صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: عقيدة - فلسفة - دراسات فكرية - الفكر والدعوة
------------------------------------------
العنوان: مناجزة الإلحاد
المؤلف: أحمد التميمي - محمود المسلمي
الناشر: بيت الغشام للنشر والترجمة
مكان النشر: مسقط - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 2018م
الطبعة: 1
ردمك: 978-99969-1-692-2
الإيداع القانوني: 2017/350
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=6652&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/633
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 22 شعبان 1446ه/ 21 - شهر 02 - 2025م. مناجزة الإلحاد
دراسة
أحمد التميمي
محمود المسلمي
بيت الغشام (1/1)
صفحة 2
مناجزة الإلحاد (1/2)
صفحة 3
الكتاب مناجزة الإلحاد
تأليف:
- أحمد التميمي
- محمود المسلمي
الطبعة الأولى 2018
جميع الحقوق محفوظة
لمؤسسة بيت الغشام للصحافة والنشر والإعلان
رقم الإيداع: 350/ 2017
رقم الإيداع الدولي (ISBN)
978 - 99969 - 1 - 692 - 2
سلطنة عُمان - مسقط)
هاتف: 24591646 - 99260386
ص. ب: 2068 الرمز البريدي: 133
alghshamoman@gmail.com
www.takweeen.net
بيت الغشام
للصحافة والنشر والإعلان
التصميم الداخلي والغلاف: أحلام الرحبي (1/3)
صفحة 4
قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (24) قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَاحُ الْعَلِيمُ (26) قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) (سبأ: 24 - 27). (1/4)
صفحة 5
المحتويات
المحتويات
المقدمة
المبحث الأول: مَا هُوَ الإلحاد؟.
أليس الإلحاد دينا؟
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
إطلالة على بلاد الهند.
إطلالة على الشرق الأقصى القديم.
إطلالة على اليونان القديمة
إطلالة على العرب قبل الإسلام
إطلالة على التاريخ الإسلامي
إطلالة على العصر الأوروبي الوسيط
إطلالة على المجتمعات البدائية
المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أوروبا
أولا: الطُّورُ العِلمي.
ثانيا: الطُّورُ الفلسفي
ثالثا: الطُّورُ الثَّقافي والاجتماعي
رابعا: الطُّورُ الأدبي.
خامسًا: الطُّورُ الفنّي
سادسا: وأضحى الإلحاد فتيا (1/5)
صفحة 6
مناجزة الإلحاد
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
أولًا: على مأدبة السياسة.
ثانيًا: على مأدبة الدين
ثالثًا: على مأدبة الفكر والثقافة
رابعا: على مأدبة الأدب
خامسًا: على مأدبة الصَّحافة
سادسًا: على مأدبة الفنّ السَّابع.
سابعًا: الإلحاد؛ سمِنَ فأَرِن! ..
ثامنا: ثمَّ أصبحَ الإلحاد صرعة.
المبحث الخامس: دوافع الإلحاد وبواعثه.
أولا: الدَّوافع والبواعتُ السياسيَّةُ.
ثانيا: الدوافع والبواعثُ الدينية. ثالثًا: الدوافع والبواعتُ الاقتصادية.
رابعا: الدوافع التعليمية.
خامسا: الدوافع والبواعتُ الأسرية.
سادسًا: الدَّوافعُ والبواعثُ النَّفسيَّة .. سابعا: الدوافع والبواعتُ الاجتماعية.
ثامنا: الدوافع والبواعتُ المعرفية. المبحث السادس: الإلحاد: طَرائِقُ وحَزائِقُ
مذاهب الإلحاد وطرائقه المنهجية الفلسفية.
مذاهب الإلحادِ وطرائقه الفكرية الأيديولوجية.
6 (1/6)
صفحة 7
المحتويات
المبحث السابع: فلسفةُ الإلحاد المعاصر.
مَلامح الوضعية المنطقية.
مسرد تاريخي وجيز.
معالجة خاطفة للوضعيَّةِ المنطقيَّة.
الوضعية المنطقيَّةُ تلقى حتفها.
تعقيبًا على الوضعيّة المنطقية. المبحث الثامن: المستوى الفِطْري. هل اخترع البشرُ الأُلوهية؟!.
الحقيقةُ التي صموا آذانهم عنها. لماذا نهتم بقضيَّة وجود الله؟!.
إمكان البرهنة على وجودِ البينةُ على مَن ادَّعى!
ما نوعُ الأدلَّةِ التي يَطلبها الملحد؟!.
ما هي الفطرة؟
مكوناتُ الفِطرة وانقيادها إلى الله
الافتقار الوجداني.
النداءُ الطَّبيعي.
الضرورات العقليَّةُ الأَوَّليَّة
الأُمس الأخلاقية
الهداية الغريزية.
الأسئلة الوجُودِيَّة.
الجمال.
الإرادة الحُرَّة. (1/7)
صفحة 8
مناجزة الإلحاد
المبحث التاسع: المستوى العقلي.
(أ) - قانون السببية ..
فيزياء الكوانتم وقانون السببية.
نسبية أينشتاين وقانون السببية. (ب) - العِلل الأربع.
(ج) - امتناعُ التّسلسل.
هل تُوجَدُ (لانهائيَّات) في العالم المادي؟!
التَّقوبُ السَّوداء واللانهائيَّات في العالَمِ المادي.
المعطى العلمي واستحالة وجودِ (اللانهائيات) في الماضي.
(د) - امتناع الدور.
(1) - دلالة الحدوث.
الاعتراضاتُ على بُرهانِ الحُدوث.
أولا: الاعتراضات السفسطائيَّةُ باسمِ العِلمِ التَّجريبي. ثانيا: الاعتراضات السفسطائيَّةُ باسم العقل والمنطق.
ثالثًا: الاعتراضات السفسطائية المحضة.
(2) - دلالة الإمكان.
الاعتراضات على بُرهان الإمكان.
أولا: الاعتراضات على المقدمة الأُولى.
ثانيا: الاعتراضات على المقدمة الثانية. ثالثًا: الاعتراضات على المقدمة الثالثة.
رابعا: الاعتراضات على نتيجة البرهان.
8 (1/8)
صفحة 9
المحتويات
(3) - دلالة النظم.
الاعتراضات على بُرهانِ النَّظم.
أولًا: الاعتراضات على المقدمةِ الأُولى.
ثانيا: الاعتراضات على المقدمةِ الثَّانية.
ثالثا: الاعتراضات على النتيجة.
ديفيد هيوم يُفرغ ما في جعبته ..
بين الفَخْرِ الرَّازي وديفيد هيوم.
المبحث العاشر: المستوى العملي.
أولا: القضايا المشهودة.
ثانيا: القضايا الغائبة.
المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية.
مَن خَلَقَ الله؟!
مشكلة الشر.
المبحث الثاني عشر: وهم البراهين وبراهين الوهم.
(1) - كمالُ الله وكمال الكون.
(2) - كمالُ الله وخلق الكون.
(3) - الله والزَّمانُ والمكان.
(4) - الوجود المطلق لله.
(5) - العِلمُ الكلي والإرادة الكلية.
(6) - تقييد القُدرة الكلية.
(7) - الفعل والجسمانية. (1/9)
صفحة 10
مناجزة الإلحاد
المبحث الثالث عشر: ا: كَشَّافُ التَّناقضات الإلحادية.
موقفهم من النظم.
موقفهم من الصدفة.
موقفهم من مفهوم (الإله).
موقفهم من الأخلاق.
موقفهم من مشكلة الشر.
موقفهم من أزليَّة المادة.
موقفهم من الماورائيات.
موقفهم من إله الفجوات.
موقفهم من الأسئلة الوجودية.
موقفهم من العقل.
موقفهم من الإنسان.
موقفهم من الإرادة الحُرَّة.
موقفهم من التدبير الإلهي.
خاتمة (1/10)
صفحة 11
المقدمة
المقدمة
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسولِه، وعلى عباده الذين اصطفى ومن تبعهم. وبعد: على طريق الحياة الممتدّ تتوزّع آراءُ النَّاس، وتختلف مذاهبهم، وتتعدد اجتهاداتهم، وتتباين خطواتهم في كل ما يعرض لهم؛ غير أنَّهم لم يُجمعوا - تاريخيًّا - على شيء كإجماعهم الكاسح المتضافر على حقيقة الوجود الإلهي، تلك الحقيقة التي لم تَغِبْ شمسها عن سماء ألبابهم، ولم تَحجُبْ أشعتها عنهم غيومُ أوهامهم، يُشنّف البدوي أذُنَك - وهو في خيمته المنزوية في ناء - بترنيماته وأهزوجاته عن الله، ويغمرك الجبلي في قُنَّة جبلهِ الشَّامخ المنيف بفيض نفسه الهادئة المستمدة من نور الله، ويُوقظ السَّاحلي فكرك بهدير ذكر الله وعَبْهَري نسيمه الفواح، ويذهب بك الصوفي بمواجدِه الإلهيَّةِ كلَّ مذهب؛ فتنتفض ولها وهياما بالله كأنك تراه، ويدهش عقلك الفيلسوفُ ببديع فلسفته وعمق تأصيله في سيره إلى الله، ويشْدَه قلبك المعملي في معمله بين مجهرِه وأدواته فينزع قلبك من بين جنبيك - بلا استئذان - فيطير بك إلى الله إنَّك أمام أحق الحقائق وأقدس الأقداس، إِنَّه الإله الكبيرُ المتَعَال ...
ولئن استعر الملحد من إلحادِه أو تَضرَّج وجهُهُ منه فإنَّ حال المؤمن - مع الإيمان - حال المفتخر، يعلنه بلسانٍ طَلق ذلق، ويُقبل عليه بنفس أرحب من الفضاء، يسير في طريقه بنَفْسٍ واثقة، وعزيمةٍ حَذَاءَ، وعرارةِ عزم لا تَني ولا تلين، يقف شامخًا مناطحًا السماء بمنكبيه على أرض لا تتزعزع ولا تتصدع حتى يرث الله الأرضَ ومن عليها، ولكن مع كل هذا الاندياح الهائل للعطاء الإلهي على الكون بأسره شاملًا كل ما حواه فإنَّنا نجد من بني البشر من صغر خدَّه، وزَمَخ بأنفه، ونظر إلى عطفه متمرّدًا على من إليه المرجع والمعاد؛ ليخروا بهذا من علياء التكرمة الإلهية والتجلَّة الرحمانية متهاوين على رؤوسهم إلى وهدة العدمية؛ ليسيروا في ركاب التائهين ويلجوا سكة التيه، وبهذا قضت كلمة الله وجرت سنته الماضية في خلقه، فمن اهتدى فإنَّما يهتدي لنفسه، ومَن ضلَّ فإنَّما يضلُّ عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى.
11 (1/11)
صفحة 12
مناجزة الإلحاد
إنَّنا نلحظ - في الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة رجوع النَّاس إلى الإيمان في الغرب - ارتفاع حالات الانجراف نحو الإلحاد في عالمنا العربي! نعم؛ لم نجد الإحصاءات الدقيقة المتحدثة بلغة الأرقام عن حجم هذا الانجراف الإلحادي، لكننا بدأنا نشعر به ونتلمسه في نوعية الثقافة الفكرية التي تخطّها تخطها بعض الأيادي وتنطق بها بعض الألسن في وسائل التواصل الاجتماعي، وبدأت تنتقل بشكل متزايد إلى فضاءات أوسعَ تحت مسميَّات الأدب والفن والفكر الحر، ويمكن أن نتلمس هذا - كذلك - ممَّا سنضعه بين يديك لاحقًا أيُّها القارئ العزيز من بعض الأرقام التي يمكن الاستئناس بها، ولما مرَّ كان لا بد من وقفة جادة، ورحلة بعيدة جدا، فكان
(مُنَاجَزَة الإلحاد).
إنَّنا بعملنا هذا لَنَشرُف بوضع لَبِنَةٍ متواضعة في بنيان المسيرة الخالدة، نضعها ونحن واقفون على أكتاف الجيوش المؤلهة من العلماء والفلاسفة والأدباء عبر التاريخ اللاحب الممتد، غير أنَّ وقوفنا على أكتافهم لا يعني التَّقليد المحض والاستسلام الكامل لكل ما أتلوه وسطروه، فمعرفة ا الله لا لا تقليد فيها، بل إنَّها لتفقد معناها عندما يطرقها التقليد، وتخبو جذوة الاستمداد منها في قلوب المقلّدين، ليصبح حال أصحابها كحال ذاك الذي قرر أن يستند إلى خُصّ مائل فإذا به يتهاوى بغتةً وتطوّح به ريحُ الشُّبهة في مكان سحيق! إنَّ استمدادنا من السابقين استمداد ذاكر للفضل استمداد بعيون مفتوحةٍ وعقل ليس للبيع أو الرهن، نقف وإيَّاهم على صعيد واحد رافعين رايةً واحدةً: راية الانتصار لتعضيد مقولة الإيمان.
في رحلتنا هذه كثيرًا ما قدمنا وأخَّرنا وأثبتنا ومحونا؛ من أجل أن نلملم الموضوع من جميع أطرافه، ونحيط به من أقطاره بمعادلة تبتغي الإيجار مع الاستيعاب نعم؛ هي معادلة عزيزة المنال، صعبة المرتقى، لا نزعم أننا بلغنا فيها الغاية التي لا مزيد عليها، ولا أننا خلعنا على قدودها حُلَلَ الكمال، ونترك للقارئ الحكم بمدى التوفيق للوصول إليها من عدمه، ولكن حسبنا
أننا استفرغنا الوُسْعَ؛ فنرجو أن لا يستطيل رحلتنا هذه ملول، وأن لا يستكثرها مشغول.
لقد ركبنا في رحلتنا هذه متن البرهان عند معالجتنا المسائل المطروقة بين دفتي الكتاب؛ ابتداءً من تحريرنا لمفهوم الإلحاد، مرورًا بأطواره التَّاريخيَّة، ودوافعه ومذاهبه، وفلسفته، وإشكالاته ومشكلاته عليها، وختما بكشّاف تناقضاته، فكان البرهان معتمدنا في رحلتنا الطويلة هذه، وقد شفعناه بأخيه النَّفَسِ الطَّويل؛ فسالك مثل هذه الرحلة محتاج إليه لا محالة؛ نَفَس طويل في تتبع
12 (1/12)
صفحة 13
المقدمة
أدلة المؤمنين ضبطا وتبسيطًا وتنظيمًا، ونَفَس طويل في الرَّد على السفسطائيات الإلحادية المتسيّرة بثوب العلم التجريبي حينًا وبثوب العقل حينا آخر. ولا شكّ أنَّ دفع هذه الموجة المظلمة يحتاج إلى تظافر الجهود، واجتماع العقول على التصدي لها ودحرها، وقبل ذلك لتحصين الناشئة بما يخرِزُهم من الوقوع صرعى لها، فلا بد من تظافر جهود المجتمع المدني - متمثلة في العلماء والمفكرين والمصلحين - مع جهود المؤسسات الرَّسميَّةِ المتمثلة في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ووزارة التعليم العالي، ووزارة التربية والتعليم، ووزارة الإعلام وغيرها من الجهات المختصة كل بطريقته وباختصاصه قبل أن يستفحل الدَّاء، وقبل أن يتَّسعَ الخَرقُ على الرَّاقع، حتَّى لا نقول كما قال دُرَيْد بنُ الصِّمَّة: أمرتُهُمُ أمري بِمُنْعَرَج اللوى فلم يَسْتَبِينُوا الرُّشْدَ إِلا ضُحَى الغَدِ وإنَّنا لنرجو أن يكون عملنا هذا خالصا لوجه من لولا توفيقه ما كان ليكون، ونرجو معه أن يكون عملنا شراعًا يهدي سفائن الشَّباب بين تلاطم أمواج الأفكار الإلحادية الوافدة، وسببًا موصلا إيَّاهم إلى بَرّ الفكر السَّليم الآمن، ونرجو أن يكون عملنا بوصَلَةٌ مُعِينَةً لكلّ مَن دهمته الشكوك وتفرقت به الشبل وحارت به المذاهب على الخروج من بين غوائلها أعجم عودًا وأصلب قناةً.
وقبل الختم: لا يسعنا إلا أن نضرعَ لمستحق الحمد والثناء بما هو له أهل؛ فهو أهل الحمدِ والجودِ والثَّناءِ الحَسَن، وآخر دعوانا أن الحمدُ للهِ ربّ العالمين، وسبحان الله، وما
نحن من الملحدين.
13 (1/13)
صفحة 14
مناجزة الإلحاد
ملحوظات استباقية
(1) - قد ينتج إشكال معرفي جرَّاء ترجمة المصطلح الأجنبي (Atheist) إلى المصطلح العربي (ملحد) والعكس؛ باعتبار أنَّ هذه الترجمة عائمة تتقاذفها تيارات مختلفة، فهي مبنية على المقاربات الثقافية النسبية التي تخضع لعوامل المد والجزر الفكرية، وهذا الأمر ينعكس على مدى مصداقية الإسقاطات الإلحاديَّة على الشَّخصيَّات والأحداث التاريخية بشكل عام. (2) - إنَّ حديثنا عن الإلحاد سيكون منصبا - في الأعم الأغلب - على ما نسميه بـ (الإلحاد الموضوعي) الذي نعني به: إنكار وجود الله تعالى.
(3) - الإلحاد - حاليًّا - كمفهوم متداول على مستوى الفكر العالمي يختلف عن الإلحاد في الوضعين اللغوي والشرعي، فنحن نتحدث عن مفهوم عالمي موجود في ثقافات مختلفة، وديانات متعددة، وبيئات متباينة، وهو كمصطلح مرَّ بمراحل زمنية متعاقبة تطور في أثنائها وتغير كثيرًا، فأصبح - الآن - محددًا لفظيًّا عند إطلاقه بـ (إنكار وجود الله) وإن كان هذا التحديد ليس محل اتفاق عام بعد.
(4) - سيتضح للقارئ الكريم - من خلال قراءته لهذا الكتاب - أنَّ التعامل مع مصطلح الإلحاد يكون على شقين؛ الأول: الإلحاد كمصطلح وضعي شائع على المستوى العالمي. والثاني: الإلحاد كحكم توصيفي تشترك تحت مظلته العديد من المذاهب والتيارات التي تستقل في العادة عن الإلحاد كمصطلح شائع ولكنها لا تستقل عنه كحكم توصيفي.
(5) - إنَّ مناجزة الإلحاد في كتابنا هذا ستقتصر مع أولئك الذين يُنكرون أنَّ للكون خالقًا، ولن ننشغل بمناجزة (اللادينيين ومن دار في فلكهم؛ وما ذاك إلا لأنَّ الخطر الحقيقي الطارئ على الفكر البشري هو من قبل أولئك الذين أسلسوا قياد أنفسهم إلى آلهتهم التي صنعتها نفوسهم وهؤلاء لهم حيلهم وأحابيلُهم المنصوبةُ وشراكاتهم المتلونة التي قد تلتهم البسطاء في وقت نشهد فيه تراجع التربية المعرفية العقلية القادرة على تسليح الناشئة بأسلحة المواجهة الفكرية الفاعلة، وخطر هؤلاء يكمن في استغلالهم الحركة التجريبية المحايدة في أصلها، بل من الحق أن نقول إنَّ سفينة الحركة التجريبية تقود العاقل المتأمل الحصيف إلى شاطئ
14 (1/14)
صفحة 15
ملحوظات استباقية
الإيمان بالله جل جلاله، غير أنَّ هؤلاء بما أتوه من مكرٍ وحذاقة وطلاقة لسان حاولوا حرف هذه
الحركة العلمية التجريبية عن مسارها، بل وامتطوا ظهرها ليُوجّهوها إلى خرابة الإلحاد، ومنه كان الوقوف في وجه هؤلاء أولى الأولويات وأهم المهمات، مؤجلين كل المناجزاتِ الفكرية مع من عداهم إلى إشعار آخر ربما تكون له وقفة أخرى.
(1) - لم نتطرق في هذا الكتاب إلى قضيَّة الزَّندقة بالتفصيل؛ لأنَّ لفظة (الزندقة) مطاطة فضفاضة في غالب أمرها، ولربما تحوّلت إلى عصا دينية بلهاء في يد سياسي ماكرٍ أينما يُوجهها لا يأتي منها إلا القتل والخراب أو الإذلال والتركيع في أحسن أحوالها، ولفظ (الزنديق) لبك مبهم مشترك قد أُطلق على معانٍ عدَّةٍ مختلفةٍ فيما بينها، على الرغم مما قد يجمع بينها من تشابه؛ إذ كان يُطلق على من يؤمن بالمانوية ويُثبت أصلين أزليين للعالم: هما النُّور والظلمة. ثمَّ اتَّسع المعنى من بعد حتَّى أُطلق على كل صاحب بدعة، بل انتهى به الأمرُ أخيرًا إلى أن يُطلق على من يكون مذهبه مخالفا لمذهب السلطات الحاكمة، أو من كان يحيا حياة المجون (1). (7) - تاريخ أمتنا حافل بالعباقرة والنابهين والقامات العلمية المبدعة، وبعض هؤلاء ثار - أو - حولهم الجدل من قبل البعض فجرَّهم بضربة قلمٍ خاطفة إلى مَهْمَه الإلحاد، وقد تعرَّضنا لحالهم كما تجدونه في المبحث الثاني، وهنا نلفت عناية القارئ إلى أنَّ نفينا تهمة الإلحاد عن أيَّ شخصيَّةٍ من الشَّخصيَّاتِ المذكورة لا يعني أنَّنا نؤيدها في طريقة نظرها إلى بعض القضايا أو نوافقها في نتائج تحليلاتها لتفصيلات بعض المسائل العلمية، بل قد نختلف معها في الكثير، ولكنَّ هذا شيء ورميها خارج دائرة الإيمان شيء آخر. (8) - حديثنا عن الإلحاد إثباتًا أو نَفيًا - من خلال تحليل بعض الأحداث التاريخية المفصلية كحروب الردة أو عند الحديث عن بعض الشخصيَّاتِ المهمة في التاريخ الإسلامي - حديث ألزمنا أنفسنا فيه بتوخّي الموضوعيَّةِ الصّرفةِ والمنهجيَّةِ الدَّقيقةِ اللتين لا تطمعان إلا في كشف الحجاب عن وجه الحقيقة كما هو بلا مساحيق ولا مجمّلات؛ إيمانا منا بأنَّ الحقيقة لا سبيل إلى طمسها، وستظل دائمًا متطلعةً للإطلالة بقرونها طالَ الزَّمنُ أو قَصُر، لذا؛ فالواجب على كل
باحث نشداتها في بحثه، والإفصاح عنها - إن توصل إليها - بكل جرأة ومصداقية.
1 - يُنظر: عبدالرحمن بدوي، من تاريخ الإلحاد في الإسلام، ص 28.
?? (1/15)
صفحة 16
مناجزة الإلحاد
(9) - المقاربة التّاريخيَّة عندَ الحكم على الأحداث أو الحكم على الأشخاص يجب أن تكون مقاربةً حذرةً دقيقةً متأنيَّةً، فالسَّائرُ بين أحداثِ التَّاريخ عمومًا كالسَّائر في صحراء ملأى بالألغام، وأدنى خطأ في إثباتها أو انحراف في تفسيرها كفيل بإيصال المرء إلى نتائج كارثية يبقى بين النَّاس ذكرها، وسيكون عليه يوم يلقى الله غرمُها ووزرها، وكم - عبر التاريخ - من مدارس ومذاهب فكريَّةٍ ظُلمت! وكم من علماء أنقياء أجلاءَ شُيطنوا ورُجّسُوا! وفي تشوّهات المشهد الرَّاهن الذي نُطالِعُه في وسائل الإعلام من كذب ودَجَلِ وافتراء وتشويه صورة كافية لفهم شيءٍ من دناءة السياسةِ القذرةِ القديمةِ وكشف دورها في التلاعب بالعقول والسيطرة عليها من خلال قلب الحقائق وتشويه الوقائع حتَّى أصبحت متناقلةً - مِن بعد - عبر الموروث الشفهي الموروث المدوّن في الكتب وكأنها حقيقة مطلقة لا يجوزُ التَّشكيك فيها أو إعادةُ التَّحقيقِ فيها وتسليط الضوء عليها وإمرارها تحت أشعة الفكر الناقد!
(1)
أو
(10) - الأصل في ذواتِ النَّاسِ عبر تاريخ أُمَّتِنا الطُّويلِ الإيمان، وعلى مَن يُرد نقل أي أحدٍ من دائرة الإيمان إلى دائرة الكُفْرِ أن يأتي بالدليل القاطع الذي لا شُبهة فيه، فذواتُ النَّاس - أيَّا كانوا - مَصُونَة، ولا يحلُّ رميها بالإلحاد، فالخطأُ في إبقائهم على أصل الإسلام خير من الخطأ في رميهم بالكفر والزندقة وإخراجهم من دائرة الإسلام، وكما قال الإمام محمد عبده عند حديثه عن أصلِ البُعدِ عن التَّكفير: إِذا صَدَرَ قَولُ مِن قَائِلِ يَحتَمِلُ الكُفْرَ من مَائَةٍ وَجهِ ويحتَمِلُ الإيمانَ مِن وَجهِ واحدٍ حُمِلَ على الإيمان، ولا يَجوزَ حَمله على الكُفر (11) - فيما يخص حديثنا عن الطور العلمي في المبحث الثالث (أطوار تخلق الإلحاد في أوروبا) ينبغي على القارئ أن يأخذ بعين الاعتبار أنَّ الانقلابات العلمية في المناهج والأدوات والنتائج - المذكورة بشيء من التفصيل هنالك - مخصوصةٌ فقط بالمستوى الأوروبي، وبالطبع فإنَّ المنهج العلمي التجريبي كان موجودًا عند العرب قبل ذلك، وأما إن أطلقنا عباراتٍ تُفيد بأنَّ الشَّخصيَّة الفلانية هي التي أسست منهجًا أو اكتشفت شيئًا فذلك مبني على الشائع في الثقافة الأوروبيَّة الضَّيقة أو هو مبني على التأسيس الحديث، وليست مصاديق عامة نعتقد بها، فقد ثبت أنَّ كثيرًا من الاكتشافات كانت سبقًا عربيًّا قبل الشبق الأوروبي في عصور النهضة). وتجدر الإشارة إلى أنَّ تلك الشَّخصيَّات نفسها قد تكون مسبوقةً أيضًا على المستوى الأوروبي
1 - محمد عبده، الإسلام بين العلم والمدنية، ص 83.
2 - للاستزادة يُنظر: (موسوعة تاريخ العلوم العربية).
17 (1/16)
صفحة 17
ملحوظات استباقية
نفسه، فيُذكر - مثلاً - أنَّ القديس والعالم ألبير لوغران (1206 - 1280 م) قد زعم - قبل فرانسيس بيكون - بأنَّ التجريب وحده الذي يُوصل إلى الحقيقة).
(12) - إنَّ الاستدلالات بالعلم التَّجريبي وكشوفاته الحديثة في قضايا الإيمان والإلحاد - كما في هذا الكتاب - هي في حقيقتها عودة إلى العقل والفلسفة في نهاية المطاف، فالحجج والاعتراضات في حقيقتها عقليَّة فلسفية وليست تجريبية، ولو كانت تجريبية لما كان هناك غيب ولا إيمان ولا إلحاد ولا اختلاف كبير جذري وهذا ما يعترف به الملاحدة الذين لا يعترفون إلا بالعلم التجريبي يعترفون به تطبيقا وإن أنكروه تنظيرا؛ فهم بتسورهم أسوار الحديث عن الأديان والإيمان ودخولهم في المماحكات العقلية والفلسفية يدخلون في دائرة الاستدلال العقلية والفلسفية!! وحديثنا هذا لا يعني يعني أن العلم التجريبي لا فائدة منه البتة في قضايا الإيمان، وإنَّما أردنا بيان أنَّ العلم التَّجريبي يُدعِم الحجج العقلية والمنطقية بشواهده؛ أي إِنَّ دوره ثانوي في قضايا الإيمان - كمقدمات للبراهين - وإلا فإنَّ النَّاس بعامتهم وفلاسفتهم وعباقرتهم مؤمنون من قبل أن يُولد العلمُ التَّجريبي، ولا يمكن لعاقل أن يقول بأنَّ إيمانهم كان مجرد تقليد أعمى دون برهان من العقل والمنطق!
(13) - أيها القارئ العزيز؛ ضع في حسبانك أنَّ فهم موقفنا - الذي سيأتي ضمن مباحث هذا الكتاب - من أثر الثورات في صناعة الإلحاد منوط بإدراك الحقائق التاريخية المتعلقة بأمارات المصاهرة بين الإلحاد والثَّورات، فقد تبدى الإلحاد بعد الثورة الفرنسية للعيان بشكل صارخ أكثر من ذي قبل - على الأقل في حيزه المكاني والزماني الواقع فيه - فساح السَّيلُ وانكسر السَّدُّ؛ فطم الطُّوفان وتقريرنا لهذا الأمر بكل وضوح لا يعني أنَّنا نقول في الثورات كما قال بعض الباحثين؛ حيث إنهم حملوها نصيبًا لا تحتمله في انتشار الإلحاد وذيوعه، نعم؛ قد تكون الثَّورات دافعًا مُظهرًا للإلحاد لكنها ليست سببًا في وجوده وتكوينه، وهي قد تكون دافعًا له في رقعةٍ معينةٍ في مدَّةٍ من التاريخ محدَّدة، وبالمثل قد لا تكون كذلك في رقعة أخرى وفي زمن آخر مختلف؛ ونزيد الأمر وضوحًا ونقول: كون الإلحاد شهد حالةً من الازدياد عقب الثَّورة الفرنسيَّة هذا لا يعني أنَّه أصبح لازمًا من لوازم كل ثورة، فالثورات تنطلق معبرةً عن روح المجتمع، ضاربةً بيد الجماعة الصَّلْداء في وجه غطرسة المستبدين، وفسادهم بعد انسداد 1 - يُنظر: جاكلين روس، مغامرة العقل الأوروبي، ص 91.
17 (1/17)
صفحة 18
مناجزة الإلحاد
الأفق، واحلولاك المكان، وتسمم الأجواء، وانعدام أكسجين الأمل من أي مخرج عدا مخرج التّوران؛ لذا فلقيامها أسباب اجتماعية وسياسية واقتصاديَّة تُلقي بثقلها على كاهل المجتمع. ولقد أصاب غوستاف لوبون المحزّ عندما قال وهو يتحدَّثُ عن نتائج الثَّورات الدينية: "لم تكن الثورات الدينيَّة كلها سيئة مثل ثورة الإصلاح الديني - يعني به ثورة الإصلاح الديني في أوروبا - بل كان تأثير الكثير منها في تقويم الناس وتهذيب نفوسهم عظيمًا جدا. فهي بمنحها الشَّعبَ وَحدَةً أدبيَّةً تزيد قوته الماديَّةَ كثيرًا، وقد شُوهِد ذلك لمَّا حوّل محمد - بما جاء به من الإيمان - قبائل العرب الضعيفة إلى أمَّةٍ عزيزة). ونودُّ الإشارة - هنا - إلى أنَّ الموقف الناظر إلى الثَّورات بعين الريبة - فيما يخص علاقتها بذيوع الإلحاد وشيوعه - يجد موقفًا مغايرا له على طرف نقيض كما نجد ذلك جليًّا في كتاب الإسلام) بين الشرق والغرب) للمفكر البوسني علي عزت بيجوفيتش، ففي هذا الرأي نجد الإيمان سمةً من السمات المهمة في أي ثورة حقيقة؛ وما ذاك إلا لأنَّ التَّضحية والرغبة العارمة في بذل النفس والنفيس وتقديم المهج كلها مشاعر تنزع عن أصل ديني. وبعد الذي مرَّ فإنَّ رأينا في القضيَّة المثارة أعلاه هو التوسط؛ فاحتواء الثورات على بعض السمات التي يُحرّض عليها الدين لا يعني أنها أصبحت ثورةً تصطبغ بصبغة الدين أو أنَّها صارت قرينةً للدين؛ وبالمقابل لا يمكننا جعل كل ثورة سببًا في نشر الإلحاد ومعاداة القيم الدينية، وما حال الإلحاد مع الثورات إلا كحال ذاك القابع في بقعة ما أرخى عليها الظلام سدوله، وكر عليها السواد بخميسه اللجبِ العَرَمْرَم فأحاط بالقابع فيها إحاطة السوار بالمعصم حتى إذا سَلَّط عليها الضَّوء الكاشف بانت له حقيقة ما حوله، فإذا به يجد نفسه محاطًا بالشوك وحطام الزُّجاج المتناثر، وهنا - قطعًا - ليس من الحكمة أن يُنسب إلى الضوء سبب ما حوله وأنه نثر الشوك وملأ أرجاء المكان بالحطام! وهكذا حال الثّورة مع الإلحاد فهي كاشفة لأوضاع المجتمعات بما فيها من جمال أو قبح مستتر تحت ركام الأحوال المختلفة حتَّى إذا ما عمت الثورة تكشف الصبح لذي عينين؛ وذلك نظرًا لما تدعو إليه الثَّورات - عادةً - من تعزيز قيم
الحرية والأمان وكبح الاضطهاد والاستبداد.
1 - غوستاف لوبون، روح الثورات، ص 38.
18 (1/18)
صفحة 19
ملحوظات استباقية
أنه
(14) - فيما يخص (دوافع الإلحاد وبواعثه) - وهو المبحث الخامس من مباحث هذا الكتاب - نزعم بأنَّ أفضل الطرق وأكثرها دقَّةً في معرفة الدَّوافع الحقيقية للإلحاد هي عبر مكاشفة الأشخاص الذين ألحدوا ثم رجعوا إلى الفطرة، بينما مكاشفة الملحد في حال إلحاده لن تُوصلك إلا إلى معرفة الدوافع المعرفية فقط، وكأنها هي علَّة العِلل وسبب الأسباب، مع لربما كانت هذه الدوافع المعرفية متأخرةً في الحقيقة مقارنةً بالدوافع الأخرى ... !! نُحيل على سبيل المثال إلى الحلقة السابعة والعشرين من برنامج (بالقرآن اهتديت)، حيث أُجري لقاء أحد أولئك الملحدين العائدين إلى الفطرة، ويمكن أن نستخلص ذلك أيضا من سير جملة مع ممَّن رانت عليهم غشاوة الإلحاد حينا من الزَّمن ثمَّ مَنَّ الله عليهم بإجلائها وإزاحتها، نجدها في مؤلفاتهم أو الحوارات التي أجروها كعلي عزت بيجوفيتش، وعبدالوهاب المسيري، وجيفري لانج، وبول فيتز، وغيرهم ...
(15) - حاولنا قدر المستطاع أن نوثق كل الاقتباسات والمنقولات؛ ولهذا سيجد القارئ الكريم كثرةً كاثرةً من المصادر والمراجع؛ وعُذرنا في ذلك هو الأمانة العلمية، ورغبتنا في أن يرجع القارئ إلى تلك المصادر والمراجع بكل سهولة ودون أن يتكبد عناء البحث والتفتيش. (16) - لا تخفي القارئ الكريم سرًّا أَنَّنا في بعض الأحيان قد نصل إلى قناعة أو فكرة ما فنطرزها في كتابنا ثمَّ نجد لاحقًا من قد سبقنا إلى تقريرها؛ أي إنَّنا قلناها نظرًا ثم وقعنا عليها - من بعد - أثرًا؛ عندها نعود إلى الفكرة في موضعها من كتابنا فنشير إلى من سبقنا في تقريرها؛ كلُّ ذلك حرصا منا على إسناد هذه القناعة أو تلك الفكرة إلى من سبق إليها مع أنَّ الأمر هو كما أشرنا إليه. (17) - إنَّ الله غني عن العالمين على أي حال كان عليه النَّاس في مذاهبهم واتجاهاتهم، آمَنَ مَنْ آمَن وَكَفَرَ مَنْ كَفَر، فإيمانُ المؤمِن لن يزيد في ملكِ الله شيئًا، وكفرُ الكافر لن ينقص من ملكه شيئًا، يقول الحق: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
(فاطر: 15).
19 (1/19)
صفحة 20
[صفحة فارغة] (1/20)
صفحة 21
المبحث الأول:
ما هو الإلحاد؟ (1/21)
صفحة 22
" الإلحاد هو مرض العقل الذي ينتج عن
تناول الفلسفة نصف الناضجة“.
(أوستن أومالي)
إذا لم يكن هنالك إله، فلن يكون
هنالك أي من الملحدين“.
(غلبرت تيشسترتون
"الإلحادُ إيمان غيبيٌّ بأنَّ الكونَ جاءَ من (لا شيء)، بواسطة (لا شيء)، من أجل (لا شيء)،
فـ (اللاشيء) من أجل (اللاشيء) أوجد (الشَّيء).
(مجهول) (1/22)
صفحة 23
مَنْ أَنْتَ أيّها الإلحاد؟ أَوْ بِالأحْرَى مَا أَنتَ؟
يبدو
أَنَّكَ دين جديد!! (1/23)
صفحة 24
مناجزة الإلحاد
مَا هُوَ الإِلْحَادٌ؟
إنَّ محاولة وضع تعريف جامع مانع لمذهب ما أو اتجاه فكري معين ليست بتلك اللدونة والسُّهولة التي قد يتخيلها بعضنا لأول وهلة، وتزداد فرصة قنص صفة (الجامع المانع) تأتيا ونفورًا عند محاولة وضع حدّ لاتجاه من خصائصِهِ الفاقعة التلونُ الحرباوي المستمر، والانسلاخ الجلدي الدائم. فهو لا يثبت على حال، ولا يستقر على قرار، وهذا ما يمكن لحظه بكل جلاء ووضوح لمن قرأ يومًا فيما يُعرف بـ (الإلحاد)!
ومن أجل ذلك لم يجتمع قول في (ماهيَّة) الإلحاد عدا تعميمات شاردة من هنا ومن هناك ليست بالجامعة ولا المانعة، فكان حاصل الأمر فى بيان (ماهيته) أن استل بعضُ الكتاب فيه مظهرًا من مظاهره وغلبه على ما عداه من المظاهر الأخرى.
هذا هو واقع الحال ونحن نتأهب لتعريف الإلحاد فتعريفه يبتدئ من الجذر الأولي للكلمة - لحد أو ألحد () - ليأخذ بعد ذلك منحى تصاعديًّا مُتشعِبًا، ومنه كانت التعريفات المتداولة لمفهوم الإلحاد متعددةً متباينة مقيَّدةً مطلقة؛ وهذا راجع إلى الزاوية التي ينظر منها كلُّ كاتب إلى هذا المفهوم وما يندرج تحته من أجزاء يراها منضويةً تحت رايته، في حين أنَّ كاتبًا آخر لا يراها بتلك الصُّورة، ولا ينظر إليها من تلك الزَّاوية، مع عدم إغفالنا - إضافةً إلى ما سلف - تداخل المفاهيم والمصطلحات القادمة من الثقافات المختلفة عبر الترجمات والإسقاطات المتباينة.
فنرى إذن؛ أن تختزل (ماهيَّة) الإلحاد وتُحاصر حسَبَ أُطرها الزمنية المختلفة، ثُمَّ تُبحث مظاهرها وتقولب في قوالب متمايزة متزايلة، وما ذاك إلا لأنَّ الإلحاد من زمن إلى آخر قد لا يشترك في الأصل الواحد، فلو افترضنا - مثلا - أنَّ حدَّ الإلحاد هو (إنكار وجود الله)؛ لكان هناك مدخل إلى نقد شمولية هذا الحد لمن درسه بتأنٍ وتؤدة؛ فهذا ما لا يشمل بعض الاتجاهات الإلحادية كـ (اللاأدرية) (2) مثلاً؛ إذ إنَّها لا تُنكر وجود الله، بل تقف بين النفي والإثبات محاولةً
1 - يُراجع: ابن منظور، لسان العرب، (12/ 177).
2 - سيأتي الحديث عنها مُفصَّلًا في مبحث (الإلحاد: طرائق وحزائق).
24 (1/24)
صفحة 25
المبحث الأول: ما هو الإلحاد؟
الله
إمساك العصا من المنتصف في حالة حرباوية لا تنطلي على ذهن؛ وهو - أيضًا - لا يشمل أولئك الملاحدة المعتقدين بـ (عدم أهمية المسألة)؛ أي مسألة وجود عدمه. فأصحاب من هذه الطريقة في التفكير لا ينفون وجود الله، بل يدعون عدم أهمية القضية برمتها؛ ووجود الإله
من عدمه - بحسب زعمهم - لا يدخل في نطاق اهتماماتهم، في حالة سافرة من عدم المبالاة والاهتمام وقد أحسن الكاتب الأمريكي الشهير إيرك هوفر الوصف حينما قال: "مقابل المتدين المتعصّب ليس غير الديني المتعصّب بل الساخر الوديع الذي لا يعنيه أن يُوجَد ربُّ أو أَلَّا
يُوجد!! ولعل المدرسة الشكوكيَّة) هي أقرب مدرسة تزعمت هذا النمط من التفكير.
ولا يفوتنا التَّنبيه على أنَّ (حد) الإلحاد يختلف توصيفه تبعًا لاختلاف الخلفية العقدية لواضع الحد، فالمسلم سيضع حده بناءً على خلفيَّته العقدية التي تختلف - لا شك ولا ريب - عن الخلفية العقدية لليهودي والنصراني وهكذا ... ولما أسلفنا
من الأسباب - وغيرها - آثرنا الابتعاد عن الطَّواف حول الألفاظ وجذورها، وانتخلنا التركيز في مسارات الماهية والمعاني الثَّاوية الحاوية، بل نرى أنَّ الدقة والموضوعية تقتضيان - عند سكّ أي تعريف للإلحاد - أن يُحدّد أولا نوعُ الإلحاد المبتغى دراسته، ثمَّ الشروع في وضع تعريف مناسب له.
ولمزيد بيان وإيضاح للفكرة أعلاه قمنا بتحديد أبرز العوامل التي تعيق التَّحرُّك نحو سك تعريف اصطلاحي دقيق للإلحاد:
- عدم وجود أصول مشتركة ومحدَّدةٍ تجمع مدارس الإلحاد المتنافرة.
- رفض فرقاء الإلحاد الاعتراف بنظام عقدي يُمثلهم، وبه تُمكن محاكمتهم. - اختلافُ توصيف الإلحاد؛ تبعًا لاختلاف عقيدة الكاتب فيه.
- اختلافُ الدوافع والبواعث التي من أجلها قام الإلحاد.
- تعدد أنواع الإلحاد تعدُّدًا يصل إلى حد التصادم والاشتباك واللدد.
إنَّ الإلحاد بمعناه اللغوي موجود ومستخدم في لغة العرب من قبل نزول القرآن الكريم،
1 - مدرسة تدعو إلى السلبية والتهرب وعدم الاكتراث، ولا يعنيها في شيءٍ أن تسبر غور الطبيعة للتعرف على أسرارها، وهي فلسفة تُوجب على معتنقيها إرجاء إطلاق أحكامهم في أثناء تقصيهم لأمر معين، وأنَّ الأمر يقتضي الوقوف والامتناع عن أي عمل، ومن ثُمَّ على المرء أن يعيش في هدوء وطمأنينة متحررًا من كل وهم!
25 (1/25)
صفحة 26
مناجزة الإلحاد
شيشرون
إلا أنَّ
حصر معناه في زاوية من زوايا الميل والانحراف المتعددة كان صنعة اصطنعها قدماء الإغريق، فهم أوَّلُ من استخدم كلمة (أثيوس) ويقابلها (الإلحاد) في اللغة العربية، وقصدوا بها في بعض الأحيان: (عدم الإيمان بإله) (). وفي بعض الأحيان: (معاداة الدين السائد)، أي إنَّ المصطلح في اللغة العربية يسقط على مطلق الميل والانحراف، بينما هو محصور عند الإغريق في زاوية ضيقة. ويُذكر أنَّ الخطيب الروماني الشهير
شيشرون (Cicero)) قد أقدم في مناظراته مع المسيحيين الأوائل على إطلاق كلمة الإلحاد (Atheos) عليهم، وبعد ذلك تبادَلَ الطَّرفان هذا الإطلاق فيما بينهم. وقد شاع في العصر الحديث استخدام مصطلح (الإلحاد) بالمعنى الإغريقي الضَّيق، ويُشير القاموس التاريخي للغة الفرنسيَّة إلى أنَّ كلمة (ملحد) ظهرت في اللغة الفرنسيَّة في القرن السادس عشر مأخوذةً من الكلمة اليونانية (أثيوس)، وهي كلمةٌ موجودة في اللاتينية منذ القرن الميلادي الثاني تقريبًا، واستقر المعنى عليها منذ القرن الرابع الميلادي (3). وعلى الرغم من أنَّ (المادية) فلسفةٌ تَجمع مدارس الإلحاد المختلفة، لكنَّها نفسها ليست محلَّ انسجام واتفاق إلا من حيث الأصل ومن حيث التنظير العام ... وسياقات الإلحاد تُفرز لنا مظاهر كثيرة عبر الزمان والمكان، فمظاهرُ إنكار وجود الله، أو التلكؤ والارتياب وعدم الجزم بوجوده أو عدم الاهتمام بوجوده، وكذا إنكار ربوبيته وخالقيَّته، أو إنكار حقيقة الدين، هذه المظاهر كلها هي أبرز المعاني التاوية والمتأصلة في (ماهية) الإلحاد باختلاف اتجاهاته، أما قصرُ النَّظر على جزئية من جزئيات هذه المعاني أو حرفُ مسارها بالتَّأويل أو التَّعليل فهذا مما يدخل في نطاق (ماهية الملحد)، ولا يدخل في نطاقات (ماهية الإلحاد). وسبب تفريقنا بين (ماهيَّة (الملحد) و (ماهية الإلحاد) يكمن في اختلاف المعايير التي يُعتد بها في إثبات إلحاد الملحد من عدمه، فإلصاق تهمة الإلحاد بشخص من الأشخاص لا يعني مباشرةً أنَّ ماهية الإلحاد قد تحققت فيه، أو قد استوفت جميع متطلباتها وعلى كل حال فإنَّ ماهية الملحد قد تكون مجرَّدةً تجريدًا لغويًّا بحثا؛ أي إنَّ
1 - فكلمة (ثيوس) تعني الإله وكلمة (آتيوس) تعني النفي؛ أي لا إله.
2 - اسمه الحقيقي: ماركوس توليوس وشيشرون مجرَّد تعريب لصيغة اسمه بالإيطالية (106) - 43 ق. م) وهو خطيب وسياسي وأديب روماني كبير، من أشهر كُتُبه: (الجمهورية)، و (عن غايات الأخيار والأشرار). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). - يُنظر: زينب عبد العزيز، الإلحاد وأسبابه، ص 8.
26 (1/26)
صفحة 27
المبحث الأول: ما هو الإلحاد؟
مجرد "الميل عن شرع الله والحيدة عنه (1) كافٍ لوصم صاحبه بالإلحاد عند بعضهم، ولا علاقة لهذا بالإلحاد الاصطلاحي أو بمعانيه الثَّاوية ومظاهره الجوهرية. ومن هنا آثرنا التفصيل بين (الماهيتين) تحرُّزًا مما وقع فيه بعض الكتاب من الخلط وعدم الدقة، فهناك عموم وخصوص بين الإلحاد والملحد، وفي كثير من الأحيان تكون الإسقاطات مفارقةً للحقيقة ومجافية للواقع. وبالإمكان تحديد المعالم الفكريَّة للإلحاد المعاصر وأهم ما يتبناه من أفكار؛ نذكرها كالآتي: (1) - التخلي المطلق عن مفهوم الإله والخالق أو عدم الاهتمام به.
(2) - إرجاع كل شيءٍ إلى القوانين الطبيعية المادية التي تخضع للحظ والتجريب، وإنكار
ما عداها.
(3) - الأخذ بقانون بقاء المادة والطاقة وتطبيقه فلسفيا على كل شيء.
(4) - الإيمان بفلسفة النشوء والارتقاء ومحاولة تطبيقها على كل مجالات الحياة. (5) - الإيمان بقدرة العِلم التَّجريبي وحده على معرفة كل ما نجهله عن الموجودات. (6) - الإيمان بعدم غائيَّة الموجودات (الصدفة والعشوائية).
(7) - الاعتراض على البديهيات العقلية والمعارف الأوَّليَّة إن كانت لا تتوافق مع مبدأ من مبادئهم.
(8) - الاعتقاد بعدم الحاجة إلى وجود الأديان، بل الاعتقاد بأنَّ الأديان هي أصل الشرور. (9) - إنكار الغيبيات التي جاءت بها الأديانُ كالرُّوح والملائكة والشَّياطين والمعجزات والمعاد. (10) - الزعم بأنَّ العِلم التَّجريبي قضى على الأديان، وأنهما لا يلتقيان.
(11) - الدعوة إلى الحريَّة الشَّخصيَّة المطلقة.
(12) - الاعتقاد بنسبيَّة الأخلاق، وأنَّ مصدرها بشري.
(13) - الانتقاص من الأديان والاستهزاء بمقدساتها؛ مما يعني تنامي موجة (محاربة الأديان).
(14) - التفاخر والتباهي بالإلحاد، وإضفاء طابع العلميَّةِ والعقلانية والتَّقدمِ والتَّنور عليه.
1 - ابن منظور، لسان العرب، (177/ 12).
27 (1/27)
صفحة 28
مناجزة الإلحاد
هذا؛ ويمكننا القول: إنَّ توصيفات (ماهيَّة (الإلحاد في الكتابات المتقدمة تم استلالها من الجذر اللغوي واللفظ المعجمي؛ أي القول بالميل عن الحق والقصد)، وعند البحث في تحديد ماهية الإلحاد في الكتابات المعاصرة وجدناها مُعلَّبةً ومحدَّدةً بعباراتٍ من قبيل:
(1) - (إنكار وجود الله) (2).
(2) - (الكفر الذي يُقابل الإيمان) (3).
(3) - (أزليَّة المادة، أو وجود الكون بلا خالق) (4).
(4) - (عدم الإيمان بالله أو بالآلهة) (ه).
(5) - (إنكار المعلوم من الدين بالضرورة) (7).
(6) - (إنكار أي قوة إلهيَّةٍ بمعنى الديانات السائدة) ().
(7) - (رفض الاهتداء بهدى الله) (8).
(8) - (الميل عن الحق والانحراف عنه بشتى الاعتقادات، والتأويل الفاسد) (1).
(9) - (إنكار وجود الله أو بعض صفاته) (1).
(10) - (إنكار وجود الله لا بعض صفاته)).
1 - يُنظر: هود الهواري، تفسير كتاب الله العزيز، (60/ 2). والطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، (8/ 349). 2 - يُنظر: موسوعة لالاند الفلسفية، (101). وعبد الرحمن الميداني، كواشف زيوف، ص (433). وصالح سندي، الإلحاد وسائله وخطره، ص (12). ومصطفى حسيبة، المعجم الفلسفي، ص (84). وعمرو شريف خرافة الإلحاد، ص (11). وجلال الدين سعيد، المصطلحات والشواهد الفلسفية، ص 51.
معجم
- يُنظر: محمود عبدالحكيم جهود المفكرين المسلمين، ص (24). وعبدالرحمن عبدالخالق، الإلحاد أسباب هذه الظاهرة،
ص (2).
- محمد قطب مذاهب فكرية معاصرة، ص 605.
ه - التعريف لجوليان باجيني. ينظر: عدنان إبراهيم، مطرقة البرهان، ص 28).
6 - يحيى هاشم فرغل الفكر المعاصر في ضوء العقيدة الإسلامية، ص 16. 7 - حلمي القمص يعقوب، رحلة إلى قلب الإلحاد، (1/ 15).
- صالح إسحاق الإلحاد وآثاره في الحياة الأوروبية الحديثة، ص 13. 9 - سعيد القحطاني، كيفية دعوة الملحدين، ص 7.
10 - فوز كردي، المذاهب الفلسفية الإلحادية، ص 10.
11 - جميل صليبيا، المعجم الفلسفي، ص 120.
28 (1/28)
صفحة 29
المبحث الأول: ما هو الإلحاد؟
(11) - (ليس إنكار وجود الله وإنَّما الاعتراض على وجوده).
(12) - (إنكار مصداقية النُّصوص الدينية) (3).
(13) - (الاحتجاج على غياب الألوهية وعدم تمكين الإنسان) (3).
(14) - (نهج في التفكير يرفض الاعتقاد بما وراء الطبيعة) ().
(15) - (الجحود بالله وعدم الإيمان بالخلود والإرادة الحُرَّة) (5).
(16) - (الإيمان بأنَّ سبب الكون يتضمنه الكون في ذاته وأنه لا شيء وراء العالم)). (17) - (كل فعل أو قول يُصر عليه صاحبه ضد الدين)).
(18) - (إنكار التصور السَّائد عن الألوهيَّة) (8).
وتفرق الموسوعة الفرنسية بين من أنكر وجود الله تعالى بعد حصوله على كل التعاليم التي يُمكن للدين أن يمده بها عن وجود الله، ومن لم يتحصل عليها، فعدت الأوَّلَ ملحدًا دون الآخر). ومن الأخبار الطريفة أنَّ الملاحدة في أحد مؤتمراتهم بهولندا - وقد كان المؤتمر معقودًا على أمل الخروج ببطاقة تعريف للإلحاد - خرجوا منه صفر اليدين ولم يظفروا فيه بناطل؛ إذ لم يجدوا تعريفًا محكما له، وقد تقرر لديهم - في اجتماعهم هذا - أنَّ الإلحاد لا يعني عدم الإيمان بإله أو بقوة خارقة ميتافيزيقية أو بموجدٍ للكون، بل يعني عدم الإيمان بالأديان والعبادات والطقوس والشعائر الطوطمية!
ويرفض بعضُ الملحدين كل هذه التعريفات والتوصيفات فيرون بأنَّ الإلحاد ليس سوى موقف تجاه الفرضيات العلميَّة التي تُفسّر الكونَ والحياة، وأنَّ الأديان يتمُّ التَّعامل معها على أنَّها مجرد فرضيَّاتٍ خاطئة تُفسّر الكونَ والحياة؛ مما يعني أنَّ الإلحاد موقف مناهض لتلك
1 - هيثم طلعت، كهنة الإلحاد الجديد، ص 139.
2 - التعريف لأدمون أورتيجس. (يُنظر: زينب عبد العزيز، الإلحاد وأسبابه، ص 8).
- يُنظر: علي عزت بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ص (42 - 43). 4 - مشير باسيل عون، نظرات في الفكر الإلحادي الحديث، ص 93.
ه - التعريف للفيلسوف لودفيغ بوخنز (يُنظر: إسماعيل أدهم، لماذا أنا ملحد، ص 8). 6 - التعريف للمليحد إسماعيل أدهم. (ينظر: المرجع السابق، ص 8).
7 - هاني يحيى نصري، نقض الإلحاد، ص 189.
ا
- يُنظر: الموسوعة الفلسفية العربية (86/ 1). ويُنظر كذلك: جيمس كولنز، الله في الفلسفة الحديثة، ص 336.
9 - يُنظر: زينب عبد العزيز، الإلحاد وأسبابه، ص 7.
29 (1/29)
صفحة 30
مناجزة الإلحاد
الفرضيات. وهذا التوصيف في الحقيقة مجرَّد تلميع وتنميق لمفهوم الإلحاد، وليس توصيفا دقيقا له، أو بالأحرى هو توصيف لمفهوم العِلم التَّجريبي وآلية سير عمله، وليس تعريفا للإلحاد نفسه ويتضح من خلال أمثال هذه المحاولات ما قرَّرناه - سلفًا - من أنَّ الإلحاد مفهوم لا يمكن تعريفه إلا من خلال دراسة أهم ظواهره وأبرز سماته حاله كحال بقية المفاهيم الكبرى. يعترف أندريه لالاند في موسوعته الفلسفية بعدم إمكان تعريف الإلحاد إلا بالاحتكام إلى سلطة اللفظ؛ لأنَّ مضمون الإلحاد يتباين حسب ترابطه بمختلف التصورات الممكنة لله، ويرى الفيلسوف الفرنسي جون لاشلييه أنَّ المضمون الفلسفي لكلمة (الإلحاد) لا يتباين، بل ما يتباين هو الاستعمال التَّشويهي لها. ويُقرر بعضُ الباحثين بأنَّ لكلمة (الإلحاد) شقين: نظري وعملي. فالشق النظري يتجسَّد في أولئك الذين لا يشعرون بالحاجة إلى التمادي في طريق السببية، والذين لا يألفون التفاسير الاسترجاعيَّة إلا قليلا. بينما يتجسد الشق العملي في أولئك الذين يعيشون كما لو أنَّ الله لم يُوجَد. وفي السياق ذاته يؤكد أستاذ الفلسفة جيمس كولينز) بأنَّ الإلحاد من أكثر المصطلحات إفلانًا من التَّعريف؛ باعتبار دلالته النسبية). وقد أشار أيضًا دليل كامبردج (Cambridge) إلى أنَّ تعريف الإلحاد أمر مستصعب لا تنحلُّ أَرْبَتُه؛ لأنَّ الإلحاد قد تطوّر عبر العصور مواكبةً لتطور مفهوم (الإله) وما يُصاحبه من تصورات (3). كما أكدت الموسوعة الفلسفية العربيَّة أنَّ الإلحاد من أشد المفاهيم صعوبة؛ للاعتبارات نفسها التي أشار إليها أندريه لالاند ودليل كامبردج). وتجدر الإشارة إلى أنَّ العلاقة بين الإلحاد اللغوي والإلحاد الاصطلاحي هي مطلق الميل عن الحق وليس الميل عن الدين وحده فحسب؛ ذلك لأنَّ الميل عن الدين قد لا يتضمن إنكار الوجود الإلهي، فالإنسان قد يميل عن الدين دون أن يُنكر وجود الله، وقد يميل عن الدين دون أن يُنكر حقيقة الدين نفسها، بينما الميل عن الحق يتضمن الإنكار وغيره، فكلُّ مَن أنكر الدين أو وجود الله فقد مالَ عن الحق، لكن ليس كلُّ من مالَ عن الحق فقد أنكر الدين أو وجود الله. إذن؛ ما يُمكن أن يُقال بهذا الصدد هو أنَّ الإلحاد أصبح في الاستعمال الاصطلاحي الشائع
1 - يُنظر: موسوعة لالاند الفلسفية (1/ 107).
2 - يُنظر: جيمس كولينز، الله في الفلسفة الحديثة، ص 336. - يُنظر: باور أحمد حاجي، وهم الإله، ص 11.
4 - يُنظر: الموسوعة الفلسفية العربية، (1/ 87).
30 (1/30)
صفحة 31
المبحث الأول: ما هو الإلحاد؟
يُطلق على من أنكر وجود الله أو بمعنى أدق أصبح يُطلق على من آمن بعدم وجود الله. وهذا هو المتبادر إلى الذهن - حاليا - عند إطلاق مصطلح (الإلحاد)، بخلاف ما كانت عليه الحال في الماضي، أمَّا الإلحادُ كحُكم وتوصيف فهو يشمل إلى جانب ذلك (اللاأدرية) و (اللادينيَّة) و (الربوبيَّة)، فهذه الطرائق والحزائق من حيث الحكم والتوصيف (إلحاديَّة) وإن كانت من حيث الاصطلاح الشائع تَتَجَلبَبُ بهذه التسميات المستقلة وتتلفّعُ بها، وهذا - بدوره - يقدح زناد
أذهاننا للتفريق بين الإلحاد كتوصيف وحكم والإلحاد كمصطلح مخصوص شاع استعماله. ومما ينبغي إدراكه كذلك هو أنَّ الإلحاد تيار فكري ومذهب فلسفي، وهو - كما نراه - عقيدة من العقائد المطروحة على الساحة، فأما بخصوص قولنا بأنَّه تيار فكري ومذهب فلسفي فإنَّ هذا يقودنا لزاما إلى النظر في الأسس والأصول العامة التي قام عليها هذا التيار الفكري، وعدم الاكتفاء بنبش اللفظ وقالبه المعجمي، فاستجلاء الأسس العامة والقواطع البارزة - لأي تيار أو مذهب - عمليَّةٌ أكبر من مجرد الانكباب على تسميته أو تتبع جذرها اللغوي، وأما بخصوص قولنا بأنَّه عقيدة، فلأنَّ الملاحدة المعاصرين قد وضعوا له أصولا وأركانا لاحت لهم فيها غُرَّة اليقين، وانحسر عنها لثام شكّهم، فتراهم يُنافحون عنها ويُذودون عن حياضها، ويتخَطَّون من أجلها رقاب الموانع، ويركبون من أجل سوادِ عيونها المراقي الصعاب، بل تجدهم يُسفّهون من لم يلحق بركبهم، ناهيك عن أنَّهم لا يدَّخرون جهدًا في نشر عقيدتهم هذه!
لقد
سبق
أن
اعترض علينا أحد الملاحدة في قضيَّة (نشر الإلحاد والترويج له) جازمًا بأنَّ الملاحدة لا ينشرون إلحادهم كما يفعل المسلمون ذلك بالدعوة، والمسيحيون بالتبشير والتنصير، وإنَّما هم فقط يعرضون الحقيقة التي كانوا سباقين إليها، فحازوا ناصيتها، وامتلكوا أزمة قيادها، وكأنَّ الحقيقة حمى لم يطأه سواهم فقلنا له: وما الفرق بين النشر والعرض؟! أليس النشر والعرضُ وجهين لعملة واحدة؟! بل إنَّ هناك إصداراتٍ - مكتوبة ومرئية ومسموعة - تخص الأطفال؛ لتغرس فيهم المفاهيم والنزعات الإلحادية ونحن نرى حرصًا إلحاديا منقطع النظير على نشر الفكر الإلحادي بلغ درجة عالية تم فيها الاستعانة باللوحات الإعلانية! وليس ببعيد عنا تلك الحملة الإعلانية التي يخوضها ريتشارد دوكنز لزيادة الوعي العام بوجود الإلحاد والترويج له، بل إنَّ هناك جمعيَّاتٍ إلحاديَّة أرهفت غرار عزمها لنشر الإلحاد، وركبت سجيحة رأسها مروّجةً له لا عارضةً فحسب، ومن بين تلك الجمعيات:
31 (1/31)
صفحة 32
مناجزة الإلحاد
- (جمعية نشر الإلحاد التي أسسها إسماعيل أدهم سابقا.
- (جمعية نشر الإلحاد الأمريكية) التي أنشأها تشارلز سميث.
- (جمعية النشر (الإلحاديَّة بقيادة القسيس السابق جوزيف مارك). - (جمعية أعمال الملحد) بقيادة مجموعة من طلاب جامعة تكساس الأمريكية.
الاتحاد العالمي للملاحدة) (2).
1 - كان خطيبًا دينيًا لكن الكنيسة طردته وشنَّعت عليه قوله بـ بشريَّة المسيح)، فما كان منه إلا الفرار إلى الإلحاد كردة فعل مباشرة!! 2 - بل إنَّ الترويج للإلحاد خطا خُطواتٍ مثيرة للشفقة، فقد اطلعنا على موضوع كتبه أحد الملحدين يحضُّ فيه على الإلحاد ويدعو إليه، وكتب لموضوعه هذا عنوانًا، مضحكا، وهو: اترك الإسلام في دقيقة، ذكر فيه قضيَّته الكبرى التي من أجلها ترك الإسلام واتَّخذ من الإلحاد شرعةً ومنهاجا، فقال ما معناه: إذا كان الله قد سخَّر الأنعام للنَّاس، فلماذا تُحاول هذه الأنعام الهروب في وقت الذَّكاة؟! إما لأنَّها تمردت على الخالق، وإما أنَّ الخالق غير موجود أصلا، فلأنها لا يُمكن أن تتمرد على الخالق؛ فالخالق إذن غير موجود ثمَّ يُخبرنا هذا الملحد بأنه قد ترك الإسلام بناءً على هذه المعضلة المنطقية العويصة المُضَلّعة الموتغة!! ولك أن تشاهد عناوين ترويجيَّةً مشابهةً لهذا تملأ صفحات الشَّبكة العنكبوتية، كـ (الإلحاد هو الحل)، و (الإلحاد هو الحق)، و (لماذا
أصبحت ملحدًا)، و (من أسباب إلحادي)، و (الجهر بالإلحاد)، و (كيف تُصبح ملحدًا في دقائق)، وغيرها الكثير!!
32 (1/32)
صفحة 33
المبحث الأول: ما هو الإلحاد؟
ويُثار - هاهنا - سؤال:
أليس الإلحاد دينًا؟
نبدأ بنظرة خاطفةٍ عن مصطلح (الدين) وما يحمله من معنى، وكالعادة فإنَّنا سنبتعد عن الجذر اللغوي واللفظ المعجمي؛ لأنَّ المفاهيم) الرَّئيسة الكبرى لا يُجدي تعريفها تعريفا لغويًّا؛ ولذا يُفضّل توصيف معالمها ومظاهرها مباشرةً، فمحاولة الوصول إلى تعريف جامع مانع في العلوم والمعارف يُعد أمرًا بالغ الصعوبة تتقلَّصُ ظلال مأموله، ومصطلح (الدين) واحد من تلك المفاهيم الكبرى التي يضيق عنها نطاق الطّمع؛ لأنَّه يتطلَّبُ معرفةً تامَّةً وشاملة ودقيقةً لكل الأديان التي تجاوز عددها حاجز (4000) ديانة، وهذا بلا ريب بعيد المنال، وتفتر من دونه ركائب العزم؛ ومن أجل هذا لم يُوجَد إلى اليوم تعريف متفق عليه لكلمة (الدين). فالدين مرادف لما وراء الطبيعة والحس - ميتافيزيقي - كما يرى بعض المختصين، وبهذا المعنى فإنَّ الإلحاد - إلى حدٍ ما وليس على إطلاقه - قد يعد دينًا؛ لأنَّه يتضمن الإيمان بكثير مما هو قابع وراء الحس والعقل، كالإيمان بعدم وجود الله والإيمان بأزلية الكون، والإيمان بالعصا السحرية للصدفة ... إلخ. وقد قرن بعضُهم الدين بضرورة وجود العبادات والشعائر - وللعلم فقد قام فعلا بعض الملاحدة في الغرب باستحداث طقوس وشعائر إلحادية - واشترط بعضهم ضرورة وجود الأمور الخارقة في أي دين، كما اشترط بعضهم تدخُل الأمور الروحية، إلى غير ذلك من الآراء المختلفة والمتباينة، ويُشير بعضُ الكُتاب إلى أنَّ الإلحاد دين متكامل يُعطي رؤية فلسفيَّةً متكاملة للوجود والحياة. والإلحاد كما يقول الملحد الأمريكي ديفيد سلون David Sloan)() يملك كل سمات الدين المتخفي بما في ذلك حالة الاستقطاب التي تُشخّص نظامه العقدي، بالإضافة إلى سُلطة قادته المتعالية على النقد (3)؛ ولذا فهو يصفه بـ (الدين المتخفي).
1 - هناك فروقات بين كلّ من المفهوم والتعريف والمصطلح؛ فالمفهوم: فكرةً أو صورة عقلية تتكون من خلال الخبرات المتتابعة التي يمر بها الفرد. أما المصطلح: فإنَّه يركز على الدَّلالة اللفظية للمفهوم. كما أنَّ المفهوم أسبق من المصطلح، فكل مفهوم مصطلح وليس العكس. وأما التعريف: فهو عبارة عن ذكر شيء تستلزم معرفته معرفة شيء آخر. وينقسم إلى تعريف حقيقي، ويُقصد به أن يكون حقيقة ما وضع اللفظ بإزائه من حيث هي فيعرف بغيرها، وتعريف لفظي، ويُقصد به أن يكون اللفظ واضح الدلالة على المعنى. (يُنظر: أحمد إبراهيم الفروق بين المفهوم والمصطلح والتعريف، شبكة الألوكة، 2/ 3/ 2013 م).
- الأمريكي ديفيد سلون ويلسون من مواليد عام (1949 م) عالم الأحياء التَّطوري، وأستاذ العلوم البيولوجية في جامعة بينغهامتون. 3 - يُنظر: هيثم طلعت العودة إلى الإيمان، ص 14.
33 (1/33)
صفحة 34
مناجزة الإلحاد
ووفق أنساق التصورات الدينيَّة التي وضعها العالم الإسكتلندي الكبير المتخصص في الدراسات الدينية نينيان سمارت Ninian Smart)(1) فإنَّ الإلحاد يشتمل على معظم تلك الأنساق المطلوبة؛ مما يجعله يزاحم الأديان بمناكبه ليحجز له موقعًا استراتيجيًا في مصافّها، فالنسق الحكائي
نينيان سمارت المتمثل في الموقف المُعلَن من قضيَّة أصل الكون والوجود متحقق في الإلحاد، والنسق الاعتقادي المتمثل في فلسفة الوجود وعدم غائيَّته موجود
في الإلحاد كذلك (2). ونحن نلحظ أنَّ الإلحاد يشتمل على جملة من الأمور التي تجعله أكثر من مجرد موقف فلسفي أو مذهب فكري، وبها يسوغ لنا عده دينًا عند سدنته ومفكريه، حاله حال الأديان الأخرى عند متَّبعيها ومعتنقيها، ومن بين هذه الأمور:
(1) - الإلحاد يرتكز على الإيمان بأمور غيبية، كالإيمان بعدم وجود الله، وهذا صريح بأنَّ الإلحاد آمن بأمر غيبي على صعيد النفي، وكذا الإيمان بأمور خارجة عن المشاهدة والتجريب ولا يُمكن إثباتها ماديًا، كالإيمان بأزلية الكون، والإيمان بصواب المنهج المادي، والإيمان بقدرة العلم على
حل كل الأمور العالقة مستقبلًا، أو ما يُسميه فيلسوفُ العلوم كارل بوبر بـ (المادية الوعدية). (2) - الإلحاد إيمان راسخ بأفكارٍ فلسفية وعلمية معيَّنة يُشاكل إيمان أهل الأديان بأفكارهم ويُضاهيه.
(3) - تُبنى على الإلحاد سلوكيات وأخلاقيات وعادات وتترتب عليها تبعات على
الفرد والمجتمع.
(4) - الدفاع المستميت من قبل الملحدين عن مسلكهم الإلحادي، بل وتسفيه مخالفيهم
وقذعهم وإخساسهم.
- (0)
سعي
الملحدين إلى نشر الإلحاد وتوسيع دائرته باستخدام كل الوسائل والأدوات المتاحة، بل إنَّ هناك جوائز عالميَّة تُرصد للمتفوقين في نشر الإلحاد! فقد سبق للملحد جوزيف إيدا مارك أن نال جائزة الإلحاد العالميَّة) في عام (1978 م) كأول آسيوي يحصل له شرفُ
الحصول عليها.
1 - رائد مجال الدراسات الدينية العلمانية (1927 - 2001 م) كان مستشار التحرير في هيئة الإذاعة البريطانية الكبرى، من أشهر مؤلفاته: (فهم الدين)، و (التَّعليم العلماني ومنطق الدين)، و (عبر في حياتي).
2 - يُنظر: 73. william Rowe, The Shorter Routledge Encyclopedia of Philosophy, p
34 (1/34)
صفحة 35
المبحث الأول: ما هو الإلحاد؟
ألان
(6) - اعتراف الملحدين بإلحادِهم في مقابل اعتراف المتدين بدينه؛ أي إنَّ الإلحاد له كينونة دينية في نفس كل ملحد! (7) - ضرورة الإلحاد وحتميَّته حسب ادعائهم في مقابل ضرورة الإيمان عند المؤمنين، ففي الإلحاد خير كثير وحلول لكثير من المشكلات! (8) - استحداث الكنائس والطقوس والشَّعائرِ الإلحاديَّة! يقول الإعلامي أندي بانستر: "تشكلت في إنجلترا قبل بضع سنواتٍ مجموعة من الملحدين، واستولوا على كنيسة مفككة في لندن، وبدأوا فيما يُسمونه بتجمع يوم الأحد (1). وهكذا هو الحال في بعض المدن الكندية والأمريكية! (9) - إقرار بعض الملحدين بأنَّ الإلحاد دين، فقد كتب أحدهم مقالةً عنونها بقوله: (هل الإلحاد دين جديد) (2). كما يصف بعضُ الملاحدة الإلحاد بأنَّه دين العقل)، بل إنَّ الملحد دي بوتون (Alain De Botton)) ألف كتابًا أسماه (الدين للملحدين/ Religion for Atheists) . ولا تغيب عن بالنا كذلك مقولة فيلسوف الإلحاد الألماني فوير باخ: "ينبغي علينا أن نجعل من الإلحاد دينا» (4). (10) - سعي بعض الملاحدة إلى الترويج لما بات يُعرف بالإصدار الثاني للإلحاد Atheism 2,0) حيث يقومون بتصنيع ديانة للإلحاد تشمل كلَّ الأبعاد الطقوسية والشعائرية والاجتماعية، وقد تولى كبر هذه الدعوة الملحد ألان دي بوتون (5). (11) - استخدام الملحدين مصطلح (الإيمان) عندما يتحدَّثون عن الأمور العلمية المادية والطبيعية، كمصطلح يُقابل (الإيمان) عند المتدينين، فهم يعدون إيمان المتدينين إيمانًا خرافيا، بينما يعدُّون إيمانهم هم إيمانًا علميًّا (6)، فالفيلسوف الإنجليزي الملحد جوليان باجيني يقول مثلاً: "ما يؤمن به غالبية الملحدين هو أنه على الرّغم من أنَّ الكون مادي ... ). وقد تفطَّنَ الفيزيائي الملحد لورانس كراوس إلى هذه النقطة، فدعا العلماء إلى عدم استخدام كلمة (إيمان).
1 - برنامج متلفز: https://www.youtube.com/watch?v=ENWttTJM 79 s&feature=youtu.be) . 2 - يُنظر: الحوار المتمدن، العدد: (2682) - (19/ 6 / 2009 م).
- مقدم برامج سويسري من مواليد عام (1969 م)، من أشهر كُتُبه: مقالات في الحب حيث بيع منه أكثر من مليوني نسخة، إضافة إلى كُتُبه (فن السَّفر)، و (الدين للملحدين)، و (كيف تفكر أكثر عن الجنس)، وغيرها.
4 - الموسوعة الفلسفية العربية (90/ 1).
- يُنظر: (0_2_ https://www.ted.com/talks/alain_de_botton_atheism).
6 - يُنظر على سبيل المثال: روبرت ل. بارك، الخرافة: الإيمان في ع عصر العلم، ص 15.
7 - ريتشارد دوكينز، وهم الإله، ص 16.
35 (1/35)
صفحة 36
مناجزة الإلحاد
(12) - تخصيص بعض أيام السنة كأعياد ومناسباتٍ إلحادية، نحو: يوم الإلحاد العالمي، والذي تم تأسيسه في عام (2003 م)، ويوم الزندقة والكفر والتجديف، والذي تم الإعلان عنه في عام (2009 م) ويُحتفل به في الثلاثين من سبتمبر من كل عام.
أما بخصوص انعدام الجانب التَّعبدي في الإلحاد فإنَّه لا يعني الشَّيء الكثير في قضيَّة عدّه دينا من عدمه؛ ذلك لأنَّنا - وبالمقارنة ذاتها - نجد أنَّ له اندياحًا طاغيًا عند معتنقيه على كافة الأصعدة الفكرية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، مع أهميَّة التَّنبيه على أنَّ الإلحاد لا يُعنى بالتحليل والتحريم بالمعنى المتعارف عليه؛ ذلك لأنَّ الدين هاهنا هو دين أرضي ووضع بشري، فلا يلزمه ما يلزم الدين السَّماوي، فهو غير معني به ولا هو واقع تحت اختصاصه، لكنَّه يُعنى بهما من زاوية مختلفة تخص منظوره الفلسفي، كإباحته للشذوذ وزنى المحارم ونحو ذلك!! وعدم وجود بعض القضايا الدينية الرَّئيسة في الإلحاد كالإيمان بإله، أو الإيمان بأنبياء وشخصيَّاتٍ معيَّنة وتقديسهم لها، أو الإيمان بكتب مقدَّسة ... إلخ، كلُّ هذا من باب الفوارق بين الدين والدين الآخر ليس أكثر؛ بل وترى في المقابل وجود مثل هذه القضايا في الإلحاد ولكن بصور مختلفة ومتباينة، فهم يؤمنون بالطَّبيعة والمادة في مقابل الإيمان بالإله، ويعتبرونها مُوجدة الوجود بل وواجبة الوجود وهم يُقدّسون العِلم التَّجريبي وما يخرج من أفواه أعيانه وقُرعانه الملحدين، وإذا كانوا يُخضعون النظريات والحقائق العلمية لمنهج التشكيك ويضعون رجعةٍ لهم فإنَّ رؤيتهم الفلسفية المنبثقة عن بعض النَّظريات والحقائق العلمية أضحت قنطرة لا يُمكن تجاوزها، وكأنها قرآنهم أو توراتهم وإنجيلهم بل وجدنا كتابًا للملحد جون كونر جمع فيه مقولات الإلحاد المُبجّلة والمقدَّسة والتي يتفخفخُ الملاحدة بها دائمًا، وقد أسمى كتابه هذا بـ (الكتاب المقدس للملحدين)!
خطّ
صحيح؛
وأما القول بأنَّ الإلحاد يقوم على النَّفي لا الإثبات مما يعني أنَّه ليس إيمانًا ولا دينًا، فغير لأنَّ الإيمان والدين كذلك يقومان على النَّفي في كثير من الأمور، فتشابه الموقفان من هذه الحيثية، كما أن الإلحاد - أيضًا - يقوم على الإثبات في أمور كثيرة! ووجود الاختلافات بين الملحدين أنفسهم من حيث المذهب الفلسفي الذي يتبنونه، أو التيار الفكري الذي يتَّبعونه، أو النمط السياسي والاجتماعي الذي يسيرون عليه، كلُّ هذه الاختلافات ليست دليلًا على نفي دينونة الإلحاد، فوجود الاختلافات في الدين الواحد لا ينفي عنه حكم الدينونة حتَّى لو اختلفت
36 (1/36)
صفحة 37
المبحث الأول: ما هو الإلحاد؟
الدواعي، ثمَّ إِنَّ الإلحاد أصبح موقفًا جماعيا وعالميًا بعد أن كان موقفا فرديا وشخصيًّا، وإنَّ اعتراف كثير من الملحدين بعدم تقيدهم وفق تصنيفاتٍ محدَّدةٍ أو عدم انضوائهم تحت كياناتٍ مُعيَّنة؛ بحجة أنَّ موقفهم فردي وشخصي ليس بشيء يُلتفت إليه، فواقعهم مغاير لاعترافهم. ويبقى من نافلة القول أن نقول: إنَّ ما هو أقل خطرًا من الإلحاد - كما في الهوى المتبع - قيل في وصفه ما هو أعظمُ من مقولَتِنا فى الإلحاد بعدنا إياه دينًا، فقد أخبرنا الحق - عزو جل - أنَّ الهوى إلة لأولئك الصرعى تحت وقع سنابكه وطحن أخفافه، كما في قول الحق تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (الجاثية: (23). أفلا يحق لنا بعد ذلك أن نقول: إنَّ الإلحاد عند أتباعه - دين معتبر، بل وإله مطاع؟! وقد يتساءل الكثيرون: وما أهميَّةُ العِلم بكون الإلحاد دينا؟!
الأهميَّةُ تكمن في أنَّ الدين يسري في فكر الجميع كسريان الدماء في الأوردة، وأنَّ عيش المرء بدون دين يستروح من شذى عبيره ويستريح تحت في ظلاله محال واقعا، فهذا أمر فطري مغروس في القلوب والألباب؛ ولذلك جاء الإلحاد - الذي يفترض منه رفض فكرة الأديان - بفكرته الشَّاملة لتقوم مقام الدين وعليه؛ فإنَّ إدراكنا بأنَّ الإلحاد يقوم مقام الدين - عند سدنته - قمين بلفت النَّظر إلى قضيَّة الإيمان في الإلحاد - والتي لطالما تبنوا إنكارها علميًّا - حيث إنَّ الإلحاد يقوم على الإيمان بإنكار الغيب (الله) أو الاعتراض عليه، أو التشكيك فيه، وهذه الأمور كلُّها عبارة عن إيمان بجزئيَّة غيبيَّة، فتأكيد أو ترجيح عدم الإيمان بوجود الشيء المبرهن عليه عقليًا ومنطقيًا يستلزم الإيمان بنقيضه وهو تأكيد أو ترجيح الإيمان بعدم وجوده. إنَّ هذا كله ممَّا لا يدخل تحت طائلة فكر الملحد القائم - في إثباته أو نفيه بحسب زعمهم - على البرهنة العلمية على أنَّ مبدأ المسبب الأوَّل) موجود في الإلحاد كما هو موجود عند جميع البشر على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم، غير أنَّ الملحد ينزل دَرَكا بإرجاعِهِ السَّبب الأول إلى الطَّبيعة والمادة، بينما يرتفعُ المؤمنُ دَرَجًا بإرجاعِهِ هذا المبدأ إلى الله - جل في علاه - وما ذاك إلا لأنَّ الضَّرورة العقليَّة تقتضي الإيمان بهذا المبدأ في نهاية المطاف!
1 - من باب التسلية الفكرية، نشير إلى أنَّ بعض الملاحدة الغربيين يُنكرون وجود خالق لكوننا، لكنهم لا يُنكرون وجود خالق للأكوان الأخرى!!
37 (1/37)
صفحة 38
مناجزة الإلحاد
خلاصة المبحث
- لا يُوجد تعريف متفق عليه للإلحاد.
- هناك فرق بين الإلحادِ كمصطلح عالمي شائع والإلحادِ كحكم توصيفي. - هناك حُزمةٌ من المعالم والخصائص تجمعُ المنضوين تحت رايات الإلحاد المعاصر. - يُمكن اعتبار الإلحادِ دينًا بشريًّا؛ لاحتوائه على مجموعة من الأنساق الدينية.
38 (1/38)
صفحة 39
المبحث الثاني
بوادر الإلحاد وإرهاصاته (1/39)
صفحة 40
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
(لقمان: 25)
لا تُوجَد أُمَّةٌ مهما بلغت من العراقة في الخشونة والإسراف في الوحشية تجهل وجوب عبادة الله.
(شيشرون)
"لم يكن هنالك فارق زمني بين الإيمان بالله
ووجود العقل البشري، فهما شقيقان“.
(التاريخ) (1/40)
صفحة 41
ألم يخترعك البشر أيها الإلحاد؟! متى ظهرت وبأي معنى؟!
وما الذي يقرره التاريخ فيك؟! (1/41)
صفحة 42
مناجزة الإلحاد
حديث شائك
بوادر الإلحاد وإرهاصاته
وصعب المراس ذاك السَّاربُ في سِجل تاريخ الإلحاد باحثًا ومنقبا؛ فبينَ من ينفي وجود الإلحاد قبل آخر ثلاثة قرونٍ خَلَت ومَن يُثبت وجوده؛ اخترنا الانحياز إلى ركن شديد؛ إنَّه ركن التحقيق المتخندق بالمنطق التاريخي والمتحرّق بالنقد الموضوعي، ونعيدُ التذكير بأنَّ الإلحاد الذي نناجزه - هاهنا - هو الإلحاد منكرُ الوجود الإلهي، أما الإلحاد وفق تصور معيَّن للإله خلا الإنكار فذلك - كما تقدَّم في مبحث ماهيّة الإلحاد - ما لا نتقصد التعرض له ولا نتغيَّاه في رحلتنا هذه لاعتباراتٍ سبق بيانها، و تاريخيا لم يكن الإلحاد في كل إطلالاته
،
- سوى فيما ندر - إنكارًا للمقدَّس ذاته، بل كان دائمًا يُمثّل رفضًا لتصورٍ بعينه للمقدَّس). إنَّ الأصل بحكم السائد عبر التاريخ الإنساني هو الإيمان بوجود الإله، بصرف النظر عن كُنْهِ ذاك الإيمان، وما حالة الإنكار الصَّريحة لوجود الإله إلا خرقًا لهذا الأصل، وشذوذا عن السائد المعروف، وجميع من كتب في تاريخ الأديان يعترف بهذا الأصل الأثيل ويُقر به، فها هو المؤرخ الإغريقي الكبير بلوتارك (Plutarch)) يقول: "لقد وُجدت في التاريخ مدن بلا حصون، ومدن بلا قصور، ومدن بلا مدارس، ولكن لم تُوجد مدن بلا معابد (3). وبمثله اعترف المؤرخ اللاأدري الشهير ول وايريل ديورانت قائلا: "على أنّ هذه حالات نادرة الوقوع، ولا يزال الاعتقاد القديم بأنَّ الدين ظاهرةٌ تعم البشر جميعًا اعتقادًا سليمًا (4). بل ثمَّةَ اتفاق اليوم بين علماء المدارس المختلفة في مجمل البلدان على أنَّ تاريخ البشرية لم يعرف زمنا لم يفكر الإنسان فيه بالإله، لقد كان الإنسان يحس دوما بالإله؛ لأنَّه كان على تواصل دائم مع العالم المحيط؛ أي مع ما خلقه الإله، وأدرك الإنسان دومًا أنَّ أحدًا ما خلقه، ولم يكن بإمكان أحدٍ أن يفعل ذلك سوى الإله (ه).
ص 18.
لاقت اهتمامًا عامًا، تشهد
1 - کارن آرمسترونغ، الله لماذا 2 - بلوتارك أو بلوتارخ: مؤرخ يوناني شهير (45 - 50 م) زار مصر، ورحل إلى روما فألقى فيها عدة دروس) كتاباته التاريخية على نزاهته ومصداقيته الكبيرة. ينظر: جرجيس عبدالله، تاريخ أباطرة وفلاسفة اليونان، ص 7 - 8).
- يوسف القرضاوي، وجود ا
الله
ص 22.
4 - ول ديورانت، قصة الحضارة، (1/ 99).
ه - أ. س. ميغوليفسكي، أسرار الآلهة والديانات، ص 103.
42 (1/42)
صفحة 43
من
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
وإنَّ ممَّا فات بعض من كتبوا في تاريخ الإلحاد أو تحدَّثوا عنه هو عنه هو أنَّ الحكم بالإلحاد على الأشخاص - عبر التاريخ - لم يكن حكمًا موضوعيًا دقيقًا، بل كان في الغالب الأعم مجرَّد تهمةٍ التهم التي تُوجَّه إلى كل من خالف السَّائد العام فيما يخص أمور الفكر الديني كلّ حسب بيئته وثقافته، فمن أتى بجديد فلسفة اتُّهم بالإلحادِ وكُدم على اسمِهِ بكَدمِ الإلحاد وكأنه قد حكَ قرحة فأدماها! وغياب هذه الموضوعية الدقيقة التي لم يتنبه إليها الكثيرون هو الذي جعلهم يتتبعون الجذر التاريخي لكلمة (الإلحاد)، وحدا بهم أن يجتفوا كل ما في إنائه، مع أنَّ سياقات كتاباتهم كانت مخصصةً للإلحاد الذي يأتي حصرًا بمعنى إنكار وجود الله! إذن؛ لو أخذنا بعين الاعتبار كل ما تقدَّمَ ذكره فإِنَّنا سنقدِم على مراجعة تاريخية لتقصي جذور الإلحاد، ومعاينة بوادره وإرهاصاته، وسوف يكون بحثنا في تاريخيَّته بمثابة الإجابة عن السؤال المطروح: هل يُوجَد إلحاد موضوعي عبر التاريخ قبل ظهور الإلحاد المعاصر في القرون الأخيرة؟! انطلاقا من عصور ما قبل التاريخ، وإنسان العصر الحجري الجديد؛ إذ كانت ثقافة الديانات والأساطير هي المسيطرة عليه ()، مرورًا بسومر المعروفة بالاهتمام البالغ بالجانب الديني (3)، والحضارة المصرية () التي ثار فيها أخناتون وآخرون من قبله ضد تعدد الآلهة قائلين: ليس إلا الله). وحضارات بابل (6)، وآشور (7)، والحال ذاته ظل قائما في الحضارة الفارسية ()، لم نرصد أي إطلالة للإلحاد على هذه الحضارات الضاربة بجذورها في عمق التاريخ، فلم يكن ثمة إنكار لوجود الله أو تشكيك به نعم؛ كانت هناك محاولات تجديدية وفق تصوراتٍ معيَّنة للإله، كالقول بالتَّعدد أو القول بالتوحيد، وما يتبع ذلك من اختلافات في الطقوس والشعائر والنظرة التَّوصيفية للإله ()، لكننا لم نعثر على بوادر اتهام بالإلحاد، سواء أكان اتهاما موضوعيًا أو غير موضوعي.
1 - وهي العصور التي سبقت ظهور الكتابة، وتمتد - على وجه التقريب لا الدقة - من (500) ألف سنة إلى (3) آلاف سنة قبل الميلاد، وتمثل ما نسبته (99?) من مسيرة حياة الإنسان الواعية. (يُراجع: خزعل الماجدي، أديان ومعتقدات ما قبل التاريخ، ص 11). 2 - يُنظر: ول ديورانت قصة الحضارة، (176/ 1). - يُنظر: المرجع السابق، (2/ 28).
4 - يُنظر: المرجع السابق، (2/ 155 - 167). (ويُراجع لمزيد تفصيل: واليس بدج، الديانة الفرعونية).
ه - يُنظر: سيد كريم، أخناتون، ص 29.
6 - يُنظر: ول ديورانت قصة الحضارة، (2/ 211).
- يُنظر: المرجع السابق، (282/ 2). ويُنظر: سبتينو موسكاتي الحضارات السَّامية القديمة، ص 73 - 81).
- يُنظر: المرجع السابق، (425/ 2). ولمزيد بحث يُنظر: شارل سنيو بوس، تاريخ حضارات العالم). 9 - للتوسع يُنظر: حسن نعمة، موسوعة ميثولوجيا وأساطير الشُّعوب القديمة.
43 (1/43)
صفحة 44
مناجزة الإلحاد
إطلالة
على بلاد الهند
وأما عن بوادر الإلحاد والتشكيك بوجود الله في التَّاريخ القديم، فإِنَّ أَوَّل ما قد يُشتم منه ذلك هو بعضُ النُّصوص العتيقة والمقدَّسة عند الشُّعوب الهندية، فقد جاء في كتاب (الفيدا) (1) هذا النَّصُّ: "مَن ذا الذي يعرف حقا؟! من ذا الذي يُمكنه أن يقول هنا: متى وُلِد هذا الخلق؟! ومن أين جاء؟! لقد جاءت الآلهة بعد خلق هذا العالم، فمن ذا الذي يعرف من أين جاء ذلك الذي من رحابه جاء الخلق سواء كان يضمه معًا أم لا (2). إذن؛ فعلى ما يبدو من الوهلة الأولى أنَّ هذه الكلمات تُمثل أوَّل مخاض للتشكيك والإلحاد عبر التاريخ المدوَّن، فهي تعود إلى (الأوبانيشاد) والذي يُعدُّ من أجزاء (الفيدا) الختامية التي تم تأليفها قبل أكثر من (500) عام قبل الميلاد، والافت للنظر هو أنَّ يراع حكماء الهنود خط هذه النصوص، وعقيدة هؤلاء تقوم على إنكار الذات، ووَحْدَة الوجود،
المتدينين هو من
وأن العالم مجرد وهم، وأنَّه لا يُمكن الوصول إلى معرفة حقيقة الله (3)؛ أي إن السياق - بقضه وقضيضه - يتحدَّثُ عن محاولة تحديد أصول الوجود، وأنَّ هذا التحديد بعيد المنال ومنيع الدرك، فهذه النصوص "تكشف عن إلمام بالمحاولات السابقة لتحديد أصول الوجود» (4). ويؤكد أ. ف. توملين أنَّ النَّشيد السَّابق لم يقصد واضعُهُ أن يُحدِث حالةً ذهنيةً من الشَّك، بل حالة خضوع ذهني، وتوكيدًا مستمرًا على قصور العقل البشري عن إدراك معنى الحياة). و"لم يكن لدى هؤلاء الحكماء تصور واضح عما يبحثون عنه، فقد كانوا يعرفون أنَّه لا بُدَّ من وجود ذلك الذي عن طريقه وُجدت كلُّ الأشياء الأخرى، وهو الذي جعلها عظيمةً ومبهرة، والاسم الذي أعطي لهذا الشَّيء هو (براهمان)؛ أي الإله ... وعندما بدأ الحكماء يدركون بصورة أكثر وضوحًا
1 - الفيدا: كان يُطلق على جميع الكُتُب الهندوسية، ثمَّ خُصَّ بأربعة منها، ويُعتبر من أهمّ الكُتُب المقدسة لدى الهندوس، وقد نال شهرةً كبيرةً عند الجماهير، وهو عبارة عن مجموعة من تعليمات النساك قبل الميلاد. (يُنظر: عبد الله. حسين المسألة الهندية
ص 30 - 37).
2 - جون كولر، الفكر الشرقي القديم، ص 47.
- يُنظر: لطفي وحيد، أشهر الديانات القديمة، ص (109). ومرسيا إلياد، تاريخ المعتقدات، (1/ 278).
- جون كولر، الفكر الشرقي القديم، ص (47)، بتصرف“.
ه - يُنظر: أ. ف. توملين، فلاسفة الشرق، ص 178.
44 (1/44)
صفحة 45
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
أنَّ براهمان لا يُمكن وصفه على نحو مناسب بالالتجاء إلى خبرتهم بعالم الظاهر، حاولوا تحديد
(1)
هذا الواقع بالسلب فصرَّحوا بأنَّ براهمان لا سبيل إلى تصوره والإحاطة به.
ويجب قبل ذلك كله التَّنبه إلى أن نصوص (الفيدا) لم تكن مقدَّسةً عند الأولين، بل اكتسبت قداستها مع مرور الوقت، فصاروا بعد ذلك يعتقدون بأنها وحي من السَّماء، ومع مرور السنين أصبحت نصوصها غامضةً واستعصى فهمها على الأجيال المتأخرة). ولو أمعنا النَّظر قليلًا في النصوص قبل أن نتسرع في تفسيرها بالإلحاد أو غيره لرأينا أنَّ السياقات التي سبقت تلك النصوص نفسها كانت تنص على أنه: "في البدء لم يكن هناك وجود ولا عدم ... وما من أثر لليل أو نهار، لم يكن هناك سوى الواحد الذي يتنفس دونما نفس بدافع من ذاته، وعدا ذلك لم يكن ثمة شيء على الإطلاق (3). فلم يكن إذن ثمَّة داع إلى أن يُفسر النَّصُّ السَّابق بمثل تلك التفاسير التي رمت به في سلة الإلحاد! فهذا النَّصُّ الذي سبقه بقليل قد حكم صراحةً بوجود الواحد قبل كل الموجودات. وبهذا تبتعد تلك النُّصوص عن معترك الإلحاد، وتخرج من دائرته. وبمواصلة البحث في الحضارة الهندية وضعنا أيدينا على بعض القضايا الأخرى التي قد يُصنفها من يحلو له التعامل مع التصنيفات الجاهزة في قوائم التشكيك والإلحاد، ولكن بحكم السياقات التاريخية والأوضاع السياسية والاجتماعيَّة؛ نستطيع أن نقول: إنَّ تلك القضايا ليست من قبيل التشكيك والإلحاد - وإن حاول ول ديورانت وغيره أن يجعلوها من هذا الصنف (4) لأنَّهم أشاحَوا بنظرهم عن تأمُّل الأحوال الاجتماعية والسياسية، فعبكوا الأمر وتساهلوا في إطلاق الأحكام - فالمتأمل لواقع انتقاد الكهنة والاستهزاء بهم يُدرك أنَّ هذا الصنيع ما هو إلا انعكاس لأوضاع اجتماعية قاسرة كالاحتكار والطبقية والكهنوتية في تلك المرحلة الزمنية (5)، ولا علاقة له بالإلحاد الموضوعي، وبناءً عليه؛ فإنَّ التَّصورات التي تُخالف الفكر الديني السائد والتي قد يُفهم منها إنكار الله ترجع إلى الآلهة الوثنية السائدة لا إلى أصل الوجود. وقد تكون بعض تلك التصورات المنقولة غير صحيحة، بل من باب التّخاصم والتشاحن وما يتبع ذلك من غمط الحقوق والافتراء وتقويل الآخر ما لم يقله، ويُمكن الاستشهاد على هذا بمدرسة لوكاياتا
1 - جون كولر، الفكر الشرقي القديم، ص (50 - 51).
2 - يُنظر: كامل سعفان معتقدات آسيوية، ص 154. 3 - جون كولر، الفكر الشرقي القديم، ص 46.
4 - يُنظر: ول ديورانت قصة الحضارة، (53/ 3 - 57). ه - يُنظر: علي زيعور، الفلسفة في الهند، ص (121 - 122).
45 (1/45)
صفحة 46
مناجزة الإلحاد
(Lokayata) التي أُسست في القرن السادس قبل الميلاد، فالتصورات المنسوبة إليها كانت مسبوقة ببعض نصوص ملحمة (راما) () التي تطرقت إلى حوار راما مع الراهب جافالي، فقد أنكر جافالي - كما يُقال - البعثَ والعقاب والثَّوابَ، وصرّح بأنَّ القرابين مجرد إشباع لجشع الكهنة، فهم الذين اخترعوها (2). كما جاء في أحد أسفار (الأوبانيشاد) التصريح بأنَّه لا إلهَ ولا جنَّة ولا نار (3)، وأنَّ ما يحكم الاشياء كلَّها هو الطَّبيعةُ التي تُبدِع، والزَّمانُ الذي يدفع، وهما لا يأبهان بفضيلة أو برذيلة). ولعلنا نميل بقوَّةٍ إلى عدم اعتبار أمثال هذه النصوص إنكارًا صريحًا لوجود الله؛ لأنَّها في جملتها تُؤكد أنَّ للطَّبيعة سلطانا نافذا في الوقت الذي تُؤكد فيه أنَّ الذي يقوم بحفظ الطبيعة وتسييرها هو (برهما) أو (براجاباتي)؛ أي الإله الأعظم! وأما ما يُقال عن إلحاد مدرسة (السماخايا) فهو في تصورنا لا يعني إنكار وجود الله، كلُّ ما هنالك أنَّ هذه المدرسة تُخالف المدارس الهندوسية الأخرى في بعض التصورات، فَهُمْ على سبيل المثال لا يقولون بالإله (البراهمان) ولا (الأتمان)، وإنَّما (البوروشا) (5)؛ أي الروح. وكذا ما يظهر في بعض نصوص المدارس الهندوسية الأخرى كـ (الشارفاكا) وغيرها كالنَّص الذي يقول: "الرُّوح وهم من الأوهام، والإله باطل من الأباطيل، المادة وحدها هي الحقيقة التي لا حقيقة سواها والدين كله خلط وهذيان وسفسطة خادعة (6). لا يُمكن اعتباره إنكارًا صريحًا لوجود الله؛ لأنَّ:
- هذه النُّصوص قد تكون مجرد ردة فعل ضدَّ نصوص البراهمانية التي قدَّست الكهنة وجعلتهم كالآلهة، وردَّةُ الفعل هذه بمثابة سحب البساط من تحت أقدام البراهمانيَّة؛ لتُمهد من بعدها الدَّربُ للقادمين من الخلف كالجينية والبوذية.
- هذه النصوص حديثة نسبيًّا مقارنةً بنصوص الفيدا البراهمانيَّة؛ مما يعني أنَّ مؤلفيها هم من الذين عارضوا البراهمانيَّة، وأرادوا إصلاحها أو تغييرها، فـ (الشَّارفاكا) عمومًا ضد البراهمانية.
1 - يُراجع:: ملحمة الإله، راما ترجمة دائرة المعارف الهندية.
2 - يُنظر: إسماعيل الندوي، الهند القديمة، ص 115.
- يُنظر: ول ديورانت قصة الحضارة، (52/ 3). 4 - يُنظر: المرجع السابق، (230/ 3).
ه - مبدأ أولي يُوصف بأنَّه منشئ الوجود (وحدة الوجود). (يُنظر: أبكار السقاف، الدين في الهند والصين وإيران، ص 21).
6 - ول ديورانت، قصة الحضارة، (56/ 3).
46 (1/46)
صفحة 47
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
- أصحاب هذه النُّصوص أنفسهم انتهى أمرهم إلى ديانتي الجينية والبوذية، ولم يكن مرد أمرهم إلى نبذ الدين والآلهة على الإطلاق.
- هذه النصوص لا تُؤخذ على حرفيتها وظاهرها فالوهم - مثلاً - مجرَّد استعارة ترمز إلى
منزلة العالم الميتافيزيقية، ويريد به بعضهم التنبيه على خطأ الحواس الإدراكية). - الإله المقصود في بعض هذه النُّصوص هو الإله المعهود؛ أي إنكار البراهمان باعتباره مجرد فكرة خارجيَّة) وليس خالقًا في الأصل، فبراهمان إله شخصي بخلاف جوهر الكون الذي هو إله غير شخصي) - إنكار وجود الجنة والنار لا يعني التشكيك أو الإلحاد، بل هو عودة إلى عهد الهندوسية الوضعية القديم، فلم يكن ثمَّة جنَّةٌ ولا، نار وإنَّما حدث هذا الاعتقاد لاحقا).
(3)
- تساهل الديانات الهندية في أمور التَّأليه، والإيمان، وعدم وضعها شروطًا صارمةً وواضحةً تُحدد بها وضعيّة التَّأليه والإيمان قد جعل باب الاحتمالات مفتوحًا على مصراعيه.
ثم تبرز على الساحة قضيَّةُ إلحاد بوذا (Buddha)(5) مؤسس الديانة البوذية، فبوذا نسيجُ وَحْدِه كما يُقال، وقد وردت عنه عدَّةُ روايات حضت مجموعة من مؤرخي الأديان والحضارات على أن تأخذ مطرقتها التصنيفية لتضع بوذا على سندان الإلحاد في الوقت الذي ألحقته مجموعة أخرى من المؤرخين بصفوف المؤمنين بوجود الله ومن بين تلك الروايات التي
بوذا
تمسك بها القائلون بإلحاد بوذا: "إنَّ راهبين من الهندوس جاءا إليه وهما يُريدان الاتحاد ببرهما، فوقع بينهما خصومة شديدة في تعيين الطريق، فتحاكما إلى بوذا، فقال لهما: هل تعرفان مسکن برهما؟ قالا لا. هل رأيتما برهما؟ قالا: لا. هل تعرفان طبيعة برهما؟! قالا: لا. هل ترضيان أن تتَّحدا بالشَّمس؟ قالا: لا؛ لأنها بعيدة عنا وهي محرقة. فقال بوذا:
:
1 - يُنظر: تشاگر اماز تيرام پراساد، الفلسفة الشرقية، ص 36.
- يُنظر: السيد أبي النصر الحسيني، الفلسفة الهندية، ص 63. 3 - يُنظر: حبيب سعيد، أديان العالم، ص (71 - 72). - يُنظر: السيد أبي النصر الحسيني، الفلسفة الهندية، ص 80.
ه - سيدهارتا غوتاما (563 - 483 (ق. م) حكيم الهند الأشهر، منعه أبوه من رؤية أي بؤس؛ لذلك عاش حياة العزلة والبذخ والدَّلال، وبعد بلوغه التاسعة والعشرين قرر الرحيل بحثًا عن حل لمشكلة الألم، ومن حينها انطلقت فلسفته. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
47 (1/47)
صفحة 48
مناجزة الإلحاد
إذا لم يمكن لكما أن تتحدا بالشَّمس وهي مخلوقة فكيف بخالقها؟! ثم قال لهما: هل برهما حاسد ومتكبر؟ قالا: لا. هل يوجد فيكم الحسد والكبر والبغض؟ قالا: نعم. فقال بوذا: إذن؛ كيف يمكن لكما أن تتحدا ببرهما وطبيعتكما تُخالف طبيعته؟؟ “. وكذلك الرواية الأخرى التي تنقل حديثا دار بين بوذا وأحد علماء الهندوسية؛ إذ قال له بوذا: "هل رأيت برهما بعينك؟! بل هل من أسلافك من رأوه بأعينهم؟! فسكت الهندوسي). وكذلك ما يُنقل عنه أنه قال: "إنَّ المشايخ الذين يتكلمون عن الله وهم لم يروه وجهًا لوجه، كالعاشق الذي يذوب كمدًا وهو لا يعرف من هي حبيبته، أو كالذي يبني السُّلَّم وهو لا يدري أين يوجد القصر» (2). وقوله أيضًا عندما سُئل عن الآلهة: "إنَّ الآلهة أنفسهم لو كان لهم وجود لما كان في وسعهم أن يُجيبوا عن هذه المسائل (3)، وكذا موقفه المعهود والمستمر بعدم الخوض في الحديث عن الإله، فقد كان يمتنع عن الحديث عن الإله، ولا يذكره سلبًا أو إيجابًا).
وبناءً على مثل هذه النصوص فإنَّ بعض الباحثين في مجال الأديان كورالف إلنتون، وول ديورانت، وميرسيا إلياد، وأحمد شلبي، قد وضعوا بوذا في عداد الملحدين أو اللاأدريين، بينما وضعه آخرون في صفوف المؤمنين بوجود الله كغوستاف لوبون، وكارين آرمنسترونغ، وأبي زهرة، ومحمد الندوي، وهذا ما نُرجّحه ونميلُ إليه، والقرائن التي تشهد له كثيرة: (1) - المسلك الذي سلكه بوذا في الامتناع عن الخوض في تقرير الألوهية هو المسلك ذاته الذي سلكه في أمر النيرفانا مع كونها من دعائم البوذية.
(2) - نزعة بوذا الإنسانيَّة التي وَضَعت الإنسانَ وخَلاصَه قُطبًا لدائرة اهتمامه قد يترتب عليها ما يُرجّح تسليم بوذا بمألوه؛ إذ يُصبح الإنسانُ المتحرر الذي يُحقق الخلاص لنفسه كائنًا إلهيًّا أو متحدًا وَحدة الوجود).
(3) - عدم ورود نص صريح يُنكر فيه بوذا الألوهية (5).
1 - محمد الأعظمي، فصول في أديان الهند، ص (140 - 142). 2 - أحمد شلبي، أديان الهند الكبرى، ص 162.
3 - عبد الله مصطفى، البوذية: تاريخها وعقائدها، ص 155.
- يُنظر: إبراهيم محمد الأديان الوضعية في مصادرها المقدسة، ص 140.
ه - مَن كَتَبَ عن إلحاد بوذا لم ينقل نصوصًا صريحة. (يُنظر على سبيل المثال: س. داميكا، سؤال جيد جواب جيد حول البوذية، ص 20). بل نجد من الباحثين من يلمح إلى رفض بوذا الطقوس وأساليب العبادة فقط دون الآلهة. (يُنظر: همايون كبير،
التراث الهندي، ص 76).
48 (1/48)
صفحة 49
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
(4) - لا توجد نصوص أصيلة ترجع إلى بوذا نفسه.
(5) - هناك فارق بين الإيمان بالله والدعوة إليه؛ فكونه لم يسع إلى الدعوة إليه - وفق منظور
معيَّن - لا يعني أنَّه لا يؤمن به!
(6) - لم يمنع بوذا أتباعه من تأليهه في آخر أيام حياته.
(7) - لم ينكر بوذا النُّبوة عندما عده ساريبوتا - أحد تلاميذه - نبيًّا، بل أعظم الأنبياء. (8) - هذه النُّصوص يجب أن تفهم وفق الأوضاع الفكرية والدينية في تلك المرحلة، حيث تزامنت مع تمرُّد بوذا على البراهمانيَّة وطبقيَّتهم الكهنوتية).
(9) - النصوص المنسوبة إلى بوذا قابلة لقراءاتٍ أخرى مختلفة لا تمت إلى القراءة الإلحاديَّة بصلة، وما ذكرناه من قرائن - أعلاه - يعضد تلك القراءات.
إنَّ فلسفة بوذا تدور حول تخليص النَّاسِ وشؤون حياتهم الخاصة، فهو لا يُحبُّ البحث فيما وراء الطبيعة، ومن الملحوظ عند النظر في نصوص المدارس الهندوسية على العموم أنَّ الإله لا يُوصَف إلا بالسَّلب؛ أي أن يُقال: إنَّه ليس كذا، وليس كذا (2). وطريقة بوذا في النصوص المنقولة عنه نراها تمتثل خُطى هذا المنهج.
ومما عده بعضُهم إنكارًا لوجود الله ما يُنقل عن الحكيم كابيلا (3) الذي كان يقول: "إنَّ الإله المشخّص لا يُمكن أن يُقام عليه الدَّليل للعقل البشري؛ لأنَّ كل ما هو موجود فهو إِمَّا مقيَّدُ أو مطلق، والخالقُ لا يُمكن أن يكون لا هذا ولا ذاك؛ لأنَّه إن كان مطلقًا فهو كامل، والكامل لا حاجة به لخلق العالم؛ لأنَّ الخلق عمليَّةً تفرضها الحاجة إلى شيء ما، والكامل لا يحتاج لشيء، وإلا فقد كونه كاملًا باحتياجه وإن كان مقيدًا فهو ناقص، ولا يُمكن أن يكون الناقص إلها، وإذا كان الخالق خيرًا لما أمكنه خلق الشَّر والنقصان الذي نراه في العالم". إنَّ كابيلا ينكر هنا الإله المشخّص فقط، لأنَّه يؤمن بالإله وفق مبدأ (وحدة الوجود) فهو يتحدث عن مبدأ عقلي قائم بذاته موجود في كل الوجود أزليّ أبديّ لا يُستغنى عنه في كل فعل).
1 - يُنظر: عبدالراضي محمد مشكلة التأليه في فكر الهند الديني، ص (97 - 98).
2 - يُنظر: محمد ا. الأعظمي، فصول في أديان الهند، ص (142 - 143). إنَّ البوذية تعتقد بأنَّ حقيقة الخلق واحدة، لكن الحكماء يطلقون عليها أسماء متعددة؛ ولهذا بدا الله متعددًا بتعدد المؤمنين به لكن حقيقته واحدة. يُنظر: كلود ب. لفنسون، البوذية، ص 10).
- مؤسس مذهب فلسفي صوفي يُدعى (ساميكهيا)، عاش في القرن السَّادس قبل الميلاد، ولا يُعرف عنه شيء سوى ما يُنقل عنه. 4 - يُنظر: كامل سعفان معتقدات آسيوية، ص 225.
49 (1/49)
صفحة 50
مناجزة الإلحاد
،
وكذلك نصوص (سانخيا)) ليس فيها إنكار للوجود الإلهي، فالنَّص القائل: "لا وجود لما لم يُوجَد، أما ما هو حقيقي فإنَّه لن يكون غير موجود (2). يُقابله نص آخر أكثر صراحةً ووضوحا، فقد جاء في (البهاغافاد غيتا) (3) ما نصه: "هذه الرُّوح المتجسدة في جسد كل الموجودات خالدةٌ ولا تقتل؛ لذا لا يجب أن تحزن على أي موجود). وقد زُج أيضًا بطائفة (الجانتيون) موجود). التي ظهرت في منتصف القرن السادس قبل الميلاد في براثن الإلحاد؛ بسبب بعض النصوص المنقولة عنها، والتى لا صلة لها بإنكار وجود الله إطلاقًا، فهم لما قالوا مثلًا: "ليس من الضروري أن نفرض وجود خالقٍ أو سببٍ أول (5). فلأنَّ فلسفتهم تقوم على القول بأنَّ الكون أزلي، وأزليته لا تعني إنكار وجود الله، بل تعني وحدة الوجود - حسب فلسفتهم - إذ "لم يكونوا يتبنون مذهبًا
ماديًا خالصًا (6).
لَفْتَةٌ
(0) 6
قد لا يجد الباحث في الديانة البوذية ذكرًا صريحًا لمصطلحات الإيمان بالله كما يجدها في غيرها من الديانات؛ وذلك لاعتبار فلسفي صوفي عميق لا يعني الإلحاد أو التشكيك كما توهم ذلك البعض! فمهما كان شأن الإيمان - كما هو معهود في الديانات عموما - فليس له في البوذية إلا. مكان ضئيل؛ ذلك لأنها تعتقد بأنَّ قضيَّة الإيمان تُطرح عند فقدان الرؤية - الرؤية بكل معاني الكلمة - ففي اللحظة التي تَرى فيها فإنَّ الإيمان يضمحل! إذا قلتُ لك: إنَّني أملك جوهرةً مخبأةً في يدي المغلقة. فإنَّ مسألة الإيمان تُطرح لأنَّك لا ترى الجوهرة بنفسك، ولكن إذا فتحت يدي وأريتك الجوهرة فأنت ستراها عندئذ بنفسك، وليس ثمة مجال للإيمان؛ بمعنى أنَّ الإيمان عندهم مرحلة شك وليس مرحلة يقين، والبوذية تطمح لليقين. وبمعنى آخر: إنَّ المسألة مسألة رؤيةٍ ومعرفة لا مسألة إيمان واعتقاد (7).
(V)«
1 - أقدم المذاهب الهندوسية الستة، ويُقال بأنَّ كابيلا هو من أسسه في القرن السادس قبل الميلاد. 2 - شاكوانتالا، البهاغافاد غيتا، ص 31.
- كتاب يشتمل على تعاليم (كريشنا) الذي يُمثل التَّجسد الإلهي. (يُنظر: تشاگر امازتيرام - پراساد الفلسفة الشرقية، ص 246 - 247). 4 - شاكوانتالا، البهاغافاد غيتا، ص 33.
ه - ول ديورانت، قصة الحضارة، (59/ 3). نلفتُ إلى أنَّ الكاتب الأنثروبولوجي فراس السَّواح في كتابه (دين الإنسان) يصرح بأنَّ الجانية قد أنكرت بالفعل فكرة وجود الإله! (يُنظر: فراس السواح، دين الإنسان، ص 278).
6 - ول ديورانت، قصة الحضارة، (60/ 3).
- واليولا راهولا، بوذا، ص (19 - 20)، بتصرف“.
0. (1/50)
صفحة 51
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
إن الاعتقاد بوحدة الوجود في الديانات الهندية القديمة هو في حد ذاته إقرار بالوجود الإلهي، فالإله هو الوجود والوجود هو الإله، وإنكار الخالق لا يعنى إنكار الله بهذا الاعتبار! فظهر أن لا تعلُّق فيه لدعاوى الملحدين، بل إنَّ ول ديورانت يُصرّح قائلا: " وإذا بحثنا في هذا الخليط من العقائد عن عناصر مشتركةٍ تُعرف بها الهنود، فستجدها فيما يُوشك أن يكون إجماعا بين الهندوس على عبادة فشنو وشيفا معا (1). وقد نصَّ أبو الريحان البيروني على أنَّ اعتقاد الهند في الله هو أنَّه الواحد الأزلي من غير ابتداء ولا انتهاء، القادر الحكيم المحيي المدير الفرد في ا ملكوته عن الأضداد والأنداد، لا يُشبه شيئًا ولا يُشبهه شيء، واستشهد على ذلك بنصوص من كتبهم القديمة). ثمَّ إِنَّ الفلسفة الهندية على العموم غارقة فيما وراء الطبيعة، وهذه الحقيقة في
ذاتها طعنة نجلاء في ظهر القائلين بوجود الإلحاد.
1 - ول ديورانت، قصة الحضارة، (3/ 232). 2 - يُنظر: البيروني، تحقيق ما للهند من مقولة، ص 20.
198 (1/51)
صفحة 52
مناجزة الإلحاد
إطلالة على الشرق
الأقصى القديم
وإذا حثثنا المطايا وانتقلنا شرقًا إلى بلاد الصين بلاد الحكمة المجنونة - كما تُسمى - عندما يتعلق الأمرُ بالتَّعامل مع فلسفتها؛ فحالها في الغموض والإبهام ليس بأقل من حال شقيقتها فلسفة الهند، حيث يتموّج المعنى في كل سطرٍ من سطورها، ويعسر على الفهم أن يضع يده على المراد، فكأنَّما هو شعرة ضاعت وسط عجين، وصدق من قال: "إنَّ البلاء موكَّل بالمنطق“! الصين القديمة كانت إمبراطوريَّةَ الشَّعائر والطقوس، وقد أشارت أُولى كتاباتها إلى أنَّ السمات الأصيلة لحضارتها ركزت على تقديس الأسلاف، وأطلقت رهانًا على طبيعة الإنسان الخيّرة وفق المفهوم الكونفوشيوسي الذي دخل بعمق في وجدان الشعب الصيني، إلى جانب الفلسفة الكونفوشيوسية التي أدت دورًا محوريا في بناء فلسفة الحكم وعلاقة الأرضي بالسَّماوي، والإمبراطور ابن السَّماء بالآلهة، والحاكم بالمحكوم. وانتعشت بالتّوازي مع ذلك فلسفات ذات طابع صوفي طقوسي كالطاوية والبوذية، فتولى الفيلسوف تبليغ رسالة السَّماء ورسالة الأسلاف إلى الصينيين بمعزل عن هاجس تطوير المفاهيم أو تقديم منظومات فكرية متتالية على النمط الأوروبي، وهذا ما عبر عنه كونفوشيوس حين قال: "أنا أبلغ من دون أن أخلق شيئًا جديدًا". وحين قرأ أغلبية الأوروبيين الفكر الصيني بعيون غربيَّةٍ وجدوا فيه نوعا من التكرار الذي يفتقر إلى الإبداع، وحاروا عند تصنيفه ما إذا كان فكرًا أم فلسفة فالفيلسوف الصيني لا يُبدع مفاهيم جديدة، بل أقصى ما يطمح إليه هو التناغم مع مقولات الأجداد والأسلاف، انطلاقا من تناغم الأرضي مع السَّماوي.
إنَّ الفلسفة في الصين لم تتجافَ عن الدين ولم تنأ بنفسها عنه أو تثني له عطفها، بل تلاقيا وتلاقحا، وسار الدين مع الفلسفة على طريق واحد كعاشقَيْن مُتيَّمين)، ولقد أخذَ منا
1 - يُنظر: مسعود ضاهر، كتب، وقراءات تاريخ الفكر الصيني، ص (1 - 5).
2 - يُنظر: عبد العزيز حمدي، تاريخ تطور الفكر الصيني، ص 14.
52 (1/52)
صفحة 53
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
العجبُ كلَّ مأخذ عندما وجدنا ول ديورانت وغيره يتهمون كونفوشيوس (Confucius) بـ (اللاأدرية)؛ بحجةٍ لا تثبت أمام النقد، فقد قال عنه ديورانت: "ولما كانت النزعة المسيطرة على كونفوشيوس هي تطبيق مبادئ الفلسفة على السلوك وعلى الحكم فقد كان يتجنَّب البحث فيما وراء الطبيعة، ويُحاول أن يصرف عقول أتباعه عن كل الأمور الغامضة أو
كونفوشيوس
الأمور السَّماوية)، صحيح أنَّ ذكر السَّماء والصَّلاة كان يَرِدُ على لسانه أتباعه بألا يغفلوا عن الطقوس والمراسم التقليدية في عبادة الأسلاف
أحيانًا، وأنَّه كان ينصح والقرابين القومية، ولكنَّه كان إذا وُجّه إليه سؤال فى أمور الدين أجاب إجابةً سلبيةً جعلت شراح آرائه المحدثين يُجمعون على أن يضمُّوه إلى طائفة (اللاأدريين)، فلما سأله (تزه-كونج) مثلا: هل لدى الأموات علم بشيء أو هل هم بغير علم؟ أبى أن يُجيب جوابًا صريحًا! ولما سأله (كي- لو) عن خدمة الأرواح - أرواح الموتى - أجابه: إذا كنتَ عاجزا عن خدمة النَّاس فكيف تستطيع أن تخدم أرواحهم؟! ولما سأله (كي- لو): هل أجرؤ على أن أسألك عن الموت؟ أجابه: إذا كنت لا تعرف الحياة فكيف يتسنّى لك أن تعرف شيئًا عن الموت!؟ ولما سأله (فارشي) عن ماهية الحكمة قال له: إذا حرصت على أداء واجبك نحو الناس، وبعدت كل
البعد عن الكائنات الروحية مع احترامك إياها أمكن أن تُسمي هذه حكمة (3). وكما ترى فإنَّ هذه النصوص لا تبرر مطلقًا الاعتقاد بـ (لا أدريَّة) كونفوشيوس، فأرنيها نَمِرةً أُركها مطرة!! ويبدو أنَّ ديورانت لم يراع الفوارق الثقافية؛ فحلَّل مضامين الثقافة (الشرق آسيوية) بعقلية الثقافة الغربية؛ وشتّان بين مشرقِ ومُغرب! إِنَّ هذه النصوص على أسوأ تقدير تشي بشيءٍ من (اللاأدريَّة) أو (الربوبية) لولا أنَّ هذا التقدير يصطدم بصخرة الكونفوشيوسية والتي هي - كما هو معلوم - ديانة تعبديَّةً لها طقوسها وشعائرها، فقد كان كونفوشيوس يُؤمن بوجود إله حكيم يحكم الكون بتدبيره وإرادته، ولكنَّه مع ذلك ترك الجانب العقدي، واتَّجه إلى الجانب مع.
1 - هو واحد من أكبر معلمي العالم القديم، وأشهر حكماء عالم شرقي آسيا - وخاصة الصين واليابان وكوريا وفيتنام - والمنظر السياسي الأول في إمبراطوريات الصين القديمة، وصاحب أقوى تأثير في المجتمعات الآسيوية الشرقية منذ القرن الثاني قبل الميلاد، وإليه تنسب المدرسة الكونفوشيوسية، وهي مدرسة تربوية من أكبر المدارس في العالم. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). 2 - عرفت الصين الدين والتدين والعبادة قبل كونفوشيوس، ولعل الصينيين هم من أقدم الأقوام الذين عرفوا عبادة (شانغ تي)؛ أي الإله الواحد. (يُنظر: سعدون السَّاموك، موسوعة الأديان والمعتقدات القديمة، ص 123).
- ول ديورانت قصة الحضارة، (53/ 4)، بتصرف.
4 - يُنظر: جفري بارندر، المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ص 229.
53 (1/53)
صفحة 54
مناجزة الإلحاد
العملي، فركّز على الإصلاح الخُلقي والاجتماعي والسياسي)، وهو وإن لم يتحدث عن الدين فإنَّه قد أعطى مبررًا إلهيًّا لكل آدابه ()، والفلسفة الكونفوشيوسية لا ترفض الإقرار بإمكان الوقائع الخفية والبعيدة القائمة وراء الطبيعة، ولا يفوتها إدراك ذلك كلّه؛ إنَّ المسألة برمتها هى انصراف الفلسفة الصينية إلى المتاح للخبرة البشرية ليس أكثر (3).
فذلكة
عبر تاريخ الهند والشرق الأقصى لم يُوجد إنكار صريح - وإن بدَتْ جَنَادِعُه - لا تعترضه الاعتراضات وتخيم عليه الضبابية، ونحن إذ نميل إلى القول بأنَّ كل تلك النُّصوص التي تصفحناها تُعبر عن تصورٍ معين يُخالف التصور السَّائد لديانة المجتمع ولتفكيره العام ولا تقترب من حِمَى حقيقة الوجود الإلهي، فإنَّنا - مع ذلك - لا نستطيع أن نجزم بعدم وجود الإلحاد وإنكار وجود الله بشكل مطلق؛ لأنَّ القضيَّة كما مرَّ سلفاً تعتريها الكثير من العراقيل، وزوايا الرؤية فيها معقدة ومنفرجة أشد الانفراج، وتحرير الحقائق من شرنقتها ليس بالأمر الهين، بل إنَّ الطبيعة البشريَّةً نفسها في اتباع الهوى والجُحودِ والإعراض ليست وليدة القرون الأخيرة فقط؛ لذا لا نستبعد ورود شيء من ذلك، إلا أنَّ الفردانية تبقى هي العنوان الأبرز إن صح شيء من ذلك. هذا هو أهم ما عثرنا عليه من نزعات تشكيكيَّةٍ غير صريحةٍ جاءت على استحياء، فإلى هذه الحقبة التاريخية للهند والشرق الأقصى لا يُوجد إلحاد صريح؛ نعم قد يُوجد تشكيك لكنَّه لا يرقى إلى إنكار وجودِ الله أساسًا. ونلفت انتباه القارئ الكريم إلى أن الفكر الهندي والشرق الأقصوي وإن كان أنَّ في بعض نظراتهِ الضَّبابية وكأنَّه قد أَفَرَغَ السَّماءَ فعلا من الآلهة فإنَّه في المقابل وبالتأكيد قد ملأ الأرض بها، ولا يخلو في معتقداته - حتمًا - من الاعتقاد بمبدأ يقوم مقام الإله بصورة من الصُّوَر، وعدم الانتباه إلى هذه القضيَّةِ هو الذي قاد جمعًا من الكتاب إلى وصم هذه الديانات وهذه الفلسفات بـ (الماديَّة) و (الإلحاد مع أنها تضج بالإيمان والروحانيات والاعتقاد بما وراء المادَّة والطَّبيعة، وهذه الحقيقة قد استطارت عنهم استطارةَ، البرق، وانتشرت انتشار الصُّبح، فكيف تُقبل إشاحة الوجه عنها!!
1 - يُنظر: إبراهيم محمد الأديان الوضعية في مصادرها المقدَّسة، ص 211. 2 - يُنظر: حبيب سعيد، أديان العالم، ص (117). ويرى جوزيف نيدهام أنَّ منهج الشك في الكونفوشيوسية قد ظهر بعد كونفوشيوس، لكن هذا المنهج اقتصر على التشكيك بظواهر معينة فقط كالأشباح والأرواح والتنجيم دون المساس بالوجود الإلهي. (يُنظر: جوزيف نيدهام، موجز تاريخ العلم والحضارة في الصين، ص 315 وما بعدها).
- يُنظر: تشاگر امازتيرام - پراساد، الفلسفة الشرقية، ص 70.
54 (1/54)
صفحة 55
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
إطلالة
على اليونان القديمة
اليونان هي: فلا غرو أن تكون محط نظر في تاريخها الديني، ولربما وُلِدَ الإلحاد من رحم فلسفتها كما يرى ذلك حشد من الباحثين؛ إلا أنَّ هذا الحكم بإطلاقه قد يكون ضربًا من التسرع والمجازفة، فليس كل موضع ذكر فيه الإلحاد يُفسَّر حصرًا على أنَّه إنكار لوجود الله، وهذا أمر مفروغ منه؛ بحكم أنَّ الإلحاد كان يُطلق في اصطلاحهم على كل من تبنّى رأيًا يُصادم السائد والمألوف، وعلى كل من أرادت يد السياسة أن تغتاله وتنكّل به دون إحداث جلبة أو استدرار عطف.
دَأُمَاءُ الفلسفة، وقطب رحاها أيام كانت فلسفتها في أوج عطائها وأجلى تجلياتها،
هناك ما يُشبه الإجماع - مؤخَّرًا - على القول بتأثر الفلسفة اليونانية بالفلسفات السابقة والأخذ منها كالفلسفة القبطية والبابلية والهندية والصينية وغيرها). وكإطلالة على ما أمكن رصده واقتناصه من شرائد الإلحاد في اليونان القديمة سنستعرض أهم ما جاء في ذلك من منقولات وتدوينات وآراء، فقد أشار أفلاطون (lato) إلى أشكال الإلحاد المتنوعة، كانتهاك حرمة المعابد أو سرقتها، والاستهزاء بالأساطير الخاصة بالقصاص والتطهير، والتشكيك فى صحة الصَّلوات، وإنكار عناية الآلهة بالبشر، والكفر بوجود الآلهة (3). ولا ريب
أفلاطون
أنَّه لا يعنينا من كل هذه الأشكال التي عدها أفلاطون أشكالًا إلحاديَّةً إلا إنكار وجود الله، وبالفعل فقد تحققت ميدانيا بعض تلك الأشكال الإلحاديَّة، وتم اتهام مرتكبيها بالإلحاد) وهذا يؤكد ما قلناه مِرارًا وتكرارًا من أن الإلحاد كثيرًا ما يكون مجرد اتهام لمن خالف السائد
1 - تشير البيانات التَّاريخية القديمة إلى أنَّ اليونانيين كانوا على صلة وثيقة بشعوب الشرق الأدنى، خصوصا المصريين والفينيقيين والبابليين، وأنَّ صلاتهم بهذه الشُّعوب لم تقتصر على الجانب التجاري والعسكري، بل تعدتها إلى التبادل الفكري والثقافي، بل يرى المؤرخ هيرودوتس أنَّ المصريين اخترعوا الهندسة ثمَّ نقلها اليونانيون عنهم. (يُنظر: ماجد فخري، تاريخ الفلسفة اليونانية، ص 5 - 6). ولمزيد تفصيل؛ يُراجع: مصطفى النشار، المصادر الشرقية للفلسفة اليونانية، ص (49 - 126). 2 - من أعظم الفلاسفة في العصور القديمة، وُلد في عام (427 ق. م) من أسرة أرستقراطية أثينية، تضلع في الفنون، وصار تلميذا لامعًا لسقراط، ولم يفارقه إلى يوم محاكمته وموته، من أشهر مؤلفاته: (الجمهورية). يُنظر: جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة ص 71). - يُنظر: عصمت نصار الفكر الديني عند اليونان، ص 129.
4 - للمزيد يُنظر: عزت قرني، أفلاطون في السفسطائيين والتربية، محاورة بروتاجوراس.
00 (1/55)
صفحة 56
مناجزة الإلحاد
لبوكيبوس
(1) ,
والمألوف، بغض النظر عن كونه اتهاما موضوعيًّا من عدمه، ونحن لا نسلّط النظر إلا إلى الإلحاد الموضوعي فقط، والذي يقتصر على دعوى إنكار وجود الله تعالى. لقد أدَّى ظهور النظرية الذريَّة (460 - 361 ق. م) على يد الفيلسوف لبوكيبوس (Leucippus) إلى انحراف النظرة الروحية عن مسارها المعتاد إلى مسارٍ آخر يتّسم بالمادية الجلفة، حتى حدا بها الحادي إلى أن جعلت للآلهة وجودًا ماديًا كوجود البشر، بل وشبهتها بالبشر في التَّصرُّفات والسلوكيات واعترفت بتأثيرها المباشر على الإنسان وإن أنكرت قدرتها الخارقة (3)! مع التنويه بأنَّ هذه النظرية لا تُنكر الآلهة، وهي ليست نظريَّةً ماديةً فحسب، بل نظريَّة ميكانيكية ترى أنَّ الإيمان يكون بالجبر، وأنَّ كلَّ شيء يحدثُ وفق القوانين الطبيعية والنواميس الكونية، وأنه لا يحدث شيء بالصدفة والاحتمال). إنَّ الشَّخصيَّات المشهورة التي لحقتها وصمة الإلحادِ كثيرة جدًّا، فهل كانت تلك الاتهامات بالإلحاد موضوعيَّةً؛ بمعنى أن أصحابها أنكروا حقًّا وجودَ الإله؟! أم كانت وفق تصوراتٍ معيَّنة خرجت عن المألوف
والموروث والمعتاد؟!
بروتاجوراس
إِنَّ أول ظَبْطَبَةٍ للتشكيك سمعنا صدى صوتها مكرورًا في بعض المراجع التاريخية صدرت عن الفيلسوف بروتاجوراس (Protagoras)) الذي قيل عنه بأنه قد شكك في الآلهة، وأدرج منصوصه في عدم إمكان الجزم بوجودها أو نفي وجودها وادَّعى أنَّ الآلهة إن كانت غير ملموسة ماديا
1 - أشهر رواد هذه المدرسة هو ديموقريطس، ونظرته إلى الآلهة لا يُمكن الجزم بها، ومن المجازفة انسياق بعض الباحثين إلى اتهامه بإنكار وجود الإله، فهو لم ينكر وجوده بل على النقيض من ذلك، إلا أنَّ تصوراته للإله لا يُمكن الجزم بها، كما أنَّ ثيولوجيا ديموقريطس لا تتضمن الآلهة فحسب، بل تعدتها إلى الأرواح الشريرة (يُنظر: علي النشار، ديموقريطس، ص 85 - 89). ويرى بعضهم أنَّ ديموقريطس يقر بوجود الخالق الذي خلق الذرات وجعلها تتصادم بلا قصد ولا هدف. (يُنظر: صادق الساعدي، نافذة على الفلسفة، ص 67).
2 - فيلسوف مالطي (440 ق. م) يُقال بأنَّ إبيقور أنكر وجوده، لكن أرسطو أشار إليه كثيرًا؛ فمن المستبعد ألا يكون له وجود حقيقي. (يُنظر: برتراند راسل تاريخ الفلسفة الغربية، 1/ 125).
- يُنظر: محمد النشواتي الإسلام يتصدى للغرب الملحد، ص 13.
- يُنظر: رمسيس عوض، الإلحاد في الغرب، ص 9.
5 - سفسطائي يوناني (485 - 411 ق. م) كان صاحب مذهب حسي ونسبي، عارض فكرة الحقيقة المطلقة، وهو صاحب المقولة المشهورة: "الإنسان مقياس كل شيء. يُنظر: جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة ص 170).
56 (1/56)
صفحة 57
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
أورفيوس
فهي غير موجودة، ولكنَّه في الوقت ذاته دعا إلى عبادتها! وقد ذكر أفلاطون أنَّ لبروتاجوراس رأيًا خاصا يختلف عما كان يُعلنه للجمهور! ومما يُلحظ أيضًا أنَّ بروتاجوراس علَّل تعليقه وامتناعه بصعوبة المسألة من جهة، وبقصر العمر من جهةٍ أخرى (2). ويرى بعض الباحثين أنَّ ما يُنقل عن بروتاجوراس إن صح فهو يعني إيضاح فكرة عدم قدرة البشر على إدراك الآلهة والإحاطة بها؛ لأنَّهم قاصرون عن هذه المعرفة (3). ثمَّ إِنَّ السفسطائيين عمومًا - وبروتاجوراس واحد منهم - كانوا يُعلمون النَّاس فنَّ النَّقاش والجَدَل، ولا علاقة لهم بتعليم أمور الدين والفضيلة، ويبدو أنَّ بروتاجوراس أقرب ما يكون إلى (اللاأدرية) منه إلى الإلحادِ الصَّريح، ولا يُستبعد أن تكون (لا أدريته) علنيَّة، وإيمانه غير علني كما أوحى بذلك كلام أفلاطون السابق عنه، بل إنَّ هذا الرَّأي الأخير هو الأقوى احتمالا؛ فأفلاطون أدرى بحال بروتاجوراس أكثر من غيره. وأما اتهام أورفيوس (Orpheus)(5) بالإلحاد فله طابع آخر؛ فإنَّ السبب الأكبر في اتهامه راجع إلى تمرده على الفكر الديني السائد، فقد كان الفكر الديني السَّائد مُنجرًا نحو الإيمان بتعدد الآلهة؛ فجاء أورفيوس بعقيدة توحيديَّةٍ تدعو إلى إله واحد هو خالق الكون وموجده، وكان من رأيه أنَّ الماء هو المبدأ الذي خرجت منه كل الكائنات (6)؛ لذا لم يكن إلصاق تهمة الإلحاد بأورفيوس بسبب إنكاره وجود الله، بل بسبب توحيده، فقد كان التَّوحيد جُرما وجُنحة وإلحادًا في المجتمعات الوثنية. ثم جاء هيرودوت (Herodotus) الذي اتهم بالإلحاد أيضًا؛ لأنَّه كان يُؤمن بوجود قوَّةٍ كامنة أعلى من كل الآلهة الوثنية، وهي التي تتحكم في مصاير البشر جميعا، ويتّضح
1 - يُنظر: رمسيس عوض الإلحاد في الغرب، ص 12.
2 - يُنظر: يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، ص 64.
- يُنظر: جعفر آل ياسين فلاسفة يونانيون، ص 135.
4 - يُنظر: برتراند راسل تاريخ الفلسفة الغربية، (1/ 145).
هيرودوت
ه - فيلسوف ذو شخصيَّةٍ غامضة تستوقف النظر، شكك بعضهم في وجوده، ورفعه بعضهم إلى مقام الألوهية. (ينظر: برتراند راسل،
تاريخ الفلسفة الغربية، 1/ 48).
6 - يُنظر: جعفر آل ياسين فلاسفة يونانيون، ص 132.
7 - هيرودوت أو هيرودوتس، مؤرج إغريقي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد (484 - 425 ق. م) يلقب بـ (أبي التاريخ). والقارئ العربي مدين لهذا الرجل؛ إذ إنَّه وثق تاريخ العرب في تلك الحقبة. (تنظر ترجمته: عبدالإله الملاح، تاريخ هيرودوت، ص 8 - 18). - يُنظر: جعفر آل ياسين فلاسفة يونانيون، ص 134.
OV (1/57)
صفحة 58
مناجزة الإلحاد
سيمونيديس
هيبارخوس
إكسانوفان
من هذا أنَّ هيرودوت كان يُؤمن بالله؛ أي إنَّ عقيدته كانت توحيديَّةً تن العداء للتَّعدديَّة والوثنية وكذلك الفيلسوف سيمونيديس (Simonides)(1) الذي وضعه بعض الباحثين في قوائم اللاأدريين؛ لأنَّه كان إذا سُئِل عن طبيعة الآلهة يقول: "لا أستطيع القطع بوجودها من عدمه (2). لكنَّ هذا الجواب الذي قد يُوحي بـ (لا أدرية صريحة يتحطَّم أمام طوفان اعتقاده بوجود قوة عُظمى مجهولة الهوية تتحكّم في مقدرات البشر؛ أي إنَّ (لا أدريَّة) سيمونيديس تتعلق بالقدرة على معرفة طبيعة الإله والإحاطة بها، فهو لا ينكر وجود القوَّة العظمى (الله)، وبهذا تسقط دعوى (لاأدريته). والحال ذاته ينطبق على هيبارخوس (Hipparch)(3)، فقد أعطى تصورا للجحيم يُخالف التَّصوَّر الموروث، فقال: لا يُوجد في الجحيم إلا من سب الآلهة وأساء إليها. فكان قوله هذا سببًا في اتهامه بالإلحاد! فلم يكن إلحاده إذن إنكارًا للوجود الإلهي بل على العكس. وكذا إكسانوفان Xenophon) (4) الذي ثار ضدَّ تعدُّد الآلهة اليونانية، وسخر من صُوَر الآلهة وكان من رأيه أنَّ كلَّ شخص يرسم الآلهة كما يُحب أن تكون، فالآدميون يتصورون أنَّ الآلهة يولدون ويلبسون الثياب، وأنَّ لهم أصواتا وصورًا كأصوات الآدميين وصورهم ولو كان للثيران والآساد أيادٍ مثلنا وكان
في وسعها أن ترسم وتصنع صورًا كما يفعل البشر؛ لرسمت لآلهتها صورًا تشبهها. لكن إكسانوفان ينوه بوجود إله واحدٍ يعلو على الآلهة والبشر، ولا يُشبه أحدًا، ومما سلف ينحسر لثامُ الشَّك عن حقيقة إيمان إكسانوفان بعقيدة التوحيد والإله الواحد، ويتضح سبب اتهامه بالإلحاد عائد إلى رفضه للتَّعدُّدِ والآلهة الوثنية المصطنعة (ه). وإكسنوفانيس
أن
1 - شاعر وأديب إغريقي (556) - 468 ق. م) يُعدُّ إلى جانب بندارس أهم شعراء عصره.
2 - يُنظر: جعفر آل ياسين فلاسفة يونانيون، ص 134.
3 - هيبارخوس النيقي (190 - 120 ق. م) واحد من أعظم الفلكيين الإغريق، لقب بـ (حبيب الحقيقة)، ظلت النتائج الفلكية التي توصل إليها فاعلةً لمدة تربو على السَّبعة عشر قرنًا. يُنظر: ول ديورانت، قصة الحضارة، 8/ 150).
4 - فيلسوف ومؤرخ يوناني (430 - 354 ق. م) واحد من تلامذة سقراط، من أبرز أعماله: (الأناباسيس)، و (الكيروبيديا)، و (الهيلينيكا).
ه - يُنظر: جعفر آل ياسين فلاسفة يونانيون، ص (135)، وبير دوكاسية الفلسفات الكبرى، ص (30).
58 (1/58)
صفحة 59
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
(Xenophanes)) الذي كانت له آراء تحررية فأُدين بالإلحاد، ولكنَّه كذلك لم يُنكر وجود الله، بل دعا إلى الإله الواحد الأحد (2)، وقال بأنَّ ذات المبدع الأول آنيَّةٌ أزليَّةٌ دائمة ديمومة القدم، لا تُدرك بنوع صفة منطقية ولا عقلية). وأُدين إنكساجوراس (Anaxagoras) بالإلحاد بعد أن أصبح هدفًا لكيد الخصوم السياسيين (5)، وجرَّمه هؤلاء بالإلحاد؛ لأنَّه رفض ألوهية الشَّمس، ووصفها بأنَّها مجرَّد حجرٍ أحمر! وهو في عقيدته يُؤمن بوجود قوَّةٍ عاقلة أزليَّةٍ خالدة قائمة بذاتها تتحكّم بالكون (الله)، صحيح بأنَّه كان يميل إلى تفسير الأشياء بمقتضى الصُّدفة والضَّرورة، ولكن وصمة الإلحاد التي رُمي بها لم تكن قط لإنكاره لإنكاره وجود الله، ولا نرانا نتفق مع من - كرمسيس عوض (6) - على أساس إنكاره للعناية الإلهية وعدم تدينه كما ينقل عنه، ففي الأخير هو يُؤمن بوجود (الله) ولا يُنكر ذلك، بل ويُؤمن بعقيدة التوحيد، ويرى بأنَّ مبدأ الموجودات هو جسم لا يُدركه الحس، ولا يناله العقل ()، وأنَّ ما يُسميه العقل - كعادة الفلاسفة - هو المتحكّم في النظام، وهو مُسببُ كل شيء). واتهم أيضًا الفيلسوف الشهير هيراقليطس الإفسوس (Heraclitus Ephesus) بالإلحاد؛ لأنه رفض فكرة تجسيد الآلهة، مع أنه في الوقت ذاته لا ينكر تشبيهها، ولا يخفى أنَّ بين إنكار
(9)
عده ملحدا
وإكسنوفانيس
NIVASAFORAT
إنكساجوراس
هيراقليطس
1 - فيلسوف يوناني (570 - 480 ق. م) هاجر إلى إيطالية، وواصل نقد الخرافات والأساطير، فرفض فكر هوميروس، وجابهه بنظرةٍ حكيمة عن الله الواحد العقلي الثَّابت. انتقد فكرة مركزية الإنسان في الكون، وقال إنَّ عنصر التراب رق ولطف فنشأت منه النُّجوم. (يُنظر: الشهرستاني، الملل والنحل، 2/ 417 - 418).
2 - يُنظر: رمسيس عوض، الإلحاد في الغرب، ص 10. 3 - يُنظر: الشهرستاني، الملل والنحل، (2/ 417).
4 - فيلسوف يوناني (500 - 428 ق. م) وُلِدَ في آسيا الصغرى، واستقر به الحال في أثينا، وهو من أوائل الذين فسَّروا علميا ظاهرتي الكسوف والخسوف، كما أنَّه كان من أوائل الذين أدخلوا التَّفسير الغائي في الفلسفة. يُنظر: جورج طرابيشي، معجم
ص 106).
ه - يُنظر: يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، ص 57.
6 - يُنظر: رمسيس عوض الإلحاد في الغرب، ص 11.
7 - يُنظر: الشهرستاني، الملل والنحل، (2/ 378). - يُنظر: أنتوني جوتليب، حلم العقل، ص 114.
الفلاسفة
9 - فيلسوف إغريقي، ولد في آسيا الصغرى في عام (540 - 475 ق. م) يُلقب بـ (الفيلسوف الباكي) لكثرة حزنه، من أقواله الشهيرة: كل شيء يسير ولا شيء يسكن". (يُنظر: ول ديورانت، قصة الحضارة، 263/ 6 - 269).
59 (1/59)
صفحة 60
مناجزة الإلحاد
التجسيد وإنكار الوجود بون شاسع، فهيراقليطس يُثبت وجود الإله ويُنكر عقيدة التجسيد الوثنية. كما نُسب الإلحاد كذلك إلى الروائي الكبير يور بيديس (Euripides) باعتبار أنه قد تهكم بالآلهة اليونانية وسخر منها؛ لأنه يراها مجرَّد أقاويل تعيسة من الشُّعراء، فقُتل بهذه التهمة، لكنَّه يُؤكد وجود إله واحدٍ عاقل يُدبّر العالم ()، وكان يرى أنَّ المصائب التي تحلُّ يور بيديس بالناس هي قضاء وقدر تنزله الآلهة، ويبدو أنَّه كان يُمعن البحث في فكرةٍ
سقراط
عن الله تكون بريئةً من أخطاء الأساطير والتقاليد والموروثات (3). وأما
عن اتهام سقراط (Socrates) بالإلحاد فعائد إلى مجافاته مضاجع الاعتقاد بتعدد الآلهة، ورفضه الصَّلوات والطقوس والشعائر المقامة من أجلها، وزرايته بآلهة أثينا وشعبها واستهزائه بعقائدهم الدينية، وقد كان متمردًا ومتنمّرًا عليها في الخفاء مع ما يُظهره لها من تبجيل واكتهاء في العلن، فهو
لا يُؤمن بتلك الخُزعبلات والأضحوكات كلها، بل يُؤمن بالإله الواحد الأحد؛ ومن أجل ذلك قُدِمَ إلى المحاكمة بجريرة الإلحاد وإفساد عقول الشباب، فقُتل في عام (399 ق. م) وأمَّا كريتياس الأثيني (Critias)) فقد خالف الموروث والسَّائد؛ حيث نحا إلى القول بأنَّ الدين اليوناني الوثني مخترع ومبتدع من قبل شخص من الأشخاص، وأنَّ القوانين الإلهية المحلية من صنع البشر واختراعهم، لكنَّه لم يُنكر وجود الله أيضًا، وموقفه يتشابه تماما مع موقف الفلاسفة الموحدين الذين يعتبرون الوثنية صناعةً بشريَّةً يتيه معتنقوها في بيداء الأوهام. فهؤلاء الفلاسفة - كما نرى ويرى القارئ الكريم - يشربون الكأس صحةً، فيثمل غيرُهم سقمًا ويظنُّ بهم الإلحاد كذلك ليس صحيحًا ما رُمي به إبيقور (Epicure) () من الإلحاد بحجة مجادلته الشَّهيرة بمعضلة الشَّر؛ ذلك لأنَّ مجادلته بمعضلة
كريتياس
-
1 - شاعر وروائي مأساوي يوناني قديم، ولد في عام 480 - 406 ق. م) درس الفلسفة على يد أساتذة كبار، وكان سقراط من المقربين إليه، وقد اتصل بالسفسطائيين، وكانت مكتبته ذات شهرة واسعة. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
2 - يُنظر: جعفر آل ياسين فلاسفة يونانيون، ص (136 - 137). 3 - يُنظر: حبيب سعيد، أديان العالم، ص (54 - 55).
- كريتياس الأثيني (480 - 403 ق. م) كانت تربطه بأفلاطون صلة قُربى، وكان على علاقة بسقراط، خاض معارك سياسية انتهت بمقتله. (ينظر: ماجد، فخري تاريخ الفلسفة اليونانية، ص 62 - 63).
ه - الفيلسوف الشهير (341 - 270 ق. م) كان أبوه معلما، وأمه مشعوذة، أخذ عن ديموقريطس وتأثر به، يُقال بأنَّ له (300) كتاب فقدت جميعها. يُنظر: محمد أبو ريان تاريخ الفكر الفلسفي 2/ 257).
60 (1/60)
صفحة 61
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
إبيقور
الشَّر - إن صحت نسبتها إليه - لم تكن لإنكار وجود الله؛ بل لإنكار التَّوحيد والإفراد، فهو في أسوأ الأحوال يُؤمن بتعدد الآلهة، ويرفض التوحيد والإفراد؛ ولذلك تراه يردُّ على عقيدة التَّوحيد بمعضلة الشر، ومن هنا أساء فهم القضيَّة كثيرون ممن كتبوا عن إلحاده، فإبيقور يدعو إلى القول بأنَّ الآلهة موجودون، ويدل على وجودهم؛ أولا: إنَّهم موضوع في الإنسانية جمعاء، والفكرة السَّابقة تتكون بتكرار الإحساس، وكل إحساس يتكرر فهو صادق، وأساس هذه الفكرة السَّابقة الخيالات التي تتراءى لنا في المنام وفي اليقظة، والتي لا بد أن تكون منبعثةً من الآلهة أنفسهم. ثانيا: عندنا فكرةُ وجودِ دائم سعيد، والآلهة يُقابلون هذه الفكرة. ثالثًا: لكل شيءٍ ضد يُحقق المعادلة في الوجود، فلا بُدَّ أن يُقابل الوجود الفاني المتألم وجود دائم سعيد، ويجب أن تُصوّر الآلهة على أكمل وجه).
ومن
وأخيرًا ظهرت مدرسةُ الشَّك واللاأدرية بزعامة الفيلسوف اليوناني بيرون (Pyrron)، ويبدو أنَّ هذا المنهج الشَّكي لم يكن ثمرةً للبحث الفلسفي العميق، بل كان وسيلةً للسَّعادة، وذريعةً لتخفيف ويلات الحياة، مأثور قول بيرون: "لستُ أدري، ولستُ أدري أنَّني لا أدري، ولا أساس للمعرفة، لا العقل ولا الحواس» (3). وقد كان هؤلاء يزعمون بأنَّ كلَّ القضايا تحتمل قولين، ويُمكن إيجابها وسلبها بقوة متعادلة متكافئة، وأنَّ الحكمة تكمن في العدول عن الإيجاب والسَّلب، وفي الامتناع عن الجدل، والأخذ بالوقوف (4)، بل كانوا يُدخلون الشَّكَ في كل أشكال اليقين، ولذلك يقولون لكل شيء: "يبدو كذا“. ولا يقولون: "هو كذا. بل فوق ذلك يستخدمون عباراتٍ من قبيل: "ربما، ولعل، وقد“ قبل كل
بيرون
1 - يُنظر: يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، ص (261). ويرى محمد أبو ريان أنَّ إبيقور كان يرفض الوجود الإلهي المؤثر مع إيمانه بوجود الآلهة. يُنظر: محمد أبو ريان تاريخ الفكر الفلسفي، 2/ 258 - 266). بل إنَّ مجادلة إبيقور بمعضلة الشَّر قد لا تصح نسبتها إليه، فليس من مصدرٍ قديم لها سوى ما ذكره بعض المتأخرين عنه كديفيد هيوم كما أشار إلى ذلك بعض الباحثين. 2 - بيرو أو بيرون (360 - 370 ق. م) هو أوَّل من قدَّم نظرةً تشككيةً شاملةً في اليونان ولم يُخلّف أي كتابات، وندين بمعرفتنا لأفكاره لتلميذه نيمون. (يُنظر: ولتر ستيس، تاريخ الفلسفة اليونانية، ص 294). وفي الحقيقة يُعتبر الفيلسوف أنيسديموس المؤسس الأول لهذه المدرسة في القرن الأول قبل الميلاد، وليس بيرون حسب ما هو شائع.
3 - أحمد أمين، قصة الفلسفة اليونانية، ص 406.
4 - يُنظر: يوسف،کرم تاريخ الفلسفة اليونانية، ص 278.
71 (1/61)
صفحة 62
مناجزة الإلحاد
ملحوظة من ملحوظاتهم، فهذه المدرسة مدرسة كسولة متقاعسة لا تهتم بالبحث والمعرفة ولا تُبالي بهما، فهي بهذا موقف عاجز وخامل، يستند إلى خُص مائل! وكذا موقف بعض السفسطائيين القائلين باستحالة المعرفة الموضوعية، وأنَّه لا سبيل إلى نفي الآلهة أو إثباتها). فهو كذلك موقف عاجز متخاذل، ومثله موقف من خُيّل إليه أنَّ الوصول إلى الحقيقة غير ممكن، فشكَّ وتشكَّك وقال: لا أدري. ولعلَّ أفضَلَهم حالا مقارنة بهم: الاحتماليون الذين:
يُرجحون ولا يُبرهنون
إضَاءَةً
يقول برتراند راسل: كان المتشككون القدامى يُؤدون كل شعائر الوثنية، بل كانوا أحيانًا كهنةً لها، وأكد لهم مذهبهم في التّشكُك أنَّ هذا الضرب من السلوك يستحيل أن يقوم برهان على بطلانه (3). إذن؛ فالمتشككون أنفسهم يُطبّقون مذهب الشَّك على مستويات معينة ومحددة، بل إنَّهم كانوا يُسلمون بصحة وجود الظواهر ولم يُشككوا فيها). إنَّ ظهور السَّفسطة كان علامة فارقةً في جبين الفلسفة اليونانية، فهي من أوجدت عهدًا جديدًا حاول الخروج من صندوق الجماعة، وأحدث كُسورًا غائرةً في مفاصل التقاليد الثالدة والعادات السائدة، فأعلن عن قناعاته الشخصية حسب ما تُمليه عليه إرادته العاقلة)، وإذا كان الفلاسفة يسيرون في طُرُق خاصة بهم فإنَّه لم يكن من المستغرب أن يشتبكوا مع عقائد الدولة في مدنهم، ومن ثم تبتلعهم دوامة العراك والصراع والتلديد، وهو مصير يتعرض له جميع أصحاب العقول في كل زمان ومكان (6)؛ ذلك لأنَّ العقول المفكّرة ترفض مظاهر الوثنية من عبادة للأحجار والأجرام واشتغال بالسَّفاسف والترهات البسابس، فلا غرو أنْ تُعارِضَ ما يُخالف
المستقلة
الفِطَرَ السليمة المتقدة.
1 - يُنظر: ولتر ستيس، تاريخ الفلسفة اليونانية، ص 294.
2 - يُنظر: موريس كروزيه وآخرون تاريخ الحضارات العام، ص 338.
- برتراند راسل، تاريخ الفلسفة الغربية، (1/ 365).
4 - يُنظر: المرجع السابق، (366/ 1).
ه - يُنظر: مصطفى النشار، تاريخ الفلسفة اليونانية، (2/ 10). 6 - يُنظر: برتراند راسل حكمة الغرب، (33/ 1).
62 (1/62)
صفحة 63
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
ونلفت النظر إلى أنَّ مذاهب الفلاسفة ونظرياتهم قد تكون تطبيقاتها على مستويات محدودة، فقد يكون بعضهم مادي النزعة لكنَّه مؤمن بوجود الإله، فلا تلازم بين الأمرين؛ إذ إنَّ هذا الإلزام مُحدث في العصر الحديث، فإبيقور على سبيل المثال كان ماديا يدعو إلى عدم تجاوز ما تأتينا به الحواس، وأنَّ العالم جاء صدفةً واتفاقًا، وأنَّ أصل الوجود هو الذرات ()، لكنَّه هذا كله كان يؤمن بالآلهة، ومثله كثيرون يلتقون معه في الخط نفسه.
مع
أنهم
لقد غفلت جماعةٌ من العلماء والمفكرين عن أنَّ البحث الطبيعي عند اليونانيين لا يعني كانوا منكرين للإله والعالم الروحي! يقول الفيلسوف الإسلامي محمد حسين الطباطبائي عن الفلاسفة الطبيعيين الذين تمَّ تسليط الضوء عليهم باعتبارهم ملحدين: "إِنَّ هؤلاء ومن لف لفهم من المتوغلين في البحث عن مظاهر الطبيعة وهم الذين يعتبرهم المادي أسلافا له؛ اغترارًا بتعليلهم الحوادث الطبيعية بعللها ... لكنه فاته أنَّ الإيمان بالنواميس والعلل المادية لا يلازم الإلحاد والإنكار ... وما زعمه المادي دليلًا لإلحادهم فهو من أفحش الأغلاط ... ضع يدك على المئات المؤلَّفَة من كُتُبهم تجدها مليئة بالبحث عن المادة الأولى والعِلل الطبيعية، ولكن ذلك لم يصدهم عن التأليه والإيمان بما وراءها ... وكفذلكة لقضية الإلحاد في بلاد الإغريق، فإنَّنا لم نعثر على إلحادٍ صريح يُنكر الوجود الإلهي، كُلُّ ما هنالك هو منقول خجول لا يكاد يُبين أو تشكيك كسول ملول، أو ربوبية
(^) co
مترددة سطا عليها العَلَز والقلق، والزَّاعم بغير ذلك ليس بأوَّل مَن غَرَّه السَّراب".
- يُنظر: نديم الجسر قصة الإيمان، ص (48 - 49). - محمد حسين الطباطبائي أصول الفلسفة، ص (40 - 43).
63 (1/63)
صفحة 64
مناجزة الإلحاد
إطلالة على العرب
قبل الإسلام
العرب كغيرهم من شعوب العالم كانوا يدينون بدياناتٍ مُتعدّدةٍ ويعتقدون باعتقاداتٍ مختلفة ومتباينة، فهم فكروا في وجود قوى عُليا لها عليهم حكم وسلطان، فحاولوا كما حاول غيرهم التَّقرب إليها واسترضاءَها بكل الوسائل والطرق، ووضعوا لها أسماءً ونعوتًا وسلكوا في ذلك عدة ا مسالك (2)، فمنهم من عبد الأوثان، ومنهم من عبَدَ الكواكب والنجوم، ومنهم من عبد الجنَّ والملائكة (3)، بل ووُجد فيهم من يعبد الفروج والأبقار والجمال)، كل هذا إلى جانب الديانات المعروفة كاليهوديَّة والنَّصرانية والحنيفية والمجوسية والصابئة.
لكن؛ هل أطل إنكار الوجود الإلهي برأسه على الفكر العربي قبل الإسلام؟! هذا هو ما نحاول البحث عنه والنظر في مظانّه، فإنَّنا لم نجد من أثبت القول بإنكار العرب لوجود الله وبرهن عليه (5) لا على المستوى الفردي ولا على المستوى الجماعي - من باب أولى - باستثناء ما ورد عن الزندقة والدهرية (6).
أما الزندقة فقد ذكر بعضُهم وجودها في قريش، وقد عرَّفوا الزنديق بأنَّه الدهري الذي يعتقد بدوام بقاء الدهر، وعدم الإيمان بالآخرة ولا بوحدانية الخالق. وفي كلام أهل الأخبار هذا إبهام وخلط فإذا كان الزنديق هو المعتقد ببقاء الدهر وعدم وجود عالم ثان بعد الموت فتكون الزندقة هنا بمعنى الدهريَّة، ويكون الزنديق هو الدَّهري؛ لقوله بالدَّهر وأبدية الكون والمادة، أما
1 - التَّوحيد - فيهم وفي غيرهم - هو الأصل، وأما التَّعدُّديَّة فمجرد انحراف طارئ. (يُنظر: أمين مدني، التاريخ العربي وبدايته،
2 - يُنظر: جواد علي المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، (2/ 304).
- للمزيد يُنظر: سميح دغيم، أديان ومعتقدات العرب قبل الإسلام.
4 - للمزيد يُنظر: أنستاس الكرملي، أديان العرب وخرافاتهم.
ه - ذكر الباحث جواد علي وجود من توقف في الآلهة من العرب فلم يعتقد بشيء، ولم يُبرهن على ذلك ولم يذكر أسماء أو نصوصًا، مع أنه صرح في غير ما موضع بصعوبة معرفة أديان العرب واعتقاداتهم وتاريخهم الديني. (يُنظر: المفصل في تاريخ
العرب، 2/ 310).
6 - كل الذين وقفنا على قولهم بوجود من أنكر وجود الله من العرب قبل الإسلام يستدلون بآية الدهر دون ذكر أدلَّةٍ أخرى! (يُراجع: محمد الجارم، أديان العرب في الجاهلية، ص 111). و (أبكار السقاف الدين في شبه الجزيرة العربية، ص 55 - 58).
64 (1/64)
صفحة 65
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
القول بالتنوية - أي بالنور والظلمة - فيختلف عن القول بالدهر، والظاهر أنَّ الخلط بين الدهرية والتنوية والإلحاد وقع في عهد الإسلام؛ بسبب المعنى المفهوم للزندقة في الفارسية والمعنى الذي ظهر لاحقًا في الإسلام. وقد ذُكرت أسماء بعض زنادقة قريش، كأبي سفيان بن حرب، وعقبة بن أبي معيط وأبي بن خلف الجمحي، والنضر بن الحارث بن كلدة، والعاص بن وائل السهمي، والوليد بن المغيرة. ومن له أدنى دراية بأحوال هؤلاء المذكورين يعلم بأنهم كانوا من المولعين بالآلهة والمؤمنين بها بل ومن أشد المستمسكين بها).
61
وخلاصة الأمر هو أنَّ الزندقة - إن ثبتت في حق بعض قريش - لم تكن تعني الإلحاد وإنكار وجود الله؛ فإنَّ أولئك الذين ذُكرت أسماؤهم كانوا من المؤمنين بوجود الله، وإلا لما عبدوا الأصنام التي كانت تقربهم إلى الله زلفى كما يظنُّون وأمَّا الدهريَّة فهناك ثلاثة آراء فيها: الأول: أنَّها تُنكر وجود الله.
الثَّاني: أنَّ الدهرية العربية لا تُنكر وجود الله بخلاف الدهرية غير العربية.
الثالث: أنَّها تُنكر البعث والحساب لكنَّها تُؤمن بوجود الله.
استدل القائلونَ بالرَّأي الأوَّلِ بالآية الكريمةِ: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (الجاثية: 24). فالقرآن الكريم - كما يرون - يُطلق على المنكرين لوجود الله اسم (الدَّهريَّة). والدهرية هي مذهب كل من اعتقد بقدم الزمان والمادة والكون، وأنكر الألوهيَّة والخَلق والعناية والبعث والحساب، كما يرون أنَّ الموجب للحياة والموت هي طبائع الأشياء وحركاتُ الأفلاك، وهؤلاء الدهرية هم أوشج آصرة كفرية بالملاحدة المعاصرين، ويُخبرنا القرآن الكريم عما سيدعيه بعضُ الدهريين - بعد أربعة عشر قرنًا - في خلق الكون والإنسان من عدم وبلا خالق، فيقول الحق تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (الطور: (35). أي من غير مادَّةٍ ومن غير سبب أوَّل). وأما القائلون بالرأي الثاني فراهنوا على أنَّ الثاني فراهنوا على أنَّ وجود الله حقيقة لا تحتاج إلى برهان، فهي فطرةً
1 - يُنظر: جواد علي المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، (3/ 15).
2 - يُنظر: عمرو شريف، وهم الإلحاد، ص (17 - 18).
70 (1/65)
صفحة 66
مناجزة الإلحاد
وجود
الله)، لأنَّ العرب
فطر الله الناس عليها؛ ولذلك لم يكن من أهداف القرآن الكريم إثبات وجود الذين ظهر فيهم النَّبي كانوا جميعهم على الاعتقاد بوجود الله، والآية التي هي محلُّ الشاهد تتحدث عن العرب الذين أنكروا البعث والحساب ولم ينكروا وجود الله، أما الذين أنكروا الله فهم الدهريون من غير العرب، وأشار إليهم القرآن الكريم لأنه نزل للنَّاس كافة. ويُنقل عن ابن رشد قوله: "إنَّ العرب كلَّها تعترف بوجود الباري سبحانه وتعالى (2). ونحن لم نعثر على نصوص من خُطب العرب وأشعارهم يُنكرون فيها وجود الله تعالى، فكل ما ورد عنهم من ذكر للدهر إنَّما هو حديث عن عَجارِيفِه وتقلباته، وهم أنفسهم مع اعتقادهم ذلك يعترفون بوجود الله سبحانه وتعالى، فها هو زهير بن أبي سلمى تثور قريحته قائلا: (3) بدا لي أنَّ الله حق فزادني إلى الحق تقوى الله ما قد بدا ليا بدا لي أنَّ النَّاس تفنى نفوسهم وأموالهم ولا أرى الدهر فانيا
معه
فنراه ينسب البقاء إلى الدهر، وفي القصيدة نفسها يُقر بوجود الله؛ أي إنَّ العرب قد جرى مجرى العرف عندهم الاعتقاد الله وإشراك غيره بوجود کالدهر والأصنام والكواكب ونحوها، ومثل ذاك الموقف يتضامن مضمونه مع ما قاله النابغة الذبياني: (؟) مَن يطلب الدهرُ تُدرِكْهُ مخالبه والدهر بالوتر ناج غير مطلوب
وبالمثل يُعلن عنترة أنَّ الدهر دَاءَ له وغدر به (ه):
كم يُبعِدُ الدَهرُ مَن أَرجو أقاربه عَنِّي وَيَبْعَثُ شَيطاناً أُحارِبُهُ فَيا لَهُ مِن زَمَانٍ كُلَّمَا انْصَرَفَت صُروفُهُ فَتَكَت فينا عَواقِبُهُ
1 - هذا ما نميل إليه، فالجو القرآني اعتبر قضيَّة (وجود الله) قضيَّةً فطريَّةً مُسلَّما بها، وكلُّ الرُّسل لم تكن دعوتهم لإثبات وجود الله: بل لتوحيده؛ نظرًا لفطريَّة إثبات وجوده في البشر، وهذا لا يعني أنه لا تُوجَد آيات في القرآن يُستدل بها على إثبات وجود الله، فقضية وجود آياتٍ تُثبت الله لا يلزم منها وجود من كان يُنكر وجود ا الله. (للمزيد يُنظر: كمال الحيدري، معرفة الله،
ص 336 - 343).
وجود
2 - يُنظر: فرج الله عبد الباري العقيدة الإسلامية في مواجهة التيارات الإلحادية، ص (43). 3 - قصيدة (ألا ليت شعري من البحر الطويل ديوان زهير بن أبي سلمى، ص 140. - قصيدة (من يطلب الدهر) من البحر البسيط، ديوان النابغة الذبياني، ص 76.
ه - قصيدة (يا طامعا في هلاكي) من البحر البسيط، ديوان عنترة بين
?
شداد
ص 71. (1/66)
صفحة 67
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
دَهر يرى الغَدرَ مِن إحدى طبائعه فكيف يهنا به حُرِّ يُصاحِبُهُ
فكانوا ينسبون النوازل إلى الدهر، وما من هازمةٍ ولا داهية نزلت بساحتهم إلا وللدهر اليد الطُّولى فيها، فيقولون: أصابتهم قوارعُ الدَّهر وصروفه، وأبادهم الدهر، وفتك بهم، وغدر بهم ... إلخ). ففي هذه الجمل وأمثالها توكيد معنى حاكميَّةِ الدَّهر وبقائه ونفوذ سلطانه على الجميع، فهو إذن؛ المهيمن على العالم، وقد كان هذا الاعتقاد راسحًا في نفوس كثير من الجاهليين، بل وفي نفوس كثير ممَّن أدرك الإسلام فأسلم لاحقا. وقد أجاد الأستاذ محمد قطب في الجواب هذه المسألة، فوضع المقصل على المفصل، وأجرى الأمور على أذلالها حينما قال: "فأغلب الظَّن عندي أنَّ هؤلاء القوم المشار إليهم في الآية هم الذين يُؤمنون بوجود الله، وبأنَّه هو الخالق المدبر، ثمَّ يُنكرون قدرته على بعث الموتى بعد أن يصيروا ترابًا وعظامًا: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (الزخرف: 9). وقوله سبحانه وتعالى:
عن
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (العنكبوت: 61). وقوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (لقمان: (25) وغيرها من الآيات، ومع إقرارهم بذلك كله فقد كانوا ينكرون البعث إنكارًا شديدًا ويعجبون ممن يقول به: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُرّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (سبأ: 7). ولذلك كان الجدل معهم حول معنى القدرة الإلهية على إعادة الخلق بعد إفنائه (7). وقد عرف أنستاس الكرملي الدهريَّة العرب بـ (المنكرين للمعاد) دون التطرق إلى إنكار وقال الشهرستاني عنهم بأنهم زعموا أنَّ العالم في الأزل كان أجزاء مبثوثةً تتحرك على غير استقامة فاصطحت اتفافًا، فحصل العالم بشكله الذي نراه عليه، ثم قال: "ولستُ أرى صاحب هذه المقالة ممَّن يُنكر وجود الصَّانع، بل هو يعترف بالصَّانع، لكنَّه يُحيل سبب وجود
6
6
6 - جاء في كتاب المفصل في تاريخ العرب لعلي جواد (3 (16) أنَّ الحارث بن قيس ابن الغيطلة نُسب إلى الدهرية، وقد نظرنا في ترجمته ولم نعثر على شيءٍ بخصوص دهريته إن كانت إنكارًا لوجود الله أم للبعث والحساب فقط كعادة أهل زمانه، بل وجدنا أنَّه كان يعبد الأصنام! وقد رُوي أنَّ آية {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا الفرقان:43 قد نزلت فيه؛ لأنه كان يعبد حجرًا، فإذا رأى حجرًا أحسن منه تركه وأخذ الأحسن! لكنَّه أسلم لاحقا. 7 - محمد قطب مذاهب فكرية معاصرة، ص 605.
- يُنظر: أنستاس الكرملي، أديان العرب وخرافاتهم، ص (71). ولمعرفة أسباب وجود الفكر الدهري - عند العرب يُنظر: محمد سهيل طقوش، تاريخ العرب قبل الإسلام، ص 261.
TV (1/67)
صفحة 68
مناجزة الإلحاد
(1)
العالم على البحث والاتفاق احترازاً عن التَّعليل؛ ولهذا لم يرد التَّكليف بمعرفة الصانع “). ويرى ابن كثير أنّ الآية السَّابقة تتحدث عما يقوله مشركو العرب المنكرون للمعاد، ويقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم يُنكرون البداءة والرَّجعة، ويقوله الفلاسفة الدَّهرية الدورية المنكرون للصانع (2).
(2)
إنَّ إثبات القول بوجود من أنكر وجود الله من العرب قبل الإسلام أمر لا يتوسل إليه إلا من خلال أشعارهم وخطبهم وما أثر عنهم فقط، وإلا فإنَّ الآية التي هي محلُّ الشَّاهد جاءَت
هنا ومن
في سياق المنكرين للبعث والحساب بدليل الآية التي تليها، فقد جاءت كرة على دعواهم في السياق ذاتِه: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (الجاثية: 26). فالآية الكريمة نفسها لم تُسمّهم بـ (الدهريين)؛ أي إِنَّ التسمية حادثة! أصبح تأثير التسمية كحبل مشنقة يجرنا إلى منصته في فهمنا للآية ويُحاكمنا الجرار بمنطوقه، وكان الأجدر بنا أن ننصرفَ إلى سياق الآيات؛ ليتبيَّن لنا بجلاء أنَّ الحديث كان عن منكري البعث والحساب، ومن المعلوم بأنَّ إنكار البعث والحساب شيء وإنكار الخالق شيء آخر، فلماذا نُطين عينَ الشَّمس!
فرعون؛ بقعة ضوء على دَيْجُور اعتقاده
ما نود الإشارة إليه ابتداءً أنَّ قضيَّةَ جُغرافيَّةِ مصر فرعون وقومه الذين تأتفوه واحتوشوه هي مثار أخذ ورة بين الباحثين، فهناك من يرى بأنَّ جغرافيتها داخلة في نطاق مصر الحالية، وهناك من يرى بأنها منصهرة في نطاقات شبه الجزيرة العربية (3)، ولا شك أنَّ لكلّ قول من هذه الأقوال المختلفة إسقاطات مختلفة تتناسب مع طبيعة كلّ واحدٍ منها؛ ومنه سترسم ريشةُ كلّ قول صورةً مختلفة لطبيعة التفكير الديني السائد في مجتمع فرعون وقومه، فإن نحن وضعنا فرعون في خانة المجتمع المصري القبطي كما هو حال النظرة السائدة؛ فإنَّ ريشة هذا القول سترسم لنا مشهدًا دينيا من سماته: تعدد الآلهة، والاعتقاد بالبعث والحساب بعد الموت (4)،
1 - الشهرستاني، نهاية الإقدام في علم الكلام، ص (118 - 119). 2 - يُنظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، (296/ 7).
- يُراجع: (جمعية التجديد البحرينية، اختطاف جغرافيا الأنبياء).
4 - يُنظر: لطفي وحيد، أشهر الديانات في التاريخ، ص (31 - 36). وللمزيد نُحيل إلى الدراسات التالية: (أحمد البربري، السماء في الفكر المصري القديم. و ياروسلاف تشرني الديانة المصرية القديمة). و علي فهمي خشيم، آلهة مصر العربية).
68 (1/68)
صفحة 69
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
والاعتقاد بالتوحيد كما في عهد أخناتون وغيره)، أي إنَّه مجتمع ديني بامتياز. وإن نحن وضعنا فرعون وقومه في خانة المجتمع العربي في جزيرة العرب فإنَّ ريشة هذا القول سترسم لنا مشهد مجتمع ديني متعدد الآلهة، تضرب عقيدة الأسلاف بأطنابها فيه؛ أي إنَّ توجيه بوصلة البحث إلى أي مسارٍ من هذين المسارين لن يأتي بكثير نفع لزاعم يزعم فيه بإلحاد فرعون وقومه؛ فكلا المسارين يعُجَّان بالفكر الديني ويعتنقان فكرتي: الألوهية والعبودية.
لقد وردت دعوى إلحاد فرعون وإنكاره الوجود الإلهي عند ابن كثير وغيره (2)، ومنهم من يرى بأنَّ فرعون كان عارفًا بالله في نفسه مع ما يُظهره من الإنكار تكبرًا وزورا وبهتانا (3)، ومنهم من يعده جاهلا بالله، وهؤلاء اختلفوا في كيفية جهله، فقيل بأنه كان دهريًا نافيًا للصانع، وقيل بأنَّه كان من عبدة الكواكب، وقيل بأنَّه كان من الحلوليَّة المجسّمة. وأمَّا ادعاؤه الربوبية لنفسه فبمعنى وجوب طاعته والانقياد له. هكذا لخص الفخرُ الرَّازي القضيَّة). وفي سياقات التفسير تتكرر دعوى أنَّ فرعون والملوك من قبله كانوا هم الآلهة في زمانهم (5)، فكيف يُقال بإنكار فرعون للآلهة في الوقت ذاته؟!
يُجيب ابن عاشور عن ذلك قائلا: "فرعون سأل موسى - عليه السلام - تبيين حقيقة هذا الذي وصفه بأنَّه ربُّ العالمين، فقد كانت عقائد القبطِ تُثبت آلهةً متفرقةً قد اقتسمت التصرف في عناصر هذا العالم وأجناس الموجودات، وتلك العناصر هي العالمون، ولا يدينون بإله واحد، فإنَّ تعدد الآلهة المتصرفة ينافي وحدانيَّة التَّصرف، فلمَّا سمِعَ فرعون من كلام موسى إثبات رب العالمين، قرع سمعه بما لم يألفه من قبل لاقتضائه إثبات إله واحدٍ وانتفاء الإلهية عن الآلهة المعروفة عندهم، على أنَّهم كانوا يزعمون أنَّ فرعونَ هو المُجتبى من الآلهة ليكون ملك مصر، فهو مظهر الآلهة الأخرى في تدبير المملكة: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (الزخرف: 51). وبهذا الانتساب إلى الآلهة وتمثيله إرادتهم في الأرض كان فرعون يُدعى إلها، وقد كانت الأمم يومئذٍ في غفلة عما عدا
صلے
1 - يُشير فراس السواح إلى أنَّ الديانة المصرية ديانة توحيديَّةٌ في أصلها. (ينظر: فراس السواح، الأسطورة والمعنى، ص 189 - 218).
2 - يُنظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، (138/ 6).
- يُنظر: ابن تيمية درء تعارض العقل والنقل، (440/ 8). 4 - يُنظر: الرازي، مفاتيح الغيب، (57/ 22).
ه - يُنظر: تفسير السمعاني، (43/ 4)، وتفسير ابن عطية، (4 229)، وتفسير القرطبي، (12/ 98).
79 (1/69)
صفحة 70
مناجزة الإلحاد
أنفسها، فكانوا لا يُفكرون في مختلف أحوال الأمم وعوائد البشر، ولا تشعر كل أمةٍ إلا بنفسها وخصائصها من آلهتها وملوكها، فكان الملكُ لا يشيع في أمَّتِه غير قوته وانتصاره على الثَّائرين، ويُخيّل للنَّاس أنَّ العالم منحصر في تلك الرقعة من الأرض ... أعرض فرعون عن خطاب موسى واستثار نفوس الملأ من حوله - وهم أهل مجلسه - فاستفهمهم استفهام تعجب من حالهم كيف لم يستمعوا إلى ما قاله موسى؟! فنزلهم منزلة من لم يستمعه تهييجا لنفوسهم؛ لكيلا تتمكن منهم حجةُ موسى؛ فسلط الاستفهام على نفي استماعهم - كما تقدم - وهذا التعجب من حال استماعهم وسكوتهم يقتضي التَّعجب من كلام موسى بطريق فحوى الخطاب، فهو كناية عن تعجب آخر، ومرجع التَّعجبين أنَّ إثبات ربٍ واحدٍ لجميع المخلوقات منكر عند فرعون؛ لأنَّه كان مشركا فيرى توحيد الإله لا يصح الشكوت عليه).
قلے
هناك نصوص قرآنية حاسمة في موقف فرعون وقومه من حيث الاعتقاد بالآلهة، وهذه النصوص تدلُّ على أنَّ فرعون وقومه لم يكونوا بدءًا من الأمر، فهم كغيرهم من الأقوام التي كذَّبت رسل ربهم وآياتِه بالرغم من إيمانهم بالآلهة من أوثان ونحوها، فالله سبحانه وتعالى يقول: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (آل عمران (11). ويقول تعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ، وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ} (الأنفال: 54). وغيرها من الآيات تدلُّ على تكذيبهم الرُّسل وإنكارهم النبوات مع اعترافهم بآلهة الأسلاف وعبادتها. ومن
التي
?
النُّصوص الحاسمة كذلك قوله تعالى: قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (الأعراف: 70). فهم كانوا يعتنقون عقيدة أسلافهم، كما هو الحال في قريش وغيرها من الأمم الجاحدة المكذبة، فقوم إبراهيم احتجوا بعقيدة الأسلاف قائلين: قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (الأنبياء: 53). وقوم عادٍ: قَالُوا أَجِثْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (الأحقاف (22). وقريش قالت: وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ (الزخرف: 23).
:
كذلك فإنَّ فرعون وقومه كانت لهم آلهة ولم ينكروا هذا المبدأ، يقول تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِن
صلے
1 - ابن عاشور التحرير والتنوير، (19/ 116)، بتصرف.
V. (1/70)
صفحة 71
من
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
الله
بقدرِ
قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (الأعراف: (127). فكيف يُقال بأنَّه كان يُنكر وجود الله وهو غارق في لجاج الآلهة من كل الزوايا والاتجاهات؟! وهذا يُحيلنا إلى آية: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (غافر: (36). أي إنَّ فرعون لم يكن يُنكر وجود ما كان يُنكر تصورات الإله التي جاء بها، موسى ففرعون وقومه يعتقدون كما اعتقد أسلافهم أنَّ الإله يجب أن يكون ماديًا ويُرى عيانًا، وعندما أدرك فرعونَ الغرقُ بعد أن أَرَّتْ بين قومه قال: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (يونس: 90). فالآية صريحة في إقراره بالتَّوحيد مباشرةً؛ مما يدلُّ على إقراره المسبق بوجود الله دون الإقرار بوحدانيته فهو لم يقل آمنت بوجود الله وإنما قال آمنت بأنَّه لا إله إلا الله. كذلك يظهر جليًّا إيمان فرعون بالآلهة كما في قوله تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَثْبِيبٍ
:
صلے
(هود: (101). نعم؛ كانت لهم آلهةٌ لم تُغن عنهم من الله شيئًا، وينقدِحُ في الذهنِ مباشرة اعترافُ فرعون بوجود الله عندما تُمعن النظر في خطاب موسى له قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} (الإسراء: 102). فالآية تُشير إلى علم فرعون وإن أنكر! وقوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} (النمل: 14). فجحودهم كان مشهودًا ومُعلَنا، لكنَّهم كانوا في قرارة أنفسهم مستيقنين!
وهذا توثيق إلهي لما يعتلج في دواخل نفوسِهِم، وأنَّهم مستيقنون نفوسًا وإن جحدوا ألسنةً! وكذلك سؤال فرعون: قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} (الشعراء: 23). فهو لم ينازع موسى في الوجود بل طلب منه معرفة الماهية، فدل هذا على اعترافه بأصل الوجود، ولما أقام موسى الدَّلالة على الوجود وعرَفَ فرعونُ أنَّه لا يُمكنه أن يُقاومه في هذا المقام لظهوره وجلائه؛ عدل إلى المقام الثَّاني وهو طلب الماهية وهذا أيضًا ممَّا يُنبه على أنَّه كان عالما بالله؛ لأنه ترك المنازعة في هذا المقام؛ لعلمه بغاية ظهوره، وشرع في المقام الصعب؛ لأنَّ العِلم بماهية الله تعالى غير حاصل للبشر).
وفرعون كان يعلم بأن ملكه محدود بجغرافية مصره فقط ولا سلطان له على الأمصار
1 - يُنظر: الرازي، مفاتيح الغيب، (22/ 57).
71 (1/71)
صفحة 72
مناجزة الإلحاد
الأخرى؛ ولذلك عندما أصبح موسى مزؤودًا ومُترقبًا التجأ إلى مدين حيث يأمنُ من أن تصل يد فرعون إليه، وحري بمن كان يعلم ذلك في قرارة نفسه أن يُوقن بأنَّ ربوبيته قاصرة عاجزة، وأن تكونَ له من حواره مع نبي الله. آية ناصعة بعد أن أبَسَهُ أَبْسًا، وأحال سطوته حقًّا بثًا.
موسي
إنَّ فرعون كان كغيره من الكفار في مطالبته موسى بآياتٍ تدلُّ على نبوته، فهي مطالبةٌ على سبيل الأجاج والعناد، والخوف من سحب البساط من تحت أقدامه، وانكماش الوجاهة الزَّائفة التي تجعل له سلطانًا مكينا على رقاب المستضعفين، ونلحظ من تلك الدعوات اعتراف فرعون بوجود الملائكة؛ ولذلك طلب من موسى أن يُحضرهم معه ليثبت صدق نبوّته، وحضور الملائكة في ذاكرة فرعون ولسانه يدلُّ على نوع البيئة الحاضنة له ولقومه، فمما هو معلوم أنَّ فكرة وجود الملائكة انبثقت من الديانات الإلهيَّة، فهي غيب محض لا سبيل إليه إلا عبر الوحي المتلقى من أنبياء الله ورسله، ومنه فإنَّ طلباتٍ من مثل إلقاء الأسورة أو مجيء الملائكة تُبيّن لنا شيئًا من حديث فرعون النَّفسي الداخلي وعقيدته التي خالطها الكدرُ وداخَلَهَا الانحراف: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53)} (الزخرف: 52 - 53). إنَّ إنكار فرعون لإله موسى هو إنكار وفق تصورٍ معين للإله المرسوم في ذهن فرعون وليس إنكارا لمبدأ الإله نفسه، فعلى سبيل المثال: كانت قريش تُنكر إله محمد؛ أي إنّها تُنكر التصورات التي جاء بها محمد عن الله ولم تُنكر مبدأ الألوهيَّة نفسه، وذات الحال بالنسبة إلى المسلم، فإنَّه إن أنكر ألوهية المسيح بأنه يُنكر مبدأ الألوهية، ومن هنا كان إشكال الأمر كما نرى؛ فإنكار تصور إله
فهذا لا يعني معين لا يعني إنكار الألوهية كمبدأ.
72 (1/72)
صفحة 73
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
إطلالة
على التَّاريخ الإسلامي
نُطل على التاريخ الإسلامي من خلال نوافذ ثلاث نتأمل منها المشهد على حقيقته، وهي كالآتي:
- النافذة الأولى: النافذة المطلة على عصر الرسول الكريم، وتمتد من (1 - 11 هـ). - النافذة الثانية: النافذة المطلة على عصر الخلافة الراشدة، وتمتد من (12 - 40 هـ). - النافذة الثَّالثة: النافذة المطلة على ما بعد الخلافة الراشدة، وتمتد من (41 هـ فما بعدها). النافذة المطلة على عصر الرسول الكريم)
إنَّ المتتبع لحال الناس في عصر الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - يتجلى له بوضوح أنهم لم يكونوا يتمارون في حقيقة الوجود الإلهي نعم؛ هناك من يُشرك بالله آلهةً أخرى تحت مزاعم مختلفةٍ وتبريراتٍ أهوائية متعددة، وقد يُنكر بعضُهم البعثَ والمعاد والحساب، ولكنَّ الحقيقة التي تتسالم عليها قلوبهم وألسنتهم هي أنَّ الله هو خالقهم كما في قول الحق: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} (الزخرف: (87). وأنه هو مُوجد الوجود - وقد تكرّرت هذه الحقيقة على ألسنة المشركين في مواضع مختلفة من الذكر الحكيم - كما في قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (العنكبوت: (61). وهم معترفون بأنَّه هو الرازق القدير كما في قول أصدق القائلين: قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَقِّ وَمَن يُدَتِرُ الْأَمْرَ، فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ، فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (يونس: 31). وهم يعلمون أنه من صفات خالقهم العزَّة والعلم كما في قوله عزّ من قائل: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (الزخرف: 9).
وهم مع إيمانهم بالله - مُوجِدًا رازقًا قديرًا عزيزًا عليمًا - إلا أنهم لبسوا على أنفسهم فظلموها بجعل الشركاء مع الله في العبادة بحجة التقريب إلى الله زلفى، يقول جل ذكره: أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ
73 (1/73)
صفحة 74
مناجزة الإلحاد
الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارُ} (الزمر: 3). ومما سلف يتبيَّن لنا موقف المشركين في عصر النُّبوَّة من قضيَّة وجود الله. وينقل الطبري في تفسيره عن قتادة - في تفسير آية: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ يوسف: 106 - قوله: "إِنَّكَ لست تلقى أحدًا منهم إلا أَنبأَكَ أنَّ الله ربه، وهو الذي خلَقَه ورَزَقَه، وهو مُشرك في عبادته. النافذة المطلة على عصر الخلافة الراشدة)
عند التأمل في حوادث هذا العصر نجدها كثيرةً، ولكنَّ الحدث الأبرز - ممَّا يتصل بموضوع دراستنا هذه - هو حدث الردّة الذي أعقب انتقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى، فهو حدث مفصلي في تاريخ الإسلام؛ حيث ارتدت مجموعة من قبائل الجزيرة العربية، والمتتبع لحال أولئك المرتدين - من حيث سبب ارتدادهم - يجدهم أطيافًا متعددةً يجمعها جامع واحد وهو الارتداد، وهذه الأطياف الثلاثة هي كالآتي:
- مرتدون يؤمنون بجميع أركان الإسلام عدا ركن الزكاة).
- مرتدون مدَّعون للنُّبوَّة.
- مرتدون منسلخون من دائرة الإسلام بالكلية.
والمتتبع لحال أولئك المرتدين يجد أنهم جميعًا يؤمنون بالله، ووضفهم بالردة لا يعني إنكارهم الوجود الإلهي؛ وإنَّما هو وصف يُراد به بيان خروجهم من المنظومة الإسلامية التي أرادها الله، وذلك بإنكارهم ما نصَّ عليه القرآن أو ما جاء متواترا عن طريق النَّبي الخاتم - عليه الصَّلاة والسَّلام - فالطَّيف الأوّل أمرُهم جَليَّ واضح في إيمانهم بالله، بل وبجميع ما جاء على لسان رسوله إلا أنَّهم أنكروا ركنَ الزَّكاة وعدوه مرتبطًا بوجود الرسول الكريم، فلما انتقل إلى النَّديّ الأعلى امتنعوا عن أدائها.
أمَّا الطَّيف الثاني فإيمانُهم بالوجودِ الإلهي ظاهر، وادّعاءُ النُّبوَّة أصدقُ دليل على إيمانهم
1 - الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، (16/ 288).
2 - وهؤلاء لم يجحدوا ركن الزَّكاة رأسًا، بل كانت لهم قراءة مختلفة ترى بأنَّ وجوب دفع الزكاة منوط ومقيد بوجود النَّبي - صلى الله عليه وسلم - استدلالا منهم بفهمهم لقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلَّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنُ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (التوبة: 103).
74 (1/74)
صفحة 75
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
ذاك، فالأنبياء هم الواسطة بين الله وخلقه، وهؤلاء المدَّعون يعلمون أنَّ انهدام ركن الإيمان بالله يعني - تلقائيا - انهدام ركن النُّبوَّة والرسالة، ومن ثمَّ انهدام الواسطة التي جاؤوا مدعين لها. وأما الطيف الأخير فحالهم كحال مشركي العرب في أسوأ تقدير - كما أسلفناه عند إطلالتنا من نافذة عصر النبوة على حال غير المؤمنين على عهد الرسول الأمين صلى عليه وسلم - ومنه فدعوى إنكار وجود الله لا محل لها على أي حال من أحوال الارتداد أعلاه. النافذة المطلة على ما بعد الخلافة الراشدة)
الله
من خلال هذه النافذة تلقي نظرةً على أشهر الشخصيَّات المتهمة بالإلحاد، نستعرضُها كنماذج ينطبق عليها ما ينطبق على غيرها ممَّن لم نتعرّض لذكرها تفصيلا أو إشارةً، وقبل أن نشرع في حديثنا عن بعض أشهر الشخصيَّاتِ المتهمة بالإلحاد نوضح أنَّ ترتيبنا إيَّاها كان ترتيبًا مرتكزا على المدة الزمنية التي عاشت فيها هذهِ الشخصيَّة؛ حيثُ قدَّمنا بذكرِ السَّابق فاللاحق فالذي يليه وهكذا؛ وهي شخصيات تختلف تخصصاتها ما بين أديب وفيلسوف وطبيب ... إلخ، ونوضح أنَّ هذه الشخصيَّاتِ قد تجمعُ - إلى التَّخصُّص الذي اشتهرت به - العلم بباقي فروع المعرفة الأخرى من علم بالكلام والمنطق والفقه وعلوم القرآن واللغة والسير والتاريخ ... إلخ بنسبة أو بأخرى، لكنَّها شُهرت بنسبتها إلى الجانب الذي برعت فيه أكثر من غيره. كما ننبه على أنَّ الإلحاد الذي سعينا إلى إثباتِه أو نفيه هو ما نَصَصنا عليه في مُفتتح الكتاب عندَ تعريفنا لمفهوم (الإلحاد) ألا وهو الإلحاد بمعنى إنكار وجودِ الله، وهذا ما التزمناه وأجرينا على ضوئه سجالنا المعرفي في صفحاتِ كتابنا هذا، لذا؛ فنحن لسنا معنيين هاهنا إلا بما التزمنا به. أولا: ابن المقفع (106 - 142ھ/ 724 - 759 م)
عبدالله بن المقفع كاتب أموي عباسي، من أهل القرن الثاني للهجرة، عربي النَّشأة من أصل فارسي. ولم يكن حال ابن المقفع أحسن من حال أبي العلاء المعري وغيره من الأدباء الذي اتهموا بالزندقة والإلحاد، فقد اتهم ابن المقفع بالإلحاد، وأنَّ إسلامه ليس سوى إسلام شكلي يُخفي
خلف ظلاله زنديقاً لم يفارق مجوسيَّة آبائه ونحن بعد تقليب صفحاتِ ابن المقفع هذه الدعوى لم نجد فيها ما يُطمَأنُ إليه، بل نستطيع القول إنَّنا وجدنا ما
يناقِضُها ويدفعنا إلى رفضها، نقول هذا وهذه مبررات رأينا:
Vo (1/75)
صفحة 76
مناجزة الإلحاد
(1) كُتُب ابن المقفع تفيض بالفرائد الماتعة، والحِكَمِ البليغة الكاشفة عن دينه وتوجهه، ومن ذلك ما سطره في كتابه (الأدب الصغير):
يقول في تعظيم الدين وتفخيمه: "الدين أفضل المواهب التي وصلت من الله تعالى إلى خلقه، وأعظمها منفعة، وأحمدُها في كل حكمة، فقد بلغ فضلُ الدِّينِ والحكمة أن مُدِحَا على ألسنةِ الجُهَّال على جهالتهم وعماهُم عنهما).
