صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الدين
------------------------------------------
العنوان: من تراث الإباضية العقائدي دراسة
المؤلف: ياسين حسين الويسي
تصدير: علي حسين الجابري
الناشر: دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع
مكان النشر: دمشق - سوريا
تاريخ النشر: 2010م
الطبعة: 1
ردمك: 978-9933-444-07-5
الكلمات الدالة: تراث الإباضية العقائدي، الخوارج
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=3014&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/184
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 07 ربيع الأول 1447ه/ 31 - شهر 08 - 2025م. دراسة وتحقيق:
الدكتور ياسين حسين الويسي
من تراث الإباضية العقائدي
رسالة الفقيه عبد الوهاب بن محمد بن غالب بن نمير الأنصاري إلى الفقيه الأجل أبي عمار عبد الكافي بن أبي يعقوب بن إسماعيل التناوتي رحمه الله فأجاب طلاب أبي عمار عن الأسئلة الواردة في الرسالة بعد وفاته (1/1)
صفحة 2
من تراث الإباضية العقائدي (1/2)
صفحة 3
عنوان الكتاب، من تراث الإباضية العقائدي
اسم المؤلف: د. ياسين حسين الويسي
الناش
دار الفرقد
الطبعة الأولى. 2010
التنفيذ والإشراف، دار الفرقد الإخراج الفني، رغداء حلوم تصميم الغلاف: اسماعيل سويلم
جميع الحقوق محفوظة
دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع
هاتف
سورية - دمشق
(00963 - 11) 6618303 - 6660915:
ص. ب: 34312 فاكس: 6660915 (11 - 00963)
gmail.com
yahoo.com
البريد الإلكتروني: alfarqad 70@hotmail.com
الموقع على شبكة الإنترنت: http://www.alfarqad.com (1/3)
صفحة 4
من تراث الإباضية العقائدي
رسالة الفقيه عبد الوهاب بن محمد بن غالب بن نمير الأنصاري إلى الفقيه الأجل أبي عمار عبد الكافي بن أبي يعقوب بن إسماعيل التناوتي رحمة الله عليه فأجاب طلاب أبا عمار عن الأسئلة الواردة في الرسالة بعد وفاة أبي عمار رحمه الله
دراسة وتحقيق
الدكتور ياسين حسين الويسي
قسم الفلسفة الجامعة المستنصرية
دراسة (1/4)
صفحة 5
تراث الإباضية العقائدي
بسم الله الرحمن الرحيم تصدير
إن التناول الموضوعي، لنصوص التراث، شرط لابد منه لدخول (عصر جديد) في مسيرة البحث العلمي، يلتزم الباحث فيه بشروط (ضبط النص) وأحكام منهج تحقيقه؛ وتسويره بالمفيد من المصادر والمراجع، والظروف الاجتماعية والسياسية، التي كانت وراء ظهور الجماعات والفرق، تُعدّ هذه ظاهرة طبيعية لا تقتصر على الدائرة الإسلامية، إنما غيرها في الديانات الموحدة والوضعية على السواء وليس ببعيد عنا حديث (ستفترق أمتي)!
-
لهذا السبب وغيره، وجدت في مهمة الباحث الجاد والحفيد المثابر) الدكتور ياسين حسين الويسي؛ وهو يقدم للقارئ، نصوصاً من التراث (الخارجي - الإباضي - الصفري) ممثلاً بهذا التحقيق الذي لا يقصد من وراء منهجه المحايد هذا غير الحقيقة المبرأة من عوامل الانحياز، أو دواعي التعصب، فجاء عمله مكملاً لأعمال (تراثية) سجل إخراجها إلى القراء، إضافة نوعية لا تقل أهمية عن تحقيق و إخراج،
5 (1/5)
صفحة 6
من تراث الإباضية العقائدي
أي نص، لأي فرقة من الأديان. ولا سيما، الإسلامية منها، من غير أن
يتأثر الباحث، بالدوافع العقيدية لمضمون تلك النصوص.
إن مباحث (علم الكلام) هي في جوهرها؛ ميدان خصب من ميادين (العمل الفلسفي) على الرغم من وقوع (علم الكلام) ومنجزات المتكلمين، على اختلافها، كمدخل للعمل الفلسفي اللاحق! السبب يتعلق بصلب الظروف التي رافقت ميلاد كل فرقة وجماعة! بعيداً عن أحكام الخصوم، أو المخالفين، الذين عادة ما يأخذهم الموقف العقيدي، ليضعهم (في خانة) الدفاع عن الحقيقة الكلامية - الذاتية) يُعِدها الحقيقة الوحيدة الممكنة في عالم الممكنات متناسياً حق الآخرين في رؤية المشكلات الكلامية (الخلافية) التي تنطبق عليها قاعدة (اختلاف أمتي رحمة) لا بمعنى التصادم والتناحر بمقدار ما يعني إطلاق حرية المعتقد على قاعدة (لكم دينكم ولي ديني)، شأن الباحث فيها، شأن المؤرخ الذي يحرص على نقل
الحقيقة المروية كما هي، من غير تحريف ولا انحياز.
فمتي، انشغل الجيل الجديد من الباحثين الأكاديميين بنصوص التراث،
على وفق المنهج العلمي - الموضوعي، المقارن؛ يعد موضوعاته الكلامية قضايا خلافية، جدلية، يحترم فيها الباحث الرأي و الرأي الآخر، تحرر البحث العلمي من قيود الأبويولوجيا) التي تقتصر فيها الحقيقة على الذات لتكون حقاً معرفياً للجميع يعترف بنسبة (الحقيقة الكلامية) يعدها قضايا تحتمل الاجتهاد، وبالتالي، تصبح المشكلة
6 (1/6)
صفحة 7
تراث الإباضية العقائدي
الكلامية موضوعاً ينظر إليه من زوايا مختلفة، باختلاف كل جماعة وفرقة وكما ترى فيها رأيا تاركاً للقارئ الفاضل الحكم على مشروعية أو لا مشروعية الأدلة أو المقدمات التي يطرحها علماء الكلام في قضاياهم الخلافية. مادام الجميع ينطلق من قواعد عامة (نقلية) احتواها القرآن الكريم (الكتاب المقدس) والسنة النبوية الشريفة.
تلك هي مقدمات ولوج جامعاتنا، عصراً جديداً للتنوير العربي الإسلامي، من غيره، يتعذر على الجامعات ومراكز البحث العلمي، الأخذ بزمام مسيرة التقدم العلمي الحضاري والاجتماعي لمجتمعاتنا العربية الإسلامية، ضمن مسيرة الإنسانية نحو غد يعترف للجميع بحرية الرأي والمعتقد من غير إرهاب فكري، أو تكفير أو إقصاء للآخر اقتصاصاً منه. عليه سررت، لمحاولة الدكتور الويسي، وغيره من الجيل الصاعد من الباحثين على صعيد الجامعات العربية الإسلامية، وهم يتناولون المشكلات الكلامية في سياق تاريخي، اجتماعي حضاري، تاركين للآخرين حرية التعامل مع هذا النص وغيره كل حسب ثقافته، وقناعته، وعقيدته وهي مسألة بقيت غائبة عن اهتمامات الشباب المشرقي ولا سيما العراقي طوال العقود المنصرمة - مع استثناءات - يعتد بها. فهل ستتسع مسيرة الحرية في البحث العلمي! هذا ما نأمله، والله الموفق.
أ. د. علي حسين الجابري
دمشق في 27 ||2009
7 (1/7)
صفحة 8
8
من تراث الإباضية العقائدي (1/8)
صفحة 9
من تراث الإباضية العقائدي
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن من دواعي الاعتزاز أن يكون في تراثنا الإسلامي شيء من الاختلاف الفكري وليس هذا الأمر وبالاً على الإسلام بقدر ما هو عامل مهم في إنماء وديمومة هذا الفكر حيث إنّ التناظر والتقابل في الأفكار هو وضع طبيعي وأمر صحي إذ لا يمكن لأي اتجاه أو مذهب أن يدعي أنه قد وصل إلى الحقيقة المطلقة والتي تمثل مراد الرب في مجال الأعمال بل وحتى في مجال الاعتقاد، فكل فرقة أو مذهب تدعي أنها توصلت إلى الحق. ولكن هل الحق كله في ما ترى هذه الفرقة أو تلك أو إن كل فرقة تراءى لها جانباً من الحق فظنت أن هذا هو الحق كله. إن الحق كله في علم الله الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة. أما نحن بني البشر فنصيب و نخطئ. غير أننا ندعي أن كل الحق في جانبنا وأن الباطل والضلال مع من خالفنا. وأنا أرى أن هذه الفرق كما يقول الشاعر:
وكل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تمد لهم ببال (1/9)
صفحة 10
من تراث الإباضية العقائدي
لقد مارس بعض مؤرخي الفكر الإسلامي نوعاً من الإرهاب الفكري فجعلوا من فرقهم التي انتموا إليها هي الفرقة الناجية، التي تدور مع الحق والحق يدور معها، ونقلت جميع آراء خصومهم على أنها أباطيل وانحرافات وافتراءات، وكأن الحقيقة الدينية مرهونة عند فرق أولئك المؤرخين، وبالمقابل فإن هناك من أرخ للفكر الإسلامي وفرقه بكل أمانة وإنصاف. فالمثال الأول: يمثله البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق والمثال الثاني: يمثله الإمام الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، مع أن الأخير هو إمام الأشاعرة، والثاني هو أحد أتباع المذهب الأشعري. والذي أريد قوله من كل ذلك خلاصته أن الإنصاف في النقل هو الوسيلة للوصول إلى الحقيقة. فقد تكون الحقيقة واحدة لكنها تظهر عند الفرق جميعاً باختلاف مسائل الخلاف. فقد يكون الأشعري محقاً في مسألة رؤية الله وقد لا يكون محقاً في مسألة قدم القرآن أو خلقه مثلا. وقد يكون الخارجي محقا في مسألة تولي خلافة المسلمين، وقد يخفق مسألة تكفير المسلمين المخالفين له، وقد يفلح الأمامي في مسألة لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين، وقد يخفق في مسألة أن من لا يؤمن بالإمامة يخرج من الدين على اختلاف الآراء في ذلك فمنهم من يرى خروجه من المذهب ومنه من يرى خروجه من الملة. وقد يكون المعتزلي محقا في مسألة حرية الإنسان، وقد يحقق في مسألة تقديم العقل على النص. وهكذا فالكل يرى الحق بطريقته، ومن الفرق الإسلامية التي مورس في حقها الإرهاب الفكري الإباضية فلم يتوجه أحد إلى نقل أفكارهم وبيان وجهات نظرهم وفق
10 (1/10)
صفحة 11
من تراث الإباضية العقائدي
منهجهم الذي اختاروه بحثاً عن الحقيقة. وهكذا جاءت جهود بعض المحدثين لرفع الحيف عن هذه الفرقة وما إظهار هذه الرسالة إلا جزء من تلك الجهود آملين أن نكون قد وفقنا في نقل الرأي والرأي الآخر لتسهيل عملية الحكم في موضع الحق الذي نبتغيه والله من وراء القصد.
لقد قدمت لهذه الرسالة بدراسة عن الخوارج وفرقهم وفلسفتهم وكيفية ظهور المذهب الإباضي من بين هذه الفرق ليتميز عنهم ويصبح أكثر اعتدالاً وأكثرهم قربا من الفرق الإسلامية الأخرى بعدم تكفير من خالفهم من المسلمين وإعمال العقل في محاورة الآخر الداخلي، ثم قدمت مسحاً تاريخياً وجغرافياً في ظروف ظهورهم ومناطق وجودهم والدول التي أقاموها. وبعدها قمت بدراسة الرسالة والكتاب الذي نقلت فيه هذه الرسالة حريصاً على ضبط النصوص التي وردت فيها ردود الأشاعرة بعد عرض ردود الإباضية عليها وأخيراً وضعت ثبتاً في المصادر والمراجع التي اعتمدتها في التحقيق. سائلاً الله العلي القدير أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم إنه نعم المولى ونعم النصير.
الدكتور ياسين حسين الويسي
دمشق/ 2009
11 (1/11)
صفحة 12
من تراث الإباضية العقائدي
121 (1/12)
صفحة 13
تراث الإباضية العقائدي
الخوارج في اللغة والاصطلاح
الخوارج لغة من الخروج جاء في المعجم الوسيط (خرج ـ خروجاً: برز من مقره أو حاله وانفصل ... والخارج من فارق جنسه ونظائره و .. من ساد وليس له أصل في ذلك ... والخوارج فرقة من الفرق الإسلامية خرجوا على الإمام علي وخالفوا رأيه. ويطلق على من خرج على الخلفاء
ونحوهم)).
أما ابن منظور فيرى أن الخوارج اسم لحزب سياسي وفرقة دينية، وقد اختلف الناس في تبيين تسميتهم بالخوارج، فيرى المخالفون لهم من كتاب الفرقة أنّهم سموا (خوارج) لخروجهم عن الناس أو عن الدين أو عن الحق أو عن علي كرم الله وجهه) (1). أما في الاصطلاح فإن
(1) مجموعة مؤلفين المعجم الوسيط مكتبة النوري، دمشق، ط 3، (د، ت) ج 1،
ص 232 - 233.
(2) ابن منظور، لسان العرب، ج 2، ص 251؛ أيضاً الزبيدي، تاج العروس، ج 2، ص 32؛ وكذلك الأشعري، مقالات الإسلاميين، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، ص 191
13 (1/13)
صفحة 14
من تراث الإباضية العقائدي
الشهرستاني يرى أنّ اسم خارجي يطلق على كل من خرج عن الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين، أو كان بعدهم على التابعين بإحسان والأئمة في كل زمان) (1)، أما الخوارج فيرون في هذه التسمية: (ان لفظ الخوارج من الخروج في سبيل الله، مستشهدين بقوله تعالى [ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيما] ( .... ) (3). أما أصل الخوارج فإنه مرتبط بحادثة التحكيم في حرب صفين عند أكثر المؤرخين من قدامى ومحدثين كما ترى سهير قلماوي حيث تقول: (فالخوارج عندهم هم الذين خرجوا على علي في تلك الموقعة لأنه قبل. التحكيم في أمر بدأ هو وجيشه الجهاد والاستشهاد من أجله) (4). وكانوا يرون (أن الفصل في موضوع خلافة النبي لا يصح أن يوكل إلى البشر بل ينبغي الاحتكام فيه إلى الحرب والكفاح وسفك الدماء) (5).
(1) الشهرستاني الملل والنحل، ج 1، ص 155.
(2) سورة النساء الآية 101.
(3) عرفان عبد الحميد دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية، ص 84. (4) سهير قلماوي، أدب الخوارج، ص 2.
(5) جولد تسيهر، العقيدة والشريعة في الإسلام، ترجمة: محمد يوسف وعلي عبد القادر،
ط 2، القاهرة، 1959، ص 190.
14 (1/14)
صفحة 15
من تراث الإباضية العقائدي
ويعرف فلهوزن الخوارج بأنهم (فرقة ذات نبتة إسلامية خالصة، وكانوا قوماً شديدي التقوى وأنضاء عبادة وأطلاح سهر، قد أكلت الأرض جباههم من كثرة السجود حتى لقبوا بذوي الجباه المعفرة بسبب ما يتبين في وجوههم من أثر السجود) (1). وللخوارج أ. أسماء أخرى يسمون
بها منها (الحرورية نسبة إلى قرية حروراء (وهي قرية بظاهر الكوفة
اجتمعوا فيها بعد خروجهم من جيش الإمام علي في معركة صفين) (). ويسمون أيضاً بالمحكمة) ويصف الطبري سبب هذه التسمية فيقول: (ذلك أن الأشعث بن قيس عندما نجح في عقد الصلح بين جيش علي وجيش معاوية بدأ يقرأ كتاب الصلح على الناس ويعرض عليهم فيقرؤونه حتى مر به على طائفة عروة بن أدية فقرأه عليهم فقال عروة بن أدية أتحكمون بأمر الله عز وجل الرجال؟ لا حكم إلا الله)) ويسمون أيضا (الشراة) (وهي جمع شارٍ من قولهم: شرينا أنفسنا لدين الله لذلك نحن شراة وهي تسمية استمدوها من قوله تعالى [إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة)، ومن قوله تعالى ومن الناس من
يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله]) ويسمون أيضاً بالمارقة)).
(1) يوليوس فلهوزن الأحزاب المعارضة السياسية والدينية في صدر الإسلام، الخوارج والشيعة ترجمة عبد الرحمن بدوي مكتبة النهضة المصرية (د. ت)، ص 2 - 9
(2) ياقوت الحموي، معجم | البلدان، مادة حروراء
(3) الطبري، تاريخ الرسل والملوك، الطبعة الأدبية، ج 1، ص 1388
(4) سورة التوبة، الآية 111.
(5) سورة البقرة، الآية 207.
(6) د. عرفان عبد الحميد دراسات في الفرق من العقائد الإسلامية، ص 84.
15 (1/15)
صفحة 16
من تراث الإباضية العقائدي
فرق الخوارج
تقسم الخوارج إلى أربع فرق رئيسة هي الأزارقة والنجدات والصفرية والإباضية. أما الأزارقة (وهم المنسوبون إلى نافع بن الأزرق، وقد شهد نافع الدفاع عن مكة المكرمة مع ابن الزبير، وكان ممن عاد إلى البصرة). وسجنه ابن زياد مع أصحابه (2) ثم خرج إلى الأهواز مع بعض أصحابه. ونافع بن الأزرق هو الذي انتحل مسألة التشريك وابتدأ أمرها
وأوجب الهجرة من دار المخالفين وما يتعلق بالمشركين وأحكام معاملتهم.
كما ذكرت المصادر التاريخية عنه (3).
أما النجدات أو النجدية:
فهم المنسوبون إلى نجدة بن عامر الحنفي الذي ثار باليمامة بعد مقتل الحسين بن علي، وحج نجدة بأصحابه في السنة التي حوصر فيها ابن الزبير، فلما. هجم جيش الأمويين على مكة شارك نجدة في الذب عنها (4).
(1) البلاذري، أحمد بن يحيى ابن جابر (ت (279 هـ (892 م) أنساب الأشراف، تحقيق: سهيل زکار، رياض زركلي، دار الفكر، بيروت، ط 1، 1417 هـ / 1996 م، ج 3،
ص 397 - 398.
(2) المصدر نفسه، ج 5، ص 364.
(3) المبرد، محمد بن يزيد ت 285 هـ / (898 م الكامل في اللغة والأدب، تحقيق: محمد أحمد الدالين مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1، 1406 هـ/ 1986 م، ج 3، ص 1203. وأيضاً: الطبري، محمد بن جرير (ت 310 هـ / 923 م) تاريخ الأمم والملوك، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 2، 1408 هـ / 1988 م، ج 3، ص 399. (4) البلاذري، الأنساب، ج 5، ص 334.
16 (1/16)
صفحة 17
تراث الإباضية العقائدي
وتذكر المصادر أن نجدة تابع نافع في الحكم بالتشريك وما ترتب عليه. وما عدا قطع عذر القعود عن القتال وقتل الأطفال واستحلال الأمانة (1). يقول الدكتور هويدي: وفرق الخوارج التي انتشرت بالمغرب هي نفس فرق الخوارج التي انتشرت بالعراق أو كانت امتداداً لها. لكن أقلها انتشاراً بالمغرب كانت فرقة الأزارقة أصحاب نافع بن الأزرق الحنفي الذين كانوا يمثلون الجناح اليساري المتطرف لفرقة الخوارج) (2) والذين يرون بحسب السلاوي (البراءة من سائر المسلمين وتكفيرهم والاستعراض يعني القتل من غير سؤال عن حال احد وقتل الأطفال واستحلال الأمانة لأنه أي نافع بن الأزرق يراهم كفاراً) (2) ومن الخوارج فرقتان قدر لهما أن تنتشرا بشكل واسع في المغرب ويكون لهما أثر واضح في أقاليمه وبلدانه هما الاباضية والصفرية، أما عن سبب ظهور الخوارج في المغرب وقيامهم بثورة ضد الولاة والخلافة الأموية كما يقول الدكتور هويدي (إنّ خلفاء بني أمية بعد أن اتسع ملكهم وتعقدت مطالب الحياة في دولتهم واخذوا بجميع مظاهر البذخ في قصورهم اضطروا إلى الاشتطات في فرض الخراج والجزية لمواجهة نفقاتهم وأعباء ملكهم وبالغوا في جباية الضرائب من
(1) المبرد الكامل، ج 3، ص 1215 – 1216. و 1216. وأيضاً: ابن عبد ربه، أحمد بن محمد بن عبد ربه القرطبي، العقد الفريد دار مكتبة، الهلال، بيروت، ط 2، 1990 م، ج 2، ص 97.
(2) د. يحيى هويدي، تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية، ص 31. (3) السلاوي احمد بن خالد المناصري، الاستقصار الأخبار دول المغرب الأقصى نقلاً عن المصدر السابق، ص 31
17 (1/17)
صفحة 18
من تراث الإباضية العقائدي
المسلمين عامة، ومن المغاربة بصفة خاصة، الذين كانوا يمثلون في نظرهم
مصدراً جديداً للضرائب لأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام)). أما عن وقت ظهورهم في أفريقية والمغرب فليس هنالك تحديد تاريخي كما يقول الدكتور علي الشابي والمصادر على اختلافها مشرقية ومغربية لا تسعفنا بتحديد وقت لظهور الخوارج في أرض أفريقية والمغرب))، إلا أن هنالك إشارة لابن الخطيب في معرض كلامه من دولة مدار حيث يقول: (واخذ سعد جد مؤسسها عن عكرمة البربري بن عبد الله المدني 25 - 105 هـ) (3) وعكرمة هذا من بربر افريقية، اشتراه عبد الله بن عباس وتفرغ للأخذ عن مولاه فأصبح أعلم الناس بالتفسير والمغازي)). أما طريق انتشار الأفكار الخارجية في بلاد افريقية والمغرب فكان في مسلكين الأول (مسلك علمي مثله عكرمة البربري وسلمة بن سعد ومن بعدهما عبد الله بن مسعود التجيبي " ت 126 هـ " وعبد الجبار بن قيس المرادي والحارث الحضرمي ثم أبو الخطاب بن عبد الأعلى بن المسمع
سلامة بو
(1) د. يحيى هويدي، تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية، ص 32. (2) الدكتور علي الشابي، مباحث في علم الكلام والفلسفة، الطبعة الأولى، دار. للطباعة والنشر والتوزيع، تونس، 1977، ص 162. (3) ابن الخطيب، المغرب العربي في العصر الوسيط، تحقيق وتعليق د. أحمد مختار العبادي والأستاذ محمد إبراهيم الكناني، طبعة دار الكتاب العربي الدار البيضاء، ص 138. (4) المالكي، رياض النفوس تحقيق الدكتور حسين مؤنس مكتبة النهضة المصرية، ط 3، 1951، ج 1، ص 92.
