1 ـــ روي احمد البزار والحاكم والنسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي علي الا الله انه قال ه لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر، وفي رواية و ثلاثة قد الله حرم عليهم الجنة مدمن الخمر والعاق لوالديه والديوث وهو الذي يقر السوء في 2 ـ روى الشيخان عن رسول الله الا الله قوله، من شرب الخمر في الدنيا يحرمها في 3 ـ روى البخاري عن رسول الله الله أنه قال: من استرعاه الله رعية ثم لم يحطها بنصحه
الا
الله
أهله ..
الله
الآخرة.
رضي عنهم عن
حرم عليه الجنة). 4 - روى الامام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن انس بن مالك الله رسول الله على الله أنه قال: من اقتطع حق مسلم بيمينه حرم عليه الجنة وأو - له النار، فقال رجل وان كان شيئاً قليلاً يسيراً يا رسول الله فقال رسول الله الله، وان كان قضيباً من اراك، والحديث رواه أيضاً الامام مالك في الموطأ ومسلم والنسائي وآخرون من حديث
نفسه
الله عنه.
ومن قتل
أبي امامة رضي ه ـ روى الشيخان وغيرهما عن طريق أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجاً بها في بطنه في نار جهنم خالداً فيها أبداً بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً فيها أبداً ومن نزل من جبل فقتل نفسه فهو ينزل في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً. 6 ـ روى مسلم عن رسول الله الا الله انه قال: صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وان ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا. وبالجملة فان الروايات الدالة على الخلود في النار لمرتكبي الكبائر اكثر من أن تحصي تارة على الخلود بصريح اللفظ وتعبر تارة عنه بحرمان الجنة أو عدم شم ريحها ومحصلها واحد واذا كانت الروايات في الخلود متعارضة فحسبنا ان نتمسك بما اعتضد بالكتاب العزيز ونسكت عما تعارض والله وراء القصد وهو تعالى ولي التوفيق. . سماحة المفتي ..
تدل
142 (2/142)
صفحة 600
(المذهب الثالث: إن أهل الكبائر غير معذبين قطعا وإنما العذاب لأهل الشرك خاصة ونسب هذا الى مقاتل وبعض المفسرين. (المذهب الرابع: ان الجنة والنار فانيتان بعد دخول أهل كل واحد
منهما فيها ونسب هذا القول الى جهم بن صفوان.
(المذهب الخامس) وهو مذهب أهل الاستقامة والمعتزلة أن أهل الكبائر من معاصي الله كانوا مشركين أو فاسقين مخلدون في النار دائما واهل الطاعة مخلدون في الجنة دائما، لكن أهل الاستقامة يقولون إن التعذيب بعدل الله والثواب بفضله والمعتزلة يقولون بوجوب ذلك عليه تعالى عن ذلك بناء على أصلهم الفاسد في التحسين والتقبيح العقليين، وقد تقدم الجواب عنه فها نحن نشرع الان في بيان مذهب أهل الاستقامة وبيان حكم من خالفهم في ذلك من أهل تلك المذاهب
كلها.
هو مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي بالولاء، البلخي ابو الحسن من أعلام المفسرين، اصله من بلخ انتقل الى البصرة، ودخل بغداد فحدث بها وتوفي بالبصرة كان متروك الحديث. من كتبه و التفسير الكبير، وه نوادر التفسير، والرد على القدرية ومتشابه القرآن، والناسخ والمنسوخ والوجوه والنظائر، توفي عام 150 هـ. راجع وفيات الأعيان
2: 112 وتهذيب 10: 279 والأزهرية 1: 207 وميزان الاعتدال
3: 196 و تاريخ بغداد 13: 160.
هو جهم بن صفوان السمرقندي أبو محرز، من موالي بني راسب رأس الجهمية قال الذهبي: الضال المبدع هلك في زمان صغار التابعين وقد زرع شراً عظيماً، كان يقضي في عسكر الحارث بن سريج الخارج على أمراء خراسان فقبض على نصر بن سيار فطلب جهم استبقاءه فقال نصر: لا تقوم علينا مع اليمانية اكثر مما قمت وأمر بقتله فقتل عام 102 هـ. راجع ميزان الاعتدال 1: 197 ولسان الميزان 2: 142 وخطط المقريزي 2: 349،
143
351
(1)
(2) (2/143)
صفحة 601
(ومن عصى ولم
يخلد
في النار دائما بهذا نشهد)
(قوله ومن عصى ولم يتب) الخ هذا بيان مذهب أهل الاستقامة، أي من عصى بكبيرة ولم يتب منها حتى مات عليها فهو مخلد في النار دائما نشهد بذلك لاخبار الله ايانا به كما في قوله تعالى «ومن الله ورسوله فان له نار جهنم خالدين فيها أبداً، واعترض بأن المراد من عصى الله ورسوله في التوحيد، واجيب بأن اللفظ عام ولا مخصص وقوله تعالى بلى من كسب سيئة واحاطت به خطيئته فأولئك اصحاب النار هم فيها خالدون).
يعص
(واعترض) بأنا لا
نسلم
أن صاحب الكبيرة أحاطت به خطيئته من
الله
من
كل جانب، لان له حسنات لا يظلم إياها (ويجاب) بأنه أحبط حسناته باصراره على الكبيرة فلم يظلم شيئا، لانه قد اخبر انما يتقبل المتقين ولا شك أن صاحب الكبيرة ليس بمتق فلم يتقبل شيئا من مع اصراره على الكبيرة، ولا قبله اذا مات عليه.
حسناته
خالدا
(وقوله تعالى: «ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم فيها) (واعترض) بأن المراد من قتل مؤمنا على إيمانه ولا يقتل مؤمنا
على إيمانه إلا مشرك.
(ويجاب) أن سياق هذه الآية ينفي هذا التعليل لانه ذكر أولا حكم قاتل المؤمن خطأ ثم ذكر حكم قاتله عمدا، والمحكوم عليه في كلا
(1) سورة الجن آية رقم 23. (2) سورة البقرة آية رقم 81. (3) سورة النساء آية رقم 93.
182 (2/144)
صفحة 602
الموضعين واحد (وقوله تعالى (إن الابرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين) فلو كانوا يخرجون منها لزم أن يغيبوا عنها والفجور شامل للشرك وغيره.
(واعترض) بأن المراد بالفجار هنا الكاملون في الفجور كما في اولئك هم الكفرة الفجرة).
(ويجاب) بأنه خلاف الظاهر من غير دليل (وقوله تعالى «أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين عملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون (3).
(واعترض) عليه بوجهين.
(احدهما): أن المراد بمجترحي السيئات هم المشركون.
اللفظ
(ويجاب): انه لا عبرة بخصوص السبب مع عموم (وثانيهما): انه ليس في الآية دليل الا على نفي مساواتهم للمؤمنين في المحيا والممات ونحن نقول إن من عذب واخرج ليس كما لم يعذب أصلا.
الله
(ويجاب): بأن التسوية بينهما منفية مطلقا فمن دخل الجنة من مكتسبي السيئات كان يومئذ كالذين آمنوا (وقوله) «والذين لا يدعون الها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله الا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق اثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه من تاب (4) ففي هذه الآية التصريح بأن قتل النفس المحرم
مع
مهانا الا
(1) سورة الانفطار آية رقم 14. (2) سورة عبس آية رقم 42. (3) سورة الجاثية آية رقم 21. (4) سورة الفرقان آية رقم 68.
145 (2/145)
صفحة 603
قتلها بغير حق يوجب التخليد، والزنا كذلك، كما أن من يدعو مع
الله الها آخر يخلد (ويعترض) عليه بوجهين.
(أحدهما): أنه قال ومن يفعل ذلك ولم يقل ومن يفعل شيئا من ذلك فظاهرها من فعل الشرك والقتل والزنا يخلد.
(ويجاب): بأنه قد أجمعت الامة وانتم معهم بأن الشرك بالله تعالى موجب للتخليد في النار، واعتراضكم هذا يبطل ذلك الاجماع لانه يستلزم ان المشرك لا يخلد الا اذا قتل النفس الحرام وزنا، واذا ثبت أن المشرك مخلد ولو لم يقتل ويزني فما فائدة ذكر القتل والزنا في الآية الا ليبني عليهما حكم التخليد .. ؟ كما أن الشرك لو انفرد صاحبه مخلد كذلك القتل المحرم والزنا فلو انفرد كل واحد منهما خلد فاعله في النار الا إن تاب (وثانيهما): لا دليل لكم في الآية على التخليد الابدي فلم لا يجوز أن يطلق التخليد على طول المكث من غير تأبيد.
(ويجاب) بأن هذا الخلاف الظاهر بغير دليل وأيضا فهذا التخليد المذكور شامل للمشرك ايضا فيلزم أن يكون تخليده أيضا غير أبدي (لا يقال إن اللفظة الواحدة تستعمل ويراد بها معنياها الحقيقيان ان كانت مشتركا، أو الحقيقي والمجازي ان كانت غير مشترك، او المجازيان فنحمل الخلود هنا على الخلود الابدي في حق المشرك، وعلى طول المكث في حق القاتل والزاني لانا نقول) لا نسلم جواز استعمال الكلمة في معنييها المذكورين مع ارادتهما معا في حال واحد، ولو سلمنا ذلك لقلنا إن ذلك الجواز ليس بلغوي والرب تعالى خاطبنا بلغتنا ولو سلمنا انه لغوي لقلنا إن استعمالها في معنييها مجاز محتاج الى قرينة ولا قرينة.
فان قيل ان القرينة قوله تعالى في حق المشركين (ومن يعص
127 (2/146)
صفحة 604
الله ورسوله فان له نار جهنم خالدين فيها أبدا).
الله
(قلنا) ان هذه الآية عامة للمعاصي مطلقا فلا تخص المشرك دون الفاسق، وقد اجتمعت الامة قبل ظهور المخالف وبعده على الاخذ بهذه النصوص القرآنية مع ما يعضدها من الاحاديث النبوية التي بلغت في تعدد طرقها مبلغ التواتر، وان لم يتواتر لفظها فالقدر الذي تواطت عليه متواتر وقد تلقتها الامة كلها بالقبول كحديث: «من قتل نفسه بحديدة) وحديث «لا يجد ريح الجنة) ونحوهما لكن تأولوها بمن فعل ذلك مستحلا لفعله فيكون باستحلاله ما مشركا، وهذا التأويل صارف لتلك الأحاديث عن نصوصها وزائد فيها ما لم يكن منها وليت شعري ما الذي حملهم على الدخول في هذا المضيق .. ؟ فان خبر الخروج من النار انما هو خبر آحاد لا يعارض القطعيات ولا يثبت به العلم في الامور الاعتقاديات وربما وقع في رجاله جهالة، والخبر المجهول راويه لا يعمل به في الظنيات فضلا من أن يعول عليه في القطعيات وسيأتي قريبا بطلان تعلقهم بقوله تعالى «ان الله
حرم
(1) سورة الجن آية رقم 23. (2) الحديث رواه الامام البخاري في كتاب الجنائز 83 باب ما جاء قاتل النفس 1363 حدثنا يزيد بن زريع حدثنا خالد عن أبي قلابة عن ثابت الضحاك بن رضي قال: و من حلف بملة غير الاسلام كاذباً متعمداً فهو كما قال. ومن
عن النبي
الله عنه:
قتل نفسه بحديدة عذب به في نار جهنم، ورواه الامام مسلم في كتاب الايمان 175 والترمذي في الطب 7 والنسائي في الجنائز 68 والدارمي في الديات 10 واحمد بن حنبل في المسند: 254 478 488 (حلبي).
رضي
الله
قال:
(3) الحديث رواه الامام البخاري في كتاب الجنائز 83 باب ما جاء في قاتل النفس 1364 قال حجاج بن منهال حدثنا جرير بن حازم عن الحسن (حدثنا جندب في هذا المسجد فما نسينا وما نخاف ان يكذب جندب على النبي. كان برجل جراح فقتل نفسه فقال الله: بدرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة.
عنه
147 (2/147)
صفحة 605
لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لم يشاء) (قوله يخلد في النار دائما) أي يقيم فيها اقامة لا انقطاع لها وجملة يخلد خبر أن قلنا انها موصولة وفعل يخلد جواب الشرط ان قلنا انها شرطية، من ورفع لكون فعل الشرط ماضيا لم تؤثر فيه أداة الشرط واذا لم تؤثر
في فعل الشرط الذي هو قريب منها فأولى ان لا تؤثر في فعل الجزاء الذي هو بعيد عنها، وذهب قوم الى أنه لمبتدإ محذوف مع الفاء الرابطة تقديره فهو يخلد وذهب آخرون الى أن الجزاء محذوف وهذا
دليله على حد ما قيل في قول الشاعر:
خبر
مسغبة وإن أتاه خليل يوم
يقول لا غائب مالي ولا حرم
(لا يقال إن في كلام المصنف شمول حكم التخليد لكل من فعل معصية ولم يتب منها، فيدخل تحته فاعل الصغيرة، والكتاب العزيز بأنها تغفر باجتناب الكبائر من غير توبة تخصها (لانا نقول) ان كلام المصنف محمول على فاعل الكبيرة خاصة لانه سيأتي له
مصرح
في باب الصغائر والكبائر ما نصه:
والحكم للراكب ذنبا صغرا
اسلامه حتى يري
مستكبرا
فاجعل هذا البيت قيدا لما هنا فيندفع الاشكال (قوله بهذا نشهد)
أي نعلمه ونقطع به انه كذلك.
(4) سورة النساء آية رقم 48، 116.
148 (2/148)
صفحة 606
(وكافر بنعمة
ما بين ذي شرك ومن قد فسقا)
لدى منازل العذاب وفشا)
راعني
عن
مع
لدى الخلود والفرق نشا
(قوله وكافر بنعمة من فرقا) الخ هذا بيان حكم من نفى العذاب الفاسق مطلقا وحكم من نفى عنه التخليد، اي من فرق بين المشرك والفاسق في الخلود في النار بأن قال: يخلد احدهما دون الآخر فهو کافر كفر نعمة وهو المخصوص باسم الفسق عند المعتزلة، ويدخل تحته حكم من قال إن صاحب الكبيرة لا يعذب بل يدخل الجنة السعداء، وفيه اغراء بمعصية الله تعالى فان من علم أنه ان اتى الكبيرة لا يعذب سارع في اتيانها وفيه أيضا تعطيل للحكم الشرعي، وهو تحريم الكبيرة فان ما لا يعاقب على فعله ليس بمحرم فاين هو من قوله تعالى (ولا تقربوا الزنا انه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) وقوله: (ومن يقتل مؤمنا متعمداً) الاية وأمثالها وانما قلنا إن هذا كافر نعمة ولم نحكم بشركه تلك النصوص لانه يتأولها بنحو قوله تعالى «فانذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى) قال فقد قصر الرب تعالى النار على من كذب وتولى والفاسق لم يكذب.
مع
ما خالف
من
(وجوابه): ان هذا القصر اضافي لا حقيقي فانه انما قصرها على
(1) سورة النساء آية رقم 10 (2) سورة النساء آية رقم 93 سورة الليل آية رقم 14 – 16.
(3)
149 (2/149)
صفحة 607
من كذب وتولى بالنظر الى انقسام الناس يوم نزولها الى مكذب ومصدق ليفيد الترغيب في التصديق والترهيب في
التكذيب.
(وجواب) آخر إن قصر اصلاء النار إنما هو على الشقي، وهو اسم شامل للمشرك والفاسق وما بعد الشقي فهو وصف له لم يتناوله القصر لكن فهم منه على سبيل مفهوم الصفة، وقد عرفت أن
الصفة دليل ظني اختلف في وجوب العمل به فضلا به العلم الاعتقادي.
في
من
مفهوم
أن يثبت
لباب
(وجواب آخر لابي طاهر إن النار أبواب فالقصر انما هو منها فلا ينافي تعذيبهم في باب آخر واذا ثبتت هذه الاحتمالات قطعنا أن المراد بالآية غير ظاهرها لثبوت القاطع بخلافه (وقوله تعالى) «إنا قد أوحي الينا أن العذاب على من كذب وتولى» (وجوابه) ليس الآية قصر العذاب على المكذب المتولي وانما فيها اخبار عنه انه معذب وخص بالذكر في الآية لاقتضاء المقام ذلك فانه في خطاب فرعون لعنه الله فلو قال إن العذاب على من كذب أو فعل كبيرة التصديق لم يناسب المقام (وقوله تعالى) «فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين (2) وصح استدلاله بها لانه يخص اسم الكافر بالمشرك وجوابه لا نسلم تخصيصه به فان الفاسق كافر كفر نعمة كما سيأتي بيانه ان شاء الله في محله. ولو سلمنا اختصاص اسم الكافر بالمشرك لقلنا إن جوابها كجواب التي قبلها. (أما القائلون بأن صاحب الكبيرة غير مخلد وان عذب فانهم يقولون في مشيئة الله ان شاء غفر له وعفا عنه بلا تعذيب وان شاء
مع
(1) سورة طه آية رقم 48.
(2) سورة البقرة آية رقم 24 وقد جاءت هذه الآية محرفة في المطبوعة حيث قال (واتقوا) بدلاً من (فاتقوا).
150 (2/150)
صفحة 608
الله
شفع فيه من شاء وان شاء عذبه في ناره بقدر عمله أو الى ما شاء المدة، ثم يقطعون بخروجه منها ويتأولون في ذلك آيات (منها) من قوله تعالى» لابثين فيها احقابا) والاحقاب جمع حقب وهو ثمانون سنة وأكثر القلة عشرة فتكون الثمانون عشر مرات.
جمع
(وجوابه) أن الآية في المشركين خاصة لقوله تعالى «إنهم كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا " فيلزمكم عدم تخليد أهل الشرك وأنتم لا تقولون به والكتاب يرده فوجب حمل الأحقاب على عدم الغاية، أي مدة غير متناهية (ومنها) قوله «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (3) (قالوا) فالآية دالة على أن من عمل خيرا رآه ومن عمل شرا رآه.
(قلنا): إن حملتموها على ظاهرها لم تفد الا العلم بعملهم لا الجزاء عليه فالله عز وجل يري الكافر عمله لا لينتفع به بل ليكون حسرة عليه كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار وان حملتموها على رؤية جزاء الأعمال وجب دخول المشرك فيهم وأنتم تقولون به فان قيل إن المشرك خرج بدليل آخر دل على احباط عمله (قلنا) وكذلك الفاسق دل الدليل على أن عمله غير المتقين فوجب حمل الرؤية في الآية على
مقبول إنما يتقبل
الله
من
العلم بالاعمال لا على وجود جزائها.
ومنها) قوله تعالى «من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء
(1) سورة النبأ آية رقم 23.
(2) سورة النبأ آية رقم 27. (3) سورة الزلزلة آية رقم 7، 8.
151 (2/151)
صفحة 609
بالسيئة فلا يجزى
الا مثلها» (1)
مع قوله تعالى (وما ربك بظلام
للعبيد (2) (لا اضيع عمل عامل منكم (3).
(وجوابه) أن الحسنة المضاعفة هي حسنة المؤمن لقوله تعالى (من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون) ولا شك انه لا يأمن من فزع ذلك اليوم الا المؤمن ومن لم تقبل حسناته لفسقه فهو الظالم لنفسه، والمضيع لعمله فلم يظلمه الله ولم يضيع عمله (ومنها) قوله تعالى (ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) مع قوله تعالى «قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا) (قالوا) ففي هذه الآية دليل على أن الذنوب مغفورة ثم أخرج من جميعها الشرك بقوله لا يغفر ان يشرك به فبقي ما عدا الشرك
جميع
الكبائر في المشيئة لقوله ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
(قلنا): ان في الآية الثانية غفران الذنوب كلها فاخرج الشرك على زعمكم فوجب أن تقولوا إن ما عدا الشرك مغفور فصاحب الكبيرة مغفور له قطعا فينتقض مذهبكم ولا ينفعكم قوله لمن يشاء فانه قد علق بالمشيئة اشياء قطعتم بثبوتها فقد قال تعالى (ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم وأنتم تخصون اسم المنافق بمن اخفى الشرك وأظهر الاسلام وجزمتم بتعذيبهم وتخليدهم في النار وقال تعالى
(1) سورة الأنعام آية رقم 160.
(2) سورة فصلت آية رقم 46. (3) سورة عمران آية (4) سورة القصص آية رقم 84.
رقم
(5) سورة النساء آية رقم 48. (6) سورة الزمر آية رقم 53. (7) سورة الأحزاب آية رقم 24.
195
152 (2/152)
صفحة 610
وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) وقد قطعتم بتعذيب اليهود والنصارى وتخليدهم فما بالكم لا تعلقون تعذيبهم المشيئة (فان قيل ان الله اخبرنا بقوله إن الله لا يغفر أن يشرك
على
به
أن المشركين لا يغفر لهم فبقي من عداهم في المشيئة. (قلنا): إن أردتم بالشرك اللغوي فلا يشمل جميع اليهود والنصارى فإن منهم الموحد لغة والقرآن نزل على لغة العرب لا على الاصطلاح. الثاني وان قلتم ان اسم الشرك وضعه الشرع لكل من اشرك أو كذب رسولا أو أنكر كتابا، والآية على هذا الوضع فخرج اليهود والنصارى من المشركين مع من خرج.
(قلنا) وكذلك أيضا الفاسق قد خص بآيات أخر تدل على القطع بتعذيبه كما في أكل مال اليتيم ظلما وقاتل المؤمن عمدا ونحوهما، فظهر أن المغفور له هو التائب وهو الذي شاء الله أن يغفر له، لخروج المشركين بأدلة وأهل الكبائر بأدلة أخرى فان) قيل) إن المشرك والفاسق مغفور لهما بالتوبة أيضا فما فائدة قوله ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .. ؟ (قلنا) فائدته التنبيه على أن ليس كل تائب مقبولة توبته، وإنما يقبل الله توبة من يشاء ان يغفر له (وان قيل) وعد الغفران بوجود التوبة فمهما وجدت وجب قبولها لان وعده الحق.
بوجوب
(قلنا) نعم ان وعده حق واد التوبة النصوح مقبولة عنده لا عليه بل بتفضيل منه فان نفس الوعد بها تفضل وقطعنا باستحال كذبه لكن للتوبة المقبولة شروط فمن شاء ان يغفر له وقفه على تلك الشروط فوفى بها فهذه فائدة التعليق بالمشيئة لا ما زعمتموه، وأما فائدة الاطلاق
(1) سورة المائدة آية رقم 18.
153 (2/153)
صفحة 611
في
فهي
عنه
في
نفي غفران الشرك في
الآية انه مغفور بالتوبة في آيات أخر مع لتعظيم كبيرة الشرك على كبائر الفسق وتهويل شأنه حتى ينفر السامع فلا يحوم حول حماه.
المستثناة
هي
ما
(ومنها) قوله تعالى في أهل النار (وأما الذي شقوا ففي النار خالدين فيها ما دامت السموات والارض الا ما شاء ربك (1) قالوا: فالاستثناء الآية دليل على أن الخلود غير أبدي والا فما معناه .. ؟ (أجيب) بأنه لا دلالة في الاستثناء على الخروج منها فانه أن تكون المدة يصح بين خروج أرواحهم الى وقت دخولهم فيها، كما نقول نقعد غدا كلها مع زيد الا مدة نصنع فيها كذا، فيصح أن تكون تلك المدة المستثناة قبل القعود مع زيد وذلك أن الله أوعد الاشقياء بالخلود في النار في الدار الآخرة، وأن من مات فقد حضرت آخرته وقامت قيامته بناء على القول بأنه ليس بين الدنيا والاخرة مدة، فصح استثناء وقت ما قبل الدخول ويحتمل أن يكون الاستثناء لوقت ارادة الله فيه تعذيبهم بغير النار كالزمهرير وهو واد في النار اذا أدخل فيه الشقي استغاث منه الى النار، وفائدة ادخالهم فيه تنويع عذابهم فهم خالدون فيها بالنظر الى انه وارد فيها وجزء منها ومخرجون منها بالنظر الى ان نوع عذابه يخالف نوع عذابها، وأيضا فلو قيل ان الاستثناء دال على خروجهم منها للزم عدم تخليد الفاسق والمشرك فان اسم الشقي شامل لهم والاستثناء وارد على خلودهم جميعا، وايضا فهذا الاستثناء بعينه جاء في تخليد السعداء فيلزكم ايضا عدم تخليدهم في
الجنة.
(1) سورة هود آية رقم 107. (2/154)
صفحة 612
(لا يقال: إنه قال في حق أهل الجنة «عطاء غير مجذوذ) اي
غير مقطوع ولم يذكر في اية الاشقياء ما يدل على عدم انقطاع تعذيبهم فيدل ذلك على تخليد اهل الجنة دونهم لانا نقول) ان كلامنا في الاستثناء لانكم استدللتم به على خروج أهل النار فبينا لكم انه لا تعلق لكم به فلو كان لكم به تعلق للزم تناقض آية السعداء حيث كان الاستثناء فيها دالا على خروجهم وقوله عطاء غير مجذوذ دال على غير ذلك او تقولوا ما قلناه.
(ومنها) قوله تعالى (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا واخر سيئا عسى الله ان يتوب عليهم).
(قالوا) فعسى من الله واجب اجماعا.
(واجيب) بأنه وعد المعترفين بأن يتوب عليهم والمعترفون هم التائبون فإنهم ان فعلوا عملا صالحا ثم سيئا ثم اعترفوا بسيئتهم كانوا تائبين، فإن لم يرجعوا عنها فليسوا بمعترفين فلو قدرنا أنهم لم يتوبوا منها و جاريناكم على ما انتم عليه للزم ان تقطعوا بالغفران لهم لان عسى من الله واجب اذ لا يصدر منه الشك وأنتم تزعمون أنهم في المشيئة وترجون لهم الغفران (وان قيل) إن عسى في الآية للرجاء كما أصل اللغة وإن الرب تعالى خاطب الناس على لغتهم مع
بما يؤول اليه أمرهم وأبهم الامر عليهم لنكتة.
هي
علمه
(قلنا): وعلى هذا المعنى فلا تعلق لكم بها أيضا فإنه متى كانت للرجاء علمنا انهم لم يوعدوا بل رجوا فنقول إن ذلك الرجاء معلق بما اذا تابوا (قوله ما بين ذي شرك ومن قد فسقا) أي كافر
عسى
(1) سورة هود آية رقم 108 وصدر الآية (وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ).
(2) سورة التوبة آية رقم 102. (2/155)
صفحة 613
(2) (بين
بين ذي شرك أي صاحب شرك ومن فسق، فما زائدة بنعمة من فرق وبين ظرف مبهم لا معناه الا باضافته الى اثنين فصاعدا أو ما يتبين يقوم مقام ذلك كقوله تعالى «عوان بين ذلك) والمشهور في العطف بعدها أن يكون بالواو لانها للجمع المطلق، نحو المال بين زيد وعمرو، وأجاز بعضهم بالفاء مستدلا بقول امرئ القيس" الدخول فحومل» واجيب بأن الدخول اسم لمواضع شتى فهو لمنزلة قولك المال بين القوم وبها يتم المعنى ا هـ مصباح (قوله اعني لدى الخلود) أي اقصد بذلك الحكم من فرق بين المشرك والفاسق في الخلود لا في منازل العذاب فانهم متفاوتون في ذلك وفي الخلود مشتركون وللمفرقين بينهم في الخلود أعاجيب.
(منها) ان قالوا إن العصاة اذا دخلوا النار يموتون بعد الدخول بساعة مقدارها ثم اختلفوا في كيفية ذلك الموت فقال بعضهم: إنهم يفقدون الم العذاب ولا يحسون بشيء اصلا حتى يخرجوا منها واختار
علم
الله
انا
(1) سورة البقرة آية رقم 68 والآية تقول: «قالوا ادع لنا ما ربك يبين انها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون».
هي قال انه يقول
(2) هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي من بني آكل المرار أشهر شعراء العرب على الاطلاق يماني الأصل مولده بنجد نحو 130 ق هـ اختلف المؤرخون في اسمه. وكان أبوه ملك أسد وغطفان وأمه أخت المهلهل الشاعر، فلقنه المهلهل الشعر فقاله وهو غلام وجعل يشبب ويلهو ويعاشر صعاليك العرب فبلغ ذلك أباه فنهاه عن سيرته فلم ينته فأبعده الى، مون، بحضرموت موطن آبائه وعشيرته وهو في نحو العشرين من عمره فأقام زهاء خمس سنين ثم جعل يتنقل مع أصحابه في احياء العرب يشرب ويطرب ويغزو ويلهو الى أبيه وقتلوه، فبلغ ذلك امرأ القيس وهو جالس للشراب فقال: رحم الله أبي ضيعني صغيراً وحملني دمه كبيراً لا صحو اليوم ولا سكر غداً اليوم خمر وغداً امر. ونهض من غده فلم يزل حتى ثأر لأبيه من بني أسد، وقال في ذلك شعراً كثيراً توفي
ان ثار بنو
أسد على
عام 80 ق هـ.
راجع الأغاني ط دار الكتب 9: 77 وتهذيب ابن عساكر 3: 104 وابن قتيبة في الشعر
والشعراء 31 وخزانة البغدادي 1: 160.
?? (2/156)
صفحة 614
آخرون انهم يموتون موتا حقيقيا بزهق أرواحهم «قل هل عندكم من سلطان بهذا ام تقولون على الله ما لا تعلمون .. ؟» ولهم حديث يطول ذكره ويشهد الكتاب برده فلا حاجة لذكره هنا على أنه آحادي الاسناد فعلى تقدير صحته لا يثبت به الاعتقاد فكيف لهؤلاء ان يعولوا عليه دينا يجعلوه علما يقينا «قل الله أذن لكم ام على الله تفترون .. ؟.
عن
حتى
(قوله والفرق نشا) أي الفرق بين المشرك والفاسق ثبت عند منازل العذاب ونشا بمعنى حدث وتجدد، وهو نوع من الوجود اطلقه هنا على مطلق الوجود على تقدير أن الكلام في وجود الفرق بينهما موجود الشارع، فهو مجاز مرسل لعلاقة التقييد والاطلاق وفائدة التجوز التنبيه على أن بيان ذلك الفرق موجود كثيرا فلكثرته كان بمنزلة المتجدد كأنك إذا سمعت بيانا آخر ظننت انه حدث ذلك اليوم فمن ذلك البيان ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: «إن أهون أهل النار عذابا رجل في أخمص قدميه جمرت رتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل بالقمقم ما يرى أن احدا اشد منه عذابا وانه لاهونهم عذابا ومنهم من هو في النار الى كعبيه مع أجزاء العذاب ومنهم من في النار الى ركبتيه مع أجزاء العذاب ومنهم من قد اغتمر». وفي رواية «ان ادنى أهل النار عذابا لرجل عليه نعلان يغلي منهما دماغه مسامعه وأضراسه جمر واشفاره ره لهب النار وان منهم من يغلي كحبات قليل في ماء كثير» وقال سويد بن غفلة اذا أراد الله
هو
جمر
(1)
(2)
سورة يونس آية رقم 59.
هو سويد بن غفلة بن عوسجة الجعفي، معمر، كان شريكاً لعمر بن
الخطاب
الجاهلية،
وعاش في البادية، وأسلم، ودخل المدينة يوم وفاة النبي كان مع علي في حرب صفين، وسكن الكوفة، ومات بها في زمن الحجاج وكان شديد
-
-
وشهد القادسية، ثم
الساعد
الناس يوم سمع
القادسية
الأسد الأسد،
يصيحون
فضرب
الأسد
على رأسه، فمر سيفه =
157 (2/157)
صفحة 615
تعالى أن يكسو أهل النار جعل للرجل منهم صندوقا على قدره نار لا ينبض منهم عرق الا وفيه مسمار من، نار، ثم تضرم فيه النار ثم يقفل بقفل من نار ثم يجعل ذلك الصندوق في صندوق من نار ثم يضرم بينهما نار ثم يقفل ثم يلقى أو يطرح في النار فذلك قوله تعالى (من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل» فاذا يئس القوم الا الزفير والشهيق تشبه أصواتهم أصوات الحمير أولها شهيق وآخرها زفير، وكان لا يقول «يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الاخدود ولو أرسلت فيها السفن لجرت) نسأل الله تعالى العافية (قوله وفشا) أي ظهر وانتشر.
فما هو
العبر 1: 93
في فقار ظهره، وخرج من عكوة ذنبه، وكان فقيهاً اماماً مات وهو ابن 125 سنة عام 81 هـ. راجع الاستيعاب بهامش الاصابة 2: 116 والاصابة 2: 118 والذهبي في (1) سورة الزمر آية رقم 16 وتكملة الآية و ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون .. (2) الحديث رواه ابن ماجة في الزهد 38 باب صفة النار 4324 حدثنا محمد بن نمير، ثنا محمد بن عبيد عن الأعمش عن يزيد الرقاش عن انس بن مالك، قال رسول الله وذكره في الزوائد في اسناده يزيد بن ابان الرقاش وهو ضعيف.
-
-
عبدالله
بن
158 (2/158)
صفحة 616
كذاك من قال بأنه يجيء
(قوله كذاك قال بأنه
))
من
وقت على النار بلا تأجج)
يجيء الخ) هذا بيان حكم أهل القول
بأن أهل النيران جميعا مشركهم وفاسقهم ينقطع تعذيبهم، وجعله كحكم القائلين بأن أهل الكبائر يخرجون من النار لانهم يتأولون في ذلك قوله حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط اي كفاني) ورووا أيضا أنه ينبت فيها شجر الجرجير وعن عبد الله" بن عمرو بن العاص ليأتين علي النار يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها احقابا» وتأولوا أيضا:
قوله تعالى «وان عليك لعنتي الى يوم الدين (3) (قالوا): فاللعنة محصورة في الدار الدنيا لما يقتضيه من طبع الفساد فيها وأما يوم القيامة فتنكشف له الحقائق فلا عناد فيعود الى قربه، وهذا الاستدلال
(1)
الحديث رواه البخاري في كتاب التفسير 50 سورة ق 1 باب (وتقول هل من مزيد). 4848 حدثنا عبدالله بن أبي الأسود حدثنا حرمى بن عمارة حدثنا شعبة عن قتادة عن انس الله عنه رضي عن النبي - الله قال: وذكره. ورواه أيضاً بسنده عن أبي هريرة رفعه - واكثر ما كان يوافقه أبو سفيان بلفظ (يقال لجهنم هل امتلأت وتقول: هل من مزيد ... ؟ فيضع الرب تبارك وتعالى قدمه عليها فتقول: قط قط) ورواه الترمذي في التفسير سورة 50.
(2) هو عبد الله بن عمرو بن العاص، من قريش صحابي من النساك من أهل مكة، كان يكتب
في
حقاً
الجاهلية، ويحسن السريانية وأسلم قبل أبيه فاستأذن رسول الله منه فاذن، له وكان كثير العبادة حتى قال له النبي يسمع
-
-
في أن يكتب
ال ان لجسدك عليك
وان لزوجك عليك حقاً، وان لعينيك عليك حقاً) (وكان يشهد الحروب والغزوات ويضرب
بسيفين له في كتب الحديث 700 حديث توفي عام 65 هـ. راجع الاصابة ت 4838 وحلية الأولياء 1: 283 وصفة الصفوة 1: 270. (3) سورة ص آية رقم 78.
159 (2/159)
صفحة 617
كما ترى ينفي دخوله النار أصلا فيؤول الى انكار تعذيب أهل المعاصي وليس في الآية قصر اللعنة في دار الدنيا، لأن لفظ الى غاية لا قصر ومقتضاة تأبيد اللعن فلا مفهوم له.
(وأما) الحديثان فلا تعلق لهم بهما ايضا لان قولها قط قط أي لا يدل على انقطاع عذابهم وانما يدل على أن أهلها حسبي حسبي يكفونها «يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد) وكذلك حديث ابن عمرو فانه لا يدل على أن عذابهم منقطع فعلى تقدير صحته فيحتمل أنهم اخرجوا الى الزمهرير لتنويع العذاب لهم (واستدلوا) ايضا بأدلة عقلية.
(الاول): ان القوة الجسمانية متناهية فلا بد من فنائها (الجواب) منع تناهيها.
(الثاني): دوام الاحراق مع بقاء الحياة خروج عن قضية العقل الجواب هذا بناء على شرط البنية واعتدال المزاج ولا تقول بدليل الحياة بخلق الله تعالى وقد يخلقها دائما أبدا أو يخلق في الحي قوة لا تخرب معها بنيته بالنار كما خلقها في السمندر وهو حيوان مأواه النار. (الثالث): النار يجب افناؤها الرطوبة بالتجربة قليلا قليلا فتنتهي بالاخرة
الى عدمها وتتفتت الاجزاء فلا تبقى الحياة.
(الجواب): فناء الرطوبة بالنار غير واجب عندنا بل هو بافناء الله
تعالى أو يفنيها ويخلق بدلها مثلها ا. هـ عضد مع بعض تصرف (ثم ظهر لي في حكم هذه الفرقة أن يقال إنهم مشركون كما صرح السيد بخروجهم عن الاسلام لقوله تعالى (لأملان
جهنم
منك وممن
(1) سورة ق آية رقم 30.
17. (2/160)
صفحة 618
تبعك منهم
أجمعين) ولأن تأويلهم هذا ليس بالتأويل القوي حتى يرفع عنهم حكم الشرك واستدلالهم العقلي إنما هو أمر فلسفي لا يثبت لقائله الحكم الاسلامي وهذا الحكم أيضا شامل لمن عذر المشرك اذا اجتهد فاخطأ بخلاف ما إذا لم يجتهد، ونسب هذا القول الى الجاحظ () والعنبري (3) لان هذا التفصيل لم يدل عليه دليل فهو راد للكتاب ومصادم له ولا ينفعهم كل مجتهد مصيب، لانه خاص فيما يجوز فيه الاجتهاد، والا لزم تعارض الأصول القطعية وتضادها على أنه لا يقاومها فان خبر الآحاد لا يوجب علما، على تقدير انه موجب للعلم فلا يوجب العلم القطعي بل الظن فقط ويلزم أرباب هذا القول أن يعذروا بعض من قاتل محمدا لله فإن منهم المجتهدين وليسوا كلهم معاندين، واذا سلموا هذا لزمهم بان ارسال الرسل عبث لان من اجتهد فهو، سالم وان خالف نبيه وقاتله وهذا ظاهر البطلان كما ترى. (قوله وقت على النار بلا تأجج أي بلا توقد أي زعموا أن النار يأتي عليها وقت أي مدة ينطفي لهبها فلا توقد فيها فلا عذاب على
احد هنالك.
(1) سورة ص آية رقم 85
(2)
هو عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء الليثي أبو عثمان الشهير بالجاحظ كبير أئمة الأدب ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة مولده عام 163 هـ ووفاته في البصرة عام 255 هـ مات والكتاب على صدره له تصانيف كثيرة (الحيوان) و (البيان والتبيين) و (البخلاء) و (المحاسن والأضداد) و (الجد والهزل) وغير ذلك كثير. راجع ارشاد الأريب:6 والوفيات 1: 388 و تاريخ بغداد 12: 212 ونزهة الألبا 254. (3) هو سوار بن عبدالله بن سوار بن عبدالله بن قدامة من بني العنبر من تميم أبو عبدالله العنبري: قاض، له شعر رقيق، وعلم بالفقه والحديث من أهل البصرة سكن بغداد، وولي القضاء بالرصافة وكف بصره في أواخر اعوامه، وتوفي ببغداد عام 245 هـ.
راجع تاريخ بغداد 9: 210.
161 (2/161)
صفحة 619
وهكذا من قال كل يدخل فيها سعيد
(ومن يقل دار الخلود فانيه
أو اهلها ففاسق علانيه)
(قوله وهكذا من قال كل يدخل فيها الخ أي وهكذا حكم من زعم أن السعداء والاشقياء يدخلون النار معا، ثم ينجي الذين آمنوا ويذر الكافرين، مستدلين بقوله تعالى (وان منكم الا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً) ولا دليل لهم فيها لان قوله وان منكم خطاب لمنكري البعث لقوله تعالى (ويقول الانسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا او لا يذكر الانسان انا خلقناه من قبل ولم يك شيئا فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا ثم لننزعن من كل شيعة أيهم اشد على الرحمن عتيا ثم لنحن اعلم بالذين هم أولى بها صليا. ثم قال على سبيل الالتفات «وان منكم الا واردها) أي يا معشر منكري البعث ثم قال «ثم ننجي الذين اتقوا) والنجاة من الشيء لا تكون الا قبل الوقوع فيه «فلما جاء أمرنا نجينا هودا (2) يكن هود ومن معه داخلين معهم في العذاب.
فلم
(واعلم): أن أصحابنا جعلوا الخطاب في آية الورود عاما للمؤمنين والكافرين وفسروا الورود في حق الكافرين بالدخول وفي حق المؤمنين
(1) سورة مريم رقم 71 - 72. (2) سورة مريم رقم 66 - 70. (3) سورة مريم رقم 71.
(4) سورة مريم رقم 72 وتكملة الآية ونذر الظالمين فيها جثيا ..
(5) سورة هود آية رقم 58 وتكملة الآية، والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ ..
162 (2/162)
صفحة 620
مشترك
بالاشراف، فيلزم عليه اطلاق الكلمة على معنييها الحقيقيين ان قلنا الورود بين الدخول والاشراف أو الحقيقي والمجازي ان قلنا بأنه حقيقة أحدهما فتلخص ان مذهبهم جواز ذلك وانما حكم عليهم بكفر النعمة لان تأويلهم هذا مخالف لآيات الكتاب.
في
(ومنها) قوله تعالى (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى اولئك عنها
مبعدون لا يسمعون حسيسها (1) (ويعترض عليه من وجوه. (أحدها): ان الآية عامة مراد بها الخصوص فهي في ناس مخصوصين ويجاب بأن الأصل عدم المخصص ولا يثبت التخصيص الا بدليل وليس في آية الورود دليل يخصص به.
(وثانيها): أن قوله أولئك عنها مبعدون يحتمل أن يكون الابعاد بعد الدخول فيها (ويجاب) بأنه يلزم عليه أن يكون الابعاد غير حقيقي بل مجازي ولا يصح العدول به عن حقيقته الا بدليل أو نقول إن الابعاد مطلق ولا يصح تقييده بوقت دون وقت الا بدليل (وأيضا) فلو كانوا قربوا منها ثم ابعدوا عنها يلزم ان يكونوا مقربين منها مبعدين
عنها.
(وثالثها): ان الآية دلت على أنهم لا يسمعون حسيسها ولم تدل على نفي الدخول فيها فيحتمل أنهم يدخلونها ولا يسمعون لها حسا (ويجاب): بأنه كناية عن عدم قربهم إياها فيستلزم عدم دخولهم فيها. ورابعها): يحتمل أن يكونوا لا يسمعون حسيسها بعد أن يخرجوا منها لا وقت دخولهم فيها ولا قبل ذلك (ويجاب) بأنه تقييد للمطلق بلا قيد (ومنها) قوله تعالى (لا يحزنهم الفزع الأكبر) وقوله
(1) سورة الأنبياء آية رقم 101 – 102 وتكملة الآية (وهم في ما اشتهت انفسهم خالدون). (2) سورة الأنبياء آية رقم 103 وتكملة الآية وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون).
163 (2/163)
صفحة 621
وهم من فزع يومئذ آمنون (1) فلو كانوا يدخلون النار لاحزنهم ذلك ولما امنوا من فزع ذلك اليوم (ويعترض عليه من وجهين. (أحدهما): أنه يحتمل أن الموصوفين بذلك ناس مخصوصون من
المؤمنين (ويجاب) بأنه تخصيص بلا مخصص.
(وثانيهما) انه لا يستلزم دخولهم النار الحزن والخوف لامكان ان يخلق الله ألا من في قلوبهم ويرفع الحزن عنهم (ويجاب) أما أولا: فان رفع حزن من يرى أنه معذب وخلق الأمن في قلبه خلاف الظاهر وأما ثانيا: فإنه وان أمكن ذلك فيحتاج ثبوته الى دليل وما من دليل ومنها قوله تعالى فريق في الجنة وفريق في السعير) فلو دخلوها جميعا لزم بطلان هذا التقسيم لانهم يكونون فريقا واحدا (ويعترض) عليه بأن محل التقسيم بعد خروجهم من النار (ويجاب) بأنه دعوى تحتاج الى دليل.
(واعلم) ان حكم كفر النعمة انما كان على هؤلاء لما أدى اليه مذهبهم من تعذيب المؤمنين كما زعم بعضهم أن هذه الامة لا يصلحون أما لسكون الجنة الا بعد تصفيتهم بالنار، فتزيل الغش عنهم من زعم أنهم يدخلونها وهي خامدة لا يسمعون لها حسا ولا يجدون منها ألما ولا يعلمون أين هي ولا متى مروا عليها فلا يفضي بهم قولهم هذا الى تفسيق لانهم لم يخالفوا فيه قطعيا لاحتمال أن يؤول قوله تعالى (أولئك عنها مبعدون (((3) أي عن عذابها وان كان محتاجا الى
دليل.
وصدر الآية
(وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أم القرى
(1) سورة الشورى آية
رقم
Y
ومن حولها وتنذر يوم الجمع ريب فيه). (2) سورة الأنبياء آية رقم 101.
(3) سورة النمل آية رقم 89.
164 (2/164)
صفحة 622
الله
(قوله سعيد أو شقي مبطل بدل تفصيلي من قوله كل يدخل والمراد سعيد أي محق ليقابل وصف الشقي بالمبطل كما قابل السعيد بالشقي يه مع المطابقة اكتفاء (قوله ومن يقل دار الخلود فانيه أو أهلها الخ) هذا بيان حكم أهل القول بأن الجنة والنار يفنيان بعد دخول أهل كل فيها ويفني أهلهما فيبقى وحده فحكم هؤلاء أنهم فاسقون لتأولهم نحو قوله تعالى «كل شيء هالك الا وجهه) وتأولهم الخلود في آيات الخلود بالمكث الطويل مثلا وتأولهم الأبد بالمبالغة في طول المكث مثلا (ثم ظهر لي بعد ذلك أنهم مشركون لان شبهتهم هذه لا ترفع عنهم حكم الشرك، لان تأويلهم ليس بتأويل يقبل لابطاله تلك القواطع.
(قوله ففاسق علانيه) أي فهو فاسق جهرة بمعنى أن فسقه شاه لا يشك فيه أحد.
(1) سورة القصص آية رقم 88. (2/165)
صفحة 623
(هذا اذا كان بالتأويل
والشرك في الرد على التنزيل
(قوله هذا اذا ما كان بالتأويل أي هذا الحكم الذي ذكرناه ثابت على أهل هذه المذاهب اذا كان قولهم ناشئا عن تأويل للكتاب والسنة، أما إذا كان ناشئا عن رد له أو للسنة المتواترة فحكمهم الشرك، كما سيأتي ان رد الكتاب نوع من الشرك وتكذيب الرسول نوع منه ايضا (قوله والشرك في الرد) أي بسبب الرد على التنزيل ومفعول الرد محذوف أي في الرد على التنزيل حكمه.
166 (2/166)
صفحة 624
الباب الخامس من الركن الثاني)
في القضاء والقدر)
أي في الايمان بهما وفي حكم الخوض فيهما وحكم من خاض
فيهما والرد عليه. (2/167)
صفحة 625
وبالقضا نؤمن أيضا والقدر
ولم يجز اغراقنا فيه النظر)
(قوله وبالقضا نؤمن أيضا والقدر) أي نصدق على وجه الاذعان والتسليم بالقضاء والقدر كما صدقنا بالرسل والكتب والملائكة واليوم الآخر، عملا بقوله الا الله لعبادة بن الصامت (1) انك لن تجد ولن تبلغ حقيقة الايمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله تعالى، «قال: يا رسول وكيف لي أن أعلم القدر وشره .. ؟ قال: تعلم أن ما اصابك لم يكن ليخطئك وما اخطأك لم يكن ليصيبك فان مت غير ذلك دخلت النار) وبقوله وقد سئل عن الايمان: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ولقائه واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره
خير
على
هو عبادة الصامت بن بن قيس الأنصاري الخزرجي أبو الوليد صحابي من الموصوفين بالورع، شهد العقبة، وكان أحد النقباء وبدراً وسائر المشاهد ثم حضر فتح مصر، وهو أول من ولي القضاء بفلسطين ومات بالرملة عام 34 هـ.
روى 181 حديثاً اتفق البخاري ومسلم على ستة منها وكان من سادات الصحابة. راجع حسن المحاضرة 1: 89 وتهذيب التهذيب 5: 111 والاصابة 4488 وتهذيب ابن عساکر 7: 206.
الحديث رواه الامام احمد بن حنبل في المسند د: 189 حدثني أبي ثنا قرآن بن تمام عن سنان الشيباني عن وهب الحمصي عن ابن الديلي قال أتيت أبي بن كعب فقلت له انه قد وقع في نفسي من القدر شيء فأحب ان تحدثني بحديث لعل الله أن يذهب عني ما أجد قال لو ان الله عز وجل عذب أهل السموات وأهل الأرض عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيراً من أعمالهم ولو كان أحد لك ذهباً فأنفقته في الله سبيل ثم لم تؤمن بالقدر وتعلم ان ما أصابك لم يكن ليخطئك وان ما أخطأك لم يكن ليصيبك ما تقبل منك ولو مت على غير ذلك دخلت النار، وفيه زيادة، ولا عليك أن تلقى أخي عبدالله بن مسعود فتسأله، فلقي عبدالله فقال له مثل ذلك ثم لقي. فقال له مثل ذلك ثم لقي زيد بن ثابت فقال له مثل ذلك الا أنه حدثه عن نبي
حذيفة
الله
اليمان بن
168
(1)
(2) (2/168)
صفحة 626
وشره أنه من الله تعالى) (والقضاء) بالقصر والمد الا في البيت فانه يتعين فيه القصر، قال ابو البقاء: () وقد أكثر أئمة اللغة في معناه وآلت أقوالهم الى أنه اتمام الشيء قولا وفعلا (والقدر) بفتح الدال
وسكونها يرد في اللغة على وجوه سبعة نظمتها في قولي:
حواها وهي خلق فيه يحلو
معاني
القدر
هاك نظما
سبع
و تقدي
وتصويـ
وجـ
قض
ـاء م تضييق ومثل
الله
القضاء
من
وفي المصباح القدر بالفتح لا غير: هو ما يقدره (والفرق بينهما في الاصطلاح هو أن (القضاء) عبارة عن ثبوت صور الاشياء في العلم الأعلى على الوجه الكلي، وهو الذي تسميه
جميع
الحكماء العقل الأول.
(والقدر) حصول صور جميع الموجودات في اللوح المحفوظ الذي تسميه الحكماء بالنفس الكلية. وقيل (القضاء عبارة عن وجود جميع الموجودات في العالم العقلي مجتمعة ومجملة على سبيل الابداع. (والقدر) عبارة عن وجود جميع الموجودات في موادها الخارجية أو بعد حصول شرائطها واحدا بعد واحد (وقيل) إن (القضاء) هو الحكم الكلي الاجمالي على اعيان الموجودات بأحوالها من الازل الى الابد مثل الحكم بأن كل نفس ذائقة الموت (والقدر) هو تفصيل هذا الحكم بتعيين الاسباب وتخصيص ايجاد الاعيان بأوقات وازمان
(1) الحديث رواه الامام مسلم في الايمان 1، 7 وأبو داود في السنة 16 والترمذي في القدر 10 وايمان 4 والنسائي في الايمان 5، 6 وابن ماجة المقدمة 9، 10. واحمد بن حنبل في المسند 1: 27، 28، 12، 97، 133، 319 (حبلي). (2) سبقت الترجمة له في الجزء الأول من هذا الكتاب.
? (2/169)
صفحة 627
من
بحسب قابلياتها واستعداداتها المقتضية للوقوع منها، وتعليق كل حال أحوالها بزمان معين وسبب مخصوص مثل الحكم بموت زيد في اليوم الفلاني بالمرض الفلاني (وقد يطلق (القضاء) على الشيء المقضي نفسه وهو الواقع في قوله عليه الصلاة والسلام «اللهم اني أعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء والرضى يجب على هذا المعنى ولذلك استعاذ منه والواجب الرضا بالقضاء اي بحكم الله وتصرفه وأما المقضي فلا الا اذا كان مطلوبا شرعا كالايمان ونحوه، وقد ورد أن الله تعالى يقول من لم يرض بقضائي ولم يشكر نعمائي ولم يصبر على بلائي فليتخذ الها سوائي.
به
?
أن تظهر عين
نمعن
(والقدر) مرضي لان التقدير فعل الله لا المقدر اذ يمكن أن يكون في تقدير القبيح حكمة بالغة (وسر القدر) هو انه يمتنع من الاعيان الا حسب ما يقتضيه استعدادها ا. هـ من الكليات مع تصرف. (قوله ولم يجز اغراقنا فيه النظر) أي ولم يجوز لنا الشرع أن الفكر ونستقصيه في القدر لقوله لا إذا ذكر القدر فأمسكوا واذا ذكرت النجوم فامسكوا) وفي الحديث الرباني: القدر سري ولا لاحد أن ينبغي يطلع على سري، وقوله «لكل امة مجوس ومجوس هذه الامة القدرية) وقوله عل الله) المرجئة يهود هذه الامة والقدرية
(1) الحديث رواه البخاري في كتاب القدر 13 باب تعوذ بالله من درك الشقاء وسوء القضاء. 6616 ـ حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي
-
-
وذكره.
ورواه الامام مسلم في الذكر 53 والنسائي في الاستعاذة 24 31 33، 34، 35، ورواه
الامام أحمد في المسند 2: 173، 246.
(2) لم نعثر على هذا الحديث ولعل الله يوفقنا اليه.
(3) الحديث رواه أبو داود في باب القدر 4692 حدثنا محمد بن أبي كثير أخبرنا سفيان عن =
170 (2/170)
صفحة 628
نبيا
مجوسها (1) وقوله (لعنت القدرية على لسان سبعين والمراد بالقدرية الخائضون في القدر والمتكلمون فيه بما لا
قبلي
(2)
يحل، وهم (صنفان): صنف منهم انكروا ان تكون أفعالهم خلقا الله تعالى ونسبوا خلقها لانفسهم وهو مذهب المعتزلة بجميع فرقهم. جميع أفعالهم الى الله عز
(وصنف) نفوا الكسب عنهم
وأضافوا
الاختيار عنهم
فيها،
وجل على سبيل الجبر منه لهم على فعلها ورفع وجعلوا أنفسهم كالميت في يد المغسل وكالخيط في الهواء تقلبه الرياح لا يستطيع امتناعا. وسيأتي بيان شبه الصنفين ورد قولهم عليهم. (وذهب) أهل الاستقامة والاشعرية الى التوسط بين الحالين فقالوا: إن أفعالنا خلق الله عز وجل وهي لنا اكتساب فنثاب ونعاقب على اكتسابنا لا على خلق الله أفعالنا بدليل قوله تعالى «لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت (3) فالآية صريحة في اثبات الكسب والاكتساب لها وهي مبطلة لمذهب الجبرية ولقوله تعالى وأنه أضحك هو وابكى) فالآية صريحة على أن الله تعالى هو خالق الضحك والبكاء فيهم وهو فعل لهم وهذا مبطل لمذهب المعتزلة.
))
=
عمر بن محمد، عن عمر مولى غفرة عن رجل من الأنصار عن حذيفة قال: قال رسول وذكره وفيه زيادة من مات منهم فلا تشهدوا جنازته ومن مرض منهم فلا
الله
تعودوهم، وهم شيعة الدجال، وحق على الله ان يلحقهم بالدجال.
ورواه الامام احمد في المسند 2: 86 5: 407 (حلبي).
(1) الحديث رواه ابن ماجة في المقدمة 9 باب في الايمان 73 بسنده عن جابر بن عبدالله
بلفظ قال رسول الله
وأهل القدر.
-
(2) لم نعثر على هذا الحديث
(1)
سورة البقرة آية رقم 134.
(4) سورة النجم آية رقم 43.
(صنفان من
أمتي ليس لهما في الاسلام نصيب: أهل الأرجاء،
171 (2/171)
صفحة 629
سبب
جمعت بين
(واعترض) عليه بأن اسناد الفعل اليه مجاز عقلي والمراد أنه فاعل الضحك والبكاء لانفسهما (والجواب) أن الاصل عدم المجاز ولا يصار اليه الا بقرينة مانعة من ارادة الحقيقة وليس هنا قرينة فإذا الآيتين أعني قوله تعالى (وأنه هو اضحك وأبكي) وقوله تعالى (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت (((2) حصل لك طريق اثبات خلق الأفعال الله وكسبها للخلق (وعن عكرمة (3) عن ابن عباس الله أنه سئل عن القدر فقال: الناس فيه على ثلاث منازل، رضي من قال إن في الامر المشيئة الى العباد وإن الاعمال مفوضة اليهم ولا قدر فقد ضاد الله في أمره ومن اضاف الى الله شيئا مما ينزه عنه فقد افترى عظيما على الله عز وجل، ورجل قال: إن رحمت فبفضل الله فذلك الذي سلم له دينه ودنياه.
عنه
(1) سورة النجم رقم 43. (2) سورة البقرة آية رقم 134.
(3) هو عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام المخزومي القرشي من صناديد قريش في الجاهلية والاسلام كان هو وأبوه من أشد الناس عداوة للنبي - ع - وأسلم عكرمة بعد فتح مكة وحسن اسلامه فشهد الوقائع وولي الأعمال لأبي بكر واستشهد في اليرموك أو يوم مرج الصفر وعمره
62 سنة وفي الحديث و لا تؤذوا الأحياء بسب الموتى قال المبرد: فنهى عن سب جهل من اجل عكرمة.
أبي
راجع تهذيب الأسماء 1: 338 والاصابة ت 5640 وتاريخ الاسلام للذهبي 1: 380.
172 (2/172)
صفحة 630
أفعال العباد خلق الله وكسب لهم
(ومن يقل الهنا لم يخلق
أفعالنا بعدا من أحمق)
لقوله لكل شيء خالق
سبحانه الرب المليك الرازق)
(لو كان خالقا سواه لزما
تعدد الاله قطعا حتمـ
ولو تعدد الاله لظهر
فساد هذا العالم الذي بهر)
(لكن
فعلنا اكتساب
الثواب وبه العقاب)
من ثم قد نيل به اعلا الرتب
الا النبوات فليس تكتسب)
من
ذلك،
(قوله من يقل الهنا لم يخلق أفعالنا الخ) أي اعتقد اعتقادا جازما أن الله عز وجل لم يخلق أفعال العباد فهو فاسق منافق أحمق بعدا، له وانما قلنا اعتقادا. جازما ليخرج من اعتقد لقصور عقله ان ريح المروحة ونحوها خلق له من غير أن يخطئ من خالفه في فانه لا يفسق لانه من الخطا المرفوع عنا كذا في الذهب الخالص، وعزاه الى بعض محققي أصحابنا، وفي عدم تفسيق هذا المعتقد اشارة الى أن المعتزلة إنما كان فسقهم في هذه المسألة باب اعتقادها من دينا وتخطئة من خالفهم في ذلك لكن المعتزلة انكروا ايجاد الله لافعالنا وجعلوها موجودة لنا فهم فاسقون بذلك أيضا، وأول من قرر هذا
173 (2/173)
صفحة 631
المذهب الفاسد واصل بن عطاء وقد تلمذ للحسن البصري) ومكث في مجالسته عشرين سنة، وهو المقدر لقواعد القول بقدرة العبد وخلقه الفعل وقال ان الباري عادل حكيم لا يجوز ان يضاف اليه شين ولا ظلم ولا يجوز عليه أن يريد من العباد خلاف ما يأمرهم به ولا يجوز عليه أن يخلق للعباد شيئا فيجازيهم عليه والعبد هو الفاعل للخير والشر والطاعة والمعصية، والله سبحانه وتعالى مجازيه بفعله وقال: ليس من الحكمة أن يكون الله سبحانه وتعالى يخلق الكفر للكافرين به وهو مبغض للكفر معاد للكافرين فيكون ذلك كمن أعان على شتم نفسه ا. هـ. وهذا مبني على جعل العقل حاكما على الشرع يرد الشرع بخلافه وحاصل ما عول عليه ها هنا ثلاثة اشياء.
عندهم
أن
?
يجوز
(1)
هو واصل بن عطاء الغزال أبو حذيفة من موالي بني ضبة أو بني مخزوم رأس المعتزلة ومن أئمة البلغاء والمتكلمين، سمي أصحابه بالمعتزلة لاعتزاله درس الحسن البصري، ومنهم طائفة تنسب اليه تسمى الواصلية) وهو الذي نشر مذهب الاعتزال. ولد بالمدينة عام 80 هـ ونشأ بالبصرة، وكان ممن بايع لمحمد عبدالله بن بن الحسن في قيامه على أهل الجور ولم يكن غزالاً وانما لقب به لتردده على سوق الغزالين بالبصرة له
تصانيف منها
ه اصناف المرجئة، وه المنزلة بين المنزلتين، وه معاني القرآن، وغير ذلك كثير توفي عام
131 هـ.
راجع وفيات الأعيان 2: 170 و مروج
والنجوم الزاهرة 1: 313 - 314.
وهو
الذهب 2: 298 و تاريخ الاسلام للذهبي 5: 311
(2) هو الحسن بن يسار البصري أبو سعيد، تابعي كان إمام أهل البصرة وحبر الأمة في زمنه، أحد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان النساك ولد بالمدينة وشب في كنف علي بن أبي طالب واستكتبه الربيع بن زياد والي خراسان في عهد معاوية وسكن البصرة وعظمت هيبته في القلوب فكان يدخل على الولاة فيأمرهم وينهاهم لا يخاف في الحق لومة لائم وكان أبوه من أهل ميسان مولى لبعض الأنصار. قال الغزالي كان الحسن البصري أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء توفي عام 110 هـ. راجع تهذيب التهذيب ووفيات الأعيان وميزان الاعتدال 1: 254 وحلية الأولياء
131: 2
174 (2/174)
صفحة 632
أن
القبح
(أحدها): أنه لا يجوز أن يضاف الى الله شين ولا قبح لانه عدل ولا شك أن أفعال المعاصي قبح وشين فلا تصح اضافتها اليه. (وجوابه) أن الشين والقبح في اكتسابهما لا في خلقهما (وبيان) ذلك عندنا معشر الاباضية وعند الاشعرية وعند من وافقنا على ذلك ما نهى عنه الشرع لا ما قبحه العقل فقط، لان الحسن والقبح شرعيان عندنا وأما المعتزلة فعندهم انهما، عقليان وقد تقدم فساد مذهبهم. (الثاني): انه لا يجوز عليه تعالى أن يريد من العباد خلاف ما يأمرهم به فعنده أن الارادة ملازمة للامر.
الله
الله
(وجوابه) أن المعاصي قد صدرت من فاعلها فاذا كان الله لم يرد صدورها منه فيكون مغلوبا حيث كان من المعاصي شيء لم يرد وقوعه فيكون مكرها مقهورا مغلوبا ومن كان كذلك فليس بإله، وقد وقع هذا الجواب من أبي عبيدة رضي عنه لواصل بن عطاء، روي ان واصلا كان يتمنى لقاء أبي عبيدة وكانا أعميين فقال قائد واصل: هذا أبو عبيدة فقال واصل لابي عبيدة أنت الذي تقول إن الله يعذب على القدر فقال ولكني اقول: إن الله يعذب على المقدور أأنت أن الله الذي تزعم باستكراه فانقطع واصل ثم قيل له سألته يعصى فتخلص وسألك فوقفت فقال: بنيت له بنيانا منذ أربعين سنة فهدمه وهو واقف (والفرق) بين القدر والمقدور في كلام أبي عبيدة أن القدر فعل الله والمقدور كسب العباد.
(الثالث): أنه لا يجوز أن يخلق الله للعباد فعلا فيجازيهم عليه وحاصله انه لو كانت أفعالنا خلقا الله تعالى لم يجز أن يجازينا عليها. وجوابه ان الجزاء على اكتسابنا لها لا على خلقه اياها «لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) «تلك أمة قد خلت لها ما كسبت
(1) سورة البقرة آية رقم 246. (2/175)
صفحة 633
ولكم ما كسبتم) (أولئك لهم نصيب مما كسبوا (2) ونحوها من الآيات. وبيانه) ان للفعل جهتين جهة خلق اي ايجاد واختراع، وهي الله تعالى وبها تعلقت قدرته، وجهة كسب وهي للعبد وبها تعلقت قدرته وليس فيما يفعله الحكيم قبح وانما القبح في أفعالنا اذا خالفت أوامره. (وتشبثوا) من الكتاب العزيز بآيات قال السيد والعضد: وهي انواع. (الاول): ما فيه اضافة الفعل الى العبد نحو «فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) «ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة انعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
(0) (
(الثاني): ما فيه مدح وذم نحو «وابراهيم الذي وفي وكيف تكفرون بالله) وما فيه وعد ووعيد كقوله «من بالحسنة فله عشر امثالها) «ومن يعص الله ورسوله فان له نار
جهنم
(^) «
وهو
أكثر من
أن
يحصى.
جاء
(الثالث): الآيات الدالة على ان أفعال الله تعالى منزهة عما يتصف به فعل العبد من تفاوت واختلاف قبح وظلم كقوله تعالى «ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت» «ولو كان عند غير الله لوجدوا من
(1) سورة البقرة آية رقم 134 - 141.
(2) سورة البقرة آية رقم 202.
(3) سورة البقرة آية رقم 79.
(4) سورة الأنفال آية رقم 53. (5) سورة النجم آية رقم 37. (6) سورة البقرة آية رقم 28. (7) سورة الأنعام آية (8) سورة الجن آية رقم 23. (9) سورة الملك آية رقم 3.
رقم
17.
176 (2/176)
صفحة 634
فيه اختلافا كثيرا (1) «الذي أحسن كل شيء خلقه) «وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (3)
(والرابع): تعليق أفعال العباد بمشيئتهم أي الايات الدالة عليه نحو فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).
(الخامس): الامر بالاستعانة نحو اياك نستعين) (استعينوا» ولا معنى للاستعانة فيما يوجده الله في العبد بل فيما يوجده العبد
باعانة من ربه.
(السادس): اعتراف الانبياء بذنوبهم كقول آدم عليه السلام «ربنا ظلمنا أنفسنا) وقول يونس عليه السلام (سبحانك إني كنت من
الظالمين).
(السابع): ما يوجد في الاخرة من الكفار والفسقة من التحسر وطلب الرجعة نحو «ارجعون لعلي اعمل صالحا (8) «لو أن لي كرة فأكون من المحسنين» ا.
هـ.
(1) سورة النساء آية رقم 82.
(2) - سورة السجدة آية رقم 7.
(3) سورة النحل آية رقم 33.
(4) سورة الكهف آية رقم 29.
(5) سورة الفاتحة آية رقم
0
(1) سورة الأعراف آية رقم 23 وتكملة الآية (وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين).
(7) سورة الأنبياء آية رقم 87.
(8) سورة المؤمنون آية رقم 99 100 وتكملة الآية (فيما تركت كلا انها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ الى يوم يبعثون وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث ذكر (ارجعوني)
بدلاً
من (ارجعون).
(9) سورة الزمر آية رقم 58.
177 (2/177)
صفحة 635
(والجواب) حمل الآيات التي فيها اضافة الافعال الى العبد وجزاؤه عليها على كسبه لها وحمل آيات الاستعانة على طلب التوفيق لكسبهم أفعال الخير واعانتهم على ذلك اذ ليس في كل هذا تصريح بأن العبد خالق لفعله واضافة الفعل اليه تكفي لوجه ما ولو بأدنى ملابسة، كيف ولا يخفى أن كسب الفعل ملابسة قوية فيصح أن يضاف الفعل الى كاسبه وأن يستعين العبد بغيره على كسبه، وكذلك الآيات التي فيها حكاية تأسف المجرمين وتحسرهم يوم القيامة وطلبهم الرجوع ليعملوا،
الله
فانما كان ذلك منهم لتفريطهم في الكسب لا في الخلق. (وأما الآيات الدالة على تنزيه أفعاله تعالى عن القبح والشين والظلم فليس فيها دلالة على أن أفعالهم مخلوقة لهم وانما تدل على أن خلق حسن وليس في خلقه قبح ولا يظلم احدا، ونحن نقول: إن جميع الافعال بالنسبة اليه تعالى حسنة ولا قبح فيها ولا ظلم وانما القبح والظلم في اكتسابنا لها اذا خالفنا فيها المشروع وبهذا الجواب تنحل جميع شبههم ان شاء الله وستأتي فيها أدلة نقلية وعقلية لا يمكنهم الجواب عنها ان شاء الله تعالى فانتظرها. (قوله بعداً له أحمق) من مصدر بعد عن رحمة الله بعدا ناب عن فعله فاقيم مقامه كقبحا وسحقا والأحمق فاسد العقل وانما وصفه بذلك لما في قوله من ادعاء ما ليس له فكان ذلك القول دليلا على فساد عقله (قوله لقوله لكل شيء خالق) أي حكمنا بتفسيق ذلك القائل حيث دعونا عليه بالابعاد عن رحمة الله ووصفناه بالحمق الذي هو فساد العقل لادلة (منها) قوله تعالى خالق كل شيء) الآية (واعترض عليه بثلاثة أوجه. أحدها: أن الاية عامة لكل ما أطلق عليه الشيء فان حكمتم بعمومها
(1) سورة الرعد آية رقم 16 وسورة الزمر آية رقم 62 وسورة غافر آية رقم 62.
