صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: عقيدة - فقه - علوم الحديث
------------------------------------------
العنوان: معالم الحق المنهج والتطبيق في دراسة ونقد روايات الشفاعة
المؤلف: علي بن محمد بن عامر الحجري
الناشر: منشورات موقع بصيرة الإلكتروني
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: 1436ه/ 2015م
الطبعة: 2
ردمك: 978-99969-1-032-6
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=5254&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/179
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 15 شعبان 1446ه/ 14 - شهر 02 - 2025م. معالم الحق
المنهج والتطبيق في دراسة ونقد روايات الشفاعة
علي بن محمد بن عامر الحجري (1/1)
صفحة 2
مِعَالِد الى (1/2)
صفحة 3
ميع الحقوق محفوظة
bago net
منشورات موقع بصيرة الإلكتروني
الطبعة الثانية
1436 هـ ـ 2015 م
للتواصل وطلب الكميات
98177789/ 95510025 (1/3)
صفحة 4
معا لرائى
المنهج والتطبيق في دراسة ونقد
روايات الشفاعة
علي بن محمت بن سقطار الحمري (1/4)
صفحة 5
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله
وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم
أما بعد:
الدين.
فقد خلق الله وحل الخلق أجمعين، وأعطى كل مخلوق وظيفته وهيأ له كل المقومات والطاقات التي تعينه على أداء واجباته وفرض له الحقوق حتى يصل إلى الغاية التي خلقه لأجلها.
ولقد اختار الله جل وعلا الإنس لمهمة الأمانة التي تراجعت عن تحملها الجبال الراسيات؛ لأن تبعات هذه المهمة حساب وإحصاء وعد وجزاء على كل صغيرة وكبيرة يأتي بها الإنسان في مسيرة حياته الدنيوية.
فالشارع الحكيم في كل تعاليمه يربط حياة البشر الدنيوية بما بينه لهم من حقائق أخروية سيشاهدونها واقعاً يوم يخرجون من هذه الدنيا وعند اضمحلال الأولى وقدوم الآخرة بمشاهدها.
وسير
البشرية قاطبة إلى يوم القيامة أمر أثبته القرآن الكريم وأقام عليه
حججاً عجزت عن ردها عقول البشر، فكان على العاملين في هذه الدنيا ـ والحال هذا ـ أن يكون مجال تنافسهم ومضمار تسابقهم تطبيق الأوامر
الإلهية التي جاء بها القرآن وبيَّنها رسول الله له في سنته الطاهرة. (1/5)
صفحة 6
6
مجال الحق
فلا مجال للعقل في اختراع ما سيكون في يوم القيامة من أحداث، فعلى العقل التصديق والانقياد فقط ما دام يشاهد أمر النشأة الأولى واضحاً جلياً ودليلاً قوياً على قدرة الله تعالى في إعادة البشر بعد فنائهم وبعثهم ومحاسبتهم وتنفيذ ما عليهم وإعطائهم ما لهم من حسن الجزاء. وما على البشر إلا السمع والتصديق والاستعداد بالإيمان الخالص والأعمال الصالحة حتى يكون مآلهم ومحط رحالهم جنات الله الخالدة التي وعدها الله تعالى عباده المؤمنين العاملين.
فموضوع مصير الناس يوم القيامة قد تكفل الله تعالى ببيانه، ولم يأذن سبحانه وتعالى لعقول البشر لفرض تصورات عن أحداث ذلك اليوم الرهيب). فمن وظائف الإنسان في هذه الحياة الدنيا السعي الدؤوب لأجل معرفة الحقيقة التي تكون عليها أحوال الخلائق يوم القيامة وما يعقب يوم أحداث تؤول إليها الخلائق جمعاء. وسيصل الإنسان إلى المعرفة الصحيحة إذا اتبع الطرق المثلى والمناهج الصائبة في بحثه ودراساته؛ فمصادر العلم اليقيني عند المسلمين كفيلة ببيان ما أراد الله تعالى من عباده معرفته والعمل به ولأجله وهم في عالم الدنيا.
الحشر من
فالمعرفة الجلية عن حقائق المصير الأخروي ـ الذي هو أحد ركائز الرسالات السماوية للخلق ـ مطلب شرعي وفرض على كل مكلف، فلا يُقبل من الإنسان نظرة ضيقة المدى لا تتعدى أطر حياة الناس الدنيوية، ولا تقبل معرفة لا تهيمن على سلوك الأفراد وقت أدائهم لوظائفهم في هذه الحياة. لهذا وجب ـ امتثالاً للقاعدة: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) -
(1) لهذا لا يشمل هذا البحث مناقشة الأدلة العقلية، لأن العقل تبع للشرع، ولأنه ليس للعقل مجال في تأصيل أمور الغيب، ولكن مجاله فهم النصوص من خلال ربط العلوم بعضها (1/6)
صفحة 7
المقدمة
Y
أن تنبعث في كيانات البشر كل المؤججات المثيرة والمحفزة للعقول الحية لأجل معرفة المناهج وتأصيلها وتطبيقها عند دراسة أحوال الآخرة ومصير الناس فيها، لأن الأمر جد خطير ولأنه قول واحد لا يقبل فيه تعدد الآراء والأفكار. فالسعيد بالحق هو العارف والمطبق لمناهج العلوم الصحيحة، وأما التارك للعلم الثابت والمتبع لآراء الناس فإن حظه الجهل بالحقيقة التي أرادها الله تعالى.
لقد من الله تعالى على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بمنهج محكم تلجأ إليه في معرفة الحق ورد الأقوال المتعددة إلى الصواب الذي أنزله الله تعالى. وهذا المنهج لا تحدده النظرات المذهبية الفردية الضيقة بل هو الميزان الذي جاهد علماء الإسلام قاطبة) في تبيانه لأجيال المسلمين عبر القرون، وأصبحت معرفته وتطبيقه أمراً واجباً على المسلمين قاطبة إذا أرادوا تحقيق وظيفتهم التي اؤتمنوا عليها بكل صدق وإخلاص.
فمن القواعد التي بينتها كتب علماء الأمة، وكان واجباً علينا جميعاً تطبيقها هي ما ذكره الدكتور عصام أحمد البشير، حيث قال:
ولما كان الإسناد ضرورياً للحكم على كل حديث لذا نجد أن اهتمام المحدثين بالإسناد في المقام الأول وإن كان الحكم على الحديث لا يتوقف على صحة الإسناد وحده بل لا بد من توافر شروط أخرى ترجع إلى الراوي أو الرواية» (3).
(2) قال الدكتور عصام أحمد البشير في بيانه للجهود التي قام بها علماء الإسلام في تأصيل العلوم وترتيبها وشأن المصطلحات يستقر بعد الاستقرار التام والكشف لوجوه المسالك ومناهج الاستدلال، وترتيبها وفق قواعد منضبطة وأصول محكمة، تمثل المعيار الذي يحتكم إليه، والمسار الذي يعول عليه في صياغات محددة الدلالة، بينة القسمات واضحة المعالم» (أصول منهج النقد عند. أهل الحديث، ص 5).
(3) أصول منهج) النقد عند أهل الحديث.
ص
ov (1/7)
صفحة 8
معالم الحق
«أما المهمة التي يتصدى لها الناقد فهي جمع الأحاديث وفحصها ونقدها بعد تتبع أحوال ناقليها ورواتها فيقوم بجمع طرق الروايات وأسانيدها ودراستها وبيان ما فيها من علة واختلاف. مستعيناً بدراسة حال
الراوي من
عدالة وضبط يستخلص من ذلك الحكم على الحديث» (4).
وقال الدكتور وهبة الزحيلي مؤكداً على هذا المنهج الصائب: -
«ولا أطيل في قواعد نقد سند الحديث، فمجاله علم مصطلح الحديث، ذلك العلم مع أصول الفقه لا نظير لهما في تاريخ العلوم وأصول العلوم عند أمم الدنيا غير المسلمين. وقد عُني المسلمون بضبط الحديث والتأكد من نقله بضوابط كثيرة، منها: اشتراط كون الراوي عدلاً (ملتزماً أحكام الشريعة وآداب المروءة)، ضابطاً حافظاً ذا قدرة ذهنية لا تكاد تخطئ)، سامعاً للحديث عن الراوي العدل الضابط في كل السلسلة إلى أن يصل إلى الصحابي، أو ناقلاً الحديث بطرق أخرى كالسماع في القوة والتثبت»). وقال عبد المنجي السيد أمين:
«واعلم وفقك الله تعالى أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها وثقات الناقلين لها من المتهمين أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه، والثقاة في ناقليه وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التهم، والمعاندين من أهل البدع".
فهذه الأسس والقواعد التي أشار إليها الدكتور عصام البشير والدكتور وهبة الزحيلي وعبد المنجي السيد أمين أصل من أصول الكتابة والبحث في الإسلام فلا ينبغي لنا تجاوزها عند الدراسة والتحقيق.
(4) أصول منهج) النقد عند أهل الحديث، ص 7. (5) قراءة وضوابط في فهم الحديث النبوي، ص 22. (6) الفرار من النار، ص 656. (1/8)
صفحة 9
المقدمة
9
ومما جاءت به الرسالات السماوية على أصحابها صلوات الله يوم القيامة بغير عقيدة الإسلام فقد استوجب النار،
وسلامه، أن
من جاء
هي
ماله.
وهذا حكم لا خلاف حوله بين المسلمين، فكل كافر فالنار والمسلم الذي جاء إلى القيامة وقد ثقلت موازينه بالأعمال الصالحة
وسلم من كبائر الذنوب، فقد وعده الله تعالى جنة عرضها السماوات
والأرض.
تلك
وأما من حضر يوم القيامة بذنب كبير، وقد استوجب بسبب المعصية الكبيرة دخول النار فهو الشخص الذي تنازعت حول مستقبله بعد العرض الأكبر أفهام الناس.
فمن الناس من قال: إنه قد تشمله شفاعة لا يدخل بسببها النار.
- ومن الناس من قال: إنه يدخل النار ثم سيكون مآله في نهاية
المطاف الجنة.
ومن الناس من قال: إن في يوم الحشر وبعد العرض على الله تنطلق
الجموع إما إلى جنة خالدة لا خروج منها أو إلى نار خالدة دائمة. قال الثعالبي في معرض ذكره لأحوال الناس يوم القيامة: «النَّاسُ أربعةُ أَصْنَافِ كَافِرٌ مات على كُفْره، فهذا مُخَلَّد في النَّار بإجماع، ومُؤْمِنٌ مُحْسِنٌ لَمْ يُذْنِبُ قطُّ، ومات على ذلك فهذا في الجنة مَحْتُومٌ عَلَيْهِ حَسَبَ الخَبَرِ من الله تعالى بإجماع، وتَائِبُ مَاتَ على توبتِهِ، فهو عنْدَ أَهْلِ السُّنَّة وجمهورٍ فُقَهَاءِ الأُمَّة لَاحِقٌ بالمُؤْمِنِ المُحْسِنِ، إِلَّا أَن قانون المتكلمين أنَّه في المَشيئَةِ، ومُذْنِبُ مَاتَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ، فهذا هو موضعُ الخلاف».
(7) تفسير الثعالبي، 352/ 1. (1/9)
صفحة 10
10
محال الحق
وهذا التقسيم للناس يوم القيامة قد ذكره أيضاً ابن عطية)، والإمام الرازي)، والدكتور مسلم الوهيبي) وغيرهم.
فالخلاف الذي أشار إليه الثعالبي حول مصير أصحاب الكبائر من
مبرر
الذنوب في الآخرة لا له؛ فحكم أصحاب الكبائر في الدنيا والآخرة قد بينه الشارع الحكيم، فهو حكم واحد لا يجوز تجاوزه إلى غيره من الأقوال. ومعرفة الحكم الذي حدده الشرع إنما يتم بتتبع كل الأدلة ودراستها وعرض الروايات على المنهاج الصائب والميزان العادل.
يحابي
أحداً، فهو
والمنهج المتبع في دراسة هذه القضية من شأنه ألا قوي الدلالة وصادق في الحكم؛ لهذا فلا يمكن أن تتسرب من خلاله خيوط
الخلاف.
ويبقى العنصر الثالث وهم أصحاب الأقوال المتعددة الذين جاء من هذا الخلاف الذي أشار إليه الثعالبي في تفسيره.
صوبهم
ولقد لعبت الروايات دوراً ظاهراً جلياً في تأسيس القول بالشفاعة لأهل الكبائر والخروج من النار، وقد اعتمد أصحاب هذا الرأي على تلك الروايات وساروا بها عبر القرون الماضية مع اعتراف بعضهم بعدم وجود آيات من كتاب الله تعالى تدلُّ على ما ذهبوا إليه من قول، فقد قال الشيخ
(8)
(9)
تفسير ابن عطية، ص 444، من تفسير الآية 48 من سورة النساء. تفسير الرازي 1393. قال الرازي: «واعلم أن هذه المسألة. من معظمات المسائل، ولنذكرها ههنا فنقول: اختلف أهل القبلة في وعيد أصحاب الكبائر .... (10) قال الدكتور مسلم الوهيبي والشفاعة المختلف فيها بين علماء الإسلام أيضاً نوعان هما: الشفاعة لقوم من عصاة الموحدين استوجبوا النار بذنوبهم فيشفع لهم أن لا يدخلوها. الشفاعة في من دخلها من أهل التوحيد، من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا منها». (الفكر
العقدي عند الإباضية، ص /
(327 (1/10)
صفحة 11
المقدمة
11
المراغي: «وإذاً فليس في القرآن الكريم نص قاطع في ثبوتها ولكن جاء في السنة الصحيحة ما يؤيد وقوعها كقوله: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، فمن كذب بها لم ينلها».
ومما يزيد الرغبة في مواصلة البحث والكتابة في هذا الموضوع هو أن قضية الشفاعة لأهل الكبائر والخروج من النار قد جرت الأمة الإسلامية إلى هوة سحيقة عميقة لا أمل في الخروج منها ودعاة الصفح عن أهل الكبائر) يصرخون في آذان الناس ليل نهار ويبلغونهم روايات كثيرة لا وزن لها في ميزان الإسلام العادل. فكان الواجب قولاً يسكت دعاة الروايات المروجة (للشفاعة لأهل الكبائر) ويحث المسلمين قاطبة إلى تطبيق أسس مناهجهم في كل مناشط الحياة. والحالة التي عليها أمتنا اليوم أججت في وجدان الغيورين من أبنائها براكين الأسى والحسرة على ما صارت إليه بعد أن كانت قائدة للأمم، وجعلتهم ينادون بأعلى صوت بالحلول الناجعة للأمراض التي عطلت هذه الأمة عن القيام بوظيفتها في هذه الحياة. فقد قال محمد محمود الصواف: ولكن من الواجب علينا معشر المسلمين، ونحن في هذه المرحلة الحاسمة الخطيرة من تاريخ حياتنا أن نبدأ نحن بتغيير جذري جوهري في نفوسنا، أخلاقنا، وأن يكون ذلك التغيير عاماً وشاملاً بالنسبة للخاصة والعامة،
وفي
وأن يكون على أساس مدروس وخطة محكمة لكي نتقي أسباب الانحلال والضعف من جهة، ونأخذ بأسباب القوة والعزة من جهة أخرى.
وأسباب القوة ليست في فوضى الأخلاق، ولا في التحلل من الآداب، ولا في التشكيك في المثل والقيم ولا في تقليد الشرق والغرب، ولا في
استيراد المبادئ من هنا أو هناك.
(11) تفسير المراغي، 97/ 1 - 98. (1/11)
صفحة 12
12
محال الحق
وإنما هي في الأصول الخالدة، والمبادئ الكريمة السائدة التي جاء بها الإسلام، وأعز بها أولئك الأمجاد من سالف أمتنا العزيزة» (12).
فهذا الحل الذي ينادي به الشيخ محمد محمود الصواف لن يكون له أي قبول في أوساط من يروّج لأحاديث الشفاعة ويؤمل العصاة بشفاعة تنجيهم من عذاب النار.
الأخلاق
فالخطوة الأولى - لكي نطبق أقوال الشيخ محمد محمود الصواف ـ هي بيان منزلة الروايات التي وجهت الأمة إلى هذه الفوضى في والتحلل من الآداب.
وتساءل الشيخ محمد محمود الصواف ـ كما تساءل غيره ـ عن الأسباب التي أدت بهذه الأمة إلى ما هي عليه اليوم والفوضى السياسية، والفكرية، والأخلاقية، والاجتماعية ما بالها عشعشت في ديارنا حتى غدونا وكأننا لسنا أبناء أولئك الأمجاد، الذين رفعوا علم الجهاد، وفتحوا البلاد، وقادوا العباد إلى شاطئ الأمن والسلامة والإسلام، حتى أصبح لهم والسيادة، والسياسة في أكثر من ربع المعمورة، وغدا حكمنا يتردد في ثلاث قارات في الكرة الأرضية؟ وإذا أمرنا أصاخت الدنيا لأمرنا، وإذا نادينا تجاوبت أرجاء الأرض لندائنا، وإذا دعونا أمنت الإنسانية لدعائنا ... » (13).
الأمر،
وتساءل أيضاً: «فما دهانا يا ترى حتى قلبت لنا الأيام ظهر المجن؟، وتفرقنا أيدي سبأ، وتداعت علينا الأمم كما تتداعى الذئاب وتعوي على الفريسة، وطمع فينا من لا يدفع عن نفسه، وسلط علينا الأشرار، وتحكم فينا الفجار، وهنا على الله، وقد اجتبانا من بين الأمم وهُوَ اجْتَبَكُمْ} [الحج: 78،
(12) أثر الذنوب في هدم الأمم والشعوب، ص 4 (13) أثر الذنوب في هدم الأمم والشعوب، ص 23. (1/12)
صفحة 13
المقدمة
13
وهنا على الناس بل وهنا حتى على أنفسنا وأهلينا؟. فما هي الدواعي، والعوامل، والخطوب التي أوصلتنا إلى هذا المنحدر السحيق؟ وطوّحت بأمتنا حتى جعلتها شلواً ممزقاً ونهباً مقسماً بين الأمم؟ (14).
هي
عليه
وبعد هذه التساؤلات عن الأمراض التي قادت أمتنا إلى ما اليوم بين الشيخ محمد الصواف السبب الأساس، حيث قال: «فلما تركنا أمر ربنا، وخالفنا قواعد ديننا، وتنكبنا الطريق المستقيم الذي رسمه الله لنا، وخط لنا خطوطه واضحة بينة قوية وأمرنا بالسير فيه وسلوكه، لما سلكنا هذا السبيل المعوج. صرنا إلى ما صرنا إليه من الفرقة، والشتات، والذل، والهوان، وهل في الدنيا والآخرة شر وداء وبلاء إلا وسببه الذنوب، والمعاصي، وترك الأوامر والنواهي؟ (15).
(10)
الله
وقد اشتكى الإمام القرطبي قبل الشيخ الصواف بقرون متطاولة: «فإنا) وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا بل لم يبق من الإسلام إلا ذكره، ولا من الدِّين إلّا رَسْمُه لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد حتى استولى العدوّ شرقاً وغرباً براً وبحراً، وعمّت الفتن وعظمت المحن ولا عاصم إلا من رحم).
(16)
فعلينا بعد أن عرفنا الداء وظهور آثاره في جسم هذه الأمة أن نعمل في جد واجتهاد لبيان حال الروايات والأقوال التي ركن إليها الجم الغفير من أتباع هذه الأمة واستمرؤوا بسببها الفرقة والشتات والذل والهوان، وهذه هي أُولى الخطوات في مسيرة الإصلاح الذي يدعو إليه المخلصون من أبناء هذه
الأمة.
(14) أثر الذنوب في هدم الأمم والشعوب، ص 24. (15) أثر الذنوب في هدم الأمم والشعوب، ص 26. (16) تفسير القرطبي، 3/ 167. (1/13)
صفحة 14
14
معالم الحق
عرض
وأمر التأليف في الساحة الإسلامية قد اشتغلت بشأنه عقول العلماء عبر القرون الماضية، فبجانب اهتمامهم في تأصيل العلوم المتبعة في حقائق هذا الدين، فهم قد بينوا المجالات التي ينبغي ألا تخرج عنها أقلام
الكتاب.
قال الإمام نور الدين السالمي: «ثم إن التأليف على سبعة أقسام، لا يؤلف عالم عاقل إلا فيها، وهي إما شيء لم يسبق إليه فيخترعه، عه، أو شيء ناقص يتممه، أو شيء مغلق يشرحه، أو شيء طويل يختصره دون أن يخل بشيء مما عليه، أو شيء متفرق يجمعه، أو شيء مختلط يرتبه، أو شيء أخطأ فيه مصنفه فيصلحه.
وينبغي لكل مؤلف كتاب في فن قد سبق إليه أن لا يخلو كتابه من خمسة فوائد: استنباط شيء كان معطلاً، أو جمعه إن كان مفرقاً، أو شرحه إن كان غامضاً، أو حسن نظم وتأليف أو إسقاط حشو وتطويل» (17).
وقال ابن خلدون موضحاً أحد الأسباب الداعية للتأليف: « ... وثالثها: أن يعثر المتأخر على غلط أو خطأ في كلام المتقدمين ممن اشتهر فضله وبعد في الإفادة صيته، ويستوثق في ذلك بالبرهان الواضح الذي لا مدخل للشك فيه، فيحرص على إيصال ذلك لمن بعده إذ قد تعذر محوه ونزعه بانتشار التأليف في الآفاق والأعصار، وشهرة المؤلف ووثوق الناس بمعارفه، فيودع ذلك الكتاب ليقف على بيان ذلك» (18).
وحينما يُقدم أي أحد على نقد ما يراه غلطاً وخطأ فعليه أن يتقيد بالقيود
التي تجعله عارضاً للعلم وآدابه.
(17) معارج الآمال، 1/ 141.
(18) مقدمة ابن خلدون، ص 731، فصل في المقاصد التي ينبغي اعتمادها بالتأليف وإلغاء ما سواها. (1/14)
صفحة 15
المقدمة
15
قال الشيخ السعدي: « ... بل يدخل في عموم هذا، الحجج والمقالات، فإنه كما أن المتناظرين قد جرت العادة أن كل واحد منهما يحرص على ما له من الحجج، فيجب عليه أيضاً أن يبين ما لخصمه من الحجج التي لا يعلمها، وأن ينظر في أدلة خصمه، كما ينظر في أدلته هو، وفي هذا
الموضع، يُعرف إنصاف الإنسان من تعصبه واعتسافه، وتواضعه من كبره، وعقله من سفهه، نسأل الله التوفيق لكل خير (19).
(19) ,
وقال العلامة ابن القيم: «ثم ذكر حجج الآخرين والجواب عن حجج هؤلاء على عادة أهل العلم والدين في إنصاف مخالفيهم، والبحث معهم، ولم يسلك طريق جاهل ظالم متعد، يبرك على ركبتيه، ويُفَجِّر عينيه، ويصول بمنصبه لا بعلمه، وبسوء قصده لا بحسن فهمه ويقول القول بهذه المسألة كفر، يوجب ضرب العنق، ليبهت خصمه، ويمنعه عن بسط لسانه، والجري معه في ميدانه، والله تعالى عند لسان كل قائل، وهو له يوم الوقوف بين يديه عما قاله سائل» (20).
وقال الإمام القرطبي: «وفي الآية دليل على أن العالم ينبغي له أن يتعلّم خالفه وإن لم يأخذ به، حتى يعرف فساد قوله، ويعلم كيف يردّ عليه؛ لأن الله تعالى أعلم النبي وأصحابه قول من خالفهم من أهل
قول
من
(21)
زمانهم؛ ليعرفوا فساد قولهم (2).
ومما يدفعنا إلى الكتابة هو:
أن الكثير من المؤلفين، الذين تناولوا
الحديث عن القضايا التي تجاذبتها أفهام المسلمين، لم يتقيدوا بهذه الأخلاق الإسلامية النيرة التي ذكرها الشيخ عبد الرحمن السعدي، والعلامة ابن القيم
والإمام القرطبي.
(19) تفسير السعدي
ص
،874
من تفسير الآية 3 من سورة المطففين.
(20) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، 361/ 1 - 362.
(21) تفسير القرطبي، 63/ 7 من تفسير الآية 139 من سورة الأنعام. (1/15)
صفحة 16
16
معالم الحق
فأولئك الكتاب جعلوا مسألة الشفاعة لأهل الكبائر) دليلاً في ذاتها؛ فسعوا إلى النظر إلى الناس من خلال هذه الفكرة، وتمثلوا كل الأخلاق الرديئة التي نهى عنها علماء الأمة عند التحاور والتناظر وتمييز الآراء بعضها عن بعض، ونسبوا إلى الإباضية الأكاذيب والأباطيل (22) في محاولة يائسة منهم لإسكات برهان الحق الدامغ، وأنى لهم ذلك؟!.
دائماً فمن أخلاق الإباضية - وهم يسعون إلى وحدة هذه الأمة الكريمة - نصرة المظلوم، ورد الظالم، وهم في كل أحوالهم يرفعون راية العلم ـ الذي أصل مناهجه علماء المسلمين عبر القرون الماضية - بالدعوة إليه والتطبيق لأسسه وقواعده لأجل أن يعيش أفراد هذه الأمة في هذه الحياة الدنيا على أسس من العلم والمعرفة، ولأجل أن يكونوا على علم يقيني ثابت في عقائدهم عن الآخرة.
فأكاذيب أولئك الكتاب لن تخيف أحداً من طلبة الحق والصواب، بل هي عار على كاتبيها وسم زعاف لمن صدق بها واستمر أها، وسيدرك
(22) قال الدكتور طاهر محمود محمد يعقوب بعد أن أشار إلى قول الإباضية في مصير أصحاب الكبائر في الآخرة .... وراحوا يكفرون أهل الإسلام ويستبيحون دماءهم وأموالهم بهذا التعصب العاري من الحجة والبرهان». (أسباب الخطأ في التفسير،
(651/ 2
أولاً: هذا كذب على الإباضية، فحسبنا الله ونعم الوكيل. وكتب الإباضية، ومسلكهم منذ القرون الأولى من تاريخ الإسلام إلى الآن خير دليل على فساد هذا البهتان
والافتراء.
ثانياً: على الدكتور أن يعلم أن عقيدة الخلود في النار هي الرادعة لمعتقديها عن! الكذب على المسلمين، والرادعة لهم عن سفك دماء المسلمين، والرادعة لهم عن استباحة
أموالهم.
ثالثاً: على الدكتور أن يعلم أن حججه وبراهينه هي من صنع عقائد اليهود، ومن أقوال الكذابين والضعفاء والمدلسين كما سيتبين في هذا البحث إن شاء الله تعالى. (1/16)
صفحة 17
المقدمة
17
الجميع - إن شاء الله تعالى ـ ومن خلال هذا البحث أن ما قال به الإباضية في مسألة الشفاعة يوم القيامة هو قول أظهرت حججه وبراهينه علوم الأمة التي تحارب المذهبية والتعصب والكذب والبهتان.
ومما يزيد الشعور بالواجب تجاه تتبع روايات الشفاعة والخروج من
هم
النار وعرضها على الميزان الحق هو ما رصدناه من دعوات موجهة للإباضية لكي ينبروا لبيان ما عليه من عقيدة حول مصير عصاة المسلمين يوم القيامة، فقد قال العلامة ابن عاشور: « ... ولا عجب أعجب من مرور الأزمان على مثل قولة الخوارج والإباضية والمعتزلة ولا ينبري من حذاق علمائهم من يهذب المراد أو يؤول قول قدمائه ذلك التأويل المعتاد، وكأني بوميض نبهائهم أخذ يلوح من خلل الرماد» (23).
فطنة
والسيوم
وكذلك دعوة العلامة الشوكاني كل قارئ إلى تتبع الروايات ومعرفة أحوالها في ميزان الأمة حيث قال في مقدمة تفسيره: «وقد أذكر الحديث معزواً إلى رواية من غير بيان حال الإسناد؛ لأني أجده في الأصول التي نقلت عنها كذلك كما يقع في تفسير ابن جرير والقرطبي وابن كثير سيوطي وغيرهم، ويبعد كل البعد أن يعلموا في الحديث ضعفاً ولا يبينونه، ولا ينبغي أن يقال فيما أطلقوه إنهم قد علموا ثبوته، فإن من الجائز أن ينقلوه من دون كشف عن حال الإسناد، بل هذا هو الذي يغلب به الظن؛ لأنهم لو كشفوا عنه فثبتت عندهم صحته لم يتركوا بيان ذلك، كما يقع منهم كثير التصريح بالصحة والحسن، فمن وجد الأصول التي يروون عنها ويعزون ما في تفاسيرهم إليها فلينظر في أسانيدها موفقاً إن
شاء الله (24).
(23) تفسير ابن عاشور 279/ 1 - 280 من تفسير الآية 8 من سورة البقرة
(24) تفسير الشوكاني، 1
71/ 1 (1/17)
صفحة 18
18
معالم الحق
والتطبيق للمناهج الإسلامية - التي لا تتغير بتوالي الأيام والدهور - أمر واجب على الأفراد والجماعات والشعوب لكي يقوم الإنسان خير قيام بوظيفته وهو في وسط أبناء جيله، ولكي تنتقل العقائد والمبادئ والأخلاق من جيل إلى جيل من غير أن تتأثر بتطاول الأزمنة وتباعد
الأمكنة.
إن هذا البحث استجابة لدعوات علماء الأمة الإسلامية الذين نادوا في أوساط أبنائها بمعرفة وتطبيق الضوابط والأسس عند عرض الأدلة المتبعة في تلقي العقائد.
وأدعو الله جل وعلا أن يوفق المسلمين كافة إلى تطبيق مناهجهم في كل مناشط الحياة لكي تبقى صفوفهم متراصة ملتحمة تسعد بوحدتهم واستقامتهم الإنسانية والكون من حولهم.
وقد جاءت مادة هذا البحث معروضة في ثلاثة فصول وخاتمة:
فالفصل الأول: قراءات منهجية في الروايات والأقوال التي جاءت عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يشَاءُ} [النساء: 48].
والفصل الثاني: قراءات منهجية في الروايات والأقوال التي اعتمد عليها القائلون بالشفاعة لأهل الكبائر عند تفسيرهم لآيات من كتاب الله
تعالى.
والفصل الثالث: قراءات منهجية في الروايات والأقوال التي اعتمد عليها القائلون بعدم الشفاعة لأهل الكبائر عند تفسيرهم لآيات من كتاب الله
تعالى. (1/18)
صفحة 19
المقدمة
19
وأدعو الله تعالى أن يتقبل مني هذا البحث، وأدعوه جل وعلا أن يوفق أبناء أمة محمد له إلى الإستقامة في الدين والعمل بما وجب عليهم وترك كل ما من شأنه فساد الآخرة والدنيا.
وصلى الله وسلّم على رسوله الكريم وعلى آله وأصحابه
ومن اهتدى بهديه إلى يوم
الدين.
علي بن محمد بن عامر الحجري
ولاية بدية - سلطنة عُمان (1/19)
صفحة 20
الفصل الأول
قراءات في تفسير قوله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ
ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ الله
[النساء: 48] (1/21)
صفحة 21
تمهيد
لقد دعا العلامة ابن عاشور إلى التعمق في دراسة هذه الآية من خلال قراءات منهجية للأدلة الأخرى الواردة في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم، حيث قال ابن عاشور: « ... وعندي أنّ هذه الآية، إن كانت مراداً بها الإعلام بأحوال مغفرة الذنوب فهي آية اقتصر فيها على بيان المقصود، وهو تهويل شأن الإشراك، وأجمل ما عداه إجمالاً عجيباً، بأن أدخلت صوره كلها في قوله: {لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48] المقتضي مغفرةً لفريق منهم ومؤاخذة لفريق مبهم. والحوالة في بيان هذا المجمل على الأدلّة الأخرى المستقرَاة من الكتاب والسنة ... ولكنها نزلت بعد معظم القرآن، فتعيّن أنّها تنظر إلى كلّ ما تقدّمها، وبذلك يستغني جميع طوائف المسلمين عن التعسف في تأويلها كلّ بما يساعد نحلته، وتصبح صالحة لمحامل الجميع، والمرجع في تأويلها إلى الأدلة المبينة (25).
وقال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ به} [النساء: 48]: «وهذا من المحكم المتفق عليه الذي لا اختلاف فيه بين
الأمة (26).
(25) تفسير ابن عاشور، 152/ 4 - 153.
(26) تفسير القرطبي، 159/ 5. (1/23)
صفحة 22
24
مگا
ال الحق
وقال في تفسير قوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ: «من المتشابه الذي قد تكلم العلماء فيه (27)، ثم ذكر ثلاثة أقوال: - «قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرةٍ ففي مشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه ذنبه، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شركاً بالله تعالي» (28).
«وقال بعضهم: قد بين الله تعالى ذلك بقوله: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلا كَرِيمًا) [النساء: 31] فاعلم أنه يشاء أن يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر ولا يغفرها لمن أتى الكبائر (29).
وذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه الآية ناسخة للتي في آخر «الفرقان». قال زيد بن ثابت نزلت سورة «النساء» بعد «الفرقان» بستة أشهر، والصحيح أن لا نسخ؛ لأن النسخ في الأخبار يستحيل (30).
وأوضح ابن عاشور معنى قول الإمام القرطبي: «فهذا من المتشابه الذي تكلّم العلماء فيه»، حيث قال ابن عاشور: «وهو يريد أن ظاهرها يقتضي
أموراً مشكلة: -
الأول: أنه يقتضي
أن الله قد يغفر الكفر الذي ليس بشرك ككفر اليهود.
الثاني: أنه يغفر لمرتكب الذنوب ولو لم يتب.
(27) تفسير القرطبي، 159/ 5.
(28) تفسير القرطبي، 159/ 5، نقلا من تفسير الإمام الطبري 126/ 5. ونحو هذا القول
ذكره الشوكاني تفسير الشوكاني 760/ 1)، وابن كثير (تفسير ابن كثير 308/ 2).
(29) تفسير القرطبي، 159/ 5.
(30) تفسير القرطبي، 159/ 5. (1/24)
صفحة 23
الفصل الأول
25
الثالث: أنه قد لا يغفر للكافر بعد إيمانه وللمذنب بعد توبته، لأنه وَكَل الغفران إلى المشيئة وهي تلاقي الوقوع والانتفاء. وكل هذه الثلاثة قد جاءت الأدلة المتظافرة على خلافها، واتفقت الأمة على مخالفة ظاهرها، فكانت الآية من المتشابه عند جميع المسلمين» (31).
***
ولقد ظهرت أساليب وطرق القائلين بالشفاعة لأهل الكبائر واضحة عند
تفسيرهم لقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ منها شَفَعَةُ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة 48].
1801
يوم
ولقوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ لا بيع فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةُ وَالكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة 254].
هي
فالقارئ لهاتين الآيتين الكريمتين يجد أن كل كلمة دعوة إلى الجد في العمل ودعوة إلى تقوى الله تعالى والحذر من يوم القيامة الذي لا ينفع
فيه أحد أحداً.
هذه الكلمات المعدودة هي الضياء والنور الذي يشق الإنسان به طريقه المملوء بالصعاب وهو في طريقه إلى دار النعيم.
إنها آيات عظيمة خاطبت الثقلين محسنهم ومسيئهم ولم تخصص قوماً دون قوم، ولكن حينما يلتفت الإنسان إلى روايات جاءت بمعنى العفو في يوم القيامة عن أصحاب الكبائر من غير توبة، فإن الأقلام تلجأ إلى التوفيق بين هاتين الآيتين الكريمتين الواضحتين وبين الروايات التي لا حجة فيها؛ لضعف أسانيدها أو متونها أو لعدم صراحتها في الموضوع.
(31) تفسير ابن عاشور، 151/ 4. (1/25)
صفحة 24
26
محال الحق
قال الإمام الطبري: «وهذه الآية وإن كان مخرجها عاماً في التلاوة، فإن المراد بها خاص في التأويل لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: شَفَاعَتِي لأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمتي». وأنه قال: «لَيْسَ مِنْ نَبِي إِلَّا وَقَدْ أُعْطِيَ دَعْوَةٌ، وَإِنِّي إِخَتِبَاتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةٌ لأُمَّتِي، وَهِيَ نائلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْهُمْ مَنْ لا يُشْرِكُ بالله شَيْئاً». فقد تبين بذلك أن الله جل ثناؤه قد يصفح لعباده المؤمنين بشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لهم عن كثير من عقوبة إجرامهم بينه وبينهم، وأن قوله: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَهُ} [البقرة: 48] إنما هي لمن مات على كفره غير تائب إلى الله عل (32).
وقال الإمام الطبري أيضاً: «وهذه الآية مخرجها في الشفاعة عام والمراد بها خاص. وإنما معناه من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة لأهل الكفر بالله، لأن أهل ولاية الله والإيمان به يشفع بعضهم
لبعض ... » (33).
فهذا القول الذي سطّره الإمام الطبري هو القاعدة التي بنى عليها القائلون بالشفاعة لأهل الكبائر تفاسيرهم وأقوالهم عبر القرون الماضية. فهم يرون أن مخرج الآيتين ودلالتهما عام يشمل الثقلين، ولكن بسبب الروايات صار التخصيص ليشمل فقط من مات على كفره.
وهاتان الروايتان اللتان ذكرهما الإمام الطبري هنا تمثلان نوعين من الروايات الكثيرة التي اعتمد عليهن المدافعون عن فكرة العفو عن أصحاب الكبائر يوم القيامة إما قبل دخولهم النار أو بعد نيلهم نصيباً من
العذاب.
(32) تفسير الطبري، 268/ 1.
(33) تفسير الطبري، 3/ 3، من تفسير الآية 254 من سورة البقرة. (1/26)
صفحة 25
الفصل الأول
27
النوع الأول: الروايات الضعيفة من جانب السند أو الضعيفة من جانب المتن، وهذا النوع تمثله هنا الرواية التي جاء فيها: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمني». النوع الثاني: روايات ليست نصاً صريحاً في موضوع العفو عن أصحاب الفواحش والكبائر، ولكن مثلت مع القائلين بالعفو عن أصحاب الكبائر دليلاً لكون ذكر (الشفاعة جاء ضمن كلماتها. وهذا النوع تمثله الرواية الثانية التي ذكرها الإمام الطبري هنا.
وقال الإمام القرطبي عند تفسيره للآية 48 من سورة البقرة: «والأخبار متظاهرة بأن من كان من العصاة المذنبين الموحدين من أمم النبيين هم الذين تنالهم شفاعة الشافعين من الملائكة والنبيين والشهداء والصالحين. وقد تمسك القاضي عليهم في الردّ بشيئين: أحدهما: الأخبار الكثيرة التي تواترت في المعنى. والثاني: الإجماع من السلف على تلقي هذه الأخبار بالقبول؛ ولم يبد من أحد منهم في عصر من الأعصار نكير» (34).
فالإمام القرطبي في تفسيره لهذه الآية الكريمة لم يكلف نفسه عناء التحقيق في جميع الروايات والأقوال التي استثنت عصاة المسلمين من الحكم العام الذي نطقت به هذه الآية الكريمة، بل أخذ بتلك الروايات كغيره، ولو أنه رجع إلى أقوال علماء الجرح والتعديل ونظر نظرة فاحصة في متون تلك الروايات لوصل بإذن الله تعالى إلى يقين ثابت أن الأخبار التي قال عنها «متظاهرة» لا تثبت معتقداً أبداً.
والملاحظ أن الإمام القرطبي لم يطبق في تفسيره ولا في كتاب (التذكرة) دعوته لجميع الناس حين قال لهم: «وإنما على الناس أن ينظروا في أديانهم
(34) تفسير القرطبي، 257/ 1 - 258. (1/27)
صفحة 26
28
محال الحق
نظرهم في أموالهم، وهم لا يأخذون في البيع ديناراً معيباً، وإنما يختارون السالم الطيب، كذلك لا يؤخذ من الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم سنده، لئلا يدخل في حيّز الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يطلب الفضل إذا به قد أصاب النقص، بل ربما أصاب الخسران المبين» (35). والملاحظة التي يدركها القارئ لموضوع الشفاعة في كتب التفسير والحديث وعلوم الرجال واللغة أن المسألة لم تتوقف عند رأيين: ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر أو نفيها، بحيث يسعى أصحاب الرأيين إلى إثبات ما أيده الدليل القاطع وإلى محو كل ما بني على الضعيف من الأقوال، وتكون بعدها عقول أفراد هذه الأمة طيّعة لما ظهر دليله ومبتعدة عن كل فكرة لا أصل لها في مصادر العقيدة عند المسلمين. لقد خرجت مسألة الشفاعة لأهل الكبائر من مائدة العلم، إلى دائرة الدعاوى والتناظر بـ «لعل» التي لا تثبت أي معتقد.
أنه
فها هو الإمام الرازي يصوّر لنا جانباً من جوانب أساليبه التي استعان بها
دالة
في مناظراته التي طرحها في تفسيره، حيث قال: «وأما الأحاديث فهي على أن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يشفع لبعض الناس ولا يشفع في بعض مواطن القيامة، وذلك لا يدل على أنه لا يشفع لأحد البتة من أصحاب الكبائر، ولا يمتنع من الشفاعة في جميع المواطن والذي نحققه أنه تعالى بين أن أحداً من الشافعين لا يشفع إلا بإذن الله، فلعل الرسول لم يكن مأذوناً في بعض المواضع وبعض الأوقات، فلا يشفع في ذلك المكان ولا في ذلك الزمان، ثم يصير مأذوناً في موضع آخر وفي وقت آخر في الشفاعة فيشفع
(r),
هناك والله أعلم (36)
(35) تفسير القرطبي، 151/ 14.
(36) تفسير الرازي، 66/ 3. (1/28)
صفحة 27
الفصل الأول
29
وفي هذا البحث - إن شاء الله تعالى - سنقوم بعرض تلك الأخبار التي اعتمد عليها القرطبي والرازي وغيرهما على منهاج علماء الأمة الإسلامية، وحينها سنعلم أن القضية هي قضية تطبيق المنهج الذي دعا إليه القرطبي والرازي وغيرهما من علماء المسلمين.
وفي هذا الفصل من هذا البحث نعرض المحاور التي دار حولها كلام المفسرين وعلماء الأمة الإسلامية عند تفسيرهم لقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48]. ونعرض محاور هذا الفصل في أربعة أقسام تحوي المواضيع
الآتية:
مناقشة رواية: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» من جانب السند
و مضمون المتن حسب قواعد علم الحديث الشريف. وذكر آيات قرآنية كريمة تبين منزلة أصحاب الكبائر في ميزان
القيامة.
الله
يوم
وذكر روايات صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بيان حال أهل الكبائر
يوم القيامة.
وعرض روايات جاء فيها العفو عن أصحاب الكبائر. يوم منهاج الجرح والتعديل.
تعالى.
القيامة على
وذكر الأسباب التي ينبغي للإنسان الإتيان بها لأجل نيل مغفرة الله
ـ وذكر الترابط الوثيق بين التوبة والمغفرة كما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة وأقوال علماء الأمة. (1/29)
صفحة 28
معال الحق
ونقل أقوال علماء الأمة حول معنى المشيئة الإلهية وربط تصرفات
البشر بها.
وذكر بعض من الذنوب التي تجاوز الله عنها لأمة الإسلام.
مشيئته سبحانه وتعالى. (1/30)
صفحة 29
رواية: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي
في ميزان الإسلام
مالك، بن
جاءت هذه الرواية في كتب الحديث منسوبة إلى أنس وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وعبد الله بن عمر، وأبي الدرداء، وأم سلمة، وأبي موسى الأشعري، وأسماء بنت عميس لعل الله. فهذه الرواية التي جاء فيها: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» أخرجها الحاكم، والترمذي، والبيهقي، وابن حبان والحارث، وأبو يعلى، والبخاري في التاريخ الكبير، والطيالسي والشهاب، وأبو داود، والإمام أحمد، والطبراني، وعبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان وابن ماجه، والبغدادي، ما سيأتي تفصيله. وذكر هذه الرواية واحتج بها: الطبري (37)، والقرطبي"
حسب
وابن
(39)
(Tv)
(38)
G(ET)
والنسفي (4)، والشوكاني (41)، والرازي"
(37) تفسير الطبري، 268/ 1.
(38) تفسير القرطبي، 106/ 5.
(39) تفسير ابن كثير 268/ 2، 313، 583/ 5.
(40) تفسير النسفي، 47/ 1.
(41) تفسير الشوكاني 556/ 3، من تفسير الآية 28 من سورة الأنبياء. و 761/ 1، من:
الآية 48 من سورة النساء.
(42) تفسير الرازي، 62/ 3، 130/ 32.
تفسير (1/31)
صفحة 30
32
(46)، وابن
والسيوطي (43)، والبروسوي (44)، وابن تيمية (45)، وابن القيم) (47)، والمباركفوري (48)، والعظيم أبادي (49)، وعلي القاري (50)،
(EA)
والحيدري
(51) وغيرهم.
رواية منسوبة إلى الصحابي أنس بن مالك:
جاءت هذه الرواية منسوبة إلى الصحابي أنس بن مالك من طريق
(43) الدر المنثور، 302/ 2، و 569/ 4.
(44) تفسير روح
(45)
مجموع
البيان، 127/ 1، 5/ 14، 192، 349/ 7، 248/ 9.
الفتاوى، 275/ 7 - 276. ومما قاله ابن تيمية في وصفه لهذه الرواية
الضعيفة: «السبب السادس: شفاعة النبي وغيره في أهل الذنوب يوم القيامة كما قد تواترت عنه أحاديث الشفاعة مثل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، وقوله: «خيرت بين أن يدخل نصف أمتي الجنة؛ وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكثر؛ أترونها للمتقين؟ لا. ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين».
وقال ابن تيمية في موضع آخر من مجموع الفتاوى): «فالرجل الذي معه شيء من الإيمان، وله كبائر قد يدخل النار، ثم يخرج منها إما بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وإما بغير ذلك؛ كما قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» (مجموع الفتاوى،
(365/ 7
(46) حاشية ابن القيم على سنن أبي داود، 71/ 13.
(47) فتح الباري، 250/ 13.
(48) تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، 127/ 7.
(49) عون المعبود شرح سنن أبي داود، 71/ 13 - 72.
(50) مرقاة المفاتيح، 270/ 10.
(51) من الروايات التي ذكرها الحيدري: «إن شفاعتي يوم القيامة لأهل الكبائر من أمتي» و «إن لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت
دعوتي شفاعة لأمتي وهي نائلة. من مات لا يشرك بالله شيئاً» (الشفاعة
ص 133).
منهم (1/32)
صفحة 31
الفصل الأول
33
(54)، وابن
«معمر عن ثابت عند الحاكم (52)، والترمذي (53)، والبيهقي ()
حبان (55).
هذه الطريق لهذه الرواية ضعيفة بسبب رواية معمر بن راشد عن ثابت البناني، فقد قال ابن حجر: « ... قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: إذا حدثك معمر عن العراقيين فخالفه إلا عن الزهري وابن طاوس فإن حديثه عنهما مستقيم فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا وما عمل في حديث الأعمش شيئاً. وقال يحيى وحديث معمر عن ثابت وعاصم بن أبي النجود و هشام بن عروة وهذا الضرب مضطرب كثير الأوهام (56).
وجاءت هذه الرواية عن أنس بن مالك من طريق يزيد الرقاشي عند
الحارث (7)، وأبي يعلى
(OA)
(52) المستدرك على الصحيحين، الرواية: 228، 1391 وقال أبو عبد الله الحاكم هنا: فإن هذه الشفاعة فيها قمع المبتدعة المفرقة بين الشفاعة لأهل الصغائر والكبائر. وله شاهد بهذا اللفظ عن قتادة، وأشعث بن جابر الحداني».
المتتبع لروايات الحاكم في موضوع الشفاعة لأهل الكبائر يجدها ضعيفة على رغم حكم الحاكم بصحتها، وقد ذكر هذه الحقيقة الألوسي حيث قال عند ذكره لرواية أخرى صححها الحاكم: «وهو في غاية البعد، ولم أر من صحح الخبر عن البراء لان سوى الحاكم وتصحيحه لا يوثق به - (تفسير الألوسي، 474/ 1، من تفسير الآية 195 من سورة البقرة). (53) سنن الترمذي، الرواية: 2435 ص 579، قال الترمذي: «حدثنا العَبَّاسُ العَنْبَرِيُّ، حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَرٍ، عن ثَابِتٍ، عن أَنَسٍ، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ: شَفَاعَتِي لِاهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَتِي».
(54) سنن البيهقي الكبرى، الرواية: 16140، 10/ 12.
(55) صحيح ابن حبان الرواية: 6468، 387/ 14. (56) تهذيب التهذيب ت 7126، 219/ 10 - 221. مسند الحارث، الرواية: 1153، 1009/ 2 - حدثنا عبد الله بن عون ثنا أبو عبيدة ثنا أبو عبد الله عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك الهلال الاول: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شفاعتي
(OV)
لأهل الكبائر من أمتي».
(01)
مسند
د أبي يعلى الرواية: 4108، والرواية: 4118. (1/33)
صفحة 32
34
محالة الحق
قال ابن حجر: «يزيد بن أبان الرقاشي، أبو عمرو البصري ...
ضعيف» (59).
وجاءت هذه الرواية منسوبة إلى أنس من طريق محمد بن عبيد الله العصري عند الطبراني في الأوسط (60)، والبخاري (61) في (التاريخ الكبير)،
وأبي يعلى (62).
محمد بن عبيد الله العصري:
قال ابن حجر: «قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به، ولا الاعتبار بما يرويه، إلا عند الوفاق» (63).
وقال ابن أبي حاتم: « ... سمعت أبا زرعة وسئل عن محمد بن ثابت العصري فقال: ليس بقوي، حدثنا عبد الرحمن قال: سألت أبي عن محمد بن ثابت العصري فقال: هو بصري يكتب حديثه وليس بقوي» (64).
(59) تقريب التهذيب: ت: 7711، 320/ 2. (60) المعجم الأوسط، الرواية: 8518 205/ 6. نص الرواية: «حدثنا معاذ، قال: نا محمد بن أبي بكر المقدمي قال: نا محمد بن عبيد الله قال نا ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». لم يروه عن محمد بن عبيد الله العمري إلا المقدمي». (61) التاريخ الكبير، 170/ 1، قال الإمام البخاري: محمد بن عبيد الله العصري سمع ثابتاً عن أنس عن النبي: شفاعتي لأهل الكبائر» سمع منه محمد المقدمي». وفي هذا القول الذي ذكره الإمام البخاري تصحيح لنسب محمد بن عبيد الله.
(62)
مسند
أبي يعلى، الرواية: 3287. حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا محمد بن ثابت بن عبيد الله العصري حدثنا ثابت عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .... (63) لسان الميزان ت: 7549 247/ 5 - 248. ومما قاله ابن حجر: «والظاهر أن اسم أبيه الله مصغراً، إذ جاء اسمه في الترجمة: «محمد بن عبد الله العصري».
عبيد
(64) الجرح والتعديل، ت: 1205، 217/ 7. (1/34)
صفحة 33
الفصل الأول
35
وجاءت هذه الرواية منسوبة إلى أنس بن مالك من طريق الحكم أبي عثمان عند الطيالسي " (70)
الحكم أبو عثمان هو الحكم بن عطية العيشي، قال عنه ابن حجر في التقريب: «صدوق له أوهام (66).
(11) ,
وقال في التهذيب: « ... قال: أحمد كان عندي صالح الحديث، حتى وجدت له حديثاً أخطأ فيه. وقال المروذي، عن أحمد: حدث بمناكير، كأنه
ضعفه ...
(Y),
(68)
وجاءت هذه الرواية أيضاً عند الحاكم من طريق ... عمر بن سعيد الأبح عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك ... ».
هذه الرواية ضعيفة وذلك لورودها من قبل عمر بن
حماد (69)
بن سعيد
الأبح.
(70)
مسند الطيالسي الرواية: 2027، 486/ 2. حدثنا أبو داود قال: حدثنا الحكم أبو عثمان عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي».
(66) تقريب التهذيب ت: 1460، 232/ 1.
(67) تهذيب التهذيب، ت: 1530، 391/ 2.
(68) المستدرك على الصحيحين، الرواية،229، 140/ 1. قال الحاكم: «حدثنا علي بن حمشاذ العدل، ثنا الحسن بن سهل بن عبد العزيز المجوز والعباس بن الفضل الأسفاطي قالا، ثنا الخليل بن عمر بن إبراهيم، ثنا عمر بن سعيد الأبح عن سعيد بن أبي عروبة، أنس بن مالك لله قال: قال رسول الله: «الشَّفَاعَةُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي». حماد فبجانب عمر بن بن سعيد الأبح فإن هذه الرواية جاءت كذلك من طريق سعيد بن
عن
قتادة، عن
أبي عروبة الذي قد تكلم فيه، وكذلك من طريق قتادة المدلس وقد عنعن هنا. (69) قال ابن حجر: وعمر بن سعيد (البصري) هذا هو؛ عمر بن حماد بن سعيد (لسان الميزان، ت 1727/ 6078، 354/ 4 - 355). في الأصل عمر بن حماد بن سعد»
والصحيح «بن سعيد». (1/35)
صفحة 34
36
محال الحق
قال ابن حجر: «عن سعيد بن أبي عروبة. قال ابن حبان: كان ممن يخطاء كثيراً، حتى استحق الترك. وقال ابن عدي: منكر الحديث .... قال البخاري: منكر الحديث (70).
وجاءت هذه الرواية منسوبة إلى أنس بن مالك من طريق أبي جناب وزياد النميري عند أبي يعلى" (71)، والشهاب (72)، والإمام البخاري في التاريخ
الكبير "
(73)
أبو جناب هو يحيى بن أبي حية الكلبي
الكوفي:
قال ابن حجر: «قال ابن سعد: كان ضعيفاً في الحديث ... وقال البخاري عن أبيه: أحمد القطان يضعفه ... وقال عبد الله وأبو حاتم: كان يحيى
بن
أحاديثه مناكير ... وقال عبد الله الدورقي عن ابن معين: ليس به بأس، إلا أنه
كان يدلس ... » (4).
وأما زياد بن عبد الله النميري:
فقد قال عنه ابن حجر: « ... قال أبو حاتم يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال الآجري: سألت أبا داود عنه فضعفه ... وذكره ابن حبان في الضعفاء أيضاً، وقال: منكر الحديث، يروي عن أنس أشياء لا تشبه حديث الثقات،
ترکه ابن معين» (75).
(70) لسان الميزان ت 6049/ 1698، 345/ 4.
(71)
(72)
مسند
أبي يعلى، الرواية: 4307.
مسند الشهاب، الرواية: 237.
(73) التاريخ الكبير، 125/ 7.
(74) تهذيب التهذيب ت 7857، 177/ 11 - 178.
(75) تهذيب التهذيب ت 2174، 330/ 3 - 331. (1/36)
صفحة 35
الفصل الأول
37
وجاءت هذه الرواية أيضاً من طريق «بسطام بن حريث عن أشعث الحداني عن أنس عند أبي داود (6)، والحاكم، والبيهقي (8)، والإمام أحمد (79)، والشهاب (8)، والإمام البخاري في التاريخ
الكبير"
(81)
(VA)
اختلف علماء الجرح والتعديل في أشعث الحداني فقد قال ابن حجر في فتح الباري: «مختلف فيه» (82).
وقال بدر الدين العيني:
»
واختلف فيه، فقال الدارقطني: يعتبر به، ووثقه النسائي وليس له في البخاري إلا هذا الموضع تعليقاً ومتابعة» (83).
وأما بسطام بن حريث فقد قال عنه الذهبي: «مجهول الحال» (84).
هذا فلا من
يصح الاعتماد على هذه الرواية التي جاءت من طريق
مجهول الحال وشخص اختلف فيه علماء الجرح.
(76)
وجاءت هذه الرواية منسوبة إلى أنس بن مالك من طريق عروة بن
سنن أبي داود، الرواية: 4739، ص 746.
(77) المستدرك على الصحيحين الرواية: 230، 140/ 1. (78) سنن البيهقي الكبرى الرواية: 21234، 249/ 15.
(79)
(^.)
مسند الإمام أحمد، الرواية: 13254، ص مسند الشهاب، الرواية: 236.
(81) التاريخ الكبير، الرواية: 126/ 2.
(82) فتح الباري، 256/ 11.
(83)
عمدة القاري، 321/ 21.
(84) ميزان الاعتدال ت: 1170، 309/ 1.
0930 (1/37)
صفحة 36
38
معال
مروان العرقي (85) عند الطبراني (86) (87)، وعبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان (88).
عروة بن مروان العرقي:
قال ابن حجر: « ... وقال الدارقطني: كان أمياً، ليس بالقوي في الحديث ... ). وجاءت هذه الرواية منسوبة إلى أنس من طريق روح بن المسيب
أبي رجاء الكلبي عند الطبراني (20) (11).
روح بن المسيب أبو رجاء الكلبي:
قال ابن حجر: « ... قال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة. وقال ابن معين: صويلح. وقال ابن حبان يروي الموضوعات عن الثقات، لا تحل الرواية
عنه ...
وقال أبو حاتم الرازي: هو صالح، ليس بالقوي ... » (92).
***
(85) جاء في سند الرواية «الرقي» والصواب «العرقي» كما هو موضح في (لسان الميزان، ت:
(5604، 189/ 4
(86) المعجم الكبير، الرواية: 749 سند الرواية: حدثنا خير بن عرفة المصري، ثنا عروة بن مروان الرقي، ثنا ابن المبارك، عن عاصم الأحول، عن أنس ... ».
(87) المعجم الصغير، الرواية: 439، 176/ 1. (88) طبقات المحدثين بأصفهان، الرواية: 883، 159/ 2. قال ابن حيان: «حدثني أبو مسلم نوح بن منصور، قال: ثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا عروة العرقي، قال: ثنا ابن المبارك، عن عاصم الأحول، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».
(89) لسان الميزان ت 5604، 189/ 4 - 190. (90) المعجم الأوسط، الرواية: 9177، 393/ 6. سند الرواية: (
D
حدثنا
مورع بن عبد الله
أبو ذهل المصيصي، نا الحسن بن عيسى | الحربي، ثنا روح بن المسيب، عن يزيد
الرشك، عن أنس بن مالك .....
(91) المعجم الصغير، الرواية: 1073، 387/ 2.
(92) لسان الميزان ت: 3409، 577/ 2. (1/38)
صفحة 37
الفصل الأول
39
رواية منسوبة إلى الصحابي جابر بن عبد الله:
وقد نسبت هذه الرواية إلى الصحابي جابر بن عبد الله من طريق
عمرو بن أبي سلمة وزهير بن محمد كما جاء ذلك عند الحاكم (13)، وابن
حبان (94).
عمرو بن أبي سلمة التنيسي أبو حفص الدمشقي:
قال ابن حجر
(90)
)):
قال إسحاق بن منصور عن ابن معين ضعيف
وقال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال العقيلي: في حديثه وهم ... وقال الساجي ضعيف وقال أحمد: روى عن زهير أحاديث بواطيل ... ».
زهير بن محمد التميمي، أبو المنذر الخراساني المروزي لم يسلم من
التضعيف.
فقد قال ابن حجر: « ... قال البخاري: ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير، وما روى عنه أهل البصرة فإنه صحيح. وقال الأثرم عن أحمد في رواية الشاميين عن زهير: يروون عنه مناكير ... وقال النسائي: ضعيف. وقال في موضع آخر: ليس بالقوي. وقال في موضع آخر ليس به بأس، وعند عمرو بن أبي سلمة ـ يعني التنيسي - عنه مناكير ... وقال الحاكم أبو أحمد: في حديثه بعض المناكير ... (96).
(93) المستدرك على الصحيحين الرواية 231، 140/ 1. (94) صحيح ابن حبان الرواية: 6467، 386/ 14. (95) تهذيب التهذيب: ت 5235، 37/ 8 - 38. (96) تهذيب التهذيب ت 2134، 308/ 3 - 309. (1/39)
صفحة 38
40
معالم الحق
وقد روى عنه هنا عمرو بن أبي سلمة وهو شامي دمشقي، فروايته عنه بها المناكير كما قال الإمام البخاري.
وجاءت هذه الرواية أيضاً من طريق «الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد العنبري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر» عند الحاكم (7)
هذه الرواية ضعيفة لورودها من طريق الوليد بن مسلم بالعنعنة وهو مدلس تدليس التسوية (98).
قال أبو الفداء عبد الله القاضي محقق (كتاب الضعفاء والمتروكين) لابن الجوزي: « ... والوليد كان ثقة إلا أنه كان كثير التدليس فإذا قال: (99) حدثنا أخبرنا أنبأنا، فروايته صحيحة وإذا قال: قال عن حدث، أخبر فلا تقبل روايته» (100).
(1.1)
وجاءت هذه الرواية عند ابن ماجه من طريق ... الوليد بن مسلم
ثنا زهير بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر ... »، وهذا السند فيه الوليد بن مسلم الدمشقي المدلس تدليس التسوية وزهير بن محمد صاحب المناكير كما تبين.
(97) المستدرك على الصحيحين، الرواية: 3442، 414/ 2. (98) تقريب التهذيب: ت: 7483، 289/ 2
(99) في الأصل: «كثير التدليس فإذا فإذا حدثنا».
(100) كتاب الضعفاء والمتروكين ت: 3671 3 هامش ص
187
(101) سنن ابن ماجه الرواية: 4310، ص 699، قال ابن ماجه: «حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «إِنَّ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَأَهْلِ الْكَبَائِرِ
مِنْ أُمَّتِي». (1/40)
صفحة 39
الفصل الأول
41
وجاءت هذه الرواية منسوبة إلى جابر بن عبد الله من طريق محمد بن
ثابت عند الترمذي (102)، والحاكم (103)، والطيالسي
(104)
قال ابن حجر: «محمد بن ثابت بن أسلم البناني، البصري، ضعيف (105).
* * *
رواية منسوبة إلى الصحابي ابن عباس:
وجاءت هذه الرواية منسوبة إلى الصحابي ابن عباس من طريق
ابن جريج بالعنعنة وعطاء بن السائب عند الطبراني في المعجم الكبير (10)
(107)
والمعجم الأوسط (10).
فابن جريج هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي.
(102) سنن الترمذي، الرواية: 2436، ص 579، قال الترمذي: «حدثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، أَخْبَرَنَا أَبو دَاود الطيالسي، عن محمد بن ثَابِتِ البُنَانِيُّ، عن جَعْفَرٍ بن مُحمدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن
جابِرِ بنِ عَبْدِ الله، قال: قال رَسُولُ الله: «شَفَاعَتِي لِاهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي». قال محمدُ بنُ عَلِي: فَقَالَ لِي جَابِرٌ: يَا مُحْمَّدُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الكَبَائِرِ فَمَا لَهُ وَلِلشَّفَاعَةِ. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ يُستغرب من حديث جعفر بن محمد».
(103) المستدرك على الصحيحين، الرواية: 232، 140/ 1.
(104) مسند الطيالسي، الرواية: 1670، 313/ 2.
(105) تقريب التهذيب، ت: 5785، 60/ 2.
(106) المعجم الكبير، الرواية: 11454. نص الرواية: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح
وعبد الرحمن بن معاوية العتبي قالا: ثنا أبو الطاهر بن السرح قال: ثنا. موسي بن عبد الرحمن الصنعاني حدثني ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ذات، يوم شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي قال ابن عباس السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف
يدخلون الجنة بشفاعة محمد».
(107) المعجم الأوسط، الرواية: 4713، 319/ 3. (1/41)
صفحة 40
42
معالم الحق
«فقيه الحجاز مشهور بالعلم والثبت كثير الحديث، وصفه النسائي
وغيره بالتدليس. قال الدارقطني: شر التدليس تدليس ابن جريج فإنه قبيح التدليس لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح)
(1. A)
وأما عطاء فهو: ابن السائب بن مالك الثقفي أبو السائب.
قال ابن حجر: « ... قال أبو طالب عن أحمد: من سمع منه قديماً فسماعه صحيح، ومن سمع منه حديثاً لم يكن بشيء. سمع منه قديماً سفيان وشعبة ... وقال أبو حاتم كان محله الصدق قبل أن يختلط، صالح، مستقيم الحديث ثم بآخره تغير حفظه في حفظه تخاليط كثيرة ... وقال عبد الحق: سماع ابن جريج منه بعد الاختلاط ... » (109).
وجاءت رواية أخرى عند الإمام الطبري منسوبة إلى الصحابي
ابن عباس.
قال الإمام الطبري: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات حتى إذا حضر أحدهم الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ التَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} [النساء: 18] فأنزل الله تبارك وتعالى بعد ذلك: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا
دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] فحرم الله تعالى المغفرة على من وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته، فلم يؤيسهم من المغفرة»
(11)
أخرج هذه الرواية الإمام الطبري (11).
(108) تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ت: 83، ص 2
(109) تهذيب التهذيب ت 4754، 177/ 7 - 180.
(110) تفسير الطبري، 304/ 4.
95
مات (1/42)
صفحة 41
الفصل الأول
43
(113)
وذكرها واحتج بها السيوطي)، والشوكاني (112)، وابن الجوزي" هذه الرواية المنسوبة إلى ابن عباس ضعيفة لورودها من قبل علي بن
أبي طلحة الهاشمي، ومعاوية بن صالح الحضرمي، وعبد الله بن صالح
الجهني.
علي بن أبي طلحة الهاشمي:
قال ابن حجر
(114): (قال الميموني عن أحمد له أشياء منكرات، وهو من
أهل حمص ... وقال دحيم: لم يسمع التفسير من ابن عباس ... ».
ومعاوية بن صالح الحضرمي:
فقد اختصر ابن حجر القول فيه بقوله: صدوق له أوهام (115). وأما عبد الله بن صالح بن محمد الجهني، فقد قال عنه ابن حجر: صدوق كثير الغلط ثبت في كتابه وكانت فيه غفلة (116).
***
رواية منسوبة إلى الصحابي أبي الدرداء:
وجاءت هذه الرواية عند البغدادي (117) منسوبة إلى أبي الدرداء من
(111) الدر المنثور، 233/ 2.
(112) تفسير الشوكاني، 761/ 1 من تفسير الآية 48 من سورة النساء.
(113) تفسير ابن الجوزي، 384/ 1.
(114) تهذيب التهذيب ت: 4926، 288/ 7.
(115) تقريب التهذيب ت: 6786، 196/ 2.
(116) تقريب التهذيب ت: 3399، 501/ 1.
(117) تاريخ بغداد، 433/ 1. قال البغدادي: «أَخْبَرَنَا الأَزْهَري والقاضي أبو العَلَاء مُحَمَّد بن. (1/43)
صفحة 42
44
معالم الحق
طريق محمد بن سنان الشيزري صاحب المناكير (118)، والحسن بن عبد الرحمن بن زريق وإبراهيم بن حيان بن طلحة اللذين لم أجد من ذكرهما في كتب التراجم التي بين يدي.
***
رواية منسوبة إلى الصحابية أم سلمة:
(119)
وجاءت هذه الرواية عند اللالكائي (119) منسوبة إلى أم سلمة طريق عمرو بن مخرم أبي قتادة الذي يروي البواطيل (120)، وقد قال ابن عدي بعد أن ذكر هذه الرواية: وهذا عن ابن عيينة عن يونس بن عبيد باطل لا يرويه إلا عمرو بن مخرم هذا، وهذا الإسناد الثاني أيضاً، وبهذا الحديث غير محفوظ أيضاً (121).
قالا: أنبأنا أبو الفتح مُحَمد بن إبراهيم بن. الرحمن بن زريق بحمص قال: نبأنا مُحَمد. حيان بن طلحة قال: نبأنا شعبة عن الحَكَم عن عَبْد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عن أبي الدرداء. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شفاعتي لأهل الذنوب من أمتي». قال أبو الدرداء: وإن زنى وإن
محمد بن الطرسوسي قال: نبأنا الحَسَن بن عبد قال: نبأنا إبراهيم بن سنان الشيزري بن
سرق؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم، وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء»». (118) لسان الميزان ت: 7457، 219/ 5.
بن
(119) قال اللالكائي: «أنا محمد بن عمر بن محمد بن حميد، قال: نا محمد بن عبيد | الله العلاء الكاتب قال: نا أحمد بن الهيثم قال نا عمرو بن مخرم، قال: نا ابن عيينة، عن
يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة قالت: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «اعملي ولا تتكلي، فإن شفاعتي للهالكين من أمتي» (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة،
الرواية: 2082، المجلد 151/ 2).
(120) الكامل في ضعفاء الرجال، ت: 1317، 261/ 6.
(121) الكامل في ضعفاء الرجال، 261/ 6. (1/44)
صفحة 43
الفصل الأول
45
رواية منسوبة إلى الصحابي أبي موسى الأشعري:
وقد نسبت هذه الرواية إلى الصحابي أبي موسى الأشعري عند ابن ماجه (122) من طريق أبي بدر شجاع بن الوليد بن قيس السكوني.
قال ابن حجر في التقريب: «صدوق ورع، له أوهام» (133).
وقال في التهذيب: « ... قال وكيع سمعت سفيان يقول: ليس بالكوفة أعبد منه ... وقال أحمد بن حنبل: كنت مع يحيى بن معين فلقي أبا بدر فقال له: اتق الله يا شيخ، وانظر هذه الأحاديث، لا يكون ابنك يعطيك. قال أبو عبد الله: فاستحييت وتنحيت ناحية. وقال المروزي فقلت لأحمد: ثقة هو؟ قال: أرجو أن يكون صدوقاً ... وقال أبو حاتم عبد الله بن بكر السهمي أحب إلي منه وهو شيخ ليس بالمتين لا يحتج بحديثه. وقال مطين .... كان ورعاً، كثير الصلاة ...
وقال أبو زرعة: لا بأس به ... وقال أبو حاتم .... شجاع لين الحديث ... (124). فأبو بدر وإن كان ثقة ولا بأس به في نفسه، إلا أنه لين في الحديث ولا يحتج بروايته.
(122) سنن ابن ماجه، الرواية: 4311، ص 9 699، قال ابن ماجه: «حدّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَدْرٍ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ خَيْثَمَةَ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدِ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ أَبِي مُوسى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «خُيِّرْتُ بَيْنَ الشَّفَاعَةِ وَبَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ نِصْفُ أُمَّتِي الْجَنَّةَ، فَاخْتَرْتُ
الشَّفَاعَةَ؛ لِأَنَّهَا أَعَمُ وَأَكْفَى أَتُرَوْنَهَا لِلْمُتَّقِينَ؟ لَا، وَلكِنَّهَا لِلْمُذْنِبِينَ، الْخَطَّائِينَ الْمُتَلَوِّثِينَ». وجاءت هذه الرواية أيضاً في مسند الإمام أحمد ولكن في سندها رجل مجهول؛ حدثنا عبد الله ثنا أبي ثنا معمر بن سليمان الرقى أبو عبد الله ثنا زياد بن خيثمة عن
علي بن النعمان بن قراد عن رجل عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ... ». (مسند
الإمام
أحمد: الرواية: 5452)
(123) تقريب التهذيب ت: 2758، 413/ 1.
(124) تهذيب التهذيب ت: 2845، 285/ 4 - 286. (1/45)
صفحة 44
مخالد الحق
رواية منسوبة إلى الصحابي ابن عمر
الأود
(129)، وابن
وجاءت هذه الرواية أيضاً عند أبي يعلى (125)، والطبراني في سط (126)، وابن عبد البر (127)، والبزار (128)، والبيهقي () أبي عاصم (130)، واللالكائي (131)، منسوبة إلى الصحابي ابن عمر، وهي لا حجة فيها لورودها من قبل حرب بن سريج المنقري.
حَرْبُ بنُ سُرَيْج بن المُنذِرِ المِنْقَرِي، أبو سُفْيَان البَصْرِي البَزْار: قال ابن حجر: «قال أبو الوليد الطيالسي كان جارنا، لم يكن به بأس، ولم أسمع منه. وقال أحمد: ليس به بأس. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ينكر الثقات ليس بقوي. وقال ابن عدي: ليس بكثير الحديث، وكل حديثه غريب وأفراد، وأرجو أنه لا بأس به ... وقال البخاري فيه نظر. وقال ابن حبان: يخطاء كثيراً حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد. وقال الدارقطني صالح (132).
عن
سمعنا
(125) قال أبو يعلى: «حدثنا شيبان حدثنا حرب بن سريج المنقري حدثنا أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى. رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) قال: إني ادخرت دعوتي شفاعة لأهل الكبائر من أمتي. قال: فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا ثم نطقنا بعد ورجونا» مسند أبي يعلى، الرواية: 5817). وذكر هذه الرواية الضعيفة واحتج بها ابن كثير (تفسير ابن كثير، 313/ 2)، والألوسي (تفسير الألوسي، 52/ 3)، والسيوطي (الدر المنثور، 302/ 2).
(126) المعجم الأوسط، الرواية: 5942، 266/ 4.
(127) التمهيد، 46/ 7 - 47.
(128) مسند البزار، الرواية 5840.
(129) الاعتقاد للبيهقي، 305/ 1.
(130) السُّنة لابن أبي عاصم، الرواية: 854، 572/ 1.
(131) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة الرواية: 2001، المجلد 128/ 2. (132) تهذيب التهذيب ت: 1232، 207/ 2. (1/46)
صفحة 45
الفصل الأول
47
وقال ابن حجر عنه في التقريب: «صدوق يخطاء» (133)
وقال ابن عدي: ولحرب بن سريج أحاديث غير ما ذكرت وليس هو
بكثير الحديث وكأن حديثه غرائب وإفرادات وأرجو أنه لا بأس به» (134). من أقوال علماء الجرح والتعديل ندرك أن حرب بن سريج ليس بقوي
ويخطئ في الرواية وإن كان في نفسه صالحاً لا بأس به.
وجاء عند الطبري (135) رواية أخرى منسوبة إلى الصحابي ابن عمر.
قال الإمام الطبري: حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثنا آدم، قال: ثنا الهيثم بن حماد، قال: ثنا بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عمر، قال: أصحاب النبي لا نشك في قاتل النفس، وآكل مال اليتيم،
كنا معشر
وشاهد الزور، وقاطع الرحم، حتى نزلت هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يشرك بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) فأمسكنا عن الشهادة».
(137)
وذكر هذه الرواية واحتج بها السيوطي (136)، والرازي (137)،
والسمرقندي (138)، والخازن (139)، وابن كثير
(140)
هذه الرواية ضعيفة لورودها من قبل الهيثم بن حماد المجهول، فقد قال
عنه الإمام الذهبي: «لا يعرف» (141).
(133) تقريب التهذيب، ت: 1168، 193/ 1. (134) الكامل في ضعفاء الرجال، 337/ 3. (135) تفسير الطبري، 126/ 5.
(136) الدر المنثور، 302/ 2
(137) تفسير الرازي، 112/ 10.
(138) تفسير السمرقندي، 359/ 1.
(139) تفسير الخازن من تفسير الآية 48 من سورة النساء.
(140) تفسير ابن كثير، 312/ 2
(141) ميزان الاعتدال ت: 9297، 321/ 4. (1/47)
صفحة 46
48
معالم الحق
وجاء عند ابن أبي حاتم (142) رواية أخرى منسوبة إلى ابن عمر، وهي
لا حجة فيها لورودها من قبل صالح بن بشير بن وادع أبي بشر المري. قال الحافظ ابن حجر: « ... قال عبد الله بن علي بن المديني: ضعفه أبي جداً. وقال محمد بن عثمان بن أبي ثابت عن علي: ليس بشيء ضعيف ضعيف. وقال عمرو بن علي ضعيف الحديث يحدث بأحاديث مناكير عن قوم ثقات ... وقال البخاري: منكر الحديث ... وقال النسائي: ضعيف الحديث له أحاديث مناكير ... وقال أبو أحمد الحاكم ليس بالقوي عندهم ... وقال الدارقطني: ضعيف (143). وجاء عند الإمام الطبري) ى (144) رواية أخرى منسوبة إلى ابن عمر وهي
ضعيفة لورودها من قبل عمرو بن أبي سلمة التنيسي أبي حفص الدمشقي
(120)
(142) قال ابن أبي حاتم حدثنا عبد الملك بن أبي عبد الرحمن المقري، حدثنا عبد الله بن عاصم، حدثنا صالح يعني المري، أبو بشر عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كنا لا نشك فيمن أوجب الله له النار في الكتاب، حتى نزلت علينا هذه الآية {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) قال: فلما سمعناها كففنا عن الشهادة وأرجينا الأمور إلى الله عل». (تفسير ابن أبي حاتم الرازي الرواية: 5460، المجلد 52/ 3). وذكر هذه الرواية واحتج بها الإمام ابن كثير (تفسير ابن کثير 312/ 2 - 313). (143) تهذيب التهذيب ت 2943، 347/ 4 - 348.
(144) قال الطبري في تفسيره: حدثني ابن البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: ثنا أبو معاذ الخراساني، عن مقاتل بن حيان عن نافع عن ابن عمر، قال: كنا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى أو نقول: إنه ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة، حتى نزلت هذه الآية:
أطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُر (فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش، قال: فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها قلنا: قد هلك، حتى نزلت هذه الآية {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) فلما نزلت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحداً أصاب منها شيئاً خفنا عليه، وإن لم يصب منها شيئاً رجونا له». (وجاءت هذه الرواية عند تفسير الآية 53 من سورة الزمر، 16/ 24). (145) انظر ص 39 من هذا البحث. (1/48)
صفحة 47
الفصل الأول
49
(146)
وجاءت رواية أخرى في كتب التفسير منسوبة إلى الصحابي
ابن عمر وهي ضعيفة وذلك بسبب ورودها من قبل المسيب بن شريك أبي سعيد التميمي الشقري الكوفي.
قال الذهبي: «قال يحيى ليس بشيء. وقال أحمد: ترك الناس حديثه. وقال البخاري: سكتوا عنه. وقال مسلم وجماعة: متروك. وقال الدارقطني: ضعيف» (147).
***
رواية منسوبة إلى الصحابية أسماء بنت عميس:
وجاء عند ابن عبد البر رواية أخرى منسوبة إلى الصحابية أسماء
(148)
بنت
وتلك الرواية ضعيفة بسبب وجود حفص بن عمر بن ميمون في سندها. فقد قال ابن حجر عنه في التقريب: «ضعيف» (149).
(146) جاء عند الثعلبي: المسيب بن شريك عن مطرف بن الشخير قال: قال ابن عمر: كنا على عهد رسول الله إذا مات الرجل منا على كبيرة شهدنا أنّه من أهل النار، حتى نزلت هذه الآية: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ)، فأمسكنا عن الشهادات». (تفسير الثعلبي من تفسير الآية 48 من سورة النساء)، وانظر: (تفسير أبي حيان الأندلسي، (280/ 3) و (تفسير البغوي، 349/ 1). و (تفسير الخازن، من تفسير الآية 48 من سورة النساء). و (تفسير الرازي، 112/ 10). و (تفسير السمرقندي، 359/ 1). (147) ميزان الاعتدال ت: 8544، 0114/ 4
(148) قال ابن عبد البر: حدثني أحمد بن محمد، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا الحسن بن علي الرافقي، حدثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم حدثنا حفص بن عمر بن ميمون القرشي، حدثنا ثور بن يزيد عن هشام بن عروة، عن أسماء بنت عميس، أنها قالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني ممن تشفع له يوم القيامة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذن تخمشك النار، فإن شفاعتي لكل هالك من أمتي تخمشه النار» (التمهيد، 46/ 7) (149) تقريب التهذيب ت: 1426، 228/ 1. (1/49)
صفحة 48
50
معالم الحق
أقوال حول الرواية التي فيها: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي): قال (صاحب عون المعبود: «الأهل الكبائر من أمتي»؛ أي: الذين أدخلته استوجبوا النار بذنوبهم الكبائر فلا يدخلون بها النار، وأخرج بها من كبائر ذنوبه النار ممن قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله. كذا في السراج المنير» (150).
فمن قراءاتنا حول هذه الرواية يظهر الآتي: -
ثابت،
أولاً: من كل ما سبق ذكره يتبيَّن لنا عدم ثبوت أي طريق من طرق هذه الرواية، وقد سجل هذه الحقيقة ابن كثير حيث قال: وقد روى ابن مردويه من طرق عن أنس وعن جابر مرفوعا: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، ولكن في إسناده من جميع طرقه، ضعف إلا ما رواه عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» فإنه إسناد صحيح على شرط الشيخين. وفي الصحيح شاهد لمعناه وهو قوله صلى الله عليه وسلم بعد ذكر الشفاعة: «أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا، ولكنها للخاطئين المتلوثين» (151). الطريق التي أشار إلى صحتها ابن كثير - والتي جاءت من طريق «معمر عن ثابت» ـ ضعيفة كما تبين (152).
عن
وأما الرواية التي فيها: «أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا ولكنها للخاطئين المتلوثين»، فهي ضعيفة (153) فلا يصح نسبتها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
(150) عون المعبود شرح سنن أبي داود، 71/ 13.
(151) تفسير ابن كثير 268/ 2
ص من هذا البحث.
(152) انظر
(153) انظر
ص
33
45
من هذا البحث. (1/50)
صفحة 49
الفصل الأول
51
ثانياً: أما إخراج من مبنية على روايات أسقطها منهاج الأمة الإسلامية. كما سيتبين في هذا البحث إن شاء الله رب العالمين.
أدخلته كبائر ذنوبه النار من النار، فهي فكرة ضعيفة
ثالثاً: قال الحاكم بعد أن ذكر هذه الرواية: «فإن هذه الشفاعة فيها قمع المبتدعة المفرقة بين الشفاعة لأهل الصغائر والكبائر. وله شاهد بهذا اللفظ قتادة، وأشعث بن جابر الحداني» (154).
عن
لقد تبين ضعف جميع الطرق التي حملت لنا هذه الرواية، فمن التحامل الأمة العادل وصف المتمسكين والمطبقين لقواعد العلوم
على منهج
الإسلامية بالابتداع في الدين.
رابعاً: قال الإمام الرازي بعد أن ذكر الرواية التي فيها «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»: «واعلم أن الإنصاف أنه لا يمكن التمسك في مثل هذه المسألة بهذا الخبر وحده، ولكن بمجموع الأخبار الواردة في باب الشفاعة» (155). فمجموع الأخبار التي سجلتها الكتب حول الشفاعة لأهل الكبائر والتي أشار إليها الإمام الرازي هنا لا تُثبت معتقداً وذلك لضعف طرقها ولتناقض مدلولاتها مع العقيدة الإسلامية المبنية على ظواهر الآيات والصحيح الثابت الرسول صلى الله عليه وسلم، كما سيتبيَّن في هذا البحث إن شاء الله تعالى.
من سُنَّة
خامساً: كون أصحاب الكبائر قد لا يدخلون النار فكرة لا أساس لها، وقد أقر ابن القيم بهذه الحقيقة حيث قال: ويبقى نوعان يذكرهما كثير من الناس: أحدهما: في قوم استوجبوا النار فيشفع فيهم أن لا يدخلوها. وهذا
(154) المستدرك على الصحيحين، 140/ 1.
(155) تفسير الرازي، 63/ 3. (1/51)
صفحة 50
52
معالم الحق
(107)
النوع لم أقف إلى الآن على حديث يدل عليه وأكثر الأحاديث صريحة في أن الشفاعة في أهل التوحيد من أرباب الكبائر إنما تكون بعد دخولهم النار، وأما أن يشفع فيهم قبل الدخول، فلا يدخلون. فلم أظفر فيه بنص» وهذا القول الذي ذكره ابن القيم هنا فيه تصويب لقول الشيخ القرضاوي الاعتماد الذي بالغ في ذكر الشفاعة للمذنبين من غير ذكر لأي دليل يصح عليه، حيث قال فضيلة الشيخ القرضاوي: ليست الشفاعة كلها فيمن دخل النار مدة ثم أخرج منها، بل جلّ الشفاعة فيمن استحقوا أن يدخلوا النار فترة من الزمن، ثم شَفّع الله فيهم الشافعين المقبولين فقبل الله شفاعتهم، ونجوا من دخول النار.
(157)
فماذا يقول الدكتور في هؤلاء، وهم لا تنطبق عليهم الآيات التي ذكرها؟ (158).
هي
وقال فضيلته أيضاً: «والشفاعة الأخرى الثابتة بنصوص القرآن والحديث، الشفاعة للمذنبين، والمراد بالمذنبين هم أهل الكبائر، سواء كانت هذه الكبائر فعل محظور كأكل الربا، وشرب الخمر والزنى أم ترك مأمور، مثل ترك الصلاة، ومنع الزكاة، والإفطار بلا عذر في شهر رمضان (159).
(156) حاشية ابن القيم على سنن أبي داود، 77/ 13 - 78.
(157) المقصود هنا هو الدكتور مصطفى محمود صاحب كتاب (الشفاعة). (158) الشفاعة في الآخرة بين النقل والعقل، ص 34. ومما قاله فضيلة الشيخ القرضاوي أيضاً: «فقد ركب المعتزلة متن الشطط، حين اجترؤوا على رد الأحاديث الصحيحة المستفيضة في إثبات الشفاعة في الآخرة للرسول عليه الصلاة والسلام، ولإخوانه الأنبياء والملائكة وصالحي المؤمنين في عصاة الموحدين فيكرمهم الله تعالى بفضله ورحمته وشفاعة الشافعين، فلا يدخلون النار أصلاً، أو يدخلونها ويخرجون منها بعد حين، ويكون مصيرهم إلى الجنة ..... الشفاعة في الآخرة بين النقل والعقل (ص) (159) الشفاعة في الآخرة بين النقل والعقل، ص 22.
(45) (1/52)
صفحة 51
الفصل الأول
53
كنا نتمنى من فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي ذكر الآيات الكريمة والروايات الصحيحة المستفيضة ـ حسب قوله ـ والتي تثبت أقواله هذه والتي لم يظفر فيها بنص العلامة ابن القيم والروايات (160) التي ذكرها الشيخ القرضاوي لا دليل فيها وذلك لضعفها أو عدم صراحتها في موضوع الشفاعة للمذنبين والعصاة وإن قال هو بـ «قوة ثبوتها، ووضوح دلالتها، واستفاضتها عند علماء الأمة (161).
(160) الأحاديث التي ذكرها الشيخ القرضاوي الشفاعة في الآخرة بين النقل والعقل، ص 46 - 47) قد ذكرناها في مواضعها من. هذا البحث: -
يخرج قوم من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم فيدخلون الجنة ويسمون الجهنميين»، (انظر: ص 309 وما بعدها من هذا البحث).
يخرج من النار قوم بالشفاعة كأنهم الثعارير»، (انظر: هامش ص 295 وما بعدها من
هذا البحث). يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم»، (انظر: ص 106 وما بعدها
من هذا البحث).
يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته» (انظر: ص 106 وما بعدها من هذا البحث). أسعد الناس بشفاعتي يوم ا القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه». هذه الرواية دعوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان الخالص الذي به ينال المسلم حظه من الشفاعة الكبرى يوم القيامة (انظر: ص 295 وما بعدها من هذا البحث).
القيامة».
لكل نبي دعوة، فأريد إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم ليس في هذه الرواية وعد لأصحاب الكبائر بشفاعة الخروج من نار جهنم أو التجاوز
295
عن ذنوبهم. هذه الرواية تشرحها وتبين معناها رواية الشفاعة العظمى انظر: ص وما بعدها من هذا البحث). «فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبار بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار يخرج أقواماً قد امتحشوا ـ أي احترقوا - فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له ماء الحياة ... ». هذه الرواية لم تسلم من نقد سندها ومتنها (انظر ص 280 وما بعدها من هذا البحث).
(161) الشفاعة في الآخرة بين النقل والعقل، ص 47. (1/53)
صفحة 52
54
معالم الحق
ولعمر الحق فإن قول الشيخ القرضاوي حول الشفاعة الذي ذكره هنا ينقضه قوله الذي سطره في كتاب التوبة إلى الله) في حق أحد أصحاب من الكبائر، حيث قال هناك: «فانظر إلى هذا الوعيد الهائل البالغ لهؤلاء الكاتمين، الذي يتضمن العذاب المادي: مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ [البقرة: 174]، والعذاب المعنوي: {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَلَا يزكيهم} [البقرة: 174] والخسران في صفقتهم، فقد اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ} (البقرة: (175)، وما ذلك إلا لأنهم أضلوا عباد الله بكتمانهم الشهادة بالحق {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهدَةً عِندَهُ مِن الله} [البقرة: 140]. من أجل هذا كانت التوبة (112) مطلوبة طلباً مؤكداً من هؤلاء حتى ينجوا لعنة الله ولعنة اللاعنين، يقول سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَاهْدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيْنَهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَبِ أُولَيكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَمُهُمُ اللَّعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَتيك أتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة 160،159].
من
هذا العذاب، ومن
(162) ومما قاله الشيخ الدكتور القرضاوي: «إن علم التوبة علم مهم، بل ضروري، والحاجة إليه ماسة، وخصوصاً في عصرنا، وقد غرق الناس في الذنوب والخطايا، ونسوا الله فأنساهم أنفسهم، وتكاثرت عليهم المغريات بالشر، والمعوقات عن الخير، وتكالبت على صدهم عن سبيل الله، وإغرائهم بسبل الشيطان وسائل جهنمية، وأجهزة جبارة، تقرأ وتسمع وتشاهد وتؤثر بالصوت وبالصورة وبالنغم واللحن، وبالتمثيل والتهويل، وتعاونت على ذلك شياطين الإنس والجن، وأعداء الداخل والخارج، وساعد على ذلك الأنفس الأمارة بالسوء، وركونها إلى الدنيا، ونسيانها للموت، وللحساب، وللجنة والنار، وغفلتها عن ربها وخالقها الواحد القهار، فلا عجب إذا أضاعوا الصلوات واتبعوا الشهوات، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه وفرطوا في حدود الله، وحقوق الناس، واستمرؤوا أكل أموال الناس بالباطل، ولم يبالوا بما كسبوا من مال: أكان من حلال أم من حرام في الطريق إلى الله 4 ـ التوبة إلى الله)، ص 8. (1/54)
صفحة 53
الفصل الأول
55
فاشترط في قبول توبتهم أن يصلحوا ما أفسدوه، ويبينوا ما كتموه. وإذا كان هذا جرم من كتم الحق، فما بالكم بجرم من (شوه الحق) وحاول أن يجعله في صورة الباطل، ليصد الناس عنه، ويزين لهم ضده، بلسانه أو بقلمه؟
لا ريب أن جرمه أعظم، وذنبه أشد خطراً، وهو ما يقع فيه كثير من الكاتبين والمؤلفين والصحفيين والإذاعيين والفنانين والخطباء، وأمثالهم
ممن يصنعون عقول الناس، وميولهم واتجاهاتهم.
ولا تصح توبة هؤلاء بمجرد الندم والعزم، بل لا بد أن (يصلحوا ويبينوا)، لقد أفسدوا كثيراً من العقول والضمائر، وضللوا كثيراً من الناس، فعليهم أن يزيلوا أسباب هذا الإفساد من كتب أو أشرطة أو (أفلام) ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فإن لم يستطيعوا برئوا منها علانية في الصحف وغيرها من وسائل الإعلام الممكنة، وعليهم أن يبينوا بوضوح: موقفهم
الجديد ورجوعهم
مع
عما كانوا عليه من قبل في شجاعة ويقين (163) (164). فمن متطلبات المنهج الوقوف أمام أصحاب الكبائر بفكر واحد لا يتغير امتداد الزمن وتباين المواقف والمناسبات فهؤلاء الذين يكتمون الحق ويشوهونه، حالهم هو حال من سعى في أرض الله فساداً. من أصحاب الكبائر الأخرى، فلماذا إذاً لا يعرض الشيخ القرضاوي عليهم الشفاعة وقد عرضها على غيرهم من العصاة بدخول الجنة قبل العذاب أو بعده؟.
وهذا التباين في الآراء ـ حتى ولو من كاتب واحد ـ منشؤه التمسك
-
(163) ومما قاله الشيخ القرضاوي في الهامش 1 ص 24 من كتاب التوبة) ما نصه: «كما فعل ذلك الدكتور مصطفى محمود والأستاذ خالد محمد خالد وآخرون ممن هداهم الله».
(164) في الطريق إلى الله (4) - التوبة إلى الله، ص
23 - 24 (1/55)
صفحة 54
07
معالم الحق
بالمنهج تارة وعدم الرجوع إليه تارة أخرى. فكلما طبق أي كاتب المنهج المستقيم وصل إلى الحقيقة التي ذكرها الشيخ القرضاوي في جزاء الكاتمين للحق، وكلما ثقلت كفة الانتماءات المذهبية عند أي كاتب وصل إلى اعتماد روايات لا وزن لها في ميزان الأمة كما هو الحال في قضية الشفاعة لأهل
الكبائر.
وكنا نتمنى من الدكتور القرضاوي أن يجعل قوله الذي سطره في كتاب (التوبة إلى الله) منهجاً ينطلق به في جميع كتبه، حيث قال هناك: «ولقد كان عمدتي ومرجعي الأول: كتاب الله، وسُنَّة رسوله، ثم ما جاء عن سلف الأمة. وقد اجتهدت ألا أعتمد على حديث ضعيف في حكم أو توجيه، وأن أبين من أخرج الحديث ودرجته باختصار، فما لم يكن صحيحاً ولا حسناً لا آخذ به ولو كان في الترغيب والترهيب وإذا ذكرته فللاستئناس لا غير، أو أكون ناقلاً له عن غيري، مبيناً ضعفه غالباً» (165).
ومن المؤكد حقاً أن الشيخ القرضاوي لم يجهد نفسه في تتبع الروايات الواردة في الشفاعة لأهل الكبائر، بل أخذ بروايات ضعيفة لا وزن لها في
ميزان الأمة العادل، وبروايات ليست نصاً في الشفاعة للمذنبين.
ولو طبق الدكتور القرضاوي المنهاج الذي أشار إليه في كتابه (التوبة إلى الله على روايات الشفاعة لأهل الكبائر لوصل - بإذن الله تعالى - إلى يقين لا يخالطه شك أنه لا شفاعة لمن انتقل إلى الدار الآخرة بذنوب لم تمحها توبة نصوح مقبولة عند الله تعالى.
وكنا نتمنى من الشيخ الدكتور القرضاوي أن يتذكر قوله الذي سطره في صفحة أخرى من صفحات مؤلفاته حيث قال: «ألا ما أحوج الناس إلى نذير
(165) في الطريق إلى الله (4) - التوبة إلى الله)، ص 9 - 10. (1/56)
صفحة 55
الفصل الأول
OV
يصرخ فيهم: أن أفيقوا من سكرتكم وانتبهوا من رقدتكم، وثوبوا إلى رشدكم، وتوبوا إلى ربكم قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا
من أتى الله بقلب سليم"
(177)
فأين صرخات الدكتور القرضاوي التي يحتاجها أكلة الربي والزناة وأهل الخمور لكي يفيقوا من سكرتهم؟!. أم أنه يرى أن أصحاب هذه الكبائر
لا ينبغي تعكير صفو حياتهم بصرخات المنقذين وبأيدي المسعفين؟!. أو لماذا يريد أن يصرخ فيهم وهو يرى لجلهم الشفاعة والسلامة من العذاب قبل الدخول في النار؟!.
ونحن نسأل فضيلة الشيخ الدكتور القرضاوي ـ حفظه الله تعالى ـ عن فائدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كان جل أصحاب الكبائر سيدخلون الجنة من غير عذاب في النار؟.
أليس قوله حول الشفاعة لأهل الكبائر خلل كبير ينبغي له ولعلماء المسلمين رده بجهد لا يكل ولا يمل؟، كيف لا وهو القائل: «وأمتنا اليوم - إلا من رحم ربك ـ لا تأمر بالمعروف ولا تنهى عن المنكر، بل فقدت حسها وميزانها، فرأت المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، بل بات فيها من يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف، وغشيتها فتنة تذر الحليم
حيران» (167).
نعم
لقد فقدت أمة الإسلام في هذا العصر حسها، وصار ميزانها جائراً
وظالماً حينما راجت في الأوساط فكرة الشفاعة لأهل الكبائر. فمن ذا الذي سيترك المعاصي إذا كان مصيره الجنة مع التائبين؟!!.
(166) في الطريق إلى الله (4) - التوبة إلى الله)، ص 8.
(167) أين الخلل؟، ص 5. (1/57)
صفحة 56
58
محالة الحق
وفكرة «الشفاعة لأهل الكبائر خلل كبير وأثرها في حياة الناس ظاهر وقد بينه الشيخ القرضاوي بقوله: «الخلل في كل منّا، حيث يؤمن بالله ولا يطيع أمره. ره. ويحب رسول الله ولا يتبع نهجه، ويريد الجنة ولا
يسعى
ولا
لها سعيها. ويخاف النار ويسلك سبيل أهلها، ويفخر بالانتساب إلى الإسلام و يعمل لنصرته» (168).
وما بحثي هذا إلا استجابة لما دعا إليه فضيلة الشيخ القرضاوي لأفراد هذه الأمة للتعمق في فهم عقيدتهم من خلال القراءة والفهم والتطبيق حيث قال فضيلته في مواضع عديدة: -
أمة أول آية نزلت في كتابها أقرأ) لا تحسن أن تقرأ، والعجب من وإذا قرأت لا تحسن أن تفهم، وإذا فهمت لا تحسن أن تعمل، وإذا عملت لا تحسن أن تستمر!! (169).
«وينبغي للحركة الإسلامية أن تقف بين الحين والحين مع نفسها للتقويم والمراجعة، وأن تشجع أبناءها على تقديم النصح وإن كان مراً، والنقد وإن كان موجعاً، كما كان عمر الله يقول: «رحم الله امرءاً أهدى إلي عيوب نفسي» (170).
ولكني أوافق كل الموافقة أن يكون لأهل الفكر حقهم في الاجتهاد، وهم مأجورون عليه أصابوا أم أخطأوا وأنكر كل الإنكار مصادرة حقهم في حرية الرأي. كما أنكر الاتهام والتشنيع لمجرد إبداء رأي مخالف للمعهود. فرب رأي يرفض اليوم من الأكثرية، يغدو هو الرأي المقبول
(171).
والسائد بعد مدة من الزمان» (171).
(168) أين الخلل؟ ص 84.
(169) أين الخلل؟ ص 9.
(170) أين الخلل؟.
ص 31.
(171) أين الخلل؟ ص 58. (1/58)
صفحة 57
الفصل الأول
59
والقضية خليقة أن تفرد بالعناية، وأن يمنحها رجال الفكر الإسلامي بعض وقتهم وجهدهم. وأحسب أني ممن ساهم فيها من قبل ببعض ما كتبت من كتب ومقالات ولكن الجهد فيها ينبغي أن يستمر ولا
يتوقف (172).
فعلى رجال الفكر الإسلامي في هذا الوقت وفي كل وقت الالتزام التام بضوابط المناهج عند عرض حقائق هذا الشرع. فالقراءة المنهجية كفيلة بربط أجيال المسلمين بتعاليم دينهم، وربط الأخروي
من غير اضطراب في الفكر.
سعيهم
الدنيوي بمصيرهم.
ولله الحمد والمنة فقد سرت على المنهج الذي أشار إليه فضيلة الشيخ القرضاوي فكانت الحصيلة دعوة إلى التمسك بأهداب هذا الدين وعدم الركون إلى فكرة الشفاعة لأهل «الكبائر» التي لا أصل لها في شرع
الله تعالى. ومن الأسباب التي جعلت فكرة الشفاعة لأهل الكبائر» تتبختر في مشيها وانتشارها في أوساط المسلمين عبر القرون هي التي ذكرها الشيخ القرضاوي عند وصفه لحال الأمة الإسلامية، حيث قال: «إن طاقاتنا العقلية معطلة، لأننا نقلد ولا نجتهد، نحاكي ولا نبدع ننقل ولا نبتكر، نحفظ ولا نفكر؛ أي: نستخدم تفكير غيرنا، ولا نفكر نحن لأنفسنا، سواء أكان ذلك الغير أسلافنا من الماضين، أم غيرنا من الحاضرين» (173).
وقال أيضاً: «ومن آفات الحركة الإسلامية غلبة الناحية العاطفية على
الناحية العقلية العلمية» (174).
(172) أين الخلل؟، ص 3.
(173) أين الخلل؟، ص 7.
(174) أين الخلل؟، ص 40. (1/59)
صفحة 58
معالم الحق
نعم لقد عطلت الطاقات العقلية، وكثر التقليد الأعمى، وغلبت العاطفة على المناهج العلمية فكانت النتيجة أن انتشرت روايات الشفاعة لأهل الكبائر كالسرطان في أوساط المجتمعات الإسلامية. فالحل لهذا الخلل العظيم هو تطبيق المناهج الإسلامية، وما أيسره وأسهله وأنجعه وأنفعه من
ترياق.
***
رواية: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) عذر أهل الفساد: فهذه الرواية على ما فيها من ضعف استعان بمدلولها الفاسد أناس لأجل التمادي في بحبوحة الفساد والإصرار على العيش في وحل الذنوب. وقد تنبه ابن الجوزي إلى الآثار السيئة التي تنشئها هذه الرواية في قلوب العصاة من أفراد هذه الأمة حيث قال في كتاب (تلبيس إبليس) (175): ... ومنهم من يقول: الرب كريم العفو واسع الرجاء من الدين، فيسمون تمنيهم واغترارهم رجاء، وهذا الذي أهلك عامة المذنبين ... ولقد دخلوا على أبي نواس في مرض موته فقالوا له: تب إلى الله عل. فقال: إياي تخوفون، حدثني حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل نبي واني اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، أفترى لا أكون منهم. قال المصنف الله: وخطأ هذا الرجل من وجهين:
أحدهما: أنه نظر إلى جانب الرحمة ولم ينظر إلى جانب العقاب.
شفاعة
والثاني: أنه نسي أن الرحمة إنما تكون للتائب كما قال: {وَإِنِّي لَغَفَّارُ لِمَن تَابَ [طه: 82] وقال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا
(175) تلبيس إبليس، ص 345 - 346. (1/60)
صفحة 59
الفصل الأول
61
لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 156]، وهذا التلبيس هو الذي يهلك عامة العوام، وقد كشفناه في ذكر أهل الإباحة».
وقال ابن الجوزي في مكان آخر من كتابه: «واعلم أن من رجا الرحمة تعرض لأسبابها، فمن أسبابها التوبة من الزلل، كما أن من رجا أن يحصد زرع، وقد قال الله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَهَدُوا فِي سبِيلِ اللَّهِ أُولَبكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ} [البقرة: 218]، يعني: أن الرجاء بهؤلاء يليق، وأما المصرون على الذنوب وهم يرجون الرحمة فرجاؤهم بعيد، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «الكَيِّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني وقال ابن الجوزي أيضاً في كتاب (صيد الخاطر): «وعموم العوام يبارزون بالذنوب اعتماداً على العفو وينسون العقاب. ومنهم من يعتمد: أني من أهل السنة، أو أن لي حسنات قد تنفع وكل هذا لقوة الجهل. فينبغي للإنسان أن يبالغ في معرفة الدليل ولا يساكن شبهته، ولا يثق بعلم نفسه
الآفات» (177)
(176)
نسأل الله السلامة من جميع وقال ابن الجوزي أيضاً: «وقد انخرط جماعة ممن يتسم بالعلم في سلك المعاصي، لتحصيل أغراضهم العاجلة فما نفعهم العلم. ورأينا خلقاً من المتزهدين خالفوا لنيل أغراضهم؛ وهذا لأن الدنيا فخ والناس كالعصافير، والعصفور يريد الحبة وينسى الخنق. قد نسي أكثر الخلق مالهم؛ ميلاً إلى عاجل لذاتهم، فأقبلوا يسامرون الهوى ولا يلتفتون إلى مشاورة العقل. فلقد باعوا بلذة يسيرة خيراً كثيراً، واستحقوا بشهوات
(176) تلبيس إبليس، ص 323. (177) صيد الخاطر، ص 417 - 418. (1/61)
صفحة 60
62
معالم الحق
مرذولة عذاباً عظيماً. فإذا نزل بأحدهم الموت قال: ليتني لم أكن، ليتني كنت تراباً، فيقال له ألآن؟ (178).
وقال ابن القيم: «والفرق بين الرجاء والتمني أن الرجاء يكون مع بذل الجهد واستفراغ الطاقة في الإتيان بأسباب الظفر والفوز. والتمني حديث النفس بحصول ذلك تعطيل الأسباب الموصلة إليه، قال تعالى: {إِنَّ مع الذين امنوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَبكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ * فطوى سبحانه بساط الرجاء إلا عن هؤلاء، وقال المغترون: إن الذين ضيعوا أوامره وارتكبوا نواهيه واتبعوا ما أسخطه وتجنبوا ما يرضيه، أولئك يرجون رحمته، وليس هذا ببدع من غرور النفس
(179)
والشيطان لهم" وقال الحيدري: «وبذلك يتضح أنه لا ينبغي للإنسان المؤمن أن يمني نفسه بالعفو والمغفرة والشفاعة ونحوها من غير عمل يرجو به الخلاص
والنجاة.
(قيل للإمام جعفر الصادق: إن قوماً يعملون بالمعاصي ويقولون نرجو، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم الموت، فقال: هؤلاء يترجحون في الأماني ـ أي: مالت الاستقامة ـ، ليسوا راجين، إن من رجا شيئاً بهم عن
طلبه، ومن خاف من شيء هرب منه) (180).
قال السيد عبد الحسين دستغيب: « ... إذن يتضح أن لا خوف لدى الذي لا يفر من المعصية. ويتضح أن الذي لا يسعى ولا يجد في تحصيل أسباب
(178) صيد الخاطر، 414 - 415.
(179) الروح، ص 258 - 259. وانظر كذلك ما كتبه ابن القيم عن التمني والرجاء في كتاب مدارك السالكين، 44/ 2 - 45).
(180) الشفاعة، ص 192، نقلا من الأصول من الكافي 68/ 2، الحديث 5). (1/62)
صفحة 61
الفصل الأول
63
المغفرة ليس آملاً بالرحمة الإلهية، وهذه الجملة التي يقولها أيضاً: (الله كريم) أجراها الشيطان على لسانه فغرّه» (181).
وقال الدكتور محمد راتب النابلسي: «فأكثر الناس يقول: لا تدقق فالله وهذا رجاء أبله ... فالتفاؤل والرجاء دون توبة ودون استقامة رحيم، تفاؤل أبله أحمق ... » (182).
غفور
وقال محمد محمود الصواف بعض المذنبين من الناس إن كلمته ناصحاً، أو زاجراً له عن الآثام رد عليك بأن رحمة الله واسعة، ونحن معتمدون على رحمة الله، وكرمه، وعفوه، وإحسانه، ونسي هذا المسكين أنه قد أهمل أمر الله، ونهيه وضيعهما فيما ضيع من أمور دينه وغفل هذا المسكين من أن الله لك كما أنه واسع المغفرة فهو تبارك وتعالى شديد العقاب، وأنه لا يرد بأسه عن القوم المجرمين، ومن اعتمد على العفو مع الإصرار على الذنب فهو كالمعاند والمكابر. قال معروف الكرخي: رجاؤك لرحمة من لا تطيعه من الخذلان والحمق. وقال بعض العلماء من قطع عضو منك في الدنيا بسرقة ثلاثة دراهم لا تأمن أن تكون عقوبته في الآخرة على نحو هذا.
وقيل للحسن: نراك طويل البكاء، فقال: أخاف أن يطرحني في النار ولا يبالي. وسأل رجل الحسن، فقال: يا أبا سعيد كيف نصنع بمجالسة أقوام يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تنقطع؟ فقال: والله لأن تصحب أقواماً يخوفونك حتى تدرك أمناً خير لك من أن تصحب أقواماً يؤمنونك حتى تلحقك
المخاوف» (183).
(181) الذنوب الكبيرة، 96/ 1.
(182) موسوعة أسماء الله الحسني، 220/ 1 - 221. (183) أثر الذنوب في هدم الأمم والشعوب، ص 43 - 44. (1/63)
صفحة 62
64
محال الحق
فهذه الأقوال التي ذكرها ابن الجوزي وابن القيم، والحيدري، والسيد عبد الحسين دستغيب، والدكتور النابلسي، ومحمد محمود الصواف هي القول الصائب؛ فعلى المتلبسين بأدران الذنوب التوبة والإنابة وترك الأماني
المهلكة (184).
وهذا الالتفات من جانب هؤلاء العلماء فيه رد للفكرة الباطلة التي يتعلق بها أهل الكبائر السائرون إلى الآخرة من غير توبة. وفيه كذلك تصحيح لأقوال الكثير من العلماء الذين روجوا لهذه الرواية، وأملوا العصاة بغفران الذنوب من غير توبة وإنابة إلى الله تعالى.
(1 A 0)-
قال الدكتور مصطفى محمود - في حواره مع الذين أصروا على فكرة الشفاعة لأهل الذنوب من غير توبة -: وهل يريد الغاضبون والعاتبون أن يفعلوا ما يشاؤون من الذنوب والخطايا ويسترسلوا في ذنوبهم وآثامهم وشرورهم إلى آخر العمر ثم يموتوا دون توبة ويلفظوا أنفاسهم دون ندم ثم يريدون ساعة البعث أن يستقدموا رسولهم ليشفع لهم .. فإذا قلنا لهم: ضيعتم فرصتكم الوحيدة في التوبة في حياتكم .. ضجوا واحتجوا ورمونا بالجهل
(184)
ومم
جاء
ومن العجائب التي ذكرت عن أبي نواس ما جاء في كتاب (الوافي بالوفيات): «وقال عبد الله بن صالح الهاشمي: حدثني من أثق به قال رأيت أبا نواس في النوم، وهو في نعمة كبيرة، فقلت له: أبا نواس. قال: نعم. قلت ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، وأعطاني هذه النعمة. قلت: ذاك وأنت كنت مخلطاً؟ فقال: إليك عني، بعض الصالحين إلى المقابر في ليلةٍ من الليالي فبسط رداءه، وصف قدميه، وصلى ركعتين لأهل المقابر، قرأ فيهما ألفي مرة: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) وجعل ثوابها لأهل المقابر؛ فغفر الله لأهل المقابر عن آخرهم فدخلت أنا في جملتهم» (الوافي بالوفيات، ترجمة أبي نواس الحسن بن هاني بن عبد الأول بن الصباح، أبو علي
الحَكَمِي).
والله المستعان، كيف أصبحت هذه الرؤى دليلاً لكسب المغفرة لمن مات على ذنوبه؟!. (185) انظر بعضاً من أقوالهم في ص 173 من هذا البحث. (1/64)
صفحة 63
الفصل الأول
70
وجاؤوا بعشرات الأحاديث لعشرات من الرواة يقولون هذا وذاك من عجيب
القول (186).
وقال الدكتور مصطفى محمود أيضاً: «وأنا أعجب من الرافضين والمستنكرين فأنا مثلهم من أهل الذنوب ومحتاج لقشة أتعلق بها في هذا اليوم الذي تشيب من هوله الولدان، ولكني لا أستطيع أن أخدع نفسي ولا أستطيع أن أحرف معاني الآيات القرآنية لأخرج منها بما يرتاح له قلبي ويشفي فزعي، فإن الحق أحق بأن يقال وأولى بأن يتبع وإن كان لا يصادف الهوى» (187).
وقال ابن عاشور: «وفي صحيح البخاري عن وهب بن منبه وكان كثير الوعظ للناس فقيل له إنك بوعظك تقنط الناس فقال: «أأنا أقدر أن أقنط الناس والله يقول: {يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ الله} [الزمر: 53] ولكنكم تُحبون أن تُبشروا بالجنة على مساوي
(VAA)
أعمالكم» ... (188).
وقد تنتقل نفوس العصاة من مرحلة اقتراف الذنوب على خوف ووجل وتأنيب للنفس الأمارة بالسوء، إلى مرحلة يحس فيها العصاة بالنشوة من كثرة ذنوبهم؛ لأنها حسب تصوراتهم المنحرفة سوف تضاعف حسناتهم بعدد سيئاتهم، ويعتمدون في ذلك على الضعيف من الأقوال.
فقد جاء عند الحاكم: حدثنا أبو العباس السياري، ثنا أبو الموجه، ثنا عبدان قال: فأخبرني الفضل بن موسى، عن أبي العنبس، عن أبيه، عن
(186) الشفاعة.
ص
071 - 70
(187) الشفاعة، ص 74.
(188) تفسير ابن عاشور، 201/ 24. (1/65)
صفحة 64
66
معالم الحق
أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَيَتَمَنَّيْنَّ أَقْوامِ لَوْ أَكْثَرُوا مِنَ السَّيِّئاتِ»، قالوا: بِمَ يا رسول الله؟ قال: «الَّذِينَ بَدَّلَ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ».
أبو العنبس هذا سعيد بن كثير وإسناده صحيح ولم يخرجاه».
أخرج هذه الرواية الضعيفة الحاكم
(189)، والثعلبي
(190)
الإسلام يحارب هذه الأفكار التي جاءت في هذه الرواية، والدعوة الإسلامية مبنية على التطهر من أدران الذنوب بأنواعها لا الاستزادة منها والإصرار عليها.
وقد نقد متن هذه الرواية العلامة ابن القيم حيث قال في كتاب (طريق الهجرتين): «وأما حديث أبي هريرة فلا يثبت مثله، ومن أبو العنبس، ومن أبوه حتى يقبل منهما تفردهما بمثل هذا الأمر الجليل؟ وكيف يصح مثل هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة مع حرصه على التنفير من السيئات وتقبيح أهلها، وذمهم وعيبهم، والإخبار بأنها تنقص الحسنات وتضادها؟ عنه أنه يقول: «يتمنين أقوام أنهم أكثروا منها»؟ ثم كيف تمني المرء إكثاره منها، مع سوء عاقبتها، وسوء مغبتها؟ وإنما يتمنى الإكثار
فكيف
من
يصح
الطاعات؟» (191).
وقال الشيخ الشعراوي في وصفه لحال من أخذ بهذه الرواية: « ... حتى وصل الحال ببعضهم أن يستكثر من السيئة طمعاً في أن تُبدل حسنات، لكن مَنْ يضمن له أن يعيش إلى أن يتوب أو أنه إن تاب قبل الله منه؟ (192).
(189) المستدرك على الصحيحين الرواية: 7643، 281/ 4. (190) تفسير الثعلبي من تفسير الآية 70 من سورة الفرقان. (191) طريق الهجرتين، ص 279.
(192) تفسير الشعراوي، 10516/ 17. من تفسير الآية 70 من سورة الفرقان. (1/66)
صفحة 65
الفصل الأول
67
وما كان لهذه الرواية أن تجد محلاً في نفوس المسلمين لو أنهم علموا علم اليقين ـ بناء على الثابت من الأدلة - أن الذنوب الكبيرة مطية إلى النار الخالدة إذا أصرَّ أصحابها على الركوب عليها، وأن الشفاعة للعصاة ليست مما يدعو إليه الإسلام، وأن كل الروايات التي بُنيت عليها فكرة الشفاعة لأهل الكبائر لا تقوم بها حجة في منهج الإسلام، «وما أجدر العاقل بأخذ الحيطة وعدم الاغترار بهذه الأماني التي تشبث بها أهل الكتاب، وحذر الله هذه الأمة من التشبث بها كما تشبثوا حيث قال: {لَيْسَ بِأَمَانِيكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَبِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِد لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وليا ولا نصيرا من النساء (123)
(193)
ولم تقف رواية (شفاعتي لأهل الكبائر الضعيفة عند حدود الأماني والتمنيات في عالم العصاة والمصرين، بل أثرت في رسم سبل معوجة لبعض من علماء التفسير الذين أخذوا بها وبغيرها من الروايات الضعيفة عند لآيات الله الظاهرة الواضحة.
تفسيرهم
قال الإمام الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ)
[البقرة: 48].
لأَهْلِ
«وهذه الآية وإن كان مخرجها عاماً في التلاوة، فإن المراد بها خاص في التأويل التظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «شَفَاعَتِي الكَبَائِرِ مِنْ أُمني». وأنه قال: «لَيْسَ مِنْ نبِي إِلَّا وَقَدْ أُعْطِيَ دَعْوَةٌ، وَإِنِّي إِخْتِبَاتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةٌ لامتي، وَهِيَ نائلَةٌ إِنْ شَاءَ اللهُ مِنْهُمْ مَنْ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا». فقد
(193) الحق الدامغ، ص 202. (1/67)
صفحة 66
68
معالم الحق
تبين بذلك أن الله جلَّ ثناؤه قد يصفح لعباده المؤمنين بشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لهم عن كثير من عقوبة إجرامهم بينه وبينهم، وأن قوله: «وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ إنما هي لمن مات على كفره غير تائب إلى
الله وعجل» (194).
(193)
فمع اعتراف الإمام الطبري بعموم معنى الآية الكريمة إلا إنه استعان بهذه الرواية الضعيفة لأجل استثناء أهل الكبائر من هذا الوعيد الإلهي. وهذا القول الذي ذهب إليه الإمام الطبري وغيره هنا يرده القرآن الكريم - الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ـ، قال الله تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَبِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ
وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا.
والمفسرون - ومنهم الإمام الطبري - سجلوا بأوضح عبارة أن الإنسان مؤاخذ بأعماله إن خيراً فخير وإن شراً فشر، فلا محاباة لأحد في ميزان الله العادل. قال الطبري: « ... أن كل من عمل سوءاً صغيراً أو كبيراً من مؤمن أو كافر، جوزي به. وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية، لعموم الآية كل عامل سوء، من غير أن يخص أو يستثنى منهم أحد، فهي على عمومها إذ لم يكن في الآية دلالة على خصوصها، ولا قامت حجة بذلك من خبر عن
(147)
الرسول صلى الله عليه وسلم (196).
(194) تفسير الطبري، 268/ 1.
(436
(195) أقول هنا نفس العبارة التي قالها ابن العربي في كتابه (أحكام القرآن، ص 1 حق الإمام الطبري: «: ... يَا لَهَا هَفْوَةٌ مِنْ عَالِم بِالْقُرْآنِ وَالسُّنْةِ، وَإِنِّي لَأَعْجَبَكُمْ مِنْ ذَلِكَ؛ إِنَّ الَّذِي أَجْرَأَهُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يُصَرْحَ بِأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْهُ، هُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ رَوَاهُ ابْنُ وَهْب .... وانظر أيضاً تفسير القرطبي، 113/ 5). (196) تفسير الطبري، 293/ 5. (1/68)
صفحة 67
الفصل الأول
69
وقال الشوكاني: قوله: {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يجز به} [النساء: 123] قيل: المراد بالسوء: الشرك، وظاهر الآية أعم من ذلك، فكل من عمل سوءاً؛ أي: سوء كان فهو مجزي به من غير فرق بين المسلم والكافر. وفي هذه الجملة ما ترجف له القلوب من الوعيد الشديد، وقد كان لها في صدور المسلمين عند نزولها موقع عظيم كما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة قال لما نزلت: مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ به بلغت من المسلمين مبلغاً شديداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قاربوا وسدّدوا، في كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها، والشوكة
يشاكها»»
(197)
وقال سيد قطب: «ثم يعقب السياق بقاعدة الإسلام الكبرى في العمل والجزاء .. إن ميزان الثواب والعقاب ليس موكولاً إلى الأماني. إنه يرجع إلى أصل ثابت، وسُنَّة لا تتخلف، وقانون لا يحابى قانون تستوي أمامه الأمم - فليس أحد يمت إلى الله سبحانه بنسب ولا صهر - وليس أحد تخرق له القاعدة، وتخالف من أجله السنة، ويعطل لحسابه القانون .. إن صاحب السوء مجزى بالسوء؛ وصاحب الحسنة مجزى بالحسنة. ولا محاباة في هذا ولا
مماراة ...
على أية حال لقد كانت هذه حلقة في إنشاء التصور الإيماني الصحيح عن العمل والجزاء ذات أهمية كبرى في استقامة التصور من ناحية، واستقامة الواقع العملي من ناحية أخرى. ولقد هزت هذه الآية كيانهم، ورجفت لها نفوسهم، لأنهم كانوا يأخذون الأمر جداً. ويعرفون صدق وعد الله حقاً. ويعيشون هذا الوعد ويعيشون الآخرة وهم بعد في الدنيا» 198).
(197) تفسير الشوكاني، 821/ 1، من تفسير الآية 123 من سورة النساء.
(198) في ظلال القرآن المجلد 762/ 2 - 763. (1/69)
صفحة 68
70
من
مخالد الحق
وبين
عصاه.
وقال محمد محمود الصواف وكلنا يعلم كذلك أنه ليس بين الله خلقه نسب، فالعزيز اليوم بطاعته الله ذليل غداً بعصيانه إن هو. أحد سلك طريقاً إلى الله سلك الله به طريقاً إلى العز والرفعة والعلياء، وسلك ومن به طريقاً إلى الحياة الرغيدة والعيش الهنيء الطيب» (199).
وقال ابن كثير: «ولهذا قال تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَبٍ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123) أي: ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله سبحانه واتباع ما شرعه على ألسنة الرسل الكرام، ولهذا قال بعده مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ (200).
الله
وقال محمد محمود الصواف ومن سنن الله الثابتة: أنه من سلك طريق واتبع دين الله، فقد فاز، ونجا، وساد، وقاد، وإن كان عبداً زنجياً. ومن ترك هداية الله وسلك طريق الشيطان فقد حبط عمله، وهلك وضل ضلالاً بعيداً، وإن كان سيداً قرشياً. تلك سُنَّة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلاً، ولن تجد لسنة الله تحويلاً. وأنه ما نزل عذاب إلا بذنب ولا ارتفع إلا بتوبة» (201).
وقال الشيخ ابن عثيمين - حينما تجرد من التبعات المذهبية وركن إلى کتاب الله تعالى -: «وأما الظلم في الأعراض فيشتمل الاعتداء على الغير بالزنى واللواط والقذف وما أشبه ذلك. وكل الظلم بأنواعه محرم ولن يجد الظالم من ينصره أمام الله تعالى. قال الله تعالى: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ [غافر: (18)؛ أي أنه يوم القيامة لا يجد الظالم حميماً؛ أي: صديقاً. ينجيه من عذاب الله ولا يجد شفيعاً يشفع له فيطاع لأنه منبوذ بظلمه
(199) أثر الذنوب في هدم الأمم والشعوب، ص 25.
(200) تفسير ابن كثير، 397/ 2.
(201) أثر الذنوب في هدم الأمم والشعوب، ص 6. (1/70)
صفحة 69
الفصل الأول
71
وغشمه وعدوانه، وقال تعالى: {وَمَا للظالمين من أنصاره
[البقرة: 270]» (202).
فهذا القول البليغ الذي خطته أنامل الشيخ ابن عثيمين مرتكز على آيات الله تعالى، وهو الحق الذي يرد الأفكار المذهبية الضعيفة المدعية للشفاعة لأصحاب الذنوب الكبيرة الذين خرجوا من هذه الدنيا من غير توبة مقبولة.
وقول الحق ـ الذي ذكره الشيخ ابن عثيمين حينما تجرد من الإملاءات المذهبية ـ فيه رد قوي على المروّجين لـ (فكرة الشفاعة لأهل الكبائر) في هذا العصر من أمثال أبي الفتوح عبد الله بن عبد القادر التليدي الذي قال: فالعصاة الذين سيشفع فيهم صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ويخرجهم من أصحاب كبار الذنوب كالقتل والزنا واللواط والشرب، والسرقة
النار،
هم
وأكل مال اليتيم، والتعامل بالربا والدياثة والسحر، والقذف، والحكم بغير ما أنزل الله، والكذب، وهجران المسلم والغيبة والنميمة، والكهانة،
هم
والعرافة، والمكس، وأمثال هذه القاذورات العظيمة، فأصحاب ذلك المخرجون من النار بشفاعة نبينا صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وغيره من
الشفعاء» (203)
ليس لأقوال أبي الفتوح هنا أي اعتبار في ميزان الإسلام، والدليل هو الحق الذي جاء به القرآن الكريم وسُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم الصحيحة. والحمد لله
رب العالمين.
(202) شرح الكبائر، ص)
171
(203) الشفاعة وأنواعها في السنة المطهرة، ص 47. (1/71)
صفحة 70
72
محال الحق
آيات قرآنية تبين مصير العصاة في الآخرة:
والذي ينبغي عرضه هنا أدلة أخرى من كتاب الله تعالى تثبت ما ذهب إليه الشيخ ابن عثيمين من قول في حق الظالمين من أفراد هذه الأمة، وترد كلام أبي الفتوح الذي نقلناه عنهما أعلاه.