18 (1/18)
صفحة 19
من تراث الإباضية العقائدي
العامري الذي تولى إمامة الإباضية في طرابلس سنة 140 هـ)) والثاني: (مسلك دعائي سري مثله دعاة كانوا ينبثون بين البربر والجنود وقبل أن تظهر دولة بني مدرار سنة 140 هـ كانت ثورات البربر الخارجية تهز أرض افريقية والمغرب هزاً مما أتاح لأولئك من بعد أن يكونوا دولتهم في غير عناء ودون أن يجدوا صعوبة تذكر) (2)، كما وتشير المصادر (إن أول ثورة خارجية للبربر بأرض المغرب قامت سنة 122 هـ وهي ثورة مسيرة المدغري التي صارت منطلقاً لثورات خارجية أخرى عمت المغرب من أدناه إلى أقصاه) (3). والصفرية: (وهم أتباع زياد بن الأصفر الأقل تطرفاً في آرائهم من الأزارقة) (4)، وهم لا يقولون (بشرك مرتكب الكبيرة ومنهم من يذهب إلى الذنوب التي ذكرها القرآن بحد معين فأنه لا يتجاوز ما سماها به القرآن مثل زان وسارق أو قاذف وعدا ذلك فمرتكبه كافر، ومنهم من قال بأن مرتكب الكبيرة لا يعتبر كافراً حتى يحده القاضي ... ومنهم أبو بلال
(4)
(1) علي الشابي، مباحث علم الكلام والفلسفة، ص 169
(2) المصدر نفسه، ص 169
(3) ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار المغرب نشرة دوزي مكتبة صادر، بيروت، 1950، ج 1، ص 52؛ وأيضا ابن خلدون، تاريخ الدول الإسلامية بالمغرب، عناية، دوسلان الجزائر 1947، ج 1، ص 137
(4) الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 195، الشهرستاني، الملل والنحلل، ج 1، ص 127، الإيجي، المواقف، ج 3، ص 291.
19 (1/19)
صفحة 20
من تراث الإباضية العقائدي
مرداس ثم تولى بعده عمران بن حطان)) وأما أهم حركات الخوارج فيلخصها الدكتور هويدي فيقول (وفي أيام الدولة العباسية كانت أهم ثورة للخوارج الصفرية هي الثورة التي قامت بناصية مكناسة في المغرب الأقصى تحت قيادة عيسى بن أبي يزيد الأسود من موالي العرب ومن رؤوس الخوارج الصفرية، وقد تجمع حوله الصفرية من بني مدرار واختطوا لأنفسهم مدينة سجلماسة سنة 140 هـ واقتطعوها لأنفسهم من ولاة القيروان، وانضم إليهم صفرية، مكناسة، ونقموا عليه واجتمعوا بعده على
كبيرهم ابي القاسم بن سمكو بن واسوال المكناسي الصفري) (2). أما عن آراء هذه الفرقة من الخوارج فإنها لم توفق في أن يكون لها أثر فلسفي لانشغالها بالحروب والثورات لذلك لا نجد إلا هرطقات من صالح بن طريف المتنبئ ادعى فيها النبوة يقول ابن عذار المراكشي قال ابن القطان وغيره كان طريف من ولد شمعون بن اسحاق عليه السلام. وكانت الصفرية رجعت إلى مدينة القيروان لنهبها ... وكان طريف هذا من جملة قواد هذا العسكر وإليه تنسب جزيرة طريف. فلما هزمهم الله بأهل القيروان وتفرقوا وقتل من قتل منهم، وتشتت جمعهم سار طريف إلى تأسسنا، وكانت بلاد بعض
(1) د داود علي الفاضل محاضرات في تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار الفك
للنشر والتوزيع، عمان، (د. ت)، ص 55.
(2) د. يحيى هويدي، تاريخ فلسفة افسلام في القارة الأفريقية، ص 35.
20 (1/20)
صفحة 21
تراث الإباضية العقائدي
قبائل البربر، فنظر إلى شدة جهلهم، فقام فيهم ودعا إلى نفسه فبايعوه وقدموه على أنفسهم. فشرع لهم ما شرع ومات بعد مدة، وخلف من الولد أربعة فقدم البربر ابنه صالحاً فأقام بينهم على الشرع الذي شرعه أبوه طريف .... وكان قد حضر مع أبيه حرب ميسرة الحقير ومغرور بن طالوت الصفريين اللذين كانا رأس الصفرية. فادعى انه انزل عليه قرآنهم الذي كانوا يقرؤونه وقال لهم انه صالح المؤمنين الذي ذكره الله في كتابه العزيز، وعهد صالح إلى ابنه إياس بديانته وعلمه شرائعه وفقهه في دينه وأمره ألا يظهر الديانة حتى يظهر أمره وينتشر خبره فيقتل حينئذ من خالفه. وأمره بموالاة أمير المؤمنين بالأندلس. وخرج صالح إلى المشرق ووعد انه يرجع في دولة السابع من ملوكهم وزعم انه المهدي الذي يكون في آخر الزمان لقتال الدجال، وان عيسى عليه السلام يكون من رجاله وانه يصلي خلفه .. وذكر في ذلك كلاماً نسبه إلى موسى عليه السلام ... وكان صالح قد ولد عام 100 هـ وبدأ دعوته عام 124 هـ وولي بعد خروجه إلى المشرق ابنه الياس خمسين عاماً ومن بعد يونس بن الياس وحكم أربعين سنة ومن بعده أبو عفير بن معاد بن اليسع بن صالح بن طريف ومن بعده عبد الله بن أبي عفير) (1)
(1) ابن عذارى المراكشي البيان المغرب، ج 1، ص 61.
21 (1/21)
صفحة 22
من تراث الإباضية العقائدي
ويقدم البكري هذه الديانة وكأنها ديانة بربرية جديدة لا تمت إلى الإسلام بصلة حتى الألفاظ فيها بربرية (1).
ومن هذه الهرطقات ديانة غمارة: حاميم المفتري (هو الصفع أبو محمد حاميم ين من الله بن حريز بن عمرو بن وجقوال بن وزروال الملقب بالمفتري وقد أسس ديانته في بلد بشمال المغرب الأقصى يقال لها (مجكسة) التي
يقع بها جبل حاميم المنسوب إليه، على مقربة مدينة " تيطوان") (2). ويشرح البكري هذه الديانة: إجابة بشر كثير اقروا بنبوته، وجعل لهم الصلاة صلاتين عند طلوع الشمس وعند غروبها، ويسجدون على بطون اكفهم، ووضع لهم قرآنا بلسانهم ..... ) (3). أما عن انتشار المذهب الصفري في المغرب العربي فقد سبق وأن ذكرنا إن فرقتين من الخوارج الكبرى ظهرتا بوضوح في بلاد المغرب وهما الصفرية والإباضية، حيث تخبرنا المصادر أن (أول من جاء بطلب مذهب الإباضية ونحن بقيروان إفريقية سلمة بن سعد قال، ق، قدم علينا من أرض البصرة ومعه عكرمة مولى ابن عباس على بعير، سلمة يدعو إلى مذهب الإباضية وعكرمة يدعو إلى مذهب الصفرية) (4).
(1) البكري، المغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب طبعة البارون، دوسلان، باريس 1918، ص 138 - 141.
(2) د. يحيى هويدي، تاريخ فلسفة الإسلام وفي القارة الإفريقية، ص 73. (3) البكري المغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب، ص 141. وكذلك أنظر المراكشي، البيان المغرب، ج 1، ص 322 وما يليها (4) الدرجيني، أبو العباس احمد طبقات الاباضية مخطوط بدار الكتب المصرية، (برقم 2561 خ)، ج 1، ورقة،6، وأبو زكريا يحيى بن أبي بكر السيرة وأخبار الأئمة
مخطوط، دار الكتب رقم 9030 خ)، ورقة 3
22 (1/22)
صفحة 23
تراث الإباضية العقائدي
ويذكر العيني أن عكرمة هذا من أصل مغربي .. وكان من موالي ابن عباس الفقيه ذائع الصيت وقد أتاح له ذلك مخالطة كبار الفقهاء والمحدثين كأبي هريرة والسيدة عائشة، فسمع منهم واخذ عنهم حتى أضحى من الأعلام الثقاة في الفقه والحديث)). اخذ المذهب الصفري وصار من كبار فقهائه وقد عهد إليه بنشر المذهب في بلاد المغرب بعد اتجاه الخوارج الصفرية إلى اتباع اسلوب التنظيم والدعوة) (). وقد أخذ عن عكرمة أصول المذهب الصفري ميسرة المطغري سيد وزعيم مطغرة من قبائل البربر ذكر ذلك ابن خلدون فقال: (وقد تسنى له "أي ميسرة" بذلك اخذ تعاليم المذهب عن عكرمة ثم عاد فنشرها بين قومه من بربر مطغرة) (2). ولم يقتصر انتشار مذهب الصفرية على مطغرة فحسب فقد اتصل أبو القاسم سمكو بن واسول شيخ مكناسة بعكرمة في القيروان .. وإن بربر برغواطة اعتنقوا هذا المذهب في وقت مبكر على يد طريف بن شمعون الذي لقي عكرمة بالقيروان كذلك) (). وواصل انتشار المذهب
الصفري حتى وصل زنانة فقد ضرب بنو يفرن فيه بسهم وانتحلوه) (5).
(1) العيني، بدر الدين أبي محمد محمود بن احمد (ت 855 هـ)، عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان، مخطوط بدار الكتب برقم 1584، ج 11، ورقة 46 و 464
(2) د. محمود اسماعيل عبد الرزاق الخوارج في بلاد المغرب، ص 47 (3) ابن خلدون، العبر ديوان المبتدأ والخبر، طبعة القاهرة، 1957، ج 7، ص 11. (4) ابن خلدون العبر ديوان المبتدأ والخبر، ج 6، ص 105 و 107.
(5) المصدر نفسه، ج 7، ص 11
23 (1/23)
صفحة 24
من تراث الإباضية العقائدي
واستمر انتشار المذهب ليس بين البربر فقط، بل تعداهم إلى أجناس أخرى كبعض العرب المقيمين في افريقية الذين دانوا بالمذهب الصفري (وقد تسرب هؤلاء إلى المغرب بصحبة الجيوش القادمة من المشرق، حتى ذاع عن بعض الولاة اعتناقهم هذا المذهب أو على الأقل تعاطفهم مع معتنقيه)). إلى جانب كل ذلك فأن استمرار انتشار المذهب الصفري في هذه الجماعات والقبائل أدى إلى أن انتشر المذهب الصفري بين جماعات الأفارقة، وهم أصلا من البربر الذين اختلطوا بالروم ودخلوا في خدمتهم واعتنقوا ديانتهم أو من الأجانب المستوطنين الذين طال وجودهم في بلاد المغرب حتى أصبحوا أفارقة) (2). وعن طريق قوافل التجارة امتد انتشار المذهب الصفري إلى السودان حيث استجاب جماعات تقطن جنوبي ا الصحراء لمبادئ الخوارج (لما تنطوي عليه من مساواة دون اعتبار للعنصر واللون) (2). وهذا الانتشار الواسع يعبر عنه ابن خلدون بقوله: إنّ الصفرية قد فشت مقالتها في سائر القبائل بافريقية)). والصفرية في المشرق لهم اثر كبير في تقعيد قواعد المذهب الصفري حيث إنّ أثر المشارقة في مناطق الموصل والجزيرة وديار بكر، واتخذوها مقراً تتجمع فيه قواتهم لتتجه في أعداد كبيرة نحو البصرة والكوفة،
(1) ابن الأثير، الكامل، القاهرة، 1303 هـ، ج 5، ص 70.
(2) د. حسن احمد محمود انتشار الإسلام والثقافة العربية في افريقية، القاهرة، 1963،
ج 1، ص 167.
(3) د. محمود اسماعيل، الخوارج في بلاد المغرب.
(4) ابن خلدون، العبر، ج 4، ص 189.
24 (1/24)
صفحة 25
من تراث الإباضية العقائدي
وقد سقطت الكوفة نفسها في أيديهم مرتين) (1) واستفادتهم من أخطاء الأزارقة والنجدات أدى بهم إلى أن ينحوا بدعوتهم في المغرب باتجاه الدعوة السرية المنظمة ونبذ العنف و أن التطور الجديد في فكر الخوارج الصفرية بتجويز مبدأ التقية والاتجاه العملي في حركاتهم بالمشرق) (). إن عقائد الصفرية تشكل تطوراً ملحوظاً في فكر الخوارج فالصفرية: (اذ تجنح إلى التخفيف من غلواء التطرف الذي أفضى بحركاتهم إلى الفشل قبل. فهم لم يسقطوا الرحم ولم يحكموا بقتل أطفال المشركين وتكفيرهم كالأزارقة، كما نادوا بجواز التقية في القول دون العمل) (2). وهناك مبدأ للصفرية ساعد على بقائهم ومعايشتهم للجماعات الإسلامية فقد أجاز بعض زعمائهم تزويج المسلمات من كفار قومهم في دار التقية)). فقد ساعد هذا المبدأ على انتشار مذهبهم وأتاح لهم سبيل الدعوة إليه، غير أنهم غالوا كبقية الفرق الخارجية عدا الإباضية فذهبوا إلى تكفير مرتكبي الكبيرة (فبينما رأى الإباضية أنهم موحدون قال الصفريون بتكفيرهم) (5).
(1) د. محمود اسماعيل الخوارج في بلاد المغرب، ص 46
(2) د. محمود اسماعيل الخوارج في بلاد المغرب، ص 46
(3) الرازي، فخر الدين (ت 606 هـ)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، القاهرة
1938، ص 51.
(4) المصدر نفسه، ص 122
(5) المصدر نفسه، ص 121
25 (1/25)
صفحة 26
من تراث الإباضية العقائدي
أما الإباضة: وهم أتباع عبد الله بن أباض الذي كان مع نافع بن الأزرق قبل أن يدب الخلاف بينهما) (1) والإباضية (وهم أكثر الخوارج اعتدالاً وأقربهم إلى الجماعة الإسلامية تفكيراً ولا يغالون كثيراً وقد أكسبهم هذا الاعتدال البقاء) (2) ولقد قامت دولتهم في الوقت نفسه الذي قامت به الدولة الصفرية في المغرب الأقصى يقول الدكتور هويدي (وقام في تلمسان بالمغرب الأوسط وفي نفس هذا التاريخ الذي تأسست فيه بالمغرب الأقصى ولاية سجلماسة الصفرية) (3). والإباضية أو الوهبية (نسبة إلى عبد الله بن وهب الرأسي الأزدي الذي كان يقال له النفثات لأن ركبه قد صارت كنفثات الإبل من كثرة السجود) (4). فأنهم ينقسمون على ثلاث فرق رئيسة هي (النكارية والخلقية والنفاثية) (5) وهناك فرق فرعية في الشمال الأفريقي منها (العمرية أو الحسينية وهي أقرب إلى المعتزلة ... والسكاكية وإمامهم عبد الله السكاك .... والفرثية وهم
(1) الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير تاريخ الأمم والملوك، طبعة ابريل، 1885 – 1889، ج 7، ص 519. (2) د داود علي الفاضل محاضرات في تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، ص 56.
(3) د. يحيى هويدي، تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الأفريقية، ص 15
(4) المصدر نفسه، ص 44
(5) مونيلينسكي، دائرة المعارف الإسلامية في مقال عن الإباضية نقلاً عن ا
السابق، ص 44.
المص
26 (1/26)
صفحة 27
من تراث الإباضية العقائدي
أصحاب أبي سليمان بن يعقوب بن محمد بن أفلح الإمام بن عبد الوهاب. .. وهناك النفوسية أو التمزينية أصحاب أبي يونس وسيم النفوسي التمزيني) (1).
ظهرت الإباضية في وقت ظهور الصفرية والنجدات في "سنة 46 هـ - 683 م" عندما خالف عبد الله بن أباض نافع بن الأزرق في تكفيره القعدة عن القتال واتخذ ذلك موقفاً معتدلاً) (1). ويؤكد كثير من المؤرخين والباحثين على أن سمة الاعتدال هي السمة الواضحة في عقائد الإباضية فهم (يحرمون دماء المسلمين وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم) (3). بل إن من خصومهم من ذكر ذلك عنهم فهذا البغدادي يقول: (إنّهم اعتبروا دور مخالفيهم دور توحيد إلا معسكر السلطان فانه دار بغي)). أما الاسفراييني فيذكر: أنهم أجازوا مناكحتهم ومواراتهم وغنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب، وحرموا قتلهم وسبيهم في السر غيلة إلا بعد نصب القتال وإقامة الحجة) (5). ولا شك أن الإباضية دانت بالفضل لعدد كبير منهم، جابر بن زيد فقد نال منزلة كبيرة في الدعوة لمذهب
(1) ينظر النشماني، كتاب السير، طبعة الجزائر قسطنطينية، (د. ت)، ص 195
(2) د. محمود اسماعيل الخوارج في بلاد المغرب، ص 51. (3) السوفي أبو عمر عثمان بن خليفة المرغني "ت اواخر القرن السادس الهجري"، شرح السؤلات مخطوط بدار الكتب المصرية برقم 21582 ب، ورقة 57
(4) البغدادي، الفرق بين الفرق، ص 106.
(5) الاسفراييني، التبصير في الدين، ص 28.
27 (1/27)
صفحة 28
من تراث الإباضية العقائدي
الإباضية (حتى اعتبره بعضهم أول الأئمة) (1). . وبعد وفاته خلفه (احد تلاميذه ويدعى أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة الذي قيل انه ظل يتلقى العلم أربعين عاماً وبعدها نصب نفسه لتعليمه – أي المذهب -. ومن هنا كانت شهرته الواسعة بتعمقه في العلوم على اختلافها) (). وكان أبو عبيدة هذا من كبار متكلمي الخوارج الإباضية فقد كان نداً لأعلام المعتزلة كواصل بن عطاء، وكان يحاورهم ويجادلهم) (2).
آراؤهم الفلسفية و الكلامية
وقبل الخوض في آراء الإباضية الكلامية والفلسفية نطرح سؤالاً مهماً وهو هل إنّ الإباضية من الخوارج؟ وللجواب على ذلك يجب علينا العودة إلى آراء الإباضية أنفسهم ليجيبونا على هذا السؤال وقبل ذلك يجب أن نعرف الإباضية (وهي تلك الفرقة المعتدلة من الخوارج ظهرت في أواخر الدولة الأموية وهي تؤمن بالقرآن والحديث مصدراً للتشريع مع القول بالرأي وبالقياس، واعتبرت أبا بكر وعمر القدوة بعد الرسول ولكنها تشترط القريشية في الخلافة) (4). وإذا ما عدنا إلى السؤال الذي
(1) الورجلاني، الدليل الأهل العقول، القاهرة، 1306 هـ، ج 2، ص 72. (2) د. محمود اسماعيل الخوارج في بلاد المغرب، ص 53
(3) الدرجيني، طبقات الاباضية، ج 1، ورقة 105
(4) عدنان عياش: جذور الإباضية في بلاد المغرب، مجلة اتحاد الجامعات العربية للآداب،
المجلد الرابع، العدد الثاني 1428 هـ 2007، ص 257.
28 (1/28)
صفحة 29
من تراث الإباضية العقائدي
طرحناه فلا بد لنا أيضاً من معرفة تاريخ نشأة المذهب الإباضي فقد (ظهر المذهب الإباضي في القرن الأول الهجري في البصرة، فهو أقدم المذاهب الإسلامية على الإطلاق والتسمية كما هو مشهور عند المذهب جاءت من طرف الأمويين ونسبوه إلى عبد الله بن أباض وهو تابعي عاصر معاوية وتوفي في أواخر أيام عبد الملك بن مروان، وعلة التسمية تعود إلى المواقف الكلامية والجدالية والسياسية التي اشتهر بها عبد الله بن أباض في تلك الفترة) (1) ولا شيء أدل على تمييز الإباضية عن الخوارج أوضح مما كتبه الشيخ سالم بن حمود السيابي في كتابه «أصدق المناهج في تمييز الإباضية عن الخوارج () وما ذكره معمر بن علي بن يحيى في كتابه «الإباضية في موكب التاريخ» (2) والباروني (ت 1359 هـ ـ 1904 م) في «مختصر تاريخ الإباضية» (4) وكذلك الشماخي (ت 928 هـ - 1522 م) في كتاب «سير. ومشايخ جبل نفوسه» (9) وسنذكر بعض ما قاله مؤرخو الفرق في تمييز
علماء
(1) المرجع نفسه، ص 256. (2) السيابي سالم بن حمود (ت 1400 هـ - 1906 م) أصدق المناهج في تمييز الإباضية
عن الخوارج، تحقيق: سيدة إسماعيل كاشف، القاهرة، 1979.
(3) هذا الكتاب نشرته جمعية التراث، مسقط 1985، وقد نشر الجزء الأول في القاهرة، 1964.
(4) قام بنشره مكتبة الاستقامة، في تونس، 1968.
(5) كتاب السير هذا يوجد طبعة حجر في الجزائر، بدون تاريخ.
29 (1/29)
صفحة 30
من تراث الإباضية العقائدي
الإباضية عن الخوارج حيث يقول السيابي: (وأما إباضية عُمان وزنجان وشرق أفريقية وشمال أفريقية في جبل نفوسه وجزيرة حربة ووادي ميزاب وفي غير ذلك من الأماكن فيتبرؤون من نسبتهم إلى الخوارج، والخوارج في نظرهم معناه الخروج على الإسلام، إذ نرى أن فقهاء ومؤرخي الإباضية قديماً وحديثاً يؤكدون أن مذهبهم هو الإسلام القائم على القرآن الكريم وعلى الأحاديث النبوية والسنة المشرفة، وقد اختار الإباضية طوال تاريخهم طريق الاعتدال وجعلوا هدفهم الرئيسي إقامة تعاليم الدين الإسلامي علماً وعملاً) (1). وإذا ما عدنا إلى آراء أئمة الإباضية في الخوارج نجدهم ينظرون إلى الخوارج بأنهم خارجون على الإسلام فهذا الإمام الورجلاني يقول: (وأما المارقة وهم الخوارج، فلن يخفى على عاقل بسيرة ما ساروا في أهل الإسلام كسيرة أهل الإسلام في أهل الأوثان والأصنام، كأنما بعث إليهم رسول آخر غير محمد عليه السلام) (). ويقول في موضع آخر: (وأما المارقة: فإنهم زعموا أن من عصى الله تعالى ولو في صغير من الذنوب أو كبير أشرك بالله العظيم. وتأولوا قوله عز وجل {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون فقضوا بالاسم على
(1) السيابي، أصدق المناهج في تمييز الإباضية عن الخوارج، ص 2. (2) الورجلاني أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الدليل والبرهان، تحقيق: الشيخ سالم بن حمد الحارثي، طبعة وزارة التراث والثقافة، مسقط، سلطنة عُمان، طـ ص 1427 هـ - 2006 م، ص 66.