178 (2/178)
صفحة 636
لزمكم أن يكون الله مخلوقا لانه شيء وان يكون المعدوم مخلوقا
لأنه شيء.
و جوابه ان دليل العقل قد خصص ما ذكرتم من عموم تلك الآية لان العقل قاض بأنه لو كان الله مخلوقا للزم أن يكون له خالق هو غيره فيتسلسل أو يدور وان الخلق لا يتعلق بالمعدوم لانه ليس بشيء في ذاته حتى يكون مخلوقا لغيره واطلاق اسم الشيء عليه لا يستلزم أن يكون مخلوقا فصح استثناء ما ذكرتم من عموم الآية وبقي
ما عدا ذلك داخلا تحتها.
(الثاني): ان الخلق حقيقة بمعنى التقدير وعلى هذا فنحن نقول بعموم الآية لان الله تعالى مقدر كل شيء.
(وجوابه) ان للشرع وضعا نقل فيه بعض العربية الى معان أخر فكانت حقيقة شرعية فيها من ذلك الصلاة في العبادة المعروفة والصوم في الامساك المخصوص والزكاة في النصيب المحدود وهكذا فان هذه الالفاظ وما أشبهها لها معان في اللغة هي حقائق فيها غير الشرعية ثم صارت باستعمال الشرع لها فيما ذكرنا حقيقة شرعية وكذلك الخلق ان أضيف اليه تعالى فان الشرع لم يستعمله مضافا اليه تعالى الا وهو بمعنى الايجاد والاختراع.
(الثالث): إن الاية عامة وانتم تقولون ان دلالة العام ظنية فما بالكم قطعتم بها هنا؟
(وجوابه): ان القطع بها حيث قضى العقل بمقتضاها وأجمعت الامة على أن المراد منها عمومها وكلا الوجهين قطعي ولا عبرة بخلاف المعتزلة فيها فان خلافهم جاء بعد انعقاد الاجماع، ولأن خلافهم خالف العقل المؤيد بالنقل ولو لم يكن ثمة اجماع ما التفت اليه (ومنها)
179 (2/179)
صفحة 637
قوله تعالى «هل من خالق غير الله) فان في الآية نفياً أن يكون خالق غيره (واعترض عليه بان النفي متوجه على منفي مقيد بقيد هو قوله تعالى (يرزقكم من السماء والارض. (2) بيانه ان الآية نفت أن يكون خالق يرزقنا غير الله تعالى ونحن نقول لا خالق يرزقنا الا الله. (وجوابه): أنا لا نسلم أن النفي متوجه الى القيد المذكور وهو الاتصاف بالرزق لانه لو كان متوجها اليه ومخصوصا به ما كان لذكر الخالق فائدة ولقال هل من رازق الخ فذكر الخالق حينئذ عبث يتعالى عنه نظم القرآن (ومنها قوله تعالى (وما رميت إذ رميت ولكن الله (3) فانه تصريح باسناد الرمي اليه تعالى ولا شك انه فعل النبي (واعترض) بان الرمي في الآية بمعنى الاصابة أي وما اصبتم اذ رميتم ولكن الله اصابهم.
(وجوابه) ان اطلاق الرمي على الاصابة مجاز محتاج الى قرينة ولا قرينة ثمة (ومنها) قوله تعالى (والله خلقكم وما تعملون) اي وعملكم (واعترض عليه بأن ما موصولة والتقدير والله خلقكم والذي تعملون به والمراد الآلة التي بها العمل.
قالوا: لو لم تكن الآية على هذا المنوال للزم اخلال النظم القرآني فانها صدرت من ابراهيم عليه السلام على سبيل التوبيخ لهم على عبادة الاصنام التي ينحتونها بأيديهم فلو أراد والله خلقكم وعملكم للزم ان يكون عذرا لهم لا توبيخا وبيانه انه لو قال لهم إن الله خلقكم وعملكم فما بالكم تعبدون الاصنام التي تنحتونها لحسن أن يكون جوابهم
(1) سورة فاطر آية رقم 3.
(2) سورة فاطر آية رقم 3.
(3) سورة الأنفال آية رقم 17 وتكملة الآية (وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً ان الله
(4) سورة الصافات آية رقم 96.
180
سميع عليم). (2/180)
صفحة 638
له اذا كان الله خالق عملنا فينا فعلام نلام على حد قول المشركين ولو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا (وجوابه: انه يلزم ما ذكرت ان لو كانوا مجبورين على اتيان ذلك العمل الذي خلقه الله فيهم ونحن لا نقول به بل نقول ان الله خالق أعمالهم وجاعل لهم اختياراً فيها واكتسابا فالتوبيخ على اختيارهم ما نهوا عنه واكتسابهم. لخلاف ما انه تعالى خلقهم وخلق فعلهم وجعل لهم قدرة على
طلب منهم مع
اكتساب ذلك الفعل فأمرهم ببعضه ونهاهم عن بعضه.
(ومنها) قوله تعالى «فعال لما يريد) ولا شك انه يريد الايمان اجماعا فهو فاعله وكذا الكفر اذ لا قائل بالفرق بينهما (ويعترض) عليه بأن الآية عامة لكل ما يريد فتحتمل التخصيص فيكون بعض ما يريده فاعلا له والبعض الآخر فاعله غيره.
لزم
يصح
أن
پريده
(وجوابه) ان التخصيص بلا مخصص يصح وما ذكرتموه من الآيات الدالة على اضافة الفعل الى العبد تقدم جوابها فلا تكون مخصصة لهذه الآية وايضا فلو كان غيره فاعلا لبعض ما أن تكون قدرته تعالى قاصرة وغيره تعالى هو المتمم لمراده (لا يقال انه متى أراد شيئا وانفعل ذلك الشيء لم يلزم أن تكون قدرته قاصرة لانا نقول إن هذا صحيح ان لو كان ذلك الانفعال بقدرة الله تعالى أما اذا كان بقدرة الغير وايجاده فغير مسلم لانه وان كان مرادا له تعالى فهو مخلوق لغيره فلزم ان تكون قدرته تعالى لم ينفعل لها ما أراده وانما انفعل بقدرة الغير. (قوله سبحانه) اي من أن يكون خالقا سواه (قوله الرب) اي المالك والمصلح لشأننا (قوله المليك) أي المتصرف في الاشياء تصرفا لا راد له (قوله الرازق) أي المعطي لخلقه ما ينتفعون به وفي ذكر
لنا
(1) سورة البروج آية رقم 16.
181 (2/181)
صفحة 639
هذه الصفات في هذا المقام اشارة الى نقض استدلال تعلقت به المعتزلة (من (قوله تعالى فتبارك الله احسن الخالقين.
(قالوا) ففي الآية دليل على تعدد الخالقين لانه لو لم يكن الخالق الا واحدا لما كان للجميع معنى فأشار المصنف الى نقضه بقوله تعالى «وهو خير الرازقين) (و (حاصل) الجواب انه يلزمكم أن تقولوا بتعدد الرازقين كما قلتم بتعدد الخالقين لان تعلقكم بالآية انما هو بوجود الجمع فيها وهو موجود في الرازقين فوجب حمل الآيتين على غير الحقيقة فالمراد بأحسن الخالقين اي أحسن الصانعين صنعا وخير الرازقين خير المعطين عطاء.
أي
(قوله لو كان خالقا سواه لزما الخ هذا هو الدليل العقلي المبطل لتعدد الخالقين وصورة البرهان انه لو كان غيره تعالى خالقا للزم أن يكون ذلك الخالق الها لما خلق فتتعدد الالهة وبيان الملازمة انه تعالى أشار الى أن الخلق صفة يختص بها الاله في قوله «إذا لذهب كل اله بما خلق (3) واذا كانت صفة الخلق وهي الايجاد والاختراع مختصة بالاله لزم من تعددها تعدد الاله اذ لا يتصف بها الا من كان لها والعقل قاض بذلك أما قوله تعالى (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير) وقوله «وتخلقون افكا) فالخلق فيهما مجاز
(1) سورة المؤمنون رقم 14 وصدر الآية (ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم انشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين).
الأكمه
(2) سورة المؤمنون آية رقم 72 وسورة سبأ آية رقم 39. (3) سورة المؤمنون آية رقم 91 وتكملة الآية ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون .. (4) سورة المائدة آية رقم 11 وتكملة الآية (بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني وتبرئ والأبرص بإذني واذ تخرج الموتى بإذني واذ كففت بني اسرائيل عنك اذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا الا سحر مبين).
(0) سورة العنكبوت آية رقم 17 وتكملة الآية إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له اليه ترجعون).
182 (2/182)
صفحة 640
سمي
وكذلك ما أشبههما والمراد تصور من الطين وتجعلون الافك حديثا لكم (قوله تعدد الاله أي كونه اكثر من واحد (قوله قطعا حتما) أي قطع به والمراد تعدد الاله وقطعا مصدر انتصب بفعل يفسره ما بعده (قوله ولو تعدد الاله لظهر) هذا برهان للبرهان الاول فهو تدقيق وصورته انه لو تعدد الاله لظهر فساد هذا العالم الذي بهر الخلق صنعه ونحن نشاهد انه لم يفسد ونعلم ذلك ضرورة فلا تعدد والى هذا اشار قوله تعالى (لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا) وقد تقدم بسط هذا المقام في محله (قوله فساد هذا العالم المراد بالفساد هاهنا تلاشيه وذهابه وخروجه عن سلك الحكمة والعالم بالفتح الخلق بذلك لانه يستدل به على وجود الصانع، وعرفه بعضهم بأنه عبارة عن أجسام في ظروف مكان وزمان والاول أعم لدخول الاعراض تحته فانها مما يستدل بها ايضا على وجود الصانع المختار، وأشار اليه بذا المختصة بالقريب مع هاء التنبيه اشارة الى أن بديع صنعه تعالى موجود جدا لا يخلو منه مكان فلو استغرق الانسان فكره في صنع نفسه التي هي أقرب الأشياء اليه ما استقصى غرائب ما فيها وعجائب صنعها وفي هاء التنبيه على غفلة غالب الخلق عن التفكر في هذا الصنع العجيب. (قوله الذي بهر) الذي غلب اهل العقول الثاقبة في استنباط الحكم واستخراج العجائب حيث لم يستطيعوا على الاتيان بمثل احقر شيء فيه ولم يطلعوا على السر الذي كن فيه وانما خصصنا اهل العقول أرباب الحكم فان عجزوا عن شيء من ذلك فغيرهم
بذلك لانهم هم أعجز.
(1) سورة الأنبياء آية رقم 22.
183 (2/183)
صفحة 641
بابعاد من يتوهم
(قوله لكن لنا في فعلنا اكتساب) اعلم انه لما صرح قال ان الله لم يخلق افعالنا واحتج عليهم بالعقل والنقل خاف أن كلامه اسناد الافعال اليه تعالى جبرا كما هو مذهب الجبرية الآتي من
بيان بطلانه استدرك عليه بهذا البيت قائلا إن لنا في فعلنا اكتسابا ترتب عليه الثواب والعقاب والمدح والذم لا كما زعمت الجبرية «لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت).
ثم
(قوله به الثواب) أي بسبب ذلك الاكتساب يكون جزاء الخير في الآخرة (قوله وبه العقاب) أي بسبب ذلك الاكتساب يكون الجزاء بالشر في الآخرة فلا جبر ولا تعذيب على ما خلق الله (قوله من قد نيل به اعلا (الرتب اي من هنالك نال من نال بالاكتساب في الدنيا أعلا الرتب وهذا دليل على أن الاكتساب يصح أن يثاب ويعاقب عليه اي كما اعطانا الله بسبب اجتهادنا واكتسابنا في الدنيا أعلى الرتب فيها كذلك يصح أن يثنينا في الآخرة باكتسابنا الخير في الدنيا ونيل اعلا الرتب في الدنيا مشاهد أكثر من أن يذكر فمنه تحصيل العلم لطالبه ونيل العز للمجد فيه وكرامات الأولياء التي لا تكاد تحصر فانا نعلم أن هذه الاشياء انما حصلت بسبب اكتساب طالبها لاسبابها وجده في استعمالها لا بخلقه طلبها والجد في تحصيلها تلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.
(قوله الا النبوات جمع نبوة بمعنى الرفعة وفي الاصطلاح عبارة عن ايحاء الله لمن شاء من خلقه بشرع قوله فليس تكتسب أي فلا
الله
به
تحصل بالكسب لمستعمل اسباب تحصيلها لانها شيء خص من يشاء من عباده من غير اكتساب منهم لها فتأتيهم على وجه الاضطرار
(1) سورة البقرة آية رقم 286.
184 (2/184)
صفحة 642
لا الاختيار وهذا مذهب لبعضهم قال صاحب الجوهرة:
ولم تكن نبوة مكتسبه
ولو رقي في الخير اعلا عقبه
وكذلك الرسالة نظرا الى الكون عند الله رسولا وذهب بعض الى أن النبوة والرسالة اكتسابيتان نظرا الى جانب القبول للوحي في النبوة الى جانبه مع التبليغ في الرسالة وقيل بل نظرا الى جانب استعمال الاسباب الموصلة اليهما وهو مذهب الفلاسفة قال الباجوري: وهي من المسائل التي كفروا بها لاستلزامها جواز وجود نبي بعد نبينا عليه الصلاة والسلام او في زمانه مع قوله تعالى (وخاتم النبيين) وقوله لا نبي بعدي) وقد اجمعت الامة على ابقائهما على ظاهرهما (وقيل) النبوة ضرورية نظرا الى جانب الكون عند الله نبيا والرسالة اكتسابية نظرا الى جانب التبليغ فالخلاف بين المسلمين في كونهما ضروريتين او اكتسابيتين لفظي.
(1) سورة الأحزاب آية رقم 40.
(2) قال الامام احمد، حدثنا يحيى بن اسحاق حدثنا ابن لهيعة عن عبدالله بن هبيرة عن عبد الرحمن بن جبير قال سمعت عبدالله بن عمر يقول:
خرج علينا رسول الله - الله - يوماً كالمودع فقال: أنا محمد النبي الأمي ثلاثاً ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلم وجوامعه وخواتمه وعلمت كم خزنة النار، وحملة العرش، وتجوز بي وعرفت وعرفت امني فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله تعالى أحلوا حلاله وحرموا حرامه ..
تفرد به الامام احمد.
ورواه الامام أحمد أيضاً عن احمد بن اسحاق عن ابن لهيعة: عن عبدالله
بن هبيرة عن عبد الله ابن شريح الخولاني عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عبدالله بن عمرو ـ الله عنهما فذكر مثله سواء والأحاديث في هذا كثيرة.
رضي
185 (2/185)
صفحة 643
القائلون بالجبر فساق
(وفاسق من قال إن الله جل
قد
جبر
وانه لم يجعل استطاعه
الانسان فيما قد فعل)
له لكفر شاءه او طاعه)
(لانه لو كان هذا بطلا
أمر ونهي مع وعد جعلا)
وبطل الوعيد مع بعث الرسل
وخ
خلقه أفعالن
(كذاك كونها
وجاء تكليف الجماد كالنبل)
لا يوجب جبرا حکمه)
رادا
لانه قد
العبادا)
(قوله وفاسق من قال إن الله جل قد جبر الانسان) الخ أي من قال إن الله ـ عظم شأنه قد جبر المكلف على فعله الحسن والقبيح وانه لم يجعل له اختيار في شيء من ذلك ولا كسبا له ولا استطاعة على اتيانه، فهو فاسق لانه حمل أفعاله جميعا على الله تعالى ويبطل بمذهبه هذا ارسال الرسل وانزال الكتب والوعد والوعيد والمواعظ والحكم والمدح والذم لأن من كان مجبورا على فعل من الافعال مضطرا اليه لا يستطيع عنه محولا كان ارسال الرسل اليه ووعده إن امتثل ووعيده ان لم يمتثل انه لا يستطيع شيئا من ذلك عبثا لا يليق بشأن الحكيم ولا يستحق المدح على امتثاله ولا الذم على عدمه.
186 (2/186)
صفحة 644
(أجابوا): بأنه استحق المدح والذم لما خلق الله فيه ذلك الممدوح او المذموم كما يقال في الالوان هذا حسن وهذا قبيح فيمدحان بفعل الغير إذ من المعلوم أنها لم تكتسب بنفسها الحسن والقبح وارسال الرسل وانزال الكتب والوعد والوعيد علامة لاهل السعادة وأهل الشقاوة. (قلنا) عن (الاول): ان المدح والذم في الالوان ليس كالمدح والذم الافعال الاختيارية، فان الحسن من الالوان حسن في أي محل كان وكذلك القبيح منها والحسن من الافعال تختلف باختلاف أمر الشرع ونهيه فيكون في حق هذا حسنا اذ أمر به وفي حق هذا قبيحا اذا نهى عنه فرأينا الحسن والقبيح تابعا لامر الشارع ونهيه، لا لمحلهما كالالوان (وعن الثاني): انا لا نسلم أن ارسال الرسل وانزال الكتب للتعريف بأن هذا سعيد وهذا شقي، اذ لو كان كذلك لما كان للمواعظ والزجر والتهديد فائدة، وكذلك الترغيب والترهيب ولكان يكفي في التعريف بالسعيد والشقي أن يقال من فعل كذا فهو سعيد ومن فعل كذا فهو شقي، من غير تطويل بتكثير أوامر ونواهي وتفصيل عبادات ونحو ذلك، على أنا لا نقطع بأن من مات مصرا على معصية من معاصي تعالى انه في النار قطعا لاحتمال أن يكون تاب توبة لا نعلمها وكذلك لا نقطع بمن مات على طاعة الله في حكم الظاهر انه في الجنة قطعا لاحتمال أن يكون أصر على معصية غاب عنا علمها، وانما نقول: ان كان فلان مات على ما ظهر منه فهو كذا فأين فائدة التعريف .. ؟ (وانما) قلنا بفسق هؤلاء القائلين بالجبر على الافعال الاختيارية ولم نقل بتشريكهم مثلا في هذه المسألة لتعلقهم فيها بظواهر آيات، وأنه كما في قوله تعالى «هو أضحك وأبكى وانه هو
وأحيا.
الله
أمات
(1) سورة النجم آية رقم 43.
187 (2/187)
صفحة 645
الضحك
(قالوا) فقد أخبرنا في هذه الآية عن افعالنا الاختيارية وهي والبكاء، والاضطرارية وهي الاماتة والاحياء واضاف الكل الى نفسه ولم يفرق بين اختياري واضطراري.
(قلنا) الاضافة اليه بالنظر الى أنه خالق ذلك لا لانه المجبر عليه فأين دليل الجبر .. ؟ (ولا يقال إن خلقه لها جبر عليها لما سيأتي ان الخلق غير الجبر لا عينه وبالجملة فجميع ما استدللنا به من الآيات الدالة على أن الله خالق أفعال العباد استدل به هؤلاء على ثبوت الجبر في الافعال الاختيارية. (وجوابهم): اجمالا أن تلك الآيات لم تدل الا على تبوت خلق الفعل من الله تعالى لا على ثبوت الجبر، فلو دلت على ثبوت الجبر للزم تناقض القرآن لانه بأن الجزاء انما هو بأعمالنا «أصلوها صرح اليوم بما كنتم تكفرون) «ذلك بما قدمت أيديكم) الى ما لا عددا فأين مقام الجبر .. ؟ (واعلم) انه يمكن الجمع بين الآيات الدالة على ثبوت الفعل وبين الآيات الدالة على ثبوته من العبد الا بجعلنا للفعل جهتين إحداهما تضاف اليه تعالى وهي الخلق والاخرى تضاف الى العبد الاكتساب، والجمع على هذا الطريق يستلزم صرف جملة من القرآن الى خلاف الظاهر من غير دليل قوله فيما قد فعل) أي على فعله ففي بمعنى على وما مصدرية أو موصولة.
يحص
من
وهي
الله
(قوله وانه لم يجعل استطاعة له (الخ هذا تمام قول الجبرية وذلك جبر الانسان على فعله ولم يجعل له استطاعة توصله
أنهم قالوا إن الله
(1) سورة يس آية رقم 64.
(2) سورة آل عمران آية رقم 182 وتكملة الآية وان الله ليس بظلام للعبيد).
188 (2/188)
صفحة 646
في
معي
فقط
الحجة
الى كفره ان شاء كفرا أو طاعة والاستطاعة عرض يخلقه الله في الحيوان يفعل به الافعال الاختيارية، وهي عندنا وعند الاشعرية مقارنة للفعل، وعند المعتزلة موجودة قبل الفعل، والخلاف فيها مبني على الخلاف في خلق الافعال ولا حجة عليهم في قوله تعالى «إنك لن تستطيع صبرا) ولا في قوله تعالى (انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (2) إذ لا دليل فيهما على نفيها قبل الفعل فقط بل نفيها محتمل للاطلاق وإنما الحجة عليهم هي أن الافعال خلق الله تعالى، لأن استطاعة العبد أي قدرته لا تصلح لايجاد شيء لم يوجد وانما تصلح لاكتساب موجود حادثة، وهي فلا يخلو اما أن تكون حادثة قبل الفعل أو بعد الفعل أو حال الفعل، والقول بأنها محدثة بعد الفعل مخالف للضرورة فينتقل الكلام الى وجودها قبل الفعل فنقول: إن وجودها قبل الفعل لا يخلو إما أن يكون حال وجود العبد وهذا باطل لانا نشاهد بالضرورة أن المولود لا يستطيع على شيء وإما أن يكون حدوثها حال صلاحيته للفعل قبل تمكنه منه وانفعاله له هذا أيضا باطل، لانا نشاهد من كان في قوة من يستطيع فعل شيء يحاول فعل ذلك الشيء ولا ينفعل له فلو كانت له قدرة على فعله لفعله ومتى ما بطل هذان الاحتمالان ثبت قولنا وهو مقارنتها للفعل.
(لا يقال إن عدم انفعال الفعل للقادر على مثله إنما هو لوجود مانع من نفوذ قدرته اليه لا لعدم وجودها اصلا الانا نقول إن ذلك المانع الذي دلنا على عدم وجودها إذ لو كانت ثمة قدرة ما منعها شيء وبالجملة فالمسألة ليست من باب الدين وان تفرعت عن
هو
(1) سورة الكهف آية رقم 67، 72.
(2) سورة الاسراء آية رقم 48.
189 (2/189)
صفحة 647
مسألة خلق الافعال لاحتمال ان تفارقها فيصح لقائل أن يقول بها من غير أن يقول بخلق الأفعال.
(قوله لكفر شاءه) أي العبد قوله) أو (طاعة المراد بها هنا ما يقابل الكفر فتشمل الواجب والمندوب والمباح والمكروه كراهة تنزيه (قوله لانه) أي لان الشأن المحذور من صحة هذا المذهب هو لو صح هذا المذهب يلزم عليه ابطال الامر والنهي والوعد والوعيد وارسال الرسل، لانها تكون حينئذ عبثا لا فائدة فيها كما تقدم ولجاز تكليف الجمادات إذ لا فرق حينئذ بينها وبين العقلاء لان الاختيار مرفوع عن الكل.
(قوله لو كان أي لو صح قوله (هذا أي مذهب الجبر (قوله بطل أمر ونهي أي بطل الكلام الذي فيه الأمر والنهي إذ لا فائدة فيه (قوله مع وعد جعلا وبطل الوعيد أي ولزم بطلان الكلام الذي فيه الوعد والوعيد والمراد بالبطلان ها هنا مخالفة الحكمة.
(قوله مع بعث الرسل أي إذ لا فائدة في ذلك وكذلك انزال الكتب (قوله وجاز تكليف الجماد (كالنبل أي لو ثبت مذهب الجبر لجوز العقل تكليف الجمادات لانها كالنبل أي العقلاء إذ لا اختيار لكل واحد منهما فمتى ما صح تكليف العقلاء مع عدم الاستطاعة لاتيان ما أمروا به جاز تكليف الجمادات إذ لا فارق حينئذ، والعقل يشهد أن تكليف الجمادات عبث يتعالى الحكيم
?
عنه.
يسمع
فان قيل إن العبثية انما هي من خطاب ما لا ولا يعقل من تكليفه (قلنا): وجود السماع والعقل كعدمهما على مذهبكم لان السمع والعقل إذا لم ينفعا فوجودهما كعدمهما، على أنه يحتمل أن يكون تكليف الجمادات من غير خطاب بوجه شاء الله تكليفها منه فما بالكم تمنعونه .. ؟
190 (2/190)
صفحة 648
العقل
فان (قيل لا نمنع جوازه وإنما نمنع وقوعه فلو وقع لصح في الله للجماد حالة يكون فيها من المكلفين (قلنا) هذا
أن
يجعل
من باب قلب الحقائق والله على كل شيء قدير، وكلامنا في الجماد الذي نشاهده نحن على حالته التي نشاهده عليها فإن جوزوا تكليف هذا المذكور خرجوا عن حيز العقلاء فلا يخاطبون (قوله وخلقه أفعالنا وعلمه بهن ألخ) أي خلق الله تعالى لافعالنا وعلمه بهن لا يستلزمان الجبر على اتيانهن لان خلقه لهن وعلمه بهن لا ينافيان الاكتساب والاختيار الصادرين منا، فانه وإن خلقها لنا فلا يكون مجبرا لنا على فعلها،
لانها كانت باختيارنا وكسبنا وكذلك علمه بهن فانه عالم بجميع كان وما يكون، وكما أن علمه تعالى بأفعالنا لا يستلزم الجبر بهن كذلك لا يستلزم خلقه لهن فلا حجة على المعتزلة على خلقهن بعلمه
تعالى بهن خلافا لمن توهم ذلك.
(قوله لا
يوجب جبرا (حكمه أي لا يستلزم ذلك أي ثبوت خلقه لافعالنا وعلمه بهن لا يثبت جبرا على اتيانهن (قوله كذاك كونها له مرادا) أي وكذلك لا يوجب جبرا ارادة الله تعالى لافعالنا لانه قد بين فعلها وتركها وهو مريد لاحد الطرفين، ونحن نقطع انه لا يكون الا ما يريد لكن لا على جهة الجبر وإنما قلنا انه لا يكون الا ما يريد لئلا يلزم أن يكون مغلوبا.
خيرنا
(قوله لانه قد خير العبادا) أي خيرهم بين أن يفعلوا فيثيبهم أو يتركوا فيعاقبهم ونحو ذلك وذلك التخيير مناف للجبر فلو كنا مجبورين على ذلك ما كان في تخييره ايانا حكمة.
191 (2/191)
صفحة 649
إثبات خلق الأفعال الله تعالى
(لو لم يكن يعلمه لجهله
لو لم يكن خالقه من
(لو لم يرد وقوعه ووقعا
جعله)
لكان مكرها على ما صنعا)
لكن لذا التخيير واكتسابنا
قد انتفى الاجبار عن رقابنا)
(قوله لو لم يكن يعلمه (لجهله أي لو لم يكن إلهنا يعلم المذكور أن يكون جاهلا، به ومن كان جاهلا فلا يكون إلها،
للزم
أفعالنا من وهذا وما بعده استدلال على ثبوت العلم لله بافعالنا وعلى خلقه وارادته لهن وبيان أن هذه الصفات لا تستلزم الجبر للعبد على الفعل. (قوله لو لم يكن خالقه أي المذكور من أفعالنا (قوله من جعله) من خلقه .. ؟ أي اذا لم يكن الله خالقا لفعلنا فمن ذا الذي خلقه يا قد ترى هل من خالق غير الله .. ؟ أيكون غيره مشاركا له في خلقه أم يخلق الغير شيئا غير ما خلق الله .. ؟ وقد عرفت من الادلة المتقدمة
أي
أنه لا خالق غيره وهذا الانكار في غاية الحسن والاختصار. (قوله لو لم يرد وقوعه ووقعا أي لو لم يرد ربنا عز وجل وقوع أفعالنا ووقع ذلك الفعل الذي لم يرد وقوعه للزم أن
المذكور من يكون مكرها على وقوع ذلك الفعل مغلوبا حيث وقع خلاف ما يريد، قال بعض المعتزلة لم يلزمني أحد مثل ما ألزمني مجوسي ركب معنا في سفينة فقلت له: لم لم تسلم .. ؟ فقال: لم يرد الله اسلامي فقلت:
192 (2/192)
صفحة 650
بل أراد الله اسلامك ولكن شياطينك لا يدعونك فقال: اذا أكون مع الشريك الاغلب يعني اذا كان الشيطان لم يرد اسلامه والله عز وجل أراده فلم يسلم لزم نفاذ ارادة الشيطان، ومن نفذت ارادته فهو الغالب على من لم تنفذ ارادته ويلزم أن يكون الشيطان شريكا الله تعالى حيث كان له نفوذ ارادة في كثير من الاشياء بل في غالبها، فانه يريد الكفر وهو أكثر وقوعا من الايمان و من هذا الباب قصة أبي مع واصل وقد تقدم ذكرها.
عبيدة
(واعلم) ان المعتزلة قصروا الارادة على الامر، وقالوا: لا أن يصح ينهي عن شيء وهو يريد وقوعه أو يأمر بشيء وهو يريد وقوعه، الحكمة ذلك فلو فعله عاقل عد عابثا ونحن نقول: إن الأمر بل يجوز أن يأمر بشيء وهو يريد وقوعه،
إذ ليس من
سي
تلازم
الارادة وينهى عن شيء وهو يريد وقوعه، وليس ذلك عبثا بل فيه حكمة ابتلاء العباد واختبارهم «ليبلوكم أيكم أحسن عملا، وابتلاؤهم و اختبارهم لا لجهل بما يصنعون بل لاظهاره للخلق ما علم انه صادر منهم والزام الحجة لهم لئلا يكون للناس على الله حجة فلو شاء ان يعذبهم بغير ذلك لكان منه عدلا لانه هو المالك لهم من غير معارض، والمالك الذي لا معارض له متصرف في مملوكه كيف شاء والظلم يصدر من المالك المعارض في ملكه، (أما قولهم) ليس من ان يأمر بشيء وهو يريد خلافه، (فجوابه) أن ذلك من الحكمة إذا كان آخر الا تري أن السيد إذا كان له عبد يعصيه في أمره وهو يعلم ذلك منه ويريد أن يظهر عصيانه مع غيره فاذا حضر مع جماعة قال له: افعل كذا وكذا وهو لا يريد فعل ذلك الشيء وإنما أراد اطلاع الحاضرين على عصيانه هل يعد هذا السيد عابثا في أمره .. ؟
المعنى
(1) سورة هود آية رقم 7 وسورة الملك آية رقم 2.
الحكمة
193 (2/193)
صفحة 651
(قوله لكان مكرها أي مقهورا مغلوبا من أكرهته على الشيء اذا حملته عليه قهرا (قوله على ما صنعا بضم المهملة مبنيا للمجهول أي لو لم يرد وقوع ذلك الشيء وصنعه صانع لزم أن يكون الله مقهورا على صنع ذلك الصانع حين كان وهو لم يرده (لا يقال إن القهر لا يكون الا اذا كان من لم يرد الفعل هو المحمول على فعله، اما اذا كان فاعله غيره فلا يكون مقهورا عليه لانا نقول) إن هذا الاعتراض لو سلم فانما يتصور في حق من لم يملك كل الاشياء، أما في حق المالك للاشياء كلها فعدم نفوذ إرادته في جميع ممالکه قهر له أنه اذا فعل الفعل أحد غير الذي لم يرده ليس
عليه،
مع
انا لا
نسلم
يتصور من
وغلبة
أحد
بقهر في بعض المواضع بل هو قهر مطلقا، فانه لا أن يتأخر عن نفوذ ما يريد الا لمعنى يحاذره أو غرض يرجوه ومن كان كذلك فهو مقهور على خلاف ما يريد عاجز عن نفوذ إرادته.
(قوله لكن لذا التخيير واكتسابنا الخ هذا استدراك على ما أمر لانه قد يتوهم منه أنه اذا كان الله مريدا لكفر الكافر وارادته نافذة وهو خالق لفعله أن يكون العبد مجبورا على فعله، فدفع ذلك التوهم بهذا الاستدراك. و حاصله) أنه تعالى خيرنا في فعل الخير والشر وبين لنا عاقبة الأمرين فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا للظالمين) الآية وجعل لنا قدرة على اكتساب أيهما شئنا لا على خلقه، فإنه هو الذي يخلقه فينا حال اكتسابنا له، وبهذا التخيير وهذا الاكتساب ارتفع الاتصاف بالجبر فلا نقول إنه مجبر لنا على فعلنا وفوق ما ذكرنا انا قد أمرنا بالكف عنه وترك الخوض فيه (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)
(1) سورة الكهف آية رقم 29. (2) سورة الأنبياء آية رقم 23.
194 (2/194)
صفحة 652
هذا
أنه على انا نعلم هو الخالق لفعلنا والخالق لقدرتنا التي نكتسب بها والخالق لاختيارنا الذي اخترنا به سلوك احدى الطريقين، ومع كله فلا نقول إنه جبرنا على فعلنا وإنما نقول إنه نشأ باختيار منا واكتساب لنا فان رحمنا فبفضله وان عذبنا فبعدله.
(قوله قد انتفى الاجبار عن رقابنا أي لذلك التخيير والاكتساب
الجسد
قد ارتفع الجبر عنا، فالاجبار بكسر الهمزة مصدر أجبره بمعنى جبره وعبر بالرقاب وهي الأعناق عن النفس كلها مع محلها الذي هو تعبيرا بالبعض عن الكل، وفيه نوع لطافة وتنبيه على أن صورة الجبر عند الناس هو جعل حبل أو نحوه في رقبة المجبور فيجر قهرا الى خلاف ما يريد وفي التعبير بالانتفاء حسن اختتام للباب والله الهادي الى طريق الصواب.
195 (2/195)
صفحة 653
الباب السادس
في الايمان والاسلام وبه يتم الكلام على الركن الثاني
إن شاء الله
(إيماننا التصديق والاسلام
إذعاننا لما دعا الاحكام)
ولهما في الشرع معنى ملتزم
تصديق قول عملا إذا لزم)
(ومن يكن مضيعا لواحد
منها استحق هلكة المعاند)
(قوله ايماننا التصديق) الخ اعلم أن للايمان والاسلام استعمالين أحدهما لغوي والاخر شرعي، وكل منهما حقيقة في موضعه، أما الايمان والاسلام الشرعيان فسيأتي بيانهما وأما الايمان اللغوي: فهو التصديق بالقلب قال تعالى «قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) أي لم تصدقوا واضاف الناظم الايمان الى ضمير المتكلم العرب أي ايماننا معشر العرب مع قطع النظر عن استعمال
لانه
من
الشرع هو التصديق بالقلب. (وأما) الاسلام اللغوي فهو الانقياد والاذعان وترك العناد. ولذا قال:
(1) سورة الحجرات آية رقم 14.
196 (2/196)
صفحة 654
ولكن قولوا أسلمنا) (قوله) والاسلام اذعاننا أي واسلامنا اللغوي هو اذعاننا أي انقيادنا وترك تمردنا على من طلب منا الانقياد والاذعان (قوله لما دعا الاحكام أي لما دعتنا احكام من طلب منا ذلك والاحكام: جمع حكم وهو هنا ثبوت نسبة أو نفيها كانت على حق أو باطل، لان العرب كانت تسمي الانقياد مطلقا اسلاما (قوله ولهما في الشرع معني ملتزم الخ) اعلم ان للايمان والاسلام في الشرع استعمالا غير الاستعمال اللغوي وذلك أن الشرع نقلهما عن معناهما اللغوي فاستعملهما مترادفين في مطلق الواجب كان ذلك الواجب تصديقا باللسان فقط، أو تصديقا بالجنان مع قول باللسان، أو كان معهما عمل لازم اتيانه وجب عليه كان مؤمنا مسلما عندنا، ومن أخل
التي
جميع
آخر
فمن أدى بشيء من الواجبات لا يسمى مؤمنا مسلما عندنا، بل يخص باسم المنافق والفاسق والعاصي والكافر ونحو ذلك على ما سيأتي في الركن الثالث ونعني بمنع تسميته مسلما مؤمنا أو مسلما فقط التسمية ينبني عليها حكم المؤمنين من الولاية، واتباعها، اما اطلاق التسمية من غير ترتب حكمها عليها فجائز لانا نقول في حق المخل بالفرائض العمليات هذا مسلم ولا نريد به انه ولي لكن اطلقنا عليه اسم مسلم. إما باعتبار المعنى اللغوي وهو الانقياد، فانه وان كان غير منقاد في الكل فهو منقاد في البعض وإما أن يكون استعمالا عرفيا عاما حيث أطلقناه في مقابلة المشرك.
(واعلم) أن المعتزلة وافقونا على ترادف الايمان والاسلام الشرعيين وأن الشرع نقلهما الى الاتيان بالواجبات، ولنا على صحة قولنا قوله تعالى (وما أمروا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) فسمى إتيان المأمور به دينا
(1) سورة الحجرات آية رقم 14 وصدر الآية، قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم.
(2) سورة البينة آية رقم د.
197 (2/197)
صفحة 655
والدين هو الاسلام لقوله تعالى (إن الدين عند الله الاسلام) وما ليس باسلام فليس بدين فعلم أن الإيمان اسلام وقوله تعالى «فأخرجنا وجدنا فيها غير بيت من المسلمين (2) كان فيها من المؤمنين فما من واعترض على الاستدلال الأول بأن الاشارة في الآية عائدة الى الاخلاص اي وذلك الاخلاص هو الدين القيمة وعلى الاستدلال الثاني بأن الآية دالة على انه لا دين سوى الاسلام فتبطل سائر الاديان والايمان بعض الاسلام وليس هو بدين آخر وعلى الثالث بأن الآية دالة على صدق اطلاق المؤمن على المسلم والمسلم على المؤمن على ترادف المسلم والمؤمن، فضلا أن تدل على ترادف الايمان والاسلام. من
لا
أن
(أقول): وهذه الاعتراضات قوية فالأولى الاستدلال بقوله الله يزني الزاني وهو مؤمن (3) (لا ايمان لمن لا أمانة له» ونحوهما من الأحاديث فانها لا اعتراض عليها وما قيل إنها مبالغة على معنى هذه الافعال ليست من شأن المؤمن فدعوى لم يقم عليها دليل مع ما فيه من ارتكاب صرف الأحاديث عن ظاهرها والعدول بها عن
الى معنى
مقتضاها، حملهم على ذلك الفرار عن نقل الايمان من معناه اللغوي آخر، وقد وقعوا فيما فروا عنه من النقل فإنهم جعلوا الايمان في الشرع التصديق بأمور تعرف من الدين بالضرورة اجمالا في موضع الاجمال، وتفصيلا في موضع التفصيل، ولا يخفى أن اطلاق الايمان
(1) سورة آل عمران آية رقم 19 وتكملة الآية (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب الا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ومن يكفر بآيات الله فان الله سريع الحساب). (2) سورة الذاريات آية رقم 36. (3) الحديث رواه ابن ماجة 3 باب النهي عن النهبة 3936 أنبأنا الليث بن سعد عن عقيل عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام عن أبي هريرة ـ عنه ان رسول الله - قال وذكره، وفيه زيادة ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرقه وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة يرفع الناس حين ينتهبها وهو مؤمن ..
الله
اليه
رضي
أبصارهم
198 (2/198)
صفحة 656
على هذا التصديق المخصوص غير اطلاقه على أصله اللغوي، فإنه في اللغة مطلق التصديق (واستدلوا) على ثبوت قولهم هذا بأشياء منها الآيات الدالة على محلية القلب للايمان، نحو «أولئك كتب في قلوبهم الايمان) «ولما يدخل الايمان في قلوبكم) وقلبه مطمئن بالايمان (3) والايات الدالة على الختم والطبع على القلوب وقالوا: ويؤيده دعاء النبي عل الله (اللهم ثبت قلبي على دينك) وقوله لأسامة وقد قتل من قال لا اله الا الله «هلا شققت قلبه) (ومنها) أنه جاء الايمان مقرونا بالعمل الصالح في غير موضع من الذين آمنوا وعملوا الصالحات (1) فدل على التغاير.
الكتاب نحو
(ومنها) أنه قرن بضد العمل الصالح نحو «وإن طائفتان من)
(1) سورة المجادلة آية رقم 22.
(2) سورة الحجرات آية رقم 14.
(3) سورة النحل آية رقم 106.
(4) الحديث رواه ابن ماجة في المقدمة 13 باب فيما أنكرت الجهمية 199 بسنده عن النواس
(°)
ابن سمعان الكلابي قال: سمعت رسول الله من أصابع الرحمن إن شاء أقامه وان شاء ازاغه ..
وكان رسول الله
الزوائد: اسناده صحيح.
-
يقول: هما من قلب الا بين اصبعين
يقول: و يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك ..
ورواه الترمذي في القدر 7 والامام احمد بن حنبل في المسند 2: 7، 8 (حلبي). هذا جزء من حديث طويل رواه ابن ماجة في كتاب الفتن 1 باب الكف عمن قال: لا إله الا الله 3930 عن السميط بن السمير عن عمران بن الحصين وذكره. في الزوائد: هذا اسناد صحيح والسميط وثقه العجلي، وروى له مسلم في صحيحه وعاصم في صحيحه، وذكره ابن حبان في الثقات، وسويد بن
هو الأحول. ويروي سعيد مختلف فيه.
له مسلم أيضاً
ورواه الامام مسلم في ايمان 158 وأبو داود في الجهاد 95 واحمد بن حنبل في المسند
: 439، 5: 207 (حلبي).
(6) سورة البقرة آية رقم 25. (7) سورة الحجرات آية رقم 9.
199 (2/199)
صفحة 657
المؤمنين اقتتلوا، ونحو مفهوم قوله «الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم»).
(والجواب) عن جميعها أن الايمان في هذه المواضع كلها بمعنى التصديق وهو المعنى اللغوي بمعنى الايمان الشرعي والشارع تارة يعبر بهذا وتارة بهذا فقد قال في الصلاة الشرعية «وأقيموا الصلاة) ونحوها في الصلاة اللغوية (صلوا عليه وسلموا تسليما (3)
ونحوها.
يکن
بهم
(وذهبت) الكرامية الى أن الايمان هو التلفظ بالشهادتين وإن لم معه تصديق ولا عمل واستدلوا بأن النبي علل والصحابة والتابعين كانوا يكتفون ممن جاء مسلما بالتلفظ بالشهادتين من غير أن ينتظروا الأعمال ومن المعلوم أنهم لم يطلعوا على ما في قلوبهم من التصديق. بأنهم يكتفون بذلك في الأحكام الظاهرية لانهم قد تعبدوا بذلك، والكلام فيما بين العبد وبين ربه، والاجماع على أن من أسر الشرك مشرك عند الله وان أظهر الاسلام وأما عدم انتظارهم للاعمال فلانه لم يرد بها تعبد بعد ولكل نازلة حكم.
ورد
(وذهب) قوم الى أن الايمان هو المعرفة ولو لم يكن معها تصديق ولا عمل، وهذا باطل لاستلزامه أن يكون من عرف محمدا عال من اليهود ونحوهم مؤمنا فقد قال فيهم «يعرفونه كما يعرفون
أبناءهم.
!
(1) سورة الأنعام آية رقم 82. (2) سورة البقرة آية رقم 43، 110. (3) سورة الأحزاب آية رقم 56. سورة البقرة آية رقم 146.
(4)
200 (2/200)
صفحة 658
(وذهب) آخرون وهم سلف الأشعرية وأهل الحديث الى أن الايمان تصديق بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالاركان.
(أقول): وهذا هو عين مذهب الأصحاب لكنهم لم يعمموا هذا التعميم بل فصلوا وجعلوا من الايمان التصديق بالجنان، والقول باللسان، اذا لزم القول، والعمل بالاركان اذا لزم العمل، وربما وقع في آثارهم مجملا هكذا ففصله أهل التحقيق منهم كالامام ابي سعيد رضوان الله
تعالى عليه في معتبره وقطب الائمة في هيميانه.
جميع
(وذهب) آخرون الى أن الطاعات ايمان أعني فرضها ونفلها مستدلين بقوله ع الايمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا اله الا الله وأدناها اماطة الأذى عن الطريق (1) بأن ورد في الحديث اطلاق الايمان على مطلق الطاعة تجوزا لا حقيقة لثبوته حقيقة في فعل الواجبات.
(قوله تصديق قول) مفعول لقوله ملتزم يعني أن معني الايمان والاسلام في الشرع ملتزم لتصديق القول وملتزم للعمل.
(واعلم أن المراد بالقول هو التلفظ بالشهادتين وتصديقه شامل لتصديقه الباطني، وهو التصديق بالجنان ولتصديقه الظاهري وهو فعل العمليات الواجبة لكن ذكر العمل دفعا لتوهم مذهب الأشعرية القائلين إن الاعمال ليست من الايمان.
(1) الحديث رواه ابن ماجة المقدمة 9 باب في الايمان 57 حدثنا علي بن محمد الطنافسي ثنا وكيع ثنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن عبدالله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة
رضي
الله
عنه قال قال رسول الله - وذكره.
وفيه زيادة والحياء شعبة من الايمان).
ورواه أبو داود في السنة 14 والنسائي في الايمان 16.
201 (2/201)
صفحة 659
(واعلم) أن فائدة التعبد بالقول انما هي اظهار ما في الجنان من التصديق وفائدة التعبد بالقول تصديق القول الذي قال به (لا يقال) ان ظاهر كلام المصنف قصر الايمان على التصديق والعمل دون القول باللسان (لانا) (نقول إن القول مستلزم له قوله تصديق قول إذ لا تصديق لمعدوم مع انه لو اقتصر على التصديق والعمل ولم يذكر القول تصريحا ولا التزاما لقلنا إن القول داخل تحت العمل لان العمل حركة البدن
واللسان جزؤه.
الطاعات ايمان
(قوله عملا اذا لزم اي اذا وجب معطوف على قوله تصديق قول بحذف العاطف وانما قيد بقوله اذا لم ليعلم أن العمل يكون من الايمان الا اذا كان لازما فيخرج القول بأن جميع وفيه تنبيه على أنه يأتي على المكلف حال وليس عليه من الاعمال البدنية مفترض كما اذا لم تبلغه الحجة بشيء من السمعيات أو كان ولم يأت عليه وقت يجب فيه عليه عمل (قوله ومن يكن مضيعا لواحد منها) أي التصديق والقول والعمل أي من ضيع واحدا من هذه المهنة بعد لزومه فهو هالك استوجب بتضييعه ما افترض الله عليه هلاك المعاند لانه حينئذ يكون كافرا إما كفر شرك أو كفر نعمة كما سيأتي فهو إما شاكرا وإما كفورا، ولا منزلة بين الايمان والكفر معنا.
(وذهبت) المعتزلة الى جعل منزلة الفسق بين منزلتي الايمان والكفر قالوا: لا يسمى الفاسق مؤمنا ولا كافرا فهو بين بين، لان له في الدنيا احكام المؤمنين وفي الآخرة أحكام الكافرين، والخلاف بيننا لفظي لانهم خصوا اسم الكفر بالمشرك ومنعوا اطلاقه على الفاسق، ونحن نطلقه عليه لكنا نقيده بكفر النعمة، ولا نجري عليه احكام المشركين بل نقول فيه إن أحكامه في الدنيا أحكام المؤمنين الا في الولاية وقبول الشهادة ونحوهما من الاحكام المختصة بالعدول وليست التسمية بنفسها موجبة خلافا معنويا بين الفرق، وانما الموجب لذلك الخلاف بناء
202 (2/202)
صفحة 660
الاحكام على الاسماء كما ذهبت الازارقة والصفرية) والنجدية) الى تسمية صاحب الكبيرة كافرا وأجروا حكم المشركين عليه وزادت الازارقة على الطائفتين بتسمية صاحب الصغيرة كافرا واجراء حكم المشركين عليه.
(قوله استحق) أي استوجب بذلك التضييع وفيه اشارة الى أن العبد إنما يعذب باستحقاقه العذاب» لا ظلم اليوم» (قوله هلكة) وزن قصبة بمعنى الهلاك كذا في المصباح قوله (المعاند) أي التارك للانقياد وهو اسم شامل لأهل الكبائر لا خاص بالمشركين الجاحدين كما قد يتوهم وإنما قلنا بعمومه لان صاحب الكبيرة معاند معنى وإن لم يعاند لفظا.
(1) الأزارقة: أتباع نافع بن الأزرق الحنفي المكنى بأبي راشد ولم تكن للخوارج قط فرقة أكثر عدداً ولا أشد منهم شوكة. وزعم نافع وأتباعه أن دار مخالفيهم دار كفر ويجوز فيها قتل الأطفال والنساء وأنكرت الأزارقة الرجم واستحلوا كفر الأمانة التي أمر الله تعالى بأدائها وقالوا: ان مخالفينا مشركون فلا يلزمنا اداء امانتنا اليهم ولم يقيموا الحد على قاذف الرجل المحصن، وأقاموه على قاذف المحصنات من النساء وقطعوا يد السارق في القليل والكثير، ولم يعتبروا في السرقة نصاباً.
بن
(2) الصفرية هم أتباع زياد. الأصفر وقولهم في الجملة كقول الأزارقة في أن أصحاب الذنوب مشركون غير أن الصفرية لا يرون قتل أطفال مخالفيهم ونسائهم وافترقت الصفرية ثلاث فرق: 1 - فرقة تزعم ان صاحب كل ذنب مشرك كما قالت الأزارقة.
والثانية تزعم ان اسم الكفر واقع على صاحب ذنب ليس فيه حد.
والثالثة تزعم ان اسم الكفر يقع على صاحب الذنب اذا حده الوالي على ذنبه.
(3) النجدات أتباع نجدة بن عامر الحنفي، وكان السبب في رياسته وزعامته أن نافع بن الأزرق لما أظهر البراءة من القعدة عنه بعد أن كانوا على رأيه وسماهم مشركين واستحل قتل أطفال مخالفيه ونسائهم وفارقه أبو فديك وعطية الحنفي وراشد الطويل ومقلاص وغيرهم وذهبوا الى اليمامة فاستقبلهم نجدة بن عامر في جند من الخوارج يريدون اللحاق بعسكر نافع فأخبروهم بأحداث نافع وردوهم الى اليمامة وبايعوا بها نجدة بن عامر واكفروا من قال باكفار القعدة
منهم عن الهجرة اليهم. انظر في شأن هذه الفرقة مقالات الاسلامين 1: 162 وما بعدها والتبصير 30 والملل
والنحل للشهرستاني 1: 122 وخطط المقريزي 2: 254.
203 (2/203)
صفحة 661
(في وجهه الشرعي ليس ينقص
لكن يزيد هكذا قد خصصوا)
الانه إن هدم البعض انهدم
جميعه وذا هو القول الأتم)
(قوله في وجهه الشرعي ليس ينقص الخ أي الايمان بالمعنى الشرعي الذي هو أداء الواجبات مطلقا ليس ينقص نظرا الى ايمان كل مؤمن، فإنه في ذاته غير متفاوت وان تفاوت بالنسبة الى ايمان غيره (بيانه) ان ايمان زيد مثلا التصديق والقول لوجوبهما عليه بقيام الحجة عليه فيهما ولم تقم عليه حجة العمل فانه يجب عليه أن يأتي بما قامت عليه به الحجة، ولا يجوز له أن يترك القول مثلا اعتمادا على التصديق ولا ينقص عنه بمعنى انه لا ينحط عنه فرض القول فإن قامت عليه حجة شيء من العمليات وجب عليه الاتيان وزاد عليه
الله
(1) ذهب اصحابنا رحمهم الى ان الايمان يزيد ولا ينقص وهذا المذهب اذا تؤمل له اصالته في العقيدة سواء حملنا الايمان على حقيقته اللغوية أو حقيقته الشرعية فان حمل على حقيقته اللغوية وهو التصديق الذي هو قاعدة الايمان تجلت صحة هذا المذهب من حيث ان اول واجب يخاطب به الانسان الاتيان بالجملة التي كان يدعو اليها رسول الله علال
من ثلاث كليات تنطوي تحتها جزئيات الايمان الاعتقادي ولا يلزمه ان يعتقد شيئاً
وهي
تتألف
من تفاصيلها
وتصبح
التي لم تقم بها الحجة عليه فاذا قامت عليه بشيء من هذه الجزئيات وجب اعتقاده بذلك دائرة الايمان أوسع من ذي قبل فان معرفة الشيء اجمالاً تختلف عن معرفته تفصيلاً
ولا يمكن ان الانسان يرجع من العلم الى الجهل وعليه فان انكار شيء ما قامت به الحجة في تفسيرها اما ان يؤدي الى الشرك واما الى كفر النعمة وكل منهما مناف للايمان وان حمل على معناه الشرعي الذي يشمل الاعتقاد والقول والعمل تجلت صحة هذا المذهب من حيث ان أول ما يتعبد به الانسان الاعتقاد واذا اعتقد ما لزمه اعتقاده ولم يحضره فرض قولي او عملي كان مؤمناً كامل الايمان واذا وجب عليه شيء من الأقوال او الأفعال وأداه كما وجب عليه ازداد ايمانه واذا أخل به بهذا الواجب انهدم ايمانه كله والله أعلم. سماحة المفتي.
204 (2/204)
صفحة 662
ايمانه حيث زاد عليه واجب عملي فان زاد عملي آخر زاد الايمان أيضا وهكذا ولا ينقص الايمان بالنسبة الى الشخص الواحد، فانه وان انحط عنه فرضه يصير معه في حكم النفل، وهكذا ونقصان الايمان الذي نفاه أصحابنا هو الاخلال بشيء من الواجبات لا رفع بعض المفترضات ولا يعتبرون نفس الايمان من حيث هو هو أي مع قطع النظر عن محله الذي هو المكلف وعن عوارضه التي هي زيادة الفرائض ورفعها فانه لا شك أن الايمان بهذا الاعتبار متفاوت فإن ايمان زيد مثلا ناقص بالنسبة الى ايمان عمرو اذا كان زيد كلف بفرائض دون فرائض عمرو، وهكذا ايمان عمرو زائد بالنسبة الى ايمان زيد. (واختلفت) الاشعرية في زيادة الايمان ونقصانه مع اتفاقهم على أن الايمان هو التصديق بأمور تعلم من الدين بالضرورة كما قدمنا. فذهب) الفخر الرازي) وكثير من المتكلمين الى أن الايمان لا يزيد ولا ينقص لان نقصانه هو أن تحتمل النقيض ولا شك أن احتمال النقيض في الايمان شك ومن كان شاكا في تصديقه فليس بمؤمن وورد بأن نقصان الايمان ليس هو باحتمال نقيضه والشك فيه، وانما هو باعتبار ضعفه وقوته والالزم أن يكون ايمان النبي عليه الصلاة والسلام كايمان واحد من العوام، وهذا باطل وللزم أيضا أن يكون ثواب المؤمن بالامور الدينية اجمالا كثواب المؤمن بها تفصيلا بعد قيام الحجة بذلك وهذا باطل ايضا.
(قوله لكن يزيد) أي الايمان الشرعي لا ينقص لكن يزيد لانه عندنا هو نفس فعل الواجبات، فهي تزيد على المكلف ولا تنقص بمعنى أنها اذا وجبت لا
أنه تنقيص شيء منها لا يصح بمعنى إذا
وجبت
(1) سبقت الترجمة له في الجزء الأول في كلمة وافية.
205 (2/205)
صفحة 663
على العبد لا يرفع فإن سمى رفع بعض الواجبات عن بعض المكلفين نقصانا في الايمان فلا ضير فإنه خلاف لفظي وقد صرح حديث ذم النساء بذلك في قوله عليه الصلاة والسلام ناقصات عقل ودين) نقصان الدين بترك الصلاة شطر دهرها بسبب الحيض (قوله هكذا و بين قد خصصوا) أي أصحابنا رحمهم الله تعالى (قوله لانه ان هدم البعض انهدم جميعه) هذا تعليل لتخصيص أصحابنا بأن الايمان يزيد ولا ينقص، وصورة التعليل ان هدم بعض الإيمان الذي هو مطلق الواجبات هدم لجميعه لانه يخرج من الايمان الى الكفر إما شركا وإما نفاقا فهما منزلتان وهذا معنى هدم جميعه لانه يخرج من الايمان الى الشرك، كما ذهبت اليه الازارقة قوله وذا هو القول (الاتم) الاشارة الى تخصيص الاصحاب بزيادة الايمان دون نقصانه قائلا إن هذا القول الأتم هو أو الى التعليل أي هذا التعليل هو القول التام لكن الأول اظهر وفي ذكر معنى التمام هنا حسن اختتام للباب والركن معا والحمد الله
العالمين.
رب
عبدالله
(1) الحديث رواه ابن ماجة في كتاب الفتن 19 باب فتنة النساء 4003 عن ابن الهاد عن انه قال: يا معشر النساء تصدقن وأكثرن
بن عمر عن رسول الله
ابن دينار عن عبدالله من الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار.
-
فقالت امرأة منهن جزلة: يا رسول الله اكثر أهل النار؟ قال تكثرن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن قالت يا رسول الله وما نقصان العقل والدين؟ قال: اما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا من نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي وتفطر في رمضان فهذا من نقصان الدين .. ورواه الامام مسلم في الايمان 132 وأبو داود في السنة 15 وأحمد ابن حنبل في المسند 2: 67 (حلبي)
206 (2/206)
صفحة 664
الركن الثالث
في الولاية والبراءة وما يشتملان عليه وما يتولدان منه
أي يتسببان منه كالوفاء بالطاعة سبب للولاية، وارتكاب الكبيرة سبب للبراءة، والمراد بقوله وما يشتملان عليه كأقسامهما واحكامهما واحكام الولي والعدو، والوقوف عمن لم يعلم منه خير ولا شر فانهما مشتملتان عليه، وبيان اشتمالهما على الوقوف أن الولي من علم منه الوفاء، والعدو من علم منه الاخلال بشيء من الواجبات الدينية، فالاول محل للولاية والثاني محل للبراءة، فبقي الكلام هل هما نقيضان لا يرتفع احدهما بوجود الآخر أو ضدان يرتفعان ولا يجتمعان؟ فذكر الوقوف في
الا
ركنهما اشعار بانهما ضدان يرتفعان عن شخص لا تعلم حاله فيجب فيه الوقوف، ولا يجتمعان في شخص واحد في حال واحد، وانما قلنا في حال واحد لان الشخص قد يكون وليا في حال عدوا في حال آخر، فعلم من هنا أن محل الولاية والبراءة أحوال المكلف، فهي هذا موضوع العلم أي فأحوال المكلف هي موضوع علم الولاية والبراءة وحده هو العلم بأحوال المكلف التي يعلق بها خطاب الشارع، فخرج بأحوال المكلف أحوال غيره كالبهائم ونحوها، ولا يخرج بالقيد بالمكلف مأمورون منهيون فهم مكلفون بمعنى انهم ملزمون للاوامر
الملائكة فانهم
207 (2/207)
صفحة 665
بالتبع
لا بائهم
جميع
والنواهي، وهو معنى التكليف فانه وان فسر بالزام الله العبد ما على النفس فيه مشقة فلا يستلزم وجود تلك المشقة في كل مكلف بل يكفي اعتبارها في جملة المكلفين ولا الصبيان فان ولايتهم تبعية أي فأحوال آبائهم هي المعتبرة، ولا شك أن آباءهم مكلفون هذا على القول المشهور، أما على القول بأن الاطفال في الولاية بالنظر الى حالهم حيث انهم لم ينقضوا الميثاق الذي أخذه الله عليهم، ولا المجانين فان العلم بحالهم قبل الجنون هو هنا، فهم أولياء وأعداء باعتبار حالهم الاول وخرج بالأحوال التي تعلق بها خطاب الشارع الأحوال التي لم يتعلق بها ذلك، كالأعراض والألوان أحوال المكلفين أيضا لكن لم يتعلق بها خطاب الشارع فانطبق
فانما هو
من
الحد على المحدود.
المعتبر
(وثمرته) التوصل الى رضوان الله في موالاة أوليائه ومعاداة أعدائه وهو الفوز الأكبر والمقام الأفخر.
(ومن) ثمرته ائتلاف المؤمنين واجتماع شملهم، فينتظم أمرهم ومجانبة الفساق واعتزالهم والسلامة من مخالطتهم.
(واعلم) ان علماءنا
رحمهم
الله
تعالى قد جعلوا علم الولاية والبراءة
علما قائما بنفسه وأفردوا فيه مصنفات عديدة ما بين مطول ومختصر
وآخذ بأقصى غايته ومقتصر وقد وضعنا له من هذه المنظومة هذا الركن لعلمنا انه نوع من علم الاعتقاد، وما في هذا الركن ان شاء الله تعالى واف بالمراد وفيه ايضا ستة أبواب.
208 (2/208)
صفحة 666
الباب الأول
(في وجوب الولاية والبراءة وأقسامهما)
(ولاية المؤمن فرض حققا
وهكذا براءة الذي فسقا)
أي في بيان ذلك قوله ولاية المؤمن فرض حققا) هذا شروع في بيان أحكام الولاية والبراءة ولم يتكلم المصنف على تعريفهما، فاما الولاية فهي لغة: القرب والقيام للغير بالامر والنصر والاهتمام بالمصالح والحفظ والاتصال يقال فلان موال لفلان إذا كان مقربا له وقائما بأمره ونصره ومهتما بمصالحه وحافظا لغيبته ومتصلا به في مواضع
الاتصال.
قال القطب الله: وعلى هذا رحمه تنبني الولاية الشرعية أي وعلى ما ذكر من بيان تعريف الولاية اللغوية ينبني تعريف الولاية الشرعية فجميع ما ذكر هنالك من فصول التعريف هو موجود هنا، لكن الولاية الشرعية شاملة لولاية العباد بعضهم لبعض، ولولاية الله فلا تعرف الولاية الشرعية بذلك التعريف لانه غير جامع لها.
(بيانه): أن
يصح
أن
من بعض قيوده الاهتمام بمصالح الغير والاتصال به والله عز وجل يتعالى عن ذلك فالتعريف المذكور خاص بولاية العباد بعضهم
209 (2/209)
صفحة 667
لبعض أما ولاية الله لعباده فهي توفيقه إياهم لطاعته واعانتهم عليها ونصرته لهم على أعدائهم الذين من جملتهم أنفسهم وشياطينهم. وأصل الولاية الموافقة في الدين فكل من وافقك في الدين فهو وليك، سواء علمت بموافقته أو جهلتها أو برئت منه بالظاهر لحدث عرفته منه، فالملائكة عليهم السلام أولياؤنا، لأنهم موافقونا ورجع
وهو
لا
قد تاب
عنه
في أصل الامتثال وكذلك أهل الطاعة من الامم السالفة فإنه وان اختلفت الأوامر بالنظر الى اختلاف الشرائع فالدين عند الله الاسلام أي الانقياد لاحكامه مطلقا، لكن فرق بين ولايتنا وولاية الملائكة فإن الملائكة أن يستغفر لهم، لانه لا ذنب لهم ولا يعصون الله ما أمرهم يصح ويجب الاستغفار من بعضنا معشر المؤمنين لبعض وجائز في حق الانبياء لقوله تعالى (ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) فطالب الغفران للانبياء انما يطلب غفران ذلك الذنب الذي ذكره الله، والأولى رفع منصبهم العالي عن درجة الاستغفار الى درجة التحية، وسلام على المرسلين والى درجة الصلاة مع التحية المخصوصة برتبتهم «يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما»).
(وأما حكم الولاية فهو الوجوب لمن اتصف بصفة الايمان، ولذا قال المصنف فرض حققا اي ولاية من اتصف بالايمان فرض واجب ثبت وجوبه بادلة قطعية.
(منها) قوله تعالى (فاعلم انه لا اله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات (3) فقرن الامر بالاستغفار للمؤمنين والمؤمنات بالامر بمعرفة الوحدانية والاستغفار ثمرة الولاية وفي اقتران الامرين تنبيهان
(1) سورة الفتح آية رقم 2 (2) سورة الأحزاب آية رقم 56. (3) سورة محمدة آية رقم 19.
210 (2/210)
صفحة 668
أحدهما بيان وجوب الأمرين إذ لا معنى لوجوب الامر الأول وندبية الأمر الثاني مع عدم قرينة تدل على صرفه عن حقيقته، وثانيها بيان وجوب الولاية على جميع المكلفين، كما أن معرفة الوحدانية واجبة
عليهم جميعا وكفى بها دليلا لمن ألقى السمع وهو شهيد. (ومنها قوله تعالى فبايعهن واستغفر لهن الله) في الامر بالاستغفار لهن أمر بولايتهن واذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأمر شمل الامة شرعا الا بدليل يخصه ولا دليل هنا على التخصيص. (ومنها) قوله تعالى: إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وان استنصروكم في الدين فعليكم النصر الا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير. والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير). والاستدلال بهذه الآية على وجوب الولاية من وجهين تعالى: «وان استنصر وكم في الدين فعلكيم النصر، فقد ألزمهم النصر في الدين والنصر في الدين هو عين الولاية الشرعية. وثانيهما قوله تعالى: «إلا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير، اي ان لم تفعلوا ما فرض عليكم من موالاة المؤمنين ومناصرتهم ومعاداة الكافرين ومباعدتهم تكن فتنة في الارض باستيلاء الكفار على المسلمين، وفساد كبير بظهور الشرك على الاسلام وقد كلفوا درء المفاسد ما استطاعوا والزموا قمع الشرك ما قدروا، ومجاهدة الكفار ما أمكنهم وبايجاب ما ذكرنا ثبت وجوب الموالاة والمناصرة للمؤمنين والمعاداة والمباعدة
(1) سورة الممتحنة آية رقم 12. (2) سورة الأنفال آية رقم 72 ـ 73.
أحدهما قوله
211 (2/211)
صفحة 669
للكافرين، ففي الآية وجوب البراءة أيضا.
مع الاستدلال على وجوب الولاية الاستدلال على
(قوله وهكذا براءة الذي فسقا أي ومثل الولاية في ثبوت الفرضية البراءة من الفاسقين مطلقا أي كانوا مشركين أو أهل كفر نعمة فالبراءة منهم واجبة بنص الكتاب العزيز واجماع المحمدية، والبراءة: هي لغة البعد عن الشيء والتخلص، يقال فلان بريء من كذا اذا بعد عنه أو تخلص منه قال القطب رحمه الله: وعلى ذلك تنبني البراءة الشرعية، ثم عرف الشرعية بما نصه وشرعا البغض والشتم واللعن للكافر لكفره قوله للكافر لكفره أي لاجل كفره أي يكون البغض والشتم واللعن للكافر إثم هو بسبب كفره لا بسبب شيء آخر غير الكفر فإن ذلك براءة في الشرع ويدل على وجوبها آيات.
?
يسمى
(منها) قوله تعالى «لقد كان لكم اسوة حسنة في ابراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم انا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله مع قوله تعالى «لقد كان فيهم اسوة حسنة لمن كان الآخر ومن يتول فان الله واليوم هو الغني الحميد (2) فانه تعالى أوجب التأسي بابراهيم عليه السلام والذين معه بقوله «لمن كان واليوم الآخر (3) وبقوله (ومن يتول فان الله هو
وحده (1)
يرجو
الله
الله يرجو
الحميد (1).
الغني
(1) سورة الممتحنة آية رقم 4.
(2) سورة الممتحنة آية رقم 6 وقد جاءت هذه الآية محرفة المطبوعة حيث قال (لقد كان
فيهم) بدلاً
من قوله (لقد كان لكم فيهم).
(3) سورة الممتحنة آية رقم 6. (4) سورة الحديد آية رقم 24.
212 (2/212)
صفحة 670
يرجو
الله واليوم
(ووجه) الاستدلال الاول جعل التأسي لمن كان الآخر فمن لم يرج الله واليوم الآخر فلا يتأسى بابراهيم والذين معه هذه الصفات المذكورة وهو وعيد على ترك التأسي.
عمن
ووجه) الاستدلال الثاني إنما هو حيث بين أنه تعالى غني حميد تولى عن التأسي بهم وهذا الكلام لا يرد الا في ترك الواجبات كما في قوله تعالى (ومن كفر فان الله غني عن العالمين) (ومنها) الآيات التي فيها ترتب اللعن على الكفر والظلم كما في قوله تعالى لعنة الله والملائكة والناس اجمعين) و ألا.
عليهم
اولئك جزاؤهم أن لعنة الله على الظالمين (3) ونحوهما من الآيات. (أما) قوله تعالى (ومن يتولهم منكم فانه منهم) وقوله تعالى
لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله ((((الاية ونحوها من الآيات فليس فيها دلالة على وجوب البراءة نعم تدل على تحريم ولايتهم وليس كل ما دل على تحريم ولاية احد يدل على وجوب البراءة منه لان هنالك أمرا ثالثا هو الوقوف. (واعلم أن الأمة مجمعة على وجوب البراءة من اعداء الله جملة لكن اختلفوا في ثبوتها تفصيلا في الاشخاص فمذهب الأصحاب ثبوتها الاشخاص مستدلين أن العلة التي لاجلها وجبت البراءة في الجملة إنما الاخلال بشيء من أوامر الله تعالى أو ارتكاب شيء من مناهيه،
في
مي
(1) سورة آل عمران آية رقم 97. (2) سورة آل عمران آية رقم 87.