ففي قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِي الَّذِينَ ءامَنُوا هُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النور 19]، ما يدحض أقوال القائلين بالشفاعة لأهل الكبائر إن ماتوا على
ذنوبهم.
قال الإمام الطبري: «إن الذين يحبون أن يذيع الزنا في الذين صدقوا بالله ورسوله ويظهر ذلك فيهم، لهم عَذَابٌ أليم يقول: لهم عذاب وجيع في الدنيا، بالحد الذي جعله الله حدًّا لرامي المحصنات والمحصنين بذلك، وفي الآخرة عذاب جهنم إن مات مُصِرّاً على ذلك غير
إذا رموهم تائب» (204).
وقال الإمام الرازي: «والأقرب أن المراد بهذا العذاب ما استحقوه بإفكهم وهو الحد واللعن والذم. فأما عذاب الآخرة فلا شك أنه في القبر عذابه وفي القيامة عذاب النار ... المسألة الخامسة: الآية تدل على أن العزم على الذنب العظيم عظيم، وأن إرادة الفسق فسق، لأنه تعالى علّق الوعيد بمحبة إشاعة الفاحشة (205).
(204) تفسير الطبري، 100/ 18. (205) تفسير الرازي، 176/ 23.
*** (1/72)
صفحة 71
الفصل الأول
73
والوعيد الشديد لكل مطفف دليل قاطع على فساد فكرة العفو عن أصحاب الكبائر إذا ماتوا على ذلك، قال الله سبحانه وتعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. أَلَا يَظُنُّ أُولَيكَ
أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (المطففين 1 - 6). قال الشوكاني: «والمراد بالويل هنا شدّة العذاب، أو نفس العذاب، أو الشر الشديد، أو هو واد في جهنم» (20).
وقال ابن عطية: «وَيْلٌ * معناه: الثبور والحزن والشقاء الأدوم» 207). وقال ابن كثير: «ثم قال تعالى: متوعداً لهم: {أَلَا يَظُنُّ أُولَتكَ أَنَّهُم مبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيم؛ أي: ما يخاف أولئك من البعث والقيام بين يدي من يعلم السرائر والضمائر في يوم عظيم الهول كثير الفزع جليل الخطب، من خسر فيه أدخل ناراً حامية؟ 208). وقال الشيخ السعدي: «وَيْلٌ) كلمة عذاب وعقاب ... وإذا كان هذا الوعيد على الذين يبخسون الناس بالمكيال والميزان، فالذي يأخذ أموالهم قهراً وسرقة أولى بهذا الوعيد من المطففين ... ثم توعد تعالى المطففين وتعجب من حالهم وإقامتهم على ما هم عليه، فقال: {أَلَا يَظُنُّ أُولَيكَ أَنَّهُم مبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، فالذي جرأهم على التطفيف عدم إيمانهم باليوم الآخر، وإلا فلو آمنوا به، وعرفوا أنهم يقومون بين يدي الله، يحاسبهم على القليل والكثير، لأقلعوا عن ذلك، وتابوا منه)
(209)
(206) تفسير الشوكاني، 530/ 5، من تفسير الآية 1 من سورة المطففين. (207) تفسير ابن عطية ص 1956، من تفسير الآية 1 من سورة المطففين. (208) تفسير ابن کثير، 237/ 7.
(209) تفسير السعدي، ص 874 - 875، من تفسر الآيات 1 - 6 من سورة المطففين. (1/73)
صفحة 72
74
معالم الحق
والله جل وعلا العادل في حكمه يخاطب عباده المؤمنين محذراً لهم سوء العاقبة إن هم أكلوا أموالهم بالباطل وسفكوا دماءهم عدواناً وظلماً، حيث قال جل وعلا: (يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إلا أن تكون تجرةٌ عَن تَرَاضِ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانَا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذلِك عَلَى اللهِ يَسِيرًا} [النساء: 29، 30].
النار
لم يعد الله تعالى المؤمنين إن هم عصوه بالشفاعة أو بالخروج من بعد أن يدخلوها. قال الطبري عند تفسيره لهذه الآية: {وَظُلْمًا) يعني: فعلاً منه ذلك بغير ما أذن الله به، وركوباً منه ما قد نهاه الله عنه. وقوله: {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا * يقول: فسوف نورده ناراً يصلى بها فيحترق فيها (210).
وقال ابن كثير: «ولهذا قال تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانَا وَظُلْمًا} أي: ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه، معتدياً فيه، ظالماً في تعاطيه، أي: عالماً. بتحريمه، متجاسراً على انتهاكه فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا} الآية، وهذا تهديد شديد ووعيد
أكيد، فليحذر منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد» (211).
* * *
وخاطب رب العزة والجلال عباده بقوله: {تَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كثيرا من الأخبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِل ويصدون عن سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أليم) [التوبة: 34].
(210) تفسير الطبري، 36/ 5. (211) تفسير ابن كثير، 255/ 2. (1/74)
صفحة 73
الفصل الأول
Vo
قال الحافظ ابن حجر: «قوله: وقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْذِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ} (الآية) فيه تلميح إلى تقوية قول من قال من الصحابة وغيرهم: إن الآية عامة في حق الكفار والمؤمنين، خلافاً لمن زعم أنها خاصة بالكفار ... وفي تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم الآية دلالة على أنها نزلت في مانعي الزكاة، وهو قول أكثر أهل العلم بالتفسير (212).
هي خاصة
وقال الإمام الطبري: «يعني بقوله: وعامة: هي خاصة من المسلمين فيمن لم يؤد زكاة ماله منهم، وعامة في أهل الكتاب، لأنهم كفار لا تقبل منهم نفقاتهم إن أنفقوا (213).
وقال القرطبي: « ... وقال أبو ذر وغيره: المراد بها أهل الكتاب وغيرهم
من المسلمين. وهو الصحيح)
(214)
***
وتوعد الله تعالى الأكلين لأموال اليتامى ظلماً بالنار المسعرة حيث قال في كتابه العزيز: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَضكون سعيرا) [النساء 10].
قال الألوسي الحكم عام لكل من يأكل مال اليتيم مؤمناً كان أو مشركاً (215).
عند تفسيره لهذه الآية الكريمة: «وظاهر الآية أن هذا
وقال الشيخ السعدي: «فإنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) أي: فإن الذي أكلوه نار تتأجج في أجوافهم وهم الذين أدخلوه في بطونهم {وَسَيَصْلَوْنَ
(212) فتح الباري، 12/ 4 - 15.
(213) تفسير الطبري، 121/ 10.
(214) تفسير القرطبي، 79/ 8.
(215) تفسير الألوسي، 426/ 2. (1/75)
صفحة 74
76
محال الحق
سَعِيرًا) أي: ناراً محرقة متوقدة، وهذا أعظم وعيد ورد في الذنوب، يدل على شناعة أكل أموال اليتامى وقبحها وأنها موجبة لدخول النار، فدل ذلك أنها من أكبر الكبائر، نسأل الله العافية (216).
فليس بعد هذا الوعيد الإلهي في حق أكلة أموال اليتامى أي ملجأ سوى التوبة والإنابة ورد الحقوق إلى أهلها. فحكم الله
النافذ
أصحاب في هو
الكبائر ولن تغنيهم الروايات الضعيفة المعارضة لهذا الحكم الذي قاله رب
الآخرة والأولى. والرواية التي ذكرها الإمام الطبري عن ابن زيد والتي حمل فيها
(217)
معنى الآية على أهل الشرك هي رواية باطلة لا تقوم بها حجة لورودها من قبل رواية ابن وهب عن ابن زيد (218).
***
ولقد بين المولى جل وعلا حكمه العادل في حق الطاعنين في أعراض المؤمنات حيث قال في كتابه العزيز: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور 23].
قال الإمام الطبري: «يقول تعالى ذكره: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ) بالفاحشة الْمُحْصَنَتِ *. يعن ب العفيفات الْغَفِلَاتِ عن الفواحش الْمُؤْمِنَاتِ) بالله ورسوله، وما جاء به من عند الله، لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا
(216) تفسير السعدي، ص 148، من تفسير الآية 10 من سورة النساء. (217) تفسير الطبري، 273/ 4. قال الطبري: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَمَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وسيضلون سَعِيراً به قال: قال أبي: إن هذه لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم،
ويأكلون أموالهم».
(218) انظر ص 399 من هذا البحث. (1/76)
صفحة 75
الفصل الأول
VV
والآخرة) يقول: أبعدوا من رحمة الله في الدنيا والآخرة. وهم في الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ) وذلك عذاب جهنم ... فكل رام محصنة بالصفة التي ذكر الله جلّ ثناؤه في هذه الآية فملعون في الدنيا والآخرة وله عذاب عظيم، إلا أن يتوب من ذنبه ذلك قبل وفاته، فإن الله دلّ باستثنائه بقوله: و إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَالِكَ وَأَصْلَحُوا} [آل عمران: 89] على أن ذلك حكم رامي كل محصنة بأي صفة كانت المحصنة المؤمنة المرمية، وعلى أن قوله لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور: 23) معناه: لهم ذلك
(219)
إن هلكوا ولم يتوبوا (219).
فلعنة الله على أصحاب هذه الكبيرة في الدنيا والآخرة، ولهم من الله عذاب عظيم إذا لم يتطهروا بتوبة نصوح.
فليحذر أصحاب الكبائر من وساوس الشيطان الذي لا يفتأ يزخرف الأباطيل ويلهي عن التوبة النصوح.
***
والله جل في علاه بين عاقبة المصرين على ذنوبهم من أفراد هذه الأمة، حيث قال سبحانه: {وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَيكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11].
قال الطبري: «وقوله: {وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَيكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) يقول تعالى ذكره: ومن لم يتب من نبزه أخاه بما نهى الله عن نبزه به من الألقاب، أو لمزه إياه، أو سخريته منه، فأولئك هم الذين ظلموا أنفسهم، فأكسبوها عقاب الله بركوبهم ما نهاهم عنه (220).
(219) تفسير الطبري، 103/ 18 - 105.
(220) تفسير الطبري، 134/ 26. (1/77)
صفحة 76
VA
مقالة الحق
وقال الشوكاني: «وَمَن لَّمْ يَتُبْ) عما نهى الله عنه فَأُوْلَيكَ هُم الظَّالِمُونَ) لارتكابهم ما نهى الله عنه، وامتناعهم من التوبة، فظلموا من لقبوه،
(221)
وظلمهم أنفسهم بما لزمها من الإثم (221).
قال أبو السعود: « ... {وَمَن لَّمْ يَتُبْ) عَمَّا نُهِي عَنْهُ فَأُوْلَيْكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ) بوضع العصيان موضع الطاعة وتعريض النفس للعذاب (222) وقال الشيخ السعدي: «وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَبِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) وهذا هو الواجب على العبد أن يتوب إلى الله تعالى ويخرج من حق أخيه المسلم، باستحلاله والاستغفار، والمدح له مقابلة على ذمه. {وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَبِكَ هُم الظَّالِمُونَ) فالناس قسمان: ظالم لنفسه غير تائب، وتائب مفلح، ولا ثَمَّ قسم ثالث غيرهما» (223).
***
وأمر الله تعالى عباده المؤمنين بقوله: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُمْ} [محمد: 33].
قال القرطبي: «أي: حسناتكم بالمعاصي؛ قاله الحسن. وقال الزُّهْرِي: بالكبائر. ابن جريج: بالرياء والسمعة وقال مقاتل والثمالي: بالمن؛ وهو خطاب لمن كان يمن على النبي بإسلامه. وكله متقارب، وقول الحسن يجمعه. وفيه إشارة إلى أن الكبائر تحبط الطاعات والمعاصي تخرج عن الإيمان ... وعن أبي العالية كانوا يرون أنه لا يضر مع الإسلام ذنب؛ حتى
نزلت هذه الآية فخافوا الكبائر أن تحبط الأعمال» (224).
(221) تفسير الشوكاني، 86/ 5، من تفسير الآية 11 من سورة الحجرات. (222) تفسير أبي السعود، 117/ 6.
(223) تفسير السعدي، ص 767، من تفسير الآية 11 من سورة الحجرات. (224) تفسير القرطبي، 168/ 16. (1/78)
صفحة 77
الفصل الأول
79
وقال الشوكاني: «والظاهر النهي عن كل سبب من الأسباب التي توصل
إلى بطلان الأعمال كائناً ما كان من غير تخصيص بنوع معين (225). وقال ابن عاشور: «وكان بعض السلف يخشى أن يكون ارتكاب الفواحش مبطلاً لثواب الأعمال الصالحة ويحمل هذه الآية على ذلك (226).
والله الرؤوف الرحيم أمر عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم أن ينذر المؤمنين من ويلات يوم الحشر، يوم لا ينفعهم أحد إن لم يتقوا الله تعالى في هذه الدنيا، حيث قال سبحانه: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دونِهِ، وَلي وَلَا شَفِيعُ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأنعام: 51].
الله،
قال الطبري: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ} علماً منهم بأن ذلك كائن فهم مصدّقون بوعد الله ووعيده، عاملون بما يرضي دائمون في السعي فيما ينقذهم في معادهم من عذاب الله. {لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيُّ) أي: ليس لهم من عذاب الله إن عذبهم ولي ينصرهم فيستنقذهم منه. {وَلَا شَفِيعُ) يشفع لهم عند الله تعالى فيخلصهم من عقابه. لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) يقول: أنذرهم كي يتقوا الله في أنفسهم، فيطيعوا ربهم ويعملوا لمعادهم ويحذروا سخطه باجتناب معاصيه (227).
* * *
والله العدل لم يحاب في حكمه أحداً ولو كان فرداً من أفراد أطهر بيت عرفته الإنسانية، حيث قال سبحانه وهو يخاطب نساء الرسول: ينساء
(225) تفسير الشوكاني 54/ 5، من تفسير الآية 33 من سورة محمد. (226) تفسير ابن عاشور، 107/ 26، من تفسير الآية 33 من سورة محمد. (227) تفسير الطبري، 200/ 7. (1/79)
صفحة 78
80
معالم الحق
النَّبِي مَن يَأْتِ مِنكُن بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضعف لها العذاب ضعفين وكان ذالك على الله يسيرا} [الأحزاب: 30]، فلم يعدهن الله جل وعلا بالشفاعة والنجاة من العذاب إن من أقدمن - وحاشاهن ـ على الفواحش، ولكن هو القانون النافذ على الجميع من غير محاباة لأحد.
قال الشيخ محمد متولي الشعراوي عند تفسيره لهذه الآية الكريمة: لذلك بدأ الحق سبحانه التوجيه لنساء النبي بقوله: {مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مبينة ... [الأحزاب: 30] لكن الفاحشة أمر مستبعد، فكيف يتوقع الذنوب من نساء رسول الله؟ قالوا: ولم لا، وقد خاطب الله تعالى نبيه بقوله: لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلكَ ... [الزمر: 65]. ومعلوم أن رسول الله ليس مظنة الوقوع في الشرك، إذن فالمعنى، يا محمد ليس اصطفاؤك يعني أنك فوق المحاسبة، كذلك الحال بالنسبة لنسائه: إن فعلت إحداكن فاحشة، فسوف نضاعف لها العذاب ولن نستر عليها لمكانتها من رسول الله، فإياكُن أن تظنن أن هذه المكانة ستشفع لكُنَّ، وإلا دخلت المسألة في نطاق: إذا سرق الوضيع أقاموا عليه الحد، وإذا سرق الشريف تركوه. إذن: منزلة الواحدة منكُن ليست في كونها مجرد زوجة لرسول الله، إنما منزلتها بمدى التزامها بأوامر الله» (228).
***
وأي شفاعة يرجوها العصاة المصرون على ذنوبهم والرسول صلى الله عليه وسلم يأمره ربه أن يقول للعالمين: إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)
[الأنعام: 15]؟.
قال الشوكاني: «أي: إن عصيته بعبادة غيره أو مخالفة أمره أو نهيه.
(228) تفسير الشعراوي، 12010/ 19، من تفسير الآية 30 من سورة الأحزاب. (1/80)
صفحة 79
الفصل الأول
81
والخوف توقع المكروه؛ وقيل: هو هنا بمعنى العلم؛ أي: إني أعلم إن عصيت ربي أن لي عذاباً عظيماً» (229).
وقال الألوسي: «أي: بمخالفة أمره ونهيه أي عصيان كان فيدخل فيه ما ذكر دخولاً أولياً» (230).
ولقد بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم حكم الله النافذ على الرسل عليهم السلام وغيرهم إن هم عصوا أوامر الله تعالى، ولم يذكر شفاعة ولا عفواً بل ذكر عذاباً في يوم عظيم.
فهذه الآية فيها الكفاية للرد على المروجين للروايات الضعيفة والأفكار الخاطئة التي جعل منها معاليق لأوهام وأماني العصاة من أتباع هذه الأمة.
***
شفاعة
ولقد لعن الله سبحانه وتعالى الكاتمين للعلم النافع ولم يعدهم. ولا رحمة، فقد قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ والهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيْنَهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَبِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَهُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159].
قال الإمام الطبري: «وهذه الآية وإن كانت نزلت في خاص من الناس، فإنها معني بها كل كاتم علماً فرض الله تعالى بيانه للناس. وذلك نظير الخبر الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ، أَلْحِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامِ مِنْ نَارِ» (131).
(229) تفسير الشوكاني، 147/ 2، من تفسير الآية 15 من سورة الأنعام.
(230) تفسير الألوسي، 105/ 4.
(231) تفسير الطبري، 53/ 2. (1/81)
صفحة 80
82
معالم الحق
وقال الشوكاني: «وفي هذه الآية من الوعيد الشديد ما لا يقادر قدره، فإن من لعنه الله، ولعنه كل من يتأتى منه اللعن من عباده قد بلغ من الشقاوة، والخسران إلى الغاية التي لا تلحق ولا يدرك كنهها» (232).
وقال الشيخ السعدي: «فالكاتم لما أنزل الله مضاد لأمر الله، مشاق الله، الله الآيات للناس ويوضحها، وهذا يطمسها ويعميها، فهذا عليه هذا يبين الوعيد الشديد
(233)
وقال الإمام الرازي عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أنزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولَيكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيِّمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ. أَوَلَيكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [البقرة: 174 - 175]: «المسألة الثالثة: العبرة اللفظ لا بخصوص السبب فالآية وإن نزلت في اليهود لكنها عامة في حق كل من كتم شيئاً من باب الدين يجب إظهاره فتصلح لأن يتمسك بها القاطعون بوعيد أصحاب الكبائر والله اعلم (334).
بعموم
نشكر الإمام الرازي على هذه الكلمات، ولكننا نتسائل: أوليس من الأولى له أن يتمسك بها كذلك؟.
فالكاتم لحكم الله تعالى الذي أنزله في كتابه الكريم هو من أصحاب الكبائر وقد لعنه الله تعالى، وأخبر الله أن لعنه متكرر على ألسنة اللاعنين.
فأي وعيد أشد من هذا الوعيد؟.
(232) تفسير الشوكاني، 302/ 1، من تفسير الآية 159 من سورة البقرة.
(233) تفسير السعدي، ص
(234) تفسير الرازي، 26/ 5.
62، من تفسير الآية 159 من سورة البقرة. (1/82)
صفحة 81
الفصل الأول
83
وأين موقع الشفاعة المزعومة لأصحاب هذه الكبيرة هنا؟.
وهذه الآية تصلح لجميع أصحاب الكبائر، فكان على الإمام الرازي
وغيره الأخذ بها وترك كل ما خالفها من روايات ضعيفة.
***
فهذه الآيات الكريمة تخاطب المجمتع المسلم وتبين له مصير من خالف أمر الله وتعدى حدوده، فليس للروايات الضعيفة أي وزن أمام هذا البيان الذي ينبغي للمسلمين ترجمته في واقع حياتهم من غير ركون إلى الأماني الزائفة والأقوال الباطلة.
من
من
الاعتقاد
مع
وقد بيّن ابن عاشور الداء الذي انتقل إلى جسم. هذه الأمة. من موروثات الأمم السابقة، حيث قال: «أي إنّهم فعلوا ما فعلوا بسبب زعمهم أنهم في أمان العذاب إلّا أياماً قليلة، فانعدم اكتراثهم باتباع الحق؛ لأن اعتقادهم النجاة عذاب الله على كل حالٍ جَرّأهم على ارتكاب مثل هذا الإعراض. وهذا بطلانه مؤذن أيضاً. بسفالة همتهم الدينية، فكانوا لا ينافسون في تزكية الأنفس. وعبر عن الاعتقاد بالقول دلالة على أن هذا الاعتقاد لا دليل عليه وأنه قول مفترى مدلّس، وهذه العقيدة عقيدة اليهود، كما تقدم في البقرة. وقوله: {وَغَيَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [آل عمران: 24] أي: ما تقولوه على الدين وأدخلوه فيه، فلذلك أتي بفي الدالة على الظرفية المجازية. ومن جملة ما كانوا يفترونه قولهم: ولن تمسنا النار إلا أنا ما مَعْدُودَةً} [البقرة: 80]، وكانوا أيضاً يزعمون أنّ الله وعد يعقوب ألّا يعذب أبناءه.
وقد أخبر الله تعالى عن مفاسد هذا الغرور والافتراء بإيقاعها في الضلال الدائم، لأن المخالفة إذا لم تكن عن غرور فالإقلاع عنها مرجوّ، أما المغرور (1/83)
صفحة 82
84
معالم الحق
فلا يترقب منه إقلاع. وقد ابتلي المسلمون بغرور كثير في تفاريع دينهم وافتراءات من الموضوعات عادت على مقاصد الدين وقواعد الشريعة بالإبطال، وتفصيل ذلك في غير هذا المجال (235).
وقال سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله تعالى: «وبهذا تعلم أخي القارئ أن القول بتحول الفجار من العذاب إلى الثواب ما هو إلا أثر من آثار الغزو اليهودي للفكر الإسلامي، وقد تنبه لذلك العلامة الجليل السيد محمد رشيد رضا، فقال في مقدمة تفسيره لسورة البقرة من المنار: (القاعدة السادسة أن الجزاء على الإيمان والعمل معاً لأن الدين إيمان وعمل، ومن الغرور أن يظن المنتمي إلى دين نبي من الأنبياء أنه ينجو من الخلود في النار بمجرد الانتماء والشاهد عليه ما حكاه الله لنا عن بني اسرائيل من غرورهم بدينهم، وما رد به عليهم حتى لا نتبع سنتهم فيه ... ) 1336.
فهذا الكلام الذي قاله ابن عاشور هنا هو تفسير قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَب يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وإن يأتهم عرضُ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذَ عَلَيْهِم مِيثَقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأعراف: 169].
وقال الإمام الطبري: فتأويل الكلام إذن: فتبدّل من بعدهم بدل سوء، ورثوا كتاب الله: تعلموه، وضيّعوا العمل به فخالفوا حكمه، يُرْشَوْنَ في حكم الله، فيأخذون الرشوة فيه من عرض هذا العاجل الأدنى، يعني
(235) تفسير ابن عاشور، 66/ 3. (236) الحق الدامغ، ص 190. (1/84)
صفحة 83
الفصل الأول
85
بالأدنى: الأقرب من الأجل الأبعد، ويقولون إذا فعلوا ذلك: إن الله سيغفر لنا ذنوبنا تمنياً على الله الأباطيل» (237).
فعلى المسلمين ترك الأماني الباطلة واتباع آيات الله تعالى التي خاطبت
الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل بيته والمسلمين، ففي هذا النجاة في الآخرة والدنيا. قال ابن القيم: «والأماني الباطلة هي رؤوس أموال المفاليس، بها يقطعون أوقاتهم ويلتذون بها كالتذاذ من زال عقله بالمسكر، أو بالخيالات الباطلة. وفي الحديث المرفوع «الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني». ولا يرضى بالأماني عن الحقائق إلا ذوو النفوس الدنيئة الساقطة» (238).
وقال الزمخشري: « ... يقال لأصحاب الأعراف: ادخلوا الجنة، وذلك بعد أن يحبسوا على الأعراف وينظروا إلى الفريقين ويعرفونهم بسيماهم ويقولوا ما يقولون. وفائدة ذلك بيان أن الجزاء على قدر الأعمال، وأن التقدم والتأخر على حسبها، وأن أحداً لا يسبق عند الله إلا بسبقه في العمل، ولا يتخلف عنده إلا بتخلفه فيه وليرغب السامعون في حال السابقين ويحرصوا على إحراز قصبتهم، وليتصوروا أن كل أحد يعرف ذلك اليوم بسيماه التي استوجب أن يوسم بها من أهل الخير والشر، فيرتدع المسيء عن إساءته، ويزيد المحسن في إحسانه. وليعلم أن العصاة يوبخهم كل أحد حتى أقصر الناس عملاً (239).
(237) تفسير الطبري، 105/ 9.
(238) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، 114/ 3 - 115. (239) الكشاف 81/ 2، من تفسير الآية 49 من سورة الأعراف. (1/85)
صفحة 84
86
معالم الحق
روايات تُثبت أن الإنسان مؤاخذ بأعماله:
إن الناظر في الروايات الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم في موضوع تحميل النفس العاملة تبعات أعمالها يدرك تمام الإدراك أن فكرة الشفاعة للمتلبسين بالذنوب يوم القيامة لا أصل لها وتناقضها نصائح الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل بيته وأصحابه وكافة المسلمين إلى القيامة. يوم
وإليك أخي القارئ هذه الطائفة من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم: -
روى الإمام مسلم 240): وحدثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى ابْنُ الْمُسَيْبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: {وَأَنذِرْ عشيرتك الأقربِينَ} [الشعراء: 214) «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشِ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللَّهِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهُ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ الله شَيْئًا، يَا صَفِيَّةٌ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ سَلِينِي بِمَا شِئْتِ، لَا أُغْنِي
عَنْكَ مِنَ الله شَيْئاً».
في هذه الرواية لم يعد الرسول صلى الله عليه وسلم أهل بيته الكرام الشفاعة بل أعلن لهم كما أعلن لغيرهم أنه لا يغني عنهم شيئاً. القيامة.
***
يوم
وروى الإمام مسلم: وحدثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظْمَهُ وَعَظُمَ أَمْرَهُ، ثُمَّ قَالَ: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ
(240) صحيح مسلم، الرواية: 206، ص 144. (1/86)
صفحة 85
الفصل الأول
AV DO
يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرُ لَهُ رُغَاءٌ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْنُنِي. فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئاً قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ. فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا. قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءُ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئاً قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيء يَوْمَ الْقِيَامَةِ، على رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صُبَاحٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْتُنِي. فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئاً قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئاً. قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ. فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئاً. قَدْ أَبْلَغْتُكَ».
أخرج هذه الرواية الإمام مسلم (24)، وابن حبان (242)، وأبو يعلى (243)، (244)، وابن راهويه (245).
والبيهقي فالرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الرواية وغيرها يعلن لكل غاصب ومتأثل لمال حرام أنه لا يملك له يوم القيامة من شيء أمام العدالة الإلهية؛ فلا شفاعة ولا محاولة إغاثة، فقد صدق النذير ووقع الحكم وجوزي كل
بعمله.
* * *
(242)
(241) صحيح مسلم، الرواية: 1831، ص 826. صحيح ابن حبان الرواية: 4847 و 4848، 182/ 11 - 185. (243) مسند أبي يعلى الرواية: 6088، والرواية: 6103. (244) سنن البيهقي الكبرى الرواية: 18579، 408/ 13. (245) مسند إسحاق بن راهويه، 116/ 1 - 117. (1/87)
صفحة 86
88
معال الحق
وروى الطبراني (246): حدثنا أحمد بن عمرو الخلال المكي ثنا يعقوب بن
أن
حميد ح وحدثنا محمد بن العباس الأخرم الأصبهاني ثنا عبد الوهاب بن عبد الحكيم الوراق قالا: ثنا أنس بن عياض عن أبي حازم عن سهل بن سعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل
قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم وإن محقرات الذنوب متى يأخذ بها صاحبها تهلكه»».
فالرسول الكريم يحذر أمته من صغائر الذنوب التي إذا تراكمت على
أصحابها فستكون مهلكة لهم، والعياذ بالله.
* * *
وروى أبو يعلى (247): حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري حدثنا يزيد بن زريع حدثنا عمر بن محمد عن عبد الله بن يسار عن سالم بن عبد الله أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا يدخلون الجنة، وثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، العاق لوالديه والديوث والمرأة المترجلة، وثلاثة لا ينظر القيامة فثنى العاق لوالديه ومدمن الخمر، والمنان بما أعطى»».
عن
الله
إليهم يوم
وأخرج هذه الرواية الحاكم (248)، والبيهقي (249)، والطبراني (250) (251)،
(252)
والإمام أحمد"
(246) المعجم الكبير، الرواية: 5872. (247) مسند أبي يعلى، الرواية: 5559.
(248) المستدرك على الصحيحين الرواية: 244، 144/ 1. (249) سنن البيهقي الكبرى الرواية: 21491، 333/ 15. (250) المعجم الكبير، الرواية: 13180. (251) المعجم الأوسط، الرواية: 2443، 43/ 2.
(252) مسند الإمام أحمد، الرواية: 6180، ص 472. (1/88)
صفحة 87
الفصل الأول
89
في
هذه الرواية لم يعد الرسول أصحاب هذه الذنوب بالشفاعة، بل توعدهم بعدم دخول الجنة وعدم رحمة الله تعالى لهم. وكفى بهذا الإنذار رادعاً لأهل الكبائر وإسكاتاً للمروجين لفكرة الشفاعة في أوساط العصاة.
***
وروى الإمام البخاري: «حدثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ المُبارَكِ حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوبُ ويُونُسُ عن الحسَن عن الأَحْنَفِ بنِ قَيْسٍ قال: ذَهَبتُ لأنْصُرَ هذا الرَّجُلَ، فَلَقِيَني أبو بكرة فقال: أينَ تُريدُ؟ قلتُ: أنصُرُ هذا الرَّجُلَ: قال: ارْجِعْ، فإنّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا التقى المُسْلِمان بسَيْفَيْهما فالقاتل والمقتول في النار. فقلتُ: يا رسول الله هذا القاتِلُ، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه».
أخرج هذه الرواية الإمام البخاري (253)، والإمام مسلم (254)، وأبو داود (25)، والنسائي (256)، وابن ماجه (257)، والإمام أحمد (258)، وابن حبان (259)، والبيهقي (26)، وغيرهم. وهذه كبيرة أخرى من كبائر الذنوب بين الرسول صلى الله عليه وسلم حكم فاعلها يوم
القيامة ولم يبشره بشفاعة.
***
(253) صحيح البخاري، الرواية: 31، ص
ص 1252 - 1253.
والرواية: (6875، 1215/ 6. والرواية: 7083،
(254) صحيح مسلم، الرواية: 2888 ص 1210 - 1211.
(255) سنن أبي داود، الرواية: 4268، ص 669.
(256) سنن النسائي الكبرى الروايات 3583 - 3589، 315/ 2 - 316. (257) سنن ابن ماجه الروايات 3963 - 3965، ص 639. (258) مسند الإمام أحمد، الرواية: 20711، ص 1498، والرواية: 20793، ص 4 (259) صحيح ابن حبان الرواية 5945، 273/ 13 والرواية: 5981، 319/ 13.
(260) سنن البيهقي الكبرى، الروايات: 17130 - 17131، 366/ 12 - 367.
10.8. (1/89)
صفحة 88
90
معال الحق
وروى الإمام مسلم: «حدثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهَ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. فقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِس مِنْ أُمَّتِي، يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا. فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ. فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ. أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرحَ فِي النَّارِ».
أخرج هذه الرواية الإمام مسلم (26)، والترمذي (262)، والإمام أحمد (263)، وابن حبان (264)، والبيهقي (265)، وأبو يعلى"
(266)
***
وجاء في صحيح مسلم: حدثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. جَمِيعاً عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ. قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَلَاءُ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى الْحُرَقَةِ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ السَّلَمِيِّ عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِاءٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيراً، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَضِيباً مِنْ أَرَاكِ»».
(261) صحيح مسلم، الرواية: 2581، ص 1102. (262) سنن الترمذي، الرواية: 2418،. ص 574 - 575. (263) مسند الإمام أحمد، الروايات: 8016، و 8395، و 8829.
(264)
صحيح
ابن حبان الرواية: (7359، 359/ 16. والرواية: 4411، 259/ 10 - 260.
(265) سنن البيهقي الكبرى، الرواية: 11592، 490/ 8.
(266) مسند أبي يعلى، الرواية: 6504. (1/90)
صفحة 89
الفصل الأول
91
أخرج هذه الرواية الإمام مسلم (267)، وابن حبان (268)، والدارمي (269)،
وغيرهم.
(TV)
وجاء عند الإمام مسلم (270): حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الحُرْ عَنْ أَبِي ذَرْ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ. قَالَ أَبُو ذَرَ: خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بالحلف الكاذب».
وأخرج هذه الرواية كذلك ابن حبان (271)، وأبو داود (272)، والترمذي (273)، وابن ماجه (274)، والدارمي (275)، والطيالسـ (276)، وابن أبي شيبة (277)،
وغيرهم.
(267) صحيح مسلم، 137، ص 109.
(268)
***
صحيح
ابن حبان الرواية: 5087 483/ 11.
(269) سنن الدارمي، 266/ 2.
(270) صحيح مسلم، الرواية: 106، ص 98.
(271) صحيح ابن حبان الرواية: 4907، 272/ 11.
(272) سنن أبي داود الرواية: 4087،.
ص
643
(273) سنن الترمذي الرواية: 1211، ص 316. (274) سنن ابن ماجه الرواية: 2208، ص 353. (275) سنن الدارمي، 267/ 2.
(276) مسند الطيالسي الرواية: 467، 243/ 1.
(277) مصنف ابن أبي شيبة، الرواية: 22333، 251/ 6. (1/91)
صفحة 90
92
مخالد الحق
يحيى
بن
وجاء عند الإمام البخاري: «حدثني بِشْرُ بنُ مَرْحومٍ حَدَّثَنا سليم عن إسماعيل بن أُمَيَّةَ عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة له عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يومَ القِيامة: رجلٌ أعطى بي ثم غَدَر، ورجلٌ باعَ حُرّاً فأكل ثمَنَهُ، ورجلٌ استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يُعطه أجره»».
(278)
أخرج هذه الرواية الإمام البخاري وابن حبان (279)، والبيهقي (280)،
وابن ماجه (281)، وأبو يعلى (282)، وغيرهم.
***
وجاء عند الإمام مسلم: «حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ. حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، ح وَحَدَّثَنِي إِسْحَقَ بْنُ مَنْصُورٍ وَاللَّفْظُ لَهُ أَخْبَرَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا أَبَانٌ. حَدَّثَنَا يَحْيَى: أَنَّ زَيْداً حَدْثَهُ أَنْ أَبَا سَلَّامٍ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا مَالِكَ الْأَشْعَرِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيِّ قَالَ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لا يَتْرُكُونَهُنَّ الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنّيَاحَةُ». وَقَالَ: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالُ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ
مِنْ جَرب»».
(278)
(279)
صحيح
البخاري، الرواية: 2227 384، والرواية: 2270 صحيح ابن حبان الرواية 7339، 333/ 16.
ص
ص
393
(280) سنن البيهقي الكبرى الرواية 11119، 320/ 8، والرواية: 11752، 42/ 9.
(281) سنن ابن ماجه الرواية: 2442، ص 391.
(282)
مسند أبي يعلى، الرواية: 6576. (1/92)
صفحة 91
الفصل الأول
93
أخرج هذه الرواية الإمام مسلم (283)، والإمام أحمد (284)، وابن حبان (285)، والبيهقي (286)، وأبو يعلى (287)، والطبراني (28)، وابن أبي شيبة (289)،
وعبد الرزاق (290)، والحاكم
(291)
أصحاب هذه الكبائر لم يبشرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالشفاعة، بل حذرهم من
القطران وبئس المصير.
***
عن
وروى الإمام البخاري: حدثنا محمد. بن يوسف حدثنا سفيان منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: «لَعَنَ اللهُ الواشِماتِ والموتشمات والمتنمصات والمتفلجات للحُسْن، المغيراتِ خَلَقَ الله ... ».
أخرج هذه الرواية الإمام البخاري (292)، والإمام مسلم (293)، وأبو داود (294)،
(283) صحيح مسلم، الرواية: 934،
ص 398
(284) مسند الإمام أحمد، الروايات: 23291، 23292، و 23300.
(YAO)
صحيح ابن حبان الرواية: 3143، 413/ 7.
(286) سنن البيهقي الكبرى، الرواية: 7141، 420/ 5. (287) مسند أبو يعلى، الرواية: 1577.
(288) المعجم الكبير، الرواية: 3425.
(289) مصنف ابن أبي شيبة، الرواية: 12060، 264/ 3.
(290) مصنف عبد الرزاق الرواية: 6690 237/ 3.
(291) المستدرك على الصحيحين الرواية: 1413، 539/ 1.
(292) صحيح البخاري، الرواية: 4886، ص 893 وكذلك الرواية: 5931،.
والرواية: 5939، ص
ص،1070
1071، والرواية: 5943، ص،1072 والرواية: 5948، ص 1072.
(293) صحيح مسلم، الرواية: 2124، ص 946. (294) سنن أبي داود، الرواية: 4168، ص 654. (1/93)
صفحة 92
94
والترمذي
والبيهقي"
(295)، والنسائي (296)، والإمام أحمد (297)، وابن حبان (298)، (301)، والطيالس (299)، وأبو يعلى (300)، والطبراني
الجعد (303)، وابن أبي شيبة (304).
***
(302)، وابن
وذكر الإمام النووي في (رياض الصالحين) تحت باب «جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين» جملة من أصحاب الكبائر ممن لعنهم الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث قال الإمام النووي: «وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله الواصلة والمستوصلة»، وأنه لعن آكل الربا، وأنه لعن المصورين ... وأنه قال: «لعن الله من لعن
والديه» ... ».
***
وذكر عكاشة عبد المنان الطيبي في كتابه (هؤلاء لعنهم الله) مجموعة من المسلمين العصاة الذين طردهم الله تعالى في الدنيا والآخرة من
(295) سنن الترمذي، الرواية: 1759، ص 440، والرواية: 2783، ص 651. (296) سنن النسائي الكبرى، الرواية،9376، 421/ 5، والرواية: 9378، 421/ 5. (297) مسند الإمام أحمد، الروايات: 4129، و 4229، و 4343، و 4344، و 4434. ابن حبان الرواية 5505، 315/ 12، والرواية: 5504، 313/ 12 - 314.
(298)
صحيح
(299) سنن البيهقي الكبرى الرواية،15081، 173/ 11 - 174. (300) مسند أبي يعلى، الرواية: 5144.
(301) المعجم الكبير الرواية 10309، والرواية: 7595. (302) مسند الطيالسي الرواية: 1826، 388/ 2. (303) مسند ابن الجعد، الرواية: 738
(304) مصنف ابن أبي شيبة الرواية: 20973، 076/ 6 (305 رياض الصالحين، ص 929 - 930. (1/94)
صفحة 93
الفصل الأول
95
رحمته (30). وهذا الكتاب قيم في بابه لما فيه من بيان لمنزلة العصاة عند الله تعالى وعند رسوله في الدنيا والآخرة، والقارئ لهذا الكتاب يدرك تمام الإدراك أن فكرة العفو عن أصحاب الكبائر من المسلمين من غير توبة زنيم لا أصل لها في مصادر الشريعة في الإسلام.
وقال السيد عبد الحسين دستغيب: «قال الرسول: «للزاني ست خصال ثلاث في الدنيا وثلاث منها في الآخرة ... وأما التي في الآخرة فسخط الرب وسوء الحساب والخلود في النار»» (307).
وقال السيد عبد الحسين دستغيب: «وعنه: «لا ينال شفاعتي غداً من أخر الصلاة المفروضة بعد وقتها (308).
وقال السيد عبد الحسين دستغيب: «وعنه: «من اغتاب مؤمناً بما فيه لم يجمع الله بينهما في الجنة، ومن اغتاب مؤمناً بما ليس فيه انقطعت العصمة بينهما وكان المغتاب خالداً في النار وبئس المصير» (309).
فأصحاب الكبائر لم يبشرهم الرسول بالشفاعة والتجاوز عن الذنوب بل أعلن في وجوههم اللعنة والطرد من رحمة الله إن لم يتوبوا إلى ربهم توبة تطهرهم قبل الممات.
(306) قال عكاشة عبد المنان عند تعريفه اللغوي لكلمة (العن): «وقد قال الراغب في (المفردات): اللعن: الطرد والإبعاد على سبيل السخط، وذلك من الله في الآخرة عقوبة وفي الدنيا انقطاع من قبول رحمته وتوفيقه، ومن الإنسان دعاء على غيره». (هؤلاء لعنهم الله، ص 5). (307) الذنوب الكبيرة، 164/ 1، نقلا عن فروع الكافي 541/ 5، باب الزاني، ح 3. (308) الذنوب الكبيرة، 2/ 160. . .. نقلا. عن وسائل الشيعة ص 81، ح 13. (309) الذنوب الكبيرة،230/ 2، نقلا عن المكاسب، 1 باب الغيبة، ص
113 (1/95)
صفحة 94
96
معالم الحق
وهذه الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي ذكرناها هنا وغيرها من الروايات، تنطق بالأحكام الآتية في حق من عمل كبائر الذنوب ولم يتب
منها: -
«النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من
قطران ودرع من جرب».
لا يدخلون الجنة و ... لا ينظر الله إليهم يوم القيامة». . «من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالداً
مخلداً فيها أبدا».
«من تحسي سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم
خالداً مخلداً فيها أبدا».
جهنم
«من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار
خالدا مخلدا فيها أبداً».
«إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار».
«لعن الله الواشمات والموتشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن
المغيرات خلق الله».
«لا يدخل الجنة قتات».
«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر».
«أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة».
فالجنة عليه حرام».
«لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه». (1/96)
صفحة 95
الفصل الأول
97
«حرم الله عليه الجنة».
لم يدخل معهم الجنة».
فليتبوأ مقعده من النار».
«ثم طرح في النار».
«آيس من رحمة الله».
وجميع
***
أئمة الإسلام وعلمائه (1310) حينما خاطبوا المسلمين بروح الإسلام حذروهم أيما تحذير من الوقوع في مزالق الكبائر، واستحثوا المذنبين إلى الإنابة والرجوع إلى الله قبل الممات وفوات الأوان. وهذا مما يدل على أن رواية «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي - وإن اشتهرت وانتشرت في أوساط المسلمين - فهي سراب بقيعة لا وجود لها في ميادين العلم والعمل التي
أساسها آيات الله البينات والثابت الصحيح من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. وأئمة آل البيت اين هم من أشد الناس حرصاً على التمسك بأهداب هذا الدين وقد جاء عنهم التحذير من الوقوع في معاطب الزلل، وصرحوا بأبلغ عبارة أن لا شفاعة يوم القيامة لمن جاء ذلك اليوم بذنوب من غير توبة مقبولة عند الله تعالى والروايات الآتية فيها المنهج الذي ينبغي تطبيقه والعمل به ولأجله: -
لنا
(310) قال ابن القيم: «وأما الذوق الواجب فتناول الطعام والشراب عند الإضطرار إليه، وخوف الموت، فإن تركه حتى مات مات عاصياً قاتلاً لنفسه، قال الإمام أحمد وطاووس: من اضطر إلى أكل الميتة فلم يأكل حتى مات، دخل النار». (مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، 184/ 1). (1/97)
صفحة 96
98
محال الحق
قال ابن الجعد في الرواية الصحيحة عن الإمام علي كرم الله تعالى، أنا شعبة، عن قتادة قال: سمعت أبا العالية قال: قال وجهه: حدثنا علي، عليه: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، فأما اللذان في النار فرجل جار متعمداً فهو في النار، ورجل اجتهد، فأخطأ فهو في النار، أما الذي في الجنة فرجل اجتهد فأصاب الحق فهو في الجنة. قال قتادة: فقلت لأبي العالية: ما ذنب هذا الذي اجتهد فأخطأ؟ قال: ذنبه أن لا يكون قاضياً إذا لم يعلم (31).
(311)
قال الحيدري: «عن الإمام علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جده عن أبي جعفر الباقر عليهم السلام أنه قال لخيثمة: «أبلغ شيعتنا أنا لا نغني من الله شيئاً، وأبلغ شيعتنا أنه لا ينال ما عند الله إلا بالعمل، وأبلغ شيعتنا أن أعظم الناس يوم القيامة حسرة من وصف عدلاً ثم خالفه إلى غيره، وأبلغ شيعتنا أنهم إذا قاموا بما أمروا أنهم هم الفائزون يوم القيامة»» (312).
وقال السيد عبد الحسين دستغيب: وقال أيضا»: «لا ينال شفاعتي من استخف بصلاته فلا يرد علي الحوض لا والله ولا ينال شفاعتي من شرب المسكر لا يرد علي الحوض لا والله»» (313).
(311) مسند ابن الجعد، الرواية: 823. وجاءت هذه الرواية أيضاً في مصنف ابن أبي شيبة (الرواية: 18707، 355/ 5: حدثنا أبو بكر: قال حدثنا شبابة بن سوار عن شعبة عن قتادة قال: سمعت، رفيعاً أبا العالية قال قال علي: ...... هذه الرواية رأي الإمام علي كرم
الله وجهه.
وقال الإمام ابن كثير في تفسيره: «وفي السنن: القضاة ثلاثة: قاض في الجنة، وقاضيان في النار، رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل حكم بين الناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار». (تفسير ابن كثير، 577/ 4). (312) الشفاعة، ص 179. (313) الذنوب الكبيرة، 203/ 1، نقلا عن وسائل الشيعة، 261/ 17، باب 15، ح 11. (1/98)
صفحة 97
الفصل الأول
99
وقال السيد عبد الحسين دستغيب أيضاً: «عن الإمام الباقر:
ما من رجل يشهد بشهادة زور على مال رجل مسلم ليقطعه إلا كتب الله له مكانه صكاً إلى النار» (314).
وقال السيد كمال الحيدري: «قال ابن أبي عمير: فقلت له: يابن رسول الله فكيف تكون الشفاعة لأهل الكبائر والله تعالى ذكره يقول: {وَلَا يَشْفَعُون إِلا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] ومن يرتكب الكبائر لا يكون
مرتضي به؟
فقال: يا أبا أحمد ما من مؤمن يرتكب ذنباً إلا ساءه ذلك ويذم عليه، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: «كفى بالندم توبة». وقال: «من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن ولم تجب له الشفاعة وكان ظالماً»، والله تعالى ذكره يقول: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ) [غافر: 18].
فقلت له: يابن رسول الله وكيف لا يكون مؤمناً من لم يندم على ذنب يرتكبه؟ فقال: يا أبا أحمد ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي وهو يعلم أنه سيعاقب عليها إلا ندم على ما ارتكب، ومتى ندم كان تائباً مستحقاً للشفاعة، ومتى لم يندم عليها كان مصراً، والمصر لا يغفر له لأنه غير مؤمن بعقوبة ما ارتكب، ولو كان مؤمناً بالعقوبة لندم، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: «لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار»» (315).
(314) الذنوب الكبيرة، 271/ 1، نقلا عن الكافي 383/ 7، باب شهد الزور، ح 1. (315) الشفاعة ص 243، وعلق الحيدري على هذه الرواية بقوله: «وقوله: «ومتي ندم كان تائباً مستحقاً للشفاعة ليس المراد التوبة المصطلحة لأنها بنفسها شفيعة منجية
كما سيأتي، وإنما المقصود الرجوع إلى الله تعالى وإلى الدين فيكون مرضياً مستحقاً
للشفاعة» (الشفاعة ص
(244 (1/99)
صفحة 98
100
محال الحق
قال السيد عبد الحسين دستغيب: هناك بعض الذنوب الكبيرة يحرم صاحبها من الشفاعة وهذا ما صرحت به بعض الروايات، كالاستخفاف بالصلاة، كما ورد عن الإمام الصادق: لا تنال شفاعتنا من استخف
بصلاته» (316).
وقال السيد عبد الحسين دستغيب أيضاً: «وفي صحيحة أبي ولاد: سمعت أبا عبد الله لا يقول: من قتل نفسه متعمداً فهو في نار جهنم.
فيها (317).
خالداً
وقال السيد عبد الحسين دستغيب أيضاً: «أي: تتفرق أعمالهم الحسنة لانعدام الورع ولارتكابهم الحرام كالغبار في الهواء فلا تعود لهما أي قيمة. يقول العلامة المجلسي في شرح الحديث يدل هذا الحديث على حبط الطاعات والعبادات وزوالها بسبب المعصية» (318).
وقال السيد عبد الحسين دستغيب أيضاً: «الشفاعة توجب الأمل
لا الغرور:
بأن
يتضح. مما
مر أن موضوع الشفاعة لا يسبب الغرور والجرأة على المعصية، بل هو سبب لقوة الرجاء، ويشجع الشخص على التوبة والإنابة للوصول إلى الدرجات الرفيعة عن طريق التوبة والإنابة والأعمال الصالحة على أمل شفاعة أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام قاصداً مقامات قرب رب العالمين» (319).
يسعى
(316) الذنوب الكبيرة، 20/ 1، نقلا عن بحار الأنوار المجلد 3 باب الشفاعة. (317) الذنوب الكبيرة، 104/ 1، نقلا عن الوسائل: 13/ 19، باب 5، ح 1.
(318) الذنوب الكبيرة، 17/ 1.
(319) الذنوب الكبيرة، 22/ 1. (1/100)
صفحة 99
الفصل الأول
1.1
فهذه الأقوال التي نقلناها عن الإمام علي كرم الله وجهه وعن الإمامين الصادق والرضا تردُّ كل كتابات القائلين بالشفاعة لأهل الكبائر، وتبين في سطور قليلة الحقيقة التي أظهرتها الروايات الصحيحة في حق من انتقل إلى الدار الآخرة بذنوب من غير توبة نصوح وإنابة إلى الله تعالى.
الأمة
وبعد عرض رواية «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» على منهج الإسلامية تبين لنا ضعف طرقها، ومناقضة متنها لما جاءت به آيات الله تعالى البينات ولما ثبت عن الرسول. وقد صرح الشيخ المراغي في تفسيره بعدم ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر في القرآن الكريم حيث قال: «وإذاً فليس في القرآن الكريم نص قاطع في ثبوتها ...
(320)
فالتصور أن لأهل الكبائر شفاعة لم يأت من طريق صحيحة تبنى عليها عقيدة ويؤسس فوقها منهج حياة. فعلى العصاة الندم والإقلاع والعزم على عدم الرجوع إلى المعاصي ورد المظالم إلى أهلها، فعندئذ يُخلص الإنسان في الدعاء راجياً من الله تعالى قبول توبته وتسديد خطاه في ما بقي من
حياته.
وفي القسمين الآتيين من هذا الفصل سنعرض إن شاء الله تعالى روايات أخرى احتج بها القائلون بالشفاعة لأهل الكبائر على منهاج الأمة الإسلامية العادل والله المعين والموفق إلى كل خير.
(320) تفسير المراغي، 97/ 1 - 98. وتتمة أقوال المراغي .... ولكن جاء في السنة الصحيحة ما يؤيد وقوعها كقوله «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، فمن كذب بها لم ينلها»»، هذه الرواية التي أشار إليها الشيخ المراغي لا تقوم بها حجة لضعف طرقها كما تبين
في هذا البحث. (1/101)
صفحة 100
روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى
ا فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّفِعِينَ} [المدثر: 48].
وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْأَرْفَةِ إِذا الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرٍ كَظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ) [غافر: 18].
وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة: 48].
فَمَا لَنا من شَفِعِينَ} [الشعراء: 100].
قال ابن عطية عند تفسيره لقوله تعالى: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّيْفِعِينَ: ثم أخبر تعالى أن شفاعة الشافعين لا تنفعهم فتقرر من ذلك أن ثم شافعين، وفي صحة هذا المعنى أحاديث: ... » (32).
وقال ابن عطية عند تفسيره لقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسُ عَن نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ: - و معنى لا ولا تنفَعُها شَفَعَةُ} [البقرة: 123] أي: ليست ثم ـ وليس المعنى أنه يشفع فيهم أحد فيرد، وإنما نفى أن تكون ثم شفاعة على أحد ما هي في الدنيا، وأما الشفاعة التي هي في تعجيل الحساب فليست بنافعة لهؤلاء
(321) تفسير ابن عطية، ص 1921، من تفسير الآية 48 من سورة المدثر. (1/102)
صفحة 101
الفصل الأول
103
الكفرة في خاصتهم، وأما الأخيرة التي هي بإذن من الله تعالى في أهل المعاصي من المؤمنين فهي بعد أن أخذ العقاب حقه، وليس لهؤلاء المتوعدين من الكفار منها شيء» (322).
(322)
هذه الآيات صريحة في نفي منفعة الشفاعة وليس فيها دليل على إثبات الشفاعة لأي أحد. وذكر أنواع الشفاعات، وحصر المنتفعين بها في الآخرة اعتماداً على هذه الآيات إنما هو قفز بالأفكار بعيداً عن المدلولات الواضحة التي سجلتها هذه الآيات من التحذير من هول يوم القيامة الذي لا يقبل فيه فداء ولا يجازى فيه أحد أحد.
عن
فليس هنا ذكر للشفاعة التي أُريد منها تعجيل الحساب، وليس هنا ذكر
للشفاعة التي بمعنى إخراج أهل المعاصي من المسلمين من النار.
ولقد اعتمد ابن عطية هنا على مفهوم المخالفة وعلى روايات ضعيفة لأجل إثبات الشفاعة وإخراج العصاة من النار. وبالنظر في مدى صلاحية (مفهوم المخالفة في إثبات المعتقدات وبالنظر في حال الروايات التي ذكرها ابن عطية وغيره عند تفسير هذه الآيات الكريمة، نعرف أن هذه الآيات ليس فيها ما يشير إلى الشفاعة للعصاة. هذه الأمة. من
ما مدى حجية مفهوم المخالفة؟
فهذا الأسلوب الذي اعتمده ابن عطية وغيره هنا في إثبات الشفاعة عند الأصوليين بـ (مفهوم المخالفة) وهو ضعيف في
للعصاة
يسمى
الاستدلال، ولا يقوى لإثبات أمر عقدي، أو حكم فقهي.
وقد ذكر ابن عطية نفسه المنهج المتبع في التعامل مع (مفهوم المخالفة)، فقد قال في مواضع من تفسيره: -
(322) تفسير ابن عطية ص 130، من تفسير الآية 123 من سورة البقرة. (1/103)
صفحة 102
104
)
محالة الحق
وفي هذه الألفاظ التي لرسول الله صلى الله عليه وسلم رفض إلزام دليل الخطاب، وذلك أن دليل الخطاب يقتضي أن الزيادة على السبعين يغفر معها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ولو علمت فجعل ذلك مما لا يعلمه، ومما ينبغي أن يتعلم ويطلب علمه من الله، ففي هذا حجة عظيمة للقول برفض دليل
الخطار
(323)
وقال أيضاً: « ... واعلم أنه لا يغفر لهم دون حد في الاستغفار، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: لو علمت أني لو زدت غفر لهم نص على رفض دليل الخطاب» (324). وقال في موضع آخر: «والفسق: الخروج عن نهج الحق، وهو مراتب متباينة، كلها مظنة للكذب وموضع تثبت وتبين وتأنس القائلون بقبول خبر الواحد بما يقتضيه دليل خطاب هذه الآية، لأنه يقتضي أن غير الفاسق إذا جاء بنبإ أن يعمل بحسبه، وهذا ليس باستدلال قوي وليس هذا موضع الكلام على مسألة خبر الواحد» (325).
وقال الإمام الرازي: وثالثها: هب أن قوله: {أَحْقابًا} [النبأ: 23] يفيد التناهي، لكن دلالة هذا على الخروج دلالة المفهوم، والمنطوق دل على أنهم لا يخرجون قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَرِمِينَ مِنها وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [المائدة: 37] ولا شك أن المنطوق راجح 326).
(323) تفسير ابن عطية ص 868 من تفسير الآية 80 من سورة التوبة. (324) تفسير ابن عطية ص 1860 - 1861، من تفسير الآية 6 من سورة المنافقون. قال ابن عطية قبل هذه العبارة: وفي حديث آخر: لو علمت أني إن زدت على السبعين غفر لهم لزدت»، فكأنه عليه الصلاة والسلام رجا ا هذا الحد ليس على جهة الحتم جملة، بل على أن ما يجاوزه يخرج عن حكمه، فلما فعل ابن، أبي وأصحابه ما فعلوا شدد الله تعالى عليهم في هذه السورة ... ». (325) تفسير ابن عطية، ص 1742 - 1743، من تفسير الآية 6 من سورة الحجرات. (326) تفسير الرازي، 15/ 31. (1/104)
صفحة 103
الفصل الأول
1.0
وضرب الشيخ الشنقيطي الأمثلة التالية في توضيح معنى هذا المصطلح
ومدى حجيته عند جمهور العلماء، حيث قال: -
ولو سلمنا تسليماً جدلياً أن مثل هذه الآية (327) يدخل في مفهوم اللقب، فجماهير العلماء على أن مفهوم اللقب لا عبرة به، وربما كان اعتباره كفراً كما لو اعتبر معتبر مفهوم اللقب في قوله تعالى: {تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) فقال: يفهم من مفهوم لقبه أن غير محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن رسول الله، فهذا كفر بإجماع المسلمين. فالتحقيق أن اعتبار مفهوم اللقب لا دليل عليه شرعاً ولا لغة ولا عقلاً، سواء كان اسم جنس، أو اسم عين أو اسم جمع أو غير ذلك. فقولك: جاء زيد لا يفهم منه عدم مجيء عمرو. وقولك: رأيت أسداً، لا يفهم منه عدم رؤيتك لغير الأسد» (328).
)
العلماء،
الثاني: أن مفهوم التربة مفهوم لقب، وهو لا يعتبر عند جماهير وهو الحق كما هو معلوم في الأصول (329).
وأجيب من قبل الجمهور بأن مفهوم اللقب ليس بحجة ... (330).
«وإذا علمت ذلك فاعلم أن تخصيصه من يسبح له فيها بالرجال في قوله يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِ وَالْآصَالِ • رِجَالُ} [النور: 36، 37] يدل بمفهومه على أن النساء يسبحن له في بيوتهن لا في المساجد، وقد يظهر للناظر أن مفهوم قوله: رجال مفهوم لقـ ب والتحقيق عند الأصوليين أنه
لا يحتج به
(331)
(327) الآية التي يفسرها الشيخ الشنقيطي هنا. الآية 31 من سورة الأحقاف.
(328) تفسير الشنقيطي، 264/ 7 - 265.
هي
(329) تفسير الشنقيطي، 31/ 2، من تفسير الآية 6 من سورة المائدة.
(330) تفسير الشنقيطي، 31/ 2.
(331) تفسير الشنقيطي، 155/ 6. (1/105)
صفحة 104
1.7
معالم الحق
فهذه الأقوال وغيرها - من الأقوال التي قالها ابن عطية وغيره ـ تثبت عدم اعتبار (مفهوم المخالفة) في الاحتجاج (332)، وتحكم بخطأ قول ابن عطية حين قال: «فتقرر من ذلك أن ثم شافعين»، وقوله أيضاً: «وأما الأخيرة التي هي بإذن من الله تعالى في أهل المعاصي من المؤمنين فهي بعد أن أخذ العقاب حقه»، فالآيات لا يفهم منها ثبوت شفاعة لأحد، وهذا هو الحق الذي علينا الأخذ به.
الروايات التي احتج بها ابن عطية وغيره:
وأشار ابن عطية إلى روايات اعتبرها مؤيدة لما ذهب إليه، فقد ذكر الرواية الضعيفة التي فيها: « ... فلا يبقى في النار من كان له إيمان (333).
وذكر ابن عطية (334) رواية منسوبة إلى الحسن البصري ضعيفة لورودها من قبل سعيد بن بشير الضعيف (336) عن
قتادة.
(335)
وهي
(332) لمزيد من العلم حول مفهوم المخالفة) راجع كتاب (طلعة الشمس) للإمام نور الدين السالمي ال، (526/ 1 وما بعدها). (333) تفسير ابن عطية، ص 1921، من تفسير الآية 48 من سورة المدثر. هذا النص الذي ذكره ابن عطية هنا جزء من رواية طويلة ذكرها ابن أبي شيبة (مصنف ابن أبي شيبة، الرواية: 33426، 678/ 8)، والحاكم (المستدرك على الصحيحين، الرواية: 8519، 541/ 4 - 543)، والطبراني (المعجم الكبير، الرواية: 9761). وهذه الرواية ضعيفة لورودها من قبل أبي الزعراء عبد الله بن هانئ الكندي الراوي عن
عبد الله بن مسعود. انظر ص 225 من هذا البحث)
(334) تفسير ابن عطية ص 1921، من تفسير الآية 48 من سورة المدثر.
(335) قال الإمام الطبري: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَمَا نَفَعُهُمْ شَفَعَةٌ الشَّفِمِينَ} [المدثر: 48] تعلمن أن الله يشفع المؤمنين يوم القيامة. ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إِنَّ مِنْ أُمَّتِي رجُلاً يُدْخِلُ اللهُ بِشَفاعَتِهِ الجَنَّةَ أَكْثَرَ مِنْ بَنِي تَمِيم. قال الحسن: أكثر من ربيعة ومضر، كنا نحدث أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته «. (تفسر الطبري، 167/ 29) (336) تقريب التهذيب: ت: 2283، 349/ 1. (1/106)
صفحة 105
الفصل الأول
»
(337)
107
وذكر الثعلبي" رواية منقطعة الإسناد منسوبة إلى الحسن البصري، وهي لا تقوم بها حجة لورودها من قبل ابن فنجويه الذي قال عنه الذهبي: ... قال شيرويه في تاريخه) كان ثقة صدوقاً، كثير الرواية للمناكير، حسن الخط، كثير التصانيف ... 338). ولورودها كذلك من قبل أحمد بن جعفر بن حمدان الدنوري الذي «اختل في آخر عمره (339).
وذكر الثعلبي رواية (340) جاء فيها: «من أمتي من سيدخل الله بشفاعته
الجنة أكثر من مضر».
وأخرج هذه الرواية أيضاً ابن ماجه (34)، وابن أبي شيبة (342)، والحاكم (343)،
حدثنا
(337) قال الثعلبي: «وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدثنا ابن حمدان قال: حدثنا ابن ماهان قال: موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد قال: حدثنا ثابت عن الحسن أن رسول الله قال: (يقول الرجل من أهل الجنة يوم القيامة أي ربي عبدك فلان سقاني شربة من الماء في الدنيا فشفعني فيه، فيقول اذهب فأخرجه من النار فيذهب فيتجسس النار
(338)
حتى يخرجه منها.
وبإسناد عن حماد عن خالد الحذاء عن عبد الله ابن شفيق عن رجل من بني تميم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليشفعن رجل من أمتي لأكثر من بني تميم) «تفسير الثعلبي، من تفسير الآية 48 من سورة المدثر».
سير أعلام النبلاء، 384/ 17.
(339) انظر ص 311 من هذا البحث.
(340) قال الثعلبي: «وأخبرنا الحسن قال: حدثنا عمر بن نوح البجلي قال: حدثنا أحمد بن
محمد بن شاهين قال حدثنا عبد الله بن عمر قال: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا داود بن أبي هند عن عبد الله بن قيس الأسدي عن الحرث بن أقشن قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أمتي من سيدخل الله بشفاعته الجنة أكثر من مضر). «تفسير الثعلبي، من
تفسير الآية 48 من سورة المدثر».
(341) سنن ابن ماجه الرواية: 4323، ص 701.
(342) مصنف ابن أبي شيبة، الرواية: 27437، 423/ 7.
(343) المستدرك، الرواية: 239،،143/ 1، والرواية 8752 635/ 4. (1/107)
صفحة 106
108
معالم الحق
وأبو يعلى (344)، وعبد بن حميد (345)، وابن أبي عاصم (346)، والطبراني في الكبير (347)، وابن خزيمة (348).
هذه الرواية التي أخرجها الثعلبي وغيره ضعيفة وذلك بسبب جهالة عبد الله بن قيس الأسدي النخعي، فقد قال ابن حجر في التهذيب: «قال علي بن المديني: عبد الله بن قيس الذي روى عنه داود بن أبي هند الحارث بن وقيش، وعنه داود بن أبي هند مجهول لم يرو عنه
سمع
غير داود، ليس إسناده بالصافي
(349)
وأخرج الترمذي رواية منسوبة إلى أبي سعيد الخدري من طريق
عطية العوفي الضعيف (350).
قال الترمذي: «حدثنا أبو عمار الحُسَيْنُ بنُ حُرَيْثٍ، أخبرنا الْفَضْلُ بنُ مُوسَى، عن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَةَ، عن عَطِيَّةَ، عن أبي سَعِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ الله قالَ: «إِنَّ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَشْفَعُ لِلفِتَامٍ مِنَ النَّاسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلقَبِيلَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلعُصْبَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلرَّجُلِ حَتَّى يَدْخُلُوا الجَنَّةَ»».
أخرج هذه الرواية الترمذي (351)، وابن خزيمة (352)، والإمام أحمد (353).
(344) مسند أبي يعلى، الرواية: 1581.
(345) منتخب عبد بن حميد الرواية: 443، ص 4
ITE,
(346) الآحاد والمثاني، (ذكر الحرث بن أقش الأسدي)، ص 3
(347) المعجم الكبير، الرواية: 3360.
(348) كتاب التوحيد الرواية: 471 742/ 2.
(349) تهذيب التهذيب: ت: 3662، 323/ 5.
(350) انظر: ص 241 من هذا البحث.
(351) سنن الترمذي، الرواية: 2439،
ص 579.
(352) كتاب التوحيد، الرواية: 475 - 476، 746/ 2 - 0747
(353) مسند الإمام أحمد الرواية 11165، والرواية: 11627.
203 - 204 (1/108)
صفحة 107
الفصل الأول
واحتج بها الألوس
(354)
109
(355)
وأخرج الطبري رواية جاء فيها: «لا يبقى في النار إلا أربعة أو ذو
الأربعة ... »، وقد نسبت تلك الرواية إلى عبد الله بن مسعود.
وذكرها واحتج بها البروسوي" والخازن (359)، واللالكائي (360).
(356)
والبغوي (357)، والثعلبي (358)
هذه الرواية ضعيفة وذلك بسبب أبي الزعراء (36) الراوي عن ابن مسعود.
وجاء عند تفسير قوله تعالى: {فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ) رواية تذكر خروج أناس من نار جهنم وهي رواية ضعيفة لورودها من قبل رجل مجهول بين الوليد بن مسلم وأبي الزبير.
(362)
فقد أورد البغوي" في تفسيره: «أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه حدثنا محمد بن
(354) تفسير الألوسي، 453/ 8.
(355) قال الإمام الطبري (167/ 29): «حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عمي وإسماعيل بن أبي خالد، عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء، قال: قال عبد الله: لا يبقى في النار إلا أربعة أو ذو الأربعة الشك من أبي جعفر الطبري ثم يتلو: {مَا سلكككُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِينَ * وَلَوْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَابِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) [المدثر: 41 - 46].
(356) تفسير روح البيان، 10/ 241.
(357) تفسير البغوي، 4/ 387.
(358) تفسير الثعلبي من تفسير الآية 48 من سورة المدثر. (359) تفسير الخازن من تفسير الآية 48 من سورة المدثر.
(360) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة الرواية: 2011، 2/ 130.
225
(361) انظر ص من هذا البحث.
(362) تفسير البغوي، 334/ 3. (1/109)
صفحة 108
110
صالح
محال الحق
الحسن اليقطيني أخبرنا أحمد بن عبد الله يزيد العقيلي حدثنا صفوان بن حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا من سمع أبا الزبير يقول: أشهد لسمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ الرجل الله ليقول في الجنة ما فعل صديقي فلان؟ وصديقه في الجحيم فيقول تعالى: أخرجوا له صديقه إلى الجنة فيقول من بقي: {فَمَا لَنَا من وَلَا صَدِيق حميم. قال الحسن: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين فإن لهم
شفاعة
يوم القيامة».
وقد ذكر هذه الرواية واحتج بها ابن الجوزي (363)، والبروسوي)
وجاءت رواية أخرى منسوبة إلى أنس بن مالك:
شَفِعِينَ
(364)
قال ابن ماجه (365): «حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِي، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «يُصَفُّ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُفُوفاً وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: أَهْلُ الْجَنَّةِ. فَيَمُرُّ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عَلَى الرَّجُل فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ اسْتَسْقَيْتَ فَسَقَيْتُكَ شَرْبَةً؟ قَالَ: فَيَشْفَعُ لَهُ. وَيَمُرُّ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ نَاوَلْتُكَ طَهُوراً؟ فَيَشْفَعُ لَهُ». قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: «وَيَقُولُ: يَا فُلَانُ أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ بَعَثْتَنِي فِي حَاجَةٍ كَذَا وَكَذَا، فَذَهَبْتُ لَكَ؟ فَيَشْفَعُ لَهُ».
(363) تفسير ابن الجوزي، 343/ 3.
(364) تفسير روح البيان، 290/ 6.
(365) سنن ابن ماجه الرواية 3685، ص 593 - 594. (1/110)
صفحة 109
الفصل الأول
111
ذكر هذه الرواية واحتج بها القرطبي (366)، والمنذري (367)، والثعالبي (368)، والبغوي (369).
هذه الرواية المنسوبة إلى أنس بن مالك ضعيفة بسبب عنعنة الأعمش
(370)
وضعف يزيد الرقاشي
(371)
وجاءت هذه الرواية المنسوبة إلى أنس بن مالك عند، أبي يعلى
(373)
من طريق علي بن أبي سارة الشيباني الضعيف (373).
فبسبب ضعف دلالة مفهوم المخالفة،
ذكرت أن ثم شفاعة للعصاة
(372)
وبسبب ضعف الروايات التي
يوم القيامة يتبيَّن لنا عدم صحة قول القائلين
بالشفاعة لأهل الكبائر من المسلمين.
فهذا هو أحداً.
الحق الذي أقرته مناهج الأمة الإسلامية العادلة التي لا تحابي
والحمد لله رب العالمين.
(366) تفسير القرطبي، 3/ 179.
(367) الترغيب والترهيب الرواية: 25، 2/ 50. (368) تفسير الثعالبي، 3/ 86 - 87، من تفسير
الآية 30 من سورة فاطر.
(369) تفسير البغوي، 4/ 387، من تفسير الآية 48 من سورة المدثر.
257
(370) انظر: ص) من هذا البحث. (371) قال ابن حجر في تقريب التهذيب (ت: (7711، 32020): «يزيد بن أبان الرقاشي، أبو عمرو البصري ... ضعيف».
(372) مسند أبي يعلى الرواية: 3493، قال أبو يعلى: حدثنا روح بن عبد المؤمن حدثنا علي ابن أبي سارة عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله .....
(373) تهذيب التهذيب: ت: 4906، 276/ 7. (1/111)
صفحة 110
روايات أستعين بها في تأييد فكرة
الشفاعة لأهل الكبائر
وفي هذا القسم نذكر روايات أخرى جاءت عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) [النساء: 48] وقد
دقة
ويَغْفِرُ
اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ تكررت تلك الروايات عند القائلين بـ (فكرة الشفاعة لأهل الكبائر) من غير
توبة قبل الممات.
الرواية التي فيها: (الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وديوان لا يغفره الله).
به
شيئاً،
جاءت هذه الرواية في كتب الحديث منسوبة إلى أم المؤمنين عائشة، وأنس بن مالك، وسلمان الفارسي، وأبي هريرة، ومنسوبة كذلك إلى قتادة والحسن البصري.
جاءت هذه الرواية في مسند الإمام أحمد، وعند الحاكم، وابن أبي حاتم،
والطيالسي، والبزار والطبراني، وعبد الرزاق، كما سيأتي تفصيله.
وذكر هذه الرواية واحتج بها الإمام ابن كثير (374)، والسيوطي (375)،
وغيرهما.
(374) تفسير ابن كثير، 2/ 308
(375) الدر المنثور، 2/ 303 (1/112)
صفحة 111
الفصل الأول
113
رواية منسوبة إلى أم المؤمنين عائشة لنا
بن
جاء في مسند الإمام أحمد: «حدثنا يزيد. قال: أخبرنا صدقة. موسى، قال: حدثنا أبو عمران الجوني، عن يزيد بن بابنوس، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئاً، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله، قال الله وجَل: إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ} [المائدة: 72] وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه أو صلاة تركها، فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فظلم العباد بعضهم بعضاً، القصاص لا محالة».
(378)
أخرج هذه الرواية الإمام أحمد (376)، والحاكم (377)، وابن أبي حاتم) جاءت هذه الرواية من طريق صدقة بن موسى الدقيقي البصري الضعيف. قال ابن حجر: « ... قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس حديثه بشيء وقال ابن معين أيضاً وأبو داود والنسائي والدولابي: ضعيف ... وقال الترمذي: ليس عندهم بذاك القوي ... وقال أبو حاتم: لين الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به ليس بقوي. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم ... وقال الساجي: ضعيف الحديث» (379).
(376) مسند الإمام أحمد الرواية: 26559، ص 1936. (377) المستدرك على الصحيحين الرواية: 8717، 619/ 4.
(378) تفسير ابن أبي حاتم الرواية،6678 242/ 3، من تفسير الآية 72 من سورة المائدة. (379) تهذيب التهذيب ت: 3017، 383/ 4. (1/113)
صفحة 112
114
مجال الحق
رواية منسوبة إلى الصحابي أنس بن مالك:
(TA)
وجاء عند البزار (1380) رواية أخرى منسوبة إلى الصحابي أنس بن من طريق زياد بن عبد الله النميري الذي ضعفه علماء الجرح مالك والتعديل، فقد قال عنه الحافظ ابن حجر: «ضعيف» (381).
وجاءت هذه الرواية أيضاً منسوبة إلى أنس بن مالك عند
الطيالسي"
(382)
من طريق الربيع بن صبيح ويزيد الرقاشي الضعيفين.
الربيع بن صبيح السعدي
قال الحافظ ابن حجر في التهذيب: « ... قال عفان بن مسلم: أحاديثه كلها مقلوبة ... وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين ضعيف الحديث. وقال ابن سعد والنسائي: ضعيف ... وقال يعقوب بن شيبة: رجل صالح صدوق ثقة ضعيف جداً ... وقال ابن أبي شيبة عن ابن المديني هو عندنا صالح وليس بالقوي ... وقال الساجي: ضعيف الحديث، أحسبه كان يهم، وكان عبداً صالحاً ... وقال الفلاس: ليس بالقوي ... » (383).
لا
يغفره الله
(380) مسند البزار الرواية: 6493. قال البزار وبإسناده [حدثنا أحمد. بن مالك القشيرينا زائدة بن أبي الرقاد عن زياد النميري، عن أنس] عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الظلم ثلاثة فظلم وظلم يغفره وظلم لا يتركه الله؛ فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك، وقال الله إن الشِّرْكَ لَظُلَم عَظِيمٌ} [لقمان: 13]، وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه فظلم العباد بعضهم
بعضاً حتى يدين لبعضهم من بعض».
(381) تقريب التهذيب: ت: 2093، 1/ 322. (382) مسند الطيالسي الرواية: (2109، 2/ 532 - حدثنا أبو داود قال: حدثنا الربيع عن يزيد عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الظلم ثلاثة فظلم لا يتركه الله، وظلم يغفر، وظلم يغفر، فأما ا الظلم الذي لا يغفر فالشرك لا يغفره الله وأما الظلم الذي يغفر فظلم العبد فيما بينه وبين ربه، وأما الظلم الذي لا يتركه فيقص الله بعضهم من بعض»». (383) تهذيب التهذيب ت 1974، 3/ 221 - 222.
لا (1/114)
صفحة 113
الفصل الأول
115
وقال عنه في التقريب: «صدوق، سيئ الحفظ، وكان عابداً مجاهداً» (384).
يزيد بن أبان الرقاشي ... البصري:
قال الحافظ ابن حجر في التهذيب: «قال ابن سعد: كان ضعيفاً قدرياً ... وقال شعبة: لأن أقطع الطريق أحب إلي من أن أروي عن يزيد ... وقال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: لأن أزني أحب إلي من أن أحدث عن يزيد وقال أبو داود عن أحمد: لا يكتب حديث يزيد ... وقال ابن أبي
الرقاش
ي.
خيثمة عن ابن معين: رجل صالح وليس حديثه بشيء ... وقال النسائي والحاكم أبو أحمد: متروك الحديث وقال النسائي أيضاً: ليس بثقة ... » (385).
رواية منسوبة إلى الصحابي سلمان الفارسي به:
وجاءت هذه الرواية أيضاً منسوبة إلى الصحابي
عند سلمان الفارسي.
(386)
الطبراني
في المعجمين الصغير والكبير من طريق يزيد بن سفيان بن
عبيد الله بن رواحة البصري الضعيف.
(384) تقريب التهذيب ت: 1900، 1/ 295.
(385) تهذيب التهذيب ت،8005، 11/ 268 - 269.
(386) المعجم الصغير، الرواية: 96، 69/ 1 - 70. وأيضاً انظر: (المعجم الكبير، الرواية: 6133). قال الطبراني: حدثنا أحمد بن عمران أبو موسى السوسي ببغداد حدثنا أبو الربيع عبيد الله بن محمد الحارثي حدثنا يزيد بن سفيان بن عبيد الله بن رواحة البصري عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذنب لا يغفر، وذنب لا يترك، وذنب يغفر، فأما الذنب الذي لا يغفر فالإشراك بالله، وأما الذنب الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضاً، وأما الذنب الذي يغفر فذنب العبد بينه وبين الله تعالى». لم يروه عن سليمان التيمي إلا يزيد بن سفيان تفرد به أبو الربيع. (المعجم الصغير، الرواية: 96، 1/ 69 - 70). (1/115)
صفحة 114
116
عبيدا
مخالف الحق
قال أبو حاتم: «يروى عن سليمان التيمي بنسخة مقلوبة، روى عنه الله محمد الحارثي، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد لكثرة خطئه بن
ومخالفته الثقات في الروايات
(387)
**
رواية منسوبة إلى الصحابي أبي هريرة الله
وأورد الطبراني في المعجم الأوسط (388) هذه الرواية منسوبة إلى الصحابي أبي هريرة من طريق طلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي المكي
المتروك.
قال الحافظ ابن حجر: ... قال عمرو بن علي كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، وقال أحمد: لا شيء متروك الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء ضعيف، وقال الجوزجاني: غير مرضي في حديثه، وقال أبو حاتم: ليس بقوي ليّن عندهم. وقال البخاري: ليس بشيء كان يحيى بن معين
ثنا وقال الطبراني: وبإسناده (يعني: حدثنا عبدان بن أحمد، ثنا أبو الربيع الحارثي يزيد بن سفيان بن عبد الله بن رواحة ثنا سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذنب لا يغفر وذنب لا يترك وذنب يغفر فأما الذي لا يغفر فالشرك بالله وأما الذي يغفر فذنب بينه وبين الله و وأما الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم
بعضاً». (المعجم الكبير، الرواية: 6133)».
(387) کتاب المجروحين، 3/ 101.
(388) المعجم الأوسط، الرواية 7595، 356/ 5 - 357.
عن
قال الطبراني: حدثنا محمد بن أحمد بن الوليد نا أحمد بن شيبان الرملي، نا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد. طلحة عطاء عن أبي هريرة قال بن عمرو عن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذنب يغفر وذنب لا يغفر وذنب يجازى به، فأما الذنب الذي لا يغفر فالشرك بالله وأما الذنب الذي يغفر فعملك فيما بينك وبين ربك وأما الذي تجازى به
فظلمك أخاك». (1/116)
صفحة 115
الفصل الأول
117
سيئ الرأي فيه. وقال أبو داود: ضعيف. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال أيضا: ليس بثقة ... وقال البزار: ليس بالقوي وليس بالحافظ ... وقال ابن المديني: ضعيف ليس بشيء. وقال أبو زرعة والعجلي والدارقطني ضعيف ... » (389).
***
رواية منسوبة إلى الحسن أو قتادة أو كليهما:
وأورد عبد الرزاق (1390) هذه الرواية من طريق معمر عن قتادة العراقي أو الحسن البصري.
دعامة
بن
عن
رواية معمر بن راشد عن العراقيين ضعيفة قال ابن حجر: « ... قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: إذا حدثك معمر العراقيين فخالفه إلا عن الزهري وابن طاوس فإن حديثه عنهما مستقيم فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا وما عمل في حديث الأعمش شيئاً. وقال يحيى: وحديث معمر عن ثابت وعاصم بن أبي النجود وهشام بن عروة وهذا الضرب مضطرب كثير الأوهام (391).
(389) تهذيب التهذيب ت: 3131، 22/ 5 - 23.
(390) مصنف عبد الرزاق الرواية: 20276، 11 (83). قال عبد الرزاق: «أخبرنا معمر عن قتادة أو الحسن - أو كليهما قال: - الظلم ثلاثة ظلم لا يغفر، وظلم لا يترك، وظلم يغفر، فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله، وأما الظلم الذي لا يترك فظلم الناس بعضهم بعضاً، وأما الظلم الذي يغفر فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه».
(391) تهذيب التهذيب ت: 7126، 10/ 219 - 221. (1/117)
صفحة 116
118
مع الد الحق
الرواية التي فيها: (من قرأ القرآن وحفظه أدخله الله الجنة
وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد استوجب النار):
قال ابن ماجه: «حدثنا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ الْحِمْصِيُّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي عُمَرَ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَحَفِظَهُ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ وَشَفَعَهُ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ. كُلُّهُمْ قَدِ اسْتَوْجَبَ النَّارَ»».
(393)
أخرج هذه الرواية الضعيفة ابن ماجه (392)، والترمذي (393)، والإمام
أحمد (394)،
(395)
والطبراني من طريق كثير بن زاذان النخعي الكوفي المجهول.
قال ابن حجر: « ... قال عثمان بن سعيد عن ابن معين: لا أعرفه وقال ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة شيخ مجهول ... وقال الأزدي: فيه نظر» (396).
حدثنا وأورد أبو يعلى في مسنده (397): «حدثنا محمد بن بحر يحيى بن سليم الطائفي حدثنا الأزور بن غالب البصري عن ثابت البناني وسليمان التيمي عن أنس بن مالك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله في كل يوم جمعة ست مائة ألف عتيق يعتقهم من النار قال أحدهما في حديثه كلهم قد استوجبوا النار»».
(392) سنن ابن ماجه الرواية: 216، ص 48. (393) سنن الترمذي، الرواية: 2905، ص 675.
(394) مسند الإمام أحمد الرواية: 1268 والرواية: 1278.
(395) المعجم الأوسط، الرواية: 5130، 4/ 37 - 38، وجاءت هذه الرواية في المعجم الأوسط
أيضاً (الرواية: 5258، 4/ 74) من طريق عنعنة أبي الزبير عن جابر بن عبد الله. وقال (محقق المعجم الأوسط عند حديثه عن سند الرواية: 5258: إسناده ضعيف فيه: سلم بن سالم أجمعوا على ضعفه، وقال ابن الجوزي قد اتفق المحدثون على تضعيف رواياته». (396) تهذيب التهذيب، ت: 5829، 359/ 8. (397) مسند أبي يعلى الرواية: 3437. وانظر كذلك الرواية: 3438 حيث جاءت من طريق
محمد بن بحر. (1/118)
صفحة 117
الفصل الأول
119
محمد
قلته
-
هذه الرواية لا يحتج بها لورودها من قبل الأزور بن غالب البصري، قال بن حبان أبو حاتم التميمي: ... كان قليل الحديث إلا أنه روى ـ على الثقات ما لم يتابع عليه من المناكير فكأنه كان يخطئ وهو لا يعلم عن حتى صار ممن لا يحتج به إذا انفرد، روى عن سليمان التيمي وثابت عن أنس النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إن الله لك في كل يوم ستمائة ألف عتيق من النار كلهم قد استوجبوا النار ثناه الحسين بن عبد الله القطان بالرقة ثنا عمرو بن هشام الحراني ثنا يحيى بن سليم عن الأزور بن غالب، هذا متن باطل لا أصل له (398). وكذلك لورودها من قبل يحيى بن سليم الطائفي، قال ابن حجر:
أن
صدوق
الحفظ» (399). سيئ
وكذلك لورودها من قبل محمد بن بحر الهجيمي، قال ابن حجر «قال العقيلي: بصري منكر الحديث كثير الوهم. وقال ابن حبان: سقط الاحتجاج به» (400).
وجاء نحو هذه الرواية عند أبي يعلى (401) أيضاً من طريق عبد الواحد بن زيد الذي قال عنه النسائي: «متروك الحديث» (402).
(398) كتاب المجروحين، 178/ 1.
(399) تقريب التهذيب: ت: 7590، 304/ 2.
(400) لسان الميزان ت: 7078، 102/ 5.
(401) مسند أبي يعلى الرواية: 3487. جاءت الرواية بهذا السند: «حدثنا عبد الله بن عبد الصمد حدثنا أبي عبد الصمد بن علي عن عوام البصري عن عبد الواحد بن زيد عن ثابت عن أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن يوم الجمعة وليلة الجمعة أربعة وعشرون ساعة ليس فيها ساعة إلا والله فيها ست مائة عتيق من النار قال: ثم خرجنا من عنده فدخلنا على الحسن فذكرنا له حديث ثابت فقال: سمعته وزاد فيه كلهم قد استوجب النار»». (402) ضعفاء النسائي، ت: 370. (1/119)
صفحة 118
120
معالم الحق
الرواية التي فيها: الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا):
أخرج الطبراني في الأوسط: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي قال: نا عبد الجبار بن عاصم قال: نا بقية بن الوليد قال نا إسماعيل الكندي عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: فيُوفيهم أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ} [النساء: 173] «الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا».
(403)
أخرج هذه الرواية الطبراني، وابن أبي عام عاصم
أبي حاتم (40).
(404)، وابن
قال الطبراني بعد أن ذكر هذه الرواية: «لم يرو هذا الحديث عن إلا إسماعيل الكندي تفرد به بقية».
الأعمش
هذه الرواية ضعيفة وذلك بسبب بقية بن الوليد المدلس تدليس
التسوية.
قال أحمد محمد شاكر: « ... منها تدليس التسوية، وهو أن يسقط غير شيخه لضعفه أو صغره، فيصير الحديث ثقة عن ثقة، فيحكم له بالصحة، وفيه تغرير شديد وممن اشتهر بذلك: بقية بن الوليد، ... وهذا التدليس أفحش أنواع التدليس مطلقاً وشرها (406).
(403) المعجم الأوسط، الرواية: 5770، 4/ 218. (404) السنة لابن أبي عاصم الرواية: 872 5851. قال محقق الكتاب: «إسناده ضعيف. فيه إسماعيل بن عبد الله الكندي». (405) تفسير ابن أبي حاتم الرواية 6354، 193/ 3، من تفسير الآية 173 من سورة النساء. (406) الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، هامش ص 46. (1/120)
صفحة 119
الفصل الأول
121
وعند النظر في سند هذه الرواية نجد بقية بن الوليد يرويها كالآتي: ... نا إسماعيل الكندي عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله .....
وبما أن بقية بن الوليد المدلس تدليس التسوية لم يصرح بالسماع في جميع الطبقات لهذا يحكم على هذه الرواية المنسوبة إلى عبد الله. مسعود له بالضعف.
بن
***
الرواية التي فيها: (وان) الرجل ليجر إلى النار ... فيقول: أرسلوا عبدي)
أخرج الإمام الطبري في تفسيره: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي قال: ثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد عن ابن عباس قال: إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي وينقبض بعضها إلى بعض فيقول لها الرّحمن ما لك؟ فتقول: إنه ليستجير مني، فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل ليجر إلى النار فيقول: يا رب ما كان هذا الظن بك فيقول:
فما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك قال فيقول: أرسلوا عبدي». أخرج هذه الرواية الضعيفة الإمام الطبري (40)، والإمام أحمد في كتاب الزهد (408)، وابن أبي نعيم
(409)
هذه الرواية ضعيفة لورودها من قبل عبيد الله بن موسى وأبي يحيى
القتات.
(407) تفسير الإمام الطبري، 18/ 187.
408) الزهد، ص: 452، حيث جاءت الرواية بهذا السند: حدثنا عبد الله حدثني يوسف
الصفار حدثنا أبو بكر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد قال: .....
(409) حلية الأولياء، 3/ 333 (1/121)
صفحة 120
122
معالم الحق
عبيدالله بن موسى بن أبي المختار:
قال ابن حجر: «قال الميموني ذكر عند أحمد عبيدالله بن موسى فرأيته كالمنكر له وقال: كان صاحب تخليط وحدث بأحاديث سوء، قيل له: فابن
فضيل؟ قال: كان أستر منه، وأما هو فأخرج تلك الأحاديث الردية ... قال الجوزجاني وعبيد الله بن موسى أغلى وأسوأ مذهباً وأروى للعجائب. وقال الحاكم: سمعت قاسم بن قاسم السياري، سمعت أبا مسلم
البغدادي الحافظ يقول: عبيد الله بن موسى من المتروكين، تركه أحمد ... قال أحمد: روى مناكير وقد رأيته بمكة فأعرضت عنه وقد سمعت منه قديماً ... » 410).
أبو يحيى القتات الكوفي الكناني
قال ابن حجر: « ... قال عبد الله
أبا يحيى
بن
أحمد عن
أبيه كان شريك يضعف
القتات وقال الأثرم عن أحمد: روى عنه إسرائيل أحاديث كثيرة مناكير جداً ... وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: وفي حديثه بعض
ما فيه إلا أنه يكتب حديثه ...
(411)
الرواية التي فيها: «قالَ: يا رَبِّ فَإِنِّي قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ، قَالَ اللَّهِ وَعَل: فَخُذُ بِيَدِ أَخِيكَ فَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ ..
ثنا. قال الحاكم: «حدثنا أبو منصور محمد بن القاسم العتكي، بن أحمد بن أنس القرشي، ثنا عبد الله بن بكر السهمي،
أبو عبد الله محمد.
(410) تهذيب التهذيب: ت: 4506، 46/ 7 - 47. (411) تهذيب التهذيب ت،8792، 12/ 248 - 249. (1/122)
صفحة 121
الفصل الأول
123
أنبأ عباد بن شيبة الحبطي، عن سعيد بن أنس، عن أنس بن مالك قال: بينا رسول الله جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، فقال له عمر:
قال:
ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ قال: «رَجِلانِ مِنْ أُمَّتِي جَشَيَا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْعِزَّةِ فقالَ أَحَدُهُما: يا رَبِّ خُذ لي مَظْلَمَتِي مِنْ أَحْي، فقالَ الله تبارَكَ وَتَعالَى لِلطَّالِب فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِأَخِيكَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ حَسَنَاتِهِ شَيْءٌ؟ قال: يا رَبِّ فَلْيَحْمِل مِنْ أَوْزاري»، قال: وفاضت عينا رسول الله بالبكاء، ثم إِنْ ذاكَ الْيَوْمَ عظيمٌ يَحْتاجُ النَّاسُ أَنْ يُحْمَلَ عَنْهُمْ مِنْ أَوْزارِهِمْ، فَقالَ الله تعالى للطالب: ارْفَعْ بَصَرَكَ فَانْظُرْ فِي الْجنانِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: يا رَبِّ أَرَى مَدائِنَ مِنْ ذَهَب وَقُصوراً مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِاللُّؤْلُوْ لَأَي نَبِي هَذا أَوْ لَأَيّ صِدِّيق هذا أَوْ لأَيّ شَهيد هذا؟ قال: هذا لِمَنْ أَعْطَى الثَّمَنِ، قَالَ: يَا رَبِّ وَمَنْ يَمْلِكُ ذلِكَ؟ قَالَ: أَنْتَ تَمْلِكُهُ، قال: بِماذا؟ قالَ: بِعَفْوِكَ عَنْ أَخِيكَ، قَالَ: يَا رَبِّ فَإِنِّي قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ، قالَ الله وَجَل: فَخُذْ بِيَدِ أَخِيكَ فَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ»، فقال رسول الله عند ذلك: «اتقوا الله وَأَصْلِحوا ذاتَ بَيْنِكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُصْلِحُ بَيْنَ
الْمُسْلِمينَ». هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».
أخرج هذه الرواية الحاكم (412)، وابن أبي الدنيا (413).
هذه الرواية ضعيفة لوجود عباد بن شيبة الحبطي في سندها. فقد قال ابن حجر: « ... ضعيف وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج بما انفرد به من
المناكير» (414).
(412) المستدرك على الصحيحين الرواية: 8718، 620/ 4.
(413) حسن الظن بالله الرواية: 118.
(414) لسان الميزان: ت: 4402، 290/ 3. (1/123)
صفحة 122
124
محال الحق
الرواية التي جاء فيها: ... إن لي ابن أخ لا ينتهي عن حرام):. جاء عند الطبراني رواية منسوبة إلى الصحابي أبي أيوب
(210)
الأنصاري من طريق واصل بن السائب الرقاشي الضعيف. قال الطبراني في المعجم الكبير: «ثنا عبد الله بن أحمد حنبل، ثنا بن أحمد بن جناب المصيصي، ثنا عيسى بن يونس عن واصل بن السائب، عن أبي سورة، عن أبي أيوب، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن حرام قال: ما دينه؟ قال يصلي ويوحد الله. قال: فاستوهب منه دينه فإن أبى فابتعه منه. فطلب ذلك الرجل منه فأبى عليه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: وجدته شحيحاً على دينه فأنزل الله وان {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يشرك بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48]».
(416)
وذكر هذه الرواية واحتج بها ابن كثير، والسيوطي
هذه الرواية ضعيفة بسبب واصل بن السائب الرقاشي.
(417)
قال ابن حجر: « .... قال أبو داود عن يحيى بن معين ليس بشيء وقال أبو بكر بن أبي شيبه ضعيف، وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث ... ، وقال البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث ... ، وقال يعقوب بن سفيان والساجي: منكر الحديث، وقال الأزدي: متروك الحديث، وقال يعقوب أيضا والدارقطني وابن حبان: ضعيف، وقال البزار: حدّث بالكوفة أحاديث لم يتابع عليها وهو لين» (418).
(415) المعجم الكبير، الرواية: 4063.
(416) تفسير ابن كثير، 2/ 311.
(417) الدر المنثور، 2/ 302.
(418) تهذيب التهذيب: ت: 7702، 11/ 92. (1/124)
صفحة 123
الفصل الأول
125
الرواية التي جاء فيها: ... من علم أني ذو قدرة على مغفرة
الذنوب غفرت له ولا أبالي، ما لم يشرك بي شيئاً)
جاءت رواية منسوبة إلى الصحابي ابن عباس عند الطبراني طريق إبراهيم بن الحكم بن أبان الضعيف.
(419)
من
قال الطبراني: «حدثنا أبو شيخ عن محمد بن الحسن بن عجلان الأصبهاني، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، أبيه، عن عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله وعل: من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي، ما لم يشرك
عن
بي
شيئاً»».
ذكر هذه الرواية واحتج بها ابن كثير (420)، والسيوطي
(421)
هذه الرواية ضعيفة لوجود إبراهيم بن الحكم بن أبان في سندها. قال الحافظ ابن حجر ... قال ابن معين: ليس بثقة. وقال مرة: ضعيف ليس بشيء. ومرة: لا شيء. وقال البخاري: سكتوا عنه. وقال النسائي: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال أبو زرعة ليس بالقوي، وهو ضعيف. وقال الجوزجاني، والأزدي: ساقط. وقال محمد بن أسد الخشني: أملى علينا إبراهيم بن الحكم بن أبان من كتابه الذي لم نشك أنه سماعه، وهو ضعيف عند أصحابنا، فذكر حديثاً. وقال عباس بن عبد العظيم: كانت هذه الأحاديث في كتبه مرسلة، ليس فيها ابن عباس، ولا أبو هريرة؛ يعني: أحاديث أبيه عن عكرمة. وقال ابن عدي وبلاؤه ما ذكروه أنه كان يوصل المراسيل عن أبيه،
(419) المعجم الكبير الرواية: 11615، 241/ 11.
(420) تفسير ابن كثير، 2/ 312.
(421) الدر المنثور، 303/ 2 - 304. (1/125)
صفحة 124
126
مع الب الحق
وعامة ما يرويه لا يتابع عليه ... وقال الدارقطني: ضعيف. قال الآجري: سألت أبا داود عنه فقال: لا أحدث عنه. وذكره الفسوي في باب من يرغب عن الرواية عنهم، وقال أيضاً: لا يختلفون في ضعفه. وقال الحاكم أبو أحمد:
ليس بالقوي عندهم. وقال العقيلي: ليس بشيء ولا بثقة» (422).
بن
وجاءت رواية منسوبة إلى عبد الله بن عمرو عند الطبري في (تهذيب الآثار) (423) من طريق رواية أبي أحمد محمد. بن عبد الله الزبير الزبيري الكوفي عن سفيان الثوري وهي لا تثبت فقد قال ابن حجر: «قال حنبل بن إسحاق عن أحمد بن حنبل كان كثير الخطأ في حديث سفيان» (424). وتلك الرواية لا تثبت كذلك لوجود رجل مجهول بين ابن عمرو
ومسروق.
وهذه الرواية المنسوبة إلى ابن عمرو جاءت أيضاً عند الطبري في (تهذيب الآثار) (425) من طريق لا تثبت. فقد وردت من طريق معاوية بن هشام
(422) تهذيب التهذيب ت: 180، 1/ 105.
(423) تهذيب الآثار الرواية 940، 2/ 630. قال الإمام الطبري: «حدثنا نصر بن علي حدثنا الجهضمي، ويحيى بن داود الواسطي، قال نصر: أخبرنا أبو أحمد، وقال يحيى: - أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، قال: نزل على مسروق ضيف فقال: سمعت عبد الله بن عمرو، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ولم يضره معه خطيئة، كما لو لقيه وهو
يشرك به دخل النار، ولم ينفعه معه عمل»».
(424) تهذيب التهذيب ت 6295، 220/ 9 - 221.
(425) تهذيب الآثار الرواية: 941 631.2. قال الطبري: «حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا
معاوية يعني ابن هشام، عن سفيان، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، قال: نزل شيخ على مسروق من أهل المدينة، فحدثه عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من لقي الله لا يشرك به شيئاً لم يضره معه خطيئة، كما أنه لو لقيه
يشرك به شيئاً لم تنفعه معه حسنة، قال: فقالت قمير: لا تحدثوا بهذا شبابكم»». (1/126)
صفحة 125
الفصل الأول
127
الأزدي. قال ابن حجر: قال عثمان الدارمي عن ابن معين: صالح وليس بذاك ... قال عثمان بن أبي شيبة معاوية بن هشام رجل صدق وليس بحجة. وقال الساجي: صدوق: قال أحمد بن حنبل: هو كثير الخطأ (426).
يهم.
وكذلك لا تثبت لوجود رجل مجهول في سندها بين مسروق وعبد الله بن
عمرو.
الرواية التي فيها: ( ... دَعَوْتُ الله يَوْمَ عَرَفَةَ أَنْ يَغْفِرَ لَأُمَّتِي ذُنُوبَها، فأجابَنِي أنْ قَدْ غَفَرْتُ ... )
رواية منسوبة إلى العباس بن مرداس السلمي من طريق عبد الله بن كنانة بن العباس الأسلمي وأبيه.
قال الإمام الطبري (427): حدثني إسماعيل بن سيف العجلي، قال: ثنا
عن
عبد القاهر بن السري السلمي قال: ثنا ابن كنانة، ويكنى أبا كنانة، أبيه، عن العباس بن مرداس السلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دَعَوْتُ اللهَ يَوْمَ عَرَفَةَ أَنْ يَغْفِرَ لأُمَّتِي ذُنُوبَها، فأجابَنِي أَنْ قَدْ غَفَرْتُ، إِلَّا ذُنُوبَهَا بَيْنَهَا وبينَ خَلْقِي، فأعَدْت الدُّعاءَ يَوْمَئِذٍ، فَلَمْ أُجَبْ بِشَيْءٍ، فَلَمَّا كَانَ غَدَاةَ المزدلفة قلتُ: يا رَبِّ إِنَّكَ قادرٌ أَنْ تُعَوِّضَ هَذَا المَظْلُومَ مِنْ ظُلامَتِهِ، وتَغْفِرَ لِهَذَا الظَّالِمِ، فَأَجَابِنِي أَنْ قَدْ غَفَرْتُ قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فقلنا: يا رسول الله رأيناك تضحك في يوم لم تكن تضحك فيه؟ قال: «ضحكت مِنْ عَدُوّ اللَّهِ إبْلِيسَ لَمَّا سَمِعَ بِمَا سَمِعَ إِذَا هُوَ يَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالنُّبُورِ، وَيَضَعُ التُّرَابَ على رأسِهِ»».
(426) تهذيب التهذيب ت: 7088، 10/ 198.
(427) تفسير الطبري، 2/ 294. (1/127)
صفحة 126
128
محال الحق
بن
كنانة بن
(428)
هذه الرواية لا تقوم بها حجة وذلك لورودها من قبل عبد الله العباس بن مرداس السلمي، فقد قال عنه البخاري: «لم يصح حديثه ولورودها كذلك من قبل كِنَانَة بنُ عَبَّاس بن مِرْدَاس السُّلَمِي، فقد قال عنه ابن حجر: «روى عن أبيه أن النبي دعا لأمته عشية عرفة. وعنه ابنه عبد الله. قال البخاري: لا يصح ... وقال في كتاب الضعفاء: حديثه منكر جداً، لا أدري التخليط منه أو من ابنه، ومن أيهما كان فهو ساقط الاحتجاج
به
(429)
وجاء نحو هذه الرواية أيضاً عند الإمام الطبري (430) منسوبة إلى الصحابي ابن عمر من طريق بشار بن بكير الحنفي الذي لم أعثر له على ترجمة في كتب الرجال التي بين يدي.
(428) ميزان الاعتدال ت: 4524، 0474/ 2
(429) تهذيب التهذيب ت: 5892، 391/ 8
(430) قال الطبري: حدثني مسلم بن حاتم الأنصاري، قال: ثنا بشار بن بكير الحنفي قالا: ثنا عبد العزيز بن أبي روّاد عن نافع عن ابن عمر قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة، فقال: «أيُّها النَّاسُ إِنَّ اللهَ تَطَوَّل عَلَيْكُمْ فِي مَقامِكُمْ هَذَا، فَقَبِلَ مِنْ مُحْسِنِكُمْ، وأعْطَى مُحْسِنَكُمْ ما سألَ، وَوَهَبَ مُسِيتَكُمْ لِمُحْسِنِكُمْ إِلَّا التَّبِعَاتِ فيما بَيْنَكُمْ أَفِيضُوا على اسم الله فلما كان غداة. قال: «أَيُّهَا النَّاسِ إِنَّ اللهَ جمع قَدْ تَطَوَّلَ عَلَيْكُمْ في مَقامِكُمْ هَذَا، فَقَبِلَ مِنْ مُحْسِنِكُمْ، وَوَهَبَ مُسِيتَكُمُ لِمُحْسِنِكُمْ، والتَّبِعَاتِ بَيْنَكُمْ عَوَّضَهَا مِنْ عِنْدِهِ أفِيضُوا على اسم الله» فقال أصحابه: يا رسول الله أفضت بنا بالأمس كئيبا حزينا، وأفضت بنا اليوم فرحا مسرورا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:: «إني سألْتُ رَبي بالأمْسِ شَيْئًا لَمْ يَجُد لي بِهِ. التَّبِعات فأبى عليَّ، فَلَمَّا كانَ اليَوْمُ أتاني جِبْرِيلُ قال: إِنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُول التَّبِعاتُ ضَمِنْتُ عِوَضها مِنْ عِنْدِي»». (تفسير الطبري، 2/ 295)
سألته (1/128)
صفحة 127
الفصل الأول
129
الرواية التي فيها: أُمَّتِي هذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي
الآخِرَةِ):
جاءت هذه الرواية منسوبة إلى الصحابي أبي موسى الأشعري. . قال أبو داود: حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قَالَ: أخبرنا كَثِيرُ بنُ هِشَامٍ أخبرنا المَسْعُودِيُّ عن سَعِيدِ بن أبي بُرْدَةَ عن أبيه عن أبِي مُوسَى، قالَ: قالَ رَسُولُ الله: أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ، عَذَابُهَا في الدُّنْيَا الْفِتَنُ وَالزَّلَازِلُ وَالْقَتْلُ»».
أخرج هذه الرواية أبو داود (431)، والحاكم (432)، والإمام أحمد (433)،
وعبد بن حميد
(434)
هذه الرواية لا حجة فيها لورودها من قبل عبد الرحمن بن عبد الله.
عتبة المسعودي الذي اختلط في آخر عمره.
بن
قال ابن حجر في التهذيب: «وقال عبد الله أحمد بن عن أبيه: سماع وكيع من المسعودي قديم وأبو نعيم أيضاً، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالكوفة والبصرة فسماعه جيد ... وقال ابن نمير: كان ثقة واختلط بآخره سمع منه ابن مهدي ويزيد بن هارون أحاديث مختلطة ... وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، إلا أنه اختلط في آخر عمره، ورواية المتقدمين عنه صحيحة ... وقال ابن عمار كان ثبتاً قبل أن يختلط، ومن سمع منه ببغداد فسماعه ضعيف وقال العجلي ثقة إلا أنه تغير بآخره. وقال
(431) سنن أبي داود، الرواية: 4278، ص.
TV.
(432) المستدرك على الصحيحين الرواية: 8372 491/ 4. (433) مسند الإمام أحمد، الرواية 19914، والرواية: 19990. (434) مسند عبد بن حميد الرواية: 536، ص 190. (1/129)
صفحة 128
130
محال الحق
ابن خراش نحو ذلك. وقال ابن حبان اختلط حديثه فلم يتميز فاستحق
الترك» (435).
فعلينا
عدم
الأخذ بما جاء في هذه الرواية لأن المسعودي قد وصف بالاختلاط، وليس هناك ما يثبت أن أداءه لهذه الرواية كان قبل الاختلاط. والراجح أنه أدى هذه الرواية بعد الاختلاط لأن تلميذه في هذه الرواية هو كثير بن هشام الكلابي الرقي نزيل بغداد. وقد قال الحافظ ابن حجر عن المسعودي: «صدوق اختلط قبل موته وضابطه أن من سمع منه ببغداد فبعد
الاختلاط (436).
وجاءت هذه الرواية أيضاً عند أبي يعلى (437) منسوبة إلى أبي موسى
الأشعري من طريق يحيى بن يمان (138) وأبي هشام الرفاعي الضعيفين. فأبو هشام الرفاعي هو: محمد بن يزيد بن محمد بن كثير بن رفاعة بن سماعة العجلي.
قال ابن حجر: «قال البخاري: رأيتهم مجتمعين على ضعفه، وقال النسائي: ضعيف ... وقال أبو حاتم الرازي سألت بن نمير عنه فقال: كان أضعفنا طلباً وأكثرنا غرائب ... وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي. ضعيف يتكلمون فيه ... وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم» (43).
(435) تهذيب التهذيب ت: 4059، 191/ 6 - 192.
(436) تقريب التهذيب: ت: 3933، 578/ 1
عنه فقال:
(437) مسند أبي يعلى الرواية: 7278، قال أبو يعلى: حدثنا أبو هشام الرفاعي حدثنا يحيى بن يمان حدثنا حرملة بن قيس عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمتي
أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة عذابها في الدنيا الزلازل والفتن والقتل»».
(438) انظر ص 246 من هذا البحث. (439) تهذيب التهذيب، ت: 6697، 9/ 453 - 454. (1/130)
صفحة 129
الفصل الأول
131
وجاء نحو هذه الرواية عند ابن ماجه (440) منسوبة إلى أنس بن مالك، وهي
ضعيفة لا تقوم بها حجة لورودها من طريق كثير بن سليم الضبي الضعيف (441).
وجاء عند الطبراني (442) رواية أخرى منسوبة إلى أنس بن مالك
طريق أحمد بن طاهر بن حرملة بن يحيى التجيبي الكذاب (443).
(444)
من
وجاءت هذه الرواية عند الحاكم منسوبة إلى أحد الصحابة، وهي
ضعيفة لا تقوم بها حجة لورودها من قبل رجل مجهول بين أبي بردة
(440) سنن ابن ماجه، الرواية: 4292، ص 695. قال ابن ماجه: «حدثنا جُبَارَةُ بْنُ الْمُغَلِّسِ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ سُلَيْمٍ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ مَرْحُومَةً عَذَابُهَا بِأَيْدِيهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، دُفِعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلٌ مِنَ
عَنْ
الْمُشْرِكِينَ. فَيُقَالُ: هَذَا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ».
(441) تقريب التهذيب ت: 5630، 38/ 2.
نا
(442) المعجم الأوسط، الرواية،1879، 509/ 1. قال الطبراني: حدثنا أحمد بن طاهر قال: جدي حرملة بن يحيى، قال: نا حماد بن زياد البصري قال نا حميد الطويل ـ وكان جاراً لنا. قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أمتي أمة مرحومة متاب عليها تدخل قبورها بذنوبها وتخرج من قبورها لا ذنوب عليها تمحص عنها ذنوبها باستغفار المؤمنين لها».
لم يرو.
هذا الحديث عن حميد إلا حماد بن زياد تفرد به حرملة.
(443) لسان الميزان ت: 600، 201/ 1.
(444) المستدرك على الصحيحين الرواية: 7649، 283/ 4. قال الحاكم: «حدثنا أبو العباس
محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا محمد بن فضيل بن غزوان، ثنا صدقة بن المثنى، ثنا رباح بن الحارث عن أبي بردة قال: بينا ا أنا واقف في السوق في إمارة زياد إذ ضربت بإحدى يدي على الأخرى تعجباً فقال رجل من الأنصار قد كانت لوالده صحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: مما تعجب يا أبا بردة؟ قلت: أعجب من قوم دينهم واحد ونبيهم واحد ودعوتهم واحدة وحجهم واحد وغزوهم واحد يستحل بعضهم قتل بعض قال: فلا تعجب فإني سمعت والدي أخبرني أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أمني أمة مرحومة ليس عليها في الآخرة حساب ولا عذاب إنما عذابها في القتل والزلازل والفتن». هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. (1/131)
صفحة 130
132
معال الحق
والصحابي، وكذلك أحمد عبد الجبار بن محمد العطاردي أبي عمر
بسبب
بن
الكوفي. فقد قال عنه ابن حجر: ضعيف وسماعه للسيرة صحيح» (445). . وجاءت هذه الرواية عند الطبراني في الأوسط (446) منسوبة إلى أبي هريرة من طريق سعيد بن مسلمة الأموي الضعيف (447).
الأمة؛
فهذه الرواية الضعيفة السند والمتن ليس لها أي وزن في الفكر الإسلامي النظيف، وقد رد ما تحمله من معاني كل من الثعالبي والعظيم آبادي: - قال الثعالبي: «وهذا الحديث ليس هو على عمومه في جميع ا لثبوت نُفُوذِ الوعيد في طائفة من العُصاة (448). وقال العظيم آبادي: «وقال المظهر: هذا حديث مشكل لأن مفهومه أن لا يعذب أحد من أمته سواء فيه من ارتكب الكبائر وغيره، فقد وردت الأحاديث بتعذيب مرتكب الكبيرة اللهم إلا أن يؤول بأن المراد بالأمة هنا من اقتدى به كما ينبغي ويمتثل بما أمر الله وينتهي عما نهاه. وقال الطيبي الله: ... والذهاب إلى المفهوم مهجور في مثل هذا المقام وهذه الرحمة هي المشار إليها بقوله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 156] إلى قوله: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيِّ الأمن) [الأعراف: 157] انتهى (114).
(449)
(445) تقريب التهذيب، ت: 64، 39/ 1.
(446) المعجم الأوسط، الرواية: 6909، 158/ 5. قال الطبراني: حدثنا محمد بن علي بن حبيب الطرائفي الرقي ثنا علي بن ميمون الرقي: ثنا سعيد بن مسلمة الأموي، عن سعد بن طارق، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمتي أمة مرحومة، قد رفع عنهم العذاب، إلا عذابهم أنفسهم بأيديهم»».
(447) تقريب التهذيب: ت: 2402، 364/ 1.
(448) تفسير الثعالبي، 280/ 1.
(449) عون المعبود شرح سنن أبي داود، 359/ 11. (1/132)
صفحة 131
الفصل الأول
133
فعلى العصاة من أفراد هذه الأمة الحذر من هذه الرواية وأمثالها، فالحق واضح وقد بيّنه كتاب الله تعالى وبيّنته سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة.
***
الرواية التي فيها: ( ... دفع الله إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً،
فيقول: هذا فكاكك من النار ... )
قال الإمام مسلم:
حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، دَفَعَ اللهُ ما إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، يَهُودِيًا أَوْ نَصْرَانِيًّا. فَيَقُولُ: هَذَا فِكَاكُكَ مِنَ
النَّارِ»».
أخرج هذه الرواية الإمام مسلم
(450)، وعبد بن حميد
(201)
هذه الرواية والروايات السابقة تهدم في نفوس الآخذين بها روح الخوف هول يوم القيامة وتزين لحملة النفوس الضعيفة الدعة والسكون إلى ملذات الدنيا.
من
فكيف تنهض الهمم وهناك وعود بالشفاعة لأهل الكبائر؟.
وكيف تسعى النفوس إلى تقوى الله وهناك من يعدها بالفداء؟. ومهما يكن من أمر، ومهما تكن من دعوة رائجة ومنتشرة، فإن الإسلام أقام مبادئه وقيمه على مناهج سوية تسعد بها الإنسانية في الدنيا وتهدي
(450) صحيح مسلم، الرواية: 2767، ص 1165.
(451) مسند عبد بن حميد، الرواية: 537،
ص
190 (1/133)
صفحة 132
134
معالم الحق
العابدين الله إلى جنة عالية عرضها السماوات والأرض. فعلى الراغبين في نيل الجنة تجنب سفاسف الأمور والإعراض عن هذه المعاني التي تعرضها هذه الرواية والروايات السابقة.
هذه الرواية لم تسلم من جانب السند، وأما متنها فقد حمل على معاني توافق جوهر الإسلام الحنيف.
ففي سند هذه الرواية طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني نزيل الكوفة، فقد قال عنه ابن حجر: «صدوق يخطاء من
السادسة» (452).
وقال النسائي: «ليس بالقوي» (453).
وجاءت هذه الرواية أيضاً عند الإمام مسلم من طريق أخرى: «حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان بن مسلم حدثنا همام حدثنا قتادة أن عوناً وسعيد بن أبي بردة حدثاه أنهما شهدا أبا بردة يحدث عمر بن عبد العزيز عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ... ثم ذكر نحو الرواية السابقة ...
6 (807)
أخرج هذه الرواية الإمام مسلم (454) والإمام أحمد (455)، والطيالسي" من طريق همام بن يحيى بن دينار الذي ضعف حفظه علماء الجرح
والتعديل (457).
(452) تقريب التهذيب: ت: 3047، 452/ 1.
(453) ضعفاء النسائي، ت: 317.
(454) صحيح مسلم، الرواية: 2767. ص
1165 - 1166
(455) مسند الإمام أحمد الرواية: 19714، والرواية: 19715، والرواية: 19789.
(456) مسند الطيالسي الرواية: 499، 262/ 1.
(457) انظر: ص 309 من هذا البحث. (1/134)
صفحة 133
الفصل الأول
135
وجاءت هذه الرواية أيضاً عند الإمام مسلم من طريق أخرى: «حدثنا
محمد بن عمرو بن عباد بن جبلة بن أبي رواد حدثنا حرمي بن عمارة حدثنا شداد أبو طلحة الراسبي عن غيلان بن جرير عن أبي بردة عن أبيه. النبي صلى الله عليه وسلم قال: ... ثم ذكر نحو الرواية السابقة.
جاءت هذه الرواية عند الإمام مسلم (458)، الحاكم))
(459)
عن
هذه الطريق لهذه الرواية لا يعتمد عليها في ترسيخ العقائد، فقد جاءت من طريق شداد أبي طلحة الراسبي، وحرمي بن عمارة بن أبي حفصة. شداد بن سعيد أبو طلحة الراسبي البصري قال عنه ابن حجر: «صدوق
يخطاء» (460).
يهم».
وأما حرمي بن عمارة بن أبي حفصة فقد قال عنه ابن حجر: «صدوق
(461)
وجاءت هذه الرواية أيضاً في مسند الإمام أحمد (462) من طريق
النضر بن إسماعيل القاص.
قال ابن حجر: «قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: لم يكن يحفظ الإسناد ... وقال الأثرم عن أحمد قد كتبنا عنه ليس بقوي يعتبر بحديثه ... وقال الدوري وغيره عن ابن معين: ليس بشيء ... وقال أبو زرعة والنسائي:
(458) صحيح مسلم الرواية: 2767، ص 1166.
(459) المستدرك على الصحيحين الرواية: 7644، 281/ 4.
(460) تقريب التهذيب: ت: 2763، 413/ 1.
(461) تقريب التهذيب ت: 1182، 195/ 1.
(462) مسند الإمام أحمد الرواية: 19829. سند الرواية هو: «حدثنا أبو المغيرة وهو النضر بن إسماعيل يعني: القاص، ثنا بريد عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم:
. (1/135)
صفحة 134
136
محال الحق
ليس بالقوي ... قال ابن حبان فحش خطؤه وكثر وهمه فاستحق الترك وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم، وقال الساجي: عنده مناكير ... » (463). وجاءت هذه الرواية الضعيفة أيضاً عند الطبراني) منسوبة إلى
(466)
(464)
أبي موسى من طريق عنعنة الوليد بن مسلم المدلس تدليس التسوية (465). من طريق عبد الملك بن وجاءت هذه الرواية أيضاً عند الطبراني" عمير بن سويد بن حارثة القرشي المختلف فيه مع ذكرهم لتغير حفظه في
آخر عمره.
قال ابن حجر: وقال علي بن الحسن الهسنجاني عن عبد الملك أحمد: مضطرب الحديث جداً مع قلة روايته ما أرى له خمسمائة حديث، وقد غلط في كثير منها. وقال إسحاق بن منصور: ضعفه أحمد جداً ... وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين مخلط. وقال العجلي: يقال له ابن القبطية، كان على الكوفة، وهو صالح الحديث، روى أكثر من مائة حديث، تغير حفظه قبل موته ... وقال النسائي: ليس به بأس» (467).
(463) تهذيب التهذيب ت: 7449، 388/ 10 - 389. (464) مسند الشاميين الرواية: 467، قال الطبراني: حدثنا إبراهيم بن دحيم الدمشقي، ثنا أبي، ثنا الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عن نصر بن علقمة أن أبا موسى كان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أمتي أمة مرحومة جعل الله عذابها بأيديها فإذا كان أعطى الله كل إنسان من أمتي إنساناً من أهل الأديان يقال: دونك فداؤك من النار».
(465) انظر:
40
يوم
القيامة
ص من هذا البحث. (466) المعجم الأوسط، الرواية،1، 9/ 1. قال الطبراني: «حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي قال: حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي قال: حدثنا سعيد بن يزيد بن ذي عصوان عن عبد الملك بن عمير عن أبي بردة عن أبي موسى: قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ... ثم ذكر نحو الرواية السابقة. (467) تهذيب التهذيب ت 4352، 359/ 6 - 360. (1/136)
صفحة 135
الفصل الأول
137
وجاءت هذه الرواية المنسوبة إلى أبي موسى عند الطبراني) طريق جعفر بن الحارث الواسطي، أبي الأشهب الضعيف.
(468)
من
قال ابن حجر في التهذيب: قال عباس الدوري عن ابن معين: ليس حديثه بشيء. وفي موضع آخر: ليس بثقة. وقال النسائي: ضعيف. وقال أبو أحمد الحاكم ليس بالقوي عندهم. وقال أبو حاتم: شيخ، ليس بحديثه بأس. وقال أبو زرعة: لا بأس به عندي ... وقال العقيلي: منكر حفظه الحديث، في شيء، يكتب حديثه قاله البخاري. وقال أبو داود: أنه ضعفه (469). بلغني عن ابن معين
وقال ابن حجر عنه في التقريب: صدوق كثير الخطأ» (470). وشراح الحديث لم يأخذوا بظاهر هذه الرواية بل حملوا معناها على ما يوافق الفكر الإسلامي الطاهر، فقد قال الإمام النووي: ومعنى هذا الحديث ما جاء في حديث أبي هريرة لكل أحد منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالمؤمن إذا دخل الجنة خلفه الكافر في النار لاستحقاقه ذلك بكفره). عرضاً لدخول النار، وهذا فكاكك؛ لأن النار: أنك كنت معرض من
ومعنى
فكاكك
الله تعالى قدر لها عدداً يملؤها، فإذا دخلها الكفار بكفرهم، وذنوبهم، صاروا في معنى الفكاك للمسلمين.
(468) المعجم الأوسط، الرواية: 2257، 614/ 1. قال الطبراني: «حدثنا أحمد بن يزيد السجستاني قال: نا يحيى بن يحيى النيسابوري قال: نا إسماعيل بن عياش عن بن الحارث عن عروة بن عبد الله. بن قشير عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمتي أمة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة إذا كان يوم القيامة دفع إلى كل رجل من المسلمين رجلاً من اليهود والنصارى فيقال: يا مسلم هذا فداؤك من النار»».
جعفر
(469) تهذيب التهذيب، ت: 990، 80/ 2 (470) تقريب التهذيب ت 938 161/ 1. (1/137)
صفحة 136
138
مجال الحق
وأما رواية: (يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب). فمعناه: أن الله تعالى يغفر تلك الذنوب للمسلمين ويسقطها عنهم، ويضع على اليهود، والنصارى مثلها بكفرهم وذنوبهم، فيدخلهم النار بأعمالهم، لا بذنوب المسلمين. ولا بد من هذا التأويل؛ لقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)
[الأنعام: 164].
وقوله: ويضعها، مجاز، والمراد يضع عليهم مثلها بذنوبهم،
ذكرناه»
من
(471)
هذا
الشرح الذي قاله الإمام النووي ومن تلك الأقوال التي ذكرها علماء الجرح والتعديل في حق رجال طرق هذه الرواية يتبيَّن لنا أن القول
بفداء الموحدين باليهود والنصارى لا أساس له في عقيدة الإسلام.
فالآيات القرآنية تثبت أن كل نفس ستجازى يوم القيامة عما كسبته ولن تحمل أي نفس أثقال غيرها، فقد قال الله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).
* * *
الرواية التي جاء فيها: ( ... ، قام رجل فقال: والشرك يا نبي الله ... ). . جاء عند الإمام الطبري رواية منسوبة إلى الصحابي عبد الله بن عمر من طريق أبي جعفر عيسى بن أبي عيسى ماهان
قال الإمام الطبري (472): حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: ثني محبر، عن عبد الله بن عمر، أنه
(471) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، 87/ 17 - 88. وجاء نحو هذا القول في رياض الصالحين، الرواية: 432، ص 338 - 339.
(472) تفسير الطبري، 125/ 5. (1/138)
صفحة 137
الفصل الأول
قال: لما نزلت: يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ} [الزمر: 53) ... الآية، قام رجل فقال: والشرك يا نبي الله. فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء: 48]».
وذكر هذه الرواية واحتج بها ابن كثير (47)، والسيوطي ()
(474)
رواية أبي جعفر عيسى بن أبي عيسى ماهان عن الربيع بن أنس مضطربة، فقد قال ابن حبان في ترجمة الربيع بن أنس بن زياد البكري: والناس يتقون حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه لأن فيها اضطراب
كثير»
(475)
ثقة
وأما أبو جعفر عيسى بن أبي عيسى نفسه فلم يسلم من التضعيف، فقد قال الحافظ ابن حجر: « ... قال عبد الله أحمد بن عن أبيه ليس بقوي في الحديث ... وقال ابن أبي مريم عن ابن معين يكتب حديثه ولكنه يخطاء. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين صالح، وقال الدوري عن ابن معين: وهو يغلط فيما يروي عن مغيرة ... وقال عمرو بن علي: فيه ضعف وهو من أهل الصدق سيئ الحفظ ... وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن خراش الحفظ ... وقال ابن حبان كان ينفرد عن المشاهير بالمناكير لا يعجبني الاحتجاج بحديثه إلا فيما وافق الثقات ... » (476).