30 (1/30)
صفحة 31
من تراث الإباضية العقائدي
جميع من الله عز وجل أنه مشرك، وعقبوا بالأحكام، فاستحلوا قتل
عصى
الرجال وأخذ الأموال والسبي للعيال، فحببهم قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إن أناساً من أمتي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فتنظر في النصل فلا ترى شيئاً، وتنظر في القدح فلا ترى شيئاً، وتتمارى في الفوق فليس في أمة أحمد (صلى الله عليه وسلم) أشبه بهذه الرواية منهم، لأنهم عكسوا الشريعة، قلبوها ظهراً لباطل، وبدلوا الأسماء والأحكام لأن المسلمين كانوا على عهد رسول الله) يعصون ولا تجري عليهم أحكام المشركين. فليت شعري فيمن نزلت الحدود في المسلمين أو في المشركين، فأبطلوا الرجم والجلد والقطع، كأنهم ليسوا من أمة أحمد عليه السلام احولت أعينهم فنظروا في المعنى الذي أمر الله به المسلمين أن يستعملوه في المشركين، من جهاد العدو والجد في محاربتهم، فاستعملوه هم في المسلمين) (1) ويميز السيابي الإباضية عن الخوارج فيقول: (ولم يكن للإباضية هدف لتكوين حزب أو إنشاء مذهب خاص فمذهبهم الإسلام ودينهم الإسلام، أسس الحكم عند الإباضية هي الكتاب والسنة والإجماع ثم القياس ثم الاستدلال) (2). أما عن آرائهم الفلسفية فسوف نتحراها من مصدرين مهمين في فلسفة الإباضية (مجموع الرسائل الإباضية التي طبعت في مصر على نفقة محمد يونس الباروني. وكتاب (الدليل لأهل العقول) لأبي يعقوب
(1) المصدر نفسه، ص 43 - 44.
(2) السيابي: أحدق المناهج في تمييز الإباضية عن الخوارج، ص 32.
31 (1/31)
صفحة 32
من تراث الإباضية العقائدي
يوسف بن إبراهيم الورجلاني ثلاثة أجزاء في مجلد واحد طبعة القاهرة 1306 هـ. وسوف نتعرض لثلاث مسائل وهي آراؤهم الفلسفية في
الوجود، ومخالفتهم ومشاركتهم للمعتزلة ومناقشة الأشاعرة في
الناشئ بينهما.
آراء الإباضية في الوجود
الخلاف
ولنتعرف على رأي الإباضية في الوجود وبعض مصطلحاتهم الفلسفية من خلال رسالة الحقائق المحتاج إليها لأبي القاسم بن بن إبراهيم البراوي الإباضي وهي ضمن مجموع الرسائل الإباضية) يقول البراوي (العالم هو ما سوى الله وهو الأجسام والأعراض فقط وعند الغير (وهم الأشاعرة) الأجسام والأعراض والجواهر - حقيقة الجوهر هو المتحيز – حقيقة الجسم هو المتحيز ولا فارق بينه وبين الجوهر وعند الغير الجسم وهو المنقسم. والمتحيز منقسم لكن دليل الانقسام أن الجهة الموالية للشرق غير الجهة الموالية للغرب - حقيقة العرض هو ما لا يقوم بنفسه حقيقة الخلق الإخراج من العدم إلى الوجود – حقيقة الحدوث وجود بعد عدم حقيقة البقاء وجود بعد وجود – حقيقة الموجود أنه الحاضر الآن – حقيقة القديم هو الموجود لا بعد عدم ولا يهدم بعد وجود - حقيقة القدم صفة القديم - حقيقة الشيء هو المخبر عنه، وعند الأشعرية هو الموجود – والمعدوم عندهم ليس بشيء وعندنا شيء معدوم - والعدم عندنا ليس بشيء –
32 (1/32)
صفحة 33
تراث الإباضية العقائدي
حقيقة العلة هي الملازمة للمعلول يوجد بوجودها ويرتفع بارتفاعها - حقيقة الاعتقاد اعتماد القلب على معنى ا النفس نفياً أو إثباتاً) (1). ولقد وجه أبو عبيدة دعاته إلى الولايات والأمصار فكان نصيب بلاد المغرب أن بعث لهم بداعيته سلمه بن سعيد (في بداية القرن الثاني
الهجري لنشر الدعوة الاباضية بين المغاربة) (2). وما لبث أن مات سعيد هذا فحل محله (أبو عبد الله محمد بن عبد الحميد بن مغيطر الذي تتلمذ على أبي عبيدة بالبصرة ... وفي أيامه تم انتشار المذهب بين بربر نفوسه
في مستهل القرن الثاني الهجري) (3).
آراء الإباضية في العلم الإلهي
إن انتشار المذهب الإباضي ورسوخه في جبل نفوسة أدى إلى (انتشاره بين القبائل الأخرى مثل هوارة والماية وزنانة و سدارته وزواغة ولوانه) (4) .. . وبعد هذا الانتشار للمذهب فلا بد أن يكون هناك من يتصدر
(1) البرادي أبو القاسم بن إبراهيم البرادي الاباضي، رسالة الحقائق المحتاج إليها)، ضمن الرسائل الاباضية، مطبعة مصر، (د. ت ص 112.؛ المخطوط للكتـ
تحت الرقم 58 عقائد ونحل إسلامية، ص 12؟ (2) أبو زكريا، السير وأخبار الأئمة، ورقة 2، الشماخي، السير، ص 98
ب
المصرية
(3) الوسياني، أبو الربيع عبد السلام (ت 471 هـ) سير أبي الربيع، مخطوط بدار الكتب
المصرية برقم 9113 خ – ورقة 79 و 80.
(4) ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 120 - 121
33 (1/33)
صفحة 34
من تراث الإباضية العقائدي
الإرشاد بتعاليم هذا المذهب (إنّ) انتشار المذهب الإباضي على هذا النحو بين كثير من قبائل المغربين الأدنى والأوسط كان في حاجة إلى مزيد من التبصير بتعاليم المذهب وأصوله الفقهية .. ولذلك تم اختيار ممثلين عن الجهات التي انتشر فيها المذهب للتوجه إلى البصرة لمزيد من الدرس فاختير عاصم السدراتي من غرب الأوراس، وأبو داود القبلي النفزاوي من نفزاوة جنوبي افريقية، واسماعيل بن درار من غدامس جنوبي طرابلس وانضم إليهم عبد الرحمن بن رستم من القيروان وتوجه هؤلاء الذين عرفوا بحملة العلم إلى البصرة حيث ظلوا في صحبة أبي عبيدة مسلم خمس سنوات يتلقون العلم على يده ويعدون العدة للظهور ويتعلمون أصول الحكم وفنونه) (1). . وبعد عودة حملة العلم إلى المغرب: (واصلوا جهودهم في تثبيت دعائم المذهب ولما اشتد ساعدهم عقدوا العزم على إعلان إمامة الظهور سنة " 140 هـ - 757 م". وهكذا أصبحت بلاد المغرب معقلاً لنشاط الخوارج بعد انتشار المذهب الصفري بين بربر المغرب الأقصى وبعض نواحي المغرب الأوسط، والاباضي في المغربين الأدنى والأوسط. وبدأ الخوارج حقبة جديدة في تاريخ البلاد)). لم يختلف الخوارج في المغرب عن أسلافهم في المشرق في مسألة الصفات الإلهية بصورة عامة والعلم الإلهي بصورة خاصة، فكما أن أسلافهم في
(1) د. محمود اسماعيل الخوارج في بلاد المغرب، ص 55
(2) المصدر نفسه، ص 55 - 57.
34 (1/34)
صفحة 35
من تراث الإباضية العقائدي
المشرق يتفقون مع المعتزلة في نفي الصفات وبأنها عين الذات، ولا يفرقون بين الذات والصفات فهي عندهم شيء واحد (فالخوارج يتفقون مع المعتزلة والمرجئة والزيدية من الشيعة بشأن التوحيد، فيرون: "ان الله تعالى واحد ليس كمثله شيء ولا تدركه الأبصار في دنيا ولا آخرة، ولا تكيفه العقول، ولا تضبطه الأوهام، ولا تمثله القلوب، ولا تحده الأفكار، ولا تقطعه المقادير، ولا تقع عليه مساحة، وانه غير جسم، ولا له حدود ولا أقطار ولا يجوز عليه النقل من مكان إلى مكان ولا من حال إلى حال" .... ) (1). في حين يرى ابن حزم أن لفظ الصفات (هي بدعة منكرة: قال إنما اخترع لفظ الصفات المعتزلة وهشام ونظراؤه من رؤساء الرافضة وسلك سبيلهم قوم من أصحاب الكلام سلكوا غير مسلك السلف الصالح ليس فيهم أسوة ولا قدوة) () ويرى ابن حزم أيضا أن (إطلاق لفظ الصفات الله تعالى عز وجل فمحال لا يجوز لأن الله تعالى لم ينص قط في كلامه المنزل على لفظ الصفات ولا على لفظ الصفة ولا حفظ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) بان الله تعالى صفة أو صفات) (3) غير أن خصوم ابن حزم من المعتزلة والخوارج والشيعة والجهمية الذين يذكر الأشعري اتفاقهم على
(1) الحميدي، نشوان بن سعيد الحور العين مطبعة السعادة، القاهرة، 1948، ص 147. وينظر كذلك د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، دار الطليعة، بيروت، لبنان، طه، 2004 م، ص 200.
(2) ابن حزم الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج 2، ص 121.
(3) المصدر نفسه، ج 2، ص 120.
35 (1/35)
صفحة 36
من تراث الإباضية العقائدي
القول بنفي الصفات: كما قال قائلون من الحرورية والمعتزلة والجهمية بنفي الصفات عن الله تعالى) (1) منهم من يحتج بحديث عائشة رضي الله عنها" في الرجل الذي كان يقرأ قل هو الله احد في كل ركعة مع سورة أخرى وان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمر أن يسأل عن ذلك فقال هي صفة الرحمن فأنا أحبها فأخبره عليه السلام أن الله يحبه) (3).
ويجيب ابن حزم عن ذلك أن اللفظة انفرد سعيد بن أبي هلال وليس بالقوي قد ذكره بالتخليط يحيى واحمد ابن حنبل أيضا فان احتجاج خصومنا بهذا لا سيوغ على أصولهم لأنه خبر واحد لا. يوجب عندهم العلم وأيضا فلو صح لما كان مخالفاً لقولنا لأننا إنما أنكرنا قول من قال: إن أسماء الله تعالى مشتقة من صفات ذاته فأطلق لذلك على العلم والقدرة والقوة والكلام إنها صفات وعلى من أطلق إرادة وسمعاً بصراً وبصيراً وحياة وأطلق إنّها صفات فهذا الذي أنكرناه غاية الإنكار) (3). ثم يربط ابن حزم بين الصفات لإثبات صفة أخرى وبالرد على اعتراضات خصومه فيقول: (فإن اعترضوا فقالوا أنكم تسمونه سميعاً بصيراً وانه لم يزل كذلك فيلزمكم أن المسوغات والمبصرات لم تزل قلنا لهم وبالله تعالى نتأيد هذا لا يلزمنا لأننا لا نسمي الله عز وجل إلا بما سمى به نفسه
(1) الأشعري، الإبانة، ص 36.
(2) ابن حزم الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج 2، ص 121.
(3) المصدر نفسه، ج 2، ص 121.
36 (1/36)
صفحة 37
ن تراث الإباضية العقائدي
فنقول قال الله تعالى السميع البصير فقلنا بذلك انه لم يزل وهو السميع البصير بذاته كما هو، ولا نقول لا يسمع ولا يبصر فنزيد على ما أتي به النص شيئاً ونحن نقول: إنّه تعالى لم يزل سميعاً للمسموعات بصيراً للمبصرات يرى - المرئيات ويسمع المسموعات، ومعنى هذا كله أنه عالم بكل ذلك كما قال تعالى {إني معكما أسمع وأرى} (). وهذا كله معنى العلم الذي لا يقتضي وجوداً المعلومات لم تزل لكن يعلم ما يكون انه سيكون على حقيقته ويعلم ما هو كما هو ويعلم ما قد كان كما قد كان وهذا نجده حساً ومشاهدة وضرورة لأننا فيما بيننا قد نعلم أن زيداً سيموت وموته لم يقع بعد)).
ويذكر الأشعري مخالفة الإباضية للمعتزلة في الإرادة فيقول: (غير أن إباضية الخوارج تخالف المعتزلة في مسألة التوحيد في الإرادة فقط فهم يزعمون ان الله سبحانه لم يزل مريداً لمعلوماته التي تكون أن تكون، ولمعلومات التي لا تكون ألا تكون (). ويصف ابن حزم الإباضية في الأندلس وأفعالهم فيقول: (وشاهدنا الإباضية عندنا بالأندلس يحرمون طعام أهل الكتب ويحرمون أكل قضيب التيس والثور والكبش ويوجبون القضاء على من نام نهاراً في رمضان فاحتلم ويتيممون وهم على الآبار
(1) سورة طه الآية
(2) ابن حزم الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج 2، ص 124.
(3) الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 203.
37 (1/37)
صفحة 38
من تراث الإباضية العقائدي
التي يشربون منها إلا قليل منهم) (1). ثم يذكر أقوالا أخرى لأبي اسماعيل البطيحي وأصحابه وهم من الخوارج: (إن لا صلاة واجبة إلا ركعة واحدة بالغداة وركعة أخرى بالعشي فقط ويرون الحج في جميع شهور السنة ويحرمون أكل السمك حتى يذبح ولا يرون اخذ الجزية من المجوس ويكفرون من خطب في الفطر والأضحى ويقولون أن أهل النار في النار في لذة ونعيم وأهل الجنة كذلك) (2). ويذكر ابن حزم أقوالا لأصحاب الحرث الإباضي فيقول: (وقالت طائفة من أصحاب الحرث الإباضي أن من زنا أو سرق أو قذف فأنه يقام عليه الحد ثم يستتاب من
ما فعل فان تاب ترك وإن أبى التوبة قتل على الردة) (3). أما الإباضية فإنها تذهب إلى نفي الصفات أيضا: (إنّ صفات الباري لا تدل على معان تلازمه أو تفارقه بل تدل مثلاً صفة الوجود على انه ليس هناك وجود غيره يخالفه او يوافقه وقولنا إن الله تعالى حي إخبار عن أن الذات ليست ميتة وانه تعالى له التصرف بالغير. وقولنا إن الله قادر إخبار عن الذات إنها ليست بعاجز ولا يعوزها شيء وقولنا: (إنّ الله مريد إخبار عن الذات أنها غير مكرهة ولا يفوقها شيء))، وهم
(1) ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج 2، ص 189
(2) المصدر نفسه، ج 4، ص 189 (3) ابن حزم الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج 4، ص 189. (4) الورجلاني "الدليل" لأهل العقول"، ج 1، ص 38 - 48.
38 (1/38)
صفحة 39
تراث الإباضية العقائدي
يوحدون بين الذات والصفات ولكي يميزوا أنفسهم عن المعتزلة قالوا (بأن اللغة منعت من هذا الإطلاق ولولا ذلك لما كان به بأس"، وقد جاء في اللغة إطلاقه في بعض الأسماء كقولك: الله الرب، والله العدل، والله الوتر، والله الحق المبين) (). ويؤكد الورجلاني ما ذهبنا إليه من نفيهم للصفات بقوله: (والأحسن عندي إذن أن تقول ليس هناك شيء غير الله) (2). وهو بهذا يشير إلى الاشتراك مع المعتزلة في هذه المسألة كما يرى نلينو إذ يقرر عدة مسائل تشترك فيها الإباضية مع المعتزلة أهمها (أن صفات الله ليست زائدة على ذات الله ولكنها عين ذاته - وانه ليس من الممكن رؤية الله تعالى في الآخرة - والقول بخلق القرآن – والقول إن الله لا يغفر الكبائر لمرتكبيها إلا ذا تابوا قبل الموت أن عذاب النار أبدى لمرتكبي الكبائر من المسلمين وان مات المسلم دون أن يتوب لا تنفع له له شفاعة الملائكة والرسل أو الأولياء وذلك لأن الله صادق في وعده ووعيده - وتأويل بعض مسائل الحياة الأخرى تأويلاً مجازياً
مثل الصراط والميزان) (2).
(1) المصدر نفسه، ص 38 - 48
(2) المصدر نفسه، ص 48 بتصرف.
(3) نلينو، بحث الصلة بين المعتزلة ومذهب الاباضية في افريقية الشمالية ضمن " التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية دراسات لكبار المستشرقين، ترجمة: د. عبد الرحمن بدوي، مكتبة النهضة المصرية، 1940، ص 204 - 210
39 (1/39)
صفحة 40
من تراث الإباضية العقائدي
ويضيف جولد تسيهر أيضا إن كل تشبيه ظاهر وبخاصة استواء الله على العرش يجب تأويله تأويلاً مجازياً) (1). ويجد نلينو نقاط الخلاف بين الإباضية والمعتزلة بمسألتين مهمتين هما: المنزلة بين المنزلتين فالإباضية تنكر هذا القول بحق مرتكب الكبيرة فهم يعتبرونه كافراً) (2). لذلك يقول الشماخي: ندين بأن لا منزلة بين منزلة الإيمان ومنزلة الكفر) (2) (والمسألة الثانية هي مسألة القدر وحرية العبد في أفعاله فالمعتزلة تقول بحرية العبد، بينما يقول الاباضية في شمال افريقية بالحرية المحدودة) (4)، وهي بهذه المسألة تشابه الأشعرية في نظرية الاكتساب أو الكسب الأشعري، ولكن الاباضية يأخذون على الأشاعرة بوجه عام أنهم هربوا من الواضح إلى المشكل، أو من الواضح المعهود إلى المشكل المردود. فهم في مسألة الصفات قد افسدوا على العرب لسانهم وغيروا عليهم لغتهم وقالوا إن الصفة هي الوصف "العظة هي الوعظ" وقد فرق أهل اللسان بينهما، وأوجبوا الصفة للموصوف لان العظة صفة للموعوظ والوعظ فعل الواعظ" أما قول الأشاعرة بأن الصفات مغايرة للذات فإنه يؤدي إحداث الكثرة في الوحدة، ويشاركون به قول أصحاب ثالث ثلاثة، أصحاب
(1) جولد تسيهر بحث نقاط التقاء بين المعتزلة والاباضية مجلة تاريخ الأديان، المجلد رقم
52 سنة 1905، ص 232
(2) تلينو، الصلة بين المعتزلة ومذهب الاباضية في افريقية الشمالية، ص 204 - 210.
(3) الشماخي، السير، طبعة الجزائر، قسطنطينية (د. (ت)، ص 195 وما بعدها.
(4) تلينو، الصلة بين المعتزلة ومذهب الاباضية في افريقية الشمالية، ص 204 - 210
40 (1/40)
صفحة 41
تراث الإباضية العقائدي
الأقانيم، بل إنهم يشاركون به قول أصحاب الطبائع الأربعة أصحاب الاسطقسات)) وبرغم صعوبة هذا الحكم إلا أن الخوارج بصورة عامة والإباضية بصورة خاصة لا يبالون في مسألة تكفير المسلمين فهم يذهبون إلى (تكفير القدرية والمرجئة والشيعة والمشبهة أو المجسمة) (2). ويوردون أدلة على تكفير كل فرقة على حدة. أما الأشاعرة فلم يکفروهم صراحة وهم يختلفون معهم في مسائل عديدة يحصيها الورجلاني في عشر مسائل هي كما يقول (اعلم أن الأشعرية قد اختلفنا معهم في عشرة مواطن: أولها - إنا قلنا الباري سبحانه يوصف بالعلم والقدرة والإرادة وسائر الصفات التي يوصف بها، فقالوا: "أي الأشاعرة" إنّها معان وليست بصفات. فالعلم عندنا صفة وهو عندهم معنى لا صفة. والقدرة عندنا صفة وهي عندهم معنى ليست صفة، وكذلك الإرادة وسائر الصفات ليست بصفات ولكنها معان. فالصفة عندهم هي الوصف. والثاني- أنهم أطلقوا على هذه المعاني التي ذكروها إنها أغيار الله تعالى فأوجبوا التغاير بينهما. والثالث - أنهم أثبتوها معاني غير الله، وهي قديمة ونحن نقول ليس هناك معنى غير الله، ولا قديم مع الله. والرابع - أنه بمقتضى هذه المعاني كان الله موصوفاً بها، بالعلم كان عالماً، وبالقدرة كان قادراً، وبالإرادة كان مريداً.
(1) الورجلاني، الدليل لأهل العقول، ج 1، ص 38 وما بعدها. (2) يحيى هويدي، تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية، ص 60
41 (1/41)
صفحة 42
من تراث الإباضية العقائدي
وعلم بعلم، وقدره بقدرة وإرادة بإرادة، وحي بحياة، وقديم بقدم. والخامس - أنّ هذه المعاني التي وصفوه بها معان قائمة بالذات: ذات الباري سبحانه. والسادس: أنهم وصفوه بالوجه واليدين والرأس والعينين والجنب، والجلسة واليمين ... الخ. والسابع: أن الكلام من المعاني التي وصفوه بها وهو قائم بذاته ولم يزل به. والثامن: أن الأمر والنهي المندرجين في الكلام من المعاني التي وصفوه بها وقائمان بذاته لم يزل كذلك وتعالى الله عن ذلك. والتاسع: أن القرآن وسائر الكتب المنزلة من المعاني والتي يوصف بها في ذاته لم يزل بذلك سبحانه. والعاشر: أن العدل والإحسان والفضل والمن والإنعام صفاته لكنها أفعاله محدثة) (1). ويناقش الورجلاني ذلك. معهم فيقول (ونرجع إلى معارضتهم إيانا في الصفات فان قالوا إذا زعمتم أنّ الذات واحدة وأن صفاتها هي هو ما تقولون فيمن خلقه الباري حيا ثم مات او ميتاً ثم. أبعلم واحد علمه أو بعلوم كثيرة فإن قلتم بعلم واحد فقد جعلتم الحي ميتاً والميت حياً، وإن قلتم بعلوم كثرة فقد أثبتم قدماء كثيرة وإن قلتم علمه بلا علم وقعتم في المحال. وقلنا بالله التوفيق إنّ الله تعالى علم الحي منا في حين حياته ثم عمله في حين موته ووقع التفاوت بين الحالتين لا بين العلمين كما أن الذات التي علمتها ميتة هي الذات علمتها حية فما قلتم في العالم قلنا في العلم نعكس عليهم المسألة فان قالوا بعلم واحد لزمهم أن يجعلوه حياً ميتاً
(1) الورجلاني، الدليل لأهل العقول، ج 1، ص 38
42 (1/42)
صفحة 43
من تراث الإباضية العقائدي
موجوداً معدوماً. وان قالوا بعلوم كثيرة على عدد أجزاء الخليقة فقد اثبتوا قدماء كثيرة مع الله في الأزل فان قالوا علمها بلا علم وقعوا في المحال ولا سبيل لهم ولا مخرج لهم إلا السبيل الذي سلكناه وكذلك القول في سائر الصفات) (1).
ولو اعترض الأشاعرة على أقوال الإباضية وقالوا: (إن القول بالصفات على هذا النحو يؤدي إلى إحداث تغير في الذات الإلهية لأن الله مثلاً يعلم أن فلان حي ثم يحدث أن يموت هذا الإنسان، فإن هذا يؤدي إلى تغير في علم الله) (2). فإن الورجلاني يرد على هذا الاعتراض قائلاً: (اعلم أن الأشياء تختلف بالأعيان والأزمان والمكان وتقع النسبة إليها من جهة العلم نسبة واحدة وجهة القدرة وغيرها نسبة واحدة ومن جهات مختلفة وليس ذلك بصائر إلى الذات شيئاً. كذلك لو علم رجلان شيئاً واحداً والشيء على حدته والعالمان اثنان، أو علم رجل شيئين على أنا لا نثبت مع الباري سبحانه علماً غير ما يقع التطالب والتخاطب عليه) (2). ويستطرد بالردود على الأشاعرة فيقول: (فإن اعترض الأشاعرة بقولهم: إنكم أبطلتم المعنى المعقول في لغة العرب أنهم إذا وصفوا إنسانا بالشجاعة أو الجبن أو بالسخاء أو بالبخل أثبتوها صفات لغيره. قلنا لهم وبالله التوفيق إنّ
(1) الورجلاني، الدليل لأهل العقول ج 1، ص 47 - 48.