(3) سورة هود آية رقم 18. (4) سورة المائدة آية رقم 51. (5) سورة المجادلة آية رقم 22.
213 (2/213)
صفحة 671
فاذا
وجدنا هذه العلة في شخص بعينه وجب علينا أن نجري عليه الحكم الذي أوجبته هذه العلة، فثبت القياس قطعيا للقطع بأن علة الحكم في الاصل ما ذكرنا، وهي مقطوع بوجودها في الفرع
فثبت الحكم قطعا.
مي
214 (2/214)
صفحة 672
أقسام الولاية والبراءة
والكل من ذين على اقسام
ثلاثة تأتي على تمام
(حقيقة
لي التي قد نطقا
بها كتاب أو رسول
عقيدة الانسان
والحكم بالظاهر فهو الثاني
ثالثه
(قوله والكل من ذين) أي الولاية والبراءة وذكر الاشارة باعتبار أنهما فرضان أي وكل واحد من هذين الفرضين على أقسام ثلاثة. (قوله على أقسام متعلق بمحذوف أي يكون على أقسام.
(قوله ثلاثة) بدل من أقسام قوله تأتي على تمام الجملة نعت لثلاثة. (اعلم) أن كل واحد من الولاية والبراءة على ثلاثة اقسام. (الأول): ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة ولهذا القسم طريقان أحدهما الكتاب بما يوجب ولاية أحد أو البراءة منه، وهذا الطريق أحدها وجوه من صرح باسمه كالانبياء المخصوصين باسمائهم في الولاية وكابليس، وفرعون وهامان، في البراءة.
أن
على
يرد
عنه
(الثاني): من كني وكأبي لهب في البراءة.
(1)
كأم موسى، وامرأة فرعون في الولاية،
هو عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم من قريش عم رسول الله - ع - وأحد الأشراف الشجعان في الجاهلية، ومن أشد الناس عداوة للمسلمين في الاسلام، كان غنياً =
210 (2/215)
صفحة 673
(الثالث): من جاء مبهما لم يخص باسم ولا بكنية كمؤمن آل فرعون المذكور في قوله تعالى وجاء رجل من أقصى المدينة أهل الولاية وكالذي حاج ابراهيم في ربه من أهل
يسعى
البراءة.
الطريق
() (
من
من
أهل من
نطقه
(الطريق الثاني): ما نطق فيه رسول من رسل الله أن فلانا السعادة أو أهل الشقاوة، وفيه الوجوه المتقدمة وشرطوا في هذا أن يسمع السامع من لسان الرسول ذلك الكلام حين به، وان يكون السامع ينظر الى شفتي الرسول عند النطق، أما اذا نقل له العدول أن الرسول قال في فلان كذا بما يقتضي السعادة أو الشقاوة فليسوا عليه بحجة في الحقيقة، بل ولا يجوز له أن يقطع بحقيقة قولهم لاحتمال الكذب الا اذا بلغوا رتبة لا يمكن تواطؤ مثلهم على الكذب عادة، فان الخبر يكون حينئذ من باب المتواتر والمتواتر مقطوع بصدقه. أما اذا لم يكونوا بتلك المنزلة بأن كانوا اثنين أو ثلاثة أو نحو ذلك فرفعوا عن الرسول ما يقتضي الولاية بالحقيقة في شخص بعينه فان على من نقل اليه من يتولى ذلك الشخص بولاية حكم الظاهر، وحكمه عنده في جميع أحواله حكم الولي بالظاهر، أما اذا نقلوا ما يقتضي البراءة في شخص معين فليسوا بحجة على المنقول اليه إلا
=
عنياً
كبير
عليه ان
يتبع
ديناً جاء به ابن
أخيه فآذى انصاره وحرض عليهم وقاتلهم وفيه نزلت الآية
ه تبت يدا أبي لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب .. وكان أحمر الوجه، مشرقاً فلقب في الجاهلية بأبي لهب مات بعد وقعة بدر بأيام ولم يشهدها
عام 2 هـ
راجع ابن الأثير 2: 25 والديار بكري 1: 169 ودائرة المعارف الاسلامية 1: 393 396 وتاريخ الاسلام للذهبي 1: 84 و 169 والروض الأنف 1: 265.
(1) سورة القصص آية رقم 20 وتكملة الآية قال ياموسى ان الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج
لك من الناصحين).
216 (2/216)
صفحة 674
فيك
كأن
تعلم
أنه
إذا جاؤوا بذلك النقل على سبيل الشهادة كأن قالوا: نشهد أن رسول الله الله قال في فلان كذا فانه يلزم المشهود معه أن يبرأ بشهادتهم براءة حكم الظاهر، وانما قلنا انهم ليسوا بحجة في نقل ما يقتضي البراءة بخلاف ما يقتضي الولاية، لان أمر البراءة أشد من أمر الولاية لانه خلع مسلم من الدين والولاية هي ابقاء مسلم على اسلامه، فالاعتقاد الولاية حاصل لنا قبل وجود هذا الخبر أما في ذلك الشخص بعينه مسلم لكن لم ينكشف لنا تصديق اسلامه فخبر الاحاد إنما كشف لنا له صدق باسلامه ووفى بما عليه، وأما في الجملة فانا نعلم أن كل مولود يولد على الفطرة فالفطرة أصل لجميع المولودين، ثم نحن نجهل حالهم بعد البلوغ لكثرة الاحداث فكشف لنا هذا الخبر على لسان هؤلاء العدول أو العدل الواحد على قول سيأتي أن فلانا مثلا باق على الفطرة التي ولد عليها فبهذا تعرف فرق ما بين الولاية والبراءة بخبر الاحاد، وإنما قلنا إن شهادتهم بأن الرسول قال في فلان ما يقتضي البراءة حجة على المشهود معه لان شهادتهم عن لسان الرسول ليست بأدنى قوة من شهادتهم على اقرار الفاعل بالكبيرة، فانهم متى ما شهدوا باقراره على نفسه بكبيرة لزم قبول شهادتهم.
فان قيل ان شهادة العدول إذا لم يبلغوا حد التواتر لا توجب علما كخبرهم فما بالكم أو جبتم البراءة .. ؟ قلنا: إنما أوجبناها بشهادتهم دون خبرهم لتنزيلها منزلة العمليات فإنا نعتقد البراءة منه بثبوت تلك الشهادة عندنا لتعبده تعالى ايانا بقبول شهادة العدلين في العمليات، فنحن نحكم عليه بالبراءة بتلك الشهادة مع احتمالنا ان يكون خلاف ما شهدوا به وعدم قطعنا بصدق شهادتهم كما نحكم عليه بقطع يده اذا شهد العدول انه سارق دينارا من حرز مثلا، وكما نحكم عليه بقطع رقبته قصاصا إذا شهد عليه العدلان بقتل انسان حر فليس خلعه الاسلام بأشد من قطع رقبته بالسيف، ومحصل ما ذكرناه أن لكل
عن
217 (2/217)
صفحة 675
من الولاية والبراءة جهتين إحداهما: جارية مجرى العبادات الاعتقادية وهي كون اعتقادهما عبادة الله، والثانية: جارية مجرى المعاملات وتلك كونهما من حقوق العباد فاعتبرنا في ثبوتهما بشهادة العدلين
الجهة هي
الجهة الثانية لان بشهادة العدلين تثبت الحقوق وتسقط. (القسم الثاني): الولاية بحكم الظاهر والبراءة بحكم الظاهر ومحلها مكلف ظهر منه موافقة أو مخالفة دينية، ولها طرق يأتي الكلام عليها في الباب الثاني من هذا الركن إن شاء الله تعالى.
(القسم الثالث) ولاية الجملة وبراءة الجملة وصورتها أن يعتقد المكلف ولاية أهل طاعة الله من الاولين والاخرين الى يوم الدين انسهم وجنهم وملائكتهم، وان يعتقد البراءة من جميع أهل معصية الله
من
الذي
الاولين والاخرين انسهم وجنهم الى يوم الدين، وهذا القسم هو عبرنا عنه بعقيدة الانسان وانما عبرنا عنه بذلك لانه لا بد لكل مكلف أن يعتقده دينا، وقسما الحقيقة والظاهر وان وجبتا فوجوبهما لا على عموم المكلفين بل على من وصل اليه علم ذلك فهذه ستة اقسام بالنظر الى كل قسم من أقسام الولاية والبراءة، ولاية الحقيقة، وولاية الحكم بالظاهر، وولاية الجملة فتلك ثلاثة أقسام للولاية، والقسم الرابع براءة الحقيقة والخامس براءة الحكم بالظاهر والسادس براءة الجملة. ولاية الجملة وولاية الحقيقة فلا أخبر أن يفترقا لان من يصح الصادق بولايته عند الله تعالى هو الذي اعتقدت أنت ولايته في الجملة، وكذلك براءة الحقيقة وبراءة الجملة فعلم من هذا أن ولاية الحقيقة لا تكون في شخص متبراً منه في الجملة وكذا العكس، وكذا ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة لا يصح اجتماعهما في شخص بعينه لئلا يلزم كذب الصادق، وكذا الولاية بحكم الظاهر والبراءة بحكم الظاهر لا يجتمعان في حال واحد لتضاد أسبابهما، لكن الولاية بالظاهر قد توافق ولاية الحقيقة وقد تخالفها، وبراءة الظاهر قد توافق براءة الحقيقة وقد
أما
218 (2/218)
صفحة 676
تخالفها، وذلك فيما إذا كان ولاية الولي بالحقيقة وبراءة العدو بالحقيقة لم تبلغ هذا المتولي والمتبرئ بحكم الظاهر، أما اذا بلغته وجب عليه الاخذ بالحقيقة وترك الظاهر لما سيأتي قريبا ان شاء الله تعالى وكذا كل واحد من الولاية والبراءة بحكم الظاهر قد توافق الولاية في الجملة وقد تخالفها فيصح أن يكون الشخص الواحد في الحال الواحد وليا بالحقيقة عند فلان عدوا في الظاهر عند غيره وان يكون عدوا في الحقيقة وليا في الظاهر بهذا الاعتبار، وكذا يصح أن يكون وليا في الظاهر عدوا في الجملة وبالعكس ولا يصح أن يكون وليا عدوا في الحقيقة ولا وليا في الحقيقة عدوا في الجملة، وهكذا.
الله
(واعلم) أن هنا مسألة احببت ان اسمعك اياها وان تعذرت صورتها في زماننا لكن لتنبه بها على أصل حكم السلف الصالح، وهي ما إذا كان لك ولي في الحقيقة ففعل ما يوجب حدا أو ارتد والعياذ بالله وجب عليك اقامة الحد عليه وقتاله على ارتداده إن كنت ممن يقوم بذلك وأنت تقطع أنه ولي في الحقيقة بأن تعلم انه لا يموت الا على حالة يرضاها ربه لوجوب القطع بصدق خبر الشارع واجراء الاحكام الظاهرية عليه، إنما هي بحسب اتيانه لموجباتها فهي نافذة حكما ظاهريا على جميع من فعل أسبابها المناطة بها فاذا مات على حال شرك في الظاهر مثلا لزم تنزيله حيث نزل نفسه في احكام الظاهر كترك الصلاة عليه وعدم دفنه في مقابر المسلمين وعدم ميرا انه كذا قالوا وعندي فيه خلاف ذلك فانه متى ما فارقت روحه الدنيا لزمنا القطع انه مات على توبة مقبولة وان لم نطلع عليها لان الله لا يغفر أن يشرك به، وقد أخبرنا أن هذا من أهل الجنة فبضم كل واحد من الخبرين الى الاخر يحصل القطع بأنه مات على توبة من شركه واذا قطعنا بذلك لزمنا تنزيله منزلة المسلمين فتجب الصلاة عليه ويجوز ميراثه لورثته المسلمين ودفنه في مقابر المسلمين، والأصحاب رحمهم
219 (2/219)
صفحة 677
الله تعالى جعلوا هذه الاشياء من جملة الاحكام الظاهرية التي سبب
هذا
بأن الشرك منحسم
عن
نفوذها وجود الشرك في الظاهر، وانت خبير الولي حين موته فهو مسلم قطعا فاذا عرفت هذه القاعدة فاعلم أن بقية أصحابنا أهل النهر رضي من انما حكموا بقتل الله تعالى عنهم من قتل أصحابهم لفعله بحكم الظاهر ما يستوجب به القتل، وهو قتل المسلمين فقتله لهم لا ينافي كونه سعيدا عند الله تعالى وان صح مع قاتله فاجراء حكم القتل عليه انما هو بحسب الظاهر سعادته عند قاتله أو أحد عند
خبر
سعادته
إما اذا لم يصح خبر
وجب
أن يبرأ
منه
من
المسلمين
بحكم الظاهر لما ارتكبه من موجب البراءة، وهو
قتل المسلمين حتى تعلم له توبة من ذلك.
(تنبيه) الولي بالحقيقة لا يصح أن يبرأ منه أصلا ولو فعل موجب البراءة في الظاهر، وانما تبغض منه تلك الافعال التي توجب البراءة الظاهرية لا ذاته وكذا العدو بالحقيقة فانه وان فعل موجبات الولاية بالظاهر فانما تحب منه تلك الافعال لا ذاته لعلمنا بما سيصيران اليه،
ولا
يصح
لنا
أن
الله
علمنا فاذا عرفت هذا فاعلم الرجوع عن الولي تعالى ولي دائما أبدا وان اشرك، وان العدو الله تعالى عدو دائما وان أطاع لاستحالة تغير علمه تعالى، فسقط قول النكار إن المرء عدو
الله
حالة في معصيته وا الله ولي في حالة طاعته وهكذا.
سمي
(قوله حقيقة انما هذا القسم حقيقة لموافقته ما في نفس الامر أو لثبوته بعدم التغير والانتقال بخلافه في قسم الظاهر مأخوذ على التوجيه الثاني من حق الشيء إذا ثبت.
(قوله قد نطقا بها كتاب نكر الكتاب ليفيد التعميم، لان المراد كل كتاب من كتب الله أو رسول من رسله حجة في ذلك على السواء لوجوب الصدق في الكل، واسناد النطق الى الكتاب مجاز عقلي أو نجعل النطق استعارة عن الابانة بجامع الظهور في كل منهما، فنقول
220 (2/220)
صفحة 678
نطق بمعنى أبان أي أظهر والباء في بها ترشيح للاستعارة، أو تقول شبه الكتاب بناطق حقيقة وحذف المشبه به وذكر من لوازمه النطق فهي استعارة بالكناية وذلك اللازم استعارة تخييلية.
(قوله او رسول حققا أي ثبت قوله والحكم بالظاهر فهو الثاني) أي فثبوت الولاية بحكم الظاهر وثبوت البراءة بحكم الظاهر هو القسم الثاني من الاقسام الثلاثة الجامعة للولاية والبراءة.
(قوله ثالثها) أي الاقسام قوله عقيدة (الانسان) أي المكلف والعقيدة فعلية بمعنى مفعولة أي معتقدة وهي ما ينطوي عليها ضمير الانسان كانت صحيحة أو فاسدة، والمراد بها ها هنا ولاية الجملة وبراءة الجملة.
221 (2/221)
صفحة 679
الباب الثاني
(من الركن الثالث)
في الولاية والبراءة بحكم الظاهر
أي في بيان طرقهما التي يتأديان منها وفي أحوال الولي وأحكام ذلك. (اعلم) أن موجب الولاية هو الموافقة في القول والعمل، وان موجب البراءة هو المخالفة فيهما أو في أحدهما، هذا مما اتفق عليه اصحابنا واختلفوا في الموافقة بالقول قبل معرفة العمل، فأوجب بعضهم الولاية به ومنعها آخرون والاول اصح لقوله تعالى (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات» الى قوله «فبايعهن واستغفر لهن الله (1) فأمره بالاستغفار لهن على نفس تلك المتابعة ولم يأمره بالانتظار في أمرهن معنا أن فلانا موافق لنا في الاعتقاد ألزمنا أنفسنا ولايته من غير أن ننتظر به العمل لتلك الآية وهذا شامل لمن خرج عن الشرك الى الاسلام، ولمن رجع عن مذهب أهل الضلال الى مذهب أهل الحق، ولمن كان مختفيا علينا حقيقة اعتقاده فظهرت لنا بعد لكن
فإذا
صح
(1) سورة الممتحنة آية رقم 12.
222 (2/222)
صفحة 680
بشرط أن لا تظهر منه امارة تدل على مخالفته لقوله لحديث «استفت نفسك) ودع ما يريبك (2) فاذا جمعنا بين هذين الخبرين وبين تلك الآية حصل لنا المطلوب وهو انه لا يتولى بنفس القول اذا اتهم ولكل واحد من موجبات الولاية والبراءة طرق فاما طرق البراءة فهي أربع كلها متفق عليها.
(احدهما): العيان أي المشاهدة وذلك أن تشاهد مكلفا يرتكب كبيرة لا يحتمل له فيها عذر فالواجب عليك البراءة منه وسيأتي لهذا الطريق زيادة بسط في الباب الرابع من هذا الركن.
(الطريق الثاني): الاقرار وهو أن يقر المكلف بأنه فعل كبيرة ولم يتب منها أو انه اقر بذلك على سبيل السرور بها أو على سبيل الافتخار بها فانه يجب على من سمعه أن يبرأ منه لا اذا اقر بها على سبيل الندم والتحسر على ارتكابها فان هذا تائب منها.
(الطريق الثالث): شهادة العدلين بان فلانا فعل كبيرة وسيأتي بسطه. (الطريق الرابع): الشهرة التي لا دافع لها على أن فلانا فعل كذا وسيأتي بيانها (وأما طرق (الولاية فهي أربعة ايضا ثلاثة منها متفق عليها وواحد مختلف فيه فالمتفق عليها هي العيان أي مشاهدة الوفاء ورفيعة العدلين للوفاء والشهرة بالوفاء (وأما المختلف فيه) فهي رفيعة العدل الواحد للوفاء بدين الله وسيأتي بسطه إن شاء الله تعالى.
بدين
الله
(1) الحديث رواه الامام أحمد المسند 4: 227 بلفظ: البر ما انشرح له صدرك، والاثم ما حاك في صدرك وان أمثال الناس وأفتوك .. ورواه الدارمي في البيوع 2. الحديث رواه الامام أحمد في المسند 3: 153 بلفظ: دع ما يريبك الى ما لا يريبك، ورواه البخاري في البيوع 3 والترمذي في القيامة 60.
(2)
223 (2/223)
صفحة 681
(براءة الظاهر حكما تجب
بواحد من أربع تعتقب
(عيان أو ـرار او شهادة
عدلين أو حق أتى بشهرة)
واستثن الاقرار لدى الولاية
وإنما الواجب بالثلاثة)
(قوله براءة الظاهر حكما أي براءة حكم الظاهر فحكما تمييز محول مضاف إليه وفي اضافة البراءة الى الحكم اضافة المسبب الى سببه لأن حكم الظاهر سبب لوجود البراءة.
عن
أو
(قوله تجب) أي تلزم أو تثبت قوله (واحد) أي بسبب طريق واحد من طريق واحد قوله من أربع) أي من أربع طرق. (قوله تعتقب) أي تأتي عقب هذا البيت ويجوز بناء الفعل للمجهول والمعنى يؤتى بها عقب هذا البيت وعلى الوجهين فالجملة نعت لأربع. (قوله عيان) بالجر وهو وما بعده بدل من أربع والمراد بالعيان المشاهدة كما مر وعبر بعضهم عن هذا الطريق بالخبرة أي العلم بحال المتولي وكلا التعبيرين إما حقيقة عرفية أو مجاز مشهور علاقته الاطلاق والتقيد وذلك أن العيان حقيقة لغة في الرؤية والمراد بها هاهنا علم الرجل بأحوال رجل آخر سواء كانت تلك الأحوال مبصرة أو مسموعة فهي مقيدة لغة بالمبصرة مطلقة عرفا على المبصر والمسموع، لكن المعنى اللغوي أعم من وجه آخر لأن المراد بالمبصر هنا الأحوال هي التي يتعلق بها حكم الولاية، والبراءة، وفي اللغة هي عامة لكل معاين، والخبر بضم المعجمة لغة هي العلم من أي طريق كان والمراد به
ها هنا العلم من طريق السمع والنظر.
224 (2/224)
صفحة 682
(قوله أو اقرار) بكسر الهمزة مصدر أقر على نفسه بكذا إذا قال بقول يثبت عليه حقا، والمراد به هاهنا ما اذا اقر بكبيرة لم يتب منها. (قوله أو شهادة عدلين اثنين كل منهما يشهد بما يشهد له الآخر فخرج بقولنا كل منهما يشهد بما يشهد به الآخر ما إذا شهد أحدهما إن فلانا ارتكب كبيرة هي كذا وشهد الآخر بانه ارتكب كبيرة غير الكبيرة التي سماها الأول فانه لا يبرأ بشهادتهما حينئذ أما اذا أجملا في شهادتهما كأن قالا أن فلانا فعل كبيرة ولم يسمياها فتجب البراءة بشهادتهم إذا كانوا علماء بالكبائر الصغائر لان شهادتهم حينئذ متفقة وللعدلين أن يشهدا بذلك الاجمال ولو علم كل واحد منهما منه بكبيرة غير التي علم بها الآخر منه وقيل يبرأ بقول العدل الواحد إذا كان ذكرا وقيل وإن كان أنثى كما قيل بذلك في الولاية صرح به القطب الله رحمه في البراءة بالسماع قولين أقول وهؤلاء القائلون بثبوت البراءة بقول العدل الواحد وبالسماع نظروا الى أن البراءة عبادة لا اسقاط حق للغير وكثير من العبادات يثبت بالظن ويحصل بخبر العدل وبالسماع ظن قوي تترتب عليه عبادات كثيرة والمراد بالعدل هو الموافق في الدين الملازم للتقوى والمروءة فخرج بقولنا في الدين المبتدع في دينه المعتقد خلاف الحق وبقولنا الملازم للتقوى تارك الفرض وفاعل الكبيرة لأن التقوى هي تأدية الواجبات واجتناب المحرمات والمراد بالمروءة هنا اجتناب الرذائل من المباحات كالحرف الردية من نحو الحجامة وكمخالطة الاراذل ومجالسة السفل (قوله أو حق أتى بشهرة) المراد بالشهرة هنا التواتر فهما عبارتان لمعنى واحد كذا عندنا وعند الشافعية أما الحنفية ففرقوا بينهما وجعلوا للشهرة منزلة دون منزلة التواتر والخلاف لفظي وفي قول الناظم أو حق اتى بشهرة إشارة الى أن الموجب للبراءة من طريق الشهرة انما هو الحق الذي جاءت به الشهرة لا الشهرة نفسها فخرج به الشهرة الغير المحقة كشهرة الشيع بالبراءة من التصديق والفاروق وعائشة وأهل النهى رضي الله عنهم وسئل الامام أبو سعيد
225 (2/225)
صفحة 683
رضي
شرطين
من
الله عنه
عن الشهرة المحقة فقال: معي انها تكون على معان كثيرة في وجوه كثيرة ومبلغ ثبوتها ووجوبها وورود علمها على الممتحن فيها من المبتلي بها من تظاهر صحة الاخبار بها على غير تناكر من أهلها الذين تقوم بهم الحجة فيها ولو كثر التناكر والاختلاف من غير أهلها على سبيل الدعاوى وانكار اليقين ا هـ وحاصله ان لشهرة الحق أحدهما أن تكون صادرة عن أهلها وثانيهما أن لا يعارضها أهلها معارض مثل ذلك أن يصدر من بعض المحقين خبر ويصدر مين البعض الآخر خبر يخالفه كل واحد من الخبرين المتعارضين آحادي ليس بشهرة أما إذا كان الانكار صادراً من غير أهلها فلا يعباً به وذلك كانكار أهل الخلاف للشهرة القاضية بحقية أهل النهر فإنه انکار صادر على سبيل الدعوى منهم وها أنا أبين أهل الشهرة فأقول هم جماعة لا يمكن تواطؤ مثلهم على الكذب عادة بأن كانوا من جهات شتى فلا يشترط فيهم تعيين عدد خلافا لمن قال بتعيين فيهم فمنهم من ذهب الى أنهم من الخمسة فصاعدا بأن محتجين أكثر الشهود أربعة لا يصح القطع بخبرهم فإن كانوا خمسة ازدادوا قوة على الأربعة فكانوا شهرة قلنا هذا التعليل عليل فإنه لا يدل على يجب القطع بخبرهم وإنما يدل على عكس ذلك فإنه لما لم يصح القطع بالخبر في شهادة الاربعة علم ان زيادة الواحد لا تفيد صحة القطع لأن العلة التي منعت من القطع بخبر أولئك الأربعة احتمال الكذب عادة وذلك الاحتمال موجود في الخمسة. (ومنها): من ذهب الى أن جماعة الشهرة من العشرة فصاعدا على عدد المبشرين بالجنة عندهم وحجتهم في ذلك قوله تعالى «وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الارض ولا يصلحون) (قالوا)
أن الخمسة
مي
(1) سورة النمل آية رقم 48.
العدد
226 (2/226)
صفحة 684
فأكثر
?
عدد يفسدون في الارض تسعة فاذا كانوا عشرة فهم يصلحون ولا يفسدون (قلنا) في الآية اخبار عن الواقع حصر لمنتهى عدد أهل الفساد (ومنهم من ذهب أنهم اذا كانوا عشرين فصاعدا لقوله تعالى (ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين) ووجه ان أقل عدد اعتبر في هذا المقام هم العشرون قلنا ذكر العشرين في الآية لا يفيد اعتبارهم في الاخبار المتواترة وغيرها.
يوجب
(ومنهم): من ذهب الى أنهم اذا كانوا أربعين فصاعدا عدد من تجب عليه الجمعة (قلنا) اعتبار ذلك العدد في الجمعة لا اعتباره في غيرها على انا لا نسلم اعتبار ذلك العدد في صلاة الجمعة
وعندنا انها إن كملت شروطها وجبت وان باقل من الاربعين. (ومنهم): من ذهب الى أنهم إن كانوا أربعين فصاعدا وفيهم ثقة. (قلنا): يرد على هذا ما يرد على الذي قبله واشترط وجود الثقة فيه لا يزيده يقينا نعم أقوي بخبره الظن وكلامنا في الخبر الموجب للعلم القطعي. (ومنهم من ذهب الى أنهم ان كانوا سبعين فصاعدا عدد من اختار موسى عليه السلام من قومه ووجهه ان موسى عليه السلام انما اختار السبعين ليبلغوا عنه قومهم ما يسمعون من كلام الله عز وجل فلولا ان خبر السبعين حجة على قومهم يحصل به العلم اليقيني معهم
خص
ذلك العدد.
لما
قائمة
(قلنا): قيام الحجة عليهم لا يتوقف على ذلك العدد بل هي عليهم بكلام موسى عليه السلام وحده والعلم القطعي حاصل لهم من كلامه أيضا لوجوب صدقه باظهار المعجزة على يده.
(1) سورة الانفال آية رقم 65.
227 (2/227)
صفحة 685
(ومنهم من ذهب الى انهم إن كانوا ثلاث مائة وثلاثة عشر على عدد الرسل وأهل بدر وأصحاب طالوت.
(قلنا): موافقة الاعداد لا تفيد ثبوت العلم القطعي فلا عبرة بموافقة شيء من ذلك وعلى كل واحد من هذه الاقوال اختلاف في وجوب العلم القطعي بذلك العدد المخصوص عند. أهل كل قول من هذه الاقوال العدد أي اختلف القائلون بتعيين في ثبوت الشهرة (فمنهم) من ذهب الى أن مقدار العدد بيان لوجوب القطع بالعلم الذي أداه ذلك العدد. (ومنهم من ذهب الى أنه بيان لعدم جواز القطع بخبر ما دون ذلك العدد فان وجد العدد المخصوص جاز أن يقطع بصدق خبره وجاز ان لا يقطع (ويبحث) فيه أن التواتر مقطوع بصدقه ضرورة وجواز أن يقطع وان لا يقطع مناف لتلك الضرورة (ومن شروط) التواتر
أن
يكون مستندا الى حس أي شرط خبر التواتر أن يكون المخبر عنه
محسوسا باحد الحواس الخمس كالسمع والبصر والشم والذوق واللمس، كأن يقال قال فلان كذا أو العاج أبيض أو المسك طيب الرائحة أو الشهد حلو أو الحرير لين فخرج بهذا الشرط الأمور العقلية كقدم الله تعالى، وحدوث العالم، فإنها مقطوع بها من مجرد العقل (وشرط) بعضهم أن يتساوى عدد الناقلين وعدد المنقول بها من مجرد العقل (وشرط) بعضهم أن يتساوى عدد الناقلين وعدد المنقول عنهم وليس هذا بشيء فإنه متى ما كان كلا الطرفين لا يمكن تواطؤ مثلهم على الكذب عادة وجب القطع بصدق ما أخبروا به ولو كان أحدهما أقل
عددا
وهي
من الآخر.
(قوله واستثن الاقرار لدى الولاية (الخ هذا بيان للطرق المؤدية للولاية ثلاثة متفق عليها وواحد مختلف فيه فالثلاثة المتفق عليها هي المشاهدة وشهادة العدلين والشهرة الحقية وهذا معنى قوله واستثن الاقرار أي استثن من طرق البراءة المتقدم ذكرها الاقرار فانه لا يثبت للمقر
228 (2/228)
صفحة 686
ولاية لان المقر بالوفاء لنفسه مدع لنفسه فلا يثبت له اقراره حكم الولاية على الغير والمراد بالاقرار هنا هو ادعاء الوفاء بدين الله لا الاقرار يجب الاقرار به كالتلفظ بالجملة فإنه قد تقدم أن الخارج من
الشرك الى الاسلام تجب ولايته من حين ما اقر بالاسلام فاقراره بالاسلام اتيان بما وجب عليه من الاقرار لا ادعاء فلا يرد على المصنف ذلك نعم يرد عليه ثبوت الولاية لطفله باقراره أنه ولده على مذهب من يقول أولاد الأولياء أولياء والوقوف عن غير أولاد الأولياء، وهذا المذهب المشهور عندنا ولنا فيهم قول ثان وهو بولاية الأطفال ما بأن الحديث وصرح
هو
كانوا أطفالا
وصححه
القطب
رحمه
الله
في ذهنه
جميع
الذي فيه تعذب أولاد المشركين موضوع، وكذا الحديث الذي فيه يوقد لاولاد المشركين والمنافقين يوم القيامة نار يقتحمونها فمن اقتحمها ومن وقع فيها هلك، إذ لا تكليف يومئذ.
نجا
(وقيل) لا يجزي اقراره بولده حتى يخبر معه بذلك أمين واحد، وقيل أمينان، وفي اطلاق الاقرار على دعوى الوفاء بدين الله مجاز علاقته المشاكلة وذلك انه لما اطلق الاقرار في البيت الأول على حقيقته اطلقه هنا على سبيل التجوز مشاكلة لما هنالك على حد «ومكروا ومكر الله» ويبحث فيه بأن الاقرار الثاني عين الاقرار الاول لان القاعدة ان النكرة اذا اعيدت معرفة فالثانية عين الاولى وجوابه أن تلك القاعدة إنما هي ثابتة اذا لم يقم دليل على عدم ارادتها، أما اذا قام الدليل على عدم إرادتها كما هنا تركت القاعدة وصير الى ما يقتضيه الدليل، ومن قواعدهم ولا يعدل عن الأصل الا بدليل، وبهذا الجواب تنحل شبه كثيرة أوردت على تلك القاعدة حتى أن بعضهم قال: إن تلك القاعدة أغلبية لا دائمة ونحن نقول إنها دائمة ونخرج ما خالفها بالدليل.
(فأما المشاهدة) وهي المعبر عنها في النظم بالعيان فهي أن تشاهد المكلف الاتيان بالواجبات والمسارعة الى المندوبات واجتناب من
229 (2/229)
صفحة 687
المحرمات والتجافي عن المكروهات فتتولاه على ذلك ونحسن به الظن في تأدية الفرائض التي لا تشاهد منه كحق الزوجة وكذا نحسن به الظن في اجتناب المحرمات في الحال التي نفارقه فيها، هذا كله إذا رضيت منه جميعا أفعاله المسموعة والمبصرة، ووافق القلب على قبول ذلك وإنما شرطنا موافقة القلب على قبول ذلك لان من ظهرت منه امارات الكبر أو الحسد أو الرياء أو شيء من المحرمات لا يتولى على ذلك، وهذا معنى قول الأصحاب رحمهم الله: الولاية اصطفاء ودليله قوله استفت نفسك يا وابصة وان أفتوك) ولأعمى البصر أن يتولى من سمع منه أقوال الخير وظن بما لا يرى خيرا واصطفاه قلبه على ذلك، لأن الولاية تصح بمجرد الظن. الا ترى أن بعض أصحابنا قال بوجوبها بخبر الواحد وهو الصحيح كما سيأتي إن شاء الله فقول العلامة الصبحي رحمه الله تعالى لولا أن ما من عمى البصر لتوليت رجالا يستحقون للولاية وسمى منهم رجالا محمول على أن ذلك الشيخ لا يرى وجوب الولاية الا اذا كملت شروط طرقها ومن شرط طريق المشاهدة عنده وجود البصر ونحن
بي
(1) الحديث رواه الامام احمد بن حنبل في المسند 4: 228 - حدثني أبي ثنا يزيد بن هارون، الزبير أبي عبد السلام عن عن عبدالله أيوب بن بن مكرز عن وابصة - وأنا اريد أن لا أدع شيئاً من البر والاثم الا
ثنا حماد سلمة، بن
ابن معبد قال: أتيت رسول الله
سألته عنه واذا عنده جمع فذهبت اتخطى الناس فقالوا اليك يا وابصة عن رسول الله ـ
?
فقلت: أنا
إليك يا وابصة. وابصة دعوني وابصة ادن يا وابصة فدنوت منه حتى مست ركبتي ركبته.
أدنو
منه فانه من أحب الناس الي أن أدنو منه فقال لي: ادن يا
أو تسألني .. ؟
فقال يا وابصة: أخبرك ما جئت تسألني
عنه
فقلت يا رسول الله فأخبرني قال: جئت تسألني عن البر والاثم قلت: نعم فجمع اصابعه
الثلاثة فجعل ينكث بها في صدري ويقول: و يا وابصة استفت نفسك. البر ما اطمأن اليه القلب واطمأنت اليه النفس والاثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر.
قال سفيان، وأفتوك، ورواه الدارمي في البيوع 2.
-
وإن افتاك الناس ..
230 (2/230)
صفحة 688
نشترط ذلك اذ لم يزده وجود البصر الا قوة ظن، والظن لا يتفاوت بالنظر الى العبادات وما علق منها بالظن ثبت عند وجود من غير نظر الى تفاوت درجاته قوة وضعفا.
(وأما شهادة) العدلين فهي أن يشهد أن فلانا ولي وكذلك خبرهما بولايته وفي حكم الشاهدين رجل وامرأتان وقد عرفت أن الحرية شرط في قبول الشهادة فلا تقبل شهادة العبد عند بعض وقيل هنا (وأما شهرة) الحق فهي أن تتواطأ الاخبار من جماعة لا يمكن تواطؤ مثلهم على الكذب عادة. (واعلم أن الشهرة هنا أوسع منها في البراءة لانها في البراءة لا تثبت الا شهرة الحق وفي الولاية تثبت بمجرد الظن أنها حق فشهرة نسبة النونية التي فيها قدم القرآن عن الامام ابن النظر تعالى شهرة دعوى لان فيها نسبة الكبائر اليه وتلك الكبائر هي تفسيق أهل الحق وهو أحدهم والقول بأن القرآن المتلو بالالسن قديم فشهرتها عنه كشهرة البراءة عند الشيع من أبي بكر وعمر رضي (قوله وإنما الوجوب (بالثلاثة أراد بالوجوب المتفق عليه وبالثلاثة هي العيان وشهادة العدلين والشهرة فالقصر في البيت اضافي أي قصر الوجوب على الثلاثة المذكورة إنما هو بالنظر الى الوجوب المتفق عليه.
رحمه
الله عنهما.
الله
231 (2/231)
صفحة 689
والخلف في رفيعة الولاية
من واحد عدل بلا عناية)
(وإن تكـ
فألزم
وقيل لا لزوم ثم يعلم)
(لكن على العدول ليس العلما
تفصيل ما جاؤوا به ليعلما)
(قوله والخلف في رفيعة (الولاية الخ هذا هو الطريق المختلف في وجوب الولاية به وهو خبر الواحد العدل بولاية أحد.
الله
(فذهب) آخرون الى أنها تجب إذا كان المخبر عالما وهؤلاء زادوا على شرط الذكورية والحرية وجود العلم بالولاية والبراءة، وبعضهم ذهب الى عدم اشتراط جميع ذلك فأوجبها برفيعة المرأة والعبد وبعضهم فصل بما إذا سئل الرافع وإذا لم يسأل فقال: إن سئل عن الولاية فأخبر بها لزمت السائل وان أخبر بها ابتداء لم تلزم، وبعضهم قال بالتخبير في خبر الواحد العذل فمن شاء تولى بخبره ومن شاء ترك وبحث القطب رحمه في هذا بأن الولاية ليست على التخيير، لانها إن ثبتت وجبت وان لم تثبت امتنعت، والصحيح أن الواحد العدل خبر بالولاية موجب لها سواء كان ذكرا أو انثى عالما أو كان غير عالم لكن لا تجب برفيعة غير العالم الا اذا فسر السبب الذي استحق به ذلك المتولي الولاية أو رفع الولاية عن عالم بالولاية والبراءة، وذلك كما إذا قال العدل الضعيف أن الشيخ فلانا يقول أن فلانا ولي وإنما قلنا إن الصحيح وجوبها بخبر العدل الواحد لان خبر العدل الواحد يفيد الظن والولاية مبنية على ظن الخير، وإنما قلنا بالتفصيل بين خبر العدل العالم وغيره فلم نوجبها بخبر غير العالم إلا اذا فسر السبب لما سيأتي بيانه عند قول الناظم لكن على العدول الخ.
232 (2/232)
صفحة 690
فخرج
(قوله من واحد عدل إنما قيد بالعدل لأن خبره مظنون الصدق به غير العدل سواء كان فاسقا أو مجهول الحال، فاما الفاسق فللظن بكذب خبره وأما مجهول الحال فلاستواء الأمرين فيه أعني لا يظن بصدقه ولا يظن بكذبه.
(قوله بلا عناية) أي بلا قصد وأراد به السؤال فاطلاق العناية عليه مجاز مرسل علاقته اللزوم وذلك أن السؤال ملازم للقصد (قوله وان تكن عنيته أي سألته وفيه التجوز المذكور (قوله فألزم) أي فاشد لزوما عند بعض.
(قوله وقيل لا لزوم اي برفيعة الواحد للولاية بل أنت مخير في قبولها وعدمه.
(قوله ثم يعلم) بفتح المثلثة بمعنى هنالك والاشارة الى مكان رفيعة الواحد العدل (قوله لكن على العدول) المتحملين للولاية أو البراءة لأن الاستدراك من قوله أو شهادة عدلين.
(اعلم) أن المتحملين للولاية أو البراءة إما أن يكونوا علماء بالولاية أو البراءة، وإما أن يكونوا غير علماء فان كانوا علماء بها وجب قبول قولهم، وان كانوا غير علماء لا يجب قبول قولهم حتى يفصلوا اي يبينوا السبب الذي استوجب به ذلك الولي الولاية أو السبب الذي استحق به العدو البراءة، والفرق بين العلماء والضعفاء أن الضعفاء وان كانوا عدولا فلا يؤمن منهم ان يرفعوا البراءة في موضع ليس هو محل البراءة أو الولاية في موضع ليس محلا للولاية على ظن منهم إنما رفعوه كذلك فاذا فسروا السبب نظر فيه المرفوع له فان راه موجبا لشيء من ذلك حكم به والا، تركه وقيل قول العدول مطلقا سواء كانوا علماء أو ضعفاء فسروا أو لم يفسروا لأنهم إذا كانوا عدولا فلا يقولون بما لا يعلمون ولا يخفى أن هذا التعليل اشتراط للعلم،
233 (2/233)
صفحة 691
لان من لم يكن عالما بالشيء فتكلم فيه لا يؤمن ان يقول فيه بما لا يعلم ظنا منه أنه كذلك.
(قوله ليس العلماء) أي إلا العلماء قوله تفصيل ما جاؤوا به) أي تبيين لما جاؤوا به من الاخبار أو الشهادة (قوله ليعلما) تعليل لقوله تفصيل ما جاؤوا به.
234 (2/234)
صفحة 692
(فصل في أحوال الولي بحكم الظاهر)
والمراد بأحواله هنا كونه ممن تجب ولايته على العامة أو على الخاصة فقط، وكونه مرتكبا لمحجور في الظاهر مع احتمال حقه فيه وكونه تاركا لفرض لزمه.
(اعلم) أن الاولياء صنفان صنف تجب ولايتهم على جميع أهل مصرهم وجميع من بلغه خبرهم وهم أئمة العدل الأمرون بالمعروف الناهون عن المنكر، كأبي بكر الصديق وعمر الفاروق وعبدالله بن الكندي والجلنداء بن مسعود الولي وعزان بن قيس بن عزان
يحيى
رضي
الله
عنهم
وأئمة الدين الذابون عنه بالادلة والبراهين الكاشفون لشبه الملحدين الملزمون للمعاندين كعبد الله بن اباض)، وأبي الشعثاء جابر ابن زيد) رضي الله عنهما، فأهل هذا الصنف كلهم
(1) هو عبد الله بن إباض المقاعسي المري التميمي من بني مرة بن عبيد بن مقاعس رأس الأباضية وإليه نسبتهم اضطرب المؤرخون في سيرته وتأريخ وفاته وكان معاصراً لمعاوية، وعاش الى اواخر أيام عبد الملك بن مروان عده الشماخي في التابعين وقال: كان على ما حفظت ممن
خرج الى مكة
نشأ
في
لمنع حرم الله
من مسلم بن عقبة المري عامل يزيد بن معاوية، وكان كثيراً
ما يبدي النصائح لعبد الملك بن مروان، وفي حفظي انه يصدر في أمره عن رأي جابر بن زيد.: زمان معاوية بن أبي سفيان وعاش الى زمان عبد الملك بن مروان وكتب اليه بالسيرة المشهورة واراد بالسيرة رسالة بعث بها عبدالله بن اباض الى عبد الملك بن مروان يقول فيها بعد البسملة والمقدمة: جاءني كتابك مع سنان بن عاصم الخ ويذكر فيها أنه ادرك معاوية ورأى عمله وسيرته ونقل نشوان الحميري عن أبي القاسم البلخي المعتزلي حكى أصحابنا يعني المعتزلة ان عبدالله لم يمت حتى ترك قوله أجمع ورجع الى الاعتزال، الخ توفي عام 86 هـ. راجع في دائرة المعارف الاسلامية الأباضية.
(2) سبقت الترجمة له في هذا الجزء.
235 (2/235)
صفحة 693
لئلا
تجب ولايتهم على أهل مصرهم ومن بلغه خبرهم ويسع جهلهم من لم يبلغه خبرهم، ولا يحل لاحد ولو اطلع على كبيرة منهم أن يبرأ منهم مع من لم يعلم كعلمه فيهم يبيح من نفسه البراءة نعم يبدأ منهم في نفسه من غير أن يطلع أحد على ذلك ويتولى من يتولاهم أوليائه، لأن كلا مخصوص بعلمه حكي أن الامامين ابن محبوب وموسى بن علي رضي الله عنهما كانا يبران من المهنا بن جيفر السريرة لعلم خصهما فيه وفي صحة هذه الحكاية نظر لانهما كانا يبران في أنفسهما فمن الرافع ذلك عنهما إذ لا يحل لهما أن يبدياها احد لم يعلم موجب البراءة من المهنا، فان كانا أبدياها
من
معه
مع
احد
كحكمهما
يعلم من المهنا كعلمهما فيه فحكم ذلك الذي أبديا لا يحل له أن يبدي ذلك الا مع من علم كعلمه في المهنا، وهكذا حتى ينقطع الخبر ولم يكن المهنا رضي الله. عنه من أئمة الجور حتى يكون ممن تجوز منه البراءة جهرا هذا وما حكي أن رجلا اتى الى الامام ابن محبوب رضي الله عنه فقال: انا ابرأ من المهنا فقال ابن محبوب انا براء منك فوجهه ظاهر على عدم صحة تلك الحكاية ان ابن محبوب لم يبرأ من المهنا سرا أما على تقدير صحتها فوجهه أن ذلك الرجل أظهر البراءة من المهنا فيه وهو بابدائه البراءة ممن تجب على العامة ولايته مع من لم يعلم أنه أطلع على ما اطلع عليه مبيح من نفسه البراءة.
مع من
لم يعلم
أنه
يعلم
كعلمه
(الصنف الثاني: لم تجب ولايتهم على العامة وانما تجب على من بلغه موجب ولايتهم باحدى الطرق المتقدم ذكرها، فمن علم بكبيرة أهل هذا الصنف يحل له ان يبديها مع من علم انه يتولاه
من
لئلا
يبيح من نفسه البراءة معه.
(واختلفوا) في جواز إبدائها عند من لم يعلم أنه يتولاه فذهب بعضهم الى جواز ذلك لانه لم تجب له ولاية على الكل والأشياء على اباحتها
236 (2/236)
صفحة 694
ما لم يمنعها مانع وبعض يمتنع من ذلك لئلا يصادف وليا له فيكون قد أباح من نفسه البراءة مع من يتولاه وقال آخرون: ان فعل ذلك صغيرة من الذنوب ورده الامام رضي الله عنه أما اذا كان فسقه مشتهرا بين الانام فلا بأس بابداء البراءة منه واشهارها لقوله عليه الصلاة والسلام اذيعوا بخبر الفاسق ليحذر الناس شره ما لكم وللمنافق قولوا فيه ما فيه» ويدخل تحت هذا الصنف البراءة من أئمة الضلال المتدينين والجبابرة المعتدين فإن اشهار البراءة في مثلهم مما يندب اليه لئلا يختر جاهل بما هم عليه أو يظن ظان بسكوت المسلمين عن الانكار عليهم رضى بفعلهم وربما وجب الانكار عليهم وذلك كما إذا كان المسلمون في حيز القدرة في الانكار عليهم، ويسقط الوجوب مع عدم القدرة على الانكار وتبقى الفضيلة لمن انكر فإن قتل على ذلك أفضل الشهداء» أفضل الجهاد عند الله كلمة حق عند سلطان من
كان
جائر يقتل عليها صاحبها».
237 (2/237)
صفحة 695
على الورى سريرة براءته)
(وفي ولي وج
ولايته
(إن وجبت عليك والذي نطق
بها جهارا للبراءة استحق)
(قوله وفي ولي أي والقول في ولي او الحكم في ولي وجبت ولايته على الخلق إذا اطلعت على موجب البراءة منه فحكمه أن تبرأ منه سريرة ولا تبدي ذلك غيرك لئلا مع تبيح من نفسك البراءة معه.
(قوله على الورى) أي الخلق المكلفين الذين بلغتهم أخبار الولي ففي اطلاق الورى على ما ذكرنا مجاز مرسل علاقته العموم والخصوص. (قوله سريرة براءته) أي براءته مسرورة فسريرة فعلية بمعنى مرفوعة ورفع على أنه خبر المبتدإ المحذوف أول البيت وهو القول أو الحكم على التقديرين المتقدمين ورفع براءته على أنه فاعل لسريرة. (قوله إن وجبت عليك شرط حذف جوابه بدلالة ما قبله عليه.
(قوله) والذي نطق بها جهارا اي والذي يظهر علمه بالبراءة ممن وجبت ولايته على العامة مع من لم يعلم كعلمه في ذلك الولي فقد استحق للبراءة منه، لانه لا يحل له أن يبدي ذلك مع من لم يعلم انه يعلم كعلمه لان ولاية ذلك الولي واجبة على الكل ولا يجوز لاحد أن يبدي البراءة من أحد مع من يتولاه لان ذلك المتولي (بالكسر) يجب عليه نصرة المتولى (بالفتح)، والذب عنه وعن عرضه وعن دينه، فإذا قدح فيه قادح عنده صار مبيحا من نفسه البراءة على أنه يجب عليه أن لا يبيحها من نفسه وان لا يظهر ما يخالف حكم الشريعة
وان كان محقا في السريرة.
238 (2/238)
صفحة 696
(ومن يح براءة
فهالك وهو ?
(وإن يكن من الالى لم تلزم
لهم ولاية على الكل اعلم
(فبعضهم رخص
البراءة من
تعلم
ولاية والبعض من ذا يحتمي)
(قوله ومن يبح براءة من نفسه فهالك أي ومن يظهر ما يوجب نفسه فهو هالك لوجوب اتباع حكم الشريعة في الظاهر (قوله وهو حر بخسه) أي وهو حقيق بحقارته فحر بمعنى حقيق حكي لغة النقص فيه صاحب المصباح عن التهذيب والمشهور فيه تشديد الياء وخس بفتح المعجمة مصدر خس كضرب وتعب وزنا بمعنى حقر (قوله وان يكن أي الولي قوله من الألى لم تلزم لهم ولاية على الكل) اي اذا كان الولي الذين لم تجب ولايتهم على كل من بلغه خبرهم فاطلع أحد على ما يوجب البراءة منهم هل يجوز أن يبدي ذلك العلم عند من لم يعلم أنه يتولاهم .. ؟ قولان اشار اليهما بقوله فبعضهم الخ.
من
(قوله اعلم تكملة للبيت وفيه تنبيه السامع على الجواب الاتي (قوله فبعضهم أي بعض العلماء (قوله رخص ما لم تعلم ولاية اي قال بجواز ذلك عند من لم يعلم انه يتولى المتبرأ منه وفي اطلاق الرخصة على القول مجاز استعاري بجامع السهولة في كل منهما، لان الرخصة شرع ثانيا لاعذار العباد كالفطر في رمضان للمريض، والمسافر فانه شرع أولا الصوم في رمضان وشرع ثانيا الافطار لذلك العذر فالشرع الأول: عزيمة، والشرع الثاني يسمى رخصة، وكذلك يسمى
شرعا
هي
ما
239 (2/239)
صفحة 697
أكل الميتة للمضطر فانه شرع اولا تحريمها وهو العزيمة، وشرع ثانيا اباحتها للمضطر وهو الرخصة (قوله والبعض من ذا يحتمي) أي
يمتنع.
240 (2/240)
صفحة 698
(وإن يكن کفرانه مشتهرا
لا بأس إن بكفره قد جهرا
قوله وان يكن أي من اطلعت على كبيرة منه (قوله كفرانه) مصدر كفر الشيء بمعنى غطاه لغة وهو في الشرع بمعنى الفسق أي شامل لكفر الشرك وكفر النعمة كما سيأتي قوله مشتهرا) المراد بالاشتهار هنا أن لا يقول فيه من يعرفه الا شرا ومن لا يعرفه لا يقول فيه شيئا. (قوله لا بأس إن بكفره قد جهرا) أي فاذا كان أهل هذا من القبيل فليس على من أظهر البراءة بأس لان المحذور هنا مأمون والمحذور من يتولاه فانه وان أمكن مصادفة ذلك المحذور فهو امكان بعيد لا يلتفت إليه حتى قال الامام رضوان الله علي إن من تاب معه هذا المشهور بالفسق أو علم منه التوبة بوجه ما انما يتولاه سرا والدليل ذلك قوله عليه الصلاة والسلام) من ألقى جلباب الحياء
مصادفة
»
على جميع عن وجهه فلا غيبة له) وقوله ع) ما لكم وللمنافق قولوا فيه ما فيه».
241 (2/241)
صفحة 699
ومتبر من
لك قل
بكفره إن لم يتب عما فعل)
(قوله ومتبر من ولي لك (قل الخ الواو للاستئناف ومتبر مبتدأ مسوغه العمل في الجار والمجرور بعده وخبره الجملة الانشائية في قوله قل بكفره الى اخره بناء على مذهب من اجاز ان يكون خبر المبتدأ جملة
منه
عندك
انشائية، والمعنى انه اذا كان لك ولي فلا يجوز لاحد أن يبرأ عندك ولو اطلع على ما يوجب البراءة منه، فان برئ منه متبر فاستتبه فان تاب فذاك المطلوب وان أبى عن التوبة فابرأ منه، قال الشيخ ابن ابي نبهان: ان لم يتب فنبهه أن التوبة عليه واجبة فان أبى منه وكذلك حكم من قذف وليك بكبيرة أو قال برئ مني فلان الولي بلا موجب استحق به البراءة لانه اذا قال بذلك فقد رماه بكبيرة ويستثنى من هذه القاعدة أربع مسائل.
فابراً
يستوجب
(احداها): ما اذا فعل وليك فعلا لا تدري أنت ما حكم ذلك الفعل مع علمك بوقوع الفعل منه فبرئ منه متبرئ على ذلك الفعل فلا يحل لك أن تبرأ من ذلك المتبرئ مخافة أن يكون ذلك الفعل مما فاعله البراءة، هذا إذا لم يعلم أنك قد اطلعت على ذلك الحدث فبرئ منه عندك، وعلمت أنت انه لم يطلع على علمك بذلك الحدث فعليك أن تبرأ من المتبرئ ولو كنت قد اطلعت على الحدث الذي برئ هو بسببه اذ لا يحل له أن يبدي البراءة من أحد من يتولاه إلا إذا علم أنه اطلع على حدثه.
مع
(الثانية): إذا قال وليك لواحد من أهل الجملة وانت تسمعه يا فاسق أو يا ضال أو يا منافق فرد عليه بشيء من هذه الاسماء العامة فلا من ذلك الراد لاحتمال أن يكون غير فاسق ولا ضال ولا منافق،
يبرأ
242 (2/242)
صفحة 700
هو
منه بذلك
وانما رماه الولي فانه ان كان الولي قد رماه بذلك فذلك الولي الضال المنافق أما اذا قال له يا سارق أو يا آكل الربي أو نحو ذلك الأمور الخاصة فرد عليه بشيء مما قاله له فانه يبرأ في الحين، لأن الولي إما أن يكون محقا في ذلك القول أو مبطلا، فان كان مبطلا فليس كل مبطل سارقا أو أكلا للربي أو نحو ذلك فظهر انه قد رماه بكبيرة لم يكن مستحقا لها.
من
(الثالثة): ما يقوله الخصم للولي المدعى عليه قد دعيت على ما ليس علي أو يقول للشهود المتولين شهدتم علي بالزور أو يقول للحاكم المتولي حكمت علي بالجور ونحو ذلك في مقام الخصومة فانه لا يبرأ منه كذا في القواعد ومختصره، ودليلهم على ذلك قوله الله إن لصاحب الحق مقالا (أما اذا قال للولي المدعي أنت ظالم أو تظلم الناس أو للشهود أنتم شهود الزور أو للحاكم انت حاكم الجور فانه يبرأ منه بذلك الاطلاق.
(الرابعة ما اذا كان المشهور بالفسق والضلال قد اطلعت على فسقه وضلاله ولم يطلع عليها غيرك مثلا فإنه تجب عليك ولايته لما علمت منه ولا تبرأ ممن برئ منه معك على ما
توبته من
-
حدثنا
رضي
(1) الحديث رواه الامام البخاري في كتاب الاستقراض 4 باب استقراض الابل 2390 شعبة أخبرنا سلمة بن كهيل قال سمعت أبا سلمة بمنى يحدث عن أبي هريرة الله عنه: أن رجلاً تقاضى رسول الله - لا الله - فأغلظ له، فهم به أصحابه فقال: دعوه فان لصاحب الحق مقالاً واشتروا له بعيراً فأعطوه اياه.
ورواه أيضاً 13 باب لصاحب الحق مقال 3401 عن سلمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة
-
رضي
الله عنه وذكره.
ورواه الامام مسلم في المساقاة 120 وأحمد بن حنبل في المسند 4: 268، 416، 456
(حلبي).
243 (2/243)
صفحة 701
معه
(تنبيهان): الاول من ادعى ولاية أحد في تمل أن يكون صادقا
منه
في دعواه فله الحجة على من سواه اي فلا يجوز لاحد ان يبرأ أما اذا لم يحتمل أنه تولاه بحق فهو مبطل ولا حجة له. (الثاني): من رمى أحدا من أهل الوقوف بكبيرة ما عدا الزنا والشرك فليس عليك منه شيء الا اذا علمت انه مبطل في قذفه أما إذا رماه بالزنا فهو فاسق وكذا إن رماه بالشرك عند أهل المغرب وان كان الله صادقا حتى يأتي بأربعة شهود في الزنا وشاهدين
فيما بينه وبين
في الشرك، وقيل يجري ثلاثة شهود في الزنا وهو رابعهم اذا كان
معه
في الشرك اذا كان هو عدلا، وسيأتي الكلام
عدلا وشاهد آخر مبسوطا في القذف بالزنا ان شاء الله تعالى.
244 (2/244)
صفحة 702
(وفي ولي ترك الفرض اقتف
عذرا له ان لم تجد عنه قف)
ثم استبه ان يكن منك قبل
من
ولتبر ان لم يرجعن عما عمل)
(قوله وفي ولي ترك (الفرض الخ (اعلم انه اذا احدث الولي حدثا لا يحل فعله فلا يخلو ذلك الحدث من أحد أمرين: إما أن يكون الأشياء التي لم تتعلق بها حقوق العباد ولم يكن فيها حق إلا لله وإما أن يكون من الأشياء التي للعباد فيها حق وسيأتي بيان هذا من الاشياء التي لا حق للعباد فيها وذلك كترك الفرض الواجب عليه فعله من نحو الصلوات الخمس وصوم رمضان فحكم هذا الولي أن يلتمس له عذر في ذلك الترك ولا يبرأ منه في الحال، لاحتمال أن يكون ترك الصلوات أو أكل ناسيا فان احتمل
النوع
أما اذا كان حدثه
ذلك العذر بقي على ولايته وان لم يحتمل كما اذا نبه على ترك الصلاة وتضييعه الصوم فلم يزدجر أو أقر انه فعل ذلك بغير نسيان فانه يوقف عن ولايته حتى يستتاب فان تاب رجع الى ولايته وان أصر برئ منه ومثل هذا ما اذا رأى وليه يصلي بلا وضوء أو يصلي قاعدا ويراه صحيح الجسم يذهب ويجيء وهكذا اما اذا رآه مرتكبا لمحجور بالدين فسيأتي حكمه في الباب الرابع من هذا الركن ان شاء الله تعالى. (قوله اقتف عذرا (له أي استتبع له عذرا في تركه ذلك الفرض وفيه اشارة الى المبالغة في طلب العذر للولي اذا كان بينك وبين اخيك المؤمن مثل نسج العنكبوت فلا تهتك ستره.
(قوله عنه قف) أي عن ولايته أي فف عن ولايته اذا لم تجد
245 (2/245)
صفحة 703
له عذرا بترك ذلك الفرض ثم استتبه كذا في الأثر، وفيه التفرقة بين ما اذا ترك الولي فرضا بلا عذر وبين ما اذا ارتكب محجورا بلا عذر، فانه سيأتي انه اذا ارتكب كبيرة يستتاب فان ابى برئ منه وقيل يبرأ منه ثم يستتاب وليس فيه قول بالوقوف حتى يستتاب، والظاهر أن ترك الفرض بلا عذر وارتكاب الكبيرة سواء لان الكل كبيرة ولا ينفعه وجود كثرة الاحتمالات في تركه الفرض بخلاف ارتكاب الكبيرة فان الكلام مفروض عند ارتفاع العذر وبارتفاعه ترتفع الاحتمالات فلا
فرق.
التي
(قوله ثم استتبه ثم هنا لمطلق الترتيب أي ليست على حقيقتها
مي
التراخي بقرينة المقام لانه لا يشترط المهملة
بين
الاستتابة والوقوف فهي فيه مجاز مرسل لعلاقة الاطلاق والتقييد (قوله ان يكن منك قبل شرط حذف جوابه تقديره ان قبل منك فارجعه الى ولايته فاللام للطلب قوله) ان لم يرجعن عما عمل)
منه
(قوله ولتبر) أي وابرأ شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه وسمى ترك الفرض عملا بناء على أن الترك فعل كما في نظيره.
246 (2/246)
صفحة 704
وان أتى الولي ما
توله والبعض
حق وللعباد كالقتل
يقف
}
عنه وفي البراة منه ضعف)
ذلك
(قوله وان اتى الولي (الخ هذا بيان حكم النوع الثاني من حكم الولي المحدث وهو ما اذا احدث حدثا للعباد فيه حق كما الله فيه حق كقتل النفس فانه فيه حقا الله تعالى من حيث النهي عن قتلها بلا حق وفيه حق للعباد لما جعل الله لولي المقتول من السلطان على القاتل، فاذا اتى الولي بحدث هذه صورته فاما أن يتبين حقه في الفعل فلا ينتقل عن حكمه الاول من الولاية وما أن يتبين باطله فلا قول فيه الا البراءة منه بعد أن يستتاب فلم يتب وفي قول آخر قبل أن يستتاب وإما أن يحتمل حقه وباطله اي لم يقم الدليل على أنه محق في قتله، ولا على انه مبطل فيه فان احتمل كذلك ففيه للائمة
ثلاثة مذاهب.
(المذهب الاول) للامام أبي علي موسى بن علي واختاره الامام الله ابو سعيد رضي عنه وهو ابقاؤه على ولايته ما دام محتملا أن يكون فعله حقا لان ولايته ثبتت بيقين ولا يزيل اليقين الا يقين مثله وهذا المذهب هو الصحيح عندنا والمطابق للقواعد الاصولية لما فيه من استصحاب حال الأصل حتى يتيقن زواله وفي الرجوع عن الولاية الى ما سيأتي من مذهبي الوقوف والبراءة رجوع عن العلم الى الشك. (المذهب الثاني لبعض الأئمة الوقوف عن الفاعل لما في الاشكال حيث احتمل أن يكون حقا وان يكون باطلا وقد قال تعالى
فعله
من
247 (2/247)
صفحة 705
»
ولا تقف ما ليس لك به علم (1) وقال لا وأمر اشكل عليك
فقف عنه (2) وفي رواية (
فكله
الى
الله
(
(قلنا) ليس في هذا اتباع لما ليس له علم فانه قد تقدم له العلم بان الفاعل ولي فهو مقتف لعلمه الأول لا لما لا يعلم وليس مع العلم اشكال فلا وقوف.
(المذهب الثالث: البراءة من الفاعل لما يقتضيه الحكم الظاهر فان الظاهر في القتل الحجر وهو الأصل ولا يحل الا بعارض ففي البراءة منه عمل بحكم الأصل ونسب هذا المذهب للامام أبي جابر موسى
عنه
الله
ابن أبي جابر رضي الله عنه وضعفه جدا الامام ابو سعيد رضي ووجه تضعيفه له أن فيه تركا للاصل الاول الذي هو الولاية الثابتة بيقين والانتقال عنه الى اصل آخر لم يتيقن باطل.
(قوله ما الله به حق اي ما الله حق فيه وحق
الذي شرعه على عباده.
الله في الاشياء حكمه
(قوله وللعباد) أي فيه حق فهو اكتفاء وحق العباد في الاشياء هو السبيل الذي جعله الله لهم.
(قوله كالقتل) لان فيه حقا الله وهو النهي عن فعله وحقا للعباد وهو السلطان لوليه قوله (انتبه أي استيقظ لما سيأتي من الجواب
(1) سورة الاسراء آية رقم 36. (2) الحديث رواه ابن ماجة في المقدمة 8 باب اجتناب الرأي والقياس 55 حدثنا الحسن بن حماد، سجادة، ثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن محمد بن سعيد بن حسان عن عبادة بن
-
نسي عن عبد الرحمن بن غنم، ثنا معاذ بن جبل قال: لما بعثني رسول الله الى اليمن قال: لا تقضين ولا تفصلن الا بما تعلم وان أشكل عليك أمر فقف حتى تبينه او تكتب الي فيه ..
248 (2/248)
صفحة 706
قوله توله أي على أصل ما كنت عليه (قوله والبعض منهم يقف)
عنه لما فيه
الاشكال من عندهم (قوله وفي البراة) باسقاط الهمزة وكسر الهاء أو باثباتها وسكون الهاء ضرورة (قوله منه ضعف) أي من الولي وضعف بفتحتين أما الاولى فاصلية على لغة تميم وأما الثانية فتابعة وهو خلاف القوة وقريش تضم اوله وقال بعضهم الضعف بالفتح في الرأي وبالضم في الجسم كذا في المصباح.
249 (2/249)
صفحة 707
(كذا اذا أتى بفعل حجرا
في الاصل والحل بعارض يرى)
هذا اذا ما كان فعله احتمل
حقا وباطلا والا حيث حل)
(قوله كذا إذا اتى بفعل حجرا في (الاصل) الخ أي حكم الولي اذا أتى بفعل محجور في الاصل لكن يحتمل أن يكون فعله بحق كحكمه اذا أتى فعلا فيه حق الله وللعباد وذلك كما اذا رأيت الولي يأكل لحما من يد مجوسي فان ذبيحة المجوسي حرام وحكم ما أنه في يده من اللحم حرام كذلك حتى يعلم ذبح تلك الذبيحة غيره ممن تجوز ذبيحته فاذا رأيت وليك يفعل ذلك ففيه المذاهب المتقدم ذكرها وهي الولاية لاحتمال ان يكون قد علم أن ذلك اللحم حلال والوقوف لما اشكل من أمره والبراءة بما ارتكبه لان فعله محجور في الاصل. (قوله والحل بعارض يرى أي يحتمل ذلك الفعل أن يكون حلالا لعارض عرض عليه وذلك العارض مثلا في لحم المجوسي هو أن يكون ذبحه من تجوز ذبيحته.
احتمال
(قوله هذا اذا ما كان فعله (احتمل الخ اي هذا حكمه ان احتمل فعله ان يكون حقا وأن يكون باطلا.
(قوله والا حيث (حل أي وان لم يحتمل فعله الا أحد الأمرين أما الحق والباطل فانزله حيث حل من المنازل فمثاله اذا لم يحتمل الا الحق في قتله للنفس كأن ترى انسانا يعدو اليه يطلب قتله فسبقه فقتله فان قتله هذا حق لا يزيده في منزلة الولاية الا علو درجة ومثاله اذا لم يحتمل قتله الا الباطل كأن تراه يقتل رجلا وذلك الرجل يستغيث
250 (2/250)
صفحة 708
بالله وبالمسلمين وهو لا ينفك عنه أو ترى المقتول مذعنا بما عليه
لا
ينادي ان كان لك علي حق فانا أؤديه على يد المسلمين وهو ينفك عن قتله، فانه من حين ما اذعن بما عليه او استغاث بالله أو
الا الحق
بالمسلمين وجب الكف عن قتله فالقادم على قتله بعد ذلك قادم على محجور، ومثاله اذا لم يحتمل أكله اللحم من يد المجوسي أن ذلك اللحم ذكاه من تجوز ذبيحته ومثاله اذا لم يحتمل أن ذلك اللحم بعينه ذبحه من لا تحل ذبيحته.
تعلم
كأن
الا
الباطل
كأن
تعلم
251 (2/251)
صفحة 709
(وفي ولين تخالفا بمـ
يوجب
(تولى بالرأي وان شئت فقف
واحد فانبهم
وقوف رأي أن يكونا في ضعف)
وأن يكونا عالمين تلزم
ولاية المحق فيما نعلم)
(قوله وفي وليين) أي والقول في وليين أو الحكم في وليين الى آخره، فالمحذوف مبتدأ خبره تول بالرأي الخ على مذهب من أجاز
الاخبار بالجملة الطلبية.
(اعلم) أنه اذا اختلف المختلفان في الدين فلا يجوز أن يكون كلاهما محقين ويجوز أن يكون كلاهما مبطلين وان يكون احدهما محقا والآخر مبطلا فاذا وقع ذلك في حضرتك أو بلغك علمه من حيث لا تشك فيه فلا يخلو هذان المختلفان من أحد أمرين إما أن يكونا وليين لك فيما تقدم أو غير وليين فان كانا غير وليين فيما تقدم فانت في سلامة من أمرهما، اللهم الا أن يكون المحق منهما عالما فيقيم الحجة عليك ببطلان من خالفه، فحينئذ يلزمك ان تبرأ من المبطل على المذهب المختار، أو يكون الحدث في الجملة فلا يسعك الجهل بضلال المضل أو يكون الحدث في تفسيرها فانت على ما تقدم من الاختلاف وان كانا وليين لك فيما تقدم فلا يخلوان من أحد أربعة أمور: إما أن يكونا ضعيفين معا أو عالمين معا أو المحق عالما والمبطل ضعيفا أو العكس فان كانا ضعيفين معا فلك في أمرهما طريقان الطريق الاول تنزيلهما من ولاية الدين الى ولاية الرأي ومعنى ولاية الرأي على ما صرح به العلامة الصبحي وغيره أن تعتقد انك تتولى المحق منهما وتبرأ من المبطل.