صدوق سيئ
off of off
(473) تفسير ابن كثير، 313/ 2.
(474) الدر المنثور، 302/ 2
(475) ثقات ابن حبان ت: 2666، 228/ 4.
(476) تهذيب التهذيب، ت: 8347، 49/ 12 - 50. (1/139)
صفحة 138
140
معالم الحق
الرواية التي فيها: ( ... ) ومن وعده على عمل عقاباً فهو فيه بالخيار):
رواية منسوبة إلى الصحابي أنس بن مالك:
قال أبو يعلى: «حدثنا هدبة حدثنا سهيل بن أبي حزم عن ثابت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من وعده الله على عمل ثواباً فهو
منجزه له ومن وعده على عمل عقاباً فهو فيه بالخيار».
(478)
أخرج هذه الرواية أبو يعلى (47)، والطبراني) قال الطبراني بعد أن ذكر هذه الرواية: «لم يرو هذين الحديثين إلا سهل بن أبي حزم تفرد بهما هدبة».
ذكر هذه الرواية واحتج بها ابن كثير (479)، والسيوطي
(EAY)
(483)، والثعلبي
والبروسوي (482)، والقرطبي ()
(484)
(480)، والألوس
(EAV)
والناظر في سند هذه الرواية يجدها لا تقوم بها حجة لورودها من قبل
سهيل بن أبي حزم الضعيف.
(477) مسند أبي يعلى، الرواية: 3319.
(478) المعجم الأوسط، الرواية: 8516، 204/ 6.
(479) تفسير ابن كثير، 312/ 2
(480) الدر المنثور، 303/ 2
(481) تفسير الألوسي، 112/ 3. قال الألوسي: «والأصل في هذا على ما قال الواحدي: إن الله وكل يجوز أن يخلف الوعيد وإن امتنع أن يخلف الوعد، وبهذا وردت السنة ففي حديث أنس إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من وعده الله تعالى على عمله ثواباً فهو منجزه له،
ومن أوعده على عمله عقاباً فهو بالخيار»».
(482) تفسير روح البيان، 340/ 5.
(483) تفسير القرطبي، 202/ 4.
(484) تفسير الثعلبي، من تفسير الآية 194 من سورة آل عمران. (1/140)
صفحة 139
الفصل الأول
141
فقد قال ابن حجر: «قال حرب عن أحمد: روي أحاديث منكرة. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح. وقال البخاري: لا يتابع في حديثه، يتكلمون فيه. وقال مرة: ليس بالقوي عندهم. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي يكتب حديثه ولا يحتج به ... وقال النسائي: ليس بالقوي» (485).
* * *
رواية منسوبة إلى الصحابي جابر بن عبد الله:
قال ابن أبي الدنيا: «حدثنا محمد بن عمرو بن أبي مذعور، حدثنا أخيه،
معتمر بن سليمان، حدثني علي بن صالح، عن موسى بن عبيدة، عن عن جابر بن عبد الله، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال المغفرة تحل بالعبد ما لم
يرفع الحجاب»، قيل: يا نبي الله وما الحجاب؟ قال: «الشرك به، وما من نفس تلقاه لا تشرك به شيئاً إلا حلت لها المغفرة من الله، إن شاء غفر لها، وإن شاء عذبها»، ثم قال: لا أعلم إلا أن نبي الله قرأ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يشرك بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48] (486
(487)
(EAT)
وأخرج هذه الرواية أيضاً ابن أبي حاتم وهذه الرواية ضعيفة لورودها من قبل مُوسَى بن عُبَيْدَة بن نَشِيط بن عمْرو بن الحَارِثِ الرَّبَذِي. قال ابن حجر: «قال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد: كنا حديث موسى بن عبيدة تلك الأيام، ثم كان بمكة فلم نأته ... وقال البخاري: قال أحمد: منكر الحديث ... وقال أبو داود عن أحمد: ليس بشيء ... وقال عباس عن ابن معين: لا يحتج بحديثه ... وقال أبو يعلى عن
(485) تهذيب التهذيب ت 2765، 236/ 4 - 237.
(486) حسن الظن بالله الرواية 56.
(487) تفسير ابن أبي حاتم الرواية 5459، المجلد 52/ 3.
نتقي (1/141)
صفحة 140
142
مع الب الحق
ابن معين ليس بشيء. وقال علي بن المديني موسى بن عبيدة ضعيف الحديث، حدث بأحاديث مناكير. وقال أبو زرعة ليس بقوي الأحاديث. وقال أبو حاتم منكر الحديث ... وقال الترمذي: يضعف. وقال النسائي: ضعيف. وقال مرة: ليس بثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث وليس بحجة ... وقال ابن قانع فيه ضعف. وقال ابن حبان: ضعيف (488).
* * *
رواية منسوبة إلى الصحابي أبي ذر:
قال ابن حبان: «أخبرنا عمر بن سعيد بن سنان، قال: حدثنا الوليد بن عتبة، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن أسامة بن سلمان قال حدثنا أبو ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله يغفر لعبده ما لم يقع الحجاب» قيل: وما يقع الحجاب؟ قال: «أن تموت النفس وهي مشركة»».
أخرج هذه الرواية ابن حبان (489)، الحاكم (490)، والإمام أحمد (49)
والطبراني"
(492)
هذه الرواية ضعيفة لا حجة فيها لورودها من قبل عبد الرحمن بن
ثابت بن ثوبان العنسي الدمشقي.
(488) تهذيب التهذيب ت: 7310، 318/ 10 - 320. (489) صحيح ابن حبان الرواية: 626، 393/ 2.
(490) المستدرك على الصحيحين، الرواية: 7660، 286/ 4.
(491) مسند الإمام أحمد، الرواية: 21855، والرواية: 21856، والرواية: 21857.
(492) مسند الشاميين، الرواية: 195. (1/142)
صفحة 141
الفصل الأول
143
قال ابن حجر: «قال الأثرم عن أحمد: أحاديثه مناكير. وقال محمد بن الوراق عن أحمد: لم يكن بالقوي في الحديث ... وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: لا شيء وقال النسائي: ضعيف. وقال مرة: ليس بالقوي. وقال مرة: ليس بثقة» (3
(493)
رواية منسوبة إلى الصحابي ابن عباس:
(494)
قال: ثنا
قال الإمام الطبري حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي، فضيل بن عياض عن هشام، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه، فإن عاد لم يحكم عليه، وكان ذلك إلى الله، إن شاء، عاقبه وإن شاء عفا عنه. ثم قرأ هذه الآية: {وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انتقام} [المائدة: 95) ....
هذه الرواية المنسوبة إلى ابن عباس ضعيفة لا تقوم بها حجة لورودها
من قبل يحيى بن
طلحة اليربوعي
(496)
(495)
وجاء عند الطبري: حدثن المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح،
قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرم} [المائدة: 95] قال: إن قتله متعمداً أو ناسياً حكم عليه، وإن عاد متعمداً عجلت له العقوبة، إلا أن
يعفو الله».
(493) تهذيب التهذيب ت 3955، 137/ 6 - 138.
(494) تفسير الطبري، 60/ 7.
(495) قال ابن حجر في تقريب التهذيب (ت: 7600، 306/ 2): «لين الحديث».
(496) تفسير الطبري، 42/ 7. (1/143)
صفحة 142
144
محال الحق
هذه الرواية ضعيفة لا تقوم بها حجة وذلك لورودها من قبل علي بن أبي طلحة الهاش ب (497)، ومعاوية بن صالح الحضرمي (498)، وعبد الله بن
صالح الجهني 499).
off off of
فكرة إخلاف الله وعيده في الميزان:
ولقد استعان القائلون بفكرة جواز أن يخلف الله وعيده بهذه الروا الضعيفة التي ذكرناها سابقاً، وبهذا ندرك أن هذه الفكرة باطلة لا وزن لها في الفكر الإسلامي الطاهر.
وقد استعان القائلون بهذه الفكرة الباطلة ببيت من الشعر، فقد قال القرطبي: والعرب تذمّ بالمخالفة في الوعد وتمدح بذلك في الوعيد؛ حتى
وإني
قال قائلهم: ولا يرهب ابن العمّ ما عِشتُ صَوْلَتِي ولا أختفي من خَشْيَة المتَهَدِّدِ متى أوعدته أو وعدته لَمخْلِفُ إيْعادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي (500) وقد رد ابن حزم على الآخذين بهذا البيت حيث قال: «وقد ادعى قوم أ م أن إخلاف الوعيد حسن عند العرب، وأنشدوا:
وإني وإنْ أوْعَدْتُهُ أو وَعَدْتُه لمُخْلِفُ إيعادي ومُنْجِزُ موعدي قال أبو محمد وهذا لا شيء، قد جعل فخر صبي أحمق كافر حجة على
الله تعالى والعرب تفخر بالظلم. قال الراجز:
(497) انظر: ص
43 من هذا البحث.
(498) قال ابن حجر في تقريب التهذيب، ت: 6786، 196/ 2): «صدوق له أوهام».
في (تقريب التهذيب: ت: 3399 501/ 1): صدوق كثير الغلط ثبت
(499) قال ابن حجر في كتابه وكانت فيه غفلة».
(500) تفسير القرطبي، 202/ 4. (1/144)
صفحة 143
الفصل الأول
145
أحيا أباه هاشم بن حرمله يرى الملوك حوله مغربله
يقتل ذا
الذنب
(0.1)
وفكرة احتمال إخلاف الله وعيده لم تلق التأييد في أوساط القائلين بالشفاعة لأهل الكبائر، وقد سجل العلماء ما يناقض هذه الفكرة في كثير من كتبهم: -
قال ابن كثير: «وقوله تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: 87] أي: لا أحد أصدق منه في حديثه وخبره ووعده ووعيده، فلا إله إلا هو ولا رب سواه» (502).
وقال ابن كثير أيضاً: «الحاقة من أسماء يوم القيامة لأن فيها يتحقق الوعد والوعيد ولهذا عظم الله أمرها (503).
وقال الإمام الطبري: فكان الكسائي والفرّاء يقولان: لا تكاد العرب توقع «ربّ» على مستقبل، وإنما يوقعونها على الماضي من الفعل كقولهم: ربما فعلت كذا، وربما جاءني أخوك. قالا: وجاء في القرآن. المستقبل: ربما يود، وإنما جاز ذلك لأن ما كان في القرآن من وعد ووعيد وما فيه، فهو حق كأنه عيان ... » (504).
مع
وقال الشوكاني: «وَإِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ) [يونس: 55] لا يتخلف فما وعد
به من الخير وأوعد به من الشرّ فهو كائن لا محالة» (505).
(501) الفصل في الملل والأهواء والنحل، 45/ 4.
(502) تفسير ابن كثير، 351/ 2.
(503) تفسير ابن کثير 99/ 7
(504) تفسير الطبري، 2/ 14.
(505) تفسير الشوكاني، 322/ 4، من تفسير الآية 34 من سورة لقمان. (1/145)
صفحة 144
146
معالم الحق
وقال الألوسي: «إِنَّ وَعْدَ اللهِ} قيل بالثواب والعقاب على تغليب الوعد على الوعيد أو هو بمعناه اللغوي (حَقٌّ) ثابت متحقق لا يخلف، وعدم إخلاف الوعد بالثواب مما لا كلام فيه وأما عدم إخلاف الوعد بالعقاب ففيه كلام والحق أنه لا يخلف أيضاً (506).
عهده 3
وقال الرازي: «المسألة الرابعة: قوله تعالى: {فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ. [البقرة: 80] يدل على أنه سبحانه وتعالى منزه عن الكذب وعده ووعيده ... ( .. )
(507)
وقال الرازي أيضاً: ... لأن الوعيد قسم من أقسام الخبر، فاذا جوز على الله الخلف فيه فقد جوز الكذب على الله، وهذا خطأ عظيم، بل يقرب من أن يكون كفراً، فإن العقلاء أجمعوا على أنه تعالى منزه عن الكذب، ولأنه إذا جوز الكذب على الله في الوعيد لأجل ما قال: إن الخلف في الوعيد كرم فلم لا يجوز الخلف في القصص والأخبار لغرض المصلحة، ومعلوم أن فتح هذا الباب يفضي إلى الطعن في القرآن
وكل الشريعة» (508).
1000
وقال أبو حيان الأندلسي: «وفي قوله: {فَلَن يُخلِفَ اللهُ عَهْدَهُ) دليل على أن الله لا يخلف وعده. واختلف في الوعيد، فذهب الجمهور إلى أنه لا يخلفه، كما لا يخلف وعده (509)
وقال القمي النيسابوري: {فَلَن يُخلِفَ اللهُ عَهْدَهُ) لتنزهه سبحانه عن كل نقيصة وخلاف الخبر أنقص النقائص. فإن قيل: هب أن الخلف في
(506) تفسير الألوسي، 105/ 11.
(507) تفسير الرازي، 137/ 3.
(508) تفسير الرازي، 210/ 10 - 211. (509) تفسير أبي حيان الأندلسي، 445/ 1. (1/146)
صفحة 145
الفصل الأول
147
عباد الله،
الوعد لؤم ونقيصة، لكنه في الوعيد كرم ولطف. قلنا: الخلف من حيث هو كذب قبيح لا يجوزه كامل، ولعل للكرم طريقاً آخر سوى هذا فتأمل (510). وقال ابن تيمية: «قد ثبت في صحيح مسلم وغيره، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صنفان من أهل النار من أمتي لم أرهما بعد: نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رؤوسهن مثل أسنمة البخت، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها. ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر، يضربون بها ومن زعم أن هذا الحديث ليس بصحيح بما فيه من الوعيد الشديد، فإنه جاهل ضال عن الشرع يستحق العقوبة التي تردعه، وأمثاله من الجهال الذين يعترضون على الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأحاديث الصحيحة في «الوعيد» كثيرة مثل قوله: «من قتل نفساً معاهدة بغير حقها لم يجد رائحة الجنة (511)، وريحها يوجد من مسيرة أربعين خريفاً»، ومثل قوله الذي في الصحيح: «لا يدخل الجنة من في قلبه ذرة من كبر». قيل: يا رسول الله الرجل يكون ثوبه حسناً، ونعله حسناً، أفمن الكبر ذاك؟ فقال: «لا الكبر بطر الحق وغمط الناس».
(510) تفسير غرائب القرآن 318/ 1 - 319، من تفسير الآية 80 من سورة البقرة. (511) قال الشوكاني: ... ورائحة الجنة نسيمها الطيب، وهذا كناية عن عدم دخول من قتل معاهداً الجنة، لأنه إذا لم يشم نسيمها وهو يوجد من مسيرة أربعين عاماً لم يدخلها ... والحديثان اشتملا على تشديد الوعيد على قاتل المعاهد لدلالتهما على تخليده في النار، وعدم خروجه عنها وتحريم الجنة عليه، مع أنه قد وقع الخلاف بين أهل العلم في قاتل المسلم هل يخلد فيها أم يخرج عنها؟ ... وأما قاتل المعاهد فالحديثان مصرحان بأنه لا يجد رائحة الجنة وذلك مستلزم لعدم دخولها أبداً، وهذان الحديثان وأمثالهما ينبغي أن يخصص بهما عموم الأحاديث القاضية بخروج الموحدين من النار ودخولهم الجنة بعد ذلك». (نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار، ص 1409). علينا أن نعلم ـ حسب منهج الأمة الإسلامية - أنه لا يوجد حديث صحيح صريح ذكر خروج عصاة المسلمين من نار جهنم كما سيتبين في هذا البحث إن شاء الله تعالى.
فيه (1/147)
صفحة 146
148
محال الحق
و «بطر الحق» جحده، و «غمط الناس احتقارهم، وازدراؤهم. ومثل قوله في الحديث الصحيح: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب، وفقير مختال».
وفي القرآن من آيات الوعيد ما شاء الله ...
وهذا أمر متفق عليه بين المسلمين، أن «الوعيد» في الكتاب والسُّنَّة لأهل الكبائر موجود. ولكن الوعيد الموجود في الكتاب والسنة قد بين الله في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أنه لا يلحق التائب بقوله: «قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم) (الزمر: 53]، أي: لمن تاب وقال في الآية الأخرى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُون ذالك لمن يشاء) [النساء: 116]، فهذا في حق من لم يتب فالشرك لا يغفر وما دون الشرك إن شاء الله غفره، وإن شاء
عاقب عليه (512).
والمشيئة التي أشار إليها ابن تيمية هنا قد أوضح معناها في موضع آخر من (مجموع الفتاوى) حيث قال هناك: «فمن سبقت له من الله الحسنى: فلا بد أن يصير مؤمناً تقياً، فمن لم يكن من المؤمنين لم يسبق له من الله
حسنى، ولكن إذا سبقت للعبد من الله سابقة استعمله بالعمل الذي يصل به إلى تلك السابقة، كمن سبق له الله أن من يولد له ولد. فلا بد أن يطأ امرأة يحبلها، فإن الله سبحانه قدر الأسباب والمسببات فسبق منه هذا وهذا؛ فمن ظن أن أحداً.
سبق
له الله من حسني بلا سبب فقد ضل بل هو سبحانه ميسر
الأسباب والمسببات، وهو
قد قدر فيما مضى هذا وهذا (513).
(512) مجموع الفتاوي، 296/ 11 - 297. (513) مجموع الفتاوي، 133/ 8 - 134. (1/148)
صفحة 147
الفصل الأول
149
وقد بين ابن الجوزي في كلمات معدودة بليغة هذه القاعدة التي ذكرها العلامة ابن تيمية حيث قال ابن الجوزي: وبعد هذا، فالمراد موفق، والمطلوب معان. وإذا أرادك لأمر هيأك له» (514).
وقال في موضع آخر: تفكرت في سبب هداية من يهتدي، وانتباه من يتيقظ من رقاد، غفلته فوجدت السبب الأكبر اختيار الحق ل لذلك الشخص، كما قيل إذا أرادك لأمر هيأك له» (515).
فمن سلك سبيل التوبة فقد أخذ بأسباب المغفرة، وقد وعد الله تعالى التائبين بغفران ذنوبهم إن هم أخلصوا الله في أعمالهم.
فالروايات التي ذكرت الشفاعة لأهل الكبائر لا وزن لها في ميادين العلم. وأما فكرة إخلاف الله وعيده فهي من التخريصات التي لا يجوز نسبتها إلى الله سبحانه وتعالى.
وا
سم الآتي من هذا الفصل فيه زيادة بيان لما أشار إليه العلامة
ابن تيمية هنا. والله الموفق إلى كل خير.
(514) صيد الخاطر، ص 274. قال المحققان هنا: «أي: الذي يريده الله بجواره يوفقه إلى العمل الصالح و (المطلوب) أي: الذي يطلبه الله سبحانه ليكون من عباده الصالحين».
(515) صيد الخاطر، ص 318. (1/149)
صفحة 148
المغفرة والمشيئة الإلهية
فحينما سمع المسلمون قول الله تعالى: {إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ [الأنعام: 128] أخذوا في البحث عن الذين عناهم الله تعالى بهذا الاستثناء، وقاموا بذكر الأفراد الذين يشملهم هذا الاستثناء، وجاؤوا بأدلتهم للتدليل على صواب أقوالهم، وهذا منهج اتبعوه مع كل آية أو رواية فيها ذكر المستثنى والمستثنى منه في جميع كتاباتهم التي ازدهرت بها المكتبة الإسلامية عبر القرون الماضية. فكان القول الصحيح هو الذي أيدته الأدلة الثابتة التي لا تحوم حولها الشكوك. وفي
هذا القسم نعتمد على المنهج الإسلامي الذي طبقه علماء الأمة في معرفة المعنى الصحيح لقوله تعالى: {لِمَن يَشَاءُ) المنزل في الآية 48 والآية 116 من سورة النساء.
-
1
ويُعرض هذا القسم في ثلاثة عناصر: -
الحكم الإلهي الوارد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم
لأجل غفران ذنوب العباد.
2 - اشتراط التوبة لأجل المغفرة أمر نادى به علماء المسلمين حينما
تجردوا من التبعات المذهبية.
- ذنوب تجاوز الله عنها وغفرها. (1/150)
صفحة 149
الفصل الأول
151
العنصر الأول: أسباب المغفرة كما جاء في حكم الله تعالى:
جاء ذكر المشيئة في آيات من كتاب الله تعالى لبيان أن نواميس الكون وقوانينه محكومة بالإذن الإلهي لها للتفاعل والتجاوب مع اختيارات البشر وتوجهاتهم إذا هم أخذوا بالأسباب.
قال الإمام الطبري عند تفسير قوله تعالى: {يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} [العنكبوت: 21]: فيعذب من يشاء منهم على ما أسلف من جرمه في أيام حياته، ويرحم من يشاء منهم ممن تاب وآمن وعمل صالحا (516).
>>
وقال الإمام الطبري: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 192] يقول: فإن الله ذو عفو عن ذنوبكم إذا تبتم منها، رحيم بكم أن يعاقبكم عليها بعد التوبة، وغير مؤاخذكم بمناجاتكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تقدموا بين يدي نجواكم إياه صدقة» (517).
وقال ابن عطية عند تفسيره لقوله تعالى: {يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} [العنكبوت: 21]: «المعنى: ييسر من يشاء لأعمال من حق عليه وييسر من يشاء لأعمال من سبقت له السعادة، فيتعلق الثواب والعقاب
العذاب، بالاكتساب المقترن بالاختراع الذي الله تبارك وتعالى في أعمال العبيد (518). هذه الأقوال التي سطرها الإمام الطبري وابن عطية تفتح لنا الأبواب لتتبع كتب التفسير التي فسرت الآيات التي ربطت بين المشيئة الإلهية وما
وعد به البشر من ثواب وما توعد به الإنسان من عقاب.
(516) تفسير الطبري، 139/ 20.
(517) تفسير الطبري، 21/ 28.
(518) تفسير ابن عطية، ص 1459. (1/151)
صفحة 150
152
معالم الحق
والآيات القرآنية تثبت أن نتائج سلوك البشر في حياتهم تطبيق للقانون، الإلهي في ربط النتائج بالمقدمات، وقد ذكر الله تعالى هذه الحقيقة في كتابه
العزيز في آيات كثيرة ذكر فيها المشيئة، حيث قال جل وعلا: -
إِنَّ رَبِّي لَطِيفُ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [يوسف: 100]. وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ وَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ، قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَذَابَ} [الرعد: 27].
لو وما تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ} [التكوير: 29].
هو إن يَشَأْ يَرْحَمَكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ} [الإسراء: 54]. لله له ولو شاء الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ وَلَتُلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل: 93).
والله
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 129].
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَتَمُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) [النجم: 31].
بيان العلماء لهذا الحكم الإلهي:
قال ابن كثير: «إِنَّ رَبِّي لَطِيفُ لِمَا يَشَاءُ) أي: إذا أراد أمراً قيض له إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ) بمصالح عباده، الحكيم) في أقواله
أسباباً وقدره ويسره وأفعاله وقضائه وقدره وما يختاره ويريده» (519).
(519) تفسير ابن كثير، 50/ 4. وقال ابن كثير في موضع آخر: « ... ولهذا قال: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ:
= (1/152)
صفحة 151
الفصل الأول
153
وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ اسْتَمُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالحُسْنَى: أي: يجازي كلاً بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر، ثم فسر المحسنين بأنهم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، أي: لا يتعاطون المحرمات الكبائر وإن وقع منهم بعض الصغائر فإنه يغفر لهم ويستر عليهم كما قال في الآية الأخرى: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مدخلا كريما تم [النساء: 31] وقال ههنا: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَّرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللهم) (النجم: 32) وهذا استثناء منقطع، لأن اللمم من صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال ... وقوله تعالى: لو إن ربك واسِعُ الْمَغْفِرَةِ} [النجم: 32] أي: رحمته وسعت كل شيء ومغفرته تسع الذنوب كلها لمن تاب منها كقوله تعالى: {قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (520) [الزمر: 53].
وقال الإمام الرازي: «إلا أنه تعالى لطيف فإذا أراد حصول شيء سهل أسبابه فحصل وإن كان في غاية البعد عن الحصول» (521).
وقال الألوسي: «وحاصله أن اللطيف هنا بمعنى العالم بخفايا الأمور المدبر لها والمسهل الصعابها، ولنفوذ مشيئته سبحانه فإذا أراد شيئاً سهل أسبابه أطلق عليه جل شأنه اللطيف لأن ما يلطف يسهل
نفوذه» (522).
يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ) أي: ويهدي إليه من أناب إلى الله
واستعان به وتضرع لديه تفسير ابن كثير، 89/ 4).
(520) تفسير ابن كثير، 457/ 6 - 459.
ورجع إليه
(521) تفسير الرازي، 178/ 18.
(522) تفسير الألوسي، 58/ 7. (1/153)
صفحة 152
154
مع ال الحق
وقال أبو السعود: «فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ} [إبراهيم: 4] إضلاله أي: يخلق فيه الضلال لمباشرة أسبابه المؤدية إليه أو يخذله ولا يلطف به لما يعلم أنه لا ينجع فيه الإلطاف. وَيَهْدِى) بالتوفيق ومنح الإلطاف من يَشَاءُ هدايته لما فيه من الإنابة والإقبال إلى الحق» (523).
وقال ابن تيمية: «وأما قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنا الْحُسْنَى أُوْلَبِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101] فمن سبقت له الله الحسنى: من
الله
فلا بد أن يصير مؤمناً تقياً، فمن لم يكن من المؤمنين لم يسبق له من حسنى، ولكن إذا سبقت للعبد من الله سابقة استعمله بالعمل الذي يصل به إلى تلك السابقة، كمن سبق له من الله أن يولد له ولد. فلا بد أن يطأ امرأة يحبلها، فإن الله سبحانه قدر الأسباب والمسببات فسبق منه هذا وهذا؛ فمن ظن أن أحداً سبق له الله من حسني بلا سبب فقد ضل، بل هو سبحانه ميسر الأسباب والمسببات، وهو قد قدر فيما مضى هذا وهذا (524).
وقال سيد قطب ووراء ذلك كله مشيئة الله .. المشيئة الطليقة التي قضت أن يكون هذا الخلق المسمى بالإنسان على هذا الاستعداد المزدوج للهدى والضلال، عن اختيار وحكمة، لا عن اقتضاء أو إلزام .. وكذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم بمشيئته تلك، التي تعين من يجاهد، وتضل من يعاند. ولا تظلم أحداً من العباد .. إن اتجاه الإنسان إلى طلب الهدى، أو اتجاهه إلى الضلال، كلاهما ينشأ من خلقته التي فطره الله عليها
(523) تفسير أبي السعود، ج 3 ص 471، وانظر نحو هذا القول عند الألوسي في تفسيره (ج 7/ (177): «فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ (إضلاله أي: يخلق فيه الضلال لوجود أسبابه المؤدية
ص
إليه فيه، وقيل: يخذله فلا يلطف به لما يعلم أنه لا: ينجع فيه الالطاف {وَيَهْدِى) يخلق الهداية أو يمنح الألطاف مَن يَشَاءُ (هدايته لما فيه من الأسباب المؤدية إلى ذلك». (524) مجموع الفتاوي، 133/ 8 - 134. (1/154)
صفحة 153
الفصل الأول
100
بمشيئته. فهذا الاتجاه وذاك مخلوق ابتداء بمشيئة الله. والنتائج التي تترتب على هذا الاتجاه وذاك من الاهتداء والضلال إنما ينشئها الله بمشيئته كذلك. فالمشيئة فاعلة ومطلقة والحساب والجزاء إنما يقومان على اتجاه الإنسان الذي يملكه
وإن كان الاستعداد للاتجاه المزدوج هو في الأصل من مشيئة الله (525). وقال الطباطبائي: «ولما لم يؤمن أن يتوهموا منه أن الأمر يدور مدار مشيئة جزافية غير منتظمة أشار إلى دفعه بتبديل قولنا: ويهدي إليه من يشاء من قوله: {وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ) فبيَّن أن الأمر إلى مشيئة الله تعالى جارية على سنة دائمة ونظام متقن مستمر وذلك أنه تعالى يشاء هداية من أناب ورجع إليه ويضل من أعرض ولم ينب» (526).
وقال الطبرسي: {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ) [آل عمران: 129] من المؤمنين ذنوبهم فلا يؤاخذهم بها ولا يعاقبهم عليها رحمة منه وفضلاً وَيُعَذِّبُ مَن يساهُ} أي: ويعذب الكافرين ومن يشاء من مذنبي المؤمنين إن مات قبل التوبة عدلاً ويدلّ عليه مفسراً قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ وتغفر ما دون ذلكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48، 116] ولولا ذلك لكنا نجوز العفو على الجميع عقلاً.
دمة
(525) في ظلال القرآن المجلد 2 ص 1081. وقال سيد قطب في موضع آخر (المجلد 1/ ص 312 - 313): وفي الوقت ذاته يقرر القرآن حقيقة أخرى أن. من أراد الهداية وسعى لها سعيها وجاهد فيها فإن الله لا يحرمه منها، بل يعينه عليها: {وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (ليطمئن كل من يتجه إلى هدى الله أن مشيئة الله ستقسم له الهدى وتؤتيه الحكمة، وتمنحه ذلك الخير الكثير». وقال سيد قطب أيضاً: (المجلد 4/ ص 2060): «قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ .. فالله يهدي من ينيبون إليه. فالإنابة إلى الله هي التي جعلتهم أهلاً لهداه. والمفهوم إذن أن الذين لا ينيبون هم الذين يستأهلون الضلال، فيضلهم الله فهو استعداد القلب للهدى
وسعيه إليه وطلبه، أما القلوب التي لا تتحرك إليه فهو عنها بعيد».
(526) تفسير الطباطبائي، 355/ 11، من تفسير الآية 27 من سورة الرعد. (1/155)
صفحة 154
107
معالم الحق
وقيل: إنما أبهم الله الأمر بالتعذيب والمغفرة فلم يبين من يغفر له ومن يشاء تعذيبه ليقف المكلف بين الخوف والرجاء فلا يأمن من عذاب الله
تعالى ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون» (527).
وقال ابن عاشور: «وأما آية سورة الإنسان فقد ذيلت: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الإنسان: 30] أي: فهو بعلمه وحكمته ينوط مشيئته لهم الاستقامة بمواضع صلاحيتهم لها فيفيد أن من لم يشأ أن يتخذ إلى ربه سـ سبيلاً قد حرمه الله تعالى من مشيئته الخير بعلمه وحكمته كناية عن شقائهم» (528).
(OTA)
وقال ابن عاشور: وصفهم بالتقوى وبالتوجّه إلى الله تعالى بطلب المغفرة. ومعنى القول هنا الكلام المطابق للواقع في الخبر، والجاري على فرط الرغبة في الدعاء، في قولهم: {فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إلخ، وإنما كذلك إذا سعى الداعي في وسائل الإجابة وترقبها بأسبابها التي ترشد إليها التقوى، فلا يُجازَى هذا الجزاء من قال ذلك بفمه ولم يعمل
يجري
له» (529).
وقال ابن عاشور أيضاً: ومعنى إن يَشَأْ يَرْحَمَكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ) [الإسراء: 54] على هذا الكناية عن مشيئة هديه إياهم الذي هو سبب الرحمة، أو مشيئة تركهم وشأنهم. وهذا أحسن ما تفسر به هذه الآية ويبين موقعها، وما قيل غيره أراه لا يلتئم ... فلما ناط الرحمة بأسبابها والعذاب بأسبابه، بحكمته وعدله، عُلم أن معنى مشيئته الرحمة أو التعذيب هو مشيئة إيجاد أسبابهما ... » (530).
(527) تفسير الطبرسي، 311/ 2، من تفسير الآية 129 من سورة آل عمران. (528) تفسير ابن عاشور، 148/ 30، من تفسير الآية 29 من سورة التكوير. (529) تفسير ابن عاشور، 42/ 3، من تفسير الآية 16 من سورة آل (530) تفسير ابن عاشور 107/ 14، من تفسير الآية 54 من سورة الإسراء.
عمران. (1/156)
صفحة 155
الفصل الأول
101
وقال ابن عاشور: « ... كان المعنى: لا مشيئة لكم في الحقيقة إلّا تبعاً لمشيئة الله ... وقد حصل من صدر هذه الآية ونهايتها ثبوت مشيئتين: إحداهما: مشيئة العباد والأخرى مشيئة الله وقد جمعتهما هذه الآية فكانت أصلاً للجمع بين متعارض الآيات القرآنية المقتضي بعضُها بانفرادِه نَوْط التكاليف بمشيئة العباد وثوابهم وعقابهم على الأفعال التي شاؤوها لأنفسهم، والمقتضي بعضها الآخر مشيئة لله في أفعال عباده .... وبهذا بطل مذهب الجبرية لأن الآية أثبتت مشيئة للناس وجعلت مشيئة الله شرطاً فيها لأن الاستثناء في قوة الشرط، فللإنسان مشيئته لا محالة. وأما مذهب المعتزلة فغير بعيد من قول الأشعري إلا في العبارة بالخلق أو بالكسب، وعبارة الأشعري أرشق وأعلق بالأدب مع الله الخالق، وإلّا في تحقيق معنى مشيئة الله، والفرق بينها وبين الأمر أو عدم الفرق وتفصيله في علم الكلام
(or 1).
وقال ابن عاشور: ومعنى إسناد الهدى والإضلال إلى الله راجع إلى مراتب تأثر المخاطبين بالقرآن وعدم تأثرهم بحيث كان القرآن مستوفياً لأسباب اهتداء الناس به فكانوا منهم من اهتدى به ومنهم من ضل عنه ... والمعنى: إن ذلك لنقص في الضال لا في الكتاب الذي من شأنه الهدى (532). وقال الألوسي: يُضِلُّ اللهُ تعالى (مَن يَشَاءُ) إضلاله لصرف
اختياره حسب استعداده السياء إلى جانب الضلال عند مشاهدته لآيات الله تعالى الناطقة بالهدى وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ) هدايته لصرف اختياره حسب الحسن عند مشاهدة تلك الآيات إلى جانب الهدى لا إضلالاً وهداية أدنى
منهما"
(533)
استعداده
(531) تفسير ابن عاشور 382/ 29 - 384، من تفسير الآية 30 من سورة الإنسان. (532) تفسير ابن عاشور 72/ 24 - 73، من تفسير الآية 23 من سورة الزمر.
(533) تفسير الألوسي، 142/ 15. (1/157)
صفحة 156
158
معالم الحق
وقال الشيخ السعدي: «فيغفر لمن يشاء، وهو المنيب إلى ربه، الأواب إليه فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء: 25]. ويعذب من يشاء، وهو المصرّ على المعاصي، في باطنه وظاهره» (534).
وقال الشيخ السعدي أيضاً: «يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ) [العنكبوت: 21] أي: هو المنفرد بالحكم الجزائ وهو: إثابة الطائعين ورحمتهم، وتعذيب العاصين والتنكيل بهم» (535).
قال الشوكاني: {يُعَذِبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ} [العنكبوت: 21] أي: هو سبحانه بعد النشأة الآخرة يعذب من يشاء تعذيبه، وهم الكفار، والعصاة، ويرحم من يشاء، رحمته وهم المؤمنون به المصدّقون لرسله العاملون بأوامره، ونواهيه (536).
وقال ابن الجوزي: «قوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ) [النور: 21] أي: يطهر من يشاء من الإثم بالتوبة والغفران، فالمعنى: وقد شئت أن أتوب عليكم» (537). وقال النسفي: {وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ) من علم منه اختيار
الضلالة {وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ} [النور: 93] من علم منه اختيار الهداية» (538).
(534) تفسير السعدي، 351/ 1، النسخة التي حققها محمد زهري النجار، ونشرتها عالم النسخة الكتب ومكتبة النهضة العربية، الطبعة الأولى، 1408 هـ ـ 1988 م. وجاء في التي حققها عبد الرحمن بن معلا اللويحق، والتي نشرتها دار ابن حزم (ص 103)، ما نصه: (يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ) وهو لمن أتى بأسباب المغفرة، ويعذب من يشاء بذنبه الذي لم يحصل له ما يكفره»، وقد قام عبد الرحمن بن معلا بإضافة ما اختلفت فيه النسختان في ص 916 من النسخة التي نشرتها دار ابن حزم.
(535) تفسير السعدي ص
599، من تفسير الآية 21 من سورة العنكبوت.
تفسير الآية 21 من سورة العنكبوت.
(536) تفسير الشوكاني، 260/ 4، من: (537) تفسير ابن الجوزي 286/ 3، من تفسير الآية 21 من سورة النور.
(538) تفسير النسفي، 298/ 2. (1/158)
صفحة 157
الفصل الأول
159
عن
وقال الشيخ الشعراوي: «والحق سبحانه وتعالى حين يتكلم. المشيئة يقول: لَوْ نَشَاءُ) ويحدد أسباب المشيئة وهو قوله: {أَصَبْتَهُم
بِذُنُوبِهِمْ، وهكذا نعلم أن المشيئة ليست مشيئة ربنا فقط لا، بل هي
(539)
مشيئة العباد الذين ميّزهم بالاختيار ... (1391).
أيضاً
وبين لنا الشيخ الشعراوي هذه الحقيقة الإيمانية في مثال يمر به كل متعلم، حيث قال: « ... لأن ا يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ معني [النحل: 93]. أي: يحكم على هذا من خلال عمله بالضلال، ويحكم على هذا خلال عمله بالهداية مثل ما يحدث عندنا في لجان الامتحان، فلا نقول: اللجنة أنجحت فلاناً وأرسبت فلاناً، فليست هذه مهمتها، بل مهمتها أن تنظر
من
أوراق الإجابة، ومن خلالها تحكم اللجنة بنجاح هذا وإخفاق ذاك (540). . وقال ابن القيم: «فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِى وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رحِيمُ) [إبراهيم: 36] ولم يقل: فإنك عزيز حكيم؛ لأن المقام مقام استعطاف وتعريض بالدعاء، أي: إن تغفر لهم وترحمهم بأن توفقهم للرجوع من الشرك إلى التوحيد ومن المعصية إلى الطاعة كما في الحديث: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»» (541).
فهذه الآيات الكريمة التي ذكرناها هنا، وأقوال العلماء التي جاءت مفسرة لها تبين لنا أن الألطاف الإلهيَّة تتدخل في حياة العباد لأجل تنفيذ مشيئة الله في الخلق، فمن أراد الله تعالى العفو عنه والمغفرة له ألهمه أسبابهما ووفقه لطلبهما وأعانه على أداء ما به ينالهما.
(539) تفسير الشعراوي، 4265/ 7. من تفسير الآية 100 من سورة الأعراف. (540) تفسير الشعراوي، 8186/ 13، من تفسير الآية 93 من سورة النحل. (541) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين 82/ 1. (1/159)
صفحة 158
160
معالم الحق
وبهذه الحقيقة الإيمانية نفهم حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم حينما بايع الصحابة: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، أصاب ومن ذلك شيئاً ثم من ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه» فبايعناه على
ذلك» (542).
وأسباب المغفرة قد حددها الشارع الحكيم، فعلى الناس معرفة الأسباب
والأخذ بها والاستعانة بالله جل وعلا في أداء ما وجب عليهم.
فليس أمام أصحاب الكبائر إلا باب التوبة النصوح فهي السبب المؤدي إلى المغفرة، وما عدا هذا الباب أماني لم ينزل الله بها من
سلطان.
قال الإمام الرازي بعد أن تجرد من الأقوال الضعيفة، وتخلى عن التبعات المذهبية الموروثة، وأطلق قلمه ليمشي خلف آيات الله تعالى البينات: «المسألة الأولى: أن في الآية (43) أعظم تحذير عن المعاصي وأقوى ترغيب في تلافي الإنسان ما يكون منه من المعصية بالتوبة لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية علم أنه لاخلاص له إلا بالطاعة فإذا كان لا يأمن كل ساعة من التقصير في العبادة، ومن فوت التوبة من حيث إنه لا يقين له في البقاء صار حذراً خائفاً. في كل حال، والآية وإن كانت في بني إسرائيل فهي في المعنى
(542) صحيح البخاري، الرواية: 18، ص 29. وأخرج هذه الرواية أيضاً الإمام مسلم، (صحيح
مسلم، الرواية: 1709،. ص
(V 1 V
(543) قال الإمام الرازي هذا القول عند تفسيره للآية 48 من سورة البقرة. (1/160)
صفحة 159
الفصل الأول
161
مخاطبة للكل لأن الوصف الذي ذكر فيها وصف لليوم وذلك يعم كل من
(022)
يحضر في ذلك اليوم (544)
أنبياء الله تعالى أخذوا بأسباب المغفرة:
والباب السالك إلى المغفرة قد عرفه الأنبياء ودخلوا منه لنيل رضوان الله تعالى، وقد سجل القرآن الكريم دعاءهم. ولم يرد عن أي من أنبياء الله تعالى أن العصاة سينالون الغفران من غير توبة نصوح.
قال الله تعالى في ذكره لدعاء عباده الأنبياء: -
قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)
[القصص: 16].
قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ)
[الأعراف: 151].
و قالا ربنا ظلمنا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ)
[الأعراف: 23].
* وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّحِمِينَ} [المؤمنون: 118]. و فاعلم أنه لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ والله يعلم متَقَلَّبَكُمْ وَمَنْوَنَكُمْ} [محمد: 19].
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْنِي مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ولا نزدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا} [نوح: (28).
(544) تفسير الرازي 55/ 3. (1/161)
صفحة 160
162
محال الحق
قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَسِرِينَ} [هود: 47].
قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُوَالِ نَعْجَنِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُردُ أَنَّمَا فَتَتَهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَر رَاكِعًا وَأَنَابَ) (ص: 24).
فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَةٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 37]. ربَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةٌ لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 128].
رعا من الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَتَبِكَيْهِ وكنيهِ، وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ، وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285].
ا لا يكلف اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَسِينَا أَوْ أخطأنا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كما حملته على الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا واغفر لنا وارحمنا أنت مولنا فانصرنا على القوم الكفرين} [البقرة: 286].
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِي وَالْإِنْكَرِ} [غافر: 55].
وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 106].
فقول الله تعالى بيان واضح أن المسير إلى غفران الذنوب لا بد أن
يمر
من باب التوبة والإنابة إلى الله تعالى وهذا هو الحق الذي ينبغي لنا اعتقاده (1/162)
صفحة 161
الفصل الأول
163
والسعي به في هذه الحياة الدنيا كما فعل أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام. وقد أقر بهذه الحقيقة المفسرون: -
قال الطبري: «وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ يا محمد وسله أن يصفح لك عن عقوبة ذنبك في مخاصمتك عن الخائن من خان مالاً لغيره. إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا يقول: إن الله لم يزل يصفح عن ذنوب عباده المؤمنين بتركه عقوبتهم عليها، إذا استغفروه منها، رحيماً بهم، فافعل ذلك أنت يا محمد،
يغفر الله لك» (545).
وقال ابن عاشور: «والأمرُ باستغفار الله جرى على أسلوب توجيه الخطاب إلى الرسول، فالمراد بالأمر غيره، أرشدهم إلى ما هو أنفع لهم وهو استغفار الله مما اقترفوه أو أراد واستغفر الله للخائنين ليلهمهم إلى التوبة ببركة استغفارك لهم فذلك أجدر من دفاع المدافعين عنهم"
(546)
في حكم الله تعالى: المغفرة لمن آمن وخشي وعمل الصالحات: وفكرة احتمال مغفرة ذنوب العصاة من غير توبة ليس لها دليل في مصادر العقيدة عند المسلمين، وكل الأدلة القرآنية تربط بين المسلك الصالح الذي يسير عليه الإنسان - مع التوبة من الذنوب ـ وبين المغفرة التي الإنسان لتحصيلها القيامة.
يسعى
يوم
قال الإمام ابن كثير: «إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ و [الأحقاف: 15] وهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة والإنابة إلى الله ل ويعزم عليها ... قال الله وقال: (أُولَبِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا
(545) تفسير الطبري، 264/ 5 - 265.
(546) تفسير ابن عاشور، 248/ 4، من تفسير الآية 106 من سورة النساء. (1/163)
صفحة 162
164
معالم الحق
عملوا ونتجاوز عن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ} [الأحقاف: 16] أي: هؤلاء المتصفون بما ذكرنا التائبون إلى الله تعالى المنيبون إليه، المستدركون ما فات بالتوبة والاستغفار، هم الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم فيغفر لهم الكثير من الزلل ونتقبل منهم اليسير من العمل» 547).
وقال الإمام ابن كثير عند تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَونَ ? رَبَّهُم بِالْغَيْبِ} [الملك 12]: «يقول تعالى مخبراً عمن يخاف مقام ربه فيما بينه وبينه إذا كان غائباً عن الناس، فينكف عن المعاصي ويقوم بالطاعات حيث لا يراه أحد إلا الله تعالى بأنه له مغفرة وأجر كبير أي؛ تكفر عنه ذنوبه ويجازى بالثواب الجزيل 548).
من
وقال الإمام ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: {قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر 53: - «هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة وإخبار بأن الله تبارك وتعالى يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب منها ورجع عنها وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح حمل هذه على غير توبة لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه ... فهذه الأحاديث كلها دالة على أن المراد أنه يغفر جميع مع التوبة ولا يقنطن عبد من رحمة الله وإن عظمت ذنوبه وكثرت فإن باب الرحمة والتوبة واسع قال الله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [التوبة: 104] وقال: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمَ نَفْسَهُ ثُمَّ يسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 110 549).
(547) تفسير ابن كثير، 282/ 6.
(548) تفسير ابن كثير، 71/ 7.
(549) تفسير ابن كثير، 100/ 6 - 101.
ذلك (1/164)
صفحة 163
الفصل الأول
165
وقال الإمام الطبري عند تفسير قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ من رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]: يعني تعالى ذكره بقوله: {وَسَارِعُوا * وبادروا وسابقوا إلى مغفرة من ربكم، يعني: إلى ما يستر عليكم ذنوبكم من رحمته، وما يغطيها عليكم من عفوه عن عقوبتكم عليها ...
وأما قوله: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} فإنه يعني: إن الجنة التي عرضها كعرض السموات والأرضين السبع أعدها الله للمتقين، الذين اتقوا الله، فأطاعوه فيما أمرهم ونهاهم، فلم يتعدوا حدوده، ولم يقصروا في واجب حقه عليهم فيضيعوه 550).
وقال الطبري: «يقول تعالى ذكره: إن الذين يخافون ربهم بالغيب:
يقول: وهم لم يرَوْه لَهُم مَّغْفِرَةٌ * يقول: لهم عفو من الله عن ذنوبهم وَأَجْرُ كَبِيرُ * يقول: وثواب من الله لهم على خشيتهم إياه بالغيب جزيل» 551).
فمن الأقوال التي قالها الإمام ابن كثير والإمام الطبري ندرك أن المغفرة لا بد من المسارعة لأجلها بفعل الطاعات والبعد عن المنكرات والخوف الله جل وعلا في السر والعلن. وهذه الأقوال تبطل فكرة احتمال غفران الذنوب من غير توبة وإنابة.
من
والآيات القرآنية الآتية تكشف لنا هذا الترابط بين سعي الإنسان الصالح
والمغفرة: -
ها إنما تُنذِرُ من اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةِ
وَأَجْرٍ كَرِيم} [يس: 11].
(550) تفسير الطبري، 91/ 4 - 93.
(551) تفسير الطبري، 6/ 29. (1/165)
صفحة 164
166
من الب الحق
هو وعد الله الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ هُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرُ
عَظِيمٌ} [المائدة: 9].
وإِذَا جَاءَ كَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِنَايَتِنَا فَقُلْ سَلَام عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: 54].
تو أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ) [البقرة: 199).
ه و ياأيها الذين امنوا إن تَتَّقُوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكُمْ سَئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال: 29]. له و إن الذينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَلَيفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف: 201]. يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَعَامِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفَلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الحديد، 28]. وما أرسسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بإذن الله ولو أنهم إذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا الله واستغفر لهم الرسول لوجدُوا اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [النساء: 64]
السُّنَّة النبوية دعوة إلى فعل الصالحات لأجل نيل المغفرة: قال الإمام مسلم (552): حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامَ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثَنَا مَرْوَانُ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ
(552) صحيح مسلم، الرواية: 2577، ص 1101. (1/166)
صفحة 165
الفصل الأول
167
عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِي عَنْ أَبِي ذَرْ عَنِ النَّبِيِّ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: «يا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي. وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً. فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ. فَاسْتَطْعِمُونِي أَطْعِمْكُمْ. يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ. فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ. يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً. فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرُ لَكُمْ. يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي. وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ. مَا زَادَ ذلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئاً يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ. وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ. مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي. فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ. مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا
نَفْسَهُ.
وقال الإمام مسلم" (553): «حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيْهِ، عَنِ النَّبِي أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ الّلهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيْتَنِي وَجَهْلِي. وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي وَمَا أَنتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي. اللهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي. وَخَطَئِي وعَمْدِي. وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي. اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَرْتُ. وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي. أنتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ. وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»».
(553) صحيح مسلم الرواية: 2719، ص 1148. (1/167)
صفحة 166
168
بح المالحق
قال:
54: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا الليث وقال الإمام البخاري عن يزيد بن أبي. حبيب عن أبي الخير عن عبد الله بن عمرو عن أبي بكرٍ الصديقه أنه قال الرسول الله صلى الله عليه وسلم: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قُل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفِرُ الذُّنوبَ إِلَّا أَنتَ، فَاغْفِرْ لي مَغفِرةً من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم».
وهذه الروايات التي نقلناها من صحيح مسلم وصحيح البخاري تشرح
(303)
الرواية الأخرى التي جاءت عند الإمام مسلم من طريق أبي أيوب له
حيث قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لَخَلَقَ اللَّهُ خَلْقاً
يُذْنِبُونَ، يَغْفِرُ لَهُمْ». وهذه الروايات فيها الدعوة إلى التوبة والإنابة إلى الله تعالى وعدم القنوط من رحمة الله؛ فإن الله التواب يقبل من أقبل إليه، وليس في هذه
الروايات ولا غيرها وعد للمذنبين بالمغفرة إذا أصروا على ذنوبهم.
قال محمد عبد الرؤوف المناوي: «لو أن العباد لم يذنبوا لخلق الله خلقاً يذنبون ثم يغفر لهم وهو الغفور الرحيم) ... وقال الطيبي: في الحديث ... مستجلب للتوبة والاستغفار الذي هو موقع محبة الله عز ذكره {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) وفي الحديث: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار» وفيه «الله أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن وسره إظهار صفة الكرم والحلم
والغفران ...
(237)
وقال المباركفوري أبو العلا: لولا أنكم تذنبون» أي: أيها المؤمنون لخلق الله خلقاً» أي: قوماً آخرين من جنسكم أو من غيركم «يذنبون فيغفر
(300)
صحيح البخاري، 834.
ص
17.
(555) صحيح مسلم، الرواية: 2748، ص 1158. (556) فيض القدير، شرح الرواية: 7399، 388/ 5. (1/168)
صفحة 167
الفصل الأول
169
لهم وفي رواية مسلم: لجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم. قال الطيبي: ليس في الحديث تسلية للمنهمكين في الذنوب كما يتوهمه أهل الغرة بالله تعالى فإن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم إنما بعثوا ليردعوا الناس عن غشيان الذنوب بل بيان لعفو الله تعالى وتجاوزه عن المذنبين ليرغبوا في التوبة والمعنى المراد من الحديث هو أن الله كما أحب أن يعطي المحسنين أحب أن يتجاوز عن المسيئين، وقد دل على ذلك غير واحد من أسمائه الغفار الحليم التواب العفو» 557).
وقال ابن علان الصديقي: (فاستغفروني أغفر لكم أصل الغفر: الستر فغفر الذنب ستره ومحو أثره وأمن عاقبته، وحكمة التوطئة لما بعد الفاء بما قبلها بيان أن غير المعصوم والمحفوظ لا ينفك غالباً عن المعصية، فحينئذ يلزمه أن يجدد لكل ذنب ولو صغيرة توبة وهي المرادة من الاستغفار» (558).
هنا
وقال علي القاري: ... أي إن فعلت أضعاف ما كنت تفعل ثم استغفرت عنه غفرت لك فإني أغفر الذنوب جميعاً، ما دمت عنها مستغفراً إياها وليس معناه: فليعمل ما شاء إذا كان بالوصف السابق، كما يتبادر فإنه يتضمن الأمر بالمعصية والتوبة وهو لا
(009) ,
يصح فتأمل (559).
وقال الحافظ ابن حجر: «وقوله تعالى: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا)
[آل عمران، 135] فيه إشارة إلى أن من شرط قبول الاستغفار أن يقلع المستغفر عن الذنب، وإلا فالاستغفار باللسان مع التلبس بالذنب كالتلاعب 560).
(557) تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، 523/ 9.
(558) دليل الفالحين، 283/ 1.
(559) مرقاة المفاتيح، 368/ 3.
(560) فتح الباري، 376/ 12. (1/169)
صفحة 168
170
محال الحق
وذكر ابن عبد البر سبباً من الأسباب التي جرفت العصاة إلى الإصرار على الذنوب حيث قال: وقال بعض المنتمين إلى العلم من أهل عصرنا: إن الكبائر والصغائر يكفرها الصلاة والطهارة، واحتج بظاهر حديث الصنابحي هذا (56)، وبمثله من الآثار، وبقوله: «فما ترون ذلك يبقي من ذنوبه وما أشبه ذلك. وهذا جهل بيّن، وموافقة للمرجئة فيما ذهبوا إليه من ذلك، وكيف يجوز لذي لبّ أن يحمل هذه الآثار على عمومها وهو يسمع قول الله: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا) [التحريم: 8] وقوله تبارك تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31] في آي كثيرة من كتابه. ولو كانت الطهارة والصلاة وأعمال البر مكفرة للكبائر، والمتطهر المصلي غير ذاكر لذنبه الموبق ولا قاصد إليه ولا حضره في حينه ذلك أنه نادم عليه ولا خطرت خطيئته المحيطة به بباله لما كان لأمر الله وعمل بالتوبة معنى، ولكان كل من توضأ وصلى يشهد له بالجنة بأثر سلامه من الصلاة، وإن ارتكب قبلها ما شاء من الموبقات الكبائر، وهذا لا يقوله أحد ممن له فهم صحيح، وقد أجمع المسلمون أن التوبة على المذنب فرض والفروض شيء منها إلا بقصد ونيّة واعتقاد أن لا عودة، فأما أن يصلي وهو غير ذاكر لما ارتكب من الكبائر، ولا نادم على ذلك فمحال، وقد
لا
يصح
أداء
يسار
عطاء (561) الحديث الذي أشار إليه ابن عبد البر هو مالك، عن زيد بن أسلم عن. بن عن عبد الله الصنابحي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا تَوَضًا الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ فَمَضْمَضَ خَرَجَتِ الْخُطَايَا مِنْ فِيهِ، فَإِذَا اسْتَنْثَرَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ أَنْفِهِ، فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَسْفَارِ عَيْنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتِ الْخُطَايَا مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ يَدِيْهِ، فَإِذَا مَسَحَ رَأْسِهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ حَتَّى تَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ كَانَ مَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَصَلَاتُهُ نَافِلَةَ لَهُ»». (التمهيد، 174/ 2). (1/170)
صفحة 169
الفصل الأول
171
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الندم توبة» وقال: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر» ... وهذا يبين لك ما ذكرنا ويوضح لك أن الصغائر تكفر بالصلوات الخمس لمن اجتنب الكبائر، فيكون على هذا معنى قول الله عن: هو إِن تَجْتَنِبُوا كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31]ـ الصغائر ـ بالصلاة والصوم والحج وأداء الفرائض وأعمال البر. وإن لم تجتنبوا الكبائر ولم تتوبوا منها لم تنتفعوا بتكفير الصغائر إذا واقعتم الموبقات المهلكات والله أعلم (562).
وقال محمد عبد الرؤوف المناوي: «قال رجل للقرطبي: أريد أن أعطي الله عهداً أن لا أعصيه أبداً، قال: ومن أعظم الآن جرماً منك وأنت تتألى على الله أن لا ينفذ فيك قضاؤه وقدره إنما على العبد أن يتوب كلما أذنب (563)
وقال السيد عبد الحسين دستغيب:
عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله يقول: «لا والله لا يقبل الله شيئاً من طاعته على الإصرار على شيء من معاصيه». ودلالة هذا الحديث
(562) التمهيد، 2/ 181 - 183. تتمة قول ابن عبد البر هنا هو الآتي: «وهذا كله قبل الموت فإن مات صاحب الكبيرة فمصيره إلى الله: إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، فإن عذبه فبجرمه، وإن عفا عنه فهو أهل العفو وأهل المغفرة، وإن تاب قبل الموت وقبل حضوره ومعاينته وندم واعتقد أن لا يعود، واستغفر ووجل، كان كمن لم يذنب، وبهذا كله الآثار الصحاح عن السلف قد جاءت، وعليه جماعة علماء المسلمين ... وقد كنت أرغب بنفسي عن الكلام في هذا الباب لولا قول ذلك القائل وخشيت أن يغتر به جاهل، فينهمك في الموبقات اتكالاً على أنها تكفرها الصلوات الخمس، دون الندم عليها، والاستغفار والتوبة منها - والله أعلم - ونسأله العصمة والتوفيق». قضية المغفرة والمشيئة إحدى عناصر هذا القسم من
هي
(563) فيض القدير شرح الرواية: 5717، 436/ 5.
هذا البحث. (1/171)
صفحة 170
172
على كبر ذنب الإصرار أيضاً واضحة لأن المعصية الصغيرة تغتفر مع ترك الكبائر وأداء الواجبات كما في قوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) أما كيف تمنع قبول العبادات؟ فذلك لأن
الإصرار على الذنب من الكبائر وهو ما يمنع قبول العبادات» (564).
وفي الرواية الحسنة عن ابن أبي عمير عن الإمام الباقر يقول: (ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي وهو يعلم أنه سيعاقب عليها إلا أنه ندم على ما ارتكب ومتى ندم كان تائباً مستحقاً للشفاعة ومن لم يندم عليها كان مصراً والمصر لا يغفر له لأنه غير مؤمن لعقوبة ما ارتكب ولو كان مؤمناً بالعقوبة لندم»» 565).
فالأحاديث الصحيحة المروية عن الرسول كلها دعوة إلى تجنب الذنوب وما يقرب إليها، وهي دعوة كذلك إلى التوبة والإنابة وطلب المغفرة من الله تعالى.
فمن الآيات القرآنية الكريمة والروايات التي ذكرناها هنا، الأقوال ومن التي ذكرناها عن المناوي، والمباركفوري، وابن علان الصديقي، وعلي القارئ، وابن حجر، وابن عبد البر وغيرهم ندرك تمام الإدراك أن فكرة احتمال غفران الذنوب من غير توبة لا أصل لها في الإسلام ولم يأت بها
دليل صحيح.
(566)
(564) الذنوب الكبيرة، 215/ 2، نقلا عن الكافي، 2 باب الإصرار على الذنوب، ص 288،
ح.
(565) الذنوب الكبيرة، 217/ 2 نقلا عن وسائل الشيعة، 11 باب 47، ص 266، ح 11 مع
اختلاف بالألفاظ
(566) سنذكر بعد قليل إن شاء الله تعالى أقوالا عديدة عن كثير من العلماء فيها بيان اشتراط التوبة الصادقة لأجل نيل المغفرة. (1/172)
صفحة 171
الفصل الأول
أخي القارئ الكريم.
173
لعلك أدركت من قراءتك لما سبق أن الحكم الإلهي الذي لا يحابي أحداً يشترط التوبة والإنابة من المذنبين لأجل نيل المغفرة من الغفار الرحيم.
العنصر الثاني: علماء الأمة الإسلامية يدعون إلى الأخذ بأسباب المغفرة لقد انتشرت في أوساط القائلين بالشفاعة لأهل الكبائر فكرة المغفرة من غير توبة، وهم بفكرتهم هذه خالفوا الحكم الإلهي الذي يربط بين المغفرة والتوبة، وخالفوا أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الصحيحة التي تدعو العباد إلى طلب المغفرة من كل الذنوب، وخالفوا كذلك أقوالهم العديدة الكثيرة في وجوب التوبة كما سيتضح ذلك بعد قليل إن شاء الله تعالى. . قال ابن كثير: « ... لأنه تعالى قد حكم ههنا بأنه لا يغفر الشرك،
وحكم بأنه يغفر ما عداه لمن يشاء، أي: وإن لم يتب صاحبه 567). وقال ابن عطية: «ومن لم يتب حتى حضره الموت فليس في حكم التائبين، فإن كان كافراً فهو يخلد، وإن كان مؤمناً فهو عاص في المشيئة، لكن يغلب الخوف عليه، ويقوى الظن في تعذيبه، ويقطع من جهة السمع أن هذه الصنيفة من يغفر الله له تعالى تفضلاً منه ولا يعذبه
من
(568)
وقال الرازي: «ثم قال تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [المجادلة: 2] إما من غير التوبة لمن شاء كما قال: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48] أو
بعد التوبة» (569).
(567) تفسير ابن كثير، 313/ 2
(568) تفسير ابن عطية ص 414، من تفسير الآية 17 من سورة النساء.
(569) تفسير الرازي، 246/ 29. (1/173)
صفحة 172
174
خالد الحق
قال أبو السعود: {وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) أي: مبالغ في العفو والمغفرة فيغفرُ لما سلف منْهُ عَلَى الإطلاقِ أَوْ بالمتابِ عنْهُ» 570).
وقال الألوسي: «وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) أي: مبالغ في العفو والمغفرة فيغفر ما سلف منه ويعفو عمن ارتكبه مطلقاً أو بالتوبة» (571).
من هذه الأقوال التي ذكرها ابن كثير، وابن عطية، والرازي، وأبو السعود، والألوسي نلاحظ الآتي: -
فكرة المغفرة لأصحاب الكبائر من غير توبة نصوح يقدمها صاحبها قبل الممات يردها الحكم الإلهي الذي رتب نتائج الأمور بأسبابها. والآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة التي ذكرناها في هذا القسم تربط بين المغفرة وجهود البشر لنيلها.
والقول بأن من أصحاب الكبائر من قد تشملهم المغفرة على ما هم عليه من ذنوب قول مقحم على الفكر الإسلامي وقد عارضته آيات الله تعالى وأحاديث الرسول ولم يأت أصحابه بما يثبته. وقد صحح ابن الجوزي هذه الفكرة عند رده على أبي نواس الذي نقل عنه تمني المغفرة من غير إقلاع عن الذنب (572).
وتباين الأفكار عند ابن عطية في شان مصير العصاة إذا ماتوا من غير توبة مصدرها اعتماد روايات لا تقوم بها حجة في ميزان الإسلام. فنجد ابن عطية يقطع، اعتماداً على ما أن سمعه من العصاة المصرين من يغفر له
(570) تفسير أبي السعود، 214/ 6.
(571) تفسير
الألوسي،
(572) انظر ص
60
200/ 14
من هذا البحث. (1/174)
صفحة 173
الفصل الأول
175
ولا يعذب ولكنه قبل هذه الفكرة نجده يقول بغلبة الظن في تعذيبه مما يغلب جانب الخوف عليه.
وفكرة غفران الذنوب من غير توبة وإنابة إلى الله تعالى قد جرأت المستشرقين للنيل ظلماً وعدواناً من روح الإسلام، فقد نقل الشيخ الشعراوي عن أحد المستشرقين قوله: «إن المغفرة الإلهية كما يبدو من القرآن الكريم تمنح على غير أساس معلوم وليس أدل على ذلك من قوله تعالى: {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ} [البقرة: 284] ...
(573)
(573) انظر: كتاب (أسماء الله الحسنى)، ص 208 - 210. قال الشيخ الشعراوي رداً على هذه الفرية: « ... ونقول رداً عليه: إن المغفرة والعذاب بيد الله وعل، ولمن يشاء من عباده، نعم .. ولكن ذلك لا أن المسألة
يعني
تسير وفقاً للهوى .. تعالى ربنا الملك الحق عن الهوى والظلم والتفرقة بين العباد فالحق تبارك وتعالى إن شاء أن يغفر لأحد فثق أنه جدير بالمغفرة، وإن شاء أن يعذب أحداً. فتق أنه جدير بالعذاب ...
فإن دل هذا الحديث على شيء فإنما يدل على أن الخوف من الله جل والذي يرجع إلى الإيمان الصادق به قد يجلب المغفرة، ودلَّ أيضاً على أن مغفرة الله و لا تعطى لعبد دون مبرر أو استحقاق ...
إن هذا الحديث يدل أيضاً على أن مغفرة الحق ل لا تمنح إلا لمستحق، وهذا العبد الذي غفر له الله كان دائم الاستغفار، وهذا يرجع إلى إيمانه الصادق بالله جل وخشيته منه. وقوله الحق اعمل ما شئت فقد غفرت لك .. لا يعني أنه جل وعلا أطلق له العنان ليبغي في الأرض الفساد ... فالمغفرة في هذا الحديث رغم كونها مستقبلية إلا أنها مغفرة مترتبة على استحقاق العبد والذي يعلمه الحق من علمه بنفس عبده، وعلمه بالغيب .. إذن: فهي ليست مغفرة عشوائية يعقبها طغيان من العبد وفساد في الأرض ... فمن آمن وعمل صالحاً صار في الإمكان أن يغفر له الله على ما اقترفه من ذنوب إن تاب وأناب».
هذا القول الذي ذكره الشيخ الشعراوي يؤيده ما نقله ابن حبان: «قال أبو حاتم: قوله: اعمل ما شئت لفظة تهديد أعقبت بوعد، يريد بقوله: (اعمل ما شئت)، أي: لا تعص.
وقوله: (قد غفرت لك يريد: إذا تبت صحيح ابن حبان، الرواية: 625، 392/ 2). (1/175)
صفحة 174
176
حالا
ففكرة احتمال غفران كبائر الذنوب من غير توبة نصوح يقدمها صاحبها قبل الممات فكرة لا أصل لها، وقد عقَّها القائلون بها في كثير من كتبهم. وفي هذا الموضع من هذا البحث أنقل لك أخي القارئ الكريم ما قاله علماء المسلمين عند ربطهم بين المغفرة وأسبابها، وعند شرحهم لأسماء الله الحسنى؛ خاصة عند شرحهم لمعنى (الغفور) و (غافر) و (عفو)
و (تواب).
أقوال العلماء حول الترابط الوثيق بين التوبة والمغفرة
من أقوال أحمد عبد الجواد:
كثير
الغفار جل جلاله) ومعناه أنه يغفر الذنوب مرة بعد مرة وهو الغفران لعباده الذين تابوا إليه واسغفروه فغفر لهم وسترهم لئلا يفتضحوا
يوم الحساب (574).
الغفور جل جلاله معناه كثير الغفران والصفح، كلما أذنب العبد واستغفر غفر الله له وهو سبحانه يستر عباده لئلا يفتضحوا يوم الحساب» 575).
التواب جل جلاله): ومعناه: أنه المعيد إلى عبده فضل رحمته إذا هو رجع إلى طاعته وندم على معصيته، فلا يحبط له ما قدم من خير، ولا يمنعه ما وعد به المطيعين له من الإحسان، وكلما تكررت توبة العبد تكرر القبول من الرب التواب» (576).
(574) والله الأسماء الحسنى فادعوه بها، ص 51.
(575) ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها، ص
(576) ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ص
092
177 (1/176)
صفحة 175
الفصل الأول
177
(العفو جل جلاله) ... ومعناه: أنه هو الذي يمحو السيئات، ويتجاوز عن المعاصي، ويصفح عمن تاب وأناب» (577).
من أقوال أحمد بن شعبان بن أحمد:
كل أحد مضطر إلى عفوه ومغفرته، كما. هو مضطر إلى رحمته وكرمه. وقد وعد بالمغفرة والعفو لمن أتى بأسبابها، قال تعالى: {وَإِنِّي لغفار لمن تاب و امن وعمل صلحا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82].
والله
هو
التواب الذي لم يزل يتوب على التائبين، ويغفر ذنوب المنيبين. فكل من تاب إلى الله توبة نصوحاً، تاب الله عليه.
فهو التائب على التائبين أولاً بتوفيقهم للتوبة والإقبال بقلوبهم إليه، وهو التائب عليهم بعد توبتهم قبولاً لها، وعفواً عن خطاياهم» 578).
من أقوال الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي:
«فقد بشر الله الغفار سبحانه عباده المسرفين على أنفسهم بواسع مغفرته ونهاهم عن أن يقنطوا من رحمته مهما يسرفوا في اجتراف السيئات، ومهما يقترفوا من كبائر الإثم والفواحش، وبشرهم بأنه يغفر الذنوب جميعاً دقت أو جلت، كبرت أو صغرت. وكل ما عليهم إن صدقت رغبتهم في هذه المغفرة وسمت نحوها آمالهم أن ينيبوا إلى ربهم ويسلموا له، ويقلعوا عن آثامهم ويطهروا من أوضار الخطايا بالتوبة النصوح.
181
(577) ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ص (578) شرح أسماء الله الحسنى لشمس الدين أبي عبد الله بن محمد ابن قيم الجوزية، ص 241، من مقدمة تفسير السعدي وانظر كذلك نحو هذا القول في كتاب: (شرح أسماء الله
نقلاً
الحسنى في ضوء الكتاب والسُّنَّة) لسعيد بن علي بن وهف القحطاني، ص 76 - 78. (1/177)
صفحة 176
178
معالم الحق
ولا ينبغي للمؤمن أن يتلو آية للبشرى وحدها ثم يطير بها فرحاً قبل أن يتلو الآيات التي تتصل بها لئلا يكون من الذين جعلوا القرآن عضين، فآيات القرآن يفسر بعضها بعضاً، ففي هذه الآيات البينات حين بشر الله بهذه المغفرة الشاملة طلب من هؤلاء الذين ساق إليهم هذه البشرى أن ينيبوا إليه ويسلموا له من قبل أن يأتيهم العذاب ثم لا ينصرون.
وإنما تتم البشرى لهؤلاء الذين يقومون بتحقيق ما طلب منهم فيما يلي من الآيات. يؤيد هذا قول الله تعالى في سورة طه: {وَإِنِّي لَغَفَّارُ لِمَن تَابَ و امن وعمل صلحا ثم اهتدى} [طه: 82].
لم يقل الله تعالى إني لغفار لكل من دب ودرج من العصاة والآثمين بل قال سبحانه: {وَإِني لَغَفَّارُ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمَلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82]. ولم يقتصر على ذكر التوبه حتى ذكر الإيمان، ولم يقف عند ذكر الإيمان حتى ذكر العمل الصالح ثم توج ذلك كله بالهداية، فمن تحققت منه التوبة والإيمان والعمل الصالح والهداية رجيت له المغفرة. وفي هذا قضاء على غرور المفترين وطمع الطامعين، وأماني المفتونين، الذين يتمنون المغفرة بغير عمل صالح، قدموه ولا حسنة ادخروها لمعادهم ... وللرسول عليه الصلاة والسلام كلمة جامعة حكيمة لو قرأها أسرى الأماني وتدبروها لصرفت أبصارهم عن خدع الشيطان الذي يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً ولأقبلوا على الصالحات يبتغون بها الوسيلة إلى مغفرة الله وجنته، فاستمع إليه صلوات الله عليه يقول: «ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل». إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحن نحسن الظن بالله وكذبوا، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل» (579).
(579) القول الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، ص 224 - 225. وانظر نحو هذا القول في
ص 226 من نفس الكتاب. (1/178)
صفحة 177
الفصل الأول
من أقوال الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي:
179
«المشكلة الأساسية هو أننا إذا قرأنا القرآن قد نقرأ بعضه وننسى بعضه الآخر، قال تعالى: (قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: 53] أن لا تقف عند هذا الحد في الآية، بل تتابع ما بعدها قال تعالى: وأنبوا إلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} [الزمر: 54]. أي: غفور لمن أقبل غفور لمن تاب، غفور لمن رجع، غفور لمن أناب، غفور لمن أصلح، غفور لمن استغفر، أما أن يقيم الإنسان على معصية، وينوي أن يبقى عليها، ويقول: الله غفور رحيم من السذاجة والجهل وعدم الفهم 580).
فإن هذا
فما الحكمة؟! إذ كلما ذكر الله أنه عظيم في رحمته ومغفرته وحلمه ذكر أنه شديد عقابه، فماذا يعني؟ يعني ذلك أن الله غفور إذا عدت إليه، وغفور إذا استغفرته، وغفور إذا تبت من ذنبك، وأصلحت وأخلصت، فهذه الأسماء الحسنى، والصفات الفضلى في الله جل لا يمكن أن تكون مبتذلة، وهذه الصفات غفور إذا أقبلت عليه وتبت ورجعت إليه، وأقلعت عن الذنب
وندمت فهو غفور وإلا فالله سبحانه وتعالى شديد العقاب، وعذابه أليم. لذلك وردت آيات فيها معنى أن ربك للذين تابوا وآمنوا وعملوا الصالحات إن ربك من بعدها لغفور رحيم، إذاً من السذاجة وضيق الأفق والجهل أن تعلق آمالاً على مغفرة الله وأنت مقيم على معصية، فمن الغباء والحمق والجهل أن تقول الله غفور رحيم وأنت لا تفكر في
التوبة ... » (581).
(580) موسوعة اسماء الله الحسني، 212/ 1 - 213. (581) موسوعة أسماء الله الحسنى، 475/ 2 - 476. (1/179)
صفحة 178
180
محال الحق
أما أن الله غفور رحيم فهو بشرط أن تعود إليه، وأن تتوب إليه، وأن تؤوب، وأن تندم على ذنبك، وأن تقلع عنه ... فهذه كلمة غفور رحيم يفهمها بعض الناس فهم الغافلين، إذ يقول المنحرف لصنوه لا تدقق الله غفور رحيم فضع مخالفاتك في رقبتي، وهذا كلام في غاية الجهل، فهو غفور رحيم إذا تبت ورجعت إليه، فالمغفرة والرحمة مقيدة بقيود (الإنابة))
من أقوال الإمام الطبري:
(582)
فَأُولَتيك) فهؤلاء الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ} دون من لم يتب، حتى غلب على عقله وغمرته
حشرجة ميتته».
وقوله: نَى عِبَادِى أَنِي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الحجر: 49] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أخبر عبادي يا محمد، أني أنا الذي أستر على ذنوبهم إذا تابوا منها وأنابوا بترك فضيحتهم بها وعقوبتهم عليها، الرحيم بهم، أن أعذبهم بعد توبتهم منها عليها. {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَاب الأليم} [الحجر: (50) يقول: وأخبرهم أيضاً أن عذابي لمن أصرّ على معاصي، وأقام عليها ولم يتب منها هو العذاب الموجع الذي لا يشبهه عذاب. وهذا من الله تحذير لخلقه التقدم على معاصيه، وأمر منه لهم بالإنابة والتوبة 584).
ومعنى قوله: {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سوءا يجهلة} [الأنعام: 54]: أنه من اقترف منكم ذنباً، فجهل باقترافه إياه. ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ
(582) موسوعة أسماء الله الحسنى، 479/ 2.
(583) تفسير الطبري، 302/ 4.
(584) تفسير الطبري، 38/ 14 - 39. (1/180)
صفحة 179
الفصل الأول
181
فَأَنَّهُ غَفُورٌ لذنبه إذا تاب وأناب، وراجع بطاعة الله، وترك العود إلى مثله مع الندم على ما فرط منه. رَحِيمُ بالتائب أن يعاقبه على ذنبه بعد توبته
منه
(013)
أن الله جل ثناؤه لقي آدم کلمات، فتلقاهن آدم من ربه فقبلهن وعمل بهن، وتاب بقيله إياهن وعمله بهن إلى الله من خطيئته، معترفاً بذنبه، متنصلاً إلى ربه من خطيئته، نادماً على ما سلف منه خلاف من أمره. فتاب الله عليه بقبوله الكلمات التي تلقاهن منه وندمه على سالف الذنب منه (586).
وأما قوله: {عَفَا اللهُ عَنْهَا فإنه يعني به: عفا الله لكم عن مسألتكم عن الأشياء التي سألتم عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كره الله لكم مسألتكم إياه عنها، أن يؤاخذكم بها، أو يعاقبكم عليها، إن عرف منها توبتكم وإنابتكم. وَاللهُ غَفُورُ يقول: والله ساتر ذنوب من تاب منها، فتارك أن يفضحه في الآخرة حَلِيمٌ} أن يعاقبه بها لتغمده التائب منها برحمته وعفوه، عن عقوبته عليها» (587).
«يقول: ما الله براجع لأحد من خلقه إلى ما يحبه من العفو عنه، والصفح عن ذنوبه التي سلفت منه إلا للذين يأتون ما يأتونه من ذنوبهم جهالة منهم وهم بربهم مؤمنون، ثم يراجعون طاعة الله ويتوبون منه إلى ما أمرهم الله به من الندم عليه والاستغفار وترك العود إلى مثله من قبل
نزول الموت بهم.
(PAA),
(585) تفسير الطبري، 208/ 7 - 209.
(586) تفسير الطبري، 245/ 1.
(587) تفسير الطبري، 85/ 7.
(588) تفسير الطبري، 298/ 4. (1/181)
صفحة 180
182
معالم الحق
ومن يعمل ذنباً، وهو السوء، أو يظلم نفسه بإكسابه إياها ما يستحق به عقوبة الله، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ) يقول: ثم يتوب إلى الله بإنابته مما عمل من السوء، وظلم نفسه ومراجعته ما يحبه الله من الأعمال الصالحة التي تمحو ذنبه وتذهب جُرمه، يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا) يقول: يجد ربه ساتراً عليه ذنبه بصفحه له عن عقوبته، جرمه رحيماً به وقال الإمام الطبري عند تفس قوله تعالى: {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ: سير
(319)
[البروج: 14] «وهو ذو المغفرة لمن تاب إليه من ذنوبه، وذو المحبة له» (590). . وقوله: {وَهُوَ الْعَزِيزُ) يقول: وهو القوي الشديد انتقامه ممن عصاه، وخالف أمره الْغَفُورُ ذنوب من أناب إليه وتاب من ذنوبه» (591). وقوله: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} [المدثر: 56] يقول تعالى ذكره: الله أهل أن يتقي عباده عقابه على معصيتهم إياه، فيجتنبوا معاصيه، ويُسارعوا إلى طاعته، وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) يقول: هو أهل أن يغفر ذنوبهم إذا هم فعلوا ذلك، ولا يعاقبهم عليها مع توبتهم منها (592). وقوله: إن اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) يقول: إن الله كان ذا ستر
(593)
على ذنوب التائبين رحيماً بالتائبين أن يعاقبهم بعد التوبة (593). ويعني بقوله: {إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [يوسف: 53]: إن الله ذو صفح عن
ذنوب من تاب من ذنوبه بتركه عقوبته عليها وفضيحته بها رح توبته أن يعذبه عليها (594).
(589) تفسير الطبري، 272/ 5 - 273. (590) تفسير الطبري، 138/ 30.
(591) تفسير الطبري، 1/ 29.
(592) تفسير الطبري، 172/ 29.
(593) تفسير الطبري، 148/ 21.
(594) تفسير الطبري، 1/ 13.
به بعد (1/182)
صفحة 181
الفصل الأول
183
وهو أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ} [يوسف: 64] يقول: والله أرحم الراحمين
(097) ,
لمن (595) تاب من ذنبه وأناب إلى طاعته بالتوبة من معصيته «وأما قوله: {إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ} [التوبة: 106] فإنه يعني: إما أن يحجزهم الله
عن التوبة بخذلانه إياهم فيعذبهم بذنوبهم التي ماتوا عليها في الآخرة. {وَإِمَا يتوب عَلَيْهِمْ) يقول: وإما يوفقهم للتوبة فيتوبوا من ذنوبهم، فيغفر لهم (597)
(597)
«وهو الرحيم بأهل التوبة من عباده أن يعذبهم بعد توبتهم، الغفور لذنوبهم إذا تابوا منها (598).
إن اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [الحج: 60] يقول جل ثناؤه: إن الله لذو عفو وصفح عن ذنوب عباده إذا تابوا منها وأنابوا، غفور لهم أن يعاقبهم عليها بعد التوبة» (599).
إن الله توابُ رَّحِيمٌ} [الحجرات: 12] يقول: إن الله راجع لعبده إلى ا يحبه إذا رجع العبد لربه إلى ما يحبه منه، رحيم به بأن يعاقبه على ذنب أذنبه بعد توبته منه» (600).
«الله ذو عفو عمن ناداك من وراء الحجاب إن هو تاب من معصية الله بندائك كذلك، وراجع أمر الله في ذلك وفي غيره، رحيم به أن يعاقبه على ذنبه ذلك من بعد توبته منه (601).
(595) في الأصل: «ممن». (596) تفسير الطبري، 56/ 13. (597) تفسير الطبري، 22/ 11.
(598) تفسير الطبري، 59/ 22.
(599) تفسير الطبري، 7/ 28. (600) تفسير الطبري، 138/ 26.
(601) تفسير الطبري، 123/ 26. (1/183)
صفحة 182
مخالمال
«قوله: {إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمُ) [الحشر: 10] يقول: إنك ذو رأفة بخلقك، وذو رحمة بمن تاب واستغفر من ذنوبه (602).
رحيم) بتركه عقوبته على سالف ذنوبه التي سلفت بينه وبينه إذ
تاب وأناب إليه قبل لقائه ومصيره إليه 603).
وقوله: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 173] يقول تعالى ذكره: إن الله ذو عفو أيها الأعراب لمن أطاعه وتاب إليه من سالف ذنوبه، فأطيعوه، وانتهوا إلى أمره ونهيه يغفر لكم ذنوبكم، رحيم بخلقه التائبين إليه أن يعاقبهم بعد توبتهم من ذنوبهم على ما تابوا منه، فتوبوا إليه يرحمكم:
(7.2)
«وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: 165] يقول: وإنه لذو صفح عن ذنوب من تاب من ذنوبه، فأناب، وراجع طاعته، يستر عليها بعفوه عنها، له أن يعاقبه على جرمه بعد توبته منها، لأنه يقبل التوبة ويُقيل
رحيم
العثرة 605).
ار فإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ لكم لمن تاب من عباده، من ذنوبكم
رَّحِيمُ بكم أن يعاقبكم عليها من بعد توبتكم منها 606).
وقوله: {وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 96] يقول الله تعالى ذكره: وكان الله ذا ستر على ذنب من ظاهر زوجته فقال الباطل والزور من القول، وذنب من ادعى ولد غيره ابناً له، إذا تابا وراجعا أمر الله، وانتهيا عن قيل
(602) تفسير الطبري، 45/ 28.
(603) تفسير الطبري، 114/ 8. (604) تفسير الطبري، 144/ 26.
(605) تفسير الطبري، 103/ 9. (606) تفسير الطبري، 126/ 28. (1/184)
صفحة 183
الفصل الأول
185
الباطل بعد أن نهاهما ربهما عنه ذا رحمة بهما أن يعاقبهما على ذلك بعد
توبتهما من خطيئتهما (607).
وقوله: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * يقول: إن الله عزّ ذكره ساتر على من تاب وأناب عن معاصيه إلى طاعته ذنوبه بالعفو عن عقوبته عليها يوم القيامة وتركه فضيحته بها على رؤوس الأشهاد، رحيم به وبعباده
التائبين إليه من ذنوبهم
(1. A).
أن الله جل ثناؤه هو التواب على من تاب إليه من عباده المذنبين من ذنوبه التارك مجازاته بإنابته إلى طاعته بعد معصيته بما سلف من ذنبه» (609).
وقوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} [الرعد: 6] يقول تعالى ذكره: وإن ربك يا محمد لذو ستر على ذنوب من تاب من ذنوبه من الناس، فتارك فضيحته بها في موقف القيامة، وصافح له عن عقابه عليها عاجلاً وآجلاً على ظلمهم
(71.)
«شديد عقابه من عصاه وتمرد عليه على معصيته إياه، وهو غفور الذنوب من أطاعه وأناب إليه فساتر عليه وتاراً فضيحته بها، رحيم به أن
(711)
يعاقبه على ما سلف من ذنوبه بعد إنابته وتوبته منها 611).
«يقول جل ثناؤه: إن الله لغفور لما كان منكم من تقصير في شكر
(607) تفسير الطبري، 121/ 21.
(608) تفسير الطبري، 230/ 6.
(609) تفسير الطبري، 246/ 1.
(610) تفسير الطبري، 106/ 13.
(611) تفسير الطبري، 78/ 7. (1/185)
صفحة 184
186
بخ الما
بعض ذلك إذا تبتم وأنبتم إلى طاعته واتباع مرضاته، رحيم بكم أن يعذبكم عليه بعد الإنابة إليه والتوبة (612).
وقوله: {وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} يقول تعالى ذكره: وكان الله ذا عفو
عن ذنوب من تاب من عباده، وراجع طاعته، وذا رحمة به أن يعاقبه على
ذنوبه بعد توبته منها 613).
من أقوال الإمام القرطبي:
رتب تعالى بفضله وكرمه غفران الذنوب لمن أخلص في توبته ولم يصر على ذنبه. ويمكن أن يتصل هذا بقصة أحد، أي: من فر ثم تاب ولم
يصر فله مغفرة الله 614).
«وقد عرف الله كل من شاء أن يغفر له وهو التائب أو من عمل صغيرة ولم تكن له كبيرة، ودلّ على أنه يريد التائب ما بعده {وَأَنبُوا إِلَى رَبِّكُمْ} [الزمر: 54] فالتائب مغفور له ذنوبه جميعاً، يدل على ذلك {وَإِنِّي لَغَفَّارُ لِمَن تَابَ} [طه: 82] فهذا لا إشكال فيه (615).
ثم ذمّهم باغترارهم في قولهم سَيُغْفَرُ لَنَا وأنهم بحال إذا أمكنتهم
ثانية ارتكبوها، فقطعوا باغترارهم بالمغفرة وهم، مصرون، وإنما يقول سيغفر لنا من أقلع وندم. قلت: وهذا الوصف الذي ذم الله تعالي به هؤلاء موجود فينا (66).
... قال علماؤنا الاستغفار المطلوب هو الذي يَحُلّ عَقْدَ الإصرار ويثبت معناه في الجنان، لا التلفظ باللسان. فأما من قال بلسانه: أستغفر الله،
(612) تفسير الطبري، 093/ 14
(613) تفسير الطبري، 48/ 19.
(614) تفسير القرطبي، 139/ 4، تفسير الآية 136 من سورة آل عمران. (615) تفسير القرطبي، 175/ 15، من تفسير الآية 53 من سورة الزمر. (616) تفسير القرطبي، 198/ 7، من تفسير الآية 169 من سورة الأعراف. (1/186)
صفحة 185
الفصل الأول
187
وقلبه مصرّ على معصيته فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار، وصغيرته لاحقة بالكبائر» (617).
«فإن قال قائل: فما معنى الخوف بعد التوبة والمغفرة؟ قيل له: هذه سبيل العلماء بالله وعمل أن يكونوا خائفين من معاصيهم وجلين، وهم أيضاً لا يأمنون أن يكون قد بقي من أشراط التوبة شيء لم يأتوا به، فهم يخافون
من المطالبة به
(714)
إِنَّ اللَّهَ غَفُورُ» عن الموصي إذا عملت فيه الموعظة
أراد من الأذية (619).
ورجع
عما
«قوله تعالى: {وَأَصْلَحُوا * يريد إظهار التوبة. وقيل: وأصلحوا العمل.
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ حيث تابوا وقبلت توبتهم". . وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ} [الرعد: 6] أي: لذو تجاوز عن المشركين
إذا آمنوا، وعن المذنبين إذا تابوا (621).
من
أقوال الإمام ابن كثير:
«وقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ الْمَغْفِرَةِ} [النجم: 32] أي: رحمته وسعت كل شيء ومغفرته تسع الذنوب كلها لمن تاب منها كقوله تعالى: {قُلْ يعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ} [الزمر: 53] (622).
(617) تفسير القرطبي، 135/ 4، من تفسير الآية 135 من سورة آل عمران. (618) تفسير القرطبي، 109/ 13، من تفسير الآية 11 من سورة النمل. (619) تفسير القرطبي، 181/ 2، من تفسير الآية 182 من سورة البقرة. (620) تفسير القرطبي، 121/ 12، من تفسير الآية 5 من سورة النور. (621) تفسير القرطبي، 187/ 9، من تفسير الآية 6 من سورة الرعد. (622) تفسير ابن كثير 459/ 6، من تفسير الآية 32 من سورة النجم. (1/187)
صفحة 186
188
«ثم قال تعالى: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 2] أي: هو العزيز العظيم المنيع الجناب، وهو ذلك غفور لمن تاب إليه وأناب بعد ما عصاه مع وخالف أمره، وإن كان تعالى عزيزاً هو مع ذلك يغفر ويرحم ويصفح
ويتجاوز (623).
، وقوله: {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ):أي: لمن تاب إليه، ولو من أي ذنب كان حتى من الشرك به فإنه يتوب عليه» (624).
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} [غافر: 7] أي: فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا وأقلعوا عما كانوا فيه واتبعوا ما أمرتهم به من فعل الخيرات وترك المنكرات (625).
D
أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَرُ} [الزمر: 5] أي: مع عزته وعظمته وكبريائه وهو غفار لمن عصاه ثم تاب وأناب إليه 626).
>>
يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيما [الفتح: 14] أي: لمن تاب إليه، وأناب وخضع لديه» 627).
إِنَّ اللهَ تَوَّابُ رَّحِيمٌ) أي: تواب على من تاب إليه رحيم لمن رجع
إليه واعتمد عليه» 628).
(623) تفسير ابن كثير، 68/ 7، من تفسير الآية 2 من سورة الملك. (624) تفسير ابن كثير، 533/ 3، من تفسير الآية 107 من سورة يونس. (625) تفسير ابن كثير، 126/ 6، من تفسير الآية 7 من سورة غافر. (626) تفسير ابن كثير،80/ 6، من تفسير الآية 5 من سورة الزمر. (627) تفسير ابن كثير، 338/ 6، من تفسير الآية 14 من سورة الفتح. (628) تفسير ابن كثير 386/ 6، من تفسير الآية 12 من سورة الحجرات. (1/188)
صفحة 187
الفصل الأول
189
* وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * أي: يغفر ذنب من تاب إليه وخضع لديه ولو
كان الذنب من أي شيء كان (629).
وقوله: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} [غافر: 3] أي: يغفر ما سلف من الذنب، ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه وخضع لديه. وقوله جل وعلا: شَدِيدِ الْعِقَابِ) أي: لمن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا، وعتا عن أوامر الله تعالى وبغى وهذه كقوله: {نَى عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَاب الأليم} [الحجر: 49، 63050).
?
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} [غافر: 7] أي: فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا، وأقلعوا عما كانوا فيه، واتبعوا ما أمرتهم به من فعل الخيرات وترك المنكرات» (631).
«ثم أخبر تعالى تكرماً وامتناناً في حق العصاة المؤمنين أن من تاب منهم إليه تاب عليه، فقال: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلذين عملوا السُّوء بجهلة) [النحل: 119] قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا أي: أقلعوا عما كانوا فيه من المعاصي وأقبلوا على فعل الطاعات إن ربك من بعدِهَا أي: تلك الفعلة والزلة الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (132). . «أمركم إلى الله، إن شاء عجل لكم العذاب، وإن شاء أخره عنكم، وإن شاء تاب على من يتوب إليه، وإن شاء أضل من كتب عليه الشقاوة، وهو الفعال لما يشاء ويريد ويختار (633).
(629) تفسير ابن كثير 262/ 7.
(630) تفسير ابن كثير، 121/ 6 - 122.
(631) تفسير ابن كثير 126/ 6.
(632) تفسير ابن كثير 233/ 4.
(633) تفسير ابن كثير 654/ 4. (1/189)
صفحة 188
190
من الموالحق
وقوله وَلَمْ يُصِرُوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135] أي: تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى الله عن قريب ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقلعين عنها، ولو تكرر منهم الذنب تابوا منه» (634). وقال ابن كثير: (وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام» 635
من أقوال ابن عاشور:
ومادة الغفر ترجع إلى الستر، وهو يقتضي وجود المستور واحتياجه للستر فدل يَغْفِرُ الذُّنُوبَ على أن الذنوب ثابتة؛ أي: المؤاخذة بها ثابتة والله يغفرها؛ أي: يزيل المؤاخذة بها، وهذه المغفرة تقتضي أسباباً أجملت هنا وفصلت في دلائل أخرى من الكتاب والسُّنَّة منها قوله تعالى: {وَإِنِّي لغَفَّارُ لمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82]، وتلك الدلائل يجمعها أن للغفران أسباباً تطرأ على المذنب ولولا ذلك لكانت المؤاخذة بالذنوب عبثاً ينزه عنه الحكيم، تعالى، كيف وقد سماها ذنوباً وتوعد عليها فكان قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ} [الزمر: (53) دعوة إلى تطلب أسباب هذه المغفرة فإذا طلبها المذنب عرف تفصيلها. و جَمِيعًا * حال من الذُّنُوبَ؛ أي: حال جميعها؛ أي عمومها، فيغفر كل ذنب منها إن حصلت من المذنب أسباب ذلك (636).
«وأبهم الممحو والمثبت بقوله: {مَا يَشَاءُ لتتوجه الأفهام إلى تعرف ذلك والتدبر فيه لأن تحت ذا الموصول صوراً لا تحصى، وأسباب
(634) تفسير ابن كثير، 119/ 2.
(635) تفسير ابن كثير، 432/ 1، من تفسير الآية 201 من سورة البقرة. (636) تفسير ابن عاشور، 114/ 24، من تفسير الآية 53 من سورة الزمر. (1/190)
صفحة 189
الفصل الأول
191
المشيئة لا تحصى. ومن مشيئة الله تعالى محو الوعيد أن يلهم المذنبين
التوبة والإقلاع ويخلق في قلوبهم داعية الامتثال 637).
وعطف وَيَرْضَى * على لِمَن يَشَاءُ " للإشارة إلى أن إذن الله بالشفاعة يجري على حسب إرادته إذا كان المشفوع له أهلاً لأن يُشفع له. وفي هذا الإبهام تحريض للمؤمنين أن يجتهدوا في التعرض لرضى الله عنهم ليكونوا أهلاً للعفو عما فرطوا فيه من الأعمال 638).
وأما وصف الغفور فقد ذكر للإشارة إلى ترغيب المقترفين السيئات في الاستغفار والتوبة ليغفر لهم فلا يقنطوا من رحمة
الله
(639)
«وفي وصف الْغَفَّرُ * مناسبة لذكر الأجل لأن المغفرة يظهر أثرها بعد البعث الذي يكون بعد الموت وانتهاء الأجل تحريضاً على البدار بالتوبة قبل الموت حين يفوت التدارك» (640).
وغفران الذنوب جزاء على التقوى لأن عمود التقوى اجتناب الكبائر وقد غفر الله للناس الصغائر باجتناب الكبائر وغفر لهم الكبائر بالتوبة،
والتحول عن المعاصي بعد الهمّ بها ضرب من مغفرتها 641).
«وقد استوفى قوله: أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحِيمُ * أقسام معاملته تعالى فهو شديد العقاب لمن خالف أحكامه وغفور
(637) تفسير ابن عاشور 203/ 12، من تفسير الآية 39 من سورة الزمر. (638) تفسير ابن عاشور، 27/ 118
(639) تفسير ابن عاشور 148/ 25، من تفسير الآية 23، من سورة الشورى. (640) تفسير ابن عاشور 21/ 24، من تفسير الآية 5 من سورة الزمر. (641) تفسير ابن عاشور، 343/ 21، من تفسير الآية 71 من سورة الأحزاب. (1/191)
صفحة 190
192
لمن تاب وعمل صالحاً. وافتتاح الجملة بلفظ * أعلَمُوا * للاهتمام
بالخبر
(642)
سابقوا إلى المغفرة؛ أي: أكثروا من أسبابها ووسائلها: فالمسابقة إلى المغفرة هي المسابقة في تحصيل أسبابها (643).
من أقوال أبي السعود:
اما يُعَذِّبُهُمْ: إن بقوا على ما هم عليه من الحال وقيل: إن أصروا على النفاق وليس بذاك فإن المذكورين ليسوا. المنافقين، {وَإِمَا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ إن خلصت نيتُهم وصحت توبتهم.
(644)
(782)
وَهُوَ الْغَفُورُ لمن تاب وآمنَ الْوَدُودُ * المحبُّ لمَنْ أطاعَ» (645). وَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب الذي لا يفوتُهُ من أساء العملَ الْغَفُورُ * لمن
تاب منهم".
(724)
• إن ربي غفورٌ لمن استغفر لذنبه واعترف به رحيم له له» وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمُ * بليغ المغفرة والرحمة واسعهما فلن يضيق ساحتهما عن هؤلاء إِنْ تَابُوا وَأصلحوا (648).
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31] ويجعلها مكفرة باستقامتكم في
(642) تفسير ابن عاشور 227/ 5، من تفسير الآية 98 من سورة المائدة. (643) تفسير ابن عاشور، 367/ 27، من تفسير الآية 21 من سورة الحديد. (644) تفسير أبي السعود، 1903، من تفسير الآية 106 من سورة التوبة. (645) تفسير أبي السعود، 407/ 6 - 408، من تفسير الآية 14 من سورة البروج. (646) تفسير أبي السعود، 274/ 6، من تفسير الآية 2 من سورة الملك.
(647) تفسير أبي السعود، 405/ 3، من تفسير الآية 53 من سورة يوسف. (648) تفسير أبي السعود، 113/ 6 - 114، من تفسير الآية 5 من سورة الحجرات. (1/192)
صفحة 191
الفصل الأول
193
القول والعمل ... {وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} أي: كان عاقِبَةُ حمله لها أن يتوب الله تعالى على هؤلاء من أفراده أي: يقبل توبتهم لعدم خلعهم ربقة الطاعة رقابهم بالمرَّة وتلافيهم لما فَرَطَ
عن
منهم من فَرَطاتٍ
قلما يخلو عنها الإنسان بحكم جبلّته وتداركهم لها بالتوبة والإنابة». وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [البقرة: 196] وعيد لمن انتهك محارمه
وعد لمن حافظ
(650)
أو أصر على ذلك، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمُ) على مراعاة حرماته تعالى أو أقلع عن الانتهاك بعد تعاطيه. عسى الله أن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 102] أي: يقبل توبتهم المفهومة من اعترافهم بذنوبهم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمُ) يتجاوز عن سيئات التائب
ويتفضل عليه» (651).
(652).
توبة»
والمراد به الردُّ عليهم والتوبيخ على بتهم القول بالمغفرة بلا
من أقوال الألوسي:
)) ... وذكر العلامة الطيبي أن قوله تعالى: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ الكفرين) [آل عمران: 131] وردت خطاباً لأكلي الربا من المؤمنين وردعاً لهم عن الإصرار على ما يؤديهم إلى دركات الهالكين من الكافرين وتحريضاً على
التوبة والمسارعة إلى نيل الدرجات مع الفائزين من المتقين والتائبين "
(653)
(649) تفسير أبي السعود، 241/ 5 - 242، من تفسير الآية 71 والآية 73 من سورة الأحزا (650) تفسير أبي السعود 324/ 2، من تفسير الآية 98 من سورة المائدة. (651) تفسير أبي السعود، 187/ 3 - 188، من تفسير الآية 102 من سورة التوبة. (652) تفسير أبي السعود، 47/ 3، من تفسير الآية 169 من سورة الأعراف. (653) تفسير الألوسي، 278/ 2، من تفسير الآية 131 من سورة آل عمران. (1/193)
صفحة 192
194
مت الب الحق
، إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ} [آل عمران: 133] أي: أسبابهما من الأعمال الصالحة ... وليس المراد مجرد طلب المغفرة بل مع التوبة وإلا فطلب المغفرة مع الإصرار كالاستهزاء بالرب جل شأنه، ومن هنا قالت رابعة العدوية: استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار» (654).
وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} [الأعراف: 169] ولا يؤاخذنا الله تعالى بذلك ويتجاوز عنا ... {وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضُ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ .... أي يرجون المغفرة وهم مصرون على الذنب عائدون إلى مثله غير تائبين عنه ... وأنت تعلم أن اليهود أكدوا القول بالغفران وأهل السنة لا يجزمون في المطيع بالغفران فضلاً عن العاصي بما هو حق الله تعالى فضلاً عمن عصاه سبحانه فيما هو من حقوق العباد (65).
»
وَكَانَ اللهُ غَفُورًا * فيغفر للعامد إذا تاب» 65). . وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ} [التوبة: 118) أي: علموا أن لا ملجأ من سخطه إلا إلى استغفاره والتوبة إليه سبحانه، وحمل الظن على العلم لأنه المناسب لهم ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} أي: وفقهم للتوبة لِيَتُوبُوا * أو أنزل قبول توبتهم في القرآن وأعلمهم بها (657).
ووجه بأن المغفرة حيث جاءت في خطاب الكفار مرتبة على الإيمان وحيث جاءت في خطاب المؤمنين مشفوعة بالطاعة والتجنب عن المعاصي ونحو ذلك، فيتناول الخروج عن المظالم (658).
(654) تفسير الألوسي، 271/ 2 - 275.
(655) تفسير الألوسي،
91 - 9.10
(656) تفسير الألوسي، 147/ 11، من تفسير الآية 5 من سورة الأحزاب.
(657) تفسير الألوسي، 40/ 6، من تفسير الآية 118 من سورة التوبة. الألوسي، 79/ 15،. من تفسير الأية 4 من سورة نوح.
(701) (1/194)
صفحة 193
الفصل الأول
نبيه
وَاللَّهُ غفور
(659)
195
يمٌ} أي: لمن تحبب إليه بطاعته وتقرب إليه باتباع
وفيه حث لمن فيهم نزلت الآية من المذنبين على التوبة والاستغفار، قيل: وتخويف لمن لم يستغفر ولم يتب بحسب المفهوم فإنه يفيد أن من لم يستغفر حرم من رحمته تعالى وابتلي بغضبه
من أقوال الطبرسي:
(660)
«لما تقدم بيان الأحكام عَقَّبَه سبحانه بذكر الوعد والوعيد فقال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ لمن عصاه: وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن تاب وأناب وأطاع وجمع بين المغفرة والرحمة ليعلم أنه لا يقتصر على وضع العقاب عنه بل ينعم عليه بفضله» (661).
ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ} [النساء: 110] أي: يتب إليه ويطلب منه المغفرة يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا .. ثم بيَّن الله تعالى أن جريمتهم وإن عظمت فإنها غير مانعة من المغفرة وقبول التوبة إذا استغفروا وتابوا» (662).
من أقوال حقي البروسوي:
{غَفُورُ * للخاشين وهو تعليل لوجوب الخشية لدلالته على أنه معاقب للمصر على طغيانه غفور للتائب من عصيانه (663).
(659) تفسير الألوسي، 125/ 2، من تفسير الآية 31 من سورة آل عمران. (660) تفسير الألوسي، 137/ 3، من تفسير الآية 110 من سورة النساء. من تفسير الآية 98 من سورة المائدة.
(661) تفسير الطبرسي،
،349/ 3
(662) تفسير الطبرسي، 155/ 3، من تفسير الآية 110 من سورة النساء.
(663) تفسير روح البيان، 344/ 7. (1/195)
صفحة 194
196
من الب الحق
وفي الحديث القدسي: «لو لم تذنبوا لذهبت بكم وخلقت خلقا يذنبون ويستغفرون فأغفر لهم وفي الحديث النبوي: «لو لم تذنبوا لخشيت عليكم أشد من الذنب ألا وهو العجب ... وليس الحديثان المذكوران واردين على سبيل الحث على الذنب فإن قضية البعثة إصلاح العالم وهو لا يوجد إلا بترك
(664)
الكفر والشرك والمعاصي ولكن على سبيل الحث على التوبة والاستغفار (1) وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) وعيد لمن انتهك محارمه وأصر على ذلك {وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وعد لمن حافظ على مراعاة حرماته تعالى او انقطع عن الانتهاك بعد تعاطيه» (665).
الوَسَارِعُوا) أي بادروا وأقبلوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ كائنة مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ إلى ما يستحقان به كالإسلام والتوبة والإخلاص وأداء الواجبات وترك المنهيات ... {فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} بأن يندموا على ما مضى مع العزم على ترك مثله في المستقبل وأما مجرد الاستغفار باللسان فلا أثر له في إزالة الذنب وإنما هو حظ اللسان من
الاستغفار وهو توبة الكذابين
من أقوال الشيخ السعدي:
(666)
ولكن لمغفرته ورحمته ونيلهما أسباب إن لم يأت بها العبد فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة أعظمها وأجلها بل لا سبب لها غيره: الإنابة إلى الله تعالى بالتوبة النصوح، والدعاء والتضرع والتأله والتعبد، فهلم
إلى هذا السبب الأجل، والطريق الأعظم))
(664) تفسير روح البيان، 257/ 7. (665) تفسير روح البيان، 444/ 2. (666) تفسير روح البيان، 94/ 2 - 96
(667)
(667) تفسير السعدي، ص 694، من تفسير الآية 53 من سورة الزمر. (1/196)
صفحة 195
الفصل الأول
197
وَلْيَعلَمْ أن الله يمهل ولا يهمل، وأنه إذا أخذ العاصي، أخذه أخذ عزيز مقتدر، فَلْيَتُبْ إليه، وَلْيَرْجِعْ في جميع أموره إليه، فإنه رؤوف رحيم. فالبدار البدار إلى رحمته الواسعة، وبرّه العميم، وسلوك الطرق الموصلة إلى
فضل الرب الرحيم ألا وهي تقواه والعمل بما يحبه ويرضاه (668).
، وقوله: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [غافر: 55]، أي: اطلب من الله المغفرة لذنبك، بأن تفعل أسباب المغفرة من التوبة والدعاء بالمغفرة، والحسنات الماحية، وترك الذنوب، والعفو عن الجرائم
>>
1779)
إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ» أي: هو غفور لمن تجرأ على الذنوب والمعاصي،
إذا تاب وأناب رَّحِيمُ بقبول توبته وتوفيقه للأعمال الصالحة» (670). «فصل فيما تبين لنا من الفوائد والحكم في قصة داود وسليمان. ومنها: أن الرجوع إلى الله في جميع الأمور، من أوصاف أنبياء الله، وخواص خلقه، كما أثنى الله على داود وسليمان بذلك. فليقتد بهما المقتدون، وليهتد بهداهم السالكون أُولَبِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَتْهُمُ اقتدة} [الأنعام: 90] ... ومنها: أن الاستغفار والعبادة، خصوصاً الصلاة، من مكفرات الذنوب، فإن الله رتب مغفرة ذنب، داود على استغفاره و سجوده
(671)
«فمن أشبه آدم بالاعتراف وسؤال المغفرة والندم والإقلاع - إذا
صدرت منه الذنوب ـ اجتباه ربه وهداه.
(668) تفسير السعدي، ص 416، من تفسير الآية 47 من سورة النحل.
(669) تفسير السعدي.
ص
(670) تفسير السعدي ص
الآية 19 753، من تفسير
من سورة محمد.
377، من تفسير الآية 53 من سورة يوسف.
(671) تفسير السعدي، ص 680، من تفسير الآيات 30 - 40 من سورة ص. (1/197)
صفحة 196
198
مع الم الحق
ومن أشبه إبليس ـ إذا صدر منه الذنب، لا يزال يزداد من المعاصي - فإنه لا يزداد من الله إلا بعداً (672).
إن الله كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) أي: يغفر الذنب العظيم لمن استغفره، وتاب إليه وأناب، ويوفقه للعمل الصالح بعد ذلك الموجب لثوابه
وزوال عقابه» (673).
وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (عمن صدر منه بعض المخالفات، فتداركها
(VE),
بالتوبة النصوح 1974.
إنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورُ} [الشورى: 23] يغفر الذنوب العظيمة ولو بلغت ما بلغت عند التوبة منها (675).
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات: 12]، والتواب الذي يأذن بتوبة عبده فيوفقه لها، ثم يتوب عليه بقبول توبته رحيم بعباده، حيث دعاهم إلى ما ينفعهم، وقبل منهم التوبة، وفي هذه الآية دليل على التحذير الشديد من الغيبة، وأن الغيبة من الكبائر، لأن الله شبهها بأكل لحم الميت، وذلك من الكبائر (676).
غَافِرِ الذَّنْبِ) للمذنبين وَقَابِلِ التَّوْبِ من التائبين. {شَدِيدِ
(677)
الْعِقَابِ} [غافر: 3] على مَنْ تجرأ على الذنوب ولم يتب منها.
(672) تفسير السعدي، ص 263، من تفسير الآية 23 من سورة الأعراف. 179، من تفسير الآية 106 من سورة النساء.
ص
(673) تفسير السعدي (674) تفسير السعدي، ص 808 من تفسير الآية 2 من سورة المجادلة.
(675) تفسير السعدي ص
(676) تفسير السعدي،.
ص
، 724، من تفسير الآية 23 من سورة الشورى.
767، من تفسير الآية 12 من سورة الحجرات.
(677) تفسير السعدي، ص 698، من تفسير الآية 3 من سورة غافر. (1/198)
صفحة 197
الفصل الأول
199
اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 98] أي:
ليكن هذان العلمان موجودين في قلوبكم على وجه الجزم واليقين، تعلمون أنه شديد العقاب ـ العاجل والآجل ـ على مَنْ عصاه، وأنه غفور رحيم لمن تاب إليه وأطاعه فيثمر لكم هذا العلم الخوف من عقابه، والرجاء لمغفرته وثوابه، وتعملون على ما يقتضيه الخوف والرجاء» (178).
(WA)
ورهبهم من الإقامة على الذنوب، وأمرهم بالتوبة من المعاصي، لينالوا مغفرة ربهم وجوده ولهذا قال كتب رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَلَ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ) [الأنعام: 54] أي: فلا بد مع ترك الذنوب والإقلاع والندم عليها، من إصلاح العمل، وأداء ما أوجب الله، وإصلاح ما فسد من الأعمال الظاهرة والباطنة. فإذا وجد ذلك
كله فَأَنَّهُ غَفُ غَفُورٌ رحِيمُ) أي: صب عليهم من مغفرته ورحمته،
ما قاموا به، مما أمرهم به
(679)
ولما أمر تعالى بهذه الأوامر، الحسنة، ووصى بالوصايا المستحسنة ـ وكان لا بد من وقوع تقصير من المؤمن بذلك ـ أمر الله تعالى بالتوبة فقال: وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ} [النور: 31] لأن المؤمن يدعوه إيمانه إلى التوبة، ثم علق على ذلك الفلاح فقال: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فلا سبيل إلى الفلاح إلا بالتوبة، وهي الرجوع مما يكرهه الله، ظاهراً وباطناً، إلى ما يحبه ظاهراً وباطناً» (680).
(TAI)
«ولهذا قال اللَّهَ غَفُورٌ، أي: لمن تاب توبة نصوحاً (681).
(678) تفسير السعدي، ص 223، من تفسير الآية 98 من سورة المائدة.
(679) تفسير السعدي (680) تفسير السعدي، ص 538 من تفسير الآية 31 من سورة النور.
ص 236، من الآية 54 من سورة الأنعام. تفسير
(681) تفسير السعدي، ص
،82
من تفسير الآية 218 من سورة البقرة. (1/199)
صفحة 198
مثال المحن
«لما ذكر تعالى سؤال الخلق عن معبودهم وعن رسلهم، ذكر
الطريق الذي ينجو به العبد من عقاب الله تعالى وأنه لا نجاة إلا لمن اتصف بالتوبة عن الشرك والمعاصي، وآمن بالله فعبده وآمن برسله، فصدقهم، وعمل صالحاً، متبعاً فيه للرسل. فَعَسَى أَن يَكُونَ * مَنْ جمع هذه الخصال مِنَ الْمُفْلِحِينَ} الناجحين بالمطلوب الناجين من المرهوب. فلا سبيل إلى الفلاح بدون هذه الأمور)
" D
(682)
إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمُ)، أي: غفور لمن تاب إليه وأناب، رحيم به
حيث قبل توبته» (683).
وَهُوَ الْغَفُورُ الذي يغفر الذنوب جميعها لمن تاب، ويعفو عن السيئات، لمن استغفره وأناب ... وفي هذا سر لطيف، حيث قرن «الودود» بالغفور، ليدل ذلك على أن أهل الذنوب إذا تابوا إلى الله وأنابوا، غفر لهم ذنوبهم وأحبهم 684).
(TAS)
«ثم أمر بالمسابقة إلى مغفرة الله ورضوانه وجنته، وذلك يكون بالسعي بأسباب المغفرة، من التوبة النصوح، والاستغفار النافع، والبعد عن الذنوب ومظانها، والمسابقة إلى رضوان الله بالعمل الصالح، والحرص على ما يرضي الله على الدوام، من الإحسان في عبادة الخالق، والإحسان إلى
الخلق بجميع وجوه النفع، ولهذا ذكر الله الأعمال الموجبة لذلك» (685). فالقول باشتراط التوبة وطلب المغفرة لأجل غفران ذنوب العصاة الذي أحمد عبد الجواد، وأحمد شعبان أحمد، والشيخ علي أحمد
نقلناه
عن
ص
093
(682) تفسير السعدي. (683) تفسير السعدي، ص 768، من تفسير الآية 14 من سورة الحجرات.
من تفسير الآية 67 من سورة القصص.
(684) تفسير السعدي، ص،878 من تفسير الآية 14 من سورة البروج.
(685) تفسير السعدي
ص
805، من تفسير
الآية 21 من سورة الحديد. (1/200)
صفحة 199
الفصل الأول
201
الطهطاوي، والدكتور محمد راتب النابلسي، والإمام الطبري، والإمام القرطبي، والإمام ابن كثير، وابن عاشور، وأبي السعود، والألوسي، والطبرسي، والبروسوي والشيخ السعدي (686)، قد ذكره أيضاً
(719)
الدكتور القرضاوي (687)، والشنقيطي (688)، والرازي، والسمر قندي (690)
(686) ومما قاله الشيخ السعدي في تفسيره: «يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ) إذا أتوا بأسباب المغفرة أو أسباب العذاب» (ص (206). و «غَفُورُ) لذنوب التائبين» (ص 656). و «(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورُ) لمن صدرت منه الذنوب، فتاب منها، ورجع إلى ربه» (ص. (88) و «إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمُ)، فيغفر السيئات العظيمة لمن تاب إليه (ص 326). و «والله غَفُورُ لمن تاب إليه، (حَلِيمٌ) بمن عصاه، حيث لم يعاجله
بالعقوبة، بل حلم عنه وستر، وصفح مع قدرته عليه وكونه بين يديه» (ص 85). (687) نقل الشيخ القرضاوي في كتاب التوبة إلى الله ما نصه: ويعلق صاحب القاموس على هذه الآية في كتابه (البصائر) فيقول: .... ثم علق الفلاح بالتوبة (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) تعلق المسبب بسببه، وأتى بأداة (لعل) المشعرة بالترجي إيذاناً بأنكم إذا تبتم كنتم على رجاء الفلاح، فلا:
يرجو الفلاح إلا التائبون». (في الطريق إلى الله (4) - التوبة إلى الله)، ص 17).
يوم
(688) قال الشيخ الشنقيطي: «والظاهر أن قوله تعالى: لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَرَ تشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النسور: 23، 24] محله فيما إذا لم يتوبوا
ويصلحوا، فإن تابوا وأصحلوا، لم ينلهم شيء من ذلك الوعيد». (تفسير الشنقيطي، 6/ 60). وقال في موضع آخر: «وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الْأَرْضِ) يعني: لخصوص الذين آمنوا منهم وتابوا إلى الله واتبعوا سبيله». (تفسير الشنقيطي، ج 7 ص 97). (689) قال الإمام الرازي: « ... أمرين: الأول: أنه تعالى اطلع على أهل بدر وقد علم توبتهم وإنا بتهم فقال: افعلوا ما شئتم من النوافل من قليل أو كثير فقد غفرت لكم وأعطيتكم الدرجات العالية في الجنة، الثاني: يحتمل أن يكون المراد أنهم يوافون بالطاعة فكأنه قال: قد غفرت لكم لعلمي بأنكم تموتون على التوبة والإنابة فذكر حالهم في الوقت
وأراد العاقبة» (تفسير الرازي، 183/ 23، من تفسير الآية 22 من سورة النور). (690) قال السمرقندي: «وَأَصْلَحُوا) يعني: العمل بعد التوبة فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورُ) لذنوبهم بعد التوبة و رَّحِيمُ) بهم بعد التوبة». (تفسير السمرقندي، ج 2 ص 427 من تفسير الآية 5
من سورة النور. (1/201)
صفحة 200
202
متعال الحق
والبيضاوي"
(691)
، والخازن (19)، وأبو حيان الأندلسي (693)، وابن الجوزي (694)،
(740)
ونووي الجاوي (695)، والإمام البخاري"
(696)
(691) قال البيضاوي: «إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) لمن تاب (تفسير البيضاوي، 1/ 87). إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمُ) يتجاوز عن التائب ويتفضل عليه تفسير البيضاوي، 1/ 419). و «(وَهُوَ الْعَزِيزُ (الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل. (الْغَفُورُ) لمن تاب (تفسير البيضاوي (509/ 2). وه إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) لمن يستغفر»
منهم
(تفسير البيضاوي، 235/ 1).
(692) قال: الخازن: «وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يعني: لمن تاب وآمن تفسير الخازن، من تفسير الآية 98 من سورة المائدة. وانظر كذلك تفسير الآية 119 من سورة النحل). و «إِنَّ الله كَانَ تَوَّابًا) يعني: أنه تعالى يعود على عبده بفضله ومغفرته ورحمته إذا تاب إليه (تفسير الخازن من تفسير الآية 16 من سورة النساء).
(693) قال أبو حيان الأندلسي: فيعذب من يشاء عذابه وهم المخالفون لأمره، ويغفر لمن يشاء وهم التائبون» (تفسير أبي حيان الأندلسي، 496/ 3 من تفسير الآية 40 من سورة المائدة).
أن
(694) قال ابن الجوزي: قوله تعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) قال الزجاج: يريد يدلكم على ما يكون سبباً لتوبتكم». (تفسير ابن الجوزي، 1/ 395). (695) قال نووي الجاوي: «إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ}:أي: المتجاوز لمن تاب (الرَّحِيمُ) به». (مراح لبيد، 1/ 45). (696) قال الإمام البخاري: «هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ قَبْلَهُ، إِذَا تَابَ وَنَدِمَ وَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. غُفِرَ له». قال الإمام البخاري هذا القول بعد أن روى رواية أبي ذر له، حيث قال: «حَدَّثَنَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ حَدَّثَهُ أَنْ أَبَا الأَسْوَدِ الدِّيلِي حَدْثَهُ أَنْ أَبَا ذَر حَدْثَهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ وَهْوَ نَائِمْ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ «مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ». قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ». قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ». قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَره. وَكَانَ أَبُو ذَرِّ إِذَا حَدْثَ بِهَذَا قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ.
أَبُو مَعْمَرٍ
(صحيح البخاري، الرواية: 5827، ص 1057 - 1056، والرواية: 1237، ص 226). وعند شرحهم لهذه الرواية جعلت فكرة الخروج من النار مرجعاً لفهم رواية أبي ذر وفهم تعليق الإمام البخاري عليها. فقد قال ابن حبان تعليقاً على هذه الرواية: «قال أبو حاتم: قوله: «مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئاً دَخَلَ الجَنَّة» يُريدُ به إلا أَنْ يَرْتَكِبَ شَيْئاً أَوْعَدْتُهُ عَلَيهِ = (1/202)
صفحة 201
الفصل الأول
دُخُولُ النَّارِ. وله معنى آخر وهو أن مَنْ لَمْ
يشْرِك بالله شيئاً ومَاتَ، دخل الجنة لا محالة،
من
وإِنْ عُذْبَ قَبْلَ دُخوله إياها مدة معلومة» (صحيح ابن حبان، الرواية: 213، 446/ 1). وقال ابن حجر وحاصل ما أشار إليه أن الحديث محمول على من وحد ربه ومات على ذلك تائباً من الذنوب التي أشير إليها في الحديث، فإنه موعود بهذا الحديث بدخول الجنة ابتداء، وهذا في حقوق الله باتفاق أهل السنة وأما حقوق العباد فيشترط ردها عند ا الأكثر، وقيل: بل هو كالأول ويثيب الله صاحب الحق بما شاء، وأما من تلبس بالذنوب المذكورة ومات من غير توبة فظاهر الحديث أنه أيضاً داخل في ذلك، لكن مذهب أهل السنة أنه في مشيئة الله تعالى، ويدل عليه حديث عبادة بن الصامت الماضي في كتاب الإيمان فإن فيه: ومن أتى شيئاً من ذلك فلم يعاقب به فأمره إلى الله تعالى إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه» وهذا المفسر مقدم على المبهم وكل منهما يرد على المبتدعة من الخوارج ومن المعتزلة الذي يدعون وجوب خلود من مات من مرتكبي الكبائر من غير توبة في النار، أعاذنا الله ذلك بمنه وكرمه. ونقل ابن التين عن الداودي أن كلام البخاري خلاف ظاهر الحديث فإنه لو كانت التوبة مشترطة لم يقل «وإن زنى وإن سرق قال وإنما المراد أنه يدخل الجنة إما ابتداء وإما بعد ذلك. والله أعلم». (فتح الباري، 461/ 11 - 462). وقال الشوكاني: «وأقول: قد أطبق أئمة المسلمين من السلف والخلف والأشعرية والمعتزلة أن الأحاديث الواردة بأن من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة مقيدة بعدم الإخلال بما أوجب الله من سائر الفرائض، وعدم فعل كبيرة من الكبائر التي لم يتب فاعلها عنها، وأن مجرد الشهادة لا يكون موجباً لدخول الجنة فلا يكون حجة على المطلوب، ولكنهم اختلفوا في خلود من أخل بشيء من الواجبات أو قارف شيئاً من المحرمات في النار مع تكلمه بكلمة الشهادة وعدم التوبة عن ذلك ... وهذه المسائل محلها علم الكلام، وإنما ذكرنا هذا للتعريف بإجماع المسلمين على أن هذه الأحاديث مقيدة بعدم المانع، ولهذا أولها السلف فحكى عن جماعة منهم ابن المسيب أن هذا كان قبل نزول الفرائض، والأمر والنهي ورد بأن راوي بعض هذه الأحاديث أبو هريرة وهو متأخر الإسلام أسلم عام خيبر سنة. سبع بالاتفاق، وكانت إذ ذاك أحكام الشريعة مستقرة من الصلاة والزكاة والصيام والحج، وغيرها وحكى النووي عن بعضهم. أنه قال: هي. مجملة تحتاج إلى شرح، من قال الكلمة وأدى حقها وفريضتها قال وهذا قول الحسن البصري. وقال
وغيرهم
ومعناه
البخاري: إن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة ومات على ذلك ذكره في كتاب اللباس. وذكر الشيخ أبو. عمر بن الصلاح أنه يجوز أن يكون ذلك أعني: الاقتصار على كلمة الشهادة في سببية دخول الجنة اقتصاراً من بعض الرواة لا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل مجيئه = (1/203)
صفحة 202
204
من الب الحق
العنصر الثالث: ذنوب غفرها الله تعالى وتجاوز عنها:
جاء في القرآن الكريم أن الله تعالى قد تجاوز عن بعض الأعمال التي فعلها المسلمون في بداية عهد الرسالة المحمدية، وحكم الله سبحانه وتعالى بالعفو عن بعض الأعمال التي قد يعملها المسلمون في مسيرتهم.
قال ابن عاشور: «فالمغفرة تأتي على تقصير العباد المطيعين، فإن طاعة الله الحق التي هي بالقلب والعمل والخواطر لا يبلغ حق الوفاء بها إلا المعصوم ولكن الله تجاوز عن الأمة فيما حدثت به أنفسها، وفيما همت به ولم تفعله، وفي اللمم، وفي محو الذنوب الماضية بالتوبة (697).