(2) يحيى هويدي، تاريخ فلسفة الإسلام، ص 64. (3) الورجلاني، الدليل لأهل العقول، ج 1، ص 48.
43 (1/43)
صفحة 44
من تراث الإباضية العقائدي
العرب إذا وصفت شيئاً بصفة أنهم يتوجهون إلى معنى تلك الصفة وليس في صفاتهم ما يقتضى فى لسانهم إنها هي هو أو غيره) (1) وأما توحيد الأشاعرة بين العلم والقدرة ... الخ فيرد الورجلاني (بأن هذا ممنوع من جهة التخاطب واللغة) (2).
آراء الإباضية في النفس
إن الخوارج كما سبق وذكرنا فرق عديدة، اشتهرت بالمغرب منها فرقتان هما الإباضية والصفرية ففي أواسط القرن الثاني الهجري حول البربر ثورتهم الاجتماعية إلى الناحية الدينية فاعتنقوا المذهب الخارجي الداعي الى المساواة وذلك احتجاجاً على تصرف بعض الولاة، فاعتنقوا مذهبين: المذهب الصفري
الذي يمثل النزعة اليسارية والإباضية التي هي أكثر اعتدالاً) (3).
كان انتشار الصفرية من طرابلس إلى طنجة ولكن تفوقهم لم يدم طويلاً فإنهم أنهكوا بالحروب التي خاضوها ضد العرب أو ضد الإباضية فسلموا البلاد إلى الأخيريين وقد ذاب اغلب الصفرية في الإباضية واجبر البقية على أن يتجمعوا حول إمام "سجلماسة" الصغيرة ابن بقي)). وبعد
(1) المصدر نفسه، ج 1، ص 48.
(2) المصدر نفسه، ج 1، ص 48
(3) صالح، باجية الاباضية بالجريد دلر، بوسلامة، تونس ط 1، 1976، ص 29.
(4) TADEUSZ LEWICKI Les Ibadites en tunisic au moyen ige-Rome
1958 P.4 - 5.
44 (1/44)
صفحة 45
ن تراث الإباضية العقائدي
حروب طويلة خاضها الخوارج بزعامة بعض زعماء البربر قامت في المغرب الإسلامي ثلاث دول خارجية:
1. دولة أبي قرة: " بتلمسان وملوية" وهي دويلة صفرية لم تعمر
الأربعين سنة امتدت من سنة "122 هـ - 162 هـ، 740 - 780 م. 2. دولة بني مدرار: في سجلماسة "بتافيلات" استمرت أكثر من قرنين " 140 - 366 هـ = 757 م - 976 م". وكانت "الصفرية" علاقاتها حسنة مع الإباضية .. وكانت هذه الدولة على ولاء للعباسيين فيخطبون للخليفة العباسي المنصور والمهدي كما أعلنوا استقلالهم عن الفاطميين
عند
ثورة أبي يزيد مخلد بن كراد، وبقوا على ولائهم للعباسيين.
دولة بني رستم: الإباضية وقد امتدت قرابة مائة وخمسين سنة من "144 – 296 هـ - 761 - 909 م .. وبفضل تسامح الأيمة الرستميين استطاع العلماء السنيون أن يفدوا على تاهرت لجدال علماء الإباضية في مسائل العقيدة والشريعة، ولعل الإباضية كانوا يطمعون في أن يقنعوا علماء أهل السنة باعتناق النحلة الاباضية) (1).
وقد تكلمنا في مواضع سابقة عن أصول الخوارج صفرية وإباضية، وعن أقسام هاتين الفرقتين، ولاسيما الإباضية منهما: أما في ما يخص اعتقاد الخوارج بشكل عام فإنهم متفقون جميعهم مع المعتزلة في بعض المسائل ويختلفون معهم في مسألتين، وسوف لا نفصل بين الصفرية
(1) الفريد بل، الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي، ص 46 و 150.
45 (1/45)
صفحة 46
من تراث الإباضية العقائدي
والإباضية في عرض الآراء لأنها لا تختلف والمختلف فقط أن الإباضية هو أكثر اعتدالاً واقل تطرفاً. كما تدرج التطور في المذهب الاعتزالي فإن
المذهب الاباضي تدرج في التطور أيضاً حتى اقترب الفقه الإباضي من فقه أهل السنة (حتى ينتصب بعض الإباضية للقضاء بين الناس وهذا التقارب حصل فيما يخص المعاملات بين مختلف المذاهب والطوائف) (1). ومن بين هؤلاء القضاة الاباضية يخلف بن يخلف النفوسي الذي تذكر المصادر (إن جماعة من البربر وجماعة من العرب من قبائل مختلفة ومذاهب متفرقة يقصدون الشيخ يخلف فيجتمعون عنده أفواجا يقضي بينهم في الجراحات وغيرها. لا يرغبون عنه لمخالفة مذهبه، ولا يردون عليه قوله: وأما سكان الحاضرة فمفترقون إلى علمه) (). وبالرغم من انتشار الدعوة الإباضية في المغرب إلا أن المشرق يظل النواة التي تغذي جميع الأجزاء، وإلى المشرق يرجع إباضية المغرب في الفتوى والاعتقاد ففي مجال الفتوى كان الإمام عبد الوهاب يريد الحج فتعترضه نفوسه إذ هي تخشى عليه من خلفاء الدولة العباسية في المشرق. ويستفتي في ذلك، مرجع الإباضية في المشرق آنذاك الربيع بن حبيب العلامة المحدث "صاحب المسند "
(1) صالح باجية، الاباضية بالجريد، ص 70. (2) الدرجيني، أبو العباس احمد (ت) (670 طبقات المشائخ بالمغرب، تحقيق: ابراهيم طلاي، الجزائر،1974، ص 532، والمخطوط بالمكتبة الوطنية في تونس برقم (2524)، ج 2، ص 532.
46 (1/46)
صفحة 47
ن تراث الإباضية العقائدي
والعلامة ابن عباد، فأجابه الربيع بـ (جواز إعطاء الأجرة لمن يحج عنه حيث كان مشغولاً بأمر المسلمين والإسلام مع خوفه على نفسه من ملوك المشرق - وكان جواب ابن عباد. سقوط فرض الحج بالكلية عمن كان بهذه الصفة) (1).
أما في مجال انتقال العلم من المشرق إلى إباضية المغرب فقد (كانت صلة إباضية المغرب الإسلامي بالمشرق أثناء الدعوة السرية والبعثات الأولى العلمية التي منها حملة العلم إلى إفريقيا " أو لتأييد وتفقد أحوال الدولة الرستمية في بدء تكوينها فنرى أبا غانم بشر بن غانم الخراساني - صاحب المدونة - خرج من المشرق متوجهاً إلى المغرب ليعود الإمام عبد الوهاب ماراً بجبل نفوسة. وكاد يقتصر نشاط إباضية الجريد في اتصالهم بإخوانهم في المشرق في مناسبات الحج، ففي الحديث عن " يخلف بن يخلف النفطي" الذي مر ذكره نرى ركب الحجيج ببيت الله الحرام يلتقي بركب إخوانهم أهل "عمان" ومعهم فقيههم الذي حج معهم، والذي يسمى "ناجية بن ناجية (2). وبالإشارة إلى الرحلات لابد من الإشارة إلى (هجرة نفاث إلى الشرق - تحديداً بغداد – ولحسن إجابته وبراعته في العلم فقد تمكن من استنساخ " ديوان جابر بن زيد " بصورة معجزة كما
(1) الباروني، سليمان بن الشيخ عبد الله النفوسي، الأزهار الرياضية في ايمة وملوك الاباضية، طبعة، مصر 1313 هـ، ص 140 - 141.
(2) الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 344
47 (1/47)
صفحة 48
من تراث الإباضية العقائدي
يصورها المصدر الإباضي، من خزانة الخليفة العباسي ويفرنفاث بغنيمته خائفاً من عيون الدولة) (1). وهذا العمل إن دل على شيء فإنما يدل على أن الاتصال بالشرق يجب أن يحاط بالسرية وكانت تحفه المخاطر لذلك أفتي للإمام عبد الوهاب بسقوط فرض الحج عنه. أي من قبل ابن عباد علماء، الخوارج في المشرق - ولذلك لا أتصور أن تكون الاتصالات من كثيرة مستمرة بين الإباضية بالجريد وإخوانهم المشارقة) (1).
وفي الوقت الذي يتكلم فيه البغدادي عن الصفرية من الخوارج وعن بقية فرق الخوارج لا يتطرق إلى ذكر "الإباضية (2). بينما يُفصل القول في الاباضية مؤرخ آخر للفرق وهو "الشهرستاني" (4). إذ يفصل أقوالهم في أن أصحاب الذنوب مشركون، وقد زعمت فرقة من الصفرية، أن ما كان من الأعمال عليه حد واقع لا يسمى صاحبه إلا بالاسم الموضوع له كزان وسارق وقاذف وقاتل عمد وليس صاحبه كافراً ولا مشركاً، وكل ذنب ليس فيه حد كترك الصلاة والصوم فهو كفر وصاحبه كافر وأن الملاعن
(1) مؤلف مجهول، كشف الغمة الجامع أخبار الأمة، مخطوط المكتبة الوطنية، تونس، برقم
(3182)، ص 72
(2) صالح باجية، الاباضية بالجريد، ص 85
(3) ينظر: البغدادي عبد القاهر الفرق بين الفرق دار الجيل، دار الآفاق
،
الجديدة، بيروت، لبنان، 1408 هـ 1987 م، ص 54 - 90.
(4) الشهرستاني الملل والنحل تحقيق محمد سيد كيلاني دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1961، ج 1، ص 142 - 145.
48 (1/48)
صفحة 49
تراث الإباضية العقائدي
كذا .. وفرقة ثالثة من الصفرية قالت ... إن صاحب الذنب لا يحكم عليه بالكفر حتى يرفع إلى الوالي فيحده، فصارت الصفرية على هذا التقدير ثلاث فرق. فرقة تزعم أن صاحب كل ذنب مشرك .. والثانية تزعم أن اسم الكفر واقع على صاحب دين ليس فيه حد والمحدود في ذنبه خارج عن الإيمان وغير داخل في الكفر، والثالثة تزعم أن اسم الكفر يقع على صاحب الذنب إذا حده الوالي على ذنبه) (). وبالإضافة إلى أثر خوارج المشرق فإن بقية الفرق الإسلامية أثرت في خوارج المغرب وخصوصاً الإباضية منهم ففي شمال إفريقيا فإن (الإباضية يقولون بمبادئ المعتزلة: من الوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وتتطور العقيدة الإباضية بالمغرب حسب تطور مذهب الاعتزال فنرى " مسألة خلق القرآن موضوع رسالة للإمام من محمد بن افلح" (). وتتأثر ببعض التيارات الفلسفية فنرى فرج النفوسي المعروف (بنفات) يقول: "الله هو الدهر الدائم (2). كما تتأثر العقيدة الإباضية بعقيدة أهل السنة فيقلدون "الأشعرية" في قضية "الكسب " (4). كذا في هذا كتاب "الدعائم" حيث إنه
(1) البغدادي الفرقة بين الفرق، ص 70 – 71.
(2) البرادي، الجواهر المنتاة في إتمام ما اخل به کتاب، الطبقات طبعة قسنطينة، الجزائر
1302، ص 183، 184، 186
(3) الباروني، الأزهار الرياضية، ج 2، ص 195
(4) وهي نظرية لأبي الحسن الأشعري، مفادها " أن الله يخلق الأفعال والعبد يكسبها " ينظر: تفصيلات المسألة في الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري، ص 158 - 170.
49 (1/49)
صفحة 50
من تراث الإباضية العقائدي
لما اطلع منه أحد المناظرين من الإباضية على بعض قصائد العقائد وهي الرائية التي هي في الرد على القدرية. قال معرضاً: ما أرى هاهنا إلا موافقة "أهل السنة" (1) فقال له أبو العباس الدرجيني: وما خالف موافقة هذا الكتاب فهو خلاف السنة) (2). والاباضية كغيرهم من الفرق الإسلامية يؤمنون بوجود النفس ويطلقون لفظ القلب ويريدون به النفس وإن الاعمال النفسية عندهم هي أعمال القلب فحينما سئل أبو عمار "المتكلم الإباضي" من قبل بعض مشائخ الإباضية بالجريد: (س: ما اليقين والقدر والفرق بينهما؟
ج): اليقين صحة الاعتقاد وهو من أفعال القلب ومن أفضل أفعال العباد. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اعبدوا الله على الرضا واليقين وإلا ففي الصبر على ما تكره خير كثير. وقال "لو ازداد يقيناً لمشى على الهواء" والقدر ما قدره الله قبل أن يكون. قال في الايمان: "أن تؤمن بالقدر خير وشره إنَّه من الله (2). وفي الجزء الثاني من الحديث الأول حث على مجاهدة النفس وتخليتها من الرذائل وحليتها بالفضائل. والاباضية عرف عنهم الورع والإعراض عن الدنيا في إحدى رسائل ابن اباض يقول: (ولا) تعرض لي بالدنيا فإنه لا
(1) الدرجيني، الطبقات، ج 2، ورقة 503.
(2) صالح، باجة، الاباضية بالجريد، ص 42.
(3) المصدر نفسه، ص 43.
50
30 (1/50)
صفحة 51
ن الإباضية العقائدي
رغبة لي في الدنيا وليست من حاجتي، ولكن لتكن نصيحتك لي في الدين، ولما بعد الموت فإنّ ذلك أفضل النصيحة، فإنّ الله قادر أن يجمع بيننا وبينك على الطاعة فإنه لا خير إن لم يكن على طاعة الله)). لم يكن الاباضية يهتمون بالبناء الفكري لعقائدهم وذلك لأنهم يتوقفون عند ظاهر النصوص من جهة ومن جهة أخرى نزوع الكثير منهم إلى عدم البحث في الغيبيات لغلبة الطابع العملي على تفكيرهم) (). ونتيجة لتشبثهم بظواهر النصوص اعتبروا مرتكب الكبيرة كافراً، وقد تقولوا على مخاليفهم من الفرق الأخرى. يقول صاحب كشف الغمة (واعتقدوا – أي مخالفيهم – الخروج من النار - وأن أهل الكبائر لا يخلدون في النار. وأنهم يخرجون من النار ويدخلون الجنة. وقد قالت اليهود ذلك من قبل " قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة". فقال: (قل أتخذتم. عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). وحكم الله لا يبدل ولا يغير في جميع خلقه وقد اجمع جميع مخالفينا على الخروج من النار إلا "الزيدية" و "المعتزلة"، وكذلك اجمع مخالفونا: على أنهم يرون ربهم يوم القيامة سوى " الزيدية والمعتزلة والشيعة ". والله يقول (لا تدركه الأبصار وهو يدرك
(1) ابن اباض رسالة لأبن اباض تحقيق د. لطيفة بكاي دار الطليعة، بيروت، ط 1،
2002، ص 93
(2) صالح باجية، الاباضية بالجريد، ص 44
51 (1/51)
صفحة 52
من تراث الإباضية العقائدي
الأبصار) .. وكثير من اعتقاداتهم وأفعالهم مما هو مخالف لكتاب الله وسنة نبيه. وتنكره العقول ولو لم يرد فيه النص فكيف والنص وارد بخلافه) (1). وتبين من خلال هذه النصوص أن الإباضية يؤمنون بأن الخلود بعد الموت ثابت في النصوص والثواب والعقاب ثابت أيضا فأما خلود في الجنة وأما خلود في النار، ويعتقد الإباضية ببعث الأرواح والأبدان وقوفاً عند ظاهر النصوص، وينكرون رؤية الله تعالى كما مر سابقاً، وبذلك (تختلف الإباضية عن غيرها من الفرق الكلامية في نوعية عذاب الآخرة فيزعمون أن مرتكبي الكبائر من منتحلي الإسلام يعذبون عذاب الكافرين ويخلدون في النار) (2). وبناء على مسألة تكفير مرتكب الكبيرة والتي هي من المسائل المهمة في علم الكلام التي ربما "تعتبر السبب في نشأة علم الكلام). (ولقد خالفت الخوارج_الإباضية_ غيرها من الفرق الإسلامية بشأن ارتكاب الكبائر إذ قالوا: إنّ مرتكب الكبيرة يخرج من الإسلام وينتقل إلى دائرة الكفر، بينما قالت المرجئة: " لا يضر مع الإيمان ذنب،
كما لا ينفع مع الكفر طاعة") (4).
(1) مؤلف مجهول، كشف الغمة، ص 299 - 300.
(2) الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص 204. (3) ينظر: علي مصطفى الغرابي، تاريخ الفرق الإسلامية، مطبعة السعادة، مصر،
1948، ص 289
(4) الأشعري، الإبانة، ص 2
52 (1/52)
صفحة 53
اث الإباضية العقائدي
وقد احتجوا بقوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) (1) ولعل الناظر بهذه الآية لا يجد فيها ما فهمته المرجئة منها بأن مغفرة الله قد وقعت على جميع الفاسقين. ورد عليهم الملطي فأنكر زعمهم (). محتجاً بقوله تعالى (أم حسب الذين اجتر حوا السيئات أن نجعلهم كالذين امنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) (3) ويرى ابن حزم (أن المرجئة ... "حكموا في الإيمان بأحد طرفيه .. كما يرى أن الخوارج الاباضية- اخذوا بالطرف
الآخر، بينما عدوا المؤمن من لا ذنب له البتة وما كان دون ذلك فهو كافر في النار، فقد اخذوا بحد الكمال وغايته، وتركوا الحق وسطاً")). وقالت المعتزلة (إنّ مرتكب الكبيرة هو في منزلة بين المنزلتين، فليس هو بكافر ولا هو بمؤمن. فإذا تراجع وتاب قبل وقوع الأجل يعود إلى دوائر الإيمان، أما إذا مات قبل أن يتوب فيكون فى حيز الكفر ويكون خالداً في النار) () .... بينما ترى المعتزلة أن عذابهم من نوع آخر) - (أي
(1) سورة النساء: الآية 116. (2) الملطي، أبو الحسين محمد بن احمد التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، تحقيق: محمد زاهر الكوثري، القاهرة 1949، طبعة بيروت، 1968، ص 243 - 245. (3) سورة الجاثية: الآية 21.
(4) ابن حزم الرد على ابن النغريلة اليهودي، تحقيق: إحسان، عباس، طبعة القاهرة
1380 هـ - 1960 م، ص 227
(5) الأشعري، الإبانة، ص 2.
(6) الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص 204.
53 (1/53)
صفحة 54
من تراث الإباضية العقائدي
يختلف عن عذاب الكافرين) (). أما الخوارج فقد لزمهم تكفير المسلمين بادعاءات باطلة مبررين أقوالهم بأنه لا يجوز أن يجتمع في الإنسان الواحد الإيمان والنفاق، فيكون محموداً من وجه مذموماً من وجه آخر، فيستحق الجنة والنار جميعاً. فهم لا يرون إلا خلوداً في الجنة أو خلوداً في النار)) وقد رد الإيجي على هذه المزاعم فقال: (لا شبهة في أن عدم الوجوب مع الوقوع لا يستلزم خلفاً ولا كذباً، ولا يقال أن يستلزم أيضا محال، لأن لا نقول استحالته ممنوعة، كيف وهما من
جوازهما وهو الممكنات التي تشمل قدرته ... وانه إذا علم المذنب أي المرتكب الكبيرة أنه لا يعاقب على ذنبه بل يعفى عنه لم ينزجر عن الذنب، بل كان ذلك تقريراً على ذنبه، وعدم التوبة عنه، وكان إغراء للغير عليه، وأنه قبيح، مناف لمقصود الدعوة إلى الطاعات وترك المنهيات) (3). أما الإباضية فقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بآيات من القرآن منها قوله تعالى: (والله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فان الله غني عن العالمين) (4). ففي نظرهم تارك الحج كافر وكذلك المصر على ارتكاب الصغائر فإنه آيس من روح الله فهو كافر لقوله تعالى (انه لا
(1) د. نايف معروف الخوارج في العصر الأموي، دار الطليعة، بيروت، ط 5، 2004
م، ص 200 - 2001 بتصرف.
(2) الايجي عضد الدين كتاب المواقف، طبعة اسطنبول، 1286، ج 3، ص 232.
(3) المصدر نفسه، ج 3، ص 232
(4) سورة آل عمران الآية 97
54 (1/54)
صفحة 55
ث الإباضية العقائدي
ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) (). وقد تصدى للرد عليهم ابن أبي الحديد مستدلاً بقوله تعالى (ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) (2). فقد رأى أن في الآية استدلال على فسق الكافر، دون كفر
الفاسق وكذلك استدل في رد الإمام علي عليه السلام – عليهم وإنكاره عليهم تكفيرهم مرتكب الكبيرة، مستدلاً بفعل رسول الله نفسه، وأعلمهم بأنه لو كان مرتكب الكبيرة كافراً لما صلى عليه النبي ولما مكنه من وراثة المسلم أو نكاح المسلمات، أو اخذ نصيبه من الفيء)) ويقترب الفكر الإباضي من الفكر الاعتزالي في مسائل أهمها:
1. (خلق القرآن.
2. نفي رؤية الله يوم القيامة. .. تأويل مسائل الحياة الأخرى تأويلاً مجازياً كالميزان والصراط. 4. كل تشبيه ظاهر وخاصة استواء الله على العرش، يجب تأويله تأويلاً مجازياً. والإباضية يزيدون على بقية الخوارج بإتفاقهم مع المعتزلة
بمسائل أخرى منها.
ه. الله لا يغفر الكبائر لمرتكبيها إلا إذا تابوا قبل الموت.
(1) سورة يوسف: الآية 87
(2) سورة النور: الآية 55.
(3) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، تحقيق: محمد أبو الفضل ابراهيم، طبع القاهرة، 1385 هـ - 1387 - 1965 - 1967، ج 8، ص 114
55 (1/55)
صفحة 56
من تراث الإباضية العقائدي
6. عذاب النار ابدي حتى لمرتكب الذنب من المسلمين. وإذا مات دون أن يتوب لا تنفعه شفاعة الملائكة والرسل والأولياء. وهذا راجع إلى
أصل من أصول الاعتزال، وهو أن الله صادق في وعده ووعيده الواردين في القرآن.
صفات الله ليست زائدة على ذاته. ولكنها عين ذاته، بمعنى أن النتائج المترتبة على تلك الصفات عند الأشاعرة يكفي في وجودها الذات المقدسة. ولا حاجة إلى دعوى معان زائدة عليها قائمة بها. توجد بها تلك النتائج) (1).
وهناك مسألتان اختلف فيهما الإباضية في المغرب الإسلامي عن مذهب المعتزلة أول هذه المسائل هي الطريقة التي يعتبر بها مرتكب الكبائر، كافراً، حيث يقول الشماخي (ندين بأن لا منزلة بين المنزلتين الإيمان والكفر) (1).