ويقول في إعلاء فضل الله على الناس: "قد بلغ فضل الله على الناس من الشعة وبلغت نعمته عليهم من الشبوغ ما لو أنَّ أخسهم حظًّا وأقلهم منه نصيبًا وأضعفهم علمًا وأعجزهم عملًا وأعياهم لسانًا بلغ من الشكر له والثَّناء عليه بما خلص إليه من فضله، ووصل إليه من نعمته، ما بلغ له منه أعظمهم حظًّا وأوفرهم نصيبًا وأفضلهم علمًا وأقواهم عملًا وأبسطهم لسانًا، لكان عما استوجب الله عليه مقصرًا، وعن بلوغ غاية الشكر بعيدًا. ومن أخذ بحظه من شكر الله وحمده ومعرفة نعمهِ والثَّناءِ عليه والتَّحميدِ له، فقد استوجب بذلك - من أدائه إلى الله القربة عنده والوسيلة إليه والمزيد فيما شكره عليه من خير الدنيا، وحسن ثواب الآخرة - أفضل ما يعلم به علم ذي العلم وصلاح ذي الصَّلاح أن يستصلح بما أوتي من ذلك ما استطاع من النَّاس ويرغبهم فيما رَغِبَ فيه لنفسه من حبّ الله، وحبّ حكمته، والعمل بطاعته، والرجاء لحسن ثوابه في المعاد إليه وأن يُبينَ الذي لهم من الأخذ بذلك والذي عليهم في تركه، وأن يُورث ذلك أهلَهُ
ومعارفه ليلحقه أجره من بعد الموت (2). ويقول في أحق الناس: "أحقُّ النَّاسِ بالسُّلطان أهل المعرفة، وأحقهم بالتدبير العلماء، وأحقهم بالفضل أعودُهم على النَّاس بفضله، وأحقهم بالعلم أحسنهم تأديببًا، وأحقهم بالغنى أهل الجود، وأقربهم إلى الله أنفذهم في الحق علما وأكملهم به عملًا، وأحكمهم أبعدهم من الشَّك في الله، وأصوبهم رجاءً أوثقهم بالله، وأشدهم انتفاعًا بعلمه أبعدهم من الأذى، وأرضاهم في النَّاسِ أفشاهم معروفًا، وأقواهم أحسنهم، معونةً، وأشجعهم أشدهم على الشيطان، وأفلحهم بحجة أغلبهم للشَّهوة والحرص وآخذهم بالرَّأي أتركهم للهوى، وأحقهم بالمودة أشدهم لنفسه حبا، وأجودهم أصوبهم بالعطية موضعًا، وأطولهم راحةً أحسنهم للأمور احتمالا، وأقلهم دهشًا أرحبهم ذراعًا، وأوسعهم غنى أقنعهم بما أبعدهم من الإفراط وأظهرهم جمالًا أظهرهم حصافة،
1 - ابن المقفع، آثار ابن المقفع، ص 293.
2 - المرجع السابق، ص 293
76 (1/76)
صفحة 77
من
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
وآمنهم في النَّاس آكلهم نابًا وخلبًا، وأثبتهم شهادةً عليهم أنطقهم عنهم، وأعدلهم فيهم أدومهم مسالمة لهم، وأحقهم بالنعم أشكرهم لما أوتي منها). ويقول في الدين والرأي: "فصل ما بين الدينِ والرَّأي أنَّ الدين يسلم بالإيمان، وأنَّ الرَّأي يثبت بالخصومة، فمن جعل الدين خصومةً فقد جعل الدين رأيًا، ومن جعل الرأي دينًا فقد صار شارعًا، ومن كان هو يشرع لنفسه الدين فلا دين له (2). ويقول في الدليل على معرفة الله: "ومما يدلُّ على معرفة الله وسببِ الإيمان أن يُوكل بالغيبِ لكل ظاهر من الدنيا، صغير أو كبير، عينًا، فهو يُصرفه ويحركه. فمن كان معتبرًا بالجليل من ذلك فلينظر إلى السَّماء فسيعلم أن لها ربًّا يُجري فلكها، ويُدبر أمرها، ومن اعتبر بالصغير، فلينظر إلى حبَّةِ الخردل فسيعرفُ أن لها مدبرًا ينبتها ويزكيها ويقدر لها أقواتها من الأرض والماء، يوقتُ لها زمان نباتها وزمان تهشمها وأمر النُّبوَّةِ والأحلام وما يحدثُ في أنفسِ النَّاسِ حيثُ لا يعلمونَ، ثُمَّ يظهرُ منهم بالقول والفعل، ثمَّ اجتماع العلماء والجهال والمهتدين والضُّلال على ذكر الله وتعظيمه، واجتماع من شكٍّ في الله وكذَّبَ بِهِ على الإقرار بأنَّهم أنشِئُوا حديثًا، ومعرفتهم أنهم لم يحدثوا أنفسهم. فكلُّ ذلك يهدي إلى الله ويدلُّ على الذي كانت منه هذه الأمور، مع ما يزيد ذلك يقينا عند المؤمنين بأنَّ الله حقٌّ كبير ولا يقدِرُ أحدٌ أَنَّه باطل (3). وقوله في أصل الدين: "أصل الأمر في الدين أن تعتقد الإيمان على الصواب، وتجتنب الكبائر، وتُؤدي الفريضةً. فالزم ذلك لزوم من لا غنى له عنهُ طرفة عين، ومن يعلم أنَّهُ إِن حُرِمَهُ هلك. ثم إن قدرت على أن تجاوز ذلك إلى التَّفقه في الدين والعبادة فهو أفضل وأكمل (4). ويقول في الملك: ”اعلم أنَّ الملك ثلاثة: ملك وملك الدين فإنَّهُ إذا أقام للرعية دينهم، وكان دينهم هو الذي يعطيهم الذي لهم ويُلْحِقُ بهم الذي عليهم، أرضاهم ذلك، وأنزل الساخط منهم منزلة الرَّاضي في الإقرار والتسليم. وأمَّا ملك الحزمِ فَإِنَّهُ يقوم به الأمرُ ولا يسلم من الطَّعنِ والتَّسخُطِ. ولن يضر طعنُ الضَّعيف مع حزم القوي. وأما ملك
الهوى فلعب ساعة ودمار دهر (5).
1 - المرجع السابق، ص 293
2 - المرجع السابق، ص 294
فأما ملك حزيم، وملك دين، وملك هوى.
- المرجع السابق، ص 295. - المرجع السابق، ص 246.
ه - المرجع السابق، ص 250.
VV (1/77)
صفحة 78
مناجزة الإلحاد
هذه مقتطفات يسيرة أحببنا أن نَضَعَها بين يدي القارئ، فليس الخبرُ كالمعاينة وبعدها نقول وقلوبنا يعصرها الأسى - لا ندري كيف ساغ لمطَّلع على كُتُبِ ابنِ المَقَفَّعِ أَن يَرميه بالضَّلال والإلحاد!! وبالمثل، كيف ساغ لأولئك الذين لم يُمتِّعوا ذائِقَاتِهم، ولم يشنّفوا أسماعهم بماتعاتِ ابن المقفع أن يفتحوا أشداقهم عن آخرها مطلقين تهمة الإلحاد وهم لم يشرفوا بقراءة شيء من نتاجه، ومن ثمَّ معرفة ما للرجل وما عليه. والله الأمرُ من قبل ومن بعد!! (2) - الوقائع التاريخيَّة تُخبرنا أنَّ موتَ ابن المقفع كان غيلةً بتدبير الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، ولم يكن على ملأ من الأشهاد، ولو أنَّ ابن المقفع كان ملحدًا زنديقًا لما لَجَأَ المنصور إلى هذه الطريقة في القتل، ولوجدنا ميتة ابن المقفع ميتةً يُجمع لها النَّاس، ويُحشد لها الحشود؛ كعادة فعل بعض الخلفاء المدَّعين - زورًا وبهتانا - غَيرَتَهم على الدين، وانتفاضهم للدفاع عن عرين المسلمين، ولكن شيئًا مما تقدَّم لم يحدث؛ ممَّا يلوّح بصورة عريضةٍ جدًّا تلفت وعينا إلى ضرورة الالتفات إلى الجانب السياسي المتمثل في نص الأمان الذي توجه به عم المنصور إلى المنصور بعدما فشل في انقلابه عليه، وهذا النَّصُّ السياسي قد يكون سببًا مهما في قتل ابن المقفع؛ نظراً لأنَّ ابن المقفع هو الذي تولى كتابته، وقد حوى ذلك النَّصُّ ألفاظًا محرجة للمنصور، فتغيظ عليه المنصور عند قراءته فقال: (فما أحد يكفينيه؟!)). (3) - اتهم ابن المقفع بتهمة مثيرة للضّحك ألا وهي معارضة القرآن، وما كان لنا رغبة في التَّعرُّض بالذكر لهذه الشنشنة الواهية لولا أنَّ البعض ردَّدها تَرَدادَ الصَّدى الحاكي لذاته من غير جديد، ومن يتأمل هذه المعارضة المنسوبة إلى ابن المقفع يُدرك تمامًا أنَّها لا يساويها سوى هَذيانِ سكير أو طَمطمةِ مطمطم، أو غَمغمة مغمغم؛ لذلك نجد العلامة الباقلاني يعلّق عليها قائلًا: وقد ادعى قوم أنَّ ابن المقفع عارض القرآن ... وبعد، فليس يُوجد له كتابٌ يَدَّعي مدَّعٍ أَنَّه عارضَ
،
فيه القرآن، بل يزعمون أنَّه اشتغل بذلك مدَّةً ثُمَّ مزّق ما جَمَع، واستحيا لنفسه من إظهاره (2).
وبعيدًا عن التحليل الأسلوبي المقارن بين المعارضة المزعومة وبيان ابن المقفع الرفيع، فإنَّنا نلفت القارئ إلى ما هو أيسر وأظهرُ ونقول: لو أنَّ ابن المقفع عارض القرآن لطار الحسّادُ في عصره والشَّانئون بهذه التهمة المجلجلة فى الآفاق، ولتزلَّفوا بها إلى الخلفاء الأمويين أو العباسيين - من بعد - لقطع رأس هذا الضَّالِ المتزندق ولكن هذا لم يحدث! بل ولم يؤثر عمَّن
1 - محمد بن عبدوس الجهشياري، الوزراء والكتاب، ص 104. 2 - محمد بن الطيب الباقلاني إعجاز القرآن، ص (46 - 47).
78 (1/78)
صفحة 79
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
عاصره خبر مفاده معارضة ابن المقفع للقرآن، وإنَّما شاعَت مثل هذه الأقاويل والأراجيف بعدما مات الرجل وشبع موتا!!
وهنا نلفت عيون العقولِ إلى أمر مهم ألا وهو أنَّ هذه التهمة لو صحت لسابق أبو جعفر المنصور البرق لِجَعْلِها سلما مريحًا يصعد عليه إلى استئصال شأفة ابن المقفع، ومتكأ فارها يتكئ عليه لقطع رأس ابن المقفع يقيهِ مَعْبَّةَ معرَّةِ النَّاس والتَّاريخ من بعد، خصوصًا بعد موجدته عليه بعدما كتب نصَّ الأمانِ المتقدّم الذِكر، وهذا ما لم يحدث، وما ذاك إلا لعلمه أَلَّا مَدخَلَ على الرجل فيما هاهنا، ولا مأخذَ عليه فيه، فصار إلى قتل الرَّجل غدرًا بين جدران الخفاء! ثُمَّ يأتي مهذرم - بعد هذه السنين الطوال وبعد درس الأحوال - ليخبرنا عن زندقة ابن المقفع ما لم يعزفه أبو جعفر المنصور ذاته!!!
ثانيًا: الجاحظ (159 - 255ھ / 775 - 868 م)
الجاحظ
أديب العربيَّة الخريت أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الليثي الكناني البصري، من كبار أئمة الأدب في العصر العباسي، وُلد في البصرة وتوفي فيها له مؤلفات عدة منها: البيان والتبيين، وكتاب الحيوان، والبخلاء، وكتاب الرّد على النَّصارى وغيرها. والجاحظ كسالفه لم يسلم من الطَّعنَ والتَّضليل والرمي بالزندقة، واتهامه بنشر الأباطيل، ودلّ النَّصارى وغيرهم من أعداءِ الأمة على ما يستطيعون استخدامه للقدح في الإسلام وتشكيك ضعفاء المسلمين بدينهم ومن العجب أنَّك واجدٌ - في وقتنا وقد أَرمَ الجاحظ - من يجتر الكلامَ السَّابِق ويكرّر التهم القديمة بلسانٍ طلق من غير تحفظ ولا حسن تقدير، فإن كان هذا حال بعض المتسرعين من أهل زمانِنا ممَّن باعدت بينهم وبينَ الجاحظ شُقَّةُ الزَّمان فما ظنُّك بأولئك الذين عاصروا الجاحظ فكانَ ما كانَ بينَهم وبينَه من الحَسَدِ والنفرة والملاحاةِ فما عساهم قائلين فيه!! ونحن نُعطي رأينا في الجاحظ وما نُسِبَ إليه عبر الآتي:
(1) - كيف يُمكن أن يكون زنديقًا ذاك الذي يُدافع عن القرآن والنُّبوَّة فيؤلف: كتاب (نظم القرآن)، وكتاب (آي القرآن)، وكتاب الرَّد على من ألحد في كتاب الله عز وجل)، ويُدافع عن النُّبوَّة فيؤلف: كتاب (دلائل النُّبوَّة)؟!!
(2) - كيف يمكن أن يكون زنديقًا ذاك الذي ينتفضُ في وجهِ أعداء الإسلام ومريدي الكيد
79 (1/79)
صفحة 80
مناجزة الإلحاد
له فيؤلف كتاب (الرَّد على اليهود، وكتاب (الرَّد على النَّصارى)؟! ومن العجب الذي لا ينقضي أن تجد من يحوّل المحامد إلى مذام والمحاسن إلى قبائح، فعوضا عن أن يكون كتاب ككتاب (الرد على النَّصارى) محمدةً تُذكر، ومنقبةً حقها أنْ تُظهر وتُشهر ينقلب الأمرُ ليكونَ الكتاب تهمةً على كاتبه تُوجِبُ عليه التَّرافِعَ ليَذُبَّ عن نفسه ويدفع عن سن قلمِهِ حوبَ الشَّناعة وشنارها!! وهؤلاء وأولئك جميعًا لا يصدقُ فيهم إلا قول البحتري حين قال:
إذا محاسني اللات
أدلُّ بها كانت ذنوبي فقل لي كيف فقل لي كيف أعتذرُ؟!
وقد أشار إلى هذا الأمر إبراهيم عوض في كتابه (مع الجاحظ في رسالته في الرد على
النَّصارى)؛ فليرجع إلى الكتاب المشار إليه من أراد التوسع والاستزادة).
(3) - كان الرجل مبتلئ بكثرة حاسديه، والحَسدُ مرضٌ، وقد أجاد من قال:
كل العداوات قد ترجى مودتها إلا عداوة من عاداك
والجاحظ لطالما شكى من هؤلاء، وأبلغ في تصوير معاناته منهم كما في قوله: "وإني ربما ألَّفْتُ الكتاب المحكم المتقن في الدين والفقهِ والرَّسائل والسيرة والخطب والخراج والأحكام وسائر فنونِ الحكمة وأنسبه إلى نفسي، فيتواطأ على الطَّعن فيه جماعة من أهل العلم بالحسدِ المركب فيهم وهم يعرفون براعته ونصاعتَه. وأكثر ما يكون هذا منهم إذا كان الكتاب مؤلفًا لملك معه المقدرة على التَّقديم والتَّأخير، والحطّ والرَّفع، والتَّرغيب والترهيب، فإنَّهم يهتاجون عند ذلك اهتياج الإبل المغتلمة. فإن أمكنتهم حيلة في إسقاط ذلك الكتاب عند السَّيّدِ الذي أُلف له فهو الذي قصدوه وأرادوه، وإن كان السَّيّد المؤلَّف فيه الكتاب نحرِيرًا نقابًا، ونقريسًا بَليغًا، وحَاذِقَا فَطِنَّا، وأعجزتُهم الحيلة، سرقوا معاني ذلك الكتاب وألفوا من أعراضه وحواشيه كتابًا وأَهْدَوْه إلى ملك آخر ومَتُوا إليه به، وهم قد ذموه وثلبُوه لَمَّا رَأَوْه منسوبًا إليَّ، وموسومًا بي. وربَّما ألفتُ الكتاب الذي هو دونَه في معانيه وألفاظه فأترجمه باسم غيري وأُحيله على من تقدَّمني عصره مثلُ ابن المقفع والخليل وسَلّم صاحب بيت الحكمة ويحيى بن خالد والعتابي
1 - ناقش هذه القضيَّة في كتابه المشار إليه أعلاه في الصفحات (6 - 13)، ولا شك أنَّ التحليل الموضوعي الذاتي للقارئ مهم؛ وذلك عبر قراءة الرسالة قراءة متأنية فاحصة، واستشفاف روح أ عثمان منها؛ وهذا أمر ميسور لا يحتاج إلى عظيم جهد لمن صح منه العزم، ونشير إلى أنَّ رسالة (الرَّد على النَّصارى) مطبوعةٌ ضمن كتاب (رسائل الجاحظ)، (ج 3/ 253)، فيمكن الرجوع إليها هناك.
80 (1/80)
صفحة 81
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
ومن أشبه هؤلاء من مؤلفي الكتب، فيأتيني أولئك القومُ بأعيانهم الطاعنون على الكتاب الذي كان أحكم من هذا الكتاب لاستنساخ هذا الكتاب وقراءته عليَّ، ويكتبونه بخطوطهم، ويصيرونه إماما يقتدون به، ويتدارسونه بينهم، ويتأدبون به، ويستعملون ألفاظه ومعانيه في تُبِهِم وخطاباتهم، ويَروُونه عني لغيرهم من طلاب ذلك الجنس فتثبتُ لهم به رياسة، ويأتم بهم قوم فيه لأنَّه لم يترجم باسمي، ولم يُنسب إلى تأليفي. ولربما خرج الكتاب من تحت يدي مُحْصَفًا كأَنَّه متن حجرٍ أملس، بمعانٍ لطيفة محكمة، وألفاظ شريفة فصيحة، فأخاف عليه طعن الحاسدين إن أنا نسبته إلى نفسي، وأحسد عليه من أهم بنسبته إليه لجودة نظامه وحسنِ كلامِه، فأُظْهِرُه مُبْهَما غُفْلاً في أعراض أصول الكتب التي لا يُعرف وُضاعها، فينهالونَ عليه انهيالَ الرَّمْل، ويستبقونَ إلى قراءتِه سباق الخيل يومَ الحلبة إلى غايتها». (1) ومنه فلا بُدَّ من وضع مثل هذا في حسباننا ونحن نقرأُ رأي خصومه فيه، أو رأيه في خصومه. (4) - كان الجاحظ على مذهب المعتزلة، ولا يُقصرُ في التَّصريح بمذهبه واهتبالِ الفُرَضِ للذَّب عنه وعن رؤوسِهِ الكبار والمجالدةِ دونَهم، ونحن نعلم المعركة الحامية الضروس بينَ رؤوس المعتزلة وبين مخالفيهم، فهي معركة لم يقتصر فيها على استخدام الدويات والأقلام وفق عملية تدافعيَّةٍ فكريَّة، بل - للأسف - تعدَّتَها إلى استخدام منابر السياسة وشَبَاةِ الأسِنَّة، ومن هنا كان الحذر مطلبا مهما في إطلاق الأحكام، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالاتهام بالزندقة والإلحاد، ويُمكن أن يدخل في هذا النطاق أيضًا ما يُعرف بملاحاة الأقران، وقد وُفق للانتباه لمثل هذا مؤلّف كتاب أدب الجاحظ عند إحصائِه مؤلَّفاتِ الجاحظ حيث قال: "قال الباقلاني: وقد صنف الجاحظ في نظم القرآن كتابًا لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله، ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى. وهذا كلام فيه عهدة لأنَّ الباقلاني يُريد أن يُعلن أنَّه
هو وحده الذي استطاع أن يبُزَّ المتقدمين في الاحتجاج لإعجاز القرآن (2) ونظمه (3). (5) - من يُطالع كُتب الجاحظ ورسائله كـ البيان والتبيين)، و (المحاسن والأضداد)، يلوح له بجلاء ذكره الله، وتنزيهه عن صفات النقص، والتَّنبيه إلى محاسنِ الثقة بالله، ومحاسن الزهد في الدنيا، وتطريزها بصلاته على النَّبي - صلى الله عليه وسلم - وثنائه الجزل عليه، ويبرز للمطالع
1 - الجاحظ، رسائل الجاحظ، ص (376 - 377).
2 - ذلك لأنَّ أبا بكر الباقلاني قد ألف - بعد الجاحظ بأكثر من (83) سنة - كتابًا في إعجاز القرآن أسماه (إعجاز القرآن). - حسن السندوبي، أدب الجاحظ، ص 117.
?? (1/81)
صفحة 82
مناجزة الإلحاد
نقل الجاحظ لبعض خطب المصطفى الكريم كخطبة حجة الوداع مثلا؛ وما ذاك بغريب عليه، فهو يرى أنَّ كلام النَّبي جوامعُ الكَلِم فيه عَبَقَةٌ من الوحي الإلهي، محفوف بالعصمة والتأييد، وهو الحكمة وفصل الخطاب، ويلحظ كذلك ثناءَه على الصَّحابة ونقله بعضَ خُطبهم، وقد مدحهم كلا بما هو أهله بحسب وجهته في الأمر، ولا ندري بعدما مرَّكيف يسوغ الحكم بإلحاده؟! وهذا أنَّنا لا نناقش أبا عمرو في بعض التفاصيل الفكريَّة التي يورِدُها في كتاباته؛ فكلُّ يُؤخذ منه ويُرد إلا صاحب القبرِ الشَّريف، ولكنَّ هذا شيء والمجازفة بديننا وعلميَّتِنا بتكفير الرجل شيء آخر!
لا يعني
ثالثًا: الراوندي (210 - 299/ 827 - 911 م)
الراوندي
أحمد بن يحيى بن إسحاق أبو الحسين، صاحب الزندقة. ويُعرف بالراوندي وابن الراوندي، كان حيًّا إلى حدود الثلاثمئة، كان من متكلمي المعتزلة، ثم فارقهم. وقيل: كان أبوه يهوديًا، فأسلم هو، فكان بعضُ اليهود يقول لبعض المسلمين: لا يُفْسِدُ هذا عليكم كتابكم، كما أفسد أبوه علينا التّوراة. كان ابن الرَّاوَنْدي لا يستقر على مذهب، ولا يثبت على حال، حتّى صنف لليهود كتاب (النصرة) على المسلمين) لأربعمئة درهم فيما بلغني - والكلام للذهبي - أخذها من يهود سامراء، فلما أخذ المال رام نقضها، حتَّى أعطوه مائتي دِرْهَم، فسكت. قال أبو الفرج ابن الجوزي: كنتُ أسمع عنه بالعظائم، حتى رأيت له ما لم يخطر مثله على قلب، وَوَقَعَتْ إِليَّ كُتُبه، فمنها: كتاب (نَعْت الحكمة)، وكتاب (قضيب الذَّهَب)، وكتاب (الزمردة)، وكتاب (الدامغ) الذي نقضه عليه أبو علي محمد بن إبراهيم الجبائي، ونقض عليه أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد الخياط كتاب (الزمردة). قال ابن عقيل: عجبي كيف لم يقتل وقد صنف الدَّامغ يدمغ به القرآن والزمردة يُزري فيه على النُّبوَّات؟ قال ابن الجوزي: نظرت في (الزمردة) فرأيت له فيه من الهذيان البارد الذي لا يتعلَّق بشُبهة، يقول فيه: إِنَّ كلام أكْثَم بن صيفي فيه شيء أحسن من سورة الكوثر)، وإنَّ الأنبياء وقعوا بطلسمات، وقد وضع كتابًا لليهود والنصارى يحتج لهم في إبطال نُبُوَّة نبينا صلى الله عليه وسلم. وقد حكي عن جماعة أنَّه تاب عند موته، وأكثر كتبه صنفها لأبي عيسى اليهودي، وفي منزل أبي عيسى مات. والله أعلم.
1 - الذهبي، سير أعلام النبلاء، (14/ 59) ”بتصرف“.
82 (1/82)
صفحة 83
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
وقد ألفت في الرد عليه مجموعة من الكتب ألفها علماء من مختلف الاتجاهات؛ ومن
جملة هذه المؤلفات:
- كتَابُ النَّقض على ابْنِ الرَّاوَنْدِي) للجُبَّائي المعتزلي.
- كتاب الانتصار والرَّد على ابن الراوندي لابن الخياط.
- كتاب (الرد على ابْنِ الرَّاوَنْدِي) للفارابي.
- كتاب (الرَّد على ابْنِ الرَّاوَنْدِي لمحمد بن عمر، الضمري، شيخ المعتزلة في البصرة. - كتاب (الرَّد عَلَى ابْنِ الرَّاوَنْدِي) لأبي الحسن الأشعري.
وممن ردَّ على ابن الراوندي الفقيه المعتزلي أبو بكر محمد بن عبد الله البردعي، والكاتب الإخباري البليغ أبو سهل النوبختي أحد رؤوس الشيعة المتكلمين ببغداد، وممن أشار إليه مسقها ومفَيّدا أبو العلاء المعري كما في (رسالة الغفران))، وشنَّع عليه ابن الخياط في الانتصار) (2) ووصفه بالكاذب الماجن والماجِنِ السَّفيهِ في أكثر من موضع، وقد تصدى للردّ عليه كُثر غير هؤلاء. و تعدُّدُ العلماء ذوي المشاربِ المختلفة في الرَّد على ابْنِ الرَّاوَنْدِي قد يُوحي بصحة التهم المنسوبة إليه، لكنَّنا نقف - مع ذلك كله - موقف المتأني الحذر؛ لأنَّ تعدد هؤلاء العلماء قد يكون مُبَرَّرًا بانتقال الراوندي من مذهب إلى آخر، وبطبيعة الحال طعنه في كل مذهب من تلك المذاهب بعد انتقاله عنه؛ ممَّا يؤدي إلى تحامل الجميع عليه، وتكالبهم على نقض ما جاء به. وإضافةً إلى ذلك؛ فإنَّ هناك ممَّن دافع عن ابن الراوندي كالسيد محسن الأمين (3) فقد عدَّه من أعيان الشيعة؛ إذ ترجم له في كتابه (أعيان الشيعة)، ومما قاله هنالك: " وحَشْرُهُ - يقصد ابن الراوندي - في الزنادقة ليس إلا لما نُسب إليه من الكتب ... وقال المرتضى في كتاب الشَّافي إنَّه عمل الكُتُب التي شُنّع بها عليه مغايضةً للمعتزلة؛ ليُبين لهم عن استقصاء نقضها، وكان يتبرأ منها براءً ظاهرًا، وينتفي من عملها ويُضيفها إلى غيره ...... ثم يقول الأمين: وزبدة القول في ابن الراوندي أنَّه مخطئ في تأليفه لهذه الكتب التي هي من كتب الضَّلال،
1 - يُنظر: أبو العلاء المعري، رسالة الغفران، ص (469 - 476).
2 - نجد في كتاب (الانتصار) نقلًا لبعض ما فاهَ به ابن الراوندي من الخَطَل والزَّلل؛ لذا فهو وثيقةٌ مهمَّةٌ لا غنى عنها لمن أراد استيعاب الحديث عن ابن الراوندي وتتبع الأقوال المنسوبة إليه.
3 - يبدو أنَّ السيد محسن الأمين بنى رأيه على ما حكاه المرتضى في (الشافي)، ونحن لا ندري علام استند المرتضى في مذهبه الذي ذَهَبه.
83 (1/83)
صفحة 84
مناجزة الإلحاد
سواء كان ألفها معتقدًا بها أو لأجل معارضة المعتزلة ... إلا أنَّه مع نقضه لأكثرها وحكاية القول بتوبته منها لا يُمكن الجزم بإلحاده، ويبقى حاله في مرحلة الشك وإن جزمنا بخطئه، والله
العالم بسريرته
(1) se
والخلاصة: لم يثبت لدينا أنَّ الراوندي قد أنكر وجود الله، بل العكس هو الأقرب للصواب؛ جميع المذاهب التي انتقل منها وإليها كما يُقال - حتَّى تلك التي تقع خارج دائرة
ذلك لأنَّ
الإسلام - تُقِرُ بوجود الله وإن لم تكن كلها مذاهب توحيدية بطبيعتها (2)!! ونوجّه هنا حدقة الفكر إلى النظر في لُبُوب المفاهيم والمصطلحات التاريخية وعدم الاكتفاء بقشورها الظاهرة، فمصطلح (إنكار (الصَّانع) لا يتساوى مع مصطلح (إنكار الإله)، فقد كان بعض الفلاسفة والحكماء الإغريق يُنكرون وجود الخالق والصانع؛ باعتبار أنَّ الكون لا خالق ولا صانع له، فالكون - كما يعتقدون - أزلي لا يحتاج إلى خالقِ أو صانع، لكنهم في الوقت ذاته يؤمنون بوجود الإله لاعتبارات منطقية أخرى، ولا يجدون في أنفسهم حرجًا من التسليم بذلك، وقد انتقل اعتقادهم هذا إلى بعض الناس عبر خطوط الترجمة والخلطة والمجاورة، ولربما وُصِفَ هؤلاء المتأثرون بعوالق هذا المعتقد بأنهم يُنكرون وجود الخالق أو الصانع دون التَّحرُّز من أنَّ هذا الإنكار لا يعني عندهم إنكار وجود الإله!
ثمَّ إنَّ المتتبع لسيرة ابن الراوندي يلوح له بشكل جلي أن ليس للرجل في تقريره الحقائق الفكريَّة ونصرتها محبَّةٌ وجدانية؛ فالرّجل لا ينظر إلا من منظار المناكفة والمصلحة؛ وما هو إلا متكسب ابتزازي، قاعدته في تقرير معارفه وقناعاته ادفع أكثر أكن معك وأكتب في نصرتك)، وهذا بارز في لَعِبه على حبال التنقلات الفكريَّة، فمرَّة تجده معتزليَّا، ثمَّ يتحوّل ليُصبح شيعيًّا، ومع تحوله يكتب ما يبرز شيئًا من مكنونات نفسه الدافعة إلى تحوله، فتجده يكتب كتابات تفوح منها روحُ النقمة على مخالفيه - أي المعتزلة - ومع روح النقمة تلحظ التشويه المتعمد عليهم؛ فيجمع عليهم حشفًا وسوء كيلة! حتَّى إذا آيَسَ من الظَّفَرِ بِحَاجَاتِ نفسه عند من انتقل إليهم تجده عائِدًا من جديدٍ لمن هجرهم وسبهم، حتَّى إذا آيس منهم خرج من الإسلام بالكلية إلى اليهودية، وإذا به يرجف بشناعاته الهزيلة وغثائيَّاتِه ضد الإسلام وأهله، فيؤلف لليهود ما يظنُّ أنَّ فيه النكاية والزراية على الإسلام وأهله، وكل ذلك - بالطَّبع - ليس بالمجان! فألف لليهود
1 - السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة، (204/ 3).
2 - من الجدير بالذكر أنَّ الكثيرين ممَّن ترجموا للراوندي يُصرّحون بأنَّه قد قام بنفسه بنقض الكثير من كتبه التي كتبها.
84 (1/84)
صفحة 85
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
مقابل أربعمئة درهم! حتَّى إذا ما قَبَضَها نَكَصَ على حافِره وأراد نقض ما كتب؛ فأُعطي مئتي درهم - فوق ما أُعطي - على أن يصمت صمت القبور ويمتنع عن نقض ما كتب، وللهِ في
خلقه شؤون!
إِنَّ مَن كانَ هذا حاله فهو بلا شك أقل من أن يُلتفتَ إليه؛ فلا يُرفع بمثلِهِ رأس، ولا يُشادُ به ذكر، ولا يُسند به ظهر، ومثله مذمَّةٌ على المفتخرينَ به مسبَّةٌ على المتحرمين بذكرِه استشهادًا و انتصارًا، ومَن هم في الحال كمثل ابن الرواندي يقبح على المرء قبحا بالغا الغاية في الاستناد إليهم في تقرير حق أو إبطال بطل، ونرجو أن يكونَ ابن الراوندي قد تاب كما نقلت بعضُ
الرواياتِ التَّاريخيَّة، وإلا فإن الله غني عن العالمين.
رابعًا: أبو بكر الرازي (250 - 311 هـ / 865 - 923 م)
أبو بكر محمد بن يحيى بن زكريا الرازي، عالم وطبيب فارسي، وصفته المستشرقة الألمانية زيغريد هونكة بأنَّه: "أعظم أطباء الإنسانية إطلاقًا). بل ذهبت إلى أبعد من ذلك في قولها: "لم يكن الرازي ذلك الطبيب العظيم فحسب، بل كان أيضًا أحد الأوائل الذين جعلوا من الكيمياء علمًا صحيحًا ... أجل؛ كان للرازي وصحبه من الأطباء العرب المثال الحي أبو بكر الرازي والقدوة المثلى لأطباء الغرب فيما بعد لدى معالجتهم مرضى الأعصاب
والذين لا رجاء في شفائهم بإنسانية رائعة. ولكن من ذا الذي أعار فضلهم هذا أي اهتمام؟!! (2). وللرَّازي مؤلفات عدَّةٌ منها: (الحاوي في الطب) الذي ظلَّ مرجعًا طبيا رئيسًا في أوروبا لمدة (400) عام! هذا؛ وإنَّ ممَّا أُثير عن الرازي تشكيكه في صحة النُّبوَّة، ورفضة المعجزات النبوية، ونقده الأديان، وذكروا أنَّ أبا حاتم الرازي الإسماعيلي نقل بعضًا من آراء الرازي في الأديان والنُّبوَّة والكُتُب السَّماويَّة في كتابه (أعلام) النُّبوَّة)، وهو كتاب صاغه على شكل حوار بينه وبين (ملحد) أنكر الأديان والنَّبوَّة، ولكن دون أن يذكر اسم هذا الملحد!
وهنا تشير إلى جملة من الأمور:
(1) - ممَّا اتَّفق عليه الجميع - المخالفون والموافقون لأبي بكر الرازي - أنَّ الرَّازي لم يُنكر وجودَ
1 - زيغريد هونكة شمس العرب تسطع على الغرب، ص 243.
2 - المرجع السابق، ص (252 - 254).
85 (1/85)
صفحة 86
مناجزة الإلحاد
الله تعالى، بل هو يثبت هذه الحقيقة القاطعة، ومن طالع بعض كتبه يُدرك هذا الأمر جليًّا، لذا؛ فلا تعلق بعد هذا للملاحدة بهذا الرجل، ولا معنى لرغبتهم المحمومة في ضَمّه إلى صفوفهم، بل نجد
أنَّ من جُملةِ كُتُبه كتاب: (إِنَّ للعبد، خالقًا، فكيف ينسبه الملاحدة بعد ذلك إلى الإلحاد! (2) - نَسَب كثير من المستشرقين - ومن قلدهم في قولهم - إنكار النُّبوَّات والأديان إلى الرَّازي بناءً على كتاب أبي حاتم الرازي الإسماعيلي (أعلام) النُّبوَّة، وهنا تشير إلى أنَّ الورقة الأولى من مخطوط هذا الكتاب مفقودةً، ومن ثُمَّ فالمعيَّن بالرَّد لم يُنصَّ عليه، ويبقى تعيين المقصود بالرازي أقرب إلى الظَّن منه إلى القطعِ والحَشم، بل وإن ثبت أنَّ المقصود بالرد هو أبو بكر الرَّازي لم يصح لنا أن نُسارع إلى قذف الرَّجل خارج دائرة الإسلام؛ فالحكمة تقتضي التريث والتحقيق في صحة هذه الدعوى ما استطعنا إلى ذلك سبيلا؛ فلطالما كانت الخلافات الفكرية سببًا لرمي فرق خارج دائرة الإسلام بله الأشخاص، ولطالما كان للسياسة دور مهم في نشر وباء التكفير لمقاصد سياسيَّةٍ دنيئة، أضف إليه الحَرَدَ الذي تمتلئ به صدور المناوئين المخالفين؛ مما يدفعهم إلى النظر في مصنفات مخالفيهم بعين الشخط والاتهام؛ ممَّا يجعلهم يحملون نصوص مخالفيهم على أسوأ المقاصد وأبشعها، بل قد يصل الأمر إلى الدس على المخالف ما لا علم له به ممَّا لم تره عينه، ولم يجرِ به سِنُّ قلمِهِ، ونحلُ المؤلفات وإلصاقها بغير أصحابها كثير جدا يُدركه من نَظَرَ في تاريخ المعرفة؛ وتلك كلُّها - مع أسباب أخرى لا نطيل المقام بذكرها الآن - أسباب فاعلة في رمي أناس بما لم يقولوه، ومنه رميهم بالانحلال أو الزندقة والإلحاد، لذلك؛ وجب علينا التريث فخمير الرَّأي - في مثل هذه المواضع - خير من فطيره. (3) - نُسِبَت إلى الطَّبيب الرَّازي كُتُب ادعي عليه بها أنَّه أنكر النُّبوَّة، منها كتاب: (مخاريق الأنبياء)، وهذا الكتاب نجد تذبذبًا كبيرًا في تسميته، وقد ذكر ابن أبي أصيبعة الكتاب عند تعرضه لذكر مؤلفات الرازي بعنوان: (فيما يرومه من إظهار ما يُدعى من عيوب الأولياء)، ثمَّ أعقبه بقوله: "أقول وهذا الكتاب إن كان قد أُلّف - والله أعلم - فربَّما أن بعض الأشرار المعادين للرازي قد ألَّفَه ونَسَبه إليه، ليسيء - من يرى ذلك الكتاب أو يسمعُ به - الظَّنَّ بالرازي، وإلا فالرازي أجلّ من أن يحاول هذا الأمر، وأن يُصنّف في هذا المعنى ... ). وكما هو جلي من النّصّ أعلاه أن ابن أبي أصيبعة لم يطلع على الكتاب، وإنَّما ذكره في معرض ذكر كتب الرازي وما نُسب إليه، لذلك علق بقوله: "إن كان قد أُلّف». ويبقى أن هذا الكتاب مفقود - أو بالأحرى
1 - ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء، ص 426.
17 (1/86)
صفحة 87
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
لا وجود له حتَّى وقت هذه الكتابة - ومن ثُمَّ لا سبيل للوصول إليه والتأكد تاليا من هذه الدعوى المنسوبة إلى الرَّازي، وفي العموم، ليس بين أيدينا من كُتُب الرّازي ما يثبت هذه التهمة، وأقوى ما استندت إليه لسانُ المدعين بقايا قِطَع يُزعم أنَّها بقايا من كُتبه المفقودة! وما دام حديثنا هنا عن الكتب (الكفريَّة) المنسوبة إلى الرَّازي، وبالتحديد كتاب: مخاريق الأنبياء)، وكتاب: (حيل المتنبئين) فإنَّنا نُلفت نظر القارئ الكريم إلى أنَّنا وجدنا نصًا للرازي نفسه في رسالته إلى أحد تلامذته والتي تحمل عنوان (أخلاق الطبيب) يقول فيه: "ولم ينجع كلامي معهم، إِنَّ مَن وصفهم غير مدرك لهذه الصناعة - أي صناعة الطب - لما قد تمكن في نفوسهم من مخاريق الهرابين، وحيل الممخرقين». ومحلُّ لفت النظر إلى هذا النَّص هو في استخدام الرازي لمفردتي (مخاريق) و (حيل) واصفًا بهما من أسماهم بكهنة الطب وأدعيائه، وفي هذا ما قد يُشير إلى أنَّ بعض خصوم الرازي المترصدين والمغرضين لربما أخذوا من هذا النَّص مفردتَن (مخاريق) و (حِيَل) ولفّقوا على ضوئهما عنوانين لا وجود لمصداقيهما واقعا، وهما: (مخاريق الأنبياء)، و (جيل المتنبئين)!! فكيف يَسوعُ بعد هذا التَّسرُّع في رمي الرجل بالكفر وإنكار النُّبوَّات؛ لذا وجب أن يكون على الأصل - وهو الإيمان - حتَّى تثبت الإدانة.
(4) - نجد من العلماء من أثنى على الرَّازي، ومن هؤلاء الذهبي) في كتابه: (سير أعلام النبلاء) حيث قال في ترجمته: "الأستاذ الفيلسوف أبو بكر، محمد بن زكريا الرازي الطبيب، صاحب التّصانيف من أذكياء أهل زمانه وكان كثير الأسفار وافر الحرمة، صاحب مروءة وإيثار ورأفة بالمرضى، وكان واسع المعرفة مكبا على الاشتغال مليح التأليف، وكان في بصره رطوبةٌ لكثرة أكله الباقلي، ثمَّ عَمِي. أخذ عن البلخي الفيلسوف، وكان إليه تدبير بيمارستان الرّي، ثم كان على بيمارستان بغداد في دولة المكتفي بلغ الغاية في علوم الأوائل ... » (3). هذا؛ وقد دافع الدكتور عبداللطيف محمد العبد (4) عن الرازي في مقدمة تحقيقه لكتاب
1 - محمد بن زكريا الرازي، أخلاق الطبيب، ص 92.
(4)
2 - محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، (673 - 748/ 1274 - 1348 م) يُعدُّ من كبار علماء الحديث، جمع بين العلم الواسع بالجرح والتعديل والإحاطة الواسعة بالتاريخ من حيث حوادثه وأخبار رجاله، أشهر مصنفاته كانت في الحديث وأسماء الرجال؛ مثل: (سير أعلام النبلاء)، و (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام). 3 - الذهبي، سير أعلام النبلاء، (14/ 354 - 355). 4 - هو من المهتمين بمؤلفات الرازي، درس الجانب الفلسفي لدى الرازي في رسالة الدكتوراة التي حملت عنوان (فلسفة أبي بكر محمد بن زكرياء الرازي)، من قسم الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم في جامعة القاهرة عام 1975 م.
87 (1/87)
صفحة 88
مناجزة الإلحاد
الرازي (أخلاق الطبيب) (1) حيث قال: "وقد كان أبو بكر الرازي بعيد النظر؛ حيث كتب سيرته بنفسه؛ خوفًا من تحريفها على يد خصومه، وما أكثرهم وقد صحح في هذه السيرة كل ما حاول الخصومُ أن يزيّفوه عليه. وأثبت أنه فيلسوف نظرا وتطبيقا، مستدلا بحسن سيرته ومؤلفاته العديدة التي تهدف إلى إسعاد الإنسان ... وكان الرازي مؤمنا بالله تعالى، وبجميع صفاتِ الكمال التي تليق بذاته المقدَّسة، ومؤمنا كذلك برسل الله وأنبيائه، وبتعاليم الأديان السماوية، وقد أبغض المذاهب المنحرفة والمتزمتة كالدهريَّة وغيرهم من أصحاب الجدل (2). وممَّن دافع عن الرازي - كذلك - محقق كتاب (عيون الأنباء) حيث انتصر له ودفع عنه هذه التهمة حيث قال: "وقد هُوجم الرَّازي هجومًا عنيفًا من بعض الإسماعيلية المتعصبين ... أما كتاب (أعلام النُّبوَّة) لأبي حاتم الرازي فهو من الكتب التي تحويها خزائنُ الطَّائفة الإسماعيلية البهروية في الهند، وهو عبارة عن مناظرة درات بينه وبين أبي بكر الرازي، يتهم فيها أبا بكر الرازي في كتابه الطب الروحاني بإنكار النُّبوَّة والأنبياء، رغم أن كتاب الطب الروحاني يكذّب ادعاءاتِ الإسماعيلية؛ فليس فيه أي إنكار للنُّبوَّة والأنبياء كما يدعي الإسماعيلية (3). ويقول عبدالرحمن بدوي: "ومن الواضح أنَّنا لا نستطيع أن تعطي صورة صادقةً لمذهب لأنَّ النُّصوص الأصلية تعوزنا، وكل ما لدينا عنه في هذا الباب إنَّما يرجع إلى ما يُورده
الرازي؛ الخصومُ من عرض لمذاهبه وأقواله إما بنصها مبتورةً من سياقها، وإمَّا اختصارًا وبالمعنى فحسب، فضلا عن نُدرة هذه الآثار؛ ممَّا لا يسمح بتكوين رأي صحيح شامل، بيد أننا سنحاول جهدنا أن نتبيَّن ذلك المذهب من تلك الشَّذراتِ والرواياتِ النَّادرةِ قدر المستطاع، على ما تبديه من تحفظ شديد فيما يتصل بصدقها تمامًا (). والغريب أنَّ عبد الرحمن بدوي يميل إلى تثبيت التهمة على الرازي وفي السياق ذاته يقول ما سقناه أعلاه وما هذه إلا غمغمة وجمجمة، فإن كانت النُّصوص الأصلية تعوزنا“، و”كل ما لدينا عنه في هذا الباب إنَّما يرجع إلى ما يُورده الخصومُ من عرض لمذاهبه وأقواله إما بنصها مبتورةً من سياقها وإما اختصارًا وبالمعنى“، ”فضلًا عن 1 - هذا الكتاب رسالة من الرازي إلى تلميذه أبي بكر بن قارب الرازي حين دعاه أحد الأمراء بخراسان ليكون طبيبًا خاصا له. ينظر: محمد بن زكريا الرازي، أخلاق الطبيب، ص 11. 2 - محمد بن زكريا الرازي، أخلاق الطبيب، صه.
3 - ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء، ص (67). تنبيه: في كل نقولاتنا من (عيون الأنباء) اعتمدنا على طبعة دار المعارف، باستثناء هذا الموضوع الذي اعتمدنا فيه على طبعة دار الحياة كما تجدون ذلك في فهرس المراجع.
- عبدالرحمن بدوي، من تاريخ الإلحاد في الإسلام، ص 234.
?? (1/88)
صفحة 89
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
ندرة هذه الآثار؛ ممَّا لا يسمح بتكوين رأي صحيح شامل فكيف ساغ له تثبيت التهمة!! وإن كان بدوي لم يطلع على النصوص الأصلية لكتب الرازي فإنَّ فيما سقناه أعلاه من كتاب (أخلاق
الطبيب) وفيما سنورده أدناه من البينات الكفاية لتبديد سحب هذه التهمة بإذن الله. ويقول الدكتور فاضل الطائي: "ومما لا شك فيه أنَّ الرَّازي كان على جانب كبير من الذكاء والفطنة ... ولا بُدَّ لمن وهبه الله هذه المزايا أن ينال مرتبةً عالية في العلم، وشهرةً واسعةً في المجتمع تضرم نار الحقد في قلوب حاسديه ... إضافةً إلى أنَّهم - يقصد الحاسدين - نسبوا إليه كثيرًا من الكتب في الزندقة والسيمياء، وقد فنَّدتُ ذلك بعد الرُّجوع إلى المصادر الموثوقة). ويقول أيضًا في موضع آخر: "ويبدو أنَّ الشُّهرة التي اكتسبها - أي الرازي - في حياته، وتأثيره الكبير في النَّاس قد حدا ببعض الفرق أن تكتب ما تشاء، وتضع على كُتبها اسم الرازي؛ سعيًا وراء الشهرة ... ومن هذه الفرق: القرامطة (2).
ويقول الدكتور محمد كمال جعفر في كتابه (في الفلسفة الإسلامية): "نود أن نشير إلى ضرورة إعادة النظر والدراسة لموقف الرازي الطبيب من النُّبوَّة وتأليفه لكتاب (مخاريق الأنبياء)؛ وذلك لأنَّ مصدرنا في آرائه حول النُّبوَّة هو خصومه، مثل: أبي حاتم الرازي، وحميد الدين الكرماني والبيروني ونصيري خسرو، ومن شابههم من الإسماعيلية (3) والباطنية ... نَسَبَ البيروني إليه كتابين في الكفريات هي مخاريق الأنبياء) و (حِيَل المتنبئين) لكننا لم نعثر على أثر لهذه الأعمال، ولم نعثر على قول الرّازي في تراثه المنشور أو سيرته المكتوبة يستفاد منه إنكاره للنُّبوَّة أو نيله منها، ومعنى ذلك أننا لا نملك مصدرًا موثوقا به نعول عليه في صحة نسبة هذه الاتهامات للرازي ... خصوصًا إذا كنا نعتمد في تحقيق عبارات الرازي على كتاب (أعلام النُّبوَّة) لأبي حاتم الرازي مع قيام الاحتمال المرجح للتزيد والحذف أو التشويه لما كان للرازي من مواقف ضد الحركة الإسماعيلية والانتماء إليها (4). (5) - من ألف فكأَنَّما وضع عقله على صفحة فعرضه على النَّاس، ونحن يمكننا أن نتعرّف على عقل الرازي وطريقته في التفكير من خلال كتبه التي عرض فيها عقله، ومن كتبه التي
1
1 - مجلة المجمع العلمي العراقي، العدد (22) - (3/ 1/ 1973 م)، ص (163 - 164). 2 - مجلة المجمع العلمي العراقي، العدد (16) - (1/ 3 / 1968 م)، ص 105.
- يُذكر أنَّ الرَّازي قد ألف عدَّة كتب في الرد على الإسماعيلية، ويبدو أنَّ هذا من بين الأسباب التي دعت بعض الإسماعيلية
إلى اتهامه بالكفريات!!
4 - محمد كمال جعفر في الفلسفة الإسلامية، ص (227 - 228).
89 (1/89)
صفحة 90
مناجزة الإلحاد
بين
أيدينا
عليه حيث:
ونحن نسوّد كلماتنا هذه كتاب (أخلاق الطبيب)، وقد بان الخط الفكري الذي سار
(أ) - قال في (حفظ الأعين عند العلاج إلا من موضع العلاج فقط): "فيجب أن يحفظ طرفه ولا يجاوز موضع العلة، فقد قال الحكيم جالينوس: في وصيَّته للمتعلمين: "على الطبيب أن يكون مخلصا الله، وأن يغض طرفه عن النّسوة ذوات الحسن والجمال، وأن يتجنَّب لمس شيء من أبدانهنَّ، وإذا أراد علاجهنَّ أن يقصد الموضع الذي فيه معنى علاجه، ويترك إجالة عينيه
إلى سائر بدنها (1).
(ب) - ويقول في (ضرورة توكل الطبيب على الله عند علاجه): "ويتكل الطبيب في علاجه على الله تعالى، ويتوقع البرء منه، ولا يحسب قوته وعمله، ويعتمد في كلّ أموره عليه، فإذا فعل ذلك ونظر إلى نفسه وقوته في الصناعة وحذقه حرمه الله البرء (2).
(ج) - ويقول في حديثه عن (أدعياء الطبّ): " ... وأكثر هؤلاء يرجعونه إلى الزهد، وصيانة النفس، ولو أمسكوا عنه لكان جزاءً لهم دينا ودنيا، وآخرةً وأولى ... وإن الواحد منهم ربما بلغ به الأمر من الصيانة أن يذبح نفسه من غير أن يتكلم بين اثنين في شيء حقير من حطام الدنيا؛ كيلا يبوء من ذلك بإثم (3).
،
(4)
(د) - ويقول في (فضل الأطباء): "فإنه قد اجتمع لهم خمس خصال لم تجتمع لغيرهم: الأولى: اتفاق أهل الأديان والملل على تفضيل صناعتهم ... والخامسة: الاسم المشتق من أسماء الله تعالى (ه).
(هـ) - ويقول في (كهنة الطب: "ولهؤلاء الممخرقين - أخزاهم الله تعالى - في ترويج حيلهم عند العامة، أنواع من الحِيَل، وزرق لطيف جدًّا (6).
1 - محمد بن زكريا الرازي، أخلاق الطبيب، ص (29).
2 - المرجع السابق، ص (38 - 39).
- المرجع السابق، ص (81 - 82).
4 - لو أنَّ الأديان - التي لا سبيل إليها إلا عبر طريق الأنبياء - باطلة عند الرازي ولا اعتبار لها لما رفع بذكرها رأسًا، ولما عدَّها في
رأس هرم فضائل الأطباء!
ه - المرجع السابق، ص (87 - 88).
6 - المرجع السابق، ص (89).
9. (1/90)
صفحة 91
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
(6) - النقد الداخلي لما وصل إلينا من نُتَفٍ زُعم فيها أنَّها مناظرة بين أبي بكر الرازي الفيلسوف الطبيب وأبي حاتم الرازي تُظهر أمورًا عدَّةً ينبغي التدقيق فيها: (أ) - ظهور ردود أبي بكر الرازي في غاية السطحيَّةِ والسَّذاجة وسرعة الانقطاع أمام الخصم؛ ممَّا لا يتناسب مع أبي بكر الرازي ومكانته العلميَّة وصيته الذائع الذي جعل له طلابا يقصدونه للنهل ممَّا لديه من معارف.
جمع
عنه:
(ب) - ظهور أبي بكر الرازي في مظهر السبَّابِ الشتَّامِ المتكبر المغرور المستنكف عن قبول الحجة، وهذا متناقض متعارض متشاكس مع ما وصف به الإمام الذهبي هذا الرجل، ووصفه به غيرُه ممَّن ترجم له، ويتناقض مع ما وصَلَنا من تُتَفٍ من رسائله الفلسفية مما يكشف شيئًا من حاله المتواضعة وزهده فيما في أيدي النَّاس، ومن ذلك ما نُقل فأما الرياضيات فإنّي مقرّ بأنّي إنَّما لاحظتها ملاحظةً بقدر ما لم يكن لي منها بد، ولم أُفنِ زماني في التَّمهر بها بالقصد منّي ذلك؛ لا للعجز عنه. ومن شاء أوضحت له عذري في ذلك ... فإنّي لم أصحب السلطان صحبة حامل للسلاح ولا متول أعماله، ولا ظهر مني على شَرَه في المال وسَرَفٍ فيه، ولا على منازعات النَّاس ومخاصماتهم وظلمهم، بل المعلوم منّي ضد ذلك كله، والتَّجافي عن كثير من حقوقي. وأما حالتي في مطعمي ومشربي ولهوي فقد يعلم من يُكثر مشاهدة ذلك مني أنَّي لم أتعدَّ إلى طرف الإفراط وكذلك في سائر أحوالي مما يشاهده هذا من ملبس أو مركوب أو خادم أو جارية ... وهَبْ أنَّي تساهلت عليهم وأقررت بالتقصير في الجزء العملي، فما عسى أن يقولوا في الجزء العلمي؟ فإن كانوا استنقصوني فيه فليقولوا إلى ما يقولونه في ذلك لننظر فيه ونذعن - من بعد - بحقهم أو نرُدَّ عليهم غَلَطَهم، فإن كانوا لا يستنقصونني في الجزء العملي فأولى الأشياء أن ينتفعوا بعلمي ولا يلتفتوا إلى سيرتي. (7) - بعض المقتطفات المنسوبة إلى الرَّازي تُثير تساؤلات عدة، وتفتح أبواب فكر المرء على مصاريعها حاثة إياه على التَّروّي في الحكم على الرَّجل فيما أُشيع عنه فيما يخص موضوع النُّبوَّة والأديان، ومن ذلك قوله في خاتمة السيرة الفلسفية:
(1) ce
1 - محمد بن زكريا الرازي رسائل فلسفية، ص (109 - 111).
91 (1/91)
صفحة 92
مناجزة الإلحاد
أهله
فهذا ما أردنا أن نُودِعَ في هذه المقالة، ولواهب العقل الحمد بلا نهاية كما هو ومستحقه)، وصلَّى الله على المصطفينَ مِن عباده (3) والخيرات من إمائه (3). فممَّا يُلحظ في هذا النَّص أنَّه متضمن لمصطلحات دينية قرآنية! فصلاة الله على عباده رحمته لهم، وهذا مما جاءت به نصوص الوحي الشريف، يقول تعالى جده: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (الأحزاب: 43). ويقول: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلَّمُوا تَسْلِيمًا (الأحزاب: 56). وأما فيما يخص لفظة الاصطفاء فالله تعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (آل عمران: (33). وهل النبوات والرسالات - التي يُدعى أن الرّازي أنكَرَها - إلا اصطفاء واجتباء، وانتقاء، فكيف يفوت هذا الفيلسوف الممجد الله مثل هذا؟! بل نستطيع القول إنَّ عبارة الرازي أعلاه تتطابق في معناها ومبناها مع قول الحق تعالى حين يقول وهو أصدق القائلين: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى اللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) (النمل: (59). وهذا دليل على تأثر الرّازي بكلماتِ اللهِ المنقولة إلينا عبر الرسول الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي يزعم الزَّاعمون أنَّ الرَّازي كافر به!!
-
بل إنَّنا نستطيع القول إنَّ بعض المقتطفات هي نص في محل النزاع تُرجح كفة القول بإيمانِ
1 - نرى تكرار هذه العبارة بنصها في خاتمة رسالته أخلاق الطبيب، ص 95). وليس بغريب أن نقول أَنَّ حمد الله وذكرَه والثناءَ عليه سمة من السمات البارزة في كتب الرازي، ونجده - في مجمل ما وقع بين أيدينا من كتبه - يفتتح كتبه ويختتمها بحمد الله والثناء عليه، بل لربما وجدناه على هذا المنوال في ابتدائه لبعض الأبواب الداخلية لكتبه كما في قوله في (سر صناعة الطب، ص 153): "قال أبو بكر: الصبر نعمة من ا الله جزيله، فله الحمد على ما تمه من صون هذه العلوم، وحفظها على العوام على مدار العمر والأيام بعيدا عن غباوة الناقلين، والضَّانّين بها، وقطع من وصل إليه شيء منها طريقها عن ما يليه، وجعلها لأهله وذويه بمستودع. إليه الشكر والحمد ونستجلب منه المزيد؛ فهو الغني الجواد، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم". ومن السمات البارزة - كذلك - أنَّه كثيرًا ما يختم ذكر وصفاته الطبية مقيدة بإرادة الله؛ ففي كتابه (سر صناعة الطب) ورد قوله (إن شاء الله تعالى) 5 مرات كما في ا الصفحات (112، 117، 120، 126، 127)، وورد قوله (إن شاء الله) 3 مرات كما في الصفحات (ص 116، 121، 149)، وورد قوله (بإذن الله تعالى) مرة واحدة ص 119، وورد قوله (بإذن الله مرة واحدة ص 117، وورد قوله بعون الله) مرة واحدة ص 117، مع الانتباه إلى أن الكتاب يقع في قرابة (72) صفحة فقط، والكتاب في أساس وضعه إنَّما كان في صنعة الطب، ومثل هذه الكتب - عادة - لا تكثر من مثل هذه المصطلحات؛ نظرا لطبيعتها المحتاجة إلى الإشارة السريعة بأقرب لفظ موجز موصل للمعلومة، ولكنَّ الرازي أبى إلا أن يضمّخ كـ كتابه بعبير ذكر الله. (ينظر: محمد بن زكريا الرازي، سر صناعة الطب). 2 - وبهذه الصلاة يقطع الرازي الطريق على متهميه بإنكار النُّبوة والأنبياء ومن ذلك ما نجده في افتتاحية كتابه (سر الأسرار) حيث يفتتحه بقوله: "قال محمد بن زكريا الرازي الحمد لله حمدًا يُوازي، أنعامه، ويُضاهي أفضاله، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين أفضل صلواته وأزكى تحيَّاتِه، وسلم تسليمًا كثيرًا كثيرًا .....
3 - محمد بن زكريا الرازي، رسائل فلسفية، ص 111.
92 (1/92)
صفحة 93
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
الرازي وصدق ديانته كما في قوله عن الموت: "إني قد بَيَّنْتُ أنَّه ليس للخوف من الموت - على رَأْي مَنْ لَمْ يَجعل للإنسان حالةً وعاقبةً يصير إليها بعد موته - وَجْهُ. وأقول: إنَّه يجب أيضًا في الرَّأي الآخر - وهو الرَّأيُ الذي يجعل لِمَنْ مات حالةً وعاقبةً يصير إليها بعد الموت - أن لا يخافَ مِن الموتِ الإِنسانُ الخيرُ الفاضلُ المُكَمِلُ لِأَداءِ ما فَرَضَتْ عليه الشريعةُ المُحِقِّةُ؛ لأنَّها قد وَعَدَتْهُ الفوز والراحة والوصول إلى النّعيم الدائم. فإنْ شَكٍّ شاك في هذه الشريعة، ولَمْ يَعْرِفها ولَمْ يَتَيَقَّنْ صحتها، فليس له إلا البحث والنظر جهده وطاقته. فإن أفرغ وسعه وجهده غير مقصرٍ ولا وان، فإنَّه لا يكاد يعدم الصَّواب. فإن عدمه - ولا يكاد يكون ذلك - فالله تعالى أَوْلَى بالصَّفح عنه والغفران له؛ إذْ كانَ غير مطالب بما ليس في الوُسْع، بل تكليفه وتحميله عزَّ وجلَّ لعباده دون ذلك كثيرًا. وإذ قد أتينا على قصد كتابنا هذا وبلغنا آخر غرضنا فيه، فإنَّا خاتمون كلامنا بالشكر لربنا عز وجل. الحمد لله واهب كُلّ نعمةٍ وكاشفِ كُلّ غُمَّةٍ حمدًا بلا نهاية كما
هو
أهله ومستحقه.
ومن
المقتطفات
التي
تُرجّح كفّة القول بإيمانِ الرَّازي بالدين والنبوة؛ قوله: " ... ويدخل
عليهم من أجلها التقصير في دينهم ودنياهم حتَّى يضطروا إلى استعمال صنوف الجيل ... (2). وقوله: "إنَّه ليس من أحدٍ يستجيز أن يعد العشقَ منقبةً من مناقب الأنبياء عليهم السلام، ولا فضيلةً من فضائلهم، ولا أنَّه شيء آتروه واستحسنوه، بل إنَّما يُعدُّ هفوةً وزلةً من هفواتهم وزلاتهم (3). ففي هذا النَّص كما هو ظاهر جلي يصون الرّازي مقام الانبياء - مع تسليمه عليهم - ويُجلُّهم عن الوقوع في العشق أو اعتباره شيئًا مستحسنًا عندهم.
se
ويقول مبينا أضرار الإفراط في الشكر: "هذا إلى ما يجلب من: فقد العقل، وهتك الستر، وإظهار السر، والقعود به عن إدراك جُلّ المطالب الدينيَّة والدنيائيَّة ().
ويقول في أحكام الطهارة وصحة الصَّلاة: "ومن أجل أنَّا نقصد هذين ونريدهما - أعني الطَّهارة والنظافة - إما للدين وإمَّا للتَّقذُر، وليس يضرُّنا ولا في واحدٍ من هذين المعنيين ما فات الحواس قلة من الشيء النجس والشَّيء القذر، وذلك أنَّ الدين قد أطلق الصَّلاة في الثَّوب
1 - المرجع السابق، ص (95 - 96).
2 - محمد بن زكريا الرازي الطب الروحاني، ص 40.
- المرجع السابق، ص 63.
- المرجع السابق، ص 94.
93 (1/93)
صفحة 94
مناجزة الإلحاد
الواحد الذي ماسته أرجل الذُّباب الواقعة على الدم والعَذِرَة والتَّطهر بالماء الجاري ولو علمنا أنَّه ممَّا يُبال فيه، وبالراكد في البركة العظيمة ولو علمنا أنَّ فيه قطرة من دم أو خمر ... فليس يضرُّنا إذن الشَّيءُ النَّجس والقذر إذا كان مستغرقًا فائتا لقلته ... ولذلك ما وضع الله على العباد التَّطهر على هذه السَّبيل إذ كان ذلك مما ليس في وسعهم وقدرتهم).
(1)،
ومن المقتطفات كذلك؛ قوله في كتابه (رسائل فلسفية): " والحمد لله رب العالمين (2). وهي آية كاملة في كتاب الله تعالى كما هو معلوم، وقوله في كتابه (سر الأسرار): "الحمد لله رب الأرباب، ومسبب الأسباب، وواهب كل حكمة، ومعطي كل نعمة، وبه نستعين، وعليه نتوگل، وصلوات على خيرته من الرُّسل محمد النَّبي وآله ...
و نختم ما سبق أعلاه بالقول:
(3).
إنَّ في القلب شكا عظيمًا من صحة نسبة الفيلسوف والطبيب أبي بكر الرازي إلى الكفر بالنُّبوَّات، فالدلائل تشير بأصبعها بشكل حاسم إلى إيمان الرّجل بالله والأنبياء والأديان، ويبقى الرازي على أسوأ الأحوال مؤمنًا بالله ممجّدًا له، ومعه تبطل دعاوى الملاحدة الفارغة، وتتهاوى أوهامهم المجنّحة، فالرجل بريء منهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب.
خامسًا: أبو العلاء المعري (363 - 449ھ/ 937 - 1057 م)
أبو العلاء أحمد بن عبدالله بن سليمان القضاعي التنوخي، شاعر مجيد من شعراء العصر العباسي، ولد وتوفي في معرة النعمان في شمال سورية، وإليها ينسب لقب برهين المِحْبَسَين - مِحْبَس العَمَى ومِحْبَس
البيت - ولقبه بعضهم بـ (فيلسوف الشُّعراء)، له مؤلفات عدة، منها: (رسالة الغفران)، و (اللزومِيَّات)، و (شرح ديوان الحَمَاسة)، و (زَجْرُ النَّابِح)، أبو العلاء و (ديوان سقط الزند)، وغيرها. رمى بعضُهم المعري بالإلحاد، وذهب آخرون
إلى أنَّ المعري قد يكون شكاكا في كل شيءٍ إلا أنه مؤمن بالله صادق، وهو من أصدق الناس
1 - المرجع السابق، ص (103). ولا يخفى أنَّ هذا النَّص مبني على ما ورد في السُّنة النبوية، كحديث: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثمَّ يغتسل فيه. وحديث: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث“. ونحوهما.
2 - محمد بن زكريا الرازي رسائل فلسفية، ص 245.
3 - مجلة المجمع العلمي العراقي، العدد (22) - (1/ 3 / 1973 م)، ص 167.
94 (1/94)
صفحة 95
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
إيمانًا وأصبرهم على البلاء، لا تلبث شكوكه بعد أن تثور حتّى تغور، وتنته ابتداء إلى أنَّ إلحاد المعري - عند من قال به - يُقصد به الإلحاد الذي دَرَجَ العلماء على إطلاقه في مصنفاتهم، وهو مطلقُ الميل والانحراف، وهو بهذا يشمل الملحد المنكر لوجود الله ويشمل الربوبي، بل يشمل الفاسق المعترف بوجود الله المؤمنَ بالرسالات المنحرف عن تطبيق مضمونها، لذا؛ فلا وجه للملاحدة في قولهم بإلحادِ المعري، وما نسبتهم إياه إلى الإلحاد إلا جهل منهم بطبيعة المصطلحات في التُّراث الإسلامي، أو غَرَضٌ منهم وسوء قصد، هذا إن سُلّم لهم بإلحادِ شيخ المعرَّة. هذا، ونجد اتجاها ثالثًا ضمَّ لفيفا من المؤرّخين ومحققي تاريخ الأدب ممَّن نافح عن شيخ المعرَّة، ودَفَعَ عنه الرّيب والتهم، ونحنُ مع هؤلاء فيما رأوه، ومعيَّتُنا لهم هي مَعيَّة حُجَّةٍ وبرهان، وإليكم البيان:
(1) ردَّ المعري على من اتهمه بالزَّيغ والإلحاد في كتابه (زَجْرُ النَّابِح)، ووصف متهمه بالمتحامل والمُبطل بل وصل إلى وصفه بالملحد!! ووصَفَه بتعمد التلاعب بأشعاره وتعمد التمويه فيها؛ حيث قال (2): "أفما يستحي المتحاملُ أن يأتي بمثل هذه التمويهات الباطلة ويُلبّس بها على جماعةٍ مغترة؛ ليتوَصَّل إلى أذَاةِ مَن لم يتقدَّم إليه منه مضرَّةُ ما يكره ولا يشين، وقد وصل البيت الذي ذَكَرَ؛ حرصًا على التَّشنيع ورغبةً في تضريب العامة - أي إغراؤها - على معنى التأريش - أي الإفساد والتَّحريش - ببيت ليس هو في الأبيات ... (3) ونحن لا ندري مـ
،
سبب الإصرار على رمي الرَّجلِ بالزَّندقة والإلحاد وكتابه متقدّمُ الذكرِ مملوء بتمجيد الله،
(4)
ما
و
الله!
الصَّلاةِ والسَّلام على رسول الله، والاستدلال على وجوبِ سمعه وطاعته بآيات من كتاب يقولُ المعري: "وهذا القولُ (4) مستنبط من الكتاب العزيز والحديثِ، لقولِهِ تعالى: {مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا
1 - يُنظر: نديم الجسر، قصة الإيمان، ص (113 - 119). 2 - قال هذا في معرض رده على من لم يفهم معنى قوله:
جد فديت كف بخمس مئ من. ما بالها قطعت في نصف دينار!
- أبو العلاء المعري، زجر النابح، ص (150 - 151).
4 - ذكر هذا عند تعرضه لبيان معنى قوله: كف بخمس
من عسجد
فديت
ما بالها قطعت في نصف دينار!
تَناقُضُ مَا لَنا إلا السكوتُ له
وأن نعوذ بمولانا من النار
95 (1/95)
صفحة 96
مناجزة الإلحاد
يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (الحشر: (7). فأُمروا بالرضا والتسليم لأمرِ الرَّسولِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، وأن يرجعوا إلى ما قَالَ، ويُخالفوا العقول إذا أنكرت شيئًا مما في الشريعة، وعلى ذلكَ ذَهَبَ جلة المسلمين؛ لأنَّ علم الله سبحانه واسع خفي، ولا ينبغي أن يُسأل عمَّا أَمَرَ بهِ: لِمَ كانَ؟ ولا يُسلَّمُ عِلم ذلك إلا له، تَعالَت قدرته).
(2) - رَدَّ أبو العلاء على ابنِ الرَّاوندي في رِسالةِ الغُفران وانتصر إلى القول بإعجاز القرآن وبلاغته، فكيف يدعي مدع بعد ذلك إلحاد المعري وزندقته!! فمِن قوله مثلا في إعجاز القرآن الكريم: "وأجمع ملحد ومهتد، وناكبٌ عن المحجة ومقتد، أنَّ هذا الكتاب الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - كتاب بَهَرَ بالإعجاز، ولَقِيَ عدوَّهُ بالإِرْجَاز، ما حُذِيَ على مِثال، ولا أشبه غريب الأمثال، ما هوَ مِنَ القصيدِ الموزون، ولا الرَّجَزِ مِن سَهْلٍ وحَزُون، ولا شاكل خطابةَ العَرَب، ولا سَجْعَ الكَهَنَةِ ذوي الأَرب، وجاءَ كالشَّمسِ اللَّائِحَة، نورًا لِلمُسِرَّة والبائِحَة، لو فَهِمَه الهَضْبُ الرَّاكد لتَصَدَّع، أو الوعولُ المُعْصِمَةُ لَرَاقَ الفادِرَة والصَّدَع: (وتِلكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُون). وإنَّ الآيةَ مِنهُ أو بعض الآية لتعتَرِضُ في أَفْصِح كَلِم يَقدِرُ عليه المخلوقون، فتكونُ فِيهِ كالشّهاب المتلألئ في جُنْح غَسَق، والزهرة البادية في جدوب ذاتِ نَسَق، (فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِين)» (1).
(3) - التتبعُ السَّريعُ الخاطف لمؤلفات شيخ المعرَّة - لمن خَلُص منه القصد وصفا لديه التَّوجه نحو الحقيقة - يُوصِلُ إلى نفي هذه التهمة عنه، فالرّجلُ مشحونة قصائده بذكرِ لفظِ الجلالة (الله) في مواضع متعددة من قصائده كما في كتابه: (سِقُطُ الزَّند) على سبيل التمثيل)، بل لربما افتتح قصيده بالشَّكوى إلى الله كَمَا في قوله:
إلى الله أشكو أنني كل ليلة
إذا نمتُ لم أَعدَمْ طوارِقَ أوهامي)
(4)
بل، نجده ذاكرًا شعيرة الحجّ المقدَّسة متخلّصًا إليها عبر التَّمهيد لها بذكرِ حالِ الدُّنيا في قصيدته: (دنياك تحدو) وهي قصيدة قالها على لسان سائق الحاج، حيثُ يقول:
1 - أبو العلاء المعري، المرجع السابق، ص (151 - 152). 6 - أبو العلاء المعري، رسالة الغفران، ص (472 - 473).
- يُنظر: أبو العلاء المعري، سقط الزند، (ص 47، ص 50، ص 59، ص 270، ص 271، ص 299، ص 310)، وغيرها.
- المرجع السابق، ص 241.
96 (1/96)
صفحة 97
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
دنياك تحدو بالمسا وعَظَتك أيام تمرُ
ثُمَّ يَخلُصُ إِلَى ذِكْرِ الحَجِّ فَيَقُول:
وسَرَيتَ تحتَ المُدجِنا
في فتية تُزجي إلى الـ تبغي بمكة حاجة
فر والمقيم جمالها
فهل فهمت مقالها
ت ممارسا أهوالها
بيت الحرام نعالها قَدَرَ العزيز مالها
حتى قضيت طوافها
سبعًا وزُرتَ جبالها
وسمعت عند صباحها
ومسائها
إهلالها
ترجو رضى الملك الذي
منح الملوك جلالها (5)
ونجده ممجّدًا الله كما في خطبة كتابه: (سقط الزَّند) حيث يقول: "فالحمد لله الذي سَتَر بغفّةٍ مِن قُوام العيش ورزَقَ شُعبةً من القناعة أوفت على جزيل الوفر، وما وُجد لي من غلّو علق في الظاهر بآدمي، وكان مما يحتمله صفات الله، عزَّ سلطانه، فهو مصروف إليه، وما صلح لمخلوق سلف من قبل، أو غيرُ، أو لم يُخلق بعد، فإنه مُلحَقِّ به، وما كان محضا من المين لا جهة له، فأستقيلُ الله العثرَةَ فيه ... » (1).
بل يذهب المعري - قاطعًا الطَّريقَ أَمامَ أَلسِنَةِ خُصومِهِ الحِداد - مذهبًا أبعد من مجرَّدِ الثَّناءِ على الله وتمجيده حيثُ يذكرُ ضَغطةَ القَبرِ وسؤالَ مُنكَرٍ ونكير (9)!! ويؤمنُ بما يعقبهما من بَعثٍ، وقد صوره مراتٍ عدَّةٍ في مواقف مختلفة من شعره، كقوله:
إذا ما أعظُمي كانت هَبَاءً فإنَّ الله لا يُعييهِ
ويقولُ لَهجا بلسان المؤمِن الوَجل:
إن كان نقلي مِن الدُّنيا يَعودُ إلى خير وأرحب فانقلني على عَجَلِ
1 - المرجع السابق، ص 6.
2 - أبو العلاء المعري، زجر النابح، ص 172 - 173).
97 (1/97)
صفحة 98
مناجزة الإلحاد
(1)
وإِنْ عَلِمتَ مَالَي عِندَ آخِرَتي شرًا وأضيق فانسأربٍ في الأَجَلِ كما نجد المعري نفسه يُصرّح في رسالة الغفران بأنَّه قد هم بالانتحار ذات يوم، فلم يمنعه عنه إلا خوفُ الله؛ حيث يقول: "قد كدتُ ألحق برهط العدم، من غير الأسف ولا النَّدم، ولكنَّما أرهب قدومي على الجبار .... كذلك نجد أنَّ المعري يدعو الله لابن القارح بالأجر، لا لشيءٍ سوى أنَّ هذا الأخير كان غُصَّةً ناشبةً في حلوق الزنادقة والملحدين؛ حيث يقول المعري: "وأما غيظه - أي ابن القارح - على الزنادقة والملحدين فأجرُه على الله، كما أَجَرَهُ على الظمأ في طريق مكة، واصطلاء الشمس بعرفة ومبيته بالمزدلفة، ولا ريب أنه ابتهل إلى الله سبحانه ... » (2). فكيف يُحشَرُ في زمرة الزنادقة والملاحدة من كان هذا حال لسانه، ولسان حاله!! لذلك؛ فلا عَجَبَ أن نجد من دافع عن رهينِ المحبسين نافيًا عنه هذه التهمة، وكفَّة هؤلاء هي الرَّاجِحَةُ في ميزان العلم، ومن جُملةِ هؤلاءِ مُؤرّخُ الشَّام العلامة ابنُ العُدَيم، وقد أَلَّفَ كتابَ (الإنصاف والتحري في دفع الظلم والتَّجري عن أبي العلاء المعري)، ذب فيه عن أبي العلاء ونافح عنه، ووصف متهميه بالإلحادِ بأنَّهم لَم يَعوا وعيه، وحَسَدُوهُ إِذْ لَم يَنالُوا سَعِيَه، حيثُ قَالَ:
1 - أبو العلاء المعري، رسالة الغفران، ص 395. 2 - أبو العلاء المعري، رسالة الغفران، ص 428.
3 - عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة (588 هـ - 660 هـ) من مؤرخي القرن السابع الهجري، كان فقيها ومحدثًا وشاعرًا، وهو من بيت أبي جرادة، بيت مشهور من أهل حلب، يتوارثون الفضل كابرًا عن كابر. (ينظر: ياقوت الحموي، معجم الأدباء،
(01 - 0/ 17
4 - ألَّفه ابنُ أَبي جَرادة (ابن العديم) دِفاعًا عن أبي العلاء حيثُ قال فيه: "وقد وضع أبو العلاء كتابًا وَسَمَه بـ (زجر النابح)، وأبطل في طعن المزري عليه والقادِح، وبيَّن فيه عذرَهُ الصَّحيحَ وإيمانه الصَّريحَ وَوَجْهَ كلامه، الفصيح، ثمَّ أتبع ذلك بكتاب وسمه بـ (نجر الزجر) بيَّن فيه مواضعَ طَعنوا بها عليه بيانَ الفُجر، فلم يمنعهم زجرُه ولا اتَّضح لهم عُذرُه، بل تحقَّقَ عندهم كفره واجترؤوا على ذلك وداموا، وعنفوا من انتصر له ولاموا، وقعدوا في أمره وقاموا، فلم يرعوا له حرمة، ولا أكرموا عِلمه، ولا راقبوا إِلَّا ولا ذمة، حتَّى حكموا بكفرِهِ بالأسانيد وشدَّدوا في ذلك غايةَ التَّشديد، وكفَّره من جاءَ بعدهم بالتقليد، فابتَدَرتُ دونَه مُناضِلًا، وانتصبتُ عنه مُجادِلًا، وانتدبتُ لمحاسنه نَاقِلًا، وذكرتُ في هذا الكتابِ مولده ونسبه، وتحصيله العلم وطلبه، ودينه الصَّحيحَ ومذهبه، وورعه الشديد وزهده، واجتهاده القوي وجده، وطعن القادح فيه ورده، ودفع الظلم عنه وصده، وسميته (كتاب الإنصاف والتحري في دفع الظلم والتَّجري عن أبي العلاء المعري) أ. هـ هذا؛ ونود الإشارة إلى أنَّ الكتاب لم يطبع مستقلا فيما نعلم، وقد طبعته لجنةُ إحياء آثار أبي العلاء في مصر - بعدما استعارته من المجمع العلمي العربي بدمشق - ضمن كتاب (تعريف القدماء بأبي العلاء) وذلك عام (1363 هـ - 1944 م)، وقد نقلنا مقصودنا من الكتاب نقلًا عن كتاب (إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء) للشيخ محمد راغب الطباخ الحلبي؛ حيث أنَّه ضمَّن الكتاب في ترجمته لأبي العلاء المعري، ويبدو أنَّ الكتاب غير مكتمل؛ وهذا ما توحي به عبارة الشيخ محمد الطباخ حيثُ قال: "ولعل نشرنا الكتاب يدعو بعض ذوي الهمم للبحث والتنقيب عن نسخة تامة منه فيسعى بطبعه على حِدَة“.
98 (1/98)
صفحة 99
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
"وبعد، فإني وقفتُ على جملة من مصنفاتِ عالم معرَّة النعمان، أبي العلاء أحمد بن عبدالله بن سليمان، فوجدتُها مشحونةً بالفصاحة والبيان، مُودَعةً فنونًا من الفوائدِ الحِسان، محتويةً على أنواع الآداب، مشتملة من علوم العرب على الخالص واللباب؛ لا يجد الطَّامحُ فيها سقطة، ولا يُدرِك الكاشحُ فيها غَلطة. ولمَّا كانت مختصَّةً بهذه الأوصاف، مميَّزةً على غيرها عند أهل الإنصاف، قَصَدَه جَماعةٌ لم يعُوا وعيه وحسدوه إذ لم ينالوا سعيه، فتتبعوا كُتُبه على وجهِ
الانتقاد، ووجدوها خاليةً من الزيغ والفَسَاد؛ فحين علموا سلامتها من العيب والشَّين، سلكوا فيها معه مسلك الكذب والمَيْن، ورموه بالإلحادِ والتَّعطيل، والعدول عن سواء السبيل. فمنهم من وضع على لسانِهِ أقوال المُلحِدَة، ومنهم مَن حَمَلَ كلامه على غير المعنى الذي قصده، فجعلوا مَحاسِنَه عُيوبًا، وحسناتِه ذنوبا، وعقله حُمقًا، وزُهده فسقًا؛ ورشقوه بأليم السهام، وأخرجُوه عن الدين والإسلام وحرَّفوا كلمه عن مواضعه وأوقعوه في غير مواقعه. ولو نَظَرَ الطَّاعِنُ كلامه بعينِ الرضا، وأغمد سيفَ الحَسَدِ مَنْ عليه انتضى؛ لأوسعَ له صدرًا وَشَرَح، واستحسنَ ما دَمَّ وَمَدَح. لكن جرى الزَّمن على عاداته، في مطالبته أهل الفضل بتراته وقصدهم بإساءاته، فسلط عليهم أبناءه، وجعلهم أعداءه، فقصدوه بالطَّعن والإساءَة. واللبيب مقصود، والأديب عن بلوغ الغَرَضِ مصدود، وكلُّ ذي نِعمَةٍ محسود. ومن سلك في الفَصاحةِ مسلكه، وأدرك من أنواع العلوم ما أدركه، وقصد في كُتُبِهِ الغريب، وأودعها كل معنى غريب، كان للطاعن سبيل إلى عكس معانيه وقلبها، وتحريفها عن وجوهها المقصودة وسلبها. ألا ترى إلى كتاب الله العزيز، المحتوي على المنع والتجويز، الذي لا يقبلُ التَّبديل في شيءٍ من صُحفه، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كيف أحال جماعةٌ من أرباب باطل الأقاويل تأويله على غير وجوه التأويل، فصرفوا تأويله إلى ما أرادوا، فما أحسنوا في ذلك ولا أجادوا! حتَّى إنَّ جماعةً من الكفَّار، وأربابَ الزَّلل والعثار، تمسكوا منه، بآيات جعلوها دليلًا على ما ذهبوا إليه من الضَّلالات. فما ظنك بكلام رجل من البشر، ليس بمعصومِ إنْ زَلَّ أو عثر، وقد تعمَّق في فصيح الكلام، وأتى من اللغات بما لا يتيسر لغيرِهِ ولا يُرام، وأودعها في كلامِهِ أحسن إيداع، وأبرزها في النظم البديع والأسجاع، إذا | قصده بعضُ الحشاد، فحمل كلامه على غير المراد (1)
وقد جاء ابن العديم في كتابه هذا بما لا مزيدَ عليه؛ فليرجع إليه من أراده، وقد ترجم له -
1 - محمد راغب الطباخ إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء، (4/ 79 - 80).
99 (1/99)
صفحة 100
مناجزة الإلحاد
أيضًا - في كتابه (بغية الطلب) وانتصر له، هذا، ونجد - من جملة الناقلين لفضائله - القفطي"، والمحدّث السلفي، وأبا زكريا التبريزي (3)، وممَّن انتصر له من المتأخرين: الشيخ عبد العزيز الميمني الرَّاجكوتي)، وطه حسين، وعمر فروخ (5)، وعائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ، وعلامة اللغة والأدب محمود شاكر، وقد دافع محمود شاكر عن أبي العلاء، وترحم عليه في أكثر من موضع في كتابه (أباطيل وأسمار))، ومنهم الأستاذ محمود حسن الزَّناتي محقق كتاب (الفصول والغايات
في تمجيد الله والمواعظ) لأبي العلاء المعري؛ حيث قال عند تعريفه بمؤلفات أبي العلاء: ومن غرائب كتبه ونوادرها كتاب الفصول والغايات) () الذي نحن بصدده الآن. وقد كان هذا الكتاب مفقودًا، حتّى أنَّ أكثر من ترجم لأبي العلاء لم يذكره. أَمَّا مَن ذَكَرَه فَادَّعى أَنَّه عارَضَ به القرآن الكريم، وأحسب أن من ذكر ذلك لم ير الكتاب. على أنَّ بعضَ مَن نقل منه جملًا نقلها مشوَّهة، فكأنَّه سمِعَها من غيره ولم ينقل نصها منه. والغرضُ الذي حدا بأبي العلاء
1 - ابن العديم، بغية الطلب في تاريخ حلب، (3/ 863).
2 - علي بن يوسف القفطي، إنباء الرواة على أنباء النحاة، (1/ 81).
3 - أنشد الإمام أبو زكريا في كتاب (الراحلة) وهو تفسير لكتاب (لزوم ما لا يلزم):
تمتع به علقا نفيسا فإنَّه
مقال
أراكَ من الدنيا حقيقة أهلها
بصير بالأمور حكيم
وسكانها من جاهل وعليم
4 - قال بعدما ذكر كتاب الفصول والغايات ودعوى معارضة القرآن ومناقضته فيه: "على أنَّ الرَّجل معترف بإعجاز القرآن، بعد تأليف الفصول اعترافًا ليس وراءه غاية تُرام كما مر. وقد رأينا منه فصولًا فلم نجد إلا عظةً وذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ولعمري إنَّا لفي أشدّ حاجةٍ إلى من ينتقد علينا أعمالنا، ويدلنا طريق رشدنا. وأما هؤلاء المطرون من المداحين فيضروننا من حيث يريدون أن ينفعونا، فقد طمت في جميع طوائفنا الآفات، وفشت فيهم السَّوآت، وشكت الأرض إلى السَّماء ما تحمله من البلاء والعناء، وقد وصل بي الكلام وله شجون وفنون بحيث أوقفني موقف ذاتٍ عنه متعصب له، وأيم الله إني لم أقل إلا حقا، ولم أنطق إلا صدقا. (يُنظر: عبدالعزيز الميمني الراجكوتي أبو العلاء وما إليه، ص 289).
ه - يقول الدكتور عمر فروخ: "إنَّ ارتفاع مكانة المعري خلقت له حُسَادًا وخصومًا اتهموه بالزندقة مرةً وبالإلحاد مرةً أخرى ... أكان المعري زنديقًا أم تقيَّا؟ غلط النَّاس على المعري فظنوه زنديقًا. ولكنَّ الواقع أنَّه كان تقيًّا ... لا نشكُ أبدًا في أنَّ المعري كان ذا خُشوع ديني ... وكان المعري يقيم الصَّلاة بلا ريب ... وكذلك كانَ المعري يصوم رمضان، بل كان يقضي كثيرًا من الأيام صائمًا أو كالصَّائم، فالصومُ جزء أساسي في زهد المعري ... أما المعاصي فنحن على ثقة من أنَّ المعري لم يأت شيئًا منها، وهو لم يشرب الخمر، ولم يقربِ النِّساء حلًّا حَتَّى نتوَهَّم أن قرُبَهنَّ حَرَامًا، وكذلك كان زاهدًا في كلّ أمرٍ من أمور الدنيا“. (يُنظر: عمر فروخ،
أبو العلاء المعري الشاعر الحكيم، ص 26 - 30).
6 - يُنظر: محمود شاكر، أباطيل وأسمار، ص (17، 13).
7 - نلفت انتباه القارئ إلى أنَّ كتاب (الفصول والغايات) من أواخر مؤلفات أبي العلاء المعري، والأمور بخواتيمها، ومن طالع هذا الكتاب يلوح له بما لا لبس فيه ما قررناه أعلاه.
J .. (1/100)
صفحة 101
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
إلى إملاء هذا الكتاب بته للطَّلبة ما وعاه صدره من نوادر العلم وغرائبه، وقد تخيَّر لذلك أحسنَ مظهر يُظهِرُهُ فيه وهو تمجيد الله والمواعظ؛ ليكونَ ذلك أقرب إلى النفوس وفيه متوبة وقربي. أمَّا القولُ بأنَّه قصد مجاراة القرآن الكريم أو معارضته فذلك من قول حُسَّادِه، وكيف يريدُ ذلك وهو يُمجد الله فيه أحسن تمجيد وأروعه، ويقر بالعبودية والعجز! سبحانَكَ هذا بهتان عظيم. على أنَّ في الكتاب نفسه ما يدحض هذه المفتريات كلها حيثُ يقول: عَلِمَ رَبُّنا ما عَلِم، أني ألَّفْتُ الكَلِمَ، آمل رضاه المسلّم، وأتقي سخَطَه المؤلم، فهب لي ما أبلغ به رضاكَ مِن الكَلِم والمعاني الغراب غاية).
وممن تصدى كذلك للدفاع عن أبي العلاء المعري العالم والأديب المصري أحمد تيمور باشا؛ حيث يقول: "واعلم، أرشدك الله أني لم أنتصر له في بعض المواضع جنوحًا إلى عصبية، أو استرس رسالا مع هوى، ولكني وقفتُ في الكثير من أقواله على اعتقاد صحيح، وإيمان ثابت لا يخالطه شك، فكان تأويل ما عداها بما يحتمله اللفظ أولى من التسرع إلى إكفار مؤمن، والحكم عليه بالزندقة؛ خصوصا وأنَّ ما يدلُّ على إيمانه صريح في لفظه، والذي يُوهم محتمل لوجهين، فحمله على ما يوافق الصريح من أحد وجهيه أحقُّ وأصوب. فإذا رأيت شيئًا من ذلك فلا تتسرع في الإنكار علي، بل عليك بتحسين الظن، ومراجعة النَّظر، تجد ما قلته غير بعيد ... » (2).
سادسًا: ابن سينا (360 - 428 هـ / 970 - 1036 م)
هو أبو
علي
الحسين بن عبدالله بن سينا، ولد في قرية قرب بخارى،
أشهر
أتم حفظ الكتاب الكريم وهو في سن العاشرة، اشتهر بنبوغه في علمي الطب والفلسفة ألف في مختلف حقول المعرفة في عصره، من كتبه كتاب (القانون) في الطب وهو كتابٌ تُرجم إلى عدة لغات عالمية، وظل يُدرس في جامعات أوروبا حتَّى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي،
ابن سينا
جمع فيه ابن سينا ما عرفه من الطب القديم مضيفا إليه ما اكتشفه بنفسه من نظرياتٍ وأمراض مختلفة، وقد جمع فيه سبعمئة وستين عقارًا مع ذكر أسماء النباتات التي يستحضر منها كل عقار. درس ابن سينا الأمراض المختلفة كالسكتة الدماغية، والسل الرئوي،
1 - أبو العلاء المعري، الفصول والغايات في تمجيد الله والمواعظ، ص (د).
2 - أحمد تيمور باشا، أبو العلاء المعري: نسبه. شعره. معتقده، ص (136). كما يمكن الرجوع إلى المرجع ذاته لمعرفة معتقد المعري في الله ص (138)، ولمعرفة معتقده في النُّبوَّات والرُّسل ص (156).
101 (1/101)
صفحة 102
مناجزة الإلحاد
ودرس انتقال الأمراض التناسلية، ودرس العُقم ومدى تأثير ذلك على الأحوال النَّفسيَّة عند الزوجين، وتحدَّث عن السرطان ومعالجته، ووصف السل الرئوي وبين أنَّه يُمكنه الانتشار عن طريقي الماء والتراب، وبين كيفية استخراج الحصى من الكُلى، وغير ذلك من الموضوعات الطبية الأخرى).
لكنَّ الشَّيخ الرئيس كغيره من القامات المختلفة التي لم تسلم من لامز يلمز، أو طاعنٍ يَجَأُ بكلماته في خواصِرِ سيَرِهِمُ المنقولة إلينا، مما حدا بعضهم إلى نسبته إلى الزندقة والإلحاد! وهذا صادر عن أغراض متعددة صدر عنها الناقمون؛ فدافع الخلاف السياسي له دوره، وكذلك ملاحاةُ الأقران لها فعلها، والاختلافُ الفكري والمذهبي) له أثره الذي لا يخفى في النقمة عليه واستغلال هناته وعثراته لإخراجه من دائرة الإسلام ومن الغريب أن نجد أحد العلماء يُقرر أمرًا ما مخالفًا نصوص القرآن المحكمة، وخارجًا من دائرة إجماع الأمة غير أنه مجتهد مخطى عند محبيه ومريديه له أجرُ المجتهد المخطئ، وتُتلمس له المخارج، وتُتكلَّف له المبررات! بيد أننا نجد - في المقابل - ابن سينا لا بواكي له وليس له إلا أن يُرمى من شاهق خارج دائرة الإسلام! أننا لا نختلف مع ابن سينا، بل نرى أن ابن سينا كان في بعض اجتهاداته
أنَّ
وهذا لا يعني وآرائه ابن أرسطو أكثر من أن يكون ابن القرآن، وقد جانبه الصَّواب وابتعد عنه التوفيق في تلك الآراء؛ إنها معضلة التَّقليد ومصيدة الهالات الحاجبة، وقع فيها ابن سينا وهو العبقري النابغة الخريت فاستحالت علميته العميقة إلى سطحيَّة، كلُّ هذا حدث عندما رضي بأن يكون مقلدا لأرسطو في بعض آرائه، ومنافحًا وذابًا عنه في أحيان أخرى وسبحان من له الكمال! ونحن إذْ نختلف مع ابن سينا حول بعض آرائه الفلسفيّة - أو على الأصح بعض آرائه الدينية الملفّعةِ بثوب الفلسفة - لا يُمكننا رمي الرّجل بتهمة الإلحاد، ولا بإخراجه من دائرة الإسلام، وما ذاك إلا للبينات الآتية:
مُفْتَتَحا
(1) - الرّجل مؤمن بالله وبرسله وما جاؤوا به من رسالات فلستَ واجدًا كتابًا من كُتُبه إلا الله بحمد والصَّلاة على الرسول وآله فمن افتتاحه - مثلاً - لكتابه (التعليقات) قوله: "ثقتي بالله وحده: الحمد لله وحده: الحمد لله رب العالمين وصلواتُه على سيدنا محمد وآله أجمعين، وحسبنا
1 - يُنظر: الموسوعة العربية العالمية.
2 - فكما هو جليَّ من مؤلفات الرَّجل أنَّه شيعي المذهب، وهو أقرب إلى الإمامية منه إلى الإسماعيلية.
102 (1/102)
صفحة 103
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
(1)
الله ونعم الوكيل ... ). وهكذا في سائر كتبه، وإيمانه بالرُّسل والشَّرائع السَّماوية عموما وشريعةِ الرسول الخاتم على وجه الخصوص هو محل قطع؛ ولطالما تكلم في إثبات النُّبوَّة وكيفية دعوة الأنبياء إلى الله تعالى (2)، وأن يكون النبيُّ إنسانًا له من الخصوصية ما ليس لسواه (3)، وهو يرى أفضلية شريعة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - على ما سواها، وأنها جاءت بأفضل ما جاءت به الشرائع الإلهية، لذا؛ نجده مجلّيّا هذه الحقيقة في كتابه: (رسالة الأضحوية)) قائلاً: وإيضاح هذا أنَّ الشَّريعة الجائية على لسان نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - جاءت بأفضل ما يُمكن أن تجيء عليه الشّرائع وأكمله، ولهذا صلح أن يكون خاتم النبيين والشّرائع، وآخر الملل، ولهذا المعنى قال عليه السَّلام: إنَّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (ه) أ. هـ (2) - تأليف الرَّجل شاهدة على بُعدِه من الإلحادِ بعد المشرقين؛ فهو من قد ألف: (البر والإثم) و (المبدأ والمعاد) و (رسالة القضاء والقدر) وما أشبهها)، وكما هو جلي فهذه الموضوعات موضوعات خاصة عند أهلِ الشَّريعة، ويبدو أنَّ من يتهم ابن سينا بالإلحاد - على المعنى الذي نصصنا عليه في مفتتح سجالنا هذا - إنَّما استورد معلوماته من (وكالة قالوا)، ولو أنه طالع نزرًا يسيرًا من كلماتِ بعض كُتُبِ ابن سينا كـ (الإشارات والتنبيهات)، و (الشفاء)، و (النَّجاة) - على سبيل التَّمثيل لا الحصر - لما تهوّك وتهوّر واقتحم غَمَراتِ التَّكفير! فالنَّظر الشريع الخاطف في أي كتاب من كتبه قمين بجلاء النقاب عن ديانة الرجل.
(3) - كيف يدعي مدع إلحاد ابن سينا وهو الذي نقل برهان (الإمكان والوجود) عند الفارابي من صورته الأوَّليَّه، إلى صورته التَّفصيليَّة، وارتقى به من طورِ التَّكوين إلى طورِ التفصيل! "فإذا كان الفارابي هو الذي وضع اللبنة الأولى أو الصياغة الأوَّلانيَّة للبرهان، فإنَّ ابن سينا هو الذي
1 - ابن سينا، التعليقات، ص 13.
2 - فخر الدين الإسفرايني شرح كتاب النجاة لابن سينا، ص 534. - المرجع السابق، ص 536.
4 - هذا الكتاب رسالة توجّه بها ابن سينا إلى أبي بكر البرقي بمناسبة عيد الأضحى المبارك وبه سُمّيت، وقد أودع فيها خلاصة رأيه في مسألة المعاد، وقد وصف ابن سينا البرقي بأنَّه (فَقِيه النَّفس متوحد فِي الْفِقْه وَالتَّفْسِير والزُّهد مائلُ إِلَى هَذِهِ الْعُلُومِ)، ويبدو أنَّه من جيرانه، بل هو من خاصته الذين يتوجه إليهم بمَكنُونِ علمِهِ دونَ حَرِيجَةٍ أَو تَحفُظ، فقد صنَّف لَهُ كتاب الْحَاصِل والمحصول - قريب من عشرين مجلدة - وصنَّف لَهُ كتاب البر وَالْإِثْم المتقدّم الذكر، وهو في الْأَخْلَاقِ، وَهَذَانِ الكتابان لا يوجدان إِلَّا عِنْده فلم يعر أحدًا يَنْسَخِ مِنْهُما كما صرح بذلك ابن سينا؛ وهذا تأكيد على أنَّه من خاصته الذين يبوح لهم، ورسالته الأضحوية بوح من ذاك البوح الخاص! ه - ابن سينا، الأضحوية في المعاد، ص (109 - 110). 6 - ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء، ص (439 - 440).
103 (1/103)
صفحة 104
مناجزة الإلحاد
فصَّل البرهانَ وأحكم بنيانه العقلي، حتَّى أنَّه تحدَّث فيه في كتبه الكبرى كالإلهيات من الشفاء، والإشارات والتنبيهات والنَّجاة، وفي الصغرى كالمبدأ والمعاد، وفي رسائله كالرسالة العرشية،
معه
بحيث ترتبط رؤيته في إثباتِ الله تعالى برؤية الفارابي ومنهجه ارتباطًا وثيقًا، حيث ينطلقُ. من المنهج التأملي بالنَّظر في مفهوم الوجودِ لرؤية واجب الوجودِ انطلاقا من القسمة العقلية للوجود إلى واجب وممكن منطلقا إلى الفضاء الأوسع حيثُ يشد برهانه بأركان الآيات القرآنية مبتعدا بالبرهان مع سلفه عن البراهين اليونانية، مؤكدًا أنَّه ليس هناك دليل على الحق المتعالي إلا ذاته، لأنَّ الحقَّ هو أن يُعرف الحقُّ بذاته لا بواسطة سواه ... (4) - أنفاسُ ابن سينا في كتبه ومراسلاته أنفاسُ، عارف، ومن يبتغي الجمع بينه وبين الإلحادِ كمبتغ الجمع بين الماء والنَّارِ في مَحَلّ، خذوا مثلا:
(1)
(أ) - وصيته لأبي سعيد ابن أبي الخير الزَّاهد المتصوّف بعدما استرشَدَه واستنصحه حيث أجابه بقوله: " ليكن الله تعالى أوَّلَ فكرِ لَهُ وَآخرَه، وباطنَ كلّ اعتبار وظاهره، ولتكن عينُ نَفسه مكحولةً بالنَّظر إليهِ، وقَدمُها مَوْقُوفَةً على المثول بين يديهِ، مُسافرًا بعقله في الملكوت الأعلى وما فيه من آيات ربّه الكبرى، وإذا انحط إلى قراره فلينزه الله تعالى في آثاره؛ فَإِنَّهُ بَاطِنٌ ظَاهر، تجلى لكل شيء بكل شيء ...
ففي كلّ ء له آية
تدلُّ على أنه واحد
(المتقارب)
فإذا صارت هذه الحال لَهُ مَلَكةً انطبَعَ فيها نقشُ المَلكوت، وتجلَّى لَهُ قُدس اللاهوت؛ فأَلِفَ الإِنْس الأعلى، وذاق اللذة القصوى، وأخذ عن نفسه من هو بها أولى، وفاضَت عليهِ السكنية، وحقَّت عليهِ الطُّمأنينة، وتطلَّع إلى العَالَم الأدنى اطّلاعَ رَاحِمِ لأهله، مستوهن لحيله مستخفّ لثقله، مستحسن به لعقله مستضل لطرقه، وتذكَّر نفسه وهي بها لهجة، وببهجتها بَهِجَة، فتعجب منها ومنهم تعجبهم مِنهُ، وقد ودَّعها وكان معها كَأَنَّهُ ليسَ معها. ولْيَعْلَم أَنَّ أَفضل الحركات الصَّلَاة، وأمثل السكنات الصيام وأنفع البر الصَّدَقَة، وأزكى السر الاحتمال، وأبطل السهي المراءاة، وَلَنْ تخلُصَ النَّفْسُ عَن الدَّرن مَا التفتت إلى قيل وَقَالَ، ومناقشة وجدال،
1 - عادل محمود بدر برهان الإمكان والوجوب بين ابن سينا وصدر الدين الشيرازي، ص 33.
104 (1/104)
صفحة 105
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
وانفعلت بِحَالٍ من الأحوال، وخيرُ الْعَمَل ما صَدَرَ عن خالص نيَّة، وَخيرُ النيَّة ما ينفرج عن جَنابِ علم، والحكمة أمُّ الْفَضَائِلِ، وَمَعْرِفَة الله أوّل الْأَوَائِل ... ثمَّ يُقبل على هَذِهِ النَّفس المزيَّنة بكمالها الذاتي فيحرسها عن التلطَّخ بما يشينُها من الهيآتِ الانقيادية للنفوس المواديَّة التي إذا بقيت فِي النُّفُوس المزينة كان حالها عند الانفصال كحالها عند الاتصال؛ إِذْ جوهَرُها غير مشاوب ولا مخالط؛ وإِنَّما يدنسها هَيْئَة الانقياد لتلك الصواحب، بل يفيدها هيآت الاستيلاء والسياسة والاستعلاء والرياسة، وكذلك يهجر الكذب قولا وتخيلا حتّى تحدث للنَّفس هَيْئَةٌ صدوقة؛ فتصدق الأحلام والرُّؤيا، وأمَّا اللَّذَّات فيستعملها على إصلاح الطَّبيعة وإبقاء الشَّخْص أو النَّوْع أو السياسة، أما المشروب فإِنَّهُ يهجر شربه تلهيا، بل تشفيًا وتداويًا، ويعاشر كل فرقة بعاديه ورسمه، ويسمح بالمقدور والتقدير من المال ويركب لمساعدة الناس كثيرًا مِمَّا هو خلاف طبعه، ثمَّ لا يُقصِر في الأوضاع الشَّرعِيَّة، ويعظم السُّنَن الإلهية، والمواظبة على التعبدات البَدَنِيَّة، ويكون دوام عمره - إذا خلا وخلص من المعاشرين - تطربه الزينة في النفس، والفكرةُ في الملكِ الأوَّل وملكه، وكيس النَّفس عن عيار النَّاس من حيثُ لا يقف عَلَيْهِ النَّاسِ، عَاهَدَ اللَّهِ
أنه يسير بهذه السيرة، ويدين بهذه الديانة، والله ولي الذين آمنوا وهو حسبُنَا ونِعمَ الوَكِيل ()
(1)
(ب) - ومن (الإشارات والتنبيهات) في مقام العارفين قوله: "المعرِضُ عن متاع الدنيا وزينتها يُخص باسم (الزاهد)، والمواظب على فعل العبادات من القيام والصيام ونحوهما يخص باسم (العابد)، والمنصرف بفكره إلى قُدس الجبروت، مستديما لشروق نور الحق في سره، يُخص باسم (العارف)، وقد يتركَّب بعض هذه مع بعض الزهد عند غير العارف معاملة ما، كأنه يشتري بمتاع الدنيا متاع، الآخرة، وعند العارف تنزة ما، عمَّا يشغل سره عن الحق، وتكبر على كل شيء غير الحق، والعبادة عند غير العارف معاملة ما، كأنَّه يعمل في الدُّنيا لأُجرَةِ يأخذها في الآخرة، وهي الأجر والثَّواب، وعند العارف رياضة ما، لِهِمَمِه وقوى نفسه المتوهمة والمتخيّلة؛ ليجُرَّها بالتَّعويد عن جَنَاب الغُرور، إلى جَنَاب الحق. فتصير مسالمةً للسر الباطن، حينما يستجلى الحق لا تنازعه. فيخلص السر إلى الشروق الساطع، ويصير ملكة مستقرة، كلما شاء السر اطلع إلى نور الحق غير مزاحم من الهمم. بل من تشييع منهاله، فيكون بكليته مُنخرِطًا في سلك القُدُس (2).
1 - ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء، ص (445 - 446).
2 - ابن سينا الإشارات والتنبيهات، ص (57 - 60).
105 (1/105)
صفحة 106
مناجزة الإلحاد
(5) - نجد أنَّ ابن سينا يختم أواخر كُتُبه (الإشارات والتنبيهات) بتوصية يقول فيها: "إني قد مخضت لك في هذه الإشارات عن زبدة الحق، وألقمتك قَفِي الحِكم، في لطائف الكلم، فصُنه عن الجاهلين، والمبتذلين، ومن لم يُرزق الفطنة الوقادة، والدربة والعادة، وكان صغاه مع أو كان من ملاحدة هؤلاء الفلاسفة، ومن هَمجِهِم). فكيف يكون ملحدا من يُوصي الآخرين بصيانة كتابه عن الملحدين
(1)
الغاغة
ولما كانت الكلمات آخذةً بعضها بأضبع بعض، ومتشبثا بعضها بحُجز الأخرى؛ فإنَّنا نمد
(2)
القول إلى نصير الدين الطوسي (2) شارح كتاب الإشارات والتنبيهات)، فهو وابن سينا تجمعهم تهمة الإلحاد وقد كان كصاحبِه غَرَضًا لسهام التكفير، ومع اختلافنا مع بعض أفكار الطوسي إلا أنَّ نسبة الإلحاد إليه مما لا نوافق عليه، ومطالعة يسيرة في بعض كتبه كـ (تجريد العقائد) و (المسائل النصيرية) كفيلة بدرء هذه التهمة عنه، والقول ذاته يمكن سحبه على الفارابي، والكندي، وابن رشد، فإنَّ كتبهم ناطقة بإثبات وجود الخالق وتمجيده والتصديق بالأنبياء والنُّبوَّات، وكيف يُقال بإلحادِهم وهم الذين وشّوا حديثهم بجمال البراهين الدالة على الله، وملأوا طروسَهم إخبارًا عن آلائِهِ الشَّاملةِ الكونَ وما حواه، نعم؛ قد نختلف معهم في تفصيلات بعص المسائل، لكن هذا شيء والقولُ بإلحادِهم شيء آخر مختلف (3).
وختامًا، بعد هذا التطوافِ السَّريع العابر ببعض الشخصيَّاتِ المتهمة بالإلحادِ فإنَّنا تلفتَ عناية القارئ إلى أن بعض الباحثين يصلون - عندَ كتابتهم عن بعض الشخصيات - إلى نتائج خاطئة وذلك لعدم الجمع الموضوعي لكتابات الشخصيَّةِ المراد الحديث عنها؛ فيجتَزِأُ الباحِثُ عبارةً مرتبكةً ملتبكَةً موهمةً أطلَقَها العالِمُ أو الباحثُ عند تحرير مقالةٍ أو كتابة كتاب، فيحكُمُ عليه بها، ويصنِّفُه انطلاقًا منها في خانة أوصله إليها تسرعه، ولو أنَّ الكاتب فكر وقدَّر وترؤى
1 - المرجع السابق، (161/ 4 - 162).
2 - أبو جعفر محمد بن محمد بن الحسن الطوسي، فيلسوف مسلم، ولد في طوس (597 - 672 هـ / 1201 - 1274 م) وهو عالم بالفلك والرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء والطب والفلسفة، وهو متكلم أيضًا، يعد من علماء الشيعة الاثني عشرية بعدما كان في أول أمره إسماعيليا، عده ابن خلدون من أعظم علماء الفرس، تأثر بابن سينا وفخرالدين الرازي، وتأثر به كل من قطب الدين الشيرازي، وابن الشاطر، وكوبرنيكوس (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
- ننوه بأنَّ (الإلحاد) الموجّه إلى هؤلاء الأعلام - بجانب أنه جاء من خصومهم - يعني الميل عن مذهب معين داخل الدين نفسه، أو الأخذ بقراءة مخالفة للقراءة السائدة داخل المذهب أو الدين الواحد. كذلك ننوّه بضرورة العلم بأنَّ هناك طائفة كبيرة من الأعلام اتهموا بهذه التهم للأسباب ذاتها، فما من عالم إلا وقد طالته هذه التهمة في العموم الأغلب بحكم التعصب المذهبي المتفشي تاريخيا.
1.7 (1/106)
صفحة 107
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
في أمره لربَّما عَثَرَ على عباراتٍ متعدّدةً متضافرةً تناقضُ ما فهِمَه من العبارة السابقة الملتبكة، وربما كانت أكثر وضوحًا ومباشرةً في دِلالتها على المقصود، ومما يقعُ فيه كثير من الباحثين في كتاباتهم - كذلك - عدم الإلمام بـ (التَّحقيبِ السّيري) الدَّقيقِ للشخصيَّة المتحدَّث عنها، ونريد بـ (التحقيبِ السّيري) القدرة على لحظ المفاصل الزمنية الفارقة في حياة أي شخصية يتم الحديثُ عنها، تلك المفاصل التي يتحوَّلُ فيها العالم أو المفكّر من طور سابق إلى طورٍ لاحق يقطعُ فيه الطُّورُ الجديدُ الصّلةَ مع الطورِ القديم او يُعيدُ فيها دراسة القديم وفق منهج جديد ومقاربةٍ مختلفةٍ تمكّن الباحث من القول أنَّ نتاجَ العالِم أو المفكّر أو الفيلسوف الفلاني بعد السنة الفلانية تحديدًا أو في السَّنوات (من ... وإلى ... ) ليس كما قبله، فيبدأ الباحث بتأطير المواقف والأحداث وما مارت به فيضع على ضوئها الخطوط العامة الناظمة لمعالم المرحلة الجديدة منطلقا منها إلى تقرير أحكامٍ دقيقةٍ أو أحكام مقتربة من الدقة بشكل كبير على أقل الأحوال، ولكي لا يكونُ الكلام نظريًّا صرفاً نضربُ عليه مثلًا لشخصية من العصر الحديث أثارت زوبَعةً هائلةً فاحتدمت - في حياتها وبعد موتها - الوَقائِعُ الفكرية، وتكسرت أسنَّة الأقلام على أسنَّة الأقلام كتابةً عنها وإصدارًا للأحكام عليها أو لها ألا وهي شخصية الأديب طه حسين، وبدايةً ليس بمستغرب على كل حال أن يحتدمَ الجَدَلُ وتثور زوبعة النقاش عند الحديث عن شخصيَّةٍ كمثل شخصيَّة طه حسين؛ نظرًا لمكانته العلميَّةِ وتأثيره في ساحة الفكر والأدب وما رافق ذلك من أخطاء فكريَّةٍ علمية فادحة، مما أدخَلَه في معارك فكرية هائلة مع القامات الفكريَّةِ الفارعة المعاصرة له والقريبة منه من أمثال: المنفلوطي، والرافعي، وحافظ، وشوقي، والعقاد، وزكي مبارك، ومحمد حسين هيكل وساطع الحصري وغيرهم كثر، نقول إنَّ ذلك ليس بمستغرَبِ ولكنَّ المستغرَبَ أنْ يكتب كاتب - اليوم - فيتمحور حول قضيَّة أو كتاب أصدره طه حسين في سنين باكرِةٍ من رحلته الفكرية فيصدر أحكامه القاطعة الصَّارِمة بناءً عليه بل ويكفّره ولم ينتبه أنَّ الرَّجل تقلَّبَت به الأيامُ من بعد ليصل إلى حال أخرى مبتعدة عن الحالة القديمة مغايرًا لها على طَرَفٍ نَقِيض! تمثَّلَ في آخرِ نتاجِهِ الفكري في كتابيه (مرآة الإسلام)
1 - تتمثل أخطاؤُه الفادحة في كتابيه (في الشّعر الجاهلي) و (مستقبل الثقافة في مصر)، أما الكتاب الأول فهو كتاب أصدره في سنة (1926 م)، وقد وَقَفَ طه حسين بهذا الكتاب متربّعا على قمة هرم تجديفاته وتجاوزاته على الإسلام بما فيه من عقائد ومقدسات، أما الكتاب الثاني فهو كتاب أصدَرَه في سنة (1938 م)، ومثل قمة محاولاته ومطالباته بتذويب الشرق الإسلامي في الأنموذج الحضاري الغربي بكل ما فيه من حَسَناتٍ وسيئات، بما فيه من محاسن وقبائح، أراده أنْ يكونَ ذوبانًا تاما شاملًا في الأنموذج الغربي بعُجَرِهِ ويُجَرِه!
107 (1/107)
صفحة 108
مناجزة الإلحاد
و (الشَّيخان)، حيثُ نَشَرَ الأَوَّل في عام (1959 م)، وكان هذا الكتاب ميدانا للإياب الفكري والعقلي لطه حسين؛ حيثُ رَجعَ فيه عن كثيرٍ مِن أفكاره القديمة، وتضمَّنَ الكثير من مُراجعاتِهِ
الفكرية العميقة، ونَشَر الكتابَ الثَّاني في عام (1960 م)، وكانَ خاتمة مشروعه الفكري، وقد تحدث فيه عن الشَّيخين أبي بكر وعمر بن الخطاب الله تعالى عنهما. والمتتبع لسيرة طه حسين يمكن أن يجملها في محطَّاتٍ أربع):
رضي
(1) - مرحلة طه حسين الشيخ (1908 - 1914 م): في هذه المرحلة دعا طه حسين إلى التجديدِ المنضبط بثوابت القرآن الكريم والسُّنَّةِ النبوية المطهرة، ودعا إلى الإصلاح الاجتماعي الملتزم بمعايير الإسلام، مع حرصه على الصَّلاةِ على النَّبي في كتاباتِه، وإتبَاعِهِ اسم القرآن بصفة الكريم. (2) - مرحلة الانبهار الشديد بالغرب (1919) - 1930 م): في هذه المرحلة بلغ طه حسين ذروة الانبهارِ والتَّقديس للنموذج الغربي، وذروة الطَّعن في الإسلام والقرآن والمقدسات، ودعا إلى
علمنة الإسلام، وكان يذكر اسمَ النَّبي - صلى الله عليه وسلَّم- مجرَّدًا دونَ الصَّلاةِ عليه. (3) - مرحلة الإياب التدريجي والمخاض الحافل بالتناقضات (1932 - 1952 م): في هذهِ المرحلةِ خَلَت كتابات طه حسين من الإساءة إلى الإسلام ومقدساته ورموزه، وتوجه للكتابة في الإسلاميات مركزا على الأساطير التي أحاطت بتاريخ بتاريخ صدر الإسلام كما يراها، ودافع عن الإسلام ضدَّ التَّنصير، وتصاعَدَت نبرة نقدِهِ للسياسة الاستعمارية الغربية، وإن بقيت عنده بعضُ
التناقضات كالفرعونيَّةِ الرَّافضة للعُروبة، واشتمال عطائِهِ الفكري على التغريب الحضاري. (4) - مرحلة الإياب والانتصار الحاسم للعُروبَةِ والإسلام (1952 - 1960 م): في هذه المرحلة عاد طه حسين إلى القول بحاكميَّةِ القرآن الكريم وضرورة تفعيله في دنيا الناس، وعاد من الفرعونيَّةِ إلى الانتصار لعروبة مصر التي صاغها الإسلام، وفي هذه المرحلة تمثلت الأوبَةُ الفكريَّةُ والعقليَّةُ لطه حسين في كتابيه مرآة الإسلام) و (الشَّيخان)، وفيهما كانت المراجعات
1 - يُراجع: محمد عمارة طه حسين ما بين الانبهار بالغرب والانتصار للإسلام تنبيه: يبدو أنَّ العنوان الذي حملته هذه الطبعةُ ليس هو العنوان الذي وضعه المؤلّف، وذلك لعدة أسباب: فقد أصدرت مجلة الأزهر - ضمن عددها الصادر في سبتمبر 2014 م - الكتاب بعنوان: طه حسين من الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام)، وقد قدَّم للكتاب مؤلّف الكتاب نفسه، ثمَّ إِنَّ هذه الطبعة ذاتها تثبت الكتاب في (ثبت الأعمال الفكرية للمؤلّف) بعنوان: (طه حسين من الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام) يُنظر: ص (202). كما أنَّ المؤلف لم يرد توصيف حالة طه حسين بين حال الانبهار بالغرب وحال الانتصار للإسلام، بل أراد أن يثبت للقارئ انتقال طه حسين من درك الانبهار بالغرب إلى درج الانتصار للإسلام، وقارئ الكتاب - عمومًا - سيلحظ هذا الأمر بجلاء عند مطالعته الكتاب.
108 (1/108)
صفحة 109
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
شگلت
الفارقة، وفي هذه المرحلة كانت أو بَتُه الروحيَّةُ متمثلة في قيامه برحلته الحجازية التي دفقةً هائِلةً، ودفعةً عظيمةً في إيابه إلى أحضانِ الإسلام، وعندما سألته صحيفة (البلاد) السعودية عن شُعورِه عند زيارته - لأوَّلِ مَرَّة - الحجاز أجابَ بقوله: "إِنَّ أَوَّلَ مَا شَعَرت به - وما زِلتُ أشعرُ بهِ إلى الآن - هو هذا الذي يجده الغريب حينَ يثوبُ بعدَ غَيبةٍ طويلةٍ جِدًّا إلى موطن عقله وقلبه وروحه بمعنى عام. وقوله عندما سُئل عن شعوره عندَ تَجَرُّدِه في ملابس الإحرام، وبماذا دعا الله في المسجد الحرام: " أُوثِرُ أن يُترك الجواب على هذينِ السُّؤالَينِ لما بينَ اللَّهِ وبيني من حِسَاب، وإنَّه لَعَسِير، أرجو أن يجعلَ اللهُ مِن عُسْرِهِ يُسرًا".
هذه إذن المراحل الفكرية التي مرَّ بها طه حسين، والتَّحقِيبُ السّيري هنا يُعطي المحقِّبَ قُوَّةً في التأسيس لرأيه وأمانًا له من الانحراف في الحكم تحتَ أَي ذَريعَة، وبالتَّالي يُعطيهِ القُدرةَ على رَسْمِ صُورَةٍ أقرب ما تكونُ من الحقيقةِ عن أحوالِ مَن يَكتُبُ عنه، وهذا (نموذج) عن طه حسين ولكنَّه ينبغي أن يكونَ نَهجًا شائعًا وخَطَّا يترَسَّمُ الباحثُ خُطاه عند محاكمةٍ غيرِهِ والرَّغبة في الحديث عنهم، مما يجنبنا الوقوع في مَزالِقِ الأهواءِ وأَجِبابِ التَّسَرُّع.
109 (1/109)
صفحة 110
مناجزة الإلحاد
أوغسطين
إطلالة
على العصر الأوروبي الوسيط
انتقلت موروثات اليونان الفلسفية إلى أوروبا، وكان هناك من تلقفها وتناولها بتصرف أو بدونه، وقد برز عدد من الفلاسفة في العصر الأوروبي الوسيط ممن تأثروا بالفلسفة اليونانية فكان مزبَرُ الفلسفة خاضعا لهم وتحت سطوتهم؛ أشهرهم على الإطلاق القديس أوغسطين (Augustin)(1) مؤسس الأفلاطونية المسيحية ومثقفُ العصر الوسيط بأسره، فمؤلفاته الزاخرة في الأدب والفلسفة واللاهوت شاهدة على ذلك، ثم تكاثرت المدارس وتعاظمت وانتظم التعليم العالي، ونبغ العلماء والمفكرون، فشهد القرن التاسع حركةً علميَّةً زاهرةً غير أنَّ اضطراباتٍ جديدة عطّلت هذه الحركة، وجعلت من القرن العاشر قفرًا، بلقعا، فما إن هدأت الحال حتَّى استؤنفَ النَّشاط العلمي في القرن التالي، فنبغ جدليون ولاهوتيون كان أعظمهم شأنا القديس أنسلم الكنتربري (Anselm)(2)، ولم يكن لدى أنسلم هؤلاء وأولئك من خيوط العِلم سوى مصادر المرحلة المتأخرة من تاريخهم، فكانت بضاعةُ اللاهوتيين منحصرةً في بضعة آراء أفلاطونية، وقد كان لهذا أثران بالغان: إذ أدَّى من ناحية إلى إثارة مسألة المعرفة، وأدى من ناحية أخرى إلى محاولة تطبيق إملاءات المنطق في معالجة المسائلِ اللَّاهوتية. ومن هنا انطلقت شرارة البحث في العلاقة بين العقل والإيمان، حتَّى إذا ما جاء القرن الثاني عشر استقرت الحياة الاجتماعية، فانتعشت التجارة والصناعة، وتقوت الحركة العلمية والأدبية، وسطع نجم عددٍ كبيرٍ من اللاهوتتين والجدلتين الذين قاموا
1 - فيلسوف من أصول أمازيغية (354 - 430 م) شب على وثنية أبيه، ثم اعتنق المسيحية بعد أن تأثر شديد التأثر بكتابات أفلاطون، وضع أساس مذهب القضاء والقدر وحرية الإرادة في اللاهوت الغربي. (ينظر: سعيد عاشور، أوروبا العصور الوسطى،
(2/ 154 - 155
-
2 - أنسلم الكنتربري (1033) - (1109 م) رئيس أساقفة كنتر بري، كان له دور في الصراع بين البابوية ومملكة إنكلترا، وقد خضع لتأثير أوغسطين، لكنَّه أراد أن يضع إمكاناته العقليَّة كافَّةً في خدمة الدين، والبحث عن برهان عقلي خالص يُثبت بوساطته وجودَ الله والحقائق الإيمانية، فألف في بداية أمره كتاب (مناجاة النفس) عرضَ فيه ثلاثةَ أدلَّةٍ على وجود الله. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
110 (1/110)
صفحة 111
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
بدراسة الآداب اليونانية واللاتينية، على أنَّ أهم ظاهرة لدينا في هذا القرن هي اتصال الغرب بالشرق ونقلُ الكُتُب من العربيَّة إلى اللاتينية، ثُمَّ أخذ مفعول الكُتُب الفلسفية والعلمية تلك بالسريان في أوصال المدارس والجامعات، ودار التفكير الفلسفي واللاهوتي حول أرسطو، فأيَّده لفيف من العلماء، بينما فضَّل آخرون أن يكونوا خصومًا له، واختار الباقون الوقوف على الحياد. ثمَّ بزغ نجم توما الإكويني Thomas Aquinas)) فقد أنشأ الأرسطوطاليسية المسيحيَّة ليُعارض بها المذهب الأوغسطيني الذي كان سائدا بلا منازع، كما وُجد كذلك من تمسك بتأويلات ابن رشد لآراء أرسطو، فقامت المدرسةُ الرُّشديَّة على سوقها، إلى حين ظهور عاصفة الإصلاح الديني في القرن الرابع عشر). إنَّ لقاء أوروبا المباغت في العصر الوسيط بالمدارس الفلسفية والجامعات العلمية كشف النقاب عن مآلات الفكرِ الكَنَسِي، فصار الموقف المعلنُ أقل حدَّةً في تغييب دور العقل، وأكثر نزوعًا إلى التَّأمل الشخصي، وعمَّ الانشغالُ بالتَّعدُّديَّة النسبية للحقيقة، ومقدرة الإنسان العقليَّة على تمييز العقيدة الصحيحة، فحصل نوع جدل بين العقل الجديد والإيمان القديم، ظهر بصورة كبيرة
الإكويني
في كتابات الفيلسوفين ألبرت ماغنوس (Albertus Magnus)(3) وتوما ألبرت ماغنوس
الإكويني في القرن الثالث عشر، فقد نقروا في العلم المادي مُبدين اهتمامًا عميقا به فتصدَّى لهما اللاهوتيون التَّقليديون واعترضوا على منهجهما، لكنهما أصرًا على مواصلة الدرب ومسايرة ركب العلم ()، ولا غرابة في تذبذب التَّفكير العام في العصر الوسيط بين هذا وذاك، لكن يبقى مشهد الدين والتدين هو السَّائد والمتربع على الجو العام). لقد كان من العزف على أوتار المستحيل أن تجد في مُستهلّ العصور الوسطى شخصا ملحدًا، ولم يمضِ
1 - لاهوتي كاثوليكي إيطالي (1225 - 1274 م) من أكبر فلاسفة العصور الوسطى، يُلقب بـ (الدكتور الملائكي)، بلغت مصنفاته (98) مصنفًا، يصل بعضها إلى ثلاثة آلاف صفحة. يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
2 - يُنظر: يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط، ص (11 - 13).
- يُعرف بألبرت الكبير (1206 - 1280 م درس الفلسفة الأرسطيَّة، وبرهن على عدم تناقض الفلسفة مع الدين، وكان يستند في تعاليمه الدينية إلى دراسات واسعة في العلوم الكيميائية والفيزيقية، وهو أستاذ توما الإكويني. يُنظر: الموسوعة العربية الميسرة،
(1/ 405
4 - لمزيد تفصيل؛ يُنظر: ريتشارد تارناس، آلام العقل الغربي، ص (129 - 206).
ه - يُنظر: ولتر ستيس الدين والعقل الحديث، ص 23.
111 (1/111)
صفحة 112
مناجزة الإلحاد
وقت طويل على ذلك حتّى ظهرت للعيان قرون بعض الحركات الهرطقية - البدعة الاعتقادية - والهرطقة غير الإلحاد بالتأكيد، إلا أنَّها كانت تُعامل - تقريبًا - كمعاملة الردة والإلحاد؛ حيث أُبيد عشرات الآلاف من الناس بسببها، فقد كان لا يتسامح إطلاقًا مع المهرطقين، رغم أنَّ قد بعضهم
نحا - تقيَّةً - إلى الجانب الإصلاحي كالفيلسوف الألماني نيكولاس كوزا نيكولاس كوزا
(Nicholas Koza)) إذ طوَّر فهما خاصا للإيمان يُمكن أن يُقال عنه بأنَّه
هرطقة ومروق عن الاهوت الكنسي، وقد أُطلق عليه اسم (الجهل الحكيم)، وهو الاعتقاد بأنَّ كفاءة اللغة وكفاءة العقل الإنساني عاجزتان عن التعاطي مع هذا الإله الكامل اللامتناهي، ومن ثُمَّ فعلينا أن نُؤمن وكفى، وأن نُعطي القديسين ثقتنا الكاملة والعمياء"). وقريب من هذا ما أسَّسَ له بعضُ اللاهوتيين من أنَّ المفاهيم البشرية عن الله ليست إفاداتٍ عن وقائع، وإنَّما مجرَّد مفاهيم بشريَّة؛ أي إننا نعرف أن نتحدث عن الله حينما تتعثر لغتنا وتفشل. لقد ارتأت الكنيسة عدم استخدام كلمة (الإلحاد) قبل القرن السادس عشر، ففي فرنسا بالتحديد ظهر أوَّلُ استخدام لكلمة (ملحد) في القرن السادس عشر (3)؛ أي بعد العصر الوسيط، وفضلت الكنيسة استخدام ألفاظ الهرطقة والمروق والخروج عن الدين والفضيلة. ومن الطبيعي أن تنتشر الكثير من تلك الهرطقات كالقول بقدم العالم، ورفض عقيدة التثليث، وإنكار العشاء الرباني، والهجوم على عقيدة الخطيئة الأولى، والشَّك في مريم العذراء، ونفي الطبيعة البشرية للمسيح، بل إنَّ المهرطقين المنتمين إلى القرن الحادي عشر كانوا نُشَاكًا مُسالمينَ زاهدينَ أنَّ في حين المهرطقين في القرن الذي تلاه كانوا يميلون إلى تغيير العالم وإصلاح الكنائس ويجنحون إلى العنف (4).
لربما كان التَّفوقُ الحضاري للمسلمين في تلك الحقبة قد ولد نوعًا من التشكيك الديني في نفوس الأوروبيين خصوصًا في القرن الثالث عشر - أي في نهايات العصر الأوروبي الوسيط - لأن مفعول المقارنات دائما ما يكون ساحرًا وجاذبًا، بل إنَّ "المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء
1 - لاهوتي وفيلسوف وفلكي ورياضي ألماني (1401 - 1464 م) كان من أوائل الداعمين للنهضة الحضارية في ألمانيا، له العديد من الكتابات والمؤلفات التي يدور أغلبها في فلك التصوف والروحانيات.
2 - يُنظر: عدنان إبراهيم، مطرقة البرهان، ص (49). وللمزيد يُنظر: جيمس كولينز، الله في الفلسفة الحديثة، ص (19 - 31). 3 - يُنظر: زينب عبد العزيز، الإلحاد وأسبابه، ص 8.
- يُنظر: رمسيس عوض، الهرطقة في الغرب، ص 119.
112 (1/112)
صفحة 113
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
بالغالب“ كما يقول ابن خلدون، فظهر القول بنفي الطَّبيعة الإلهية عن المسيح، ونفي التثليث والصلب والخطيئة الأولى وما شابه ذلك من الأقوال التى تراها الكنيسة هرطقة ومروقًا، وكلُّها كما هو معلوم أقوال وعقائد يتبناها المسلمون.
وإذا كنا قد اعتدنا على رؤيةِ النّزعاتِ الإلحاديَّةِ والتَّشككيَّةِ تنهمر من سماء الفلاسفة فإِنَّنا لم نر من فلاسفة القرون الوسطى نزعاتٍ إلحاديَّة مطلقًا، بل إنَّ كثيرًا منهم كانوا لاهوتيين وكُهانا وقساوسة، ثمَّ إنَّ العصور الوسطى الأوروبية بما لاح منها من بصيص نور وعلم وفكرٍ لم تُقبل على مثل هذه النزعات؛ ولذا لم نجد أثرًا لها ولم نرصد شيئًا يستحق الذكر، فالجميع يتفق على أنَّ القضيَّة هي مجرَّد هرطقات متناثرة، لا تقترب من أسوار قضيَّة الوجود الإلهي، وإذا تتبعنا قائمة المتهمين بالهرطقة في العصر الأوروبي الوسيط لما وجدنا واحدًا منهم أنكر الوجود الإلهي (؟)؛ ولهذا يقرر جيمس كوليز هذه الحقيقة صراحةً بقوله: "صحيح أنَّ كلمة ملحد ... أُطلقت على الآباء المسيحيين الأوائل ... غير أنَّ استخدام هذه الكلمة في مثل تلك المواقف لم يكن مناسبًا؛ لأنَّها تتعلق بمسألة النزاع بين التصورات المختلفة عن الله ولا تنطوي على إنكار تام للإله (3). نافذة على العهد القديم
لم يفت بعض الباحثين ممَّن كتبوا عن الجذور التاريخيَّة للإلحاد أن يستشهدوا بنصوص تاريخيَّةٍ قديمةٍ كنصوص العهد القديم؛ ليُدلّلوا بها على وجودِ ظاهرة الإلحادِ منذ قدم البشرية، وليبرهنوا بها على أنَّ الإلحاد ليس بدءًا من الأمر، وليس شذوذًا ولا دخولًا عَرَضيًّا في صفحات تاريخ البشر، ففي العهد القديم وبالتحديد في المزمور الرابع عشر من سفر المزامير جاء التأكيد على وجودِ الإلحادِ بقوله: "قال الجاهل في قلبه: ليس إله. فسدوا ورجسوا بأفعالهم، ليس من يعمل صلاحًا). وفي الحقيقة فإنَّ الاستشهاد بهذا النَّص لا يحسم القضيَّة، فالنَّص لم يُحدّد من هو الإله وهل نفيه هو نفي لوجوده المطلق، أم نفي لإله مُعيَّن دون آخر، أم أنَّ نفيه كان وفق تصور مخصوص للإله الذي يعتقده النافي؟!
1 - ابن خلدون، المقدمة، ص 184.
2 - من أراد الاطلاع على ملابسات الهرطقة وتفاصيلها؛ يُراجع (جيم. ولتر، الهرطقة في المسيحية). ملحوظة: نجد أنَّ فولتير ينصُّ على أنَّ الإلحاد في الأساس جاء بدوافع من الاهوت الأوروبي، وأنَّ الفلسفة. هي المانع الذي يقف ضد الإلحاد.
3 - جيمس كولينز، الله في الفلسفة الحديثة، ص 336.
4 - مزامير داوود، المزمور الرابع عشر، ص 424.
113 (1/113)
صفحة 114
مناجزة الإلحاد
ولذلك نجد في الإصحاح الخامس من سفر أرميا النَّص الحادي عشر يقول: "جحدوا الرب، وقالوا ليس هو (1). وهذا النَّص يتحدَّث عن خيانة بيت إسرائيل وبيت يهوذا للرب،
الله
أي ما يدخل في باب الانحراف والهرطقة والإلحادِ العملي، لكنَّه لا يُؤكد القول بنفي وجودِ مطلقًا، وقد وجدنا بعضَ شُرَّاح العهد القديم ينصُّون على ذلك، فالقمص تادرس يعقوب يقول
شارحًا النَّص السابق "قال الجاهل في قلبه: ليس إله. إنَّ هذا القول: "لا يعني إلحادًا عقديًّا،
لا
وإنَّما يعني إلحادًا عمليًّا، فإنَّ اقترافَ الخطيئة بتصميم وإصرار هو جهالة وإلحاد عملي، يستطيع الأشرار أن يُقنعوا أنفسهم بأنَّه ليس إله، لكنَّهم يشتاقون ألا يكون هناك إله، وفي خلال
مع
هذا الوهم بأنَّه يُحتمل ألا يوجد إله يفرحون إنَّهم ملحدون من خلال الرغبة، يتجاهلون الله في سلوكهم فيعيشون كما لو لم يُوجَد إله إنَّهم يتصرفون في حياتهم كما لو كان الله غير موجود، أنَّه ليست غباوة أعظم من نسيان الله في الحياة اليومية (2). ويقول الأب فكتور شلحت: فالإنسان المتخلي عن الله هو أوَّلًا (الجاهل) في وسط الشَّعب المؤمن، كما ذكر صاحب المزامير قال الجاهل في قلبه: ليس إله ونكرانه ليس نكران وجود الله كائنا، بل نكران حضوره الفعال مع شعبه مخلصًا وديَّانًا ... ويمثل موقف الكتابي (الجاهل) هذا إلحاد المؤمنين العملي حتّى في أيامنا (3).
:
:
1 - سفر أرميا، الإصحاح الخامس، ص 544.
2 - يُنظر: القمص تادرس يعقوب، تفسير سفر المزامير مزمور (14)، بتصرف“.
3 - فکتور شلحت، مسألة الله في التاريخ، ص 40.
114 (1/114)
صفحة 115
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
إطلالة
على المجتمعات البدائية
رغم الزخم الحضاري المتنامي، والتقدم المتوالي الذي شهده العالم؛ فإِنَّ جغرافيات معينة وبيئات محددة لسبب أو لآخر نأت بنفسها بعيدًا، فلم تشهد مع الآخرين عرس التقدم العالمي، وقطعت الأواصر معهم، فانعزلت واعتزلت المشهد. هذه المجتمعات ما زال وجودها باقيًا على استحياء، وقد سبكت تسميتها من قبل المتخصصين فأطلقوا عليها اسم (المجتمعات البدائية)، وعنوا بها تلك المجتمعات الإنسانية التي لم تَعرف الثَّقافة المكتوبة، فتنتقل فيها التقاليد والأعرافُ والقيم والاعتقادات من الأجيال السَّابقة إلى الأجيال اللاحقة بالطرق الشفوية. كما يُستخدم مصطلح المجتمع البدائي) للدَّلالة على المجتمع الإنساني الذي ينعدم فيه استخدام المنجزات التقنية في مجالات الحياة المختلفة؛ بسبب تخلف الوسائل الفنية، وعدم المقدرة على تطوير الأدوات).
في المجتمع البدائي تقام الطقوس والشَّعائر الدينية، وتُقدَّمُ القرابين لأرواح الأجداد، وتُمارس عبادة الأسلاف، ويُشكّلُ الإحساس بمراقبة الآلهة للممارسات الاجتماعية الحصن الذي يحمي النظام الاجتماعي من الضعف والتَّشتت، فعدم تقديم الهدايا يسبب غضب الآلهة التي يُمكن أن تحرم القادرين على العطاء من الخيرات المتاحة بين أيديهم، وقد يُصبحون بسبب بُخلهم في حاجة ماسة إليها، ولهذا السبب فإنَّ البخل والشُّح هما من أكبر الكبائر في بنية هذا التنظيم"). إذن؛ فعلى ما يبدو فإنَّ الثَّقافة المهيمنة على المجتمعات البدائية هي الثقافة الدينية الروحية، والتفكير بوجودِ الآلهة والأرواح وما وراء الطبيعة، فهل من مسار غير هذا المسار الديني تُغيّر رياحُهُ الدَّفَّةَ إلى اتجاه غير مرسوم بخطوط الآلهة العريضة؟! يبادرنا ول ديورانت بالإجابة سريعًا فيقول: "بعض الشُّعوب - فيما يبدو - ليس لهم ديانة على الإطلاق، فبعض قبائل الأقزام في إفريقية لم يكن لهم عقيدة أو شعائر دينية يُقيمونها بحيث يراها المشاهدون، ولم يكن لهم طوطمٌ ولا أصنام ولا آلهة، وكانوا يدفنونَ موتاهم بغير احتفال، فإذا فرغوا من دفنهم لم
1 - يُنظر: الموسوعة العربية العالمية. 2 - يُنظر: المرجع السابق، (763/ 4).
??? (1/115)
صفحة 116
مناجزة الإلحاد
يبد عليهم ما يدلُّ على أنهم يهتمون لأمرهم بعد ذلك إطلاقا، بل أعوزتهم حتى الخُرافة، ذلك لو أخذنا بأقوال الرحالة فلم نظنَّ بأقوالهم الإسراف الذي يعزُّ على التصديق).
إنَّ الأقزام في أفريقيَّة حالهم كحال غيرهم من المجتمعات البدائية - التي سبق وضع تصور عنها من حيثُ نزوعُهم إلى المصبات الدينية والرُّوحيَّة - فأقوال الرحالة التي استند إليها ول ديورانت وغيره لا تقف بقدميها أمام أقوالِ الباحثين المختصين في هذا المجال، فهم بلا ريب سيسحبون البساط من تحت أقدامِ الرَّحالة؛ إذ الميدان ميدانهم والقوس تُعطى لباريها. لقد أكد الباحثون المتخصصون خطأ تقارير الرحالة وعدم دقتِها فيما يتعلق بأبحاث الشعوب البدائية، وخصوصا ما يتعلق بمعتقداتهم الدينية، وضربوا أمثلةً كثيرةً على ذلك، كخطأ تقرير من تطرق إلى ذكر ديانات أهالي شمالي النّيل فزعم بأنَّهم لا يُؤمنون بكائن أسمى، وأنهم لا يعرفون أي شكل من أشكال العبادة والوثنية، ولا يلتمع في أذهانهم الجاهلة أي بريق للغيبيات (2)! ولتسليط الضوء على قضيَّة تدين أقزام إفريقيَّة من عدمه - التي تطرق إليها ديورانت - فلنبدأ بحصرهم في ثلاثةِ أقسام حسب التوزيع الجغرافي المعتد به:
1 - الأقزام الشرقيون: وهم الآكا، والإيفي، والبازوا.
أقزام المنطقة الوسطى: وهم الباكوا، والبابينغا.
- الأقزام الغربيون وهم الأكوا، والبابونجو، والبيكوي والباكا، والباجيللي.
ويبلغ إجمالي عدد الأقزام كلّهم في مجاهل أفريقية (120,000) وكلهم لهم طقوس دينية وروحية، وقد أكدت بعثة مدرسة (Schmidt) وجودَ عبادة الإله الواحد عندهم، وبعض هذه القبائل تُقدّم الفاكهة إلى الإله الذي يُطلقون عليه اسم (الأب) أو (الجد)، وهذا الإله هو سيد الغابات والطرائد والسَّماء، وأما بخصوص الطقوس التي تُقام للموتى فهم يباشرونها عن طريق تقديم الطعام إليهم (3).
1 - ول ديورانت، قصة الحضارة، (1 (98). ملحوظة من بين تناقضات الملاحدة زعمهم بأنَّ الإلحاد قرين العلم والتنور، فهو لا يُوجد إلا في أكثر العقولِ عِلمًا وتنورًا - كما يقولون - بينما نجدهم هنا في الوقت نفسه يقولون بإلحاد بعض المجتمعات التي يصفونها بالبدائية والجهل!! 2 - يُنظر: إ إيفنز - برتشارد، الأناسة المجتمعية، ص 157.
- يُنظر: دنيس بولم، الحضارات الإفريقية، ص 80) - (85)، وهوبير ديشان الديانات في إفريقيا السوداء، ص (10 - 73). وننوه بأنَّ الإحصائية أُجريت في سبعينيات القرن الماضي.
117 (1/116)
صفحة 117
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
وقد خصص أستاذ الأنثروبولوجيا أشلي مونتاغيو مبحثًا مستقلًا في كتابه (البدائية) عن نظرة الغرب الأوروبي للمجتمعات البدائيَّةِ الأفريقية، وأجاد في توصيفها وتحليلها وتفنيدها، وأوضح عدم موضوعيتها وعدم دقتها فيما يخص كثيرًا من الأقاويل، ومن بينها القول بأنهم لا
يدينون بدين (1).
كما أكد عالم الأنثروبولوجيا الألماني ويلهلم سميدت في كتابه (مجموعة لغات أستراليا)، وكتابه (مكانة الأقزام في تاريخ تطور الإنسان، أنَّ الأقزام يُثبتون وجود إله واحد خالق ومهيمن. وفي الدراسات الأنثروبولوجية التي قام بها عالِمُ الأنثروبولوجيا الإسكتلندي أندرو لانج حول قبائل وسط أفريقيَّة؛ تَبيَّن أنَّ هذه القبائل تُؤمن بوجود الإله. ومثل هذه النتائج تكررت عند لفيف
من علماء الأنثروبولوجيا مثل: إدوين أوليفر جيمس وفريدريك شيلنج وغيرهم). وفي كتابه (تاريخ ما قبل التاريخ يقول المؤرخ عبدالله حسين: "وهناك جماعات بدائية لم تُدرك الفكرة الإلهيَّة على صورة واضحة فتعددت آلهتها ووظيفة كل إله منها، وشملت الأشباح وجثث الموتى وأنواع الحيوان، وما في السماء وما على الأرض ... منتهيةً من هذا كله إلى أنَّ هناك قوَّةً أو قوى مجهولةً أو سلطاتٍ لا حدَّ لها تتحكّم في حياة البشر» (3). فالصورة غير الواضحة لصفات الإله وكيفية عبادته عند البدائيين كان يتقدَّمُها ذلك الاعتقاد الواضح بوجوده. وإجمالُ القول: الدراسات المتخصّصَةُ أثبتت تدين الشُّعوب البدائية واعتقادها بوجودِ الإله، ومن الخطأ الاعتماد على أقوالِ الرَّحالةِ لعدم دقتها، فحال البدائيين في أستراليا هو ذاته عند الإسكيمو والهنود الحمر (5)، وهذه الشُّعوب البدائية قد طالتها أقلام الرحالة المهترئة الشَّئِفة، فمن خلال ما كتبوه تم اتهامها تعسفًا وحيفًا بالإلحادِ وعدم الإيمان بالإله، مع أنَّ "مفهوم الإله الخالق الكلي القدرة يُوجد عند أكثر شعوب الأرض بدائيَّةً، وربَّما كان وجوده يُفسر بما كان يُسمى في ذلك الحين بـ (برهان العِلَل النهائية وهو استنتاج عقلي لدى الإنسان البدائي الذي يعتقد بأنَّه لا بُدَّ من أن يكونَ العالَمُ المحيط به مخلوقا من قِبل كائن أعظم (6).
1 - يُنظر: أشلي مونتاغيو، البدائية، ص (201 - 220).
- يُراجع: عمرو شريف الإلحاد مشكلة نفسية، ص (78 - 79). 3 - عبدالله حسين، تاريخ ما قبل التاريخ، ص 90.
4 - يُنظر: هوستن سميث، أديان العالم، ص (536 - 554).
ه - يُنظر: ب رأوين الحضارات الهندية في أمريكا، ص (18) وما بعدها. 6 - يُنظر: إ. إيفنز - برتشارد، الأناسة المجتمعية، ص (189).
117 (1/117)
صفحة 118
مناجزة الإلحاد
ولا يفوتنا في هذا المقام أن ننته إلى قضيَّةٍ منهجية في غاية الأهمية، وهي قضيَّةً لربما لبدتها غيوم الشرود والغفلة، ولطَّختها أوحال التعصب والعماء؛ ألا وهي قضيَّة عدم التلازم بين الاعتقاد بعموم فطريَّة وجود الإله والاعتقاد بوجود طقوس أو شعائر تُقام لهذا الإله. فإذا ما وُجِدَ فعلا قوم لا عهد لهم بطقوس أو شعائر دينيَّة فمن الممكن أن يعني هذا عدم معرفتهم بكيفية عبادة الإله أو عدم إدراكهم لكيفية التَّقرب إليه، وليس من اللازم أن يُفسر هذا الأمر - مباشرة وجزافًا - بعدم عموم فطرية الاعتقاد بوجود الإله!
118 (1/118)
صفحة 119
المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
خلاصة المبحث
- لا يُوجد إنكار لوجودِ اللهِ تعالى عبر التاريخ البشري قبل النهضة الأوروبية. - الشَّخصيَّات القديمة المُتَّهمة بالإلحاد ثبت عنها إثبات وجودِ اللهِ تعالى. - الإلحاد تاريخيًا مجرد تُهمةٍ سياسيَّةٍ أو شخصيَّة أو حزبية في أكثر موارد ذكره. - إسقاط مفاهيم المذاهب القديمة على مفاهيم المذاهب الحديثة بجامع الإلحاد بينهما
خطأً منهجي كبير.
119 (1/119)
صفحة 120
[صفحة فارغة] (1/120)
صفحة 121
المبحث الثالث
أطوار تخلّق الإلحاد في أوروبا (1/121)
صفحة 122
"القليل من الفلسفة يميلُ بعقل الإنسان إلى الإلحاد،
والتَّعمُّقُ فيها يقود إلى الإيمان“.
(فرانسيس بيكون)
"لم يكن لتركيبة الكون وانسجامه أن يكونا إلا نتاجَ خُطَّةِ كائن عالم بكل شيء وكليّ القُدرات».
(نيوتن)
"الله بالنسبة إلى المؤمن هو في بداية أحاديثه، أما بالنسبة إلى الفيزيائي فهو في نهايتها“.
(ماكس بلانك) (1/122)
صفحة 123
أيُّها الإلحاد كيف جئت إلى العالم؟!
من فتح لك الأبواب الخلفية التي لا يأتيها إلا اللصوص اللعاوس؟!
ثم بأي سربال تسربلت؟! (1/123)
صفحة 124
مناجزة الإلحاد
أطوار تخلُّقِ الإلحاد في أُوروبا
لم يُكتب التوفيق لتلك المحاولات الشجاعة التي ناكفت الموروثات الدينية الكنسية وناكثتها في خضم عصور الانحطاط الأوروبية)، فماتت في مهدها بقدرة قادر وبالضربات القاصمة التي
تلقتها جراء المحاكمات الكنسية التي عادةً ما تنتهي بالتنكيل والإعدام بأرسانِ المشانق! مضت تلك المحاولات أدراج الرياح، وظلت الكنيسة هي الينبوع الوحيد الذي يستقي النَّاسُ منه المعارف بأصنافها المختلفة، فالكنيسة بجانب الكتاب المقدس وما ينطق به من معارف؛ اعتنقت بضعة آراء أخرى تتوافق مع أفكارها الدينيَّة، تمثلت هذه الآراء في التَّصوراتِ العلمية التي كان يتبناها كل من أرسطو وبطليموس حول منظومة الكون، فكانت تلك المعارفُ (الأرسبطليموسية) فاعلةً وناجعةً من القرن الرابع قبل الميلاد إلى القرن الخامس عشر، ثمَّ أُحيلت إلى التقاعد بعد ذلك، وطاب للكنيسة أن تعتبر هذه الآراء جزءًا لا يتجزأ من كيانها
المعرفي المقدس.
ثم ما برحت أن بدأت تباشير فجرٍ جديد تلوح في الأفق البعيد، فعندما قرر الإيطالي ماركو بولو (Marco Polo حَوْضَ غمار الاستكشاف العالمي، ألهب ذلك خيال الأوروبيين، ودفع بهم دفعًا حثيثا إلى ارتيادِ العالم تسفارًا وتجوالًا، وفتّح أعينهم الضَّيقة على العالم الواسع. كذلك ماركو بولو ساعدت الصلاتُ الثَّقافية بين أوروبا والحضارة الإسلامية التي كانت في صقلية وجزيرة أيبريا على بعث الح العلمي النقدي الأوروبي من
أجداثه، وممَّا أعطى قوَّةً لتدفق مادَّة تلك الصلات هو الوضع الأوروبي في الحقبة ذاتها؛ حيث
1 - هناك تنبيهان مهمان بهذا الصدد؛ الأوَّل: الانحطاط لم يشمل جميع مجالات الحياة الثَّاني: لم يكن الانحطاط عالميا ولا إقليميا بل انحصر في قطاعاتٍ أوروبيَّة محدّدة وإن كانت واسعة الأرجاء. 2 - رحالة إيطالي ولد في البندقية (1254 - 1324 م) اختلف المؤرخون في وصوله إلى الصين، فأشار بعضهم إلى عدم وجود ذكر له في الكتابات الصينية المعاصرة له - وقد يكون معروفًا باسم آخر - وأكدت المؤرخةُ البريطانية فرانس وود - رئيسة الدائرة الصينية في المكتبة البريطانية - أنَّ ماركو بولو لم يصل إلى الصين (يُنظر: فرانس وود ماركو بولو هل وصل إلى الصين، ص 15 - 24).
124 (1/124)
صفحة 125
المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا
شَهِدَ ظهور علماء يتميزون بمنهج فكري إبداعي متحرّر من القيود الكنسية، ولا ننس تأثير انتقال علماء الإغريق إلى إيطالية في إضفاء لمسةٍ مهمَّةٍ على طابع الحس العلمي النقدي الأوروبي، وكذا ما كان لاختراع الطباعة من أثر عظيم في ذلك، فقد مكنت - بوتيرة لم تكن متخيلة - من نشر الأفكار الجديدة التي أثارت القلق والشكوك في الشُّؤون الدينيَّةِ الكنسيَّةِ، وأججت الهواجس والأرق في نفوس كهنة اللاهوت، وخلقت حالةً من عدم الاستقرار الديني يشقُ على السلطات الكنسية أن تحتويها أو تسيطر عليها.
كذلك تم إحياء الدراسات الإغريقية والرومانية القديمة - التي ظلت
لمئات السنين حبيسة أقفاصِ التَّحريم الكَنَسي - بفضل كبير يعود إلى الإيطالي دانتي أليغييري Date Alighieri () مقويا بذلك أركان الحركة
(2)
اللغة
دانتي اليغييري
الإنسانية (Humanism) وداعمًا لها، فقد ارتأى في ملحمته الشهيرة (الكوميديا (الإلهية استعمال اللغة الإيطالية المحلية كبديل عن اللاتينية التي كانت متربعةً على عرش اللغات بفضل الممارسات الكنسية المقدَّسة؛ إذ كانت الصَّلواتُ والشَّعائر والنُّصوص الدينية غير معتمدة إلا بختم الجودة الاتيني، فأحدثَ التَّغييرُ اللُّغوي الذي نسجته الكوميديا (الإلهيَّة موجةً مماثلة اجتاحت الأنحاء الأوروبية (3)، فأُنشئتِ المكتبات وانتشرت الأكاديميات وبزغت روحُ الشَّك والنقد والبحث عن الحقيقة، وبدأ الفرد الأوروبي يتحرَّرُ من ربقة السياسةِ التي لبث في براثنها قرونًا مديدةً کعبدٍ وتابع للأمراء، وتسارعت وتيرةُ الازدهار التجاري والاقتصادي، فانتعشت الفنون الجميلة، وتوالدت اللغات الأوروبية الحديثة من رحم اللاتينية التي هيمنت واستحكمت بسلطان كنسي، وبدأت ملامحُ التَّمتُّع بملذات الحياة تتفشى، فأعقبه انسلاخ عن القيم التي تربى عليها الفرد الأوروبي في ظل الحكم الكنسي، وما لبث الأمرُ على حاله حتى انفتحت للاستعمار أبواب على مصاريعها بحجج من هنا وهناك وبعد أن لبث المنهج الأرسطي - القائم على
1 - يُنظر: إسحاق عبيد، عصر النهضة الأوروبية، ص (13 - 13).
2 - كاتب وشاعر إيطالي (1265 - 1321 م اختار من العلوم الطب والفلسفة، لكنَّه أولى اهتمامه للأدب والشعر، ذهب في مهمَّةٍ رسمية إلى روما للتّفاوض مع البابا مدافعا عن مصالح الملك وساعيًا إلى الفصل ما بين السلطتين السياسية والدينية، وعلم قبيل عودته بإدانته بتحريض العدو السياسي، وبقي ملاحقا منفيًّا حتَّى وفاته. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). 3 - للتوسع؛ يُنظر: لويس عوض، ثورة الفكر في عصر النهضة الأوروبية. ويُذكر بأن بارا كيلسوس (1493 م) كان أوّل من اجترأ على أن يُلقي دروسه بلغة العامة (الألمانية). (يُنظر: سلامة موسى، ما هي النهضة، ص 9).
125 (1/125)
صفحة 126
مناجزة الإلحاد
بترارك
التأمل والتفكر فى أكثره) - قرونًا طويلةً في النَّسق الفكري الأوروبي كوسيلة من وسائل المعرفة والإيضاح؛ جاء الأديب الإيطالي بترارك (Petrarc)(2) حاملًا لواء الدعوة إلى حُريَّة الفكر، وإلى التَّجربة كأداة للبحث والمعرفة، وتابعه في ذلك - بل وتفوّق عليه - العالِمُ والرَّسامُ الشَّهير ليوناردو دافنشي da Vinci))، فهذا الأخير هو من رفع القبعة للتجريب كمنهج علمي، التأمل
وأشاد بالملحوظة والاشتغال بالفكر والحجّة، ضاربًا الاكتفاء بمنهج | والانكفاء عليه في مقتل وقد تمثل المنهج التجريبي عنده في جوانب عديدة كالتشريح والرياضيات والهندسة والتصميم، ولم يكن المنهج العلمي عنده مقصورًا على التجريب فقط، بل تعداه إلى مجموع الطرق التي تُؤذن بحدوث التجربة، وقد أسقط بناءً على منهجه هذا فيزياء أرسطو؛ لأنَّها لا
ليوناردو دافنشي تعتمد على التَّجربة المستقلة، وأسقط أيضًا فلك بطليموس وقصص الكتاب المقدس عن الخلق والطُّوفان. ثمَّ كان للحروب الإيطالية (1494 - 1559 م)
فأُشعلت مواقد
أثر بالغ في تمييع الموقفِ الكَنَسِي الكاثوليكي الذي كان يبدو كلحمة واحدة، الخلاف والصراع بين الباباوات الكاثوليك من تحت أثافي المقاطعات المتحاربة؛ مما مهد السير قدما نحو الإصلاح الديني؛ بيد أنَّ المنظومة الكنسية قد سبق تعرضها لمشكلات جمة قبل أن يظهر الإصلاح الديني، تمثلت في الخلاف حول طبيعة السيد المسيح وبعض الأصول الكنسية الأخرى، ثمَّ جاء ما يُسمَّى بـ (الانشقاق الأعظم)، فقد ترعرع حزبان من الباباوات؛ حزب يُشايع بابا روما، وآخر يُشايع بابا أفينيون، فعاد إلى الأذهان الأوروبية شبحُ الصراع الذي قام بين الكاهن والقيصر وما تبعه من محاكم التفتيش (4)!
من
1 - يُخطئ بعض الباحثين في تقرير هذه الحقيقة، حيث يظنُّون بأنَّ التَّجربة لم تكن معتبرةً عند أرسطو، وهذا غير صحيح؛ إذ إنَّ التَّجريبيات من بين اليقينيات في تقسيم أرسطو المعروف عنه، كما أنَّ أرسطو كانت له مزرعة تحوي عددًا. النباتات والحيوانات يقوم بدراستها، وله كتب في الطبيعيات والتجريبيات.
عصر
النهضة. أحدث ديوانه (الشعر الغنائي) أثرًا كبيرًا
2 - شاعر وباحث إيطالي (1304 - 1374 م) من كبار الأدباء الإنسانيين في - في تاريخ الشعر الإيطالي. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). 3 - مصوّر ونحات ومعماري وموسيقي ومهندس وجيولوجي وعالم إيطالي (1452 - 1519 م) من أشهر أعماله لوحة (الموناليزا)، ولوحة (العشاء الأخير). (يُنظر: الموسوعة العربية الميسرة، 6/ 2945).
- هي: تلك المحاكم التي أقامتها الباباوية في بدايات القرن الثالث عشر ومنحتها سلطات شاملة لمحاربة المعارضين لتعاليم الكنيسة الكاثوليكية الذين اتهموا بالهرطقة والخروج عن الدين، وقد اشتهرت محاكم التفتيش الإسبانية بسبب قسوتها وفظاعتها، ولم يبق في منأى عن هذه المحاكم سوى إنكلترا والدول الإسكندنافية. (يُنظر للتَّوسع: علي مظهر، محاكم التفتيش).
126 (1/126)
صفحة 127
المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أوروبا
وأما الجانب الديني فقد تحزّم بحزام الثورة النقدية بقيادة مارتن لوثر Martin Luther) ، إذ تحرَّرَ النَّاسُ من السُّلطة الكنسية، واستطاعوا نقد المقدسات، وعلا سقفُ الحريَّات، وتغيَّرت المفاهيم والأفكار التقليدية.
ثم أفاقت أوروبا على وقع الحرب التي كانت شرارة انطلاقتها أهليَّةً صرفة، ثمَّ اتَّخذت من العامل الديني ستارًا تتوارى خلفه، فقد سعت الإمبراطورية مارتن لوثر إلى القضاء على البروتستانت؛ ممَّا أشعل فتيل الثَّورة البروتستانتية ضدها،
فثار التَّقعُ في دول الجوار واتَّخذ أسبابًا مختلفة، واستمرت رحى الحرب بالدوران لمدة قاربت الثلاثين عامًا (1618 - 1648 م)، وقد أفرزت هذه الحرب مظاهر التحلُّل الأوروبي من قبضة الكنيسة على اختلاف اتجاهاتها، فلم تعد للكنيسة أي سُلطةٍ خلا السُّلطة الروحية فقط))، ولما كانت السلطة الكنسية هى الممثل الأوحد للدين فإنَّ الفكر الأوروبي العام سيرى في تراجع سلطاتها تراجعًا للدين نفسه وتدهورًا في حالته، وهذا الوضع ستستتليه أمور لن تصب في صالح الكنيسة مستقبلًا!
الشَّيطانُ يكمن في التَّفاصيل (3):
:
لقد أدَّت أربعةُ اختراعاتٍ إلى قلب الموازين في مجالات الحياة المختلفة: (1) - البوصلة المغناطيسية التي هيَّأت مناخًا مناسبًا للملاحة واكتشاف العوالم. (2) - البارود الذي نحى العالم الإقطاعيَّ عن عرشه وأتاح الفرصة للنزعات القومية.
(3) - الشاعة الميكانيكية التي ربطت الإنسانَ بالزَّمن والطبيعة والعمل. (4) - آلة الطباعة التي أطاحت باحتكار العِلم واقتصاره على رجال الدين).
1 - لاهوتي ألماني (1483 - 1546 م) مؤسس المذهب البروتستانتي، وزعيم بارز لحركة الإصلاح الديني، من أهم مؤلفاته: (خطاب إلى نبلاء الأمة الألمانية)، و (الأسر البابلي للكنيسة). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
2 - يُنظر: عبدالعزيز نوار، ومحمود جمال الدين، التاريخ الأوروبي الحديث، ص (141 - 160). 3 - أشار الدكتور علي درويش - وهو أحد رواد الترجمة المعاصرين - إلى حدوث انحراف في ترجمة هذه المقولة والتي يرجع أصلها للإنجليزية، ونصها: " The devil lies in the details" وأرجع ذلك إلى أنَّ كلمة (devil) لم يكن يقصد بها الشيطان كما يتصور الكثيرون، بل قصد بها (العلة) ليصبح معنى الجملة: (العلة تقع في التفاصيل)؛ أي المغزى أو الأهمية، الأمر الذي يحوّل معنى الجملة برمته. (ينظر: دعاء الدسوقي مقالة: الشيطان يكمن في التفاصيل، صحيفة الفيتو الإلكترونية، بتاريخ: الأحد 15/ 9/ 2013 م).
4 - يُنظر: ريتشارد تارناس آلام العقل الغربي، ص 269.
127 (1/127)
صفحة 128
مناجزة الإلحاد
إنَّ التَّحولات الجذريَّة التي عاشها العالم عمومًا وأوروبا خصوصا كانت نتاج تراكمات زمنية طويلة، وهذه التحولات الجذريَّة هي التي أفرزت الإلحاد ودفعته إلى الواجهة، ليس من باب الحتميَّة، بل من باب التنشيط غير المقصود ابتداءً، والمقصود انتهاء.
وهنا سنأتي بشيءٍ من التفصيل لهذه التراكمات الزَّمنيَّة، ونركز على المنعرجات العلمية والفلسفية والاجتماعية والثقافية والأدبية والفنية التي شكلت تلويحاتها وتصريحاتها جسرًا معلقًا يعبر منه من شاء من المشاة إلى ضفة الإلحاد!
128 (1/128)
صفحة 129
المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا
أولا:
الطَّور العلمي
كان الوضع العلمي بين فكي كماشة في العصور الأوروبية الوسطى، وحاله بين الصعود تارةً والهبوط تارةً أخرى كفرسي رهان، وقد لاح له بريقُ النَّشاط والازدهار في أواخر العصر الوسيط، وبلغ الذروة في القرن الثالث عشر منه، لكنَّ ثقافة الخرافات والتنجيم والعرافة لم تزل مسيطرةً على النَّاس مستحوذةً على اهتماماتهم، ولم يكن النَّفَسُ العلمي موجودًا إلا في أوساط مجموعةٍ يسيرة من المفكرين والمثقفين الذين كانوا يعتمدون على المنهج الأرسطي. وحدث الانقلاب الفصليُّ في النَّظرة العلمية الأوروبية، فاستبدل المنهج الأرسطي وحلَّ محلَّه المنهج التجريبي في القرن الرابع عشر؛ ولكن هذا المنهج الجديد لم يكن واضح المعالم بعد، ولم يُقدَّم إلى ساحة الفكر بشكل متكامل، فظهرت من حينها غيوم الاضطراب الفكري في الأجواء الأوروبية، ونبتت في أراضيها حركة فكريَّةٌ شكاكةٌ شجعت على النَّظرة نيكول الأورسمي التجريبية الميكانيكية، فشهدت عقيدة سطحية الأرض في القرن الرابع عشر على يد القسيس الباريسي نيكول الأورسمي (Nicole Oresme) مخالفة خجولة)، كما ظفر وليم أوكام (Ockham)(2) بسبق تاريخي بعدما قرر أنَّ التجربة المُحسَّة وحدها القادرة على تشكيل أساس للمعرفة، وأنَّ أيّ شيءٍ يتجاوز الحس سيظل بعيدا عن متناول الإدراك العقلي، وليس ثمة جسر يربط بين العقل ووحي السَّماء! إذن؛ فقد كشر المنهج وليم أوكام التجريبي عن أنيابه، وتجلَّى أوَّل ما تجلى في ميادين الطب، فعندما انتشرت الأمراضُ التى لم يقل فيها الأقدمون شيئًا، أو لم يجدوا لها علاجا ناجعا؛ بدأ الأطباء
1 - يُنظر: ريتشارد تارناس، آلام العقل الغربي، ص 240.
2 - فيلسوف ولاهوتي إنجليزي (1284) - 1347 م) من أبرز مفكري القرن الرابع عشر وأكثرهم تأثيرا، يُرجع بعضهم سبب شهرته إلى نقده للفلسفة، وهو من وضع ما يُسمَّى بـ (نصل أوكام)، ويعني الاقتصاد في اختيار عدد الفرضيات العلمية التي تُفسّر الظاهرة الطبيعية. (يُنظر: جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة، ص 734).
129 (1/129)
صفحة 130
مناجزة الإلحاد
هي
باتباع منهج الملحوظات الميدانية المباشرة، وأتت هذه الملحوظات أكلها في كثير من الأحيان؛ ولذا نجد بأنَّ أشهر العلماء في تلك الحقبة هم الذين ترعرعوا في أكناف الطبّ ككوبرنيكوس وجاليليو، وقد أنبأنا التَّاريخُ بأنَّ إسحاق نيوتن كان مهتما أيضًا بالطب والصيدلة ومزج الأدوية
لمعالجة الناس ()، فالطبّ حياةٌ وسيظل كذلك على الدوام؛ لأنَّ اهتمامه كوبرنيكوس منصب على الإنسان وما يتعلّق بكيانه وكينونته. لقد كان العلم التجريبي
في بدايته مهتما بالإنسان أكثر من غيره، ثمَّ أدار رأسَ اهتماماته نحو الكون والطبيعة، ولعلَّ الانطلاقة العلميَّة الحقيقية في أوروبا كانت من علوم الكونيات - وهذا يُذكّرنا بالانطلاقة العقلية التحررية عند اليونان كذلك فالنظر في أصل الكون ومحاولة فهم الحياة بعيدا عن الأساطير والموروثات ابتدأ عندهم من الجذر الكوني - فبعد أن كانت فكرة ثبات الأرض ومركزيتها الفكرة المهيمنة التي أخذت بتلابيب العلم واللاهوت (4)، فاجأ الفلكي البولندي نيكولاس كوبرنيكوس (Copernicus) (3) أوروبا بإعادة نفخ الروح في نظرية مركزية الشمس التي وارتها كثبان التاريخ، وبهذا يكون كوبرنيكوس قد سلم راية المركزية للشمس بعد أن انتزعها من يد الأرض؛ مما يعني مخالفةً صريحة للفكر اللاهوتي السَّائد وقد نشر كوبرنيكوس كتابه في دوران الأفلاك في عام (1543 م))، ولم يلق صدى في بادئ الأمر؛ باعتبار أنَّ كوبرنيكوس - كما يرى بعض الباحثين - كان ضعيف اللحظ والنقد، ولم يُضف جديدًا على الملحوظات القديمة التي
1 - يُنظر: جيل كريستيانسن، إسحاق نيوتن والثورة العلمية، ص 19.
2 - كان العلم واللاهوت يأخذان بالفرضية (الجيوسنترية) وهي الفرضية التي تنص على سكون الأرض وثباتها ودوران الكواكب حولها مما يعني مركزيتها، وتقابل هذه الفرضية وتنازعها فرضيَّةُ (الهليوسنترية) والتي تنصُّ على مركزية الشمس ودوران الأرض والكواكب حولها. (يُنظر: ولتر ستيس الدين والعقل الحديث، ص 71). 3 - عالم فلك ورجل دين بولندي (1473 - 1543 م) سافر إلى إيطاليا ودرس الرياضيات في روما، وعاش فيها أجواء النهضة. (يُنظر: أيوب أبو دية، العلم والفلسفة الأوروبية الحديثة، ص 95).
4 - بعد وفاة كوبرنيكوس بـ (427) عاما - وتحديدًا في عام (1970 م) - اكتشف باحث يُدعى ديفيد كينج أنَّ كوبرنيكوس سرق معظم أفكاره من العالم العربي ابن الشاطر المتوفى عام (777 هـ)، وبعد ثلاثة أعوام (ثبتت التهمة حين عُثر على مخطوطات عربية نادرة من بينها معادلات ابن الشاطر في جامعة (كراكو) التي درس فيها كوبرنيكوس، وكان ابن الشاطر الدمشقي يعمل مع مجموعةٍ كبيرة من علماء الفلك في مرصد مراغة شرق بغداد)، ووضع تصورًا لنظام الأجرام السَّماوية مشابهًا للنظام الذي أعلنه كوبرنيكوس بعد (150) عاما، ليس هذا فحسب بل إنَّ كوبرنيكوس نقل (بطريقة كربونية) الرُّسوم الإهليليجيَّة للكواكب التي وضعها ابن الشاطر وأصدرها في كتابه المشهور (دوران الأجسام السماوية)، أما نماذجه الخاصة بالكواكب العليا ودوران القمر فكانت متطابقةً بشكلٍ مريب مع النماذج التي وضعها العلماء المسلمون في مرصد مراغة. يُنظر: مقالة فهد الأحمدي ابن الشاطر القائد الحقيقي للثورة الأوروبية الحديثة، صحيفة الرياض الإلكترونية، 4/ 12/ 2014 م).
130 (1/130)
صفحة 131
المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أوروبا
استنبطها القائلون بالنَّظريَّة من الأقدمين كهيراكليت ونيسيتاس، بل اكتفى بمجرد بعثها من مرقدها، حتَّى قيل بأن منظومته ليست سوى أُغنية جديدة بلحن قديم؛ ولذا فإنَّ أثر كوبرنيكوس البالغ تمثل في الجرأة على مخالفة الفكر الديني كنقطة تحول من الناحية العلمية والنقديَّة؛ أي إنَّ نقده ومخالفته للعرف الكنسي هو الأثر الأبلغ في حدّ ذاته. ولأنَّ الفيزياء الأرسطية كانت هي المحور الذي يُرتكز عليه علميًّا؛ لم يستطع كوبرنيكوس إثبات فرضيَّته؛ إذ إنَّها تُخالف المنهج الأرسطي؛ مما ولد نقدًا شديدًا تجاهها، فغالبيَّةُ النَّاس لم تر أي مصداقية لها خصوصا مع عدة اعتراضاتٍ كَنَسيَّةٍ عليها - وإن كان بابا الفاتيكان آنذاك قد صادق عليها بحذر بالغ (2) - ويُذكر أنَّ الكنيسة التي كانت بأمس الحاجة إلى تقويم دقيق للشعائر والصلوات والمناسبات قد أدركت أثر الأخطاء في الحسابات التقليديَّة، فسعت إلى إصلاح الخلل عن طريق الاستعانة بكوبرنيكوس المغضوب عليه!
وجود
إنَّ ما يراه أكثرُ الباحثين من القول بأنَّ كوبرنيكوس قد أحدث ثورةً علميَّةً قلبت الموازين، هو في حقيقته ثورة بأثر رجعي تراكمي، وليس أمرًا أصيلا ومباشرًا، ويُمكن تحديد هذا الأثر في أربعة أمور:
- فتح كوبرنيكوس بجرأته بابَ النَّقد على مصراعيه فيما يخص المعارف العلمية الكنسية. - كشف عن وجود أخطاء في المنظومة الكنسيَّة؛ مما يعني ضرورة إخضاعها لمشرحة النقد. - الاعتماد على التجربة في بناء النظريات الطبيعية وعدم الاقتصار على المنهج الكنسي. - مصادرة الكنيسة - لاحقًا - لفرضيَّته ومنعها لكتبه ومنشوراته التي نسج فيها خيوط فرضيّته (3). ونقول بأنَّ الأثر كان رجعيًّا وليس أصيلا؛ لأنَّ النُّقاط المهمة التي أضافها كوبرنيكوس إلى رصيده كانت حقوقها محفوظةً لأناس بادروا إليها قبله، وإنَّما طرق التعاطي مع القضيَّة كانت هي
عصر
1 - يُنظر: نور الدين حاطوم تاريخ النهضة الأوروبية، ص (111 - 124). 2 - علق مارتن لوثر على نظرية كوبرنيكوس قائلا: "إنَّ كوبرنيكوس أحمق أراد أن يقلب علم الفلك رأسًا على عقب. (يُنظر: كارن آرمسترونغ، الله لماذا، ص 280). ولكن في الحقيقة فإنَّ هؤلاء العلماء من أمثال كوبرنيكوس لم يكونوا يُصادمون الدين أو يتمردون عليه، فهم يعترفون بأنَّ علمهم هذا هو تتبع لخطوات الخالق وفهم لقوانين خلقه.
- في عام (1616 م) أعلن المكتب المقدَّس بالفاتيكان أنَّ مركزيَّة الشَّمس والأرض المتحركة مبادئ شاذة من قبيل الهرطقة، وصدر مرسوم بإدراج كتاب كوبرنيكوس في قائمة الكتب المحظورة، وفي عام (1835 م) تم رفع الحظر عنه. (يُنظر: ويليام تي فومان، وداعًا نظرية مركزية الأرض، ص 207).
131 (1/131)
صفحة 132
مناجزة الإلحاد
الفارقة في الأمر، فلم يكن الردُّ الديني عليه ثائرا من أوله؛ فكوبرنيكوس كان كاهنًا، ثُمَّ إِنَّ مَن شجَّعه على البحث في الأمر كانوا لاهوتيين مثله، بل إنَّ التَّقويم الجريجوري قائم على النظرة الكوبرنيكية! نعم؛ كان الردُّ عليه ثائرا عند البروتستانتية؛ لأنها رأت في ظواهر كتابها المقدس ما ينص جوردانو برونو على ثباتِ الأرض، ويبدو أنَّ الكاثوليكية قد وضعت هامشًا للنظر الفكري أفسح المجال للبحث المستقل، كما أنَّ كوبرنيكوس لم يُثر شكا كبيرًا في النظرة البطليموسيَّة التَّقليديَّة، وإنَّما قدَّم نظريته على شكل افتراض). ثم تلاطمت أمواج المحاولات التَّجريبية من بعد كوبرنيكوس، أعقبها (تسونامي) فكري اجتنَّ النَّسْقَ الأرسطي التقليدي من جذوره، فترك الراهب الإيطالي الشهير جوردانو برونو (Giordano Bruno)(2) الرهبنة،
قدمه
يوهانس كبلر وشن هجومًا ضاريًا على المنهج الفيزيائي الأرسطي، ووطئ مواضع من بعده عالم الفلك الألماني يوهانس كبلر (Kepler)) الذي حضّ على الأخذ بالمعطيات الرياضية القائمة على الملحوظات الإمبريقيَّة (التَّجريبية)، ونبذ المنهج الأرسطي الذي تتبناه الكنيسة. لا بد أنَّ الكنيسة قد جست نبضَ الخطر المحدق بلاهوتها جراء استمرار التطورات التي خلفتها النَّظرةُ الكوبرنيكية والانشغال المتنامي بتدعيمها والأخذ بيدها، فأصدرت أحكامًا كنسيَّةً تقضي بمنع كل الانبعاثات العلمية التي تتصاعد من الفوهات غير الكنسية!! وجاء العالم الإيطالي الفذ جاليليو جاليلي (Galileon Galilei) ليضع برهانه على صحة إفادات كوبرنيكوس
1 - يُراجع: جون هرمان، تكوين العقل الحديث، ص (142). وفي الرابع والعشرين من شهر مايو سنة (1543 م) وصلت أوَّلُ نسخةٍ من كتاب كوبرنيكوس مطبوعة إلى حيث كان يقيم، ولما وُضعت النسخة بين يديه كان على فراش الموت، وبعد بضع ساعات كان بعيدا عن هذا العالم، بل بعيدًا عن أن تصل إليه أيدي أولئك (الأنقياء) الذين ربما كانوا قد هدموا مجده هدمًا وأذاقوه الموت ألوانًا لو لم تُعجل به إلى العالم الثاني خُطاه! (يُنظر: أندرو ديكسون وايت، بين العلم والدين، ص 36). 2 - فيلسوف ورياضي وفلكي إيطالي (1548 - 1600 م) اسمه الحقيقي (فيليب نولانو)، كان من أبرز خصوم الفلسفة الأرسطية والكنيسة الكاثوليكية الرومانية إبان عصر النهضة، وكان فكره خليطاً من الفلسفة والتصوُّف والسحر، اتهمته محكمة التفتيش العليا في روما عام (1600 م) بالهرطقة، وأحرق في تولوز بعد أن قضى (8) سنواتٍ في السجن. (ينظر: الموسوعة العربية العالمية). 3 - فلكي ألماني (1571 - 1630 م) أستاذ الرياضيات في جامعة جراتس، تأثر بتعليمات كوبرنيكوس، وتعاون مع جاليليو، له قوانين علمية مشهورة بـ (قوانين كبلر). ينظر: الموسوعة العربية الميسرة، 5/ 2660).
-
4 - عالم رياضي وفيزيائي وفلكي إيطالي (1564 - 1642 م) يُعدُّ رائدًا للفيزياء الحديثة ولعلم الفلك، كان مدافعا عنيدًا عن نظرية کوبرنيكوس، وقد لاقى نتيجة ذلك عداوة الكنيسة، فاستدعي إلى روما للمحاكمة، فحُكم عليه عام (1633 م) بالسجن، ومنع من نشر الكتب والمقالات. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
132 (1/132)
صفحة 133
المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا
جاليليو جاليلي
بمرقبه الذي أوضحَ الحُفَرَ المرتمية في أحضانِ القمر والبقع المتطفلة على الشمس)؛ ليُدلّل بهذا على عدم اكتمال هذه الاجرام خلافا لما كان مزعوما أرسطيًّا، فالحُفَر والبقع التي رصدها مرقابه تدلُّ على أنَّ الشَّمس والقمر مجرد جرمين مصنوعين من مواد مشابهة لمواد الأرض، ولأنَّ موقف جاليليو العلمي كان أكثر حسمًا وصرامةً من كوبرنيكوس فقد ناهضته الكنيسة الكاثوليكية وأدانته، وقد كان لبعض أعدائه من داخل المنظومة الكنسية وخارجها يد في ذلك، ومن هنا أخذ موقفُ الصراع بين العلم والدين يُشمّر عن سواعده ويقرع له ظُنْبُوبه؛ بيد أنَّ جاليليو لم يكن ليناه الدين بآرائه، بل على النقيض من ذلك، فهو يرى بأنَّ العلم والدين مبحثان منفصلان لا يتصادمان، ولربما كان لأسلوبه الحماسي وكذا طريقة تعامل الكنيسة معه مضاعفات أدَّت إلى نشوب عراكٍ وتشابك بالأيدي بين المبحثين من حينها (3). وبالإمكان تحديد أهم التَّطورات التي أحدثها جاليليو على المسرح الفكري: - مخالفة الكنيسة حينما برهن على إثبات النَّظرة الكوبرنيكيَّة بعد أن أدانتها الكنيسة (3). - اختلاق أرضية صراع بين العلم والدين (حماسه وإصراره + طريقة تعامل الكنيسة معه). - تفسير الكون بالآلية الرياضيَّة بعيدًا عن (السرّ الإلهي) الذي تبنَّاه من كان قبله. وحسبك من إصرار جاليليو قوله لابنته مستنكرًا جهلَ الكنيسة الفاضح: "هل إلهنا غبي؟! “ هذا الاستنكار ذاع صيته وانتشر في الآفاق الأوروبية، ومن حينها تقوّت شوكةُ الشَّك والارتياب، وعلى الرغم من تدعيم كبلر الرياضي وتدعيم جاليليو الرصدي لفرضيَّة كوبرنيكوس ظلت مفتقرةً إلى إطار نظري شامل يحويها، وهذا الافتقار استدعى ظهور عبقرية من نوع آخر، عبقرية ستقلب المفاهيم العلمية المتوارثة وتؤسّس لنظريَّةٍ ميكانيكية تُفسّر ظواهر الكون.
1 - يُراجع: كمال محمد، وفتح الله الشيخ اكتشافات وآراء جاليليو، ص 113.
2 - يُذكر أنَّ الكنيسة أرغمت جاليليو على أن يكتب خلاف ما توصل إليه من دوران الأرض حول الشَّمس، فجعلته يكتب مكرها أمام ناظريها: "الأرض لا تدور". وهو في أثناء كتابته يتمتم باللاتينية: "ولكنها تدور، ولكنها تدور ... !
- بعد (90) عامًا من مصادقة بابا الفاتيكان على نظرية كوبرنيكوس؛ وضعت الكنيسة كتابه الذي ضمن فيه نظريته على قائمة المحظورات والممنوعات
133 (1/133)
صفحة 134
مناجزة الإلحاد
إسحاق نيوتن
كانت تلك العبقرية المنتَظَرة هى عبقريَّةُ إسحاق نيوتن (Newton))
فعلى خلاف منهج جاليليو في إرجاع العلوم إلى الآلية الرياضية رأى نيوتن في الآلية الميكانيكية منهجًا أنجعَ تُفسَّر من خلاله الظواهر الكونية وحركات الأفلاك والكواكب وحساباتها النسبية، وقد نجح في ذلك نجاحًا باهرا، لكن علقت في مِخَاخ رأسه بعض الاستفهامات المهمة لم تسعفه قوانينه بالإجابة عنها: فما الذي يُبقي هذه الكواكب في مداراتها؟! وكيف تحدد هذه الكواكب مداراتها المتناسقة بدقّةٍ مع أنَّ المادة خاملة وعاجزة؟! إنَّ الجاذبية وقوانين الحركة الميكانيكية لا تستطيع تفسير ذلك وحدها!! والجواب الحاضر عند نيوتن هو الجواب ذاته الحاضر عند علماء عصره عن مثل هذه التساؤلات ألا وهو: (الله). فلا بُدَّ إذن من تدخُل (الله)
بليز باسكال في تسيير أمور الكون، فذلك أمر ضروري لبقاء النظام الكوني على ما هو عليه، وقد كان نيوتن إبان صياغته لكل قانون من قوانينه ولكل مبدأ
من مبادئه العلمية يسعى إلى ترسيخ إثبات وجودِ الله بالطرق العلمية حسب اعترافه شخصيًّا بذلك في خطابه إلى العالم الثيولوجي الإنجليزي ريتشارد بنتلي (3). إِنَّ عِلم نيوتن وفلسفته وجها ضربة موجعةً لكل فلسفة تسعى إلى تمييع فكرة وجود الله وتصرفه في الكون، فمنهج نيوتن جاء لترسيخ عقيدة وجود الله في قالب علمي تجريبي، فلئن كانت معرفة الله مستحيلةً عند اللاهوتيين ولا يُمكن الوصول إليها مطلقًا من خلال الطبيعة والكون، فها هو نيوتن قد صرع هذه العقيدة الاهوتية في عقر دارها وبرهن على أنَّ معرفة الله لها سبيل مبثوث في الطبيعة والكون. لقد حذر الفيلسوف الفرنسي الشهير بليز باسكال Pascal)(3) من مثل هذا المنهج في التَّعاطي مع أمور الإيمان؛ إذ سيتم اختزال وجود د الله وتصرُّفه في الكون في قالب علمي
1 - فيزيائي وعالم رياضيات وفيلسوف ولاهوتي إنكليزي (1642 - 1727 م) كان من الموحدين، فأنكر القربان المقدس ورفض كثيرًا من المعتقدات لكونها في نظره غيبيَّةً خرافية، وقد كتب كثيرًا في هذا الشَّأن وتركه من دون نشر حفاظًا على سمعته تجاه الجمهور المؤمن، والطريف أن نيوتن - على علمه - كان يُفكر في تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب. (ينظر: الموسوعة العربية العالمية). ويُذكر أنَّ نيوتن وُلِد وهو غير مكتمل النُّمو، وظُنَّ بأنه سيعيش لسويعات فقط!! (يُنظر: فيصل سعد كنز، إسحاق نيوتن مكتشف الجاذبية، ص 4). 2 - يُنظر: کارن آرمسترونغ، الله لماذا، ص (315 - 317).
3 - رياضي وفيزيائي وفيلسوف وكاتب ولاهوتي فرنسي (1623 - 1662 م) يُعد أحد مكتشفي حساب الاحتمالات، وهو من اخترع الآلة الحاسبة في عام (1649 م)، عاش حياته باحثًا عن القداسة أكثر من بحثه عن الفلسفة، لكنه في غمرة الإصلاح الديني في أوروبا أشرك نفسه في النزاعات الدينية. ينظر: الموسوعة العربية العالمية).
134 (1/134)
صفحة 135
المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا
تجريبي، بل سيتعدى الأمرُ ذلك إلى القول بأنَّ الله موجود في القوانين الطبيعية، وأنَّ هذه القوانين هي نشاط الله أو أنَّها الإله نفسه في عقيدة تتساوق تماما مع عقيدة الحلول! وبهذا فإنَّ أكبر خطأ فلسفي ارتكبه نيوتن هو البرهنة على الله وفق مسرب تجريبي ضيق؛ مما يعني نتيجةً خائبة ورهانا خاسرًا للقضيَّة برمتها، فبمجرد عدم توفر الأدلة التَّجريبية الكافية التي تُؤكد هذا الأمر ستتلاشى قضيَّة (الله) بشكل تدريجي، وبمجرد سد الثغرات التي اصطنعها منهج نيوتن ستكون النتيجة مخيبة لنيوتن نفسه قبل أي شخص آخر!! ويتجلى خطأ منهجية نيوتن هذه - فلسفيا - في ثلاثة أمور: - الشعي إلى اختزال سبيل ترسيخ الوجود الإلهي في التَّفسير الطبيعي للظواهر الكونية. - تقليص حجم الوجود الإلهي في الفجوات العلمية التي لم يحن بعد موعد الإجابة عنها. - العمل على تدعيم نمط آلية الكون الذاتية التي كادت أن تصل إلى الكمال النهائي. والحصيفُ الفَهِم يُدرِك ما لهذه المنهجية من عواقب كئيبة وبائسة، ويُمكن فهم موقف نيوتن هذا كردة فعل مناهضة لعقيدة (الله السر) التي تتبناها الكنيسة، فالكون الذي خلقه الله العدم يقطع باستحالة التوصل إلى معرفة الله من خلاله - حسَب نظرتهم - وكان نيوتن يرى أنَّ مثل هذه العقيدة ستؤدي لاحقا إلى رفض وجود الله أساسا إذ إنَّ العقل الحديث - المتحرّر والمنفلت عن عقاله - لن يقتنع بحقائق مبهمة في نطاق السرية والغموض، وبالفعل فقد تم لنيوتن ما أراد، فكثير من العلماء مالوا فلسفيًا إلى منهجه فأضحت معرفة الله ممكنةً علميًّا بعد أن كانت مستحيلةً ومتسامية.
من
بدا من المعقول إذن؛ أنَّ الرَّب ترك الكون - بعد الانتهاء من خلقه - يعمل بالآلية الميكانيكية التي ابتدعها نيوتن؛ أي إِنَّ الرَّب هَمَّ بالمغادرة بعد أن انتهى من تنفيذ مهمة الخلق، ونأى بنفسه بعيدا عن الانخراط في تسيير أموره، فالكون يُعالج نفسه بنفسه - كالجسم الحي الذي يُلملم جراحاته النازفة بنفسه - ولا يحتاج إلى تدخُلاتٍ خارجيَّة؛ ولذلك انقض بعضُ اللاهوتيين على نيوتن في حَلْبَة الانتقاد ليُوسعوه اتهامًا وتضليلا، فهو من نسف العناية الإلهية - حسب ظنهم - وجعل الجاذبية تقوم مقامها.
تبنى كثير من علماء اللاهوت هذا المنهج النيوتني، وظهرت - بعد نيوتن - ملامح اكتشافات
135 (1/135)
صفحة 136
مناجزة الإلحاد
علمية جديدة تلوح في الأفق، فعلى سبيل المثال تمَّ في عام (1741 م) اكتشاف مقدرة ثعبان الماء على إعادة ترميم ذاته بعد تقطيعه إلى نصفين، وفي عام (1745 م) تم تبنّي ما كان يُعرف بـ (التوالد التلقائي) للكائنات الدقيقة. وقد طرقت باب الأذهان فكرة إبليسيَّةً تقوم على قياس هذه الاكتشافات بظهور الكون وقوانينه بجامع الآلية في كلا الأمرين؛ لتكون المحصلة هي عدم الحاجة إلى افتراض وجود الله!
جيمس هاتون
(2)
وبمقدم جيمس هاتون (Hutton)) أصبحت الكثير من
المسلمات
في مهب الريح وعلى خشبة رمي سهام التشكيك؛ إذ طرح مجموعةً من الأفكار الصداميَّة لعلَّ أهمها: أخطاء الكتاب المقدس، وتنوع الأشكال الحيوانية - التَّطور قبل داروين - وتصحيح عُمر الأرض عما كان متعارفًا عليه لاهوتيا، وأنَّ الحياة أتت تلقائيا لوحدها دون خالق، بيد أن هاتون لم يُقدِّم أدلَّةً علميَّةً كافيةً فيما يخصُّ التَّطور وظهور الحياة، ولكن عدم وجود الأدلة الكافية لم يقف حجر عثرة أمام التأثر بهذه الأطروحات. صحيحٌ أنَّ صدى مثل هذه المعطيات لم يكن كبيرًا، فالفارق بين هذه الاكتشافات والكون ذاته فارق هائل لا يُسدُّ بمثلها، كما أنَّ الآلية الميكانيكية أبقت للإله مجالا للتصرُّف والتَّدخل الكونى وإن كانت محصلتها التراكمية لا
شك قد ترسبت في قيعان الأذهان! ثمَّ حانت ساعة انبلاج افتراض علمي سيمون لابلاس
جديد يخص الكون مرَّةً أخرى: الفرضيَّة السَّديمية التي جاء بها الفرنسي
سيمون لابلاس (Laplace) ، فقد افترض في عام (1796 م) أنّ انبثاق الكواكب كان ناتجا عن سحابة غازيَّةٍ غطَّت الشمس، ثمَّ تكثَّفت إلى أن ظهرت الكواكب، وقد تكفلت قوانين نيوتن الميكانيكية بما تبقّى من المهمة، وأمَّا الشُّذوذات التي تحدَّث عنها نيوتن في حركة الأفلاك وزعمه بأنَّ الله يتدخل لإصلاحها بين الفينة والأخرى فلا حاجة إليها بعد الآن، فالأفلاك تُصحِحُ
1 - برهن العالم الفرنسي باستور على أنَّ التَّوالد التلقائي كان نتيجةً لخطأ تجريبي، فالديدان التي يُزعم بأنها توالدت من ذاتها في قطعةٍ من اللحم ما هي إلا مجرد بيوض وضعها الذُّبابُ على اللحم. (ينظر: جيمس كونانت، مواقف حاسمة في تاريخ العلم، ص 328). 2 - طبيب وجيولوجي وكيميائي إسكتلندي (1726) - 1797 م) يُلقب بـ (أبي الجيولوجيا الحديثة) بسبب نظريته حول أصل الأرض، معترضا على المفهوم الكنسي ودور الطُّوفان في تشكيل القشرة الأرضية.