تاماً في رواية غيره، ويجوز أن يكون اختصاراً من الرسول فيما خاطب به الكفار عبدة الأوثان الذين كان توحيدهم بالله تعالى مصحوباً بسائر ما يتوقف عليه الإسلام ومستلزماً له، والكافر إذا كان لا يقر بالوحدانية كالوثني والثنوي وقال: لا إله إلا الله وحاله الحال التي حكيناها حكم بإسلامه. قال النووي: ويمكن الجمع بين الأدلة بأن يقال: المراد باستحقاقه الجنة أنه لا بد من دخولها لكل موحد إما معجلاً معافى، وإما مؤخراً بعد عقابه، والمراد بتحريم. النار. تحريم الخلود. وحكي. ذلك عن القاضي عياض وقال: إنه في نهاية الحسن، ولا بد من المصير إلى التأويل لما ورد في نصوص الكتاب والسنة بذكر كثير من الواجبات الشرعية والتصريح بأن تركها موجب للنار. وكذلك ورود النصوص بذكر كثير
من
من المحرمات وتوعد فاعلها بالنار». (نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار، ص 238). هذه النصوص التي نقلناها عن ابن حبان، وابن حجر، والشوكاني ندرك أن القائلين بـ (فكرة الخروج من النار) ليسوا على وفاق في فهم رواية أبي ذر وتعليق الإمام البخاري عليها وذلك بسبب اعتمادهم على روايات ضعيفة. السعي لكسب مغفرة الله تعالى مشروط بطلب التوبة والمغفرة وهذا حكم نطق به القرآن الكريم وجاء في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم الصحيحة، وسطره علماء المسلمين في كتبهم، ولكن حينما تطفوا على السطح التنازعات المذهبية فإن القائلين بفكرة الخروج من النار يجعلون القضية قضية نزاع بينهم وبين الخوارج والمعتزلة لا قضية منهج يرفض كل ما خالف كتاب الله تعالى. والله المستعان.
(697) تفسير ابن عاشور 161/ 22. (1/204)
صفحة 203
الفصل الأول
205
والآيات القرآنية الكريمة الآتية تبين لنا هذه الحقيقة: ـ
ولا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 225].
قال الطبري: «والله غفور لعباده فيما لغوا من أيمانهم التي أخبر الله تعالى ذكره أنه لا يؤاخذهم بها، ولو شاء واخذهم بها، ولما واخذهم بها فكفروها في عاجل الدنيا بالتكفير فيه، ولو شاء واخذهم في آجل الآخرة بالعقوبة عليه، فساتر عليهم فيها، وصافح لهم بعفوه عن العقوبة فيها وغير ذلك من ذنوبهم» 698).
هو الذين يجتنبون كبير الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّهمَّ إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّن الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ فَلَا تُرَكُوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى).
قال الإمام الطبري: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد: إِنَّ رَبَّكَ) يا محمد واسِعُ الْمَغْفِرَةِ: واسع عفوه للمذنبين الذين لم تبلغ ذنوبهم الفواحش وكبائر الإثم. وإنما أعلم جلّ ثناؤه بقوله هذا عباده أنه يغفر اللمم بما وصفنا من الذنوب لمن اجتنب كبائر الإثم والفواحش (199
وقال ابن كثير: «ثم فسر المحسنين بأنهم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش؛ أي: لا يتعاطون المحرمات الكبائر وإن وقع منهم بعض الصغائر فإنه يغفر لهم ويستر عليهم كما قال في الآية الأخرى: {إِن تَجْتَنِبُوا كبابر ما تنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا
(698) تفسير الطبري، 417/ 2. (699) تفسير الطبري، 69/ 27. (1/205)
صفحة 204
معالم الحق
كَرِيمًا) وقال ههنا الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ وهذا استثناء منقطع، لأن اللمم من صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال» (700). ه في ثم إن ربك للذين هاجروا من بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 110].
(701)
قال الإمام الطبري: «إن ربك من بعد فعلتهم هذه لهم لغفور، يقول: لذو ستر على ما كان منهم من إعطاء المشركين ما أرادوا منهم من كلمة الكفر بألسنتهم، وهم لغيرها مضمرون وللإيمان معتقدون، رحيم بهم أن يعاقبهم عليها مع إنابتهم إلى الله وتوبتهم. وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فين ما مَلَكَتْ أَيْمَتكُم مِّن فَنَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَتِكُمْ بعضُكُم مِّنْ بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَهَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخَدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَ فإن أتين بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ ذالك يمنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رحِيمٌ} [النساء: 25].
قال الإمام الرازي: «ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمُ) وهذا كالمؤكد لما ذكره من أن الأولى ترك هذا النكاح، يعني أنه وإن حصل يقتضي المنع من هذا الكلام إلا أنه تعالى أباحه لكم لاحتياجكم إليه، فكان ذلك من باب المغفرة والرحمة والله أعلم» 702).
ما
(700) تفسير ابن كثير، 457/ 6.
(701) تفسير الطبري، 183/ 14.
(702) تفسير الرازي، 60/ 10. (1/206)
صفحة 205
الفصل الأول
207
إنما حرم عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِيزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَن أضطر غير باغ ولا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
[النحل: 115].
قال ابن عطية: «وقوله: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ، يقتضي منه الإباحة للمضطر، وخرجت الإباحة في هذه الألفاظ تحرجاً وتضييقاً في أمرها، ليدل الكلام على عظم الحظر في هذه المحرمات، فغاية هذا المرخص الله له، وحطه عنه ما كان يلحقه من الإثم لولا ضرورته ".
له غفران
فهذه الآيات فيها تفسير لقوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ، فقد شاء الله تعالى أن يغفر للذين أشارت إليهم هذه الآيات الكريمة. فهؤلاء القوم شاء الله أن يغفر لهم، ونحن لا نجد من بين المغفور لهم
هنا مصر على كبائر الذنوب حتى الممات.
وقد أشار ابن عاشور إلى معنى آخر يرشد إليه قوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دون ذلك لِمَن يَشَاءُ، حيث قال: «يجوز أن تكون هذه الجملة متعلقة بما قبلها من تهديد اليهود بعقاب في الدنيا، فالكلام مسوق لترغيب اليهود في الإسلام، وإعلامهم بأنّهم بحيث يتجاوز الله عنهم عند حصول إيمانهم، ولو كان عذاب الطمس نازلاً عليهم، فالمراد بالغفران التجاوز في الدنيا عن المؤاخذة لهم بعظم كفرهم وذنوبهم، أي: يرفع العذاب عنهم ... أو يكون المراد بالغفران التسامح، فإنّ الإسلام قبل من أهل الكتابين الدخول تحت ذمة الإسلام دون الدخول في دين الإسلام ..
(703) تفسير ابن عطية ص 1121، من تفسير الآية 115 من سورة النحل.
(704) تفسير ابن عاشور 150/ 4. (1/207)
صفحة 206
خاتمة الفصل الأول
هذا الفصل يلخص في النقاط الآتية: -
من
أسس علم التفسير تطبيق علوم الأمة الإسلامية عند دراسة آيات الله تعالى، فجميع الروايات الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة لا بد أن تعرض على منهاج الأمة، فما أثبته المنهج أخذ به، وما رده المنهج لا يصح ذكره في تفسير كتاب الله تعالى.
حينما يطبق المنهج على رواية (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)، وما جاء في معناها من روايات سيدرك المرء أن تلك الروايات لا وزن لها في ميدان المعرفة الواسع.
كون أصحاب الكبائر قد لا يدخلون النار فكرة لا أساس لها، والروايات التي جاءت بذكر العفو عنهم في عرصات القيامة لا وزن لها في منهج البحث. رواية: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ركن إليها أهل الفساد. هذه الأمة من واستمرأوا بسببها الإصرار على كبائر الذنوب ومن أهل الفساد من استرسل في الإكثار من الذنوب لأجل أن تبدل - حسب تصوراتهم المنحرفة ـ بحسنات كثيرة.
لقد بينت لنا آيات كثيرة من كتاب الله تعالى، وروايات صحيحة أن الإنسان محاسب على أعماله ولن يجد أهل الذنوب الكبيرة ـ إذا ماتوا مصرين عليها ـ من يدافع عنهم يوم القيامة. (1/209)
صفحة 207
210
معالم الحق
- لقد اعتمد القائلون بالشفاعة لأهل الذنوب الكبيرة على (مفهوم جمهور الأمة أن (مفهوم
المخالفة في إثبات معتقدهم، ومن المعلوم عند المخالفة دلالته ضعيفة؛ فلا يؤسس عليه معتقد أو فقه.
أما فكرة (إخلاف الله وعيده فلا أساس لها، وقد ردها كثير من ممن يقول بـ (الشفاعة لأهل الكبائر).
العلماء
فكرة احتمال مغفرة ذنوب العصاة من غير توبة ليس لها دليل في مصادر العقيدة عند المسلمين، وكل الأدلة الواردة في كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله الكريم لا تربط بين المسلك الصالح الذي يسير عليه الإنسان ـ مع التوبة من الذنوب - وبين المغفرة التي يسعى الإنسان لتحصيلها يوم القيامة. ـ «وعقيدة إنفاذ الوعد والوعيد لها أثر فعال في تحسين السلوك، فإذا شعر الإنسان بأن ثم وعداً ووعيداً، وأنه لا بد من أن يحاسب على أعماله فيجازي بها يوم القيامة، إذا شعر بذلك من أعماق نفسه كان هذا الشعور باعثاً له على فعل الخير واجتناب الشر، فإن الإيمان بثواب الله المصحوب بالرجاء والإيمان بعقاب الله المصحوب بالخوف يزجران الإنسان عن الشر ويدفعانه إلى الخير» 705).
- علماء الأمة الإسلامية يدعون إلى الأخذ بأسباب المغفرة وعدم الاسترسال في اقتراف الذنوب.
الله تعالى فتح أبواب التوبة وأوجب على العصاة طلب المغفرة، والذين شاء الله لهم المغفرة هم من استجاب لهذا التكرم والتفضل وقرع أبواب التوبة النصوح بنفس مخلصة صادقة.
(705) الفكر العقدي عند الإباضية، ص 311. (1/210)
صفحة 208
الفصل الأول
211
- الفصل الأول من هذا البحث فيه بيان أن العدالة الإلهية تدعو جميع المكلفين من البشر إلى الفرار إلى الله من شر الذنوب؛ فمن استوجب النار - والعياذ بالله ـ داخلها لا محالة.
- الفصل الثاني فيه بيان لحال الروايات والأقوال التي استند عليها القائلون بـ (فكرة الخروج من النار). (1/211)
صفحة 209
الفصل الثاني
قراءات منهجية في أدلة القائلين
بخروج عصاة المسلمين من نار جهنم (1/213)
صفحة 210
تمهيد
ففي الفصل الأول عرفنا أن أصحاب الذنوب الذين يأتون يوم القيامة بذنوب كبيرة من غير توبة نصوح فإنهم لن يجدوا لهم شفيعاً، والروايات التي وعدتهم بالشفاعة وبالتجاوز عن ذنوبهم روايات لا قيمة لها في ميزان الأمة العادل. وعرفنا كذلك أن كل من استوجب النار لا محالة داخلها حسب الحكم الإلهي العادل الذي لا يحابي أحداً من البشر. وفي
هذا الفصل نعرض الروايات والأقوال التي وعدت العصاة بالخروج من النار بعد دخولهم فيها، والتي ذكرت عند تفسير قوله تعالى: - ر ومن اليل فتهجد بِهِ نَافِلة لك عسى أن يبعتك ربك مقاما
محمودا [الإسراء: 79].
همه هو وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم نجي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّلِمِين فيها حياه [مريم: 72،71].
ه طور ربمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} [الحجر: 2]. فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ هُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبِّكَ فَقَالُ لِمَا يُرِيدُ لله وَأَمَّا الَّذِينَ يُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا
شاء ربك عطاء غير تجدون} [هود: 106 - 108]. (1/215)
صفحة 211
216
معالم الحق
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَبَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمُ
لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير الكَبِيرُ. جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرُ. وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنْ إن ربنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ. الَّذِى أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، لَا يَمَسُّنَا فيها نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبُ} [فاطر: 32 - 35].
وقد خَابَ مَنْ حَمَل ظلما م [طه: 111].
له هو الذينَ آمَنُوا وَلَوْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ أُولَيكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم
مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82].
وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لاِبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ، يَبْنَى لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ
لظلم عظيمٌ} [لقمان: 13].
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرضَى} [الضحى: 5].
ربنا أَخْرِجْنَا مِنهَا فَإِن عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ} [المؤمنون: 107]. أنظر كيفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 24]. ربنا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخَزَيْتَهُ، وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)
[آل عمران: 192].
* وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّم إن عذابها كان غَرَامًا إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان: 65، 66].
تم لا يموتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى) الأعلى 13].
إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِن صَادًا لِلطَّعِينَ مَتَابًا [النبا: 21، 22].
0 (1/216)
صفحة 212
الفصل الثاني
217
الله ويريدون أن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَيْرِ عِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ
عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [المائدة: 37].
وجاء هذا الفصل في ثمانية أقسام وخاتمة. (1/217)
صفحة 213
قراءة في تفسير قوله تعالى
وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا
محمودا [الإسراء: 79].
قال الإمام الطبري عند تفسيره لهذه الآية الكريمة: «اختلف أهل التأويل في معنى ذلك المقام المحمود، فقال أكثر أهل العلم: ذلك هو المقام الذي هو يقومه يوم القيامة للشفاعة للناس ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم 706. وهذا التفسير قاله الإمام القرطبي أيضاً: اختلف في المقام المحمود على أربعة أقوال: -
(VT),
الأوّل: وهو أصحها الشفاعة للناس يوم القيامة ... ».
وقال في موضع آخر: «الرابعة إذا ثبت أن المقام المحمود هو أمر الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء لالا، حتى ينتهي الأمر إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيشفع هذه الشفاعة لأهل الموقف ليعجّل حسابهم ويراحوا من هول موقفهم، وهي الخاصة به؛ ولأجل ذلك قال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر».
(706) تفسير الطبري، 143/ 15 - 144.
(707) تفسير القرطبي، 200/ 10.
(708) تفسير القرطبي، 201/ 10. (1/218)
صفحة 214
الفصل الثاني
219
(710)
وجاء نفس هذا التفسير عند الشوكاني (709)، والألوسي وعند غيرهم
من المفسرين.
هذا
القول الذي نسبه الإمام الطبري إلى أكثر أهل العلم قول صحيح مؤيد بالروايات الصحيحة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة
والتابعين.
العلماء ومن
من جعل المقام المحمود على إطلاقه بحيث يشمل كل كرامة اختص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال الحافظ ابن حجر: «قوله: {مَقَامًا تَحْمُودًا أي يحمد القائم فيه، وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات» (711).
***
روايات تثبت معنى: (المقام المحمود) بالشفاعة لأهل الموقف عامة، وفتح أبواب الجنة لأهل الجنة خاصة.
أخرج الإمام البخاري وغيره رواية منسوبة إلى الصحابي ابن عمر فيها تفسير (المقام المحمود) بالشفاعة لأجل القضاء بين الخلق ولأجل استفتاح أبواب الجنة لأهلها.
(709) تفسير الشوكاني، 3/ 348 - 349. قال الشوكاني: ومعنى كون المقام محموداً: أنه يحمده كل من علم به. وقد اختلف في تعيين هذا المقام على أقوال: الأول: أنه المقام
الذي يقومه النبي ا للشفاعة يوم القيامة للناس ليريحهم ربهم سبحانه مما هم فيه، وهذا القول هو الذي دلت عليه الأدلة الصحيحة في تفسير الآية، وحكاه ابن جرير عن أكثر أهل التأويل، قال الواحدي وإجماع المفسرين على أن المقام المحمود هو مقام الشفاعة». (710) تفسير الألوسي، 134/ 8. قال الألوسي: «والمراد بذلك المقام مقام الشفاعة العظمى في فصل القضاء حيث لا أحد إلا وهو تحت لوائه.
(711) فتح الباري، 300/ 2. (1/219)
صفحة 215
220
محال الحق
قال الإمام البخاري: «حدثنا إسماعيل بن أبان حدثنا أبو الأخوص عن آدم بن علي قال: سمعت ابن عمر لها يقول: «إنَّ الناسَ يَصيرون يوم القيامةِ جثاً، كل أمةٍ تَتبَعُ نبتها. يقولون: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود»».
(712)
أخرج هذه الرواية البخاري (12)، والنسائي
(713)
وقال الإمام البخاري أيضاً: «وقال: «إنّ الشمس تدنو يومَ القيامةِ حتى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصف الأُذُنِ. فبينا هم كذلك استغاثوا بآدَمَ، ثُمَّ بموسى، ثمَّ بمحمد صلى الله عليه وسلم». وزاد عبد الله: حدثني الليث حدثني ابنُ أبي جعفر: فيَشفَعُ لِيُقْضى بين الخلق، فيمشي حتَّى يأخُذُ بحَلَقةِ البابِ. فَيَومَئِذٍ يَبعثهُ اللهُ مَقاماً محموداً يَحمده أهلُ الجمع كلهم». وقال مُعَلَّى: حدَّثَنا وُهيبٌ عنِ النعمان بن راشد عن عبدِ اللهِ بنِ مسلم أخي الزهري عن حمزة سمع ابن عمر لا عن النبي صلى الله عليه وسلم في
(VAD)
أخرج هذه الرواية الإمام البخاري (14)، والإمام الطبري
(V 12)
المسألة».
وجاء نحو رواية ابن عمر رواية أخرى عند الإمام البخاري
مرفوعة إلى مقام النبوة من طريق أبي هريرة له.
(712)
صحيح
البخاري، الرواية: 4718، ص 844.
(713) سنن النسائي الكبرى، الرواية: 11295، 381/ 6.
(714)
صحيح البخاري، الرواية: 1475، ص 266. (715) تفسير الطبري، 146/ 15.
(716)
(716)
صحيح البخاري، الرواية: 4712،، 842 - 843. قال الإمام البخاري: «حدثنا ص محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله أخبرنا أبو حيان التيمي عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم، فرفع إليه الذراع ـ وكانت تُعجِبُهُ - فنهَسَ منها نَهسة ثم قال: أنا سيّد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذلك؟ يُجمَعُ الناسُ ـ الأولين والآخرين - في صَعِيدٍ واحدٍ يُسمعهم الداعي، ويَنفذُهُمُ البصر، وتدنو الشمس فيبلغ الناسَ من الغمّ والكَرَب ما لا يطيقون ولا يحتملون. (1/220)
صفحة 216
الفصل الثاني
221
=
(718)
وجاء عند ابن أبي شيبة (17)، والطبراني" رواية منسوبة إلى
فيأتون
من
فيقولُ الناس: ألا تَرَونَ ما قَد بَلَغَكم؟ الا تنظرون من يَشفَعُ لكم إلى ربكم؟ فيقولُ بعض الناس لبعض: عليكم بادم ... فيأتون نوحاً ... فيأتون إبراهيم ... فيأتون موسى ... عيسى ... فيأتون محمداً صلى الله عليه وسلم فيقولون: يا محمد أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فأنطلق، فآتي تحت العرش فاقع ساجداً لربي، ثمَّ يَفتح الله عليَّ من مَحامِدِهِ وحُسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي. ثم يُقال: يا محمد ارفع رأسك، سَلْ تُعطَة، واشفع تشفع. فارفع رأسي فأقول: أمتي يا رب أمتي يا رب. فيقال: يا محمد، أدخل من أ أمتك لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب. ثم قال: والذي نفسي بيدِهِ إنَّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكةً وحِمْيَر، أو كما بين مكة وبصرى». (717) مصنف ابن أبي شيبة، الرواية: 27410، 416/ 7. قال ابن أبي شيبة: «حدثنا أبو معاوية عن عاصم عن أبي عثمان عن سليمان قال: تعطي الشمس يوم القيامة حر عشر سنين ثم تدنو من جماجم الناس حتى يكون قاب قوسين فيغرقون حتى يرشح العرق قامة في الأرض ثم يرتفع حتى يغرغر الرجل، قال سلمان: حتى يقول الرجل: غرغر، فإذا رأوا ما هم فيه قال بعضهم لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه ائتوا أباكم آدم فليشفع لكم إلى ربكم .... فيأتون نوحًا ... فيأتون إبراهيم ... فيأتون عيسى ... فيأتون محمدا ... فيقول: «أَنَا صَاحِبُكُمْ»، فيخرج من بين الناس حتى ينتهي إلى باب الجنة، فيأخذ بحلقة في الباب من ذهب، فيقرع الباب فيقال: من هذا؟ فيقول: «مُحَمَّد»، قال: فيفتح له فيجيء حتى يقوم بين يدي الله فيستأذن في السجود فيؤذن له فيسجد فينادي يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه واشفع تشفع وادع تجب، قال: فيفتح الله عليه من الثناء والتحميد والتمجيد ما لم يفتح لأحد من الخلائق، قال: فيقول: «رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي»، ثم يستأذن في السجود فيؤذن له فيسجد فيفتح ا عليه من الثناء والتحميد والتمجيد ما لم يفتح لأحد من الخلائق، وينادي: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع وادع تجب، فيرفع رأسه ويقول: «يا رَبُّ أُمَّتِي أُمَّتِي»، مرتين أو ثلاثا، قال (سلمان): فيشفع في كل من كان في قلبه مثقال حبة من حنطة من إيمان أو مثقال شعيرة من إيمان أو مثقال حبة خردل من إيمان، فذلكم المقام المحمود». (718) المعجم الكبير، الرواية: 6117، قال الطبراني: حدثنا عبيد بن غنام ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو معاوية عن عاصم عن أبي عثمان عن سلمان قال: تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين ثم تدنى من جماجم الناس فذكر الحديث قال: فيأتون النبي صلى الله عليه وسلم
الله (1/221)
صفحة 217
222
محال الحق
الصحابي. سلمان الفارسي فيها تفسير المقام المحمود) بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في موقف الحشر وليس فيها ذكر للعصاة والخروج من النار.
وجاء عند الطبري رواية (19) صحيحة السند منسوبة إلى الحسن البصري وفيها تفسير المقام المحمود) بـ «مقام الشفاعة يوم القيامة»، ولم يذكر في تلك الرواية الخروج من نار جهنم.
فهذه الروايات الصحيحة التي جاءت من طريق ابن عمر، وأبي هريرة، وسلمان الفارسي، والحسن البصري للهلاليون صريحة بأن المقام المحمود الذي سيهبه الله وال لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم هو ذلك الموقف الذي ستنجلي به عن المؤمنين شدة. يوم القيامة، وذلك الموقف الذي به ستفتح أبواب الجنان لوفود الرّحمن، وذلك الموقف الذي سيبدأ به عرض الحساب على الخلائق كافة.
، قال الإمام ابن كثير: «ويستشهد لهذا القول، بما أخرجاه في الصحيحين عن جابر بن عبد الله الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه، وبعثت إلى الناس عامة».
(720)
فيقولون: يا نبي الله أنت الذي فتح الله بك وغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر وقد ترى ما نحن فيه فاشفع لنا إلى ربنا فيقول: أنا صاحبكم فيخرج يحوش الناس حتى ينتهي إلى باب الجنة فيأخذ بحلقة في الباب من ذهب فيقرع فيقال: من هذا؟ فيقال: محمد فيفتح له فيجيء حتى يقوم بين يدي الله فيسجد فينادي ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فذلك المقام المحمود». (719) تفسير الطبري، 144/ 15. قال الطبري: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن في قول الله تعالى وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجُدْ بِهِ نَافِلَةٌ لَكَ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً قال: المقام المحمود: مقام الشفاعة. يوم (720) تفسير ابن كثير، 347/ 3
القيامة».
عَسَى
أن (1/222)
صفحة 218
الفصل الثاني
وهي
223
وقال ابن عطية: «وأما شفاعة محمد في تعجيل الحساب فخاصة له، الخامسة التي في قوله: (وأعطيت الشفاعة وهي عامة للناس، والقصد
(7211
منها إراحة المؤمنين ... 721).
وقال الشيخ السعدي: «وأما الجنة، فإنها الدار العالية الغالية التي لا يوصل إليها ولا ينالها كل أحد، إلا مَنْ أتى بالوسائل الموصلة إليها، ومع ذلك، فيحتاجون لدخولها لشفاعة عند أكرم الشفعاء عليه، فلم تفتح لهم بمجرد ما وصلوا إليها. بل يستشفعون إلى الله بمحمد صلى الله عليه وسلم
فيشفعه الله تعالى»
(722)
فع،
الشفاعة
وقال الدكتور عمر الأشقر: والفصل التاسع حديث عن ا العظمى والمقام المحمود الذي ينفرد به الرسول صلى الله عليه وسلم من بين البشر، حيث يشفع عند ربه ليخلص العباد مما هم فيه من أهوال المحشر، فيفصل الله بين العباد، ثم يساق أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار» (723).
وقال الإمام القرطبي: «الخامسة: قال القاضي عياض: وعرف بالنقل المستفيض سؤال السلف الصالح الشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ورغبتهم فيها، وعلى هذا لا يلتفت لقول من قال: إنه يكره أن تسأل الله أن يرزقك شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها لا تكون إلا للمذنبين فإنها قد تكون كما قدمنا لتخفيف الحساب وزيادة الدرجات. ثم كل عاقل معترف بالتقصير محتاج إلى العفو غير معتد بعمله مشفق أن يكون من الهالكين، ويلزم هذا القائل ألا يدعو بالمغفرة والرحمة؛ لأنها لأصحاب الذنوب أيضاً، وهذا كله خلاف ما عرف من دعاء السلف والخلف روى البخاري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(721) تفسير ابن عطية، ص 229، من تفسير الآية 255 من سورة البقرة. (722) تفسير السعدي، ص 697، من تفسير الآية 73 من سورة الزمر. (723) اليوم الآخر - القيامة الكبرى، 14/ 2. (1/223)
صفحة 219
224
«من
قال حين يسمع
النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت
محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلّت له
شفاعتي يوم القيامة»
(724)
فهذه الأقوال التي نقلناها تصحح الفكرة التي ذكرها الدكتور يوسف القرضاوي الذي قال: - ولا يقال: إن الذين ارتضاهم الله إنما هم الصالحون من عباده من المطيعين والتائبين وليسوا العصاة والمذنبين، لأنا نقول: هؤلاء الصالحون لا يحتاجون إلى شفاعة، إنما الذي يحتاج إلى المقصر، ممن ضيع بعض الواجبات، أو ارتكب بعض المحرمات، وهو ممن ارتضاه الله في الجملة بسبب إيمانه، وانضمامه إلى
الشفاعة
هو
الأمة المصطفاة» (725).
فهذه الفكرة التي قالها الدكتور القرضاوي تنسفها الروايات الصحيحة، وليس لها أي دليل يقرها سوى روايات ضعيفة لا وزن لها ولا قيمة عند
التحقيق العلمي.
روايات تفسر (المقام المحمود) بالشفاعة لعصاة المسلمين
وإخراجهم من النار
فقد
وأما تفسير (المقام المحمود) بإخراج عصاة المسلمين من نار جهنم تكفلت بذكره الروايات الضعيفة التي لا وزن لها في ميادين المنهج
الإسلامي المنصور.
(724) تفسير القرطبي، 201/ 10.
(725) الشفاعة في الآخرة بين النقل والعقل، ص 30. (1/224)
صفحة 220
225
الفصل الثاني
(726)
جاء عند الإمام الطبري رواية ضعيفة منسوبة إلى عبد الله بن مسعود له وفيها ذكر مرور الناس على الصراط إلى أرض الشفاعة، وفيها تقدم الرسل على الرسول عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام في الشفاعة حيث يكون هو صلى الله عليه وسلم آخرهم، وهذا يخالف تسلسل الأحداث التي ذكرتها الروايات الصحيحة.
وأخرج هذه الرواية النسائي (727)، وابن أبي شيبة (728)، والطيالسي (729)،
(730)
والطبراني (730).
هذه الرواية ضعيفة لورودها من قبل أبي الزعراء الراوي عن الصحابي عبد الله بن مسعود به. قال الذهبي (731): «عبد الله بن هانئ أبو الزعراء صاحب ابن مسعود. قال البخاري: لا يتابع على حديثه. سمع منه سلمة بن كهيل حديثه عن
(726) تفسير الطبري، 144/ 15. قال الإمام الطبري: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان عن سلمة بن كهيل، قال: ثنا أبو الزعراء، عن عبد الله في قصة ذكرها، قال: ثم يؤمر بالصراط فيضرب على جسر جهنم، فيمر الناس بقدر أعمالهم يمر أولهم كالبرق، وكمر الريح وكمر الطير، وكأسرع البهائم، ثم كذلك حتى يمر الرجل سعياً، ثم مشياً، حتى يجيء آخرهم يتلبط على بطنه، فيقول: ربّ لما أبطأت بي، فيقول: إني لم أبطئ بك، إنما أبطأ بك عملك، قال: ثم يأذن الله الشفاعة، فيكون أول شافع يوم القيامة جبرائيل، روح القدس، ثم إبراهيم خليل الرحمن، ثم موسى، أو عيسى، قال أبو الزعراء: لا أدري أيهما قال، قال: ثم يقوم نبيكم عليه الصلاة والسلام رابعاً، فلا يشفع أحد بعده فيما يشفع فيه، وهو المقام المحمود الذي ذكر الله وعَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ...
في
(727) سنن النسائي الكبرى الرواية: 11296، 382/ 6. (728) مصنف ابن أبي شيبة الرواية: 33426، 675/ 8.
(729) مسند الطيالسي الرواية: 389، 200/ 1.
(730) المعجم الكبير، الرواية: 9761.
(731) ميزان الاعتدال ت: 4664، 516/ 2 - 517. وانظر كذلك تهذيب الكمال ت
3615، 309/ 4 - 310 (1/225)
صفحة 221
226
الوالحق
ابن مسعود في الشفاعة: ثم يقوم نبيكم رابعاً. والمعروف أنه عليه الصلاة والسلام أول شافع. قاله البخاري».
وذكر السمرقندي رواية (32) منسوبة إلى أبي سعيد الخدري من طريق عطية العوفي الضعيف (733))) وفيها تفسير (المقام المحمود) بإخراج أقوام من
نار جهنم
وجاء عند الإمام مسلم رواية منسوبة إلى الصحابي جابر بن عبد الله له وفيها حوار بينه وبين يزيد الفقير.
قال الإمام مسلم (734): -
وحدثنا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ يَعْنِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ الْفَقِيرُ قَالَ: كُنْتُ قَدْ شَغَفَنِي رَأْيِّ مِنْ رَأْي الْخَوَارِجِ فَخَرَجْنَا فِي عِصَابَةٍ ذَوِي عَدَدٍ نُرِيدُ أَنْ نَحُجَّ. ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ، قَالَ: فَمَرَرْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ فَإِذَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ. جَالِسٌ إِلَى سَارِيَةٍ. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ. قَالَ: فَإِذَا هُوَ قَدْ ذَكَرَ الْجَهَنَّمِيِّينَ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ مَا هذَا الَّذِي تُحَدِّثُونَ؟ وَالله يَقُولُ: إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ
(732) تفسير السمرقندي، 280/ 2. قال السمرقندي: «قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا محمد بن معاوية الأنماطي قال: حدثنا الحسن بن الحسين، عن عطية العوفي قال: حدثنا أبو حنيفة، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله: {وَعَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) قال: «يُخْرِجُ اللَّه أَقْوَاماً مِنَ النَّارِ مِنْ أَهْلِ الإِيمَانِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ، فَذلِكَ المَقَامُ المَحْمُودُ، فَيُؤْتَى بِهِمْ نَهَراً يُقَالُ لَهُ الحَيَوَانُ، فَيُلْقَوْنَ فِيهِ؛ فَيُنْتِتُونَ كَمَا ينبتُ التَّقَارِيرُ. ثم يُخْرَجُونَ فَيُدْخَلُونَ الجَنَّةَ، فَيُسَمَّوْنَ فِيهَا الجَهَنَّمِيُّونَ. قال: ثم يطلبون إلى الله تعالى أَنْ يُذْهِبَ عَنْهُمْ هذا الاسم
فَيُذْهِبَهُ عَنْهُمْ».
(733) انظر ص
241
من هذا البحث.
(734) صحيح مسلم الرواية 191، ص 136 - 137. (1/226)
صفحة 222
الفصل الثاني
227
النار فقد أخريته} [آل عمران: 192] و كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فيها) [السجدة: 20] فَمَا هذَا الَّذِي تَقُولُونَ؟ قَالَ: فَقَالَ: أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ سَمِعْتَ بِمَقَامِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَعْنِي: الَّذِي يَبْعَثُهُ اللَّهُ فِيهِ)؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍ الْمَحْمُودُ الَّذِي يُخْرِجُ اللَّه بِهِ مَنْ يُخْرِجُ قَالَ: ثُمَّ نَعَتَ وَضعَ الصِّرَاطِ وَمَرَّ النَّاسِ عَلَيْهِ. قَالَ: وَأَخَافُ أَنْ لَا أَكُونَ أَحْفَظُ ذَاكَ. قَالَ: غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ زَعَمَ أَنْ قَوْماً يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا. قَالَ: يَعْنِي فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِم قَالَ: فَيَدْخُلُونَ نَهْراً مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ فَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ. فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ الْقَرَاطِيسُ فَرَجَعْنَا قُلْنَا: وَيْحَكُمْ أَتُرَوْنَ الشَّيْحَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ؟ فَرَجَعْنَا. فَلَا وَاللَّهُ مَا خَرَجَ مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَوْ كَمَا
قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ».
نعرض الملاحظات الآتية حول هذه الرواية: -
1 - هذه الرواية تذكر أن المقام المحمود هو إخراج الناس من جهنم وهذا تفسير تخالفه الروايات الأخرى الصحيحة التي فسرت (المقام المحمود بالشفاعة العظمى يوم المحشر، كما هو مذكور في بداية هذا
القسم.
ومن القواعد التي ينبغي لنا تطبيقها ونحن ندرس. عقائدنا ذكرها الإمام القرطبي، حيث قال: ـ
هي
التي
«والبناء على سندين يوافقان الإجماع أولى من الأخذ بواحد يخالفه الإجماع والأمة، وما يبنى على رواية واحد إذا حاذاه رواية جماعة تخالفه، أخذ برواية الجماعة وأبطل نقل الواحد؛ لما يجوز عليه من النسيان والإغفال. ولو صح الحديث عن أبي الدرداء وكان إسناده مقبولاً معروفاً، ثم كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة اليمن يخالفونه، لكان (1/227)
صفحة 223
228
معالم الحق
الحكم العمل بما روته الجماعة، ورفض ما يحكيه الواحد المنفرد، الذي
يسرع إليه من النسيان ما لا يسرع إلى الجماعة، وجميع أهل الملة» (735). والذي قال: وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة إذا خولف فيه ولم يجمع معه عليه» (736).
ونحن إذا حَكَمْنا هذه القاعدة المنهجية التي ذكرها الإمام القرطبي عند دراستنا لرواية يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله فإننا نجد رواية يزيد تخالف الرواية التي جاءت من طريق ابن عمر وأبي هريرة وسلمان الفارسي و في تفسير (المقام المحمود). وقد اعتمد جمهور العلماء على المعنى الذي أشارت إليه رواية ابن عمر وأبي هريرة وسلمان الفارسي كما بذلك المفسرون. لهذا لا ينبغي لنا اعتماد رواية يزيد عن جابر بن عبد الله في تفسير
صرح
هذه الآية الكريمة. 2 - هذه الرواية تحمل التناقضات الفكرية. فقد جاء فيها ما نصه: «حَدَّثَنِي يَزِيدُ الْفَقِيرُ قَالَ: كُنتُ قَدْ شَغَفَنِي رَأْي مِنْ رَأْي الْخَوَارِجِ فَخَرَجْنَا فِي عِصَابَةٍ ذَوِي عَدَدٍ نُرِيدُ أَنْ نَحُجُ ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ».
(737)
فالخروج على الناس قتلاً وقطعاً للطرق يعتبر في ميزان الإسلام جريمة توعد الله فاعلها بالخلود في نار جهنم، وهذا هو حكم رب السماوات والأرض ولم يستشر سبحانه في حكمه هذا البشر.
ونية الراوي ورغبته في الخروج على الناس بعد أداء مناسك الحج، يزيدها تأججاً ما جاء في نفس الرواية: «أَنَّ قَوْماً يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنْ
يَكُونُوا فِيهَا».
(735) تفسير القرطبي، 56/ 20، من تفسير الآية 1 من سورة الليل. (736) تفسير القرطبي، 70/ 18، من تفسير الآية 4 من سورة الجمعة. (737) انظر: القسم الثاني من الفصل الثالث من هذا البحث. (1/228)
صفحة 224
الفصل الثاني
229
فعقيدة خلود العصاة في النار - التي جاء بها القرآن الكريم والصحيح من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم - حينما تتغلغل في أعماق النفس تردع كل من تسول له نفسه الإفساد في البلاد والعباد، ولكن فكرة الخروج من النار والشفاعة لأهل الكبائر تجعل السابحين في دماء الناس والسارحين في أعراضهم والراتعين في أموالهم لا يرعوون عن فسادهم؛ لم لا يكون ذلك وهناك وعد لهم بالشفاعة ووعد بإخراجهم من النار إذا جاؤوا بنية الخوارج وأعمالهم؟!!!.
فليس هناك من وفاق بين عقيدة الخلود والسعي في الأرض فساداً، هناك من وئام بين الشفاعة لأهل الكبائر وبين الاستقامة على منهج الله في كل مناشط الحياة.
وليس
فقد خلطت هذه الرواية بين عقيدة الخلود وبين الرغبة في الفساد في الأرض وهذا أمر لا يتم أبداً. وخلطت بين (فكرة الخروج من النار وبين إنكار الفساد في الأرض وهذا أمر لا يتم.
3 ـ وفكرة الخوارج - التي رسخت في عقول كثير من الكتاب ـ هي النيل من دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، وهذا مبدأ حاربه الإسلام، وقد بين الشرع الحنيف جزاء من انتهك الحرمات التي صانها الإسلام. فالسعيد من تجنب هذا الفكر وقاومه ووقف أمام المفسدين. التاريخ.
عبر
وأما عقيدة خلود أصحاب الكبائر من هذه الأمة في النار فهي عقيدة قرآنية وجاءت بها روايات صحيحة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فالسعيد من تمسك بالقرآن الكريم والسُّنَّة النبوية المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة
والسلام. (1/229)
صفحة 225
230
هو
خطأ
معالم الحق
4 ـ والربط بين (عقيدة خلود عصاة المسلمين في النار) وبين فكرة الخوارج منهجي في فهم تعاليم المبادئ وأثرها في حياة الناس، لأن هذه العقيدة القرآنية إذا تمكنت من كيان البشر فإنها تقودهم إلى تطبيق تعاليم الإسلام وتردهم عن اقتراف الفواحش، وتدعوهم إلى طلب التوبة والمغفرة من الله تعالى إذا ما اقترف أحدهم كبيرة من كبائر
الذنوب.
ه ـ والربط بين (عقيدة خلود عصاة المسلمين في النار) وبين فكرة الخوارج يكذبه البعد التاريخي الحضاري الصحيح لهذه العقيدة 738). ولقد سجل التاريخ على جبينه أحداثاً مضيئة نحتتها عقيدة الخوف من عذاب الله تعالى الخالد في نار. جهنم، فكان أصحاب هذه العقيدة القرآنية على هدى وبصيرة واستقامة في كل أطوار حياتهم.
فمن تعاليم (عقيدة الخلود في النار عدم الخروج إلى النواحي والبلدان بعسكر لا يضبطونه ولا يصدونه عن الظلم والفساد (739)، ومن تعاليم أئمة أصحاب هذه العقيدة أن لا يؤخذ مال من جيش مسلم شارك فيه محارب مشرك فقد جاء في كتاب السير والجوابات) وسألت أبا المؤثر عن جبار من أهل القبلة خرج باغياً على المسلمين وسار معه قوم من المشركين، فقال: إن المشركين الذين ساروا مع الجبار لهم من الحرمة كحرمة البغاة من أهل القبلة، إذا كان إمامهم من أهل القبلة كان المشركون معه بمنزلة أهل القبلة لا تغنم أموالهم ولا تسبى ذراريهم 740).
(VE),
(738) أرجو مراجعة كتاب (البعد الحضاري للعقيدة الإباضية) للشيخ الدكتور فرحات
الجعبيري، ص 753 - 763.
(739) السير والجوابات، 417/ 1.
(740) السير والجوابات 359/ 1. (1/230)
صفحة 226
الفصل الثاني
231
6 ـ ومن
شأن فكرة الشفاعة لأهل الكبائر والخروج من النار عدم غرس
الخوف من وعيد الله تعالى. فبقدر هيمنة هذه الفكرة على الكيان البشري يكون الطغيان والظلم والإفساد في البلاد وبين العباد.
من
فلان
وسبيهم،
والشواهد التاريخية كثيرة نذكر منها ما قاله الإمام القرطبي في (كتاب التذكرة) (741): «قال علماؤنا رحمة الله عليهم هذا الحديث يدل على أن أبا هريرة كان عنده من علم الفتن العلم الكثير، والتعيين على من يحدث عنه الشر الغزير. ألا تراه يقول: لو شئت قلت لكم هم بنو فلان وبنو لكنه سكت عن تعيينهم مخافة ما يطرأ ذلك من المفاسد، وكأنهم والله أعلم يزيد بن معاوية، وعبيد الله بن زياد، ومن تنزل منزلتهم من أحداث ملوك بني أمية، فقد صدر عنهم من قتل أهل بيت رس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل خيار المهاجرين والأنصار بالمدينة وبمكة وغيرها، وغير خاف ما صدر عن الحجاح، وسليمان بن عبد الملك وولده من سفك الدماء، وإتلاف الأموال، وإهلاك الناس بالحجاز والعراق وغير ذلك، وبالجملة فبنو أمية قابلوا وصية النبي صلى الله عليه وسلم في أهل بيته وأمته بالمخالفة والعقوق، فسفكوا دماءهم وسبوا نساءهم وأسروا صغارهم وخربوا ديارهم وجحدوا فضلهم وشرفهم واستباحوا لعنهم وشتمهم، فخالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصيته وقابلوه بنقيض مقصوده وأمنيته، فواخجلتهم إذا وقفوا بين يديه، ووافضيحتهم يوم يعرضون عليهم، والله أعلم».
وذكر الإمام القرطبي كذلك - وفي مواضع كثيرة ـ أحداثاً مؤلمة قام بها جنود بني أمية ضد آل رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والمجتمعات
المسلمة (742).
(741) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، 585/ 2.
(742) انظر كتاب التذكرة، 585/ 2 - 593. (1/231)
صفحة 227
232
من المر الحق
فرواية يزيد الفقير - التي ذكرناها هنا - لا تتفق مع واقع ما تأمر به (عقيدة الخلود في النار) من مبادئ يعيش بها المرء في هذه الحياة؛ لأن (عقيدة الخلود في النار) تحارب الفساد في الأرض وتأمر أتباعها برفع الظلم
والفساد
عن
عباد الله تعالى.
وباختصار: لقد خالفت رواية يزيد الفقير هذه
جمهور
العلماء
من
الصحابة وغيرهم في تفسير المقام المحمود، وأشارت إلى وقائع تاريخية هي لصيقة تمام اللصوق بـ فكرة الخروج من النار) وليس لها أي نسب بـ (عقيدة الخلود في النار). وبهذا تكون هذه الرواية بعيدة كل البعد عن واقع فكر الأمة الإسلامية في مجال التفسير والتربية والتاريخ.
فمن كل ما سبق نعلم أن التفسير الصحيح لـ (المقام المحمود) هو ما أيدته الروايات الصحيحة الذي نسبه الإمام الطبري إلى أكثر أهل العلم حيث قال: «فقال أكثر أهل العلم ذلك هو المقام الذي هو يقومه القيامة للشفاعة للناس ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدّة ذلك
اليوم»
(743)
وما عدا هذا التفسير فلا قيمة له في ميزان الإسلام العادل.
والحمد لله رب العالمين.
يوم
(743) تفسير الطبري، 143/ 15 - 144. (1/232)
صفحة 228
قراءة في تفسير قوله تعالى
ه وإن منكم إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيا. ثُمَّ نجي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّلِمِينَ فيها حيا) (مريم) 72،71].
،71
لقد ذكر المفسرون القائلون بـ (فكرة الخروج من النار) خلافهم حول المعنى الذي تدل عليه هذه الآيات. وبتتبع الروايات الواردة عند المفسرين وعلماء الحديث، وبقراءة المعنى اللغوي للكلمات القرآنية الواردة في هذه الآية، وبعرض المشاهد التي تصورها لنا هذه الآيات والآيات التي قبلها والآيات التي بعدها سنعرف بإذن الله تعالى المعنى الصحيح لهذه الآيات الكريمة.
(VEE),
قال الإمام الطبري: واختلف أهل العلم في معنى الورود الذي ذكره الله في هذا الموضع (744)، ثم ذكر الأقوال وما جاء في معناها من روايات: - وقال آخرون بل الورود هو الدخول، ولكنه عنى | الكفار دون المؤمنين (745)، ثم أورد الإمام الطبري روايتين". (746) لتأييد هذا الرأي.
(V 20)
(744) تفسير الطبري، 108/ 16.
(745) تفسير الطبري، 110/ 16.
(746) الروايتان هما:
قال الإمام الطبري في تفسيره (110/ 16): حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني عبد الله بن السائب، عن رجل سمع ابن عباس يقرؤها {وَإن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) يعني الكفار، قال: لا يردها مؤمن». (1/233)
صفحة 229
234
معالم الحق
«وقال آخرون: بل الورود عام لكلّ مؤمن وكافر، غير أن ورود المؤمن المرور، وورود الكافر الدخول (747)، ثم أورد الإمام الطبري رواية (748) ضعيفة لتأييد هذا الرأي.
ومر
وقال آخرون: ورود المؤمن ما يصيبه في الدنيا من حمى، ثم أورد الإمام الطبري روايتين (750) ضعيفتين في هذا الموضع.
(749)
هذه الرواية ضعيفة لكونها من طريق رجل مجهول. وقال الإمام الطبري في تفسيره: (111/ 16) حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عمرو بن الوليد الشنّي، قال: سمعت عكرمة يقول: {وَإِن مِنكُمْ إلَّا وَارِدُهَا) يعني الكفار.
عمر بن الوليد مختلف فيه (انظر: تعجيل المنفعة، ت: 777، ص 335).
(747) تفسير الطبري، 111/ 16. (748) تفسير الطبري، 111/ 16، قال الإمام الطبري: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال:
قال ابن زيد، في قوله: {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) ورود المسلمين المرور على الجسر بين ظهريها وورود المشركين أن يدخلوها، قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الزَّالُونَ والزَّالَاتُ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَقَدْ أَحاطَ الجِسْرَ سِماطَانِ مِنَ المَلائِكَةِ، دَعْوَاهُمْ يَوْمَئِذٍ يَا اللَّهُ سَلَّمْ سَلَّمْ». هذه الرواية فيها عبد الرحمن بن زيد بن أسلم الضعيف (تقريب التهذيب، ت: 3879
(570/ 1
(749) تفسير الطبري، 111/ 16. (750) الروايتان هما
قال الإمام الطبري في تفسيره (111/ 16): حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد قال: الحمى حظ كلّ مؤمن من النار، ثم قرأ: {وَإِن ينكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا».
هذه الرواية ضعيفة بسبب ابن يمان في سندها، انظر: ص 246 من هذا البحث. وقال الإمام الطبري في التفسير (111/ 16): حدثني عمران بن بكار الكلاعي، قال: ثنا أبو المغيرة، قال: ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، قال: ثنا إسماعيل بن عبيد الله، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود رجلاً من أصحابه وبه وعك وأنا معه، ثم قال: «إن الله يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من النار في الآخرة». (1/234)
صفحة 230
الفصل الثاني
235
وذكر الشيخ السعدي نحو أقوال الإمام الطبري، حيث قال: «واختلف في معنى الورود، فقيل ورودها حضورها للخلائق كلهم، حتى يحصل الانزعاج من كل أحد، ثم بَعْدُ، ينجي
الله المتقين.
وقيل: ورودها، دخولها وحضورها فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً.
وقيل: الورود، هو المرور على الصراط، الذي هو على متن جهنم، فيمر الناس على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، وكالريح، وكأجاويد الخيل، وكأجاويد الركاب، ومنهم من يسعى، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يزحف زحفاً، ومنهم من يخطف فيلقى في النار، كُل بحسب تقواه، ولهذا قال: هو ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا الله تعالى بفعل المأمور، واجتناب المحظور وَنَذَرُ الظَّلِمِينَ} أنفسهم بالكفر والمعاصي فِيهَا جِثِيًّا) وهذا بسبب. ظلمهم وكفرهم، وجب لهم الخلود، وحق عليهم العذاب، وتقطعت الأسباب» (751).
بهم
وجاءت هذه الأقوال التي ذكرها الطبري، والسعدي كذلك عند (755)، وغيرهم.
(vot)
الشنقيطي (752)، والشوكاني (753)، وابن عبد البر (754)، وابن حجر
ونعرض مادة هذا القسم في سبعة عناصر نناقش فيها روايات القائلين
بمرور الخلائق على الصراط، وخروج
العصاة
من النار، ونذكر جانباً من
هذه الرواية ضعيفة وذلك بسبب عبد الرحمن بن يزيد بن تميم السلمي الدمشقي
الضعيف» (تقريب التهذيب ت: 4054، 595/ 1). (751) تفسير السعدي ص،471، من تفسير الآية 71 من سورة مريم.
(752) تفسير الشنقيطي، 264/ 4.
(753) تفسير الشوكاني، 474/ 3، بدأ العلامة الشوكاني ذكر أقوال العلماء بقوله: «وقد اختلف
الناس في هذا الورود ... ».
(754) التمهيد، 147/ 3.
(755) فتح الباري، 462/ 3. بدأ الحافظ ابن حجر ذكر أقوال العلماء بقوله: «واختلف السلف في المراد بالورود في الآية، فقيل: هو الدخول ... ». (1/235)
صفحة 231
236
معالم الحق
مشاهد الناس يوم القيامة بعد خروجهم من القبور حسب ما ترشد إليه هذه الآيات الكريمة، ونذكر الرواية التي تتحدث عن إتيان الله إلى الخلائق ـ والعياذ بالله - يوم القيامة في صورة يستنكرها الناس، ونعرض رواية الشفاعة العظمى التي يمن الله تعالى بها على الخلق كافة والمؤمنين القيامة، ونبين حال رواية (الجهنميين) في الميزان العادل، ونذكر حال الرواية التي جاء فيها: ولكن قوم أصابتهم النار بذنوبهم
خاصة
يوم
فأماتهم إماتة».
**
العنصر الأول: روايات ذكرها القائلون بـ (خروج العصاة من النار):
فمن مواقع الخلاف ـ التي سطرها العلماء حول كلمة الورود هنا ـ نجد أن المعاني التي أعطيت لهذه الكلمة - لكي تخدم (فكرة الخروج من النار) - إنما أنشئت على روايات باطلة لا قيمة لها أبداً في ميزان الحق. وبالتطبيق العملي لعلوم الحديث، وخاصة علم الجرح والتعديل، يظهر لنا عدم صلاحية تلك الروايات وأنها ليست بأهل لأن تكون مفسرة لكتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ولقد أشار الشيخ الشنقيطي لتلك الروايات واعتمد عليها في تفسيره، حيث قال: «قد دلت على أن الورود في الآية معناه الدخول ـ أدلة: الأول: هو ما ذكره ابن عباس نا من أن جميع ما في القرآن من ورود النار معناه دخولها غير محل النزاع، فدل ذلك على أن محل النزاع كذلك، وخير ما يفسر به القرآن القرآن ... (756)، ثم أشار إلى الروايات
(756) تفسير الشنقيطي،
265/ 4 - 266 (1/236)
صفحة 232
الفصل الثاني
237
الواردة في كتب التفسير والحديث والتي حددت تفسير (الورود) بالدخول.
ومن جانب آخر نجد العلامة ابن عاشور لا يعتد بالروايات التي أشار إليها الشنقيطي هنا، حيث قال: وروى الطبري وابن كثير في هذين المحملين أحاديث لا تخرج عن مرتبة الضعف مما رواه أحمد في مسنده» والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول». وأصح ما في الباب ما رواه أبو عيسى الترمذي قال: «يرد الناس النار ثم يصدرون عنها بأعمالهم» الحديث في مرور الصراط (757).
فلا بد إذاً من عرض ما ورد من روايات على ميزان الحق حتى نستأصل كل ما من شأنه إضعاف كيان هذه الأمة، وحتى نبتعد عن أسباب الخلاف ونحن ندرس كتاب ربنا وعل.
روايات منسوبة إلى ابن عباس:
قال الإمام الطبري (758): حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو، قال: أخبرني من سمع ابن عباس يخاصم نافع بن الأزرق، فقال ابن عباس: الورود: الدخول، وقال نافع لا، فقرأ ابن عباس: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَرِدُونَ (أورود هو أم لا؟ وقال: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يوْمَ الْقِيَمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) أورود هو أم لا؟ أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا؟ وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك، قال: فضحك نافع».
(757) تفسير ابن عاشور، 71/ 16. (758) تفسير الطبري، 108/ 16 - 109. (1/237)
صفحة 233
238
معالم الحق
(761)
ذكر هذه الرواية واحتج بها ابن كثير (79)، والشنقيطي (760)، والشوكاني) والألوسي (16)، والسيوطي (763)، والبغوي (4) (764)، وابن عطية (765).
هذه الحكاية التي قصتها علينا هذه الرواية الضعيفة لا حجة فيها وذلك بسبب وجود رجل مجهول بين عمرو بن دينار وابن عباس. وكذلك بسبب رواية الحسن بن يحيى بن الجعد عن عبد الرزاق بن همام الصنعاني.
عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري:
قال ابن حجر
766 ... قال أبو زرعة الدمشقي: قلت لأحمد: أثبت من في ابن جريج عبد الرزاق أو البرساني قال عبد الرزاق وقال أيضاً: أخبرني أحمد، أنا عبد الرزاق قبل المائتين وهو صحيح البصر من سمع منه بعدما ذهب بصره فهو ضعيف السماع ... قال النسائي فيه نظر لمن كتب عنه بآخره، كتب عنه أحاديث مناكير ... وقال العباس العنبري لما قدم من صنعاء: لقد
(759) تفسير ابن كثير، 476/ 4.
(760) تفسير الشنقيطي، 265/ 4. قال الشنقيطي وبهذا استدل ابن عباس على نافع بن
الأزرق في "
أن
الورود الدخول»».
(761) تفسير الشوكاني، 476/ 3. قال الشوكاني: «وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وهناد، وعبد بن حميد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي عن مجاهد قال: خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس، فقال ابن عباس: الورود الدخول، وقال نافع: لا، فقرأ ابن عباس: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) [الأنبياء: 98]. وقال: وردوا أم لا؟ وقرأ: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَورُودُ) [هود: 98]. أوردوا أم لا؟ أما أنا وأنت فسندخلها فانظر هل نخرج منها أم لا؟».
(762) تفسير الألوسي، 438/ 8.
(763) الدر المنثور 505/ 4 (764) تفسير البغوي، 171/ 3.
(765) تفسير ابن عطية ص 1237 من تفسير الآية 71 من سورة مريم. (766) تهذيب التهذيب ت: 4213، 275/ 6 - 278. (1/238)
صفحة 234
الفصل الثاني
239
تجشمت إلى عبد الرزاق وإنه لكذاب والواقدي أصدق منه ... عن الفرهياني أنه قال: حدثنا عباس العنبري عن زيد بن المبارك قال: كان عبد الرزاق كذاباً يسرق الحديث. وعن زيد قال: لم يخرج أحد من هؤلاء الكبار من هاهنا إلا ألا يحدث عنه ... ».
وهو مجمع
«وقال أبو عمرو بن الصلاح ذكر أحمد بن حنبل أنه عمي في آخر عمره فكان يلقن فيتلقن، فسماع من منه بعد ما عمي لا شي (717).
(767)
ونحن إذا أخذنا بقول الإمام أحمد في شأن عبد الرزاق ندرك أن هذه الرواية لا يصح الاعتماد عليها وذلك لأن الراوي عن عبد الرزاق هو الحسن بن يحيى بن الجعد بن نشيط العبدي الذي لم يتجاوز سن الثانية عشرة من العمر عند ظهور التغير على عبد الرزاق.
ومما يدل على تغير عبدالرزاق قبل رأس المائتين هو إقدام زيد بن المبارك - الذي قال: كان عبد الرزاق كذاباً يسرق الحديث ـ على حرق كتبه
(768)
التي روى فيها عن عبد الرزاق وملازمته بعد ذلك لمحمد بن ثور. هذا مع العلم أن موت محمد بن ثور كان في عام 190 هـ تقريباً 769. وبالنظر في الأعوام التي عاشها الحسن بن يحيى نجد أنه كان ابن 12 سنة في عام
190 هـ تقريباً؛ إذ كانت وفاته عام 263 هـ وقد عاش 85 سنة (1770، ندرك أن ولادته كانت في عام 178 هـ تقريباً.
، ومن هذا
(767) كتاب الضعفاء والمتروكين: ت: 1922، 2/ هامش صفحة 105 تعليق أبي الفداء
عبد الله القاضي.
(768) ضعفاء العقيلي، ت: 1082، 111/ 3. (769) تقريب التهذيب، ت: 5793، 61/ 2. (770 تهذيب الكمال ت 1263، 170/ 2. (1/239)
صفحة 235
أحد
معالم الحق
وقال ابن عدي: « ... ولعبد الرزاق بن همام أصناف وحديث كثير، وقد رحل إليه ثقات المسلمين وأئمتهم، وكتبوا عنه ولم يروا بحديثه بأساً إلا أنهم نسبوه إلى التشيع، وقد روى أحاديث في الفضائل مما لا يوافقه عليها من الثقات فهذا أعظم ما رموه به من روايته لهذه الأحاديث، ولما رواه في مثالب غيرهم مما لم أذكره في كتابي هذا، وأما في باب الصدق فأرجو أنه لا بأس به إلا أنه قد سبق منه أحاديث في فضائل أهل البيت، ومثالب آخرين مناکير» (771).
وقال ابن حبان: « ... كان ممن يخطاء إذا حدث من حفظه على تشيع فيه (772). وجاءت رواية أخرى فيها قصة نافع بن الأزرق مع ابن عباس بسند
آخر ضعيف:
قال الإمام الطبري: «حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عطاء عن ابن جريج عن. بن أبي رباح، قال: قال أبو راشد الحروري: .... (3). ثم ذكر الرواية.
هذه الرواية من هذه الطريق ضعيفة لورودها من قبل عنعنة عبد الملك بن
عبد العزيز بن جريج المكي المدلس.
قال ابن حجر: «فقيه الحجاز مشهور بالعلم والثبت، كثير الحديث، وصفه النسائي وغيره بالتدليس. قال الدارقطني: شر التدليس تدليس ابن جريج فإنه قبيح التدليس لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح
(771) الكامل في ضعفاء الرجال ت: 1463/ 495، 0545/ 6
(772) ثقات ابن حبان: ت: 14216، 412/ 8.
(773) تفسير الطبري، 109/ 16.
(774) تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ت: 83
ص
(774) (1/240)
صفحة 236
الفصل الثاني
وجاءت رواية أخرى منسوبة إلى ابن عباس:
(775)
241
ثني
قال الطبري: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيّا * (مريم: 71] يعني: البر والفاجر، ألم تسمع إلى قول الله تعالى لفرعون: يَقدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّار وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} [هود: 98] وقال: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا) [مريم: 86 فسمى الورود في النار دخولاً، وليس بصادر».
ذكر هذه الرواية واحتج بها ابن كثير)
(776)
سند هذه الرواية هو كالآتي: محمد بن سعد (بن محمد)، قال: ثني آبي (سعد بن محمد بن حسن بن عطية قال: ثني عمي) (الحسين بن حسن بن عطية العوفي)، قال: ثني أبي حسن بن عطية العوفي)، عن أبيه
عطية بن سعد بن جنادة العوفي) عن ابن عباس ...
في سند هذه الرواية سلسلة من
الضعفاء:
عطية بن سعد بن جنادة العوفي الجدلي القيسي الكوفي أبو الحسن ضعيف مدلس لا يفرح برواياته أئمة الإسلام.
قال ابن حجر (777): «قال مسلم بن الحجاج قال أحمد وذكر عطية العوفي فقال: هو ضعيف الحديث، ثم قال: بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي ويسأله عن التفسير وكان يكنيه بأبي. سعيد فيقول: قال أبو سعيد، وكان هشيم يضعف حديث عطية ... وقال أبو زرعة لين، وقال أبو حاتم: ضعيف يكتب
(775) تفسير الطبري، 109/ 16.
(776) تفسير ابن كثير 477/ 4.
(777) تهذيب التهذيب ت: 4781، 194/ 7 - 196. (1/241)
صفحة 237
242
معالم الحق
بلفظ
حديثه وأبو نضرة أحب إلي منه وقال الجوزجاني: مائل، وقال النسائي: ضعيف ... وقال ابن حبان في (الضعفاء) بعد أن حكى قصته مع الكلبي مستغرب فقال: سمع من أبي سعيد أحاديث فلما مات جعل يجالس الكلبي يحضر بصفته فإذا قال الكلبي: قال رسول الله ته كذا فيحفظه وكناه أبا سعيد ويروي عنه، فإذا قيل له: من حدثك بهذا فيقول: حدثني أبو سعيد فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدري وإنما أراد الكلبي ... وقال أبو داود: ليس بالذي يعتمد عليه ... وقال الساجي: ليس بحجة».
وقال ابن حجر
القبيح
(778)
أيضاً: «تابعي معروف ضعيف الحفظ مشهور بالتدليس
حسن بن عطية بن سعد العوفي
قال ابن حجر: «قال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال ابن حبان في (الثقات): أحاديثه ليست بنقية ... وقال البخاري: ليس بذاك. وقال ابن قانع: مات سنة (181). وكذا أرخه ابن حبان في (الضعفاء) وزاد: منكر الحديث، فلا أدري البلية منه، أو من ابنه، أو منهما معا (779).
?
الحسين بن حسن بن عطية العوفي:
قال ابن حجر: «ضعفه يحيى بن معين وغيره. وقال ابن حبان: روى أشياء يتابع عليها، لا يجوز الاحتجاج بخبره .... وقال النسائي: ضعيف ... وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال الجوزجاني واهي الحديث. وقال ابن سعد: سماعاً كثيراً، وكان ضعيفاً في الحديث. وذكره العقيلي في الضعفاء ... ».
سمع
(778) تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ت: 122، ص 130.
(779 تهذيب التهذيب ت: 1327، 268/ 2.
(780) لسان الميزان ت،2679، 341/ 2 - 342.
(780) (1/242)
صفحة 238
الفصل الثاني
243
وجاءت رواية أخرى منسوبة إلى ابن عباس:
قال الإمام الطبري: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: {وَإِن منكم إلا وَارِدُهَا) قال: يدخلها (781).
عن
هذه الرواية ضعيفة وذلك بسبب عنعنة ابن جريج المدلس"
رأي منسوب إلى خالد بن معدان
قال الطبري"
بکار
(782)
(783): حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا مروان بن معاوية،
خالد أبي مروان، عن بن بن معدان، قال: قال أهل الجنة بعد ما دخلوا الجنة: ألم يعدنا ربنا الورود على النار؟ قال: قد مررتم عليها خامدة. قال ابن عرفة: قال مروان بن معاوية: قال بكار بن أبي مروان:
وهي
أو قال: جامدة».
(785)
ذكر هذه الرواية واحتج بها ابن كثير (784)، والألوسي)) هذا الرأي المنسوب إلى خالد بن معدان لم يثبت عنه وذلك لوجود
مروان بن معاوية بن الحارث الفزاري في سند هذه الرواية.
قال ابن حجر: «وقال عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه: ثقة فيما يروي عن المعروفين وضعفه فيما يروي عن المجهولين. وقال علي بن الحسين بن الجنيد عن ابن نمير كان يلتقط الشيوخ من السكك. وقال العجلي: ثقة، ثبت،
(781) تفسير الطبري، 110/ 16. (782) انظر ص 42 من هذا البحث. (783) تفسير الطبري، 109/ 16. (784) تفسير ابن كثير 476/ 4.
(785) تفسير
الألوسي،
ETA/A (1/243)
صفحة 239
244
محال الحق
ما حدث عن المعروفين فصحيح، وما حدث عن المجهولين ففيه ما فيه، وليس بشيء. وقال أبو حاتم صدوق، لا يدفع عن صدقه، ويكثر روايته عن الشيوخ المجهولين ... وقال الآجري عن أبي داود كان يقلب الأسماء. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: كان مروان يغير الأسماء يعمي على الناس ... وقال الذهبي: كان به عالماً، لكنه يروي عمن دب ودرج
(786)
ومما يبين ضعف هذه الرواية أيضاً أن مروان بن معاوية يرويها عن
بكار بن أبي مروان الذي لم أعثر له على ترجمة في كتب الرجال التي بين يدي، والله المستعان.
رواية منسوبة إلى أبي خالد:
قال الإمام الطبري 787): حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا مرحوم بن عبد العزيز، قال: ثني أبو عمران الجَوْني، عن أبي خالد قال: تكون الأرض يوماً ناراً، فماذا أعددتم لها؟ قال: فذلك قول الله: {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حتما مقضِيّا. ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا». فأبو خالد الذي يروي عنه أبو عمران الجوني لم تحدده الرواية وقد يكون هو هرمز أو هرم أبو خالد الوالبي الكوفي، والرواية هذه ليس فيها معنى الخروج من النار، بل فيها التحذير من هول أرض يوم المحشر. رأي منسوب إلى كعب الأحبار:
قال الإمام الطبري: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن الجريري، عن أبي السليل، عن غنيم بن قيس، قال: ذكروا ورود النار، فقال كعب: تُمْسَكُ النارُ للناس كأنها متن، إهالة، حتى يستوي عليها
(786) تهذيب التهذيب ت 6885، 88/ 10 - 90.
(787) تفسير الطبري، 109/ 16. (1/244)
صفحة 240
الفصل الثاني
245
أقدام الخلائق برهم، وفاجرهم، ثم يناديها مناد: أن أمسكي أصحابك، ودعي أصحابي، قال: فيُخْسَف بكلّ ولي لها، ولهي أعلم بهم من الرجل بولده، ويخرج المؤمنون ندية أبدانهم قال وقال كعب: ما بين منكبي
الخازن من خزنتها مسيرة سنة، مع كلّ واحد منهم عمود له شعبتان، يدفع به في النار سبعمائة ألف».
به الدفعة، فيصرع
أخرج هذه الرواية الطبري (788)، وابن أبي شيبة (789)
وذكر هذه الرواية ابن كثير
(790)
هذا الرأي من الإسرائيليات (79) التي أسهم كعب الأحبار في نقلها إلى
(788) تفسير الطبري، 109/ 16.
(789) مصنف ابن أبي شيبة الرواية: 29960، 99/ 8. قال ابن أبي شيبة: «حدثنا يزيد بن هرون قال: أخبرنا الجريري عن غنيم بن قيس عن أبي العوام قال: قال كعب ..... (790) تفسير ابن كثير 478/ 4
(791) جاء في هامش كتاب (إغاثة اللهفان): «هذا وينبغي أن يفهم قصص القرآن الكريم بنص الآيات فقط، بعيداً كل البعد عما يروى في ذلك من الإسرائيليات وإن كان قد رواه ابن جرير وابن كثير أو غيرهما. اللهم إلا إذا كان ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم فينظر في الرواية، فإن صحت فعلى العين والرأس، وإن لم تفهمها عقولنا القاصرة، فإن قلوبنا المؤمنة تطمئن إليها ولا تجد لها أدنى حرج. أما إذا كانت ضعيفة السند أو واهية، فإنها تضاف إلى الإسرائيليات وإنما كان ذلك لما يروى عن الرسول، لأنه لا يكون من عند بشريته، وإنما يكون من إيحاء الله له. أما ما كان عن الصحابة، فهو بلا شك من بشريتهم وأفهامهم، أو من مسموعاتهم من مسلمة بني إسرائيل، أمثال كعب الأحبار ووهب بن منبه، وأمثالهما، والله أعلم بما أصاب التفسير من أقوالهما وقصصهما، بل وبما أصاب الإسلام كله ولا حول ولا قوة إلا بالله إغاثة اللهفان، 2 هامش ص وقال فواز أحمد زمرلي: «إلا أنه يستثنى من ذلك ما كان المفسر له من الصحابة من عرف بالنظر في الإسرائيليات كمسلمة أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وغيره، وكعبد الله بن عمرو بن العاص، فمثل هذا لا يكون حكم ما يخبر به من الأمور التي قدمنا ذكرها الرفع لقوة الاحتمال. والله أعلم (شروط المفسر وآدابه، هامش ص 19).
(327 (1/245)
صفحة 241
246
ال الحق
أذهان المسلمين. وليس لأحد أن يبني عليها عقيدة، فقد قال الإمام القرطبي: والإسرائيليات مرفوضة عند العلماء على البتات؛ فأعرض عن سطورها بصرك، وأصمم عن سماعها أذنيك، فإنها لا تعطي فكرك إلا خيالاً، ولا تزيد
فؤادك إلا خيالا (792)
قول منسوب إلى أبي ميسرة، وعبد الله بن رواحة، والحسن البصري: قال الإمام الطبري (793): حدثنا أبو كريب قال: ثنا ابن يمان، عن مالك بن مغول، عن أبي إسحاق قال: كان أبو ميسرة إذا أوى إلى فراشه، قال: يا ليت أمي لم تلدني، ثم يبكي، فقيل: وما يبكيك يا أبا ميس قال: أخبرنا أنا واردوها، ولم يُخبرنا أنا صادرون عنها».
هذه الرواية المنسوبة إلى أبي ميسرة لا تثبت عنه وذلك بسبب وجود ابن يمان في سندها:
ابن اليمان هو يحيى بن يمان العجلي، أبو زكريا الكوفي ..
(794)
قال أبو بكر بن عياش ذاك راهب يعني: لعبادته.
قال ابن حجر وقال زكريا الساجي: ضعفه أحمد. وقال: حدث عن الثوري بعجائب، وقال حنبل بن إسحاق عن أحمد: ليس بحجة. وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ليس بثبت لم يكن يبالي أي شيء حدث، كان يتوهم الحديث ... وقال الآجري عن أبي داود: يخطاء في الأحاديث ويقلبها، وقال النسائي: ليس بالقوي ... وقال ابن عدي عامة ما يرويه غير محفوظ وهو في نفسه يعتمد الكذب إلا أنه يخطاء ويشتبه عليه، وقال العجلي: كان من كبار
(792) تفسير القرطبي، 137/ 15.
(793) تفسير الطبري، 110/ 16.
(794) تهذيب التهذيب ت: 8000، 265/ 11 - 266. (1/246)
صفحة 242
الفصل الثاني
247
أصحاب الثوري وكان ثقة جائز، الحديث متعبداً معروفاً بالحديث صدوقاً إلا أنه فلج بآخره فتغير حفظه، وكان فقيراً صبوراً. وقال يعقوب بن شيبة أيضاً: يحيى بن يمان ثقة أحد أصحاب سفيان، وهو يخطاء كثيراً في حديثه، وقال ابن أبي شيبة: كان الحفظ النسيان». سريع
سريع
وهذا القول المنسوب إلى أبي ميسرة قد نسب أيضاً إلى عبد الله بن رواحة (795) (796)، وهي رواية لم تثبت عنه وذلك بسبب وجود ابن حميد،
محمد بن حميد بن حيان التميمي الرازي، في سندها.
قال ابن حجر (797): « ... قال أبو حاتم الرازي: سألني يحيى بن معين عن ابن حميد من قبل أن يظهر منه ما ظهر فقال: أي شيء ينقمون منه؟ فقلت: يكون في كتابه شيء فيقول: ليس هذا هكذا فيأخذ القلم فيغيره فقال: بئس هذه الخصلة، قدم علينا بغداد فأخذنا منه كتاب يعقوب القمي ففرقنا الأوراق بيننا ومعنا أحمد فسمعناه ولم نر إلا خيراً، وقال يعقوب بن شيبة: محمد بن حميد كثير المناكير وقال البخاري في حديثه نظر، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الجوزجاني رديء المذهب غير ثقة، وقال فضلك الرازي: عندي عن ابن حميد خمسون ألفاً لا أحدث عنه بحرف ... وقال أبو القاسم ابن أخي أبي زرعة: سألت أبا زرعة عن محمد بن حميد فأومي بإصبعه إلى
6
(795) قال الإمام الطبري: حدثنا ابن حميد قال: ثنا حكام عن إسماعيل، عن قيس، قال: بكى عبد الله بن رواحة ... » (تفسير الطبري، 110/ 16). (796) وجاء عند الإمام الطبري أيضاً نحو هذه الرواية منسوبة إلى عبد الله بن رواحة: «حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: كان عبد الله بن رواحة واضع رأسه في حجر امرأته، فبکي، فبكت، امرأته قال ما يبكيك؟ قالت رأيتك تبكي فبكيت، قال: إني ذكرت قول الله {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) فلا أدري أنجو منها، أم لا؟». (تفسير الطبري، 110/ 16). (797) تهذيب التهذيب ت: 6081، 108/ 9 - 111. (1/247)
صفحة 243
248
محال الحق
فمه، فقلت له: كان يكذب؟ فقال برأسه: نعم، فقلت له: كان قد شاخ لعله كان يعمل عليه ويدلس عليه؟ فقال: لا يا بني كان يتعمد، وقال أبو نعيم بن عدي: سمعت أبا حاتم الرازي في منزله وعنده ابن خراش وجماعة من مشايخ أهل الري وحفاظهم فذكروا ابن حميد فأجمعوا على أنه ضعيف في الحديث جداً وأنه يحدث بما لم يسمعه ... وقال البيهقي: كان إمام الأئمة ـ يعني: ابن خزيمة ـ لا يروي عنه، وقال النسائي فيما سأله عنه حمزة الكناني: محمد بن حميد ليس بشيء، قال: فقلت له البتة؟ قال: قلت: نعم، ما أخرجت له شيئاً؟ قال: لا ... وقال في موضع آخر: محمد بن حميد كذاب، وكذا قال ابن وارة، وقال الخليلي كان حافظاً عالماً بهذا الشأن رضيه أحمد ويحيى، وقال البخاري فيه نظر، فقيل له في ذلك، فقال: أكثر على نفسه، وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالمقلوبات، وقال أبو علي النيسابوري: قلت لابن خزيمة لو حدث الأستاذ عن محمد بن حميد فإن أحمد قد أحسن الثناء عليه، فقال: إنه لم يعرفه ولو عرفه كما عرفناه ما أثنى
عليه أصلاً».
وجاء هذا القول المنسوب إلى عبد الله بن رواحة عند الحاكم (798) (799) في روايتين فيهما سعيد بن محمد الحجواني الضعيف (800)
(798) المستدرك على الصحيحين، الرواية: 8747، 631/ 4. قال الحاكم: «حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا سعيد بن محمد الحجواني بالكوفة، ثنا وكيع بن الجراح، ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال ... ». (799) المستدرك على الصحيحين، الرواية: 8748 631/ 4. قال الحاكم: «حدثنا أبو العباس محمد بن علي بن عبد الحميد الصنعاني بمكة حرسها الله تعالى، ثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، أنبأ عبد الرزاق، أنبأ ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: ...... (800) جاء في ميزان الاعتدال (ت: 3267 157/ 2): سعيد بن محمد بن سعيد الحجواني الكوفي عن وكيع وغيره. تأخر. قال الدارقطني: ضعيف». (1/248)
صفحة 244
الفصل الثاني
249
وإسحاق بن إبراهيم الدبري الذي روى عن عبد الرزاق بن همام في حالة اختلاطه (801).
وهذا القول المنسوب إلى أبي ميسرة وعبد الله بن رواحة قد نسب نحوه أيضاً إلى الحسن البصري (802)، وهو قول لم يثبت وذلك بسبب الحسين بن داود (المعروف بسنيد بن داود).
قال ابن حجر: «ضعيف مع إمامته ومعرفته، لكونه كان يُلقن حجاج بن محمد شيخه» (803).
فهذه الروايات الضعيفة المنسوبة إلى أبي ميسرة، وعبد الله بن
(801) جاء في لسان الميزان (ت: 1090، 1387/ 1 - 388): «إِسْحَاقُ بن إِبْرَاهِيمَ الدَّبَرِي صَاحِبُ عبد الرَّزَّاقِ ... سمع من عبد الرزاق تصانيفه وهو ابن سبع سنين أو نحوها، لكن روى عن عبد الرزاق أحاديث منكرة، فوقع التردد فيها، هل هي منه فانفرد بها، أو هي معروفة مما تفرد به عبد الرزاق. وقال الدارقطني في رواية الحاكم: صدوق، ما رأيت فيه خلافاً، إنما قيل لم يكن من رجال هذا الشأن.
لا شيء.
قلت: ويدخل في الصحيح؟ قال: إي والله وقد احتج بالدبري أبو عَوَانَةً في صحيحه وغيره، وأكثر عنه الطَّبَرَاني .... وقال ابن الصلاح في نزع المختلطين من علوم الحديث: ذكر أحمد أن عبد الرزاق عمي، فكان يلقن فيتلقن فسماع من سمع منه بعد ما عمي قال ابن الصلاح وقد وجدت فيما روى الدبري، عن عبدالرزاق أحاديث استنكرها جداً، فأحلت أمرها على الدبري؛ لأن سماعه منه متأخر جداً، والمناكير التي تقع في حديث عبد الرزاق، فلا يلحق الأبري منه، تبعة، إلا أنه صحف أو حرف، وإنما الكلام في الأحاديث التي عنده في غير التصانيف، فهي التي فيها المناكير، وذلك لأجل سماعه منه في حالة الاختلاط، والله أعلم». (802) قال الإمام الطبري: «حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن المبارك، عن الحسن، قال: قال رجل لأخيه: هل أتاك بأنك وارد النار؟ قال: قال: فهل أتاك أنك صادر عنها؟ قال: لا، قال: ففيم الضحك؟ قال: فما رؤي
نعم،
ضاحكاً. حتى
لحق بالله» (تفسير الطبري، 112/ 16). (803) تقريب التهذيب: ت: 2654، 397/ 1. (1/249)
صفحة 245
250
رواحة، والحسن البصري قد ذكرها واحتج بها ابن كثير (804)،
(A.D)
والألوسي قال ابن عاشور: «ويروى عن بعض السلف روايات أنهم تخوفوا من ظاهر هذه الآية من ذلك ما نقل عن عبد الله بن رواحة، وعن الحسن البصري، وهو من الوقوف في موقف الخوف من شيء محتمل» (806).
(AT)
ليس في هذه الروايات المنسوبة إلى أبي ميسرة، وعبد الله بن رواحة، والحسن البصري أي ذكر للدخول في النار ثم الخروج منها.
كل ما في هذه الروايات أن المسلمين بين خوف من النار ورجاء في النجاة منها ودخول الجنة الخالدة.
وقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز حال عباده وأوليائه، حيث قال: وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَتِهِم مُّشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ} [المعارج: 27، 28].
قال الشوكاني: «أي: خائفون وجلون مع ما لهم من أعمال الطاعة استحقاراً لأعمالهم، واعترافاً بما يجب لله سبحانه عليهم. وجملة {إِنَّ ربهم غييّرُ مَأْمُونِ) مقررة لمضمون ما قبلها مبينة أن ذلك مما لا
عذاب
(807)
أن يأمنه أحد، وأن حق كل أحد أن يخافه (807).
ينبغي
وقال الألوسي: «لا ينبغي لأحد أن يأمن عذابه ل وإن بالغ في الطاعة كهؤلاء ولذا كان السلف الصالح وهم هم خائفين وجلين حتى قال
(804) تفسير ابن كثير 0476/ 4
(805) تفسير الألوسي، 461/ 8.
(806) تفسير ابن عاشور، 72/ 16
(807) تفسير الشوكاني، 389/ 0، من تفسير الآية 27 من سورة المعارج. (1/250)
صفحة 246
الفصل الثاني
251
بعضهم: يا ليتني كنت شجرة تعضد، وآخر ليت أمي لم تلدني إلى غير
وقال الطبري: «وقوله: {وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ) يقول: والذين هم في الدنيا من عذاب ربهم وجلون أن يعذبهم في الآخرة، فهم من خشية ذلك لا يضيعون له فرضاً ولا يتعدون له حدّاً. وقوله: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونِ) أن ينال من عصاه وخالف أمره» (809).
فالخوف من عذاب أحد الجناحين اللذين يعبر بها المؤمن الدنيا
هو
إلى الآخرة، وهذا ما حث عليه القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم وامتثله عباد الله
المشفقون.
رأي منسوب إلى ابن مسعود:
قال الإمام الطبري: «حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو عمرو داود بن الزبرقان، قال: سمعت السدي يذكر عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا، قال: داخلها».
أخرج هذه الرواية الإمام الطبري، والحاكم"
وذكرها واحتج بها الشوكاني
(812)
(811)
هذه الرواية ضعيفة بسبب أبي عمرو داود بن الزبرقان الرقاشي في
سندها.
(808) تفسير الألوسي، 71/ 15.
(809) تفسير الطبري، 83/ 29. (810) تفسير الطبري، 110/ 16.
(811) المستدرك على الصحيحين الرواية: 8745، 630/ 4.
(812) تفسير الشوكاني، 476/ 3. (1/251)
صفحة 247
252
معالم الحق
قال ابن حجر: «قال ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن المديني: كتبت عنه شيئاً يسيراً، ورميت به وضعفه جداً. وقال الجوزجاني: كذاب. وقال يعقوب بن شيبة، وأبو زرعة متروك. وقال البخاري: مقارب الحديث. وقال أبو داود: ضعيف. وقال مرة: ليس بشيء. وقال أيضاً: ترك حديثه. وقال النسائي: ليس بثقة» (813).
وجاءت رواية أخرى منسوبة إلى عبد الله بن مسعود:
قال الإمام الطبري: حدثنا خلاد بن أسلم قال: أخبرنا النضر، قال: أخبرنا إسرائيل، قال: أخبرنا أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله في قوله: {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا * قال: الصراط على جهنم مثل حدّ السيف، فتمر الطبقة الأولى كالبرق والثانية كالريح، والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم. ثم يمرون والملائكة يقولون: اللَّهُمَّ سلّم
سلم
أخرج هذه الرواية الإمام الطبري (14)
والحاكم والطبراني"
(417)
(817)
وذكر هذه الرواية واحتج بها ابن كثير"، والشوكاني
هذه الرواية ضعيفة عنعنة
بسب
(818)
أبي إسحاق عمرو بن عبد الله بن عبيد
(819)
السبيعي الكوفي المكثر من التدليس) ا، وهو يعد من أفراد المرتبة الثالثة
(813) تهذيب التهذيب ت: 1865، 167/ 3.
(814) تفسير الطبري، 110/ 16.
(815) المستدرك على الصحيحين، الرواية: 3423، 407/ 2 - 408. (816) المعجم الكبير، الرواية: 9084، والرواية: 9120. (817) تفسير ابن كثير، 477/ 4 - 478.
(818) تفسير الشوكاني، 476/ 3.
(819) جامع التحصيل في أحكام المراسيل، ت: 575، ص 245. (1/252)
صفحة 248
الفصل الثاني
253
(820)
من المدلسين (20). وقد ذكر ابن حجر حكم عنعنة المدلس من أفراد هذه المرتبة بقوله: «الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم
مطلقاً،
إلا بما صرحوا فيه بالسماع ومنهم من رد حديثهم ومنهم من قبلهم كأبي الزبير المكي»
(821)
وهناك رواية أخرى منسوبة إلى عبد الله بن مسعود
قال الإمام الطبري: «حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن
شعبة، قال: ثني السدي، عن مرة، عن عبد الله {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) قال: يردونها ثم يصدرون عنها بأعمالهم». (823)
أخرج هذه الرواية الإمام الطبري (822)، والإمام أحمد (33)، والترمذي (24)، والدارمي
(825)، والحاكم"
(AYT)
، وأبو يعلى (827)، والبيهقي (828)، وابن خزيمة (829).
وذكر هذه الرواية ابن كثير (830)
(820) تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ت: 91، ص 101. (821) تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ص 23.
(822) تفسير الطبري، 111/ 16.
(823) مسند الإمام أحمد، الرواية: 4141.
(824) سنن الترمذي، الرواية: 3160 ص 729.
(825) سنن الدارمي، 329/ 2.
(826) المستدرك على الصحيحين الرواية،3421،407/ 2، والرواية: 8741، 629/ 4، الرواية: 8742 630/ 4.
(827) مسند د أبي يعلى الرواية 5285. قال أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة حدثنا عبد الرحمن
"
عن إسرائيل عن السدي عن مرة عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يدخل الناس كلهم النار، ثم يصدرون منها بأعمالهم»».
(828) الاعتقاد للبيهقي، 322/ 1.
(829) كتاب التوحيد الرواية: 610، 899/ 2
(830) تفسير ابن كثير 477/ 4. (1/253)
صفحة 249
254
هذه الرواية ضعيفة وذلك بسبب إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة
السدي.
خلاد
فقد قال العقيلي (83): قال حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا أبو بكر بن. قال: سمعت المعتمر بن سليمان يقول: إن بالكوفة كذابين الكلبي والسدي. حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري قال: حدثنا عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت قال سمعت الشعبي، وقيل له: إن إسماعيل السدي قد أعطي حظاً. من علم بالقرآن فقال: إن إسماعيل قد أعطي
حظاً من الجهل بالقرآن.
بن أحمد قال: قلت ليحيى بن معين: إبراهيم بن المهاجر
حدثنا عبد الله والسدي متقاربان في الضعف.
حدثنا محمد بن عيسى قال: حدثنا عمرو بن علي قال: سمعت يحيى بن معين وذكر إبراهيم بن المهاجر والسدي فقال: كانا ضعيفين مهينين، حدثنا محمد قال: حدثنا عباس قال: سمعت يحيى يقول: إبراهيم بن مهاجر وأبو
يحيى
القتات والسدي في حديثهم ضعف».
رواية منسوبة إلى جابر بن عبد الله:
جاء في مسند الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا غالب بن سليمان عن كثير بن زياد البرساني عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود
الله
فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضهم يدخلونها جميعاً، ثم ينجي الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله فقلت له: إنا اختلفنا في الورود، فقال: يردونها جميعاً، وقال سليمان بن مرة يدخلونها جميعاً، وأهوى بأصبعيه إلى
(831) ضعفاء العقيلي، ت: 101، 88/ 1. (1/254)
صفحة 250
الفصل الثاني
255
أذنيه، وقال: صُمتا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن برداً وسلاماً كما كانت النار على إبراهيم حتى. إن للنار ضجيجاً من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثياً»».
أخرج هذه الرواية الإمام أحمد (832)، وعبد بن حميد (833)، والحارث (834)،
والبيهقي
(835)
(836)
وذكر هذه الرواية ابن كثير والشوكاني (837)، والألوسي (838)،
والسيوطي (839)، وابن عطية (840).
هذه الرواية لا حجة فيها لورودها من قبل أبي سمية المجهول، فقد قال ابن حجر: «أبو سمية: عن جَابِرٍ، وعنه كثير بن زياد، مجهول» (841).
قول منسوب إلى قتادة دعامة: بن
قال الإمام الطبري (842): حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) يعني: جهنم مرّ الناس عليها».
(832) مسند الإمام أحمد، الرواية: 14574.
(833) منتخب عبد بن حميد الرواية: 1106، ص 333.
(834) مسند الحارث الرواية: 1148، 1005/ 2.
(835) شعب الإيمان الرواية: 370، 336/ 1
(836) تفسير ابن كثير 476/ 4.
(837) تفسير الشوكاني، 476/ 3. (838) تفسير الألوسي، 438/ 8. (839) الدر المنثور، 505/ 4.
ص 1237، من تفسير الآية 71 من سورة مريم.
(840) تفسير ابن عطية (841) لسان الميزان، ت: 558 60/ 7.
(842) تفسير الطبري، 110/ 16. (1/255)
صفحة 251
256
مع الم الحق
هذه الرواية المنسوبة إلى قتادة بن دعامة ضعيفة وذلك بسبب سعيد بن
بشير الأزدي الضعيف"
عن
(843)
(844)
وجاء هذا الرأي المنسوب إلى قتادة بسند آخر فيه معمر بن راشد
قتادة
بن دعامة العراقي.
رواية معمر بن راشد عن العراقيين ضعيفة قال ابن حجر: « ... قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: إذا حدثك معمر عن العراقيين فخالفه إلا عن الزهري وابن طاوس فإن حديثه عنهما مستقيم فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا وما عمل في حديث الأعمش شيئاً. وقال يحيى وحديث معمر عن ثابت وعاصم بن أبي النجود وهشام بن عروة وهذا الضرب مضطرب كثير الأوهام» (1845.
فحسب رأي ابن معين علينا مخالفة ما رواه معمر بن راشد هنا لكونه
ينقله عن قتادة العراقي.
رواية حفصة لنا عن الرسول صلى الله عليه وسلم:
قال الإمام الطبري: حدثنا أبو كريب قال: ثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أمّ مبشر امرأة زيد بن حارثة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت حفصة: «لا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ شَهِدَ بَدْراً والحديبية. قالت: فقالت حفصة: يا رسول الله، أليس الله يقول: {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَمَهُ ثُمَّ يَنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقُوا»».
(843) تقريب التهذيب، ت: 2283، 349/ 1. (844) قال الإمام الطبري: حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله (وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) قال: هو المر عليها تفسير الطبري، 110/ 16).
(845) تهذيب التهذيب ت: 7126، 219/ 10 - 221. (1/256)
صفحة 252
الفصل الثاني
257
أخرج هذه الرواية الإمام الطبري (184، والإمام أحمد (847)، وابن حبان (88)، وابن
(AST)
ماجه (849)، (49)، وأبو يعلى (850)، وابن أبي عاصم 185 (852)، وأبو نعيم الأصبهاني" وذكرها واحتج بها ابن كثير (854)، وابن عطية (1855).
هذه الرواية ضعيفة وذلك بسبب عنعنة سليمان بن مهران الكاهلي
الأعمش عن شيخه أبي سفيان.
قال الذهبي" (856): «قال الجوزجاني: قال وهب بن زمعة المروزي: سمعت ابن المبارك يقول: إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش لكم. وقال جرير بن عبد الحميد: سمعت مغيرة يقول: أهلك أهل الكوفة أبو إسحاق وأعيمشكم هذا؛ كأنه عنى الرواية عمن جاء، وإلا فالأعمش عدل صادق ثبت صاحب سُنَّة، وقرآن يحسن الظن بمن يحدثه، ويروي عنه ...
(846) تفسير الطبري، 112/ 16. وجاء عند الطبري أيضاً روايتان أخريان عن الأعمش عن أبي سفيان: حدثنا الحسن بن مدرك، قال: ثنا يحيى بن حماد، قال: ثنا أبو عوانة. عن عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم مبشر .....
الأعمش،
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر،
عن أم مبشر ... ».
(847) مسند الإمام أحمد، الرواية: 27582.
(848) صحيح
ابن حبان الرواية: 4800، 125/ 11.
(849) سنن ابن ماجه الرواية: 4281، ص 694.
(850) مسند أبي يعلى، الرواية: 7046. (851) الآحاد والمثاني (أم مبشر بنت البراء بن معرور)، ص (852) السنة لابن أبي عاصم، والرواية: 887، 593/ 1. (853) معرفة الصحابة، 385/ 5.
(854) تفسير ابن كثير 478/ 4
(855) تفسير ابن عطية، ص 1238
(856) ميزان الاعتدال: ت: 3517، 224/ 2.
650 (1/257)
صفحة 253
258
قال علي بن سعيد النسوي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: منصور أثبت أهل الكوفة؛ ففي حديث الأعمش اضطراب كثير ...
وهو يدلس، وربما دلس عن ضعيف ولا يدري، به فمتى قال: حدثنا فلا كلام، ومتى قال: «عن» تطرق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ له أكثر
عنهم كإبراهيم، وابن أبي وائل (87)، وأبي صالح السمان؛ فإن روايته عن الصنف محمولة على الاتصال.
هذا
قال ابن المديني: الأعمش كان كثير الوهم في أحاديث هؤلاء الضعفاء». . وجاءت رواية صريحة وجه فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين حفصة لنا إلى المعنى الصحيح لكلمة (واردها)، فقد قال الإمام مسلم: «حدثني هَرُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي أُمِّ مُبَشِّرِ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ: «لا يَدْخُلُ النَّارَ، إِنْ شَاءَ اللهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، أَحَدٌ. الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا قَالَتْ بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ فَانْتَهَرَهَا. فَقَالَتْ حَفْصَةُ: {وَإِن منكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: 71]. فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: «قَدْ قَالَ اللهُ وجَل: {ثُمَّ نُنَجِّى الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِين فيها جثيا [مريم: 72]».
أخرج هذه الرواية الإمام مسلم (858)، والإمام أحمد (859)، والنسائي (86)،
وابن أبي عاصم الشيباني ((86)، والبيهقي
(862)
(857) هكذا في طبعة ميزان الاعتدال والصحيح هو «وأبي وائل».
(858) صحيح مسلم، الرواية: 2496،.
ص
(859) مسند الإمام أحمد، الرواية: 27906.
1075
(860) سنن النسائي الكبرى، الرواية: 11321، 395/ 6. (861) الآحاد والمثاني، (أم مبشر بنت البراء بن معرور) (862) الأسماء والصفات، 232/ 1.
ص
650 (1/258)
صفحة 254
الفصل الثاني
259
نعرف من هذه الرواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أظهر رفضه لتفسير (الورود) بـ (الدخول) وقد بلغ رفضه لهذه الفكرة بأسلوب فيه شدة
وحزم.
وقال الإمام النووي عند شرحه لهذه الرواية: «قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها» قال العلماء: معناه: لا يدخلها أحد منهم قطعاً، كما صرح به في الحديث الذي قبله حديث حاطب وإنما قال: إن شاء الله للتبرك. لا للشك ... والصحيح أن المراد بالورود في الآية المرور على الصراط، وهو جسر منصوب على جهنم، فيقع فيها أهلها، وينجو
(863)
الآخرون» (13
ففكرة مرور الخلائق على صراط ممدود فوق جهنم ليس لها ما يثبتها من مصادر العقيدة، والروايات التي ذَكَرَتْها لا تقوم بها حجة كما سيتضح لنا بعد قليل إن شاء الله تعالى.
رواية ذكر فيها تحلة القسم بمعنى الورود:
قال الإمام الطبري: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال أخبرني يحيى بن أيوب «ح» وحدثنا أبو كريب، قال: ثنا محمد بن زيد، عن رشدين، جميعاً عن زياد بن فائد، عن سهل بن معاذ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أبيه. عن قال: «مَنْ حَرَسَ وَرَاءَ المُسْلِمِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُتَطَوعاً، لا يَأْخُذُهُ سُلْطَانٌ بحرَسٍ، لَمْ يَرَ النَّارَ بِعَيْنِهِ إِلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {وَإِن منكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا».
(863) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، 275/ 16. (1/259)
صفحة 255
260
(878)
أخرج هذه الرواية الإمام الطبري (864)، والإمام أحمد (865)، وأبو يعلى (866)،
والطبراني"
1967
وذكرها واحتج بها ابن كثير (88)، والشوكاني (1)
(869)
هذه الرواية ضعيفة لوجود سهل بن معاذ بن أنس الجهني، وزبان بن
فائد في سندها. سهل بن مُعَاذ بن أنس الجُهَنِي:
قال ابن حجر: «قال أبو بكر بن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف. وذكره ابن حبان في «الثقات» ... لكن قال: لا يعتبر حديثه ما كان من رواية زبان بن فائد عنه، وذكره في «الضعفاء» فقال: منكر الحديث جداً، فلست أدري أوقع التخليط في حديثه منه أو من زبان 1870
زبان
بن فائد المصري:
(AY)
قال ابن حجر: ضعيف الحديث مع صلاحه وعبادته»
GAVY)
وجاءت رواية أخرى من طريق أبي هريرة ذكر فيها تحلة القس بمعنى الورود:
قال الطبري: «حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، أخبرني الزهري، عن ابن المسيب عن أبي هريرة، أن
(864) تفسير الطبري، 114/ 16.
(865) مسند الإمام أحمد، الرواية: 15697.
(866) مسند أبي يعلى، الرواية: 1490. (867) المعجم الكبير، الرواية: 402، 185/ 20.
(868) تفسير ابن كثير، 193/ 2.
(869) تفسير الشوكاني، 476/ 3 - 477. (870) تهذيب التهذيب ت: 2760، 234/ 4. (871) تقريب التهذيب ت: 1990، 308/ 1. (1/260)
صفحة 256
الفصل الثاني
261
النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ ماتَ لَهُ ثَلاثَةٌ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ القَسَم يعني: الورود» (872)
هذه الرواية من هذه الطريق لا حجة فيها وذلك لورودها من قبل رواية الحسن بن يحيى عن عبد الرزاق بن همام، وقد مر بك أقوال علماء الجرح في عبد الرزاق (873). وجاء عند الإمام البخاري: «حدثنا علي حدثنا سفيان قال: سمعتُ الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة له عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يموت المسلم ثلاثةٌ منَ الوَلَدِ فَيلج النارَ إلَّا تَحِلَّةَ القَسَم». قال أبو عبد الله: وإن منكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: (71]
(874)
وأخرج هذه الرواية الإمام الربيع بن والإمام أحمد (87)، والإمام مالك (1878)، والبيهقي
(883)
(AVE)
(AYT)
،، والإمام مسلم) والنسائي
(884)
(1879)
(880)، وابن ماجه (88)، وابن أبي شيبة (882)، والطيالسي"، والحميدي (884)، وأبو يعلى
(872) تفسير الطبري، 114/ 16.
(873) انظر ص 238 من هذا البحث.
(874) صحيح البخاري، الرواية: 1251، ص 228، والرواية: 6656،
(875) مسند الإمام الربيع، الرواية: 709، ص 181.
ص.1180
(AAS)
(876) صحيح مسلم، الرواية: 2632، ص /
(877) مسند الإمام أحمد، الرواية: 7264.
1117
(878) موطأ الإمام مالك، الرواية: 556.
(879) سنن البيهقي الكبرى الرواية: 20469، 524/ 14. (880) سنن النسائي الكبرى الرواية: 11320، 394/ 6. (881) سنن ابن ماجه الرواية: 1603، ص 257. (882) مصنف ابن أبي شيبة الرواية: 11833، 232/ 3.
(883)
مسند الطيالسي الرواية: 2304، 651/ 2. (884) مسند الحميدي، الرواية: 1029، 444/ 2. (885) مسند أبي يعلى، الرواية: 5886. (1/261)
صفحة 257
262
معالم الحق
ففكرة ولوج المتقين النار ثم الخروج منها لم يقبلها شراح هذه
الرواية: -
قال الإمام نور الدين السالمي: وذهب جمهور قومنا إلى أن المراد بالقسم في الحديث قوله تعالى: {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا * والمعنى عندهم أنه يدخل النار مقدار ما ينحل القسم المذكور في الآية وهو دخول قليل، قلنا: ليس في الآية قسم بل إخبار، قالوا: القسم مقدر في الآية والمعنى: والله إن منكم إلا واردها، قلنا: لا حاجة إلى التقدير قالوا: معطوفة على القسم في الآية قبلها وهو قوله تعالى: فَوَرَيكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ} [مريم: 68] قلنا: الظاهر الاستئناف، والله أعلم 886).
وقال ابن عاشور: ومن الناس من لفق تعضيداً لذلك بالحديث الصحيح: أنه «لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم» فتأول تحلة القسم بأنها ما في هذه الآية من قوله تعالى: {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا * وهذا محمل باطل، إذ ليس في هذه الآية قسم يتحلل ...
(AAV)
" ...
وقال ابن عاشور أيضاً: «والورود: حقيقته الوصول إلى الماء للاستقاء. ويطلق على الوصول مطلقاً مجازاً شائعاً، وأما إطلاق الورود على الدخول فلا يُعرف إلا أن يكون مجازاً غير مشهور فلا بد له من قرينة» (888).
(886) شرح الجامع الصحيح (مسند الإمام الربيع)، 537/ 3. (887) تفسير ابن عاشور، 72/ 16 وتتمة كلام ابن عاشور هنا ... وإنما معنى الحديث: إن من استحق عذاباً من المؤمنين لأجل معاص فإذا كان قد مات له ثلاثة من الولد كانوا كفارة له فلا يلج النار إلّا ولوجاً قليلاً يشبه ما يفعل لأجل تحلة القسم؛ أي: التحلل منه. وذلك أن المقسم على شيء إذا صعب عليه بر قسمه أخذ بأقل ما يتحقق فيه ما حلف عليه، فقوله «تحلة القسم» تمثيل».
(888) تفسير ابن عاشور، 70/ 16 (1/262)
صفحة 258
الفصل الثاني
263
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: « ... لأن. من عبر. بالدخول تجوز به
عن المرور، ووجهه أن المار عليها فوق الصراط في معنى من دخلها، لكن تختلف أحوال المارة باختلاف أعمالهم))
(889)
وقال بدر الدين العيني في شرحه لهذه الرواية: «ومن أقوى الدليل على أن المراد من الورود الجواز، حديث عبد الرحمن بن بشير الأنصاري الذي ذكرناه في أوائل الباب، وهو: «من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم يرد النار إلا على عابر سبيل»، يعني: الجواز على الصراط، هذا اختلف
ومع
السلف في المراد بالورود في الآية، فقيل: هو الدخول، واستدل على ذلك بما رواه أحمد والنسائي والحاكم من حديث جابر مرفوعاً «الورود: الدخول،
لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فيكون على المؤمنين بردا وسلاماً» (890). وقال ابن عبد البر: مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أَبِي هُرَيْرَة، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ، إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمَ». هكذا روي هذا الحديث مالك وغيره عن ابن شهاب، وفيه: أن المسلم تكفر خطاياه، وتغفر له ذنوبه بالصبر على مصيبته، ولذلك زحزح عن النار فلم تمسه؛ لأن من لم تغفر له ذنوبه، لم يزحزح عن النار والله أعلم أجارنا الله منها (891).
وقال ابن عبد البر أيضاً وقد يحتمل أن يكون قوله: «إلا تحلة القسم. استثناء منقطعاً بمعنى لكن تحلة القسم، وهذا معروف في اللغة، وإذا كان ذلك كذلك، فقوله: «لن تمسه النار إلا تحلة القسم» أي لا تمسه النار أصلاً، كلاماً تاماً. ثم ابتدأ إلا تحلة القسم؛ أي: لكن تحلة القسم
(889) فتح الباري، 462/ 3. (90) عمدة القاري، 49/ 8 (891) التمهيد 143/ 3 - 144. (1/263)
صفحة 259
264
ذلك
لا بد منها في قول الله رجال: {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا به وهو الجواز على الصراط أو الرؤية والدخول دخول سلامة فلا يكون في شيء من يؤذي ... ومما يدل على أن الاستثناء ها هنا منقطع، وأنه غير عائد
الى النار لا تمس من مات له ثلاثة من الولد فاحتسبهم» ... وبهذا الحديث يفسر الأول: لأن فيه ذكر الحسبة قوله: «فيحتسبهم»، ولذلك جعله مالك بأثره مفسراً له. والوجه عندي في هذا الحديث وما أشبهه من الآثار أنها لمن حافظ على أداء فرائضه واجتنب الكبائر، والدليل على ذلك أن الخطاب في ذلك العصر لم يتوجه إلا الى قوم الأغلب من أعمالهم ما ذكرنا وهم الصحابة رضوان الله عليهم» (892).
وقال ابن تيمية: وأما الورود المذكور في قوله تعالى: {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: 71] فقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح، رواه مسلم في صحيحه عن جابر: «بأنه المرور على الصراط والصراط هو الجسر؛ فلا بد من
(893)
المرور عليه لكل من يدخل الجنة، من كان صغيراً في الدنيا ومن لم يكن (893). وقال ابن حزم: «وقد قال الله تعالى: {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حتما مقضيا) [مريم: (71) فهذا عموم، ولا يجوز أن يقال: إن محمداً،
والأنبياء يدخلون جهنم
(A 42)
وقال النووي: «و (تحلة القسم) قول الله تعالى: {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) والورود هو العبور على الصراط، وهو جسر منصوب على ظهر جهنم،
:
عافانا الله منها» (895).
(892) التمهيد 150/ 3 - 151.
(893) مجموع الفتاوى، 145/ 4.
(894) المحلى بالآثار، كتاب الأيمان المسألة: 1150، ص 1020. (895) رياض الصالحين الرواية: 953 ص 629. (1/264)
صفحة 260
الفصل الثاني
265
قال:
وقال الإمام الطبري: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من يردها الجميع ثم يصدر عنها المؤمنون، فينجيهم الله، ويهوي فيها الكفار و ورودهموها هو ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مرورهم على الصراط المنصوب على متن جهنم، فناج مسلم ومكدس فيها (896).
فمن هذه النقولات التي نقلناها هنا عن ابن عاشور، وابن حجر، وبدر الدين العيني وابن عبد البر، وابن تيمية وابن حزم، والنووي، والطبري ندرك تمام الإدراك أنهم لا يقولون بمسألة دخول الأتقياء النار ثم الخروج منها، بعكس ما صورته الروايات الضعيفة ونازعت لأجل إثباته كثير من
الأقلام. ويؤكد ابن عاشور هذا المعنى بقوله: «فليس الخطاب في قوله: {وَإِن منكم إلا واردها لجميع الناس مؤمنهم وكافرهم على معنى ابتداء كلام؛ بحيث يقتضي أن المؤمنين يردون النار مع الكافرين ثم يُنجون من عذابها، لأن هذا معنى ثقيل ينبو عنه السياق، إذ لا مناسبة بينه وبين سياق الآيات السابقة ... فموقع هذه الآية هنا كموقع قوله تعالى: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أجمعين} [الحجر: 43] عقب قوله: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا من اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42]. فلا يتوهم أن جهنّم موعد عباد الله المخلصين مع تقدم ذكره لأنه ينبو عنه مقام الثناء (897).
من كل ما سبق نقله نتبيَّن أن فكرة دخول الأتقياء جهنم - الروايات الضعيفة التي حُشرت عند تفسير قوله تعالى: {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا
(896) تفسير الطبري، 112/ 16.
(897 تفسير ابن، عاشور، 70/ 16 - 71. (1/265)
صفحة 261
266
وَارِدُهَا) ـ لا تصح وقد رفضها كثير من العلماء، وهذا هو الحق الذي سطره
العلامة ابن عاشور.
***
العنصر الثاني: فكرة العبور على الصراط وسقوط العصاة في النار
ثم إخراجهم منها:
وأما تفسير ورود جهنم بالعبور على الصراط ـ حسب أقوال العلماء
الذين نقلنا
عنهم
أعلاه ـ فهو تفسير قد عده ابن عاشور بعيداً.
قال ابن عاشور: «ومنهم من تأوّل ورود جهنّم بمرور الصراط، وهو جسر على جهنم، فساقوا الأخبار المروية في مرور الناس على الصراط متفاوتين في سُرعة الاجتياز. وهذا أقل بعداً من الذي قبله 898).
من
من
وقال ابن عاشور أيضاً: «وهذه الآية مثار إشكال ومحط قيل وقال؛ واتفق جميع المفسرين على أن المتقين لا تنالهم نار جهنّم واختلفوا في محل الآية فمنهم من جعل ضمير منكر لجميع المخاطبين بالقرآن، ورووه عن بعض السلف فصدمهم فساد المعنى ومنافاة حكمة الله والأدلة الدالة على سلامة المؤمنين يومئذ لقاء أدنى عذاب، فسلكوا مسالك التأويل، فمنهم من تأوّل الورود بالمرور المجرد دون أن المؤمنين أذى، وهذا يمس الاستعمال، فإن الورود إنما يراد به حصول ما هو مودع في المورد لأن أصله من ورود الحوض. وفي آي القرآن ما جاء إلا لمعنى المصير إلى النار كقوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جهَنَّم أَنتُمْ لَها وَاردُونَ. لَوْ كَانَ هَؤُلاء عَالِهَةً مَّا وَرَدُّوها)
بعد عن
(898) تفسير ابن عاشور، 71/ 16. (1/266)
صفحة 262
الفصل الثاني
267
الأنبياء: 98، 99) وقوله يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيِّمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ الوِرْدُ الْمَوْرُودُ) [هود: (98) وقوله: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِردا) (مريم: (86).
على أن إيراد المؤمنين إلى النار لا جدوى له فيكون عبثاً، ولا اعتداد بما ذكره له الفخر مما سماه فوائد (9001899).
(199)
والمتتبع لجميع الروايات التي فيها مشهد الخلائق وهم في أرض المحشر وقد جاءهم رب العالمين في صورة ـ تعالى الله عن هذا الوصف -، ومشهدهم وهم على الصراط ومشهد عبور المتقين عليه إلى الجنة، ومشهد تساقط العصاة في النار، ومشهد خروجهم من النار إلى الجنة، يجدها روايات ضعيفة سنداً ومتناً أو متناقضة فيما بينها، كما سيتضح في صفحات هذا البحث بإذن الله سبحانه وتعالى.
ويجد المتتبع كذلك أن تلك المشاهد التي صورتها تلك الروايات تختلف تمام الاختلاف عن تلك المشاهد التي صورها القرآن الكريم والصحيح من الأحاديث.
وبعد دراسة تلك المشاهد والصور يدرك القارئ أن فكرة الصراط، وفكرة خروج عصاة المسلمين من النار بعد دخولهم فيها لا دليل عليهما يقوى للاعتماد عليه في تأسيس أي معتقد إسلامي.
(899) قال المباركفوري: «تنبيه: ذكر أهل العلم في فائدة دخول المؤمنين النار وجوهاً، أحدها: أن ذلك مما يزيدهم سروراً إذا علموا الخلاص منه. وثانيها: أن فيه مزيدهم على أهل النار حيث يرون المؤمنين يتخلصون منها وهم باقون فيها. وثالثها: أنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب على الكفار صار ذلك سبباً لمزيد التذاذهم بنعيم | الجنة، ولا نقول صريحاً إن الأنبياء يدخلون النار أدباً معهم، ولكن نقول: إن الخلق جميعاً يردونها كما دلت عليه أحاديث الباب. فالعصاة يدخلونها بجرائمهم، والأولياء والسعداء يدخلونها لشفاعتهم، فبين الداخلين بون». (تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، 608/ 8). (900) تفسير ابن عاشور، 71/ 16. (1/267)
صفحة 263
268
محال الحق
العنصر الثالث من مشاهد يوم القيامة كما جاء في كلمات هذه
الآيات:
وبالنظر في كلمات هذه الآيات الكريمة نستطيع أن نرى المشاهد وهي ماثلة أمامنا بكل مقوماتها من حيث المكان والزمان، والأشخاص، وحركة الخلائق. كل حسب مصيرهم في ذلك المكان والزمان.
فوريك لنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَولَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا. ثم لنز عَن مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِنيا. ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُم أَولَى بِهَا صِيلِيَّا. وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيّا. نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّلِمِينَ فيها جيا) (مريم: 68 - 72).
فالمكان: ساحة المحشر الذي وصفه الله تعالى بـ حَولَ جَهَنَّمَ. والزمان: يوم الحشر، ويوم النزع لَنَحْشُرَنَّهُمْ}، {ثُمَّ لَنَازِعَنَ. فهناك الحشر، وهناك النزع، وهناك الجثو على الركب، وهذه مشاهد تقع يوم القيامة قبل دخول أهل النار في النار كما أخبرنا الله تعالى في كتابه الكريم في آيات أخرى.
ونشاهد أيضاً في ذلك المكان والزمان الملائكة وهي تسوق الناس ومعهم الشياطين. ونشاهد المتقين وقد أنجاهم الله من هول ذلك المكان والزمان. ونشاهد عملية نثر الظالمين والمجرمين (901) في أمكنتهم جائين
(901) قال الشنقيطي في تفسير الآية 49 من سورة الكهف والمجرمون: جمع المجرم، وهم اسم فاعل الإجرام. والإجرام ارتكاب الجريمة، وهي الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه عليه النكال». (تفسير الشنقيطي، 91/ 4). وقال القرطبي: «و «المجرمين» في قوله: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا) يعم الكفرة والعصاة». (تفسير القرطبي، 103/ 11). (1/268)
صفحة 264
الفصل الثاني
269
على الركب ينتظرون لحظات سوقهم إلى أبواب جهنم، قال الله تعالى: وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ..
ذلك
وهذا المشهد الرهيب فيه البشارة للمتقين وفيه الإنذار للظالمين، وقد عبر عن هذه الحقيقة العلامة ابن عاشور حيث قال: «فالمعنى: وعلاوة على ننجي الذين اتقوا من ورود جهنم. وليس المعنى: ثم ينجي المتقين من بينهم بل المعنى أنهم نَجَوْا من الورود إلى النّار. وذكر إنجاء المتقين: أي المؤمنين، إدماج ببشارة المؤمنين في أثناء وعيد المشركين» (902).
المعنى اللغوي للكلمات الواردة في هذه الآيات الكريمة:
والكلمات النورانية التي اختارها الله تعالى لتصور للثقلين مشاهد الخلائق في ذلك اليوم، يوم الحشر، تعطي المعاني روحاً تجذب إليها كل أفرغ غ فكره وإحساسه وكيانه لكلام الله تعالى.
من
ونحن عند قراءتنا لهذه الآيات الكريمة نكون أمام مشاهد عظيمة: - لحظاتها الأولى تضم الأتقياء والظالمين وفي لحظاتها التالية نشاهد عملية التمييز والفصل بين الفريقين وفي لحظاتها الأخيرة نرى بكل وضوح الفريقين وقد انفصل بعضهم عن بعض انفصالاً تاماً.
ونشاهد الملائكة وهم في حركة شديدة تتميز بالسرعة والحيوية والاهتمام المطلق لأجل عدم تضييع ولو لحظة واحدة في سبيل نجاة المتقين، كما تفعله فرق الإنقاذ والنجدة إن صح التشبيه.
(902) تفسير ابن عاشور، 70/ 16. (1/269)
صفحة 265
270
محال الحق
ونشاهد عملية القبض على الظالمين من بين تلك الخلائق والقذف بهم بعيداً على أبواب جهنم وهم في ذل وصغار.
تلك المشاهد تتجلى لنا في ثلاث كلمات: في كلمة {وَارِدُهَا، وفي
كلمة تُنَجِي)، وفي كلمة وَنَذَرُ).
المعنى اللغوي لكلمة (ورد)
جاء في معجم مقاييس اللغة: (ورد) الواو والراء والدال: أصلان، أحدهما الموافاة إلى الشيء، والثاني لون من الألوان» 903).
وجاء في مختار الصحاح: «ورد و رد: وَرَدَ يرد بالكسر وُرُوداً حضر وأَوْرَدَهُ غيره واسْتَوْرَدَه أحضره (904).
وجاء في تاج العروس: (و) الوزدُ: الإِشْرَافُ عَلَى المَاءِ وغيرِه، دَخَلَه أَو لَمْ يَدْخُلُه)، وقد وَرَدَ الماءَ وعَلَيْهِ وِرْداً ووُرُداً، وأَنشد ابنُ سِيدَه قول زُهَيْرٍ: فَلَمَّا وَرَدْنَ المَاءَ زُرْقاً حِمَامُهُ وَضَعْنَ عِصِي الحَاضِرِ المُتَخَيم معناه: لما بَلَغْنَ الماءَ أَقَمْنَ عليه، وكُلُّ مَن أَتَى مَكَانًا مَنْهَلاً أَو غَيْرَه فقد وَرَدَه، ومن المجاز قوله تعالى: {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: 71) فتره ثعلب فقال: يَرِدُونَهَا مع الكُفَّارِ فَيَدْخُلُهَا الكُفَّارُ ولا يَدْخُلُهَا المُسْلِمُونَ، والدليل على ذلك قول الله ان: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أوليك عنها مبعدون لا يسمعون حييتها} [الأنبياء: 101 و 102]. وقال
الزجاج: وحُجَّتُهم في ذلك قوية، ونقل عن ابن مسعودٍ والحَسَنِ وقَتَادَةَ أَنهم قالوا: إن وُرُودها ليس دخولها. وهو قوي، لأن العرب تقولُ: وَرَدْنَا مَاءَ كَذَا،
(903)
معجم
مقاييس اللغة، 105/ 6.
(904) مختار الصحاح، باب الواو، كلمة (ورد) (1/270)
صفحة 266
الفصل الثاني
271
ولم يَدْخُلُوه، وقال الله وعلا: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدينَ} [القصص: 23]، وفي اللُّغَةِ وَرَدْتُ بَلَدَ كَذَا، وماءَ كَذَا، إذا أَشْرَفَ عليه، دَخَلَه أو لم يَدْخُلُه، قال: الوُرُودُ بالإجماع ليس بدخول ... 1905.
(905)
من هذه التعاريف المسجلة في كتب اللغة ندرك أن معنى قوله تعالى: وَارِدُهَا} أي: موافيها وحاضرها ومشرف عليها، وهذه معان لا تستلزم معنى الدخول، ومن النقولات التي نقلناها عن علماء اللغة عرفنا عدم قبولهم لفكرة دخول المتقين النار.
المعنى اللغوي لكلمة نتي:
کلمات -
قال الراغب في شرح معنى كلمة «نجو» وما اشتق منها من «نجو: أصل النجاء: الانفصال من الشيء، ومنه: نجا فلان من فلان وأنجيته ونجيته. قال تعالى: {وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا [النمل: 53] وقال: إِنَّا مُنجُوكَ وَأَهْلَكَ} [العنكبوت: 33] ... (90).
وقال ابن منظور -
(906)
«النَّجاءُ: الخلاص من الشَّيء ... أبو العباس في قوله تعالى: {إِنَّا
907)
منَجُوكَ وَأَهْلَكَ) أي: نُخَلّصك من العذاب وأَهْلَك (90).
إذاً هناك انفصال وخلاص للمؤمنين في يوم الحشر بعد حضورهم وموافاتهم للمكان الذي سماه الله تبارك وتعالى بـ {حَوْلَ جَهَنَّمَ.
(905) تاج العروس، فصل الواو مع الدال المهملة كلمة (ورد) وانظر نحو هذا القول في
لسان العرب، 268/ 15.
(906) المفردات في غريب القرآن، ص 486.
(907) لسان العرب، 61/ 14 - 62. (1/271)
صفحة 267
272
محال الحق
المعنى اللغوي لكلمة وَنَذَرُ:
قال الراغب الأصفهاني: ـ
وذر: يقال: فلان يذر الشيء. أي يقذفه لقلة اعتداده به، ولم يستعمل ماضيه. قال تعالى: {قَالُوا أَجِمْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحدَه و نذر ما كان يعبد وابونا} [الأعراف: 70]، {وَيَذَركَ وَ الهَتَكَ} [الأعراف: 127]، {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112، {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبوا} [البقرة: 278] إلى أمثاله. وتخصيصه في قوله: {وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} [البقرة: 234]، ولم يقل: يتركون ويخلفون؛ فإنه يذكر فيما بعد هذا الكتاب إن شاء الله.
والوذرة: قطعة من اللحم، وتسميتها بذلك لقلة الاعتداد بها نحو قولهم فيما لا يعتد به هو لحم على وضم ...
(908)
وجاء في الصحاح للجوهري: « ... وتقول: ذَرْهُ، أي: دعه، وهو يَذَرُهُ، أي: يدَعُه، وأصله: وَذِرَهُ يَذَرُهُ، مثل وَسِعَهُ يَسَعُة، وقد أُميت مصدره؛ ولا يقال: وَذِرَه ولا وَاذِرٌ، ولكن: تَرَكَهُ وهو تارك» (909).
وقال الراغب في معجم (ترك): «ترك الشيء: رفضه قصداً واختياراً، أو قهراً واضطراراً؛ فمن الأول: وتركنا بَعضَهُمْ يَوْمَيذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضِ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَهُمْ جَمْعام
ألفاظ القرآن عند ذكره لمعني كلمة
[الكهف: 99].
وقال الراغب عند ذكره لمعنى كلمة (الدع): «الدع: الدفع الشديد ... قال تعالى: {يَوْمَ يُدَعُونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعا} [الطور: 13].
(908) المفردات في غريب القرآن.
ص
(909) الصحاح للجوهري، مادة: وذر.
0533 (1/272)
صفحة 268
الفصل الثاني
273
فكلمة «نذر» وكلمة «ندع» وكلمة «نترك» ينقلن المعاني اللغوية إلى مشاهد مفعمة بالحركة ويصورن زمر الظالمين وكأنها أمواج بحر هائجة تدفع بعضها بعضاً بقوة صوب أبواب الجحيم لتترك هناك فترة من الزمن قبل
الدخول في دركات النار الخالدة الدائمة.
هذه
هي
المعاني اللغوية التي نطقت بها هذه الكلمات القرآنية في هذه الآيات الكريمة، ومنها نعرف أن المتقين لا يمكن أن يحشروا في صفوف الظالمين إلى جهنم، وكذلك نعرف عدم صحة القول الذي فسر (الورود) بدخول جهنم الذي اعتمده الشيخ الشنقيطي وغيره.
قال الشنقيطي في تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم: 72]: «أي: نترك الظالمين فيها ـ دليل على أن ورودهم لها دخولهم فيها - إذ لو لم يدخلوها لم يقل: ونذر الظالمين فيها؛ بل يقول: وندخل الظالمين، وهذا واضح كما ترى وكذلك قوله: {ثُمَّ نتجي الَّذِينَ اتَّقوا دليل على أنهم وقعوا فيما من شأنه أنه هلكة، ولذا عطف على قوله: {وَإِن مِنكُمْ إِلا وَارِدُهَا} [مريم: 71) قوله: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتقوا (91).
وقال الإمام الرازي: قوله تعالى: {وَنَذَرُ الظَّلِمِينَ فِيهَا جييا) وهذا يدل على أنهم يبقون في ذلك الموضع الذي وردوه وهم إنما يبقون في النار» (91). وبعد معرفتنا لضعف جميع الروايات ـ التي اعتمد عليها القائلون بدخول المتقين في النار ثم إخراجهم منها - ندرك أن هذا التفسير الذي جنح إليه الشنقيطي وغيره لا أصل له.
(910) تفسير الشنقيطي، 266/ 4.
(911) تفسير الرازي، 221/ 21. (1/273)
صفحة 269
274
معالم الحق
مشاهد
يوم
وبعد معرفتنا لمعاني الكلمات الواردة في الآيات التي تصور القيامة ندرك تمام الإدراك أن الخلائق تجتمع في أرض المحشر ثم تفترق من هناك إلى جهة الجنة أو إلى جهة النار من غير أن يجمعهم صراط واحد.
وبسبب
اعتماد كثير من المفسرين على الروايات الضعيفة فسرت هذه الآيات الكريمة تفسيراً غير صحيح، وكانت النتيجة أن صارت تفاسيرهم لهذه الآيات مثار إشكال ومحطّ قيل وقال» (912).
عندما يطبق المنهج الصائب ...
والمفسرون الذين فسروا القرآن بالقرآن واعتمدوا الثابت الصحيح من الأدلة، ولم يلتفتوا إلى الضعيف من الروايات والأقوال، وشيدوا تفاسيرهم على تلك المعاني التي عرضتها كلمات القرآن الكريم من غير لي لأعناق آيات كتاب الله سبحانه وتعالى فقد سلمت أقوالهم من الاضطراب والتناقض. قال البيضاوي - وهو يطبق منهج التفسير ـ عند تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقوا»: «فيساقون إلى الجنة وقرأ الكسائي ويعقوب ننجي بالتخفيف، وقراء ثم بفتح الثاء أي: هناك. وَنَذَرُ الظَّلِمِينَ فِيهَا جِيَّا منهاراً بهم كما كانوا، وهو دليل على أن المراد بالورود الجثو حواليها وإن المؤمنين يفارقون الفجرة إلى الجنة بعد تجاثيهم، وتبقى الفجرة فيها منهاراً
بهم على هيئاتهم».
(913)
فهذا التفسير الذي قاله البيضاوي هنا هو التفسير الذي نصت عليه آيات
كثيرة في كتاب الله تعالى.
(912) تفسير ابن عاشور، 71/ 16 من تفسير الآية 71 من سورة مريم.