(1) نيلنو، الصلة بين المعتزلة ومذهب الاباضية في افريقية الشمالية، ترجمة د. عبد الرحمن بدوي، ضمن كتاب التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، دراسات لكبار المستشرقين، مكتبة النهضة المصرية، مصر، 1940، ص 204 - 207 .. وكذلك ينظر: جولد تسيهر، العقيدة والشريعة في الإسلام طبعة مصر، 1946، ص 172. بتصرف
(2) الشماخي عامر بن علي أصول الديانات، نقلاً عن نلينو، الصلة بين المعتزلة، الاباضية في افريقية الشمالية، ص 204 - 210.
56 (1/56)
صفحة 57
من تراث الإباضية العقائدي
والمسألة الثانية هي القدر وحرية العبد في أفعاله فالمعتزلة يقطعون بحرية العبد بينما الإباضية في المغرب الإسلامي يقولون بالحرية المحدودة في صورة الكسب الأشعري) (1).
وفي الرسالة الإباضية رسالة "في الحقائق المحتاج إليها لأبي القاسم بن إبراهيم البراروي". تتضح صورة الفكر الخارجي الإباضي من خلال مناقشته لآراء مخالفيه حيث قال: العالم) هو ما سوى الله وهو الأجسام والأعراض فقط، عند غيرهم) الأجسام والأعراض والجواهر، وحقيقة الجسم هو المتميز ولا فارق بينه وبين الجوهر وعند الغير الجسم هو المنقسم. والمتحيز منقسم لكن دليل الانقسام أن الجهة الموالية للشرق غير الجهة الموالية للغرب وحقيقة البقاء وجود بعد وجود وحقيقة الشيء هو المخبر عنه، عند الأشعرية هو الموجود والمعدوم عندهم – أي الأشاعرة ليس بشيء وعندنا شيء معدوم) (). والعدم عندنا ليس بشيء ... " وحقيقة الاعتقاد اعتماد القلب على معنى في النفس نفياً أو إثباتا - حقيقة الحسن ما حسنه الشرع والقبح ما قبحه الشرع ولا
(1) ينظر: الدرجيني، الطبقات، ورقة 503. (2) الغير يقصد به الاشاعرة، الذين يفرقون بين الجسم، والجوهر، أما الخوارج الاباضية فلا يفرقون بينهما لأن الاعتبار عندهم التحيز، بينما الاعتبار عند الاشاعرة الانقسام
والتحيز.
(3) هنا موافقه للمعتزلة بان المعدومات أشياء قبل وجودها قارن الخياط أبو الحسين كتاب الانتصار، نشرة، نيبرج القاهرة، 1925، ص 50.
57 (1/57)
صفحة 58
من تراث الإباضية العقائدي
التفات إلى العقل في شيء من ذلك (1) - "وحقيقة الإيمان التصديق بالله عز وجل باللسان والقلب والجوارح وحقيقة الكفر في الشرع () ما وعد الله عليه العقاب" (2). ويختلف الاباضية مع الاأشاعرة في رفض الأشاعرة القول بوجوب الثواب والعقاب على الله، إذ إنّ الثواب والعقاب يرتبط بالعدل والحكمة لا بالفضل والمنة إذ إنّ البشر في جهاد دائم مع أنفسهم فليس من الحكمة تركهم دون وعد ووعيد وعد بالثواب وتوعد بالعقاب كما يقول الورجلاني: (لا يجب عليه شيء - أي الله - لأنه لا موجب عليه دائماً، والوجوب في حق الحكمة، واجب عليه الثواب في حق الحكمة والعقاب كذلك .. من واجب الحكمة أن يجب لهم الأجر والثواب على الله تعالى من موجب الحكمة ومقتضاها لا من جهة إيجاب موجب) (4). كما إنّ الاباضية يختلفون مع الأشاعرة في مسألة رؤية الله تعالى يوم القيامة ويتصدى الفقيه الإباضي عبد الوهاب بن محمد بن غالب بن نمير
(1) هنا موافقة للاشعرية قارت أبو الحسن الأشعري، الإبانة، ص 29
(2) هنا يخالف الخوارج جميع الفرق الإسلامية. (3) أبو القاسم بن ابراهيم البراروي رسالة في الحقائق المحتاج إليها، طبعة القاهرة، 1306 هـ، ص 112، وما بعدها، وفي المخطوط بدار الكتب المصرية، برقم 58، عقائد ونحل إسلامية، ص 112
(4) الورجلاني، ابو يعقوب يوسف بن ابراهيم الدليل لهل العقول، طبعة القاهرة،
1306 م، ج 1، ص 56.
58 (1/58)
صفحة 59
تراث الإباضية العقائدي
الأنصاري للرد على الأشاعرة حيث يقول: (لم نجد شيئاً مرئياً إلا في إحدى الجهات الست وقد قام الدليل على نفي هذه الجهات والأماكن عن الله تعالى لا يوصف بالأماكن ولا الحدود ولا المقابلة ولا تجوز عليه المعاينة - ويقول - اعلم أن الوجود ليس بصفة ولا يقتضي حكماً ولا يوجب علة وإنما هو إثباته) (1)، وإنكارهم رؤية الله تعالى دليل على أنهم لا يؤمنون باللذة الحسية، لذلك سعوا إلى تأويل آيات الحشر والحساب رغم أنهم بعيدون في منهجهم عن التأويل، وأنهم يقفون عند ظاهر النصوص والنفس عندهم موجودة ومحدثة لأنهم لا يرون فيما سوى الله غير الأجسام والأعراض كما مر سالفاً وهذه الأجسام والأعراض ليست قائمة بذاتها فالأجسام مخلوقة والأعراض قائمة بالأجسام والنفس الخالدة عندهم خلود في النعيم أو خلود في الجحيم.
التعريف بالرسالة
الرسالة هي من التراث العقائدي للإباضية، لا توجد لها أي نسخة مخطوطة (2). ولكنها موجودة في نهاية الجزء الأول من كتاب (الدليل والبرهان - للورجلاني) في طبعته الأولى وهي الطبعة البارونية، وهي الطبعة
(1) المصدر نفسه، ج 1، ص 63.
(2) ينظر مراجع الطبعة الثانية. خميس بن راشد بن سعيد العدوي في مقدمته للطبعة
الثانية.
59 (1/59)
صفحة 60
من تراث الإباضية العقائدي
التي اعتمدها مراجع الطبعة الثانية (1) فلا يوجد مخطوط حتى نقوم بوصفه. ولكن سوف نتكلم عن الكتاب بصورة عامة ثم عن الرسالة بصورة خاصة.
فأما الكتاب فهو الدليل لأهل العقول لباني السبيل بنور الدليل لتحقيق مذهب الحق بالبرهان والصدق وسوف نعتمد وصف مراجع الطبع الثانية
لهذا الكتاب حيث يقول: (وقد امتاز الدليل والبرهان ... بثلاثة أساليب: أولاً: قوة السبك في التأليف ورصانة التعبير، ومحجة في الاستشهاد
بالنصوص الشرعية واللغوية.
ثانياً: يناقش أتباع كل ملة بما يسلمون به، فهو يحاور المخالف من الأمة لعقيدة أهل الحق والاستقامة بالنص الشرعي، والدليل السمعي المسلم به من الطرفين ويسوق الحجج العقلية للرد على الكافر والملحد. ومع هذا فأسلوبه يشمل طريقتين: الدفاع عن العقائد الحقة، والهجوم على
عقائد الفلال كل ذلك بدون أن يأخذ السأم والملل القارئ والباحث. ثالثاً: استخدام الشيخ رضي الله عنه كثيراً أسلوب التهكم والسخرية من أصحاب العقائد الزائفة عند تهافت شبههم) (2) وكذلك فإن هذا الكتاب يعد من كتب الخوارج المهمة فهو يشكل الدعامة الأساسية لهذه الفرقة في الرد على خصومهم ومؤلف هذا الكتاب هو (الشيخ أبو يعقوب
(1) المرجع نفسه.
(2) خميس بن راشد بن سعيد العدوي مقدمته للطبعة الثانية، ص 5 - 6.
60 (1/60)
صفحة 61
تراث الإباضية العقائدي
بن إبراهيم السدراتي الإباضي الوارجلاني) أحد الأقطاب الكبار والعلماء المجتهدين الأحرار. أخذ العلم من شيوخه بسدراته وأرقلا بجنوب الجزائر إلى الغرب من وادي ميزاب الذي كان ولا يزال يزخر بالعلماء الإباضية ولا تزال هذه البلاد وسائر الوادي معمورة بهم إلى يومنا هذا ... والقرية التي عاش فيها المؤلف دمرها أحد الجبابرة بعد موته وبقيت آثارها ومقابرها معروفة إلى الآن شرقي القرية التي هي معمورة الآن .. وكان رحمه الله مولعاً بالأسفار والخروج في نظر الآثار والتدبر في آيات الله وكان عالماً جليلاً موقراً من علماء مذهبه وغيرهم من علماء المالكية رحل في طلب العلم إلى الأندلس وتتلمذ على علمائها. قال في مدحه بعض علماء سلجماسة من المخالفين أبياتاً منها:
ما كنت أحسب أن الطود تحمله العيس فيصبح بين الرحل والقتب (1)
للمؤلف مؤلفات أخرى منها:
تفسير القرآن العظيم ...
ومنها كتاب «العدل والإنصاف» في أول الفقه ثلاثة أجزاء اختصره وشرح المختصر البدر الشماخي، ونظم المختصر العلامة أبو مالك عامر بن خميس المالكي سماه موارد الألطاف نظم مختصر العدل والإنصاف» الأصل الإمام اطفيش ومنها: الكتاب الذي نحن بصدده وهو في
وشرح
(1) ينظر مقدمة الناشر للطبعة الثانية سالم بن حمد بن سليمان بن حميد الحارثي ص 9.
61 (1/61)
صفحة 62
من تراث الإباضية العقائدي
ثلاثة أجزاء يدل على غزارة علمه وتعمقه واطلاعه وإلمامه بجميع الفنون. ومنها كتاب «مرج البحرين في علم الفلسفة). ومنها ترتيبه لمسند
الربيع بن حبيب وقد ضم إليه مراسيل جابر بن زيد ـ وقد قام بشرحها الإمام أبو ستة من علماء جربة بتونس، وشرح بعضها الإمام عبد الله بن حميد السالمي من علماء عُمان ... وقيل له مؤلف في الفقه وله قصائد منها الحجازية بثلاثمائة وستين بيتاً. أيام السنة تدل على غزارة علمه
لما أودعه من علوم وفنون (").
عدد
أما هذه الرسالة التي نحن بصددها فهي عبارة عن أسئلة وجهها الإمام الفقيه عبد الوهاب بن محمد غالب بن نمير الأنصاري (3) إلى الفقيه الأجل الإمام أبي عمار عبد الكافي بن أبي يعقوب بن إسماعيل التناوتي، يسأله عن بعض المسائل السنية في الوعد والوعيد، والنظر إلى الباري سبحانه، وخلق القرآن.
(1) هذا الكتاب كما ذكر المحقق أنه كان في الجزء الثاني من كتاب الدليل والبرهان في طبعة التراث الأولى، والطبعة البارونية، ولكن تم إفراده في الطبعة الثانية عن هذا الكتاب ينظر الكتاب، ص 10 الهامش.
(2) المرجع السابق: نقلاً. عن الشماخي ينظر ص 11 من كتاب الدليل والبرهان. الحارثي سالم بن حمد مقدمة التحقيق. ص 11.
(3) وعلى الرغم. من، أن الرسالة موجهة لأبي عمار عبد الكافي التناوتي إلا أنها ذكرت في كتاب الدليل والبرهان للوارجلاني الذي يعد من أبرز شيوخ عبد الكافي، وقد طبع هذا الكتاب طبعة حجرية في مصر بالقاهرة سنة 1306 هـ - 1888 م ثلاثة أجزاء في مجلد واحد.
62 (1/62)
صفحة 63
تراث الإباضية العقائدي
فامتنع أبو عمار من الإجابة بعلل ومعان حتى توفي رحمه الله ـ ثم توفي أيضاً عبد الوهاب، فتبرع بعض تلامذة أبي عمار فقالوا: نحن نشرع في رد الجواب ما فتح الله لنا، والله الموفق للصواب، وعبد الكافي هو أبو عماد عبد الكافي بن أبي يعقوب التناوتي (1). (وهو أكثر مؤلفي الإباضية علماً .... نشأ في وارجلان في القرن السادس للهجرة وكانت في ذلك الحين مزدهرة في ميدان المعارف الدينية وغير الدينية) (2). أخذ العلم على يد المتكلم الإباضي الكبير أبي يعقوب الوارجلاني المتوفى (سنة 570 هـ / 1174 م) (3) وبعد أن أخذ عن شيخه الكبير القدر والعلم ارتحل أبو عماد إلى تونس ودرس هناك على أساتذة كثيرين .... وأخذ علوم اللسان العربي وآدابه والعلوم الإسلامية المختلفة، وعرف في أخذه ذلك بالجد
د.
(1) نسبة إلى تناوت وهي قرية من قرى وارجلان في سدراته، ينظر عمار الطالبي، آراء الخوارج الكلامية، الموجز لأبي عمار عبد الكافي الإباضي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1398 هـ ـ 1978 م، ص 215.
(2) Lewicki, T. Mélanges b?rb?res - Lbadites, REI, 10, 1936, P. 278.
(3) وهو من أبرز شيوخ الإباضية وكان ذا اطلاع واسع على شتى أنواع المعارف، وعلى الثقافة الإسلامية في ذلك العصر، انتقل إلى الأندلس وأقام بمدينة قرطبة في عهد الموحدين ... وكانوا يشبهونه بالجاحظ له كتب عديدة منها: كتاب العدل والإنصاف في أحوال الفقه في ثلاثة أجزاء. وكذلك كتاب الدليل لأهل العقول في ثلاثة أجزاء وينسب إليه كتاب: الفقه وفي تفسير القرآن يقال إنه يقع في سبعين جزءاً وله كتاب في التاريخ يدعى (فتوح المغرب) ينظر د. عمار الطالبي، آراء الخوارج الكلامية، ج 1، ص 216 ـ 217.
63 (1/63)
صفحة 64
من تراث الإباضية العقائدي
والنشاط، وكانت أسرته ذات ثراء وغنى، لذلك فإنها كانت ترسل إليه ألف دينار كل سنة فيعطي نصفها إلى شيخه الذي يدرس عليه، ويصرف النصف الآخر في شؤونه الخاصة (1). ويذكر الدرجيني في طبقاته أنه سئل عن اليقين فقال: (اليقين صحة الاعتقاد، وهو من أفعال القلب، ومن أفضل أفعال العبادة ـ وسئل عن القدر فأجاب: - القدر ما قدره الله قبل أن يكون) (2). وكان محباً للعلم والسلم والبراءة من الفتنة فقد نقل الدرجيني عنه أنه قال: إذا وقعت الفتنة بين فئتين من المؤمنين فالأحب إلي أن يصطلحوا فإن لم يفعلوا فالأحب إلي أن لا تغلب فئة فئة فإن من أحب أن تغلب إحداها على الأخرى فقد دخل في الفتنة، ولزمه ما لزم أهل تلك الفئة، وكان سيفه يقطر دماً) (2).
وقد نسب إليه الدرجيني والشماخي كرامات عديدة (4).
مؤلفاته
كان أبو عمار من أكابر شيوخ الإباضية مقدرة على الجدال والتناظر
وأبرزهم في الدفاع عن مذهب الإباضية ومن أهم مؤلفاته: 1 - كتاب الاستطاعة وهو الذي أشار إليه في كتابه الموجز، وهو مفقود.
(1) المرجع نفسه، ص 217.
(2)
الدرجيني
طبقات الدرجيني، مخطوط الشيخ ابن يوسف بالجزائر، ص 12 – 13،
نقلاً. عن د. عمار الطالبي آراء الخوارج الكلامية، ص 218 الهامش رقم (3). (3) المصدر نفسه، ص 427.
(4) الدرجيني، طبقات الدرجيني ص 444، والبدر الشماخي، السير ص 442.
64 (1/64)
صفحة 65
من تراث الإباضية العقائدي
2 ـ كتاب الموجز حققه الدكتور عمار الطالبي بعنوان آراء الخوارج الكلامية، فنسبه إليه البدر الشماخي حيث وصف أبا عمار بأنه آية في علم الكلام وبأنه ألف فيه كتاب الموجز في الرد على كل من خالف الحق في جزئين).
وقال الدرجيني عنه في طبقاته: (وهو الذي أزرى بموجزه على الماضين
وأتعب الحاضرين الآتين) (2).
- كتاب شرح الجهالات (3).
4 ـ ينسب إليه ثبت بترجمة شيوخ الإباضية وأسمائهم). أما الرسالة فتبدأ بقوله (بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم) وتنتهي بقوله: (وكتبه وليك في الله عبد الوهاب بن محمد بن غالب بن نمير الأنصاري. والله أعلم).
(1) ينظر البدر الشماخي، السير، ص 441.
(2) الدرجيني، طبقات الدرجيني، ص 9.
(3) توجد منه نسخة في دار الكتب المصرية مخطوط برقم 222293 في 59 ورقة وخطها رديء جداً وبها شطب لا تكاد تقرأ، ينظر الطالبي آراء الخوارج الكلامية،
ج 1، ص 220.
(4) ينظر علي يحيى معمر الإباضية في موكب التاريخ الإباضية في تونس)، بيروت،
1385 هـ ـ 1966 م، ص 194.
65 (1/65)
صفحة 66
من تراث الإباضية العقائدي
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
رسالة الفقيه عبد الوهاب بن محمد بن غالب بن نمير الأنصاري إلى الفقيه الأجل أبي عمار عبد الكافي بن أبي يعقوب بن إسماعيل التناوتي -
رحمة الله عليه ...
يسأله عن بعض مسائل السنية)، في الوعد والوعيد (2) والنظر إلى الباري (2) سبحانه وخلق القرآن (4).
(1) السنية: يريد هنا الأشاعرة من أهل السنة والجماعة ينظر إلى تكرر اللفظ عند الورجلاني في الدليل والبرهان حيث قال: «ذكر زلة السنية» ص 28. وأيضاً قوله: «قول السنية والمعتزلة والروافض والإباضية» ج 2، ص 48. وأيضاً: «ذكر السنية والمارقة والشيعة والمشبهة ومسائلهم» ج 1، ص 43 وتكرر اللفظ في نفس الرسالة في كلامه عن الثواب والعقاب (وليسا متنافيين عند السنية) صه من الرسالة. (2) الوعد والوعيد وهما خبران واقعان على الحقيقة لا يجوز الخلق في أحدهما، أما الوعد فهو في حق المؤمنين ووعدهم بالجنة. وأما الوعيد فهو في حق الكفار ووعيدهم بالنار. ينظر ص 7 من الرسالة.
(3) رؤية الله سبحانه: وهي من .. المسائل الكلامية التي انفرد بها الأشاعرة حيث قالوا بجواز رؤية الله تعالى في الآخرة. فنقل البغدادي عن ابن الحسن الأشعري قوله: (يجوز رؤية كل موجود وأحال رؤية المعدوم ينظر البغدادي، أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي (ت
429 هـ)، أصول الدين، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، (دت)، ص 97. (4) خلق القرآن وهي من المسائل الكلامية التي قال بما المعتزلة والخوارج، وخالفهم فيها الأشاعرة وعموم أهل السنة، حيث ادعت الأشاعرة أن كلام الله تعالى صفة أزلية قائمة وهي أمره ونهيه وخبره ووعده ووعيده ينظر البغدادي أصول الدين ص 106 وسوف نعرض مناقشة الآراء في موضع آخر.
66 (1/66)
صفحة 67
من تراث الإباضية العقائدي
وقال في كتابه: سؤال مسترشد يسأل عما اختلف فيه المتكلمون في الوعد والوعيد والثواب والعقاب، هل هما واجبان على الله ـ عز وجل ـ أم لا؟ والثواب عند الأشاعرة (1) غير محتوم به، ولا جزاء مجزوم به، وإنما هو
فضل من الله والعقاب لا يجب أيضاً.
فالواقع عدل من الله - عز وجل، وما وعد الله به من الثواب، أو توعد
به من العقاب: فقوله الحق ووعده ا عده الصدق (2).
فامتنع أبو عمار من إجابته بعلل ومعان حتى توفي - رحمه الله (2). ثم توفي أيضاً عبد الوهاب، فتبرع بعض تلامذة أبي عمار فقالوا: نحن نشرع في رد الجواب بما فتح الله لنا، والله الموفق للصواب (4).
(1) الأشاعرة: وهم أتباع الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري إمام أهل السنة
والجماعة المتوفى سنة 330 هـ. (2) هذه أول مسألة طرحها السائل وهي أن الأشاعرة ترى أن الثواب من الله فضل وأنه لا يجب على الله شيء. فله أن يثيب وأن لا يثيب، وأن العقاب أيضاً لا يجب على الله تعالى فله أن يعاقب أو يعفو. أما السائل فيرى أن الثواب والعقاب عدل من! الله تعالى فمن العدل أن يثيب المحسن ويعاقب المسيء. (3) أما امتناع الفقيه أبي عمار عن ا الجواب فليس لقلة علمه رحمه الله وعدم إحاطته بالمسائل ولكنه آثر عدم الخوض في المسائل الكلامية الخلافية والله أعلم. أو أنها مودعة
في كتبه العقائدية.
(4) أما شروع التلامذة في الرد على هذه الأسئلة فأرادوا تبيان صدق العقيدة التي تلقوها عن الشيخ أبي عمار رحمه الله تعالى.
67 (1/67)
صفحة 68
من تراث الإباضية العقائدي
اعلم أن مسألة التكليف أصل الوعد والوعيد، والتكليف قد وقع
لثلاثة أصناف من الخلق، الملائكة والإنس والجن (1).
وهي تحتمل ثلاثة أصناف من الخلق:
أولها: من كان على صفة الملائكة، وهم في طبائعهم غير متغذين ولا متربين من صغر إلى كبر على طبيعة واحدة عقول بلا شهوة، لا تختلف عليهم الأحوال ولا تحولهم عن خلقتهم الآمال، وليس للشيطان عليهم سبيل ولا للشهوة إليهم دليل، وليس في طبائعهم ما يمنع الطاعة ولا يثقلها عليهم. فهذا صنف (2) ..
(1) بدأ التلامذة شرح المسألة الأولى من جذورها حيث أن أصل الوعد والوعيد مرتبط بالتكليف. حيث بينوا أن التكليف يشتمل على ثلاثة أصناف، من الخلق، وهما
والإنس والجن.