252 (2/252)
صفحة 710
يجوز
الطريق الثاني: أن تقف عنهما وقوف رأي ومعنى وقوف الرأي أن تعتقد انك واقف عنهما لما عن لك من الأمر المشكل بحيث لا أن يكون فيه كلاهما محقا وتعتقد مع ذلك انك تتولى المحق منهما وتبرأ من المبطل فتلخص مما ذكرنا انك اذا توليتهما برأي يجوز لك أن تدعو لهما كما كان للولي بشريطة واذا وقفت عنهما بالرأي فلا يجوز لك أن تدعو لهما بما يستحقه الولي حتى يتبين لك المحق منهما فتواليه والمبطل، فتعاديه وان كان كلاهما عالما فلا يجوز لك الا أن تتولى المحق منهما على ما كان عليه من ولاية الدين وتبرأ من المبطل بدين وهذه احدى طريقتين فيه والطريقة الثانية لا يلزمك البراءة من المبطل منهما اذا لم يتبين لك ضلاله بل يجوز لك أن تتولاه برأي وان تقف عنه برأي، وهذه الطريقة موقوفة على شرطين احدهما: أن لا تجمع المختلفين في ولاية الدين وثانيهما: أن لا تبرأ من المحق منهما لاجل قوله بالحق وان لا تقف عنه برأي ولا وان كان المحق عالما والمبطل ضعيفا فهما بمنزلة ان لو كانا عالمين وإن كان المبطل عالما والمحق ضعيفا فهما بمنزلة ان لو كانا ضعيفين. أعم
من
دين
(قوله مما يوجب كفر (واحد أي منهما والمراد بالكفر ما هو الشرك وكفر النعمة، واحترز بالخلاف الموجب لكفر واحد منهما عن الخلاف الذي لم يوجب كفرا كما اذا اختلفا في شيء من المسائل الاجتهادية ولم يضلل بعضهم بعضا.
هي
أن تبقيهما
(قوله فانبهما) أي فخفي حكمه على السامع والالف للاطلاق (قوله تولى (بالرأي اي تولاهما ولاية رأي وولاية الرأي هنا على ولايتهما الأصلية مع اعتقاد البراءة من المبطل منهما وفي غير أن هذا الموضع (وهي) تتولى وليك على أصل ما كان عليه من الولاية اعتقاد البراءة منه ان كان حدثه يخرجه من الولاية الى البراءة (وولاية)
مع
الرأي
هي ولاية الشريطة وبعضهم يعبر بولاية الشريطة عن الولاية في
253 (2/253)
صفحة 711
الجملة (وأما) براءة الشريطة فهي أن تبرأ من الفاعل ان كان حدثه يفضي به الى البراءة وبراءة الشريطة ملازمة لولاية الرأي، أي لا تكون ولاية الرأي في أحد إلا وتلازمها فيه براءة الشريطة.
هو
(واعلم) أن التعبير بولاية الرأي وبراءة الشريطة عما ذكرنا أنما اصطلاح لائمتنا أهل المشرق أما أئمتنا من أهل المغرب فليس معهم هذا الاصطلاح، وانما يجعلون الولي على ولايته لكن يلزمون المكلف اعتقاد البراءة من كل عدو الله فهم متفقون معنى في هذا المقام وليس في الاصطلاح مشاحة.
(قوله وان شئت فقف وقوف رأي اي وان شئت فقف عنهما وقوف رأي لا وقوف دين (ووقوف) الرأي هو أن تعتقد أنك واقف عنهما لما اشكل عليك من أمرهما حتى يتبين لك حق واحد منهما فترده الى ولايته وبطلان الآخر فتبرأ منه وهذا المذهب لبعض ائمتنا أهل عمان، ومثلوا لذلك بالآنية النجسة اذا اختلطت بالاواني الطاهرة وبلحم الميتة اذا اختلطت بالمذكى وبالزوجة اذا اختلطت بغيرها من النساء ولم تعلم فانه يجب الوقوف في جميع هذه الأمثلة حتى يتبين المباح من غيره.
من
(واعلم)
أن الفرق بين وقوف الرأي ووقوف الدين هو أن وقوف الرأي انما تقف عن الولي أو عن الوليين حتى يتبين لك أن ذلك الحدث الذي وقفت لاجله لا يكفر به صاحبه فترجعه الى الولاية ووقوف الدين انما تقف عن المكلف لما جهلت من حاله ولا ينقله عن هذا الوقوف الا موجب الولاية أو موجب البراءة.
(والفرق بين وقوف الرأي وولاية الرأي أن ولاية الرأي ابقاء الولى على ولايته مع اعتقاد البراءة منه ان كان حدثه يفضي به الى البراءة ووقوف الرأي هو خروج عن حيز الولاية وثمرة الخلاف فيهما أن
254 (2/254)
صفحة 712
المتولي بولاية الرأي يصح ان يدعى له بخير الآخرة ولا يصح في الموقوف عنه برأي كما تقدم قوله أن يكونا في ضعف) بفتحتين على ما مر أي ان كان الوليان المختلفان في ضعف من قبل العلم فلك فيهما هذان الطريقان وإنما جاز الوقوف بالرأي في الوليين الضعيفين اذا اختلفا دينا لما أشكل من أمرهما ولم يجز ذلك في العالمين المختلفين بالدين لان المحق منهما حجة بنفسه لما في يده من الحق، فلا يصح أن تترك ولايته مع نطقه بالحق الذي هو حجة فيه بنفسه، والضعيف لا يكون حجة في شيء من ذلك فهو على ما اشكل من أمره (قوله وان يكونا) أي الوليان المختلفان بالدين قوله عالمين) أي بالكتاب والسنة والاجماع وبكيفية استنباط الاحكام من هذه الثلاثة (قوله تلزم ولاية المحق) أي يجب ابقاء المحق منهما على ولايته ولا نقله يصح منها الى غيرها لان في نقله عن ولايته ظلما لحقه وجهلا لحجته (قوله فيما نعلم أي لانا لم نجد خلافا في ذلك.
255 (2/255)
صفحة 713
واوجبن براءة من المصر
وقيل من لم يتوله عذر)
ومن تولى محدثا لفعله
قالوا فذاك هالك كمثله)
جهله من
(قوله وأوجبن براءة من المصر) أي واحكم بوجوب البراءة من المخطئ منهما لان قول العالم المحق حجة في ذلك أي اذا قال العالم المحق إن فلانا هذا خالفني في ديني وهو مبطل بذلك القول حجة منه على السامع تجب به البراءة من المبطل هذا كله على المذهب المختار من أن العالم الواحد حجة في ما يسع الدين. (قوله وقيل من لم يتوله عذر) أي وفي قول ثان أن من لم يتول المبطل فهو معذور وذلك كما اذا أخرجه من ولاية الدين الى ولاية الرأي أو الى وقوف الرأي فانه واسع له على هذا القول وهذا القول مبني على القول بان العالم الواحد ليس بحجة فيما يسع جهله من الدين. (قوله ومن تولى محدثا لفعله الخ أي ومن تولى محدثا لحدث لا يحل دينا عن حدثه ذلك فهو هالك كهلاك فاعل الحدث لانهما فيه سواء قال تعالى (ومن يتولهم منكم فانه وقال تعالى قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل) وليس المخاطبون هم القاتلين وانما القاتل آباؤهم لكنهم كانوا يتولونهم فسمي الرب تعالى متولي
منهم
(1) سورة المائدة آية رقم 51 وتكملة الآية: و ان الله لا يهدي القوم الظالمين). (2) سورة البقرة آية رقم 91 وصدر الآية واذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما انزل علينا ويكفرون بما وراءه، وهو الحق مصدقاً لما معهم). (2/256)
صفحة 714
القاتل قاتلا وقال (من أحب قوما فهو منهم) ولهذه الادلة حرم ولاية الناس كلهم لان فيهم المشرك والمنافق فمن تولاهم كلهم فهو فاسق لان من تولى المشرك ضال وقيل مشرك ومن يتولهم منكم فانه منهم ولهذه الادلة أيضا حرم البراءة من الناس كلهم لان فيهم الانبياء والأولياء أيضا وحرم الوقوف عن الناس كلهم لان فيهم من تجب عليه ولايته وفيهم من تجب عليه البراءة منه وقطع عذر المتولي لهم كلهم والمتبرئ منهم كلهم والواقف عنهم كلهم خلافا لمن قال يعذر في الولاية لهم كلهم لاحتمال ان يكون اراد البعض منهم وعبر بالكل والقرينة الصارفة عن الكل كونه موحدا لانا نقول: إن هذا الاحتمال موجود في الثلاثة المواضع فان عذر في جانب الولاية لذلك الاحتمال وجب عذره في جانبي البراءة والوقوف لان ذلك الاحتمال موجود فيهما أيضا كذا قال القطب رحمه الله في المذهب (قوله قالوا) أي المسلمون جميعا ففيه اشارة الى الاجماع (قوله فذاك هالك) أي فذلك المتولي للمحدث هالك مثل المحدث والفاء رابطة لجواب الشرط وحملة القول معترضة بين الشرط وجوابه.
عنه
(قوله كمثله) أي مثل هلاك المحدث فالكاف زائدة والمضاف
محذوف.
(1) الحديث رواه البخاري في كتاب الأدب 96 باب علامة الحب في الله لقوله تعالى: (ان
كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله).
6169 حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي وائل قال: قال عبدالله بن مسعود رضي
جاء رجل الى رسول الله
قوماً ولم يلحق بهم؟
?
الله عنه
فقال يا رسول الله، كيف تقول في رجل أحب
فقال رسول الله - - ه المرء مع من من أحب ..
257 (2/257)
صفحة 715
الباب الثالث
من الركن الثالث)
في أقسام الوقوف وأحكامه)
أراد بأقسامه أنواعه الخمسة الآتي بيانها، وبأحكامه أحكام كل نوع منها واخر هذا الباب عن الذين قبله لان المصير اليه عند تعذر موجبات الولاية والبراءة وقدمه على الذي يليه لانه ضد الولاية والبراءة فناسب أن يذكر عقبهما.
الكف
عن
القدوم
والوقوف) لغة: انتصاب القامة واصطلاحا: هو في أحد بولاية أو براءة وهو في موضعه واجب لقوله تعالى «ولا تقف ما ليس لك به علم) ولقوله الله «وأمر أشكل عليك فقف عنه) وقوله عليه الصلاة والسلام) المؤمن وقاف والمنافق وثاب»
(1) سورة الاسراء آية رقم 36 وتكملة الآية ان السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه. مسؤولاً). (2) الحديث رواه ابن ماجة في المقدمة 8 باب اجتناب الرأي والقياس 55 حدثنا الحسن بن حماد سجادة، ثنا يحيى بن سعيد الأموي عن محمد بن سعيد بن حسان عن عبادة بن نُسي
عن عبد الرحمن بن غنم، ثنا معاذ بن جبل قال: لما بعثني رسول الله
—
-
اليمن قال: وذكره.
258 (2/258)
صفحة 716
وعلى هذا اجمعت الأمة المحمدية فوجوبه ثابت بالكتاب والسنة والاجماع وله اقسام خمسة كلها مختلف فيها الا الاول فانه محل الاجماع الذي ذكرناه وكلها يجوز الاخذ به على خلاف في بعضها الا الخامس الذي هو قوف الشك.
السلامة هو
(القسم الاول): وهو المجتمع عليه وقوف الدين وسماه بعض وقوف السلامة ومحله في مكلف لم تعلم حاله بصلاح ولا فساد، فانه يجب عليك الوقوف عن ولايته وعن البراءة منه دينا وفي الكفاية وقوف أن يقف عن الفتيا بجهله بعدلها ويتولى العالم المفتي بها أو يقف عن المحدث ويتولى من برئ منه من العلماء أو يقف عن المحق ويتولى من تولاه من العلماء فان وقف عن المفتي والمتولي والمتبرئ فقد دخل فيما لا يسعه جهله لانه قد وقف وقوف الشك المهلك لاهله وعلى هذا فاقسام الوقوف ستة.
(القسم الثاني): وقوف الرأي ومحله فيما اذا كان لك ولي أحدث حدثا لا تدري أنت حكمه فانه يجوز لك عند بعض أن تقف عنه حتى تعلم حكم حدثه فترده الى الولاية ان كان حدثه له يخرجه منها. (القسم الثالث): وقوف السؤال وهو وقوف الرأي بعينه لكن بعض القائلين بوقوف الرأي أوجبوا على الواقف وقوف الرأي السؤال عن حكم حدث وليه فسموا الوقوف مع اعتقاد السؤال عن حكم الولي وقوف سؤال فهو مع من قال به ملازم لوقوف الرأي.
(القسم الرابع) وقوف الاشكال ومحله في الوليين اذا تلاعنا أو تقاتلا ولم يعلم المبطل منهما من المحق فان بعض الأصحاب جوز الوقوف عنهما لما اشكل من أمرهما حتى يعلم المحق منهما فيتولى والمبطل فيبراً منه وسموا هذا الوقوف وقوف اشكال لا يخفى انه نوع من وقوف الرأي.
259 (2/259)
صفحة 717
(القسم الخامس) وقوف الشك وهو أن يقف الواقف عن ولاية
جميع
الناس فلا يتولى احدا الا منهم
من شك مثل شكه وهذا الوقوف
?
محرم
يجوز
الأخذ
به لما فيه من ترك ولاية المحق بعد وجوبها
ولما فيه من الولاية لمن ترك ولاية المحق بعد وجوبها أيضا.
260 (2/260)
صفحة 718
وقوف دين رأي أو سؤال
اشكال أو شك على ضلال)
(قوله وقوف دين) أي منهما وقوف دين فهو مبتدأ محذوف الخبر وقدم وقوف الدين على سائر الاقسام لانه محل الاجماع كما تقدم (قوله رأي) أي ومنها وقوف رأي فحذف المبتدأ لدلالة ما قبله عليه وحذف الخبر للعلم به من المقام فهو على حد قوله تعالى (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة اشهر» (1) واللائي لم يحضن أي فعدتهن كذلك وحذف العاطف لجواز حذفه وكذا القول في نظيره وقدم وقوف الرأي على ما يليه لانه اعم منهما فبعض القائلين بوقوف الرأي لم يقولوا بوقوف السؤال.
(قوله أو سؤال اي او وقوف سؤال وأو بمعنى الواو أي ومنها وقوف سؤال قوله اشکال بكسر الهمزة اي ومنها وقوف اشكال والاشكال لغة الالتباس فهذه الوقوفات كلها مختلف فيها ما عدا الأول والمختار عندي وفاقا لجمهور أهل المغرب عدم جوازها لما فيها من الرجوع عن اليقين الى الشك ومن العلم الى الجهل.
(بيان) ذلك أنه اذا كان لك ولي فانت على يقين من ولايته فاذا أحدث حدثا لا تعرفه وتركت ولايته لذلك كنت راجعا عن يقينك فيه الى الشك وربما كان ذلك الحدث الذي جهلته انت فعل طاعة فتترك ولايته لاجلها فالواجب عليك في وليك أن تبقيه على ولايته حتى تعلم ضلالته واعتقاد البراءة في الجملة من كل ضال مجز لك
(1) سورة الطلاق آية رقم 4.
261 (2/261)
صفحة 719
ان كان حدثه قد اخرجه عن حد البراءة تتولاه على ما عندك من العلم السابق، وتبرأ منه في الجملة إن كان عدوا الله (قوله على ضلال) اي ومنها وقوف على ضلال اي ملتبس بضلال.
262 (2/262)
صفحة 720
فالدين في كل فتى لم تعهد
خيرا وشرا منه كيما تقتدي)
والرأي في الولي ان تسنما
أمرا عليك حكمه قد
وقيل والسؤال مع ذا يلزم
أبهما)
فهو حليف الرأي مع من الزموا)
(قوله فالدين) أي فاذا اردت أن تعرف محل كل واحد من الوقوفات على سبيل اللف والنشر المرتب فوقوف الدين كذا الخ (قوله في كل فتى لم تعهد الخ) أي فمحل وقوف الدين كل مكلف لم يتقدم له عندك ما يوجب الولاية ولا ما يوجب البراءة وعبر بالفتى عن المكلف على سبيل المجاز الارسالي لعلاقة الاطلاق والتقييد وفائدة التجوز الاشارة الى أن الصبيان في الولاية كما هو المذهب المختار. (بيان): أخذ هذه الفائدة ذلك التجوز أن لفظ فتى لا يطلق من بموجب ولاية ولا بموجب براءة (قوله خيرا وشرا) المراد بالخير هنا موجب الولاية وبالشر موجب البراءة ففي التعبير بهما مجاز ارسالي لعلاقة الاطلاق والتقييد وفائدة التجوز بهما التنبيه على أن موجب الولاية لا يكون الا خيرا وموجب البراءة لا يكون الا شرا.
جميع
(قوله كيما تقتدي) أي كي تقتدي بواحد من الخير أو الشر المذكورين فما زائدة كافة لكي عن نصب الفعل (قوله والرأي في الولي الخ) أي ومحل وقوف الرأي الولي اذا اتى بحدث لا تدري انت حكمه (قوله ان تسنما أمرا اي ان ركب فعلا تقي اطلاق الامر على الفعل مجاز عند بعض، وفي البيت تشبيه الأمر بمركوب له سنام لان التسنم ركوب على السنام والمشبه به محذوف ذكر من لوازمه
263 (2/263)
صفحة 721
التسنم فالمحذوف استعارة بالكناية واللازم استعارة تخييلية (قوله قد أبهما) بالبناء للمعفول أخفي، والمراد انه لم يفتح الله لك معرفة حكم ذلك الحدث الذي ارتكبه وليك.
الرأي
(قوله وقيل والسؤال مع ذا يلزم أي وذهب بعض من قال بوقوف اعتقاد السؤال وقوف سؤال (قوله فهو حليف الرأي) أي مع فوقوف السؤال ملازم لوقوف الرأي مع من قال بوجوب السؤال على الصبي حقيقة ومعنى لم تعد اي لم يتقدم في وجودك فيه والقائلون بوجوبه في وقف الرأي قالوا بوجوبه في وقوف الاشكال لكن وقوف الاشكال نوع من وقوف الرأي.
(قوله مع من ألزموا) اي مع الذين قالوا إن السؤال لازم (قوله وفي وليين الخ) أي لعن كل منهما الآخر أو برئ كل واحد منهما من الآخر ولم يعلم أيهما البادي أما اذا علم أيهما البادي فيحكم عليه بالظلم كما في الحديث (اذا قال الرجل لاخيه يا كافر فقد باء به احدهما) ان كان الذي قيل له كافرا فهو كافر والا رجع على
من قال.
(قوله احكم وقوف (اشكال اي احكم فيهما بوقوف الاشكال لما اشكل من أمرهما (قوله اذا لم يعلم بطلان كل منهما) أي أو أحدهما
من اکفر
تأويل فهو كما قال. أخاه بغير
(1) الحديث رواه الامام البخاري في كتاب الأدب 73 باب. 6103 حدثنا عثمان بن عمر أخبرنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة،
رضي
عن أبي هريرة وقال عكرمة بن عمار عن يحيى بن عبدالله
النبي
-
ورواه أيضاً. بسنده عن عبدالله
-
الله عنه ان رسول الله بن يزيد سمع
قال: وذكره.
أبا سلمة
سمع أبا هريرة عن
الله بن عمر ـ رضي عنهما ان رسول الله - قال: وذكره.
ورواه الامام مسلم في ايمان 111 وصاحب الموطأ في الكلام 1 واحمد بن حنبل في المسند
2: 18، 44، 60،،، 105، 113 (حلبي).
264 (2/264)
صفحة 722
والمعنى أن وقوف الاشكال في الوليين اذا تلاعنا محله اذا لم يعلم أنهما مبطلان معان في لعن بعضهما بعضا أو أن المبطل واحد بعينه وفيه اشارة الى أنه يمكن أن يكونا مبطلين معا وأن يكون المبطل واحدا منهما دون الآخر وعدم امكان حقيقتهما معا (قوله والشك ان لا تولي غير من يشك) اي ووقوف الشك صورته أن لا تتولى غير من يشك مثل شكك وهو حرام لما تقدم من انه فيه تعطيل الولاية لمن وجبت ولايته.
265 (2/265)
صفحة 723
من
الباب الرابع
(من الركن الثالث)
في الصغائر والكبائر من الذنوب وأحكام ذلك
ناسب ذكره في هذا الركن لان ارتكاب الكبائر موجب للبراءة وارتكاب الصغائر له أحكام تناسب المقام أيضا ثم انه لا بد للعالم بالولاية والبراءة من أن يكون عالما بالصغائر والكبائر من الذنوب، والمراد علمه بالصغائر والكبائر تمييزه بين الاحوال التي يكفر بها المكلف والاحوال التي لا يكفر بها، فيحتاج أولا الى معرفة حدودهما ليميز بينهما اجمالا ثم يحتاج الى معرفة احكام كل واحد منهما. وبدأ المصنف بذكر حد الكبائر ثم ضبط الصغائر بأنها عكس الكبائر والمراد أن ما عدا الكبير من الذنوب فهو صغير وقد ذكر ابن حجر
(1)
للكبائر
أئمة
(1) هو أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني أبو الفضل شهاب الدين بن حجر من العلم والتاريخ أصله من عسقلان بفلسطين) ومولده عام 773 هـ بالقاهرة. ولع بالأدب والشعر ثم أقبل على الحديث ورحل الى اليمن والحجاز وغيرهما لسماع الشيوخ وعلت له شهرة فقصده الناس للأخذ منه وأصبح حافظ الاسلام في عصره، قال السخاوي انتشرت مؤلفاته في حياته وتهادتها الملوك وكتبها الأكابر، وكان فصيح اللسان راوية للشعر عارفاً بأيام المتقدمين والمتأخرين ولي قضاء مصر مرات ثم اعتزل من كتبه (لسان الميزان) =
266 (2/266)
صفحة 724
حدودا أحدها: انها ما لحق صاحبها عليها بخصوصها وعيد بنص كتاب سنة، فخرج بالخصوص ما اندرج تحت
أو
في كونه كبيرة بخصوصه.
عموم
فلا يكفي ذلك
(ثانيها): أنها كل معصية أوجبت الحدود بأنهم نصوا على كبائر كثيرة ولا حد فيها كأكل الربا ومال اليتيم والعقوق وقطع الرحم والسحر
والنميمة وشهادة الزور والسعاية والقيادة والرياسة وغيرها.
(ثالثها): أنها كل ما نص الكتاب على تحريمه أو وجب في جنسه حدا وترك فريضة تجب فورا والكذب في الشهادة والرواية واليمين وزاد الهروي) وشريح) وكل قول خالف الاجماع العام.
(رابعاه): كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين رقة الديانة مبطلة للعدالة وكل جريمة لا تؤذن بذلك بل يبقى حسن الظن ظاهرا بصاحبها لا تحبط العدالة.
= والأحكام لبيان ما في القرآن من الأحكام) و (تقريب التهذيب وغير ذلك كثير توفي عام
852 هـ.
(1) هو عبد
(2)
الله
بن
راجع التبر المسبوك 230 وخطط مبارك 37:6 ولسان الميزان 6 خاتمة. محمد بن علي الأنصاري الهروي أبو اسماعيل، شيخ خراسان في عصره من كبار الحنابلة من ذرية أبي أيوب الأنصاري كان بارعاً في اللغة حافظاً للحديث عارفاً بالتاريخ والأنساب مظهراً للسنة داعياً إليها امتحن وأوذي من كتبه (ذم الكلام وأهله، والفاروق في الصفات وكتاب الأربعين في التوحيد، و منازل السائرين وغير ذلك توفي عام 481 هـ. راجع الذيل على طبقات الحنابلة 1: 64.
هو شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي أبو أمية من أشهر القضاة في الاسلام، أصله من اليمن ولي قضاء الكوفة في زمن عمر وعثمان وعلي ومعاوية واستعفى في أيام الحجاج فأعفاه سنة 77 هـ وكان ثقة في الحديث مأموناً في القضاء، له باع طويل في الأدب والشعر، وعمر طويلاً ومات بالكوفة عام 78 هـ.
راجع طبقات ابن سعد 6: 90 – 100 ووفيات الأعيان 1: 224 وحلية الأولياء 4:
132:
267 (2/267)
صفحة 725
(1)
قال الاذرعي واذا تأملت بعض ما عد من الصغائر توقفت فيما اطلقه ا. هـ واعتذر عنه ابن حجر بما حاصله واذا تأملت كلام الامام الأول ظهر لك انه لم يجعل ذلك حدا للكبيرة خلافا لمن فهم منه ذلك لانه يشمل صغائر الخسة وليست بكبائر، وانما ضبط به ما يبطل العدالة من المعاصي الشامل لصغائر الخسة نعم هذا الحد أشمل من التعريفين الاولين لصدقه على سائر مفردات الكبائر ولكنه غير مانع لما علمت أنه يشمل صغائر الخسة ونحوها.
(خامسها) انها ما أوجب الحد أو توجه اليه الوعيد والصغيرة ما قال فيه الاثم.
(سادسها) انها كل محرم لعينه منهي عنه لمعنى في نفسه فان فعله على وجه يجمع وجهين أو وجوها من التحريم كان فاحشة فالزنا كبيرة وبحليلة الجار فاحشة والصغيرة تعاطي ما تنقص رتبته عن رتبة المنصوص عليه أو تعاطيه على وجه دون المنصوص عليه، فان تعاطاه على وجه يجمع وجهين أو وجوها من التحريم كان كبيرة فالقبلة واللمس والمفاخذة صغيرة ومع حليلة الجار كبيرة، كذا نقل عن الحليمي وفيه نظر.
(سابعها) انها كل فعل نص الكتاب على تحريمه اي بلفظ التحريم وهو أربعة اشياء اكل لحك الميتة والخنزير ومال اليتيم ونحوه والفرار
من الزحف ورد بمنع الحصر في الاربعة.
(1) هو أحمد. حمدان أحمد
بن
بن
بن عبد الواحد، أبو العباس شهاب الدين الأذرعي، فقيه شافعي،
ولد بأذرعات الشام وتفقه بالقاهرة وولي نيابة القضاء بحلب وراسل السبكي بالمسائل ه الحلبيات، وهي في مجلد، وجمعت فتاويه في رسالة عاد الى القاهرة سنة 772 هـ ثم استقر في حلب الى أن توفي عام 783 هـ وكان لطيف العشرة كثير الانشاد، وله نظم قليل. راجع الدرر الكامنة 125:1 واعلام النبلاء 86:5 وهدية العارفين 115:1 ودار الكتب 527:1 والبدر الطالع 35:1.
268 (2/268)
صفحة 726
(ثامنها): أنه لا حد يحصرها يعرفه العباد واعتمده الواحدي) الشافعية وبعض أصحابنا قالوا: لو أن للكبيرة حدا يحصرها يعرفه العباد لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها ولكن الله عز وجل اخفى ذلك عن العباد ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه رجاء أن تجتنب الكبائر، ونظائره اخفاء الصلاة الوسطى وليلة القدر وساعة الاجابة ونحو ذلك ا. هـ وقال الغزالي: ولا مطمع في معرفة الكبائر مع الحصر اذ لا ذلك الا بالسمع ولم يرد وقال مرة أخرى كل معصية يقدم المرء
يعرف
عليها من غير استشعار خوف ووجدان ندم تهاونا واستجراء عليها فهي كبيرة وما يحمل على فلتات النفس ولا ينفك عن ندم يمتزج بها وينقص التلذذ بها فليس بكبيرة. واعترض العلامي ما قاله هنا بأنه ان كان ضابطا للكبيرة من حيث هي فهو مشكل جدا اذ يرد عليه من ارتكب نحو الزنا نادما عليه فقضيته انه لا تنخرم به عدالته ولا يسمى كبيرة حينئذ، وليس كذلك اتفاقا وان ضابطا لما عدا المنصوص عليه فهو قريب ا هـ بتصرف. ولما كان الحد الخامس من هذه الحدود
هو الذي عول عليه الامام رضي
الله
-
الله
عنه وجمهور
الأصحاب
—
رحمهم
وكان ما عداه من الحدود مدخولا عول عليه الناظم أيضا.
(1)
هو علي بن أحمد بن محمد بن علي بن متويه أبو الحسن الواحدي: مفسر عالم بالأدب، نعته الذهبي بامام علماء التأويل كان من اولاد التجار أصله من ساوة (بين الري وهمذان)
ومولده ووفاته عام 468 هـ بنيسابور.
له البسيط، والوسيط والوجيز كلها في التفسير، وقد أخذ الغزالي هذه الأسماء وسمى بها تصانيفه، وشرح ديوان المتنبي، وأسباب النزول، والواحدي نسبة الى الواحد بن الديل بن مهرة. راجع النجوم الزاهرة 5: 104 والوفيات 1: 333 والسبكي 3: 289 وانباء الرواة
223:2
(2) سبقت الترجمة له في الجزء الأول في كلمة وافية.
269 (2/269)
صفحة 727
والذنب قسمان كبير وجبـ
حد به والباري منه غضبا)
فأوجب اللعن عليه او سخط
ولذا
او قبح الرسول من به سقط)
موجب
(قوله والذنب قسمان المراد بالذنب ما يشمل الاثم والزلة ونحوهما له تقسيمه الى صغير وكبير قوله كبير) أي القسم الأول صح كبير قوله وجبا حد (به أي الكبير ما وجب بسببه حد في الدنيا على فاعله كالسرقة فانها موجبة للقطع وكشرب الخمر فانه للجلد (قوله والباري منه غضبا أي ومن الكبيرة ما ذكره الله تعالى مقرونا بالغضب (قوله فأوجب اللعن عليه مرتب على قوله والباري منه غضبا والمراد بغضب الله تعالى عقوبته وبلعنه الطرد عن رحمته (قوله أو سخط) معطوف على غضب والسخط والغضب من (قوله أو قبح الرسول) بضم اللام فاعل قبح أي ومن الكبير ما قال فيه الرسول ل «قبح الله فاعل كذا» وحاصل ما ذكره أن الكبير من الذنوب هو ما ثبت فيه حد في الدنيا أو عذاب في الاخرة (قوله من به سقط) أي من وقع فيه.
الله
بمعنى
270 (2/270)
صفحة 728
وعكسه الصغير مثل الكذب
ان خف والرقص ومثل اللعب)
(ومن اصر لصغير فكمن
اتي الكبير في الكتاب والسنن)
(قوله وعكسه الصغير) أي عكس الكبير من الذنوب هو الصغير والمراد بالعكس هنا مطلق المخالفة أي ما عدا الكبير من الذنوب فهو صغير بناء على المذهب المشرقي أن الصغائر موجودة في الخارج وانها معلومة للعلماء وهو مذهب النكار وجمهور قومنا وذهب أصحابنا من أهل المغرب وبعض أهل المشرق الى أنها موجودة لكنها غير معينة اذ ليس في تعيينها حكمة لانها لو عينت وهي مغفورة كان تعيينها اغراء بارتكابها والغرض انها حرام منهي عنها فيناقض تعيينها النهي عنها. (قلنا): غفرانها موقوف على اجتناب الكبائر ولا يدري المرء انه يموت على كبيرة أم لا فليس في تعيينها اغراء وفي قول ثالث ونسب الى ابن عباس رضي أن الصغائر لا وجود لها في الخارج من قوله كل معصية يعصى بها الله فهي كبيرة إذ ليس النظر الى المعصية وإنما النظر الى من يعصى. (وذهب مالك الى أن الكبائر معاصي أهل البدع والصغائر
أخذا
(1)
الله عنه
هو الامام مالك بن انس بن مالك الأصبحي الحميري، أبو عبدالله امام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة واليه تنسب المالكية مولده عام 93 هـ في المدينة ووفاته بها عام 179 هـ كان صلباً في دينه بعيداً عن الأمراء والملوك، وشي به الى جعفر عم المنصور العباسي فضربه سياطاً انخلعت لها كتفه ووجه اليه الرشيد العباسي ليأتيه فيحدثه فقال: العلم يؤتى، فقصد الرشيد منزله واستند الى الجدار فقال مالك: ه يا أمير المؤمنين من اجلال رسول الله - عال وسأله المنصور ان يضع كتاباً للناس يحملهم على العمل به فصنف الموطأ وله رسالة في =
-
اجلال العلم - فجلس بين يديه فحدثه.
271 (2/271)
صفحة 729
معاصي
أهل السنة وهو باطل لان في معاصي أهل السنة الزنا وشرب الخمر وقتل النفس، الى غيرها من الكبائر التي جاء النص بأنها موبقات. (وقيل) إن الكبائر معاصي ابليس والصغائر معاصي من سواه وهو باطل ايضا لانه إما أن يريد بمعصية ابليس الاستكبار والوسوسة للناس وبغض الحق وأهله فالكبائر غير منحصرة فيما ذكر، وإما أن يريد بها أن المعاصي التي تصدر من غير ابليس صغائر مطلقا ولا تصدر الكبيرة ابليس فيلزمه جعل الشرك وقتل النفس والزنا وشرب الخمر
الا
من
ونحوهما من غير ابليس صغائر ولا يشك عاقل في بطلانه.
(قوله مثل الكذب ان خف هذا وما بعده مثال للصغير من الذنوب بناء على مذهب المشارقة للقائلين بتعيينها فمن ذلك الكذب الخفيف والمراد بالكذب الخفيف هو الذي لم يكن كذبا على الله أو رسوله ولا يسفك به دم ولا يتلف به مال.
(وقيل) هو كبيرة مطلقا أي كان خفيفا أو ثقيلا (وقيل) ان كان الكذب على غير الله تعالى وغير رسوله صلى الله عليه فهو صغيرة (ومن ذلك اللطمة إذا لم تؤثر.
الله
(وقيل) هي كبيرة مطلقا ذلك) التعري نهارا حيث لا يراه احد (قيل) ومن ذلك التعري ليلا أيضا (ومن ذلك) دخول الحمام في ظلمة بلا ثوب (ومن ذلك) الدخول بلا اذن والغيبة وقيل هما كبيرتان قال القطب الله رحمه وهو الصحيح.
وصححه القطب رحمه تعالى قيل (ومن
الوعظ، وكتاب في المسائل، ورسالة في الرد على القدرية وكتاب في النجوم. وتفسير غريب القرآن وغير ذلك كثير. راجع الدياج المذهب 17 – 30 والوفيات 1: 439، وتهذيب التهذيب 10: 5 وصفة
الصفوة 2: 99.
272 (2/272)
صفحة 730
(قوله والرقص) أي ومثل الرقص أي ومن الصغائر الرقص (ومنها) أيضا ضرب الدف بلا غناء ولا اجتماع (وقيل) كبيرة ما لم يغن عليه فهو صغيرة وقيل ما لم يجتمع عليه فهو صغيرة قال القطب رحمه الله تعالى وليس ضرب الطبل لحاجة غير لهو معصية كضربه لجمع الناس او لانفارهم أو لاشهار نكاح وكضربه عند ملدوغ حية لئلا يغشى عليه بلا صوت يلتذ به.
(ومنها) أيضا المزمار (ومنها) أيضا ضرب الطنبور (ومنها) أيضا آلات اللهو (قوله ومثل (اللعب المراد باللعب الغير المقرون باللعن كلعب الشطرنج ونحوه وغير المقرون بالاباحة كملاعبة الرجل عرسه وفرسه ورمية قوسه. (قوله ومن أصر الصغير أي على صغير الخ هذا بيان حكم الصغائر. (اعلم) ان للصغائر حكمين.
(أحدهما) انها مغفورة بفعل الحسنات بشرط اجتناب الكبائر قال تعالى (إن الحسنات يذهبن السيئات (1) وقال تعالى (ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم (والمراد بالسيئات هنا الصغائر وقال تعالى (والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش الا اللمم ان ربك واسع المغفرة ((3) والمراد باللمم الصغائر من الذنوب (والحكم الثاني): أن الاصرار عليها كبيرة قال تعالى «ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) فمدحهم بعدم الاصرار على المعصية وفي
(1) سورة هود آية رقم 114 وتكملة الآية (ذلك ذكرى للذاكرين).
(2) سورة النساء آية رقم 31.
(3) سورة النجم آية رقم 32 وتكملة الآية هو أعلم بكم اذ انشأكم من الأرض واذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى).
(4) سورة آل عمران آية رقم 135.
273 (2/273)
صفحة 731
مدحه تعالى لهم بعدم الاصرار ذم للاصرار وما ذمه الله تعالى فهو كبير.
(بيانه) أنه تعالى لا يذم شيئا وهو يرضاه لعباده وقد قال تعالى ولا يرضى لعباده الكفر (1) فاستنتج من الآيتين ان الاصرار كفر
نعمة وفي هذا الاستدلال ما لا يخفى فينبغي التعويل علي صريح يأتي من أحاديث لشهرتها وتلقي الناس لها بالقبول قال ع «الاصرار على الصغائر كبيرة» وقال «هلك المصرون قدما الى النار (2) (قوله فكمن أتى الكبير) أي في حكم الولاية والبراءة وفي أحكام الاخرة ويبحث فيه أن الاصرار على الصغيرة كبيرة وفاعل الاصرار فاعل الكبيرة، فيلزم المصنف تشبيه الشيء بنفسه، ويجاب بأن في كلام المصنف بيان أن فاعل الاصرار ات لكبيرة لكن لما كان كون الاصرار على الصغيرة كبيرة يخفى على كثير من العوام فيعتقدون الاصرار عليها بجهلهم صغيرة أيضا خاطبهم بما وقع في أذهانهم فشبه لهم المصر بفاعل الكبيرة هذا ما اقتضاه الحال ومقتضى الحال مراعى في البلاغة. (قوله في الكتاب) أي القرآن العظيم أي هذا الحكم في الكتاب سنة الى آخره (وقوله والسنن) جمع وهي أقواله وأفعاله وتقريراته عليه الصلاة والسلام وعبر بالجمع مكان المفرد تجوزا على حد: شابت مفارقه وما له الا مفرق واحد أو تقول جمعها باعتبار أن كل حديث من الأحاديث سنة أو باعتبار تعدد سنن الأنبياء فإنه مما انطبقت على تحريمه سنن الأنبياء إذ لا يجوز لنبي أن يحله.
(1) سورة الزمر آية رقم 7.
(2) الحديث رواه الامام احمد في المسند 2: 165: حدثني أبي ثنا
يزيد
أنا
جرير
ثنا حيان
عبدالله الشرعي عن بن عمرو بن العاص عن النبي - عالم انه قال - وهو على المنبر ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم ويل لأقماع القول، ويل للمصرين الذين يصرون على
ما فعلوا وهم يعلمون ..
274 (2/274)
صفحة 732
وراكب الكبير توبـ
الى الله
ببعضه فدن)
وبعضهـ
ثم استمر أن عن التوب أبى)
(قوله وراكب الكبير توبه (الخ هذا بيان حكم راكب الكبير من الذنوب بالنظر الى الخلق، أما حكم الكبير نفسه فيؤخذ من تعريفه الكبائر بأنها ما وجب عليها حد في الدنيا أو عذاب في الاخرة فوجوب الحد في الدنيا ووجوب العذاب في الاخرة حكمان للكبير من الذنوب. (اعلم) أن لراكب الكبير حكمين أحدهما: بالنظر الى ما بينه وبين ما أوعده الله ربه وهو به من العذاب في الدارين بالحد والعقوبة،
أو بالعذاب في الاخرة الا إذا تاب من ذنبه.
الله
منه
الا بعد
وثانيهما: بالنظر الى الخلق وهو البراءة منه والمعاداة له فيجب على كل مكلف علم فسقه أن يبرأ منه ويضلله لكن اختلفت الأئمة في القدوم على البراءة منه قبل الاستتابة فبعض ذهب الى أنه لا يبرأ حتى يستتاب فان تاب قبل منه وان ابى برئ منه وهو اختيار الامام تعالى مستدلا عليه بأنه لا يحكم على احد بشيء الاحتجاج عليه ان أمكن اجماعا واستدل عليه غيره بقوله تعالى لابليس ما منعك أن تسجد اذ أمرتك) فلم يعاجله بالطرد حتى استخبره، والله عالم بكل شيء وانما هو تعليم لعباده واظهار لما في فيستفاد من الآية ثبوت اقامة الحجة.
رحمه
حكمته
(1) سورة الأعراف آية رقم 12. (2/275)
صفحة 733
رحمه
الله
الله
وذهب آخرون الى أنه يبرأ منه قبل أن يس اب وصححه القطب تعالى ثم يستتاب فإن تاب قبل منه وان أبي بقي على حكم البراءة، ولاهل هذا القول أنه من حين ما ركب الكبيرة صار عدوا ووجبت علينا معاداته فالوقوف عنه بعد وجوب المعاداة وقوف عن الواجب، واهمال عن انفاذ الحكم لا احتجاج عليه فيما لا يحتل الا باطلا وموضع الاحتجاج على المحكوم عليه إنما هو في شيء يكون له فيه مخرج عن الباطل ولا مخرج لراكب الكبيرة أصلا فانها لا تقع بخطا. (وأما) الاية فليس فيها إلا أنه تعالى استخبره عما منعه عن السجود اظهاراً لحجته عليه فهي دليل على حلمه تعالى وعفوه ولا يجب علينا الاقتداء في مثل ذلك فكثير مما عفا عنه بحلمه أوجب علينا نحن ان نعاجله بالاتلاف، فالكفار أخر الله العذاب في الدنيا وأعطاهم الأموال والخول، والزمنا عند القدرة ان نقتلهم ونسبي ذراريهم ونغنم أموالهم وغاية ما في الاية الاخبار عن اتصافه تعالى بالحلم
ايجاب ذلك علينا.
عنهم
(قوله توبه) أي اذا قدرت على ذلك وظاهر كلام الجامع ان التتويب واجب عليك، وجعله الامام من باب الامر بالمعروف فأوجبه عند القدرة.
(قوله فان أبى) اي امتنع (قوله الى الله متعلق بدن والى بمعنى اللام اي اعتقد الدينونة لله ببغضه والبغض محله القلب وهو أصل البراءة ثم يترتب عليه الشتم باللسان في مواضعه والزجر باليد في مواضعه أيضا (قوله وبعضهم ضلله اي اعتقد تضليله (قوله وتوبا) اي بعد أن ضلله أخذ يتوبه لئلا يكون معطلا للأمر بالمعروف (قوله ثم استمر) أي ذلك البعض يعني انه بقي على تضليله إذا امتنع من التوبة وفيه اشارة الى انه إن احدث احد حدثا يستوجب به البراءة فبرئ منه لذلك ثم احدث مرة اخرى حدثا يستوجب به البراءة أيضا أنه لا يلزم تكرار البراءة منه بتكرار احداثه الموجبة لها بل يكفي فيه اعتقاد
276 (2/276)
صفحة 734
أنه مضل بأي حدث كان وذلك أن الامتناع عن التوبة كبيرة أخرى، فحكى المصنف عن ذلك البعض الاستمرار على تضليله الاول ولم يحك لهم تضليلا ثانيا بالامتناع عن التوبة وهذا ظاهر (قوله ان عن التوب أبى) أي إن امتنع عن التوبة فحكمه ما مر عندهم.
277 (2/277)
صفحة 735
والحكم للراكب ذنبا صغرا
إسلامه حتى يرى مستکبرا)
(قوله والحكم للراكب ذنبا صغرا) الخ أي والحكم فيمن ركب ذنبا صغيرا أنه مسلم حتى يصر عليه لعفو الله تعالى عن الصغائر باجتناب الكبائر (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) ولا شك أن من عفا الله عنه فهو مسلم مؤمن أما إذا أصر على ذنبه الصغير فقد تقدم حكمه أن الاصرار على الصغير كبيرة وقد تقدم أيضا حكم فاعل الكبيرة.
(واختلفوا) في صفة الاصرار الذي يصير به الصغير من الذنوب كبيرة فعن أبي عبيدة) رضي الله عنه وقد سئل عن المصر فقال: الذي لا يندم ولا يرجع ولا يتوب وعن بشير رحمه الله تعالى وقد سئل عمن أصاب صغيرا من الذنوب ونيته أن يتوب منه غدا أو بعد ذلك ومن دينه التوبة من ذلك الا أنه لم يتب حين مواقعة الذنب فقال: إن عزم على ترك التوبة ومات قبل أن يتوب هلك، وإن تاب قبل الموت سلم وقول علي أن يتوب من حين ما واقع المعصية الصغيرة
عنهما،
(1) سورة النساء آية رقم 31. (2) هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي نسبة الى تميم قبيلة عظيمة من نزار قال البدر الشماخي: كان مولى فيهم توفي في ولاية أبي جعفر بعد وفاة حاجب رضي الله تعلم العلوم وعلمها ورتب روايات الحديث وأحكمها، وهو الذي يشار إليه بالأصابع بين أقرانه. قال أبو عبدالله كان أبو عبيدة أفقه من ضمام وأبي، نوح، وكان المقدم عليهما وعلى جعفر ابن السماك، ولكن جعفر كان أوضع للأنى من أبي عبيدة وكان هو الحجة في الدين، وكانوا كلهم أهل شرف وفضل. راجع الجزء الأول من حاشية مسند الامام الكامل الربيع بن حبيب ص 6، 7.
278 (2/278)
صفحة 736
ولا يؤخر ذلك وإن أخر ذلك فقد أصر، وهو أشد القولين والآخر أفسح ثم قال: من اذنب ذنبا ثم ندم عليه فهو اقلاع عنه وتوبة لأن الندم توبة فكل من أكثر الندم على ذنبه اجلالا الله تعالى وتعظيما له كان أرجى لقبول توبته والله أعلم. أقول ويبحث في اقول الذي حكاه بشير لا فرق إذا بين الصغير والكبير من الذنوب، لان كلا منهما تلزم منه توبة في حال المعصية ويجاب بأنه
من
مصرا هالكا
الله
يعضي به جميع
حتى
مبني على مذهب فهو كبير وعن السدي: ان الاصرار
رأى ان ما على الذنب هو السكوت عن التوبة والتمادي في الذنب وعن الحسن أن إتيان الذنب عمدا اصرار وقيل لا يكون صاحب الصغيرة من الذنوب يكون أتى بها مستخفا لنهي الله فيها ومستحقرا لها، فان الذنب كلما استعظمه العبد من نفسه صغر عند الله تعالى وكلما استصغره كبر عند الله تعالى لان استعظامه يصدر عن نفور القلب وكراهيته له، وذلك النفور يمنع من شدة تأثره به واستصغاره يصدر عن الالف به، وذلك يوجب شدة الأثر في القلب والقلب هو المطلوب تنويره بالطاعات والمحذور تسويده بالسيئات ولذلك لا يؤاخذ بما يجري عليه في الغفلة فإن القلب لا يتأثر بما يجري في الغفلة وقد جاء في الخبر» المؤمن يرى ذنبه كالجبل فوقه يخاف أن يقع عليه، والمنافق يرى ذنبه كذباب مر على أنفه فاطاره» وقال بعضهم: الذنب الذي لا يغفر قول العبد ليت كل ذنب عملته مثل هذا وإنما يعظم الذنب في قلب المؤمن لعلمه بجلال الله فإذا نظر الى عظم من عصى به رأى الصغيرة كبيرة ا. هـ.
(1) الحديث رواه الامام احمد في المسند بسنده عن عبدالله بن مسعود 1: 383 ورواه الامام الترمذي في كتاب القيامة 49 ورواه الامام البخاري في كتاب الدعوات 4.
279 (2/279)
صفحة 737
اقول: وقد حرر منها الاقامة على الذنب ومنها الاعراض عن التوبة ومنها اعتقاد المعاودة الى الذنب ومنها اعتقاد عدم التوبة ثم ذكر بعد ذلك أنه لا يحكم عليه بالاصرار وان سكت عن التوبة مثلا كما إذا قيل له تب فسكت حتى يقول إنه لا يتوب أو نحو ذلك.
رحمه القطب الله هذا المقام فجعل الاصرار بأشياء
280 (2/280)
صفحة 738
والخلف في الاصرار للصغير هل
اذا مضى ولم
أو أن يكن اتاه باستخفاف
والثاني
من العمل)
عندهم بلا خلاف)
(قوله والخلف في الاصرار للصغير (الخ أي اختلف العلماء في صفة الاصرار على الذنب الصغير فقيل: هو الاستمرار على عدم التوبة منه ولو لم يعتقد عدم التوبة وذلك كما إذا اذنب ومضى ولم يتب من ذلك الذنب ولم يعتقد الاقامة عليه لكنه استرسل في أمر كذلك وقيل الاصرار هو أن يأتي بالذنب ثم يعزم على ترك التوبة من ذلك أو يتهاون ويستخف بالعقوبة على ذلك الله ويستصغر المعصية لله بذلك أو يدين بحلال أنه حرام وإذا لم يكن منه شيء من هذا أو ما اشبهه فلا يلزمه حكم الاصرار كذا قال الامام.
حتى
من
قال: ويعجبني في الحكم بين العباد أن لا يحكم عليه بحكم المصر قال: وأما فيما أخاف عليه من
يستتاب من
ذلك فلا
يتوب
يبني
الله
عليه
في أحكام دينه فما لم يكن له اعتقاد يبريه من الاصرار بالتوبة من جميع ما ركب من معاصي الله في جملته عليه ويعتقدها أو كلما ذكرها جددها أو كلما ابطأ منها عاودها وتعاهدها فاني أخاف إن لم يكن منه هذا لا يسلم بالاقامة على شيء من معاصي الله يتوب منها بعينها وباعتقاده يدخل في جملتها ما قد عصى
الله
به
حتى
ا. هـ.
(قوله هل إذا مضى) أي هل الاصرار إذا مضى العاصي بعد مقارفة الذنب ولم يتب من عمله .. ؟ (قوله أو أن يكن أتاه باستخفاف) أي أو الاصرار هو ان يأتي العاصي بالذنب مستخفا لنهي الله فيه ومستحقراً
لذنبه .. ؟ قولان كما
بيانهما.
281 (2/281)
صفحة 739
أن الخلاف
(قوله والثاني عندهم أي والقول الثاني وهو أن يأتي الذنب على سبيل الاستخفاف إصرار بلا خلاف عند العلماء، في أول الوجهين هل هو إصرار او لا؟ وأما الوجه الثاني فأجمعوا
على أنه إصرار.
يعني
282 (2/282)
صفحة 740
(أقوال العلماء في الولي المرتكب للذنب)
والخلف في الولي إن اتاه
(ولم يتوب
فبعضهـ
ذهبا
حکمه راه)
الى الوقوف قبل أن يتوبا)
وبعضهـ
أحسن ظن به
وبعد ذا استتابه من ذنبه)
(قوله والخلف في الولي إن اتاه الخ اي اختلف العلماء في حكم الولي إن ارتكب الذنب الصغير على ثلاثة مذاهب.
(المذهب الاول): وهو الصحيح أنه باق على حكم ولايته لأن الله قد عفا عن الصغير من الذنوب لمن اجتنب الكبائر ولا شك أن المعفو عنه مؤمن وكل مؤمن ولي.
(المذهب الثاني: الوقوف عنه لأنه أتى بذنب وهو بفعله عاص ولا يكون العاصي وليا ولانه يحتمل أن يكون قد اصر على ذلك الذنب فاسلم ما يكون من الأحوال فيه أن يوقف عنه ثم يستتاب
فإن تاب رجع الى ولايته وان اصر برئ منه.
(قلنا): أما الوقوف عنه لكونه عاصيا بعد أن ثبتت ولايته فليس بمسلم لان عصيانه مغفور باجتناب الكبائر ومن غفر له معصيته فهو كمن لم يعص حكما شرعيا وأما الاحتمال أن يكون أصر على ذنبه أنه يحتمل أن يكون لم يصر أيضا وهو أمين في دينه، فالاصل عدم
283 (2/283)
صفحة 741
الاصرار وأسلم الأحوال فيه أن يحكم فيه بما كان عليه من الحال لا أن ينتقل فيه من حكم ثبت بيقين الى حكم آخر لم يثبت الا بمحض تهمة مع ما فيه من اساءة الظن بالولي.
(المذهب الثالث: حسن الظن بالولي وابقاؤه على ولايته كما في المذهب الأول لكنه يستتاب من ذنبه فإن تاب فذاك المطلوب منه وإن أصر برئ منه، وكأن اشتراك الاستتابة هنا مقصود به اختبار الولي هل تغير عن حاله الأول أم هو باق على حالته؟ وفائدة اختباره هو التحرز من أن يتولى مصر وطلب ما فيه السلامة والاختبار بهذا المعنى جائز وليس هو بتجسس ونحن (نقول) إن هذا التعليل كله لا يفيد وجوب الاستتابة وإنما يفيد الندب اليها، فان أراد هذا المذهب باشتراط الاستتابة له شرطا واجبا فغير مسلم وإن أرادوا به التنبيه على طاعة الله والندب اليها فهو حسن لكنه راجع الى أول المذاهب لانه ما أحد إلا ويحسن الاستتابة في مثل هذا المقام لانها من
من
بالمعروف.
باب
الأمر
(قوله فبعضهم: أي فبعض المسلمين (قوله في حكمه) أي وهو الولاية (قوله رآه أي ظهر له في رأيه قوله ولم يتوبه) أي ولم يطلب
التوبة منه لعلمه أن الصغير من الذنوب معفو باجتناب الكبير.
(قوله وبعض ذهبا الى (الوقوف أي وبعض المسلمين رأى الوقوف أسلم فذهب إليه حتى يستتيبه.
(قوله قبل ان يتوبا): أي قبل أن تطلب منه التوبة فيتوب فيرجع الى ولايته أو يصر فيبراً منه وفي قوله: يتوبا بالبناء للمفعول اشارة الى انه لا يشترط أن تكون الاستتابة من الواقف فقط بل يكفي في طلبها من المحدث شكل من طلبها منه إذا علم بذلك هذا الواقف
284 (2/284)
صفحة 742
عن ولايته لأن المقصود من الاستتابة اختبار حاله أهو على ذنبه مصر
أم لا؟
(قوله وبعضهم): أي بعض المسلمين قوله أحسن ظنه به) فأبقاه على ولايته قوله وبعد ذا استتابه من ذنبه أي بعد ما أحسن الظن به طلب منه التوبة من ذنبه الصغير.
285 (2/285)
صفحة 743
الباب الخامس
(من الركن الثالث)
(في ذكر شيء من الكبائر وفي أحكام القاذف)
أي في بيان حكم شيء من الكبائر وهي الغيبة، والتجسس، والقذف، وفي أحكام القاذف بالزنا وأما القاذف بغير الزنا فقد تقدم حكمه وخص الكبائر الظاهرية هذه الثلاث مع أنها كثيرة ليتوصل بذكرها الى بيان أحكام القاذف، فإن ذلك هو مقصوده فأما التوصل بذكر القذف الى أحكام القاذف فظاهر وأما ذكر الغيبة والتجسس فلمناسبتهما للقذف في المحل والصورة والحكم فأما مناسبة المحل فلأن كل واحدة من الكبائر الثلاث محله اللسان وأما المناسبة في الصورة فلأن كل واحدة منهن ثلم في عرض الغير، وأما المناسبة في الحكم فلأن كل واحدة
منهن حرام بنص الكتاب.
286 (2/286)
صفحة 744
(وغيبة المؤمـ والتـ
والقذف في الكل حرام اسسوا)
(قوله وغيبة المؤمن) أي حرام مبتدأ حذف خبره بدلالة ما بعده عليه والغيبة بكسر المعجمة: هي أن تذكر اخاك في غيبته بما يكرهه على قصد التنقيص له لما روي عنه انه قال «هل تدرون ما الغيبة؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال: ذكرك اخاك بما يكرهه قيل أرأيت ان كان في اخي ما أقول قال ان كان فيه ما تقول فقد اغتبته وان لم يكن فيه فقد بهته) ومن طريق معاذ أنه قال: «ذكر رجل عند رسول الله الله فقالوا: ما اعجزه فقال لا الله اغتبتم اخاكم قالوا يا
وعن
رسول الله قلنا ما فيه قال: ان قلتم ما ليس فيه فقد بهتموه عائشة الله عنها انها ذكرت عند رسول الله الله امرأة فقالت انها قصيرة فقال الله: «اغتبتها (3) فهذه الاحاديث دالة
حذيفة
عن
رضي
(1) الحديث رواه الترمذي في كتاب البر 23 باب ما جاء في الغيبة 1934 حدثنا قتيبة، حدثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله ما الغيبة وذكره.
قال الترمذي: وفي الباب عن أبي برزة وابن عمر، وعبدالله بن عمرو وقال: هذا حديث حسن
صحيح.
ورواه صاحب الموطأ في الكلام 1 واحمد بن حنبل في المسند 2: 384، 386 (حلبي). (2) الحديث رواه الامام مسلم في كتاب البر والصلة والآداب 20 باب تحريم الغيبة 70 (2589) حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر قالوا حدثنا اسماعيل عن العلاء عن أبيه، عن أبي
(3)
هريرة أن رسول الله
قال: وذكره
ورواه أبو داود في كتاب البر 35 والترمذي في البر 23 والدارمي في الرقاق، وأحمد ابن حنبل في المسند:2 230، 384 (حلبي).
الحديث رواه الامام أحمد في المسند 6: 206 ثنا وكيع قال: ثنا سفيان عن علي بن الأقر عن أبي حذيفة عن عائشة انها وذكره وفيه زيادة (ما أحب أني حكيت أحداً وان لي كذا وكذا).
287 (2/287)
صفحة 745
فمأخوذ
من
على أن الغيبة هي ذكر المؤمن بما يكره أما قولنا على قصد التنقيص الأحاديث الآتي ذكرها في بيان ما لا يكون غيبة فخرج بالتقييد بالمؤمن الفاسق، لانه لا غيبة له لقوله ع «اذيعوا بخبر الفاسق ليحذر الناس شره.». وقوله: «ما لكم وللمنافق قولوا فيه ما فيه». وقوله الله من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له» ودخل تحت قوله بما يكرهه كلما كان يكرهه أن لو بلغه سواء كان نقصا في بدنه أو نسبه أو في خلقه أو في فعله أو في قوله أو في دينه أو في دنياه، فمثال الغيبة في البدن فهو كذكر العمش والحول والقصر والطول والسواد والصفرة، وجميع أن يوصف به مما يكرهه يتصور كيفما كان، ومثال الغيبة في النسب فكأن تقول: أبوه زطي أو هندي أو زبال. ومثال الغيبة في الخلق فكأن تقول: هو بخيل ضعيف عاجز جبان وما يجري مجراه. ومثال الغيبة في الفعل فهو كأن تقول: إنه الأدب متهاون بالناس أو لا يرى لاحد على نفسه حقا أو يرى لنفسه الحق على الناس أو أنه كثير الكلام كثير الاكل نؤوم ينام في غير وقت النوم ويجلس في غير موضعه، وكأن تقول: طويل الذيل دنس الثياب، وخرج بقولنا على قصد التنقيص ما إذا لم يقصد بذكر المؤمن بما يكرهه تنقيص وذلك أشياء.
قليل
(أحدها): التظلم فان من ذكر قاضيا بالظلم والخيانة وأخذ الرشوة كان مغتابا عاصيا ان لم يكن مظلوما، أما المظلوم من جهة القاضي فله ان يتظلم الى الامام وينسبه الى الظلم إذ لا يمكنه استيفاء حقه إلا به قال له ان لصاحب الحق مقالا (1) وقال عليه السلام «لي الواجد يحل عقوبته وعرضه).
(1) الحديث رواه الامام مسلم في كتاب المساقاة 22 باب من استلف شيئاً فقضى خيراً منه، وخيركم أحسنكم قضاء 120 (1601) حدثنا محمد بن بشار بن عثمان العبدي، حدثنا
محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن سلمة بن كهيل عن أبي سلمة
عن أبي هريرة قال كان =
288 (2/288)
صفحة 746
(ثانيها): أن يكون الانسان معروفا بلقب يعرب عن عيبه كالأعرج والأعمش والأعور والأصم فلا إثم على من يقول روى أبو الزناد عن الأعرج وسلمان عن الأعمش وما يجري مجراه فقد فعل العلماء ذلك لضرورة التعريف لان ذلك قد صار بحيث لا يكرهه صاحبه لو علمه بعد أن قد صار مشهورا به نعم ان وجد عنه معدلا وأمكنه التعريف بعبارة اخرى فهو أولى.
ثالثها): تحذير المسلم من الشر وذلك كمن اشترى مملوكا وقد عرفت المملوك بعيب في بدنه أو خلقه فلك أن تذكر ذلك لمشتريه المسلم إن كان العبد وليا وكذلك المزكي إذا سئل عن الشاهد فله أن يقول مثلا هو بقال أو دباغ أو حجام أو حياك وان كان الشاهد وليا وكذلك المستشار في التزويج له أن يقول إن هذه المرأة غير جميلة ونحو ذلك وهذا الرجل ليس هو من حسن ونحو ذلك وإن
كان المستشار فيه وليا. (رابعها): الاستفتاء كأن يقول للمفتي
ظلمني
أبي
أو
زوجتي
أو
اخي فكيف طريقي في الخلاص لما روي عن هند بنت عتبة أنها
لرجل على رسول الله ـ الله - حق فأغلظ له فهم به أصحابه فقال النبي ـ الله ـ وذكره. ورواه الامام البخاري في الاستقضاء؛ والوكالة: ورواه الإمام احمد الساد من حبل في 4: 268، 416، 456 (حلبي).
(1) هي هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف صحابية قرشية عالية الشهرة. أم الخليفة الأموي • معاوية بن أبي سفيان تزوجت أباه بعد مفارقتها لزوجها الأول: وهي المغيرة المخزومي في خبر طويل من طرائف أخبار الجاهلية، وكانت فصيحة جريئة،
الفاكهة
بن
صاحبة رأي وحزم ونفس وأنفة.
تقول الشعر الجيد كانت ممن اهدر النبي.
-
دماءهم يوم فتح مكة، وأمر بقتلهم
ولو وجدوا تحت استار الكعبة فجاءته مع بعض النسوة فاعلنت اسلامها، ورحب بها وأخذ
البيعة عليهن.
=
289 (2/289)
صفحة 747
قالت للنبي عل الله ان أبا سفيان) رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني أنا وولدي فآخذ غير علمه فقال: خذي ما يكفيك وولدك من بالمعروف. فذكرت الشح والظلم لها وولدها ولم يزجرها إذ كان قصدها الاستفتاء.
(خامسها): الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي الى منهج الصلاح فلك أن تقول فلان فعل كذا من المنكرات عند من يعينك على ردعه عن منكره وإن كان فاعل المنكر وليا عند المستعان به كما روي أن عمر رضي الله عنه مر على عثمان وقيل على طلحة فسلم عليه فلم يرد عليه السلام فذهب الى أبي بكر رضي الله عنه فذكر له ذلك فجاء أبو بكر اليه ليصلح ذلك ولم يكن ذلك غيبة عندهم وكذلك عنه ان أبا جندل قد عاقر الخمر بالشام، كتب من الله العزيز العليم
الله
لما بلغ عمر رضي الله الرحمن الرحيم حم تنزيل الكتاب
اليه (بسم
=
بد للعنق منه، فانظر من تضعه في عنقك شهدت اليرموك وحرضت
من كلام عتبة: المرأة غل لا على قتال الروم توفيت عام 14 هـ.
راجع طبقات ابن سعد 8: 170 وخزانة البغدادي 1: 556 والروض الأنف 2: 277
وأسد الغابة 5: 0562
(1) هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف: صحابي من سادات قريش في الجاهلية، وهو والد معاوية رأس الدولة الأموية كان من رؤساء المشركين في حرب الاسلام
عند ظهوره قاد قريشاً وكنانة يوم احد ويوم الخندق لقتال رسول الله وأسلم يوم الفتح - فتح مكة - سنة 8 هـ وأبلى بعد اسلامه البلاء الحسن، وشهد حنيناً والطائف ففقئت عينه يوم الطائف ثم فقئت الأخرى يوم اليرموك، وكان من الشجعان الأبطال. قال المسيب: فقد الأصوات يوم اليرموك الا صوت رجل يقول: و يا نصر الله اقترب، قال: فنظرت فاذا هو أبو سفيان، تحت راية ابنه يزيد توفي بالمدينة عام 31 هـ. راجع الأغاني 6: 89 والاصابة ت 4041 وابن عساكر 6: 388.
(2) الحديث رواه ابن ماجه في كتاب التجارات 65 باب للمرأة من مال زوجها 2293 – ثنا وكيع، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: جاءت هند الى النبي ـ الله
فقالت: وذكره =
290 (2/290)
صفحة 748
غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب) الآية. فتاب ولم يرد ذلك أبلغه غيبة إذ كان قصده أن ينكر عليه ذلك فينفعه
سيدنا عمر ممن
نصحه ما لا ينفعه نصح غيره ا. هـ مختصرا من الاحياء) وقد نظم هذه الخمسة مع غيبة الفاسق بعضهم فقال:
القدح ليس بغيبة في ستة
متظل
ولمظهر فسقا ومستفت ومن
رف
ومحذر
طلب الاعانة في ازالة منكر
(قوله والتجسس) أي حرام في الكل ومعنى التجسس المحرم هو السؤال عن عورات الناس لقصد الاطلاع عليها، عن معاوية قال: سمعت رسول الله الله يقول: «انك ان اتبعت عورات الناس افسدتهم او كدت تفسدهم (2) فدخل تحت قولنا عن عورات الناس عورة المسلم والفاسق والمشرك لأن السؤال عن جميع ما ذكر حرام وهو معنى قولنا في تفسير النظم حرام في الكل بخلاف الغيبة فانها انما تحرم في المؤمن كما قيدنا به، وخرج بقولنا على قصد الاطلاع عليها ما إذا سئل عن العورات لقصد سترها واصلاح العالم كسؤال الامام عن أحوال رعيته وفحصه عن أخبارهم فإن هذا وإن كان سؤالا عن العورات لكنه ليس بالتجسس المحجور. لما روي عنه انه بامرأة حامل
حدثنا عيسى بن
ورواه البخاري في البيوع 95 والنسائي في القضاء 31 والدارمي في النكاح 54. (1) الكتاب وضعه الامام حجة الاسلام الغزالي في أربع مجلدات وتبارى العلماء في شرحه وتخريج أحاديثه ويعد من أنفس الكتب في الوعظ والارشاد والتعرف على أمراض القلب والنفس. (2) الحديث رواه أبو داود في كتاب الأدب باب النهي عن التجسس 4888 محمد الرملي، وابن عوف وهذا بلفظه قالا: ثنا الفريابي، عن سفيان، عن ثور، عن راشد ابن سعد، عن معاوية قال: سمعت رسول الله - ع - يقول: وذكره وفيه: قال أبو الدرداء: كلمة سمعها معاوية من رسول الله.
-
نفعه الله تعالى بها.
291 (2/291)
صفحة 749
على باب فسطاط فسأل عنها فقالوا: هذه امة لفلان فقال: الم بها .. ؟ فقالوا نعم فقال له: «لقد هممت ان ألعنه لعنا يدخل معه قبره كيف يورثه وهو يحل له كيف يستخدمه وهو لا يحل له.) وقد سأل ال ام علقمة عن حال علقمة لما لم ينطق لسانه بالتلفظ بالشهادة عند موته فقال لها ما نصه يا ام علقمة اصدقيني وان كذبتني جاء الوحي من الله تعالى كيف كان حال ولدك علقمة .. ؟ قالت يا رسول الله كان كثير الصلاة كثير الصيام كثير الصدقة قال رسول الله الله فما حالك .. ؟ قالت يا رسول الله: انا عليه ساخطة قال لم .. ؟ قالت يا رسول الله كان يؤثر زوجته ويعصيني الخ والخلفاء الراشدون والائمة المهتدون كانوا يتفحصون عن أخبار الرعية ويسألون عن أحوالهم السارة والضارة ولم يعد ذلك منهم حزما في المملكة ونظرا في وكفى ما جرى من مثل هذا النوع لسيدنا عمر رضي الله عنه عماله فانه كثيرا ما يمتحنهم وقد كان يجعل عليهم عيونا ويجعل على
العيون عيونا.
السياسة
مع
(قوله والقذف في الكل حرام (اسسوا أي اصلوا اي جعلوا في أصولهم ان غيبة المؤمن حرام وان التجسس والقذف حرام في الكل أي في أحد بارا كان أو فاجرا، لاطلاق النهي في التجسس والقذف وتقييده في الغيبة أما الاطلاق في التجسس فقوله تعالى: «ولا تجسسوا وأما
كل
(1) الحديث رواه أبو داود في كتاب النكاح باب في وطء السبايا 2156 حدثنا النفيلي، ثنا مسكين، ثنا شعبة عن يزيد بن خمير عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن أبي الدرداء أن كان في غزوة فرأى امرأة مجحا أي) قربت ولادتها ـ فقال لعل
رسول الله -
-
صاحبها ألم بها .. ؟ قالوا: نعم وذكره. ورواه الامام مسلم في اللباس 120 والنكاح 139 والدارمي في السير 37 واحمد بن حنبل
في
المسند 5: 195 6: 446 (حلبي).
(2) سورة الحجرات آية رقم 12 وتكملة الآية ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله ان الله تواب رحيم).