(913) تفسير البيضاوي، 37/ 2. (1/274)
صفحة 270
الفصل الثاني
275
يوميذ
قال الإمام الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يَتَفَرَّقُونَ} [الروم: 14]: «يقول تعالى ذكره: ويوم تجيء الساعة التي يحشر
ذات
فيها الخلق إلى الله، يومئذ، يقول في ذلك اليوم يتفرقون يعني: يتفرّق أهل الإيمان بالله وأهل الكفر به فأما أهل الإيمان، فيؤخذ بهم اليمين إلى الجنة، وأما أهل الكفر فيؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار، فهنالك يميز الله الخبيث من الطيب» (914).
وقال الإمام الطبري أيضاً: ومعنى قوله: {يَوْمَيذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْنَانًا} [الزلزلة: 6] عن موقف الحساب فِرَقاً متفرقين، فآخذ ذات اليمين إلى الجنة، وآخذ ذات الشمال إلى النار» (915).
(417)
وقال الإمام الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمُ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَذٍ يَصَدَّعُونَ} [الروم: 43]: «يوم يجيء ذلك اليوم يصدّع الناسُ، يقول: يتفرق الناس فرقتين من قولهم: صَدَعتُ الغنم صدعتين: إذا فرقتها فرقتين فريق في الجنة، وفريق في السعير (916). فهذه الآيات ذكرت الفصل بين فريق الجنة وفريق السعير ثم السير بالفريقين بعد ذلك في اتجاهين منفصلين وبعيدين عن بعضهما البعض. وليس في تلك الآيات أي ذكر للعبور فوق جهنم الذي روجت له روايات لا تقوم عليها أي حجة.
ففكرة امتطاء الفريقين لظهر الصراط وهما في سيرهما إلى الدارين لا وجود لها من بين تلك المشاهد التي صورها القرآن الكريم ليوم القيامة منذ الخروج من القبور إلى الدخول من أبواب الجنة أو أبواب النار.
(914) تفسير الطبري، 27/ 21. (915) تفسير الطبري، 267/ 30. (916) تفسير الطبري، 51/ 21. (1/275)
صفحة 271
276
وخالد الحق
وما جاء من معنى في قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيذٍ يَتَفَرَّقُونَ، ويَوْمَذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْنَانَا، ويَوْمَيذِ يَصَدَّعُونَ}، هو نفس المعنى الذي جاء في قوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم: 72).
فهذه الآيات تقرر أن الخلائق تنفصل وتتفرق وتتصدع وتذهب أشتاتاً في فريقين لا يجمعهما صراط واحد بل هم في طريقين مختلفين: طريق صوب أبواب الجنان وطريق صوب أبواب النيران والعياذ بالله.
قال ابن عاشور: « ... ولأنّ فضل الله على المؤمنين بالجنة وتشريفهم بالمنازل الرفيعة ينافي أن يسوقهم مع المشركين مساقاً واحداً، كيف وقد صدر الكلام بقوله (فَوَرَيكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَطِينَ} [مريم: 68] وقال تعالى: يَوْمَ تَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفَدًا. وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا) [مريم: 85، 86، وهو صريح في اختلاف حشر الفريقين ومن كل ما سبق ذكره ندرك أن فكرة مرور الخلائق على ظهر جهنم فوق الصراط لا أصل لها سوى روايات ضعيفة ليست بأهل لكي تبني عقيدة
إسلامية.
لمكان
1917)
ومما يبطل فكرة مرور الأتقياء فوق جهنم هو وصف الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، حيث قال جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ وجود الأتقياء لَهُم مِّنَا الْحُسْنَى أُولَيكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ. لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَلِدُونَ} [الأنبياء: 101، 102].
قال ابن عاشور: «وجملة ولا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها و بيان لمعنى مبعدون أي مبعدون عنها بعداً شديداً بحيث لا يلفحهم حرّها ولا يروعهم
(917) تفسير ابن عاشور، 71/ 16. (1/276)
صفحة 272
الفصل الثاني
277
منظرها ولا يسمعون صوتها، والصوت يبلغ إلى السمع من أبعد مما يبلغ
منه
المرئي.
والحسيس: الصوت الذي يبلغ الحس، أي: الصوت الذي يسمع من بعيد، أي: لا يقربون من النار ولا تبلغ أسماعهم أصواتها، فهم سالمون من الفزع من أصواتها فلا يقرع أسماعهم ما يؤلمها 918).
(918)
فهذه الآية ترد فكرة مرور الأتقياء على ظهر جهنم، وهذا دليل آخر على بطلان تفسير قوله تعالى: {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: 71) بـ (المرور) على الصراط.
ومما يبطل فكرة مرور الظالمين على الصراط فوق جهنم - ما قالته الروايات - هو خطاب الله تعالى لأهل النار بدخول جهنم من أبوابها، وليس من فوق صراط ممدود كما ذكرت الروايات المخالفة للقرآن
الكريم.
فقد قال تعالى: {فَادْخُلُوا أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين [النحل: 29].
قال الإمام الطبري: «ادخلوا أبواب جهنم،: طبقات جهنم و خلدين فيها لا يعني: ماكثين فيها 919).
وقال القرطبي: قوله تعالى: {فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ) أي: يقال لهم ذلك عند الموت. وقيل: هو بشارة لهم بعذاب القبر؛ إذ هو باب من أبواب جهنم
(918) تفسير ابن عاشور، 114/ 17.
(919) تفسير الطبري، 99/ 14. (1/277)
صفحة 273
278
مع الرالحق
للكافرين. وقيل: لا تصل أهل الدركة الثانية إليها مثلاً إلا بدخول الدركة الأولى ثم الثانية والثالثة هكذا. وقيل لكل دركة باب مفرد، فالبعض يدخلون من باب والبعض يدخلون من باب آخر. فالله أعلم» 920).
وقال الألوسي: «فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ) خطاب لكل صنف منهم أن
يدخل باباً من أبواب جهنم والمراد بها إما المنفذ أو الطبقة 921
وقال الشيخ السعدي: «فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ وَ كُلُّ أهل عمل يدخلون من الباب اللائق بحالهم» (922). وقال في موضع آخر من تفسيره: «وفي الآيات دليل على أن النار والجنة لهما أبواب تفتح وتغلق، وأن لكل منهما خزنة. وهما الداران الخالصتان اللتان لا يدخل فيهما إلا من استحقهما، بخلاف سائر الأمكنة والدور ... (923).
فهذه الآية تحدد الأبواب لولوج أهل النار في النار، والعياذ بالله. ولم تذكر تساقط الكفار من فوق الصراط إلى دركات النار.
والمشهد الذي فيه ولوج العصاة إلى النار من أبوابها فيه دليل على بطلان تفسير قوله تعالى: {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) بـ (المرور) على الصراط فوق جهنم والحمد لله رب العالمين.
الأكبر
فمن كل ما سبق عرضه هنا نعلم أن جميع الخلائق ترد ساحة العرض القيامة، ثم تنفصل الخلائق حسب الإيمان والأعمال. فأهل الجنة يوم
(920) تفسير القرطبي، 66/ 10. (921) تفسير الألوسي، 370/ 7.
(922) تفسير السعدي، ص 414، من تفسير الآية 29 من سورة مريم. (923) تفسير السعدي، ص 697، من تفسير الآية 71 والآية 72 من سورة الزمر. (1/278)
صفحة 274
الفصل الثاني
279
يؤخذ بهم صوب أبوابها، وأهل الجحيم - والعياذ بالله ـ يقذف بهم صوب النار، ثم يدخل كل فرد منهم في منزله الذي عمل لأجله في الحياة الدنيا. فكل المشاهد التي يعرضها القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة ليوم القيامة منذ الخروج من القبور إلى دخول أصحاب الدارين في منازلهم ليس فيها ذكر للصراط ومرور الخلائق عليه والروايات التي ذكرت الصراط لا تقوم بها حجة حسب منهج الأمة.
العنصر الرابع: الرواية التي جاء فيها: (فيأتيهم الله تبارك وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون):
عدم
اعتماد
جاءت رواية الصورة منسوبة إلى الصحابيين أبي هريرة وأبي سعيد الخدري لها، وقد ذكرتُ في كتاب (الميزان القسط (1924) الشطر الأول من هذه الرواية في إثبات معتقد رؤية الله سبحانه وتعالى، فأرجو من القارئ الكريم مراجعة كل ما قلته ونقلته في الكتاب
المذكور.
وأما فكرة إخراج العصاة من النار - والتي ذكرت في الشطر الثاني من الرواية المنسوبة إلى أبي هريرة والرواية المنسوبة إلى أبي سعيد ها - فهي كذلك لا تثبت لأسباب سنذكرها في هذا الموضع من هذا البحث إن شاء الله
تعالى.
(924) انظر: الميزان القسط، ص 239 وما بعدها. (1/279)
صفحة 275
280
1 ـ الرواية المنسوبة إلى أبي هريرة:
قال الإمام مسلم: حدثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا أبِي، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْن يَزِيدَ اللَّيْنِي أَنْ أَبَا هُرَيْرَةَ، أَخْبَرَهُ أَنْ نَاساً قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَر لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ. يَجْمَعُ الله النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئاً فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّواغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فِي صُورَةٍ غيرِ صورتِهِ التي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِالله مِنْكَ، هذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ الله تَعَالَى فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا. فَيَتَّبِعُونَهُ. وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ. وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلَّمْ، سَلَّمْ. وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ هَلْ رَأَيْتُمُ السَّعْدَانَ؟» قَالُوا: نَعَمْ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا قَدْرُ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ. تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمُ الْمُومِن يَقِي بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمُ الْمُجَازَى حَتَّى يُنَجِّى، حَتَّى إِذَا فَرَغَ الله مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ لَا يُشْرِكُ بِالله شَيْئاً، مِمَّنْ أَرَادَ الله تَعَالَى أَنْ يَرْحَمَهُ مِمَّنْ يَقُولُ: لا إلهَ إِلَّا اللَّه فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ. يَعْرِفُونَهُمْ بِأَثَرِ السُّجُودِ تَأْكُلُ النَّارُ مِن ابْنِ آدَمَ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ. حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ فَيُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ وَقَدِ امْتَحَشُوا فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ. فَيَنْبُتُونَ مِنْهُ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ. (1/280)
صفحة 276
الفصل الثاني
281
ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّه تَعَالَى مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ. وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ. وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ. فَإِنَّهُ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا. فَيَدْعُو اللَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوهُ ثُمَّ يَقُولُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فَعَلْتُ ذلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ! فَيَقُولُ: لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ. وَيُعْطِي رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ مَا شَاءَ اللَّهُ. فَيَصْرِفُ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ. فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الْجَنَّةِ وَرَأَىهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ. ثُمَّ يَقُولُ أَي رَبِّ قَدِّمْنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ لَا تَسْأَلُنِي غَيْرَ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ. وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ وَيَدْعُو اللَّه حَتَّى يَقُولَ لَهُ: فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ فَيَقُولُ: لَا. وَعِزَّتِكَ فَيُعطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ. فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ. فَإِذَا قَامَ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ انْفَهَقَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ وَالسُّرُورِ. فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَسْكُتَ. ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ! أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عَهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ! فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ لَا أَكُونُ أَشْقى خَلْقِكَ. فَلَا يَزَالُ يَدْعُو الله حَتَّى يَضْحَكَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْهُ. فَإِذَا ضَحِكَ الله مِنْهُ، قَالَ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ. فَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ اللَّهُ لَهُ: تَمَنَّهُ. فَيَسْأَلُ رَبَّهُ وَيَتَمَنَّى حَتَّى إِنَّ الله لَيُذَكِّرُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ، قَالَ الله تَعَالَى: ذلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ. قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ: وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئاً حَتَّى إِذَا حَدَّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: وَمِثْلُهُ مَعَهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ. يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةُ: مَا حَفِظْتُ إِلَّا قَوْلَهُ: «ذلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ قَوْلَهُ: ذلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ». (1/281)
صفحة 277
282
(926)، وابن
أخرج هذه الرواية الإمام مسلم (92)، والإمام البخاري"
(927)
حبان (927)، وأبو يعلى"
(928)، والنسائي"
(929)
ذكرت جانباً من جوانب ضعف متن هذه الرواية في كتاب (الميزان القسط) ونقلت هناك عن كثير من العلماء عدم تقبلهم لما جاء في هذه الرواية من صور مصادمة لعقيدة التنزيه والتقديس.
وأما سند هذه الرواية فلا يخلو من علة لوروده من قبل عنعنة الزهري. فقد ذكر ابن حجر الزهري (930) ضمن المرتبة الثالثة من
(925) صحيح مسلم، الرواية: 182، ص 129 – 130. (926) صحيح البخاري، الرواية: 7437، ص 1311 - 1312.
(927)
صحيح ابن حبان الرواية: 7429، 450/ 16.
(928) مسند أبي يعلى، الرواية: 6365.
(929) سنن النسائي الكبرى الرواية: 11488، 457/ 6 - 458.
(930) ومن الأسباب التي تجعل المرء يتأنى في تقبل روايات الزهري ـ خاصة الروايات التي
تتحدث عن مصير
العصاة
القيامة - هو يوم
ما ذكره الألوسي وابن الجوزي: - قال الألوسي: «وما أحسن ما كتبه بعض الناصحين للزهري حين خالط السلاطين، وهو - عافانا الله تعالى وإياك - أبا بكر، من الفتن فقد أصحبت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك الله تعالى ويرحمك أصبحت شيخاً كبيراً وقد أثقلتك نعم الله تعالى بما فهمك من كتابه وعلمك من سنة نبيك وليس كذلك أخذ الله تعالى الميثاق على العلماء، قال سبحانه: لبينَه لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) [آل عمران: 187] واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت أنك آنست وحشة الظالم وسهلت سبيل الغي بدنوك ممن لم يؤد حقاً ولم يترك باطلاً حين أدناك اتخذوك قطباً تدور عليك رحى باطلهم وجسراً يعبرون عليك إلى بلائهم وسلماً يصعدون فيك إلى ضلالهم يدخلون الشك بك على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهلاء فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم: خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَوَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَتِ فَسَوفَ يَلْقَوْنَ غَيّا ([مريم: 59] فإنك تعامل من لا يجهل ويحفظ عليك من لا يغفل فداو دينك فقد دخله سقم وهيئ زادك فقد حضر السفر البعيد، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء والسلام تفسير الألوسي.
(348/ 6 (1/282)
صفحة 278
الفصل الثاني
283
المدلسين (931). وقد وصف ابن حجر أفراد هذه الطبقة من المدلسين بقوله:
الثالثة:
أكثر. من
الأئمة
من التدليس فلم يحتج من أحاديثهم إلا بما صرحوا
مطلقاً، فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم ومنهم من قبلهم كأبي الزبير المكي» (932).
وجاءت هذه الرواية من طريق الزهري عند الإمام البخاري (1933 (934) وفيها التصريح بالتحديث بين الزهري وشيخيه سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد، ولكن تلك الطريق لا يعتد بها أيضاً وذلك لورودها من قبل أبي اليمان الحكم بن نافع البهراني مولاهم.
قال الحافظ ابن حجر: قال الأثرم: سئل أبو عبد الله عن أبي اليمان فقال: أما حديثه عن صفوان وحريز، فصحيح قال وهو يقول: أخبرنا شعيب، ذلك بشيء عجي (935) قال أبو عبد الله كان أمر شعيب في الحديث
واستحل
وقال ابن الجوزي: وإن جمهور العلماء شغلهم العلم عن الكسب، فاحتاجوا إلى ما لا بد منه. وقل الصبر فدخلوا مداخل شانتهم وإن تأولوا فيها إلا أن غيرها كان أحسن لهم. فالزهري مع عبد الملك، وأبو عبيدة مع طاهر بن الحسين، وابن أبي الدنيا مؤدب المعتضد، وابن قتيبة صدر كتابه بمدح الوزير وما زال حلف من العلماء والزهاد يعيشون في ظل جماعة من المعروفين بالظلم. وهؤلاء وإن كانوا سلكوا طريقاً من التأويل فإنهم فقدوا من قلوبهم وكمال دينهم أكثر مما نالوا من الدنيا». (صيد الخاطر، ص 141 - 142).
(931) تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ت: 102، ص 109. (932) تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ص 23. (933) صحيح البخاري، الرواية: 6573، ص 1166. قال الإمام البخاري: «حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني سعيد وعطاء بن يزيد أن أبا هريرة أخبرهما .....
(934) صحيح البخاري، الرواية: 806. ???? ص
(935) أنت: تري أن أبا اليمان في هذه الرواية يقول: «أخبرنا شعيب ..... قال أحمد محمد شاكر وقد جازف بعضهم فنقل بمثل هذه الوجادة بقوله: (حدثنا فلان) أو أخبرنا فلان وأنكر ذلك العلماء، ولم يجزه أحد يعتمد عليه، بل هو من = (1/283)
صفحة 279
284
مع الراحة
عسراً جداً، وكان علي بن عياش سمع منه، وذكر قصة لأهل حمص أراها أنهم سألوه أن يأذن لهم أن يرووا عنه، فقال لهم: لا. ثم كلموه، حضر ذلك
أبو اليمان فقال لهم: ارووا عني تلك الأحاديث. فقلت لأبي عبد الله: مناولة؟
قال: لو كان مناولة كان لم يعطهم كتباً ولا شيئاً، إنما هذا فقط، فكان
سمع
سألت
ابن شعيب يقول: إن أبا اليمان جاءني فأخذ كُتُبَ شعيب مني بَعْدُ، وهو يقول: أخبرنا وقال المفضل بن غسان عن يحيى بن معين: أبا اليمان عن حديث شعيب بن أبي حمزة فقال: ليس هو مناولة، المناولة لم أخرجها لأحد ... وقال شعيب بن عمرو البردعي عن أبي زرعة الرازي: لم يسمع أبو اليمان من شعيب إلا حديثاً واحداً والباقي إجازة ... وقال الآجري، أبي داود: لم يسمع أبو اليمان من شعيب إلا كلمة 936)
عن
من
هذا يظهر لنا عدم سلامة أسانيد هذه الرواية المنسوبة إلى الصحابي الجليل أبي هريرة به.
وكم هي رغبتنا في أن نجد الحافظ ابن حجر قد طبق ما سجله في حق عنعنة الزهري ورواية أبي اليمان عند شرحه لهذه الرواية.
ولو أنه طبق ما سجله من أقوال لعرف أن هذه الرواية ليست مما يقوم عليها بنيان العقيدة الإسلامية الطاهرة.
ويجمع
بأن
ومما قاله الحافظ ابن حجر عند شرحه لهذه الرواية: « ... الملائكة يؤمرون على ألسنة الرسل بذلك، فالذين يباشرون الإخراج هم
الملائكة (937).
الكذب الصريح، والراوي به يسقط عندنا عن درجة المقبولين، وترد روايته» (انظر: الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، هامش ص 97).
(936) تهذيب التهذيب ت 1539، 395/ 2 - 397.
(937) فتح الباري، 284/ 13. (1/284)
صفحة 280
الفصل الثاني
285
هذه الرواية التي ذكر فيها أن الله يأمر الملائكة بإخراج أناس من النار لا تثبت ـ حسب قواعد علماء الأمة والتي سطرها ابن حجر نفسه في مؤلفاته - لهذا لا يصح الاعتماد عليها فضلاً عن جمع معانيها مع روايات
أخرى.
2 - الرواية المنسوبة إلى أبي سعيد الخدري:
قال الإمام البخاري: «حدَّثَنا يحيى بن بكير حدثنا الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيدٍ عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا يا رسول الله هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كان صحواً؟ قلنا: لا، قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربِّكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما، ثم قال: ينادي مناد ليذهب كلُّ قوم إلى ما كانوا يعبدون فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم وأصحاب كلّ آلهة مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله مِن بَر أَو فاجرٍ وغُبَرَاتٌ من أَهل الكتاب ثمَّ يُؤْتى بجَهنَّم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم
تعبُدُون؟
قالوا: كنا نعبُدُ عُزيراً ابن الله فيقال: كذبتم لم يكن الله صاحبة ولا ولد فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا فيقال: اشربوا فيتساقطون في جهنم، ثم يقال للنصارى ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم لم يكن الله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا فيتساقطون حتى يبقى من كان يعبد الله من بَر أَو فاجر فيقال لهم ما يحبسكم وقد ذهب الناسُ فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليه (1/285)
صفحة 281
286
مع الرائحة
اليوم، وإنا سمعنا منادياً ينادي: ليلحق كلُّ قوم بما كانوا يعبدون وإنما ننتظر ربَّنا. قال: فيأتيهم الجبَّارُ في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون الساق. فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجُدُ الله رياءً وسمعة فيذهب كيما يسجد فيعودُ ظهرُه طَبَقاً واحداً ثم يؤتى بالجَسْر فيُجْعَلُ بين ظهرَيْ جَهَنَّمَ، قلنا: يا رسول الله وما الجسر؟
قال: مَدحَضَةٌ مَزلةٌ عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطَحَةٌ لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدانُ، المؤمن عليها كالطرف وكالبرق
وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب فناج مُسَلَّم وناج مخدوش ومكدوس في نار جهنم حتى يَمرَّ آخرُهُم يُسحب سحباً فما أنتم بأشَدَّ لي مناشدة في الحقِّ قد تبين لكم من المؤمن يومئذ للجبَّار، وإذا رأَوْا أَنهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربَّنا إخواننا الذين كانوا يصلون مَعَنا ويصومون معنا ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرِّمُ اللهُ صُورَهُم على النار فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه وإلى أنصاف ساقيه فيُخرجونَ مَن عَرفوا ثم يعودون.
فيقول: اذهبوا فمن وَجَدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه فيخرجون من عرفوا ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه فيُخرجون من عرفوا قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني فاقرؤوا: {إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تك حسنة يضعفها و [النساء: 40] يَشفَعُ النبيُّون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجَبَّارُ: بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيُخرجُ أقواماً قد امتُحِشوا فيلقون في نهر بأفواه الجنَّةِ يقال له ماء الحياة فينبتون في حافتيه كما تنبت الحَبَّةُ في حميل (1/286)
صفحة 282
الفصل الثاني
287
السيل قد رأيتموها إلى جانب الصَّخرة وإلى جانب الشجرة فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان منها إلى الظل كان أبيض فيخرجون كأنهم اللؤلؤ فيُجعَلُ في رقابهم الخواتيم فيدخلون الجنة.
فيقول أهل الجنة: هؤلاءِ عُتَقَاءُ الرّحمنِ أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله
معه).
أخرج هذه الرواية المنسوبة إلى الصحابي أبي سعيد الخدري الإمام
(941)
(942)
البخاري (138)، والإمام مسلم (939)، وابن حبان (1990)، والحاكم (4)، والطيالسي) أسانيد هذه الرواية لا تخلو من علل (943)، وأما متنها فهو معارض
(938)
صحيح البخاري، الرواية: 7439،. ص 1312. قال الإمام البخاري: حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا .....
(939) صحيح مسلم، الرواية: 183، ص 131. قال الإمام مسلم: «وحدثني سويد بن سعيد قال: حدثني حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد
الخدري
أن ناساً
في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا .....
(940) صحيح ابن حبان الرواية،7377، 377/ 16 - 380 قال ابن حبان: «أخبرنا عمر بن محمد الهمداني قال حدثنا عيسى بن حماد قال أخبرنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن اسلم عن. عطاء الخدري قال ... ».
بن، يسار عن أبي سعيد
(941) المستدرك على الصحيحين الرواية: 8736 626/ 4 - 627. قال الحاكم: «حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ وأبو الفضل الحسن بن يعقوب العدل قالا: ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب العبدي ثنا جعفر بن عون أنبأ هشام بن سعد ثنا
زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري له قال: قلت .... (942) مسند الطيالسـ الرواية: 2179، 565/ 2. حدثنا أبو داود قال: حدثنا خارجة بن ي مصعب الضبعي قال: ثنا زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب عن عطاء بن يسار عن
أبي سعيد الخدري ... ».
(943) أما الطريق التي جاءت عند الإمام البخاري وابن حبان ففيها سعيد بن أبي هلال
= (1/287)
صفحة 283
288
متع المالحق
لقواطع الآيات القرآنية وكفى بهذه الأسباب أدلة لردها وعدم
الاحتجاج بها.
***
والمتتبع لطرق هذه الرواية يجدها موقوفة على الصحابيين جابر بن عبد الله
المختلف فيه، قال ابن حجر: وقال ابن سعد كان ثقة إن شاء الله وقال الساجي: صدوق
ثقة
كان أحمد يقول: ما أدري أي شيء يخلط في الأحاديث، وقال العجلي: مصري ووثقه ابن خزيمة والدارقطني والبيهقي والخطيب وابن عبد البر وغيرهم ... » (تهذيب التهذيب، ت: 2503، 84/ 4 - 85).
عمي.
وقال
وأما الطريق التي جاءت عند الإمام مسلم ففيها سويد بن سعيد بن سهل بن شهريار الهروي أبو محمد الحدثاني الأنباري، قال ابن حجر: .... قال البغوي: كان من الحفاظ وكان أحمد ينتقي عليه لولديه فيسمعان منه ... وقال البخاري: كان قد. فيلقن ما ليس عمي من حديثه وقال يعقوب بن شيبة: صدوق مضطرب الحفظ ولا سيما بعدما. صالح بن محمد: صدوق إلا أنه كان عمي فكان يلقن أحاديث ليس من حديثه. وقال البرذعي: رأيت أبا زرعة يسياء القول فيه فقلت له: فأيش حاله؟ قال: أما كتبه فصحاح، وكنت أتتبع أصوله فأكتب منها، فأما إذا حدث من حفظه فلا ... وقال النسائي: ليس بثقة ولا مأمون أخبرني سليمان بن الأشعث: قال: سمعت يحيى بن معين يقول: سويد بن سعيد حلال الدم ... وقال العجلي ثقة من أروى الناس عن علي بن مسهر. وقال ابن حبان:: كان أتى عن الثقات بالمعضلات (تهذيب التهذيب ت 2785، 247/ 4 - 249). وأما الطريق التي جاءت عند الحاكم ففي سندها هشام بن سعد أبو عباد المدني. قال ابن حجر: «قال أبو حاتم عن أحمد لم يكن هشام بالحافظ وقال عبدال الله أحمد بن أبيه هشام بن سعد كذا وكذا كان يحيى بن سعيد لا يروي عنه وقال أبو طالب عن أحمد: ليس هو محكم الحديث ... وقال الدوري عن ابن معين: ضعيف ... وقال معاوية بن صالح عن ابن معين ليس بذاك القوي ... وقال النسائي: ضعيف وقال مرة: ليس بالقوي تهذيب التهذيب ت: 7612، 37/ 11 - 38). وأما الطريق التي جاءت عند الطيالسي ففي سندها خارجة بن مصعب بن خارجة أبو الحجاج السرخسي. قال ابن حجر: «متروك وكان يدلس عن الكذابين» (تقريب التهذيب، ت: 1617، 254/ 1 - 255).
عن (1/288)
صفحة 284
=
289
الفصل الثاني
(944)
(945)
هريرة كما أوردها الإمام مسلم) والإمام الطبري (4)
(944) قال الإمام مسلم: «حدثني عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ وإِسْحَقَ بْنُ مَنْصُورٍ كِلَاهُمَا عَنْ رَوْحٍ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ الْقَيْسِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنِ الْوُرُودِ. فَقَالَ: نَجِيءُ نَحْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ كَذَا وَكَذَا انْظُرْ أَي ذلِكَ فَوْقَ النّاسِ. قَالَ: فَتَدْعَى الأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا وَمَا كَانَتْ تَعْبُدُ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ. ثُمَّ يَأْتِينَا رَبُّنَا بَعْدَ ذلِكَ فَيَقُولُ: مَنْ تَنْظُرُونَ؟ فَيَقُولُونَ: تَنْظُرُ رَبَّنَا، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْكَ. فَيَتَجَلَّى لَهُمْ نَضْحَكُ قَالَ: فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ وَيَتَّبِعُونَهُ. وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ، مُنَافِقٍ أَوْ مُؤْمِن نُوراً. ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ. وَعَلَى حِسْرٍ جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ وَحَسَكَ. تَأْخُذُ مَنْ شَاءَ الله. ثُمَّ يُطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ. ثُمَّ يَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ. فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةٍ وَجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ. سَبْعُونَ أَلْفاً لَا يُحَاسَبُونَ. ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَأَصْوَا نَجْمِ فِي السَّمَاءِ. ثُمَّ كَذلِكَ. ثُمَّ تَحِلُّ الشَّفَاعَةُ. وَيَشْفَعُونَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً. فَيُجْعَلُونَ بِفِنَاءِ الْجَنَّةِ. وَيَجْعَلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ يَرْشُونَ عَلَيْهِمُ الْمَاءَ حَتَّى يَنْبُتُوا نَبَاتَ الشَّيْء فِي السَّيْلِ وَيَذْهَبُ حُرَاقُهُ. ثُمَّ يُسْأَلُ حَتَّى تُجْعَلَ لَهُ الدُّنْيَا وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهَا مَعَهَا» (صحيح مسلم، الرواية: 191، ص 136). (945) أورد الإمام الطبري هذه الرواية موقوفة على الصحابيين جابر بن عبد الله وأبي هريرة: قال الإمام الطبري في تفسيره (111/ 16 - 112): حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يُسأل عن الورود، فقال: نحن يوم القيامة على كوى أو كرى، فوق الناس، فتدعي الأمم بأوثانها، وما كانت تعبد الأول فالأول فينطلق بهم ويتبعونه، قال: ويعطى كل إنسان منافق ومؤمن نوراً، ويغشى ظلمة ثم يتبعونه، وعلى جسر جهنم كلاليب تأخذ من شاء الله، فَيُطفأ نور المنافق، وينجو المؤمنون، فتنجو أوّل زمرة كالقمر ليلة البدر، وسبعون ألفاً لا حساب عليهم، ثم الذين يلونهم كأضوا نجم في السماء، ثم كذلك، ثم تحل الشفاعة فيشفعون، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله ممن في قلبه وزن شعيرة من خير ثم يلقون تلقاء الجنة، ويهريق عليهم أهل الجنة الماء،
فينبتون نبات الشيء في السيل، ثم يسألون فيجعل لهم الدنيا وعشرة أمثالها». وقال الإمام الطبري في تفسيره (112/ 16): حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث أن بكيراً حدثه أنه قال لبسر بن سعيد: إن فلاناً يقول: إن ورود النار القيام عليها. قال بسر: أما أبو هريرة فسمعته يقول: «إذا كان يـ القيامة،
يجتم
يوم
الناس نادى مناد ليلحق كل أناس بما كانوا يعبدون، فيقوم هذا إلى (1/289)
صفحة 285
290
معالم الحق
فكون هذه الرواية موقوفة على الصحابيين جابر بن عبد الله وأبي هريرة ففيها دليل آخر على اضطراب سندها خاصة إذا علمنا أن جابر بن عبد الله وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري كانوا ينقلون روايات إسرائيلية عن مسلمة أهل الكتاب.
***
ومما جاء في هذه الرواية من أقوال يدمغها الحق الذي ذكره الله تعالى في كتابه العزيز وذكره رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: -
اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينارٍ مِن إيمان فأخرجوه، ويحرِّمُ الله صُورَهُم على النارِ فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه وإلى أَنصافِ ساقيهِ فيُخرجونَ مَن عَرفوا ثم يعودون ... ».
هذه الرواية تذكر المؤمنين الذين نجوا من النار بأنهم يدخلون جهنم مرات عديدة، ويبحثون في سرادقها عن عصاة المسلمين لأجل إخراجهم. وهذا القول ينقضه القرآن الكريم جملة وتفصيلاً.
فقد قال الله تعالى عند ذكره لعباده الأبرار: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِنَا الْحُسْنَى أُولَيكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ. لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا استَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَلِدُونَ} [الأنبياء: 101، 102]. فعباد الرحمن مبعدون عن جهنم بنص القرآن الكريم، ولكن هذه الرواية الضعيفة تذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يبحثون في دركات جهنم عن العصاة.
الحجر، وهذا إلى الفرس، وهذا إلى الخشبة حتى يبقى الذين يعبدون الله، فيأتيهم الله، فإذا رأوه قاموا إليه، فيذهب بهم فيسلك على الصراط، وفيه عليق، فعند بهم ذلك يؤذن بالشفاعة، فيمر الناس، والنبيون يقولون: اللَّهُمَّ سلم سلم». قال بكير: فكان ابن عميرة يقول: فناج مسلم ومنكوس في جهنم ومخدوش، ثم ناج». (1/290)
صفحة 286
الفصل الثاني
291
وكفى بهدم القرآن لأفكار هذه الرواية حجة على عدم الأخذ بما جاء فيها من تصورات لا صلة لها بعقيدة الإسلام المبنية على كتاب الله تعالى وسنة رسوله.
قال الشيخ القرضاوي: أن السُّنَّة مبيّنة للقرآن فلا يجوز رد السنة اكتفاء بالقرآن، كما لا يجوز قبول السُّنَّة المناقضة للقرآن، لأن البيان لا يناقض المبين، إنما يوضحه ويبيّن المراد منه بتخصيص عامه أو تقييد مطلقه أو تفسير مبهمه، أو تفصيل مجمله
(946)
***
وعدم تقيد العقول بالثابت من الأدلة في حق عباد الله تعالى من الرسل والأنبياء والمؤمنين تجعل المرء يقبل على كل ما هب ودب من أقوال ويتقبل كل رواية لأجل نصرة أفكاره حتى ولو على حساب منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآخرة.
فقد أورد الحيدري رواية واحتج بها في إثبات أن الرسول صلى الله عليه وسلم يدخل النار لأجل البحث عن العصاة وإخراجهم منها.
فقد أورد الحيدري الرواية التي فيها: « ... فيدخل جبرائيل على النبي صلى الله عليه وآله وهو في خيمة من درة بيضاء لها أربعة آلاف باب ولها مصراعان من ذهب فيقول: يا محمد جئتك من عند العصابة العصاة. من أمتك يعذبون بالنار وهم يقرئونك السلام ويقولون ما أسوأ حالنا وأضيق مكاننا.
فيأتي النبي صلى الله عليه وآله عند العرش، فيخر ساجداً ويثني على الله ثناء لم يثنه أحد مثله. فيقول الله: ارفع رأسك واسأل تعط واشفع تشفع.
(946) الشفاعة في الآخرة بين النقل والعقل، للقرضاوي، ص 17. (1/291)
صفحة 287
292
معالم الحق
فيقول: «يا رب، الأشقياء من أمتي قد أنفذت فيهم حكمك». فيقول الله ولن: قد شفعتك فيهم، فأتِ النار وأخرج منها من قال: لا إله
إلا الله.
فينطلق النبي صلى الله عليه وآله، فإذا نظر مالك إلى محمد صلى الله عليه وآله قام تعظيماً له، فيقول: «يا مالك ما حال أمتي الأشقياء؟»
فيقول مالك: ما أسوأ حالهم وأضيق مكانهم.
فيقول النبي صلى الله عليه وآله: «افتح الباب وارفع الطبق ... ويخرجهم جميعاً (947)
فلماذا تطفو هذه الرواية وأمثالها على السطح عند الحديث عن مسألة
لا أصل لها؟.
فحب الانتصار للأفكار الموروثة - ولو على حساب منزلة الرسل والأنبياء والمؤمنين العالية في الدنيا والآخرة - هو الجواب لهذا السؤال.
فهل من رجعة صادقة إلى تطبيق المناهج الإسلامية؟.
وهل من همة عالية تحقق لمناهج أمتنا الهيمنة على كل البحوث التي تسطرها أقلام المسلمين؟.
فلنا أن ندعو لأجل وحدتنا ولم شملنا وطرد كل قول ضعيف وغريب
من
أوساط محافلنا.
***
(947) الشفاعة بحوث في حقيقتها وأقسامها ومعطياتها، ص 316 - 317. (1/292)
صفحة 288
الفصل الثاني
293
العنصر الخامس: رواية الشفاعة العظمى يوم القيامة (ليس
الإخراج من نار جهنم بل من حرارة يوم الموقف)
مشاهد يوم
فرواية الإمام مسلم والإمام البخاري الآتية فيها مشهد من القيامة والذي يتجلى فيه معنى من معاني المقام المحمود) الذي سيهبه الله
تعالى لعبده ورسوله صلى الله عليه وسلم رحمة بعباده.
قال الإمام مسلم 948):
حدثنا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَنَزِيُّ، ح وَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَنْزِيُّ، قَالَ: انْطَلَقْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكِ وَتَشَفَعْنَا بِثَابِتٍ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي الضُّحَى، فَاسْتَأْذَنَ لَنَا ثَابِتٌ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، وَأَجْلَسَ ثَابِتاً مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ إِنَّ إِخْوَانَكَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَسْأَلُونَكَ أَنْ تُحَدِّثَهُمْ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ. قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ لَهُ: اشْفَعْ لِذُرِّيَّتِكَ. فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنَّهُ خَلِيلُ الله، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ. فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنَّهُ كَلِيمُ الله فَيُؤْتَى مُوسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنَّهُ رُوحُ الله وَكَلِمَتُهُ. فَيُؤْتَى عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ. فَأُوتَى فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا. فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي. فَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ الآنَ، يُلْهِمُنِيهِ الله. ثُمَّ أَخِرُ لَهُ سَاجِداً فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسِكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ،
(948) صحيح مسلم الرواية: 193، ص 138 - 139، وانظر: صحيح البخاري، الرواية: 7510 ص 1324. (1/293)
صفحة 289
294
محال الحق
وَسَلْ تُعْطَهُ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: رَبِّ أُمَّتِي، أُمَّتِي. فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ بُرَّةٍ أَوْ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا. فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ. ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُ لَهُ سَاجِداً فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهُ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَقُولُ: أُمَّتِي، أُمَّتِي، فَيُقَالُ لِي: انْطَلِق فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ. ثُمَّ أَعُودُ إِلَى رَبِّي فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُ لَهُ سَاجِداً، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهُ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي، أُمَّتِي. فَيُقَالُ لِيَ انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ».
ولقد وصف الحافظ ابن حجر مشهد يوم القيامة بقوله: «ومن تأمل الحالة المذكورة عرف عظم الهول فيها، وذلك أن النار تحف بأرض الموقف وتدنى الشمس من الرؤوس قدر ميل فكيف تكون حرارة تلك الأرض وماذا يرويها من العرق حتى يبلغ منها سبعين ذراعاً مع أن كل واحد لا يجد إلا قدر موضع قدمه، فكيف تكون حالة هؤلاء في عرقهم مع تنوعهم فيه، إن هذا لما يبهر العقول ويدل على عظيم القدرة ويقتضي الإيمان بأمور الآخرة أن ليس للعقل فيها مجال، ولا يعترض عليها بعقل ولا قياس ولا عادة، وإنما يؤخذ بالقبول ويدخل تحت الإيمان بالغيب، ومن توقف في ذلك دل على خسرانه وحرمانه وفائدة الإخبار بذلك أن يتنبه السامع فيأخذ في الأسباب التي تخلصه من تلك الأهوال ويبادر إلى التوبة من التبعات ويلجأ إلى الكريم الوهاب في عونه على أسباب السلامة، ويتضرع إليه في
سلامته من دار الهوان وإدخاله دار الكرامة بمنه وكرمه» (949).
(949) فتح الباري، 209/ 13. (1/294)
صفحة 290
=
الفصل الثاني
295
وقال بدر الدين العيني: «والحديث (950) يدل على امتياز هؤلاء السبعة من بين الخلق، ولا يكون ذلك إلا يوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين، ودنت منهم الشمس، ويشتد عليهم حرها ويأخذهم الغرق ولا ظل هناك لشيء إلا ظل العرش (951)
وقال الأستاذ سلطان بن محمد الحراصي: «لا ريب أن يوم القيامة يوم عصيب، يشتد فيه الهول ويعظم الخطب، حيث تنشق السماء، وتتهاوى الأجرام، وتزلزل الأرض، وتتفجر البحار، ويتخلخل نظام الكون بأسره بأمر الواحد الأحد ... القيامة يمتاز بكثرة أهواله، وشدة طوله، وما يلقاه فيه ويوم الناس من الخوف والقلق والاضطراب والنصب والهلع وذلك إلى أن يحاسب كل أحد. منهم بما قدم في هذه الحياة الدنيا إن خيراً فخير، وإن شراً فشر ... وبذلك تتجلى رحمة الله تعالى الواسعة في هذا الموقف، إذ يأذن بالشفاعة لفصل القضاء بين الناس في ذلك الموقف العظيم، وهي شفاعة لأهل الموقف جميعاً لتقريب ساعة الحساب، وتُعرف بالمقام المحمود ... (952).
(407) ,
يوم القيامة ـ قبل دخول أهل
فهذه الرواية تصور لنا مشهداً. من مشاهد الجنة في الجنة وقبل دخول أهل النار في النار ـ، وتدل على أن الإخراج المذكور لأهل الإيمان هو من حرارة وشدة وهول يوم المحشر
(953)، وليس
(950) الحديث المشار إليه هنا هو قوله: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ ....
(951) عمدة القاري، 260/ 5. (952) الشفاعة الأخروية، ص 50 - 51.
(953) فرواية الشفاعة الكبرى هي: تبيان وشرح للروايات الأخرى التي جاء فيها ذكر شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي جاء فيها ذكر الإخراج من حرارة نار جهنم يوم ا الحشر. الروايات الآتية تدور في فلك رواية الشفاعة العظمى -
قال الإمام البخاري (الرواية: (7509، ص 1323 - 1324): «حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدْثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، قَالَ: (1/295)
صفحة 291
سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ سُفِّعْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ أَدْخِلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ خَرْدَلَةٌ. فَيَدْخُلُونَ، ثُمَّ أَقُولُ: أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى شَيءٍ». فَقَالَ أَنَسٌ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم».
قال الإمام مسلم صحيح مسلم، الرواية: (191، ص 136): «حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِراً يَقُولُ: سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ بِأُذُنِهِ يَقُولُ: إِنَّ الله يُخْرِجُ نَاساً مِنَ النَّارِ فَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ».
قال الإمام مسلم (صحيح مسلم، الرواية: 191، ص 136): «حدثنا أَبُو الربيع. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ: إِنَّ الله يُخْرِجُ قَوْماً مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ».
قال الإمام مسلم صحيح مسلم، الرواية: (339، ص 142): «حدثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ وَهُوَ ابْنُ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «لِكُلِّ نَبِي دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ يَدْعُو بِهَا. فَيُسْتَجَابُ لَهُ فَيُؤْتَاهَا. وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةٌ لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ»».
عن
قال الإمام البخاري (صحيح البخاري الرواية 99، ص 45): «حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال: حدثني سليمان عن عمرو بن أبي عمرو عن سَعِيدِ بن أبي سَعِيدٍ المَقْبُرِي أبي هريرةَ أنه قال: قيل يا رسول اللهِ، مَنْ أسعد الناسِ بِشَفاعَتِكَ يوم القيامةِ؟ قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يَسْأَلني عن هذا الحديث أحدٌ أَوَّلَ منكَ، لما رأيتُ من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالِصاً مِن قَلبِه، أو نفسه»». . قال الإمام المسلم (صحيح مسلم، الرواية: 191، ص 136): «حدثنا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ سُلَيْمِ الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ الْفَقِيرُ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «إِنَّ قَوْماً يُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ يَحْتَرِقُونَ فِيهَا، إِلَّا دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ، حَتَّى يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ»».
قال الإمام البخاري (صحيح البخاري، الرواية: 6558، ص 1164): «حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ له أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ كَأَنَّهُمُ الشَّعَارِيرُ». قُلْتُ: مَا التَّعَارِيرُ؟ قَالَ: «الصَّغَابِيسُ». وَكَانَ قَدْ سَقَطَ فَمُهُ فَقُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَبَا مُحَمَّدٍ سَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: يَخْرُجُ بِالشَّفَاعَةِ مِنَ النَّارِ». قَالَ: نَعَمْ». . قال الإمام البخاري (صحيح البخاري، الرواية: 6560، ص 1164 - 1165): «حدثنا =
296 (1/296)
صفحة 292
=
297
الفصل الثاني
موسى
حدثنا وُهَيبٌ حدثنا عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ وأهل النار النار يقول الله: مَن كان في قلبه مثقال حبة من خَرْدَل من إيمان فأخرجوه فيخرجون قد امتحِشوا وعادوا حُمَماً، فيُلقون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبةُ في حَميل السيل، أو قال: حَمِيَّةِ السَّيل. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألم تروا أنها تَنبُتُ صفراءَ مُلتوية»؟». هذه الرواية تشير إلى أصحاب الأعراف الذين لم يدخلوا نار جهنم، ولكنهم. ا في ساحة المحشر لفترة من الزمن. قال تعالى: وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلَّا مَنهُمْ وَنَادَوْا أَصْعَبَ الْجَنَّةِ أَن سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ * وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَرُهُمْ يُلْقَاءَ أَصْعَبِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَنَادَى أَصْحَبُ الْأَعْرَافِ رِجَالَا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةً اَدْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} [الأعراف: 46 - 49].
قال الإمام مسلم صحيح مسلم، الرواية: 184، ص 133): وحدثني هَرُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَة قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «يُدْخِلُ اللَّهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتِهِ وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا مَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ. فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا حُمَمَا قَدِ امْتَحَشُوا. فَيُلْقَوْنَ فِي نَهْرِ الْحَيَاةِ أَوِ الْحَيَا، فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ إِلَى جَانِبِ السَّيْلِ. أَلَمْ تَرَوْهَا كَيْفَ تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةٌ»».
قال الإمام مسلم (صحيح مسلم، الرواية: 186، ص 133 - 134): حدثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ. قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيْدَةَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:: «إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولا الْجَنَّةَ. رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوا. فَيَقُولُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ: اذْهَبْ فَادْخَلَ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلَأَى فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلأَى فَيَقُولُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ. قَالَ: فَيَأْتِيَهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَى فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلَأَى فَيَقُولُ اللَّهِ لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ. فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا. أَوْ إِنَّ لَكَ عَشَرَةَ أَمْثَالِ الدُّنْيَا. قَالَ: فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي أَوْ أَتَضْحَكُ وَأَنْتَ الْمَلِكُ؟» قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بي ضحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاحِذُهُ. قَالَ فَكَانَ يُقَالُ: ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةٌ».
وقال الإمام البخاري (صحيح البخاري، الرواية: 22، ص 29): «حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك عن عمرو بن يحيى المازني عنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ.
عن (1/297)
صفحة 293
=
298
معالم الحق
الخروج من نار جهنم بعد الدخول فيها؛ إذ الخروج من نار جهنم لا أصل له
وقد عارضته أدلة كثيرة من كتاب الله ومن سُنّة رسوله المصطفى.
***
جاء في هذه الرواية: «فَيُقَالُ: انْطَلِقُ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ بُرَة أَوْ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا. فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ».
وانطلاق الرسول صلى الله عليه وسلم في عرصات يوم القيامة لأجل بعث أهل الجنة إلى أبوابها، ولكي يتميز المؤمنون عن غيرهم ممن استوجب النار، جاءت به آيات بينات وبينت هذه الرواية جانباً من تفاصيله.
فلا يخطر في بال المسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ينطلق إلى نار جهنم ليخرج منها من وقع فيها (954)، فهذا أمر مستحيل في حق عباد الله المصطفين الذين
النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الجَنَّةَ وَأَهلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يقولُ اللهُ تعالى: أَخْرِجوا مَنْ كانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمانٍ، فَيُخْرَجون منها قدِ اسْوَدُّوا فَيُلْقَوْنَ فِي نهر الحَيا ـ أو الحَياةِ، شَكَ مالك - فينبتون كما تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ، ألم تر أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةٌ؟». وقال الإمام البخاري (صحيح البخاري، الرواية: 6560، ص 1164 - 1165): «حَدُثَنَا ا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ له أَن النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ يَقُولُ اللَّهُ: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ. فَيُخْرَجُونَ قَدِ امْتُحِشُوا وَعَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ ـ أَوْ قَالَ ـ حَمِيَّةِ السَّيْلِ». وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَلَمْ تَرَوْا أَنَّهَا تَنْبُتُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةٌ»».
حدثنا
وجاءت هذه الرواية أيضاً عند مسلم (صحيح مسلم، الرواية: 184، ص 133)، وابن حبان (صحيح ابن حبان الرواية،182، 408/ 1. وكذلك الرواية: 222، 456/ 1)، والبيهقي (سنن البيهقي الكبرى الرواية: 21239، 250/ 15 - 251)، وأبي يعلى (مسند أبي يعلى الرواية: 1218).
(954) المسلمون قاطبة لا يرضون بأي شيء فيه إساءة لمقام رسول الله له، والتاريخ (1/298)
صفحة 294
الفصل الثاني
299
أبعدهم الله تعالى عن جهنم. ومن هذه القاعدة الإيمانية في حق الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهر هذه الرواية نعرف أن الإخراج المقصود هو من حرارة الموقف
ومن
في ذلك اليوم الرهيب وليس من نار جهنم بعد دخول العصاة فيها. وهذا المعنى قد ذكره علي القاري حيث قال في (مرقاة المفاتيح): وثانيهما: أن يراد بالنار الحبس والكربة وما كانوا به من الشدة ودنو الشمس إلى رؤوسهم وحرها والجامهم العرق، وبالخروج الخلاص منها. قلت: وهذا القول وإن كان مجازاً لكنه إلى حقيقة الأمر أقرب وإلى أصل القضية أنسب، فإن المراد بهذه الشفاعة الكبرى وهي المعبر عنها بالمقام المحمود واللواء الممدود على ما قاله: «آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة». ومحط الخلاص من الحبس والقيام والأمر بالمحاسبة للأنام (955).
هذه الشفاعة
هي
صدر من
(900)
يحكي لنا الكثير من الشواهد التي قام فيها المسلمون برد الظالمين المفترين على رسول الله الله. فقد انتقد المسلمون كتابة اسم (محمد) على علب الكبريت التي قام بها نفر من أعداء الإسلام. وقد ألف الشيخ أبو المواهب جعفر بن إدريس الكتاني كتاباً رد فيه على الذين وضعوا اسم المصطفى على علب الكبريت، حيث قال في مقدمة كتابه: «فيا معشر الأفاضل الأمجاد، إخواننا المؤمنين الموقنين الأفراد، تنبهوا لما أعداء الدين، عاجلهم الله بالدمار والهلاك في الحين، من كتب الاسم المكرم الشريف، المرفع المبارك، محمد المنيف على صناديق الوقيد، الممتهنة عند الأحرار والعبيد». انظر: الغيث المدرار والسر العمار فيما يتعلق بالنبي المختار المكتوب على صناديق النار، جرأة وجسارة من الفجار أعداء الله ورسوله الكفار، ص 79). وبما أن المسلمين لا يرضون بكتابة اسم رسولهم على علب الكبريت، فمن الواجب عليهم أن تقوم قائمتهم على تلك الروايات التي تجعل الرسول صلى الله عليه وسلم من الداخلين في النار والعياذ بالله. (955) مرقاة المفاتيح 233/ 10. وتتمة كلام علي القاري هو: ..... وأما له صلى الله عليه وسلم وكذا لغيره من الأنبياء والأولياء والعلماء والشهداء والصالحين والفقراء بعد ذلك شفاعات متعددة في إدخال بعض المؤمنين الجنة بلا حساب وإدخال بعضهم الجنة ولو استحقوا دخول النار، وإخراج بعضهم من النار وفي تخفيف عذاب بعضهم وفي ترقي درجات بعضهم
في الجنة وأمثالها». (1/299)
صفحة 295
وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: -
مع الراحة
«فَيُقَالُ لِي: انْطَلِق. فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ. فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ».
فهؤلاء الذين تخرجهم شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من موقف يوم القيامة ـ حسب ما تفصله لنا هذه الرواية الصحيحة - ليسوا من الذين قال عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم في روايات صحيحة كثيرة: -
=
«مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ. • «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» (957).
ومما قاله ابن حجر في وصف مشهد يوم القيامة: وتعرض الطيبي للجواب عن الإشكال بطريق آخر فقال: يجوز أن يراد بالنار الحبس والكرب والشدة التي كان أهل الموقف فيها من دنو الشمس إلى رؤوسهم وكربهم بحرها وسفعها حتى ألجمهم العرق، وأن يراد بالخروج منها خلاصهم من: تلك الحالة التي كانوا فيها. قلت: وهو احتمال بعيد، إلا أن يقال إنه يقع إخراجان وقع ذكر أحدهما في حديث الباب على اختلاف طرقه والمراد به الخلاص من كرب الموقف، والثاني: في حديث الباب الذي يليه ويكون قوله فيه: «فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه» بعد تمام الخلاص من الموقف ونصب الصراط والإذن في المرور عليه، ويقع الإخراج الثاني لمن يسقط في النار حال المرور فيتحدا، وقد أشرت إلى الاحتمال المذكور في شرح حديث العرق في: «باب قوله تعالى ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون والعلم عند الله تعالى». (فتح الباري،
(263/ 13 - 264
لقد ثبت بالأدلة الصحيحة شفاعة الرسول الأهل الموقف وإخراج المؤمنين من شدة ذلك اليوم. وأما الشفاعة لمن استحق النار ألا يدخلها، وكذلك إخراج العصاة من نار لا أصل لهما في مصادر العقيدة في الإسلام، كما بينه منهج الأمة الإسلامية الذي
جهنم
نقله لنا الحافظ ابن حجر
في مؤلفاته.
(956) صحيح البخاري، الرواية: 6766، ص 1197.
(957) صحيح مسلم، الرواية 46، ص 80. (1/300)
صفحة 296
=
الفصل الثاني
«مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِاءٍ مُسْلِم بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئاً يَسِيراً، يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَإِنْ فَضِيباً مِنْ أَرَاكِ»» (958).
«مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةٌ، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاسُ لِرَعِيَّتِهِ،
إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ
(909)
«مَن قَتلَ مُعاهِداً لم يرخ رائحة الجنة، وإنَّ ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً (960).
(958) صحيح مسلم، الرواية: 137، ص 109. وانظر: رياض الصالحين، ص 201 - 202). (959) قال الإمام مسلم: حدثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: عَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارِ الْمُزَنِي فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ. قَالَ مَعْقِلُ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثاً سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «مَا مِنْ
عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةٌ، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاسٌ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ». أخرج هذه الرواية الإمام مسلم (صحيح مسلم، الرواية: 142، ص 111)، والإمام البخاري (صحيح البخاري، الرواية: (7151، ص 1263، والدارمي (سنن الدارمي، 324/ 2)، والبيهقي (سنن البيهقي الكبرى الرواية: 18268، 278/ 13)، والطبراني (المعجم الكبير، الرواية: 476، (208/ 20)، والطيالسي (مسند الطيال الرواية: 930، 1/ 497)، وابن الجعد (مسند ابن الجعد الرواية: 2637)، وغيرهم. (960) قال الإمام البخاري: «حدّثنا قيس بن حفص حدثنا عبد الواحد حدثنا الحسن بن عمرو النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل معاهداً لم يرخ
ي
ص 565)، وأبو
حدثنا مجاهد عن عبد ا الله بن عمرو عن رائحة الجنة، وإنَّ ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً». أخرج هذه الرواية الإمام البخاري (صحيح البخاري، الرواية: 3166،. داود (سنن أبي داود الرواية 2760، ص،442 والترمذي (سنن الترمذي، الرواية: 1403، ص 360)، وابن ماجه (سنن ابن ماجه الرواية: 2686، ص 434)، والدارمي (سنن الدارمي، (235/ 2 - 236)، والإمام أحمد (مسند الإمام أحمد، الرواية: 6745)، وابن حبان (صحيح ابن حبان الرواية: 7382، 391/ 16، والرواية: 7383، 392/ 16)، والحاكم (المستدرك على الصحيحين، الروايات: 133 – 135، 105/ 1 - 106، والرواية: 2581، 138/ 2)، والنسائي (سنن النسائي الكبرى، (1/301)
صفحة 297
لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِع. . «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَاتٌ (962).
معالم الحق
الروايات: 6949 - 06952،،221/ 4، الروايات: 8742 - 8744، 225/ 5 - 226)،
والبيهقي (سنن البيهقي الكبرى الرواية: (16818، 235/ 12)، وأبو يعلى (مسند أبي يعلى الرواية: 6457)، والطبراني (المعجم الأوسط، الرواية: 431، 135/ 1)، والطيالسي (مسند الطيالسي الرواية: (880 (471/ 1)، وابن الجارود (المنتقى لابن الجارود، الروايات: 834 - 835، ص 212 - 213. و 1070، ص 268)، وابن أبي شيبة (مصنف ابن أبي شيبة، الرواية: 23688، 436/ 6). (961) قال الإمام البخاري: «حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنْ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: إِنْ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِع»».
أخرج هذه الرواية الإمام البخاري (صحيح البخاري، الرواية: 5984، ص 1078)، والإمام مسلم صحيح مسلم، الرواية: 2556، ص 1094 - 1095)، وأبو داود (سنن أبي داود، الرواية: (1696، ص (276)، والترمذي (سنن الترمذي، الرواية: 1909، ص 469)، والإمام أحمد (مسند الإمام أحمد، الرواية: 16853)، وابن حبان (صحيح ابن حبان الرواية،454، (1992)، والبيهقي (سنن البيهقي الكبرى، الرواية: 13378، 126/ 10)، وأبو يعلى (مسند أبي يعلى الرواية: (7392)، والطبراني (المعجم الكبير،
الروايات: 1509 - 1519، 118/ 2 - 120).
(962) قال الإمام البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامٍ قالَ: كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ فَقِيلَ لَهُ: إِنْ رَجُلاً يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى عُثْمَانَ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ النبي صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَتَات»».
أخرج هذه الرواية الإمام البخاري (صحيح البخاري، الرواية: 6056، ص 1088)، وأبو داود (سنن أبي داود الرواية: 4871، ص 764)، والإمام أحمد (مسند الإمام أحمد، الرواية: 23636)، والنسائي (سنن النسائي الكبرى الرواية: 11614، 496/ 6)، والبيهقي (سنن البيهقي الكبرى، الرواية: (21626، 381/ 15)، والطبراني (المعجم الصغير، الرواية: 552 220/ 1. والمعجم الكبير، الرواية: 3021. والمعجم الأوسط، الرواية: 4192، 162/ 3 - 163)، والطيالسي (مسند الطيالسي، الرواية: 421، 220/ 1)، والشهاب (مسند الشهاب الرواية: (876). (1/302)
صفحة 298
الفصل الثاني
لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كبْر (13).
(964)
«مَنْ كَذَبَ عَلَى فَلْيَتبوأ مَقْعَدَهُ مِنَ النار.
303
فهؤلاء الذين توعدهم الرسول صلى الله عليه وسلم بدخول نار جهنم لن تنالهم الشفاعة التي يخص بها الرسول صلى الله عليه وسلم أولئك الذين يأتون إلى يوم القيامة بالحد الأدنى من الإيمان الشرعي مع سلامتهم من السيئات التي من شأنها جر أصحابها إلى نار جهنم الخالدة والعياذ بالله تعالى.
وأما قول القائلين - عند شرحهم لهذه الروايات التي توعد فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أهل الكبائر بدخول النار والحرمان من الجنة ـ: «لا يدخل الجنة يريد جنة دون جنة (965)، وقولهم: «فليس معنى قوله: لا يدخل الجنة، أنها حرمت عليه كتحريمها على المشرك بل لا يدخل الجنة مع الداخلين من أول الأمر (966)، فهي أقوال لا أساس لها في مصادر العقيدة الإسلامية.
فهذه التقديرات والاستثناءات التي جاء بها الشراح هنا لم يذكرها الله تعالى في كتابه العزيز، ولم تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أملتها روايات ضعيفة لا يثبت منها شيء في ميزان الله العادل.
(963) قال الإمام مسلم (الرواية: (91، ص 93): وحدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ جَمِيعاً عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ. أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ فُضَيْلِ الْفُقَيْمِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ النُّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرِ» قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَناً، وَنَعْلُهُ حَسَنَةٌ. قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ»».
(964)
صحيح البخاري، الرواية: 107، ص 46.
(965) صحيح ابن حبان، 241/ 11.
(966) الفرار من النار، ص 80 (1/303)
صفحة 299
304
معالم الحق
نفسه
فلا نقرأ من قول الرسول صلى الله عليه وسلم أن من كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ بُرَةٍ أَوْ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ»، أو من «كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ» أن أهل الكبائر يدخلون في زمرة من يخرجهم الرسول صلى الله عليه وسلم من ساحة موقف. يوم القيامة إلى أبواب الجنان، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو: من توعد أهل الكبائر بالحرمان من الجنة، ولأن جميع الأدلة التي اعتمد عليها في ذكر العذاب المؤقت في النار لا يصح منها شيء. ولأن أصحاب الكبائر ممن ماتوا عليها ليس لهم حظ في اسم الإيمان الشرعي حيث أخلوا بأحد ركائزه وهو العمل بالجوارح.
فقد قال العلامة ابن تيمية: فهذا حكم اسم الإيمان إذا أطلق في كلام الله ورسوله، فإنه يتناول فعل الواجبات وترك المحرمات ومن نفى الله ورسوله عنه الإيمان، فلا بد أن يكون قد ترك واجباً أو فعل محرماً، فلا يدخل في الاسم الذي يستحق أهله الوعد دون الوعيد، بل يكون من أهل الوعيد» (967). وقال العلامة ابن القيم: «الإيمان أعظم النعم ويزيلها الذنب وأعظم النعم الإيمان، وذنب الزنا والسرقة وشرب الخمر وانتهاب النهبة يزيلها ويسلبها (968).
وقال ابن القيم أيضاً: «كل من عصى الله جاهل: فلو تصور العامل بمعصية الله بعد طاعته، هذا المعنى حق، تصوره وتأمله كما ينبغي، لما سولت له نفسه - والله - إحراق أعماله الصالحة وإضاعتها، ولكن لا بد أن
يغيب عنه عمله عند المعصية، ولهذا استحق اسم الجهل، فكل من عصى
فهو جاهل» (969).
(967) كتاب الإيمان، ص 38 - 39.
(968) طريق الهجرتين، ص 301. (969) طريق الهجرتين، ص 407 - 408.
الله (1/304)
صفحة 300
=
الفصل الثاني
305
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: « .. فنقول: لا خلاف الأمة أن
بين
التوحيد لا بد أن يكون بالقلب الذي هو العلم واللسان الذي هو القول، والعمل الذي هو تنفيذ الأوامر والنواهي، فإن أخل بشيء من هذا لم يكن الرجل مسلماً، فإن أقر بالتوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس، وإن عمل بالتوحيد ظاهراً وهو لا يعتقده باطناً فهو منافق خالص، وهو شر من الكافر (970).
وقال الشيخ ابن عثيمين: «فإذا أصاب الإنسان دماً حراماً فإنه يضيق عليه دينه. أي: إن صدره يضيق به حتى يخرج منه والعياذ بالله ويموت كافراً. وهذا هو السر في قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جهنم خلدا فيها وغضب الله عليهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيما} [النساء: 93] فهذه خمس عقوبات والعياذ بالله: جهنم وغضب الله عليه ولعنه. وأعد له عذاباً عظيماً. لمن قتل مؤمناً متعمداً لأنه إذا قتل مؤمناً فقد أصاب دماً حراماً فيضيق عليه دينه ويضيق به صدره حتى ينسلخ من دينه بالكلية. ويكون من أهل النار المخلدين فيها (971).
خالداً فيها
(970) الرسائل والمسائل النجدية لبعض علماء نجد الأعلام، 37/ 4. (971) شرح الكبائر، ص 17 - 18، ومن أقوال الشيخ ابن عثيمين: ومن ذلك أيضاً: من الشرك وهو خفي أيضاً: أن تأخذ الدنيا لب الإنسان وعقله تجد عقله وفكره وبدنه ونومه ويقظته كلها في الدنيا. ماذا كسب اليوم وماذا خسر. تجده يتحيل على الدنيا بالحلال والحرام والكذب والخديعة لولاة الأمور ولا يبالي لأن الدنيا استعبدته والعياذ بالله.
ولذلك
والدليل على هذا الشرك. قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدينار»». (شرح الكبائر، ص 11). إذ لو كان في قلبه شيء ما ترك هذه الصلاة العظيمة التي دلت النصوص على العناية بها وأهميتها والأشياء تعرف بآثارها. فلو كان في قلبه أدنى مثقال من الإيمان لم يحافظ على ترك هذه الصلاة أهميتها وعظمها. وبهذا تكون الأدلة السمعية والنظرية
دالة على أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة. وتكون مقتضية للحذر من هذا (1/305)
صفحة 301
مع المالحق
ويوضح سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله تعالى مآل الناس يوم القيامة بقوله: «والتحقيق أن العبرة بخواتم الأعمال، فمن ختم له بالعقيدة الصحيحة والعمل الصالح كان سعيداً عند الله مهما عمل من قبل، فإن التوبة تمحو الآثام وتطهر صاحبها من الحوب، ومن ختم له بالإصرار على الآثام لم تُجْدِهِ أعماله السابقة شيئاً لأنها محبطة بإصراره، والله تعالى يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] والتقوى لا تجامع الإصرار» (972).
وقال سماحة الشيخ الخليلي أيضاً: «هذا ومما يجب أن لا يفوتنا ذكره أن البراءة من صاحب الكبيرة لا تعني بحال إخراجه من ملة الإسلام، ولا حرمانه من حقوق المسلمين، ما عدا الولاية في الدين إلى أن يتوب، فهو معصوم الدم لا يستباح قتله إلا بإحدى ثلاث وهي: الردة عن الإسلام، أو الزنى بعد الإحصان أو قتل النفس المحرمة بغير حق، وهو معصوم المال فلا يستباح ماله؛ وإن زنى أو قتل من أجل مراعاة حرمة التوحيد، ولا يمنع التناكح والتوارث بينه وبين أهل الإسلام، ويبادل السلام، ويشمت إذا عطس، ويدفن إن مات في مقابر أهل التوحيد، ويوارى بطريقة المسلمين، وإنما تبقى البراءة منه إن لم يتب فرضاً لازماً، أداء لحق الله تعالى، وحفاظاً على نظام الدين، وغيرة على حرمات الحق، وتمييزاً بين البررة والفجرة» (973).
العمل الشنيع الذي تهاون به اليوم كثير من الناس ولكن باب التوبة مفتوح والحمد
الله» (شرح الكبائر، ص 1
(972) الحق الدامغ.
ص
(32 - 31
213 - 212
(973) حكم البراءة من مرتكب الكبيرة، ص 35. (1/306)
صفحة 302
الفصل الثاني
307
والتفاوت في منازل أهل الجنة أمر يقر به جميع المتقين، والداخلون في
الجنة
منهم
الأول الذي لا يسبقه أحد.
ومنهم الآخر الذي تغلق بعد دخوله
الأبواب.
فأول الداخلين هو عبد الله ورسوله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
حيث قال: «وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ» (97).
وجاء قول خازن الجنان لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ
قَبْلَكَ» (975).
وبعد الرسول صلى الله عليه وسلم تدخل وفود الرحمن من أبواب الجنان، فالسابق منهم من سبق بإيمانه وعمله، وكلٌّ له حظه في نعيم!
الله
الدائم.
وقد جاء في تفسير آية الأعراف ما يبين أن هناك السابق وهناك اللاحق من أهل الجنان.
قال ابن عاشور: «والذي ينبغي تفسير الآية به: أن هذه الأعراف جعلها الله مكاناً يوقف به من جعله الله من أهل الجنّة قبل دخوله إياها، وذلك ضرب من العقاب خفيف، فجعل الداخلين إلى الجنّة متفاوتين في السبق تفاوتاً يعلم الله أسبابه ومقاديره، وقد قال تعالى: {لَا يَسْتَوِى مِنكُم مِّنْ أَنفَقَ
(974) قال الإمام مسلم (صحيح مسلم، الرواية: 196، ص 141): «وحدثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ. حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُخْتَارِ ابْنِ فُلْفُلٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «أَنَا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَعاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ»».
(975) قال الإمام مسلم (صحيح مسلم، الرواية: 196، ص 141): «وحدثني عَمْرُو النَّاقِدُ
وزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَأَسْتَفْتِحُ. فَيَقُولُ الْخَازِنُ مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ. فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ». (1/307)
صفحة 303
308
معال الحق
مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلْ أُوْلَيْكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُوا وكلا وعد الله الحُسْنَى [الحديد: (10] (976).
وقال الشيخ الشعراوي: ومنتهى المنطق في القياس الموازيني أن يوجد فريق ثالث هم الذين تتساوى سيئاتهم مع حسناتهم، فلم تثقل موازينهم فيدخلوا الجنة، ولم تخف موازينهم فيدخلوا النار وهؤلاء هم من تعرض أعمالهم على (لجنة الرحمة) فيجلسون على الأعراف. ومن العجيب أنهم حين يشاهدون أهل الجنة يقولون لهم سلام عليكم على الرغم من أنهم لم يدخلوا، لكنهم يطمعون في أن يدخلوا، لأن رحمة الله سبقت غضبه. {وَنَادَوا أصحب الْجَنَّةِ أَن سَلَامُ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} [الأعراف: 46] (177 فأصحاب الأعراف قد أتوا بالإيمان الشرعي، ولم يأتوا بكبائر الذنوب، وهذا أهلهم لنيل شرف النجاة يوم القيامة، ودخول الجنة بعد حبسهم في
ساحات الموقف.
(977)
وبعد عرض رواية (الصورة) على منهج الأمة الإسلامية تبيَّن لنا عدم صلاحيتها في تأسيس تصور إسلامي نظيف وذلك لمناقضتها للعقيدة الثابتة
فهي
في الله سبحانه وتعالى وفي رسله الكرام صلوات الله وسلامه عليهم. طائفة ورواية الصورة التي ذكرت إخراج من المسلمين من نار جهنم لم هذا تأت من طريق قوية يُعتمد عليها في ترسيخ العقائد الإسلامية، ومع مناقضة لما جاء في رواية الشفاعة العظمى الصحيحة التي بينت بكل وضوح أن الشفاعة هي في إخراج المسلمين من حرارة يوم الموقف وشدته وهوله وليس في إخراج العصاة من دركات نار جهنم.
(976) تفسير ابن عاشور 109/ 8
(977) تفسير الشعراوي، 4151/ 7، من تفسير الآية 47 من سورة الأعراف. (1/308)
صفحة 304
الفصل الثاني
309
العنصر السادس: الرواية التي فيها: (يخرُج قوم من النار بعدما مسهم منها سَمْعٌ، فيدخلون الجنة، فيُسميهم أهل الجنة: الجهنميين): جاءت هذه الرواية في كتب الحديث منسوبة إلى أنس بن مالك، وعمران بن حصين، وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن مسعود، والمغيرة بن
شعبة، وعبد الله بن عمرو، وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري. أخرج هذه الرواية الإمام البخاري والإمام أحمد، وابن أبي عاصم، وأبو يعلى، واللالكائي، والدارمي والطبراني وابن خزيمة، والطيالسي، وأبو داود، وابن ماجه وابن حبان، وغيرهم. كما سيأتي تفصيله فيما
يأتي.
***
رواية منسوبة إلى الصحابي أنس بن مالك
جاءت هذه الرواية منسوبة إلى الصحابي أنس بن مالك من طريق همام بن يحيى بن دينار الأزدي عند الإمام البخاري (978)، والإمام أحمد (979).
(978)
هذه الرواية من هذه الطريق لا يصح الاحتجاج بها وذلك لورودها من قبل همام بن يحيى بن دينار الأزدي: قال ابن حجر (980): « ... قال الحسن بن علي الحلواني: سمعت عفان يقول: كان همام لا يكاد يرجع إلى كتابه ولا ينظر فيه، وكان يخالف فلا
(978) صحيح البخاري الرواية 6559، ص 1164. قال الإمام البخاري: «حدثنا هذبه بن خالد حدثنا همام عن قتادة حدثنا أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يخرج قوم من النار
بعدما مسهم منها سَفعُ، فيدخُلون الجنة، فيُسميهم أهل الجنة: الجهنميين».
(979) مسند الإمام أحمد، الرواية: 12402، والرواية: 13875.
(980) تهذيب التهذيب ت 7638، 61/ 11 - 62. (1/309)
صفحة 305
210
معالم الحق
يرجع إلى كتابه ثم رجع بعد فنظر في كتبه فقال: يا عفان كنا نخطئ كثيراً
فنستغفر الله تعالى ...
سمع
وهذا يقتضي أن حديث همام بآخره أصح ممن سـ منه، قديماً، وقد نص على ذلك أحمد بن حنبل وقال أبو بكر البرديجي: همام صدوق يكتب حديثه ولا يحتج به ... وقال الساجي: صدوق سيئ الحفظ ما حدث من كتابه فهو صالح وما حدث من حفظه فليس بشيء».
وقال الذهبي: « ... قال أبو حاتم ثقة في حفظه شيء وكان يحيى القطان لا يرضى حفظه ... وقال محمد بن المنهال عن يزيد بن زريع - وسئل عن همام ـ فقال: كتابه صالح وحفظه لا. يسوى شيئاً. وقال عمرو بن علي: كان يحيى
يرضى حفظه ولا كتابه ولا يحدث عنه ...
(981)
والذي يثبت خطأ همام في هذه الرواية واضطرابه في نقلها رواية جاءت عند الإمام البخاري)، وأبي يعلى (983)، وابن أبي عاصم (984)،
(981) ميزان الاعتدال: ت: 9253، 309/ 4.
(982) صحيح البخاري، الرواية: 7450، ص 1315: حدثنا حفص بن عُمر حدثنا هشام عن قتادة عن أنس له عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لَيُصيبنَّ أقواماً سفع من النار بذنوب أصابوها
عقوبة ثم يُدخِلُهم الله الجنةَ بفضل رحمتِهِ، يُقال لهم الجهنَّمِيُّون».
(983) مسند
همام عن: قتادة
عن
أبي يعلى الرواية 2888. وجاء أيضاً: حدثنا عبيد الله حدثنا عاصم بن هلال حدثنا أبي يعلى أيضاً: أنس ... » (مسند أبي يعلى الرواية: 3209). وجاء عند حدثنا زهير حدثنا معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن أنس أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: ليصيبن أقواماً سفح من النار عقوبة بذنوب أصابوها، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل
رحمته وشفاعة الشافعين يقال لهم الجهنميون» (مسند أبي يعلى، الرواية: 2980). حدثنا زهير حدثنا ا روح ابن عبادة حدثنا هشام بن أبي عبد الله عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليصيبن ناساً سفع من النار عقوبة بذنوب عملوها، فيدخلهم الله الجنة
بفضل رحمته، يقال لهم الجهنميون» (مسند أبي يعلى، الرواية: 3056)
(984) السُّنَّة لابن أبي عاصم الرواية: 871، 0584/ 1 (1/310)
صفحة 306
الفصل الثاني
والبغوي
(985)
211
مالك.
، حيث رواها قتادة بالعنعنة عن شيخه أنس بن وكما هو معروف أن قتادة مدلس من الطبقة الثالثة فلا تقبل عنعنته (986).
وجاءت هذه الرواية المنسوبة إلى أنس بن مالك في مسند الإمام
أحمد (987).
فمن المعلوم أن مسند الإمام أحمد هو رواية أبي بكر أحمد بن جعفر بن مالك القطيعي عن عبد الله بن الإمام أحمد.
حمدان
بن
قال الذهبي في ترجمة أبي بكر القطيعي: «صدوق في نفسه مقبول، تغير قليلاً ... قال أبو عمرو بن الصلاح اختل في آخر عمره، حتى كان لا يعرف شيئاً مما يقرأ عليه ذكر هذا أبو الحسن ابن الفرات ... قال ابن أبي الفوارس لم يكن في الحديث بذاك. له في بعض مسند أحمد أصول فيها نظر. وقال البرقاني: غرقت قطعة من كتبه، فنسخها من كتاب ذكروا أنه لم يكن سماعه فيه؛ فغمزوه لأجل ذلك، وإلا فهو
ثقة ...
(988)
عبد الله أحمد بن
النعيمي،
(985) تفسير البغوي، 338/ 2 - 339: «أخبرنا عبد الواحد بن أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمر، حدثنا هشام، عن قتادة، عن أنس له أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَيُصِيبَنَّ أقواماً سَفْعٌ من النار بذنوب أصابوها، عقوبة، ثم يدخلهم الله الجنةَ بفضل رحمتِهِ، فيقال لهم الجَهَنَّمِيُّونَ».
ص
102
(986) تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ت: 92. (987) مسند الإمام أحمد، الرواية: 12928. «حدثنا وكيع حدثنا يزيد بن أبي صالح وكان دباغاً وكان حسن الهيئة عنده أربعة أحاديث قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يدخلُ ناسُ الجحيمَ حَتَّى إذا كانوا حمما أُخْرِجُوا فَأُدْخِلُوا الجَنَّةَ،
فيقولُ أهْلُ الجَنَّةِ: هؤلاء الجَهَنَّمِيُّونَ»».
(988) ميزان الاعتدال ت: 320، 87/ 1 - 88 (1/311)
صفحة 307
312
وجاءت هذه الرواية المنسوبة إلى أنس بن مالك عند
من طريق عمرو بن أبي عمرو المختلف فيه.
الدارمي
(989)
قال ابن حجر: «قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس. وقال
الدوري عن ابن معين: في حديثه ضعف ليس بالقوي. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف ... » (990).
(99) ,
وجاءت هذه الرواية المنسوبة إلى أنس بن مالك عند
(989) سنن الدارمي، 27/ 1 - 28. قال الدارمي: «أخبرنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث حدثني يزيد هو ابن عبد الله بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «إنّي لأولُ الناسِ تنشقُ الأرضُ عن جُمْجُمَتِي يومَ القيامةِ ولا فَخْرَ، وأُعْطَى لواء الحمدِ ولا فَخْرَ، وأنا سيد الناسِ يومَ القيامَةِ ولا فَخْرَ، وأنا أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجنة يَوْمَ القيامة ولا فَخْرَ، وآتي باب الجنة فأخذ بحلقتها، فيقولونَ: مَنْ هَذَا؟ فأقول: أنا محمد فيفتحون لي، فأدخل فأجدُ الجبار مستقبلي فأسْجُدُ له، فيقول: ارفع رأسك يا محمد وتكلمْ يُسْمَعْ مِنْكَ، وقُلْ يُقْبَلْ مِنك، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأرفع رأسي فاقُولُ: أُمَّني أُمَّتِي يا ربّ، فيقولُ: اذْهَبْ إِلى أُمَّتِكَ فَمَنْ وَجَدْتَ في قلبِهِ مثقال حبةٍ من شعير من الإيمان فأدخله الجنَّةَ، فَأَذْهَبُ فَمَنْ وجدتُ في قلبه مثقال ذلك أدخلتُهُمُ الجَنَّةَ، فَأَجِدُ الجَبَّارَ مُسْتَقْبِلي فأسجُدُ له، فيقولُ: ارفع رأسك يا محمد وتكلَّمْ يُسْمَعُ منك، وقُلْ يُقْبَلُ مِنْكَ واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فارْفَعُ رأسي فأقولُ: أُمَّتِي أُمَّتِي يا ربّ، فيقول: اذهَبْ إِلى أُمِّتِكَ فَمَنْ وَجَدْتَ في قلبه مثقالَ حَبَّةٍ من خرْدَلٍ من الإيمانِ فأدخله الجنةَ، فَاذْهَبُ فَمَنْ وَجَدْتُ في قلبه مثقال ذلك أدخلتُهُمُ الجنَّة، وفُرغَ من حساب الناسِ وأدخل من بقي من أمتي في النار مع أهل النار، فيقولُ أَهْلُ النَّارِ: مَا أَغْنى عنكُمْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْبُدونَ الله ولا تُشْرِكُونَ بِهِ شيئاً، فيقولُ الجبار: فبعزتي لاعتقنهم من النار، فيُرْسَلُ إليهِمْ فَيُخرَجُونَ من النارِ وقد امتحشوا، فيدخلون في نهر الحياة فينبتون فيه كما تنبت الحبة في غثاء السيل، ويكتب بين أعينهم هؤلاءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ، فَيُذْهَبُ بِهِمْ فيدخُلُونَ الجنةَ فيقول لهم أهل الجنة هؤلاء الجهنّميُّونَ، فيقول الجبار: بل هؤلاء
عتقاء الجبار».
(990) تهذيب التهذيب ت: 5283، 68/ 8 (1/312)
صفحة 308
213
الفصل الثاني
ابن أبي عاصم
619911
(992)
وأبي بكر السجستاني" من طريق أبي عمرو بن أنس وهو رجل لم أعثر له على معدل أو مجرح في كتب الرجال التي بين يدي.
رواية منسوبة إلى الصحابي عمران بن حصين:
وجاءت هذه الرواية منسوبة إلى الصحابي عمران بن حصين من طريق الحسن بن ذكوان عند الإمام البخاري (993)، وأبي داودا 994)،
والطبراني
(996)
(995)، وابن ماجه والبغوي (997)
هذه الرواية ضعيفة وذلك لورودها من قبل أبي سلمة الحسن بن ذكوان البصري:
(991) السُّنَّة لأبن أبي عاصم الرواية: 874 586/ 1. قال ابن أبي عاصم: «ثنا أيوب الوزان، حدثنا عبد الله بن جعفر ثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن ا أبي. بن مالك، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يدخل قوم جهنم، ويخرجون
أنس عن
عمرو،
منها ويدخلون الجنة، يعرفون بأسمائهم، يقال لهم: الجهنميون»». (992) البعث (ابن أبي داود) 52/ 1. قال السجستاني: حدثنا محمود بن خالد قال: ثنا
عبد الله
يعني ابن عمرو، عن زيد يعني ابن أبي أنيسة، عن أبي عمرو بن أنس، عن أنس قال: سمعت رسول الله له يقول: يدخل قوم جهنم، ثم يخرجون منها، فيدخلون
الجنة، فيعرفون فيها بأسمائهم يقال لهم: الجهنميون»».
(993) صحيح البخاري الرواية: 6566، ص 1165، قال الإمام البخاري: «حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن الحسن بن ذكوان حدثنا أبو رجاء حدثنا عمران بن حصين مما عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَخرُجُ قومٌ من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم فيدخلون الجنة، يُسمّونَ الجهنميين»».
(994) سنن أبي داود، الرواية 4740،.
ص 0746
(995) المعجم الكبير الرواية: 287، 137/ 18.
ص
(996) سنن ابن ماجه، الرواية 4315. (997) تفسير البغوي، 339/ 2. (1/313)
صفحة 309
314
معالم الحق
قال ابن حجر: «قال ابن معين، وأبو حاتم: ضعيف. وقال عمرو بن علي كان يحيى! يحدث عنه، وما رأيت عبد الرحمن حدث عنه قط. وقال أبو حاتم، والنسائي أيضاً: ليس بالقوي. وقال أبو أحمد بن عدي: يروي أحاديث لا يرويها غيره، وأرجو أنه لا بأس به ... وقال الساجي: إنما ضعف لمذهبه، وفي حديثه بعض المناكير. ذكره يحيى بن معين فقال: صاحب الأوابد منكر الحديث وضعفه، قال: وكان قدرياً. وقال ابن أبي الدنيا: كان يحيى يحدث عنه، وليس عندي بالقوي. وقال عبد الله أحمد عن أبيه: بن أحاديثه أباطيل. وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: ما تقول في الحسن بن
ذكوان؟ فقال: أحاديثه أباطيل ...
1998)
***
رواية منسوبة إلى حذيفة بن اليمان
وجاءت هذه الرواية منسوبة إلى الصحابي حذيفة بن اليمان من طريق حماد بن أبي سليمان عند ابن أبي عاصم (999)، وابن خزيمة ... )، وفي مسند الإمام أحمد (100)، وعند اللالكائي)
(1002)
حماد بن أبي سليمان، مسلم الأشعري، ولاهم، أبو إسماعيل مو
الكوفي.
(998) تهذيب التهذيب ت: 1311، 254/ 2.
(999)
السنة لابن أبي عاصم، 578/ 1 قال ابن أبي عاصم: «ثنا هدبة، ثنا حماد سلمة، بن عن حماد بن أبي سليمان عن ربعي عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج قوم من النار بعدما محشتهم النار فيدخلون الجنة، فيسمون الجهنميون»».
(1000) كتاب التوحيد الرواية: 407 664/ 2.
(1001) مسند الإمام أحمد، الرواية: 23712، والرواية: 23817.
(1002) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة الرواية: 2080، المجلد 2/ 150. (1/314)
صفحة 310
الفصل الثاني
315
قال ابن حجر في تقريب التهذيب: «فقيه صدوق، له أوهام 1003). وقال أيضاً في تهذيب التهذيب: «قال أحمد: مقارب، ما روى عنه القدماء سفيان وشعبة ... وقال ابن المبارك عن شعبة: كان لا يحفظ ... وقال أبو حاتم: حماد هو صدوق، لا يحتج بحديثه، وهو مستقيم في الفقه، فإذا جاء الآثار شوش ... وقال ابن سعد: كان ضعيفاً في الحديث، واختلط في آخر أمره، وكان مرجئاً، وكان كثير الحديث، إذا قال برأيه أصاب، وإذا غير إبراهيم أخطأ. وقال الذهلي كثير الخطأ والوهم. وقال شعبة: زبيد فمررنا بحماد، فقال: تنح عن هذا فإنه قد أحدث. وقال بن أنس: كان الناس عندنا هم أهل العراق حتى وثب إنسان يقال له حماد فاعترض هذا الدين فقال فيه برأيه (100).
قال
عن كنت
مالك
وقال ابن حجر عند كلام له حول رواية أخرى جاءت من عدة طرق إحداها من طريق حماد بن أبي سليمان: ... لكن من حيث الترجيح رواية الأعمش ومنصور لاتفاقهما أصح من رواية عاصم وحماد لكونهما في حفظهما مقال» (1005).
(1006)
وجاء في مسند الطيالسي رواية منسوبة إلى حذيفة بن
اليمان الله من طريق أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري.
(1003) تقريب التهذيب، ت: 1505، 238/ 1.
(1004) تهذيب التهذيب ت 1575، 14/ 3 - 15.
(1005) فتح الباري، 440/ 1.
(1006) مسند الطيال الرواية 419، 219/ 1. «حدثنا أبو داود قال: حدثنا أبو عوانة عن
أبي مالك عن ربعي بن حراش عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أحياناً. ا يرفعه وأحياناً لا يرفعه قال ليخرجن قوم من النار منتنين قد محشتهم النار فيدخلون الجنة برحمة
الله وشفاعة الشافعين فيسمون الجهنميين. (1/315)
صفحة 311
316
معالم الحق
قال ابن حجر: « ... وقال أبو طالب عن أحمد: إذا حدث أبو عوانة من كتابه فهو أثبت وإذا حدث من غير كتابه ربما وهم ... وقال أبو زرعة: ثقة إذا حدث من كتابه.
وقال أبو حاتم كتبه صحيحة، وإذا حدث من حفظه غلط كثيراً، وهو صدوق ثقة ... وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة ثبت حجة فيما حدث من كتابه، وقال: إذا حدث من حفظه ربما غلط 100).
كتابه.
(1007)
وليس في هذه الرواية ما يدل ويثبت أن أبا عوانة حدث أبا داود من
***
رواية منسوبة إلى عبد الله بن مسعود:
حماد
بن
وأما الرواية المنسوبة إلى عبد الله بن مسعود فقد جاءت من قبل سلمة وعطاء بن السائب عند أبي يعلى (1008) (1009)، وابن حبان (1010)،
واللالكائي (1011).
(1007) تهذيب التهذيب ت: 7728، 104/ 11 - 106.
(1008) مسند أبي يعلى الرواية: 4982. حدثنا أبو نصر عبد الملك بن عبد العزيز التمار، حدثنا حماد بن سلمة عطاء السائب عن عمرو بن ميمون أن ابن مسعود عن
بن
الله
حدثهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يكون في النار قوم ما شاء الله، ثم يرحمهم ا فيخرجهم فيكونون في أدنى الجنة، فيغتسلون في نهر الحياة ويسميهم أهل الجنة الجهنميين، لو أضاف أحدهم أهل الدنيا لأطعمهم وسقاهم ولحفهم وفرشهم. قال وأحسبه قال: وزوجهم لا ينقص ذلك مما عنده شيئاً».
(1009) مسند أبي يعلى، الرواية: 5341.
(1010) صحيح
ابن حبان الرواية: 7428، 448/ 16 - 449.
(1011) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، الرواية: 2070، المجلد 147/ 2. (1/316)
صفحة 312
الفصل الثاني
317
فحماد
بن
والتعديل في وأما عطاء
فسماعه
سلمة قد اختلط وتغير حفظه، وقد ذكرتُ أقوال علماء الجرح
سلمة حماد
بن في (الميزان القسط) (1012).
مالك الثقفي أبو السائب: السائب بن بن
فقد قال ابن حجر: « ... قال أبو طالب عن أحمد: من سمع منه قديماً منه صحيح، ومن سمع حديثاً لم يكن بشيء، سمع منه قديماً سفيان وشعبة ... وقال أبو حاتم كان محله الصدق قبل أن يختلط صالح مستقيم
الحديث ثم بآخره تغير حفظه في حفظه تخاليط كثيرة (1013). وبهذا يتبيَّن ضعف هذه الرواية المنسوبة إلى الصحابي عبد الله بن
مسعود ده
***
رواية منسوبة إلى المغيرة بن شعبة
وأما الرواية المنسوبة إلى المغيرة بن شعبة فقد أخرجها
الطبراني (1014)، وابن خزيمة (1015). وهي رواية ضعيفة لورودها من طريق أبي شيبة عبد الرحمن بن إسحاق بن سعد بن الحارث الواسطي الكوفي. فقد قال ابن حجر: «قال أبو داود: سمعت أحمد يضعفه. وقال أبو طالب عن أحمد: ليس بشيء، منكر الحديث. وقال الدوري عن ابن معين: ضعيف،
(1012) انظر الميزان القسط)، ص 122 - 136.
(1013) تهذيب التهذيب ت 4754، 177/ 7 – 179. (1014) المعجم الكبير، الرواية: 1027، 425/ 20. حدثنا بشر بن موسى ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة قالا: ثنا فروة بن أبي المغراء ثنا القاسم بن مالك المزني عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد قال: سمعت المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يخرج قوم من النار فيدخلون الجنة فيسمون الجهنميون في الجنة فيدعون الله أن يحوّل عنهم
الله ذلك الاسم فيمحو عنهم». (1015) كتاب التوحيد الرواية: 438، 691/ 2 - 670. (1/317)
صفحة 313
218
معالم الحق
ليس بشيء. وقال ابن سعد، ويعقوب بن سفيان، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان ضعيف وقال النسائي: ليس بذاك. وقال البخاري: فيه نظر. وقال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال أبو حاتم ضعيف الحديث، منكر الحديث،
يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن خزيمة: لا يحتج بحديثه ... وقال أبيه ليس بذاك، وهو الذي يحدث عن النعمان بن
عبد الله أحمد. بن
عن
سعد أحاديث مناكير (1016).
رواية منسوبة إلى الصحابي عبد الله بن عمرو:
وأما الرواية المنسوبة إلى عبد الله بن عمرو فقد أخرجها ابن خزيمة (1017 وهي رواية ضعيفة لورودها من طريق خارجة بن مصعب بن خارجة الضبعي. قال ابن حجر: «قال الأثرم عن أحمد: لا يكتب حديثه. وقال عبد الله بن أحمد: نهاني أبي أن أكتب عنه شيئاً من الحديث. وقال الدوري، ومعاوية عن ابن نمير: ليس بثقة. وقالا عنه مرة: ليس بشيء. وقال عباس عنه: كذاب. وقال معاوية عنه: ضعيف. وقال عثمان الدارمي وغيره عن ابن معين: ليس بشيء ... وقال البخاري: تركه ابن المبارك ووكيع ... وقال النسائي: متروك الأحاديث. وقال مرة: ليس بثقة. وقال مرة: ضعيف ... وقال أبو حاتم: مضطرب الحديث، ليس بقوي يكتب حديثه ولا يحتج به، لم يكن
محله محل الكذب
(1018)
(1016) تهذيب التهذيب ت 3934، 124/ 6 - 125.
(1017) كتاب التوحيد، الرواية: 410، 667/ 2. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا خارجة بن مصعب عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يخرج ناس من النار فيسمون الجهنميون» قال: قلت لعبد الله بن عمرو: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم».
(1018) تهذيب التهذيب ت: 1989، 70/ 3 - 71. (1/318)
صفحة 314
الفصل الثاني
319
رواية منسوبة إلى الصحابي جابر بن عبد الله:
وأما الرواية المنسوبة إلى جابر بن عبد الله فقد أخرجها
1019)
ابن حبان (1019)، وهي رواية ضعيفة لورودها من قبل عنعنة أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم.
نعم. وقال
قال ابن حجر: « ... قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: كان أيوب يقول: حدثنا أبو الزبير، وأبو الزبير أبو الزبير قلت لأبي يضعفه؟ قال: نعيم بن حماد: سمعت ابن عيينة يقول: حدثنا أبو الزبير وهو أبو الزبير أي: كأنه يضعفه. وقال هشام بن عمار عن سويد بن عبد العزيز قال لي شعبة: تأخذ عن أبي الزبير وهو لا يحسن أن يصلي؟ وقال نعيم بن. حماد: هشيماً يقول: سمعت من أبي الزبير فأخذ شعبة كتابي فمزقه ... وقال
سمعت
محمد بن جعفر المدائني عن ورقاء قلت لشعبة: ما لك تركت حديث أبي الزبير؟ قال: رأيته يزن ويسترجح في الميزان وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: أبو الزبير يحتاج إلى دعامة ... وقال يعقوب بن شيبة ثقة صدوق وإلى الضعف ما هو وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن
أبي الزبير فقال: يكتب حديثه ولا يحتج به وهو أحب إلي من سفيان ...
(1019) صحيح ابن حبان، الرواية: 183، 409/ 1 - 410. قال ابن حبان: «أخبرنا الحسن بن سفيان، قال: حدثنا يحيى بن أبي رجاء بن أبي عبيدة الحراني، قال: حدثنا زهيرُ بنُ معاوية، عن أبي الزبير عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مُيِّزَ أَهْلُ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ، يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّار، قامتِ الرُّسُلُ فَشَفَعوا، فَيَقَالُ: اذْهَبُوا فَمَنْ عَرَفْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ قِيرَاطٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ بَشَراً كَثِيراً، ثم يقالُ: اذْهَبُوا فَمَنْ عَرَفْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ بَشراً كَثِيراً، ثم يقول جل وعلا: أنا الآن أُخْرِجُ بِنَعْمَتِي وبرحمتي. فَيُخْرِجُ أَضْعَافَ مَا أَخْرَجُوا وَأَصْعَافَهُمْ قد امْتَحَشُوا، وصاروا فَحْماً، فَيُلْقَوْنَ في نَهْرٍ، أو في نهرٍ مِنْ أَنهار الجنةِ، فتسقط مُحاشُهُمْ على حافَةِ ذلك النَّهْرِ، فيعودون بيضاً مثل التَّعارير، فَيُكْتَبُ في رقابهم: عُتَقاءُ اللَّهِ، وَيُسَمَّوْنَ فِيهَا الجَهَنَّمِيِّين». (1/319)
صفحة 315
320
معالم الحق
قال شعبة: لم يكن في الدنيا أحب إلي من رجل يقدم فأسأله عن أبي الزبير، فقدمت مكة فسمعت منه فبينا أنا جالس عنده إذ جاءه رجل فرد عليه فافتريى عليه فقال له يا أبا الزبير تفتري على رجل
فسأله
عن
مسألة
مسلم، قال: إنه أغضبني قلت: ومن يغضبك تفتري عليه؟ لا رويت عنك
(1020)
شيئاً ... 1020).
وقال الذهبي: «وأما أبو محمد بن حزم فإنه يرد من حديثه ما يقول فيه: ... جابر ونحوه، لأنه عندهم ممن يدلس؛ فإذا قال: سمعت، وأخبرنا احتج به. ويحتج به ابن حزم إذا قال: «عن» رواه عنه الليث بن سعد خاصة ... » (1021).
وقال الذهبي أيضاً: وفي صحيح مسلم عدة أحاديث مما لم يوضح فيها أبو الزبير السماع عن جابر، وهي عن غير طريق الليث عنه، ففي القلب
منها شيء» (1022).
وأنت ترى أيها القارئ الكريم أن أبا الزبير لم يصرح في هذه الرواية بالسماع من جابر بل عنعن فيها عنه وهذا يكفي لإسقاط الاحتجاج بها.
رواية منسوبة إلى الصحابي أبي سعيد الخدري:
، وأما الرواية المنسوبة إلى أبي سعيد الخدري فقد أوردها
(1020) تهذيب التهذيب ت 6580، 381/ 9 - 382.
(1021) ميزان الاعتدال ت: 8169، 37/ 4
(1022) ميزان الاعتدال، 39/ 4. (1/320)
صفحة 316
الفصل الثاني
321
ابن خزيمة (1023) من طريق سالم بن نوح بن أبي عطاء البصري، ومن طريق
سعيد بن إياس الجريري.
فسَالِمُ بنُ نُوح بن أبي عَطَاء البَصْرِي الجزري أبو سعيد العطار، قد
اختلف فيه علماء الجرح والتعديل.
قال ابن حجر: قال عبد الله. أحمد
بن
عن أبيه ما بحديثه بأس. وقال
الدوري عن ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو زرعة: لا بأس به، صدوق، ثقة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به ... وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: عنده غرائب وأفراد وأحاديثه محتملة متقاربة ... وقال الدارقطني: ليس بالقوي» (1024).
حفظه
وأما سعيد بن إياس الجريري فقد اختلط في آخر عمره، فقد قال ابن حجر: «قال الدوري عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: تغيّر. موته، فمن كتب عنه قديماً فهو صالح وهو حسن الحديث ... وقال
قبل
ابن معين عن ابن عدي: لا نكذب والله سمعنا من الجريري وهو مختلط ... وقال ابن معين: قال يحيى بن سعيد لعيسى بن يونس: أسمعت من الجريري؟ قال: نعم، قال: لا ترو عنه ـ يعني: لأنه منه بعد اختلاطه - سمع وقال الدوري عن ابن معين: سمع يحيى بن سعيد من الجريري وكان
(1023) كتاب التوحيد، الرواية: 436، 689/ 23. قال ابن خزيمة: حدثنا أبو موسى، ومحمد بن بشار، قالا: ثنا سالم بن نوح عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أهل النار الذين هم أهل النار لا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين يريد الله إخراجهم منها، فتميتهم النار إماتة، حتى يكونوا فحماً، ثم يخرجون ضبائر، فيلقون على أنهار الجنة ويرش عليهم من مائها، فينبتون كما تنبت الحبة، في حميل السيل قال بندار: يعني الحبة، وقال أبو موسى: فيدخلون الجنة وقالا جميعاً فيسميهم أهل الجنة الجهنميين فيدعون الله، فيذهب ذلك الاسم عنهم».
(1024) تهذيب التهذيب ت: 2278، 3/ 385 - 386. (1/321)
صفحة 317
322
لا
يرو
مع الراحة
عنه. قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، إلا أنه اختلط في آخر
عمره (1025)
وقد بين ابن الصلاح حكم روايات المخلطين حيث قال: «والحكم فيهم أخذ قبل الاختلاط ولا يقبل حديث من
عنهم
عنهم
أخذ أنه يقبل حديث من بعد الاختلاط أو أشكل أمره فلم يدر هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو
بعده (1026).
القاعدة
وليس هناك من دليل يثبت أن سالم بن نوح أخذ هذه الرواية من الجريري قبل الاختلاط، لهذا فعلينا عدم قبول هذه الرواية حسب التي ذكرها ابن الصلاح.
ومما سبق ذكره حول طرق هذه الرواية يتبيَّن لنا عدم صحة أي سند منها وهذا كفيل بردها وتجنب ما تحمله من معاني.
***
وأما متن هذه الرواية فقد أتى بمعان جرت الشراح لقول عبارات ردها القرآن الكريم عند ذكره لنعيم سكان الجنات الخالد.
فقد جاء عند القرطبي ما يشعر أن وهم في جنات عدن هو شعورهم بالحياء والعار والتنغيص من تعلق كلمة (جهنميون) على جباههم، حيث قال القرطبي: « ... قيل: إنما سألوا ذلك بخلاف المتحابين في الله تعالى لأنهم أنفوا أن ينسبوا إلى جهنم التي هي دار الأعداء واستحيوا من إخوانهم لأجل ذلك، فلما منّ عليهم بدخول الجنة أرادوا كمال الامتنان بزوال هذه النسبة عنهم.
سبب طلب محو ذلك الاسم عنهم،
(1025) تهذيب التهذيب: ت: 2366، 5/ 4 - 6.
(1026) التقييد والإيضاح، ص 442. (1/322)
صفحة 318
الفصل الثاني
323
وقد روي مرفوعاً: «إنهم إذا دخلوا الجنة قال أهل الجنة: هؤلاء الجهنميون، فعند ذلك يقولون: إلهنا لو تركتنا في النار كان أحب إلينا من العار، فيرسل الله ريحاً من تحت العرش يقال لها: المثيرة، فتهب على وجوههم فتمحي الكتابة وتزيدهم بهجة وجمالاً وحسنا ... فإن قيل: ففي هذا ما يدل على أن بعض من يدخل الجنة قد يلحقه تنغيص ما، والجنة لا تنغيص فيها ولا نكد قيل له: هذه الأحاديث تدل على ذلك وأن ذلك يلحقهم عند دخول الجنة ثم يزول ذلك الاسم عنهم، وقد مثل بعض علمائنا هذا الذي أصاب هؤلاء بالبحر تقع فيه النجاسات أنه لا حكم لها كذلك ما أصاب هؤلاء بالنسبة إلى أهل الجنة، وهو تشبيه حسن
(1027)
وعند شرحه لهذه الرواية نقل علي القاري عن الطيبي ما نصه: «ليست التسمية بها تنقيصاً لهم بل استذكاراً ليزدادوا فرحاً إلى فرح وابتهاجاً إلى ابتهاج وليكون ذلك علماً لكونهم عتقاء الله تعالى (1028).
وهذا التعليل الذي نقله علي القاري لم يرتضه ابن حجر، حيث قال في الفتح: «وزعم بعض الشراح أن هذه التسمية ليست تنقيصاً لهم بل للاستذكار لنعمة الله ليزدادوا بذلك شكراً، كذا قال وسؤالهم إذهاب ذلك الاسم عنهم يخدش في ذلك» (1029).
فهناك مندوحة واسعة لهؤلاء العلماء عن هذا التكلف الذي سطروه عند شرحهم لهذه الرواية التي لم تثبت أبداً. وهذه التعليلات ما كان لها أن تسطر في صفحات العلماء لو أن المنهج الصائب طبق عند تقييم هذه الرواية التي
لا أصل لها.
(1027) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، 370/ 2 - 371.
(1028) مرقاة المفاتيح، 259/ 10.
(1029) فتح الباري، 253/ 13. (1/323)
صفحة 319
324
معالم الحق
العنصر السابع: الرواية التي جاء فيها: (وَلكِنْ قَوْمٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ أَوْ قَالَ: بِخَطَايَاهُمْ) فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً)
قال الإمام مسلم (1030): وحدثني نَصْرُ بْنُ عَلِيَ الْجَهْضَمِيُّ. حَدَّثَنَا بِشْرٌ يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلٍ عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ. وَلكِنْ قَوْمُ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ أَوْ قَالَ: بِخَطَايَاهُمْ) فَأَمَاتَهُمْ إِمَانَةٌ. حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْماً أَذِنَ بِالشَّفَاعَةِ. فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ فَبُثُوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلَ السَّيْلِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: كَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كَانَ بِالْبَادِيَةِ.
وأخرج هذه الرواية ابن ماجه، والدارمي (1032)، والإمام أحمد (1033)، وابن حبان (1034)، وأبو يعلى (1035)، وعبد بن حمي
(1036)
فمن علل هذه الرواية ورودها من قبل أبي نضرة الذي اختلف فيه أئمة الحديث؛ بين موثق له وبين من لم يحتج برواياته.
فأبو نضرة هو: المنذر مالك
بن
بن قطعة العبدي ثم العوفي
البصري.
ص
0133
(1030) صحيح مسلم، الرواية: 185،. (1031) سنن ابن ماجه الرواية: 4309، ص 699.
(1032) سنن الدارمي، 331/ 2 - 332. (1033) مسند الإمام أحمد، الرواية: 11093.
(1034) صحيح ابن حبان الرواية،184، 411/ 1 - 312. والرواية: 7485، 0530/ 16 (1035) مسند أبي يعلى الرواية: 1096، والرواية: 1369.
(1036) مسند عبد بن حميد الرواية،868 ص 275. والرواية: 865، ص
274 (1/324)
صفحة 320
الفصل الثاني
325
فقد قال ابن حجر: «قال صالح بن أحمد عن أبيه: ما علمت إلا خيراً وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة وكذا قال أبو زرعة والنسائي، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن أبي نضرة وعطية فقال: أبو نضرة أحب إلي وقال: ابن سعد كان ثقة كثير الحديث وليس كل أحد يحتج به ... وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: كان من فصحاء الناس فلج في آخر عمره ... وكان ممن يخطئ ... ولهذا لم يحتج به البخاري ......
ونحن إذا نظرنا نظرة منهجية في متن هذه الرواية لوجدناها مخالفة لما جاء به القرآن الكريم والسنة النبوية الطاهرة.
1 - جاء في هذه الرواية ما نصه. «فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةٌ»:
قال النووي: «وأما قوله: ولكن ناس أصابتهم النار» إلى آخره فمعناه: أن المذنبين من المؤمنين يميتهم الله تعالى إماتة بعد أن يعذبوا المدة التي أرادها الله تعالى، وهذه الإماتة إماتة حقيقية يذهب معها الإحساس ويكون عذابهم على قدر ذنوبهم، ثم يميتهم، ثم يكونون محبوسين في النار من غير إحساس المدة التي قدرها الله تعالى ثم يخرجون من النار موتى قد صاروا فحماً (1038).
(1037) تهذيب التهذيب، ت،7208، 270/ 10. وانظر كذلك: (الثقات لابن حبان، ت 5533، 420/ 5 قال عنه ابن حبان: «وكان ممن يخطئ و الكاشف، 154/ 3) قال
عنه
الذهبي: «فصيح بليغ مفوه ثقة يخطى».
(1038) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، 38/ 3. ومن تتمة أقوال النووي: «وحكى القاضي عياض رحمة الله فيه وجهين: أحدهما: أنها إماتة حقيقية. والثاني: ليس بموت حقيقي، ولكن تغيب عنهم إحساسهم بالآلام، قال: ويجوز أن تكون آلامهم أخف، فهذا كلام القاضي والمختار ما قدمناه والله أعلم». (1/325)
صفحة 321
326
مع الرالحق
وقال القرطبي: «فقوله «فأماتهم الله» حقيقة في الموت؛ لأنه أكده بالمصدر، وذلك تكريماً 1039) لهم. وقيل: يجوز أن يكون أماتهم» عبارة عن تغييبهم عن
آلامها بالنوم، ولا يكون ذلك موتاً على الحقيقة؛ والأول أصح 1040).
فهذه الرواية تذكر أن الذين يموتون في النار بعد عذابهم فيها يكون مآلهم الأخير في الجنة، وبهذا يكونون قد مروا بإماتتين منذ خرجوا من الحياة الدنيا، ويكونون قد ذاقوا من عذاب النار.
وهذا القول يعارضه القرآن الكريم، فقد قال الله سبحانه في تعداد فضله على عباده في الجنة: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَنَهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} [الدخان: 56]، وقال تعالى: {فَمَنَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَنَا عَذَابَ السَّمُومِ الطور: 27]، وقال تعالى أيضاً: {وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ فَتَرُ وَلَا ذله) (يونس: 26).
هذه الآيات تذكر لنا حقيقتين:
الأولى: - سكان الجنة قد وقاهم الله تعالى من عذاب السموم وعذاب الجحيم، وسلم وجوههم من القتر والذلة.
الثانية - حظ أهل الجنة من الموت مرة واحدة يوم خرجوا من الدنيا إلى الآخرة.
قال الشيخ الخليلي حفظه الله تعالى: « ... أنه أخبر عنهم أنهم لا يصيبهم قتر ولا ذلة ولا يعقل أن يضلى أحد النار ولو لمدة ثوان فلا يرهقه فيها قتر
ولا ذلة» (1041).
(1039) إنها الفاجعة حيمنا تصير النار - والعياذ بالله ـ داراً للكرامة!!!. (1040) تفسير القرطبي، 173/ 1، من تفسير الآية 28 من سورة البقرة.
(1041) الحق الدامغ ص.
220 (1/326)
صفحة 322
الفصل الثاني
327
وقال الإمام ابن كثير: «أي: وقد نجاهم من عذاب النار، وتلك نعمة مستقلة بذاتها على حدتها مع ما أضيف إليها من دخول الجنة التي فيها من السرور ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (1042).
هذا النعيم
وقال ابن كثير أيضاً في موضع آخر من تفسيره: «أي: مع. العظيم المقيم قد وقاهم وسلمهم ونجاهم وزحزحهم عن العذاب الأليم في دركات الجحيم، فحصل لهم المطلوب ونجاهم من المرهوب» (1043). فسكان الجنة قد سلمهم الله تعالى من الموت إلا الموتة الأولى، ووقاهم عذاب النار، وهذا هو الحق الذي لا يجوز غيره لأنه جاء في كتاب الله
ربهم
العزيز.
وبهذا ينبغي لنا عدم الأخذ برواية أبي نضرة ـ الذي لم يحتج به الإمام
البخاري - وذلك لمصادمتها للقرآن الكريم.
حكم الروايات التي تخالف القرآن الكريم:
ومناهج الأمة الإسلامية تصر على رد الروايات والأقوال التي تخالف القرآن الكريم، وقد صرح بهذه الحقيقة علماء الأمة.
قال الإمام نور الدين السالمي: قوله: (وما خالفه فليس عني) وكيف يخالف كتاب الله و به هداه ربه؟ وهذا قانون يعرف به مقبول الأخبار من مردودها فمن تمسك بظاهر كتاب الله عند اختلاف الأمة في حكم أو خبر فقد تمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها وأخذ بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم في
هذا الحديث.
(1042) تفسير ابن كثير 431/ 6، من تفسير الآية 18 من سورة الطور. (1043) تفسير ابن كثير، 262/ 6، من تفسير الآية 56 من سورة الدخان. (1/327)
صفحة 323
328
وقد تقدم أن الحديث في ما اختلفت فيه الأمة وأن ما اتفقت عليه لا يحتاج إلى العرض، فالمعروض ما جاءنا عنه من الأخبار المختلف في ثبوتها وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حكم بأن ما خالف كتاب الله فليس عنه وذلك لأنه توفي عليه الصلاة والسلام والدين كامل والنعمة بالإسلام تامة وقد علم الناسخ والمنسوخ والعام والخاص واستقرت الشريعة واستبان الحق، فما جاءنا بعد ذلك عرضناه على المعلوم المستقر في زمانه من كتاب الله وسُنَّته فإن وافق قبلناه» (1044).
وجاء في جوابات الإمام نور الدين السالمي: «السؤال: الشرط في التزويج هل يبطل إذا عارض الكتاب والسُّنَّة والإجماع فإن لم يعارض ثبت
أو لا؟.
الجواب: نعم كل شرط خالف الكتاب أو السُّنَّة أو الإجماع فهو باطل لقوله عليه الصلاة والسلام كل شيء لم يكن عليه أمرنا فهو رد» أي مردود وما أحقه بذلك فما بعد الحق إلَّا الضلال. وأما إذا لم يخالف الكتاب ولا السنة ولا إجماع الأمة فهو ثابت لأن المسلمين على شروطهم ومن ألزم نفسه شيئاً جائزاً لزمه. والله أعلم» (1045).
وقال سماحة الشيخ أحمد حمد الخليلي حفظه الله تعالى: « ... لو بن جئنا إلى علم الحديث مثلاً؛ نرى أن مما يقوله المحدثون جميعاً بأن الحديث لا يرقى إلى درجة الصحة، حتى يكون غير متصادم مع القرآن الكريم والمتواتر من السُّنَّة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ولكن هل طبق ذلك تطبيقاً دقيقاً؟ بحيث أخذ بالحديث الذي يتفق مع مدلول القرآن، وترك الأخذ بالحديث الأحادي الذي يتعارض معه؟ لا، بل
(1044) شرح الجامع الصحيح (مسند الإمام الربيع)، 67/ 1.
(1045) جوابات الإمام السالمي، 417/ 2. (1/328)
صفحة 324
الفصل الثاني
329
نجد تناقضاً عجيباً عند علماء الحديث؛ بين ما يؤصلونه وما يسيرون عليه، من أمثلة ذلك أن الألباني يقول في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع بن حبيب رحم الله من رواية ابن عباس ها: (إنكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فعني، وما خالفه فليس عني) بأن هذا الحديث حديث باطل لا يصح، وهو من وضع الزنادقة والخوارج و .. إلى آخره، ثم يقول: لو جئنا وحكمنا هذا الحديث نفسه وعرضناه على القرآن لوجدناه حديثاً باطلاً لأن القرآن يأمرنا بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم، ولما كان يأمرنا بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم فعلينا أن نأخذ بهذا الأمر ونرفض هذا الحديث الذي تبيَّن لنا بهذا المقياس أنه حديث باطل .. إلخ.
- أولاً: لننظر؛ هل الحديث يقول بأنه يُرفض شيء ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو أنه يقول بأن معرفة التمييز بين الصحيح وغيره من جملة طرقه أن نرجع إلى القرآن لننظر في موافقة الرواية للقرآن وعدم موافقتها؟.
ثانياً: لننظر في مسلك الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فمع قرب عهدهم بالرسول صلوات الله وسلامه عليه كانوا يحرصون كل الحرص على أن يأخذوا بالرواية التي لا تتعارض مع القرآن وعندما تأتيهم رواية يشتمون منها أي معارضة له لا يقبلون ذلك» (1046).
وقال الشيخ الدكتور القرضاوي: أن السُّنة مبينة للقرآن، فلا يجوز رد السنة اكتفاء بالقرآن كما لا يجوز قبول السُّنَّة المناقضة للقرآن، لأن البيان لا يناقض المبين، إنما يوضحه ويبين المراد منه، بتخصيص عامه أو تقييد
مطلقه أو تفسير مبهمه، أو تفصيل مجمله» (1047).
(1046) إعادة صياغة الأمة (الحلقة الأولى)، ص 21 - 22. (1047) الشفاعة في الآخرة بين النقل والعقل للقرضاوي
ص
17 (1/329)
صفحة 325
من الم الحق
وقال الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي: «مما لا شك فيه أن أصل التشريع الإسلامي الأول هو القرآن الكريم كلام رب العالمين، فإذا تعارض الحديث المروي مع نص صريح في القرآن أو تصادم مع أصل مقرر فيه أو قاعدة عامة أو كلية مستنبطة من مجموع الآيات القرآنية، فلا شك في أنه يؤخذ بالقرآن ويترك الحديث المروي، وهذا ما قرره علماء الحديث وغيرهم من زمان بعيد (1048).
وقال الأستاذ الدكتور الزحيلي أيضاً: «وأما ضوابط أو قواعد نقد الحديث من جهة المتن، فهي كثيرة أهمها ما يأتي، وهي ضوابط لأي قراءة قديمة أو معاصرة مقبولة عند أهل العلم .... 7 - ألا يخالف المعقول في أصول العقيدة من صفات الله ورسوله .... 10 - ألا يخالف القرآن أو محكم السنة أو المجمع عليه أو المعلوم من الدين بالضرورة (البداهة) بحيث لا يحتمل التأويل ... » (1049).
وقال الدكتور عصام أحمد البشير: «فقد عني الصحابة بألفاظ الروايات ومتون الأحاديث بعرضها على ما تقرر عندهم من الأصول الشرعية والقواعد الثابتة والقواطع المعلومة من دلائل الكتاب والسنة .... فلم يكونوا يقبلون حديثاً يخالف كتاب الله، أو مناقضاً لما اشتهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو معلوماً من الدين بالضرورة ... لما كان كتاب الله تعالى هو
13
(1048 قراءة وضوابط في فهم الحديث النبوي، ص (1049) قراءة وضوابط في فهم الحديث النبوي، ص 22 - 23. ومما قاله الدكتور الزحيلي أيضاً: بل إن علماءنا نقدوا المتن على الرغم من سلامته من العلل السابقة كلها، من نواح أخرى كالاضطراب والشذوذ والإعلال والقلب والغلط والإدراج ونحو ذلك». (قراءة وضوابط في فهم الحديث النبوي، ص 24)، وقال أيضاً: «والخلاصة أن السنة النبوية الشريفة لا تتعارض مع الأصول العامة والقواعد الأساسية المقررة في القرآن بل هي دائرة في محيطه، ومتفقة مع عموماته وإطلاقاته» (قراءة وضوابط في فهم الحديث النبوي.
ص
(10, (1/330)
صفحة 326
الفصل الثاني
331
الأصل الأول في التشريع والمنزع عند الاختلاف. وهو المحفوظ جميعاً والمنقول إلينا تواتراً، كان هو المقياس الأول، فلا يقبل ما خالفه. الأحاديث أو بيانه من الروايات، بل يحكم على رواته بالوهم والغلط وذلك
من
لأنه لا يتصور إمكان وقوع حديث صحيح صريح مناقض لما دل عليه القرآن
(1050)
بوجه لا يمكن الجمع ... » 1050).
وقال الدكتور محمد حسين الذهبي: «إن القاعدة المتفق عليها بين المحدثين أن كل متن يناقض المعقول، أو يخالف الأصول، أو يعارض الثابت من المنقول، فهو موضوع على الرسول
(1.01) ,
وقال علي حسن مطر الهاشمي: بعد ثبوت مشروعية قاعدة العرض يجب تحكيمها في جميع الروايات الواردة في المصنفات الحديثية
(1050) أصول منهج النقد عند أهل الحديث، ص 50 - 51. ومما قاله الدكتور عصام أحمد البشير أيضاً: «وإليك بعض القواعد العلمية التي
(A.
وضعها المحدثون لكشف الموضوع في متون الأحاديث. مخالفة الحديث لدلالة الكتاب القطعية أو السنة الصحيحة الصريحة مناقضة بينة. مخالفة الحديث للإجماع القطعي. مخالفة الحديث لصريح العقل ..... أصول منهج النقد عند أهل الحديث، ص. ومما قاله الأستاذ عصام البشير: ونسوق في هذه الصفحات أهم القواعد التي احتكم إليها المحدثون في نقد الأحاديث وردها. مناقضة القرآن الكريم: فإذا كان متن الحديث مخالفاً للقرآن الكريم بوجه يتعذر معه الجمع أو النسخ حكم عليه بالوضع .... (أصول منهج النقد عند أهل
الحديث، ص 93).
وهذا القول الذي ذكره الدكتور عصام البشير فيه شرح لما قاله العلامة ابن القيم: وكذلك نقد أهل الحديث فإنه يمر إسناد ظاهر كالشمس على متن مكذوب فيخرجه ناقدهم، كما يخرج الصيرفي الزغل من تحت الظاهر من الفضة». (مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين 609/ 2).
(1051) التفسير والمفسرون، 33/ 2. (1/331)
صفحة 327
332
بع الراحة
للمسلمين، بما في ذلك روايات الكتب الموسومة بالصحاح؛ لأن صحة سند الرواية لا تعني أن مضمونها معلوم الصدور، بل معناها: أن رواتها ثقات، ولما كان الثقة قد يخطئ، فإن صدور روايته يبقى في دائرة الظن، فلا بد
لحسم الموقف من العرض على محكم الكتاب والسنَّة» (1052).
وقال علي حسن مطر الهاشمي أيضاً: «فالحق: أن الشارع المقدس يريد بروايات العرض: تأسيس قاعدة شرعية تتمثل بـ (عرض الأحاديث المظنون صدورها عن المعصوين على ما هو معلوم الصدور)، ومعلوم الصدور هو: آيات الكتاب، والسُّنَّة المجمع عليها، فإن كانت تلك الأحاديث مخالفة لمعلوم الصدور، دل ذلك على عدم صدورها: إما لأنها موضوعة على المعصومين، وإما لخطأ واشتباه الرواة الناقلين لها» (1053).
2
***
- أنواع عقوبات أهل الكبائر:
ورواية أبي نضرة هذه تذكر أن التفحم بعد الحرق في النار ينتظر عصاة المسلمين، ولكن هناك روايات ذكرت أنواعاً أخرى من العذاب حسب أنواع الذنوب التي اقترفها أصحابها، وبينت تلك الروايات دوام العذاب (1054).
(1.04)
منهج نقد المتن في تصحيح الروايات وتضعيفها، ص 9. ومما قاله علي حسن الهاشمي: «وأما منهج نقد المتن، فإنه يقوم على أساس عرض متن الرواية على محكم الكتاب والسنة، وعلى ما هو متيقن من المعلومات كالبديهيات العقلية والحقائق التاريخية والقوانين العلمية، ونتيجة ذلك هي: العلم بصدور الموافق من الروايات لمحكم الكتاب والسنة، والعلم بعدم صدور ما ينافيهما، أو ينافي ما هو متيقن من المعلومات». (منهج نقد المتن في تصحيح الروايات وتضعيفها، ص / نقد المتن في تصحيح الروايات وتضعيفها، ص 107. (1054) انظر ما قاله علماء اللغة في المعنى اللغوي لكلمة (خلد) في
(1.07)
منهج
ص
477
(17
من هذا البحث. (1/332)
صفحة 328
الفصل الثاني
333
قال الإمام البخاري: «حَدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لله عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَتَّى سَمَّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسَمُّهُ فِي يَدِهِ، يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا»».
(1.00)
أخرج هذه الرواية الإمام البخاري، والإمام مسلم، والنسائي (1057)، والإمام أحمد (1058).
فالرسول صلى الله عليه وسلم ذكر هنا في هذه الرواية حكم الله في أهل الكبائر ولم يؤملهم بشفاعة أو يبشرهم بمغفرة ولا بخروج من
النار.
فمن رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم تحذير البشر من كل ما يبلغهم إلى النار، وقد بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث حكم الله في من قتل نفسه؛ فلا شفاعة بل خلود مؤبد في بطن جهنم والعياذ بالله.
وهذه الرواية لم تذكر الموت بعد التفحم في النار، والعياذ بالله، بل ذكرت عذاباً خالداً لا ينقطع.
(1055) صحيح البخاري، الرواية: 5778.
ص
(1056) صحيح مسلم، الرواية: 109، ص 99.
1.0.
(1057) سنن النسائي الكبرى الرواية،2092، 638/ 1 والرواية: 4711، 123/ 3. والرواية:
4712، 124/ 3
(1058) مسند الإمام أحمد، الرواية: 10198. (1/333)
صفحة 329
334
معالم الحق
وجاء في حديث (1059) سمرة بن جندب، عن الرسول صلى الله عليه وسلم بعض من أنواع العذاب في حق العصاة وليس من تلك الأنواع الحرق بالنار المؤدي إلى التفحم، فقد جاء في تلك الرواية: ... قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا، فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ؟ قَالَ: قَالَا لِي أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ، أَمَّا الرَّجُلُ الأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُتْلَعُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَعْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذبَةَ تَبْلُغُ الآفَاقَ، وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ فَإِنَّهُمُ الزَّنَاةُ وَالزَّوَانِي. وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ
وَيُلْقَمُ الْحَجَرَ، فَإِنَّهُ اكِلُ الرِّبَا ... ».
هذه
صور
أخرى من العذاب تنتظر أصحاب الكبائر من الكذابين والزناة
وأكلة الربا، والعياذ بالله.
***
والذين شرحوا رواية أبي نضرة هذه ظهرت في كتاباتهم عبارات تدل على عدم يقينهم بما جاء فيها، فقد عرضوا أقوالهم بعبارات التمريض الدالة على عدم القطع بما سطروه من كلمات.