يعصون
الملائكة
(2) تفصيل المسألة عند البغدادي حيث قال: (أجمع أصحاب الحديث على أن الأنبياء أفضل من الملائكة إلا الحسن بن الفضل البجلي فإنه فضل الملائكة عليهم. واختلفت القدرية في هذا الباب فقال بعضهم: إن الأنبياء أفضل من الملائكة الذين عصوا ربهم كهاروت وماروت وإبليس وجعلوا إبليس من جملة الملائكة. وأما الملائكة الذين لا الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فهم أفضل من الأنبياء. وقال أكثرهم إن الملائكة أفضل من جميع الناس وزعموا أن هاروت وماروت كانا علجين من بابل وأن إبليس كان من الجن. وهؤلاء يقتضي قياسهم أن يكون زبانية النار أفضل من الأنبياء عليهم السلام. وقد استدلوا بقوله تعالى: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً الملائكة المقربون} [سورة النساء الآية،172] وهذا لا يقتضي تفضيلهم علي عيسى عليه السلام لأن مثل هذا الكلام قد يخبر به عن المتساويين. فيقال: أن بكذا ولا عمرو على أن الآية تقتضي أ أن لا يكون المسيح أفضل من الملائكة وإن كان أفضل من كل واحد منهم كما لا يكون الواحد أعلم من علماء الأرض وأن يجاز أن يكون أعلم من كل منهم واحد منهم ينظر
زيدا لا
جميع
جميع
يرضى
البغدادي، أصول الدين، ص 166.
68 (1/68)
صفحة 69
تراث الإباضية العقائدي
الثاني: صنف آخر وهم بنو آدم والجن، فإن الله تعالى خلقهم، وركب
فيهم الشهوات، وركب فيهم العقول (1).
فالعقول تدعو إلى كل خير، والشهوات تدعو إلى كل شر، فهم أبداً
في جهاد وتمانع وتدافع.
فالملائكة عقول بلا شهوة والبهائم شهوة بلا عقول. فأراد الله - عز وجل أن يظهر حكمته فيهم، فكلفهم وجعل سلطان
الجسد إلى النفس، وجعل سلطان الروح إلى العقل.
فمن سلط عقله على جسده نهكه ولاشاه، ومن سلط نفسه على عقله خبله وأرداه.
فمن أظهر عقله على نفسه التحق بالملائكة المقربين، ومن أظهر
نفسه على عقله التحق بالشياطين الأخسرين. فهذا صنف ثان. الثالث: كالبهائم والوحوش والسباع والطير والهوام والحشرات وجميع الحيوانات، فلهم اختيار واقتدار على معايشهم وتربية أولادهم وصنائعهم
(1) ذكر الأشعري جميع الأقوال التي ذكرت في حقيقة الملائكة وهل هم أفضل أم الأنبياء فقال: (واختلف الناس: هل الملائكة أفضل أم الأنبياء؟ 1 - فقال قائلون الملائكة أفضل من الأنبياء. 2 - وقال قائلون الأنبياء أفضل من الملائكة، والأئمة أفضل من الملائكة أيضاً، وهذا قول الروافض. وقال قوم من! المتنسكين: أنه جائز أن يكون في الناس غير الأنبياء والأئمة من هو أفضل من الملائكة ينظر الأشعري أبي الحسن علي بن إسماعيل (ت) 330 هـ) مقالات الإسلاميين تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، (د. ط، ت) ج 2، ص 112 – 113.
69 (1/69)
صفحة 70
من تراث الإباضية العقائدي
وأبناء جنسهم وأعدائهم، فلم يفترقوا إلا في العقول، وحفظ ما مضى، وضبط ما يأتي، فما حصل منهم في أيدي بني آدم، فهم كالعقلاء المكلفين المأمورين
والمنهيين، لكن ثوابهم وعقابهم في هذه الدار دون الدار الآخرة).
في وجوب الثواب والعقاب للطائع والعاصي على الله عز وجل اعلم أن الله - عز وجل - أمر عباده من الملائكة وبني آدم بعبادته، وزجرهم عن معصيته، فوعد لهم الثواب على امتثال الطاعة، وأوعدهم بالعقاب على فعل المعصية، فكان الثواب في حق الملائكة فضلاً، لأن في إيجاب العقاب ما يدعوهم إلى عمل الطاعة دون تركها لسهولة عمل الطاعة عليهم، ألا ترى إلينا نحن ليس لعبيدنا علينا ثواب في خدمتهم، وواجب عليهم العقاب في معصيتهم لنا. وإذا سقط الثواب عن الطاعة كان إباحة، وإذا سقط العقاب عن
المعصية كان لغواً.
(1)
أما
بنو آدم فمتفق على تكليفهم وأما الجن فمختلف قال الأشعري: (واختلف الناس في الجن: هل هم مكلفون أم مضطرون؟ 1 - فقال قائلون من المعتزلة وغيرهم هم مأمورون منهيون قد أمروا ونهوا لأن الله عز وجل يقول: {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض} [سورة الرحمن الآية 33]. وأنهم مختارون 2 - وزعم زاعمون أنهم مضطرون مأمورون، وكذلك اختلافهم في الملائكة وفي أنهم مأمورون أو مختارون على سبيل اختلافهم في الجن) ينظر الأشعري مقالات الإسلاميين، ج 2، ص 113. ويدل هذا على أن الخوارج متفقون مع المعتزلة والأشعري في أن الجن مكلفون بدلالة أن الله تعالى قرنهم مع الأنبياء في الآية السالفة الذكر.
70 (1/70)
صفحة 71
تراث الإباضية العقائدي
فالباري سبحانه أولى وأوكد أن لا يجب عليه شيء، لأنه لا موجب عليه، وإنما الوجوب في حق الحكمة، واجب عليه الثواب في حق الحكمة (1)، والعقاب كذلك، غير أن العقاب لا بد منه أصلاً، والثواب منه بد في حق آخرين (؟).
(1) هكذا الكلام في الطبعة البارونية، ولعل المعنى والله أعلم: لا واجب على الله تعالى ولكن أوجب العقاب والثواب على عباده الحكمة. (مراجع ط 2).
عدل
(2) وهنا مخالفة للأشاعرة الذين يرون أن الآلام التي لحقت البهايم والأطفال والمجانين من الله تعالى وليس واجباً عليه تعويضها على ما نالها في الدنيا من الآلام فإن أنعم الله عليهم في الآخرة نعماً كانت فضلاً منه. وزعمت البراهمة والقدرية أن تعويض البهايم على ما نالها في الدنيا من الآلام واجب على الله في الآخرة. وقالوا: إنما حسن منه إيلامها للعوض المضمون لها في الآخرة كالطبيب يو لم المريض ليوصله بذلك الإيلام إلى نفع أعظم م منه ويرد البغدادي عليهم فقلنا لو كان إيلام البهايم إنما حسن منه. لأجل العوض في الآخرة لوجب أن لا يحسن ذلك منه مع قدرته على إيصال أمثال تلك الأعواض إليهم من غير إيلام. والطبيب الذي ذكرتموه إنما حسن منه إيلام لا يقدر على نفع من آلمه إلا به. ولو كان. حسن، ذلك لأجل العوض الذي ذكرتموه لوجب أن الحسن منا إيلام غيرنا، من غير استحقاق لأجل نفع توصله إليه بعد الألم» ينظر البغدادي، أصول الدين، ص 240. وأرى أن في كلتا الحالتين يفهم الأمر بقياس الغائب على الشاهد وهذا القياس باطل في حقه تعالى لأنه قياس مع الفارق فحياة هؤلاء البهائم وإيلامهم عدل وتعويضهم عدل دون أن يكون لنا إحاطة بطريقة التعويض أو زمنه ولكن الذي يحق لنا مناقشته كمسألة أخلاقية هو هل أن التعويض عن الألم عدل أم فضل. فالذي أراه أنه عدل والعدل واجب بمقتضى الحكمة. أي أن الوجوب بمقتضى الحكمة، لا وجوباً عليه تعالى. بمعنى آخر أنه اقتضى الوجوب الحكمة منه تعالى وهو ما ذهب إليه الإباضية ينظر المتن، ص 3.
71 (1/71)
صفحة 72
من تراث الإباضية العقائدي.
والذي يظهر من الملائكة أنهم في طاعة الله في الدنيا والآخرة، فهم في خدمة أوليائه المسلمين كما قالوا: نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة} (1). وبشروا المؤمنين بأن قالوا: {ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم
ولكم فيها ما تدعون نزلاً من غفور رحيم) (1).
وأما الصنف الثاني من المكلفين: بنو آدم والجن، فهؤلاء من واجب الحكمة أن يجب لهم الأجر والثواب على الله تعالى، من موجب الحكمة ومقتضاها لا من جهة إيجاب موجب لأنهم في جهاد عظيم لا يستقيم منهم شيء إلا بواجب الحكمة، ألا تراهم مع ظهور الثواب والعقاب فأكثرهم هالكون، فلو قصرهم على الثواب دون العقاب أو العقاب دون الثواب لما صح منهم شيء.
وأما الصنف الثالث من الحيوان، وهم أصناف البهائم من الأنعام والدواب والطير والسباع والحشرات والنمل والنحل والهدهد، ومن الجماد عجب عجيب، وإنما يقع التكليف منا إليهم، لا بينهم وبين الله،
وربما، ولا يعلم الغيب إلا الله.
وقال الحسن البصري: (إن في هذا الموتان لعجباً). وإنما ذكر ذلك
(1) سورة فصلت الآية 30.
(2) سورة فصلت الآية 31
12
72 (1/72)
صفحة 73
ن تراث الإباضية العقائدي
من جهة الحديث إذا أصبحت البقاع نادى بعضها بعضاً: هل مر بكن
ذاكر الله؟» (1).
والتكليف بيننا وبينهم: أن يأمرهم الله تعالى خطاباً وإيجاباً على أن
يطيعونا ولا يعصونا، وينتهوا إلى أوامرنا.
فمن امتنع منهم عاقبناه كالذي جرى لسليمان عليه السلام في الهدهد، حين أخل بمركزه: {مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين} (2). فرجع سليمان على نفسه باللائمة فقال: (مالي) ولم
(1) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد بألفاظ متعددة وبطرق كلها فيها ضعف. فقد رواه أبو يعلى من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من بقعة يذكر فيها الله بصلاة أو بذكر إلا استبشرت إلى منتهاها وإلى سبع أرضين وفخرت على من حولها من البقاع وما من عبد يقوم بفلاةٍ من الأرض يريد الصلاة إلا تزخرفت له الأرض» وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف وبطريق آخر عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من بقعة يذكر الله فيها بصلاة إلا فخرت على ما حولها من البقاع وما من عبد يقوم بفلاة من الأرض إلا استبشرت بذكر الله إلى منتهاها سبع أرضين». رواه الطبراني. وقال فيه أحمد بن بكر البالسي وهو ضعيف جداً. . وعن ابن مسعود قال: (إن الجبل ينادي الجيل باسمه أي فلان هل مر ببك من ذكر الله فإذا قال نعم استبشر قال عون فيسمعن البشر ولا يسمعن الخير هن للخير اسمع وقرأ: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إذا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا} رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ينظر الهيثمي في مجمع
الزوائد، ج 4، ص 363.
(2) سورة النمل الآية 20.
73 (1/73)
صفحة 74
من تراث الإباضية العقائدي
يقل: (ما للهدهد لا أراه فرجع بالخطاب على نفسه، فقال: {لأعذبنه
عذابا شديداً أو لأذبحنه} (1).
فمن أحل له عذاب من ليس له عقل ولا يفهم عنه؟ بل يفهم الخطاب ويوص الأمور فأخل بمركزه، فلذلك توعده سليمان عليه السلام فقال: {الأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين} (2). فمكث سليمان غير بعيد فأتاه الهدهد وافتخر على سليمان فقال: {أحطت بما لم تحط به (2) فبهذا المعنى أباح الله تعالى تأديب بهائمنا وتسخيرهم في ا أشغالنا. وهذا الأمر والتكليف لم يبلغ ثوابه ولا عقابه أحكام الآخرة، إنما هو في الدنيا، والحكمة واحدة لا ظلم ولا تظالم، وعليه عقوبات لما فعلوا ما لم يؤذن لهم به كالذي جرى للوزغة أنها تنفخ النار على إبراهيم عليه السلام، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلهن ولذلك قال شيخ من المشايخ: (أمرنا
الله بقتلك يا مسكينة) أو (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلك يا مسكينة). وفي نزول عيسى عليه السلام لكسر الصليب وقتل الخنزير. وفي الأفاعي ما سالمناهن منذ حاربناهن ومن تركهن خشية الثأر فقد كفر، لما دخل إبليس بين نابيها فأدخلته الجنة، فوسوس لآدم حتى عثر في أكل
(1) سورة النمل الآية 21.
(2) سورة النمل الآية 21.
(3) سورة النمل الآية 22.
74 (1/74)
صفحة 75
تراث الإباضية العقائدي
الشجرة، فأهبطهم الله - عز وجل - إلى الأرض (1) فقال: اهبطوا منها
جميعاً بعضكم لبعض عدو (1).
وقال (2) في الخيل: «معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» (4). لما
كان سعيها في الجهاد في سبيل الله.
وفي نهيه عليه السلام عن قتل الصرد لأنه هدى آدم إلى مكة. ومسح رسول الله الرغام عن أناف الغنم، فقال: «إنها من مال الجنة» (ه) وللناس في الكلاب عبرة إلى يوم القيامة من عهد آدم عليه السلام، حين أمر الله آدم عليه السلام أن يرمي له لقمة، حين هره كل شيء من الحيوان، ففعل آدم صلوات الله عليه فالتقمها فرجع إلى آدم وإلى
ذريته من بعده إلى يوم القيامة.
(1) قصة دخول إبليس في الأفعى من الدخيل الذي ابتلت به الأمة وليس هذا مما يؤخذ به على المؤلف لأنه لم يستدل بها في صلب العقيدة وإنما استأنس بها في موضوع تكليف الحيوان وهو بدون ريب ليس من قضايا الاعتقاد. (مراجع ط 2). (2) سورة البقرة الآية 36.
(3) الضمير عائد إلى الرسول. (مراجع ط 2).
(4) رواه البخاري في صحيحه طبعة دار الكتاب العربي، بيروت، المثاقب 3644. (ه) رواه البيهقي في سننه من حديث أبي هريرة بلفظ آخر / ج 2 / ص 449 وصححه الألباني في صحصح الجامع رقم 3789) الحديث: صلوا» في مراح الغنم وامسحوا رغامها فإنها من دواب الجنة والرغام (بالخين) هو التراب وروي الرعام (بالعين) وهو ما سال من أنف الشاة.
75 (1/75)
صفحة 76
من تراث الإباضية العقائدي
وأعظم آية عبرة: كلب أصحاب الكهف، قال الله - عز وجل ـ: {وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد} (1) فشملهم وإياه النوم إلى يوم
القيامة.
وفي هذه البهائم آيات ومعجزات وفي صنائعها ومصانعها وتربيتها لأولادها وطاعتها لملوكها، وفي الموتان أسرار عجيبة لا يعلمها إلا الله -
عز وجل ـ فضلاً عن الحيوان.
-
ثم قال عبد الوهاب: (وذهب فريق إلى أن الثواب حتم على الله والعقاب واجب على مقترف الكبيرة إذا لم يتب منها، ويحبط جميع عمله
باقتراف زلة واحدة، فكيف يستقيم أن يحبط جميع عمل العبد؟)
الجواب:
فالذين قالوا: إن الثواب حتم على الله قد أساؤوا الأدب، إنما كان ينبغي لهم أن يقولوا حتم في واجب الحكمة بعد أن يصح ما قالوا: إنه
واجب، فإن ذكره في بني آدم والجن فربما.
وأما الملائكة فقد قدمنا القول فيهم.
وقولهم: إن العقاب واجب على الكبير إذا لم يتب، فقد صدقوا. وأما قولهم في الإحباط فغلط، وليس يحبط الكبير من عمل العبد
شيئاً إنا يحبط الثواب، لم يقل أحد: إن من عمل الكبير لم يصل ولم
يصم، إنما الإحباط في الثواب.
(1) سورة الكهف الآية 18.
76 (1/76)
صفحة 77
تراث الإباضية العقائدي
ويعجبه أن قال: كيف يستقيم إحباط جميع عمل العبد) وقد تقدم فيه الجواب، ولو شاء صاحب الشرع أن يحبط الكبير كالشرك لفعل، وليس في
العقل ولا في الحكمة ما يبطله، ولكن الرؤوف الرحيم لم يفعل ذلك. وأما قوله: (وإن كان الثواب والعقاب متنافيين، فليس الثواب أن يحبط أولى من العقاب أو يسقط، والشرع يدل عليه وعلى درء السيئات بالحسنات، فإحباطه العقاب أحق وقد قال الله - عز وجل ـ {إن الحسنات
يذهبن السيئات (1)).
الجواب:
إن الثواب والعقاب متنافيان، وليسا متنافيين عند السنية، وقد أوجبوا العقاب للمؤمنين مرة فليسا بمتنافيين (2).
وقد ورد الشرع بإحباط الكبير ثواب العمل وبإذهاب الحسنات السيئات، ولا بد من تغليب أحدهما على الآخر، فالكبير يحبط الثواب
على صفة والحسنة تذهب السيئة على صفة.
(1) سورة هود الآية 114.
(2) يرى المحاور أن لأهل السنة رأي متناقض في الثواب والعقاب يتمثل في كون الثواب منافياً للعقاب فإن وقع الثواب والعقاب في حق المؤمن فهذا دليل على أمرين: 1 – الأول أن الثواب لا ينافي العقاب بدليل التقائهما في حال واحد وهو الإيمان. والثاني: أن الثواب والعقاب متنافيان بحال واحد فيكون الثواب بحق المؤمن والعقاب بحق الكافر. والعقاب توجيه وأعظم الذنوب هي الكبائر. فوجب على مرتكبها الكفر. ينظر الورجلاني الدليل والبرهان ج، ص
77 (1/77)
صفحة 78
من تراث الإباضية العقائدي
وأما إحباط العقاب على كبير بغير شيء أي من غير مكفر فلا، وهي مسألة ما بيننا وبين المرجئة، قالوا: إن المصر المعاند لربه والمبتدع الأحول عن ربه يسقط العقاب عنهما، بغير الشرط الذي شرطه الله عليهما من التوبة والحسنة والمصيبة والسيئة.
وأما قوله: (الإيمان أجل أعمال العبد وأعلاها وهو ثابت والطاعة ثابتة،
ومصدر الطاعة التوحيد الذي لا يتم إلا به، ثابتة على حقائقها).
الجواب:
قوله: (والإيمان أجل أعمال العبد)، فقد صدق، ولسنا نمتنع من أن يسقط به الباري سبحانه عقوبة المعاصي مثل سائر الحسنات، وإنما أنكرنا من المعاصي صنفين: الإصرار والبدعة، والحكمة قد منعت من إسقاطهما بحسنة أو سيئة. وأما قوله: (والإصرار على الكبيرة لو كانت تدرأ الطاعات لكانت تنافي صحتها، كالردة ومفارقة الملة)، وهذا لا يلزمنا لأنا لا نقوله بل نقول: التنافي في المتضادات وليس التنافي في المختلفات، والطاعة فعل العبد وضدها المعصية، والثواب فعل الباري سبحانه وضده العقاب، وليس بين الطاعة والعقاب تناف (1).
(1) يرى المحاور أن الإيمان أجل الأعمال عبارة متفق عليها ولا مانع من سقوط المعاصي به كما ترفع المعاصي بالحسنات وإنما من المعاصي ما لا يدرأ بالطاعات كالإصرار والبدعة والإصرار لو كان يدرأ بالطاعة لم يبق إصرارا تنافي (صحتها وهذا بحسب رأي المحاور غير ملزم للخوارج الإباضية حيث أنهم يرون التنافي في المتضادات لا في المختلفات فالطاعة تنافي المعصية وكلاهما فعل للعبد، والثواب ينا في العقاب وكلاهما فعل للباري. قال الورجلاني: اعلم أن الشرك قد اجتمع الناس عليه أنه كفر، واختلفوا في كفر الأفعال فأثبته بعض وأبطله آخرون فمن أبطله السنية والمعتزلة، ومن أثبته الإباضية والخوارج ينظر الورجلاني، الدليل والبرهان طبعة وزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان مسقط، ط 2، 1427 هـ 2006 م، ج 2، ص 38 ..
78 (1/78)
صفحة 79
ن تراث الإباضية العقائدي
وقوله: (ينافي صحته، كالردة ومفارقة الملة) تحكم وتهكم لا جواب له
كالسماء والأرض والجسم والعرض.
واعلم أن الثواب ينحبط باقتراف زلة واحدة ولا ينحبط العمل، فعلم هذا من الشرع، وليس من جهة العقل، ولو شاء من له الخلق والأمر، أن
ينا في الكبير كل طاعة في الدنيا، كالردة ومفارقة الملة لفعل.
وقال عبد الوهاب: (فإن قال قائل: إن الوعد والوعيد خبران واقعان على الحقيقة، لا يجوز الخلف في أحدهما، لأنهما عموميان جاريان على عمومهما، فلا يكون الخبر بخلاف مخبره، لأن ذلك لا يجوز عند الأصوليين في خبر الله تعالى) (1).
وأما قوله: (عن الوعد والوعيد خبران لا يجوز الخلف فيهما) فصدق،
ولن يخلو هذا الأمر من أحد خمسة أوجه:
إما أن يصح خبر الوعد ويبطل خبر الوعيد، أو يصح خبر الوعيد ويبطل خبر الوعد، أو يبطلان جميعاً أو يصحان جميعاً، فليس يصح في
هذه الوجوه الأربعة شيء.
وإما أن يجعل لكل واحد منهما حظاً ونصيباً فربما.
(1) قال الأشعري: (وأما الوعيد فقول المعتزلة فيه وقول الخوارج قول واحد، لأنهم يقولون: قولهم في الوعيد أن أهل الكبائر الذين يموتون على كبائرهم في النار خالدين فيها مخلدين، غير أن الخوارج يقولون: إن مرتكبي الكبائر ممن ينتحل الإسلام يعذبون عذاب الكافرين والمعتزلة يقولون: إن عذابهم ليس كعذاب الكافرين) ينظر الأشعري مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 189.
79 (1/79)
صفحة 80
من تراث الإباضية العقائدي
فأما نصيب الطاعة، فبإجماع الأمة أن الثواب لا يصح بخصلة واحدة، فيثيبه الله تعالى على الصلاة وحدها مع بطلان الزكاة والصوم والحج، أو الزكاة وحدها مع بطلان غيرها، إلا إن كان سبباً شرعياً كالتوبة وغيرها. وأما نصيب المعاصي، فإن الله تعالى حط جميع المعاصي بالتوبة، وهي الترياق الأعظم، أو بالأدوية والأدوية مخصوصة لأدواء مخصوصة كالسيئات، فإن الحسنات تخص معاصي معلومة.
فنصيب الجميع أن من معه من الصالحات ما يقابل السيئات فهذا من أهل الجنة، كالذي يروى عن أهل الأعراف: أنهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، ومقدار ذلك وعلمه عند الله.
وقد علمنا أن السيئات تدراً باجتناب الكبائر وبالمشيئة، مثل التوبة والحسنة والمصيبة وشفاعة المصطفى، وأهل الأعراف وما وراء ذلك فمظنون
غير متيقن، لكن المصر والمعاند لربه والمبتدع الذي فارق الإسلام .. لا. قال عبد الوهاب: وهل يجوز أن يخبر بما لا يريد؟ أو لا يخبر إلا بما أراد في الأزل بخلاف الأمر؟ لأن الأشعرية ذهبوا إلى أن الله تعالى يأمر بما لا يريد، لأن الله - عز وجل - أمر رسوله أن يأمر أبا جهل وغيره من كفار
قريش أن يؤمنوا، ولم يرد منهم الإيمان، وأخبر أنهم لا يؤمنون) (1).