292 (2/292)
صفحة 750
الاطلاق في القذف فهو قوله تعالى (والذين يرمون أزواجهم) ولم يقيد الزوج بصفة إيمان ونحوه «إن الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا) الآية. وأما تقييده في الغيبة فهو قوله تعالى (ولا يغتب بعضكم بعضا أيجب أحدكم أن يأكل لحم اخيه ميتا) (والقذف):
رمي
الغير بالفاحشة سواء كانت تلك الفاحشة زنا أو غير زنا كذا في اصطلاحهم لكن غلب في عرفنا اطلاقه على القذف بالزنا وهو حرام مطلقا ولذا شرع على فاعله الحد وهو أن يجلد ثمانين جلدة جلدا متوسطا كما قال الشيخ هود رحمه الله صونا للاعراض،
خاصة
لكنهم شرطوا في ثبوت الحد في القذف شروطا منها ما
ومنها ما
هو
في المقذوف فاما شروط القاذف.
هو
(فأحدها: أن يكون القاذف بالغا إذ لا حد على الصبي.
(وثانيها): أن يكون عاقلا اذ لا حد على المجنون.
القاذف
(وثالثها): أن يكون مسلما فلا حد على اليهودي والنصراني ان قذف المسلم عند بعضهم والصحيح ان عليه الحد لدخوله تحت قوله تعالى ان الذين يرمون المحصنات» الآية.
ورابعها): الحرية فلا حد على العبد اذا قذف المسلم عند بعضهم
وقيل يحد أربعين (وأما شروط) المقذوف:
(فأحدها): البلوغ فلا حد على قاذف الصبي.
(1) سورة النور آية رقم 6 وتكملة الآية (ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع
شهادات بالله إنه من الصادقين).
(2) سورة النور آية رقم 4 وتكملة الآية بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم
شهادة أبدأ أولئك هم الفاسقون).
(3) سورة الحجرات آية رقم 12.
293 (2/293)
صفحة 751
(وثانيها): العقل فلا حد على قاذف المجنون وقيل يحد قاذفها. وثالثها): الحرية فلا حد على قاذف المملوك ولا المدير.
ورابعها) الاسلام فلا حد على قاذف الذمي.
(وخامسها): الاحصان فيعزر قاذف غير المحصن ولا يحد.
(و سادسها): العفة فلا يحد قاذف من عرف بما قذف به عند بعض ولا يحد قاذف محدود بما حد عليه أما اذا قذفه بما لم يحد عليه ففيه الحد وسيأتي لهذا المقام تتمة في آخر الباب فاعطفها على ما هنا.
294 (2/294)
صفحة 752
حكم قاذف الولي»
وقاذف الولي ان حرا وان
عبدا وان
وان يكن حرا ولم يكن ولي
کفره
کن)
وبالغا كان فمثل الاول)
(قوله وقاذف الولي إلى (آخره هذا بيان الحكم الاعتقادي في القاذف (اعلم): انه ان قذف احد احدا بالزنا فلا يخلو إما أن يكون المقذوف مجهول الحال اي لا يدري هل هو من أهل الاسلام ام من أهل الشرك؟ أو أم بالغ؟ وإما أن يكون حاله أم عبد؟ أو هو حر معروفا فان كان حاله مجهولا فلا شيء على من سمع القاذف أي
عنه
هو صبي
يسعه السكوت ولا يلزمه تتويب ولا غيره، وإن كان المقذوف معلوم الحال فلا يخلو إما أن يكون حرا بالغا مسلما وإما أن يكون غير ذلك .. ؟ فان كان حرا بالغا مسلما فيبرأ من قاذفه اتفاقا سواء كان المقذوف وليا أو غير ولي وان كان صبيا أو عبدا فاما أن يكونا وليين أو غير وليين .. ؟ فان كانا وليين برئ من قاذفهما اتفاقا وان كانا غير وليين أو كان المقذوف مشركا فالخلاف في حكم قاذفهم فقيل: يبرأ منه لحينه وقيل حتى يستتاب فإن أصرَّ برئ منه هذا كله إذا كان للقذف ممن تعبد بتحريمه في أصل دينه، أما اذا كان السامع مشركا يستحل القذف أو صبيا لم يتعبد بعد بحكمه فلا شيء القاذف إذا كان صادقا في قوله أما اذا كان كاذبا فعليه التوبة من
السامع
على
بهتانه.
(قوله إن حرا) أي ان كان الولي حرا (قوله وان عبدا) أي وان
295 (2/295)
صفحة 753
كان الولي عبدا قوله وان صبي اي وان كان الولي صبيا ولم ينون صبيا في النظم لضرورة الوزن لانه لو نونه مثلا لزم عليه زيادة ساكن ركتي الوتد المجموع من مستفعلن قوله كفره زكن) أي علم بين حر والمراد بالكفر ها هنا كفر النعمة.
(قوله وان يكن حرا أي وان يكن المقذوف حرا الى آخره. (قوله ولم يكن ولي أي والحال أنه لم يبلغ درجة الولاية لكنه من أهل الاقرار بالشهادتين قوله وبالغا (كان أي وكان ذلك المقذوف بالغ الحلم بان كان فيه احدى علامات البلوغ وهي الانبات والاستحلام او انتهاء خمس عشرة سنة أو سبع عشرة على قول وهذه العلامات تكون في الرجال والنساء ومن العلامات ما يختص بالنساء دون الرجال وهي الحيض وظهور الحمل وتكعب الثديين.
(قوله فمثل الاول: أي في حكم قذفه والمراد الأول هو الولي أي فحكم قاذف الحر البالغ المسلم الغير الولي مثل حكم قاذف الولي لان القاذف فيهما كاذب لا محالة لتكذيب الله إياه في قوله «فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك الكاذبون) أي وان كانوا صادقين في سريرتهم فهم كاذبون في حكم الله عليهم، لان الشارع
عند الله
هم
عز وجل شرع في حكمه أن
من قذف المحصنة ولم يأت بأربعة
شهداء فهو كاذب.
(1) سورة النور آية رقم 13 وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: (فان) بدلاً (فإذ) وقال (بأربعة) وليست في الآية وقال (شهداء) والصواب (بالشهداء).
296
من (2/296)
صفحة 754
وان يك المقذوف عبدا أو
غير وليين ومشركا
فالخلف في تكفيره من قبل
I
تتوييه عما اتى من فعل)
(قوله وان يك المقذوف عبدا الخ أي إذا كان المقذوف عبدا مملوكا غير ولي أو صبيا غير ولي أو مشركا ممتنعا عن قبول الحق فالخلاف في حكم قاذفهم هل يبرأ منه قبل الامتناع من التوبة أو لا؟ استدل القائلون بالبراءة من قاذف العبد بقوله (من قذف مملوكه وهو بريء مما قال جلد يوم القيامة حدا الا أن يكون كما قال. اقول وليس في الحديث دلالة على المطلوب لقوله وهو بريء مما قال وقوله الا أن يكون كما قال فالوعيد في الحديث متوجه على الافك في المملوك لا على قذفه وقاس الامام رضوان الله عليه قذف العبيد في حكم البراءة على اختلاس المال، وعلى لمس فرج الاجنبية قائلا: إن من اختلس أربعة دراهم اختلاسا لا يجب عليه حد القطع وتجب منه البراءة ومن لمس فرج أجنبية بذكره مثلا ولم يطأها يجب عليه حد الزاني، وتجب منه البراءة وكذلك قاذف العبد لا يجب عليه الحد وتجب منه البراءة أي فهذه الصور الثلاث كلها رفع منها الحد لعدم كمال شروطه وبقيت البراءة لعدم المانع لها.
لا
عن
يحيى
(1) الحديث رواه الامام البخاري في كتاب الحدود 45 باب قذف 6858 حدثنا ابن سعيد عن فضيل بن غزوان عن ابن ابي نعم، ن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول وذكره ورواه الامام مسلم في إيمان 37 وأبو داود في الأدب 124،
الله
والترمذي في البر 30 واحمد بن حنبل في المسند 2: 431،
500
(حلبي).
297 (2/297)
صفحة 755
واستدل) على البراءة من قاذف المشرك بقوله عالم من قذف ذميا
حد له يوم القيامة بسياط من نار) ولم أجد دليلا على البراءة من قاذف الصبي وأقول إنه لا تحل البراءة من قاذفه لان الصبي غير مكلف بشيء من الاحكام الشرعية فلم يكن قاذفه راميا له بكبيرة في حقه، لانه لو ارتكب الكبائر كلها مثلا ما كان ارتكابه ذلك في حقه فسقا فكيف يفسق من قال إنه ارتكب كذا .. ؟ وهذا التعليل كما ترى شامل للصبي المتولى وغير المتولى فإنه وإن كان المتولى له حرمة فوق ما لغيره فلا تبلغ به حرمته الى تكفير من قذفه وتفسيقه لان التضليل لا يكون الا بقطعي ولا قطعي هنا هذا ما ظهر لي ولم ارد بذلك
خلافا لاصحابنا
رحمهم
الله
(قوله أو صبي) بالسكون على لغة ربيعة فانهم يقفون في المنصوب على السكون.
مع
(قوله غير (وليين حال من العبد والصبي ساغ مجيء الحال منهما أنهما نكرتان لوجود التنويع فيهما (قوله ومشركا أبي) بالسكون على لغة ربيعة أيضا ومعنى أبي ممتنع اي أو كان المقذوف مشركا أبيا أي ممتنعا من قبول الحق.
(قوله فالخلف في تكفيره أي في الحكم بأن قاذفهم كافر أي كفر نعمة (قوله من قبل تتويبه أي من قبل مطالبته بالتوبة أما إذا طولب بها فلم يتب فهو مصر يبرأ
منه
معهم (ويبحث) هل طلب
(1) الحديث رواه الإمام أحمد في المسند 5: 155 ثنا قتيبة بن سعيد ثنا ليث بن سعد عن عبيد الله بن أبي جعفر عن الحمصي عن أبي طالب عن أبي ذر قال سمعت رسول الله -
يقول وذكره.
ولفظه في المسند من زنى أمة لم يرها تزني جلده الله يوم القيامة بسوط من نار ..
298 (2/298)
صفحة 756
التوبة من قاذف هؤلاء واجب أم لا؟ (ويجاب) بأنه لانه يجب إما أن يكون قذفهم كبيرة فيبرأ من فاعله قبل الاستتابة كما هو رأي بعضهم وإما أن يكون صغيرة وليس على من شاهد راكب صغيرة استتابة (قوله عما أتى من فعل متعلق بتتويب والمراد بالفعل هنا القذف.
299 (2/299)
صفحة 757
(وإن يك المقذوف مجهولا فلا
تحكم بكفر قاذف مستعجلا)
(قوله وإن يك المقذوف (مجهولا الخ أي وإن كان المقذوف ممن لا يدري حاله أي ممن جهله السامع فلا يدري أهو مسلم أم مشرك أم بالغ أو صبي؟ (قوله فلا تحكم بكفر قاذف مستعجلا) أي فلا تتعجل في الحكم على القاذف بأنه كافر كفر نعمة لوجود تلك الاحتمالات وهذا على مذهب من لم ير البراءة من قاذف العبد الغير الولي والصبي الغير الولي والمشرك المعاند أما على مذهب من يرى البراءة من قاذف هؤلاء أيضا فلا محل للتوقف معه لان حكم البراءة معه مرتب على وجود القذف فمهما وجد من أحد في أي كان برئ منه.
300 (2/300)
صفحة 758
کفران آتيه اذا لم يكذب)
مثل
والقذف عند مشرك لم يوجب
(كذاك مع من لم يكن مكلفا بحكمه
(هذا اذا ما القذف كان بالزنا
(قوله والقذف عند مشرك الخ) أي اذا القذف وقع
فاعرفا)
او يحضر الشهود في ذا معلنا)
لم
من
فاعله بحضرة
مشرك يستحل القذف أو بحضرة صبي يكلف بشيء من التكاليف فلا يخلو اما ان يكون القاذف صادقا في قذفه أو كاذبا .. ؟ فان كان كاذبا هلك بكذبه، وافكه وان كان صادقا في مقاله فلا شيء عليه عند من لا يستحل
بخلاف ما اذا قذف عند
من تعبد بتحريم
القذف أو
ذلك فإنه يكون بقذفه فاسقاً سواء كان المقذوف معه ممن يعلم أن دينه تحريم القذف ام ممن لا يعلم ذلك وعليه التوبة من قذفه كذا قال الامام رضوان الله عليه.
(قوله لم يوجب كفران (آتيه أي لم يثبت القذف فسق فاعله (قوله إذا لم يكذب أي في قوله إن فلانا زان مثلا فإن كذب فهو فاسق بكذبه. (قوله كذاك مع من أي كذلك حكم القاذف مع من لم يكن مكلفا بحكم القذف (قوله) مثل صبي) حال من اسم يكن (قوله فاعرفا) تتمة للبيت وفائدتها تنبيه السامع على معرفة ما بينه
(قوله هذا إذا ما القذف كان (بالزنا اي هذا حكم القاذف إذا كان قذفه بالزنا وذلك كأن يقول البالغ العاقل لمحصن أو محصنة: يا زاني أو يا زانية أو يا ابن الزاني أو يا ابن الزانية أو يا بنت الزنا أو يا بنت الزانية أو يا ولد الزنا لست لابيك، وإن قال معرضا أما
301 (2/301)
صفحة 759
أنا فما زنيت أو ليست امرأتي زانية فليس بقذف على الصحيح وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وقال مالك: يجب الحد أي لانه قذف، وقال أحمد: يجب ان قال ذلك في حال الغضب أما اذا كان القذف بغير لفظ الزنا كأن يقول يا فاسق أو يا فاجر أو يا خبيث أو يا من لا يرد يد لامس أو امرأته لا ترد يد لامس فليس على سامع ذلك شيء من قبل القاذف الا أن يكون المقذوف وليا للسامع فقد تقدم ان عليه يبرأ من رامي وليه بالكبيرة.
أن
(قوله أو يحضر الشهود) بنصب يحضر أي إلا أن يحضر الشهود الذين يشهدون على صدق مقالته ويبرئونه من حكم القذف ولا يبريه ذلك الا أربعة شهود عدول لقوله تعالى «ثم لم يأتوا بأربعة من شهداء) ولا تكفي فيهم شهادة امرأتين مكان شاهد منهم وسواء شهدوا مجتمعين أو متفرقين وقال أبو حنيفة إن شهدوا مفترقين فهم قذفة ولا يكون الزوج أحد الأربعة عندنا وعند الشافعي ويكون عند أبي حنيفة وان شهد اثنان أو ثلاثة أن المقذوف زان أو زنى برئوا منهم وحدوا لانهم قذفة ولا يبرأ من المقذوف ولا يحد وزعم بعض يبرأ منه ولا يحد وفي قوله أو يحضر الشهود نكتة أن على القاذف أن يحضر الشهود لا على الحاكم كما يرشد اليه ظاهر قوله تعالى «ثم لم يأتوا بأربعة شهداء» وهل على الشهود أن يحضروا لاداء الشهادة اذا استحضروا لذلك؟ نعم عليهم ذلك قال ابن حجر) للشاهد الستر بأن يترك الشهادة بها ان راه مصلحة فان رأى ويسن المصلحة في الشهادة بها شهد فان لم ير مصلحة في شيء فالاقرب
انه يبر
وهي
(1) سورة النور آية رقم 4 وتكملة الآية فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً
وأولئك هم الفاسقون).
(2) سبقت الترجمة له في كلمة وافية في هذا الجزء.
302 (2/302)
صفحة 760
انه
يشهد وعلى هذا التفصيل حمل اطلاقهم في موضع آخر عدم ندب ترك الشهادة ثم محل ندب تركها اذا لم يتعلق بتركها ايجاب حد على الغير فإن تعلق به ذلك كأن شهد ثلاثة بالزنا فيأثم الرابع بالتوقف ويلزمه الأداء قوله في (ذا أي على هذا المذكور وهو القذف (قوله معلنا) أي مظهرا من أعلن القول إذا اظهره حال من فاعل يحضر.
303 (2/303)
صفحة 761
الباب السادس
من الركن الثالث
في انقسام الكبائر الى كفر جحود وكفر نعمة وبه) يتم الكلام على الركن الثالث إن شاء الله تعالى
ليست
وفي حصر المصنف الكبائر في ذينك القسمين أعني كفر الجحود وكفر النعمة نفي للمنزلة بين المنزلتين أي لا منزلة عندنا بين منزلتي الايمان والكفر لان المكلف إما مؤمن وإما كافر، وقد تقدم لك في باب الايمان أن الايمان عندنا فعل الواجبات فالكفر مقابله أي فالكفر هو ترك شيء من الواجبات أو فعل شيء من المحرمات من الكبائر وقيدنا الكفر بالكبائر لأنه قد تقدم لك ان فاعل الصغيرة مسلم ما لم يصر على فعله وزعمت المعتزلة آن فاعل الكبيرة التي هي يسمى كافرا لكن يخص باسم الفاسق، فالفسق عندهم منزلة بين منزلتي الايمان والكفر وذلك أنهم قالوا: إنا رأينا احكام الفاسق في الدنيا موافقة لاحكام المؤمن من جواز مناكحته وموارثته وذبائحه ودفنه في مقابر المؤمنين واحكامه في الآخرة موافقة لاحكام الكافر أي المشرك من ادخاله النار وتخليده فيها والعياذ بالله فالخلاف بيننا وبينهم على هذا لفظي. (بيانه): أن فاعل الكبيرة من غير الشرك لا يسمى مؤمنا ولا كافرا
بشرك لا
304 (2/304)
صفحة 762
عندهم بل يخص باسم الفاسق لقصرهم اسم الكافر على المشرك ونحن نطلق عليه اسم الكافر دون المؤمن لعموم الكفر عندنا للفاسق والمشرك كما ستعرفه إن شاء الله.
(وذهب) الازارقة (1) الى أن المعاصي كلها كفر وشرك مستدلين بقوله تعالى (ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا (2) والضلال البعيد هو الشرك.
(قلنا): عموم الآية مخصوص بقوله تعالى «ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر سيئاتكم ((3) الآية فمجتنب الكبيرة غير ضال ضلالا بعيدا وان أتى الصغيرة وأيضا فلا نسلم أن الضلال البعيد مقصور على الشرك بل يطلق عليه وعلى النفاق أيضا.
الآية
(وقالت) النجدية: الكبائر كلها شرك وأما الصغائر فلا مستدلين على ذلك بأشياء (أحدها): قوله تعالى للمؤمنين لما جادلهم الكفار في تحليل الميتة «وان اطعتموهم انكم لمشركون) (قلنا) معنى وان اطعتموهم في استحلال الميتة لا في اكلها ولا شك ان المستحل الله مجاهرة مشرك.
لما حرم
(وثانيها): قوله تعالى (وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم اوت كتابيه» الى قوله «انه كان لا يؤمن بالله العظيم)
والفاسق
(1) سبق الحديث عنها في كلمة
وافية
(2) سورة الأحزاب آية رقم 36 وقد جاءت هذه الآية محرفة المطبوعة حيث قال (بعيداً)
بدلاً
من (مبينا)
(3) سورة النساء آية رقم 31
(4) سبق الحديث عنها في كلمة وافية (5) سورة الأنعام رقم 121 (6) سورة الحاقة آية رقم 25
305 (2/305)
صفحة 763
لا يؤتى كتابه بيمينه وهو ظاهر بل بشماله إذ لا ثالث هناك فيكون كافرا اي مشركا.
(قلنا): ان قوله «إنه كان لا يؤمن بالله العظيم) ليس عاما لكل من يؤتى كتابه بشماله لان فساق أهل القبلة مصدقون بالله فلا يندرجون في قوله «انه كان لا يؤمن».
(وثالثها): الفاسق ظالم لغيره أو لنفسه وكل ظالم كافر أي مشرك لقوله تعالى (الا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون»).
هـ.
(قلنا): يلزم مما ذكرتم تشريك الانبياء حيث اعترفوا بظلمهم فانه قال آدم وحواء ربنا ظلمنا انفسنا (3) وقال موسى اني ظلمت نفسي) وقال يونس» اني كنت من الظالمين () وحاله ان يقال ما ذكر بعد الظالمين صفة مخصصة فلا يلزم تشريك كل ظالم ا. (ورابعها): قوله تعالى (وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون) فانه يدل على أن كل فاسق مشرك (قلنا) ليس قوله وأما الذين فسقوا باقيا على عمومه الظاهر لانه يقتضي أن كل فاسق مكذب بيوم القيامة وانه باطل قطعا ا. هـ.
(1) سورة الحاقة آية رقم 33 (2) سورة الاعراف آية رقم 45
(3) سورة الاعراف آية رقم 23 (4) سورة القصص آية رقم 16 (5) سورة الأنبياء آية رقم 87 سورة السجدة آية رقم 20
(6)
306 (2/306)
صفحة 764
مكذبا بيوم
(وخامسها): قوله تعالى (يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر) الى قوله «وكنا نكذب بيوم الدين (2) فثبت بذلك أن كل مجرم داخل في النار مشرك ولا شبهة ان الفاسق مجرم يدخل النار (قلنا) إن الآية على غير ظاهرها والا لزم كون كل مجرم القيامة وهو باطل قطعا ا. هـ (سادسها) قوله تعالى حكاية عن موسى وهارون «انا قد أوحي الينا أن العذاب على من كذب وتولى (3) فانه يدل على انحصار العذاب في المكذب وهو مشرك ولا شك أن الفاسق معذب لما ورد فيه من الوعيد.
(قلنا): هو بخلاف الظاهر للاتفاق على عذاب شارب الخمر والزاني مع أنه غير مكذب الله تعالى بل اليهود والنصارى لا يكذبون الله تعالى
هـ.
(سابعها): قوله تعالى «فانذرتكم نارا تلظى لا يصلاها الا الاشقى الذي كذب وتولى) فانه يدل على أن كل من يصلى النار فهو
مشرك والفاسق يصلاها للآيات العامة الموعدة بدخولها.
(قلنا): لعل ذلك نار خاصة يعني أن الضمير في يصلاها عائد الى نار منكرة فلعل تنكيرها للوحدة النوعية فتكون نارا مخصوصة لا يصلاها الا لمشرك ا. هـ.
(ثامنها): قوله تعالى في حق من خفت موازينه «ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون) والفاسق من خفت موازينه وكل
(1) سورة المدثر آية رقم 42 (2) سورة المدثر آية رقم 46 (3) سورة طه آية رقم 48 (4) سورة الليل آية رقم 16 (5) سورة المؤمنون آية رقم 105
307 (2/307)
صفحة 765
خفت موازينه فهو مكذب بالآية المذكوره وكل مكذب مشرك من (قلنا) قوله تعالى (ألم تكن تتلى عليكم الاية خطاب خاص لمن كذب بالايات وأما الفساق فمسكوت عنهم في الاية ولا يلزم من كونهم ممن خفت موازينه كونهم داخلين تحت هذا الخطاب لاحتمال أن يقدر محذوفا أي فيقال لبعضهم وهذا وان كان خلاف الظاهر فهو ثابت بادلة قطعية كما ستعرفه ان شاء الله تعالى. (وذهبت) الأشعرية الى أن فاعل الكبيرة مؤمن واستدلوا بأدلة تقدم الكلام عليها في باب الايمان والاسلام والحاصل أن كل فرقة جعلت الكفر مقابلا للايمان فعلى حسب اختلافهم في الايمان يكون اختلافهم في الكفر.
عامة من
(ولنا) على أن الكفر شامل للشرك والفسق أدلة منها قوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون» فإن كلمة في كل من لم يحكم بما انزل فيدخل فيه الفاسق المصدق وأيضا فقد علل كفرهم بعدم الحكم فكل ما لم يحكم بما أنزل كان كافرا والفاسق لم يحكم بما أنزل الله ا.
هـ.
(ومنها): قوله تعالى «وهل نجازي الا الكفور» فانه يدل على أن كل من يجازى فهو كافر وصاحب الكبيرة ممن يجازي لقوله ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم (3) فيكون كافرا.
(1) سورة المائدة آية رقم 44 وصدر الآية (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا المذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلا).
(2)
سورة سبأ آية رقم 17 وقد جاءت هذه الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: يجازي بدلاً
من (نجازي).
(3) سورة النساء آية رقم 93
308 (2/308)
صفحة 766
(واعترض عليه بأنه خلاف الظاهر لان ظاهره حصر الجزاء في الكفور وهو متروك قطعا اذ يجازى غير الكفور وهو المثاب لان الجزاء الثواب والعقاب.
يعم
(قلنا): لا نسلم أنه متروك الظاهر بل هو على ظاهره والمجازاة محصورة على الكفور الشامل للمشرك والفاسق ولا تطلق على الثواب
يحج
فان
والذي يشمل الثواب والعقاب هو الجزاء لا المجازاة. (ومنها): قوله تعالى بعد ايجاب الحج ومن كفر أي لم غني عن العالمين فقد جعل ترك الحج كفرا (واعترض) بأن المراد من جحد وجوبه ولا شك في كفره.
الله
(قلنا): لا نسلم أن المراد ذلك لان حمل الآية عليه خلاف الظاهر بغير دليل وبحملها عليه يختل نظم القرآن وذلك أنه لو قال مكان وجوبه فان الله غني عن العالمين لما كان مناسبا بل المناسب حينئذ أن يقول ومن جحد وجوبه فان الله شديد العقاب.
ومن
کفر
جحد و من
(ومنها): قوله تعالى (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فاما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد ايمانكم) والفاسق ممن وجهه مسود بالمعصية فيكون كافرا (واعترض بأنا لا نسلم أن كل فاسق كذلك اي مسود الوجه يوم القيامة فان الاية لا تقتضي ذلك بل هي واردة في بعض الكفار الذين كفروا بعد إيمانهم لقوله «اكفرتم بعد ايمانکم).
(قلنا): الاية واردة في أحوال الناس يوم القيامة فدلت على انهم صنفان شقي وسعيد كما يرشد اليه سائر الايات فالسعداء مبيضة وجوههم
(1) سورة آل عمران آية رقم 106 (2) سورة آل
عمران
رقم 106 وتكملة الآية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون)
309 (2/309)
صفحة 767
والاشقياء مسودة وجوههم ووجود صنف ثالث أشقياء لم تسود وجوههم مما لم يدل عليه دليل وان أمكن عقلا فحمل الآية على التخصيص بغير مخصص تحكم.
الله الا القوم
(ومنها): قوله تعالي «إنه لا ييأس من روح الكافرون) والفاسق ايس من روح الله اي ثوابه (واعترض) بأن كونه ايسا ممنوع للرجاء الحاصل له بسبب إيمانه (قلنا) لا نسلم انه راج لان صاحب الكبيرة مخلد في النار والعياذ كما تقدم بالبرهان القاطع فلا رجاء له أصلا (ومنها قوله تعالى «انك من تدخل النار فقد اخزيته ((2) مع قوله إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين وتقريره أن الفاسق يدخل النار للايات العامة الموعدة وكل من يدخل النار
فهو مخزي للاية الأولى وكل مخزي كافر للاية الثانية. (واعترض) بأن المفرد المحلى باللام وهو الخزي ههنا لا عموم له عندنا فلا يلزم انحصار الخزي مطلقا في الكافر أو بان المراد به على تقدير عمومه الخزي الكامل فيلزم حينئذ انحصار أفراده في الكافر لا انحصار أفراد الخزي مطلقا فيه (قلنا) المفرد المحلى باللام عام الآية على الخزي الكامل خلاف الظاهر فظهر انحصار
عندنا
جميع
وحمل
أفراد الخزي في الكافر.
(ومنها قوله تعالى وسيق الذين كفروا ((3) الى قوله «وسيق الذين اتقوا) اذ يعلم منه أن الانسان إما متق يساق الى الجنة أو
کافر يساق الى النار.
(1) سورة يوسف آية رقم 87 (2) سورة آل عمران آية رقم 192 (3) سورة الزمر آية رقم 71 (4) سورة الزمر آية رقم 73 (2/310)
صفحة 768
(واعترض) بأن ذكر قسمين لا يدل على عدم قسم ثالث (قلنا)
ثبوت قسم ثالث غير متق ولا کافر خلاف ظاهر الآية سلمنا أنها لا تدل على عدمه لكن لا يجوز ثبوته الا بدليل ولا دليل هنا (ومنها) قوله عليه السلام) من ترك صلاة متعمداً فقد كفر في أمثاله) (واعترض) بأن الآحاد لا تعارض الاجماع المنعقد قبل حدوث المخالفين. نسلم انعقاد الاجماع على مدعاه وأنى له بدعوى الاجماع وهذا الكتاب العزيز وهذه السنة المطهرة يناديان على خلاف مذعاه أينعقد اجماع على خلاف نص؟ أيكون اجماعا بلا مستند أو سنة؟ ألهم أن يشرعوا من تلقاء أنفسهم؟
(قلنا):
من
کتاب
(1) الحديث رواه ابن ماجة في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها 77 باب ما جاء فيمن ترك الصلاة. 1078 – حدثنا علي بن محمد ثنا وكيع، ثنا سفيان عن أبي الزبير، عن جابر بن عبدالله،
-
قال رسول الله ورواه النسائي في الصلاة 8 والترمذي في الايمان 9 ورواه ابن ماجة في الفتن 23، واحمد ابن حنبل في المسند 5: 346، 355، (حلبي).
وذكره ولفظه بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة).
311 (2/311)
صفحة 769
أقسام الكفر ..
والكفر قسمان جحود ونعم
وبالنفاق الثاني منهم
وامنعه في الأول حتما وهو ما
لرد تنزيل ومرسل نما)
(قوله والكفر قسمان) ترجم هنالك عن انقسام الكبائر الى كفر جحود وكفر نعمة وعبارته هنا تقتضي انقسام الكفر الى كفر جحود وكفر نعمة وجوابه أن الكبائر هي الكفر لا غير ففي عبارته تفنن.
شيئا من
(قوله جحود) أي كفر جحود والمراد به ها هنا مطلق النفي سواء كان نفيا للصانع ككفر من جحد وجود الصانع المختار أو نفيا لوحدانيته ككفر من عبد مع الله غيره أو نفيا لصفاته ككفر من وصف الله عز وجل بشيء من صفات غيره أو أنكر شيئا من كمالاته أو أنكر أفعاله الثابتة بالبرهان القاطع كبعث الرسل وانزال الكتب فلا يرد على المصنف أن عبارته غير شاملة الا لكفر الجحود ويفوته كفر المساواة على أن الائمة قسموا الشرك الى جحود ومساواة فشرك الجحود هو جحدانية الصانع المختار وكفر المساواة هو أن يصف الصانع بصفات المصنوع أو يصف المصنوع بالصفات المختصة بالصانع ولنا في غاية
المراد:
والشرك لا بد من أن تعرفنه لكي
تكون في مقعد عن غيه اعتزلا
312 (2/312)
صفحة 770
وهو المساواة بين
الله
جل وبين
الخلق او جحده سبحانه وعلا
(تنبيه) ما كان من ألفاظ الصفات يوصف به الصانع المختار والمصنوع
كعليم، وقدير، وسميع، وبصير، فمعناها في حق الصانع غير معناها في جانب المصنوع على أن المراد بالصفات معانيها لا ألفاظها فلا يشكل عليك.
ما
الله
(قوله ونعم): أي كفر نعم وهو ما نشأ عن تأويل الخطإ كاستحلال حرمه تعالى بتأويل الخطا من فاعله أو قائله كخلاف جميع من خالف المسلمين وبرأتهم منهم بتأويل الخطإ وما فعل انتهاكا كمقارنة شيء مما أوعد الله على فعله النكال في الدنيا والعذاب في الاخرة أو عذب به أمة من الامم الماضية كالقتل والزنا والربا والسرقة وبخس المكيال، والميزان، واتيان الرجال، وعقر الناقة والاعتداء في السبت، لاهل ذلك الزمان وغير ذلك ا. هـ. فهو قسمان: (أحداهما): ما فعل باستحلال وهو ما دان به المتدين بتأويل الخطإ مستحلا بالتأويل أما المستحل بلا تأويل فهو مشرك كما سيأتي. (وثانيهما): ما فعل بانتهاك وهو ما يفعله المتدين والحال أنه له في دينه أي يعتقد في دينه أن ذلك الشيء حرام فيأتيه ولكل واحد منهما حكم سيأتي بعضه في ركن التوبة إن شاء الله تعالى ونذكر هنا بعضه الآخر.
ويسمى
محرم
(اعلم) ان حكم المستحلين بالتأويل ان يدعوهم الامام للدخول في
أئمة
دين الحق وولاية المسلمين والخروج من دين الضلال والبراءة من الضلال فإن أجابوا الى ذلك كان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين وإن أبوا دعاهم الى الاذعان لحكمه والتسليم له فإن اذعنوا أجى فيهم حكم المسلمين وأخذ الزكاة من أغنيائهم ووضعها في فقرائهم
313 (2/313)
صفحة 771
وان امتنعوا من ذلك ناصبهم الحرب ولا يحل منهم غير دمائهم فلا تغنم أموالهم ولا تسبى ذراريهم ولا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم، إلا إذا كان لهم مأوى يأوون اليه أو فئة ينحازون إليها فإنه حينئذ يجهز على جريحهم ويتبع مدبرهم إن ظن أنهم يصلون ذلك المأوى وتلك الفئة أما اذا ظن أنهم لا يبلغون إليها فحكمهم كما لو لم يكن لهم مأوى ولا فئة وتحل ذبائحهم ومناكحتهم وموارثتهم في السلم والحرب وحكم المنتهكين كحكم هؤلاء المستحلين في جميع ما إلا أنهم لا يدعون الى براءة من أئمة الضلال فإنهم يدينون بها ولا الى ولاية لاهل العدل فانها معتقدهم.
سمي
مر
منافقا
(قوله وبالنفاق الثاني منهما وسم) أي كفر النعمة وهو القسم الثاني من قسمي الكفر بالنفاق يعني أن الكافر كفر نعمة لقوله لعل الله آية المنافق ثلاث اذا وعد أخلف واذا حدث كذب واذا
ائتمن خان (1).
يسمى
(واعلم): أن النفاق عندنا نوعان: (أحدهما) التكذيب بالقلب مع الايمان باللسان وهذا النوع هو الذي نزل في أهله القرآن كقوله تعالى
إن المنافقين في الدرك الاسفل من النار).
(وثانيهما) هو ارتكاب شيء من الكبائر كما يرشد اليه الحديث
(1) الحديث رواه الامام البخاري في كتاب الأدب 69 باب قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا
اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).
6095 حدثنا ابن سلام، حدثنا اسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل نافع بن مالك أبي بن رسول الله قال: وذكره ورواه
الله عنه
-
أن
عامر عن أبيه، عن أبي هريرة. رضي الايمان 24، ورواه الامام مسلم في ايمان 107 - 109 والترمذي في إيمان 14
ايضاً
(2) سورة النساء آية رقم 145
314 (2/314)
صفحة 772
فالمنافق يطلق على من كذب بقلبه وآمن بلسانه وعلى من ارتكب
شيئا من الكبائر.
(قوله وامنعه في الاول (حتما اي وامنع اسم النفاق في القسم الأول وهو الشرك منعا وجوبا أي لا الشرك نفاقا ولا المشرك منافقاً. يسمى
(واعلم): ان الاسماء على صنفين صنف منها مختص بأهل الطاعة الموفين بدين الله وهي مؤمن ومسلم ومهتدي ومتقي وطائع وصالح وصنف مختص بأهل الكبائر وهذا ايضا نوعان يطلق على أهل الكبائر كلهم وهي ضال وظالم وفاسق وفاجر وعاص وكافر والنوع الثاني مختص فلا يطلق الا على أهل صفة مخصوصة كالمشرك فإنه لا يطلق الا على صاحب الشرك كالمنافق فإنه لا يطلق الا على صاحب النفاق، وكالسارق فإنه لا يطلق الا على صاحب السرقة وهكذا.
(قوله وهو ما لرد تنزيل ومرسل (نما) أي والشرك ما زاد في الكفر حتى انتهى الى رد تنزيل من عند الله أو رسول من رسل الله، فيشمل الكتب السماوية مجموعة وآية آية فإن كل آية منها تنزيل
التنزيل جميع فالراد لشيء منها كالراد لجميعها، ويشمل المرسل جميع الرسل على سبيل البدلية لان الراد لرسول من رسل الله كالراد لجميعهم، وإذا عرفت أن الراد للتنزيل مشرك والراد للرسل مشرك، عرفت بطريق الأولى أن منكر الصانع ومنكر بعض صفاته الواجبة له مشرك لانه إن ثبت الشرك برد شيء من أفعاله الجائزة عليه وهي انزال الكتب وارسال الرسل كان برد ما هو واجب في حقه اثبت وللشرك وجوه قال في القواعد (منها) أن ينكر وجود الله سبحانه البتة كالدهرية الزاعمة أن الاشياء لا محدث لها.
(ومنها): أن يقيم غير الله مقامه في الخلق والانشاء والاختراع
315 (2/315)
صفحة 773
كالمنانية والديصانية) الذين يزعمون أن الأشياء تكونت من أصلين قديمين وهما النور والظلمة، وكالمجوس الزاعمة أن الأشياء القبيحة مخلوقة للشيطان وما أشبه هذا مذاهب الملحدة. من
(ومنها)
الله
أن يقيم الخلق في العبادة مقام الذين يعبدون الاصنام ويقولون هي شفعاؤنا عند الخلق والرزق والاحياء والاماتة الله وحده.
تعالى كمشركي العرب
الله
مع اقرارهم بان
يسع
جهله.
(ومنها): ان يكذب الله تعالى بانكار حرف من كلامه أو نبي من أنبيائه أو رسله أو ملك من ملائكته وجهلة البعث والمعاد وشكه في وجه من وجوه التوحيد وما أشبه ذلك من جميع ما لا (ومنها) أن يصف ربه بصفات الخلق ومعاني النقص من الجهل، والعجز، والحدوث، والعدم، والجور والظلم والهيئة، والجسم، والسهو، والنوم والاكل والشرب والتعب والنصب والحركة، والسكون، والاشكال، والاضداد، والصاحبة والاولاد في جميع ما لا يليق به
—
(1) هم أتباع ماني وكان في الأصل مجوسياً فأحدث ديناً ودعا إليه وزعم أن صانع العالم اثنان أحدهما فاعل الخير وهو نور وثانيهما فاعل الشر وهو ظلمة وهما قديمان لم يزالا ولن يز الا وهما مختلفان في النفس والصورة متضادان في الفعل والتدبير، وقد ظهر في أيام سابور ابن أردشير وتبعه خلق عظيم من المجوس وادعوا له النبوة وما زال الى أن قتل في زمان سابور
ابن بهرام (راجع سرح العيون ص 155 والملل والنحل 1 244). (2) الديصانية: أصحاب ديصان أثبتوا أصلين نوراً وظلاماً فالنور يفعل الخير قصداً واختياراً والظلام يفعل الشر طبعاً واضطراراً.
فما كان من خير ونفع وطيب وحسن فمن النور، وما كان من شر وضرر وفتن وقبح فمن الظلام وزعموا أن النور: حي عالم قادر، حساس دراك، ومنه تكون الحركة والحياة. والظلام:
ميت، جاهل، عاجز، جماد موات لا فعل له ولا تمييز. الخ.
راجع الملل والنحل للشهرستاني 2: ده
316 (2/316)
صفحة 774
سبحانه، أو يصف الخلق بصفاته عز وجل من العلم، والقدرة، والقدم، على الحقيقة، والاحياء والاماتة والخلق والاختراع من العدم، الى الوجود، والارسال والانزال من جميع صفاته التي لا يليق الخلق بها. (ومنها): أن يتقرب العبد إلى الله سبحانه بمعاصيه أي لا على وجه الاستحلال بالتأويل ليخرج هؤلاء المتدينون فإنهم يتقربون الى الله بالبراءة
من أهل الحق وهي معصية وليسوا بذلك مشركين لتأولهم.
(ومنها):
أن يزعم العبد أن الله نهى عن طاعته من التوحيد وغيره مما لا يحتمل التأويل في التنزيل (وجعل منها) في موضع آخر أن يستحل ما حرم الله نصا أو يحرم ما أحله الله نصا مواجهة من غير تأويل ا. هـ.
317 (2/317)
صفحة 775
أحكام المشركين»
واحكم برجس أهله على الابد
واغتنمن في الحرب منهم السبد)
واسب ذراريهم وحرم ذبحهم
توارثا مناله
وهكذا
سواء
في الحرب أو بجزية هم جاؤوا)
(قوله واحكم برجس أهله (الخ هذا شروع في بيان أحكام المشركين.
(اعلم)
منهم
أن المشركين أصناف أهل ملة اليهود وهم منهم
كتاب، فأهل الكتاب
أهل كتاب ومنهم ليسوا أهل موسي عليه السلام والنصارى، وهم أهل ملة عيسي عليه السلام، والصابئون) على خلاف فيهم هل هم أهل كتاب أم لا؟ وقيل هم قوم اختاروا مطائب التوراة ومطائب الانجيل وقالوا قد أصبنا دينا وأما غير أهل الكتاب
(1) في اللغة: صباً الرجل إذا مال وزاغ فيحكم ميل هؤلاء عن سنن الحق، وزيفهم عن نهج الأنبياء قيل لهم الصابئة وقد يقال: صباً الرجل إذا عشق وهوى. وهم يقولون الصبوة هي الانحلال عن قيد الرجال. وإنما مدار مذهبهم على التعصب للروحانيين كما أن مدار مذهب الحنفاء
هو التعصب للبشر
أن مذهبها هو الفطرة.
الجسمانيين. والصابئة: تدعي أن مذهبها الاكتساب، والحنفاء تدعي فدعوة الصابئة الى الاكتساب ودعوة الحنفاء الى الفطرة.
راجع الملل والنحل 2: 63
318 (2/318)
صفحة 776
أصناف
فهم مجوس والمشركون الذين يعبدون الأوثان وغيرهم من المشركين ولهم أحكام عامة لجميعهم وخاصة في بعضهم دون بعض فاما أحكامهم العامة (فمنها): الحكم عليهم بأن جميعهم نجس لقوله تعالى (إنما المشركون نجس (1) الآية وهو مذهب ابن عباس وعن الحسن أن من صافح مشركا وهو متوضئ انتقض وضوءه وعليه جمهور أصحابنا وذهب آخرون منا ومن غيرنا الى أن ذواتهم ليست نجسة وإنما وصفوا بالنجس لمباشرتهم له وقلة تنزههم عنه.
(ومنها): أن يدعوهم الامام الى الدخول في الاسلام فإن كانوا أهل قرى ومدائن دعي كبراؤهم وإن كانوا أهل بادية دعاهم واحداً واحداً وقيل يدعو المنظور اليه منهم فإن كانوا لا يعرفون لغته ترجم لهم بامينين وقيل يجزى بأمين واحد ولا بد من الدعوة الى الجملة التي كان يدعو اليها رسول الله الا الله لما روي عنه عليه الصلاة والسلام انه بعث سرية فقال: يا علي لا تقاتل القوم حتى تدعوهم وتنذرهم وبذلك أمرت فان أخذوا بغير دعوة ردوا الى مأمنهم. لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه بأسارى من حي أحياء العرب قالوا من يا رسول الله ما دعانا احد ولا بلغنا قال الله .. ؟ فقالوا: الله، فقال: خلوا سبيلهم حتى تصل اليهم الدعوة فان دعوتي تامة لا تنقطع الى القيامة فان أبوا عن الدخول في الاسلام قاتلهم الامام وحل غنيمة أموالهم وسبى ذراريهم أينما كانوا ومن أي صنف كانوا الا قريشا فانهم تغنم أموالهم ولا تسبى ذراريهم لحرمة النبي عليه الصلاة والسلام
يوم
جيء
(1) سورة التوبة آية رقم 28 وتكملة الآية فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عليه فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ان الله عليم حكيم).
(2)
عن
عند الامام احمد في المسند:1: 231 – ثنا حفص بن غياث ثنا حجاج بن أرطاة أبي نجيح عن أبيه عن ابن عباس قال: ما قاتل رسول الله والا - قوماً حتى يدعوهم.
اين
319 (2/319)
صفحة 777
أي لئلا تكون أنسابه الله، خدما، والدليل على ذلك أنه كان عليه الصلاة والسلام لم يَسْب من ذراريهم شيئا أو أن قتاله لهم فعلينا الاقتداء به، وفي قول آخر إن جميع العرب لا تسبى ذراريهم لحرمة النبي عليه الصلاة والسلام لانه منهم ولا يخفى أن هذا القول مخالف المصطلق وهم من العرب، وسبى هوازن
لفعله فيهم وهم منهم ايضا.
فانه
سبى بني
(وأما) أحكامهم الخاصة فلليهود والنصارى والصابئين والمجوس حكم يخصهم مع المشركين من العرب وهو تحريم ذبائحهم ونكاح نسائهم فحكم المجوس في قبول الجزية حكم اليهود والنصارى والصابئين وفي الذبايح والنكاح حكم مشركي العرب من أهل الأوثان والدليل على أن المجوس تقبل منهم الجزية ولا تحل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم ما روي عنه عليه من طريق عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه انه قال: سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم. (وأما) الحكم الخاص بمشركي العرب من أهل الأوثان فهو انه لا يقبل منهم صلح ولا تقبل منهم جزية، ولا تحل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم ولكن يقاتلون ويناصبون الحرب حتى يسلموا، والدليل على ذلك أنه تعالى خص قبول الجزية بأهل الكتاب فقال تعالى (حتى
هو عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث أبو محمد الزهري القرشي صحابي من أكابرهم، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى الذي جعل
عمر الخلافة فيهم وأحد السابقين الى الاسلام وكان من الاجواد الشجعان العقلاء. ولد بعد عام الفيل بعشر سنين 44 ق. هـ وأسلم وشهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها، وجرح يوم أحد 21 جراحة، وأعتق في يوم واحد ثلاثين عبداً، وكان يحترف التجارة والبيع
توفي عام 32 هـ
راجع صفة الصفوة 1: 135 وحلية الأولياء 1: 98، وتاريخ الخميس 2: 257، والبدء
والتاريخ 5: 86 والرياض النضرة 2: 281 - 291.
320
(1) (2/320)
صفحة 778
منهم
يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) وقال في حق المشركين وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله الله، والدليل على تحريم ذبائحهم ونكاح نسائهم انه تعالى خص أهل الكتاب بجواز ذلك فقال «وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم (3) (الآية) والدليل على تحريم مناكحة المشركين من العرب قوله تعالى (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولامة مؤمنة خير من مشركة ولو اعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو اعجبكم) وقوله تعالى (فلا ترجعوهن الى الكفار لا من حل لهم ولا هم يحلون لهن) وأما تزويج بناته (ع) ببعض المشركين فقبل نزول التحريم.
على
(تنبيه) إذا أسلمت المرأة قبل زوجها ثم أسلم بعدها قبل أن تنكح زوجا غيره فإنها ترد اليه بالنكاح الاول لقوله الله الرجل اسلم على اختين (أمسك ايتهما شئت) ولا يخفى أن الامساك إنما هو النكاح الذي كانوا عليه قبل الاسلام ولقوله الا الله لمن أسلم على عشر نسوة «أمسك أربعا وفارق سائرهن) فلو لم يكن النكاح الأول
(1) سورة التوبة آية رقم 29
(2) سورة الانفال آية رقم 39 وقد جاءت الآية محرفة المطبوعة حيث قال ويكون الدين الله بدلاً: ويكون الدين كله الله
(3) سورة المائدة آية رقم د
(4) سورة البقرة آية رقم 221 وتكملة الآية أولئك يدعون إلى النار والله يدعو الى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون).
(5) سورة الممتحنة آية رقم 10
(6) الحديث رواه ابن ماجة في كتاب النكاح 39 باب الرجل يسلم وعنده اختان. 1951 حدثنا يونس بن عبد الأعلى ثنا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن أبي وهب الجيشاني حدثه
أنه
سمع
الضحاك
بن فيروز الديلمي يحدث عن أبيه قال: أتيت النبي - فقلت: وذكره. (7) الحديث رواه صاحب الموطأ في كتاب الطلاق 29 باب جامع الطلاق 76 ـ و وحدثني يحيى عن =
321 (2/321)
صفحة 779
أنه
ثابتا لم يقل الله وفارق سائرهن ولانه لا رد زينب) لأبي العاص وقد أسلمت قبله بسنة ورد زوجة عكرمة بن ابي جهل له وقد اسلمت قبله وكل ذلك لم يكن بتجديد نكاح فإذا عرفت هذا فاعلم كان مسلما ثم ارتد والعياذ بالله ثم أسلم وكانت له زوجة من اسلامه الأول ولم تتزوج بعده غيره فإنه يرد إليها بذلك النكاح الأول لأنه إذا ثبت البناء على النكاح الواقع في الشرك فثبوت النكاح الواقع في الاسلام أولى لأن الاسلام يعلو ولا يعلى وكذلك إذا ارتدت أسلمت وهو باق على اسلامه (قوله على الأبد) أي مصاحبا أي يكون حكمك برجسهم مصاحبا للابد الذي هو عدم الغاية في المستقبل ولا يخفى أن تأبيد كل شيء بحسبه فتأبيد حكم الرجس على المشركين الى أن يتوبوا أو تضمحل دار التكليف.
مي
له
ثم
مالك عن ابن شهاب أنه قال بلغني ان رسول الله قال: وذكره، ووصله الترمذي كتاب النكاح 33 باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة.
في
هي
و بقيت
زينب بنت سيد البشر محمد عبدالله بن عبد المطلب القرشية الهاشمية كبرى بناته. بن تزوج بها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع، وولدت له علياً وأمامة فمات علي صغيراً. أمامة فتزوجها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بعد موت فاطمة الزهراء رضي الله عنها
توفيت عام 8 هـ
راجع الاصابة كتاب النساء ت 464 وتاريخ الخميس 1: 273 والسمط الثمين 157 وطبقات
ابن سعد 20:8
مكة،
هو عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام المخزومي القرشي، من صناديد قريش في الجاهلية والاسلام، كان أبوه من أشد الناس عداوة للنبي - لا الله - وأسلم عكرمة بعد فتح وحسن إسلامه فشهد الوقائع وولي الأعمال لأبي بكر واستشهد في اليرموك أو يوم مرج
الصفر وعمره 62 سنة عام 13 هـ
وفي الحديث: لا تؤذوا الأحياء بسبب الموتى، قال المبرد: فنهى عن سب أبي جهل من
أجل عكرمة راجع تهذيب الاسماء 1: 338 وخلاصة التهذيب 228 والاصابة ت 5640 وتاريخ الاسلام
للذهبي 1: 380
322
(1)
(2) (2/322)
صفحة 780
(قوله واغتنمن) بنون التوكيد الخفيفة أي خذ الغنيمة منهم وهي اللغة: ما يناله الرجل أو الجماعة بسعي وفي الشرع ما ناله المسلمون الأصول
المشركين بالقتال أو بالقهر كائنا ما كان واستثنى بعضهم من فلا تسمى غنيمة بل تسمى فيئا.
قال القطب رحمه الله وليس كذلك فإن الفيء ما جاء بلا قتال وقهر كالعشر، والجزية، وأموال الصلح، والمهادنة، ومال من مات منهم في دار الاسلام، ولا وارث له، وخراج الأصول قيل: وخمس الغنيمة
ونحو ذلك ولا خمس فيه قال: وهذا هو الصحيح وهو قول الثوري وعطاء قال قتادة كل ذلك
يسمى
غنيمة
ويسمى
فيئا
والغنيمة والفيء شيء واحد وفيه الخمس وكذا حكى ابن المنذر) عن الشافعي ان في الفيء الخمس قال القطب رحمه الله أيضا والاكثرون على انه لا يخمس الفيء وأنه يقسم على المسلمين مطلقا بحسب المصلحة فيعطى الرجل بالنظر الى قومه والرجل بالنظر الى عياله والرجل
(1) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري من بني ثور بن عبد مناة من مضر أبو عبدالله أمير المؤمنين في الحديث كان سيد أهل زمانه في علوم الدين والتقوى.
(2)
ولد عام 97 هـ ونشأ في الكوفة وراوده المنصور العباسي على أن يلي الحكم فأبى. وخرج من الكوفة سنة 144 هـ فسكن مكة والمدينة ثم طلبه المهدي فتوارى وانتقل الى البصرة فمات فيها مستحفيا له من الكتب (الجامع الكبير،، والجامع الصغير، كلاهما في الحديث وكتاب في الفرائض وفاته عام 161 هـ راجع دول الاسلام 1 84 وابن النديم 1 225 وابن خلكان 1: 210 وطبقات ابن
سعد 6 257
هو محمد بن ابراهيم بن المنذر النيسابوري أبو بكر: فقيه مجتهد من الحفاظ كان شيخ الحرم بمكة قال الذهبي: ابن المنذر صاحب الكتب التي لم يصنف مثلها منها و المبسوطه في الفقه والأوسط في السنن والاجماع والاختلاف، والاشراف على مذاهب أهل العلم، وتفسير القرآن وغير ذلك بشيء توفي بمكة عام 319 هـ. راجع تذكرة الحفاظ 3 4 والوفيات 1: 461 وطبقات الشافعية:2: 126 ولسان الميزان ه: 27 والوافي بالوفيات 1 336 ودار الكتب 1: 85 و 497
323 (2/323)
صفحة 781
بالنظر الى حاجته وكان الفيء في زمان النبي عل فيما ذكروا عن خاصا به يتصرف فيه كما شاء ينفق منه نفقة على عياله والباقي عمر في السلاح والكرائم ويصرف بعده للمقاتلة لأن
بهم
ارهاب العدو
كالنبي
وقيل هو للامام وكذا الارض وسائر الأصول فإن شاء الامام قسمها كسائر الغنيمة وإن شاء تركها في أيدي غيرها بجزء من غلتها أو بخراج يضربه عليها وإن شاء فعل غير ذلك بحسب المصلحة مثل
أن
أنه لو قسمها لاشتغلوا بها عن الجهاد فلا يقسمها. يري (أما) سائر الغنائم من نحو الذهب والفضة والأبل والغنم وجميع أنواع الأموال فتجب قسمته على خمسة أقسام قسم منها هو الخمس وهو لمن ذكره الله في قوله عز وجل قائلا «واعلموا انما غنمتم من فان الله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن
شيء
السبيل).
الله
قال القطب رحمه تعالى: والمراد بذكر الله تعظيمه وافتتاح الجملة به للتبرك وان من حق الخمس أن يتقرب به اليه كما قال مالك (2) الحاكم في الخمس يقسمه كيف شاء وليس المراد أن له
وانه هو سهما من الخمس فالدنيا والاخرة كلها لله وانما يقسم الخمس على الخمسة المذكورة بعده أو سهمه سهم الرسول فليقسم ايضا الخمس المذكور على الخمسة المذكورة وقال مالك والزجاج قسمه على الخمسة تمثيل بأهم من يدفع اليه لا حصر فيجوز اعطاء الغير منه بقوله سبحانه «قل ما أنفقتم من خير فللوالدين) الخ وقد اجمعوا
(1) سورة الانفال آية رقم 41.
(2) سبقت الترجمة له في هذا الجزء
(3) سبقت الترجمة له في هذا الجزء.
(4) سورة البقرة آية رقم 215 وتكملة الآية (فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل
وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ..
324 (2/324)
صفحة 782
على جواز انفاق الخير على غير من ذكر الله والصحيح الأول وبه أقول وهو قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك وابن عباس والحسن بن محمد وعطاء وقتادة والنخعي (1) وهو ما كان رسول الله لا يفعله وذكر الطبري عن ابن عباس أن الخمس مقسوم على أربعة وسهم
ولا الله
شيء وقال ابو العالية المراد بذكر
وسهم
الله
الرسول لقرابته وليس له الله أن له سهما فيقسم الخمس على ستة يصرف للكعبة قيل قال عن رسول الله الله كان يأخذ الخمس فيقرب بيده فيه فيأخذ قبضة يجعلها للكعبة وهو سهم الله ثم يقسم الباقي على خمسة وقيل الله لبيت المال وقيل يضم الى سهم الرسول وقال منذر بن)
سهم
(1)
(2)
هو حفص بن غياث بن طلق بن معاوية المخعي الأزدي الكوفي، أبو عمر: قاض من أهل الكوفة ولي القضاء ببغداد الشرقية لهارون الرشيد ثم ولاه قضاء الكوفة ومات فيها عام 194 هـ كان من الفقهاء حفاظ الحديث الثقات حدث بثلاثة أو أربعة آلاف حديث من حفظه وله كتاب فيه 170 حديثاً من روايته، وهو صاحب أبي حنيفة ويذكره الامامية في رجالهم. راجع تذكرة الحفاظ وتهذيب التهذيب وميزان الاعتدال 1 266 وتاريخ بغداد 8: 188 هو محمد بن جرير بن يزيد الطبري أبو جعفر المؤرخ المفسر الامام ولد في أمل طبرستان عام 224 هـ واستوطن بغداد وتوفي بها وعرض عليه القضاء فامتنع والمظالم فأبى له أخبار الرسل والملوك، وجامع البيان في تفسير القرآن، واختلاف الفقهاء، والمسترشد في علوم الدين وغير ذلك كثير، وهو من ثقات المؤرخين قال ابن الأثير أبو جعفر أوثق من نقل التاريخ وفي تفسيره ما يدل على علم غزير وتحقيق توفي عام 310 هـ راجع ارشاد الأريب 6: 423 وتذكرة الحفاظ 2 351 والوفيات 1: 456 وطبقات
السبكي 2: 135 – 140 ومفتاح السعادة 1 - 205 و 415 (3) هو مندر بن سعيد بن، بن عبد الرحمن النفزي القرطبي أبو الحكم البلوطي:
308 هـ
عبد الله
قاضي قضاة الأندلس في عصره. كان فقيها خطيباً شاعراً فصيحاً نسبته الى، فحص البلوط. بقرب قرطبة ويقال له: الكزني، نسبة الى فخذ من البربر يسمى، كزنة، رحل حاجاً سنة فأقام في رحلته أربعين شهراً، أخذ بها عن بعض علماء مكة ومصر. قال ابن الفرضي كان بصيراً بالجدل منحرفاً الى مذاهب أصحاب الكلام لهجاً بالاحتجاج ولي قضاء .. ماردة. وما والاها ثم قضاء الثغور الشرقية فقضاء الجماعة بقرطبة سنة 339 واستمر الى أن توفي بها عام 355 هـ له كتب في القرآن والسنة على أهل الأهواء منها و الانباء على استنباط =
325 (2/325)
صفحة 783
على
بعد
سعيد: قالت فرقة لفقراء المسلمين أو لبيت المال ورد عليه أي هذا القول بظاهر قوله تعالى (وللرسول» قال: وسهمه موته لمصالح المسلمين وما فيه قوة الاسلام عن الشافعي واحمد وقال فرقة للكراع والسلاح وقال الاعمش والنخعي هو الذي كان أبو بكر وعمر يفعلانه وقال علي وقتادة والحسن للامام قال: وهو حسن وقال أبو حنيفة للاربعة المذكورة بعد وقالت فرقة هو لاصحاب أربعة الاخماس الباقية وهو الجيش، وقال قوم: لقرابته الله وقال مالك الى رأي الامام وقال اصحاب الرأي هو لليتامى والمساكين وابن السبيل دون القرابة لانه الله لا يورث وذوو القربى هم بنو هاشم وبنو المطلب يعطى منه غنيهم وفقيرهم للذكر مثل حظ الأنثيين وذهب قوم الى أنه ليس لاغنيائهم منه شيء وانما هو لفقرائهم وصحح القطب رحمه الله الاول مستدلا عليه باعطاء رسول الله الله عمه العباس وهو من الاغنياء فإذا لم يوجد أحد من ذوي القربى فأمر سهمهم الى الامام يضعه حيث شاء من مصالح الاسلام.
(أما): أربعة أخماس الغنيمة وهي ما عدا الخمس المذكور فيقسم على المقاتلة للفارس منهم سهمان وللراجل سهم وليس لاحد منهم أن يأخذ شيئا من الغنيمة قبل القسمة لانهم شركاء في ذلك لقوله من بعير وبرة فقال ما لي ولا لكم منها أي مثل هذه الا الخمس ثم هو رد عليكم فادوا الخياط والمخيط فان (2)
=
وقد أخذ
الغنيمة من
الأحكام من كتاب الله، ويسمى أحكام القرآن والإبانة عن حقائق أصول الديانة، والناسخ والمنسوخ راجع تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي 2: 17 ونفح الطيب 1: 335 وقضاة الأندلس
66 وبغية الملتمس 450 وبغية الوعاة 398 والكامل لابن الأثير: 223 (1) سورة الانفال آية رقم 24 وتكملة الآية اذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون). (2) الحديث رواه كتاب الجهاد 34 باب الغلول 2850 ثنا أبو أسامة عن أبي سنان عيسى بن =
326 (2/326)
صفحة 784
الغلول عار وشنار على الغلة يوم القيامة ولكم الاكل والركوب والعلف ولي أحدكم أحق بالغنيمة من الاخر ولو بالسهم وقيل يا رسول الله استشهد فلان فقال كلا اني رأيته يجر الى النار بعباءة غلها). وكان لرسول الله الله الصفي وهو ما يختاره لنفسه قبل القسمة وتركه اكراما لامته وادخارا لاجره وكتب به الى بني زهرة وقيس أنه له فيما غنموه اي إن آمنوا وبكلمة الاخلاص والزكاة والصلاة وان لكم حظا في الخمس ولا صفي بعد رسول الله الله باجماع الا ما قاله ابو ثور) انه باق للامام وهو قول شاذ.
كما
(قوله في الحرب) فيه أنه لا يجوز أخذ أموالهم في غير الحرب المسألة فلا يجوز لمن دخل معهم بأمان أن يأخذ شيئا
هو اصل
=
سنان عن يعلى بن شداد عن عبادة بن الصامت قال صلى بنا رسول الله الله يوم حنين الى جنب بعير من المقاسم ثم تناول شيئا من البعير وذكره.
في الزوائد: في اسناده عيسى بن سنان واختلف فيه كلام ابن معين: قال: لين الحديث، وليس بالقوي، قيل: ضعيف، وقيل: لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجال الاسناد ثقات. ورواه أبو داود في الجهاد 121، والنسائي في الهبة 1 والدارمي في السير 45 وصاحب الموطأ في الجهاد 22 واحمد بن حنبل في المسند:2 4:184 128، 5: 316، 326،
330 (حلبي).
بن
عن
عبدالله
-
بن عمرو قال:
و هو في
(1) الحديث رواه ابن ماجد في كتاب الجهاد 34 باب الغلول 2849 حدثنا هشام بن عمار، ثنا سفيان بن عييبة عن عمرو بن دينار عن سالم بن أبي الجعد كان على ثقل النبي علي الا الله رجل يقال له كركرة فمات. فقال النبي النار، فذهبوا ينظرون فوجدوا عليه كساء أو عباءة قد غلها. (2) هو ابراهيم بن خالد أبي اليمان الكلبي البغدادي أبو ثور الفقيه صاحب الامام الشافعي. قال ابن حبان كان أحد أئمة الدنيا فقهاً وعلماً وورعاً وفضلاً، صنف الكتب وفرع على السنن وذب عنها يتكلم في الرأي فيخطئ ويصيب. مات ببغداد عام 240 هـ وقال ابن عبد البر له مصنفات كثيرة منها كتاب ذكر فيه اختلاف مالك والشافعي، وذكر مذهبه في ذلك وهو أكثر ميلاً الى الشافعي هذا الكتاب وفي كتبه كلها. راجع تذكرة الحفاظ 2 87 و ميزان الاعتدال 1: 15 و تاريخ بغداد 6: 65 والانتقاء 107
في
327 (2/327)
صفحة 785
بأمان أن يأخذ شيئا أيضا وهنا مسألة أموالهم ولا لمن دخلوا معه من وهو ما إذا دخل المسلم دار المشرك بأمان هل يحل له أن يشتري مما غنم المشركون أو سبوا من بعضهم بعض؟ في الأثر أنه لا يحل ذلك لانه خيانة لهم وعن المحقق الخليلي رحمه الله جواز ذلك وعنده أنها ليس بخيانة لهم. (قوله السبد) أي المال مطلقا وحقيقة السبد هو المال ما كان من ذهب وفضة وفي اطلاقه على جميع أنواع المال مجاز مرسل من اسم البعض على الكل.
اطلاق
قوله واسب ذراريهم أي أولادهم الصغار والمراد به ها هنا الاولاد ما كانوا دون البلوغ من النساء فانهن يسبين أيضا وأما من بلغ من رجالهم فانهم يقتلون بدليل أن سعد بن معاذ حكم في بني قريضة بقتل مقاتلهم فاقره رسول الله الله على ذلك وقال له حكمت بحكم الله الى آخر الحديث والحكمة في سبي أولادهم ثلاثة أشياء: أحدها: ليجروهم الى الاسلام فيكون ذلك سببا لدخولهم فيه وذلك
انفع لهم.
والثاني:
شفقة بهم حين قتل ابائهم لئلا يموتوا عطشا وجوعا.
والثالث: تقوية لبيت المال.
من
أهل
(1) هو سعد معاذ بن النعمان بن امرئ القيس الأوسي الأنصاري صحابي من الأبطال، المدينة، كانت له سيادة الأوس، وحمل لواءهم يوم بدر، وشهد أحداً فكان مما ثبت فيها، وكان من أطول الناس وأعظمهم جسماً. ورمي بسهم يوم الخندق فمات من أثر جرحه، ودفن بالبقيع، وعمره سبع وثلاثون سنة، وحزن عليه النبي علا الا الله وفي الحديث و اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ .. راجع صفة الصفوة 1: 180 وطبقات ابن سعد 3 2 القسم الثاني، والاصابة ت 3197
328 (2/328)
صفحة 786
لنا
(قوله وحرم ذبحهم أي ما ذبحوه من الحيوانات التي يحل أكلها (قوله تناكحا) مصدر تناكحوا اذا تزاوجوا اي حرم التزاوج منهم ومنا لهم (قوله) (توارثا مصدر توارثوا إذا ورث كل منهم الآخر وانتصب تناكحا وتوارثا عطفا على ذبحهم بحذف العاطف وهي الواو. (قوله منالهم) اي كان النكاح والميراث من قبلنا لهم لو من قبلهم لنا (قوله) (سواء اي سواء حكمهم فيما ذكرناه كانوا في حرب او جاؤوا بجزية ومعنى سواء هنا مستو وارتفع على انه مبتدأ خبره الجملة
التي
منهم
بعده.
جزية
أصلا
(قوله أو بجزية هم جاؤوا قد تقدم أن بعض المشركين لا تقبل أهل الأوثان وهم من العرب وبعضهم تقبل منهم وهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى والصابئين، ومثلهم المجوس، ولا جزية على امرأة، أو عبد، او طفل، أو شيخ، أو حبر، أو مجنون، راهب، أو مفلس، وعن بعض قومنا يعطيها أيضا جميع من ذكر هو ضعيف كيف يطالب بها المجنون وقال بعض العلماء يعطيها رهبان الكنائس الذين لم ينقطعوا ومن ضربت عليه ثم انقطع لم تسقط عنه وقيل يعطيها الراهب مطلقا ولا يأخذ الجزية الا الامام العادل بنفسه أو بأمره وإذا لم يكن إمام أو كان ولم يقدر على منع الظلم عنهم لم تؤخذ منهم ومن أخذها بدون الامام لم يعامل فيها وقيل يأخذها منهم كل من منع الظلم عنهم ولو في الكتمان وقيل تؤخذ من الفقير شيء له وقيل إذا كان له ما يكتسب منه وشدد بعضهم فقال يطلى بلبن أو عسل أو نحو ذلك مما يتأذى منه بالذباب أو النمل أو نحوها ويحب في الشمس حتى يعطيها لانه ترك التوحيد باختياره والجزية بحسب يرى الامام من قوة المشرك وضعفه وكثرة المال وقلته وشدة بغض الاسلام وعدمها وغير ذلك، حتى لو رأى الصلاح في تسويتهم لفعل وقيل دينار على كل واحد في السنة وان
الذي
?