قال الإمام القرطبي: «وقد تختلف أيضاً أحوالهم في طول التعذيب بحسب جرائمهم وآثامهم. وقد قيل إنه يجوز أن يكونوا متألمين حالة موتهم، غير أن آلام المؤمنين تكون أخف من آلام الكفار، لأن آلام المعذبين وهم
(1059) صحيح البخاري، الرواية: 7047،. ص 1247 - 1248. قال الإمام البخاري: «حَدَّثَنِي مُؤَمِّلُ بْنُ هِشَامٍ أَبُو هِشَامٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدْثَنَا عَوْفٌ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ له قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لَأَصْحَابِهِ: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا». قَالَ: فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُصَّ، وَإِنَّهُ قَالَ ذَاتَ غَدَاةٍ .... (1/334)
صفحة 330
الفصل الثاني
موتي
أخف
325
من عذابهم وهم أحياء .... وقد يكون ما جاء في الخطباء هو عذابهم في القبور، في أعضاء مخصوصة كغيرهم، كما جاء في حديث سمرة الطويل على ما تقدم إلا أن قوله في حديث أسامة بن زيد «يوم القيامة» يدل على غير ذلك. وقد يحتمل أن يجمع لهم الأمران لعظم ما ارتكبوه من مخالفة قولهم فعلهم، ونعوذ بالله من
ذلك (1060)
وقد جاء ذكر هذه الاحتمالات أيضاً ـ عند الحديث عن هذه الرواية وما جاء في معناها ـ عند الحافظ ابن حجر
(1.71)
والألوسي"
(1062)
وذكر هذه الاحتمالات في هذا الموضع دليل على عدم قطع الشراح بما هذه الرواية من معان، وهذا سبب آخر يدفعنا إلى ترك هذه الرواية وما تحويه هذه من أفكار خاطئة.
في.
***
ففي هذا القسم الذي عرضنا فيه روايات وأقوال المفسرين لقوله تعالى: وإن منكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيّا. ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم: 71، 72]، تبين لنا الآتي: -
- تفسير الورود بدخول جهنم ثم الخروج منها، أو بالمرور على الصراط فوق جهنم لم يأت من طرق تصلح للاحتجاج بها في عقيدة الإسلام.
والورود الذي تذكره الآية هو حضور الخلائق جميعها في ساحة المحشر حيث يتم الفصل بين العباد، ثم تتجه الخلائق من هناك إما إلى نعيم جنة دائم، أو إلى عذاب نار لا ينقطع.
(1060) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، 441/ 2 - 442.
(1061) فتح الباري، 286/ 13.
(1062) تفسير الألوسي، 321/ 15. (1/335)
صفحة 331
336
معالم الحق
ورواية الشفاعة العظمى التي يمن الله بها على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم
لأجل الفصل بين ا الخلائق
هي
الثابتة في ميزان الأمة الإسلامية.
ورواية الصورة التي ذكرت الشفاعة لأهل الكبائر وإخراج
العصاة
من
القيامة،
يوم
النار لا تصح؛ لأنها تصور الله تعالى بصور يأتي فيها للخلائق وتذكر كذلك أن الرسول لله والمؤمنين يدخلون في جهنم مرات عديدة لأجل إخراج العصاة منها، وهذه المعاني لا تتفق مع صفات الله سبحانه وتعالى ولا تليق بمنزلة عباد الله المصطفين.
ومن المناهج الإسلامية التي لها الحظ الوافر من التطبيق منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم هي عرض الروايات المختلف في مدلولاتها على كتاب الله الحكيم والثابت من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم. (1/336)
صفحة 332
روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى
رُبِّمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) [الحجر: 2).
لقد استند القائلون بـ (فكرة خروج عصاة المسلمين من النار) إلى روايات ذكرت في كتب الحديث والتفسير عند تفسير هذه الآية
الكريمة.
ولقد لخص الشيخ الشنقيطي أقوال المفسرين بقوله: «ذكر في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا عرفوا حقيقة الأمر تمنوا أنهم كانوا في دار الدنيا مسلمين، وندموا على كفرهم وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَلَيْنَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِنَايَتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنعام: 27]، وقوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يحسرتنا على مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يزرُونَ} [الأنعام: 31)، وقوله: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [الفرقان: 27] إلى غير ذلك من الآيات، وأقوال في هذه الآية راجعة إلى شيء واحد. لأن من يقول: إن الكافر إذا احتضر وعاين الحقيقة تمنى أنه كان مسلماً، ومن يقول: إنه إذا عاين النار ووقف عليها تمنى أنه كان مسلماً، ومن يقول: إنهم إذا عاينوا إخراج الموحدين من النار تمنوا أنهم كانوا مسلمين، كل ذلك راجع إلى
العلماء (1/337)
صفحة 333
338
مع الملحق
أن الكفار إذا عاينوا الحقيقة ندموا على الكفر وتمنوا أنهم كانوا
مسلمين 1063).
والمتتبع للروايات التي ذكرت إخراج عصاة الموحدين من النار يجدها لا تقوم بها حجة وليست بأهل لتفسير كتاب الله تعالى كما سيظهر في هذا الموضع وفي مواضع أخرى من هذا البحث.
وقد جاءت تلك الروايات بهذه الكلمات أو ما يكون في معناها:
يوم
شاء
«إذا كان القيامة، واجتمع أهل النار في النار ومعهم من الله من أهل القبلة، قال الكفار لمن في النار من أهل القبلة: ألستم مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها. فسمع الله ما قالوا، فأمر بكل من من أهل القبلة في النار فأخرجوا، فقال من في النار من الكفار:
كان
يا ليتنا كنا مسلمين
«هذا في الجهنميين إذا رأوهم يخرجون من النار».
فيغضب الله لهم فيقول للملائكة والنبيين: اشفعوا فيشفعون فيخرجون من النار، حتى إن إبليس ليتطاول رجاء أن يخرج معهم. قال: فعند ذلك يود الذين كفروا لو كانوا
مسلمين».
في قوله: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} [الحجر: 2]
قال: نزلت في الذين يخرجون من النار».
(1063) تفسير الشنقيطي، 87/ 3. وذكر ابن عاشور نحو هذا القول أيضاً (انظر: تفسير
ابن عاشور (10/ 13) (1/338)
صفحة 334
الفصل الثاني
339
لقد نُسبت هذه الروايات والأقوال وما جاء في معناها، إلى أبي موسى الأشعري، وابن عباس، وأنس بن مالك وعبد الله بن مسعود، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، والضحاك، وأبي العالية، وقتادة.
وجاءت تلك الروايات في تفسير الإمام الطبري، والرازي، وأبي السعود، والألوسي، والسمرقندي، والسيوطي في الدر المنثور، وابن الجوزي، وإسماعيل البروسوي، والبغوي والثعلبي وابن عطية عند تفسيرهم لقوله تعالى: {رُبِّمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ).
والناظر في هذه الأقوال يجدها لا تصح لوجود علل ظاهرة في جميع أسانيدها، فقد جاءت تلك الأقوال عند الطبري من قبل خالد بن نافع الأشعري الضعيف (1064)، والقاسم بن الفضل بن عبد الله بن أبي جروة (1065)، ورواية أبي عوانة عن عطاء بن السائب 1066)، (، وأبي الزعراء عبد الله بن هانئ (1067)، والمثنى بن إبراهيم الطبري، ومحمد بن حميد الرازي (1069)
الكندي
(1068)
(1064) جاء في كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (ت: 1604، 355/ 3): «روى عن ... سعيد بن أبي بردة ... سمعت أبي يقول ذلك وسألته. عنه فقال: شيخ ليس بقوي يكتب حديثه. حدثنا عبد الرحمن قال: سألت أبا زرعة عن خالد بن نافع فقال: ضعيف الحديث».
(1065) لم أجد له ترجمة في كتب الرجال التي بين يدي. (1066) قال ابن حجر: وقال ابن معين. عطاء بن السائب اختلط، وما سمع منه جرير وذووه ليس من صحيح حديثه، وقد سمع منه أبو عوانة في الصحيح والاختلاط جميعاً، ولا
يحتج بحديثه ...
قلت [ابن حجر]: فيحصل لنا من مجموع كلامهم أن سفيان الثوري وشعبة وزهيراً وزائدة وحماد بن زيد وأيوب عنه صحيح، ومن عداهم يتوقف فيه إلا حماد بن
سلمة، فاختلف قولهم (تهذيب التهذيب ت: 4754، 177/ 7 - 180).
(1067) انظر ص
225
من هذا البحث.
(1068) لم أجد له ترجمة في كتب الرجال التي بين يدي.
(1069) انظر ص
247
من هذا البحث. (1/339)
صفحة 335
340
بن جريج
(1072)
(1070)
(1071)
و (1074)، ورواية
وخصيف بن عبد الرحمن الجزري، وعنعنة بن أبي نجيح، وعنعنة، وجويبر بن سعيد المتروك (1073)، وابن وكيع أبي جعفر عيسى بن أبي عيسى ماهان عن الربيع بن أنس بن زياد البكري المضطربة (1075)، ورواية معمر بن راشد عن قتادة وحماد بن أبي سليمان
الكوفي"
(1076)
(1077)
، ورواية منقطعة الإسناد (1077).
وذكر ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية الكريمة روايات كثيرة لا تقوم بها حجة في ميزان الإسلام. فقد ذكر روايات من طريق أبي الزعراء 1078)،
(1070) قال ابن حجر في التقريب: «صدوق سيئ الحفظ خَلَط بأخرة» (تقريب التهذيب، ت:
(172، 269/ 13
هذا البحث.
(1071) انظر: ص 491 من (1072) انظر ص 42 من هذا البحث. (1073) قال الذهبي في ميزان الاعتدال، ت: 1593، 427/ 1): «قال ابن معين: ليس بشيء. وقال الجوزجاني: لا يشتغل بـ به. وقال النسائي والدارقطني وغيرهما: متروك
الحديث.
(1074) قال ابن حجر في تهذيب التهذيب، ت: 2549، 111/ 4 - 112): «وقال النسائي: ليس بثقة، وقال في موضع آخر: ليس بشيء».
(1075) رواية أبي جعفر عيسى بن أبي عيسى ماهان عن الربيع بن أنس مضطربة، فقد قال ابن حبان في ترجمة الربيع بن أنس بن زياد البكري (الثقات، ت: 2666، 228/ 4): والناس يتقون حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه لأن فيها اضطراب
كثير».
(1076) انظر: ص 256 من هذا البحث. (1077) تلك الرواية لم يصرح فيها إبراهيم النخعي بالشخص الذي نقل له هذا التفس
حيث قال: حدثت أن المشركين».
(1078) انظر: ص 225 من هذا البحث في طبعة دار الأندلس) جاء سند الرواية بـ «وقال سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزاهية عند عبد الله ... ». وفي الأصل الذي ذكره ابن جرير الطبري جاء ذكر أبي الزعراء الذي يروي عن عبد الله بن مسعود
ويروي عنه سلمة بن كهيل، وهو الصواب. (1/340)
صفحة 336
الفصل الثاني
341
و خصيف بن عبد الرحمن الجزري (1079)، ويعقوب بن نباتة 1080، وخالد بن نافع الأشعري 1081)، وصالح بن أبي شريف الذي لم أعثر له على مجرح أو
معدل
(1082)
(1081)
(1083)
في كتب الرجال التي بين يدي واليمان بن يزيد المجهول (1083).
وهناك رواية أخرى منسوبة إلى جابر بن عبد الله فيه:
قال النسائي: أخبرني عثمان بن عبد الله، قال: حدثني محمد بن عبّادٍ المَكِّيُّ، نا حاتِمُ بنُ إسماعيل، نا أبو الحسنِ الصَّيْرَفيُّ - وَهُوَ بَسَّام - عن يزيد بن صهيب الفقير، قال: كُنَّا عند جابر، فَذَكَرَ الخوارج، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ نَاساً مِنْ أُمَّتِي يُعَذِّبُونَ بِذُنُوبِهِمْ، فَيَكُونُونَ فِي النَّارِ مَا شَاءَ الله أنْ يَكُونُوا، ثُمَّ يُعَيّرُهُمْ أَهْلُ الشِّرْكِ، فيقُولُونَ لَهُمْ: مَا نَرَى مَا كُنْتُمْ تُخَالِفُونَا فِيهِ مِنْ تَصْدِيقِكُمْ وَإِيمَانِكُمْ؛ نَفَعَكُمْ لِمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُرِيَ أَهْلَ الشِّرْكِ مِنَ الحَسْرَةِ، فَمَا يَبْقَى مُوَحّدٌ إِلَّا أَخْرَجَهُ اللهُ، ثُمَّ تَلَا رَسُول اللَّه هَذِهِ الْآيَةَ: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} [الحجر: 2]».
(1079) قال ابن حجر في التقريب: «صدوق سيئ الحفظ خَلَط بأخرة». (تقريب التهذيب، ت:
(269/ 1،1723
(1080) لم أجد له ترجمة في كتب الرجال التي بين يدي. (1081) جاء في كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (ت: 1604، 3/ 355): «روى عن ... سعيد بن أبي بردة ... سمعت أبي يقول ذلك وسألته عنه فقال: شيخ ليس بقوي يكتب حديثه. حدثنا عبد الرحمن قال: سألت أبا زرعة عن خالد بن نافع فقال: ضعيف
الحديث».
(1082) قد يكون المقصود هنا صالح بن أبي طريف وليس ابن أبي شريف. جاء في ثقات ابن حبان: صالح بن أبي طريف أبو الصيداء يروي عن أبي سعيد الخدري روى عنه أبو روق عطية بن الحارث الهمداني ثقات ابن حبان، ت: 3459، 376/ 4)، ولم يزد ابن حبان على هذا القول شيئاً، ومن المعلوم أن ابن حبان يسجل المجاهيل في
كتابه
(1083) لسان الميزان ت،9377، 387/ 6 - 388. (1/341)
صفحة 337
342
معالم الحق
(1084)
(1085)
أخرج هذه الرواية النسائي، والطبراني، واللالكائي"
(1086)
(1089)
وذكرها واحتج بها القرطبي) (1087)، والألوسي (1088)، والشوكاني جاءت هذه الرواية من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، ومحمد بن
عباد المكي.
حاتم بن إسماعيل المدني:
قال ابن حجر
في التهذيب: «قال أحمد: هو أحب إلي من الدراوردي، وزعموا أن حاتماً كان فيه غفلة إلا أن كتابه صالح ... وقال النسائي: ليس به بأس ... وقرأت بخط الذهبي في «الميزان»: قال النسائي: ليس
(1090)
بالقوي 1090). وقال ابن حجر عنه في تقريب التهذيب: «صحيح) الكتاب، صدوق يهم
محمد بن عباد بن الزبرقان المكي:
قال ابن حجر: صدوق يهم)
(1092)
(1084) سنن النسائي الكبرى الرواية: 11271، 373/ 6. (1085) المعجم الأوسط، الرواية: 5146، 42/ 4.
(1091)
(1086) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، الرواية: 2052، المجلد 141/ 2 - 142.
(1087) تفسير القرطبي، 3/ 10.
(1088) تفسير الألوسي، 252/ 7. قال الألوسي قبل ذكره لهذه الرواية: «وأخرج الطبراني، وابن مردويه بسند صحيح عن جابر بن عبد الله». فكيف يصح سند هذه الرواية وفيه
من وصف بالوهم؟!.
(1089) تفسير الشوكاني، 170/ 3.
(1090) تهذيب التهذيب ت 1054، 117/ 2 - 118.
(1091) تقريب التهذيب ت: 997، 170/ 1.
(1092) تقريب التهذيب، ت: 6012، 91/ 2. جاء في طبعة ريب التهذيب) «محمد بن = (1/342)
صفحة 338
الفصل الثاني
343
وهناك أمثلة في كتب شروح الحديث وعلومه ذكرت «وهم» محمد بن
عباد عند نقله لروايات أخرى:
المثال الأول:
هذا
قال النووي في شرحه لحديث (1093) جاء عند مسلم: «قال الدارقطني: وهم من محمد بن عباد أو من عبد العزيز في حال إسماعه محمداً؛ لأن إبراهيم بن حمزة سمعه من عبد العزيز مفصولاً مبيناً أنه من كلام أنس، وهو الصواب، وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فأسقط محمد بن عباد كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وأتى بكلام أنس، وجعله مرفوعاً وهو خطأ 1094).
المثال الثاني:
وقال النووي في شرحه لرواية أخرى (1095) جاءت عند مسلم: «قوله: (حدثنا محمد بن عباد حدثنا سفيان عن عمرو سمعه من سعيد بن أبي بردة) هذا الإسناد استدركه الدارقطني وقال: لم يتابع ابن عباد على هذا. قال:
عباس» والصحيح محمد بن عباد كما هو مذكور في تهذيب التهذيب، ت: 6270،
(210/ 9
(1093) قال الإمام مسلم: حدثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيُّ قَالَ: «إِن لَمْ يُنْمِرْهَا اللهُ، فَبِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟». (صحيح مسلم، الرواية: 1555، ص 689). (1094) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، 462/ 10، كتاب المساقاة ـ باب وضع الجوائح. وانظر نحو هذا القول عند السيوطي في (الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج، 165/ 4). (1095) قال الإمام مسلم: «حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَهُ مِنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ بَعَثَهُ وَمُعَاذاً إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ لَهُمَا: «بَشِّرًا وَيَسِّرَا. وعَلَّمَا وَلَا تُنَفِّرَاء وَأَرَاهُ قَالَ: «وَتَطَاوَعَا» قَالَ: فَلَمَّا وَلَّى رَجَعَ أَبُو مُوسَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لَهُمْ شَرَاباً مِنَ الْعَسَلِ يُطْبَحُ حَتَّى يَعْقِدَ وَالْمِزْرُ يُصْنَعُ مِنَ الشَّعِيرِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: كُلُّ مَا أَسْكَرَ عَنِ الصَّلَاةِ فَهُوَ حَرَامٌ»». (صحيح مسلم، الرواية: 1733، ص 895). (1/343)
صفحة 339
344
ميں
ولا يصح
هذا عن عمرو بن دينار قال: وقد روي عن ابن عيينة عن مسعر،
ولم يثبت ولم يخرجه البخاري من رواية ابن عيينة والله أعلم 1096).
المثال الثالث:
قال أبو حاتم الرازي في علل الحديث: «وَسَأَلْتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ حَدِيثٍ؛ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ ابْنِ عَجْلانَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنْ أَعْرَابِيًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَقَالَ: «مَا أَعْدَدْتَ لَهَا»، قَالَ: حُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ: «فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ فَقَالا: هَذَا خَطَأً، يَرْوِيهِ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهَذَا الصَّحِيحُ. قُلْتُ لِأَبِي زُرْعَةَ: الوهم ممن هو؟ قال: من ابن عجلان وقلت لأبي: الوهم ممن هو؟ قَالَ: من مُحَمَّد بن عباد أو حاتم ...
(1097)
من أقوال ابن حجر ومن هذه الأمثلة ندرك أن هذه الرواية المنسوبة إلى جابر بن عبد الله له هي من الأوهام التي تعارضها آيات بينات وروايات صحيحة لا تحوم حول صحتها الأوهام والشكوك كما سيتبين في صفحات هذا البحث إن شاء الله تعالى.
وهناك رواية ضعيفة أخرى منسوبة إلى الإمام علي كرم الله
وجهه
قال السيوطي (1098): «وأخرج ابن أبي حاتم وابن شاهين في السنة، عن علي بن أبي طالب الله قال: قال رسولا ــول الله صلى الله عليه وسلم: إن أصحاب الكبائر من
(1096) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، 171/ 13 - 172، باب بيان أن كل مسكر
خمر
وأن كل خمر حرام - كتاب الأشربة.
(1097) علل الحديث للرازي، ت: 1818
(1098) الدر المنثور، 173/ 4 - 174. (1/344)
صفحة 340
الفصل الثاني
245
موحدي الأمم كلها، الذين ماتوا على كبائرهم غير نادمين ولا تائبين، من دخل منهم جهنم لا تزرق أعينهم ولا تسود وجوههم، ولا يقرنون بالشياطين ولا يغلون بالسلاسل، ولا يجرعون الحميم ولا يلبسون القطران، حرم الله أجسادهم على الخلود من أجل التوحيد، وصورهم على النار من أجل السجود، فمنهم من تأخذه النار إلى قدميه ومنهم من تأخذه النار إلى عقبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى فخذيه ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه على قدر ذنوبهم وأعمالهم، ومنهم من يمكث فيها شهراً ثم يخرج منها، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج منها، وأطولهم فيها مكثاً بقدر الدنيا منذ خلقت إلى أن تفنى، فإذا أراد الله أن يخرجهم يوم منها، قالت اليهود والنصارى ومن في النار من أهل الأديان والأوثان، لمن في النار من أهل التوحيد آمنتم بالله وكتبه ورسله، فنحن وأنتم اليوم في النار سواء. فيغضب الله لهم غضباً لم يغضبه لشيء فيما مضى، فيخرجهم إلى عين بين الجنة والصراط فينبتون فيها نبات الطراثيث في حميل السيل، ثم يدخلون الجنة ... مكتوب في جباههم هؤلاء الجهنميون عتقاء الرحمن. فيمكثون في الجنة ما شاء الله أن يمكثوا، ثم يسألون الله تعالى أن يمحو ذلك الاسم عنهم، فيبعث الله ملكاً فيمحوه، ثم يبعث الله ملائكة معهم مسامير من نار فيطبقونها على من بقي فيها، يسمرونها بتلك المسامير فينساهم الله على عرشه ويشتغل عنهم أهل الجنة بنعيمهم ولذاتهم. وذلك قوله: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ.
وذكر ابن حجر سند هذه الرواية وسبب ضعفها حيث قال في التهذيب: وأخرج الدارقطني في «المؤتلف» من رواية اليمان بن يزيد، عن محمد بن حمير، عن أبيه، عن محمد بن علي بن الحسين بن علي، عن أ جده رفعه: «إن أصحاب الكبائر من موحدي الأمم الذين ماتوا غير تائبين من
أبيه.
عن (1/345)
صفحة 341
346
من المراحق
دخل منهم النار في الباب الأول لا تزرق أعينهم ولا تسود وجوههم حرم الله صورهم على النار من أجل السجود قال الدارقطني: لا أعرف محمداً إلا في هذا الحديث، وهو منكر الحديث، والراوي عنه ضعيف ... وقال الذهبي: تفرد عنه يحيى بن يمان ولعله سقط بينه وبين جعفر رجل» 1099).
رواية أخرى منسوبة إلى أبي أمامة الباهلي نيه:
قال الطبراني الوليد العنبري، ثنا محمد بن عباد، ثنا حميد الخياط عن زكريا بن يحيى صاحب القصب قال: سألت أبا غالب عن قول الله وَجَال: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * فقال: حدثني أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه
(1100): حدثنا أحمد بن زهير التستري، ثنا عباد بن
قال: نزلت في الخوارج حين رأوا تجاوز الله. والجماعة قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين».
في سند هذه الرواية غير معروف ومختلف فيه.
عن
المسلمين وعنا
الأمة
فغير المعروف هو زكريا بن يحيى صاحب القصب الذي لم أعثر له على مجرح أو معدل في كتب الرجال التي بين يدي، وقد صرح بعدم
معرفته كذلك الهيثمي
عنه
(11 - 1)
وأما المختلف فيه فهو أبو غالب، صاحب أبي أمامة، فقد قال ابن حجر
نه في التقريب: صدوق يخطئ"
(1102)
(1099) تهذيب التهذيب ت: 6086، 114/ 9. (1100) المعجم الكبير، الرواية: 8048 272/ 8.
(11.1)
مجمع الزوائد، الرواية 11105، 131/ 7، حيث قال الهيثمي: رواه الطبراني
وزكريا والراوي عنه لم أعرفهما».
(1102) تقريب التهذيب: ت: 8336، 0448/ 2 (1/346)
صفحة 342
الفصل الثاني
347
وقال عنه في التهذيب (1103): «قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح الحديث. وقال أبو حاتم ليس بالقوي. وقال النسائي: ضعيف. وقال الدارقطني: ثقة. وقال ابن عدي: قد روى عن أبي غالب حديث الخوارج بطوله، وهو معروف به، ولم أر في أحاديثه حديثاً منكراً، وأرجو أنه لا بأس به. وحسن الترمذي بعض أحاديثه وصحح بعضها ... وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به إلا فيما وافق الثقات. وقال ابن سعد: كان ضعيفاً. وقال البرقاني عن الدارقطني: أبو غالب حزور بصري، يعتبر به. ووثقه موسى بن هارون كما مضى في الذي قبله».
من كل ما سبق ذكره يظهر ضعف التفسير القائل: «إنهم إذا عاينوا إخراج الموحدين من النار تمنوا أنهم كانوا مسلمين».
بين
الناس،
أرواحهم،
ويبقى التفسير الذي قاله سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله تعالى: «وهذا تأويل لا يقتضيه لفظ الآية، ولم يقم عليه شاهد من غيرها، لأن ودّهم ذلك يحتمل أن يكون عندما يرون قوة الإسلام ضاربة في الأرض وسلطانه مهيمناً على الأمم، وكلمته نافذة فيودوا لو كانوا سابقين إليه، ويحتمل أن يكون عندما تنتزع ويشهدون من طلائع أهوال الدار الآخرة ما لم يحتسبوه، ويحتمل أن يكون عندما يبعثون من قبورهم ويواجهون الفزع الأكبر، ويدركون أنه لا منجاة يومئذ إلا لمن اعتصم بحبل الإسلام وآوى إلى ركنه وأمسك بعروته، وكل واحد من هؤلاء الوجوه مروي عن جماعة من مفسري السلف والخلف، فلم يبق مجال للاستدلال بالآية على ما لم تكن نصاً عليه ولا ظاهرة
فيه (1104).
(1103) تهذيب التهذيب ت،8637، 176/ 12 – 177.
(1104) الحق الدامغ، ص 200. (1/347)
صفحة 343
348
محال الحق
ويبقى التفسير الذي قاله الإمام الطبري عند تفسيره لهذه الآية الكريمة: «فتأويل الكلام ربما يود الذين كفروا بالله فجحدوا وحدانيته لو كانوا في دار الدنيا مسلمين
D
ويبقى التفسير الصحيح الذي ذكره الإمام الرازي حيث قال: ... والأصح ما قاله الزجاج فإنه قال: الكافر كلما رأى حالاً من أحوال العذاب ورأى حالاً من أحوال المسلم ود لو كان مسلماً، وهذا الوجه هو الأصح .. ويبقى أيضاً التفسير الصحيح الذي ذكره الشيخ السعدي عند تفسيره
لهذه الآية الكريمة، حيث قال: «فأما من قابل هذه النعمة العظيمة بردها، والكفر بها، فإنه من المكذبين الضالين الذين سيأتي عليهم وقت يتمنون أنهم مسلمون، أي: منقادون لأحكامه، وذلك حين ينكشف الغطاء، وتظهر أوائل الآخرة، ومقدمات الموت، فإنهم في أحوال الآخرة كلها يتمنون أنهم
مسلمون، وقد فات وقت الإمكان، ولكنهم في هذه الدنيا مغترون» (1107). فهذه الأقوال التي ذكرها سماحة الشيخ الخليلي، والإمام الطبري، والإمام الرازي، والشيخ السعدي هنا هي التي ينبغي لنا اعتمادها والقول بها وذلك لموافقتها للآيات الكريمة التي ذكرها الشيخ الشنقيطي في بداية هذا
القسم "
(1108)
وأما القول بـ «إخراج عصاة المسلمين من النار» فليس له دليل يعتمد عليه، والروايات التي اعتمد عليها في تمرير هذا القول قد أبطلها منهاج الأمة العادل الذي لا يحابي أحداً، والحمد لله رب العالمين.
(1105) تفسير الطبري، 2/ 14. (1106) تفسير الرازي، 127/ 19.
(1107) تفسير السعدي، ص 404، من تفسير الآية 2 من سورة الحجر. (1108) انظر ص 337 من هذا البحث. (1/348)
صفحة 344
روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى
فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبِّكَ فَعَالُ لِمَا يُرِيدُه وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ عَطاء غَيْرَ مَجْذُورٍ} [هود 106 - 108].
وعند تفسيره لهذه الآيات الكريمة ذكر الإمام الطبري الأقوال التي تناقلها المفسرون الذين جاؤوا من بعده: -
هذا
واختلف أهل العلم والتأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: استثناء استثناه الله في أهل التوحيد أنه يخرجهم من النار إذا شاء بعد أن
أدخلهم النار» (1109).
«وقال آخرون: الاستثناء في هذه الآية في أهل التوحيد، إلا أنهم قالوا: معنى قوله: {إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إلا أن يشاء ربك أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار» (1110).
وقال آخرون: عنى بذلك أهل النار وكل من دخلها.
(1109) تفسير الطبري، 117/ 12.
(1110) تفسير الطبري، 118/ 12.
(1111) تفسير الطبري، 118/ 12. (1/349)
صفحة 345
250
مين الراليين
واختتم الإمام الطبري تفسيره لهذه الآية بقوله: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب القول الذي ذكرته عن الضحاك، وَأَمَّا الَّذِينَ وهو: سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك و من قدر مكثهم في النار من لدن دخلوها إلى أن أدخلوا الجنة، وتكون الآية معناها الخصوص، لأن الأشهر هر من كلام العرب في «إلا» توجيهها إلى معنى الاستثناء وإخراج معنى ما بعدها مما قبلها إلا أن يكون معها دلالة تدل على خلاف ذلك، ولا دلالة في الكلام، أعني في قوله: {إِلَّا ما شَاءَ رَبُّكَ * تدلّ على أن معناها غير معنى الاستثناء المفهوم في الكلام
فيوجه إليه (1112).
))
وسوّغ الإمام الطبري خلاصة أقواله هذه بقوله: وأن الأخبار قد تواترت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يدخل قوماً من أهل الإيمان به بذنوب أصابوها النار، ثم يخرجهم منها، فيدخلهم الجنة، فغير جائز أن يكون ذلك استثناء في أهل التوحيد قبل دخولها مع صحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا، وإنا إن جعلناه استثناء في ذلك كنا قد دخلنا في قول من يقول: لا يدخل الجنة فاسق، ولا النار مؤمن، وذلك خلاف مذاهب أهل العلم، وما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1113)
" ...
(1112) تفسير الطبري، 121/ 12. وذكر الإمام الطبري نحو هذا القول في موضع آخر، حيث قال: «وأولى هذه الأقوال في تأويل هذه الآية بالصواب، القول الذي ذكرنا عن قتادة والضحاك، من أن ذلك استثناء في أهل التوحيد من أهل الكبائر أنه يدخلهم النار، خالدين فيها أبداً إلا ما شاء من تركهم فيها أقل من ذلك، ثم يخرجهم هذا الموضع بما أغنى عن إعادته في هذا
غير
فيدخلهم الجنة، كما قد بينا في الموضع». (تفسير الطبري، 119/ 12).
(1113) تفسير الطبري، 119/ 12. (1/350)
صفحة 346
الفصل الثاني
351
فهذه الأقوال التي ذكرها الإمام الطبري هنا هي نفسها التي تناقلتها أقلام المفسرين الذين جاؤوا من بعده (111)، والناظر في الروايات التي وجهت إلى هذا القول الذي عده الإمام الطبري الأولى بالصواب» يجدها روايات ساقطة باطلة في ميزان الأمة الإسلامية العادل، والناظر في الأخبار التي ذكرها الإمام الطبري وغيره من العلماء الذين قالوا بقوله يجدها أخباراً قد أسقطتها مناهجهم التي يدعون الآخرين إلى تطبيقها كما سيتبين لنا في صفحات هذا الكتاب. الروايات التي ذكرها الإمام الطبري عند تفسير الآيات 106 - 108 من
سورة هود:
فقد جاءت رواية (1115) ضعيفة عند الإمام الطبري من طريق الحسن بن يحيى عن عبد الرزاق (1116)، وكذلك من طريق معمر بن راشد عن قتادة 1117). . وجاءت رواية أخرى (1118) منسوبة إلى قتادة من طريق سعيد بن بشير
الضعيف
(1119)
(1114) من
أمثلة ذلك:
قال ابن عطية: «قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا 4 عاماً في الكفرة والعصاة كما قدمنا، ويكون
(971
الاستثناء من خَلِدِينَ .. (تفسير ابن عطية ص (1115) تفسير الطبري، 117/ 12، قال الإمام الطبري: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا
عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وشهيق الله خلدين فيها مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) قال: الله أعلم بتنياه. وذكر لنا أن ناساً يصيبهم سَفَع من النار بذنوب أصابوها، ثم يدخلهم الجنة».
(116) رواية الحسن بن يحيى عن عبد الرزاق ضعيفة، انظر ص 238 من هذا البحث. (1117) رواية معمر بن راشد عن قتادة ضعيفة، انظر ص 256 من هذا البحث. (1118) تفسير الطبري، 117/ 12، قال الإمام الطبري: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ، والله أعلم بثنيته، ذكر لنا أن ناساً يصيبهم سفع من النار بذنوب أصابتهم، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته، يقال لهم الجهنميون».
(1119) تقريب التهذيب: ت: 2283، 349/ 1. (1/351)
صفحة 347
352
(1120)
وجاءت رواية أخرى منسوبة إلى أنس بن مالك عند الإمام الطبري وهي ضعيفة لورودها من قبل مُحَمَّد بن سُلَيْم أبي هِلَال الرَّاسِبِيَ البَصْرِي وجاء عند الإمام الطبري رواية أخرى منسوبة إلى أبي سنان من طريق محمد بن حميد الضعيف
(1122)
(1123)
وجاء عند الإمام الطبري (1125) (11241 رواية منسوبة إلى الضحاك بن
(1120) تفسير الطبري، 117/ 12 - 118، قال الإمام الطبري: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا شيبان بن فروخ قال: ثنا أبو هلال، قال: ثنا قتادة، وتلا هذه الآية: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ فَهُمْ فِيهَا زَفِيرُ وَشَهِيقُ) ... إلى قوله: نَمَا يُرِيدُه فقال عند ذلك: ثنا أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النار قال قتادة ولا نقول مثل ما يقول أهل حروراء». وقد ذكر هذه الرواية واحتج بها الشوكاني (تفسير الشوكاني، 731/ 2)، والسيوطي (الدر المنثور، 633/ 3 - 634).
(1121) قال ابن حجر
كان
يحيى
في تهذيب التهذيب، (ت: 6190، 168/ 9 - 169): «قال عمرو بن علي: لا يحدث عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه، وسمعت يزيد بن زريع يقول: عدلت عن أبي بكر الهذلي وأبي هلال الراسبي عمداً ... وقال ابن أبي حاتم ا أدخله البخاري في الضعفاء ... وقال النسائي: ليس بالقوي ... وقال ابن سعد: فيه ضعف ... وقال أحمد بن حنبل: يحتمل في حديثه إلا أنه يخالف في قتادة، وهو مضطرب الحديث. وقال
الساجي: روى عنه حديث منكر. وقال البزار: احتمل الناس حديثه، وهو غير حافظ». (1122) تفسير الطبري، 118/ 12، قال الإمام الطبري: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن أبي مالك، يعني ثعلبة، عن أبي سنان في قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ هُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقُ الخَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) قال: استثناء
في أهل التوحيد». وقد ذكر هذه الرواية واحتج بها السيوطي (الدر المنثور، 634/ 3).
(1123) انظر
ص 247
من هذا البحث.
(1124) تفسير الطبري، 118/ 12، قال الإمام الطبري: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال:
ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الضحاك بن مزاحم {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ ... إلى قوله: خلدين فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) قال: يخرج قوم من النار فيدخلون الجنة، فهم الذين استثني لهم».
(1125) تفسير الطبري، 120/ 12، قال الإمام الطبري: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال:
ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الضحاك، في قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ هُمْ
= (1/352)
صفحة 348
الفصل الثاني
353
مزاحم من طريق معمر بن راشد وهي رواية منقطعة الإسناد؛ إذ كانت وفاة الضحاك سنة 106 هـ أو 105 هـ أو 102 هـ حسب ما ذكره ابن حجر في ا، وكانت ولادة معمر بن راشد سنة 96 هـ حسب ما أشار إليه
التهذيب
(1126)
(1127)
ابن حجر في التقريب. فالفارق الزمني بين ولادة معمر ووفاة الضحاك لا يزيد عن عشر سنوات وهي فترة ليست كافية لتلقي الرواية.
خالد
وجاء عند الإمام الطبري (1128)، وابن أبي حاتم) رواية منسوبة إلى بن معدان وهي لا تقوم بها حجة لورودها من قبل المثنى بن إبراهيم الأملي الذي لم أعثر له على ترجمة في كتب الرجال، ولورودها من قبل عبد الله بن صالح الجهني (1130)، ومعاوية بن صالح الحضرمي
(1131)
هو
فيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ، قال: (أيضاً في الذين يخرجون من النار فيدخلون الجنة، يقول: خالدين في الجنة ما دامت السماوات والأرض، إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) يقول: إلا ما مكثوا في النار حتى أدخلوا الجنة». ذكر هذه الرواية واحتج بها السيوطي (الدر المنثور، 634/ 3). (1126) تهذيب التهذيب، ت: 3078، 418/ 4. (1127) تقريب التهذيب، ت: 6833، 202/ 2. ذكر ابن حجر وفاة معمر في عام 154 هـ
وكان عمره حينئذ 58 سنة.
(1128) تفسير الطبري، 118/ 12. قال الإمام الطبري: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن
صالح، قال: ثني معاوية، عن عامر بن جشب، عن خالد بن معدان في قوله: لبِئِينَ فِيهَا أَحْقابًا) (النبا: 23] وقوله: {خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ ربكَ (أنهما في أهل التوحيد». وذكر هذه الرواية واحتج بها الشوكاني (تفسير
الشوكاني (731/ 2) والسيوطي (الدر المنثور، 634/ 3). (1129) تفسير ابن أبي حاتم الرواية،12089، المجلد 324/ 5. من تفسير الآية 107 من
سورة هود.
(1130) قال ابن حجر في تقريب التهذيب ت (3399 501/ 1): صدوق كثير الغلط ثبت في كتابه وكانت فيه غفلة».
(1131) قال ابن حجر في تقريب التهذيب، ت: 6786، 196/ 2): صدوق له أوهام». (1/353)
صفحة 349
354
(1132)
مج الراحة
وجاء عند الإمام الطبري رواية منسوبة إلى أحد الصحابة،
وهي لا حجة فيها لورودها من قبل رواية الحسن بن يحيى عن
عبد الرزاق "
(1134)
وجاءت رواية عند الإمام الطبري منسوبة إلى الصحابي
ابن عباس وهي منقطعة الإسناد.
وجاءت رواية أخرى عند الإمام الطبري (1135)، والبغوي (1136)، منسوبة إلى ابن مسعود وهي منقطعة الإسناد.
(1132) تفسير الطبري، 118/ 12، قال الإمام الطبري: حدثنا حسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: ثنا ابن التيمي، عن أبيه، عن أبي نضرة، عن جابر أو أبي سعيد يعني الخدري أو عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، في قوله: {إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَالُ لِمَا يُرِيدُ) قال: هَذِهِ الآية تأتي على القُرْآنِ كُلِّهِ» يقول: «حيث كان في القرآن خَلِدِينَ فِيها تأتي عليه» ..
وذكر هذه الرواية واحتج بها الشوكاني (تفسير الشوكاني، 731/ 2)، والسيوطي (الدر
المنثور، 634/ 3).
(1133) رواية الحسن بن يحيى عن عبد الرزاق ضعيفة، انظر ص 238 من
البحث.
هذا
(1134) تفسير الطبري، 118/ 12، قال الإمام الطبري: حدثت عن المسيب عمن ذكره، عن ابن عباس: خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ) لا يموتون، ولا هم منها يخرجون ما دامت السماوات والأرض. إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ قال: استثناء الله. قال: يأمر النار أن تأكلهم». وذكر هذه الرواية واحتج بها الشوكاني (تفسير) الشوكاني، 732/ 2)، والسيوطي (الدر المنثور، 635/ 3). (1135) تفسير الطبري، 118/ 12، قال الإمام الطبري: «قال: وقال ابن مسعود ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً». ذكر هذه الرواية واحتج بها الشوكاني (تفسير الشوكاني،
(732/ 2
(1136) تفسير البغوي، 339/ 2. (1/354)
صفحة 350
الفصل الثاني
255
(1137)
وجاءت رواية أخرى عند الإمام الطبري منسوبة إلى الشعبي
وهي ضعيفة لورودها من قبل محمد بن حميد الرازي
عن
(11381
لقد استعان القائلون بخروج عصاة المسلمين من النار بالروايات الضعيفة التي ذكرت هنا والتي كانت السبب في تباين الآراء واختلاف الأقوال: -. فقد قال الإمام ابن كثير (1139): «وقد اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء على أقوال كثيرة حكاها الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه زاد المسير، وغيره من علماء التفسير، ونقل كثيراً منها الإمام أبو جعفر ابن جرير رحمه الله في كتابه، واختار هو ما نقله خالد بن معدان والضحاك وقتادة وابن سنان. ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن أيضاً: أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين؛ من الملائكة والنبيين والمؤمنين، حتى يشفعون في أصحاب الكبائر، ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين، فتخرج من النار من لم يعمل خيراً قط، وقال يوماً من الدهر: لا إله إلا الله؛ كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمضمون ذلك من حديث أنس وجابر وأبي سعيد وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة، ولا يبقى بعد ذلك في النار، إلا من وجب عليه الخلود فيها ولا محيد له عنها، وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديماً وحديثاً في تفسير هذه الآية الكريمة.
(1137) تفسير الطبري،118/ 12، قال الإمام الطبري: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن بيان عن الشعبي قال جهنم أسرع الدارين عمراناً وأسرعهما خراباً». وذكر هذه الرواية واحتج بها الشوكاني (تفسير الشوكاني (732/ 2)، والسيوطي (الدر المنثور، 635/ 3)، والألوسي (تفسير الألوسي، 340/ 6).
(1138) انظر
ص
247
من هذا البحث.
(1139) تفسير ابن كثير، 578/ 3 (1/355)
صفحة 351
356
وقد روي في تفسيرها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وجابر وأبي سعيد من الصحابة، وعن أبي مجلز والشعبي وغيرهما من التابعين، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الأئمة في أقوال غريبة، وورد حديث غريب في معجم الطبراني الكبير عن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي، ولكن سنده ضعيف والله أعلم. وقال قتادة: الله أعلم بثنياه، وقال السدي: هي منسوخة بقوله: {خَلِدِينَ فيها ابدا
[النساء: 57]».
وقال الطبرسي
(1140)
: «اختلف العلماء في تأويل هذا في الآيتين وهما من المواضع المشكلة في القرآن والإشكال فيه من وجهين أحدهما: تحديد الخلود بمدة دوام السماوات والأرض والآخر: معنى الاستثناء بقوله هو إلا ما شاء ربك ...
وقال البغوي (1141): «اختلفوا في هذين الاستثنائين، فقال بعضهم: الاستثناء في أهل الشقاء يرجع إلى قوم من المؤمنين يدخلهم الله النار بذنوب اقترفوها، ثم يخرجهم منها فيكون ذلك استثناء من غير الجنس، لأن الذين أُخرجوا من النار سعداء ثم استثناهم الله جملة من
الأشقياء».
وقال البغوي أيضاً (1142): «وأما الاستثناء في أهل السعادة فيرجع إلى
مدة لبثهم في النار قبل دخول الجنة».
(1140) تفسير الطبرسي، 258/ 5، من تفسير الآية 107 من سورة هود.
(1141) تفسير البغوي، 338/ 2.
(1142) تفسير البغوي، 339/ 2. (1/356)
صفحة 352
الفصل الثاني
357
فهذه الأقوال التي أشار إليها هنا الإمام ابن كثير، والطبرسي، والبغوي قد ذكرها أيضاً القرطبي" (1143)، والشوكاني (1144)، وابن الجوزي (1145)، والنسفي" (1147)، والخازن (1148)، والثعلبي (1149)، وأبو
(1127)
والرازي السعود (1150)
فجميع الروايات التي ذكرت خروج عصاة المسلمين من النار ـ والتي استند عليها المفسرون عند ذكرهم للأقوال المختلفة ـ روايات لم يحفل بها الأمة الـ الإسلامية كما تبين وسيتبين إن شاء الله تعالى.
منهج
قال سماحة الشيخ أحمد الخليلي حفظه الله تعالى: «والمشيئة في هذه الآيات مجملة لم تُبيَّن، والآيات المصرحة بدوام العذاب كالتي أوردتها ليس على دلالتها غبار، والأمور العقائدية تتوقف على النصوص الصريحة فلا
(1143) قال الإمام القرطبي في تفسيره (66/ 9): «وقد اختلف فيه على أقوال عشرة .... »، ثم ذكر تلك الأقوال.
(1144) قال الشوكاني، 729/ 2 - 730: «قوله: {إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) قد اختلف أهل العلم في معنى هذا الاستثناء على أقوال: ... ثم ذكر أحد عشر قولاً اختتمها بقوله: «وهذه جملة ما وقفنا عليه من أقوال أهل العلم. وقد نوقش بعضها بمناقشات،
الأقوال. هي
ودفعت بدفوعات ... ».
(1145) قال ابن الجوزي، 401/ 2 - 402: «قوله تعالى: {إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ) في الاستثناء المذكور في حق أهل النار سبعة أقوال ... فأما الاستثناء في حق أهل الجنة، ففيه ستة
أقوال: ... ».
(1146) تفسير الرازي 53/ 18. (1147) تفسير النسفي، 205/ 2.
(1148) تفسير الخازن من تفسير الآية 107 من سورة هود، حيث قال الخازن: «اختلف
العلماء في معنى هذين الاستثناءين ....
(1149) تفسير الثعلبي، من تفسير الآية 107 من سورة هود، حيث قال الثعلبي: «ثم استثنى فقال: {إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) اختلف العلماء في هذين الاستثناءين .....
(1150) تفسير أبي السعود، 353/ 3. (1/357)
صفحة 353
358
تستسقى علومها من الأدلة الإجمالية، فكيف يلجأ إلى المجملات مع وجود التفاصيل، والتناسخ في أخبار الشارع لا يجوز بحال، لأنه سبحانه لا تبدو له البدوات، ولا يجهل شيئاً مما يكون ولا يوحي إلا بالصدق، فلا معنى لما رواه ابن جرير وغيره عن جابر بن عبد الله له أنه قال في هذه الآية ـ أي: آية هود: رد - تأتي على القرآن كله إذ لم يكن للقرآن أن يكذب بعضه بعضاً، وما كان لجابر ـ وهو الصحابي الجليل المتخرج من مدرسة النبوة ـ أن يجرؤ على مثل هذا القول، وإنما هو من افتراءات أهل الأهواء وتلفيقات أصحاب الغرور (1151).
(1101) ,
فمن هذا نتيقن أن فكرة خروج عصاة المسلمين من النار لا ينبغي لها أن
تذكر ضمن الأقوال التي سطرت عند تفسير آيات سورة هود الكريمة. ومن الأقوال الأخرى التي سطرها المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآية
الكريمة هي:
أهل
قال القرطبي: «السادس: أنه استثناء من الإخراج، وهو لا يريد أن يخرجهم منها. كما تقول في الكلام أردت أن أفعل ذلك إلا أن أشاء غيره، وأنت مقيم على ذلك الفعل؛ فالمعنى أنه لو شاء أن يخرجهم لأخرجهم، ولكنه قد أعلمهم أنهم خالدون فيها، ذكر هذين القولين الزجاج عن اللغة، قال: ولأهل المعاني قولان آخران، فأحد القولين: ما خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} [هود: 107] من مقدار موقفهم على رأس قبورهم، وللمحاسبة، وقدر مكثهم في الدنيا، والبرزخ، والوقوف للحساب. والقول الآخر: وقوع الاستثناء في الزيادة على النعيم والعذاب، وتقديره: {خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} من النعيم لأهل النعيم، وزيادة العذاب لأهل الجحيم» (1152).
(1151) الحق الدامغ، ص 194.
(1152) تفسير القرطبي 67/ 9. وانظر كذلك تفسير ابن الجوزي، 402/ 2.
زيادة (1/358)
صفحة 354
الفصل الثاني
359
وقال القرطبي أيضاً: «العاشر: وهو أن قوله تعالى: «إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ» إنما ذلك على طريق الاستثناء الذي ندب الشرع إلى استعماله في كل كلام؛ فهو على حد قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الحرام إن شاء الله و امناين تم [الفتح: 27] فهو استثناء في واجب، وهذا الاستثناء في حكم الشرط كذلك؛ كأنه قال: إن شاء ربك فليس يوصف بمتصل ولا منقطع؛ ويؤيده ويقويه قوله تعالى: {عَطَاء غَيْرَ مَجذُورٍ} [هود: 108] ونحوه عن أبي عبيد قال: تقدمت عزيمة الله تعالى في خلود الفريقين في الدارين؛ فوقع لفظ الاستثناء، والعزيمة قد تقدمت في الخلود، قال: وهذا مثل قوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الحرام إن شاءَ اللهُ عَامِنينَ} [الفتح: 27] وقد علم أنهم يدخلونه حتماً، فلم في الموضعين خياراً؛ إذ المشيئة قد تقدمت بالعزيمة في الخلود في الدارين والدخول في المسجد الحرام؛ ونحوه عن الفراء (1153).
المشيئة من
الاستثناء يوجب
وقال الشوكاني: «الثامن: أن المعنى: خالدين فيها إلا ما شاء ربك من زيادة النعيم لأهل النعيم وزيادة العذاب لأهل الجحيم؛ حكاه أيضاً الزجاج،
(1102)
واختاره الحكيم الترمذي (1154).
وخلاصة هذا القسم: لا يحق للقول باستثناء عصاة المسلمين من الخلود في عذاب جهنم أن يذكر في قائمة الأقوال التي ذكرها المفسرون؛ وذلك الروايات التي استند عليها القائلون بخروج عصاة المسلمين
لضعف
جميع
من عذاب جهنم.
(1153) تفسير القرطبي، 68/ 9.
وجاء نحو هذا القول عند الشوكاني (تفسير الشوكاني، 729/ 2 - 730): «الحادي أن هذا الاستثناء إنما هو على سبيل الاستثناء الذي ندب إليه الشارع في كل كلام، فهو على حد قوله: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ الله امنين) [الفتح: 27]
عشر:
روي نحو هذا عن أبي عبيد».
(1154) تفسير الشوكاني، 729/ 2. (1/359)
صفحة 355
360
مع المر الحق
من
والقول الذي ينبغي لنا الأخذ به هو القول الذي سطره أبو السعود عند تفسيره لهذه الآيات الكريمة حيث قال: «إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ به استثناء. الخلود على طريقة قوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأولى) الدخان: 56] وقوله: {وَلَا تَنكِحُوا ما نكح واباوكم من النِّسَاء إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22] وقوله تعالى: {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سم الخياط} [الأعراف: 40] غير أن استحالة الأمور المذكورة معلومة بحكم العقل، واستحالة تعلّق المشيئة بعدم الخلودِ معلومة بحكم النقل يعني أنهم مستقرون في النار في جميع الأزمنة إلا في زمان مشيئة الله تعالى لعدم قرارهم فيها، وإذ لا إمكان لتلك المشيئة ولا لزمانها بحكم النصوص القاطعة الموجبة للخلود فلا إمكانَ لانتهاء مدة قرارهم فيها ولدفع ما عسى يتوهم من كون استحالة تعلق مشيئة الله تعالى بعدم الخلود بطريق الوجوب على الله تعالى قال: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَالُ لِمَا يُرِيدُ) يعني: أنه في تخليد الأشقياء في النار بحيث يستحيل وقوع خلافه فعال بموجب إرادته قاض بمقتضى مشيئته الجارية على سنن حكمته الداعية إلى ترتيب الأجزية على أفعال
العباد» (1155).
(1155) تفسير أبي السعود، 353/ 3. (1/360)
صفحة 356
روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَبَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمُ لِنَفْسِهِ، ـصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقُ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ كبِيرُ. جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ ولولوا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرُ. وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنُ إن ربَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ. الَّذِى أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبُ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبُ} [فاطر 32 - 35].
جاء في هذه الآيات الكريمة قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمُ لِنَفْسِهِ) وجاء أيضاً قوله تعالى: {جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها، واحتج الإمام الطبري وغيره بروايات عند تفسيرهم لهذه الآيات لأجل إثبات (فكرة خروج عصاة المسلمين من النار إلى الجنة.
قال الإمام الطبري: « ... من يظلم نفسه بركوبه المآثم، واجترامه المعاصي، واقترافه الفواحش ... » (1156).
حول
وعلى هذا التعريف بنى الإمام الطبري جداله حـ
مصير
عصاة
المسلمين في الآخرة حيث قال: « ... . إنه ليس في الآية خبر أنهم لا يدخلون
(1156) تفسير الطبري، 137/ 22. (1/361)
صفحة 357
مع
النار، وإنما فيها إخبار من الله تعالى ذكره أنهم يدخلون جنات عدن، وجائز أن يدخلها الظالم لنفسه بعد عقوبة الله إياه على ذنوبه التي أصابها في الدنيا، وظلمه نفسه فيها بالنار، أو بما شاء من عقابه، ثم يُدخله الجنة، فيكون ممن عمه خبر الله جل ثناؤه بقوله: {جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها. وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو الذي قلنا في ذلك أخبار، وإن كان في أسانيدها نظر مع دليل الكتاب على صحته على النحو الذي بينت (1157).
لقد فسر الإمام الطبري هنا الظالم لنفسه بالموحد العاصي الذي نالته عقوبة الله في النار أو بما شاء الله ثم يدخله جنات عدن.
وهذا القول الذي ذكره الإمام الطبري هنا ضعيف يفتقر إلى دليل قوي لإثباته؛ إذ لا ذكر ـ في هذه الآيات - للنار، وكذلك لا حجة في جميع الروايات الواردة بهذا المعنى الذي ذهب إليه الإمام الطبري عند تفسيره لهذه الآيات، وقد حكم عليها هو بنفسه بالضعف كما نقلنا عنه سابقاً.
واعتماد هذا المعنى الذي صرح به الإمام الطبري هنا يعرض فهمنا لآيات الله تعالى للتناقض البين، إذ من المستحيل أن يأمرنا ربنا بقوله: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [التوبة: 36] وفي نفس الوقت يبشر المقترف للفواحش والراكب للمآثم بالجنة.
وفي نهاية تفسيره لهذه الآيات الكريمة نجد الإمام الطبري يسجل الحق ويرد فكرة دخول العصاة إلى الجنة التي ذكرها في بداية تفسيره لهذه الآيات، فقد قال عند تفسيره لقوله تعالى وإن رَبَّنَا لَغَفُور شكور كه [فاطر: 34]: «يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل هذه الأصناف الذين أخبر أنه اصطفاهم
(1157) تفسير الطبري، 137/ 22. (1/362)
صفحة 358
الفصل الثاني
363
من عباده عند دخولهم الجنة: إن ربنا لغفور لذنوب عباده الذين تابوا من ذنوبهم، فساترها عليهم بعفوه لهم عنها، شكور لهم على طاعتهم إياه، وصالح ما قدموا في الدنيا من الأعمال (1158).
في هذا القول نجد الإمام الطبري ينسف ذلك البنيان الذي شيده على فكرة دخول العصاة في الجنة، حيث صرح هنا أن الأصناف الذين اصطفاهم الله تعالى يغفر لهم ذنوبهم إذا تابوا، وشاكر لهم طاعتهم وصالح أعمالهم. وهذه الأصناف التي يتوب الله عليها إذا تابت وشاكر لها أعمالها إذا أطاعت وصلحت لا يمكن أن يكون من بينها عاص مصر على ارتكاب
الفواحش.
الروايات الواردة في تفسير هذه الآيات:
رواية منسوبة إلى ابن عباس:
(1159)
قال الإمام الطبري: حدثنا علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني
معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَبَ) [فاطر: 32). إلى قوله: الْفَضْلُ الكَبِيرُ} [فاطر: 32) هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ورثهم الله كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حساباً يسيراً، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب».
هذه الرواية المنسوبة إلى ابن عباس لا قيمة لها ولا وزن في ميزان الأمة وذلك لضعف سندها، فقد جاءت من طريق علي بن أبي طلحة 1160)،
(1158) تفسير الطبري، 139/ 22. (1159) تفسير الطبري، 133/ 22 - 134.
(1160) انظر ص 43 من هذا البحث. (1/363)
صفحة 359
364
ومعاوية بن صالح، وأبي صالح عبد الله بن صالح الجهني
لا حجة في رواياتهم.
رواية منسوبة إلى الصحابي عبد الله بن مسعود:
(1162)
الذين
قال الإمام الطبري 1163): حدثنا ابن حميد قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو بن قيس عن عبد الله بن عيسى عن يزيد بن الحارث، عن شقيق، عن أبي وائل عن عبدا الله أنه قال: هذه الأمة ثلاثة أثلاث بن مسعود يوم القيامة: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، وثلث يجيئون بذنوب عظام، حتى يقول: ما هؤلاء؟ وهو أعلم تبارك وتعالى، فتقول الملائكة: هؤلاء جاؤوا بذنوب عظام إلا أنهم لم يُشركوا بك، فيقول الرب أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي. وتلا عبد الله
هذه الآية: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَبَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر: 32]». هذه الرواية لا تقوم بها حجة وقد جاءت من طريق محمد بن حميد
الرازي
(1164)
رواية منسوبة إلى عوف بن مالك:
قال ابن أبي حاتم (1165): حدثنا محمد بن عزيز، حدثنا سلامة عن عقيل عن ابن شهاب عن عوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أمتي ثلاثة أثلاث: فثلث يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وثلث يحاسبون
(1161) انظر ص 43 من هذا البحث.
(1162) انظر
43
ص من هذا البحث.
(1163) تفسير الطبري، 134/ 22.
(1164) انظر
ص
247
من هذا البحث.
(1165) تفسير ابن أبي حاتم الرواية: 18528، المجلد 348/ 7،
سورة فاطر.
من
الآية 32 من (1/364)
صفحة 360
الفصل الثاني
365
حساباً يسيراً ثم يدخلون الجنة، وثلث يمحصون ويكشفون، ثم تأتي الملائكة فيقولون وجدناهم يقولون: لا إله إلا الله وحده، يقول الله ول: صدقوا لا إله إلا أنا أدخلوهم الجنة بقولهم لا إله إلا الله وحده، واحملوا خطاياهم على أهل النار، وهي التي قال الله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَ أَنْفَاهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: 13) وتصديقها في التي فيها ذكر الملائكة، قال الله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَبَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا) فجعلهم ثلاثة أنواع، وهم أصناف كلهم، فمنهم ظالم لنفسه، فهذا الذي يكشف
ويمحص»».
هذه الرواية ضعيفة وذلك بسبب محمد بن عزيز بن عبد الله الأيلي، فقد قال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب: «فيه ضعف وقد تكلموا في صحة سلامة (1166). من عمه
سماعه
وكذلك بسبب سلامة بن روح بن خالد الأموي فقد قال ابن حجر عنه في تهذيب التهذيب: « ... قال أبو حاتم: ليس بالقوي، محله عندي محل الغفلة. وقال أبو زرعة ضعيف، منكر الحديث (1167).
فبسبب عدم نص الآيات على قضية الخروج من النار، وبسبب ضعف جميع الروايات التي تحدثت عن دخول عصاة الموحدين في الجنة ينبغي لنا عدم القفز بأفكارنا صوب معاني لم تثبت بدليل قاطع من كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله الكريم، لأن الأمور العقائدية لا بد من الاستناد
فيها على النصوص القاطعة (1168).
(1166) تقريب التهذيب، ت: 6159، 113/ 2. (1167) تهذيب التهذيب ت: 2808، 262/ 4. (1168) الحق الدامغ، ص 197. (1/365)
صفحة 361
366
أنواع (ظلم النفس كما جاء في القرآن الكريم:
ولقد جاء في كتاب الله تعالى ذكر (ظلم النفس في مواضع عديدة. وقد تفاوتت الأعمال التي استحق الإنسان بسببها هذه الصفة.
فقد جاءت صفة (ظلم النفس) في آيات تتحدث عن الكفرة الذين وقفوا أمام الدعوة الإلهية: -
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَنقَومِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِيكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَير لكم عِندَ بَارِيكُمْ فَنَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [البقرة: 54]
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْتَكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57]. مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحَ فِيهَا مِن أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِن
أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [آل عمران: 117].
وما أرسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رَحِيمًا} [النساء: 64].
وَقَطَعْنَهُمُ اثْنَتَى عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أَمَا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إذ اسْتَسْقَهُ قَوْمُهُ: أَن أضرب يعَصَاكَ الحَجَرَ فَأَنْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْعَمَمَ وَأَنزَلْنَا عليهم المَن وَالسَّلوَى كُلُوا مِن طَيِّبَت مَا رَزَقْتَكُمْ وَمَا ظلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 160]. (1/366)
صفحة 362
الفصل الثاني
367
اور سات مثلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِنَايَتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ}
[الأعراف: 177].
اور الم يأتِهم نبأ الذين مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وقوم إبْرَاهِيمَ وَأَصْحَب مَدينَ وَالْمُؤْتَفِكَتْ أَنتَهُمْ رُسُلُهُم بالبنت فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)
[التوبة: 70].
ه هو ووَمَا ظَلَمْتَهُمْ وَلَنكن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ وَالهَهُمُ التي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْ ءٍ لَّمَا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَنْبِيبٍ)
[هود: 101].
ه و وسكنتم في مسكن الذينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وتبين لكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ) [إبراهيم: 45].
هل ينظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَيكَةُ أَوْ يَأْتِي أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)
[النحل: 33].
له هو وعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَمَا ظَلَمْتَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [النحل: 118].
وقيل لها ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لجَةً وَكَشَفَتْ عَن سَافَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحُ مُمَرَّدُ مِّن قَوَارِيرٌ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَنَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 44].
و فكلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مِّنْ أَغْرَقْنَا (1/367)
صفحة 363
368
مع الم الحق
وما كان الله ليَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)
[العنكبوت: 40].
قَبْلِهِمْ
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَنَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمرُوهَا وَجَاءَ تَهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ} [الروم: 9].
فَقَالُوا رَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْتَهُمْ أَحَادِيثَ
وَمَزَقْنَهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (سبا: 19]. هذه الآيات وصفت الكافرين بالظالمين لأنفسهم، وليس لمن مات على كفره عند الله تعالى إلا النار الخالدة إلا إذا تاب عن كفره وأصلح شأنه قبل
الممات.
وجاءت صفة (ظلم النفس) في سياق تحذير المسلمين من تعدي حدود
الله تعالى: -
وَإِذَا طَلَّقْمُ النِّسَاءَ فَلَعَنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرحُوهُنَّ معْرُوفٍ وَلَا تُسكُوهُنَّ فِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَم نَفْسَهُ وَلَا نَتَّخِذُوا آيَتِ الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الْكِتَبِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
[البقرة: 231].
الطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيعُ بِإِحْسَنِ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ
أن تَأْخُذُوا مِمَّا اتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقيما حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيهَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَبكَ هُمُ الظَّلِمُونَ} [البقرة: 229]. (1/368)
صفحة 364
الفصل الثاني
369
ياتها النّبيُّ إِذَا طَلَقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةٌ واتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لَا تُخَرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعد ذلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1].
هو إن عدَةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبِ اللَّهِ يومَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُم ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيْمُ فَلَا تظْلِمُوا فيهنَّ أَنفُسَكُم وقَيلُوا الْمُشْرِكِين كافة كما يُقَتِلُونَكُمْ كَافَةُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (التوبة: 36).
و إن الَّذِينَ تَوَفَّهُم المليكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُم قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُن أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَهَا جِرُوا فِيهَا فَأُولَيكَ جهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء: 97]
فظلم النفس هنا يلحق كل مسلم يتعدى حدود الله تعالى في العلاقات الزوجية وغيرها من الفرائض والواجبات التي حددها الشرع لحياة
المسلمين.
قال الإمام الطبري: وهذه الأمور التي بينتها لكم من الطلاق للعدة وإحصاء العدة، والأمر باتقاء الله، وأن لا تخرج المطلقة من بيتها، إلا أن تأتي بفاحشة مبينة حدود الله التي حدّها لكم أيها الناس فلا تعتدوها {وَمَن يتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) يقول تعالى ذكره: ومن يتجاوز حدود الله التي حدّها لخلقه فقد ظلم نفسه يقول: فقد أكسب نفسه وزراً، فصار بذلك لها ظالماً، وعليها متعدّياً (1169).
(1169) تفسير الطبري، 134/ 28. (1/369)
صفحة 365
مع الب الحق
وقال الطبري أيضاً: «فقد
ظلم
(1170)
وأوجب لها من الله عقوبة بذلك 1170).
نفس
يعني: فأكسبها بذلك إثماً،
وقال الشوكاني: «والمعنى: أن هذه الأحكام التي بينها لعباده هي حدوده التي حدها لهم لا يحل لهم أن يتجاوزوها إلى غيرها وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ) أي: يتجاوزها إلى غيرها، أو يخل بشيء منها {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسه بإيرادها مورد الهلاك، وأوقعها في مواقع الضرر بعقوبة الله له على مجاوزته لحدوده وتعديه الرسمه
(11711
وقال القرطبي: «هذه الأحكام التي بيَّنها أحكام الله على العباد، وقد منع التجاوز عنها، فمن تجاوز فقد ظلم نفسه وأوردها مؤرد الهلاك (1172). وقال الرازي: «فعلى هذا كل من أمر بأنه تجب عليه طاعة الله وطاعة رسوله، ثم وصلت إليه هذه التكاليف التي تقدم ذكرها في العدة والرجعة والخلع وترك المضارة فلا يتشمر لأدائها، كان كالمستهزاء بها، وهذا تهديد للعصاة من أهل الصلاة (1173)
عظيم
وقال الطبرسي: «فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» فقد أضر بنفسه وعرضها
لعذاب الله» (1174).
وجاء في تفسير الجلالين: «وَمَن يَفْعَلْ ذالك فقد ظلم نفسه) [البقر: 231] بتعريضها إلى عذاب الله (1175).
(1170) تفسير الطبري، 482/ 2.
(1171) تفسير الشوكاني، 320/ 5.
(1172) تفسير القرطبي، 104/ 18، من تفسير الآية 1 من سورة الطلاق. (1173) تفسير الرازي، 101/ 6.
(1174) تفسير الطبرسي، 89/ 2، من تفسير الآية 231 من سورة البقرة. (1175) تفسير الجلالين، ص 37، من تفسير الآية 231 من سورة البقرة. (1/370)
صفحة 366
الفصل الثاني
371
فعلى من وقع في الظلم التوبة والإنابة وإرجاع الحقوق إلى أهلها قبل فوات الأوان، قال تعالى: -
ه و والذين إذا فَعَلُوا فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا الله فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنوب إلا الله ولم يصروا على ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135].
ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُم يستغفر الله يجد الله
غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 110].
لو قمن تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ، وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غفور رحيم * [المائدة: 39].
في هذه الآيات الكريمة حذر المولى جل وعلا المسلمين من ظلم أنفسهم وتوعدهم بالمصير السيئ في جهنم، ولم يبشرهم سبحانه بالجنة إذا استمروا على حالهم؛ لهذا كانت دعوته سبحانه لهم بالتوبة والاستغفار. يظهر من كل ما سبق أن الظالم لنفسه المذكور في سورة فاطر ليس هو الكافر؛ لأن الكافر قد حكم الله عليه بالنار وليس هو ممن اصطفاهم الله
تعالى.
ويظهر كذلك أن الظالم لنفسه المذكور في سورة فاطر ليس هو المسلم الذي مات على معصيته؛ لأن الله تعالى قد توعد مرتكب المعاصي بنار جهنم إذا مات على ذلك، ولم يأت دليل من كتاب الله تعالى ولا من سُنة رسوله القاطعة يثبت خروجه منها إلى الجنة.
وقد توسع مفسرون آخرون في تعريفهم للـ (ظالم لنفسه)، حيث ذكروا
تلك المعاني التي قالها الإمام الطبري وأضافوا إليها معاني أخرى: - (1/371)
صفحة 367
الله
من
معالم الحق
نقل القرطبي الأقوال الآتية في تعريفه للـ (ظالم لنفسه): « ... أي كافر ... فاسق ... الذي عمل الصغائر ... صاحب الكبائر ... والظالم الجاهل ... الظالم الذاكر الله بلسانه فقط ... الظالم صاحب الأقوال ... الظالم الذي يحب أجل الدنيا ... الظالم الذي يعبد الله خوفاً من النار، ... الظالم الزاهد في الدنيا ... الظالم الذي يجزع عند البلاء ... الظالم الذي يعبد الله على الغفلة والعادة ... الظالم الذي أُعْطِيَ فمنع ... الظالم من استغنى بماله ... الظالم التالي للقرآن ولا يعمل به ... ... والظالم الذي يدخل المسجد وقد أقيمت الصلاة ... والظالم الغافل عن | الصلاة حتى يفوت الوقت والجماعة ... الظالم الذي يحب نفسه ... الظالم الذي ينتصف ولا يُنصف ... والظالم من لم يسلم إلا بالسيف 1176).
وقال ابن كثير: « ... وهو المفرط في فعل بعض الواجبات المرتكب
لبعض المحرمات ... هم أصحاب المشأمة .... هو المنافق ... (1177).
وقال الألوسي: «والظالم لنفسه من قصر في العمل بالكتاب وأسرف على نفسه وهو صادق على من ظلم غيره لأنه بذلك ظالم لنفسه والمشهور مقابلته بالظلم لغيره ... الظالم من خفت حسناته ... الظالم لنفسه الذي مات على كبيرة لم يتب منها ... انظلم لنفسه العاصي المسرف ... من أسلم بعد الفتح ... من همه الدنيا ... طنب النجاة ... تارك الزلة ... من شغله معاشه معاده ... من يأتي بالفرنفض خوفاً من النار ... الغافل عن الوقت والجماعة ... من غلبت شهوته عقله ... من لا ينهي عن المنكر ويأتيه ... ساكن البادية ... من
كان ظاهره خيراً من باطنه ... ).
(1176) تفسير ذ في 221/ 14
(1177) نفس من در 012/ 5
عن
"",
•! ... (A) (1/372)
صفحة 368
الفصل الثاني
273
وقال ابن عاشور والظالمون لأنفسهم هم الذين يجرون أنفسهم إلى ارتكاب المعصية فإن معصية المرء ربَّه ظلم لنفسه لأنه يورطها في العقوبة المعينة للمعاصي على تفصيلها وذلك ظلم للنفس لأنه اعتداء عليها إذ قصر بها عن شيء من الخيرات قليل أو كثير وورطها فيما تجد جزاء ذميماً عليه.
قد تكون هذه المعاني صالحة لبيان (ظلم النفس)، وتحديد المعنى المقصود يكون بفهم العبارة من خلال سياق الكلام.
فمن هو الـ (ظالم لنفسه الذي ذكره الله تعالى في سورة فاطر؟. يتضح لنا معنى قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِم لنفسه،} [فاطر: 32) حينما
نعيش في الجو الذي تنشئه آيات سورة فاطر.
في آيات سورة فاطر نرى بشراً قد اصطفاهم الله تعالى من بين عباده وأعطاهم فضلاً كبيراً يسعون به في تسابق إلى كل خير، ونرى أولئك البشر وهم يدخلون الجنات وقد تزينوا بالذهب واللؤلؤ والحرير، ونسمعهم وهم يشكرون المنعم جلَّ وعلا على فضله وغفرانه.
فالجو الذي ترسمه لنا هذه الآيات هو جو طاعة، فلا مجال لذكر العصيان فيه، ولا مجال لحمل معنى الظالم لنفسه) على مرتكب الذنوب. والحياة في هذه الآيات حياة خيرات ورحمة في الدنيا والجنة، ولا ذكر فيها للشر وعذاب الآخرة والخروج من النار.
وهذه الآيات تعرض علينا بكل وضوح عباد الله المصطفين ـ الذين وصلوا إلى هذه الرفعة والسمو - وقد أمدهم الله تعالى بالطاقات اللازمة
لتبليغ الخيرات إلى طالبيها في مشارق الأرض ومغاربها.
(1179) تفسير ابن عاشور، 165/ 22. (1/373)
صفحة 369
374
منح الدر الحق
إنه لمشهد عظيم نرى فيه كل متسابق متلبس بالخيرات وتحيط به الخيرات ويسعى بالخيرات.
(1180)
إذاً فالـ (ظالم لنفسه) - الوارد ذكره في سورة فاطر ـ ليس هو الشخص الذي ... يظلـ نفسه بركوبه المآثم، واجترامه المعاصي، واقترافه الفواحش ... ». ا، بل هو شخص آخر وضع نفسه في موضع أفقدها الدرجات العالية بسبب عدم سعيه المتواصل الدؤوب في مضمار العمل، في وقت كان هو قادراً على التنافس مع المتنافسين والحصول على الدرجات لو أنه سخر كل نعم الله عليه في سباقه مع الذين اصطفاهم الله تعالى لحمل كتابه العزيز. قال الإمام الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَقِسُونَ} [المطففين: 26]: ... وكان معناه في ذلك: فليجد الناس فيه، وإليه فليستبقوا في طلبه، ولتحرص عليه نفوسهم
(1181)
فالجو الذي تنشئه آيات سورة فاطر هو نفس الجو الذي تنشئه آيات سورة النساء وسورة الحديد، ففي تلك الآيات دعوة إلى السعي والتسابق بالخيرات إلى أعلى الدرجات، والمتسابقون في هذا المجال يطلق عليهم (الظالم لنفسه)، و (المقتصد) و (السابق)، و (القاعد) و (المنفق قبل الفتح) و (المنفق بعد الفتح كل حسب أدائه وإخلاصه في هذا المضمار.
قال الله تعالى في سورة فاطر:
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَبَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمُ لِنَفْسِهِ ومنهم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكبير. جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ
(1180) تفسير الطبري، 137/ 22. (1181) تفسير الطبري، 108/ 30. (1/374)
صفحة 370
الفصل الثاني
rvo
ولولوا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرُ. وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنْ إِنَّ ربَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ. الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبُ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبُ} [فاطر: 32 - 35].
وقال الله تعالى في سورة النساء: ولا يَسْتَوِي الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وعد الله الحسنى وفَضَّلَ اللهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 95].
وقال سبحانه في سورة الحديد:
لو وما لكم أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِى مِنكُم مِّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَفَتَلَّ أُوَلَيْكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10]. جاء في كتاب (المفردات في غريب القرآن): «وَالظُّلْمُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَكَثِيرٍ مِنَ العُلَمَاءِ وَضعُ الشيء في غَيْرِ مَوْضِعِهِ المُخْتَصّ بِهِ إِمَّا بِنُقْصَانٍ أو بِزِيَادَةٍ، وَإِمَّا بِعُدُولٍ عَنْ وَقْتِهِ أو مَكَانِهِ ... (1182).
ومن
هذا التعريف لكلمة الظلم ندرك أن الظالم لنفسه) الوارد ذكره في
سورة فاطر قد وضع نفسه في مؤخرة الركب، وقد نقصها حظها من الدرجات والخيرات التي وصل إليها المقتصد والسابق.
(1182) المفردات في غريب القرآن، ص 318. وجاء هذا التعريف في (معجم مقاييس اللغة، 468/ 3). وفي (جمهرة اللغة 306/ 2. قال ابن دريد: «ظلم ظـ لـ م الظلم: مصدر ظلمته أظلمه ظلماً، والظلم، بالضم؛ الاسم. وأصل الظلم وضعك الشيء في غير موضعه، ثم كثر ذلك حتى سُمّي كل عشف ظُلماً). وفي (لسان العرب، 263/ 8) وفي (تاج العروس، باب الظاء، قال الزبيدي: «الظُّلْمُ: وضع الشيء في غير موضعه»، وفي مختار الصحاح، باب الظاء، كلمة: (ظلم)). (1/375)
صفحة 371
376
معالم الحق
فهو قد سلم من اقتراف الفواحش وركوب المآثم، لهذا وعده الله تعالى الجنة، ولكنه ظلم نفسه حين لم ينل الدرجات العالية التي كان بمقدوره الوصول إليها لو أنه نافس لأجلها بكل ما أوتي من قوة.
مرادة
فحال الظالم لنفسه هنا هو نفس حال (القاعدين) و (حال المنفق بعد الفتح) الذين وعدهم الله تعالى الحسنى مع المجاهدين بأموالهم وأنفسهم كما جاء في سورة النساء وسورة الحديد. وقد أشار ابن عاشور إلى هذا المعنى حيث قال: «وفي ذكر الخيرات في القسم الآخر دلالة على أنها في القسمين الأولين فيؤول إلى معنى ظالم لنفسه في الخيرات ومقتصد في الخيرات أيضاً، ولك أن تجعل معنى ظَالِمُ لِنَفْسِهِ} [الكهف: 35] أنه الخيرات كقوله: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ عَانَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِنْهُ شَيْئًا)
ناقصها من
[الكهف: 33] أي: لم تنقص عن معتادها في الإثمار 1183). وهناك قول بليغ ـ يصب في قالب هذا التصور الإسلامي المحفز للنفوس للصعود في سلم الكمالات الإنسانية - قاله ابن الجوزي: «من أعمل فكره الصافي دله على طلب أشرف المقامات، ونهاه عن الرضى بالنقص في كل حال. وقد قال أبو الطيب المتنبي: ولم أر في عيوب الناس عيباً ... كنقص القادرين على التمام فينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه، فلو كان للآدمي صعود السموات لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض. ولو كانت النبوة تحصل بالاجتهاد رأيت المقصر في تحصيلها في حضيض. غير أنه إذا لم يمكن ذلك فينبغي أن يطلب الممكن والسيرة الجميلة عند الحكماء النفس إلى غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل (1184).
(1183) تفسير ابن عاشور، 166/ 22.
(1184) صيد الخاطر، ص 139.
يتصور
خروج (1/376)
صفحة 372
الفصل الثاني
377
وقال ابن الجوزي أيضاً: «ولو صح له أن يكون ملكاً لم يرض أن يكون بشراً. والمقصود أن ينتهي بالنفس إلى كمالها الممكن لها في العلم:
(1185)
والعمل» 1185
وبعد أن ذكر درجات التائبين، قال الشيخ القرضاوي: « ... ومنهم من
يتوب من الوقوف عند حال أدنى، حيث لم يرتق إلى ما هو أعلى 1186). وقد أشار إلى نحو هذا المعنى العلامة ابن تيمية حيث قال: « ... أحدهما: أن الأبرار يقتصرون على أداء الواجبات وترك المحرمات، وهذا الاقتصار سيئة في طريق المقربين. ومعنى كونه سيئة أن يخرج صاحبه عن مقام المقربين، فيحرم درجاتهم، وذلك مما يسوء من يريد أن يكون من المقربين ... الثاني: أن العبد قد يؤمر بفعل يكون حسناً منه، إما واجباً، وإما مستحباً، لأن ذلك مبلغ علمه وقدرته. ومن يكون أعلم منه وأقدر لا يؤمر بذلك، بل يؤمر بما هو أعلى منه، فلو فعل هذا ما فعله الأول كان ذلك سيئة (1187).
(1187)
والإنسان وإن وصل إلى أعلى درجات الإخلاص الله في سعيه فلا بد له أن يحس بالتقصير في حق الله تعالى فها هم أنبياء الله تعالى في تواضعهم أمام الله تعالى يستغفرونه ويتضرعون إليه: - ار قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ
الْخَسِرِينَ} [الأعراف: 23].
ه لو قال رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
الرحيم) [القصص: 16].
(1185) صيد الخاطر، ص 148.
(1186) في الطريق إلى الله (4) - التوبة إلى الله)، ص 17.
(1187) التوبة، ص 42 - 43. (1/377)
صفحة 373
378
معالم الحق
وجهين،
قال الإمام الرازي: «أما قوله: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي) فعلى نهج قول آدم غير: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا} [الأعراف: 23] والمراد أحد إما على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه، وإن لم يكن هناك ذنب قط، أو من حيث حرم نفسه الثواب بترك
المندوب
وقال الإمام الرازي عند تفسير قوله تعالى إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّلِمِينَ} [الأنبياء: 87]: «فهو أن نقول إنا لو حملناه على ما قبل النبوة فلا كلام، ولو حملناه على ما بعدها فهي واجبة التأويل لأنا لو أجريناها على ظاهرها، لوجب القول بكون النبي مستحقاً للعن، وهذا لا يقوله مسلم، وإذا وجب التأويل فنقول لا شك أنه كان تاركاً للأفضل مع القدرة على تحصيل الأفضل فكان ذلك ظلماً 1189).
(1189)
وقال الإمام الرازي في موضع آخر من تفسيره: «ليس المراد من الآية أن الله شكك العبد في هذه المغفرة، بل المراد وصفهم بأنهم يفارقون الدنيا مع الهجرة والجهاد، مستقصرين أنفسهم في حق الله تعالى، يرون أنهم لم يعبدوه حق عبادته، ولم يقضوا ما يلزمهم في نصرة دينه، فيقدمون على الله مع الخوف والرجاء، كما قال: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى
ربهم
رَاجِعُونَ
[المؤمنون: 60] ...
(1190)
وقال الشيخ السعدي: «فنادى في تلك الظلمات: {لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سبحانك إني كنتُ مِنَ الظَّالِمِين [الأنبياء: 87]، فأقر الله تعالى
(1188) تفسير الرازي، 213/ 24.
(1189) تفسير الرازي، 205/ 22.
(1190) تفسير الرازي، 35/ 6، من تفسير الآية 218 من سورة البقرة. (1/378)
صفحة 374
الفصل الثاني
379
بكمال الألوهية، ونزهه عن كل نقص وعيب وآفة، واعترف بظلم نفسه
وجنايته» (1191).
وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الدعاء: .... اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ. أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعاً. إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ ... 1192.
(1192
قال النووي عند شرحه لهذه الرواية: «قوله: (ظلمت نفسي) أي: اعترفت بالتقصير. قدمه على سؤال المغفرة أدباً. كما قال آدم وحواء: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ} [الأعراف: 119323). فإذا كان الأنبياء عليهم السلام، وهم صفوة خلق الله تعالى، هذا هو قولهم وهذا هو وصفهم لأنفسهم، فما بالنا لا نصف الآخرين من العاملين الله من البشر بـ (ظلم النفس وهم دائماً يعتريهم الضعف والكلل وهم في ميادين الدعوة.
وقد علم الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابي أبا بكر له هذا الدعاء: « ... قل اللهم إني ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من
ظلمت نفسي
(1192) ,
عندك، وارحمني، إنك أنت الغفورُ الرحيم)))
قال الحافظ ابن حجر عند شرحه لهذه الرواية: «قوله: (ظلمت نفسي) أي بملابسة ما يستوجب العقوبة أو ينقص الحظ. وفيه أن الإنسان لا يعرى عن تقصير ولو كان صديقاً (1195).
(1191) تفسير السعدي، ص 502 من تفسير الآية 87 من سورة الأنبياء.
(1192) صحيح مسلم، الرواية: 771،.
ص
340
(1193) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، 300/ 6.
(1194) صحيح البخاري، الرواية: 834،
(1195) فتح الباري، 2/ 585 - 586.
ص
160 (1/379)
صفحة 375
380
الله تعالى يعرف منازل الرجال العاملين في سبيله، فليس بمقدور البشر أن يحددوا درجات الأولياء والمصطفين بل على الجميع السعي والتسابق في مضمار الدعوة مع ملازمة الإحساس بالتقصير، واتهام (النفس بالظلم) عند القيام بالواجب إقتداء بأنبياء الله تعالى والصديقين من عباد الله تعالى. من كل ما سبق يتبين لنا: -
- ضعف التفسير الذي حمل قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمُ لِنَفْسِهِ) [فاطر: 32] على العصاة ومرتكبي الكبائر، لأن سياق الآيات لا يشير لهذا الروايات الواردة بهذا التفسير ضعيفة لا تقوم بها حجة.
المعنى، ولأن
جميع
والآيات الكريمة هي تسجيل لمراتب أهل الجنة العاملين في مضمار
الدعوة إلى الله. (1/380)
صفحة 376
روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى
وقد خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} [طه: 111].
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَم يلبسوا ايمنهُم بِظُلْمٍ أُولَيْكَ هُمُ الْأَمَنُ وَهُم مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82].
وَإِذْ قَالَ لَقَمَنُ لِابْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَبْنَى لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشَّرْكَ
لظلم عظيمٌ} [لقمان: 13].
جاء في كتاب (معجم مقاييس اللغة بيان المعنى اللغوي لكلمة خاب: (خيب) الخاء والياء والباء أصل واحد يدلُّ على عدم فائدة وحرمان. والأصل قولهم للقِدْح الذي لا يُورِي: هو خياب، ثم قالوا: سَى في أمر فخابَ، وذلك إذا حُرِم فلم يُفِدْ خَيْراً (1196).
قال ابن عطية: «والظلم يعم الشرك والمعاصي، وخيبة كل حامل بقدر ما حمل من الظلم، فخيبة المشرك على الإطلاق، وخيبة العاصي مقيدة بوقت واحد في العقوبة» (1197).
(1196)
مقاييس اللغة 232/ 2. معجم
(1197) تفسير ابن عطية، ص 1267، من تفسير الآية 111 من سورة طه. (1/381)
صفحة 377
382
وهذا القول الذي ذكره ابن عطية هنا قد ذكره أيضاً أبو حيان
(1199)
الأندلسي (1198)، والألوسي (199)، والشنقيطي
(1200)
(1207)
وقد جاء عند القرطبي (1201)، والبغوي (1202)، وابن الجوزي (1203)، والنسفي (1204)، والخازن (1205)، وأبي السعود 120)، والطبرسي حمل الظلم هنا على الشرك دون ذكر المعاصي وهو رأي اعتمد على روايتين ضعيفتين نسبتا إلى قتادة وابن زيد كما ذكرهما ابن جرير الطبري في تفسيره.
قال الإمام الطبري: «حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} قال: من حمل شركاً» (1208).
هذه الرواية من هذه الطريق لا حجة فيها وذلك لورودها من قبل رواية الحسن بن يحيى عن عبد الرزاق بن همام، وقد مر بك سابقاً أقوال علماء
(1198) تفسير أبي حيان الأندلسي، 260/ 6. (1199) تفسير الألوسي، 575/ 8.
(1200) تفسير الشنقيطي، 391/ 4.
(1201) تفسير القرطبي، 165/ 11، و 21/ 7.
(1202) تفسير البغوي، 195/ 3، و 92/ 2.
(1203) تفسير ابن الجوزي، 177/ 3، و 49/ 2.
(1204) تفسير النسفي، 66/ 3.
(1205) تفسير الخازن من تفسير الآية 111 من سورة طه، ومن تفسير الآية 82 من سورة الأنعام. (1206) تفسير أبي السعود، 310/ 4، و 408/ 2.
(1207) تفسير الطبرسي، 43/ 7، من تفسير الآية 111 من سورة طه. و 76/ 4، من تفسير الآية
82 من سورة الأنعام.
(1208) تفسير الطبري، 217/ 16. (1/382)
صفحة 378
الفصل الثاني
383
(1209)
الجرح في عبد الرزاق. وكذلك لورودها من قبل رواية معمر بن راشد
قتادة عن
بن دعامة العراقي
(1210)
وقال الإمام الطبري: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْما) قال: من حمل شركاً،
الظلم
هاهنا: الشرك» 1211).
هذا القول ضعيف لوروده من قبل رواية ابن وهب عن ابن زيد (1212).
وخلاصة القول في تفسير هذه الآية هو. ما قاله الإمام الطبري: «من حمل إلى موقف القيامة شركاً بالله وكفراً، به وعملاً بمعصيته (1213)
صاحبه
يوم القيامة من الفوائد التي يتمناها، وليس في هذه
فالظلم يحرم. الآية ولا في غيرها من الآيات ذكر للعذاب المؤقت للعصاة، فالحرمان الذي سيناله الظالمون دائم لا ينقطع.
فعلى الناس أخذ الحذر من أماني النفس الكاذبة وترك الروايات الضعيفة الباطلة، وعليهم اتباع صريح القرآن الكريم.
وقد ينازع أناس في أن الظلم المشار إليه هنا معناه الشرك اعتماداً على الروايات التي جاءت عند تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيتَهُم بِظُلْمٍ أُولَيكَ هُمُ الأَمَنُ وَهُم مُهْتَدُونَ} [الأنعام (82).
(1209) انظر ص 238 من هذا البحث. (1210) انظر ص 256 من هذا البحث. (1211) تفسير الطبري، 217/ 16.
(1212) انظر ص 399 من هذا البحث.
(1213) تفسير الطبري، 217/ 16. (1/383)
صفحة 379
384
معالم الحق
وقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ لُقَمَنُ الابْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَبيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إن الشركَ لَظُر عَظِيمٌ} [لقمان: 13].
الروايات التي حددت الظلم بالشرك فقط روايات أبطلها منهاج الأمة الإسلامية الذي لا يحابي أحداً كما سيتبين لنا عند قراءتنا في تفسير هاتين الآيتين الكريمتين.
ونقد بين العلماء أيضاً أن مدلول الظلم يشمل كل معانيه ولا يختصر على معنى الشرك فقط، فقد نقل الإمام الطبري: «وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولم يخلطوا إيمانهم بشيء من معاني الظلم، وذلك فِعْلُ ما نهى الله عن فعله، أو ترك ما أمر الله بفعله، وقالوا: الآية على العموم، لأن الله لم يخص به معنى من معاني الظلم
وقال الشيخ السعدي: «قال الله تعالى فاصلاً بين الفريقين: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا) أي: يخلطوا إيمَنَهُم بِظُلْمٍ أُولَيكَ هُمُ الْأَمَنُ وَهُم تُهْتَدُونَ) الأمن من المخاوف، والعذاب والشقاء والهداية إلى الصراط المستقيم، فإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقاً، لا بشرك، ولا بمعاصي، حصل لهم الأمن التام، والهداية التامة.
وإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده ولكنهم يعملون السيئات،
حصل لهم أصل الهداية، وأصل الأمن، وإن لم يحصل لهم كمالها. ومفهوم الآية الكريمة، أن الذين لم يحصل لهم الأمران، لم يحصل لهم
هداية، ولا أمن، بل حظهم الضلال والشقاء» (1215).
(1214) تفسير الطبري، 258/ 7.
(1215) تفسير السعدي، ص 240، من تفسير الآية 82 من سورة الأنعام. (1/384)
صفحة 380
الفصل الثاني
385
فمن هذه الأقوال نعرف أن كلمة الظلم - في معناها العام ـ تدل على
الشرك وغيره من المعاصي.
فأي القسمين تدل عليه كلمات هذه الآية الكريمة؟.
الكلام هنا
الَّذِينَ آمَنُوا،، وليس عن الذين أشركوا. وبهذا تحدد عن أولها للقارئ الجهة التي ينظر إليها، وهي جهة المجتمع المؤمن الذي ينبغي للجميع العيش فيه.
هذه الآية من
ومما يعمق هذه النظرة صوب جهة المجتمع المؤمن هو المعنى الذي يرشد إليه قوله تعالى: {وَلَمْ يَلْبِسُوا)، (أي: لم يخلطوا 1216). إذ من المستحيل تصور الإيمان والشرك مختلطين في مكان واحد.
والمجتمع المؤمن ليس مجتمعاً ملائكياً؛ ففيه العصاة غير التائبين، وفيه المستغفرون التائبون وفيه من سما إلى أعلى درجات التقوى بفضل الله
تعالى.
والقرآن الكريم منذ الأيام الأولى من عمر الدعوة الإسلامية يدعو المؤمنين إلى العمل بالطاعات وعدم خلطها بالمعاصي، لأن من عمل ذلك فله الأمن وهو في هداية من ربه في الدنيا والآخرة.
والذين خلطوا إيمانهم بالمظالم ولم يتخلصوا منها بالتوبة والاستغفار فقد ذكرت أحوالهم ومصيرهم آيات أخرى من كتاب الله تعالى، وروايات صحيحة من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، كما سيتضح في هذا
البحث.
(1216) فتح الباري، 124/ 1. (1/385)
صفحة 381
386
(1217) هذه الآية الكريمة
و فكرة الخروج من النار لها حضورها عند تفسير وإن كان على حساب مدلولات ظواهر الآيات الكريمة.
وقد اعتمد القائلون بـ (فكرة خروج العصاة من النار) على روايات لم يحفل بها منهج الأمة الإسلامية عند تفسيرهم لكلمة (الظلم) الواردة في هذه
الآية.
نروايات التي حملت معنى (الظلم) بـ (الشرك) فقط:
قال الإمام الطبري بعد أن ذكر الروايات والأقوال في تفسير هذه الآية الكريمة: «وأولى القولين بالصحة في ذلك، ما صح في ذلك، ما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الخبر الذي رواه ابن مسعود عنه أنه قال: الظُّلْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذَا المَوْضِع هُوَ الشَّرْكُ 1278).
»»
(1218)
وقال القرطبي: «الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ) أي: بشرك؛ قاله أبو بكر الصديق وعليّ وسَلْمان وحذيفة، (.))
ونقل ابن كثير عن ابن أبي حاتم وروي عن أبي بكر الصديق، وعمر، وأبي بن كعب، وسلمان وحذيفة، وابن عباس وابن عمر، وعمرو بن شرحبيل، وأبي عبد الرحمن السلمي، ومجاهد، وعكرمة، والنخعي، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغير واحد نحو ذلك» (1220).
(1217) قال ابن حجر: «فإن قيل: فالعاصي قد يعذب فما هو الأمن والاهتداء الذي حصل له؟ فالجواب أنه آمن من التخليد في النار، مهتد إلى طريق الجنة. والله أعلم» (فتح
الباري، 124/ 1). (1218) تفسير الطبري، 259/ 7.
(1219) تفسير القرطبي، 21/ 7.
(1220) تفسير ابن كثير 59/ 3. وانظر (تف ابن أبي حاتم، الرواية: 7575،
المجلد 382/ 3). (1/386)
صفحة 382
الفصل الثاني
387
والمتتبع للروايات التي أشار إليها المفسرون، ومنهم الطبري والقرطبي وابن كثير، والتي نسبت إلى الرسول والصحابة والتابعين تفسير (الظلم)
بـ (الشرك) فقط، يجدها روايات لا تقوم بها حجة ولا دعوى. الرواية المنسوبة إلى مقام النبوة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام:
قال الإمام البخاري: «حدثنا إسحاق أخبرنا عيسى بن يونُسَ حدَّثَنَا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: «لما نزلت: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ شق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله أينا لا يَظْلِمُ نفسَهُ؟ قال: ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يَعِظُهُ يَبُيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلُهُ عَظِيمٌ.
1221)
أخرج هذه الرواية الإمام البخاري، والإمام مسلم"، والإمام
(1223)
(1224)
الطبري (1223)، والإمام أحمد (1224)، والترمذي (123)، وابن حبان (1326)، والبيهقي" (1228)، وأبو يعلى (1229)، والبزار (1330)، واللالكائي، وغيرهم.
والنسائي
،613
(1221) صحيح البخاري، الرواية: 3429، ص 613 - 614، والرواية: 3428، ص 3 والرواية: 32، ص 1، والرواية: 6918، ص 1223، والرواية: 6937، ص 1226،
والرواية: 4776، ص 865، والرواية: 4629، ص
(1222) صحيح مسلم، الرواية: 124، ص 105.
AY.
(1223) تفسير الطبري، 255/ 7 - 256، ذكر الإمام الطبري عدة روايات جاءت بعنعنة الأعمش. (1224) مسند الإمام أحمد الروايات 3589، و 4031، و 4240.
(1225) سنن الترمذي الرواية: 3067، ص 709.
(1226) صحيح ابن حبان الرواية: 253، 487/ 1.
(1227) سنن البيهقي الكبرى الرواية: 21203، 236/ 15.
(1228) سنن النسائي الكبرى الرواية: 11166، 341/ 6، والرواية: 11390، 427/ 6. (1229) مسند أبي يعلى، الرواية: 5162.
(1230) مسند البزار، الرواية: 1493 والرواية: 1494.
(1231) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة الرواية: 1989، المجلد 124/ 2. (1/387)
صفحة 383
288
مجال الحق
(1232)
واحتج بها وذكرها القرطبي، وابن كثير (1333)، والشوكاني (1234)،
(1237)
والسيوطي (1335)، وابن حجر) (1236)، وابن عطية (1237)، وغيرهم. وبعد أن أشار ابن عاشور إلى هذه الرواية قال: «وانظر من روى هذا
ومقدار صحته
المدلس"
(1239)
(1238)
ونحن إذا نظرنا في هذه الرواية نجدها واردة من قبل عنعنة الأعمش. وفي شرحه لهذه الرواية قال بدر الدين العيني: « ... ونسب إلى التدليس (1240)، وقد عنعن هذا الحديث عن إبراهيم، ولم ير في جميع الطرق التي فيها رواية الأعمش للبخاري ومسلم وغيرهما أنه بالتحديث أو صرح الإخبار إلا في رواية حفص بن غياث عن الأعمش، الحديث المذكور في رواية البخاري في قصة إبراهيم، على ما سيجيء إن شاء الله تعالى: فإن قلت: المعنعن إذا كان مدلساً لا يحمل حديثه على السماع، إلا أن يبين، فيقول: حدثنا، أو أخبرنا، أو سمعـ سمعت أو ما يدل على التحديث. قلت: قال المدلسين:
ذلك ابن الصلاح وغيره ما كان في الصحيحين من عن كالسفيانين والأعمش وقتادة، وغيرهم، فمحمول على ثبوت السماع عند البخاري ومسلم من طريق آخر، وقد ذكر الخطيب عن بعض الحفاظ، أن
(1232) تفسير القرطبي، 21/ 7، وج 43/ 14.
(1233) تفسير ابن كثير، 058/ 3
(1234) تفسير الشوكاني، 190/ 2، من تفسير الآية 82 من سورة الأنعام.
(1235) الدر المنثور، 49/ 3.
(1236) فتح الباري، 1/ 123.
(1237) تفسير ابن عطية ص 639، من تفسير الآية 82 من سورة الأنعام.
(1238) تفسير ابن عاشور 101/ 21.
(1239) تقريب التهذيب ت: 2623، 392/ 1.
(1240) يقصد الأعمش الراوي لهذه الرواية عن إبراهيم النخعي. (1/388)
صفحة 384
الفصل الثاني
289
الأعمش يدلس عن غير الثقة، بخلاف سفيان فإنه إنما يدلس عن ثقة. وإذا
كان كذلك فلا بد أن يبين حتى يعرف، والله أعلم.
من
هذا النص الذي قاله بدر الدين العيني ندرك أنه لم ترق له عبارة ابن الصلاح، بل طلب من الأعمش - المدلس عن غير الثقة ـ أن يبين صيغة نقله للرواية حتى يعرف صحة الحديث المروي.
وقال ابن حجر: « ... والأعمش موصوف بالتدليس ولكن في رواية حفص بن غياث التي تقدمت الإشارة إليها عند المؤلف عنه: «حدثنا إبراهيم» ولم أر التصريح بذلك في جميع طرقه عند الشيخين وغيرهما إلا في الطريق» (1242).
هذا
والطريق الأخرى التي ذكرها البخاري (1243)، والتي أشار إليها بدر الدين العيني وابن حجر هنا، جاءت من طريق حفص بن غياث بن طلق الذي ضعف حفظه علماء الجرح والتعديل.
فقد قال ابن حجر: « ... قال يعقوب: ثقة ثبت إذا حدث من كتابه، ويُتقى بعض حفظه ... وقال أبو زرعة ساء حفظه بعدما استقضي ... وقال داود بن رشيد: حفص كثير الغلط ... وذكر الأثرم عن أحمد بن حنبل أن حفصاً كان يدلس ... وقال ابن سعد: كان ثقة، مأموناً، كثير الحديث، يدلس. وقال أبو عبيد الآجري، عن أبي داود: كان حفص بآخره دخله نسيان (1244).
(1241) عمدة القاري، 338/ 1.
(1242) فتح الباري، 124/ 1.
(1243) صحيح البخاري، الرواية: 3360، ص 597. قال البخاري: «حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي حدثنا الأعمش قال: حدثني إبراهيم عن علقمة عن عبد الله في عنه
قال: ....
(1244) تهذيب التهذيب ت: 1504، 373/ 2 - 375. (1/389)
صفحة 385
=
390
والناظر في أسانيد هذه الرواية يدرك أن الطريق التي جاءت بالعنعنة بين الأعمش وشيخه أرجح من الطريق التي جاءت بصيغة التحديث بين
وشيخه.
الأعمش
فالرواية التي صرح فيها الأعمش بالعنعنة عن شيخه إبراهيم النخعي، قد جاءت عند البخاري ومسلم وغيرهما من طريق شعبة بن الحجاج، وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، ووكيع بن الجراح، وأبي معاوية
الضرير.
ومن هؤلاء الرواة من هم أوثق وأضبط في الرواية من حفص بن غياث. وبهذا يتبيَّن أن رواية الأكثر التي عنعن فيها الأعمش عن شيخه أرجح
من الرواية التي صرح فيها الأعمش بالتحديث عن شيخه.
وقد طبق العلامة ابن القيم هذه القاعدة في حاشيته على سنن أبي داود حينما رجح رواية جاءت من طرق رجال هم أتقن من حفص بن غياث، فقد قال ابن القيم في جواب له على من رجح رواية جاءت من طريق حفص بن غياث: .... رواية عبد الملك ومن معه عن يحيى بن سعيد، أرجح من رواية حفص بن غياث لأنهم أتقن وأكثر، وأبعد عن الغلط ... » (1245).
(1245) قال ابن القيم هذا نقول عند مناقشته لطرق الرواية التي فيها: (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكلما صيام الدهر). ومما قاله ابن القيم:
. فإن قيل: فقد حفص بن غياث وهو أثبت ممن ذكرت، عن يحيى بن سعيد عن أخيه. اسعد بن سعيد عن عمرو بن ثابت، فدل على أن يحيى بن سعيد لم يروه ان ولا لما رواه عن أخيه عنه ورواه إسحاق بن أبي فروة عن
يحيى من ميان عن مجاني بن ثابت عن البراء، فقد اختلف فيه. قبل رواية محبه الملك ومن معه عن يحيى بن سعيد، أرجح من رواية حفص بن غياث، لأنهم أنقن وأكثر، وأبعد عن الغلط، ويحتمل أن يكون يحيى سمعه من أخيه،
فرواه كذلك، ثم سمعه من عمر، ولهذا نظائر كثيرة، وقد رواه عبد الله بن لهيعة عن (1/390)
صفحة 386
الفصل الثاني
391
ونحن نقول إن الرواية التي عنعن فيها الأعمش عن شيخه هي الأرجح،
لأن الرواة الذين نقلوها عن الأعمش أتقن وأكثر، وأبعد عن الغلط». وجاءت هذه الرواية موقوفة على الصحابي عبد الله بن مسعود عند والنسائي من طريقة عنعنة «الأعمش عن إبراهيم»،
(1246)
(1247)
البخاري" وجاءت موقوفة على ابن مسعود بصيغة التحديث عند الطيالسي
(1248)
وليس في هذه الرواية الموقوفة تفسير الظلم بالشرك، بل كل ما فيها ذكر الترتيب الزمني لنزول الآيات.
وكون هذه الرواية تُرفع أحياناً وتوقف أحياناً أخرى دليل آخر على ضعفها؛ فنجد الأعمش أو غيره يضطربون في نسبة هذه الرواية بين رافع لها إلى مقام النبوة أو موقفها على الصحابي عبد الله بن مسعود.
من هذه الأقوال ندرك عدم ثبوت هذا التفسير المنسوب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وندرك عدم ثبوت سؤال الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم عن معنى (الظلم) الوارد في هذه الآية الكريمة.
عبد ربه بن سعيد عن أخيه يحيى بن سعيد عن عمر فإن كان يحيى إنما سمعه من أخيه سعد فقد اتفقت فيه رواية الإخوة الثلاثة له بعضهم عن بعض». (حاشية ابن القيم على سنن أبي داود، 89/ 7 – 90)
(1246) صحيح البخاري الرواية: 3428 ص 613. قال الإمام البخاري: حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: «لما نزلت: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيتَهُم بِظُلم) [الأنعام: 82] قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فنزلت: وَلَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِن الشِّرْكَ لَظُلْمُ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]. وانظر كذلك الرواية: 32 والرواية: 4629.
(1247) سنن النسائي الكبرى الرواية: 11166، 341/ 6. (1248) مسند الطيالسي الرواية: 270، 141/ 1. حدثنا أبو داود قال حدثنا شعبة قال: قال لي الأعمش: ألا أحدثك حديثاً جيداً حدثني إبراهيم قال: حدثني علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: «لما نزلت الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم بِظُلْرٍ؛ قالوا: وأينا لم يخط حتى نزلت هذه الآية: لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِرْكَ لَظُمُ عَظِيمٌ». (1/391)
صفحة 387
392
ومن هذا ندرك خطأ قول الشوكاني: «والعجب من صاحب الكشاف حيث يقول في تفسير هذه الآية: وأبى تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس، وهو لا يدري أن الصادق المصدوق قد فسرها بهذا، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل (1249).
فالصادق المصدوق لم يثبت عنه هذا التفسير الذي نسب إليه، العلامة الشوكاني كيف يغفل عن هذه العلل الظاهرة التي جاءت
فالعجب من في أسانيد هذه الرواية.
ونجد العلامة الشوكاني يكرر ادعاء ثبوت الروايات القائلة عصاة بخروج. الموحدين من النار في محضر نقاشاته للزمخشري، حيث قال الشوكاني: «قال الزمخشري في الكشاف بعد ذكره لهذا إنه مما لفقته المجبرة، ويا الله العجب من رجل لا يفرق بين أصح الصحيح، وبين أكذب الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتعرض للكلام على ما لا يعرفه ولا يدري ما هو؟ قد تواترت الأحاديث تواتراً لا يخفى على من له أدنى إلمام بعلم الرواية بأن عصاة الموحدين يخرجون من النار فمن أنكر هذا فليس بأهل للمناظرة؛ لأنه أنكر ما هو من ضروريات الشريعة، اللهم غفراً 1250).
ليس لهذه الفقرة التي قالها الشوكاني أي مصداقية في علم الرواية
والدراية.
فمناهج الأمة الإسلامية بجميع فروعها ترد فكرة خروج عصاة المسلمين من النار.
ولو أنه عرض الروايات التي اعتد بها على المنهج الصحيح لما قال هذا القول، ولتبيَّن له بطلان دعوى تواترها، ولعرف ضعف أسانيدها ومتونها،
(1249) تفسير الشوكاني، 190/ 2.
(1250) تفسير الشوكاني، 56/ 2، من تفسير الآية 37 من سورة المائدة. (1/392)
صفحة 388
الفصل الثاني
393
ولطلب الغفران من المولى جل وعلا عن مخاصمته لصالح قضية نسبها القرآن الكريم إلى اليهود، وحاربتها مناهج الأمة الإسلامية المنصورة. والرواية المنسوبة إلى أبي بكر الصديق، والتي رواها (1251)، والتي فيها تفسير الظلم بالشرك فقط، هي رواية ضعيفة لورودها من قبل أحمد بن عبد الجبار بن محمد العطاردي، فقد قال
الحاك
ابن حجر عنه في التقريب: ضعيف وسماعه للسيرة صحيح"125). وهناك علة أخرى في سند هذه الرواية، وهي أن سماع الأسود بن هلال المحاربي الكوفي لم يثبت عن أبي بكر الصديق له، فهو وإن أدرك حياة الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أنه هاجر إلى المدينة في أيام. بن الخطاب له بعد
عمر
(1253)
موت أبي بكر الصديق، والناظر في أسماء الأشخاص الذين روى عنهم الأسود بن هلال لا يجد لأبي بكر ذكراً 1254)، وكذلك لا يجد للأسود بن هلال ذكراً في قائمة من روى عن أبي بكر الصديق
(1255)
(1251) المستدرك على الصحيحين الرواية: 3648، 478/ 2. قال الحاكم: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا عبد الله بن إدريس، أنبأ أبو إسحاق الشيباني، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن الأسود بن هلال، عن أبي بكر الصديق قال: ما تقولون في قول الله عَلَى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) [فصلت: 30]، وقوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَوْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ). فقالوا: الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)، فلم يلتفتوا، وقوله: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم بِظُلْرٍ، بخطيئة، فقال أبو بكر: حملتموها على غير وجه المحمل (ثُمَّ اسْتَقَامُوا) ولم يلتفتوا إلى إله غيره وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ) أي: بشرك. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وانظر نحو هذه الرواية في المطالب العالية، 219/ 8).
(1252) تقريب التهذيب، ت: 64، 39/ 1. (1253) الإصابة في تمييز الصحابة، ت: 456، 108/ 1. (1254) تهذيب الكمال، 263/ 1.
(1255) تهذيب الكمال، 205/ 4 - 206. (1/393)
صفحة 389
35.4
مع الراحة
وجاء عند الطبري أيضاً رواية منسوبة إلى أبي بكر الصديق وهي لا تقوم بها حجة وذلك بسبـ انقطاع سندها بين يونس بن أبي إسحاق السبيعي وأبي بكر الصديق.
والرواية المنسوبة إلى أبي بن كعب فيه والتي أجاب فيها على
(1257)، والطبري
سؤال عمر بن الخطاب، والتي رواها الحاكم رواية لم تثبت لورودها من قبل علي بن زيد بن جدعان.
(1258)
فهي
بن
فقد قال ابن حجر: علي بن زيد بن عبد الله بن زهير بن عبد الله. جدعان التيمي، البصري، أصله حجازي، وهو المعروف بعلي بن زيد بن
جدعان، ينسب
أبوه إلى جد جده، ضعيف؟
(1256) تفـ الطبري، 256/ 7. قال الطبري: حدثنا هناد قال: ثنا قبيصة، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ) قال:
بشرك».
(1257) المستدرك على الصحيحين، 5330، 345/ 3. قال الحاكم: حدثني علي بن حمشاذ العدل قال: أخبرني الحارث بن أبي أسامة، أنا روح بن عبادة، ثنا حماد بن زيد عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب أتى على هذه الآية: الَّذِينَ. من ولم يَلْبِسُوا إِيمَتَهُم بِظُلْمٍ) فأتى أبي بن كعب فسأله: أينا لم يظلم؟ فقال له: يا مير لمؤمنين إنما ذاك الشرك أما سمعت قول لقمان لابنه: (يَنْبُنَى لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِن - - م عظية
(125/ 8) تفسير الطبري، 257/ 7. قال عبري: حدثت له بن علي الجهضمي، قال: ثني أبي، أن عمر بن الخطاب قرأ:
قال: ثنا جرير بن حازم، عن علي بن الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسوا ث يا أبا المنذر قرأت آية من كتاب. نفسه؟ فقال: غفر الله لك. أما ..
إنما هو: ولم يلبسوا ابد، جم (1259) تقريب التهذيب، ت: 100:
لحسيب
ها فزع، فأتى أبي بن كعب، فقال:: ما هي؟ فقرأ عليه، فأينا لا يظلم
الترك لظلم عَظِيمٌ؟ (1/394)
صفحة 390
الفصل الثاني
وجاء هذا التفسير المنسوب إلى أبي له أيضاً عند نضيري
الإسناد، فقد أرسله أبو عثمان عمرو بن سالم.
منتضع
قال ابن حجر: «قال الحاكم أبو أحمد هو معروف بكنيته ... رى ابن عباس، وابن عمر، وأرسل عن أبي بن كعب
والرواية المنسوبة إلى سلمان الفارسي والتي فيها تفسير الظلم بالشرك فقط لا تثبت وذلك لورودها من قبل أبي الأشعر وأبيه، ولم أعثر
لهما على ترجمة في كتب الحديث التي بين يدي.
والرواية المنسوبة إلى حذيفة " والتي فيها تفسير الظلم بالشرك فقط لا تثبت وذلك لورودها من قبل درسب الذي لم أجد له ترجمة في كتب الرجال. وكذلك جاءت عند الطبري رواية أخرى منسوبة إلى حذيفة وهي ضعيفة لوجود رجل مجهول لم يسم في سندها.
(1759)
(1260) تفسير الطبري، 257/ 7. قال الطبري: حدثنا هناد قال: ثنا ابن فضيل، عن مطرف، عن أبي عثمان عمرو بن سالم، قال: قرأ. عمر بن الخطاب هذه الآية: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَتَهُم يظلم) فقال عمر: قد أفلح من لم يلبس إيمانه بظلم فقال أبي: يا أمير المؤمنين: ذاك الشرك».
(1261) تهذيب التهذيب: ت 8573، 146/ 12. (1262) تفسير الطبري، 256/ 7. قال الطبري: حدثنا هناد قال: ثنا وكيع، عن سعيد بن عبيد الطائي، عن أبي الأشعر العبدي، عن أبيه، أن زيد بن صوحان سأل سلمان، فقال: يا أبا عبد الله آية من كتاب الله قد بلغت مني كل مبلغ: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا ايمنهُم بِظُلْمٍ؟؟ فقال سلمان هو الشرك بالله تعالى فقال زيد: ما يسرني بها أني لم أسمعها منك وأن لي مثل كل شيء أمسيت أملكه».
(1263) تفسير الطبري، 256/ 7. قال الطبري: حدثنا ابن بشار وابن وكيع قالا: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا نُسير بن دغلوق، عن درسب، عن
حذيفة، في قوله: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ) قال: بشرك.
(1264) تفسير الطبري، 256/ 7. قال الطبري: حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن أبي إسحاق الكوفي، عن رجل، عن عيسى، عن حذيفة، في قوله:
وَلَمْ يلبسوا إيمنَهُم بِظُلْمٍ) قال: بشرك». (1/395)
صفحة 391
396
والروايات المنسوبة إلى ابن عباس الهنا والتي فسر فيها الظلم بالشرك
(1265)
الذي
لا تقوم بها حجة وذلك لورودها من قبل المثنى بن إبراهيم الآملي لم أجد له ترجمة في كتب الرجال، وكذلك لورود رواية أخرى من قبل عطية العوفي وأحفاده الضعفاء (1266)، ولورود رواية أخرى عند الطبري
سفيان بن وكيع بن الجراح (1368)، وعلي بن زيد بن جدعان (1269).
(1270)
(1267)
وجاء عند الطبري رواية منسوبة إلى ابن مسعود
من قبل
(1265) تفسير الطبري، 257/ 7. قال الطبري: حدثني المثنى قال: ثنا عارم أبو النعمان، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير وغيره، أن ابن عباس كان يقول: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ) قال: بشرك».
وقال الطبري أيضاً في تفسيره، 257/ 7: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ) يقول: بكفر». (1266) تفسير الطبري 257/ 7 قال الطبري: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم
ثني عمي،
قال ثني
يظلم) يقول: لم يلبسوا إيمانهم بالشرك، وقال إنّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ». (انظر: قول
علماء الجرح والتعديل في حق عطية وأحفاده في.
ص 241 من هذا البحث).
(1267) تفسير الطبري، 257/ 7. قال الطبري: حدثنا ابن وكيع قال: ثنا يزيد بن هارون، عن
حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان يوسف بن مهران، عن ابن عباس: أن عمر دخل منزله، فقرأ في المصحف فمر بهذه الآية: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم يظلم) فأتى أبيا فأخبره، فقال: يا أمير المؤمنين إنما هو الشرك».
(1268) قال ابن حجر ليس بثقة، وقال في موضع آخر: ليس بشيء». (1269) قال ابن حجر: «علي بن زيد بن عبد الله بن زهير بن عبد الله. بن جدعان التيمي، أصله حجازي، وهو المعروف بعلي بن زيد بن جدعان، ينسب أبوه إلى جد جده، ضعيف» (تقريب التهذيب ت: 4750، 694/ 1).
في تهذيب التهذيب، ت: 2549، 111/ 4 - 112): «وقال النسائي:
البصري،
(1270) تفسير الطبري، 258/ 7. قال الطبري: حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الأعمش، أن ابن مسعود قال لما نزلت: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إينَهُم بِظُلْمٍ (كبر ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا وهو يظلم نفسه فقال النبي: أما سَمِعْتُمْ قَوْلَ لُقْمَان: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلُو عَظِيمُ (1/396)
صفحة 392
الفصل الثاني
(1271)
ضعيفة لورودها من قبل الأعمش المدلس ومعمر بن راشد الذي ضعف
رواياته عن الأعمش" (1272) علماء الجرح والتعديل.
والرواية (1273) التي نسبت إلى إبراهيم النخعي والتي فيها تفسير الظلم بالشرك ضعيفة لورودها من قبل يحيى بن طلحة اليربوعي، فقد قال ابن حجر عنه: «لين الحديث» (1274).
(1275)
وهناك رواية أخرى جاءت عند الطبري منسوبة إلى إبراهيم النخعي
وهي ضعيفة لورودها من قبل سفيان بن وكيع بن الجراح
(1277)
(1276)
والتفسير المنسوب إلى عمرو بن شرحبيل أبي ميسرة تفسير
ضعيف لوروده من قبل عنعنة أبي إسحاق عمرو بن عبد الله بن عبيد السبيعي الكوفي الـ «مكثر من التدليس» (1378)، وهو يعد من أفراد المرتبة الثالثة من (1279). وقد ذكر ابن حجر حكم عنعنة المدلس من أفراد هذه المرتبة
المدلسين
(1271) انظر ص
(1272) انظر
257
33
من هذا البحث. من هذا البحث.
ص
(1273) تفسير الطبري، 256/ 7. قال الطبري: حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل، عن منصور، عن إبراهيم، في قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ)
قال: بشرك».
(1274) تقريب التهذيب ت: 7600، 306/ 2.
(1275) تفسير الطبري، 258/ 7. قال الطبري: حدثنا ابن وكيع قال: ثنا حسين، عن علي، عن زائدة، عن الحسن بن عبد الله، عن إبراهيم: وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ) قال: بشركه.
(1276) قال ابن حجر ضعيف». (تقريب التهذيب ت: 4750، 694/ 1). (1277) تفسير الطبري، 257/ 7. قال الطبري: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي. ميسرة، في قوله: {وَلَوْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم يظلم) قال: بشرك».
(1278) جامع التحصيل في أحكام المراسيل، ت: 575، ص 245. (1279) تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ت: 91، ص 101. (1/397)
صفحة 393
398
معالم الحق
بقوله: «الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم كأبي الزبير المكي
وجاء عند الطبري تفسير الظلم في هذه الآية بالشرك منسوباً إلى قتادة. بن دعامة السدوسي وهذا لا يصح عنه لوروده من قبل سعيد بن
بشير الضعيف
CATALI
وأما التفسير - المنسوب إلى مجاهد فهو لا يثبت عنه لوروده من قبل عنعة ابن أبي نجيح المدلس، وكذلك 85 (1285) لوروده من قبل محمد بن حميد الرازي:
وأما تفسير السـ للظلم هنا بالشرك فلا يقبل لضعف
(1280) تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس ص 23. (1281) تفسير الطبري، 258/ 7. قال الطبري: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ): أي بشرك».
(1282) تقريب التهذيب ت: 2283، 349/ 1. (1283) تفسير الطبري، 258/ 7. قال الطبري: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم
يظلم) قال: بعبادة الأوثان.
(1284) انظر ص 1
841
هذا البحث.
(1285) تفسير الطبري، 2511. قال الطبري: حدثنا ابن حميد قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد، في قوله: {وَلَمْ
يلبسوا ابد هم ماء؟ قال: عبادة الأوثان».
(1286) انظر ص 247 من هذا البحث.
(1287) تفسير الطبري، 258/ 7. قال الطبري: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ) قال:
بشرك». (1/398)
صفحة 394
الفصل الثاني
299
السدي"
الهمداني"
(1288)
(1289)
في علوم التفسير وكذلك لضعف تلميذه أسباط بن نصر
وتفسير الظلم هنا بالشرك فقط والمنسوب إلى ابن زيد، كما جاء عند الطبري (1290)،، فلا قيمة له في ميزان الأمة لوروده من قبل ابن زيد. وقد روى عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأسامة بن زيد بن أسلم وأسامة بن زيد الليثي، ولم يحدد ابن وهب من هو
ابن زيد الذي نقل عنه هذه الرواية وإن كان الترجيح يذهب إلى عبد الرحمن بن زيد. فمهما يكن من أمر فكل هؤلاء الثلاثة لا يحتج بأقوالهم
(1291)
(1288) انظر ص: 254 من هذا البحث. (1289) قال ابن حجر): «أسباط بن نصر الهمداني ... قال حرب: قلت لأحمد: كيف حديثه؟ قال: ما أدري، وكأنه ضعفه. وقال أبو حاتم: سمعت أبا نعيم يضعفه وقال: أحاديثه عامته سقط، مقلوب الأسانيد. وقال النسائي: ليس بالقوي». (تهذيب التهذيب، ت: 354، 192/ 1). (1290) تفسير الطبري، 258/ 7 قال الإمام الطبري: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ) قال: بشرك». (1291) - عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي، قال ابن حجر في (تقريب التهذيب، ت:
3879، 1/ 570): «ضعيف».
- أسامة بن زيد بن أسلم العدوي، قال ابن حجر في (تقريب التهذيب، ت: 315، 1/ 75): «ضعيف من قبل حفظه».
أحمد: ليس بشيء.
أسامة بن زيد الليثي، قال ابن حجر في (تهذيب التهذيب، ت: 350، 189/ 1 - 190): قال أحمد: تركه القطان بآخرة. وقال الأثرم عن ا وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: روى عن نافع أحاديث مناكير فقلت له: أراه حسن الحديث فقال: إن تدبرت حديثه فستعرف فيه النكرة. وقال ابن معين في رواية أبي بكر بن أبي خيثمة: كان يحيى بن سعيد يضعفه. وقال أبو يعلى الموصلي: عنه ثقة صالح. وقال عثمان الدارمي عنه: ليس به بأس. وقال الدوري وغيره عنه: ثقة. زاد غيره: حجة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال النسائي: ليس بالقوي». واختصر ابن حجر في (تقريب التهذيب، ت: 317، 76/ 1) أقوال علماء الجرح في أسامة بن زيد الليثي بقوله: «صدوق، يهم». (1/399)
صفحة 395
400
معالم الحق
من كل ما سبق ذكره يتبيَّن لنا أن كل الروايات التي حددت الظلم
المذكور في آية سورة الأنعام بالشرك فقط روايات لا تقوم بها حجة. فقول الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ أُولَبكَ هُمُ الْأَمَنُ وَهُم مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82] يبين لنا حال الذين تطهروا من كل أنواع الظلم.
وقول الله سبحانه تعالى: {وَتَرَكَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَشِعِينَ مِنَ الدُّل يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٌّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا نفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةُ أَلَا إِنَّ الظَّلِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيرٍ، وَمَا كان لهم من أَوْلِيَاءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ)
[الشورى: 46،45].
يبين لنا حال الظالمين الذين قدموا إلى يوم القيامة، ولم تستثن هذه الآية ظلماً دون آخر. . قال ابن كثير: «أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ) أي: دائم سرمدي أبدي لا خروج لهم منها ولا محيد لهم عنها. وقوله تعالى: {وَمَا كان لهم منْ أَوْلِيَاءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ) أي: ينقذونهم مما هم فيه من العذاب والنكال {وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ أي:
خلاص"
(1292)
وقال الشيخ السعدي: «أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ) أنفسهم بالكفر والمعاصي في عَذَابٍ مُّقِيمٍ) أي: في سوائه ووسطه، منغمرين لا يخرجون
منه
أبداً، ولا يفتر عنهم، وهم فيه مبلسون» (1293).
(1292) تفسير ابن كثير 212/ 6
(1293) تفسير السعدي، ص 727، من تفسير الآية 45 من سورة الشورى. (1/400)
صفحة 396
الفصل الثاني
2.1
-
فكل الظالمين ـ والعياذ بالله ـ هذا هو مصيرهم مع تفاوت دركاتهم. مستويات مظالمهم، إذا قدموا يوم القيامة غير تائبين. فهم جميعاً في عذاب سرمدي أبدي وليس لهم ولي يشفع لهم وينقذهم مما هم فيه من ال النكال وحينما تغلب على الذهن فكرة العذاب المؤقت فإن المتحمسين لها يعملون على جعل هذه المعاني القرآنية تبعاً لأفكارهم، وهذا التوجه إنما يقوده حب الانتصار للأفكار المذهبية الموروثة والروايات الضعيفة التي الخاطئة. أملت المعاني قال الرازي: «ثم قال: {أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ) أي: دائم قال القاضي: وهذا يدل على أن الكافر والفاسق يدوم عذابهما والجواب: أن لفظ الظالم المطلق في القرآن مخصوص بالكفر قال تعالى: {وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254] والذي يؤكد هذا أنه تعالى قال بعده هذه الآية وما كان لهم مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ) والمعنى: أن الأصنام التي كانوا يعبدونها لأجل أن تشفع لهم عند الله تعالى ما أتوا بتلك الشفاعة ومعلوم أن هذا لا يليق إلا بالكفار (1294).