- عالم الفلك والرياضيات والفيزياء الفرنسي (1749) - 1827 م) له إسهامات في مجال علم حركة الأجرام الفلكية والرياضيات والفيزياء، تُعد أعماله في مجال المعادلات التفاضلية رائدة، وسُميت إحدى المعادلات باسمه (معادلة لابلاس). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
136 (1/136)
صفحة 137
المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أوروبا
الأمر بنفسها ذاتيا. جدير بالذكر أنَّ لابلاس لم يكن معاديًا للدين، لكنه كان يسير وفق منهجية تتلاقى مع منهجية هيوم وكانت بخلاف تلك المنهجية التي لمعت في ذهن جاليليو ونيوتن، وقد تجلى هذا الأمر في زيارة نابليون بونابرت له، فقد بدا لنابليون أن يسأله متعجبًا من عظمة الكون: "من صنع هذا؟! " فأجابه لابلاس: "لا حاجة لي بهذه الفرضية). إنَّه لا سبيل تشارلز لايل إلى إدراك النظام الكوني من خلال مرآة اللاهوت الكنسي أو من خلال منصة الاستدلال العقلي، فقد غام أفقهما وأدجنث سماؤهما بعد هذه الكشوفات العلميَّة، وإنَّما السَّبيل القويم هو الالتزام بمنهج علمي تجريبي دقيق وصارم). فارتسمت على محيَّا القارة العجوز على إثر ذلك ملامح
مسارين شگلا مفترق طرق؛ فمسار سار على النهج النيوتني، وقد وجد عند اللاهوتيين أرضًا هَيْعَةً رحبة، ومسار لابلاسي مخالف ومناكف له، ويبدو تشارلز داروين أنَّ المسار الأخير قد انتزع الطابع العلمي التجريبي من بين يدي المسار الأول الذي توشّح بالطابع الديني لاعتبارات أهمها: القبول اللاهوتي - غير المطلق بطبيعة الحال - في السير على خُطاه. ثمَّ جاء وقت تدشين اكتشاف علمي آخر؛ فعُمر قشرة الأرض في الحقيقة أقدم بكثير من المدَّة التي زعمها الكتاب المقدَّس - (6000) إلى (7500) سنة - فقد نشر عالم الجيولوجيا تشارلز لايل (Lyell) (3) في عام (1830 م) هذه الحقيقة المدوية في كتابه (مبادئ الجيولوجيا)، لكنَّه لم يتعرض إلى اللاهوت بشكل سافر مع أنَّه كان يكره الكتاب المقدس كُرها شديدًا؛ بدليل عباراته اللاذعة التي يصفه فيها بأوصافٍ من قبيل: (التعاليم القديمة)، و (التعاليم البالية) ونحوها. ولم يقف الأمرُ. عند هذا الحد، فقد هتفت كتابات تشارلز داروين (Darwin) انتصارًا لمبدأ النشوء والارتقاء، الطبيعي، وقرّرت أنَّ الكائنات الحية - بما فيها الإنسان - قد تطورت عبر آلية الاصطفاء الطبيعي، وأنه لا حاجة إلى افتراض وجود تدخل إلهي مباشر، كما
- يُراجع: ولتر ستيس، الدين والعقل الحديث، ص 108. 2 - يُنظر: کرين برنتون تشكيل العقل الحديث، ص 88.
(2)
3 - محام وعالم إنجليزي (1797) - (1875 م) يُعدُّ أوّل عالم جيولوجي أوروبي في زمانه، وقد كان صديقًا مقربًا لتشارلز داروين، حاز لقب (فارس الجمعية الملكيَّة)، ويُعتبر كتابه (مبادئ (الجيولوجيا أشهر أعماله على الإطلاق.
4 - عالم طبيعي إنجليزي (1809) - (1882 م) اكتشف أنَّ الانتخاب هو حجر الزاوية في توليد الشلالات النافعة التي تتولاها الأسباب الطبيعية، فوضع كتابه في أصل الأنواع، ومنذ عام (1859 م) تراءت له فكرة تطبيق مذهبه على النوع الإنساني، وفي هذا الشَّأن وضع كتابه (تعبير الانفعالات) عام (1872 م). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
137 (1/137)
صفحة 138
مناجزة الإلحاد
لا معنى لتميز الإنسان ومركزيَّته، فهو مجرد حلقة من حلقات مسلسل التطور شأنه فيها كشأن الحيوانات الأخرى، وما نصوص الكتاب المقدَّس في الخلق المستقل إلا كمن يركب العشوة ويخبط الليل، هذا بالرغم من تعرُّض كُتب اللاهوت في الوقت ذاته إلى ذكر كيفية خلق بعض الكائنات وخروجها التلقائي من الأرض والبحار، وكذا تعرضها لذكر تلك الكيفية التي تشير إلى الخلق غير المستقل بعد أن حملت الحيوانات في الفلك المشحون، فكلُّ ذلك لم يشفع لها
فيما يبدو!
جريجور
لقد تم ربط العِلم التَّجريبي بقضايا الإيمان كتراكمات على المنهج
حجم
الحاجة
النيوتني الآلي؛ فأيُّ اكتشاف جديد سيقلص حتمًا إلى افتراض وجود إله إلى أن يصل به إلى نقطة التلاشي والعدم! إنَّ موجة إلحادية مندفعة قدمت لاحقًا على إثر نظرية التطور، وبدأت بالانتشار في أنحاء أوروبا انتشار النار في الهشيم، فلم يمنع قبول بعض مندل اللاهوتيين للنظرية من الحيلولة دون تفجر صراع بين العلم والدين، فأي افتراضات لاهوتية لها علاقة بكيفية إدارة الإله للعالم قد ترسبت في قيعانها الاعتراضات المدعومة بالشَّواهد الجديدة، فالإنسان إحدى بنيات إبداعات الطبيعة وليس مخلوقاً سماويًا أو خليفة على الأرض، ويجب أن تفهم حياته بوصفها مصادفةً طبيعيَّةً خرجت من رحم تطورات المادة الحيَّة وتقلباتها، ولا توجد ضمانات تجريبية تحفظ مصيره النهائي من الانقراض كباقي إخوته الذين قضت الطبيعة عليهم طاويةً صحيفتهم!! ثم ألقى علمُ الوراثة بظلاله هو الآخر، فقد أثبت الرَّاهب النمساوي الشَّهير جريجور مندل (Mendel)(1) انتقال الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء تلقائيا حسب قوانين وراثية معينة، ثم تطور الأمر لاحقا على يد الهولندي هوجو دي فريس Hugo de Vries)، إذ أثبت وجود صفات تنتقل إلى الأبناء قد لا يمتلكها الأبوان، وتبع ذلك ظهور الاكتشافات الحديثة المبهرة كاكتشاف الجينات والشفرات الوراثية والحمض النووي (DNA) والتي أسهمت في تقوية الزعم المفترض
هوجو دي فريس
1 - عالم نمساوي وقس كاثوليكي (1822) - (1884 م) وضع قوانين الوراثة الحديثة المعروفة بـ (المندلية)، وقد رفضت أعماله في البداية ثم لاقت قبولًا واسعًا بعد ذلك. (يُنظر: الموسوعة العربية الميسرة، 6/ 3227).
2 - عالم نبات هولندي (1848) - (1935 م وعضو الجمعية الملكيَّة، وضع مفهوم (الطفرة الوراثية)، من أعماله الكتابية: (نظرية الطفرة)، و (تربية النباتات)، و (الأنواع والأصناف).
138 (1/138)
صفحة 139
المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أوروبا
سيجموند فرويد
بعدم وجود الحاجة إلى الإله الذي يُدير الحياة ويخلق ويصور كما يشاء، فهناك من يقوم بهذه الوظائف على مستوى الكائنات الحية، ولا حاجة إلى أي افتراض غيبي! ثُمَّ شهد مجالُ النَّفس نقلة نوعيَّةً تمثلت في موقف عالم النفس الشهير سيجموند فرويد (Freud)) الذي تأثر كثيرا بفلسفة فويرباخ، فقرّر أن يتَّخذ من المادية شرعةً ومنهاجا، وعلى ضوء قراره هذا فإنَّه لم يُصبح ملحدًا بناءً على تحليلاته النَّفسيَّة، بل أصبح مُحلّلًا نفسيًّا بناءً على إلحاده)!! إِنَّ فرويد قد وظف تحليلاته النَّفسيَّة في دعم قراره الإلحادي، فبشر بغلبة صوت العقل في المستقبل على صوت الدين، وزعم أنَّ الدين مرضُ طفولي ناتج عن العجز والخوف، فالطفل يحتاج إلى حماية، ومن هنا نشأ الدين والإله لسدّ هذه الحاجة ولردم هذه الهوة! كما نفى فرويد وجود الفطرة الإلهيَّة، وجعل من عُقدة (أوديب) التي تُرافق الطفل وعقدة (إليكترا) التي تُرافق الطفلة سببًا لانبثاق الضمير من أعماق النفس البشرية، فما الدين والأخلاق والتقاليد إلا رياح عابرة تصدر من هاتين العُقدتين، وما الأديان سوى عاداتٍ منبثقة عن الكبت الجنسي!! ثمَّ وسع القانون الثاني للديناميكا الحرارية - كما أُريد تطويعه أيديولوجيا - إطار فرضيَّة
عن
العبث والعشوائية وعدم الغائيَّة، فالفرد ينتهي عند الموت المادي، والحياة طارئة وناتجة الصدفة والعشوائيَّة، فهذا القانون يُصوّر الكونَ ككتلةٍ متحركة تلقائيا من النظام إلى الفوضى والموت الحراري، وعليه؛ فإنَّ بيئة الإنسان ليست سوى أحوال طبيعيَّة، وما من خطة إلهية تُعطي الأمن لهذه البيئة المهدّدة في أي لحظة بالموت الحراري ثم جاءت فرضيات علميَّةٌ أُخرى لتُعمّق مفهومي العشوائية والعبثية - حسَبَ التَّوجيه الأيديولوجي لها - كالقول بالأكوان المتوازية والكون المتذبذب، فنظرية الأكوان المتوازية تقترح وجود أكوان أُخرى بالتَّوازي مع كوننا الحالي، مما يعني حسب المفهوم المادي عدم أهمية كوننا مقارنةً بالأكوان الأخرى، فيما تزعم نظرية الكون المتذبذب بأنَّ الأكوان ينشأ بعضها من بعض منذ الأزل في سلسلة متواصلةٍ لا نهائيَّة؛ ممَّا يُشير إلى عدم غائية وجودنا، وأنَّه مجرد عبور طبيعي في سلسلة قد تنتهي بالانقراض المباغت!
1 - طبيب أعصاب نمساوي ومؤسسسُ التَّحليل النفسي (1856 - 1939 م) كانت نشأته وتربيته يهودية تقليدية، في حين كانت مُربيته كاثوليكية متشددة، وقد انعكست هذه الازدواجية في دراساته حول الدين (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). 2 - يُنظر: کارن آرمنسترونغ، الله لماذا، ص 394.
139 (1/139)
صفحة 140
مناجزة الإلحاد
على
رياح موجهةً سلفًا تميل بشماريخ العلم
غدت العلوم الوضعية تميل إلى خدمة الموضوعيَّة بعد أن كانت مشرئبةً إلى خدمة المفاهيم الكنسية، فقد تعاطت هذه العلوم منذ القرن السادس عشر الميلادي كبسولات الاستقلال المنهجي الصحي إلى أن كُتِبَ لها الشفاء من أعراض المصاهرة الكنسية بمعاونة من مادتها الطبيعية المتدفقة بغزارة، فاتّسع نطاق بحثها، واستطاعت أن تخضع المعارف لمنهجها القائم اللحظ والمقارنة والاستنباط؛ لمعرفة نواميس الكون الثابتة بالدلائل التجريبية. ومنذ أن كانت الفلسفة العقلية تقوم على البرهان والاستدلال المنطقي، وكانت الفلسفة الدينية عند آباء النَّصرانية تقوم على الإيمان والوجدان والمشاعر؛ انقدحت شرارة الصدام بين الفلسفتين، فقد غدا الدين لمن يُؤمن به نعمةً عظيمةً من بها الله على الإنسان ليهتدي بيسر وسهولة بتسليمه القلبي له، أمَّا اتباع منهج البحث العقلي فإضافةً إلى عُسره فإنَّه بالنسبة إلى المؤمن يُعد مغامرة محفوفةً بمنزلقات الضَّلال والزَّيغ عن هدي الرسل؛ لذلك لا مجال للبحث عن المعقولية النظرية في الأمور الدينية مادامت ترتبط بالتسليم القلبي فقط)، هذ كله كان وفق التصور الديني الكنسي!
لقد حَمِي وطيسُ الخصومة بين العِلم والدين في القرون الوسطى تحت سياط الكنيسة واشتدَّ ضربُها، وثار نقعها فبلغ سيلُها الرُّبى، فإنَّك لا تعثر في تاريخ الأديان كلّها على تاريخ يُشابه تاريخ مذاهب اللاهوت الكنسي في قيامها حربًا للعِلم أزمانًا طوالًا، فقد قامت لدى اللاهوتيين فكرةٌ ثابتةٌ في أنَّ العِلم لا يجب مطلقًا أن يُدلي بشيء فيه أقل مخالفة لظاهر ما جاءت به الأسفار المقدَّسة، ولستَ تعلم لماذا يكون هذا لزاما على العلماء والفلاسفة مع أنَّ طبيعة الدين النصراني لا تسع هذا ولا تدعو إليه؛ إذ إنَّ وظيفته في الواقع وظيفة اجتماعية إرشادية لا تعليمية، ولكن شاءت عقولُ اللاهوتيين أن تكون وظيفته تعليمية، فنشأت الخصومة بين الدين والعلم، وكم من لاهوتي ظهر في القرون الوسطى حاول أن يُثبت أنَّ الدين لا شأن له بالعِلم، وأنَّ وظيفته تنحصر في أن يعرف النَّاس طريقة الخلاص في الآخرة لا حركات الأجرام السماوية ولا تكوين الأرض كيف يكون! ولكن المذاهب الشائعة في اللاهوت لم تكن تترك لأمثال هؤلاء مجالا (2)، وسواء أقلنا بأنَّ العِلم لا يتصادم مع حقيقة الدين النَّصراني ونصوصه وإنَّما يتصادم مع
- يُراجع: الحسين أخدوش، جدلية الديني والكوني، ص (14 - 15). 2 - يُنظر: أندرو ديكسون وايت، بين العلم والدين، ص 19.
140 (1/140)
صفحة 141
المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا
اللاهوت الكنسي أم قلنا بخلاف ذلك فإنَّ واقع الحال قد آل إلى هذا الصدام في تلك الحقبة التاريخية، وترسخت مفاهيمه في الأجيال الأوروبية التي تلته جيلا بعد جيل!
على جميع
لم يظهر العلم كعامل رئيس في حياة الناس واعتقاداتهم إلا في القرن الثامن عشر، ولم يصل في الواقع إلى جماهير الناس إلا في الأجيال الأخيرة، لقد بدأ العلم في تغيير كثير من الأفكار الأصعدة، وكتب له النَّجاحُ بشكل منقطع النظير)، فقد طمس الخرافات بغض النظر عن كونها ذات سند ديني أو مجرد تهريجات وجمجماتٍ جادت بها القريحةُ التَّخيليَّة للبشر! لقد كان سبب الجنون والصَّرع - عند عامة النَّاس - هو تلاعب الأرواح الشريرة بالبشر، والحمى والصُّداع كان أساسهما السحر والشعوذة، والخسوف والكسوف كانا بسبب موت بشر عظيم، والمذنبات علامة شؤم سيقع ... !! قضى العلم على الأسباب الخرافية هذه بعد أن كشف الستار عن الأسباب الطَّبيعيّة، ولا شكّ أنَّنا إن أتينا على الكشوفات وقمنا بتحليل مفعولها السلبي على قضايا الإيمان لوجدنا قياساتٍ تبوء بالفشل، فإنَّ اكتشاف الجاذبية - مثلًا - لا يُؤثر على إيمان الفرد بأنَّ الله يتصرّف في الكون وفق سننه وقوانينه التي وضعها بحسبان، واكتشاف دوران الأرض وعدم ثباتها لا يهدم إيمان الفرد بأنَّ لها غاية، واكتشاف أصل الكائنات وكيفية نشوئها لا يُؤثر في مساق الإيمان بأنَّ لها خالقًا، والآلية التي يعمل الكون من خلالها لا تستدعي بالضَّرورة العلمية أو العقلية تخلي الله عن العناية به، كما أنَّ مبدأ الغائية لا يُمكن نكرانه أو نفيه بالعلم التجريبي
يثير الكاتب الأمريكي أندرو ديكسون وايت زوبعة من التساؤلات بهذا الصدد: فلو صح أنَّ بين الدين والعلم عداءً وصراعًا فكيف لم ينته هذا الصراع - الذي ظل قائما بينهما لخمسة وعشرين قرنا - بأن يصرع أحدهما الآخر؟! وهل خمسة وعشرون قرنا غير كافية لكي تُنهي المعركة وتنصر فريقًا على آخر؟! الحقيقة هي ألَّا صراع بين العلم والدين، ولهذا ظلَّ الدين باقيًا وظلَّ العلم باقيا؛ لأنَّهما مظهر من مظاهر الفكر الإنساني، ولكن إذا اعتقدنا هذا؛ فبأي شيءٍ نُعلّل ذلك التاريخ الحافل برجال الدين الذين سعوا إلى كتم أنفاس العلم؟! وبأي شيء سوف تعلل ذلك الصراع الذي سيحاول فيه رجال العلم أن يخفتوا صوت الدين في المستقبل؟! إنَّنا إذا اعتقدنا أنَّ الصراع لم يقم بين الدين والعلم على اعتبار أنَّ الدين شيء مستمد من طبيعة
- يُراجع: برتراند راسل، أثر العلم في المجتمع، ص (19 - 40).
141 (1/141)
صفحة 142
مناجزة الإلحاد
الإنسان، وعلى اعتبار أنَّ العلم شيء مستمد من القوَّة العاقلة التي خُص بها الإنسان، واعتقدنا أنَّ الصراع قام في الواقع بين اللاهوت الكنسي والعلم التجريبي؛ استطعنا أن نُعلّل حوادث التاريخ، بل واستطعنا أن نظهر على شيءٍ مما سوف يقع في المستقبل، فهل يُمكن للإنسان أن يكون بلا عقل ليكون بلا علم؟! وهل يمكن أن يكون بلا وازع من فوق عقليته ليكون بلا دين؟! وهل يُمكن أن يكون بلا تأمل في الناحيتين ليكون بلا فلسفة؟! هذا مستحيل! مستحيل على الإنسان أن يُلغي عقله، أو يلغي وازِعَه، أو يُلغي تأمله في حقائق الأشياء). لقد أغرقت النَّظرةُ اللَّاهوتية الفكر الأوروبي بسيل من المعارف المنحرفة على حساب المعرفة الحقيقيَّة، وأخذ اللاهوتُ على عاتقه إفهامَ النَّاس بأنَّ كلَّ الظواهر مردُّها المباشر إلى الله، وكأنَّ الأسباب الطبيعية التي وضعها الله غير معترف بها، ولا يمكن احتطابها في حبل الاهوت!! وبعد تقدم العلوم واكتشاف الأسباب الطَّبيعية حدث التصادمُ والتَّعارض بين تعاليم عشَّشت في الأذهان والاكتشافات العلمية الحديثة، فصار الجمع بين الصدين
اللاهوت التي متعذرًا في العقلية الأوروبية! إنَّ قضايا الإيمان الأصيلة والتي ينهدم الإيمانُ لولاها ليست محل دراسة تجريبية، نعم؛ قد تُوجد قضايا إيمانية فرعيَّة يلج إليها المتعلمون من نافذة التجريب، إلا أنَّ أساس الإيمان مبني على الغيب المبرهن عليه عقليًا ومنطقيًا لا تجريبيًّا، لننظر - على سبيل المثال - إلى قضيَّة وجود
الله، فكل حدث تجريبي لا يستطيع البتّ فيها فضلا عن أن يهدم أركانها! فلا غرو أن تكون مثل هذه القضايا الرئيسة غير قابلة للحسم التَّجريبي مهما بلغ العلم من التَّطور والازدهار، وأما الاعتقاد بأنَّ مثل هذه الكشوفات تخالف الدين ونصوصه فذلك مساق آخر يندرج تحت رايات مختلفة يحمل كل دين، لواءَها فلئن أوهم الكهنوتُ الناس بأنَّ المفاهيم التي كان يتبناها هي حقائق إلهيَّة فاقعة فيجب أن تُنسف تلك المفاهيم بعينها - عند ثبوتِ بطلانها - لا أن تقتحم أسورة لا يجب الارتقاء إليها أصلا كوجود الله وخالقيته، فموضع العلة يُداوى بقدره وإلا لاعتل البدنُ بأسره. ولنا هنا موقف نرى فيه أنَّ قضيَّة الإيمان بوجود الله قضيَّةٌ مختلفة عن الدين وعن العلم التجريبي، فلئن سلَّمنا جدلًا بأنَّ العلم يتصادم مع الأديان بأسرها، فإنَّ قضيَّة وجود تسبق الاعتقاد بالدين؛ لأنَّها قضيَّةٌ وجوديَّةٌ بحتة، إنَّها ضرورةً عقلية دونها الجنون، وحتميَّةٌ
الله
1 - يُنظر: أندرو ديكسون وايت، بين العلم والدين، ص (10) - (18). هذا؛ وينصُّ عالِمُ الكيمياء الفرنسي اللاأدري كلود آليغر على أنَّ الدين والعلم يمكن أن يتعايشا حتَّى في الأدمغة الأكثر تألقا. (ينظر: حميد زنار، في نشأة الكون والحياة والإنسان، ص 23).
142 (1/142)
صفحة 143
المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أ
أوروبا
منطقية لا فرار من قبضتها، وفطرةٌ عالميَّةٌ متجذرةٌ في النُّفوس، إنَّ هذه القضيَّة لها خصوصيَّةٌ منهجية مختلفة لا يُؤتى إليها إلا من بابها. إنَّ المذهب الميكانيكي الذي شيَّده نيوتن علميًّا كان بنفسه قريبًا من فكرة المذهب المادي الذي سعى منذ القدم إلى تفسير الظواهر تفسيرًا آليا بعيدا عن الآلهة والشياطين، وقد أصبح جانب من هذه الآلية الميكانيكية حديثَ خرافة بفضل التَّقدُّم العلمي وظهور النسبية وميكانيكا الكم؛ فتفسيرات الظواهر الطبيعيَّة وصياغات قوانينها عُرضةً للتغير والانسلاخ، فقوانين نيوتن - مثلًا - كانت عُرضةً للتَّغير والشلل النصفي؛ إذ تم تطبيقها على الشرعات الضعيفة فقط بعد أن كانت شاملةً وواسعة النطاق، ومعادل الجاذبية تناقص خلال العقد الماضي بنسبة (1,3 %). وسرعة الضوء تناقصت معدلاتها بين عامي (1926 - 1945 م بما يقارب (10 كيلو مترات)، وما يقرب من (20) كيلو مترا) لاحقًا، كل ذلك من أجل موازنة المعادلات الفيزيائية الجديدة، وهنا نقطة تحول في قضيَّة إسناد الكشوفات العلميَّة إلى النواحي الدينية، فالعلم من صفاته التَّطور والتبدل والتَّحول، وهذه الصفات إن ألصقت بأي دين فإنَّها تقتله سريريًا.
لقد
اضطلع العلم بخدمة جليلة استغلها الفلاسفة الماديون استغلالا ماگرا، فقد كانوا يعانون
من صعوبات مادية في البرهنة على نتائج فلسفتهم، والفلسفة كجزء من العلوم الإنسانية التي تأثرت في مجملها بالعلوم التجريبية مال روادها الماديون إلى تفسير ما تم الكشف عنه تجريبيا تفسيرًا ماديا يخدم الوجهة الفلسفية الشخصيَّة، وقد أدى هذا النمط المنهجي إلى بلوغ العلوم الإنسانية منزلةً أقل من المنزلة التي نالتها العلوم الطبيعية مع أنَّ اختلاف المجالين هو اختلاف نوع لا اختلاف درجة. ففيما يخص قضيَّة (مركزية الأرض والإنسان) فإنَّ أساس المشكل في هذه القضيَّة أمران؛ الأول: ما طرحه الاهوتُ الأوروبي من الاعتقاد بمركزية الأرض. والثَّاني: ما طرحه اللاهوت الأوروبي من الاعتقاد بمركزية الإنسان المتمثلة في عقيدة الخلاص؛ حيث إِنَّ المسيح بُعث ليخلّص العالم من الخطيئة، والعالم الذي كان مشهودًا آنذاك هو عالمهم الضَّيق فقط، وعندما ظهرت العوالم الجديدة واتَّضح أنَّها مأهولة بالسكان، بل وظهر أنَّ الأرض بأكملها ليست سوى قطرة صغيرة من بحر الكون؛ انصدم النَّاسُ وبدأت الشكوك تساورهم في عقيدة الخلاص! فجاء الاعتقاد بعدم مركزية الأرض والإنسان كردة فعل فلسفية مباشرة! فمنبع هذا الإشكال هو عقيدة (الخلاص)، وعقيدة (مركزية الأرض). والعقيدة الأولى غير موجودة
1 - يُراجع: ستيفن وانبرغ، أحلام الفيزيائيين، ص 136.
143 (1/143)
صفحة 144
مناجزة الإلحاد
ذلك
في الفكر الإسلامي، أما الثانية فليست في الفكر الإسلامي إلا كرأي من الآراء؛ ولذا تجد من المسلمين من قد تطرّق - منذ القِدَم - إلى القول بـ عدم مركزية الأرض والإنسان)، ومن ما رُوي عن ابن عباس مما فيه القول بوجود عوالم أخرى غير عالمنا وأناسي كأمثالنا، ومثل ذلك روي عن سعيد بن المسيب وأبي سعيد الخدري وأبي بن كعب والضَّحَّاك ووهب بن منبه وغيرهم)، ونجد مثل ذلك عند الفخر الرازي الذي تحدَّث عن وجود ألف ألف عالم استنباطا من كلمة (العالمين) في القرآن الكريم، بل وصرَّح بأنَّ دلائل الفلاسفة في إثبات أنَّ العالم واحد دلائل ضعيفةٌ ركيكة مبنية على مقدماتٍ واهية (3)!! ومثله ابن رشد الذي اعترف بأنَّ عالمنا هو أفضل العوالم الممكنة غير أنَّ الله لم يخلقه من أجل الإنسان فقط! إنَّ هذه القضايا يتم اجترارها إلى بيئتنا الإسلاميَّة وهي في حقيقتها إلزامات للاعتقادات الكنسية دون غيرها)! وبالنسبة إلى قضيَّةِ التَّطور فهي - أيضًا - منهج آلي ميكانيكي تم تطبيقه على الكائنات الحية، ولولا تدخل الفلسفة مرةً أخرى لما أسهمت هذه القضيَّة بشيء فيه تأييد للإلحاد!! فإنَّ نفي الخالق من خلال هذه النظرية محض خطأ، وهو دخول إلى عالم الفلسفة وابتعاد عن المنهج العلمي التجريبي، ولا أدل على مصداقية ذلك من النظر في موقف العالم ألفريد والاس الذي شارك تشارلز داروين في وضع نظريَّة التَّطور؛ فقد كان موقفه هو الإيمان بالانتخاب الطبيعي مع الإيمان بوجود الله في الوقت نفسه - بل إن داروين نفسه لم ينكر وجود الله في نظريته (0) - فالعلم 1 - يُنظر: الحاكم، المستدرك على الصحيحين، (2/ 535). وابن كثير، تفسير القرآن العظيم، (8 156 - 157). وابن أبي حاتم، تفسير القرآن العظيم، (10/ 3361). والبيهقي، الأسماء والصفات، ص (363). والذهبي، العلو، (1/ 591 - 593). 2 - يُنظر: ابن الوردي خريدة العجائب وفريدة الغرائب، (1/ 421).
- يُنظر: الرازي، مفاتيح الغيب، (1/ 14).
4 - هذا هو الطرح الكنسي العام للقضيَّة، ولا يمنع هذا من الإشارة إلى وجود لاهوتيين تبنوا فكرة العوالم المتعددة، فقد أشار اللاهوتي أورجين إلى أنَّ العوالم المتعددة دليل على الإبداع الإلهي، كما أشار اللاهوتي توماس تشالمرز في القرن التاسع عشر إلى فكرة وجود عوالم أخرى في الفضاء. (يُنظر: دافيد فيرجسون، حوار الإيمان ومنتقديه، ص 49 - 50). وما زال شبح القرون الوسطى جاثمًا على صدور الكثيرين من أبناء اللاهوت الكنسي، فقد أصدرت منظمة (جالوب (Gallup) الأمريكية في تسعينيات القرن المنصرم استطلاعًا للرأي رفَعَ الستار عن نسبة الذين ما زالوا يؤيدون طرح القرون الوسطى في قضيَّة (مركزية الأرض): فكانت النسبة في ألمانيا (16 ?). وفي أمريكا (18)). وفي بريطانيا (19)). وفي عام (2005 م) أصدرت جامعة نورث وسترن استطلاعا للرأي في القضيَّة عينها، أظهر أنَّ ما نسبته (20?) من الأمريكيين يؤمنون بمركزية الأرض.
ه - كتب داروين خلاصة ومراجعة في نهاية كتابه (أصل الأنواع) موضحًا فيها أنَّ نظريته لا تنفي وجود الخالق، ومما قاله هنالك: "ولا أرى أية أسباب وجيهة تجعل من الأفكار المتضمنة في هذا الكتاب ما يصدم الشُّعور الديني لأي إنسان، ولقد كتب إليَّ مؤلف ورجل من رجال الدين مشهور يقول أنه قد تعود بالتدريج أن ينظر إلى فكرة الألوهية على أساس بأنَّ الله قد خلق في الأصل عددًا قليلًا من الأشكال قادرة على النمو الذاتي والتحول إلى أشكال مطلوبة على أنها فكرة على درجة من النبل كفكرة الاعتقاد بأنَّ الله قد رجع إلى عملية خلق جديدة ليكمل الفراغات التي نتجت عن فعالية قوانينه. ويقول: "أما بالنسبة إلى تفكيري=
144 (1/144)
صفحة 145
المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أ
أوروبا
إذن؛ يُخبرنا عن الآليات والكيفيات، وهنا تقف صلاحياته وإمكاناته، ولئن كان الخلق المستقل يدلُّ على وجود الخالق فإنَّ الخلق عبر التَّطور لا يقل دلالةً على وجوده أيضًا!
وإذا جئنا إلى قانون علمي كالقانون الثَّاني للديناميكا الحرارية، والذي رسخ مفهوم العبثية والفوضى (الإنتروبيا)؛ لأنه يقضي بأنَّ الكون يسير بذاته نحو الفوضى والتبعثر والموت الحراري، فإنَّ هذا المفهوم في حقيقته لا علاقة تربطه تجريبيًّا بالقانون العلمي، فهو مجرد ربط فلسفي؛ أي خارج نطاق العلم التَّجريبي؛ بدليل أنَّ الفلسفة الدينية ترى أنَّ هذا القانون يقف في صفّها؛ إذ إنَّه يُؤذن بنهاية العالم كما قرَّرته الأديانُ في معتقداتها. وإذا كنا نرى الكون محافظا على اتزانه وتماسكه إلى اليوم فإنَّ ذلك يُوحي بالتدخُل الإلهي حسب رأي المستدلين بالقانون من المؤمنين، بينما يُوحي عند غير المؤمنين بوجود قوانين طبيعية غير معلومة بعد تقوم بحفظ توازن الكون وتماسكه وبهذا يتم مرَّةً أخرى تكرار الخطأ المنهجي في التعامل مع العلوم، فالملاحدة يتمسكون بـ (فجوات (العلم دون شعور منهم، وبعض المؤمنين يتمسكون بـ (إله الفجوات) دون
شعور منهم!
بعد هذه الجولة التي جابت أروقة أهم المنعرجات العلمية عبر التاريخ الحديث والتي خدمت النمط المادي الإلحادي وأمدَّته بالعُدَّة اللازمة التي يتدرّعُ بها - بغض الطرف عن كونها خدمةً حقيقيَّةً أم مجرد سراب بقيعة يحسبه الإلحادُ ماءً - نستطيع أن نقول بأنَّ المنهج الآلي الذي فجر نيوتن عيونه لم يكن سائعًا وخالصًا منذ بدايته، فهو منهج مشبوك الصلة بالفلسفة الديكارتية التي تسير وفق مسربة (عقلنة الإيمان وقضاياه ومن هنا كان التفريق ضروريا بين العلم وفلسفته بين العلم والعالم بين العالم والفيلسوف بين المنهج والنَّاهج ... إنَّه الخطأ المنهجي ذاته الذي حدث مع المنهج الميكانيكي الآلي، وهو الآن يُعاد تكراره وتدوير إنتاجه، وسوف ندور في الحلقة المفرغة ذاتها التي دُرنا فيها لقرون خلت، حتَّى إذا ما تقدم العلم ودشّن منهجًا ثالثًا جزنا الجدل من جديد إلى الحلقة المفرغة، وهكذا دواليك!!
= فإنَّ مذهب نشوء وانقراض الأحياء ... يرجع إلى أسباب ثانوية ليتفق أكثر مع ما نعرف من قوانين طبعها الخالق على المادة“. ويقول: "إنَّ هناك جمالا وجلالا في هذه النظرة عن الحياة بقواها العديدة التي نفخها الخالق لأوّل مرة في عدد قليل من الصور أو في صورة واحدة“. (يُنظر: تشارلز داروين، أصل الأنواع، ص 504، ص 509، ص 510).
145 (1/145)
صفحة 146
مناجزة الإلحاد
لقد كان العلم عاملا رئيسًا في التَّقدم الحضاري الأوروبي، لكنه لم يكن في حقيقته سببًا بل تم توجيهه فلسفيا ليكون كذلك، فما من كشف علمى إلا وكانت الفلسفة
للإلحاد
الطبيعية تميل به إلى صالحها كردة فعل على الفلسفة اللاهوتية التي كانت هي الأخرى تميل بالعلم لصالحها. إنَّ العلم ليس فعلا إراديا اختياريًا بخلاف الإيمان والإلحاد، فإذا قال العلم على سبيل المثال: "إنَّ مساحة المثلث تساوي نصف حاصل ضرب القاعدة في الارتفاع النَّازل على تلك القاعدة. فلا يستطيع أحد أن يقول: جاء الآن دوري لأقرر هل يحصل لدي علم بهذا أم لا يحصل؟! ". بينما الإيمان والإلحاد أفعال إراديَّة اختياريَّةً تنتقي من العلم ما يُؤيد توجهاتها.
1 - مصطفى ملكيان العقلانية والمعنوية، ص 69.
146 (1/146)
صفحة 147
المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا
ثانيا:
الطَّور الفلسفي
روجر بيكون
كان العلم والفلسفة كتوأمين سياميين؛ لا فرق بينهما عند الإطلاق، فهما يسعيان معا إلى فهم الكون وظواهره، فلا تعجب إن علمت بأنَّ أشهر كُتُب نيوتن (المبادئ الرياضية للفلسفة الطَّبيعيَّة) كان المقصود من مصطلح (الفلسفة الطَّبيعيَّة) فيه هو الفيزياء والكيمياء، وهو ما يدلُّ على أنَّ الفلسفة والعلم الطبيعي شقيقان ورديفان، ثم انفصل كلُّ واحدٍ منهما عن الآخر، فأصبح التَّجريب علمًا مستقلا يغترف مادته من مورد مختلف عن مورد الفلسفة، وبالرغم من هذه الجفوة فقد ظل البحث هذه الجفوة فقد ظل البحثُ الفلسفي محتفظًا بوجاهته؛ إذ قرر الفيلسوف روجر بيكون (Roger Bacon)) تحويل طريقة تناول العلم والمعرفة تحويلا جذريًا؛ وذلك بتطبيق الطرق الفنية الرياضية والتجريبية في دراسة الفلسفة واللاهوت (3). ودأب من بعده الفيلسوف فرانسيس بيكون (Francis Bacon)(3) على توجيه النقد إلى أرسطو وأتباع منهجه؛ بسبب مبالغتهم في التعويل على الاستنتاج المعرفي، كما أنه عد فرانسيس بيكون العلل الغائية والصوريَّة مُفسدةً للفلسفة الطَّبيعية، وقد رأى أنَّ الضرورة
تقتضي نبذ أي لاهوت طبيعي بوصفه جمعًا للأضداد ومزاوجةً زائفةً بين الطبيعة والإيمان، فاللاهوت مجاله الإيمان، والعلم مجاله الطبيعة، ويجب تحريره من شرنقة التصورات الدينية، وأنَّ اللاهوت والعلم سيزدهران ما بقيا على انفراد، وقد أوضح بيكون تصوره عن الإنسان كسيد للواقع ومهيمن على الطبيعة، وشكلت نظرته الأخيرة هذه منعطَفًا لمسيرة الفلسفة الأوروبية،
1 - فيلسوف إنجليزي (1220 - 1292 م) من أبرز مفكري العصور الوسطى، ورائد العلم التجريبي الحديث، نبغ منذ الصغر فتعلم الرياضيات والفلك والبصريات والكيمياء واللغات، كما اهتم بتعلم السحر والتنجيم، كان له اطلاع واسع على كتب أرسطو وشراحه، فأفاد من كتب ابن سينا والحسن بن الهيثم وابن رشد. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
2 - يُنظر: علي الجابري، فلسفة العلوم، ص (122). 3 - فيلسوف وعالم حقوق وأديب إنجليزي (1516 - 1626 م) كان ملتزما بتعاليم الكنيسة الأنغليكانية، وكانت مؤلفاته نتاج روح حرةٍ وفكر وقاد، ومنه كان الفصل بين المعرفة والإيمان الديني، وبين الكنيسة والدولة. (ينظر: الموسوعة العربية العالمية).
147 (1/147)
صفحة 148
مناجزة الإلحاد
وبهذا يكون فرانسيس بيكون قد نافح عن التَّجربة بعدّها المصدر الوحيد للمعرفة الصحيحة؛ ممَّا وجه العقلية الأوروبية إلى العلم التجريبي ورفض الافتراضات التقليدية، ومن ثُمَّ غدا البحث الميتافيزيقي لا يقدم أساسًا صحيحًا للبت في قضايا الوجود الإلهي، بل لا سبيل إلى هذه القضايا إلا الكتاب المقدَّس، أمَّا الدراسات الفلسفية للطَّبيعة فهي لا تساند أي استدلال على وجود الله أو عنايته (2).
أزمة شك مقلقة لبدت سماءَ أوروبا بعد التحولات في مجال العلوم الطبيعية، اكتشافات غير متوقعة على أصعدة مختلفة تبعثُ الحيرة من مرقدها، وسلسلة انهيارات للمؤسسات والتقاليد الثقافية، ومرجعيات خارجية لم تعد قابلة للثقة والائتمان وعدم يقين إبستمولوجي جرَّاءَ
رينيه ديكارت حشد الفلسفات القديمة وإحيائها حواس خادعة، وبنية طبيعية غير متناغمة بالضرورة مع عمليات العقل، ونسبيَّةُ الحقائق وهشاشتها ... لقد
عاشر الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (Descartes)(3) هذا المناخ وتلاقح معه، فانطلق من الشَّك كخطوة ضرورية لتمحيص كل شيءٍ بما في ذلك التقاليد الدينية، وذلَّلَ الطَّريقَ لمبدأ الاختلاف الذي سيؤول إلى الصدام لاحقًا بين عالمي الوحي والعلم، وعالمي الروح والمادة، فالقضايا الدينية برأيه ليست علميَّةً ولا فلسفية، وبهذا يكون ديكارت قد دشن العصور الحديثة
بفصل نهائي ومطلق بين الدين والعلم مستخلصًا بذلك النتيجة المترتبة عن الثورة الكوبرنيكية القاضية بحتمية الفصل بينهما، فلم يكن ديكارت يروم بحث الأمور الدينية عندما تطرق إلى البرهنة على وجود الله - كما يرى بعض الباحثين - بل سعى فقط إلى إقناع غير المؤمنين، والغرض الحقيقي من تأملاته كان هو البحث عن تأسيس العلم الحديث وليس شيئًا آخر، لكنه أسهم بتأكيده الثنائيَّة والقطبية بين المادة المفكرة والمادة الممتدة) في تحرير العالم المادي العقائد اللاهوتية التقليدية، وبيَّن أنَّ العالم الطبيعي مليء بالأدلة على وجود الله كنتيجة
1 - يُنظر: ستيوارت هامبشر، عصر العقل، ص (16 - 29). وحبيب الشاروني، فلسفة فرانسيس بيكون، ص (36 - 101). 2 - يُنظر: جيمس كولينز، الله في الفلسفة الحديثة، ص 141. - فيلسوف وعالم رياضي فرنسي (1596 - 1650 م) تأثر بشكل كبير بالإمام أبي حامد الغزالي، من أهم أعماله: (مقال في المنهج)، و (تأملات في الفلسفة الأولى)، و (مبادئ في الفلسفة). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
- يُراجع: مهدي فضل الله، فلسفة ديكارت ومنهجه، ص (118 - 129).
148 (1/148)
صفحة 149
المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أوروبا
جون لوك
استنبطها لاحقًا الفيلسوفُ جون لوك (Locke)، وبناءً عليه؛ دعت فلسفةُ لوك إلى إتاحة استخدام العقل المتحرّر لاكتشاف الحقائق، ونفت في الآن ذاته وجود أي افتقار إلى التنزيل أو الطقوس أو الصَّلوات، فليس ثُمَّة شيء في العقل يُرشد إلى معرفة لم تنبع من الحواس، فالمعارف لا بُدَّ أن تكون مستندةً إلى التَّجربة الحسيَّة، ولم يكن جون لوك يُؤمن بالأفكار أو المعارف الفطريّة الخالصة، فالإنسان يُولد بلا فطرةٍ، يُولد كصفحة بيضاء تقوم التَّجربة الحسيَّةُ بتحبيرها، ويظهر جليًّا أنَّ فلسفة جون لوك قد فَصَلَت بين العالم الطبيعي والإله المتمايز عنها، وعليه؛ فإنَّه سيُبحث عن هذا الإله من خلال العالم الطبيعي خلافا لما طرحه الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال من عقيدةٍ حلولية لا ترى جدوى من البحث عن الإله بمنظور العالم الطبيعي، فالإله مختبئ في الطبيعة وقد تقع إشكالية عقديَّةٌ كبرى إذا ما سار الاعتقاد خلافًا لفكرة الاختباء الإلهي باعتبار أن الحجج على الوجود الإلهي ستصبح ولن يكون للفلسفة أي حطّ فيها، وسيأتي زمان يطلب فيه المرء أن تكون حجج الوجود الإلهي كحجج وجود الأشياء الطبيعية سواء بسواء! لقد كانت هذه تحليلات باسكالية لمشكلة تنبأ بوقوعها، فقال: "لن أغفر لديكارت فعلته، فقد كان يسعى في كل فلسفته إلى أن يستغني عن الرب". “. أخذا في الحسبان أن فلسفة باسكال بعمومها لا تمنح العقل والحس أي جزء من مساحات الإيمان الشَّاسعة، فالإيمان عنده لا يكون إلا بالقلب أو بالركائز الفطرية فقط (2)، وقد سبقت هذه النظرات تاريخيًا بحركة العودة إلى الأفلاطونية التي أرجعت العجلة مرَّةً أُخرى إلى فكرة إمكان تحصيل المعرفة بأشياء سماوية، وأصبح يُنظر إلى العالم نظرةً مشابهةً للفيض
الأفلاطوني (3).
طبيعيةً
1 - فيلسوف إنجليزي (1632 - 1704 م) يُعدُّ كتابه (محاولة في الفهم البشري من أهم المؤلفات الفلسفية في التاريخ، واستغرق منه هذا الكتاب (18) عامًا، كان يعتبر نفسه مسيحيًّا صالحًا. (يُنظر: جورج طرابيشي، معجم ا الفلاسفة، ص 598 - 599). 2 - يُنظر: بليز باسكال، خواطر، ص 89 - 100). وفيما يخص موقف لوك من الأفكار الفطرية فيبدو أنه اعترف ضمنا بوجودها وإن كان قد صرح بإنكارها، وأسماها بـ (الأفكار التمثيلية)، وهي عبارة عن وجود نماذج لحقائق الأشياء في عقولنا تُقاس عليها أفكارنا، فيعرف خطؤها من صوابها. يُنظر: أحمد توفيق حجازي، الوعي الروحي، ص 295)
- للاطلاع المفصل: جمال سيد أحمد شلبي، دور الفلسفة في إرساء قواعد المنهج العلمي.
149 (1/149)
صفحة 150
مناجزة الإلحاد
إسبينوزا
ثم استلم شعلة الفلسفة باروخ إسبينوزا (Spinoza)، فبجانب اعتقاده بوحدة الوجود (2) وإنكاره العلو الإلهي والإرادة الإلهية فقد أجمع أمره أيضًا على (عقلنة) الدين وجهر بشكوكه وبنات صدره التي كانت تحوم حول كثير من أمور ديانته اليهودية، فأصدر الحاخامات حكمًا بطرده وحرمانه كنسيا، فكان ذلك كفيلا بتبنّي إسبينوزا فكرًا علمانيا شاملا لا يمتُ إلى الأديان بصلة (3). والمتأمل يرى تضاربًا بين العقلية التي سار عليها ديكارت وإسبينوزا والتجريبية التي انتهجها جون لوك، فالعقلية الديكارتية تعتقد بإمكان توصل العقل إلى الحقائق المعرفية، بينما تختزل التجريبية المعرفة في التَّجربة الحسيَّة وحدها أي إنَّ العقل في حال غياب التجربة الحسيَّة لا يستطيع التَّوصل إلى معرفة حقيقية، بل إنَّ معرفته في هذه الحالة ستكون معرفةً زائفة لقد انبثقت عن اكتشافات نيوتن العلمية ونظريات ديكارت وإسبينوزا الفلسفية رؤية لاهوتية على أيدي فلاسفة التنوير قامت على أساس التأليه الطبيعي، وعلى أساس (علمنة) الدين، ولما كان الدينُ هو لب هذه الفلسفة وجوهرها فقد جاءت بمفاهيم جديدة ضمنت للجميع حريَّة اكتشاف الحقائق بأنفسهم، وسعت إلى ترسيخ الإيمان بوجود الله بالبرهنة العلمية الطبيعية وباستخدام الجانب العقلي فقط، فهو السبيل الوحيد إلى الحقيقة، حتَّى قال أشهر رواد هذه الفلسفة وهو الفيلسوف الفرنسي فولتير (Voltaire) : " لو أنَّ الله غير موجود لوجب اختراعه“. علما بأنَّ فولتير قد سعى في فلسفته إلى التسليم بوجود الله ولكن بمعزل عن أي عقيدة موحى بها، ووفق منهجية (لاأدريَّة) فيما يتعلق بأي سؤال يتجاوز وجود الله (). ومن بعد ذلك وسع الفيلسوف
فولتير
1 - فيلسوف هولندي (1632 - 1677 م) من أسرة يهودية أندلسية، هاجرت بعد استيلاء الملوك الكاثوليكيين في سنة (1492 م) على غرناطة، وصدور مرسوم الملك فرديناند بطرد اليهود منها، درس إسبينوزا الرياضيات والطبيعيات وشيئًا من مبادئ الطب، ثم انتقل إلى دراسة كوبرنيكوس وغاليليو وكبلر؛ مما جعله يبتعد عن اليهودية. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
2 - يُنظر: راشد المبارك، شموخ الفلسفة، ص 115. - يُنظر: ستيوارتها مبشر عصر | العقل، ص (112 - 164).
4 - فرانسوا ماري أرويه، المعروف باسم فولتير، وهو اسمه المستعار (1694) - 1778 م) فيلسوف فرنسي عاش في عصر التنوير، تم تصنيفه ضمن الكتاب الهدامين، وصدر أمر باعتقاله بسبب مؤلفاته. (ينظر: جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة، ص 472). ه - يُنظر: جيمس كولينز الله في الفلسفة الحديثة، ص (210 - 213).
150 (1/150)
صفحة 151
المبحث الثالث: أطوار تخلُقِ الإلحاد في أوروبا
الفرنسي الألماني هو لباخ Holbach) الهوة بين الدين والعلم بعد أن أثقل الفلاسفة واللاهوتيون كاهلهما، فأكد هو لباخ فلسفة الحتمية المادية بوصفها الحقيقة الوحيدة القابلة للفهم، معلنًا عن عبثيَّة الإيمان الديني وسخفه في مواجهة التجربة، وأنَّ الدين وليد مخدومج لخيال الإنسان وجهله، فالجهل هو الذي يقود الإنسان إلى تفسير الظواهر غير المعلومة باستخدام الدين، وهذا يعني أنَّ الإيمان بالدين ليس فطريًّا بل هو نتاج عدم فهم الإنسان للطَّبيعة والمادة، والعلم بهذه الأمور على الحقيقة يقود إلى التضحية بالدين والقضاء عليه دون شفقة. لقد كان هو لباخ بالنسبة إلى فولتير بمثابة الخصم الحقيقي؛ لأنَّه كان يتباهى بكل عنجهية وغرور بأنَّه (العدو الشخصي للإله)، لدرجة أنَّ ديفيد هيوم تعجب من الدوغماتية الإلحادية التي كان يمارسها هولباخ؛ إذ وصل الأمر بهولباخ وجماعته إلى التصريح العلني بأنَّ
هولباخ
ديفيد هيوم
أدلة عدم وجود الله قويَّةً وواضحة بحيث لا يمكن الإيمان بوجود الله إلا في عقول المأفونين والجبناء). إنَّ كلَّ مَن استخدم عقله بحريَّةٍ سيقوده إلى الله حتما؛ لأنَّ الأدلة العلمية قد أكدت وجوده، فوجوده ضرورة علميَّةٌ لا فكاك عنها بهذا المنطق أسس كثير من فلاسفة التنوير موقفهم الإيماني، ولا شك في أنَّ مضاعفات هذه الفلسفة الدينية كانت خطيرةً على الإيمان، فقد بان عوارها لاحقًا وتكشفت عنها الحُجُب، فقضيَّة الإيمان غير خاضعة للمنهج التجريبي، ومن المجحف معاملتها بمناهج ليست من طبيعتها. عارَضَ الكثيرون هذه المنهجية الفلسفيَّة في التعامل مع قضايا الإيمان، لكن سرعة انتشارها طغت على الأصوات المعارضة، فأقدم الإسكتلندي ديفيد هيوم (David Hume)(3) على خطوة مفصلية أسقطت العقل - الذي هو مناط هذه الفلسفة الثيولوجية - عن عرشه المنيف الذي رفعه إليه فلاسفة التنوير، وقلبت مكانته رأسًا على عقب من الاعتبار والكمال إلى الاعتراف بالقصور والعجز عن الوصول إلى
1 - بول هنري هولباخ (1723) - (1789 م) فيلسوف وموسوعي ألماني - فرنسي، من أبرز فلاسفة المادية في القرن الثامن عشر، وأشد فلاسفة التنوير إنكارًا للدين وتهجما عليه. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). 2 - يُنظر: جيمس كولينز، الله في الفلسفة الحديثة، ص 318.
3 - مؤرخ واقتصادي (1711 - 1776 م) درس القانون والاقتصاد والفلسفة والأدب، نشر كتابه (رسالة في الطبيعة البشرية) عام (1739 م) ولم يلق مؤلفه هذا رواجًا وقبولا عند الناس، فتوجه إلى الكتابة في السياسة فذاع صيته، وعاد من جديد للفلسفة فكتب محاورات في الدين الطبيعي لم ينشرها في حياته تجنبًا للجدل. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
??? (1/151)
صفحة 152
مناجزة الإلحاد
الحقائق، ومن ثُمَّ التشكيك في مصداقية البراهين التي يقدمها المؤمنون بوجود الإله، مستبعدًا إمكان إقامة أي برهان عقلي يقوم على مبدأ العليَّة؛ لأنَّ هذا المبدأ نفسه مستنبط من العالم المتناهي، وهو غير ضروري؛ باعتبار أنه مجرد إحساس نفسي احتمالي لا يصل بنا إلى معارج اليقين.
إيمانويل كانت وإمعانا في نزعة الشك القاتلة التي لانت لها عريكة هيوم؛ أخيرًا ها هو يطرق - فوق ما سبق - بابَ الدَّعوة إلى تحريق كل الكُتُب عدا كتب
الرياضيات والعلوم التجريبيَّة كنتيجة حتميَّةٍ تمخضت عن منهجه السوفسطائي الجديد القديم. ثمَّ ركب الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت (Kant Immanuel)) متن المنهج الهيومي في عجز الاستدلال العقلي على إثبات الميتافيزيقا ووجود الله، فكتب عنه في نقد العقل المحض، وظل الرب متعاليا عند إيمانويل كانت وبعيدًا عن التَّناول المعرفي، إنَّه قابل للتفكير دون معرفته إلا عبر الرُّجوع إلى إحساس الإنسان الداخلي بالواجب الأخلاقي، فلا العقل ولا العالم التَّجريبي قادران على توفير دليل على أي حقيقة إلهيَّةٍ خلا الالتزام الأخلاقي المطلق (3)، ولا يخفى أنَّ هذه الضربة الكانتيَّة كانت من أقوى الضربات التي تعرّضت لها الميتافيزيقا على يد فيلسوف من الفلاسفة عبر التاريخ إنَّ عدم اكتشاف تُغرة في مثل هذه الفلسفة كفيل بإسقاط سقف الدين على رؤوس أتباعه، فردَّات الفعل المناوئة في كثير من الأحايين لا تكون متزنة ولا متوازنة، فتراها ترفع راية الصَّواب عاليًا بينما تنغمس أقدامها في رمال الخطأ)!!
جاء في هذا الجو الفلسفي المتلتك الفيلسوف الألماني هيجل (Hegel)(5) ليصب مزيدًا
1 - الحقائق بشكل عام، وليست الحقائق الدينية فحسب، فمع أنَّ هيوم كان حسيًّا تجريبيا فإنه بهذه الفلسفة قد شكك في نتائجه وحقائقه، فلوك قد أعطى العقل فسحةً لالتقاط المعارف بخلاف هيوم الذي كان موقفه من (السببيَّة) وتقليله من أمرها ضربًا من السفسطة الجورجياسية المشينة
2 - فيلسوف ألماني (1724 - 1804 م) مؤسس المثالية النقدية أو المتعالية، سيطرت فلسفته على القرن التاسع عشر برمته، وانقسمت إلى مرحلتين: مرحلة ما قبل (1770 م) وتُسمَّى (قبل النقديَّة)، وما بعد (1770 م) وتُسمَّى (النقديَّة)، وكلمة (نقديَّة) وضعها كانت نفسه؛ إذ وصف فلسفته الناضجة بأنَّها مثالية نقديَّةً تقوم على نقد الفلسفة العقلية. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). - يُراجع: إمانويل كانت نقد العقل المحض، ص (293) وما بعدها.
- كان في ظن إمانويل كانت أنَّه قد أنقذ الدين بفلسفته، هذه لكن ما حصل هو العكس؛ ولذلك حنق عليه رجال الدين في ألمانيا وأصبحوا يسمون كلابهم باسمه!!
ه - فيلسوف مثالي ألماني (1770 - 1831 م) ترك للفكر الإنساني كتبًا شغلت اهتمام الخاصة والعامة في الميادين المختلفة، نشر بعضها في حياته، وكان أولها كتاب الفرق بين منهجي فلسفة فيخته وشلنج)، وبعد وفاته قام تلامذته وأنصاره بجمع كتاباته الأخرى وطبعها في ثمانية عشر مجلدا. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
152 (1/152)
صفحة 153
المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أوروبا
هيجل
فويرباخ
من المازوت على النار، فقرّر أنَّ الدين هو واحد من تلك الموضوعات التي سيتركها النَّاسُ خلف ظهورهم مع مرور الوقت؛ بناءً على فلسفته التي يُمكن لنا أن نعتبرها حتميَّةً تقدُّميَّةً فكلما تقدَّم الفكر البشري ازداد ابتعادًا عن الدين (المقدمة)، فالإنسانُ سيرتقي تفكيره وسيبقي على الأصلح فقط؛ ومن ثُمَّ يترك ما سواه من الدين والتقاليد والموروثات (النتيجة). وقد كثر الحديثُ والجدلُ عن مكانة الدين عند هيجل، وهل أراد إلغاءه مطلقًا أم لا؟! ومع ذلك فإنَّ هيجل يقرر بأنَّ وجهة النظر الدينية تفشل في إماطة اللثام الذي يحجب طبيعة الألوهيَّة، وأنَّ هذا الدور منوط بالفلسفة وحدها، ولا يكف هيجل من التَّأمل في عبارة (موت الإله) مشيرًا إلى أنَّ الإيمان الفعال بالله قد أخذ بالتلاشي في العالم الغربي)، هذا بالرغم من أنَّ نيتشه كان يرى بأن فلسفة هيجل قد وقفت عائقًا وسدا منيعا في وجه الإلحاد، فكانت بذلك سببًا في تأخُر طلائِعه!! ثم تابع الفيلسوفُ لودفيغ فوير باخ (Feuerbach)(3) إلى حدٍ ما السير على خطى أستاذه هيجل، فأعلن بأنَّ (الله) مجرد فكرة بشريَّةٍ قام البشر بإسقاط صفاتهم الحميدة عليه؛ لذا وجَبَ التَّخلُّص منه كُليًّا!! وقد كان (الله) في نظر فوير باخ هو الفكرة الأولى، ثمَّ كان (العقل) فكرته الثَّانية، ثمَّ (الإنسان) أخيرًا، ومعنى ذلك كله هو أنَّ (الله) ليس سوى إسقاط لما على الإنسان من كيان. إنَّ العقل الديني الذي سيصل إلى ذروة الوعي الذاتي يجب أن يكون ملحدًا في نظر فوير باخ؛ لأنَّ وصول الإنسان إلى حقيقة الدين سيسفر مباشرةً عن وصوله إلى حقيقة الإنسان نفسه؛ وبالتالي استغنائه عن الإله؛ باعتباره - أي الإنسان - هو الإله الحقيقي والأوحد. ومن الجدير بالذكر أنَّ أطروحات فوير باخ قد مثلت الأساس الفلسفي والعلمي للإلحاد، فقد تأثر بها الكثيرون ممن جاؤوا من بعده، ككارل ماركس وفرويد ونيتشه، بل إنَّ بعض علماء اللاهوت الذين حاولوا إقحام أنفسهم في أتون التجديد والإصلاح تأثروا بها أيضًا، وبنوا عليها مسيرتهم في التجديد والإصلاح، فأسهموا في نهوض العلمانية في أوروبا. إنَّ التَّحليل الفلسفي لفوير باخ قد أدى إلى أنسنة (الله) باعتبار أنَّ
1 - يُراجع: فلسفة الدين مجموعة من المؤلفين، ص 105. 2 - يُنظر: جيمس كولينز، الله في الفلسفة الحديثة، ص 329.
- لودفيغ فوير باخ (1804 - 1872 م) فيلسوف وعالم اجتماع ألماني، اشتهر بنقد المسيحية والدين عامة، وبتأثيره الحاسم في التَّطور الفكري لماركس وأنجلز. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
153 (1/153)
صفحة 154
مناجزة الإلحاد
الإنسان هو الذي اخترع من صفاته وطاقاته وأبعاده ما يُشبهها على افتراض آخر هو (الله)، فالله عند فوير باخ ليس سوى انعكاس لصورة الإنسان، ومصدر الدين ليس إلا الشعور بالتَّبعية التي يكون مردها إلى الطبيعة)، لقد سعى فوير باخ إلى استئصال فكرة الله وإلى تضييق الخناق على الدين أوغست كونت وحصره داخل الإطار الإلحادي بعد أن كشف عن الطابع الوهمي للروح المطلقة التي نظر لها هيجل (2).
آرثر شوبنهاور
وهي
المرحلةُ
ثم أقدم الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت (Comte)(3) على تقسيم المراحل الفكرية التي مرَّت - وستمر - بها البشرية إلى ثلاثة أقسام، المرحلة الأولى: حيث تكون الآلهة هي العلل النهائية لجميع الظواهر، والمرحلة الثانية: حيث تحويل الآلهة إلى تجريدات ميتافيزيقية، والمرحلة الأخيرة: حيث يبتعد العقل عن كل الأمور الميتافيزيقية، وهذه المرحلة الأخيرة هي المرحلة التي تتقدَّمُ فيها العلوم التجريبية (الوضعية)، التي ستعيشها أوروبا والعالم، وتتبنى هذه الفلسفةُ منهجًا اختزاليًّا، فكل ما لا يمكن رصده لا وجودَ له ولا شكّ أنَّ نظرةً تقسيميَّةً كهذه أقرب ما تكون إلى الحتميَّةِ التَّاريخيَّة؛ تلك الحتمية التي لا تستطيع التجربة ذاتها أن تختبرها ولا أن تُبرهن عليها علميًّا، فهي ضرب من الكهانة وقراءة الفنجان إنَّ فلسفة أوغست كونت وقفت على صعيدٍ واحدٍ مع فلسفة فوير باخ، فكلتا الفلسفتين تطمحان إلى صناعة دين إنساني اجتماعي يخلو تمامًا من فكرة الإله، ويسقطها من جميع حساباته. وبمقدم الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور (Schopenhauer)(4) أصبح العقل العملي - الذي أبقاه إيمانويل كانت كبرهان وحيدٍ على الوجود الإلهي - مستكينا تحت رحمته، فبعد أن افترض بأنَّ مبدأ السبب الكافي لم يعد هنالك ما لأنَّه مبدأ لا يسري إلا على الموضوعات الحسية، حاول أن يسد الطريق أمام العقل العملي
1 - يُراجع: فوير باخ، أصل الدين، ص (41 - 43).
يبرر
الاعتقاد به؛
2 - يُنظر: جيمس كولينز، الله في الفلسفة الحديثة، ص (343 - 344). - فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي (1798 - 1857 م) سرعان ما أصبح من المؤسسين الأوائل لعلم الاجتماع الحديث، تأثر في فلسفته الاجتماعية بمن سبقه من فلاسفة القرن الثَّامن عشر، من أهم كُتُبه: (الفلسفة الوضعيَّة). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). 4 - فيلسوف التشاؤم (1788) - (1860 م) ولد في بولندا، درس الطب والفن والفلسفة، وقد حاز جائزة الجمعية الملكية للعلوم عن رسالته (حرية الإرادة من مؤلفاته: (العالم إرادة وامتثال)، و (نظرية الإبصار والألوان)، و (أساس الأخلاق). (يُنظر: الموسوعة
العربية العالمية).
154 (1/154)
صفحة 155
المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أوروبا
کارل مارکس
بالإشارة إلى أنَّه لا بُدَّ من إدراك أنَّ هذا العقل يخلو من أي مضمون متميز، وأنه يجب أن يخضع للحدود العامة التي يفرضها مبدأ السبب الكافي. وبهذا يكون شوبنهاور أول فيلسوف معتبر يُشهر سيف الإلحاد الصريح على العلن، ويكفي لإثبات هذا الأمر اعتراف نيتشه بأنَّ كتابات شوبنهاور هي التي شجعته على الإلحاد، وأنَّ ما أثار إعجابه هو الطريقة التي أخذ بها شوبنهاور خلو الوجود من الألوهيَّة؛ إذ رأى بأنَّها حقيقةً جليَّةٌ ملموسة لا تحتاج إلى دفاع مفصل في عصر العلم الوضعي. لقد كان التحليل الفوير باخي - المذكور سلفا - سديدًا ووجيها في نظر كارل ماركس Marx))، ولهذا لم يكن ماركس بحاجة إلى توصيف آخر للدين والإله؛ لأنَّ التوصيف الذي أدلى به فوير باخ بدا وكأنه مكتمل ونهائي، وأنَّ ما ينقصه فقط هو أن يُترجم على أرض الواقع، وعليه؛ فلن يكون الله وجود مطلقًا في تنظيرات ماركس وتطبيقاته، وهم الإطاحة بالرأسمالية - الذي كان يحلق فوق رأسه ولا يعزب عن باله طرفة عين - يرتبط ارتباطاً شرطيا بهم الإطاحة بالله والدين في الوقت ذاته؛ فالرأسمالية هي التي جعلت الدين سلوانًا وعزاء للناس الذين يصطلون بنار ظلمها ولهيب جورها، ومن هنا وُضع الدين نفسه على طاولة الاتهام، فهو أفيون الشعوب، ولا يُمكنه أبدًا أن يتنصل من قبضة هذه الحقيقة وفيما يخص موقف ماركس من براهين وجود نجده متأهبا لمهاجمتها، زاعمًا بأنها أدلة على عدم وجوده؛ لأنَّ التَّحليل يبين أنها ليست سوى إسقاطات وهمية لأفكار الإنسان عن نفسه (3). ثمَّ من بعد ماركس جاء نيتشه (Nietzsche)(4) ليطلق صرخةً مدوّيةً جابت أصداؤها أروقة أوروبا، فقد مات إله النصرانية فعلا، فلئن كان ماركس قد مهد لموت إلهِ النَّصرانية في المستقبل فإنَّ نيتشه قرّر موته في حاضره! إنَّ الرسالة الجوهرية للإلحاد الحديث عند نيتشه ليست في إثبات الاستحالة النظرية لوجود الله، بل في
1 - جيمس كولينز، الله في الفلسفة الحديثة، ص (364 - 365).
نيتشه
الله
2 - فيلسوف وسياسي واقتصادي ألماني (1818 - 1883 م) كان ماديًا بصورة عنيفة، رفض كل ماله صلة بالاهوت وكل ما هو فوق الحس، من أعماله: (بيان الحزب الشيوعي)، و (رأس المال)، و (مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
3 - جيمس كولينز، الله في الفلسفة الحديثة، ص 356. - فريدريش فلهلم نيتشه (1844 - 1900 م) أُطلق عليه اسم (القسيس الصغير)، أرادته أمه قسا كأبيه، لكنَّه عدل عن ذ ذلك بعد أن فقد إيمانه في الثامنة عشرة من عمره، تميزت فلسفته بنقد الدين والمبادئ الأخلاقيَّة والنَّفعيَّة. يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
??? (1/155)
صفحة 156
مناجزة الإلحاد
سارتر
إثبات أنَّ الاعتقاد بوجود الله غير جدير بتصديق الإنسان وتأييده. لقد كان الإله قبل وقت قريب لنيتشه مجرَّد مفهوم يُبرهن عليه عقليا وعلميا، وبعد ذلك قام النهج العقلاني العلمي - بطبيعته - بتهميش هذا المفهوم، فأمسى مفهوما فارغا أشبه ما يكون بالعدم، خصوصًا وأنَّ البديل لم يكن حاضرًا بعد، فأخذ نيتشه زمام المبادرة لاستحداث البديل واختراعه، فقرر أنَّ البشر هم الآلهة، وبنى على ذلك فلسفة (السوبرمان)، فالبشر هم الحقيقة الأسمى، وهم القانون الأسنى، ويُعدُّ تحقيرًا وتسفيها للحياة أن يُؤمن الفرد بوجود إله، لقد قتلنا نحن هذا الإله، ويجب أن نكون نحن فقط الآلهة، فالاعتقاد بالله في نظر نيتشه هو إعلان حرب على الحياة وعلى الطبيعة، ويبدو أنَّ نيتشه لم يكن مستعدًا لمراجعة موقفه هذا، فهو قد وهب نفسه لهذا التصور وأوصد من دونه أبواب تصحيح المسار وطمس لأجله كل خطوط الرَّجعة؛ ابتغاء لوجه (السوبرمان)، تلك الفكرة اللعينة التي تحكمت بمجامع قلبه، وأخذت بتلابيب مخيلته. هذه النتيجة النيتشوية هي التي مال إليها لاحقا جون بول سارتر (Sartre)(2) أحد الوجوه؛ فحتى لو كان الله موجودًا حقًّا والرغبة إليه متأصلة في الوجدان البشري فإنه سيظل مجرد فكرة لتفسير ما لا يُمكن تفسيره ليس أكثر! لقد زعم سارتر بأنَّ وجود الله يُعطّل وجودَ الإنسان؛ لذا فالأفضل ألا يكون الله وجود حتَّى يكون للإنسان وجود وسارتر مع اعترافه بأنه لا ينكر وجود الله إنكارًا مطلقًا فإنَّه يعتقد بأنَّ وجود الله كان مجديا في الماضي دون الحاضر، وأنَّ العيش بدونه هو أفضل على كل حال (3)، فليس من المهم أن ندحض براهين الله كما حاول ذلك الآخرون، المهم هو أن نعتقد بأنَّ الله غير موجود حتَّى يتسنى لنا تحقيق ذواتنا. إنَّ إسقاط مفهوم (الله) من رفوف التاريخ، أو طمسه من صفحات الماضي لم يكن الهم الشاغل لفكر سارتر، وإنَّما مجرَّد إزاحته عن تفكير الإنسان وإقصائه عن وجدانه فيه الكفاية. وفي سياق آخر نشط في فيينا - تحديدًا في العام (1922 م) - فوج من العلماء والفلاسفة الذين حاولوا الانتصار للفلسفة الوضعية المنطقيَّة، وأخذوا على عاتقهم تشطيب الموضوعات الماورائية ورميها في دائرة الغيبيات التي لا يُمكن التعبير عنها علميًّا ومنطقيا؛ لأنَّها خارج سياق
وجود
1 - يُنظر: جيمس كولينز، الله في الفلسفة الحديثة، ص 375. 2 - أديب وعلم الفلسفة الوجودية (1905) - 1980 م) من أبرز الشَّخصيَّات في الحياة الفكرية في القرن العشرين، قامت فلسفته على الحريَّة، إلا أنَّ الإنسان مسؤول عن كل أعماله، ولا شيء يخرج عن إرادته سوى الموت. ينظر: الموسوعة العربية العالمية). 3 - يُراجع: حبيب الشاروني، فلسفة جان بول سارتر. (1/156)
صفحة 157
المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في ا
أوروبا
(الزَّمكان)، ثمَّ كُتب لهذه الفلسفة أن تقبر ويُهال عليها التراب إلى أن أعاد الفيلسوف الإنجليزي ألفريد آير Alfred Ayer) بعثها ليعود الزعم من جديد بأنَّ إثبات أي افتراض أو نفيه مرهون بالعلم التجريبي وحده، مما يعني أنَّ كلَّ قضايا الإيمان لا معنى لها بحكم عدم إمكان نفيها أو إثباتها تجريبيا. وفي الدائرة ذاتها دار ألبير كامو (Camus)) بعدما رفع الستار ألفريد آير عن فلسفته العدمية القاضية بعدم وجود معنى جوهري لحياة الإنسان، وأنَّ الموت سيقضي عليها ويُنهيها إلى الأبد، وأنَّ فكرة (الله) فكرة لا معنى لها، بل يجب أن نبتعد عنها ونصبَّ جُلَّ اهتماماتنا على العالم وحده فقط، وأنَّ البشريَّة ستظلُّ على مدى الأزمان تصارع من أجل إزالة فكرة (الله) من وعيها دون جدوى، فالمهمَّة من أساسها عبثية عدميَّة! أنتجت هذه الفلسفات لاحقًا رؤيةً (أنتروبولوجيَّةً) تختصر كينونة الإنسان في جسده، هذه الرُّؤيةُ أفرزت الرَّغبة المُلحة في قطع الأواصر مع الدين؛ لأنها تُجرد الإنسان من إنسانيته ومن قيمه ومبادئه وتمسخُ فضائله وأحلامه، وتغتال مثله وأخلاقياته، فسقطت هذه الرؤية في الاختزال المفرِط والنظر الأخزر، ولم يُكتب لها أن تستوعب الإنسان بكماله وتعددِ أبعاده. لقد بدأ الدين في النطاق الفلسفي الحديث بالتَّحول تحت تأثير العقل العلمي بعد أن احتفظ بمكانته المرموقة، فثمة دعوات فلسفية تدفع نحو دين عقلي أو طبيعي، وما إن دقت ساعة تلبية هذه الدعوات حتَّى بدأ الدين العقلي أو الطبيعي هو الآخر بفقدان الزخم الفلسفي المؤيد له، فالحجج الفلسفية التي استند إليها فلاسفة الدين العقلي والطبيعي قد دحضت يقينيتُها على يد ديفيد هيوم وإمانويل كانت مشيرين إلى استحالة الاعتماد على المحاكمات العقليَّة للانتقال من المُحسَّات إلى ما هو فوقها، وهذه المساقات قد استأصلت
ألبير كامو
1 - فيلسوف إنجليزي (1910 - 1989 م) رأى أنَّ الميتافيزيقا لا يُمكن التأكد من حقيقتها من خلال التجربة، كما أنكر بدهية الأحكام المتعلقة بالماضي، وهو يُبدي تراجعاتٍ عن نتائجه الفلسفيَّة، من مؤلفاته: (اللغة والحقيقة والمنطق) و (أسس المعرفة التجريبية). (يُنظر، عبدالرحمن بدوي، الموسوعة الفلسفية، ص 9 - 10)، و (يُنظر: الموسوعة الفلسفية المختصرة، ص 92 - 93). 2 - أديب وفيلسوف فرنسي ولد في الجزائر (1913) - 1960 م) قسم أعماله إلى مجموعتين أسماهما (حلقة التمرد)، و (حلقة العبث)، فكان بذلك أوّل من أطلق تسمية (العبث) التي وَسَمَت توجها أدبيا وفلسفيا نال شهرةً كبيرةً في خمسينات القرن العشرين، فقد تمرد كامو على آلية الحياة، ورأى أن هذه هي الحقيقة التي يفترض أن يتصدى لها الإنسان، فلا أخلاقياته ولا جهوده تجدي أمام هذا العالم العبثي. (ينظر: الموسوعة العربية العالمية).
157 (1/157)
صفحة 158
مناجزة الإلحاد
أي أثر ديني من الفلسفة الحديثة، فاليقينيَّات الميتافيزيقية عن الله أصبحت زائفةً ومفتقرةً إلى
أساس متين للإثبات!
ثنائيَّاتٌ فلسفيَّةٌ مُتوهمة!!
لقد فتح باب الصدام الثنائي بين الإيمان والعقل منذ التَّحولات الفلسفية العقلانية التي شهدتها اليونان قديمًا، وامتد تأثير ذلك إلى أوروبا، وبدأت تباشير الهدوء والاستقرار تلوح في الأفق إبان ظهور توما الإكويني وسعيه نحو تشييد منهجيّةٍ مثالية تجمع بين العقل والإيمان وتخلو من تصدعات الصدام، فتبنّى اللَّاهوتُ الكنسي في القرن الثالث عشر ضرورة تفعيل هذه المنهجية وتطويعها لخدمته، فتقلص بذلك الاحتدام الحاد بين العقل والإيمان، وانعقد التصالح والإخاء بينهما إلى حين ظهور المستجدات العلميَّة الجديدة في القرنين السادس عشر والسابع عشر، فتكرّر انقضاضُ الصدام على التصالح، وعادت مياه الشقاق والتنافر إلى مجاريها بعد مما جعل التّضحية بأحد الطرفين لمصلحة طرفٍ ضربة لازب، فكان أنْ جُعِلَ الدين يبس، أضحيةً يُسفحُ دمُها قربانًا لغُرور العقل و جنوحه وجموجه، وسار العلماء وصناع القرار فيما بعد على دروب كالحة يُنعِص مساربَها الفصامُ النكد بين العقل والدين!
إنَّ هذه الثنائيَّات فى الحقيقة متمايزة ومنفصلة والجميع يُقر بذلك، إلا أنَّ هذا التمايز ليس صدامًا ولا استقطابا، بل هو تمايز نوعي عائد إلى اختلاف في الطبيعة الكينونية لكل قُطب من أقطابها، واختلاف طبائع الأشياء وتمايزها عن بعض لا يلزم منه التصادم والنزاع، فافتراض التصادم والنزاع مجرَّد تؤهم ارتدى رداء المنطق؛ فأوجد ضرورةً تلازميَّةً تُفضي إلى الصدام بين الأمرين
ومن
المتمايزين، ويبدو أن ديكارت قد أخفق حقًا في توضيح نوعية العلاقة بين هذه الثنائيات. هذا المنطلق الغالط في نوعيَّة العلاقة بين هذه التنائيَّات نتجت ثُنائيَّةٌ أخرى تمَّت تغذيتها بالصدام المفترض، إنَّها ثُنائيَّة الحلول أو التَّسامي المطلق، فالإله إما أن يكون متساميًا ومتعاليا على الإطلاق، وإما أن يكون حالا ومنصهرًا في الطَّبيعة، وكلا الأمرين يمهدان لمسارات إلحادية يتم رصفها وتعبيدها ومن ثمَّ السَّير عليها لاحقًا، فمؤدَّى هذا النوع من المنطق هو أنَّ الرب المتسامي والمتعالي لا لزوم له، فوجوده كعدمه؛ إذ ليس له من الأمر شيء ولا تدخُلَ له في الحياة وشؤونها. والربُّ المتَّحد بالطَّبيعة هو ربُّ مادي يجب تصوره وفق الأحوال التي يقررها واقع الطبيعة المتقلّب، وهذان المسلكان يؤديان إلى العلمنة المطلقة، والعلمنة ذاتها
158 (1/158)
صفحة 159
المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا
ستوجّه أصحاب فكرة التسامي - تدريجيا - إلى الإلحاد الصريح، وستوجّه أصحاب فكرة الحلول إلى الوجوديَّة، والعدمية، وتبادل الأدوار وارد كذلك!
لن يُغني الاتفاق العلمي التجريبي بين الأقران شيئًا عندما تدخل الفلسفة في المعمعة! فمثلا: التفسيرات الفلسفية لعالم الفلك الإنجليزي جيمس جينز مثالية أفلاطونية، بينما هي مثالية ذاتيَّةٌ عند عالم الفلك الإنجليزي آرثر أدنجتون، ونقديَّة كانتية عند ألبرت انيشتاين، ومادية ديالكتيكية عند برنال، على الرغم من أنَّهم جميعًا حصدوا جائزة نوبل في فروع العلوم الطبيعية المختلفة)، وفيهم المتدين والملحد ولا نستطيع - إلا في حدود معينة - أن نرفض العلم الذي أطبقوا عليه ببرهان من اللحظ والتَّجريب، بينما نملك خيارات لا حصر لها من الرفض أو القبول أو التعديل أو الإضافة فيما يخص تفسيراتهم الفلسفية التي بنوها على ما
توصلوا إليه علميًّا.
لقد أدَّت الفلسفة الدينية في العصر الأوروبي الوسيط إلى خلق هذه العلاقات الواهمة بين الثنائيات المتمايزة، فتم إشباع الجانب الرُّوحي وهُضم حقٌّ الجانب الجسدي، وسُلط الضوء على الإيمان فغطّى الظلام العقل، وقُدِمَ الدينُ على جميع المآدب ولم يترك للعلم إلا الفتات، فعاش الفكر الأوروبي هذا الواقع المفروض عليه، وما إن سنحت الفرصة لتغيير الواقع حتّى فرضت الأضداد نفسها بقوَّة، ولم يكن للتَّوازن والاعتدال أي حظ في التعامل مع الواقع الجديد. لم يكن هنالك بديل حقيقي يقوم مقام الإله عند من قرَّر الاستغناء عنه، وهذا المجال لا يمكن أن يكون شاغرًا، فلم يجد نيتشه سوى الإنسان ذاته ليكون إلها)، ومع توفر هذا البديل دقت نواقيس موت الإله، فالإله الذي مرَّ عبر تاريخ الفكر الأوروبي بمنعرجاتٍ خطيرة - أهمها اكتشاف التفسيرات الطَّبيعية للظواهر الكونية - أن له أن يُشيَّع ويُقبَر بعد أن أصبح كلُّ ما كان يُسند إليه يُسند إلى غيره، فما عاد التّسامي ناجحًا ولا الحلول ناجعا، وعلى الإنسان أن يكون قويا معتمدًا على نفسه فقط! وهذا يؤكد أنَّ الفلسفة الإلهية الأوروبية في تلك الفترة الحرجة لم تكن عند حُسن الظَّن، فقد كانت مملوءة بالتخاريف والسَّفاسف.
1 - يُراجع صلاح، قنصوه الدين والفكر والسياسة، ص 117. 2 - لم يبتدع نيتشه تأليه الإنسان بشكل مطلق، فالكنيسة كانت لها مفاهيم مغلوطةٌ عن الله، فهي من أعطت صورةً بشريَّةً عنه، ومن الطَّبيعي أنَّ العقل الناضج والواعي سوف يتّضح له - بعد أن عاش على مثل هذه المفاهيم المغلوطة - مدى تضارب هذه المفاهيم مع المعايير العلميَّة الصَّحيحة والعقليَّة الرَّاجحة، وربَّما تكون ردة فعله التصحيح والإصلاح أو الإنكار المباشر للمفهوم وما حواه!!
159 (1/159)
صفحة 160
مناجزة الإلحاد
إنَّ إشكالية العلاقات التصادمية بين الثنائيات التي تم تصورها على أساس من التضاد أو التناقض فرضت نفسها بقوة كجدلية ومتلازمة، فلك أن تكون في تلك الضفة أو في الضفة المقابلة لها ولا جسر يربط بينهما!! إما أن تُنكر وجود الله وإما أن تعترف بوجوده الذي لا تأثير له! فالطور الفلسفي الحديث ابتدأ بالمادية البيكونيَّة، ثم سار على خطى العقلانية الديكارتية، ثمَّ العلمانية الإسبنوزيَّة، ثمَّ السَّفسطة الهيومية، وكحصيلة لهذه التراكمات الفلسفية جاء الإلحاد والعدمية وما دار في فلكهما.
لقد فرضت العصور الأوروبية الوسطى نفسها بقوَّةٍ في عصر النهضة والحداثة، فما زالت تأثيراتها مترسبةً في الفكر الأوروبي ومتحكمةً ببعض خيوطه، ولم يفلح الفكر الأوروبي في استئصال الفكر الوسيط من جذوره، فالنزاع الذي عم أوروبا في نهايات العصر الوسيط بين العلم والدين والدين والدولة، والرُّوح والجسد، ما انفك ارتباطه عن المخيلة الأوروبية، والحقيقة المرَّة هي أنَّ أوروبا واصلت تقدُّمها الحضاري مرتكزةً على تلك النزاعات. ويمكن بالإجمال صياغة عدة عوامل رئيسة جنحت بالفلسفة الأوروبية إلى الشَّكِ الغامر، وكلها تعود في جذورها إلى نظرية المعرفة - ابتداءً بمصادرها وانتهاءً إلى أدواتها وقيمتها - وذلك على النحو الآتي: - الحط من قيمة الحس ومدى كاشفيته عن الواقع الموضوعي. - الحطّ من قيمة المعرفة عقب انتشار فلسفة النسبية المعرفية). - الاختزال المعرفي في الماديَّات فقط، وتفسير المعرفة تفسيرًا ماديًا. - قصور المفاهيم الفلسفية، وضعف التأسيس الفلسفي.
1 - يُنظر: جعفر السبحاني، نظرية المعرفة، ص (129 - 130).
160 (1/160)
صفحة 161
المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا
ثالثًا: الطَّورُ الثَّقَافِيُّ والاجتماعي
يعترف المؤرخون بوجود عدة عوامل قادت عجلةَ التَّقدُّم إلى الأمام بوتيرة أسرع من غيرها، وكان الاستكشاف الجغرافي من بينها، فقد اتَّسع أُفقه وسطع نجمه فشكل علامةً فارقةً في جبين التاريخ الأوروبي ترتبت عليها نتائج مذهلة ليس أقلها اكتشاف القارة الأمريكية). أسهمت هذه الاكتشافات الجغرافية في صُنع العديد من التَّطورات على الأصعدة المختلفة، وما يهمنا هنا هو الصعيد الثقافي والاجتماعي، فالتلاقح الذي حدث بين الثقافات المختلفة أسفر عن تقدم بعض العلوم التي كانت في آخر الرّكب كعلم الاجتماع وعلم وصف الشعوب (الإثنوغرافيا)؛ مما وسع المدارك وهيَّأها لاستقبال جديد الأفكار، فبعد أن كانت الموروثات التقليدية هي القبلة الثقافيَّة الوحيدة أخذت يدُ هذه الأفكار المكتسبة حديثًا معاول هلهلة تلك الموروثات، ومن ثم تنحيتها جانبًا، وأضحى الاستقلال الفكري سمةً بارزةً تكفلت بمساءلة الموروث ونقده وتقليبه ظهرًا لبطن، فالعالم المكتشف شاسع متنوع لافت للأنظار، فهل هو حقًّا عالم يسير وفق منهجية فكريَّةٍ عمياء؟!
لم يجد النَّاسُ إِجابةً شافية عن كل تلك التساؤلات التي ساورتهم، وأخذت ملامح فكرة ما يُسمى بـ (الأنتيبود/ Antipode) تغازل تفكيرهم؛ تلك الفكرةُ التي لاقت سابقا في العالمين اليوناني والروماني مؤيدين ومنكرين - كان شيشرون من مؤيديها وكان إبيقور وبلوتارك من منكريها - وعلى هذا تنقلت هذه الفكرةُ في منازل الزَّمان حتَّى وصلت إلى الكنيسة الأولى محتاجةً إلى حل يبلغ بها معارج اليقين ويبدو أنَّ موقف أوغسطين الرافض لفكرة وجود أناس آخرين على الطرف الآخر من العالم قد ضاعف من تشبث اللاهوتيين بهذا الاعتقاد، لكن قد حان موعد
1 - في الثقافة الأوروبية العامة يُزعم بأنَّ كريستوفر كولمبوس هو أوَّلُ رجل اكتشف قارة أمريكا، ونُحيل القارئ العزيز إلى الاطلاع علي کتاب هاينکه زودهوف بعنوان: (معذرةً كولومبوس لست أوّل من اكتشف أمريكا). وهناك الكثير من الدلائل التي تدلُّ على أنَّ العرب سبقوا كولومبوس بقرون، بل إنَّ كولومبوس أشار في مذكراته إلى أنه شاهد الناس يتحلقون هنالك حول رجل يُقال له: (أبو عبدالله)!!
2 - يُقصد بها البشر الذين يقطنون في الجهات المقابلة والمختلفة من الأرض.
161 (1/161)
صفحة 162
مناجزة الإلحاد
التكوص والارتداد عنه مع بزوغ فجر الاستكشافات فخسر اللاهوت الرهان وبدا للنَّاس أنَّ
الصدام بين الكشوفات الجديدة والدين سيميل إلى كفَّة الأولى دائمًا وفي كل الأحوال. ثمَّ أسهمت محاكم التفتيش في نشر ثقافة الاضطهاد، وما من مطَّلع على التاريخ الأوروبي إلا ويُدرِك هَوْلَ ما قامت به هذه المحاكم في حق كل من يُحال إليها، مهما كان اسمه أو دينه أو خطه الفكرى ما دام معدودًا فى قائمة المخالفين، المارقين، فقد مارس القائمون على هذه المحاكم من صنوف الإجرام ما لا سبيل إلى توصيفه من أنواع الحرق والتمثيل وجدع الأنوف وسمل العيون وقطع الألسن، بل ونبش القبور من أجل استخراج الموتى وتقطيع أجسادهم! وقد لاقى النَّاس من هذه المحاكم الألاقي مما تشيب له رؤوس الولدان!
وفي هذا الغمار البائس فإنَّ كبار رجال الدين الكنسي قد وجدوا ما يُبرّرون به همجية محاكم التفتيش! فنشأ الاستبداد الديني ككرة الثَّلج المتدحرجة من قَنَنٍ عالٍ، تبدأ صغيرةً كقبضة اليد وتنتهي ككرة ضخمةٍ عملاقة! يبتدئ هذا الاستبداد من المتصدرين للقول فيه وينتهي إلى رجل الشارع والعامي الغرير بل قد يصل هذا الاستبدادُ إلى مستوياتٍ عُليا من الخطورة تصل فيها قيادات الاستبداد الديني أنفسها إلى احتراب أحمر ومعارك دامية حامية الوطيس، كما حدث في الانشقاق المعروف بين رجال الدين في روما مما أدى إلى فقدان البابوية هيبتها واهتزاز ثقة المسيحيين بها، وقد أوصل هذا الاستبداد بعض كبار رجال الكهنوت إلى وضع مزرٍ من تكالب على الإثراء وجمع لحطام الدنيا وبعد تامّ عن حياة الزهد والتقشف والانهماك بحياة البذخ والترف والملذات، بل والانغماس في حمأة الفسوق والمجون والرذيلة، وكل هذا يتم - زورًا وبهتانا - باسم الإله، ويبلغ الأمر منتهاه عندما يصل هؤلاء إلى سدة السياسة، عندها لك أن تتصور ما قد يحدث من شتى أنواع التَّآمر والغدر والاغتيالات وشن الحروب الجائرة الظالمة من أجل أغراض دنيوية صرفة وحظوظ عاجلةٍ مُوَشَّاةٍ بِشيَةِ الدين، ملفّعة بجلباب القداسة! وقد بلغت مساوئ رجال الكهنوت حدا بالغا الغاية في الفظاعة، فقامت الحروب الطاحنة في القرنين
السادس عشر والسابع عشر، وقامت الثَّورة الدينية التي انقسم على أثرها المجتمع المسيحي. وقد رفَدَ هذا الاستبدادَ البغيض روافدُ متعدّدة شكلت الصُّورة الكلية له، ومن بين هذه الروافد مهزلة صكوك الغفران وتحريم زواج رجال الدين والراهبات، وتشريع الرهبنة
162 (1/162)
صفحة 163
المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا
والدعوة إليها، واحتكار تفسير الإنجيل للبابا، وحده وهو ما مهد لقيام حركة مارتن لوثر وصدام اللوثريين بالبابويه موضحًا أنَّ الله وحده هو من يغفر الذنوب، وأنَّ القانون الذي يجب الاعتماد عليه في تفسير جميع المسائل الدينية هو الكتاب المقدس وحده بعيدا عن ضغط أقوال البابوات وتحكماتهم.
لذا كانت مقاومة مثل هذا الوضع الكالح مطلبًا مُلِحًا، فثار النَّاسُ وكَتَب المفكرون والنقاد، وعمت النقمة والسخط الجموع الثَّائرة، وشكَّل هذا الاستبداد الكهنوتي المتجلبب بجلباب الطَّهر والنقاء وقيم الوحي السماوي بدايةً لنقمة شاملة طالت الدين من حيث أصل وضعه، بل شملت فكرة الوجود الإلهي وانبثق عنها الإلحاد والملحدون وحركاتهم المتعددة! وعليه؛ فإنَّ الاستبداد بأشكاله المختلفة يُمثل بيئةً خصبةً ودافعًا محفزًا لرفض الواقع المعاش وابتداع واقع مغاير له سياسيا واقتصاديًا ودينيا.
لقد أسجلت حركات الإصلاح الديني الزيت على النار، ودقت المسامير الأخيرة في نعش المنظومة الكنسية المتسلطة، فقد كان القرن الحادي عشر شاهدًا على انفصال الكنيسة الشَّرقيَّة الأرثوذكسية، لكنَّ هذا الانفصال لم يكن في المستوى نفسه من حيث النتائج المترتبة عليه مقارنةً بالإصلاح الديني الذي أخذ طابع الثَّورية بقيادة مارتن لوثر، وكذا انفصال
من
هنري الثامن
الكنيسة في إنجلترا واستقلالها عن السلطة الباباوية بعد ظهور ما يُعرف بـ (مصلحي أكسفورد) الذين اكتشفوا مثالب الكنيسة وعوارها وطالبوا بالإصلاح، بل ومما زاد حدة التأزم بين الكنيسة والدولة هو ذاك الخلافُ الذي أطل برأسه على إنجلترا بين الملك هنري الثامن (Henry VIII)) وبابا الكنيسة على هامش قضيَّة الطلاق الذي لم يكن مسموحًا به إلا بإذن البابا، والذي بدوره رفض تنفيذ رغبة الملك في ذلك، فحذا الملك. الثَّامن حذو الأمراء الألمان الذين نبذوا سُلطة الكنيسة في روما، واتخذ قرار الانفصال. كذلك تهاوت مكانة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية بعد أن قصم ظهرها انتشارُ الفكر البروتستانتي المناوئ لها
هنري
1 - يُنظر: تاريخ أوروبا، شوقي الجمل، وعبدالله عبدالرزاق، ص (43 - 51)، وجفري براون، تاريخ أوروبا الحديث، ص (184 - 119)، وعبدالعزيز نوار ومحمود محمد، الدين التاريخ الأوروبي الحديث، ص (117 - 118)، وغوستاف لوبون، روح الثورات، ص (32 - 37). 2 - هنري الثَّامن (1491 - 1547 م) ملك إنجلترا، بل وأقوى ملوكها؛ إذ عمل على حل ملكيَّات الأديرة، ووحد إنجلترا وويلز، وقد نوه بأنَّ قضيَّة الطلاق ليست السبب الأوحد في اتخاذه قرار الانفصال عن الكنيسة. (ينظر: الموسوعة العربية العالمية).
163 (1/163)
صفحة 164
مناجزة الإلحاد
بزعامة مارتن لوثر ثمَّ تلاحقت حركات الإصلاح حركة تلو حركة فغطت الأنحاء الأوروبية). حقا لقد دقت حركات الإصلاح الديني كفَّ الكنيسة بمطرقة عزمها وكفاحها حتى تراحت معاقدُ أصابعها المُتسلطة، وأصبح النقد الديني متحررًا من القيود والأغلال، فتفتقت وجهات النظر
المختلفة والمعارضة من كل الجهات، ولم يكن للأمر من خطامٍ ولا لجام، فأضحى الحالُ إفراط وتفريط! وإنَّه مما شكل منعرجا خطيرًا في التَّحول الإصلاحي هو ذلك العجز الثام عن مواجهة مِحَنِ الوجود البشري، فالإصلاحيون كمارتن لوثر وجان كالفن لم يُسهموا بشيء في ذلك؛ مما جعل جميع الإصلاحيين من بعدهم يؤكدون سُلطة الله العليا المهيمنة غير المشروطة؛ أي إنَّ البشر عاجزون جوهريا وليس في وسعهم تغيير الأوضاع فحينما حلَّ الطاعون وقضى على (25 ?) من سكان زيورخ رُفعت راية الاستسلام وكأنَّ التَّواكل هو المراد الإلهي!
إنَّ الإصلاح الديني لم يكن ثورةً ضد الدين وإنَّما ثورة ضد رجاله - إذ كان كثير من الدافعين له والداعين إليه رجال دين - وقد ردَّت ثورة الإصلاح هذه لضمير الفرد حقه في مواجهة ما لا يرتضيه من عقائد كنسية قيدته طوال قرون مديدة، وأذاقته من علقم الظلم وحنقل الطغيان، فبدأها لوثر بعد أن علق زهاء (95) احتجاجًا على باب كاتدرائية ويتمبرج) في عام (1517 م)، وتوالت الثورات على الملوك وسلطاتهم الكنسية التي كانت تأمر الناس بطاعة هؤلاء الملوك بناءً على تعاليم الكتاب المقدس! فقامت الثورة الفرنسيَّة (1789 م)، تلتها الثورة الإسبانية (1823 م) ثمَّ الثَّورة البولندية (1830 م)، وبعدها الثَّورة الإيطالية (1848 م) التي تزامنت مع الثَّورة الألمانية، وقد نتج عنها جميعًا استفاقة نزعة الشَّك من سُباتها بشكل هستيري ومُقلق، وميل النَّاس إلى استقباح الدين والعقيدة والكتاب المقدَّس والرَّب بعد أن راح ضحية الإصلاح الديني عشراتُ الألوف من الأبرياء، وكان من بقي على وئام مع الدين على الطرف الآخر يُسارع إلى تجديد المنهج الذي يُمايز بين العقل والإيمان (2)، فلا سبيل للعقل إلا من معرفة تنتمي إلى عالمه الطبيعي، ولما كان الكتاب المقدَّس يأمر هؤلاء النَّاس بطاعة الملوك الظالمين فإنَّ أجواء الثورة هيأت الاصطدام مع الدين وكتابه المقدس، فلا بُدَّ من نقدهما وبيان ما فيهما من مثالب بها وُضعت الشُّعوب على السَّفود، وذاقت الويلات والمرائر.
1 - لمزيد تفصيل؛ يُنظر: كوينتن سكنر، أسس الفكر السياسي الحديث، 2/ 39 - 42).
2 - وردة الفعل ذاتها حدثت بعد سقوط القسطنطينية على يد محمد) الفاتح، فقد شكل سقوطها دافعًا قويًّا أَلَّب مشاعر النَّاس ضدَّ
الدين الضعيف الذي لم يحمهم!!
164 (1/164)
صفحة 165
التي
المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا
ما من شكّ بأنَّ التَّقدَّمَ العلمي واللُّغويَّ أدَّى إلى اكتشاف عمليات التحريف والتبديل لحقت بمتون الأناجيل، وفي الآن ذاته نجد أنَّ الإصلاحيين قد تشدَّدوا في مرجعيتهم إلى كتابهم المقدَّس لمعرفة الكون وأسرار خلق الله، وهُم بهذه الطريقة المزدوجة جعلوا العقل متوترًا مشدودًا مشدوها، فالعلوم تجلت عن أمور لا تتطابق مع حرفية الكتاب المقدس، ولا بد من الحفاظ على الدين والعلم بحيث لا يترك أحدهما لصالح بقاء الآخر، فالمقايضة صعبةً ومكلفة، إلا أنَّ العلم - مع ذلك - ربح الرهان لاحقًا، وهنا علينا أن ننتبه - كذلك - إلى مبادرة الإصلاحيين بنقل السلطة من الكنيسة إلى الدولة وما أدت إليه من ترسيخ مبادئ العلمانية، وهذا عامل مهم يجب أن لا تُعْفِلَه.
ثمَّ تلقَّفَ مشعل الحركة الإنسانيَّة العارمة التي انبثقت من إيطاليا عدد من كبار العلماء والأدباء والمفكرين في كثير من الدول الأوروبية، من أمثال رابليه (Rabelais) في فرنسا الذي ألف كتابين هاجم فيهما الرهبان وعلماء اللاهوت وكتابًا ثالثًا مجدَّ فيه سلطان العقل ومنهج الشك، وكتابًا رابعًا ندد فيه بالمؤسسات الدينية والسلطة الباباوية، كما أقدم العالم الهولندي إرازموس (Erasmus) (2) على تبيين مثالب الرهبنة ومقابحها، وأدار هجومًا ساخرًا على مفاسد الكنيسة الرومانية، وحتَّ على تحرير العقول من الخزعبلات والجهالات. وبعد أن عاشت أوروبا فترةً يُمكن تسميتها بالأميَّة الجامعية - إذ سادتها نظرة ثقافية واحدة تنهل
رابليه
من معين واحد، فعلى اختلاف المناطق الأوروبية وتباينها فإنَّها كانت تنطق بلغةٍ واحدةٍ هي اللاتينية؛ ولذا فإنَّ الطلاب الذي يتنقلون من إراز موس مكان لآخر لا يشعرون بالاغتراب - جاءت هذه الحركة الإنسانية لتدق ناقوس الخطر على الفكر الديني التَّقليدي؛ لأنَّها حركة تدعو إلى دراسة الموروثات دراسةً نقديَّةً مباشرة، نتج عنها تحول في المراكز، وأصبح الاهتمام منصبا على الإنسان دون الإله،
1 - فرانسو رابليه (1494 - 1553 م) كاتب وروائي وأحد أعلام الحركة الإنسانية في فرنسا. ينظر: الموسوعة العربية العالمية). - إرازموس ديزيدريوس (1469 - 1536 م) مصلح ديني هولندي، وجد أخطاء في نسخة الإنجيل المتداولة، فنشر النسخة الإغريقية الأصلية، وكان من رأيه أن يأخذ النَّاسُ بجوهر الدين لا بظواهره، وقد عارضه مارتن لوثر. (يُنظر: الموسوعة العربية الميسرة، 1/ 213).
170 (1/165)
صفحة 166
مناجزة الإلحاد
لوارينزو فالا
وقد دشن الإيطالي لورينزو فالا (Valla) منهج دراسة النظم الدينية دراسة انتقادية، وبغض النظر عن الباعث على ذلك فإنَّ النَّزعة الإنسانية أدت إلى زعزعة الفكر الديني؛ لأنَّ النَّقد بطبيعته يمرُّ عبر بوابة التشكيك المنهجي، ويستند إلى الحرية الفكرية والتي كانت مُفصَّلةً على المقاسات اللاهوتية فقط. تشكلت إذن؛ الثَّقافةُ الأوروبية على أنقاض التَّمرُّدِ على الكنيسة والمرجعيات التقليدية بالرغم من أنَّها خرجت من رحمها وتشبثت بخيوط ماضيها، إنَّها ثقافةٌ طفيليَّةٌ بشأن طبيعة الكون، مطمئنة بأحكامها الخاصة، مشكّكة في الأصول الدينية ومتمردة عليها، متبجحة بقدرتها على الطبيعة والتَّحكُم فيها، وبالإجمال هي أقل تعويلًا على افتراض وجود
فهم
الإله؛ لأنها ترى في العِلم التَّجريبي وحده الملاذ والخلاص! لقد أصبحت دنيس ديدرو زاوية الميل إلى ثقافة الشك والمادية عند مفكري التنوير أكثر حدة، فقد سلط الفيلسوف الفرنسي دنيس ديدرو (Denis Diderot)(2) - رئيس
تحرير الموسوعة الفرنسية - الضوء على التَّحوُّلِ التَّدريجي للتأمل الإنساني من الإيمان إلى الربوبية، ومنها إلى الشَّك ثمَّ الماديَّة الصَّبابيَّة. وقد أدَّت هذه الثقافة التي تُوصَف بالتنويرية والعقلانية الصاعدة إلى دق طبول موت الدين التقليدي، فالرَّب من صنع الإنسان واختراعاته، والحاجة إليه قد تضاءلت مع الإنسان الحديث ونضوجه العلمي، ويقرر ديدرو بأنَّ المعرفة العلمية الطبيعية هي المعيار الأوحد للمعرفة الصَّحيحة؛ وبالتّالي ستصبح فكرة (الإله) عقيمة الجدوى؛ لأنَّها لا تخضع لهذا المعيار، وعليه؛ فيجب تنحيتها كليا من ميادين المعرفة (3). لقد جاءت الصيغة الختامية للثقافة الأوروبية الحديثة بنكهة ربوبية معادية للاهوت، وبثوب مطرز بالشك والتَّمرُّد، وبصيغة تجريبيَّة (لا أدريَّة)، وحتميَّةٍ ماديَّة، وصوفية طبيعية عاطفية، فقد سادَ أوروبا المنهج الربوبي في القرن الثَّامن عشر، ولا يخفى على الحصيف أنَّ الربوبية خطوة إلى الأمام في مساقات الإلحاد، فهي لا ترى في الإله سوى التّسامي المطلق والتقاعدِ والانطواء بعد عملية الخلق، وهذه الرُّؤية تقود تلقائيًّا إلى التخلي عن مثل هذا الإله، ثمَّ إنكار وجوده في
1 - كاتب وأديب إيطالي (1407 - 1457 م) كان كتابه عن اللغة اللاتينية أشهر أعماله؛ فقد طبع أكثر من ستين مرة في أعوام يسيرة. 2 - دنيس ديدرو (1713 - 1784 م) من أهم فلاسفة ما يُسمى بعصر التنوير، تأثر بهوبز وإسبينوزا، واهتم بالتطورات العلمية التي شهدها عصره، وبنى عليها نظرته المادية في الحياة، فاعتمد مبدأ الشَّك كقاعدة في عمله. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). - يُنظر: جيمس كولينز، الله في الفلسفة الحديثة، ص (221 - 222).
177 (1/166)
صفحة 167
المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا
مراحل لاحقة، ولما كانت الربوبيَّةُ مكتفيةً بالجانب النظري فقط غير آبهةٍ لطقوس أو شعائر دينيَّةٍ معينةٍ فإنَّ نهجها هذا سيؤول إلى فقدان الإيمان واضمحلاله؛ إذ يُؤكد علماء الاجتماع بأنَّ الإيمان لا تستمر دقات قلبه في حياة النَّاس بالجانب النظري وحده، بل يجب أن يترافق معه الجانب العملي التَّعبدي.
كانت الثقافة الدينية في أوروبا تدعو إلى الزهد المتطرف والتقشف الجنسي غير الصحي، هذه الثقافة تم اعتبارها بعد ذلك مرضًا نفسيَّا، فإصرار الكنيسة على نكران عضوية الإنسان الطبيعية وركيزته الوجودية أنتج ردَّة فعل ساخطةٍ ومُندّدةٍ بالتَّقاليد الدينية التي بدت وكأنها تُقيّد الإنسان بنحو غير صحي؛ لذا وجب دحرُها وإحلال الثقافة الطبيعية محلَّها كردة فعل مُجحفةٍ
وغير متزنة!
إنَّ العصور الوسطى كانت عهدًا لسيادة الإقطاع في شتى جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية والفكرية، حيث بدأ - ولأسباب يطول ذكرها - مالكو الأراضي المتنفّذون بالتوسع على حساب الأراضي الفلاحية التي تدهورت أوضاع أصحابها بسبب الحروب والضرائب الضخمة؛ ليتحولوا عن أراضيهم تلك ويصبحوا - بعد ذلك - عُمَّالًا في أراضي الإقطاعيين، تلتها مرحلة أخرى ارتبط فيها الفلاح المغلوب على أمره بالأرض التي يعمل فيها ليتحوّل إلى قن (عبد)، وقد بلغ الإقطاع أوجه في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين في أكثر دول أوروبا الغربية.
ومن جملة ما سَلَفَ يمكننا القول بأنَّ الإقطاعيين أصبحوا يُشكلون - بإقطاعياتهم - - دولًا صغيرةً داخلَ الدَّولة الكبيرة فكان السَّيد الإقطاعي يتمتَّع بالصَّلاحيات القضائية والسياسية، فهو يملك محاكمة الفلاحين العاملين في أرضه، ويملك حقَّ العفو عنهم أو إعدامهم، وهو بدوره تابع لإقطاعي أكبر في سلسلة متصلة حتّى تصل إلى الملك ذاته الإقطاعي الأكبر) وهذا الوضع المقرف كان سائدا في ممتلكات الكنيسة أيضًا، فقد كانت الكنيسة تمتلك مساحاتٍ شاسعة من الأراضي الإقطاعية).
كل هذا الجور الاقتصادي الممتزج بالفساد الكهنوتي والاستبداد السياسي كان الشرارة المفجرة لموجات عارمة من الشخط والرغبة في الانعتاق إلى أُفق جديد يقطع الصلة بالماضي الأسود الكالح؛ ممَّا مهد لتصحيح اقتصادي وسياسي - أو هكذا بدا - وإبعاد الدين عن واقع
1 - يُنظر: جفري براون، تاريخ أوروبا الحديث، ص (123 - 129).
167 (1/167)
صفحة 168
مناجزة الإلحاد
الحياة، بل والثَّورة عليه ومناهضته في أحيان كثيرة؛ مما فتح الباب أمام طارقة الإلحاد. لم تعد إذن الثَّقافة الدينية ناجعة، فانتشار الفقرُ يُفسَّر على أنه تدبير وقضاء إلهي دون أن تُؤخَذ أسباب العلاج الطبيعية على محمل الجد! لذا؛ كثرت الدَّعوات الرامية إلى إهمال الفقراء وتركهم فريسةً
توماس مالثوس المخالب المجتمع، وأنيابه، فالقسيس الإنجليزي توماس مالثوس (Thomas Malthus)) هو من وضع ما يُسمَّى بقانون (الفقراء اللاإنساني) المجرم بحق
الإنسانية، فحيث إنَّ عدد السكان يتزايد بمتوالية هندسية (2) - 4 - 8 - 16 - 32) وإنتاج الغذاء (2) يتزايد بمتوالية رياضية (2 - 4 - 6 - 8 - 10) ساعتئذ لا يستحق البقاء إلا من هم أقدر على الإنتاج فقط، أما الآخرون فإلى جحيم الفقر والعدم وبئس المصير!! لقد أضحت طبيعة الدين السائد لا تتناسب مع الثقافة الجديدة التي نقلت الإنسان نقلة نوعية، فالإنسان الحديث نجح في استخدام ذكائه الطبيعي ودون الحاجة إلى الرَّب والوحي في فهم الكثير من ألغاز الطبيعة وفي أغوارها، وكان لا بدَّ لهذا الشُّعور المتبجح والمنتشي بكبريائه أن يدفعه نحو الاحتفاظ بهذا النَّهج، فالخطة الناجحة لا يُعدل عنها إلى غيرها إلا بعد نشوب مخالب الفشل في أحشائها. وإِنَّ مِمَّا سجله التَّاريخُ الأوروبي تلك الحالة الاقتصادية التي حددت إيمان الكثيرين كما حددت إلحادهم!! نعم؛ إيمان وإلحاد حسب الظروف الاقتصادية!! فبعد هزيمة (واترلو) الشَّهيرة لاذ الفقراء إلى الإيمان بالله، بينما لاذ الأغنياء إلى الكفر والإلحاد، وبحكم سطوة الأغنياء أصبح من المتعذّر الإيمان بوجود إله يُهيمن على شؤون العالم!!
سبر
وأمَّا الشَّقُ الاجتماعي فقد شهد هو الآخر طفرةً نوعيَّةً إبان ظهور مكيافيلي (Machiavelli)(3) بحكم الفكر النقدي الذي كان يتبناه، متَّخذا من الشَّك والتَّهكُم مذهبًا له، وقد طالت أصابع مذهبه الرهبان ورجال الكنيسة، فقد كان يسخرُ منهم ويحتقرهم ويتهمهم بالرياء والمداهنة والخداع، كما اتّهم الأخلاق المسيحيَّة بأنها أضعفت الفضائل القوية، وكان من منهجه أن يبتعد
1 - مفكر وعالم اقتصاد بريطاني مشهور (1766 - 1834 م) كان له أثر كبير في تطور الدراسات السكانية حتَّى أصبح واحدًا من مشاهير علم الشكان، وقد أدَّت الظروف الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي عاش فيها دورًا كبيرًا في تحديد طبيعة منهجه وطريقة تفكيره وأطروحاته حول علاقة السُّكان بالاقتصاد. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
2 - يُنظر: ول ديورانت، قصة الفلسفة، ص 236.
3 - منظر سياسي ورجل دولة وكاتب مسرحي إيطالي (1469 - 1527 م)، اشتهر عالميا بكتابه (الأمير). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
168 (1/168)
صفحة 169
المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أوروبا
مكيافيلي
بناء الدولة عن كل ما له علاقة بالسَّماء، كذلك أنكر مكيافيلي تدخل الله في شؤون الحياة اليومية، وهذا ما مهد الطَّريقَ للعلمانية والتحرر من القبضة الفولاذية للكنيسة على النواحي الاجتماعية والسياسية. لقد حدثت تحولات جذريَّةٌ في أنظمة الحكم والسياسة والاقتصاد اتجهت جميعها إلى المادية والعلمانية والاشتراكية والرأسمالية والديمقراطية والليبرالية ونحوها، ويُمكن جمعها في بوتقة تراكمات التنوير وما تفتق عنها، وكلها أسهمت في تكوين الفكر الأوروبي الحديث والذي انتشر هو الآخر في معظم أصقاع العالم. وهنا ينبغي التنويه بالربط الشرطي الذي حصل بين الثَّورة الفرنسية والإلحاد؛ إذ إنَّ الرَّمزيَّة بين الأهداف السَّامية للثَّورة والتي تمثلت في الحريَّة والإخاء والمساواة من جهة، والتمرد على الكنيسة من جهة أخرى كان لها دور كبير في الربط بين هذه الأهداف السامية والإلحاد في الذهنية الأوروبيَّة، فأصبح الإلحاد مقترنا بها اقترانًا شرطيًّا في مُختلة الكثيرين من أبناء تلك الحقبة، لتتوارثه الأجيال من بعدهم!
(1)
وبعد ذلك انتفض الفكرُ الشيوعي في أوروبا على حساب الدين الكنسي وبتأييد من رجاله فقد عقدت الشيوعيَّةُ مؤتمرًا حضره قرابة (4000) كاهن مثلوا جميع المذاهب المسيحية، واختاروا ستالين (Stalin) رئيسا فخريا له، واتفقوا على أنَّ المسيحيّة والشيوعيَّة متوائمتان، وما لبث الأمرُ على حاله حتَّى أُقيمت محاسبات ثوريَّةٌ لتقديم الإله للمحاكمة وإطلاق رصاصة الموت عليه ومعه أُصدِر ضمنيا الحكم بالتخلص من الدين
والكهنة! فالخطة المحكمة التي دُبّرت بليل كانت تقتضي غلق جميع الكنائس بحلول عام (1935 م) وإخفاء كلمة (الإله) من اللغة وقواميسها، وقتل ألوف الكهنة والقساوسة. لقد نجحت الشيوعية في كسب الأصوات باتخاذ قرار القيام بالثَّورة، وشيئًا فشيئًا اتضحت معالم تلك الثورة، وأنَّها كانت موجهةً ضد الدين والإله بل إنَّ لينين Lenin)(2) قبل ذلك رأى أنَّ
ستالين
لينين
1 - اسمه الحقيقي جوزيف فيساريونوفيتش (1879) - 1953 م) وستالين لقب أطلقه عليه لينين، ومعناه بالروسية (الرجل الحديدي)، وستالين هو القائد الثاني للاتحاد السوفييتي السابق بعد لينين. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
2 - فلاديمير لينين (1870 - 1924 م) قائد ثوري ومفكر روسي ماركسي، مؤسس الحزب الشيوعي الروسي (البلشفي)، وباني أوَّل دولة اشتراكية في العالم، ومطوّر النظرية الماركسية في عـ عصر الإمبريالية. يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
169 (1/169)
صفحة 170
مناجزة الإلحاد
الله
كلَّ فكرةٍ دينيَّةٍ وكلَّ فكرة عن الله هي قباحة لا ينطق بها، فجميع الأعمال القبيحة لا تضاهيها قباحةً وسوءًا!! لقد سعت التَّوجهات الاجتماعيَّة - الشيوعية خصيصا - إلى استبعادِ الفلسفة ومن الحياة المادية، فبقدر ما يرفع الإنسانُ من شأن الله يحط من قدر نفسه، وقد أهاب
من
ماركس بالتَّقوى التي يشعر بها النَّاسُ اتَّجاه الطَّبيعة وبتوقيرهم للإنجازات الحضارية بوصفها أسبابًا كافيةً للإلحاد، فعمم حكمه بعدم الإيمان بأي وجود إلهي وراء الطبيعة، وأمسى الإلحاد مذهبًا يُنشر بالدعاية والإعلام والإلزام التعلمي والإكراه بالقوة وباستخدام كل وسائل التضليل في الدول التي تتنفّذ فيها الأحزاب الشيوعيَّة، وفي الدول التي جعلت هدفًا لنشر الإلحاد فيها). ويظهر أنَّ هذا التفسير لظاهرة الدين كان رد فعل لأوضاع اجتماعية معينة، بدا فيها الدين أداةَ استغلال وسيطرة في أيدي جماعة من رجاله الذين جعلوا من أنفسهم وسطاء بين الإنسان وخالقه وأوصياء على ملكوت الله وفردوسه، ومن مثالب هذا التفسير أنه ينطلق من تصورات مشوهة عن الدين، كالقول بأنه يحضُّ الإنسانَ على التَّواكل ويُلهيه عن تحقيق مصيره اعتمادًا على إرادةٍ عُليا تحل له مشكلاته، وينطلق أيضًا من معرفة خاطئة تماما عن الله، كمعرفة الإغريق الأقدمين لآلهتهم على أنها قوى خارجيَّةٌ تعبث بمقدرات النَّاس ومصايرهم، وتتدخل في حياتهم وإرادتهم، وهو يربط - أي التَّفسير الشيوعي - حقيقة الدين بسلوك بعض سدنته، ويجعل من تصرفاتهم الشَّاذَّة المنحرفة دليلا على بطلانه وفساده ويستخلص فكرةً عامةً عنه من سببٍ جزئي وظرفي محدود (2).
بدأ يطفو على السطح التفريق بين الانتماء إلى الدين والانتماء إلى المدينة، والتفريق بين الإنسان كعضو إنساني والإنسان كعضو ديني، وصولًا إلى القول بأن الانتماء إلى المدينة لا يكون ممكنا إلا إذا كان مختلفا عن الانتماء إلى الدين وهذه الثنائية أخذت بالاضمحلال لتقف فكرة المدينة منتصبةً لوحدها دون منافسة، فكلُّ شيء في المجتمع وإدارته يخضع لقوانين الطبيعة التي: التي تتحقق بواسطة العقل وليس الله أدنى تنظيم لذلك، ولم تعد هنالك أي أوامر دينية ترسم مستلزمات العيش المشترك وتبني موجهات الفعل ومعايير السلوك، لقد
1 - يُنظر: محمد شامة، الخطر الشيوعي، ص (26 - 28). وعباس العقاد وأحمد عطار، الشيوعية والإسلام، ص (36 - 37). عبدالله نعمة، عقيدتنا في الخالق والنبوَّة والآخرة، ص (26) - 28). ومصطفى محمود، أكذوبة اليسار الإسلامي،
2 - يُراجع:
ص (2 - 11).
170 (1/170)
صفحة 171
المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أوروبا
تحولت المعتقدات والأديان في المجتمعات الأوروبية إلى مجرَّد هوايات فردية مستقلة ومبتوتة الأرومة عن واقعها المجتمعي). إنَّ التَّيارات الاجتماعية هذه قد أعطت حريةً للتَّعدُّدية، أو لنقل تسامحا دينيا مفرِطا من بعض الوجوه، هذا التسامح أخذ في الاطّراد والاندياح، وولد عدم مبالاة بالدين، فلم يعد إلزاميا أن يكون المرء متدينا، وليس من العار أن يكون المرءُ ماديَّا جِلْفًا، بل إنَّ التدين أقرب ما يكون إلى الرَّجعيَّةِ منه إلى التَّقدُّم، فأخذت أعداد المتدينين على إثر هذا بالتناقص رويدا رويدا، خصوصًا وأنَّ مثل هذه النظم الاجتماعيَّة قد رفَدَت التَّقدُّمَ الحضاري المشهود الذي غاب في العصر الكنسي.
كما تم اجتماعيا تعطيل مفهومين وثيقي الصلة هما (التَّجمع) و (الكون)، وحل محلهما (الفرد) و (الفضاء غير المحدود)، فبدلا من مجتمع متدرّج يملك فيه كل إنسان مكانه الخاص؛ جاء الانعزال والحرية والذاتية، فالفرد هو كلُّ شيءٍ ولا يتمتَّع بأي رحمة تجاه الآخرين، مع أنَّه لا يُمنع أن يعمل على نحو معتادٍ من أجلهم!! فالسيادة المطلقة للعقل البشري والتي تم تطعيمها بجرعات هيستيرية من الفكر الحر والتوجهات الشكوكية والممارسات النقدية للدين تمخضت عنها مضاعفات إلحاديَّةٌ خطيرة خصوصًا بعد تفجر الثَّورة الفرنسية.
1 - يُنظر: مارسيل غوشيه الدين في الديمقراطية، ص (10 - 12).
2 - يُنظر: لوسيان غولدمان الإله الخفي، ص (60 - 61).
171 (1/171)
صفحة 172
مناجزة الإلحاد
رابعًا:
الطُّور الأدبي
مما هو معلوم أنَّ الأدب وسيلة مهمَّة من وسائل التعبير، ولا يخفى أنَّ علاقته بالمجتمع تأثيرًا وتأثرا علاقة متبادلة؛ فتأثر مخرجاته بالحالة النفسية والفكرية للمجتمع والبيئة الحاضنة له أمر لا جدال فيه، أما تأثيره في المجتمع فبما يطرحه من أفكار وفلسفات مختلفة بقوالبه الأدبية المُغرية، مع تأكيدنا على أن الأدب بتأثيره في المجتمع جان جاك لا يعني قدرته المطلقة على توجيه المجتمع وقولبته، وبتأثره بالمجتمع لا يعني خضوعه
روسو
المطلق لإملاءات المجتمع وتوجهاته. إن حديثنا هنا سيكون عن الأدب
الأوروبي؛ حيث إنَّه ابتدأ في أخذ طابع الثورية - كما حصل الأمر ذاته في المجالات الأخرى - فحدثت ثورة أدبيَّةً على الكلاسيكية التي ترعرعت في كنف الأدب الإغريقي والروماني واقتاتت على أصوله وقواعده، هذه الثَّورة
وليم شكسبير الأدبية عُرفت لاحقا بـ (الرومانسية)، وقد مهد لها الأديب الفرنسي جان جاك روسو J. J. Rousseau) بعد ثورته على الأوضاع الراهنة آنذاك،
فآثر النطاق الأدبي الأوروبي أن يشق طريقه نحو الإبداع والابتكار والخروج عن المعتاد، فابتعد عن الرموز والتَّجريدات المشخّصة كالإيمان والعدل، وانكفأ فقط على التعبير المباشر عما يُرى ويُشاهد واقعًا، وبلغت هذه النقلة النَّوعيَّة ذروتها في عهد وليم شكسبير (Shakespeare) (2) - الذي طغت روح اللاأدرية النَّفسيَّة على مسرحياته - وما تلاه فقامت الملهاة والمأساة مقام المسرحيات الدينية التي بدأ وهجها يسير نحو الخفوت والخمود (3). لقد كانت وجهة النظر
1 - أديب وكاتب فرنسي (1712) - 1778 م ناهض ظواهر التَّعسُّف والقمع والاحتكار وكان الملهم الأبرز للمصلحين التربويين في القرن التاسع عشر. له عدة مؤلفات من بينها: (العقد الاجتماعي)، و (إميل)، و (أحلام اليقظة). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
2 - كاتب مسرحي وشاعر إنكليزي (1564 - 1616 م) من أعظم الكتاب العالميين، عُرضت مسرحياته في كل أرجاء العالم، وتُرجمت إلى أكثر من سبعين لغة من مؤلفاته: (عطيل)، و (تاجر البندقية)، و (العاصفة). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). 3 - يُراجع: محمد مندور، الأدب ومناهجه، ص (59 - 89).
172 (1/172)
صفحة 173
المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا
لمونتيني
اللاهوتية حول الكون مهيمنةً على الأدب الأوروبي، ثم انحسر بريقها بعد أن تجلت الرُّوحُ الجديدة منذ القرن الخامس عشر، فأُخلي السَّبيلُ لوجهات نظر مختلفة، وجاءت وجهات النظر هذه محمولة على أكتاف العلمانية فيما يخص موقفها من قضايا الكون والإنسان، ثم أضاف القرن السابع عشر روحًا جديدةً أخرى عندما استجاب الأدب لأبواق التشكيك والعقلانية حتَّى سُمّي من بعده القرنُ الثَّامن عشر بعصر العقل. لقد بدأت تباشير مرحلة مختلفة من الأدب تدخل في الجو العام منذ القرنين الخامس عشر والسادس عشر؛ إذ عمد اللغويون الأوروبيون إلى إعادة قراءة الكتاب المقدَّس قراءة نقدية، فرفعوا يافطة (العودة إلى الينابيع؛ أي النُّصوص المقدَّسة الأصيلة. وفي الفترة ذاتها نُشرت بعض الأعمال الأدبية التي تنتقد الدين وتسخر منه وتقف تجاهه موقف المتشكك، وقبل ذلك كان أدب الرحلات أيضًا مؤذنا بتحولات كبرى؛ ففيه أطلع الأدباء الجمهور الأوروبي على ما لم يكن في بالهم من اختلاف ثقافات النَّاس وأديانهم وعباداتهم وسائر شؤون حياتهم. إنَّ المذاهب الأدبية بأسرها ما هي إلا اتجاهات فكريَّةٌ وذوقيَّة)، لذا كان لا بد لكل فريق - بعد الانشقاقات الدينية - من أن يُدعِم قضيَّته بكل ما أمكنه، فلم يسلم الأدب من الاستخدامات الأيديولوجية. هذا؛ وقد بدأ العمل الأدبي يتحرّر من القيود الدينية ويميل إلى الحرية المطلقة، ولعل كتاب
(2)
المحاولات لمونتيني (Montaigne) (1) أبرز مثال على ذلك، فقد نهج نهجا نحى فيه الدين وعقائده جانبا، بل وجد كثير من الماديين آنذاك في هذا العمل الأدبي ضالتهم ليبرروا نمط حياتهم وتفكيرهم كذلك اتَّجه كُتّاب الهزل إلى إعطاء المادَّة وجميع ما يخص الجسم الإنساني كل أولوية ممكنة، ولم يكن واردًا لديهم أن يُخضعوا أنفسهم للرقابة الذاتية، ولم يقف الهزل عند حدود الدين والكنيسة بل تجاوزهما بمراحل! لقد تم إيقاظ التراث الوثني الإغريقي من سباته، وكانت تلك هي الخطوة الأولى نحو الانفلات من القبضة الحديدية للكنيسة، والانقضاض على فكر القرون الوسطى وتقاليدها، فعن طريق إحياء الآداب الإغريقية استطاع أدباء النهضة وفنانوها النفاذ إلى عالم آخر لا أثر فيه لشيءٍ من اللاهوتيات. لقد كان أدباء عصر النهضة مستمرين في القيام بالأعمال التي ورثوها عن الرواد السابقين، ثمَّ تحوّل الأدب في العصور
1 - يُنظر: محمد العلي الحداثة في العالم العربي، ص 571. 2 - مونتينيي ميشيل دي (1533 - 1592 م) كاتب وأديب وفيلسوف فرنسي، يعد رائد المقالة الحديثة في أوروبا، وكتابه (المحاولات) هو الكتاب الوحيد له بالرغم من تأليفه بعض النُّصوص الأخرى. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
173 (1/173)
صفحة 174
مناجزة الإلحاد
ووردزورث
الحديثة إلى أدب يتجافى عن مضاجع الدين، ويبتعد عن مصافحة راحة اللاهوت، وقد قام دانتي في هذا المجال بمثل ما قام به مكيافيلي في مجال السياسة؛ إذ خرج على الكنيسة وناقض تقاليدها ومقاييسها، وابتداءً منه أخذ الأدبُ الأوروبي يُحلُّ الإنسانَ شيئًا فشيئًا محلَّ الإله، فالاهتمام بالإنسان الذي نبه إليه دانتى ومعاصروه كان المنطلق لمحاولة تأليهه وتصويره على أنَّه إله حقيقي، تلك المحاولة التي بدأت في القرن التاسع عشر واكتملت على يد جان بول سارتر). كذلك سيطرت فكرةُ الحلول على الشعراء، فانطلقوا من استحضار الطبيعة ليذلُوا بشهاداتهم حول الإله غير المنظور. ونجد تمجيد الطبيعة في القرن التاسع عشر طاغيًا خصوصًا في أدب ووردزورث (Wordsworth)(2). كما شهد هذا القرن عزوفًا أدبيا عن الحقائق الدينية ممَّا مكَّن المتشككين من التزود بمعتقد بديل من حيثية أدبية، فالأدب الفكتوري الذي تميز بغرامه للطَّبيعة اتسم بـ (اللاأدرية). وفي القرن العشرين أعلن الأدب السريالي الابتعاد الشامل عن التقاليد، ثمَّ ساد الشُّعور بالشك وعدم جدوى الحلول الفلسفية والدينية لكل المشكلات الإنسانية. إنَّ الأدب بعمومه يتأثر بالفلسفات التي يعيش في كنفها، فالفلسفة الوجودية على سبيل المثال وجدت في الروايات والمسرحيات شرفةً تُطِل بها على العالم، وقد أُفرغَ الأدبُ الوجودي في قوالب من التشاؤم والحيرة والضياع والكآبة (3)، فالإنسان وحيد في عالم بلا آلهة)، والحال ذاته ينطبق على فلسفة العدم التي ألقت بظلالها على الأدب الأوروبي وسُمي نتاجها بـ (الأدب العدمي)، حيث ضم الروايات والمسرحيات والقصائد التي تُركز على تجارب الشَّخصيَّات في الحالات التي يفقدون فيها الغائية والهدفية)، وغالبًا ما تتمثل هذه الحالات في أحداث وأفعال عبثية لا معنى لها إطلاقًا، ومن أساليب التعبير عنها: استخدام السُّخرية والدعابة السوداء، والتناقض، وتحقير المنطق والجدل بشأن الحالة الفلسفية بأنَّها لا شيء!! ويُعالج هذا الأدب موضوعات عدميَّةٍ ولا أدريَّة (1).
1 - يُنظر: سفر الحوالي، العلمانية، ص (454 - 461).
2 - كاتب وأديب إنجليزي (1770 - 1850 م) تعرّضت أشعاره للنقد فكان ذلك سببًا لشهرته (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). - يُراجع مقالة: الأدب الوجودي)، شبكة الألوكة، (17/ 12/ 2009 م).
- يُنظر إبراهيم، فتحي معجم ا المصطلحات الأدبية، ص (404).
ه - يُراجع للمزيد: نانسي هيوستن أساتذة اليأس.
6 - يُراجع: فاطمة محمد، مقالة (أدب العبث)، موقع منصة المترجم، (19/ 12/ 2012 م).
174 (1/174)
صفحة 175
المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في ا
أوروبا
والحال ذاته لم يتغير في أدب المستحيل الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية متأثرًا بفظائعها، ففلسفته ترتكز على الإلحادِ القانط، واعتقاد أنَّ الإنسان ميت مؤجل بحيث لا يهتم أحد بإنقاذه، فما فائدة الصراع والصَّلاة والدعاء والتأمل والإيمان؟! فالعالم الذي يتعذَّب فيه النَّاسُ هو عالم طاغ وغير مفهوم!
إِنَّ أي باحث في الأدب الحديث لا بُدَّ أن يرى بوضوح مؤثرات جديدة اقتادته إلى الحال الراهنة، وليس ضروريًا أن تكون هذه المؤثرات أدبيَّةً محضة، فما دام الأدب هو صورة الحياة فإنَّ كل التحولات التي طرأت على الحياة الأوروبية سوف يصحبها تحول مماثل في الفن والأدب، ويرى بعضُ النَّقاد الغربيين أنَّ هناك أربعةً من العلماء والمفكرين يعود إليهم الإسهام الفاعل في الاتجاهات الفنية والنقدية الحديثة وهم داروين، وماركس، وفريزر، وفرويد. والحق أنَّ لداروين وفرويد خصيصا أعظم الأثر في ذلك؛ فقد غرست الفلسفة الداروينية في النَّفسيَّة الأوروبية أمرين عميقين:
1 - التعبير عن حيوانيَّة الإنسان التي تُلغي مشاعره الرُّوحيَّة تماما. 2 - التعبير عن تفاهة الحياة وحقارتها ونفي أي غاية سامية لوجودها. وأما الفرويدية فقد عمَّقت الاتجاه الحيواني موصلة إياه إلى الحضيض، وصاغته في فلسفة نظريَّةٍ منمَّقة تجعل الوصال الجنسي هو الغاية والوسيلة، وهو محور الحياة وعِلَّة العِلل! حقًا إنَّ الحداثة لا تنتهي مغامراتها الأدبية حتَّى قيل في آخر تحليلاتها بأنها محاولة مستحيلة في البحث عن معنى
بعد أن فقدت الحياة معناها بغياب فكرة (الله))!! ولعل الأثر الأبلغ الذي جوستاف فلوبير مارسه الأدب في توجيه الفكر نحو الإلحاد تمثل في الأدب الواقعي؛ إذ
يقتصر في تصوير الحياة والتَّعبير عنها على عالم المادَّة، ويرفض عالم الغيب والوجود الماورائي كله، فـ (الواقعيَّة الطَّبيعيَّة) تأثرت بالفلسفات المادية، والإنسان في نظرها مجرد حيوان تلعب به مقادير غرائزه، وكلُّ شيء فيه يُمكن تحليله ماديًا فقط، وهذا ما نجده عند الأديب الفرنسي جوستاف فلوبير (Gustave Flaubert) (3) كاتب القصة الشهيرة المسماة بـ (مدام بوفاري). ثمَّ
1 - يُنظر: سفر الحوالي، العلمانية، ص (473 - 475). 2 - يُنظر: شكري محمد عياد المذاهب الأدبية والنقدية، ص 21.
3 - أديب فرنسي (1821 - 1880 م) من أشهر أعماله مدام بوفاري)، و التربية العاطفية). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
175 (1/175)
صفحة 176
مناجزة الإلحاد
بعد ذلك يأتي تباعًا أدبُ ما يُعرف بـ (الواقعيَّة الاشتراكية)، والذي يرفض على الإطلاق أي تصوراتٍ غيبيَّة، وخصوصًا ما يتعلق منها بالعقائد السَّماوية والوحي الإلهية، فقام باستغلال جميع الفنون الأدبية المتاحة لنشر المذهب الاشتراكي المادي، وتظهر ذروة سنامه في أعمال الكاتب الروسي ماياكو ماياكوفسكي فسكي (Maiakovski) شاعر الثورة الروسية الشيوعية (2). لقد تصرف كثير من الكتاب والأدباء منذ نهاية القرن التاسع عشر بناءً على أنَّ الإلحاد أصبح ضربة لازب وحتميَّةً لا مفر منها، وأمرًا لا ندحة أو مندوحة عنه فطبعوا كتاباتهم الأدبية بطابع من لواعج الشوق إلى النظرة القديمة للعالم؛ تلك النظرة التي بدت معالمها بالتَّلاشي أمام أعينهم! ففي القصيدة الشهيرة (شاطئ (دوفر) جاء تشبيه تراجع نسبة الإيمان والتدين بانحسار البحر في أثناء عمليَّة الجزر، وقد كرّر هذا التَّشبيه الأديب توماس هاردي توماس هاردي (Hardy) (3) في عددٍ من قصائده، لعل أشهرها: قصيدة (جنازة الله) أعلن فيها إلحاده صراحةً قائلا: "تبعتُ الآخرين ميكانيكيا)!!
التي
1 - كاتب وأديب روسي (1893 - 1930 م) من أبرز أعماله غيمة في سروال)، و (الحرب والحياة). (ينظر: الموسوعة العربية
العالمية).
2 - يُراجع: مقالة (الواقعية)، الندوة العالمية للشباب الإسلامي، موقع صيد الفوائد.
3 - روائي وأديب إنجليزي (1840 - 1928 م) من أشهر مؤلفاته: (عودة المواطن)، و (أهل الغابات). (ينظر: الموسوعة
العربية العالمية).
4 - يُنظر: دافيد فيرجسون حوار الإيمان ومنتقديه، ص (27 - 28).
176 (1/176)
صفحة 177
المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا
خامسا:
الصور الفنّي
توشح الفن هو الآخر بوشاح التَّحرُّر، ولأنَّ الفنّ يعكس شخصية صاحبه فلا غرابة في أن تظهر النزعات الشَّخصيَّة عليه، وتنتشر تلك النزعات بانتشار الأعمال الفنية، فإذا نحا الفنان نحو الشَّهوانية أو الحريَّة أو التقليل من شأن المقدَّسات الدينية أو النيل منها فإنَّ ذلك سيؤدي تباعًا إلى نشر هذه الثقافة بين شرائح المجتمع المختلفة رويدا رويدا، وهذا ما حصل بالفعل في أوروبا.
لربما كان الفن في تأثيره على النَّاس أقوى من الكتابات الأدبية نفسها؛ حيث إنَّ الفنَّ في حقيقته تجسيد للكتابات الأدبية، ففنون الرسم والتصوير والتمثيل على اختلاف أنماطها تُعطي للمشاهد مادَّةً دسمةً لم يكن قد تعاطى معها بالوتيرة ذاتها التي ألفها في الأعمال الأدبية المكتوبة، فالفن يعكس في الغالب الواقع الخارجي للمحيط والبيئة، وتكون مهمته توجيه رسائل معينةٍ تُمتِّلُ موقفه الخاص تجاه الموضوعات التي يسوقها للمتلقي؛ بحيث يقوم بترسيخ الموضوعات التي ينافح عنها ويذود عن حياضها، أو تلك التي يرفضها ويُشهرها أمام الجمهور ويُخرجها للعلن بقوَّة الفن).
تلك
ظهرت في القرن التاسع عشر نظرية الفن للفن)، وسواء أخذنا بمعناها الحرفي أم لم نأخذ فإنَّ العلمنة هي محصلتها النهائية، ثم حصلت القطيعة الكاملة بين الفن والعالم في مطلع القرن العشرين تأثرا بأطروحات نيتشه الجذريَّة)، وصارت الفنون في ريبة من أمرها، التردُّد يملا فاها والحيرة ترتسم على مُحيَّاها، والشَّك ينخر جسمها، وأصبح المتذوق لها في حالة توتر وترقب، فبات الجمال في الفنون يبحث عنه في العفوي والشّاذ والثافه، فالفنون غير قابلة للفهم إلا من قبل حفنة من غريبي الأطوار، وباتت الفنونُ مهرَّمةً بجعل العالم يبدو غريبًا بزلزلة
1 - يُنظر: عقيل مهدي يوسف، أقنعة الحداثة، ص 15.
2 - يُنظر: تودوروف، الأدب في خطر، ص 38.
177 (1/177)
صفحة 178
مناجزة الإلحاد
الوعي
مبدأ أنَّ
المتبلد بصياغة واقع جديد عبر تمزيق القديم، وبالميل إلى حقيقة تنطلق من التجربة الإنسانية المعاصرة تتطلَّب انهيار البنى والأطروحات القديمة). كانت اللوحات الفنيَّة في القرن الخامس عشر - على سبيل المثال - تحمل طابعا دينيا بنسبة لوحة واحدة مقابل كل عشرون لوحة والانعطاف الأكبر في أساليب الفنون المبتكرة حدث بعد الحرب العالمية الأولى، ثمَّ التَّحوُّل الجذري بعد الحرب العالمية الثانية، ففي الفترة الممتدة ما بين هاتين الحربين حصلت تحولات كبرى عزّزت موقف الفن وحثته على مجابهة الفكر القديم والانقلاب على القوانين الكلاسيكية، فأنتج فنوناً مضادَّةً لها ومدمرة في بعض الأحيان ("). وبعد التقدم الكبير الذي أحرزته وسائل الإعلام لم يكن لها من منازع في قوَّة التَّحكم
بعقول الناس وطريقة سلوكهم، فظهرت الصور الضوئية والأفلام المرئية، وتم استغلالها في بثّ الأيديولوجيات وتغيير قناعات النَّاس بوعي منهم وبغير وعي بطرق مختلفة وأساليب متنوعة، فالقارئ والمستمع عادةً ما يكون على دراية بما سيختاره قبل القراءة والاستماع، كما أنَّ توجهات الكاتب أو المتحدث عادةً ما تكون معلومةً لدى المتلقي بخلاف الأفلام، وهذا يعني أنَّ المتلقي قد تنطلي عليه تمريرات من هنا وهناك بحكم عُنصُرَي المفاجأة والغموض في الأفلام المرتقبة، فمثلا: في مشهد لا يتعدى الدَّقيقة الواحدة من فلم (الحراس) (2009 م) تقوم إحدى شخصيَّاته على كوكب المريخ وأمام جسم كبير ومعقد أشبه ما يكون بساعةٍ عملاقة بتمرير عبارة: "ساعة بغير صانع. وكأنها عبارةٌ عادية وهي في حقيقتها تعني نسف السببية والبدهية والتشكيك فيها، فساعة بدون صانع ككون بدون خالق كما ادعى ذلك ريتشارد دوكنز في كتابه (صانع الساعات الأعمى)! إِنَّ الأفلام بطبيعتها تعرض وجهة النظر الواحدة التي يعتنقها الكاتب أو المخرج، فهما من يُحددان الغاية والمقصود، والمتلقي أحيانًا قد يرى بعين الكاتب أو المخرج دون شعور منه، ولربما كانت وجهة النظر هذه تنزع نزعةً عدميَّةً أو عبثيةً أو ما شابه ذلك! ومن أقوى آثار الأفلام على الإطلاق ما يُعرف بـ (التحفيز على التقليد)؛ إذ يتم تقديم القدوة بتكرار المشاهد التي تدلُّ على أوضاع وتصرُّفات إلحادية، أو إراقة مقولاتٍ إلحاديَّة على مسامع المتلقي، وقد تُقدّم هذه الأفلام أبطالها بوصفهم ملحدين لا يدينون بدين، أو بوصفهم عابثين لا يرون أي قيمة للحياة، بل إنَّ شخصيَّات الأطفال لم تسلم هي الأخرى من هذا العبث بالعقول؛ حيث قدَّموا لهم شخصيَّةً
1 - يُراجع ريتشارد، تارناس آلام العقل الغربي، ص (466 - 470).
2 - يُنظر: عقيل مهدي يوسف، أقنعة الحداثة، ص 20.
178 (1/178)
صفحة 179
المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أ
أوروبا
الشَّابة العلمية المثقفة (داريا) في مسلسل (Daria) والتي تُعلّمُ الأطفال الشَّكَ في كل شيءٍ
من حولهم.
وتُقدّم بعض الأفلام شخصيَّاتها الملحدة بحلَّةٍ قشيبةٍ تسر الناظرين، بينما تُقدِّمُ المؤمنين على خلاف تلك الصُّورة، ففي مسلسل (Big Bang Theory) تظهر شخصيَّةُ الشَّاب المثقف شيلدون كوبر في صورة العالم المثقف الواعي؛ لأنه يُؤمن بالتَّطور العشوائي، بينما تظهر باقي الشَّخصيَّات التي لا تُؤمن بالتَّطور العشوائي في صورةِ الجهلاء الأغرار! وفي فيلم (الحافة) (2011 م) - وهو من أشهر الأفلام التي حاولت تلميع صورة الملحد وإلباسه لبوس الأخلاق الفاضلة - يأتي مشهد الحوار بين الملحد والمؤمن، ويُظهر المشهد المؤمن وهو مدفوع إلى الإيمان بالله ليس لشيء سوى أنَّ ذلك يجعل الناس يتقبلون فكرة الموت، بينما يُظهر الملحد وقد نضح عن نفسه، ودفع عن دعواه عوارها، وخرج من عُهدة ما أُخذ عليه!
كما تقوم بعضُ الأفلام بإهانة المقدَّسات وتصويرها على نحو غير لائق، إلا أنَّ حُبَّ المتابعة يُجبر المشاهد على ابتلاع كل هذه التَّمريرات وهضمها في عقله الباطن، هذا إن انتبه إلى حقيقة التمرير من الأساس ومثال ذلك: المشهد الذي لا يتجاوز الدقيقتين من فيلم (الرمادي) (2001 م) حيث ينظر البطل إلى السَّماء ويوجّه كلاما بذيئا إلى (الله)! وفي المسلسل الكرتوني American Dad) حيث يكون بطلا المسلسل مهووسين بالجنس وشرب الخمر والاستهزاء بالأديان، وفي مسلسل (Family Guy) يستهزئ البطلُ بكل قيمة ورمز ديني، وكذا لم يُهمل الإلحاد جانب الترويج لبعض مبادئه كالشذوذ الجنسي ومثاله: شخصية (أوسكار مارتينيز) في مسلسل (The Office) ، وشخصية (كيرت هاميل في مسلسل (Glee)!! وعلى ضوء هذا نستطيع تحديد أهم طرق تمرير الأفكار الإلحادية في الوسائل البصرية:
- استغلال ثغرات النفس والعقل والخيال.
- تصوير الوجود والحياة بمظهر العبثية والعدمية.
- المغالاة في الخيال العلمي لتهميش قدرات الإله الخالق.
- استغلال خرافات الأديان المُحرَّفة كذريعة للإلحاد.
- تمثيل الإله - بصورةٍ غير مباشرة - لخلع الرُّؤى الإلحاديَّة عليه.
179 (1/179)
صفحة 180
مناجزة الإلحاد
ولعل من أشهر الأساليب النَّفسيَّة لزعزعة إيمان المُشاهِد بالصُّور أو الكاريكاتيرات أو الأفلام هو ما يُسمَّى بأسلوب (الصدمة)؛ وذلك بتعمد إهانة المقدَّسات بالصور أو الألفاظ البذيئة، ومثل هذا الأسلوب النفسي يعتمد على كسر المهابة والقداسة في عقل المُشاهد خصوصًا إن كان المشاهد ممن لديه غبش في صفات الله، كذلك التلاعب التاريخي المشين في قصة أي دين تحت ذريعة العمل الكوميدي أو الرُّؤية السينمائية الجديدة، وذلك مثل الفيلم الهزلي البذيء والمنحل (Life of Brian) والذي يعرض قصة حياة المسيح في صورة الشاب المتهور (برايان)؛ ليسخر منه كيفما شاء، ومثل فيلم The Last Temptation of Christ) الذي يُعيد صياغة حياة المسيح؛ ليُظهره كإنسان تمتلكه شهواته ونزواته ونزغاته حتَّى أنَّه يزني مع عاهرة يُحبها ... إلى آخر هذه الخيالات المريضة التي يقطعها آخر الفيلم في صورة عودة المسيح إلى الخط المرسوم له من جديد (1). أ. هـ
(1)،
ومن الأفلام الطَّليعية الأوروبية فلم (No More Fleeing) الذي يعرض صورةً مروعةً للعجز متأثرا بالفلسفة العبثية، وتدور أحداثه في صحراء مقفرة يتيه المسافرون فيها ويشعرون بالعبث والفوضى، فليس ثمة مفر ولا ملجأ جريمة قتل تُرتكب ولكن ليس هناك من يُحدد الإثم، التمييز بين الخطأ والصواب صار معدومًا، ومحاولة إيجاد معنى للحياة لم تعد نافعة، وما دامت الحياة قد أصبحت سخيفةً وغير معقولة فكل شيء سيكون مباحًا!!
في
وفي فيلم (Earth) تظهر غنائيَّة (دوفنجو) التي تدعو إلى تأليه الطبيعة وتوحد الإنسان بها في مقاربة مادية واضحة)!! وهناك أفلام كثيرة تروج للإلحاد بصورة مباشرة وتقوم بتلميع صورته الأذهان والوعي العام كفيلم (God on Trial) الذي يتحدث عن محاكمة (الله) من قبل مجموعة من اليهود المعتقلين في سجون النازيين!! وفيلم You Don't know jack) حيث يحكي عن طبيب ملحدٍ يقوم بإجراء عمليات القتل الرحيم هذا الطبيب الملحد هو صاحب الضمير المشرف إنَّه مستنير وشريف بخلاف المتدينين!!
1 - مجلة براهين، السينما واللاوعي، العدد الثاني، مايو (2014 م)، ”بتصرُّف“.
2 - يُنظر: أ. فوغل، السينما التدميرية، ص (25 - 35).
180 (1/180)
صفحة 181
المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا
سادسا:
وأضحى الإلحاد فتيا
بعد أن طُرحت قضيَّةُ (الإله) باعتبارها فرضيَّةً علميَّةً في القرون الأخيرة، ثمَّ أُسندت إليها مهمَّة القيام ببضع وظائف لم يكن العلم قد توصل بعد إلى ما يسد شاغرها؛ جاءت الفرضيات العلميَّة لتأخذ بزمام تلك الوظائف الشاغرة وظيفةً تلو الوظيفة؛ على أمل إنهاء الشواغر وسدّ الفراغات، وما إن نفدت أهم تلك الشَّواغر حتَّى انتهت معها الحاجة إلى (الإله)، بل وطويت صفحة وجوده، وأُعلن الحداد عليه!
لقد ظل الكونُ يُدار باستمرار بواسطة (الإله) خالقه ومبدعه، وتقرر بعد ذلك أنَّ الكون ظاهرة خاضعة للطَّبيعة وقوانينها الآلية ظاهرة قابلة للفهم من منطلقات تجريبيَّةٍ رياضيةٍ فيزيائيَّة، فلم يُعط الإله إلا تكليفا شرفيًّا يُلاطِف الكونَ وقوانينه، ثمَّ انسحب تدريجيا فظل مجرد رمز فاعل للحب والخلاص والمعجزات وأخذ الكونُ يعتمد على نفسه فقط بوجود إله متعال أو كامن، ومع مرور الزمن فإِنَّ حظوظ الإله نفسه وآثار تصرُّفه في الكون قد تبددت وتلاشت، فمن غير الممكن معاينتها والبرهنة عليها تجريبيًّا.
والتأكيد المسيحي بتفوق كل ما هو روحي على كل ما هو مادي انقلب رأسًا على عقب، فالعلاقة أصبحت حميمية بين الإنسان والمادة، وذات عداءٍ صارخ مع ما وراءها، وحلَّ العلم الطبيعي محلَّ الدين، فالمرجع الفكري هو العلم لا الدين له الأمر وله الحكم ولا معقب من بعده، وكأنَّ الحقيقة عتبة لا تطؤها إلا قَدَمُ العلم الطبيعي وهذه الإطلاقات بالتأكيد لا تُجسّد الواقع بعمومه، ولا تنطبق على كل المدة الزمنية للعصر الحديث، فهناك منعرجات وتطورات في الاتجاه المقابل.
ارتفعت الأصواتُ المنادية بموت (الإله)، وأصبحت هذه الموجة تميل إلى التمحور كمدرسة فكرية أو منهج فلسفي ولا يُعلم بالتحديد المعنى المقصود منها، فهل موت (الإله) يعني عدم وجوده المطلق؟! أو يعنى أنَّه كان موجودًا ثُمَّ اغتالته يدُ العدم؟! أو المعنى هو أنَّ الدين المسيحي لم يعد قادرًا على تخليص البشر؟! أو أنَّ الإله غائب ومختفٍ ولا يتدخل
181 (1/181)
صفحة 182
مناجزة الإلحاد
في حياتنا؟! أو أنَّ اللغة قاصرة ولا تستوعب معنى الإله حقيقةً؟! أو غير ذلك من التفسيرات التي طرحت في معنى هذه المقولة من بعد نيتشه). ولا شك أنَّ هذه المقولة تتبنى في مقدمتها وجود (الإله)، فالموت لا
يكون إلا للموجود الذي كان حيًّا ولكثرة الجدل الذي هتك ستر هذه
جون ج. روبنسون المقولة، وتشعب الاحتمالات التي تنهمر من سمائها على أرضية الأفهام؛ فلك أن تتصوَّرها على شاكلة ما تجده عند المفكر جون ج. روبنسون. J
Robinson .() الذي شنّ بمخالب كتاباته هجومًا ضاريًا على المؤمنين بوجود الله
ليس لأنَّه يُنكر وجوده بالمعنى الحرفي للإنكار، بل لأنَّه يؤمن
بأنَّ الله هو الوجود نفسه (3)!! إنَّ الإلحاد لم يأخذ طابعه الفكري المستقل ولم تتبلور رؤاه المنهجية على المستويات الحياتية كافة - بل ومن باب
ماتياس كنتزن أولى لم يكن ليمثل تيَّارًا جماعيًا بعد - إنَّه يمرُّ بأطوارٍ متأرجحة تنحو إلى الصعود تارةً والنزول تاراتٍ أُخر، فطوال مسيرته بدا كطائر مهيض الجناح
مخضود الشوكة لا يُسمح له بالتحليق فكل من انقدح في ذهنه أن يُنكر وجود الله لم تطاوعه نفسه بإطلاق تصريحاتٍ تُفيد الجزم، بل إنَّ كلَّ من كان يُضمر الإلحاد في نفسه لن يرتضي أن يُقال له (ملحد)؛ لما في هذا النَّعت من مسبَّةٍ ومذمَّةٍ وقدح؛ فالملحد هو المنحل عن كل القيم، الغارق في بحور البهيمية، هكذا كان واقع الحال بالرغم من أنَّ صيحات التحرر والحرية كانت قد طرقت الباب منذ عقود. ويظهر أنّ القرن السابع عشر الذي كان شاهدا على ولادة مدارس النقد الألمانية كان في الوقت نفسه شاهدًا أيضًا على أوّل محاولة لإعلان إنكار وجود الله بصورة صريحة وجريئة عبر تاريخ البشريَّة أجمعها، فلأوّل مرَّةٍ يصف شخص نفسه بكل صلافة بأنه ملحد ينكر وجود الله صراحة! كان ذلك الشخص هو الألماني ماثياس كنتزن (Matthias Knutzen). في بادئ الأمر كان كنتزن من أشد الناس انتقادًا للكنيسة لكنه لم يصل بعد إلى
1 - اشتهرت هذه المقولة عندما أطلقها نيتشه، وهذا لا يعني أنَّ نيتشه هو أول من أطلقها، فقد قيلت قبله ولكن في سياقات مختلفة، وتحت ذرائع ومعان متعددة.
2 - كاتب ومؤرخ أمريكي (1918 - 1996 م) كان عضوًا في منظمة المؤرخين الأمريكية، من أبرز أعماله: (النشأة الدموية)، و (النَّار والسيف)، و (مسار رحلة الماسونية).
- يُنظر: رمسيس عوض ملحدون محدثون ومعاصرون، ص (24 - 25).
4 - كاتب و ناقد ألماني (1646 - 1674 م) درس اللاهوت في بداية مشواره العلمي، اشتهر بانتقاده للسلطات الكنسية في خطبه، وكثيرًا ما كان يُصرح بعدم وجود القيم المتعالية (الله، والنفس، والآخرة).
182 (1/182)
صفحة 183
المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أوروبا
حضيض الإلحاد، وبعد أن قرّرت الكنيسة فصله نهائيا من وظيفة التدريس جراء انتقاداته اللاذعة هاهو يبدأ في كتابة بعض الورقات التي يعلن فيها إلحاده بكل صراحة؛ ليُصنّف كأوَّل شخص ملحد معروف بالاسم، ثمَّ لحقه راهب كاثوليكي فرنسي يُدعى جان ميسلير (Meslier)) ابتدأ بتوجيه الطعون إلى الأديان، ووصفها بأنَّها مجرد تلفيقات تدعمها الأنظمة جان ميسلير الحاكمة، ثمَّ انتهى به الحال إلى إنكار وجود الله؛ محتجا بانعدام التناسق المنطقي بين وجود الشرور والاعتقاد بوجود الله، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أنَّ الاعتقاد أساسًا للتقعيد الأخلاقي بخلاف الاعتقاد الشائع، وقد دون ميسلير في بيان إلحاده
الله
ليس
بوجود
عدة تدويناتٍ عُدَّتْ باكورة الإلحاد الموضوعي (إنكار وجود الله). ومع تفجر طاقات العقل الأوروبي في القرن الثَّامن عشر - على إثر المنعرجات الثورية الفلسفية والعلمية والاجتماعية وظهور شخصيات من الوزن التَّقيل كتشارلز داروين وفرويد وكارل ماركس ونيتشه - أخذت صورة الإلحاد بتلميع نفسها بنفسها، فهذه الشَّخصيَّاتُ المُلهِمةُ تُمارس حياتها العلمية والفلسفية والاجتماعية بمنأى عن فكرة وجود (الله)، فماركس مارَسَ حياته الاجتماعية ونظر لها باستقلال تام عن فكرة (الله)، ونيتشه بتغريداته الفلسفية أعلن موت (الإله)، وداروين بدا وكأنه قد تخلى في نظريته عن الحاجة إلى افتراض وجود الخالق)، وفرويد ابتعد بتحليلاته النَّفسيَّة عن فكرتي (الله) و (الدين) وسار الرَّكْبُ على خطاهم). ويرى جيمس كولينز بأنَّ القرن التاسع عشر هو القرن الذي شهد الولادة التكوينية الكاملة للإلحاد كمذهب يرمي إلى استبعاد الإله بشكل مطلق، ففي هذا القرن بالتحديد برز عدد من زعماء الفكر الذين أضفوا على الإلحاد نوعًا من التوقير الذهني والتداول الشعبي، وقد نجحوا في مسعاهم حين ربطوا بين الإلحاد والاتجاهات الرئيسة في الحياة العلميَّة والثَّقافية والأخلاقية، فأضحى الإلحاد مقوما من مقومات الاتجاه العلمي الإنساني في المجتمع الحديث (3). ولا شك أنَّ السَّاحة الأوروبية لم تشهد اختباءَ الدين عن الأنظار حتَّى مع تشكل الإلحاد
1 - كاهن وفيلسوف فرنسي (1664 - 1729 م) تُعتبر نصوص مذاكراته والتي نشرها فولتير مؤسسةً للإلحاد ولمكافحة رجال الدين في فرنسا. 2 - بطبيعة الحال وبحكم الاحتكاك المباشر وغير المباشر بين أوروبا والإمبراطورية العثمانية فقد تأثرت هذه الأخيرة بموجات الإلحاد، وقد سجل بعض المؤرخين حوادث من هذا التأثر في القرنين السابع عشر والثامن عشر، ويحكي بعضهم عن شخص يُدعى محمد أفندي أنه قد جاهر بإلحاده قائلًا: "لو كان الله موجودًا لما تركني أعمر طويلًا، فأنا أشد أعداء وجوده! 3 - يُنظر: جيمس كولينز، الله في الفلسفة الحديثة، ص 337.
183 (1/183)
صفحة 184
مناجزة الإلحاد
وبروز عضلاته، فقد استمر حال الدين والإلحاد بين شدّ وجذب يميل إلى كفة الدين في أغلب الأوقات، وتغيَّر الأمر بعد أن تعمَّقتْ الحداثة والعلمانية بإسنادٍ من النظم السياسية الحاكمة، فانقلبت الطاولة على الدين في نهاية الخمسينات من القرن المنصرم، وأصبح الإلحاد يافعًا يترقرق ماء الغرور على وجهه، بعد أن تمَّ التَّمهيد له على نارٍ هادئة طوال الأطوار الماضية. في عام (1927 م) وفي محاضرته (لماذا لستُ مسيحيا) رفع الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل (1) الستار عن إنكار الاعتقاد بالدين والألوهية؛ لأن الأدلة التي يستخدمها المؤمنون مدحوضةٌ حسب زعمه، ولأنَّ الإنسان ليس سوى جزء ضئيل من الطبيعة، وجل أفكاره التي يتشدق ما هي إلا تُحدّدُها العمليَّاتُ التي يقوم بها الدماغ، ولأنَّ العلم الطبيعي هو المصدر الوحيد للمعرفة، وهو لا يُقدّم أيَّ تأييد للاعتقاد بفكرة الألوهية، ولأنَّ الدين شرٌّ من الشُّرور، وعدو شرس للطيبة والذوق، وهو غير موجود إلا في الأوساط التي لم تنضج بعد). ولا يخفى أن أطروحات برتراند راسل قد قدمت للإلحاد خدمةً كبيرةً من الناحية الفلسفية، حتى غدا الإلحاد من بعدها وكأنه قد خطا خطوات متسارعة للأمام فوضع قدمه أنتوني فلو على الساحة بثقل أكبر مما كان عليه ثم من بعد راسل جاءت أيضًا كتابات الفيلسوف الإنجليزي الشهير السير أنتوني فلو (3) لتُسهم في دفع
برتراند راسل نتائج
عجلة الإلحاد إلى الأمام، فقد وجه أنتوني فلو فوَّهة انتقاداته اللاذعة إلى الدين المسيحي كما في كتابه الشهير (الله والفلسفة)، أما في كتابه الآخر (فرضية الإلحاد) فإنَّه قد ركب قحمةً منيعةً عندما زعم بأنَّ الإيمان بوجود) الله يُعتبر وهما وضربًا من الخيال؛ إذ إنَّ المؤمن يفرض - بإيمانه هذا - سياجا لا ينتهي من التَّحفظات على الإله. ومن أبرز إضافات أنتوني فلو أضافها إلى رصيد فلسفة الإلحاد مدعِمًا لها ومادًّا إليها يد العون؛ مطالبته - ولأوّل مرّة
التي
1 - اللورد برتراند راسل (1872 - 1970 م) عالم رياضيات وفيلسوف ومنطقي إنجليزي، ألقى هذه المحاضرة في السابع من مارس عام (1927 م) وذلك إبان حضوره لأحد مؤتمرات المنظمة العلمانية البريطانية في لندن.
2 - يُنظر: إ. م. بوشنسكي، الفلسفة المعاصرة في أوروبا، ص (79).
3 - فيلسوف إنجليزي (1923 - 2010 م) مهتم بفلسفة الدين، ألف العديد من الكتب التي أنكر فيها وجود الله، قبل أن يعود إلى
الإيمان بوجوده في آخر أيام حياته.
4 - يُراجع: رمسيس عوض، ملحدون محدثون ومعاصرون، ص (82 - 86).
184 (1/184)
صفحة 185
المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا
في التاريخ - المؤمنين بإثبات وجود الله؛ باعتبار أنَّ البينة على من ادعى؛ إذ جرى العرف سابقا على أن يكون الملحد هو المطالب بإقامة البراهين على صحة مبادئه. إنَّ العجلة عادت إلى الدوران من جديد، فتم - كما كان - اجترارُ عيب المنهج النيوتني، ففي عام (1972 م) نشر عالم الكيمياء الفرنسي جاك مونو كتابه (الصُّدفة والضَّرورة قضى فيه باستحالة الجمع بين الإيمان بالله ونظريَّة التَّطور، ولحقه عالم سلوك الحيوان الإنجليزي ريتشارد دوكنز عام (1986 م) بكتابه (صانع السَّاعات الأعمى)، وانضم إلى قافلة المنكرين للجمع بين العلم والدين عدد من العلماء والكتاب من أمثال کارل ساجان و دانييل دانت وسام هاريس وكريستوفر هيتشنز، وسطع نجم لورانس كراوس المحسوب على الفيزيائيين عندما قرر في كتابه (كون من لا شيء) أنَّ الكون جاء من العدم وظهر إلى الوجود من اللاشيء) متأترا بـ (ستيفن هوكنج)، حيث يكفل قانون الجاذبية (الكميَّة) للجسيمات التي تظهر في (الفراغ) الكوني خروج كون ككوننا!! وفي كتابه (الله الفرضية الفاشلة يزعم فيكتور جون استنجر أنَّ العلم أثبت عدم وجود الله!! وفي كتابه (الخرافة: الإيمان في عصر العلم يُعلن روبرت ل. بارك تصادم العلم والدين تصادمًا لا يقبل التمييع، ويكشف عن عقيدته الإلحادية المنكرة لوجود الله والمحاربة للأديان، ويستشهد بمعضلة الشّر التي قرنها بمفهوم الخطيئة والخلاص في الديانة النصرانية، ورأى في المنظور الطبيعي المصدر الوحيد للمعرفة. كما زعم عالم الفيزياء الأمريكي ستيفن واينبرغ في كتابه (أحلام (الفيزيائيين بأنَّ الكون كلما أضحى أكثر وضوحًا تعمق مفهوم عدم غائيته! وحين لا يُسعف التَّخصُّصُ العلمي بعض العلماء في تحقيق إنجازات شخصيَّةٍ تُسلط الضوء عليهم فإنَّهم يقتحمون أسوار التخصصات الأخرى ويركبون المراكب الوعرة، كالعالم الفيزيائي تانر أيدس الذي اعترض على وجود الله في كتابه (الشَّبح الذي في الكون). وبالتأكيد فإنَّ كثيرًا من العلماء رفضوا هذا النهج المتطرف، فالعلم ليس بمقدوره نفي الإله أو إثباته كما صرح بذلك عالم الإحاثة الأمريكي اللاأدري ستيفن جاي جولد ووضع بهذا الصدد نظرية الدوائر التي لا تتداخل (NOMA) فالدين له مجال معرفي مستقل عن المجال المعرفي للطبيعة. بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (2001 م) ظهر مصطلح الإلحاد الجديد (New Atheism) وشاع استخدامه في الدوائر الفكرية والفلسفية، ويبدو أنَّ المقالة التي نشرها الصحفي جيري وولف (Gary Wolf) عام (2006 م) في مجلة (Wired) البريطانية تحت عنوان: (كنيسة غير
1 - يُنظر: فيكتور جون استنجر الله الفرضية الفاشلة، ص 18.
185 (1/185)
صفحة 186
مناجزة الإلحاد
المؤمنين) والتي استخدم فيها كاتبها مصطلح الإلحاد (الجديد كانت هي سبب انتشار هذا المصطلح. ولربما مثَّل كتاب (نهاية الإيمان) لسام هاريس Sam Harris) شرارة انطلاق الإلحادِ الجديد، فقد ألقى بالائمة على الإسلام بشكل مباشر، واتهمه بالضلوع في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كما هاجم النصرانية واليهودية أيضًا، وعلى ما يبدو فإنَّ موجة الإلحاد الجديد لها ارتباط وثيق الصلة بتلك الأحداث التي غيرت مُجريات العالم؛ بل غيرت مستوى الإلحاد نفسه؛ إذ كان الملحدون سابقا يعتقدون بأنَّ الإلحاد قضيَّةً شخصيَّةً فرديَّةٌ لا تحتاج إلى تعصب، ولا يهم نشرها أو محاولة إقناع الآخرين بها، أما الآن فالأمر بدا مختلفًا بشكل كبير! ويُمكن تلخيص أهم سمات (الإلحاد (الجديد) وأبرز معالمه فيما يتعلق بجانب الدعوة إليه والترغيب فيه عند أتباعه في التقاط الآتية:
(1) - الاندفاع الكبير والحرص الشديد على الدعوة إلى الإلحاد عن طريق التأليف والكتابة، ونخص بالذكر بعض الكتب التي خُصصت للأطفال، وكذا بعض الكتب التي جاءت بلغة سهلة حتَّى يهضمها عامةُ النَّاس، وعن طريق البرامج الفضائية والأفلام السينمائية ومواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات الحوارية.
(2) - المؤسسات الإلحاديَّة: كالتَّحالف الدولي للملاحدة ورابطة الملاحدة، ومؤسسة ريتشارد دوكنز لدعم العقل والعلم والرابطة الدولية لغير المتدينين والملحدين، وغيرها الكثير
منهم
من المؤسسات التي تحرص أشد الحرص على نشر الإلحاد وتعميقه في المجتمعات. (3) - عدائيَّة الخطاب الإلحادي وخصومته، فقد ذهبت أيامُ الإلحاد المؤدَّب كما يقول سكوت هان، ولنأخذ عينات من هذه العدائية: يقول دوكنز في تجمع له ولأصحابه: "اسخروا واستهزئوا بهم علانية، إياكم أن تقعوا في فخ العرب الدارج أَنَّنا مؤدبون جدًّا، لنتحدث عن الدين ... الدين يُقدّم تصوراتٍ معينةٍ عن الكون ... ينبغي تحديها والشخرية منها باحتقار. وإذا وضعنا أنفسنا أمام مقارنةٍ صغيرةٍ بين سلوك العلماء الكبار كداروين وستيفن جاي جولد وسلوك العلماء من أمثال دوكنز وكراوس فإننا سنلمح بكل جلاء فارقًا رهيبا وبونا شاسعًا بين الفئتين بهذا الصدد!
(4) - الهجوم اللاذع على الإسلام بالتحديد، ومثال ذلك ما قاله دوكنز: "أعتقد أنَّ الإسلام هو
1 - يُنظر: عبدالله العجيري، مليشيا الإلحاد، ص (17 - 97).
186 (1/186)
صفحة 187
المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أوروبا
أعظم قوَّة للشَّر في عالم اليوم". ويصف الإسلام بأنَّه: "العدو المتوحش“. ويقول سام هاريس: "لسنا في حرب مع الإرهاب وإنَّما في حرب مع الإسلام. كما أعرب كريستوفر هيتشنز عن موقفه الحاقد تجاه العالم الإسلامي؛ حيث طالب بنسف العالم الإسلامي بالقنبلة النووية، كما أيد عمليات القتل والاغتصاب التي قام بها الصربيون بحق مسلمي البوسنة). لقد أكدت الإحصاءاتُ بعد الحرب العالميَّة الثَّانية تراجع نسبة التدين بشكلٍ كبيرٍ في عددٍ من الدول الأوروبية، ففي بريطانيا - مثلًا - كانت نسبة الذين يرتادون الكنائس بانتظام لا تتعدى (1) فقط (2)!! وفي استطلاع قام به باحثون بين عامي (1981) - 1982 م) حول نسبة الإيمان بوجود الله نشرت نتائجه جامعة (توندنهايم) في النرويج؛ جاءت النتائج على هذا النحو (3):
الدولة
أمريكا
إسبانيا
إيطاليا
بلجيكا
بريطانيا
النروج
هولندا
فرنسا
الدنمارك
السويد
اليابان
المؤمنون
غير المؤمنين اللا أدريون
%3
% 2
% 95
% 6
% 8
% 87
% 6
% 10
% 84
% 12
% 12
% 77
%9
% 16
% 76
%7
% 23
% 70
% 10
% 25
% 65
%9
% 29
% 63
% 15
% 27
% 58
% 14
% 35
% 52
% 38
% 23
% 39
وفي دراسة نشرت عام (2012 م) قام بها مركز (بيو فوروم للدين والحياة العامة) - وهو مركز دراسات أمريكي متخصص في الأديان والمعتقدات - أكدت أنَّ الإلحاد أصبح الديانة الثالثة بعد المسيحية والإسلام، فالمؤمنون تتجاوز نسبتهم (84)) والنسبة المتبقية (16) %) تُمثل
1 - تُوجد مقاطع على (اليوتيوب) صرَّح فيها بذلك، ولا يفوتنا هنا أن ننبه إلى أن كريستوفر هيتشنز قدم دعمًا مطلقًا للحرب الظالمة
على العراق!! هؤلاء هم دعاة السلام والمحبة!!
2 - يُنظر: کارن آرمنسترونغ، الله لماذا، ص 439.
3 - يُنظر: رمسيس عوض، ملحدون محدثون ومعاصرون، ص 110.
187 (1/187)
صفحة 188
مناجزة الإلحاد
الملحدين بمختلف مشاربهم، وهو رقم يتجاوز المليار) ()، وأما في قائمة أعلى عشر دول - حالية - في عدد الملحدين؛ نشر موقع: تعداد الملحدين) البيانات التالية (2):
الترتيب
الدولة
العدد
الترتيب
أمريكا
بريطانيا
البرازيل
تركيا
كندا
الدولة
العدد
أستراليا
روسيا
الهند
بولندا
ألمانيا
11633
9343
6251
4879
4746
أما عن أعداد المسجلين في الموقع ذاته بوصفهم ملاحدة؛ فجاءت على النحو الآتي:
الدولة
العدد
الدولة
العدد
الدولة
العدد
الأرجنتين
أستراليا
النمسا
البرازيل
التشيك
الدنمارك
فرنسا
ألمانيا
2276
11.568
629
18.220
480
1. 124
1.346
4.678
اليونان
هونغ كونغ
إسرائيل
إيران
اليابان
إيطاليا
أوزباكستان
تركيا
1.711
101
2.453
4.540
61
3.883
48
15. 194
تايلاند
السويد
إسبانيا
صربيا
هولندا
الهند
هنغاريا
الصين
وحسب موقع: (إمبراطورية الإلحاد) (3) فإنَّ. عدد العلمانيين والملحدين واللادينيين في العالم أجمع بلغ (850) مليون شخص، ونشر الموقع ذاته أيضًا إحصاءاتٍ أُخرى لعدد الملحدين في السنوات الأخيرة:
1 - يُنظر: مقالة مليار ملحد في العالم، كمال قبيسي موقع العربية نت، (19/ 12/ 2012 م).
2 - يُنظر: http://atheistcensus.com).
- يُنظر: (http://atheistempire.com/reference/stats).
188 (1/188)
صفحة 189
التاريخ
المستوى
التحديد
1989
عالميا
غير المؤمنين
الملحدون
1999
عالميا
و (اللادينيون)
2000
2001
الولايات المتحدة
الملحدون
كندا
(اللادينيون)
الملحدون
2001
الولايات المتحدة
و (اللا أدريون)
2002
الولايات المتحدة
الملحدون
المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أ
النسبة
العدد
110.000.000.0
% 21.6
1.016.400.000
% 26.8
925
% 0.3
4796325
% 16.2
1.893
% 0.9
% 3
أوروبا
وبحسب البيانات التي نشرها موقع: (adherents) فإن عدد العلمانيين والملحدين في العالم يبلغ حاليا: (1,1) مليار؛ أي ما نسبته (16)) من سكان العالم، والشكل الآتي يُوضح النسبة العددية للمعتقدات الأكثر انتشارًا في العالم حسب الموقع نفسه:
العلمانية والإلحاد 16
الهندوسية 14%
المسيحية 33 %
الإسلام 21 %
كذلك نشر (معهد جالوب وين الأمريكي) (2) دراسة استطلاعيَّةً تتألف من (25) صفحة، شملت (50,000) شخص في (57) دولة، وبلغت نسبة الملحدين (13 ?)، ونسبة غير المتدينين (23)، ونسبة المتدينين (59))، واعتلت الصين قائمة أعلى عشر دول من حيث ارتفاعُ
1 - يُنظر: (http://www.adherents.com/Religions_By_Adherents.html).
2 - جمعية جالوب العالمية، والشبكة العالمية المستقلة، وتُسمَّى اختصارًا (WIN) ، يمثلان اتحادًا يهتم بأبحاث السُّوق عبر العالم وإجراء الاستفتاءات والإحصاءات التي تتعلق بالأسواق بشكل أساس، ويتعامل هذا الاتحاد مع مؤسسات إحصائية في بلدان العالم المختلفة. (يُنظر على شبكة المعلومات: خالد الدريس، دراسة جالوب عن نسبة الإلحاد، 14/ 6/ 2013 م)
189 (1/189)
صفحة 190
مناجزة الإلحاد
معدلات الإلحاد)، تلتها مباشرةً، اليابان فكانت المحصلة النهائية على النحو الآتي:
الدولة
الصين
اليابان
التشيك
فرنسا
كوريا (ج)
ألمانيا
هولندا
النمسا
إيسلندا
أستراليا
المتدينون
غير المتدينين الملحدون
الصامتون
%9
% 47
% 30
% 14
% 23
% 31
% 31
% 16
%2
% 30
% 48
% 20
% 1
% 29
% 34
% 37
% 2
% 15
% 31
% 52
% 1
% 15
% 33
% 51
% 2
% 14
% 42
% 43
%5
% 10
% 43
% 42
%5
% 10
% 31
% 57
% 5
% 10
% 48
% 37
وبحسب الموسوعة البريطانية لعام (2010 م) فإن الملحدين يُمثلون ما نسبته (2)) فقط من سكان العالم. وفي دراسة أجراها مركز (the center for the study of Global Christianity) العالمي أظهرت أنَّ نسبة الإلحاد تتراجع بشكل كبير، ففي عام (1970 م) كانت نسبة الإلحاد تقارب (4,7)، ووصلت في عام (2010 م) إلى (2)، ومن المتوقع أن تصل إلى (1?8 ?) بحلول عام (2020 م) (3). وفي دراسة واقع العلماء من حيث مدى تدينهم وإيمانهم من عدمه؛ خلصت المجلة العلمية المحكمة ((3) Nature) إلى أنَّ نسبة التَّدين انخفضت بين العلماء من (27)) ذ في عام (1914 م) إلى (7) في عام (1988 م)، ووضعت الدراسة جدولا يُحدّدُ النِّسَب المختلفة
باختلاف الأعوام التي شملتها الدراسة كالآتي:
1 - الدراسة نشرت في عام (2012 م) بموقع المعهد على الشبكة العالمية: (http://www.gallup.com).
2 - يُنظر: مجلة براهين ص (89)، العدد الثاني، مايو 2014 م.
- يُنظر: مجلة الطبيعة (Nature) ، (34 6691) - (1998 م)، ص 313.
190 (1/190)
صفحة 191
الأعوام التدين
الإلحاد اللاأدرية
1914 م
1933 م
المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا
1988 م
%7
% 15
% 27.7
% 72.2
% 68
% 52.7
% 20.8
% 17
% 20.9
84)
وسبق لمعهد (جالوب) أن أصدر دراسةً في عام (2010 م) شملت (114) دولة جاء فيها أنَّ (8)) من سكان هذه الدول يعتقدون بأنَّ الدين جزء أساس في حياتهم اليومية، ثمَّ إِنَّ الإحصاءات التي أُجريت في العديد من دول العالم ومنها البحث العالمي حول القيم (2000 م) أكدت أنَّ العالم يشهد عودةً للتَّدين بوتيرةٍ كبيرةٍ، بل إنَّ المجتمعات التي غَشِيَتها دياجي الأيديولوجيات الشيوعية كنظام للحكم قد استرجعت - هي الأخرى - منظومة القيم الدينية للإجابة عن التحديات الذاتية التي بدأت تخترقها). وعلى العموم فإنَّ كلَّ هذه الإحصاءات غير دقيقة، ومصداقيتها غير متحقق منها، بل إنَّ كثيرًا من هذه الدراسات تنظر إلى طبيعة نظام الحكم في الدول فتعتبر سكان الدول الشيوعية ملحدين، وتعتبر المتشككين والمترددين وأصحاب بعض الأديان كالبهائية والزرادشتية والبوذية وما شابهها ملحدين!! والمعايير المُتَّبعة في الاستطلاعات غير متوفرة ولا يتسنى فحصها وتمحيصها، وهذه الشكوك التي تحوم حول مثل هذه الدراسات لا تهدف إلى رفضها رفضًا مطلقا، وإنما عدم قبولها باغتماض عين كذلك ويحق لها أن تعامل ضمن إطار الاستئناس بمعطياتها كمقاربة للواقع دون هالة تضخيميَّة أو مقص رقيبٍ مُجحِف. لقد تخلق الإلحاد الحديث في أوروبا وترعرع في كنفها، وهي التي صدرته إلى أمريكا بدايةً ثمَّ إلى باقي أقطار العالم، وبخصوص الأفكار الشيوعيَّة التي عمت الشرق الأقصى فهي ليست بالمعنى الإلحادي الذي نتحدَّث عنه وإن كانت الكثير من الدراسات الإحصائية عادةً ما تربط بين الدول الشيوعية والإلحاد ولا تُفرّق بين عقيدة النظام وعقيدة الشعب (3).
1 - يُنظر: (قراءة في نتائج بعض التقارير والاستطلاعات الدولية، مركز نماء للبحوث والدراسات، 7/ 17/ 2012 م). 2 - يقول صامويل هنتنجتون: "مع مجيء الشيوعية أُعيد تصنيف الجزء الرئيس من سكان الصين بكل بساطة من (تابعين لعقائد شعبية) إلى (لا) دينيين. يُنظر: صامويل هنتنجتون صدام الحضارات، ص 108. وللإشارة فإنَّ أغلب المؤرخين الغربيين يؤرخون لبداية ظهور الإلحاد في العصر الحديث بسقوط سجن الباستيل مع بداية الثَّورة الفرنسيَّة، ولم يظهر الإلحاد عمليا على الساحة العالمية إلا بعد وصول البلاشفة للحكم في روسيا عقب ثورة (1917 م)، ويُذكر أنَّ إلحاد البلاشفة لم يكن إلحادًا فلسفيًا أو عقليا أو فكريًا بل كان إلحادًا سياسيا. (يُنظر: هيثم طلعت العودة إلى الإيمان، ص 12).
191 (1/191)
صفحة 192
مناجزة الإلحاد
خلاصة المبحث
- ملامح إنكار وجود الله بدأت تلوح في الأفق عبر مراحل مُتدرّجة داخل النسق
الأوروبي الحديث. - كانت هناك إرهاصات لظهور إنكار وجود الله شملت كل مجالات الحياة الأوروبية، كالمجال الفلسفي والعلمي والسياسي والاجتماعي والأدبي والفني.
- الوضع الديني المغلوط وما يندرج تحت طائلته كان هو شرارة انطلاق الإلحاد في أوروبا. - الوضع الاجتماعي والسياسي في أوروبا له نصيب الأسد في شيوع الإلحاد.
192 (1/192)
صفحة 193
المبحث الرابع
الإلحاد في ضيافة
العالم العربي (1/193)
صفحة 194
"إِنَّ السُّقوط في الوَحْلِ أسهل بكثير
من الصعود إلى النُّجوم".
(عبد الوهاب المسيري)
" المادية تؤكد دائمًا ما هو مُشترك بين الحيوان
والإنسان بينما يؤكد الدين ما يُفرق بينهما.
(علي عزت بيجوفيتش)
"الجهل بالحقيقة له دخل كبير في ضياعها،
وأكثر الناس يترك الخطأ يسير لأنَّه لا يعرف الصواب“.
(محمد الغزالي) (1/194)
صفحة 195
أيها الإلحاد: كيف تسلّلت
إلى عالمنا العربي؟ من أذن لك بذلك؟!
وبأي حال جئتنا؟! (1/195)
صفحة 196
مناجزة الإلحاد
الإلحاد
في ضيافة العالم العربي
كان العالم العربي على موعدٍ مع ضيف ثقيل الضّل، ضيف أنكرته العقول والتقاليد والأعراف والعادات قبل أن تُنكره العقائد والتَّوجهات والديانات، ومع هذا وذاك فقد تسلل إلى المآدب والموائد العربية، وأخذ يقتات من فضلاتها حتَّى اشتد عوده الأعوج، وانتصب على قدميه يمشي الهبلى.
لقد انتقلت العدوى الإلحادية التي أصابت أوروبا في خضم نهضتها المادية إلى البيئة العربية، وكانت ثمَّة جسور بين الضفتين تعبر منها هذه العدوى ليحدث الالتقاء والاندماج، وتمخض عن ذلك أن أصابَ العالم العربي بعضُ ما أصاب العالم الأوروبي من لوثة الإلحاد، أن ذاك الالتقاء لم يرد منه استقدام الإلحادِ وإحسان وفادته، وإنما أريد به الإفادة من النّهضة الأوروبية ومشروعها الذي بهر العيون واستثار مكامنَ النُّفوس، وتراءى للآخرين كحلم وردي ومدائن فاضلة تتقاصر دونها الهمم.
على
راود حلمُ النّهضة الكثيرين من أبناء العالم العربي، وهو حلم مشروع في أصله، وكان يمكن الإفادة. منه بعد تهذيب بعض أفكاره بما يتناسب مع قيمنا ومبادئنا، وتعميق بعض الخطوط الباهتة فيه، ليصير واقعًا عمليا ملموسا يُنهضُ الأمة من وهدَتِها وينتشلُها من عَثَارِها، ومثل هذه الالتقاءات والتلاقحات يفرضها الواقع بطبيعة الحال، وليس علينا أن ندس رؤوسنا في التراب، أو أن تُغمض عيوننا عنها، بل علينا مواجهتها باتزان وتوازن أن ننفتح عليها من غير أن نذوب فيها، وأن نحافظ على هُويَّتِنا ومرتكزاتنا من غير أن ننكمش وننغلق على ذواتنا؛ فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أولى النَّاس بها.
هناك مسارات في التاريخ الحديث حددت أنماط الفكر العربي، ولا يهمنا منها إلا تلك الأنماط التي كانت تُغازِل مسارات الإلحاد بصورة مباشرة وغير مباشرة، وسوف نضع ديباجةً عن هذه المسارات بتنظيراتها وإسقاطاتها الواقعية بحسب طبيعتها المعرفية، فالإلحاد المعاصر
196 (1/196)
صفحة 197
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
تطفل على مآدب العالم العربي منذ اللقاء الأوَّل مع الحضارة الأوروبية وما نتج عنه من أفكارٍ وسلوكيَّاتٍ أناخت بركابها في مضاربه، واستطاعت أن تجد لها مكانا بين جنباته، وبحفاوة
استقبال في بعض الأحيان)!
1 - هنا تنبيهان؛ الأول: هذا المبحث ليس من قبيل (البكائيات)؛ وإنما هو سرد للأحداث والخلفيات التي دفعت بالتشكيك
إلى البروز والظهور في العالم العربي الحديث والمعاصر. الثاني: الشَّخصيات والكتب التي ستمر على القارئ الكريم في هذا المبحث ليست مقصودةً في حدّ ذاتها، فالمقصود منها هو ما تمثله من الخطوط العريضة للتَّوجهات والاتجاهات المؤثرة، ولن يكون لتقويم الآراء الواردة فيه حظ كبير من النقاش؛ لأنَّ ذلك خارج عن غايات المبحث وأهدافه العامة.
197 (1/197)
صفحة 198
مناجزة الإلحاد
أولا: على مأدبة السياسة
قبل ثلاثة قرون خلت أرخت الفوضى ستارها على شبه الجزيرة العربية، وملامح القلق والاضطراب علت مُحيَّاها؛ إذ كانت الجزيرة العربية تُعاني الأمرين؛ الشَّتات والتخلف. فالسلطات لا ضابط لها، ونواقيس الخطر تدقُ على مدار اليوم، وفوق ذلك دارت حروب طاحنة لإخضاع معظم أنحاء شبه الجزيرة العربية لدولة الحرمين، ثم استشعرت الدولة العثمانية خطر هذا التَّمدد، فدارت رحى الحرب من جديد، وظلَّ الأمرُ سجالًا بين الطرفين، والمنطقة على كف عفريت، ولم تسلم على العموم أي منطقةٍ في شبه الجزيرة العربية من مخالب الصراع وأنيابه، فشبح الحرب كان يلوح بيده باستمرار، إلى حين انعقاد الصلح عبر ترسيم الحدود حسب الاتفاقات والمواثيق الدولية.
عاش الفردُ في شبه الجزيرة العربيَّة وضعًا سياسيًّا مُزريًا، فالدين الذين يجمعهم لم يحقن دماءهم؛ لأنَّهم ابتعدوا عن منبعه الأصيل، وكل فصيل فيهم غلَّب انتماءه القبلي أو المذهبي على حساب الانتماء الديني، بل تم تجاهل هذا الأخير لصالح السياسة ومطامعها الماكرة؛ ممَّا أسهم في تهميش الجانب الديني وإعطائه بُعدًا تنظيريًا وَرَقيَّا، وسوف يترسَّخُ من حينها هذا المفهوم - مفهوم تغليب الانتماء السياسي على حساب الانتماء الديني - في ذاكرة الشعوب الحديثة، وينتقل تدريجيًّا إلى الأجيال اللاحقة جيلا بعد جيل!
وبلاد الشام لم تكن بمعزل عن ذلك، فبعد أن أصبحت تحت قبضة الدولة العثمانية لم تقف أوروبا مكتوفة اليدين؛ إذ ثارت ثائرتها وهرعت إلى مجابهة الدولة العثمانية وإذكاء نيران الفتنة فيها، فبادرت إلى دعم كل الحركات التي تُناوئ الدولة العثمانية بكل صور الدعم وأشكاله، وأغدقت عليها صفات الإخلاص والتفاني والوطنيَّة، وأشعلت فتيل الطائفية والقومية، وظل الأمر على حاله والمناوشات والانقسامات تتربع على عرش المشهد الشامي إلى حين إعلان الاستقلال والانفصال). لقد أخذت السياسةُ كِتابَ القوميات بقوة هنالك بدعم غربي،
1 - يُراجع: إسماعيل ياغي، العالم العربي في التاريخ الحديث.
198 (1/198)
صفحة 199
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
فأضحى الانتماء إليها أقوى من الانتماء إلى الدين - مما يعني تهميش الدين - وأصبح الاقتتالُ باسم القومية مشروعًا تجاه أي انتماء آخر ولو استلزم التحالف مع الشَّيطان، فهو جائز ما دام من أجل خدود تلك الفاتنة التي يُقال لها: (القومية)!
واحتل الإنجليز العراق تحقيقا لاتفاقية سايس بيكو) وحاولوا بكل دهاء أن يصرفوا نظر العراقيين عن الحنين أو الرغبة في الاستقلال، ولم يمنع هذا من قيام ثورة عراقية كبرى أخمدها الإنجليز في نهاية المطاف، ثُمَّ أعلن استقلال العراق غداة التوقيع على معاهدة الحماية الإنجليزية عام (1930 م). أما في فالامر سيان، فبعد أن انضوت تحت لواء الدولة العثمانية جاءت فيالق الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت، وتم احتلال مصر بعد معارك فاصلة، ثمَّ عادت التَّدخلات الأجنبية في شؤونها الداخلية من جديد، فوقعت تحت قبضة الإنجليز، وقامت الثَّورات الأهلية، وتوالت الانقسامات الداخلية واستمرت إلى العقود الأخيرة وإن تخللها الاستقرار بين الفينة والأخرى.
وأما بلاد السُّودان فقد حمي وطيس الحرب فيها بعدما صمَّمت الدول الأجنبية - بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا - على تقسيمها، فأدخلوها في حرب طاحنة مع الحبشة، ثمَّ وثَبَ الإنجليز على السودان ووضعوا كعبهم على صدر استقلالها في محاولةٍ منهم لتعميق جراحات الاحتلال، وظل الأمر على حاله إلى أن احتفلت السودان باستقلالها عام (1956 م) (2).
أما بلاد المغرب العربي وما جاورها فقد ظلت تحت وطأة الحروب الهوجاء والقلاقل المتعاقبة، فليبيا كانت خاضعةً للاحتلالين: الإسباني والفرنسي. ثم قررت إيطاليا الانقضاض عليها فكان لها ما أرادت، ودخل الإنجليز على خط المواجهة كدأبهم، واستمر الاقتتال والصراع على أشدّه إلى حين موعد إعلان الاستقلال عام (1951 م). وأما تونس فقد أنشَبَ الاحتلال الإسباني مخالبه فيها، ثمَّ رمت فرنسا بكل ثقلها بغية احتلال، تونس، فكان لها أيضًا ما أرادت، وبعد صراع طويل انجلت شدفة الاحتلال عنها عام (1956 م). والصراع بين المحتل وصاحب الأرض ظلَّ محتَدِمًا في بقيَّة الأقطار العربية، فقد كابدت تلك الدُّولُ أيضًا غُصَص الاحتلال وقاست عضَّ أنيابه قبل أن تنعم بنسمات الاستقلال (3).
1 - يُراجع: محمود صالح، الشرق العربي المعاصر.
- يُراجع: عبدالله عبدالرزاق، وعوقي الجمل، تاريخ مصر والسودان.
- يُراجع: محمود عمر، ومحمد خير فارس تاريخ المغرب العربي الحديث.
199 (1/199)
صفحة 200
مناجزة الإلحاد
اکتوى العالم العربي بنيران الحصار والتمزيق والغزو الفكري، وتعرّض لنهب الثروات وتحطيم ما تبقى له من قوة وتماسك، وخلَّفت القوى الاحتلالية وراءَها حدودًا مُفتعلة، وأقامت زعاماتٍ عميلة تركت جروحًا غائرةً استقرت في الوجدان العربي، ثمَّ اتَّجهت تلك القوى إلى طرح الأفكار الشيوعية، فأغرقت العالم العربي في بحر صراعات اليمين واليسار، ومن لم يقبل منهم ذلك استدرجته إلى مصيدة القومية، ولكن دارت الدوائر، فسقطت الشيوعية، وافتضحت القومية، وتعرَّت الشعارات، فاستدارت تلك القوى لتكرَّ على العالم العربي بجلود ووجوه أخرى). وقبل أن يغادر الاحتلال العسكري العالم العربي نشر بذور الاحتلال الفكري على تربته؛ على أمل أن يأخذ لاحقًا حقه يوم حصاده فلمَّا انكفأت النزعاتُ القومية بعد اشتطاطها كان انكفاؤها هذا مشروطًا بخضوعها للتيَّار الماركسي، ففي الخمسينيات من القرن المنصرم عُقد في بيروت اجتماع لروّاد القومية العربية انتهى إلى تبني الفكر الماركسي كأيديولوجية لحركة القومية (7)! كذلك لا يسعنا أن نتغاضى عن التأثير الجغرافي غير المباشر، فالجارة
إيران تأثرت بموجاتٍ علمانيّةٍ أقصت الدين وأبعدته عن شؤون الحياة
أن العامة بعد انتقل الحكم فيها إلى الشَّاه رضا خان (3)، وكان لذلك انعكاساته على مرآة السياسة العربية. لقد سبق لقطاع عريض من العالم العربي أن علَّق كل آماله وطموحاته في النهضة والاستقرار على عاتق
الشَّاه رضا خان الدولة العثمانية، فأخذ العرب يتوارون عن المسرح السياسي خلف الدولة العثمانية وربطوا مصايرهم بها، وعندما أخذ بناء الدولة العثمانية في التصدع
الداخلي، وانهزمت جيوشها أمام الزَّحف الخارجي، وتصاعدت المطامع السياسية الأوروبية لاقتسام أراضيها، وتسربت الأفكار الغربيَّة إلى أقاليمها عامَّةً والعربية منها خاصة؛ أخذ العرب يبحثون عن ذاتهم ولغتهم وحضارتهم ويتطلعون إلى تغيير حاضرهم وبناء مستقبلهم، ولكنهم وجدوا الطريق أمامهم شائگا، فقد انفرط العقد الذي كان يربطهم تحت أفياء الدولة العثمانية، وأطلت عليهم دول غريبة عنهم تفوقهم علمًا وقوَّةً وتقدما، فوقف العرب في حيرة من أمرهم؛ إذ مالت شريحة منهم إلى صف الدولة العثمانية التي دبَّت الشَّيخوخة في مفاصلها؛ رغبةً منهم في
1 - يُنظر: مصطفى محمود الإسلام السياسي، ص (7 - 8).
2 - يُنظر: فتحي يكن العالم الإسلامي والمكائد الدولية، ص (52 - 55).
3 - مؤسس الدولة البهلوية (1878 - 1944 م) كان دكتاتوريًا، عاش في صراع مع المرجعيات الدينية طوال فترة حكمه، واشتهر بمحاربته للحجاب، وفرض اللباس الغربي، وهو من قام بتغيير اسم البلاد من (فارس) إلى (إيران).
200 (1/200)
صفحة 201
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
إصلاح الخلل وسد الثغرات، ومالت شريحة أخرى إلى الانفصال تحت تأثير الأفكار الغربية الجديدة، داعين إلى دولة قومية بعيون غربية).