329 (2/329)
صفحة 787
رضوا بالزيادة فعلى المتوسط ديناران وعلى الفقير دينار وان شاؤوا اعطوا الدراهم بدل الدينار فيحسب الدينار باثني عشر درهماً كدينار الديات، والارش، وجماع الحيض، وغير ذلك، وأما دينار الزكاة فعشرة دراهم، ودينار المعاملات يزيد وينقص وان شاء الامام أخذ في كل شهر دراهم فيكون على الغني في الشهر أربعة دراهم وعلى المتوسط در همان وعلى الفقير درهم وقيل على اليهودي عشرة دراهم في كل سنة، وعلى النصراني اثني عشر، وقيل خمسة عشر ولم يذكر صاحب هذا القول الصابئين والمجوس ولعله يقول الأمر فيهم على ما يراه الامام وعلى من تؤخذ عنه الجزية ضيافة المسلمين ثلاثة ايام وقيل الضيافة على النصارى والمبيت على اليهود بعد أكل العشاء عند النصارى وعن عمر أنه ضرب على أهل الكتاب أيضا كسوة للمسلمين وعن انه ضرب الجزية دينارا على كل واحد في و به قال الشافعي و به أمر معاذا حين أرسله الى اليمن وقال له أو خذ قيمة الدنانير مغافر وهي ثياب وقد عمل به عمر في بعض القرى وروي عنه أنه كتب الى عامله عثمان بن حنيف في الكوفة بان على الغني أربعة دنانير وعلى المتوسط دينارين وعلى الفقير ديناراً وروي عنه غير ذلك فدل على انها ليست محدودة وفعل النبي عل الله ليس حدا لها وانها برأي الامام وقال ابن القاسم" من المالكية: أربعة دنانير على كل
عمر
السنة
(1) هو عثمان بن حنيف بن وهب الانصاري الأوسي أبو عمرو، وال من الصحابة شهد أحداً وما بعدها، وولاه عمر السواد، ثم ولاه البصرة، ولما نشبت فتنة الجمل بين عائشة ـ رضي الله عنها - وعلي كرم الله وجهه - دعاه أنصار عائشة الى الخروج معهم على علي فامتنع فنتفوا شعر رأسه ولحيته وحاجبيه واستأذنوا به عائشة فأمرتهم باطلاقه فلحق بعلي وحضر الموقعة ثم سكن الكوفة، وتوفي في خلافة معاوية عام 41 هـ راجع الكامل لابن الأثير واصابة ت 5437 والاستيعاب بهامش الاصابة 3: 89 وتهذيب التهذيب 7:
معه
112
(2) هو عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي المصري أبو عبدالله، ويعرف بابن القاسم فقيه جمع =
330 (2/330)
صفحة 788
أو فقير لا ينقص عنها وهو قول اصبغ منهم لكن قال: يحط على الفقير بقدر حاله وقال ابن الماجشون) منهم: لا جزية على الفقير ويؤخذ من نصارى العرب ضعف ما يلزم المسلم في الزكاة
غني
له
على أموالهم فيعطي منهم من له مائتا درهم عشرة دراهم ومن مائة درهم خمسة دراهم ولو كان لا زكاة على المسلم في ما دون المائتين وكذلك في الذهب والغلة والماشية، وكذا فعل خالد بن الوليد بنصارى تغلب في الشام فاجازه عمر وتؤخذ على تمام السنة من حين قهرهم الامام وضربها عليهم وبهذا قال الشافعي وقال ابو حنيفة من حينه وهو ضعيف وكل ما صالحهم أعني اهل الكتاب الامام عليه قبل القتال أو بعد القتال ان لم يكن غالبا فجائز عليهم ا. هـ من الهيميان للقطب رحمه الله تعالى.
بين الزهد والعلم تفقه بالامام مالك ونظرائه مولده عام 132 هـ ووفاته بمصر عام 191 هـ له (المدونة)
وهي من أجل كتب المالكية.
راجع وفيات الأعيان 1: 276 وحسن المحاضرة 1: 121 والمكتبة الأزهرية 1: 403 (1) هو عبد العزيز بن عبدالله بن أبي سلمة التيمي مولاهم المدني أبو عبدالله فقيه من حفاظ الحديث الثقات له تصانيف كان وقوراً عاقلاً ثقة أصله من أصبهان نزل المدينة. ثم قصد بغداد فتوفي بها عام 164 هـ وصلى عليه الخليفة المهدي ودفن في مقابر قريش، وهو يعد من
فقهاء المدينة
راجع تذكرة الحفاظ 1 206 وتهذيب 6: 343 وتاريخ بغداد 10: 436
331 (2/331)
صفحة 789
تحليل ذبيحة أهل الكتاب وجواز مناكحتهم»
والذبح من أهل الكتاب جوزا
مع النكاح دون حرب جوزا)
ويرفع الحرب لجزية أنت
منهم وفي المجوس حكمهم ثبت
الا الذباح والنكاح فهما
محرمان في المجوس فاعلما) (قوله والذبح من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى بالاتفاق والصابئون على المعتمد عليه عند أصحابنا، وسمي هؤلاء أهل كتاب لان اليهود في أيديهم التوراة، وفي ايدي النصارى الانجيل، والصابئون قوم اختاروا مطايب التوراة ومطايب الانجيل وهذا الحكم شامل لجميع أهل الكتاب كانوا عربا أو عجما، لان المعتبر ها هنا لا الدين هو النسب وذهب ابو حنيفة وأبو يوسف الى تخصيص العجمي بهذا الحكم دون العربي سواء كان العربي أو العجمي كتابيا او غير كتابي، وذهب مالك والاوزاعي الى تعميم هذا الحكم فيما عدا المرتد وليس الجميع بشيء لمخالفته ظاهر الكتاب والسنة، ومن دخل في دين أهل
(1)
هو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الاوزاعي من قبيلة الأوزاع أبو عمرو إمام الديار الشامية في الفقه والزهد، وأحد الكتاب المترسلين، ولد في بعلبك، ونشأ في البقاع وسكن بيروت وتوفي بها، وعرض عليه القضاء فامتنع. له كتاب و السنن، في الفقه والمسائل ويقدر ما سئل عنه بسبعين ألف مسألة أجاب عليها =
332
(1) (2/332)
صفحة 790
الكتاب بعد نسخه فلا تقبل عنه الجزية قال بعضهم: وكذلك إن دخل فيه بعد نسخه ولم يبدل فيه والذبيحة والنكاح تابعان للجزية وان وقع الشك في دخولهم قبله أو بعده قبلت منه الجزية ولا يتزوج منهم ولا تؤكل ذبائحهم حوطة، وعن علي ولا تؤكل ذبيحة نصارى العرب فانهم لن يبلغوا من النصرانية الا شرب الخمر واختار بعض أصحابنا من دخل من العرب في دين النصارى قبل نزول الآية فهو منهم ومن دخل بعد نزولها قتل ا. هـ.
(قوله جوازا) بفتح الجيم أمر من جوز الشيء يجوزه إذا اذن في فعله والمراد جوزه لتجويز الله له (قوله مع النكاح) اي منهم أي جوز الذبح مع النكاح أهل الكتاب بشرط أن لا يكونوا حربا للمسلمين من قيل ويشترط المسلم على الكتابية اذا أراد تزويجها خمس خصال، ان تغتسل من الحيض، وأن تغتسل من الجنابة، وان تحلق العانة، وان لا تشرب الخمر وان لا تعلق الصليب.
منهم
(قوله دون حرب) أي انما تحل ذبائحهم ونكاح نسائهم إذا صالحوا المسلمين وتركوا الحرب، أما اذا حاربوا فلا يحل شيء من ذلك وهذا هو الذي صححه أصحابنا قال بعضهم لانهم حين حاربوا لم تكن لهم حرمة تحل بها ذبائحهم ولا نساؤهم ألا تري أنه لا يحل في امرأة واحدة أن تحل لرجلين مسلمين هذا بنكاح وهذا بسباء وملك لو كانت حلالا لرجل مسلم فتزوجها ليس لغيره من المسلمين أن يسبيها حين حاربوا ولا يجوز أن تحل لهذا بنكاح ولهذا بسباء
اعني
كلها، وكانت الفتيا تدور بالأندلس على رأيه الى زمن الحكم بن هشام ولأحد العلماء كتاب ه محاسن المساعي في مناقب الامام أبي عمرو الأوزاعي، توفي عام 157 هـ. راجع ابن النديم 1: 227 والوفيات:1: 275 و تاريخ بيروت 15 وحلية الأولياء 6: 135
333 (2/333)
صفحة 791
الله
الله
لم
وملك انتهى. أقول: وهذا التعليل لا يفيد تحريم تزويج نسائهم في الحرب لانه لقائل أن يقول إن من حل سبيه منهن إنما هو من يكن منهن زوجة لمسلم أما التي كانت زوجة المسلم فلا يحل سبيها لحرمة ذلك المسلم، وقال الشيخ عامر رحمه في ايضاحه في كتاب الذبائح: ولا بأس بذبائح أهل الحرب من أهل الكتاب ولا نكاح نسائهم، ولا صيد كلابهم، أقول وهذا هو الظاهر من اطلاق الكتاب والتقييد في حل ذلك منهم بما إذا كانوا غير حرب للمسلمين محتاج الى دليل. (قوله وجوزا) بضم الجيم فعل ماض مبني للمفعول حذف فاعله للعلم به لان فاعل الجواز هو الشارع (قوله ويرفع الحرب لجزية) أي يرفع الحرب عن اليهود والنصارى ومن كان في حكمهم بسبب جزية اتت منهم وإنما قبلت منهم الجزية حرمة لآبائهم الذين انقرضوا على الدين الذي هو من قبل نسخه، ولان في أيديهم كتبا قديمة ولعلهم يتفكرون فيها فيعرفوا صدق سيدنا محمد الله مع ما ينضم الى ذلك من مشاهدتهم محاسنه وقوته وكثرة الداخلين فيه، وسميت جزية لانها تجزي عن قتلهم أو لأنها طائفة مما على أهل الذمة ان يجيزوه أي يقضوه ويقال جزا دينه بمعنى قضاه أو لأنها مكافأة للمسلمين على ابقائهم ا. (قوله أتت منهم فيأتون بها صاغرين كما ذكر عز وجل قيل الصغر ان يأتي بها ماشيا غير راكب ويسلمها قائما والقابض قاعد، ويحرك ويزعج باقلاق ويؤخذ بمجامع ثيابه ويقال له أد الجزية وان كان يؤديها ويضرب في قفاه، وفسره عكرمة باعطائه قائما والقابض جالس وابن عباس بأن يضرب باليد عنقه والكلبي بأن يضرب باليد مبسوط وطة في قفاه، وقيل هو ان يؤخذ بلحيته ويضرب في لحمتيه تحت الاذن ويقال له أد حق الله والضرب في ذلك كله خفيف.
هـ.
الله يا عدو
(قوله وفي المجوس حكمهم ثبت أي وثبت حكم أهل الكتاب
334 (2/334)
صفحة 792
من رفع الحرب عنهم باتيان الجزية بالشرط المتقدم في المجوس، وهم قوم لا كتاب لهم فمنهم من يعبد النيران ومنهم من يعبد الكواكب الى غير ذلك.
سنة
(قوله الا الذباح والنكاح (فهما الخ اي يستثنى من حكم أهل الكتاب في المجوس شيئان هما تحريم ذبحهم وتحريم نكاح نسائهم، فان حكمهم فيهما حكم عبدة الأوثان لقوله عليه السلام «سنوا بهم أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا أكلي ذبائحكم» هذا مذهبنا ومذهب الجمهور وعليه مالك وابن حبيب (2) وغيره من اصحاب مالك الا قليلا منهم وظاهر ما روي عن علي أنه تحل ذبائح المجوس و حرائرهم بالجزية، وبه فسر بعضهم حديث عبد الرحمن المذكور حيث لم يثبت عندهم زيادة غير ناكحي نسائهم ولا اكلي ذبائحهم فقالوا في معناه: سنوا بهم سنة أهل الكتاب في كل شيء كالجزية والذبيحة ونكاح الحرة منهم وسواء في ذلك مجوس العرب وغيرهم وقيل لا يقبل من مجوس العرب الا الاسلام أو القتل ولا تحل ذبيحتهم ولا
(1) الحديث رواه صاحب الموطأ في كتاب الزكاة 24 باب جزية أهل الكتاب وانجوس، 42 وحدثني عن مالك عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم فقال عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه أشهد لسمعت رسول الله
رأساً
-
-
وذكره.
(2) هو عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون السلمي القرطبي أبو مروان عالم بالأندلس وفقيه في عصره أصله من طليطلة من بني سليم أو من مواليهم ولد في البيرة عام 174 هـ وسكن قرطبة وزار مصر ثم عاد الى الأندلس فتوفي بقرطبة، كان عالماً بالأدب والتاريخ في فقه المالكية له تصانيف قيل تزيد على ألف. منها: حروب الاسلام، وطبقات الفقهاء والتابعين وتفسير موطأ مالك، ومصابيح الهدى، ومكارم الأخلاق وغير ذلك كثير توفي عام 238 هـ راجع معجم البلدان 1: 323 وتاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي 1: 225 وتذكرة 2:
-
107 وميزان الاعتدال 2 148 ولسان الميزان 4 59 ونفح الطيب 1: 331
335 (2/335)
صفحة 793
حرائرهم وقيل يؤخذ منهم الجزية ولا تحل ذبيحتهم وحرتهم وهذا الخلاف أيضا في السامرة ونسب القول بأنهم والصابئين من أهل الكتاب وأحكامهم واحدة الى الجمهور ا هـ قوله فاعلما) أمر من علم الشيء اذا أدركه وهو تتمة للبيت وفائدتها تنبيه السامع لحكم المجوس المستثنى من جملة أحكام أهل الكتاب وألفه بدل عن نون التأكيد الخفيفة.
336 (2/336)
صفحة 794
حكم المشركين عبدة الأوثان
والمشركون من ذوي الاوثان
ليس لهم واق سوى الايمان)
كذاك حكم راجع عن دينه
أو
وآخذ بالشك عن يقينه)
كأبي
حنيفة
كتابي
(قوله والمشركون من ذوي الاوثان) أي من أصحاب الأصنام وهم أهل اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى ونحوها من الأصنام سواء كانت العبدة لها من العرب كمشركي قريش ونحوهم أو من العجم البربر أو من من السودان خلافا لمن خصهم بالعرب حيث قال تؤخذ الجزية أيضا ممن كان من العجم مشركا غير ولا تؤخذ من عربي مشرك غير كتابي ولابي يوسف حيث قال تؤخذ الجزية من المشرك العجمي كتابيا كان أو غيره ولا تؤخذ من العربي ولو كتابيا ولمالك والاوزاعي حيث قالا تؤخذ من جميع الكفار الا المرتد وانما قلنا بذلك لان المعتبر عندنا هو الديانة لا النسب (قوله ليس لهم واق سوى الايمان) أي ليس لهؤلاء المذكورين من المشركين حافظ يحفظهم من سيوف المسلمين ومن غنم أموالهم وسبي ذراريهم غير التصديق بالله وانه لا شريك له في ذلك من كمالاته ولا يشابه شيء من مخلوقاته والتصديق بينه والشهادة له بأنه رسول الله وان ما جاء به هو الحق مجملا ومفصلا.
(قوله كذاك حكم راجع عن دينه وهو المرتد فحكمه حكم عبدة الاوثان في أنه لا يقبل منه جزية ولا صلح ولا تحل ذبيحته ولا مناكحته
337 (2/337)
صفحة 795
ولا موارثته وليس له شيء يحفظه من سيوف المسلمين الا الاسلام سواء رجع عن دين الاسلام الى عبادة الاوثان أو الى دين اليهودية أو النصرانية أو المجوسية أو نحو ذلك بحديث «من بدل دينه فاقتلوه» ويكفي في دخوله في الاسلام ان يقر بالجملة التي كان رسول الله يدعو إليها وفي الأثر ما نصه والراجع الى الاسلام كالمبتدي ودخولهما فيه سواء لا فرق بينهما وهو أن يقول أشهد ان لا اله الا الله واشهد أن محمداً رسول الله وأن ما جاء به محمد الحق كذلك قال علماؤنا: فإن لم يقر بما جاء به من عند لم يكن مؤمنا حتى يقول ذلك قال أبو محمد: يعذر من قول وانه بريء من كل دين يخالف الدين الذي دعا اليه محمد الله فإن من الكفار من يقول أن محمدا رسول الله الى العرب دون غيره. انتهى.
الله
الله
هو
ويعجبني
عند من
ان لا
(قوله وآخذ بالشك عن يقينه بيان لحكم من أشرك بالشك في وجود الله تعالى أو في شيء من كلامه أو في تصديق نبي من أنبيائه أو في قبول شيء من كتبه فإن الشاك في شيء من ذلك مشرك وحكمه إذا تبين بشكه حكم عبدة الأوثان والمرتد فيدعى أولا للتصديق بما تردد فيه فان أبى قوتل حتى يصدق ويرجع عن شكه ولا يقبل منه صلح وكذلك حكم من أشرك بجهله لوجود تعالى بعد قيام الحجة عليه أو بجهله بشيء من كمالاته بعد قيام الحجة عليه بذلك والله اعلم.
الله
338 (2/338)
صفحة 796
(الركن الرابع
في التوبة وأحكامها وما يشتمل عليها وفيه اربعة ابواب)
ختم بهذا الركن سائر الأركان تفاؤلاً بحسن الخاتمة، فإن من ظفر
بالتوبة ختاماً لعمله فقد ظفر. (2/339)
صفحة 797
[صفحة فارغة] (2/340)
صفحة 798
الباب الأول
في التوبة واقسامها واحكامها
أي في بيان حقيقة التوبة ما هي؟. وفي بيان انقسامها الى واجب وغير واجب والي سر وجهر، وفي بيان أحكامها متى تكون مقبولة ومتى لا تكون مقبولة وممن تقبل وممن تقبل ... ؟
341 (2/341)
صفحة 799
أقسام التوبة
توبتنا قسمان فرض وجبا
منها هو
ما اذا عصى
لمن عصى والثاني نفل ندبا)
(قوله توبتنا) أي معشر الأمة المحمدية (قوله قسمان) أي بالنظر الى حكم الشارع فيها فهي إما واجبة وإما مندوبة فالفرض الواجب المكلف فإنه يجب عليه أن يرجع عن عصيانه في الفور فأما وجوبها فمأخوذ قوله تعالى «وتوبوا الى الله جميعا من ايها المؤمنون) واما وجوب الفورية فيها فلما في تأخيرها من الاصرار المحرم قطعا وأما المندوب منها فهي تكرار توبة من عصى فتاب إذا تذكر ذنبه الذي تاب منه فانه يندب له ان يعيد توبته، ولا يجب عليه اعادتها خلافا لبعضهم لان الصحابة ومن كان اسلم بعد كفره يتذاكرون ما كان منهم في الجاهلية من الكفر ولا يجدون له توبة. (قوله لمن عصى) أي على من عصى سواء كانت المعصية كبيرة أم صغيرة، فإن التوبة واجبة على فاعل شيء منهما على الفور لتحريم الاصرار مطلقا وذهب الجبائي) من المعتزلة الى انه لا تجب التوبة
(1) سورة النور آية رقم 31
(2) هو محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي أبو علي من أئمة المعتزلة ورئيس علماء الكلام في عصره، وإليه نسبة الطائفة الجبائية، له مقالات وآراء انفرد بها في المذهب نسبته الى جبى (من قرى البصرة اشتهر في البصرة ودفن بجبى عام 303 هـ له تفسير حافل مطول، رد عليه الاشعري =
342 (2/342)
صفحة 800
من
الذنب الصغير لان الصغائر تكفر باجتناب الكبائر قلنا تكفيرها باجتناب
ما
الكبائر لا ينافي وجوب التوبة منها على الاجمال فان العاصي متى عصى وجب عليه ان لا يقيم على معصية وذلك الاقلاع هو عين
التوبة منها فان لم يقم عليها ولم يندم على فعلها لكنه استرسل كذلك اي مهملا لا مسترا بها ولا نادما عليها ثم مات على ذلك مجتنبا للكبائر غفر الله له تلك المعصية وعدم التوبة منها أي فتركه التوبة الصغيرة مع عدم الاصرار عليها صغيرة أيضا فهي مكفرة باجتناب الكبائر، وفعل الطاعات أما إذا أصر عليها فلا تكفرها الا التوبة. (قوله والثاني) أي والقسم الثاني من التوبة (قوله نفل)، اي زيادة على الواجب قوله (دبا اي طلب فعله طلبا غير جازم.
من
-
راجع المقريزي:2 348 ووفيات الأعيان 1: 480 والبداية والنهاية 11: 125 واللباب 1: 208 ومفتاح السعادة 2 35 وانظر دائرة المعارف الاسلامية 6: 270
(1) النقل: أي الزيادة على الواجب ويقال له النافلة قال تعالى: «ومن الليل فتجديه نافلة لك ..
وعلى هذا قوله: ه ووهبنا له اسحاق ويعقوب نافلة، ويقال نقلته كذا أي أعطيته نفلاً
343 (2/343)
صفحة 801
أركان التوبة
ارکانها ندم مع
استغفار
والعزم والرجوع بانكسار)
(قوله أركانها الخ أي أركان التوبة الشرعية أربعة كما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: التوبة النصوح الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والاقلاع بالبدن والاضمار على أن لا يعود، وبعضهم جعل هذه الاشياء ما عدا الرجوع عن الذنب شروطا للتوبة لا أركانا لها وجعل بعضهم الخلاف في كونها أركانا أو شروطا لفظيا وبين وجه الخلاف بأن من اعتبر معنى التوبة في اللغة جعل تلك الاشياء شروطا ومن لم ينظر الى معناها اللغوي جعلها اركانا. (قوله ندم بسكون الدال للوزن وهو غم يصيب أن ما وقع منه لم يقع وإنما يعتد به إن كان على ما فاته من تعالى ووقوعه في الذنب حياء من الله واسفا على عدم رعاية
حق
الله
الانسان ويتمنى
رعاية
حقه فلو ندم لحظ دنيوي كعار أو ضياع مال او تعب بدن أو يكون مقتوله ولده لم يعتبر كما ذكره بعضهم وذكر أبو نصر القشيري عن والده الامام ابي القاسم: أن من شرط التوبة أن يذكر ما مضى من الزلة ويندم عليه فلو اسلف ذنبا ونسيه فتوبته من ذنوبه على الجملة وعزمه على أن لا يعود على ذنب على ما يكون توبة مما نسيه وما دام ناسيا لا يكون مطالبا بالتوبة عما نسيه ا. هـ.
المراد منه وقال القاضي أبو بكر: ان لم يتذكر تفصيل الذنب
هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر أبو بكر قاض من كبار علماء الكلام انتهت إليه =
344
(1) (2/344)
صفحة 802
فليقل إن كان لي ذنب لم أعلمه فاني تائب الى الله تعالى ولعله إنما قال هذا فيما اذا علم لنفسه ذنوبا لكنه لا يتذكرها فاما إذا لم يعلم لنفسه ذنبا فالندم على ما لم يكن محال ان علم له ذنبا لكنه لم في التذكر فيمكن أن يندم على ما ارتكب من المخالفة على
يتعين
له
الجملة ثم العزم على أن لا يعود الى المخالفة اصلا ا. هـ. (قوله مع استغفار) أي مع طلب الغفران لذنبه سواء كان ذلك الطلب بالقول والقلب أو بالقلب فقط لقوله تعالى (والذين اذا فعلوا فاحشة او ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم) ولا يشترط فيه مطلقا لما سيأتي من أن توبة كل ذنب مثله سرا واعلانا
التلفظ
به
وقال بعضهم: إن كانت المعصية قولية كالقذف والغيبة اشترط في التوبة الاستغفار لفظا وإن كانت غير قولية لم يشترط وتجزى فيه التوبة
بالسريرة.
من
(قوله والعزم) أي على ان لا يعود في المستقبل إليه أو الى مثله وهذا إنما يتصور اشتراطه في من يتمكن من مثل الذي قدمه أما جب بعد الزنا أو قطع لسانه بعد نحو القذف فالشرط في حقه عزمه على الترك لو عادت إليه قدرته على الذنب وبهذا علم أن توبة العاجز عن العود صحيحة ولم يخالف فيها الا ابن الجبائي" قال لانه ملجأ
الاستنباط
وسكن بغداد فتوفي بها وكان جيد الرئاسة في مذهب الأشاعرة، ولد بالبصرة عام 338 هـ كتبه و اعجاز القرآن والانصاف ومناقب الائمة، والملل والنحل، سريع الجواب من والفرق بين المعجزة والكرامة، وكشف أسرار الباطنية توفي عام 403 هـ راجع وفيات الاعيان 1: 481 وقضاة الأندلس 37 - 40 وتاريخ بغداد 5: 379 ودائرة
المعارف الاسلامية 3 294
(1) سورة آل عمران آية رقم 135 أبناء أبان مولى عثمان عالم بالكلام (2) هو عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي من
من كبار المعتزلة له آراء انفرد بها، وتبعته فرقة سميت البهشمية، نسبة الى كنيته و أبي هاشم.
345 (2/345)
صفحة 803
الى الترك وردوا عليه بما تقرر في نحو المجبوب ا. هـ.
(قوله والرجوع (بانكسار اي ومن أركان التوبة الاقلاع عن الذنب بتذلل وانكسار نفس وذلك كما إذا كان ملتبسا بالذنب أو مصرا عليه
فإنه يجب عليه ترك ما تلبس به حالا وان لم يتركه فلا توبة له، قال ابن حجر واعترض بأن الجمهور لم يتعرضوا لهذا الشرط قال واجيب بأن من أهمله نظر الى غير الملتبس والمصر إذ لا يتصور
فرط
في
منه الاقلاع ومن ذكره نظر الى الملتبس والمصر فلا بد من اقلاعهما قطعا أو يستحيل حصول الندم الحقيقي على شيء وهو ملازم له الحال أو مع العزم على معاودته إذ من لازم الندم الحزن على ما من الزلة، ولا يوجد ذلك الا بتركها مع العزم على عدم معاودتها ما بقي وإنما قال الناظم الرجوع بانكسار ليخرج نحو ما إذا كان الرجوع بغير ذلك كالراجع عن معصيته خوف تعزير من الامام وتنكيل السلطان فإن هذا وان رجع عن الفعل فهو عاص بالقصد لانه مصر وكالراجع عن الزنا مخافة ان يظفر به أهل المرأة أو بعد ما جبت آلته وفي نفسه لو يستطيع لفعل (واعلم) انهم قد ذكروا للتوبة شروطا فوق ما ذكرنا وكلها راجعة الى ما ذكرنا.
(ومنها): أن يفارق مكان المعصية على ما ذكره الزمخشري قال ابن حجر وهو شاذ قال وجعل صاحب التنبيه ذلك مستحبا (ومنها) يعود للذنب على ما زعمه الباقلاني أقول وعدم العود ليس
أن لا
=
(2)
وله مصنفات في • الشامل. في الفقه وتذكرة العالم، والعدة في أصول الفقه توفي عام 321 هـ راجع المقريزي 2 348 ووفيات الأعيان 1: 292 والبداية والنهاية 11: 176 وميزان
الاعتدال 2 131 و تاريخ بغداد 11: 55
(1) سبقت الترجمة له في الجزء الأول في كلمة وافية. (2) سبقت الترجمة له في كلمة وافية في هذا الجزء
346 (2/346)
صفحة 804
بشرط في التوبة وانما الشرط العزم على أن لا يعود واشتراط عدم
العود بعيد جدا.
(ومنها): أن يمكن من اقامة حد ثبت عليه عند الحاكم فتتوقف التوبة على التمكين من استيفائه لا على استيفائه فلو مكن فلم يحده الامام ولا نائبه اثما دونه أقول وهذا الشرط إذا وجب داخل تحت الرجوع بالتذلل والخضوع فإنه إذا كان راجعا بذلك استلزم ان لا يترك واجبا عليه الله تعالى فإن ترك الواجب معصية أخرى اذا ارتكبها دل على أن رجوعه عن المعصية لم يكن لكونها معصية.
(ومنها) ما اشترطته المعتزلة من رد المظالم أقول وهذا الشرط أيضا داخل تحت الرجوع فانه يجب كما تقدم أن يكون الرجوع عن المعصية لكونها معصية فيستلزم ان لا يبقى مظلمة يقدر التائب على ردها فإن لم يفعل كان مصرا ورد المظالم معتبر في صحة التوبة عند أصحابنا أيضا فلا عبرة بمن لا يعتبره واجيب عنه بأنه واجب آخر لا مدخل له في صحة التوبة سلمنا أنه واجب آخر لكنا لا نسلم انه لا مدخل في صحة التوبة فإن التوبة الصحيحة منافية للاصرار وترك رد المظالم مع القدرة على ردها ترك للواجب وتارك الواجب عمدا عاص أيكون عاصيا تائبا؟ فظهر اشتراطه.
له
347 (2/347)
صفحة 805
واصلها امثال امر الباري
ومنتهاها الحط للاوزار)
(قوله وأصلها) أي أصل التوبة أي سببها الحامل على فعلها هو امتثال العبد لامر مولاه، فان العبد متى ما سمع قوله تعالى (وتوبوا الله جميعا) الآية فسارع في فعل التوبة كان امتثال الامر الذي الاية سببا لفعل تلك التوبة فصح أي يعبر عنه بالاصل.
الى
سمعه
من
(قوله امتثال أمر (الباري أي الخالق في المصباح امتثلت أمره اذا أطعته. (قوله ومنتهاها): أي غايتها التي ينتهي اليها العبد بسبب فعلها أي ثمرتها وفائدتها فغاية الشيء وثمرته وفائدته شيء واحد لكن اختلفت العبارات لاختلاف الاعتبارات فسمي غاية باعتبار أنه طرف الفعل وثمرة باعتبار انه مترتب على الفعل كترتب ثمرة الشجرة عليها وتسمى فائدة باعتبار عود نفعه الى الفاعل. (قوله الحط للاوزار اي منتهى التوبة وثمرتها حط الاوزار بمعنى ازالة الاثام عن المذنب وتلك الثمرة إنما هي بمحض تفضل تعالى بوجوب عليه خلافا للمعتزلة الزاعمين أنه يجب على قبول التائب عقلا ونقلا واستدلوا على ذلك من طريق النقل بقوله تعالى «إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء) الآية واستدلالهم بهذه الاية على مطلوبهم من وجهين الأول أن كلمة على للوجوب فقوله إنما التوبة على الله للذين يدل على أنه يجب على الله عقلا قبولها.
الله
منه
(1) سورة النور آية رقم 31.
(2) سورة النساء آية رقم 17.
348 (2/348)
صفحة 806
الثاني: لو حملنا قوله: إنما التوبة على الله على مجرد القبول لم يبق بينه وبين قوله فاولئك يتوب الله عليهم فرق لان هذا ايضا اخبار عن الوقوع أما اذا حملنا ذلك على وجوب القبول وهذا على الوقوع يظهر الفرق بين الايتين ولا يلزم التكرار ورد هذا المذهب الفخر) الرازي بوجوه الأول: أن لازمة الوجوب استحقاق الذم عند الترك فهذه اللازمة إما أن تكون ممتنعة الثبوت في حق الله تعالى أو غير ممتنعة في حقه والأول باطل لأن ترك ذلك الواجب لما كان مستلزما لهذا الذم وهذا الذم محال الثبوت في حق الله تعالى وجب أن يكون ذلك الترك ممتنع الثبوت في حق الله، واذا كان الترك ممتنع الثبوت عقلا كان الفعل واجب الثبوت فحينئذ يكون الله تعالى موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار وذلك باطل واما ان كان استحقاق الذم غير ممتنع الحصول في حق الله تعالى فكل ما كان ممكنا لا يلزم من فرض وقوعه محال فيلزم جواز أن يكون الاله مع كونه الها يكون موصوفا باستحقاق الذم وذلك محال لا بقوله عاقل ولما بطل هذان القسمان ثمت ان القول بالوجوب على الله تعالى باطل.
لا
(الحجة (الثانية ان قادرية العبد بالنسبة الى فعل التوبة وتركها إما أن يكون على السوية أو لا يكون على السوية فإن كان على السوية لم يترجح فعل التوبة على تركه الا لمرجح ثم ذلك المرجح إن حدث محدث لزم نفي الصانع وإن حدث عن العبد عاد التقسيم وإن حدث عن الله فحينئذ العبد إنما أقدم على التوبة بمعونة الله وتقويته فتكون تلك التوبة انعاما الله من تعالى على عبده وانعام المولى على عبده لا يوجب عليه أن عليه مرة أخرى فثبت ان صدور التوبة
عن
ينعم
عن العبد لا يوج على الله القبول وأما إن كانت قادرية العبد لا
(1) سبقت الترجمة له في الجزء الأول
كلمة وافية.
349 (2/349)
صفحة 807
تصلح للترك والفعل فحينئذ يكون الجبر ألزم واذا كان كذلك كان القول بالوجوب أظهر بطلانا وفسادا.
(الحجة الثالثة التوبة عبارة عن الندم على ما مضى والعزم على الترك في المستقبل والندم والعزم من باب الكراهات والارادات، والكراهة والارادة لا تحصلان باختيار العبد والا افتقر في تحصيلهما الى إرادة أخرى ولزم التسلسل وإذا كان كذلك كان حصول هذا الندم وهذا العزم بمحض تخليق الله تعالى وفعل الله لا على الله فعلا آخر يو. فثبت أن القول بالوجوب باطل.
الله
(الحجة الرابعة إن التوبة فعل يصل باختيار العبد على قولهم فلو صار ذلك علة للوجوب على الله لصار فعل العبد مؤثرا في ذات الله وفي صفاته وذلك لا يقوله عاقل فاما الجواب عما احتجوا به فهو أنه تعالى وعد قبول التوبة من المؤمنين فإذا وعد بشيء وكان الخلف في وعده محالا كان ذلك شبيها بالواجب، فبهذا التأويل صح اطلاق كلمة على وبهذا الطريق ظهر الفرق بين قوله «إنما التوبة على وبين قوله «فأولئك يتوب الله عليهم (2) ان قيل فلما أخبر عن قبول التوبة وكل ما أخبر الله عن وقوعه كان واجب الوقوع فيلزمكم ان لا يكون فاعلا مختارا قلنا الاخبار عن الوقوع تبع للوقوع والوقوع تبع للايقاع والتبع لا يغير الأصل، فكان فاعلا مختارا في ذلك الايقاع أما أنتم فتقولون بأن وقوع التوبة من حيث أنها هي تؤثر في وجوب القبول على الله تعالى وذلك لا يقوله عاقل فظهر الفرق ا. هـ. بلفظه.
الله "
(1) سورة النساء آية رقم 17. (2) سورة النساء آية رقم 17.
350 (2/350)
صفحة 808
والتوب مثل الذنب
نبينا
سراً وجهراً هكذا قد بينا)
(قوله والتوب مثل (الذنب اعلم أن من الذنوب ما هو ظاهر كالزنا، وشرب الخمر، وأكل الخنزير، وأكل الربا، وشهادة الزور، الى غير ذلك ومنها ما هو باطن كالعجب والكبر والرياء والحسد والعزم على الفسق ونحو ذلك، وتجب التوبة من جميعها لكن توبة كل ذنب بما يناسبه فالتوبة من الذنوب الظاهرة يجب أن تكون ظاهرة على اللسان بطلب الغفران من المنان وأما التوبة من الذنوب الباطنة يكفي أن تكون باطنة من غير اظهار على اللسان فان أظهرها مظهر كان ذلك فضلا له، وقد فعل فوق ما يجب نفلا، والدليل على هذا التفصيل قوله الا الله لمعاذ (اذا عملت سيئة فاحدث معها توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية» والجهر في المعاصي هو أن يعمل معصية بدنية والسر فيها هي المعاصي القلبية والجهر في التوبة هي اجراء الاستغفار على اللسان مع الندم والانكسار في الجنان، والسر منها هو الاقتصار على ما عدا الاستغفار من الاركان فاذا عمل المكلف معصية من المعاصي البدنية
باللسان
وجبت التوبة عليه جهرا ثم اختلفوا في حد الجهر فقال قوم: هو ما سمعته اذنان فصاعدا وقال آخرون: هو ما سمعه يليك فصاعدا من وجعل أرباب هذا القول ما سمعته الأذنان السر وثمرة الخلاف من
تظهر فيما إذا عمل رجل شيئا من المعاصي البدنية وقد اطلع عليه غيره هل عليه أن يظهر التوبة عند من علم بمعصيته أم لا .. ؟ قولان للفقهاء صحح الامام رضوان الله عليه أن ليس عليه اظهار ذلك عند من علم بمعصيته، ونوقش في ذلك بأن من اطلع على معصيته مستصحب للبراءة منه حتى يعلم رجوعه وتوبته فأجاب بما حاصله أن المتبرئ منه إنما برئ منه بحق فيجوز له ان يقيم على حقه في البراءة منه ولا شيء عليه.
351 (2/351)
صفحة 809
الله
البراءة
أقول: وهذا الجواب لا يدفع تلك المناقشة فإنها مبنية على قاعدة مشهورة صرح بها هذا الامام وغيره هي أنه ليس لأحد أن يبيع من نفسه، ومن أباح البراءة من نفسه فهو هالك عند الله أنه صادق واستدل عليها الامام بقوله تعالى (فاذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند هم الكاذبون) قائلا إنه تعالى حكم على القذفة بالكذب إن لم يأتوا بالشهداء ولو كانوا صادقين في نفس الأمر كذلك من أباح من نفسه البراءة في الظاهر يبرأ منه وإن كان محقا في السريرة لكن للامام أن يقول هذا التائب إنما أباح من نفسه البراءة حين مباشرة المعصية فتوبته جب لما قبلها مطلقا، وقد يجاب بأن ابقاء من علم منه بموجب البراءة على البراءة مع القدرة على نقله من البراءة منه اباحة للبراءة من نفسه، أما القائلون بأن الجهر هو من يليك فصاعدا فقد اوجبوا على من عمل المعصية وأطلع عليها
أنه
هو
منه
ما سمعه
غيره أن يبلغ توبته من أطلع على معصيته ووجهه أنه لما كان الجهر ما سمعه الغير وكان بعض الغير مطلعاً على المعصية والبعض لم يطلع كان لا معنى لايجاب اظهار التوبة عند من لم يطلع على معصيته، فتعين أن الواجب هو اظهارها عند من اطلع على معصيته نعم يستثنى من ذلك إذا كان هذا العاصي مشهور الفسق في جميع النواحي أو كان قد اطلع على معصيته من لا يصل الى اخباره فإنه ليس عليه الأول إلا اشهار التوبة كما شهرت معصيته وفسقه لتعذر اظهارها على كل فرد ممن اشتهر معه فسقه وكذلك ليس عليه في الحال الثاني شيء إذا لم يكن من اطلع على معصيته بمحل يصل اليه
في
لأنه
(1) سورة النور آية رقم 12 وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال (فان لم يأتوا بأربعة
شهداء) وصوابها ما ذكر.
352 (2/352)
صفحة 810
خبره ولو بالكتابة فقد تعذر اخباره والتكليف بما هو متعذر الوجود تكليف بما لا يطاق وهو ممنوع.
(قوله عن نبينا) أي محمد عيل الليل والاشارة الى تلك الرواية والاضافة لتشريف المضاف اليه.
(قوله سراً وجهراً انتصبا على التمييز المفسر لاجمال المماثلة في قوله والتوب مثل الذنب فإن المماثلة هنالك مجملة فسرت بهذا التمييز
هنا.
(قوله هكذا قد بينا) الاشارة الى هذا التمييز أي هكذا قد بين
المذكور من تلك المماثلة.
353 (2/353)
صفحة 811
فالعجب والكبر معا والحسد
كذا الريا توبتها ان تفقد)
وهكذا العزم على الكفران
فالحق انه من العصيان)
الله
(قوله فالعجب) تفريع على قوله والتوب مثل الذنب والعجب بضم المعجمة: هو استعظام النعمة والركون إليها مع قطع النظر أنها من عز وجل، أما إذا استعظمها بالنظر الى صدورها من الله تفضيلا عليه واستر بها لذلك فليس هذا بعجب «قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير ما يجمعون (1) (سببه) صفة كمال في النفس من علم أو جمال أو حسب أو نحو ذلك وهو كبيرة لما في ذلك الحديث الصحيح) لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر منه (2) (العجب) وفي الحديث الرباني قال الله عز وجل «لولا أن الذنب خير المؤمن من العجب ما خليت بين عبدي المؤمن وبين الذنب (3) وفي حديث الديلمي: لولا أن المؤمن يعجب بعمله لعصم من الذنب حتى
(1) سورة يونس آية رقم 58
لعبدي
(2) الحديث رواه الامام مسلم عن أبي هريرة بلفظ (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون
الله فيغفر لهم ..
ورواه ايضاً عن أبي أيوب رفعه بلفظ (لولا انكم تذنبون لخلق الله خلقاً يذنبون يغفر لهم) وفي لفظ (لو أنكم لم تكن لكم ذنوب يغفرها الله لجاء بقوم لهم ذنوب يغفرها لهم). وللقضاعي عن ابن عمر مرفوعاً لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيغفر لهم ويدخلهم الجنة، وله ايضاً عن أنس رفعه او لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أشد من ذلك العجب العجب. وقال الدريني: إنما كان العجب أشد لأن العاصي معترف بذنبه فترجي له التوبة، والمعجب مغرور بعلمه فتوبته بعيدة ويشير اليه قوله تعالى (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا). (3) لم نعثر على هذا الحديث على كثرة بحثنا عليه ونرجو أن يوفقنا الله سبحانه وتعالى إليه
354 (2/354)
صفحة 812
لا
يهم
به ولكن الذنب خير له
من العجب، وروى الدارقطني ليس بالخير أن يقضي العبد القول بلسانه والعجب في قلبه، وروى أبو الشيح: شرار المعجب بدينه المرائي بعمله المخاصم بحجته والرياء شرك.
امتي
(وعلاجه) هو محلها لا
أن
يعلم
أن تلك النعمة إنما تفضل بها عليه مولاه وأنه موجدها وليس للمحل شيء من التأثير في الحال، فانى له ان يعجب بشيء ليس هو من فعله فإن قال: إنه كان السبب لوجودها قيل له جعلك سببا لها نعمة أخرى تفضل بها عليك غيرك
هو
فليس لك من الأمر شيء، فالواجب عليك شكر المنعم بها لا كفرانه. (قوله والكبر) بكسر الكاف وسكون المعجمة هو رد الحق ودفعه واحتقار الناس وازدراؤهم وهو من أعظم الكبائر لقوله تعالى «سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق) «واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد) «كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار (3) يحب المستكبرين) (ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) أي صاغرين والايات في ذم الكبر كثيرة وفي الحديث (اجتنبوا الكبر فان العبد لا يزال يتكبر حتى يقول الله تعالى اكتبوا عبدي هذا في الجبارين» وفي حديث حسنه الترمذي لا يزال العبد يذهب بنفسه أي يرتفع ويتكبر حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم وفي الحديث الرباني يقول الله تعالى «الكبرياء
انه لا
(1) سورة الأعراف آية رقم 146 (2) سورة ابراهيم آية رقم 15 (3) سورة غافر آية رقم 35. (4) سورة النحل آية رقم 23 (5) سورة غافر آية رقم 60
355 (2/355)
صفحة 813
بي
ردائي والعظمة ازاري فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار» وعبر بالرداء والازار هنا عن الخصوصية أي الكبرياء والعظمة مختصان ليس لاحد ان ينازعني في شيء منهما كما يختص الواحد منكم بردائه وازاره فلا ينازعه فيهما منازع وفي حديث النسائي والترمذي (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صورة الرجال يغشاهم الذل من كل مكان يساقون الى سجن في جهنم يسمى بولس تعلوهم نار الانيار يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال». وفي حديث مسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجه لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من ايمان ولا يدخل الجنة احد في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر وفي حديث مسلم أن الله لا ينظر الى من يجر إزاره بطرا لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قيل أن الرجل يجب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال: ان الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحب وغمط الناس». (والكبر أنواع) لانه (إما) على الله تعالى وهو أفحش أنواع الكبر
كتكبر فرعون ونمرود حيث استنكفا أن يكونا له عبدين تعالى وادعيا الربوبية قال تعالى: «إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين» اي صاغرين لن يستنكف المسيح الاية (وإما) على رسوله بان يمتنع من الانقياد له تكبرا جهلا وعنادا كما حكى الله ذلك عن كفار مكة وغيرهم من الامم.
عن
(وإما) على العباد يستعظم نفسه ويحتقر غيره ويزدريه فيأبى الانقياد له أو يرتفع عليه ويأنف من مساواته وهذا وان كان دون الاولين إلا أنه عظيم اثمه ايضا لأن الكبرياء والعظمة إنما يليقان بالملك القادر القوي المتين دون العبد العاجز الضعيف فتكبره فيه منازعة الله تليق الا بجلاله فهو كعبد أخذ تاج ملك وجلس على سريره فما أعظم استحقاقه للمقت واقرب استعجاله للخزي ومن ثم
في صفة
356 (2/356)
صفحة 814
قال تعالى كما مر في أحاديث أن من نازعه العظمة والكبرياء أهلكه اي لانهما من صفاته الخاصة به تعالى فالمنازع منازع في بعض صفاته تعالى وأيضا فالتكبر على عباده لا يليق الا به تبارك وتعالى فمن تكبر فقد عليهم جنى عليه إذ من استذل خواص غلمان الملك منازع له في بعض أمره وان لم يبلغ قبح من أراد الجلوس على سريره ومن لازم هذا الكبر بنوعيه مخالفة أوامر الحق لأن المتكبر ومنه المتجادلون في مسائل الدين بالهوى والتعصب تأبى نفسه من قبول ما سمعه من غيره وان اتضح سبيله بل يدعوه كبره الى المبالغة في تزييفه واظهار ابطاله فهو على حد قوله تعالى (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) (واذا قيل له اتق الله اخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (3) وقال ابن مسعود كفى بالرجل اثما اذا قيل له اتق الله أن يقول عليك بنفسك وقال له الرجل يأكل بشماله كل بيمينك فقال متكبرا لا أستطيع فشلت يده فلم يرفعها بعد» فاذن التكبر على الخلق يدعو الى التكبر على الخالق الا ترى أن ابليس لما تكبر على آدم وحسده بقوله «أنا منه (4) ذلك الى التكبر على الله لمخالفة أمره فهلك هلاكا مؤبدا ا. هـ (وعلاجه) بجميع انواعه أن ينظر في مبدئه ومنتهاه وفي حقيقة أحواله فإنه متى ما استغرق نظره في ذلك عرف ماهيته وتبين له عجزه وانكسرت عند ذلك نفسه والى هذا يشير قوله تعالى قتل الانسان ما أكفره من اي شيء خلقه نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره
من
خير
جره
(1) سورة فصلت آية رقم 26 (2) سورة البقرة آية رقم 206
(3) لم نعثر على هذا الحديث
(4) سورة الأعراف آية رقم 12 والآية (قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين). وسورة ص آية 76
357 (2/357)
صفحة 815
اذا شاء أنشره) وقوله تعالى (هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (2) الآيات.
(قوله معا) أي جميعا انتصب على الحال وصاحبه توبتها والعامل فيه تفقد والمعنى فالعجب والكبر وما بعدهما توبتها جميعا أن تفقد.
تمنى
(قوله والحسد): هو التمني زوال نعمة الغير بلا حق فخرج بقولنا بلا حق هو ما إذا كان التمني بحق وذلك كأن يكون المنعم عليه باغيا مثلا فإنه يحل شرعا اضاعة، ماله وكل ما حل اضاعته جاز تمني زواله ضرورة وبقولنا تمنى ازالة النعمة ما اذا لم يتمن زوالها لكن أن يكون له مثلها، فإن هذا ليس بحسد وإنما هو غبطة وفي الحديث (المؤمن يغبط والمنافق يحسد) وللحسد مراتب أعلاها تمني زوال نعمة الغير من غير أن يكون للحاسد نفع في زوالها (ثانيها) تمني زوالها مع رجاء أن تنتقل اليه أو ينتقل اليه مثلها (ثالثها) تمني زوالها ليساويا في المنزلة فلا يكون المحسود زائدا عليه بشيء وهو بجميع انواعه حرام قال تعالى (ام يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) وقال تعالى (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) وقال الله الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب والصدقة تطفيء الخطيئة كما يطفي الماء النار والصلاة نور المؤمن والصيام جنة (1) اي ساتر ووقاية وفي رواية الديلمي الحسد
»
(1) سورة عبس آية رقم 17 – 22
(2) سورة الدهر آية رقم 1
(3) لم نعثر على هذا الحديث على كثرة البحث والتقصي.
(4) سورة النساء آية رقم 54 وتكملة الآية فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا
عظيماً).
(5) سورة النساء آية رقم 89 (1) الحديث رواه ابن ماجة في كتاب الزهد 22 باب في الحسد 4210 حدثنا هارون ابن عبدالله
358 (2/358)
صفحة 816
يفسد الايمان كما يفسد الصبر العسل في رواية أبي داود و اياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، وفي حديث آخر «دب اليكم داء الامم قبلكم الحسد والغضاء هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر والذي نفس محمد بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا انبئكم بشيء اذا فعلتموه تحابيتم افشوا السلام بينكم) وفي حديث الطبراني ليس مني ذو حسد ولا نميمة ولا كهانة ولا انا منه وفي حديث الحاكم والديلمي أن ابليس يقول: ابغوا من بني آدم البغي والحسد فانهما يعدلان عند الله الشرك فهذه الأحاديث كلها دالة على أن الحسد من الكبائر أما قوله لالالالالالالا الحسد في اثنين رجل آتاه الله القرآن فقام به واحل حلاله حرامه ورجل آتاه الله مالا فوصل به اقرباءه ورحمه وعمل بطاعة الله تمنى أن يكون مثله (2) ففيه اطلاق الحسد على الغبطة تجوزا الا
=
وحرم
الحمال واحمد بن الأزهر. قالا: ثنا ابن ابي فديك عن عيسى ابن أبي الحناط عن أبي الزناد
عن
جنة
رسول الله أنس أن
-
-
وذكره
وفي زيادة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار والصلاة نور المؤمن، والصيام
من النار ..
وفي الزوائد: الجملة الأولى رواها أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة واسناد حديث مالك فيه عيسى بن أبي عيسى، وهو ضعيف. بن
أنس
(1) الحديث رواه ابن ماجة في المقدمة 9 باب في الايمان 68 ثنا وكيع وأبو معاوية عن الأعمش
عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
—
?
وذكره
و رواه الامام مسلم في الايمان 93 وأبو داود في الأدب 131 والترمذي في الاستئذان
واحمد بن حنبل في المسند:1 165، 2167 (391، 12، 477، 495، 512، (حلبي) (2) الحديث رواه الامام البخاري في كتاب العلم 15 باب الاختباط العلم والحكمة، وقال عمر: تفقهوا قبل أن تسودوا 73 - حدثنا سفيان قال: حدثني اسماعيل بن أبي خالد على غير ما حدثناه الزهري قال: سمعت قيس بن أبي حازم قال: سمعت عبدالله
قال النبي
وذكره.
بن مسعود قال:
ورواه الامام مسلم في المساقاة 29 والنسائي في الزكاة 20 واحمد بن حنبل في المسند
359
102،88،9 2 (2/359)
صفحة 817
ترى الى قوله في آخر الحديث و تمنى أن يكون مثله، ولم يقل تمنى أن تزول نعمته واما قوله عليه الصلاة والسلام «كل ابن آدم حسود لا يضر حاسدا حسده ما لم يتكلم باللسان أو يعمل باليد» ففيه بيان الحسد المعفو عنه وهو ما يجده الانسان في نفسه اضطرارا فانه لا يؤاخذ به حتى يحققه بالافعال الاختيارية ومن (آفات) الحسد أن فيه تسخطا لقضاء الله اذا أنعم على الغير بما لا مضرة عليك فيه وشماتة بأخيك المسلم قال تعالى (إن تمسسكم حسنة تسؤهم وان تصبكم سيئة يفرحوا بها) وعلاجه ان تعرف أنه يضر الحاسد دينا ودنيا ولا يضر المحسود لا دينا ولا دنيا إذ لا تزول نعمة بحسد قط، والا لم تبق نعمة على أحد حتى ايمان لأن الكفار يحبون زواله أهله بل المحسود منتفع بحسدك دنيا لانه مظلوم من جهتك سيما إن أبرزت حسدك الى الخارج بالغيبة وهتك الستر وغيرهما من أنواع الايذاء، فهذه هدايا تهدي إليه حسناتك بسببها حتى تلقى الله يوم القيامة مفلسا محروما من النعم كما حرمت منها في الدنيا وديناً لسلامته غمك وحزنك وغيرهما ا. هـ.
عن
من
الله
(قوله كذا الرياء) ويسمى الشرك الأصغر وهو ارادة العامل بعبادته الله غير وجه تعالى كأن يقصد اطلاع الناس على عبادته وكماله حتى يحصل له منهم مال أو جاه أو ثناء.
(إما) باظهار نحول وصفرة وجه ونحو تشعث شعر وبذاذة هيئة وخفض صوت وغمض جفن ايهاما لشدة اجتهاده في العبادة وحزنه وقلة أكله وعدم مبالاته بأمر نفسه لاشتغاله عنها بالأهم، وتوالي صومه
وسهره واعراضه عن الدنيا وأهلها.
(1) سورة آل عمران آية رقم 120.
360 (2/360)
صفحة 818
(وإما) باظهار زي الصالحين كاطراق الرأس في المشي والهدوء في الحركة وابقاء أثر السجود على الوجه ولبس الصوف وخشن الثياب وتقصيره وغير ذلك و (اما) بالوعظ والتذكير واظهار حفظ السنن ولقاء المشايخ واتقان العلوم وغير ذلك الطرق الكثيرة. من
(واما) بنحو تطويل أركان الصلاة وتحسينها واظهار التخشع فيها وكذا الصوم والحج وغيرهما من العبادات (وإما) بالاصطحاب والزائرين والمخالطين كمن يطلب من عالم أو أمير أو صالح أن يأتي اليه لزيارته ايهاما لرفعته وتبرك الاكابر به وكمن يذكر انه لقي شيوخا كثيرين افتخارا بهم وترفعا بذلك على غيره وهو بجميع أنواعه حرام بشهادة الكتاب والسنة واجماع الامة قال تعالى (الذين هم يراعون ويمنعون الماعون) وقال تعالى (ولا يشرك بعبادة ربه احدا) أي لا يرائي بعمله، ومن ثم نزلت فيمن يطلب الاجر والحمد بعباداته وأعماله وقال: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر الرياء يقول الله يوم القيامة اذا جزى الناس بأعمالهم اذهبوا الى الذين كنتم تراؤون في الدنيا انظروا هل تجدون عندهم جزاء ... ؟ () وفي حديث آخر ان أدنى الرياء شرك «وأحب العبيد الى الله الاتقياء الاسخياء الاخفياء»)
صلى الله
(1) سورة الماعون آية رقم 6 - 7 وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: والذين بزيادة (الواو).
(2) سورة الكهف آية رقم 110
(3) الحديث رواه الامام احمد بن حنبل في المسند:5: 428 ثنا يونس ثنا ليث عن يزيد يعني ابن الهادي عن عمرو عن محمود بن لبيد أن رسول الله -
(4) الحديث رواه ابن
الخطاب
ماجة
الله عنه
-
قال: وذكره كتاب الفتن 3989 عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن
-
رضي معاذ بن جبل قاعداً عند قبر النبي
سمعته من رسول الله
أنه خرج يوماً إلى مسجد رسول الله
سمعت رسول الله
-
-
فوجد
يبكي فقال ما يبكيك؟ قال يبكيني شيء
يقول: إن يسير الرياء
361 (2/361)
صفحة 819
ولكن
أي المبالغون في ستر عباداتهم وتنزيهها عن شوائب الاغراض الفانية والاخلاق الدنيئة وفي حديث آخر (إن أخوف ما أخاف على أمتي الاشراك بالله أما اني لست أقول يعبدون شمسا ولا قمرا ولا وثنا أعمالا لغير الله وشهوة خفية (1) وفي حديث آخر (ان الله اذا كان يوم القيامة ينزل الى العباد أي ينزل اليهم أمره ليقضي بينهم وكل امة جاثية فأول من يدعي به رجل جمع القرآن ورجل قتل في سبيل الله ورجل كثير المال فيقول الله للقارئ ألم أعلمك ما انزلت على رسولي قال: بلى يا رب قال: فماذا عملت فيما عملت .. ؟ قال: كنت أقوم اناء الليل واناء النهار فيقول الله له كذبت بل أردت أن يقال فلان قارئ فقد قيل ذلك ويؤتى بصاحب المال فيقول الله له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج الى أحد .. ؟ قال: بلى يا رب قال: فما عملت فيما أتيتك قال: كنت اصل الرحم واتصدق فيقول الله له: بل أردت أن يقال فلان جواد فقد قيل ذلك ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول الله له فيما ذا قتلت .. ؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول الله له كذبت ويقول الله له بل أردت ان يقال فلان جريء أي شجاع فقد قيل ذلك يا ابا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة (2) (وعلاجه)
==
شرك، وان من عادى الله ولياً فقد بارز الله بالمحاربة وذكره. وفي الزوائد: في اسناده عبدالله
ابن لهيعة وهو ضعيف.
(1) الحديث رواه الامام احمد في المسند 4 124 ثنا زيد بن الحباب قال حدثني عبد الواحد ابن زيد أخبرنا عبادة بن نسي عن شداد بن أوس أنه بكى فقيل له ما يبكيك قال شيئا سمعته من رسول الله - - يقوله فذكرته فأبكاني. سمعت رسول الله ـ ع ـ يقول وذكره. وفيه زيادة، ولكن يراؤون بأعمالهم، والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائماً فتعرض له شهوة
من شهواته فيترك صومه ..
(2) زهدت 48
362 (2/362)
صفحة 820
أن هو يعرض عن رغبته في كل ذلك لما فيه من المضرة وفوات صلاح القلب وحرمان التوفيق في الحال والمنزلة الرفيعة في الآخرة والعقاب العظيم والمقت الشديد والخزي الظاهر حيث ينادي على رؤوس الخلائق ويقال للمرائي: يا فاجر يا غادر يا مرائي أما استحييت اذ اشتريت بطاعة الله تعالى عرض الحياة الدنيا راقبت قلوب العباد واستهزأت بنظر الله تعالى وطاعته وتحببت الى العباد بالتبغض الى الله تعالى وتزينت لهم بالشين عند الله تعالى وتقربت اليهم بالبعد من الله تعالى ولو لم يكن في الرياء الا احباط عبادة واحدة لكفى في شؤمه وضرره ا. هـ.
(قوله توبتها ان تفقد أي توبة هذه الأربع الكبائر هي فقدانها أصلا من القلب وانعدامها حتى لا يبقى لها ثمرة ولا تأثير مع الندم على وجودها، ورفع (تفقد) على اهمال ان حملا على ما المصدرية قال في الخلاصة: (وبعضهم اهمل أن حملا على
مما
ما اختها حيث استحقت عملا)
(قوله وهكذا العزم على (الكفران أي ومثل هذه الكبائر الأربع في صورة التوبة العزم على الكفر لانه من الكبائر القلبية فالتوبة منه اعدامه وردع النفس عنه فلا يشترط فيها اظهار التوبة على اللسان، وقد عرفت أن الكفر نوعان كفر نعمة وكفر شرك فالعزم على كفر النعمة فسق على الصحيح، وأما العزم على الشرك فقد بأنه ابن حجر صرح ووجهه أنه لا يكون عازما على الشر إلا وهو شاك في الاسلام أو جاهل بحقيته أو معاند له وجميع الأوجه شرك. (قوله فالحق أنه من العصيان أي فالحق أن العزم على الكفران هو من جملة العصيان، وأنه لم يدخل تحت الأشياء المعفو عنها بحديث إن الله تعالى تجاوز لامتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به
شرك
363 (2/363)
صفحة 821
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: العقيدة وعلم الكلام
------------------------------------------
العنوان: مشارق أنوار العقول
المؤلف: عبد الله بن حميد السالمي
تصحيح وتعليق: أحمد بن حمد الخليلي
حقق نصوصه وخرج أحاديثه: عبد الرحمن عميرة
الناشر: دار الجيل
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: 1409ه/ 1989م
الطبعة: 1
عدد الأجزاء: 2
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/133
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 06 ربيع الأول 1447ه/ 30 - شهر 08 - 2025م. أو تعمل به) لحديث و اذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه كان حريصا على قتل صاحبه) فعلل بالحرص وللاجماع على المؤاخذة بأعمال القلوب كالحسد ونحوه ولقوله تعالى «ومن يرد فيه بإلحاد بظلم (3) الآية على تفسير الالحاد بالمعصية ولقوله تعالى (ان السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) وللسبكي
(0)
(1) الحديث رواه ابن ماجة في الطلاق 16 باب طلاق المكره والناس 2044 ثنا سفيان بن عييبة، عن مسعر، عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله الله وذكره ورواه الامام البخاري في العتق 6 والطلاق 11 وايمان،15 ورواه الإمام مسلم في ايمان 201، 202، وأبو داود في الطلاق 15 والترمذي في الطلاق 8 والنسائي في الطلاق 22، والامام احمد بن حنبل في المسند 2: 398،420 474، 481، 491، (حلبي). (2) الحديث رواه الامام البخاري في كتاب الفتن 10 باب اذا التقى المسلمان بسيفهما 7083 حدثنا حماد عن رجل لم يسمه عن الحسن قال: خرجت بسلاحي ليالي الفتنة فاستقبلني أبو بكر فقال: أين تريد؟ قلت أريد نصرة ابن عم الرسول ع لعل الله قال: قال رسول الله الا الله اذا تواجه المسلمان بسيفهما فكلاهما من أهل النار، قيل: فهذا القاتل فما بال المقتول .. ؟ قال: إنه أراد قتل صاحبه.
-
قال حماد بن زيد فذكرت ذلك لايوب ويونس بن عبيد وأنا أريد أن يحدثاني به فقال: إنما روى هذا الحديث الحسن عن الأحنف بن قيس عن أبي بكرة، حدثنا سليمان، حدثنا حماد بهذا وقال مؤمل: حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب ويونس وهشام ومعلى بن زياد عن الحسن عن الأحنف عن أبي بكرة عن النبي علا الله ورواه معمر عن أيوب، ورواه بكار بن عبد العزيز عن أبيه عن أبي بكرة، وقال غُندر حدثنا شعبه عن ربعي بن حراش عن أبي بكرة عن ولم يرفعه سفيان عن منصور.
النبي
ورواه ايضاً
ايمان 22 وديات 2 والقسامة 33 وأبو داود في الفتن ه، والنسائي في التحريم 29، والقسامة 7 وابن ماجة في الفتن 11 واحمد بن حنبل في المسند 4: 401،
418، 5: 43 47 48، (حلبي).
(3) سورة الحج آية رقم 25 (4) سورة الاسراء آية رقم 36
(5) هو علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي الأنصاري الخزرجي أبو الحسن تقي الدين: =
364 (2/364)
صفحة 822
في تفصيل حديث النفس كلام أحسن فيه جدا فقال ما نصه الذي يقع في النفس من قصد المعصية على خمس مراتب.
الاولى: الهاجس وهو ما يلقى فيها ثم جريانه فيها وهو الخاطر ثم حديث النفس وهو ما يقع فيها من التردد هل يفعل أو لا؟ ثم الهم وهو ترجيح قصد الفعل، ثم العزم وهو قوة ذلك القصد والجزم به بالهاجس لا يؤاخذ به اجماعا لانه ليس من فعله وإنما هو شيء ورد عليه لا قدرة له عليه ولا صنع والخاطر الذي بعده كان قادرا على دفعه بصرف الهاجس أول وروده ولكن هو وما بعده حديث النفس مرفوعان بالحديث الصحيح واذا ارتفع حديث النفس ارتفع ما قبله بطريق الأولى، وهذه المراتب الثلاث ايضا لو كانت في الحسنات لم يكتب له بها اجر أما الاول فظاهر وأما الثاني والثالث فلعدم القصد، وأما الهم الحديث الصحيح أن الهم بالحسنة يكتب حسنة والهم بالسيئة لا يكتب سيئة وينتظر فان تركها لله كتبت حسنة، ان فعلها كتبت سيئة واحدة، والأصح في معناه أنه يكتب عليه الفعل وحده وهو معنى قوله واحدة وان الهم مرفوع ومن هذا يعلم أن قوله في حديث النفس ما لم تتكلم به أو تعمل به ليس له مفهوم حتى يقال إنها تكلمت أو عملت يكتب عليها حديث النفس، لانه اذا كان الهم لا يكتب فحديث النفس أولى، وأما العزم فالمحققون على أنه يؤاخذ به وخالف بعضهم وقال انه من الهم المرفوع وربما تمسك بقول
فقد
بين
-
شيخ الاسلام في عصره، وأحد الحفاظ المفسرين الناظرين وهو والد التاج السبكي صاحب الطبقات ولد في سبك من أعمال المنوفية عام 683 وانتقل الى القاهرة ثم الى الشام وولي قضاء الشام سنة 739 هـ واعتل فعاد الى القاهرة فتوفي فيها عام 756 هـ من كتبه الدر العظيم في التفسير ومختصر طبقات الفقهاء، وإحياء النفوس في صنعة القاء الدروس. وغير ذلك كثير توفي عام 756 هـ راجع طبقات الشافعية 6: 146 - 326 وخطط مبارك:12 7 وحسن المحاضرة 1: 177
365 (2/365)
صفحة 823
أهل اللغة هم بالشيء عزم عليه، والتمسك بهذا غير سديد لان اللغوي لا يتنزل على هذه الدقائق ا. هـ كلامه لكن ذكر في شرح المنهاج ما يخالف ما هنا في الهم حيث قال: اني ظهر لي الان المؤاخذة من اطلاق قوله الا الله وتعمل ولم يقل أو تعمله قال فيؤخذ منه تحريم المشي الى معصية وان كان المشي في نفسه مباحا لكن الانضمام قصد الحرام إليه فكل واحد من المشي والقصد لا يحرم عند انفراده أما اذا اجتمعا فان كان مع الهم عمل لما هو من أسباب المهموم به فاقتضي اطلاق او تعمل المؤاخذة به، وعلى هذا مشى ابنه في جمعه ومنعه فقال ما نصه: إن عدم المؤاخذة بحديث النفس والهم ليس مطلقا بل بشرط عدم التكلم والعمل حتى إذا عمل يؤاخذ بشيئين همه وعمله ولا يكون همه مغفورا وحديث نفسه الا اذا لم يتعقبه العمل كما هو ظاهر الحديث ا. هـ.
366 (2/366)
صفحة 824
قبول وقت التوبة
(ولم يرد تائب من ذنبه
حتى يرى الموت دنا
(أو تطلع الشمس من المغرب قد
من قربه)
اتي عن المختار فيما قد ورد)
الله
(قوله ولم يرد تائب من ذنبه الخ هذا بيان لوقت قبول التوبة اعلم أن توبة التائب مقبولة ما لم يغرغر بالموت او تطلع الشمس من مغربها فاذا كان أحد الامرين لم تقبل التوبة لقوله تعالى (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى اذا حضر أحدهم الموت قال اني تبت الان " ولقوله تعالى في صفة فرعون «فلما أدركه الغرق قال آمنت انه لا اله الا الذي آمنت به بنو اسرائيل وانا من المسلمين الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) فلم يقبل عند مشاهدة العذاب ولو انه أتى بذلك الايمان قبل تلك الساعة بلحظة لكان مقبولا ولقوله تعالى (حتى اذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا انها كلمة هو قائلها (3) ولقوله تعالى (وانفقوا مما رزقناكم من قبل ان يأتي احدكم الموت فيقول رب لولا اخرتني الى أجل قريب فاصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا اذا جاء أجلها) ولقوله تعالى «فلم
(1) سورة النساء آية رقم 18
(2) سورة يونس آية رقم 90 ـ 91
(3) سورة المؤمنون آية رقم 99
(4) سورة المنافقون آية رقم 10 وتكملة الآية (والله خبير بما تعملون) آية 11
توبته
367 (2/367)
صفحة 825
النبي
يكن ينفعهم ايمانهم لما رأوا بأسنا) ولما روى أبو أيوب عن أن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) أي ما لم تتردد الروح في حلقه وعن عطاء ولو قبل موته بفواق ناقة وعن الحسن أن ابليس قال حين أهبط الى الارض وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام روحه في جسده فقال وعزتي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر ولقوله الا الله التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها (3) ولقوله لا للتوبة باب بالمغرب مسيرة سبعين عاما لا يزال كذلك
حتى
يأتي بعض آيات ربك طلوع الشمس من مغربها ولقوله أن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها وفي هذه الآيات والاحاديث تنبيه على أمرين.
(1) سورة غافر آية رقم 85 (2) الحديث رواه ابن ماجة في كتاب الزهد 30 باب ذكر التوبة 4253 أنبأنا الوليد بن مسلم، عن ابن ثوبان، عن أبيه عن مكحول، عن جبير بن نفير عن عبدالله بن عمرو، عن النبي
قال: وذكره الزوائد في اسناده الوليد بن مسلم. وهو مدلس، وقد عنعنه وكذلك مكحول الدمشقي ورواه الامام مسلم في الدعوات،98 واحمد بن حنبل 2 132 153، 3: 425 (حلبي) (3) الحديث رواه الامام احمد بن حنبل في المسند 4: 240، 241 ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال أتيت صفوان بن عسال المرادي فقال ما جاء بك فقلت جئت اطلب العلم قال فإني سمعت رسول الله وذكره. ورواه الترمذي كتاب الدعوات 99 باب في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله لعباده، 3535 بسنده عن زر بن حبيش وذكره قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (4) الحديث رواه الترمذي في كتاب الدعوات 3536 حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، حدثنا حماد ابن زيد عن عاصم عن زر بن حبيش قال أتيت صفوان بن عسال المرادي فقال: ما جاء بك قلت ابتغاء العلم وذكره. (5) الحديث رواه الامام مسلم في كتاب التوبة 5 باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت من الذنوب والتوبة 31 (2759) حدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة
368 (2/368)
صفحة 826
من
(1)
برب
(أحدهما): أن الايمان عند الغرغرة وعند معاينة عذاب الاستئصال لا ينفع وهو مجمع عليه لانه انما كان بالجاء لا باختيار الا قوم يونس فانه انما نفعهم ايمانهم عند معاينة عذاب الاستئصال كرامة لنبيهم وخصوصية لهم، وخالف هذا الاجماع ابن العربي وحكاه بعضهم عن الصوفية ايضا فزعموا ان ايمان الملجى نافع وبالغ ابن العربي فزعم أن فرعون مؤمن شهيد حيث قال ما حاصله لما حال الغرق بين فرعون اطماعه لجأ الى الله تعالى والى ما اعطاه باطنه مما كان عليه و بين الذلة والافتقار فقال «آمنت انه لا اله الا الذي آمنت به بنو اسرائيل (2) لرفع الاشكال كما قالت السحرة لما آمنت: آمنا العالمين رب موسى وهارون لرفع الارتياب وازاحة الاشكال ثم قال وأنا من المسلمين فخاطبه بلسان العتب الان أظهرت ما كنت قبل علمته وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين في اتباعك فاليوم ننجيك فبشره قبل قبض روحه لتكون لمن خلفك آية اي لتكون النجاة علامة له اذا قال ما قلته كانت له النجاة مثل ما كانت لك إذ العذاب ما يتعلق الا بظاهرك وقد أريت الخلق نجاته العذاب. فكان ابتداء من الغرق عذابا وصار الموت فيه شهادة خالصة كل ذلك حتى لا ييأس من رحمة الله تعالى فانه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون، والاعمال بالخواتيم أما قوله تعالى سنة الله التي قد خلت «في عباده» يعني الايمان عند رؤية اليأس وانما قبض فرعون ولم يؤخر
أحد
عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا عبيدة يحدث عن موسى عن النبي ـ ع ـ قال: وذكره.