(1) تضع الخوارج الإباضية شرطاً للسلامة من العذاب المؤبد وهو: التوبة: (وهي الترياق الأعظم - أما بقية السيئات فتدراً - بالأدوية والأدوية مخصوصة لأدواء مخصوصة كالسيئات، فإن الحسنات تخص معاصي (معلومة ينظر النص ط 11. ومن السيئات (ما يدرأ باجتناب الكبائر وبالمشيئة مثل التوبة والحسنة والمصيبة وشفاعة المصطفى ... ولكن المصر المعاند لربه المبتدع الذي فارق الإسلام فلا ينظر النص أعلاه.
80 (1/80)
صفحة 81
ن تراث الإباضية العقائدي
الجواب:
اعلم أن الإرادة تشتبه على من لم يعرف حقيقتها. أحياناً تشير إلى المحبة، وأحياناً إلى الاختيار.
وقد أخبر الله ـ عز وجل ـ على ما لا يريده، وقد أخبر عن الكفر، وهو لا يريده، بمعنى كرهه ونهى عنه.
وحكايته عن الأشعرية أن الله يأمر بما لا يريد قد كان، فالأمر: فعل عندنا، والإرادة: صفة وعند الأشعرية: أنهما معنيان يوصف الله تعالى بهما، وما حكوا عن أبي جهل فصحيح، وكذلك بعض قريش، لو أراده منهم حتماً لأرادوه، ولو أراده منهم أمراً لأمكن الوجهان أن يريدوه أو أن لا يريدوه. وهذه المسألة إنما. هي المثبتة والمزيلة، وقد شملنا نحن والأشعرية جوابها، والله المستعان (1).
يوصف
الله تعالى
(1) الإرادة بعض اختيار الشيء يراه الخوارج بأنه صفة ذاتية لله تعالى في حين أن الأمر فعل بينما الإرادة صفة، أما الأشاعرة فيعتبرون أن الأمر والإرادة معنيان. بهما أي أنهما ليسا ذاتيان وفي نفس الوقت فهما ليسا خارجان عنا لذات) وهذه الإرادة عند كل من الأشاعرة والإباضية لا تمنع من كون الله خالقا للفعل والعبد مكتسباً له. ويقول الإباضية: «إن الإيمان لا يتم حتى يؤمن الإنسان بأن القدر خيره وشره، من الله، وإن أفعال الإنسان خلق. الله من الإنسان؛ أي: أن الإنسان حر في وإكتساب. من اختياره مكتسب لعمله وليس مجبرا عليه ولا خالقا لفعله وانطلاقا من ذلك يقول الإباضية: أن ليس هناك تعارض بين إرادة الله وعلمه الأزلي القديم مسبقا وبين كسب الإنسان، فالله يعذبُ على المقدور ولا يعذب على القدر» ينظر عثمان تراث، الإباضية من أقدم المذاهب الإسلامية موقع العربية، حوار الثقافات ص 1 - 2. وأما الإرادة بمعنى المحبة فهي يشترك فيها الخالق والمخلوق. أما كون الإرادة صفة ذاتية الله تعالى فهذا ما درجت عليه أحوال الإباضية وقد مثلها العالم الإباضي أبي محمد عبد الله بن حميد بن سلوم: «صفاته لذاته هي ذاته لا غيرها دلت هذا آياته ينظر الشيخ بكير بن سعيد اعوش دراسات إسلامية في أصول الإباضية، الفصل الرابع من الأصل الثاني ص.2. وقال في موقع آخر: «أما بالنسبة للأشعرية وابن رشد قد سلكوا نفس المسلك الذي سلكته الإباضية المرجع نفسه الأصل الخامس ص 3.
81 (1/81)
صفحة 82
من تراث الإباضية العقائدي
وقال عبد الوهاب: (فإن احتج من يقول بإنفاذ الوعيد ويقول كما لا يجوز الخلف في الوعد كذلك لا يجوز الخلف في الوعيد لعموم الإرادة لهما، ويحتج بقوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا (1). أو بقوله: {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر (1) إلى قوله: {إلا من تاب} (2). فهذه الاستثناءات كلها لمن تاب، ومن لم يتب فهو باق في عموم الآيات المتقدم ذكرها.
الجواب:
قوله: (فإن احتج محتج بإنفاذ الوعيد، ويقول: كما لا يجوز الخلف في الوعد كذلك لا يجوز في الوعيد).
قلنا: صدق. قال الله - عز وجل: {لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد} (4) إلى قوله: {للعبيد} (5). فهذه المسألة لنا لا علينا: إنما هي على الأشعرية الذين خصوا هذه الآيات العمومية بالمشيئة الظاهرة والتجؤوا إلى المشيئة الخفية.
وقد تقدم القول في الوعد والوعيد في أن كل واحد منهما مخصوص في ذاته بفنون المشيئة، والوعيد مخصوص بالسلامة من الموبقات، وإما
إذا كانت فلا.
(1) سورة الجن الآية 23.
(2) سورة الفرقان الآية 68.
(3) سورة الفرقان الآية 70.
(4) سورة ق الآية 28. (0) سورة ق الآية 29.
22
82 (1/82)
صفحة 83
من تراث الإباضية العقائدي
قال عبد الوهاب: فإن قال الأشعري: جميع ما استدللتم به فهو منتقض، وما استدللتم به من العمومات فنعارضها بمثلها، إذا سلمنا القول بالعموم، كيف والقول بالعموم عندنا باطل؟ إن العموم لا صيغة له عندنا، وقد قال الله - عز وجل -: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر
مادون ذلك لمن يشاء} (1) وهذا نص في موضع النزاع).
الجواب:
فجواب الأشعري: إن كل ما ادعيتم بمنتقض وأما معارضة العمومات
بمثلها فلن يخفى على أحد كما قالوا، ولن تنفعهم ولن تضرنا. والأصل الذي اجتمعت عليه الأمة أن نجعل لكل عام ونقيضه نصيباً، وأما إثباتها أو بطلانها فمحال، فإن كان القول بالعموم باطلاً، فما حصل في يده شيء إلا الباطل، وإن مال إلى الخصوص قابله خصوص مثله، فالتوبة تحبط الشرك وجميع المعاصي، وكذلك قوله: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره (2) وقوله: {ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره (3).
فإن قال قائل: هذا لمن تاب وقلنا هذا لمن أصر. فإن ادعى المشيئة
في الذنوب ادعينا التوبة فيها.
وقوله: (خروج عن الظاهر بلا دليل خطأ، وتعليق التوبة بالآية لم
يوجد لا ظاهراً ولا مضمراً).
(1) سورة النساء الآية 48.
(2) سورة الزلزلة الآية 7.
(3) سورة الزلزلة الآية 8.
83 (1/83)
صفحة 84
من تراث الإباضية العقائدي
قلنا: بل وجدت ظاهراً ومضمراً. أما الظاهر فقوله تعالى: {وإني لغفار لمن تاب (1) الآية.
والمضمر: أن التوبة حتم في إزاحة المعاصي وبطلان العقاب عن العاصي، ولا توبة ولا رجوع يدل على إباحتها، وليس لمغفرة المعاصي بالمشيئة لا بالتوبة طائل أشبه شيء بالإباحة.
وأما قوله: (قبول التوبة حتم). فينتقض عليه بقوله: {وليست التوبة
(r).
للذين يعملون السيئات} (2) إلى قوله: {الآن} (3). ولو شاء لم يجعل للتوبة
مخرجاً وقال: من عصاني فلا أقبل له توبة. وكان جائزاً.
وقال عبد الوهاب: (فإن قال قائل في قوله: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا (4) لفظة (مَنْ) من أدوات الشرط، فوجب أن تقول لجميع المجازين. قيل: هذا لا يسلم لهم، لأن لفظة (من) وإن وردت مورد الشرط فلا تكون مستغرقة لجميع ما وردت فيه، لأن الشاعر قال:
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدم
ومن لا يظلم الناس يظلم
وليس كل من لا يظلم الناس يظلم، وهذا موجود كثير)
(1) سورة طه الآية 82. (2) سورة النساء الآية 18. (3) سورة النساء الآية 18. (4) سورة النساء الآية 93
84 (1/84)
صفحة 85
من تراث الإباضية العقائدي
الجواب:
قوله: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} (1) أن لفظة (مَنْ) غير مستغرقة للجنس واستدل بقول الشاعر، أما هذه فله فيها أعظم الحجة، لأن هذا الشاعر أصدق القائلين مثل رب العالمين تعالى الله عما يتوهم الجاهلون، وقد استدل بقول من يجوز عليه الكذب، وما استدل بقول أصدق القائلين، قول الله - عز وجل -: {إنه من يشرك بالله فقد الله عليه الجنة (2) حرم
يدخل المشركون، ليس كل مشرك تحرم عليه الجنة (2). وإنما يؤخذ عن العرب من أقوالها صور ا الأسماء، وتصاريف الأفعال، وصيغ الحروف، بشرط أن يجيء على مفهوم كلام العرب، وأما ما وراء ذلك من الأخبار، فخبرهم غير مقبول، وخروجهم عن المعقول فذلك غير مجهول، ولا يناظرهم بهم الصادق الأزلي الحكيم العلي.
وكذلك قوله: {ومن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقا} (4) {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً ندخله جنات تجري من تحتها الأنهار} (5) {ومن
يؤمن بالله ويعمل صالحاً نكفر عنه سيئاته} ()، وفي أمثالها.
(1) سورة النساء الآية 93.
(2) سورة المائدة الآية 72.
(3) يعني يستثنى من ذلك المشرك الذي دخل في الإيمان فانتفى عنه صفة الشرك فكذلك
ينتفي عنه
الحكم لانتفاء الاسم وإن كان قد انطبق عليه الاسم والحكم في وقت ما.
(4) سورة الجن الآية 13. (5) سورة الطلاق الآية 11.
(6) سورة التغابن الآية 9.
85 (1/85)
صفحة 86
من تراث الإباضية العقائدي
قال عبد الوهاب: سؤال ثان في اختلافهم في رؤية الباري سبحانه في المعاد: ذهبت الأشعرية إلى أن الله تعالى مرئي في الآخرة بدليل الوجود، وأن كل شيء موجود جائز أن يرى، فلا يمنع ذلك مانع، إذا كان ذلك ليس يرى بجنسه ولا في مكان ولا حد ولا صورة ولا شكل، لأن الله تعالى لا يوصف بالأماكن ولا الحدود ولا المقابلة، ولا تجوز عليه المعاينة
التي هي من جنس المقابلة، إذ لا تقابله الأجسام، تعالى عن ذلك).
الجواب:
قوله: (إن الله تعالى مرئي لأنه موجود، وأن كل موجود مرئي) فهذا ينتقض عليهم بسائر الأعراض أنها غير مرئية على أنها موجودة،
ولاسيما من لا يوصف باللون، فإن الأبصار لا ترى إلا الملونات. وقول الأشعري: إنه مرئى فى الآخرة، بدليل الوجود) وكذلك مرئي في الدنيا بدليل الوجود ولا يقولونه، وأخرى: أن هذه الدعوى تنتقض عليهم باللمس، ولو ادعى مدع أنهم يلمسون إلههم ويذوقونه ويطعمونه ويشمونه ويصافحونه بدليل الوجود لكان أشبه تعالى الله. واعلم أن الوجود ليس بصفة، ولا يقتضي حكماً، ولا يوجب علة، إنما
عن
ذلك.
هو إثبات، فلو استدل مستدل على أن كل المتضادات بأي صفة أراد، واعتل بالوجود لصح له اعتلاله وأما قوله: (ولا يمنع من ذلك مانع. فإن أول مانع عقله، إن أنصف
نفسه، ومن وافقه على ذلك، حتى يجعله حجة بينه وبين.
خصمه.
86 (1/86)
صفحة 87
ن تراث الإباضية العقائدي
ثم عقب فقال: (ولا يمنع من ذلك مانع، إذا كان ليس يرى بجنسه ولا في مكان ولا حد ولا صورة ولا شكل، لأن الله تعالى لا يوصف بالأماكن ولا الحدود ولا المقابلة، ولا تجوز عليه المعاينة التي هي جنس المقابلة، إذ لا تقابله الأجسام تعالى عن ذلك).
نفاها
فإن كان هذا من كلام الأشعري فقد أبطل الرؤية بهذه المعاني التي
عن الرب سبحانه، إذ لا تثبت الرؤية إلا مع هذه المعاني. وإن كان من كلام خصمه، فبذلك أبطل عن الإله الرؤية، إذ لا
يوصف بشيء من هذه الصفة التي نفاها عن الله سبحانه وتعالى. وقال عبد الوهاب: (فإن قيل ما استدللتم به من أن كل موجود يصح أن يرى منتقض بالإدراكات لأنها موجودة ولا تصح رؤيتها فبطل ما قلتموه). قيل له: قال الأشعري: (جائز أن يرى إدراكنا بإدراك يخلق لنا في غير
محل، فندرك إدراكنا به).
الجواب:
وقوله: إنا نرى الإدراك الأول بإدراك آخر في غير محل الإدراك الثاني في غير محل دون الأول يلزمه في الأول، والثاني أن يخلق إدراكاً ثالثاً في غير محل، وللثالث رابعاً وللرابع خامساً، إلى ما لا منتهى
له ولا غاية. قال عبد الوهاب: فإن قيل ما استدللتم به في إثبات الرؤية، فهو نفي الرؤية، لأنا لم نجد شيئاً مرئياً إلا في إحدى الجهات الست، ولا يخلو
87 (1/87)
صفحة 88
من تراث الإباضية العقائدي
أن يكون جنساً، أو في مكان أو مقابلة، لأنا لم نجد مرئياً إلا على هذه، وقد قام الدليل على نفي هذه الجهات والأماكن عن الله تعالى، إذ لا يشبهه شيء ولا يشبه شيئاً، لأن هذه كلها مخلوقات، ولن تصح لكم رؤية).
الجواب:
اعلم أن جميع ما حكاه عنا في هذا فصحيح بدليل حقيق. قال عبد الوهاب: قيل له جائز أن يخلق الله لنا إدراكاً في الآخرة، غير هذا الإدراك الحال في أعيننا، فندركه بالإدراك المخلوق فينا، وليس من شروط هذا الإدراك أن يكون حالاً في العينين، وجائز أن يكون في القلب، وفي غيره من أعضاء بني آدم، فندركه تحقيقاً من غير
حد ولا كيفية).
الجواب:
اعلم أنه إن صح ما قال، فقد أبطل الرؤية وأثبت معنى العلم الحال في
القلب، أو فيما أراد من الأعضاء.
فإن أبطل الحد واللون والجهة والمعاينة والمقابلة، سوغنا (1) له غلطه في
لفظ الرؤية.
قال عبد الوهاب: (فإن قيل: ما الدليل على جواز رؤيته في القرآن؟ قيل له: قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة (2). والنظر في كلام
(1) أي أخبرنا غلطه في إبطال حد لفظ الرؤية.
(2) سورة القيامة الآية 22.
88 (1/88)
صفحة 89
تراث الإباضية العقائدي
العرب إذا قرن بالوجه، ولم يضف الوجه الذي قرن بذكره إلى قبيلة ولا إلى عشيرة، وعدي بحرف الجر، ولم يعد إلى مفعولين، فالمراد فيه النظر بالبصر). الجواب:
أنه أغفل وجهاً آخر وهو الجسد كله، لأن الوجه الذي هو أفضل الجسم خاطبوا به، وإن أرادوا به البدن كله، ولا يريدون به النظر ولا البصر، كما يقول بعضهم: فعلت هذا لوجهك يريد به لك، قال الله تعالى: {وجوه يومئذ باسرة (1) الآية يريد البدن كله، وفعلت هذا لوجه الله الله، فلم يقصره على النظر، جاء وجه القوم، وهذا وجه الناس،
يريد
للرجل كله.
قال عبد الوهاب: (فإن قيل: أفليس قد تمدح الله تعالى بقوله: {لا تدركه الأبصار} (2) كما تمدح بقوله: {بديع السموات} (2) فكيف يجوز أن
تردوا عنه مدحته؟
(د)
قيل له: إنما تمدح بقوله: {وهو يدرك الأبصار} () ولم يمتدح باستحالة إدراكه الأبصار، لأن الطعوم والروائح وأكثر الأعراض، لا يجوز عندكم أن ترى بالأبصار، وليست ممدوحة بذلك).
(1) سورة القيامة الآية 24. (2) سورة الأنعام الآية 103.
(3) سورة الأنعام من الآية 101، وسورة البقرة من الآية 117.
(4) سورة الأنعام الآية 103.
89 (1/89)
صفحة 90
من تراث الإباضية العقائدي
الجواب:
قيل له: إن الله لم يمتدح بقوله: {لا تأخذه سنة ولا نوم) (1)، لأن الأعمدة والحيطان والنخل والشجر لا تأخذها سنة ولا نوم، كما لم يمتدح بقوله: {لا تدركه الأبصار} ().
قال عبد الوهاب: (فإن قيل: قوله: {لا تدركه الأبصار} (3) نفي عام و كما قال تعالى: {لا تأخذه سنة ولا نوم (4)، فلا فرق بين الآيتين
لاشتراكهما في عموم النفي. قيل له: لا يصح الجمع بين الآيتين ولا بينهما مناسبة، لأن الآية التي جاءت {لا تأخذه سنة ولا نوم} (). أجمع المسلمون قاطبة أنه لا يجوز على الله السنة ولا النوم، لأنهما صفة نقص لا تجوز على الله سبحانه، لأنه
مستحيل ذلك عليه.
، والرؤية مما اختلف فيه الناس لا يحتج بالإجماع في موضع الخلاف. والحجة في إثبات الرؤية قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} ()، وجاء مقيداً بالآخرة والآية التي وردت وهو قوله: {لا تدركه الأبصار} () ورد مطلقاً فيرد المطلق إلى المقيد لأنه من جنسه ...
(1) سورة البقرة الآية 255.
(2) سورة الأنعام الآية 103.
(3) سورة الأنعام الآية 103.
(4) سورة البقرة الآية 255
(5) سورة البقرة الآية 255.
(6) سورة القيامة الآية 22. (7) سورة الأنعام الآية 103.
90
90 (1/90)
صفحة 91
الجواب:
ن تراث الإباضية العقائدي
وفي قوله في التفرقة بين الآيتين ولا فرق) وبينهما أعظم المناسبة في
اجتماعهما في النفي.
وقوله: (أجمع المسلمون قاطبة أن النوم والسنة لا يجوزان على
الله تعالى).
قلنا كذلك أجمع المسلمون أن الأبصار لا تدركه، لأنه صفة نقص. فإن اختلف الناس في هذه فقد اختلف معه الدهرية في تلك وعلته أنها
صفة نقص، وعلتنا إنها صفة عجز. وقوله: {إلى ربها ناظرة} (1) جاء مقيداً بالآخرة فلا يرد المطلق في هذه إلى المقيد، لأن قوله في الدنيا، وحكم تلك في الآخرة، فاختلفنا، فلا
يرد مطلق إلى مقيد اختلفت بهما الدار ولو كان من جنسه.
قال عبد الوهاب: (فإن قيل: ما معنى قوله: {لن تراني} (2)، وهذا شرط نفي الرؤية في الحال والاستقبال. وقوله: {تبت إليك (3)، هل تاب إلا من مسألة الرؤية؟ وقوله: {أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم} (4)، فهذا كله
دليل على نفي الرؤية. وقوله: {فخر موسى صعقا (5).
(1) سوقة القيامة الآية 22. (2) سورة الأعراف الآية 143. (3) سورة الأعراف الآية 143.
(4) سورة النساء الآية 153. (5) سورة الأعراف الآية 143.
91 (1/91)
صفحة 92
من تراث الإباضية العقائدي
قيل له: أما قولكم لن تراني) (1)، شرط في نفي الرؤية، فغير مسلم لكم لأن الن تراني} (2) إنما كان جواباً لسؤاله في الحال لا في الاستقبال، ولو كانت الرؤية مستحيلة عليه لما سأله موسى وهو نبي الله وأمينه ومن جعله واسطة بينه وبين خلقه ومتحملاً لرسالته، أن يسأله المستحيل).
الجواب:
(د)
إن جميع ما اعتل به في قوله: {لن تراني) (2) وقوله {تبت إليك} (4) وقوله {أرنا الله جهرة} (5) وقوله فخر موسى صعقا} () وكان نوح لا
:
يدري أن المشرك محال دخوله الجنة. وقوله: {لن تراني} () اعلم أنه حرف إياس لا مطمع فيه، وربما يرى الأشعري ربه في الآخرة ولا يراه موسى في الآخرة، ولو جاز عليه أن يرى لقال لا تراني فقد أيأس موسى من رؤيته، إلا إن طمع هو
(1) سورة الأعراف الآية 143.
(2) سورة الأعراف الآية 143.
(3) سورة الأعراف الآية 143.
(4) سورة الأعراف الآية 143.
(5) سورة النساء الآية 153.
قطعاً.
صحيح
(6) سورة النساء الآية 153 فجميع ما استدل به في هذه الآيات. وقوله: (إنما كان سؤاله للحال لا الاستقبال فغير مسلم. وقوله لو كانت الرؤية مستحيلة لما سأله، موسى فليس كل المستحيل يعلمه موسى، وكقوله لنوح عليه السلام: {ولا تسألني ما ليس لك به علم} سورة هود الآية 46. (7) سورة الأعراف الآية 143.
92 (1/92)
صفحة 93
من تراث الإباضية العقائدي
في الاستقبال أن يرى ربه، ولن يراه موسى، ولن من حروف اليأس
لموسى وغيره.
وقوله {تبت إليك (1) ولم يقل الله: إنه تاب من مسألة الرؤية، فمن اعتقد في موسى أحد المعنيين، أما أن يثبته أحمق يعاقب على شيء ويتوب من غيره، أو من تركه، أو أن يكون موسى منافقاً، يعاقبه ربه على
شيء، ويظهر له التوبة في خلافه، فأي المعنيين أراد فليذهب إليه السامع. وقوله: (ربما خطرت له ذنوبه فتاب منها وأغفل هذا) غير مستحيل
عن غير عاقل.
وقوله {أرنا الله جهرة} (2) قال: (لن) تأخذهم الصاعقة لاستحالة الرؤية). قلنا كذلك، لكن لسؤالهم الرؤية وهو فعلهم، واستحالة الرؤية فعل
الله - عز وجل ..
F
وقوله: (علقوا إيمانهم برؤيتهم إياه فبذلك أخذهم. لا أدري ما أراد. قال عبد الوهاب: (فإن قيل: أراد الله بالنظر الذي في الآية الانتظار كما قال الله - عز وجل - {ما ينظرون إلا صيحة واحدة} (2) أي تنظرون، وقال الله - عز وجل - انظرونا نقتبس من نوركم} (4) وهذا كله بمعنى
الانتظار.
(1) سورة الأعراف الآية 143.
(2) سورة النساء الآية 153.
(3) سورة يس الآية 49. (4) سورة الحديد الآية 13.
93 (1/93)
صفحة 94
من تراث الإباضية العقائدي
قيل له: لا يصح ما ذكرته، لأن النظر في لغة العرب يتصرف على
أربعة أوجه لا خامس لها.
أحدها: أن يكون النظر بمعنى التعطف والرحمة ـ قال الله تعالى: {ولا ينظر إليهم يوم القيامة} (1) ولم يرد أنه لا يراهم، لأن رؤيته تعالى محيطة
بهم وبغيرهم، وإنما هو نظر تعطف ورحمة.