لقد دبَّ الخوفُ والعجز في أوصال الكثير من العرب بعد أن رأوا الهزائم وهي تطارد الدَّولة العثمانية وتتردَّد في كل مكان من سهول الهند إلى جبال البلقان، فوقفوا حيال ذلك موقف العاجز الذي لا يعلم أي السُبُلِ يسلك، فالحضارة الغربية بنت الرعب والهيعة في نفوس الكثيرين، ولم يجد العرب أنفسهم إلا أمام المد الأوروبي الذي أحاط بهم إحاطة السوار كمال أتاتورك بالمعصم، فقد كان اللقاء الأول بين العرب والحضارة الغربية شؤمًا مستطيرًا - في كثير من الأمور - وضربةً شديدة الوقع والأثر في صرح الوحدة أحدثت شرحًا عميقا (2). إنَّ المتأمل في السُّقوط المُدوي للدولة العثمانيَّة يُدرِك بأنَّه عائد إلى انبثاث الضعف الشامل في مفاصلها السياسية والاقتصادية والعلمية والفكرية والدينية والأخلاقية والاجتماعية (3)، وقد انبثق عن هذا السُّقوط الارتماء المباشر في أحضان العلمانية على يد مصطفى كمال أتاتورك)، والابتعاد عن كل ما له صلة بالفكر الإسلامي - كإغلاق المدراس الإسلامية كافة - فأخذ التَّغريبُ الجذري ينخر الأرض التركية ليمتد نفوذه إلى العالم العربي). لقد ترسخ مفهوم هشاشة الدول العربية وضعفها في وجدان الفكر العربي الحديث، وكيف أنَّها - أي الدول العربية - كانت مرتعا للجهل والاقتتال والتشرذم ومسرحًا للتَّدخلات الأجنبية والإملاءات الخارجية وتصفية الحسابات، وسيتبادر إلى ذهنه تحليل الأسباب واستخراج الرابط الذي يجمع بين هذه الدول، ولا ريب أنَّ الدين الذي تم تهميش دوره تارةً وتوظيفه لمآرب سياسية تارةً أخرى سيكون في أعلى القائمة السوداء، وليس بغريب على الفكر العربي الحديث أن يُضحي بالدين ويتحايل عليه وقد ظهرت ملامح التّضحية به بعد تلاقح الفكر العربي بمبادئ الحضارة الأوروبية عامةً والثَّورة الفرنسية خاصة، فمن خلال هذا التَّلاقح تسرَّبت إشكالية الدين والسياسة في أوروبا
1 - يُنظر: محمد عبدالقادر، نكبة الأمة العربية بسقوط الدولة العثمانية، ص (15).
2 - يُنظر: حسين مؤنس الشرق الإسلامي في العصر الحديث، ص (60 - 63). 3 - يُنظر: محمد الصلابي، الدولة العثمانية، ص 10.
4 - مصطفى كمال أتاتورك (1881) - (1938 م) زعيم تركي وقائد عسكري وسياسي، وأول رئيس تركي بعد إلغاء الخلافة العثمانية على
يديه. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية.
ه - يُنظر: رضا، هلال السيف والهلال، ص (68 - 69).
201 (1/201)
صفحة 202
مناجزة الإلحاد
إلى العالم العربي، ولما كان الهم السياسي هو الشَّاغل الأكبر لمفكري النهضة العربية في القرن التاسع عشر بوصفه السَّبب المركزي لتخلف العالم العربي واقعنساسه من وجهة نظرهم؛ فإِنَّ الطَّريقة التي تمَّ بها فضُّ هذا الإشكال في أوروبا تم استدعاؤها إلى العالم العربي دون
مراعاة للفوارق الجذريَّةِ بين البيئتين
كانت تلك الفترة العصيبة التي ماجت فيها الفتن والصراعات في أقطار العالم العربي كفيلة بخلق وعي يائس وحانق، ولم يزل الأمرُ على حاله بعد الاستقلال؛ فالإملاءات الأجنبية والتدخلات الخارجية تلقي بظلالها بين الفينة والأخرى، ورقعة شاسعةً من العالم العربي تُعاني إلى اليوم ويلات الحروب والصراعات والفتن وكثير من السياسات العربية تستحدث الطائفية من لا شيء وتزيد من أوارها واضطرامها، بل وتوظفها توظيفا دينيا دنيئًا؛ مما يعني أنَّ الدين سيكون مسؤولًا عن تلك الصراعات وما ينجم عنها من مآسٍ على كافة الأصعدة: كقراءة مشوّهة للمشهد الحقيقي، أو كحيلةٍ من حيل التبرير المصطنعة للتملص من الدين!
تلك هي تراكمات السياسة العربية في العصر الحديث، ولم يتغير - للأسف - واقعها السلبي الذي كانت عليه إلى اليوم، فمزيد من التَّشتت والتَّشرذم إلى مزيد من القرارات الهوجاء، ومن سيء إلى أسوأ، فالقضية الفلسطينية التي خذلتها السياسة العربية طوال عقودٍ أصبحت مثلا للتَّخاذل في نصرة أُخوَّة الدين والسياسة التي أفسدت الأمور ستجعل الفرد يُلقي باللائمة على (الدين) الذي لم يستطع أن يجد حلا لها، وسيُنظر إلى (الإله) نظرةً خاطئة؛ باعتباره لم يقف في صف المسلمين ضد عدوهم ولم يُحرك ساكنا!!
لقد غدت السياسات العربيَّة التَّطرف الديني وأمدَّته بالعُدَّة اللازمة، ولأنَّ التَّطرف وما يترتب عليه أمر ترفضه الفطر وتُنكره العقول فإنَّه إن استتر بستار الدين وتلفّع بالشعارات الفضفاضة فقد يمثل انعكاسا لصورة الدين نفسه، وسيفضي الأمرُ إلى رفض الدين والإله، فلا العقول المستقيمة ترضاه، ولا الفطر السَّليمة تقبله، والأمثلة على ذلك حاضرة في واقعنا المعاصر.
بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر واتهام الإسلام علنيًّا بالضُّلوع في تنفيذها توجهت الأنظار الخارجيَّة إلى العالم العربي بصفته الحاضن للدين الإسلامي، فتم تكثيف الحملات الإعلامية المسيسة لتشويه صورة الإسلام وإلصاق فكرة الإرهاب والعنف والهمجية به، وعلى إثر ذلك كان ردُّ السياسة العربيَّة خائبًا، وشكّل ذلك هزيمةً نفسيَّةً عظمى، هذه الهزيمة النفسية
202 (1/202)
صفحة 203
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
التي أججتها السياسات العربيَّةُ سيجترها الفكر العربي الحديث معه وسيسقطها على كل من خيب ظنه، ولن يسلم الدين من تلك الإسقاطات، ليس من باب الحتمية بالتأكيد، وإنَّما من باب التصورات الفكرية المهتزَّة والتي تبحث عن أدنى قشة لتتعلق بها.
لقد كسرت الثورات العربية مهابةَ السُّلطة السياسية وأبهتها في تلك البلدان، ونزعت عنها القداسة والفخامة التي لازمتها عقودًا طويلة، وأسقط المحتجون الرموز التي كانت قد تسلطت عليهم وذلت لها أعناقهم خاضعين، فلربما اغتر بعضهم وأخذته العزة بالإثم ليتحدى كل الرموز الأخرى: الدين والأخلاق والقيم والعادات والحبل على الجرار! بل وفوق هذا فإنَّ وضع ما بعد الثَّورات عادةً ما تلطخه أيادي الفوضى والاختلال والفراغ الفكري والسياسي، وهذا الوضع بدوره قد يُحفّز مناطق الكبت التي رزحت تحت وطأة الاستبداد، وقد يبلغ به الأمر إلى تفريغ شحنة المكبوتات بكل صورها الدينية والاجتماعية والسياسية!! وممَّا هو ثابت تاريخيا أنَّ الثَّورات في طبيعتها لا تقف عند الحدود السياسية، بل تتعداها إلى المجالات الأخرى وما تحويه من
مبادئ وقيم. هتفت تلك الثورات بالديموقراطية، وجعلتها على سُلَّم مطالبها الثورية، ولكن قبل ذلك كله كانت علاقة الفكر الإسلامي بالديموقراطية تبدو محل قبول ورفض (2)، فالديموقراطية لا تختلف كثيرًا عن التَّصورات والأفكار المنتجة خارج البيئة الإسلامية - كان هذا هو لسان الحال! - ومما زاد من تفاقم إشكالية الوضع هو أنَّ النُّخَب لم تكن مهيَّأةً بعد للتعامل مع ظروف المرحلة الفارقة؛ إذ لم يكن لديها الرَّصيد الكافي من الوعي والجاهزية العملية لكسب الرهان! والخطر كل الخطر يكمن في جعل الدين في قبالة الديمقراطية وأنه مصادم لها رأسًا برأس؛ فإنَّ الأثر السياء لهذه المصادمة سيرتد على الدين ذاته، وسيتهم بمصادرته للحريات ورفضه للديمقراطيات، وهل حصل مثل ذلك إبان الثورات؟ الجواب: نعم!
إذن؛ أضحى الدين فى السياسة العربيَّة بين مطرقة التَّوظيف الخبيث وسندان التهميش، فالسياسات العربيَّة تُلزم النَّاسَ بما تراه ولا تنظر إلى الدين إلا بشطر عيونها، وعندما تقتضي
1 - لا يمكننا القول إنَّ الديمقراطية نظام مثالي ولكنَّها أفضل الموجود، فهي بناء تراكمي من التَّطوير عبر ما يزيد عن (200) عام تقريبًا من التأسيس الحديث لها، وقد يسأل سائل: هل يمكن أن يولد ما هو أنفع وأجدى؟ نعم. كيف؟ كما جاءت الديمقراطية يمكن أن يأتي غيرها مما هو أكمل منها.
2 - يُذكر أنَّ النظام الديموقراطي لم يلق مقاومةً من علماء الشَّريعة إلا من بعد منتصف القرن العشرين حين بدأت تظهر مجموعةً من الجدليات حول مدى توافق الديموقراطيَّة مع الإسلام (يُنظر: نواف القديمي، يوميات الثورة، ص 185 - 188).
203 (1/203)
صفحة 204
مناجزة الإلحاد
الحاجةُ توظيف الدين في تنفيذ مخططاتها يتم استغلاله بأرخص الصور!! لقد هيأت هذه السياسات بيئةً تجعل الدين غريبًا، وتجعل مجرَّد الإشارة إلى أحكامه خروجا عن اللباقة والتَّحضُّر! ولا شك أنَّ الدين عندما يتم توظيفه توظيفا خبيئًا فإنَّ التهم ستُكال ضده، وعندما يتم تهميشه فإنَّ ذلك سيولد مع مرور الزمن شعورًا بعدم أهميته في الحياة العامة، وهذا من شأنه أن يُقلّص حجم الوازع الديني بل قد يقطع عنه أكسجين حياته، ومن ثُمَّ فلا حاجة بعدها إلى تسديد الضَّربة القاضية القاطعة لأنفاسه!! ومن هنا كان للإلحاد في العالم العربي كرسي على مأدبة السياسة!
204 (1/204)
صفحة 205
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
ثانيًا على مأدبة الدين
بعد أن أفاق العالم العربي على وقع الاحتلال الجغرافي والغزو الفكري؛ هال هذا الواقع الجديد علماء المسلمين وأذهلهم، فأخذوا يدفعون عن أفكارهم بكل إصرار وعزيمة، مضطلعين بأعباء المهمات، راكبين على متون التضحيات، بينما حاول فوج منهم أن يُصلح الأفكار التي قد تقف حجر عثرة أمام التَّقدُّم، كما كانت هناك محاولات في الاتجاه المضاد؛ إذ كانت فئة من النَّاس تُحاول جاهدةً تذليل أعناق العِقاب وترويض جماح الصعاب في سبيل أن تُوهِم المجتمع العربي بأنَّه يعيش حالة المجتمع الأوروبي في عصور الانحطاط، ولكي ينهض من الانحطاط ويعتلي صهوة التقدم فعليه أن يقتفي أثر الخطوات التي خطاها المجتمعُ الأوروبي حذو النعل بالنعل والقُذَّةَ بالقُذَّة، وفي مقدمة تلك الخطوات: التحرر من قبضة الدين متجاهلين عقبة اختلاف الأسباب، ومتغافلين عن حقيقة أنَّ التَّحرُّر من الدين لم يكن سببًا للنهضة الأوروبية، بل نتيجة ترتبت عليها!!
مع بدايات القرن التاسع عشر انبلجت طلائع الاحتكاك المباشر بالحضارة
أنحاء العالم العربي،
الغربية، فاجتاح الشُّعور بالتخلف المادي وأوجد ذلك هزيمة نفسيَّةً مريرةً دفعت بالكثيرين إلى الإلحاح في طلب مسايرة الغرب واللحاق بركبهم، فكان منهم جهد جهيد في التوجه نحو الجانب الديني وإصلاح الأخطاء ا
اء التي خلفها موروثه البشري، فعرف هذا المنزع باسم محمد عبده (المدرسة الإصلاحية والتي قادها الشيخ محمد عبده. وعندما أراد الشَّيخُ أن يُقيم سدا في وجه العلمانية الأوروبية وما تفتق عنها ليحمي المجتمع الإسلامي من طوفانها؛ انفجر السد وأصبحت بقاياه قنطرة عبور إليها، فقد جاء بعضُ تلامذة الشيخ من بعده ليدفعوا بنظرياته وتوجهاته إلى أقصى حدود العلمانية). وفي نهاية القرن التاسع عشر تشكلت حركة تغريبية تقوم
1 - من رجال النهضة الإصلاحية (1849 - 1905 م) كان ناقمًا على فساد التعليم وتخلف مناهجه عن العصر، التقى بجمال الدين الأفغاني ولازمه، اشتهر بالحث على البحث والاجتهاد وتحكيم العقل والرأي والقياس، له كتاب: (الإسلام والنصرانية)، وكتاب: (رسالة التَّوحيد)، وكتاب: (الرَّد على المستشرق هانوتو)، وغير ذلك من المقالات والفتاوى (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). 2 - يُنظر: محمد حمد الناصر العصرانيون، ص (69 - 70).
205 (1/205)
صفحة 206
مناجزة الإلحاد
(1)
على اتخاذ الغرب الأوروبي قدوةً في جميع مجالات الحياة، وحمل لواء هذه الحركة الكاتب المصري الشهير قاسم أمين. ومع منتصف القرن العشرين جاء دور (العصرانية) التي دعت إلى قراءة الدين ونصوصه قراءةً عصريةً تقوم على تفسير الدين ونصوصه وفقًا لمنجزات العصر العلمية والثقافية. وفي
محمد على باشا نهايات القرن العشرين جاءت المحاولات الحثيثة لتعميم نماذج حضارية وثقافية ودينية معينة على جميع الشُّعوب العولمة) وهذه النماذج مُصدَّرةٌ
عدد
من الدول العظمى، وهدفها هو اختراق أنماط الحياة الدينية والأخلاقية والاجتماعية وغيرها). ثمَّ قام محمد علي باشا (3) والي مصر بابتعاث خريجي الأزهر إلى الجامعات الأوروبية، وبلغ البعثات (11) بعثة)، وكانت تلك خطوة مهمة جدًا - بل وضروريَّة في الآن ذاته - للارتقاء بالمستوى التعليمي، ولكسب الخبرات والمهارات وبناء دولة عصرية حديثة، لكن أعراض التأثر بالحضارة الأوروبية اجتازت حدود الخارطة التي وضعها محمد علي باشا، فالمفكران العربيان الكبيران رفاعة الطهطاوي وخيرالدين التّونسي عادا إلى عالمهما العربي بأفكار علمانية عقلانية على الطريقة الأوروبية كما وصفها الكثيرون، ويُمكن اعتبار عام (1830 م) شرارة انطلاق ترجمة أولئك المبتعثين لكتب فلاسفة التنوير في أوروبا، تلك الترجمات التي حاولوا فيها نشر الفكر الأوروبي الذي أسس للدين الطبيعي وثار ضد الدين الكنسي، فكان إسقاط واقعهم الثَّوري على واقع آخر يُعطي انطباعًا بتماثل الواقعين وخلوصهما إلى النتيجة نفسها؛ أي الثَّورة ضد الدين! ومنذ العام (1830 م) بدأت الإرساليات التنصيرية تخترق أجواء العالم العربي من بوابة سورية، ثم تبعتها لبنان وباقي أقطار العالم العربي، وقد كان نصارى الشام أوَّل من اتَّصل بالبعثات والإرساليات التنصيرية، وكانوا من أشد المشجعين على تبني العلمانية ونبذ أي تحكّم إسلامي في الحياة العامة)، والحديث عن الأدوار التي قامت بها هذه الإرساليات في العالم العربي يطول؛ فليرجع إلى مظانه).
1 - كاتب وباحث مصري (1863 - 1908 م) أوفدته الحكومة المصرية إلى فرنسا لدراسة الحقوق، فعاد إلى مصر وكان وثيق الصلة بالشيخ محمد عبده، وقد كان له كتاب أسماه (المصريون) بين فيه فوائد الحجاب وابتذال الغرب وتهتكه قبل أن يطرح رأيه المخالف في كتابه (تحرير المرأة). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
2 - يُنظر: محمد الشريف، تجديد الخطاب الديني، ص (59 - 90).
3 - محمد علي باشا المعروف بمحمد الكبير (1770 - 1849 م) ألباني الأصل، حكم مصر وراثيا، كان أميًّا، فتعلم القراءة وهو في الخامسة والأربعين من عمره. (يُنظر: الزركلي، الأعلام، 6/ 299).
4 - يُنظر: عمر الدسوقي، في الأدب الحديث، ص 22. ه - يُنظر: مقالة (التغريب)، الندوة العالمية للشباب الإسلامي، موقع صيد الفوائد.
6 - يُراجع: عبدالجليل شلبي، الإرساليات التبشيرية، ص (149) وما بعدها. وعبد العزيز الكحلوت التنصير والاستعمار، ص (33 - 46).
206 (1/206)
صفحة 207
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
وحدث - لاحقًا - تطور متسارعُ النَّبض غطى جميع مجالات الحياة؛ مما استدعى الاجتهاد في معرفة أحكام النوازل التي لم يقل فيها الأقدمون شيئًا، لكن النَّاس اصطدموا بالفكرة السائدة عن غلق باب الاجتهاد بتحرير قضائي من الدَّولة العثمانية ولنا أن نتصور عاقبة مثل هذا الفكرة على الدين؛ إذ تم وضعه في توابيت الجمود الفكري؛ مما يعني أنه قد يخرج من مسرح الحياة متسللا من الباب الخلفي كانت حمولة العالم العربي الدينية ثقيلةً على كاهله، فالعصر الحديثُ اجتر معه كل الإرث الديني بهيله، وهيلمانه وبما شاب بعض جوانبه من خرافاتٍ وأباطيل، وما حفلت به بعض مدوّناته من الكيد والإغراض تجاه المخالفين بما يُؤجج نار الأحقاد، وينفخ في كير الضغائن! فانقسم الناسُ إلى فريقين لا يكاد يربط بينهما رابط فريق المحافظين على التراث، وهؤلاء لا يُدركون على وجه التحديد أي شيءٍ من هذا التراث هو من حقيقة الدين، وفريق اتَّجه إلى الحضارة الغربية باعتبارها محراب الأمل والمخلّص من الخطيئة والمنقذ من الضَّلال، وهذا الفريق نفسه قد انقسم إلى قسمين تجاه الدين قسم يرى نبذه كما نبذته أوروبا، والآخر يرى الإبقاء عليه شريطة أن يلزم مكانه لا يتجاوزه، ومكانه هو أن يكون علاقةً خاصةً بين العبد وربه محلها القلب ولا شأن له بواقع الحياة).
في مستهل فترة الاحتلال الغربي للعالم العربي مع نهايات القرن التاسع عشر تم الفصلُ بين التعليم الديني والتَّعليم العام فعلوم الشَّريعة انفصلت عن العلوم الإنسانية والطبيعية بعد أن كانت المناهج التَّعليميَّة في كبار الجامعات العربية في القاهرة وفاس والقيروان تُدرس فيها علومُ الشَّريعة بجانب العلوم الإنسانيَّة والطَّبيعيَّة؛ انطلاقاً من النَّظرية التربوية الإسلامية المبنية على وحدة الهدف في جميع العلوم: هدف معرفة الخالق وسياسة الكون بمنظور الاستخلاف. لقد تبدى مصطلح التَّعليم الديني في الجامعات العربية العريقة في بداية القرن العشرين، مُشعِرًا بانفصال العلوم الدينيَّة عن العلوم الإنسانيَّة والطَّبيعيَّة، ولعلَّ هذا الفصل فيه خير من حيث النظرة الأكاديمية في تقسيم التَّخصصات - نظرًا لتشعبها وغزارة معطياتها العلمية - لكنَّ هذا الفصل فى الحقيقة أسهم في تهميش العلوم الدينية وتقزيمها، وقلص حجم الدعم الذي كانت تتقاضاه، والجانب الأهم من هذا كله ليس التعليم الديني في حد ذاته، بل اعتماد الدين كقيم مرجعية تحكم المنظومة التربوية والتعليميَّة، فقد كانت القيم الدينية حاضرةً في المنظومة
1 - يُنظر: محمد قطب، واقعنا المعاصر، ص (347 - 348).
207 (1/207)
صفحة 208
مناجزة الإلحاد
التربوية العربية في كل محتوياتها العلميَّة على مر التاريخ، ومع هذا الفصل الذي حدث بين العلوم ضمرت هذه القيم وخبا وهجها، وظهرت القِيمُ النَّفعيَّة المرتبطة بسوق العمل والتنمية على حسابه، فانحسرت المقاصد التّعبديَّة عن مختلف العلوم ومعلوم ما لهذه الخطوة من عواقب رأينا آثارها في مجتمعاتنا العربية، فانهيار المقاصد التعبدية والقيم ذات المرجعية الإلهية جعل المتلقين للعلوم الطَّبيعيَّة يُمارسون علومهم بمعزل عن تلك القيم، فأصبحوا بذلك
فريسةً يسهل اقتناصها، وأصبحوا في أرضية زلقةٍ لا تثبت أقدامهم عليها مع أوَّلِ هبة ريح كما ألقت الانقسامات بين المسلمين بظلالها على المشهد الديني في العصر الحديث فالدين لم يكن مبتوت الأرومة عن تلك الصراعات التاريخية التي يتم نفخ الروح فيها إلى اليوم، والشقاقُ الديني بين المسلمين ضاعف من حجم المعاناة التي يُقاسيها العالم العربي، وحيث إنَّ جوهر الدين يقوم على الترابط والألفة والمحبة فإنَّ الواقع لا يُصادق على ذلك؛ إذ أصبح الدين مطيَّةً للتَّناحر والتدابر والتَّقاطع، وأصبح بذلك سببًا فيما آلت إليه حال الأمة! اختلاف المذاهب الإسلامية وانقسامها على نفسها تم استغلاله عبر التاريخ الحديث في تبرير الانسلاخات الدينية وتمييع أحكام الدين ومبادئه، وأصبح التَّشكيك صرعةً من الصرعات التي يتم التسابق إليها، فالحقائق الدينية التبست بالنسبيَّات، وخطوط التَّماس بينها ما عادت واضحةً المعالم بحكم العصبيات المذهبية، وكما رأينا الأثر البارز الذي نجم عن الاختلافات الدينية بين رجال الدين وكنائسهم في أوروبا فإنَّ هنالك أثرًا مقاربًا له قد بدا وكأنه يُطل برأسه على العالم العربي. ثمَّ يأتي الخطاب الديني المعاصر الذي اتَّسم بعضُه بالجمود، واتَّسم بعضُه بالخرافات، واتّسم بعضُه بالبلادة في فهم واقع العصر ومتطلبات الشباب، وانتشى بعضُه بمحاربة حقائق العلم ونظرياته! وحسبك أيضًا ذلك الخطاب التَّحريضي الذي يبيح سفك دم المخالف، ويقتات على الفتاوى التكفيرية، ويُعطي لنفسه الحقَّ الشَّرعي بالتَّدخل في الشؤون الداخلية للدول وتحديد مصيرها. كانت تلك الأحداثُ - سالفة الذكر - المستجدة على الدين الإسلامي في العصر الحديث والمعاصر تفسح المجال رويدا رويدا للإلحاد ليتطفل على مائدة الدين ويحجز مقعدًا له فيها.
1 - يُراجع: خالد الصمدي، أزمة التعليم الديني في العالم الإسلامي، ص (20 - 30).
208 (1/208)
صفحة 209
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
ثالثًا على مأدبة الفكر والثّقافة
تجاوب العرب مع كل الحضارات ببساطة لا يماثلها في التَّاريخ البشري إلا ما فعله اليابانيون من اندماج بالوسائل العلمية والتقنية الغربية في العصر الماجي (1868 - 1912 م)، لكن الفكر العربي بدأ بالانحدار والضعف العام لاحقًا، وقد يكون هذا الضَّعفُ استراحة محارب جرى شوطاً طويلا، وشارك بإسهاب في مدافعة الفكر الإنساني والحضارة البشرية، وعمل على إنماء الجذور التي قامت عليها الحضارة الغربية الحديثة، وفي الوقت الذي كان فيه الغرب يضخ أفكاره إلى العالم العربي عبر أنابيب الاحتلال؛ كان هذا الأخير يُحاول استعادة عافيته، وينفض عن نفسه غُبار الجمود، ويُثبت للعالم أجمع أنه كان وما زال قادرًا على العطاء مدى الأزمان (2).
مر الفكر العربي الإسلامي بمنعرج تاريخي عندما تم إلغاء الشريعة الإسلامية من ممارساته الميدانيَّة، إذ بدأ الاحتلال الفرنسي بهذه الخطوة في الجزائر عام (1830 م) ثم انتقل إلى مصر، فبحلول عام (1883 م) لم تكن صلاحيَّاتُ الشَّريعة تتجاوز الأحوال الشَّخصيَّة إلا فيما ندر، تلتها تونس في عام (1906 م)، فالمغرب في عام (1913 م)، فبلاد الشام، فالعراق، وفي مصر أيضًا أُزمع على القضاء على الأزهر ومعاهده وإحلال المناهج (اللادينيَّة) محلها، وفي العراق وُضعت خطة شبيهة بتلك؛ حيث حُوّلَ العلماءُ إِلى مُجرَّدِ موظفين إداريين في الأوقاف؛ مما أدى إلى القضاء على التعليم الديني، وفي المغرب العربي قام الاحتلال الفرنسي بتحويل المساجد والجوامع إلى اصطبلات للخيول ومخازن للسلاح إضافةً إلى دعمه المكثف للتعليم (اللاديني). وعلى مستوى الأفكار فإنَّ الاحتلال الأجنبي فتح الباب لولوج جملة من التيارات والأفكار التي تُصادِمُ الفكر الإسلامي، وقد كان للاستشراقُ في ذلك القدح المعلى واليد الفارعة، فقد سعى إلى دليّ الفكر الإسلامي بوابل من التشكيكات في مسلماته، فطعن في حقيقة الإسلام والقرآن والنُّبوة، وروّج لفكرة انتهاء صلاحية الإسلام، ووضع بكل تلك الأطروحات الفكر العربي
1 - يُنظر: عزيز سوريال عطية العلاقات بين الشرق والغرب، ص (198 - 199).
2 - يُنظر: أنور الجندي، معالم الفكر العربي، ص (4 - 5).
209 (1/209)
صفحة 210
مناجزة الإلحاد
على محكّ الامتحان، وكان لا بُدَّ لمثل تلك الأحداث من أن تخترق بعض النفوس، وتتوغل في بعض الصدور).
رفاعة الطهطاوي
في كتابه (تخليص الإبريز) يُعضّم رفاعة الطهطاوي (2) المجتمع الفرنسي وعاداته (اللادينية)، متحدثًا عن نوادي الرقص، وعن طريقة احترام المجتمع الفرنسي للمرأة ممثلا على ذلك بقوله: "وكل إنسان يعزم امرأةً يرقص معها، فإذا فرغ الرَّقص عزمها آخر للرّقصة الثانية وهكذا، وسواء كان يعرفها أم لا ... (3). هذا الانبهارُ الفكري والثقافي بالمجتمع الفرنسي الذي يُصوره الطهطاوي قد يُنظر إليه - بطبيعة الحال - على أنه دعوة إلى التقدم على الطَّريقة (اللادينيَّة). وفي الطرف الآخر شنَّ أحمد لطفي السيد (4) حملةً شعواء على اللغة العربية الفصحى، داعيًا إلى الأخذ بيد اللهجة العامية واعتمادها، فسخر من قواعد اللغة العربية ومن طرق ضبطها (ه)، وتابعه على ذلك زميله عبدالعزيز فهمي (1) وآخرون، بل واقترح هذا الأخيرُ أن تكون اللغة اللاتينية هي كعبةُ اللغات وبيتها الحرام قيامًا للعرب!! هذه المنهجية سبق أن رأيناها في أوروبا في مخاض نهضتها؛ إذ كانت اللغة اللاتينية هي لغة الكتاب المقدَّس، ولغة الدين الكنسي وشعائره وصلواته، فكانت المحاولات تتوالى لإحلال اللغات العامية في محلها؛ مما أدى إلى تهميشها وتهميش الدين الكنسي تباعًا، ولا شكٍّ أنَّ الطَّعن في اللغة العربية - لغة القرآن والشعائر - طعن في الدين، كما أنَّ اللغة هي ثقافة الأمة، ومحاولة عبدالعزيز فهمي فييرها هي محاولة لطمس الثَّقافة وكتم أنفاسها. وبعد زوبعة الجدل التي
أحمد لطفي الشيد
1 - يُنظر: أحمد سمايلوفتش فلسفة الاستشراق، ص (47 - 48).
2 - رفاعة رافع الرفاعي الطهطاوي (1801 - 1873 م) أبرز روّاد النهضة العربية في مصر، ومن خريجي الأزهر، تأثر بالشيخ حسن العطار، من أهم كتبه: (المرشد الأمين)، و (نهاية الإيجاز)، و (تخليص الإبريز). (ينظر: الموسوعة العربية الميسرة، 4/ 2171). 3 - رفاعة الطهطاوي، تخليص الإبريز، ص 137.
4 - أحمد لطفي السيد (1872) - 1963 م) مفكر عربي من روّاد الحركة الوطنية، عُين عضوا بمجمع اللغة العربية، ثم رئيسًا له، شارك في تأسيس حزب الأمة، وتولى رئاسة تحرير الجريد. (ينظر: الموسوعة العربية العالمية). ه - يُراجع: أنور الجندي، أكذوبتان في تاريخ الأدب الحديث، ص 29.
6 - عبدالعزيز فهمي (1870 - 1948 م) سياسي مصري، عُين وزيرًا للعدل، وله عدَّةُ بحوث لغويَّة، وقد كان عضوا بمجمع العربية بالقاهرة. يُنظر: الموسوعة العربية الميسرة، 4/ 2210).
اللغة
210 (1/210)
صفحة 211
(1)
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
أثارتها نظريَّةُ التَّطور في أوروبا جاء إسماعيل مظهر ليحمل بشارتها إلى
إسماعيل مظهر
علي عبدالرازق
المتلقي العربي، ولم يكتفِ بنقل الجانب العلمي منها فقط، بل أضاف إليه نقل فلسفتها؛ إذ قال فى مجلته: "أمَّا الثَّابت حتَّى اليوم فليس مما يُرضي التفاؤل في مصير الإنسان ولستُ أدري لماذا لا يُشارك الإنسانُ الحيوانات في نهايتها المحزنة ما دام يُشاركها في بداياتها الجميلة؟! ". وقوله: "اكتفت الأديانُ بالقول بأنَّ الغاية من خلق الإنسان والجن هي أن يعبدوا الله. فكرة حسنة لكنَّها غير صحيحة؛ إذ لو ص صح هذا إذن لاعتُقدَ بجانبه بأنَّ الله فى حاجة لأن يعبده الإنس والجن". وقد ترجم إسماعيل مظهر كتاب (نشوء الرُّوح في ضوء العلم)، ودافع فيه عن النظرة الميكانيكية المادية. وفي كتابه: المرأة في عصر الديموقراطية) دعا إلى إباحة ما يعتبره المسلمون سفورًا، ودعا إلى التكشف والتبرُّج قائلا بأنَّ الإسلام لم يُحرّم ذلك على المرأة. ويقول ناقمًا: "إنَّ الذين يقومون اليوم في وجه النّهضة النسويَّة في مصر إنَّما يبكون زمنًا غَبَرَ ودهرًا، عَبَر، يبكون زمن الحجاب والدادات والأغوات، زمن الستائر على النوافذ والأبواب ... » (2). كلُّ هذا كان قبل تراجعه وإعلان توبته. عندما قامت النّهضة في أوروبا على سوقها لم يتبق للدين على طاولة الحياة العامة إلا الفتات؛ إذ تم اختزاله في الأمور الشَّخصيَّة، والرُّوحيَّة، وكان من الطَّبيعي أن يمتد أثر ذلك إلى العالم العربي؛ بحكم الالتقاء الذي جمع بين العالمين، فجاء - كنتيجة لذلك - كتاب الإسلام وأصول الحكم) عام (1925 م) للقاضي الأديب علي عبد الرازق (3) - والذي يُظنُّ بأنَّ المستشرق اليهودي مرجليوث هو المؤلف الحقيقي والخفي له - محاولا إيصال فكرة انكفاء الدين وانزوائه في الجانب الرُّوحي والشخصي فقط، فلا شأن له في الحياة العامة ولا حكم له ولا سلطان، بل إنَّ الخلافة الراشدة كانت لا دينيَّة، وجهاد النَّبي كان للمُلك والسياسة لا للدين والشريعة. وقد شكلت خلاصة هذا الكتاب مرجعًا لأولئك المنادين بتنحية الدين عن واقع الحياة وحصره
1 - كاتب ومترجم مصري (1891 - 1962 م) من أعلام النهضة العلمية والأدبيَّة في الفكر العربي الحديث، ترجم العديد. الأجنبية؛ أشهرها كتاب (أصل الأنواع. يُنظر: الموسوعة العربية الميسرة، 1/ 302).
2 - إسماعيل مظهر، المرأة في - عصر الديموقراطية، ص 65.
من
الكتب
- مؤرخ وأديب ووزير وقاض (1888) - 1966 م)، له عدة كتب من بينها: أمالي عبد الرازق)، و (الإسلام وأصول الحكم) وهو أشهرها. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
211 (1/211)
صفحة 212
مناجزة الإلحاد
ساطع الحصري
(1)
في حدود ضيقة وهامشيَّة. استمرَّ مسلسل معاملة الدين الإسلامي بالإسقاطات الأوروبيَّة على الدين النصراني، وجاء تغليب انتماء العرق على انتماء الدين عن طريق نشر ثقافة القومية العربية التي ابتدعها ساطع الحصري بعد الحرب العالميَّة الثَّانية، فقد حاول أن يؤصل لفكر عربي إقليمي منزوع عن سياقه الإسلامي، متجاهلًا دور الإسلام وتكوينه للفكر العربي بوصفه إياه تاريخًا قوميا عنصريًّا، وهو بهذا يُحاول أن يحذو حذو أوروبا في فكرة القوميات (2)، متناسيا أنَّ الدين في أوروبا أصبح مجرد شعائر معزولة عن الحياة وشؤونها، وأنَّ موقفَ الإسلام تجاه القوميات يختلف عن موقف النصرانية في أوروبا؛ فالدين في أوروبا فشل في توحيد تلك القوميات المختلفة، بينما قاد الإسلام حملة توحيد القوميات والأجناس المختلفة التي لم يكن لها أن تجتمع تحت سقف واحد. إنَّ القومية المتطرفة خطوة فكريَّةً تزرع بذرة تهميش الدين في الوعي الثقافي، وحيث إنَّ الدين يُعلى عليه - باسم القومية - فإنَّ الاستغناء عنه لصالح من اعتلى ظهره سيكون أمرًا مُستسائًا مُشرع الأبواب بحسب الدافعين في هذا الخط
لقد استصحب رُوَّادُ التنوير العربي الواقع الأوروبي بكل حذافيره، ففي كتابه (من هنا نبدأ) يقول خالد محمد خالد: "إنَّ تصفية العلاقات بين المجتمع والدين هي بداية الطريق المفضي إلى النماء والاستقرار (3). هكذا تتم دراسة الواقع العربي بكل سطحية دون مراعاة للاختلافات الجوهرية في الأحوال الثقافية والاجتماعية والدينية والتاريخية بين العالم العربي والعالم الغربي، فالدعوة إلى إسقاط الوضع الغربي على الوضع العربي هي دعوة منصرمة العقال في التهور وعدم التعمق وإن لاقت رواجًا وانتشارًا في بعض الأوساط العربية!
وفي كتابه (خُرافة الميتافيزيقا) يُعرب زكي نجيب محمود (4) عن فكره المادي؛ إذ أنكر 1 - منظرُ في القومية العربيَّة، ورائد المنحى العلماني في الفكر القومي (1879) - 1968 م) ولد بصنعاء اليمن من أبوين حلبيين، أبدى إعجابه بالمفكر الألماني فيخته، وشاركه الرأي في أنَّ اللغة هي أساس القومية. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). 2 - يُراجع: ساطع الحصري، حول القومية العربية.
- يُنظر: جمال سلطان، جذور الانحراف الفكري، ص (109). يُذكر أنَّ محمد خالد اعترف بخطئه الكبير في كلامه هذا؛ ولذلك تأسف أدونيس على تراجعه عن مخططه التنويري وقد ردَّ الشَّيخ. محمد الغزالي على كتاب (من هنا نبدأ) في كتابه (من هنا نعلم)، وأشار في مقدمته إلى أن ردَّه كان لتقرير الحقائق أكثر من أن يكون ردا على الكتاب (يُنظر: محمد الغزالي، من هنا
نعلم، ص 8).
4 - أحد أبرز أعلام الفكر العربي في القرن العشرين (1905 - 1993 م) كان مثار جدل، ففريق رأى فيه التجديد والنهضة، وفريق اتهمه بالتَّغريب! له كتب كثيرة لعل أهمها: (المنطق الوضعي)، و (قصة عقل)، و (نحو فلسفة علميَّة). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
212 (1/212)
صفحة 213
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
مفهوم الغيب وما وراء المادة، ويبدو أنه كان متأثرًا كلَّ التَّأثر بفلسفة إمانويل كانث). وليس من المبالغة إن قيل عنه بأنه أشهر مفكر عربي حاز خطر السبق في نقل الفلسفة الوضعية المادية إلى العالم العربي بنكهة الدعوة إليها، ولا شك أنَّ الكثيرين قد تأثروا بكتاباته، وقد حكى عن نفسه
في كتابه (قصة عقل) أنه يتبع الاتجاهات العصرية في تبنيه للفلسفة زكي نجيب محمود
الوضعية المنطقيَّة (2)، وعندما تعرضت كتاباته للنقد انتفخت لغاديده،
يبدو
حصر
ووقفت شعرات أنفه، مُبدِيًا امتعاضه ومظهرًا تمسكه بالدين فبادر إلى تغيير عنوان كتابه من (خُرافة الميتافيزيقا) إلى موقف من الميتافيزيقا وقدَّم له مقدمةً ألقى فيها معاذيره (3). إذن؛ أنَّ الفكر العربي الحديث مرَّ في بدايته بمرحلة التوفيق بينه وبين الفكر الغربي، ويُمكن هذه المرحلة في الفترة ما بين بداية القرن التاسع عشر والثلث الثاني من القرن العشرين، وفي المرحلة ذاتها كانت هناك عدة محاولاتٍ - وإن كانت محدودة - تبنت التخلي عن النظرة الإسلاميَّة بشكل كامل، ثمَّ جاءت المرحلةُ النَّقديَّة في الفترة ما بين الثلث الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين السمت بنقدِ التُّراث الفكري الإسلامي من جوانب انطلاقا من التصورات الغربية، وفي الوقت نفسه السمت بنقد الفكر الغربي الحديث وظهور ما يُعرف بالمشاريع الفكريَّة، أمَّا الأوضاعُ الفكريَّة الحالية فإنَّها تسير نحو البحث عن الاستقلال الفكري عن الفكر العربي القديم والفكر الغربي الحديث)، وهو ما يُمكن أن الإلحاد العربي قد شق طريقه من خلال
عديدة؛
أنَّ
يُصطلح عليه بالبحث عن الذات والهوية، ويبدو تلك المحاولات المحدودة التي تبنت التخلي عن النظرة الإسلامية في المرحلة التوفيقية. إِنَّ كُلَّ فلسفة أو فكرة مهدت للإلحاد في أوروبا إبان نهضتها وَجَدَتْ مَن يتلقَّفها في العالم العربي من الكتاب والمفكرين، ومن هذه الزاوية كان للإلحاد في العالم العربي موطئ قدم على مأدبته الفكرية، ومن الطَّبيعي أن يشعر العالم العربي بالتمزق الثقافي والتخلف الفكري؛
1 - لم يُنكر الغيبيات الإسلامية صراحة، لكنَّ نقده للميتافيزيقا وإعجابه بالفلسفة النقدية لكانت وتبنّيه للفلسفة الوضعية المنطقية كلها عوامل كانت تُعطي انطباعًا قويًا عن فكره المادي. يُرجع لكتاب زكي نجيب محفوظ: موقف من الميتافيزيقا). 2 - يُنظر: زكي نجيب محفوظ، قصة عقل، ص 92.
1 - لن نتحدث عن تفاصيل رجوع زكي نجيب محفوظ في نهاية المطاف عن الكثير من مواقفه بعدما اطلع على الثراث الإسلامي - كما تحدث عن ذلك بنفسه في كتابه قصة عقل - فحديثنا هنا عن الأثر البارز التي خلفته كتاباته في الفكر العربي، والتي تخدمُ بلا شك النزعات المادية.
- يُنظر: الفلسفة العربية المعاصرة، مجموعة من الأكاديميين العرب، ص (254 - 257).
213 (1/213)
صفحة 214
مناجزة الإلحاد
لأنه آمن بضرورة المطابقة الكاملة بين النموذج الأوروبي وواقعه العربي فأدى به ذلك إلى الانصهار التام والاغتراب العام، وأضحى كلُّ ما يمُتُّ إلى عالمه العربي بصلة محل شكّ وريبة، وموضع اتهام بالتخلف والتَّحنُّط الثقافي!
لقد ظل الفكر العربي الحرُّ رهينةً بيد الاحتلال الغربي، وفي أفضل الأحوال طريدة بيد السياسات الحاكمة، وفي الوقت الذي كانت فيه أوروبا تُحرزُ الانتصارات تلو الانتصارات في مجال الاكتشافات العلمية كان العالم العربي يُناضل من أجل الاستقرار السياسي ودحر الاحتلال وتأكيد حقه في العيش بحرية بعد أن كانت إنجازاتُ الأسلاف) في حقول العلم المختلفة تُبهر العالمين منذ القرن الثَّامن وحتَّى القرن الثالث عشر الميلادي، فانسحبت أمتنا وقبعت منزويةً بين طيَّات التَّاريخ، وجاءت حضارة الغرب فوق أنقاضها ليكون لها قصب السبق، وعندما سنحت الفرصةُ بقدرٍ من الحرية الفكريَّة لم نستلهم إلا الفكر الغربي في كل شؤوننا، منصرفين عن واقعنا وثقافتنا، ومتشبثين بانتداب الطابع الغربي في كل أوجه حياتنا الثقافية).
وباسم النهضة وما صاحبها من تنوير تجرَّعَ العالم العربي تطعيمات التغريب بكل مرارتها، وانتهت صرعةُ النّهضة العربية وتنويرها إلى غير شيء، واستمرَّ التَّغريب ولم ينقطع نسله حتّى بعد انقطاع صرعة النّهضة التي قذفته بين أحشاء العالم العربي، والغريب أنك لتجد الأمر الفكري والفلسفي يعم الغربَ ثُمَّ يُعلن الغرب موته فيواريه تحت أرماس الفكر من غير حداد، بل قد يستبدله بفكر آخر ولكنَّك تتفاجأ باحتضان مغتربي العالم العربي ذاك الفكر المرفوض المستبدل!! ليكون حالهم كحال النافر إلى الحج والناس قد عادت، وإنَّك لتمتلئ تعجبًا وتذهل حيرة من صنيع قادة التَّغريب، فتجدهم يبحثون بحث المستميت عن الفلسفات الوضعية من أي وادٍ ومشرب كانت هذه الفلسفة ما دامت لا تحتضن أبجدياتها شيئا اسمه (الدين)، فتجدهم - مثلًا - يفتشون في قمامة الشيوعية ومخلفاتها بعد أن ماتت الشيوعية في مهدها وقُبِرت، كلُّ ذلك تحت أوهام خادعة وشعارات زائفة من مثل: البحث عن الذات ... البحث عن الهوية المفقودة! لن يصح الأمرُ إن أبقينا الصراع قائمًا بين الأصالة والحداثة، وبين الدين والنهضة، فهناك ترابط بين كل هذه المفاهيم، ولا يصح التخلي عن مفهوم منها لصالح الآخر، فإنَّ أوروبا نفسها لم تتخل إبان نهضتها عن تراثها الثقافي التَّاريخي (اليوناني والروماني) وانطلقت منه؛ ذلك لأنَّ
1 - من يرد الاستزادة - في هذا الباب - فليرجع إلى الكتاب القيّم للدكتورة سيغريد هونكه شمس العرب تسطع على الغرب). 2 - يُراجع: إبراهيم سعفان، أزمة الفكر العربي، ص (51 - 62).
214 (1/214)
صفحة 215
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
التّرابط بين مفاهيم الأصالة والحداثة ليس ترابطاً شكليًّا بل هو ترابط ذو علاقة داخلية بين عناصر مختلفةٍ يؤدي نُضج أحدها إلى نضج الآخر، فالأصالة وعي بالذات، وإدراك لحدودها الزَّمانيَّة والمكانية، والتزام بقيم الإسلام الكلية وتصوراته الشَّاملة، والحداثة انفتاح على الإنسان والعالم، ورغبة في مد الجسور والتَّعاون لتحقيق مجتمع عادل يصبُّ كل طاقاته لكرامة الإنسان، فلن يستقيم الحالُ إلا إن ابتعدنا عن دائرة الاستقطاب بين الأصالة وما يندرج تحتها من الدين والثقافة والأعراف، والحداثة وما ينزوي تحت لوائها من تحضر وتمدن).
وهكذا الحال مع الصراع والاستقطاب بين الرُّوحي والمادي، فليس أحدهما يُصادم النهضة والتَّقدم، بل كُلُّ واحدٍ منهما يُكمل الآخر، وهذا مثبت عبر تاريخ البشرية جمعاء، فالحضارةُ الهندية المتقدمة كانت متجهةً إلى تحليل النفس الداخلية وتأملاتها، وابتعدت عن قوقعة الحواس، فاكتشفت بذلك أشياء كثيرة، والحضارة اليونانية اهتمت بالبحث عن قوانين العالم الخارجيَّة، وتحديد مقام الإنسان في العالم الخارجي، والحضارةُ الصينية اهتمت بالعلاقة بين الإنسان والإنسان، فكلُّ حضارة من هذه الحضارات صبَّت جُلَّ اهتمامها على جانب دون الآخر ولكنَّها في الوقت ذاته لم تُهمل الجانب الآخر، ولم تلقه بين طيات العدم وشراسيفه أنَّ النّهضة الأوروبية خضعت للعامل الجغرافي؛ إذ تأثرت بالجانب المادي اليوناني، وأهملت الجانب الروحي وجعلته ضديدًا ونقيضًا)، وهذا ما يتنافى مع الفكر الإسلامي؛ إذ لا صدام فيه بين الجانبين، وقد حاول كثير من رواد النّهضة العربيَّة أن يُوهموا العالم العربي بهذا الاستقطاب المفتعل، والذي هو غير مشبوك الصلة بالواقع الفكري الإسلامي، وكلُّ ذلك يرجع الأساس إلى مغالطة الإسقاطات الأوروبيَّة التَّاريخيَّة على العالم العربي.
ويبدو
1 - يُنظر: لؤي صافي الحرية والمواطنة والإسلام السياسي، ص (63) وما بعدها.
2 - يُنظر أحمد أمين الشرق والغرب، ص (136 - 146).
:
215 (1/215)
صفحة 216
مناجزة الإلحاد
العربي
رابعًا: على مأدبة الأدب
كان لبعض العناق الماكر الذي حصل بين الحضارة الأوروبية والعالم أثره البارز في انحراف مسار الأدب العربي عن نسقه المعهود، ولئن كانت مجالات السياسة والدين والفكر قد تأثرت بذلكم الالتقاء فلا غرو أن يتأثر الأدب هو الآخر، فالأدب يحمل عقيدة صاحبه، ويرسم
خطوط فكره وتوجهاته، فالمتأثرون بالتغريب أو الاستشراق أو الحداثة خليل مطران وما ضارع ذلك سينتجون أدبًا يتلفّع بتلافيع ما تأثروا به، لهذا؛ شهد الأدب
العربي في العصر الحديث تحولات في المضامين والتوجهات الفكرية بخلاف التحولات الأخرى في القوالب والأشكال، وقد كان خليل مطران (1) أستاذ الدعوة إلى العصريَّة التَّجديديَّة المناقضة للقديم بحلوه ومره؛ إذ كان من أوائل الداعين إلى التَّجديد في المضامين، والتَّحرُّر من قبضة الأساليب القديمة وكل ما يمتُ إليها بصلة (3)، وهذا الأمر يُشاكل الانقلاب
معروف الرصافي على الكلاسيكية في أوروبا كما سبق بيانه. وينتقل أثر الفكر الغربي
عمومًا والإنجليزي خصوصًا إلى الأدب العربي عن طريق مدرسة (أبوللو)، فقد تأثرت بالنزعة التَّغريبيَّة، وكان أعظم أثر أحدثته هو التَّحرُّر الفني والطَّلاقة البيانية والجرأة على الابتداع من خلال الاستقلال وعدم التقليد والتَّقديس للمأثور، وهذا الابتداع ليس محصورا في جانب النَّمط الأدبي المطروح، بل تعداه إلى الزَّوايا الفكرية والعقدية (3). ثم رمى أدب معروف الرصافي (4) بكل ثقله على الساحة الأدبية؛ إذ هاجم الأحكام والتقاليد والعادات الدينية منها 1 - خليل بن عبده بن يوسف مطران (1869 - 1949 م) أديب وشاعر لبناني لقب بشاعر القطرين؛ لأنَّه تغنى بوطنه لبنان وتغنَّى بجمال مصر من قصائده: (المساء)، و (المنتحر)، و (نيرون). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
2 - يُنظر: أدونيس، الثابت والمتحول، (3/ 93 - 95).
- يُنظر: سعيد الغامدي، الانحراف العقدي، (1/ 73 - 75).
- معروف بن عبدالغني البغدادي الرصافي (1875 - 1945 م) شاعر العراق في عصره، لازم الشيخ محمود شكري الآلوسي، وهو من أطلق عليه وصف (الرصافي) نسبةً إلى الرصافة ببغداد. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). وللرصافي كتاب أوصى وصى بعدم نشره إلا بعد موته وهو كتاب (الشخصية المحمدية اعترض فيه على النبوة والوحي والقرآن مع اعترافه بأن =
216 (1/216)
صفحة 217
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
والعرفية، وأخذ ينقد الماضي العربي دينيا وتاريخيا، وفرَضَ رأيه في وجوب التخلص من الماضي)، فتراه يسلق الدين والنبوة والغيبيات بلسان سليط حديد، رافضًا مفاهيم العبادة والدين والحساب والتشريع. وقد فتح الرصافي بأدبه هذا نافذةَ الجُرأة والتَّنمر على الدين، فالأدباء من بعده ممن هاجموا الدين أو تعرّضوا له اقتبسوا جذوةً من جُرأته، وبنوا عليها جبران خليل أعمدتهم الأدبية (3)! ويأتي أدبُ جبران خليل جبران (3) في قمة الحداثة والتجديد؛ حيث يصفه أدونيس بنبي الحداثة! وأنَّه المؤسس الأمثل بل والأعمق لتطلعاتها واستشرافاتها. والمُطالع لعمل من أعمال جبران كرواية (المجنون) يجد أنَّ (الله) موضوع على محك السُّخرية والتَّهكُم، وأنَّ
الشعائر الدينية - كالدُّعاءِ مثلا - وهم من الأوهام. ويرى أدونيس بأنَّ إبداع جبران خليل جبران لم يأتِ من فراغ، وإنَّما كان إبداعه بسخريته كامل كيلاني من القيم الدينية والاجتماعية، وقدرته العالية على هدم الأفكار والمعتقدات
الراسخة، والإتيان بآفاق العدمية وذلك من خلال إعلانه (قتل الله) كما يقول أدونيس عنه (ه)! وفي عام (1928 م) تم تأسيس (رابطة الأدب الجديد) بزعامة كامل كيلاني (2) - قبل توبته - وكان نشرُ النَّزعات الإلحاديَّة من أولوياتها المحمولة على عاتقها، وبعدها يستمر ركب الأدب العربي
=
الله عليه وسلم - أعظم رجل عرفه التاريخ، وأنه اجتمع فيه من عناصر الكمال البشري ما لم يعرفه التاريخ في
محمدا - صلى غيره. (يُنظر: الشخصية المحمدية، ص 16).
1 - يُنظر: معروف الرصافي ديوان الرصافي قسم الاجتماعيات، وقسم النسائيات، وقسم التاريخيات. 2 - مما قاله الرصافي في ديوانه عن الأديان والنبوات، قصيدة: (حقيقتي السلبية)، ص (191 - 192):
ولستُ من الذين يرون خيرًا بإبقاء الحقيقة في الخفاء
ولا ممن يرى الأديان قامت
ولكن هنَّ وضع وابتداع
منزل
للأنبياء
العقلاء أرباب الدهاء
ولا من معشر صلوا وصاموا لما وعدوه من حسن الجزاء
3 - جبران بن خليل بن ميخائيل جبران (1883 - 1931 م) کاتب وشاعر ومفكر وأديب لبناني، أصله من دمشق، يُعد أكبر كاتب رمزي عرفه الأدب العربي، له عدة مؤلفاتٍ من بينها: (عرائس المروج)، و (الأرواح المتمردة). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). 4 - يُنظر: جبران خليل جبران، المجنون، ص (19، 9، 8، 7). وننبه إلى قضيَّة الاختلاف بين الإسلام والنصرانية في صفات الله وما يجوز وما لا يجوز في حقه، ولا شك أنَّ القارئ قد تمرُّ عليه هذه الإسقاطات النصرانية في قصائد جبران وغيره. ه - يُنظر: أدونيس، الثابت والمتحول، (4/ 143 - 191). 6 - كاتب وأديب مصري (1897 - 1959 م) يُلقب بـ (رائد أدب الأطفال)، ألف وترجم أكثر من (250) قصة من قصص الأطفال، من أبرز أعماله: (مصارع الأعيان)، و (حكاية بهلول)، و (مصارع الخلفاء).
217 (1/217)
صفحة 218
مناجزة الإلحاد
الزهاوي
الانحراف عن مساره التقليدي عند شعراء المهجر، فقد كانوا ينطلقون
في أدبهم من عقائدهم النَّصرانية، كما تحلَّى أدبهم بقلائد (اللاأدرية). ثمَّ تأتي الحداثة في نهاية المطاف كخلاصة خرجت من رحم تلك التراكمات التجديديَّة؛ إذ انقدحت شرارتها من العراق وانطلق صخبها من هنالك ليخترق آفاق البلاد العربيَّة بأسرها)، فتسللت إلى الأدب العربي ونفثت مضامينها فيه، ولا يعني هذا أنَّ الخير منعدم في اتجاهات الأدب العربي
الحديث ومدارسه، وإنَّما الغايةُ هي التركيز على مسار خط الانحراف الذي كانت معطياته تدفع دفعًا إلى زيادة منسوب التشكيك وارتفاع حظوظه شيئًا فشيئًا، فالأدب العربي الحديث تتضارب فيه الفلسفات الماديَّة واللادينية، فتارةً يستند إلى اللاأدرية، وتارةً إلى الماركسية، وتارةً إلى العدمية وغيرها من الفلسفات، حتَّى قيل بأنَّ عهده الشعري في فترة من الفترات أصبح بلا هوية، وأصبح لا يُقدم مفهومًا حقيقيا). وفي السياق ذاته بزغ نجم شاعر العراق جميل صدقي (3) بعدما أغرق ديوان شعره بوابل من الدَّعوات إلى النزعات المادية، والانعتاق نحو آفاق الداروينية العشوائية العدمية، ورفض الاعتقاد بالمعاد وخلود الروح، فأدبُ الزهاوي فيما عبور لتمرير النزعات المادية وتغذية جذورها، ولا شك أنَّ بعض النفوس قد وجدت ما يسد حاجتها من تلك النزعات على مأدبة الأدب؛ لتُبرّر بذلك نمط تفكيرها وأسلوب حياتها. ومن الأمثلة التي يمكن إيرادها على ما أشرنا إليه؛ قول الزهاوي:
الزهاوي
كان محطة. يبدو
لا يغضب الناس من مقالي إن قلتُ أصل الإنسان حيوان
1 - يُنظر: سعيد الغامدي، الانحراف العقدي، (1/ 75 - 78).
ومن
2 - يُنظر: محمد حسين الأعرجي، الصراع بين القديم والجديد، ص (113). والحداثة أمر ضروري - بالطَّبع - فهي تعكس التَّطور لا يتطوَّر يموت، ولكن الطريقة التي دخلت بها الحداثة إلى العالم العربي هي المستنكرة في الأصل وليست الحداثة ذاتها؛ فقد أتت الحداثة محمولةً على ظهور دبَّابات الغزاة ومشدودةً برسن القاذفات والراجمات جاءت لتفرضَ ذاتها فرضا وفق ثقافة القوي على الضعيف، وفق رؤية الغالب على المغلوب، إنها إملاء لطريقة العيش وفرض لخيار واحد وحيد أوحد أريد تعميمه وتثبيته بقوة النار والحديد من قبل المنتصر على المهزوم؛ لذلك أصبحت الحداثة خصمًا ينبغي مكافحته فكريًا وثقافيا كما تمت مكافحة الاحتلال عسكريًا وسياسيًّا، وأصبح الوقوف في وجهها مطلبًا دينيا لا تجوز الحيدة عنه، وهذه الفتة وفق للانتباه لها بعضُ الباحثين الغربيين عندما ذكروا أنَّ رفض المسلمين كان رفضًا للأسلوب الغربي، ورفضا للنفوذ الاستعماري الأوروبي، وليس رفضًا للانطلاق إلى النّهضة والتجديد الحضاري للاستزادة: السيد ولد أباه الدين والهوية، ص 55 وما بعدها). 3 - شاعر وأديب عراقي (1863 - 1936 م ولد وتوفي في بغداد، من أعلام الشعر العربي الحديث، كان يضع نفسه فوق فعندما كانت الأوساط الشعريَّة تتحدث عن شوقي والرصافي أخذ الزهاوي يسخر منهما! (يُنظر: الموسوعة
شعراء عصره، العربية العالمية).
218 (1/218)
صفحة 219
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
فإنَّ إنسانًا ابن قرد أفضل من قرد ابن إنسان
وقوله:
لفساد
إنَّ للعالم الذي نحن جزء منه کونا مصيره غير أن الفساد مبدأ كون آخر سوف ينتهي لمعاد
وإذا صح أن يكون قديما فهو في غنية عن الإيجاد وهو من غير مبدأ في اقتياء وهو من غير منتهى في اعتقادي
ثم تأتينا محاولة طه حسين) في الإمساك بدقة قيادة الأدب العربي وتغيير مسلكه ومشربه؛ إذ طرح فكرة فصل القداسة عن الأدب في كتابه (في الأدب الجاهلي، ورغب في استغلال الحرية الأدبية إلى أقصى حدودها (2)، مما يعني فصل الأدب عن الفكر والثقافة والدين وإلقائه على رسيلاته وعواهنه الإباحية والشَّكيَّة؛ ليغدو في خاتمته عملًا أدبيا مبتوت الأرومة بالفكر الإسلامي العربي، كما أنَّ طه حسين مرّر في كثيرٍ من ن كُتُبه ومقالاته الاتهامات التي تُشكّكُ بالدين والقرآن، فالدين في نظره مجرد ظاهرة ثقافية جماعيَّةٍ خرجت من الأرض كما خرجت الجماعة نفسها، والقرآن عمل أدبي يجب اتباع منهج النقد الأدبي في التعامل معه؛ متَّبعًا بذلك أسلوبين؛ الأوَّل: (الصَّدمة). والثَّاني: (كسر القداسة) (3). ويتوالى تطاير شرر التشكيك بالدين في أقدس مقدساته، ففي كتابه (النثر الفني في القرن الرابع) أقدم زكي مبارك (4) على وصف القرآن بالنثر الجاهلي الذي
طه حسين
زكي مبارك
1 - ناقد ومؤرخ أدبي وروائي ومترجم وشاعرُ مُقلّ (1889) - 1973 م)، كان من المعجبين بالشيخ محمد عبده وآرائه، ويُحسب له أن كان من المدافعين عن العربية الفصيحة والرافضين لفكرة استخدام اللغة المحلية، ويُذكر بأنه قد تراجع لاحقا عن كثير من آرائه، له عدة كتب من أهمها: (في الشعر الجاهلي)، وعلى هامش السيرة)، و (حديث الأربعاء). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). 2 - يُنظر: طه حسين، في الأدب الجاهلي، ص (53 - 57).
- للمزيد يُراجع: أنور الجندي، طه حسين حياته وفكره في ميزان الإسلام.
4 - محمد زكي عبدالسلام مبارك (1891) - (1925 م) أديب وشاعر وناقد مصري، نال درجة الدكتوراة في الأدب من جامعة السوربون، له عدة مؤلفات من بينها: (ألحان الخلود)، و (مدامع العشاق)، و (أكواب الشهد والعلقم). (ينظر: الموسوعة العربية العالمية).
219 (1/219)
صفحة 220
مناجزة الإلحاد
يعكس صورة بيئته، وبأنه مجرد أثر أدبي. وهذا اللمز يُوحي بدلالاته إلى بشرية القرآن، ومحدودية صلاحياته، ونفي القُدسية عنه، ومما لا ريب فيه أنَّ هذا المسار هو ذات المسار الذي انقدحت منه شرارة الإلحاد في أوروبا؛ فنقد الكتاب المقدَّس - المحرَّف - كان منطلقا من منطلقات نجيب محفوظ الإلحاد في أوروبا. ويظهر جليًّا تعمق الأفكار المادية الماركسية في أدب نجيب محفوظ ()، فرواياته التي أثارت الجدل لاسيما روايته (أولاد
حارتنا) (3) كانت أشبه ما تكون بحبك روائي لفكرة مراحل تطور الفكر البشري التي تنتهي بالوضعيّة كما نظّر لها أوجست كونت، فقد أقدم كثير من النقاد على تعرية رموز هذه الرواية وأرجعوها بعد فكّ شفرتها إلى المقصود الحقيقي منها، فكانت تلك الرموز تمثل الله والأنبياء). ولن نخوض في تفاصيل ذلك، وإنما نكتفي بإشارة عابرة إلى جرأة أدب نجيب محفوظ في رواياته عمومًا وروايته (أولاد حارتنا خصوصا؛ إذ أعلن فيها بشكل ضمني موت (الله) والقضاء على فكرة الدين بعد أن وضع العِلمُ حبل المشنقة على رقبته. لقد مهد الأدب العربي الحديث مُمثلا في المدارس والأعلام سالفة الذكر لظهور الشَّطحات الغربية في التعامل مع الدين والإله، فجاءت كثير من الأعمال الأدبية مشربًا بالشَّطط والشَّطن والتَّجاوز في أمور الدين والأخلاق والأعراف، وكان منها ما كان من تعبئة وعي القُرَّاء بذخيرة من الشكوك والارتياب، ولعلَّ أضعف الإيمان هو أن يُصبح المرور على مثل تلك الشَّطحات أمرًا معتادًا لا يُحرك شعرةً في جسم المتلقي، ولا يُؤلمه نابُ الخذلان إذا ما وقف أمامه؛ فتنكسر القداسة في نفسه بدون شعورٍ منه، وقد يترتب بناءً على ذلك أن يدق باب الإلحاد في ساعة ضعفٍ منه، ومن بعد يهرع إلى الدخول في مهامه حنادِسِه ودواجيه!
في روايته (محاكمة الله) والتي تحمل عنوانًا آخر وهو (مسافة في عقل رجل) حشد فيها
1 - يُنظر: زكي مبارك النثر الفني في القرن الرابع، ص (39 - 41).
2 - أديب وروائي مصري (1911 - 2006 م ورائد الرواية العربيَّة، وأوَّل عربي نال جائزة نوبل للآداب عام (1988 م)، له أكثر من خمسين كتابًا من بينها: (خان الخليلي)، وزقاق المدق)، و (بداية ونهاية). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
- رواية ضخمة تقع في أكثر من (500) صفحة، تناولت خمس قصص، كل قصةٍ منها منفصلة عن الأخرى، ويجمع بينها شخصيَّة (الجبلاوي) التي تظهر في جميع تفاصيلها، والجبلاوي كان رمزًا عن (الله) كما يرى بعض النقاد. (اقرأ: نجيب محفوظ، أولاد حارتنا). - يقول جورج طرابيشي: "لكن الرموز في أولاد حارتنا معدومة الوجود، ومستحيلة الوجود أصلا بالنَّظر إلى التطابق الكامل ووحدة الهوية بين شخصيَّة موسى التَّاريخيّة وشخصيَّة (جبل) الروائية ..... فالرموز ليست رموزًا في حقيقتها وإنَّما شخصيَّات تم تحوير تسمياتها. (ينظر: جورج طرابيشي، الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية، ص 22).
220 (1/220)
صفحة 221
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
كاتبها علاء حامد كل أفكار الإلحاد ومفاهيمه الصّريحة، فتجد الشخرية من (الله) وأنبيائه وكتبه، كما تجد الهجوم المقذع على الدين ووصم أتباعه بأنَّهم في الحضيض وفي الوحل، وروايته هذه - وهي تتألف من قرابة 240 صفحة - مملوءةٌ من الدَفَّة إلى الدَفَّة بكل ألوانِ الإسفاف والتّهكُم والشخرية، فهو يقول مثلا: "الإنسان ليس سوى نظرية مادية بحتة، وُجِدَ بالصدفة وسيموت بالصدفة، وبموته يُصبح مجرد ذكرى في أروقة الحياة، فلا إله ولا ثواب ولا عقاب ولا جنَّة ولا نار ... والرسل ليسوا سوى مجموعةٍ من الدَّجَّالين، والأديان صيغ بشرية، والإنسان ابن الطبيعة، خالق نفسه ... ولا يشق على القارئ أن يجد في الأدب العربي الحديث والمعاصر ما يُغذي - بتراكماته الأدبيَّة - نبتةَ الإلحاد في نفوس المتلقين، فلك أن تُطالع إعلان موت (الإله) عند نزار قباني؛
إذ يقول:
ويقول:
(0) 66
من بعد موت الإله مشنوقا
على باب المدينة
لم تبق للصلوات قيمة
لم يبق للإيمان أو للكفر قيمة (6).
إِنِّي أُحبك من خلال كآبتي
وجها كوجه الله ليس ليس يطال (7)
وعدم تقدير الله حق قدره، والحط من مكانته وقداسته سمة تجدها بكثرة، كقول السَّيَّاب (8) في قصيدته (مرثية الآلهة):
ه - علاء حامد، مسافة في عقل رجل، ص (15). ويُنظر: (أحمد أبو زيد، محاكمة سلمان رشدي المصري، ص 59 - 130). 6 - نزار قباني، الأعمال السياسية الكاملة، (342/ 3). وهنا نشير إلى أنَّ إعلان نزار موت الإله لا يعني إنكار فكرة الإله، فهو يلوّحُ باستخدامه هذا إلى مرادٍ أدبيّ. ضمنه هذا الخيال كعادته في كثير من رمزيَّاته المبثوثة في أشعاره ونحن – بلا شك- نرفض مثل
هذا التجديف والابتذال في حق الإلهِ الكبير المتَعَال. 7 - نزار قباني، الأعمال الشعرية الكاملة، (1/ 493).
- شاعر عراقي (1926 - 1964 م) كان وجهه بعيدًا عن الملاحة وهيئته خالية من الوسامة، فسبب له ذلك أثرًا نفسيا مؤلما، وللسياب العديد من المجموعات الشعرية كـ (أنشودة المطر)، و (أزهار) وأساطير)، و (المومس العمياء). (يُنظر: الموسوعة
العربية العالمية).
221 (1/221)
صفحة 222
مناجزة الإلحاد
وما كان معبودا سوى ما نخافه
ونرجوه أو ما خيلته الطبائع.
ولك أن تُطالع العدميَّة والضَّياع عند نازك الملائكة (2) كما في قولها:
لستُ أدري ما غايتي في مسيري
آه لو ينجلي لعيني
وستجد نفي وجود الإله يتردَّد صداه، كقول يوسف الخال:
وابتدئي
الحياة:
لا نور لا ظلام لا إله (4)
ولن يعز عليك أن تمر بالأبيات التي تُنكر الحساب والبعث، كقول ممدوح عدوان (ه):
أنا لا أؤمن بالبعث
اسكبي لي فزعًا يكفي لهذا الصُّبح (6)
وإنكار النبوات ليس بمعزل عن المسرح الأدبي، فلك أن تمر على قول الشياب:
كفرت بأمة الصحراء
الأنبياء على ثراها ... ).
1 - بدر شاكر السياب، أنشودة المطر، ص 34.
2 - شاعرة وناقدة أدبية، ولدت ببغداد (1923) - 2007 م) كانت مواقفها النقدية حول الشعر الحر تثير الجدل؛ فقصيدة التفعيلة خففت من وهج القصيدة العمودية وهو ما لم تُرده نازك، فظهر في كتاباتها الأخيرة ما يُوحي بتراجعها عن كثير من آرائها السابقة في الشعر الحر. ولنازك مجموعة من الأعمال كـ (الكوليرا)، و (عاشقة الليل)، و (شظايا رماد). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
- نازك الملائكة، ديوان نازك الملائكة، (1/ 29).
4 - يوسف الخال، الأعمال الشعرية، ص 327.
ه - أديب وصحفي سوري (1941 - 2004 م) من أعماله: (الظل الأخضر)، و (ليل العبيد). (ينظر: الموسوعة العربية العالمية).
6 - ممدوح عدوان، الأعمال الشعرية، (2/ 93)
- بدر شاكر السياب ديوان السياب، ص 642.
222 (1/222)
صفحة 223
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
حقا؛ لقد حجز الإلحاد مقعده على مأدبة الأدب العربي، فالعصر الحديث أؤلم للأدب العربي بوليمة تحمل من دَسَم الأفكار الغريبة المستوردة ما سدَّ به شرايين قلب الفكر الأدبي للأمة فأصابها بجلطاتٍ خطيرة، وقد رأينا فى هذه الإلماعة التَّاريخية كيف تأتى للإلحاد أن يتسرب إلى الأدب العربي ويختلط بتربته ونضيف إلى ما سَبَق التنبية إلى خطر تأثير الأدب الغربي المُترجم منه وغير المترجم وذلك فيما يحويه من أفكار تتمثل في شخصيَّةً مؤلفيها وتوجهاتهم والتي - في كثير منها - تتسربل بالماديَّة، وتتلون بألوان عبثية أو عدمية ونحو ذلك.
223 (1/223)
صفحة 224
مناجزة الإلحاد
خامسا: على مأدبة
الصحافة
لقد كان الإعلام قبل عدَّةِ عقودٍ يُوصف بالتقليدي، وهذا الوصف بالتأكيد لا يُقلل من فاعليته وتأثيره في المجتمعات في تلك الفترة من الزَّمان، لكن واقع الحال تغير بعد أن وضع الإعلام الجديد قدمه على الساحة العالمية، فبحلول عام (1976 م) ظهرت ملامح التغيير وبلغت ذروتها في عام (1980 م)، ولمَّا كانت الدول النامية مستضعفةً إعلاميًّا؛ بحكم عدم امتلاكها لأدوات الإعلام الجديد؛ جاءت قمَّة كولومبو عام (1975 م) لتدرُسَ البونَ الإعلامي الشاسع بين الدول المتقدمة والدول النامية؛ إذ اقتصرت هذه الأخيرة - في الغالب - على التلقي السلبي لإعلام مبني على الأفكار الغربية، ثم توالت القممُ والاجتماعات التي تمخض عنها ولادة إعلام جديد يترنح بين التَّبعية والاستقلال).
وإذا عُدنا بالزَّمن قليلًا إلى الوراء نجد أنَّ الصَّحافة كانت متربعةً على عرش الإعلام التقليدي، بل نجد أنها قد سجلت حضورها منذ القدم، فأوّل جريدة أطلت على العالم صدرت في عام (911 ق. م) وهي جريدة (كين بان الصينيَّة، أما في العصر الحديث وبعد اختراع الآلة الطابعة فإنَّ جريدة جازيت (Gazette) الفرنسية التي صدرت في عام (1631 م) هي أوَّلُ جريدة بالمعنى الرَّسمي شهدها العصر الحديث، ثم توالت الصُّحُف الأوروبية بالظهور، وكان لها دورها المؤثر في صناعة الفكر وتوجيهه. أما أوّل صحيفة ظهرت في العالم العربي فهي صحيفة (التنبيه) التي أصدرها نابليون بونابرت بمصر في عام (1800 م)، علما بأنَّ أوائل الصحف التي ظهرت في العالم العربي كانت تصدر عن جهاتِ الاحتلال الغربي، فأوَّل صحيفة جزائرية كانت صحيفة (المبشر) التي أصدرتها فرنسا فيما كانت صحيفة (الرائد) التَّونسية تحت إشراف الاستشراق الفرنسي، والتاريخ الحديث يُطلعنا كذلك على أن أول محرر صحفي عربي - وهو إسماعيل الخشاب - قد اتَّخذته فرنسا إبان حملتها على مصر لتدوين ما تمليه عليه في صحيفتها (التنبيه) (2).
1 - يُنظر: مصطفى المصمودي النظام الإعلامي الجديد، ص 10.
2 - يُنظر: أديب مروّه، الصَّحافة العربية نشأتها وتطورها، ص (142 - 157).
224 (1/224)
صفحة 225
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
إنَّ أَوَّلَ منعرج يصحبنا في رحلتنا عبر التاريخ الحديث للصحافة العربية هو مُنعرج الطباعة، فقد صدرت فتوى بتحريمها واعتبارها رجسًا من عمل الشَّيطان وبقي الأمر على حاله إلى حين صدور مرسوم سلطاني عثماني في عام (1712 م) بإتاحة طبعِ الصُّحف إلا ما كان مختصا بأمور الدين). ومن هنا كاد الدين أن ينتصب في وجه الطباعة كعقبة فارعة يصعب تجاوزها وهي العامل المهم والضَّروري من عوامل النهضةِ والتَّقدم كما لا يخفى!
ذاك
لقد عكست الصَّحافة العربية في العصر الحديث صورة مُجمل الأحداث الفكرية والثقافية والاجتماعية التي عاشتها وشكلت صفحاتها وعيًا عربيًّا تم صياغته وفق أهداف مرسومة بدقة،
فالتغريب والاستشراق والتَّحرُّرُ وغيرها من التَّوجُهات ملأت الصُّحُفَ العربية، مع العلم معظم الأقلام التي حبَّرت الصُّحُفَ العربية في العصر الحديث وملكت مقاليد التصرف فيها كانت ذات توجهات ماركسية وعلمانية وتغريبيَّة! فلا عجب أن تنظر - مثلًا - إلى مجموعة من أشهر كتاب صحيفة (الأهرام) وهم يُزوّقون في كتاباتهم الوجة الماركسي العلماني، ويشنون حملة شعواء لا هوادة فيها ضدَّ الصَّحافة الإسلامية ويدعون إلى إيقافها وتجميد الدم في عروقها. كما ظهرت في سبعينيات القرن التاسع عشر عدَّةُ مجلات كان الهم المُلقى على عاتقها هو إطلاع العالم العربي على الفكر الأوروبي والأمريكي، وكان العدد الأكبر من هذه المجلات يصدر في بيروت والقاهرة برئاسة نُخبة من نصارى لبنان الذي تثقفوا في المدراس الفرنسية والأمريكية، وتأتي من بين تلك المجلات مجلة (الجنان) التي أصدرها بطرس البستاني في عام (1870 م)، ومجلة (المقتطف) التي أُسّست في عام (1876 م) على يد يعقوب صروف وفارس نمر وهما من أساتذة الكلية البروتستانتية السورية، ومجلَّةُ (الهلال) التي ظهرت لأول مرة في عام (1892 م) على يد جورجي زيدان.
وترتكز الموضوعات التي تتناولها هذه المجلات على إيجاد البديل الأوروبي فيما يخص النظم الاجتماعيَّة، وتنحية الدين جانبًا وتغليب الانتماءات الأخرى على حسابه؛ ولذلك عندما وصلت الأعداد الأولى من مجلة (المقتطف) إلى بغداد في عام (1876 م) لم تلق ترحيبًا إلا من بعض الشباب، بينما قاومها الجميع من مسلمين ويهود ونصارى؛ لأنها كانت في نظرهم - تحمل عقائد دخيلة على الثقافة العربيَّة، ويبدو أنَّ احتضانَ تلك المجلات لمقالات شبلي
1 - يُراجع: عبد اللطيف حمزة، قصة الصحافة العربية، ص (17) - (26)، وإبراهيم عبده، أعلام الصحافة العربية، ص (5 - 9).
225 (1/225)
صفحة 226
مناجزة الإلحاد
شميل) كان له وقعه الخاص أيضًا على القراء والمطالعين، فقد كان من أوائل الناشرين للأفكار المادية والاشتراكية في العالم العربي)، وهو الذي تكفل بإشاعة فلسفة النشوء والارتقاء عبر كتابه الموسوم بـ (فلسفة النشوء والارتقاء) والذي أفرده لهذا الشَّأن - كما يظهر من عنوانه - وعبر
شبلي شميل تفريغ حمولتها على أوراق الصحافة العربية سيما صحيفة (المقتطف) وصحيفة (الشفاء) التي تولى شرف تأسيسها بنفسه. أما صحيفة (الجريدة) فقد كانت رائدةً في تصوير الاحتلال الغربي على أنَّه حقيقة واقعيَّةٌ لا مفرّ
سلامة
موسي
منها، وهذه الحقيقة تستدعي الولاء المطلق للثقافة الغربية والفكر الغربي؛ ولمثل هذا دعت الصحيفة إلى مقاومة تعليم سواد الأمة، والاقتصار على تعليم فئات محدَّدةٍ من الناس. وفي السياقات ذاتها أصدر سلامة موسى (3) العددَ الأَوَّلَ له من (المجلة الجديدة) ليبثَّ فى أروقتها العديد من الأفكار والأطروحات المادية، كما هو حال الكثير من الصحف العربية التي كانت لها يد في نشر المفاهيم والأفكار الغربية، كالحرية التي لا تتقيد بالدين وقيمه، وغيرها من المفاهيم التي لا تتفق مع الدين الإسلامي. وأدَّت الصَّحافة العربية الدور نفسه باحتضانها لكتابات لويس عوض) التي تسترسل في الدعوة إلى المبادئ الليبرالية والوجودية والإلحادية المادية،
لويس عوض والتي تنالُ من مكانة اللغة العربيَّة والشَّريعة الإسلامية، وتصادم الأخلاق والأعراف والقيم، فهو من روّج لفكرة الشذوذ الجنسي في كتاباته، كما روّج أيضًا للزواج الرسمي بين الرجل والرجل، وبين المرأة والمرأة). ولعل مجلة (العصور) التي أنشأها إسماعيل مظهر كانت أوّل مجلَّةٍ عربيَّة طرحت على العلن قضيَّة الإلحاد، وقد كان ذلك في أواخر عشرينات
1 - طبيب ومفكر اجتماعي لبناني نصراني (1850) - 1917 م) تأثر بآراء بوخنز حول الداروينية، وقد كان في كثير من أطروحاته يُدافع عن الإسلام. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
2 - يُنظر: ألبرت حوراني الفكر العربي في عصر النهضة، ص (294 - 299). 3 - مفكر مصري من أوائل الدُّعاة للفرعونية والعاميَّة (1888) - (1958 م) كان من جملة الذين نادوا بالتخلص من الدين والإيمان، من مؤلفاته: (أحلام الفلاسفة)، و (هؤلاء علموني)، و (فن الحياة). (ينظر: الموسوعة العربية العالمية).
- مفكر وأديب قبطي (1915 - 1990 م) اعتقل في عام (1959 م) مع الشيوعيين لمناهضته الوحدة المصرية السورية، له عدَّةُ كتب من بينها: (العنقاء)، و (على هامش الغفران)، و (دراسات في النقد والأدب). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). ه - يُراجع، محمود شاكر أباطيل وأسمار، ص (334) وما بعدها.
226 (1/226)
صفحة 227
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
القرن المنصرم، فقد تناولت المجلَّةُ قضيَّة الإلحاد دعوةً وترجمةً وتأليفا بعد أن كان الإلحاد يُعامل معاملة الاعتقاد الشخصي، ثمَّ أُرغم إسماعيل مظهر تحت ضغوط كابحة على إغلاق المجلة، لتظهر مجلة أخرى حملت اسم (الدهور) تبنَّت التَّوجه ذاته. وبعد الحرب العالمية الأولى وتغلغل نفوذ فرنسا وبريطانيا في أعماق العالم العربي طبعت كلّ من هاتين الدولتين الصحافة العربية بطابعها الثقافي والفكري، فصحافةُ الشَّام والمغرب العربي تأثرت بالطابع الفرنسي، وصحافة مصر والعراق تأثرت بالطابع البريطاني، فكانت الصُّحُفُ العربيَّةُ التي تتبع إحدى الثَّقافتين تلقى الدعم والانتشار، وأمَّا الصُّحُفُ المناوئة فإنَّها تُصعق بتيَّار الحظر والإقصاء والتضييق!
كانت الفترة الممتدة بين عامي (1948 - 1967 م) حُبلى بالكثير من المنعرجات التي حملت الصحافة العربيَّةُ فيها مشعل الأفكار التغريبيَّة، فروّجت لها ونافحت عنها ببسالة وجرأة، كما نقلت الصحافة العربيَّة عن طريق ما يُعرف بفن الكاريكاتير) نقدًا اجتماعيا ودينيا قامت شوقه على الشخرية من الدين وقيمه ومفاهيمه بصورة تبدو هزليَّةً منمَّقة على سبيل إضحاك المتلقي، فمثلا فى المجلة المسماة بروز اليوسف وعلى مدى سنوات طويلة يُشاهد المتلقي نقدًا كاريكاتيريا لاذعا لكل القيم الإسلامية ترسمت خُطاه الكثيرُ من الصُّحُفِ والمجلات الأخرى، مستغلةً حُسن ظن المتلقي ورغبته في الترويح عن نفسه؛ لتغرس في فكره مفاهيم تُعادي روح الدين وأخلاقياته مع مرور الوقت. وأدَّت صحيفة (السياسة) دورها في الدعوة إلى اللادينية فاتحةً الطَّريق للإلحاد ورافدةً العالم العربي بالخُطوات اللازمة للسير على خُطى المادية الغربية، ففي مقالاتها كثيرًا ما كانت تُهاجم الإسلام وتشريعاته، كما تحدثت عن اصطدام الدين بالعلم، وقررت أنهما خصمان لا يجتمعان، وأنَّ كلمة التوحيد مشكوك في صحتها، ويجب أن ننتظر العلم الحديث ليؤكدها (2)!! وقد رفض أصحاب المكتبات احتضان جريدة (السياسة) في رفوفهم؛ لكثرة ما تحمله من أفكار إلحادية تسللت إلى وجدان القارئ في تلك الفترة. وما زالت الصحافة العربية المعاصرة تؤدي الوظيفة ذاتها، فهناك عشرات الصُّحُفِ التي تنشر الكثير من تلك الأفكار ولا تكاد تخرج عنها إلا في الأسلوب وطريقة العرض، تلك الأفكار التي تلقتها شرائح مختلفةٌ من أفراد العالم العربي عن طريق الصحافة العربية فزرعت فيهم بذور
الشَّك شيئًا فشيئًا، ومن حينها كان للإلحاد مقعد على مأدبة الصَّحافة العربية.
1 - يُراجع: أنور الجندي، الصَّحافة والأقلام المسمومة.
2 - يُنظر: أنور الجندي، تاريخ الصَّحافة الإسلامية، (2/ 351 - 362).
227 (1/227)
صفحة 228
مناجزة الإلحاد
سادسا: على مأدبة
w
الفن السابع
بأدواته البدائية المتواضعة رفض أديسون عرض أفلام الشَّاشة للجمهور ظنًا منه بأنَّ هذا العمل هو من قبيل اغتيال الدَّجاجة ذات البيض الذهبي؛ لأنّ الجمهور في ظنه كان لا يملك بعد دوافع الاهتمام بـ (السينما)، وفي عام (1894 م) عقد العزم على أن يضع في السوق التجارية آلات صندوق المنظار المتحرك التي يتم من خلالها عرضُ الأفلام على الشاشات)؛ ولذا فإنَّ شريط أديسون هذا هو الرَّحِم الذي وُلِدت منه (السينما) (2)، ومن حينها انطلق أوَّلُ سينمائي تجاري في العالم عام (1895 م) في باريس، وكان عرضًا صامتًا للأخوين (لوميير) بعد أن قامت مؤسسة (لوميير) بصناعة جهاز أطلق عليه اسم (سينما غراف)، ومن هذه التسمية اشتق مصطلح (السينما) (3).
عرض
كانت مصر من أوائل البلدان التي شهدت العروض السينمائية، ليس على المستوى الإقليمي فحسب وإنَّما على المستوى العالمي، فبعد العرض السينمائي الأوّل عالميًا في باريس عام (1895 م) جاء العرضُ السينمائي في الإسكندرية عام (1896 م)، تلاه مباشرةً عرض آخر في القاهرة في العام نفسه، ثم توالت العروض السينمائية في مصر على إثر المحاولات المتواضعة للإنتاج السينمائي
محليا، إلى أن تم إنتائج أوَّلِ عمل سينمائي مصري روائي طويل في عام (1927 م) (4). لا أحد ينكر ما للسينما من تأثير شعوري وغير شعوري على وعي المتلقي، وهذا التأثير مُثبت بالوقائع والأحداث الكثيرة المنتشرة في كل أنحاء العالم، وهناك مئات الكتب والبحوث والتقارير التي صُنفت لتأكيد حقيقة التأثير، بل وصل الأمر إلى استحداث علم جديد يُعرف ب (علم اجتماع السينما). وقد سبق أن تطرقنا إلى الدور الذي قامت به السينما الغربية فيما
1 - يُنظر: جورج سادول، تاريخ السينما في العالم، ص 22.
2 - يُنظر: إبراهيم العريس، السينما التاريخ والعالم، ص 8. هذا؛ ويُذكر أنَّ الفرنسي لويس دو برنس هو أول من قام بالتقاط الصور المتحركة؛ ولذا لقب بأبي السينما.
- يُنظر: جورج سادول، تاريخ السينما في العالم، ص 24.
4 - يُنظر: جان ألكسان السينما في الوطن العربي، ص (22 - 23).
228 (1/228)
صفحة 229
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
يتعلق بتمرير النزعات الإلحادية إلى ذهن المتلقي الغربي، وبالتأكيد فإنَّ ذلك الدور انتقل إلى العالم العربي من بوابة الترجمة، بل إنَّ الإعلام العربي بحكم أدواته المتواضعة كان يستورد الأفلام والمسلسلات الغربية ذات التوجهات المادية والعدمية ويبتها في العالم العربي عبر شاشاته؛ متعذرًا بعدم وجود المواد المحليَّة الكافية. كما كان للسينما العربية نصيب من ذلكم الدور البئيس بدايةً بالرصيد الفكري الذي يتمتَّع به القائمون على السيناريوهات وما يُضفونه عليها مما يختلج في نفوسهم، وانتهاءً بالمخرجين الذين يصوغون الفلم على مقاييسهم الشَّخصيَّة، ومن أجل ذلك تم في السنوات الأخيرة تأسيس فرع مستقل من النقد السينمائي يُسمى بـ (النقد العقائدي))، فالعمل السينمائي كالعمل الأدبي لا ينفك عن شخصية القائمين عليه، فهو يتأثر بفكرهم وثقافتهم، وعن طريق ذلك يُمكنُ ترسيخ المراد في وعي المتلقي على تطاول الأيام وتوالي الأفلام.
إذا جئنا إلى بدايات السينما العربيَّة فإنَّ ما كان يُعرضَ فيها لم يكن ذا أثر كبير؛ لبساطة العرض وبدائيته، ثم ابتدأ التَّأثير الحقيقي يشق طريقه بعد الحرب العالمية الثانية، فأصبح تأثير السينما في رسم التوجهات الفكريَّة ظاهرًا وجليًّا، ونظرًا لانحدار المستوى الفني في هذه المرحلة فقد تعرضت السينما للانتقاد اللاذع، وأصبح المُشاهد الواعي يخجل من الدخول إلى قاعات السينما (2)، فقد صاغت هذه الموجةُ من الأفلام الوعي العربي، وزرعت فيه بذور الانحلال الديني والانسلاخ الأخلاقي، فمن أجل سواد عيون الفن تُساق قيم الدين إلى منصة الابتذال أمام مرأى الجمهور؛ لتنطلي عليهم رويدا رويدا فكرة تهميش الدين وإقصائه من مسرح الحياة؛ بحيث تصبح مبادئه غريبةً عن المجتمع، ولا يتقيد بها إلا السذج القابعون خلف كواليس التخلف
تأثرت فترة الستينيات بالطابع الماركسي والأفكار المادية المصاحبة له، فانعكس ذلك على السينما التي روّجت بدورها لتلك النزعات كما في فلم اللص والكلاب)، فقد تضمن هذا الفيلم الدعوة إلى وجوب أن يحصل الإنسان على كل ما يُريد وبأي طريقة كانت الغاية تبرر الوسيلة). وفي فيلم (قصر الشَّوق) يترك البطلُ كلَّ المبادئ والقيم الدينية والأخلاقية التي آمن بها، بغرض الحصول على بضاعة الحب كما راجت فكرةُ التَّشكيك في الفترة ذاتها، ففي فيلم
1 - يُراجع: برنارد ف. ديك، تشريح الأفلام، ص (573 - 577).
2 - يُنظر: جان ألكسان، السينما في الوطن العربي، ص 43.
229 (1/229)
صفحة 230
مناجزة الإلحاد
(الشَّحات) يظهر البطل وهو يبحث عن الله وسر الكون لمدة عشرين سنة، وتُراوده أفكارُ الشَّك والحيرة عن الوجود والحياة، ثمَّ ينتهي به الحال إلى الاختلاء بنفسه بعيدًا عن الناس؛ لينكبّ على الكتب الصوفية باحثًا عن الله).
وفي حقبة السبعينيات واصلت السينما العربية مسلسل الانحدار، فعرضت أفلاما تتضمن مشاهد ولقطات للشذوذ الجنسي، كما في فيلم (الصعود إلى الهاوية)، وفيلم (جنون الشباب) (2)، ومثله فيلم (حمام الملاطيلي) الذي لعب الشَّواذ فيه كل أدوار البطولة!! إِنَّ الشُّذوذ منزع لا يُقره إلا الإلحاد؛ فالأديان بأسرها تستقبحه وتنبذه نبذ النَّواة، فهو خُلُقُ إلحادي المنزع والمآل، وتمريره يُفسح المجال لتبنّيه، ومن ثُمَّ قد تتسع الدائرةُ وتتعاقب التَّبعاتُ المتلازمة مع المنزع الإلحادي!! وفي عام (1973 م) تم إنتاج فيلم (غرباء) الذي يُقدِّمُ فكرةً إلحاديَّةً صريحةً مفادها: تصادم العلم مع الدين. فبطلة الفيلم (نادية) تستقبل تعاليم أستاذها الجامعي الجامعي الذي عاد من أوروبا محملًا بالأفكار الغربيَّة، مُظهرًا فكرة تعارض الدين مع العلم، ومبررا
حجم
كَلَفه بالحضارة
الأوروبية، ثمَّ بعد مدَّةٍ يُعاود الأستاذ الجامعي زيارته لأوروبا ليعود منها منتقدا لها وناعتًا إياها الأخلاق والانغماس في بسوء الملذات والماديات، وبعدها يُقرِّرُ الانتحار!! إذن؛ فالرسالة التي تلقاها المشاهدون هي: تصادم الدين مع العلم. ولم يقم الفيلم بفض هذا الإشكال بعد أن ثبت
أقدامه فيه! وفي عام (1976 م) عُرِضَ فيلم (لقاء هناك) حيث ينشأ البطلُ (عباس) في بيت يسوده التدين والتزمت، وقد كان أسلوب والد البطل فظا وقاسيًا، فكان يُلزم ابنه بأداء الشعائر، بل كان يُحرجه أمام أهله فيترك (عباس) الصَّلاة والصيام من وراء ظهر أبيه، ثم يبدأ في اعتناق مبدأ تصادم العلم - الذي يدرسه - مع الدين، وفي اللحظة التي مرضت فيها زوجه مرضًا شديدًا اعترف البطل بوجود الله، فتضرع إليه بالدعاء بعد صدامه مع الطبيب الذي لم يجد هو الآخر حيلة إلا الدُّعاء؛ ممَّا جعل (عباس) يثورُ في وجهه مستهينا بالدعاء قائلا: والعلم؟! والطب؟! والأجهزة؟! ولا شكّ أنَّ الختام الذي كان بالاعتراف بوجود الله لا يعني إهمال الأفكار الإلحادية التي تم بتها طيلة مسيرة الفلم، والتي استنفدت معظم لحظاته، وكذا استدعاء العلاقة الخاطئة بين الأخذ بالأسباب والدعاء وتصويرها بما يُفهم منه الصدام والاحتدام.
1 - تبَذُ الأفلام مستقاة من موقع: السينما دوت كوم) على شبكة المعلومات العالمية. 2 - يُنظر: جان ألكسان السينما في الوطن العربي، ص (66 - 75).
230 (1/230)
صفحة 231
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
كما لا يفوت السينما العربية تجسيد مفاهيم العدمية والعبثية والتي تتجلى في مظاهر اليأس، وعدم الثقة بالله، وعدم أهميَّة الحياة وإهمال الحساب والجزاء، ولك أن ترى الكم الهائل من الأفلام التي تَعرِضُ مثل هذه المظاهر، لا سيما ظاهرة الانتحار، فمشاهد انتحار الأبطال كثيرة جدًّا كما في أفلام (غرباء)، و (القطط السمان)، و (انتحار مدرس ثانوي)، و (بداية ونهاية) ... إلخ.
لقد شككت سينما السَّبعينيات في القيم الأخلاقية، وحطَّت من شأن التعاليم الدينية وأعدمت جدواها، وصوّرت الدين على أنَّه مجموعة من القيود التي تُلجم الحريات وتكبح جماح الشهوات وتقدع فائر الغرائز، بينما أشادت بالقيم المختلة ورحبت بها، ولم تنفض السينما عن يدها غُبار ماضيها الذي كان في أكثره غريبًا عن الثقافة العربية الإسلامية ونصيرا للمادية الغربية وأخلاقياتها، فاستمرَّت في ترسيخ ماضيها عبر ما تعرضه في حاضرها؛ إذ ما زالت جميع الأخلاقيات والتَّوجُهات الدخيلة التي لا تمت إلى العالم العربي الأصيل بصلة تُعرض وتذاع، فالشذوذ يتم الترويج له على نارٍ هادئةٍ كما في فيلم (عمارة يعقوبيان) الذي عُرض - وما زال يعرض - في عام (1996 م)، فشخصيَّة (حاتم رشيد) - الصحفي الذي يحتل مكانةً مرموقةً في الوسط الاجتماعي - يُمارس شذوذه الجنسي مع جندي الأمن المركزي (عبدربه)، ثمَّ يتفارقان ليحصل الصحفي على عشيق جديد!! ومثل هذا يتم تكراره؛ ليصبح واقعا يجب تقبله في العالم العربي، فمؤخَّرًا عُرِضَ فيلم (أسرار عائلية واضعًا كل نقاطه على الشذوذ، مركّزا على معاناة الشاذين في العالم العربي من خلال تجسيده لقصَّةِ شاب شاذ يُعاني القهر ويكابدُ الظُّلم الاجتماعي والنظرة السلبيَّة، ويتم تصويره على أنه مظلوم إنسانيًا في دعوة صريحة إلى التضامن الظاهرة وتأييدها بدل معالجتها. إنَّ الترويج للأفكار التي لا تتفق مع ثقافاتنا وأفكارنا الدينية - كالترويج للشذوذ - يُمهِدُ الطَّريقَ لنشرها، وبالتالي محاولة هضمها طوعًا أو كرها، وإذا كان تقبل الأفكار الشاذة كهذه سيكون ممكنا فإنَّ الطَّريقَ إلى تقبل الأفكار الإلحادية - والتي تُعد أفكارًا شاذةً كذلك - ستكون هي الأخرى مُعبَّدةً ومهيأة، وللأسف فإنَّ السينما العربية لم يخب فيها رجاءُ الإلحاد؛ إذ عرضت مؤخَّرًا فيلم (الملحد)، الذي بثَّ مفاهيم إلحاديَّة كثيرة استقرّت في ألباب المشاهدين على
مع
1 - يُراجع: درية شرف الدين السياسة والسينما في مصر، ص (202) وما بعدها.
231 (1/231)
صفحة 232
مناجزة الإلحاد
اختلاف مستوياتهم التعليمية والفكريَّة والعقلية، فالبطل يُصرّح قائلا: "أنا ملحد، والنظام الإلهي غير عادل، وليس له أي مصداقية أو رحمة، أين هذا الإله الذي تتحدثون عنه؟! ". إلى غير ذلك من المفاهيم الإلحادية، وغالبًا ما تحمل طريقة عرض السينما لهذه القضايا طابعا سلبيًّا؛ فالمشكلة ومفاهيمها تُعرض على مساحةٍ كبيرةٍ من الفيلم، بينما استعراض حلها يكون قاصرًا لا يقترب من عتبة النفع، هذا إذا لم يُهمل من أساسه!
232 (1/232)
صفحة 233
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
سابعًا: الإلحاد؛ سمن فارن!
إذا كانت أوروبا قد عاشت قبل نهضتها حالةً حرجةً من الانحطاط والظَّلاميَّة فإنَّ تلك الحالة لم تشمل كُلَّ جوانبها الحياتية، فالجانب الرُّوحي يبدو أنَّه كان على ما يُرام، كما أنَّ بعض المناطق الأوروبية كانت متقدمةً حضاريا بمقاييس عصرها، والحال ذاته ينطبق على العالم العربي قبل انبلاج طلائع النهضة الحديثة فيه؛ مما يعني وجود أوجه تشابه بين الواقعين بالتوازي مع أوجه الاختلاف الكثيرة، وتلك الأوجه المتشابهة إلى حد ما تم توظيفها لتدعيم مواقف النّهضويين مع إغفال أوجه الاختلاف والتَّمايز، وهذا الإغفال هو منبت الخلل ونقطة انطلاق خفافيش الفشل في سماوات العالم العربي، وتمثل ذلك تاريخيا في أمور كثيرة، فعلى سبيل المثال: نجد أنَّ حالة الانحطاط والتَّخلُّف موجودة عند الطرفين قبل ظهور أمارات النهضة، لكن أسبابها مختلفة، فالانحطاط الأوروبي كان مرجعه الأكبر: تسلُّط الكنيسة، وتحكمها بمفاصل الحياة، وامتلاكها لجميع صلاحيات الأمر والنهي، ومحاربتها للعلم والعلماء - في كثير من الأحيان - بينما كان السبب الأكبر للانحطاط في العالم العربي هو: الحروب المستمرة التي أشعلت جذوتها التدخُلاتُ الأجنبية، بجانب النَّعرات الطائفية والقبلية والحزبية. فالاشتراك إذن من جهة الانحطاط قابله الاختلاف من جهة الأسباب. كما نجد أنَّ حركة نقد الكتاب المقدَّس عند النَّصرانية قبل عصر النهضة وقبل ظهور حركة الإصلاح الديني قابلها في العالم العربي ظهور تيار مماثل لها يحمل شعار نقد كتاب الإسلام المقدَّس والتشكيك فيه، وكما ظهرت العقلانية والتنوير وكلُّ ما انبثق عنهما كالعلمانية والاشتراكية ونحوها في أوروبا ظهر كذلك أمثالها في العالم العربي، بيد أنَّ التشابه السطحي في هذه الظواهر لا يعني الانسجام في المقدمات، وإذا كانت العقلانية وما نتج عنها قد ظهرت في أوروبا لأسباب عديدةٍ نراها منطقيَّةً في ظل واقعهم الديني المتشبث بعقيدة تجسد الإله والخطيئة والخلاص والتثليث ونحوها من العقائد الرَّئيسة التي تخالف العقل والمنطق، فقد جلب النهضويون العرب العقلانية الغربية إلى العالم العربي مع أنَّ الإسلام نصير العقل والتفكير ولم يكن قط محاربًا لهما أو مقللا من شأنهما.
233 (1/233)
صفحة 234
مناجزة الإلحاد
ولئن ركب الإلحاد في أوروبا موجةَ النّهضة وأصبح رُبَّانها وسفّانها فذلك راجع إلى استمرار نهضتها المادية إلى اليوم - فالإلحاد لم يكن المؤسّسَ الحقيقي للنهضة الأوروبية؛ لكنه نجح في التسلق على أكتافها واعتلاء أسوارها - بينما النّهضة الحديثة في العالم العربي ضُربت في مقتل، فانقطع نسلها وما عاد لها وجود إلا في صفحات التاريخ كومضات ذابلة ليس أكثر! فعلى أيَّ موجةٍ سيركب الإلحاد العربي يا تُرى؟! أيركب على موجةِ التَّأخر الحضاري والتخلف الصناعي والانهيار السياسي؟! لقد انقطعت نظريًّا سُلالات التقليد والتَّغريب بعد فشل النهضة الحديثة واندثارها
وأصبحت النتائج التي تمخضت عن النّهضة الأوروبية تُعامل كمقدمات في العالم العربي ليس غريبا أن يستمر مسلسل العبث في استجلاب النَّتائج الأوروبية وإسقاطها ميدانيا على العالم العربي باعتبارها مقدمات للنهضة المنشودة، فالإلحادُ يُعد من النتائج لا المقدمات، والتَّسلسل المنطقي المقلوبُ يتكرَّرُ مرةً أخرى في العالم العربي بعيد استجلاب الإلحاد إليه، أنَّ المنطق يفرض انقطاع أي وشيجةٍ تربط بين الإلحاد والعالم العربي بحكم انقطاع النهضة الحديثة فيه، والتي كانت - في بعض مساراتها - سفيرة للنوايا الإلحادية!
مع
وإذا كان روادُ النّهضة الأوروبية الأوائل كنيوتن وكوبرنيكوس وجاليليو مؤمنين - بل كانوا رهبانًا وقساوسة - فإنَّ رواد النهضة العربية الأوائل كانوا مؤمنين كذلك، ولم تُرصد موجة الإلحاد - بمعنى إنكار وجود الله - في العالم العربي وبشكل صريح إلا في وقت متأخر عندما صدرت رسالة (لماذا أنا ملحد) لإسماعيل أدهم عام (1937 م)، ولا شكّ أنَّ هذا الفعل - وما أشبهه - نتائج متوقع لكل تلك التراكمات المذكورة آنفا. إنَّ طريقة التعامل مع معطيات النهضة الأوروبية لم تكن مبنيةً على أُسس قويمة، بل كانت مبنية على التقليد، فالبعثات التي قامت بأمرٍ من محمد علي باشا أطلعت العالم العربي على ما يدور في الأوساط الأوروبية من انقلابات واسعة النطاق على الدين والأخلاق، وهذه المطالعة لم تكن للفرجة والمشاهدة عن بعد، بل تحوّلت إلى تطبيقات وممارسات ميدانية، فالإلحاد نفسه ظهر في العالم العربي عقب تلك الأحداث؛ لأنَّ مُمهداته التي ظهرت في أوروبا في مخاض نهضتها وبعد ولادتها - كالعقلانية والمادية والعلمانية والتنوير والوضعيّة - تم استيرادها إلى العالم فتغذى الإلحاد فيه عن طريق مشيمتها بعد أن تتبَّع خُطاها خطوة خطوةً ليسري إليه الداء العياياء والورم السرطاني الخبيث ليكونَ مآله حبيسًا في جُحرٍ ضَتِها!
العربي،
234 (1/234)
صفحة 235
بعد
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
إذن؛ لقد ابتدأ الجهر بإنكار وجود الله في العالم العربي في الربع الثاني من القرن العشرين أن تدفقت إليه كميات هائلة من الفلسفات المادية، ولعلَّ استدعاء هذه الفلسفات إلى العالم العربي في نهاية القرن التاسع عشر على يد روّادِ النّهضة العربية، وفرضها كشرط حضاري مخالفه عن دائرة التَّحضُّرِ كان أكبر محفّز لإعلان إنكار وجود الله، وقراءة ذلك تبدو واضحةً جليَّةً إذا ما تمَّ تسليطُ الضَّوءِ على بعض الشخصيات الملحدة في العالم العربي؛ لذلك سنعرض لذكر أشهر اسمين جاهرا بالإلحاد قبل غيرهما: إسماعيل أدهم، وعبد الله القصيمي.
يَخرُج
(1) - إسماعيل أدهم: وُلِدَ بالإسكندرية (1911 - 1940 م) من أب تركي وأمّ ألمانية، تلقى دراسته الأولى بمصر قبل أن ينتقل إلى روسيا ويحصل على شهادة الدكتوراة في العلوم من جامعة موسكو، وبعد ذلك عُيّن
كتابا
مدرسًا للرياضيات في جامعة سان بطرسبرج، ثمَّ حَصَدَ شهادة الدكتوراة الفخرية في التَّاريخ الإسلامي والآداب العربية. له رسائل علمية عديدة في بناء الذرة، وفي التَّكافؤ الذري، وفي ميكانيكية أينشتاين، وقد ألف إسماعيل أدهم في علم الرياضيات تخطّى عدد صفحاته حاجز الألف، كما أنَّ له مؤلفات أخرى في غير العلوم التجريبية كـ (حرية التفكير)، والرسول محمد أصله ونسبه) وغيرها، وكان كثيرًا ما ينشر مقالاته وكتاباته عبر الصُّحُفِ والمجلات المختلفة)، نقول كل هذا بين ظفري: (كما يُشاع عنه وإلا فإنَّ للحقيقة وجهًا آخر غير ما ذُكِر (2). وما يعنينا هنا هو الحديث عن الكتيب الذي أثار موجةً من الردود في تلك الفترة، وهو كتيب لماذا أنا ملحد)؛ إذ كان عبارة عن رسالة
1 - يُنظر: الموسوعة العربية الميسرة، (3001) وسليمان الخراشي، انتحار إسماعيل أدهم، ص (27 - 43). 2 - تنبيه: يبدو أنَّ هناك دراسات قد أُقيمت حول إسماعيل أدهم تخالف ما هو معروف عنه! كدراسة سامي كيالي في كتابه (الراحلون)، ودراسة المستشرق جاوتييه ينبول بعنوان: (إسماعيل أدهم الملحد). فقد أوضحا الكذب والدجل الذي يلف سيرة إسماعيل أدهم، فهو لم يحصل على شهادات الدكتوراة، ولم يكن مدرسًا في جامعة موسكو ولا في جامعة بطرسبرج، ولم يكن يتقن ست لغات كما هو شائع عنه، ولم يؤلف تلك الكتب المذكورة، بل لا وجود لها أصلا، فعندما طلب منه سامي كيالي أن يعطيه كتابًا منها وعده إسماعيل أدهم ولكن دون أن يفي بوعده ... (يُنظر: حسام الدين حامد، الإلحاد وثوقية التوهم وخواء العدم، ص 260 - 267). يظهر إذن أنَّ إنجازات إسماعيل أدهم مجرد تلفيقات وأحلام زائفة، وهذا أيضًا ما أكدته مجلَّةُ الأدب العربي في عددها الصادر عام (1972 م) قائلةً: "لم يحصل أدهم على أية شهادة دكتوارة، ولم يكن يومًا عضوًا في أكاديمية العلوم، ولم ينشر أي كتاب أو مقال، لا بالرُّوسية ولا بالألمانية ولا حتَّى الفرنسيَّة، ولا صحة لما قيل عن تأليفه مجلدين باللغة التركية بعنوان (تاريخ الإسلام)، كما ولم تكن هنالك أية علاقة صداقة بينه وبين المستشرق الروسي (بارثولد) الذي توفي سنة (1930 م)، أي قبل عام من ادعاء أدهم بأنه ذهب إلى روسيا، ولم يتلق أي إطراء من المستشرق الرُّوسي (كازيميرسكي)؛ لأنَّه لم يكن هنالك شخص بهذا الاسم أصلا". ويقول براين ويتاكر: "فجَمَعَ أدهم قائمةً متخيلة من المؤهلات المثيرة للإعجاب ..... (يُنظر: براين ويتاكر، عرب بلا رب، ص 48).
235 (1/235)
صفحة 236
مناجزة الإلحاد
رد فيها إسماعيل أدهم على الرسالة التي دونها أحمد أبو شادي (عقيدة الألوهية)، فقد دعا هذا الأخير في رسالته إلى التوفيق التام بين حقائق العلم والدين، وحثَّ على نقل كل المعارف (اللَّادينيَّة) إلى القارئ العربي وعدم منع تلقيه لها، منوهًا بضرورة تصدي العلماء لما لا يتفق منها مع الدين، مؤكدًا مع ذلك فطريَّة التَّدين، وأنَّه جبلة بشرية، فما كان من إسماعيل أدهم إلا أن يرد عليه موضحًا الدوافع التي دعته إلى الإلحاد، ذاكرًا عدَّةَ نقاط مهمة؛ إذ لم تكن تنشئته الدينية صحيحةً، فقد كان أبوه متعصبًا للإسلام، وكان يجبره على أداء الشعائر؛ بحيث عين زوج عمته وصيَّا عليه ومراقبًا لكل أفعاله، ويحكي أنَّه ثار ذات مرَّة على أبيه عندما أجبره على الصَّلاة قائلا له: "أنا لستُ بمؤمن أنا دارويني). فما كان من والده إلا أن أرسله إلى مدرسة داخلية ليقطع عنه أسباب المطالعة وفوق ذلك كانت أم إسماعيل أدهم مسيحيَّةً بروتستانتية، وقد غادرت الحياة مبكرًا وهو في الثانية من عمره، وكان أبوه يمنعه من الخروج والاختلاط مع الأطفال في سنه، فيقول عن نفسه مُمتعضًا: "وقد عانيتُ أثر هذا التَّحريم في فرديَّةٍ تُبعدني عن الجماعة» (3). وبجانب ذلك فقد كان لإسماعيل شقيقتان مسيحيتان تأخذانه إلى الكنيسة كل يوم أحدٍ وتُطلعانه على عقيدتيهما؛ إذ كانتا تسخران من المعجزات ومن يوم القيامة والحساب! فيقول إسماعيل أدهم معربًا عن نتيجة ذلك: "وكان لهذا كُله أثر في نفسي). ولا يحتاج الأمر
إلى مزيد توضيح، فقد قضى إسماعيل حياته بين مطرقة التعصب وسندان السُّخرية. ويعترف إسماعيل أدهم بقراءاته التي أثرت في مسيرته الفكرية؛ إذ انتهى في وقت مبكر من حياته من القراءة لديكارت وهيوم وهوبز وإسبينوزا وداروين وفرويد وهكسلي وغيرهم، كما يعترف بتأثره البالغ بما درسه في الاتحاد السوفيتي والحياة التي قضاها هنالك؛ إذ كانت سببًا في تنكره للأديان وتخليه عن كل المعتقدات الدينيَّة، وإيمانه المطلق بالعلم التجريبي وحده، ويذكر إسماعيل أدهم في رسالته أنه أسَّسَ (جماعة نشر الإلحاد) في تركيا، ثمَّ اتَّصل بعد ذلك بجمعية (نشر الإلحاد الأمريكية) التي يُديرها تشارلز سميث فتقرر تسمية الجماعة بـ (المجمع الشرقي لنشر الإلحاد). يصرح إسماعيل أدهم في كتيبه بما يُؤمن به وما يتبناه من مفاهيم الإلحاد المعروفة، فهو
1 - ينظر نص الرسالة: سليمان الخراشي، انتحار إسماعيل أدهم، ص (50 - 65).
2 - إسماعيل أدهم، لماذا أنا ملحد، ص 6.
- المرجع السابق، صه.
- المرجع السابق، ص 5.
236 (1/236)
صفحة 237
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
يعتقد بأنَّ سبب وجود الكون يُضمّنُهُ الكونُ في ذاته، وأنَّه لا شيء آخر وراء العالم، وبهذا فهو ينتقد تعريف الملحدين لـ (الإلحاد بأنَّه إنكارُ وجود الله، ويعده تعريفا سلبيا ناقصًا، كما يعتقد إسماعيل أدهم بصحة الفلسفة الوضعية (Positivism) فمن خلالها انتقد المنهج اللاأدري، زاعمًا بأنَّ عدم وجود الأدلة الكافية على نفي وجود الله لا يقود إلى اللاأدرية بل إلى الإلحاد الصريح كما قاده هو؛ لأنَّ فكرة (الله) فكرة أوَّليَّةٌ لا ترجع إلى عناصر القوة الإقناعية الفلسفية، وإنَّما إلى الحالةِ النَّفسيَّة التي يُسميها علماءُ النَّفس بـ (التبرير)، فأصل الفكرة تطوَّر عن حالاتٍ بدائية كالوهم والخوف والعجز والجهل بأمور الطبيعة، وقد قضت معرفتنا الحديثة على كل هذه الأمور (2)!!
ويرى إسماعيل أدهم أنَّ الإلحاد لا يقود إلى الفوضى والانحلال الأخلاقي بعكس الإيمان! ويُرجع وجود الكون وقوانينه إلى الصُّدفة والاحتمال، أو ما يُسميه بـ (قانون الصدفة الشامل)، وقد برهن عليه بأمثلة رياضية متهافتة، كقوله بأنَّ عملية بتر الزائدة الدودية ناجحة بنسبة (95)، فلو أتى مئة شخص لإجراء هذه العمليَّة عليهم فإنَّ (95) منهم سينجحون كاحتمالية رياضية، لكنَّ النَّسبة الاحتمالية لنجاح العملية في كل شخص منهم بعينه لا يمكن الجزم بها، وما من شكّ بأنَّ مثل هذا الاستدلال وتطبيقه على الكون وما فيه قد عفا عليه الدهر وأطاح به منطق الرياضيات نفسه، بل كيف يطيب الاعتقاد بالصُّدفة مع العقليات المادية التي لا تؤمن بالمعجزات الخارقة للعادة فضلا عن المعجزات الخارقة للعقل والمنطق كمعجزة الصدفة الكونية هذه!!
وتجدر الإشارة إلى الرسالة الثانية لأحمد زكي أبو شادي (لماذا أنا مؤمن) والتي ردَّ فيها على رسالة إسماعيل أدهم، وكذا الإشارة إلى رسالة فريد وجدي (لماذا هو ملحد) والتي كانت أيضًا ردًّا على رسالة إسماعيل أدهم، وعلى العموم فقد كان هذا الملحد يزعم بأنَّ إلحاده قاده إلى مراتع الطمأنينة والسكينة والراحة النفسيَّة، لكنَّه لم يكد يتجاوز بعد الثلاثين من العمر حتَّى وُجِدَتْ جنَّتُه ملقيَّةً على شاطئ الإسكندرية، وتبيَّن أنَّه قد مات منتجرًا، فقد كَتَبَ رسالةً انتحاره ووضعها في جيبه، ذكر فيها بأنه قرر الانتحار غرقًا؛ لأنَّه يَئِسَ من الحياة، ثمَّ أوصى بأنَّ
1 - المرجع السابق، ص 8.
- المرجع السابق، ص 9.
237 (1/237)
صفحة 238
مناجزة الإلحاد
تحرق جثته! هذا؛ ويُوجد من يُشكك في مصداقية انتحاره باعتبار أنَّ إنجازاته في عالم الذرة قد تكون سببًا في مقتله!
عبدالله القصيمي
(2) - عبدالله القصيمي: وُلِدَ في المملكة العربية السعودية (1907 - 1996 م)، والده هو الشَّيخ علي الصَّعيدي معروف بتمسكه بالدين، وقد غادر إلى الشارقة مهاجرًا بعد بلوغ ابنه عبدالله سنَّ الرَّابعة على وَقْع طلاقِ نَشَبَ بينه وبين زوجه التي هي أم عبدالله، وقد تركهما إلى حين ارتباطها برجل آخر، وفي عام (1927 م) التحق عبد الله بجامعة الأزهر، فأصدر كتابه (البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدَّجويَّة) مما استدعى ردة فعل عنيفة من علماء الأزهر انتهت بفصل القصيمي وطرده من الجامعة عام (1931 م)؛ فأصدر كتابه (شيوخ الأزهر والزيادة في الإسلام) ردًّا عليهم. مرَّ القصيمي بمرحلتين متضاربتين: مرحلةُ السلفية التي امتدت منذ نشأته وحتَّى إصداره كتاب هذي هي الأغلال) في عام (1946 م)، أعقبتها مرحلة التمرد والانشقاق. وقد اعتقل القصيمي بعد نشره لأفكاره المتمردة بين الطلبة المبتعثين، ثمَّ نُفي إلى لبنان ليعود مُجدَّدًا إلى مصر ومنها إلى لبنان متنقلا بينهما، فأصدر كتابه (العالم ليس عقلًا)، ثم وجد القصيمي صعوبةً بالغةً في متابعة إصداراته فانتقل إلى باريس ليُصدِرَ منها كتابه (العرب ظاهرة صوتية (3) والذي انتقص فيه العرب وحطَّ من شأنهم. لكن ما الذي حرف مجرى الوادي وغير اتجاهه؟! فقد كان القصيمي متشبّتًا بالسَّلفيَّة منافحًا عنها بشدَّةٍ ورباطة جأش، فكان كالطوفان الهادر لا يقف شيء أمامه إلا غمَرَهُ وأتى عليه!! ما الذي حدث بالضبط؟! هناك تفسيرات متعددةٌ تم رصدها من قِبَل مُعاصريه والعارفين بأحواله: أمَّا التفسير الأوَّل فيردُّ الأمر إلى قضيَّة الشُّكوك والشبهات، فمن المستحيل أن ينقلب المتدين المتمسك بدينه إلى ملحدٍ يائس دفعةً واحدة؛ وعليه فإنَّ القصيمي بدأ مشواره الديني مخلصًا وموقنا، لكنَّه أخذ في التّساقط شيئًا فشيئًا أمام مقصّ الشكوك ومطارق الارتياب والاشتباه، وذلك بعد القراءات الفلسفية المختلفة التي كانت تعج بها الساحة الفكرية في وقته حتّى استحكمت فيه وتمكنت منه جيدًا، فخاض صراعًا عميقًا مع الشك والإيمان إلى أن انتصر الشَّكُ في نهاية المطاف، ولهذا التفسير دِعامات من بينها أنَّ صديقه أيام السفر
1 - يُنظر: سليمان الخراشي، عبدالله القصيمي وجهة نظر أخرى، ص (31 - 34).
2 - المرجع السابق، ص (36 - 38).
238 (1/238)
صفحة 239
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
والدراسة - وهو عبدالله بن علي يابس - يقول: "كان القصيمي منذ أكثر من خمسة عشر عامًا تقريبًا يُجادل في البديهيات الدينية حتى اشتهر بكثرة جدله في الأمور الضرورية، وحتى كان يجادل بعض جلسائه في وجودِ نفسه ... ويُصرَّح لي بأنه تعتريه الشكوك إذا جنَّ الليلُ فيسخن جسده ويطير النوم من أجفانه ... وكان يُجادلني في الله وفي النبي محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام - وكنت أجيء لزيارتكم فأجده يقرأ في صحيح مسلم مع بعض الإخوان فترجع نفسي قائلة:
لعلها وساوس وليست عقائد
أمَّا التَّفسير الثاني فيتمحور حول اتهام القصيمي بالتكبر والتَّغطرس، فلما ظهر أمره وسطعت شمسه اغتر بنفسه وداخَلَهُ الكبرُ والغُرور. ولهذا التفسير دِعامات من كلام القصيمي نفسه، فهو يقول عن نفسه مثلا: (1) لو أنصفوا كنتُ المقدم في الأمر ولم يطلبوا غيري لدى الحادث النكر ولم يرغبوا إلا إلي إذا ابتغوا رشادًا وحزمًا يعزبان عن الفكر ولم يذكروا غيري متى ذُكِرَ الذكا ولم يبصروا غيري لدى غيبة البدر
أ
وقوله مادحًا نفسه بعد أن قرأ كتابًا للمتنبي، فكتب على هامشه: كفى أحمدًا أني نظرت كتابه لأن يدعي أن الإله مخاطبه ولو شامني أني قرأت كتابه لقال: إله الكون
وقوله:
وخالقه!
ولو أنَّ ما عندي. العلم والفضل يُقسم في الآفاق أغنى عن الرسل وهذا التَّفسيرُ ينطلق من النَّاحية النَّفسيَّة التي أثرت بشكل كبير على شخصية القصيمي، فالأثَرَةُ والتَّمحور حول الذات معالمُ واضحةٌ في شخصيَّة القصيمي، إلا أنَّ العامل النفسي لم يكن كُلَّ شيء بالنسبة إليه، فهناك قائمة أخرى من العوامل التي جعلته ينحرف وينجرف. أمَّا التَّفسير الثالث فيرى مردَّ ذلك إلى الشَّخصيَّة المتمردة والاندفاعية المتأصلة في طبع
1 - عبدالله القصيمي، الفصل الحاسم، ص 7.
239 (1/239)
صفحة 240
مناجزة الإلحاد
القصيمي وفي تركيبه المزاجي، فحتَّى قبل انحرافه كان متمردًا على أعدائه في المذهب، فتراه يُهاجم هذا ويرد على ذاك ويحطم الثالث!! (1)
القصيمي،
أمَّا التَّفسير الذي نتفيَّأُ ظلاله فهو التفسير الذي نجمع فيه شتات التفاسير الثلاثة السابقة؛ باعتبار أنَّ كلَّ واحد منها يمثل دافعًا متشخّصًا أسهم في تحديد خط سير الفكر الذي تبناه، فالشبهات والشكوك التي كانت تعصف ببَنَاتِ نَفْسِه، مضافًا إليها ما كانت عليه طباع القصيمي من الأثَرَة والتَّكُبُر والغرور والاستهانة بقدر الآخرين، مضافًا إليها كذلك الشَّخصيَّة المتمردة والمندفعة التي استحوذت على قسط وافر من تكوينه وأخذت حيزًا كبيرًا من بنيته الفكرية؛ هذه الدوافع الفارقة شكلت بتراكماتها منعرجا حادًّا وخطيرًا انسَرَبَ فيه فكرُ القصيمي. ولما كانت شبكة التفاسير الثلاثة السَّابقة غير مكتملة - بمجموعها فضلا عن أفرادها - من وجهة نظرنا؛ إذ لم تقم بتغطية كل المناطق التي تنقل فيها جوال فكر القصيمي؛ استلزم ذلك منَّا أن نمد إليها يد العون في استكمال بقية أجزاء الصورة الناقصة، فهناك دوافع أخرى لم تدخل في حمى التفاسير السابقة وهي من الأهمية بمكان؛ نذكر منها: اعتراض القصيمي على القضاء والقدر، والذي يتّضح في دوام تذمره واستيائه، وانقطاع أنفاس القناعة والرضا عنه، إضافةً إلى العوامل الأسرية غير المستقرة، والتي انغرست في عقله الباطن واختلطت بلحمه ودمه، كانفصال والديه عن بعض، وهجرة أبيه في وقت مبكر من حياته، وكذا الانتكاسة الدراسية التي مُنِي بها بعد طرده من جامعة الأزهر أوَّلا، واعتقاله ونفيه ثانيًا، ثم انعدام من يأخذ بيده بطريقةٍ صحيحة دون تعنيف أو تسفيه وازدراء.
والعارفون بأحوال القصيمي يعلمون بأنه كان بارعًا في التنقل بين حبال الأفكار الرائجة، فبينما كان الفكر السلفي هو الرائج في وقته - بحكم نشأته وتنشئته - كان من أنصاره ومن قادات مجده، ولمَّا عمَّت التَّياراتُ الغربية كالقومية واليسارية والاشتراكية وأصبحت رائجةً وتُوضع لها الهالات الضخمة وتوصف بالتقدم وبأنَّها المنقذُ من الضَّلال - خصوصا في مكان إقامته في مصر ولبنان وباريس - حلق معها وطار حيث تطير!! ونحن في أثناء تتبعنا لكتابات القصيمي والنظر في فحواها نجد انفجاراتٍ نفسيَّةٍ حانقة قلما تستند إلى منطق علمي سليم؛ ولهذا يصف أدونيس القصيمي بقوله: "عبدالله القصيمي لا تستطيع أن تمسك به، فهو صراخ يقول كل شيء ولا يقول
1 - سليمان الخراشي، عبدالله القصيمي وجهة نظر أخرى، ص (43 - 48).
240 (1/240)
صفحة 241
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
شيئًا، يخاطب الجميع، ولا يخاطب أحدًا، إنَّه الوجه والقاء). فأكثر كتابات القصيمي نقودات شاعرية مأساوية نفسيَّة متأزمةٌ ممعوكة بطينةِ السَّخيمة والتّهكُم والغرور، ولعل استعراض جانب منها يُؤكد ذلك ويُدعمه؛ فمثلًا: (1) - في كتابه (يا كل العالم لماذا أتيت) يقول: "إنَّ الآلهة والمذاهب والتعاليم والنظم لا تخاف أو تقاوم مثلما تخاف وتقاوم الأسئلة الصادقة الباسلة المحاسبة المحاكمة؛ لأنَّه لا يُعريها أو يفضحها أو يقهرها ويُسقطها مثل هذه الأسئلة". ويقول: "ألا يُحتمل أنَّ الإله يتعذَّب كلَّ العذاب وأقسى وأدوم العذاب الآن وكل آن؛ إذ يجد أنه عاجز عاجز عن أن يعرف أو يملك أو يستطيع أي شيء
(2)،
(2) - في كتابه (الكون يُحاكم (الإله) يقول: "لا بُدَّ أن أتصورك يا إلهي تُقاسي في هذه اللحظات أقسى وأقصى حالات العذاب والحزن واليأس والانفجاع والخجل ومشاعر الهزيمة ... ". ويقول: "أحذرك يا إلهي أن تُعاتبني أو تحاسبني زاعمًا ومتهما بكل غرورك الإلهي أني أنكرتك أو أني لم أجدك أو أني رفضتُ وخجلت أن تكون موجودًا ... أحذرك من أن تضطرني إلى الردّ عليك إنك حينئذ لن تستطيع أن تنظر بل ولا أن تقاوم إنَّ كلَّ انتصاراتك يا إلهي هي في المعارك التي لا يُوجد فيها من يُحاربك (3).
(3) - في كتابه (صحراء بلا (أبعاد يقول: "أيتها الآلهة إنَّ منطقي لا يستطيع أن يفهم، إنَّ أخلاقي لا تستطيع أن تغفر أن تخلقي الإنسان ليموت أن تخلقيه لتقتليه، أن تخلقيه لتعذبيه لتقتليه". ويقول: "أنا أرفضُ أن تُوجد قوة أخرى أن يُوجد منطق أعلى يخضع له عقلي ورؤيتي
وأحاسيسي وأخلاقي ومواقفي
(2) 66
إلى غير ذلك من الكلام الشّاعري المنمَّق الذي لا يستند إلا إلى التمرُّدِ والشَّكاسة والتَّحرُّر دون مراعاة جانب المنطق والعلم وليس فيما أوردناه أي انتقاء؛ فجلُّ كُتُبه - بعد إلحاده - منسوجة على المنوال ذاته!
لحق تلك المقولةُ التي تَصِفُ القصيمي بأنه الأبُ الرُّوحي للإلحاد العربي) - مع أنَّ الإلحاد -
1 - حمزة الحسن، عبد الله القصيمي، المتمرد القادم من الصحراء، الحوار المتمدن، العدد: (357)، بتاريخ: (1/ 3/ 2003 م). 2 - عبدالله القصيمي، يا كل العالم لماذا أتيت، (164، 7). القصيمي، الكون يحاكم الإله، ص (619، 299).
-3
- عبدالله
4 - عبدالله القصيمي، صحراء بلا أبعاد، ص (272، 10).
241 (1/241)
صفحة 242
مناجزة الإلحاد
لا يعترف بالرُّوح - لفرط اعتماده على المشاعر المتمردة والأحاسيس الفياضة وأساليب السُّخرية والقذع وقلة الأدب في التعامل مع الذات الإلهية العليَّة والمقدسات الدينية دون الاعتماد على الأسس العلمية العقلية المنطقية!
إنَّ القصيمي قد فارق الحياة الدنيا وغادرها بعد أن احتبلته حبولُ الرَّدى منذ عقدين من الزمان، وما أفظع ما جناه على نفسه أين ذهب كلُّ ذاك الغرور والتكبر والزهو والتعترف؟! أين الألمعي اللوذعي النطاسي المحنك؟! نعم؛ يُقال بأنَّه قد تاب - وهناك من يؤكد عدم توبته بالمقابل - في آخر أيامه، ونحن وجدنا أنَّ آخر كتبه التي كتبها - ياكل العالم لماذا أتيت - كان قبل موته بعشر سنين ولم يُصدِر كتابًا آخر من بعده طوال تلك السنين الأخيرة من عمره وسواء أصدقت حكاية توبته أم لا فإنَّ كلَّ نفس بما كسبت رهينة، وأنَّ مردنا إلى الله)!!
1 - توجد عدة نقاشات موثقة دارت بين القصيمي وأبي عبدالرحمن الظاهري تجدونها في كتاب الأخير (لن تلحد)، ص (283 - 316).
242 (1/242)
صفحة 243
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
:ثامنا: ثم أصبح الإلحاد
صرعة
روح
بعد أنَّ مرَّ الإلحاد في العالم العربي بجميع تلك المسارات التي طرقنا أبوابها سلفًا - فظهر فيه لأوَّلِ مرةٍ كتاب يدعو إلى الإلحاد الصريح ونعني به كتاب (لماذا أنا ملحد) في عام 1937 م على غرار ما حدث في أوروبا بظهور أوَّل كتاب فيها يدعو إلى الإلحاد الصريح في عام 1770 م) ثم ظهور القصيمي وكتبه الكثيرة التي أفردها لبيان إلحاده وتمرُّدِهِ على الدين والمجتمع - أصبحَ الوضع العربي مهيأ لقبول المزيد من التمرُّدِ والانسلاخ، فقد تمت إذابة الحواجز الأخلاقية والموانع المجتمعيَّة على نارٍ هادئة، وكثير من الشبان يُساقون إلى الإلحاد كما تسوقُ الفراشة نفسها إلى موضع اللهب لتحترق، فقد تعرّض هذا الجيل من الشباب لكثير من الصراعات النَّفسيَّة والفكريَّة، ودخل مُعترَكَ الأفكار وهو غير مُؤهَل، فكان (كساع إلى الهيجا بغير سلاح)، يمر ليل نهار على أدوات التحطيم والتمزيق والتشويه، ويمرُّ ليل نهار على الوقائع التي تُشعره بالدونية والانحطاط والتَّأخر، فيرى صرير الأقلام الظَّلامية التي ما انكفأت عن أن تبثّ اليأس والهزيمة والإبلاس في النفوس قائلةً لهم: كلُّ ما تتغنوا به هراء، وكل تاريخكم وأمجادكم أكاذيب وتلفيقات وخواء، وكلُّ مقدساتكم خرافات وأساطير شوهاء، وأعلام أُمَّتكم برعيلهم الأوَّل وتابعيهم منافقون ودجالون وغوغاء، ليس لكم ما تفخرون به وترتكزون عليه وتركنون إليه، لا شيء يدعوكم إلى البقاء في صف الضُّعفاء الأغبياء، أنتم مقطوعون من شجرة في عالمكم المريض، ما بكم لا تنضمون إلى عالم التَّقدم والنّهضة؟! انضموا إلى عالم النُّور والبهجة، انضموا إلى الإلحاد لتلحقوا بركب التَّقدم!! لم تكن لدعوات الإلحادِ الصَّادمة من أُذن مصغية أو عين مترقبة في بداية الأمر، فابتدأ الحالُ بصيحات التحرر والتغريب والتشكيك واصطناع صراع وهمي زائفٍ بين ثُنائيات مُعيَّنةٍ كالعقل والشَّرع، والتقدم والدين والعلم والإيمان، ولأنَّ النَّاس بطبعها ميالة إلى التحرر فقد لاقت تلك
1 - سبق أن ذكرنا بأنه قد ظهرت لأول مرة عبر التاريخ كتابات في إنكار وجود الله تعالى قبل (1770 م) بسنواتٍ قليلةٍ وهي كتاباتُ الراهب الكاثوليكي جون ميسلير، لكنَّها فيما يبدو لم تكن كتابات معتبرةً ومجموعةً ولم تلق أي صدى يُذكر.
243 (1/243)
صفحة 244
مناجزة الإلحاد
الدعوات هوى في النفوس، فأخذ الإلحاد يتمطى بصلبه في العالم العربي بعد أن استمرأ الانسلاخ الأخلاقي والتمرُّدَ الفكري على الطريقة الأوروبية وكالعادة؛ ولأنَّ العربي كان مُقلِدًا لكلّ ما يأتيه من الغرب في مظهره وأخلاقه وتصرفاته طوال العقود الأخيرة الماضية أصبح مقلدا له في إلحاده، فليس في التَّاريخ العربي من نزعات الإلحاد إلا ما كان مُوجَّها ضدَّ الأديان والنبوات خصيصى، ولكن هذه المرة كان الإلحاد العربي ولأول مرة في التاريخ يتوجه إلى إنكار وجود
الله رأسًا، فأصبح صرعة العصر التي ينبغي التسابق إليها كغيرها من الصرعات الأخرى! ليس بين أيدينا إحصاءات علميَّةٌ دقيقة عن عددِ الملحدين في العالم العربي، لكنَّ المؤشرات الميدانية والأرقام البيانية على شبكة المعلومات توحي بتصاعد وتيرة انتشارهم بصورة لافتة، والمتوفر المتاح هو بعضُ الإحصاءات التي قامت بها عدة جهات، وكذا بعضُ التقارير الصحفية في الموضوع ذاته، وهي بطبيعة الحال لا تضع بين أيدينا أرقامًا دقيقةً ولا دراسات وافيةً تكون المعايير فيها واضحةً وشفّافة، ومن الطبيعي ألَّا تُوجد دقةٌ في تناول مثل هذا الموضوع، ولكن من باب معرفة ما تم رصده من إحصاءات وأرقام حول ذلك سنطرق موضوعها منوهين بعدم الاعتماد على نتائجها إلا من باب الاستئناس لا أكثر.
في الدراسة التي أجراها معهد (جالوب الأمريكي / Gallup) بين عامي (2006 - 2007 م) تبيَّن أنَّ الجمهورية العربية المصرية هي من أكثر الدول تدينا بنسبة بلغت (100?)، تلتها مباشرةً بنجلاديش فالمغرب فجيبوتي فالإمارات، كما أجرى معهد (جالوب الدولي) - وهو يختلف عن معهد جالوب الأمريكي الشهير - دراسة مسحيَّةً في عام (2012 م) شملت (57) دولة، بمجموع ناف على (50000) فرد من المستجوبين؛ خُلاصتها: احتلال العراق المرتبة السابعة من حيث نسبةُ التَّدين والتي بلغت (88))، واحتلال تونس المرتبة الثالثة والعشرين بنسبة تدين بلغت (75 %) بالاقتسام المملكة العربية السعودية، وجاءت فلسطين في المرتبة الإحدى والثلاثين بنسبة تدين بلغت (65))، ثم لبنان في المرتبة الثانية والثلاثين بنسبة تدين بلغت (64 ?)، وذكرت الدراسة أنَّ نسبة الإلحاد في المملكة العربية السعودية تُعادل (5?)، وهي: تعد بهذا أكبر بلد إسلامي في نسبة الإلحاد، علمًا بأنَّ الكثيرين قد شككوا في هذه النتائج وانتقدوها.
مع
وفي آخر الإحصاءات وبالتحديد في شهر (ديسمبر) من عام (2014 م) أشارت دار الإفتاء المصرية إلى دراسة غامضة ذكرت بأنَّ العدد الدقيق للملحدين في مصر يبلغ (866)، أما في
244 (1/244)
صفحة 245
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
المغرب (325)، وفي تونس (320)، وفي العراق (242)، وفي الشعودية (178)، وفي الأردن (170)، وفي السُّودان (70)، وفي سورية (34)، وفي ليبيا (32)، وفي اليمن (32)، وهذه الأعداد تُمتِّلُ ما مجموعه (2293) ملحدًا في العالم العربي من بين أكثر من (300) مليون نسمة؛ أي
ما نسبته (0007,.).
كما أجرت جامعة (ويسترن ميتشيجان Western Michigan) استطلاعا يكشف عن عدد الملحدين في مصر بعد الحراك الشعبي بين عامي (2011) - 2013 م) ووصلت النسبة إلى (3 ?)، وهو رقم يتجاوز المليون الثاني". وتتحدَّثُ بعض الجهات عن رقم مُبالغ فيه لعدد الملحدين في العالم العربي تجاوز حاجز الـ (75) مليونًا (2)، وهو ما نسبته (20 ?) من مجمل سكان العالم العربي وأورد موقع (atheist census أعداد الملحدين الملتحقين بصفوفه، وفيما يخص الدول العربية بالتحديد فقد جاءت الأعدادُ على النحو الآتي (3)
الترتيب
الدولة
مصر
سورية
المغرب
تونس
العراق
لبنان
الأردن
الجزائر
فلسطين
الكويت
العدد
الترتيب
الدولة
العدد
11
2684
12
1038
13
739
14
514
15
440
410
17
349
18
159
19
146
20
93
السودان
ليبيا
90
63
البحرين
الإمارات
52
اليمن
?
?
عمان
قطر
الصومال
52
28
27
10
موريتانيا
جيبوتي
1 - يُنظر: مرفت الحطيم الجارديان البريطانية (866) ملحدًا في مصر، مجلة روز اليوسف، (20/ 12/ 2014 م). 2 - يُنظر: مصطفى راشد الحوار المتمدن، العدد (4526)، بتاريخ: (28/ 7 / 2014 م).
- موقع: http://atheistcensus.com) والرصد لشهر يناير من عام (2016 م). وننته على أنَّ هذه الأرقام قد لا تكون مطابقة للواقع؛ فليس كلُّ مَنْ انضم إلى موقع من المواقع يعني أنه أصبح فكريًا على خط سير الموقع ذاته؛ فهناك من انضم للاستطلاع العام، وهناك من انضم لرؤية الفكر الذي يبته الموقع من كَتَب، وهناك من قد ينضم لتنزيل محتويات إلكترونية لا يستطيع إنزالها إلا بعد التسجيل، وغيرها من الأسباب الأخرى المختلفة، وكذلك - للدقة - ليس لزاما على كلّ من خالطته لوثة الإلحاد أن يكون عارفًا بهذا الموقع أو غيره بله أن يكون مسجلا فيه أو منضويًا تحت رايته، مما يعني أنَّ يدَ الرَّصد لن تطالهم، وأنَّ لغة الأرقام لن تشملهم.
245 (1/245)
صفحة 246
مناجزة الإلحاد
ومن الملحوظات التي تبدو ماثلةً للأعين أنَّ الإلحاد العربي لم يظهر بالشكل اللافت الذي نراه الآن إلا مع ظهور حالة الفوضى والشَّغب والتَّدهور الأمني والاجتماعي بعد الحراكات الثورية الأخيرة في بعض البلدان العربية، فالانفلات الأمني والسياسي والاجتماعي أوجد مناخًا خصبًا للإلحاد كما يظهر.
ولا يخفى أنَّ اللاعب الأكبر في ارتفاع حصيلة ضحايا الإلحاد بين شباب العرب كان للشَّكة هو الفضاء المفتوح العالمية، فعن طريقها يتم الترويج للإلحاد، وتجد أن كثيرًا من أولئك الشباب لا يملكون قاعدةً عقديَّةً مُتماسكةً تقفُ أمام سيول الانتقادات والتهكمات التي يتعرض لها دينه ومعتقده، فيلبث زمانًا تتقاذفُ في رأسه الشكوك إلى أن تأتي على كل ما تبقى له من صمود في جانب من جوانب عقيدته فينتهي به الحال صريعًا في مهامه الإلحاد ومهالكه!! إِنَّ جولة تفقديَّةً سريعةً لوسائل التواصل الاجتماعي أو مواقع الشبكة العنكبوتية ومنتدياتها تُجبرك على المرور بكم هائل من العناوين الإلحادية، فهناك مئات الصفحات الإلحاديَّة على مواقع كـ (الفيسبوك) و (التويتر) تجذب آلاف المتابعين من أنحاء العالم العربي المختلفة، فصفحة كصفحة (الملحدين التونسيين تضمُّ زهاء (12000) متابع، وصفحة (الملحدين السُّودانيين) تضم على أروقتها أكثر من (3000) متابع، وصفحة (شبكة الملحدين السوريين) تضم أكثر من (5000) متابع، ويتفاقم هذا العدد في صفحة (ملحدون سوريون) التي تضم أكثر من (11000) متابع لها، وصفحة شبكة الملحدين العرب تضم أكثر من (300) متابع، وصفحة (الملحدون اليمنيون) تضم أكثر من (200) متابع، وصفحة شبكة الملحدين السعوديين) تضم ما يربو على (900) متابع، وصفحةً (الملحدين المغاربة) يزيد عدد متابعيها عن (2000) متابع، وصفحة (تجمع الملحدين واللادينين (العراقيين تضم أكثر من (21000) متابع، وصفحة (أراب أثيست) على (التويتر) تضم أكثر من (8000) متابع، وكذلك المنتديات الخاصة بالإلحاد لها متابعوها وروادها فمنتدى شبكة الإلحاد العربي يضم أكثر من (1100) عضو). ونؤكد - مرة أخرى - أنَّ عدد المتابعين لا يعني عدد الملحدين، فكثير من المتابعين لصفحة ما تجدهم يتابعون الصفحات الإلحادية الأخرى؛ أي إنَّ الأشخاص هم هم، أضف إليه أنَّ بعض المنتسبين إلى هذه الصفحات ينتسبون إليها لدوافع حجاجية أو استطلاعية عابرة في
أحيانٍ أخرى.
1 - هذه الأرقام رصدناها في مطلع عام (2016 م).
246 (1/246)
صفحة 247
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
هناك أبحاث على المستوى الإقليمي العربي حاولت أن تعقد مقاربات ومقارنات للمعطيات والبيانات ونسب الإلحاد، فحسب تقرير المؤشر العربي لقياس الرأي العام لسنة (2011 م) الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عبرت الأغلبية الكاسحة عن تدينها المطلق أو تدينها إلى حدٍ ما، فكانت النسبةُ بالتَّحديد (85). وبالموازنة مع هذه النسبة التي تتحدث عن ظاهرة التدين في المجتمعات العربية والإسلامية فإنَّ ذلك لا يُقلل من حجم وجود ظواهر إلحاديَّة ومواقف مشككة في القيم الدينية. ثمَّ إِنَّ الإحصاءات والاستقصاءات التي أُجريت في العديد من دول العالم ومنها البحث العالمي حول القيم (2000 م) أكَّدت أنَّ العالم يشهد عودةً للتَّدين بشكل لافت للنظر، بل إنَّ المجتمعات التي عرفت الأيديولوجيات الشيوعيَّة كنظام للحكم استرجعت منظومة القيم الدينية للإجابة عن التحديات الذاتية التي بدأت تخترقها، فبينما يتجه العالم إلى التَّدين من جديد بدأ جزء من العالم العربي يتَّجه إلى الإلحاد، وهذا يعكس - بجلاء - تأخرنا وتخلفنا عن مسيرة الركب العالمي!!
وإذا كان كثيرون ممن ألحدوا عن طريق ما يتم الترويج له في صفحات الشبكة العنكبوتية أو وسائل التواصل الاجتماعي لا علاقة لهم بأي منظمات أو مؤسسات خارجية مسؤولة عن ذلك فهذا لا يعني عدم وجود منظمات ومؤسساتٍ خفيَّةٍ أو مُعلنة تقف خلف الترويج للإلحاد وبته في العالم عموما والعالم العربي خصوصا (2)، فكثير من الأعضاء النشطين على المواقع والصفحات الإلحاديَّة العربيَّة ينتمون إلى مؤسساتٍ خارجيَّةٍ تسعى إلى نشر الإلحاد، أو ينتمون إلى منظمات كنسيَّةٍ مُغرضة، لذا فليس بمستغرب أن لا تجد نقدًا موجها إلى الديانة النصرانية أو اليهودية كمثل النقد الموجه إلى الإسلام، وقد يحتج الملاحدة على ذلك بقولهم: إنَّ انتقادنا للدين الإسلامي نابع من خلفيتنا الإسلامية السَّابقة. ولكن هذا الاحتجاج يتضاءل حظه من الصحة إذا علمنا بأنَّ الأعضاء المؤسسين لكثير من الصفحات والمواقع الإلحادية هم من النصارى الملحدين، وتراهم يُخصَّصون قسمًا مستقلا لنقد الإسلام، بينما يُدرجون قسما آخر
1 - يُنظر: قراءة في نتائج بعض التقارير والاستطلاعات الدولية مركز نماء للبحوث والدراسات، (7/ 17 /2012 م). 2 - يُصرح براين ويتاكر بهذا الأمر قائلا: "الشك بوجود مؤامرة ضد الإسلام والمسلمين ليست محض خيال رغم المبالغة فيها في غالب الأمر، فهناك الكثير من المنظمات البغيضة في الدول الغربية تسعى إلى إثارة التَّحيز ضد المسلمين لدوافع عرقية وما إلى ذلك، وتعتبر هذه المنظمات المسلمين السابقين مادَّةً دسمةً في محاولاتهم تلك. (براين ويتاكر، عرب بلا رب، ص 196).
247 (1/247)
صفحة 248
مناجزة الإلحاد
تدمج فيه جميع الأديان ذرا للرَّماد على العيون وقد اعترفت الأسقفية الكنسيَّةُ في مص في اجتماعها عام (2007 م) بأنَّ ما يُقارب (80) من الملحدين في مصر هم من النَّصارى وخُدام الكنائس سابقًا.
وفي المقابل كذلك - وبعيدًا عن قضيَّة الإغراض وعُقدتَي (المؤامرة) و (اللامؤامرة) - فإنَّ السّيَرَ الذَّاتية المفضوحة للأعضاء الملاحدة الذين يقبعون خلف الأسماء المستعارة تُخبرك عن واقع مرير وحال متردية، فبعضهم يعمل في القوادة والدعارة والمراقص والملاهي الليلية، وبعضهم يتاجر بالمخدرات، والخمور وبعضهم يمتلك مواقع إباحية تنشر العهر والفجور وبعضهم متهم بالجرائم الكبرى كالاغتصاب والقتل وبعضهم ارتد عن الإسلام وتحول إلى النصرانية فتراه يهاجم الإسلام بناءً على نصرانيَّته التي ألبسها لبوس الإلحاد!
،
وأعجب من ذلك كله أنَّنا وجدنا في المواقع الإلحادية ظاهرة الدفاع المستميت عن الكيان الصهيوني، وتصويره على أنَّه الجنَّةُ في وسط جحيم العرب، وأنَّه أرضُ الحُريَّات والديمقراطيات، وكل هذا الدفاع والتمجيد والتبجيل كان بأسماء عربيَّة مستعارة، فعلى أي شيءٍ يدلُّ هذا؟! وعلى أي شيءٍ يدلُّ تضخُمُ ظاهرة سبّ العربِ وتحقيرهم والحط من مكانتهم؟!! لقد تبين بعد عمليات القرصنة التي أصابت بعض المنتديات الإلحادية - من خلال قاعدة بياناتها - الكثير من الأمور القابعة خلف الكواليس، فمنتدى شبكة الطبيعيين الوجوديين) اتَّضح - بعد قرصنته - بأنَّه منتدى إسرائيلي صهيوني، وقد استشعر بعض أعضائه ذلك قبل عمليات القرصنة! ومنتدى (الملحدين العرب) اتَّضح أنَّ صاحبه مسيحي أردني ناقم، ومنتدى (الحوار المتمدن) هو منتدى نصراني تبشيري، وكثير من مسؤولي هذه المنتديات يعيشون في أوروبا وأمريكا، وكثير من متصفحي هذه المنتديات يُساقون إلى الإلحاد؛ لأنَّهم عجزوا عن الرد على تلك الشكوك المثارة ضد دينهم، مع أنَّ عجزهم لا يعني إلا عجز علمهم ودرايتهم لا عجز الإسلام نفسه.
248 (1/248)
صفحة 249
المبحث الرابع: الإلحاد في ضيافة العالم العربي
خلاصة المبحث
- الذاكرة التاريخية القريبة للعالم العربي: تحتفظ بالانحرافات التي شملت كل مجالات الحياة كالسياسة والدين والفكر والأدب والفن.
- كانت هناك محاولات حثيثة لإسقاط المتغيرات الفكرية الأوروبية على العالم العربي دون مراعاة لاختلاف الظروف والأحوال.
-
- أول حالة إنكار صريح لوجود الله في العالم العربي تم تسجيلها في عام (1937 م) باسم إسماعيل أدهم، ثم توالت من بعدها صيحات الإلحاد.
- هناك تزايد ملحوظ في أعداد الملحدين في العالم العربي قد يُوصف بأنَّه (موجة) إلحاديَّةٌ
إن استمر الأمر على حاله.
249 (1/249)
صفحة 250
[صفحة فارغة] (1/250)
صفحة 251
المبحث الخامس
دوافع الإِلحَادِ وبَواعِتُهُ (1/251)
صفحة 252
المستعد للشَّيء تكفيه أضعفُ أسبابه“.
(ابن سينا)
"عندما تصل الحضارة إلى طور الرفاهية
فإنَّ بعض النُّفوس تكون قد استنفدت تطلعاتها
وإمكاناتها الدينيَّة واشتاقت إلى المزيد من المتع الحسيَّة“. (عبد الرحمن بدوي
"إنَّ ما يُقدمه المعارضون للإيمان من أسباب علميَّةٍ ومنطقية
لإلحادهم ليست إلا قناعًا تختفي وراءه دوافعهم الذاتية الواعية وغير الواعية".
(عمرو شريف) (1/252)
صفحة 253
ما
أيُّها الإلحاد: أين تبسط نفوذك؟! التُّربة المناسبة لنشر دُعافكَ النّقوع؟!
أنت خللٌ لا تُوجَد إلا بخلل يسبقك!! (1/253)
صفحة 254
مناجزة الإلحاد
دوافع الإلحاد
وبواعثه
(1)
نزعم بأنَّ الإلحاد لا تقف وراءه أسباب، وإنَّما دوافع وبواعتُ ومحفزات، فلفظ (الأسباب) يُوحي بإشارةٍ حقيقيَّةٍ أو مجازيَّةٍ إلى أنَّ الإلحاد نتيجة لها علاقات ومقدمات حتمية ضرورية
مترابطة لا انفكاك عنها، بينما هو في الحقيقة ليس سوى اختيار قَدِمَ إلى الواجهة بذرائع مختلفة، فما من سبب حتمي يدفعه إلى الظهور بشكل تسلسلي طبيعي ومنطقي، وكلُّ (الأسباب) المطروحة هي في حقيقتها حزمةٌ من الدوافع والبواعث، وقد تكون في أحيان كثيرة مجرَّد مبررات ومخارج وحيل، فحبذا لو نصوغ كلمةً أخرى غير كلمة (الأسباب) عند حديثنا عن الإلحاد، وهذا من باب تسمية الأشياء بمسمياتها ووضع الأمور في نصابها، فنحن إذا جئنا إلى مصطلح (الدوافع) لوجدنا بأنَّه مصطلح يتضمَّنُ المحرّكات الداخلية للإنسان والتي تدفعه نحو القيام بفعل محدَّدٍ أو ممارسة اعتقادٍ مُعين، أمَّا إذا جئنا إلى مصطلح (البواعث) لوجدنا بأنَّه مصطلح يتضمَّنُ المحرّكات والمؤثرات الخارجيَّة التي تُغري الإنسان نحو القيام بفعل مُعين أو ممارسة اعتقادٍ مُعين، وما يُميز هذين المصطلحين هو أنَّ أثرهما غير حتمي، فلو تهيَّأ دافع أو باعث منها لدى شريحة من النَّاس فإنَّ هذه التَّهيئة قد تقود بعضهم إلى الإلحادِ دون بعضهم الآخر، مع أنَّ الدافع أو الباعث هو نفسه عند نفسه عند الطرفين (2).
في كلمات مبحثنا هذا نجول معا لاكتناء دوافع الإلحاد، وتنته - ابتداء - إلى أنَّ كل دافع نصصنا عليه أنَّه من الدوافع المؤدية إلى الإلحاد لا يعني تسويفًا للإلحاد أو تبريرا للواقعين في مستنقع أوْحَاله؛ جلُّ ما في الأمر أنَّنا اجتهدنا في بيان هذه الدوافع حتّى نقطع مادتها ونستأصل - بقدر الوسع - شأفتها، فبالوقوف عليها سنتمكن من معرفة خطوط سيرها بدقة، ومن
1 - هذا المبحث مقيد بواقع العالم العربي ومعطياته، أما ما يخص العالم الغربي فقد سبق الحديثُ عنه في المبحث الثالث، كما تنبه إلى ضرورة الاطلاع على المبحث السابق؛ إذ إنَّ المبحث الحالي ما هو إلا امتداد وثيق الصلة به. 2 - قد يدور في الأذهان السُّؤال عن دوافع الاتجاه إلى الإلحاد في العصر الحالي مع أنَّ معظم الدوافع التي سنذكرها ليست بجديدة على العالم العربي، فقد وُجدت فيه قبل ذلك ولم توجّهه إلى الإلحاد؟! ويُمكن اختصار الجواب بقولنا: إنَّ ذلك راجع إلى أن الإلحاد اليوم أصبح فكرة مطروحةً ورائجة تلفّعت بتلافيع العلم والتقدم والتحضر!
254 (1/254)
صفحة 255
المبحث الخامس: دوافِعُ الإِلْحَادِ وبَواعِثُهُ
سنستطيع تحديد علاجها الناجع والفعّال، فكلما كان الدافع واضحًا ومحددًا كان العلاج واضحًا مُحدَّدًا كذلك، وكان الوصول إليه في أقلّ مُدَّةٍ وجهدٍ مع فاعلية أكبر، ومحاولة الوقوف على دوافع الإلحاد بدقة تجعلنا - أيضًا - نبتعد عن التسطيح في تشخيص أصل المشكل، مما يعني الابتعاد عن النظرة الضَّيقة الحاصرة لدوافع هذا المشكل في أمور قد لا تكون صحيحةً أو ربما تكون صحيحةً في حالةٍ وخاطئةً في حالاتٍ أُخَر، كحصر الدافع إلى الإلحاد في الرغبة في التَّحرُّر من الالتزام الديني وسلوك طريق الشهوات، أو حصره في الغرور وحبّ التَّصدرِ والشهرة، أو في الولع بتقليد الغالب، أو حصره في التبعية الفكرية وهكذا ...
ومما نستفيده كذلك من حصر دوافع الإلحاد الوقوف على بعض الأخطاء الموجودة لدينا، ومحاولة علاجها وسد الثغرات التي قد تكون مدخلا من مداخل الإلحاد، أضف إليه أنَّنا نستطيع من خلال معرفة الدوافع والبواعث أن نفهم الطرف الآخر وبالتالي وضع يدنا بيده لانتشاله من الهوجعة التي نزل بساحتها، وأن يتيقن الطَّرفُ الآخر من أنَّ المؤمنين يفهمون دوافع إلحادهم ومبرراتها وليسوا في معزل عن الأمر، هذا؛ ومع كل ما سبق فإنَّنا نقول بفم ملآن: إِنَّ دوافع الإلحاد مجتمعةً لم تكن يوما - ولن تكون - دوافع علميَّة أو منطقية وإن حاول الواقعون فيه ادّعاء ذلك، فالعلم بروحه العامَّةِ لن يُوصلك إلا إلى محراب العظمة الإلهية، والمنطق السليم لن يرشدك إلا إلى الحضرة الصمدانية!
وبالنظر في شأن الدوافع والبواعث فقد سبق وأن تطرقنا - في المبحثين السابقين - إلى إلماعة تاريخية عن نشأة الإلحاد في أوروبا، ثمَّ انتقاله إلى العالم العربي بعد ذلك، ولأنَّ موضوع | النشأة والدوافع لا يخلو من بعض التداخل والالتكاك فقد حاولنا قدر المستطاع أن نذكر الدوافع والبواعث في هذا المبحث بصورة أكثر تحديدًا وأدق تقسيما؛ لذا ارتأينا تقسيمها إلى ثمانية أقسامٍ نُجملها بدَاءَة بَدْءٍ ثُمَّ نُفصلها على النحو الآتي:
أولا: الدوافع والبواعث السياسية.
ثانيا: الدوافع والبواعث الدينية.
ثالثًا: الدوافع والبواعث الاقتصادية. رابعا: الدوافع والبواعث التعليمية.
255 (1/255)
صفحة 256
256
مناجزة الإلحاد
خامسًا: الدوافع والبواعث الأسرية.
سادسا: الدوافع والبواعث النفسية.
سابعا: والدوافع والبواعث الاجتماعية. ثامنا: الدوافع والبواعث المعرفية. (1/256)
صفحة 257
المبحث الخامس: دوافِعُ الإِلحَادِ وبَواعِثُهُ
أولا: الدوافع والبواعث السياسية
ونعني بها المحركات والمؤثراتُ التي ترفدها السياسات بأدواتها ومناهجها، وما ينتج عن تلك السياسات من ممارساتٍ تُؤثِرُ فى السُّلوك وأنماط التفكير بشقيها؛ الفردية والجمعية، ولعلَّ أهم تلك الدوافع والبواعث المنبثقة عن السياسة ما نذكره كالآتي:
الاستبداد السياسي: يراد بالاستبداد عند إطلاقه استبداد الحكومات خِصَيْصَا؛ لأنَّها أعظم مظاهر أضراره التي جعلت الإنسان أشقى ذوي الحياة، وهو في اصطلاح السياسيين: "تَصرُّفُ فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة". وتعريفه بالوصف: "هو صفة للحكومة المطلقة العنان فعلًا أو حكمًا، التي تتصرّف في شؤون الرّعيَّة كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محققين». وتفسير ذلك هو أنَّ الحكومة إمَّا هي غير مُكلَّفةٍ بتطبيق تصرُّفها على شريعة أو على أمثلة تقليدية أو على إرادة الأمة، وهذه حالة الحكومات المطلقة، وإما هي مقيدة بنوع من ذلك ولكنها تملك بنفوذها إبطال قوَّة القيد بما تهوى، وهذه حالة أكثر الحكومات التي تُسمي نفسها بالمقيدة أو بالجمهورية).
وكلمة المستبد (Despot) هي كلمة مشتقة من الكلمة اليونانية (Despotes) وتعني: ربُّ الأسرة، أو سيد المنزل. فخرجت من نطاق الأسرة إلى عالم السياسة، وهذا خلط بين مفهومِ أخلاقي ومفهوم سياسي قانوني، الأوّل قائم على الاحترام والطَّاعة والتوقير، والثاني قائم على المحاسبة والمساءلة والتَّدقيق؛ ممَّا يؤدي حالا إلى الاستبداد والطغيان (3).
ومن هنا كان الاستبداد السياسي أصل الأدواء؛ فالمستبد يتحكم في شؤون النَّاس بإرادته لا بإرادتهم، ويعلم من نفسه أنَّه الغاصبُ المتعدي فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من النَّاس يسدُّها عن النُّطق بالحق والتداعي لمطالبته (3)، وخطرُ هذا المرض في إمكان تسرب
1 - يُنظر: الكواكبي، طبائع الاستبداد، ص (37 - 38).
2 - يُنظر: إمام عبد الفتاح إمام، الطاغية، ص (44 - 45). 3 - يُنظر: الكواكبي، طبائع الاستبداد، ص 41.
257 (1/257)
صفحة 258
مناجزة الإلحاد
جراثيمه الفكرية إلى كل طبقات المجتمع ومستوياته حتّى في علاقة الرَّجُلِ بعائلته)؛ ومن ثُمَّ فإِنَّ هذا النوع من الاستبداد يُلقي بظلاله على كل شيءٍ في الحياة الاجتماعية، يُوجّهها حيث يريد ويذهب بها ما يشتهيه من المذاهب وإن كان فيها الهلكةُ والدَّمار، مُشكِلا مع الاستبدادين الديني والاقتصادي ثالوث الخراب؛ لذا فهو أصلُ الأدواء جميعها خلافًا لأولئك الذين قالوا بتَوَلَّدِ الاستبداد السياسي من رحم الاستبداد الديني فالاستبداد السياسي أتى بدوره على قدرة الأمة على الامتداد في المجالات المختلفة)، فزراعة أصل الخراب تبدأ من جذر السياسة الجائرة والسياسيين الفاسدين (3)، ومن بعد تتشكّلُ المصاهرةُ اللعينةُ بين استبداد السياسيين وتزييف الكهنوتيين وأثرة الإقطاعيين، ويبقى أنَّ المتحكّم الأكبر في خيوط اللعبة والرابح الأكبر من عمليَّة التَّزاوج هذه هم السياسيون الانتهازيون، ومن عداهم دُمى على مسرح العرائس يُحركون من خلف الستار، وهذا كله أصل الكارثة التي تدفع النَّاس إلى الثَّورة، وتزداد الكارثة وقعا عندما يحكم هؤلاء رقابَ النَّاس باسم الدين ليثور الناسُ رافضين الدين وما ينتج عنه خصوصا مع شيوع الجهل المصاحب لمثل هذه الأوضاع عادةً، ومن هنا كان الاستبداد السياسي حاملا في يديه معاول هدمه ودكدكته واجتثاثه
وما من شكّ في أنَّ الخطاب السياسي الديني المؤدلج) الذي هون للشعوب العربية الرضوخ للاستبداد والخضوع للظلم والعسف، سادا بذلك أمامها أُفُق الطرق الإبداعية في التحرر من طواغيت البشر، محطّما بذلك تطلُّعاتها المشروعة، ومخدّرًا عزائمها بمخدّر (وجوب طاعة ولي الأمر)، مسكنا آلامها - من الضَّيم والذلة والهوان - بمسكن الصبر! لا مراء أنَّ ذاك النوع من الخطاب كانت له انعكاساته السيئة، وإسقاطاته المرَّة الخبيثة،
1 - يُنظر: خالص جلبي وآخرون، كيف تفقد الشعوب المناعة ضد الاستبداد، ص 164.
2 - يُنظر: محمد الغزالي، كيف نتعامل مع القرآن، ص (154). والفساد السياسي في المجتمعات العربية والإسلامية، ص (52). ولا ريب في أنَّ المجتمع يجب أن تكون له مناعة فكريَّةٌ ودينيَّةٌ قويَّةٌ حتَّى لا ينصهر انصهارا تاما في قبضة التيار السياسي الاستبدادي.
وعبر
- والناظر إلى أحداث التاريخ بعين البصيرة يلوح له بكل وضوح مدى تأثير السياسة على كل شيء في الحياة الاجتماعية المدنية منها والعسكرية، ونحن نرى الأحزاب التي تعتمد على مرجعيَّةٍ دينية - في نظرتها للحياة ككل - تُحاول عبر تشكيل الأحزاب التنظيمات المختلفة الوصول إلى سُدَّة صنع القرار، والإدارة السياسية للرقعة التي هي فيها بنضال دؤوب متواصل، ولو أنَّ السياسة في أيديهم لما سعوا إليها!! وفي هذا دلالة واضحةً على أنَّ الاتجاه الديني لا يصنع القرار السياسي في كثير من الأحيان، فكيف يكون هو أصلا للاستبداد السياسي؟! نعم قد يحدث نوع من التماهي بين السياسيين الفاسدين ووعاظ السلاطين هنا أو هناك، وعلى نطاق محدَّدٍ في لعبة تتبادل فيها المصالح المختلفة في توازناتٍ على نطاق معين، وقد تستغفل يد السياسة الماكرة بعض مثقوبي الضمائر، لكن هذا لا يعني بحال سيرورة الاستبداد السياسي في ركاب الدين بله أن يعني أنَّ الأخير أصل للأوَّل.
258 (1/258)
صفحة 259
المبحث الخامس: دوافِعُ الإِلحَادِ وَبَواعِثُهُ
مما وجد فيه المتشككون فرصةً لائحةً لتدعيم مواقفهم المتعثرة، فأسهم في دفع البعض إلى التَّمَرُّد الديني، وبعثَ فيهم روحَ التَّشفي والانتقام من كل الوسائط التي تم استغلالها واستخدامها في كبتهم وإلجامهم، وعلى رأسها الدين والإلهُ الَّذِيْن فعلت باسمهما - جهلًا وظلمًا وعدوانًا - الأفاعيل، ولو أنَّهم ترؤوا وعادوا إلى دراسة القضيَّة دراسة محكمة متأنية مستمدة أدلتها واستدلالاتها من ينابيعها الأصيلة لتكشفت عن أعينهم الحُجُب، ولانقشع عن قلوبهم ران الاشتباه، كيف ونحن نجد أنَّ الله لم يجعل لأُولي الأمر طاعةً مستقلة عن طاعته؛ فلا طاعةً لمخلوق في معصية الخالق والظلم والاستبداد والتَّعشف محرمات أشد التحريم أبد الآباد بلا مرية أو أدنى اشتباه، وهذا كله واضح صُراح لا غمغمة فيه لمن تأمل هدايات الوحي بكل تجردٍ وحيادية وإنصاف. هذا وغيره الكثير مما تفيض به روح نصوص الوحي مما يمكن نقاشه
وبسطه في مقامٍ آخر. الثورات العربية:
لقد كسرت الثَّورات العربية مهابةَ السُّلطة السياسية وفدغتْ عنجهيتها وغرورها في تلك
البلدان التي اندلعت فيها، كما نزعت عنها جلابيب القداسة والفخامة التي لازمتها عقودًا طويلة، وهذا هو طبعُ الاستبداد الذي يُخفي وراءَه شخصياتٍ مريضةً ضعيفةً عديمة الثقة بنفسها، فمن أول صدام بينها وبين الشعب الثَّائر اتَّخذت القمع والعنف منهجًا في تعاملها مع المحتجين، ومن أول صدام ثوري سقطت عن عرشها ونجح المحتجون في تحدّيها وكسبوا الرهان، لقد أسقطوا الرموز التي تسلطت تسلطت عليهم وذلت أعناقهم لها خاضعين وفي نشوة هذا الانتصار - مع ما سلف بيانه من استغلال الدين استغلالاً شائنًا من قبل البعض - لربما اغتر بعضُهم وأخذته العزة بالإثم ليتحدى كلَّ الرموز الأخرى كالدين والأخلاق والقيم والعادات جاعلا إياها كلها في سلَّةٍ واحدةٍ وحكم واحد؛ فالتَّحرُّر لا حدود له بعد أن تهاوت أعتى رؤوسُ الاستبداد والتسلط، ونشوة المحروم بالحُريَّة كنشوة الظمآنِ إلى الماء البارد الزلال!
فَشَلُ تجربة الإسلام السياسي: طُرحت بقوة - منذ عقود طويلة - فكرةُ فشل الإسلام السياسي) في العالم العربي، وأنَّ الإسلام السياسي لا محل له من الإعراب، ولا يستطيع أن يُقدّم شيئًا للأمة الإسلامية في الوقت الراهن، وقدمت هذه الفكرةُ على طبق من ذهب في العقود الثلاثة الأخيرة، وتجلت أكثر ما
259 (1/259)
صفحة 260
مناجزة الإلحاد
تجلت في م مصر بعد ثورتها الأخيرة، فتلاشت الآمال التي عُلّقت على الإسلام السياسي العربي، وظنَّ بعضهم بالله الظنون، فاستقر في وعيه وخَلَدِه على إثر تلك الأحداث أنَّ الدين الإسلامي ما عاد يصلح للوقت الحاضر، ولم يعد يُقدّم حلا لمشكلاته، بل ولم يسهم إلا في تأجيجها، بيد أنَّه - على الحقيقة - لا علاقة رئيسة من الأساس بين وجود الإسلام كدين ووجود الإسلام كسياسة اجتهادية يجتهدها بعض المنتمين إلى الدين فينسبونها إليه مما قد لا يوافقون عليه مِنْ قِبَلِ المنتمين إلى الدائرة الإسلامية ذاتها، فالإسلام شيء والاجتهادات المنسوبة إليه شيء آخر، قد نتفق معه وقد نختلف
الفوضى وفُقدان التوازن:
لربما كانت القلاقل والتَّموراتُ التي عادةً ما تصحب كلَّ الثَّورات دافعًا من خلف الستار لبروز الإلحاد إلى الواجهة، فالإلحاد يتغذَّى من حالات الفوضى وانعدام التوازن ويجد فيها مرتعًا خصبًا لنمائه وتكاثره.
والإلحاد العربي - خصيصا - لم يظهر بالشكل اللافت الذي نراه اليوم إلا مع ظهور حالة الفوضى والشغب والتدهور الأمني والاجتماعي بعد الحراكات الثورية الأخيرة في بعض البلدان العربية - خصوصا في مصر - فالانفلات الأمني والسياسي والاجتماعي أوجد مناخًا خصبًا للإلحاد كما يظهر، وليس اتساع رقعة الحريَّات بعد الثَّورات هو الدافع الوحيد لبروز الإلحاد، فالإلحاد كان موجودًا قبل الثورات، بيد أنَّ حالة الفوضى والانفلات الأمني والاجتماعي كان لها يد في بروزه كموجة بدت معالمها بالانبثاث والاندياح.
وليست حالة الفوضى وانعدام التَّوازن مقصورةً على الثورات وتبعاتها، بل أينما وجدت هذه الحالة فإنها تُشكّل دافعًا مغريا للتَّمرُّد على جميع الأصعدة؛ السياسية والاجتماعية والدينية، فالحروب والاقتتالات - وما فيها من تشردٍ وضياع وانسحاق - كلها تزرع حالة الفوضى والاختلال، وهذه الحالة تنخر الفكر وتلوثه وتضعه على محكّ الاختبار والابتلاء، فالفوضى بعمومها ذات حدين، إما أن تنجح في التَّعاطي معها - بالصبر والحكمة - فتدفعك إلى الخير، وإما أن تفشل
معها - بالتمرد والانحلال - فتدفعك إلى الشَّر، فهي على كلّ نوع ابتلاء وامتحان.
260 (1/260)
صفحة 261
المبحث الخامس: دوافِعُ الإِلحَادِ وبَواعِثُهُ
العلمانية:
وُلِدَت العلمانية في أوروبا ثمَّ صار لها وجود سياسي بالثورة الفرنسية، وانتشرت في العالم بعد ذلك بوازع من الاستعمار، والعلمانية وما لفّ لفها دافع سياسي لإقصاء الدين من الحياة العامة، وتهميش دوره والاستغناء عنه، ومظاهرُ العلمانية ومناهجها واضحة وظاهرة في سياسات العالم العربي منذ عقود طويلة، فمن هنا كان ما تبدى من مظاهرها وما تستر من مكامنها دافعًا وباعثًا نحو الضياع في غياهب الإلحاد وتنائفه.
261 (1/261)
صفحة 262
مناجزة الإلحاد
ثانيا: الدوافع والبواعث الدينية
وهي تلك المحركات والمؤثرات التي يبدو - في ظاهرها - أنَّ منبعها الرئيس هو الدين، وأنَّها مُستقاة منه، أو تلك المحركات والمؤثرات التي تتعلق بأستار الدين، ويتم افتعالها باسمه وتحت سُلطانه؛ بغية الالتفاف عليه والانسلاخ منه، ويُمكن ذكرها على النحو الآتي:
الصراع المفتعل بين العلم والدين:
رأينا - سلفًا - كيف أنَّ مواقف رجال الكنيسة وأفاعيلَهم كانت سببًا رئيسًا في الإيهام بتصادم العلم مع الدين، وهذا ليس تبريرا لنفور النَّاس من الإله وتنكرهم له؛ وإِنَّما تقريرًا لحقيقة لا بُدَّ من الانتباه لها، وتوثيقا للحظةِ التَّصادم في أصل نشأتها، فتزمتُ الكنيسة وتحجُرُها وسوء سلوك رجالها نفّر النَّاسَ من الدين؛ ذلك لأنَّ الكنيسة مارست غطرستها وطغيائها باسم الإله والدين، فكان لا بد - والحال هذه - أن يثور النَّاسُ ويُعلنوا الجحود والكفر بإله هذه الكنيسة ودينها، فقد استعبدتهم وفرضت القيود على طريقة تفكيرهم، بل وقيَّدت عقولهم ومنعتها عن البحث إلا من خلال معارفها وتعاليمها، كما انفردت بكشف الحقيقة وتفسير النُّصوص الدينية، فاصطدمت بكثير من الكشوف العلميَّة التي جاءت على خلاف ما قررته في تعاليمها.
لقد جنت الكنيسة على الدين بسبب موقفها من العلم، فقد صوّرت الدين والعلم على أنَّهما عدوان لا يلتقيان أبدًا، فآمن النَّاسُ بالعلم؛ لكثرة ما يوافق عقولهم عن طريقه، وكفروا بدين الكنيسة؛ لكثرة التناقضات التي يحملها وللعداء والصراع مع العلماء ونظرياتهم، وكان لهذا الصراع أثر في
إبراز المذاهب الهدامة، والفلسفات الإلحاديَّة التى تعانى منها أوروبا حتى وقتنا الحاضر). ويجدر بنا التنبيه إلى أنَّ صراع الدين الكنسي مع العِلم ما هو إلا فصل من فصول القصة الطَّويلة الاحقة عبر التاريخ الغربي الممتد، فإلى جانب صراعها مع العلم نجد قضايا أخرى هي الأهمية بمكان؛ حيث كانت مدعاةً لتنفير الغربي من الدين الذي رسمت صورته اختزالا
من
1 - يُنظر: أحمد الغامدي الصراع بين الكنيسة والعلم، ص (333 - 336).
262 (1/262)
صفحة 263
المبحث الخامس: دوافِعُ الإِلحَادِ وَبَواعِثُهُ
في الدين الكنسي المحرَّف الجائر، ومن هذه الفصول المهمة العقائد المنحرفة المصادمة لبدهيات العقل الصحيح والمنطق السليم، كالقول بألوهية المسيح وبعقيدة التثليث وأكذوبة الصَّلب والفداء وتقديس الرهبان والأساقفة والبابوات.
لكن ما علاقة العالم العربي بذلك؟! العلاقة هي في الإسقاطات التي حملها كثير من الكتاب والمفكرين العرب وغير العرب، فقد توهموا وأوهموا الآخرين بأنَّ ما ينطبق على الدين الكنسي من صدام بينه وبين العلم ينطبق هو الآخر على الدين الإسلامي، إضافةً إلى المنهجية الخاطئة التي يتَّبعها بعضُ علماء الدين في التعاطي مع الكشوفات العلمية ورفضهم لها بناءً على فهمهم الخاص لبعض النصوص الدينية، وكأَنَّ فهمهم هو ما يقوله الدين نفسه؛ ممَّا يُوهم بأنَّ الصراع قائم كذلك بين الدين الإسلامي والعلم الحديث وليس مقتصِرًا على الدين الكنسي
عجز الخطاب الديني التقليدي:
(1)
عجز الخطاب الديني عن مجاراة ما تموج به الأوساط الإلحاديَّة من أفكار وفلسفات بسبب اكتفائه بالطَّرح التّراثي، وانقطاعه عن المستجدات العلمية والحضارية، هو أهم أسباب المد الإلحادي المعاصر في بلادنا العربية، وهذا واقع لا سبيل إلى إنكاره أو التشكيك فيه. يقول مستشار الطب النفسي ريكان إبراهيم: الذي جعلني أميل إلى الوجودية مبكرًا في هذا الميل هو انغلاق الجواب الديني أمام السُّؤال المفتوح، وحينما أعدت دراسة القرآن بعمق نشرتُ كتابي (علم نفس الإلحاد والإيمان)؛ لأردَّ به عليَّ، على ضياعي، على حَرَجٍ أسئلتي؛ فكنتُ مع الإيمان (2).
وهذا في الحقيقة يكشف لنا جانبًا من أزمة عجز الفكر الديني علميا وتربويا وخطابيا في بلاد المسلمين عامة، فعجزه العلمي ظاهر يمكن تلمُّسه في نوعيَّة المتصدرين للخطاب الديني ومحتواه، وهو حالة لا تنفصل عن الحالة العامة في عالمنا الإسلامي ككل؛ حيث تقبع دُوَلُه في موقع متأخر على سُلَّم الاكتشافات والعلوم التجريبية بعد أن كانت مصدر إشعاع وتنوير، وهذا
1 - ريكان إبراهيم خلف الخطيب، مستشار الطب النفسي، ولد في العراق في الأنبار عام (1952 م)، له عدة مؤلفات منها: (نظرية البطل)، و (مقدمة في علم نفس المرأة)، و (مقدمة في علم نفس العرب).
2 - يُنظر: 6392/ html.22 - 57 - 16 - 09 - 09 - 2013 - http://www.algardenia.com/fanjanqahwa) .
263 (1/263)
صفحة 264
مناجزة الإلحاد
الأسلحة
بدوره يعني ضعف الخطاب العلمي المواجه للملاحدة المتدرّعين في دعم إلحادهم بلغة العلم التجريبي بما فيه من مكتشفات ومخترعاتٍ وإن بباطل مما يجعل موازين المواجهة غير متكافئة، ويجعل السَّاحة مملوءةً بالغُثاء المتأنق بثوبِ العِلم! فلا بُدَّ لنا من اكتساب الفاعلة والترسانة النَّاجعة لكشف شُبَه المناوئين بل ولعمارة قلوب المؤمنين بتلمس آيات الله في الآفاق وفي الأنفس، متوسلين بلغة العلم المادي المشوب بروحانية الدين إلى تعزيز الإيمان وتجسير الهُوَّة السحيقة القاطعة دون التطلعات والأشواق العليا.
وأما عجزنا تربويا فجلي في المعارف المكرورة المعادة، وفي الطَّريقة المملة الجافة في تدريس أبنائنا قيم الإيمان المختلفة، والتي ما تكون - عادةً - بطرق الحشو التلقينية الخطابية، ومثله الأمرُ في تدريسهم فقه دينهم بطرق آلية جافة بعيدة عن تلمس المقاصد العلل وسبر حيث تحوّل إلى لغةٍ متحجرةٍ قاسية تتناقض مع كلمة (الفقه) ذاتها وعجزنا التربوي ظاهر كذلك في التعامل مع المشكلات، وفي إدارتنا للخلاف بيننا كأفراد أمَّةٍ واحدة، وظاهر في عجزنا عن التعاطي الواعي المتَّزن مع الشبه الطارئة على عقول أبنائنا؛ مما قد يكون سببًا لدفع كثير منهم إلى الضفة المقابلة! وأما عجزنا خطابيًا فهو ظاهر في كثير من كتبنا ومحاضراتنا وقنواتنا، وأظهر ما يكون عند اختلافنا وإن كان الخلاف في بيت واحد!
:
إنَّ ما سيق أعلاه لم يُسق جلدًا للذات؛ وإنَّما تقريرًا لأمر واقع نرى أنَّ الأوان قد آن - قبل هذه الحظة - للتَّداعي إلى كشفه ورصده والسعي إلى علاجه.
الأخطاء الكثيرة في التراث الإسلامي
لا
:
نستطيع إنكار وجود الأخطاء الكثيرة في التُّراث الإسلامي - التفاسير والروايات والفقه والتاريخ وغيرها - وتلك الأخطاء بلا شكّ خضعت لعوامل مختلفة، منها ما كان بسبب السياسات الظالمة المستبدة، ومنها ما كان بسبب المعطيات الفكرية والثقافية السائدة، ومنها ما كان بسبب سوء الفهم أو الخلل المنهجي في طرق التفكير، ومنها ما كان بسبب التعصبات
والتحزبات والنظرات الضَّيقة؛ ولذلك تجد فيها ما يُخالف العقل والمنطق والعلم والواقع.
وإعادة النظر في هذا التُّراث الإسلامي وتنقيته مما شابَهُ ومازَجَهُ مطلب مُلح، والجهود فيه متواصلة منذ زمن طويل، وتلك الأخطاء قد تُمثل دافعًا وباعثًا على رفض الدين وكيل التهم إليه، ولكن تبقى المقارنة بين تصحيح المسار أو تركه برمته هي التي تدفع المقارنين إلى تبني
264 (1/264)
صفحة 265
المبحث الخامس: دوافِعُ الإِلْحَادِ وبَواعِثُهُ
الإلحاد والانعتاق من الدين فيقول بعضهم: "إنَّ ترك الإسلام أسهل من انتظار إصلاحه". وهذه المقولة تتضمن في طياتها اتهام الإسلام ذاته بالقصور والخلل وليس تراثه البشري فحسب، وتتضمَّن كذلك عدم المبالاة بالبحث والتصحيح والاكتفاء - كسلا وخمولًا - في التعاطي مع الأمر بآلية الرفض المطلق.
تشرذم الأمة الإسلامية وتمزعها:
حالُ أبناء الدين الواحد من التفرق والتناحر في أصله يرجع إلى السياسات الحاكمة)، والتنشئة على عدم قبول الرّأي والرأي الآخر، ويرجع كذلك إلى النمط الفكري الضيق الذي يسير عليه بعض الناس - من علماء أو عوام - فالاختلافات في حقيقتها مصدر قوَّةٍ وثراء معرفي، لكن واقع الحال قد آل إلى ما نُعاينه من التدابر والاقتتال باسم الدين، فيفتتن بعضُ الشَّباب ويلتبس عليهم الأمر، ولا يجدون منجى لهم من هذه الفتنة الشَّعواء سوى الانعتاق من ربقة الدين، أو النَّظر إليه نظرة المتوجّس المرتقب في أحسن الأحوال!
وربما كان الوفاقُ حول الكثير من وجهات النظر المختلف عليها، أو تقريب شقة الخلاف حولها أمرًا ممكنًا؛ غير أنَّ السياسة كان لها فعلُها في توسيع الهُوَّة مستغلةً ذوي التوجه الديني المغالي بعد حفل زفاف بائس نتج عنه هذا المولود المشوَّه المَعُوق؛ حيث تمَّ التَّوسع شيئًا فشيئًا في التكفير حتَّى ضمَّ طيفًا واسعًا من الأمة في أبشع عمليَّةِ استغلال للبعد الديني، فكان الأمرُ في ظاهره غَيرةً دينيَّةً وهَبَّةً تصحيحيَّة؛ ولكن في خفائه نزوة سياسية وشهوة جامحة مسعورة لاستئصال الخصوم واصطلامهم.
إنَّ ازدهار المجتمع بثقافة مؤمنة جامعة - لا فصام فيه بين ما تأمر به مصادره الأساس المتمثلة في الوحي وما جاءت به من قيم كالوحدة والألفة والتراحم والتعاضد وبين الواقع الذي يعيشه المنتمون إلى دائرته - سبب من أسباب ترسيخ الإيمان، وعكس ذلك سبب من أسباب
1 - وهذا لا يحتاج إلى كبير إثبات؛ فبنظرة خاطفة إلى أحوال المذاهب الإسلامية المختلفة في بلاد الغرب - حيث القانون الدقيق النافذ المنظم لعلاقات الطوائف والمذاهب بعضها ببعض - يُدرك أنَّ أصل المشكل ليس في وجود الطوائف والمذاهب وإنَّما في آلية إدارة هذا التَّنوع، والاختلاف والسَّعي إلى صفّ هذه الاختلافات الفُسيفسائية الجميلة بجوار بعضها لتشكيل لوحة فاتنة أخاذة تسر الناظرين، وذلك بسنّ التشريعات الصّحيحة الصريحة الواضحة، واستحداث القوانين الحاكمة النافذة من أجل إدارة راشدة للتنوع والاختلاف، وهذا تسبقه بلا شك الإرادة السياسية الحقيقيَّة الصادقة المبتعدة عن سياسات الابتزاز والاستغلال ودقّ الأسافين بين الفرقاء؛ بغية تشتيت ريحهم، وتفريق وحدتهم واجتماعهم؛ لتتفرغ عندها السياسة الجائرة لمشروعاتها بعيدا عن مقص الرقابة الجمعية للأمة!
265 (1/265)
صفحة 266
مناجزة الإلحاد
الشك والنفور وربَّما الإلحاد، خصوصًا عند أولئك الذين لا يستطيعون فضَّ الاشتباك بين نص الوحي الثابت وفهمه، وبين أصولِ الشَّريعة والفقه الناتج عن تلك الأصول ... وقد تدخل في هذا الباب البدعُ والخُرافات والطقوس المضافة إلى الأديان والمذاهب وهي ليست منها، تلك التي لا يجد العقلُ مجالًا لقبولها واستساغتها، فإذا كانت ثقافةُ ما مجتمع تُملي على أفراده نوعًا من التَّعبد غير مستساغ عقلا أو عُرُفًا فَإِنَّ هذا النوع من التَّعبُد كثيرًا ما يكون سببًا للتفور من الإيمان ليس بسبب انعدام حياتيَّة الإيمان وفاعليته ولكن بسبب سذاجة
الطقوس المُمارسة). الجماعات الإرهابية المتشددة:
أصبح العالم العربي بؤرةً للتَّطرُّف الديني ووكرًا للجماعات الإرهابية المتشددة التي تقتل الأبرياء وتستبيح لنفسها ما تشاء باسم الدين والإله، فالجماعات الإسلامية) المتشددة وخطاباتها التحريضيَّةُ التَّكفيريَّة وانتهاكاتها الصارخة للحقوق الإنسانية ومواثيق التعايش بين الأمم قد تُشكّل دافعًا وباعثًا خفيًا لرفض تلك الخطابات التي يبدو في ظاهرها - السطحي الغوغائي - أنها مستوحاة من روح الدين ونصوصه، ومن ثُمَّ - تدريجيًّا - رفض الدين وإلهه الذي أباح مثل تلك الأفعال المشينة باسمه ()!! ولا ريب من أنَّ هذا الدَّافع مردُّه - في كثر من الأحيان - إلى الجهل، بيد أنَّ هذا الجهل وجد ما يزيد من حدته واستعاره ليتشبث بموقفه أكثر فأكثر، وكأنَّ اللجوء إلى الإلحاد سيكون حلًّا ضد الاضطهاد والتطرف!!
القمعُ والصَّلافة باسم الدين: عندما يتم ارتكاب خطأ من الأخطاء ويكون التَّعاطي معه بأسلوب فظّ علنددٍ متمثل في القمع وإحراج الآخرين والقسوة عليهم باسم الدين فإنَّ ذلك يُولد في نفس الشخص دافعًا إلى التمرد والانحراف عن جادَّة الصَّواب ومجافاة دينه ومجتمعه، فأسلوب التنفير منهي عنه، والتسديد والمقاربة والاتزان مطالب ضرورية، وهناك عدد من الملاحدة يتحدثون عن مثل تلك التصرفات التي سبَّبت لهم الأرق، وجعلتهم يتَّخذون موقفًا ساخطًا وغاضبًا من الدين والمجتمع.
1 - يُنظر: ريكان إبراهيم، علم نفس الإلحاد والإيمان، ص 134. 2 - تبقى الإشارة إلى أن (93) من مطلق الحروب المدونة عبر تاريخ البشرية كانت حروبًا سياسيةً وليست دينية، وهذا فيه
كفاية وإلجام لمن يزعم بأنَّ الدين هو سبب الشرور والحروب!! (يُنظر: http://carm.org/religion-cause-war#footnote 3
266
(s 05 weal (1/266)
صفحة 267
المبحث الخامس: دوافِعُ الإِلحَادِ وَبَواعِثُهُ
ويظهر أنَّ اتجاه بعض من ألحدوا بدافع من مثل تلك التصرفات الفضّة لم يكن بسبب الدين بمقدار ما كان بسبب العنف والعنجهية المُمارسة عليهم - من قبل بعض المنتسبين إلى الدين - عن طريق المراقبة والتجسس والإلزام والجبر وهو - بطبيعة الحال - نوع من الإلحاد النفسي. أسطوانه الإعجاز العلمي:
إنَّ المبالغة والإسراف في الضَّرب على أوتار الإعجاز العلمي من شأنها أن تختزل النُّصوص في قوالب علميَّة بحتة، وفي كثير من الأحيان يتم لي أعناق النُّصوص وتحميلها ما لا تحتمل؛ لتُساير الاكتشافات العلميَّة الحديثة، فيتمخض عن ذلك كله ركاكة الاستشهاد والتوسل بالاحتمالات النسبية، وقد أوهم هذا الأمرُ الكثيرين فلم يعودوا يفرقون بين النص وما قيل فيه من إعجاز علمي، وانحصر فكرهم في أنَّ عظمة هذا النَّص أو ذاك كامنة في إعجازه العلمي المطروح، فإذا به يكتشف لاحقًا أنَّ النَّص قد تم تحميله ما لا يحتمل، وبموجب (الارتباط الشرطي) الذي حدث بين النَّص والإعجاز العلمي ستحومُ الشكوك حول النَّص نفسه، وقد تدفع هذه الشكوك - إذا ما استحوذت على الإنسان - إلى الإلحاد!! هذا؛ ناهيك عما في هذه العملية من خطر يكمن في ربط العلم البشري المتغيّر والمتقلّب
بطبيعته بالنَّص الإلهي الثَّابت الراسخ.
267 (1/267)
صفحة 268
مناجزة الإلحاد
ثالثًا: الدوافع والبواعث الاقتصادية
وهي تلك المحركات والمؤثرات التي تترجمها الحالةُ المعيشية المتردية من فقر وعجز وقلَّةِ حيلة وسوء طالع وفقدان للأمل والحياة الكريمة، ويعود تشكل الدوافع والبواعث من خلالها على النحو الآتي:
الاستبداد الاقتصادي والاحتكار
سبق أن رأينا - في المباحث السابقة - كيف أنَّ العصور الوسطى كانت عصورا لسيادة الإقطاع؛ حيث بدأ مالكو الأراضي المتنفّذون بالتَّوشع على حساب الأراضي الفلاحية التي تدهورت أوضاع أصحابها بسبب الحروب والضرائب والغرامات الكبيرة؛ ليتحولوا عن أراضيهم تلك ويُصبحوا عمالًا في أراضي الإقطاعيين، تلتها مرحلة أخرى ارتبط فيها الفلاح المغلوب على أمره بالأرض التي يعمل فيها؛ ليتحول إلى عبد مملوك!
لقد شكل الإقطاعيون - بإقطاعيَّاتهم الجائرة - دولًا صغيرةً داخل الدولة الكبيرة، وكل هذا الجور الاقتصادي الممتزج بالفساد والاستبداد السياسي كان الشرارة المفجرة لموجات عارمة من الشخط والرغبة في الانعتاق إلى أفق جديد يقطع الصلة بالماضي الأسود الكالح المرير؛ ممَّا مهد لتصحيح اقتصادي وسياسي - أو هكذا بدا - وإبعاد الدين عن واقع الحياة، بل والثورة عليه ومناهضته في أحيان كثيرة؛ ممَّا فتح الطريق أمام كارثة الإلحاد في أوروبا.
ولم يكن العالم العربي في معزل عن تلك الأحداث وتداعياتها، فقد امتد شررها إليه وتعاظم أثرها فيه، فالاحتكار والاستبداد الاقتصادي والفساد المالي ينخر المجتمعات العربية من شرقها إلى غربها، ويتحكم بمفاصل العيش الكريم ومنابعه، وقد كان لذلك نصيب من نقمة بعض الشباب على المجتمع وتمردهم عليه، ولما كان الدين مكوّنًا أساسًا من مكونات المجتمع فإنَّه لن يكون في منأى من نقمتهم تلك وشررها المتطاير!