ورواه الامام احمد في المسند 4 395، 404 (حلبي) بسنده عن
-
أبي عبيدة، عن أبي
موسي
الأشعري
(1) سبقت الترجمة له في كلمة وافية في الجزء الاول.
(2) سورة يونس آية رقم 90
(3) سورة غافر آية رقم 85 وتكملة الآية وخسر هنالك الكافرون).
369 (2/369)
صفحة 827
من
أجله في حال ايمانه لئلا يرجع الى ما كان عليه من الدعوى، وأما قوله تعالى، فأوردهم النار) فما فيه نص انه يدخلها معهم بل قال الله تعالى (ادخلوا آل فرعون) ولم يقل ادخلوا فرعون ورحمة الله أوسع من حيث ان لا يقبل ايمان المضطر، وأي اضطرار أعظم من اضطرار فرعون في حال الغرق والله تعالى يقول «أمن يجيب المضطر اذا دعاه ويكشف السوء) فقرن للمضطر اذا دعاه الاجابة كشف السوء عنه فلم يكن عذابه أكثر الغرق في الماء انتهى كلامه قال ابن حجر: فهل هذا الكلام مقرر أو مردود فما وجه رده .. ؟ قلت ليس هذا الكلام مقررا وان كنا نعتقد جلالة قائله فان العصمة ليست الا للانبياء. ثم أطال في الرد عليه بما يغني المسترشد وسكت عن حكم هذا القائل وحكمه انه مشرك لمعارضة قوله هذا لنصوص الكتاب منها قوله تعالى فلم يكن ينفعهم ايمانهم لما رأوا بأسنا) وتأويل هذه الآية بما قالوه إن النافع هو الله لا الايمان بها عن مقتضاها وعدول عن الظاهر من غير دليل والغاء لمعنى الاية إذ لا يخفى أن النافع في الحقيقة هو وجل لكنه سبحانه رتب النفع على الاسباب فاثبت ترتب النفع على الايمان قبل رؤية البأس ونفاه عنه حين رؤيته، ومنها قوله تعالى في حق فرعون (فأخذه الله نكال الآخرة والاولى) فهذه الآية نص في إنه في نكال الدنيا والآخرة.
))
الله
عز
(والامر الثاني): أنه إذا تاب أحد من ذنب ثم رجع اليه ثم تاب
(1) سورة هود آية رقم 98 وتكملة الآية (وبئس الورد المورود).
(2) سورة غافر آية رقم 46
(3) سورة النمل آية رقم 62
(4) سورة غافر آية رقم 85 (5) سورة النازعات آية رقم 25
370 (2/370)
صفحة 828
منه
وهكذا يقبل منه اذا تاب ويترك اذا عصى ومن هنا قال خيان (1) الاعرج في رجل في ولاية المسلمين ويكون منه ما يكره المسلمون فيستتاب فيتوب ويعطي الرضى ثم يرجع فيدعى فيجيب ويطيع وهذه حالته انه يدعى اذا ادبر ويقبل إذا أقبل وقال أبو عبيده رضي في مثل هذا توبة حتى يكون الشيطان هو الخاسر.
الله
عنه:
(قوله حتى يرى الموت أي الى أن يرى أسباب الموت وعلامات
الخروج من دار الفنا.
(قوله دنا
من
من قربه) أي قرب منه وهو كناية عن الحال التي يغرغر فيها. (قوله من المغرب) أي محل بنصب تطلع عطفا على مدخول حتى (قوله من المغرب) أي محل الغروب لأن ذلك من علامات الساعة يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت قبل أو كسبت في ايمانها خيرا) وانما لم يك ينفعها ايمانها حينئذ لانها لم تكن آمنت اختيارا بل الجاء واضطرارا فلا فرق بين من بعض الآيات القاطعة على حضور نقله دار التكليف في الموقف أو في النار اعاذنا الله منها (قوله قد أتى عن المختار الخ) اشارة الى تلك الأحاديث المروية عنه عليه الصلاة والسلام.
من
وبين من
شاهد
كان
(1) لعله حيان بن خلف بن حسين بن حيان الأموي بالولاء أبو مروان مؤرخ بحاث من أهل قرطبة، كان صاحب لواء التاريخ في الأندلس أفصح الناس بالتكلم فيه، وأحسنهم تنسيقا له من كتبه (المقتيس) في تاريخ الاندلس، والمبين في تاريخ الاندلس أيضاً وكتاب في تراجم الصحابة توفي عام 469 هـ
راجع وفيات الأعيان 1: 168 ودائرة المعارف الاسلامية 1: 146 وجذوة المقتبس 188 (2) سورة الأنعام آية رقم 158 وقد جاءت هذه الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: (إن كسبت)
بدلاً
من (أو كسبت)
371 (2/371)
صفحة 829
كل العصاة تقبل توبتهم بمشيئة الله تعالى
فقاتل المؤمن عمدا
توبته وهكذا المضلل)
من بعد موت أضل وإذا آلا ليبطلن
(وقيل أن لا توبة له وفي
ذا)
قول ابي نبهان أن ليس اصطفي)
لكن على المضل أن يبلغ من
اضله بما دعى من فتن)
ان كان في مقدرة والا
من
فهو حري بمتاب المولـ
(قوله فقاتل المؤمن الخ هذا تفريع على قوله ولم يرد تائب الخ أي إذا كان التائب من الذنب لا ترد توبته حتى يغرغر أو تطلع الشمس من المغرب، فاعلم أن أتى جرما صغيرا كان أو كبيرا داخل تحت هذا العموم فتوبته قاتل المؤمن عمدا وتوبة من أضل غيره بمعصيته وتوبة من حلف ليبطلن حقا اثبته الله مقبولة لدخول الثلاثة تحت ما مر وخص هؤلاء الثلاثة بالذكر ليبين اختلاف الفقهاء في قبول توبتهم فانهم اختلفوا في قبولها منهم وفي قبول توبة الملحقة بزوجها ولدا من غيره وفي قبول توبة من قتل نبيا أو قتله نبي الحديث يروى في ذلك اجمالا ولاحاديث وردت في بعض ما ذكر تفصيلا فأما توبة من قتل نبيا أو قتله نبي فلم يرو فيها غير الحديث العام لجميع
372 (2/372)
صفحة 830
صحيح
المذكورات، وقد استدل به القائلون بعدم التوبة لهؤلاء وكأنه عندهم وعلى تقدير صحته فنحمله على عدم التوفيق لاسباب التوبة غالبا لا على عدم قبولها اذا أتى بها كما وجب عليه شرعا وعبر عن عدم التوفيق بما ذكر للزجر والتنفير عن هذه الكبائر جمعا بينه وبين تلك الادلة، أو نقول انه اخبار عن عدم قبول توبة هؤلاء في أول الاسلام مثلا ثم نسخ بقبولها بعد بما ورد من الأدلة على قبول توبة كل تائب بل وبما ورد من الاحاديث على قبول توبة قاتل المؤمن عمدا ونحو ذلك وبالجملة فلم تثبت معنا صحة ذلك الحديث أما قوله تعالى (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها (1) الآية فمقيد بما إذا لم يتب وأما قوله (أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة) وقوله الله ان الله ابي علي فيمن قتل مؤمنا ثلاثا فاخبار آحاد لا تعارض القطعية وعلى تقدير صحتها يحتمل أن المراد منها عدم التوفيق للتوبة غالبا لا عدم قبولها ليحصل الزجر والتنفير عن قتل المؤمن أو تحمل على قاتل مخصوص كما روي فيمن قتل قائل لا اله الا الله ظنا انه التجيء بها عن السيف وأما قوله لاله ايما امرأة ادخلت على قوم من ليس منهم فليست الله من في شيء ولن يدخلها الله جنته) فمعناه اذا لم تتب واما قوله عليه الصلاة
(1) سورة النساء آية رقم 93
- 4763
(2) الحديث رواه الامام البخاري في كتاب التفسير 2 باب والذين لا يدعون مع الله إلها آخر حدثني محمد بن بشار حدثنا غندور شعبة عن المغيرة بن النعمان عن سعيد ابن جبير قال اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن، فدخلت فيه الى ابن عباس فقال: نزلت في آخر ما نزل ولم ينسخها شيء وفي رواية (قال: لا توبة له)
ورواه ابن ماجة في كتاب الديات 2 باب هل لقاتل مؤمن توبة عن ابن عباس أيضاً ورواه الامام مسلم في كتاب التحريم 2 والقسامة 49
(3) أبو داود في الطلاق 29 والدارمي في النكاح 42
373 (2/373)
صفحة 831
تقبل توبته
والسلام (ومن سن في الاسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) وفي رواية اخرى صحيحة ومن سن شرا فاستن به كان عليه وزره ومثل من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئا فمعناه أيضا إذا لم يتب وكذا القول في قوله تعالى: إن الذين يشترون بعهد الله وايمانه ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الاخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر اليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم» وكذا القول في أمثالها من أحاديث (قوله عمدا) أخرج قاتل المؤمن خطأ فانه لا اثم عليه فضلا أن من وقد فرض الله على قاتل المؤمن خطأ تسليم الدية الى أهل المقتول إن كانوا مؤمنين أو بيننا وبينهم ميثاق وتحرير رقبة مؤمنة، وان كان من قوم عدو لنا وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة لا غير فمن لم يجد تحرير رقبة مؤمنة فصيام شهرين متتابعين وما فرضه الله تعالى عليه هنا لا يدل على ثبوت الاثم بقتل الخطأ لانه ايجاب لما ذكر من تسليم الدية وتحرير الرقبة وان كان إنما كان ذلك الايجاب بسبب صدر منه فليس كل سبب أوجب فرضا بإثم صاحبه.
(قوله تقبل توبته بشرط أن يتخلص الى أولياء المقتول فاما العفو عنه أو قبول الدية منه أو القصاص النفس بالنفس فان قتل نحو عشرة مثلا ولم يقبل أولياؤهم شيئا دون القصاص وكلوا جميعا من يقتله،
(1) الحديث رواه ابن ماجة في المقدمة 14 باب من سن سنة حسنة أو سيئة 203 ـ ثنا أبو عوانه، ثنا عبد الملك بن عمير عن المنذر بن جرير، عن أبيه قال: قال رسول الله -
وذكره
ورواه في الصيام 45 وفي التجارات 65، ورواه صاحب الموطأ في القرآن 41، واحمد ابن حنبل في المسند (2: 380، 397 500 521 (حلبي ورواه الامام مسلم في العلم
15، 16 وأبو داود في الصلاة 51 والسنة 6، والترمذي في العلم 15 (2) سورة آل عمران آية رقم 77
374 (2/374)
صفحة 832
يمت من
وما بقي فهو ديات في ماله وأما الكفارة بتحرير رقبة مؤمنة أو صيام شهرين اذا لم يجد فقد اختلف في ثبوتها بقتل العمد (قوله وهكذا المضلل من بعد موت من أضل أي ومثل قاتل المؤمن عمدا في قبول التوبة هو من دعا غيره لضلالة فأجابه اليها ثم مات المجيب على تلك الضلالة فانه إن تاب هذا المضل قبلت توبته أما إذا لم أضله على تلك الضلالة فتوبته مقبولة قولا واحدا لكن يشترط في توبته أن يدعو الى ترك الضلالة كما دعي الى الدخول فيها. (قوله وإذا ألا ليبطلن حقا فكذا أي وكذلك اذا حلف ليبطل حقا أثبته الله شرعا فانه ان تاب قبلت توبته سواء كان الحق الذي حلف على ابطاله الله كأن يحلف انه تعالى لم يفرض الصلوات الخمس أو لم يوجب كفارة اليمين أو لم يحلل النكاح أو لم يحرم الخمر أو للعباد كأن يحلف على أن هذا المال لي ليس لفلان منه شيء وذلك
الحق للمحلوف عنه فان كان الحق الذي حلف على ابطاله الله سبحانه فهو مشرك لرده ما أنزل الله مصادمة من غير تأويل فتوبته منه رجوعه الى الاسلام والاسلام جب لما قبله وان كان الحق لاحد العباد من فشرط توبته منه أن يتخلص الى صاحبه برد ذلك الحق اليه ان كان باقيا بعينه وبرد مثله ان كان لم يبق، بعينه وان يكفر عن يمينه هذا كله إذا كان غير مستحل للمال الذي حلف عليه أما اذا كان مستحلا فلا شيء عند الأكثر سوى الرجوع الى الحق والاقرار ببطلان ما كان
عليه.
(قوله وقيل أن لا توبة لهم) أي ما تلك الأحاديث (قوله ورد من وفي قول ابي نبهان) هو الشيخ جاعد بن خميس الخليلي الخروصي رضوان الله عليه فانه ضعف هذا القول جدا (قوله ان ليس اصطفى) أي أنه غير مختار (قوله لكن على المضل الخ) هذا استدراك على مفهوم قوله وهكذا المضلل الخ اعلم أن من دعا الى ضلالة ثم أراد
375 (2/375)
صفحة 833
التوبة منها عليه أن يدعو الى الخروج منها كما دعا الى الدخول فيها، فعليه أن يبلغ توبته كل من أجابه الى ضلالته وان يبين لهم انها ضلال هذا كله إذا كان قادرا على ذلك فان كان غير قادر كما اذا مات المدعو اليها أو كان بمكان باعد يستطيع الوصول اليه، ولا يصل اليه كتابه فانه يعذر لعجزه عن ذلك لأن الله لم يكلف العباد فوق طاقتهم.
(قوله أن يبلغ من أضله أي أن ينهي إليهم بيان ضلالته. (قوله بما دعى) أي اليه قوله ومن فتن أي ومن فتنهم بضلالته (قوله ان كان في مقدرة أي على ذلك والمقدرة بمعنى القدرة وادخل امكان أن يقول ان كان ذا مقدرة مبالغة حيث جعل
الله
عليهما في مع القدرة ظرفا للقادر وفي هذه المبالغة اشارة الى قوله تعالى «يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ولقوله الله يسروا ولا
تعسروا (2).
(قوله والا فهو حري أي وان لم يكن في مقدرة فهو حقيق بتوبة
الله عليه.
(1) سورة البقرة آية رقم 185
(2)
هذا جزء من حديث رواه الامام البخاري في كتاب العلم 11 باب ما كان النبي عل الله ينحو لهم
-
بالموعظة والعلم كي لا ينفروا 69 حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا شعبه قال: حدثني أبو النياح عن أنس عن النبي الله وذكره وفيه زيادة (وبشروا
ولا تنفروا)
ورواه في المغازي 60 والأدب 80 ورواه الامام مسلم في الجهاد 4 وأبو داود في الأدب 17 واحمد بن حنبل في المسند 1،239، 283 360 3: 131، 209 (حلبي)
376 (2/376)
صفحة 834
الله
الباب الثاني
(من الركن الرابع) (في حالات التائب)
ويبحث فيه عن أمرين أحدهما اذا كان تائبا مضيعا لحق من حقوق عز وجل ماذا عليه .. ؟ وثانيهما: ما اذا كان عمل الطاعة في حال اصراره هل يعطي ثواب تلك الطاعة إذا تاب من تلك المعصية .. ؟
377 (2/377)
صفحة 835
وتارك فرضا لمولاه مضى
عليه
كفارة وتوبة قد فرضا)
مع ابداله وقيل لا
شيء سوى التوبة في ذا جعلا)
وذا كمثل الصوم والصلاة
في حكم من حرم للحرمات)
(قوله وتارك) مبتدأ سوغه العمل في فرضا، وقوله لمولاه متعلق بفرضا (قوله كفارة) مبتدأ ثان وتوبة معطوفة عليه (وقوله قد فرضا عليه) الخ للمبتدإ الثاني والمبتدأ الثاني وخبره خبر للمبتدإ الاول الذي هو تارك. (اعلم) أن العاصي لربه إما أن يكون في عصيانه مستحلا أو محرما فان كان مستحلا فلا شيء عليه عند الاكثر سوى الرجوع الى الحق والدينونة ببطلان ما كان عليه وان كان محرما لفعله ففعله انتهاكا فاما أن يكون في فعله ذلك مضيعا لشيء من حقوق الله كالصوم والصلاة أو من حقوق العباد، كاتلاف مال أو قتل أو ارتكاب فرج غصبا أو غير مضيع شيئا من ذلك فان كان غير مضيع شيئا الحقوق فليس عليه شيء سوى التوبة من عصيانه، وان كان مضيعا شيئا من حقوق العباد فعليه الخروج منها بالخلاص الى أربابها كما سيأتي وان كان مضيعا لشيء من حقوق الله كما اذا ترك فرضا حاضرا ففات وقته فانه تجب عليه التوبة عن ذلك التضييع واستدراكه بالقضاء وستره بالكفارة وهي تحرير رقبة او إطعام ستين مسكينا او صيام شهرين وجوب التوبة فظاهر مما وأما وجوب القضاء فلما أنه كان يأمر بقضاء الفوائت فرضا ونفلا، وأما وجوب
متتاليين،
ورد عنه
فأما
من
هذه
الكفارة في تضييع الصيام فلما ورد عن أبي هريرة انه قال: جاء رجل الى رسول الله لاول مرة فقال: يا رسول الله افطرت في رمضان فقال:
378 (2/378)
صفحة 836
شيء
اعتق رقبة أو صم شهرين متتابعين أو اطعم ستين مسكينا) وقس عليه تضييع الصلاة بجامع ان كلا منهما فرض موقت فأوجبوا في تضييعها الكفارة كما وجبت في تضييعه وقال آخرون لا عليه سوى التوبة واستقبال ما يأتي عليه بالاداء واستدلوا على ذلك بقوله و التائب من الذنب كمن لا ذنب له (((2) قلنا ومن شرط التوبة من ذلك الذنب قضاء ما فات والكفارة عنه بما ذكر قالوا قال الاسلام جب
D
لما قبله» قلنا ذلك في المشركين فان له حكما آخر يخلف ما هنا (قوله وذا كمثل) الخ وهذا الفرض المذكور فيه هذا الحكم هو مثل الصوم والصلاة فالكاف زائدة وانما خص الصوم والصلاة بالتمثيل لان لكل واحد منهما وقتا محدودا فعله بعد ذلك الوقت قضاء لا
(1) الحديث رواه ابن ماجة في كتاب الصيام 14 باب ما جاء في كفارة من أفطر يوما من رمضان 1671 ـ ثنا سفيان بن عينة عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال أتى النبي علا الله رجل فقال: هلكت قال: وما أهلكك .. ؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان فقال النبي الا الله وذكره ورواه البخاري في كتاب الادب 68، 95، وأبو داود في الصوم 37 والطلاق 17 والترمذي في الطلاق 20 والدارمي في الصوم 19، 33 واحمد بن حنبل في المسند:2 208 241، 281 (حلبي). (2) الحديث رواه ابن ماجة في كتاب الزهد 30 باب ذكر التوبة 4250 ثنا محمد بن عبدالله الرقاش ثنا وهب بن خالد ثنا معمر عن عبد الكريم عن عبدالله أبي عبيدة بن عن أبيه قال: قال رسول الله وذكره قال السندي: الحديث ذكره صاحب الزوائد وقال اسناده صحيح ورجاله ثقات. ثم ضرب
(3)
على ما قال:
وأبقى الحال على الحال وفي المقاصد الحسنة. رواه ابن ماجة والطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب من طريق أبي عبيد الله بن عبدالله بن مسعود عن أبيه رفعه، ورجاله ثقات بل حسنة شيخنا بعين لشواهده والا فأبو عبيدة: جزم غير واحد بأنه يسمع من أبيه. هذا جزء من حديث طويل رواه الامام احمد بن حنبل في المسند 4: 198 عن أبي اسحاق قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب عن راشد مولى حبيب بن أبي أوس الثقفي عن أبي حبيب ابن أوس قال حدثني عمرو بن العاص من فيه وذكره.
379 (2/379)
صفحة 837
أداء أما الزكاة وان كانت حقا لله عز وجل فلا تدخل تحت هذا الخلاف لان اداءها غير موقت فمن ضيعها وجب عليه غرمها وما قيل في الأثر من أنها مثل الصوم والصلاة في هذا الخلاف فمحمول لا على ما إذا ضيعها وهو مؤسر ثم تاب وهو معسر يجد ما يغرمها به فانه على هذا القول لا شيء عليه سوى التوبة وعلى قول آخر تلزمه الوصية بها كسائر الحقوق هذا ما ظهر لي في حمل ذلك الاطلاق
فليحرر.
من
(قوله في حكم من حرم (للحرمات أي هذا الحكم ثابت في حكم اعتقد حرمة ما فعله من المحرمات اما المستحل فليس عليه قضاء ولا كفارة عند الجمهور وقد روي عن ابن عباس رضي أوجب القضاء على المرتد وبه قال ابو حنيفة.
الله
عنه
أنه
380 (2/380)
صفحة 838
(حكم المصر على المعصية إذا فعل الطاعة)
(وفي مصر قد اتى الطاعة هل
له ثوابها إذا الغفران (حل)
أو لا أو التفصيل أولى ان عصى
من غير ما شرك أتى محصحصا)
(قوله وفي مصر قد أتى (الطاعة الخ اختلف في المصر على المعصية إذا فعل شيئا من الطاعات كالصلاة والزكاة والصوم ونحو ذلك ثم تاب من ذنبه واناب الى ربه هل يعطى ثواب تلك الطاعة؟ ففيه ثلاثة
مذاهب.
الله
المذهب الأول): وهو لابي عبد الله محمد بن محبوب رضي تعالى عنهما واختار ابن ابي نبهان انه يعطى له ثواب وظاهر كلامهما عدم التفصيل بين المشرك والمنافق في الاصرار.
حين
(المذهب الثاني): لبشير واختاره الزاملي أنه اذا كان هذا المصر فعله للطاعة مشركا فلا ثواب له وان كان غير مشرك فله الثواب
بعد التوبة.
(المذهب الثالث): للفضل بن الحواري انه لا يعطي ثوابها كان فعله اياها مشركا أو منافقا مستدلا بقوله تعالى (إنما يتقبل الله من المتقين (1) ففي المسألة اطلاقان وتفصيل وعندي فيها تفصيل
حين
(1) سورة المائدة آية رقم 27.
381 (2/381)
صفحة 839
آخر هو الحق ان شاء الله تعالى وهو ما اذا كانت تلك الطاعة التي فعلها المصر مشروطا في صحتها الاسلام كالصلاة والصيام والحج ونحو العبادات فلا يثاب عليها بعد التوبة إذا فعلها وهو مشرك،
ذلك
من
لان الثواب ثمرة الصحة والصحة مشروطة بالاسلام وما هنالك اسلام فلا صحة ولا ثواب ويثاب عليها إن فعلها هو مصر غير مشرك لأنها تكون حينئذ صحيحة فيصح ترتب الثواب عليها أما قوله تعالى «إنما المتقين (1) فلا يعارض ما قررناه لأنا لا نقول بقبول من
يتقبل
الله
العمل من المصر حال اصراره وإنما نقول بقبوله منه بعد توبته وإن كانت تلك الطاعة غير مشروط في صحتها الاسلام كرفع المنكر ورفع الظلم ونفع الضعيف واغاثة الملهوف ونصرة المظلوم وفك العاني وصلة الرحم واقراء الضيف ونحو ذلك فإنه يثاب عليها بعد التوبة كل من فعلها وان كان مشركا لقوله تعالى» فأولئك يبدل الله سيئاته حسنات (2) ولقوله عل) التائب من الذنب كمن لا ذنب له) لا ذنب له يعطى ثواب الله فكذا من ماثله ولقوله «اسلم على ما أما قوله الا الله) من أشرك ساعة حبط عمله (*)
اسلفت
من خير
ومن
(1) سورة المائدة آية رقم 27.
(2) سورة الفرقان آية رقم 70 وقد جاءت هذه الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: (أولئك)
بدلاك من (فأولئك)
(3) سبق تخريج هذا الحديث في هذا الجزء. (4) الحديث رواه الامام البخاري في كتاب الزكاة 24 باب من تصدق في الشرك ثم أسلم 1436 حدثنا عبدالله بن محمد حدثنا هشام حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن حكيم بن الله رضي عنه قال: قلت يا رسول الله أرأيت أشياء كنت أتحنث بها في الجاهلية رحم فهل فيها من أجر .. ؟ فقال النبي وذكره ورواه في الأدب 16 والبيوع 100 والعتق،12 ورواه الامام مسلم في ايمان 194، 195،
حزام
من صدقة أو عتاقة صلة
ومن
196 والامام أحمد في المسند 3: 402 (حلبي)
(0) لم نعثر على هذا الحديث على كثرة البحث والتقصي.
382 (2/382)
صفحة 840
فان تاب جدد له العمل فليس فيه دليل على المطلوب هذا كله اذا فعل الطاعة حال الاصرار ثم تاب، أما اذا فعلها قبل الاصرار ثم أشرك أو فسق ثم تاب أو أسلم فانه يرد اليه ثواب ذلك العمل لأن الاحباط مشروط عندنا بالموت على الاصرار لقوله تعالى (ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والاخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) وعلى هذا التقييد يحمل الاطلاق في قوله تعالى ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون) والاطلاق الذي في قوله تعالى (ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله) والاطلاق الذي في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ان تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) والاطلاق الذي في قوله الا الله ستة أشياء تحبط الأعمال الاشتغال بعيوب الخلق وقسوة القلب الدنيا وقلة الحياء وطول الأمر، وظالم لا وفي هذا الحديث وفي الآية التي قبله دليل على احباط العمل بالكبائر الغير الشرك أما الحديث فصريح في ذلك وأما الاية فلما فيها من ترتيب الاحباط على رفع الصوت على صوته الا الله وعلى الجهر معه بالقول كجهر بعضنا لبعض، ولا شك أن هاتين الخصلتين ليستا بشرك.
ينتهي
(اعلم أن مسألة الاحباط مبنية على مسألة القطع بتعذيب الفساق فذهب أصحابنا والمعتزلة الى احباط صالح الاعمال بمطلق الفسق إذا لم يتب منه، وذهب القائلون بعدم القطع بوعيد الفساق الى أن الاعمال انما تحبط بالشرك لا بشيء غيره من أنواع الفسق وهي كأصلها
(1) سورة البقرة آية رقم 217
(2) سورة الانعام آية رقم 88
(3) سورة المائدة آية رقم 5. (4) سورة الحجرات آية رقم 2
من
383 (2/383)
صفحة 841
النعمان رحمه
المسائل الدينية فما ورد في الأثر مما نصه قال جابر بن الله: اختلف المسلمون من أهل صحار في الذي يعمل الحسنات والسيئات فقال قائلون منهم إنها تحصى عليه حتى يموت ثم ينظر في حسناته وسيئاته أيهما أكثر جزي به وقال آخرون إذا عمل حسنة ثم عمل
غيلان
رحمه
الله
سيئة محت السيئة الحسنة قال جابر فخرجنا من صحار الى سمائل فسألت هاشم بن عن ذلك فقال: كفوا عن هذا هذا فقد وقع هذا بصحار وكتبوا الينا فلم نجبهم وعند ومثله تقع الفرقة وبالله التوفيق. هل هذا الخلاف مقرر ام مردود ... ؟ فالجواب فيه أن هذا المقام ليس محلا للخلاف وان القائل بأن السيئة تمحو الحسنة اذا جاءت بعدها هو المصيب لكن بشرطين أحدهما أن تكون السيئة كبيرة لأن الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر وثانيهما: ان يموت عليها لانه اذا تاب منها رد اليه ثواب حسنته وناهيك بسكوت هاشم عن الجواب عليها وبقوله وعند هذا ومثله تقع الفرقة تنبيها على أنها من مسائل الدين.
فان قيل لو كانت المسألة
من مسائل الدين ما وسع هاشما السكوت عنها لحديث: اذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه فان لم يفعل فعليه لعنة الله.
(قلت) فهم هاشم أن المراد من الحديث شيئان أحدهما: الزام المبتدع الحجة وثانيهما: انقاذ المسلمين من هلكة البدعة فعلم أن الحجة قد لزمت هذا المبتدع بظهور العلم على لسان خصمه ولا يلزم تكرار اظهار العلم ورأى أن المصلحة في انقاذ المسلمين من تلك البدعة السكوت عن الخوض في تلك المسألة أصلا فإنها لو طال الكلام
لاتسع الخرق واستطارت الفتنة فيعم ضررها الامصار ومتى ما كف عن الخوض فيها خمدت نارها ولم يتعد صاحبها ضررها فلله در هاشم ما اغزر علمه واثقب فهمه.
384 (2/384)
صفحة 842
(قوله هل له ثوابها الخ خبر للمبتدإ المحذوف عند قوله وفي مصر
إذ التقدير والقول في مصر الخ بناء على مذهب من اجاز الاخبار عن المبتدإ بالجملة الانشائية (قوله اذا الغفران (حل) إي وجب أي هل يعطى ثوابها اذا وجب له الغفران أما اذا لم يغفر له فلا ثواب له قد حبط عمله بما فعله .. ؟ (قوله أو لا أي أو ليس له (قوله أو التفصيل اولى أي أحق (قوله ان عصى من غير ما شرك) أي من غير شرك فما زائدة والجملة تفسير للتفصيل المذكور (قوله أتى محصحصا) أي أتى الخلاف موضحا.
385 (2/385)
صفحة 843
الباب الثالث
من الركن الرابع
في توبة المحرم والمستحل)
ويبحث فيه عن أمرين أحدهما كيفية توبة كل واحد من المستحل
والمحرم اجمالا وتفصيلا.
وثانيهما: في التبعات والضمانات المتعلقة بالمنتهك لما حرمه في
دينه وبالمستحل لما فعله.
(اعلم) أن المحرم المنتهك هو من يأتي الأشياء المحرمة في دينه على غير اعتقاد لها باستحلال، والمستحل هو الذي يأتي الاشياء المحرمة في دين الله تعالى اعتقادا منه انها حلال متمسكا على ذلك بشبهة كتاب أو سنة أو اجماع، فهو جازم بتلك الشبهة ومعتقد أنها الدليل القاطع ويلتزم بها تخطئة خالفه في ذلك دينا أما اذا لم يكن بهذه المثابة فليس هو بالمستحل وان اعتقد حل ذلك المحرم أو تحريم ذلك المحلل وإنما هذا جاهل بقواعد الدين الذي هو عليه.
من
من
386 (2/386)
صفحة 844
ومجمل توبة من يحرم
والمستحل عكس هذا
(قوله ومجمل توبة من يحرم) أي يأتي ذنبا
من
حرم
زم
الله
ارتکابه
على وجه يعتقد أن ذلك الذنب حرام فان توبته منه مجملا مجزية فلا يطالب بالتفصيل ذنبا ذنبا بل إذا قال: أنا تائب الى الله من جميع ذنوبي قبل منه.
(قوله والمستحل عكس هذا يلزم أي ويلزم المستحل للذنب الذي ارتكبه أن يتوب منه تفصيلا أي اذا كان له عدة ذنوب كلها يدين باستحلالها فانه لا يجزيه في التوبة منها الا أن يتوب عنها ذنبا ذنبا لانه يعتقدها دينا وتوبة، فإذا قال أنا تائب من جميع ذنوبي لم يدخل ما استحله تحت هذا اللفظ اذ ليس ذلك ذنبا عنده وهذا فيما بينه وبين
الناس أما فيما بينه وبين الله فاذا اعترف بخطا ما كان عليه وضلالته فندم على استحلاله لذلك وارتكابه له أن لا يعود الى شيء وطلب الغفران من ربه لمجمل ذنبه فانه يجزيه ذلك وقيل تجزيه
منه
و عزم
التوبة مجملا حتى عند الناس ويقبل منه ان عرف انه راجع عن ذلك الذي يستحله وهو قول افتي به الامام محمد بن محبوب، في حق محمد بن عباد، وقد استحل أشياء فتاب منها عند المسلمين مجملا فطلبوا منه التفصيل فبقي كالمجمل المحرنجم ان تقدم نحر وان تأخر عقر فأفتى ذلك الامام حينئذ بذلك القول وقبلوا منه اجماله وفي الأثر ما نصه وسألته عمن يتوب فقال استغفر الله من كل ما دنت بشيء من الباطل ومن جميع ما خالفت فيه الحق أيجزيه ذلك إذا كان قد دان بشيء من الباطل او تولى عدوا او عادى وليا .. ؟ قال: ذلك إذا كان تدينه من جهة خطأ أو قذف وقال من قال لا
في هذا وإن كان تدينه بشيء من البدع والضلال فذلك لا
يجزيه
يجزيه
يجزيه
387 (2/387)
صفحة 845
حتى يتوب من ضلالته تلك بعينها الا أن يكون نسيه وقد تاب من ذلك فان ذلك يجزيه فيما بينه وبين الله ا. هـ. ففي هذا الأثر تفصيل بين ما إذا كان المستحل من إحدى الفرق الضالة المعتقدة
جميع
لاستحلال ما
الله
حرمه كالازارقة)
وبين
من
أهل
ما اذا كان أصله الاستقامة فاستحل شيئا في دين الله حرام بدليل في زعمه فاجتزى بالاجمال في حق هذا الآخر بعض ولم يجتز آخرون وأما المستحل الأول فلم يحك فيه إلا عدم الاجتزاء باجمال قولا واحدا.
(1) سبق الترجمة لهم في كلمة
(2) هم فرقة الأباضية.
وافية.
388 (2/388)
صفحة 846
حكم ارتكاب المعاصي»
(ومن أتى شيئا على التحريم
لم يجزه التوب بلا تغريم)
(وإن يكن أتاه باستحلال
بعكسه في اعدل الأقوال)
(وإن يكن في يده ما قد كسب
وحكمه محـ
عليه أن
فعل
يرده لمن سلب)
حتى يصح أنه قد استحل)
(قوله ومن أتى شيئا) من الأشياء التي فيها حقوق العباد كأخذ مال الغير وارتكاب فرج محرم غصبا أو تأثير في نفس بما لا يحل ونحو ذلك فاما أن يأتيه الفاعل وهو معتقد لحرمته وإما أن يأتيه وهو معتقد لحله فان أتاه وهو يعتقد حرمته فعليه مع التوبة أن يغرمه لصاحبه ولا تجزيه التوبة بدون ذلك ان كان قادرا على ذلك أما اذا كان غير قادر كما إذا تعذر عليه وجود صاحبه أو تعذر عليه ما يتخلص يجب عليه حينئذ أن يعتقد الخلاص عند القدرة عليه فان حضره به الموت ولم يجد سبيلا الى الخلاص وجبت عليه الوصية ولا شيء عليه فوق ذلك، وان كان أتاه وهو يعتقد حله فسيأتي حكمه إن شاء
فانه
الله قريبا.
(قوله على التحريم حال من فاعل أتى (قوله لم يجزه التوب بلا تغريم) أي الا أن يعفو عنه من له الحق فيحله منه فان لم يحله منه
389 (2/389)
صفحة 847
=
حكم عليه بتغريمه ان تحاكما، ويلزمه فيما بينه وبين لان شرط توبته التخلص من حقوق العباد.
من
الله أن يغرمه
(قوله وان يكن أتاه باستحلال بعكسه أي ان يأتي الآتي ذلك الشيء الذي فيه حق للعباد والحال انه مستحل لاتيانه فحكمه بعكس أتاه وهو يعتقد حرمته أي فتجزيه التوبة من ذلك الشيء دون غرمه سواء كان قائما في يده أو كان قد أتلفه وهذا الحكم ظاهر في المشركين لقوله تعالى «قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف (1) ولقوله إنما قيل للجاهلية جاهلية لجهالة أهلها وضعف علمها، فمن أسلم على شيء وهو في يده فهو له ولحديث سلمان رضي أمره رسول الله الله ان يستكتب وهو على دين فباعه المشركون لليهود فأمره عليه الصلاة والسلام أن يستكتب فاستكتب ولحكم رسول الله في دور مكة ورباعها وقد دخلها على أهل ما مكة عنوة فهي لهم فسوغ لهم جميع في أيديهم من كسب او
الله
عنه حين
غصب وكان للمسلمين المهاجرين فيها دور فخالف عليها المشركون من بعدهم واغتصبوها فهناها رسول الله ل لهم ولم يرد على احد من المهاجرين داره ولا انتزعها من ايدي المشركين وقد اغتصب عقيل بن ابي طالب (2) دور رسول الله ومولده ودور بني عبد المطلب وصارت دار خديجة زوج رسول الله فردها الى داره
(1) سورة الانفال آية رقم 36.
(2) هو عقيل بن عبد مناف (أبي طالب الهاشمي القرشي وكنيته أبو يزيد أعلم قريش بأيامها ومآثرها ومثالبها وأنسابها صحابي فصيح اللسان شديد الجواب، وهو أخو د علي، وه جعفر) لأبيهما وكان أسن منهما برز اسمه في الجاهلية، وكان في قريش أربعة نفر يتحاكم الناس اليهم في المنافرات عقيل صاحب الترجمة ومخرمة وحويطب وأبو جهم وبقي عقيل على الشرك الى أن كانت وقعة بدر فأخرجته قريش للقتال كرهاً فشهدها معهم وأسره المسلمون فقداه العباس بن عبد المطلب فرجع الى مكة ثم أسلم بعد الحديبية وهاجر الى المدينة سنة
390 (2/390)
صفحة 848
واغتصب أيضا أبو سفيان دار ابي احمد بن جحش فاستدعى عليها رسول الله الله فلم يعده فقال يا رسول الله دار أبي اغتصبها أبو سفيان فاعرض عنه رسول الله الله فأتاه من على يمينه فاعرض عنه من قبل شماله فاعرض عنه ثم مضى وتركه وقال: أي أحمد
فأتاه
بن جحش يعرض بأبي سفيان:
دار اب
بعتهـ
تنف
عنك
الغرامه
اذهب
هب بهـ
طوقته
طوق الحمامه
وابتاعت تلك الدار بعد ذلك في غلاء دور مكة بمائة ألف دينار اشتراها ابان بن عثمان) في دور كثيرة على هذا النعت وقال أسامة ابن زيد في يوم الفتح الرسول الله له وكان رحل رسول الله الله
=
هـ وشهد غزوة مؤتة ولم يسمع له بخبر في فتح مكة ولا الطائف وثبت يوم حنين وتوفي
عام 60 هـ
راجع الاصابة ت 5630 وطبقات ابن سعد 4: 28
(1) هو ابان بن عثمان الأموي القرشي، أول من كتب في السيرة النبوية وهو ابن الخليفة عثمان مولده بالمدينة ووفاته بها عام 105 هـ شارك في وقعة الجمل مع عائشة وتقدم عند خلفاء أمية فولي امارة المدينة سنة 76 الى 83 وكان من رواة الأحاديث الثقات، ومن فقهاء المدينة أهل الفتوى، ودون ما سمع من أخبار السيرة النبوية والمغازي وسلمها الى سليمان ابن عبد الملك في حجه سنة 82 فأتلفها سليمان وكانت فيه دعابة أورد صاحب الأغاني
بني
حكايات منها.
التابعين
راجع العبر 1 129 والأغاني:2 4 وطبقات ابن سعد ـ (2) هو اسامة بن زيد بن حارثة من كنانة عوف أبو محمد صحابي جليل ولد بمكة، ونشأ على الاسلام، وكان رسول الله لا لا لا لا يحبه حباً جماً وينظر اليه نظره الى سبطيه الحسن والحسين، وهاجر مع النبي الا الله الى المدينة وأمره رسول الله لا قبل أن يبلغ العشرين =
391 (2/391)
صفحة 849
الخطاب رضي
الله عنه
بيده أين تنزل غدا يا رسول فقال عليه الصلاة والسلام وهل ترك لنا عقيل من منزل انزل بالابطح وقال عمر بن ولسنا بنازعين شيئا من يد أحد إذا أسلم عليه وعلى هذا اجتمعت
الامة المحمدية لكن الخلاف من وراء ذلك في أربعة أشياء: (أحدها): المرتد إذا أخذ شيئا من أموال المسلمين بعد ارتداده هل عليه رده اذا اسلم .. ؟ ذهب أبو حنيفة الى أنه عليه ذلك والمذهب أنه ليس عليه إذ لا فرق بينه وبين سائر المشركين.
(الثاني): الذمي اذا أخذ شيئا من أموال المسلمين حال اعطائه الذمة هل عليه رده اذا أسلم .. ؟ فمذهب الزمخشري وصححه القطب رحمه الله أن عليه ذلك والمذهب عندنا ان ليس عليه إذ لا فرق بينه وبين سائر المشركين أيضا واخراج المرتد والذمي من العمومات المتقدمة في المشركين يحتاج الى دليل.
الثالث): ما اغتصبه المشركون من المسلمين هل يكون لهم قبل أن يسلموا وليس لصاحبه أن يأخذه منهم وتجوز معاملتهم فيه أم لا .. ؟ ذهب الى الثاني ابن بركة وصاحب السؤالات والامام افلح والمحقق الخليلي وحجتهم قوله تعالى (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) وقوله الله لا حق لعرق ظالم ولا ثواء على مال امرئ مسلم) وما روى نافع عن ابن عمر انه قال: ذهب فرس له فأخذه
D
من عمره فكان مظفراً موفقاً انتقل الى دمشق بعد وفاة الرسول على فسكن المزة، وعاد الى المدينة فأقام الى أن مات بالجرف عام 54 هـ له في كتب الحديث 128 حديثاً راجع طبقات ابن سعد 4 42 وتهذيب ابن عساکر:2 391 - 399 والاصابة 1: 29 (1) سورة النساء آية رقم 141 (2) الحديث رواه البخاري في كتاب الحرث والمزارعة 15 باب من أحيا أرضاً مواتاً ورأى ذلك علي في أرض الخراب بالكوفة موات، وقال عمر من أحيا أرضاً ميتة فهي له، ويروى =
392 (2/392)
صفحة 850
العدو فظهر عليه المسلمون فرده عليه في زمن رسول الله وأبق الوليد
عبد له فلحق بالروم فظهر عليهم المسلمون فرده عليه خالد بن بعد النبي علي وذلك في زمان أبي بكر رضي الله عنه والصحابة متوافرون من غير نكير منهم على ذلك وذهب الى الاول جماعة منهم الربيع) بن حبيب وأبو يعقوب يوسف بن ابراهيم والمحققون من أهل المغرب وصححه القطب رحمه الله وحجتهم في ذلك ما مر من إبقائه عليه الصلاة والسلام ما أخذه المشركون في أيديهم يوم الفتح وقد طلبه أربابه فلم ينزعه من يد المشركين وبأمره السلمان أن يستكتب من اليهودي وسلمان ذو دين ويبحث في الاستدلال الثاني بأن سلمان انما أخذه المشركون قبل أن يظهر الاسلام وهو يومئذ نصراني ولا يخفى ما في تلك النصرانية من جعل عيسى ولدا وجعل الالهة ثلاثة والكل شرك وأيضا فاليهودي الذي استكتب منه سلمان لم يغتصب سلمان بنفسه وانما اشتراه من غيره فلما لم تقم بينة أنه مغتصب فهو ملك لليهودي وعند وجود هذه الاحتمالات لا فظهر أن الصحيح ما عليه الاولون والابحاث التي وجهت على استدلالاتهم يمكن الجواب عنها بلا تكلف.
يتم
ذلك الاستدلال
(الرابع) الموحد المقر برسالة محمد الداين بحقيقة ما جاء به عليه الصلاة والسلام اذا استحل بتأويل الخطإ ما كان حراما في
=
عن عمر وابن عوف عن ويروى عن جابر عن النبي لا ورواه أبو داود في الامارة 37 والترمذي في الأحكام 38 والموطأ في الأقضية 26 واحمد ابن حنبل في المسند 5: 327.
وقال في غير حق مسلم، وليس لعرق ظالم فيه
(1) هو الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي عالم بالحديث إباضي من أعيان المئة الثانية للهجرة من أهل البصرة له كتاب في الحديث سماه يوسف بن ابراهيم الرجاني: الجامع الصحيح.
راجع حاشية الجامع الصحيح للسالمي 1: 3
393 (2/393)
صفحة 851
دين
الله عز وجل كالازارقة والصفرية في حكمهم على أهل القبلة بحكم المشركين هل يكون حكمهم فيما استحلوا كحكم المشركين ليس عليهم الا التوبة منه ام لا؟. ذهب بعض الى أن حكمهم في هذا ذلك حكم المشركين قياسا عليهم بجامع الاستحلال وجعلوا من عائشة الله عنها على المسلمين فسفكت بسبب
الباب خروج
رضي
خروجها الدماء فلما تابت قبل المسلمون منها ولم يلزموها شيئا من
الحقوق وجعلوا
منه
الله
عنهم
حتى
الله
أيضا قتل علي لاهل النهر. رضي قالوا لو تاب علي ما كان عليه الا ذلك قال ابن محبوب رضي عنه وزعمت البهشمية) أن عليا قد تاب من ذلك ثم اختلفوا في هذا المستحل حسب اختلافهم فيما اغتصبه المشركون من المسلمين هل يكون لهم قبل أن يسلموا عليه ام لا؟ فمنهم من ذهب الى أن ما أخذه المغتصب على وجه الاستحلال كان له وليس لربه أن يأخذه منه وتجوز معاملته فيه ولو لم يتب من استحلاله ومنهم من ذهب الى أن ذلك ليس للمستحل الا اذا تاب عليه ولا تحل معاملته فيه قبل التوبة ولصاحبه ان يأخذه ان قدر عليه.
(وذهب آخرون الى أن هذا الحكم مخصوص بالمشركين وان الموحد المستخل يشابههم في ذلك الحكم فعليه أن يرد جميع ما اغتصبه أو ضمانه ان كان قد أتلفه قبل التوبة من استحلاله وبعدها وكأن أرباب هذا القول يرون أن علة الحكم ها هنا هي الشرك لا
الاستحلال فلم توجد العلة في الموحد عندهم فلم يثبت القياس.
(1) هؤلاء أتباع أبي هاشم بن الجبائي وأكثر معتزلة القرن الخامس الهجري على مذهبه لدعوة ابن عباد وزير ال بويه ويقال لهم الذمية، لقولهم باستحقاق الذم لا على فعل، وقد شاركوا المعتزلة في اكثر ضلالاتها وانفردوا عنهم بفضائح لم يسبقوا إليها. وانظر في شأن هذه الفرقة التبصير ص 53 وقد أدمجها الشهرستاني في الملل والنحل مع الجبائية 78/ 1 لكون أبي هاشم صاحب هذه الفرقة ابن أبي على صاحب الفرقة السابقة.
394 (2/394)
صفحة 852
بهاتين
وذهب آخرون الى التفصيل فقالوا: إن تاب هذا المستحل وفي يده شيء من المغتصبات قائم العين لزمه رده الى أربابه وان تاب وليس في يده ما هو قائم العين فلا غرم عليه وكأن هؤلاء نظروا الى قوله تعالى «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) والى قوله تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج» وجه الاستدلال الآيتين ان من كان مستحلا لشيء لا يكاد يتوقف عنه عند القدرة عليه فهو منهمك فيه ومتهور منه فان ظهر له خطأه وأراد التوبة منه لا يكاد أن لعظم ما أتلفه فحصلت له الخلاص منه يتيسر له المشقة والحرج ولا مشقة ولا حرج عليه في رد ما كان في يده فظهر الفرق عند هؤلاء، وعلى هذا المذهب عولت في النظم ثم ظهر لي بعد ذلك ضعف هذا القول ووجه ضعفه ان علته هذه غير مطردة لان من تهور من شيء وهو منتهك له لزمه غرمه اتفاقا سواء شق عليه ذلك ام لا فلو كان شدة العسر ووجود المشقة رافعين للضمان هذا المنتهك المتهور أيضا فظهر أن العلة الرافعة للضمان هي الاستخلال مطلقا أو مقيدا بالتوبة كما هو عند اهل القول الأول أو الشرك مطلقا أو مقيدا بالاسلام كما هو عند أرباب القول الثاني واذا دار الأمر بين ترجيح المذهب الاول والثاني قلنا إن الراجح أن العلة الرافعة للضمان هي الشرك بقيد الاسلام فلا يكون ما اغتصبه المشرك ملكا له حتى يسلم عليه لما مر ولا يشترط في المشرك أن
لرفعاه عن
إنما
(1) سورة البقرة آية رقم 185 (2) سورة الحج آية رقم 78 وقد جاءت هذه الآية محرفة حيث قال: (ما) بدون الواو وزاد لفظ (الله) ولا يوجد في الآية.
وتكملة الآية (ملة أبيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير).
395 (2/395)
صفحة 853
يكون مستحلا لما اغتصبه لما أن رسول الله الله قد حط ضمان صح ذلك عن جميع المشركين من أهل الكتاب أو غيرهم ولا شك أن أهل الكتاب يعرفون حقية محمد الله لقوله تعالى «الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم (1) ومن عرف الحق لا يعتقد حل معاندته ولا قتال أهله ولا يستحل أموالهم فظهر بحمد الله أن العلة ذلك هي الشرك بقيد الاسلام ولا يعترض علينا بحط المسلمين للضمان عن عائشة فيمن قتل يوم الجمل وبقولهم ان عليا لو تاب لم يكن عليه غرم ولا قود في أهل النهر لانه ليس بالمجتمع عليه لوجود الخلاف في المسألة.
في
أي
(قوله في أعدل الأقوال اشارة الى الخلاف المذكور آنفا وترجيح لعدم التغريم في هذه الصورة وهذا الترجيح هو المشهور وقد عرفت ما فيه (قوله وان يكن في يده أي في ملكه (قوله ما قد كسب) أي من الشيء الذي كان قد استحل كسبه (قوله عليه أن يرده) على أحد قولين فيه. (قوله لمن سلب) أي لمن سلبه منه ومعنى سلبه اختلسه فالواجب يرده الى من أخذه من يده سواء كان ذلك المأخوذ من يده صاحب الحق أم كان أمينه أو نحو ذلك فيه اشارة الى جواز رد الشيء الى اليد التي أخذ منها ولو لم يكن لها إذا كان الشيء باقيا بعينه، اما اذا أتلف فلا يرد إليها ضمانه الا اذا كان ربه.
أن
فيه الضمان أنه
(قوله وحكمه محرم حين (فعل) أي والحكم في فاعل شيء يجب محرم لفعله فيحكم عليه الحاكم بغرمه، وإن قال انه مستحل لفعله فلا يقبل منه لانه مدع لرفع الضمان عنه حتى يأتي
(1) سورة البقرة آية رقم 146
396 (2/396)
صفحة 854
بحجة أنه كان مستحلا حال فعله وهذا كله فيما إذا طلب منه الحاكم ضمان ما أتلفه أما اذا لم يطلب منه مع الحاكم ذلك فهو أعرف بنفسه فان كان يعلم منها انه غير مستحل فعليه غرم ذلك وان لم يطلب منه وان كان يعلم منها انه مستحل فلا غرم عليه على ما النظم.
(قوله حتى يصح) أي بوجه من وجوه الصحة كالشهرة أو شهادة العدلين (قوله انه قد استحل أي لفعله ذلك ويكفي في ثبوت الصحة أن يقول العدلان مثلا إن فلانا هذا كان على دين كذا الى وقت كذا.
397 (2/397)
صفحة 855
رفي
الباب الرابع
(من الركن الرابع)
الأمور التي لا تجب توبة منها)
والنسيان
لعفو الله تعالى بمنه وكرمه عنها على لسان رسوله عليه الصلاة الخطأ والسلام حيث قال (ان الله تعالى تجاوز لي عن امتي وما استكرهوا عليه) وفي حديث آخر (إن الله تعالى تجاوز لامتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به» فدل هذان الحديثان على أن العفو والتجاوز منه تعالى إنما هو لاربعة أمور: الخطأ والنسيان والاستكراه وحديث النفس. فعقد المصنف لكل واحد من الاستكراه والخطإ فصلا وعقد للنسيان وحديث النفس فصلا واحدا ولذا قال (وفيه ثلاثة فصول).
(1) الحديث رواه ابن ماجة في كتاب الطلاق 16 باب طلاق المكره والناس 2043 ـ حدثنا ابراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي ثنا أيوب بن سويد ثنا أبو بكر الهذلي عن شهر بن حوشب عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله وذكره.
(2)
في الزوائد: اسناده ضعيف لاتفاقهم على ضعف أبي بكر الهذلي والرواية الأخرى عن الوليد ابن مسلم ثنا الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس عن النبي.
سبق تخريج هذا الحديث في هذا المجلد
398 (2/398)
صفحة 856
الفصل الأول في التقية
وهي اسم للفعل الذي يتقى به عن النفس سواء كان قولا أو غير قول وهو المستكره عليه لا بد من أن نبين أولا حد الاكراه ثم نشرع ثانيا في بيان المكره عليه فنقول: قال العلقمي: وحده الاكراه ان يهدد قادر على الاكراه بعاجل من أنواع العقوبات يؤثر العاقل لاجله الاقدام على ما أكره عليه وقد غلب على ظنه أنه يفعل به ما هدده به آن امتنع مما اكرهه عليه وعجز عن الهرب والمقاومة والاستغاثة بنحوه وغيرهما من أنواع الدفع ويختلف الاكراه باختلاف الاشخاص والاسباب المكره عليها قال مجاهد: أول من أظهر الاسلام سبعة رسول الله الا الله وأبو بكر وخباب) وصهيب) وبلال) وعمار وسمية أما
(1)
(2)
هو خباب بن الأرت جندلة بن بن سعد التميمي أبو يحيى أو أبو عبدالله صحابي من السابقين كان في الجاهلية يعمل السيوف بمكة شهد المشاهد كلها ونزل الكوفة فمات فيها وهو ابن 73 سنة راجع الاصابة 1: 416 وحلية الأولياء 1: 143
هو صهيب بن
سنان
مالك
بن من بني النمر بن قاسط صحابي من أرمى العرب سهماً وله بأس، وهو أحد السابقين الى الاسلام كان أبوه من أشراف الجاهليين ولاه كسرى على الأبلة (البصرة) ولد عام 32 ق. هـ قال له النبي الله عندما هاجر الى المدينة وترك ماله لقريش (ربح صهيب ربح صهيب شهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها له 307 أحاديث توفي
عام 38 هـ
راجع طبقات ابن سعد:3 161 وابن عساكر 6: 446 وصفة الصفوة 1: 169 (3) هو بلال بن رباح الحبشي أبو عبدالله مؤذن الرسول ل و خازن على بيت ماله من مولدي =
399 (2/399)
صفحة 857
منهم
الجهد بحر
الرسول عليه الصلاة والسلام فحماه أبو طالب وأما أبو بكر فحماه قومه وأخذ الاخرون وألبسوا دروع الحديد ثم جلسوا في الشمس. فبلغ الحديد والشمس وأتاهم ابو جهل يشتمهم ويوبخهم ويشتم سمية ثم طعن الحربة في فرجها وقال الاخرون ما نالوا منهم غير بلال فانهم جعلوا يعذبونه فيقول أحد أحد حتى ملوا فكتفوه وجعلوا في عنقه حبلا من ليف ورفعوه الى صبيانهم يلعبون به حتى ملوه فتركوه قال عمار: كلنا تكلم بالذي أرادوا غير بلال فهانت عليه نفسه فتركوه قال خباب: لقد أوقدوا لي نارا ما اطفأها الا ودك ظهري وانما ذكرت لك هذه النبذة هنا لتعرف بها كيفية الاكراه التي وقعت لاولئك السادة.
(اما بيان) أنواع التقية فهي إما أن تتنوع باعتبار ذاتها أي باعتبار ذلك الفعل المكره عليه واما أن يكون تنويعها باعتبار حكم الشارع فيها. (أما) تنويعها باعتبار ذاتها فلان من الافعال ما يقبل الاكراه عليه كالقتل والتكلم بكلمة الكفر ومنه ما لا يقبل الاكراه عليه قيل وهو الزنا لان الاكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة فحيث دخل الزنا في الوجود علم انه وقع بالاختبار على سبيل الاكراه.
(وأما) تنويعها باعتبار حكم الشارع فيها فهي أنواع.
(النوع الاول) مباح وذلك كما اذا أكرهه على التلفظ بكلمة الكفر فها هنا يباح له ولكنه لا يجب لوجوه.
-
السراة وأحد السابقين للاسلام وفي الحديث بلال سابق الحبشة، وكان شديد السمرة وشهد
المشاهد مع رسول الله توفي عام 20 هـ
(4) هو عمار بن ياسر بن عامر الكناني المذحجي أبو اليقظان صحابي من الولاة الشجعان ذوي وهو أحد السابقين الى الاسلام والجهر به هاجر الى المدينة وشهد بدراً واحداً. وبيعة الرضوان وولاه عمر الكوفة وشهد الجمل وصفين له 62 حديثا توفي عام 37 هـ
الرأي
والخندق
2 .. (2/400)
صفحة 858
(احدهما): أنا روينا أن بلال
صبر على ذلك العذاب وكان يقول أحد أحد ولم يقل رسول الله له بئس ما صنعت بل عظمه عليه
فدل ذلك على انه لا يجب التكلم بكلمة الكفر.
(وثانيها: ما روي ان مسيلمة الكذاب اخد رجلين فقال لاحدهما .. ما تقول في محمد فقال رسول الله فقال ما تقول في قال: انت ايضا فخلاه وقال للاخر ما تقول في محمد قال رسول الله قال ما تقول فأعاد عليه ثلاثة فأعاد جوابه فقتله فبلغ ذلك رسول
قال: أنا
اصم
فقال: أما الاول فقد اخد برخصة الله وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له والاستدلال بهذا الخبر من وجهين.
(الاول): انه
التلفظ بكلمة الكفر رخصة.
سمي
(الثاني) انه عظم حال من أمسك عنه حتى قتل.
(وثالثهما): ان بذل النفس في تقرير الحق اشق فوجب أن يكون أكثر ثوابا لقوله عليه الصلاة والسلام أفضل العبادات أحمزها اي
اشقها.
ورابعها): ان الذي أمسك عن كلمة الكفر طهر قلبه ولسانه عن الكفر. أما الذي تلفظ بها فهب ان قلبه طاهر عنه الا أن لسانه في الظاهر قد تلطخ بتلك الكلمة الخبيثة فوجب أن يكون حال الأول أفضل والله اعلم ا. هـ.
(والنوع الثاني): يحرم فعله وذلك كما اذا أكرهه انسان على قتل انسان آخر أو على قطع عضو من أعضائه فها هنا يبقى الفعل على الحرمة الاصلية وهل يسقط القصاص عن المكره ام لا قولان.
(1) الحديث رواه ابن عباس وفي الصحاح (أحمزها) أي امتنها وأقواها.
2.1 (2/401)
صفحة 859
من
(النوع الثالث): ما ذهب السيد الفخر الرازي وابن بركة العماني أنه يجب فعل ما أكره عليه اذا كان الفعل المكره عليه مما يباح عند الضرورة وذلك كما اذا أكرهه على شرب الخمر وأكل الخنزير وأكل الميتة فاذا أكرهه عليه بالسيف فها هنا يجب الأكل عندهما وذلك لان صون الروح عن الفوات واجب ولا سبيل اليه في هذه الصورة الا بهذا الاكل وليس في هذا الاكل ضرر على حيوان ولا فيه اهانة لحق الله تعالى فوجب أن يجب لقوله تعالى «ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة) وذهب غيرهما الى اباحة هذا النوع وعدم وجوبه وهو الصحيح لما تقدم من الادلة على اباحة التقية بكلمة الكفر وعدم وجوبها هنالك فانه متى لم تجب التقية بالقول فمن الأولى أن لا تجب بالفعل وليس هنا القاء بالنفس الى التهلكة حتى يجب فانه وان وجب احياؤها بهذه الامور فيما اذا اضطر اليها من غير اكراه كما اذا اضطره الجوع فلا يقاس عليه ما هنا كيف يقاس وهو لا يصدق عليه في هذا الموضع انه قاتل نفسه وانما يقال انه قتل بخلاف ما اذا اضطره الجوع الى ذلك، والحال أن الله قد أباحه له فانه اذا أمسك عنه حينئذ حتى مات صح ان يقال انه قتل نفسه فيدخل فعله تحت قوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم) وفي السنة النبوية وفي آثار من هذه الامة وغيرها ما يدل على عدم وجوب ذلك.
الصلحاء
(1) سورة البقرة آية رقم 195. (2) سورة النساء آية رقم 29.
402 (2/402)
صفحة 860
أجز تقية بقول ان خلص
من نيل ضر من به القول يخص)
وامنعها في اتلاف نفس أن جني
به الا اذا
أحد
هي
والخلف في اتلاف مال ضمنا)
(قوله أجز تقية بقول) الخ اعلم أن التقية وهي الفعل المكره عليه اما أن يكون قولا أو فعلا غير القول فان كان قولا فقد ابيحت التقية جر ضررا بانسان أو أتلف نفسا، أما اذا اتلف مالا لغيره فيه خلاف يأتي فمثال التقية بالقول اذا لم يكن في القول ضرر على كاجراء كلمة الكفر على اللسان والقلب مطمئن بالايمان وكولاية المبطل وعداوة المحق باللسان اذا كان القلب مضمرا خلاف ذلك، وكالعتاق والطلاق وهل يثبت الطلاق بذلك القول الناشيء عن الاكراه .. ؟ قولان ومثالها اذا كان في القول ضرر على أحد كما اذا في القول دلالة على انسان أريد ظلمه بنحو جرح أو قتل او نحو ذلك فان هذا لا يحل لاحد لانه انما اتقى بغيره عن نفسه وليست نفسه أولى بالبقاء من نفس غيره، ومثاله اذا اتلف. مالا كما اذا دلهم على مال غيره وخاف انه ان لم يدلهم عليه قتل أو نحو ذلك وان دلهم على المال أتلفوه.
كان
(قوله ان خلص من نيل ضر) أي جواز التقية بالقول مشروط ان يخلص القول من اصابة ضرر لمن فيه القول قوله به القول يخص) أي يقصد على الخصوص.
(قوله وامنعها) أي التقية في اتلاف نفس ان جنى اي أمنع التقية
بالقول ان جنى القول اتلاف نفس.
403 (2/403)
صفحة 861
(قوله والخلف في اتلاف مال (ضمنا أي، الخلف واقع في التقية بالقول اذا جنى القول اتلاف مال للغير اعتقد المكره ضمانه والصحيح
ان ذلك جائز.
404 (2/404)
صفحة 862
(ولم
ة بالفعل
كالحرق والغرق ومثل القتل
لكن جواز ما ابيح في الضرر
كالاكل لميتة والدم اشتهر)
(ولم تجز تقية (بالفعل اي اذا كان الفعل غير قول بقرينة ما مر من بيان التقية وبقرينة ما سيأتي من التمثيل اعلم أن الفعل اذا لم يكن قولا فاما أن يكون من الافعال التي أباحها الله للمضطر كأكل الميتة وأكل لحم الخنزير وأكل الدم ونحو ذلك وإما أن يكون من الافعال التي لم يبحها الله للمضطر كحرق النفس وغرقها والقتل بغير الحق ونحو ذلك فان كان من الافعال التي أباحها الله للمضطر فقد اختلف في جواز التقية بها على ثلاثة أقوال تقدم منها قريبا قولان الاول: الوجوب والثاني: الاباحة والقول الثالث الحظر واستدل القائلون به بقصر اباحة هذه الاشياء على المضطر بالجوع فان النص انما اباحها في ذلك المحل لا مطلقا والقائلون باباختها في التقية لم يعتبروا المعتاد وان كان الفعل من غير المباح للمضطر فلا يجوز في التقية قولا واحدا.
(قوله كالحرق) وهو القاء انسان في النار أو القاء النار عليه (قوله والغرق) هو القاء انسان في ماء يبلغ الى أعلى من منخريه أو القاء ماء كذلك عليه (قوله ومثل القتل هو ازهاق روح انسان وانما قيدنا في الثلاثة بالانسان اشارة الى أن غير الانسان من الحيوانات ليس في حكم الانسان فلا يضيق فيها ما يضيق في الانسان بل يجوز للمكره أن يفدي بها نفسه قوله لكن جواز ما ابيح من في الضرر) الخ استدراك على قوله ولم تجز تقية بالفعل أي يستدرك على منع التقية بفعل جوازها الاشياء التي ابيحت للمضطر كأكل الميتة والدم فان جواز ذلك
405 (2/405)
صفحة 863
قد اشتهر بين العلماء (قوله كالاكل للميتة والدم) تمثيل للذي أبيح في الضرر (قوله اشتهر) خبر جواز في أول البيت.
406 (2/406)
صفحة 864
(ومكره
حكم المكره على فعل يقام عليه الحد
جاء بما الحد يجب
عليه في أن لا يحد نستحب)
(قوله ومكره) مبتدأ خبره جملة قوله في أن لا يحد نستحب سوغ كونه مبتدأ وصفه بالجملة بعده اعلم انه اذا أكره احد على فعل شيء يجب فيه الحد أو القصاص ففعل هل يقام عليه الحد ويقتص منه ام لا .. ؟ قولان ذهب قوم الى وجوب اقامة الحد عليه والقصاص منه لانه انما فعل ذلك على قصد منه في حال لا يحل له فعله ولانه انما قتل او جرح عمدا عدوانا فيجب عليه القصاص لقوله تعالى «يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى) ولقوله تعالى والجروح قصاص) ولانهم أجمعوا على أنه لو قصد المكره قتله أو جرحه حل لمن تقصد أن يدفعه عن نفسه حال قصده اياه فلما اقدامه على القتل يوجب اهدار دمه فلان يكون عند صدور القتل منه حقيقة يصير دمه مهدرا كان أولى، وذهب آخرون الى عدم وجوب ذلك لما فيه من الشبهة بالاكراه وقد قال: «ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فان وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله
كان
(1)
له
توهم
سورة البقرة آية رقم 178 وتكملة الآية (الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي أخيه من شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه باحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب اليم).
(2) سورة المائدة آية رقم 45 وتكملة الآية فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما
أنزل الله فأولئك هم
الظالمون).
407 (2/407)
صفحة 865
فان الامام لئن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة (1) وقال (ادرأوا الحدود بالشبهات واقيلوا الكرام عثراتهم الا في حد من حدود الله) وقال: ادرأوا الحدود ولا ينبغي للامام تعطيل الحدود وقال له: ادفعوا الحدود عن عباد الله ما وجدتم له مدفعا (قوله جاء بما الحد يجب عليه اي بسببه والذي يجب بسببه الحد أمور منها الزنا وحده مائة جلدة ان كان الزاني بكرا والرجم ان كان محصنا ومنها القذف بالزنا على ما مر من بيانه وحده ان يجلد القاذف ثمانين جلدة ومنها شرب الخمر وحده ثمانون جلدة ومنها السرقة لنحو أربعة دراهم فما فوق من حرز وحد السارق على هذه الصفة قطع يده اليمنى من الرسغ ومنها قطع الطريق وحده ان يقتل القاطع أو تقطع يده ورجله من خلاف أو ينفى من الارض على حسب ما في محله ومنها القتل المعمد العدواني وحده القتل بالسيف وقيل إن القتل ليس بحد وانما هو حق لولي المقتول بدليل جواز العفو عن القاتل وشأن الحدود انه لا يجوز العفو عنها.
بين
-
حدثنا
(1) الحديث رواه الترمذي في كتاب الحدود 2 باب ما جاء في درء الحدود 1424 عبد الرحمن بن الأسود أبو عمرو البصري حدثنا محمد بن ربيعة حدثنا يزيد بن زياد الدمشقي عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله وذكره (2) الحديث رواه ابن ماجة في كتاب الحدود 5 باب الستر على المؤمن ودفع الحدود بالشبهات 2545 حدثنا عبدالله بن الجراح حدثنا وكيع عن ابراهيم بن الفضل عن سعيد بن أبي سعيد
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وذكره.