ذهب الإمام الرازي إلى هذا القول على أسس ليس لها وزن عند دراسة آيات الله تعالى: -
جعل موقفه السابق ورأيه المعارض لأقوال القاضي دليلاً تترجح به
المعتقدات، وهذا توجه لا قيمة له في ميزان الأمة الإسلامية.
ولم يلتفت الإمام الرازي هنا إلى تلك الآيات القرآنية التي وصفت أصحاب الكبائر من أفراد هذه الأمة بالظلم (1295)، بل رجح معنى واحداً فقط
ليتلاءم مع فكرته السابقة.
(1294) تفسير الرازي، 162/ 27.
(1295) انظر: الآيات القرآنية في القسم الخامس من الفصل الثاني من هذا البحث. (1/401)
صفحة 397
402
معالم
وجعل الإمام الرازي عدم شفاعة الأصنام للكافرين يوم القيامة إحدى المؤكدات لفكرة الشفاعة لأصحاب الكبائر من هذه الأمة. وهذا قول ينقضه القرآن نفسه، فلقد أكد لنا القرآن الكريم أن الكافرين في الدنيا لا يعترفون
بحياة بعد الموت ولا يبعث ولا بجنة ولا بنار فضلاً عن أمنيتهم في شفاعة أصنامهم لهم يوم القيامة.
، (1297)
والرواية التي أخرجها الإمام الطبري (1296)، وابن أبي حاتم والسيوطي (1300)، وابن
وذكرها واحتج بها الشوكاني (1298)، والألوسي
(1299)
6
الجوزي (1301)، وابن عاشور (1303)، والتي نسبت إلى النضر بن الحرث قوله: سوف تشفع لي اللات والعزّى»، هي رواية ضعيفة باطلة لورودها من قبل الحسين بن داود عن شيخه حجاج بن محمد (1303)، ولورودها من قبل الحكم بن أبان العدني صاحب الأوهام (1304)، وبسبب انقطاع سندها بين عكرمة مولى ابن عباس والنضر بن الحرث.
(1296) تفسير الطبري، 279/ 7. قال الإمام الطبري: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني الحكم بن أبان عن عكرمة، قال: قال النضر بن الحرث: سوف تشفع لي اللات والعزى فنزلت هذه الآية: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا
فردَى كَمَا خَلَقْنَتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 94]. إلى قوله: {شُرَكَاءُ)».
(1297) تفسير ابن أبي حاتم الرواية: 7675، المجلد 398/ 3، من تفسير الآية 94 من سورة الأنعام.
(1298) تفسير الشوكاني، 2/ 200.
(1299) تفسير الألوسي، 212/ 4، و 83/ 6.
(1300) الدر المنثور، 59/ 3
(1301) تفسير ابن الجوزي، 057/ 2
(1302) تفسير ابن عاشور، 45/ 11.
(1303) انظر ص 461 من هذا البحث.
(1304) تقريب التهذيب، ت: 1444، 230/ 1. وقد ذكرت في كتاب (الميزان القسط)
ص 195 - 197، أقوال علماء الجرح والتعديل ورد الفقهاء لروايات جاءت من طريق
الحكم بن أبان. (1/402)
صفحة 398
الفصل الثاني
403
- وبيَّن لنا القرآن الكريم أن الذين يؤمنون بيوم الحشر عليهم بتقوى الله تعالى وعدم الركون إلى أمنية الشفاعة، حيث قال جل وعلا: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ، وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأنعام: 51). قال الطبري: «الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ) علماً منهم بأن ذلك كائن فهم مصدقون بوعد الله ووعيده، عاملون بما يرضي الله، دائمون في السعي فيما ينقذهم في معادهم من عذاب الله. ولَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيُّ) أي: ليس لهم من عذاب الله إن عذبهم ولي ينصرهم فيستنقذهم منه. وَلَا شَفيع يشفع لهم عند الله تعالى فيخلصهم من عقابه. لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) يقول: أنذرهم كي يتقوا الله في أنفسهم، فيطيعوا ربهم ويعملوا لمعادهم، ويحذروا سخطه باجتناب معاصيه (1305).
والتوجه الذي سار عليه الرازي هنا يناقض المقاييس التي يسير عليها تلقي العلوم في الإسلام، فقوله: ومعلوم أن هذا لا يليق إلا بالكفار» يجعل
الإنسان يتساءل: -
- كيف وصل إلى درجة العلم وكل الروايات التي استند عليها الرازي في إثبات (فكرة الخروج من النار ضعيفة لا تقوم بها حجة؟!.
وكيف وصلت (فكرة الخروج من النار إلى درجة العلم وليس في كتاب الله تعالى آية صريحة تنص عليها؟ فقد قال الأستاذ المراغي: «فليس في القرآن الكريم نص قاطع في ثبوتها ... (1306). وقال الأستاذ محمد رشيد
(1305) تفسير الطبري، 200/ 7.
(1306) تفسير المراغي، 97/ 1 - 98. وتتمة أقوال المراغي .... ولكن جاء في السنة الصحيحة ما يؤيد وقوعها كقوله: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، فمن كذب بها لم ينلها»، هذه الرواية
التي أشار إليها الشيخ المراغي لا تقوم بها حجة لضعف طرقها كما تبين في هذا البحث. (1/403)
صفحة 399
404
معالم الحق
رضا: «فليس في القرآن نص قطعي في وقوع الشفاعة ولكن ورد الحديث (1307) بإثباتها ... (1308).
من كل ما سبق بيانه ندرك أن الروايات التي حددت معنى (الظلم) بالشرك فقط لا تثبت في ميزان المنهج الإسلامي، وندرك كذلك أن (الظلم) يعم في معناه جميع المعاصي التي يقترفها الإنسان في مسيرته في هذه الحياة الدنيا.
فعلى الإنسان التطهر من كل المظالم قبل أن يأتي اليوم الذي يتحقق فيه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الظلمُ ظلمات يوم القيامة».
قال الصنعاني: «وعن ابن عُمَرَ لها قال: قال رسولُ الله: «الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يوم القيامة» متفق عليه. الحديث من أدلة تحريم الظلم وهو يش يشمل. أنواعه، سواء كان في نفس أو مال أو عرض في حق مؤمن أو كافر أو
فاسق (1309).
حصر
جميع
فإن
وقال سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله تعالى: ..... الظلم في الإشراك بالله وهم ناشئ عما تشبعت به هذه النفوس من حب الجور والفساد، وقد أدى ذلك إلى انقلاب موازينها حتى رأت البطش بالناس وغمطهم حقوقهم وسلبهم كرامتهم الإنسانية لا ينطبق عليه وعيد الظلم، وكذلك انحراف الأخلاق والخروج عن سواء الصراط في السلوك والمعاملات، وهذا مما أدى إلى الاستهانة بكبائر الإثم والفحشاء، على أن خير ما يبين مجملات القرآن نصوص القرآن التفصيلية، وكم فيها مما يدل
(1307) الأحاديث التي جاء فيها ذكر الشفاعة لأهل الكبائر لا تقوم بها حجة، والحمد لله رب
العالمين.
(1308) تفسير المنار، 307/ 1
(1309) سبل السلام کتاب الجامع باب الترهيب من مساواء الأخلاق)، 2030/ 4. (1/404)
صفحة 400
الفصل الثاني
431
قال الألوسي: «وهذه الآية كما ترى في حق الكفار، فلا تنافي القول بالشفاعة لعصاة المؤمنين في الخروج منها كما لا يخفى على من له أدنى إيمان. وقد أخرج مسلم وابن المنذر وابن مردويه عن جابر بن عبد الله «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة»، قال يزيد الفقير: فقلت لجابر: يقول الله تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بخير جين منها} [المائدة: (37) قال: أتل أول الآية {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ} [المائدة: 36] ألا
إنهم الذين كفروا (1391).
هذا فالرواية التي أشار إليها الألوسي هنا قد ذكرناها في موضعها من
(1392)
البحث (2)
وقال الألوسي بعد أن أشار إلى قصة ابن الأزرق مع ابن عباس: «ولسنا مضطرين لتصحيح هذه الرواية ولا وقف الله تعالى صحة العقيدة على شاهد على حقيقة ما نقول (1393). صحتها، فكم لنا من حديث صحيح والمتتبع للروايات التي اعتمد عليها الألوسي وغيره في إثبات فكرة (خروج عصاة المسلمين من النار يجدها ضعيفة، أو متناقضة، أو آحادية - إذا سلم بسلامة أسانيدها -
تفسيره
ولو طبق العلامة الألوسي المنهج المستقيم الذي أشار إليه في على جميع الروايات التي احتج بها لوجد يده فارغة من كل دليل صحيح
يشهد له.
300/ 3
(1391) تفسير الألوسي. (1392) انظر ص 226 من هذا البحث.
(1393) تفسير الألوسي، 300/ 3. (1/405)
صفحة 401
406
محال الحق
لَّيْسَ بِأَمَانِيكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 123].
على أن الله سبحانه وتعالى قطع دابر كل جدل في هذا عندما بين من الخاسر ومن الرابح من عباده، وذلك عندما حكم على جميع الجنس الإنساني بالخسران؛ إلا من جمع منهم بين أربع خصال إذ قال: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر: 1 - 3] وهو مما يدل على خطورة المقام، وأن الفوز لا يدرك بالأماني وأن السعادة لا يتناولها الكسالى ...
هذا. ومن تدبر دلالة الآية نفسها مستبصراً بمنهج اللسان العربي الذي نزل به القرآن، ومستر شداً بالقواعد الأصولية المجمع عليها في الاستدلال على معاني النصوص، يجدها بعيدة كل البعد عن ما تقتضيه تلكم الرواية من حصر الظلم في الشرك فإن كلمة (ظلم) فيها نكرة في سياق النفي تفيد العموم بلا خلاف، وإلا فماذا عسى أن يقال في قوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ من ولد وما كان معه مِنْ إِلَه} أيقال: بجواز حمل المنفي في الآية من الولد والإله المنكرين على غير العموم؟ كلا والله؛ لا يقول هذا من في نفسه ذرة من إيمان ولا بصيص من عقل، فإنه يؤدي إلى نقض التوحيد وجواز أن يكون الله متخذاً أولاداً لحمل المنفي في الآية من الولد والإله على بعض الأولاد وبعض الآلهة دون بعض، ولو جاز ذلك لما كانت جملة (لا إله إلا الله توحيداً مع أنها توحيد بالإجماع ...
إن تسرب مثل هذه الأفكار إلى مجتمع ما يهدده بنسف صروح التقوى والاستقامة فيه، فماذا عسى أن تكون حالة مجتمع يقر في فكره ووجدانه أن الإيمان التقليدي العقيم إن سلم من شائبة الإشراك يكفي وحده (1/406)
صفحة 402
الفصل الثاني
405
على أن الظلم لا ينحصر في الإشراك، وإنما يصدق على ظلم العبد نفسه
بعصيانه وظلمه لغيره بسلبه حقه الشرعي
(1310)
وقال سماحته أيضاً في رده على من حصر الظلم في قوله تعالى: {الَّذِينَ امَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ أُولَيْكَ هُمُ الْأَمَنُ وَهُم مُهْتَدُونَ) في الشرك وحده دون غيره من المعاصي: ولعمر الحق إن تفسير الآية بذلك أخطر على الإسلام من كل خطر، فإنه المعول الهدام لجميع أسسه، المجتث لجميع فضائله الملغي لجميع أدلته، إذ ليس معناه إلا أن من كان محسوباً على أهل الإيمان لا يضيره ما صنع ما لم يتلبس بشيء من الشرك، ولو أضاع الصلاة والصيام ومنع الزكاة وعطل الحج، وانساق وراء شهواته فلم يدع كبيرة إلا أتاها ولا رذيلة إلا اعتنقها ولا فريضة إلا أهملها ولا حرمة إلا انتهكها، فما عليه أن لقي الله معطلاً لجميع شعائر الإسلام، ومهملاً لجميع واجبات الدين، ومرتكباً كل فحشاء من زنا ولواط وقتل النفس المحرمة بغير حق؛ وعقوق الوالدين وقطع الأرحام وأكل الربا وأكل أموال اليتامى ظلماً وأكل أموال سائر الناس؛ وتطفيف الموازين والمكاييل؛ وإطلاق اللسان في أعراض الناس غيبة ونميمة وقذفاً للمحصنات؛ فإنه إن لم يشب إيمانه بشائبة الإشراك فهو من الذين لهم الأمن وهم مهتدون اللَّهمَّ إلا أن يدعي الباحث أن ما ذكرناه من الكبائر معدود من جملة، الإشراك، ومن فعله محكوم عليه بأحكام المشركين، وهو مما لم يقله إلا الخوارج الغالون، وعليه فإنه يلزمه إما أن يكون على عقيدة الخوارج في تلكم الكبائر، أو على عقيدة المرجئة الذين ألغوا الأعمال كلها من قاموس الإيمان؛ (وحسبي من أمرين أحلاهما مر) ... بث مثل هذا الفكر في المجتمع هو دعوة صارخة إلى التشبث بالأوهام الباطلة والأماني الفارغة التي قطع الله خيوطها الواهية بصارم قوله:
(1310) حكم البراءة من مرتكب الكبيرة، ص 24. (1/407)
صفحة 403
روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرضَى) [الضحى: 5]
لقد ذكر كثير من القائلين بـ (فكرة خروج عصاة المسلمين من النار) هذه الآية الكريمة ضمن أدلتهم التي سطروها في إثبات قولهم. والناظر في الروايات التي ذكروها يجدها لا حجة فيها لأحد، ولقد اعترف بعدم صلاحية تلك الأقوال كثير من القائلين بـ (فكرة الخروج من النار)
أنفسهم. جاء عند المفسرين لقوله تعالى: فَتَرْضَى) الروايات الآتية: -
(1312)
نقل كل من الرازي"، وابن عطية (1313) عند تفسيرهم لهذه الآية: ... يروى لما نزلت هذه الآية قال: إذاً لا أرضى وواحد من أمتي في
النار».
أنه
وجاء عند الطبراني في شعب الإيمان: « ... رضاه أن يدخل أمته كلهم
الجنة» (1314).
(1312) تفسير الرازي، 210/ 31.
(1313) تفسير ابن عطية، ص 1986.
(1314) شعب الإيمان الرواية: 1445، 164/ 2. (1/408)
صفحة 404
الفصل الثاني
409
وقال السيوطي: «وأخرج الخطيب في تلخيص المتشابه من وجه آخر عن ابن عباس يما في قوله: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرَضَى) قال: لا يرضى محمد، وأحد من أمته في النار 1315).
(1316)
ونسب كل من الرازي ونووي الجاوي 1317)، والقمي إلى الإمام جعفر الصادق لله: «رضاء جدي أن لا يدخل
النيسابوري" النار موحد».
(1318)
فمتن هذه الروايات من وساوس الشيطان وغروره، وشباك من حبائله التي لم يفتأ يضعها لاصطياد أفهام الناس حتى يتواكلوا على الأوهام الفارغة.
وقد تنبه العلامة ابن القيم لهذه المخالفات العقدية التي تحويها هذه الروايات، حيث قال: «وأما ما يغتر به الجهال من أنه لا يرضى وواحد من أمته في النار، أو لا يرضى أن يدخل أحد من أمته النار! فهذا من غرور الشيطان لهم ولعبه بهم فإنه صلوات الله وسلامه عليه يرضى بما يرضى به ر به تبارك وتعالى، وهو سبحانه يدخل النار من يستحقها من الكفار والعصاة، ثم يحد لرسوله حداً يشفع فيهم، ورسوله أعرف به وبحقه من أن يقول: لا أرضى أن يدخل أحداً من أمتي النار على أن يدعه فيها، بل ربه تبارك وتعالى يأذن له، فيشفع فيمن شاء الله أن يشفع فيه 1319)، ولا يشفع في غير
من أذن له فيه ورضيه (1320).
(1315) الدر المنثور، 610/ 6. (1316) تفسير الرازي، 210/ 31.
(1317) مراح لبيد، 640/ 2.
(1318) تفسير غرائب القرآن، 517/ 30.
(1319) إن كان يقصد بالشفاعة هنا لأجل إخراج عصاة المسلمين من النار، فإن هذا القول ليس
له دليل يصح
الاعتماد عليه كما هو موضح في هذا البحث، والحمد لله رب العالمين.
(1320) التبيان في أقسام القرآن، ص 48. (1/409)
صفحة 405
410
ونقل ابن الجوزي في كتاب تلبيس إبليس) رد ابن عقيل على قول القائلين: لا رضي محمد صلى الله عليه وسلم وفي النار من أمته أحد»: «والدعوى الأولى على النبي صلى الله عليه وسلم كاذبة، فإن النبي يرضى بعذاب الفجار. كيف وقد لعن في الخمر عشرة، فدعوى أنه لا يرضى بتعذيب الله وعل للفجار دعوى باطلة وإقدام على جهل بحكم الشرع» 1321).
أكتفي بهذه الأقوال التي قالها ابن القيم وابن الجوزي في حق متن هذه الروايات المنسوبة إلى السلف الصالح، فعلينا جميعاً الجد في العمل وعدم الركون إلى أوهام الشياطين فهي لا تغني شيئاً.
وقد بين ابن القيم وأبو السعود التفسير الصحيح لقوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى.
حيث قال ابن القيم: «ثم وعده بما تقر به عينه، وتفرح به نفسه، وينشرح به صدره، وهو أن يعطيه فيرضى وهذا ما يعطيه من القرآن يعم والهدى، والنصر، وكثرة الأتباع، ورفع ذكره، وإعلاء كلمته، وما يعطيه بعد مماته، وما يعطيه في موقف القيامة، وما يعطيه في الجنة» (1322). . وقال أبو السعود: وقوله تعالى (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) عِدَة كريمة شاملة لما أعطاه الله تعالى في الدُّنيا من كمال النفس وعلوم الأولين والآخرين وظهور الأمر وإعلاء الدين بالفتوح الواقعة في عصره. ه عليه الصلاة والسلام وفي أيام خلفائه الراشدين وغيرهم من الملوك الإسلامية وفشو الدعوة والإسلام في مشارق الأرض ومغاربها ولما ادخر له من الكرامات التي لا يعلمها إلا الله تعالى وقد أنبأ ابن عباس عن شَمَّةٍ منها
(1321) تلبيس إبليس، ص 307 - 308 (1322) التبيان في أقسام القرآن، ص 48. (1/410)
صفحة 406
الفصل الثاني
411
حيث قالَ لَهُ عليهِ الصَّلاة والسَّلامُ: «في الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض
ترابه المسك (1323).
فهذه الأقوال التي نقلناها عن ابن القيم، وابن الجوزي، وأبي السعود تعيننا على فهم الرواية التي جاءت عند الإمام مسلم 1324) «عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَلَا قَوْلَ اللَّهُ وَعَلَ فِي إِبْرَاهِيمَ: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنى} [إبراهيم: 36) الآيَةَ. وَقَالَ عِيسَى إن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة: 118) فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي وَبَكَى. فَقَالَ اللَّهُ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَسَأَلَهُ. فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَا قَالَ. وَهُوَ أَعْلَمُ. فَقَالَ اللَّهِ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ».
قال الإمام النووي عند شرحه لهذه الرواية: «وهذا الحديث موافق لقول الله رجل: {وَلَسَوْفَ يُعطيك ربك فترضى (1325)
فالذين يرضى عنهم الرسول هم الذين يتبعونه في القول والعمل، وقد عبر المفسرون عن هذه الحقيقة عند تفسيرهم لقوله تعالى: {قُل إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحببكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمُ
[آل عمران: 31].
قال البيضاوي: «فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول في عبادته والحرص على مطاوعته. يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ
(1323) تفسير أبي السعود، 440/ 6.
(1324) صحيح مسلم، الرواية: 202، ص 143. (1325) المنهاج شرح. مسلم بن الحجاج، 74/ 3. (1/411)
صفحة 407
412
مع المالحق
ذُنُوبَكُر) جواب للأمر أي يرض عنكم ويكشف الحجب عن قلوبكم بالتجاوز عما فرط منكم فيقربكم من جناب عزه ويبوئكم في جوار قدسه، عبر عن ذلك بالمحبة على طريق الاستعارة أو المقابلة. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) لمن تحبب إليه بطاعته واتباع نبيه ... 1326).
يحب
الله
وقال الرازي: ... وبالجملة فكل واحد من فرق العقلاء يدعي أنه ويطلب رضاه وطاعته فقال لرسوله: قل إن كنتم صادقين في ادعاء محبة الله تعالى فكونوا منقادين لأوامره محترزين عن مخالفته، وتقدير الكلام: أن من كان محباً الله تعالى لا بد وأن يكون في غاية الحذر مما يوجب سخطه، وإذا قامت الدلالة القاطعة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وجبت متابتعه فإن لم تحصل هذه المتابعة دلّ ذلك على أن تلك المحبة ما حصلت ... ثم قال تعالى: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} والمراد من محبة الله تعالى له إعطاؤه الثواب ومن غفران ذنبه إزالة العقاب، وهذا غاية ما يطلبه كل عاقل، ثم قال: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمُ) يعني: غفور في الدنيا يستر على العبد أنواع المعاصي في الآخرة بفضله
وكرمه (1327).
وقال أبو السعود: « ... وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: لمن يتحبّب إليه بطاعته ويتقرب إليه باتباع نبيه عليه الصلاة والسلام فهو تذييل مقرر لما مع زيادة وعد الرحمةِ، ووضع الاسم الجليل موضع الضمير للإشعار باستتباع وصف الألوهية للمغفرة والرحمة» (1328).
قبله
وقال ابن عاشور: ويدل على الحب المزعوم إذا لم يكن معه اتباع
(1326) تفسير البيضاوي، 156/ 1. (1327) تفسير الرازي، 16/ 8 - 17.
(1328) تفسير أبي السعود، 355/ 1، من تفسير الآية 31 من سورة آل عمران. (1/412)
صفحة 408
الفصل الثاني
413
الرسول فهو حبّ كاذب، لأنّ المحب لمن يحب مطيع، ولأن ارتكاب
ما يكرهه المحبوب إغاضة له وتلبس بعدوّه ....
(1329)
وقال الشنقيطي: «يؤخذ من هذه الآية الكريمة أن علامة المحبة الصادقة الله ورسوله هي اتباعه، فالذي يخالفه ويدعي أنه يحبه فهو كاذب مفتر. إذ لو كان محباً له لأطاعه، ومن المعلوم عند العامة أن المحبة
(1330
تستجلب الطاعة (1330).
وقال الشعراوي: «إن الحق يقول: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحببكم الله هذه الآية تدل على ماذا؟ إنهم لا بد قد ادعوا أنهم يحبون الله، ولكنهم لم يتبعوا الله فيما جاء به رسول الله، فكأنهم جعلوا الحب الله شيئاً، واتباع التكليف شيئاً آخر، والله سبحانه وتعالى له على خلقه إيجاد، وإمداد، وتلك نعمة والله على خلقه فضل التكليف ... وبعد ذلك يقول الحق: وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم إن مسألة وَيَغْفِرْ لَكُمْ) هذه تتضمن ما تسميه القوانين البشرية بالأثر الرجعي، فمن لم يكن في باله هذا الأمر؛ وهو حب الله، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فعليه أن يعرف أن عليه مسؤولية أن يبدأ في هذه المسألة فوراً ويتبع الرسول صلى الله عليه وسلم وينفذ التكليف الإيماني، وسيغفر له الله ما قد سبق، وأي ذنوب يغفرها الله هنا؟ إنها الذنوب التي فر منها بعض العباد عن اتباع الرسول، فجاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالحكم فيها 1331).
(1331)
فطلب رضا الله سبحانه وتعالى مرهون بحب رسوله والعمل بشرعه، وأما العمل بما يغضب الله ورسوله فلن يجر المرء إلا إلى لعنة الله وملائكته
ورسله والمؤمنين.
(1329) تفسير ابن عاشور، 81/ 3
(1330) تفسير الشنقيطي، 217/ 1.
(1331) تفسير الشعراوي، 1428/ 3 - 1432، من تفسير الآية 31 من سورة آل عمران. (1/413)
صفحة 409
روايات وأقوال في تفسير آيات من
كتاب الله تعالى
ربِّنا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإن عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ} [المؤمنون (107]
ومن الروايات التي احتج بها القائلون بـ خروج عصاة المسلمين من النار) روايات ضعيفة ذكرت عند تفسير قوله تعالى: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ
عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ.
(1332)
ذكر الإمام الطبري رواية ضعيفة منسوبة إلى عبد الله بن مسعود
(1333)
من طريق أبي الزعراء (1333).
(1332) تفسير الطبري،59/ 18، قال الإمام الطبري: «حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان عن سلمة بن كهيل، قال: ثني أبو الزعراء، عن عبد الله، في قصة ذكرها في الشفاعة، قال: فإذا أراد الله ألا يُخرج منها، يعني من النار أحداً، غير وجوههم وألوانهم، فيجيء الرجل من المؤمنين فيشفع فيهم، فيقول: يا ربّ فيقول من عرف أحداً فليخرجه قال: فيجيء الرجل فينظر فلا يعرف أحداً، فيقول: يا فلان يا فلان فيقول: ما أعرفك. فعند ذلك يقولون: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِن عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ) فيقول: احْسَنُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ) فإذا قالوا ذلك، انطبقت عليهم جهنم، فلا يخرج
منها بشر».
ذكر هذه الرواية واحتج بها ابن كثير (انظر: تفسير ابن كثير 43/ 5). (1333) انظر ص 225 من هذا البحث. (1/414)
صفحة 410
الفصل الثاني
(1334)
415
وذكر الطبراني رواية ضعيفة منسوبة إلى حذيفة بن اليمان من
طريق سعد أبي غيلان الشيباني (1335)، وحماد بن أبي سليمان 1336، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة (1337) الذي اتهمه عبد الله بن أحمد بن حنبل بالكذب وغيره بالوضع.
***
2. روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى:
أنظر كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 24]. قال الإمام الطبري عند تفسيره لهذه الآية الكريمة: «وقد ذكر أن هؤلاء المشركين يقولون هذا القول عند معاينتهم سعة رحمة الله يومئذ (1338).
(1334) قال الطبراني (المعجم الكبير، الرواية: (3022، 168/ 3): حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا سعد أ. أبو غيلان الشيباني عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن صلة بن زفر عن حذيفة بن اليمان له قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ليدخلن الجنة الفاجر في دينه الأحمق في معيشته، والذي نفسي بيده ليدخلن الجنة الذي قد محشته النار بذنبه، والذي نفسي بيده ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة يتطاول لها إبليس رجاء أن تصيبه».
(1335) قال ابن كثير: هذا حديث غريب جداً وسعد هذا لا أعرفه». (تفسير ابن كثير،
(229/ 3
(1336) انظر ص 315 من هذا البحث.
(1337) قال الذهبي: «وثقه صالح جزرة. وقال ابن عدي: لم أر له حديثاً منكراً، وهو على ما وصف لي عبدان لا بأس به. وأما عبد الله بـ أحمد بن حنبل فقال: كذاب. وقال بن ابن خراش كان يضع الحديث. وقال مطين هو: عصا موسي تلقف ما يأفكون. وقال الدار قطني: يقال إنه أخذ كتاب غير محدث ميزان الاعتدال، ت: 1934، 642/ 3).
(1338) تفسير الطبري، 168/ 7. (1/415)
صفحة 411
416
(1339)
ثم ذكر الإمام الطبري رواية منسوبة إلى سعيد بن جبير: «حدثنا هناد، قال: ثنا أبو معاوية عن سفيان بن زياد العصفري عن سعيد بن جبير، في قوله: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) قال لما أمر بإخراج رجال من النار من أهل التوحيد، قال من فيها من المشركين تعالوا نقول: لا إله إلا الله، لعلنا نخرج مع هؤلاء قال: فلم يصدّقوا، قال: فحلفوا: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) قال: فقال الله: أنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ). هذه الرواية المنسوبة إلى سعيد بن جبير ضعيفة لورودها من قبل أبي معاوية محمد بن خازم التميمي السعدي. قال ابن حجر في التهذيب: «قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: أبو معاوية الضرير في غير حديث الأعمش مضطرب لا يحفظها حفظاً جيداً ... وقال العجلي: كوفي، ثقة، وكان يرى الإرجاء، وكان لين القول فيه ... وقال ابن خراش، صدوق، وهو في الأعمش، ثقة، وفي غيره فيه اضطراب ... وقال النسائي: ثقة في الأعمش (1340).
في هذه الرواية نجد أبا معاوية ينقل هذا القول المنسوب إلى سعيد بن جبير عن سفيان بن زياد العصفري وحسب أقوال علماء الجرح فإن هذه الرواية مضطربة لا تصح نسبتها إلى سعيد بن جبير.
***
- روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى:
هو رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخَزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)
[آل عمران: 192]
(1339) تفسير الطبري، 168/ 7.
(1340) تهذيب التهذيب ت: 6090، 116/ 9 - 117. (1/416)
صفحة 412
الفصل الثاني
417
ذكر الإمام الطبري قولين عند تفسيره لهذه الآية الكريمة:
«اختلف أهل التأويل في ذلك فقال بعضهم: معنى ذلك: ربنا إنك
من تدخل النار من عبادك فتخلده فيها فقد أخزيته، قال: ولا يخزى مؤمن مصيره إلى الجنة وإن عذب بالنار بعض العذاب 1341).
وقال آخرون: معنى ذلك ربنا إنك من تدخل النار
وغير مخلد فيها، فقد أخزي بالعذاب"
(1342)
من مخلد فيها
ثم أورد الإمام الطبري روايات (1343) تذكر هذا المعنى، والناظر فيها يجدها
(1341) تفسير الطبري، 211/ 4.
(1342) تفسير الطبري، 211/ 4.
هي
(1343) الروايات التي ذكرها الإمام الطبري هي) (تفسير الطبري، 211/ 4): - 1 - حدثني أبو حفص الجبيري ومحمد بن بشار قال: أخبرنا المؤمل، أخبرنا أبو هلال، عن قتادة، عن أنس، في قوله: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْنَهُ) قال: من تُخلد. 2 - حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا الثوري، عن رجل، عن ابن المسيب: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) قال: ه خاصة لمن لا يخرج منها. - حدثني المثنى، قال: ثنا أبو النعمان عارم، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: ثنا قبيصة بن مروان، عن الأشعث الحملي، قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد أرأيت ما تذكر من الشفاعة حق هو؟ قال: نعم حق. قال: قلت: يا أبا سعيد أرأيت قول الله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) و (يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم يخرجين منها؟؟ قال: فقال لي: إنك والله لا تستطيع على شيء، إن للنار أهلاً لا يخرجون منها كما قال الله قال: قلت يا أبا سعيد فيمن دخلوا ثم خرجوا؟ قال: كانوا أصابوا ذنوباً في الدنيا، فأخذهم الله بها فأدخلهم بها، ثم أخرجهم بما يعلم في قلوبهم من الإيمان والتصديق به.
- حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) قال: هو من يخلد فيها. ه - حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا الحرث بن مسلم، عن يحيى بن عمرو بن
دينار، قال: قدم علينا جابر بن عبد الله في عمرة، فانتهيت إليه أنا وعطاء، فقلت: (ربنا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ؟؟ قال: وما إخزاؤه حين أحرقه بالنار، وإن دون ذلك لخزياً. (1/417)
صفحة 413
418
(13451
لا تقوم عليها دعوى ولا حجة. فقد جاءت تلك الروايات من قبل أبي هلال محمد بن سليم الراسبي البصري الضعيف (1344)، ومن طريق عنعنة قتادة المدلس ا، ومن طريق الحسن بن يحيى عن عبد الرزاق 1346)، ومن طريق رجل مجهول لم يسم في الرواية، ومن طريق المثنى بن إبراهيم الأملي الذي لم أجد له ترجمة في كتب الرجال، ومن طريق الحسين بن داود (1347) (المعروف بسنيد بن داود) المصيصي الذي ضَعَّفَ روايته عن شيخه حجاج بن محمد عن ابن جريج علماء الجرح والتعديل، ومن طريق الحرث بن مسلم ويحيى بن عمرو بن دينار اللذين لم يذكرا في كتب التراجم التي بين يدي. فالآية صريحة ظاهرة أن من يدخل النار لا نصير له وقد أخزاه الله، ولم تميز بين الداخلين. وهذه عقيدة سجلها القرآن الكريم على ألسنة أولي الألباب المؤمنين المتضرعين الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم في الليل والنهار.
فعلى المسلم نبذ كل قول ضعيف عارضه القرآن الكريم وجاءت سنة المصطفى الصحيحة بضده.
و (فكرة خروج أهل الكبائر من النار التي ذكرها المفسرون عند تفسيرهم
لهذه الآية الكريمة جاءت من قبل روايات ضعيفة لا حجة فيها أبداً: -
قال أبو حيان الأندلسي: «وقال جابر بن عبد الله وغيره: كل من دخل النار فهو مخزي وإن خرج منها، وإنّ في دون ذلك لخزياً، واختاره ابن جريج
وأبو سليمان الدمشقي
(1348)
(1344) انظر ص 352 هامش 1121 من هذا البحث.
(1345) تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ت: 92، ص 102.
(1346) انظر ص 238 من هذا البحث.
(1347) انظر ص
461
من هذا البحث.
(1348) تفسير أبي حيان الأندلسي، 147/ 3. (1/418)
صفحة 414
الفصل الثاني
419
وقال أيضاً: «رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) هذه استجارة واستعاذة. أي: فلا تفعل بنا ذلك، ولا تجعلنا ممن يعمل بعملها. ومعنى أخزيته: فضحته ... وقال أنس وسعيد، وقتادة، ومقاتل، وابن جريج، وغيرهم: هي إشارة إلى من يخلد في النار، أما من يخرج منها بالشفاعة والإيمان فليس بمخزي» (1349).
(1350)
واختتم الإمام الطبري تفسيره لهذه الآية بقوله: «وأولى القولين بالصواب عندي قول جابر: إن من أدخل النار فقد أخزي بدخوله إياها، وإن أخرج منها. وذلك أن الخزي إنما هو هتك ستر المخزي وفضيحته، ومن عاقبه ربه في الآخرة على ذنوبه، فقد فضحه بعقابه إياه، وذلك هو الخزي». فالروايات التي عول عليها هنا، في ذكر خروج عصاة المسلمين من النار، هي روايات باطلة ضعيفة لا تقوم بها حجة كما تبين. وقد جرت تلك الروايات القائلين بالشفاعة لأهل الكبائر إلى ذكر أقوال متناقضة.
فقد قال أبو حيان الأندلسي: «أما من يخرج منها بالشفاعة والإيمان فليس بمخزي»، ورجح الإمام الطبري القول: «إن من أدخل النار فقد أخزي بدخوله إياها، وإن أخرج منها».
ولم تقف إملاءات تلك الروايات الضعيفة عند هذا الحد بل وصلت إلى درجة صار عندها ترتيب حروف الكلمات القرآنية لعبة تشكل حسب الأفكار والميول، فقد قال القرطبي: وقال قتادة تدخل مقلوب تخلد، ولا نقول كما
قال أهل حروراء» (1351
(1349) تفسير أبي حيان الأندلسي، 147/ 3.
(1350) تفسير الطبري، 211/ 4.
(1351) تفسير القرطبي، 201/ 4. (1/419)
صفحة 415
420
مير
من كل ما سبق يتضح لنا أن القضية ليست قضية المنهج الذي يعترف به الجميع ويُحتكم إليه في إظهار الحق ورد الباطل، بل صارت قضية المسلمين - ويا للأسف - تنازع وتدافع وتراشق بالتهم ولو استدعى هذا الأمر الركون إلى الروايات الضعيفة، والتفوه بالآراء المتناقضة، وقلب حروف الكلمات لأجل الانتصار للأفكار والآراء الضعيفة.
- روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى: -
جَهَنَّمَ
والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَاب جهنم إن عذابها كان غرَامًا. إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان: 65، 66]
في هاتين الآيتين الكريمتين يذكر الله سبحانه وتعالى دعاء عباده في أن يصرف عنهم عذاب جهنم.
وقد جاء في وصف جهنم أنها سيئة القرار وسيئة المقام، وجاء في
وصف عذابها بأنه {كَانَ غَرَامًا.
قال ابن عاشور
(1352)
في شرحه لمعاني كلمات هاتين الآيتين: -
والغرام: الهلاك المُلِحَ الدائم، وغلب إطلاقه على الشر المستمر».
والمستقر مكان الاستقرار والاستقرار: قوة القرار».
والمقام اسم مكان الإقامة».
(1352) تفسير ابن عاشور، 91/ 19 (1/420)
صفحة 416
الفصل الثاني
421
فمن هذه المعاني لهذه الكلمات القرآنية التي جاءت على لسان عباد
الرحمن نعرف أن عذاب جهنم دائم وملح، ولم يُخصص هذا العذاب لفئة دون فئة ممن دخل فيه، والعياذ بالله تعالى.
جهنم
دائماً
ذلك على
فابن عاشور بعد أن ذكر المدلولات اللغوية التي ترشد إلى كون عذاب وملحاً، أخذ في استثناء عصاة المسلمين معتمداً في روايات لا تقوم بها حجة جاءت عند تفسير هاتين الآيتين وفي مواضع أخرى في كتب الحديث والتفسير.
فقد قال ابن عاشور: «أي: ساءت موضعاً لمن يستقر فيها بدون إقامة مثل عصاة أهل الأديان ولمن يقيم فيها من المكذبين للرسل المبعوثين إليهم (1353).
(1353)
والإمام الرازي عند تفسيره لهاتين الآيتين يترجم بأبلغ عبارة تناقض الأفهام مع مدلولات كلمات هذه الآية البليغة، حيث قال في تفسيره: «فقوله: فران عذابها كان غراما الله إشارة إلى كونه مضرة خالصة. عن شوائب النفع، وقوله: {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًا وَمُقَامًا} إشارة إلى كونها دائمة، ولا شك في المغايرة، أما الفرق بين المستقر والمقام فيحتمل أن يكون المستقر من أهل الإيمان فإنهم يستقرون في النار ولا يقيمون فيها، وأما الإقامة فللكفار» (1354).
للعصاة
فبعد قوله: «إشارة إلى كونها دائمة»، تراجع عن هذا التعريف بعبارة ليس فيها يقين حيث قال: «فيحتمل أن يكون المستقر للعصاة من أهل الإيمان فإنهم يستقرون في النار ولا يقيمون فيها».
(1353) تفسير ابن عاشور 91/ 19
(1354) تفسير الرازي، 102/ 24. (1/421)
صفحة 417
422
معالم الحق
والإمام الطبري قد أثرت عليه فكرة الخروج من النار) وخصص معنى العذاب الدائم في حق الكفار مستنداً في ذلك على روايات ضعيفة أوردها في تفسيره، فقد قال: «وقوله: إن عذابها كَانَ غَرَامًا يقول: إن عذاب جهنم كان غراماً ملحاً دائماً لازماً غير مفارق من عذب
ومهلكاً له» (1355).
به من
الكفار،
فتخصيص العذاب الدائم للكفار فقط إنما هو مبني على روايات ضعيفة ذكرها الإمام الطبري وغيره عند تفسير هذه الآية وغيرها كما سيتضح في هذا البحث إن شاء الله تعالى.
رواية منسوبة إلى محمد بن كعب
قال الإمام الطبري (1356): حدثني عليّ بن الحسن اللاني، قال: أخبرنا المعافى بن عمران الموصلي، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب في قوله: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا قال: إن الله سأل الكفار عن نعمه، فلم يردّوها إليه، فأغرمهم، فأدخلهم النار».
هذه الرواية ضعيفة وذلك بسبب موس ى بن عبيدة الربذي، فقد قال
ابن حجر: «ضعيف» (1357).
الضعيف
رواية منسوبة إلى أنس بن مالك من طريق أبي ظلال البصري
قال أبو يعلى: «حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا سلام بن مسكين حدثنا أبو ظلال عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن عبداً في جهنم لينادي
(1355) تفسير الطبري، 35/ 19.
(1356) تفسير الطبري، 36/ 19.
(1357) تقريب التهذيب ت: 7015، 226/ 2. (1/422)
صفحة 418
الفصل الثاني
423
ألف سنة يا حنان يا منان قال: فيقول الله: يا جبريل انت عبدي قال: فينطلق جبريل فيرى أهل النار منكبين على وجوههم قال: فيرجع فيقول: يا رب، لم أره قال: فيقول الله: فإنه في مكان كذا وكذا قال: فيأتيه، فيجيء ربه فيقول الله له: يا عبدي كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ قال: فيقول: يا رب شر مكان وشر مقيل قال: فيقول: ردوا عبدي فيقول: يا رب ما كنت أرجو أن تردني إذ أخرجتني فيقول: دعوا عبدي»».
أخرج هذه الرواية أبو يعلى (1358)، والإمام أحمد (1359)، والبغوي 1360)،
والبيهقي
(1361)
وذكرها واحتج بها ابن كثير (1362)، والقرطبي)
(1363)
هذه الرواية ضعيفة بسبب هلال بن أبي هلال، أبي ظلال البصري، فقد قال ابن حجر عنه في التهذيب: «قال معاوية بن صالح عن ابن معين: أبو ظلال اسمه هلال ليس بشيء. وقال الدوري عن ابن معين: أبو ظلال هو هلال القسلمي ضعيف، ليس بشيء. وقال البخاري: مقارب الحديث. وقال الآجري: سألت أبا داود عنه فلم يرضه وغمزه. وقال النسائي: ضعيف. وقال مرة: ليس بثقة. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه عليه الثقات ... وقال البخاري: أبو ظلال عنده مناكير. وقال يعقوب بن سفيان: لين الحديث. وقال أبو الفتح الأزدي: ضعيف. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم.
(1358) مسند أبي يعلى، الرواية: 4213. (1359) مسند الإمام أحمد، الرواية: 13444.
(1360) تفسير البغوي، 171/ 3، من تفسير الآية 71 من سورة مريم. (1361 شعب الإيمان الرواية: (320 392/ 1 والأسماء والصفات، 118/ 1.
(1362) تفسير ابن كثير 164/ 5 - 165.
(1363) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، 456/ 2. (1/423)
صفحة 419
424
من الدم الحق
وقال النسائي في الكنى ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا مروان، ثنا أبو ظلال هلال القسملي وليس بشيء» 13641.
فهاتان الآيتان تصفان العذاب بأنه دائم، وتصفان جهنم بأنها ذات قرار و مقام سيئ، وجاء هذا الوصف على لسان عباد الرحمن، ولم يذكروا في استعاذتهم تمييز عصاة المسلمين عن غيرهم من سكان الجحيم. والذين تحدثوا عن العذاب المؤقت لعصاة المسلمين فحجتهم روايات
ضعيفة لا يصح الاعتماد عليها في تفسير كتاب الله تعالى.
فعلى المسلم اتباع خطوات عباد الرحمن وترك روايات الضعفاء،
والمدلسين، والمتروكين.
ه - روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى.
وتُم لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يحيى) الأعلى 13]
القرآن الكريم خاطب العرب بما يجري على ألسنتهم من عبارات، وقد فهموا من قوله تعالى: ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى) أنهم مقبلون على أمر
شديد إذا
هم
أعرضوا عن الذكر الذي يعرضه عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم ويخبرهم
بمصيرهم في نار جهنم.
قال الإمام الطبري: وقال آخرون: قيل ذلك، لأن العرب كانت إذا وصفت الرجل بوقوع في شدة شديدة، قالوا: لا هو حي، ولا هو ميت، فخاطبهم الله بالذي جرى به ذلك من كلامهم (365
(1364) تهذيب التهذيب ت: 7666، 74/ 11 - 075
(1365) تفسير الطبري، 155/ 30. (1/424)
صفحة 420
الفصل الثاني
425
والمتتبع لأقوال بعض المفسرين لهذه الآية الكريمة يجدهم يذكرون أقوالاً لا صلة لها بما تتحدث عنه هذه الآية، فقد ذكروا أن عصاة المسلمين يموتون في نار جهنم قبل إخراجهم منها، وهذه الفكرة لم تتعرض لها هذه الآية الكريمة.
قال القرطبي: «وقد مضى في «النساء» وغيرها حديث أبي سعيد الخُذري، وأن الموحدين من المؤمنين إذا دخلوا جهنم ـ وهي النار الصغرى على قول الفراء - احترقوا فيها وماتوا؛ إلى أن يُشفع فيهم. خرجه مسلم. وقيل: أهل الشقاء متفاوتون في شقائهم هذا الوعيد للأشقى، وإن كان شقي لا يبلغ هذه المرتبة» (1366).
ثم
وقال الألوسي: «واعلم أن عدم الموت في النار على ما صرح به غير واحد مخصوص بالكفرة وأما عصاة المؤمنين الذين يدخلونها فيموتون فيها،
واستدل لذلك بما أخرجه مسلم عن أبي سعيد عن النبي (1367). فعدم الخروج عن مدلول هذه الآية هو المسلك الذي ينبغي لكل دارس الالتزام به حتى يكون له حظ وافر من أنوار القرآن الكريم، ولا أحد يستطيع أن يستخلص من معنى هذه الآية فكرة خروج عصاة المسلمين من
النار.
6. روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى.
هو إن جهنم كَانَتْ مِن صَادًا لِلطَّعِينَ مَتَابًا * لَبِثِينَ فِيهَا أَحْفَابًا) (النساء 21 - 23]
(1366) تفسير القرطبي، 16/ 20. (1367) تفسير الألوسي، 320/ 15. (1/425)
صفحة 421
436
من المرحة
فكان ليس في هاتين الآيتين أي استثناء من العذاب الدائم في نار جهنم، ينبغي للذين ذهبوا إلى فكرة خروج العصاة من النار) أن يلتزموا بالسياق الذي تتحدث عنه هذه الآيات ويلتزموا كذلك بالمدلولات اللغوية لكلمات كتاب الله تعالى، ويلتزموا أيضاً بالمنهج الإسلامي الصائب في تقييم
الروايات.
قال الطبري: «ورُوي عن خالد بن معدان في هذه الآية، أنها في أهل القبلة 1368). والناظر في تلك الرواية التي نسبت إلى خالد بن معدان يجدها ضعيفة لا تقوم بها حجة.
(1369)
قال الطبري: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عامر بن جشب، عن خالد بن معدان في قوله: {لَبِئِينَ فِيهَا أَحْقابًا، وقوله: {إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ: إنهما في أهل التوحيد من أهل القبلة».
وذكر هذه الرواية ابن كثير (1370)، والسيوطي
(1371)
هذا القول المنسوب إلى خالد. بن معدان لا حجة فيه ولم يثبت عنه وذلك
بن
بسبب معاوية بن صالح صاحب الأوهام (1372)، وكذلك بسبب عبدا الله صالح بن محمد أبي صالح الجهني المصري الذي قال عنه ابن حجر في التقريب: «صدوق كثير الغلط ثبت في كتابه وكانت فيه غفلة (1373).
(1368) تفسير الطبري، 12/ 30.
(1369) تفسير الطبري، 12/ 30.
(1370) تفسير ابن كثير، 199/ 7.
(1371) الدر المنثور، 503/ 6. (1372) تقريب التهذيب ت: 6786، 196/ 2. (1373) تقريب التهذيب: ت: 3399 501/ 1. (1/426)
صفحة 422
الفصل الثاني
وجاءت رواية أخرى عند البزار منسوبة إلى ابن عمر:
(1374)
427
قال البزار: حدثنا محمد بن مرداس: نا أبو المعلى سليمان بن
حتى
مسلم قال: سألت سليمان التيمي: هل يخرج من النار أحد؟ فقال: حدثني نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والله لا يخرج من النار أحد. يمكث فيها أحقاباً» قال: «والحقب بضع وثمانون سنة، كل سنة ثلثمائة وستون يوماً مما تعدون»».
(1377)
وذكر هذه الرواية واحتج بها القرطبي (1379)، وابن كثير (1376)، والسيوطي" هذه الرواية ضعيفة وذلك لورودها من قبل سليمان بن مسلم أبو المعلى الخزاعي البصري.
حديثه
قال العقيلي: «مجهول، عن سليمان التيمي عن نافع ولا يتابع على
(1378)
وقال ابن. «قال ابن حبان: لا تحل الرواية عنه إلا على سبيل
الاعتبار (1379).
والمتتبع لأقوال المفسرين القائلين بخروج عصاة المسلمين من النار
يجدها متناقضة: -
(1374) مسند البزار، الرواية: 5980.
(1375) تفسير القرطبي، 117/ 19، وجاء عند القرطبي زيادة على هذه الرواية التي ذكرها البزار: .... فلا يتكلن أحدكم على أنه يخرج من النار». وجاءت هذه الزيادة أيضاً عند
السيوطي (الدر المنثور، 502/ 6).
(1376) تفسير ابن كثير، 199/ 7
(1377) الدر المنثور، 502/ 6.
(1378) ضعفاء العقيلي، ت: 630، 140/ 2. (1379) لسان الميزان ت 3936، 125/ 3. (1/427)
صفحة 423
428
مع الرالحق
ففي الوقت الذي فسروا فيه الأحقاب بالـ «كناية عن التأبيد؛ أي: يمكثون فيها أبدأ 1380)، نجدهم يحملون الآية على العُصاة الذين يخرجون من النار بعد أحقاب (1381).
وقال ابن عاشور: «هذا وأن المسلمين المستخفين بحقوق الله، أو المعتدين على الناس بغير حق، واحتقاراً لا لمجرد غلبة الشهوة لهم حظ من هذا الوعيد بمقدار اقترابهم من حال أهل الكفر ...
وليس فيه دلالة على أن لهذا اللبث نهاية حتى يُحتاج إلى دعوى نسخ ذلك بآيات الخلود وهو وهم لأن الأخبار لا تنسخ، أو يحتاج إلى جعل الآية لعصاة المؤمنين، فإن ذلك ليس من شأن القرآن المكي الأول إذ قد كان المؤمنون أيامئذ صالحين مخلصين مجدين في
أعمالهم»
(1382)
***
7 - روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى:
لا يريدون أن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَرِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ
مقيم} [المائدة: 37]
(1380) تفسير القرطبي، 116/ 19.
(1381) تفسير القرطبي، 116/ 19. ومما قاله القرطبي هنا: قوله تعالى: {لَبِثِينَ فِيهَا أَحْفَابًا) أي: ماكثين في النار ما دامت الأحقاب، وهي لا تنقطع، فكلما مضى حُقُب جاء حُقُب ...
وذكر الأحقاب لأن الحقب كان أبعد شيء عندهم، فتكلم بما تذهب إليه أوهامهم ويعرفونها، وهي: كناية عن التأبيد؛ أي: يمكثون فيها أبداً ... وهذا الخلود في حق المشركين. ويمكن حمل الآية على العصاة الذين يخرجون من النار بعد أحقاب .....
(1382) تفسير ابن عاشور، 33/ 30. (1/428)
صفحة 424
الفصل الثاني
429
قال الإمام الطبري عند تفسيره لهذه الآية: «لهم عذاب دائم ثابت لا يزول عنهم، ولا ينتقل أبداً (1383).
فينبغي لنا ونحن ندرس آيات الكتاب الحكيم الالتزام بالسياق الذي
تكونه الآيات من غير إضافة أفكار لا صلة لها بالسياق القرآني.
فمن خلال السياق نعرف أن الكفار يريدون الخروج من النار ولكن قد
حكم الله تعالى عليهم بالبقاء في ذلك العذاب المقيم.
وباختصار: إن هذه الآية ليس فيها وعد لأحد بالخروج من النار، وهذا
القول ينبغي لنا عدم تجاوزه عند دراستنا لهذه الآية الكريمة. وقد سطرت روايات عند تفسير هذه الآية الكريمة، فيها ذكر خروج أناس من النار:
(1384)
نقل الطبري في تفسيره رواية منسوبة إلى عكرمة وهي ضعيفة
(1385)
لورودها من قبل الحكم بن أبان العدني صاحب الأوهام)
(1383) تفسير الطبري، 228/ 6.
(1384) تفسير الطبري، 155/ 7 - 156 قال الإمام الطبري: «حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا
محمد بن ثور، عن معمر، قال: وأخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة حسبته أسنده، قال: إذا فرغ الله وكل من القضاء بين خلقه، أخرج كتاباً من تحت العرش فيه: «إن رحمتي سبقت غضبي، وأنا أرحم الراحمين قال فيخرج من النار مثل أهل الجنة، أو قال مثلاً أهل الجنة، ولا أعلمه إلا قال: «مثلاً»، وأما مثل فلا أشك مكتوباً ها هنا، وأشار الحكم إلى نحره، عتقاء الله. فقال رجل لعكرمة يا أبا عبد الله، فإن الله يقول: يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هم بخير جينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) قال: ويلك أولئك أهلها الذين هم أهلها». وذكر هذه الرواية الضعيفة واحتج بها ابن كثير (تفسير ابن كثير " (1385) تقريب التهذيب، ت: 1444، 230/ 1. وقد ذكرت في كتاب (الميزان القسط)، ص، 195 - 197، أقوال علماء الجرح والتعديل ورد الفقهاء لروايات جاءت من طريق
الحكم بن أبان.
(28/ 3 (1/429)
صفحة 425
430
معالم الحق
قصة ابن الأزرق مع ابن عباس ها:
جاء عند المفسرين قصة نافع بن الأزرق الخارجي في حواره مع ابن عباس
حول هذه الآية الكريمة، والناظر في تلك القصة يجدها باطلة لا قيمة لها. قال الإمام الطبري (1386): حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس: يا أعمى البصر، أعمى القلب، تزعم أن قوماً يخرجون من النار، وقد قال الله جل وعزّ وَمَا هُم بِخَرِجين منها، فقال ابن عباس: ويحك اقرأ ما فوقها هذه للكفار».
واحتج بهذه الرواية وذكرها الألوسي (1387)، والشوكاني
(1388)
هذه الرواية ضعيفة بسبب ورودها من قبل محمد بن حميد الرازي
الضعيف (1389)، والحسين بن واقد المروزي.
الحسين بن واقد، أبو علي المروزي:
العقيلي حنبل، وقيل له في حديث أيوب بن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الملبقة فأنكره أبو عبد الله، وقال: من روى هذا؟ قيل له: الحسين بن واقد، فقال بيده، وحرك رأسه، كأنه لم يرضه. حدثني الخضر بن داود، قال: حدثنا أحمد بن محمد، قال ذكر أبو عبد الله حسين بن واقد فقال: وأحاديث حسين
ب: « ... حدثنا أحمد بن أصرم بن خزيمة، قال: سمعت أحمد بن
ما أرى أي شيء هي ونفض يده» (1390).
(1386) تفسير الطبري، 228/ 6. (1387) تفسير الألوسي، 300/ 3.
(1388) تفسير الشوكاني، 56/ 2.
(1389) انظر ص)
247
من هذا البحث.
(1390) ضعفاء العقيلي، ت: 300، 251/ 1. (1/430)
صفحة 426
الفصل الثاني
407
لأن يكون معقد الهداية ومناط الأمان يوم القيامة؟ ألا تتصورون أيها الشيخ أن مثل هذا التصور داع إلى انهماك النفس الأمارة بالسوء في جميع رغباتها واسترسالها من غير قيد ولا شرط في نزواتها؟ وكيف تأمنون على أفلاذ أكبادكم وثمرات أفئدتكم لو سرى هذا المعتقد في نفوسهم؟ أرأيتم كيف تكون حالة شاب أعزب وهو في ميعة الشباب تتأجج في نفسه شهوة الجنس الجامحة، فتهيج كل خلية في جسمه اعتقاده أنه إن لم يقارف شركاً فهو مع من الذين لهم الأمن وهم مهتدون أيصدّه صاد عن مقارفة الفحشاء والتمرغ في وحل الرذيلة؟ ومثل ذلك سعار شهوة المال الباعث إلى أكل الربا والسرقة والخيانة والغش وأنواع الحيل أترى يحجز من ابتلى بذلك شيء عن إطفاء سعاره بالاسترسال وراء رغبته؟ كلا، وكذلك غريزة الانتقام التي تدفع على القتل والكيد وسائر غرائز النفس السائقة إلى ضروب الجرائم وصنوف الفحشاء والمنكر، هل يمكن أن تكفكف النفس عنها عند سريان هذا المعقتد؟ أو لا ترون - أيها الشيخ ـ أن الترياق النافع والعلاج الحاسم لهذه الأدواء هو عقيدة أهل الحق والاستقامة التي استقاها السلف الصالح من منابع القرآن الكريم والسُّنَّة الصافية والمحافظة عليها من غير تفريط في
جزئية من جزئياتها؟ (1311).
(1311) من جواب لسماحة الشيخ بمكتب الإفتاء. (1/431)
صفحة 427
فمن أقواله التي كتبها في تفسيره حول إثبات العقائد: -
(وهي أمور: الأول: أنه يقال للنصارى ما ادعيتموه من قتل المسيح وصنيه أتنقنونه تواتراً أو آحاداً فإن زعموا أنه آحاد لم تتم بذلك حجة ولم يثبت العلم إذ الآحاد لم يؤمن عليهم السهو والغفلة والتواطؤ عنى تكذب، وإذا كان الآحاد يعرض لهم ذلك فكيف يحتج بقولهم في تقطعيات؟ 1394.
وأجيب عن متمسك الأولين: الأول: بأن تلك الأحاديث أخبار آحاد فلا تعارض الآيات القطعية كقوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَنُهُمْ لَا يَسْتَخِرُونَ
سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) [النحل: (61]
أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 28] من التوبيخ
والتقريع على جهلهم واختلاقهم، وفي الآية دليل على أن كل قول لا دليل عليه فهو جهالة وأن العقائد لا بد لها من قاطع وأن التقليد بمعزل من الاهتداء ولا تصلح متمسكاً لنفي القياس والعمل بخبر الآحاد لأن ذلك في الفروع وهي مخصوصة بالأصول لما قام من الأدلة على تخصيصها وإن عم ظاهرها (1396).
وفي شرح المواقف أن اختلاف الصحابة في بعض سور القرآن مروي بالآحاد المفيدة للظن ومجموع القرآن منقول بالتواتر المفيد لليقين الذي يضمحل الظن في مقابلته فتلك الآحاد مما لا يلتفت إليه» (1397).
(1394) تفسير الألوسي، 173/ 2.
(1395) تفسير الألوسي، 291/ 2.
(1396) تفسير الألوسي، 147/ 6.
(1397) تفسير الألوسي، 517/ 15. (1/432)
صفحة 428
الفصل الثاني
423
فهذه النصوص التي سطرها الألوسي في تفسيره تبرهن أن ما ذكره من أقوال عند تفسيره لهذه الآية حول خروج عصاة المسلمين من النار هي أفكار لا تتفق مع المنهج الذي يدعو إليه، وكفى بهذا حجة على خطأ ما قاله. (1/433)
صفحة 429
خاتمة الفصل الثاني
نلخص هذا الفصل في النقاط الآتية: -
في هذا الفصل من هذا البحث عرضنا روايات عديدة جاءت عند تفسير آيات كثيرة عدها أصحاب (فكرة الخروج من النار) من دلائلهم في إثبات الشفاعة لأهل الكبائر وإخراج عصاة المسلمين من النار. وبعد عرض تلك الروايات على منهاج الأمة الإسلامية عرفنا عدم صلاحية تلك الروايات في إثبات (فكرة الخروج من النار).
والروايات الصحيحة تثبت المقام المحمود وهو شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل موقف يوم القيامة عامة ليريحهم من شدة ذلك اليوم، ولفتح أبواب
الجنان لأهل الجنة خاصة.
ومن
مشاهد
يوم القيامة: حشر الخلائق كلهم في موقف واحد تشتد فيه
الأهوال عليهم، وهناك تتميز الخلائق وتتصدع الجموع. فيذهب بأهل الجنة إلى الجنة ويساق أهل النار إلى النار والعياذ بالله. وليس من مشاهد يوم الأتقياء على الصراط فوق جهنم، ولا إخراج العصاة منها بعد
القيامة مرور
دخولهم فيها.
والملاحظة التي يدركها كل قارئ أن المناهج التي نص عليها علماء الأمة في تقييم الروايات والأفكار لم يطبقها القائلون بالشفاعة لأهل الكبائر (1/435)
صفحة 430
436
هم
معالد الحق
عند عرضهم للروايات التي احتجوا بها في إثبات ما ذهبوا إليه، وإن كانوا أنفسهم من ساهم في تأصيل علوم الجرح والتعديل وقواعد علم الحديث. والمدافعون عن فكرة الخروج من النار) قد جرتهم الروايات الضعيفة إلى تجاهل المعاني اللغوية التي ترشد إليها كلمات آيات الله تعالى، ودفعتهم إلى تأويل المعاني الظاهرة لآيات الله تعالى وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الصحيحة، وهذا مسلك ترفضه مناهج الأمة في تقييم الروايات وتأسيس
العقائد.
- وعقيدة خلود عصاة المسلمين في النار مصدرها القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة وهي داعية إلى ضبط النفوس بمنهاج الشرع، وداعية إلى السعي لطلب المغفرة والتوبة من الله تعالى؛ وأما فكرة الخروج من النار فإنها يهودية المصدر وهي لا تغرس المهابة من وعيد الله في النفوس المتعدية لحدود الله تعالى.
- ولقد تبين ضعف التفسير الذي حمل قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمُ لنفسه،} [فاطر: 32] على العصاة ومرتكبي الكبائر، لأن سياق الآيات لا يشير لهذا المعنى، ولأن جميع الروايات الواردة عن السلف بهذا المعنى ضعيفة لا تقوم بها حجة. والآيات الكريمة هي تسجيل لمراتب أهل الجنة العاملين في مضمار الدعوة إلى الله، ودائماً وأبداً يستقل المخلصون أعمالهم أمام ضخامة الوظيفة التي باعوا نفوسهم
لأجلها.
والروايات التي حددت الظلم بالشرك فقط روايات أبطلها منهاج الأمة الإسلامية الذي لا يحابي أحداً. ولقد بين العلماء أيضاً أن مدلول الظلم يشمل كل معانيه ولا يختصر على معنى الشرك فقط.
ولقد عرفنا في الفصلين السابقين أن أصحاب كبائر الذنوب الذين أتوا (1/436)
صفحة 431
الفصل الثاني
يوم
437
القيامة من غير توبة نصوح فإنهم لن يجدوا لهم شفيعاً، والروايات التي وعدتهم بالشفاعة وبالتجاوز عن ذنوبهم روايات لا قيمة لها في ميزان الأمة وعرفنا كذلك أن كل من استوجب النار لا محالة داخلها حسب
العادل.
الحكم الإلهي العادل الذي لا يحابي أحداً من البشر.
وفي الفصل الثالث من هذا البحث نعرض إن شاء الله تعالى أقوالاً
وروايات جاءت عند تفسير آيات من كتاب الله تعالى ذكرها القائلون بخلود أصحاب الكبائر في النار. والله تعالى الموفق إلى كل خير. (1/437)
صفحة 432
الفصل الثالث
قراءات منهجية في تفسير
آيات قرآنية ذكرها القائلون
بخلود أصحاب الكبائر في النار (1/439)
صفحة 433
تمهيد
ففي الفصلين السابقين نقلنا روايات عديدة جاءت عند القائلين بالشفاعة لأهل الكبائر من المسلمين، وبعد عرض تلك الروايات والأقوال على منهج الأمة الإسلامية - الذي لا يعترف بالمذهبية ولا يركن إلى التحزب الفكري المجرد من كل دليل قوي - عرفنا أنه لا وزن ولا قيمة لتلك الروايات، وليست بأهل لكي يعتد بها في تأسيس عقيدة إسلامية.
وفي هذا الفصل نقرأ قراءة منهجية ما كتبه العلماء عند تفسيرهم للآيات القرآنية الكريمة التي جاء فيها الوعيد لمن عصى الله سبحانه وتعالى.
ونعرض كتاباتهم التي سطروها عند تفسيرهم لقوله تعالى: - و الذين يأكلون الربوا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبوا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ
ومَن عَادَ فَأَوْلَبِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ} [البقرة: 275].
و فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279]. (1/441)
صفحة 434
442
محال الحق
وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ
ترحمون} [آل عمران: 131، 132].
وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وغضب الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]. ومن يعص اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَة يدخله نارا خلدا
فيها وَلَهُ عَذَابٌ مهير [النساء: 14].
إلا بلغا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَلَتِهِ وَمَن يَعْصِ الله ورسوله فإنَّ له نار جهنم خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23].
لو بكى من كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَبِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ} [البقرة، 81].
الا و من جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكَبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَل تُجزَونَ إِلَّا مَا كُنتُم
تَعْمَلُونَ} [النمل: 90]. ولا تركنوا إلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} [هود: 113]
طار إنما التوبة على الله للذين يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن
وَلَيْسَتِ
قَرِيبٍ فَأُولَيكَ يَتُوبُ الله عَليهم وكان الله عليما حكيما وليست التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إنِّي تُبْتُ التَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ أُوْلَبِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 17، 18]. وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَتَقِيمَ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَةٌ مَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ (1/442)
صفحة 435
الفصل الثالث
443
مِنْ عَاصِمٌ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعَا مِنَ الَّيْلِ مُظْلِما أَوَلَيْكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 27].
هو إِنَّ الأَبْرَار لَفِي نَعِيمٍ. وَإِنَّ الْفُجَارَ لَفِي جَمِيهِ. يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ. وَمَا هُم عَنْهَا بِغَابِينَ. وَمَا أَدْرَنكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ. ثُمَّ مَا أَدْرَنكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ. يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسُ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَيذٍ لِلَّهِ} (الانفطار 13 - 19].
وجاء هذا الفصل في خمسة أقسام وخاتمة. (1/443)
صفحة 436
روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى
ا الذين يَأْكُلُونَ الرِّبوا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبوا وَأَحَلَّ الله البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سلف وأمره إلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأَوَلَتَبكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خلدون} [البقرة: 275].
فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ
رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279]. وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 131، 132].
طار
فهذه الآيات الكريمة فيها حكم الله تعالى على الذين يأكلون الربا. ولكن حينما تغلب فكرة العذاب المؤقت والأقوال الموروثة، فإن دلالات هذه الآيات الكريمة تصبح في أوساط الناس عرضة للاحتمالات المتناقضة.
قال أبو حيان الأندلسي: «فإن كانت في الكفار فالخلود خلود تأبيد،
أو في مسلم عاص فخلوده دوام مكثه لا التأبيد (1398).
(1398) تفسير أبي حيان الأندلسي، 349/ 2. (1/444)
صفحة 437
الفصل الثالث
445
وقال الشوكاني: وعلى التقدير الأول يكون الخلود مستعاراً على معنى المبالغة، كما تقول العرب: ملك خالد أي طويل البقاء، والمصير إلى هذا التأويل واجب للأحاديث المتواترة القاضية بخروج الموحدين من النار» (1399).
وسوّغ الإمام الرازي هذه الأقوال التي قالها أبو حيان الأندلسي والشوكاني بقوله: «وذلك أن مذهبنا أن صاحب الكبيرة إذا كان مؤمناً بالله ورسوله يجوز في حقه أن يعفو الله عنه، ويجوز أن يعاقبه الله وأمره في البابين موكل إلى الله، ثم بتقدير أن يعاقبه الله فإنه لا يخلد في النار بل يخرجه منها، والله تعالى بين صحة هذا المذهب في هذه الآيات بقوله (وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} على جواز العفو في حق صاحب الكبيرة على ما بيناه 1400).
فجميع الروايات التي أشار إليها الشوكاني لا حجة فيها، والرأي الذي ذهب إليه الرازي هنا رأي أُسس على الضعيف من الأدلة كما تبين وسيتبين
لنا في هذا البحث.
وقال ابن عطية: «والآية كلها في الكفار المربين نزلت، ولهم قيل: فَلَهُ مَا سَلَفَ * ولا يقال ذلك لمؤمن عاص ولكن يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد هذه الآية (1401).
ويعرض علينا الإمام الرازي رأياً آخراً، حيث قال: ... فثبت أن هذه الآية لا تليق بالكافر ولا بالمؤمن المطيع، فلم يبق إلا أن يكون مختصاً بمن أقر حرمة الربا ثم أكل الربا فههنا أمره الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وهو
بحر
(1399) تفسير الشوكاني، 500/ 1، من تفسير الآية 275 من سورة البقرة.
(1400) تفسير الرازي، 94/ 7.
(1401) تفسير ابن عطية ص 253 - 254 من تفسير الآية 275 من سورة البقرة. (1/445)
صفحة 438
446
معالم الحق
كقوله: {إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لمن يشاء بم [النساء: 48] فيكون ذلك دليلاً ظاهراً على صحة قولنا أن العفو من الله مرجو» (1402).
وهذا الرأي الذي طرحه الإمام الرازي هنا أتى عليه من أساسه، حيث تراجع عن كون الآية في حق المرابين من المسلمين إلى القول أن الآية في حق الكافر، حيث قال: «أما قوله: {وَمَنْ عَادَ فَأُولَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فيها خَلِدُونَ} [البقرة: 275] فالمعنى: ومن عاد إلى استحلال الربا حتى يصير
کافران (1403).
وقال الشيخ السعدي: «وَمَنْ عَادَ إلى تعاطي الربا ولم تنفعه الموعظة، بل أصر على ذلك فَأُولَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُم فيها خلدون) اختلف العلماء رحمهم الله في نصوص الوعيد التي ظاهرها تخليد أهل الكبائر من الذنوب التي دون الشرك بالله، والأحسن فيها أن يقال: هذه الأمور التي رتب الله عليها الخلود في النار موجبات ومقتضيات لذلك، ولكن الموجب إن لم يوجد ما يمنعه ترتب عليه مقتضاه وقد علم بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن التوحيد والإيمان مانع من الخلود في النار» (1404).
(1402) تفسير الرازي، 94/ 7. (1403) تفسير الرازي، 94/ 7.
(1404) تفسير السعدي، ص. 100 - 101، من تفسير الآية 275 من سورة البقرة. وجاء في نسخة عالم الكتب ومكتبة النهضة العربية والتي حققها محمد زهري النجار (ج 1/ 338 - 339): «وَمَنْ عَادَ بعد بيان الله وتذكيره وتوعده لأكل الربا فَأَوَلَتَبكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ) في هذا أن الربا موجب لدخول النار
والخلود فيها، وذلك لشناعته، ما لم يمنع من الخلود مانع الإيمان. وهذا من جملة الأحكام التي تتوقف على وجود شروطها، وانتفاء موانعها. وليس فيها حجة للخوارج، كغيرها من آيات الوعيد فالواجب أن تصدق جميع نصوص = (1/446)
صفحة 439
الفصل الثالث
447
من أقوال الشيخ السعدي نلاحظ الآتي: -
ـ «اختلف العلماء رحمهم الله في نصوص الوعيد التي ظاهرها تخليد أهل الكبائر من الذنوب التي دون الشرك بالله».
هذا الاختلاف الذي أشار إليه الشيخ السعدي ليس له أي اعتبار مع
وضوح دلائل نصوص الوعيد الظاهرة بتخليد أهل الكبائر.
والاستثناء الذي أشار إليه الشيخ السعدي بقوله: «وقد علم بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن التوحيد والإيمان مانع من الخلود في النار» لم يذكره القرآن الكريم، ولم يأت في رواية صحيحة تقوم بها دعوى، بل هو من الأفكار الموروثة التي أملتها التوجهات
المذهبية.
الكتاب
ودعوة الشيخ السعدي إلى تعلم وتصديق جميع نصوص ا والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة من بعد رسولها الكريم صلى الله عليه وسلم، هي دعوة لها وزنها وينبغي لجميع المسلمين الأخذ بها وتطبيقها في جميع
حياتهم.
مناشط
وأي دعوة لم تحظ بالتطبيق العملي في الحياة فلا تنفع قائلها ولا سامعها، والمطبق للدعوة الكريمة التي سطرها الشيخ السعدي هنا يجد الكتاب العزيز ينفي (فكرة الخروج من النار ويثبت العذاب الأليم الخالد لكل صاحب كبيرة دخل النار من غير استثناء.
الكتاب والسنة، فيؤمن العبد بما تواترت به النصوص، من خروج من في قلبه أدنى مثقال حبة من خردل من الإيمان من النار. ومن استحقاق هذه الموبقات لدخول النار، إن لم يتب منها». وقد نقل هذا التفسير أيضاً عبد الرحمن بن معلا في ص 912
من النسخة التي نشرتها دار ابن حزم. (1/447)
صفحة 440
448
معالم الحق
ويجد المطبق للمنهج الإسلامي في تقييم الروايات أنه ليس هناك رواية سليمة - ولو واحدة - يصح سندها ومتنها تثبت ما قاله القائلون بـ (فكرة
الخروج من نار جهنم) كما هو موضح في صفحات هذا الكتاب.
L
والله جل وعلا توعد المسلمين المرابين بقوله: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279].
قال الذهبي: «فهذا وعيد عظيم بالخلود في النار كما ترى لمن عاد إلى الربا بعد الموعظة، فلا حول ولا قوة إلا بالله» (1405).
وقال ابن كثير: «وهذا تهديد ووعيد أكيد لمن استمر على تعاطي الربا بعد الإنذار (1406).
فهذه الحرب التي أعلنها الله تعالى تخمد وطيسها توبة نصوح يقدمها المرابي قبل فوات الأوان.
وأمر الله سبحانه وتعالى المسلمين باجتناب ما يوصلهم إلى النار، حيث قال لهم: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 131، 132]، ولم يعد العصاة بالخروج من النار التي أعدها للكافرين.
(1405) كتاب الكبائر وتبيين المحارم، ص 59. تنبيه مهم: العبارة التي قالها الحافظ الذهبي هنا لا توجد في الطبعات الأخرى المنتشرة والتي ظهرت باسم (الكبائر). والسبب في ذلك أن تلك الطبعات ليست الأصل الذي ألفه الحافظ الذهبي، ولكنها منسوبة إليه. وللمزيد من المعرفة حول مخطوطات وطبعات كتاب الكبائر ارجع إلى كلمة محي الدين مستو المحقق لهذه الطبعة التي رجعنا إليها في هذا البحث. (1406) تفسير ابن كثير 587/ 1 (1/448)
صفحة 441
الفصل الثالث
449
قال الإمام الطبري: يقول تعالى ذكره للمؤمنين: واتقوا أيها المؤمنون النار أن تصلوها بأكلكم الربا بعد نهيي إياكم عنه التي أعددتها لمن كفر بي، فتدخلوا مداخلهم بعد إيمانكم بي بخلافكم أمري، وترككم
(1407)
اتقاه واجتنبه
طاعتي" وقال حقي البروسوي: «قال القاشاني: ولا يخفى على الفطن ما فيه من المبالغة في التهديد على الربا حيث أتي بلعل في فلاح من لأن تعليق إمكان الفلاح ورجاءه بالاجتناب منه يستلزم امتناع الفلاح لهم إذا لم يجتنبوه ويتقوه مع إيمانهم. ثم أوعد عليه بالنار التي أعدت للكافرين مع كونهم مؤمنين فما أعظمها من مصيبة توجب عقاب الكفار للمؤمنين وما أشده. من تغليظ عليه ثم أمد التغليظ بالأمر بطاعة الله ورسوله تعريضاً
ثم
بأن آكل الربا منهمك في المعصية لا طاعة له علق رجاء المؤمنين بطاعة الله ورسوله إشعاراً بأنه لا رجاء للرحمة مع هذا النوع من العصيان فهو يوجب اليأس من رحمته للمؤمنين لامتناعها لهم. معه فانظر كيف درج التغليظ في التهديد حتى ألحقه بالكفار في الجزاء والعقاب انتهى
بعبارته ...
وآخذ الربا لا يقبل الله منه صدقة ولا جهاداً ولا حجاً ولا صلاة .... والعمل السوء ينزع به الإيمان عند الموت فيستحق به صاحبه الخلود في النار كالكفار نعوذ بالله من ذلك. وروى أبو بكر الوراق عن أبي حنيفة رحمدلله أكثر ما ينزع الإيمان لأجل الذنوب من العبد عند الموت وأسرعها نزعاً للإيمان ظلم العباد فاتق أيها المؤمن من الله ولا تظلم عباد الله بأخذ أموالهم
من أيديهم بغير حق فإنه حوب كبير عصمنا الله وإياكم من سوء ا الحال
(1407) تفسير الطبري، 90/ 4. (1408) تفسير روح البيان، 93/ 2 - 94.
(1408) (1/449)
صفحة 442
450
معالم الحق
وقال السيد عبد الحسين دستغيب: «ولأن المفاسد العظيمة الدنيوية والأخروية لأكل الربا أكبر من الذنوب الأخرى للأكل وللمجتمع فقد شدد القرآن الكريم وأهل البيت على هذا الذنب كثيراً واعتبروه من الذنوب الكبيرة، فإذا ما أصر آكل الربا على عمله ولم يندم على هذا الفعل الشنيع ولم يقبل بالحكم الإلهي كان نصيبه الخلود في جهنم ولا وسيلة أمامه
للنجاة ... » (1409).
وقال الشيخ السعدي: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ) بترك ما يوجب دخولها، من الكفر والمعاصي، على اختلاف درجاتها. فإن المعاصي كلها ـ وخصوصاً المعاصي الكبار - تجر إلى الكفر، بل هي من خصال الكفر، الذي أعد الله النار لأهله (1410).
خصيم
من هذه الآيات الكريمة يعتقد المسلم أن آكل الربا ـ والعياذ بالله ـ الله وللرسول في حرب لا تضع أوزارها إلا إذا رجع المرابي عن عصيانه، وأن دخول النار هو عقوبة من أكل الربا، وليس في هذه الآيات ولا في غيرها ذكر للخروج من النار وجميع الروايات التي جاء فيها خروج عصاة المسلمين من جهنم لا حجة فيها بسـ بب ضعف أسانيدها
ومتونها.
وبين الله جل وعلا لمن تكون الدار الآخرة حيث قال سبحانه: {تِلْكَ الدار الآخرةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِيةُ
لِلْمُتَّقِينَ} [القصص 83].
(1409) الذنوب الكبيرة، 156/ 1.
(1410) تفسير السعدي ص 131، من تفسير الآية 131 من سورة آل عمران. (1/450)
صفحة 443
الفصل الثالث
451
قال الشيخ السعدي: «وَلَا فَسَادًا) وهذا شامل لجميع المعاصي"
(1211)
وقال الطبري: «يقول تعالى ذكره: تلك الدار الآخرة نجعل نعيمها للذين لا يريدون تكبراً عن الحق في الأرض وتجبراً عنه ولا فساداً. يقول: ولا ظلم الناس بغير حق، وعملاً بمعاصي الله فيها ... وقوله: {وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * يقول تعالى ذكره والجنة للمتقين، وهم الذين اتقوا معاصي الله، وأدوا فرائضه» (1412).
فالذين اتقوا معاصي الله تعالى ولم يسعوا بالفساد في الأرض جعل الله لهم الجنة، والذين أفسدوا في الأرض بالمعاصي ولم تطهرهم توبة نصوح فقد بين الله جل وعلا مآلهم في النار ولم يعدهم بدخول الجنان. الحكم الإلهي الذي جاء في القرآن الكريم وفي سنة الرسول العظيم، ولم يخالف هذا الحكم إلا روايات لم يحفل بها منهاج الأمة
هذا هو
المستقيم.
595، من تفسير الآية 83 من سورة القصص. (1411) تفسير السعدي
ص
(1412) تفسير الطبري، 122/ 20 - 123. (1/451)
صفحة 444
قراءة في تفسير قوله تعالى
وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خلدا فيها وغضب الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَد له عذابا عظيما
[النساء: 93].
هذه الآية الكريمة تعرض على المسلمين حكم الله تعالى في الآخرة في حق من ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب إذا لم يتب من فعلته الشنعاء ويؤدي ما عليه من حقوق.
من
ولو التزم المسلمون بدلالات كلمات هذه الآية الكريمة لأراحوا أنفسهم عناء الجدل العقيم الذي تواصوا بحمله عبر القرون الماضية. ولو أنهم التزموا بمناهج الأمة في مسألة تلقي العلوم لما ضاعت قرون من حياة هذه الأمة في حوار حول قضية قد بين الله فيها حكمه الذي لا يرد.
ولو أنهم طبقوا علومهم في حياتهم لما تربعت أقوال الضعفاء والمتروكين والكذابين على موائد علومهم ومعارفهم.
ولو أنهم اتبعوا دلالات القرآن الواضحة والثابت الصحيح من الروايات لما صار القرآن الكريم والسُّنة الطاهرة من توابع الأفكار الموروثة التي لا أصل لها ولا أساس. (1/452)
صفحة 445
الفصل الثالث
453
لقد
سرح في أوساط القائلين بـ (خروج عصاة المسلمين من النار) كل هزيل وضعيف من أقوال أناس حكمت الأمة الإسلامية بعدم أهليتهم لنقل العلوم. . قال البيضاوي عند تفسير قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا متَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وأعد له عذابًا عَظِيمًا .... والجمهور على أنه مخصوص بمن لم يتب لقوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارُ لِمَن تَابَ ونحوه وهو عندنا إما مخصوص بالمستحل له كما ذكره عكرمة وغيره ... فإن الدلائل متظاهرة على أن عصاة
المسلمين لا يدوم عذابهم
(1413)
وقال ابن عاشور: «وليس المراد من يفعل كل واحدة مما ذكر يلق آثاماً لأن لقي الآثام بين هنا بمضاعفة العذاب والخلودِ فيه. وقد نهضت أدلةٌ الكتاب والسنَّة على أن ما عدا الكفر من المعاصي لا يوجب
متظافرة
من
الخلود، مما يقتضي تأويل ظواهر الآية (1414).
فالبيضاوي يرى أن الجمهور حكموا بالخلود في النار على من لم يتب من جريمة القتل، ومع هذا نجده لا يأخذ بأقوالهم ويقول بلا حجة ولا برهان: «فإن الدلائل متظاهرة على أن عصاة المسلمين لا يدوم عذابهم». فكل الدلائل التي أشار إليها البيضاوي هنا ليس فيها حجة لأحد كما هو موضح في صفحات هذا الكتاب.
وابن عاشور يقر بأن ظاهر الآية يحكم بالخلود على مرتكب هذه هذا نجده يدعو إلى تأويلها لتتوافق مع أدلة ليست ظاهرة
الكبيرة، ومع.
المعنى في ما ذهب إليه كما سيظهر لنا في هذا البحث.
(1413) تفسير البيضاوي، 231/ 1.
(1414) تفسير ابن عاشور، 93/ 19 - 94. (1/453)
صفحة 446
454
محال الحق
فأي شيء بقي للمسلم إذا ترك الظاهر الجلي من الأدلة؟. وكيف يروق للمسلمين الدعوة إلى تأويل الظاهر من الأدلة لأجل أن تلتئم مع أقوال لم ينزل الله بها من سلطان؟!.
فعدم الالتزام بدلالات کلمات آيات الله تعالى، وعدم الالتزام بعلوم الأمة، وعدم تطبيق أحكام العلوم في حق الضعفاء من الرواة أفرز في الأوساط المتحاورة ثلاث قضايا لا أصل لها وقد أشغلت العقول بما
لا فائدة منه.
- قضية تخصيص الخلود في جهنم لغير أصحاب الكبائر من المسلمين. وقضية المدى الزمني لكلمة الخلود (1415) خاصة إذا تحدثت عن عصاة
المسلمين.
- وقضية إخلاف وعيد عصاة المسلمين
(1416)
قضية تخصيص الخلود في جهنم لغير أصحاب الكبائر من المسلمين: إن المتتبع لأقوال المفسرين وشراح الأحاديث عند تفسيرهم لهذه الآية الكريمة، يجد تلك الأقوال لا تخرج عن ثلاثة عناصر ذكرها الإمام الطبري في تفسيره لهذه الآية.
1 - «فجزاؤه جهنم إن جازاه» (1417).
2 - ومن يقتل مؤمناً متعمداً مستحلًا قتله، فجزاؤه جهنم
(1415) انظر القسم الثالث
من هذا الفصل.
(1416) انظر ص 144 وما بعدها من هذا البحث
خالداً فيها (1418).
(1417) تفسير الطبري، 217/ 5.
(1418) تفسير الطبري، 217/ 5. (1/454)
صفحة 447
الفصل الثالث
455
3 - إذا دخل الرجل في الإسلام وعلم شرائعه وأمره ثم قتل مؤمناً متعمداً فلا توبة له» (1419).
***
العنصر الأول: مناقشة قول القائل: فجزاؤه جهنم إن جازاه: جاءت روايات تحدد هذا المعنى، وعند النظر في تلك الروايات يستنتج القارئ ضعفها ويتبيَّن له عدم حجيتها في تفسير آيات الله البينات.
قال الإمام الطبري: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز في قوله: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ) قال: هو جزاؤه، وإن شاء
تجاوز عنه».
أخرج هذه الرواية، التي نقلها سليمان التيمي عن أ أبي مجلز، الإمام الطبري (1420)، وأبو داود (1421)، والبيهقي (1422)، وابن أبي شيبة 11433، وقاسم بن سلام (1424).
(1419) تفسير الطبري، 219/ 5.
(1420) تفسير الطبري 217/ 5. وجاء عند الطبري رواية أخرى: حدثنا محمد بن المثنى،
قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله قال: ثنا شعبة، عن يسار، عن أبي صالح: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُة قال: جزاؤه جهنم إن جازاه
(تفسير الطبري، 217/ 5).
لم أعثر ليسار الراوي عن أبي صالح مجرح أو معدل.
(1421) سنن أبي داود الرواية: 4276.
ص
670
(1422) سنن البيهقي الكبرى، الرواية: 16131، 7/ 12.
(1423) مصنف ابن أبي شيبة، الرواية: 23490، 400/ 6.
(1424) الناسخ والمنسوخ، باب توبة القتل ونسخ اللين فيها، الرواية: 410. (1/455)
صفحة 448
207
مجال الحق
هذه الرواية لا يؤسس عليها معتقد ولا تقوم بها حجة وذلك لكونها من مراسيل أبي مجلز ولكونها جاءت من طريق عنعنة سليمان التيمي المدلس (1425). وجاء عند الطبراني رواية منسوبة إلى أبي هريرة من طريق محمد بن جامع العطار.
قال الطبراني: «حدثنا مسبح بن حاتم العكلي البصري ثنا محمد بن جامع العطار نا العلاء بن ميمون العنبري نا حجاج بن الأسود عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ) قال: إن جازاه».
قال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن محمد بن سيرين إلا الحجاج بن الأسود ولا رواه عن الحجاج إلا العلاء بن ميمون تفرد به محمد بن جامع». أخرج هذه الرواية الطبراني في الأوسط (1426)، واللالكائي
(1427)
هذه الرواية المنسوبة إلى أبي هريرة ضعيفة لا حجة فيها وذلك بسبب محمد بن جامع العطار. فقد قال الذهبي: «قال ابن عدي: لا يتابع على أحاديثه. وضعفه أبو يعلى. وقال أبو حاتم كتبت عنه، وهو ضعيف الحديث» (1428).
وكذلك بسبب العلاء بن ميمون العنبري فقد قال العقيلي عند ذكره لهذه الرواية: لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به ...
(1429)
(1425) تهذيب التهذيب ت: 2670، 183/ 4. قال ابن حجر قال يحيى بن معين: كان يدلس. (1426) المعجم الأوسط، الرواية: 8606، 230/ 6.
(1427) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة الرواية: 1962، المجلد 116/ 2.
(1428) ميزان الاعتدال ت: 7302، 498/ 3.
(1429) ضعفاء العقيلي، ت: 1377، 346/ 3. (1/456)
صفحة 449
الفصل الثالث
???
وقال ابن كثير بعد أن أشار إلى هذه الرواية: «فأما الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا) الآية، فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف: هذا جزاؤه إن جازاه، وقد رواه ابن مردويه بإسناده مرفوعاً من طريق محمد بن جامع العطار عن العلاء بن ميمون العنبري، عن حجاج الأسود، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعاً، ولكن لا يصح (1430).
وجاء عند قاسم بن سلام في كتاب (الناسخ والمنسوخ) رواية منسوبة إلى ابن عباس من طريق عاصم بن أبي النجود.
أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا مروان بن معاوية، عن العلاء بن المسيب، عن عاصم بن أبي النجود، عن ابن عباس في قوله: فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ) قال: هي جزاؤه فإن شاء غفر له وإن شاء عذبه 1431).
(1432)
ذكر هذه الرواية واحتج بها كل من ابن عطية، والخازن 1433)
والسيوطي
(1434)، وبدر الدين العيني
(1435)، والنووي" (1436)، وأبو حيان الأندلسي
(1437)
(1430) تفسير ابن كثير، 361/ 2.
(1431) الناسخ والمنسوخ، باب توبة القتل ونسخ اللين فيها، الرواية: 410. (1432) تفسير ابن عطية ص 467، من تفسير الآية 93 من سورة النساء. (1433) تفسير الخازن من تفسير الآية 93 من سورة النساء.
(1434) الدر المنثور، 352/ 2.
(1435) عمدة القاري، 335/ 1. قال بدر الدين العيني: فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ؛ معناه: هذا جزاؤه، وليس بلازم أن يجازي».
(1436) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، 86/ 17. قال النووي: «ولا يلزم من كونه أن يجازي بعقوبة مخصوصة أن يتحتم ذلك الجزاء، وليس في الآية إخبار يستحق
بأنه يخلد في جهنم، وإنما فيها أنها جزاؤه أي: يستحق أن يجازى بذلك». هذا ما قاله الإمام النووي والآية صريحة بالخلود حيث قال تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا. (1437) تفسير أبي حيان الأندلسي، 280/ 3. قال أبو حيان الأندلسي في حواره مع = (1/457)
صفحة 450
458
معالد الحق
هذه الرواية المنسوبة إلى ابن عباس لا تقوم بها حجة لوجود عاصم بن أبي النجود في سندها. قال ابن حجر: قال ابن سعد كان ثقة إلا أنه كان كثير الخطأ في حديثه. وقال عبد الله أحمد عن أبيه: كان رجلاً صالحاً، قارناً بن للقرآن، وأهل الكوفة يختارون قراءته، وأنا اختارها وكان خيراً، ثقة، والأعمش أحفظ منه، وكان شعبة يختار الأعمش عليه في ثبت الحديث ... وقال ابن معين: لا بأس به ... وقال يعقوب بن سفيان في حديثه اضطراب وهو ثقة ... وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن خراش في حديثه نكرة. وقال العقيلي: لم يكن فيه إلا. حفظه شيء» (1438). سوء الحفظ. وقال الدارقطني: في فعاصم بن أبي النجود وإن كان ثقة في نفسه إلا أنه موصوف بسوء الحفظ. وليس هناك ما يثبت سماع عاصم من ابن عباس.
وقد تكلم أبو عبيد قاسم بن سلام على هذه الرواية المنسوبة إلى ابن عباس وغيرها مما جاء في معناها، حيث قال: «والذي عندنا في هذا أنه ليس مما يحتج بمثله عندما ذكرنا من الآثار، لا نعلمه عاصما يعني ابن عباس، ولا رآه ومع هذا إن لفظ آخر الآية لا يدل على ذلك في مذهب العربية، والله أعلم بما أراد من أجل أنه لم يقل: جزاؤه جهنم وأن يغضب الله
سمع من
الزمخشري: « ... وقوله: وإنه لا يغفر ما دون الشرك من الكبائر إلا بالتوبة. فنقول له: وأين ثبت هذا؟. وإنما يستدلون بعمومات تحتمل التخصيص، كاستدلالهم بقوله: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا) الآية، وقد خصصها ابن عباس بالمستحل ذلك، وهو كافر، وقوله: قال: فجزاؤه إن جازاه الله. وقال: الخلود يراد به المكث الطويل لا الديمومة، لا إلى نهاية، وكلام العرب شاهد بذلك». قال أبو حيان الأندلس هذا القول بعد أن اعتمد على روايات ضعيفة، ولو أنه طبق المنهج الصائب في ا الأخذ والرد لما سطر مثل هذه الأفكار في تفسيره.
(1438) تهذيب التهذيب ت: 3158، 36/ 5 - 37. (1/458)
صفحة 451
الفصل الثالث
459
عليه ويلعنه، ولكنه جعله حتماً واقعاً، فقال: {وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ واعد لَهُ عَذَابًا عظيما (1439).
وهذا الرأي المبني على روايات ضعيفة أخذ به الإمام الطبري عند عرض قوله حول معنى هذه الآية الكريمة حيث قال: «وأولى القول في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه إن جزاه جهنم خالداً فيها، ولكنه يعفو أو يتفضل على أهل الإيمان به وبرسوله، فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عزّ ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إياها ثم يخرجه منها بفضل رحمته لما سلف المؤمنين بقوله: {قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) [الزمر: 53] (1440).
من وعده عباده
* * *
العنصر الثاني: مناقشة قول القائل: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً مستحلاً قتله، فجزاؤه جهنم خالداً فيها:
قال الإمام الطبري: «وقال آخرون: عُني بذلك رجل بعينه كان أسلم، فارتد عن إسلامه وقتل رجلاً مؤمناً؛ قالوا فمعنى الآية: ومن يقتل مؤمناً متعمداً مستحلًا قتله، فجزاؤه جهنم خالداً فيها 1441).
واعتمد كثير من المفسرين وشراح الأحاديث على روايات جاءت بهذا المعنى الذي أشار إليه الإمام الطبري واعتبروا هذه الآية خاصة بمن ارتد عن
(1439) الناسخ والمنسوخ، باب توبة القتل ونسخ اللين فيها، الرواية: 410.
(1440) تفسير الطبري، 221/ 5.
(1441) تفسير الطبري، 217/ 5. (1/459)
صفحة 452
460
مخالد الحق
الإسلام وقتل النفس المسلمة. وبالرجوع إلى تلك الروايات ندرك ضعف
هذا القول وبطلان مدلوله
قصة مقيس بن ضبابة:
جاءت قصة مقيس بن ضبابة منسوبة إلى عكرمة مولى ابن عباس
من طريق عنعنة ابن جريج ومن طريق الحسين بن داود المصيصي. قال الطبري: «حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: أن رجلاً. من الأنصار قتل أخاً لمقيس بن ضبابة، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الدية فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله. قال ابن جريج وقال غيره: ضرب النبي صلى الله عليه وسلم ديته على بني النجار، ثم بعث مقيساً وبعث معه رجلاً من بني فهر في حاجة للنبي صلى الله عليه وسلم، فاحتمل مقيس الفهري وكان أبداً، فضرب به الأرض، ورضخ رأسه بين حجرين، ثم ألفي يتغنى:
قتَلْتُ بهِ فِهْراً وَحَمَلْتُ عَقْلَهُ سراة بني النجار أزباب فارع فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أظُنُّهُ قَدْ أحْدَثَ حَدَثاً، أمَا وَاللَّهُ لَئِنْ كَانَ فَعَلَ لا أُؤَمِّنُهُ فِي حِلٌ وَلا حَرَمِ، وَلا سِلْم وَلا حَرْب فقتل يوم الفتح؛ قال ابن جريج: وفيه
نزلت هذه الآية: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ... الآية» (1442). هذه القصة التي رواها الإمام الطبري ضعيفة لورودها من قبل عنعنة ابن جريج عن عكرمة.
قال ابن حجر: وقال الدارقطني: تجنب تدليس ابن جريج فإنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح» (1443).
(1442) تفسير الطبري، 217/ 5
(1443) تهذيب التهذيب ت: 4345، 355/ 6. (1/460)
صفحة 453
الفصل الثالث
461
وكذلك بسبب الحسين بن داود المعروف بسنيد بن داود) المصيصي الذي ضعف علماء الجرح والتعديل روايته عن شيخه حجاج بن محمد عن ابن جريج.
قال ابن حجر في التهذيب: قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: رأيت سنيداً عند حجاج بن محمد وهو يسمع منه كتاب «الجامع» لابن جريج، أخبرتُ عن الزهري، وأخبرتُ عن صفوان بن سليم وغير ذلك. قال: فجعل سنيد يقول لحجاج: يا أبا محمد: قل ابن جريج عن الزهري، وابن جريج عن صفوان بن سليم قال: فكان يقول له هكذا. قال: ولم يحمده أبي فيما رآه يصنع بحجاج وذمه على ذلك. قال أبي وبعض تلك الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج
ويري
ثم
أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي عن من أخذها. وحكى الخلال عن ذلك الأثرم نحو قال الخلال: وروي أن حجاجاً كان هذا منه في وقت تغيره، أن أحاديث الناس عن حجاج صحاح إلا ما روى سنيد. وقال أبو داود: لم يكن بذلك. وقال ابن أبي حاتم عن أ أبيه ضعيف. وقال النسائي: ليس بثقة وقال ابن حجر عنه في التقريب: ضعيف مع إمامته ومعرفته، لكونه كان يُلقن حجاج بن محمد شيخه» (1445).
ضبابة.
(1822)
وجاء عند البيهقي في دلائل النبوة رواية ضعيفة فيها قصة مقيس بن
قال البيهقي (1446): (وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي،
(1444) تهذيب التهذيب، ت: 2739، 221/ 4. (1445) تقريب التهذيب ت: 2654، 397/ 1. (1446) دلائل النبوة، 60/ 5 - 61. (1/461)
صفحة 454
462
معالم الحق
قال: حدثنا الحسن بن بشر الكوفي، قال: حدثنا الحكم بن عبد الملك، عن أنس بن مالك، قال: ... ». عن
قتادة
هذه الرواية من هذه الطريق لا حجة فيها لورودها من قبل الحكم بن عبد الملك القرشي البصري.
قال ابن حجر: قال الدوري عن ابن معين، ضعيف، ليس بثقة، وليس بشيء. .. وقال ابن الجنيد وغيره عن يحيى ضعيف الحديث، وكذا قال ابن خراش. وقال أبو حاتم: مضطرب الحديث، وليس بقوي. وقال أبو داود: منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوي» (1447).
وجاءت قصة مقيس بن ضبابة عند الواحدي بسند آخر لا يفرح به. قال الواحدي (1448): «وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: ... ثم
ذكر القصة.
هذه الرواية من هذه الطريق لا قيمة لها وليست مما يفرح به وذلك لورودها من قبل محمد بن السائب بن بشر الكلبي الذي قال عنه ابن حجر
في تقريب التهذيب: «النسابة المفسر، متهم بالكذب (1449).
وكذلك لورودها من قبل أبي صالح باذام مولى أم هانئ.
فقد قال ابن حجر عنه في تهذيب التهذيب: «ونقل ابن الجوزي عن الأزدي أنه قال: كذاب. وقال الجوزجاني: كان يقال له ذو رأي غير محمود.
وقال أبو أحمد الحاكم ليس بالقوي عندهم. وقال ابن حبان: يحدّث.
ابن عباس ولم يسمع.
منه» (1450).
(1447) تهذيب التهذيب ت: 1256، 387/ 2 - 388. (1448) أسباب النزول، 104/ 1.
(1449) تقريب التهذيب، ت: 5920، 078/ 2
(1450) تهذيب التهذيب ت 684، 379/ 1 - 380.
عن (1/462)
صفحة 455
الفصل الثالث
463
(1451)، وابن
611809)
وذكر قصة مقيس بن ضبابة الضعيفة كل من البغوي عطية (1452)، والخازن (1453)، والقمي النيسابوري (1454)، والسيوطي وغيرهم واعتمدوا عليها لأجل الوصول إلى التفسير الخاطئ
والبيضاوي"
(1807)
في أن الآية خاصة بكافر استحل قتل مسلم.
وليست قصة مقيس بن ضبابة بصحيحة حتى تذكر عند تفسير القرآن الكريم فضلاً عن أن تخصص بها آيات الله تعالى البينات.
ومن المؤسف أن نجد الإمام القرطبي يقول في تفسيره لهذه الآية الكريمة: «وأن هذه الآية مخصوصة، ودليل التخصيص آيات وأخبار 1457).
(1458)
وبعد أن ذكر قصة مقيس قال القرطبي .... وإذا ثبت هذا بنقل أهل التفسير وعلماء الدين فلا ينبغي أن يحمل على المسلمين)) فالقول بأن هذه الآية نزلت في مرتد عن الإسلام وأنها تليق بالمستحل لدماء المسلمين فقط هو قول ضعيف. فالآية الكريمة فيها الوعيد الشديد
(1451) تفسير البغوي، 370/ 1. قال البغوي: وليس في الآية متعلق لمن يقول بالتخليد في النار بارتكاب الكبائر، لأن الآية نزلت في قاتل هو كافر، وهو مقيس بن صبابة،
وقيل: إنه وعيد لمن قتل مؤمناً مُستحلًا لقتله بسبب إيمانه، ومن استحل قتل أهل الإيمان لإيمانهم كان كافراً مخلداً. في ا
النار».
(1452) تفسير ابن عطية ص 468، من تفسير الآية 93 من سورة النساء.
(1453) تفسير الخازن
من
تفسير
الآية 93 من سورة النساء.
(1454) تفسير غرائب القرآن 475/ 5 من تفسير الآية 93 من سورة النساء.
(1455) الدر المنثور، 349/ 2
(1456) تفسير البيضاوي، 231/ 1.
(1457) تفسير القرطبي 214/ 5. الآيات الكريمة التي ذكرها الله تعالى في كت كتابه العزيز صريحة بنفاذ العقاب على مستحقيه إلا إذا تابوا وأما الأخبار فليس فيها أي حجة
لقول القرطبي هنا.
(1458) تفسير القرطبي، 214/ 5. (1/463)
صفحة 456
464
مجال الحق
لكل من أقدم على سفك الدم الحرام من غير تمييز بين قاتل وآخر إلا إذا
تاب وأناب.
***
العنصر الثالث: مناقشة قول القائل: «إذا دخل الرجل في الإسلام وعلم شرائعه وأمره ثم قتل مؤمناً متعمداً فلا توبة له:
أورد الإمام الطبري وغيره روايات عن ابن عباس ذكر فيها عدم قبول توبة المسلم إذا قتل مسلماً متعمداً. وهذا الرأي المنسوب إلى الصحابي ابن عباس لم تأخذ به الأمة الإسلامية، بل أولته التأويل الصحيح الموافق الأدلة المنصوص عليها في القرآن الكريم والسنة النبوية على
للثابت من
صاحبها أفضل الصلاة والتسليم.
جبير،
قال الإمام الطبري: حدثنا أبو كريب قال: ثنا طلق بن غنام، عن زائدة، عن منصور قال حدثني سعيد بن جبير،، أو حدثت عن سعيد بن ر، أن عبد الرحمن بن أبزى أمره أن يسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين التي في النساء: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ .... إلى آخر الآية، والتي في الفرقان: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ اناما} [الفرقان: 68] .. إلى: {وَتَخَلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان: 69]، قال ابن عباس: إذا دخل الرجل في الإسلام وعلم شرائعه وأمره ثم قتل مؤمناً متعمداً فلا توبة له. وأما التي في الفرقان، فإنها لما أنزلت قال المشركون أهل مكة: فقد عدلنا بالله وقتلنا النفس التي حرم الله بغير الحق وأتينا الفواحش، فما ينفعنا الإسلام؟ قال فنزلت إِلَّا مَن تَابَ} [الفرقان: 70] ..
من
الآية ... ». (1/464)
صفحة 457
الفصل الثالث
270
6 (1809)
أخرج هذه الرواية ونحوها الإمام الطبري (145)، والإمام مسلم (1460)،
والإمام البخاري
(1461)
قال بدر الدين العيني: «وأجمع المسلمون على صحة توبة القاتل عمداً وكيف لا تصح توبته وتصح توبة الكافر وتوبة من ارتد عن الإسلام ثم قتل المؤمن عمداً ثم رجع إلى الإسلام؟ (1462).
وقال في موضع آخر: «فإن قيل: كيف قال ابن عباس لا توبة للقاتل، وقال الله عل: {وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا) [النور: 31] وقال: {أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ} [التوبة: 104] وأجمع الأئمة على وجوب التوبة. أجيب: بأن ذلك محمول فيه على الاقتداء بسُنَّة الله في التغليظ والتشديد، وإلا فكل ذنب قابل للتوبة وناهيك بمحو الشرك دليلاً (1463).
دمة
وقال البغوي: «والذي عليه الأكثرون، وهو مذهب أهل السنة: أن قاتل المسلم عمداً توبته مقبولة لقوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ و امن وعمل صلحا} [طه: 82] وقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء كم [النساء: 48 و 116] وما رُوي عن ابن عباس له فهو تشديد ومبالغة في الزجر عن القتل، كما رُوي عن سفيان بن عيينة أنه قال: إن لم يَقْتُلْ يُقال له: لا توبة لك، وإنْ قَتَلَ ثم
جاء يُقال: لك توبة» (1464).
(1459) تفسير الطبري، 219/ 5.
(1460) صحيح مسلم، الرواية: 3023. ص 1258 - 1259.
(1461) صحيح البخاري، الرواية: 3855. ص
741
(1462) عمدة القاري، 245/ 18.
(1463) عمدة القاري، 136/ 19.
(1464) تفسير البغوي، 370/ 1. (1/465)
صفحة 458
=
466
مجال الحق
وقال الخازن: «وقيل إن قاتل المؤمن عمداً عدواناً إذا تاب قبلت
توبته بدليل قوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48] ولأن الكفر أعظم من هذا القتل وتوبة الكافر من كفره مقبولة بدليل قوله: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْد سلف} [الأنفال: 38] وإذا كانت التوبة من الكفر مقبولة فلأن تقبل من القاتل أولى والله أعلم (1465). وقال الشوكاني في نيل الأوطار): (فإن قلت) فعلام تحمل حديث أبي هريرة وحديث معاوية المذكورين في أول الباب؟ فإن الأول يقضي بأن القاتل أو المعين على القتل يلقى الله مكتوباً بين عينيه الإياس من الرحمة. والثاني يقضي بأن ذنب القتل لا يغفره الله. قلت: هما محمولان على عدم صدور التوبة من القاتل والدليل على هذا التأويل ما في الباب من القاضية بالقبول عموماً وخصوصاً، ولو لم يكن من ذلك إلا حديث الرجل القاتل للمائة الذي تنازعت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وحديث الصامت المذكور، قبله فإنهما يلجئان إلى المصير إلى ذلك
عبادة بن
الأدلة
التأويل، ولا سيما ما قدمنا مع من تأخر تاريخ حديث عبادة ومع كون الحديثين في الصحيحين، بخلاف حديث أبي هريرة ومعاوية، وأيضاً في حديث معاوية (1466) نفسه ما يرشد إلى هذا التأويل، فإنه جعل الرجل القاتل
(1465) تفسير الخازن من تفسير الآية 93 من سورة النساء. (1466) حديث معاوية المشار إليه هنا هو: قال النسائي: «أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى عَنْ ثَوْرٍ عَنْ أَبِي عَوْنٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ يَخْطُبُ وَكَانَ قَلِيلَ الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ الله قال: سَمِعْتُهُ يَخْطُبُ وَيَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ الله يَقُولُ: كُلُّ ذَنْبٍ عَسى اللهَ أَنْ يَغْفِرَه إِلَّا الرجُلُ يقتُلُ المُؤْمِن مُتعمداً أو الرجل يموتُ كافراً». أخرج هذه الرواية النسائي (سنن النسائي الكبرى الرواية: 3446، 284/ 2)، والحاكم (المستدرك على الصحيحين الرواية،8031، 391/ 4، والرواية 8032، 391/ 4)، وأبو داود (سنن أبي داود، الرواية: 4270، ص 669)، الطبراني (مسند الشاميين، الرواية: 499، والرواية: 1318. والمعجم الكبير، الرواية: 858، (1/466)
صفحة 459
الفصل الثالث
467
عمداً مقترناً بالرجل الذي يموت كافراً، ولا شك أن الذي يموت كافراً مصراً على ذنبه غير تائب منه من المخلدين في النار، فيستفاد. من هذا التقييد أن التوبة تمحو ذنب الكفر، فيكون ذلك القرين ـ الذي هو القتل ـ أولى بقبولها (1467).
فالمكانة العالية التي يتبوأها الإمام ابن عباس لا تجعلنا نقر بأن هذه الرواية المنسوبة إليه ليست على حسب ظاهرها، فكيف يغفل ابن عباس عن
مشروعية التوبة وشروطها وهو بحر العلوم وحبر هذه الأمة؟.
وكيف لا يعرف ابن عباس ما علم من الدين بالضرورة؟!.
وقد بين مجاهد، وهو من أخص تلامذة ابن عباس، ما يرشد إليه قول أستاذه في هذه الرواية حيث قال كما رواه الإمام البخاري (1468): «إِلَّا من ندم». والمتتبع لأقوال القائلين بخروج عصاة المسلمين من النار يجد التضارب الواضح بين أقوالهم؛ فما أتى به البعض رده الآخر وانتقده ولم يحفل به. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن المناهج الإسلامية العادلة لم يؤخذ بها في الوصول إلى القول الصحيح عند تفس هذه الآية الكريمة وغيرها من الآيات.
قال الإمام الرازي وهو يرد على الواحدي الذي قال: «الأول: إجماع المفسرين على أن الآية نزلت في كافر قتل مؤمناً ... والثاني: أن قوله:
365/ 19. والمعجم الأوسط، الرواية: 5135، 39/ 4، والرواية: 9228، 407/ 6)، والإمام أحمد (مسند الإمام أحمد، الرواية: 17031). فهذه الرواية تثبت العقوبة الدائمة في الآخرة لأصحاب الكبائر إن لم يتوبوا قبل الممات. (1467) نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار، ص 1438 - 1439.
(1468) صحيح البخاري، الرواية: 3855، ص 681. (1/467)
صفحة 460
???
معالم الحق
فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ معناه الاستقبال؛ أي أنه سيجزى بجهنم، وهذا وعيد قال: وخلف الوعيد كرم، وعندنا أنه يجوز أن يخلف الله وعيد المؤمنين (1469).
(1874) ,
وبعد أن ذكر هذه الأقوال أخذ الإمام الرازي بدحضها حيث قال: «وأقول: أما الوجه الأول فضعيف، وذلك لأنه ثبت في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فاذا ثبت أن اللفظ الدال على الاستغراق حاصل، فنزوله (1470) في حق الكفار لا يقدح في ذلك العموم، فيسقط هذا الكلام بالكلية، ثم نقول: كما أن عموم اللفظ يقتضي كونه عاماً في كل قاتل موصوف بالصفة المذكورة، فكذا ههنا وجه آخر يمنع من تخصيص هذه الآية بالكافر، وبيانه من وجوه: -
الأول: أنه تعالى أمر المؤمنين بالمجاهدة مع الكفار ثم علمهم ما يحتاجون اليه عند اشتغالهم بالجهاد، فابتدأ بقوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَا} [النساء: 92] فذكر في هذه الآية ثلاث كفارات: كفارة قتل المسلم في دار الإسلام وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الحرب، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الذمة وأهل العهد، ثم ذكر عقيبه حكم قتل العمد مقروناً، بالوعيد، فلما كان بيان حكم قتل الخطأ بياناً لحكم اختص بالمسلمين كان بيان حكم القتل العمد الذي هو كالضد لقتل الخطأ، وجب أن يكون أيضاً مختصاً بالمؤمنين فإن لم يختص بهم فلا أقل من دخولهم فيه.
الثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ في سبِيلِ الله فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنَا)
(1469) تفسير الرازي، 210/ 10.
(1470) لم تثبت الروايات التي خصصت نزول هذه الآية في حق كافر، كما تبين أعلاه. (1/468)
صفحة 461
الفصل الثالث
469
[النساء: 94] وأجمع المفسرون على أن هذه الآيات إنما نزلت في حق جماعة من المسلمين لقوا قوماً فأسلموا فقتلوهم وزعموا أنهم إنما أسلموا من الخوف، وعلى هذا التقدير: فهذه الآية وردت في نهي المؤمنين عن قتل الذين يظهرون الإيمان؛ وهذا أيضا يقتضي أن يكون قوله: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا نازلاً في نهي المؤمنين عن قتل المؤمنين حتى يحصل التناسب، فثبت بما ذكرنا أن ما قبل هذه الآية وما بعدها يمنع من كونها مخصوصة بالكفار ... فثبت بما ذكرنا أن هذا الوجه الذي ارتضاه الواحدي ليس بشيء.
وأما الوجه الثاني من الوجهين اللذين اختارهما فهو في غاية الفساد لأن الوعيد قسم من أقسام الخبر، فاذا جوز على الله الخلف فيه فقد جوز الكذب على الله، وهذا خطأ عظيم، بل يقرب من أن يكون كفراً، فإن العقلاء أجمعوا على أنه تعالى منزه عن الكذب، ولأنه إذا جوز الكذب على الله في الوعيد لأجل ما قال: إن الخلف في الوعيد كرم، فلم لا يجوز الخلف في القصص والأخبار لغرض المصلحة، ومعلوم أن فتح هذا الباب يفضي إلى الطعن في القرآن وكل الشريعة فثبت أن كل واحد من هذين الوجهين ليس بشيء
هي
(1471)
فهذه الأقوال التي سطرها الإمام الرازي هنا. الناطقة بالحق لأنها مبنية على الثابت الصحيح من الأدلة ولأنها سارت على منهاج الإسلام في دراسة العقائد. وكم هي أمنيتنا في أن نرى الإمام الرازي وقد رفع معالم ما بناه هنا في الأماكن الأخرى من تفسيره وعند مناظراته في موضوع مصير عصاة المسلمين يوم القيامة.
ولم يكن ابن عاشور أقل حدة من الإمام الرازي في رده على بعض المفسرين، حيث قال: وأقول: هذا مقام قد اضطربت فيه كلمات المفترين
(1471) تفسير الرازي، 210/ 10 - 211. (1/469)
صفحة 462
470
مجال الحق
كما علمت وملاكه أنّ ما ذكره الله هنا في وعيد قاتل النفس قد تجاوز فيه الحد المألوف من الإغلاظ فرأى بعض السلف أن ذلك موجب لحمل الوعيد في الآية على ظاهره، دون تأويل لشدّة تأكيده تأكيداً يمنع من حمل الخلود على المجاز، فيُثبت للقاتل الخلود حقيقة بخلاف بقية آي الوعيد، وكأن هذا المعنى هو الذي جعلهم يخوضون في اعتبار هذه الآية محكمة أو منسوخة، لأنهم لم يجدوا ملجأ آخر يأوون إليه في حملها على ما حملت عليه آيات الوعيد: من محامل التأويل، أو الجمع بين المتعارضات، فآووا إلى دعوى نسخ نصها بقوله تعالى في سورة الفرقان (68) 69) (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا وَاخَرَ) إلى قوله: {إِلَّا مَن تاب لأن قوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ} إِمّا أن يراد به مجموع الذنوب المذكورة، فإذا كان فاعل مجموعها تنفعه التوبة ففاعل بعضها وهو القتل عمداً أجدر، وإما أن يراد فاعل واحدة منها فالقتل عمداً مما عُد معها. ولذا قال ابن عباس لسعيد بن جبير: إنّ آية النساء آخر آية نزلت وما نسخها شيء. ومن العجب أن يقال كلام مثل هذا، ثم أن يُطال وتتناقله الناس وتمرّ عليه القرون، في حين لا تعارض بين هذه الآية التي هي وعيد لقاتل النفس آيات قبول التوبة. وذهب فريق إلى الجواب بأنّها نُسخت بآية: طر ويغفر ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48]، بناء على أنّ يَشَاءُ) نَسَخ خصوص القتل.
وبين
عموم و من
وذهب فريق إلى الجواب بأنّ الآية نزلت في مقيس بن صبابة، وهو كافر فالخلود لأجل الكفر، وهو جواب مبني على غلط لأن لفظ الآية عام إذ هو بصيغة الشرط فتعيّن أنّ «من» شرطية وهي من صيغ العموم فلا تحمل أن. من يرى سبب العام يخصصه بسببه لا غير،
على شخص معين؛ إلّا عند
وهذا لا ينبغي الالتفات إليه. (1/470)
صفحة 463
الفصل الثالث
471
وهذه كلّها ملاجاء لا حاجة إليها، لأنّ آيات التوبة ناهضة مجمع عليها متظاهرة ظواهرها، حتى بلغت حد النص المقطوع به، فيحمل عليها آيات وعيد الذنوب كلّها حتّى الكفر. على أن تأكيد الوعيد في الآية إنما يرفع احتمال المجاز في كونه وعيداً لا في تعيين المتوعد به وهو الخلود. إذ المؤكدات هنا مختلفة المعاني فلا يصح أن يعتبر أحدها مؤكداً لمدلول الآخر بل إنّما أكدت الغرض. وهو الوعيد، لا أنواعه. وهذا هو الجواب القاطع لهاته الحيرة. وهو الذي يتعيّن اللجأ إليه، والتعويل عليه
فشدة
(1472)
رد ابن عاشور هنا لم تسعفه في التغلب على جاذبية (فكرة خروج عصاة المسلمين من النار التي يعتقدها من غير دليل، فمع حماسه الشديد على إظهار المعنى الواضح الجلي الذي بينته هذه الآية الكريمة إلا أنه جعلها دالة على جانب منها دون جانب آخر.
فقد اعتبر ابن عاشور في آخر كلامه هنا أن هذه الآية مؤكدة للوعيد دون الخلود في الوعيد وهذا قول ترده الآية نفسها.
فمن أين أتى الاستثناء؟، والآية صريحة أن قاتل النفس بغير حق مصيره الخلود في نار جهنم ولم تخصص حكماً دون حكم ولا فاعلاً دون آخر. وهذه الفكرة التي عرضها ابن عاشور هنا لم يحفل بها الإمام الرازي، حيث قال: «وحكى القفال في تفسيره وجهاً آخر، هو الجواب وقال: الآية تدل على أن جزاء القتل العمد هو ما ذكر، لكن ليس فيها أنه تعالى يوصل هذا الجزاء إليه أم لا، وقد يقول الرجل لعبده: جزاؤك أن أفعل بك كذا وكذا، إلا أني لا أفعله، وهذا الجواب أيضاً ضعيف لأنه ثبت بهذه الآية أن جزاء القتل العمد هو ما ذكر، وثبت بسائر الآيات أنه تعالى يوصل الجزاء إلى
(1472) تفسير ابن عاشور، 224/ 4. (1/471)
صفحة 464
472
معالم الحق
المستحقين. قال تعالى: مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] وقال:
اليومَ تُجْزَى كُل نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [غافر: 17] وقال: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقال ذرة شرا يرهم الزلزلة: 7، 8] بل إنه تعالى ذكر في هذه الآية ما يدل على أنه يوصل إليهم هذا الجزاء وهو قوله: {وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93] فإن بيان أن هذا جزاؤه حصل بقوله: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا} [النساء: 93] فلو كان قوله: {وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (إخباراً عن الاستحقاق كان تكراراً، فلو حملناه على الإخبار عن أنه تعالى سيفعل لم يلزم التكرار، فكان ذلك أولى (1473).
فحينما يبتعد القارئ لكتاب الله تعالى عن كل موروث فكري مبني على روايات لا تُثبت معتقداً، وحينما يعتقد القارئ أن كتاب الله تعالى يفسر بعضه بعضاً فلا بد له أن يصل إلى الحقيقة التي لا خلاف فيها.
فكل ما عرض من أقوال حول تفسير هذه الآية الكريمة يختصره الإمام القرطبي بقوله: «ثم إن الجمع بين آية «الفرقان» وهذه الآية ممكن فلا نسخ ولا تعارض وذلك أن يحمل مطلق آية «النساء» على مُقَيَّد آية «الفرقان» فيكون معناه: فجزاؤه كذا إلا من تاب؛ لا سيما وقد اتحد الموجب وهو القتل والموجب وهو التواعد بالعقاب» (1474).
ويختصرها كذلك الشوكاني بقوله: «وقد جاءت هذه الآية بتغليظ عقوبة الله له فيها بين كون جهنم جزاء له، أي: يستحقها بسبب هذا الذنب، وبين كونه خالداً فيها، وبين غضب الله عليه، ولعنته له، وإعداده
القاتل
عمداً، فجمع
(1473) تفسير الرازي، 211/ 10.
(1474) تفسير القرطبي، 214/ 5. (1/472)
صفحة 465
الفصل الثالث
473
له عذاباً عظيماً. وليس وراء هذا التشديد تشديد، ولا مثل هذا الوعيد وعيد» (1475).
وبعد هذه الوقفات مع: كتب التفسير والحديث لم يبق لنا إلا تفسيراً واحداً ذكره الإمام الطبري، حيث قال: يعني بذلك جلّ ثناؤه: ومن يقتل مؤمناً عامداً قتله، مريداً إتلاف نفسه، فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ) يقول: فثوابه من قتله إياه جهنم، يعني: عذاب جهنم، خَلِدًا فِيهَا) يعني: باقياً فيها. والهاء والألف في قوله: «فيها» من ذكر جهنم وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ) يقول: وغضب الله عليه بقتله إياه متعمداً، وَلَعَنَهُ) يقول: وأبعده من رحمته وأخزاه وأعد له عذاباً عظيماً، وذلك ما لا يعلم قدر مبلغه سواه تعالى ذكره
(1476)
وهذا التفسير الذي ذكره الإمام الطبري هنا في حق قاتل النفس التي حرم الله قد اعتمد أيضاً على آيات سورة الفرقان، فقد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَها آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان: 68 - 70].
فأصحاب هذه الكبائر قد توعدهم الله تعالى بقوله: {يُضَعَفْ لَهُ
الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا).
وقد قال الإمام الطبري أيضاً: «وقوله: {وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) ويبقى فيه
إلى ما لا نهاية في هوان ... » (1477).
هذا
هو
التفسير الصحيح لهذه الآيات وقد حاولوا التخلص مما دل عليه
هذا النص بضروب من التأويلات التي أنكر فيها بعضهم على بعض، ولم
(1475) تفسير الشوكاني، 792/ 1، من تفسير الآية 93 من سورة النساء.
(1476) تفسير الطبري، 215/ 5.
(1477) تفسير الطبري، 45/ 19. (1/473)
صفحة 466
???
معالد الحق
يتفقوا منها على شيء» (1478)، ولا ينبغي لنا الالتفات إلى غيره من التفاسير لكونها جاءت من قبل رجال أسقط رواياتهم منهج الأمة العادل كما تبين.
الرواية التي فيها قصة إسلام وحشي قاتل حمزة رنه:
قال الطبراني (1479): حدثنا أحمد بن علي الأبار ثنا إسحاق بن الأركون ثنا أبين بن سفيان عن عطاء عن ابن عباس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وحشي قاتل حمزة يدعوه إلى الإسلام فأرسل إليه: يا محمد كيف تدعوني إلى دينك وأنت تزعم أن من قتل أو أشرك أو زنا يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً وأنا قد صنعت ذلك فهل تجد لي من رخصة فأنزل الله و انان: هو إلا من تاب وامن وعمل عملا صالحا فَأُولَتيك يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَبٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) فقال وحشي: يا محمد هذا شرط شديد إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فلعلي لا أقدر على هذا فأنزل الله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) فقال وحشي: يا محمد أرى بعد مشيئة فلا أدري يغفر لي أم لا؟ فهل غير هذا فأنزل الله: قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرحيم} [الزمر: 53] قال وحشي هذا، فجاء فأسلم فقال الناس: يا رسول الله إذا أصبنا ما أصاب وحشي قال: هي للمسلمين عامة».
قال ابن الجوزي: «وفي هذا الحديث المذكور عنه نظر، وهو بعيد الصحة، والمحفوظ في إسلامه غير هذا، وأنه قَدِم مع رسل الطائف فأسلم
من غير اشتراط (1480).
(1478) الحق الدامغ، ص 213.
(1479) المعجم الكبير الرواية: 11480، 197/ 11.
(1480) تفسير ابن الجوزي، 329/ 3. (1/474)
صفحة 467
الفصل الثالث
475
وذكر هذه الرواية واحتج بها أبو حيان الأندلسي (1) (1481)، والرازي
والبروسوي (1483)، والبغوي (4) (1484)، والخازن (1485)، والثعلبي
(1486)
(1482)
وهذه الرواية من حيث السند لا تثبت وذلك لورودها من قبل أبين بن
(1487)
سفيان المقدسي. قال ابن حجر: «ضعيف ... وقال الدَّارَ قُطْنِيُّ: ضعيف له مناكير) (7) فحينما تصفو النفوس من شوائب الأفكار الضعيفة الموروثة والأحكام الباطلة فإنها تجد ضالتها في آيات كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
خلفه.
فقول الله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خلدا فيها وغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [النساء: 93] غالب على كل قول؛ فهو المهيمن ولا يحد ظاهر معناه ما جاء أفكار البشر ونقولاتهم ورواياتهم الضعيفة.