268 (1/268)
صفحة 269
المبحث الخامس: دوافِعُ الإِلحَادِ وبَواعِثُهُ
الفقر والعوز والفاقة: قيل: بأن "صوت المعدة أقوى من صوت الضمير “. وفي الأثر: "كاد الفقر أن يكون كفرًا). ومعلوم ما للفقر من مخاطر جمَّةٍ على الأخلاق، فالفقر قد يحمل المرء على ركوب الصعب والدلول من أجل الفكاكِ من بين مخالبه وأنيابه الناشبة، ولربما حمل المرء على حسد الآخرين وتمنّي زوالِ نِعَمهم والكيد لهم، وتكمن خطورة الفقر على الدّين من حيثياتٍ مُتعددة لعلَّ أبرزها: المقارنات التي قد تختلج في صدور الفقراء المعدمين بين وضعهم المأساوي ووضع من فتح الله عليهم، فينقمون على القدر ويستاؤون منه، فيجرَّهم ذلك إلى التَّسخط والاعتراض على الله خارجًا مخرج العَجَلةِ من شقشاق لقلاق فينهدم دينه وتتشوَّه نفسه فيسيل به السَّيل من حيث لا يدري، وتكمن - أيضًا - في ارتكاب الفقير للمحظورات على طول الخط من سرقةٍ ونصب واحتيال وبيع للأعراض ونحو ذلك مما يُولّد فيه الشعور المستمر بالذنب، وقد يدفعه هذا إلى الإلحاد؛ بغية الخلاص والانفلات من قبضة الإحساس بالذنب وتأنيب الضمير وتأليبه؛ ولذا قال لينين ذات مرة: "إنَّ الجوع ينهي الاعتقاد بوجود الله"!!
ونحن إذ نذكرُ هذا لا نريد به القول بتسويغ الإلحاد لمن كان واقعا بين براثن الفقر؛ وإنما أردنا كشف سبب من أسباب انجرار البعض إلى الإلحاد، ومنه أردنا لفت انتباه من وقع فيه إلى ضرورة الوقوف مع الذات وتشخيص أصلِ الدَّاء الذي تسرَّب إليه والسعي إلى علاجه، وأردنا منه لفت انتباه العلماء والمفكرين وأصحاب رؤوس الأموال إلى خطر داهم قد ينبتُ من بين مخالب الفقر إلى المجتمع، وبالتالي وجَبَ من أصحاب الشأن السَّعي إلى سدّ هذه الثَّغرة أو النزول بتأثيرها إلى أدنى الحدود الممكنة، أمَّا العلماء والمفكرون فدورهم بإعداد ما يمكن إعداده من الدراسات الاختصاصية القادرة على كشف أصل الداء ووضع مصل الدواء، وأما أصحاب رؤوس الأموال فدورهم يكمن في تحويل الدراسات النظرية المجابهة للفقر - ممَّا وضعه العلماء والمتخصصون - إلى واقع ملموس يسهم في إطفاء حريق الفقر و تسعره، في مشهد تجتمع فيه التخصصات كل تخصص من زاويته وتجتمع فيه القلوبُ الروائمُ بعيدا عن جحيم الأثرة وسُرادِق الأنانية.
1 - هذا الأثر وإن ضُعف وطعن في سنده إلا أنَّ الواقع يعضده كما مر بيانه أعلاه.
269 (1/269)
صفحة 270
مناجزة الإلحاد
رابعًا: الدوافع التعليمية
وهي المحركات والمؤثرات التي تمس الجانب التعليمي ومناهجه وأدواته في المجتمع العربي وكيفية تعامله مع المعطيات العصريَّةِ المستجدة، ومن أهمّ ما يُمكن الإشارة إليه بهذا الصدد: البعثات الدراسية:
ممَّا لا تُخطئه عينُ النَّاظر أنَّ بلادنا متأخرة ماديًا عن دول أوروبا وأمريكا والغرب عموما، ولكي نصل إلى ما وصلوا إليه فلا بُدَّ من أن نقوم باستقدام الخبرات والعقول المفكرة منهم إلى بلادنا أو بابتعاث أبنائنا إلى هناك لينهلوا من تجربتهم في شقها المادي، غير أنَّ كلا الخيارين تعترضهما عقبات كثيرة، ونظرًا لكون العقبات المعترضة للخيار الثاني هي أخف وطأةً وأيسر سبيلا صير إليه، بيد أنَّ هذا الخيار تتناوشه كذلك أخطار جمة، وتحديات لا بُدَّ من الانتباه إليها، فنحن نُرسل أبناءنا إلى بيئةٍ مختلفةٍ كُليًّا عن بيئتنا فيما يخص السلوكيات الأخلاقية والعادات الاجتماعية والمنهج الحياتي ككل، نرسل أبناءً أحداثا في مقتبل العمر بلا تجربةٍ ناضجة، وبلا معرفةٍ علميَّةٍ راسخة، نرسلهم إلى عقل مادي أنتج فلسفةً ماديَّةً شكلت ما يُعرف بـ (الحضارة الغربيَّة) حتَّى إذا ما عاد إلى موطنه عاد الرُّوح التي غادر بها، عاد غير تلك الروح
بروح
بروح نرجسية متعالية على العقائد المقدَّسة ناسبة إياها إلى الخرافة والأساطير، يعود وقد غُسل دماغه ولوثت أفكاره، وكان الأجدر بمثل هؤلاء المبتعثين أن يُحاطوا بعين الرعاية الفكرية ويُسيجوا بسياج التربية الرُّوحيّة.
ومن تتبع واقعَ التَّأثر الذي تُخلّفه مثل هذه الابتعاثات عندما تخلوا من روح الرقابة والصيانة يجد أمرًا جللًا، وكم من أخبار تتصل بأسماعنا عن حال بعض المبتعثين الذين يتموجون في بحار الشكوك المظلمة، بل ويصل الحال ببعضهم أن يجرف معه من يتصل به من أصدقائه وأقربائه ممَّن لا معرفة رصينة لديهم تكشف لهم سُدفات الوهم المتراكم الملقى عليهم من قبل
هذا المبتعث
"ومن أخطر ما قد ينفذُ إلى عقول المبتعثين - دون شعور منهم نتيجة طول مدة الإقامة
270 (1/270)
صفحة 271
المبحث الخامس: دوافِعُ الإِلْحَادِ وبَواعِثُهُ
في المجتمع الغربي - فكرتان هما: المفهوم الكنسي للعلاقة بين الدين والحياة والعلم، ورفض الوحي باعتباره مصدرًا للمعرفة، فقد نشأت هاتان الفكرتان في أحضان الحضارة الغربية، فجاءت الثورة عليهما وحدث الفصل بين الدين والحياة فلم تبق له علاقة بمناشط الحياة العامة، فعندما يعيش المبتعثُ في تلك المجتمعات القائمة على هذا المبدأ فإنَّه في الحقيقة يتربى عليه عمليًّا ثُمَّ يصيرُ - بوعي أو دون وعي - مبدأ يعيش عليه ويدافع عنه، ويجد المتابعُ التَّأثر بهذا المفهوم ظاهرًا في كتابات كثير من تلاميذ المدرسة الغربية والمتأثرين بها الذين يرفضون الدين وتعاليمه (1)
فمن هنا وجب الحذر والتنبه لهذا الأمر، فلا خير فينا إن أرسلنا أبناءنا ليظفروا بشهادات الأدب والفلسفة والطب والهندسة ... إلخ، ويخسروا أعظم شهادة على الإطلاق، يخسروا شهادة أن لا إله إلا الله ليكون حالنا كفاقئ عينيه بأصبعيه، وكأولئك الذين يُخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي أبنائهم - من بعد - وهم لا يشعرون، أو كما قيل في المثل العربي القديم: "يداك أوكتا
وفوك نفخ!
مناهج العلوم الطَّبيعية:
هناك خلل واضح في منظومة تعليم العلوم الطبيعية، حيث تتَّبع هذه المنظومة آليات تقطع الصلة الوشيجة بين الدين والعِلم؛ أي أنَّ مناهج العلوم طغت عليها الصبغة (اللادينية) البحتة، ونحن لا نقصد الفصل بين العلم الطبيعي والدين كمنهج قائم على التجريب والفحص الميداني - لأنَّ ذلك فصل صحي - وإنَّما نقصد انعدام الجانب الديني والأخلاقي كمرجعية وغاية للعلوم الطبيعية، ولذا تجد فيلقًا من أصحاب هذه التَّخصُّصات عُرضةً لتقبل شطحات الإلحاد وتبني
أفكاره ومفاهيمه.
فانهيار المقاصد التَّعبُّديَّة والقِيَم ذات المرجعية الإسلاميَّة هو الذي جعل المتلقين للعلوم الطَّبيعيَّة يُمارسون علومهم بمعزل عن تلك القيم، فأصبحوا بذلك فريسةً يسهل الإطاحة بها، وأصبحوا مجرَّدين من كل وازع ديني يقودهم إلى ممارسة تلك العلوم الطبيعية، فلا هم يتعبدون) ن الله من خلالها، ولا هم يقصدون بها وجهه، ولا هم يعملون بمقتضاها على مبدأ الاستخلاف في الأرض فلا غرابة أن تراهم يقفون على أرضيَّةٍ زلقةٍ لا تثبت أقدامهم عليها مع أوَّلِ عارض يعرضُ لهم!
1 - يُنظر: عبد العزيز البداح الابتعاث تاريخه وآثاره، ص (37 - 39)، بتصرف.
271 (1/271)
صفحة 272
مناجزة الإلحاد
شح في التّصانيف المتخصصة:
ضمور المكتبة العربية الإسلامية وانتمامُها وقلة جهودها في نقد الإلحاد الجديد وتفنيد مزاعمه يترك الشَّبابَ المتشكّك والمتسائل وحيدًا يهيم على وجهه في العراء، وبالمقابل فإنَّ هناك وفرةً في المواد الإلحادية - المكتوبة منها والمرئية - بشكل يجعل المعادلة تميل بشدَّةٍ لصالح الإلحاد، إضافةً إلى اعتماد العلماء على صياغات كلاميَّةٍ قديمة بائدة لا يفهمها العوام، بينما الشبهات تُعرض أمامهم بصياغات ميسورةٍ مأنوسةٍ قريبةٍ للفهم، وغالبا ما تكون بأسلوب طريف ومنمق، وتجد - أيضًا - أنَّ بعض العلماء يرفضون التّصنيف في الرَّدِ على مزاعم الإلحاد الجديد، أو لا يُعطون الموضوع أيَّ اهتمام، وعندما يبحثُ الشَّباب عن ردود على الشبهات التي تحاصره وتُطَّوق فكره لا يجد ما يُطفئ لهيب، صدره، فيفقد ثقته في قدرة الإسلام على مواجهة الإشكالات والتساؤلات؛ ممَّا يُؤدي به في نهاية المطاف إلى الوقوع في الإلحاد).
-
1 - يُنظر: هشام عزمي الإلحاد في العالم العربي، ص (26)، مجلة براهين، العدد الثاني – (مايو/ 2014 م).
272 (1/272)
صفحة 273
المبحث الخامس: دوافِعُ الإِلحَادِ وبَواعِثُهُ
خامسا: الدوافع
والبواعث الأسرية
ونقصد بها المحركات والمؤثرات التي يكون منبتها متجدّرًا من الأسرة الحاضنة للأبناء، فالأسرة يقع على عاتقها جزء كبير من المسؤولية في كيفية تعاطيها مع الأبناء، وطرق التعامل مع مشكلاتهم ومعاناتهم، ولعل أهم ما يندرج تحت طائلة هذا الأمر:
ضعف دور الأسرة:
حيث ينشأ الشَّخصُ في بيتٍ خالٍ من آداب الإسلام ومبادئ هدايته؛ فلا يرى فيمن يقوم على أمر تربيته استقامةً ولا يتلقى عنه ما يطبعه على حب الدين ويجعله على بصيرة من حكمته، فأقل شُبهةٍ تمس ذهن هذا الناشئ تنحدر به في هاوية الضياع، أو أن تقوم الأسرة بالتربية ولكن على غير خطةٍ سوية ولا طريقةٍ مرضيَّة؛ فعوضًا عن معالجة الأخطاء التربوية - التي يقع فيها الناشئ - معالجة حكيمةً رشيدةً؛ تسلك في علاجها طريق الشدَّة والغلظة والتّعنيف، ولربما سلكت بالناشئ طريقًا غير طريق الرشد من حيث لا تُريد فيقع في المذاهب الرَّديَّة لا على أساس من العلم والمنطق وإنَّما على أساس نفسي قائم على حب المخالفة، أو المعاندة والنكاية بمن أذاقوه طعم المرارة والقسوة.
ومن جهةٍ أخرى قد نرى انسحاقًا لقدر الأسرة في نفس الفرد مود بصاحبه إلى كره الأسرة وكل ما تمتُ إليه ويمتُ إليها من عادات وتقاليد وقيم وديانة من غير أن تُمارس الأسرة في حقه أي تقصير، فينشأ مُتمردًا على القيم والأعراف السائدة، ولكنَّ الداهية التي ما لها من واهية أن يتنكر الفرد الله فيجحده لأنَّ الأسرة مؤمنة به ويمكننا القول بأنَّ العلاقة بين الأسرة وانحراف أي فردٍ من أفرادها - على التفصيل أعلاه - يكون عاما من جهةٍ وخاصا من جهة أخرى، فيكون دافعا عاما إن كان الإهمال والتقصير صادرين من الأسرة، ويكون دافعا خاصا إن كان تمرُّدًا من قبل الفرد نفسه. هذا؛ ولا يختلف عاقلان في الدور المهم للأسرة في صيانة أفرادها من
1 - يُنظر: محمد الخضر حسين، الإلحاد أسبابه، طبائعه، مفاسده، ص (8 - 9).
273 (1/273)
صفحة 274
مناجزة الإلحاد
أمراض الفكر قبل أمراض الجسد، ولا مراء في دور الأسرة الفاعل في تشكيل التَّوجه الفكري للطفل، وكما قال الشاعر:
وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه
وما ولد الفتى بحجى ولكن يعوده التحجي أقربوه كبْتُ الأسئلة والأسلوب الفظُ:
بعضُ الأُسر أو المجتمعات تُمارس ضربًا من القهر والإخناع على أبنائها، فتمنعهم من طرح الأسئلة أو الاستشكالات التي تعتريهم، وتُهددهم بأنَّ مجرد طرحها يعني الكفر والمروق من الدين أو قد يُقابلون أسئلة الابن أو استشكالاته بالسُّخرية والتهكم؛ مما يدفعه لكتمانها صيانةً لمروءته وكرامته من الامتهان، وهذه الممارسة لكبت أسئلة الأبناء تدفعهم للتفكير في أنَّ الإسلام نفسه لا يملك أجوبةً عنها وأنَّه يكبتُها ويحرِّمُها حتَّى لا يقع الدين في الإحراج، مما يُؤدي إلى تضخُم قوَّة هذه الاستشكالات والشبهات في ذهن الابن إلى درجة تفوق حجمها الحقيقي
حتَّى تُصبح في نهاية المطاف دافعا لإلحاده).
في سيرة أحد كبار المفكرين العرب - وكان ممَّن سلكوا طريق الإلحاد ثم عادوا إلى الفطرة - ذكر طريقة استقبال والده لخبر إلحاده، حيث قال: "شتمني والدي لكنه تركني وشأني! “. وهنا نجد بأنَّ الأب وقع في خطأين تربويين قاتلين الخطأ الأول: إهماله لابنه وعدم حوطته من الشبهة الفكرية التي ألمت به، والخطأ الثَّاني: المساهمة في مفاقمة المشكل الحاصل بتوجهِهِ لشتم ابنه، وكان الأولى به ترك كل ما في يديه من أشغال الدنيا، واعتكافه على علاج ابنه العلاج الفكري الناجع، وذلك بنقاشه واستئصال الشُّبهة التي ألمت به، وإن كان غير مؤهل لمثل هذا الحديث انتدب له أهل المعرفة والبصر النافذ.
ولا يقتصر هذا الأمر على الأُسر، بل يتجاوزه إلى العلماء والوعاظ والمرشدين، فهناك مجموعة من هؤلاء تنتهج آليةً فجَّةً في التّعامل مع المتشككين والمتسائلين، فلا تتم الإجابة عن تساؤلاتهم إجابةً علميَّةً شافيةً وافية، ولربما لو طال النقاش مع أحدهم ارتفع لديه معدل الأدرينالين وانثالت على السَّائل كومة من الاتهامات المعلبة!
1 - يُنظر: هشام عزمي الإلحاد في العالم العربي، ص (25)، مجلة براهين العدد الثاني - (مايو/ 2014 م).
274 (1/274)
صفحة 275
المبحث الخامس: دوافِعُ الإِلحَادِ وبَواعِثُهُ
الوالد المشوه:
وضع هذه النَّظريَّة عالمُ النَّفس الأمريكي الكبير البروفيسور بول فيتز (Paul Vitz) (2) مستخدمًا أدوات المدرسة التَّحليلية الفرويدية في علم النفس؛ ليخرج بنتيجةٍ تُخالف تمام المخالفة النتيجة التي توصل إليها سيجموند فرويد! ولفهم هذه النظرية بدقة من المهم أن نتعرف بإيجاز على المدرسة التحليلية في علم النفس التي وضع أسسها سيجموند فرويد، بول فيتز فقد لفت النظر إلى وجودِ ما يُعرف باسم (العقل الباطن) وكيف أنَّه يُؤثر في سلوكنا وأفكارنا وقراراتنا دون أن نشعر وينطلق بول فيتز من هذه المدرسة في علم النفس فيُقرّر أنَّ دوافع الإلحاد وموانع الإيمان بالله تعالى هي بالأساس نفسيَّة وليست عقليَّةً منطقيَّةً، وأنَّ هذه الدوافع تنقسم إلى قسمين: دوافع سطحية، مثل الانتماء لفئة اجتماعية أو علميَّةٍ معينة أو عدم الرغبة في التَّقيد بالتكاليف الدينية أو غيرها. ودوافع عميقة في العقل الباطن، وهي الدوافع التحليلية. يرى فرويد أنَّ دوافع الإيمان بالله نفسيَّةً لا يُمكن الاعتماد عليها، وهي تعبير عن عُقدة (أوديب) حيث يتخلَّصُ الأبناء من أبيهم الذي يغارون منه حتّى يظفروا بأمهم، ثمَّ ينشأ لديهم الشُّعور بالذنب تجاهه، ثمَّ يتطوّر هذا الشُّعور إلى تعظيم وتبجيل، ثمَّ إلى عبادة وتأليه!! ويُخبرنا فرويد كذلك بأنَّ التَّحليل النفسي يُؤكد كلَّ يوم فقدان الفتيان إيمانهم الديني بمجرد انفصام عُرى السُّلطة الأبوية.
ينتقد بول فيتز هذا التَّصور من عدَّةِ وجوه؛ لعلَّ أبرزها هو افتراض أنَّ الإلحاد تعبير عن عُقدة (أوديب)؛ حيث إنَّ إنكار الإله هو هزيمة هذا الرمز الأبوي والانتصار عليه، لكن فيتز في الحقيقة لا يرى أنَّ عُقدة (أوديب) هي الصُّورةُ الصَّحيحة لتفسير الدوافع التحليلية في العقل الباطن للإلحاد. وتتلخص نظريَّةُ فيتز في أنَّ المرء ينظر إلى الله على أَنَّه أَب مثالي - والله المثل الأعلى - وعندما تتشوه صورة الأب الأرضي تختلُ بالتَّبعيَّةِ صورة الأب السَّماوي؛ مما يؤدي إلى الوقوع في الإلحاد والجحود وإنكار الله، ومن صُوَرِ هذا الأب المشوَّه أو المعيب أن يكون ضعيفًا أو غير مُحترم أو غير موجود، ومن الشواهد التاريخية عليه:
1 - يُنظر: المرجع السابق، ص 23) - (24)، وعمرو شريف الإلحاد مشكلة نفسية، ص (170 - 172). 2 - من مواليد (1935 م) وهو أستاذ فخري في علم النفس بجامعة (نيويورك)، حصل على شهادة الدكتوراة في علم النفس من جامعة ستانفورد) في عام (1962 م)، وقد سبق له أن ألحد في فترة من فترات حياته.
275 (1/275)
صفحة 276
مناجزة الإلحاد
(1) - فرويد: فقد كان (جاكوب) والد فرويد ضعيفًا وعاجزًا ومثيرا للشفقة، وما كان في استطاعته أن يقوم بإعالة أهله، ومن أجل ذلك تولّت عائلة زوجه وآخرون مهام الإنفاق على أسرته، وفوق هذا فإنَّ فرويد يذكر أنَّ أباه كان منحرفًا جنسيًا، وأنَّ أبناءه منزعجون من تصرفاته البائسة، كلُّ هذا وأكثر جعل الابن (فرويد) مشحونا بالعداوة والشحناء تجاه أبيه!
(2) فولتير: فقد كان رافضًا أيَّما رفض لفكرة أن يحمل اسم أبيه؛ بسبب العلاقة السيئة بينهما، بل وادعى بأنه ليس ابنا حقيقيًّا له، فقرر أن ينتسب إلى أحد الشعراء النبلاء كبديل عن انتسابه لأبيه)!
(3) - فوير باخ: فقد كان والده مدمنا للخمر، وحانقًا وساخطًا وصعب المراس لا يلين له جانب، ولعل الحادث الأبرز في تدهور العلاقة بين الابن وأبيه هو رحيل الأب عن أسرته مُفضّلًا عشيقته التي أنجب منها طفلًا حمل اسمه، ولم يعد الأب إلى أسرته إلا بعد موت عشيقته، ولأنَّ هذا الأمر كان في المجتمع الأرستقراطي في ذلك الوقت يُعد عارًا وفضيحةً لم يغمض لفوير باخ جفن، فقد سبَّبَ له جرحًا بالغا لم يندمل!
المشكلات والاختلالات الأسرية:
لا تخفى تلك الآثار السلبية التي تُخلّفها المشكلاتُ الأسرية، ويتحمل الأبناء عواقبها وتبعاتها، فقضايا النزاع والطلاق بين الأبوين وما يترتَّبُ عليها من شقاق ومُلاحاةٍ وفرقة قد تجعل الأبناء يعيشون حالةً من الفصام العاطفي والفكري، وتتفكك لديهم الروابط التي ألفوها أو كان من المفترض أن يألفوها، وقد تظهر هذه الأعراضُ في وقت لاحق متأخر، وتتكشف سوءاتُها في عدَّةٍ صُوَر، كالتَّمردِ والمكابرة والجحود، وإذا شئنا أن نضرب مثالا على ذلك فإنَّ الأنموذج المتمثل في شخصيَّة الملحد عبد الله القصيمي يبدو ماثلا للعيان، فالطَّلاقُ والخلاف الذي نشَبَ بين والديه، ثمَّ هجرة أبيه وابتعاده؛ كل ذلك كان بمثابة شرارة التَّمردِ والتَّغطرس الذين رافقا شخصيته وقاداه إلى الإلحاد.
1 - فيما يخص موقف فولتير من الإلحاد، يقول ول ديورانت: "يجب ألا نفترض من هذا أنَّ فولتير كان رجلًا بلا دين، فقد رفض الإلحاد رفضًا باتًا، حتَّى إنَّ بعض الملحدين ... اتَّجهوا ضده، وهو يقول في كتابه (الفيلسوف الجاهل): إنَّه قرأ إسبينوزا وآراءه حول وحدة الكون وتأليهه، ولكنَّه ابتعد عنها على أساس كونها آراء مُلحدة .... (ول ديورانت، قصة الفلسفة، ص 186). ومما قاله فولتير: "أموتُ على عبادة الله. (المرجع السابق، ص 195).
276 (1/276)
صفحة 277
المبحث الخامس: دوافِعُ الإِلحَادِ وَبَواعِثُهُ
كما قد يُؤثر فقد الابن لأحد أبويه في وقت مبكر من عمره على قراراته وأنماط تفكيره، ولنا أن نستحضر شاهدًا على ذلك، فالملحد (إسماعيل أدهم) عانى جرَّاءَ فقد أُمِّهِ وهو في الثانية من عمره، ولم يُعوّضه أحدٌ حنان الأمّم، ورعايتها، وقد يُصاب الابنُ على إثر ذلك بالسخط على قضاء الله الغالب فتلتهمه الصراعاتُ النّفسيَّةُ الوافدة إلى داخله أرسالا على هيئة تساؤلات مِنْ مثل: لِمَ حَرَمَه الله حنان الأم وعطفها، وتزداد حدة الصراع عندما يستدعي الابنُ حالة أقرانه ممَّن تنعموا بظلال الأُمومة!
ونستحضر في هذا المقام اسم الملحد كريستوفر هيتشنز الذي تأثر - بلا أدنى شك - بانتحار أمه أولًا، وانتحار ابنه ثانيًا، وقبل هؤلاء هناك عدَّةُ قرائن تُشير إلى أنَّ تشارلز داروين تأثر بموت ابنته آني (Annie) التي كان يكن لها أكبر الحب وأعمقه، ومن يومها تغيَّر موقفه الفكري! ولمزيد من النماذج على هذه الحالة، نذكر الشَّخصيَّات الآتية):
(1) - آرثر شوبنهاور: فقد هجرتهُ أُمُّه ورمته في زاوية الإهمال، واعتبرته طفلًا غير مرغوب فيه، وكان شوبنهاور بدوره يُلقي باللائمة عليها متّهما إياها بالضُّلوع في قضية انتحار والده يوم أن كان في السابعة عشرة من عمره (2)! (2) - جون بول سارتر: فبعد وفاة والده تزوّجت أُمُّهُ من رجل لم يحفل بسارتر ولم يرض به، ولم يجد طريقةً في التعامل معه سوى الإهمال، وفي المقابل فإنَّ أُمَّهُ بعد زواجها تركت ابنها ورمته في أحضان جديه اللذين أهملاه كذلك!
(3) - فولتير: أهملته أُمُّهُ كثيرًا، فقد كانت بعيدةً عنه في أغلب الأيام، ثم قضت نحبها ولم
يكن فولتير بعد قد تجاوز الثَّامنة من عمره، ولذلك كان فولتير يصفها بـ (العاهرة)!
1 - يُنظر: عمرو شريف الإلحاد مشكلة نفسية، ص 130.
2 - من الغرائب أنَّ أمَّ شوبنهاور لما أحست بتفوق ابنها وشعرت بأنه قد يسحب بساط الشُّهرة من تحت قدميها؛ دفعت ابنها من أعلى درج منزلها، فغضب عليها شوبنهاور وكال لها الشتائم والتهم، وفضَّل ألا يراها بعد ذلك مطلقًا!! (يُنظر: ول ديورانت: قصة
الفلسفة، ص 238).
277 (1/277)
صفحة 278
مناجزة الإلحاد
سادسا: الدوافع والبواعث النّفسيّة
ونعني بها تلك المحركات والمؤثرات الشَّخصيَّة التي يكون مصدرها الرئيس النفسُ وتفاعلاتها، وهي بلا شكّ تختلف من شخص إلى آخر، ويُمكن ذكرها على النحو الآتي: الاضطراباتُ النَّفسيَّة والعقلية:
لا يؤمنُ الإيمان الحقَّ من لم يكن سليمًا في نفسه وعقله؛ لأنَّ المريضَ فيهما يُعاني من فقدانه الاستقرار على رأي ثابت في الأمور الكبرى التي تتعلق بكينونته، وتُعَدُّ هذه السَّلامة النَّفسيَّة من المرتكزات التي يقوم عليها الإيمانُ الثَّابت. وهناك علاقة بين الإلحاد وعددٍ من الاضطرابات النفسية مثل: اضطراب الشَّخصيَّة الحدية (BPD) الشَّخصيَّة التي لا تعرف إلا لغة (معي) أو (ضدي)، وكذلك اضطرابُ الشَّخصيَّة شبه الفصاميَّة (Semi Schizotypal Personality Disorder) الشَّخصيَّة غريبة الأطوار، وتكون في كل حالاتها كذلك، وربما تعتنق الإلحاد كجزء من الاضطراب. وهناك أيضًا دوائر تتقاطع مع الاضطرابات النفسية - وهي ليست كذلك - مثل أصحاب الشذوذ الجنسي (Homosexuality - Bisexuality - etc) يتم استهدافهم في الدعاية للإلحاد؛ باعتبار أنَّ الإلحاد هو المذهب الوحيد الذي يمنحهم حريتهم الجنسية، وأخيرًا تُوجد دائرة مرض الوسواس القهري (OCD) والتي تتقاطع مع الإلحاد - وتبدو كذلك - لكنها قطعًا ليست إلحادًا وإنَّما مرض يحتاج إلى العلاج الدوائي والجلسات التشخيصيَّة حسب حالة المريض (2).
الاستعداد الذهني والتهيئةُ النَّفسيَّة:
من المعلوم أنَّ جسم الإنسان عُرضة للإصابة بالفيروسات والبكتيريا الضارة، وبمقدار قوّة المناعة الذاتية يكون نصيبه من الإصابة والتَّأثر بتلك الهجمات الدقيقة، وما ينطبق على الجسم البشري ينطبق على الإدراك والفكر، فلو كانت المناعة الفكريَّةُ ضعيفةً مَدْشاء سهل اختراقها،
1 - يُنظر: ريكان إبراهيم علم نفس الإلحاد والإيمان، ص 134.
2 - يُنظر: هشام عزمي الإلحاد في العالم العربي، ص (23)، مجلة براهين العدد الثاني - (مايو/ 2014 م).
278 (1/278)
صفحة 279
المبحث الخامس: دوافِعُ الإِلحَادِ وَبَواعِثُهُ
وتتمثل هذه المناعة الفكرية في أمورٍ، متعددةٍ، ما يهمنا منها في هذا الموضع هو الاستعداد الذهني والتهيئةُ النَّفسيَّة، فلو كان الإنسانُ مستعدا ذهنيا ومهيأ نفسيا لقبول الإلحاد ومفاهيمه كان ذلك من أقوى الدوافع التي تسوقه إلى الإلحاد، وقد يصل الإنسان إلى هذه المرحلة - الاستعدادُ الذَّهنى والتَّهيئةُ النَّفسيَّة - إذا ما تكالبت عليه الشُّكوك واعتاد عليها فوقف منها موقف المعجب المشدوه دون قدرته على دفعها عنه! إِنَّ التَّوجّه إلى الإلحاد نفسيا وذهنيا هو في حقيقته توجه مركَّب؛ فالرّغبة في التَّحرُرِ والانعتاق، والرغبة في استمراء القوة وإرادتها كما عبر عنها نيتشه، أو الرغبة في التَّفلت من يد الشكوك الجاثمة على الصدر؛ هذا التوجه المركَّبُ عبّر عنه عالم النفس كارل يونج (Carl Jung) بـ (الأنماط الأولية)، وهي أنماط أوَّلِيَّةٌ متجذرة في النفس تقود وعي الفردِ أو الجماعة في اتجاهات معينة بحسب طبيعة المواقف
والمثيرات (2).
ضعف الجهاد الروحي:
قد تتغلب الشَّهوات على نفس الشَّخص فتُريه أنَّ المصلحة في إباحتها وأنَّ تحريم الشارع لها خالٍ من أي حكمةٍ؛ فيخرج من هذا الباب إلى إباحيَّةٍ وجحود (3)، ولا يُوجد مذهب على وجه الأرض يقول لك تنظيريا: افعل كلَّ الفواحش فأنت في حِل من كلّ شيءٍ إلا الإلحاد). فينزع ضعفاء الإيمان نحو الإلحاد رغبةً في التفلت من ضوابط الإيمان وصمامات الأمان بدافع غرائزي شهواني، ولما كان الاستمتاع بالملذات والشَّهوات مع الاعتقاد بحرمتها الدينية يُمثل عائقًا نفسيا ووخزا في الضمير؛ فإنَّ التَّحرُّرَ منه والانسلاخ من ربقتِه يُعطي قدرًا أكبر من الاستمتاع والراحة دون الشعور بالذنب، وهذا ما يُمكن لحظه بصورة جلية في شعوب منطقتنا أكثر من الشعوب الغربية، وما ذاك إلا لأنَّ الغرب غارق في بحار الإباحية - على الأغلب وهو لا يعترف بشيء اسمه حدود دينية إلا فيما ندر، بل وصل بهم الأمر إلى درك سافل وهوة مظلمة سحيقة؛ حيث أُقرّ الشذوذ الجنسي في أكثر من سبع عشرة دولة كانت آخرها الولايات المتحدة الأمريكيَّة أوان كتابة هذه الكلمات. ولكن في نهاية المطاف ما يلبث الشعور بالارتياح
1 - عالم نفس سويسري (1875 - 1961 م) كان من أوائل تلامذة سيجموند فرويد، وقد انتقد إسرافَ أستاذه في التَّعويل على الدافع الجنسي. (ينظر: الموسوعة العربية العالمية).
2 - يُنظر: عبدالله الشهري ثلاث رسائل في الإلحاد والعلم والإيمان، ص 130.
- يُنظر: محمد الخضر حسين الإلحاد أسبابه طبائعه، ص (8) - (9). وصالح بن عبد العزيز، الإلحاد وسائله وخطره، ص (25). - يُنظر: هيثم طلعت كبسولات إسكات الملحدين، ص 12.
279 (1/279)
صفحة 280
مناجزة الإلحاد
في أثناء الانغماس في الشَّهوات بعد التفلت من عقال الدين إلا ويعود الشُّعور بالقلق والضيق والكآبة والسَّآمة إلى ما كان عليه، وهذا هو حال النزوات والنزغات لا يدوم الأُنس بها وإن تعددت بواعثها وطالت لياليها
التعلق القلبيُّ بمُنضّري الفكر الإلحادي:
جميعنا يُدرك المدى الذي وصل إليه العالم من حيث تقارب أقطاره؛ إذ تقاربت أكثر من أي وقت مضى، وأصبحت المعلومة دانيةً دون طرف التمام، فقرُبَ البعيد ودنا القاصي، وأصبح من اليسير على شبابنا الحصول على أي معلومة في لحظات معدودة، فتتراءى أمام أعينهم وتنثال على أسماعهم الأسماء الرنانة المُحاطة بهالاتٍ من التَّعظيم والتبجيل عبر وسائل الإعلام المرئيَّة والمسموعة والمقروءة كالتلفاز والإذاعات والصحف والمجلات، بل وقد يتم عبر ما هو أسرع من الوسائط السَّابقة كالـ (واتس أب) و (تويتر) و (فيسبوك) وغيرها، فكما هو معلوم أنَّ هذه الوسائط قد سحبت البساط من تحت أقدام الوسائط التقليدية، وهنا - بلا شك - سيمر الغث والسمين والصَّالح والطالح، وقد يمر - من جملة ما يمر - تنظيرات الإلحاد وأسماء ومع هذه الشهولة في الوصول إلى المعلومة ومع الضَّخ الإعلامي الكثيف أضف إليه الإشادة المجلجلة برموز الاغتراب من بعض أبناء الجلدة، زائدا عليه ضعف التأسيس العلمي الإيماني لدى الكثير من الناشئة نجدُ أنَّ النتيجة هي الانسراب في مسالك التيه والوقوع في حبائل الإلحاد.
-
منظريها،
الانهزام النفسي والولعُ بتقليد الغالب:
استولت الهزيمة الحضارية على نفوس كثير من الشباب، فأدت إلى احتقارهم لأُمتهم ولإرثها الحضاري، وأدَّت بالمقابل إلى النَّظر بعين الإكبار والإعجاب إلى الغرب وأنَّهم المتفوقون، وأنَّ سبب تفوقهم إنَّما هو إلحادهم، فأصبحوا يشعرون بالدونية مقارنةً بالغرب)، وهذه طبيعة تكاد تكون راسخةً في الشُّعوب أوان ضعفها وتأخُرِها عن الأمم المحيطة بها، وكما يقول ابن خلدون في مقدمته: "والسبب في ذلك أنَّ النَّفس - أبدًا - تعتقد الكمال في من غَلَبَها وانقادت إليه، إمَّا لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك واتَّصل لها اعتقادًا فانتحلت جميع مذاهب الغالب
1 - يُنظر: حسام الدين حامد، خطة معرفية للعمل في ملف الإلحاد، ص 12.
280 (1/280)
صفحة 281
المبحث الخامس: دوافِعُ الإِلحَادِ وَبَواعِثُهُ
و تشبهت به وذلك هو الاقتداء، أو لما تراه - والله أعلم - من أنَّ غلب الغالب لها ليس بعصبية ولا قوة بأس وإنما هو بما انتحلته من العوائد والمذاهب تغالط - أيضًا - بذلك عن الغلب، وهذا
راجع للأول، ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدًا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها بل وفي سائر أحواله ... ).
(1)
الاعتداد بالنفس اعتدادًا مبالغا فيه (الغرور):
من لا يُقدّر نفسه ولا يعتد بذاتِه لا يُمكنه أن يُقدّر ما حوله ويعتد به، وما قيمة المرء إن العالم وخسر نفسه وهذه حقيقةٌ مُدرَكةٌ واضحة، غير أنَّ مجاوزة الحدّ هو أصل المشكل ونقطة البلاء في كثير من الأحيان، وهو ما يُولّد الغرور، والغرور رمال متحركة يصنعها المغرور ليُغرِقَ فيها فكره ومنطقه وذاته، وبلاء المتعلم - من الغرور - أكبر من بلاء الجاهل؛ ففي الجاهل يتجسد الغرور ظاهرًا للعيان ممَّا يُسهل عملية علاجه، أما في أشباه المتعلمين فهو متخفّ مستتر، وكم هي الكارثة في أن يعتقد الطَّائخ التَّائكُ نفسه عالمًا جَهْبَدًا مِسْقَعا لمجرَّد حمله الكُتُبَ! لذا كان المغرور - بغروره - مصروفًا عن الحق في جميع حالاته، مُبعدًا عن تأمل آيات الله في موجوداته، مائلا إلى طريق الغي منسربًا في مساراته، يقول الحق تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (الأعراف: 146).
من هنا كانت التَّحولات الفكريَّة عند هؤلاء المملوئين بالغرور والزهو المعرفي في كثير من حالاتها تعكس القانون الفيزيائي: (لكل فعل ردُّ فعل مساءٍ له في المقدار ومغاير له في الاتجاه). حيث إنَّ هذه التَّحولات من اتجاه لآخر يحكمها - في قوتها وشدتها - معنى هذا القانون، فتعصب المرء لقضيَّةٍ معينةٍ حتَّى لا يرى في الوجود رأيًا سوى رأيه يجعله في أمرٍ مريج إذا ما تكشفت له الأيامُ والأدلة عن أضدادها، فهنا تكونُ ردَّةُ الفعل - في أحيان كثيرة - على قدر التَّعصُّبِ للرَّأي الأوّل فيتحوّل من الرَّأي إلى ضديده، وهذا ما تعايشه في حال كثير من المفكرين الذين نُطالع مساراتهم الفكرية وتحولاتهم المعرفية سواء عند تصريحهم بآرائهم الجديدة بالطرق المباشرة أو عبر تحليلنا لكتاباتهم الفكرية وإخضاعها للنقد مقارنين فيه السَّابق باللاحق.
1 - ابن خلدون مقدمة ابن خلدون ص 184.
281 (1/281)
صفحة 282
مناجزة الإلحاد
بنيتهم
النَّفسيَّة
والخطرُ يكمن في تعطب المرء متوهّمًا أنَّه قد حاصر المعرفة من جميع أقطارها، فيقرأ المبتدئ كُتبًا بعد الأصابع فتحدثه نفسه ظلَّةً وترسم له وهما حتَّى إذا ما جُوبه بتشكيك أو تشكيكين من متقصِدٍ مُغرِض انقلب على عقبيه والإشكالية في مثل هؤلاء أنَّ المحملة بشحنةٍ عاليةٍ من الغرور لا تسمح لهم بالتشكيك في أصل معرفتهم الضحلة؛ ممَّا يدفعهم عند طروء الإشكال إلى الأنفة من الرجوع إلى أهل المعرفة لمعالجة شكوكهم، أو الرُّجوع - على الأقل - إلى ذواتهم مُتهمين إياها بالقُصور المعرفي، فهؤلاء عوضًا عن الاتجاه إلى اتهام ما لديهم من معرفة ومحاولة إعادة قراءتها بطريقةٍ علميَّةٍ متَّزنة قد تجدهم يتجهون إلى هدم الدين ذاته، ومن هنا فإنَّهم يقعون فرائسَ لغرورهم فيتشربون الأفكار المعادية للدين لكونها تلاقي من أنفسهم هوى؛ فتفتك بهم الانحرافات الفكرية.
عقدة النقص (التمركز حول الذات):
يرى بعضُ علماء النَّفس أنَّ كثيرًا من الملاحدة مُصابون بعقدة النقص)؛ وعليه فإنَّهم سيهربون منها فلا يجدون علاجا لها إلا باعتناق عقدةٍ أُخرى وهي عُقدةُ (التَّعالي)، وساعتها سيشعرون بنشوة عارمة من التَّميز والأفضلية على غيرهم، فهم (الأذكياء)، و (المميزون)، والمفكرون) و (الأحرار) ... إلخ.
لقد صدَقَ الفيلسوف الملحد جوليان باجيني حينما صرّح بأنَّ الملاحدة يحتاجون إلى عدو حتى يشعروا بذواتهم! ولا بأس أن نذكر بعض الشَّخصيَّات المشهورة التي تُجسّد بعمق مفهوم التمركز حول الذات:
(1) - البارون دي هو لباخ: قام بتضخيم شأن عائلته وأصولها العريقة، واشترى لقب (البارون) حتَّى يُضفي على نفسه وعائلته وصفَ (النبلاء)، وسعى إلى الانتماء إلى ما عُرف بـ (دائرة المفكرين الأحرار تحقيقا للشهرة.
(2) - برتراند راسل: وصَفَ المؤرخون بعض سماته البارزة كالتَّكبر والغطرسة والحقدِ الشَّديدِ وكثرة الكذب.
(3) - كريستوفر: هيتشنز تبنّى طوال حياته أسلوب (الصدمة)؛ ليُحقق شهرته، فهاجم
1 - يُنظر: عمرو شريف الإلحاد مشكلة نفسية، ص (204 - 207).
282 (1/282)
صفحة 283
المبحث الخامس: دوافِعُ الإِلحَادِ وَبَواعِثُهُ
الشَّخصيات البارزة كالأم تيريزا، وغيرها، وهجومه هذا هو الذي رمى به على السطح فطفت
شهرتُه وسُلّطت الأضواء عليه.
الغضبُ والتَّهورُ وفقدان الصَّبر:
شريحة كبيرة من الملحدين كانوا يظنُّون - قبل إلحادهم - بأنَّ انتماءهم الديني السابق يُبعد عنهم الابتلاءات والفتن والمحن والشَّدائد، فهم يتعاملون مع دينهم على أساس من المقايضة، أو كأنهم جاؤوا إلى الجنَّة وليس إلى دنيا يمتحنون فيها ويذوقون شدَّتها قبل رخائها؛ لذا فسرعان ما تثور حفائظهم ويفقدون صبرهم ورباطة جأشهم فور إصابتهم ببعض الفواجع والشَّدائد؛ ليخرجوا على إثرها ناقمين متمردين على الدين والإله. فهم لا يستطيعون إدراك حقيقة الابتلاء والاختبار، ويتساءلون: لماذا يفعل الله ذلك بالمؤمنين به؟! لماذا لم يستجب الله لدعائنا ويُبعد عنا تلك الشَّدائد أو يكشف عنَّا ضُرَّها؟! ونحو ذلك من التساؤلات والتشكيكات (2). هذه التَّساؤلات المبنية على جهل مُدقع بحقيقة الابتلاء وغاياتِ الخَلق؛ تجعلهم لا يجدون إجابةً تُشفي غليلهم وتُثلج صدورهم الغاضبة الحانقة، فيفقدون صبرهم ويتمردون على الدين والإله ويوجهون أشرعتهم جهة الإلحاد.
1 - كتب هيتشنز في سيرته الذاتية عن شذوذه الجنسي، ففي الفصل الذي أسماه (مارتن) من سيرته الذاتية يقول: "أعتقد - الآن - بأنه بإمكاني أن أبرئ نفسي تقريبا من أنَّني كنت قد رغبت في (مارتن)، وقد كان مظهري حينها قد انحدر إلى درجةِ أنَّ النساء وحدَهُن من كُنَّ يرضين بممارسة الجنس معي“. وقد سبق لهيتشنز أن تطرق إلى الحديث عن قصة التَّحرُّش الذي تعرض له، بالإضافة إلى قصة العلاقة الجنسيَّة الشَّاذة - الأولى له - بفتى يكبره سِنَّا يُدعى (غاي) والتي تُشعره بشيء من الرعشة كلما تذكرها على حد وصف هيتشينز نفسه!! (يُنظر: سامي أحمد الزين، نظرة خلف الستار، ص 43).
2 - من المفارقات - هنا - أنَّ الملحد (لورانس براون) خلع ثوب الإلحاد وارتدى ثوب الإيمان بل واعتنق الإسلام؛ بسبب استجابة الله تعالى لدعائه بنجاة ابنته الوليدة!
283 (1/283)
صفحة 284
مناجزة الإلحاد
سابعًا: الدوافع
والبواعث الاجتماعية
وهي المحركات والمؤثرات التي تمسُّ الجانب الاجتماعي وما يموج فيه من علاقات وتعاملات بين أفراد المجتمع، وأبرز هذه الدوافع والبواعث:
مقاربات وضع المرأة:
يستهدفُ دُعاة الإلحاد المرأة بدعاياتهم الإلحاديَّة بزعم التَّحرُّر من سُلطة الآباء وقهر الذكور
وغيرها من الشعارات الرَّنانة الفضفاضة، فإذا انضمت إلى هذه الدعاية ما تكابده المرأة من اضطهاد وظلم وقهر في مجتمعها أو أسرتها كان ذلك داعيًا قويا للوقوع في أفخاخ الإلحاد، وأسوأ من هذا الأمر أن يتم تبرير هذا الاضطهاد والقهر دينيًّا؛ بحيث تظنُّ المرأةُ أنَّ الإسلام هو سبب اضطهادها وظلمها، فيكون هذا داعيًا إلى صدودها عنه.
يحكي الأستاذ منير أديب قصة طبيبة مصريَّةٍ ملحدةٍ كان أوّل ما دفعها للإلحاد هو أنَّ زوجها السَّلفي ضربها على وجهها، فلمَّا شَكَت لوالدها أخبرها أنَّ الله أعطى لزوجها هذا الحق وتلا الآيات القرآنية في ذلك، تقول الطَّبيبةُ: كنتُ في غايةِ العَجب من تفسير كلام والدي - إن صح - أن تكون وصيَّةُ الخالق ضرب المرأة وإهانتها، خاصةً وأنَّ الإسلام يُحرِّمُ ضربَ الحيوان ذاته؛ فهل المرأة هنا أقل من الحيوان؟). القرناء والخلطاء:
كثيرون ممن ألحدوا لم تكن لهم دراية بالإلحاد ومفاهيمه، وقد يكونون ممن لا هم لهم بالشُّؤون الفكريَّة من الأساس، ولكن مخالطتهم لأولئك الذين يتبنون الإلحاد ومفاهيمه تدفعهم إلى الوقوع في حبائل الإلحاد، والمخالطة لا تقتصر على الشكل التقليدي، فهناك المخالطة التقنية عبر الوسائل المختلفة والمتنوعة، وكلها تُؤدي الدَّورَ ذاتَه في الدفع إلى الإلحاد، وقديما قال الشاعر العربى طَرَفة بن العبد:
1 - يُنظر: هشام عزمي الإلحاد في العالم العربي، مجلة براهين، ص 25.
284 (1/284)
صفحة 285
المبحث الخامس: دوافِعُ الإِلْحَادِ وَبَواعِثُهُ
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
ضعف المناعة المجتمعية (2):
فكل قرين بالمقارن يقتدي)
والمقصود بهذا هو انخفاض مستوى التَّدين في المجتمع بشكل لا يُوفر لأفراده المناعة أو الحصانة ضد الأفكار المخالفة بما فيها الإلحاد وأطروحاته، وهذا الانخفاضُ في التَّدين قد يأتي على وجهين: انخفاض مستوى العِلم بالدين بين النَّاس، وانخفاض مستوى الالتزام بالطاعات ومراقبة الله في الأفعال والتصرفات.
هذا
وفي مثل هذا المجتمع الهشّ دينيًّا يسهل على أفكار الإلحاد أن تتسرب بيسر إلى عقول الشباب الذين لم ينشؤوا على علم بالدين أو استحضار مراقبة الله في تصرفاتهم، ولا يعني الكلام أنَّ أبناء الأسر المتدينة سيكونون محصنين ضد خطر الإلحاد والانحراف، بل الواقع أنَّه
إذا كان المجتمع الخارجي في عمومه مُتحجّرًا دينيًّا وغير قادر على مواجهة الأفكار المنحرفة ويسود فيه الجهل بالدين وعدم الالتزام به عملاً وسلوكًا فليس هناك حصانة حقيقية فعلية لأبناء الأسر المتدينة، بل هم أيضًا عُرضة للوقوع في الإلحاد وسائر الانحرافات كغيرهم خصوصا إن
كان هذا التدين شيد على طريقة غير راشدة ومنهج غير سليم.
1 - ديوان طرفة بن العبد قصيدة أرى الموت من البحر الطويل، ص 32.
2 - يُنظر: هشام عزمي الإلحاد في العالم العربي، مجلة براهين، ص 24.
285 (1/285)
صفحة 286
مناجزة الإلحاد
ثامنا: الدوافع والبواعث المعرفية
وهي المحركات والمؤثرات التي تتوشّحُ بوشاح العلم والمعرفة، وهذه ليست دوافع في حقيقتها وإنَّما شماعة من التدليلات والحجج يُخلي بها الملاحدة ذممهم ويذودون من خلالها عن حياضهم، ولكن قد يُوجَد نفر منهم لم تُؤثر فيهم الدَّوافعُ السَّابقة كمثل ما أثرت فيهم الدوافع المعرفية، ومن هذا الوجه تحوّلت الأمور المعرفية من حالة (التَّدليلات والاحتجاجات) إلى حالة (الدوافع والبواعث) عند شريحةٍ ممَّن ألحدوا، أو على الأقل كانت هذه الأمور هي شرارة انطلاق شكوكهم إن لم تكن دافعًا حقيقيًا من وراء إلحادهم، وفيما يخص الدوافع المعرفية بالتحديد فإنَّ مردَّها بأجمعها إلى الجهل والغبش في التَّصورات، ويُمكن أن نذكر بعضًا منها على النحو الآتي:
فقدان الدليل على وجود الخالق:
من الدوافع التي قادت بعض الناس إلى الإلحاد: نظرتهم الضَّبابية إلى قضيَّةِ أدلَّة وجود الله، فقد يمرُّ بعضُهم على كلام الملحدين في هذه القضيَّة وما يزعمونه من أنَّ المؤمنين لا يُقدِّمونَ أَدلَّةً كافيةً على دعواهم، وأنَّ البينة على من ادعى، ونحو ذلك من الفقاعات الصابونية، فيغره سراب هذه الكلمات الرنانة، وقد يندفعُ مُهرمعًا إلى الإلحاد؛ انطلاقًا من هذه النظرة المعرفية الضحلة!
معضلة الشر
قد يمر بعضُ النَّاس على ما يُعرف بقضيَّة (معضلة الشَّر) التي يطرحها الملاحدة فينخدعون برونقها وزخرفها ويفتنون فيها أيما، افتتان، وقد تدفعهم هذه القضيَّةُ عندما يُعجزهم فكُ طُلسمها إلى التفكير في سلوك طريق الإلحاد، أو الولوج المباشر في متاهاته ودهاليزه!
العلم يقوم مقام الخالق:
التَّقدُّمُ الهائل في العلوم والذي بدوره كشف الكثير من الأسباب الطبيعية التي تقف وراء
286 (1/286)
صفحة 287
المبحث الخامس: دوافِعُ الإِلحَادِ وَبَواعِثُهُ
الظواهر الكونية المختلفة والتي كانت مجهولة قبل ذلك؛ قلص الحاجة إلى افتراض وجودِ الإله الخالق المدبّر، وعليه؛ فلا حاجة لنا به، وقد يمرُّ بعضُ النَّاس على هذه الدعوى وأمثالها فتكونَ بالنسبة إليهم دافعًا إلى انزلاقهم في مدارك الإلحاد!
بشرية الأديان:
فبناءً على بعض الفلسفات الغربية والتحليلات النَّفسيَّة الشَّخصيَّة للمعطيات الدينية وتفسيرها على أنها ظواهر بشرية مجتمعيَّة، وتقديم بعض الدعاوى على صحة ذلك، قد يندفعُ بعض الواقفين على أمثالها إلى هاوية الإلحاد، فتتوارد عليهم - بلا انقطاع - الخواطر الذائعة الصيت في نقد الأمور الدينية بوصفها بشرية المنبع، بدايةً بالقرآن والرسل ... إلخ! شبهات حول القرآن والسنة:
وهذه الشبهات لا جديد فيها، فهي شُبهات مكرورة مجرورة، تُعاد صياغتها في كل محفل، ومن لم يكن له اطلاع عميق عليها فسرعان ما تستحوذ الشكوك على لبه وتعتلج في حنايا صدره؛ فترمي به في براثن الإلحاد إن لم يتدارك شكوكه بالتفكير العلمي الصائب، وكثير من الذين ألحدوا كانت لهم هذه الشُّبهات بمثابة بواباتٍ للدخول في طرمساء الإلحاد وطَخْيائِه! الدين أصل الشرور:
النَّاظرُ إلى هذه الدعوى بعين الواقع سيجد أنَّ جزءًا معينًا منها - في زاوية ظرفية محددة - قد يكون صحيحًا، فالحروب والاقتتال والاضطهاد باسم الدين حاصل في كثير من الوقائع، ولأنَّ هذه الدعوى كغيرها من الدعاوى المعرفية التي تنضخ من أفواه الملاحدة تأتي في معرض التدليل والحُجَّة على بطلان الأديان فإنَّ الدَّعوى ذاتها قد تكون دافعا لإلحاد من لم يكن مُلحِدًا قبل ذلك!
نقد عدالة الإله ورحمته:
إنَّ أنصاف العلماء أخطر من الجهلاء، وهذا أمر ظاهرُ المعالم؛ لذلك تجد من يُقدِمُ على الإلحاد بدافع من الفهم المشوَّه لحقيقة قضيَّة (عدالة الإله ورحمته)، فيتساءلون: لم يُعذِّبُ
1 - هناك العديد من المواقع الغربيَّة التي نشرت دراسات علمية أفادت بأنَّ عدد الحروب المسجلة في تاريخ البشرية تجاوز (1700)، وأنَّ ما نسبته (93) منها لم تكن حروبًا دينيَّةً وإِنَّما سياسيَّة بحتة وقد سبق الإشارة إلى هذا.
287 (1/287)
صفحة 288
مناجزة الإلحاد
الله
غير المسلمين ويرميهم في جهنّم وقد يكونون في قمة الأخلاق والفضائل وفي غاية النبل والابتعاد عن الرذائل، فأين العدل الإلهي؟! ويتساءلون: لماذا يخلق الله من يعلم بأنه لن يسير على الطريق الصحيح ثمَّ يُعاقبه بعد ذلك؟! ونحو ذلك من التساؤلات التي تنم عن جهل بصفات الله تعالى وسوء فهم لكثير من أمثال هذه القضايا المعرفية!
اتخاذ قرار الإلحاد
يزعم الملحد - في العادة - بأنه قد اتَّخذ قرار الإلحاد بناءً على المعطيات العلمية والأُسسِ المعرفية، فإلحاده لم يكن خبط عشواء أو نزوةً رعناء، بل هو بناء أصيل قائم على القواعد العلمية والعقلية والموضوعية فلا علاقة لإلحاده بأي عامل من العوامل غير الموضوعية، كالعوامل النَّفسيَّة والشَّخصيَّة والاجتماعيَّة، ونحوها، ولا شك بأنَّ مثل هذه الدعوى العريضة لا مكان لها في أروقة الحقيقة؛ ذلك لأنَّ عملية اتخاذ القرار تتأثر بعوامل كثيرة من غير أن يتفطَّنَ الشَّخصُ إليها فيظن بأنه قد اتَّخذ قراره بصورة موضوعية وعلمية بحتة!
إِنَّ الإنسان قبل اتخاذ قرار الإلحاد تُحيط به - إلى جانب ما تم ذكره من الدوافع والبواعث - مجموعة من العوامل التي تصيغ قراره لا شعوريا، فعملية اتخاذ القرار - على سبيل المثال - تتأثر بالمرحلة العُمرية وتطلعاتها)، ونحن نلحظ جليًّا أنَّ كثيرًا من الملاحدة في العالم العربي هم من الفئة الشبابية اليافعة التي لمَّا يجن موعد نضجها بعد، كما أنَّ عملية اتخاذ القرار تتأثر كذلك بالمستوى الثقافي والتعليمي للشَّخص، وتُطلُ الحالةُ النَّفسيَّة هي الأخرى برأسها لتؤثر في عملية اتخاذ القرار لا شعوريا، وكذا لا ينبغي إهمال نمط شخصيَّة الإنسان، فالشَّخصيَّة عامل لا شعوري مهم، فليست الشَّخصيَّات النَّرجسية والحديَّة والشَّكَاكة والسيكوباتية والاعتمادية على خط واحد! ثمَّ يأتي عاملُ التَّأثر بآراء الآخرين ليكون فاعلا هو الآخر!
إذن؛ فمن الناحية العلمية التَّحليليَّة كلُّ هذه العوامل تُؤثّر لا شعوريا على عملية اتخاذ القرارات، فما يدعيه الملحد من الموضوعية هو في الحقيقة ادعاء فارغ زائف يُراد من خلاله
1 - نستشهد هنا بالأديب الكبير ت. س. إليوت فقد مضت عليه سنوات وهو يطرق بابًا من أبواب المجهول ثم يوصده أو يولي عنه إلى غيره، أو هو يشك لسبب ثمَّ يشك لسبب آخر، ثمَّ يوازن بين الأسباب، حتّى انتهى به المطاف إلى الكنيسة الكاثوليكية الإنجليزية، إيثارًا للاعتقاد في الجماعة، وإيمانا بواجب كل فردٍ أن يتصل ولا ينفصل في مسائل الديانة حيثما استطاع. (يُنظر: محمود العقاد، عقائد المفكرين، ص 91).
288 (1/288)
صفحة 289
المبحث الخامس: دوافِعُ الإِلْحَادِ وبَواعِثُهُ
إظهار قرار الإلحاد على أنه قرار علمي رصين لا شأن له بالمؤثرات الخارجية الكثيرة التي
تتناوشه من جميع الأطراف!
وقبل أن نغلق باب هذا المبحث:
يا من تدفعُكَ أيدي الدَّوافع وتهمس في أذُنِكَ أفواه البَواعِثِ، قبل أن تلجد:
هل قهركَ استبداد السياسيين الفَاسِدِين؟!
هل قسى عليك متحدّثُ مِن المتحدثين في شَأْنٍ مِن شُؤونِ الدِّين؟! هل بعثر ذاتَكَ ظُلمُ الأُسرَةِ وجورُ الأقربين؟!
هل حَزَّ نِياطَ قَلبِكَ تَعسُّفُ المجتمع ونَزَقُ المغرورين المتكبّرين؟!
هل وقف حجرَ عَثَرةٍ في طريق رغابِكَ البريئة، وأشواقِكَ الطَّاهرة، وتطلعاتك السَّامية بعضُ الأهوائيين المتعصبين المتحجرين؟!
هون عليك؛ فنحن معك، نتفهم ظلامتك، نشاطرك بثَّ فؤادِك، نشاركك لواعج روحِك، نتألم لأنين أحاسيسك، ولكن عليك أن تتذكر: أنْ لا صلة ولا قربى بينَ اللهِ وهؤلاء وإن نادموا الآياتِ والأذكار وجعلوا لباس الأنبياء لهمُ الشّعار،
فما عليك إلا أنْ تكفرَ بهؤلاء جميعًا وتؤمن بالله الكبير المتعال.
289 (1/289)
صفحة 290
مناجزة الإلحاد
خلاصة المبحث
- ينبغي استخدام مصطلح الدوافع والبواعث) كبديل عن مصطلح (الأسباب) عند الحديث عن دواعي الإلحاد. - معرفة دوافع الإلحاد وبواعثه مهمَّةٌ جدًّا في تقديم الحلول المناسبة للتعامل معه. - دوافع الإلحاد وبواعثه متوزعة على نطاقاتٍ مُتعدّدَةٍ كالسياسة والاقتصاد والدين والتعليم والأسرة والمجتمع والثقافة والنفس.
- القبول النفسي والاستعداد الذهني للإلحاد هو أهم دوافع الإلحاد.
290 (1/290)
صفحة 291
المبحث السَّادِسُ
الإلحاد: طَرائِقُ وحَزائِقُ (1/291)
صفحة 292
”بدون الرَّب لا يمكن لشيء
أن يكون أو يتصوّر".
(إسبينوزا)
وتتطلب
"الامتناعُ التَّام أسهل
من الاعتدال المثالي.
(أوغسطينوس)
كل لحظة تطرح على الإنسان موقفًا
منه اختيارًا بين بديلات، وهو في كل اختيار
يكشف عن نوعية نفسه وعن مرتبته ومنزلته دون أن يدري“.
مصطفى محمود) (1/292)
صفحة 293
أيها الإلحاد ما هي طرائقك؟ وما أَوْجَهُ التشاكس والتِّهارشِ فيها؟ ألست (سرير بروكستس) آخر؟! (1/293)
صفحة 294
مناجزة الإلحاد
الإلحاد
لفظ
الإلحاد:
طَرائِقُ وحَزائِقُ
واسع الأرجاء، وهو لا يدلُّ على شيءٍ واحد ومحدد، ففي الإلحاد طرائقُ وحزائق متشاكسة متهارشة، سواء أكانت تلك الطَّرائق مبنيَّةً على النظرة الفلسفية أم كانت مبنية على النظرة السياسيَّة أو الاجتماعيَّة، ومَن لا يعرف الوجه الآخر للإلحاد والذي يُخفي وراءَه قَسَماتٍ من الطَّرائق المختلفة فإنَّه قد لا يستسيغ هذه الحقيقة ولا يتقبلها؛ بحجة أنَّ الإلحاد قائم على الحريَّة وعدم الالتزام بتوجهِ معينٍ في شؤون الحياة العامة! نعم؛ قد تكون هذه الحجَّةُ مقبولةً في دائرة معينة وهي دائرة التسطير والتحبير، أما في واقع الأمر فلا حظ لها من القبول إطلاقًا؛ لأنَّ الإنسان لا يستطيع أن يعيش في مجتمع ما دون أن تكون له حقوق وتقع عليه تكاليف وواجبات ومن ثم لا بُدَّ له من أن يصوغ فكره (الحر) وفق المعطيات الثقافية والمجتمعية - الأصيلة أو الدخيلة - أو أن يترك المجتمع يقوم بالمهمة عوضًا عنه!
في هذا المبحث - بالتحديد - سنطرق أبواب (طرائق) الإلحاد و (حزائقه)؛ لنتعرف على التناقض الذي يُخيّم على أجواء تلك الطرائق والحزائق الإلحاديَّة، وبادِئَ ذي بدء - وكما جاء في التقسيم الشائع - فإنَّ الإلحاد من حيث مستوى القوة والضعف في رفض فكرة وجود الله ينقسم إلى قسمين اثنين:
القسم الأوّل: (الإلحاد القوي / الإلحاد الموجب).
وهو المستوى الأرفع من حيث القوَّةُ في رفض فكرة وجود الله والمقصود بالقوة هنا ليس قوَّة الأدلَّةِ وكفاءتها وإنَّما قوَّة الجزم والاعتقاد والتصريح بأنَّ الله غير موجود، وأنَّ الأدلة المتوفرة تنفي أي احتماليَّة لوجوده؛ ومن ثُمَّ فلا مجال للاعتقاد بوجوده مطلقا - وكأنَّه حكم مسمط - ولو وُجِدَ أيُّ احتمال فيجب أن يُطمس وأن يُستأصل من أساسه ويُقطع دابره.
وقد جاء الإلحاد الإيجابي صريحًا على لسان الكاتب الثَّوري الروسي ميخائيل باكونين
294 (1/294)
صفحة 295
المبحث السادس: الإلحاد: طرائق وحَزائِقُ
(Bakunin)) بقوله: "لو كان وجود الله محتملاً لوجب أن نمحيه“. وفي هذا ما يُؤكد أنَّ الإلحاد في كثير من الأحيان هو إلحاد تصميم وعنادٍ وجحود لا إلحاد قناعة واستبصار!! ويتبيَّن لنا من هذا أنَّ الإلحاد (القوي/ الموجب) مذهب يتبنى عدَّةَ مفاهيم تميزه عن مذاهب الإلحاد الأخرى، ومن أبرز هذه المفاهيم:
- رفض فكرة وجود الله رفضًا باتا لا رجعة عنه.
ميخائيل باکونين
- استدعاء الأدلة والحجج والبراهين على النفي المطلق لوجود الله. - تكذيب كل الحجج والأدلة التي تُثبت وجود الله أو تفترض احتمالية وجوده. - الجزم باستحالة أن تُوجد أدلَّةٌ مستقبلية تُثبت احتمالية وجود الله.
القسم الثاني: (الإلحاد الضعيف/ الإلحاد السالب).
وهو المستوى الأدنى من حيث درجة قوّة رفض فكرة وجود الله، فالله غير موجود في الإلحاد (الضعيف الشالب)، وهذا النَّفي لا يتحصل منه النَّفي القاطع لاحتمالية وجود الله؛ أي إنَّ النَّفي هنا مبني على الرُّجحان لا على التأكيد أو الجزم والحسم، فاحتمالية وجود الله تظلُّ قائمة، فقد تَعْلَقُ بها الأسباب، وتنبلج بها أسارير الأيام، صحيح بأنَّ الأدلة الحالية لا تكفي لإثبات وجوده لكنَّها في الوقت ذاته لا تسدُّ الطَّريق إلى إثباتِ وجوده بصخرة النفي الحاسم، فلربما تقوَّت احتمالية وجود الإله مع الحصول على تأكيدات واستدلالات جديدة مستقبلا (2). ويتبين من هذا أنَّ الإلحاد (الضَّعيف / السَّالب) مذهب يتبنّى عدَّةَ مفاهيم تُخالف المفاهيم التي يتبنَّها الإلحادُ (القوي الموجب)، ومن بين هذه المفاهيم:
- نفي وجود الله نفيًا مؤقتًا غير مطلق وغير باتٍ.
- احتمالية أن تُوجد أدلَّةٌ تدعم وجود
:
الله مستقبلًا.
1 - ثوري روسي لا سلطوي (1814 - 1876 م) مؤسس ما يُسمَّى بـ (اللاسلطوية الجمعيَّة)، التقى بكارل ماركس وخالفه وعارضه، له سوابق إجرامية، وهو معروف بالتَّمرد السياسي. 2 - إذا ما صغنا هذه المنهجية بشكل رقمي فإنَّ نسبة رفض فكرة وجود الله في الإلحاد السالب لا تقل عن (60 ?) ولا تتجاوز (90) على وجه التقريب بينما هي تتجاوز (90)) في الإلحاد الموجب، ويستحيل منطقًا أن تصل النسبة إلى (100 ?) حتَّى
عند عُتاة الملاحدة.
295 (1/295)
صفحة 296
مناجزة الإلحاد
الاعتقاد بعدم وجود وجود أدلة تجزم أو تقطع بنفي وجود الله.
الله
إذن؛ فإنَّ الإلحاد (الموجب) والإلحاد (السَّالب) يتفقان في رفض فكرة وجود ويختلفان في النُّقاط التي حددناها أعلاه، وبسبب هذه الاختلافات سُمّي الإلحاد (الموجب) بهذه التسمية؛ لأنَّه يقوم على إيجاب الأدلَّةِ التي تنفي وجود الله؛ أي يقوم بإثباتها وتأكيدها، بينما. سُمّي الإلحاد (السَّالب) بهذه التسمية؛ لأنَّه يقوم على سلب الأدلة التي تُثبت وجود الله؛ أي يقوم على إثارة غبار التشكيك فيها ومحاولة خلخلة مبانيها بمعاول الاعتراض، لكن دون جزم عنيد أو إصرار بات.
وفي حقيقة الأمر فإنَّه لا يُوجَد إلحاد (موجب) يُقيم الأدلة على نفي وجود الله؛ لأنَّ هذا النوع من الأدلة في مثل هذه القضيَّة ليس له وجود من الناحية الفلسفية والمنطقية، فالإلحاد كلُّه قائم على (السَّلب)، كما أنَّ أدلته محصورةٌ في دائرتين: الدَّائرة الأولى: (عدم كفاية الأدلة). والدائرة الثانية: تعارض الأدلة المتوفرة مع وجود الله. وإنَّك لا تجد أدلة يحتج بها الملاحدة على صحة إلحادهم ومشروعيته، فالإلحاد مجرَّدُ ردّ فعل وليس فعلا أصيلا يُمكن إثبات صحته أو البرهنة عليه، وقصارى جهد الملحد ونهاية مأموله أن يجد ثلمة في الأدلة والبراهين التي يُقدِّمُها المؤمنون على طاولة الحوار، وليس له من سبيل آخر - غير هذا - في تدعيم موقفه، بينما موقف المؤمنين يقوم على الأمرين معًا؛ ففي جعبتهم سيل من الأدلة (الموجبة) التي يفتقدها الملاحدة، كما أنَّ المؤمنين لا تنقصهم | الأدلَّةُ (السَّالبة)، فهم يحتجون بكلا النوعين من الأدلة، وإضافةً إلى ذلك فإنَّ الملاحدة يرتكبون مغالطة منطقيَّةً واضحةً في إثبات موقفهم الإلحادي، فإنَّ مجرَّد الطَّعن في الدليل لا يعني إثبات نقيضه، وإنَّما إثبات خطأ الدليل المعروض فقط - هذا إن كان الطَّعنُ موفقًا - ولكي تدعم موقفك فإنَّ عليك أن تُبرهن عليه لا أن تكتفي بالنقض، فالإلحاد ادعاء من الادعاءات، صاحبه مطالب بالبينة و ملزم بدليل الإثبات. (سيأتي تحرير هذه المسألة).
وبناءً على ما تضمنه هذان التقسيمان - أي الإلحاد الموجب والسالب - فإنَّ الملاحدة أنفسهم لا يلتزمون التزاما تاما ببنودهما؛ إذ إنَّ أنصار الإلحاد السَّالب) وبناءً على موقفهم غير الحاسم والجازم يجب ألا ينخرطوا في الترويج لإلحادهم بشكل مبالغ فيه دون أي تحفظات، وألا يقوموا بالدور الذي نيط بأنصار الإلحاد (الموجب)، ولكن واقع الحال يقول غير ذلك،
296 (1/296)
صفحة 297
المبحث السادس: الإلحاد: طرائق وحزائِقُ
فالملاحدة عندما يُنظرون لأنفسهم تجدهم ينقسمون إلى أحد هذين القسمين، لكنهم في التطبيق والممارسة الميدانية قلما يلتزمون بما نظروا له، فتراهم يُروجون لإلحادهم ويتطرفون فيه، في لعبة مكشوفة من تبادل الأدوار وتقمص الشَّخصيَّات!! والإلحاد لا يقف عند حدود هذين التَّقسيمين العائمين بل يتعداها بمراحل؛ ففيما تبقى له من تقسيماتٍ - وهي كثيرة - سنجد أنَّ التضارب في المبادئ والمفاهيم وارد بين كل قسم من تلك الأقسام)؛ حيث ينال كُلُّ قسم منها اسم (الطَّريقة) أو (الحَزيقة) عن جدارة واستحقاق؛ ولذلك جاء عنوان هذا المبحث باسم: (الإلحاد: طرائق وحزائق)؛ لتُجلّي للقارئ الكريم حقيقةَ التَّشْتُتِ والتَّموج الذي يعيشه المنضوون تحت راية الإلحاد، وعدم الانخداع بزخارف القول وبهارجه الموحية بالانسجام والتكاتف ووحدة المبادئ!
وعند التطرق إلى طرائق الإلحاد وحزائقه نستطيع أن نُفرّق بين عدة مصطلحات إلحاديَّة ذائعة الصيت (3)، وهي تُمثْلُ منهجًا (إلحاديًّا) مستقلا ومنفصلاً عن نظيراتها، ولكن تبقى وصمة الإلحاد جامعة لها، وقد اقترحنا أن نُسيمها بـ (الطرائق والحزائق)؛ لأنَّ إعمال العقل والمنطق وترجيح كفَّةِ الواقع على التنظير يُرغمنا على ذلك، ويُمكن النظر إلى هذه الطرائق والحزائق الإلحادية من منظورين: الأول: المنظور المنهجي الفلسفي. والثَّاني: المنظور الفكري الأيديولوجي (3).
1 - وتتجسد حالة التناقض هذه في كثير من الموضوعات، ومن طريف التجسيدات ماكتبه الملحد فرانك شفر (Frank Scheffer) في كتابه المعنون why I am an atheist who believes in god? (لماذا أنا ملحد يؤمن بالله؟)!! 2 - تنبه هنا إلى نقطة مهمَّةٍ تخصُّ التَّقسيم الدارج أو التقسيم المشهور الذي يسير عليه أكثر الباحثين؛ فقد دَرَجَ كثير منهم على تقسيم مواقف الناس في قضيَّة (الأديان والآلهة إلى عدة أقسام من بينها: (الملحد) و (اللاأدري)، و (الاديني)، وهذا يستدعي
الانتباه والتفطن؛ فـ (اللاديني) ملحد، و (اللاأدري) ملحد! فعدم التَّنبيه قد يُوهم بأنَّ (اللاأدرية) و (الادينية) ليستا إلحادًا!! 3 - من بين التقسيمات التي تطال الإلحاد أيضًا: (الإلحاد النَّظري) و (الإلحاد العملي). فالإلحاد النظري يعني عدم الإيمان بوجود الله، والإلحاد العملي يعني التَّصرُّف كما لو أنَّ الله غير موجود. (ينظر: الموسوعة الفلسفية العربية، 87/ 1). ويظهر أنَّ هذا التقسيم - وما شابهه من التقسيمات الأخرى التي لم نذكرها - لا يعود إلى الإلحاد الموضوعي، بل إلى الإلحاد اللفظي وإسقاطاته التي تختلف حسب الزَّمان والمكان والمجتمع والدين والسياسة ... إلخ.
297 (1/297)
صفحة 298
مناجزة الإلحاد
(اللاأدرية):
مذاهب الإلحاد
وطرائقه المنهجية الفلسفية
وهي ذاك الموقف الفلسفي الذي يتسلق أكتافَ التَّوقف، متحججا بافتقارنا للأُسس المنطقية الضرورية التي تُبزِرُ أَيَّ مُعتقَد يتعلَّق بإثبات الذات الإلهية أو نفيها. فهي توجه فلسفي يزعم بأنَّ القيمة الفلسفية للقضايا الدينية أو الغيبيَّة غير محدَّدَةٍ ولا يُمكن لأحدٍ تحديدها. إنَّ قضيَّة وجود الله بالنسبة إلى (اللاأدريَّة) موضوع غامض كُليًّا لا يُمكن تحديده في الحياة الطبيعية للإنسان، فيتوقفون في الحكم عليها نفيًا أو إثباتًا، ويُكثرون من قول: "لا أدري“. وهم تابعون في فلسفتهم هذه لبيرون الفيلسوف اليوناني. يقول برتراند راسل: "يعتقد اللاأدري أنَّه من المستحيل أن نعرف الحقيقة فيما يتعلق ببعض الأمور كالله والحياة الآخرة، هذه الأمور التي تهتم بها المسيحية وأديان أخرى. إن لم يكن ذلك مستحيلا فعلى الأقل مستحيل في الوقت الحالي
(1)
وقد تختلفُ (اللاأدريَّة) تبعًا لاختلاف منطلقاتها؛ فهناك:
- (اللاأدرية الدينيَّة).
- (اللاأدرية الفلسفية).
- (اللاأدرية العلمية).
- (اللاأدرية الأخلاقية) (3).
1 - يُنظر: مصطفى حسيبة، المعجم الفلسفي، ص 520. 2 - برتراند راسل، ما الذي أؤمن به، 109.
من
(2)،
3 - جاء تعريف (اللاأدرية) في الموسوعة الماركسية بأنَّها نظريَّةٌ تُنكر - كليا أو جزئيا - إمكان معرفة العالم ... وقد اكتشف لينين الجذور الإبستمولوجية المتصلة بمبحث المعرفة اللاأدريَّة)، وقال: إنَّ اللَّاأدري) يفصل الجوهر عن مظهره، وأنه لا يمضي لأبعد الأحاسيس ويبقى بعيدا عن الظواهر، ويرفض أن يعترف بشيءٍ على أنه أصيل بخلاف الأحاسيس، ويفضي موقف التوفيق الذي تتخذه (الاأدرية) بمؤيديها إلى المثالية، وقد ظهرت (اللاأدريَّة) في صورةِ الشَّكيَّة في الفلسفة اليونانية، واكتسبت شكلها التقليدي في فلسفة هيوم وكانط، ومن أشكال النظرية (الاأدريَّة) نظرية الرموز الهيروغليفية ... وتنطلق (الاأدرية) من محاولة للحد من العلم ورفض التفكير المنطقي، وشد الانتباه بعيدًا عن إدراك القوانين الموضوعية للطَّبيعة، وخصوصا قوانين المجتمع، وأفضل تفنيد لـ (لا أدريَّة) هو الممارسة (الخبرة) والتجريب العلمي والانتاج المادي، فإذا كان النَّاسُ جميعًا يُدركون ظواهر معينة ثم يكررونها عمدا فلا يبقى محل لذلك الشَّيء في ذاته الذي لا يمكن معرفته. (ينظر: الموسوعة الماركسية/حرف اللام/. www
298
(marxists.org (1/298)
صفحة 299
المبحث السادس: الإلحاد: طرائق وحَزائِقُ
ويبدو أنَّ هذا المصطلح موجود في التراث الإسلامي، فقد تم استخدامه في بعض المراجع، نذكر منها على سبيل المثال قول الذهبي: " الدرجة الثالثة: المتجاهلة الاأدرية. الذين يقولون: نحن لا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت فلا ننفي النَّقيضين، بل نسكت عن هذا وهذا، فنمتنع عن كُلّ من المتناقضين، لا نحكم بهذا ولا بهذا) و (اللاأدرية) في علم اللاهوت النَّصراني مذهب يزعم بأنَّ العقل لا يستطيع أن يُدرك وجودَ حقائق روحيَّةٍ فائقة للطبيعة، فهذه لا تُدرك إلا بقرار شخصي يعود إلى الإيمان والاختبار الديني. وقد تبدو (اللاأدرية) في علم اللاهوت النصراني تعبيرًا أخرق عن شعورٍ صحيح دون قابلية معرفة الله، علما بأنَّ الإنسان لا يعرفُ الله إلا كسر يتجاوز كل تحديد وكل وصف").
وجود
الله
الله لا تحتمل
فـ (الاأدرية) تطبيق حرفي لمبدأ (نسبية الحقائق)؛ إذ إنَّ (اللاأدري) لا يستطيع إنكار د الله كما لا يستطيع إثباته، ويتعذَّرُ بأنَّ ذلك مما يضيق عنه طوقه، ويقصر دونه باعه، فهو خارج عن معرفته ومقدرته العقليَّة، وهو بهذا يُعطي نسبةً متكافئة لاحتمالية وجود عدم وجوده (50). وهناك مجموعةٌ من (اللاأدريين) يُحبذون وصف أنفسهم بـ (ملحد لا أدري). بينما ترفض مجموعةً أُخرى منهم أن توصف بالإلحاد، ولا يعني هذا أنَّ (اللاأدرية) ليست إلحادًا كما يرى بعضُ الكُتّاب الغربيين! فقضيَّةُ وجود الوقوف أو التَّردُّد، و (اللا أدريَّة) كما هو ظاهر موقف من الإله وليست مجرد شكّ عابر، فتعليقُ الإيمان هو المنهج الذي تسير عليه، ولو كانت الأمور تسير على مثل هذا النحو فإنَّ الملحد الصريح ليس بملحدٍ أيضًا باعتباره مؤمنًا مُؤجّل الإيمان! وهذا ما لا يُمكن استساغته وقبوله إلا في عالم المجاز! ومن هنا وَصَفَ برتراند راسل - بعد أن أكد أنَّ اللاأدرية ليست إلحادًا - الشَّخصَ اللاأدري الذي يُرجّح عدم وجود الله بأنه ليس ببعيد عن الملحد، يقول راسل: "قد يرى اللاأدري أنَّ وجود الله غير مرجّح، بالرغم من أنه ليس مستحيلا، فهو غير مرجّح، وقد يرى أنه غير مرجّح لدرجة أنَّ الأمر لا يستحق المناقشة العلمية، في هذه الحالة هو ليس ببعيد عن الملحد ... » (3). لقد كانت أمارات (اللاأدرية)
1 - يُنظر: شمس الدين الذهبي، كتاب العرش، ص 77.
2 - يُنظر: الموسوعة العربية المسيحية، لا أدريَّة/ www.christusrex.org).
- برتراند راسل، ما الذي أؤمن به، 109.
299 (1/299)
صفحة 300
مناجزة الإلحاد
موجودةً - على استحياء - منذ القدم، ويبدو أنَّ الصَّياغة المصطلحية الحديثة لهذه الكلمة جاءت على يد عالم الأحياء الإنجليزي الشهير توماس هاکسلي (Thomas Huxley) عام (1869 م)، فلم يكن هذا المصطلح مستخدمًا بشكل واسع ودقيق إلا بعد صياغة هاكسلي له، وأصبح يُطلق على كل من يُنكر المعرفة أو يعتقد بأمور لا سبيل توماس هاكسلي إلى معرفتها وصف (اللاأدري). ولا يستحق شرف الحصول على هذا الوصف إلا مَن وقَفَ موقفًا وسطا بين نزعة الشك ونزعة القطع دون
إنكار مواقف الآخرين، ودون إصرار على مواقفه والمثيرُ في الأمر هو أنَّ (اللاأدرية) - بغض النظر عن منطلقاتها المختلفة التي ذكرناها آنفًا - من حيث موقفها في قضيَّة (الإله) تتشفّى - منهجياً - إلى عدة شظايا:
- الإيمان بالإله - أو بقوَّةٍ غيبية - لكن دون أدنى معرفة له.
- عدم الإيمان بإله وعدم إمكان معرفته.
- عدم الاهتمام بقضيَّة الإله، فلا شيء يدعو إلى الاهتمام بها أو بحثها نفيًا أو إثباتًا. - تعليق الإيمان بوجود الإله إلى حين وجود الأدلة. وتسمى بـ (اللاأدرية المؤقتة).
- تعليق الإيمان بوجود الإله من عدمه مطلقًا وأبديًا. وتُسمى بـ (اللاأدريَّة الدائمة).
1 - ظهرت (اللاأدرية) في صورة (الشَّكيَّة) في الفلسفة اليونانية؛ إذ كان من رأي أرقاسيلاوس (315 - 241 ق. م) بأنَّه ليس هناك علاقة يُمكن تمييزها بين الإدراكات الصحيحة أو الباطلة، أما قارنيدس القوريني (213 - 128 ق. م) فقد طوَّر الهجوم على القطعية وأنهى قول الرواقية: "إنَّ الانطباعات الحسية أمر بديهي وعلينا قبوله. ورأى أنَّ المعرفة الصادقة مستحيلة، وأنَّ جميع أنواع المعارف ليست أكثر من تأكيد احتمالي. وقد جاءت (اللاأدريَّة) في الفلسفة اليونانية نتيجةً للسُّخط على الفوضى العقلية الناتجة من الصراع بين المذاهب القطعية، واكتسبت شكلها التقليدي عند (هيوم) و (كانت)، وقد حدَّد (كانت) قدرات الإنسان المعرفية وأكد أن معرفة الأشياء في ذاتها غير متاحة من حيث المبدأ، والمعرفة ممكنة فقط بالظاهر؛ أي بالطريقة التي تتكشف بها الأشياء في خبرتنا، والمعرفة النظرية متاحة فقط في الرياضيات والعلم الطَّبيعي، أمَّا (هيوم) فرأى أنَّ المعرفة لا تكمن في فهم الوجود بل في قدرتها على أن تكون دليلا للحياة العملية، والموضوع الوحيد الصالح للمعرفة هو الرياضيات، أما جميع الموضوعات الأخرى فإنَّها تتعلق بوقائع لا يُمكن البرهنة عليها منطقيا، وليست الوقائع سوى مجرى من الانطباعات أسبابها مجهولة وغير قابلة للمعرفة،
أما مشكلة وجود العالم الموضوعي أو عدم وجوده فإنَّها مشكلة مستعصية على الحل. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). 2 - عالم أحياء إنجليزي (1825 - (1895 م) له دور بارز في تأسيس منظمة (اليونسكو). يلقب بـ (كلب دارون)، لشدَّة دفاعه عن نظريَّة التَّطور، له عدَّة كُتب في عالم الحيوانات، لعل أشهرها كتاب (مرتبة الإنسان في الطبيعة).
300 (1/300)
صفحة 301
المبحث السادس: الإلحاد: طرائق وحَزائِقُ
لقد تعرضت (اللاأدرية) لسيل من الانتقادات فهي تُمتِّلُ موقفًا عاجزًا متخاذلا يحد من قدرة العقل وقيمته في التوصل إلى الحقائق والبحث عنها، كما أنَّها موقف يبدو عصي القبول وصعب المقادة على المستوى العملي، فعلى ماذا سيعيشُ المرءُ المُعلَّق؟! لا محيص من أمرين اثنين؛ إما أن يعيش على الإيمان بالله، وإما أن يعيش على عدم الإيمان به، ولا يُمكن أن توجد منطقة وسطى - عمليا - بين هذين الواقعين وإذا كان موقف (اللاأدرية) يزعم بأنَّه من غير الممكن أو من المستحيل أن نعرف شيئًا على وجه القطع واليقين فكيف يكون موقف (اللَّاأدرية) نفسها من موقفها هذا يقينًا وقاطعًا؟! أي إنَّ هناك نوعا من التناقض الذاتي والتَّفكك المنطقي في نفس موقف (اللاأدريَّة)، فكيف تتأكَّد لديها أو تترجّح عندها صحة موقفها لا تُوجد معرفةً يقينية أو راجحة؟! وإذا كان موقف (اللاأدرية) يقتضي أنَّ الحقيقةَ (نسبيَّة) فإنَّ هذا الموقف نفسه هو موقف نسبي لا يُمكن الاعتماد عليه في شيء!!
مع
أنَّه
ويبدو أنَّ كثيرًا من الملاحدة يميلون إلى (الاأدريَّة) كمنهج وفلسفة وإن كانت ردَّاتُ فعلهم تميل إلى التَّطرُّف والأصولية الإلحاديَّة في تعاطيهم مع المتدينين، وقد اعترف زعيم الملاحدة الجدد ريتشارد دوكنز في مناظرة مسرح السير كريستوفر رين شيلدونيان بجامعة (أكسفورد) بأنَّه لا يستطيع أن يكون متأكدًا من أنَّ الله غير موجود؛ أي إنَّه أصبح (لاأدريا) بعد أن كان يُحاول نصبَ الأدلَّةِ على عدم وجود الله ويجزم بنفي وجوده!!
(اللادينية)
يتَّضح من التسمية أنَّ نفي الإيمان بالأديان هو الرُّكنُ الأبرز في هذا الاتجاه الفكري، فـ (الادينية) موقف فكري مناهض للأديان عمومًا، ينزع عنها لباس السلطة، ويُجردها من أي مرجعية، باعتبارها مجرَّد عوامل مجتمعيَّة أو ظواهر بشريَّةٍ مصطنعة، في دعوة منه إلى نبذ كل الأديان وعدم الاعتماد عليها أو الانقياد لها). وعليه؛ فإنَّ الإنسان يجب أن يعيش وفق ما يستحسنه ويرغب فيه دون حاجةٍ إلى مقص رقيب أو منظم سير. ويُسمَّى كُلُّ من ينتسب إلى هذا الفكر بالـ (لاديني) وهو كلُّ من لا يدين بدين.
و (اللادينية) مذهب من مذاهب الإلحاد، فكلُّ (الاديني) ملحد، وكل ملحدٍ (لاديني)، إلا أنَّ هذا العموم قد تم تخصيصه في الاستعمالات الحالية، فالملحد (لاديني) بطبيعة الحال - مع
1 - ويُمكن تلخيص الموقف (اللاديني) بأنَّه: رفضُ الأديان والقول ببشريتها.
301 (1/301)
صفحة 302
مناجزة الإلحاد
وجود بعض الشذوذات - وأمَّا (اللاديني) فقد يكون ملحدًا وقد يكون مؤلها، وهذا يقودنا إلى التنبيه على أمرين:
الأول: (اللادينية) من الناحية العملية والحُكميَّة مذهب من مذاهب الإلحاد، وطريقةً من طرائقه، وليست مذهبًا مستقلا أو مغايرا له؛ أي أنَّ (الاديني) ملحد كما أن الملحد (لاديني). الثَّاني: (اللادينيَّة) من الناحية الاصطلاحية الدارجة بينها وبين الإلحاد عموم وخصوص، فـ (اللاديني) يرفض الأديان ولا يؤمن بها مثل الملحد بالضبط، وهذا هو العموم بينهما، أمَّا الخصوص فهو أنَّ (اللاديني) قد يكون مؤمنا بوجود الله بخلاف الملحد.
هذا؛ وتنقسم (اللادينيَّة) إلى ثلاثة أقسام من حيث نظرتُها إلى الإله:
- (اللادينية اللاأدريَّة) = رفض الأديان دون حسم الموقف في وجود الإله من عدمه). - (اللادينية الإلحاديَّة) = رفض الأديان ورفض وجود الإله.
- (الادينية الربوبية) = رفض الأديان مع الإيمان بوجود الإله. كما تنقسمُ (اللَّادينيَّة) إلى ثلاثة أقسامٍ من حيث نظرتُها إلى الدين:
- (رفض الدين) = الرفض المطلق والجازم لفكرة الأديان.
- (غياب الدين) = عدم التَّدين بدين دون الرفض المطلق لفكرة الدين. - (إهمال الدين) = عدم الاهتمام بفكرة الدين - قبولًا أو رفضًا - من أساسها.
(الربوبية) (2):
الربوبية موقف فكري يتساوقُ مع موقف (اللادينية) من حيث رفض فكرة الأديان عمومًا، إلا أنَّها تُفارقها من حيث فكرة الوجود الإلهي، فهي موقف حازم يجزم بالوجود الإلهي، ويُؤمن بأنَّ الله هو خالق الكون وموجده، وبهذا يبان معنى الربوبية، فهي الإيمان بالإله الخالق دون الإيمان بالأديان والشَّرائع. لكنَّها في الوقت عينه تسلب عن الإله صفة التدبير والتَّدخل في الشؤون الكونية، وتجزم بأنَّ حقيقة الإله الخالق يُمكن الوصول إليها وإثباتها عقليا ومنطقيا، وقد أضاف
1 - ويتشعَّبُ عنها ما لا حصر له من مذاهب (اللاأدرية). 2 - وتسمى كذلك بـ (المذهب الطبيعي)، أو (التأليه الطبيعي). وهو غير المذهب الطبيعي أو المادي الذي يُنكر وجود الله.
302 (1/302)
صفحة 303
يبدو
المبحث السادس: الإلحاد: طرائق وحَزائِقُ
بعضُ الربوبيين المحدثين طريقًا ثالثًا لإثبات هذه الحقيقة وهو طريق العلم الحديث). أنَّ الرُّبوبية قد شَقَّت طريقها منذ زمن طويل، فهناك شخصيات اشتهرت بربوبيتها، ولعل انطلاق الثورة العلمية في أوروبا هو الذي وسع نفوذها؛ إذ كثفت المفاهيم الربوبية تحليقها في الأجواء الأوروبية في القرن الثَّامن عشر، ففكرة أنَّ (الإله قد خلق الكونَ ثُمَّ تن?ى
جانبًا وتركه يعمل آليا) كانت هي الفكرة السَّائدة التي انتشر بريدها في الآفاق!!
يُعلّق أحد الربوبين موضحًا موقف الربوبية من الإله بالقول: "وبالمقارنة مع أفكار الديانات المختلفة عن الإله فإنَّ الربوبية لديها فكرة بسيطةً عن الإله: كيان أبدي طاقته مساوية لرغباته، ومن هنا نستطيع أن نقول: إنَّ الإله لا بداية له ولا نهاية، وهذه الفكرة نستخلصها من نظرية ألبرت أينشتاين حول النسبية، ومن هنا نستطيع القول بأنَّ الإنسانية ستتعلم أكثر عن مفهوم الإله عن طريق العلم والكون، فهذا هو الطَّريق الوحيد الذي يُمكننا من المعرفة أكثر حول الإله، من خلال دراسة الخلق، وليس من خلال الكُتُب المقدسة للأديان (2)!!
ويُمكن تقسيم الربوبية إلى ثلاثة أقسام:
- ربوبية وحدة الوجود = الرَّبُّ هو الكونُ، والكونُ هو الرَّبُّ. - ربوبية وحدة (الشُّهود = الكونُ جزء من الإله وليس هو الإله كله.
- ربوبية مطلقة) = الإله لا يُوصف بوحدة الوجود ولا بوحدة الشُّهود.
وقد رأينا في كثير من الكتابات المعاصرة من يقول بأنَّ الرُّبوبية ليست إلحادًا. وهذا راجع إلى التسمية أو التقسيم الدارج، فالربوبية تبقى مذهبًا من مذاهب الإلحاد، وطريقةً من طرائقه، حالها كحال (اللادينية)، وكأنَّهما قُدَّا من أديم واحد، فالمذهبان سيان في رفض الأديان عمومًا، وينبغي علينا ألا نقع في فخ الاصطلاحات الحادثة، فالاصطلاحات وضعت للتمييز بين المفاهيم، لكنَّها لا تقتضي الفصل بينها في الحكم والانتماء والمآل.
1 - وعرف بعضهم الربوبية بقوله: "هي معرفة الله بناءً على الضرورة العقلية النابعة من النظر في الطبيعة وقوانينها وتصميمها، ورفض ادعاءات الأديان. (يُنظر: http://www.deism.com/deism_defined.htm).
2 - ينظر على شبكة المعلومات العالمية: مقالة (الرَّبُ أعطانا عقلًا لا دينا)، مدونة الربوبي العربي، بتاريخ: (26/ 8/ 2009 م).
303 (1/303)
صفحة 304
مناجزة الإلحاد
مذاهب الإلحاد
وطرائقه الفكرية الأيديولوجية
لأنَّ الإلحاد يرفضُ الأديان المطروحة كلَّها كان لا بُدَّ له من اعتناق ربقة أيديولوجيةٍ معينةٍ يسير عليها فيما يخص شؤونه العامة والخاصة؛ إذ لا تستقيم حياة المرء بدون أن تكون له خطةٌ يسير وفق مقتضياتها، بغض النظر عن كون تلك الخطة صحيحة أو خاطئة. وعليه؛ فإنَّ الإلحاد ينقسم على نفسه من هذه الناحية إلى عشراتِ الطَّرائق والحزائق؛ نذكر منها على سبيل
ما
الإشارة لا الحصر:
الإلحاد الشيوعي
وهو الإلحاد الذي يحتكم إلى المبادئ الشيوعيَّة في تسيير أمور حياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تلك المبادئ التي تهدفُ في مجملها إلى تغيير المجتمع تغييرًا شاملًا وجذريًا، وذلك بالتخلي المطلق عن الدين والدولة وبتر الحاجة إلى المال. والإلحاد الشيوعي نفسه يتمذهب بمذاهب شتَّى، فهناك الإلحاد الشيوعي الماركسي والإلحاد الشيوعي الستاليني، والإلحاد الشيوعي اللينيني، والإلحادُ الشيوعي الزوتشي ... إلخ!
الإلحاد الرأسمالي
وهو الإلحاد الذي يرى في النظم والأفكار الرأسمالية منهجًا حياتيا يسبر أغوار الحياة وأحوال المعيشة، فالإلحادُ الرَّأسمالي فلسفة اقتصادية اجتماعيَّةً تمنع تدخُلَ الدَّولة في الأمور الاقتصادية، والاقتصار فقط على حماية الأفراد وممتلكاتهم، والرأسمالية تصطدم رأسًا برأس مع الشيوعية، فهما عدوان لدودان متناحران لا مكان لأحدها في منطقة الآخر، ثمَّ إِنَّ الإلحاد الرأسمالي نفسه منقسم على نفسه أيضًا، فرأسمالية آدم سميث تختلف عن رأسمالية ديفيد هيوم، وهذه تختلف عن رأسمالية ستيوارت مل، وتختلف عن رأسمالية روبرت مالثوس ... إلخ!
304 (1/304)
صفحة 305
المبحث السادس: الإلحاد: طرائق وحزائِقُ
الإلحاد الليبرالي وهو الإلحاد الذي يقوم على المناهج السياسية والاجتماعيَّة التي تتبناها الليبرالية، ومن المعلوم بأنَّ الليبرالية لاقت معارضةً ضروسًا من قِبَل الفاشيَّة والشَّيوعية، كما أنَّ الليبرالية قامت - من الأساس - ضدَّ الرَّاديكالية، ولما كان هنالك إلحاد فاشي وشيوعي وليبرالي فلا غرابة في أن نجد إلحادًا راديكالياً، ثمَّ إنَّ الليبرالية نفسها تتعدَّدُ بناءً على تعددِ معتنقيها، فهناك الليبرالية الكلاسيكية والليبرالية العصرية والليبرالية العلمانية ... إلخ
الإلحاد العلماني
وهو الإلحاد الذي يتَّخذُ من المبادئ العلمانية مذهبًا وطريقةً له في تسيير أمور الحياة وشؤونها، والعلمانية تختلف تطبيقاتها من دولةٍ إلى دولة، فكما أنَّ هنالك علمانيةً متنوّرةً لا تقف في وجه الأديان، فهنالك علمانية متطرفة تنبذ الأديان وتزدريها، ولك أن تضع مقارنة - مثلًا - بين العلمانية الأمريكية والعلمانية الفرنسية!
فذلكة
إنَّ الإلحاد ينقسم على نفسه فلسفيًّا ومنهجيا - كما رأينا - إلى مزق وتفاريق مختلفة، وبجانب ما ذكرناه فإنَّ هنالك فلسفات الحاديَّة أخرى تختلف عن تلك الفلسفات المذكورة في التقسيمات السابقة، كالفلسفة الإلحاديَّة العدمية التي لا ترى أي قيمة للوجود الإنساني، ولا تُوليه أي اهتمام يُذكر، ولا تجد فيه أيَّ بُعدٍ، حقيقي، وليس من شيء يُبقيه على قيد الحياة سوى الفضول وكالفلسفة الإلحادية الوجوديَّة التي تُطلق العنان لحريَّة الفرد، وتُركبه سجيحة رأسه دون أن تجعل له عقبة، مؤمنةً بعدم وجود أي قيم ومبادئ ثابتة، فللإنسان أن يفعل ما يشاء
بدون التزامات معينة
كما أنَّ الإلحاد ينقسم على نفسه فكريًا وأيديولوجيا - كما سبق بيانه - إلى أقسام مختلفة ومتباينة، ولك أن تجد فوق ذلك أقسامًا أُخرى، كاللا أدريَّة الشيوعية، واللاأدرية العلمانية، واللاأدرية الليبرالية، واللا أدريَّة الرَّأسمالية، واللَّا أدريَّة الرَّاديكالية، ولك أن تجد كذلك الربوبية العلمانية، والرُّبوبيَّة، الشيوعيَّة، والربوبيَّة الرَّأسمالية، أو أن تجد الادينية العلمانية، واللادينية الشيوعية، واللادينيَّة الرأسمالية ... إلخ).
1 - يُنظر: هيثم طلعت موسوعة الرد على الملحدين العرب، ص (135 - 136).
305 (1/305)
صفحة 306
مناجزة الإلحاد
إنَّ عوام الملاحدة قد لا يستشعرون هذه الانتماءات والتَّحزُّ بات داخل منظوماتهم الإلحادية، ولكن عدم الاستشعار هذا لا يعني بحال من الأحوال عدم وجود تلك التحزبات والاختلافات الجذريَّة في الفلسفات والأيديولوجيات، فقد كان كبار الملاحدة عن آخرهم يتبنون فلسفةً من تلك الفلسفات وفكرًا من تلك الأفكار، ولا ريب من أنَّ تلك الفلسفات والأفكار مختلفة ومتناقضة فيما بينها، بل إنَّ كل منهجيّةٍ منها قامت في الأساس ضد الأخرى، والصدام والعراك والتشاحن بينها معلوم تاريخيًّا، وهو قائمٌ إلى يومنا هذا كما لا يخفى (1)
1 - تطالعنا الصحف
بعض
هذه
بين
بين الحين والآخر بحدوث بعض المناوشات والاعتداءات التي تصل إلى القتل أحيانًا. التيارات المختلفة في الغرب، فمؤخَّرًا - (2016 م) - حدثت اعتداءات وجرائم قتل في السويد بين فرق (اللاأدرية) المتنازعة!!
306 (1/306)
صفحة 307
المبحث السادس: الإلحاد: طرائق وحَزائِقُ
خلاصة المبحث
- للإلحاد مذاهب وطرائق مختلفة ومتباينة إلى حد التصادم.
- ينقسم الإلحاد من الناحية الفلسفية إلى: (اللَّاأدريَّة)، و (الادينية)، و (الربوبية). - ينقسم الإلحاد من الناحية الفكريَّة إلى: (الشيوعي)، و (الرأسمالي)، و (الليبرالي)،
و (العلماني).
307 (1/307)
صفحة 308
[صفحة فارغة] (1/308)
صفحة 309
المبحث السابع
فلسفة الإلحاد (1/309)
صفحة 310
العلماء فلاسفة ضعاف».
(أينشتاين)
إن كل فرع من فروع العلم الطبيعي
له مسائله الغيبية".
يتشارد ريتشاردز)
إنَّ الأمر يحتاج لإيمان أعمى بالمادة يفوق كثيرًا إيمان المؤمنين بالإله
حتّى نتصوّر أنَّ المادة غير الحيَّة يُمكن أن ينشأ عنها حياة وعقل ووعي وتفكير وإدراك للذات.
(أبراهام فارجيس) (1/310)
صفحة 311
أيها الإلحاد ما هي فلسفتك؟
وما معيار الحقيقة لديك؟
هلا طبقت معيارك على نفسك!! (1/311)
صفحة 312
مناجزة الإلحاد
فلسفة
الإلحاد المعاصر
الإلحاد الحديث بشكل عام يتَّكِئ في مسيرته الفكرية على عكاكيز الفلسفة الوضعية (Positivism) التي أسسها الفيلسوف الفرنسي أوجست كونت، وهذه الفلسفة تختزل الحقيقية في قوالب المعارف التي تستمد من التَّجربة الحسيَّة والمعالجات الرياضية فقط لا غير، وأنَّ كل شيءٍ لا يُمكن رصده حسيًّا أو تجريبيا لا وجود له، ثمَّ شاءت الأقدار أن تتطوّر - لاحقًا - إلى ما عُرِفَ بالفلسفة الوضعية المنطقية (Logical Positivism) والتي حمل شعلتها الفيلسوفُ الإنجليزي السير ألفريد آير، فهو من نفخ الروح فيها بعد موتها في مهدها ومهادها بفيينا، وما لبث أن تراجع عنها بعد ذلك. وكتلخيص وجيز لهذه الفلسفة نقول: إنَّها فلسفة تنطلق في تفسيرها لظواهر الكون من منطلق ماهوي (ما هذا لا منطلق غائي لماذا هذا، أو من منطلق ظاهري سطحي (ما يحدث) لا منطلق غائر قصي (لماذا يحدث)، مؤمنةً بالطَّبيعة وقوانينها الإيمانَ الثَّام المطلق لا شريك معها، فما لا يُمكن فحصه أو إثباته بالطَّريقة التجريبية المباشرة أو غير المباشرة لا وجود له في فهارسها، رافعةً عقيرتها بديباجتها المنمَّقة: (ما لا يُمكن رصده لا وجود له)! مُلقيةً كلَّ القِيَم الوجودية الكبرى والأديان وأي شيءٍ يمت بصلةٍ إلى عالم الغيب (الميتافيزيقا)) وراءها ظهريًا. ويُمكننا أن نقول: إنَّ فلسفة الإلحاد المعاصر - بالإجمال - يُمكن تلمسها فيما بات يُعرف في العقود الأخيرة بالفلسفة (الوضعية المنطقيَّة). فما هي ملامح وجه هذه الفلسفة؟ وما علاقتها بالإلحاد المعاصر؟ وما مستوى تقبلها وانتشارها؟ وما هي التقوضات التي أطلقت في اتجاهها؟ وما المصير الذي آلت إليه؟
1 - كلمة يونانية تعني (ما بعد الطبيعة) أو (علم ما بعد الطبيعة)، وهو الاسم الذي أطلقه أندرونيقوس الرودسي في القرن الأول قبل الميلاد على تراث أرسطو الفلسفي الخاص بدراسة الوجود والمعرفة والإلهيَّات والظواهر الرُّوحيّة والنَّفسيَّة، والذي دعاه أرسطو بـ (الفلسفة الأولى) بعد أن جمعه وجعل موضعه تاليا لموضع كتاب (الطبيعة)، وعلى ذلك فإنَّ عبارة (ما بعد الطبيعة) تعني الكتاب التالي في الترتيب لكتاب (الطبيعة) في مجموع مؤلفات أرسطو الذي نشره أندرونيقوس، ولم تتبلور الميتافيزيقا كمفهوم إلا مع أرسطو، أو كما يسميها بـ (الفلسفة الأولى) بوصفها دراسةً شاملةً لكل ما هو جوهري في الوجود والمعرفة والتفسير، وعدها أهم العلوم وأسماها وأكثرها يقينًا وتجريدًا ونفعًا، فهي علم المبادئ الكلية للوجود، والعِلل الأولية لكل ما هو موجود، والتي لا تبلغها الحواس ولا يستوعبها إلا العقل المتأمل، فلا غنى عنها لكل العلوم (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
312 (1/312)
صفحة 313
المبحث السابع: فلسفة الإلحاد
مَلامح
الوضعية المنطقية
الفلسفة
يصف مصطفى حسيبة الفلسفة الوضعيّة المنطقيَّة) في معجمه الفلسفي بقوله: "هي ا التي تقول: إنَّ المعرفة الحقيقيَّة هي فقط المعرفة العلميَّة التَّجريبية، وإنَّ هذه المعرفة يجب أن تأتي من التأكيد الإيجابي للنظريات من خلال المنهج العلمي الصَّارم، فهذه الفلسفة ترفضُ المشكلات التقليديَّة للفلسفة علاقة) الوعي بالوجود ... إلخ)، باعتبارها (ميتافيزيقية) وغير قابلة للتحقق من صحتها بالتجربة، ويُحاول المذهب الوضعي أن يخلق منهجًا للبحث أو منطقا للعلم يقف فوق التناقض بين المادية والمثالية، وأحد المبادئ الأساس لمناهج الوضعية هي النزعة الظاهرية المتطرفة، والتي تذهب إلى أنَّ مهمَّةَ العِلم هي الوصف الخالص للوقائع وليس تفسيرها ... والوضعية مذهب فلسفي ملحد يُركز المعرفة اليقينية في الظواهر التجريبية ويُنكر وجود معرفة مطلقة تتعلَّق بما وراء الطبيعة).
جميع
إنَّ ما يُمثل الشريان التاجي بالنسبة إلى الفلسفة الوضعية المنطقية) هو الاعتقاد بأنَّ القضايا المطروحة على الساحة العلميَّة والمعرفية المعتمدة ذات بعدين اثنين فقط: - القضايا (التحليلية): وهي القضايا التي لا يُضيف المحمول فيها أمرًا جديدًا على الموضوع، كقولنا: (2 - 2 - 4). فهي مجرد تكرار أو إعادة للموضوع، ولا تُوجد إضافة جديدة إليه، وهذه القضايا يُفيد الصدقُ فيها اليقين والقطع.
- القضايا (التركيبية): وهي القضايا التي يُضيف المحمول فيها أمرًا جديدًا على الموضوع، كقولنا: (الحديد يتمدد بالحرارة). وهذه القضايا يعتمد الحكم بصدقها على مدى مطابقتها للواقع الخارجي، ويُفيد الصدقُ فيها الاحتمال الراجح دون اليقين.
وكلُّ قضيَّةٍ من القضايا تخرج عن حوائط هذين البعدين؛ بحيث إنَّها تكون قضيَّةً غير تحليلية ولا تركيبية فهي قضيَّةٌ خاوية جوفاء لا معنى لها البتّة، ومن هذا المنطلق الضيق الذي قد حيل بينه وبين الحياد والموضوعية تُصبح جميع قضايا الإيمان والأديان - كوجود الله والجنة والنار
1 - مصطفى حسيبة، المعجم الفلسفي، ص (692)، بتصرف“.
313 (1/313)
صفحة 314
مناجزة الإلحاد
مرمي
والملائكة والروح ونحوها - قضايا فارغةً لا تسفر عن معنى ولا يبان لها وجهةً ولا مرمي تائهة في دهاليز الخواء، ومن ثمَّ يجب طمسها ورميها فى سلة المهملات فالفلسفة (الوضعية المنطقية) لا تعتقد بأنَّ هذه القضايا كاذبةً أو صادقة، بل تعتقد بأنَّها فارغة من المعنى خاوية من
المغنى، وأنَّه لا وجه للنظر فيها واختبار صدقها أو كذبها من بادئ الأمر ومنتهاه!
القضايا
فارغة
تحليلية
تركيبيَّة
لا معنى لها |
تحصيل حاصل
كاذبة
صادقة
ويتشارك المنتسبون إلى حقول الفلسفة (الوضعية المنطقيَّة) في عدة طروحات تجمعهم: قيام بناء المعرفة على التحليل العلمي المتفق عليه، لا على الاستبصار والتأمل الفلسفي المتضارب كالنَّمط المعهود في الفلسفات التقليدية.
لا يُوجد مكان شاعرُ للميتافيزيقا والغيبيات التي لا يُمكن البرهنة عليها تجريبيا. القضايا الميتافيزيقية ليست قضايا صادقة ولا كاذبة، بل هي قضايا فارغة من المعنى، ولا توصف بالصدق ولا الكذب.
العلاقة بين السبب والمُسبب هي علاقة تكرار وعادة، لا علاقة ضرورة وافتقار. تنقسم القضايا المعرفية إلى قسمين اثنين: قضايا تحليليَّة)، و (قضايا تركيبية)، والقسم
الثالث يكون خارجًا عن دائرة العلم والمعرفة.
314 (1/314)
صفحة 315
المبحث السابع: فلسفة الإلحاد
مسرت تاريخي
وجيز
أُطلق اسم (الوضعية المنطقيَّة) على مجموعة الأفكار الفلسفية التي امتازت بها جماعة فيينا بزعامة مُؤسسها اليهودي موريس شليك (Moritz chick) عام (1924 م)، فقد تبنّى جمع من الفلاسفة والفيزيائيين هذه الأفكار - التي سبق تعريفها قبل قليل - وخرجت فجأةً إلى النُّور بعيد ظهور كتاب (النَّظرة العلميَّة إلى العالم) والذي تعرض للمنهج عند جماعة فيينا ثم توالت الندوات والمؤتمرات التي تدعم
موريس شليك
المتبع هذه الفلسفة وتؤازرها في كلّ من براغ وباريس وكوبنهاجن وغيرها من المدن الأوروبية، ومع أنَّ الوضعية المنطقية قد تبلورت في فيينا وأحرزت تقدما سريعًا فإنَّها لم تدم طويلا؛ إذ ضعفت شوكتها ويبس عودها بمقتل موريس شليك عام (1936 م)، ولكن هذا الأمر لم يكن مجهضًا لحملها أو قاطعًا لدابرها؛ إذ انتقلت الوضعيَّةُ المنطقيَّة - بعد أن حاربت النَّازِيَّةُ هانز رشنباخ أهم ممثليها ومؤسسيها - إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وعُرفت هنالك
بمثابة من
أعاد
باسم (التجريبية المنطقيَّة)، ثمَّ كُتب لها الشُّيوع والذيوع من جديد بعد أن تلقفها في إنجلترا السير ألفريد آير مُنظرًا لها ومنافحًا عنها في كتابه اللغة والصدق والمنطق)، فكان بذلك نفخ الروح فيها بعد ذبولها واهتماجها وكنظرةٍ تأمليَّةٍ فَإِنَّ الفلاسفة الذين أسهموا في صياغة (الوضعية المنطقية وبادروا إلى اعتناقها والتنظير لها كان معظمهم من الألمان؛ حيث إنَّ مدارس النقد الألمانية هي المغذي المباشر لها، وقامت بالنسبة إليها مقام المشيمة للجنين، فقد ظهر الفيلسوف الألماني هانز رشنباخ Reichenbach)) الذي كان من
1 - فيلسوف وفيزيائي ألماني (1882 - 1936 م) كان واحدًا من أوائل مفسري النسبية، لقي مصرعه غيلةً على يد أحد طلاب جامعة فيينا، من مؤلفاته: (قضايا علم الأخلاق)، و (مستقبل الفلسفة)، و (النَّظرية العامة للمعرفة). (يُنظر الموسوعة العربية العالمية). 2 - فيلسوف ومنطقي ألماني (1891 - 1953 م) حارب التفكير الميتافيزيقي وقاتل التَّفسير الغائي، اهتم بمشكلة السببية كثيرًا، له عدَّةُ كُتُبِ من أبرزها: (نظرية الاحتمالات)، و (التجربة والتنبؤ)، و (نشأة الفلسفة العلميَّة). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
315 (1/315)
صفحة 316
مناجزة الإلحاد
أتو نويرات
المبادرين إلى تأسيس حلقة فيينا). وقد كان أستاذا لكثير من مشاهير العلماء من أمثال: ماكس بلانك، وماكس بورن، وديفيد هلبرت. كما ظهر أيضًا الفيلسوف النمساوي الألماني الآخر أتو نويرات (Otto Neurite)) الذي أيد (الوضعية المنطقيَّة) بدايةً من عام (1920 م)، ووضع - بالاشتراك مع الفيلسوف رودولف کارناب وغيره - ميثاق جماعة فيينا العام، والذي عُرِفَ باسم (الفهم العلمي للعالَم، ثمَّ قام بابتداع فكرة (العلم الموحد) والتي كان الهدف منها تخليق صياغةٍ مُؤحدةٍ للبحث الفكري يتوافق مع منهج جماعة فيينا. ويظهر تاريخيا أنَّ (الوضعية المنطقية) ما هي إلا امتداد لأطروحات أوغست كونت، وديفيد هيوم، وهربرت سبنسر، وستيوارت مل وغيرهم كما يبدو أنَّ المحرك المباشر لهذه الأفكار كان
رودولف کارناب هو كتاب الفيلسوف النمساوي لودفيغ فتغنشتاين (Wittgenstein) المسمى
فتغنشتاين
بـ (رسالة منطقية فلسفيَّة) الذي صدَرَ في عام (1922 م)، وأسس فيه مقولته الشهيرة: "يجب أن نصمت عن الكلام فيما لا يُمكننا أن نتحدث فيه“. وكذلك كتاب الفيلسوف اليهودي الألماني رودولف کارناب (Carnap)(2) المسمى بـ (البناء المنطقي للعالَم، والذي صدر في عام (1928 م)، مع عدم إغفالنا للعناء البالغ الذي تكبَّده هذا الفيلسوف بتدريسه للفلسفة الوضعية المنطقية في جامعات فيينا، وبراغ وشيكاجو، وكذا إسهامه الكبير في نشرها وتدعيمها وإرساء قواعدها، كل ذلك كان نتاج تأثره الشديد بأفكار برتراند راسل و لودفيغ فتغنشتاين. وبالإمكان رصد ثلاثة منعرجات تاريخية استمدت الفلسفة الوضعية المنطقية من خلالها اتقادها ووهجانها المنعرج الأول الذي تمثل في التجريبية التقليدية المنبثقة بالتحديد من أفكار ديفيد هيوم وستيوارت مل وماخ. والمنعرج الثاني الذي تمثل في منهج العلم التجريبي كما طرحه علماء القرن التاسع عشر. والمنعرج الثالث الذي
1 - النمساوي أتو نويرات (1882) - (1945 م من أبرز فلاسفة التَّجريبية المنطقية، رفض الميتافيزيقا؛ لأنَّها غير قابلة للتحقق تجريبيا، بينما عدَّ الماركسيَّةَ عِلمًا بوصفها أداةً للتَّغير الاجتماعي (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
2 - رودولف کارناب (1891 - 1970 م) فيلسوف ومنطقي ألماني يهودي الأصل، تأثر براسل وفتغنشتاين، أصدر بالتعاون مع رشنباخ مجلة (المعرفة)، هاجر إلى الولايات الأمريكية المتحدة بعد الحرب النازية في ألمانيا، وعمل أستاذًا للفلسفة في جامعتي: شيكاجو وكاليفورنيا. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
316 (1/316)
صفحة 317
المبحث السابع: فلسفة الإلحاد
تمثل في المنطقُ الرَّمزي والتَّحليل المنطقي عند فريجه ووايتهد وراسل وفتغنشتاين. وتجدر الإشارة التَّاريخيَّة إلى (الوضعية) بمفردها دون تقييدها بالمنطقيَّة؛ إذ يُعد الفيلسوف الفرنسي أوجست كونت (1798) - (1857 م) المؤسّس الأبرز لها، فقد اعتقد هذا الفيلسوف بأنَّ العالم قد تخطى المرحلة اللاهوتية والمرحلة الميتافيزيقية، وسيصل في نهاية المطاف إلى المرحلة الثالثة والأخيرة وهي المرحلة (الوضعية)، وفي هذه المرحلة بالذات سيتم إلغاء القضايا الدينية والفلسفية، وسيخلو الجو للقضايا العلميَّة التَّجريبية فقط دون أي منافس من خارج دائرتها، فما لا يمكن رصده لا وجود له). وكعادة القرون القليلة الأخيرة يستقبل الفكر العربي متأخرًا ما يموجُ ويروجُ من الأفكار في الغرب، فقد قاد زكي نجيب محمود حملة الترويج للفلسفة الوضعية المنطقية في العالم العربي، وذلك من خلال كتبه التي أفردها لهذا الشَّأن ككتابه (المنطق الوضعي) عام (1953 م)، وكتابه: (نحو فلسفة علميَّة) عام (1958 م). وبهذا يكون زكي نجيب محمود أوَّل من عبَّدَ الطَّريقَ لظهور مفهوم الفلسفة الوضعية المنطقيَّة في أوساط العالم العربي).
1 - يُنظر: مراد وهبة، المعجم الفلسفي، ص (686). ودونالد جيليز، فلسفة العلم في القرن العشرين، (416 - 426).
2 - يُنظر: ماهر عبد القادر، خرافة الوضعية المنطقية، ص 41.
317 (1/317)
صفحة 318
مناجزة الإلحاد
معالجة خاطفة
للوضعيّة المنطقية
ترمي الوضعية المنطقية إلى توحيد لغةِ العِلم بل وتوحيد العلوم بأسرها في قالب فلسفي علمي يحتويها، مع اصطناع مبادئ تقوم على استبعاد الميتافيزيقا والأديان وطردها من ساحة العلوم والحقائق، وهي بذلك تُضيّق الخناق على أنفاسها، وتحصر نفسها في زاويةٍ حادةٍ وحرجةٍ ستكلفها أثمانًاً باهظةً لتبقى على قيد الحياة - إن كُتب لها الاستمرار بطبيعة الحال - فليس من معيار ينبغي اللجوء إليه في العلوم والمعارف إلا معيار واحد وهو (قابليَّة التَّحقق). فالقضايا متوقفة على طريقة تحققها، والتَّحقُّقُ لا يكون إلا بالمنهج التَّجريبي المباشر وغير المباشر، دون أن تلقي هذه الفلسفة بالا لاختلاف نوعية العلوم ودرجتها.
كان الوضعيون المنطقيون مقتنعين أشدَّ الاقتناع بصواب مسلكهم الفلسفي، بل كانوا - زيادةً على ذلك - متعصبين وطائفيين؛ إذ كانوا يضعون المخالفين لهم بين فكي كماشة، ويُرغمونهم على الانتماء المطلق إليهم، أو تلقي المعارَضةَ الصَّروسَ الشَّرِسة. وقد خالوا أنفسهم لوهلة بأنَّهم امتلكوا سلاحًا ناجزا ضدَّ كل المدارس التي لا تتفق معهم، لكنهم وجدوا أنفسهم يساقطون متعثرين بشظايا المشكلات الفلسفية التقليدية في نظرية المعرفة، فاضطروا إلى التسامح والهبوط بضع درجاتٍ من سُلَّمِ الزَّهْوِ والتَّعترف المعرفي.
جادل ديفيد هيوم في كتابه (بحث في الفهم الإنساني عن هذه الفلسفة؛ إذ زعم بأنَّنا إنْ تناولنا بأيدينا أي مجلد في اللاهوت أو في مدارس الميتافيزيقا المختلفة؛ يجب ساعتها أن نسأل أنفسنا: هل يشمل هذا المجلدُ على أي تفكير مجرَّدٍ يتعلق بالكم أو بالعدد؟! (لا). هل يشمل على أي تفكير تجريبي يتعلق بحقائق الواقع والوجود؟! (لا). إذن؛ ألقه في النَّار)! عالج كثير من العلماء الفلسفة الوضعية المنطقية، وألفوا الكثير من الكتب التي وجهت
لقد
1 - للتوسع يُنظر: إ. م. بوشنسكي، الفلسفة المعاصرة في أوروبا، ص (81 - 90). 2 - عقب ديفيد بيرلنسكي على كلام ديفيد هيوم هذا قائلًا: "إنَّ حُججًا كهذه حين تُطبق على ذواتها تعود على نفسها بالإبطال؛ إذ إنَّ تقريرات هيوم لا تشمل هي بدورها على (تفكير مجردٍ يتعلق بالكم أو العدد)، ولا (تفكير تجريبي: يتعلق بحقائق الواقع والوجود)، لقد قيلت لتأخذ على علاتها فقط، وهذا جمع بين التَّكبر والسَّذاجة". (يُنظر: ديفيد بيرلنسكي، وهم الشيطان، ص 90).
318 (1/318)
صفحة 319
المبحث السابع: فلسفة الإلحاد
لها لكماتٍ وصفعاتٍ مُوجِعةٍ مُبرِحة، بل إنَّ أشهر علماء الوضعية المنطقية وهو السير ألفريد آير لما اعترض على الوضعية المنطقية بوجود أشياء يمكن أن تكون صادقةً أو كاذبةً - كوجود أناسيً على الجانب غير المرئي من القمر - قام بإجراء تعديل عاجل على مبدأ التحقق فيها، فأدخل قابلية التصديق والتكذيب نظريًّا بعد أن كانت محصورةً قبل ذلك في النطاق العملي فقط! هذا؛ ولعل الطعونات التي سددها الفيلسوفان برتراند راسل وكارل بوبر إلى الوضعية المنطقية كانت كفيلة بإسقاط سقفِ هذه الفلسفة على رؤوس مهندسيها، ومن بين تلك الطعونات ما يقلب الطاولة على الفلسفة الوضعيّة المنطقية بالمنطق ذاته الذي تتبناه، وباستخدام أدواتها ومناهجها! فإذا كان الوضعيون المنطقيون يعتقدون بأنَّ كلَّ القضايا التي لا تكون (تحليلية) ولا (تركيبية) وليست قابلة للتحقيق أو التَّزييف التَّجريبي هي قضايا فارغة لا معنى لها؛ فإنَّ هذه الفكرة نفسها ليست (تحليليَّة) ولا (تركيبيَّة)، وليس لها ما تستند إليه في العالم الخارجي، مما أنَّها فلسفة فارغةٌ لا أهميَّة لها بالمنطق نفسه عند التحاكم إليه! ومع أنَّ هذا الطعن لوحده كفيل بإخراس (الوضعية المنطقيَّة) إلى الأبد فإنَّ هناك جملةً من الطعونات الأخرى التي تعرضت لها، فليست كلُّ المعارف البشرية تكتسب عن طريق اللحظ والتجربة فقط، فالعلوم والمعارف الإنسانية جمعاء كالتاريخ والفلسفة والآداب ونحوها لا تخضع لمناهج اللحظ والتجريب الطبيعي، كما أنَّ منهج العلوم الطبيعية نفسه قائم على الاستقراء، والاستقراء يقوم على السَّببيَّة، والسَّبيَّة لا تُنال بالتَّجربة العلميَّة؛ لأنَّها - أي السببية - سابقةً على التجربة العِلميَّة والتَّجربة العِلميَّة مُفتقِرةٌ إلى السَّببيَّة، بل إنَّ تقريرنا افتقارها - أي التجربة العلمية - إلى السَّببية هو عائد إلى قانون السَّببيَّة ذاته يقول أينشتاين مشيرًا إلى أنَّ هناك مصادرات على التَّجربة العلمية نفسها: "إنَّنا نبدأ دائمًا ببعض عقائد أساسية حتّى في البحث العلمي ومنها السببية ... ). ويقول ماكس بورن: "إنَّ قانون السببية مجرد فرض، لكنَّه أساسي نعتبره قاعدة لكل الفروض العلمية (2).
يعني
يصرح أليستر راي منتقدا الوضعيّة المنطقيَّة: "إنَّ للوضعية تأثيرًا مُفيدًا غالبًا على تفكيرنا، وهي تقطع أو تُحدّد تلك الغابة من الأفكار والاستطرادات التي قد نَدخُلُ - أو قد أدخل أنا - فيها أحيانًا، ولكننا إذا تمادينا في الوضعية فقد يقودنا ذلك إلى أن تكون هناك عبارات واضحة
1 - حسين علي حسن، الأسس الميتافيزيقية للعلم، ص 24.
2 - المرجع السابق، ص 24.
319 (1/319)
صفحة 320
مناجزة الإلحاد
الأمثلة
القبول ولها معنى واضح وتظل تحت خطر الرفض كما لو كانت عديمة المعنى، ومن على ذلك أنَّ أيَّ إشارة إلى الماضي كأن نقول: "إنَّ يوليوس قيصر زار بريطانيا سنة (55) قبل
الميلاد ..... فلا سبيل إلى التَّحقق من صحة هذه العبارات مباشرةً بما أننا نعجز عن السفر إلى الماضي لنرى ذلك أثناء حدوثه، ولكن أي قارئ للتَّاريخ سيعلم أنَّ هاتين العبارتين حقيقتان ولهما معنى ما بالتأكيد أو ماذا لو أردنا أن نقول عبارةً ما عن المستقبل مثل: "إنَّ الكون سيستمر في وجوده بعد وفاتي“. لا سبيل لدي لأن أتأكد مباشرةً من هذه العبارة، ولكنني أعتقدُ جازمًا بأنها عبارة صحيحة وذات معنى (1).
(1)
وفي كتابه الماتع (فلسفتنا) يُسدِّدُ الفيلسوف الكبير محمد باقر الصدر أسلات تقوداته ليغرسها في قلب الوضعية قائلا: "فإن كانت الوضعيَّةُ تُلغي كل قضية ما لم يكن مدلولها معطى حسيًّا وظرفًا واقعيا يخضع للتّجربة فهي بذلك لا تُسقط القضايا الفلسفية فحسب، بل تشجب أيضًا أكثر القضايا العلميَّة التي لا تُعبّر عن معطى حسي كقانون الجاذبية، فنحن نحس بسقوط القلم على الطاولة ولا نحس بجاذبية الأرض، فسقوط القلم معطى حسي مرتبط بالمضمون العلمي لقانون الجاذبية، وليس للقانون عطاء حسي مباشر، وأما إذا اكتفت الوضعية بالمعطى غير المباشر فالقضايا الفلسفية لها معطيات حسيَّةً غير مباشرة كعدة من القضايا العلمية تماما ... خذوا مثالا: (وجود علَّةٍ أُولى للعالم) فإنَّ محتوى هذه القضية وإن لم يكن له عطاء حسي مباشر غير أنَّ الفيلسوف يُمكنه أن يصل إليه عن طريق المعطيات الحسية التي لا يُمكن تفسيرها عقليًّا إلا عن طريق العِلَّةِ الأُولى (2).
الحسي.
(2)،
ولقد أدخَلتِ (الوضعية المنطقيَّة) نفسها في أمرٍ مريج؛ جعل أسس بنيتها محتوشة بالخلل من كل جانب فبينما نجدها مقرّرة أنْ لا اعتماد لديها إلا على التجربة والخبرة، نجدها معتمدةً في استدلالاتها على (الرياضيات) بالرغم من أنَّ الرياضيات ليست علمًا تجريبيا ولا طبيعيًّا، وإنَّما هي علم منطقي بحت، ولما كانت الاستدلالات الرياضية لا تكذب - على اعتبار أنها أقوى أنواع الاستدلال والبرهنة كما أنَّ الاحتكام إليها يبدو ضرورةً مُلحةً - فإِنَّ الرياضيات من هذا الوجه تُمثْلُ ضربةً باضعةً لظهر الوضعية المنطقية! فالاستدلال بها هو استدلال منطقي
لا تجريبي، واعتماد الوضعية على الرياضيات لا مبرر له بناءً على لوازم منهجها!
1 - أليستر راي، فيزياء الكوانتم حقيقة أم خيال، ص 253.
2 - محمد باقر الصدر، فلسفتنا، ص 115.
320 (1/320)
صفحة 321
المبحث السابع: فلسفة الإلحاد
في كتابه (فلسفة العلم يؤكد أليكس روزنبرغ وجود صدوع بالغة على الطرقات المنارة بأعمدة الرياضيات إذا ما سارت عليها الفلسفة الوضعية المنطقية! يقول روزنبرغ: "والمعرفة الرياضية ذات طبيعةٍ إشكالية بالنسبة للتجريبيَّة؛ نظرًا لما تتسم به الحقائق الرياضية من ضرورة واضحة، وكما سنرى فيما بعد - مرةً أخرى - فإنَّ التَّجريبية معادية لمفهوم الضرورة، وحيث إنَّ الخبرة لا يمكنها أن تُبيّن أبدًا أنَّ قضيَّةً معينةً صادقة بالضرورة فإنَّ الوضعيين يتوقون إلى تطهير العلم والفلسفة من هذه الكلمة ومن كل ما يُمكن أن تُشير إليه، لكن إذا كانت الحقائق الرياضية فيما نعرفه بشكل لا يُمكن إنكاره، إذا كانت حقائق مُسلَّمًا بأنَّها ضروريَّةٌ فليس في إمكان التَّجريبية أن تُبرّر المعرفة الرياضية، وإذا لم يكن من الممكن تأسيس المعرفة الرياضية على الخبرة فربما تكون هناك دعاوى معرفية أخرى لا تحتاج أن تُصادق عليها الخبرة ... ). ثم بجانب ذلك فإنَّ الرياضيات ليست من قبيل التحليل المحض أو من قبيل تحصيل الحاصل؛ ذلك لأنها تعتمد في حقيقتها على مبدأ فطري وهو مبدأ عدم التناقض، فعندما نقول: إِنَّ (211). فهذا يعني بأنَّ الاثنين هي الاثنين ولا يمكن أن تكون شيئًا آخر؛ وهو ما يُعرف بمبدأ (الهوية)، والذي يستند في حقيقته إلى مبدأ عدم التناقض، ولما كان الأمر كذلك فإنَّ الرياضيات لا تقوم لها قائمة إلا على أساس مبدأ عدم التناقض، وهذا المبدأ لا يمكن تبريره بالنسبة إلى الوضعيّة المنطقيَّة باعتبار أنَّها تُنكر كلَّ المعارف العقلية خلا المعارف المستمدة من التَّجربة، وهنا ينقدح السُّؤال: إذا كانت القضايا الرياضية كالقضايا الطبيعية من حيث
اعتمادها على التَّجربة فلماذا كانت القضايا الرياضيَّة يقينيَّةً بخلاف القضايا الطبيعية (2)؟! ويُمكن أن نُسدّدَ ضربةً أخرى - ومن زاوية مماثلة - لأمثال هذه الفلسفة، وذلك بالقول بأنَّ مبدأ عدم قابلية الشَّيء للتحقق وأنَّه المعيار المحدّد للمعنى الفارغ هو مبدأ عقلي فلسفي مأخوذ من مبدأ التعميم العقلي؛ لأنَّ التَّجربة لا تكون إلا في الأشياء الخاضعة للحس، وتُوجد العديد من الأشياء التي تخضع للحس في حقيقتها لكنها غير محسوسة بعد ولما تكتشف، وبموجب حكمكم العقلي الفلسفي السابق فإنَّ تلك الأشياء لا معنى لها في وقت حكمكم، فيصبحُ معياركم معيارًا نسبيًّا ومتحولاً ومتناقضا. ويُمكن كذلك توجيه ضربة أخرى لهذه
1 - أليكس روزنبرغ، فلسفة العلم، ص 51.
2 - يُنظر: علي حسن الهاشمي، فلسفتنا الميسرة، ص (47 - 48).
321 (1/321)
صفحة 322
مناجزة الإلحاد
الفلسفة عن طريق اتهامها بوضع صندوق فلسفي مُغلَقٍ يمنع الإبداع والابتكار والتنبؤ؛ بحكم اختزاليته العملية والنَّظريَّة بل وفوق ذلك كله فإنَّ الكثير من القضايا الصادقة البعيدة عن
معترك الشكوك والظنون لا يُمكن أن تخضع لمعايير التَّحقق الوضعية المنطقية وذلك كقولنا: سقطت شجرة قبل مليون سنة في بقعة ما من الأرض.
1 - مارست الفلسفة الوضعية حيلة الإيهام بوجود التناقض بين قضايا العلم التجريبي وقضايا الأديان، وتناست أنَّ وجود التناقض مشروط بالاتحاد في الموضوع والمحمول ... والجميع يعلم بأن قضايا العلم التجريبي لها مساق مختلف. مساق قضايا الأديان، عن فكيف يُزعم بوجود التناقض بين المساقين!!
322 (1/322)
صفحة 323
المبحث السابع: فلسفة الإلحاد
الوضعيّة المنطقية
تلقى حتفها
إنَّ الفلسفة الوضعية المنطقية تتناسب مع مبادئ الإلحاد تناسبًا عميقًا، وكأنها ثوب قد حيك من أجلها، فهي نظرة مادية مختزلة كما أنَّ الإلحاد نظرةٌ مادية مختزلة، وإنَّ أيَّ انهيار يمسُّ الفلسفة الوضعية المنطقيَّة كفيل بأن يعقبه انهيار مماثل لدعائم الفكر الإلحادي، فبعد سيل الانتقادات الاذعة الذي تعرّضت له الوضعيّة المنطقيَّة ما عاد لها أن تصمد وتتماسك، وأنَّى لها ذلك والمنطق العقلي يزدريها ولا يزدرِدُها مطلقًا! وبالفعل؛ فقد تبنى انهيار هذه الفلسفة أشهرُ المنظرين لها والمدافعين عنها، بدايةً من لودفيغ فتغنشتاين الذي عزف عنها وألقاها في مَراغَة الإهمال بعدما وضع نظرية (اللغة والألعاب) النَّاصَّة على أنَّ لكل لغةٍ قواعدها، ولكل لعبة قوانينها، وانتهاءً بالسير ألفريد آير الذي أقر بأنَّ هذه الفلسفة صارخة بالتناقضات؛ حيث إنَّها تختزلُ منهج العلوم اختزالا قبيحًا، وتساوي بين منهج العلوم الطبيعية ومنهج العلوم الإنسانية، وهذا ما لا يقع في حبالة أمل، ولا تناله حيلة محتال، فـ (المماثلة بين المتفارقين) لا تصح، كما أنَّ (المفارقة بين المتماثلين) لا تصح أيضًا، والقضايا الدينية - كوجود الله - لا يُمكن النظر إليها بالعين ذاتها التي ننظر بها إلى وجود الماديات من حولنا، والأمور التَّاريخيَّة لا يُمكن لنا أن نُعايرها بالمعايير ذاتها التي تسقطها على العلوم الطَّبيعية، ومن أجل هذه المشكلات العويصة التي تلفظها قريحةُ الصَّواب أعلن السير ألفريد آير رسميًّا مصرع الفلسفة الوضعية المنطقية واندثارها. أما في عالمنا العربي فنستشهد بما سطره زكي نجيب محمود، الذي أدلى باعترافه قائلًا: فكاتب هذه الأسطر من أشياعها ودعاتها - أي الوضعيّة المنطقية - لكنه يكاد يكون في الميدان وحيدا، يتكلم بغير سامع، ويكتب لغير قارئ". لقد كان انتشار قبول الناس للوضعية المنطقية سُطرةً تمنَّاها زكي نجيب محمود، وحُلمًا راوده مرارًا، إلا أنَّ خيبة أمله كانت كبيرة جدًّا، فالفلسفة الوضعية المنطقية لم تجد آذانًا عربيَّةً مصغية؛ مما جعل نصيرها الأوحد - زكي نجيب محمود - يشعر بالامتعاض والأسى (1).
1 - يُنظر: ماهر عبد القادر، خرافة الوضعية المنطقية، ص 47.
323 (1/323)
صفحة 324
مناجزة الإلحاد
لقد انفضَّ المشايعون للوضعية المنطقيَّة في الشرق والغرب عنها، وأعلنوا بأنفسهم هُمُودها وموتها بعد أن استبانت لهم استحالة وضع فلسفة علمية من جنس مخالف للفلسفة، بل إنَّ أعضاء الوضعية المنطقيَّة في الغرب قد نفروا عنها نفورهم من الأدواء، وانخرطوا في الميتافيزيقا
وعبوا منها حتَّى الثَّمالة دون تحرُّج يُذكر!
324 (1/324)
صفحة 325
المبحث السابع: فلسفة الإلحاد
تعقيبًا على الوضعية
المنطقية
إنَّ منظومةً كمنظومة الإلحاد تقومُ على دعاماتٍ فلسفيَّةٍ متباينةٍ ومختلفة، يعزُّ على اليراع أن يُلملم شتات فلسفتها، ويُرمم ما تشفّى من جسدها، فقد ركبت فلسفة الإلحاد الصعب والألول على مدى العقود الطَّويلة السابقة، ولئن كان بالإمكان أن نترسم المعالم الرئيسة لها فحتما ستُطِلُ علينا بعضُ الاستثناءات والانحرافات، وستتزاحم علامات التعجب والاستفهام، خصوصا عندما يتمُّ إسقاط تلك الفلسفات على الواقع الميداني، فالمادية - على سبيل المثال - وكذلك رفض الأمور الميتافيزيقية هي أبرز المعالم الرئيسة التي تجمع فلسفات الإلحاد المختلفة، لكنَّنا نجد انحرافات عن مجرى هذه المعالم الرئيسة في خضم أي نقاش يدور بين دفتي (الإلحاد والإيمان)، فالمادية نفسها مرَّت بمراحل متهدّلةٍ متأرجحة، فقد كانت في سابق عهدها محصورةً فيما تُدركه الحواس فقط لا غير، ثمَّ اصطدمت بعدة قضايا لا تُدركها الحواس بهذا المعنى، كالمشاعر والأحاسيس والأفكار والوعي والإدراك ونحوها، فخرجت بثوب فضفاض هذه المرة بأنَّ الموجودات من قبيل المشاعر والأحاسيس والأفكار والوعي هي صورةٌ من صُوَر المادَّة، لكن لم ينل هذا التَّوبُ استحسان الجميع؛ لما فيه من التلاعب والإنشاء بأنَّ المادة قد تكون غير محسوسة، ولا تُدركها الحواس! فتقرر تعديل هذا الطرح بأن يُقال بأنَّ مثل هذه الأمور - أي الأفكار والمشاعر والأحاسيس والوعي - هي أثر من آثار المادة، وليست صورة من صورها وهذا الطرح سقيم كسابقه! فأزمعت الفلسفة المادية على أن تتبنى طرحًا آخر تمثل فيما قاله لينين من أنَّ المادة هي كلُّ ما له وجود موضوعي مستقل لا يعتمد على وعينا، وهذا الطَّرح نفسه طرح مخترق، فالإله يدخل فيه صراحةً؛ لأنَّ وجوده وجود موضوعي لا يعتمد على وعينا وهذا ما لا يتغيَّاه الإلحاد، ولا تتقصده فلسفته المادية بكل تأكيد (1)!
جديد يزعم
الفارغ؛
لأنَّ ذلك
يعني
ثمَّ إنَّ مستوى رفض الأمور الميتافيزيقية يتفاوت في الفلسفة الإلحادية، فهناك رفض قاصل
1 - يُنظر: شيخ جعفر إدريس، الأسس الفلسفية للمذهب المادي، مجلة المسلم المعاصر، العدد الثامن.
325 (1/325)
صفحة 326
مناجزة الإلحاد
قاطع لا يرى في الأمور الميتافيزيقيَّة إلا اللغو والعبث والفراغ، وهناك رفض أقل حدةً من ذلك وأكثر تسامحًا، وهناك رفض ذو حدين متناقضين، يتجلى تناقضه أكثر عند تسليط الضوء على المستوى التَّنظيري الرافض والمستوى التطبيقي المتقبّل وإن في الاتجاه المعاكس للإيمان بطبيعة الحال، وخير من يُجسّدُ هذا التناقض الصَّارخ هو ريتشارد دوكنز في كتابه (وهم الإله) كما في بعض مقابلاته؛ حيث يزعم بأنَّ السُّؤال عن وجود الله هو سؤال عِلمي ينبغي أن يتم تناوله تناولا علميًّا، ومن ثمَّ نحكم على وجود الله إثباتًا أو نفيًا، ويزعم في الكتاب نفسه - في مواضع أخرى منه - بأنَّ السُّؤال عن وجود الله سؤال لا يُمكن إثباته أو نفيه؛ أي أنَّه أصبح سؤالًا
غير علمي!
بل إنَّ منهج الإلحاد نفسه لا يسير على خط واحد، وإنَّما يتطاير ويتناثر شعاعًا، فتجد بعض الملاحدة ينتهجون منهجًا يرفضون فيه إقحامَ العِلم التَّجريبي ومعطياته في التعاطي مع قضايا الإيمان والإلحاد، ويكتفون باستعراض أدلة العقل والفلسفة والمنطق، وحجتهم في نهج هذا المنهج نابعة من إدراكهم لطبيعة قضيتي (الإيمان والإلحاد، فهما ليستا من القضايا (التحليلية) ولا (التَّركيبيَّة)؛ مما يعني أنَّهما خارج نطاق العِلم التَّجريبي من الأساس. وتجد بعض الملاحدة يختلفون مع هذا المنهج رأسًا على عقب، فلا حيلة لهم إلا استخدام العلم ومعطياته كمنهج لهم في تعاطيهم مع قضايا الإيمان والإلحاد، ومن هنا يتضح جليًّا مدى الاختلاف والتضارب والتموج في منهج الإلحاد وفلسفته.
لقد عادت الوضعية المنطقيَّةُ إلى التَّشبث بحبال الميتافيزيقا من حيث لا تشعر، وذلك عندما رأت أمام ناظريها الكثير من القضايا العلمية التي أمكن التنبؤ بها دون القدرة على إثباتها تجريبيا، فما كان منها - أي الوضعية المنطقية - إلا أن أعادت ترميم نفسها بادعاء ميتافيزيقي يرى بأنَّ الإمكان المطروح هو الإمكانُ المنطقي لا الإمكان الفعلي وحده، وهذا جلي كما في صنيع ألفريد آير، وهذا الادعاء - في الحقيقة - يهدمها من أساسها؛ إذ إنَّ الإمكان المنطقي لا يُوجد له معطى حسي يدعمه وإلا لأصبح إمكانًا فعليًّا.
التطرف الحسي الذي تتبناه الفلسفة الإلحاديَّة مُمثَلًا في الوضعية المنطقية قد تضاءل حجم نفوذه العِلمي، فالفلسفات المادية اللاحقة بعمومها أعطت لنفسها الحق في تجاوز حدود الحس والتجربة عبر استخدامها جوازات السفر الميتافيزيقية، وذلك ماثل عيانًا في تناولها الدؤوب
326 (1/326)
صفحة 327
المبحث السابع: فلسفة الإلحاد
لقضايا الإيمان والإلحاد؛ إذ تسعى الفلسفة الإلحادية إلى إيجاد تفسير شامل للكون، وهذا ما لا يتأتى بطبيعة الحال إلا بتخطي حاجز الحس والوصول إلى منطقة الميتافيزيقا؛ نظرًا للضرورة المنهجية التى يتطلَّبها مبدأُ التَّفسير الشامل للكون؛ بحيث يُقدَّمُ هذا التفسير على مرحلتين: مرحلة الحس ومعطياته أولًا، ثم مرحلة التَّفسير العقلي والنظري أخيرًا. فأصبح الاعتماد على المرحلتين موجودًا في الفلسفة الإلحاديَّة كوجوده - تماما - في الفلسفة الدينية؛ أي إنَّ الفلسفة الإلحادية قد انغمست في الميتافيزيقا من أخمص قدميها إلى قمة رأسها!
إنَّ الإلحاد عندما يُطالب الإيمان بالبرهنة على وجود الله وفق ضوابط المنهج العلمي الطبيعي يرتكب مغالطة منطقيَّةً فجَّةً، فطبيعةُ القضيَّة هي الحَكَم والفيصل في تقرير نوعية الأدلة التي يستند إليها، فلكل مقام مقال، ولكل حادثة حديث، وإذا كانت العلومُ الطَّبيعيَّةُ تقتضي نوعيَّةً من الأدلة تتوافق مع طبيعتها، وتنسجم مع معطياتها، بحيث تنصهر في بوتقة واحدة لتخرج بنتائج مُعتبرة، فإنَّ العلوم الإنسانية تقتضي كذلك نوعيَّةً من الأدلة تتوافق مع طبيعتها، ولا تختلف عن جنسها، ولو قُدِرَ أن تكون لها أدلَّةٌ من غير طبيعتها - كالتجريب واللحظ - لاهتَوَرَتْ هذه العلوم من ساعتها ولأضحت أثرًا بعد عين!
في أحد اللقاءات التي جَمَعَت ريتشارد دوكنز بالجمهور الأسترالي سأله أحدهم: "ما الغاية من وجودنا؟! “ فاعترف دوكنز مباشرةً بأنَّ هذا السُّؤال - وما كان على شاكلته - سؤال فارغ لا معنى له، وأنَّ أيَّ سؤال عن الغاية لا يعنينا. كتجسيد صارخ منه وتطبيق فاضح للوضعية المنطقية ومثل هذه التساؤلات تتكرّر باستمرار والهروب من قبضتها يتم بالإجابة ذاتها التي تجدها عند دوكنز وأضرابه علمًا بأنَّ دوكيز يتناقض مع نفسه هنا؛ إذ زعم في مستهل كتابه (الجينة الأنانية) بأنَّ هذا السؤال الوجودي قد أجاب عنه داروين في نظريته بإجابة منطقية ومتماسكة! فكيف يكون مثل هذا السُّؤال فارغاً ولا يعنينا في الوقت الذي يوصف بأنه سؤال وجودي استطاع العلم أن يجيب عنه بإجابة منطقية ومتماسكة)!!
ولأنَّ الإلحاد الحديث يتمسَّحُ بأحجار العِلم فقد حاول أن يُطبق المنهج العلمي في فلسفته، فابتدع من أجل هذه الغاية (الفلسفة الوضعية المنطقية)؛ ليتعلَّق بأستار العلم ويتجلبب بجلبابه، فأوهم نفسه بأنَّه إلحاد علمي يتماشى مع العِلم ومعطياته الحديثة، ويسير معه على صراط
1 - يُنظر: ريتشارد دوكينز، الجينة الأنانية، ص 9
327 (1/327)
صفحة 328
مناجزة الإلحاد
مستقيم، حتَّى غدا الحالُ بأن يصف بعض الملاحدة الإلحاد بوصف ينطبق تمام المطابقة مع وصف المنهج العلمي، فالإلحاد هو المنهج العلمي والمنهج العلمي هو الإلحاد! وهذا منطق دائري، وهو ممَّا لا يُمكن أن يكون صحيحًا بحال من الأحوال، فالإلحاد لا معنى له؛ لأنَّه ليس قضيَّةً (تحليليَّة) ولا (تركيبيَّة) حسَبَ منطق الفلسفة الوضعية المنطقية نفسه كما أنَّ الإلحاد لا يُمكن البرهنة عليه تجريبيا وفق ضوابط المنهج العلمي الصَّارم، والإنسان تتم إدانته بلسانه، وبمنطقه الذي يتبناه!
لقد باءت بالفشل والانكسار كلُّ تلك المحاولات التي قامت بها الفلسفات الإلحادية لعلمنة الفلسفة؛ لأنَّ طبيعة الفلسفة تأبى أن تكون طبيعية، فاليوم الذي تكون فيه الفلسفة معلمنةً لن يأتي ولن يكون؛ لأنَّ التناقض بين المنهجين يظل قائما، وإنَّ التسامح والتساهل الذي يُبديه الإلحاد في مقارعة الإيمان هو خروج عن الوضعية المنطقيَّة التي ترفض النقاش حول هذه الأمور من الأساس، ومن أجل ذلك فإنَّ هذا التسامح هو بمثابة تنازل عن المبدأ المتبع، وتخاذل عن نُصرة المنهج المُقرَّر، بل هو إعلان صريح بفشل مثل هذه الفلسفات والمناورات والمناكفات التي لا تسمن ولا تغني من جوع! لا تسمن ولا تغني من جوع! فاللعبُ قد أصبح على المكشوف، والورقة التي تم الرهان عليها ها هي قد أُسقِطَتْ!
إِنَّ فلسفة الإلحاد منهارة قبل أن يُكمل أحد ما تعريفها، فهي تزعم بأنَّ العمليات التحليلية أو القضايا التحليلية قضايا منطقيَّةٌ تَتَّسِمُ بالمعنى والأهميَّة، بيد أنَّ العمليات الرياضية - والتي هي من قبيل القضايا التحليلية - كقولنا: إنَّ (211) هي قضايا لا يُمكن إثباتها أو نفيها على الرَّغم من أنَّ العقلاء يتفقون عليها، وأبسط مثال على ذلك هو محاولة برتراند راسل وألفريد وايتهيد أن يثبتا صحة هذه المعادلة فقط من خلال كتابة مئات الصفحات، علما بأنَّهما لم يحققا الكثير بهذا الصدد!! وهذا يدلُّ على أنَّ مثل هذه القضايا يُمكن أن تكون عرضةً للسفسطة، أو مسرحًا للعبة عقليَّةٍ تتم في القشرة الخارجيَّة للمخ (Cortex) لكن البديهة العقلية تقف سدا منيعًا ضد أي تلاعب بمثل هذه القضايا التي لا يُمكن إثباتها أو نفيها، وكذا قضيَّةُ الوجود الإلهي تقف البديهةُ العقليَّةُ سدا منيعا ضدَّ التَّلاعب بها، مع الاحتفاظ بالفارق الكبير بين القضيتين؛
فالأولى لا يُمكن البرهنة عليها مع الاتفاق على صحتها، بينما الثانية يُمكن البرهنة عليها.
328 (1/328)
صفحة 329
المبحث السابع: فلسفة الإلحاد
وكتساؤل قبل الانقضاض عن مجلس الوضعية المنطقية:
إذا كانت قضايا الأديان قضايا فارغة لا معنى لها ولا تُوصف بالصدق ولا بالكذب حسَبَ الفلسفة الوضعية المنطقية، فلماذا يهاجم الملاحدةُ الأديان ويكذبونها!؟ أليس من المفترض ألا يُشغلوا أنفسهم بها؛ إذ لا معنى لها ولا أهميَّة؟ ثمَّ إِنَّ الإلحاد نفسه أليس هو قضيَّة فارغة لا معنى لها بناءً على الوضعيّة المنطقية نفسها (1)؟!
ولأن الشَّيءَ بالشيء يُذكر
النقاط المهمة
إنَّ الحديث عن فلسفة الإلحاد يجرُّنا هو الآخر إلى الحديث عن مصادر المعرفة وعن النموذج المعرفي، ولا يتَّسعُ المقام هنا لبسط كل ذلك، وإنَّما نكتفي بعرض بعض التي تدخل في صميم النقاش مع الإلحاد والملحدين، ومن بين هذه النقاط: تحديد مصدر المعارف)، فالملحد يزعم بأنَّ التَّجربة هي المصدرُ الوحيد لكل المعارف البشرية، فلا وجود للمعارف العقلية ولا الفطرية.
يُحدثنا الباحث الإسلامي عبدالله العجيري في كتابه (شموع النهار) عن نقاشه مع مجموعةٍ من الشَّباب المتأثرين بالنموذج المعرفي هذا، وكيف أنه بعد أن حدثهم عن مصادر المعرفة البشرية المتمثلة في الحس والعقل والخبر تفاجأ بالاختزال الشَّديد الذي ضرب عليهم بأطنابه، وأرخى عليهم بأستاره! فكان مما قاله لهم: من المبادئ العقليَّة الأولية أنَّ الجزء أصغر من الكل، فإذا كان لدينا برتقالة - مثلاً - وقسمناها إلى أربعة أرباع، فربع البرتقالة أصغر أو أكبر من مجموع البرتقالة؟ صُدِمتُ حينما قالوا: لا نستطيع أن نعرف حتى تشاهد هذه البرتقالة ونقوم بتقطيعها. قلت لهم: لي في المنزل كتاب بعنوان (مجموع فتاوى ابن تيمية) يتألف من (37) مجلدا؛ المجلدُ الأوَّلُ من مجموع الفتاوى أصغر أو مساءٍ أو أكبر من مجموع الكتاب كله وبالمجلدِ الأَوَّلِ؟ فقالوا: لا ندري حتَّى نزورك في البيت ونراه! (2).
إنَّ هذا التنطع وهذه السَّفسطة التي ملكت خطام هؤلاء الشَّباب ما هي إلا نتائج لما ألزموا أنفسهم به من أنَّ التَّجربة هي المصدر الوحيد للمعرفة؛ لأنَّهم لو لم يعترفوا بذلك لقطعوا حبل منهجهم، وخلعوا رباق نموذجهم المعرفي من حيث لا يُريدون!
1 - للتوسع يُنظر: محمد الخاقاني، نقد المذهب التجريبي، ص (337 - 576).
2 - عبدالله العجيري، شموع النهار، ص (45 - 46).
329 (1/329)
صفحة 330
مناجزة الإلحاد
وأقصر طريق لتقويض مبنى مثل هذه السفسطات هو اختبار هذا المنهج بالمنهج نفسه، فالقول بأنَّ التَّجربة هي المصدر الوحيد للمعرفة أهو قول ثابت بالعقل والفطرة أم بالتجريب؟! فإن كان ثابتًا بالعقل أو الفطرة سقط المنهج بأكمله؛ لأنَّه أقر بوجود مصدر آخر للمعرفة غير التجربة، وإن كان ثابتًا بالتَّجربة فإنَّ هذا الاستدلال يلزم منه الدور الممتنِعُ منطقيًّا (Circular Reasoning) استدلال يعود على أصله بالبطلان - التناقض الذاتي - وكلُّ شيءٍ يعود على أصله بالبطلان
وهو
فهو
بلا نكران، فالتجربة نفسها لا تستطيع إثبات كونها مصدرًا وحيدًا للمعرفة!
ثمَّ إِنَّ التَّجربة لا تقومُ إلا على المبادئ العقلية، فالسَندُ الوحيد لإثبات المادة هو معطيات العقل الأولية، ولولاها لما كان في طاقة الحسّ أن يُثبت لنا وجود المادة وراء الرائحة الذكية واللون الأحمر والطَّعم الخاص للوردة، وبهذا يتَّضحُ جليًّا بأنَّ الحقائق الميتافيزيقية ليست وحدها المبنية على المعطيات العقلية، بل المادَّة نفسُها والحسُّ نفسه كذلك! وإنَّ إصرار الملاحدة على اتخاذ الحس فقط مصدرًا وحيدًا للمعرفة هو إصرار على إرجاع الإنسان إلى الحيوانية في التفكير، والاقتصار على مبدأ المثير والاستجابة الحسي، وصدق من قال: "أن تكون بلا عقل أفضل من أن تُسيء استخدامه! بل إنَّ كثيرًا من الحيوانات تفوقُ الإنسان في قوَّة حواسها، فلماذا لم نر منها إنتاجًا للعلوم وإبداعًا وابتكارًا للأفكار والصناعات إن كان الحش وحده هو مصدر المعارف؟! وهناك قضايا كثيرةٌ نُصدقها ولا يُخالطنا أدنى شك في صحتها مع أنَّه لا يُمكننا إثباتها
الذات
بالتجربة؛ إذ إنَّ طبيعتها لا تقبل ذلك، كالقضايا الرياضية والمنطقية، وكقضية وجود الإنسانية، ووجود عقول للآخرين كعقولنا ... إلخ. ودعونا نستظل قليلًا تحت أفياء هذه القضيَّة الأخيرة؛ لنعرف ملابساتها بشكل وجيز: فكيف نعرف أنَّ للآخرين عقولًا كعقولنا؟! ما الذي يجعلنا نثق بوجود عقول لهم؟! إنَّنا لا نعرف بالتجربة إلا وجود عقل لنا وحدنا!
لم يستطع الفلاسفةُ حَسْمَ هذه القضيَّة بدليل قاطع، بالرغم من أننا جميعًا تقر بوجودِ عقول للآخرين! فالاستدلال على وجود عقول للآخرين عن طريق حُجَّةِ التَّشابه بين سلوكي العاقل وسلوك الآخرين يُمكن الاعتراض عليه بأنَّهُ استدلال استقرائي ضعيف؛ لأنه مبنى على الاستنتاج من حالة واحدة فقط وهي حالتي أنا؛ ولذا يقول السير ألفريد آير: "قد نشك في أنا؛
1 - يُنظر: محمد باقر الصدر، فلسفتنا، ص 92.
330 (1/330)
صفحة 331
المبحث السابع: فلسفة الإلحاد
وجاهة التَّعميم بهذه الطريقة من مثال واحد بل قد نشكُ في إمكان تحقق نتيجة استدلال استقرائي على الإطلاق. فتسليمنا اليقيني بوجود عقول للآخرين لا يتناسب مع هذا الدليل الظَّني والمحتمل، ومن هنا انتقل الفلاسفة إلى دليل السُّلوك، فأنت عندما تعزو الألم لشخص ما تُصدِرُ حُكمًا يُمكن أن يلحظه الآخرون ويتثبتوا منه، إلا أنَّ هذا الاستدلال تمَّ الاعتراض عليه كذلك؛ لأنَّ الإحساس المباشر بالألم مفقود في هذا الاستدلال! ومن أجل ذلك كله اقترح برتراند راسل الاستسلام لهذه القضيَّة والإيمان بها اضطرارًا دون قدرتنا على البرهنة عليها. لقد ربط الفيلسوف الأمريكي الشهير ألفن بلانتنجا بين الاعتقاد بوجود عقول للآخرين والاعتقاد الله، ورأى أنهما يسيران في قارب إبستمولوجي واحد، فإن كان الاعتقاد بأحدهما عقلانيا واضطراريًا فكذلك يكون الاعتقادُ بالثَّاني منهما، ولمَّا اتَّضح أنَّ الاعتقاد بوجود عقول للآخرين صحيح وعقلاني، فإنَّ الاعتقاد فإنَّ الاعتقاد بوجود الله صحيح وعقلاني أيضًا، وقد كَتَبَ بلانتنجا كتابًا كاملًا حول هذه القضية أسماه بـ (الله وعقول الآخرين).
بوجود
كذلك من بين النقاط المهمة: تأطيرُ النَّموذج المعرفي) ()، فالملحد يعيش في عالم مختلف عن العالم الذي يعيش فيه المؤمن، فعالَمُ المؤمن عالم مفتوح لا يقف عند حدود المادة والطبيعة، والإنسان بالنسبة إلى المؤمن هو الخليفة في الأرض، وقد تواصل الإله معه وأبان له الهدف من وجوده، ووضع له الخطة التي يسير عليها في حياته، أمَّا عالم الملحد فعالم مغلق مكتف بذاته، ليس فيه إلا الطبيعة والمادة، وما الإنسانُ إلا جزء من هذه المادة، وما من شيءٍ يقف خلف هذا الكون (3).
إنَّ هذا النموذج المعرفي) الذي يتبناه الملحد يجعله واقعا في مأزق كثيرة؛ لأنَّه سيحاول قدر الإمكان أن يخرج بنتيجة تدعم موقفه المعرفي المسبق وتقصي أي نتيجةٍ تُخالفه مهما كانت قوتها. ولتوضيح الأمر أكثر؛ نذكر بعضًا من تلك المآزق:
1 - يُنظر: مرتضى فرج، أفي الله شك، ص (20 - 26). ملحوظة: للعلامة محمد باقر الصدر في كتابه (الأسس المنطقية للاستقراء)
محاولة معتبرة في تقرير البرهنة على قضية وجود عقول للآخرين كعقولنا).
2 - يُنظر: عمرو شريف الإلحاد مشكلة نفسية، ص (274 - 290).
- يقول دوكينز معترفاً بهذا: " فإن كونًا مع خالق مشرف عليه سيكون حتمًا نوعًا مغايرا للكون بدون خالق“. (وهم الإله، ص 57).
331 (1/331)
صفحة 332
مناجزة الإلحاد
التحيز وانعدام الموضوعية
يقول الملحد توماس ناجل - أستاذ الفلسفة السَّابق بجامعة نيويورك - عن أصحاب العقول الكبيرة من المتدينين: "إنَّني لا أُعارضهم لأنَّني لا أؤمن بالإله فحسب، بل إنَّني أتمنى من داخلي أن أكون على صواب في رفضي للإله، إنّي لا أُريد أن يكون هناك إله يتحكم في الوجود كما يدعي المتدينون“.
ويقول عالم الوراثة الأمريكي الملحد ريتشارد ليونتن عن صديقه كارل ساجان بأنَّ القناعات المادية النموذج المعرفي الذي ذكرناه كانت عقيدةً مسبقةً شكلت نظرته للعلم، ثمَّ يُضيف ليونتن: "إنَّ الماديَّةَ هي المنطلق، ولن نسمح للألوهية أن تقترب من الباب".
ومن أجل خدمة هذا (النَّموذج المعرفي) تجد إلى اليوم من ينكر بعض الحقائق العلمية كنظرية الانفجار العظيم من أمثال عالم الفيزياء السير جون مادوكس رئيس تحرير مجلة الطبيعة Nature) الذي لا يمتلك أدلَّةً علميَّةً يُبرر بها إنكاره لها، فدليله الوحيد هو قوله بأنَّ الاعتراف بوجود بداية للكون يُعطي حجَّةً لادعاء المتدينين بأنَّ هنالك إلها! التحايل ومخالفة البدهيات
لكي يُحافظ الملاحدة على مصداقية النموذج المعرفي) الذي يتبنونه فإنَّهم حاولوا - مرارًا- أن يتحايلوا ويفعلوا المستحيلات والمضحكات المبكيات فلا غرابة أن تجدهم يعتقدون بأنَّ الشَّيء يُمكن أن ينشأ من لا شيء بدون سبب كما ادعى ذلك لورانس كراوس وبيتر أتكنز وغيرهم، ولا غرابة في أن يعتقد بعضُهم بوجود كائنات فضائيَّةٍ مجهولة قدمت إلى الأرض على أحد الصواريخ فقامت بنشر بذور الحياة على الأرض كما ادعى ذلك فرانسيس كريك وريتشارد دوكنز! فدوكنز يتبنى مفهوم (الرجل الأخضر (القزم الذي أوجد الحياة على الأرض، وبعد ذلك يأتينا متحذلقا تياها ليصف المتدينين بأنَّهم يُهلوسون!
الافتراضات الزائفة
لكي يُحافظ الملاحدة على مصداقية (النَّموذج المعرفي) الذي يتبنونه فإنَّهم كذلك قد أوهموا النَّاسَ بوجود تعارض حقيقي بين العِلم ووجود الله، فإمَّا العلم ومعطياته وإما الاعتراف بوجود الله، وهذا التَّعارضُ الزَّائفُ هو الذي يجعل نظر الملحد لا يتجاوز مستوى قدميه، وبناءً على
332 (1/332)
صفحة 333
المبحث السابع: فلسفة الإلحاد
هذا (النموذج المعرفي) فإنَّ أيَّ استدلال يُقدمهُ العِلمُ ويصب في صالح قضيَّة الألوهية يُقابله افتراض (التَّعارض)، فيتم تمييعه أو تسفيهه أو تجاهله مباشرةً وبجرة قلم بدون أدنى خريجة! القصور والعجز
إنَّ (النموذج المعرفي) للملحد نموذج لا يُعطي إجاباتٍ شافيةً تروي الظمأ الفكري والوجداني للإنسان، فإنَّ الإجابة عن الأسئلة المهمة والمُلحَّةِ لا تُوجد في عالم العلم التجريبي، كالإجابة عن سؤال مصدر وجودنا والغاية منه ... إلخ؛ ذلك لأنَّ هذا (النَّموذج المعرفي) قاصر وعاجز عن استيعاب مثل هذه الأمور، وإذا ما حاول استيعابها - وقد حاول - فإنَّه سيجلب السُّخرية إلى نفسه فجولة مصغرة عن إجابات الملاحدة عن مثل هذه التساؤلات الوجودية الكبرى ترديك صريع الضحك، وتُذيقك من كؤوس خيبات الأمل! فالعِلمُ التَّجريبي يُجيبك عن الـ (كيف) ولا يجيبك عن (لماذا)، فهو محاولة جادة لوصف الظاهر دون أن تكون له يد في تفسيره إلا فيما
قل وندر!
333 (1/333)
صفحة 334
مناجزة الإلحاد
خلاصة المبحث
- يقوم الإلحاد المعاصر على الفلسفة الوضعية المنطقية.
- تلقت الوضعية المنطقيَّة ضربات قاسيةً أدت إلى خلخلتها وضعفها.
- سقوط الوضعية المنطقيَّة يهدم بنية الإلحاد الفلسفية.
- النموذج المعرفي للإلحاد نموذج مختزل وقاصر، وهو أساس الاعتراضات الإلحادية.
334 (1/334)
صفحة 335
المبحث الثّامِنُ
المستوى الفطري (1/335)
صفحة 336
"إنَّ الدين لا يقوم على أساس وهمي، ولا على مجموعة من الأفكار الخاطئة التي تم تكوينها في عصر الطفولة الإنسانية، بل إنَّه يقوم على أكثر الأُسس صلابة في وجود الإنسان: إنَّه الوعي الباطني بالحقيقة.
(فراس السواع)
"يبدو أنَّ هناك ثقببًا في دماغنا لا يسده إلا الله.
(جان بول سارتر)
الذهن الإنساني كان قادرًا دائمًا وعبر كل العصور على التوصل إلى فكرة الكائن الإلهي الأعلى“.
(أندرو لانغ) (1/336)
صفحة 337
أيتُها الفطرةُ: مَا أنتِ؟ وإلى أين تقوديننا؟
كيف انفلتوا عن عقالك؟ (1/337)
صفحة 338
مناجزة الإلحاد
المستوى الفطري
في هذا المستوى بالتحديد سنطرق باب الفطرة؛ معناها ومكوناتها ودلالتها على وجود الله، ثم نعرج على ذكر الإشكالات الموجهة إليها، وحيث إن دلالات الفطرة لا ينبغي البرهنة عليها نظريًا وعقليًا خوفًا من تحول دلالتها الفطريَّة إلى دلالةٍ عقليَّة ونظرية فإنَّ ضرورة التدليل العقلي والنَّظري عليها أصبحت مُلحةً بحكم الإشكالات العقلية والنظرية التي اقتحمت ساحتها، الاستدلال بها فطريًّا بحثا من جهة، وفطريًا بأدواتٍ عقلية نظرية من جهةٍ أخرى. ويُمكن أن يُقال كذلك: إنَّ الاستدلال هنا ليس إلا للتنبيه.
ليُصبح
وجود
الله،
وقبل الخوض في تفاصيل المستوى الفطري سنقدم للقارئ الكريم افتتاحية تتضمن عدَّةَ مسارة لا غنى عنها، كمسردٍ في نشوء فكرة (الألوهية) لدى البشر، وآخر في إمكان البرهنة على ومسردٍ في مناقشة عبء الإثبات وعلى من يقع، وآخر عن نوعية الأدلة التي يطلبها الملحد في إثبات وجود وسيكون الابتداء بقضيَّة معرفة البشر للإله، وهل هي مخترعة ومصطنعة من طرف البشر أنفسهم كما يقول الملاحدة، أو هي فطريَّةٌ عقلية تفرض نفسها بنفسها في وعي الإنسان وإدراكه كما يقول المؤمنون، ثمَّ نعرج - تباعًا - إلى بقية القضايا الأخرى.
الله
338 (1/338)
صفحة 339
المبحث الثامن: المستوى الفطري
هل اخترع البشر الألوهية؟!
يعيش بعض البشر متسكّعًا في بيداء الظنون، تائها في شعاب الأوهام، غير أنه يعيش وفي ظنّه أنَّه قد ظفر بعيون الحقائق، ووقع على شواكل الشداد، لكن الحقيقة شيء آخر غير ما ظن، وقد آل إلى ما آل إليه؛ لأنَّه لم يتفحص خارطة الطريق التي بين يديه، ولم يتثبت من صحة إرشاداتها التي أوصلته إلى ما هو فيه؛ فتوهم أنه عند صباحه سيحمد الشرى، وستبتسم
له العقبى
إنَّ من تقوده خارطة المادية لن ينكشف له ستارُ رأيه - في مسألة نشأة فكرة الألوهية - إلا عن نتائج ماديَّة بالتأكيد، ثمَّ تبقى رحى افتراضاته تدور على الدوافع المادية وحدها، وعليه فلن تخرج محصلته النهائية عن إطار القول بأنَّ فكرة الألوهية من وحي اختراعات البشر، دون أن يكون لها أي مدخل فطري أو عقلي وعلى خلاف ذلك كله تأتي وجهة النظر المقابلة؛ لتأخذ على عاتقها جميع شوارد الافتراضات الممكنة دون تصفيدها بأصفاد المادية، لينكشف وجه مأمولها عن فطرية فكرة الألوهية، مع الإقرار بوجود الدوافع المادية في الآن عينه.
إنَّ النَّظرة المادية التي تعزي فكرة الألوهية إلى بُنيَّات أفكار البشر، وإلى ما تنسجه مخيلاتهم وتبتكره تصوراتهم وحيلهم؛ انقسمت على نفسها وذهب الخلاف بينها كل مذهب في تقرير فرضياتها وتبرير مواقفها، ويُمكنُ الإلماعُ إلى أشهر تلك التقريرات على النحو الآتي: (1) - الفضول والجهل.
وهي الفرضيَّةُ التي تبناها الفيلسوف الفرنسي الشهير أوغست كونت؛ حيث يفترض كونت جزافًا بأنَّ فضول الإنسان وجهله بأسباب الظواهر الطبيعية التي يُشاهدها أمامه اقتاداه إلى اختلاق فكرة الألوهية؛ لتقوم مقامَ الأسباب الطبيعية التي يجهلها.
هذا الافتراض تتفشى فيه علامات التكهن والتَّخرُّص وبالإمكان إظهارها تحت أشعة المسح الكاشفة على النحو الآتي:
339 (1/339)
صفحة 340
مناجزة الإلحاد
(1) - إنَّ هذا الافتراض ينطلق من نموذج معرفي (أيديولوجي)، فانطلاقته لم تكن موضوعيَّةً ولا محايدة؛ إذ ركب على متن الاعتقاد المسبق بأنَّ فكرة وجود الله مخترعة، وكأنها قاعدة بدهيَّةٌ
أو محكم منطقي نافذ، ثم راح يُفسّر على ضوئها ما بدا له، وهذا بعيد عن المنهجية العلمية.
(2) - هذا الافتراض مجرد تخمين، عابر، ولا تُوجد دعامات تُؤيده أو يُحتكم إليها، علمًا بأنَّ الدعامات نفسها إن وُجدت ينبغي ألا تكون مستندةً - هي الأخرى - إلى التخمين والتكهن.
(3) - لا يُوجد تلازم عقلي أو منطقي بين الجهل بالأسباب الطبيعية والاعتقاد بوجود) ومن يدَّعي ذلك فالبرهان يلزمه؛ إذ البينة على من ادعى.
الله
(4) - ينطلق هذا الافتراض من قاعدة منطقيَّةٍ مغلوطة، فقد توهّم بأنَّ جهل الأسباب الطَّبيعية الله. وأنَّ معرفة الأسباب الطَّبيعية= إنكار وجود الله.
إثبات وجود (5) - يقع هذا الافتراض في فخوخ المغالطة المنطقيَّة المعروفة بـ (حَدَثَ بعده، إذن؛ هو سيبه) فالفضول والجهل قد يكون لهما ارتباط من وجه دون آخر بنشأة فكرة وجود. الله، لكن هذا لا يعني أنَّهما السبب الرئيس والأوحد، فقد تكون لهما يدٌ في إثارة ما ترسب في وجدان البشر حول وجود الله. (1) - كلُّ علماء الطَّبيعة عبر العصور والدهور المختلفة كانوا مؤلهين، فهل علمهم بالأسباب الطبيعية قادهم إلى الاعتقاد بأنَّ فكرة الألوهية مخترعة بسبب الجهل والفضول؟! فلو كان الجهل سببًا صحيحًا لظهور الألوهية لكان العلم سببًا صحيحًا لإنكارها.
(7) - إنَّ الغالبية العظمى من البشر - حاليا - يؤمنون بوجود الله، فلو كان الجهل سببًا صحيحًا لرأينا هذه الغالبية العظمى تُنكر وجود الله، فعوامل الجهل بالأسباب الطبيعية التي أدت إلى نشوء فكرة الألوهية لم يبق منها شيء ذو بال، وإذا تم تعليل هذا بالتبعية والتقليد الأعمى لكان في ذلك قدح في الغالبيَّة الكاسحة من البشر بمن فيهم من علماء وعظماء وعباقرة ومفكرين! قد يُظنُّ بأنَّ النقدين الأخيرين يقعان في مغالطة الاحتكام إلى الأكثرية)، ولكن هذا في الحقيقة غير صحيح؛ لأنَّ الفرضية نفسها تقوم على تتبع الجذر التاريخي لوجهة البشر نحو فكرة الألوهية؛ أي إنَّ صيرورة البشر هي المعيار، ومن ثم فإنَّ الاحتكام إلى توجهات البشر هو المنطلق الرَّئيس، فينتفي بهذا التقرير وجود تلك المغالطة.
340 (1/340)
صفحة 341
المبحث الثامن: المستوى الفطري
(2) - متلازمة الخوف.
وهذه هي الفرضية التي تبناها الفيلسوف الإنكليزي برتراند راسل، فقد افترض أنَّ خوفَ الإنسان من الظواهر الطبيعية القاهرة، ومن الظواهر البشرية المخيفة - كالقتل والاحتراب والاعتداء الهمجي - التي لم يستطع الصُّمود أمام اشتطاطها ساقه إلى اختراع صمام أمانٍ يبعد عنه شبح الخوف، فتعثّر حظه بأذيال فكرة الألوهية، ورأى فيها الفكرة الوحيدة القادرة
على الجامِ جماح، خوفه وتهدئة ضرام، نفسه، ومن حينها ركب على أكتافها، وأوكل إليها مهمة التحكم بالظواهر الطبيعية القاهرة! إذن؛ منشأ فكرة الألوهية في نظر برتراند راسل هو الخوف، فعندما وجد الإنسان نفسه رهن الطوارق، وأنَّه لا يملك بيده أعنَّة المقادير؛ ارتمى مسرعًا في أحضان فكرة الألوهية التي لم تكن تخطر على باله أو تجري في خَلَده هذا الافتراض لا يثبت على النقد، ويُمكن فضُ لحمته
بعدة طعون: (1) - إنَّ هذا الافتراض ينطلق كسابقه من نموذج معرفي اختزالي؛ إذ انطلق من فكرة غير مُسلَّم بها، وهي فكرة اختراع البشر مفهوم الألوهية، وكأنَّها فكرةً بدهيَّةً أو منطقيَّة؛ بيد أنَّها هـ محل الخلاف فكيف تكون مناطًا للاستدلال!! (2) - إنَّ هذا الافتراض كسابقه محمول على أكف التَّخمين؛ إذ لا وجود لدعامات تؤيده، مع التنويه بأنَّ الدعامات نفسها إن كان لها وجود فينبغي ألا تكون مستندةً الأخرى إلى التخمين. (3) - لا تُوجد رابطة منطقية تلازميَّة بين الخوف والاعتقاد بوجود الله، فإذا كان الخوف دافعًا لاختراع فكرة الألوهية فإنَّ الأمن لم يكن دافعا لرفضها. وعلى هذا فالخوف يُعتبر سببًا زائفاً False Cause)، ولا شكٍّ أنَّ الاعتماد على الأسباب الزائفة يُبطل الدعوى.
هي
(4) - كيف يكونُ الشَّيءُ المخترعُ والمتخيَّل سببًا في ردع الخوف الحقيقي والواقعي؟! هل اختراع وجود شيءٍ لا وجود له يُمكن أن يكون سببًا حقيقيًّا يُعتمد عليه؟! هذا يُشبه ما يُقال في المثل: يَكذِبُ الكذبة ويُصدِّقُها! لا شكَّ أنَّ هذا التَّصرُّف ينم عن اضطراب نفسي يتشابه مع ما يُعرف بـ (الكذب غير المعقول / pseudologian fantastica) ، ولا ينم عن طبيعة سوية.
1 - للمزيد حول هذا الاضطراب النفسي؛ يُنظر: (http://www.goodtherapy.org/blog/psychpedia/compulsive-lying) .
341 (1/341)
صفحة 342
مناجزة الإلحاد
أنَّ الفرضية
(5) - ما المانع من أن نفترض كذلك أنَّ الخوف لم يُنشئ فكرة الألوهية من تلقاء نفسه، بل قام بتحفيزها وإثارتها؛ لكونها فكرةً كامنة في أعماق النفس البشرية وهذا يعني أ كسابقتها تضع أقدامها في أوحال المغالطة المنطقيَّة (حَدَثَ بعده، إذن؛ هو سببه) فالخوف قد يكون له ارتباط ما بفكرة وجود الله لكن هذا لا يجعله محراب العِلل وكعبة الأسباب. (1) - لو أنَّ فكرةُ الأُلوهيَّة كانت وليدة الخوف لكان الأوفق أن نرى المتدينين أشدَّ النَّاسِ جبنًا وأكثرهم خوفًا وهلعا وهذا ما لا يُسعفه الواقع؛ إذ إنَّنا نرى المتدينين عبر العصور المختلفة - خصوصا في بدايات الرسالات السَّماوية - هم أشجعُ النَّاس وأشدهم بأسًا وشكيمةً مع عَوَزهم وقلة عددهم وعدتهم في حالات كثيرة!
(7) - الخوف موجود لدى الحيوانات الأخرى، فإذا كان سببًا حقيقيا وكافيا لنشوء فكرة الألوهية دون مستند منطقي أو عقلي، أو دون توجه فطري ووجداني مُسبق، لرأينا الحيوانات في دور العبادة! (8) - على فرض أنَّ الخوف هو الدافع لنشوء فكرة الألوهية - وهو دافع هزيل بمقاييسنا فهل يلزم من تهافتِ الدَّافع تهافتُ نتائجه؟! إِنَّ النّتائج يجب أن تُقاس بمقاييس العقل والمنطق؛ إذ لا تلازم بين الدافع ونتيجته فمثلا: قد يكون صوت ضرب المطارق دافعا متهافتا لكنَّه أدى إلى اكتشاف علم عظيم وهو عِلم العروض، وقد يكون سقوط التفاحة شيئًا عابرًا ومعتادًا لكنَّه أدى إلى معرفة قانون الجاذبية)، بل إنَّ الخوف والحاجة والفضول هي من أكبر الدوافع التي قادت البشرية إلى الاختراع والابتكار والاكتشاف (العلوم)! (9) - يُفهم من هذه الفرضية - في المقابل - أنَّ انعدام الخوف هو الدافع لنشوء الإلحاد، فهل حقًا وصلت البشريَّة إلى هذا؛ لتتَّجه إلى الإلحاد؟! بل إنَّ الإلحاد نفسه - كفرضية من الصنف ذاته - اخترعه البشر لما عجزوا عن تفسير ما يرونه في الطَّبيعة من مظاهر الشر، أو لنقل: اخترعوه ساعةَ انبهارهم بالطبيعة وانشداههم بها.
(3) - فرضية الاستغلال والتخدير.
ولها عرضان متناقضان، فكارل ماركس يزعم بأنَّ نشوء فكرة الألوهية والتَّدين كان بدافع من الأغنياء (الأقوياء) لتخدير الفقراء (الضُّعفاء) وإسكاتهم باسم الإله والدين، بينما يزعم نيتشه
1 - بالنسبة إلى قصتي اكتشاف علم العروض والجاذبية، هناك شكوك في صحتهما التاريخية، ليس هنا موضع تفصيلها.
342 (1/342)
صفحة 343
المبحث الثامن: المستوى الفطري
بأنَّها نشأت على النقيض من ذلك، فقد كانت بدافع من الضعفاء (الفقراء) لتخدير الأقوياء (الأغنياء) وكفّ أذاهم باسم الإله والدين!
ويُمكن التعقيب على هذه الفرضيَّة بالكثير من النقوضات، لكننا سنكتفي فقط بالآتي: (1) - هل كانت هناك تقسيمات طبقيَّةً في الفترة التي نشأت فيها فكرةُ الأُلوهية؛ لكي يتم استغلالها على نحو تخديري؟ بالتأكيد، لا، فالمجتمع ما زال بكرًا بعد.
(2) - الفرضية متناقضة، فبينما يصوغ الأغنياء (الأقوياء بنفوذهم) فكرةَ الأُلوهية عند كارل ماركس، يصوغها الضُّعفاء (الفقراء لقلة حيلتهم عند نيتشه، وهذا يدلُّ دلالةً واضحةً على أنَّها مجرد فرضيَّاتٍ وتكهنات شخصيَّةٍ جامحة لا خطام لها.
(3) - الفرضيَّةُ لا تتساوق مع الهدف المرسوم لها، فلكي تُؤدي فكرةُ (الإله) دورها في تخدير إحدى الطبقات الاجتماعيَّة يجب أن تكون موجودةً قبل ذلك، بل يجب أن تكون محاطة بهالات من القداسةِ والتَّبجيل؛ حتَّى تؤدي غرضها المزعوم؛ ويتحتَّم على الناس الانصياع لها!! وهذا يكشف النقاب عن وقوع الفرضيَّة في المغالطة المنطقية التي تُعرف بالسبب الزائف
(False Cause)
(4) - عبادة أرواح الموتى.
وهي الفرضية التي أدلى بها الفيلسوف الإنجليزي هربرت سبنسر (Spencer)) ومحصلتها أنَّ الشَّرارة الأولى لانقداح فكرة الألوهية في أذهان البشر كانت بإضفاء طابع التَّقديس والتبجيل على أرواح الموتى العظماء، ثم ما لبث الأمرُ على حاله حتّى تقدم خطوةً أخرى إلى الأمام،
فقامت الآلهة مقام الأرواح. وفي ذلك يقول سلامة موسى: "قد ساعد على هربرت سبنسر جعل الرُّوح إلها ثلاثة أشياء؛ أولا: المعابد. وهي في الأصل القبر حيث
كان يُقدَّمُ الطَّعام. ثانيا: الأصنام. وهي في الأصل ذات الشَّخص المتوفى المحنط، ثمَّ لمَّا كان
تحنيط الجسم كله صعبًا صاروا يستخرجون أحشاء الإنسان ويحشون جوفة بالجوامد التي
لا
تتعفن، كما كانوا يضعون خرزا وحجارةً في مواضع العين حتى يحفظوا صورة الوجه، ثمَّ لمَّا
1 - فيلسوف إنجليزي (1802 - 1903 م) ذكره داروين في كتابه (أصل الأنواع) باعتباره واحدًا من الذين سبقوه إلى نظريته، من أشهر كتبه: (مبادئ علم النفس)، و (الفلسفة التركيبيَّة)، و (تصنيف العلوم). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
343 (1/343)
صفحة 344
مناجزة الإلحاد
وجدوا أنَّ التَّحنيط لا يحفظ الجسم تمامًا صاروا يرسمون صورة المتوفى على غطاء التابوت أو ينحتون صنمًا على مثال الميت وليس أسهل من أن يصير الصنم الخصوصي صنما عموميًا. الطائفة التي تعيش بخدمة الدين وهي في الأصل رئيس القبيلة. وتتوجه
ثالثا: الكهنة. وهي
سهام النقد بالتوالي إلى صميم هذه الفرضية على النحو الآتي:
(1) - يُقال في هذه الفرضيَّة ما قد قيل في سابقاتها من قبل فهي تنطلق من (محل النزاع) وهو الزعم بأنَّ فكرة الألوهية مخترعة ... إلخ.
(2) - ألم يلحظ الممتطون لصهوة هذه الفرضيَّة بأنَّها تدلُّ على أنَّ مفهوم العبودية سابق على عبادة الأرواح؟! فكيف أدرك عبدَةُ الأرواح أنَّها يجب أن تُعبد؟! أليس التصور يسبق التصديق؟! (3) - القيام برفع مقام الأرواح إلى مقام الألوهية يدلُّ على أنَّ مفهومَ الأُلوهِيَّةِ يسبق مقامَ الأرواح، فكيف يكون المتأخر (عبادة الأرواح) سيئا للمتقدم (الألوهية) (؟)؟!
1 - سلامة موسى، نشوء فكرة الله، ص 15.
2 - للمزيد حول هذه الفرضيات والتقودات الموجهة إليها؛ يُنظر: (جعفر السبحاني، الله خالق الكون، ص 27 - 94)، و (حسن علي مصطفى، نشأة الدين، ص 33 - 75)، و (علي سامي النشار، نشأة الدين، ص 33 - 213)
344 (1/344)
صفحة 345
المبحث الثامن: المستوى الفطري
الحقيقة
التي صموا آذانهم عنها
لا شيء يدعو إلى التشكيك بوجود عوامل الخوف والفضول والجهل التي سيطرت على حياة الإنسان البدائي بصورة أو بأخرى، بل إنَّ هذا أمر متقرر عند الأنثروبولوجيين، لكن ما لا ينبغي القبول به هو أن يكون مفهوم الألوهية ناتجا بالحصر عنها، "فسائر تلك الحالات التي مرَّ بها الإنسانُ الأوَّلُ تعجز عن أن تقود فكره نحو المبدأ الأوَّلِ إن لم يكن واعيًا ومدركًا لحقائق العِليَّة والسببية، فلو لم يكن لديه إدراك يقيني عميق بأنَّ الحوادث برمتها تحتاج إلى مُحدِثٍ لها لما أمكنه على الإطلاق أن يسأل: (مَن خَلَقَ هذا العالم؟! عندما رفع عينيه نحو الأعلى فشاهد بروج السَّماء وكواكبها، ولما سأل أساسًا عما وراء الأنظمة والقوانين التي تحكم هذا الكونَ وتفسخ عزائمه كلَّما صمَّم! وعندما داهمهُ الخوفُ الشَّديد من الفناء فإنَّ وعيه العميق بأصل العِليَّة والسَّببيَّة جعله يثق تمامًا بأنَّ لشعوره وخوفه ما يُبررهما فعلًا، وأنَّ لهما عِلَّةً و سببًا أوجداهما. نُطالبك - أيُّها القارئ - بمزيد من التَّأمل حتَّى تقف متيقنا من أنَّه وبغياب ذلك الوعي القوي بالعِليَّة لاستحال الاعتقادُ بالسَّببيَّة، وإذا ما زال هذا الاعتقادُ فَإِنَّ التَّوصُّل إلى مبدأ الكون وأصله وسببه - بل ومجرد التساؤل عنه - يكون ممتنعا بالمرة!! إذا كان ثمة يُحتم قبول التأليه ويتوافق وجوده في ذلك الزمن الأسطوري للإنسان الأوَّل فهو الوعي بالحقائق العقليَّة الثَّابتة التي تتمثل في الكيان المعرفي البسيط، والذي يُطلق عليه: (البدهيات). فمبدأ استحالة اجتماع النقيضين ما برح عقلية البشر منذ نعومة أظفارهم، وإلا لما أمكن وضعُ أوَّلِ حجر في البناء المعرفي للبشرية وصرحها العلمي الشامخ؛ إذ مقتضى قبول ذلك المبدأ رفع اليد عن كل حقيقة علمية ثابتة؛ ذلك لأنَّ نقيضها سيصبح موردًا للقبول أيضًا، ومبدأ العلية واحد من تلك القوانين البدهية التي لازمت البشر منذ أبعد أوقات الدهر السحيق، ولولاها لما بحث البشر عن سببٍ لأي حادثة تقع؛ إذ لا مبرر للقول بوجود سبب ومبدأ لها بغياب الاعتقاد بالعِليَّة! يستبين - بجلاء - أنَّ الجهل لا يصلح لأن يكون جسرًا يُوصل الفكر من التَّأمل في الكون إلى التَّساؤل عن مبدأ الكون؛ لأنَّه لا يصلح أساسًا أن يؤدي إلى انبثاق سؤال عن التكوين ومصدره،
عِلم
345 (1/345)
صفحة 346
مناجزة الإلحاد
ففي مورده ثمة جهل، فكيف سينتج علمًا؟! وما الاعتقاد بمبدأ التكوين إلا علم بقبول الكون للتكوين، بينما تستطيعُ العِليَّةُ أن تفي بذلك، والذي يُوقظها من سُباتها هو دقات الحدوث وأنينُ النقص والافتقار!! في البدء أدرَكَ الإنسانُ وجوده ووجود العالم من حوله، ولم يشك - لحظةً - في واقعية وجوده ووجود العالم من حوله؛ لذا تعامل معه منذ اللحظة الأولى بمنتهى الجدية وبذلك يكون قد مارس أوَّلَ تطبيق لرفض مبدأ قبول اجتماع النقيضين والإيمان بالعِليَّة، إذ يجب عليه الوثوق بأنَّ إدراكه لذاته وللعالم من حوله مصدره أمر ما وواقع حقيقي، ثم تنازعت فيه قوى نفسيَّة مختلفة من خوف ورعب تجاه العالم الذي يُحيط به والبيئة التي تُهدّد وجوده، ومن نزعة حُبّ البقاء و الاستمرار التي تملكته، إلا أنَّه ما سمح لعقدة الخوف أن تشُلَّه، بل طرق كل الأبواب التي يستطيع من خلالها مد نفوذه وضمان بقائه. ولأنَّه تنبه منذ أُولى لحظات حياته للعليَّة، وأنَّ لكل حادث موجِدًا، بدليل إيمانه أنَّ وراء إدراكه عالم وواقع فعلا وهو مصدر كل تلك التصورات، وبدليل بحثه عن أسباب ضمان بقائه وعِلَلِ فنائه وزواله، ساقه انتباهه ذاك بأصل العليَّة إلى أن يتساءل إن كان ثمَّة موجد لهذا الكون وما فيه؟! وكان تساؤله هذا ضمن المسار الذي تقتضيه العِليَّة؛ إذ شاهد الحوادث المستجدَّةَ على صفحة الكون وفي صميم الطبيعة، فثار سؤاله بكل وعي وإدراك، ومهما عصف به من جهل فإِنَّ التَّساؤل عن مبدأ الخلق سيظل موردًا للصدور فحسب ما دام هناك وعي بأصول العقل النظري الكامن في بدهياته،
ولولاه لتعذَّرَ صدورُ أي تساؤل؛ لأنَّه يتعذَّرُ عندها ولادة عقل).
1 - محمد رضا اللواتي برهان الصديقين، ص (40 - 50)، بتصرف“.
346 (1/346)
صفحة 347
المبحث الثامن: المستوى الفطري
لماذا نهتم
بقضية وجود الله؟!
قد يُسارع بعضُ الملاحدة إلى الاعتقاد بأنَّ قضية وجود الله لا أهميَّة لها، وأنَّه لن يتغير شيء إذا ما اعتقدنا بعدم وجوده، وعليه فلا يُوجد داع للاهتمام بهذه القضيَّة من الأساس، وليس ثمَّةَ ما يُوجب انقسامَ النَّاس إلى مؤمن وملحدٍ في الوقت الذي يُمكننا فيه أن نكون غير آبهين أو غير مكترثين للأمر! إنَّ مبلغ هذا التصور لقضيَّة وجود الله لا يعدو أن يكون مهربا من أمر تستدعيه الضرورات العقلية، وتفرضه المبادئ المنطقيّة، وتُوجِبُه أبسط آليات التفكير ولا يخفى على أحدٍ أنَّ المهرب شيء والحقيقة شيء آخر، وعليه؛ فما هي الحجج التي يمكن أن تقف في وجه هذا التصور الغالط؟!