والثاني: أني كون النظر بمعنى الاعتبار كما قال تعالى: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف} (2) الآية.
الثالث: بمعنى الانتظار كما قال الله ـ عز وجل: {ما ينظرون إلا صيحة واحدة (2) أي: ما ينتظرون، وقوله: {انظرونا نقتبس من نوركم} ().
والوجه الرابع: هو النظر المعروف بالعين، فلا يجوز أن يكون قوله ـ عز وجل - {إلى ربها ناظرة} (5) بمعنى الاعتبار، لأن الآخرة ليست بدار اعتبار ولا تكليف، ولا بمعنى الانتظار، لأن الانتظار إنما هو في القلب، فإذا قرن النظر بذكر الوجه، لم يجز أن يراد به القلب، كما أنه إذا أريد به نظر القلب، لم يجز أن يكون مقروناً بذكر الوجه.
(1) سورة آل عمران الآية 7.
(2) سورة الغاشية الآية 17.
(3) سورة يس الآية 49. (4) سورة الحديد الآية 13. (5) سورة القيامة الآية 22.
94 (1/94)
صفحة 95
رات الإباضية العقائدي
وأيضاً فإن نظرته بمعنى انتظرته فعل متعد بنفسه لا بحرف الجر،
والذي ذكره من وجوه النظر صحيح).
الجواب:
اعلم أن الوجوه التي ذكرت في النظر صحيحة، والذي أراد الله في هذا الانتظار، والوجوه أراد بها الأبدان، لاستحالة النظر إلى ذات الباري سبحانه إلا بإيجاب تشبيهه بخلقه، تعالى عن
ذلك.
وقوله: (نظرته بمعنى انتظرته فعل متعد بنفسه لا بحرف). فإن خاطبت به ثلاثياً استغنى عن التعدي وانقطع العتاب.
قال الفقيه عبد الوهاب: (مسألة أخرى في القرآن).
(ومما اختلفوا فيه اختلافاً كثيراً في القرآن هل هو مخلوق، أو غير
مخلوق؟
فذهبت الأشعرية إلى أن القرآن غير مخلوق، إذ كل مخلوق لا يخلو أن يكون جسماً أو عرضاً أو جوهراً عند من يثبت الجوهر، ولو كان القرآن مساً لكان قائماً بنفسه، ومحتملاً للصفات، وجاز عليه الكلام، فكان يجئ من هذا كون القرآن متكلماً بالقرآن، وكذلك نقول في القرآن: الثاني والثالث، إلى غير نهاية.
والذي يدل عليه أنه ليس بعرض ما أقمناه من الدليل على أن العرض ومن حله العرض محدثان، والله تعالى لا يصح كونه محدثاً.
95 (1/95)
صفحة 96
من تراث الإباضية العقائدي
تعالى.
فإن قيل: هو عرض فعله الله في غيره، وذلك لا يؤدي إلى حدثه
قيل له: فينبغي أن يكون ذلك الغير المفعول فيه العرض هو المتكلم بالقرآن، وهذا أيضاً دليل على بطلان قول من ذهب إلى أنه عرض، ولا يصح أن يكون المتكلم من فعل الكلام، لأنه لا يخلو فعله في نفسه أو في ره أو لا في مكان، فمحال أن يفعل في نفسه، لأن ذلك يؤدي إلى كونه
غيرها
ذاته محلاً للحوادث.
وكذلك إن فعله في غيره، كان ذلك الغير متكلماً به، وإن فعله لا في مكان استحال ذلك، لأجل أن الصفات لا يصح فعلها لا في مكان، لأن
ذلك يؤدي إلى قيامها بأنفسها).
الجواب:
قوله: (لا يخلو أن يكون جسماً أو عرضاً أو جوهراً، ولو كان جسماً لكان قائماً بنفسه ومتحملاً للصفات) فصحيح.
وأما قوله: (وجاز عليه الكلام)، فدعوى ليس تحتها برهان، فليس كل جسم يتكلم ويحكم، فكان يجيء من هذا كون القرآن متكلماً بقرآن آخر وكذلك نقول في القرآن الثاني والثالث إلى غير نهاية، ويلزمه في جميع خلق الله مثل هذا، ولو كانت الأرض جسماً، لكانت قائمة بنفسها ومحتملة للصفات، وجاز عليها الكلام، فيجيء من هذا كون الأرض متكلمة بكلام، وللكلام كلام إلى غير نهاية.
96 (1/96)
صفحة 97
راث الإباضية العقائدي
وقوله: (والذي يدل على أنه ليس بعرض ما أقمناه من الدليل، أن العرض ومن حله العرض محدثان، والله لا يصح كونه محدثاً). فدلنا نحن أيضاً على حدوثه أن العرض ومن حله محدثان فعلمناه أنه محدث، إذ هو عرض واحد في الجسم. وقوله: (والله تعالى لا يصح كونه محدثاً). فعلى قوله: إن القرآن هو
الله. فلذلك لا يصح كونه محدثاً.
قال عبد الوهاب؛ (فإن قيل: هو عرض فعله الله تعالى في غيره، وذلك لا يؤدي إلى حدوثه تعالى.
قيل له: فينبغي أن يكون ذلك الغير المفعول فيه العرض هو المتكلم بالقرآن، وهذا يدل على بطلان قول من ذهب أنه عرض، ولا يصح أن يكون المتكلم من فعل الكلام، لأنه لا يخلو فعله في نفسه، أو في غيره، أو لا في مكان، فمحال أن يفعله في نفسه، لأن ذلك يؤدي إلى كون ذاته
محلاً للحوادث.
وكذلك أن فعله في غيره، كان ذلك الغير متكلماً به. وإن فعله لا في مكان استحال ذلك، لأجل أن الصفات لا يصح فعلها
لا في مكان، لأن ذلك يؤدي إلى قيامها بنفسها).
الجواب:
وقوله: (عرض فعله تعالى في غيره وذلك لا يؤدي إلى حدوثه تعالى)
صدق.
97 (1/97)
صفحة 98
من تراث الإباضية العقائدي
(قيل له: فينبغي أن يكون الغير المفعول فيه العرض هو المتكلم بالقرآن) فهذا الذي قال غير مسلم، ونحن نقول: إن الله تعالى جعل من تصفيق حجرين كلاماً، أو من صدى جبل كلاماً، أنه ليس بكلام الجبل، إلا إذا كان في الجبل
حياة أو في الأحجار، فعند ذلك ينسب إليهما الكلام.
كما أنا نقول: إن القرآن يكتب فى المصاحف وفي الألواح، وربما يخلقه الله تعالى فيه خلقاً، ولا يؤدي أن يكون المصحف أو اللوح متكلماً، وليس فيما قال دليل على بطلان قول من ذهب إلى أنه عرض، ولا يصح أن يكون المتكلم من خلق الكلام، بل من فعله هو المتكلم دون من خلقه، ألا ترى إلى الربابة والعود، كيف يقع منهما الكلام، والله خلقه فيه، ولا يكون الله تعالى متكلماً به.
وقد قلنا: إن الله فعل الكلام في غيره، وهو كلام الله لا في نفسه كما قال بل في مكان، وربما فعله في غيره ولو تكلم به غيره، وكانت الطاقة هي المتكلم، وليست الطاقة هي المتكلمة.
وقال عبد الوهاب: (فإن قيل: لو كان قديماً غير مخلوق والله قديم لكانا قديمين، وإذا كانا قديمين كانا مثالين، لأن الاشتراك في أخص
الصفات يوجب الاشتراك فيما عداه.
الجواب يقال لهم: وكذلك من قال: كانت الحياة في الإنسان، والله تعالى حي، يوجب الاشتراك، ولا نقول: إن القرآن قديم، بل عرض
محدث، وإنما يجب ما قاله على من قال: إن القرآن غير مخلوق.
98 (1/98)
صفحة 99
ن تراث الإباضية العقائدي
وأما من قال: مخلوق، فهو بعيد عن الاشتراك في القدم أو في غيره. وقال عبد الوهاب: وذلك أن الكلام هو الأصوات المقطعة والحروف
المنظومة، وأنه لا يوجب الكلام سوى هذا، ولا يعقل). قالوا: وإذا كان الكلام أصواتاً مقطعة وحروفاً منظومة، لم يصح أن يفعله الله تعالى إلا في غيره، فثبت أنه محدث مخلوق، بدليل من حلف على أن الله تعالى خالق لكل شيء غير حانث، وهذا إجماع. وأجمعوا أيضاً على أن كل موجود لا بد أن يكون خالقاً أو مخلوقاً، والمخالف يقول إن القرآن موجود وشيء، ويقول إنه ليس بمخلوق ولا خالق، ومع هذا إنه شيء.
ومن زعم أنه ليس بشيء. ى، فقد كذب الله بقوله: {إن يقولوا ما أنزل الله على بشر من شيء، قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} (1). وأيضاً وجدنا القرآن يتضمن الأمر والنهي والإخبار والاستخبار والوعد والوعيد، وقصص الأولين والأمثال، وهذه كلها حقائق مختلفة ومتغايرة. فكيف يصح أن تكون قديمة قائمة بذات الباري سبحانه، وهي متخالفة ومتغايرة، وهذه كلها سنة الحدوث. وأيضاً فإنا وجدنا في القرآن الأنبياء وغيرهم وهي محدثات، وقد قال تعالى: {فاخلع نعليك} (2) وهذا خطاب لموسى في إجماع المسلمين وموسى معدوم إذاك، فكيف يصح الأمر والخطاب وليس ثم مخاطب ولا مأمور.
(1) سورة الأنعام الآية 91.
(2) سورة طه الآية 12.
99
66 (1/99)
صفحة 100
من تراث الإباضية العقائدي
وقال تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) (1)، فأثبت النزول. وقال تعالى: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث (2). وقال: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} (2).
وقال: {إنا جعلناه قرآنا عربيا} (4) وهذا كله صفة المخلوق. وهذا الذي تقدم كله حجتنا.
قال عبد الوهاب: قيل له: أما استدلالك على أن القرآن كان قديماً، والله قديم، كانا مثلين لا يصح، لأن حد المثلين ما سد مسد الآخر فناب منابه، ولا يصح أن يكون الاشتراك في الأخص يوجب الاشتراك فيما عداه، لأن الله تعالى حي وعالم وقادر، وقد قام الدليل على أن هذه الصفات موجودة في الخالق والمخلوق، ولا يصح أن يكون المخلوق مثل! الخالق لاشتراكهما في هذه الصفة) (5).
(1) سورة الحديد الآية.
05
(2) سورة الأنبياء الآية 2.
(3) سورة الدخان الآية 3.
(4) سورة الزخرف الآية 30.
(ه) أي أن صفة الحياة والعلم والقدرة واضح الفرق فيها بين الذات العلية وبين المخلوقين، أما صفة (غير المخلوقية) إذا أضيفت إلى غير الله فماذا يفهم منها؟! لا يفهم منها إلا قدم غير الله تعالى وبالتالي الاشتراك في خاصية مع الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ولعل هذا مراد الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ في الجواب
(مراجع (2).
100 (1/100)
صفحة 101
من تراث الإباضية العقائدي
الجواب:
فهذه الأمور التي ذكرها كلها لنا لا علينا، وصدق فيما حكاه. وقال عبد الوهاب: (وأما استدلالهم أن في القرآن الأمر والنهي وغير ذلك مختلفة متغايرة، فلا يصح أن تقوم بذات الباري سبحانه فصحيح، لأن كلام الله تعالى الذي هو قائم بذاته، فهو كلام نفس لا يصح فيه التغاير لأنه كلام واحد لا يتغير في نفسه ولا ينقطع ولا يتجزأ، والأمر والنهي فيه واحد.
فإذا أراد أن يفهم المخلوق كلامه خلق في فهمه الأمر والنهي وتغير
في نفس المخلوق لا الخالق).
الجواب:
وهذا الذي ذكر في كلام الله سبحانه واحد وهو قائم بذاته وهو كلام نفس، إلى ما ذكر في أن تغير الأمر والنهي فيه إنما يتغير في نفس المخلوق
لا الخالق.
وكذلك الخلق والرزق من صفاته هما واحد إنما يتغيران في المخلوق. وكذلك العقاب والثواب هما غير مخلوقين، إلا إذا صارا في المخلوق، وأما في صفة الخالق فهما واحد.
وكذلك إذا أراد أن يعذب مخلوقاً أو يثيبه خلق في جسده العذاب والثواب، في مثل هذه التخاليط التي لا يعقلها عاقل ولا تنفهم لجاهل.
101 (1/101)
صفحة 102
من تراث الإباضية العقائدي
وقال عبد الوهاب: (وأما استدلالهم بأن أمر المعدوم لا يصح فهو محال لأن المعدوم يصح أن يؤمر بالأمر القديم على صفة الاقتضاء، ممن سيكون إذا كان، فصح أمر المعدوم.
فانظر ـ وفقك الله وأغناك - على ما قلدك وهذه المسائل في كلام الأشعرية وغيرهم وما احتج به كل فريق على صاحبه وجاوبني على كل مسألة وما احتج كل فريق على صاحبه، لأن الأمر أشكل علي).
الجواب:
وقوله: (إن المعدوم يصح أن يؤمر بالأمر القديم على صفة الاقتضاء)، ولو استدلوا على هذه أن محمداً أرسل إلينا وأمرنا وبلغنا على الاقتضاء لكان أشبه منهم بأمر الله تعالى وبإرساله محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا الذي
قالوا أبي منه العقل لأنه هيولى لا تنفهم للعقل.
وإذا أضافوا إلى الباري سبحانه جميع أفعاله، وجعلوها صفاته في ذاته، وإذا ردوها إلى المخلوق ذهبوا فيها مذاهبهم في المخلوقين، فيحتاجون أن يجروا على أصلهم في الحياة والموت والوجود والعدم والحركة والسكون، فمن جهة الله صار صفة، ومن جهة الخلق كان حياة
وموتاً.
وقال عبد الوهاب: (فالله تعالى ينور قلوبنا، ويشرح صدورنا للإسلام، وفي علمك - أيدك الله ـ أن اختلاف المتكلمين في الأصول لا يصح أن يكون الحق في كليهما، بل الحق في واحد، فالمطلوب منك هذا
102 (1/102)
صفحة 103
الواحد
تراث الإباضية العقائدي
لا عدمتك ـ ونرغب في سيدي الابتهال في الدعاء: أن يحسن الله خلاصي، ويطلق سراحي من بلاد السودان، وأن ينشطني لقراءة العلم وفهمه، ويرزقني منه حظاً وافراً، وأن يعصمني من المعاصي، ولا يسلط علي ظالماً يبغيني بسوء، فلك الفضل في الدعاء، والرغبة إلى كل من عندكم هناك من العزابة أن تستوهب منهم لي الدعاء،،، فإني على ضلالة
إلا أن ينقذني الله منها.
وكتبه وليك في الله عبد الوهاب بن محمد بن غالب بن نمير
الأنصاري. والله أعلم.
103 (1/103)
صفحة 104
104
من تراث الإباضية العقائدي (1/104)
صفحة 105
من تراث الإباضية العقائدي
المصادر والمراجع
الإسفراييني، التبصير في الدين، تحقيق: عزة عطار الحسيني، - الأشعري، الإبانة عن أصول الديانة، تقديم الشيخ حماد بن محمد الأنصاري والشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ إسماعيل الأنصاري
-
دار البصيرة، الإسكندرية، ط 1، 1413 هـ – 1992 م.
مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تحقيق: محمد محي الدين عبد
الحميد (د)، ت، ط كذلك طبعة اسطنبول، 1929.
اللامع في الرد على أهل الزيغ والبدع، تحقيق: الإرب مكوثي، بيروت، 1953، كذلك نشرة د. حمودة غرابة، القاهرة، 1955 م. - الايجي عضد الدين، المواقف في علم الكلام، طبعة اسطنبول، 1286 هـ ياقوت الحموي، معجم الأدباء، دار المشرق، بيروت، لبنان، 1274 هـ.
-
معجم البلدان دار المشرق، بيروت، لبنان، 1274 هـ.
ابن أباض، رسالة لابن أباض، تحقيق: لطيفة بكاي، دار الطليعة،
بيروت، ط 1، 2002
105 (1/105)
صفحة 106
من تراث الإباضية العقائدي
ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم،
م.
مطبعة البابي الحلبي، القاهرة، 1385 هـ، 1965. . 1967 - الباروني سليمان الشيخ عبد الله النفوسي، الأزهار الرياضية في أيمة
-
وملوك الاباضية، طبعة مصر، 1313 هـ.
البرادي، الجواهر المنتقاة في إتمام ما اخل به كتاب الطبقات، طبعة
قسنطينة، 1302 هـ.
البكري، المغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب، طبعة البارون، دي
سلان، باريس، 1918 م.
ابن حزم الفصل في الملل والأهواء والنحل، طبعة القاهرة، 1347. الرد على ابن النغريلة اليهودي، تحقيق: إحسان عباس، طبعة القاهرة 1380 هـ - 1960 م.
ابن حماد، أخبار ملوك بني عبيد وسيرتهم، نشرة فون درهايدن،
مطبعة الجزائر، باريس (د، ت).
ابن خلدون، العبر وديوان المبتدأ والخبر، طبعة القاهرة، 1957. ابن الخطيب، المغرب العربي في العصر الوسيط، تحقيق د. احمد مختار العبادب والأستاذ ابراهيم الكتاني، طبعة دار الكتاب العربي، الدار البيضاء (د، ت).
داود علي الفاضل محاضرات في تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار الفكر للنشر والتوزيع، عمان (د، ت).
106 (1/106)
صفحة 107
-
من تراث الإباضية العقائدي
الدرجيني، أبو العباس احمد (ت 670 هـ)، طبقات المشايخ بالمغرب،
تحقيق ابراهيم طلاوي، الجزائر، 1974.
طبقات الاباضية، مخطوط بدار الكتب المصرية برقم (2561 خ). الرازي، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، تحقيق: د. علي سامي النشار، القاهرة، 1938.
المطالب العالية في العلم الإلهي، تحقيق: احمد حجازي السقا، دار
الكتاب العربي، بيروت، ط 1، 1407، 1987 م.
- أبو زكريا يحيى بن أبي بكر السيرة وأخبار الأئمة، مخطوط بدار الكتب المصرية برقم (9030 خ).
ابن سعيد، المغرب في حلي المغرب، تحقيق شوقي ضيف دار المعارف،
مصر، 1953.
السلاوي، احمد بن. خالد الناصري، الاستقصاء لأخبار المغرب الأقصى
د، ت، ط.
سهير قلماوي، أدب الخوارج.
السوفي، أبو عمر عثمان بن خليفة المرغني (ت أواخر القرن السادي) شرح السؤالات مخطوط بدار الكتب المصرية برقم (21582 ب). الشهرستاني، الملل والنحل، طبعة بيروت، دار الندوة الجديدة، ط، 1371 هـ - 1897 م كذلك نشر محمد سيد كيلاني، دار المعرفة
بيروت، لبنان، 1961
107 (1/107)
صفحة 108
من تراث الإباضية العقائدي
- نهاية الأقدام، في علم الكلام أكسفورد، 1934.
- صالح باجية، الاباضية بالجريد، دار أبو سلامة، تونس، ط 1، 1976.
الطبري، تاريخ الأمم والملوك، الطبعة الأوربية (د، ت).
ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في ذكر أخبار افريقية والمغرب نشرة البارون دي سلان، باريس، 1918.
عبد الواحد المراكشي، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، دار
الكتب، طا.
العيني، بدر الدين أبي. محمد محمود بن احمد (ت 855 هـ) عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان، مخطوط، بدار الكتب المصرية برقم (1584 تاريخ). - الغربيني، أبو العباس احمد بن احمد، عنوان الدراسة فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية، تحقيق رابح يونا، الشركة الوطنية
للتوزيع والنشر، الجزائر، 1981.
- المالكي، رياض النفوس تحقيق: د. حسين مؤنس، مكتبة النهضة
-
المصرية، ط 1، 1951
- مؤلف مجهول كشف الغمة لأخبار الأمة، مخطوط المكتبة الوطنية،
تونس، برقم (3182)،
الوسيلاني، أبو الربيع عبد السلام (ت 471)، سير أبي الربيع
مخطوط بدار الكتب المصرية برقم (21582 ب).
108 (1/108)
صفحة 109
من تراث الإباضية العقائدي
ابن منظور، لسان العرب، طبعة بيروت، 1956.
ياقوت الحموي، معجم الأدباء، دار المشرق، بيروت، لبنان، 1274 هـ. معجم الـ البلدان دار المشرق، بيروت، لبنان، 1274 هـ.
109 (1/109)
صفحة 110
110
من تراث الإباضية العقائدي (1/110)
صفحة 111
الفهرس
تراث الإباضية العقائدي
تصدير المقدمة
الخوارج في اللغة والاصطلاح
فرق الخوارج
آراء الإباضية الفلسفية والكلامية آراء الإباضية في الوجود
آراء الإباضية في العلم الإلهي آراء الإباضية في النفس
التعريف بالرسالة
5
9
13
16
28
ه تنها ة له الله الان هم ما لا
32
33
44
59
في وجوب الثواب والعقاب للطائع والعاصي على الله عز وجل 70
111 (1/111)
صفحة 112
الدكتور باسين حسين الويس.
من تراث الإباضية العقائدي
ن تراث الإباضية العقائدي
الكتاب في سطور
من تراث الإباضية العقائدي، دراسة وتحقيق الدكتور العراقي ياسين حسين الويسي، يتعمد الكاتب توضيح ملامح التراث العقائدي لفئة من الإسلام تدعى (الخوارج) تلك الفئة التي قل الحديث عنها والتداول بمعرفة كنهها بدأ بتعريف
التسمية. فمن قائل بأنهم (فرقة ذات نبتة اسلامية خالصة، وكانوا قوماً شديدي التقوى) ومنهم من سماهم (بالمحكمة) مبيناً سبب التسمية حيث يرجع: لعقد صلح بين جيش علي وجيش معاوية كما سماهم آخر (الشراة) وهي تسمية استمدوها من الآية الكريمة «إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم» ويسمونهم (المارقة)
الخ.
قسم التاريخ الخوارج لأربع فرق رئيسية. وهم (الأزارقة، النجدات الصفرية والإباضية وقد توضعت الفرق بين العراق والمغرب العربي. لم يتمكن التاريخ حتى الآن تحديد وقت ظهور الخوارج في
المغرب العربي إلا أن هناك إشارة لابن الخطيب في معرض كلامه إن (سعد جد مؤسسها أخذ عن البربر عام 105 هجرية. وهناك من يقول بأن
العامري تولى إمامة الإباضية في طرابلس عام 140 هجرية. موضحاً طريق انتشار الافكار إلى المغرب بسلك طريقين الاول (مسلك علمي) والثاني (مسلك دعائي سري)
في الكتاب تفصيل جزئي وأسماء كثيرة جداً لكل من مؤسسي الفرق الأربع ورؤسائها، وانقساماتها، وأفكارها، وميولها الدينية وتوضعها في المدن والقرى المغربية والافريقية بإسهاب.
الناشر
978 - 9933 - 444 - 07 - 5
دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع
www.alfarqad.com (1/112)