408 (2/408)
صفحة 866
أن
الفصل الثاني
في الخطأ
وهو القصد لفعل شيء يجوز فعله فيخطأ في غيره، كما إذا قصد يضرب طيرا مباحا فأصابت الضربة انسانا مثلا او يقصد أن يقول لزوجته أنت بارة أو جالس فيقول لها أنت طالق مثلا أو يقصد أن يقول لعبده انت صالح فيقول له انت حر ونحو ذلك أو يقصد ان يقول: اللهم ارحمني فيقول: اللهم عذبني كما جري ذلك لبعض الصحابة أراد أن يقول اللهم ادخلني الجنة فيقال اللهم ادخلني النار فاشتد ذلك عليه حتى قال رسول الله الله: «لا بأس عليك لك ما نويت) فاذا يظهر لك أن في الخطإ نوعا من القصد ولذا صلح أن يكون سببا لبعض الاحكام كتسليم الدية وتحرير الرقبة ونحو ذلك لكن لما كان القصد فيه غير تام صلح أن يكون مخففا فتجب الدية على العاقلة ويرتفع القصاص بسببه ونحو ذلك.
(1) لم نعثر على هذا الحديث على كثرة البحث والتقصي.
409 (2/409)
صفحة 867
ورفع الأثم لدى الخطأ
ومن
ألزمه الظاهر حكما يسلمن)
كالقاتل النفس وكالمطلق
خطأ زوجته
(قوله ورفع الأثم لدى الخطأ) أي رفع
الله
اثم
ومثل المعتق) الخطأ عن
صاحبه
على لسان نبيه وسكت المصنف عن رفع الاحكام بالخطأ لان المذهب المشهور بيننا انما هو رفع الاثم بالخطأ لا غيره من الاحكام من نحو الضمانات وذهب قوم الى رفع الاحكام ايضا فلا ضمان عندهم اخطأ فاتلف بخطئه مالا ونحو ذلك. وفي الجزء الثامن عشر
على من
ذلك
من المصنف من المسائل ما هو مبني على هذا المذهب فراجعه. وهل يجوز على الله المؤاخذة بالخطأ ام لا .. ؟ ذهبت المعتزلة الى منع واجازته الاشعرية وفي ظاهر قوله تعالى (لا تؤاخذنا ان نسينا او اخطأنا) قالوا لم تجز المؤاخذة به ما طلبوا رفعها والاتفاق على عدم وقوع المؤاخذة به.
(قوله ومن ألزمه الظاهر (حكما أي والذي ألزمه الحكم الظاهر حكما من الاحكام يجب عليه أن ينقاد له وان كان فيما بينه وبين الله مخطئ (قوله يسلمن) بنون التوكيد الخفيفة أي ينقاد ويذعن اذ لا له يصح أن يكابر الحكم الظاهر قوله كالقاتل النفس أي مثال ذلك كقاتل نفس خطأ فانه اذا حوكم ولم تكن له بينة على انه مخطئ فحكم عليه الحاكم بالقود فانه يجب عليه ان يذعن وينقاد لذلك (قوله وكالمطلق
(1) سورة البقرة آية رقم 286 وتكملة الآية ربنا ولا تحمل علينا اصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين).
410 (2/410)
صفحة 868
زوجته خطأ) أي ومثال ذلك أيضا كمن طلق زوجته خطأ كما إذا أراد أن يقول لها انت بارة فقال: أنت طالق فانها لا تطلق فيما بينه
و بين الله فان حاكمته وحكم الحاكم بوقوع الطلاق وجب عليه الانقياد والاذعان لحكم الحاكم.
(قوله ومثل المعتق) أي ومثال ذلك أيضا كمن اعتق عبده على خطا فحاكمه عبده فحكم له بالعتق فإنه يعتق.
411 (2/411)
صفحة 869
الفصل الثالث
في النسيان والوسوسة
أي في بيان عدم المؤاخذة بهما (فاما) النسيان فهو إما نسيان ذهول وهو ما يتنبه له بأدنى منبه كنسيان الرجل بعض أعضائه وهذا لا بأس به، وأما نسيان جهل وهو ما لا ينبه صاحبه لما نسيه بتنبيه عليه وهذا هو مراد المصنف.
(وأما) الوسوسة فهي القول الخفي لقصد الاضلال
ووسوس
له
من وسوس
اليه
اي فعل الوسوسة لاجله وهي حديث النفس والشيطان بما لا نفع فيه ولا خير كالوسواس بالكسر والاسم بالفتح يقال لما يقع في النفس من عمل الشر وما لا خير فيه وسواس. ولما يقع من عمل الخير. الهام. ولما يقع من الخوف ايجاس. ولما يقع من تقدير نيل الخير أمل. ولما يقع من تقدير لا على انسان ولا له خاطر.
412 (2/412)
صفحة 870
أقسام النسيان
ورفض الوزر لدى النسيان
وهكذا وسوسة الشيط
من بعد أن جاهده بما قدر
اذا لم تكن اشد من رؤيا البصر)
(قوله ورفض الوزر) أي وترك الاثم لدى اي عند النسيان وعند الوسوسة الخ (اعلم ان النسيان إما أن يكون في الاشياء التي لا يلزم العمل بها ولا العلم وصاحبه معذور اتفاقا وإما أن يكون في الاشياء التي يلزم العلم بها كمعرفة الله تعالى ومعرفة رسوله ومعرفة ما جاء به رسوله فصاحبه هالك اتفاقا لانه بمنزلة من جهل هذه الاشياء بعد قيام حجة العلم بها أما اذا كان المنسي نبيا غير محمد عل الله أو ملكا غير جبريل عليه السلام ففي عذره قولان وأما أن لا يكون في الاشياء التي يلزم العلم بها وهذا نوعان: لانه إما أن يكون من حقوق الله تعالى خاصة كالصلاة والصوم ونحوهما فناسي هذه الاشياء معذور اتفاقا وإما أن يكون من حقوق العباد وهذا ايضا نوعان احدهما: ما تعلق بالذمة كالدين والوديعة والامانة ونحوها فناسيها معذور أيضا ولو كان متعديا في أول أمره ثم تاب منه ونسي ضمانه وثانيها: ما كان قائم العين كزوجة طلقها وعبد اعتقه فنسي الطلاق والعقاد فاستمر على الاستمتاع والتملك ففي عذر هذا الناسي مع اقامته على ذلك الشيء قولان من المسلمين من عذره لعموم الحديث ومنهم من لم يعذره وجعله بمنزلة من ارتكب الحرام جهلا بانه حرام (قوله وهكذا وسوسة
413 (2/413)
صفحة 871
الشيطان اضاف الوسوسة اليه لانه هو المحدث بها والمزين لها (قوله
من بعد أن جاهده) أي من بعد أن جاهده أي من بعد جهاده الشيطان في ازالة الوسوسة من الجنان قوله بما قدر متعلق بقوله جاهده أي رفع الاثم عن الانسان بوسوسة النفس انما هو بعد اجتهاده في دفعها طاقته فيجب عليه ان لا يحب ذلك الخاطر ولا يقرره في نفسه (قوله اذ لم تكن أي تلك الوسوسة (قوله أشد من رؤيا البصر) أي ليست تلك الوسوسة أشد من التكليف من رؤيا البصر فان البصر اذا أمسك عن المحرمات ثم وقع في محرم فانه معفو عنه، وكذلك الوسوسة وهذا تمثيل لما خفي في الصدور بما ظهر على الحس تقريبا للأفهام لا قياس للوسوسة على رؤيا البصر فان كلا منهما انما ثبت حكمه بدليل يخصه وما ثبت فيه دليل خاص فلا يثبت فيه القياس.
414 (2/414)
صفحة 872
خاتمة الكتاب
نذكر فيها بيان تمام هذه القصيدة والثناء على الله تعالى على تمامها والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه تبركا بذلك ورجاء
أن تقبل.
تم بحمد الله أنوار العقول
حاوية أهم شيء في الأصول)
عارية عن وصمة الاخلال
سالكة طريقة الكمال)
(أهديتها صرفا لكل طالب
تصونه من كل قول كاذب)
(قوله تم بحمد الله أنوار العقول أي تمت أنوار العقول ملتبسة بالثناء الجميل على الجميل الاختياري ووجه تسمية هذه المنظومة بأنوار العقول هو أن موضوعها أصول الديانات وفيها معرفة الاعتقادات وهي عبادة محلها العقل فاذا اعتقدها الانسان على الوجه الذي ينبغي نار
عقله
واتضح الحق وصار من المؤمنين الكاملين في الايمان. (قوله حاوية) أي جامعة حال من أنوار العقول ومعنى حاوية أي محيطة من حوى الشيء إذا احاط به (قوله اهم شيء) أي الشيء المهم هو الذي يحق ان يعني به.
210 (2/415)
صفحة 873
عيب
(قوله في الأصول أي في علم الأصول والمراد به هنا أصول الديانات أصول الديانات أصولا لا بتناء سائر العبادات عليها صحة وانما سمي وفسادا (قوله عارية) أي مجردة (قوله من وصمة الاخلال أي من الاخلال من أخل بالشيء اذا لم يف بالمراد منه (قوله سالكة طريقة الكمال) أي آخذة في قصدها بأكمل الأحوال من فنها شبه الكمال بقصر عال له طريق ثم حذف المشبه به وابقى من لوازمه الطريق ورشح بذكر السلوك قوله أهديتها صرفا) أي صيرتها هدية خالصة من شائبة الزيغ في الاعتقاد ومضلات البدع (قوله لكل طالب) للحق قاصد للرشاد (قوله (تصونه أي تحفظه قوله من كل قول كاذب) أي من كل اعتقاد مخالف لما في نفس الأمر ففي اطلاق القول على
الاعتقاد تجوز ارسالي.
416 (2/416)
صفحة 874
واحمد الله على التيسير اتم
ثم الصلاة مع تسليم على
رمته من
محمد المبعوث من خير ملا)
قفا وآله وصحبه ومن
منهاجهم على التمام والوفا)
(قوله واحمد الله ختمها بالحمدلة كما ابتدأ بها تفاؤلا بحسن الاختام وشكرا لنعمة التمام ورجاء للقبول واتى بجملة الحمدلة هنا مضارعية لتفيد تجدد الحمد وحدوثه وقد اتى بها أول القصيدة اسمية لتفيد الثبوت والدوام فبالجمع بينهما يحصل تجدد دائما وفيه تأس بحديث الحمد لله أحمده (قوله على التيسير أي لاجل التسهيل (قوله في أتم ما قد رمته أي قصدته أي وحمد الله لاجل تسهيله لأتم ما قد قصدته أي لتمام مقصودي (قوله من شرف) معمول لرمته واطلق الشرف على هذا الحال وهو مقام التأليف لانه لا شيء بعد الاسلام اشرف منه فهو من نعم الله العظمى على عباده العلماء فيجب اداء الشكر عليها والوفاء بالحمد لديها (قوله ثم الصلاة مع تسليم) أي
آله
ثم الرحمة المقرونة بالتعظيم مع التحية الخاصة على محمد الخ (قوله وآله وصحبه) أي على وصحبه (قوله ومن قفا منهاجهم) أي ومن تبعهم من منهاجهم أي طريقهم وهو التقوى وفي اطلاق المنهاج على أهله تجوز ارسالي قوله على التمام والوفا) حال من فاعل قفا اي والصلاة والتسليم على من تبعهم ملتبسا بالتمام لما وجب عليه والوفاء الله بدين وفي ذكر التمام والوفا حسن الاختتام على حد ما مر وهو أن يذكر المتكلم آخر كلامه ما يشعر باختتامه ولشاعر زمانه في هذا
المقام قوله:
417 (2/417)
صفحة 875
منطقي في ابتدا المديح قصير
فيك فاسمح يا منتهى
الاحسان
هذا آخر ما يسر الله تعليقه على هذه المنظومة والحمد الله حمدا
يوافي نعمه ويكافي المزيد والصلاة والسلام على من بوجوده جددت معالم التوحيد وعلى آله وصحبه آمين ذوي الرأي السديد والمنهج الرشيد على تابعيهم وتابعي تابعيهم في أتم خلق وأكمل تفريد. قد استراح القلم من الجولان على تسويد هذه الطروس في عصر الاربعاء لسبع بقين من المحرم سنة 1313 ثلاث عشر وثلاث مائة وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأكمل التسليم.
418 (2/418)
صفحة 876
السورة
رقم
الآية
08
37
N
52
109
76
68
فهرس الآيات القرآنية
عدد
مسلسل
1
قال تعالى: و فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعداً لا نخلفه نحن ولا أنت مكاناً سوى.»
ظه
قال تعالى: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت الأحزاب عليه أمسك عليك زوجك وأتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه.» قال تعالى: (أم به جنة بل الذين لا يؤمنون سباً بالآخرة في العذاب والضلال البعيد.)
الذاريات
قال تعالى: (قالوا ساحر أو مجنون.) قال تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي يوسف
إليهم. .
قال تعالى: (أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبي مريم
من ذرية آدم حملنا و ممن
مع نوح.»
قال تعالى: (وأوحى ربك الى النحل أن اتخذن من النحل الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون. .
219
2
4
6
Y (2/419)
صفحة 877
السورة
رقم
الآية
83
8276
32
125
42
40
V
31
6
44
124
20
19
42
20
عدد
مسلسل
قال تعالى: (وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم على الأنعام
قومه.)
قال تعالى: (فلما جن
عليه الليل رأى كوكباً. . الأنعام
قال تعالى: و يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا.»
هود
ربك النحل
قال تعالى: ه وجادلهم بالتي هي أحسن أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين.»
هو
قال تعالى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان.» قال تعالى:. إلا عبادك منهم المخلصون.)
D
الحجر
الحجر
قال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم الحشر
D
عنه فانتهوا.»
قال تعالى: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعون آل عمران
يحببكم الله.
قال تعالى: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا الحجرات
قوماً بجهالة.»
قال تعالى:: أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم البقرة وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون.»
قال تعالى: (من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف الأحزاب
لها العذاب ضعفين)
البقرة
قال تعالى:: لا ينال عهدي الظالمين.) قال تعالى: (ولقد صدق عليهم ابليس ظنه فاتبعوه سبأ إلا فريقاً من المؤمنين.)
قال تعالى: (ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون.) قال تعالى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان.) قال تعالى: (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة.)
المجادلة
الحجر
الأعراف
420
10
11
12
13
14
15
17
17
18
19
20
21
22
23 (2/420)
صفحة 878
عدد
مسلسل
24
25
26
27
28
29
11
الآيـ
السورة
قال تعالى: (ولقد عهدنا الى آدم من قبل فنسي طه
ولم نجد له عزماً. .
القلم
قال تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم.) قال تعالى: ه أولئك الذين هدى فبهداهم اقتده.» قال تعالى: (وأوحينا إليك أن اتبع ملة ابراهيم النحل
حنيفا.)
قال تعالى: (بل ملة ابراهيم حنيفا.»
D
قال تعالى: (وأصطنعتك لنفسي.»
قال تعالى: (وكلم الله تكليماً. .
الأنعام
البقرة
طه
النساء
النساء
صبر أولوا العزم من
الاحقاف
موسي
قال تعالى: (وكلمته ألقاها الى مريم وروح منه.»
قال تعالى: (فاصبر كما الرسل.»
قال تعالى: (وجاء بكم من البدو ومن بعد أن يوسف
D
نزغ الشيطان.)
قال تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي يوسف
إليهم.
A
قال تعالى: ه ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة ابراهيم النحل
حنيفا.»
قال تعالى: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا الى نوح النساء والنبي من بعده.)
قال تعالى:: فاصبر كما أولوا العزم من صبر
الرسل.»
قال تعالى: ه محمد رسول الله وخاتم النبيين.)
الأحقاف
الأحزاب
ام
الآية
110
90
123
135
41
164
171
35
109
123
163
35
به
421
32
33
34
35
36
37
38 (2/421)
صفحة 879
السورة
رقم الآية
62
12
31
179
22
20
6
19
46
30
102
عدد
مسلسل
39
40
41
قال تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم البقرة فسجدوا إلا ابليس أبى واستكبر وكان من الكافرين.) قال تعالى:: أرأيتك هذا الذي كرمت علي.»
الأسراء
قال تعالى: و أنا خير منه من طين.)
خلقتني من نار وخلقته الأعراف
قال تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم البقرة على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم
صادقين.)
قال تعالى: (أولئك كالأنعام بل هم أضل.) الأعراف قال تعالى: (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الأنفال الذين لا يعقلون)
قال تعالى: (يسبحون الليل والنهار لا يفترون، الأنبياء قال تعالى: و لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما التحريم
يؤمرون.)
قال تعالى: (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الزخرف الرحمن إناثاً.»
قال تعالى: (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاً الأعراف بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم.
قال تعالى: (قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك البقرة
الدماء.)
قال تعالى: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا الحجر
ابليس.)
قال تعالى: (وما أنزل على الملكين ببابل هاروت البقرة
422
42
{{
45
46
47
48
49
01 (2/422)
صفحة 880
السورة
الآية
20
95
20
22
285
44
4
23
44
1
22
الآية
و ماروت وما يعلمان من
فتنة)
أحد حتى يقولا إنما نحن
قال تعالى: و لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما التحريم
يؤمرون)
قال تعالى: ه يسبحون الليل والنهار لا يفترون و الأنبياء قال تعالى: (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم النساء على القاعدين درجة.)
قال تعالى: (إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند التكوير ذي العرش مكين.)
قال تعالى: ه وما صاحبكم بمجنون.)
التكوير قال تعالى: (والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته البقرة وكتبه ورسله لا تفرق بين أحد من رسله.) قال تعالى: (ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت فصلت آياته أعجمي وعربي.)
قال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان ابراهيم
قومه.»
البقرة
قال تعالى: ه فأتوا بسورة من مثله. قال تعالى: و وانه لذكر لك ولقومك وسوف الزخرف
تسألون.)
قال تعالى: (وما يأتيهم من ذكر من الرحمن الشعراء
محدث)
قال تعالى: (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت. .
هود
قال تعالى:: بل هو
قرآن مجيد في لوح البروج
423
محفوظ.)
عدد
مسلسل
52
53
54
55
57
08
76
09
به يه
62
63
64 (2/423)
صفحة 881
عدد
مسلسل
66
67
68
69
السورة
رقم
الآية
قال تعالى: ه بل هو آيات بينات في صدور العنكبوت
الذين أوتوا العلم.»
قال تعالى: و وآخر دعواهم أن الحمد الله رب يونس
العالمين.)
قال تعالى: و منه آيات محكمات أم الكتاب آل عمران
وأخر متشابهات.)
هي
يونس
قال تعالى: و تلك آيات الكتاب الحكيم.» قال تعالى: (كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الزمر الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم الى
49
10
Y
1
23
82
142
20 ،19
29
102
19
67
43
16
19
22
ذكر الله. .
قال تعالى: «أفلا يتدبرون القرآن ولو كان
عند من
النساء
غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.»
قال تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم آل عمران الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين.)
قال تعالى: و خلق الانسان هلوعاً إذا مسه الشر المعارج
جزوعاً.،
قال تعالى: (وهو بكل شيء عليم.»
البقرة
الأنعام
محمد
قال تعالى: و الله خالق كل شيء.» قال تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا. . قال تعالى: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة.) البقرة قال تعالى:: أو جاء أحد منكم من الغائط.) قال تعالى: (كمثل الشيطان إذ قال للانسان أكفر.) قال تعالى: و مرج البحرين يلتقيان.)
قال تعالى: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان.)
النساء
الحشر
الرحمن
الرحمن
424
Y.
71
72
73
74
Yo
76
77
78
79
80 (2/424)
صفحة 882
Y
17
26
35
228
385
16
28
67
64
52
السورة
الآية
عدد
مسلسل
81
قال تعالى: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ المدثر
ثمانية.)
قال تعالى: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون آل عمران
ما تشابه منه.)
قال تعالى: و عليها تسعة عشر.)
المدثر
قال تعالى: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ الحاقة
ثمانية.)
قال تعالى:: قل تعالوا أقل ما حرم ربكم عليكم الأنعام ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا.»
قال تعالى: (إن الله لا
أن
يستحي
يضرب
مثلاً البقرة
ما بعوضة فما فوقها.»
قال تعالى: (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح النور المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري. .
قال تعالى: (والمطلقات يتربص بأنفسهن ثلاثة البقرة
قروء.)
القيامة
قال تعالى: ه ثم إن علينا بيانه. قال تعالى: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها الأسراء ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا. و قال تعالى: «قل إن الله لا يأمر بالفحشاء.»
قال تعالى:
1
نسوا فنسيهم. .
قال تعالى: ه وما كان ربك نسيا. .
قال تعالى: و لا يضل ربي ولا ينسى.)
قال تعالى: (الرحمن على العرش استوى. . قال تعالى: (بل يداه مبسوطتان. .
الأعراف
التوبة
مريم
طه
طه
المائدة
425
82
83
84
85
86
87
88
89
90
91
92
93
هه
96
15 (2/425)
صفحة 883
السورة
رقم
الآية
11
110
88
38
:
V
85
36
39
;
46
101
الآي
عدد
مسلسل
97
98
99
100
101
102
103
1.2
105
قال تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع الشورى
البصير.)
آل عمران
القصص
قال تعالى: (كل نفس ذائقة الموت.) قال تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه.) قال تعالى: (وما من دابة في الأرض ولا طائر الأنعام يطير بجناحيه.)
قال تعالى: (وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت.) التكوير قال تعالى: (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل التغابن
بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما علمتم.»
أمر
ربي.)
الأسراء
الأسراء
قال تعالى: (قل الروح من قال تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم.» قال تعالى: ه يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده الرعد
أم الكتاب.)
قال تعالى: (وكأين من دابة لا تحمل رزقها العنكبوت
الله يرزقها.)
قال تعالى: ه وما من دابة في الأرض إلا على هود
الله رزقها.)
قال تعالى: (النار يعرضون عليها عدواً وعشياً غافر ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب.)
قال تعالى: (سنعذبهم مرتين ثم يردون الى عذاب التوبة
عظيم.»
قال تعالى: (ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين.)
غافر
يس
قال تعالى: (يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا.) قال تعالى: (يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة.) الروم
11
= 68
426
106
107
108
109
110
111
112 (2/426)
صفحة 884
عدد
مسلسل
113
112
السورة
رقم
الآية
قال تعالى: و لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الدخان
الأولى.
قال تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع الشورى
11
Y
24
24
99
20
35
88
27
123
25
13
10
47
البصير.)
قال تعالى: (اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون.»
پس
قال تعالى: (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل التغابن بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما علمتم.» قال تعالى: (وقفوهم انهم مسؤولون) قال تعالى: (أعدت للكافرين.)
قال تعالى: (ونفخ في الصور.)
الصافات
البقرة الكهف
النبأ
الرعد
قال تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه.»
القصص
قال تعالى: (وسيرت الجبال.) قال تعالى: (أكلها دائم وظلها. .
3.3
قال تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال الرحمن
والاكرام.»
قال تعالى: (وجنة عرضها السموات والأرض. . آل عمران
من
أوتي كتابه بيمينه فيقول الحاقة
قال تعالى: و فأما
هاؤم اقرأوا كتابيه. .
قال تعالى: (ونخرج
يوم القيامة كتاباً يلقاه الأسراء له
التكوير
منشوراً اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك
حسيباً.
"
قال تعالى: (وإذا الصحف نشرت.)
قال تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة. . الأنبياء
427
110
117
117
118
119
120
121
122
123
124
125
126
127
128 (2/427)
صفحة 885
عدد
مسلسل
129
130
131
132
133
134
136
137
138
139
12.
181
142
143
الآيـ
السورة
رقم
الآية
قال تعالى: (فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المؤمنون المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا
أنفسهم في جهنم خالدون.»
قال تعالى: (والوزن يومئذ الحق.)
"
الأعراف
قال تعالى: (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً. الكهف قال تعالى: و أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى الملك أمن يمشي سوياً على صراط مستقيم.» قال تعالى: (ولا يشفعون الا لمن ارتضى) قال تعالى: (واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس البقرة شيئاً
1
ولا يقبل منها شفاعة. .
الأنبياء
قال تعالى: (فما للظالمين من حميم ولا شفيع غافر
يطاع،
قال تعالى:: قل يا عبادي الذين أسرفوا على الزمر أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله. .
"
الأسراء
الضحى
الضحى
الشعراء
قال تعالى: ه عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً. قال تعالى:. ولسوف يعطيك ربك فترضى.» قال تعالى:. وللآخرة خير لك من الأولى. قال تعالى: ه وأنذر عشيرتك الأقربين. . الله قال تعالى:. ومن يعص ورسوله فإن له الجن نار جهنم خالدين فيها أبداً. و قال تعالى: بلى من كسب سيئة وأحاطت به البقرة خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.»
قال تعالى: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه النساء
102
0.1
22
28
48
18
53
79
?
3
214
23
81
93
جهنم
خالداً فيها.)
428 (2/428)
صفحة 886
السورة
رقم
الآية
12
42
21
23
}
48
10
1614
48
14
24
23
الآية
قال تعالى: «إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي الانفطار
جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين.»
عيسي
قال تعالى: و أولئك هم الكفرة الفجرة.» قال تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن الجاثية نجعلهم كالذين عملوا الصالحات سواء محياهم
ومماتهم ساء ما يحكمون.» قال تعالى: (والذين لا يدعون مع الله الها آخر الفرقان
ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً إلا من تاب.»
الله ورسوله فإن له نار الجن قال تعالى: (ومن يعصى جهنم خالدين فيها أبداً. .
قال تعالى: (ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.»
النساء
عدد
مسلسل
قال تعالى: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشاً ومقتاً النساء وساء سبيلاً.
قال تعالى: (فأنذرتكم ناراً تلظى لا يصلاها إلا الليل الأشقى الذي كذب وتولى. .
قال تعالى: (إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على طه
من
كذب وتولى.»
قال تعالى: (فاتقوا النار التي وقودها النار والحجارة البقرة أعدت للكافرين.)
قال تعالى: و لابثين فيها أحقاباً.»
النباً
429
144
120
187
147
148
149
10.
151
152
153
102 (2/429)
صفحة 887
عدد
مسلسل
??
157
108
17.
171
162
163
164
166
167
168
الآية
السورة
رقم
الآية
قال تعالى: (إنهم كانوا لا يرجون حساباً وكذبوا النبأ
بآياتنا كذابا)
قال تعالى: (من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن الزلزلة يعمل مثقال ذرة شراً يره)
قال تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن
الأنعام
فصلت
جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها.) قال تعالى: ه وما ربك بظلام للعبيد.» قال تعالى: و لا أضيع عمل عامل منكم.» آل عمران
قال تعالى: (من جاء بالحسنة فله خير من فزع يومئذ آمنون.»
منها وهم
القصص
قال تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم الزمر لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا.) قال تعالى:: ويعذب المنافقين شاء أو عليهم.
يتوب
الأحزاب
قال تعالى: (وقالت اليهود نحن أبناء وأحباؤه المائدة قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق.» قال تعالى: (وأما الذين شقوا ففي النار خالدين هود فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك.» قال تعالى: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً التوبة صالحاً وآخر سيئاً الله أن عسى يتوب عليهم.» قال تعالى: (قل الله أذن لكم أم على الله تفترون. .
يونس
قال تعالى: (من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم الزمر
ظلل.)
قال تعالى: (وإن عليك لعنتي الى يوم الدين.)
ص
27
8،7
160
195
84
يه ده
53
X 4
24
18
107
102
59
16
Y?
430 (2/430)
صفحة 888
السورة
الآية
30
7271
7066
101
103
89
Y
88
134
43
134
202
79
الآية
قال تعالى: (يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول ق
هل من مزيد.»
قال تعالى: (: الأملأن جهنم
منك و ممن تبعك منهم
ص
أجمعين.)
قال تعالى: (وإن منكم إلا واردها كان على ربك مريم حتماً مقضياً ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين
فيها جثياً. .
قال تعالى: (ويقول الانسان اإذا ما مت لسوف مريم أخرج حياً أو لا يذكر الانسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثياً. .
"
قال تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك الأنبياء
عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها.»
(
الأنبياء
قال تعالى: و لا يحزنهم الفزع الأكبر.
قال تعالى: ه وهم من فزع يومئذ آمنون.»
النمل
قال تعالى: (فريق في الجنة وفريق في السعير.) الشورى
قال تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه.) قال تعالى: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.) قال تعالى: ه وأنه هو أضحك وأبكى.»
القصص
البقرة
النجم
قال تعالى
:
و تلك أمة قد خلت لها ما كسبت البقرة
ولكم ما كسبتم.»
قال تعالى: (أولئك لهم نصيب مما كسبوا.»
البقرة
قال تعالى: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم.) البقرة
431
عدد
مسلسل
169
170
171
172
173
174
175
176
177
178
179
180
181 (2/431)
صفحة 889
عدد
مسلسل
182
183
184
الآية
السورة
رقم
الآية
قال تعالى: و ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها الأنفال على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. .
قال تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها.
"
الأنعام
قال تعالى: ه ومن يعص الله ورسوله فإن له نار الجن
53
160
23
82
V
33
29
23
08
16
17
16
18
91
11
جهنم،
قال تعالى: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت.) قال تعالى:. ولو كان من عند غير الله لوجدوا النساء
الملك
فيه اختلافاً كثيراً.»
قال تعالى: و الذي أحسن كل شيء خلقه.»
السجدة
قال تعالى: (وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم النحل
يظلمون. .
قال تعالى: و فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
قال تعالى: ه ربنا ظلمنا أنفسنا. و
الكهف
الأعراف
قال تعالى:: لو أن لي كرة فأكون من الزمر
المحسنين.)
قال تعالى: و الله خالق كل شيء. .
الرعد
قال تعالى: و هل من خالق غير الله يرزقكم من فاطر السماء والأرض. .
قال تعالى: ه وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى الأنفال
قال تعالى: و فعال لما يريد.» قال تعالى: و فتبارك الله أحسن الخالقين.»
البروج
المؤمنون
قال تعالى: و اذا لذهب كل اله بما خلق ولعلا المؤمنون
بعضهم على بعض.)
قال تعالى: (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير.)
المائدة
432
110
186
187
188
189
190
191
192
193
194
195
196
197
198 (2/432)
صفحة 890
22
29
23
14
64
Y
182
67، 72
48
19
36
22
14
1.7
عدد
مسلسل
199
200
201
202
الآية
السورة
قال تعالى: (لو كان فيهما آله إلا الله لفسدتا.، الأنبياء قال تعالى: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر الكهف إنا اعتدنا للظالمين ناراً.»
قال تعالى: و لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. و الأنبياء قال تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن الحجرات
قولوا أسلمنا.»
قال تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً .. قال تعالى: «وأنه هو أضحك وأبكى وأنه
هود
هو أمات النجم
وأحيا.
يس
آل عمران
ه اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون.: قال تعالى: قال تعالى: و ذلك بما قدمت أيديكم. الكهف قال تعالى: (إنك لن تستطيع معي صبراً.» قال تعالى: (أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا الأسراء فلا يستطيعون سبيلاً.»
قال تعالى: ه وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين البينة له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك
القيمة.)
دين
قال تعالى: (إن الدين عند الله الاسلام.» قال تعالى::: فأخرجنا
آل عمران
كان فيها من المؤمنين الذاريات من
فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين.)
قال تعالى: (أولئك كتب في قلوبهم الايمان.»
المجادلة
قال تعالى: (ولما يدخل الايمان في قلوبكم.» الحجرات
النحل
قال تعالى: ه وقلبه مطمئن بالايمان.»
433
203
204
200
206
207
208
209
210
211
212
213 (2/433)
صفحة 891
السورة
رقم
الآية
82
146
2
10
19
12
7372
6
24
97
22
عدد
مسلسل
214
215
216
217
218
219
220
قال تعالى:. وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا الحجرات
فاصلحوا بينهم.
قال تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم.
الأنعام الأحزاب
البقرة
قال تعالى: (صلوا عليه وسلموا تسليما.) قال تعالى: و يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.» قال تعالى: (ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما الفتح
تأخر.)
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا الأحزاب
تسليماً. .
قال تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر محمد
لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات.)
الممتحنة
قال تعالى: (فبايعهن واستغفر لهن الله. .
(
قال تعالى:: إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا الأنفال بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا.» قال تعالى:: لقد كان لكم أسوة حسنة في ابراهيم الممتحنة معه إذ قالوا لقومهم أنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً.)
والذين
قال تعالى: (ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد.:
الحديد
قال تعالى: (ومن كفر فإن
الله غني عن العالمين.) آل عمران
قال تعالى: و لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر المجادلة يوادون من حاد الله ورسوله.)
434
221
222
223
224
225
226 (2/434)
صفحة 892
السورة
رقم الآية
20
12
36
01
91
36
{
114
32
31
135
Y
12
31
الآية
قال تعالى: (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى.)
القصص
قال تعالى: (يا أيها النبي إذا جاءت المؤمنات الممتحنة مهاجرات فبايعهن واستغفر لهن الله. .
المائدة
البقرة
قال تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم. . الأسراء قال تعالى: (ومن يتولهم منكم فانه منهم.» قال تعالى: (قل فلما تقبلون أنبياء الله قبل.) من قال تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم.» قال تعالى: (واللاتي يئسن من المحيض من نسائكم الطلاق إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر.»
الأسراء
قال الله تعالى: (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن النور لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهدات
بالله إنه من الصادقين.)
قال تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات.) قال تعالى: ه والذين يجتنبون كبائر الاثم النجم والفواحش إلا اللهم إن ربك واسع المغفرة.)
هود
قال تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر النساء عنكم سيئاتكم.»
قال تعالى: (ولم يصروا على ما فعلوا وهم
آل عمران
يعلمون.)
قال تعالى: (ولا يرضى لعباده الكفر.) قال تعالى: (ما منعك أن تسجد إذ أمرتك. .
الزمر
الأعراف
قال تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر النساء عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً.»
435
عدد
مسلسل
227
228
229
230
231
232
233
234
235
236
237
238
239
240
241 (2/435)
صفحة 893
عدد
مسلسل
242
243
السورة
رقم
الآية
قال تعالى: (ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم الحجرات
أن يأكل لحم أخيه ميتاً. .
قال تعالى: (فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند النور
12
13
4
36
31
121
25
33
10
23
87
20
42
الله
الكاذبون.)
هم
قال تعالى: «ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم
النور
ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً.
"
قال تعالى: (ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً الأحزاب
مبيناً.
قال تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر النساء
عنكم سيئاتكم.»
الأنعام
قال تعالى: (وإن اطعتموهم إنكم لمشركون. . قال تعالى: و يا ليتني لم أوت كتابيه، ولم أدر الحاقة
ما حسابيه.)
قال تعالى: و إنه كان لا يؤمن بالله العظيم.» الحاقة قال تعالى: ه الا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون الأعراف عن سبيل الله ويبغونها عوجاً وهم بالآخرة كافرون.
قال تعالى: (ربنا ظلمنا أنفسنا.
(
الأعراف
القصص
قال تعالى: و اني ظلمت نفسي.)
قال تعالى: (اني كنت من الظالمين.)
قال تعالى: ه وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار التي كنتم به تكذبون.»
الأنبياء
السجدة
قال تعالى: (يتساءلون عن المجرمين ما سلككم المدثر
436
في سقر.)
244
245
246
247
248
249
250
251
252
253
254
255 (2/436)
صفحة 894
السورة
رقم
الآية
46
106
87
192
71
73
145
27
29
39
231
10
41
الآية
قال تعالى: ه وكنا نكذب بيوم الدين.)
قال تعالى: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد ايمانكم.
المدثر
فأما آل عمران
"
قال تعالى: (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم يوسف
الكافرون.)
قال تعالى: (إنك من تدخل النار فقد أخزيته.، آل عمران
قال تعالى: ه وسيق الذين كفروا)
قال تعالى: (وسيق الذين اتقوا.)
قال تعالى:: إن المنافقين في الدرك الأسفل من
النار.)
قال تعالى: (إنما المشركون نحس.) قال تعالى: (حتى يعطوا الجزية وهم صاغرون
الزمر
الزمر
النساء
التوبة
التوبة
قال تعالى: ه وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الأنفال
الدين
الله.
قال تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم المائدة وطعامكم حل لهم.»
قال تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن البقرة ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا
تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم.»
قال تعالى: (فلا ترجعوهن الى الكفار لا هن حل الممتحنة لهم ولا هم يحلون لهن.»
قال تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن الأنفال
437
عدد
مسلسل
256
257
258
259
260
261
262
263
264
265
266
267
268
269 (2/437)
صفحة 895
عدد
مسلسل
270
271
272
273
لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين
وابن السبيل.)
السورة
رقم
الآية
البقرة
قال تعالى: (قل ما أنفقتم من خير فللوالدين.) قال تعالى: (وتوبوا الى الله جميعاً أيها المؤمنون النور لعلكم تفلحون.)
قال تعالى: (والذين اذا فعلوا فاحشة أو ظلموا آل عمران
أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم.»
قال تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء النساء
بجهالة ثم يتوبون من قريب.)
215
31
135
17
12
58
187
10
35
23
د به
26
1
قال تعالى: (فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك
عند النور
الله
هم الكاذبون.)
قال تعالى: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا يونس
هو خير مما يجمعون.)
قال تعالى: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون الأعراف في الأرض بغير الحق.)
قال تعالى: (واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد.» ابراهيم قال تعالى: (كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر غافر
جبار.)
النحل
قال تعالى: و انه لا يحب المستكبرين.)
قال تعالى: (ان الذين يستكبرون عن عبادتي غافر
سيدخلون جهنم داخرين.)
قال تعالى: (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا فصلت القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون.»
438
274
270
276
277
278
279
280
281 (2/438)
صفحة 896
206
2217
1
54
89
120
Y-1
11.
25
36
18
99
عدد
مسلسل
282
283
السورة
قال تعالى: (واذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم البقرة فحسبه جهنم ولبئس المهاد.)
قال تعالى: (قتل الانسان ما أكفره من أن شيء عيسى خلقه من نطفة خلقه فقدره.)
قال تعالى: (هل أتى على الانسان حين من الدهر الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً.
قال تعالى: ه أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله النساء
من
فضله.»
قال تعالى: «ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون النساء
سواء.»
قال تعالى: و ان تمسسكم حسنة تسوهم وإن آل عمران تصبكم سيئة يفرحوا بها.»
الماعون الكهف
قال تعالى: (والذين هم يرايون ويمنعون الماعون.) قال تعالى: «ولا يشرك بعبادة ربه أحداً. و
الحج
D
قال تعالى: (ومن يرد فيه بالحاد بظلم.»
قال تعالى: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك الأسراء
كان عنه مسؤولاً. .
"
قال تعالى: ه وليست التوبة للذين يعملون السيئات النساء حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن.»
قال تعالى: (فلما أدركه الغرق قال آمنت أنه لا يونس إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل وأنا من
المسلمين.)
اذا جاء أحدهم الموت قال رب المؤمنون قال تعالى: (حتى
439
284
285
286
287
288
289
290
291
292
293
294 (2/439)
صفحة 897
السورة
رقم
الآية
85
90
85
98
46
62
85
25
158
93
YY
110
عدد
مسلسل
295
الآي
ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها
كلمة هو قائلها.»
1
قال تعالى: فلم يكن ينفعهم ايمانهم لما رأوا غافر
بأسنا.)
قال تعالى: (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به
يونس
بنو اسرائيل.)
قال تعالى: (سنة الله التي قد خلت في عباده هنالك المبطلون.»
غافر
هود
قال تعالى:: فأوردهم النار وبئس الورد المورود.» قال تعالى: و ادخلوا آل فرعون أشد العذاب. و غافر قال تعالى: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف النمل
السوء.)
قال تعالى: " فلم يك ينفعهم ايمانهم لما رأوا غافر بأسنا. .
قال تعالى:: فأخذه الله نكال الآخرة والأولى .. النازعات قال تعالى: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع الأنعام نفساً ايمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ايمانها خيراً.:
قال تعالى: ه ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها.)
النساء
قال تعالى: «إن الذين يشترون بعهد الله وايمانهم آل عمران
ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم.»
قال تعالى: و يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم البقرة العسر.)
22.
296
297
298
299
300
301
302
303
304
305
306 (2/440)
صفحة 898
الآية
27
70
217
88
36
2
181
78
110
196
195
عدد
مسلسل
307
308
309
311
312
313
314
315
316
317
318
319
320
الآب
قال تعالى: (إنما يتقبل الله من المتقين.)
السورة
المائدة
قال تعالى: (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات.) الفرقان قال تعالى: (ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو البقرة كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة.) قال تعالى: (ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا الأنعام
يعملون.)
1
المائدة
قال تعالى: (ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله.» قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم الحجرات فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ان تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون.) قال تعالى: • قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم الأنفال
ما قد سلف.)
قال تعالى: ه ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين النساء
سبيلاً.
قال تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج.) الحج قال تعالى: و يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم البقرة
العسر.)
قال تعالى: • الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما البقرة يعرفون أبناءهم.
قال تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم البقرة
رحيماً. .
قال تعالى: و يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم البقرة
القصاص في القتلى.»
قال تعالى:: والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ..
المائدة
78
23
441 (2/441)
صفحة 899
[صفحة فارغة] (2/442)
صفحة 900
الصفحة
17
17
18
30
31
31
39
41
??
43
فهرس الأحاديث النبوية الشريفة
الحديث
قال رسول الله له: و كل ذاك لم يكن، لما قال له ذو اليدين: (أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله من ركعتين.)
حين سلم
قال رسول الله: لو تركتموها لصلحت فتركوها
فشاخت.)
في الحديث القدسي: «صدق عبدي في كل ما يبلغ عني.) قال رسول الله الله: و أنا أفضل الأولين والآخرين ولا فخر.)
قال رسول الله: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر.» قال رسول الله الله: و لا تفضلوني على يونس بن متى.)
قال رسول الله الا الله
:
ه لا تخيروني على موسى.) قال رسول الله لعل الله: (أنا أولى الناس بعيسى بن مريم.»
قال رسول الله الله: (أو ما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون
بن موسى غير أنه لا نبي بعدي.»
"
قال رسول الله: و أفضل الأعمال أحمزها. قال رسول الله الله: (أمسك أربعاً وفارق سائرهن.»
443
مسلسل
10
11
4
6
V
8 (2/443)
صفحة 901
الحديث
قال رسول الله: «أمسك أيتهما شئت.)
قال رسول الله: «في أربعين شاة شاة. . قال رسول الله الله: (أي امرأة نكحت نفسها بغير اذن وليها فنكاحها باطل.»
قال رسول الله لعل الله: (الشيب أحق بنفسها من وليها. قال رسول الله له: «لا نكاح إلا بولي. قال رسول الله الله: «كل ابن آدم يفنى إلا عجب الذنب فمنه
يركب.»
قال رسول الله الا الله: «أو أمر أشكل عليك فقف عنه
مكروه. .
أو
قال رسول الله الله: «ان روح القدس نفث في روعي لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله واجملوا في الطلب. ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله تعالى لينال ما عنده.»
قال رسول الله الله: و كل مسكر حرام.»
قال رسول الله الله: «يسلط الله على الكافر في قبره تسعة تنيناً تنهشه وتلدغه حتى تقوم الساعة لو ان تنيناً منها نفخ على الأرض ما انبتت خضراء.»
وتسعين
رقم
الصفحة
72
73
73
73
74
86
95
99
101
1.7
قال رسول الله الله: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً 112 – 113 ليس عليهم حساب فقيل له: هلا استزدت ربك فقال:
استزدت فزادني مع كل واحد من السبعين ألفا
سبعين
ألفاً
فقيل له هلا استردت ربك، فقال: استزدته، فزادني ثلاث
حثيات بيده الكريمة. .
222
عدد
مسلسل
12
13
12
16
17
18
19
20
21
22 (2/444)
صفحة 902
عدد
مسلسل
23
24
25
26
27
28
29
30
31
الحديث
رقم
الصفحة
قال رسول الله عله: (ما من مؤمن إلا وله كل يوم صحيفة 120 – 121
فإذا طويت وليس فيها استغفار طويت وهي سواء مظلمة وإذا
طويت وفيها استغفار طويت ولها نور يتلألاً.
"
قال رسول الله: ه حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء ماؤه 121 – 122 من المسك، وكيزانه أكثر من
أطيب
أبيض من اللبن وريحه نجوم السماء من شرب منه فلا يظماً أبداً.
الله
123
قال رسول الله له: و ترد أمتي على الحوض وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله فقال رجل يا نبي تعرفنا، قال: نعم، لكم سيما ليست لأحد غيركم تردون علي غراً محجلين آثار الوضوء وليصعدن عن طائفة منكم من فلا يصلون اليَّ، فأقول يا رب هؤلاء من أصحابي فيجيبني مالك فيقول وهل تدري ما أحدثوا بعدك ... . قال رسول الله الله: و شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. قال رسول الله لعل الله: و لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي. . رسول الله: و يا فاطمة بنت محمد ويا صفية عمة 136 – 137 محمد اشتريا أنفسكما من الله فأني لا أغني عنكما. .
قال
133
"
قال رسول الله على الله: «من قتل نفسه بحديدة عذب به في نار
جهنم.»
133
147
قال رسول الله: (إن أدنى أهل النار عذابياً لرجل عليه 156 – 157 نعلان يغلي منهما دماغه، مسامعه جمر وأشفاره وأضراسه جمر، لهب النار، وإن منهم من يغلي كحبات قليل في ماء كثير. . قال رسول الله علال: (يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة
الأخدود، ولو ارسلت فيها السفن لجرت.»
445 (2/445)
صفحة 903
الحديث
قال رسول الله لعل الله: (حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط
قط أي كفاني.)
من
الله
قال رسول الله الا الله العبادة بن الصامت: «إنك لن تجد ولن تبلغ حقيقة الايمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره أنه تعالى. قال: يا رسول الله وكيف لي أن أعلم خير القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك
رقم
الصفحة
109
168
لم يكن ليصيبك، فإن مت على غير ذلك دخلت النار.» قال رسول الله: (الايمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه 168 – 169
ولقائه واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره.» قال رسول الله الله: (اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء والرضى بما لا
يجب.)
قال رسول الله لعل الله: و إذا ذكر القضاء فأمسكوا، وإذا ذكرت
النجوم فأمسكوا.
"
170
170
170
171 -
171
198
198
في الحديث القدسي: و القدر سري ولا ينبغي لأحد أن يطلع
على سري.)
قال رسول الله لعل الله: و لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة
القدرية.)
قال رسول الله له: و المرجئة يهود هذه الأمة، والقدرية 170
مجوسها.»
قال رسول الله الله: و لعنت القدرية على لسان سبعين نبياً
قبلي.»
قال رسول الله الله: و لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن.) قال رسول الله الله: «لا إيمان لمن لا أمانة له.»
446
عدد
مسلسل
32
33
34
35
36
37
38
39
40
41
42 (2/446)
صفحة 904
عدد
مسلسل
43
44
45
46
47
48
49
01
52
53
54
00
07
08
09
7.
الحديث
قال رسول الله الله: (اللهم ثبت قلبي على دينك. . قال رسول الله الله الاسامة بن زيد: و هلا شققت عن قلبه. 1 قال رسول الله له: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول
لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.) قال رسول الله الله: (النساء ناقصات عقل ودين.) قال رسول الله لعل الله: «استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. . قال رسول الله الله: (أذيعوا بخبر الفاسق ليحذر الناس شره.» قال رسول الله الله: «ما لكم وللمنافق قولوا فيه ما فيه.» قال رسول الله الله: «من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا
غيبة له. .
قال رسول الله له: إن لصاحب الحق مقالاً.»
قال رسول الله الا الله: ه وأمر أشكل عليك فقف عنه.، وفي رواية و فكله الى الله.»
قال رسول
ه من أحب قوماً فهو منهم.»
ه وأمر أشكل عليك فقف عنه. . قال رسول الله الله
قال رسول
:: المؤمن وقاف والمنافق وثاب.» قال رسول الله لعل الله: و إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به
أحدهما.)
قال رسول الله: و هلك المصرون.) قال رسول الله ع: المؤمن يرى ذنبه كالجبل فوقه يخاف عليه، والمنافق يرى ذنبه كذباب مر على أنفه فأطاره.» أن قال رسول الله: و هل تدرون ما الغيبة ... ؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال: ذكرك أخاك بما يكرهه قيل أرأيت ان
يقع
رقم
الصفحة
199
199
201
206
223
223
237
237
241
243
248
257
258
258
264
274
279
287
447 (2/447)
صفحة 905
عدد
مسلسل
??
62
63
65
66
67
68
69
70
71
72
الحديث
كان في أخي ما أقول قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته
وإن لم يكن فقد بهته.»
قال رسول الله له: و ذكر رجل عند رسول الله الله فقالوا ما أعجزه فقال علا الله اغتبتم أخاكم قالوا: يا رسول الله قلنا
ما فيه قال: إن قلتم ما ليس فيه فقد بهتموه.»
وعن
الله
عن رضي عنها ـ أنها ذكرت عند رسول
حذيفة عائشة
الله الا امرأة فقالت إنها قصيرة فقال له اغتبتها.» قال رسول الله: (أذيعوا بخبر الفاسق ليحذر الناس شره.» قال رسول الله لعل الله: و ما لكم وللمنافق قولوا فيه ما فيه.» قال رسول الله عل الله: و من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا
غيبة له.»
قال رسول الله: إن لصاحب الحق مقالاً.» قال رسول الله الله: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف.»
روي عنه
ا أنه
رقم
الصفحة
287
287
288
288
288
288
290
بأمرأة حامل على باب الفسطاط فسأل 291 – 292
عنها فقالوا هذه أمة لفلان فقال: ألم بها ... ؟ فقالوا: نعم فقال ال:: لقد هممت أن ألعنه لعناً يدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له كيف يستخدمه وهو لا يحل له.» قال رسول الله: «من قذف مملوكه وهو بريء مما قال القيامة جداً إلا أن يكون كما قال.»
يوم
جلد
قال رسول الله لا
بسياط من نار.»
ه من
قذف ذمياً حد له
يوم القيامة
قال رسول الله لعل الله: و من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر. .
قال رسول الله عالى: و آية المنافق ثلاث إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان)
297
298
311
{{A (2/448)
صفحة 906
عدد
مسلسل
73
74
Vo
76
الحديث
جيء
قال رسول الله الله: ه روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه. بأسارى من حي من أحياء العرب قالوا يا رسول الله ما دعانا
أحد ولا بلغنا قال: الله فقالوا: الله فقال: خلوا سبيلهم حتى تصل إليهم الدعوة فإن دعوتي تامة لا تنقطع إلى يوم القيامة.»
قال رسول الله: «أمسك أيهما شئت.» قال رسول الله الله: «أمسك أربعاً وفارف سائرهن.»
رقم الصفحة
319
320
320
قال رسول الله وقد أخذ من بعير وبرة فقال: «ما لي 326 ـ 327
353
354
354
355
355
355
مثل هذه إلا الخمس
ولا لكم منها
أي
من
الغنيمة
ثم هو رد عليكم فأدوا الخياط والمخيط فإن الغلول عار وشنار وعلى الغلة يوم القيامة ولكم الأكل والركوب والعلف وليس أحدكم أحق بالغنيمة من الآخر ولو بالسهم.»
قال رسول الله عليل الله: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا اكلي ذبائحهم.»
قال رسول الله: «لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر
منه.»
قال رسول الله الله فيما يرويه عن ربه: ه لولا أن الذنب خير لعبدي المؤمن من العجب ما خليت بين عبدي المؤمن وبين
الذنب.»
قال رسول الله عالى: (شرار أمتي المعجب بدينه المرائي بعمله، المخاصم بحجته، والرياء شرك.»
قال رسول الله الله: و اجتنبوا الكبر فإن العبد لا يزال يتكبر
حتى يقول الله تعالى: اكتبوا عبدي هذا في الجبارين.» قال رسول الله لعل الله: و لا يزال العبد يذهب بنفسه أي يرتفع
ويتكبر حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما
أصابهم.
"
229
VV
78
79
80
81
82 (2/449)
صفحة 907
عدد
مسلسل
83
84
85
86
87
88
89
91
الحديث
رقم
الصفحة
قال رسول الله له رواياً عن ربه: «الكبرياء ردائي، والعظمة 355 ـ 356 ازاري فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار.) قال رسول الله الا الله الرجل يأكل بشماله: «كل بيمينك فقال
متكبراً: لا أستطيع فشلت يده فلم يرفعها بعد.» قال رسول الله الله: «المؤمن يغبط والمنافق يحسد.» قال رسول الله الله: ه الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والصلاة نور المؤمن والصيام جنة.»
قال رسول الله لعل الله: (دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر، والذي نفس محمد بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا. أفلا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام
بينكم.»
قال رسول الله: «ليس مني ذو حسد ولا نميمة، ولا كهانة، ولا أنا منه. . قال رسول الله لال: ه إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر الرياء يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالكم اذهبوا الى الذين كنتم تراعون في الدنيا انظروا هل تجدون
عندهم جزاء.» قال رسول الله لعل الله: (إن أدنى الرياء شرك، وأحب العبيد الى الله الأتقياء الأسخياء الأخفياء.)
قال رسول الله لعل الله: (إن أخوف ما أخاف على أمتي الاشراك بالله أما إني لست أقول يعبدون شمساً ولا قمراً ولا وثناً ولكن أعمالا لغير الله وشهوة خفية.)
357
358
358
359
359
361
361
362
450 (2/450)
صفحة 908
عدد
مسلسل
92
93
94
95
96
97
98
الحديث
رقم
الصفحة
قال رسول الله: (إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت 363 - 364 به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به.»
قال رسول الله لعل الله: (اذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل
والمقتول في النار قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه كان حريصاً على قتل صاحبه.»
قال رسول الله لعل الله: (إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم
عاماً
قال رسول الله الله: «للتوبة باب بالمغرب مسيرة سبعين. لا يزال كذلك حتى يأتي بعض آيات ربك طلوع الشمس
من مغربها.»
قال رسول الله الله: «إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها.»
قال رسول الله لعل الله: (أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة.»
قال رسول
منهم
: أيما امرأة ادخلت على قوم من ليس في شيء ولن يدخلها الله جنته.» الله
364
368
368
368
373
373
374
376
379
382
382
392
99
33
100
101
102
103
1.2
من
قال رسول الله لا
: «من سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء. .
قال رسول الله الله
: يسروا ولا تعسروا.) قال رسول الله عالى: و التائب من الذنب كمن لا ذنب له.» اسلم على ما أسفلت من خير. 1
قال رسول
قال رسول الله لا
: من
قال رسول الله الله
مال امريء مسلم.»
أشرك ساعة حبط عمله.
: و لا حق لعرق ظالم ولا ثواء على (2/451)
صفحة 909
عدد
مسلسل
100
1.7
107
108
109
110
111
الحديث
قال رسول الله لعل الله: ه إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به.» قال رسول الله: «إن الله تجاوز لي عن والنسيان وما استكرهوا عليه.»
أمتي الخطأ
قال رسول الله لعل الله: (أفضل العبادات أحمزها» أي أشقها. قال رسول الله الله: (ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجاً فخلوا سبيله.» قال رسول الله الله: (ادرأوا الحدود بالشبهات وأقيلوا الكرام عثراتهم إلا في حد من حدود الله.
قال رسول الله الله: «ادفعوا الحدود عن عباد الله ما وجدتم
له مدفعاً.»
قال رسول الله الله: «لا بأس عليك لك ما نويت.»
رقم
الصفحة
398
2.1
407
408
408
2.9
452 (2/452)
صفحة 910
ابان
بن سعيد: 391
فهرس الأعلام
حرف الألف
ابراهيم عليه السلام: 31، 34، 3، 53،
ابليس: 275
أحمد بن جحش: 391
بن حنبل: 302، 326
أحمد
أحمد
بن
حمدان الأذرعي: 268
55، 216
أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: 35
ادريس
عليه السلام: 34 55
آدم عليه السلام: 27، 33، 115، 117، 177، 357
أسامة
بن زيد: 391
اسرائيل عليه السلام: 34
آسية امرأة فرعون: 36
اصبغ: 331 الأعرج: 289
الأعمش: 289، 326 أفلح (الامام): 392
453 (2/453)
صفحة 911
امرء القيس: 156
الأوزاعي:
332:
حرف الباء
الباجوري: 11،،17، 19، 20، 22، 48، 94، 10، 111
البدر الشماخي: 33، 70، 72، 102
بلال بن رباح: 399، 401
حرف التاء
الترمذي صاحب السنن): 355، 356
حرف الجيم
جابر بن زيد: 102، 105، 136، 235
جابر بن النعمان: 384
الجبائي
24، 342:
جبريل عليه السلام: 42، 52 ـ 53
الجرجاني: 53
الجلنداء بن مسعود: 235
الجنيد بن محمد الجنيد:
جهم بن صفوان: 143
95،91
حرف الحاء
الحاكم صاحب المستدرك): 359
الحسن البصري: 174
الحسن بن علي: 75، 279، 368
الحسن بن محمد: 319، 325، 326
454 (2/454)
صفحة 912
الحسين بن علي بن سينا: 90
الحسين بن علي
Yo
:
الحليمي: 268
حواء: 36، 115، 117
حيان الأعرج: 371
خالد
بن الوليد: 393
خباب
بن
الأرث:
400،399:
حرف الخاء
خديجة بنت خويلد: 390
الخضر عليه السلام: 34
الخليلي (الامام): 133، 328، 392
حرف الدال
الدارقطني: 355
داود عليه السلام: 33
الديلمي: 359
55
الراشدي: 62
الربيع بن حبيب: 102، 393
الزاملي:
381
حرف الراء
حرف الزاي
الزمخشري: 42 52، 5، 392 (2/455)
صفحة 913
زيد بن ثابت: 19
زينب بنت الرسول عليه السلام: 322
سارة: 36
السدي: 279
سعد الدين التفتازاني: 118
سعد
معاذ: 330
بن
سفيان الثوري: 323
سلمان الفارسي: 289، 393
سلمة الدرجيني: 102
سليمان عليه السلام: 33
سمية أم عمار: 399، 400
سويد بن
غفلة: 157
00
السيد الشريف الجرجاني:
17.
شريح بن الحارث: 267
شعيب عليه السلام: 34
شيت عليه السلام: 34، 54
حرف السين
حرف الشين
حرف الصاد
صالح عليه السلام: 34
الصبحي (العلامة): 252
صهيب الرومي: 399 (2/456)
صفحة 914
حرف العين
عائشة أم المؤمنين: 49، 74، 287، 396
عبادة
بن الصامت: 168
العباس بن عبد المطلب: 326
عبد الرحمن بن عوف:
عبد الرحمن بن القاسم: 93
عبد الرحيم بن خالد: 93
عبد العزيز الثميني: 53، 114
عبدالله
عبدالله
بن أباض: 235
بن عباس:
335،325،319،111،81،80
عبدالله بن عمر البيضاوي: 118
عبدالله
بن عمر بن الخطاب:
392
عبدالله بن عمرو بن العاص: 159، 160
عبدالله
عبدالله
محمد الأنصاري الهروي: 267 بن
بن مسعود: 99، 128، 307
عبدالله بن يحيى الكندي: 235 عبد الملك بن حبيب: 335
عبد
عبد الله الملك بن يوسف الجويني: 93 بن
عبد المطلب بن هاشم:
390
عثمان
حنيف: بن
عثمان
عفان:
بن
330
290
عزان بن قيس بن عزان:
235
عضد الدين الأيجي: 49، 160
عطاء: 323، 325، 368
العلقمي: 399
عقيل بن أبي طالب: 390، 392
عكرمة بن أبي جهل: 172، 322
457 (2/457)
صفحة 915
أحمد الواحدي: علي بن
269
علي بن أبي طالب: 74 75، 319، 333، 394 علي بن عبد الكافي السبكي: 364
عمار بن ياسر: 399
عمر بن الخطاب:،74، 231، 235، 290، 292، 324، 326، 330
عمر بن عبد الرحمن القزويني:
عمرو بن بحر الجاحظ: 161
100
عيسي عليه السلام: 29، 32 33 34، 55، 318، 356
حرف الفاء
فاطمة بنت رسول الله: 74، 390
الفخر الرازي: 205، 402
فرعون: 14، 215 - 216
370،369،356
مالك
حرف الميم
بن أنس: 393، 324، 326، 332، 335
مجاهد: 399
محمد أبو الطيب الباقلاني: 43
محمد بن أدريس الشافعي: 302، 323، 325 محمد بن الحسين بن موسى أبو الحسن: 56
محمد بن حيان أبو حاتم: 95
محمد بن عباد: 387
محمد بن محبوب: 387
458 (2/458)
صفحة 916
محمد بن جرير الطبري: 325
محمد الغزالي: 269
محمد بن يوسف اطفيش:،،،،،82 87 201، 209، 232، 272، 276،
324، 326، 331،323،280
محمد بن يوسف بن عمر السنوسي: 19
مريم عليها السلام: 36
مسلم بن الحجاج: 356
مسعود بن عمر التفتازاني: 12
مسيلمة الكذاب: 12
معاذ
بن جبل: 287، 330، 351
معاوية بن أبي سفيان:
291
مقاتل بن سليمان: 143
منذر بن سعيد: 325 - 326
موسى عليه السلام: 14، 29،
موسى بن علي: 326
المهنا بن جيفر: 236
نافع بن الأزرق:
392:
318،227 3 32 31
حرف النون
النسائي: 356
نمرود: 356
نوح عليه السلام: 29، 32، 34، 55
واصل بن عطاء:
حرف الواو
193،175،172 (2/459)
صفحة 917
هاجر: 36
هامان: 215
هند بنت عتبة: 259 هود عليه السلام: 34 55
حرف الهاء
حرف الياء
يوشع عليه السلام: 34 55
يحيى بن شرف النووي: 94، 122
و الابن)
ابن بركة: 392، 402
ابن حجر: 266، 268، 302 العربي: 369
ابن القاسم: 330
ابن الماجشون: 331
ابن محبوب: 236، 394
ابن المنذر: 323
ابن النظر: 60، 61، 231
ابن أبي نبهان: 103، 116، 236
أبو أيوب الأنصاري: 368
أبو البقاء: 40 169
الكني
أبو بكر الصديق: 74، 231، 235، 290، 326، 393، 399، 400
460 (2/460)
صفحة 918
أبو ثور: 327
أبو جابر موسى بن أبي جابر: 248
أبو جندل:
290
أبو جهل (الحكم بن هاشم):
680
أبو حنيفة النعمان بن ثابت: 57، 302، 320، 326، 331، 332، 392
أبو داود (صاحب السنن): 359
أبو ذر الغفاري:
أبو الزناد: 289
00
أبو سعيد الخدري: 106
أبو سعيد: 248، 201
أبو سفيان بن حرب: 290
أبو ساكن: 60
أبو سهل: 116
أبو طالب:
{ ..
247 - 248
أبو العاص بن الربيع: 322
أبو العالية:
325
أبو عبدالله الحليمي
43:
أبو عبيدة: 175، 193، 278، 371
أبو علي موسى بن علي: 247
أبو لهب: 215
أبو مسلم الأصفهاني:
38:
أبو نبهان: 375، 381
أبو يوسف: 23، 332، 393
461 (2/461)
صفحة 919
فهرس الملل والنحل والفرق والمذاهب
أهل الاستقامة: 143، 144، 171
الأزارقة: 203، 206، 305، 394
الأشاعرة: 20، 2،60، 83، 99، 115، 126، 133، 138، 171، 189،
410،200،201
الباطنية:
71
البراهمة: 9
البهشمية: 394
الحشوية: 24
الحنابلة:
60، 62
الحنفية: 67، 71، 72
الدهرية: 316
الديصانية: 316
الرافضة:
25
السمنية: 9
الشافعية: 67، 269
الشيعة: 18، 24، 4، 75
الصابئون: 318، 320، 329، 330، 332، 336
الصفرية: 203، 293
463 (2/463)
صفحة 920
الفلاسفة: 9، 10، 19
الكرامية: 59
المجوس: 316، 320، 329، 330، 335 - 336
المعتزلة: 9 1 2 3 53، 83، 99، 100، 103، 10، 115، 116،
،182،179،170،202،197،192،191،189،173،171،13
410،383،3304 342، 48
المنانية: 316
النجدية: 203، 305
النصرانية: 153، 320، 329، 330 – 332 - 334
-
336، 393
-
اليهودية: 153، 200، 320، 329، 330، 332 33، 335، 336 393
464 (2/464)
صفحة 921
عدد
مسلسل
قال الشاعر:
O
فهرس الأشعار
البيان
رقم
الصفحة
50
إلا اليعافير وإلا العيس وبلدة ليس بها أنيس
قال الشاعر:
حرمة المسلم فاقت
حرمة
وله الاعزاز في
الدنيا
وهو
أعلا عند مولاه
البيت الحرام دار المقام أملاك كرام
قال الشاعر:
ولقد نزلت فلا تظن غيره
مني
بمنزلة المحب المكرم
قال الشاعر:
وإن أتاه خليل يوم مسغبة يقول لا غائب مالي ولا حرم
قال الشاعر:
دار ابن عمك بعتها
اذهب بها اذهب
قال الشاعر:
منطفيء في ابتداء المديح قصير
تنفي بها عنك الغرامة طوقها طوق الحمامة
فيك فاسمح يا منتهى الاحسان
46
135
148
149
177 (2/465)
صفحة 922
[صفحة فارغة] (2/466)
صفحة 923
رقم
الصفحة
9
17
29
37
42
54
55
58
64
69
85
85
فهرس موضوعات الجزء الثاني
البيان
مقدمة الجزء الثاني
في جواز بعث الرسل والحكمة في بعثهم المقصد الثاني: في ما يجب للرسل وما يستحيل عليهم المقصد الثالث: في تفضيل الأنبياء بعضهم على بعض المقصد الرابع: في نسخ شرائعهم بشرائع نبينا المقصد الخامس: في الملائكة
الايمان بالأنبياء والملائكة
المقصد السادس: في الكتب والايمان بها الحديث في خلق القرآن
فصل في المحكم والمتشابه
أقسام المحكم والمتشابه
الباب الرابع من الركن الثاني: في الوعد والوعيد الفصل الأول: في الموت والبعث والحساب
4,67 (2/467)
صفحة 924
النهي عن حديث الروح
الكلام في عذاب القبر الكلام في الحساب
الكلام في خلق الجنة والنار
الكلام في الكتب والحوض
الفصل الثاني: في الميزان والصراط
الفصل الثالث: في الشفاعة
أمته
من
رقم
الصفحة
91
105
110
110
120
125
131
132
138
167
173.
186
192
196
207
209
215
222
235
258
266
شفاعة الرسول للأتقياء
الفصل الرابع: في الخلود في الجنة والنار
الباب الخامس من الركن الثاني: في القضاء والقدر
أفعال العباد خلق الله وكسب لهم
القائلون بالجبر فساق
اثبات خلق الأفعال الله تعالى
الباب السادس: في الايمان والاسلام
الركن الثالث: في الولاية والبراءة الباب الأول: في وجوب الولاية والبراءة وأقسامها
أقسام الولاية والبراءة
الباب الثاني: في الولاية والبراءة بحكم الظاهر فصل في أحكام الولي بحكم الظاهر الباب الثالث: في أقسام الوقوف وأحكامه الباب الرابع: في الصغائر والكبائر
468 (2/468)
صفحة 925
رقم
الصفحة
283
286
295
304
312
318
332
337
339
341
342
344
367
372
377
381
386
389
398
399
407
2.9
البيان
أقوال العلماء في الولي المرتكب للذنب
الباب الخامس: في ذكر شيء من الكبائر وأحكام القاذف
حكم قاذف الولي
الباب السادس: كفر جحود وكفر نعمة
أقسام الكفر
أحكام المشركين
تحليل ذبيحة أهل الكتاب وجواز مناكحتهم حكم المشركين عبدة الأوثان
الركن الرابع: في التوبة وأحكامها
الباب الأول: أقسام التوبة وأحكامها
أقسام التوبة
أركان التوبة قبول وقت التوبة
قبول توبة العصاة
الباب الثاني: في حالات التائب
حكم المصر على المعصية اذا فعل الطاعة
الباب الثالث: في توبة المحرم والمستحل حكم ارتكاب المعاصي
الباب الرابع: الأمور التي لا تجب توبة منها الفصل الأول: في التقية
حكم المكره على فعل يقام عليه الحد
الفصل الثاني: في
الخطأ
469 (2/469)
صفحة 926
البيان
رقم
الصفحة
412
415
419
443
453
463
467
470
الفصل الثالث: في النسيان والوسوسة أقسام النسيان
خاتمة الكتاب
الفهارس
فهرس
الآيات القرآنية
فهرس الأحاديث النبوية الشريفة
فهرس الأعلام
فهرس الملل والنحل والفرق والمذاهب
فهرس الشعر
فهرس الموضوعات (2/470)
صفحة 927
طبع مطابع النهمة
سلطنة عمان، تليفون: 5:3104 (2/471)