يُمكن أن نُسلّم قياد الأمر إلى عددٍ من الحجج الفلسفيَّة النَّاصة على ضرورة البحث في
قضيَّة وجود
الله
وعدم الاكتفاء بموقف الإهمال:
الحجة الأولى: إنَّ شُكر المُحسِن على إحسانه قيمةٌ أخلاقية مطلقة، فالواجب الأخلاقي يُلزمنا بشكر المُحسِن على إحسانه، فإن لم نعرفه بحثنا عنه، وكما لا يخفى فإنَّ العقول تتوافق
على هذا الفعل وتنقاد إليه؛ ليكون المقتضى:
(1) - شُكر المحسن واجب أخلاقي.
(2) - تتوقف تأدية هذا الواجب على معرفة المحسن.
(3) - ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
إذن؛ معرفةُ المُحسن واجبةٌ سواء أكان ذلك المحسِنُ هو الله أو غيره، ومعرفته - بطبيعة الحال - لا تتأتى إلا بالبحث عنه، ومن هذا المنطلق يُصبح البحثُ واجبًا.
الحُجَّة الثَّانية: إِنَّ قضيَّةَ وجود الله تترتب عليها تبعات كثيرة، ويرتبط بها مسير الإنسان ومصيره، فكيف لا يكون البحثُ فيها ضروريًا بغض النظر عن النتيجة التي سيتبناها الشَّخصُ
347 (1/347)
صفحة 348
مناجزة الإلحاد
على إثر ذلك بعد البحث؟! هذا طبعا إن كان بناءُ النَّتائج يقوم على البحث العلمي لا على الأهواء المسبقة ومن أجل ما لهذه القضيَّة من ارتباط بمصير الإنسان فإنَّ الدراسة العقلية المستبصرة تفضي إلى الآتي:
(1) - احتمال وجود ضرر قد يُصيب الإنسان.
(2) - دفع الضرر واجب - أخلاقيا ونفعيًّا - على الإنسان.
(3) - لا يُمكن دفع الضرر إلا بمعرفته.
(4) - معرفة الضرر واجبة.
إذن؛ البحثُ في قضيَّة وجود الله واجب وضروري دفعًا للضَّرَرِ المُحتمل.
الحُجَّة الثَّالثة: إِنَّ الطبيعةَ التَّكوينيَّةَ للإنسان تُلقي به في مضايق القلق والتَّوجُسِ فيما لو حاول إهمال النظر في قضيَّةٍ مصيريَّةٍ كقضيَّةِ وجود الله، وهذا ما يتنافى - طولا وعرضًا - مع الغايات المطلقة للإنسان كالراحة والسعادة، ومن شأن هذا أن يقود العاقل إلى النظر في القضيَّة
من الزوايا الآتية:
(1) - الغاية تحقيق الراحة والسعادة.
(2) - إهمال قضيَّة وجود الله مدعاة للقلق والتوجس.
(3) - يجب دفعُ القلق والتوجس تحقيقا للغاية.
(4) - لا يُمكن دفع القلق والتَّوجُسِ إلا بالبحث في قضية وجود الله والاستقرار على رأي يطمئن الإنسانُ إليه ليُحقِّقَ من خلاله الغاية المنشودة.
الله)
ونذكر بأنَّ الاستدلالات السابقة تقتصر - في الرَّد - على جُزئيَّة (لماذا لا تهمل قضيَّةً وجود دون التطرق - هنا - إلى ما يترتَّبُ على الإيمان بوجود الله أو عدمه من نتائج وثمرات.
348 (1/348)
صفحة 349
المبحث الثامن: المستوى الفطري
إمكان البرهنة
على وجود الله
هناك من يظنُّ بأنَّ البرهنة على وجود الله غير ممكنة؛ فلا يكلف نفسه قدح زناد الفكر طلبًا لها، ولا يمتطي صهوة العزم سعيًا إليها؛ متعذرًا بأنَّ الله كما يزعم المؤمنون به غير مادي وغير متناه، وكلُّ ما كان بهذا الحال لا يُمكن البرهنة على وجوده!
من الواضح بأنَّ هذه الدعوى ناتجة عن عدم التفريق بين أمرَينِ اثْنَيْن:
- إدراك الشَّيء والإحاطة به علمًا ومعرفة.
- إمكان معرفة الشَّيء والاستدلال عليه.
فإدراك الله والإحاطة به علما ومعرفةً غير ممكن؛ باعتبار أنَّه غير مادي وغير متناه ... أما إمكان معرفته والاستدلال عليه فهو أمر ممكن، وكون الشَّيء غير مادي وغير متناه يلزم منه عدم إمكان الإحاطة به لا عدم معرفته والاستدلال عليه فالأعداد الرياضية - على سبيل المثال - غير متناهية كما يعلم الجميع، لكن لا أحد ينكر معرفتنا لها بالرغم من عدم قدرتنا على الإحاطة بها، وهي كذلك غيرُ ماديَّة، بل مجرد فكرةٍ منطقيَّةٍ فى أذهاننا، لكنَّنا تعرَّفنا عليها أيضًا. إذن؛ عدمُ التَّناهي وعدم الماديَّةِ يلزم منهما عدمُ الإحاطة لا عدم إمكان المعرفة. كذلك يزعم بعض الملاحدة بأنَّ أيَّ برهنةٍ على وجود الله ستبوء بالفشل حتمًا؛ باعتبار أنَّها غير قابلة للحض، أو باعتبار أنَّها (لا تسمح لأي شيءٍ أن يقف ضدها) على حد تعبير أنتوني فلو سابقا. وهنا لنا نسأل: هل التجربة الإمبريقيَّة هي المعيار الذي نحاكم من خلاله المحمولات مهما كان موضوعها مختلفًا؟! الإجابة المنطقيَّة تقول: "القابلية للتَّحقق تشمل الدعاوى الدينية، لكنَّها لا تقتصر على التجربة الإمبريقيَّة؛ لأنَّ التَّجربة الإنسانية أوسع من التجربة الإمبريقية، فالكائنات البشرية لا تُدرك ذاتها فقط من خلال إدراك حسي، وإِنَّما من خلال إدراك لا حسي أيضًا، والدعاوى الثيولوجية تستند إلى تجارب لا حسيَّة. التجربة الإنسانية تُعطي شروطا كافية وضرورية لتحديد مرجع لمصطلح (الله)، وتُعطي شروطًا ضرورية وكافية لتحديد فيما إذا كان
349 (1/349)
صفحة 350
مناجزة الإلحاد
المحمول مناسبًا لموضوعه. وفي سبيل وضع شروط كافية وضرورية لفهم (الله) ظهر مصطلح (عدم القابلية للتَّجنُّب وفحواه أنَّ النَّاس لا يستطيعون تجنُّب اعتبار حياتهم وأفعالهم ذات قيمة، كما لا يستطيعون تجنُّب امتلاك ثقة بالقيمة النهائيَّة للوجود وهي الثقة التي يُعبر عنها مصطلح (الإيمان). عدم القابلية للتَّجنَّب هو الأرضيَّة الموضوعية لمصطلح (الله) الذي هو الكينونة المقابلة للأرضية الموضوعية).
وإذا كانت البرهنة على وجود الله غير ممكنة - وفق التصور الإلحادي - فإنَّ البرهنة على إنكاره غير ممكنة أيضًا، بل وكذلك البرهنة على مشروعيَّة تعليق البت في القضية - كالموقف اللا أدري - سيكون غير ممكن؛ لأنَّ متعلَّق هذه الحالات الثلاث واحد وهو (الله).
1 - مناف الحمد، إشكالية مصطلح الله في الثيولوجيا الليبرالية، موقع أنفاس الإلكتروني، بتاريخ: (2/ 10/ 2015 م). "بتصرف“.
350 (1/350)
صفحة 351
المبحث الثامن: المستوى الفطري
البينة
على مَن ادَّعى!
في فترة إلحاده وقبل أن يعود إلى رياض الإيمان كان الفيلسوف الإنجليزي الشهير أنتوني فلو قد أطلق العنان لكتابه فرضيَّة الإلحاد The Presumption Atheism)، ساعتها ولأوَّلِ مرَّةٍ في التاريخ يتم وضع الكرة في ملعب المؤمنين - على حدّ تعبير أنتوني فلو نفسه - بعد أن طالبهم في هذا الكتاب بإثبات وجود الله، باعتبار أنَّ البينة على من ادعى)، إذ جرى العرف سابقًا على أن يكون الملحد هو المطالب بإقامة البراهين على صحة مبادئه، وكان لازما عليه أن يرتاد لها نواحي الاستدلال ويطرق ما أمكنه من أبوابها، فمسؤولية الإثبات ملقاة على عاتقه
دون غيره.
:
ولكن يحقُّ لنا هنا أن نتساءل: هل ما قام به أنتوني فلو - وتابعه عليه الملاحدة من بعده - يستقيم مع المنطق الاستدلالي، ويتناغم مع قواعد الحوار؟ أم أنَّه ادعاء خاطئ من الأساس؟! أنَّ الأمر يستقيم فيما لو تم تقييده وتخصيصه؟! للإجابة عن هذا سنقوم بتفكيك الموضوع
والنظر في تأصيلاته وتقعيداته المنطقيَّة، وذلك عن طريق الاعتماد على طرحين اثنين: الطَّرحُ الأَوَّل: إِنَّ جميع الاستدلالات في الحقيقة تقوم على المعارف العقلية الأولية، وهذا يعني أنَّ هذه المعارفَ يُستدل بها ولا يُستدل عليها؛ لأنَّ الاستدلال عليها يلزم منه الدور المنطقي، وهو ممتنع كما لا يخفى، فبمجرد رؤيتنا لجهاز الحاسوب نعلم بداهة بأن له صانعا، ولا نحتاج إلى أي برهنةٍ على وجود صانع له؛ لأنَّ قانون السببية يعم جميع الحادثات، وهذا بدوره يقودنا إلى الجزم بأنَّ من يُشاهد الحاسوب ويُنكر وجودَ صانع له يكون هو المطالب بالدليل، فهو المدعي في هذه الحالة؛ لأنَّه أنكر قانون السببية!! وأمَّا من يُثبت وجود صانع له فهو لم يأتِ ببدع من القول، بل سار وفق مسارب العقل والبديهة.
وهكذا فيما لو رأينا سيارة لأوَّلِ مرَّةٍ، فإنَّ إثبات وجود صانع لها هو الأصل الفطري الذي
1 - يُقصد به: أن يتوقَّفُ الشَّيء على نفسه أو على أمرٍ آخر، وأنَّ هذا الآخر متوقف عليه، ولبسط المسألة أكثر ومعرفة ضوابطها يُرجع إلى: (يعقوب الباحسين طرق الاستدلال ومقدماتها، ص 55 - 56. ثمَّ إنَّ لنا حديثاً مفصلا عن هذا في قادم المباحث.
351 (1/351)
صفحة 352
مناجزة الإلحاد
تحيل إليه العقول مباشرةً، وإنكار وجود الصانع هو محلُّ الدعوى؛ لمخالفته سير العقول، فيكون المنكر هو المطالب بالدليل هنا وليس المُثبت!! ولما كان الكونُ أعظم بمراحل فلكية من كل هذه الأمثلة التي يُمكن التمثيل بها فإنَّ وجود صانع له وواضع لقوانينه هو أجلى الحقائق وأبلج الوقائع على صفحات الوجود. إذن؛ فإنَّ قاعدة البينة على من ادعى تظلُّ على الحالة التي كانت عليها، فمن يستثني شيئًا من المُحدثات ويُنكر أن يكون لها صانع هو (المدَّعي) في الحقيقة وهو المطالب بالبينة وليس العكس، فالكون له صانع حسب البداهة العقليَّةِ المتمثلة في قانون السببية، ومن يُثبت ذلك فهو لا يدعي شيئًا يلزم منه البيِّنة، أما من ينكره فهو (المدعي) الذي تلزمه البيئة. الطَّرحُ الثَّاني: إنَّ من لا يُثبت وجودَ الله ولا ينفيه لا يُعدُّ مُدَّعيًا، فهو من هذا الباب لا يُطالب بالبينة بقدر ما يُطالب بالبحث وعدم التأرجح في قضيَّة مصيريَّةٍ كوجود الله، أما من يؤمن بوجود الله فهو (مُدَّع) - تنزلا وجدلا - لأنَّ وجودَ الله (دعوى) تستدعي البينة، وكذا حال من ينكر وجود الله، فهو في الحقيقة (مُدَّع)؛ لأنَّ عدم وجود الله (دعوى) تستدعي البينة حتما هي الأخرى). أي إِنَّ الطَّرح الثاني هنا يُصبح طرحًا جدليًّا تسليميًّا، لكنَّه فوق ذلك يُلزم الملحد بـ (البينة) بناءً على ادعائه عدم وجود إله، كما أنَّه يُلزِم المؤمنَ بـ (البينة) كذلك بناءً على ادعائه ويتوثق الأمرُ أكثر عندما يُصرُّ الملحد على تقديم أدلَّته في إثبات عدم وجود إله، فإذا كان في استطاعة الملحد أن يُقدم أدلته على عدم وجود الله فإنَّ إنكاره المدعوم: بالأدلة هو (دعوى) ترافقت معها، البينة، وكلُّ ما أمكن تقديم البينة عليه فهو في حكم الدعوى.
وجود إله،
ومن هنا يتضح لنا الفارقُ الجوهري بين دعوى عدم وجود الله ودعوى عدم وجود شيء آخر
1 - يُوجد اعتراض شهير على هذا الطَّرح قدمه برتراند راسل يُعرف بـ (إبريق راسل)، سيأتي لاحقًا تبيان تهافته، وأنه اعتراض ينبغي طرحه في موضع مختلف غير هذا الموضع، وإلا لأصبح اعتراضًا غالطًا يتجاهل المطلوب. ثمَّ إِنَّ طرحنا الأوَّل قد يُواجه بعدة إشكالاتٍ من بينها: أنَّ وجود الصانع (العِلَّة) ليس محلَّ إنكار، فمحل الإنكار هو في تحديده بـ (الخالق). والجواب: هو أنَّ قانون السببيئة يستتليه قانون امتناع التسلسل في العِلل، وهذان القانونان منبثقان أيضًا عن قانون عدم جواز اجتماع النقيضين. وعليه؛ فإِنَّ أيَّ عِلَّةٍ تخترق هذه القوانين التي يُدركها الإنسان بداهة يكون القائل بها مدعيًا تلزمه البينة. 2 - وهنا كذلك يجب التفريق بين (اللاأدريَّة المؤقتة) و (اللاأدرية المزمنة)، فالأولى يطغى عليها جانب البحث دون الحسم، والثانية يطغى عليها جانب الحسم؛ وعليه فإنَّ (اللاأدريَّة المؤقتة) غير مدعية هنا، فيقعُ عبء البينة على المثبت، بينما (اللاأدرية مدعية فت فتلزمها البينة؛ لأنَّ الفرق ظاهر بين المنهج البحثي والمذهب العقدي، فـ (اللاأدرية المؤقتة) منهج بحثي، و (اللاأدرية المزمنة) مذهب عقدي. والجدير بالذكر أنَّ جميع الملاحدة - تقريبًا - ينقلبون إلى اللاأدرية عند الحوار في هذه
المزمنة)
القضيَّة بالتحديد!!
352 (1/352)
صفحة 353
المبحث الثامن: المستوى الفطري
لا يمكن المطالبة بالبينة عليه، كإبريق راسل على سبيل المثال فقد يعترض أحدهم باستحضار قاعدة (الأصل في الأشياء عدم الوجود إلا بدليل). لكن هذا الاعتراض يجب أن يُقدِّمه من لا يدعي ادعاء بحجم إنكار الصَّانع، فهو اعتراض يتناسب مع منهجية من لا ينكر وجوده ولا يُثبته بل يترك الأمر على حاله ريثما تأتيه البراهين والأدلة.
إنَّ النَّافي مطالب بالبينة؛ إذ لو كان النَّافي مقدَّما لكونه نافيًا فإِنَّ المُثبت في استطاعته أن يُثبت ما يُريده عن طريق النَّفي لا الإثبات كأن يقول: "فلان ليس بصادق“. بدل أن يقول: "فلان كاذب". ليصبح بذلك نافيًا لا مُثبتًا، وعليه فهو غير مطالب بالبينة كذلك، لذا نقول إنَّ النَّفي - في حقيقته - دعوى بخلاف عدم الحسم والترجيح!
إذن؛ وبناءً على هذا الطرح يكون تقرير الأمر على النحو الآتي:
(المثبت) = مدَّع + تلزمه البينة.
(المُنكر) = مدَّع + تلزمه البينة.
-
(الواقف) = غير مدع + لا تلزمه البينة.
وقبل مواصلة السير نعود على بدء إلى إبريق راسل لننته إلى مغالطته التي وقع فيها؛ حيث قاس وجود الله بوجود إبريق معلق بين الأرض والمريخ!! هذا القياس الذي أدلى به برتراند راسل يعاني من مشكلاتٍ منطقيَّةٍ كثيرة، ومن الواضح بأنّه قياس لم ينل حظه من الثثبت، ولم تتوله رويَّةً صادقة، وهو بهذا بعيد كل البعد عن مرامي الشداد، وينكشف الأمر أكثر بالإشكالات الآتية: (1) - إنَّ قياس وجود إبريق معلّق بين الأرض والمريخ على وجود الإله الخالق يقع في مشكلة (قياس التَّمثيل) أو (قياس الشَّاهد على الغائب وهو القياس نفسه الذي يُنكره برتراند راسل في برهاني الحدوث والنظم - كما سيأتي لاحقًا - فيا لها من أقوال متدافعة، واعتراضات متخاذلة متناقضة، يضرب بعضها في صدر بعض!
(2) - هناك فارق كبير بين الوجود الضروري والوجود غير الضروري، فليس افتراض وجود
2:
1 - يقول الله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (البقرة: 111). فمع أنهم ينفون دخول غيرهم الجنَّةَ فإنَّ الله تعالى طالبهم بالبرهان على نفيهم، وهذا يختلف عما يُسمى بـ (البرهنة على النَّفي)، فالنَّفي الذي يُحمل على الشَّك وعدم الترجيح يختلف عن النَّفي الذي يُحمل على الترجيح، فترجيح النفي يحتاج إلى مُرجح، وعدم الترجيح يُحمل على الأصل وهو عدم وجود الشيء حتى يثبت وجوده.
353 (1/353)
صفحة 354
مناجزة الإلحاد
خالق وصانع للكون كافتراض وجود إبريق مُعلق بين الأرض والمريخ؛ إذ إنَّ وجود الأوَّل ضروري بحكم قانون السببية، أمَّا الثاني فلا تُوجد ضرورة تستدعيه.
(3) - إنَّ وجود الله ضروري لتفسير السبب الحقيقي لوجود الكون ومظاهر النظم والغائية، بخلاف وجود الإبريق المزعوم؛ إذ لا يَدَ له في تفسير وجود شيءٍ من ذلك، فمن أراد إثباته - أي الثاني - فهو المطالب بـ (البينة) بعكس من لا يُثبته، فقانون السببية لا يُوجِبُ وجودَ إبريق مُعلَّقٍ في الفضاء، بينما يُوجِبُ عند جميع العقلاء وجودَ عِلَّةٍ للمعلولات ينقطع عندها تسلسل العِلل. (4) - كتعميم صارخ نقول: إنَّ وجود الإبريق المزعوم أو عدم وجوده ليس كوجود الله أو عدم وجوده من جميع الجهات المنطقية والفلسفية.
(5) - إنَّ نفي وجود الشَّيء لا يعني بالضرورة أنَّه الأصل الذي لا يحتاج إلى بيّنة، فقد يكون النَّفي على خلاف الأصل، فينقلبُ النَّافي إلى صاحب (دعوى) تلزمه البينة، فمن ينفي وجود الشمس في كبد النَّهار المشمس يُصبح هو المدعي لا من يُثبت وجودها.
(1) - إنَّ وجود الإبريق المزعوم وجود مادي يجب رصده تجريبيا قبل إثبات وجوده، بخلاف وجود الإله الخالق، فهو وجود غير مادي، لا يخضع لمجاهر التجريب ومباضعه؛ ومنه فيطالب راسل بإثبات وجود إبريقه أولا قبل أن يطالب غيره بالتصديق بوجود إبريقه!
(7) - إبريق من الخزف الصيني (مصنوع)، يدور في مدار بيضاوي (محكوم بمدار)، بين الأرض والمريخ (محصور بين كوكبين)، هكذا يُغرب برتراند راسل في قياسه، والأغرب أنه أراد إقناعنا بمنطقيَّة قياسه غير أنَّ واقع الحال يخبرنا بأنَّ يد الإفناء أتت على راسل وقياسه، وبقيت حقيقة الوجود الإلهي تتبختر ألقًا وتوهجا واشمِخْرارًا، بقيت كما هي عصيَّة على النقض متأبية على الدحض!
إنَّ ممَّا نصَّ المناطقةُ عليه ما يُعرف بطرائق الاستدلال المباشرة وغير المباشرة، ومن بين تلك الطرائق ما يُعرف بـ (التَّلازم بين النَّقيضين، حيث يُفضي صدقُ أحدها إلى إبطال
أهم: الآخر مباشرة، وذلك عن طريق:
1 - تحديد المطلوب.
2 - تحديد النقيضين.
354 (1/354)
صفحة 355
المبحث الثامن: المستوى الفطري
3 - الاستدلال على صدق أحدهما أو بطلانه.
4 - تطبيق قاعدة عدم اجتماع النقيضين).
إذن؛ يجب التَّمييز بين المتناقضين، فالوجود والعدم متناقضان، فإمَّا العدم وإمَّا الوجود ولا ثالث بينهما، وهذا ما يُعرف في المنطق بـ (الوسط الممتنع)، أمَّا التَّوقُفُ عن الجزم فهو مجرد منهج نظري لا يمنح الشَّيء وجودًا ولا عدمًا في الحقيقة، وإذا اتَّضح لنا هذا الأمرُ وبانَ فَإِنَّ دلالته الجدلية تُصبح دلالةً قاهرة على أنَّ عدم القدرة على إثبات العدم يُسقط (دعوى) العدم، فلا تبقى على المسرح إلا (دعوى) الوجود، وهذا بالتأكيد ليس من باب مغالطة التوسل بالمجهول كما ظنَّ بعض المفكرين والباحثين، بل هو من باب البرهان الشلبي أو ما يُسمى بـ (برهان الخلف) أو (البرهان المؤدي إلى المحال فسقوط أحد المتناقضين كفيل بثبوت الآخر؛ لأنَّ المتناقضين لا يرتفعان معا ولا يجتمعان معا أمَّا مَن لم يدَّع في المسألة بشيءٍ - لا وجودًا ولا
عدما - وإنَّما طالب بالبرهان فقط فهو مَن يحق له أن يقول: أنتم تتوسلون بالمجهول هنا). كذلك يُقال للملحد: إنَّ وجودَ الله إن لم يكن واجبًا فإنَّه إما أن يكون مستحيلًا، وإما أن يكون مُمكِنًا، فإنَّ كان مستحيلاً وجَبَ تقديم دليل على استحالته، وإن كان ممكنًا وجَبَ تقديمُ دليل على نفيكم لوجوده الممكن كما يجب على المؤمن تقديم دليل على إثبات وجوده الممكن؛
لأنَّ الممكن يتساوى فيه الوجود والعدم، فترجيح أحدهما على الآخر لا يكون إلا بمُرجح.
نحن نعلم بأنَّ (الأصل بقاء ما كان على ما كان)، وطوال التاريخ البشري كانت البشريَّةُ عمومًا مؤمنةً بوجود الإله الخالق، فالأصل هو بقاء ما كان على ما كان ()، ومن أراد أن ينزع عن هذا الأصل أصالته ويقدح في عرض رصانته فهو المطالب بالبينة؛ إذ إنَّه هو (المدعي)، بل إننا
نقول بكل ثقة وجسارة أنَّ المُثبت مُقدَّم على النافي لزيادة في علمه قد يجهلها النافي.
1 - يجب التركيز مليًّا على هذه الفقرة، فقد وقع بعضُ الباحثين والمفكرين من المؤمنين في شراك دعوى الملاحدة، واعتقدوا معهم بصحة زعمهم في أنَّ المؤمنين - حينما يُطالبون الملحد بإقامة بينته على دعواه بعدم وجود إله - يُمارسون مغالطة (التَّوسل بالمجهول)، وهذا ليس بشيء كـ ء كما قلنا أعلاه. ويخلط بعضهم أيضًا بين قاعدة بطلان الدليل لا يدلُّ على بطلان المدلول) والبرهان السلبي المذكور أعلاه، وهذا خطأ؛ لأنَّ القاعدة الأولى تصدق فيما لو كانت هنالك أدلة معتبرة غير الدليل الذي تم إبطاله، بينما البرهان السلبي يصدق فيما لو سقطت جميع أدلة الطرف الآخر. وفيما لو قيل باحتمال ظهور أدلة أخرى في المستقبل فإنَّ الإجابة على ذلك ستكون بالتنبيه على وقوع القائل بهذا القول فيما كان يُشنّع به على الآخر، ألا وهو وقوعه في مغالطة (التوسل بالجهل). 2 - إنَّ الأصل هو الإيمان عبر: تاريخ البشرية، وما إنكار وجود الله إلا شذوذ عن هذا الأصل، والشَّاذُ مطالب بالبينة على دعوى شذوذه، ومطالب بالبينة على مخالفته للأصل المقرر أنثروبولوجيا.
355 (1/355)
صفحة 356
مناجزة الإلحاد
ولكن قبلنا الرهان ....
بالتنازل عن الطرح الأول - فيما مرَّ بيانه - واحتكامًا إلى الطَّرح الثاني فإنَّ موقف الإيمان لا ينبني على الحجج السلبية فقط (الاعتراضات)، فهو بجانب ذلك يمتلك ترسانة ضخمة من البراهين والحجج الإيجابية، وكما يقول العارفون: "إن لله طُرُقًا بعدد أنفاس الخلائق“. وفي المقابل فإنَّ الإلحاد لا يحمل في حقيبته سوى الاحتجاجات السلبية (اعتراضاتٍ عَرَضيَّة)؛ ومن أجل ذلك فإنَّنا سنشد الحيازيم ونرهف غِرَارَ العزم لتقديم ما يُمكن تقديمه من براهين وحجج وشواهد على وجود دون السَّعي إلى حصرها، فإنَّ الحصر كؤود المطلب، لم يلتمسه
أحد قط!
الله،
وقبول الرهان في مثل هذه القضيَّة التي نزعم بأنَّها فِطْريَّة وأنَّها حق مطلق لا يعني الانهزام بحال من الأحوال، ولا يعني أنَّ القضيَّةَ غير يقينية؛ لأنَّ كلَّ الحقائق يمكن أن تُغطيها الأهواء، وتُتَلتِلُها السَّفسطاتُ، وتُرجرِجُها المماحكات)، فلئن وصل الأمر ببعضهم إلى نسف مبادئ العقول والتشكيك فيها فأي شيء بعد هذا إلا الضَّلال؟! وإلى ماذا سيحتكم
ريتشارد سوينبرن هؤلاء؟! وفيما يخص قضيَّةَ البراهين الدالة على وجود الله فإنَّ هناك
اقتراحا وضعه فيلسوفُ اللَّاهوت الشهير ريتشارد سوينبرن (Swinburne)(2) مفاده: إنَّ البراهين في قضية إثبات وجود الله يجب أن يُنظر إلى مجموعها لا إلى أفرادها؛ أي إنَّه يُحيلنا إلى النظر في هذه البراهين على اعتبارها نسقًا جشطالتيا لا ينبغي تفرقته وتجزئته. ومبنى اقتراحه هذا يقوم على ما يراه سوينبرن من أنَّ جميع البراهين قد تلقت قائمة من الاعتراضات في أفرادها، لكن مجموعها ككلّ يقف شامخًا أمام سيل تلك الاعتراضات (3)، ونحن في الحقيقة وإن كنا نرى بأنَّ مجموع هذه البراهين يُشكّل نسقًا متكاملا يتنزّه عن شوائب الظَّن، ويتجافى عن مضاجع القلق،
1 - ومن هنا يتضح الهدف من البحث والنقاش، فالسفسطة والأخذ بالاحتمالات المرجوحة وكثرة الجدل من أجل الجدل والاعتراض من أجل الاعتراض، كلها دلائل تُؤكد عدم الصدق مع النَّفس وعدم الرغبة في الوصول إلى الحقيقة من بابها الرئيس، وكما قيل فما من طريق باطل إلا وقد سلكه بعضُ النَّاس. 2 - فيلسوف بريطاني من مواليد (1934 م) وهو أستاذ فخري للفلسفة في جامعة أكسفورد، له عدة مؤلفات؛ لعل أهمها: (مفهوم المعجزة)، و (وجود الله)، و (الإيمان والعقل).
3 - فكرة سوينبرن هذه مطروحة أيضًا في الفلسفة الإسلامية كما هو الحال في كُتُب كل من محمد حسين الطباطبائي، ومرتضى المطهري، ومحمد تقي المصباح اليزدي، وآخرين.
356 (1/356)
صفحة 357
المبحث الثامن: المستوى الفطري
ولا يمكن فضُ لحمته مطلقًا، فإنَّنا مع ذلك نُؤكِّدُ بأنَّ النسبيَّة المنهجية التي خيمت على عقول الكثيرين هي التي جعلت البراهين الساطعة المتأرّجة تتقلَّبُ على سفافيد الشك والحيرة، وليس مرجع هذا عائدًا إلى البراهين نفسها بقدر ما هو عائد إلى هذه النسبية المنهجية التي كانت نتاج تراكمات تاريخية تعود في مجملها إلى الخلل في التَّأسيس الحقيقي لمصادر المعرفة وقيمتها. وسيتضح لنا لاحقًا أنَّ البراهين في حقيقتها تُبرهن على أمر معين دون أمر آخر، فعلى سبيل المثال: نجد أنَّ بُرهان النظم - سيأتي بيانه لاحقًا - يُبرهن على وجود المصمّم أو المنظم، لكنَّهُ لا يُبرهن على وجود الله بكل صفاته، وهذا لا يعني أنَّ بُرهان النظم - وأمثاله من البراهين - لا يُنظر إليه إلا بمؤخرة الأعين؛ باعتبار أنَّه لا تقوم له قائمةٌ إلا بوجود براهين أخرى تُسانده! كما أنَّ هذا لا يعني ضعف البرهان فيما لو تم إفراده وعزله عن سلسلة البراهين الأخرى، بل على النقيض من ذلك، فإنَّ البرهنة تكون على جانب من جوانب القضيَّة، وهو جانب يفي بالغرض الذي أقيم البرهان من أجله، فمثل هذه البراهين تُبرهن على قضيَّة وجود الخالق وبعض صفاته الكُليَّة أكثر من برهنتها على صفاته وخصائصه التَّفصيلية، والتي تطلب من الدين ونصوصه.
357 (1/357)
صفحة 358
مناجزة الإلحاد
ما نوع الأدلّةِ
التي يطلبها الملحد؟!
بالرجوع إلى اللقاء الذي أجراه لي ستروبل مع أنتوني فلو؛ بادر ستروبل بالسؤال عن الدليل الذي كان يُمكن للإله أن يُدلي به لكي يُؤمن أنتوني فلو - عندما كان ملحدًا - بوجود الإله حقًّا؟! ففكّر أنتوني فلو مليًّا في الأمر قبل أن يُجيب، ثم قال يائسا: لا أعرف، لم أُفكر في الموضوع! تصوّر أنَّ مُلحدًا كبيرًا ترنو إليه الأبصار، وتمتد إليه الأعناق، وتغنت بذكره الركبان، لم يفكر
قط في هذا السؤال! إذن؛ كيف ألحد ولماذا؟!!
وفي حواره مع الإعلامي بين شتاين سُئل المتحدثُ الرَّسمي باسم الإلحاد المعاصر ريتشارد دوكنز السُّؤال الآتي: ما الذي ستقولُه عندما تلتقي بالإله يوم القيامة ويقول لك: إنَّني أعطيتك
هذه
كل شيء، المال والشهرة ... وانظر ماذا فعلت؟! فأجاب دوكنز متشدقًا: برتراند راسل وضع النُّقطة في اعتباره، فقال شيئًا مثل: سيدي لماذا تجشَّمت كل تلك الآلام لإخفاء نفسك)؟! هذه الجملة التي أسندها دوكنز إلى برتراند راسل تختصر - بجلاء - موقف الملحدين من قضيَّة وجود الله، بل وتعكس طريقة تفكيرهم لذا دعونا نفترض تشريحيا الحوار التالي مع دوكنز (2): أيُّها السَّيد دوكنز: لقد قلتَ بأنَّ الأدلَّةَ على وجود الله غير كافية - بالنسبة إليك - لكي تُؤمن بوجوده، وزعمتَ بأنَّ الله قد أخفى نفسه عنا، وهي حُجَّةً مقنعة جدا في نظرك، أليس كذلك؟
قال: بلى.
قلت: إذن؛ ما نوع الأدلة التي: التي. قد تُقنعك بوجود الله أو على الأقل ستحرك الماء الراكد في تصورك؟ قال: لا أدري، ولكن إذا كان الله موجودًا فعليه أن يفعل ما يراه مناسبًا ليُبين لنا أنَّه
موجود حقا.
قلت: لقد وهبنا الله عقلا وفطرةً يهديان إلى وجوده، ولكنّكم تنكرون هدايتهما، فتعترفون
1 - يقول الإمام جعفر الصادق: "كيف احتجب عنك من أراكَ قُدرته في نفسك؟!!
2 - الحوار مقتبس من مقالة (حوار مع دوكنز) للعضو (ابن السُّنة) في منتدى التوحيد، ”بتصرُّف شديد“.
358 (1/358)
صفحة 359
المبحث الثامن: المستوى الفطري
الدقة
- على سبيل المثال - بالسببية في كل شيء، وتُنكرونها في حالة واحدة، وهي إذا ما أوصلتنا إلى وجود خالق لهذا الكون ولكن مع ذلك كله دعني - يا سيد دوكنز - أفترض معك أنَّ هذا من الأدلة لا يُقنعك ولا يُشبع عقلك المعرفي النَّهِم، وبما أنَّك لم تُحدّد على وجه نوع الدليل الذي تطلبه، فأذن لي أن أقترح عليك بعض التَّصورات التي قد يطلبها الملحد في القرن الحادي والعشرين، فما رأيك في أن ترى الله جهرةً لكي تؤمن به)؟
الصنف
قال: لستُ بهذه السَّذاجة، ليس من الضرورة أن نرى
علمي موضوعي.
الله، ولكنني
ويتم
أبحثُ
عن دليل
قلت: لا يخرجُ الدَّليل العِلمي عن فكرة (النَّظريَّة)، ثمَّ (التنبؤ)، التأكد من النبوءة بالتجربة واللحظ الذين يخضعان للحواس لا محالة، فالدَّليل العِلمي الذي تعنيه وهو الدليل المبني على القوانين الطبيعية لا يخرج عن طلب اليهود سابقًا بأن يروا الله جهرة! فإذا تمكنا من أشعة أو جسيماتٍ ... إلخ، وقلنا: إنَّ هذا الرَّصد دليل علمي على وجود الله، فهذا يعني بأنَّ الإله يخضع لقوانين الكون! فهي - أي القوانين الطبيعية - تحكم أفعاله وتصرفاته، فكيف يستقيم في ذهن عاقل أنَّ الله يخضع للعالم المادي وهو خالقه؟!
رصد
قال ضاحكًا: فهو إذن؛ غير موجود، وأشكرك لأنَّكَ أثبتَ لي - دون أن تدري - بأنَّ الله
غير موجود.
قلت: لقد أثبتُ لك بأنَّ الإله الذي تتصوّره أنت غير موجود، فأنت الذي تصوّرت الإله بصورة غير صحيحة، ثم ذهبت لتبحث عنه حسب ما أملاه عليك تصورك المغلوط، فطبيعي جدا ألا تجده!! فأنت تُريد إلها يتم التأكد من وجوده باستخدام العلم التجريبي تمامًا كما يتمُّ الكشف عن النُّجوم المتذبذبة أو المادة السَّوداء، ونسيت - أو تناسيت - أنَّ اللهَ لا يُمكن أن يخضع لهذه القوانين؛ لأنه لو خضع لها فلن يكون إلها حقا!
قاطعني باسما ثم قال: دعك من هذه الفلسفة، ولنفترض بأنَّ الله لا يخضع لهذه القوانين، وأنَّني لا أقتنع بأنَّ الأدلَّةَ المبنية على السَّببيَّة أو غيرها كافية لإثبات وجود الله، فلماذا لا يدلُّنا على وجوده بأن يُرينا دلائل قدرته اللامتناهية) فنخر له ساجدين؟!
1 - لقد سبق أن طالبت الأقوامُ السَّابقة رُسُلها بمثل هذه المطالب، أمَّا مؤخرًا وقبل عقودٍ قليلةٍ فقط فإنَّ الطَّلب ذاته قد تكرر؛ فقد طالب بعضُ العلماء بالدليل التالي لكي يؤمنوا بوجود الله: لماذا لم يكتب الله اسمه في السَّماء بسطور من نار؟!
359 (1/359)
صفحة 360
مناجزة الإلحاد
قلت: كلامك لطيف يا سيد دوكنز، فأنت الآن تطلب المعجزات والآيات كما طلبها السابقون؟! قال مقهقها: أنا لا أطلب شيئًا، ولكن أليس الله قادرًا على كل شيء؟! فما الذي يُعجزه عن إظهار معجزة لي الآن؟!
قلت له: دعنا نتخيل أنَّ الله فعلا قد استجاب لك فهل ستؤمن به؟! قال: طبعًا. قلت له: فلنتخيل أنَّنا استيقظنا في صباح الغد، ووجدنا كلمة (الله) منقوشة في لوح السَّماء، فهل كنت ستعترفُ بوجوده؟!
قال وهو يرمقني بنظرة استهجانيَّة: فليفعل ذلك أولا حتَّى يُقيم الحُجَّةَ عليَّ!! قلتُ له: والله لو آمنت بعدها لأدرجتك في قوائم الحمقى يا دوكنز!!
نظر إليَّ مستغربًا وقال: غريب أمركم أيها المؤمنون!!
قلت له: بل الغريب هو أمركم أيها المتناقضون!! فأنت مستعد للاعتراف بأنَّ هذا النقش دليل على وجود الله، وفي الوقت ذاته تجزم بأنَّ الكونَ كلَّه ليس دليلا!! سأقول لك ما الذي سيحدث في وقتها، لن تؤمن وستقول: هذه صدفة، وخيال الإنسان خصب، والإنسان عادةً يرى الأمور بشكل مختلف حسَبَ حالته النَّفسيَّة، ونظرًا لاهتمامي بالبحث عن إثبات فلربما أتوهم أي شيءٍ على أنه دليل على وجود الله ... !!
ثم قال: إنَّنا لن نصل إلى نتيجةٍ من هذا النقاش، فأنا أرى بأنَّه لا يُوجد دليل كافٍ على وجود الله، وهذه هي قناعتي. قلت له: حقًا؛ لن يصل بنا الحوارُ إلى أي نتيجة إيجابية، كلُّ ما في الأمر هو أنَّك ترى عدم وجود دليل كافٍ على وجود الله، وفي الوقت ذاته فإنَّ أي دليل مهما كان لن تُقرَّ بنتيجته! فإمَّا أن تُقرّ بالأدلَّة الفطرية والعقلية والمنطقية، وإما أن تحجر على دماغك وتبحث عن دليل مادي مباشر، وفي هذه الحالة فأنت كمن يبحث عن تاريخ الحرب العالمية الثانية في بطون كُتُبِ الفيزياء، ثم يزعق بأعلى صوته: لا يُوجد تاريخ لها!! فليست الحقيقة أنَّك لم تجد التاريخ، بل الحقيقة أنَّ التَّاريخ موجود ولكن طريقتك في البحث عنه كانت خاطئة من الأساس؛ لذا لن تجده أبد الآباد!! أ. هـ
والأمر ذاته يتكرّر، فعندما طلب البروفيسور عمرو شريف على الهواء مباشرةً من مناظره
360 (1/360)
صفحة 361
المبحث الثامن: المستوى الفطري
بسام البغدادي أن يُبيَّنَ للمشاهدين نوع الدليل الذي سيجعله يقتنع بوجود ا الله؛ قال بسام كلامًا مماثلًا لكلام دوكنز في الحوار السابق؛ إذ أفصح عن طلبه الذي وجَّهَهُ إلى (الله) بعد أن وقفت بعوضةً على يده ذات يوم فضربها ضربةً أردتها صريعة، ثم توجّه إلى الله قائلا: "إذا أحييتها - يا الله - فإنَّني سوف أُؤمن بوجودك!!
يُذكر - في السياق ذاته - أنَّ رائد الفضاء السوفيتي الشهير يوري جاجارين (Yuri Gagarin)(2) قال وهو يعوم مُحلّقًا في الفضاء اللاحب: "إنَّه لشيء رائع ... رائع جدا!! إِنَّني أرى من الألوان ألوانا لم أرها من قبل إنَّه لمنظر ساحر! ". أمَّا الرَّائد الآخر وهو فلاديمير تيتوف (Vladimir Titov)(3) فقد وصف في مؤتمر صحفي المشهد المهيب للأرضِ من الفضاء وهي تدور قائلاً: تُرى من يُمسكها هكذا؟! وكيف أنَّها لا تقع؟! ". نعم؛ إنَّها أسئلةُ الفِطرة المباغتة، فمن هو الذي وضع القوانين التي تتحكم بها؟! ولكن - ولأمر ما - عاد تيتوف في مؤتمر آخر ليقول فيه. "إنَّ الله لو كان موجودًا لرأيتُه في الفضاء جالسًا على العرش، ممسكًا بالصولجان (4)!!
ومثل هذه الأطروحات تُوفَّحُ لنا حجم الخطأ المتكردس على أنقاض عملية فهم الملحد لقضيَّة الإيمان بالله، ذلك لأنَّ هذه القضيَّة وإن اعترفنا بفطريتها ويقينيتها فإنَّها في الوقت نفسه تبقى قضيَّةَ اختبار وامتحان فلئن كان الإيمان بالله متوقفًا على الاشتراطات الشَّخصيَّة لما كان للاختبار ولا للاختيار وجود هذا إن سلمنا جدلا بأنَّ تلبية مثل هذه الاشتراطات ستقنع المكابرين والجاحدين وإلا فالله يقول - وهو أصدق القائلين: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ (15) (الحجر: 14 - 15). ويقول: وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (7)) (الأنعام: (7). وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون؟! إنَّ الملحد يتعامل مع الإله الخالق كما يتعامل مع نادل في مقهى شعبي، فيملي عليه شروطه ورغباته، وإن لم يقم هذا النَّادلُ بتلبية تلك الاشتراطات والرغبات فإنَّ الملحد سيقلب
1 - شاهد: برنامج بعد الصلاة حلقة مناظرة الإسلام والإلحاد، TtxlpRqzXE=https://www.youtube.com/watch?v.). (1934 - 1968 م) وهو أوَّلُ من تمكن من الطيران إلى الفضاء الخارجي والدوران حول الأرض.
2 - رائد فضاء روسيا - رائد فضاء روسي من مواليد عام 1947 م)، وهو أصغر رائد فضاء، ويُذكر أنَّ رحلته الفضائيَّة كانت بعد رحلة جاجارين، حصل على العديد من الجوائز، كـ (وسام لينين)، و (بطل الاتحاد السوفيتي)، و (وسام النجمة الحمراء).
4 - يُنظر: حسين الأنصاري، العلم في رحاب الله،. ص (61 - 62).
361 (1/361)
صفحة 362
مناجزة الإلحاد
الطاولة عليه وستثور ثائرته وتهب عاصفة جنونه الملحد كأنَّه لا يعلم بأنَّ الإله في هذه الحالة ووفق هذا التَّصوُّر لن يكون إلها حقًّا، بل مجرَّد عبدٍ أو نقيط تحت رحمة الملحد!! لقد نسي هذا
الملحد المغرور أو تناسى بأنَّه يَمثُل بين يدي قهَّارِ السَّموات والأرض الكبير المتعال! إذن؛ فإنَّ على الملحد قبل أي شيءٍ أن يتصوّر الخالق الذي ينفي وجوده تصورًا صحيحًا، وألا يكون نفيه نفيًا أعمى أو نفيًا مُوجَّهًا إلى شيءٍ آخر غير الإله الخالق؛ لأنَّه بذلك كمن يُهاجم رجل القش) فالاستدلال على الشَّيء يمرُّ بمراحل كثيرة ليس أولها أن يكون بالأدوات التي تتناسب مع طبيعته، وليس آخرها أن يكون لدينا تصور صحيح. بعد هذا الاستهلال الذي كان ممَّا لا بُدَّ منه، يحين موعد استعراض البراهين الدالة على وسوف يكون عرضنا لها على ثلاثة مستويات تصنيفية:
الله وجود
عنه.
(1) - المستوى الفطري.
(2) - المستوى العقلي.
(3) - المستوى العملي.
وهنا نود الإشارة إلى أنَّ هذه التقسيمات هي تقسيمات نظرية مجردة، وهي وإن تمايزت وتنوعت فيما بينها إلا أنَّها - عند التدقيق - مرتبطة فيما بينها بوشائج وارتباطات تربطها بعضها ببعض. وضربة البداية ستكون بمشيئة الله تعالى مع المستوى الفطري.
362 (1/362)
صفحة 363
المبحث الثامن: المستوى الفطري
ما هي الفطرة؟
الفطرة في أوسع معانيها: الاستعدادات والميول والغرائز والحاجات الموجودة في الإنسان من يوم ولادته، دون أن يكون لبشر يد في إيجادها. أو هي: الاستعدادات المغروسة في بنية الإنسان، والتي تتيح له التمييز بين الخطأ والصواب، سواء أقام بتفعيلها أو لم يقم. أو هي القوة المودعة في الإنسان، والتي تجعله متقبلا لمعنى دون آخر - أو مضطرًا إليه - ما لم تُؤثر عليه مؤثرات خارجية. والفطرة على العموم هي المصطلح الديني الذي يُعبر عنه بالطبيعة أو الغريزة. وفيما يتعلق بمعرفة الله، فإنَّها تتأتى مبدئيًا بدون وساطة أو تدخل من المفاهيم والتصورات العقلية؛ أي إنَّها معرفةً فِطريَّةً حُضوريَّةٌ غير مكتسبة بالتعلم، كما أنها تتأتى - أيضًا - بوساطة المفاهيم العقليَّة؛ أي إنَّها معرفةً حصوليَّةٌ مكتسبة. ويمكن القول بأن وجود الإله الخالق هو معرفةً حضوريَّةٌ قبل أن تكون معرفةً حصولية، بينما معرفة الصفات التفصيلية للإله هي معرفة حصولية، وكلتا المعرفتين تتداخلان حضوريًّا وحصوليا من بعض الوجوه، وكما قيل: فـ"ما من علم حصولي إلا وهو مسبوق بعلم حضوري“.
إنَّ معرفة الله تكون فطريَّةً حُضوريَّةً حيث "إِنَّ الإنسان خُلق وقد غُرست في أعماق قلبه رابطةٌ وجوديَّةٌ بالله، فإذا فتّش فى جنبات قلبه والتفتَ بجةٍ إلى أعماقه فإنَّه سيجد تلك الرابطة الوجوديَّة، لا أنَّه يعلم أنَّ الله موجود بل هو يُدرك علاقته بالله مباشرة؛ أي إنَّه يرى ويُشاهد ويجد ذلك (2)، كما تكون هذه المعرفة الفطرية حصوليَّةً من حيث سهولة إدراكها، ودون بذل كبير سعي وجهد لتحصيل العلم بها، فهي معلومات بدهيَّةٌ أو قريبةً من البداهة). فالطفل عندما يحتك بالموجودات يسأل مباشرةً عن خالقها وهو ما زال متعثرًا في كلماته، فكثيرًا ما يُوجّه 1 - ملحوظة: يكون الاحتجاج بالفطرة مغالطة منطقية عندما تُعامل بعض الأمور غير الفطرية - كالأمور الثقافية المبنية على العقل الجمعي - على أساس أنَّها أمور فطريَّة، أو عندما يُستدل بها نظريا من غير استدلال مسبق عليها.
2 - بالرغم من عدم وجود اختلاف في الأمور الفطرية فإنَّ النَّاس قد يغفلون عن ذلك ويظنون أنَّهم مختلفون ما لم يُنبههم أحد إلى ذلك فيدركون ساعتها أنَّهم كانوا متفقين رغم اختلافهم الظاهر، ولذلك يقول الله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم: 30). (يُنظر: كمال الحيدري،
فلسفة الدين، ص 90).
- محمد تقي المصباح، معارف القرآن، (1/ 39 - 40)، بتصرف“.
363 (1/363)
صفحة 364
مناجزة الإلحاد
الأطفال مثل هذه التساؤلات إلى آبائهم وأمهاتهم، فهم يُدركون بفطرتهم أنَّ لكل صنعةٍ صانعا، وأنَّ إدراكهم هذا لهو من أظهر البدهيات، وأبلج الدلالات.
الله
الإنسان القديم قبل أن يتدرّع بأي درع فلسفي ميتافيزيقي، وقبل أن يستند إلى أي خبرٍ سماوي "لم يبحث عن بل وجده معه، وهو لم يُعبر عن وجوده بالمنطق ولا بالميتافيزياء، ولا باليقين أو الشَّك، بل لفظ اسمه ببساطة لفظه لكلمة (نفس) التي فيها فكره ومشاعره ورغباته، دون أن يُحدد أيا منها". وصدق أحد العارفين حينما قال: "بحثتُ عن الله في كل
(1)
-
مكان فاكتشفته في نفسي فالفطرة الطَّبيعة المجرَّدة عن كل المؤثرات الخارجيَّة والإشكالات العلمية والفلسفية والمجريات الاجتماعية والأهواء النَّفسيَّة ونحوها، فالنَّاس - مثلًا - لا يختلفون في رفض الظلم كمبدأ فطري وإن اختلفوا في بعض التطبيقات، فإن كان فيهم من لا يرفض الظلم فلا شك من وجود مؤثراتٍ خارجيَّةٍ طمست فطرته السَّويَّة، وهكذا الحال فى قضية وجود الله كمبدأ فطري، فإنَّه بمجرد استنطاق النَّفس والعقل لا يجد الإنسانُ مَخرجًا من الاعتقاد بوجود الله، بينما يجد مشقَّةً وعنتا وصدامًا مع فطرته وبنيته العقلية عندما يُنكر وجوده، ويُحاول بكل ما أوتي من مكرٍ ودهاءٍ أنْ يُضفي على إنكاره هذا طابع العِلم والمنطق، مع أنَّه مفطور على تقبل وجود) الله بكل سلاسة وانقياد ومفطور على رفض تصور عدمه! إذا كان الجسم البشري "محتاجًا لمأوى يأوي إليه ليتقي فيه أفاعيل الطبيعة المحيطة به، وغوائل الأعراض التي تكتنفه من سائر جهاته، فليست الأحاسيس المعنوية والعواطف القلبية بأقل احتياجًا من ذلك الجسم لموئل تعتصم فيه ما يتجاذبها من عوامل الشعور الذي غرس فيه بحكم الفطرة الأصلية، ليس الإنسان كالحيوان يقتنع بما يسد حاجيات جثمانه من مأكل ومشرب، ولا يبالي بعد ذلك بما يسوقه إليه القدرُ في غده أو بعد غده، كلا؛ بل للإنسان مطالب روحانية لا يقل حنين إحساساته عليها وشغف أمياله بها عما يُصيبه من فقد مطالبه المادية، بل ربما دقّ الشُّعور في بعض الكاملين من هذا النوع الإنساني فآثر الوصول إلى مشتهيات روحه على كل مطلب جثماني أيا كان نوعه، بل لا يخلو واحد منا من شعورٍ - حينًا من الأحيان - بحالة يود فيها لو نال راحته الضَّميريَّة التَّامَّة ولو جرَّده ذلك من كل ما لديه من بهرج الدنيا
1 - هاني يحيى نصري، نقض الإلحاد، ص 77.
364 (1/364)
صفحة 365
المبحث الثامن: المستوى الفطري
وزينتها المموهة. أما ألم بك شعور ما في حين من أحيان حياتك بعثك للنظر في نفسك ومصيرها وفي دنياك وأحوالها وفيما يُحيط بك من الكائنات على اختلاف أنواعها وأجناسها فتولَّد فيك إحساس سام لم يكن فيك من قبل؟! إحساس أراك رأي العين أن ليس لك في هذا الكون المحسوس مقنع تقف عنده ولا موئل تعتصم فيه من مهددات هذه الحياة القصيرة؟! إحساس سماوي ليس من طبيعة هذه الجِبلة الحيوانية صغر لك الوجود على ضخامة أجزائه، وحقَّرَ لك هذا الملكوت الأرضي على كبر أبعاده، وشخَصَ لك مخاوفه ومعاطبه تشخيصا دفعك إلى تلمس المخلص منه والمحيص عنه؟! دع سماسرة المادة جانبًا، واطرح أقوال مروجة الزخارف، وارجع لنفسك لحظة من لحظات حياتك العزيزة، واستفت هذا الفؤاد المرتجف بين جنبيك واستنبئ ما يتنازعه من إحساساتٍ ومشاعر، ثم تعال فقل لي إلى أي مدى وقفت بك مراميك الداخلية وفي أي نقطةٍ من هذا المحتد الطَّيني سكن اضطراب فؤادك الولهان؟! نعم؛ للإنسان في لحظات راحته وسكونه مسارح فكريَّةٌ في أمثال هذه المرامي الشامية التي هي من مميزات الرُّوح الإنسانية، وليس فؤاد الجاهل بأقل شعورًا بها من فؤاد العالم، وليست هي في مكان وزمانٍ أشد منها في زمان ومكانٍ آخرين، تدلُّ على ذلك أشعار الأمم وأغانيهم منذ القدم، فإنَّها تترجم عن مثل هذا الشعور السَّامي وتُرينا أنَّه فطري فينا، وأنَّ دون انتزاعه منا نزع الفؤاد من بين الجوانح إذن؛ ماذا يعمل الانسان وهو في تلك الحالة الحرجة والموقف الصعب؟! بأي ركن يعتصم؟! وإلى أي ملاذ يلوذ؟! ليس أمامه إلا التَّرامي بين يدي تلك القوَّة الأزلية التي أخرجته من العدم، تلك القوَّة التي وهبت الإنسان هذا الفكر الطموح، والعقل الجموح؛ لحكمة بالغة ومقصدِ عظيم. إذا ألقى الإنسان نفسه بين يدي هذه القوة ثلج صدره واطمأن على نفسه لتحققه أنَّ هناك قوَّةً معتنيةً به ومهيمنةً عليه، ولو فقد الإنسان الثقة بهذه
القوة فكيف تدخل نفسه طمأنينة؟!» (1).
1 - محمد فريد وجدي الحديقة الفكرية، ص (6) - (9)، بتصرف.
365 (1/365)
صفحة 366
مناجزة الإلحاد
الله،
مكونات الفطرة
وانقيادها إلى الله
للفطرة عدة مكونات تنزوي تحت رايتها، وكلُّ مكون من هذه المكونات يحمل في طياته برهانا ساطعا على إثبات وجود الله، ولأنَّ مصدر هذه المكونات هو الفطرة كان حريا بنا أن نضعها كلها تحت يافطة (المستوى الفطري) عند الاحتكام إلى حُجيَّتها في قضيَّة إثبات وجود والمستوى الفطري في أصله لا يتجاوز تُخوم المعرفة الحُضوريَّة إلا في حال استدعاء البرهنة على مكوناته بطبيعة الحال، ويمكن تلمس هذه المعرفة الحضورية في الرغبة الجامحة في البحث عن الله، وفي الحاجة والافتقار إلى المعبود المقدس، وفي يُسر التصديق بوجود الإله، وسهولته وتماشيه مع بنية التَّفكير البشري بكل طواعية وانقياد.
الله إِنَّ ظهور وجود بصورة فطرية جليَّةٍ قد يُخفي عن بعض الناس حقيقة وجوده؛ إذ إنَّ الجليَّات إذا غدت مطلوبةً كانت عويصة المنال، وكما قيل فإنَّه لـ" من أشكل المشكلات توضيح الواضحات". ثمَّ إنَّ عدم إدراك وجود الله بصورة حسيَّةٍ مادية قد يحجب عنهم حقيقة وجوده، وعدم رصد تغير في وجود الله واستمراره على ما كان كما كان قد يُوهم كذلك بخفائه واختفائه، والاعتياد على شواهد وجوده قد يكسر نزعةَ التَّطلُّع إلى وجوده، ويطمس فطرة الشُّعور به فالقُرب حجاب - والتَّعلُّق بالماديات وملذات الدنيا يوطد حالةً تجاهل وجوده؛ لذا فإنَّ الصَّدق مع النفس والشعور الذاتي هو ما يجعل الفِطرة برهانا ذاتيًا على وجود الله، من غير الحاجة إلى البراهين العقلية إلا من باب التدعيم والإسناد.
وتتجلى المكونات الفِطْريَّة الدَّالَّة على وجود الله فى شواهد كثيرة نذكر منها:
- الافتقار الوجداني.
- النداء الطبيعي.
- الضرورات العقلية الأولية.
366 (1/366)
صفحة 367
- الأُسس الأخلاقية.
- الهداية الغريزية.
- الأسئلة الوجودية.
- الجمال.
المبحث الثامن: المستوى الفطري
الإرادة الحرة.
الافتقار الوجداني
الإنسان مفطور على الشعور بالافتقار الوجداني إلى (الإله)، وهذا الافتقار مكون مغروس في فطرته، وممشوج ببنيته الوجدانية، وهو الذي دفعه عبر تاريخه التالد إلى الاعتقاد بوجود الإله الخالق الموجد، فسواء أتدخَلَتِ البيئة أو التنشئة - أو غيرها من العوامل الخارجية - في صياغة الإنسان وبرمجته أو لم تتدخل يظلُّ الافتقارُ الوجداني إلى (الإله) جاثما بكل ثقله على وعي الإنسان وضاربًا بأطنابه وبعمق غائر في صميم وجدانه.
ولأنَّ مبدأ الافتقار الوجداني إلى (الإله) مركوز في فطرة الإنسان فإنَّ الأمر بطبيعته لا يحتاج إلى برهنة، فالإيمان بوجود (الإله) شعورٌ فِطري يجده الإنسانُ في نفسه كما يجد شعور الجوع والعطش والحب والبغض ... والاعتقاد بوجود الله كما يقول الفيلسوف الأمريكي الشهير ألفين بلانتنجا هو كالاعتقاد بوجود المفاهيم الرَّئيسة الأخرى: كصحة اعتقادنا بوجود عقول للآخرين كعقلنا، وصحة اعتقادنا بأنَّ الجزء أصغر من كُله، وصحة اعتقادنا بأنَّ مجموع العملية الحسابية (11) = (2). فالإنسان هو ذلك الكائن المتطلّع والمشرئب بعنقه دوما إلى (الإله)، والباحث بنهم عن معرفة صفاته بعد أن صار وجوده مُقرَّرًا بدهيًّا لديه. ويُمكن تلمس هذا الافتقار في
جوانب عديدة؛ لعل أبرزها:
الظمأ الداخلي العميق
إذ يُرافق الشُّعور بالحاجة إلى الله الإنسان طوال حياته، وإنْ خَفَتَ في لحظة وتوهج في أخرى، وهذا الظَّمأُ الداخلي ليس مؤقتًا أو منقطعًا، بل هو شعور دائم مستمر ومتكرر، والشعور الدائم والمتكرر يُؤكد حقيقة وجود الشَّيء الذي يسدُّ مسدَّه، ويروي. وحاجته، فالشعور المتكرر بالعطش يؤكد حقيقة وجود الشَّيء الذي يُلبي هذه الحاجة، وهو
ظمأه، ويُلبي نهمه
367 (1/367)
صفحة 368
مناجزة الإلحاد
الماء، والشعور المتكرر بالجوع يؤكد حقيقة وجود الشَّيء الذي يلبي هذه الحاجة، وهو الطعام، والشعور المتكرر بالحاجة إلى (الإله) يؤكد حقيقة وجود الشيء الذي يُلبي هذه الحاجة، وهو (الإله)، وهكذا في بقية الأمور الفطريَّة الأُخرى.
يقول ديفيد هيوم في كتابه (محاورات في الدين الطبيعي) على لسان (فيلون) الذي يُمثل قلَقَه الشَّكي الشَّخصي: "ليس هناك من هو أشدُّ مني إحساسًا بالدين المنطبع في نفسي، أو أشدُّ تعلقا بالموجود الإلهي كما ينكشف للعقل بين ابتداع الطَّبيعة وصناعتها الذين من الصعب تفسيرهما» (1). فتفسير وجود هذه المشاعر الدينية - وإن أمكن توصيفها توصيفا طبيعيًا - لا يكون خاضعا للعِلم التجريبي، وقد صرّح أينشتاين بأنها من القضايا التي لا دخل للعلم الطبيعي بها؛ لأنَّها ليست من اختصاصه.
لقد قدَّمَ الفيلسوف الإنجليزي الكبير ولتر ستيس في كتابه (التصوف والفلسفة) حجَّةً استقرائية لا بأس بها؛ إذ تحدث عن إجراء عددٍ كبير من التجارب على أُناس مروا بحالات روحيَّةٍ صوفيَّةٍ شعروا في خلالها بوجود الإله المتعالي ()، وخلصت هذه التجارب إلى وجود هذا الافتقار الوجداني بصورة عامة ومطردة على الرَّغم من اختلاف هؤلاء الناس في الزمان والمكان والدين والعقيدة، وهذا يُؤكد فطريَّة الأمر وتساويه في طبائع البشر على حدٍ سواء. إنَّ التَّجارب الدينية المختلفة تُؤكد وجود حالة الظَّمأ الداخلي العميق الناتج عن الافتقار الوجداني للإله، وهذه التجارب لها ثلاثة تفسيرات:
الأول: أنَّها ليست تجارب عقليَّةً أو معرفيَّة، بل تجارب شعورية ترتبط بمصدر كلي متميز عن العالم، إنَّها تصديق ذاتي وطبيعة حدسيَّةً لا تتوسطها المفاهيم والأفكار والاعتقادات والممارسات، ولكن لا يُمكن وصفها بالشعورية المحضة.
هذا الشعور يحصل بأشكال عِدَّة، فقد يكون متدفقا مثل تيار لطيف يتخلل العقل بمزاج هادئ ذي مقام أعمق، وقد يكون موقفاً ثابتًا ومستمرا في النفس، كأنه اهتزاز واهتياج مثير، وقد يبرز للعيان في شكل ثوران مفاجئ من أعماق النفس.
الثَّاني: أنها تجارب إدراكيَّة، وتكون موجودةً في خبرتنا الحسيَّة الطَّبيعية، فهناك اتفاق عام
1 - ديفيد هيوم، محاورات في الدين الطبيعي، ص (140 - 141).
2 - يُنظر: ولتر ستيس، التصوف والفلسفة، ص (56 - 57). علمًا بأنَّه لا توجد حاجة لتدعيم فطرية وجود الله بمثل هذه التجارب.
368 (1/368)
صفحة 369
المبحث الثامن: المستوى الفطري
على أنَّ الموضوعات ذاتها تحضر لنا بطُرُقِ تُمكننا من معرفتها. وعلى نحو مشابه في التجربة الدينية حيث يذكر الله نفسه بطرق تُمكننا من معرفته ومعرفة صفاته وأفعاله.
الثَّالث: أنَّها تجارب شخصيَّةً متعالية، يكون التسليم بها عن طريق الذين يعتقدون بأنَّ
التَّفسير الطبيعي لها غير كاف، وأنَّها يُمكن أن تُفسَّر فقط عن طريق الاعتقادات الدينية). ولكن لقائل أن يقول: ما الدليل على أنَّ الافتقار الوجداني للشَّيء يعني وجود ما يُغنيه ويسدُّ فقره في الواقع الخارجي؟! أليس من المحتمل ألا يكون لهذا الافتقار ما يسده في الواقع الخارجي؟! والجواب: لا. فالميول والرغبات المُلحة والمطَّردة لا يُمكن أن تُوجد بغير متعلقاتها ودواعيها؛ لأنَّ الرغبات بمثابة النتائج، بينما المتعلقات والدواعي بمثابة المقدمات، ومن المعلوم أنَّ المقدمات تسبق النتائج، إذ النتائج تترتب عليها لاحقا. إنَّ الوجود المطلق للإله لا يُمكن للإنسان أن يبتدعه إلا بوجود هذا الشعور الفطري فيه من تلقاء نفسه كما هو واضح في الافتقار الوجداني. ونحن هنا لا نتحدَّث عن التَّوهمات والتَّصورات، فـ (لا حجر على التصورات) كما تقول القاعدةُ المنطقيَّة، بل نتحدث عن الميل الوجداني للمطلق.
التاريخ الإنساني (الأنثروبولوجي) كلُّ الحضارات البشرية وكلُّ الأمم عبر التاريخ أقرت بوجود (الإله) واعترفت به رغم اختلافها في الزمان والمكان والدين والثقافة والفنون والعادات والتقاليد والتشريعات ونحوها، ورغم اختلافها في تصوراتها لهذا الإله، فالإنسان العاقل منذ وجوده راوده هذا الافتقار وهذا التَّطلع الوجداني إلى (الإله).
يقول المؤرخ الإغريقي الشهير مستريوس بلوتارك: "لقد وُجدت في التاريخ مدن بلا حصون، ومدن بلا قصور، ومدن بلا مدارس، ولكن لم تُوجَد مدن بلا معابد (2). وبمثله اعترف المؤرخ الشهير ول ديورانت في موسوعته العظيمة (قصة الحضارة) قائلا: "ولا يزال الاعتقاد القديم بأنَّ الدين ظاهرة تعم البشر جميعًا اعتقادًا سليمًا (3). ويقول المؤرخ الإنجليزي الكبير أندرو لانغ: إنَّ الذَّهن الإنساني كان قادرًا دائمًا وعبر كل العصور على التوصل إلى فكرة الكائن الإلهي
1 - يُنظر: عبد الجبار الرفاعي الإيمان والتجربة الدينية، ص (35 - 54).
2 - يوسف القرضاوي، وجود الله، ص 22.
- ول ديورانت، قصة الحضارة، (1/ 99).
369 (1/369)
صفحة 370
مناجزة الإلحاد
الأعلى. وقد جاء في معجم لاروس (Laresusse) للقرن العشرين: "إنَّ الغريزة الدينية مشتركة بين كل الأجناس البشريَّة، حتّى أشدها، همجيَّة وأقربها إلى الحياة الحيوانية ... وإنَّ الاهتمام بالمعنى الإلهي وبما فوق الطبيعة هو إحدى النزعات العالمية الخالدة للإنسانية (2). ويعترف الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون قائلا: " ... وما يزال موجودًا حتى الآن، فلقد نرى في السابق، أو في الحاضر، مجتمعات إنسانية لا حظ لها من علم أو فن أو فلسفة، ولكنا لا نعرف مجتمعًا لا دين له (3). بل إنَّه لا يُوجَد أي دليل على أنَّ فكرة الدين تأخرت عن نشأة الإنسان العاقل
وثمَّةَ اتفاق اليوم بين علماء المدارس المختلفة في مجمل البلدان على أنَّ تاريخ البشرية لم يعرف زمنًا لم يُفكر الإنسان فيه بالإله، لقد كان الإنسانُ يشعرُ دوما بوجود الإله؛ لأنَّه كان متواصلا بشكل دائم مع العالم الذي يُحيط به؛ أي مع ما أبدعته يد الإله. لقد أدرك الإنسانُ - في كل أوقاته - أنَّ هناك خالقا خلقه، ولم يكن بإمكان أحدٍ أن يخلقه سوى الإله؛ ولذلك اقترحت مؤرخة الأديان الإنجليزية كارين آرمنسترونغ وضع تسمية بديلة للإنسان العاقل وهي: (الإنسان المتدين).
هذا؛ ونود هنا أن نشير إلى أنَّ تلمس الافتقار الوجداني في الجانب التاريخي للبشر (الأنثروبولوجا) لا يلغيه أو يعاكسه القول بوجودِ دلالاتٍ أخرى للجانب (الأنثروبولوجي) غير دلالاته على الافتقار الوجداني، كدلالاته على وجود النُّبوَّات والرسالات السماوية في الوقت نفسه. شهادات المنكرين
إن الملاحدة أنفسهم يُقرون بوجود هذا الافتقار إلى (الإله)؛ لأنَّه أمر مغروس في فطرتهم وإن كانوا لا يُسمونه بـ (الفِطرة)، فمنظروا الإلحاد وأعلامه الكبار كفوير باخ، وهولباخ، وكارل مارکس، و فرويد، ونيتشه و برتراند راسل و دوكنز وضعوا فرضياتهم في نشأة الأديان الله - كفرضية الإسقاط عند فرويد والتي أخذها عن فوير باخ، وفرضية الجهل والفضول، وفرضيَّة الخوف، وفرضية استبقاء الأصلح ونحوها من الفرضيات التي تُؤكد وجود هذا الافتقار الوجداني
1 - فراس السواح، دين الإنسان، ص 221.
2 - محمد عبدالله دراز الدين، ص 83
3 - هنري برغسون، منبعا الدين والأخلاق، ص 113.
4 - يُنظر: أ. س. ميغوليفسكي، أسرار الآلهة والديانات، ص 103.
ووجود
370 (1/370)
صفحة 371
المبحث الثامن: المستوى الفطري
- لكن تناولهم لهذا الافتقار الوجداني كان بناءً على فرضيَّاتهم من حيثيَّة معرفية (إبستمولوجية)، فهم تجاوزوا وجود هذا الافتقار؛ أي إنَّهم أقروا به من الناحية الوجودية (الأنطولوجية)، وانتقلوا مباشرةً إلى البحث عن السبب الطبيعي لوجوده، وهذه شهادة منهم واعتراف بوجوده، بغض النظر
عن توصيفه الطبيعي؛ لأن الاحتجاج هنا منصب على الوجود نفسه لا على التوصيف الطبيعي. سنتناول - هنا - جانبًا مقتضبًا من الأطروحات المعاصرة لتبرير نشوء الافتقار الوجداني، فقد أفصَحَ عالِمُ الجينات الأمريكي دين هامر عن اكتشافه لما أسماه بجين الألوهية (VMATY) وأنَّه الجينُ المسؤول عن مثل هذه المشاعر الإيمانية والروحيَّة)، وقد وُجهت طعون عدة لهذا الاكتشاف، فهو كشف لم يُعتمد عند المجتمع العلمي بعد، وعلى كل حال فاعتماد هذا الاكتشاف علميًّا - إن اعتُمد - لا يهزُّ من قلوب المؤمنين ساكنا، ولا يزعزع من أفكارهم راسخًا؛ بل إنَّ في اكتشاف مثل هذا الجين زيادة دعم وإسناد لقول المؤمنين بفطرية الإيمان بوجود الله، وأنَّها قضيَّةٌ مدموعةً فى جيناتنا البشرية. ولو قيل بأنَّ هذا الجين قد يكون مُعطَّلًا عند بعض البشر، ومن ثمَّ لا يكون وجود الله أمرًا فطريًّا فيهم، فإنَّ الله أمرًا فطريًّا فيهم، فإنَّ مبلغ هذا القول هو نفي فطرة وجود الله كحالاتِ شادةٍ خرجت عن القاعدة، والشَّاذُ لا حكم له، بل إنَّ هذا القول في الحقيقة ينفي فطرة وجود الله الله عن أمثال هؤلاء، وإنَّما يجعل فِطرتهم كصفحة بيضاء خالية الوفاض، أنَّ الأصل في الجين إن كان خاملا - كما في الاعتراض المطروح - هو أن يُفسح المجال لفطرية وجود من حيثية أخرى، وهي يُسر التصديق بوجود الإله وسهولته وتماشيه مع بنية العقل البشري بكل سلاسة وانقياد في حال استدعاء الأدوات العقلية مباشرةً، ففطرية وجود ليست قاصرةً على المشاعر الوجدانية فقط والتي يُفترض أن يكون جينُ الألوهية (المزعوم اكتشافه) مسؤولًا عنها، وهنا نلفت الانتباه إلى أنَّ دين هامر نفسه يعترف بوجود جيناتٍ وعوامل بيولوجية أخرى بجانب جين الألوهية قد تكون مسؤولةً - هي الأخرى - عن مثل هذه المشاعر الرُّوحيَّة! لقد زعم ريتشارد دوكنز أنَّ مثل هذه المشاعر ما هي إلا مجرد نتاج جانبي للتطور، كما طرح سام هاريس افتراضًا شخصيًّا مفاده وجود احتمال لنشوء مركز الإله (God Center) في المخ البشري يكون مسؤولا عن هذه المشاعر العميقة.
مع
الله
الله
هذه الأطروحات ليست سوى محاولات تخمينيَّةٍ شخصيَّةٍ غير مُدعمة علميًّا)، بل ومن
1 - يُنظر: (http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC 2262126).
2 - أرسل سيجموند فرويد عام (1927 م) رسالةً خطيَّةً إلى صديقه الوزير السويسري أوسكار فيستر، أوضح فيها بأنَّ نظرية الإسقاط
371 (1/371)
صفحة 372
مناجزة الإلحاد
العسر تدعيمها علميًّا، ثمَّ إِنَّ قُصارى ما تُثبته لنا - على افتراض صحتها - هو وجود عوامل طبيعية لمصدر هذه المشاعر؛ أي إنّها ليست سوى توصيفات طبيعية للظاهرة دون أن يكون لها أي مدخل في تفسيرها المعنوي والغائي، مع الأخذ بعين الاعتبار أنَّ هذه الأطروحات موجهة سلفًا باعتقاد (أيديولوجي) بأنَّ الإله غير موجود ومن ثم فهي مبنية على الاستشهاد بمحل النزاع، وهذا لا يصح منطقيًّا، بينما يكون الطرح المقابل لها مبنيا على بداهة وجود (الافتقار الوجودي) نفسه، هذا، ونُؤكِّد - كما مر - أنَّ هذه الافتراضات والتخمينات أراد بها أصحابها
الفرار والخلاص من أشر قبضة القول بفطريَّة هذه المشاعر فوقعوا فيما منه فَرُّوا!
فذلكة
إنَّ (الافتقار الوجداني) برهان فطري يسوق الإنسان إلى منصة الاعتراف بوجود (الإله)، وهذا البرهان لم ينكره الملاحدة الذين أسَّسُوا فرضيَّات نشوء فكرة (الإله)، وإنَّما انصبَّت جُلُّ جهودهم على ابتداع فرضيَّاتٍ طبيعيَّةٍ تُبرر وجود هذا (الافتقار الوجداني)؛ بمعنى أنَّ وجوده أمر مفروغ منه، أمَّا الأمر الذي هو محل البحث فهو الأسباب الطبيعية التي يمكن أن تصف لنا كيفية نشوئه! مثله مثل البحث عن كيفية شعورنا بالخوف مع الاعتراف المسبق بوجود الخوف نفسه! ونحن لو افترضنا بأنَّ الخوف - مثلًا - هو منشأ فكرة (الله) وأنَّ استمراريته أصلح لبقائنا - لأنَّه يجعلنا حذرين متأهبين - فإنَّ هذا لا يتعارض مع كون الفطرة قاضيةً بوجود (الله)،
بل هو يُقدِّمُ فِطرةً أخرى تستسلم لوجود الله تعالى ألا وهي فِطْرةُ الخوف أو فطرة الرغبة. ونود لفت الانتباه - مرَّة أخرى - إلى أنَّ هؤلاء الملاحدة لم تكن عملية التأسيس لفرضياتهم عملية بريئة، بل هي عملية ممعوكة بالافتراضات الأيديولوجية المبطنة، فعندما تجد افتراضًا - كافتراض أنَّ التَّفسير المادي ينفي أي تفسير آخر (غائي أو ميتافيزيقي) أو يتعامد معه على طول الخط - موضوعًا على طاولة البحث قبل انطلاق البحث فإنَّك لا تحتاج معه إلى تبين مدى جدية البحث وصدقيته للوصول إلى النتائج الحقَّة أيا كان اتجاهها!
في نشأة فكرة الله - التي تبناها فرويد نفسه - ليست جزءًا من علم التحليل النفسي، وإنَّما رأيًا شخصيًّا له. يقول فرويد: "إِنَّ طبيعة كتابي لا تُشكّل نظريَّةً تحليليَّةً، بل هي وجهات نظري الشَّخصيَّة والتي اتَّفَقَ أن تتشارك مع العديد من غير المحللين، وبكل تأكيد يوجد عدد من المحللين ذوي الباع الطويل لا يشاركونها. (118 - 17. Sigmund Freud, Psychoanalysis and Faith, p) . كما أنَّ الوزير السويسري ينصُّ في إحدى رسائله على أنَّ العالم بدون معابد وبدون أديان سيصبح مجرد جزيرة شيطانية!! (المرجع
السابق، ص 115).
372 (1/372)
صفحة 373
المبحث الثامن: المستوى الفطري
هذا
وكما يقول الباحث الميثولوجي فراس السواح عن هذه المشاعر الفطرية: "إنَّها إحساس أولاني متمكن من السيكولوجيا الإنسانية، قوامه مواجهة فريدة مع قوَّةٍ شمولية منبنَّةٍ في العالم، تبدو متصلةً به قدر استقلالها عنه، إنَّه المقدَّس الكلي وقد صار حاضرًا في النفس التي تختبر حضوره بكليتها وفي معزل عن أي موقف عقلاني نقدي، وكما لاحظ رودولف أوتو بحق فإنَّ هذا الإحساس هو واقعيَّةً نفسانيَّةً لا تنشأ عن أي إرادةٍ أو تصميم مسبق، بل العكس هو الصحيح تماما؛ ذلك لأنَّ الفرد يجد نفسه تحت سلطان هذا الإحساس، دون مقدرة منه على توجيهه أو التحكم به، فهو ضحيته أكثر منه خالقا له (1).
و يرى المفكر الإسلامي الكبير مرتضى المطهري أنَّ لقضيَّة الألوهية مُوجّها عقلانيا ومنطقيًّا؛ أي إنَّ الطَّبيعة العقلانية والاستعداد الفطري البشري كانا وراء توجه البشر نحوها، وإنَّه لمن الخطأ بمكان أنَّ نبحث عن عِلَّةٍ خارجيَّةٍ لوجودها، فهي قضيَّةٌ ليس لها محل في علم النفس أو الاجتماع، ويضرب مثالا على ذلك بوجود فكرة الحياة الزوجيَّة والعائلية عند البشر؛ باعتبارها من الخواص الطبيعية لهم، فالبحث عن كيفية نشوء هذه الفكرة عندهم غير صحيح، وإذا كان لمفهوم الألوهية علاقة بالطبيعة العقلانية والمنطقية للبشر، وكان له ارتباط بميولهم الفطرية والذاتية، فحينئذ يكفي لأنَّ يُوجههم ذاتيا نحوه. إِنَّ
جميع الأحوال التي تسيطر على مفاصل حياة البشرية لا تخرج عن إحدى حالتين، إمَّا أنْ تكون أحوالا تعمُّ البشريَّةَ أجمعها مهما اختلف الزَّمان والمكان، وإما أن تكون أحوالا تخص بعض البشريَّة حَسَبَ اختلاف الزمان والمكان، فالأولى لا يُمكن أن تكون ثقافيَّةً ومكتسبة؛ إذ إنَّ عاملي النبات والاستمرار عبر الزمان والمكان يقضيان بذلك، وإذا لم تكن مكتسبةً كانت فطريَّةً غريزيَّة. بينما الثَّانية وبحكم تغيرها حسب الزمان والمكان فلا يمكن إلا أن تكون مكتسبةً وثقافية، فعلى سبيل المثال: التَّناسل والتَّزاوج يعمان البشرية عبر اختلاف الزمان والمكان، بينما التشاؤم والتَّطير من الرقم (13) موجود عند مجتمع دون آخر، فدل الأوَّلُ على فطريته وغريزيته، ودلَّ الثَّاني على كسبيَّته وطُروئه، والنَّاظر في قضية وجود الإله عبر الزمان والمكان يُدرك جليا بأنَّها من الصنف الأوّل. إنَّ الذين اعتقدوا أنَّ منشأ المفاهيم الدينية وتوجه البشر نحو الله كان هو الجهل والفضول، أو الامتيازات الطبقية، أو الحرمان الاجتماعي،
1 - فراس السواح، دين الإنسان، ص 31.
2 - من الواضح أنَّ المقصود من البحث هنا هو البحث (الأنطولوجي) لا البحث (الإبستمولوجي).
373 (1/373)
صفحة 374
مناجزة الإلحاد
أنَّه
أو الكبت الجنسي، أو نحو ذلك من الفرضيات الطبيعية قد افترضوا جزافًا وبلا دليل معتبر لا وجود للعامل المنطقي والعقلي أو الميل الفطري والذاتي ولكن لما ظهر لنا - بجلاء - وجود
هذا العامل المنطقي والفطري لم يعد هنالك مكان لمثل هذه الفرضيات على طاولة الحقيقة! نحن نقول: إنَّ البشر قد تعرَّفوا منذ قديم الأزمنة على مفهوم العِلَّة والمعلول، وهذا الأمر وحده يكفي لتوجيههم نحو مبدأ الكلي، إضافةً إلى أنَّ الإنسان يرى منذ نشأته الأنظمة المحيرة في العالم، وكان يُشاهد في نفسه أنظمة وأجهزة دقيقة، وكان هذا كافيا لتساؤله حول نشوء هذه الأجهزة، أهي من مبدع مدبر أم لا؟! وهكذا ... فمع افتراض أنَّ إثبات وجود الله ليس فِطْريًّا فإنَّ أصل البحث عن الله - على الأقل - أمر فطري وذاتي).
اشكالات وإيضاحات
(1) - لا يلزم من الشعور بالشيء وجوده واقعا.
إنَّ هذا الاعتراض صحيح في إطلاقه، لكنَّه يتجاوز - هنا - تقييدات مهمةً جدًّا، فالشعور بالافتقار الوجداني ليس عابرًا، بل هو شعور راسخ ومتكرر ومُلح، إضافةً إلى أنَّه عام ومطَّرِدُ عند جميع البشر عبر تاريخهم، كما أنَّه لا يُمكن لمثل هذا الشعور الحضوري أنْ يُوجد من غير وجود ما يتعلق به، فالعِلم لا يُوجد من غير وجود المعلوم! وإذا كان هنالك علم كان هنالك معلوم، ولو أننا طبقنا - تنزلاً وجدلًا - قانون الاحتمال الاستقرائي فإنَّه سيقف بلا شك في صف هذا التَّلازم بين الشُّعور ومتعلقاته، وقد سبق القول بأنَّ الحديث هنا ليس منصبا على التصور الشَّخصي من الأساس، بل عن الميل الوجداني للمطلق.
إنَّ الميل تجاه شيءٍ لا يُمكن له أن يتحقق إلا بعد الاطلاع على ذلك الشَّيء ومعرفته بصورة من صُوَر المعرفة، فالمعرفة أسبق وجودًا من الميل، وهي التي تُوجد الميل، والإنسان عندما يُدرك ذاته سيجد أنها محض فقر وتعلق صرف، وهذا لا يلزم منه أنَّ الإنسان كان يحمل في ذهنه منذ ولادته فكرةً عن الخالق، وإنَّما وعي الإنسان بذاته يُساوي وعيه بخالقه؛ لأنَّ وعيه بذاته يُساوي وعيه بفقرها وتعلقها بموجدها (2). ولهذا قيل: "من عرف نفسه عرف ربه“.
1 - يُنظر: الطباطبائي أصول الفلسفة والمنهج الواقعي بتعليق مرتضى المطهري، (2/ 552 - 555). "بتصرف“. 2 - يُنظر: محمد اللواتي البعد الضائع في عالم صوفي، ص (334 - 337).
374 (1/374)
صفحة 375
المبحث الثامن: المستوى الفطري
(2) - قد يكون هذا الشعور نتاجا للتطور لا أكثر. إِنَّ التَّطور عند القائلين به - يصف الظواهر الطبيعية لكنَّه لا يستطيع تفسيرها، فهو يصف لنا كيف تطور البشر عبر ملايين السنين، لكنَّه لا يُفسر لنا لماذا تطوّروا، أو لماذا وصلوا إلى هذا المستوى دون مستوى آخر، أو لماذا كانت طبيعتهم هكذا، أو لماذا كان مستوى وعيهم كما هو عليه الآن ... إلخ، وهذا الاعتراض لو طبقناه على الأمور الفطرية الأخرى سيكون اعتراضًا متعسفا عن جادة الحكمة، فالشُّعور بالعطش هو الآخر نتائج للتَّطور، والشعور بالخوف هو الآخر نتاج للتطور، وهكذا ... وكما قلنا سابقًا فإنَّ التَّوصيف الطَّبيعي للظواهر لا يلزم منه التَّعارض مع التَّوصيف الغائي؛ لأنَّ النَّظر في الكيفيَّة يتماشى مع النظر في الغائيَّة ولا يتعارض معها، بل إنَّ هذا هو ما يقتضيه المنطقُ العقلي ويفرضه.
(3) - لا يُمكن الوثوق بهذا الشعور من الناحية المعرفية. يجب أن نعلم بأنَّ كلَّ النَّواحي المعرفية يمكن إيرادُ الشُّبهات والسفسطات عليها؛ ولذا فإنَّ مثل هذه البراهين رغم ظهورها وسطوتها القاهرة تعرّضت - وما زالت تتعرض - للتشكيك والتشويه وسوء الفهم، وعدم وثوق الإنسان بفطرته ليس لبطلان برهانها أو ضعفه، وإنما لولوج مؤثراتٍ خارجيَّةٍ طمستها أو شوهت وجه دلالتها. يقول فراس السواح: "إنَّ الدين لا يقوم على أساس وهمي، ولا على مجموعة من الأفكار الخاطئة التي تم تكوينها في عصر الطفولة الإنسانية، بل إنَّه يقوم على أكثر الأُسس صلابةً في وجود الإنسان: إنَّه الوعي الباطني بالحقيقة). إنَّ إقامة الأدلة العقلية على وجود ا الله وعدم الاكتفاء بالفطرة لا يعني ضعف برهان الفطرة وعدم جدواه، فهو باق على متانته ورصانته برهان وجداني يجده المرء في وجدانه، وهو منه على حبل ذراعه، ولولا السفسطة والجدال بالباطل لما كان هنالك من داعٍ لاستخدام الحجج العقلية في البرهنة على البرهنة الفطرية!
(4) - هذا الشعور من مخلفات البيئة والتنشئة.
لا تُنكر دور البيئة والتنشئة في صياغة فكر الإنسان وقولبته، لكن في الوقت نفسه نحن ننكر جعل البيئة أو التنشئة شماعةً نُعلقُ عليها كلَّ أفكارنا وتوجهاتنا، وكما قلنا سابقا فإنَّ الافتقار الوجداني شعورٌ يعم البشر جميعًا حتَّى أولئك الذين عاشوا في بيئة إلحاديَّة أو نشأوا نشأة
1 - فراس السواح، دين الإنسان، ص 391.
375 (1/375)
صفحة 376
مناجزة الإلحاد
إلحادية، ولذلك يقول بول سارتر: "يبدو أنَّ هناك ثقبا في دماغنا لا يسده إلا الله). فرغم إلحاد هؤلاء وجحودهم لكنك تجدهم لا ينكرون وجود (الافتقار الوجداني) وإنَّما يُحاولون توصيف أسبابه بافتراضاتٍ لا بُرهان عليها؛ لينفذوا بجلودهم من تبعاته
(5) - فظرة وجود الإله ليست مطردة، فالملاحدة موجودون كما ترون. لقد مرَّ - في الحجّة الأنثروبولوجية - التنبيه على عموم هذه الفطرة عبر تاريخ البشرية، ووجود الإلحاد مؤخَّرًا ما هو إلا شذوذ عن القاعدة، واستثناء من الأصل السائد، وهذا الاستثناء والشُّذوذ لا ينفي وجود الفِطرة، بل يقودنا إلى النظر في الدوافع التي دفعت بهؤلاء الملاحدة إلى الانحراف عن الفطرة والتنكر لها، وهي بالتأكيد ليست دوافع فطرية مركوزة في البشر، بل
عوامل خارجيَّة!
لا
ثمَّ إنَّ المعرفة الفطرية للخالق كما قلنا قابلة للتَّوهج والخفوت، فالإنسان قد يزيغ عنها أو قد يشعر بها في بعض الفترات، وهذا يُشبه إلى حدٍ ما معرفته الداخلية بجرح أصاب جسَدَه فشعر به، إلا أنَّ وجود عامل أو شاغل خارجي - كزيارة مفاجئة من أهله أو أحبابه - قد يجعله غافلا عن جُرحه غير آبه به!
منه ...
يُمكن أن نستعير من عِلم المنطق ما يُسميه المناطقة بـ أسباب التَّوجه)، فالبدهيات رغم ظهورها قد تنقطع عنها بعض أسباب التَّوجه، وهذا بدوره سينزع عنها طابعها البدهي عند من انقطعت عنه تلك الأسباب، أما أصلها فيبقى على أصالته، فالإشكال حقيقةً ليس في ذاتها بل في خارجها، ولتوضيح ذلك نقول: إنَّ الافتقار الوجداني عِلم حضوري، قد يفقده الإنسان إذا ما انقطع. عنه سبب من أسباب التَّوجه، كعدم الانتباه، وعدم سلامة الذهن أو الحواس، أو لولوج الشُّبهة في نفسه وتمكنها يقول العلامة محمد دراز: "واعلم أنَّ الأديان عموم لجميع الأُمم لا يعني عمومها لكل أفرادها؛ فإنَّه لا تخلو أمَّةٌ من وجود (ذاهلين) قد غمرتهم تكاليف الحياة وأعباؤها، إلى حد أنَّهم لا يجدون من هدوء البال وفراغ الوقت ما يُمكنهم من رفع رؤوسهم للنظر في تلك الحقائق العليا؛ كما لا تخلو أمَّةٌ من (منكرين (ساخرين) يحسبون الحياة لهوا ولعبا، ويتخذون الدين وهما وخرافة، لكن هؤلاء دائما هم الأقلُّون في كل أمَّة، وهم - في الغالب - من المترفين الذين
1 - يُذكر أنَّ هذه العبارة قد سبق إليها قبل سارتر الفيلسوف الفرنسي الشهير مونتسكيو صاحب نظرية فصل السلطات.
376 (1/376)
صفحة 377
المبحث الثامن: المستوى الفطري
لم يُصادفهم من عبر الحياة وأزماتها ما يُشعر نفوسهم معنى الخضوع والتَّواضع، وما يُنبه عقولهم إلى التفكير في بدايتهم ونهايتهم، وهذا الاستثناء من القاعدة لا ينفي كمون الغريزة الدينية بصفة عامة في طبيعة النَّفس الإنسانية، كما أنَّ غريزة بقاء النَّوع لا يمنع من عمومها أن بعض الناس لا يتزوجون ولا ينسلون (1).
(1)
(1) - هذا الشعور يجعل وجود الإله ممكنا لا واجبًا.
إنَّه شعور يقودك ضرورةً إلى (الله)، أو على القليل يجعلك تبحث عنه؛ لتتعرف عليه، فدلالة هذا البرهان تقودك إلى الله وتُجبرك على البحث عنه، وهذا الشعور له طابعان، طابع وجداني بحث يتمثل في حضور مفهوم الإله تلقائيا، وطابع وجداني عقلي يتمثل في الإدراك المباشر لقانون العِلَّة والمعلول، وامتزاج هذين الطابعين مع بعضهما يجعل حكم الوجود الإلهي واجبًا لا ممكنًا. (7) - هذا الشعور لا يُخبرني من هو الإله.
ليس من اختصاصات هذا البرهان أن يُطلعنا على صفات الإله، فهو يقف عند بوابة وجود الإله الخالق الذي تأله إليه الفطر وتستدعي القلوبُ وجوده، بغض النظر عن صفاته وأسمائه، فهذه الأمور نعرفها عن طريق الرسالات الإلهية، كما نعرف بعضها عن طريق البراهين العقلية والفلسفية.
المحصلة
بعد هذا التجوال في برهان الافتقار الوجداني) نخلُصُ إلى المقدمتين الآتيتين:
الافتقار الوجداني لله ضرورة موجودة.
كل افتقار ضروري لا بُدَّ له من متعلَّق يستدعيه افتقاره.
ولما كنا قد أزحنا الغشاوات والعقابيل التي قد تحجب سفور هاتين المقدمتين؛ يجب أن يقال: إذا كان الله غير موجود، فإنَّ الافتقار الوجداني غير موجود، لكن الافتقار الوجداني موجود، إذن؛ فالله موجود.
1 - محمد عبدالله دراز، الدين، ص 83.
377 (1/377)
صفحة 378
مناجزة الإلحاد
النداء الطبيعي
من المكونات الفطرية - إضافةً إلى الافتقار الوجداني - هو ما نُسميه بـ (النداء الطبيعي)، فمن فطرة الإنسان وطبيعته أن يلجأ إلى الإله في وقت الشدائد والأزمات، وهذا اللجوء والاعتراف الطبيعي بالإله برهان ظاهر بارةٌ على وجود الإله، في وقت تنقطع فيه كل أسباب الكبر والعناد
والشَّمْخَرَة، وتطمر فيه روافد انطماس الفطرة وانتكاسها وارتكاسها).
إنَّ الإنسان بطبيعته يلجأ إلى (الإله) مستغيثًا وجلًا في وقت المحن والشَّدائد، بغض النظر عن اعتقاداته في (الإله)، بل إنَّك لتجد أولئك الذين يُنكرون وجوده وينتشون بإعلان كفرهم هم أوَّلُ النَّاس في الإيمان به عندما تدقُ ساعة النداء الطبيعي! فهل من برهان فطري أشد
ظهورًا من هذا البرهان المشاهد؟!
الشَّخصيَّة
إِنَّ النداء الطَّبيعي يُرغم مَن لا يلين له جانب ولا يرى من نفسه الخضوع والإذعان للدين داعيه وحاديه، بل هو قادر على إرغام أعتى الملاحدة وأشدهم بأسًا - ممَّن سلبت ألبابهم نشوة الإلحاد وملكت نفوسهم حميا الكفران - على الركوع أمام محرابه، والانقياد العملي والواقعي تحت سطوة سلطانه، وإن اعترضوا عليه نظريًّا بزُخرفٍ من القول، وقدموا افتراضاتهم الهزيلة في تعليل أسباب وجوده، وما محاولاتهم هذه - عند تأملها - إلا إقرار بقوة حضوره واستشعار منهم لسطوة تأثيره تمامًا كإقرارهم بوجود (الافتقار الوجداني) مع محاولاتهم الدؤوبة والفاشلة في تقديم توصيفات طبيعية مختلفة له.
النداء الطبيعي برهان فطري واقعي؛ لذا قيل في المثل الغربي الشهير: "لا يُوجَد ملاحدة في الخنادق. فالملاحدة في خنادق الحروب يثوب إليهم الرُّشد فيتراجعون عن إلحادهم، ويعودون إلى الفِطرة السليمة. ولما كانوا لا يُنكرون وجود هذا النداء الطبيعي - وإنَّما يقتصرون فقط على تقديم افتراضاتٍ طبيعية لتفسير وجوده - فلن نُطيل الحديث فيه؛ لأنَّ ثبوته لا يقوم على معرفة الأسباب الطَّبيعية لوجوده، فلئن كانت هنالك أسباب طبيعية صحيحة وعلميَّةٌ لوجوده فإنَّها ستصف وجوده فقط - أي الكيف - دون أن تُفسّره - أي لماذا - فضلاً عن أن تُنكره من الأساس!
1 - أشارت آيات كثيرة في كتاب الله إلى مثل هذه الحالات، كقوله تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) (النحل: (53). وقوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنسَانُ كَفُورٌ} (الإسراء: 67).
378 (1/378)
صفحة 379
المبحث الثامن: المستوى الفطري
يقول المفكر الكبير عبد الوهاب المسيري: ومن أطرف القصص التي رواها أحد الرفاق السابقين الفلسطينيين ما حَدَثَ له مع مجموعة من التروتسكيين - تيار شيوعي - حضروا إلى معسكر تدريب الفدائيين، وبادروا صديقي بالسُّؤال عن إطاره النَّظري ومنطلقاته الفلسفية ونقط ارتكازه العقلية، فاحتار صديقي لكنَّه أخبرهم بأنَّهم في هذا المعسكر يؤمنون بالكفاح المسلح، ثم أضاف أنَّه يُمكنهم أن يشاركوا بأنفسهم في عملية عسكريَّةٍ في اليوم التالي، ثمَّ أعدَّ صديقي الماكر عِدَّة سياراتٍ لهم، وتقدَّم الموكب نحو منطقة جبلية، ثم بدأ الرصاص ينهال عليهم بتدبير سابق، وبطبيعة الحال لم يصبهم سوء ولكن - كما أخبرني صديقي - فقد تصرف التروتسكيون مثل أي بشر؛ أي اختبأوا تحت السيارات، ولكن ما فاجأه هو أنَّ كلَّ واحدٍ منهم بدأ يتلو أدعيةً دينية ويطلب العون من الله!!).
إشكالات وإيضاحات
»
(1) - تعليل (النداء الطبيعي بحركة العقل الباطن (اللاشعور).
قد يقول الملاحدة: إنَّ الملاحدة والنَّاس عموما عندما يقعون بالفعل في قبضة النداء الطَّبيعي، فذلك راجع إلى انفعال عقلهم الباطن، فهم قد نشأوا في بيئةٍ مُترعةٍ ومُشبَعةٍ بذكر الإله
والتوجه إليه والاستعانة به، ولولا هذه التنشئة فلن يكون لهذا النداء الطبيعي أي أثر! هذا الاعتراض - أعلاه - يُثبت أمرًا غير مُثبَت، فهو اعتراض مبني على مغالطة إثبات التالي (afirming the consequent) إذ إنَّ البيئة والتنشئة ليستا كل شيء، فلا يُوجد داع لأن تُضرب إليها أكباد الإبل عند كل استدلال ولا يُمكن إهمال دلالات النداء الطبيعي لمجرد ادعاء يستند إلى ادعاء آخر غير مُثبت، بل على النقيض، فإنَّ برهان النداء الطبيعي يُزيل تلك المؤثرات الخارجيَّة التي تأسس عليها هذا الاعتراض - كالبيئة والتنشئة ونحوها - كأن لم تكن من قبل؛ فالملحد الذي أخذ قراره، وشدَّ حزام العزم على نفسه في رحلةٍ تنكر فيها الله؛ فسار في حياته بطولها وعرضها مسيرةً إلحادية لا مكان فيها للإله، فلماذا لم يُوجهه عقله الباطن إلى شتم الإله والإصرار على نفي وجوده في حال الشدة كما تعوَّدَ على ذلك في حال الرخاء والدعة؟!!
1 - عبدالوهاب المسيري، رحلتي الفكرية، ص (141 - 142). وفي دراسة قام بها أحد خبراء الاقتصاد السلوكي حول مشاعر التدين في وقت الحروب، وذلك بعد النظر إلى عينة من الجنود الأمريكان؛ وجد بأنَّ اعتماد هؤلاء الجنود على الصلاة قد ارتفع من (42?) إلى (72?) كلما اشتدَّ وقع المعركة. (يُنظر: 2277773= https://papers.ssrn.com/sol 3/papers.cfm?abstract_id).
379 (1/379)
صفحة 380
مناجزة الإلحاد
إنَّ ظهور النداء الطبيعي في حالة (اللاشعور) يدلُّ على أنَّه أمر فطري وميل وجداني حاول الملحد كبته وإلجامه طوال الوقت، ومن عادة المكبوتات - حسب نظريَّة التَّحليل النَّفسي - أن تجتمع في تجاويف العقل الباطن، وألا تظهر إلا في حالات (اللاشعور) كالغضب والخوف ونحوهما؛ أي إنَّ هذا الاعتراض الذي يتوسد على العقل الباطن هو في حقيقته
صاحبه لا حُجَّةً له!
(2) - سبب حالات النداء الطبيعي هو فقد السيطرة.
حُجَّةٌ على
حسَبَ بعض الدراسات النَّفسيَّة تبيَّن أنَّ النَّاس عندما يفقدون السيطرة على الوضع الذي يحتكون به ويتم إيهامهم في أثنائه بأمرٍ ما فإنَّهم سيتصرفون بشكل غير طبيعي، فيفقدون السيطرة تلقائيا، وتذوب في أيديهم مكابسُ التَّحكُّم بزمام الأمور، وهذا من شأنه أنْ يُولّد ردَّةَ فعل تجاه ذلك الوضع، فيحاولون فهمه واستيعابه، ولكن قد يكون فهمهم هذا خاطئًا وغالطًا، فتصبح النتيجة التي توصلوا إليها نتيجةً وهميَّة ويُعقِّب بعضُ الملاحدة على هذه الدراسة بالقول: إنَّ هذا هو الذي يُفسّر التجاء الفقراء والضعفاء والمحرومين إلى الله!
هذه المعطيات في حقيقتها تُؤكد فقر النَّاس واحتياجهم إلى الله، وليس ذلك مقصورًا على الفقراء والضعفاء والمحرومين، فالأقوياء والأغنياء والملوك كانوا مؤمنين عبر تاريخ البشرية الغابر، والإيمان بوجود الله ليس نابعا من حالة فقدان السَّيطرة، مع أنَّه لا سبيل إلى إنكار دورها في إرجاع الإنسان إلى الله، فحالات فقد السيطرة ذات حدين، فكما أنَّ هناك من يثوب إلى رشده عند الدخول في أتونها، فإنَّ هناك من ينهمك في حمأة القنوط واليأس والإلحاد بالمقابل!
المحصلة
بعد هذا التجوال في برهان (النداء الطبيعي) نخلُصُ إلى المقدمتين الآتيتين:
النداء الطبيعي ضرورة موجودة.
النداء الطبيعي لا بُدَّ له من متعلَّق يختص به.
وعليه؛ فإذا كان
الله
غير موجود، فإنَّ النداء الطبيعي غير موجود، لكنه موجود فعلا، إذن؛
الله موجود.
380 (1/380)
صفحة 381
المبحث الثامن: المستوى الفطري
الضرورات العقلية الأولية
المكون الثَّالث من مكونات الفِطرة هو ما يُسمَّى بـ (الضَّرورات العقلية الأولية)، ويُسميه بعضهم بـ (المعارف الضرورية)، أو (المبادئ العقلية)، وهي تلك القواعد العقلية الضرورية التي يُرجع إليها عند الاستدلال، والتي تتوفّر عليها جميع الأذهان على حدٍ سواء، ويُمكن إرجاعها إلى عِدَّةِ مبادئ رئيسةٍ تقوم عليها جميع المعارف البشرية:
- مبدأ العِليَّة: لكل معلول علة.
- مبدأ الهوية: الشَّيء هو عين ذاته، ولا يمكن أن يكون إلا هو.
- مبدأ عدم اجتماع النقيضين: النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان معا.
- مبدأ الثالث المرفوع: لا يوجد وسط بين النقيضين، فالشَّيء يكون أو لا يكون). وما يهمنا عند النظر في هذه الضرورات العقلية الأولية ليس (كيفية) تشكلها في وعي الإنسان، ولا (وصف) تاريخ وجودها إن كان بالتدرج أو بدونه، فكل هذه التفاصيل لا تمسُّ حقيقة وجودها، ولا تخدش قيمتها الجوهرية، وكلُّ من حاول النيل من حقيقتها أو القدح في قيمتها وقع في براثن السفسطة وشراك التخلف العقلي فالذين أرجعوا مصدر هذه المبادئ العقلية إلى الحس فقط، أو الذين أرجعوه إلى الحس والفِطرة هم في الحقيقة يُقرون بحقيقتين: الأولى: إثبات وجود هذه الضرورات العقلية الأولية.
الثانية: الاعتماد على قيمتها المطلقة في نهاية المطاف.
إِنَّ
جميع المعارف البشرية والعلوم الكسبيَّة تتّكئ على أعمدة هذه الضرورات العقلية الأوليَّة، فالمعارف المكتسبة لن تقوم لها قائمة إلا بالارتفاق على هذه الضرورات العقلية، ومن
هنا كان وجود الضرورات العقليَّة مستغن عن البرهنة والتدليل، بخلاف المعارف الثانوية المكتسبة، وقد سبق أن قلنا بأنَّ طُرُقَ البرهنة والاستدلالات النظرية يجب أن ترجع في نهايتها إلى قواعد خارجيَّةٍ يتم التحاكم إليها؛ لأنَّ عدم الرجوع إلى مثل تلك القواعد الخارجية يلزم منه الدور المنطقي، فالاستدلال على الشَّيء لا يُمكن أن يتوقف على نفسه.
1 - يُراجع: عبد الرحمن بدوي المنطق، ص (63 - 73).
381 (1/381)
صفحة 382
مناجزة الإلحاد
إنَّ من ينصب الحبائل الخفيَّة في طريق هذه المبادئ العقلية أو من يهتك شرف قيمتها هو في الوقت نفسه يستند إليها من حيث يدري ولا يدري فلو سألته: لماذا تُشكّك فيها؟! فإنَّه سيجيبك بإجابة - أيا كانت هذه الإجابة - هي في الحقيقة انصياع فطري لواحد من هذه المبادئ الفِطْريَّة، وهو مبدأ (السَّببيَّة)، وإنْ لم يُجبك عن سؤالك فهو قد أضمر (السَّبب) في نفسه، وانصاع أيضًا لضرورته الفِطْريَّة؛ بل إنَّ من يُنكر السَّبيئة ستراه يُبرر إنكاره لها بعدة أسباب؛ لتكون أسبابه سببا في قبولنا براهينه!!!
فكل من يجيش صدره بإنكار هذه المبادئ لن يجد سبيلا إلى إنكارها إلا بمحاولة الاستناد إليها لتقرير إنكاره، فيكون مؤمنا بها بقلبه وإن كفرَ بها لسانه، فلا فكاك من سلطان قبضتها بحال، فقول القائل: "أنا أنكر هذه المبادئ. هو قول مستند إلى هذه المبادئ في حقيقته! وإذا ما رجونا نقضًا لمبدأ فطري ما كمبدأ (عدم التناقض) فسوف ينبت حبل رجائنا مباشرةً؛ إذ إنَّ قَبول التناقض ممتنع على العقل والمنطق؛ لأنَّك إن قبلت باجتماع المتناقضين فأنت بهذا ترفض عدم اجتماعهما؛ أي أنَّك سترفض اجتماع المتناقضين وإلا فكيف قبلت اجتماعهما! فمحاولة إبطال هذا المبدأ لا تتم إلا باستخدام المبدأ نفسه، أنت مجبور على ذلك ومسوق
إليه سوقا!
وقول القائل: "لا أعلم شيئًا. هو عمل بمقتضى مبدأ عدم التناقض)؛ لأنَّك ستقول له: وهل تعلم أنَّك لا تعلم شيئًا؟ فإن قال: نعم. فقد أكَّد أنَّ عِلمه شيء وجهله شيء آخر لا يجتمعان، وإن قال: لا أعلم بأني لا أعلم شيئًا. فقد أكد أنه يعلم بأنه لا يعلم أنه لا يعلم! وإذا كان اجتماع المتناقضين ممكنا عند أمثال هؤلاء السفسطائيين العناديين فإنَّ ضربهم بالسياط يستوي مع عدم ضربهم، وعليه فلا بأس إن لسعت السياط ظهورهم! فربما تكون سببًا في تنشيط ذاكرتهم وتحفيزهم على استعادة شيءٍ من الرُّشد المفقود، أو - على الأقل - إدراك ضريبة اللعب بالمبادئ العقليّة وعاقبة الاستخفاف بها!
لقد دار حوار طريف بين فرانك توريك (Frank Turek) وأحد الملاحدة على هامش إحدى المحاضرات في جامعة ويسكونسن) فقد صرَّحَ الملحد بتشكيكه في وجود الضرورات العقلية، فكان الحوار كالآتي:
قال له فرانك: إذن؛ أنت تقول بأنَّها موجودة فعلا! قال الملحد: لا.
382 (1/382)
صفحة 383
المبحث الثامن: المستوى الفطري
فأكد فرانك الأمر مرةً أخرى: نعم أنت تقول بأنَّها موجودة فعلا!
أجاب الملحد: كيف فهمت أني أقول: إنَّها موجودة؟!
قال فرانك: لأنَّك الآن تستخدم قانون التناقض لتقول: إنّي مخطئ! فهل تعتقد بأن المبادئ العقلية هي مجرد صناعة بشرية ليس لها تحقق استقلالي عن وجودنا؟
أجاب الملحد: نعم.
فسأله فرانك: إذن؛ قبل وجود البشر على الأرض، هل العبارة التالية صحيحة أم لا: (لا وجود للبشر على الأرض)؟!
وبعد اللف والدوران أجاب الملحد: نعم؛ عبارةٌ صحيحة. لكنه ظل يكابر ويزعم بأنَّ هذه المبادئ الفِطريَّة نسبيَّةً وليست مستقلة عن وجودنا).
وجود الضرورات العقلية أمر محسوم لا سبيل إلى إنكاره إلا بالوقوع في السفسطة والتناقض، ولما كان الأمرُ هكذا فإنَّ ما يهمنا أكثر هو الاستدلال والبرهنة بهذا المكون الفطري على وجود الإله الخالق، وذلك من حيثيتين:
الأولى:
: عدم قدرة الطبيعة لوحدها على تخليق مثل هذه المعارف الضرورية؛ لأنَّها معارفُ غير طبيعية، فهي مفاهيم مجردةٌ وليست محسوسات أو تفاعلات كيميائية. الثانية: قيمة هذه الضرورات العقلية الأوَّليَّة مطلقةً وثابتةٌ، فهي مستقلة عن وجودنا الطبيعي وحاكمة عليه. ومن خلال الحيثيتين الأولى والثَّانية يتّضح لنا - جليًّا - ضرورة وجود الإله الخالق الذي غَرَسَ فينا هذه الضَّرورات العقليَّة، والذي أعطاها قيمتها الموضوعية المطلقة، ولا يمكن لهذه الضرورات العقليَّة أن تكون موجودةً ومطلقةً إلا بوجود الإله الخالق، فالإنسان بالتأكيد لم يقم باختراعها؛ إذ إنَّها متسامية عن وجوده، كما أنَّها لازمةٌ لفطرته، ولا تعتمد على طبيعة وضعه
1 - يُنظر: عبدالله العجيري، شموع النهار، ص (51). ولمن أراد الرجوع إلى الحوار المسجل كاملًا يجده تحت عنوان: (إذا لم يكن لديك ما يكفي من الإيمان لتكون ملحدًا) على الرابط التالي: (https://www.youtube.com/watch?v=4 xZtSuueBek) . وننوه بأنَّ مشاهير الملاحدة الجُدد كريتشارد دوكينز وهيتشنز غير متأثرين بالنسبيَّة الفلسفية نسبية الحقائق)، فهم يؤمنون بمبدأ (الثالث المرفوع)، ومبدأ إمكان الوصول إلى الحقيقة، فدوكنز يقول على سبيل المثال: "أرني شخصًا يؤمن بالنسبية الثقافية ضمن مجال ( .... 3) قدم وسأريك أنَّه منافق". (ينظر: أحمد حسن، أقوى براهين جون لينكس، ص 35).
383 (1/383)
صفحة 384
مناجزة الإلحاد
البيئي والاجتماعي فمَن الذي رَكَزَ هذا القانون الفِطري في وعي الإنسان؟! ولأولئك الذين يُفسرون هذا المكون الفطري تفسيرًا طبيعيًّا نقول: مَن الذي جعل الطبيعة تلتزم بهذا القانون وتجعله مُطَّرِدًا في جميع أ أذهان البشر؟! مَن الذي جعل هذه المبادئ الفطرية ذات قيمة مطلقة
لا يُمكن المساس بها؟!
إِنَّ كلَّ إجابة عن هذه التساؤلات لا تعود مباشرةً إلى الإله الخالق هي في الحقيقة مماطلة مؤقتة وعاجزة، وتحتاج في نهايتها إلى العِلَّة الحقيقية الإله الخالق)، فإنَّ الضَّرورة الفطرية لكل تفسير سببًا ضروريًّا وكافيًا ينقطع تسلسلُ العِلَل به، مع التنويه بأنَّ التفسيرات الطبيعية نفسها مجرد افتراضاتٍ مختلفة ومتدافعة والاحتكام إليها باعتبارها مُسلَّماتٍ علميَّةٍ
تستدعي
هو دجل علمي! فوجود هذه الضرورات العقليَّة يُبرهن على وجود مُوجدها؛ إذ لا سبيل إلى الاعتراف بموضوعيتها المطلقة إلا بالاعتراف بوجود الخالق، فبدونه تغدو نسبيَّةً عائمة، تتجاذبها الظُّنونُ من كل جانب، وفيما لو أرجعناها إلى الصُّدفة والعشوائيَّة فإنَّنا بذلك نهتك عرض قيمتها، بل نقضي على قيمة علومنا الطبيعية التي نتبجَّحُ بها، وحينها لا سبيل إلى تحصيل المعارف كلها. إنَّ هذه الحقيقة المرة على المنكرين هي التي حملت تشارلز داروين على أن يُصرح ذات يوم قائلا: "ينتابني - مرارًا - شكٍّ مريع فيما إذا كانت قناعاتُ عقل الإنسان - المتطور من كائنات أدنى منه - تتمتّع بأي قيمة أو تستأهل أي ثقة.
-
إشكالات وإيضاحات
(1) - هناك تفسيرات طبيعية لوجود هذه المبادئ العقليَّة لا تستدعي افتراض وجود الخالق!
هذا الاعتراض يقع في فخ المغالطة المنطقية (Reification Hypostatization) التشييء فهذه المبادئ العقلية ليست أعضاءً أو تفاعلات كيميائية حتَّى تُفسَّر بتفسيرات طبيعية، بل معلومات مجردة - وإن كنا نقول بأنَّ الدماغ هو المحل المسؤول عنها - فمن المغالطات المنطقيَّة أن تُعامل الأمور المجرَّدة معاملة الأمور غير المجرَّدة، ثُمَّ إِنَّ التَّفسير الطبيعي نفسه يحتاج إلى مبدأ العِلَّة الضرورية الكافية، فهو كعادته يملك التوصيف الطبيعي دون التفسير الأولي.
1 - Charles Robert Darwin, Life and Letters of Charles Darwin Series, volume 1, p. 282
384 (1/384)
صفحة 385
المبحث الثامن: المستوى الفطري
(2) - إرجاع هذه المبادئ إلى الإله الخالق هو مغالطة منطقية تُعرف بـ (التوسل بالمجهول)، وتطبيق عملي لعقيدة (إله الفجوات)؟! بالتأكيد ليس هذا من قبيل (التَّوسُّل بالمجهول)، ولا من قبيل (إله الفجوات)، بل هو توسل بالمعلوم، فالتفسير الطبيعي نفسه هو الذي أوصلنا إلى هذه النتيجة الضرورية؛ لأنَّه لا يوصلنا بشكل منطقي إلى العِلَّة الحقيقية التي تفرضها المبادئ العقلية الأولية نفسها، وإنَّما ينتهي إلى عِلَّةٍ تحتاج هي الأخرى إلى عِلَّةٍ تنقطع معها سلسلةُ العِلل، فالتسلسل في العلل المؤثرة في الماضي ممتنع عقلا ومنطقا. إذن؛ ليس مرجع هذا إلى الجهل أو القصور العلمي، بل المرجع هو العلم بالاستحالة العلميَّة، فلا يُقال عنه: إنَّه توسل بإله الفجوات.
المحصلة
بعد هذا التجوال في برهان الضرورات العقليَّة الأوليَّة) نخلُصُ إلى المقدمتين التاليتين: قيمة المبادئ العقلية مطلقة وثابتة.
لا يمكن أن تكون قيمتها مطلقةً وثابتةً بغير رجوعها إلى المطلق (الله).
فأما الإقرار بالمقدمة الأولى - قيمة المبادئ العقلية مطلقةً وثابتة - فلأنَّ القول بخلاف ذلك يلزم منه هدم جميع المعارف والحقائق، وأمَّا الإقرار بالمقدمة الثانية - لا يمكن أن تكون قيمتها ثابتةً ومطلقةً بغير رجوعها إلى المطلق (الله) - فلأنَّ كلَّ العِلل - خلا الله - تجعل قيمة المبادئ العقليَّة نسبيَّة، ومن ثمَّ ستنهدم معارفنا البشرية بأجمعها، فلزم من ذلك أن تكون قيمتها الموضوعية والمطلقة مستمدة من المطلق وهو (الله).
وعليه؛ فإذا كان المطلق (الله) غير موجود، فإنَّ الضَّرورات العقلية المطلقة غير موجودة، لكنَّها موجودة ومطلقة فعلا، إذن؛ الله موجود.
الأسس الأخلاقية
إِنَّ الأُسس الأخلاقية مكوّن من مكونات الفطرة الإنسانية، فالإنسان يُدرك فطريا وجود الأخلاق المطلقة، فهو يُدرك وجود الخير والشر، والعدل والظلم والإساءة والإحسان، والصواب والخطأ، على الرغم من أنَّ المادَّة لا توصف بالخير ولا بالشَّر؛ لأنَّها عمياء غير هادفة، ولا تتحرك إلا في إطار مقتضيات الحتمية الطبيعية؛ مما يعني أنَّها لا تبلغ طور إدراك هذه المعاني الشامية،
385 (1/385)
صفحة 386
مناجزة الإلحاد
ولا تصل إليه همتها. هذه المعاني الأخلاقية السَّامية ملازمةٌ بالضرورة لفطرة الإنسان من حيث إدراكه لوجودها، وإدراكه لقيمتها الموضوعيَّة المطلقة؛ ولهذا نجد تقريبًا كل أولئك الذين أسَسُوا للأخلاق بعيدا عن الله قد أقروا في الوقت نفسه بوجود هذه الفطرة في الإنسان.
وهنا ستبرز ثلاثة أسئلة مُلحة:
من الذي غرس هذه الأُسس الأخلاقية في فطرتنا؟!
من الذي أعطاها قيمةً موضوعيَّةً ومطلقة؟!
مَن الذي جعل الجزاء الأخلاقي مُسلَّما به عند عموم البشر؟!
إنَّ الجواب الفطري هو الإله الخالق، لكن المعترضين لن يُسلسوا قيادهم لهذا، وسيسلكون لرفضه كلَّ طريق، فهم يتعلَّقون بشمَّاعة عموم الأخلاق وانبثاثها في المجتمعات البشرية مطلقا، عموم يدخل فيه أولئك الذين ينكرون وجود الله أو أولئك الذين لا يعنيهم البحث عن وجوده أو عدمه، وهو أمرٌ مُشاهَدٌ وواقعي، فكثير من الملاحدة أخلاقيون كما نرى! بل قد يستدلُّ بعضهم بالدراسات التي تُؤكِدُ أنَّ الإحساس بما هو أخلاقي وغير أخلاقي موجود بالتساوي بين البشر مؤمنهم وملحدهم. وهنا يقع الملاحدة في فقاعةٍ كبيرةٍ من تجاهل المطلوب، فإنَّ منبت الإشكال ليس في وجود ملاحدة بمستوى أخلاقي راقٍ، فهناك ملاحدة بمستوى أخلاقي منحط، كما أنَّ هناك متدينين بالمستويين ذاتهما من الرقي والانحطاط!
إذن؛ هذا يقودنا إلى النظر في أصل الإشكال، وهو الأخلاق من الناحية الوجودية (الأنطولوجيَّة) وليس من الناحية المعرفية (الإبستمولوجية)، أو الأخلاق من الناحية النظرية لا العمليَّة، أو بلغة المناطقة من ناحية التَّصور لا التصديق. فهل ستكون هذه الأخلاق مطلقةً وموضوعيَّةً - حسَبَ اقتضاء الفطرة والطَّبيعة البشرية - بدون وجود الإله المطلق)؟!
إنَّنا نعتقد جازمين بأنَّ هذه الأخلاق التي يُقر الجميع - تقريبًا - بأنَّها موضوعيَّةً ومطلقة لا يُمكن أن تتوشّح الموضوعية والإطلاق إلا بوجود الإله الخالق ومن أجل ذلك فإنَّ الملاحدة
1 - تحديدنا لأصل الإشكال بهذا الحد لا يعني أنَّ الدين ضروري للأخلاق من حيث القيمة المعرفية فقط، بل هو ضروري أيضًا من حيث تأثيره على أنماط الأخلاق وتعزيزها وغرس مفاهيمها في وجدان البشرية عبر التاريخ؛ بحيث إنَّ الملحد نفسه ليس بمعزل - قطعًا - عن تأثيرات الدين في منظومته الأخلاقية من حيث يدري ولا يدري، فالتراكمات الدينية عبر التاريخ - لا ننسى بأنها مجتمعية وليست فردانية - هي التي شكلت رأس مال الأخلاق في الوعي البشري عمومًا!
386 (1/386)
صفحة 387
المبحث الثامن: المستوى الفطري
الذين حاولوا إرجاع قيمة الأخلاق إلى مرجع غير الإله - كالمجتمع أو المنفعة أو السعادة - وقعوا في مأزق معرفي كارثي، فهذه المراجع وما ضارعها نسبية متغيرة تركب أي موجة، وتمتطي ظهر أي صرعة، وهذا يؤدي إلى نفي الأمر وإثباته في الوقت نفسه (التناقض الذاتي)، فالاعتراف بأنَّ هذه الأخلاق موضوعيَّة ومطلقة، ثمَّ إرجاع قيمتها إلى أمورٍ نسبية ومتأرجحة يجعل حكمنا الأوَّل طلاقة الأخلاق وموضوعيتها مستبعدًا لصالح الحكم الثَّاني (نسبية الأخلاق وعدم موضوعيتها)؛ لتناقضهما الصريح!
إِنَّ أغلب الفلاسفة يرون أنَّ للأخلاق قيمةً موضوعيَّةً ومطلقةً في ذاتها - يُسميها إيمانويل كانت بقاعدة الالتزام المطلق - وقلَّةً منهم أعطت الأخلاق قيمةً نسبيةً متحركة باعتبارات عقلية ونفسية ومجتمعيَّة، فالموضوعيون منهم نظروا إلى بواعث الأفعال، والنسبيون منهم نظروا إلى نتائج الأفعال دون الالتفات إلى بواعثها. ويُمكن تلخيص أهم المراجع والمعايير الأخلاقية التي اقترحها الفلاسفة على النحو الآتي:
(1) - الضمير البشري: فهو من يسوق البشر إلى الخير ويردعهم عن الشر.
ووجه الاعتراض عليه هو أنَّه مصدر لا يُعطي للأخلاق معنى إلزاميا ثابتًا، ولا قيمةً موضوعيَّةً مطلقة، فالضمير - على الأغلب - انعكاس للمجتمع، وعاداته ومن هنا تفقد الأخلاق قيمتها الموضوعية المطلقة، فتصبح مهتزَّة متأرجحةً بناءً على مزاج المجتمع حال صفوه وحال گذره! كذلك ستصبح الأخلاق غير إلزاميَّة، فالضمير يتساوق مع قولنا: إنَّ مصدر الأخلاق هو الفطرة. وهذا لا يُعطيها معنى إلزاميا ولا قيمةً ثابتةً؛ لأنَّ الضَّمير والفِطرة تعتريهما الانحرافات حسب المؤثرات الخارجيَّة، فلا تغدو مرجعيتهما ثابتةً ومعيارية).
(2) - العاطفة والمشاعر: فهي التي تدفع إلى البذل والإيثار والتضحية.
والاعتراض ظاهر على هذا المعيار، فإنَّ الحيوانات تمتلك المشاعر والعاطفة أيضًا، وهذا لا يجعل تصرفاتها العاطفية أخلاقيةً وتصرفاتها غير العاطفية لا أخلاقية، فضلا عن أنَّ العاطفة غير إلزامية هنا، وليست موضوعيَّةً أو محايدة، وبهذا تفقد الأخلاقُ إلزاميتها وقيمتها الموضوعية المطلقة.
1 - عن الضمير ونقد معياريته يُنظر أحمد أمين كتاب الأخلاق، ص (15 - 19).
387 (1/387)
صفحة 388
مناجزة الإلحاد
ونستحضر بهذا الصدد جواب برتراند راسل عندما سأله كوبلستون - في مناظرة جرت بينهما - عن الأساس الذي به يكون تمييز الخطأ من الصَّواب، فقال له راسل إنَّه يميز بينهما كما يُميز بين الأصفر والأزرق فأجابه كويلستون بأنَّ التَّمييز بين الألوان يكون عن طريق الرؤية بخلاف الخطأ والصواب فقال راسل إنَّه يُميز بين الخطأ والصواب عن طريق المشاعر!! لقد كان كويلستون رؤوفًا جدا براسل فلو أراد تسديد سهم مصم وضربة طاحنة إلى الأساس الذي استند إليه راسل؛ لقال له إنَّ هناك - مثلاً - من يأكل لحوم البشر ولا تقعده مشاعره أو تُشغله عواطفه عن فعل ذلك! فأيُّ المشاعر - مشاعرك أم مشاعرهم - هي الصائبة؟! وعلى أي أساس استندت في التصوبة والتخطئة؟ ومن أين أتى معيار حكمك عليها أمن داخلها أم خارجها؟! (3) - اللذة العامة أو المنفعة العامة: وهما معياران مختلفان قال بكل واحدٍ منها عدد من الفلاسفة النسبيين، فما يؤدي إلى اللَّذة أو المنفعة فهو الأخلاقي، وما يؤدي إلى الألم أو الضَّرر فهو غير الأخلاقي.
هذا المعيار ينقض نفسه بنفسه، فهل المقصود باللذة والمنفعة هو اللذة والمنفعة الحالية أم المستقبلية؟! فمن المعلوم بأنَّ استغلال اللذة والمنفعة الحالية قد يحرمنا من اللذة والمنفعة المستقبلية، وأنَّ من تعجل الشَّيء قبل أوانه عوقب بحرمانه! بل إنَّ اللذة والمنفعة قد تترك وراءها شعورًا بالندم والاكتئاب، وهذا يُناقض الشُّعور النابع من طبيعة العمل الأخلاقي!! كما لا يخفى أنَّ هذا المعيار معيار نفعي براجماتي)، ينزع عن الأخلاق كل قيمها المطلقة والموضوعية والإلزاميَّة، ويُحوّلُ الإنسانَ إلى حيوان مسعور يبحث عن لذاته ومنافعه الزائلة بغض النظر عن الوسيلة والباعث.
(4) - المجتمع: فهو قاضي قضاة الأخلاق، وهو من بيده سلطة الفصل بين ما هو أخلاقي
وغير أخلاقي.
وبغض النظر عن فقدان الأخلاق لقيمتها الموضوعيَّة المطلقة إذا ما اتَّبعث هذا المعيار المتحول والنسبي - كما سيأتي - فإنَّ هذا يعني بأنَّ الخروج عن المجتمع، والإتيان بقيم أخلاقية جديدة، وإحداث تغييرات وإصلاحاتٍ فيه، يُعد أمرًا غير أخلاقي!! بل هذا يعني أنَّ الملحد
1 - يُنظر: برتراند راسل لماذا لست مسيحيا، ص (224 - 225). 2 - نعت برتراند راسل الفلسفة البراجماتية بأنها فلسفة نذلة وخسيسة!!
388 (1/388)
صفحة 389
المبحث الثامن: المستوى الفطري
ذاته - وبدون أن يدري - غير أخلاقي؛ لأنَّه عادةً ما يخرجُ عن خط سير مجتمعه بمجرد إعلان إلحاده، فتراه أزهى من وعل الخلاء، يهيم في بيداء إلحاده، ويتوه في أودية رغباته وشهواته، دون أن ينظر إلى أخلاقيات مجتمعه إلا بلحاظ شزراء!
(5) - كل ما يُسبب السَّعادة والصحة والرَّفاهيَّة: فالسَّعادة والصحة هما مَن يُحدد ما أخلاقي وغير أخلاقي.
هو
وهذا المعيار يُفقد الأخلاق مصداقيتها وقيمتها المطلقة، فالسَّعادة لا ضابط لها، وتختلف من شخص إلى آخر، فمثلا: ما يُسعِد الشَّخصيَّات المازوخيَّة والسَّاديَّة لا يُسعد الشَّخصيَّات الأخرى!! ثمَّ إِنَّ هنالك جملةً من الأمور لا يمكن ضبطها بهذا المعيار المتأرجح، فهل يُصبح عقوق الوالدين أخلاقيا إن كان يُسعِدُ حقًّا العاقَّ بهما؛ بحجّة أنَّهما لم يقوما بحق تربيته كما يُريد؟! بل إنَّ هناك من يتلذذ بالقتل والاعتداء على الآخرين، ويشعر بسعادة غامرة إزاء ذلك، فهل أصبح عمله هذا أخلاقيًا بمجرد تلذذه وسعادته به؟! هل التعرض للملحد بالإيذاء أو القتل يُعد أمرًا أخلاقيًا إذا ما قام به شخص تحتَ دافع الشُّعور بالنشوة والسَّعادة الغامرتين العارمتين؟! يقول المفكر الإسلامي البوسني علي عزت بيجوفيتش: "إذا غامر إنسان بحياته فاقتحم منزلًا يحترق ليُنقذ طفل جاره، ثمَّ عاد يحمل جثته بين ذراعيه، فهل نقول: إنَّ عمله كان بلا فائدة؛ لأنَّه لم يكن ناجحًا؟!). إنَّ العمل الأخلاقي الفاضل الذي قام به هذا الرجل عمل بعيد عن الصحة والرفاهيَّة؛ لما لفعله من عواقب قد تكون كارثية على الرجل نفسه؛ إذْ قد يتأذى بنسبةٍ كبيرة ولأنَّ الطفل ربَّما يكون في عداد الموتى! ولو افترضنا عدم موته فإنَّ الإصابات والأمراض والحروق وما ينتج عنها من تشوهات قد ترافقه طوال مسيرة حياته! وهذا ما قد يسلبه السَّعادة والصحة والرفاهية، بل قد يُعطيه جرعةً زائدةً من الألم والضَّرر! فهل يكون عمله هذا غير أخلاقى؟! بلا شك أنَّ النَّاس جميعًا كانوا - ولا يزالون - يعدون مثل هذا وما أشبهه من ضروب الأعمال الأخلاقية الكبرى التي يستحق بها صاحبها تخليد الذكر بتسطيره على صفحات الكتب، أو بنحته على هيئة تمثال أو بتناقله عبر التراث الشفوي عبر الأجيال المتعاقبة، وما أشبهها من صور تخليد الذكرى المختلفة!
1 - علي بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ص 176.
389 (1/389)
صفحة 390
مناجزة الإلحاد
(6) - القاعدة الذهبية (عامل النَّاس كما تُحب أن يعاملوك): فهي المعيار الأوحد فيما هو أخلاقي وغير أخلاقي.
ولا شكّ أنَّ هذه القاعدة مُستمَدَّةٌ في الأساس من التعاليم الدينية، ولكن إذا غضضنا الطرف عن هذا فإنَّ القاعدة نفسها لا تُوجد فيها أي قيمةٍ إلزاميَّة! فمن أين تكسب هذه القاعدة قيمتها بغير وجود الله؟! هل من المجتمع؟ أليس المجتمع مرجعيةً سبق نقضها لعدم موضوعيتها وطلاقتها!! ثم هل هذا المعيار نفسه موضوعي؟! إذا كان الشخص - مثلًا - ساديًا أو مازوخيَّا، ويُحب أن يُعامله الناسُ بناءً على شخصيَّته تلك، فهل الناسُ يُحبون أن يُعاملهم هذا الشخص بناءً على شخصيته التي لا يُحبونها؟!! إذا كان الشَّخصُ يتلذذ بالاغتصاب والشذوذ والاحتيال والكذب والغش ويُحب أن يُعامله النَّاسُ بناءً على مبدئه، هذا فهل يُحِبُ الآخرون أن يُعاملهم هذا الشَّخصُ بناءً على مبدئه؟! إِنَّ للإنسان نازعًا فِطْريًّا يدله على الخير والشر، فالأخلاق في حقيقتها موجودة في البشر على حدٍ سواء، حالها كحال الأمور الفِطْريَّة الأخرى، وإنَّ المرجع الأكبر لسوء الفهم في قضيَّة الأخلاق يعود إلى النَّظر إليها من منظور التطبيق - والذي قد يكون شاذًا أحيانًا حسب المجتمع وأحواله - بينما كان الواجب أن ننظر إليها من منظور القواعد والمنطلقات، فعلى سبيل المثال: قضية بر الوالدين من القضايا الأخلاقية وطريقة برهم تكون بإطاعتهم وعدم الإساءة إليهم .... لكن وجدنا أنَّ بعض المجتمعات - كالإسكيمو مثلًا - تعتقد بأنَّ أنماط البر بالوالدين عند مرضهما وعجزهما: مواراة أجسامهم في الثَّلج حتَّى الموت. بل ويرون مخالفة ذلك من العقوق!! وكمثال آخر فإنَّ بعض القبائل البدائية - كقبيلة الفيجان - يعتقدون بأنَّ تعذيب زوجات الرؤساء بعد وفاة أزواجهنَّ عمل مقدس!
من
هذه التَّصرُّفات وأمثالها دفعت بعض الفلاسفة إلى أن يركبوا متن الاعتقاد بنسبية الأخلاق؛ لأنَّهم لم ينظروا إلى الأخلاق كقاعدة وكمبدأ موجود عند جميع البشر، وإنَّما نظروا إلى التطبيق الشَّاذ في عملية فهم قواعد الأخلاق، فنحن نرى بأنَّ القاعدة الأخلاقية أو المبدأ الأخلاقي واحد عند الجميع، وهو هاهنا (بر الوالدين)، واحترام الأزواج، والأمر النسبي هو السلوك والتطبيق وليس القاعدة أو المبدأ. ومن هنا وقع هؤلاء الفلاسفة في تناقض مريرٍ مع أنفسهم، فهم يُميزون بفطرتهم بين ما هو أخلاقي مطلق وما هو غير أخلاقي، لكنَّهم لم يستطيعوا أن يوفقوا بين فطرتهم هذه وما رأوه من تلك السلوكيات المجتمعيَّة الشَّاذَّة!
390 (1/390)
صفحة 391
المبحث الثامن: المستوى الفطري
إنَّ الدين يتدخل في توجيه المجتمع إلى تحقيق الغاية الأخلاقية بطرق أخلاقية مثلى، فالغاية لا تبرر الوسيلة، والمجتمعات التي تشد عن غيرها في طريقة تحقيق الغايات الأخلاقية - كالمجتمعات التي تقتل كبار السن بدافع أخلاقي من قبيل الشفقة والرحمة - لا يُمكن أن تكون تصرفاتها الاجتماعية معيارًا معتبرًا للأخلاق، ومن هنا كان التفريق بين الغايات والوسائل مطلبًا ضروريا لا ينبغي التجانف عن مسلكه.
لقد خضنا حوارًا - من بين حواراتٍ كثيرة حول قضيَّة الأخلاق - مع أحدهم ذات مساء، - وكان مما اعترك واعتلج فيه:
قلنا: هذه الأخلاق - كالظلم والعدل - هل هي مطلقةً بحيث يكون الظلم مرفوضًا والعدل -
مطلوبًا مطلقا، أم هي أمور نسبيَّةً متغيرة، فيكون الظلم مطلوبًا والخير مرفوضًا؟! قال لنا: بل هي مطلقة، بل إنَّني أستطيع أن أحاكم الإله نفسه بـ (مشكلة الشر والألم)!
قلنا له: من الذي جعل هذه الأخلاق ذات قيمة مطلقة وموضوعية؟!
قال: المجتمع.
قلنا له: كان الناس في بعض المجتمعات الأوروبية - قبل عقود - يأكلون لحوم البشر، ولا يرون بأسًا في ذلك! فهل تخطئة أكل لحوم البشر أمر نسبي؛ بحيث إنَّه يصبح مقبولا إذا ما ارتضاه المجتمع وأطبق عليه، أم أنَّه مرفوض مطلقًا؛ لأنَّه أمر موضوعي ومطلق؟! هل ما تفعله - مثلا - قبائل الفور Fore في غينيا الجديدة من أكل لحوم الأقارب المتوفين يُعد أمرًا أخلاقيا صحيحًا لأن مجتمعهم يُمارس ذلك بكلّ صلافة)؟! فما كان من صاحبنا إلا أن تهرب مرحلاً الحديث عن قضيتنا إلى إشعار آخر (إشعار آخر يبدو أنَّه لن يكون)!!
إنَّ هناك جماعاتٍ ومنظماتٍ غربيَّةٍ تدعو إلى إباحة اغتصاب الأطفال والتَّحرُّش بهم، فهل موافقة المجتمع على هذه الأعمال غير الأخلاقية تجعلها أخلاقية؟!! وإذا ما أتاك آتٍ مثل الملحد بيتر سينجر الذي ادعى - بناءً على مقتضيات الإلحاد - عدم وجود مانع من ممارسة الجنس مع الحيوانات؛ شريطة عدم انتهاك حقوقها!! هل ستصبح هذه الدعوى أخلاقيةً إن
1 - الدراسات الأنثروبولوجية التي توضح وجود نوع من الشذوذات. عند بعض القبائل البدائية لا يمكن القياس عليه، فالشذوذ لا عبرة له، والفطرة تتأثر بالمؤثرات الخارجية كالبيئة ونحوها لكنَّها لا تموت، والأهم من كل ذلك أنَّ الأهداف الأخلاقية لا هو تختلف، بل ما يختلف هو الوسائل الموصلة إليها، وهذا ما لم يتنبه إليه الكثيرون.
391 (1/391)
صفحة 392
مناجزة الإلحاد
وافق المجتمع عليها كموافقته على الشذوذ الجنسي مؤخَّرًا في بعض الدول؟! أو إن جاءك شخص كالملحدة مادلين موراي أوهير التي طالبت بإباحة الممارسة العلنية للزنى قائلةً: "دعونا نفعلها كما تفعلها الأبقار“. وافترضنا أنَّ المجتمع قد أقر بذلك، فهل سيُصبح هذا أمرًا أخلاقيًا؟!
إنَّ كثيرًا من الملاحدة لن يقبلوا حتمًا بهذه التَّصرُّفات التي تجعلهم كقطيع من الحيوانات الهائجة الجائشة، لكنَّهم لن يستطيعوا أيضًا أن يدَعِموا رفضهم هذا بدعامات معتبرة، ولن يستطيعوا تبرير خطأ هذه الأفعال إلا بتبرير مطاطي متلون يجعل من الأخلاق المطلقة التي تجيش بها فطَرهم أمرًا نسبيًّا مائعا، ففي حوارٍ - مماثل لما سبق - مع أحدهم:
قلنا له: هل عد زنى المحارم عملاً غير أخلاقي هو أمر مطلق أم أنَّك تنتظرُ المجتمع ليحكم في أخلاقيته من عدمها عندها يمكنك تقرير موقفك؟! فلم يجز جوابًا!
من
أيُّها الملحد، بغير وجود الإله لن تستطيع أن تجعل هذا الأمر غير أخلاقي بصورة مطلقة وموضوعيَّة؛ لأنَّك ستُرجعه - أوانها - إلى المجتمع أو المنفعة، وفي هذه الحالة سيصبح زنى المحارم أمرًا نسبيًّا على حسب إرادة المجتمع ()!! وقد يرى أصحاب المنفعة أنَّ زنى المحارم الأمور غير الأخلاقيَّة مطلقا؛ لأنَّ الطب كشف عن أضراره الصحيَّة (3)، وهذا غريب؛ فالنَّاس تسالمت قلوبها على رفض هذا الانتكاس والارتكاس من آماد سحيقة وقبل أن يصل الطب إلى ما وصل إليه من تطور في المدَّة المتأخرة من عمر البشرية، ونقول - جدلا - لأولئك المتعلّقين بشماعة الأضرار الصحيَّة هبوا أنَّ الاشتراطات الصحيَّة حاضرة متوفّرة فهل ستبيحون زنى المحارم؛ وبالتالي تغيّرون نظرتكم تبعًا لصَنَم الضَّرر والمنفعة الذي أنتم له عاكفون؟!! لا ريب من أنَّ قضية تأسيس الأخلاق عند الملاحدة هي من أعضل المعضلات وأعوص المعوصات؛ لأنَّه لا يُمكن أن تجد إلحادًا (أخلاقيًّا وإنْ أمكنك أن تجد (ملحدين أخلاقيين)، فالفارق بين
الأمرين كبير!!
في مناظرته مع الملحد لورانس كراوس؛ سأل حمزة تزورتزس محاوره عن زنى المحارم، وهل أم لا؟؟ فكان جواب كراوس صريحًا في أنَّه لا يرى مانعا منه؛ شرط التراضي واتباع
خطأ
1 - تكتب: (زني) و (زنا) فالوجهان جائزان لغويا.
2 - أباحت بعضُ المجتمعات الغربية زنى المحارم كسويسرا على سبيل المثال، وأباحت بعضها (مضاجعة الحيوانات) ككندا مؤخَّرًا.
3 - وصل الحال ببعض بيولوجيي الملاحدة إلى الزعم بأنَّ زنى المحارم مفيد طبيا وبيولوجيا، إضافةً إلى تقويته لروابط الأسرة!!
392 (1/392)
صفحة 393
المبحث الثامن: المستوى الفطري
الاشتراطات الصحية!! وقد علق ريتشارد دوكنز على هذا الموضوع في صفحته على (تويتر) بقوله: "إنَّ لورانس حاول أن يستخدم المنطق (2)!! مثل هذه الحوارات تكشف لنا عن مأزق حقيقي يقع فيه الملاحدة الذين يُريدون التأسيس للأخلاق بعيدًا عن الإله الخالق الذي يُعطي هذه الأخلاق قيمتها المطلقة و موضوعيَّتها الكاملة؛ لذلك عندما حاول أحدهم أن يعترض على رأي لورانس كراوس وأنَّه لا يُمثل الوجهة الصحيحة للفكر الإلحادي في هذه القضية؛ قلنا له: إذن؛ وبناءً على قولك هذا؛ فما الذي يمنع زنى المحارم ويجعله خاطئًا؟!
قال: إنَّ الإلحاد ينظر إلى الأديان على أنَّها نتائج للتَّطور البشري، والإلحاد يأخذ من هذه الأديان ما يراه مناسبًا، كتخطئة (زنى المحارم).
قلنا له: إذن؛ هذا اعتراف بعدم قدرة الإلحاد على التأسيس للأخلاق إلا عبر بوابة الأديان التي جاء الإلحاد لمحاربتها واجتثاثها أضف إليه أنَّ فى جوابك هذا اعترافًا ضمنيا بالقيمة المطلقة للأخلاق، وهذه القيمة المطلقة لا يمكن التأسيس لها إلا عبر المطلق الذي استندت إليه الأديان فالتَّأسيس للأخلاق شرعة سماوية إلهيَّة، تسامت عن تناقضات أمزجة البشر وأهوائهم؛ فاكتسبت بذاك واجهتها وعنفوانها وحضورها الأسر الذي لا فكاك منه، ولن يجد الملحد مرجعًا مطلقا غيره مهما كابر وماحَكَ وجَادَل!
واستشكل بعضهم على هذا الطَّرح بالقول بأنَّ الطَّبيعة نفسها تضم هذه المظاهر الأخلاقية، وأنَّه لا حاجة لوجود الإله لاستنباط وجود هذه الأخلاق ومثل هذا الإشكال هو في الحقيقة مجرد تدعيم لفطرية الأخلاق التي يتفق الجميع عليها، بينما أصل القضية هو في اكتساب هذه الأخلاق لقيمتها المطلقة، وتجاوزها للطَّبيعة الصُّدفويَّة العمياء، وتساميها المطلق عن الوجود البشري، فلا ندري كيف يسوغ إرجاع هذه القيم المطلقة المتسامية إلى طبيعة تحمل في طياتها الشَّيء وضديده! فخذ على ذلك مثلا (قضيَّة زنى المحارم وقضيَّة الشذوذ الجنسي)؛ فتجد بعض الحيوانات تبتعد عن هذا الفعل، وفي المقابل هناك حيوانات تقع في براثنه! أضف إلى ذلك بُعدًا مهما لا ينبغي إغفاله، ألا وهو النظر في المحرك الحقيقي لتصرفات الحيوانات، وهو
1 - لمشاهدة المناظرة كاملة يُنظر: مناظرة لورانس كراوس وحمزة تزورتزس الإسلام أم الإلحاد؟!، على الرابط التالي:
(https://www.youtube.com/watch?v=YNmKIQAoA 9 M).
(https://twitter.com/RichardDawkins/status/312320023035273216).
2 - التَّغريدة في حساب ريتشارد دوكنز على (تويتر) بتاريخ: (14/ 3/ 2010 م):
393 (1/393)
صفحة 394
مناجزة الإلحاد
ما يُعرف بقانون (المثير والاستجابة؛ فاستجابة البهائم محكومة بالقانون السالف لا بقانون
الأخلاق وتوابعها. فاعترافنا إذن بفطرية هذه الأسس الأخلاقية وبحثنا عن موضوعيتها وقيمتها المطلقة بعيدًا عن وجود الإله هو في حد ذاته محاولة خاسرة تجعلنا نرجع إلى الإقرار بوجود الله أو الوقوع في النسبية وعدم الموضوعيَّة، وإذا اعتقدنا بنسبيَّة الأخلاق وعدم موضوعيتها وقعنا فيما وقع فيه لورانس كراوس وأمثاله من مصادمة الفطرة مصادمة نكراء، وهتك ستر قيمتها الموضوعية! فهل اغتصاب الأطفال أمر خاطئ على الإطلاق أم هو نسبي؟! هل القتل العمد بدون سبب موجب هو أمر خاطئ على الإطلاق أم نسبي؟! وهكذا ... كلما زادت الأمثلة زاد معها تلعثم الملاحدة وارتباكهم، ثم تتفرّق كلمتهم هنا، ويضطرب أمرهم، وتنحل عقدتهم!! فنحن نُدرك ضرورةً وفطرةً أنَّ اغتصاب الأطفال وإيذاءهم عمل قبيع أخلاقيا، وهذا الإدراك منا هو إدراك فطري يُشبه إدراكنا بأنَّ الواحد نصف الاثنين، وأنَّ للآخرين عقولًا كعقولنا، ولكننا قد لا نستطيع البرهنة على ذلك منطقيًّا؛ لأنَّ الإدراك الفطري يكفي بنفسه، وهو فوق كل برهنة، بل إنَّ البرهنة ترجع إليه في النهاية، فالظلم قبيح باعتراف الجميع، لكن لماذا هو قبيح؟ قد يُقال: لأنه يسلب حقوق الآخرين ... إلخ، ولكن لماذا يكون ما يسلب حقوق الآخرين قبيحًا؟! ستتنوع الإجابات لكنَّها حتمًا ستنتهي إلى الشُّعور الفطري المطلق في نهاية المطاف، فمن أين اكتسبنا هذه القيمة المعنوية المطلقة لنجعل الظلم قبيحًا مطلقًا!! هنا يظهر حجم العجز والخور الذي يفتُ في عضد الخطاب الإلحادي؛ لأنَّه سيبرر القيمة المطلقة بأمور تجعلها نسبية! وهذا يشبه تماما منهجية من تقول له: لماذا (211)؟ فيقول لك: لأن المجتمع حداثي!
يقول الأديب والمفكر الإيرلندي الكبير سي. أس. لويس C. S. Lewis) : " لكن إذا سألنا: لماذا ينبغي لي أن أكون غير أناني؟! وأجبتم: لأنَّ هذا خير للمجتمع. يمكن عندئذٍ أن أسأل: ولماذا يعنيني ما هو خير للمجتمع إلا أن يصدف أنَّه ينفعني أنا شخصيا؟! وعندئذ تضطرون إلى القول: لأنَّه ينبغي لك أن تكون غير أناني. وهذا إنَّما يُرجعنا إلى النقطة التي منها انطلقنا، إنَّكم تقولون ما هو صحيح ولكنَّكم لا تتقدَّمون إلى أبعد من ذلك أبدا!! (3).
1 - الكاتب الإيرلندي الشهير (1898 - 1963 م) تُرجمت أعماله إلى أكثر من ثلاثين لغة عالمية، من مؤلفاته: (ثلاثية الفضاء)،
و (رسائل سكروتيب)، و (سجلات نارنيا). 2 - مرتضي فرج، أفي الله شك، ص 418.
394 (1/394)
صفحة 395
المبحث الثامن: المستوى الفطري
إنَّ اعتقاد الملحد بأنَّ الكون وما فيه جاء إلى الوجود محمولًا على أكتاف الصدفة، وأنَّ الإنسان ما هو إلا مجرد وسخ كيميائي موجود علي کوکپ متوسط الحجم كما يقول ستيفن هوكنغ ويتابعه معجبوه فيما قاله - أو مجرَّد كومة تراب عفنة كما يقول آخر - لو كان كل هذا الهراء صحيحًا فلماذا غُرست هذه الأخلاق المطلقة في فطرتنا؟! ولماذا كانت لها قيمة مطلقة وموضوعيَّةً مستقلة عن وجودنا؟! فإذا لم يكن هناك إله خالق، وكان مجيء الإنسان بالصدفة العمياء، فكيف إذن تكون هذه الأخلاق بهذه الموضوعيَّة؟ وكيف يشعر الإنسان بتساميها وتعاليها عن وجوده الصدفوي؟!
يقول عالم الأحياء التطوري الفرنسي جاك مونود: "إِنَّ إحدى المعضلات الكبرى في الفلسفة هي العلاقة بين عالم المعرفة وعالم القيم، فالمعرفة هي وصف للواقع بـ (يكون)، والقيم هي (ما يجب أن يكون؛ أي الحتميَّة. سأقول بأنَّ كلَّ الفلسفة التقليدية ومن ضمنها الشيوعية قد جربت اشتقاق (يتحتَّم) من (يكون) وهذا مستحيل، فإن كان الأمر صوابا، وأن ليس هناك من هدف في الكون، وأن البشر نتاج الصدفة المحضة، فلا يمكنك اشتقاق (يتحتّم) من (يكون) (1).
لقد استنتج كثير من الفلاسفة والمفكرين والعلماء والأدباء عدم جدوى التأصيلات الأخلاقية فيما لو تم إقصاء الإله عن مسرح الوجود، فها هو الأديبُ الرُّوسي الكبير دوستويفسكي يقول على لسان السجين ميتيا في روايته الشهيرة (الإخوة كارامازوف): "ما الذي سيصير إليه الإنسانُ في هذا كله بغير إله وبغير حياة آخرة؟! وإذن فمعنى هذا أنَّ كلَّ شيءٍ سيكون مباحًا بعد الآن وأنَّ في وسع الإنسان أن يفعل ما يشاء كل شيء سيكون مباحًا بعد الآن» (2). ويواصل قائلا: "ما عسى أن يحدث إذا لم يُوجد الله؟ لنفترض أنَّ (راكيتين) على حق، لنفرض أنَّ الدين فكرة من صُنع خيال الإنسان، إذا لم يُوجد الله كان الإنسانُ هو سيد الأرض، ورئيس الكون! عظيم! ولكن كيف يكون هذا الإنسان فاضلا بدون الله ... إنَّك إذا أنكرت الله تنتهي إلى زيادة سعر اللحم أنت نفسك، فتربح بالكوبك روبلًا» (3).
1 - أحمد حسن، أقوى براهين جون لينكس، ص 526.
2 - دوستويفسكي، الإخوة كارامازوف، (161/ 4 - 162). ونُشير هنا إلى الخطأ الذي وقع فيه سلافوي جيجيك عندما زعم في مقطع مرئي له على (اليوتيوب) بأنَّ العبارة لم يذكرها دوستويفسكي، وإنما جان بول سارتر، وهذا غير صحيح، إذ إنَّ دوستويفسكي قد سبق سارتر إلى العبارة المذكورة بعدة عقود كما أثبتناه أعلاه بمصدره. - المرجع السابق، (169/ 4).
395 (1/395)
صفحة 396
مناجزة الإلحاد
وها هو المفكر الفرنسي الشهير فولتير يقول: "ولا بُدَّ للبلد ليكون صالحًا أن يكون له دين. أريد من زوجتي وخياطي ومحامي أن يؤمنوا بالله وبذلك يقل غشهم وسرقاتهم لي. وإذا كان لا وجود الله يجب علينا أن نخترع إلها).
إلها).
ويقول الفيلسوفُ الإنجليزي جون لوك: إذا لم يكن هناك إله ولا دين فليس غريبا ولا مجافيًا للواقع أن تعيث في الأرض فسادًا ولو على حساب الآباء والأبناء» (2). بل ويعترف ريتشارد دوكنز بأنه "من الصعب أن تدافع عن الأخلاقيات المطلقة على أُسس غير دينية (3). فالملحد في هذه القضية بين نارين، إما أن يعترف بوجود الأخلاق المطلقة فيقع أسيرًا في قبضة المعنى الغائي لوجود الإنسان، وهو الأمر الذي لطالما حاول الملحد الابتعاد عنه؛ لأنَّه ببساطة يهدم منظومته الإلحادية من أساسها، وإما أن يعترف بنسبية الأخلاق فيقع أسيرًا في قبضة هذه النسبية، وساعتها لا يحق له أن يحكم على شيءٍ بأنَّه أخلاقي أو غير أخلاقي؛ لأنَّ المعيار الذي يرتفق عليه معيار نسبي غير مطلق، وبالتالي فكل أحكامه الأخلاقية من الممكن أن تكون غير أخلاقية!!
لا تُنكر أبدًا أنَّ في استطاعة الإنسان صناعة نظام أخلاقي ما من غير الحاجة إلى الأديان؛ لأننا نُقر بأنَّ الأُسس الأخلاقية هي أُسس فِطْريَّةٌ في الأصل، وأنَّ الإله لم يخلقنا بصورة تخالف فطرتنا وطبيعتنا الأخلاقية، ولكن سيظلُّ الإنسان مفتقرًا إلى القيمة الأخلاقية المطلقة والملزمة بعيدًا عن الإله وكل ما تم تقديمه من بدائل هي في حقيقتها بدائل مكلفةً تقوده في النهاية إلى وَهدَة النسبية الأخلاقيَّة؛ لذا فإنَّ الاعتراضات الإلحادية الشائعة في تناول هذه القضيَّة غالبًا ما تقع في فخوخ مغالطة (تجاهل المطلوب)؛ لأنَّها تتَّجه مباشرةً إلى الشق المعرفي وإلى قدرة الإنسان في تقديم نظام أخلاقي راقٍ وتُهمل الشق الوجودي القيمي، وهو تجاهل صارخ للمطلوب بل إنَّ الملاحدة ومع إيضاح أصل القضيَّة ومناطها يُصرون على تتبع أذيال سوء الفهم،
والانغماس أكثر فأكثر في حمأة تجاهل المطلوب!
1 - ول ديورانت قصة الفلسفة، ص 187. 2 - هيثم طلعت، مناظرة الملحدين، ص 41.
- ريتشارد دوكنز، وهم الإله، ص 234.
396 (1/396)
صفحة 397
المبحث الثامن: المستوى الفطري
مغالطة وليست فعضلة!!
لقد طرح الفيلسوف الإغريقي سقراط في محاوراته - التي نقلها عنها تلميذه أفلاطون مع يونيفرو (Euthyphro) معضلة السُّؤال الأخلاقي والتي سُميت بـ (معضلة يوتيفرو)، أو كما يسميها بعضهم أيضًا بـ (مفارقة يوثيفرو). إنَّه - حسب ما تقوله المعضلة - من غير الممكن أن يكون الله هو مصدر الأخلاق المطلقة! فهل يُصبح الشَّيء جيدا وصالحًا لأنَّ الله أراده هكذا، أم أنَّ الله أراد الشَّيء الجيد والصالح في ذاته)؟!
فإذا قلت بأنَّ الشَّيء جيد وصالح لأنَّ الله أراده فهذا يعني انتفاء موضوعية الأخلاق، فالجيد والقبيح والصَّواب والخطأ أحكام نسبيَّةً متغيرة لا ضابط لها إلا إرادة الإله واختياره، والحال أنَّها ليست كذلك! وإذا قلتَ بأنَّ الله أراد الشَّيء لأنَّ الشَّيء جيد وصالح في نفسه، فستصبح الأخلاق مستقلةً ومستغنيَّةً عن الإله؛ لأنَّها ذات قيمة موضوعية لحالها، ومن ثم فلا حاجة للإله في تقرير ما هو أخلاقي وغير أخلاقي!
لو سألنا: هل الظلم قبيح لأنَّ الله نهى عنه، أم أنَّ الله نهى عنه لأنَّه قبيح؟! فإن قلت بالأوَّل فأنت تعترف بأنَّ الظلم غير موضوعي وغير مطلق؛ بحيث إنَّه لا يُمكننا أن نحكم بقبحه إلا وإن قلت بالثَّاني فأنت تعترف بأنَّ الظُّلم موضوعي ومطلق نستطيع أن نحكم
بسبب من
الله
بقُبحه دون الاستناد إلى أي سُلطة إلهيَّة). هذه هي الرسالة التي تطرحها المعضلة. ونحن نقول إنَّ الشَّيء لا يكون موجودًا قبل الإله الخالق لكي يُقال: "هو جيد وصالح لأنَّ الله اختاره“. أو: لأنَّ الله اختاره فهو جيد وصالح. فهذه المعاني المجرَّدة كلُّها في علم الله الأزلي قبل جعلها، ويتضح من هذا أنَّ المعضلة ما هي إلا أغلوطةٌ منطقيَّة! فالله أراد الشَّيء لأنَّ الشَّيء جيد
وصالح وحَسَنُ في عِلمه الأزلي قبل أن يخلقه، بل وقبل أنْ يَفْطِر الإنسانَ على التمييز بين.
ما
1 - طُرحت المعضلة بصياغات متنوعة من قبيل: (هل التَّقي يُحبه الله لأنَّه تقي أم أنَّه تقيُّ لأَنَّ الله يُحبه؟!). وكذلك: (هل المقدَّس مقدَّس لأنَّ الله أمر به، أم أنَّ الله أمر به لأنَّه مقدَّس؟!). وأحداث قصة الحوار بدأت عندما سأل سقراط يوثيفرو عن معنى الخير، فأجابه بأنَّه ما يُرضي الآلهة، فاعترض عليه سقراط بتعدد الآلهة وأنَّ كلَّ إله قد يرضى بشيء لا يرضاه الإله الآخر! فقال يوثيفرو: إنَّ الخير إذن؛ هو ما اتفقت عليه الآلهة. وعندها صرّح سقراط بفكرة المعضلة: (هل الخير خيرًا لأنَّ الآلهة اختارته، أم أنَّ الآلهة اختارته لأنَّه خير؟!). 2 - لن نخوض في تفصيل مسألة كيفية معرفتنا القبح الظلم، ونكتفي بالإشارة إلى أنَّ الظلم - من حيث صلابة المبدأ لا مرونة التطبيق - قبيح فطريا ونعرف قُبحه حضوريًا في أنفسنا كما نعرف حزننا وفرحنا وغضبنا وهدوءنا، أما من حيث مرونة التطبيق فالمجال مشروع للعمليات العقلية التي تكشف عن قبحه، وأما ما تختلف فيه العقول وتتنازع فمرده إلى الفصل الإلهي.
397 (1/397)
صفحة 398
مناجزة الإلحاد
هو جيد وما هو رديء! فنحن موجودون بصورةٍ تُمكننا من أن نُدرك فطريا معاني الخير الشر، والله هو من صوّرنا بهذه الصورة كما شاء!
هذا يقودنا إلى الإقرار أيضًا بأنَّ معضلة يوثيفر و ليست سوى نمط آخر من أنماط المغالطات المنطقية يُعرف بمغالطة الحصر المخادع (Fallacy Of Limited Choice) فالمعضلة تُقدم احتمالين اثنَيْن لا ثالث لهما، مع أنَّ القضيَّة تحتمل احتمالا ثالثًا سديدًا بل ومُتعينًا، فلك أن تقول: إنَّ الله على صراط مستقيم؛ ولأنَّه كذلك فلن يختار للنَّاس إلا ما كان مستقيما وصالحًا. وقد يظنُّ بعضهم بأنَّ هذا الجواب يلزم منه الدور المنطقي، وهذا غير صحيح لمن تفكر وتدبَّر، فالدور يلزم فيما لو كان الاستدلال على موضوعيَّة الأخلاق بموضوعيتها نفسها أو بموضوعيتها نفسها أو بشيءٍ آخر يتوقف أيضًا عليها، وكلُّ ذلك لم يتفوَّه به الجوابُ السَّابق ولم تظهر أماراته على وجهه؛ لأنَّ اختيار الله للأمر المستقيم والصَّالح يُفهم منه وجود المفهوم الموضوعي لـ (الاستقامة والصلاح) قبل الاختيار والأمر الإلهي للبشر. ويُمكن أن يُقال كذلك: إنَّ الله لا يفعل الخير من أجل أي معيار تفترضه المعضلة، فالله
الله
له،
خير مطلق سواء أكان الخير الصادر عنه خيرًا في ذاته وبذاته، أو كان خيرًا بإرادة فالخير خير على الافتراضين معًا)، ولا علاقة لهذا بموضوعيَّة الاخلاق، بل بقيمتها وإلزاميتها.
عَوْدَةٌ
لقد حاول الملاحدة الجُدد حلَّ عُقدة الأخلاق العديد من عبر الكتب التي خصصوها لتحقيق هذه الأمنية التي تمنعت عنهم قرونًا طوالًا، وما زال شبح الفشل ومجانبة الصَّواب يظهر باستمرار في وجوههم، وما زالت رئة الخطاب الإلحادي تبث البلوح والإخفاق والخيبة! فعندما ابتغى الملحد سام هاريس في كتابه المشهد الأخلاقي) حَسْم القضيَّة لصالحه فرَّت الأخلاق مدبرة منه، ولا غرابة في ذلك، فقد اعتقد بأنَّ عافية الإنسان وصحته هي المعيار الأوحد للأخلاق، وأنَّ العِلم التَّجريبي هو القادر على تحديد الأخلاق وفق هذا المعيار، فكل ما يجلب العافية هو المقبول أخلاقيًّا، وكلُّ ما يجلب المرض والألم هو المرفوض أخلاقيا.
1 - تذكرنا معضلة يوثيفرو بالخلاف بين المعتزلة ومن خالفهم في مسألة التَّحسين والتقبيح العقليين، لكن ما لا يعلمه بعض الناس و أنَّ هذا الخلاف في نهايته يجر معه الاتفاق بين الطرفين على موضوعية الخير والشر وطلاقتهما.
هو
398 (1/398)
صفحة 399
المبحث الثامن: المستوى الفطري
وهذا ليس بشيءٍ مطلقا؛ لأنَّه لم يُقدم ولم يُؤخر شيئًا، فكل قطع الأثاث المستهلكة بقيت على حالها!! وما زال السؤال الأخلاقي في وادٍ وسام هاريس ومَن لفّ للَّه في واد ناءٍ سحيق! ومرة أخرى تثور الأسئلة ولا تغور، فلماذا كان ما يجلب العافية هو المقبول أخلاقيا!؟! ولم يجب علينا قبول هذا المعيار!؟! وهل العافية معيار موضوعي وإلزامي ومطلق!؟! وتذكّر - مرة أخرى - بأن أعظم الفضائل الأخلاقية كالتّضحية والإيثار والأعمال البطولية تأتي معارضة ومعاكسة للمعيار الذي يفترضه سام هريس ومن معه، فهل مثل هذه الفضائل ستنقلب إلى قبائح مرذولة ومثالب مستبشعة لتضمن بعضها الألم، ولتضحية بعضها بالمنفعة الشخصية من أجل منفعة الأمة أو المجموع، ومن ثمَّ ستصبح أعمالًا غير أخلاقية!!
وهنا يبرز كذلك السؤال التالي: قبل تقدُّم العلوم التجريبية في العقود الأخيرة، ألم تكن الأخلاق سابقا ذات قيمة مطلقة؟! من البين - بعد طرحنا لهذا السُّؤال - أنَّ رؤية سام هاريس رؤية نسبيَّةٌ سطحيّةً تحيد عن موطن الإشكال من كونه يبحث عن القيمة المطلقة - كما كان ينبغي له - إلى كونه معيارًا نسبيًّا مؤقتًا!! ثمَّ إنَّ هذا الطَّرح (الهارسي) لم يقدح مطلقًا زناد البرهنة والاستدلال، فالعِلمُ يُخبرنا عمَّا يُقدم العافية للإنسان لكنَّه لا يُخبرنا لماذا كلُّ ما يُقدمُ العافية للإنسان هو أخلاقي مطلقا؟! إِنَّ العِلم يُخبرنا بأنَّ تناولك لكمية ضئيلة من سُم البوتوكس (Botox) ستقضي عليك حتمًا، لكنَّه لا يقول لك تناوله أو ابتعد عنه!
فالأخلاق إذن؛ ليست من اختصاصات العِلم التَّجريبي حتّى تلز وإياه في قرن وتُرسَنَ به في رَسَن وبطبيعة الحال لم يكن لمثل هذا الأمر أن يمر مرور الكرام على عباقرة من طراز ألبرت أينشتاين فقد سبق أنَّ صرَّح بأنَّ مسائل الأخلاق ليست من المسائل العلمية، وأنَّ العِلم عاجز عن البت فيها، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما صرّح بأنَّ كلَّ محاولة لاختزال الأخلاق في معادلات علميَّةٍ قطعًا ستفشل)! كذلك نَصَّ العالِمُ الفرنسي الكبير هنري بوانكاريه في كتابه (الأفكار الجديدة على أنَّه لا وجود لما يُسمَّى بالأخلاق العِلميَّة، بل لن يكون لها وجود من الأساس؛ لأنَّ قصارى ما سيفعله العِلمُ هو أن يكون مساعدًا للأخلاق بالواسطة! ومثله صرّح الفيزيائي الكبير ريتشارد فاينمان بأنَّ القيم الأخلاقية تقع خارج إطار العلم! بل إنَّ ريتشارد
1 - Max Jammer, Einstein and Religion, p. 69.
2 - Richard p. Feynman, The Meaning of it All, p.43
399 (1/399)
صفحة 400
مناجزة الإلحاد
دوکينز نفسه كان يرى - حتَّى وقت قريب - بأنَّ العِلم لا يُمكنه أن يُحدّد الأخلاق، وبأنَّ أهلية العلم لتقديم النصائح الأخلاقية تتعاورها المشكلات باتفاق الجميع!
إنَّ الابتعاد عن جوهر الإشكال يتكرر في المحاولات الإلحادية الجديدة، كمحاولة الملحد مايكل شرمر في كتابه (علم الخير والشَّر) وكتابه (القوس الأخلاقي) ومحاولة دوكينز في كتابه (وهم (الإله ونحوها من المحاولات العديدة، فجميعها ترفع راية نسبية الأخلاق؛ لأنَّها تنطلق من محور فلسفة (التَّطور الأخلاقي)، والذي يلزم منها الاعتقاد بعدم وجود الأخلاق الموضوعية والمطلقة، فالنظام الأخلاقي كالنظام البيولوجي قابل للتَّطور بحسَب منعرجات الطبيعة، والشعور الإنساني بهذا النظام هو وليد رَحِم الصُّدفة!! فالطَّبيعة تُرغم الإنسان على أن يستشعر النظام الأخلاقي حسب مراحل تطورها المختلفة تماما كما يحدث لعالم الحيوان! فالأسد عندما ينقضُ على طريدته ويأكلها ليبقى على قيد الحياة هو لا يرتكب جنحةً أخلاقية، بل يعمل وفق مقتضيات
الطَّبيعة المتطورة، وهكذا تكون حال الإنسان إذا ما اعتمد مبدأ نسبية الأخلاق وتطورها! في الحقيقة إنَّ "الأخلاق لا تطور فيها، والإنسان هو العنصر الثابت في تاريخ العالم، لقد دخل الإنسانُ التاريخ برأس مال أخلاقي مبدئي هائل، إنَّ الأخلاق لها موجات صعود وهبوط، ولكن لا تطور فيها على الإطلاق، فمن وجهة نظر الأخلاق فإنَّ العصر الحجري الحديث يُعتبر انتكاسةً في القيم الأخلاقية عن العصر الحجري القديم، فالأخلاق في استقلال عن الزَّمن. والفلسفة الأخلاقية بعد أفلاطون لم تُحقق أي تقدم على الإطلاق، وكتابات شيشرون في الأخلاق لا تزال صالحةً إلى اليوم وأفكار أرسطو الأخلاقية ومسرحيات سوفوكليس المأساوية يُمكن وضعها في أي عصر من العصور لتناسبه. الأخلاق بطبيعتها لا تتطور، وإنما تبدأ من جديد، ويحدث التدهور الأخلاقي في الغالب في نهاية الحضارات. لقد ألف يوربيديس مسرحية (نساء تروجان) الأخلاقية في أزمان ما قبل التاريخ، وأكملها سارتر بعد آلاف السنين دون فجوة زمنيَّة تُذكر. إنَّ أخلاق الأقيانوسة - وهي أكثر مناطق العالم تخلفا - لا تختلف عن أخلاق أي منطقة متحضرة بالعالم، وفنون الأقيانوسة التي تسرد وقائع أخلاقية تجد مكانها في المتاحف الأوروبية والأمريكية ولا ثمة فجوة حضارية بينها وبين مثيلاتها الغربية. إنَّ القاعدة التي
لا
خلاف عليها أنَّ الاخلاق لم تخط خطوةً واحدةً إلى الأمام منذ العصر الحجري القديم، فجميع
1 - يُنظر: ريتشارد دوكينز، وهم الإله، ص 59.
400 (1/400)
صفحة 401
المبحث الثامن: المستوى الفطري
معلمي البشرية سواء كانوا أنبياء أو مصلحين جميعهم علموا البشرية الأخلاق نفسها ... وعندما نسرد تاريخ الأمم عبر كل العصور نجد الاختلاف في السلوكيات الرسمية فحسب، أما في قواعد الأخلاق وفي القيم الأخلاقية فلا نجد توافقا بل تطابقا مطلقًا). إنَّ من لوازم إنكار وجود الله التَّخلُّص من هذه الفِطرة الأخلاقية المطلقة؛ لأنَّها فِطرة بدائية موجودة في الإنسان كوجود فطرة الإيمان بالله، فلا يُوجد مبرر لطلاقة الأخلاق وقيمتها المستقلة عند من ينكر وجود الله، خصوصًا إذا ما نظرنا إلى طبيعتها المعنوية، فالمنفعة واللذة والمجتمع والعلم والتطور ونحوها من المراجع تُخالف فطرية الأخلاق وقيمتها المطلقة!!
نعم؛ فإذا لم يكن هنالك من خالق يرى ويسمع ما يفعل البشر، وإذا لم تكن هنالك من دارٍ أخرى يثيب الله فيها المحسن على إحسانه، ويُعاقب المسيء على إساءته، وكان الكسب المادي في هذه الحياة الدنيوية هو وحده الكسب المعتبر لكان الصادقون الأمناء الموفون بعهودهم - إن أضاع عليهم صدقهم وأمانتهم مكسبًا ماديًا - هم المغفلين الذين لا عقل لهم، ولكان الكذابون الخونة هم العقلاء، لكن العقل يقول إنَّ الأمر لا يمكن أن يكون كذلك ... إنَّ النَّاس مفطورون على أنَّ هذه القِيَم قيم يحسن بهم أن يلتزموا بها، لكن الملحد يعتقد أنه ليس وراء هذه الحياة من حياة، والصدق في هذه الحال يفوت عليه لذّةً عاجلة، ففيم التضحية بعدها وأنت لا تنتظر أُخرى ... يقول بعض المتحذلقين من الفلاسفة إنَّه لا معنى للسلوك الخلقي إلا أنْ تُضحي مثل هذه التّضحية التي لا ترجو لها ثوابًا، وإنَّك إذا عملت الخير رجاء الثواب كما يفعل المتدينون لا يكون سلوكك هذا سلوكًا خُلقيًّا بل تجاريًا، لكن هؤلاء ما علموا أنَّ التضحية المطلقة أمر يتنافى مع الفكر المادي الذي يسيرون عليه في حياتهم، فكيف توفق بين الوازع الأخلاقي الذي يضطرنا أحيانًا إلى التخلي عن اللذة والمنفعة، والفكر المادي الذي يدعونا إلى اللذة والمنفعة، لا يوجد حل مقنع إلا بنبذ أحد طرفي المعادلة؛ الأخلاق أو الفكر المادي!! (2).
مع
إنَّ المأزق الأخلاقي سيظل مُطاردًا الملاحدة كلَّ آن وحين، فإذا تصادمت الأخلاقُ المصلحة، أو المنفعة، أو المجتمع، فلماذا ينبغي عليَّ أن أكون أخلاقيا؟! لماذا يلزمني أن أكون صادقًا إن كان صدقي يقتادني إلى أن أفقد مالا حصلت عليه، أو خدمةً أنتفع بها؟! لماذا ألتزم بمساعدة الآخرين وقد يُكلفني هذا النَّفس والنفيس؟! لماذا أكون مُؤثِرًا غيري على نفسي مع
1 - هيثم طلعت مناظرة الملحدين، ص (179 - 181).
2 - جعفر شيخ إدريس الفيزياء ووجود الخالق، ص (57 - 65)، بتصرف.
401 (1/401)
صفحة 402
مناجزة الإلحاد
هي
أنَّ الإنسان ذو أثرة بطبعه؟! هل ترقى إجابات الملاحدة المعتادة عن مثل هذه الأسئلة إلى تبرير الالتزام الأخلاقي في هذه الحالات؟! طبعا لا. فقط تُعطي مبررات من هنا وهناك لكنها لا تستطيع تبرير (الإلزام) نفسه ولا تبرير قيمته ولا تستطيع الاتكاء على دعامة ثابتة ومطلقة، والمضحك أنَّ الملاحدة يقتنعون في هذه القضيَّة بتلك التبريرات على الرغم من سطحيتها ونسبيتها وتهافتها الجلي وفي هذا المقام - لمن تأمل - أليس أساس التمييز والفصل بين المنفعة الشَّخصيَّة والمنفعة العامة هو نفسه عمل أخلاقي قبل أن يكون معيارًا؟!
سنستعرض هنا جانبًا من التنظيرات والتطبيقات التي قام بها كبار الملاحدة في الغرب لما هو أخلاقي وغير أخلاقي، ومخالفتهم الصَّريحة لقيم الأخلاق المطلقة؛ بجعلها قيما نسبية تسير مع لوازم منهجهم الإلحادي على طول الخط (1):
- البروفيسور الدنماركي الملحد فاجن جريف يُطالب بإباحة زنى المحارم.
- سويسرا تبيح رسميا زنى المحارم.
- السويد تبيح رسميا الاستمناء في الأماكن العامة.
- كندا تبيح رسميا مضاجعة الحيوانات.
- ألمانيا وكولومبيا وجنوب أفريقيَّة والولايات المتحدة الأمريكية والسويد والدنمارك من أكثر الدول عالميًا في انتشار حالات ممارسة الجنس مع الحيوانات.
- أكثر من (10,000) سويسري يميلون جنسيا للحيوانات (2).
- عالِمُ جيناتٍ ملحد يُصرح بأنَّ زنى المحارم مفيد بيولوجيا.
- إنشاء منظمةٍ تُسمَّى بـ (النامبلا NAMBLA مهمَّتُها المطالبة بإباحة التحرش بالأطفال
واغتصابهم.
- علماء نفس ملحدون يُطالبون بإباحة ممارسة الجنس مع القاصرين.
- ملحد يُقر بأنَّ الاغتصاب قد يكون أمرًا أخلاقيًا.
1 - يمكنك مراجعة الكثير من هذه التَّنظيرات الموثقة بمصادرها في منتدى (التَّوحيد) تحت عنوان: (فضائح إلحادية).
2 - (www.independent.co.uk/news/world/fears-over-rise-in-horse-sex-abuse-in-switzerland-a 6751841.html).
402 (1/402)
صفحة 403
المبحث الثامن: المستوى الفطري
- الملحد بيتر سينجر يدعو إلى ممارسة الجنس مع الحيوانات.
- ريتشارد دوكنز لا يُمانع من وجود الخيانة الزوجية).
- ريتشارد دوكنز يمتنع عن إدانة جريمة التحرش بالأطفال.
- إباحتهم للشذوذ الجنسي ودعوتهم إليه.
- المطالبة بتقنين زواج الأطفال.
- الملحدة مارجريت سانجر تُطالب بإعطاء أهلِ الرّضيع حق قتله إن أرادوا ذلك.
- الملحد بيل ماهر يطالب بتقليل عدد سكان العالم عن طريق الترويج للموت. - الملحد ديفيد أتنباره يدعو إلى تقليل سكان العالم عن طريق منع إطعام دول العالم الثالث. إنَّ مثل هذا الطَّرح الغَثيث لا يجد بعض الملاحدة مفرًا من حراجته إلا بتحويل الدفَّة والهجوم المرتد على الأديان، وتشتيت الانتباه بعيدًا عن أصل المشكل الأخلاقي، وذلك بقولهم إنَّك واجد بعض الأديان التي أسهمت في الجرائم غير الأخلاقية أيضًا!! وفي الحقيقة هذه الطريقة في التفكير ما هي إلا محاولة يائسة لتسليط الضوء إلى هنالك في بقعة قصية جدًّا، وكان الأصل أن يسلّط الملاحدة الضوء بين أيديهم وعند مواطئ أقدامهم! فالجدل الدائر بين الإلحاد والإيمان هو عن أصل الأخلاق ومرتكزاتها القيميةً والموضوعية، لا الحديث عن أخطاء البعض في الجانب التطبيقي المتجاوز للجانب التأصيلي ومعه نقول: إنَّ الخطأ لا يُفسَّرُ بخطأ مثله، ومغالطة أنت كذلك You Too لا يمكن أن تنطلي على الحصيف، ثمَّ إنَّ الدين الصَّحيح لا يُجيز أمورًا تُخالف الأخلاق المطلقة، وأهم أمر هنا هو خُلاصة التقريرات السابقة، فإنَّ المنكر لوجود الله إن كانت لديه قيم أخلاقيَّةً مطلقةً فهذا يُخالف لوازم منهجه، وإن لم تكن القيم الأخلاقية لديه مطلقة فهو موافق للوازم منهجه، ومن ثُمَّ سيقع في مثل هذه الطامات، بينما المتدين إن خالف هذه القيم الأخلاقية فهو مخالف للأخلاق نفسها لا للوازم منهجه؛ لأنَّ أصلها - عنده - مطلق متسام ولوازم منهجه مشتملة على الوازع والإلزام والقيمة والمرجعية الموضوعية، وهذا ما لا تمتلكه كُلُّ الخطابات الإلحاديَّة!! وتتساءل هنا: ماذا سيلزم الملحد إن
1 - حسب صحيفة (الإندبندنت البريطانية فإنَّ أكثر الدول في نسبة الخيانة الزوجية هي: تايلاند والدنمارك وإيطاليا وألمانيا وفرنسا والنرويج وبلجيكا وإسبانيا وبريطانيا وفلندا. يُنظر: https: //yemen-press.com/news 86187.html)
403 (1/403)
صفحة 404
مناجزة الإلحاد
أقر بعدم وجود معيار أو مرجعيَّة للأخلاق؟! لا شك بأنَّه لن يستطيع حينها أن يقوم بتبرير خطأ أي عمل يراه خاطئًا!! بل إنَّ القوانين الوضعية نفسها تقوم على المعايير والمرجعيات الأخلاقية، فلو لم تكن هنالك معايير أو مرجعيات أخلاقيَّة للقوانين فلن يكون هنالك وجود للقوانين من الأساس!
المحصلة
بعد هذا التجوال في برهان (الأُسس الأخلاقية) نخلص إلى المقدمتين الآتيتين: - قيمة الأخلاق ثابتة ومطلقة وإلزامية.
- لا يمكن أن تكون قيمتها ثابتةً ومطلقةً وإلزاميةً بغير وجود الله.
وعليه؛ فإذا كان الله غير موجود فإِنَّ القِيم
الأخلاقية المطلقة غير موجودة، لكنها موجودة
حقا، إذن الله موجود.
الهداية الغريزية
الغريزة هي الميل التلقائي إلى السلوكيات التي تُحقق أهدافًا وغايات محددة دون علم الكائن الحي بهذه الأهداف أو تلك الغايات، فهو لا يملك خبرةً أو معرفةً مسبقةً عنها، وإنَّما مجرد ميل تلقائي يُوجهه إلى الهدف والغاية تحت قبضة الحاجات الحيوية التي يستدعيها الجسم. وتظهر الغرائز عند الحيوان أنماطاً سلوكيَّةً تبعث على الحيرة والدهشة، فالنَّحل يبني خليته بالطَّريقة الهندسية ذاتها في جميع الخلايا، على الرَّغم من أنَّه لم يرَ خليَّةً بُنيت أمامه من قبل! ودودة القز اخترعت وسائل دفاعيَّةً لتحمي نفسها من المتربصين بها، ولتبتعد عمَّن ينصبون لها الحبائل وفيما كان الإنسان لم يعرف كلَّ أنحاء العالم بعد - قبل الاكتشافات الجغرافية - فإنَّ الطَّير قد سبقه إلى معرفته منذ زمن مديد، فطائر خطاف البحر) يجوب الكرة الأرضية من شمالها إلى جنوبها قاطعا ما يُقارب (20) ألف ميل ذهابًا وإيابًا في كل عام والسنجاب هو الآخر يقوم بجمع ثمار البلوط وأنواع النَّوى طوال موسم الخريف، ثمَّ يدَّخرها في مكان آمن ليتغذَّى عليها في وقت الشتاء).
وكيف استطاعت الفراشات أن تضبط ألوانها حسب المحيط الذي تعيش فيه؟! كيف تتأكَّد أنَّها في أمان؟! مَن الذي أخبرها بالطيران واستخدام جناحيها بعد خروجها من شرنقتها
1 - يُنظر: شوقي أبو خليل، غريزة أم تقدير إلهي، ص (14 - 47).
404 (1/404)
صفحة 405
المبحث الثامن: المستوى الفطري
مباشرةً وقبل أن تتعلَّم؟! كيف تطمئن الأسماك الصَّغيرة (المنظفة) وتلين لجانب الأسماك الكبيرة المفترسة؟! كيف تثق بها وكأنها قد أبرمت اتفاقًا مسبقًا معها؟!
ولك أن تقلب ناظريك في عالم النَّمل، سابرًا، أغوراه، مستكشفا بدائع أسراره! ذاك العالم الذي يضج بالحيوية والنشاط والفراهة: نظام بديع آسر خالب للألباب! وحياة ممتلئة بالمثابرة والمواظبة والعمل الدؤوب معرفةٌ شاملة ومُبرمجة بكيفية استحداث المساكن وعمارتها، وأخرى بكيفية المحافظة على الطّعام وادخاره دون أن يفسد أو أن يُصيبه عارض سوء! تقسيم متفرد للمهام والأعمال والمناصب! احتساب وتخطيط دقيق للحاضر والمستقبل!
إنَّ بعض أنواع البعوض تُطلق مادَّةً لزجةً في الهواء، وما إن تجف تلك المادة حتَّى يتشكّل منها قارب تضع البعوضة عليه بيضها، ثم تتركه يمخر عباب الماء وهو يحمل بيضها قبل أن يفقس، لتموت الأم عقب ذلك مباشرةً، وبعد أن تفقس البيوض وتخرج اليرقات تتكرر العمليَّةُ ذاتها، فمن الذي علم تلك اليرقات بأن تقوم بمثل الدور الذي قامت به الأم دون أن يروها أو يروا من رأوها؟!
ليس من شك أنَّ هذه الكائنات لا تستطيع تحديد كل ذلك ولا حسابه إلا بوجود قانون غريزي من نوع ما، وهذا القانون لا بُدَّ أن يكون مُقننه متعاليا وخارجًا عن الطبيعة نفسها؛ لأنَّ الطبيعة لا يُمكن إلا أن تُوصَف بظواهرها، فهي لا تستطيع إخبارنا بما فوق ذلك مما هو خارج عنها، كالغايات والمقاصد النظرة المستقبلية الدقيقة
والإنسان هو الآخر مدفوع بهذه الغرائز، فغرائزه التي زُود بها منذ ولادته، كالعطش والجوع تتطلب الإشباع الحتمي، وإذا لم تُشبع مات الإنسان وسَكَنَ نسيسُه، وهي تتحرك داخليا وتثار للإشباع من خارجها، بخلاف الغريزة التي تتطلب الإشباع فقط، فإذا لم تشبع سببت القلق والأرق للإنسان ولكنه مع ذلك يبقى حيًّا، مثل غريزة الجنس والأمومة، فهي لا تتحرك داخليا، ولا يحصل الشعور فيها بالحاجة إلى الإشباع إلا بمثير خارجي، فإذا وُجد ما يثير هذه الغريزة من الخارج تحرّكت وظهرت الحاجة إلى الإشباع، وإذا لم يُوجَد المثير الخارجي تبقى الغريزة كامنةً دون شعور بالحاجة إلى الإشباع، فالحاجة تكمن وراء الدوافع، وهي التي تُوجه السلوك إلى إشباعها وتُعيد للعضوية توازنها).
1 - يُنظر: (الموسوعة العربية العالمية).
405 (1/405)
صفحة 406
مناجزة الإلحاد
من الذي أرشد الطفل إلى التقام ثدي أمه وارتضاعه تلقائيًا قبل أن يكتسب أو يتعلم شيئًا؟! ومن الذي جعل محور ارتكازه على الفم في شهوره الأولى؟ من الذي زرع فيه غريزة التدين؟! ومن الذي غرس فيه غريزة حب البقاء؟! مَن الذي أنبت فيه غريزة حب التفوق ... إلى آخر هذه التساؤلات التي لا تكتفي بوصف ما يحدث فقط، بل تشرع باحثةً عن تفسير الوصف نفسه بعد التحقق من صحته علميًّا.
إنَّ الغريزة إرادة مقصودة لتحقيق هدف معين، ووجود الإرادة بطبيعة الحال يسبقه علم بالمراد، ولما كانت الغرائز رغبات فإنَّ الرَّغبات لا تُوجَد إلا بعد وجود المرغوبات، فمن الذي أنشأ هذا القانون الطبيعي الذي ربط بين الرغبة والمرغوب، وقبل ذلك وضع المعلومات التي
تسبق الإرادات؟!!
إنَّ الكائن الحي بحاجة إلى الطاقات الآتية إليه من الطبيعة تماما كحاجة أي جسم إلى الطَّبيعة التي تحتضنه ولكن بفارق واحد وهو أنَّ الجسم الحي يحس بهذه الحاجة، ولذلك سُمي الحيوان بالـ النامي الحسّاس، وهذا الإحساس ناشئ من عمليات الأعصاب الداخلية والخارجية، والتي تحمل إلى الدماغ كلَّ التَّطورات الحيوية التي تطرأ على الجسم، فمثلا: الحاجة إلى الدفء يحس بها الإنسان من إحساس الأعصاب بالبرد، ثم يحمل هذا الإحساس إلى الدماغ، والحاجة إلى الطعام تُعرف من الأعصاب الداخلية التي تحمل هي الأخرى إلى الدماغ تأثيرات الأجهزة الهضميَّة، وكذلك الحاجة إلى الجنس والنوم، وبوجود هذا الإحساس يُوجد الألم الذي قد يكون خفيفًا فنسميه (الرغبة)، وقد يكون شديدًا فنسميه (الوجع)، وحقيقة الألم أنَّه نوع من الضَّغط البيولوجي على الإرادة البشرية لكي تتَّخذ تصميما باتجاه تقليل هذا الألم أو رفعه، كما يضغط الابنُ على والده الشَّفوق بتهيئة حاجةٍ له، وخضوع الإرادة لنداء الألم
يعني اتباع الإنسان لغريزته. إذن؛ للغريزة ثلاث مراحل:
1 - مرحلة الحاجة البيولوجية، وتُسمى بـ (الغريزة).
2 - مرحلة الإحساس الحيوي، وتُسمى بـ (الشهوة).
- مرحلة الضغط على النَّفس، وتُسمى بـ (الهوى)).
1 - يُنظر: محمد تقي المدرسي المنطق الإسلامي أصوله ومناهجه، ص (140 - 141).
406 (1/406)
صفحة 407
المبحث الثامن: المستوى الفطري
الغريزة في حقيقتها أمر غير مكتَسَبٍ ولا ينتقل وراثيا فهي موجودة أيضًا في الكائنات البسيطة التي تملك جهازًا عصبيًّا محدودًا لا يُسعفها في تفعيل كل تلك الخدع والتمويهات والهندسيَّات المحيرة التي تقوم بها غرائزيًّا، وشغالات النَّحل - على سبيل المثال - لا يُمكن لها أن تنقل غرائزها وراثيا؛ لأنَّها من الأفراد العقيمة - كما هو معلوم - وهذه المعضلات هي التي جعلت تفسير الغريزة أمرًا متعسرًا جدًّا بدون وجود الإله الخالق المدبر، وهذا العُسر لا يعود إلى جهلنا بالآليات الطبيعية التي تُمكّننا من عمليَّة وضع توصيفٍ علمي دقيق لهذه الغرائز، فلا شكٌّ بأنَّ وجود مثل هذا التوصيف العلمي ممكن على المستوى الظاهري، لكنه أمر غير ممكن على المستوى الغائي وعلى مستوى العِلل الحقيقية وهو المستوى الأهم؛ لأنَّ وجود التوصيف العلمي يجرنا منطقيا وعقليًّا إلى المطلب الغائي، ولأنَّ مجرَّد وجود التوصيف العلمي نفسه يعني أنَّ الأمر قد غدا مفهومًا، ولن يكون الأمر مفهومًا إلا بمعرفتنا للقوانين العلمية، وإذا كان الأمر (مفهومًا + مُقنَّنا فلا بُدَّ إذن مِن وجود ذاك الذي قنَّنَ القوانين وجعلها قابلة للفهم والتأمل والتَّدبر! إنَّ معرفة الدواعي الطَّبيعية لنشوء هذه الغرائز، كالاحتكام إلى التَّطور وآلياته، يضرب موعدًا مع تساؤلاتٍ لا محيص عنها، فكيف حدثت هذه الغرائز بعد أن لم يكن لها وجود؟! وكيف تكتسب وهي ملازمة لوجود الكائن الحي وحياته قدما بقدم؟! وكيف تتناقل مع أنَّ عامل الوراثة في نقلها لا يُوجد عند بعض الكائنات؟! ثمَّ إنَّ معرفة (الكيف) لو افترضنا تحققها على أرض الواقع - وهذا ما نرجوه في المستقبل القريب - فسوف تبقى معضلة معرفة مصدر (الكيف) نفسه بعد تشكله، فالأسباب الطبيعية لا تُغني عن الأسباب الغائية، وقانون الانتخاب الطبيعي نفسه - وغيره من القوانين الطبيعية الأخرى - مَن الذي قننه ومَن الذي أوجده؟! ثُمَّ إِنَّ التَّطور الدارويني له تخوم يقف عندها لا يجاوزها، فهو لا يستطيع تفسير الغريزة في الحقيقة؛ لأنَّ الجانب الأبرز منها يخص المعنويات والمعلومات، بل وفوق ذلك كله فإنَّ قدرتنا على فهم الغريزة طبيعيًّا سيقودنا إلى الاستدلال بهذه المقدرة على الفهم على أنَّها - أي الغريزة - منظمة ومَدبَّرةٌ ومُوَجَّهَةٌ، فلو لم تكن كذلك لما استطعنا فهم قانونها.
()
بل وإن أخذنا بالفرض العلمي المُسمَّى بـ (تأثير بالدوين/ Baldwin Effect) فإنَّ الكثير من غرائز الكائنات لا يُمكن توصيفها بهذا التأثير فليست كل الغرائز مبنية على التقليد أو التعلم،
1 - يُنظر على (اليوتيوب: ريتشارد دوكنز، كيف لسلوك مكتسب أن يتحوّل إلى غريزة موروثة، (مقطع مرئي مترجم):
407
(https://www.youtube.com/watch?v=foQslUObzKI) (1/407)
صفحة 408
مناجزة الإلحاد
ثم يأتي الانتخاب الطبيعي ليستبقي الكائنات الأسرع في عملية التعلم والتقليد، ثم يصبح الأمر مهارة مكتسبةً يتم توريثها ونقلها عبر الجينات للأجيال اللاحقة إنَّ قضية توريث الصفات المكتسبة عن طريق التَّعلم والتقليد ليست محل اتفاق علمي - بدليل النتائج المختلفة بين تجربة إيفان بافلوف وتجربة ماك دوبين - فضلا عن أنَّ الانتخاب الطبيعي أو الصدفة ليست إلا مصطلحات ذهنية، وضفية فهي ليست كيانات متشخصةً لها مصاديقها الخارجية - ومن باب أولى ليست مُدرِكةً وواعية - لذلك فإنَّ أي تفسير للحكمة والعلم والإبداع لا بُدَّ أن يرجع إلى ذات واعية ومدركة لها مصداق خارجي، فالمجازات تبقى مجرد مجازات!