من
فأصحاب كبيرة القتل مآلهم الخلود في جهنم، وليس بعد هذا الحكم الإلهي من معقب فليحذر الناس من ارتكاب الكبائر وليحذر المروجون للأفكار الضعيفة من معارضة نصوص الآيات الظاهرة الواضحة الجلية.
(1481) تفسير أبي حيان الأندلسي، 471/ 6.
(1482) تفسير الرازي، 113/ 10.
(1483) تفسير روح البيان، 219/ 2.
(1484) تفسير البغوي، 72/ 4، من تفسير الآية 53 من سورة الزمر. وانظر كذلك 349/ 1، من تفسير الآية 48 من سورة النساء.
(1485) تفسير الخازن، من تفسير الآية 53 من سورة الزمر، ومن تفسير الآية 48 من سورة النساء. (1486) تفسير الثعلبي، من تفسير الآية 53 من سورة الزمر، ومن تفسير الآية 68 من سورة الفرقان.
(1487) لسان الميزان، ت: 399، 133/ 1. (1/475)
صفحة 468
روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى
وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَة يدخله نارا خلدا فيها وله عذاب مهيب [النساء: 14].
إلا بلغا مِنَ اللهِ وَرِسَلَتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23].
في هاتين الآيتين الكريمتين بيان من الله تعالى أن من يعصيه ويتعدى حدوده فإن مصيره إلى النار ويكون فيها خالداً أبداً.
وليس في هاتين الآيتين ما يخصص معناهما في قوم دون قوم، فكل من يعصي الله تعالى ويتعدى حدوده ويأتي يوم القيامة وهو متلبس بما يدخله النار ـ والعياذ بالله ـ فعقوبته «دوام البقاء في دار لا يخرج منها (1488)، تحقيقاً للمعنى اللغوي الذي جاءت به كلمة (الخلد الواردة في هذين النصين الكريمين من كتاب الله سبحانه
وتعالى.
وأما تحديد العصيان - الموجب دوام البقاء في النار ـ هنا بـ (الكفر المخرج من الملة فقط فليس عليه من دليل، والذين ذهبوا إلى هذا
(1488) لسان العرب، 171/ 4. (1/476)
صفحة 469
الفصل الثالث
477
التخصيص فحجتهم الفكرة القائلة بعدم خلود عصاة المسلمين في
النار (1489) المبنية على روايات لا تقوم بها حجة.
معنى الخلود كما جاء في كتب اللغة:
جاء في معجم مقاييس اللغة: (خلد) الخاء واللام والدال أصل واحد يدلُّ على الثبات والملازمة، فيقال: خَلَدَ: أقام، وَأَخلَدَ أيضاً 1490).
(1251)
وجاء في قاموس المحيط: «الخُلْدُ، بالضم: البقاء، والدوام))
(1489) ومن الأقوال التي خصصت العصيان هنا بالكفر فقط: - قال ابن عطية: «وقوله تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ) يريد الكفر بدليل الخلود المذكور» (تفسير ابن عطية، ص 1910، من تفسير الآية 23 من سورة الجن).
المشركين،
للملك
وقال ابن عطية أيضاً: «والخلود في هذه الآية على الإطلاق والتأييد فيا ومستعار بمعنى الطول في العصاة، وإن علم انقطاعه كما يقال: ملك خالد، ويدعى ل بالخلد». (تفسير ابن عطية، ص 105 - 106، من تفسير الآية 81 من سورة البقرة). وقال أبو حيان الأندلسي: «وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ): أي بالشرك والكفر، ويدل عليه قوله: خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، تفسير أبي حيان الأندلسي، ج 18 ص 347). وقال الثعالبي: «وقوله تعالى: {وَمَن يَعْصِ الله) يريدُ: بالكفر، بدليل تأبيد الخلود (تفسير الثعالبي، 411/ 3).
وقال القرطبي: «وقوله أَبَدًا) دليل على أن العصيان هنا هو الشرك. وقيل: هو المعاصي غير الشرك، ويكون معنى خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، إلا أن أعفو أو تلحقهم شفاعة، ولا محالة إذا خرجوا من الدنيا على الإيمان يلحقهم العفو» (تفسير القرطبي،
(18/ 19
وقال القرطبي أيضاً: «والعصيان إن أُريد به الكفر فالخلود على بابه، وإن أُريد به الكبائر وتجاوز أوامر الله تعالى فالخلود مستعار لمدة ما. كما تقول: خلد الله ملكه
(تفسير القرطبي، 54/ 5).
مقاييس اللغة 207/ 2. (1490) معجم
(1491) القاموس المحيط، فصل الخاء، كلمة (خلد). (1/477)
صفحة 470
478
معالم الحق
وجاء في مختار الصحاح: «خلد خ ل د: الخُلد دوام البقاء» (1492). وجاء في الصحاح للجواهري: «خلد: الخُلْدُ: دوام البقاء. تقول: خَلَد الرجلُ يخلُدُ خُلُودًا، وأخلَدَه الله وخلده تخليدا» (1493).
وقال الشيخ الشعراوي في تفسيره: «وكلمة (الخلود) تفيد المكث طويلاً؛ مكوثاً له ابتداء ولا نهاية له؛ وإذا أبد فهو تأكيد للخلود» (1494).
فكون تعريف (الخُلد)
في كتب اللغة العربية بـ «دوام البقاء» فيه رد
للفكرة التي حملت معنى الخلد بطول) المكث لا بدوام البقاء).
وما تفسير (الخلود) في الآخرة بـ (طول المكث)، الذي يؤول إلى منتهى، إلا إملاءات (فكرة الخروج من النار الباطلة التي لا أصل لها في مصادر العقيدة عند المسلمين، والتي اعتمدت على روايات أبطلها منهج الأمة الإسلامية كما تبيَّن وسيتبيَّن في هذا البحث إن شاء الله تعالى.
وما جاء في وصف بعض المخلوقات في هذه الدنيا بالخلود هو من باب التشبيه والمجاز وليس من باب الحقيقة التي تعبر عن معناها كلمة (الخلد) وقد ذكر هذا القول علماء اللغة. فقد قال الزبيدي: ((وخَلدَ) يَخْلُدُ (خُلُوداً) بالضم: (دام)، وبَقِي،
وأقام.
(و) خَلَدَ يَخْلِد، حَدٌ ضَرَب، (خلداً)، بفتح فسكون، (وخُلوداً)، من كقُعُود: (أَبْطَاً عنه الشَّيْبُ وقد أَسَنَّ كأَنما خُلِقَ ليَخْلُد. وفي التهذيب: ويقال
(1492 مختار الصحاح باب الخاء، كلمة: (خلد). (1493) الصحاح للجوهري، باب الدال كلمة (خلد).
(1494) تفسير الشعراوي، 6682/ 11، من تفسير الآية 107 من سورة هود. (1/478)
صفحة 471
الفصل الأول
479
للرجل إِذا بَقِيَ سَوادُ رأسه ولِحْيته، على الكِبَر، إنه لمُخْلِد. ويقال للرجل، إذا لم تسقط أسنانُه من الهرم: إنه لمُخْلِدٌ. وهو مَجاز، وزاد في الأساس: وقيل: هو بفتح اللام، كأَن الله أَخْلَده عليها (1495).
وجاء في لسان العرب: «الخُلد: دوام البقاء في دار لا يخرج منها. خَلَدَ يَخْلُدُ خُلداً وخُلوداً بقي وأقام. ودار الخلد الآخرة لبقاء أهلها فيها ... والمُخلِد من الرجال الذي أسن ولم يشب كأَنه مُخَلَّد لذلك، وخَلَدَ يَخْلِد ويَخْلُدُ خَلْداً وخُلوداً: أبطأ عنه الشيب كأنما خلق لِيَخْلُد (1496).
وقال القرطبي في تفسيره: «والخلود: البقاء؛ ومنه جَنّة الخُلد. وقد تستعمل مجازاً فيما يطول؛ ومنه قولهم في الدعاء: خَلّد الله مُلكه؛ أي: طوله. قال زُهَيْر:
ألا لا أرى على الحوادث باقيا ولا خالداً إلا الجبال الرواسيا
وأما الذي في الآية فهو أبدي حقيقة (1497).
ولقد حُكِّمت فكرة الخروج من النار) من قبل قائليها في هذا الموضع فجاءت الأقوال باستثناءات لم يؤيدها كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله الكريم.
والأصل في التفسير هو الأخذ بما دلت عليه معاني كلمات آيات كتاب الله تعالى، وعلى المقطوع به من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى مدلولات اللغة التي نزل بها القرآن الكريم.
(1495) تاج العروس، فصل الخاء المعجمة مع الدال المهملة، كلمة (خلد).
(1496) لسان العرب، 171/ 4.
(1497) تفسير القرطبي، 167/ 1. (1/479)
صفحة 472
480
معالم الحق
وقد أشار جلال الدين السيوطي إلى هذا المنهج حيث قال: «واعلم أن القرآن قسمان: قسم ورد تفسيره بالنقل، وقسم لم يرد.
والأول: إما أن يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو الصحابة، أو رؤوس التابعين: فالأول يبحث فيه عن صحة السند والثاني: ينظر في تفسير الصحابي: فإن فسره من حيث اللغة فهم أهل اللسان فلا شك في اعتمادهم)
(1894)
وقال السيوطي أيضاً: «وأما ما لم يرد فيه نقل فهو قليل، وطريق التوصل إلى فهمه النظر إلى مفردات الألفاظ من لغة العرب ومدلولاتها واستعمالها بحسب السياق (1499).
وفي اللحظات التي يبتعد فيها الكاتب عن الموروثات الفكرية ويربط أقواله بالأصل الأصيل الذي ينبغي اتباعه، فإن قلمه ـ لا محالة ـ سيسجل الحق الذي يدعو إليه القرآن والسُّنَّة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. قال الإمام الرازي: «وأما الآخرة فهي عذاب شديد دائم أو رضوان
الله على سبيل الدوام، ولا شك أن ذلك عظيم» (1500).
(1498) شروط المفسر وآدابه، ص 62.
(1499) شروط المفسر وآدابه، ص.
63
(1500) تفسير الرازي 225/ 29 من تفسير الآية 20 من سورة الحديد. (1/480)
صفحة 473
روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى
هو بكى من كسب سيئة ووَأَحَطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81].
ل ومن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكَبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا
كنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل: 90]. وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ
الله مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} [هود: 113]
و إنما التوبة على الله للذين يعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ
مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَبِكَ يَتُوبُ الله عليهم وكان الله عليما حكيما وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ التَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كفَارُ أُوْلَبِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 17، 18]. هو وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةِ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُم مِّنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٌ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعَا مِنَ الَّيْلِ مُظْلِما أُولَيكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 27].
فالمعنى الذي جاءت به هذه الآيات الكريمة يحدده الفهم الصحيح لمفردات الكلمات التي اختارها الله سبحانه وتعالى في هذه المواضع من
كتابه العزيز. (1/481)
صفحة 474
482
معالم الحق
ففي هذه الآيات يربط الله سبحانه وتعالى بين (الخلود في النار) وبين (اكتساب السيئة).
ولقد تبين لنا سابقاً، نقلاً من كتب اللغة أن المعنى اللغوي لكلمة (الخلود) هو: دوام البقاء في دار لا يخرج منها (1501)، ومن هذا نعرف أن هذه الآيات هم أهل لأن يكونوا خالدين في نار جهنم
الذين تتحدث
عنهم
والعياذ بالله تعالى.
ولقد جاء عند القائلين بـ (العذاب المؤقت في حق عصاة المسلمين - في بعض كتاباتهم - تفسير السيئة) هنا بالشرك والكفر فقط، واعتمدوا في ذلك على روايات ضعيفة أسقطها منهج الأمة الإسلامية، كما سيتبين لنا
جميعاً.
قال الإمام الطبري: ومن جاء بالشرك به يوم يلقاه، وجحود وحدانيته فَكَبَتْ وُجُوهُهُمْ) في نار جهنم» (1502).
وقال ابن الجوزي: «والسيئة هاهنا: الشرك في قول ابن عباس، وعكرمة وأبي وائل وأبي العالية، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل (1503).
وقال القرطبي بعد أن ذكر أسماء من نسب إليهم هذا التفسير: «وهو إجماع من أهل التأويل في أن الحسنة لا إله إلا الله، وأن السيئة الشرك
في هذه الآية (1504).
(1501) لسان العرب، 171/ 4.
(1502) تفسير الطبري، 22/ 20.
(1503) تفسير ابن الجوزي، 83/ 1.
(1504) تفسير القرطبي، 162/ 13، من تفسير الآية 90 من سورة النمل. (1/482)
صفحة 475
الفصل الثالث
483
وقال الألوسي: «وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي: لا تميلوا إليهم أدنى ميل، والمراد بهم المشركون كما روى ذلك ابن جرير. وابن أبي حاتم
عن ابن عباس ها، وفسَّر الميل بميل القلب إليهم بالمحبة (1505). وقال ابن عاشور والَّذِينَ ظَلَمُوا هم المشركون. وهذه الآية أصل في سد ذرائع الفساد المحققة أو المظنونة "
(1506)
فهذه الأقوال التي سطرها الطبري، وابن الجوزي، والقرطبي، والألوسي، وابن عاشور ناشئة اعتماد روايات ضعيفة نُسبت إلى الصحابة والتابعين. عن وناشئة كذلك عن فكرة موروثة صعب على معتقديها التخلص منها حتى هذا ولو ترادفت على بطلانها آيات الله تعالى فقد قال الخازن وهو يعبر عن. المسلك الذي سلكه ومن وافقه في الرأي: «السيئة اسم يتناول جميع المعاصي كبيرة كانت أو صغيرة والسيئة هنا الشرك في قول ابن عباس وَأَحَطَتْ بِهِ خَطِيشَتُهُ: أي أحدقت به من جميع جوانبه قال ابن عباس: هي الشرك يموت عليه صاحبه وقيل: أحاطت به أي: أهلكته خطيئته وأحبطت ثواب طاعته فعلى مذهب أهل السُّنَّة يتعين تفسير السيئة والخطيئة في هذه الآية، بالكفر والشرك لقوله تعالى: {فَأُولَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فيهَا خَالِدُونَ} فإن الخلود في النار هو للكفار والمشركين"
وقال الطبرسي عند ذكره للمصدر الذي اعتمده في ترجيح ما ذهب إليه من قول حول (فكرة الخروج من النار) اختلف في السيئة: فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم السيئة ههنا الشرك. وقال الحسن: هي ا الموجبة للنار. وقال السدي: هي الذنوب التي أوعد الله عليها النار. والقول
(1505) تفسير الألوسي، 347/ 6.
(1506) تفسير ابن عاشور، 341/ 11، من تفسير الآية 113 من سورة هود.
(1507) تفسير الخازن من تفسير الآية 81 من سورة البقرة.
الكبيرة (1/483)
صفحة 476
???
محال الحق
الأول يوافق مذهبنا؛ لأن ما عدا الشرك لا يستحق به الخلود في النار
عندنا (1508).
وقال الشوكاني معبراً عن نفس الفكرة التي قالها الخازن والطبرسي: «ثم أوضح سبحانه أن مجرد كسب السيئة لا يوجب الخلود في النار، بل لا بد أن تكون سيئة محيطة به. قيل: هي الشرك، وقيل: الكبيرة، وتفسيرها بالشرك أولى؛ لما ثبت (1509) في السُّنَّة تواتراً من خروج عصاة الموحدين من النار، ويؤيد ذلك كونها نازلة في اليهود، وإن كان الاعتبار بعموم ا لا بخصوص السبب (1510).
أكثر
اللفظ
وفي نفس المسير عبر الألوسي - كما عبر الشوكاني والخازن والطبرسي على قناطر الروايات الضعيفة والأفكار المذهبية الموروثة لينشر (فكرة الخروج من النار ولو على حساب الدلائل الواضحة الظاهرة لآيات الله تعالى البينات، حيث قال: « ... وأجيب بأن المراد بالسيئة الإشراك كما روي تفسيرها به عن سلف الأمة فلا يدخل المؤمن العاصي فيمن جاء بالسيئة ولو سلم دخوله بناءاً على القول بعموم السيئة فلا نسلم أن في الآية دلالة على خلوده في النار وكون الكب في النار بالنسبة إلى الكافر على وجه الخلود لا يقتضي أن يكون بالنسبة إليه كذلك فكثيراً ما يحكم على جماعة بأمر كلي ويكون الثابت لبعضهم نوعاً وللبعض الآخر نوعاً آخر منه وهذا مما لا ريب فيه، ثم إن الآية من باب الوعيد فيجري فيها على تقدير دخول المؤمن العاصي في عموم من ما قاله الأشاعرة في آيات الوعيد فافهم وتأمل» (1511).
(1508) تفسير الطبرسي، 202/ 1، من تفسير الآية 81 من سورة البقرة. (1509) هذه الروايات التي أشار إليها الشوكاني هنا لم تثبت في ميزان الأمة الإسلامية. (1510) تفسير الشوكاني، 221/ 1، من تفسير الآية 81 من سورة البقرة. (1511) تفسير الألوسي، 247/ 10. (1/484)
صفحة 477
الفصل الثالث
???
من
هذه النصوص التي نقلناها عن الخازن، والطبرسي، والشوكاني، والألوسي ندرك أن الخلاف بين المسلمين حول قضية الشفاعة والخروج من النار سببها التحزب إلى الإملاءات المذهبية، وروايات ضعيفة صار لها القياد في توجيه الأفكار على حساب الحق الذي نطق به القرآن الكريم
وجاءت به سُنة المصطفى.
وحينما تختلط - عند التطبيق - الأفكار الموروثة التي لا أصل لها بالمعاني الظاهرة الجلية لآيات الله تعالى، فإن المرء سيعيش في عالم
تتجاذبه فيه قوة الحق وسيطرة الأماني والضعيف من الأقوال.
فهذه القلقلة (1512) نشاهدها جلية في كتابات من اعتمد الأفكار الموروثة الباطلة عند دراسة وفهم معاني آيات الله تعالى، فقد نقل القرطبي هذا التذبذب عند تحديد معاني الكلمات وعند بيان عاقبة العصاة بقوله: « ... قوله تعالى: {يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَلَة [النساء: 17] السوء في هذه الآية، «والأنعام» و أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءَ ابجَهَالَةٍ} [الأنعام: 54] يعم الكفر والمعاصي؛ فكل
كفرهم
من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته ... وأما الكفار يموتون على فلا توبة لهم في الآخرة، وإليهم الإشارة بقوله تعالى: {أُولَيكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 18] وهو الخلود. وإن كانت الإشارة بقوله إلى الجميع فهو في جهة العصاة عذاب لا خلود معه؛ وهذا على أن السيئات ما دون الكفر؛ أي: ليست التوبة لمن عمل دون الكفر من السيئات ثم تاب عند الموت، ولا لمن مات كافراً فتاب يوم القيامة. وقد قيل: إن السيئات هنا الكفر، فيكون المعنى وليست التوبة للكفار الذين يتوبون عند الموت، ولا للذين يموتون وهم كفار (1513).
(1512) جاء في كتاب العين (ج) 1520/ 3): والقَلْقَلَةُ والتَّقُلْقُلُ: قِلَّةُ النُّبُوتِ في المكان. (1513) تفسير القرطبي، 61/ 5 - 62. (1/485)
صفحة 478
486
محال الحق
فهذا التذبذب في بيان معنى (السيئات أساسه غلبة (فكرة الخروج من النار)، وإلا فالآية صريحة في أن المصرين على الذنوب والكفار لهم عذاب أليم، ولم تبشر هذه الآية العصاة بالشفاعة أو الخروج من النار.
فبسبب الروايات الضعيفة المنسوبة إلى السلف الصالح اتجه الناس إلى التفسير الباطل. وبسبب جعل الآراء المذهبية الموروثة هي المقياس صارت معاني آيات الله تعالى تابعة وخاضعة لميول الناس ورغباتهم. فهذان الاتجاهان لا يقرهما منهج الأمة الإسلامية الذي ينادي بتطبيقه المسلمون من كل مذاهبهم. فعلينا أن نكون تبعاً لكلام الله تعالى وأن نبذل الجهد في تطبيق مناهجنا عند دراسة الأقوال التي نسبت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى الصحابة والتابعين. قال سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله تعالى: «لأن أمثال هذه القضايا لا يجوز أن يستند فيها إلا إلى ما بينه الله سبحانه فيما أوحاه إلى رسله، لأنها قضايا سمعية بحتة فلا حكم فيها للعقول ... » (1514). وقال الإمام الرازي: «أن كل ما جاز وجوده وعدمه عقلاً لم يجز المصير إلى الإثبات أو إلى النفي إلا بدليل سمعي (1515).
وقال العلامة ابن تيمية: «وليس لأحد أن يحمل كلام الله ورسوله على وفق مذهبه، إن لم يتبين من كلام الله ورسوله ما يدل على مراد الله ورسوله، وإلا فأقوال العلماء تابعة لقول الله تعالى ورسوله، ليس قول الله ورسوله
تابعاً لأقوالهم» (1516).
(1514) جواهر التفسير، 505/ 3.
(1515) تفسير الرازي، 138/ 3، من تفسير الآية 80 من سورة البقرة.
(1516) الإيمان، ص 32 (1/486)
صفحة 479
الفصل الثالث
487
وقال ابن الجوزي: ولو سمعت عن أحدهم ما لا يوافق الأصول الصحيحة فقل: هذا من الراوي، لأنه قد ثبت عن ذلك الإمام أنه لا يقول بشيء من رأيه. فلو قدرنا صحته عنه فإنه لا يقلد في الأصول ولا أبو بكر ا. فهذا أصل يجب البناء عليه فلا يُهَوِّلَنَّكَ ذِكْرُ مُعَظِّم في النفوس. وكان المقصود من شرح هذا أن ديننا سليم، وإنما أدخل أقوام فيه ما تأذينا به» (1517).
ولا عمر
وقال ابن الجوزي أيضاً: «وإنما ينبغي اتباع الصواب ولا ينظر إلى أسماء المعظمين في النفوس. فإنا نقول: قال أبو حنيفة ثم يخالفه الشافعي، وإنما ينبغي أن يتبع الدليل (1018).
(101 A)
الروايات التي جاء فيها تفسير (السيئة) بـ (الشرك) فقط:
الرواية (1519) المنسوبة إلى الصحابي ابن عباس بها، والتي جاء فيها تفسير كسب السيئة بالكفر فقط، ضعيفة لورودها من قبل محمد بن حميد بن حيان التميمي الرازي الضعيف (1520)، ومن قبل محمد بن أبي محمد
الأنصاري المجهول (1521).
102
(1517) صيد الخاطر، ص (1518) صيد الخاطر، ص 430.
(1519) تفسير الطبري، 384/ 1. قال الإمام الطبري: حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: بَلَى مَن كَسَبَ سَيْنَةً وَأَخَطَتْ بِهِ خَطِيته أي من عمل مثل أعمالكم وكفر بمثل ما كفرتم به حتى يحيط كفره بما له من حسنة، فَأُولَك أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ......
وذكر هذه الرواية واحتج بها ابن كثير (تفسير ابن كثير، 208/ 1).
(1520) انظر ص 247 من هذا البحث.
(1521) تقريب التهذيب ت: 6295، 130/ 2. (1/487)
صفحة 480
488
معال الحق
وجاء من طريق محمد بن حميد ومحمد بن أبي محمد رواية (1522) ضعيفة منسوبة إلى ابن عباس وفيها تفسير وَأَحَطَتْ
بـ «يحيط كفره بما له حسنة».
من
به
خطيه
وجاء عند الطبري رواية (1523) أخرى منسوبة إلى ابن عباس وفيها تفسير (السيئة) بـ (الشرك) وهي ضعيفة لورودها من قبل عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني أبي يحيى الكوفي.
قال عنه ابن حجر في التهذيب: وقال أبو داود: كان داعية في الإرجاء. وقال النسائي: ليس بقوي. وقال في موضع آخر: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال ابن عدي هو وابنه ممن يكتب حديثه ... وقال ابن سعد، وأحمد: كان ضعيفاً. وقال العجلي: كوفي، ضعيف الحديث، مرجيء. وقال البرقي: قال ابن معين كان ثقة ولكنه ضعيف العقل» (1524)
وقال عنه ابن حجر في التقريب: «صدوق يخطاء ورمي بالإرجاء» (1525).
(1522) تفسير الطبري، 386/ 1. قال الطبري: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: أخبرني ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: (وَأَحَطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) قال: يحيط كفره بما له من
حسنة».
(1523) تفسير الطبري، 22/ 20. قال الطبري: حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا أبو يحيى الحماني، عن النضر بن عرب ي، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَع يَوْمَيذٍ عَامِنُونَ) [النمل: 89] قال: من جاء بلا إله إلا الله، {وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ)
قال بالشرك».
(1524) تهذيب التهذيب ت 3904، 109/ 6 - 110.
(1525) تقريب التهذيب: ت: 3783، 556/ 1. (1/488)
صفحة 481
الفصل الثالث
489
(1526)
وجاء عند قاسم بن سلام رواية منسوبة إلى ابن عباس وفيها تفسير السيئة بالشرك، وتلك الرواية ضعيفة لورودها من قبل أبي عمر النضر بن عبد الرحمن الخزاز المتروك (1527).
(10 YA)
وجاء عند الطبري رواية أخرى منسوبة إلى ابن عباس وفيها تفسير السيئة بالشرك، وهي ضعيفة لورودها من قبل علي بن أبي طلحة (1529)، ومعاوية بن صالح (1530)، وأبي صالح عبد الله بن صالح الجهني"
(1531)
(1532)
وجاء عند الطبري) رواية أخرى منسوبة إلى ابن عباس وهي ضعيفة لورودها من قبل عطية العوفي وأحفاده الضعفاء (1533).
عمر
(1526) قال القاسم بن سلام: «أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا محمد بن ربيعة، عن النضر أبي. الجزاز، عن عكرمة عن ابن عباس في قول الله: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْتَنَ) [النساء: 18] قال: «هم أهل الشرك». (الناسخ والمنسوخ، باب التوبة عند الموت ونسخ التشديد فيها بالسعة والرخصة، الرواية: 392).
(1527) تقريب التهذيب ت: 7170، 246/ 2.
(1528) تفسير الطبري، 22/ 20. قال الطبري: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا) يقول: من جاء
بلا إله إلا الله وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ) وهو الشرك».
(1529) انظر
(1530) انظر
ص 43 من هذا البحث.
ص 43 من هذا البحث.
ص 43 من هذا البحث.
(1531) انظر
(1532) تفسير الطبري، 22/ 20. قال الطبري: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، بالشرك».
قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: {وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ) قال:
(1533) انظر ص 241 من هذا البحث. (1/489)
صفحة 482
490
معالم الحق
وجاء عند الطبري رواية (1534) منسوبة إلى ابن عباس وفيها تفسير (الظلم) بـ (الشرك) وهي ضعيفة لورودها من قبل علي بن أبي طلحة (1535)، ومعاوية بن صالح (1536)، وأبي صالح عبد الله بن صالح
الجهني
(1537)
(1538)
وجاء عند الطبري رواية منسوبة إلى أبي هريرة له وفيها تفسير (السيئة) بـ (الشرك). وتلك الرواية لا تؤسس فكراً لورودها من قبل يحيى ابن أيوب بن أبي زرعة البجلي، المختلف فيه.
قال ابن حجر: «قال الدوري عن ابن معين ليس به بأس ... وقال الآجري: ثقة ... وقال العقيلي: قال ابن معين هو ضعيف وقال البرقي عن ابن معين: ضعيف. وقال مرة: صالح» (1539).
ومهما يكن من حال، فهذه الرواية المنسوبة إلى أبي هريرة ليس فيها تخصيص السيئة هنا بالشرك فقط، بل ترشد إلى أن (الشرك) أحد المعاني
(1534) تفسير الطبري، 127/ 12. قال الطبري: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ)
يعني: الركون إلى الشرك ... ».
(1535) انظر ص 43 من هذا البحث.
(1536) انظر
(1537) انظر
43
43
ص من هذا البحث.
ص من هذا البحث.
(1538) تفسير الطبري، 22/ 20. قال الإمام الطبري: حدثني محمد بن خلف العسقلاني،
قال: ثني الفضل بن دكين قال: ثنا يحيى بن أيوب البجلي، قال: سمعت أبا زرعة، قال: قال أبو هريرة، قال يحيى أحسبه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {وَمَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فرع يومين، امِنُونَ} [النمل: 89] قال: وَهِيَ لا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ) قال: وهِيَ الشَّرْكُ»». وجاءت هذه الرواية أيضاً في مسند إسحاق بن
راهويه (ج 117/ 1، 208/ 1).
(1539) تهذيب التهذيب ت 7832، 164/ 11. (1/490)
صفحة 483
الفصل الثالث
491
التي تشملها هذه الكلمة والذي يؤيد هذا القول هو الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم عن أبي هريرة: «قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «قَالَ اللَّهِ وَلَ: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسيِّئَةٍ فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةٌ، وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةٌ فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا عَشْرا 1540)، إذ السيئة هنا الشرك ولكنها تعني ما دونه من الذنوب التي قد يقترفها الإنسان في
?
تعني
حياته.
وتفسير" (1541) السيئة هنا بالشرك والمنسوب إلى مجاهد لا يثبت عنه وذلك لوروده من قبل عنعنة ابن أبي نجيح المدلس، وقد ذكره ابن حجر ضمن الطبقة الثالثة. من المدلسين (1542) الـ. (1542) الذين لا تقبل
عنعنتهم.
وقال عنه في تهذيب التهذيب: وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: قال يحيى بن سعيد: لم يسمع ابن أبي نجيح التفسير من مجاهد. قال ابن حبان: ابن أبي نجيح نظير ابن جريج في كتاب القاسم بن أبي بزة عن مجاهد في التفسير رويا عن مجاهد من غير سماع ... وذكره النسائي فيمن كان يدلس» (1543).
(1540) صحيح مسلم، الرواية: 128، ص 106. (1541) تفسير الطبري، 384/ 1. قال الطبري: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (و بلى من كسب سيئة و شركاه. وقال الطبري في التفسير أيضاً (22/ 20): حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (مَن جَاءَ بِالْحَنَةِ؛ قال: كلمة الإخلاص ومن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ) قال: الشرك». (1542) تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ت: 77، ص • (1543) تهذيب التهذيب: ت: 3786، 50/ 6 - 51.
9. (1/491)
صفحة 484
492
مع الب الحق
(1544)
والتفسير () المنسوب إلى عطاء بن السائب ليس له قيمة لضعف رواية ابن جريج عن
عطاء (1545) الذي اختلط في آخر عمره.
عمر
(1546)
والتفسير المنسوب إلى عكرمة ضعيف لوروده من قِبَل حفص بن
(102 A)
العدني الضعيف (1547)، والحكم بن أبان العدني صاحب الأوهام (1548
(1549) المنسوب إلى إبراهيم النخعي والذي فيه تفسير السيئة
والتفسير)
(100+)
بالشرك فقط لم يثبت عنه، وذلك بسبب محمد بن حميد الرازي والتفسير (1551) المنسوب إلى أبي وائل لا حجة فيه وذلك لوروده من قبل عاصم بن أبي النجود السيئ الحفظ (1552).
(1544) تفسير الطبري، 385/ 1. قال الطبري: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: بَلَى مَن كَسَبَ سَنَةً) قال: الشرك».
(1545) انظر ص 42 من هذا البحث.
(1546) تفسير الطبري، 23/ 20. قال الطبري: حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: ثنا حفص بن عمر العدني، قال: ثنا الحكم بن أبان عن عكرمة، قوله: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ) قال: شهادة أن لا إله إلا الله وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ) قال: السيئة: الشرك. قال
الحكم قال عكرمة: كل شيء في القرآن السيئة فهو الشرك».
(1547) تقريب التهذيب. ت: 1426، 228/ 1. (1548) تقريب التهذيب، ت: 1444، 230/ 1. وقد ذكرت في كتاب (الميزان القسط)، ص، 195 ـ 197، أقوال علماء الجرح والتعديل في الحكم بن أبان ورد الفقهاء لروايات
جاءت من طريقه. (1549) تفسير الطبري 22/ 20. قال الإمام الطبري: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن أبي المحجل، عن أبي معشر عن إبراهيم، قال: كان يحلف ما يستثني، أن من جَاءَ بِالْحَسَنَةِ) قال: لا إله إلا الله، وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ) قال: الشرك».
(1550) انظر ص 247 من هذا البحث.
(1551) تفسير الطبري، 384/ 1 قال الطبري: حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن
سفيان، قال: حدثني عاصم عن أبي وائل بلى من كسب سينه قال: الشرك بالله».
(1552) انظر ص 458 من هذا البحث. (1/492)
صفحة 485
الفصل الثالث
493
والتفسير المنسوب إلى الضحاك (1553)
والحسن البصري
(1932)
لا حجة فيه وذلك لوروده من قبل الحسين بن داود، المعروف بسنيد بن داود (1000) ,
والتفسير (1056) المنسوب إلى محمد بن كعب لا يصح عنه وذلك لوروده من قبل جابر بن نوح الحماني وموسى بن عبيدة
الربذي (1001) الضعيفين.
(1557)
والتفسير (1559) المنسوب إلى قتادة ضعيف ولا يصح عنه لوروده من قبل سعيد بن بشير (1560) الضعيف.
(1553) تفسير الطبري، 23/ 20. قال الطبري: حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ) يعني: الشرك».
(1554) تفسير الطبري 23/ 20. قال الطبري: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن الحسن (وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ): يقول: الشرك».
(1555) انظر ص 461 من هذا البحث.
(1556) تفسير الطبري، 23/ 20. قال الطبري: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا موسى بن عُبيدة، عن محمد بن كعب وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ) قال: الشرك».
(1557) تقريب التهذيب، ت: 878، 153/ 1.
(1558) تقريب التهذيب، ت: 7015، 226/ 2.
(1559) تفسير الطبري 23/ 20. قال الطبري: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ) قال: الإخلاص وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ) قال: الشرك».
وقال الطبري في تفسيره أيضاً: (385/ 1): حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّنَةُ) قال: أما السيئة
فالشرك».
(1560) تقريب التهذيب ت: 2283، 349/ 1. (1/493)
صفحة 486
494
معالم الحق
وجاء عند الطبري (1561) رواية منسوبة إلى قتادة وفيها تفسير (الظلم) بـ (الشرك) وهي ضعيفة لورودها من قبل سعيد بن بشير الضعيف (1562). والتفسير (1563) المنسوب إلى ابن زيد ليس بحجة لضعف
ابن زيد (1564) في الرواية.
وجاءت رواية منسوبة إلى ابن زيد عند الطبري (1565)، في تفسير الآية 113 من سورة هود، وفيها تفسير (الظلم) بـ (الشرك)، وهي ضعيفة بسبب
ابن زيد.
(1077)
والتفسير المنسوب إلى الربيع بن أنس ضعيف بسبب أبي جعفر
عيسى بن أبي عيسى السيئ الحفظ (1567).
(1561) تفسير الطبري، 127/ 12. قال الطبري: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة، قوله: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) يقول: لا تلحقوا بالشرك،
وهو الذي خرجتم منه».
(1562) تقريب التهذيب ت: 2283، 349/ 1.
(1563) تفسير الطبري، 23/ 20. قال الطبري: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ) قال: السيئة: الشرك الكفر».
(1564) انظر ص 399 من هذا البحث.
قال:
(1565) تفسير الطبري، 127/ 12. قال الطبري: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد، في قوله: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) قال: الركون: الإدهان. وقرأ: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9]:قال تركن إليهم، ولا تنكر عليهم الذي قالوا وقد قالوا العظيم من كفرهم بالله وكتابه ورسله. قال: وإنما هذا لأهل الكفر وأهل الشرك وليس لأهل الإسلام، أما أهل الذنوب من أهل الإسلام فالله أعلم بذنوبهم وأعمالهم، ما ينبغي لأحد أن يصالح على شيء من معاصي الله، ولا يركن إليه فيها».
(1566) تفسير الطبري، 385/ 1. قال الطبري: حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي
جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً) يعني: الشرك».
(1567) تقريب التهذيب: ت: 8049، 376/ 2. (1/494)
صفحة 487
الفصل الثالث
495
تلكم هي الروايات التي اعتمد عليها في تحديد معنى (السيئة)، و (الخطيئة)، و (الظلم) بـ (الكفر) وبـ (الشرك) فقط، وهي روايات ضعيفة أبطلها منهاج الأمة الإسلامية.
وببطلان جميع الروايات التي استند عليها في تخصيص السيئة والخطيئة والظلم بالكفر وبالشرك فقط، تتهاوى فكرة الخروج من النار)، وتعلو المعاني الظاهرة البينة لكتاب الله تعالى التي حكمت على أصحاب السيئات والخطايا والظلم - إن لم يتوبوا إلى الله تعالى قبل مماتهم ـ بكب وجوههم في النار وبالخلود فيها وبعدم وجود ولي ينصرهم من دون الله تعالى. الأمة الإسلامية هو وحده الذي أثبت القول الموافق للحق
ومنهج
والصواب من الأقوال المسطرة في كتب علماء المسلمين.
من أقوال علماء الإسلام في تفسير كلمة (السيئة) وكلمة (الظلم): ومن الاحترام اللازم أن نطبق دعوة علماء الأمة الإسلامية الصادقة في تقييم الروايات والأقوال الواردة في كتب الأوائل، وأن نذكر كذلك أقوالهم الصائبة عند تفسيرهم لكلمة (السيئة) ولكلمة (الظلم) حسب ما أوردوه في مواضع كثيرة من كتبهم.
فحينما طبقنا المنهج الذي يدعو إليه علماء المسلمين عرفنا أن الروايات ـ التي أعتمد عليها في تحديد معنى كلمة (السيئة) و (الظلم) بالشرك فقط ـ،
روايات ضعيفة وإن استند عليها العلماء أنفسهم كما تبين.
ويبعد
وحينما يتجرد الإنسان من الموروثات الفكرية المتساقطة فكره عن الساقط والضعيف من الروايات، ويدرس قضاياه معتمداً على
آيات الله تعالى وما صح من الروايات، فإنه سيصل ـ بإذن الله تعالى - (1/495)
صفحة 488
496
محال الحق
إلى الحق من غير تكلف كما سننقله عن العلماء أنفسهم في السطور
الآتية: -
من أقوال الإمام الطبري:
وكذلك كل فاعل فعلاً يستوجب به العقوبة. ظالم لنفسه بإيجابه العقوبة لها من الله تعالى ... » (1568).
من الله تعالى، فهو
يعني بقوله جلَّ ثناؤه: {وَأَحَطَتْ بِهِ خَطِيته اجتمعت عليه فمات عليها قبل الإنابة والتوبة منها ... فتأويل الآية إذاً: من أشرك بالله واقترف ذنوباً جمة فمات عليها قبل الإنابة، والتوبة، فأولئك أصحاب النار هم فيها مخلدون أبداً (1569).
وأما تأويل قوله: {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 35] فإنه يعني به: فتكونا من المتعدين إلى غير ما أذن لهم وأبيح لهم فيه. وإنما عنى بذلك أنكما إن قربتما هذه الشجرة كنتما على منهاج من تعدى حدودي وعصى أمري واستحل محارمي لأن الظالمين بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتقين. وأصل الظلم في كلام العرب وضع الشيء في غير موضعه» (1570).
معني بالظلم في هذا الموضع كل معصية الله، وذلك أن الله عم بقوله: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِالْحَادِم بِظُلْمٍ} [الحج: 25] ولم يخصص به ظلم دون ظلم في خبر ولا عقل، فهو على عمومه. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام ومن يرد في المسجد الحرام بأن يميل بظلم، فيعصي
الله فيه، نذقه
يوم القيامة من عذاب موجع
له» (1571).
(1568) تفسير الطبري، 285/ 1، من تفسير الآية 54 من سورة البقرة.
(1569) تفسير الطبري، 386/ 1.
(1570) تفسير الطبري، 234/ 1. (1571) تفسير الطبري، 142/ 17. (1/496)
صفحة 489
الفصل الثالث
497
من أقوال ابن عاشور:
وكذلك قوله وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكَبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} [النمل: 90] أي غلبت سيئاتهم وغطت على حسناتهم أو تمحضوا للسيئات بأن كانوا غير مؤمنين أو كانوا من المؤمنين أهل الجرائم والشقاء. وبين أهل هاتين الحالتين أصناف كثيرة في درجات الثواب ودركات العقاب (2)
(1572)
وظلم النفس شاع إطلاقه في القرآن على الشرك والكفر، وأطلق
أيضاً على ارتكاب المعاصي (1573).
«والظلم
هو
الشيء الذي لا يحق فعله ولا ترضى به النفوس السليمة
والشرائع، واشتهر إطلاق ظلم النفس في القرآن على الكفر وعلى
المعصية» (1574).
«وهذه الآية وإن كانت واردة في شأن المشركين المؤذين للمؤمنين فهي تشير إلى تحذير المسلمين من مشابهتهم في اقتراف السيئات استخفافاً بوعيد الله عليها لأنهم في ذلك يأخذون بشيء من مشابهة حسبان الانفلات، وإن كان المؤمن لا يظن ذلك ولكنه ينزل منزلة من يظنه لإعراضه عن الوعيد حين يقترف السيئة (1575).
والتقوى الشرعية هي امتثال الأوامر واجتناب المنهيات من الكبائر وعدم الاسترسال على الصغائر ظاهراً وباطناً أي اتقاء ما جعل الله الاقتحام فيه موجباً غضبه وعقابه، فالكبائر كلها متوعد فاعلها بالعقاب دون اللمم
(1572) تفسير ابن عاشور، ج 19 ص 322، من تفسير الآية 90 من سورة النمل. (1573) تفسير ابن عاشور، ج 4 ص 250، من تفسير الآية 110 من سورة النساء. (1574) تفسير ابن عاشور، ج 4 / ص 231، من تفسير ا الآية 97 من سورة النساء. (1575) تفسير ابن عاشور، ج 20 ص 133، من تفسير الآية 4 من سورة العنكبوت.
(1576) تفسير ابن عاشور، ج 1 ص 223، من تفسير الآية 2 من سورة البقرة.
(1576) (1/497)
صفحة 490
498
معالم الحق
من أقوال ابن عطية:
و (السيئة) التي في هذه الآية هي الكفر والمعاصي ممن حتم الل
تبارك وتعالى عليه من أهل المشيئة بدخول النار (1577).
(10 VA)
، والسوء في هذه الآية يعم الكفر والمعاصي ... » (78
«وهذا الإلحاد والظلم يجمع جميع المعاصي من الكفر إلى الصغائر، فلعظم حرمة المكان توعد الله تعالى على نية السيئة فيه» (1579).
، وَاتَّقُوا هنا عامة في اتقاء الشرك واتقاء المعاصي بدليل أن اللفظة إنما جاءت في مدح لهم فلا وجه لقصرها على اتقاء الشرك وحده، وأيضاً فالمتقي العائذ قد يمسه طائف من الشيطان إذ ليست العصمة إلا للأنبياء ان (1580)
) .. وتعم السيئات ها هنا الكفر والمعاصي، فمثل سيئة الكفر التخليد
(1041)
في النار، ومثل سيئة المعاصي مصروف إلى مشيئة (1581) الله تبارك وتعالى (1582).
من أقوال الشيخ السعدي:
وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ (اسم جنس، يشمل كل سيئة» (1583).
(1577) تفسير ابن عطية
ص
(1578) تفسير ابن.
عطية، ص 1431، من تفسير الآية 90 من سورة النمل.
من تفسير الآية 17 من سورة النساء.
(1579) تفسير ابن عطية ص 1307، من تفسير الآية 25 من سورة الحج.
(1580) تفسير ابن عطية ص،771 من تفسير الآية 201 من سورة الأعراف.
(1581) أرجو مراجعة معنى المشيئة في القسم الرابع من الفصل الأول من هذا البحث. (1582) تفسير ابن عطية، ص 906، من تفسير الآية 27 من سورة يونس. (1583) تفسير السعدي، ص،581 من تفسير الآية 90 من سورة النمل. (1/498)
صفحة 491
الفصل الثالث
499
واعلم أن عمل السوء عند الإطلاق يشمل سائر المعاصي الصغيرة
(1982)
والكبيرة ... وكذلك ظلم النفس عند الإطلاق يشمل ظلمها بالشرك، فما دونه 1584).
وقال هنا: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ) [النساء: 18] أي: المعاصي فيما دون الكفر (1585).
والذين عملوا السيئات} [الأعراف: 153] من شرك، وكبائر،
وصغائر (1586).
من أقوال الإمام ابن كثير:
«وقوله تعالى: {وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكَبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} [النمل: 90] أي: من لقي الله مسيئاً لا حسنة له، أو قد رجحت سيئاته على حسناته كل بحسبه، ولهذا قال تعالى: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [النمل: 90]
من أقوال الشوكاني
(NAV)
(12 AA)
والمراد بالسوء: القبيح الذي يسوء به أَوْ يَظْلِم نَفْسَهُ} [النساء: 110] بفعل معصية من المعاصي، أو ذنب من الذنوب التي لا تتعدى إلى غيره «والمراد هنا {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) [البقرة: 35] لأنفسهم بالمعصية 1589). وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاهُ سَيِّئَة بمثلها) (بونس (27) هذا الفريق الثاني من أهل الدعوة ... والمراد بالسيئة: إما الشرك، أو المعاصي التي ليست
(1584) تفسير السعدي، ص 180، من تفسير الآية 110 من سورة النساء.
ص
153، من تفسير الآية 18 من سورة النساء.
(1585) تفسير السعدي (1586) تفسير السعدي، ص 282، من تفسير الآية 153 من سورة الأعراف. (1587) تفسير ابن كثير 261/ 5
(1588) تفسير الشوكاني، 814/ 1، من تفسير الآية 110 من سورة النساء. (1589) تفسير الشوكاني، 164/ 1، من تفسير). الآية 35 من سورة البقرة. (1/499)
صفحة 492
500
كان من
معال الحق الزالي
بشرك، وهي ما يتلبس به العصاة من المعاصي ... {ما لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ) أحد كائناً [يونس: 27] أي: لا يعصمهم من سخط الله وعذابه، أو ما لهم من جهة الله عنده ومن من يعصمهم كما يكون للمؤمنين، والأول أولى ...
أَوَلَيْكَ أي: الموصوفون بهذه الصفات الذميمة أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا
(109.)
خَلِدُونَ} [البقرة: 39] وإطلاق الخلود هنا مقيد بما تواتر في السنة من
خروج عصاة الموحدين» (1591).
من أقوال القرطبي:
والفاحشة تطلق على كل معصية
.... السوء في هذه الآية، والأنعام» {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِنَايَتِنَا فَقُل سَلَام عَلَيْكُمْ كَتَب رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سوعا بِجَهَلَ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [الأنعام: 54] يعم
الكفر والمعاصي؛ فكل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته)
(1593)
«وهذا الإلحاد والظلم يجمع المعاصي من الكفر إلى الصغائر؛ فلعظم حرمة المكان توعد الله تعالى على نية السيئة فيه (594
(1092)
«قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ} [يونس: 27] أي: عملوا المعاصي. وقيل: الشرك ... {مَا لَهُم مِّنَ اللهِ} أي: من عذاب الله. ومن عَاصِمٍ) أي: مانع يمنعهم منه ... )
(1590) هذا ادعاء ليس له ما يثبته.
(1090)
(1591) تفسير الشوكاني، 616/ 2 - 617، من تفسير الآية 27 من سورة يونس.
(1592) تفسير القرطبي، 135/ 4، من تفسير الآية 135 من سورة آل عمران.
(1593) تفسير القرطبي، 61/ 5، من تفسير الآية 17 من سورة النساء. (1594) تفسير القرطبي، 25/ 12 من تفسير الآية 25 من سورة الحج. (1595) تفسير القرطبي، 212/ 8، من تفسير الآية 27 من سورة يونس. (1/500)
صفحة 493
الفصل الثالث
من
أقوال أبي السعود:
501
(1097).
والمراد بالسوء المعصية صغيرة كانت أو كبيرة)
من أقوال القمي النيسابوري:
«وقوله سَيِّئَةً) يتناول جميع المعاصي صغرت أو كبرت، فضم
إليها شرط آخر وهو كون السيئة محيطة به ليختص بالكبيرة ... والكبيرة تستر ومن جهة أن الكبيرة تحبط الطاعات وتستولي عليها إحاطة العدو
الطاعات،
بالإنسان بحيث لا يتمكن الإنسان من الخلاص عنهم) من أقوال الخازن:
(1597)
ا الذين يَعْمَلُونَ السُّوءَ) [النساء: 17] يعني الذنوب والمعاصي
سميت سوءاً لسوء عاقبتها إذا لم يتب منها 1598).
من أقوال عامر سعيد الزيباري:
وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 110] والسوء يشمل الكبيرة والصغيرة وكل ما دون الشرك 1499). من أقوال الألوسي
وتفسير الإلحاد بما ذكر هو الظاهر فيشمل سائر الآثام لأن حاصل معناه الميل عن الحق إلى الباطل وهو محقق في جميع الآثام، وكذا المراد بالظلم عند جمع وجمعهما على هذا للتأكيد، وقيل: المراد
(1596) تفسير أبي السعود 112/ 2، من تفسير الآية 17 من سورة النساء. (1597) تفسير غرائب القرآن، 319/ 1 - 320، من تفسير الآية 81 من سورة البقرة. (1598) تفسير الخازن من تفسير الآية 17 من سورة النساء.
(1599) تنبيه العاصي إلى ترك المعاصي، ص 88. (1/501)
صفحة 494
502
معالم الحق
بذلك الشرك ولم يرتضه ابن أبي مليكة، فقد أخرج عبد بن حميد أنه سئل عن قوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ إلخ فقال: ما كنا نشك أنها الذنوب حتى جاء أعلاج من أهل البصرة إلى أعلاج من أهل الكوفة فزعموا أنها
الشرك» (1600).
وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ} أي سيئة كانت لعموم المغفرة ولأنه
لا داعي للتخصيص»
(17.1) ,
***
أقوال الإمام الطبري بين الدعوة والتطبيق
وحينما نقرأ تفسير الإمام الطبري لقوله تعالى: {بَلَى مَن كَسَبَ سنَةٌ وَأَحَطَتْ بِهِ خَطِيته فأوليك أصحب النار هم فيها خَلِدُونَ}، ونعرض رواياته على الميزان العادل الذي رسمته الأمة الإسلامية لنفسها، والذي نادى به الإمام الطبري نفسه في مواضع عديدة من تفسيره، فإننا ندرك عدم تقيد الإمام الطبري بالمنهج الذي دعى إلى تطبيقه عند دراسته لموضوع مصير عصاة المسلمين يوم القيامة.
قال الإمام الطبري: «وإنما قلنا: إن السيئة التي ذكر الله جل ثناؤه أن من كسبها، وأحاطت به خطيئته فهو من أهل النار المخلدين فيها في هذا الموضع، إنما عنى الله بها بعض السيئات دون بعض، وإن كان ظاهرها في التلاوة عاماً، لأن الله قضى على أهلها بالخلود في النار، والخلود في النار لأهل الكفر بالله دون أهل الإيمان به لتظاهر الأخبار عن
(1600) تفسير
الألوسي
134/ 9
(1601) تفسير الألوس 66/ 5، من تفسير الآية 153 من سورة الأعراف. (1/502)
صفحة 495
الفصل الثالث
503
رسول الله بأن أهل الإيمان لا يخلدون فيها، وأن الخلود في النار لأهل الكفر بالله دون أهل الإيمان به (1602).
من
هذه الأقوال التي سطرها الإمام الطبري هنا نلاحظ الآتي: -
أولاً: هذا القول الذي سطره الإمام الطبري هنا يعارضه التطبيق العملي لمنهج تقييم الروايات، فلقد تبيَّن ضعف جميع الروايات التي فسرت (السيئة)
بـ (الشرك) فقط، وبهذا تبقى الآية الكريمة على ظاهرها من غير تخصيص. قال سماحة الشيخ الخليلي حفظه الله تعالى: «وكثير من هذه الأمة راقت
لهم ـ مع الأسف الشديد - هذه العقيدة التي سرت إليهم من الأفكار اليهودية (1603) البحتة، فأخذوا يؤولون الآيات الوعيدية تأويلا بعيداً عن مدلولها البين، ويحرفون معانيها حتى تتفق مع معتقداتهم المخالفة للنصوص الجلية، فحصروا السيئة هنا في الشرك مع فقدان أي قرينة شرعية أو وضعية تقيد إطلاقها إلا ما توهموه من أن قوله تعالى: {وَأَحَطَتْ بِهِ خَطِئَتْهُ) يدل على ما ذهبوا إليه، والحقيقة عكس ما قالوه كما سيأتيكم بيانه (1604). وقد تنبه لهذه الحقيقة - التي صدعت بها آيات الله تعالى والتي تبخرت أمامها أقوال الضعفاء الزائفة - العلامة الألوسي حيث قال: وقد يفسر بما
(1602) تفسير الطبري، 385/ 1.
(1603) قال عبد الله حجاج عند استشهاده بما في التوراة المحرفة: «وجاء في أسفار الأنبياء عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما جاء في توراة موسى عنه. وأزاد النبي أشعياء في أوصافه:
((وشفع في (المذنبين وذلك في الأصحاح الثالث والخمسين. وقال مفسرو التوراة: إن هذا النبي سيشفع في المذنبين من أتباعه، إذا دخلوا جهنم. وقد طبق النصارى نبوءة أشعياء هذه على عيسى عبير وقالوا: إنه الذي سيشفع في
المذنبين» (إنكار الشفاعة
ص
(45
(1604) جواهر التفسير، 508/ 3 - 509. (1/503)
صفحة 496
هر أعم من ذلك كم يفس ذِينَ ظَلَمُوا) بمن وجد منه ما يسمى ظلماً مصد ... ونى تتفسير الثاني وما أصعبه على الناس اليوم بل في غلب الأعصير من تفسير ـ ذهب أكثر المفسرين، قالوا: وإذا كان حال الميل في نجمة إلى من وجد منه ظلم ما في الافضاء إلى مساس الناس النار فما خنث يمن يميل إلى الراسخين في الظلم كل الميل، ويتهالك على مصاحبتهم ومنادمتهم، ويتعب قلبه وقالبه في إدخال السرور عليهم، ويستنفض الرجل والخيل في جلب المنافع إليهم، ويبتهج بالتزيي بزيهم والمشاركة لهم في غيهم. ويمد عينيه إلى ما متعوا به من زهرة الدنيا الفانية. ويغبطهم بما أوتوا من القطوف الدانية غافلاً حقيقة ذلك ذاهلاً. عن منتهى ما هنالك! وينبغي أن يعدّ مثل ذلك من الذين ظلموا لا من الراكنين إليهم بناءاً على ما روي أن رجلاً قال لسفيان: إني أخيط للظلمة فهل أعدّ من أعوانهم؟، فقال له: لا أنت منهم والذي يبيعك الإبرة من أعوانهم». وقد قال حقي البروسوي (1607) كلاماً شبيهاً لهذا الكلام الذي سطره الألوسي هنا، وكله دعوة إلى الفرار عن الظالمين وأعوانهم. ثانياً: وهذا القول الذي ذكره الإمام الطبري هنا لا يقره منهجه الذي
صرح به في مواضع عديدة من تفسيره، حيث قال: ـ
(1606)
عن
«فمن ادعى في التنزيل ما ليس في ظاهره كلف البرهان على
دعواه من الوجه الذي يجب التسليم له (1608).
(1605) التفسير الأول الذي ذكره الألوسي هو تفسير الظلم بالشرك فقط، كما يتضح من
تفسيره لهذه الآية.
(1606) تفسير الألوسي، 347/ 6 - 348.
(1607) تفسير روح البيان، 195/ 4 – 196.
(1608) تفسير الطبري، 62/ 7، من تفسير الآية 95 من سورة المائدة. (1/504)
صفحة 497
الفصل الثالث
0.0
وقال أيضاً: «وغير جائز إحالة ظاهر التنزيل إلى باطن من التأويل
لا دلالة عليه من نص كتاب ولا خبر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إجماع من الأمة ولا دلالة من بعض هذه الوجوه 1609).
وقال الإمام الطبري مبيناً سبب عدم ذكره لرواية جاءت منسوبة إلى
ابن عباس: « ... وهذا قول يُذكر عن ابن عباس من وجه كرهت أن أذكره
لضعف سنده ... »
(171)
فهذه الأقوال التي نقلناها عن الإمام الطبري هنا تكررت كثيراً في تفسيره، ولكنه لم يطبقها على الروايات التي سطرها عند إثباته لـ (فكرة خروج عصاة المسلمين من النار، فقد وجدنا في تفسيره روايات ضعيفة السند منسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى ابن عباس وغيره من الصحابة الكرام ولم يردها الإمام الطبري بل أخذ بها في تخصيص آيات الله
تعالى الظاهرة البينة.
وقد أدرك هذه الملاحظة على تفسير الإمام الطبري الدكتور محمد حسين الذهبي، حيث قال: «ثم إن ابن جرير، وإن التزم في تفسيره ذكر الروايات بأسانيدها، إلا أنه في الأعم الأغلب لا يتعقب الأسانيد بتصحيح ولا تضعيف،
حملك البحث عن رجال السند
لأنه كان يرى ـ كما هو مقرر في أصول الحديث ـ أن من أسند لك فقد ومعرفة مبلغه. من العدالة أو الجرح، فهو بعمله السند أحياناً موقف ذلك فابن جرير يقف من.
ومع
هذا قد خرج من العهدة، الناقد البصير، فيعدل من يعدل من رجال الإسناد، ويجرح من يجرح منهم،
ويرد الرواية التي لا يثق بصحتها، ويصرح برأيه فيها بما يناسبها ....
(1609) تفسير الطبري، 43/ 7، من تفسير الآية 95 من سورة المائدة. (1610) تفسير الطبري، 212/ 23، من تفسير الآية 24 من سورة الزمر.
(1611)
(1611) التفسير والمفسرون، 186/ 1، ومن أقوال الدكتور محمد حسين الذهبي أيضاً: «وإذا.
= (1/505)
صفحة 498
0.7
معالم الحق
ثالثاً: الإنسان في عقائده وسلوكياته بين مقلد وباحث عن الصواب؛ فالمقلد المتبع لأقوال الناس من غير دليل ثابت هو بمعزل عن البراهين، وأما الباحث عن الأدلة والمطبق لها في ميادين العقيدة والحياة فهو صاحب الحق الظاهر.
قال الإمام الرازي في تفسيره لقوله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هونهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ: وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد وأنه لا بد من الحجة والاستدلال» (1612).
وقال الإمام الرازي أيضاً: ... ثم قال تعالى: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ) وهذا القيد يدل على أن الشهادة باللسان فقط لا تفيد البتة، واحتج القائلون بأن إيمان المقلد لا ينفع البتة، فقالوا: بين الله تعالى أن الشهادة لا تنفع إلا إذا حصل معها العلم والعلم عبارة عن اليقين الذي لو شكك صاحبه فيه لم يتشكك، وهذا لم يحصل إلا عند الدليل، فثبت أن إيمان المقلد لا ينفع
البتة ... » (1613).
وقال القرطبي:
المقالة ... (1614).
)
وأن التقليد لا يغني مع عدم العلم بصحة
كان ابن جرير يتعقب كثيراً من هذه الروايات بالنقد، فتفسيره لا يزال يحتاج إلى النقد الفاحص الشامل احتياج كثير من كتب التفسير التي اشتملت على الموضوع والقصص الإسرائيلي، على أن ابن جرير ـ كما قدمنا ـ قد ذكر لنا السند بتمامه في كل رواية يرويها، وبذلك يكون قد خرج من العهدة، وعلينا نحن أن ننظر في السند ونتفقد الروايات». (التفسير والمفسرون، 188/ 1).
(1612) تفسير الرازي، 237/ 24، من تفسير الآية 50 من سورة القصص. (1613) تفسير الرازي، 205/ 27 - 206، من تفسير الآية 86 من سورة الزخرف.
(1614) تفسير القرطبي، 82/ 16، من تفسير الآية 86 من سورة الزخرف. (1/506)
صفحة 499
الفصل الثالث
507
وقال الإمام ابن كثير: «والمعنى في هذه الآية أن الدين ليس بالتحلي، ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال، وليس كل من ادعى شيئاً حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال: إنه هو على الحق، سمع قوله بمجرد ذلك، حتى يكون له الله برهان» (1615). من
وخلاصة القول:
لقد بين
لنا منهج الإسلام ضعف.
جميع الروايات التي قالت بخروج
عصاة المسلمين من نار جهنم.
وقال علماء المسلمين إنه لا علم ولا يقين بدون حجة واضحة. والقول بخروج عصاة المسلمين من نار جهنم هو ضرب من التقليد الذي لا أصل له في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله. ولقد تبين لنا أن السيئة) تشمل المعاصي الكبار، والروايات التي خصصتها بالشرك والكفر فقط روايات ضعيفة.
فعلينا اتباع الأدلة الصحيحة وترك التقليد المبني على الضعيف من الأقوال. وعلى المتلبسين بالسيئات من أفراد هذه الأمة الرجوع إلى الله قبل نزول الحكم الإلهي الذي جاءت به آيات الله تعالى البينات.
(1615) تفسير ابن كثير، 397/ 2 (1/507)
صفحة 500
روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى
إِنَّ الأَبْرَار لَفِي نَعِيمٍ. وَإِنَّ الْفُجَارَ لَفِي جَحِيمِ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُم عنها بِغَايِينَ * وَمَا أَدْرَنكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَنكَ مَا يَوْمُ الدين. يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَيذٍ لِلَّهِ
[الإنفطار: 13 - 19]
معني
كلمة: الْفُجَارَ حسب ما جاء في كتب اللغة: جاء في لسان العرب: وفَجَرَ الإِنسانُ يَفْجُرُ فَجْراً و فُجوراً: انْبَعَثَ فِي المعاصي ... الفُجار: جمع فاجر وهو المُنْبَعِث في المعاصي والمحارم ... وفَجَرَ الرجل بالمرأة يَفْجُر فُجوراً: زنا. وفَجَرت المرأة زنت ورجل فاجر من قوم فُجَارٍ وفَجَرَةٍ، وفَجورٌ من قوم فُجُرٍ ... وقوله: {بَلْ يُرِيدُ الإِنسَنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ؛ أَي: يقول سوف أتوب؛ ويقال: يُكثرُ الذنوب ويؤخر التوبة، وقيل: معناه أنه يسوّف بالتوبة ويقدم الأعمال السيئة؛ قال: ويجوز، والله أعلم، ليكفر بما قدامه من البعث ... والكاذب فاجر، والمكذب فاجر، والكافر فاجر لميلهم عن الصدق والقصد (1616).
(1717)
وجاء في القاموس المحيط: «والفجرُ: الانبعاث في المَعاصِي والزنى ... وفَجَرَ: فَسَق، وكَذَبَ وكَذَّبَ، وعَصَى، وخالَفَ» (1617).
(1616) لسان العرب، 188/ 10 - 189. (1617) القاموس المحيط، 189/ 2 – 190. (1/508)
صفحة 501
الفصل الثالث
509
وجاء في تاج العروس: (و) أصل (الفَجْر) الشق، ثمّ اسْتُعْمِلَ في (الانبعاث في المَعَاصِي) والمَحَارِمِ والزِّنَى) ورُكُوب كُلِّ أَمْرٍ قَبِيحَ مِنْ يَمِين كاذبة أَو كَذِب، (كالفُجُور فيهما .... (و) فَجَرَ فُجُورًا، (عَصَى وخالَفَ)، وبه فَسَّرَ ثعلب قَوْلَهم في الدُّعاء: ونَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَفْجُرُكَ» فَقَالَ: مَن يَعْصِيكَ وَمَنْ يُخَالِفُكَ» (1618).
إذاً فالفجور ـ حسب ما جاء في كتب اللغة العربية ـ هو: الانبعاث في المعاصي وارتكاب الفواحش العظام التي توعد الله عليها في الآخرة بالعذاب
الأليم.
قال الشيخ السعدي في تفسيره: «وَإِنَّ الْفُجَّارَ الذين قصروا في حقوق الله وحقوق عباده الذين فجرت قلوبهم ففجرت أعمالهم ولفي جحيم أي: عذاب أليم في دار الدنيا، ودار البرزخ، وفي دار القرار. {يَصْلَوْنَها) ويعذبون بها أشد العذاب يَوْمُ الدِّينِ) أي: يوم الجزاء على الأعمال. {وَمَا هُم عَنْهَا بغايبين، أي: بل هم ملازمون لها لا يخرجون منها (1619).
فكل الذين فجرت أعمالهم فقد حكم الله عليهم في هذه الآيات الكريمة بالعذاب في نار لا يغيبون عنها. وليس في هذه الآيات ولا في غيرها حكم بالعذاب المؤقت في حق قوم دون قوم. وأما الذين حملوا هذه الآيات على المشركين فقط فحجتهم (فكرة الخروج من النار التي لا أساس لها إلا تصورات عقلية قاصرة متناقضة، وتوجهات مذهبية لم تهذبها الآيات الكريمة ولا روايات صحيحة ثابتة عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1618) تاج العروس فصل الفاء. الراء، كلمة: (فجر) مع
(1619) تفسير السعدي، ص 874، من تفسير الآيات 14 - 16 من سورة الإنفطار. (1/509)
صفحة 502
01.
معالم الحق
فالحكم بالخلود في النار، أو الخروج منها، لا يُرد إلى عقول البشر في إثباته أو نفيه؛ فالناس تبع لما جاء به القرآن الكريم وما صح من الأحاديث النبوية.
قال ابن عاشور: «والمراد بـ {الْفُجَّارَ) هنا: المشركون، لأنهم الذين لا يغيبون عن النار طرفة عين وذلك هو الخلود، ونحن أهل السنة لا نعتقد الخلود في النار لغير الكافر. فأما عصاة المؤمنين فلا يخلدون في النار وإلا لبطلت فائدة الإيمان (1620).
كنا نتمنى من العلامة ابن عاشور أن يرتقي بطرحه عند هذا الموضع إلى مستوى يليق بمكانته العلمية بحيث يعرض على أفراد هذه الأمة دلالات الكلمات القرآنية من مصادرها، ويبين الأسس التي تبنى عليها التصورات التي تستقر عليها عقائد المسلمين.
وما قاله ابن عاشور هنا إنما هو حمل لمعاني الآيات لتتوافق مع أفكار لم يثبتها القرآن ولم تأت بها سُنَّة متواترة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإن كثرت الدعاوى التي لا أصل لها.
فما دليل ابن عاشور في حمله معنى الْفُجَارَ على أهل الشرك فقط؟. فكان على ابن عاشور توجيه الأفكار إلى الأخذ بما صرح به القرآن
الكريم، لا أن يجعل أفكار الناس مخصصة لأحكام الله تعالى.
وكان على ابن عاشور تطبيق أصول التفسير التي اختصرها العلامة الشوكاني بقوله: « ... ، واشدد يديك في تفسير كتاب الله على ما تقتضيه اللغة العربية، فهو قرآن كما عربي وصفه الله، فإن جاءك التفسير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1620) تفسير ابن عاشور، 162/ 30، من تفسير الآية 14 من سورة الانفطار. (1/510)
صفحة 503
الفصل الأول
511
فلا تلتفت إلى غيره، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، وكذلك ما جاء عن الصحابة، فإنهم من جملة العرب، ومن أهل اللغة وممن جمع إلى اللغة العربية العلم بالاصطلاحات الشرعية ولكن إذا كان معنى اللفظ أوسع مما فسروه به في لغة العرب فعليك أن تضم إلى ما ذكره الصحابي ما تقتضيه لغة العرب واسـ رارها فخذ هذه كلية تنتفع بها، وقد ذكرنا في خطبة هذا التفسير ما يرشدك إلى هذا (1621).
فهذه الكلمات التي سطرها العلامة الشوكاني لم تجد لها حظاً م
التطبيق عند جميع من قال بالعذاب المؤقت.
فعلى (الفجار) ممن انتسب لهذه الأمة عدم الركون إلى أقوال الناس التي جاء القرآن بضدها، وعليهم الأخذ بما قاله الله تعالى في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا خلفه
من
(1621) تفسير الشوكاني، 407/ 4 - 408. (1/511)
صفحة 504
خاتمة الفصل الثالث
نلخص ما جاء في هذا الفصل في النقاط الآتية: - لقد ذُكر في هذا الفصل آيات قرآنية كريمة فيها الوعيد بالعذاب الشديد الخالد الثابت الملازم لمن فجر وعصى
الله تعالى.
ودلالات الآيات القرآنية الواضحة في وعيد أصحاب الكبائر لم يأخذ بظاهرها أصحاب فكرة الشفاعة لأهل الكبائر، فقد قاموا بتقييد معانيها
بروايات ضعيفة أبطلها
منهج
الأمة الصائب.
- ولقد لعبت التوجهات المذهبية عند القائلين بالشفاعة لأهل الكبائر دوراً في ترجيح ما ذهبوا إليه على حساب مدلولات الآيات القرآنية الكريمة
والأحاديث النبوية الصحيحة.
والمنهج الإسلامي المتبع في تقييم الروايات يرد كل ما خالف ظاهر
القرآن الكريم وظاهر سُنَّة النبي الله.
ومن أسس المنهج الإسلامي في فهم معاني كتاب الله تعالى هو البحث في أسانيد ومتون الروايات المنسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمنسوبة السعي إلى معرفة معاني الصحابة، مع
إلى سلف هذه الأمة.
من (1/513)
صفحة 505
514
معالم الحق
«مفردات
السياق» (1622).
الألفاظ من لغة العرب ومدلولاتها واستعمالها بحس
وليس لأحد أن يحمل كلام الله ورسوله على وفق مذهبه، إن لم يتبين من كلام الله ورسوله ما يدل على مراد الله ورسوله وإلا فأقوال العلماء تابعة لقول الله تعالى ورسوله، ليس قول الله ورسوله تابعا لأقوالهم
(1623)
ومعنى (السيئة) و (الخطيئة) و (الظلم) يشمل كل معصية يرتكبها الإنسان في جنب الله تعالى. والأقوال والروايات التي فسرت (السيئة) و (الظلم) و (الخطيئة) بـ (الشرك) و (الكفر) فقط هي أقوال وروايات ضعيفة أسقطها منهاج الأمة الإسلامية.
وعلماء المسلمين حينما طبقوا المنهاج الصائب في دراساتهم صرحوا بأوضح عبارة أن معنى السيئة) و (الخطيئة) و (الظلم) يشمل جميع المعاصي.
(1622) شروط المفسر وآدابه، ص
(1623) الإيمان، ص 32.
63 (1/514)
صفحة 506
خاتمة البحث
في خاتمة هذا البحث نختصر الدعوة إلى تطبيق مناهج الأمة الإسلامية، وما تم عرضه من أقوال حول روايات الشفاعة في الفصول الماضية في
النقاط الآتية: -
هذه الأمة الكريمة جعلها الله تعالى أمة وسطاً تقاس بها أحوال الأمم السابقة واللاحقة. فالأمم لا تنال حضاراتها إلا إذا كان لها حظ وافر مما دعت إليه أمة الإسلام من مبادئ وقيم.
1
لقد سبقت هذه الأمة بمادئها ونظرتها المستقيمة عن الآخرة والدنيا كل الأمم، فقد جاء في كتاب الله تعالى بيان واضح أن المرء مؤاخذ بما يعمله ولن يجد له ولياً ولا نصيراً إن هو تعدى حدود الله تعالى، فقد قال الله في محكم كتابه مخاطباً أفراد هذه الأمة: {لَيْسَ بِأَمَانِيَكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَب مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 123].
- وبسبب المسؤولية العظمى التي يتحملها الإنسان المسلم في هذا الوجود وجب عليه أن يكون قرآناً يمشي على وجه الأرض، ذاكراً دائماً مصيره الأخروي وهو يسعى في هذه الدنيا، وقارعاً أبواب التوبة والإنابة (1/515)
صفحة 507
516
معالم الحق
والرجوع إلى الله إذا ما نزعه الشيطان في لحظة لحظات الضعف من
الإنساني. حكم الله تعالى في الآخرة لا يتغير لتعدد أفكار البشر في هذه الدنيا، فلن يكون هناك حكم خاص لمن قال بالشفاعة لأهل الكبائر، ولن يكون هناك حكم خاص آخر لمن قال بعدم الشفاعة لمن أتى يوم القيامة بذنوب تدخله النار والعياذ بالله تعالى. فالقانون الإلهي سوف يطبق على الجميع يوم القيامة، فالمعيار هو الإيمان الصادق والعمل الصالح والتوبة النصوح. فما على البشر إلا الرجوع إلى مصادر العقيدة الإسلامية التي لا تخطئ لأخذ التصور الصحيح منها عن الآخرة وأحوالها.
وطريق الإنسان في عبوره إلى الآخرة ينقسم إلى طريقين بعد الخروج
من القبور وبعد الحساب الأخروي: -
طريق إلى الجنة الدائمة الخالدة، وسيسلكها الأنبياء والرسل وكل من
سار على نهجهم.
وطريق إلى نار
جهنم
الخالدة، وسيسلكها كل من تعدى حدود الله
تعالى وجاء يوم القيامة بذنوب يدخل بسببها من أبواب الجحيم.
والقول بأن من أصحاب الكبائر من المسلمين قد لا يدخلون نار جهنم، وإذا دخلوا فيها سيخرجون منها بعد حين من الوقت، هو قول لم يأت في كتاب الله تعالى، ولم يأت في رواية صحيحة ثابتة عن رسول الله، وكل الروايات التي روجت للشفاعة لأهل الكبائر في أوساط المسلمين ردها منهج الإسلام القوي العادل ولم يحفل بها.
والذين قالوا بالشفاعة لأهل الكبائر يوم القيامة أولوا ظاهر القرآن
الكريم والأحاديث الصحيحة بروايات ضعيفة وتصورات عقلية. (1/516)
صفحة 508
خاتمة البحث
517
والأدلة التي نطقت بخلود أصحاب الكبائر في النار دلالاتها واضحة جلية قوية لأنها آيات قرآنية، وأحاديث صحيحة يقرها منهج الأمة في تقييم
الروايات.
- لقد حدد علماء الأمة الإسلامية المناهج التي ينبغي للمسلمين التقيد بها، ولخصها أحدهم بقوله: «مبنى الإسلام على الوحي والنقل الصحيح لا على الرأي والعقل فما جاءنا من أمر ونهي عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من خلال السنة الصحيحة وجب علينا أن نلبي مسرعين بدون تلكؤ أو تراجع فعلاً وتركاً ... ولذا كان السلف - رحمهم الله - يدورون مع النصوص حيث دارت ويحكمون على الرجل بأنه على الطريق ما كان على الأثر (1624). فهذه المبادئ التي أشير إليها هنا لم يطبقها القائلون بالشفاعة لأهل الكبائر كما تبين لنا في فصول هذا البحث، والذين قالوا بعدم الشفاعة لأصحاب الذنوب يوم القيامة قد أخذوا بهذه الأسس في دراساتهم وكتاباتهم.
"
- ولقد تبيَّن بعد العرض على منهج الإسلام أن «روايات الخروج من النار معارضة لنصوص القرآن، وروايات الخلود فيها متفقة معها، ويتعين
المصير في مثل هذه الحالة إلى ما اتفق مع القرآن لا إلى ما خالفه» (1625).
ولقد تبين بعد عرض الروايات على منهاج الأمة أن القائلين بالشفاعة لأهل الكبائر لم يتقيدوا بالمنهج الذي وصفه أحدهم بقوله: «من منهج التفسير الصحيح السليم من الانحراف والخطأ والذي عليه السلف الصالح - الله طرح الأحاديث الضعيفة والموضوعة وعدم الاعتماد عليها في تفسير كلام الله عل ... والحديث الضعيف، والموضوع يعود أصلهما
رحمهم
-
(1624) الفرار من
النار، ص
166
ص 200 - 201. (1625) الحق الدامغ، (1/517)
صفحة 509
518
معالم الحق
ومنشأهما إلى الشك والضعف والجهل والكذب فلا يجوز الأخذ بهما في تفسير القرآن الكريم، ولأنه من أول مصادر الدين فلا يوضع أساس الدين على حديث ضعيف غير ثابت فضلاً عن أن يبنى على حديث موضوع يعلم كذبه وافتراءه» (1626).
ومن شأن فكرة الخروج من النار والشفاعة لأهل الكبائر جر أفراد هذه الأمة إلى الشر بارتكاب الفواحش التي حرمها الله تعالى، وما هذا الانحطاط الذي يدب في أوساط المسلمين إلا من إفرازات هذه الفكرة اليهودية المنشأ. والذين يتساءلون عن الخلل وأسباب الانحطاط والضياع الذي تعيشه أمتنا
الشك
(1626) أسباب الخطأ. في التفسير، 124/ 1. ومما قاله الدكتور طاهر محمود حول المنهج الذي لم يتقيد به هو، بل ألقى به خلف ظهره والاعتماد على الأحاديث غير الصحيحة من الأخبار الضعيفة والموضوعة في التفسير ينقص شأن السنة ومنزلتها المرموقة، كما يكدر هذا صفاء مصادر التفسير، ويلوث التفسير بشيء من ا والضعف والتحرج والتردد في قبوله، وقد يؤدي هذا الأمر إلى الانصراف عن الأحاديث الصحيحة، كما يتخذه بعض الناس من أصحاب الأفهام السطحية وذوي العقول السقيمة سلماً للوصول إلى إنكار السنة الصحيحة. فمن واجبات المفسر أن يحذر من إيراد الأحاديث الضعيفة والموضوعة ويقتصر على ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم». أسباب الخطأ في التفسير، 136/ 1). وقوله أيضاً: « ... فوجود الحديث أو الكلام التفسيري في كتاب من كتب التفسير لا يغنيك عن الاجتهاد والبحث عن الوصول إلى المراد الصحيح والمعنى المقصود من الآية، بل يجب الاجتهاد في معرفة الصحيح من سقيمه، والسليم من عليله، والخالص من شوبه، كما يلزم التيقن والتثبت في تقبل الأخبار والوقائع الواردة في
كتب التفسير بالميزان العلمي الرصين ...... أسباب الخطأ في التفسير، 595/ 2). فالدكتور طاهر محمود ترك هذا المنهج بعد أن عرفه، وأقبل يفتري ويكذب على المتبعين والمطبقين لهذه المناهج وينسب إليهم الأباطيل، ومما قاله من أكاذيب ضد الإباضية: .... وراحوا يكفرون أهل الإسلام ويستبيحون دماءهم وأموالهم بهذا التعصب العاري من الحجة والبرهان». أسباب) الخطأ التفسير، 651/ 2). فحسبنا ونعم الوكيل، فحسبنا الله ونعم الوكيل، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
الله
في (1/518)
صفحة 510
خاتمة البحث
519
اليوم عليهم الإدراك أن السبب وراء هذه المفاسد كلها هو القول المنتشر: فالعصاة الذين سيشفع فيهم صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ويخرجهم من أصحاب كبار الذنوب كالقتل والزنا، واللواط، والشرب، والسرقة،
النار،
هم
وأكل مال اليتيم والتعامل بالربا والدياثة والسحر والقذف، والحكم بغير ما أنزل الله، والكذب، وهجران المسلم والغيبة والنميمة، والكهانة، والعرافة، والمكس، وأمثال هذه القاذورات العظيمة، فأصحاب ذلك هم المخرجون من
النار بشفاعة نبينا صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وغيره من الشفعاء» (1627). فعلى المصلحين من أبناء هذه الأمة الطاهرة محاربة هذه الأقوال الباطلة ودعوة المسلمين كافة إلى عدم التعلق بأماني الشفاعة الكاذبة التي لا أصل لها في ميزان الإسلام. فكيف يكون الإصلاح مع هذه الذنوب التي تهدم الأفراد والأمم والشعوب؟!.
ومن شأن عقيدة خلود أصحاب الذنوب الكبيرة في النار ـ إذا طبقها أصحابها حق التطبيق ـ أن تخرج معتقدها من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعات، وأن تصنع منه كياناً طاهراً من دنس الذنوب، ووقافاً عند حدود الله تعالى، لأن مصدرها آيات بينات من كتاب الله تعالى وروايات صحيحة من سُنة المصطفى.
وأخيراً أقول لأفراد هذه الأمة الإسلامية إن رسالتنا لا تقف عند القول
والتمدح بما كتبه السلف الصالح بل علينا بالعلم والتعليم والتطبيق. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله
تعالى وبركاته.
(1627) الشفاعة وأنواعها في السنة المطهرة، ص 47. (1/519)
صفحة 511
المراجع
1 - أثر الذنوب في هدم الأمم والشعوب محمد محمود الصواف، دار الرسالة بيروت - لبنان ط 7، 1407 هـ ـ 1987 م.
الضحاك
2 - الآحاد والمثاني الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم بن مخلد الشيباني، علق عليه الدكتور يحيى مراد، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط 1، 1424 هـ ـ 2003 م. - أسباب الخطأ في التفسير الدكتور طاهر محمود محمد يعقوب، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، الرياض - السعودية، ط 1، 1425 هـ. أسباب النزول أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، دار
- {
التقوى. ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي.
أسماء الله الحسنى الشيخ محمد متولي الشعراوي، دار أخبار اليوم - قطاع الثقافة.
الأسماء والصفات للبيهقي أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، المكتبة التوفيقية، القاهرة - مصر، 1997 م. ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي. (1/521)
صفحة 512
522
V
- A
9
-
معال الحق
الإصابة في تمييز الصحابة أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد المعروف بابن حجر، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، طبق النسخة المطبوعة سنة 1853 م في بلدة كلكتا.
أصول منهج
النقد عند أهل الحديث عصام أحمد البشير، مؤسسة
الريان للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، ط 2، 1412 هـ ـ
1992 م.
بن حمد
إعادة صياغة الأمة (الحلقة الأولى) سماحة الشيخ أحمد الخليلي، إعداد خالد بن مبارك الوهيبي مكتبة الجيل الواعد، مسقط
- سلطنة عمان، ط 1.
10 ـ الاعتقاد للبيهقي أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، دار اليمامة، 2002 م. ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي. إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، 1412 هـ ـ 1992 م.
11
12
ودراسة
إنكار الشفاعة (محاولة جديدة للطعن في السُّنَّة والتهجم على العلماء وتكفير المسلمين وتخليد مرتكب الكبيرة في النار) وتحقيق: عبد الله حجاج مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة - مصر،
ط 2، 1423 هـ ـ 2002 م.
جمع
13 - الإيمان العلامة ابن تيمية المكتب الإسلامي، ط 3، 1401 هـ.
14 - أين الخلل؟ الدكتور يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة (ناشرون)، بيروت - لبنان، ط 1، 1422 هـ ـ 2001 م. (1/522)
صفحة 513
المراجع
523
أحمد
15 - الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن حجر محمد شاكر مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت - لبنان، ط 3، 1408 هـ.
16 ـ البعث ابن أبي داود أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، 1987 م. ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي.
17 ـ تاج العروس أحمد بن عبد اللطيف الشرجي الزبيدي اليمني الحنفي شهاب الدين أبو العباس ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث
الإسلامي. 18 - تاريخ الطبري تاريخ الأمم والملوك الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط 1، 1407 هـ ـ 1987 م. 19 - التاريخ الكبير أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث
الإسلامي.
20 - تاريخ بغداد أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان 1997 م ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي.
21 - التبيان في أقسام القرآن شمس الدين أبو عبد الله ابن القيم الجوزية، صححه وعلق عليه طه يوسف شاهين دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، 1402 هـ ـ 1982 م.
22 - تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي الإمام الحافظ أبو العلى محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، ضبطه وراجع أصوله (1/523)
صفحة 514
524
معالم الحق
وصححه عبد الرحمن محمد عثمان دار الفكر للطباعة والنشر
والتوزيع، ط 3، 1399 هـ ـ 1979 م.
بن
23 ـ التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة الإمام محمد بن أحمد أبي بكر بن فرج الأنصاري القرطبي، خرج أحاديثه وعلق عليه محمد
خلف يونس، دار التوزيع والنشر الإسلامية، ط 1، 1418 هـ ـ
1997 م. 24 ـ الترغيب والترهيب زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري
مكتبة الإرشاد.
25 - تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة الإمام أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي، تحقيق: أيمن صالح شعبان، دار
الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط 1، 1416 هـ - 1996 م.
26 - تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني، تحقيق الدكتور عبد الغفار سليمان البنداري والأستاذ محمد أحمد عبد العزيز، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 2، 1407 هـ ـ
1987 م. 27 - تفسير ابن كثير عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي، تصحيح لجنة من العلماء، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط 4، 1983 م.
28 ـ تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان في تفسير القرآن) الشيخ عبد الرحمن بن مخلوف الثعالبي، تحقيق: محمد الفاضلي، المكتبة
العصرية، صيدا - بيروت، لبنان، ط 1، 1417 هـ ـ 1997 م. (1/524)
صفحة 515
المرا
525
29 ـ تفسير الثعلبي أحمد بن محمد الثعلبي النيسابوري. ضمن منشورات
المرجع
الأكبر للتراث الإسلامي.
30 ـ تفسير الخازن لباب التأويل في معاني التنزيل) علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي الشهير بالخازن ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي.
31 - تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: عبد الرحمن من معلا اللويحق دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت ـ لبنان، طا، 1424 هـ ـ 2003 م. (ملاحظة: لقد أخذت أقوال الشيخ السعدي من
هذه النسخة، فأرجو ملاحظة هذا عند طلب الرجوع إلى المرجع).
32 - تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: محمد زهري النجار، عالم
الكتب ومكتبة النهضة بيروت - لبنان ط 1، 1408 هـ ـ 1988 م.
33 - تفسير السمرقندي (المسمى بحر العلوم) أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي، تحقيق: الشيخ علي محمد معوض والشيخ عادل أحمد عبد الموجود والدكتور زكريا عبد المجيد النوتي،
دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1، 1413 هـ ـ 1993 م.
الثقافة. 34 - تفسير الشعراوي الشيخ محمد متولي الشعراوي، أخبار اليوم - قطاع 35 ـ تفسير الشوكاني فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير) العلامة محمد بن علي بن محمد الشوكاني، تحقيق: عبد الرحمن عميرة، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة - مصر، ط 2، 1418 هـ ـ 1997 م. (1/525)
صفحة 516
526
محال الحق
36 - تفسير الطباطبائي (الميزان في تفسير القرآن العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت ـ لبنان، ط 2، 1422 هـ ـ 2002 م.
37 ـ تفسير الطبرسي (مجمع البيان في تفسير (القرآن) أمين الإسلام أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، دار، المرتضى بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى، 1427 هـ ـ 2006 م.
38 ـ تفسير القرطبي (الجامع لأحكام (القرآن) أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، 1413 هـ ـ
1993 م.
39 ـ تفسير المراغي الأستاذ أحمد مصطفى المراغي، خرج آياته وأحاديثه باسل عيون السود منشورات محمد علي، بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، ط 1، 1418 هـ ـ 1998 م.
40 - تفسير المنار (تفسير القرآن الحكيم الإمام محمد رشيد رضا، دار الفكر ودار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت ـ لبنان، ط 2.
41 - تفسير النسفي الإمام أبو البركات عبد الله بن أحمد من محمود النسفي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
42 - تفسير روح البيان الإمام إسماعيل حقي البروسوي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
43 ـ تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان،
1996 م. ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي. (1/526)
صفحة 517
المراجع
527
44 ـ التفسير والمفسرون الدكتور محمد حسين الذهبي، دار الحديث، القاهرة - مصر، 1426 هـ ـ 2005 م.
45 - تقريب التهذيب الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، ط 2،
1415 هـ ـ 1995 م.
46 ـ التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، دار الفكر العربي.
47 ـ تلبيس ابليس الحافظ الإمام جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي البغدادي دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، 1414 هـ ـ 1994 م.
48 ـ التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد المحدث الإمام يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر المالكي القرطبي، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان، طا، 1420 هـ ـ 2000 م.
49
تنبيه العاصي إلى ترك المعاصي الدكتور عامر سعيد الزيباري، دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت ـ لبنان، ط 1، 1415 هـ ـ
1994 م.
50 ـ تهذيب الآثار أبو جعفر الطبري، خرج أحاديثه محمود محمد شاكر، مطبعة المدني - المؤسسة السعودية بمصر.
51 ـ تهذيب التهذيب أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر
العسقلاني، (1/527)
صفحة 518
528
معالم الحق
تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان،
ط 1، 1415 هـ ـ 1994 م.
52 ـ تهذيب الكمال في أسماء الرجال جمال الدين أبو الحجاج يوسف المزي، تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان، ط 1، 1418 هـ ـ 1998 م.
53 ـ التوبة أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني الدمشقي، تحقيق: عبد الله حجاج مكتبة التراث الإسلامية، القاهرة - مصر.
54 ـ جامع التحصيل في أحكام المراسيل أبو سعيد صلاح الدين خليل بن كَيْكَلْدي بن عبد الله العلائي الدمشقي، عالم الكتب، 1986 م. ضمن
منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي.
50 - الجامع الصحيح (مسند الإمام الربيع بن حبيب) الإمام الربيع بن حبيب بن عمر الأزدي البصري، أعد فهارسه سعود بن عبد الله الوهيبي، مكتبة مسقط، مسقط - سلطنة عمان، ط 1، 1415 هـ ـ
- 56
1994 م.
جمهرة اللغة محمد بن دريد، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان 2005 م. ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي.
57 - جوابات الإمام السالمي الإمام نور الدين عبد الله بن حميد السالمي، تنسيق ومراجعة الدكتور عبد الستار أبو غدة، مطابع النهضة، مسقط
سلطنة عمان، ط 1، 1417 هـ - 1996 م.
5 - جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، مكتبة الاستقامة مسقط - سلطنة عُمان. (1/528)
صفحة 519
المراجع
529
59 ـ حاشية ابن القيم على سنن أبي داود ابن قيم الجوزية، مطبوع في حاشية عون المعبود، ضبط وتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، الناشر المكتبة السلفية، ط 3، 1399 هـ ـ 1979 م.
60 ـ حسن الظن بالله أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد ابن أبي الدنيا، دار طيبة، 1988 م. ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي. 61 - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، 2002 م.
ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي.
62 ـ الدر المنثور في التفسير المأثور جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، منشورات محمد علي، بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط 1، 1421 هـ ـ 2000 م.
63 ـ دلائل النبوة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، وثق أصوله وخرج أحاديثه وعلق عليه الدكتور عبد المعطي قلعجي، منشورات محمد علي، بيضون دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط 2، 1423 هـ ـ
2002 م. 64 ـ دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين محمد بن علان الصديقي، تحقيق عصام الدين الصبابطي، دار الحديث، القاهرة ـ مصر، طا، 1419 هـ ـ 1998 م.
65 ـ الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، حقق أصله وعلق عليه أبو إسحاق الحويني الأثري، دار ابن عفان للنشر والتوزيع، الخبر - المملكة العربية السعودية، ط 1،
1416 هـ - 1996 م. (1/529)
صفحة 520
530
معالم الحق
66 ـ الذنوب الكبيرة السيد عبد الحسين دستغيب، دار البلاغة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، ط 1، 1421 هـ ـ 2000 م.
- الروح ابن قيم الجوزية اعتنى به وعلق عليه هيثم جمعة هلال، مؤسسة المعارف للطباعة والنشر، بيروت - لبنان ط 1، 1425 هـ ـ 2004 م.
68 - رياض الصالحين الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، دار ابن حزم، بيروت ـ لبنان، ط 1، 1422 هـ ـ
2001 م.
69 - الزهد الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط 2، 1414 هـ ـ -- 1994 م.
70 - سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام أبو إبراهيم عز الدين محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني الكحلاني الصنعاني، دار الفكر، بيروت - لبنان، 1995 م. ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي.
71 - السنة الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، حققه وخرج أحاديثه أ. د باسم بن فيصل الجوابرة، دار الصميعي للنشر والتوزيع،
الرياض، المملكة العربية السعودية، ط 1، 1419 هـ ـ 1998 م.
72 ـ سنن ابن ماجه الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، ضبط النصوص أحمد شمس الدين منشورات محمد علي بيضون، دار
-
الكتب العلمية، بيروت - لبنان ط 1، 1423 هـ ـ 2002 م.
73 ـ سنن أبي داود أبو داود سليمان بن الأشعث السجتاني، تحقيق: محمد عبد العزيز الخالدي، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب
العلمية، بيروت - لبنان ط 1، 1422 هـ ـ 2001 م. (1/530)
صفحة 521
المراجع
531
74 ـ سنن البيهقي الكبرى أبو بكر بن الحسين بن علي البيهقي، دار الفكر، بيروت ـ لبنان، 1996 م. ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث
الإسلامي.
75 - سنن الترمذي الإمام المحدث أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، ضبط وتصحيح خالد عبد الغني محفوظ، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط 1، 1424 هـ ـ
2002 م. 76 ـ سنن الدارمي الإمام أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، دار إحياء السنة النبوية توزيع دار الباز للنشر والتوزيع، مكة المكرمة. سنن النسائي الكبرى الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، تحقيق الدكتور عبد الغفار سليمان البنداري وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان ط 1، 1411 هـ ـ 1991 م.
77
-
78 - سير
بن
بن
عثمان
أعلام النبلاء الإمام شمس الدين محمد. أحمد الذهبي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط ومحمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة
الرسالة، ط 11، 1422 هـ ـ 2001 م.
79 - السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان تحقيق وشرح: الأستاذة الدكتورة سيدة إسماعيل كاشف وزارة التراث والثقافة بسلطنة عمان، ط 2،
1410 هـ ـ 1989 م.
80 - شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة سعيد بن علي بن الله وهف القحطاني راجعه الشيخ عبدا بن عبد الرحمن الجبرين منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، ط 1، 1422 هـ ـ 2001 م. (1/531)
صفحة 522
532
مجال الحق
بن
81 - شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة أبو القاسم هبة الله الحسن بن منصور الطبري اللالكائي، تحقيق: سيد عمران، دار
الحديث، القاهرة - مصر، 1425 هـ ـ 2004 م.
82 ـ شرح الجامع الصحيح (مسند الإمام الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي الأزدي) الإمام نور الدين السالمي، تصحيح وتعليق عز الدين التنوخي، مكتبة الإستقامة مسقط ـ سلطنة عمان.
83 - شرح الكبائر الشيخ محمد بن صالح العثيمين، تحقيق: صلاح الدين محمود السعيد، دار الغد الجديد المنصورة - مصر، ط 1، 1426 هـ.
2005 م.
84 ـ شروط المفسر وآدابه الحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، تحقيق فواز أحمد زمرلي دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع،
بيروت ـ لبنان، ط 1، 1414 هـ ـ 1994 م.
85 - شعب الإيمان أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، 2000 م. ضمن منشورات المرجع الأكبر
للتراث الإسلامي.
بن زهران الحراصي،
86 - الشفاعة الأخروية (دراسة عقائدية) سلطان. محمد بن مطابع النهضة، مسقط - سلطنة عمان، ط 1، 1423 هـ ـ 2002 م.
- الشفاعة بحوث في حقيقتها وأقسامها ومعطياتها السيد كمال الحيدري، مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت ـ لبنان، طا،
1425 هـ ـ 2004 م.
88 - الشفاعة محاولة لفهم الخلاف القديم بين المؤيدين والمعارضين (1/532)
صفحة 523
المراجع
533
الدكتور مصطفى محمود، دار أخبار اليوم، جمهورية مصر العربية.
89 - الشفاعة وأنواعها في السُّنَّة المطهرة أبو الفتاح عبد الله عبد القادر التليدي، دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت
لبنان، ط 1، 1431 هـ ـ 2010 م.
90 - الصحاح الجوهري (تاج اللغة وصحاح (العربية) أبو العباس الجوهري. ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي.
لبنان،
91 - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت ـ ط 3، 1418 هـ ـ 1997 م.
92 - صحيح البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت ـ لبنان، طا،
1422 هـ ـ 2001 م.
93 - صحيح مسلم الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، ط 1، 1420 هـ ـ 2000 م.
94
-90
- صيد الخاطر الإمام الحافظ جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزي، تحقيق: محمد علي وشريف عبد الله دار ابن الهيثم، القاهرة - مصر، ط 1، 2005 م.
- ضعفاء العقيلي كتاب الضعفاء الكبير) أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، 1998 م. ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي. (1/533)
صفحة 524
محال الحق
هده و ممتروكين نننسائي الإمام أحمد بن شعيب النسائي، دراسة وتحقيق: الشيخ عبد العزيز عز الدين السيروان، ضمن المجموع في نضعفء و نمتروكين دار القلم، بيروت - لبنان، ط 1، 1405 هـ -
97 - طبقات المحدثين بأصفهان أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأصبهاني، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، 1989 م. ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي.
99
9 - طريق الهجرتين وباب السعادتين العلامة ابن القيم الجوزية، تحقيق: الدكتور وهبة الزحيلي، خرج أحاديثه أسامة حسن عبد المجيد، دار الخير للطباعة والنشر والتوزيع دمشق ـ بيروت، ط 1، 1419 هـ ـ
1998 م.
طلعة الشمس (شرح شمس (الأصول الإمام نور الدين عبد الله بن حميد السالمي، تحقيق: عمر حسن القيام مكتبة الإمام السالمي، ولاية بدية. سلطنة عمان، ط 1، 2008 م.
100 ـ عمدة القاري شرح صحيح البخاري بدر الدين أبو محمد محمود بن أحمد العيني، ضبط وتصحيح عبد الله محمود محمد عمر، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط 1، 1421 هـ ـ 2001 م.
101 - الغيث المدرار والسر العمار فيما يتعلق بالنبي المختار المكتوب على صناديق النار جرأة وجسارة من الفجار أعداء الله ورسوله الكفار أبو المواهب جعفر بن إدريس الكتاني، تحقيق: الدكتور محمد عزوز، مركز التراث الثقافي المغربي الدار البيضاء - المملكة المغربية، دار ابن حزم بيروت - لبنان، ط 1، 1428 هـ ـ 2007 م. (1/534)
صفحة 525
المراجع
535
102 - فتح الباري بشرح صحيح البخاري الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، دار الفکر، بيروت ـ لبنان، 1414 هـ ـ 1993 م.
103 ـ الفرار من النار أبو أحمد عبد المنجي السيد أمين، مكتبة عباد الرحمن ومكتبة العلوم والحكم، مصر، 2006 م.
104 ـ الفصل في الملل والأهواء والنحل الإمام ابن حزم الأندلسي، مكتبة السلام العالمية.
الظاهري
105 - الفكر العقدي عند الإباضية حتى نهاية القرن الثاني الهجري الدكتور مسلم بن سالم بن علي الوهيبي مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، السيب - سلطنة عمان، ط 1، 1427 هـ - 2006 م.
106 ـ في ظلال القرآن سيد قطب دار الشروق بيروت، ط 10، 1402 هـ ـ
1982 م.
107 - فيض القدير شرح الجامع الصغير زين الدين محمد عبد الرؤوف المناوي القاهري، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، 1994 م. ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي.
108 - القاموس المحيط الفيروزابادي الشيرازي، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط 1، 1415 هـ ـ 1995 م.
109 ـ قراءة وضوابط في فهم الحديث النبوي الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي، دار المكتبي دمشق - سوريا، ط 2، 1431 هـ ـ
2010 م.
110 ـ القول الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى الشيخ علي
أحمد (1/535)
صفحة 526
536
مع الرالحق
عبد العال الطهطاوي، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط 1، 1424 هـ ـ 2003 م.
111 ـ الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، 1983 م. ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي.
112 ـ الكامل في ضعفاء الرجال الإمام الحافظ أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد
معوض والأستاذ الدكتور عبد الفتاح أبو سنة، منشورات محمد.
علي
بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط 1، 1418 هـ ـ. 1997 م.
113 ـ كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب ول أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة تحقيق الدكتور عبد العزيز بن إبراهيم الشهوان مكتبة الرشد، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط 6، 1418 هـ ـ
1997 م.
114 ـ كتاب الجرح والتعديل الإمام الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن - الهند، ط 1، 1371 هـ ـ - 1952 م.
115 ـ كتاب الضعفاء والمتروكين الشيخ الإمام جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد ابن الجوزي حققه أبو الفداء عبد الله
القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان.
116 ـ كتاب العين الخليل أحمد الفراهيدي، تحقيق: الدكتور مهدي المخزومي والدكتور إبراهيم السامرائي، تصحيح الأستاذ أسعد الطيب، الناشر انتشارات اسوه التابعة لمنظمة الأوقاف والأمور الخيرية). (1/536)
صفحة 527
المراجع
537
بن
117 ـ كتاب الكبائر وتبيين المحارم الحافظ أبو عبد الله محمد أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، تحقيق: محيي الدين مستو، دار ابن كثير (دمشق وبيروت) ومكتبة دار التراث المدينة المنورة)، ط 4، 1998 م. نسخة مصورة من هذا الكتاب موجودة في مكتبة المصطفى الإلكترونية في الشبكة العالمية للمعلومات.
118 ـ كتاب المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين الإمام الحافظ محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي، تحقيق: محمود إبراهيم زايد دار المعرفة بيروت ـ لبنان، 1412 هـ ـ
1992 م. 119 ـ الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في حبوة التأويل أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، دار الفكر،
ط 1، 1397 هـ ـ 1977 م.
120 ـ لسان العرب ابن منظور، تصحيح أمين محمد عبد الوهاب ومحمد الصادق العبيدي، دار إحياء التراث العربي ومؤسسة التاريخ العربي، بيروت - لبنان، ط 2، 1418 هـ ـ 1997 م.
121 - لسان الميزان الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت ـ لبنان،
- 122
1408 هـ ـ 1988 م.
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، دار الفكر بيروت ـ لبنان، 1994 م. ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي.
123 - مجموع الفتاوى أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني، تحقيق: (1/537)
صفحة 528
538
معالم الحق
مصطفى عبد القادر عطا، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان ط 2، 1426 هـ ـ 2005 م.
124 ـ مجموعة الرسائل والمسائل النجدية لبعض علماء نجد الأعلام، دار العاصمة الرياض - المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى
1349 هـ النشرة الثالثة 1412 م.
125 ـ المحلى في شرح المجلى بالحجج والآثار أبو محمد علي بن بن سعيد بن حزم الأندلسي، اعتنى به حسان عبدالمنان، بيت
أحمد
الأفكار الدولية.
126 - مختار الصحاح الإمام محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي. ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي.
127 - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين أبو عبد الله ابن القيم الجوزية، تحقيق: إياد بن عبد اللطيف بن إبراهيم القيسي، مكتبة الرشد، الرياض - المملكة العربية السعودية، ط 1، 1426 هـ ـ 2005 م.
128 - مراح لبيد لكشف معاني القرآن المجيد الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي، ضبط وتصحيح محمد أمين الضناوي، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1، 1417 هـ ـ 1997 م.
129 - المرجع الأكبر للتراث الإسلامي الإصدار الثالث، إنتاج العريس للكمبيوتر، صنع في المملكة العربية السعودية.
130 - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح الشيخ علي بن سلطان محمد القاري، تحقيق: الشيخ جمال عيتاني، دار الكتب العلمية، بيروت -
لبنان، ط 1، 1422 هـ ـ 2001 م. (1/538)
صفحة 529
اجع
539
131 - المستدرك على الصحيحين أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، ط 1، 1411 هـ ـ 1990 م.
132
133
- مسند ابن الجعدي أبو الحسن علي بن الجعد الجوهري، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، 1996 م. ضمن منشورات المرجع الأكبر
للتراث الإسلامي.
- مسند أبي يعلى أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى التميمي الموصلي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، 1998 م. ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي.
مخلد مسند إسحاق بن راهويه إسحاق بن إبراهيم بن الحنظلي التميمي المروزي، أبو يعقوب بن راهويه، مكتبة الإيمان، المدينة المنورة، 1990 م. ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي.
135 - مسند الإمام أحمد بن حنبل الإمام أحمد بن حنبل، بيت الأفكار
136
137
138
الدولية، الرياض، 1419 هـ ـ 1998 م.
- مسند البزار أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق العتكي البزار، مكتبة العلوم والحكم ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي.
1
-
مسند الحارث أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الأكبر للتراث الإسلامي. الهيثمي، ضمن منشورات المرجع مسند الحميدي أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي الأسدي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، 1988 م. ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي. (1/539)
صفحة 530
540
139
معالم الحق
مسند الشاميين أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، مؤسسة الرسالة، بيروت ـ لبنان. ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي.
140 - مسند الشهاب محمد بن سلامة الشهاب القضاعي، مؤسسة الرسالة،
141
بيروت ـ لبنان ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي.
- مسند الطيالسي أبو داود سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي، دار المعرفة، بيروت - لبنان ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث
الإسلامي.
142 - مسند عبد بن حميد المنتخب من مسند عبد بن حميد) أبو محمد عبد بن حميد، تحقيق: السيد البدري السامرائي ومحمود
143
144
-
محمد خليل الصعيدي عالم الكتب ومكتبة النهضة العربية، بيروت - لبنان، ط 1، 1408 هـ ـ 1988 م.
-
مصنف ابن أبي شيبة أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي، دار الفكر، بيروت - لبنان 1994 م. ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي.
مصنف عبد الرزاق أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق: الأستاذ نظير الساعدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان، ط 1، 1423 هـ ـ 2002 م.
145 - المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، 2003 م. ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث
الإسلامي. (1/540)
صفحة 531
المراجع
541
-187
- معارج الأمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال الإمام نور الدين عبد الله بن حميد السالمي، تحقيق: مجموعة من الأساتذة، مكتبة الإمام السالمي ولاية بدية - سلطنة عمان، ط 1، 2008 م. 147 ـ المعجم الأوسط الإمام الحافظ أبو القاسم سليمان بن أيوب اللخمي الطبراني، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، عمان ـ الأردن، توزيع
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط 1، 1420 هـ ـ 1999 م.
أحمد بن
148 ـ المعجم الصغير أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، تقديم وضبط كمال يوسف الحوت مؤسسة الكتب الثقافية بيروت - لبنان، ط 1، 1406 هـ - 1986 م.
149 ـ المعجم الكبير (للطبراني) أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، مطبعة الزهراء الحديثة ضمن منشورات المرجع الأكبر
للتراث الإسلامي.
150 ـ معجم مقاييس اللغة أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، تحقيق: عبد السلام محمد هارون دار الجيل، بيروت ـ لبنان.
151 - معرفة الصحابة أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان،
2002 م ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي.
152 - المفردات في غريب القرآن الحسين بن محمد بن المفضل المعروف بالراغب الأصفهاني. ضبطه وراجعه محمد خليل عيتاني، دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، ط 1، 1418 هـ ـ 1998 م. (1/541)
صفحة 532
542
153
-
مجال الحق
مقدمة ابن خلدون عبد الرحمن بن خلدون ضبط المتن الأستاذ خليل شحاته، مراجعة سهيل زكار دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت ـ لبنان، ط 2، 1408 هـ ـ 1988 م.
-
(
154 ـ المنتقى لابن الجارود (المنتقى من السنن المسندة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن الجارود، علق عليه عبد الله عمر البارودي، مؤسسة الكتب الثقافية ودار الجنان بيروت ـ لبنان، طا،
1408 هـ ـ 1988 م.
155 ـ المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج الإمام محيي الدين النووي، تحقيق الشيخ خليل مأمون شيحا، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط 3،
1417 هـ - 1996 م.
156 ـ منهج نقد المتن في تصحيح الروايات وتضعيفها، علي حسن مطر الهاشمي، دار البحار بيروت ـ لبنان، ط 1، 2009 م.
157
- موطأ الإمام مالك الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري، دار الكتاب العربي، بيروت ـ لبنان، 1988 م. ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي.
158 - ميزان الاعتدال أبو عبد الله محمد أحمد
بن
بن عثمان
الذهبي، تحقيق: علي محمد البخاري، دار الفكر للطباعة والنشر
والتوزيع.
159 - الميزان القسط (المنهج والتطبيق في دراسة ونقد روايات رؤية الله سبحانه وتعالى) علي بن محمد بن عامر الحجري، مكتبة الغبيراء، ولاية بهلا - سلطنة عمان. (1/542)
صفحة 533
المراجع
543
160 ـ الناسخ والمنسوخ القاسم بن سلام ضمن منشورات المرجع الأكبر
للتراث الإسلامي.
161 - نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار الإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت ـ لبنان، ط 1، 1421 هـ ـ 2000 م.
162 - الوافي بالوفيات صلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي، ضمن منشورات المرجع الأكبر للتراث الإسلامي.
163 - ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها أحمد عبد الجواد، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، ط 3، 1427 هـ - 2006 م.
164 - اليوم الآخر (2) - القيامة الكبرى الدكتور عمر سليمان الأشقر، مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع - بيروت ودار النفائس للنشر والتوزيع -
الكويت، ط 3، 1410 هـ ـ 1990 م. (1/543)
صفحة 534
11
39
41
43
45
23
الفهر
الفصل الأول: قراءات في تفسير قوله تعالى: إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ)
المقدمة.
تمهيد
القسم الأول: رواية: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)
في ميزان الإسلام
رواية منسوبة إلى الصحابي أنس بن
مالك
رواية منسوبة إلى الصحابي جابر بن عبد الله
رواية منسوبة إلى الصحابي ابن عباس
رواية منسوبة إلى الصحابي أبي الدرداء.
رواية منسوبة إلى الصحابية أم سلمة
رواية منسوبة إلى الصحابي أبي موسى الأشعري. (1/545)
صفحة 535
546
معالم الحق
رواية منسوبة إلى الصحابي ابن عمر
رواية منسوبة إلى الصحابية أسماء بنت عميس
أقوال حول الرواية التي فيها (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)
رواية: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) عذر أهل الفساد آيات قرآنية تبين مصير العصاة في الآخرة
روايات تُثبت أن الإنسان مؤاخذ بأعماله
46
49
ة
71
به ر
القسم الثاني: روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى: وفَما نَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّفِمِينَ، و وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لدى الْحَنَاجِرِ كَظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ، وا وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ)، و (فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ) 102
ما مدى حجية مفهوم المخالفة؟ الروايات التي احتج بها ابن عطية وغيره
رواية منسوبة إلى أنس بن مالك
القسم الثالث: روايات أستعين بها في تأييد فكرة الشفاعة
لأهل الكبائر
الرواية التي فيها: الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئاً،
وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وديوان لا يغفره الله)
رواية منسوبة إلى أم المؤمنين عائشة لنا
..
106
110
112
112
113 (1/546)
صفحة 536
???
رواية منسوبة إلى الصحابي أنس بن مالك لله
رواية منسوبة إلى الصحابي سلمان الفارسي.
رواية منسوبة إلى الصحابي أبي هريرة الله
رواية منسوبة إلى الحسن أو قتادة أو كليهما
الرواية التي فيها: (من قرأ القرآن وحفظه أدخله الله الجنة وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد استوجب النار)
الرواية التي فيها: الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا)
114
115
116
117
118
120
الرواية التي فيها: (وإن الرجل ليجر إلى النار ... فيقول أرسلوا عبدي) .... 121 الرواية التي فيها: «قالَ: يا رَبِّ فَإِنِّي قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَخُذْ بِيَدِ أَخِيكَ فَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ»
الرواية التي جاء فيها: ... إن لي ابن أخ لا ينتهي عن حرام) الرواية التي جاء فيها: ( ... من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي، ما لم يشرك بي شيئاً)
الرواية التي فيها: ... دَعَوْتُ اللهَ يَوْمَ عَرَفَةَ أَنْ يَغْفِرَ لَأُمَّتِي ذُنُوبَهَا، فأَجَابَنِي أَنْ قَدْ غَفَرْتُ ... )
الرواية التي فيها: (أُمَّتِي هذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ في الآخرة ...
الرواية التي فيها: ( ... دفع الله إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً، فيقول:
122
124
125
127
129
133
هذا فكاكك من النار ... ) (1/547)
صفحة 537
معالم الحق
الرواية التي جاء فيها: ( ... قام رجل فقال: والشرك يا نبي الله ... ) الرواية التي فيها: ( ... ومن وعده على عمل عقاباً فهو فيه بالخيار)
فكرة إخلاف الله وعيده في الميزان
القسم الرابع: المغفرة والمشيئة الإلهية
العنصر الأول: أسباب المغفرة كما جاء في حكم الله تعالى. بيان العلماء لهذا الحكم الإلهي
أنبياء الله تعالى عليهم السلام أخذوا بأسباب المغفرة
في حكم الله تعالى: المغفرة لمن آمن وخشي وعمل الصالحات السنة النبوية دعوة إلى فعل الصالحات لأجل نيل المغفرة العنصر الثاني: علماء الأمة الإسلامية يدعون إلى الأخذ بأسباب
المغفرة
من أقوال أحمد عبد الجواد من أقوال أحمد شعبان بن أحمد
بن
من أقوال الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي من أقوال الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي
من أقوال الإمام الطبري
من أقوال الإمام القرطبي
من أقوال الإمام ابن كثير
من أقوال ابن عاشور. (1/548)
صفحة 538
الفهـ
من أقوال أبي السعود
من أقوال الألوسي
من أقوال الطبرسي
من أقوال حقي البروسوي
من أقوال الشيخ السعدي
العنصر الثالث: ذنوب غفرها الله تعالى وتجاوز عنها.
خاتمة الفصل الأول
تمهيد
الفصل الثاني
قراءات منهجية في أدلة القائلين
بخروج عصاة المسلمين من نار جهنم
القسم الأول: قراءة في تفسير قوله تعالى: {وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةٌ لَكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَحْمُودًا)
روايات تثبت معنى (المقام المحمود بالشفاعة لأهل الموقف عامة، وفتح أبواب الجنة لأهل الجنة خاصة
روايات تفسر (المقام المحمود بالشفاعة لعصاة المسلمين
وإخراجهم من النار (1/549)
صفحة 539
550
معال الحق
القسم الثاني: قراءة في تفسير قوله تعالى: {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ
حَتْمًا مَّقْضِيّا. ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا)
233
العنصر الأول: روايات ذكرها القائلون بـ (خروج العصاة من النار) ..... 236
روايات منسوبة إلى ابن عباس.
رواية فيها قصة نافع بن الأزرق مع ابن عباس
رواية منسوبة إلى ابن عباس
رواية منسوبة إلى ابن عباس
رأي منسوب إلى خالد بن معدان
رواية منسوبة إلى أبي خالد
رأي منسوب إلى كعب الأحبار
قول منسوب إلى أبي ميسرة، وعبد الله بن رواحة والحسن البصري .... 246
رأي منسوب إلى ابن مسعود له
رواية أخرى منسوبة إلى عبد الله بن مسعود
رواية أخرى منسوبة إلى عبد الله بن مسعود
رواية منسوبة إلى جابر بن عبد الله
قول منسوب إلى قتادة بن دعامة
رواية حفصة ا عن الرسول صلى الله عليه وسلم
رواية ذكر فيها تحلة القسم بمعنى الورود
العنصر الثاني: فكرة العبور على الصراط وسقوط العصاة
في النار ثم إخراجهم منها (1/550)
صفحة 540
العنصر الثالث من
مشاهد يوم القيامة كما جاء في كلمات
هذه الآيات
المعنى اللغوي للكلمات الواردة في هذه الآيات الكريمة
المعنى اللغوي لكلمة (ورد)
المعنى اللغوي لكلمة نتي)
المعنى اللغوي لكلمة (وَنَذَرُ
عندما يطبق المنهج الصائب
العنصر الرابع: الرواية التي جاء فيها: (فيأتيهم الله تبارك وتعالى
في صورة غير صورته التي يعرفون)
1 - الرواية المنسوبة إلى أبي هريرة
2 ـ الرواية المنسوبة إلى أبي سعيد الخدري له العنصر الخامس: رواية الشفاعة العظمى يوم القيامة (ليس الإخراج من نار جهنم، بل من حرارة يوم الموقف) العنصر السادس: الرواية التي فيها: يخرُج) قوم من النار بعدما مسهم منها سفع فيدخُلون الجنة، فيُسمّيهم أهل الجنة: الجهنميين)
رواية منسوبة إلى الصحابي أنس بن مالك رواية منسوبة إلى الصحابي عمران بن حصين
رواية منسوبة إلى حذيفة بن اليمان
رواية منسوبة إلى عبد الله بن مسعود (1/551)
صفحة 541
552
معالم الحق
رواية منسوبة إلى المغيرة بن شعبة
رواية منسوبة إلى الصحابي عبد الله بن عمرو
رواية منسوبة إلى الصحابي جابر بن عبد الل د الله
رواية منسوبة إلى الصحابي أبي سعيد الخدري
العنصر السابع: الرواية التي جاء فيها: (وَلَكِنْ قَوْمُ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ أَوْ قَالَ: بِخَطَايَاهُمْ) فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةٌ)
1 ـ مناقشة ما جاء في الرواية: فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةٌ»
حكم الروايات التي تخالف القرآن الكريم 2 ـ أنواع عقوبات أهل الكبائر
القسم الثالث: روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى: ربِّمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ}
القسم الرابع: روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى:
هو فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ هُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خَلِدِينَ فِيهَا مَا دامتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعال لما يريده وأما الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءٌ غَيْرَ مَجدُونَ)
الروايات التي ذكرها الإمام الطبري عند تفسير الآيات 106 - 108
من سورة هود
أقوال بعض المفسرين حول الآيات 106 - 108 من سورة هود
349
351
Yo .............. (1/552)
صفحة 542
553
القسم الخامس: روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى:) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَبَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمُ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفضلُ الكَبِيرُ. جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرُ، وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنْ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ • الَّذِي أَطَنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبُ).
الروايات الواردة في تفسير الآيات 32 - 35 من سورة فاطر أنواع (ظلم النفس كما جاء في القرآن الكريم
صفة (ظلم النفس في آيات تتحدث عن الكفرة الذين وقفوا أمام
صفة
الدعوة الإلهية
361
363
366
(ظلم النفس في سياق تحذير المسلمين من تعدي حدود الله تعالى ..... 368
الـ (ظالم لنفسه الذي ذكره الله تعالى في سورة فاطر
القسم السادس: روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى: وقد خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا، و الَّذِينَ آمَنُوا وَلَوْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم يظلم أولَيْك لَهُمُ الْأَمَنُ وَهُم مُهْتَدُونَ)، و (وَإِذْ قَالَ لَقَمَنُ لِابْنِهِ، وَهُوَ
يَعِظُهُ يَبْنَى لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلُهُ عَظِيمٌ)
الروايات التي حملت معنى (الظلم) بـ (الشرك) فقط
الرواية المنسوبة إلى مقام النبوة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام
373
381
386
387 ....... (1/553)
صفحة 543
554
الرواية المنسوبة إلى أبي بكر الصديق له الرواية المنسوبة إلى أبي بن كعب الله
الرواية المنسوبة إلى سلمان الفارسي
والرواية المنسوبة إلى حذيفة ه
الروايات المنسوبة إلى ابن عباس ا
الرواية المنسوبة إلى ابن مسعود لله
الرواية المنسوبة إلى إبراهيم النخعي
معالم الحق
التفسير المنسوب إلى عمرو بن شرحبيل أبي ميسرة
التفسير المنسوب إلى قتادة بن دعامة السدوسي
التفسير المنسوب إلى مجاهد
التفسير المنسوب إلى السدي للظلم
التفسير المنسوب إلى ابن زيد
القسم السابع: روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)
القسم الثامن: روايات وأقوال في تفسير آيات من كتاب الله تعالى
1 - روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى: ربَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ)
2 ـ روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى:
انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (1/554)
صفحة 544
رس
555
- روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ
فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)
- روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إن عذابها كان غراما، إِنَّهَا
ساءَتْ مُسْتَقَرًا وَمُقَامًا)
416
420
ه - روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى: ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحيى) 424 6 ـ روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى:
طو إن جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا. لِلطَّعِينَ مَتَابًا، لَبِينَ فِيهَا أَحْفَابًا ..... 425 7 ـ روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا
من النار وما هم بخرجينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ)
قصة ابن الأزرق مع ابن عباس
خاتمة الفصل الثاني
4280
430
435
تمهيد
الفصل الثالث
قراءات منهجية في تفسير آيات قرآنية ذكرها القائلون
بخلود أصحاب الكبائر في النار
القسم الأول: روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى:
هو الذينَ يَأْكُلُونَ الرِّبوا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ
441 (1/555)
صفحة 545
007
مخالد الحق
الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبوا وَأَحَلَّ الله البيع وحرم الربوا فَمَن جَاءَهُ موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خلدون، وفَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تبتُم فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ، و وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)
القسم الثاني: قراءة في تفسير قوله تعالى:
444
وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ..... 452
قضية تخصيص الخلود في جهنم لغير أصحاب الكبائر من المسلمين
العنصر الأول مناقشة قول القائل: فجزاؤه جهنم إن جازاه» العنصر الثاني: مناقشة قول القائل: «ومن يقتل مؤمناً متعمداً مستحلا قتله، فجزاؤه جهنم خالداً فيها»
قصة مقيس بن ضبابة
العنصر الثالث: مناقشة قول القائل: «إذا دخل الرجل في الإسلام وعلم شرائعه وأمره ثم قتل مؤمناً متعمداً فلا توبة له
الرواية التي فيها قصة إسلام وحشي قاتل حمزة له
202 .....
455
459
460
464
474 (1/556)
صفحة 546
الفهـ
557
القسم
الثالث: روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى: وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا
خلدا فيها وله عذاب مهين، ولو إلا بلغا من اللهِ وَرِسَلَتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ له نار جَهَنَّمَ خَلِدِينَ
فيها أبدا.
معنى الخلود كما جاء في كتب اللغة
القسم الرابع: روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى:
طوب كى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ)، و وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَونَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ، ولا وَلَا تركنوا إلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ، و إنما التوبة على الله للذين يَعْمَلُونَ السُّوَة بِجَهَلَ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَبِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عليهم وَكَانَ الله عَلِيمًا حَكِيما وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلذِينَ يعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْكَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَار أُولَبِكَ أَعْتَدْنَا همْ عَذَابًا أَلِيمًا)، و (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَنتَهِم بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٌ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعا مِنَ الَّيْلِ مُظْلِما أُولَيكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُم فيها خلدون کو
476
477
481 (1/557)
صفحة 547
558
الروايات التي جاء فيها تفسير السيئة) بـ (الشرك) فقط
رواية المنسوبة إلى الصحابي ابن عباس
رواية منسوبة إلى أبي هريرة له
التفسير المنسوب إلى مجاهد
التفسير المنسوب إلى عطاء بن السائب
التفسير المنسوب إلى عكرمة
التفسير المنسوب إلى إبراهيم النخعي
التفسير المنسوب إلى أبي وائل
التفسير المنسوب إلى الضحاك والحسن البصري
التفسير المنسوب إلى محمد بن كعب
التفسير المنسوب إلى قتادة
التفسير المنسوب إلى ابن زيد
التفسير المنسوب إلى الربيع بن أنس
من أقوال علماء الإسلام في تفسير كلمة (السيئة) وكلمة (الظلم)
من أقوال الإمام الطبري.
بال الحق
من أقوال ابن عاشور
من أقوال ابن عطية
من أقوال الشيخ السعدي
من أقوال الإمام ابن كثير (1/558)
صفحة 548
559
من أقوال الشوكاني
من أقوال القرطبي. من أقوال أبي السعود.
من أقوال القمي النيسابوري من أقوال الخازن
من أقوال عامر سعيد الزيباري
من أقوال الألوسي
أقوال الإمام الطبري بين الدعوة والتطبيق
القسم الخامس: روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى:
هو
إنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمِ * وَإِنَّ الْفُجَارَ لَفِي جَمِيمٍ. يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ
ومَا هُم عَنْهَا بِغَايِبِينَ * وَمَا أَدْرَنكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَنكَ مَا يَوْمُ الدين. يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَيذٍ لِلَّهِ) 508
معني
:كلمة الْفُجَارَ حسب ما جاء في كتب اللغة
خاتمة الفصل الثالث
خاتمة البحث
المراجع
الفهرس (1/559)