هذا المستوى من الوعي والتَّخطيط والتكيف له ثلاثة تفسيراتٍ محتملة حسب ما يقتضيه السَّبر والتقسيم، أو ما يقتضيه البرهان الشرطي المنفصل:
- (1)
وعي هذه الكائنات وإدراكها وتفكيرها: وهذا احتمال غير مقبول في غير الإنسان؛
لأنَّها تفتقر إلى العقل والتفكير والاستدلال ولا سيما الأنظمة غير البيولوجية منها. (2) - الخاصية الذاتية: بمعنى أنَّ هذه الكائنات تمتلك في تركيبتها البنيوية ما يهديها إلى القيام بكل هذه الأمور: وهذا احتمال مرفوض يقتضي التسلسل الممتنع والدور المنطقي؛ لعلمنا بحدوث هذه الكائنات وأنَّها لا تملك عِلَّة وجودها فمن باب أولى حدوث الخاصية الذاتية نفسها. (3) - الإلهام والهداية الإلهية: ولا يعني الاعتقاد بهذا الاحتمال نفي وجود آليات طبيعية من نوع ما تقوم مقام المجرى بالنسبة إلى الماء؛ إذا ما اعتبرنا بأنَّ الآلية هي المجرى، والإلهام والهداية هما الماء.
إذن، تبقى قضيَّة الهداية الغريزية برهانًا باهرًا على وجود الإله الخالق المدبر، فمن الذي غرس هذه الغرائز في الكائنات بأسرها على اختلافها وتنوعها؟ ومن الذي هداها إليها وألهمها إياها؟! وإن حَدَثَ أنْ توصلنا إلى قانون طبيعي يحكمها؛ فمن الذي قنَّن هذا القانون؟! من الذي أخضعه ليكون فاعلا ومطَّرِدًا؟! لا بُدَّ من وجود إله خالق مدبر، ولا مناص من هذه الإجابة الضرورية، فوجود الهداية الغريزية برهان لا يزيغ عنه عاقل قلب فيما يراه خواطره، وأعمل
فيه رويته).
1 - لقد تطرق القرآن الكريم إلى ذكر قضيَّة (الهداية الغريزيَّة) في كثير من آياته، وأسماها بـ (الهداية) و (الإلهام)، كما في قوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} (النحل: 68). وقوله تعالى: قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (طه: 50).
408 (1/408)
صفحة 409
المبحث الثامن: المستوى الفطري
المحصلة
بعد هذا التجوال في برهان الهداية الغريزية) نخلُصُ إلى أنَّ:
- الهداية الغريزية واعية مدركة ولها هادفية مشهودة.
- فاقد الشيء لا يُعطيه.
- لا يُمكن للتَّوصيف الطبيعي وحده أن يكون كافيا في تفسير الهداية الغريزية. - لا يُمكن أن يكون اتفاق غرائز كل الكائنات نحو غايات محددة اتفاقًا عشوائيا صادِفًا. وعليه؛ فإذا كان الله غير موجود فإنَّ الهداية الغريزيَّة غير موجودة، لكنها موجودة حقًّا، إذن،
فالخالق المدير موجود.
الأسئلة الوجودية
(من أنا؟! ولماذا أتيت؟! ولماذا يُوجد شيء بدلًا من لا شيء؟! وما عاقبتي ... ) إِنَّ الإنسان بفطرته التي فُطِرَ عليها، وبخلقته التي جاء بها، مهموم بحلقات هذه السلسلة من الأسئلة الوجودية، فهي تفرض نفسها في عمق وجدانه عنوةً ودون استئذان، وتتزاحم في سويداء دواخله بفم ملآن، ولئن خبا وهجها في بعض الأحايين - بفعل مؤثر خارجي - فإنَّه سرعان ما يعود إلى التوهج والاتقاد من جديد، وهكذا دواليك ...
يخبرنا ابن الطفيل) في رائعته (حي بن يقظان) (2) عن واقع هذه الأسئلة الوجودية، فحي بن يقظان ذاك الإنسان الذي لم يتلق أي تعاليم دينيَّة؛ إذ إنَّه قد عاش في بيئةٍ لا يُوجَد فيها أثر لبشر، وذلك بعد أن وضعته أمه في تابوت، ثمَّ ألقته في الزَّامور وهو طفل رضيع، فشاءت الأقدار أن تقذف به الأمواج إلى جزيرة غير مأهولة بالسكان خلا من بعض الحيوانات التي
ابن الطفيل
1 - محمد بن عبدالملك بن محمد بن محمد بن طفيل القيسي الأندلسي (1100 - 1185 م) فيلسوف وطبيب كبير، يُقال بأنَّ له أرجوزة في الطب تجاوز عدد أبياتها (7700) بيت وكانت له مراجعات ومباحثات مع الفيلسوف ابن رشد جمعها الأخير في كتاب اسمه (رسم الدواء). (يُنظر: الزركلي، الأعلام، 6/ 249). 2 - يُطالع: ابن الطفيل، حي بن يقظان. ويُذكر أنَّ هذه القصة ألفها بدايةً ابن سينا، ثم أعاد صياغتها السهروردي، ثم ابن الطفيل، ثم ابن النفيس، إلا أنَّ هذا الأخير غير الكثير فيها بدايةً من اسمها وانتهاءً بفلسفتها.
409 (1/409)
صفحة 410
مناجزة الإلحاد
تولت تربيته ... ) هذا الإنسان ورغم كل الأحوال التي مرَّ بها والبيئة التي نشأ فيها لم يستطع أن يكبح أُورَ الأسئلة الوجودية التي اقتحمت وجدانه واستحكمت في أعماقه، فأخذ يبحث عن
إجاباتٍ شافية لها: فمن هو؟! ولماذا جاء؟! وما هى قيمته؟ وما مصيره؟! وما له؟! وما عليه .... إلخ. إنَّ هذه الأسئلة الوجودية تُمثل لغزًا مُحيرًا بحق وحقيقة، "ما العالم؟! ما الإنسان؟! من أين جاءا؟! من صنعهما؟ ومَن يدبرهما؟ ما هدفهما؟ كيف بدءا؟! كيف ينتهيان؟! ما الحياة؟! ما الموت؟! ما القانون الذي يجب أن يقود عقولنا في أثناء عبورنا لهذه الدنيا؟! أي مستقبل ينتظرنا بعد هذه الحياة؟ هل يُوجد شيء بعد هذه الحياة العابرة؟ وما علاقتنا بهذا الخلود؟! هذه الأسئلة لا تُوجَد أمَّةٌ ولا شعب ولا مجتمع إلا وصنع لها حلولًا، جيدة أم رديئة، مقبولة أم سخيفة، ثابتة أم متحولة (2).
هذه الأسئلة العميقة لا يُمكن أن يُلبّى، داعيها، أو أن يُشفي غليلها بأمثال ما تعرضه لنا الأطروحات الإلحادية الباهتة، فالإلحاد لا يُقدم شيئًا مشكورًا في هذا الباب، بل إنَّ بعض الخطابات الإلحاديَّة تصف هذه الأسئلة الوجودية بـ (السَّخافة)، و (الحماقة)، و (انعدام الأهميَّة)، و (فراغ المعنى)، فإذا ما طرحنا سؤالًا وجوديًا من قبيل: "لماذا يُوجد شيء بدلًا من لا شيء؟! “. فلن تجد إجابةً عند الإلحاد تروي هيفان قلبك، وتُشبع نهم المعرفة بعقلك، فإما أن يُقال لك: إنَّ هذه الأسئلة سخيفة وتافهة ولا معنى لها - وهذه الإجابة كما ترى إجابة عدميَّةٌ عبثية بل هي ليست إجابةً من الأساس وإنَّما مجرَّد مراوغة والتفاف على السُّؤال في محاولة بائسة لتجاهل طنينه المدوي في أنحاء الوجدان البشري - وإما أن يُقال لك: إِنَّ هذه الأسئلة يجب أن تُصاغ مرةً أخرى بأداةٍ استفهامية غير (لماذا)؛ إذ يجب أن تُصاغ فقط بأداة الاستفهام (كيف)؛ لأنَّ (لماذا) تحمل معنى الغائية، والكونُ لا غاية له (3)!! وهذا تحكم مخجل وفاضح، فهذه الأسئلة مفروضة على الفِطرة البشرية بهذه الصياغة الغائيَّة، فإن لم تكن لديك إجابة معتبرة فلا يحق لك أن تُغير مجرى السؤال المفروض عليك!
في كتابه الشهير (أحلام الفيزيائيين يعترف الفيزيائي الملحد ستيفن واينبرج بأنه قد تسرّع
1 - ملحوظة: صاغ ابن الطفيل بداية القصة بافتراضين اثنين: افترض في الأول منهما نشأة الطفل (حي بن يقظان) نشأةً تلقائية من طين الأرض (إشارة إلى التطور الذاتي. ثمَّ افترض في الثاني ولادته ولادة طبيعية؛ لأجل أن تمر أحداث القصة بسلاسة عند أولئك الذين يعارضون فكرة النشأة التطورية.
2 - محمد دراز الدين ص 83.
- يُنظر: لورانس كراوس، لماذا.
يوجد شيء بدلا.
من
لا شيء:
ء: (www.youtube.com/watch?v=vrrQsy_-LRY).
410 (1/410)
صفحة 411
المبحث الثامن: المستوى الفطري
ذات يوم عندما ظنَّ بأنَّه من الممكن أن نبحث عن هدف لوجود الكون، وأرجع هذا التسرع إلى نوع من الحنين لعالم تُسبح فيه السَّماوات بحمد الله. أما الان فهو لا يعتقد بوجود أي هدف للكون أمَّا الصَّحفي الملحد كريستوفر هيتشينز فتكفيه السُّخرية وممارسة الجنس، هذا هو معنى الحياة عنده كما يقول بعظمة لسانه! في الحقيقة إنَّ هذه الأسئلة الوجودية الوجدانية ليست من اختصاص الفيزياء ولا الكيمياء ولا الأحياء؛ لأنَّ هذه العلوم بطبيعتها تُجيبك فقط عن (الكيف) أو النمط الظاهري، فإذا ما حاولت الإجابة عن الأسئلة الوجودية عن طريق هذه العلوم فإنَّك ستتطرق لزامًا إلى التذبذبات الكمومية، وكيف يُمكن أن ينشأ شيء من الفراغ الكمومي - ونحو ذلك مما هو خارج عن إطار المعنى الذي يتطلبه هذا النوع من الأسئلة - كمثل إجابة الملحد لورانس كراوس عن سؤال: (لماذا يُوجد شيء بدلا من لا شيء! وهذا أمر آخر يختلف عن الواقع الذي تفرضه الأسئلة الوجودية، فعندما يعرف الإنسانُ (الكيف) تظلُّ فِطرته تُلح عليه في البحث عن إجابة تخصُّ (لماذا)، إجابةٍ تخصُّ (المعنى)، وإنَّ التَّهرب من قبضة الأسئلة الوجودية والتحايل عليها لا يُجدي نفعا، وكلُّ ما يفعله مثل هذا الطرح الإلحادي هو أن يكون طرحًا مُوجَّها أيديولوجيا يستبعد الغائية - بحكم اختزاليته الفجة - التي تحملها الأسئلة الوجودية، طرحًا يُحاول تجنبها بإعادة صياغتها كما يُريد هو لا كما تُريد الفِطرة في مغالطة منطقيَّةٍ صارخة من (تجاهل المطلوب)! وباختصار: فإِنَّكَ إِنْ بحثت عن إجابة لهذه التساؤلات من خلال العلوم الطبيعية وحدها فأنت كمن يبحث عن رقم هويته الشَّخصيَّة في كتاب (مئة عام من العزلة)؛ قائلًا: "لم أجد ضالتي بعد بحثي المضني! أو كمن يبحث عن الصور البلاغية في ديوان (النبهاني) باستخدام الأشعة المقطعيَّة (CT scan) ثم يرجم سفها بأنَّ الديوان سخيف وخالٍ من الصُّور البلاغيَّة! وقد تجد إجاباتٍ أُخرى في بعض الأطروحات الإلحادية تُحيل دفة تفكيرك إلى النظر في الأسئلة الوجوديَّة بوصفها نتاج آليَّةٍ معقدة حدثت في الدماغ البشري بفعل تراكمات واقعية طويلة الأمد ومرَّةً أخرى يطرح الإلحاد فرضيَّةً غير مثبتة وغير مدعمة، ثم يقوم بإعادة تدوير أسطوانة تجاهل المطلوب) فهذه الفرضيات لا تُجيب عن حقيقة الأسئلة الوجودية مطلقًا، فهي تخبرنا عن (الكيف) - تنازلا وتسليمًا بصحة هذا الإخبار علميا - وتتجاهل (لماذا).
ليتبجَّحَ
1 - يُنظر: ستيفن واينبرج، أحلام الفيزيائيين، ص 199.
411 (1/411)
صفحة 412
مناجزة الإلحاد
وتشطح بعض الأطروحات الإلحاديَّة بعيدًا فتجيب عن هذا السؤال بالقول: إنَّ هناك شيئًا؛ لأنَّه لو لم يُوجَد الشَّيء لما أمكن أن نسأل عنه!! أو القول: إنَّه لو لم يكن هنالك شيء فإنَّك لن ترضى عن نفسك!! ومثل هذه الإجابات المضحكة لا تصلح إلا للتسلية عن الثكالى أو للإضاحك في مسرح المهرجين، وهي تمامًا كمثل من يسألك: لماذا أنت حي؟ فتجيبه: لأنني حي! أو من يسألك: لماذا السَّماء تُمطر؟ فتُجيبه: لأنَّها تُمطر! وقد قيل - قديمًا - عن مثل هذه الإجابات: أقام يُجهد أيامًا قريحته
وفسر الماء بعد الجهد بالماء
إنَّ وجود الكون ملحوظة بدهية فطرية، وهذه الملحوظة ليست هي التفسير لوجود الكون، بل هي التي تفرض الحاجة إلى التَّفسير، فأنت عندما تُشاهد التفاحة تسقط على الأرض لن تقول: "إنَّها تسقط على الأرض وكفى“. بل ستنتقل مباشرةً إلى مرحلة طلب التفسير! ولو افترضنا بأنَّ هناك جماعة إرهابيَّةً اختطفت مجموعةً من الأشخاص، ثمَّ جعلتهم يصطفون واحدا تلو الواحد، وأطلقت عليهم الرَّصاص، فماتوا من فورهم إلا شخصًا واحدًا، فلا شك من
أنَّه سيسأل: لماذا لم يُصبني الرصاص؟! ولن يكتفي بالقول: لم يُصبني لأنَّني ما زلتُ حيَّا!!
ليست القضيَّة محصورةً في عجز العِلم الطبيعي عن البت في القضايا (الغائية)؛ لأنَّها خارجةً عن اختصاصه، بل القضيَّة هي عدم وجود جواب معتبر يمكن الالتجاء إليه في الخطابات الإلحاديَّة بناءً على تنظيراتها!! فالبحث عن (المعنى) غير ممكن في ظل النظرة الاختزالية للوجود، إنَّه يُشبه تمامًا الاقتراب من أشفار لعنة سيزيف، حيث تتكرر محاولات دحرجة الصخرة ذهابًا وإيابًا إلى ما لا نهاية وبلا معنى أو هدف مقصود!
التهرب الذي يُبديه الإلحادُ من هذه الأسئلة عن طريق التقليل من شأنها، أو الاستهزاء بها، أو عن طريق تغيير أدواتها الاستفهامية من (لماذا) إلى (كيف)، يُذكرنا بـ (سرير بروكرستس)، فقد جاء في الأساطير اليونانية القديمة أنَّ بروكرستس كان يمتلك سريرًا صغيرًا، فكلما أتاه ضيف طويل القامة قام بتقطيع أطرافه لكي تتلاءم مع حجم الشرير! وهكذا هو شأن الإلحاد في هذه القضيَّة، فلمجرَّد عجزه عن الإجابة عن الأسئلة الوجودية يقوم بمهاجمتها وتشذيب أطرافها لتتناسب مع نموذجه القاصر!
- يُنظر: (https://www.ted.com/talks/jim_holt_why_does_the_universe_exist/transcript) .
412 (1/412)
صفحة 413
المبحث الثامن: المستوى الفطري
إذن؛ لا يملك الإلحاد إجابةً متماسكة عن مثل هذه الأسئلة الوجودية، ولن يستطيع إيجادها بطبيعة الحال، فهي أسئلةٌ من عالمٍ آخر غير عالم المادة والطبيعة، هي مغروسة في وجدان الإنسان منذ ولادته وقبل تفاعله مع الطَّبيعة، وما إن يبدأ بالتَّفاعل مع الطبيعة حتى تفرض هذه التساؤلات الوجوديَّةُ نفسها عليه بكل قوة، وتجتاح وجدانه بكل عُنفوان، وقد تم تصوير عصف هذه الأسئلة الوجودية العميقة وما تفعله بالإنسان كما في قول أحدهم:
جئتُ لا أعلم من أين ولكني أتيت
ولقد أبصرت قدامي طريقا فمشيت
وسأبقى سائرًا إن شئت هذا أم أبيت
جئت؟!
كيف أبصرت طريقي؟! لست أدري!!
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود؟!
هل أنا حر طليق أم أسير في قيود؟!
هل أنا قائد نفس نفسي
في حياتي أم مقود؟!
أتمنى أنَّني أدري وله
لستُ أدري!!
وطريقي ما طريقي أطويل أم قصير؟!
هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور؟!
أأنا السائر في الدرب أم الدرب أم الدرب يسير؟! أم كلانا واقف والدهر يجري؟!
413 (1/413)
صفحة 414
مناجزة الإلحاد
لست أدري!!
أنا لا أذكر شيئًا من حياتي الماضية! أنا لا أعرف شيئًا عن حياتي الآتية! لي ذات غير أني لس لست أدري ما فمتى تعرف تعرف ذاتي كنه ذاتي؟! لست أدري!!
إنَّ عدم البحث عن إجابة شافية لهذه الأسئلة الوجوديَّة تُوافق الفطرة البشرية وتتناسب معها هو الذي أنتج لنا الخطابات العدمية والعبثية التي لا ترى في الوجود سوى مجموعة من الذرات المتهالكة، ولا ترى في الإنسان سوى حفنة من التراب البالي، أو لفيف من الأوساخ الكيميائية! فالملاحدة إذا ما أرادوا أن يخرجوا من لوازم منهجهم - والتي تقتضي العدمية والعبثية - فإنَّهم يقولون لك: نعم؛ إنَّ الإنسان والوجود كله كان نتاج الصدفة والعشوائية، لكننا لن تذعن لهذه العدمية والعبثية، بل سنضع هدفًا لنا، وغايةً خاصةً بنا؛ أي إنّهم يعودون مضطرين إلى الهدف والغائية التي كانوا ينفونها عن الكون والإنسان باسم (الصدفة)، والتي كانوا يصفونها بالسَّخافة والتفاهة وانعدام المعنى
يسجل الأديب العالمي الكبير تولستوي اعترافه بهذا الصدد قائلا: "ومع أني ظللت أعتقد أنَّ الإيمان بعيد عن أحكام العقل، فلم أجد بُدا من التسليم بأنَّ الإيمان وحده منح الإنسان جوابات معزية على مسائل الحياة ومهد أمامه العقبات الحائلة دون سعادة حياته، فالمعرفة المبنية على العقل - حسب تعبير تولستوي هنا - أظهرت لي أنَّ الحياة لا معنى لها، فاحتقرتُ حياتي، وودت أن أقتل نفسي بيدي، بيد أنني كلما نظرت إلى جماهير الناس حوالي كنت أرى أنهم يعيشون فرحين بالحياة عارفين معانيها السَّامية، لأنَّ الإيمان قد منحهم كما منحني قوَّةً على إدراك معنى الحياة وحمل أثقالها بفرح وصبر ...
(2)،
إذن؛ تكشف لنا بشكل سافر أنَّ الأسئلة الوجوديَّة لا معنى لها ولا ضرورة تستدعيها من غير الإيمان بوجود الله، فهى أسئلة متعالية متسامية عن الوجود البشري؛ إذ لو كان الإنسانُ ابن
1 - ديوان إيليا أبو ماضي، قصيدة الطلاسم، ص (191 - 214).
2 - تولستوي اعتراف تولستوي، ص 79.
414 (1/414)
صفحة 415
المبحث الثامن: المستوى الفطري
الطَّبيعة وابن المادَّة لما لازمته هذه الأسئلة التي لا تمت بصلة إلى أمه الطبيعة أو جدته المادة! ولكن لما كانت ملازمةً له لا تنفك عنه فهي بذلك برهان فطري قاهر على وجود الإله الفاطر، فإذا كان الإله الهادي الحكيم غير موجود فإنَّ هذه الأسئلة لا وجود لها، بل ولا معنى لها ولوجودها، ولكنَّها في الحقيقة موجودة وذات معنى فطري عميق.
المحصلة
بعد هذا التجوال في برهان (الأسئلة الوجودية) نخلُصُ إلى المقدمتين الآتيتين:
- الأسئلة الوجودية موجودة على نحو اضطراري.
- لا معنى لهذه الأسئلة ولا قيمة لها ولا إجابة معتبرة عنها بغير وجود فاطرها. وعليه؛ فإذا كان الله غير موجودٍ فإنَّ الأسئلة الوجوديَّة غير موجودة، لكنَّها موجودة حقًّا، إذن؛
فالله موجود. الجمال
يصعب التنقيب عن ماهية الجمال واختزالها في تعريفات لفظيَّة، ولكن يُمكن وضع صيغ لفظية لتأطيره كمقاربات ليس أكثر، فلنا أن نقول عنه بأنَّه: "قيمة إيجابية نابعة من طبيعة الشَّيء، خلعنا عليها وجودًا موضوعيًّا. أو في لغة أقل تخصصا: لذَّةٌ نعتبرها صفةً في الشّيء نفسه. ويُفضّل أن يتم تعريف الجمال بالطَّريقة الاستقرائية)، فالجمال قيمة معنويةً مرتبطة بالغريزة والعاطفة تحمل معها الشُّعور بالجذب والرضا والمتعة والسعادة، ويُمكن البحثُ عنها في كمالات الأشياء على الوجه الذي يليق بها، وهو قيمةً غريزيَّةً من حيث وجوده، أما من حيث إدراكه في الأشياء فهو يتفاوت بطبيعة الحال.
والجمال بالتحديد عامل مهم ومعلم مرموقٌ في تاريخ العلوم الطبيعية، وفي ذلك يقول العالم الفيزيائي الفرنسي الشهير لويس دو بروجلي (Louis De Broglie) : " كان الإحساس بالجمال
1 - جورج سانتيانا، الإحساس بالجمال، ص (92)، بتصرف.
2 - وهو أن يكون تعريف الشيء بالتنويه بمجموعة من أفراده ومصاديقه ليتمكن المخاطب من تمييزه. (ينظر: محمد صنقور، أساسيات المنطق، ص 190).
3 - لوي دي بروي (1892 - 1987 م) حائز جائزة نوبل للفيزياء في عام (1929 م) وحاز كذلك جائزة أفضل مؤلف في مجال تبسيط العلوم (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
415 (1/415)
صفحة 416
مناجزة الإلحاد
في كل عصر من تاريخ العلوم دليلا. يهدي العلماء في أبحاثهم" (1). فالجمال مطيَّةٌ من مطايا اكتشاف الحقائق العلمية، ففي كتابه (اللولب المزدوج يُخبرنا عالِمُ الجينات الكبير جيمس واتسون كيف أنَّ الجمال هداه إلى اكتشاف التركيب الجزئي للحمض النووي (DNA) قائلا: كنا نتناول طعام الغداء، ويقول كل منا للآخر: إنَّه لا بُدَّ من وجود تركيب على هذا الجانب من الجمال، وأقرّ جميع الحاضرين - تقريبًا - بأنَّ تركيبًا بمثل هذا الجمال لا بد أن يكون موجودًا". وقال قبل ذلك بسطور: "طالما قلقتُ أنا وفرانسيس من أن يكون تركيب الحمض النووي في آخر المطاف قبيحًا لا يُشير إلى طريقة تضاعفه أو طريقة عمله في السيطرة على البيوكيمياء، ولكن ما يُفرحني الآن ويُدهشني هو أنَّ الجواب سيغدو غايةً في الجمال، ورقدت في سعادة لمدة تزيد على الساعتين ... وكان الخوف يزحف إليَّ في لحظاتٍ قليلة، الخوف من أن تكون فكرة في مثل هذا الجمال خطأ» (2). بل إنَّ كبار علماء الفيزياء في القرن العشرين يُسارعون في اتخاذ الجمال مقياسًا رئيسًا للحقيقة العلمية، فهذا عالم الفيزياء ريتشارد فاينمان (Richard Feynman) (3) يُصرح بأنَّ المرء يُمكن له أن يستبين الحقيقة بفضل جمالها وبساطتها، وها هو العالم الفيزيائي الكبير هاينزنبرغ Hisenberg ينص على أن الجمال في العلوم الدقيقة وفي الفنون على السواء هو أهم مصدر من مصادر الاستنارة والوضوح (5)
(4)
ويلحظ نطاسيو فيزياء الكوانتم وحُذاقها أنَّ مستوى ثبات نظرية الكوانتم والاقتناع بها كان بفضل كمالها وجمالها التَّجريديَيْن، كما أنَّ الفيزيائيين يعتقدون بأنَّ النَّظرية النسبية لأينشتاين هي أجمل نظريَّةٍ فيزيائية على الإطلاق، وهذا ما دعا عالم الفيزياء المرموق شرودنغر (Schr?dinger) إلى الإشادة بها قائلاً: "إنَّ نظريَّة أينشتاين المذهلة في الجاذبية لا يتأتى اكتشافها إلا لعبقري رُزق إحساسًا عميقًا ببساطة الأفكار وجمالها“. فالجمال إذن؛ هو أساسُ العِلم ومعياره الذي يُعتمد عليه، ووجوده في معادلات العلماء
1 - روبرت أغروس وجورج ستانسيو، العلم في منظوره الجديد، ص 43.
2 - جيمس واتسون اللولب المزدوج، (163،179).
- فيزيائي أمريكي (1918) - 1988 م) حصل على جائزة نوبل للفيزياء في عام (1965 م)؛ نظرًا لإسهاماته في الكهروديناميكا الكمية. - فيرنر كارل هاينزنبرغ (1901 - 1976 م فيزيائي ألماني شهير، حصل على جائزة نوبل في عام (1932 م)، وهو واضع مبدأ الريبة أو عدم التأكد في فيزياء الكوانتم. ينظر: الموسوعة العربية العالمية).
ه - يُنظر: روبرت أغروس وجورج ستانسيو، العلم في منظوره الجديد، ص (43 - 44).
6 - عالم فيزيائي نمساوي (1887) - 1961 م) حائز جائزة نوبل للفيزياء في عام (1933 م) وهو واضع المعادلة الشهيرة التي تصف السلوك الموجي للإلكترون، والتي تُسمى باسمه. (ينظر: الموسوعة العربية العالمية).
416 (1/416)
صفحة 417
المبحث الثامن: المستوى الفطري
أهم من جعل هذه المعادلات تنطبق على التَّجربة كما يقول عالم الفيزياء الإنجليزي بول ديراك Paul Dirac)، فالعالم يستطيع أن يُقدِّمَ عددًا من النظريات لتفسير حقائق معروفة أو للتنبؤ بحقائق جديدة، لكن الجمال هو الحَكَمُ والفيصل كما يقول الفيزيائي جورج تومسون (Thomson)، وهذا ألقى بظلاله الوارفة على فلسفة العلم، فأصبح البحثُ عن الجمال قبلة العلماء! وإذا كانت التَّجربة تُخطئ كثيرًا فإنَّ الجمال قلَّما يُخطئ وهناك الكثير من الفرضيات والنظريات العلمية التي خلت من الجمال فجاء استبعادها أو تمَّ غض الطرف عنها، كنظرية الأوتار الفائقة (1)!
قد يقول قائل متسرعًا: إنَّ الجمال عاطفي وغير علمي!! ويُجاب عن مثل هذا بالقول: إنَّ العلماء قد وضعوا ثلاثة عناصر تُحدّد الجمال وترسم ملامحه فالنظرية العلمية لكي تحظى بنعت الجمال يجب أن تكون مقدماتها بسيطةً وميسرة (البساطة)، وتربط بين أشياء كثيرة ومتنوعة (التناسق)، وتكون صلاحيتها التَّطبيقيَّة واسعة النطاق (الوضوح). وهذه المعايير الجمالية تنطبق على الكثير من الأمور، فهي لا تنحصر في الزَّوايا العلمية فحسب، بل تتعداها إلى الفنون المتنوعة أيضًا، كالرسم والنحت والموسيقى، بل إنَّ الكون كله بما يحويه يصدح بالجمال، ويتغنّى بكلماته، ويتهادى طربًا على
أنغامه!
إنَّ اعتناء الإنسان بالجمال واكتراثه له اكترانا جارفًا قديمٌ قِدم تاريخه، وشواهد ذلك كثيرة
جدا، وهي كالآتي)
الأول: يتمثل فيما يُطلعنا عليه بعضُ العلماء؛ إذ اكتشفوا رسومًا في بعض الكهوف التي يعود تاريخها إلى نحو (20) ألف سنة خلت، وهي رسوم لربما أُبدعت وحبكت لأكثر من غاية، ولكن ممَّا لا يُخامره الشَّكُ أَنَّ الغاية الجمالية هي أبرز تلك الغايات؛ ولذا يُعلقُ ألكسندر أليوت على تلك الرسوم في كتابه (آفاق الفن) قائلا: "من الجائز أنها كانت ذات غايات سحرية أو
7 - سيأتي التعريف به لاحقا.
8 - فيزيائي إنجليزي (1856 - 1940 م) اكتشف الإلكترون، فاشتهر بـ (أبي الإلكترون)، حصل على جائزة نوبل للفيزياء في عام (1906 م). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). 9 - يُنظر: روبرت أغروس وجورج ستانسيو، العلم في منظوره الجديد، ص (45 - 46). ومن المفيد أن تنبه إلى أنَّ جيمس واتسون وفرانسيس كريك لم يكتشفا الحمض النووي منقوص الأوكسجين، فهذا الكشف راجع إلى عالم الكيمياء الحيوية السويسري فريدريك ميشر، وإنَّما كان كشفهم للبناء الحلزوني المزدوج للحمض النووي.
10 - الحديث الاتي مأخوذ من مقالة (الله يتجلى في الجمال) لمصطفى اليحفوفي مجلة رسالة النجف الإلكترونية، "بتصرُّف شديد“.
417 (1/417)
صفحة 418
مناجزة الإلحاد
غايات وثائقية، لا بأس أمَّا غايتها الرئيسة فقد كانت - ولما تزل - إيقاظ الرُّوح وتنوير النفس البشرية، وهذا ينطبق على الفن العظيم في كل زمان ومكان.
الثَّاني: إنَّ الإنسان لم يكتف بهبات الطبيعة وما تُظهره من سحر وملاحة ونضارة، بل تصدى هو نفسه لإبداع الجمال فجرَّد من اللون والصوت والشَّكل والحركة فنونا متنوعةً، كالتصوير والنحت والموسيقى، ممَّا يُعبر عن نزعته الجماليَّة، وينقله من دور المتلقي إلى دور الحاذق المبدع. الثَّالث: شغف الإنسان وسعيه الدؤوب لإضفاء صبغة الجمال على كل جانب من جوانب وجوده، حتّى فيما يتعلق منها بأسباب المعيشة وضرورات الحياة؛ ولذلك عمل على تجميل وسائله، وتزيين أدواته، وتأنيق مظهره، فلم يكتفِ من طعامه بسد الجوع، ولا من لباسه بستر الجسد، ولا من أدواته بما تؤديه من أغراض عمليَّة، بل لونها قاطبةً بألوان من الزينة والزخرفة؛ ليبثَّ فيها روحًا من القسامة والرونق، ويُضفي عليها لمسةً من لمسات الجمال. الرابع: انشغال الإنسان بالأشياء الجميلة يتعدى فترات السَّكينة والأمان إلى الظروف الصعبة والأزمنة العسيرة، يروي عالم الأعصاب والطب النفسي النمساوي فكتور فرانكل عن تجربته الشَّخصيَّة في أحد معسكرات الاعتقال النازية قائلا: "ذات مساء فيما نحن مستلقون للراحة على أرضيَّة السَّقيفة نكاد نموت من الإعياء، وفي أيدينا طاسات الحساء، دخل علينا أحد زملائنا السجناء على عجل، وسألنا أن نهرع إلى ساحة التَّجمع لنشاهد غروب الشمس الرائع. وفيما نحن وقوف خارج السَّقيفة شاهدنا الغيوم المنذرة بالشؤم تتوهج من الناحية الغربية، والسَّماء كلها مُلبَّدة بالغيوم ذات الأشكال والألوان المتغيرة، وكانت سقائف الطين الرمادية الكئيبة تكشف عن فروق صارخة بالمقارنة، في حين كانت بريكات الماء على الأرض الموحلة تعكس صور السَّماء المتوهجة“. فالجمال يستحوذ على أحاسيس الإنسان، حتّى في أحلك الظروف وأكثرها حرمانًا.
الخامس: ارتباط الإنسان بالجمال حتَّى في حالات البله والجنون، وهذا ما عبر عنه ألكسيس كاريل بالقول: "إنَّ الإحساس بالجمال موجود في الإنسان البدائي مثلما هو موجود في أكثر النَّاس تمدُّنا، بل إنَّه يبقى حتَّى عندما ينطفئ نورُ العقل؛ لأنَّ الأبله والمجنون قادران على الإنتاج الفني، فخلق الأشكال أو سلسلة من الأصوات التي تستطيع إيقاظ الإحساس بالجمال ضرورة أولية بطبيعتنا".
418 (1/418)
صفحة 419
المبحث الثامن: المستوى الفطري
السَّادس: إنَّ كلَّ حاسة من حواس الإنسان تختص بإدراك نوع معين من المدركات فالعين تُبصر الأشكال والألوان، والأذن تسمع الأصوات ... ولكن ما يلفت النظر ويبعث على الدهشة هو أنَّ الحواس جميعها تشترك في انفعالها بالجمال، متخطيةً بذلك حدود مدركاتها الخاصة لتلتقي معًا خارج تلك الحدود الضَّيقة في مجال أرحب للوعي، ينقلها من الاختلاف
والتميز إلى الاشتراك والتَّماثل، ويعرج بها من التَّجزئة والافتراق إلى التماهي والتَّوحد. السابع: هيام الإنسان بحقيقة الجمال تجاوز في خبرته الجمالية دائرة المحسوسات، ومضى قدما ليستشعر الجمال في الأمور المجرَّدة والمعنوية؛ لذلك نجده يستشعر الجمال في النَّظريات العلمية، وفي القيم والمواقف الإنسانية.
هذه الشواهد - وغيرها الكثير - تكشف عن الصلة الأصيلة التي تربط الإنسان بظاهرة الجمال، وعن الاهتمام الكبير الذي يُوليه الإنسان لهذه الظاهرة. ويبدو - من خلال ما سبق تناوله - أنَّ هنالك أربع مقدمات رئيسة في دراسة دلالات الجمال، نذكرها على النحو الآتي: المقدمة الأولى: وفرة الجمال وسعة انتشاره
-
الجمال يبدو ملازما للطَّبيعة، فجمال الشحب وألوان الطيف والسَّماء الزرقاء، والبهجة الرائعة التي تملأ نفس الناظر إلى النُّجوم وإلى القمر في طلوعه والشَّمس في غروبها، كلُّ ذلك يهز مشاعر الإنسان ويسحرها، وتحت (الميكروسكوب) تجد أنَّ أصغر حيوان وأدق زهرة تزينها خطوط من الجمال مُحكمة الصنع، والخطوط البلورية من ندفة الثلج إلى الأشكال صادقة لدرجة مدهشة، حتَّى أنَّ الفنّان ليس بوسعه إلا أن يُقلدها أو يجمعها معا، يقول ديفيد بوم: "كلُّ ما يُمكن العثور عليه في الطَّبيعة - تقريبًا - يتبدى عن شيءٍ من الجمال، سواء في الإدراك الفوري له أو في التحليل الفكري“. ويقول الكاتب والناقد الأمريكي ألكسندر أليوت: "يبدو أنَّ الجمال وجه من أوجه كل شيء!
الأصغر منها هي.
(1)
المقدمة الثانية: الجمال حقيقة أصيلة إنَّ مشهد التَّلج الذي تَعرِضه الطبيعة، والذي تُشكل النافذة إطارا له، هو أجمل من جميع تلك المشاهد الشَّتويَّة التي تعرضها لوحات المتحف، وتُمثلُ هذه المفاضلة بين الجمال
1 - ديفيد جوزيف بوم (1917 - 1992 م) عالم فيزيائي أمريكي له إسهامات بارزة في مجالي: فيزياء الكوانتم والفيزياء النظرية. وله اهتمامات كبيرة بعلم النفس العصبي والفلسفة، وكان مقربًا من ألبرت أنيشتاين.
419 (1/419)
صفحة 420
مناجزة الإلحاد
الطبيعي والجمال الفني واحدةً من قضايا عديدةٍ تُطرح على بساط البحث حول طبيعة هذين الجمالين، والصلة التي تربط بينهما.
ولكن ما يهمنا الآن هو السُّؤال عما إذا كان الجمالُ الطَّبيعي يُعد أمرًا مرادًا ومقصودًا بالذات، أو أنَّه مجرد أمرٍ ثانوي وعارض؟ ويختص هذا السؤال بالجمال الطبيعي فقط دون الجمال الفني؛ إذ لا يشك أحدٌ في أنَّ الفنّان حين يرسم لوحةً من اللوحات يسعى إلى توليد الجمال ويقصد إلى إبداعه، فاللوحة تُعبرُ في المقام الأوّل عن الجمال - وهذا لا يمنع من وجود أغراض أُخرى تحملها في داخلها - غير أنَّ الفنان إذا أراد للوحته أن تنطق بمعنى من المعاني فإنَّه لا يُطلق ذلك المعنى بصورةٍ مباشرة، ولكنَّه يُوحي به إيحاءً من خلال الجمال الذي يشيع في أرجاء لوحته، فالجمال هو اللغة التي يستعملها الفنان في أداء رسالته، ولذلك يمكن القول وبكل جزم أنَّ الجمال في الأعمال الفنيَّة أمر مقصود للفنان وليس مجرد شيء عارض.
يبدو
هذا فيما يتعلق بالجمال الفني، فماذا عن الجمال الطبيعي؟! أن مسألة وجود قصد في الجمال الطبيعي لم تَسْلَم من الأخذ والرد، وقد ظهر في الإجابة عن هذه المسألة اتجاهان: يرى أحدهما أنَّ الجمال لم يكن مقصودًا في عالم الطبيعة، بينما يرى الآخر العكس. وممن تبنى الاتجاه الأول الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر في كتابه (ما الأدب)، فقد أرجع وجود الجمال في الطَّبيعة إلى الضرورة الطبيعية وحتمية القوانين نافيًا أن يكون هنالك أي إرادة أو قصد من ورائه وهذا يعني أنَّ زرقة الماء - مثلا - لم تكن مقصودةً بحيث تضفي على الماء رونقا وجمالا يروق لعين الناظر، وإنما هي قوانين الطبيعة التي تُؤدي وظائفها فيظهر الجمال بصورةِ عَرَضيَّةٍ غير مقصودة! أما الاتجاه الثَّاني فإنَّه يرى أنَّ حتميَّة القوانين لا تكفي وحدها لتفسير ظهور الجمال، بل الجمال وُجد نتيجة إرادة ووعي؛ مما يجعله مقصودًا بالذات، وليس مجرد شيء عارض كما يعتقد أصحاب الاتجاه الأوّل. لنأخذ قياسًا تمثيليا لذلك؛ فقد يستطيع أحدنا أن مجهزا لإنتاج عربات جميلة، ولكن الجمال في العربة لا يُصبح بذلك ضرورة مطلقة؛ إذ تظلُّ العربات البشعةُ قادرةً على نقل الرُّكَّاب بفعالية ومن الممكن اختراع آلات لإنتاج عربات كهذه بالطريقة نفسها، وليست هنالك أي ضرورة مطلقة تفرض - في المقام الأول - أن تشتمل القوانين الفيزيائية للطَّبيعة على الجمال والتَّناسق ولنا أن نتصوّر كونًا آخر ذا قوانين طبيعية
يبني
مصنعًا
420 (1/420)
صفحة 421
المبحث الثامن: المستوى الفطري
معقدة وغير متماثلة لغير ضرورة يُنتج نُدَفًا ثلجيَّةً بشعةً بضرورة ميكانيكية!! الضَّرورة إذن؛ لا تُقدم تفسيرًا كاملًا ونهائيا للجمال.
ومعنى ذلك هو أنَّ جمال كائنات الطَّبيعة مع أنه قد ينبع من صميم القوانين الفيزيائية والكيمائية ولكن ما يجب لحظه هو أنَّ هذه القوانين قد انتخبت بطريقة خاصة؛ بحيث تُنتج الجمال إلى جانب الوظائف الأخرى؛ إذ إنَّه لم يكن من المستحيل أن تُوجد هذه القوانين بصورة أخرى مختلفة بحيث تُعطي الأشياء جميع خصائصها المطلوبة دون أن تمنحها الجمال. وهذا شديدُ الشَّبَه بالمصنوعات البشرية؛ إذ من الممكن تصميم مصنع للسيارات - والمصنع هو بمثابة قوانين الطَّبيعة - يُنتج سيارات قادرة على نقل الرُّكَّاب بأفضل صورة ممكنة، ولكنها ذات مظهر بشع، وبالمقابل فإنَّه يُمكن تصميم المصنع بطريقةٍ أخرى بحيث ينتج جميع المواصفات السابقة إضافةً إلى الجمال.
وعليه؛ فإنَّنا حين نجد أنَّ تلك السَّيَّارات تتميز بخاصية الجمال نُدرك حينها أنَّ المصنع الذي صُنعت فيه قد رُوعي في أساس تصميمه أن يُنتج الجمال، والأمر عينه ينطبق على قوانين الطبيعة، فمما لا شك فيه أنَّ جمال الكائنات إنَّما يَصدرُ عن هذه القوانين، وهذه القوانين صُممت بالصُّورة التي تَهَبُ الكائنات كلَّ ما يُناط بها من وظائف ومستلزمات، وتهبها - في الوقت ذاته - سِمَة الجمال، وإلا فإنَّه لم يكن من المحال وجود قوانين تصدر عنها جميع الوظائف المختصة بالموجودات ولكن لا يصدر عنها الجمال
فالجمال إذن؛ لا تُحتمهُ الوظائف ولا تفرضه الضَّرورات، بل هو أمر زائد على الضرورة ومقصود بالذات. هذا؛ ويمكن لأصحاب الاتجاه الثاني أن يعرضوا نمطا آخر الأمثلة من يتجلى فيها القصد الجمالي بصورة أشد وضوحًا، كالزخرفة التي تُزين ريش الطيور، والأشكال والتخطيطات التي تُظهرها أوراق الأشجار والألوان الزاهية والمتنوعة التي تتميز بها الزهور ... إلخ.
لنذكر بشيء من التفصيل مثالاً واحدًا من أمثلة هذا النسق، وليكن مثالنا هو (صوت الإنسان)؛ إذ يُمثل آيةً باهرة من آيات الجمال في الكون بل ويُبرهن بوضوح على أنَّ الضرورة لا يُمكنها أن تفسر وجود الجمال فصوت الإنسان قد يكون أكثر براعةً وتعبيرا من أي آلةٍ موسيقية، والضرورة لا تستلزم أن يكون للإنسان صوت قادر على إخراج نغمات خلابة، إذ يكفي أن يكون له صوت رتيب وممل للاستغاثة أو للتعبير عن حاجات بدنه!! وتشارلز داروين نفسه
421 (1/421)
صفحة 422
مناجزة الإلحاد
أقر بأنَّ الضَّرورة لا تستطيع أن تُفسر ما حُبِي به الإنسانُ من مواهب موسيقية فطرية، فقد قال: "وحيث إنَّ الاستمتاع بالأنغام الموسيقية والقدرة على إطلاقها ليسا من الملكات التي تعود على الإنسان بأدنى نفع في عاداته اليومية الحياتية؛ فلا بُدَّ من تصنيفها في عداد أكثر الملكات التي حُبي بها الإنسانُ غُموضًا!
إنَّ وجود الجمال في الكون لا يُمكن تفسيره بأنَّه أمرُ قَسري تحتمه قوانينُ الطَّبيعة؛ إذ من الممكن كما رأينا أن نتصور بدائل لهذه القوانين لا تُؤدي بالضرورة إلى ظهور الجمال، كما لا يمكن تفسيره بأنَّه أمر تفرضه طبيعةُ الأشياء وما يُناط بها من وظائف؛ إذ بيَّنا أنَّ هذه الوظائف لا تستدعي تلك الزيادة الفائضة على الحاجة وضرورات البقاء، وهو ما مثلنا له بصوت الإنسان وما فيه من روعة وتنويع نغمي لا تستلزمه الوظائف الحياتية ولا تفرضه الشؤون المعيشية، وهذا ما يُؤدي بنا إلى القول بأنَّ حقيقة الجمال حقيقةً زائدة على الضرورة ومقصودة بالذات؛ أي أنَّها حقيقة أصيلة من حقائق هذا الوجود.
المقدمةُ الثالثة: البعد الجمالي في حواس الإنسان
كذلك
للحواس وظائفها العملية التي تُعين الإنسان على تدبير شؤون حياته وتمكنه من البقاء، ولكن ما يجدر بنا لحظه هو أنَّ عمل الحواس لا يقف عند حدود هذه الوظائف، فهي مُهيَّأة للإحساس بالجمال! فالأذن - مثلًا - لا تنحصر وظيفتها في إدراك الأصوات بما لها من دلائل عملية ومهام وظيفية، بل تقوم - فوق ذلك - بإدراك فروقات صوتية دقيقةٍ تُمكنها من الإحساس بعذوبة الأصوات وتذوقها، مما لا صلة له بحياة الإنسان العملية، ولا بشروط الوجود وقوانين البقاء، فلو كان المراد عند تكوين الأذن أن تُحسِنَ خلاياها الأداء كي يعيش الإنسان، فلماذا يمتد مداها حتى تصل إلى إرهاف الشمع؟! لعلَّ القوَّة التي تقف وراء نشاط هذه الخلايا علمت حاجة الإنسان في المستقبل إلى الاستمتاع الذهني! أم أنَّ المصادفة قد شاءت تكوين الأذن خيرًا من المقصود؟! وما يصدقُ على الأذن يصدق على العين وغيرها؛ ممَّا يدلُّ على أنَّ حواس الإنسان قد أُعدَّت الجمال بجانب المهام العملية الأخرى!
لتلقي
422 (1/422)
صفحة 423
المقدمة الرابعة: ابتهاج النفس بالجمال
المبحث الثامن: المستوى الفطري
لقد حبيت جملة من الكائنات الحيَّة بموهبة عظيمة تتمثل في قدرتها على الوعي والإدراك، وتتجلى هذه القدرة بأسمى مراتبها فى الإنسان، بيد أنَّ النَّفس الإنسانية تمتاز - فوق ذلك - بخاصية فريدة، وهي الدهشة والشعور بالبهجة وهنا يكمن السر في تعلق الإنسان بالجمال وتقديره إيَّاه، فلو كانت النَّفْسُ تُدرِكُ فقط من غير أن يُحرك ما تُدرِكُهُ شيئًا من مكامنها، ولا يثير فيها تلك المشاعر الخاصة من الفتنة والابتهاج لفقد الجمال قيمته، ولخسِرَ كلَّ معناه، وبذلك يظهر أنَّ كلَّ ما يزخر به الكون من سحرٍ ووضاءة وبهاء ما كان ليتَّخِذَ أي معنى، أو يكتسب أيَّ قيمة لو لم تكن النَّفْسُ الإنسانية مهيأة للشُّعور بالبهجة، ومُتَّسِمة بالقدرة على الدهشة والذهول.
دلالات المقدمات السابقة:
تناولت المقدمة الأولى قضيَّة (وفرة الجمال وسعة انتشاره، وأهمية هذه المقدمة هي في إرجاع الجمال إلى وجودِ حكيم مُدبرٍ وإرادةٍ حُرَّةٍ؛ ممَّا يُلغي حتمًا دور الصدفة والعشوائية، فلما كان الجمالُ على هذه الدَّرجة الكبيرة من السَّعة والانتشار فمن غير المُحتمل أن يُفسَّر ذلك على أساس معطيات الصُّدفة؛ إذ ليس من شأن الصدفة أن تتَّصف بالعموم والاطراد، بل كلما اتصفت ظاهرة من الظواهر بالعموم والاطراد فإنَّ ذلك سيُشكّل دليلًا رصينا على استبعاد الصدفة وإلغاء دورها.
ولقائل أن يقول: إنَّ إبطال دور الصدفة في ظهور الجمال لا يفضي حتمًا إلى افتراض وجود عقل مُدبر؛ إذ هنالك بديل آخر يُمكن أن يكون هو السبب في وجود الجمال، وهذا البديل هو عامل الضرورة، بمعنى أنَّ الجمال لا يُشكل حقيقةً أصيلةً من حقائق الكون، وإنما هو أمر عَرَضي أنتجته القوانينُ الضَّروريَّة بصورةٍ، عفويَّة، فزُرقة الماء - مثلا - لم تظهر نتيجةً لوجود قصد ووعي بهما أصبح الماء متّصفًا بالجمال، بل هنالك قوانين ضرورية تحكمه، ولم يكن المراد هو أن يُوجد لون يسحرُ الإنسانَ ويُثيرُ فيه مشاعر الجمال!
وهنا يأتي دور المقدمة الثَّانية (الجمال حقيقة أصيلة)، والتي بينا فيها أنَّ الجمال ليس حقيقةً عارضةً تفرضها طبيعة الحقائق، بل هو عنصر أصيل وزائد على الضرورة أُريد له أن يظهر على صفحة الكون كحقيقة خاصة، وعليه؛ فإذا بطل دورُ الصُّدفة بناءً على المقدمة الأولى،
423 (1/423)
صفحة 424
مناجزة الإلحاد
وبطل أيضًا عاملُ الضَّرورة بناءً على المقدمة الثَّانية، فإنَّه يتحتّم عندها أن تكون العِلَّةُ في إبداع الجمال هي عقل واع وإرادة هادفة. هذا فيما يتعلق بالمقدمتين الأولى والثانية في معالجة
الجمال من جهة وجوده وحضوره في الكون.
أما المقدمتان الثَّالثة والرابعة فهما تتَّجهان إلى معالجة القضيَّة من جهة الإدراك الإنساني، ومن زاوية الإحساس والشعور؛ ولذلك جاءت المقدمةُ الثَّالثة (البعد الجمالي في حواس الإنسان)؛ لتُبين أنَّ هذه الحواس قد رُكبت بصورةٍ تُمكّنها من إدراك أمور تفيض عن حاجة الإنسان وتتجاوز مستلزمات بقائه وهذا ما يُعطيها القدرة على التقاط دفقات الجمال التي يزخر بها الكون، الأمر الذي لا يُمكن تفسيره على أساس الطَّبيعة وقوانين بقاء الأحياء بمعزل عن وجود القصد والإرادة الحُرَّة؛ لأنَّ قوانين المادة وعوامل التَّطور تقتضي أن يمتلك الإنسان من الخصائص والقوى ما يجعله قادرًا على التَّوافق مع ظروف البيئة والانسجام مع شروطها ومتطلباتها؛ ممَّا من شأنه أن يمنحه إمكان العيش والقدرة على البقاء.
ولكن حين نجد أنَّ قُدرات الإنسان تفيضُ كثيرًا عن حاجاته الحيوية وتزيد على متطلبات توافقه مع البيئة زيادةً كبيرةً فلنا حينئذٍ أن نتساءل عن العِلَّة التي يصدر عنها ذلك الفائض
أراد
والغاية من وجوده؟! إنَّ التَّفسير الوحيد الذي يُمكن تبنيه لفهم هذا الأمر هو وجود عقل مُدبرٍ أ لحواس الإنسان أن تتجاوز - في قدراتها الإدراكية - حدود الحاجة، وتتعدى متطلبات البقاء. والأمر عينه يصدق على المقدمة الرابعة ابتهاج النَّفس بالجمال)، فكما يوجد فائض في قدرة الحواس على الإدراك يُؤهلها للتّفاعل مع آيات الجمال، فإنَّه يوجد فائض مماثل يختص بالنفس الإنسانية، حيث نراها تمتلك من المشاعر ما لا صلة له البتة بالحفاظ على حياة الإنسان واستمرار وجوده فما هو السرُّ الكامن وراء ذلك الفيض من المشاعر، والذي لا علاقة له بواقع الحاجة ولا بشروط البقاء؟!
إنَّ التَّفسير المنطقي الوحيد هو التسليم بوجود مُبدع أراد للإنسان أن يكون مخلوقا فريدًا يتعدى في وعيه حدود المادَّة، ويتجاوز شروط البيئة وقوانينَ الضَّرورة. وبهذا تتألف المقدمات وتكتمل النتيجة، فقد ظهر - جليًّا - أنَّ الجمالَ يُشكّل حجةً ساطعةً على وجود صانع مدبرٍ مبدع للكون وقائم على إدارة شؤونه، وهذه حقيقة لافتةً قد استقطبت العديدين من أهل الفكر وأرباب القلم، فعبروا عنها ببياناتٍ ساحرة تتّسم في الوقت عينه بالعمق والنفاذ. أ. هـ
1 - نهاية الاقتباس من المرجع السابق، ”بتصرف شديد“.
424 (1/424)
صفحة 425
المبحث الثامن: المستوى الفطري
إذن؛ بات من المؤكد أنَّ الطَّبيعة عازمة بكل مظاهرها الدقيقة والجليلة على أن تكون في مستوى جمالي أخَّاذ، فالجمال كما يبدو هو عصَبُ الطَّبيعة وشريانها النابض، ومحاولات التقليل من شأنه أو الاعتراض عليه بوجود القبح ستبوء - لا شك - بالفشل، فإنَّ الأصل بحكم الاطراد والانبثاث هو الجمال، وما وجود القبح إلا لنعرف قيمة الجمال، فبضدها تتبيَّن الأشياء. لقد نص تشارلز داروين في كتابه (أصل الأنواع على أنَّ صُوَر الجمال الطبيعي إذا كانت لم تُخلق إلا ليُعجب بها الإنسانُ فإنَّ هذا سيقضي على فلسفته قضاءً مُبرما، لكنه استبعد أن يكون هذا الزَّعم صحيحًا؛ لأنَّه يقتضي ارتفاع مستوى الجمال الطبيعي بعد وجود الإنسان مقارنةً بما قبل وجوده وهذا الاستبعاد إن أخذنا به وأمعنًا فيه النَّظر فإنَّه لا يقترب من أشفار حقيقة الجمال نفسه ودلالاته على وجود من أبدعه وصمَّمه بغض النظر عن كونه موجودًا ليُعجب به الإنسان أم لحِكم أخرى!
6
ثم يعود تشارلز داروين مرَّةً أخرى ليُصرح بأنَّ الجمال الطبيعي الموجود في كثير من الحيوانات راجع إلى ما أسماه بالانتخاب الجنسي (Sexual Selection) (2)، فالحيوانات الجميلة تكون نسبةُ التَّزاوج بينها أكبر من غيرها، فأنثى الطَّاؤوس - مثلًا - تنجذب إلى الذكر ذي الألوان الجميلة، فيأخذ الانتخاببُ الجنسي مجراه. وهذا - في واقع الأمر - لا يُفسر سبب وجود الجمال، ولا سبب انجذاب الأنثى إلى الجمال، ولا سبب إدراكها للجمال قبل كل شيء، بل ولا يُفسّر وجود الجمال في الأنظمة غير البيولوجية التي لا يعمل فيها مبدأ الانتخاب الجنسي! فمن الذي أبدع الجمال وجعله قانونًا مُطَّردًا؟! ومَن الذي جعله بهجةً للنفوس؟! ومن الذي جعله مفهوما لكي يكون قابلا للإدراك؟! لن تجد إجابةً إلا بالإقرار بوجود الله، وإنَّ أي تفسير للجمال يُرجِعُ وجودَه إلى قانون طبيعي يُولّد سيلا من الأسئلة الأخرى، فمن الذي أوجد هذا القانون الذي
يُفسر به الجمال؟!
يقول روبين كولنز بعد أن اعترض عليه بأنَّ مفهوم الجمال مجرد نتاج للتَّطور لا أكثر، وأنَّ إحساسنا بما هو جميل قد تشكل بالانتقاء الطبيعي: "هذا يُمكن تطبيقه فقط على الأشياء التي يمكن أن نراها، أو نلمسها، أو نسمعها، الأشياء الموجودة في عالمنا اليومي، والضرورية للبقاء، لكن التَّطور لا يمكنه تفسير الجمال الموجود في العالم المستتر للقوانين والرياضيات الفيزيائية. 1 - يُنظر: تشارلز داروين، أصل الأنواع، ص 254.
2 - يُنظر: المرجع السابق، ص 255.
425 (1/425)
صفحة 426
مناجزة الإلحاد
في الفيزياء يُمكننا أن نرى درجةً ممتازةً من التناغم والتالف والتناسب ... إنَّ قوانين الطبيعة يبدو أنها قد ترتَّبت بعناية لدرجة أنَّه يُمكن اكتشافها من قِبل كائنات لها نفس مستوى ذكائنا).
المحصلة
بعد التطواف حول برهان (الجمال) نخلُصُ إلى المقدمتين الآتيتين:
الجمال حقيقة أصيلة هادفة ومطردة.
لا بُدَّ أن يكون وراء هذا الجمال مصدر جميل ومُدرك ومُختار.
وعليه؛ فإذا لم يكن الله موجودًا فإِنَّ الجمال غير موجود، ولكن الجمال موجود حقًا، إذن؛
فالله موجود.
الإرادة الحرة
من الجوانب الفطرية التي يجدها الإنسانُ مترسخةً في قرارة نفسه، وضاربةً بأطنابها في سويداء كينونته: جانب التفريق الضروري بين أفعاله الاختيارية وأفعاله الاضطرارية. فعندما يقوم الإنسانُ بمشاهدة التلفاز والتنقل بين قنواته الفضائية حسب اختياره، أو عندما يُقرر الذهاب إلى التّسوق في التوقيت الذي يختاره، أو عندما يتَّخذ لنفسه حمية غذائيَّةً معينة، فإنَّه لا محالة سيكون مميزًا ببداهةٍ بالغة بين هذه الأفعال التي يفعلها بمحض إرادته، وتلك التي يفعلها اضطرارًا رغم معاطسه ومراعفه، كغلبة سُلطان النوم عليه، وتلبيته لنداء الواجب من قضاء الحاجات المختلفة، وتنفسه وعدم قدرته على كتم أنفاسه إلا لدقائق معدودة، ودقات قلبه، وغيرها من الأفعال التي لا تخضع لسلطان إرادته. إنَّ "هذا الشعور الفطري بأنَّ لدى الإنسان إرادة حرَّةً يجدها في نفسه ضرورةً يحتاج إلى تفسير، بل إنَّ مرد وجوده فضلا عن الشُّعور به يحتاج إلى تفسير!! ويبدو أنَّ الخطاب الإلحادي عاجز ومتخاذل - في ظل نظرته المادية للوجود - عن تقديم تفسير لظاهرة الإرادة الحُرَّة، فإذا كانت أفعالنا الاختيارية مجرد نتاج تفاعلات (حيوكيميائية)، أو مجرد نبضات كهربائية لشبكة واسعة من الخلايا العصبية - وهذه بطبيعة الحال محكومة بقوانين صارمة - فكيف يمكن أن تكون هنالك إرادة حُرَّة؟!
هذا المأزق الإلحادي جعل الملاحدة ينفصلون عن واقع المعضلة، فأخذوا يتبنون النظرة 1 - لي ستروبل، القضية الخالق، ص (189 - 190).
426 (1/426)
صفحة 427
المبحث الثامن: المستوى الفطري
الجبرية المتطرفة، وأصبحت فطريَّةُ الإرادة الحُرَّة وهما خادعًا في ظل هذا (الفصام) الإلحادي، فالإنسان مجبور على أفعاله وإن أحسَّ أنَّه مختار لها!! أو كما عبر بعض الجبرية قديمًا: " الإنسان مجبور في صورة مختار "!! في كتيبه (الإرادة الحرة) يقول الملحد سام هاريس: "اختياراتي مهمة، وهناك طرق لاتخاذ قراراتٍ أكثر حكمة، لكنني لا أستطيع اختيار ما أُريد اختياره، وإذا ظهر أني قادر على ذلك - كالعودة مثلًا إلى الوراء لاتخاذ أحد القرارين - فإنَّني لا أختار ما أختار أن أختاره! إنَّه تسلسل يُفضي بنا دوما للظلام“. ويكفي لمعرفة نظرته الصريحة لهذه القضية - وهي نظرة لاقت إشاداتٍ وثناء عاطرًا من الأوساط الإلحادية - أن نسمع قوله: "الإرادة الحُرَّة وهم"!
أننا
كما عالج الملحد مايكل شرمر فطريَّة الإرادة الحُرَّة في كتابه (علمُ الخير والشر) ومما قاله فيه: "حجم تعقيدات العوامل والمحددات التي تتسبب في إحداث اختياراتنا تقودنا إلى الشعور وكأنَّنا نُمارس أفعالنا بحريَّةٍ ككائنات متسببة في أفعالها دون أن تكون مُسبة، مع في الحقيقة محددو الأفعال سببيًّا، ولما كان تحديد قائمة كاملة بالأسباب التي تُحدد الفعل الإنساني غير ممكن فإنَّ الشُّعور بالحُريَّة ينشأ بسبب جهلنا بالأسباب“. وهذا يعني بأنَّ الحُريَّة ما هي إلا وهم نخدع بها أنفسنا استنادًا منه إلى جهلنا بالأسباب! ومثل هذا الاستدلال الذي أدلى به مايكل شرمر غارق في أوحال مغالطة الاحتجاج بالجهل) أو ما يُسمى بـ (التوسل بالمجهول) كما لا يخفى على الزكن الفطن، فهو يحتج بالجهل كسبب في شعورنا بالإرادة الحرة! وفي الجزء الختامي من مناظرة (وليم لين كريغ) والملحد لورانس كراوس، تهرب الأخير من تقديم جواب واضح عن الإرادة الحُرَّة، وإن كان قد ألمح - من طرف خفي - إلى تبنيه لنظرة سام هارس ومايكل شيرمر من القول بأنَّ الإرادة الحُرَّة مجرد وهم، وأنَّنا مجبورون في صورة مختارين! أما الملحد كريستوفر هيتشنز فله إجابةٌ تُشبه الدُّعابة العابرة، لكنَّها دعابة تُعبّر عن رؤيته لقضيَّة الإرادة الحُرَّة، ففي جوابه عن سؤال: هل لديك إرادةٌ حُرَّة؟ " قال: "ليس لدي اختيار آخر!! أما الملحد ريتشارد دوكنز فقد قال في كتابه (River Out of Eden) : إنَّ "الشفرة الوراثية لا تكترث ولا تدري إنَّها كذلك فقط، ونحن نرقص وفق أنغامها)؛ أي إنَّ المحرك للإنسان هو (الجينة الأنانية) فقط!
1 - أخذ دوكنز مؤخرًا في لقاءاته بتبرير موقفه هذا بالقول بأنَّ كلامه قد فهم بشكل خاطئ ومبالغ فيه، وكأنه شعر بسذاجة طرحه
وبسخف اختزاله المجحف!
427 (1/427)
صفحة 428
مناجزة الإلحاد
أما الملحد دانييل دانيت فقد قدَّم نظرةً توافقيَّةً بين الجبرية والاختيار في كتابه (تطور الحُريَّة)، فأخذ العصا من المنتصف، واتّسم طرحه بتبني الجبرية الناعمة التي لا تنفي وجود حرية الاختيار، وهذا ما جعل سام هاريس يشن حملةً نقديَّةً ضدَّ أُطروحته هذه.
هي
أنَّك
أما فرانسيس كريك في كتابه (الفرضيَّة المدهشة) فيقول: "الفرضية المدهشة أنت وبهجتك وجميع أحزانك وذكرياتك وطموحاتك حتى شعورك بذاتك المميزة وإرادتك الحُرَّة لا تعدو في الحقيقة أن تكون كلها عبارة عن شبكة هائلة من الخلايا العصبية المتشابكة
بجزيئاتها المترابطة“!
ما من شكّ بأنَّ النَّظرة المادية المختزلة للوجود والحياة قد أفرزت لنا مثل هذا التصور للإرادة الإنسانية، فالكون بكل ما فيه محكوم بقوانين صارمة لا يستطيع الإنسانُ الإفلات من إحكام قبضتها، فيصبح بلا اختيار وبلا إرادة، وفي هذه النظرة الماديَّة تظهر الإشكالات الخطيرة، فإذا كان الحال كذلك فلماذا نُعاقب المجرمين؟! فهم مجبورون على جرمهم ولا إرادة لهم! ولماذا نكافئ المحسنين؟! فهم مجبورون على إحسانهم ولا إرادة لهم بل لماذا يقوم المؤمنُ بنشر إيمانه، ويقوم الملحد بنشر إلحاده؟! فالمؤمن مجبور والملحد مجبور!
أليس من المضحك أن يُؤلف هؤلاء كُتُبا في نفي الإرادة الحُرَّة؛ ليقنعونا من خلالها بعدم وجود الإرادة الحُرَّة فما قيمة تلك الكُتُب إن كان كاتبها مجبورًا على قول ما فيها، وكان القارئ مجبورًا على قبولها أو رفضها؟!
إِنَّ الرُّؤية الإلحاديَّة مليئة بالثغرات والثقوب القاتلة، ومنشأ ذلك كله هو التنكر لمسألة الوجود الإلهي، إنَّها حالة من العدميَّة التي تتربع على عرش المشهد لحظة محاولة إخراج الرَّب من معادلة الوجود، وقد عبر البروفيسور الملحد ويل بروفاين عن ذلك بقوله: "لا آلهة، لا حياة بعد الموت لا قاعدة حقيقية للأخلاق، لا معنى نهائي للحياة، ولا إرادة حرة للإنسان ... يبدأ الأمر بالتخلي عن الإيمان بالله، ثمَّ التَّخلي عن الأمل بوجود حياة بعد الموت، وحين تتخلى عن هاتين الفكرتين فإنَّ بقيَّة الأمور تأتي بطريقة سهلة - نسبيًّا - حيث تفقد الأمل بوجود مبادئ أخلاقية مطلقة، وأخيرًا لا وجود لإرادة إنسانية حُرَّة ... ).
(1)
يتبين لنا إذن؛ أنَّ الإلحاد يتبنى النظرة الماديَّة، ومن ثم فإنَّ الإرادة الحُرَّة تقف حجر عثرة
1 - عبدالله العجيري، ص (79 - 84)، "بتصرف وإضافة“.
428 (1/428)
صفحة 429
يضمن
المبحث الثامن: المستوى الفطري
أمام نظرته المادية، وهو بذلك يضع نفسه بين مخلبَيْن ناشبَيْن؛ إما أن يُنكر الإرادة الحُرَّة؛ لكي صحة نظرته الماديَّة، وإما أن يعترف بها فيطعن في مصداقية نظرته المادية، وفي حال إنكاره لها ستقف أمام ناظريه جملة من المعضلات والمعوصات؛ إذ يترتب على إنكاره لها - ترتبا منطقيا - إنكار الوعي البشري، وإنكار عقاب المجرم على إجرامه، وإنكار إثابة المحسن على إحسانه، بل وإنكار مبدأ الحُريَّة الذي يُناضل الجميع من أجله! ولما كانوا لا ينكرون هذه اللوازم المنطقية فقد بطل بذلك زعمهم بانتفاء الإرادة الحُرَّة، وأما إن أقر الإلحاد بالإرادة الحرة واعترف بها، فإنَّه سيوجه ضربةً قاصمةً إلى نظرته الماديَّة للوجود من حيث لا يشعر؛ إذ إِنَّ النَّظرة المادية لا تعترف بوجود الإرادة الحُرَّة، فهي لا تحيد قيد أنملة عن تفسير الأمور وفق الحتميَّات البيولوجية والنَّشاطات والتفاعلات العصبية الكهروكيميائية، ولا يُوجد في أنساق تفسيراتها المعرفية غير هذا إلا بالخروج عن النظرة المادية، وهذا الخروج سيكلفها ثمنا باهظًا، فهو بمثابة الانخزال عنها والاعتراف بسقوطها!
لقد فشلت الحتميَّةُ البيولوجية علميًّا، كما فشلت معها الحتميَّة التربوية والحتمية النفسية والحتمية الاجتماعيَّة، وعليه؛ فلا مناص من الاعتراف بفِطْريَّة الإرادة الحُرَّة وحقيقة وجودها، وهذا الاعتراف يتصادم طولا وعرضًا مع المبررات والتفسيرات المادية، ولا يتطابق مع ما تعكسه مرآة النظرة المادية، فالإنسان متسام عن المادة، والإرادة الحُرَّة برهان ساطع على وجود الإرادة المتسامية والمتعالية عن المادَّة، وهي فيضُ من إرادة الإله الخالق العظيم.
المحصلة
نخلُصُ - بعد كل ما سبق - إلى المقدمتين الآتيتين:
الإرادة الحُرَّة موجودة حتمًا.
لا بد لوجودها من مصدر مطلق ومتسام عن حتميات المادة.
وعليه؛ فإذا كان
الله غير موجود فإنَّ الإرادة الحُرَّة غير موجودة، لكن الإرادة الحُرَّة موجودة
حقا، إذن، فالله موجود.
429 (1/429)
صفحة 430
مناجزة الإلحاد
ختاما الفطرة بين الإيمان والإلحاد
لقد انحسر لثامُ الشَّك عن صحة الاعتقاد بأنَّ الإيمان بوجود الله هو الذي يتساوق مع فطرة الإنسان وتكوينه، وأنَّ الإلحاد وإنكار وجود الله ما هو إلا انتكاسة وارتكاسة عنها، فالإيمان لا ينكمش في دائرة معرفية ضيقة يتم تبنيها أو رفضها جزافًا دون دفع ضريبة من نوع ما، بل هو نازع يُمكن تلمسه من خلال الخبرة الذاتية نفسها قبل أن نُدركه عن طريق الأدوات النظرية والمعرفية المكتسبة، وقد ذكرنا بأنَّ أعلام الملاحدة الكبار يُقرون بهذا الأمر، لكنَّهم يُحاولون توصيفه توصيفاً طبيعيًّا؛ ليُهونوا من أمره، ويُقللوا من شأوه، وما يهمنا هنا هو اعترافهم بوجود دافع الإيمان وتغلغله في أعماق الوعي البشري، وأنَّ له بُعدًا بيولوجيًّا أو نفسيا عميقًا، و (الاعتراف الأدلة). هو سيد
هنالك عدة دراسات حديثة تُؤكد فطريَّة الإيمان، فقد نشرت صحيفة التلغراف البريطانية في عام (2008 م) بحثًا قام به علماء الأنثروبولوجيا في جامعة أكسفورد) خلص إلى أنَّ الأطفال يولدون مؤمنين قبل اكتسابهم الإيمان لاحقا عبر التلقي). وأيضًا هنالك أربعون دراسةً علميَّةً أخرى منفصلةً في الزمان والمكان أكدت وجود الميول الطبيعية للإيمان بالخالق ووجود الآخرة (2). هذا بجانب الدراسات الأخرى التي تدور حول وجود الحس الديني كنازع مغروس في بنيتنا النَّفسيَّة كما يقول رئيس الاتحاد البريطاني لتقدم العلوم روبرت وينستون، أو القول بأنَّ المفاهيم الأخلاقية مدموغة في جيناتنا كما يقول عالم الجينات جيمس واتسون، بل إنَّ أكثر من نصف عدد الأطفال الذين نشأوا على الإلحاد تركوه مباشرةً بعد بلوغهم سن الرشد حسب دراسة مركز (Pew Research Center)، فقد تمخضت هذه الدراسة عن وجود ما تُقدر نسبته بـ (54 %) من
الأطفال الذين ترعرعوا في أكناف الإلحاد ثمَّ تحوّلوا عنه إلى الإيمان فور بلوغهم (3). إذن؛ وعلى ضوء ما سبق، فمن هو الذي يسير وفق مسارب الطَّبيعة التكوينية للبشر ببعديها المزدوجين (البيولوجي) و (النَّفسي) هل هو الإيمانُ أم الإلحاد؟! هناك فئام من الملاحدة
- يُنظر: (- http://www.telegraph.co.uk/news/politics/8510711/Belief-in-God-is-part-of-human-nature-Oxford
(study.html
ويُنظر: (http://www.telegraph.co.uk/news/religion/3512686/Children-are-born-believers-in-God-academic-claims.html) .
- يُنظر: http://www.sfgate.com/news/article/Fib-detector-Study-shows-brain-scan-detects-2850153.php). ويُنظر: (206= https: //www 2. rsna.org/timssnet/media/pressreleases/PDF/pressreleasePDF.cfm?ID).
3 - U.S. Religious Landscape Survey, Religious Affiliation: Diverse and Dynamic, February 2008, p.30
430 (1/430)
صفحة 431
المبحث الثامن: المستوى الفطري
المعاصرين يزعمون بأنَّ الإلحاد هو الفِطرة)، مخالفين بذلك. جميع الأدلة والدراسات السابقة ومستندين إلى الأصل التاريخي الذي يُقارنونه بـ (العُري)! فالأصل في الإنسان - كما يقولون - هو التعري وليس الاحتشام؛ ذلك لأن الاحتشام ليس سوى نتاج لاتفاقنا الجماعي داخل دواليب التاريخ، وهو بذلك لا يُعدُّ أصيلا بل مجرَّد وافد خارجي، فحال الإلحاد كحال العُري= الأصل والفطرة. بينما حال الإيمان كحال الاحتشام= خلاف الأصل والفطرة.
وتظهر على مثل هذا الطرح الكثير من علامات التعجب والاستفهام، فهل تُقاس الفطرة بهذا المقياس المتهافت؟! أليست الفِطْرةُ هي طبيعة البشر التي يتوافقون عليها رغم اختلاف الزمان
أن
والمكان؟! فالبشر توافقوا على الاحتشام وتأبى طبيعتهم السَّليمة - ما لم تتأثر بمؤثر خارجي - يمشوا عراةً كاشفين لسوءاتهم، وكذلك توافقوا على الإيمان عبر تاريخهم - الإيمان نفسه بغض النظر عن التصورات التي تصاحبه - وتأبى طبيعتهم السليمة - ما لم تتأثر بمؤثر خارجي - أن يُلحدوا. فهذه هي مقاييس الفِطرة أو الطَّبيعة البشرية: العموم والاطراد عبر التاريخ، وليس الخصوص والشذوذ المبني على المؤثرات الخارجية مهما كثر وتضخم في ظرف (زمكاني) معين، وقبل ذلك كله فإنَّ قضيَّة الاحتشام - في غير السَّواتَين - قضيَّةٌ ثقافيَّةٌ وليست فطريَّة، فلا مجال لمقارنتها بالأمور الفطرية!
إنَّ بعض الملاحدة يستشهدون بالشذوذات والحالات التي تأثرت بمؤثرات خارجيَّة؛ ليُعمموا قولهم بعدم فطريَّة الإيمان بوجود الخالق، فتراهم يستشهدون بأطروحات أو دراسات عفا عليها الدهر، فهم بين دراساتٍ لا تُعلم صحتها ومصداقيتها، أو دراسات مغلوطة ومكذوبة كاستشهادهم بكلام هربرت سبنسر الذي يُشير فيه إلى وجود أناس فصلوا عن الأفكار المكتسبة منذ طفولتهم لسبب من الأسباب فخلوا من أي فكرة دينيَّة، أو الاستشهاد ببعض المعلومات المغلوطة التي تخالف ما قرّرته دراسات علماء الأنثروبولوجيا المتخصصين كما يروق للملاحدة أن يُصنفوا فطرة الإيمان على أنَّها فيروس جماعي، أو اضطراب نفسي، أو وهم وخرافة مجتمعية! إنَّهم يزعمون بأنَّ البشرية عبر تاريخها المديد مصابة بفيروس الإيمان، أو باضطراب نفسي جماعي، مع أنَّهم هم الذين شدوا عن البشر ومسيرتهم التاريخية وانسلخوا عنهم - حديثًا - عقب انهيار سجن الباستيل فقط!
1 - هذه الدعوى طرحها المدعو جلال حبش في مقالته: (الإلحاد هو الفِطرة) على صحيفة الحوار المتمدن)، العدد: (2997).
431 (1/431)
صفحة 432
مناجزة الإلحاد
خلاصة المبحث
- معرفة الله لها أساس فطري تكويني تستثيره ظواهر الطبيعة وتقلباتها.
- فرضيات نشأة فكرة (الله) تتغشاها الكثير من التَّخبطات والتكهنات الزائفة. - لا يُمكن إهمال النظر في قضية وجود الله تعالى لاعتباراتٍ كثيرة.
- البينة تلزم الملحد؛ لأنه يدعي عدم وجود الله تعالى.
- المستوى الفطري يُبرهن على وجود الله وجدانيا دون استدعاء البرهنة النظرية والعملية إلا في باب الجدل.
- للمستوى الفطري عدة مكونات تشهد كلها على وجود الله تعالى، كالافتقار الوجداني، والنداء الطبيعي، والأسس الأخلاقية، والضرورات العقلية الأولية، والهداية الغريزية، والأسئلة
الوجودية، والجمال، والإرادة الحرة.
432 (1/432)
صفحة 433
المبحث التاسع
المسْتُوَى العَقْلِيُّ (1/433)
صفحة 434
"كيف يُستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟! أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتَّى يكون هو المظهر لك؟! متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدلُّ عليك؟! ومتى بعُدتَ حتَّى تكون الآثارُ
هي
التي تُوصل إليك؟! عَمِيَت عين لا تراك عليها رقيبا“.
(الإمام الحسين)
أستطيع رؤية كيف يكون من الممكن للرجل أن ينظر إلى أسفل على الأرض ويكون مُلحدًا، ولكن لا أستطيع تصور
كيف يُمكن أن ينظر إلى السَّماء ويقول: لا يوجد الله".
(إبراهام لينكولن) (1/434)
صفحة 435
أيُّها العقل: ما هي كلمتك هنا؟
إلى أين تبلغ بنا قوانينك؟
وما بالهم تنكّروا لكَ واتهموك بالعجز!! (1/435)
صفحة 436
مناجزة الإلحاد
المستوى العقلي
بعد الاستدلال على وجود الله بمكونات المستوى الفطري ودلالاتها، يحين - الآن - موعد الاستدلال على وجود الله بالمستوى العقلي، ولما كان المستوى العقلي حافلا بقائمة طويلة وعريضة من البراهين ارتأينا أن نستشهد بأقواها وأشهرها؛ إذ الغرضُ هو إقامة البراهين العقلية على وجود الله لا محاولة حصرها واستقصائها، فذلك أمر وعر المرتقى، وعث المبتغى، وهو مما لا يتَّسع له المجال، ومما يبعد عن المنال؛ ولهذا سنقتصر على ثلاث دلالات في البرهنة
العقلية على وجود الله:
(1) - دلالة الحدوث.
(2) - دلالة الإمكان.
(3) - دلالة النظم).
مدخل ضروري
أهم
قبل الدخول في خضم براهين المستوى العقلي ودلالاته، ارتأينا أن تُجلّي بوضوحٍ مفردات القوانين العقلية، وأن نستلهم قيمتها المعرفية، ونُميط عنها غبش إساءة الفهم، وقذى التشكيك والسَّفسطة، ودرَنَ الجهل والتَّجاهل، وهذا بدوره سيُفيدنا كثيرًا في تقرير البراهين من دون حاجة إلى إعادة توضيح القوانين العقلية وتبيين قيمتها عند الحديث عن كل برهان من براهين هذا المستوى، ولنبدأ البيان على النحو الآتي:
1 - هناك الكثير من البراهين العقلية الأخرى؛ نخص بالإشارة منها: برهان الصديقين، وبرهان الحركة، وبرهان الكمال، وبرهان الضرورة والوجود، وبرهان الأثر والمؤثر، وبرهان النَّفس، وبرهان القوة والفعل، وبرهان الغاية.
436 (1/436)
صفحة 437
المبحث التاسع: المستوى العقلي
(أ) - قانون السببية
وهو قانون عقلي فطري يقتضي أن يكون لكل معلول عِلَّة، ولكل حادِثِ مُحدث، وهذا القانون هو أساس متين من أسس المعارف البشريَّة، بل هو حجَرُ الزَّاوية بالنسبة إلى العلوم التجريبية على اختلافها، فالعِلم التَّجريبي في حقيقته: بحث في الظواهر الطبيعية، يروم ربْطَ كل ظاهرة منها بأسبابها، ولولا هذا القانون لما قامت للعِلم ولا للمعرفة أي قائمة، بل إنَّ يُشكك في صدقيته لن تنقدح في ذهنه فكرةُ التَّشكيك إلا بالضغط على زناد القانون نفسه واستدعاء تدخُلِهِ، وهذا ما يُعرف بـ (التناقض الذاتي)، أو (التفكك المنطقي)!
من
كثيرون ممن حاولوا النيل من قانون الشبية (Causality) كانوا ضحية لمصايد سوء تصورهم له، واعوجاج طريقة تعاطيهم معه، فحري بهم أن يُكلّفوا أنفسهم - ولو قليلًا - دراسة هذا القانون دراسة منهجيَّةً سليمة؛ ليفهموا معطياته فهما نجيحًا نجيعًا؛ حتّى يتلافوا أخطاءهم التي تقذى بها النواظر، وينجوا من الاعتساف في مسالك هذا القانون الأصيل حال حديثهم عنه! ونحن نقدّم بوضع جملة أمور تختصر لهم الدَّرب، وتكشف لهم شيئا من أقطار الطريق:
(1) - قانون السببية قانون عقليَّ فِطري ضروري، وليس قانونًا حسيًّا تجريبيا إلا انتزاعًا)، فهو بهذا الاعتبار فوق الحسّ والتَّجربة ويعلو عليهما، فالحسُّ والتَّجربة يُقادان إلى محكمته طوعًا أو كرها، بل ويقضى بوضعهما موضع الاتهام بالخطأ ومجانبة الصواب إن أبدى ظاهرهما التصادم معه.
(2) - قانون السببية يعم المحدثات بأسرها، فلا تقتصر هيمنته على المادة التي رصدناها، أو على المادة التي لم نرصدها بعد، بل تشمل الحوادث المدركة وغير المدركة، الطبيعية منها وغير الطَّبيعيَّة، وهذه هي خصيصةُ القوانين العقلية؛ العموم والاطراد. (3) - قانون السببية مستقل عن الوجود البشري ومتعال عليه، فهو قانون يسري على الحادثات
1 - أي إنَّ الذهن يقوم بانتزاع قانون السببية - كما يقوم بانتزاع غيره من القوانين العقلية الأخرى كقانون عدم التناقض - من خلال المعارف الأوليَّة التي اكتسبها عن طريق الحواس الداخلية والخارجيَّة، وهذا يعني أنَّ قانون السببية يُعتبر من المعقولات الفلسفية الثانية، وبهذا فهو قانون عقلي وليس قانونًا حسيًّا.
437 (1/437)
صفحة 438
مناجزة الإلحاد
جميعًا، قبل وجود البشر، وعند وجودهم وبعد وجودهم، إنَّه قانون مطَّرِدٌ منداح لا يُضغط على مكابح اندياحه عند حدود إدراك البشر له ولا يتوقف عندها.
(4) - الجهل بسبب حدوث بعض الظواهر الطبيعية لا صلة له بالاعتراض على قانون السببية والتشكيك فيه، فعدم معرفتنا للسبب الحقيقي هو جهل مِنَّا، والجهل لا يستطيع أن يُضعضع العلم اليقيني والضروري بقانون السببية، كما أنَّ جهلنا بالسَّبب لا يُمكن أن يكون متكاً لإصدار حكم طيَّاشِ متهور يقضي بفشل قانون السببية؛ لأنَّ الجهل ظنُّ، والظن لا يتعارض مع اليقين؛ ولأنَّ عدم العلم ليس علمًا بالعدم.
(5) - الخطأ في توصيف السَّبب الصحيح لبعض الظواهر الطبيعية لا علاقة له بمصداقية
قانون السببية نفسه، فالخطأ في التوصيف شيء ومصداقية قانون السببية شيء آخر. (6) - هناك محدثات ومصنوعات مُدرَكة، وهذا يعني - بالضَّرورة - أنَّ هناك سببًا، ومن ثمَّ فإنَّ نفي السببية نفي وجود هذه المحدثات والمصنوعات. وهذا يستحيل أن يجتمع في ذهن من يُؤمن بالواقعية، إلا إن حدثته نفسه بما لا يكون، وأطمعته فيما لا مطمع فيه، واقتعدته على ظهور المكاره!
لعل أبرز من سدَّدَ نقوداته إلى قانون السببية هو زعيم الشكاك الجدد ديفيد هيوم، وجُلُّ اعتراضاته في الحقيقة مبنية على أحلام نائم، وخيط باطل؛ فقد خلع عذاره، وتنكر للعقل، وحادَ عن سَنَيْه، وركَنَ إلى الحس وحده لا شريك له، فلا غرابة حينها - والحال كذلك - أن يلتزم بلوازم إنكاره، والتي من بينها: ثل سُلطان قانون السببية العقلي)!
نلحظ أنَّ ديفيد هيوم لم ينكر قانون السببية نفسه بشكل مباشر، بل أنكر الضرورة العقلية التي تربط تربط بين العِلَّة ومعلولها في الخارج؛ أي من حيث التصديق لا التصور. يقول هيوم: لا يجد عموم الناس أي صعوبة في تفسير أكثر أعمال الطبيعة اعتيادًا وأُلفةً؛ مثال: سقوط الأجسام الثقيلة، ونمو النبات، وتكاثر الحيوان، وتغذية الأجسام بالطعام. بل يفترضون في هذه الحالات كلها أنَّهم يُدركون قوَّةَ السَّبب، أو طاقته تلك التي تقرنه مع أثره، وأنَّها لا تُخطئ أبدًا في عملها. ويكتسبون بطول العادة لفتةً في الذهن تجعلهم يتوقعون بثقة - ومباشرة بعد ظهور السبب 1 - أثارت الرسالة التي وجهها ديفيد هيوم لجون ستيوارت ميل ردود أفعال متضاربة، فقد اشتمَّ بعضُهم منها تراجع هيوم عن موقفه المعروف تجاه السببية، إلا أنَّ بعض الباحثين يُؤكدون أنَّ رسالة هيوم تم إساءة فهمها، وأنَّ هيوم لم يتراجع عن موقفه من السببية.
يُنظر: 75. Norman L. Geisler, Peter Bocchino, unshakable foundations, p).
438 (1/438)
صفحة 439
المبحث التاسع: المستوى العقلي
- الحادث الذي يُصاحب السَّبب عادةً، ويتصوّرون بصعوبة أن يكون بالإمكان حصول حادث آخر عنه ... لذا يرى كثير من الفلاسفة أنَّ العقل يُلزمهم باللجوء في كل مناسبة إلى المبدأ عينه
الذي لا يستدعيه العامي إلا في الحالات التي تظهر معجزة وفائقة للطبيعة .... إِنَّ ديفيد هيوم يُصرح بأنَّ ما يُسمَّى بـ (السَّببيَّة) ما هو إلا تصور ذهني ينشأ عند إدراك وجود تعاقب مستمر بين عمليتين تصديقيتين أسماه بـ (تداعي المعاني)، وأنَّ هذا التداعي ليس برابط لازم أو ضروري للعلاقة بين العِلَّة ومعلولها، ولا ريب من أنَّ العمل بهذه الملحوظات التي تكسر فوتونات أنوار الحقيقة كفيل بتقويض العلوم التجريبية قبل أي شيء آخر، فكلُّ ما نص عليه العِلمُ بأنه سبب لهذه الظاهرة أو تلك يُمسي مُعتَرضًا عليه ومطعونا فيه، تتناوشه مخاليبُ الشَّك من كل جانب، وهذا لوحده يكفي لرد مثل هذه الاعتراضات على أصحابها، إلا أننا - مع ذلك. - سنتعقبها بالنقاط الآتية:
- إنَّ العلاقة بين العِلَّة ومعلولها علاقة ضرورةٍ وتلازم، لا علاقة استدعاء وتعاقب للمعاني، فالضرورة صفةٌ موضوعيَّةٌ مستقلة، وأساسُ الرَّبط بين العِلَّة ومعلولها هو العقل لا الحس؛ إذ لا يُوجد في الخارج كيان معين ومحدَّد يُشار إليه بالبنان، أو تُوجَّه إليه المجاهرُ والمناظيرُ يُقال له: (الشبية)
- لا تعارض بين القول بتداعي المعاني والقول بالسَّببيَّة، فهناك عموم وخصوص بينهما، فتداعي المعاني ما هو إلا صورة من صُوَرِ العلاقة الضَّروريَّة التي تربط العلة بمعلولها، فالقائلون
لا
بالعلاقة الضروريَّة يتبنون القولَ بالتَّعاقب وتداعي المعاني، لكن القائلين بتداعي المعاني يعتقدون بالعلاقة الضرورية، والحقيقة هي ألا تعارض بينهما إلا في ذهن هيوم ومن لفّ لله ورافأه ودامجه، فتداعي المعاني لا يعني نفي الضَّرورة؛ إذ التَّداعي والتعاقب صورةٌ من صُوَرِها.
- إن الاعتقاد بعدم ضرورية الرابطة التي تربط المعلول بعلته يلزم منه جواز صدور كل شيءٍ من أي شي، كما يلزم منه التَّرجيح بلا، مُرجّح، وكلُّ ذلك ظاهرُ البطلان، وليس عليه للحق ظل (2).
- إنَّ قانون السببية قانون عقلي مجرَّد، وليس من أمور الواقع الخارجي المحضة، وعدم التمييز بين الحالين هو الذي اقتاد هيوم إلى مقاصل الاعتقاد بأنَّ العلاقة بين العلة والمعلول
1 - ديفيد هيوم، مبحث في الفاهمة البشرية، ص (102 - 103). 2 - يُنظر: عبد الكريم الزنجاني دروس | الفلسفة، (1/ 173).
439 (1/439)
صفحة 440
مناجزة الإلحاد
علاقة إمكانٍ لا علاقة اضطرار والافت للنظر هو أنَّ قول هيوم نفسه يقع في إطار الأمور الخارجية، وهذا يعني بأنَّه مُمكن لا ضروري، والممكن لا يتعارض مع الضروري! - إِنَّ مِن صُوَر قانون السَّببيَّة تداعي المعاني، وتعاقبها لكن تداعي المعاني وتعاقبها لا يعني وجودَ الرَّابطة السَّببيَّة بين الأمرين المتداعيين، فاللَّيلُ والنَّهارُ يتعاقبان دائبين، وليس أحدهما سيئا للآخر كما هو معلوم، فلو كان التداعي والتَّعاقب هو المعيار؛ لكان أحد المتداعيين والمتعاقبين سيئا للآخر، وهذا غير صحيح.
- إنَّ قانون السببية يعم الحوادث المتعاقبة والمتزامنة، ولا يقتصر على الحوادث المتعاقبة فقط، فعندما أقوم بكتابة هذا الرد يكون الضَّغط على لوحة المفاتيح متزامنًا مع الكتابة، وعندما أُحرك يدي وأنا أحمل هاتفى النقال ينتقل موضعُ الهاتف مباشرةً مع حركة يدي، وهكذا ...
- إنَّ اعتراف ديفيد هيوم بقانون السببية على المستوى التصوري (في الذهن) ورفضه له على المستوى التصديقي (في الخارج يضع علامتَي تعجب واستفهام كبيرتين فمن أين أتى لزوم مفهوم
السببية كتصور ذهني حتَّى يقوم هيوم بالاعتراض على تصديقه دون الاعتراض على تصوره؟! لقد زعم بعضُ النَّاس أنَّ العِلم الحديث - المتمثل بالتحديد في نسبية أينشتاين وفيزياء الكوانتم - قد اخترق قانونَ السَّببية وقوّض أطناب وجوده، وهذا الزَّعم من بعيد المزاعم، فأصحابه وقعوا في أسر المصطلحات العلمية (Jargon) علمًا بأنَّ معاني المصطلحات العلمية تختلف عن معاني المصطلحات الفلسفية - كما يعلم ذلك المتخصصون - فإذا ما قمنا بتحليل هذا الزعم، وقلبناه ظهرًا لبطن، وأوغلنا في تدقيق المصطلحات العلمية الشائعة كمصطلح (عدم اليقين) أو (الريبة) كما يُطلق عليه في فيزياء الكوانتم، فإننا سنجد اختلاف معنى هذه المصطلحات العلمية عن معنى نظيراتها الفلسفية، فهي تعني علميًّا عدم الحتمية لا عدم السببية - مع ا التنبيه إلى أنَّ مبدأ عدم الحتمية نفسه ليس محلَّ اتفاق من الأساس - وهذا المفهوم تراه حاضرًا باعترافِ علماء الكوانتم أنفسهم، فهذا هو كبيرهم ماكس بورن (Max Born) أحد مؤسسي علم فيزياء الكوانتم يقول:
(1) ,
" physics has given up causality is entirely unfounded. Modern physics, it is true,
1 - رياضي وفيزيائي ألماني (1882 - 1970 م)، درس في بداية مشواره القانون والفلسفة الأخلاقية، حصد جائزة نوبل في الفيزياء عام (1954 م) لجهوده في فيزياء الكم.
440 (1/440)
صفحة 441
المبحث التاسع: المستوى العقلي
has given up or modified many traditional ideas; but it would cease to be a science if it had given up the search for the causes of phenomena”().
فالفيزياء الحديثة - فيزياء الكوانتم - تخلت عن بعض الأفكار التقليدية، أو قامت بتعديلها، لكنَّها لم تخترق قانون السَّبية قطُّ، ولا أساس لصحة هذا الكلام، بل إنَّه لمن الحماقة بمكان أن يُزعم بأنَّ قانون السببية يُمكن اختراقه؛ لأنَّ من يقول بذلك لا يستطيع أن يستدل على صحة كلامه إلا بالاتصال الطارئ بقانون السببية نفسه!
ولمزيد تأكيد وبرهنة على توهم من اعتقد بأنَّ فيزياء الكوانتم، أو نسبية أينشتاين، قد
اخترقتا حقًّا قانون السببية؛ ننقل للقارئ الكريم المعطيات والحقائق الآتية):
فيزياء الكوانتم وقانون السببية
إنَّ فيزياء الكوانتم (Quantum) لم تُضعضع دعائم قانون الشبية، وإنَّما خلخلت نظرتنا التقليدية للحتميَّة (Determinism) - حسب أشد الفرضيات تطرُفًا في الأمر - ويُمكن القول بأنَّ الحتميَّة تُباين السَّببيَّة من باب أنَّ تعلَّق الحتميَّة بالوقت أهم من تعلقها بعلاقة المؤثر بالنتيجة؛ إذ يمكنها - ظاهرًا - الاستقلال عن علاقة المؤثر بالنتيجة، لكن لا يُمكنها الاستقلال عن التحديد في الزَّمن، في حين أنَّ تعلُّق السَّببيَّة بعلاقة المؤثر والنتيجة هو التعلق الأساس الذي لا يُمكن الاستقلال عنه،، وتعلقها بالوقت هو تعلق ثانوي يُمكنها أن تستقل وبسبب الارتباط الوثيق بين الحتميَّة والزَّمن والتَّعيين فى المادة والطاقة والأحداث كانت
عنه.
حظوظ جثوم الحتمية أقل وفرةً في فيزياء الكوانتم التي ترى - في بعض تفسيراتها - بأنَّ الدقة. وعدم التَّعيين هما إحدى خصائص الطَّبيعة، ولما كان أينشتاين ينظر إلى الزمن بنظرة مغرقةٍ في الحتمية - حيث كان يرى أنَّ مفاهيم الماضي والحاضر والمستقبل موجودة بالفعل وجودًا حقيقيًّا - فإنَّ نظرته هذه لا يُمكنها أن تتساوق مع ما تقوله حديثا فيزياء الكوانتم المبنية على الاحتمالية حسب مبدأ هايزنبرغ، فأنت عندما تقول: "إنَّ الحاضر احتمالي والقياس قد يُغير في المستقبل“. كأنَّك تقول تمامًا - بالنسبة لمن يتبنى النظرة الحتمية - عن شيء وقع بالفعل في الماضي: إنَّه احتمالي ومتغير وربَّما كان هذا هو سبب احتدام الصراع بين أنصار الفكرة
1 - Max Born, natural philosophy of cause and chance, p. 4
2 - أحمد إبراهيم، اختراق عقل، ص (90 - 106)، ”بتصرف شديد“.
441 (1/441)
صفحة 442
مناجزة الإلحاد
الحتمية - وعلى رأسهم أينشتاين - وأنصار الفكرة الاحتمالية التي تبنتها أشهرُ فرضيات فيزياء الكوانتم؛ ولذلك كان أينشتاين يرى أنَّ فيزياء الكوانتم ناقصة، وأنَّ ثمة متغيرات خفية لو علمناها لحصلنا على الحتمية الساكنة خلف هذه النتائج الاحتمالية التي تتحدثُ عنها فيزياء الكوانتم! فالحقيقة إذن؛ هي أنَّ الصراع المحتدم كان يحوم حول مفهوم (الحتمية) ولم يقترب قطُّ من أعتاب السَّببيَّة كما توهَّمَ الكثيرون، وخير دليل على هذا تلك المحادثاتُ الكثيرة التي جرت بين العالمين الكبيرين ماكس بورن وأينشتاين، والتي جمعت - لاحقا - في كتاب (The Born
(Einstein Letters
ثم جاءت بعضُ التَجارِب لتُؤيد جانبًا من وجهة نظر فيزياء الكوانتم ضدَّ الحتمية، وضد المتغيرات الخفية في النهاية، وأكدت الاحتماليَّة وعدم التحديد والتَّعيين في طبيعة الأشياء، ويبدو أن السبب الكامن وراء القول بالحتميَّة هو تبني مسالك الفيزياء الكلاسيكية في التفكير، وهذا يُوضح خط الانحراف في تقرير أنَّ الحتمية ليست منبثقة عن السببية، فضلا عن أن تكون هي السببية نفسها.
لا تعني
بتاتا
هناك ما يعرف بالحتمية الكافية (Adequate Determinism) وهو مفهوم صحيح يرى أنَّ احتمالات فيزياء الكوانتم ليست عشوائيَّةً تماما، بل هي جزء من القانون الطبيعي، فهي حتميَّةٌ لكن بنمط مختلف عن النمط التقليدي، وهذا المفهوم - الحتمية الكافية - يُؤكد أنَّ العشوائية عدم وجود قوانين أو علاقات وطيدة تحكم عالم الكوانتم، وفي هذا يقول عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينج في كتابه التصميم العظيم: "قد يبدو أنَّ الفيزياء الكوانتية تُقوضُ فكرةَ أنَّ الطَّبيعة تخضع للقوانين، ولكن ليس هذا هو الحال، وبدلا من ذلك فإنَّها تقودنا لقبول شكل جديد من الحتميَّة بافتراض حالة النظام في وقت ما، فإنَّ قوانين الطبيعة تُحددُ الاحتمالات المختلفة للمستقبل والماضي بدلا من أن تُحدد بيقين المستقبل والماضي ... (2). وعلى الجانب الآخر، فهناك اصطلاح علمي قد يقود - أيضًا - إلى الفهم الخاطئ إذا ما تم التعامل معه بالمعنى الفلسفي، وهو مصطلح (النسبيَّة)، فقد كان الزمنُ في عصر نيوتن بالمعنى
1 - يقول روجر بنروز: "ومما يقوله النَّاس عن ميكانيكا الكم إنَّها غامضة وغير محدَّدةٍ ولا يمكن التنبؤ بها، لكن ذلك ليس صحيحًا ... إنَّ ميكانيكا الكم محددة ودقيقة ... وتظهر عدم القدرة على تحديد ميكانيكا الكم عند تنفيذ ما يُسمى بإجراء القياس فقط». (روجر بنروز، وآخرون فيزياء العقل البشري، ص 26 - 27).
2 - ستيفن هوكينج، التصميم العظيم، ص 89.
442 (1/442)
صفحة 443
المبحث التاسع: المستوى العقلي
نفسه الذي نفهمه جميعًا من أنَّه شيء مطلق وثابت، لكن الأمر لم يعد كذلك بعد ظهور النسبية الخاصة لأينشتاين، والتي نتج عنها تغيير شامل في نظرتنا للزمان والمكان! نسبية أينشتاين وقانون السببية هنا تظهر مشكلة الاصطلاحات (Jargon) مرَّةً أخرى؛ لأنَّك عندما تختزل مفهومًا عاما في جزئية صغيرة من جزئياته - والتي تتعلق بمجالك العلمي - تظهر لك التناقضات والمفارقات على المستوى الفلسفي بلا شك فمفهومُ السَّببيَّة مفهوم عام يشملُ العلاقة الثابتة بين الأشياء المادية والمعنوية، وهو بذلك يشمل القوانين الفيزيائية والمنطقية، أمَّا السَّببية النسبية فهي قائمة على تصورها السابق لـ (الزَّمكان) وسُرعة الضوء، فلكي تكون العلاقة السببية صحيحةً بين حدث يُسمى في الفيزياء (سببًا) وآخر يُسمَّى (نتيجة) يجب ربطها بشيء ثابت، وإلا فإنَّ ما يفصل بين الحدثين على خط الزمن هو تمامًا كالذي يفصل بينهما على خط المكان، ولذلك فمن الممكن أن يراهما - ظاهرًا - أحد المراقبين في الوقت نفسه لكن في مكانين مختلفين، أو يراهما سببًا قبل النتيجة، أو يراهما سببًا بعد النتيجة، ولكي يبقى السَّبب سابقا على النتيجة كان الرجوع إلى الشَّيء الثَّابت - وهو سُرعةُ الضَّوء - أمرًا مُتحتما.
إذن؛ فمتى تُنتهك السببية النسبية؟
تنتهك حين تنتقل معلومة - مثل انبعاث إشارة كهرومغناطيسية من نقطةٍ إلى أخرى - بسرعةٍ أكبر من سُرعة الضوء، أو حين تنتقل الطاقة أو يتم تسريع جسم ما بسرعة أكبر من سُرعة الضوء؛ ذلك لأنَّ السَّببيَّة النسبية تعني عدم إمكان انتقال معلومة أو طاقة بسرعة تفوق سُرعة الضوء. ثمَّ إِنَّ هناك أشياء تتجاوز سرعتها سرعة الضوء لكنَّها لا تنقل شيئًا، وهذا لا يُعدُّ انتهاكًا للسببية النسبيَّة، كذلك الفرض النظري للجسيم (تاكيون) الذي يسير دائما أسرع من الضوء، هو أيضًا لا ينتهك السببية النسبية.
لكن هل لهذا علاقة بالسببية الفلسفية؟ بالطبع لا؛ فلا علاقة لنا بتجاوز المعلومة سُرعة الضَّوء - كما في السببية النسبية - ولا بانتقالها بشکل آن - كما في فيزياء الكوانتم - فلم نعن يوما بكلامنا عن السببية كبدهية هذا المعنى الخاص المتعلق بسُرعة الضوء، ولم نر غضاضةً في وجود علاقة سببيَّةٍ تُسمى بـ (التشابك الكمي) ويُؤثر فيها السَّببُ على النتيجة بشكل آن، فلكل شيءٍ طبيعته التي تُحددها الأدلة، ولا علاقة
443 (1/443)
صفحة 444
مناجزة الإلحاد
لهذا بمعنى السببية نفسه! وهناك ورقة علميَّةٌ مُحكَمةٌ جاء فيها تأكيد هذا الكلام؛ تقول: "جادل بعضُ الفيزيائيين بأنَّ الاتصال الذي يجري بسرعةٍ أكبر من سُرعة الضوء يُعد انتهاكًا للسببية، ولكن هذا ليس سوى خُرافة).
وبعد أن حرّرنا بعض هذه المفاهيم الفيزيائية عن الزمن والسببية النسبية والحتمية، نعود لإكمال إجابتنا عن سؤال: هل أجهضت فيزياء الكوانتم ونسبيَّةُ أينشتاين قانونَ السَّببيَّة؟! هناك من يستدل ببعض الأبحاث العلميَّة التي تستخدم المعنى الاصطلاحي لـ (السببية) والذي يُراد به في الحقيقة (الحتمية) أو ما له تعلق ببعض عواقب المفهوم الفيزيائي للزَّمن، ثمَّ يُزعم بأنَّها - أي تلك الأبحاث - دليل ضدَّ السَّببيَّة؛ لأنَّ مثل هذه الأبحاث تُثبت أنَّ النتيجة تقعُ في العالم الكمي قبل السبب، أو أنَّ النتيجة تُؤثر في سببها ... إلخ، وذلك مثل استدلالهم ببحث أوجنيان أوريشكوف والذي يحمل عنوانًا مثيرًا: علاقات كمومية بدون نظام سببي). إنَّ هذا البحث نموذج نظري وليس تجربةً عمليَّة، والفكرة التي يتحدَّثُ عنها هي وجود علاقة كموميَّةٍ غير سببيَّة؛ أي من غير تعيَّن السَّابق واللاحق، ومن غير تعين السبب والنتيجة - وهذا لأنَّ مقصود البحث هو بيان عدم حتميَّة الزَّمن - وهذه العلاقة يتحكم فيها ما يتحكم في العالم الكمومي، فتُؤثر فيها البيئة والقياسُ تمامًا كما تُؤثر في وضع التراكب الفائق حين تنهار الدَّالَّةُ الموجيَّة عند القياس، فإنْ كنا سنسميها (سببيَّة) لا محالة فلتكن سببيَّةً غير محددة، وبها متغيرات عشوائية - أي غير حتمية - تمامًا كحال الجسيمات الذرية غير المحددة في سرعتها ومكانها؛ أي إنها ستكون هي الأخرى محكومةً بمبدأ (عدم الدقة) الذي يحكم العالم الكمي؛ ولذلك ينطبق على هذا البحث كلُّ الكلام الذي قيل في الرَّد على خلط الحتمية بالسَّببيَّة؛ لأنَّ الحتمية هي التي تقوم في الأساس على التحديد في الزمن ولا يُمكنها التخلي عن ذلك، بخلاف
الشبيئة التي يُمكنها الاستغناء عن الزَّمن بوجود علاقاتٍ سببية مستقلَّةٍ تماما عن الزمن. إنَّ النسبية العامة بسبب تحدُّبات (الزَّمكان) جاءت بالتَّوقع النظري الذي يقول بأنَّ الشَّيء قد يؤثر في ماضيه، لكنَّها جعلت الشَّيء نفسه يُؤثر في سببه؛ ممَّا يُؤدي إلى المفارقة الشهيرة مفارقة الجد والتي تفترض أنَّ أحد الأشخاص قد نجح في صنع ثقب دودي كبير يستطيع من خلاله السفر إلى الماضي، ثم قام بقتل جده وهو صغير، مما يهدم السببية فعلا لو وقع ذلك؛ لأنَّه يُوجَد هنا تحديد للسَّبب وللنتيجة؛ ولذلك كانت (مفارقة الجد) تناقضا منطقيًا
1 - يُنظر: (y-007 - http://link.springer.com/article/10.1007/s 10701 - 9176). (1/444)
صفحة 445
المبحث التاسع: المستوى العقلي
مستحيل الحدوث، حتّى لو أباحته النسبية العامة، فلا بُدَّ من وجود شيءٍ آخر سيمنعه! لقد قدَّمَ الفيزيائي الشهير ستيفن هوكينج ورقةً تُفيد هذا المعنى بالفعل، وهناك - أيضًا - ما يُعرف بقانون الاتساق الذاتي)، والذي يجعل احتمال أن يُغير الشَّخصُ شيئًا في الماضي= (صفرا). وأنَّه بذلك سيسقط في دائرة زمنية مغلقة، فالحاصل أنَّ (مفارقة الجد) مستحيلةُ الحدوث، ولو حدثت لكانت نقضًا للسَّببيَّة بالفعل؛ لأنَّها تنطلق من مقدمة (التَّحديد في السبب والنتيجة، ثمَّ يلي ذلك قيام النتيجة بدون سببها، لكن ما قدَّمه الباحثون في هذا البحث الذي نناقشه ليس كذلك، وإنَّما شيء مختلف يتفادى مفارقة الجد)؛ لأنَّه ينطلق من مقدمة (عدم التحديد) في السَّبب والنتيجة - وإثبات هذه المقدمة هو هدف البحث أصلا - ثم يلي ذلك اختلاط الأسباب بالنتائج، أو سريان مبدأ عدم الدقة عليها.
هل الجسيمات الافتراضية تخرج من العدم؟! قبل الإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن توضح المقصود بـ (العدم)، أو (الفراغ)، أو (اللاشيء) في الاصطلاح الفيزيائي، وأن توضح المقصود بـ (الجسيمات الافتراضية)، ولنبدأ من كتاب فيزيائي تعليمي اسمه (الفراغ المبني) يقول: " وفقًا لعلاقة عدم الدقة بين الزمن والطاقة، فإنَّه من المستحيل قياسُ الطاقة بدقَّةٍ في زمن محدد، ولكي تقيس الطاقة بدقة يجب أن يكون الزمن غير محدَّدٍ وغير نهائي، ولو أنك نظرت في فراغ في وقت قصيرٍ مُحدَّدٍ فَإِنَّ الطاقة لا يُمكن أبدًا أن تكون محددة. ويقول في موضع آخر: "إنَّنا لو بذلنا كل قدرتنا في إفراغ منطقةٍ معينةٍ من الفضاء من كل الطاقات فإنَّ هناك قدرًا من الطاقة سيبقى ولا يُمكن إخراجه ... وتعريف الفراغ هو: منطقةً معيَّنةً من الفضاء، تكون في المتوسط في مستوى الطاقة الأدنى الممكن، أو ما يُسمى بطاقة النقطة صفر". أي إنَّ المقصود بـ (الفراغ) أو (العدم) أو (اللاشيء) في الاصطلاح الفيزيائي هو الحد الأدنى الطاقة، وليس العدم الحقيقي الذي يُشير إليه المعنى اللغوي أو الفلسفي للكلمة، وسبب اعتقادنا في أنَّ الكون ليس فيه عدم حقيقي وأنه دائمًا سيبقى قدر من الطاقة: هو ثبات الحد الأدنى الممكن للطاقة؛ ذلك لأنّها تقتضي عدم التحديد في قياس الطاقة، ثمَّ سيبقى دائمًا قدر منها لا يُمكن أن يصل إلى الصفر المطلق لكي لا يكون محددًا بدقة، وهذا يُعرف أيضا بـ (طاقة
من
الفراغ)). أ. هـ
1 - أحمد إبراهيم، اختراق عقل، ص (90 - 106)، ”بتصرف شديد“.
445 (1/445)
صفحة 446
مناجزة الإلحاد
على أعتاب قانون السببية
نُسلط الضوء في هذا التفريع الوجيز المنضوي تحت راية قانون السببية على بعض الزَّوايا المظلمة التي يأوي إليها الخطاب الإلحادي للتنكر من الإلزامات المطَّرِدة لقانون السببية ومحاولة التملص من قيودها الضرورية، فعلى سبيل المثال: تجد عالمًا كبيرًا في تخصصه العلمي يقع ضحية لسفسطة الإلحاد، كعالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكنج الذي زعم قائلا:
(1)
هو
لأنَّ هناك قانونًا كالجاذبية فإنَّ الكون يُمكنه أن يخلق نفسه من لا شيء ... والخَلْق التلقائي السبب في أنَّ هناك شيئًا بدلاً من اللاشيء). متغافلاً - في زعمه هذا - عن أنَّ الجاذبية شيء وليست عدمًا، ومتعاميًا عن أنَّ قانون الجاذبية وصف رياضي مختلف عن الظاهرة الطبيعية، وعن أنَّ الجاذبية نفسها شيء يحتاج إلى مُوجِدٍ هو الآخر، وأنها حادثة في الكون لا قبله، وأنَّ المادة تسبقها وجودًا ... إلخ!
وفيما يخص الفيزياء الحديثة فإنَّ تفسير نشأة الجُسيمات الافتراضية لا يتوقف على ما ينادي به علماء الإلحاد في خطاباتهم؛ إذ لا يُوجد تفسير علمي واحد مطروح للقضيَّة، بل هناك الكثير من التفسيرات العلمية المختلفة، والأمانة العلمية تقتضي أن تُطرح كل التفسيرات على طاولة البحث، وألا يُركن إلى تفسير واحدٍ وتُقصى كلُّ التَّفسيرات العلمية الأخرى؛ لكونه يخدم أيديولوجيَّةً معيَّنة! فالاعتماد - مثلا - على تفسير كوبنهاجن وكأنه وحيد عصره لا يستساغ بإطلاقه؛ فالعلماء لم يُجمعوا عليه، بل إنَّ هناك تراجعاتٍ عنه بدأت تتزايد في الآونة الأخيرة، وحتّى مبدأ انتفاء الحتميَّة دون السَّببيَّة يُمكن ردُّه علميًّا؛ إذ لا إجماع ولا اتفاق عليه، بل قد صرَّحَ بعضُ العلماء - كماكس بورن - بأنَّ موقفهم المتمرد على الحتمية هو موقف فلسفي وليس
موقفًا علميا.
ويتجلَّى التَّهرُبُ والتَّدليس في أجلى صُوَره عند عالم الفيزياء الملحد لورانس كراوس الذي تمسك بأهداب الفكرة الشاردة (نشوء الكون من لا شيء)! فهو لم يستطع أن يُخبر العالم - دون اللف والدوران والتلاعب بالكلمات - عن براهينه العلميَّة التي تُؤكد تخميناته وتكهناته! ولم يستطع أن يُخبر العالم عن الطَّريقة العلمية التي يُمكن من خلالها اختبار نتائجه والتحقق صحتها! ولم يستطع أن يُخبر العالم عن سبب وجود الأشياء بدلًا من عدمها دون أن يجلب لنفسه السُّخرية والتهكم والنقد اللاذع
1 - ستيفن هوكينج، التصميم العظيم، ص 212.
من
446 (1/446)
صفحة 447
المبحث التاسع: المستوى العقلي
إنَّ من أهم المبادئ المنطقية: التمييز بين الحقيقة اليقينية المطلقة والحقيقة الظَّنيَّة النسبية. فقانون السَّببيَّة حقيقة يقينيَّة مطلقة، وتفسيرات الفيزياء الكميَّة حقيقة ظنيَّةٌ نسبية، فإذا ما رأينا تعارضًا على المستوى الظاهري بين الحقيقتين فإنَّ تغليب الحقيقة اليقينية المطلقة هو الخيار المنطقي الأوحد؛ لأنَّ اليقين لا يترك إلا بيقين مثله.
وفى الحقيقة فإنَّ الاستدلال ببعض تفسيرات الفيزياء الكميَّة على بطلان قانون السببية استدلال يئن من التفكك المنطقي والتناقض الذاتي، فإذا كان هذا الاستدلال صحيحًا من الناحية المنطقية فإنَّ محاولة الاستدلال نفسها تدل على وجود قانون السببية الذي جاء الاستدلال ليبطله
ضريبة إنكار الملحد قانون السببية
لدى الملاحدة قائمة من الاعتقادات وهذه الاعتقادات لا يُمكن الانتصار لها إلا في ظل وجود قانون السببية، ومن ثمَّ يلزمهم - إنَّهم أنكروا قانون السببية - الآتي:
(1) - عدم الاعتماد على التجربة كمصدر للمعرفة؛ لأنَّها قائمة على دعامة قانون السببية، فالعِلم التجريبي يبحث في ربط الظواهر الطبيعية بأسبابها، والمساس بقانون السببية كفيل بإسقاط العلم التجريبي عن عرشه الذي يتربع عليه!
(2) - سيصبح حدوث المعجزات والخوارق - والتي يُنكرها الملاحدة - أمرًا ممكنا ومعتادًا، بل وواردا بكثرةٍ؛ لأنَّ القانون السَّببي المعتاد ليس ضروريا ولا واجبًا).
(3) - سيؤول الاعتقاد الشائع عند الملاحدة بـ (حتميَّة القوانين الطبيعية) إلى الشقوط؛ لأنَّ الحتمية محمولة على أكتاف قانون السببية.
(4) - سيتهاوى اعتقاد الملاحدة في أنَّ الإنسان مجبورٌ ومسيَّر بحتميَّاتٍ بيولوجية ونفسية واجتماعية، لأنَّ هذه الحتميَّات تستند إلى قانون السَّببيَّة، فإنكارُ السببية= إنكار الجبر والتسيير حسب لوازم المنهج الإلحادي في هذه القضيَّة.
1 - طبعا الملاحدة لا يفرقون بين المستحيل العقلي والمستحيل العادي (الفيزيائي)، فالمعجزات من قبيل المستحيلات العادية (الفيزيائية) لا المستحيلات العقلية؛ ولهذا قيل في تعريفها أنَّها خارقة لـ (العادة) لا العقل. والعلم بنفسه أحدث الخوارق والمعجزات التي كان يُظنُّ بأنَّها مستحيلة الحدوث في العادة!
447 (1/447)
صفحة 448
مناجزة الإلحاد
(5) - سيسقط اعتراض الملاحدة الشَّهير (فمن خلق الله) عند أوَّلِ محاولة منهم للنيل من قانون السَّببيَّة؛ لأنَّ هذا الاعتراض نفسه مبني على قانون السببية.
(6) - سيسقط اعتراض الملاحدة الشهير بـ (مشكلة الشَّر؛ لأنَّه اعتراض قائم على قانون
السببية، وإلا فإنَّ الشَّرَّ سيحدث من غير سبب، ومن ثم فلا وجه للاعتراض على وجوده. (7) - ستتلاشى منظومة الإلحاد عن بكرة أبيها؛ لأنَّها قائمة على قانون السببية، فهي تعتقد بوجود جملة أسباب رجحت كفة الإلحاد على كفَّة الإيمان، وهذه الأسباب - شُبهات الإلحاد عموما - لا يُمكن الاعتماد عليها إلا بالاستناد إلى قانون السببية.
448 (1/448)
صفحة 449
المبحث التاسع: المستوى العقلي
(ب) - العلل الأربع
حسَبَ التَّقسيم الأرسطي المعروف فإنَّنا لو نظرنا إلى المعلولات فسوف نجدها لا تخلو من أربع عِلل تحكمها: العِلَّة المادية، والعِلَّة الصُّوريَّة، والعِلَّة الفاعلية، والعِلَّة الغائية. ولنأخذ مثالًا يوضح هذه العلل: فالكتاب الذي بين يدي القارئ الآن، له عِلَّةٌ ماديَّةٌ وهي: الورق والحبر. وعِلَّةٌ صورية وهي: الشكل والحجم والملمس. وعلَّةً فاعلية: وهي المؤلّفون ودار النشر. وعِلَّةٌ غائيَّة وهي: القراءة والتعلم والاستفادة ...
وما يجب الالتفات إليه جيدًا هنا هو أنَّ العِلم الطَّبيعي يختص بوصف العلل المادية والصوريَّة والفاعليَّة (الطَّبيعيَّة) ولا يكترث لوجود العِلَّة الغائيَّة أو الفاعلية الماورائية، ولا ينظر إليهما إلا بمؤخر عينه! وهذه ثغرةً معرفيَّةٌ لا يُمكن غض الطرف عنها فلسفيًّا وإن أمكن التغاضي عنها تجريبيًّا؛ بحكم الاختلاف بين المنهجين.
(1)
إِنَّ العِلَّة الفاعلة قد تكون فيزيقيَّة أو ميتافيزيقيَّة (عِلَّة معدة أو عِلَّة حقيقية) كما أنَّها محكوم عليها بضرورة انقطاع حلقات تسلسلها القبلية. والعِلَّة الغائيَّة التي لأجلها فعل الفاعل ووجد الحاصل (1) لا يُمكن الاستغناء عنها مطلقًا، وعند هذين المحورين يتباين مسلك المؤمنين ومسلك الملحدين، ويذهب الخُلف بينهم كلَّ، مذهب، فالمؤمنون لا يخزرون زاوية النظر إلى العلة الفاعلة في قوالب المادة فقط، بل يستتلون ذلك بالنظر إلى رحابة الوجود، وهم كذلك لا يُجيزون تسلسل العِلل الفاعلة في الماضي إلى ما لا نهاية، وهذا كله يُجانف مسلك الملحدين الذي يقصرون زاوية النظر إلى العلة الفاعلة في المادة وحدها، ويُبيحون تسلسلها إلى ما لا نهاية. والمؤمنون كذلك استقاموا على عمود رأيهم فيما يخص العِلَّة الغائية، فهم لا يختلقون جفوةً أو هُوَّةً بينها وبين العِلَّة الفاعلة، ويُقرون بضرورة وجودها لا كما يفعل الملحدون الذين يتنكرون لها بطرق ملتوية، بينها وبين الصَّواب مفاوز مهلكة وتنائف مُقفرة.
وإليك مثالًا توضيحيا يُلخص فكرة العِلل الأربع وكيف أنَّها تنتظم في عقدٍ واحدٍ لا ينبغي أن تنفرط منه واحدة، هذا المثال ذكره اللاهوتي الإيرلندي الشهير جون لينكس في أحد كُتُبه
1 - أبو البركات البغدادي، المعتبر في الحكمة، (2/ 10).
??? (1/449)
صفحة 450
مناجزة الإلحاد
والذي يقول:
لنتخيل
أن
عمتي
ماتيلدا صنعت لنا كعكةً جميلة، ثم أخذناها ليتم تحليلها من قبل
مجموعة من أفضل علماء العالم، وباعتباري مسؤولَ التَّشريفات؛ سألتهم عن تفسير للكعكة، ثم ذهبوا لعملهم: علماء التَّغذية سيخبروننا عن عدد السعرات الحرارية في الكعكة وأثرها التّغذوي، أمَّا علماء الكيمياء الحيوية فسيحدثوننا عن العناصر التي دخلت في الكعكة، وعن كيفية ارتباطها مع بعضها أمَّا الفيزيائيون فلهم قدرة تحليل الكعكة وفق الجسيمات الأولية، وسيكون دور أهل الرياضيات بلا شك عرضُ مجموعة من المعادلات الأنيقة التي تصف سلوك هذه الجزيئات ... ولنفترض أني سألت هؤلاء الخبراء مجتمعين سؤالًا نهائيا: لماذا صنعت هذه الكعكة؟! إنَّ الوجوم على وجه العمَّة ماتيلدا يكشف أنها تعرف الجواب؛ لأنها هي من صنعت الكعكة، وقد صنعتها لغاية ما، ولكن كل خبراء التغذية والكيمياء الحيوية والفيزياء والرياضيات في العالم لن يستطيعوا الحصول على جوابِ للسُّؤال، ولا يُشكّل هذا حرجًا على اختصاصاتهم العلميَّة أن يُعلنوا أنَّهم غير قادرين على الإجابة، فاختصاصاتهم التي تتقبل أسئلةً حول طبيعة وبنية الكعكة؛ أي إجابة أسئلة (كيف)، لا يُمكنها إجابة أسئلة (لماذا) والتي تتصل بالغاية التي صُنعت من أجلها الكعكة. في الواقع الفرصة الوحيدة للحصول على جواب ستكون إن كشفت لنا العمَّةُ ماتيلدا عن الجواب لنا، ولكن إن لم تُخبرنا العمة ماتيلدا بسبب صنع الكعكة فالحقيقة الواضحة أنَّ أيَّ قدرٍ من التَّحليل العلمي لن يُسعفنا بمعرفته (1).
ولنفترض أنك وقفت على كتاب فلسفي عظيم النفع، لم يدع أبدةً إلا قيدها، ولا شاردةً إلا ردَّها إليه، فهل ستكفي العِلَّةُ الفاعلة وحدها لتبرير وجود مثل هذا الكتاب النفيس؟! بالطبع لن تكفي، فالمنطق يحكم ضرورةً بوجود عِلَّةٍ غائيَّةٍ قادت عجلة اندفاع هذا الكتاب إلى الظهور؛ إذ
لا يُستساغ عقلًا أن يُقال مثلا: إنَّ شخصًا ما قد ألفه من غير قصد منه ولا غاية!
ومعنى
هذا أنَّ العِلَّة الغائيَّة هي سبب الإقدام على كتابة الكتاب وصنع الكعكة، ولولا وجود هذه العِلَّة لما كُتب الكتاب ولا صُنعت الكعكة، فالغاية تقتاد أعناق العِلل الثلاث - المادية والصُّورية والفاعلة - وتدفعها للمضي قدما نحو تحقيق بغيتها.
1 - أحمد حسن أقوى براهين جون لينكس، ص (68 - 69).
450 (1/450)
صفحة 451
المبحث التاسع: المستوى العقلي
وينبني على هذا أنَّ نظرتنا إلى الكون يجب أن تتوفّر على العِلَّة الغائية - كما توفّرت على العلل الأخرى - وألا تنفصل عنها، وسيتضح لنا كيف أنَّ إخفاق المبادئ الإلحادية في تنظيراتها المعرفية للكون ووجوده قادت الكثير من الملحدين إلى نبذ القول بامتناع التسلسل في العِلل، ونبذ القول بعدم وجود العِلة الغائيَّة! فقد استبدلوا (خاصيَّة المادة) بامتناع التّسلسل في العِلل، كما استبدلوا (صُدفويَّة) وجود خاصيَّة المادة بانتفاء العلة الغائية.
ولكن هذه الترميمات التي أحدثها الملاحدة في جدار المبادئ البالي لن تدوم طويلا، فما زالت عوامل التجوية العقلية والمنطقيَّة تُطاردها، فلا التسلسل ينقطع بـ (خاصية المادة)، ولا العِلَّة الغائيَّة تنفع مع الاعتقاد بـ (صدفويَّة) خاصيَّة المادة، فمناط انقطاع التسلسل ومناط العِلَّة الغائية أكبر من ذلك بكثير، وعندما يتكشف الصبح لذي عينين، ويبان أنَّ ما افترضوه من بدائل لم يخلق لهم جسرًا ليعبروه، وأنَّ كلَّ ما افتعلوه هو خطوة إلى الوراء لا أكثر، سيقلبون ظهر المجن لبدائلهم، ويُبدون لها صفحة إعراضهم، ويعودون إلى سابق عهدهم بإباحة التسلسل ونفي العِلَّة الغائيَّة كما سيتضح ذلك لاحقا في اعتراضاتهم ضد البراهين.
451 (1/451)
صفحة 452
مناجزة الإلحاد
هنا
(ج) - امتناع التسلسل
وهو قانون عقلي فطري متشجّرُ من قانون السَّببيَّة، ويُقصد به: استحالة "ترتيب أمور غير متناهية. وبعبارة أخرى: استحالة توقف وجود الشَّيء على وجود أشياء غير متناهية (2). وبعبارة أوضح: استحالة "ترتب شيءٍ موجود على شيءٍ آخر موجود معه بالفعل، وترتب الثاني على الثالث، والثالث على الرابع، وهكذا لا إلى نهاية). والمخصوص من التسلسل في حديثنا هو التسلسل الممتنع فقط، والذي لا يكون إلا في العِلَلِ المؤثرة ذات الوجود المتحقق. وللتبسيط أكثر؛ فإنَّ المقصود بالتّسلسل الممتنع هو أن يكون الشَّيء مُحتاجًا في وجوده إلى شيءٍ قبله، وهذا الشَّيء نفسه كان محتاجًا إلى شيءٍ قبله، وهكذا إلى ما لا نهاية. ويُمكن أن تمثل على التسلسل الممتنع باحتياج الشَّخص إلى أُمه لتمده بوجوده، واحتياج أُمه. هي الأخرى - إلى أمها لتمدها أُمها لتمدها بوجودها، وهكذا تتسلسل المعلولات إلى ما لا نهاية،
-
-
وهذا النوع من التسلسل - كما ترى - ممتنع عقليًّا ولا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، وقد ذكر الفلاسفة والمتكلمون عشرةَ براهين عقليَّة على إبطاله، إلا أنَّ بعضها محلّ للنظر، ولا يثبت على النقد. ونحن بدورنا سنقتصر على البرهنة الآتية: الأولى: لو كان التسلسل إلى ما لا نهاية جائزا لما كان للموجود أن يُوجَد؛ لأنَّ جميع أفراد السلسلة ستبقى محتاجةً إلى مَن يُوجِدُها قبل أن تُوجَد وكمثال توضيحي لهذا البرهان نقول: لو أمَرَ جُندي ما زميله بإطلاق النار على عدوه المتربص به، فردَّ عليه زميله: يجب أن يأذن لي مشرفُ السَّريَّة أولا. فقال المشرفُ: يجب أن يأذن لي قائد الكتيبة أولًا. وقال القائد: يجب أن يأذن لي قائد الكتائب أولًا. وهكذا إلى ما لا نهاية ... فهل سيكون هناك إطلاق للنَّار إن استمر هذا التسلسل؟! بالتأكيد لا، إلا إن انقطع التسلسل عند أحد هؤلاء القادة في نهاية المطاف، وأَذِنَ للجندي بإطلاق النار، فإذا حدث إطلاق النار واقعا فمن المؤكد أنَّ التسلسل قد انقطع. الثانية: منبع هذه البرهنة على استحالة التسلسل هو ما يُسمى بـ (برهان الأسد الأخصر)
1 - الجرجاني، معجم التعريفات، ص 51.
2 - الزركشي، لقطة العجلان، ص (50 - 51).
- محمد حسين الطباطبائي، نهاية الحكمة، (2/ 30).
452 (1/452)
صفحة 453
المبحث التاسع: المستوى العقلي
الذي ابتكره المعلمُ الثَّاني الفارابي، وخلاصته: إن مقتضى التّسلسل أن تستمد كلُّ عِلَّةٍ وجودها من غيرها إلى ما لا نهاية، وبهذا يُصبح الجميع في حكم الواحد وهو الوجوب بالغير لا بالذات، ومن ثم فلا وجود ا للعلَّة الحقيقية التي أوجدت أوجدت هذه الموجودات بمعنى أنَّ المعلولات لا تنفك عن عللها (قانون السببية)، فإذا كانت جميعُ المعلولات معلولةً لعلل معلولة فما هي العِلَّة التي أنتجت هذه المعلولات؟! لا بُدَّ من وجود عِلَّةٍ غير معلولةٍ ينقطع بها تسلسل العِلل، وإلا لاستمر طنين السؤال العقلي: (ما عِلّة هذه المعلولات؟!) حتَّى يفنى ريقه وينقطع تسلسل السُّؤال نفسه! إنَّ من يُجيز تسلسل العِلل في الماضي إلى ما لا نهاية تماما كمن يُجيز إمكان تعليق الثريا - المصباح المنزلي الكبير - بسلسلة ممتدَّةٍ لا نهاية لها دون أن تتعلَّق هذه السلسلة الممدودة إلى الأعلى بشيءٍ ينقطع معه تسلسلها؟ ومن الذي قال بأنَّ إضافة الأصفار إلى الأصفار مهما تواصلت وتسلسلت سينتج عنها عدد غير الصفر!
الثَّالثة: إنَّ كلَّ ما هو معلولٌ وعِلَّةٌ معًا فهو وسط بين طرفين بالضرورة، فلو تسلسلت العِلل إلى غير النهاية لكانت السلسلة غير المتناهية أيضًا عِلَّةً، ومعلولًا، أمَّا أَنَّهَا عِلَّةٌ فَلأُنَّها عِلَّةٌ للمعلول الأخير، وأما أنَّها معلولة فلاحتياجها إلى الآحاد وقد ثبت أن كل ما هو معلول وعِلَّةٌ فهو وسط، فتكون السلسلة غير المتناهية وسطًا بلا طرف، وذلك محال، فلا بُدَّ أن تنتهي إلى عِلَّةٍ محضة). الرابعة: لن تتحقق ماهية الأشياء إن كان تسلسلها جائزا، فإذا قلنا بأنَّ هنالك مثلثا لا نهائيًا باعتبار أن أضلاعه غير نهائية. فكيف سيكون مثلثا؟! لا بدَّ أن يكون الضلع الثالث قاطعا لهذه التسلسلية (اللانهائية) (2).
الخامسة: إذا تسلسلت العِلل ولم يكن في الوجود واجب وجود، فكل واحد مما هو فوق المعلول الأخير متّصف بالعليَّة بالقياس إلى ما تحته وبالمعلولية بالقياس إلى ما فوقه، فجميع ما فوق المعلول الأخير متّصف بالعليَّة والمعلوليَّة معًا، والمعلول الأخير متّصف بالمعلولية فقط فيلزم زيادة عدد المعلولية على عدد العليَّة بواحدٍ وهو محال؛ لأنّ المتضايفين الحقيقيين يجب تكافؤهما في الوجود فيلزم أن يكون في الوجود موجود متصف بالعلية
1 - يُعرف هذا البرهان ببرهان (الوسط والطرف) وهو من إبداعات الشيخ الرئيس ابن سينا. (يُنظر: السبزواري، شرح المنظومة
(2/ 454
2 - يستدل
بعضهم على إمكان التسلسل بـ (الدائرة) التي لا تُعرف بدايتها ونهايتها، وهذا ضرب من السفسطة - كما لا يخفى - ذلك لأنَّ الدائرة في الحقيقة لها نقطة بداية ونهاية: (زمان) + مكان + فاعل + مادة + صورة).
453 (1/453)
صفحة 454
مناجزة الإلحاد
فقط ليستقيم التَّكافؤ الواجب بين عدد العليَّات والمعلوليات، والأمر المتصف بالعلية دون المعلولية باعتبار وجوده في نفسه هو الواجب بالذات؛ بناءً على أنَّ العقل يحكم بأنه يمتنع زيادة عدد أحد المتضايفين على عدد الآخر، كما يحكم بأنَّه. يمتنع تحقق أحد المتضايفين بدون الآخر ولو كان بملاحظة إجمالية).
السَّادسة: نرى بأنَّ العِلم التَّجريبي وخبرتنا الحياتية يُؤكدان بأنَّ كلَّ الكائنات متوقفة على سلسلة من الأسباب تنتهي ضرورةً إلى سببٍ بدائي، فالإنسان له سبب يسبق وجوده من غيره، والحيوان له سبب يسبق وجوده من غيره والنَّبات له سبب يسبق وجوده من غيره، والحياة بأسرها لها سبب يسبق وجودها من غيرها، والمجموعة الشَّمسيَّة لها سبب يسبق وجودها من غيرها، والمجرات كذلك، بل والكون بأسره، إلا أنَّ الجهل المفترض بالسبب الأوَّلِ والنهائي لا يُؤثر في حتميَّة إبطال التسلسل، فالجهل بصفة السبب الأوَّلِ شيء واستمرار التسلسل وإمكانه شيء آخر، وصلاحياتُ العِلم التجريبي لا تسعفنا في تحديد السبب الأوَّل؛ لأنَّ هذا من اختصاصات الفلسفة والنظر العقلي لا العلم التجريبي.
السابعة: نجد أنَّ النَّظريات الرياضيَّة ذات المعنى تشن حربًا ضروسًا ضد التسلسلات غير النهائية، وتُحاول جاهدةً نقض أي عملية توافق معها. يقول ستيفن هوكينج: "الإمكانية الوحيدة للحصول على نظرية ذات معنى هي أن يتم إلغاء كل (اللانهائيات) بطريقة ما دون اللُّجوء لإعادة التطبيع “ (2).
لقد توهم بعضُ النَّاس واستمسكوا بحبال الهباء عندما اعتقدوا بأنَّ الطرق الرياضية والجسيمات الافتراضية في عالم الفيزياء الكميَّة يُمكن أن يُستدلَّ بها على إمكان التسلسل وعدم امتناع وقوعه، وهذا غير صحيح، فعمَّا قليل سيتكشف لهم بَرقُ مُناهم عن سحابٍ خُلَّب! فما تُجيزه الرياضيات (إبستمولوجيا) قد لا يُجيزه الواقع (أنطولوجيا)، بيد أنَّ الطرق الرياضية والجسيمات الافتراضية (اللانهائية) هي في الحقيقة مجرَّد أدواتٍ حسابية، ومن شروط التسلسل الممتنع أن يكون موضوعه موجودًا ومتحققا، واقعيًّا، فخرجت بهذا الشرط الأعداد والتجريدات.
ولمزيد بيان وتأكيد لهذه الحقيقة الغائبة عن ذهن من توهم خلاف ذلك؛ ننقل للقارئ الكريم
1 - محمد جعفر الأسترآبادي، البراهين القاطعة، (2/ 31).
2 - ستيفن هوكينج، التصميم العظيم، ص 138.
454 (1/454)
صفحة 455
المبحث التاسع: المستوى العقلي
الإجابة عن أهم الإشكالات العلمية التي قد يُستند إليها في تمرير القول بإمكان التسلسل في العلل إلى ما لا نهاية (0):
هل تُوجَدُ (لانهائيات) في العالم المادي؟! ظنَّ بعضُهم بأنَّ فيزياء الكوانتم كشفت عن وجود (لانهائيات) حقيقية في العالم المادي، وأنَّ الرياضيات قد كشفت عن إمكان الحصول على قِيَمٍ محددة للقيم (اللانهائية)، وهذا بدوره يُثبت الإمكانَ الرياضي والفيزيائي لوجود السَّلاسل اللانهائية) في العالم المادي، وينفي عنها تُهمة الامتناع والاستحالة العقلية، فلماذا لا يكون الكونُ عبارةً عن سلسلة أزلية في الماضي قائمة بنفسها؟! حقًا؛ تُوجد طُرُقٌ رياضيَّةٌ تُظهر لنا أنَّ نتيجةَ مجموعة سلسلة الأعداد الصحيحة الموجبة إلى ما لا نهاية (12 1 - ). بل الأعجب من ذلك أنَّ هذه النتيجة تُستخدم في أدق نظريَّةٍ علمية على الإطلاق، وهي نظريَّة (QED) التي تصل دقَّةُ نتائجها إلى واحد من (10) ترليونان! فمجموع سلسلة الأعداد الصحيحة (اللانهائيَّة) هذا يُستخدم بشكل مباشر في حساب طاقة الفراغ والجسيمات الافتراضية فيما يُعرف بعملية إعادة التطبيع (Renormalization) فهل يعني
هذا صحة الأمر، أو أنَّ هناك شيئًا فيزيائيًا ماديًا يُمكن وصف وجوده بأنَّه لا نهائي؟! الجواب هو: لا طبعًا؛ لأنَّ الجسيمات الافتراضية مجرَّد أداةٍ حسابية وليست ظاهرةً تحدث في الواقع، فاتصافُ الإلكترون الافتراضي - مثلاً - بأنَّ له كتلة (لانهائية) ليس وصفا لظاهرة حقيقية، بل هو مجرد طرق حسابية، ولا أحد من العلماء المتخصصين يعتقد بواقعية ذلك في أثناء استخدامه لمثل هذه الاصطلاحات، فقد جاء في الكتاب العلمي المتخصص (Achilles In The Quantum Universe) ما نصه: "يجب أن يكون للإلكترون كتلة لانهائية، وبالتأكيد لا أحد يُصدق بأنَّ هذا صحيح حرفيًا، لكنَّه يكون صحيحًا في النظرية الأفضل لدينا في الوقت الراهن، وحتّى نحصل على نظريَّةٍ أفضل تُظهر الإلكترونَ بسلوكه الحقيقي سيظل الأمر كما هو
عليه ولا بد".
فالحاصل أنَّ كلَّ هذا لا يُثبت وجودَ شيءٍ لانهائي في العالم المادي، والأمر نفسه ينطبق على الطرق الرياضية التي تتعامل مع هذه الجسيمات لتجعل لها في النهاية قيمةً نهائيةً محددة،
1 - أحمد إبراهيم اختراق عقل، ص (1221 - 134)، بتصرف شديد“.
455 (1/455)
صفحة 456
مناجزة الإلحاد
فهذا لا يعني
أنَّ (اللانهاية) يُمكن أن تكون لها قيمةٌ نهائيَّةٌ محددة، ومن يُروّجُ لذلك على أنَّه استيعاب من العالم المادي أو حتَّى من الرياضيات لتلك اللانهائيات) فهو يُمارس نوعًا من
الدجل والبرقلة باسم العلم.
لقد علمنا بأنَّ الجسيمات الافتراضية ليس لها وجود حقيقي، وانتهت خزعبله وجود شيءٍ لا نهائي في العالم الفيزيائي، لكن تبقت مشكلة أخرى تتمثل في عمليَّة (إعادة (التَّطبيع) والتي تُحولُ القِيمَ (اللانهائية) إلى نهائيَّة، فكيف سمحت الرياضياتُ بإعطاء قيمةٍ محدَّدَة لمجموعة لانهائية من
بول ديراك القيم؟! انتقد العالم الإنجليزي الكبير بول ديراك) بشدَّةٍ بالغة رضا العلماء عن النتائج الدقيقة التي تُقدمها نظريَّة (QED) وتجاهلهم لحقيقة التقريب
أو الاحتيال الرياضي قائلا: "معظم الفيزيائيين راضون جدًّا عن الوضع، يقولون: إنَّ الديناميكا الكهربية الكمومية نظريَّةً جيدة ولا ينبغي القلق بشأنها بعد الآن. يجب أن أقول: إنَّني مستاء جدا من هذا الوضع؛ لأنَّ تلك التي تُسمَّى (نظرية جيدة) تتضمن تجاهل (اللانهائيات) التي تظهر في معادلاتها، تتجاهلها بطريقةٍ تعسفية! هذه رياضيَّات غير معقولة! الرياضيات المعقولة تتضمَّنُ إهمال الكميَّات عندما تكون صغيرة، لكن لا يُمكن أنْ تُهمل كميَّة لأنَّها لانهائية في الكبر أو لأنك لا ترغب في وجودها، بل إنَّ الفيزيائي الشهير ريتشارد فاينمان مؤسس نظرية المجال الكمومية وصف الأمر باللعبة السَّخيفة، وبأنَّ عمليّة (إعادة التطبيع) ليست شرعيَّةً من الناحية الرياضيَّة يقول فاينمان: "لعبة الثَّلاث ورقات هذه التي نلعبها ... تُسمى تقنية (إعادة التطبيع). لكن لا يهم مدى ذكاء التَّعبير، فما زلتُ أُسميها بـ (العملية السخيفة)! لجوؤنا إلى هذه السطحية منَعنَا من إثبات أنَّ نظريَّة الديناميكا الكهربائية الكمومية متسقة رياضيا، ومن العجيب أنَّ النَّظريَّة لم يتم إثبات اتساقها الذاتي حتَّى الآن بطريقة أو بأخرى، وأظنُّ أنَّ إعادة التطبيع ليست شرعيَّةً رياضيا“.
لقد عدنا - مرَّةً أخرى - إلى لعبة المصطلحات، لكن هذه المرة كانت في المصطلحات الرياضية لا الفيزيائية فمجموع عناصر أي مجموعةٍ لا نهائية تتحدث عنه الرياضيات لا يعني الحصر والمساواة (=) وإِنَّما هي طُرُقُ رياضيَّةٌ تَستخدم الهندسة أحيانًا وتستخدم أساليب
1 - عالم فيزيائي إنجليزي وأحد مؤسسي ميكانيكا الكوانتم 1902 - 1984 م) حصل على جائزة نوبل في الفيزياء؛ لإسهاماته مع شرودنغر في النظرية الذريَّة، من أهم كتبه: مبادئ ميكانيكا الكم)، و (النسبية العامة). ينظر: الموسوعة العربية العالمية).
456 (1/456)
صفحة 457
المبحث التاسع: المستوى العقلي
أخرى لمحاكاة القيم (اللانهائيَّة) وتقريبها، لكن في النهاية هذا لا يعني أنَّ قيمة الناتج تُساوي
قيمة المجموعة (اللانهائية على وجه الحقيقة أيضًا كلمة المجموع في رياضيات ما لا نهاية لا تعني إطلاقًا المفهوم اللغوي لمعنى كلمة (الجمع)، وإنَّما الأمر أشبه بمقارنة الأحجام بين مجموعاتٍ مختلفة، فقد تُرتَّب الأشياء في صفوف متجاورة فتستطيع مقارنتها رغم أنك لم تقم بحساب أفراد تلك المجموعات ولم تحصرها أو تجمعها فعلًا، وهذا ما يُعرف بطريقة (One-to-one Correspondence) التي تتيح لك الوصول إلى مقارنات بين المجموعات (اللانهائيَّة) بدون أن تحتاج إلى إحصاء كل أفرادها؛ لأنَّ هذا غير ممكن أبدًا.
ولمن أراد التوسع في هذا الأمر فهناك مقالة ممتازة على مدونة لأستاذ مساعد في الفيزياء بجامعة (تشارلوت بعنوان: infinite series not quite as weird as some) يردُّ فيه بالتفصيل على من يزعم أنَّ قيمةَ (112) تساوي فعلا مجموع الأعداد (اللانهائية) الموجبة). الثقوب السوداء واللانهائيات في العالم المادي
الثقوب السوداء هي إحدى تنبؤات النظرية النسبية العامة، وهي تشوه في (الزَّمكان) ممَّا يجعل كثافة مركز الثقب الأسود وكتلته لا نهائية ولكن مع ذلك فحجمه محدود ومؤطّر، وهذا أشبه ما يكون بـ بوق جبريل الافتراضي الذي يمتد إلى ما لانهاية؛ إذ إنَّ مساحة سطحه لا نهائية، ولكن حجمه محدَّد ومقدَّرُ ممَّا يجعلك مقتدرًا على ملئه بالطلاء من الداخل، لكنَّك ستعجز - دائمًا - عن طلائه من الخارج؛ لأنَّه ممتد إلى ما لا نهاية، فالثقب الأسود الذي تتصوَّرُهُ الفيزياء يمتلك هذه الخواص، وفي العموم فإنَّ ظهور (اللانهائيات) في نتائج أي نظريَّةٍ فيزيائيَّةٍ يعني - مباشرةً - أنَّ هناك خللا ما في النَّظريّة، وأنَّ ثمة نقطةً ما مفقودة، ولا يعني أبدًا أَنَّ النَّظريَّة أثبتت وجود شيء لا نهائي في الواقع المادي!
خير دليل على ذلك هو ما يُعرف بـ (الكارثة فوق البنفسجيَّة) فوفقًا لمعادلة رالي جينز في الفيزياء الكلاسيكية فإنَّ الجسم الأسود عند التَّوازن الحراري يُصدرُ إشعاعاتٍ كثافتها لا نهائية؛ ذلك لأنَّ الطُّول الموجي للإشعاعات التي يُصدرها سيستمر في النقص، وكلما نقص الطول الموجي زادَ التَّردُدُ وزادت كثافة الإشعاع الصَّادر من الجسم الأسود حتّى يصل إلى
1 - يُنظر: (2014/ infinite-series-not-quite-as-weird-as-some-would-say/18/01/https://skullsinthestars.com).
457 (1/457)
صفحة 458
مناجزة الإلحاد
طول موجي = صفر، فتكون كثافة الإشعاعات لا نهائية، ومثل هذه (اللانهائية) التي نتجت عن معادلة فيزيائية لم يعتبرها العلماءُ دليلا على وجود شيءٍ لا نهائي فيزيائيا، بل اعتبروها خللا ما في معرفتنا بقوانين الفيزياء، وكان هذا شرارة البداية لعصر فيزياء الكوانتم عندما نشر ماكس بلانك حلَّ هذه المشكلة بافتراضه أنَّ الإشعاعات تتكون من حُزَم محدَّدَةٍ من الطاقة، وبذلك تمت إزالة هذه الكثافة (اللانهائية).
لأجل هذا يتعامل العلماء مع (اللانهائيات) على أنَّها نقطة ضعف في النظريات الفيزيائية التي نمتلكها اليوم، يقول بول ديراك: التَّحدي الأهم في الفيزياء هو إزالة (اللانهائيات) منها“. ويقول بول ديفيز: "إنَّ هناك قاعدة في العلم ليست مكتوبة؛ وهي: عندما يكون من المتوقع لأي شيءٍ فيزيائي مشاهَد بأن يكون لا نهائيًا، فهذه تكون علامةً يقينيَّةً على أنَّ النَّظرية نفسها
بحاجة إلى التعديل.
المعطى العلمي واستحالة وجود اللانهائيات) في الماضي عندما يورد الفيزيائيون نماذج تتحدث عن فراغ كمي أزلي أحدث الأكوان عن طريق التذبذب أو النفق الكمومي، أو نماذج تتحدَّثُ عن (زمكانٍ) يَحدُثُ من (زمكانٍ) سابق عليه، أو (زمكان) أزلي لهذا الكون، أو أكوان متعددة لا نهائية ... فكلُّ هذا يطرح سؤالًا: هل يُمكن فعلا أن يكون هناك وجود للسَّلاسل (اللانهائيَّة) في العالم الفيزيائي؟! وهل يُمكن أن يتَّصِفَ الكونُ بالأزليَّة ولا يكون تسلسله في الماضي إلى ما لا نهاية مستحيلا؟!
هذا السؤال طرح بقوة في مؤتمر جامعة (كامبريدج) عام (2013 م) باسم (اللانهائيات وعلم الكونيات)، وقد حضَرَهُ فيزيائيون ورياضيون وفلاسفة، ولعلَّهم لم يتَّفقوا على إجابة واحدة، لكن دعونا نرى هل فعلا الأمر محسوم أم أنَّ هناك ما يدعو للشك)؟!
إنَّ السَّلاسل أو المجموعات (اللانهائية) على نوعين:
الأول: (Potential infinities) وتعني أنَّه يُمكنك تقسيم الأشياء أو الكميات إلى ما لا نهاية، أو الإضافة إليها إلى ما لا نهاية، فأمَّا التَّقسيم فهو - تقريبًا - غير موجود في العالم المادي؛ لأنَّ طول بلانك لا يُمكّنك من تقسيم المكان إلى أصغر منه، وهناك (الكوانتا) التي لا تُمكنك من تقسيم الطاقة إلى أصغر منها، ففيزياء الكوانتم تجعل لهذا التقسيم (اللانهائي) - الممكن
1 - تنويه: امتناع التّسلسل في العِلل هو قانون عقلي بدهي، والقوانين العقلية فوق التجربة.
458 (1/458)
صفحة 459
المبحث التاسع: المستوى العقلي
عقلا - حدودًا في العالم المادي. وأمَّا الإضافة فهي ممكنةٌ مثل المستقبل، فمن الممكن أن
تضيف له وقتًا إلى ما لا نهاية.
الثاني: (Actual infinities) وتُسمى بـ (السلسلة المتباعدة)، وهي لا نهائية لا يمكن تحديد أطرافها أو معرفة مجموع عناصرها، كوقت ماض لا نهائي للكون، أو كسلسلة حلقاتٍ لا نهائية لا يُمكنك الوصول أبدًا إلى بدايتها، وهذا النوع في زعم بعض الفيزيائيين - خصوصا الملاحدة
منهم - يُمكن أن يُوجد في العالم المادي، ويتركون الباب مواربًا أمامه ديفيد هلبرت كأحد الاحتمالات الممكنة ولكن وجوده - في الحقيقة - مستحيل واقعيًّا،
(1)
ومعضلة (فندق هلبرت لعالم الرياضيات الشَّهير ديفيد هلبرت (David Hilbert) تبين استحالة وجود تلك (اللانهائيَّة) في الواقع الفيزيائي، فالتجربة العقلية التي ألفها هلبرت بينت استحالة وجود شيء لا نهائي في العالم المادي. لقد دعانا هلبرت في مبرهنته هذه إلى أن نتخيل وجودَ فندق يحوي عددًا لا نهائيًا من الغُرَف التي يسكنها عدد لا نهائي من النزلاء، ولا يُوجد فيه أي مكانٍ شاغر، ولكن عندما يأتي أحد الضيوف الجدد ليطلب غرفةً فلن يُوجد هنالك مبرر لرفض طلبه، فبإمكاننا أن نُوفرَ له غرفةً داخل الفندق (اللانهائي)؛ وذلك بأن نطلب من النزيل الذي يسكن الغرفة رقم (1) أنْ يتركها ويذهب للغرفة رقم (2) ونطلب من النَّزيل الذي يسكن الغرفة رقم (2) أن يتركها ويذهب للغرفة رقم (3)، وهكذا نُرحِل كلَّ النزلاء (اللانهائيين) إلى الغرفة المجاورة (اللانهائية)، ولن يتبقى - ساعتها - نزيل بدون غرفة؛ لأنَّ عدد غرف الفندق لا نهائي، وهذه العملية يُمكن تكرارها مرَّاتٍ لا نهائيَّة، فيكون الفندق دائما بلا غُرفة شاغرة، ويكون دائمًا - في الوقت ذاته - متَّسِعًا لعددٍ لا نهائي من النزلاء الجدد، وهذا تناقض مستحيلُ الوقوع يُظهر امتناع وجود شيء لا نهائي في العالم المادي.
إِنَّ حُجَّةَ ديفيد هلبرت صحيحةٌ وفعّالة؛ لأنَّ (اللانهائيَّة) ليست رقما بل فكرة، فرمزُ اللانهائية في الرياضيات مجرَّد فكرة لا قيمة، والرياضيات لا يُمكنها الإحاطة بحدود (اللانهاية)؛ لأنَّ (اللانهاية) تعني (اللاحدود)، ولذلك فليس هناك رقم بعد (اللانهاية)، فإذا كانت الرياضيات عاجزةً عن احتوائها كقيمة محدَّدَةٍ فمن باب أولى أن يعجز العالم الفيزيائي عن احتواء
1 - عالم رياضياتٍ ألماني، بل أحد أكبر علماء الرياضيات في القرن المنصرم (1862 - 1943 م) قام بحل أكثر من (23) مسألة رياضية كانت مستعصية عن الحل. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
459 (1/459)
صفحة 460
مناجزة الإلحاد
(اللانهاية) أو الاتصاف بها؛ لأنَّ العالم الفيزيائي مقدَّرُ بقِيَمٍ محددة لكل جزء من أجزائه، و مجسَّد في أبعاد الزَّمان والمكان، فكيف للمحدَّدِ أنْ يستوعب غير المحدد؟! ولو فرضنا أنَّ ماضي كوننا لا نهائي فنحن إذن اليوم في اللحظة رقم (1) بعد (اللانهاية) وهذا مستحيل! علمًا بأنَّ هذه الحُجَّة تُستخدم - أيضًا - كحُجَّةٍ على إثبات حدوث الكون.
فأي سلسلة أو ترابط سببي أزلي لا نهائي لا بداية له لا يُمكن أنْ يُوجَد أو أن يُرصد في العالم الفيزيائي، بل إنَّ افتراض وجود هذه السلسلة ممتنع؛ لأنَّه يُؤدي إلى تناقض واضح، وهو وصف السلسلة نفسها بأنَّها نهائيةً وغير نهائية في الوقت نفسه.
فإذا كان وجود (فندق هلبرت في الواقع مستحيلًا، فوجود ماض لا نهائي لهذا الكون مستحيل أيضًا، ومفارقة (فندق (هلبرت تكفي لبيان هذه الاستحالة، وتكفي لبيان استحالة وجود أي سلسلة لا نهائية في العالم المادي والكون ما هو إلا سلسلة من الأشياء يربطها رابط سببي أو شرطي، فسواء كانت هذه السلسلة هي أحداث الكون أو خواصه وشروطه وقوانينه أو غير ذلك فهي في النهاية سلسلة، وهلبرت قدَّمَ الدَّليل على استحالة وجود هذا النوع من السلاسل، ومن ثم فإنَّ أي سلسلة فيزيائية موجودة يجب أن تكون حادثةً غير أزليَّة بما في ذلك الكون. يقول ديفيد هلبرت: "اللانهائيَّةُ لا يُمكن العثور عليها في العالم الحقيقي، فهي لا تُوجد في الطبيعة، ولا تُوفر كذلك قواعد شرعيَّة للتّفكير العقلاني ... الدور الذي بقي لها لكي تلعبه هو فقط كونها فكرة! ويقولُ أميرُ الرياضيات فريدريش غاوس (Friedrich Gauss) : " أنا أحتج على استخدام المقدار (اللانهائي) على أنه شيء مكتمل، فهذا لا يجوز أبدًا في الرياضيات“. ولذلك يرفض فيزيائي كبير مثل جورج أليس (George Ellis)(2) فكرة وجود (اللانهاية) في العالم الفيزيائي، فيقول في مقالة نشرها في مجلة (الطبيعة Nature) حينما انتقد فرضيَّةَ الأكوان (اللانهائية): "لا تُوجد وسيلة لاختبار ذلك؛ لأنَّ اللانهائية) ستظل دائمًا بعيدة المنال، فمن غير المعقول أن تُوجد في العالم الفيزيائي كما أثبت ذلك عالم الرياضيات ديفيد هلبرت» (3). أ. هـ
1 - عالم رياضي وفيزيائي ألماني (1777) - (1855 م) وأحد أشهر ثلاثة علماء في الرياضيات عبر التاريخ كله، له إسهامات كثيرة في مجالات نظرية الأعداد، والفلك، والبصريات.
2 - جورج فرانسيس أليس الجنوب إفريقي، عالم الفيزياء الكونية، من مواليد عام (1939 م)، أستاذ فخري في جامعة (كيب تاون) بجنوب إفريقية، وحاصل على جائزة (تمبلتون)، وقد سبق له أن شغل منصب رئيس الجمعية الدولية للعلوم والدين. - أحمد إبراهيم، اختراق عقل، ص 121 - 134)، ”بتصرف شديد“.
460 (1/460)
صفحة 461
المبحث التاسع: المستوى العقلي
على أعتاب قانون امتناع التسلسل
لقد وضع بعضُ المتكلمين قاعدةً جليلةً تلخص امتناعَ التَّسلسل في العلل المؤثرة، تقول هذه القاعدة: "ما يتسلسل لا يتحصل). بمعنى: إنَّ الأشياء إذا فُرضَ تسلسلها إلى ما لا نهاية لم نتحصل عليها؛ أي لم تُوجَد ولن تُوجَد، وضربوا على ذلك مثال الدرهم والدينار: فلو افترضنا أنَّ رجلًا قال لصاحبه وهو يُحاوره لا أُعطيك درهما إلا بعد أنْ أُعطيك دينارًا قبله، ولا أُعطيك دينارًا إلا بعد أنْ أُعطيك درهما قبله. فبالتأكيد أنَّ هذا التسلسل يؤدي إلى عدم تحصل صاحب الرَّجل على الدرهم والدينار مهما طال التسلسل إلى ما لا نهاية، ومن ثم فإنَّ افتراض التسلسل في العِللِ المؤثرة يلزم منه عدم وجود الأشياء، ولكنها موجودة كما نرى! إذن؛ لا يُوجد تسلسل من الأساس.
1 - أبو المعالي الجويني، العقيدة النظامية، ص 20.
461 (1/461)
صفحة 462
مناجزة الإلحاد
(د) - امتناع الدور
الدور نوعان: أحدهما جائز منطقيًّا وهو الدَّورُ الاقتراني ويُسمَّى بـ (الدور المعي)، والثاني ممتنع منطقيًّا وهو الدَّورُ القبلي ويُسمَّى بـ (الدور التَّوقُّفي) أو (الدور التقدمي)، ولما كان حديثنا عن الدور الممتنع - خصيصا - وجَبَ توضيح معناه، فالدَّورُ الممتنِعُ هو أنْ يكونَ الشَّيءُ الأول علَّةً لوجود الشَّيء الثاني، وأن يكون الشَّيء الثَّاني علَّةً لوجود الشَّيء الأول، ويُسمى هذا بـ (الدور المصرح)، أو أن يكون الأول علَّةً للثَّاني، والثاني علَّةً للثالث، والثَّالثُ علَّةً للأول، ويُسمَّى بـ (الدور المُضمَر)، وكلاهما ممتنع عقلا ومنطقا وواقعا.
ولمزيد توضيح؛ نقول: يمتنع أن تكون (أ) هي سبب وجود (ب) في الوقت الذي تكون فيه (ب) هي سبب وجود (أ)؛ لأنَّ هذا الدور يُفضي إلى اجتماع النقيضين وهذا محال، فلا يُمكن للشَّيء أنْ يكون موجودًا ومعدوما في الوقت نفسه، فكونه عِلَّةً لشيءٍ آخر يوجب وجوده قبله، وكون الشَّيء الآخر عِلَّةً لوجود الشَّيء الأوَّل يُوجب وجوده، قبله وهذا محال كما ترى، وفي ذلك يقول صاحب المسلك في أصول الدين: "وأما بطلان الدور؛ فلأنه لو جاز أن يكون الأثرُ عِلَّةً في مؤثره لزم أن يكون عِلَّةً في نفسه، فيلزم أن يكون موجودًا حالما يُفرضُ معدوما، أو مستغنيا حالما يُفرضُ محتاجًا، وكلُّ ذلك باطل).
ويُمكن إيضاح بطلان الدَّور بمثالين واقعيين يفيان بالغرض: (1) - تصوّر أنَّك دخلت إلى إحدى الوزارات للتوقيع على ورقتك العاجلة، وعملية التوقيع هذه كان يجب أن تمر على اثنين من الموظفين، الأوَّل منهما لم يُوقع عليها معلقًا توقيعه على توقيع الموظف الثَّاني، كما علق الثَّاني أيضًا توقيعه على توقيع الموظف الأول! فهل سيكون هنالك توقيع؟! بالطَّبع لا، لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما علَّق توقيعه على توقيع الآخر، فلو كان الدَّورُ صحيحًا لما كان هنالك توقيع أبدًا، وإذا حصل التَّوقيع بالفعل فلا بُدَّ إذن من بطلان الدور.
1 - جعفر بن الحسن الحلي المسلك في أصول الدين، ص (52 - 53).
462 (1/462)
صفحة 463
المبحث التاسع: المستوى العقلي
(2) - تصوّر وجود دولتين بينهما مناوشات ومهارشات فعلَّقت الأولى الهجوم على هجوم الثانية، بحيث إنَّها لن تبادر بالهجوم إلا إذا بادرت به الثانية أولًا، وطبقت الثانية المبدأ ذاته، فهل سيحدث الهجوم؟! بالطبع لا، إلا إن تم الإخلال بهذا المبدأ من قبل الدولتين أو إحداهما، فلو كان الدَّورُ ممكنا لما كان هنالك هجوم.
ويُمكن - كذلك - تأكيد امتناع هذا النوع من الدور رياضيا، فقد أثبت عالم الرياضيات كورت جودل (Kurt Godel)) في مبرهنته (عدم الاكتمال أن العلاقات السَّببية لا يُمكن إثباتها من داخل النظام نفسه
فلا بد من وجود إسنادٍ خارجي لها، وهذا يُشبه تماما المفارقة التي تُسمى بـ (مفارقة كريت) حيث افترض الفلاسفة اليونانيون قدوم فيلسوف من
کورت جودل جزيرة كريت يزعم بأنَّ كلَّ فلاسفة الجزيرة يكذبون. فإن كان صادقًا في زعمه فهذا يعني أنَّ كلامه كذب؛ لأنَّه فيلسوف من الجزيرة ذاتها، وكلُّ فلاسفتها يكذبون، وهو واحد منهم، وإن كان كاذبًا في زعمه فهذا يعني أنَّ كلامه صدق؛ لأنَّه فيلسوف من الجزيرة ذاتها، وكلُّ فلاسفتها يكذبون، وهو واحد منهم ويوجد لهذه المفارقة أشقاء لا حصر لهم كمفارقة ابن كمونة فيمن دخل الدار فزعم بأنَّ كل ما سيقوله فيها كذب ... وكمفارقة الجذر الأصم التي لم يجد التفتازاني ومن كان قبله حلا لها، واعترفوا بأنَّ حلَّها أمر من دونه شيب الغراب ولبن الطَّير (3)! هذا؛ ومن طريف ما يُذكر في امتناع الدور قولُ أحدهم:
بيني وبين مَن أُحِبْ مسألة الدور جَرَتْ
لولا مشيبي ما جفا
لولا جفاه لم أَشب
1 - عالم رياضيات نمساوي (1906 - 1978 م) ورد اسمه في الاستطلاع الذي أجرته مجلَّةُ (التَّايم) ضمن أكثر الشخصيات تأثيرًا في 2 - ملحوظة: حل أمثال هذه المفارقات مطروح في فلسفة الحكمة المتعالية في باب الحمل الذاتي والحمل الشائع الصناعي).
القرن العشرين (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
463 (1/463)
صفحة 464
مناجزة الإلحاد
(1) - دلالة الحدوث
- (1)
لكي يكون الحديثُ في (دلالة الحدوث سمح المقادة، وسهل المعطف، وقريبًا إلى الذهن؛ فإنَّنا سنتناوله تحت تفريعات نظنُّ بأنَّها ستغطي أهم التفصيلات التي تندرج تحت طائلته، كمعنى الحدوث، والبرهنة عليه، والاستدلال به والاعتراضات الموجهة إليه مع نقدها
وتفنيدها، وذلك على النحو الآتي:
معنى الحدوث
الحدوثُ هو: وجود الشَّيء بعد أن لم يكن له وجود. فكلُّ ما كان مسبوقا بعدم فهو حادث،
وهذا هو المراد من الحُدوث ويُقابله القِدَم، وهو على معنيين عند المتكلمين: فقد يكون للشَّيء الذي لم يسبقه عدم، وقد يكون للشَّيء غير المسبوق بالغير).
النظر
فالحدوث إذن؛ هو بحث في إيجاد ما لم يكن موجودًا، أي ما كان مسبوقاً بعدم، بغض صفة الموجود وشكله ونوعه وطريقة عمله، وبهذا يظهر لنا أنَّ الحُدوثُ والقِدَم في الاستعمال العُرفي يختلفان عنهما في الاستعمال الفلسفي.
عن
البرهنة على الحدوث
الكون - بما فيه - حادث؛ لأنَّه مسبوق بعدم، وهذا ثابت بضرورة كلّ من العقل والحس والمشاهدة فأجزاء الكون، حادثة كالإنسان والحيوان والأشجار، والكواكب والنجوم، والمجرات، والذرات، ونحن نشاهد حدوثها صبح مساء، وكلُّها مقدرة بأعمار وأزمانٍ مهما طالت أو قصرت وكلُّ ما تركَّبَ من حوادث فهو حادثُ؛ لأنَّ الكون أو الأكوان بأسرها ما هي إلا مجموع أجزائها؛ إذ لا يُوجد في الخارج شيء يُقال له (كون) إلا بأجزائه التي صار بها كونًا، كالكواكب والنجوم والذرات والطاقات التي تتألف منها ليكون مجموعها هو هذه الأكوان. كما أنَّ الكون مركب من الأجزاء، وكلُّ ما كان مركبًا فهو حادث، وهو أيضًا متغير، وكل ما كان متغيرًا فهو حادث. يقول مفخرةُ العقلاء الفخرُ الرَّازي في تقرير البرهنة على الحدوث:
1 - يُنظر: الحلي، نهاية المرام في علم الكلام (1) (218) - (219)، ويُنظر كذلك: أبو بكر الكندي، الجوهر المقتصر، ص (39).
464 (1/464)
صفحة 465
المبحث التاسع: المستوى العقلي
الأجسام لا تخلو عن الحوادث، وكلُّ ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث؛ فالأجسام حادثة. بيان أنَّها لا تخلو عن الحوادث: أنَّها لا تخلو عن الأكوان، والأكوان حادثة، فالأجسام لا تخلو عن الأكوان. بيان أن الأكوان حادثة أنَّ كل كون فإنَّه يصحُ عليه العدم، وكل ما يصح عليه العدم امتنع عليه القدم. بيان أنَّ كلَّ كون يصحُ عليه العدم: أنَّ كلَّ متحيز اختصَّ بحيز فإِمَّا أن يكون اختصاصه بذلك الحيز واجبًا أو جائزا - وكلُّ ذلك حدوث - بيان أنَّ كل ما صح عليه العدم امتنع عليه القِدَم: لأنَّ القديم لا يخلو: أنْ يكون حقيقةً قابلةً للعدم أو لا يكون؛ فإن لم يكن: امتنع العدمُ عليها، وإن كانت قابلة للعدم وهي أيضًا موجودة: احتاجت في وجودها إلى مُرجح، وإلا لم يكن الوجود أولى بها من العدم، وذلك المرجح إن كان ممكنا: عادت الحاجة، ولا تنقطع إلا عند الانتهاء إلى شيء واجب ويحسبُ بعضُ الملاحدة أنَّ الاستدلال على حدوث الكون بحدوث أجزائه مغالطة منطقية تُعرف بـ (مغالطة التركيب / The Fallacy Of Composition) حيث لا يلزم أن تتصف أجزاء الشَّيء بصفة الشَّيء نفسه، فإذا كانت - مثلًا - ذراتُ الرّمل صغيرةً جدا، فإنَّ الجبل الرملي الذي يتألف منها ليس صغيرًا. وهذا الاعتراض لا يخلو من الاعتساف والشَّطط، وهو محلُّ نظر لا يثبت على الشبك؛ لأنَّ صاحبه لم يُفرق بين ما له صفةٌ واقعيَّةٌ وما له صفةٌ غير واقعية وإنما تُؤخذ بالمقايسة والمقارنة! فالحدوث صفةٌ واقعية (حقيقيَّة) لا تحتاج معرفتها إلى فرض ثالث (وسيط مقارن بينما الكبر والصغر صفةٌ غير واقعية (نسبيَّة) تحتاج إلى فرض ثالث وسيط مقارن).
(1) 66
إذن؛ الشواهد الصَّادقة والدَّلائل الناطقة على حدوث الكون تلتقطها الأذهانُ الصَّافية بكل سلاسة، وإذا ما أردنا استظهارها في بضعة سطور على عجالة فإنَّها ستحضرنا على النحو الآتي: - الكونُ مركَّب من أجزاء حادثة، وما تركب من أجزاء حادثة فهو حادث.
- الكون يتغير باستمرار، وكلُّ ما كان متغيرًا فهو حادث.
- الكون يتألف من وجوداتٍ عَرضيَّة، وكلُّ ما تألف من وجوداتٍ عَرَضيَّةٍ فهو حادث. - الكون قابل للعدم وكلُّ ما هو قابل للعدم فهو حادث.
- الكون ممكنُ الوجود ليس بواجب، وكلُّ ما كان ممكنا فهو حادث.
1 - الفخر الرازي، نهاية العقول في دراية الأصول، (223/ 1 - 226)، ”بتصرُّف“.
465 (1/465)
صفحة 466
مناجزة الإلحاد
- الكون ناقص، وكلُّ ما هو ناقص حادث.
الكون شهد التَّطوُّر، وكل ما يشهد التَّطور فهو حادث
- الكون له نقطة بداية حسب المعطيات العلمية المتنوعة.
ومما سبق ينكشف قناع الشَّك عن مُحيَّا، اليقين، فمحاولة البرهنة على حدوث الكون ليست سوي مصانعة ومماذقة لمن كان باع حُجَّته قصيرًا، أو لمن كان مكابرًا ومماحكا يلوي أعناق الحقائق، وإلا فإنَّ العِلمَ بالحُدوث عِلم ضروري تظافرت عليه معطيات الحس والمشاهدة والعِلم التَّجريبي، وفَرَضته آلياتُ التَّعقل الفِطْريَّة، فلا سبيل عليه لأخذ، ولا مطعن فيه لغامز، وإنَّك لست بِمُلْفٍ أحدًا يُكابر في مقتضيات ضرورات العقل إلا وتجده تائها في حنادس
السفسطة، مترددًا على معاطن الانتحار العقلي
برهان الحدوث والمعطى العلمي
إنَّ برهان الحُدوث برهان عقلي يتَّخذ من مُسلَّمات الحس والمشاهدة مقدمةً وتوطئةً له؛ ولهذا فهو برهان متعال عن أي حدث علمي طارئ، إذ إنَّ دلالته الضرورية تلزم أوّل بشري عاقل كلزومها تمامًا لآخر بشري عاقل، وكلزومها للجاهل والمتعلم، فهي دلالة يفهما العقلاء بكل وضوح وجلاء، ولا يختص بها الفلاسفة والعلماء، دلالة تخضع لها أذهان العقلاء على حد سواء، بغض النظر عن مستوياتهم العقليَّة والعلميَّة والفكرية، وما ذاك إلا لبداهتها واستبانتها، ورسوخ أساسها في العقل البشري طُرَّا.
وإنَّ ممَّا يُميز الحقائق التي تستند إلى البدهيات العقلية هو توسع نفوذها، وتضخم قوتها في كل مرةٍ يتقدَّمُ فيها العِلمُ ويكشر عن أنيابه، ومن أمثال ذلك ما أكده العلم الحديث من القول بحدوث الكون بعد أن كان الملاحدة يُلحون على أزليَّته ويُلاحون غيرهم فيها، حيث كان القولُ بأزلية الكون هو الركن الأبرز في الاعتقاد، الإلحادي قبل أن يتصادم هذا الرُّكنُ - رأسًا برأس - مع معطيات العلم الحديث.
فكمزيد تأكيد لمقدمات برهان الحدوث جاء الاعتراف بـ (حدوث الكون) مدويا من خلال تصويت المعطيات العلميَّة التَّجريبيَّة لصالحه؛ إذ رصَدَ العلماء تمدد الكون وتباعد مجراته، وقادهم هذا إلى الاعتقاد بأنَّ الكون كان في نقطةٍ متناهية في الصغر لا يتعدى حجمها رأس الدبوس وتُسمَّى بـ (المفردة)، وكانت هذه النقطة في (اللازمان واللامكان)، فأخذت في التوسع شيئًا فشيئًا، فأنتج هذا التَّمدُّدُ والتَّوسُّعُ الكونَ الذي نراه. وقد أخذت هذه الحالة اسما
466 (1/466)
صفحة 467
المبحث التاسع: المستوى العقلي
علميا معروفًا وهو الانفجار الأعظم (Big Bang) وهي نظريةً يتبناها جميع العلماء - تقريبًا - فهذا ستيفن هوكنج أشهر فيزيائيي العصر يعترف قائلًا: "الجميعُ اليوم - تقريبًا - يُقر بأنَّ الكونَ والزمن بدءا بالانفجار العظيم“
(1)
وهناك معطى علمي آخر يُنجد القول بالحدوث ويُسعفه، وهو قانون (حفظ الطاقة)، فهذا القانون ينص على أنَّ (الطاقة لا تفنى ولا تُستحدث من عدم)، ولم يُرصد مطلقًا أي خرق لهذا القانون إلا في لحظة واحدة فقط وهي لحظة حدوث الكون، فهو يتعلق بما بعد لحظة الحدوث لا بما قبلها، وهذا يدلُّ على أنَّ الطاقة تم استحداثها لا من شيء في لحظة حدوث الكون، ولا يُمكن للطاقة أن تُستحدث إلا من خارج الكون؛ لأنَّها لا تُستحدث من عدم) وهي بداخله كما ينص القانون!
ومن المعطيات العلمية كذلك مبرهنة ديفيد هلبرت التي سبق التطرق إليها، فلو افترضنا بأنَّ ماضي كوننا لا نهائي فنحن إذن اليوم في اللحظة رقم (1) بعد (اللانهاية) وهذا مستحيل! فأي سلسلة أو ترابط سببي أزلي لا نهائي لا بداية له لا يُمكن أنْ يُوجَد أو أن يُرصد في العالم الفيزيائي، بل إنَّ افتراضَ وجود هذه السلسلة ممتنع؛ لأنَّه يُؤدي إلى تناقض واضح، وهو وصف السلسلة نفسها بأنَّها نهائيَّةٌ وغير نهائية في الوقت نفسه، فإذا كان وجود (فندق هلبرت) في الواقع مستحيلًا، فوجود ماضٍ لا نهائي لهذا الكون مستحيل أيضًا، ومفارقة (فندق هلبرت) تكفي لبيان هذه الاستحالة، وتكفي لبيان استحالة وجود أي سلسلةٍ لا نهائيَّةٍ في العالم المادي، والكون ما هو إلا سلسلة من الأشياء يربطها رابط سببي أو شرطي، فسواء كانت هذه السلسلة هي أحداثُ الكون أو خواصه وشروطه وقوانينه فهي في النهاية سلسلة، ومبرهنة هلبرت قدَّمت الدليل على استحالة وجود هذا النوع من السَّلاسل، ومن ثم فإنَّ أي سلسلة فيزيائية موجودة - بما في ذلك الكون - يجب أن تكون حادثة غير أزلية.
القرآن الكريم وبرهان الحدوث
يسلك القرآن الكريم في براهينه مسلكًا تخلع عليه السلاسة حللها، وتَبْسُط له أعكانُ الطَّبع انثناءاتها، فدائما ما يأتي القرآن بأيسر البراهين هضما، وأسهلها موردًا، وأعذبها شريعة، وأبلغها حُجَّة، وأظهرها دلالة، وقد كان لبرهان الحدوث نصيب من كل هذا، فعلاماته وشواهده ومظاهره
1 - يُنظر: (http://press.princeton.edu/titles/9165.html) .
467 (1/467)
صفحة 468
مناجزة الإلحاد
مبثوثة في كتاب الله، يتناول المرء قطوفها الدانية، ويُطالع شموسها العالية ... وحتّى لا تطيل في
هذا فلندع بعض آيات الكتاب الكريم تنطق بنفسها:
يقول
الله تعالى: اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (الروم: 11). ويقول: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرُ} (العنكبوت: 19). ويقول: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ (36) الطور: (35) - (36). ويقول: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ، إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (العنكبوت: 20). ويقول: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (البقرة: (29). ويقول: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (الأنعام: 95 - 101).
ج
ج
الاستدلال بالحدوث يقتضي القانون العقلي المتمثل في قانونَيْ (السَّببيَّة) و (عدم اجتماع النقيضين) البرهنة بالحدوث على وجود الخالق، فقانون السَّببيَّة يُوجِبُ وجود سبب للحادث أدى إلى حدوثه، فلا شيء يحدث من غير سبب، ويُوجِبُ أيضًا انقطاع سلسلة تلك الأسباب في الماضي. وقانون عدم اجتماع النقيضين يُوجِبُ استحالة أن يكون الحادثُ قديمًا في الوقت ذاته، فالشّيء إما أن يكون حادثًا وإما أن يكون قديمًا، وقد علمنا بأنَّ الكون حادث، فلا بُدَّ إذن من وجود مُحدِثٍ أحدثه؛ إذ الشَّيء لا يُحدِثُ نفسه بنفسه من العدم، وإلا للزم من ذلك أن يسبق وجوده حدوثه، وهذا اجتماع للنَّقيضين، فيُصبح الحادثُ قديمًا في الوقت الذي فُرِضَ فيه حدوثه، وكل ذلك محال!
البرهنة بالحدوث (1)
برهان الحدوث يرتكز على مقدمتين:
المقدمة الأولى: الأكوان حادثة). المقدمة الثانية: لكل حادثةٍ مُحدِثُ.
ونتيجة برهان الحدوث بمقدمتيه هاتَيْن: إثبات وجود المُحدث لجميع الأكوان
1 - نستخدم مصطلح (الأكوان) للتأكيد بأنَّه لا فرق بين الكون الواحد والأكوان المتعددة في الدَّلالة العقلية على الحدوث، وإن كان هنالك فرق بينهما في الدلالة التَّجريبية بطبيعة الحال، وهذا لا يُؤثر في الدَّلالات العقلية؛ لأنَّها دلالات موضوعية مستقلة.
468 (1/468)
صفحة 469
المبحث التاسع: المستوى العقلي
البرهنة بالحدوث (2)
ومن منظور آخر يُمكن أن يُصاغ برهان الحدوث بثلاث مقدمات:
المقدمة الأولى: الكون لا يخلو من الحوادث. المقدمةُ الثَّانية: كلُّ ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.
المقدمة الثالثة: كل حادث يحتاجُ إلى مُحدِث.
ونتيجة البرهان بهذه المقدمات الثَّلاث هي: إثبات وجود المحدث الذي أحدَثَ الكون.
البرهنة بالحدوث (3)
عن طريق القياس الشرطي المنفصل يُقال: إنَّ الكون حادث، وهناك ثلاثة احتمالات لا رابع لها لتفسير هذا الحدوث:
الاحتمال الأول: خاصية المادة وتفاعلاتها.
الاحتمال الثاني: الصدفة.
الاحتمال الثالث: الإله.
فإذا تم تقويض الاحتمالين الأول والثاني - وهذا ما سيحدث لاحقًا - فلن يبقى إلا
الاحتمال الثالث.
نتيجة برهان الحدوث
في برهان الحدوث - وبجميع مقدماته - نجد بأنَّ النتيجة العقلية النهائية هي الإقرار بوجود الخالق والمحدث؛ لأنَّها النتيجة الضرورية الوحيدة، وتتجلى مصداقية ضروريتها في أمرين اثنين: الأوّل: أنَّ حُدوث الأكوان وما فيها مردود إلى شيئَيْن اثْنَيْن لا ثالث لهما: الشَّيء غير المادي وغير المحدود وهو (الله)، أو الشَّيء المادي المحدود. وبمقارنة عقليَّةٍ بدهيَّةٍ يتّضح أنَّ المادة نفسها حادثة، والحادثُ مفتقر إلى من يُحدثه فلم يبقَ إلا أن يكون الحُدوثُ مردودًا إلى الشَّيء غير المادي وغير المحدود وهو (الله) المتصف بالأزلية المطلقة.
الثاني: أنَّ حُدوث الأكوان وما فيها يحتاج إلى علم كلي وقوّة مطلقة وإرادة ناجزة لا تحدُّها الحدود ولا تكبلها القيود أخرجتها من العدم، وهذه القوَّةُ المريدة غير المحدودة إمَّا أن تكون المادة، وهذا غير ممكن؛ لأنَّ المادَّة غير مُريدة، وهي في الآن نفسه محدودة ومتناهية، وقد تم حساب عدد ذراتها في الوجود، كما تم تحديد. أعمارها. وإما أن تكون هي الله، وهذا هو المردُّ النهائي الأوحد؛ لأنَّه غير محدودٍ وغير متناه وله الكمال المطلق.
هي
469 (1/469)
صفحة 470
مناجزة الإلحاد
المادة
الملحد
السبب الأول
الله
المؤمن
الاعتراضات على برهان الحدوث
وضوح برهان الحدوث واستبانته لا يمنعان من التَّعسف في الاعتراض عليه، والانخراط في
لعب دور مسيء الفهم في مسلسل الاعتراضات المعهودة، ولو تعامل الماديون مع هذا البرهان كما يتعاملون مع سائر الأدلَّةِ والنَّظريات العلمية - من باب التَّنزل - والتي يغلب عليها طابع الاستقراء والأخذ بالظَّن الرَّاجح - إذ لا يقين في العلوم التجريبية لاحتمال تغيرها في أي لحظة وتحت أي طارئ - لأغناهم ذلك عن المماطلة والمماحكة واعتساف أودية التعليل العليلة، ولكنها سطوة إرادة الإلحاد، والتي لانت لها قناة الملاحدة، فتقمصوها قلبًا وقالبا، وتمعكوا مليًّا في ردغة أوحالها، إلى أن ألفت جنوبهم مضاجعها.
ونزولا إلى ساحة المعترضين والنظر في الاعتراضات التي قدموها حول برهان الحدوث ودلالته على وجود الله تعالى، وجدنا أنَّها لا تخلو من ثلاثة أمور: الأول: اعتراضات سفسطائية باسم العلم التجريبي:
رد نظرية الانفجار العظيم.
اقتراح فرضية الكون المتذبذب.
اقتراح فرضيَّة التَّضحم الأزلي للكون.
حدوث الكون بسبب القوانين.
الثاني: اعتراضات سفسطائية باسم العقل والمنطق:
عدم انسجام نتيجة البرهان مع مقدماته.
ارتكاب مغالطة (التَّوسُّل بالجهل في البرهنة.
المادة التي نشأ منها الكون قديمة وإن كان الكون حادثًا. اليقين العقلي لا يعني التحقق الواقعي.
الثالث: اعتراضات سفسطائية محضة:
حدوث الكون صدفة.
470 (1/470)
صفحة 471
المبحث التاسع: المستوى العقلي
حدوث الكون من لا شيء. خلق الكون غير مشهود.
وسوف نسعى - بعون الله تعالى - قدر طوقنا إلى الإجابة عن كل هذه الاعتراضات التي سرناها، تنضي إليها ركائب الطلب، ونستقصي فيها الذرائع؛ بحيث إِنَّنا سنفرد تفريعا مستقلًا للإجابة عن كل فرد من أفرادها واحدًا تلو الآخر.
أولا: الاعتراضات السفسطائية باسم العلم التجريبي
(1) - رد نظرية الانفجار العظيم
فكرة وجود نقطة بداية للكون من الناحية الفلسفية مزعجة جدا للملاحدة الذين كانوا يتبنون أزليَّته، ويُنافحون بكل شراسة عن معتقدهم هذا، ولا شك أنَّ هذه الفكرة إن تمَّ تدعيمها من الناحية العلمية الإمبريقية (التَّجريبية) فإنَّ ذلك سيُشكل أكثر من مجرد إزعاج للملاحدة! إنَّها كارثةً بالنسبة إليهم بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ففكرة (أزليَّة الكون) - التي روبرت جاسترو لطالما دافعوا عنها - أصبحت كعارض من الآمال أخلف ودقه، وكسراب
بقيعة حسبوه - ردحًا من الدهر - حقيقة ناجزة حتى إذا جاؤوه لم يجدوه شيئًا!! ومن قرأ يومًا في تاريخ نظرية الانفجار العظيم - التي احتست كأس انتصار فكرة وجود بداية محدّدةٍ زمنيًّا للكون - يُدرِكُ بشكل سافر حجم السُّخط الذي أثارته هذه النظرية في نفوس الملاحدة، وما أجمل ذاك التعبير الذي صاغه روبرت جاسترو (1) Robert Jastrow) مصورًا الموقف الختامي الذي آلت إليه نظرية الانفجار العظيم بقوله: "تُختم القصَّةُ بالنسبة إلى العالم كجاثوم، لقد قطع جبال الجهل، وبينما هو في طريقه إلى القمة إذ به يُصادف مجموعةً من اللاهوتيين يبادرونه بالتهنئة والترحاب، فقد سبقوه - منذ قرون - إلى القِمَّة (2) إِنَّ نظرية الانفجار العظيم ليست عن الانفجار نفسه بل عما حدث بعده مباشرةً ويعود كلُّ ما نعرفه عن اللحظات الأولى التي أعقبت الانفجار الكوني إلى ما يُدعى بـ (نظريَّة التَّضخُم) والتي طرحها لأوّل مرَّةٍ عالِمُ
1 - فيزيائي وفلكي أمريكي (1925) - (2008 م)، كان أحد أبرز رواد الفضاء لدى وكالة ناسا من أهم كتبه: (العمالقة الحمر والأقزام البيضاء)، و (علم الفلك: مبادئه وحدوده)، و (الله وعلماء الفلك).
2 - Robert Jastrow, God and The Astronomers, P.156.
471 (1/471)
صفحة 472
مناجزة الإلحاد
آلن جوث
انضمت
الفيزياء آلن جوث Alan Guht) عام (1979 م). وتقول هذه النظرية: إنَّ الكون قبل (13?7) مليار سنة خضع لتوسع درامي مفاجئ، بعد أن كان مضغوطاً في مفردةٍ بحجم رأس الدبوس، إذ تضخم بمعدل (10 - 34) في كل ثانية، وأنَّه في جزء من عشرة ملايين ترليون ترليون ترليون جزء من الثانية ظهرت الجاذبية، وبعد فاصل موجز وغريب ومدهش إليها الكهرومغناطيسية، والطاقة الذرية الضعيفة والقوية، ثم انضمت إلى هذه بعد لحظة حشود من الجسيمات البسيطة، ثم ظهرت من العدم حشود أخرى من الفوتونات والإلكترونات والنترونات فتشكل كونُنا الذي يبلغ عرضه (100) مليون سنة ضوئية على الأقل (3). ومع تمدُّدِ الكون وبرودته وانفصال الجاذبية عن القوى الأخرى، انطلقت طاقة مهولة استدعت زيادة حجم الكون بمقدار (5010) أضعاف، هذا التمدد المتسارع عُرف باسم (التَّضخُم Inflation) وبات الكونُ حُرَّا بما يكفي لكي تُحوّل الفوتونات طاقتها إلى أزواج من جسيمات المادة والمادة المضادة، والتي أفنى بعضها بعضا مباشرةً؛ لتعيد الطاقة مجددًا إلى الفوتونات، ولأسباب مجهولة انكسر التناظر بين المادة والمادة المضادة، أنَّ عدم التناظر ومع كان طفيفا فإنَّه قد أدى إلى تطور حاسم في الكون، ومع استمرار الكون في البرودة اكتملت القوى الرئيسة الأربع للطبيعة، وهي الكهرومغناطيسية والنووية الضعيفة إضافةً إلى القوتين
1 - عالم الكونيات والفيزياء النظرية الأمريكي، من مواليد (1947 م)، وهو أستاذ الفيزياء في معهد (ماساتشوستس) التكنولوجي، حاصل على الماجستير في العلوم، والدكتوراة في الفلسفة، وسبق تكريمه بوسام (إسحاق نيوتن) في عام (2009 م). 2 - يُنظر: بيل برايسون، موجز تاريخ كل شيء تقريبا، ص (33). ويُذكر أنَّ الكاهن والفلكي البلجيكي جورج لوميتر هو أوَّلُ من وضع فرضيَّةً حديثة لخلق الكون أدَّت إلى الكشف عن فكرة الانفجار العظيم، فقد اقترح في عام (1927 م) نظرية للكون المتوسع باسم (يوم بلا أمس)، كما اقترح أنَّ الكون كان مضغوطاً في نيترون عملاق أطلق عليه اسم الذرة البدائية. (يُنظر: غوردون فريزر وآخرون، البحث عن اللانهاية، ص 99). ويُسجّل العالِمُ الكبير بول ديفيز ما عاصره من تطورات في عالم الكونيات قائلا: "حين كنتُ أدرس بالجامعة في لندن في الستينيات كان الساخرون يتهكمون بقولهم: إنَّ علم الكونيات ليس إلا تخمينا في تخمين. إلا أنَّه منذ ذلك الوقت غير التطور الكبير في تصميم التلسكوبات ومعالجة البيانات واستخدام الأقمار الصناعية من وجه علم الكونيات تغييرًا كليًّا، بلغت هذه الفترة من التطور السريع ذروتها في الحادي عشر من فبراير/ شباط عام (2003 م). حملت صُحف العالم صورةً بيضاويةً عجيبة الشكل تشبه إحدى لوحات الرسام التجريدي جاكسون بولاك، قدمت لنا هذه الصورة التي لا تثير الإبهار نافذة على الكون لم يسبق لها مثيل، وأدخلت علم الكونيات - دراسة أصل الكون وتطوره ومصيره من المنظور الأعظم للزمان والمكان - إلى القرن الحادي والعشرين. أخيرا نضج هذا المبحث حتَّى صار علمًا كميًّا لائقًا. لخصت هذه الصورة النتائج المبدئية الآتية من القمر الصناعي المسمى بمسبار (ويلكنسون) لقياس اختلاف الموجات الميكرونية والمعروف اختصارًا بالأحرف (WMAP) وظيفة هذا المسبار هي رسم خريطة للسَّماء، لا باستخدام الضوء بل الحرارة؛ أي أنَّه ينتج خريطةً حراريةً للكون مفصلة“. (بول ديفيز الجائزة الكونية الكبرى، ص 33 - 34).
472 (1/472)
صفحة 473
المبحث التاسع: المستوى العقلي
للمادة
السابقتين وهما الجاذبية والنووية القوية، لم يعد ساعتها أي وجود المضادة، ولو لم يكن عدم التناظر قد حدث في المرحلة السابقة لتألف الكونُ المتمدد من الضوء وحده فقط، ولما وُجِدَ أيُّ شيءٍ آخر معه! وفي
غضون ثلاث دقائق - تقريبًا - تحوّلت المادَّةُ إلى بروتونات ونيترونات
واتَّحد العديد منها لتكوين أنوية أبسط الذرات، واستمر الكونُ في خلال آرثر إدنغتون المليار سنة الأولى من عمره في التَّمددِ والبرودة، مع تركز المادة بفعل الجاذبية في تجمعات ضخمةٍ سُميت لاحقًا بـ (المجرات)، وكل واحدة منها احتوت على مئات المليارات من النُّجوم).
من المشهود عليه تاريخيًا ذلك الموقفُ المعيب والمستهجن من نظرية الانفجار العظيم، والذي وقفه علماء بارزون لهم مكانتهم التي تُطأطأ
جون مادوكس لأجلها المفارق من أمثال: آرثر إدنغتون (Eddington))، والسير جون مادوكس (John Maddox)، والفلكي فريد هويل (Fred Hoyle)(4). حيث تلكؤوا في قبول وجود بداية للكون، وأخذوا يشرقُون ويُغربون لتبرير موقفهم الأيديولوجي الرافض للفكرة، فعالِمُ الفلك السير آرثر إدنغتون نص على أنَّ فكرة وجود بداية للكون غير مستساغة مطلقا، وأنَّه يُفضّل أن يجد مهربًا منها. والسير جون مادوكس يصف فكرة وجود بداية للكون بأنها غير فريد هويل مقبولة بتاتا، وأنَّها تُعطي تبريرًا قويا للخلقويين. وعالم الفلك فريد هويل رفض قبول النَّظريَّة؛ لأنَّها تتصادم مع المعتقد الإلحادي الذي يتبنى القول بأزلية الكون كعقيدة لا يُمكن التنازل عنها، فاقترح - تدعيمًا لموقفه - فرضيَّةً مُناوئةً لنظرية الانفجار العظيم، وهي فرضيَّةُ الكون المستقر (Steady state Theory)، وهذه الفرضية لا تعترف بوجود بداية مطلقة
1 - يُنظر: نيل ديغراس تايسون وجولد سميت البدايات، ص (18 - 19). 2 - عالم الرياضيات والفيزياء والفلك الإنجليزي (1882) - (1944 م) وعضو الجمعية الملكية البريطانية، من أهم أعماله: (بناء الكون)، و (البناء الداخلي للكواكب)، و (فيزياء العالم الطبيعي).
- عالم فيزيائي وكيميائي وكاتب صحفي إنجليزي (1925) - (2009 م) وعضو الجمعية الملكيَّة البريطانية، والأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم.
4 - عالم إنجليزي في الرياضيات والكونيات (1915 - 2001 م)، يُحسب له في أواخر سني حياته أنَّه عارض بشدَّةٍ فرضيَّة النشوء التلقائي للحياة على الأرض. من أهم أعماله: (الانفجار الكبير في علم الفلك)، و (أصل الحياة في الكون)، و (عشرة وجوه للكون).
473 (1/473)
صفحة 474
مناجزة الإلحاد
القمامة“. ومن
للكون. وقد ظل فريد هويل متشبئًا بها إلى يوم وفاته! والمثير للجدل أنَّ من بين الاوصاف التي اختارتها المجلة العلميَّةُ الشَّهيرةُ (نيتشر (Nature) لتُطرز بها شخصية فريد هويل؛ قولها عنه: إنَّه "متورط في الجدل معظم حياته. وأنه قد: "ذيل اسمه على كثير من الغرابة بمكان أنَّ فريد هول ذاته - وفي لحظة من المزاح الشطحي والدعابة العابرة في عام (1952 م) - هو من سكَ مصطلح (الانفجار الكوني في حواره مع إذاعة (بي بي سي)، وهذه مفارقة من المفارقات الطريفة، فأعتى رافضي النظرية هو من قدَّمَ الاسم العلمي لها)! نعم؛ ما زالت هناك قلة باقية من الملاحدة تأخذ بفرضيَّة (الكون المستقر)، لكنَّ بصرنا ينبو عنهم، فالفرضية ساقطة علميًّا، وهؤلاء تتم محاججتهم علميًّا قبل أن يُحاججوا فلسفيًّا، فللكون بداية من المنظور العلمي حسَبَ نظريَّة الانفجار العظيم، وقد ذكر بعضُ العلماء ما يقرب من (30) دليلًا علميًّا على صحتها؛ لعل أهمها:
- دليل التمدد الكوني (Expansion Of The Universe)
- القانون الثاني للطاقة الحرارية (Second Principe De la Thermodynamique)
- إشعاع الخلفية الكونية (Cosmic Microwave Background Radiation)
بالإضافة إلى الأدلة العلمية الأخرى من قبيل تموجات الحرارة، وأعمار الأجرام والمجرات تتقلب بين أحناء الحقائق العلمية، وليس من سبيل إلى
وكثافة الطاقة، وغيرها من الأدلة التي تتقلب
إنكارها؛ لتَآزرها وتعاضدها (3).
يقول ستيفن هوكنج: "ليس مفاجئًا أن يكون كثير من العلماء غير مبتهجين لهذا الاستنتاج المنطوي على وجوب وجود متفرّدٍ لانفجار أعظم، وبالتالي على وجود بداية للزمن، وكانت إحدى المحاولات المضادة ما يُسمَّى بـ (نظرية الحالة المستقرة) ... تطلب نموذج الكون الساكن إدخال تعديل على نظرية النسبية العامة ... فكرة أخرى لتجنب متفرد الانفجار الأعظم تم
1 - يُذكر أنَّ عالم الكونيات الكبير دنيس شياما - أستاذ ستيفن هوكنج - كان من الداعمين لفرضيَّة (الكون المستقر)، لكنه تراجع عنها بل وأمر بالتخلص منها، ووصفها بأنَّها مجرد لعبة انتهى وقتها. 2 - يُنظر: بيل برايسون، موجز تاريخ كل شيء تقريبا، ص (60 - 61). وقد وجدنا أنَّ فريد سباير أرّخ اللقاء الإذاعي مع هويل في عام (1948 م). (ينظر: فريد سباير، التاريخ الكبير ومستقبل البشرية، ص 69). 3 - الغموض الغيبي كان من بين الأسباب التي دعت إلى رفض نظرية الانفجار العظيم، إضافةً إلى سرعته التي تفوق سرعة الضوء، وعدم وجود الزَّمان والمكان قبله (يُنظر: مصطفى طلاس، مباهج الفيزياء الكونية، 2/ 365).
474 (1/474)
صفحة 475
المبحث التاسع: المستوى العقلي
اقتراحها من قبل العالمين الروسيين إفغني ليفشتس وإسحق خالانتنيكوف في عام (1963 م) فقد قالا: إنَّ حالة الكثافة اللانهائيَّة يمكن أن تحصل فقط إذا كانت المجرات متحركةً متقاربةً أو متباعدةً مباشرةً بعضها إزاء، بعض عندئذٍ فقط يُمكن لها جميعًا أن تكون قد تلاقت معا في نقطة واحدة في الماضي ... إذا كانت نظرية النسبية العامة صحيحةً فإنَّ أي نموذج معقول للكون يجب أن يبدأ بمتفرد، وهذا يعني أنَّ العلم يستطيع التنبؤ بأنه يجب أن تكون للكون
(2)
بداية إلا أنَّه لا يستطيع التنبؤ بكيفية هذه البداية؛ لذلك قد يكون على المرء أن يلجأ إلى الله» (). ويقول عالما الفيزياء الفلكية نيل ديغراس تايسون وجولد سميت: "نعم للكون بداية الكون مستمر في التَّطور، ونعم يُمكن تتبع كل ذرَّةٍ في أجسامنا رجوعا إلى لحظة الانفجار العظيم والأتون النووي الحراري الذي اعتمل في قلوب النُّجوم عالية الكثافة (5).
يروقنا ذلك النموذج المتمثل في عالم الفلك ألان سانداج - الملقب بأبي علم الفلك المعاصر - فقد أصرَّ في بادئ الأمر على أنَّ نشوء الكون عبر الانفجار العظيم لا يُمكن أن يكون أمرًا صحيحًا، لكنه تراجع عن ذلك في نهاية المطاف أمام سيل الدلائل العلمية العارم، وقرر أن يعود إلى الإيمان بالله تعالى وكأنه قد استوبل عاقبة أمره، واستوخم غِب سعيه! ومثله ذلك النموذج المتمثل في الفيلسوف الإنجليزي الكبير السير أنتوني فلو الذي اقتادته نظرية الانفجار العظيم إلى ربوة الإيمان بالله تعالى بعد أن لبث في وهدة الإلحاد سنينَ عَدَدًا!
ولكن ماذا لو أثبتَ العِلمُ لاحقًا فشل نظرية الانفجار العظيم؟!
هذا الاستفهام يُقصد منه وجود احتمال أو منفذ لإلغاء ما تم تقريره سلفًا من وجود بداية للكون، فمربط الإشكال ليس في نظرية الانفجار العظيم نفسها، بل في جزء حساس من تقريراتها ودلائلها العلميَّة، وهو وجود نقطة بداية للكون ويُمكن أن نُباغت هذا الإشكال بعدة نقاط:
- إنَّ الإقرار بوجود بداية للكون لم يكن مبنيا على المعطيات العلمية فحسب، بل هو إقرار يستند إلى الضرورات العقلية، البدهيَّة، فكل أجزاء الكون - بما في ذلك الإنسان نفسه.
تنطق بحدوثها وتشهد عليه. والضَّرورات العقلية لا تخضع للعِلم التَّجريبي؛ لأنَّها أساسه، والعلم
التجريبي وشيظ وتابع لها.
4 - ستيفن هوكنج الثقوب السوداء والأكوان الطفلة، ص (78 - 79).
ه - نيل ديغراس تايسون وجولد سميت البدايات، ص 20.
-
475 (1/475)
صفحة 476
مناجزة الإلحاد
- إنَّ الاعتراض على ما تقرره نظرية الانفجار العظيم من وجود بداية للكون ليس له حظ
سوى الاحتمال العددي فقط، وهناك فرق بين الاحتمال والواقع الإمكان) والتَّحقق). - إنَّ الاعتقاد بوجود بداية للكون اعتقاد مدعم بمعطياتٍ علميَّة سديدة، فليست نظرية الانفجار العظيم وحدها من تُقررُ وجود تلك البداية، بل هناك معطيات علميَّة كثيرة أثيثة منها القانون الثاني للطاقة الحرارية الذي ينص على أنَّ الكونَ يتَّجه قدما نحو فقد حرارته، فيتحوّل من الحرارة إلى البرودة، ومن النظم إلى الفوضى، وفي هذا دليل واضح على وجود بداية للكون، وإلا لعمت الفوضى الكونَ منذ زمن طويل كما يُمكن الاستناد كذلك إلى (نظرية التطور)، فلو كان الكونُ أزليا ولم تكن له بدايةً زمنيَّةٌ لكانت جميع النظم البيولوجية الموجودة فيه قد وصلت فعلا إلى مرحلة التَّطور القصوى منذ زمن سحيق، فلا نرى فيها مظاهر النقص والخلل وانعدام الصلاحية، بحكم أزليَّة الانتخاب الطبيعي الذي يستبقي على الأصلح فقط.
- إِنَّ ظُلمة الليل تُعدُّ شاهدًا صامتًا على أنَّ للكون بداية ترجع إلى مليارات السنين، وفي هذا ما يُقدم حلًا لما يُعرف بـ (مفارقة أولبر/ Olber Paradox) فإذا كان الكونُ أزليا وواسعا بشكل غير متناه فسيلزم من ذلك أنْ يقطع كلُّ خط نظر نحو السَّماء سطحًا نجميًّا نائيًا، وأن تكون السَّماء بأكملها ساطعةً سطوع سطح شمسنا، لكنَّ الواقع المرصود على خلاف ذلك! فثمة إذن طريقةً واحدةً فقط لتفسير ظُلمة الليل، وهي: البداية الزمنية للكون.
- إنَّ نسبية أينشتاين لا تتوافق مع الكون في حال ما إذا كان أزليا لا بداية له. يقول ستيفن هوكنج: "إذا كانت نظرية النسبية العامة صحيحةً فإنَّ أي نموذج معقول للكون يجب أن يبدأ بمتفرد (2) فالقول بأزلية الكون يتنافى مع النسبية العامة ومبادئها. وقصة أينشتاين مع الثابت الكوني أشهر من أن تُذكر، فقد تخلى عنه عقب إعلان اكتشاف تمدد الكون بعد أن كان
مستمسكًا بثابته ذاك أشدَّ الاستمساك، وكأنَّ عُقبى صنيعه تكشفت له عن رأي فطير! - إنَّ كلَّ البدائل المطروحة التي تنفي وجود نقطة بداية للكون تتصادم مع الحقائق والمعطيات العلمية، ولا تستطيع تفسير نشوء الكون - وفق منظورها المطروح - دون أن تنقدح شرارة هذا الصدام، فهي بعجزها الظاهر والواضح بدائل مترعة بالفشل والإخفاق.
والخلاصة: إنَّ ردَّ نظرية الانفجار الأعظم موقف أيديولوجي دوغماتي مصادم للموقف
1 - يُنظر: مصطفى طلاس، مباهج الفيزياء الكونية، (2/ 366 - 367). 2 - ستيفن هوكنج الثقوب السوداء والأكوان الطفلة، ص 79.
476 (1/476)
صفحة 477
المبحث التاسع: المستوى العقلي
العلمي المُعلن، وإنَّ الإقرار بوجود نقطة بداية للكون هو إقرار عقلي فلسفي، لا ينتظر تزكيةً من العلم التجريبي، ولا يأمل منه عونًا أو شفقة، فقد كان - وما زال - موقفًا عقليا راسخًا منذ قرون متطاولةٍ قبل أن تفقس بيضة العصر الحديث ويخرج منها برعم العلم التجريبي متوشحًا الدلائل والحقائق العلمية السالفة!
:
(2) - اقتراح فرضية الكون المتذبذب
القديم
لكي يهرب الملاحدة من قبضة الإقرار بوجود نقطة بداية للكون، ولكي يعودوا إلى مسلكهم المعبد بأسفلت أزليَّة الكون، طرحوا فرضيَّة الكون المتذبذب (Oscillating Universe) وملخص هذه الفرضيَّة يتمثل في الاعتقاد بأنَّ الكونَ أزلي لا بداية له، فهو متردد باستمرار بين التَّوسُّعِ تارةً والانكماش تارةً أخرى منذ أزل الآزال وأبد الآباد.
Modified Cyclic Universe
During each successive cycle, the universe expands to a bigger volume.
Volume (of the
| universe)
Universes
Tio
Big Bang (The universe and time
begin with a bang.)
Big Bang
Big Bang
Time
Crunch
Big
Big Bang
? The future
من الواضح بأنَّ هذه الفرضية ليست من العِلم في شيء، فهي مجرد موقف أيديولوجي للتهرب من مقررات نظرية الانفجار العظيم، وقد أحسن القول عالم الفيزياء الشهير جون جريبن معلنا عما يدور في كواليس فرضيَّة الكون المتذبذب؛ إذ يقول: "المعضلة الكبرى في نشأة الكون هي معضلة فلسفية أو لاهوتية، فهذه المعضلة تواجه سؤال ما قبل الانفجار العظيم بفرضيَّة الكون المستقر، ولكن بعد سقوط فرضيَّة الكون المستقر كانت المراوغة الأكبر للتخلص من المعضلة هي تقديم فرضية الكون المتذبذب، بحيث يتوسع الكون ثم ينكمش؛ ليعود مجددًا إلى التوسع والانكماش إلى ما لا نهاية).
وفي طريقها نحو الاستحقاق وأخذ الاعتبار العِلمي تعترض فرضية الكون المتذبذب عراقيل وعقابيل جمة لن تسمح لها باجتياز الطريق نحو غايتها المنشودة، وتتمثل هذه العراقيل في
الأمور الآتية:
1 - The Kalam Cosmological Argument, p. 122 William Craic and James D. Sinclair
477 (1/477)
صفحة 478
مناجزة الإلحاد
- هناك استحالة علمية تمنع تحقق ظاهرة (الكون المتذبذب)، وبالإمكان الرجوع إلى المصادر العلمية المحكمة والنشرات المختصة التي تؤكد هذا).
- انكفافُ كثير من العلماء عن الأخذ بهذه الفرضية، بل ومماقتتهم المستمرة لها، وإدراجهم إياها في قائمة المهملات (2).
- عدم وجود أي دليل علمي يُشير إلى حالة (التذبذب الكوني) بين التوسع والانكماش والمستمرة منذ الأزل الشحيق.
- وجود صدام كبيرٍ وتَجالع مريرٍ في صميم هذه الفرضيَّة يمنعان من خَلْقِ أرضيَّةِ للتَّوافق بينها وبين القانون الثاني للطاقة الحراريَّة؛ إذ إنَّ الكون الأزلي - بناءً على ما تقوله الفرضية - يجب أن يكون قد وصل إلى التَّوازن الحراري (الموت الحراري منذ أمد مديد، وهذا ما لم يحصل بعد بطبيعة الحال.
- نسبة كثافة الكون والتي يقول العلماء بأنَّها لا تسمح بحدوث انكماش كوني واحد، فكيف بانكماشاتٍ كونيَّةٍ عديدةٍ مستمرة ومتواصلة منذ الأزل
وجود ما يُسمَّى بالقوَّة النَّابذة Centrifugal Force) ، ووجود ما يُسمى بالطاقة المظلمة (Dark Energy) وهو ما يجعل الكون يستمر في التَّمدُّدِ بقِيَمٍ ثابتةٍ لا تتنبأ بانكماشه أبدًا. - الحسابات الرياضية التي تنص على أنَّ عدد المرات التي يُمكن للكون أن يتذبذب فيها لا تتجاوز الـ (100) مرَّة، هذا على افتراض أنَّ التَّذبذب حاصل بالفعل، ومحصلة هذه الحسابات الرياضية هى أنَّ للكون بداية مهما تقادم عهدها.
تسعفه
ببلوغ
- على افتراض تذبذب الكون فإنَّ الطَّاقة الحركية (Kinetic Energy) لن المستوى الحالي في حالاته القادمة؛ أي إنَّها تظلُّ في تناقص مستمر. - الكونُ المتذبذب فرضيَّةٌ غير مكتملة، فهي لا تستطيع تفسير بعض الظواهر الكونية تفسيرًا علميا وبآليات فيزيائية ورياضية معتبرة.
- يرى بعضُ العلماء - من القائلين بالكون المتذبذب - بأنَّ التَّذبذب مستمر من جهة المستقبل لكنَّه منقطع - أي متناه - من جهة الماضي، وهذا إقرار منهم بأنَّ للكون بداية.
1 - يُنظر: (http://media.isnet.org/kmi/off/Xtian/Triunity/crunch.html) .
2 - يُنظر: (https://ar.scribd.com/document/90139627/Scientists-Abandon-the-Oscillating-Universe-Theory) .
478 (1/478)
صفحة 479
المبحث التاسع: المستوى العقلي
ولكن ماذا لو أثبتَ العِلمُ فرضيَّةَ الكون المتذبذب؟!
إنَّ فرضيَّةَ الكون المتذبذب لو ثبتت علميًّا فإنَّ قصارى ما تُدلل عليه هو قِدَمُ الكون وعدم تناهيه في الماضي)، وهذا التدليل لا تلازم بينه وبين احتياجه إلى خالق من عدمه، فالحدوث لا يتعلق بالزمان بل بالاحتياج إلى المحدث، وقد ذهب جمع من الفلاسفة المؤمنين إلى القول بقدم العالم كما هو مشهور عنهم، ولابن تيمية وابن القيم مذهب معروف بالـ (حوادث التي لا أوَّلَ لها) أو (القِدَم بالنَّوع)، ومن المشهور عن المعلم الأوّل أرسطو أنَّه كان ممن لا يرون للكون خالقا بخلاف أستاذه أفلاطون - وهناك من ينفي ذلك عنه - لكنه يرى أنَّ له مُحركًا وهو وأقام على ذلك برهان (الحركة) الشَّهير، والذي طوره - لاحقًا - فلاسفة المسلمين، ومن قرأ يوما قصَّة (حي بن يقظان) وكيف أنَّه تشكك في حدوث العالم وقدمه، لكنَّه لم يتشكك قط في وجود الله؛ يُدرِك عدم الترابط والتَّلازم المنطقي بين القول بقدم العالم - زمانًا لا ذاتا - والقول بعدم وجود الله، وبهذا يتضح أنَّ التَّلازم المنطقي بين قِدَم العالم وعدم احتياجه إلى مُحدِثٍ هو
تلازم ليس بلازم كما يتصور الماديون.
الله،
والخلاصة: إِنَّ فرضيَّة الكون المتذبذب لو صحت - وهذا مستبعد لأقصى الحدود - لا تتعارض مع حقيقة حدوث الكون وحقيقة أنَّ له بداية؛ وذلك للاعتبارات العلمية التي تقدم ذكرها، وللاعتبارات العقلية والفلسفيّة لمفهوم القدم الزماني نفسه.
(3) - اقتراح فرضيّة التَّصْخُمِ الأزلي للكون
تشترك فرضيَّة التّضخُم الأزلي (Eternal Inflation Theory) مع نظرية الانفجار العظيم في بعض المبادئ الرئيسة والتَّفصيلات الفرعيَّة، كاشتراكهما مثلا في الاعتقاد بـ (مبدأ التضخم الهائل الذي حصل للكون في بعض مراحله، ففرضيَّة التَّضخُم الأزلي تقترح وجود كون عملاق عظيم الحجم يُسمَّى بالكون الأم (Mother Universe) وهذا الكون الأم تنشأ فيه الأكوان المتضخمة الأخرى، وكل كون منها تنشأ فيه أيضًا أكوان متضخمة جديدة، في مسلسل درامي لا بداية ولا نهاية له سبق أنَّ مرَّت هذه الفرضيَّة تاريخيًا بعدَّةِ منعرجاتٍ علميَّة، بدايةً من نهايات القرن المنصرم على يد العالم الروسي أندريه ليند الذي صقل تسميتها بالتضخم الكوني (Cosmic Inflation) ليعود من جديد إلى فرض بعض التَّعديلات عليها على مرحلتين
1 - عدم التناهي في الزَّمان يختلف عن عدم التناهي في العلل المؤثرة. فلينتبه!
479 (1/479)
صفحة 480
مناجزة الإلحاد
زمنيَّتَين مختلفتين: الأولى حملت عنوان (التَّضخم الجديد)، والأخيرة حملت عنوان (التَّضحم العشوائي). وقد وصلت هذه الفرضيَّة في مرحلتها النهائيَّة حسَبَ بعض الأطروحات إلى الاعتقاد بأنَّ الكون عبارةٌ عن تضخم في الفضاء، لم ينشأ من نقطةٍ منفردة خلافًا للطَّريق التي سلكتها أقدام نظرية الانفجار العظيم، فالتَّضحمُ يحدث على المستوى الكمي غير المحدد لا المستوى الكلاسيكي المحدد، ويمضي هذا التَّعديل الأخير الذي أدخله العالم الروسي أندريه ليند إلى منصة الاعتراف - وهو بيت القصيد - بأنَّ الكون الأم لا بداية له، بخلاف الأكوان المنبثقة منه. ويظهر جليًّا - أنَّ أندريه ليند كان قلقًا ومتوجسًا من تبعات نظرية الانفجار العظيم! وقد ألمع
إلى ذلك بقوله: "إنَّ نظريَّة الانفجار العظيم تُثير مشكلات حول ما كان قبل المفردة)! إنَّ الشُّذوذ الفريد - حسَبَ هذه الفرضيَّة - ناجم عن اضمحلال كون سابق وانهياره، وأنَّ كوننا هذا مجرد كون واحدٍ من دورة أكوان أبديَّةٍ أزليَّة تتوسع وتنهار باستمرار، وأن الانفجارات الكونية تحدث طوال الوقت في كل أرجاء المكان، وأنه من المحتمل أنَّ الزمان والمكان كانا على أنماط وأشكال مختلفة قبل حدوث الانفجار الكوني، أشكال غريبة جدا بحيث إنَّنا لا نستطيع تصورها، فالكون انتقل من شكل لا نستطيع فهمه إلى شكل نستطيع فهمه تقريبًا. إِنَّ هذه التوصيفات نفسها - باعتراف أندريه ليند - قريبةٌ جدًّا من القضايا الدينية وأُطروحاتها، وتكاد أن تتطابق معها، وكأنَّهما زَنْدَين في وعاء (2)!
ودخولا في معترك نقد الاعتراض بـ (فرضيَّة الكون (المتضخم) على برهان الحدوث، أهم النقاط التي يتلمَّسُ فيها الكشف عن مواطن مُباينة الصواب، وتُستشف منها مكامن الدخل والدغل. وهذه التقاط نخطها على النحو الآتي:
نستجمع
- إنَّ نموذج (الكون المتضخم ليس نظريَّةً علميَّةً، بل مجرد افتراض أقرب ما يكون إلى الترقب والتَّطلع منه إلى الحقيقة والواقع، فهو غير مُدعم بشكلٍ يُمكن أن يُعتد به في الأوساط العلمية.
- إنَّ عددًا كبيرًا من الفيزيائيين يعتقدون بأنَّ فرضيَّة الكون المتضخم لا يمكن اختبارها ولا البرهنة عليها.
- إِنَّ استبعاد فرضيَّة الكون المتضخم لحقيقة وجود المفردة الأولية التي انطلق منها الكون
1 - يُنظر: Andrei Linde, What Energy Drives the Universe . 2 - يُنظر: بيل برايسون موجز تاريخ كل شيء تقريبا، ص 31.
480 (1/480)
صفحة 481
المبحث التاسع: المستوى العقلي
غير ممكن، فجميع الدلائل الفيزيائية تُوجب الانطلاق من المفردة الأوليَّة حتّى مع افتراض وقوع التذبذب والتَّضحم).
(2)،
- يُصرحُ أكبر فيزيائيي العصر ستيفن هوكنج بأنَّ فرضيَّة الكون المتضخم أصبحت جثةً هامدة لا روح فيها من الناحية العلميَّة، يقول هوكنج: " وأنا أرى اليوم أنَّ النموذج الانتفاخي الجديد لم يعد له وجودٌ كنظرية علميَّةٍ، رغم أنَّ كثيرين لا يبدو عليهم أن سمعوا بنزوله عن عرشه وما زالوا يكتبون عنه، مقالات، وكأنه ما يزال في مرتبة الشرف (2). والخلاصة: إِنَّ فرضيَّة الكون المتضخم بجانب أنَّها لا تحظى بمباركة علمية، ولا تستند إلى معطياتٍ مُعتبرة يُمكن غربلتها، فهي كذلك عاجزةً ومقلومة الظفر عن إثبات عدم وجود بداية للكون الأُم على المستوى العلمي، ويجب عليها أن تتخطّى حاجز البرهان العقلي الضروري النَّاص على الحدوث، بعد أن تتخطى مطلب البرهان العلمي الذي لا يقع شيء منه في متناول يدها. إنَّها فرضيَّةٌ تُشبه تمامًا آلةً ميكانيكيةً تُكرر ركل الكرة داخل الشباك في كل مرة ثمَّ يُزعم أنَّ الرَّكل لا بداية له، أو أنَّ الآلة نفسها لا بداية لها!
(4) - حدوث الكون بسبب القوانين على حد تعبير الشيخ الرئيس ابن سينا فإنَّ الله لم يُمشمِش المشمشة؛ أي إنَّ الله أوجدها وأوجد القوانين التي تُمشمشها، أو أنَّ وجود المشمشة بأسبابها وهيئتها هو مرتبةً واحدة مساوية لدرجة وجودها لا يُمكن فصلها عن بعضها البعض وإلا كانت شيئًا آخر، وهكذا بالنسبة إلى الكون، فإنَّ قلنا تسامحا بأنَّ الله لم يُكوّن الكون، فمعنى قولنا هذا هو أنَّ الله قد أوجد القوانين التي تُكوّنه، فالقضيَّة إذن؛ ليست في الأسباب (الثَّانوية) بل في الأسباب (المباشرة) حسَبَ التقسيم الذي طرحه اللاهوتي توما الإكويني بمعنى أنَّ القوانين تُمثل الأسباب الثانوية، والإله يُمثل الأسباب المباشرة.
وهنا نسأل الملحد الذي يزعم بأنَّ القوانين هي التي أوجدت الكون: هل القوانين تسبق وجود الكون؟! إن قال: لا. سقط كلامه؛ لأنَّ القوانين إن لم تكن تسبق وجود الكون فلا يُمكن لها أن تُوجِدَه؛ لوجوب تقدم المؤثر على الأثر. وإن قال: نعم فأين كانت القوانين قبل وجود الكون؟! هل تُوجد قوانين طبيعيَّة في العدم، أو في اللاوجود)، أو في (اللاكون)؟!! إنَّ القوانين
- يُنظر: (http://creationwiki.org/Borde-Guth-Vilenkin_singularity_theorem).
2 - ستيفن هوكنج، موجز تاريخ الزمن، ص 136.
??? (1/481)
صفحة 482
مناجزة الإلحاد
الطَّبيعيَّة لا تُوجَد إلا بوجود البيئة الحاضنة لها، وهي الطبيعة أو الكون (المادة والطاقة)، فالقوانين خُلقت في الكون بدايةً لا أنَّ الكون خُلِقَ بها.
في هذا الموضع بالذات نستحضر المقولة الشهيرة لعالم الفيزياء النظرية ستيفن هوكينج: لأنَّ هناك قانونًا كالجاذبية فإنَّ الكون يُمكنه أن يخلق نفسه من لا شيء ... والخَلْق التلقائي هو السبب في أنَّ هناك شيئًا بدلاً من اللاشيء (1)؛ لتلقي أمام القارئ الكريم السؤال الآتي: هل الجاذبية تسبق الكُتلة أم العكس؟! من المقرر فيزيائيا أنَّ الكتلة أو المادة تسبق الجاذبية، وأنَّه لا جاذبية بدون وجود الكتلة أو المادَّة، فالجاذبية قوَّةً تنشأ عن الكتلة حسب مفهوم نيوتن لها، وهي مجال ينتج عن وجود الكتلة حسب مفهوم أينشتاين فكيف يكون المسبب (الكون)
موجودًا قبل سببه (الجاذبية) (2)؟!
،
عدة
ثمَّ كيف يخوض ستيفن هوكينج في الحديث عن لحظات ما قبل خَلْقِ الكون بإصراره على أنَّ قانون الجاذبية يُمكن أن يكون سببًا في ذلك، وهو الذي كرر مرارا القول - في مواضع من كُتُبه - بأنَّ الإشارة إلى ما كان قبل لحظة وجود الكون (الانفجار العظيم) خارجةً عن نطاق العِلم، وأنَّ: "علينا إذن أن نسقطها من النموذج، وأن نقول: إنَّ الزَّمان بدأ بالانفجار الأعظم (3). وهو الذي أبرق وأرعد بأنَّ الفلسفة قد ماتت، وأنَّه لا يعتمدُ في أطروحاته إلا على العلم التجريبي وحده! يبدو هنا أنَّ هوكينج قد تخلى عن كل مبادئه تلك بغمضة عين، وكأنَّه كان يُقيم بنيانها على الهواء ويرقمها على الماء! علينا أن نُدرك بأنَّ قوانين الفيزياء على الحقيقة بحاجة إلى مُشغل ... هذا ما نتعلمه من ميكانيك الكم، فجميع الصياغات القانونية في ميكانيك الكم تتخذ الصياغة الرياضية الإجرائية، وهذه الصياغة تُخفي في مضمونها وجود المُشغل. من جانب آخر فإنَّ جميع الفيزيائيين الدارسين لميكانيك الكم يعلمون أنَّ الصفة المؤسسة لميكانيك العالم وظاهرات العالم هي الصفة الاحتمالية، وليست الحتميَّة؛ أي إنَّ نتائج فعل قوانين العالم (القياسات) ليست حتميَّة، بل هي احتمالية جوازيَّة، وبالتالي فإنَّ العالم ليس واجبًا بل هو ممكن ... هذه الحقيقة تغيب عن عقل واينبرغ وعن عقل هوكنج حين يتحدَّثون عن الله).
1 - ستيفن هوكينج، التصميم العظيم، ص 212.
2 - ما ينطبق على الجاذبية هنا ينطبق على غيرها؛ إذ القوانين الطبيعية ليس لها وجود إلا بوجود المادة والطاقة! 3 - ستيفن هوكينج، موجز تاريخ الزمن، ص 60.
- محمد باسل الطائي، ستيفن هوكينج وخلق العالم الحوار المتمدن، العدد: (3150)، بتاريخ: (10/ 10/ 2010 م).
482 (1/482)
صفحة 483
المبحث التاسع: المستوى العقلي
ثمَّ نتقدم خطوةً أخرى إلى الأمام لنسأل: من أوجد القوانين؟! ومَن قننها؟! وهل يُمكن لها أن تخلق شيئًا من لا شيء؟! في هذه الخطوة الجوهرية تعود من جديد مسألة وجود العلل الأربع، فالمؤمنون عندما يتحدَّثون عن القوانين الطبيعية في قضية الحدوث فهم يُشيرون إلى الفاعل الموجد، قبل الإشارة إلى الفاعل المحرك، فيعتبرون الإله الخالق فاعلا موجدا، ويعتبرون القوانين الطبيعية فاعلا محركًا - مع اعترافهم بأنَّه لا مؤثر في الوجود سوى الله سواء بالإيجاد أو التحريك - بينما يعتقد الملحدون بأنّ وجود الفاعل المحرك يُغني عن وجود الفاعل الموجد!! عندما تقوم بتخطيط ملعب لكرة القدم، وترسم مقاساته ومعالمه، وتضع القوانين التي تحكم اللعبة قبل انطلاقتها، تكون أنت الفاعل الحقيقي وليس القوانين نفسها، بل قد كان في استطاعتك أن تضع القوانين حسب رغبتك! وإذا ما قمت بإنشاء الملعب دون أن تضع قوانين اللعبة، وتركت الأمر يسير على نحو عشوائي رهن طوارقه، فستظل - كذلك - أنت الذي أنشأت الملعب وأوجدته وليس العشوائية والطلاب في المدارس يسيرون وفق مناهج وقوانين مرسومةٍ سلفًا من قبل المدير أو المديرية العامة أو وزارة التعليم، وتلك القوانين عندما يتم الالتزام بها حرفيا ودون إخلال ولو بسيط بها - ولنفترض بأنَّ الطلاب عبارة عن آلات تنصاع تلقائيًا لما تُؤمر به - لا يعني ذلك مطلقا أنَّ المدير أو من قام بتقنين قوانين المدرسة غير موجود بمجرد كفاية
القوانين عمليا!
إنَّ افتراض وجود التعارض بين الفاعل الأوَّلي (الله) والفاعل الثانوي (القانون) وأنَّ وجود أحدهما ينفي - أو يلغي - وجود الآخر، هو الذي أوقع الملحد هنا في أفخاخ المغالطة المنطقية التي تُعرف بمغالطة (الفئة)، أو مغالطة الخطأ المقولي؛ ذلك لأنَّ (الله) هو تفسير لوجود الكون، و (القانون) هو وصف لوجود الكون، فأنت - مثلًا - عندما تتحدث عن عمل محرك سيارة من نوع (مرسيدس) فإنَّك ستصف القوانين التي تحكمه، وجودة المواد المصنوع منها، وقوته وكفاءة أدائه ومدى اعتماديته ... لكنك لن تتحدث عن كارل بنز (Karl Benz) مؤسس شركة مرسيدس؛ لأنَّه غير موجود في المحرك، ولأنَّه لم يُطلب منك أن تفسر سبب وجود المحرك وقوانينه، بل أن تصف فقط وجوده وآلية عمله، مع أنَّ الفاعل الحقيقي الذي أوجد
المحرك وقنن قوانينه هو كارل بنز!
وأنت عندما تتفحص البناء المعقَّد وتُصعِد فيه نظرك فإنَّك - بلا شكّ - لن تجد المهندس قابعًا ومنكفئًا في إحدى زواياه أو بين تفاصيل طُوبه، وإنَّما ستجد آثار الهندسة وقوانينها. ولك
483 (1/483)
صفحة 484
مناجزة الإلحاد
أن تتخيَّل آتٍ يأتيك منكرًا وجودَ إسحاق نيوتن لمجرَّد عدم رؤيته إيَّاه في قوانين الحركة التي وضعها، أو لمجرد أنَّ معرفته بتلك القوانين تغنيه عن الإقرار بوجوده!
إنَّ بإمكان من قنَّنَ القوانين أن يقوم بتغييرها وإعادة ضبطها كيفما شاء؛ باعتباره الواضع الأول والأخير لها، فليس بمستنكر أن تلين له أعطافُ القوانين وتسلس له قياد أعنتها، وتلقى إليه مقاليدها، لكنَّنا إن افترضنا بأنَّ الكون نفسه هو من قام بتقنين قوانينه - وهذا قول غالط منطقيًّا - لَلَزِم من ذلك أن تكون سُلطة القوانين بيد الكون وتحت تصرفه، يقلبها كيفما أراد ووقتما شاء، ومن ثم فإنَّ الكون يحكم نفسه بنفسه وليس بقوانين مفروضة عليه، وهذا بعيد البعد كله عن إصابة مقاتل الحقيقة بلا مرية؛ فالقوانين مفروضة عليه من فوقه، وماله بذلك من قوة ولا يدان ولو افترض مفترض أن القوانين هي التي أوجدت نفسها بنفسها فإنَّ هذا الافتراض يلزم منه الدور المنطقي الممتنع، كما يلزم منه إمكان اجتماع النقيضين؛ باعتبار أن القوانين كانت موجودة في الوقت الذي كانت فيه معدومةً كما أنَّ القوانين نفسها محكومة بقانون آخر وهو قانون الانتظام والتكرار؛ أي إنَّ القوانين نفسها تتبع قانونًا قاهرا من فوقها! ومن الغرابة أن يعترف الملاحدة في موقف جدالي مختلف بأنَّ القوانين الطبيعية عمياء لا هدف لها أو لا غاية تحكمها، ويأتوك هاهنا ليجادلوا بأنَّ هذه القوانين العمياء هي من أوجدت الكون وتحكمت بخيوط مفاصله! أوليس العُميان بحاجةٍ إلى من يقودهم؟! فمن الذي يقود عجلة هذه القوانين العمياء إذن؟! ستجد بأنَّ إجابة الملحد عن هذا السُّؤال تتوسد الإعجاز الخارق للعادة! وهنا بالتحديد يظهر إيمان الملحد بالمعجزات الخارقة أكثر من إيمان المؤمن بها، وبالفعل فكثير من علماء الملاحدة يستخدمون أحيانًا مصطلح (المعجزة) كأن يقولوا مثلًا عن سيناريو ظاهرة حدوث الكون: ثم حدثت المعجزة!
ثانيا: الاعتراضات السفسطائية باسم العقل والمنطق
(1) - عدم انسجام نتيجة البرهان مع مقدماته
بينما يُرجعُ المؤمنون السبب الأوَّل لنشوء الكون وقوانينه إلى الله تعالى، يُصرُّ الملاحدة على إرجاعه إلى المادة ونشاطاتها، فلا يُوجد في ذهنهم شيء آخر غير المادة، وعلى هذا فهم متمسكون ببارق من المنى كذب برقُه، وبخيط باطل سوّل لهم أن يقولوا: إِنَّ السَّببَ الأول لحدوث الكون لا ينحصر في الإله الخالق، فأبواب الاحتمالات الأخرى مفتوحة على
484 (1/484)
صفحة 485
المبحث التاسع: المستوى العقلي
مصراعيها، وإنَّ نتيجة برهان الحُدوث لا تنسجم مع مقدماتها؛ إذ من الممكن أن يُركب على زوارق الاحتمال، ويُجدف فيها بمجداف الظَّن بأنَّ السَّبب الأول لحدوث الكون شيء آخر
غير الله
يقول ريتشارد دوكنز عن مثل هذه النتيجة البرهانية بأنها: "تعتمد على مبدأ التراجع الزمني، وتفترض الله لإنهاء الدوَّامة، الافتراض الذي لا مبرر له هنا هو أنَّ الله منيع عن الزَّمن، حتَّى لو أنَّنا سمحنا لأنفسنا بالتَّبجح بأي شعوذةٍ عبثية لإيجاد مُنه للتراجع الزمني (اللانهائي) وأعطيناه اسمًا ما - لأنَّنا ببساطة نحتاج واحدًا - فليس هناك أي إطلاقا لمنح هذا الذي أنهينا به التراجع الزمني أيا من المواصفات التي يتصف بها هذا الإله». وأنت ترى بأنَّ الاعتراض هنا ما هو إلا من أجل الاعتراض فقط، فهل يُوجد في مثل هذه الدعاوى ما يُحيلنا إلى محاكمة الأسباب الحقيقية المتصفة بالكفاية والضَّرورة؟ هل هناك عِلَّةٌ يُمكن أن تكون تامَّةً وضروريَّةً من غير الله تعالى؟! إن كان ثمَّة وجود لها فليأتِ الملاحدة بها؛ شرط أن تكون عِلَّةً تحمل في يدها حقائب الكفائة والضَّرورة والوجوب؛ إذ لا يُمكن عقلا أن يكون السبب الأوَّلُ محتاجًا إلى سبب قبله كما سبق بيانه! وعلى ما تقدم؛ يظهر أنَّ هذا الاعتراض اعتراض مضطرب المباني، قلقُ التراكيب، لا يرجع إلى محصول. وبالإمكان خلخلته بعدة مطارق منطقيَّةٍ لعلَّ أدناها متناولًا إلى اليد أن يُقال: - إِنَّ سبب هذا الاعتراض لا يعود في حقيقته إلى البرهان نفسه بقدر ما يعود إلى النموذج المعرفي الذي يتبناه، الملاحدة، فهم لما اختزلوا الوجودَ في المادَّة وحدها لا شريك لها كان اعتراضهم على أي برهان - مهما كانت قوته وجزالته - يثبت وجود شيء وراء تلك المادة! فالإشكال في النموذج المعرفي قبل كل شيء. - إِنَّ الدَّلالة العقلية - كما مرَّ آنفًا - تُوجِبُ أنْ يكون السَّببُ الأَوَّلُ سببًا حقيقيًّا، ولا يكون كذلك إلا بتعاليه عن طبيعة المعلول، فالمادة التي تكون سببًا لحدوث مادةٍ أُخرى لن تكون عِلَّةً حقيقيَّةً وإن اتَّصفت بالضَّرورة، وعلى هذا الحال فإنَّ العِلل ستتسلسل في الماضي إلى ما لا نهاية، وهذا محال!
- إنَّ برهان الحُدوث يتأسس على قاعدة حدوث الكون لا من شيء، وهذا الأمر يستدعي وجودَ مُحدِثٍ أزلي سابق لحدوث الكون، حيث إنَّ المادة لا تكون مادةً إلا بأبعاد الزمان
1 - ريتشارد دوكنز، وهم الإله، ص 79.
485 (1/485)
صفحة 486
مناجزة الإلحاد
والمكان، ولم تكن هنالك - بعد - أبعاد للزمان والمكان؛ أي لا وجود للمادة مطلقا، فاقتراح الملاحدة بأن يكون السبب الأوَّلُ هو المادة نفسها اقتراح اعتباطي، فلا يُوجد احتمال يُمكن الركون إليه إلا أن يكون من خارج دائرة المادة.
- إنَّ حدوث الكون في السيناريو العِلمي هو أكبر معجزة علميَّةٍ يعلمها البشر، فهو حدث يحتاج إلى قوَّةٍ وإرادةٍ مطلقتين لا تحدهما الحدود ولا تعتريهما القيود، وليس ذلك لأحد إلا الله، فكل الذرات والطاقات في الكون محدودةٌ ومقيدة بل ومعلومة العدد، ولم تنشأ إلا مع
الانفجار العظيم لا قبله.
- إِنَّ حُدوث الكون لا يُمكن أن يكون سببه الأوّلُ هو الكون نفسه؛ إذ لم يكن للكون وجود ولا لقوانينه التي أصبحت مهيمنةً عليه لاحقًا، ويستحيل على الشَّيء - عقلًا ومنطقا - أن يُوجد نفسه من العدم لاستلزامه اجتماع النقيضين، فثبت بهذا يقينًا أنَّ السَّبب الأوَّل للكون يجب أن يكون من غيره، بغض النظر عن عدد الأكوان وقدَمِها، فذلك شأن آخر لا يُؤثر في حقيقة الحدوث. - إنَّ برهان الحدوث يُثبت وجود الله من حيث بعض صفاته، كالوجود الأزلي، والقوة والإرادة المطلقتين، لا من حيث جميع صفاته الأخرى، فوجود الله الذي يُثبته برهان الحدوث يدور حول نقطة محددة وهي وجود المحدث الذي أحدث الكون، ولا يبحث البرهان في النقاط الأخرى من قبيل: هل هو إله الإسلام، أو إله المسيحية ... إلخ، فالمقام هنا مقام إثبات الخالق
-
الذي خلق الكون، لا مقام إثبات صفاته ونعوته، فذلك مما تتكفل به يد البراهين الأخرى. والخلاصة: إنَّ الملاحدة منغمسون في النموذج المعرفي الذي يختزل الوجود في المادة وتفاعلاتها، فأي برهان يقطع بوجود الله - وإن غمرهم بأنواره الكاشفة - سيعترضون عليه تلقائيا؛ لأنَّه بكل بساطة يخترق أسوار نموذجهم المعرفي الذي يتدرَّعُون به، ولئن انكشف قناعُ الشَّك عن مُحيَّا اليقين ما قدَّم ذلك عندهم ولا أخر شيئًا!
(2) - ارتكاب مغالطة التوسل بالجهل) في البرهنة
يظن بعض
الملاحدة أنَّ برهان الحدوث يُمارس نمطا من أنماط المغالطات المنطقية يُعرف
الله بناءً على أنَّ العلم لم يصل
بمغالطة (التوسل بالجهل) حيث يقوم المؤمنون بإثبات وجود بعد إلى السبب الحقيقي لنشوء الكون، فهم يستدلون بـ (الجهل) على إثبات وجود الله، وهو ما يُسميه الملاحدة عادةً بإله الفجوات (God of the gaps).
486 (1/486)
صفحة 487
المبحث التاسع: المستوى العقلي
هذه الظَّنُّ الإلحادي يبقى ظنَّا، بل أكثر من ذلك، فهو يتجرَّد عن الصواب، ويتجافى عن
مضاجع الحقيقة وما قيل في نقد الاعتراض السَّابق يُقال كذلك فيه، بالإضافة إلى الآتي: - كحُجَّة جدلية؛ فإنَّ الملاحدة أنفسهم يتوسلون بـ (فجوات العِلم، ويجترحون بكل صلافة مُغالطة (التوسل بالجهل)، فهم يعتقدون بأنَّ العِلم يستطيع أن يُفسر في المستقبل كل ما يعجز عن تفسيره في الحاضر؛ أي أنَّهم يُعلقون اعتراضهم على وجود الله بهذه الفجوة العلمية المزعومة.
- كحُجَّة جدلية أخرى؛ فإنَّ لسان حال الملاحدة يقول لـ (الصُّدفة): إياك نعبد وإياكِ نستعين. فكل ما جهلوا سببه فوَّضوا أمره إليها مباشرةً من غير بينة ولا سابق برهان، وكأنهم بذلك يزجرون غُراب الجهل عنهم ولم يدروا بأنَّ أمرهم هذا بحد ذاته هو حُكم نظري مُسمَّط وتطبيق عملي نافذ لمغالطة (التوسل بالجهل) كما لا يخفى على من تأمله جيدًا!
- إن حدوث الكون وانتقاله الخارق من وهدة العدم إلى ربوة الوجود يلزم منه وجود قوة كلية وإرادة مطلقة، والمادَّةُ المحدودة تفتقد هاتين السمتَين؛ لأنَّ القوَّة مفروضة عليها من خارجها عن طريق القوانين والقوانين نفسها لا تسبق وجود المادة، ومن ثم فلا يُمكن أن تكون هي السبب الأوّل، ولأنَّ هناك إرادةً واضحةً في عملية حدوث الكون، تتمثل - على الأقل - في تخصيص موعده، والمادة لا إرادة لها. لهذا فإنَّ برهان الحدوث برهان عقلي يستمد جزءًا من مقدماته من الحس والتجربة، فيفرض علينا لزامًا أن نخرج بنتيجة (وجود الله). فهو بهذا توسل بالمعطيات العقلية والمنطقية، وتوسل بالعِلم والمعرفة الضرورية لا الجهل أو إله الفجوات.
- إنَّ نتيجة البرهان أوصلتنا إلى الله اضطرارًا وليس اختيارًا، فالنعوت العقلية اللازمة للسبب الأول لا يُوجد لها موضوع غير الله، بل لا يُمكن أن يُوجَد! ولا ننسى بأنَّ الملاحدة أنفسهم لا يجدون مفرًا من قبضة هذه الضَّرورة المنطقيَّة، فكلُّ ما يفعلونه هو أن يؤمنوا بالسَّبب الأول لكن على أن يكون هذا السَّبب الأول شيئًا آخر غير الإله، فالمهم لديهم إزاحة الإيمان بالله من الطريق - رغم كونه الحقيقة اللائحة السهلة المجتنى - والإيمان بالتهاويم والتخيلات رغم سذاجة مبناها ووعورة الطريق إلى مبتغاها!
حادثا
بغير
- إنَّ برهان الحدوث يستبعد الاحتمالات المستحيلة، فالكون إما أن يكون سبب، وهذا مستحيل لا يقول به أحد، وإما أن يكون حادثًا بسبب، ولا يخلو حدوثه بسبب من أحد أمرين: أنْ يكون أحدَثَ نفسه بنفسه، وهذا مستحيل؛ لأنَّه استدلال دائري يُفضي
487 (1/487)
صفحة 488
مناجزة الإلحاد
إلى اجتماع النقيضين في الشَّيء الواحد - بحيث يكون حادثًا وأزليا في الوقت نفسه أو يكون معدوما وموجودًا في الوقت نفسه - أو أن يكون حادثًا بسبب من خارجه، وهذا لا يخلو من أحد أمرين: أن يكون السَّبب حقيقيًّا بحيث لا يستدعي سيئا آخر قبله، وهذا هو المطلوب، أو أن يكون غير حقيقي بحيث يستدعي سببًا آخر قبله، وهذا مستحيل منعًا للتسلسل في العِلل الماضية إلى ما لا نهاية. وعلى هذا فكيف يصحُ أنْ يُقال بأنَّ نتيجة البرهان هي من قبيل مغالطة (التَّوسل بالجهل)؟! أليس المعترِضُ على النتائج العقليَّة الضَّرورية هو الأولى بأن تلصق على جبينه مثلبة الجهل وأن يُعفّر بها فكره!
- إنَّ ما يُسميه الملاحدة بـ (إله الفجوات) يلزم منه أنَّ المؤمن لا يُرجعُ السَّببَ الأَوَّل للظواهر الطبيعية المعروفة إلى الله إلا في حال إخفاق العِلم وعجزه عن معرفة السبب الطبيعي، وهذا غير صحيح، فكل الظواهر والقوانين تعود إلى السبب الأول وهو الله، سواء المعروفة منها والمجهولة، وقد أشار بعض العلماء إلى وجود أكثر من (8000) نص إسلامي يُؤكد الدور المنوط بالأسباب الطبيعية!
والخلاصة: إنَّ نتيجة برهان الحُدوث مبنيَّةٌ على ضرورات العقل والمنطق المدعمة بالشواهد
العلمية، وعلى هذا فهي نتيجة تتربع على أكتاف العلم، وتأوي إلى ركن شديد.
(3) - المادة التي نشأ منها الكون قديمة وإن كان الكون حادثا سلَّمنا - جدلًا - بأنَّ المادة قديمةٌ ولم تُسبق بعدم - وهذا خلاف ما أثبته العلم - فيبقى هذا الاعتراض على طاولة البحث والتَّحري، وهو لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون حدوث الكون من تلك المادة القديمة بسبب خارج عن المادَّة، وإما أن يكون بسبب المادة نفسها، فإن كان بسبب خارج عن المادة فهو المطلوب، وإن كان بسبب المادَّة نفسها فهو مردود لثلاثة اعتبارات: الأول: لأنَّه استدلال دائري (Circular Reasoning) يلزم منه الدور القبلي، والدور القبلي ممتنع، فحدوث الكون حصل بـ (حركة المادة القديمة، وحركة المادة القديمة حصلت بـ (حدوث الكون)!!
الثاني: لأنَّه ترجيح من غير مُرجّح، والترجيح من غير مُرجّح ممتنع أيضًا، فلماذا لم يترجح حدوث الكون قبل موعد حدوثه أو بعده بالرّغم من أنَّ مادَّته أزليَّةٌ لا بداية لها؟! لا بُدَّ إذن من ترجيح مُرجح خارجي.
488 (1/488)
صفحة 489
المبحث التاسع: المستوى العقلي
الثالث: لأنَّه يحتكم إلى القِدَم الزَّماني كعِلَّةٍ لنفي الحاجة إلى المُحدث، والصَّحيحُ أَنَّ العِلَّة هي مُطلق الافتقار، والذي يتجلى - هنا - في المسبوقية بالعدم الذاتي. ثمَّ إِنَّ الفرار من قبضة الحدوث الزماني لا يعني إلا الالتجاء إلى الحدوث الذاتي، فلو كان الحدوث الزماني غير صحيح، فإنَّ القول بالحُدوث الذَّاتي تفرضه الضرورة العقلية؛ هربًا من مخاليب التسلسل، والدور الممتنع، والترجيح من غير مُرجح).
(4) - اليقين العقلي لا يعني التحقق الواقعي في تجاعيد هذا الاعتراض علامة تشير إلى أنَّ اليقين العقلي - الناتج عن استحالة التسلسل وامتناع الدور المنطقي - الذي يُقودنا ضرورةً إلى الاعتراف بوجود الله لا يعني أنَّ الله وجود متحقق فعلا في الواقع، فاليقين العقلي شيء ووجود الله في الواقع شيء آخر!
إنَّ هذا الاعتراض يتضمن الإقرار بوجود اليقين العقلي على وجود الله، ثمَّ يُناقض نفسه باحتمال عدم تطابق هذا اليقين مع الواقع إنَّه يفرُّ من اليقين ويستعين بالظن والتخمين! فهل اليقين العقلي يتساوى مع الظَّن؟! بل كيف يُستساغ أن يترك اليقين من أجل سواد عيون الظَّن والتخمين؟! أم كيف نصل إلى اليقين العقلي في أمرٍ غير واقعي؟! ثم إذا كان مناط اليقين الله العقلي - وهو هنا وجود - غير متحقق في الواقع، فهل هذا الاعتراض نفسه متحقق في الواقع؟! وقبل ذلك هل هو اعتراض عقلي يقيني؟! إِنَّ كلَّ مقولة تعود على أصلها بالبطلان هي مقولة ساقطة، تُعارض أعجازها هواديها، ويدفع أوَّلُها آخرها.
ثالثا: الاعتراضات السفسطائية المحضة
(1) - حدوث الكون صُدفةً
يعترض الملحد على برهان الحدوث بالإمكان الرياضي والاحتمال العددي لأن يكون حُدوثُ الكون أمرًا تلقائيًا وضربًا من ضروب محاسن الصُّدَف ليس إلا! فما هي هذه الصدفة التي يخطب الملحد وُدَّها في كلّ مرَّة، ويُبادلها مشاعرَ التَّقديس والتقدير والاعتزاز؟! الأغلبُ في الظَّن هو أنَّ الملاحدة عندما يتحدَّثون عن الصدفة فهم يتقصدون من ذلك العِلَّة
الله عبر
1 - يُذكر أنَّ الفيلسوف الكبير ملا صدرا الشيرازي قد أشار إلى أنَّ القول بحدوث الكون مجمع عليه عند المؤمنين بوجود ا كل العصور، وأنَّ هناك سوء فهم لبعض مقالاتهم؛ بسبب غموضها. (يُنظر: ملا صدرا الشيرازي الحكمة المتعالية، 5/ 205 - 247).
489 (1/489)
صفحة 490
مناجزة الإلحاد
الغائيَّة لا العِلَّة، الفاعلة فالصُّدفة عندهم لا تعني عدم وجود السَّبب الفاعل، بل عدم وجود السبب الغائي (الواعي والهادف) ()، ولربما كان تقريبُ بعضهم لصورة معنى الصُّدفة مُؤذنا بهذا التصور، فقد تم تشبيه الصدفة بما تفعله أمواج البحر في صخور الشاطئ؛ إذ تعمل - أحيانا- على إحداث ترتيب معين فيها (2). ونحن نفهم من نحو هذا المثال أنَّ السبب الفاعل موجود ومُعترف به، وهو أمواج البحر التي كانت سببًا فاعلا في إحداث الترتيب، لكنَّ البحر لا يملك العِلَّةَ الغائية (الوعي والهدف)، ومن ثمَّ فإنَّ ما أحدثه من ترتيب سيخلع عليه حتما رداء (الصدفة). وإذا كان الملاحدة ينفون العِلل الغائيَّة الماورائية للزمهم نفي الصدفة؛ لأنَّ الصُّدفة نفسها نتيجة للبحث عن العِلَّة الغائية الماورائية (3)!
ولأجل ما تقدَّمَ فإنَّ الملاحدة يُؤمنون بقانون السَّبية، ويؤمنون باطراده وانبداحه، إلا أنَّ مشكلتهم مع هذا القانون تتفاقم فيما لو اقتادتهم ضرورتُهُ في نهاية المشوار إلى الاعتراف بوجود الله، وهذا منهم بمثابة الكيل بمكيالين واللعب على الحبلين، لذلك تراهم يوجهون سهام النَّقد إلى القانون، لا لأنَّهم لا يعملون وفق ما ترسمه مقتضياته، بل لأنَّ هذا القانون في مرحلةٍ ما سيجبرهم على الاعتراف بوجود الله وحينها تُدق طبول الحرب عليه، وتُكال الطعون في مصداقيته بكل أنواع المكاييل، ولو أدَّت بهم إلى الانزلاق في مهاوي السفسطة، والانغماس في مستنقعات التَّشوه العقلي، كانجرارهم نحو القول بتداعي المعاني وتعاقبها، وتسلسل العِلل المؤثرة إلى ما لا نهاية، ونعت العِلَّة الغائية بـ (الاتفاق)!
هناك عدة مستوياتٍ يُمكن إدراج الحديث عن الصدفة في رفوفها، لنا وقفة مع بعضها حين
سبب
1 - هذا من حيث العموم، وإلا فإنَّ هناك شرذمة من الملاحدة تزعم بأنَّ الشَّيء قد يحدث من غير مطلقًا، من أمثال كونتن سميث وبيتر أتكنز، الذين زعما بأنَّ الكون نشأ من العدم المحض (العدم بالمعنى الفلسفي هكذا بدون سبب!! وقد وجدنا مؤخَّرًا أحدهم ويُدعى محمد المزوغي ينص في كتابه المسمى (تحقيق ما للإلحاد من مقولة، ص 367) على: "أنَّ طفرات الكوانتم ليس لها عِلَّة!!
2 - التشبيه مأخوذ من مقدمة مصطفى إبراهيم فهمي لكتاب (ريتشارد دوكنز، أعظم استعراض فوق الأرض، ص 13). واستشهد به دوكينز في كتابه (صانع الساعات الأعمى). لقد تفطَّن غير واحدٍ من الفلاسفة والمفكرين إلى قضيَّة تحرير معنى الصُّدفة عند الملاحدة، وأنها نفي للغائيَّة لا الفاعلية. يُنظر على سبيل المثال: مرتضى المطهري، التوحيد، ص 84 - 88). 3 - يظهر عند التحقيق أنَّ الاعتقاد بـ (الصدفة) لا يُعارض في الحقيقة وجود العِلَّة الغائية - أو بالأحرى لا ينفيها - بل يصفها، فكأنَّ الملاحدة يقولون: إنَّ العِلَّة الغائيَّة لحدوث الكون هي الصدفة. وهذه نقطة مفصليَّةً، ومهمَّة، فقد ظنَّ الملاحدة بأنَّ القول بـ (الصدفة) يجعلهم يفرون من مصيدة العِلَّة الغائية حتَّى لا يُلزموا أنفسهم بوجود الغاية والهدف؛ لأنَّ وجودهما يُصدّع الأسس التي تقوم عليها منظومتهم بأكملها والمقصود منه أنَّ الاعتقاد بـ (الصدفة) لا يخرق القاعدة الفلسفية (لكل فعل غاية)، وأنَّ ما يخرق هذه إنكار العِلَّة الغائية لا القول بـ (الصُّدفة)، لكنَّ إنكار العِلَّة الغائيَّة أمرُ دونه خرط القتاد، ولا ينال إلا بعرق القربة!
القاعدة
هو
هذا هو
490 (1/490)
صفحة 491
المبحث التاسع: المستوى العقلي
يحين موعد الحديث عن برهان النَّظم، أما حديثنا عنها هنا فسيقتصر على تقويض بنيانها من حيثيات عقلية ومنطقية تخص برهان الحُدوث بالذات، وسنضع في حسباننا - تحرُّزًا - أنَّ الصدفة قد يُراد منها انعدام العِلَّة الفاعلة - لأنَّ هذا هو لازمها النهائي هنا) - وقد يُراد منها انعدام العِلَّة الغائية، وفيما يلي نجد ضالة ذلك:
(1) - إِنَّ الصُّدفة مجرد تصور ذهني، فلا يُوجد في الخارج شيء مُجسَّد اسمه (الصدفة) له كيان معين ومُحدّد أو له إرادةٌ فاعلة وعاقلة؛ أي أنَّ الصُّدفة مجرد وصف نصف به بعض الحوادث التي تواقعها. وبناءً عليه؛ كيف يكون هذا الوصف الذهني - الذي لا وجود له في الخارج - سببًا يُعتد به في حدوث أمر عظيم كالكون؟! (2) - إنَّ معنى الصُّدفة - حسَبَ الوضع - هو حدوتُ الشَّيء بلا قانون مُسبق، أو حدوثه بالندرة على خلاف السَّائد المعهود، إلا أنَّ الملاحدة يمتطون صهوة الصُّدفة - دون أن يشعروا - وكأَنَّها قانون صارم من قوانين الطَّبيعة المنتظمة، فهم يُفسرون بها لحظات حدوث الكون التي توافقت فيها عدة قوانين دفعةً واحدةً وبمنتهى الدقة والإتقان، وبنسق منتظم لا نظير له! وهم بهذا بين مأزمَيْن؛ إما أن يقولوا: إنَّ الصُّدفة في حدوث الكون عبارة عن قانون طبيعي نحتنا له اسم (الصُّدفة). وإما أن يقولوا: إنَّها عبارة عن قانون طبيعي مجهول. وكلا القولين يُؤديان إلى النتيجة نفسها، وهي إثبات وجود قانون ما، ومن ثم انتفاء اء وجود الصدفة!
(3) - إنَّ الصُّدفة لا تحدث إلا في الزَّمان والمكان، وفي لحظة - نقول (لحظة) مع أنه لم تكن هنالك لحظة بعد - حُدوثِ الكون لا وجود للزمان والمكان، فكيف يكون وجود الأثر (الكون) سابقًا على وجود المؤثر (الصُّدفة)؟!
(4) - إنَّ الصُّدفة لا تحدث إلا بوجود المادة، فالمادة هي المحلُّ المُهيَّأ لحدوثها، والكون نشأ لا من شيء (اللامادة)، فكيف يستقيم هذا مع القول بالصدفة؟! (5) - إِنَّ الصُّدفة في حقيقتها جهل بالأسباب، فكلُّ ما جهل الملاحدة سببه ولم يجدوا له موئلا غير الله نسبوه إلى (الصُّدفة) من غير دليل ولا برهان، نابه لكن الضربة القاصمة لهذا الزَّعم تأتي من تشارلز داروين حيث اعترف - مُكرها تحت سُلطان الأمانة العلمية المعهودة
1 - الاعتقاد بـ (الصدفة) فيما يخص الحدوث يختلف عن الاعتقاد بها فيما يخصُّ النَّظم، فلازم الاعتقاد بها في الحدوث يجرُّنا في النهاية إلى نفي العلة الفاعلة عن طريق ادعاء التسلسل، وقد سبق القول بأنَّ التسلسل يلزم منه في النهاية نفي العلة الفاعلة الحقيقية؛ إذ تُصبح كلُّ المعلولات المتسلسلة وسطاً دون طرف!
491 (1/491)
صفحة 492
مناجزة الإلحاد
عنه - قائلًا: "وغالبًا ما نسبنا حدوثها إلى الصُّدفة، على أنَّ كلمة (الصدفة) هنا خطأ محض يدلُّ على اعترافنا بالجهل المطلق وقصورنا عن معرفة السبب في حدوث كل تحول بذاته يطرأ على الأحياء). ومن أجل هذه الحقيقة الفاقعة صاغ الفلاسفةُ مقولتهم الذائعة: "لا يقول بالاتفاق -. أي بالصدفة - إلا جاهل الأسباب“.
(1)
(6) - إِنَّ الصُّدفة أمر نسبي، فما تراه أنت صدفة - لجهلك - قد لا يراه غيرك صدفة - لعلمه - فلو أنَّ مديرًا أمر أحد موظفيه بزيارة منطقة ما لمهمة عمل عاجلة، وأمر موظفا آخر من قسم مختلف بزيارة المنطقة ذاتها، وكان هذا الموظف صديقًا قديمًا للموظف الأوَّل، فحدث لقاء بينهما بـ (الصدفة)؛ إذ لم يكن لقاؤهما مطروحًا أو معلومًا أو متوقعًا، فهذا اللقاء بالنسبة إلى الموظفين حدث بالصُّدفة لكنَّه كان معلومًا ولم يكن صدفة بالنسبة إلى المدير.
(7) - إنَّ برهان الحدوث يُؤكد - بشكل رئيس - وجود العِلَّة الفاعلة الحقيقية، بينما الصدفة في أفضل الأحوال تتوجه إلى العِلَّة الغائيَّة، فلو صحت لانصب الاعتراض بها في مصب وجود (الغاية) من حدوث الكون لا وجود (الفاعل الحقيقي له. ومن هنا فالاعتراض بـ (الصدفة) بعيد عن محل البرهان!
(8) - إنَّ الصُّدفة في الحقيقة لا تخرج عن قانون السببية، بل تعمل وفق ما ترسمه ريشته، فعندما تُحدِثُ أمواج البحر ترتيبًا معينًا في الصُّخور فإنَّ ذلك لم يحدث بمحض الصدفة؛ إذ إنَّ سرعة أمواج البحر، ومقدارها، وقوانين الجاذبية ونوعية الرمال، وعدم عودة الأمواج من جديدٍ إلى موضع الرَّسم لمحوه، كلها بمجموعها تُعتبر عوامل سببيَّةً لولا وجودها لما وُجِدَ التَّرتيب الموصوف بـ (الصدفة)!
(9) - ما هو البرهان العقلي أو العلمي على أنَّ الصُّدفة هي سبب حدوث الكون؟! مع العلم بأنَّ قانون الانتخاب الكوني - إن صح - متأخر عن لحظة الانفجار الكوني، فالحدوث منوط بالابتداء لا بما يحدث معه أو بعده!
(10) - هل تستطيع الصُّدفة أنْ تُفسر انتظام عمل القوى الأربع في الدقائق الثلاث الأولى من لحظة حدوث الكون؟! وهل تستطيع أنْ تُفسّر حدوث هذه القوى فضلًا عن اجتماعها وانتظامها
ودقة عملها؟!
1 - تشارلز داروين، أصل الأنواع، ص 193.
492 (1/492)
صفحة 493
المبحث التاسع: المستوى العقلي
(11) - هل الصُّدفة فرضيَّةٌ يُمكن تجربتها أو التَّحقق منها؟! ألا يتطلب القولُ بها دليلًا تجريبيا وفق المنهج العلمي المُتَّبع؟! إنَّكم عندما تقولون بـ (الصُّدفة) فأنتم تعلمون ما قد حدث بالضبط، تماما كعلمكم أو كقولكم بأنَّ الله غير موجود)! (12) - إذا قلنا بأنَّ الصُّدفة نفي للسَّبب الغائي لا السَّبب الفاعل؛ فما هو السبب الفاعل لها إذن؟! وإذا قلنا بأنَّها نفي للسَّبب الفاعل؛ فكيف حدثت الصدفة إذن؟!
(13) - يجب تغيير مصطلح (الصُّدفة) بالمعنى الإلحادي؛ لأنَّ عدد الموجودات التي نسبوا سبب حدوثها إلى الصُّدفة يتجاوز المليارات، وعليه فليسمُّوا الصُّدفة بـ (العادة)، أو بـ (القانون)! ولئن كانت الصدفة تفعل كلَّ ذلك لما أصبح أي معنى لوجود كلمة (الغاية) ومشتقاتها المعنوية! والخلاصة: يظنُّ الملحد أنَّ الاعتقاد بوجود (الصُّدفة) والصدود والإعراض عن الاعتقاد بوجود (الخالق) يختصر الدَّربَ عليه، لكننا نقول إنَّ من قبل - بكل سذاجة وبلاهة - الاعتقاد بوجود الصدفة كان الأحرى به أن يقبل الاعتقاد بوجود الخالق؛ لأنَّ كمية السذاجة والبلاهة عندها ستكون - إن تنزّلنا للملاحدة بوجدِهِما - أقل بأرقام فلكية هائلة! (2)!
(2) - حدوث الكون من لا شيء
إنَّ هذا الاعتراض ما هو إلا محاربة علنيَّةً لقانون السَّبيَّة، وإِنَّ أَيَّ حربٍ تُشنُّ على هذا القانون ستكون نهايتها الحتميَّة الإخفاق والفشل المريرين، وقد سبق الحديثُ عن هذا الاعتراض في معرض كلامنا عن قانون السَّببيَّة، وفي إمكان حدوث شيء من لا شيء بدون سبب وبدون مُرجّح، وذلك في المدخل الذي افتتحنا به دلالات المستوى العقلي، فليُرجع إليه هنالك. (3) - خَلْقُ الكون غير مشهود
يعتقد برتراند راسل بأنَّ خَلْقَ الكون من عدمٍ هو أمر لم يُشاهده أحد، ومن ثم فإنَّ الاعتقاد بوجود خالق للكون غير مبرر! يقول راسل: "ونحن لا نجد أقل مبرر لرفض فكرة أنَّ الكون قد بدأ تلقائيًّا إلا أن يكون حدوث ذلك عجيبًا، بيد أنّه ليس من قانونِ في الطَّبيعة يقول: إنَّ ما
1 - القول بوجود! الله مختلف عن القول بالصدفة من حيث نوعية التدليل؛ فالله قبل الزَّمان والمكان، ومن ثم فإنَّ الاستدلال به عقلي فلسفي لا يُمكن أن يخضع للمعايير التجريبية التي يجب أن تخضع لها الصدفة! فأين هي تلك المعايير التجريبية للقول بالصدفة؟!! 2 - من الطرائف التي حفظت حقوقها باسم الإلحاد قولهم: إنَّ المؤمنين يقولون بالصدفة كذلك؛ لأنَّهم يؤمنون بوجود الله الذي جاء صدفة بلا سبب! وسيأتي تبيان هذا في المبحث المخصص للرد على سؤال: (فمن خلق الله).
493 (1/493)
صفحة 494
مناجزة الإلحاد
يبدو عجيبًا لا يُمكن أن يحدث ... والخلق من العدم) أمر لم يره أحد، وإذن؛ فليس من مُبررٍ للظَّن بأنَّ العالم من صُنْع خالق يُرجّح ما يُبرر الظَّنَّ بأنَّه غير ذي عِلَّة، فهما يتعارضان على سواء بقوانين العِليَّة التي نستطيع مشاهدتها (2).
أن
يبدو أن
حجم المغالطات هنا هائل جدا!! ففي البداية هناك زعم فائل طائش بأن الاعتقاد بقدرة الكون على أن يخلق نفسه اعتقاد صحيح يُطبّق مفاصل الصَّواب، ويصيب أكباد الحقيقة، ومن ثمَّ فلا يُوجَد ما يُبرر رفضه! إِنَّ العِلم الحديث قد كفانا مؤنة البحث عن هذا المبرر، فقد قضى بأنَّ للكون نقطة بداية، ثمَّ إنَّ العقل والمنطق - كما سبق بيانه - يقضيان ببطلان الاعتقاد بأنَّ الكون
قد خلق نفسه بنفسه، فيا عجبًا كيف يُقال بعدم وجود مُبررٍ لرفض هذا الاعتقاد المتهافت! إن من أكبر التناقضات في كلام برتراند راسل السَّابق هو رفضه لوجود خالق للكون؛ بحجة أنَّ خلق الكون من عدم أمر لم يره أحد، بينما يقبل الخلق التلقائي للكون ويتجاهل أنه هو الآخر أمر لم يره أحدٌ أيضًا. نعم؛ هو يزعم بأنَّ الخلق من العدم كالخلق التلقائي يتعارضان مع قوانين العليَّة التي تشاهدها. لكن هذا الزَّعم زعم غالط بالمرَّة، ففرضية (الخلق التلقائي) وحدها من تتعارض مع قوانين العِليَّة - طبعًا بجانب أنَّها أصبحت من الماضي بعد أن حطمها العِلمُ الحديث بأخفافه عقب التجارب التي أجراها العالم الفرنسي لويس باستور ووضعه لنظرية تخمر الجراثيم - لأنَّها تعتقد بإمكان حدوث الشَّيء من غير سبب، وهذا هدم واضع لقانون العلية، بينما حدوث الكون يقتضي وجود محدث له (لكل حادثٍ مُحدِثُ) وهذا هو عين
قانون العلية (3)
لقد حاول برتراند راسل - في نصه السَّابق - أن يُوهم القارئ بأنَّ عمليَّة خَلْقِ الكون لنفسه.
هي
1 - العدم لا يُنتج شيئًا؛ لذلك نقول: (إنَّ الكون خُلِقَ لا من شيء). ولا نقول: (إِنَّ الكون خُلِقَ مِن لا شيء، أو خُلِقَ مِن عدم). 2 - برتراند راسل، النظرة العلمية، ص 109.
3 - هناك الكثير من المفاهيم الفلسفية التي لم تنضجها نار الفلسفة الغربية جيدا، ومن بينها مفهومي: (التَّعقُل) و (التَّصوُّر). وهذا ما يظهر جليا في كلام برتراند راسل أعلاه! فـ (التَّعقُل يقودنا ضرورةً إلى كرسي الاعتراف بوجود محدث أحدث الكون لا من شيء، وعدم جواز أن يحدث شيء من غير محدثٍ له. بينما يقودنا (التصور) إلى العجز عن رسم صورة ذهنية لحدوث الشَّيء لا من شيء، وهذا أمر مفروغ منه في الفلسفة الإسلامية. خذ مثلا: الجسيمات التي تخترق سرعتها سرعة الضوء، فالبراهين العقلية الرياضية (التَّعقُل) تحكم بوجودها في الوقت الذي لا نستطيع فيه أن نتصوّرها؛ إذ لم نشاهد شيئًا أسرع من الضوء، ولا يُمكننا إدراك ذلك إن حصل! وخذ مثلا: عدد ذبذبات الصوت، والتي تُقدَّر بنصف مليون ذبذبة في الثانية الواحدة، هذه الذبذبات استطاع العقل أن يتعقلها، لكنَّه عجز عن أن يتصوّرها. والخلاصة: إن عدم إمكان تصور الشَّيء لا يعني عدم تعقله، كما لا يعني
عدم وجوده.
494 (1/494)
صفحة 495
المبحث التاسع: المستوى العقلي
عمليَّةً عجيبة، وأنَّه لا يُوجَد قانون في الطبيعة يمنع حدوث العجائب! فما أشدَّ رسوخ إيمانك العجائبي يا راسل إنَّ العقل السليم والمنطقَ القويم ليفرّان من هذه المقولة وما شاكلها فرار الصحيح من المجذوم، بل ولو احتسى أحدهم خمرة الدنيا عن آخرها لاحرنجم عن وصف عمليَّة خَلْقِ الكون لنفسه بأنَّها من قبيل العجائب الممكنة! فكيف يخلق (اللاشيء) نفسه!؟! كيف نفترض أن غير الموجود أوجد نفسه في حال كونه غير موجود؟! هذا لعمرك افتراض ذو كسرات وهزرات تطيش سهامه عن مرامي الحقيقة (دور) ممتنع + اجتماع للنَّقيضين)! إنّنا أمام أبشع عمليات نحر العقل وحزّ غلاصم المنطق!
إنَّ ضرورة وجود خالق للكون ليست ضرورةً تجريبيَّةً أو حسيَّةً لكي يُشترط فيها الرؤية أو التجربة، فقانون السببية هو الذي قضى بوجود الخالق، وأينما وُجِدَ الحدثُ وُجِدَ المحدِثُ (لكل معلول عِلَّة، سواء أكنا موجودين لحظة الحدث أم لم نكن، فقانون السببية قانون عقلي فلسفي وليس قانونًا تجريبيا حسيًّا. وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل عدم رؤيتنا للحظة حدوث الكون عدم وجود خالق له؟! هل عدم رؤيتك للحظة طباعة هذا الكتاب الذي بين يديك= عدم وجود كاتب له؟!
من الجيد - هنا - إحالة النَّظر إلى تبديد هالات الاستقراء العلمي، فليست كل معارفنا العلمية الطَّبيعيَّة استقرائية المصدر، فعلى سبيل المثال: بداية تكون الأرض ليست استقرائيةً بطبيعتها؛ لأنَّنا لم نشاهدها، وكذلك أصل الحياة أيضًا لا يُمكن مقارنته؛ لأنَّنا لا نعرف إلا حياةً واحدة، بل إنَّ الأحداث التَّاريخيَّة التي نُؤمن بها لم تقم على المنهج الاستقرائي؛ إذ هي غير قابلة للإعادة والتجربة والتكرار، فهل يعني هذا عدم وجود عِلَّةٍ لهذه الأحداث!؟! ماذا بعد هذه الاعتراضات؟! بعد الإرباسات والإرباكات التي خال الملاحدة لوهلة بأنها ستأتي على قواعد برهان الحدوث فتنقضها تبيَّن أنَّهم قد نُكسوا على رؤوسهم، وفشلوا فشلا ذريعا، وجروا وراءهم أذيال الخيبة والحسرة، لكن السجال معهم حول برهان الحدوث مستمر، ولن يقف عند هذا الحد مكتفيا بدرء الاعتراضات أو صد طنينها، بل سيتجاوز ذلك إلى المبادرة بسبك قوالب الكر والأخذ، فالمحصلة الإلحادية بلغت من الضَّعف والهشاشة مبلغًا لا يُنكره إلا من يُنظر إليه بشطور العيون، أو من لا يُرفع له رأس!
495 (1/495)
صفحة 496
مناجزة الإلحاد
لقد انضوى طرح الإلحاد وانزوى في بقعةٍ من الوحل المحلولك؛ إذ خَلص إلى عِدَّةِ أمورٍ سنُسلط الضوء عليها؛ ليبان لكل ذي عينين ما يكتنف الطَّرح الإلحادي من خفة البضاعة، ونزارة المادة:
- قولهم بأنَّ الكونَ غير حادث. وهذه دعوى مناقضة للعلم ومناهضة للعقل! - قولهم بأنَّ الكونَ هو سبب وجود نفسه. وهذه دعوى أخرى تحمل التناقض في جوفها! - قولهم بأنَّ الكونَ جاء من لا شيء وبلا شيء. وهذه دعوى يُقال بأنَّ هناك عقلاء يعتقدونها! - قولهم بأنَّ الكونَ حَدَثَ عن طريق الصدفة. وهذه دعوى يُقال بأنَّ هناك من يعيش في
كهوف وهمها!
هذه
هي الأركان العتيدة والحصون المنيعة التي يأوي إليها الملاحدة كبديل عن الإيمان الله بوجود وكسُبُلٍ مدلهمَّةٍ معتمةٍ دامسة يسيرون بين جنباتها هربًا من إلزامات برهان الحدوث، فيا عجبًا كيف انطلت هذه المبررات الساذجة النَّوكاء على أذهان بعض الناس؟! وكيف تجاسروا على تمريرها في عقول بعض الشَّباب المغرر بهم! فيا حسرةً على العباد!
496 (1/496)
صفحة 497
المبحث التاسع: المستوى العقلي
(2) - دلالة الإمكان
من أشهر البراهين الفلسفية على وجود الله تعالى ما يعرف بـ (برهان الإمكان والوجوب). فما هي حقيقة هذا البرهان؟ وما دلالته على وجود الله؟ وما هي الاعتراضات التي يثيرها الملاحدة وغيرهم حوله؟ وكيف السبيل إلى نقدها وتفنيدها؟ كلُّ هذه التَّساؤلات سنطرق أبواب الإجابة عنها، ونتوخى لها وجوه النُّجح من خلال عرضنا للمحاور التفصيلية أدناه:
معنى الإمكان إنَّ الإمكان الفلسفي يختلف عن الإمكان الفعلي والإمكان المعرفي والإمكان الرياضي، فهو أوسع دلالةً من هذه الإمكانات الثلاثة، فبينما يُقررُ الإمكانُ الفعلي إتاحة الفرصة لتحقيق فعل أمر ما، كالسفر إلى القمر مثلًا، ويُقررُ الإمكانُ المعرفي إتاحة الفرصة لتحقيق معرفة أمرٍ ما عندما تتغير المعطيات الحاليَّة التي تمنع تحققه كالعيش على المريخ مثلا، ويُقررُ الإمكانُ الرياضي إتاحة الفرصة حسابيًا لحصول أمرٍ ما، كسقوط نيزك على الأرض مثلا؛ يُقررُ الإمكانُ الفلسفي إتاحة الفرصة لتحقيق وجود أمرٍ ما لا يُوجد في العقل والمنطق ما يُوجب وجوده أو ما يُوجب استحالته؛ أي إنَّ الإمكان هو أن يكون الشَّيءُ قابلا للوجود والعدم على حد سواء، ومُمكِنُ الوجود هو: الموجود الذي إذا اعتبر بذاته لم يجب وجوده، وظاهر أنَّه لا يمتنع أيضًا وجوده، وإلا لم يدخل في الوجود). والإمكانُ في الحقيقة كما يرى المنطقيون لا يحتاج إلى تعريف؛ لأنَّه من المفاهيم المدركة بالبداهة الفطرية. يقول السبزواري:
وهر
(1)،
غنية عن الحدود
ذات تأس فيه بالوجود (2)
فبمجرد الإقرار بوجود واقعية ما يُبادر العقل مباشرةً بالقيام بمهمة تقرير الإمكان، فقوانين العقل البشري تفرض علينا - فرضًا بدهيا - تقسيم الأمور إلى ثلاثة أقسام لا رابع لها، ولن يستطيع أي عاقل - ولو ركب أكتاف الشَّدائد وخاض غمرات الحوادث - أنْ يُضيف عليها قسما رابعًا أو
1 - ابن سينا: الإلهيات من كتاب الشفاء، ص (49). ويُنظر: جعفر آل ياسين الفارابي في حدوده ورسومه، ص (578). وعبدالعزيز الثميني، معالم الدين، (1/ 84).
2 - يُنظر: مرتضى المطهري، دروس في الفلسفة الإسلامية، (32/ 3).
497 (1/497)
صفحة 498
مناجزة الإلحاد
أن ينقص منها قسمًا واحدًا؛ فهذا ممَّا لا يقع في حبالة أمل، ولا يعلق به سبب، وهذه الأقسام
العقلية الثلاثة:
الامتناع: وهو وجوب العدم، أو عدم إمكان الوجود (إلا في عالم الذهن فقط).
الإمكان: وهو عدم وجوب الوجود والعدم، فيتساوى فيه الأمران.
الوجوب: وهو امتناع العدم، أو عدم إمكان العدم.
وعلى ذلك فإنَّ مفاهيم الإمكان والوجوب والامتناع في حالة التمثيل لها من منظور عقلي فلسفي تفهم على النحو الآتي:
الوجوب: بأن يكون بين الشَّيء ووجوده علاقةٌ واجبة لا تنفك عنه، كالزوجية في الاثنين والأربعة.
الامتناع: بأن يكون بين الشَّيء ووجوده مانع قسري يمنع تحققه، كوجود الجزء الذي يكون
أكبر من كله. الإمكان: بأن يكون بين الشَّيء ووجوده إمكان ذاتي بحيث يخلو تحققه من الامتناع والوجوب، كوجود الإنسان.
فالأمر الذي يمتنع وجوده أو يجب عدمه هو العدم اللاشيء)، وسبب امتناعه هو فقدان العِلَّة، إذ من المعلوم بأنَّ عِلَّةَ العدم هي عدمُ العِلَّة. والأمر الذي يتساوى فيه الوجود والعدم هو الذي لا يُوجَد مانع عقلي يمنع وجوده، ولا يُوجَد مُوجِبٌ عقلي يُوجب وجوده، فإن أصبح موجودًا فقد ترجح وجوده على عدمه، وانقلب إلى حكم الوجوب لغيره، وأمَّا الأمر الواجب فهو الذي يمتنع عدمه مطلقًا ولا يتعقل إلا وجوب وجوده، فوجوده ضروري ولازم؛ لأنه نقطة انطلاقة الأشياء بأسرها، ولا يعقل أن تبدأ الأشياء من عدم دون وجود مبدئ لها.
أحكام الإمكان
بعد بيان المراد من الإمكان والتَّطرق إلى ما يستتبعه من تقسيمات كالامتناع والوجوب بالذات والوجوب بالغير؛ لعل القارئ الكريم قد استشف من ذلك الأحكام المتعلقة بالإمكان بكل جلاء ووضوح، ومن الطبيعي أنَّه سيشاركنا في استخلاص بعض الأحكام المترتبة على الإمكان من قبيل:
1 - يُنظر: الإيجي، المواقف في علم الكلام، ص 68.
498 (1/498)
صفحة 499
المبحث التاسع: المستوى العقلي
(1) - أنَّ الممكن يظلُّ مُعلَّقا بين الوجود والعدم بنسبةٍ متساوية ريثما تستله العِلةُ من بين جنبات الوجود والعدم، فترمي به إلى مسارح الوجود التي ستشهد عليه. (2) - أنَّ عدم تحقق الممكن لا يرجع إلى الاستحالة العقلية، بل إلى انعدام المُرجّح الذي ينتشله من بين غياهب العدم. (3) - أنَّ تحقق وجود الممكن بعد أن كان حبيس أدراج الإمكان ينقله من حال (الإمكان) إلى حال (الوجوب إلا أنَّ وجوب وجوده يظل مفتقرًا إلى غيره.
(4) - أنَّ انقلاب الممكن من حال (الإمكان) إلى حال (الوجوب) لا يتنافى مع بقائه في حكم الممكن، فالممكن بالذات واجب بالغير بعد تحقق وجوده، وما يتنافى - أو يتناقض - مع حال الإمكان هو الانقلاب إلى حال الوجوب الذاتي لا الانقلاب إلى حال الوجوب بالغير. (5) - لا علاقة للإمكان بالزَّمان مهما طال أو قصر، فالممكن ممكن بذاته بغض النظر عن عوارضه من نحو: الزَّمان والمكان والكم والكيف والأين. (1) - أنَّ ممكن الوجود قبل وجوده لا يُمكن أن يكون غير ممكن، فالإمكان فيه واجب ذاتي؛ أي أنه واجبُ الإمكان، ويقصر باعه عن غير ذلك.
البرهنة على الإمكان
الإمكان مفهوم بدهي فطري لا يحتاج إلى برهنة وإثبات فالعقل قاض بأنَّ الكون قبل وجوده كان في حكم الإمكان ولم يكن قط في حكم الوجوب أو الامتناع؛ أي إنَّ الكون كان من الممكن أن يُوجَد ومن الممكن ألا يُوجَد، ولكنَّه أصبح موجودًا كما نرى! إذن؛ فإنَّ حكم الكون هو الإمكان؛ لأنَّه:
مسبوق بعدم، وكلُّ ما كان مسبوقا بعدم فهو ممكن.
محتاج ومفتقر إلى العلة الموجدة، وكلُّ ما كان محتاجا إلى غيره فهو ممكن. مرهون بوجود أجزائه، وما كان مرتهنا على شيء فهو ممكن.
وسائر أجزاء الكون تأخذ حكم الإمكان قبل وجودها، فوجود الإنسان ممكن؛ إذ إنَّه سُبق بعدم واحتاج إلى عِلَّة مُوجدة، ووجود الحيوان والنبات والذرات والطاقات وصولا إلى الأجرام والمجرات ممكن أيضًا؛ للاعتبارات ذاتها، وهذا ما يشهد عليه الانفجار العظيم والتطور البيولوجي؛ إذ إنَّ هذه الموجودات لم تكن موجودةً من قبل، فانتفى عنها بهذا حكم الوجوب.
499 (1/499)
صفحة 500
مناجزة الإلحاد
وتنبه هنا إلى أنَّ وجود المعطيات التَّجريبية التي تدعم تقسيم الموجودات إلى الممكن والواجب، لا يعني بحال من الأحوال أنَّ البرهنة على تقسيم الموجودات على نحو الإمكان والوجوب هي برهنة حسيَّةً تجريبية، بل هي برهنة تستدعيها الضرورة العقلية، بحيث يُعد إنكار ذلك تناقضا مع ضرورات العقل السليم وقواعد المنطق القويم، فإنَّك غير مستطيع أن تظفر بشيء يخرج عن هذين التقسيمين للوجود! وعليه؛ فإنَّ الموجودات إما أن تكون ممكنةً بأجمعها، وإما أن تكون واجبةً بأجمعها، وإما أنْ يُوجد منها ما هو ممكن وما هو واجب، فإن كانت ممكنةً بأجمعها لزم التسلسل؛ لاحتياجها إلى العِلَّةِ النهائية الواجبة، والتّسلسل محال، أو لزم الدور الممتنع؛ لتوقف وجود كل فرد منها على الآخر، والدَّور محال، وإن كانت واجبةً بأجمعها أو واجبةً بوجوب بعض مصاديقها فهذا
يُجاب عنه لاحقا في موضع نقد الاعتراضات الموجهة إلى برهان الإمكان.
برهان الإمكان والمعطى العلمي
نود أن نقرر أن لا وَشِيجَةَ آكدةً بين برهان الإمكان والمعطيات العلمية؛ لأنَّ دائرة الأوّل عقليَّةً مطلقة، ودائرة الثَّاني تجريبية ضيقة، كما أنَّ دائرة الأوَّل يقينيَّةٌ ثابتة، ودائرة الثَّاني ظنيَّةٌ متأرجحة، فلا يُمكن أن يُوجد خط تعارض وتصادم بين الدائرتين إلا بالولوج في دهاليز المراء والسفسطة، أو بالعزف على أوتار الوهم والتوهم، أو باستجلاب معاليق الجهل والتوسل بها، ولكن مع هذا يبقى للمعطيات العلميَّة ما يشهد بضرورةِ التَّقسيم الذي أسقطه برهان الإمكان على كل الموجودات، وذلك من خلال بحث العِلم عن أسباب الظواهر الطبيعية، وإرجاع كل ظاهرة منها إلى المُمكِّن الذي مكَّن من وجودها كإرجاع كل الحيواتِ إلى الخلية البدائية الأوَّليَّة، وإرجاع كل الذرات والطاقات إلى المفردة الأوَّليَّة، وإلى هنا ينتهي دورُ المُعطى العلمي - الحالي - الذي أكد صفة الإمكان في هذه الموجودات، وهو عين المطلوب منه، إذ لا يستطيع إلا أن يُؤكد وجود الممكنات ممكنا بعد ممكن؛ لأنَّ الوجوب يُبحث عنه فلسفيا فقط، ولا حظ للمعطيات العلميَّة فيه إلا بنسج خيوطٍ متينة تكون بمثابة المقدمات المبدئية التي ستصطادُ بها الفلسفة طرائدها. وإذا ما حاولنا النُّزول قليلا إلى ساحة المعطيات العِلميَّة لنقرأها متواضعين بين يدي برهان الإمكان؛ فيبدو أنَّ كلام عالم الفيزياء الإنجليزي بول ديفيز قد يُسعفنا - وإن كان عليه بعض المآخذ الفلسفية خصوصا تلك التي تتبناها مدرسة الحكمة المتعالية - بقوله: "يُقال إنَّ هذه
500 (1/500)
صفحة 501
المبحث التاسع: المستوى العقلي
السمات تتوقف على عوامل جائزة (Contingent) في وجودها على بعضها، إنَّ شيئًا ما يكون جائزا إذا كان بالإمكان أن يكون غير ذلك، بحيث إنَّ السَّبب (لماذا هو على ما هو عليه) يعتمد على شيء آخر خارج ذاته ... من الصعب أن يقتنع المرءُ بوجود أشياء ضرورية في الطبيعة، فبكل تأكيد جميع الأشياء الفيزيائية التي نراها في العالم، والأحداث التي تحدث لها تُؤثّر بطريقةٍ ما على بقيَّة العالم، ولذلك يجب أن نعتبرها أشياء جائزة، زد على ذلك إذا كان شيء ما هو بالضرورة على ما هو عليه؛ إذن ينبغي أن يكون دائمًا على ما هو عليه، إنَّه لا يتغير شيء ضروري لا يستطيع أن يُبدي مرجعيَّته إلى الزَّمن، مع ذلك إنَّ حالة العالم تتغيَّر باستمرار مع مرور الزمن، لذلك فإنَّ جميع الأشياء الفيزيائية التي تشترك بذلك التغير يجب أن تكون جائزة (1).
(1)
أيضًا الاحتمالية الموجودة في عالم الكوانتم قد يُستشف منها الدعم العلمي للإمكان، فإنَّ جميع الفيزيائيين الدارسين لميكانيك الكمّ يعلمون أنَّ الصفة المؤسسة لميكانيك العالم وظاهرات العالم هي الصفة الاحتمالية وليست الحتمية؛ أي إنَّ نتائج فعل قوانين العالم (القياسات) ليست حتمية، بل هي احتمالية جوازيَّة، وبالتالي فإنَّ العالم ليس واجبًا بل هو ممكن ... هذه الحقيقة تغيب عن عقل واينبرغ وعن عقل هوكنج حين يتحدثون عن الله البرهنة بالإمكان
(2)
لو صوّبنا أبصارنا وبصائرنا تجاه محاريب الموجودات؛ لرأينا بأنَّها لا تخلو من أحد أمرين: إمَّا أنْ تكون ممكنة الوجود، وإما أن تكون واجبة الوجود - تمَّ استبعاد الممتنعات هنا لأنَّها ليست من الموجودات - فكلُّ ما كان واجب الوجود بذاته لا يحتاج في وجوده إلى شيء غيره فهو واجب الوجود الذي يمتنع عدمه أو يمتنع عدم وجوده، وكل ما كان ممكن الوجود يحتاج في وجوده إلى شيءٍ آخر فهو ممكن الوجود، ولا بُدَّ لممكن الوجود أن يعود إلى المرجح الذي رجح وجودَه، فإن عاد لزم أن ينقطع التسلسل إلى واجب الوجود الذي انتشله من غيابات العدم فكان بعد أن لم يَكُن.
إنَّ جميع الموجودات التي كانت في حكم الإمكان تحتاج إلى عِلَّةٍ رجحت كفَّةً وجودها على عدمها، فعالم الحياة يعود إلى الخليّة الحيَّة البدائية الأولى كما تنص على ذلك نظرية التطور، 1 - بول ديفيز، التدبير الإلهي، ص 180.
2 - محمد باسل الطائي، ستيفن هوكينج وخلق العالم الحوار المتمدن، العدد (3150) بتاريخ: (10/ 10/ 2010 م).
0.1 (1/501)
صفحة 502
مناجزة الإلحاد
وعالم الجماد كله يعود إلى المفردة الأولية كما تنص على ذلك نظرية الانفجار العظيم، إلا أنَّ طول هاتين السلسلتين لا يقف عند هذا الحد، فالخلية البدائية الأولى والمفردة الأولية ممكنتا الوجود أيضًا ليستا بواجبتين، فوَجَبَ انقطاعُ سلسلة المكنات عند حاجز (واجب الوجود). يقول الفارابي: "إِنَّ الموجودات على ضربين: أحدهما إذا اعتبر ذاته
الفارابي
لم يجب وجوده، ويُسمَّى ممكن الوجود. والثاني إذا اعتبر ذاته وجب وجوده، ويُسمَّى (واجب الوجود. وإذا كان ممكن الوجود إذا فرضناه غير موجود لم يلزم منه محال، ولا غنى بوجوده عن عِلَّة، وإذا وجَبَ صار واجب الوجود بغيره. فيلزم من هذا أنَّه كان مما لم يزل ممكن الوجود بذاته، واجب الوجود بغيره، وهذا الإمكان إمَّا أنْ يكون شيئًا فيما لم يزل، وإما أن يكون في وقت دون وقت، والأشياء الممكنة لا يُمكن أن تمر بلا نهاية في كونها علةً ومعلولا، ولا يجوز كونها على سبيل الدور، بل لا بُدَّ من انتهائها إلى شيء واجب هو الموجود الأول، فالواجب الوجود متى فُرض غير موجود لزم منه محال، ولا علة لوجوده، ولا يجوز كون وجوده بغيره، وهو السبب الأول لوجود الأشياء، ويلزم أن يكون وجوده أوَّل وجود، وأن ينزّه عن أنحاء النقص، فوجوده، إذن، تام، ويلزم أن يكون وجوده أتم الوجود، ومنزّها عن العِلل
جميع
(1) ec
مثل المادة والصورة والفعل والغاية. ويستدلُّ الشَّيخُ الرئيس بالإمكان على النحو الاتي: كلُّ موجود إذا التفتَ إليه من حيث ذاته من غير التفات إلى غيره؛ فإما أن يكون بحيث يجب له الوجود فى نفسه أو لا يكون، فإنَّ وجَبَ فهو الحقُّ بذاته، الواجب الوجود من ذاته، وهو القيوم، وإن لم يجب لم يجز أنْ يُقال: إنَّه ممتنع بذاته بعدما فُرض موجودًا، بل إن قُرن باعتبار ذاته شرط مثل شرط عدم. علته صار ممتنعًا، أو مثل شرط وجود علته صار واجبًا، وإن لم يُقرن بها شرط لا حصول علةٍ ولا عدمها بقى له في ذاته الأمرُ الثَّالث، وهو الإمكان؛ فيكون باعتبار ذاته الشَّيء الذي لا يجب ولا يمتنع، فكل موجودٍ إما واجب الوجود بذاته أو ممكن الوجود بذاته، ما حقه في نفسه الإمكان فليس يصير موجودًا من ذاته، فإنَّه ليس وجوده من ذاته أولى من عدمه من حيث هو ممكن، فإن صار أحدهما أولى؛ فلحضور شيء أو غيبته، فوجود كل
1 - الفارابي، مبادئ الفلسفة القديمة، ص.
502 (1/502)
صفحة 503
المبحث التاسع: المستوى العقلي
ممكن هو من غيره، إما أن يتسلسل ذلك إلى غير النهاية فيكون كلُّ واحدٍ من آحاد السلسلة
(1)
ممكنا في ذاته، والجملة متعلقة بها فتكون غير واجبة أيضًا وتجب بغيرها ... ).
وبتقرير آخر يُقال: إِنَّ هناك واقعيَّةً ما لا يتطرق إليها الشَّكُ والرَّيب؛ إذ لا يسعنا أن نرتاب في حقيقة وجود واقعيَّةٍ ما إلَّا أن ندخل في متاهات السفسطة الجورجياسيَّة، ثمَّ إِنَّ كلَّ موجود هو مُترجّح الوجود، فلو لم يكن كذلك لكان إما مترجح العدم أو متساوي النسبة بين الوجود والعدم، ولازمه أن يكون ما فُرِضَ موجودًا ليس بموجود، وهذا خلف كونه موجودًا، إذن؛ مع فرض كون الشيء موجودًا فهو مترجح الوجود على العدم. ثمَّ إِنَّ كلَّ ما كان مترجح الوجود فترجُحه إما بذاته أو بغيره، فإن كان بذاته فهو واجب الوجود وهو المطلوب، وإن كان ترجُحه بغيره، فإن كان ذلك (الغير) هو الوجود الأول لزم الدور الباطل، فلا بُدَّ أن يكون غير الأول، وهو إما أن يكون مترجحًا بنفسه فيثبت المطلوب، وإما أن يكون مترجّحًا بغيره فيتسلسل، وحيث إنَّ التَّسلسل في العلل المؤثرة باطل، فلا بُدَّ إذن أن ينتهي إلى المترجّح بنفسه، وهو واجب الوجود بالذات (2).
يبان بأنَّ هنالك احتمالات لسبب وجود الموجودات الممكنة بذاتها، وكلُّها احتمالات باطلة
زهوقة منطقيا، نستحضرها بين يدي القارئ الكريم بشكل مقتضب كالآتي:
- أن تكون هذه الموجودات هي عِلَّة وجودها. وهذا باطل؛ للزومه قبول اجتماع النقيضين،
فيصبح المعدوم موجودًا قبل وجوده - أي في حال عدمه - ليُحدِث نفسه، وهذا محال. - أن تكون هذه الموجودات بلا علَّةٍ أوجدتها. وهذا محال قطعًا؛ لأنَّ فيه ثلبًا وهتكًا صارخًا الحُرمة قانون السببية.
- أن تكون أبعاضُ هذه الموجودات الممكنة عِلَّةً لأبعاضها الممكنة. وهذا محال أيضًا؛ لأنه يعمد إلى الدور المنطقي الممتنع.
- أن تكون هذه الموجودات الممكنة معلولةً إلى ما لا نهاية. وهذا محال كذلك؛ لأنَّه يستند إلى التسلسل في العِلَل المؤثرة، وهو ممتنع وظاهر البطلان.
1 - ابن سينا الإشارات والتنبيهات، (19/ 3 - 22).
2 - يُنظر على اليوتيوب: كمال الحيدري برهان فلسفي على وجود الله: (www.youtube.com/watch?v=rDdGKSv 59 vg).
503 (1/503)
صفحة 504
مناجزة الإلحاد
- أن تكون هذه الموجودات الممكنة معلولةً لعِلَّةٍ واجبة الوجود بذاتها، وهذا ما يُوجبه النَّظرُ العقلي والمنطقي وينقاد إليه التفكير البشري فطريا.
والخلاصة: "إِنَّ مُبدئ الكائنات بأسرها لا بُدَّ أنْ يكون واجبًا، إذ لو لم يكن كذلك لكان إما ممتنعًا أو ممكنا، والأوَّلُ واضح البطلان، والثاني كذلك؛ لأنه لو كان ممكنا لكان من جملة الممكنات فلم يكن مُبدِيًّا لها). وعليه؛ فإنَّ الإمكان برهان فلسفي براقٌ يُستدل به على وجود الله تعالى، وهو برهان يضطرُكَ على نحو بالغ إلى الإقرار بوجود الله ومن اللافت للنظر أنَّ مفعول برهان الإمكان والوجوب يسري في أوصال القائلين بـ (حدوث) العالم كما يسري على القائلين بـ (قدمه)، وهذه نقطة إضافيَّةً مهمَّةٌ تُحسب لصالح هذا البرهان العتيد.
البرهنة بالإمكان (1)
يرتكز برهان الإمكان على ثلاث مقدمات في غاية البداهة:
المقدمة الأولى: الأكوان ممكنة الوجود.
المقدمةُ الثَّانية: لكل مُمكَنٍ مُمكِّن.
المقدمة الثالثة: الممكنات لا بُدَّ أنْ تنتهي إلى واجب الوجود (امتناع التسلسل).
البرهنة بالإمكان (2)
ويُمكن أن يتوكَّاً برهان الإمكان على المقدمات الرباعية التالية:
المقدمة الأولى: الأكوان حادثة.
المقدمة الثانية: كل حادث ممكن.
المقدمة الثالثة: كلُّ ممكن لا بُدَّ له من مُمكِّن.
المقدمة الرابعة: سلسلةُ العِلل الممكنة لا بُدَّ أن تنتهي إلى واجب الوجود.
البرهنة بالإمكان (3)
عن طريق القياس الشرطي المنفصل: إنَّ الكون موجود، وهناك أربعة احتمالات لتفسير
سبب وجوده
1 - عبد العزيز الثميني معالم الدين، (1/ 157 - 158).
504 (1/504)
صفحة 505
الاحتمال الأول: العدم.
الاحتمال الثاني: الكون نفسه.
الاحتمال الثالث: مُمكن آخر.
الاحتمال الرابع: واجب الوجود.
المبحث التاسع: المستوى العقلي
فإذا تم تقويض الاحتمالات الثلاثة - وهذا ما سيحدث لاحقًا - فلن يبقى إلا الاحتمال الرابع. نتيجة برهان الإمكان
في برهان الإمكان وبجميع صيغ مقدماته نجد بأنَّ النتيجة النهائية هي إثبات وجود واجب الوجود؛ فهي النتيجة المنطقية الوحيدة التي تفرضها الضَّرورة العقلية، وتظهر مصداقيتها في أَمرَيْنِ اثْنَيْن:
الأول: إنَّ الإمكان الذاتي للكون أو الوجوب غير الذاتي له، افتقار محض إلى العِلَّة المستغنية عن غيرها، وهذا الافتقارُ لا يُمكن أنْ يُسدَّ ثغره أو أنْ تُطلب كفايته من افتقار وجودي يماثله ويُضارعه إلى ما لا نهاية فما يتسلسل لا يتحصل.
الثَّاني: إنَّ الإمكان الذَّاتي للكون حالة معلقة بين الوجود والعدم، وانتقالها إلى حالة الوجود لا يكون إلا بناقل؛ إذ إنَّ لكل منقول ناقلا قانون السَّببيَّة) وبهذا يصل بنا برهان الإمكان - بحكم ضرورته العقلية والمنطقية - إلى مراسي الاعتراف بوجود الله تعالى، ودون الأخذ بهذا الاعتراف زيادة في عدد الأسافين التي توطد حالةَ التَّخاذل الإلحادي عن نُصرة المنطق العقلي،
وتلبية داعيه!
الاعتراضات على برهان الإمكان
تناول الملاحدة برهان الإمكان بنموذجهم المعرفي المختزل في المادة، وهذا الاختزال بطبيعته سيؤدي إلى رفض أي ضرورة عقلية ومنطقيَّةٍ تُحيَّمُ وجود إله مُتسام عن عالم المادة، فكانت لهم لأجل ذلك حزمة من الإيرادات والاعتراضات على برهان الإمكان والوجوب، منها ما يخص مقدماته، ومنها ما يخص نتيجته النهائية. ونحن بدورنا سنقوم باستعراض هذه
1 - يقول الله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (الطور: 35). فحيث إنهم لم يُخلقوا من العدم المحض، كما أنهم لم يَخلُقوا أنفسهم فضلا عن أن يَخلُقوا الموجودات الممكنة الأخرى؛ دلّ ذلك على افتقارهم أجمعين لواجب الوجود الغني عن العالمين.
505 (1/505)
صفحة 506
مناجزة الإلحاد
الاعتراضات والإجابة عنها، وكشف ما يكتنفها من غَبَشٍ وسوء فهم لحقيقة البرهان، مع إضافتنا بعض الاعتراضات التي قد تخطر على البال، فينقدح زنادُ الإجابة عنها؛ مبادرًا بإخراسها قبل أن تتشكل وتتبلور في رؤوس المعترضين!
إذن؛ سنقسم الاعتراضات حسب مقدمات البرهان ونتيجته، وذلك على النحو الآتي:
أولا: الاعتراضات على المقدمة الأولى:
الاحتجاج بالإمكان والوجوب مصادرة على المطلوب.
الكون واجب الوجود، وليس بممكن.
الإقرار بالممكن راجع إلى محدوديتنا.
ثانيا: الاعتراضات على المقدمة الثانية:
سبب الكون هو نفسه.
الكون نشأ بالصدفة.
الكون نشأ بلا سب.
ثالثا: الاعتراضات على المقدمة الثالثة:
قياسُ الغائب على الشاهد.
جواز تسلسل العِلل.
رابعا: الاعتراضات على النتيجة:
عدم وجود واجب الوجود من الأساس.
واجب الوجود هو المادة.
واجب الوجود يحتاج إلى عِلَّةٍ هو الآخر. الموضوع غير مُثبَتٍ فكيف أثبتُمُ المحمول.
قد يكون واجب الوجود شيئًا غير الله.
تعدد واجب الوجود.
0.7 (1/506)
صفحة 507
المبحث التاسع: المستوى العقلي
أولا: الاعتراضات على المقدمة الأولى
تنطلق المقدمة الأولى لبرهان الإمكان والوجوب من حقيقة إمكان الكون، فـ (الكونُ ممكن). واعترض على هذه المقدمة بما يلي:
(1) - الاحتجاج بالإمكان والوجوب مصادرة على المطلوب
قد يعترض بعضُ الملاحدة بهذا الاعتراض على المقدمة الأولى من برهان الإمكان، زاعمين بأنَّها تقع في فخ مغالطة المصادرة على المطلوب (Begging The Question) إذ لم يثبت لدينا
وجودُ (الممكن) و (الواجب) حتَّى نبني عليه نتيجةً بُرهانيَّةً!
هذا هو ديدن الملاحدة في كل مرَّة، فهم يعترضون على المفاهيم التي تُقررها النظرة العقلية المنطقية حين لا تصب في صالحهم - كمن يؤامر نفسيه - على الرغم من أنَّ أيَّ نظرة عقليَّةٍ تأملية في الكون ستضعك حتمًا أمام فُوَّهة هذَيْن التَّقسيمين للموجودات؛ لتنطلق منها في بناء تصورك المعرفي ولكن إذا ما زُعم - من باب المراء والسفسطة - بأنَّ النَّظر العقلي لا يُوجب مثل هذَيْن التَّقسيميْن، فإِنَّنا سنلزِم المعترضين بالنتيجة التي ستتمخَّضُ عن الفحص الميداني،
وتتبدى بها شواكل الأمر؛ حتَّى لا يبقى لديهم مفر من الإقرار بحتمية الإمكان والوجوب! لنفترض - مبدئيا - أنَّ تقسيم الموجودات إلى الممكن والواجب هو تقسيم غير مثبت، ومن ثُمَّ فَإِنَّ الاحتكام إليه يُعدُّ من باب (المصادرة على المطلوب). ولنبدأ بالمعنى المباشر للإمكان، وهو احتياج الممكن إلى عِلَّةٍ لوجوده. والمعنى المباشر للوجوب، وهو عدم احتياج الواجب إلى عِلَّةٍ لوجوده. فهل يُوجد في العقل البشري تقسيم ثالث للموجودات غير هذين التقسيمين؟! طبعًا لا يُوجَد؛ لأَنَّ هَذَيْن التَّقسيمين يدوران بين النَّفي والإثبات، وبالتحديد فهما يدوران بين الشَّيء ونقيضه، والأمر الذي يدور بين الشَّيء ونقيضه لا يُوجد له ثالثُ، ويُسمى في المنطق الصُّوري بـ (الوسط الممتنع) أو بـ (الثَّالث المرفوع). والآن؛ اتَّضح لنا أنَّ الموجودات إما أنَّها تحتاج إلى عِلَّةٍ لوجودها، فتدخل في حكم الممكن، وإما أنَّها لا تحتاج إلى عِلَّة، فتدخل في حكم الوجوب، فإن قلت بأنَّها تحتاج إلى علةٍ لوجودها فهذا إقرار منك بأنَّها ممكنة، وإن قلتَ بأنَّها لا تحتاج إلى علةٍ فهذا إقرار منك بأنَّها واجبة، وإن قلت بأنَّ بعضها يحتاج إلى عِلَّةٍ دون بعضها الآخر، فهذا إقرار منك بثبوت حكم الإمكان
O. V (1/507)
صفحة 508
مناجزة الإلحاد
والوجوب، وإن قلتَ بأنَّه لا يُوجد إمكان ولا وجوب فهنا يرتفع - معك - النفع من لغة العلم والمنطق ويتعيَّن الانتقال إلى لغة الطب والمراكز النفسيَّة؛ ومنه يتوجب علينا إسداء النصح لك بضرورة مراجعة أقرب مصحة نفسيَّة وبهذا نكون قد خرجنا من سترة الشك إلى صفحة اليقين، بعدما سقطت دعوى (المصادرة على المطلوب)، وتبيَّن بجلاء لا يُخامره أدنى شك أنَّ هذَيْن التَّقسيمين (الإمكان) والوجوب من ضرورات التعقل والتّمنطق.
(2) - الكون واجب الوجود وليس بممكن هذا الاعتراض ليس له حظ من الاعتبار إلا بعد الإقرار بأنَّ الموجودات بأجمعها تندرج تحت قِسمي: الإمكان والوجوب. وعليه؛ فإنَّ الملحد الذي يعترض بهذا الاعتراض يكون قد تخطّى الاعتراضَ السَّابق وأقر بخطئه، ولكن قبل الإجابة عن هذا الاعتراض يجب على المعترض أن يكون عالما بدخائل اعتراضه مالكًا لأزمته؛ ذلك لأنَّ معنى (واجب الوجود) هو الكمال وعدم الاحتياج إلى عِلَّة. ومعنى (ممكن الوجود هو النقص والاحتياج إلى عِلَّة. ولئن تقرّر هذا فإنَّ اعتراض الملحد بأنَّ الكونَ واجب الوجود لا يُمكن أن يُقصد منه إلا أنَّ الكون لا عِلَّةَ لوجوده، فإن ثبت أنَّ الكون لا عِلَّة لوجوده فهو واجب الوجود حقا كما يقول هذا الاعتراض، وإن ثبت أنَّ له عِلَّة فهو ممكن الوجود ليس بواجب.
وفي الحقيقة فإنَّ الكون شاهد على نفسه بالإمكان والافتقار إلى العلة، وهذا أمر بدهي لا يحتاج إلى كثير تأمل، وإليك بعض الشواهد على هذا:
(أ) - إنَّ الكون مسبوق بعدم، وكلُّ ما كان مسبوقاً بعدم فهو حادث، وكل حادث مفتقر إلى
مُحدث، وهذا يتصادم مع وصفه بـ (واجب الوجود ويتعامل معه على طول الخط. (ب) - إنَّ الكون مسبوق بعدم، وكلُّ ما كان مسبوقاً بعدم فهو ممكن؛ لأنَّ واجب الوجود لا يسبقه عدم؛ إذ لو سبقه عدم لكان غير موجود قبل وجوده، ولكان مفتقِرًا إلى عِلَّةٍ تُوجده، وهذا يتناقض مع مفهوم (واجب الوجود).
هي إلا
(ج) - إنَّ الكون في حقيقته ما هو إلا مجموع أجزائه (مركب)، وإنَّ أجزاءه ما متغيرات تنتقل من صورةٍ إلى أخرى، وكلُّ ما هو مركب ومتغير فهو مفتقر إلى أجزائه ومفتقِر
إلى مَن يُغيّره، وهذا يتنافى مع مفهوم (واجب الوجود).
0.1 (1/508)
صفحة 509
المبحث التاسع: المستوى العقلي
(د) - إنَّ أجزاء الكون متحيزة في الزمان والمكان، فهي بهذا مفتقرة إليهما، وهذا وجه صارخ من وجوه النقص والافتقار والتي تتلاحز مع مفهوم (واجب الوجود).
(هـ) - إنَّ الكون تتناوشه مظاهرُ النقص والاحتياج، كالفناء والشرور والمآسي والأمراض
والأتراح والانكتام والالتعاج ... إلخ، وهذا ما لا يتألف مطلقا مع مفهوم (واجب الوجود). (و) - إنَّ الكون يفتقر إلى القوانين التي تحكمه، والقوانين تفتقر إلى المقنّن، فـ (لكل قانون مُقنّن) وفي هذا ما يشهد على عوز الكون وفاقته واحتياجه إلى غيره، وكلُّ ذلك لا يستقيم قطعًا مع وصف الكون بأنه واجب الوجود).
إنَّ مجرد قول الملحد بالوجوب الذاتي للكون سيُقلّده قلائد التهافت والتناقض، ويغمسه في رمال التَّعثُر والتَّخاذل، ويتجلى شأن ذلك فيه بالأمور الآتية:
(1) - أن يتخلى الملحد عن الاحتجاج بـ (مشكلة الشَّر)؛ لأنَّ الكون واجب الوجود، وواجب الوجود كامل لا نقص فيه، والشَّر صفةُ نقص.
(2) - أن ينبذ الملحد نظريَّة (التَّطور) وفلسفتها؛ لأنَّ الكون واجب الوجود، والتَّطور دليل على وجود النقص والافتقار الذي لا يُسدُّ إلا بالاستعانة بالتَّطور.
(3) - أن يُعارض الملحد كلَّ مُقرّرات العِلم التي تشهد بوجود بداية للكون؛ لأنَّ الكون
واجب الوجود، وواجب الوجود أزلي لا بداية له، ولا يتصوّر سبقه بعدمِ مطلقًا.
(4) - أن يتجنَّب الملحد طرح سؤال من خلق الله)؛ لأنَّ إقرار الملحد بأنَّ الكون واجب الوجود يدلُّ على أنَّه يُجيز وجود شيءٍ أَوَّل بلا عِلَّة.
لقد أشار ويليام لاين كريغ إلى أنَّ مثل هذا الاعتراض لا يجرؤ على أن يتفوه به عاقل، فهو بنظره خطوة تبدو متطرفةً بالنسبة إلى الملحد نفسه، يقول كريغ: "بدا لي أنَّ الفيلسوف أدولف جرونباوم - فيلسوف العلوم الملحد الشَّرس من جامعة بيتسبيرغ - كان يلمح لهذه الفكرة، ولكن عندما سألته مباشرةً عما إذا كان يعتقد أنَّ الكون واجب الوجود؛ ردَّ بعصبية قائلا: بالطبع لا! واستمر بالقول أنَّ الكون يُوجَد هكذا بلا أي تفسير“
(1)
1 - ويليام لاين كريغ، برهان الإمكان الكوزمولوجي، ترجمة: يوسف العتيبي، (موقع حكمة)، بتاريخ: (20/ 1/ 2016 م).
509 (1/509)
صفحة 510
مناجزة الإلحاد
(3) - الإقرار بالممكن راجع إلى محدوديتنا
في هذا الاعتراض من مقدار سوء الفهم لمعنى الإمكان ما لا يخفى على من فقه معناه جيدا كما ألمعنا إليه سابقا - فبعض الملاحدة يتوهمون بأنَّ محدودية حواسنا وأدواتنا وعدم قدرتنا على إدراك الموجودات على حقيقتها هو ما يُرغمنا على قبول الإمكان، بينما لو أدركناها على حقيقتها وبكل أبعادها التي لا نصل إليها فإنَّنا سنرفض وصفها بالإمكان!
هذا الاعتراضُ يتخطى حقيقة الإمكان ويروغ عنها، ويجعل من مفهوم الإمكان - وهو المفهوم العقلي الذاتي - مفهومًا حسيًّا عَرَضيَّا، وقد اعتدنا من فلاسفة الإلحاد الكبار - كديفيد هيوم وهربرت سبنسر و برتراند راسل الذين نخرت المادية عظامهم واستحوذت على تفكيرهم - على مشاهدة الكثير من حلقات مسلسل إساءة فهم البراهين العقلية وتغليب جانب الحسيات عليها، فالإمكان يعتمد على مُسلَّمة الافتقار إلى العِلَّة الواجبة لا على تخمين ما قد يترتب على الاستناد إلى المحدوديَّة، وإن كان لهذه المحدودية يد في تعميق معنى الإمكان، فإنَّه لا سُلطان لها في تقرير ضرورات المعقول! ثمَّ إنَّك لو بلوتَ هذا الاعتراض وقلبته بطئًا لظهر لانكشف لك فيه نمط من أنماط المغالطات المنطقيَّة، والذي يتجلى بكل جسارة في الاحتكام إلى الجهل، فلو كانت حواسنا غير محدودة فهل سنُدرك حقًّا أَنَّ الكون واجب الوجود وليس بممكن؟! هل هذه يقينيَّةً من اليقينيات؟! إنَّ الحكم على الكون بالإمكان لم يكن مأتاه قط محدودية حواسنا وعجز أدواتنا، بل يكفي في تقرير ذلك التقسيم العقلي الضَّروري ولا بأس بالاستئناس ببعض الشواهد الحسية التي تشهد على عدم وجوب الكون، ثم يأتي التعميم العقلي ليُلقي بظلاله الوارفة ويُدلي بكلمته الأخيرة: (الكون مُمكن ليس بواجب).
ثانيا: الاعتراضات على المقدمة الثانية
تقوم المقدمة الثانية لبرهان الإمكان والوجوب على قانون السببية، فـ (لكل ممكن ممكن). والاعتراض على هذه المقدمة = الاعتراض على قانون السببية نفسه؛ لذا لن نطيل في سرد نقودات الاعتراضات المصوَّبة باتجاه هذه المقدمة، وسنكتفي بالإشارة العاجلة إليها على النحو الآتي:
510 (1/510)
صفحة 511
(1) - سبب الكون هو نفسه
المبحث التاسع: المستوى العقلي
هذا الاعتراض مكرور، وقد سبق - في حديثنا عن برهان الحدوث - تبيان تهافته و بطلانه وحَقَّ القولُ عليه بأنَّه استدلال دائري باطل، فهو بهذا لا يثبت على النقد والشبك، ومن الجلي بأنَّه اعتراض لم تتوله نية صادقة، ولم يُرزق حظه من التثبت.
لكن فيما يتعلق ببرهان الإمكان على وجه الخصوص، فمن الممكن إضافة نقطة أخرى تخصُّ هذا الاعتراض، حيث إنَّ معنى الوجوب يتحقَّقُ بانعدام حاجة الموصوف به إلى عِلَّة، فإن كان محتاجًا إليها سواء من خارجه أو من نفسه - كما يقول هذا الاعتراض - فهو ممكن الوجود؛ لاحتياجه إلى عِلَّة، فإن اعتُرِضَ على ذلك بوجود الله الذي لا يحتاج إلى عِلَّة؛ أُجيب عنه بأنَّ الله لا يُوصف بأنَّه سببُ نفسه. فإن قيل بأنَّ الكون كذلك لا يُوصف بأنه سبب نفسه، قلنا إذن؛ سقط اعتراضكم بأنَّ الكون هو سبب نفسه ويبقى إشكالكم في اختصاص الله تعالى بوصف (واجب الوجود) مُعلَّقا إلى محل آخر سيأتي لاحقا.
(2) - الكون نشأ بالصدفة
هذا الاعتراض مكرورُ أيضًا، وسبق الكشف عن ضحالته وهزالته، فليرجع إلى محله. ولكن لا بأس من إضافة جزئية طريفة تتعلق ببرهان الإمكان تحديدًا، وهي أن الاعتراض بنشوء الكون عن طريق الصدفة هو إقرار بحاجته إلى شيء ما يُسمَّى بـ (الصُّدفة)، سواء تعلقت تلك الحاجة بالفعل أو بالغاية، فكلا التَّعلُّقين بمثابة الحاجة، وكل حاجة هي افتقار ونقص، وما كان شأنه كذلك فإنَّه يظل حبيسا في معاقل الإمكان ولن يتبوأ في مراقي الوجوب أي مكانةٍ تُذكر.
(3) - الكون نشأ بلا سبب
تطرقنا فيما سبق إلى الإجابة عن هذا الاعتراض الذي لا يخلو من حزازة واعتساف، فلا حاجة إلى الإعادة مع التنبيه على أنَّ القول بنشوء الكون من غير سبب يحمل في ذاته الإجابة عن الاعتراض! فالشّيء الذي ينشأ) لم يكن ناشئًا قبل ذلك؛ أي لم يكن له وجود، ومن ثم فهو ممكن الوجود، وهذا التوصيف اللغوي للكون النشوء والحدوث والإمكان) لم يكن بسبب القصور اللغوي، بل بسبب الامتناع العقلي والمنطقي عن تقبل ما يُخالف هذا التوصيف المتقرر، شعر الملاحدة بهذا أم لم يشعروا.
511 (1/511)
صفحة 512
مناجزة الإلحاد
ثالثا: الاعتراضات على المقدمة الثالثة
المقدمة الثالثة لبرهان الإمكان (سلسلةُ العِلل الممكنة لا بُدَّ أن تنتهي إلى واجب الوجود) تلقت عددًا من الاعتراضات، وتدور كلُّها حول قانون السَّببيَّة الذي تعرض مستوى التنظير له عند بعض فلاسفة الغرب لثغرات خطيرةٍ كان لها أثرها البارز في التعاطي مع البراهين العقلية. ولعل التقودات التي تقدم بها الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت حول قانون السببية تُمثّل خير دليل على تلك الثغرات الناتجة عن عدم الإلمام بكل أطراف القضيَّة، فقد ركب كانت من هذا الأمر قُحمةً منيعةً لمَّا ظنَّ بأنَّ الاحتكام إلى السببية في قضيَّة إثبات وجود الله يُعتبر من باب التناظر (Analogy) وقياس الشاهد على الغائب، وما ذاك إلا لأنَّه - في ظنَّه - قانون محدود بالعِلل الطَّبيعيَّة دون الماورائية. كما توهم كانت بأنَّه لا سبيل إلى إدراك الحد الأول الذي يقف عنده تسلسلُ العِلَل)، وكأنَّ إدراك الحد الأوّل حسَبَ مخيلته جسر لا يُعبر وكنف لا يُوطَأ!!
لقد سبق الغوص في بعض تفصيلات قانون السببية وقانون امتناع التسلسل، وذلك في المدخل الذي عقدناه في بداية هذا المبحث لكننا ارتأينا تخصيص الحديث هنا عن الاعتراضين الموجهين إلى المقدمة الثَّالثة؛ للإلماع إلى عِدَّة أمور سيجدها القارئ في الشطور القليلة الآتية:
(1) - قياس الشاهد على الغائب
يزعم
هذا الاعتراض بأنَّ أحكام قانون السببية تسري في أوردة العالم الطبيعي فقط دون العالم الماورائي، وأنَّه لا يحق لنا أن نقيس ما تشاهده من ضرورة احتياج الأشياء الطبيعية لعِللها على الأشياء الماورائية التي لا تشاهدها!
إنَّ هذا الاعتراض مبتعد عن جادة الصَّواب، ويدلُّ دلالة واضحةً على سوء فهم طوية المقدمة الثَّالثة للبرهان؛ لأنَّ الأساس المتين الذي تتوكَّأُ عليه هذه المقدمة هو العقل والمنطق لا الحس والتَّجريب؛ بمعنى أنَّها مقدمةً عقليَّةً فلسفيَّةٌ نابعة من صميم قانون السببية، فـ (كل معلول له عِلَّة). ومنشأ سوء الفهم هذا راجع إلى الاعتقاد المغلوط بأنَّ قانون السببية هو قانون حسي تجريبي وليس قانونًا عقليًّا مُطَّرِدًا.
من الواجب الالتفات إلى قضيَّة استغناء القوانين العقلية عن التجربة والتمثيل، وهذا أمر
1 - يُنظر: محمود، زيدان کنط و فلسفته النظرية، ص 335.
512 (1/512)
صفحة 513
المبحث التاسع: المستوى العقلي
يسير الإدراك يقع على حبل الذراع وطَرَف التمام فعندما نقول: (لكل معلول عِلَّة). فإنَّنا نُصدِرُ تعميما عقليًا يأتيك على اغتماض يشمل المعلولَ الطَّبيعي وغيره؛ ذلك لأنَّ أبسط قواعد المنطق تقول: إنَّ حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد. فجميع المعلولات تشترك في المعلولية وإن اختلفت في الصفات الأخرى - كأن تكون طبيعيةً أو ما ورائيَّةً - واشتراكها في المعلولية هو مناط التعميم العقلي بلزوم وجود عِلَّةٍ لها.
يقول علامة المنطق محمد رضا المظفر: "والتغاير على ثلاثة أنواع: التماثل، والتخالف، والتقابل. لأنَّ المتغايرين إما أن يُراعى فيهما اشتراكهما في حقيقة واحدة: فهما (المثلان). وإما ألا ي يُراعى ذلك سواء كانا مشتركين بالفعل في حقيقة واحدة أو لم يكونا. وعلى هذا التقدير الثاني - أي تقدير عدم المراعاة - فإن كانا من المعاني التي لا يُمكن اجتماعهما في محلّ واحدٍ من جهةٍ واحدةٍ في زمان، واحد بأن كان بينهما تنافر وتعاند: فهما (المتقابلان). وإلا فهما: (المتخالفان). وهذا يحتاج إلى شيء من التوضيح؛ فنقول: (المثلان): هما المشتركان في حقيقةٍ واحدةٍ بما هما مشتركان؛ أي لوحِظَ واعتبر اشتراكهما فيها كـ (محمد) و (جعفر) اسمين لشخصين مشتركين في الإنسانية بما هما مشتركان فيها، وكـ (الإنسان) و (الفرس) باعتبار اشتراكهما في الحيوانية. وإلا فمحمد وجعفر من حيث خصوصية ذاتيهما مع قطع النظر عمَّا اشتركا فيه هما متخالفان ... وكذا الإنسان والفرس هما متخالفان بما هما إنسان وفرس
(1)
إذن؛ قانون السببية ليس قانونًا حسيًّا تجريبيا، ومن ثم فهو لا يستند في تعميماته إلى التجربة والتمثيل، بل هو يجرُّ ذيل الاغتناء مبتعدا عنهما، فلو سمعت صوتًا يأتيك من خلف الجدار لا تعلم مصدره، بل ولا تعلم إن كان صادرًا من إنسانٍ أو حيوان أو أي شيء آخر، فإنَّك ستحكم بطبيعة الحال بوجود من أصدر ذلكم الصوت؛ بحكم قانون السببية (لكل حدث سبب، فبالرغم من أنَّك لم تستطع تصور مصدر الصوت ولربما تكون قد سمعته لأول مرة في حياتك لكنَّك لن تحكم - قطعا - بأنَّه لا سبب له!
نعم؛ فجهلنا وعدم معرفتنا بالمعلول غير الطبيعي لا يعني أبدا أنَّه لا عِلَّة له - وعدم العِلم ليس علمًا بالعدم - فلو شاهدنا في كوكب بعيد عنا - أو في كون آخر إن أمكن ذلك - آلةً عجيبةً
1 - محمد رضا المظفر، المنطق، ص 46.
513 (1/513)
صفحة 514
مناجزة الإلحاد
متقنة
الصُّنع، فإنَّنا سنعلم يقينًا بأنَّ لها صانعًا صنعها ومُتقِنًا أتقنها، مع أننا قد نجهل كُنه ذلك الصَّانع. إنَّ قياس الشاهد على الغائب في الأمور العقليَّة المحضة أمر بدهي متسالم عليه عند العقلاء جميعًا، فهو بهذا بعيد عن معترك الظَّن، وبنجوة عن مرتع الشك والوهم، فالعلية والشرط من حيث إنَّها ضرورات عقليَّةٌ محضة لا تختلف شهادةً وغيابًا، فهي في الشاهد تماما كما. في الغائب.
(2) - جواز تسلسل العلل
هي
لا يوجد داع لإعادة سرد الأدلة التي تؤيد قانون امتناع التسلسل في العلل المؤثرة، فهذا القانون بدهي فطري لا يحتاج إلى البرهنة عليه، فبمجرد التأمل فيه - بعيدًا عما يُمكن تسميته بموانع أسباب التَّوجه) - يكفيك لأن تعتقد يقينًا بحقيقته.
رابعا: الاعتراضات على نتيجة البرهان
نتيجة برهان الإمكان إثبات وجود واجب الوجود توجّهت إليها سهام النقد بكثرة، لكن كثرة النقد لا تغني من الحق شيئًا، فالحق له معيار مستقل لا يُقاس بالكثرة، وما من حقيقة إلا وتجد مَن يُماحك فيها، فما من طريقِ باطل إلا وقد سلكه بعض الناس. وإذا ما أتينا على ذكر الاعتراضات الموجهة إلى نتيجة برهان الإمكان سنجدها مُشرعةً ضد المحصلات التي تفرزها ضروراتُ القوانين العقليَّة قبل أي شيء آخر، وما ذاك إلا لأنَّ وجوه الأمر استبهمت هنا على المعترضين، وغام عنهم أفقها ... وحتَّى لا نطيل في التقديم لهذه الاعتراضات نشرع في استعراضها مباشرةً كالآتي:
(1) - عدم وجود واجب الوجود من الأساس
يقتضي هذا الاعتراضُ أن ترتمي جميع الموجودات في أحضان الإمكان وحده؛ إذ إنَّ هذا الاقتضاء هو المخوَّلُ الوحيد لإقصاء وجود (واجب الوجود) من مسارح الوجود، فبعد أن دعوى وجوب وجود جميع الموجودات، جاءت هذه الدعوى التي يتوهم أصحابها
أُسقطت
1 - تنحصر (أسباب التَّوجه) في أمور خمسة: الأول: التَّيقظ والانتباه، فالغافل قد تخفى عليه الواضحات. الثاني: سلامة الذهن، فإنَّ سقيم الذهن قد يشك في أظهر الأمور. الثَّالث: سلامة الحواس، فإنَّ الأعمى - مثلا - يفقد كثيرًا من العلم بالمنظورات. الرابع: فقدان الشبهة التي تعني تأليف الذهن دليلًا فاسدًا يُناقض بدهيَّةً ما ويغفل عما في الدليل من المغالطة، فيشك بتلك البديهة أو يعتقد بعدمها. الخامس: عمليَّة غير عقليَّة لكثير من البديهيَّات، كالتَّجربة في التجريبيَّات، فإذا احتاج الإنسان للعلم بشيء إلى تجربة طويلة وعناء عملي لا يجعله ذلك علمًا نظريًّا ما دام لا يحتاج إلى الفكر والعمليَّة العقليَّة. (يُنظر: محمد المظفر، المنطق، ص 22).
514 (1/514)
صفحة 515
المبحث التاسع: المستوى العقلي
إمكان جميع الموجودات دون أن يكون بينها واجب وجود واحد. وسنفترض - مبدئيا - صحة هذه الدعوى، ثم سنقوم باختبار تماسكها وصلابتها على أرضية الحقيقة، واختبار قدرتها على الصمود أمام أسلات النقد العقلي.
بدايةً، فإنَّ الاعتقاد بضرورة وجود واجب الوجود ليس من باب تحصيل الحاصل، أو من باب الترف العقلي، وليس بلهينةً أو بذخًا منطقيا زائدا عن الحاجة، فوجوده ضروري وحتمي، وعدمه ممتنع ومحال؛ لأنَّ الموجودات بأسرها ممكنة الوجود - لازم هذا الاعتراض - وهي بهذا لا تملك أمر نفسها، ولا تملك سبب وجودها ولكننا نرى وجودها متحققا بالفعل!! إذن؛ لا بد من وجود عِلَّةٍ أوجدتها، وهذه العِلَّةُ بدورها إما أنْ تتسلسل إلى ما لا نهاية، وهذا محال، وإما أن تقف عند واجب الوجود، وهو المطلوب، فثبت وجود واجب الوجود، وإلا لما تحقق وجود الممكنات كلها. ثمَّ إنَّ الاعتقاد بوجود واجب الوجود ليس مقتصرًا على ضرورة انقطاع سلسلة العلل المؤثرة؛ لأنَّ مناط الاعتقاد بوجوده يتَّجه مباشرةً إلى الافتقار الوجودي المتحقق يقينًا في الممكنات، ولا يتَّجه إلى شيءٍ آخر، فالنَّظر إلى الممكنات بتمعن ورويَّةٍ يقودُ النَّظر العقلي تلقائيا إلى إثبات افتقار الممكنات إلى عِلَّةٍ خارجةٍ عن أُطر الإمكان ومغايرة لها؛ إذ لا يُمكن أن تُوجد الممكناتُ نفسها من العدم، فلزم وجود واجب الوجود الذي أفاض عليها من سوابغ وجوده.
(2) - واجب الوجود هو المادة
نعم؛ في هذا الاعتراض بالذات دليل على أنَّ المؤمنين والملاحدة قد ساروا على الخُطوات العقلية في تقسيم الموجودات إلى (الممكن) و (واجب الوجود)، لكنَّهم وصلوا إلى مفترق طرق، فاختلفوا في تعيين واجب الوجود الذي تنقطع به حلقاتُ التّسلسل، والذي هو بنجوة عن الشك، وبعيد عن معترك الظُّنون، فالمؤمنون اعتقدوا بأنَّ واجب الوجود هو (الله)، بينما اعتقد الملاحدة بأنَّه (المادَّة)، فأيُّ الفريقين أحقُّ بالحقيقة؟! إنَّ معنى واجب الوجود - كما مر - هو الشَّيء الذي لا يحتاج إلى عِلَّةٍ لوجوده، ثمَّ لم يسبقه عدم قط، ولم يلحقه نقص وحاجة وافتقار، فهل المادة التي جاءت لا من شيء، ونشأت من اللازمان واللامكان) - لاحظ بأنَّ المادة لا يُقال عنها مادَّة إلا بوجود الزمان والمكان - ولها عمر محدود وعدد محسوب ومقدر، تكون واجبة الوجود مع كل هذه الصفات التي تضج بالفقر والنقص والاحتياج؟! والجواب أنَّ (1/515)
صفحة 516
مناجزة الإلحاد
أصحاب هذا الاعتراض إما أنَّهم لا يفقهون المعنى الحقيقي لـ (واجب الوجود)، وإما أنَّهم يعترضون من أجل تكثير عدد الاعتراضات لا غير! إِنَّ عِلَّةَ كون الممكن ممكنا هو احتياجه وافتقاره إلى عِلَّته، والمادة محتاجة إلى من يُوجدها وإلى من يُديرها ويُقيّن قوانينها؛ إذ لا ينشأ شيء من لا شيء، ولو حدث ذلك لسقطت العلوم والمعارف بأسرها، ولما ألزمنا أنفسنا بالبحث عن مسببات المسببات ولقال من شاء بما شاء ولما شاء!
(3) - واجب الوجود يحتاج إلى علةٍ هو الآخر
بينا بأنَّ واجب الوجود هو الذي لا يحتاج إلى عِلَّةٍ لوجوده، بل هو عِلَّةُ الموجودات بأسرها، فالاعتراض بأنَّ واجب الوجود يحتاج إلى عِلَّةٍ أيضًا هو اعتراض يحمل تناقضه بكفيه؛ إذ لو تمت صياغة مضمونه بلفظ آخر كقولنا مثلًا: (الشَّيء الذي لا يحتاج إلى عِلَّةٍ يحتاج إلى عِلَّة). لظهر فساده وتناقضه تماما كما لو طلب منك في أحد الاختبارات التحريرية أن تضع دائرةً على الإجابة الصحيحة عن السُّؤال التَّالي: عَدَدُ أولادِ الشَّخص الذي لا أولاد له هو: (1) أم (2) أم (3) أم (4)؟ لا شكّ في أنَّ كل الخيارات المطروحة خاطئة؛ لأنَّ السُّؤال ذاته مغلوط ومتناقض نعم؛ فيما لو قال قائل: لماذا تحتاجُ الموجودات بأجمعها إلى عِلَّةٍ بخلاف واجب الوجود؟! أجبنا بأنَّ عِلَّة الاحتياج هي الافتقارُ والنَّقص، فقد أمعنا النظر في الموجودات بأسرها فرأيناها ناقصةً عاجزةً مفتقرةً، فلو كان ما يُقال عنه بأنَّه (واجب الوجود) ناقصًا وعاجزًا ومفتقرًا هو الآخر - وهذا يتناقض مع حكمنا عليه بأنه واجب الوجود - لوجب وجود شيء آخر يكون عِلَّةً لإيجاد هذا الذي أسميناه بـ (واجب الوجود)، ولتسلسل الأمرُ إلى ما لا نهاية، وهذا محال! (4) - الموضوع غير مُثْبَتٍ فكيف أثبتُم المحمول
زعم بعضُ منكري برهان الإمكان أنَّ اعتقادنا بضرورة وجود الله يتضمَّنُ مسبقًا الإقرار بوجود الله كموضوع، ووصفه بالضرورة والوجوب كمحمول، وهذا مصادرة على المطلوب؛ إذ لم يثبت لدينا أنَّ الله موجود فكيف يُوصف بأنَّه واجب الوجود؟! فعندما نقول: إنَّ الزوجية واجبة الوجود للاثنين والأربعة. فإنَّ هذا يقتضي وجود الاثنين والأربعة أولا!
والجواب أنَّ واقع البرهان ليس كذلك، وقد طاش هنا سهم ظنون المعترضين، ووقع رميهم دون خشبة الرمي! فبرهان الإمكان يستدل بضرورة وجود واجب الوجود على وجود الله، ولا الله على ضرورة وجود واجب الوجود، وفي هذا ما يُشير إلى أنَّ الاعتراض يقع
يستدل بوجود
516 (1/516)
صفحة 517
المبحث التاسع: المستوى العقلي
مع
المقدمة
في مغالطة (التَّحريف)؛ حيث قام بتحريف مسار البرهان كما أنَّه يقع في مغالطة منطقيَّةٍ أخرى؛ باعتبار أنَّه تعامل مع نتيجة البرهان على أساس أنَّها المقدمة، وتعامل على أساس أنَّها النتيجة ثم إنَّ الفارق بين ضرورة الزَّوجيَّة للاثنين والأربعة، وضرورة واجب الوجود للممكنات فارق كبير جدًّا، وهذا ما أخطأته عين الاعتراض المتعامية، فالزوجية وصف للماهية، والوجوب وصف للوجود نفسه، وما كان وصفًا للماهية فإنَّه يتبع الموصوف في حال وجوده، وما كان وصفًا لعين الوجود الذي لا ماهية له فإنَّه لا يتبع في وجوده شيئًا آخر سوى وجوده، فضرورة وجوبه هي عين وجوده لا ماهيته.
إِنَّ الضَّرورة الزوجية للاثنين والأربعة تُعتبر فلسفيًّا من باب السبق بالماهية، فماهية الاثنين والأربعة متقدمة على لازمها وهو الزَّوجيَّة، فالسَّبقُ هنا ليس سبقا بالعِليَّة أو بالحقيقة أو بالزمان، وحيث إنَّ واجب الوجود لا ماهية له - لكي تكون متقدمةً على لازمها - فلا يجوز أن يُلحق بما هو مختلف عنه! قد يهطع بعضُ الملاحدة إلى القول بأنَّ إثبات ضرورة الشَّيء أو وجوبه غير ممكن؛ لأنَّ الواقع لا يُوجد فيه موجود ضروري أو ممكن، ولأنَّ هذين التقسيمين ذهنيان فقط ولا مصداق لهما في الخارج يمكن التَّثبت منه إنَّ هذا القول من التهافت الفلسفي بمكان، وإِنْ دلَّ على شيءٍ فإنَّما يدلُّ على الركاكة الفلسفية التي تنخر جسد الإلحاد! فهل المستحيلُ الذي حكمنا باستحالته عقليًّا له مصداق في الخارج؟! إن كان له مصداق في الخارج فكيف يكون مستحيلا؟! وإن لم يكن له مصداق في الخارج فكيف حكمنا باستحالته؟! إِنَّ التَّعلقَ بأستار المصاديق الخارجيَّة والتّنكَّرَ للضرورات العقلية تعلُّق بخيوط العنكبوت أو بما هو أوهن! فضلا عن أنَّ الإمكان له مصاديق خارجيَّة كثيرة كما قد بيناه سلفًا، وهذا يكفي في إثبات ضرورة
وجود الواجب
هي.
(0) - قد يكون واجب الوجود شيئًا غير الله برهان الإمكان يُثبت وجود واجب الوجود، وصفة واجب الوجود تعني - كما مر - الاستغناء التام والكمال المطلق وانتفاء الحاجة والافتقار، وهذه الصفات صفات (الله) حصرًا، فيبقى الاعتراض بالقول: "شيئًا غير الله. مجرَّد اعتراض على التّسمية لا المسمى، فالإلحاد الذي يتبنى وجوب وجود المادَّة لم يستطع أنْ يُبرهن على صحة ما تبناه، بل إنَّ كلَّ البراهين جاءت على خلاف آماله، فتعلقت آماله على شِفَاء اليأس، وأصبح الأمر فَوتَ يده، ولم يبقَ له إلا أن
517 (1/517)
صفحة 518
مناجزة الإلحاد
يحتج بالاحتمالات والمجهولات كأن يقول: قد يكون، وربَّما يكون، ومن المحتمل ... إلخ. وهو عندما يحتج بمثل هذه الاحتمالات والتخمينات يضرب في أودية الحدس، ويأخذ في شعاب التَّكهن، ولا يُقدم دليلًا عليها سوى دليل الاحتمال نفسه!
(1)
(1) - تعدد واجب الوجود)
هنا يطلُّ التناقض برأسه من جديد؛ فبعد التَّشغيب بنفى واجب الوجود من أساسه ينتقل بعض الملاحدة إلى العزف على وتر (تعدُّد) واجب الوجود نعم، واجب وجود واحد أحد لا يكفي، فلا بد من تعدد وعموما هذا الاعتراض ليس بجديد، فهو اعتراض قديم جدا، وقد أشبعه الفلاسفة المسلمون نقدًا وتفنيدًا، وقد كرُّوا عليه بقواطع البرهان فمزقوا حنادسه، وبددوا دياجيه. ولنا أنْ نُقرّر من خلال ما تحمله مضامين هذا الاعتراض إثبات وجود واجب الوجود؛ إذ لو لم يثبت وجوده لما قيل بتعدد مصاديقه وبناءً عليه؛ فإنَّ النَّقد سيكون على النحو الآتي: (1) - لقد حكمنا على كل الموجودات بـ (الإمكان)، وثبتت لدينا ضرورة وجود واجب الوجود
فما هو البرهان الذي يستند إليه هذا الاعتراض؟ ما الدليل على تعددِ واجب الوجود؟! (2) - لا بُدَّ من فرض تمايز بين وجود واجب الوجود الأول والثاني والثالث ... إلخ؛ إذ إنَّ عدم التمايز يقتضي وجودًا واحدًا لا غير، ولكن التمايز هو الآخر يقتضي وجود حد فاصل بين المتمايزين، والمحدود ناقص وعاجز، فيستحيل بهذا أن يكون هو واجب الوجود!
(3) - لا بُدَّ من فرض اشتراك واختلاف بين واجب الوجود الأول والثاني والثَّالث ... إلخ، فإمَّا أن يكونوا مشتركين في كل شيء، وإما أن يكونوا مشتركين في بعض الأشياء، ولا يصح أن يُقال بأنَّهم لا يشتركون في شيء؛ لأنَّهم يشتركون في وجوب الوجود حسب الاعتراض نفسه، وعلى هذا؛ فإنَّ اشتراكهم أو اختلافهم يقتضي أن يكون كلُّ واحدٍ منهم مُركَّبًا، والمُركَّب محتاج إلى أجزائه التي يتركب منها، والمحتاج لا يقال له: واجب الوجود!
(4) - إنَّ الواجب تكون ماهيَّته وجوده، ولا يُمكن أن تكون مختلفة عن وجوده؛ لأنَّ هذا يقتضي التركيب كذلك، وقد مرّ ما للتركيب من نقص يتنافى مع صفة (واجب الوجود)، فتبيَّنَ بهذا أنَّ الوجودَ واحدٌ لا كثرة فيه، وأنَّ الكثرة تلحق الماهيات فقط.
1 - يُعرفُ هذا الاعتراض بـ (شبهة ابن كمونة). (ينظر: عبدالجبار الرفاعي، مبادئ الفلسفة الإسلامية، (2/ 340 - 343).
518 (1/518)
صفحة 519
المبحث التاسع: المستوى العقلي
(5) - إنَّ واجب الوجود إذا فُرِضَ له ثانٍ وثالثٌ ورابع فإنَّ كلَّ واحدٍ منهم يكون بمثابة الممكن بالنسبة إلى الآخر، وما كان ممكنًا بوجه من الوجوه كان مفتقرًا، ثم تنتفي صفة واجب الوجود عن الجميع، وهو محال! (1) - إِنَّ التَّعدُّدَ يلزم منه الزيادة والنقصان وكلُّ ما لزم منه الزيادة والنقصان فهو محتاج، وما كان محتاجًا لا يُمكن أن يُقال عنه بأنه واجب الوجود.
(7) - طبقًا للمبدأ العلمي الشهير والمسمى بـ (شفرة أوكام / Ockham>s Razor) فإنَّه يجب التقليل من الافتراضات المطروحة عندما يكون الافتراض الواحد كافيًا لإثبات المطلوب. وقد زعم ديفيد هيوم بأنَّ (شفرة أوكام لا تنطبق على مثل هذه الحالة؛ لأننا لا نستطيع أن نجزم بأنَّ كلَّ الصفات (اللامتناهية) تجتمع في كائن واحد ولو تأملنا في هذا الاعتراض - ولو قليلا - فإنَّنا سنجد أنَّ (شفرة (أوكام) نفسها يُمكن تطبيقها عليه؛ لتقوم بمهمة دحره! فافتراض اجتماع كل الصفات (اللامتناهية) في ذاتٍ واحدة هو أكثر الافتراضات المطلوبة اقتصادا - عملًا بمبدأ أوكام - ولو افترضنا اجتماع هذه الصفات في ذوات كثيرة؛ لكان ذلك إسرافًا في في عدد الافتراضات، ولو افترضنا عدم اجتماعها فى ذاتٍ واحدة لكان ذلك افتراضًا مرفوضًا؛ لأنَّه لا
يُثبت المطلوب!
519 (1/519)
صفحة 520
مناجزة الإلحاد
(3) - دلالة النظم
إنَّ من أسهل البراهين وأيسرها وأكثرها شيوعًا وذيوعا في البرهنة على وجود الله ما يُعرف ببرهان (النظم)، أو برهان (النظام)، وما ذاك إلا لأنَّه برهان برئ من وصمة التعقيد والاعتياص، فتراه رائق المشرع، ينكشف له غطاء العقل، ويوطاً له مهاد الطَّبع؛ مما يجعله واقعا على شواكل السداد ومقاتل الأهداف.
ولهذا البرهان العديد من التسميات التي جرت عليها الألسنة وسالت بها الأمدَّة، كبرهان (الإتقان)، وبرهان، (الإحكام)، وبرهان (العناية))، وبرهان التّسوية)، وبرهان (التخصيص). واشتهرت تسميته مؤخَّرًا ببرهان التصميم الذكي كما هو في كتابات بعض علماء الطبيعة الغربيين وبعض الكتاب المحدثين، بل قد نجد استخدام التّسميات المختلفة كلها جميعةً في مقالةٍ واحدةٍ لكاتب واحد
وفي محاولةٍ مِنَّا؛ فقد أسرجنا اليراع للجولان في هذه المساحة البيضاء لحلحلة الإشكالات التي قد تتوارى خلف برهان النظم والتي عادةً ما يلوّح بها البعضُ أوان ذكر هذا البرهان، ولكن قبل ذلك سنحاول الإجابة عن الكثير من التساؤلات التي لا يحصل الانتشاء بفهم البرهان إلا بارتشافها، ولا يتم الاكتفاء والارتواء إلا بالنَّهل والعبّ من معينها؛ ابتداءً من معرفة معنى النظم والمراد منه، مرورًا بالبرهنة عليه والاستدلال به وانتهاءً باستعراض الاعتراضات المصوبة إليه
مشفوعة منًا بالنقد والتفنيد العلميين بعون الله، وذلك كله مفصلا على النحو الآتي:
به
معنى النظم
النَّظم كلمةٌ مأخوذة من قولهم: "نَظَمَ اللُّؤلؤ؛ أَي جَمَعَهُ في سِلك. والنظام: الخيط الذي يُنظم اللؤلؤ). واللُّؤلؤ لا ينتظم إلا بوجود ناظم ما؛ ليُقال عنه عَقِبَ انتظامه: إِنَّه لؤلو منظوم، أو
(2)،
نظيم، أو منظم.
1 - وهو عند التدقيق برهان آخر يختلف في البرهنة عن النظم، فبرهان النظم يختص ببناء الكائنات وتراكيبها وتصاميمها، أما برهان العناية (الهداية) فهو مختص بهداية هذه الكائنات فيما يخص مواجهتها للحياة، وطريقة تصرفها في جلب منافعها ودفع
مضارها في طريقها اللاحب الطويل وسيرورتها الحياتية.
2 - محمد بن أبي بكر الرازي، مختار الصحاح، ص 379.
520 (1/520)
صفحة 521
المبحث التاسع: المستوى العقلي
ومعنى النظم - المراد هنا خصيصى - هو الترابط والانسجام والتناسق والوئام بين أجزاء الكون للوصول إلى غايةٍ مُحدَّدة، وكأنَّ هذه الأجزاء بأجمعها قد أبرمت صفقة، أو عقدت اتفاقا مع كل أفرادها على تحقيق تلك الغاية المُحدَّدة؛ لتكون النتيجة النهائية: هذا الكون الذي تشاهد عظمته وشموقه، في الوقت الذي نشاهد فيه - بالتوازي - جماله واختياله.
إِنَّ هذا الكون يحتوي على كم هائل من منسوب الجمال في جزئياته المختلفة، ويحتوي على الجمال كله في كليته كوحدة محكومة بالسنن والقوانين الدقيقة، وما هو - والأمثلة تقصر عن نقل الصورة كما يجب - إلا كمزرعة تحوي ما لذ وطاب من أصناف المزروعات المختلفة، تُسقى بطريقةٍ هندسية منظمة، فإن تأمَّلت تلك الأشجار يَشدَهُك حسنها، فمرَّةً تقع عينك على نخلة، والنخل ما بين أصفر وأحمر وأخضر، ومرَّةً تقع عينك على فاكهة ما بين رمان وعنب وزيتون وخوخ وتفاح ولوز وجوز، ومرَّةً تقع على زهرة ما بين ريحانة ووردة ونرجسة وياسمينة وبنفسجة، فإذا ما حوّلت ناظريك وقعت على ساقيةٍ شُيّدت بدقة متناهية، وبطريقة هندسية عبقرية دالة على حُسن تخطيط وجمال تنفيذ.
لا شك أنَّ كلَّ جزئيَّةٍ من هذه الجزئيات قادرة على شد الانتباه ولفت النظر، إلا أنَّك إذا تأمَّلت هذه الصُّورة الكلية للمزرعة من عل فإنَّك ستُدرِك جمال المشهد بطريقة أخرى أشد وقعا في النفس؛ لما تراه من جمالٍ في الجزئيات المختلفة، ولما تراه من جمال في إحكام الصلة والربط بين هذه الجزئيات المتناثرة، ومنه ستحكم - بلا أدنى تردُّدٍ - أَنَّ وراء هذا النَّظم مُنظم، ووراء هذه الدقة شخص حصيف خبير دقيق، فكيف بهذا الكون بأرضه وسمائه وما يشتملان عليه، بما فيهما مما علمنا، وذاك ممَّا لا نعلمه ممَّا تتكشف عنه الأيام يوما فيوما!
تخيل أنك صادفت في طريقك بعض الحجارة المعدة للبناء، وبإزائها كميات من الحديد والإسمنت والرّمل، ثمَّ أشحت بوجهك عنها وواصلت سيرك، وبعد مضي فترة من الزمن وجدت منزلاً جميلا يقبعُ في المكان ذاته إنَّك ساعتها ستعلم يقينًا بأنَّ تلك الأجزاء المفردة من قبيل الحجارة والحديد والإسمنت والرّمل قد انتظمت بفعل فاعل وفق حسابات هندسية واعيَّةٍ مقصودة وهادفة، ولن تتشكك لحظةً في علمك اليقيني هذا. فيا تُرى كيف ستكون الحالُ فيما لو زعم زاعم بأنَّ هذا المنزل ظهر بالصدفة، أو بضربة حطّ عارض، أو خبط عشواء؟! لا شك أنَّ العقول السَّليمة تلفظ مثل هذه المزاعم وتتجافى عنها.
521 (1/521)
صفحة 522
مناجزة الإلحاد
القرآن وبرهان النظم
أرسل الله الرُّسل لهداية النَّاس إلى سواء الطريق، وأنزل الكتب المتضمنة رسائل الله معهم إلى النَّاس، وختم هذه الكُتُب بالقرآن الكريم، وقد سلك المسالك المختلفة لإيقاظ الناس من سباتهم، ولفت انتباههم إلى المبثوث في هذا الكون الرَّحيب من دلائل تصرخ بأعلى الصوت بوجود الله وواسع علمه، وعظيم حكمته وقدرته. سلك القرآن المسالك المتنوعة ما بين لفت الانتباه إلى برهان الوجود والعدم من حيث القدرة على الإيجاد والإعدام، ومن حيث الدَّعوة إلى التَّأمل في سبب الأسباب القاضي بإظهار المعدوم إلى حيز الوجود بعد إذ لم يكن، ومن ذلك أيضًا لفت الانتباه إلى برهان السببية، وبرهان الحدوث، وبرهان التغير والترقي من حال إلى حال، وبرهان الإمكان، وغيرها من البراهين الأخرى والتي من جملتها برهان النظم الذي هو محور حديثنا في وقفتنا هذه. لقد ورد استخدام هذا البرهان في مواضع عديدة من القرآن الكريم، نُورد بعضها بدون التعرض لتفسيرها؛ فهي من الجلاء بما لا تحتاج معه إلى إيضاح وبيان: يقول الحق تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (22)} (البقرة: 21 - 22).
ويقول عز شأنه: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ} (البقرة: 164).
ويقول كذلك: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَّهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَّهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) (القصص: 71 - 73).
ويقول جلَّ ذكره: عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ
522 (1/522)
صفحة 523
المبحث التاسع: المستوى العقلي
أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً تَجَاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)) (النبأ: 6 - 16). ويقول أصدق القائلين: أَأَنْتُم أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَآءُ بَناهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} (النازعات: 27 - 33).
ويقول أيضًا: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شقاً (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَباً وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (29) وَحَدَائِقَ غُلْباً (30) وَفَاكِهَةً وَأَباً (31) مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32) (عبس: 24 - 32).
فيها،
نُدرك جميعا أنَّ مسلك القرآن في حجاجه مسلك واضح بسيط لكنه فعال وحاسم! إذ يبتعد بالعقول عن المسالك الوعرة الضيقة، ويأخذ بها أخذا رفيقا عبر مسالك رحيبة لا اعوجاج، ومنه كان فهم براهينه ميسورًا لجميع النَّاس، ورسالتها تبلغ من يقرأها في أقل مدة وأيسر جهد، وقد أجاد الإمام الفخر الرازي وأصاب المحزَّ عندما قال في وصيته: "ولقد اختبرتُ الطرق الكلاميَّة، والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدةً تُساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن لأنَّه يسعى في تسليم العظمة والجلال بالكلية الله تعالى، ويمنع التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات؛ وما ذاك إلا للعلم بأنَّ العقول البشرية تتلاشى وتضمحل في تلك المضايق العميقة، والمناهج الخفية ... ).
العظيم؛
البرهنة على النظم
(1)
يُحكى عن رجل أنَّه أنس ظلا وارفًا ألقته عليه شجرةُ بندق ذات ظهيرة يوم ما، فذهب في رحلة تأمّل غير عميقة، فحينا يُقلّب بصرَه في شجرة البندق متأمّلا، وحينا آخر كان يجول ببصره متأملا في مساحة الطبيعة الممتدة من حوله، ولم يقطع تأمله السطحي هذا إلا سؤال جاءه ساخرًا؛ سؤال يستهجن فيه عجْزَ الرَّب عن خلق ثمار يتناسب حجمها مع الطول الفارع لأغصان شجرة البندق وأجذاعها وما كان لينتزعه من انخراطه في الضحك والشخرية شيء أفلتت بندقةً سقطت على رأسه وأخرست، فاه فاسترجع أنفاسه التي أضاعها
لولا أنَّ الريح
1 - ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، ص 467.
523 (1/523)
صفحة 524
مناجزة الإلحاد
ساخرًا، ولاذ إلى الصَّمت والتأمل من جديد ثمَّ ثاب إلى رشده قائلا: الحمد لله أنَّها بندقة
وليست بطيخة!!
إنَّ الجيوش المؤلهة من الفلاسفة والمتكلمين قد أفاضوا - منذ القدم - في حديثهم عن الكون وما يشتمل عليه من شياتِ الجمال والنظم والإحكام التي تؤكد جميعها على وجود خالق الكون ومديره، وقد عبروا عن ذلك كله بطُرُقِ برهانيَّةٍ متعددةٍ تختلف من فيلسوف إلى آخر؛ تبعًا لاختلاف النافذة التي ينظر منها والزَّاوية التي يرنو إليها، وتبعًا لمقدار العلم المتحصل لديه، والقوة العقليَّة الممجّصة للمعلوم المتحصل عليه، وتختلف - وهذا أمر مهم جدًّا - تبعًا لطبيعة الطريق التي سلكها لروم غايته في الوصول إلى مقصوده ومبتغاه، فلا شك أنَّ الطريق التي يسلكها المتصوفة والمتواجدون تحوي معالم غير تلك التي تحتوي عليها طريق علماء الطبيعة، وطريق هؤلاء - أي علماء الطَّبيعة - تحوي معالم غير تلك التي يسلكها عُشاق الفلسفة العقلية المحضة وهكذا. ونلفت الانتباه إلى أنَّ اختلاف تلك الطرق - المذكورة آنفا - إنَّما هو اختلاف ثراء لا اختلاف تضاد، اختلاف فسيفسائي يُشكّل لوحةً هائمةً في الحُسن موغلة في الجمال، معرقةً في الإبداع، فبقدر اختلافها في مسلكها يكون اجتماعها في غايتها، ومن هذا المنطلق شاع عن الإلهيين من المتكلمين والفلاسفة والعارفين قولهم: "إِنَّ الطُّرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق". نافلة القول أن يُقال: إنَّ تلك البراهين منها ما هو سلوكي صوفي على طريقة أهل الكشف، ومنها ما هو فلسفي محض، ومنها ما يتوسل بالعِلم والمحسوسات، وهذا الطريق على الحقيقة لا يخلو من النَّفحة الفلسفية؛ لأنَّ الجمال اللائح عبر صفحة الوجود المرصود بأدق الأجهزة الحديثة يفقد قيمته عند مجنون لا يُقدّر الجمال، ولا يعطي الأشياء قيمتها، وإنَّما يثبت الجمال ويُعرف ما له من القدر عند أولئك العقلاء، ومنه فلا محيص من إمرار المحسوسات ومسحها بأشعة العقل الكاشفة للخلوص إلى الدلالات الكامنة وراءها، وهنا يمكن تسمية هذا المسلك بالمسلك (الحس عقلي).
ومن
لقد كان برهان النظم وما زال عقبةً كؤودًا في طريق المعترضين، تقصر عنه أبواعهم، ويفوت مبلغ ذرعهم، مما دفع الفيزيائي الشَّهير ستيفن هوكنج إلى القول: "الحقيقة الواضحة بخصوص الثوابت الكونية تؤكد على أنَّها صُمّمت بعنايةٍ تُتيح الحياة وبمنتهى الضبط المدهش». وهو
1 - ستيفن هوكنج، موجز تاريخ الزمن، ص 125.
524 (1/524)
صفحة 525
المبحث التاسع: المستوى العقلي
ذاته الذي دفع البيولوجي الملحد ريتشارد دوكنز في أحد اللقاءات المصورة وفي محضر مجموعة من الملاحدة إلى الاعتراف بأنَّ هذا البرهان من أعوص وأضلع ما يُواجه الملاحدة. وما تلك البساطة الأسرة التي تترافق مع برهان النَّظم إلا في كونه ظاهرا لائحا على صفحات هذا الوجود من الذرة إلى المجرَّة، يستوي العالم والجاهل في تملّي صفحة جماله، والاستغراق في مطالعة لوحة تناغمه وانسجامه يستوي في هذا كله رجل القرن الحادي والعشرين مع رجل القرن الأول مع رجل ما قبل الميلاد، يستوي فيه ذاك العاكف في قبته - مع تلسكوبه الدقيق - مع ذاك الحامل لمنجله ومحراثه في حقله المتواضع، يستوي في لحظه وإدراك مضمونه الفلاسفة الكبار - إن صدقوا في بحثهم وتجرَّدوا من حظوظ نفوسهم - مع ذاك البدوي البسيط الذي حَمَلَهُ لخظ البرهان على أن يقول: "البعرة تدلُّ على البعير، والأثر يدلُّ على المسير، فكيف بسماءٍ ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدلُّ على اللطيف الخبير"!
يُوجد في أبواب (نظرية المعرفة) مصدرٌ مُحكم من مصادر المعرفة، وهو التعرف على الآية عن طريق الآية نفسها، أو ما يُسمَّى بـ (البرهان الآيوي، وهو مصدر مختلف عن التمثيل والتجربة، ففي التمثيل والتجربة نتوصل إلى معرفة الحكم الكلي من إسراء حكم الشَّيء المجرَّب إلى الأفراد التي تقع في عرضه، فهي إذن معرفة حاصلة من الوقوف على الأفراد الكائنة في عرض واحد، وإسراء الحكم من بعضها إلى بعض. وأما المعرفة عن طريق الآيات فتكون معرفة عميقة، بمعنى أنَّنا نتوصل من رؤية الآية إلى معرفة الفاعل وخصوصيَّاته، وإنَّ الاهتداء إلى المؤثر من وجود الأثر هو لمن هذا القبيل، فالإنسان يعرف المؤثر من الوقوف على أثره، كما أنَّ الاهتداء إلى صفات المؤثر من خصوصيَّات الأثر هو أيضًا من هذا القبيل، وبرهان النظم من هذا القسم.
وينبغي أن نعلم بأنَّ (معرفة الآية عن طريق الآية) على قسمين:
الأول: ما ينتقل فيه الإنسانُ من معرفة الآية إلى معرفة صاحبها، وتكون الآية وصاحبها كلاهما من الأمور الطَّبيعية القابلة للحس، وإن كان أحدهما محسوسًا بالفعل (وهو الآية)،
والآخر غائبًا عن الحس (وهو صاحب الآية) وإن كان يُمكن أن يقع في أُفق الحس.
الثَّاني:
: ما ينتقل فيه الإنسانُ من مشاهدة الأمور الحسيَّة إلى أمور غير حسيَّةٍ خارجة عن إطار المادة وآثارها. وبعبارة أخرى: إنَّ الإنسان في هذا النوع من المعرفة يستدل بما يرى على
525 (1/525)
صفحة 526
مناجزة الإلحاد
ما لا يرى من غير فرق بين أن يكون غير المرئي من الأمور الحسيَّة الغائبة عن الحس، أو من الأمور المجرَّدة الخارجة عن إطار الحس مطلقًا. والحكم بصحة الاستدلال بما يرى على ما لا يرى من الأمور الحسيَّة الغائبة عن الحس يستلزم الحكم بصحة الاستدلال بما يرى على ما لا يرى من الأمور المجرَّدة الغائبة عن نطاق الحس؛ وذلك لعدم وجود الفرق بين الأمرين من جهة الاستدلال.
وإليك نموذجين على معرفة المؤثر بالأثر:
(1) - ليس بيننا من عاصر الرومان واليونان وعايشهم واحتك بهم، لكننا جميعًا تذعن بوجودهم التاريخي؛ للأطلال والآثار الباقية التي خلفوها. فهذا النموذج هو من نوع الاستدلال
بما يُرى من الأمور الحسيَّة على ما لا يُرى من الأمور الحسية الغائبة عن الإدراك الفعلي. (2) - ليس منا من قابل المتنبي أو ابن سينا وجهًا لوجه، لكننا إذا وقفنا على ديوان المتنبي أو الشفاء لابن سينا وتعرفنا على ما فيهما من خصوصيَّاتٍ شعريَّةٍ أو فلسفيَّةٍ أدركنا فورًا أَنَّ الأَوَّل كان شاعرًا والثاني فيلسوفًا. وهذا النموذج هو من نوع الاستدلال بما يُرى من الأمور الحسية على ما لا يُرى من الأمور غير الحسية الغائبة عنا (1). ولا غرو بعد كل هذا أن تلهج ألسنةُ الشُّعراء، وتفيض قرائِحهم بما ينسجمون به مع كائنات الوجود وذراته بمثل قول أبي العتاهية:
فَيا عَجَبًا كيف يُعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
وتسكينة
أبدًا
شاهد
كُلّ شـ له آية تدل على أنه الواحد (2)
والله في كُلِّ تَحريكة
الاستدلالُ بالنَّظم
يقوم بنيان الاستدلال بالنظم على ثلاثة أُسس:
الأول: وجود أجزاء مختلفة ومتنوعة لكل جزء منها وظيفة محددة يقوم بتأديتها. وهنا: بالنظر إلى تفاريق الأجزاء المختلفة المصمَّمة في النظام الكوني - بعيدًا عن وحدتها
1 - جعفر السبحاني، الله خالق الكون، ص (279 - 281)، بتصرف.
2 - ديوان أبي العتاهية، قصيدة: (كلنا بائد)، ص 122.
526 (1/526)
صفحة 527
المبحث التاسع: المستوى العقلي
الجميعة في كل مترابط - نصل إلى حقيقةٍ لا مفر منها ألا وهي أنَّ لهذه الأجزاء مُوجِدًا حكيمًا أوجدها بعد أن لم تكن.
الثاني: وجود رابطة تناسقيَّةٍ تنتظم فيها تلك الأجزاء المختلفة والمتنوعة.
وهنا: تقرب الصُّورة أكثر للحظ دقة التناسق والتَّرابط القائم بين هذه الأجزاء؛ ليضعنا لحظنا هذا أمام حقيقة أخرى مؤسسة على الحقيقة في الأساس الأوَّل ألا وهي أنَّ وراء هذه العظمة في التنسيق عظيم، ووراء هذه الدقة في الربط خبير، فاسحةً الطريق لنا لاكتشاف صفاتٍ غير يسيرة من صفات الموجد الذي لحظنا موجوداته كما هو في الأساس الأول.
لقد قدمت مبرهنة كورت جودل الثَّانية برهانًا رياضيًا على أنَّ الإنسان لا يستطيع استخدام الرياضيات - التي نصف بها انتظام الكون - دون أن يُؤمن باتساقها؛ ولهذا نقول: إن لم تُؤمِن بانتظام الكون فإنَّه لا يُمكنك استخدام قوانينه ولا يُمكنك فهمه وتوصيفه. وكما يقول الفيزيائي بول ديفيز فإنَّ مجرد شروق الشمس كل يوم في حياتنا لا يُعطي ضمانةً أنَّها ستشرق كلَّ يوم، فالإيمان بأنَّها ستشرق - أي الإيمان بوجود نظامِ حاكم - هو مجرَّد إيمان، لكن هذا الإيمان لا مفر منه لاستمرار تقدم العلم. وإذا كان استمرارُ العِلم واجبًا فإنَّ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب). الثالث: وجود غائيَّة وقصدية من نوع ما فالأجزاء المختلفة والمتنوعة إذا ما اجتمعت على شيءٍ وأحدث اجتماعها نتيجةً معيَّنةً ومفهومة دلّ ذلك على الغائية والقصدية.
وهنا: هاتان (الهدفيَّة الغائيَّة) هما نتاج استجلاء عظمة التَّناسق وجمال الترابط القائم بين أجزاء النظام الكوني الملحوظ عبر الأساس الثَّاني، والذي يستحيل أن يكون نتاج فعل صادف أو عشوائي يخبط في عماءٍ وعلى غير بيّنةٍ وهُدى ثمَّ إِنَّ قابلية الكون للفهم والإدراك العقلي لن تجد مبررًا منطقيا إلا بالإيمان بوجود المنظم الحكيم، وستفقد هذه القابلية منطقيتها إذا ما أُسندت إلى الصدفة والطبيعة العمياء.
كما أنَّ الاستدلال بالنظم على وجود الله يستند إلى ثلاث دعائم، وباجتماع هذه الدعائم تتمخَضُ النتيجة المرجوة والمبتغاة، وهي إثبات وجود المنظم:
الدعامة الأولى: (السببية). والتي تفرض - بالضَّرورة العقلية - وجود صانع لكل صنعة، ووجود مُحدِثٍ لكل حادث. فلا بُدَّ إذن - والحال هذه - من وجود مُنظم لكل مُنظَّم. وتجدر
527 (1/527)
صفحة 528
مناجزة الإلحاد
الإشارة إلى أنَّ الملاحدة أنفسهم يُقرون بضرورة وجود منظم لكل منظم، وإنَّما نقطة الخلاف الجوهري هي في تحديد كُنه هذا (المنظم)، أهو الله، أم الصدفة، أم المادة!
الدعامة الثانية: (الحس). والذي يؤكد وجودَ مظاهر النظم في الكون، فالمشاهدات والملحوظات تقف في صف النظم.
الدعامة الثالثة: (المنطق). والذي يمنع أن تكون مظاهرُ النَّظم في هذا الكون راجعةً إلى ذاتٍ غير فاعلة ومختارةٍ وواعيةٍ وعليمة، كالصدفة أو المادة العشوائية. إنَّ استيعاب هذه الدعائم ضروري جدًّا لاستنتاج أنَّ برهان النظم ليس برهانا حسيا كما توهم ذلك الكثيرون - وعلى رأسهم ديفيد هيوم - بل هو برهان عقلي - وإن كان يستند إلى مقدمةٍ حسيَّة - لأنَّ العمود الفقري الذي ينتصب به هو قانون السببية العقلي، ومن طبيعة القوانين العقلية أن تتّسم بالعموم والاطراد، فإذا رأيت في طريقك بيتًا يحترق - لا سمح
الله -
قاطعًا فإنَّك ستجزم بوجود سبب ما يقف وراء احتراقه - بحكم تعميمك لقانون السببية - ولا يُشترط أن تكون عالمًا بمقاسات البيت أو بتاريخ إنشائه، أو بمن يقطن فيه ... إلخ، فعلمك بوجود السَّبب مُتقررُ عقلا، وما يبقى مُعلَّقًا - إلى حين النظر في المعطيات والقرائن وتقييمها - هو تحديد السبب لا الحكم بوجوده. كما أنَّ برهان النظم يستند إلى توفّر مادَّة النَّظم أينما كانت وكيفما كانت، فوجود نظم من أي نوع كان يكفي لإثبات وجود المنظم - بحكم قانون السببية - وهذا يعني أنَّ فقدان النظم في بعض الظواهر أو في بعض المناطق - إن وُجِدَ ذلك حقًّا - لا يقدح في حقيقة البرهان، كما أنَّه لا يُشترط مطلقًا أن نتصفّح الوجود بأسره لكي نستدل ببرهان النظم على وجود المنظم، بل يكفي من ذلك تصفح بعض أجزائه التي تحمل في طياتها ومطوياتها دلالات النظم وتضاريسه. هذه الأُسس والدعائم لا بُدَّ من تحققها؛ لنصل بعد ربط بعضها ببعض إلى حقيقة وجود الإله المنظم. يقول ابن رشد: كما أنَّ الإنسان إذا نَظَرَ إلى شيء محسوس فرآه قد وُضع بشكل ما، وقدر ما، موافقا في جميع ذلك للمنفعة الموجودة في ذلك الشَّيء المحسوس، والغاية المطلوبة، حتى
يعترف أنه لو وُجِدَ بغير ذلك الشكل، أو بغير ذلك الوضع، أو بغير ذلك ابن رشد القدر لم تُوجَد فيه تلك المنفعة، عَلِمَ على القطع أنَّ لذلك الشيء صانعا
صنعه، ولذلك وافق شكله ووضعه وقدره تلك المنفعة، وأنَّه ليس يمكن أن تكون موافقته اجتماع
528 (1/528)
صفحة 529
المبحث التاسع: المستوى العقلي
تلك الأشياء لوجود المنفعة بالاتفاق. مثال ذلك أنَّه إذا رأى إنسان حجرًا موجودًا على الأرض، فوجد شكله بصفة يتأتى منها الجلوس، ووجد أيضًا وضعه كذلك وقدره، عَلِمَ أَنَّ ذلك الحجر إِنَّما
هذه
صنعه صانع، وهو الذي وضعه كذلك وقدره في ذلك المكان، وأما متى لم يُشاهد شيئًا من الموافقة للجلوس فإنَّه يقطع أنَّ وقوعه في ذلك المكان ووجوده بصفة ما هو بالاتفاق، ومن غير أن يجعله هنالك جاعل. كذلك الأمر في العالم كله: فإذا نَظَرَ الإنسانُ إلى ما فيه من الشَّمس والقمر وسائر الكواكب التي هي سبب الأزمنة الأربعة وسبب الليل والنهار، وسبب الأمطار والمياه والرياح، وسبب عمارة الأرض، ووجود النَّاس فيها، وسائر الحيوانات البرية، وكذلك الماء موافقًا للحيوانات المائية، والهواء للحيوانات الطائرة، وأنَّه لو اختل شيءٍ من هذه الخلقة والبنية لاختل وجود المخلوقات التي هاهنا، عَلِمَ على القطع أنَّه ليس يُمكن أن تكون هذه الموافقة التي في جميع أجزاء العالم للإنسان والحيوان والنبات باتفاق، بل ذلك من قاصد قصده، ومريد أراده، اللهُ عزَّ وجل، وعَلِمَ على القطع أنَّ العالم مصنوع، وذلك أنَّه يعلم ضرورةً أنَّه لم يكن يُمكن أن تُوجد فيه هذه الموافقة لو كان وجوده عن غير صانع، بل عن الاتفاق).
وهو
ويقول اللاهوتي الإيطالي توما الإكويني عارضًا في خُلاصته اللاهوتية البرهان الخامس لإثبات وجود الله: نرى أنَّ الموجودات الخالية من المعرفة وهي الأجرام الطبيعية تفعل لغاية، وهذا ظاهر من أنَّها تفعل دائمًا أو في الأكثر على نهج واحدٍ إلى أن تُدرك النهاية في ذلك، وبهذا يتضح أنَّها لا تُدرك الغاية اتفاقًا بل قصدًا، على أنَّ ما يخلو من المعرفة ليس يتجه إلى غاية ما لم يُسدَّد إليها من موجودٍ عارف وعاقل كما يُسدَّد السَّهمُ من الرَّامي، فإذن؛ يُوجَد موجود الأشياء الطبيعية إلى الغاية، وهذا الذي نسميه الله (2).
عاقل يُسدّد جميعا مميزاتُ بُرهانِ النّظم
إنَّ لبرهان النَّظم مميزات يمتاز بها عن البراهين الأخرى، وقد أشرنا إلى بعضها آنفًا، ولا بأس من إيرادها مرَّةً أخرى بصورة موجزة مجتمعة مع المميزات الأخرى، وهي كالآتي: (1) - إِنَّه يقوم على مقدمتين:
أ- مقدمة حسيَّة: ويُقصد بها النَّظم المحسوس الماثل في الكون من الذرة إلى المجرة،
1 - ابن رشد الكشف. عن مناهج ا الأدلة، ص (162 - 163).
2 - توما الإكويني، الخلاصة اللاهوتية، (1/ 25).
529 (1/529)
صفحة 530
مناجزة الإلحاد
وهو ما يُمكن إثباته بالمشاهدة واللحظ وما كشفت عنه العلوم الحديثة. فهي مقدمة حسيَّةً لأنَّها تعتمد على اللحظ والمشاهدة والتجريب.
ب- مقدمة عقليَّةٌ: ويُقصد بها حكم العقل على المشاهد المحسوس وما يحويه من القصد والهدف والتَّوازن والمحاسبة والتقدير والانسجام بأنَّه صادر عن فاعل قادر عليم ذي إرادة وقصد، وحكمة، ويستحيل صدوره عن الصدفة والعشوائية.
(2) - إنَّ برهان النظم في دلالته لا يحتاج إلى إثبات وجود النظم في جميع أرجاء الكون، بل يكفي لإثبات دلالته أن نُشير إلى مظهرٍ واحدٍ من مظاهره وموردٍ واحدٍ من موارده، مثل: نظام الثوابت الكونية، ونظام الجينات والتشفير، ونظام الكواكب والمجرات ... إلخ.
(3) - إنَّ برهان النَّظم يتمشى مع تقدم العلوم وتكاملها، وأنَّه يُمكن استدعاؤه والاستعانة به مهما كانت المكتشفات كما ونوعا، فتجدد المكتشفات والعلوم لا يزيد هذا البرهان إلا قوَّةً وجدة؛ فهو برهان خالد حيوي متجدّد.
(4) - إنَّ برهان النظم سهل المأخذ، يهتدي إليه العالم والجاهل، ومن كان له أدنى إدراك يُميز الفرق بين النظم والفوضى، وأنَّ النَّظم يحتاج إلى مُنظّم، وأنه كلما ارتفع مستوى النظم ذلك على قوة المنظم وحكمته وخبرته.
(5) - إنَّ برهان النظم يكشف القناع عن المواهب الإلهيَّة السَّخيَّة في حياة الإنسان والعالم
المحيط به؛ مما يدفع المخلوق إلى شُكر الخالق وتسبيحه وحمده وعظيم الاتصال به. (1) - إنَّ القرآن الكريم قد أولى برهانَ النَّظم اهتمامًا كبيرًا، ولربما كان اهتمامه به أكبر من اهتمامه بأي برهان آخر، ولا شك أنَّ طريق القرآن في البرهنة هو من أفضل الطرق على الإطلاق، فلا عجب أن نرى إشادة ابن رشد وغيره ببرهان النَّظم وتفضيلهم إياه على ما سواه من البراهين الأخرى.
(7) - إنَّ برهان النَّظم من أشد البراهين وضوحًا، ومن فَرْطِ وضوحه قد يغفل كثير من النَّاس عن التوجه إليه، وقد أشار القرآن الكريم إلى مثل هذه الغفلة حيث قال: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} (يوسف: 105).
(8) - إنَّ برهان النظم - كغيره من البراهين الأخرى - يتكفل بإثبات بعض الجوانب في قضايا
530 (1/530)
صفحة 531
المبحث التاسع: المستوى العقلي
الإيمان والعقيدة، وهو أنَّ لهذا الكون خالقًا عليمًا خبيرًا بخلاف ما يدعيه الماديون مِن أنَّ هذا النَّظم نابع من المادة نفسها، أو أنَّه وليد الصدفة العمياء!
يقول ابن رشد في معرض ذكره لخصائص برهان النظم:
فأَمَّا أنَّ هذا النوع من الدليل قطعي وأنَّه بسيط فظاهر من هذا الذي كتبناه، وذلك أنَّ مبناه على أصلين معترف بهما عند الجميع؛ أحدهما أنَّ العالم بجميع أجزائه يُوجد موافقًا لوجود الإنسان، ولوجود جميع الموجودات التي هاهنا. والأصل الثَّاني: أَنَّ كلَّ ما يُوجد موافقًا في جميع أجزائه لفعل واحد، ومسدَّدًا نحو غاية واحدة، فهو مصنوع ضرورة. فينتج عن هذين الأصلين بالطَّبع أنَّ العالم مصنوع وأنَّ له صانعا، وذلك أنَّ دلالة العناية تدلُّ على الأمرين معًا، ولذلك كانت أشرف الدلائل الدالة على وجود الصَّانع “
برهان النظم والمعطى العلمي
(2)،
إنَّ من أكثر ما يختالُ به العصر الحديثُ هو تقدم العلوم الطبيعية والنقلة الهائلة في هذا الجانب، ومعه أضاف العلماء ما استجد لديهم مما يشهد بواقع الحال على وجود الخالق وعظمته وحكمته في خلق الكون، فأفاضوا في الحديث عنه بما لم يسبق إليه؛ وما ذاك إلا نتاج الكشوفات الحديثة وما أتاحته لهم من اطلاع بالغ على الكون تراكيبه ونُظُمه، ولو تأمل متشكك مضامين هذا البرهان - بما كُتب قديمًا وبما أضيف إليه حديثًا - على وجه الدقة والنَّصفة والموضوعية؛ لأذعن ولأسلس قياد نفسه للركوع في محراب الوحدانية؛ لما لهذا البرهان من قوَّة صارمة، وبساطة آسرة في آن، فهنا، وفي هذا البرهان تحديدا تجتمع ثُنائيتا القوة والبساطة! فما قوته إلا في الإحكام الماثل في جميع زوايا هذا الكون بحيث لا تخلو زاوية من زواياه من بصمة إحكامه، ولا تتفلت رقعة منه من أسر قبضة سلطانه، وما بساطته إلا لسهولة مأخذه ولانبثاث شواهده في كل زاوية من زوايا الكون.
ولو أمعنا النظر في تاريخ الكون عبر مراحله السحيقة المغرقة في القدم؛ لوجدنا أنَّ كلَّ مرحلة منها كانت تُمهَدُ الدَّرب للآتين من بعدها، وتفرش لهم بساطها الأحمر، وتحسر لذلك عن ساقها، مشعرةً إيَّاهم بأنَّ هناك خطةً مرسومةً تقود قافلة الكون نحو غايات مستقبلية، من
1 - مميزات البرهان مقتبسة من كتاب: جعفر السبحاني، الله خالق الكون، (237 - 242)، ”بتصرف“.، 2 - ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة، ص 163.
531 (1/531)
صفحة 532
مناجزة الإلحاد
قبيل: إنبات بذور الحياة تدريجيا بعد تهيئتها، ثمَّ العمل على استقرارها ... الماء الأكسجين العناصر اللازمة الأخرى، النبات، الحيوان، ثم الإنسان ...
إنَّ العزمَ ليفتُر، والهمَّةَ لتتكعكع عند محاولة حصر مظاهر النظم في الكون؛ فذلك مما لا يصل إليه أمل آمل، ولا يمكن أن يقع في حبالة سائل، ومع تسليمنا بما مرَّ إلا أنَّ ما لا يُدرك كلُّه لا يترك كلُّه، وهنا نقف للإشارة إلى بعض مظاهر النَّظم المنداحة في أرجاء الوجود، والمنبثة بين أيدينا وخلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا ومن تحتنا، بل وفي دواخل ذواتنا، وإليكم البيان: (1) - ما يُسمى بـ (الحد الحرج)، فالقوى الأربعة الرئيسة التي تقود مسيرة تمدد الكون مضبوطةٌ بصورة دقيقة جدا؛ إذ لو كانت مقاديرها أضعف مما هي عليه لانهار الكون من حينه، ولو كانت أقوى لما ظهرت النُّجوم والكواكب والمجرَّات، وفي هذا يقول العالم الفيزيائي ستيفن هوكينج: تبين تلك الحسابات أن تغييرًا ضئيلا بقيمة (0.5 %) من شدَّة القوة النووية القوية، أو (4 ?) من القوة الكهربائية سوف يُدمّر تقريبًا إمَّا كلَّ الكربون أو كلَّ الأكسجين في كافة النُّجوم، ومن ثمَّ تُدمَّر إمكانية الحياة كما نعرفها، لو تغيَّرت تلك القواعد في الكون بشكل طفيف لا غير ستختفي شروط وجودنا»).
(2) - الضَّبط الدَّقيق لنسبة كثافة الكون في بعض مناطقه، فلو تضاءلت تلك النسبة لكان الكون في حالته الغازية، ولو ارتفعت لتحوّل إلى ثقوب سوداء (Black Holes) تبتلع مادة الكون بأسرها، فقدر قليل ومحسوب من عدم التَّماثل الأولي في توزيع الكثافة كان لازما لتخليق النجوم والمجرات (2).
(3) - الضبط الدَّقيق لمعدل تمدد الكون، إذ يجب أن يُحدّد بدقة بالغةٍ تُقدَّر بجزء من (6010)، فلو حَدَثَ تسارع طفيف جدًّا في معدل التَّمدد؛ لتناثرت مادَّة الكون أكثر مما ينبغي للسَّماح
بتكوين النُّجوم، ولو حدث تباطؤ طفيف في معدل التَّمدُّد؛ لأدى إلى انهيار فوري للجاذبية (3). (4) - انضباط مقدار قوة الجاذبية، فهي تتطلب ضبطاً دقيقًا بجزء من (4010)؛ إذ لو كانت أكبر مما هي عليه لانهار الكون، ولو كانت أصغر من ذلك لما تكونت النُّجوم والمجرات). ويُقرر
1 - ستيفن هوكينج، التصميم العظيم، ص (190). وللمزيد يُراجع بول ديفيز، الأوتار الفائقة، ص (32 - 34).
2 - يُنظر: كارل ساجان، الكون، ص 202.
- يُنظر: مايكل بيهي وآخرون العلم ودليل التصميم في الكون، ص 70.
- يُنظر: المرجع السابق، ص 70.
532 (1/532)
صفحة 533
المبحث التاسع: المستوى العقلي
العالم الفلكي الكبير مارتن ريز (Martin Rees) في كتابه (فقط ستة أرقام) أنه لو زادت قوة الجاذبية؛ لاحترقت النُّجوم، ولفقدت طاقتها بالكامل إلى أن تبلغ مرحلة الموت، وضرب مثالاً على ذلك بنجمنا (الشَّمس)؛ حيث إنَّه لو زادت قوة الجاذبية بنسبة الضعف مما هي عليه الآن فإِنَّ عُمرها الافتراضي - لو كان مقدَّرًا بـ (10) مليارات سنة - سوف يتناقص إلى أقل من (100)
مليون سنة (2)!!
(5) - انضباط الثابت الكوني المسمى Original Phase Space Volume) إذ يتطلب ضبطاً دقيقًا يُعادل (10) مليارات مضروبةً في نفسها (123) مرَّة!! وقد أشار الفيزيائي الشهير روجر بنروز إلى هذا العدد المهول بقوله: "المرء لا يُمكنه حتّى كتابة الرقم بتمامه (3) (6) - ضبط مقدار الطاقة المتاحة لربط مكونات نواة ذرّة الهليوم في النجوم، والتي تبلغ (0,7 ?)، فلو كان مقدار هذه الطاقة أكبر ولو بنسبة (0?1?) لنفد الهيدروجين من الكون - ونفاد الهيدروجين = نفاد الطاقة من الكون - ولو كان مقدارها أصغر مما هو عليه ولو بنسبة (0?1?) لما أمكن للشَّمس أن تمدنا بالحرارة والضوء اللازمين).
(7) - الضبط الدقيق لمقدار الروابط الكهربائية التي تربط بين الذرات لتكوين الجزيئات، والذي يفوق مقدار الروابط الجاذبية بينها بكثير؛ بحيث لو كان هنالك خلل في هذه المقادير فإنَّ حجم أكبر الكائنات الحيَّة قد ينكمش ليصل إلى حجم الحشرات، أو قد يزداد زيادةً تصل إلى حد التَّخانة والضخامة والانفجار.
بل واللافت للنظر أنَّ الأشكال الهندسية للعناصر الكيميائية تضع على عاتقها جانبًا من مسؤولية زيادة قوى التجاذب وتقليل قوى التنافر بين أنوية الذرات فقد بينت القياسات بأشعة إكس أنَّ الجزيئات الكيميائية ذات أشكال هندسية جميلة، وذرات هذه الجزيئات مرتبةٌ في الفراغ بصورة منتظمة. كما أنَّ الروابط بين هذه الذرات موجهةً في اتجاهات محددة؛ ذلك أنَّ الترتيب ينتج عنه استقرار هذه الجزيئات، فهو يُؤدي إلى زيادة قوى التجاذب بين الإلكترونات والأنوية،
وهو
1 - عالم إنجليزي في مجال الكونيَّات والفيزياء الفلكية، وهو من مواليد (1942 م)، وقد سبق له أن عمل رئيسًا للجمعية الملكية، حاصل على جائزة (ألبرت أينشتاين العالمية للعلوم)، و (وسام إسحاق نيوتن)، والعديد من التكريمات العلمية الأخرى. من أهم كتبه وأشهرها: (فقط ستة أرقام)، و (الصدف الكونية)، و (آفاق جديدة في علم الكونيات والفيزياء الفلكية). 2 - ينظر: مارتن ريز، فقط ستة أرقام، ص 50.
- يُنظر: مايكل بيهي وآخرون العلم ودليل التصميم في الكون، ص 70.
4 - يُنظر: عمرو شريف، رحلة عقل، ص 141.
533 (1/533)
صفحة 534
مناجزة الإلحاد
ويُقلل من قوى التنافر بين الإلكترونات ومثيلاتها من جهة، والأنوية ومثيلاتها من جهة أخرى). (8) - عدد الأبعاد الفراغيَّة الثَّلاثة للكون، فلو كان الكون رُباعي الأبعاد أو ثنائي الأبعاد لما أيفعت الحياة فيه. يقول الفيزيائي ستيفن هوكينج: " وفقًا لقوانين الجاذبية فإنَّ مدارات القطع الناقص المستقرة تكون ممكنةً فقط في الأبعاد الثلاثيَّة، وتكون المدارات الدائرية ممكنةً في الأبعاد الأخرى، لكنها - وكما كان يخشى نيوتن - ستكون غير مستقرة! في أي وضع بخلاف الأبعاد الثلاثة سنجد أنه حتَّى الاضطراب البسيط - كالذي يحدث نتيجة لجذب الكواكب الأخرى - سيرسل أي كوكب خارج مداره الدائري مسببًا تحركه بشكل لولبي إما مقتربا من أو مبتعدا عن الشمس، وبالتالي فإنَّنا إما نحترق أو نتجمد، أيضًا في الأبعاد الأكثر من الثلاثة فإِنَّ قوى الجاذبية بين جسمين ستتناقص سريعًا بأكثر مما يحدث في الأبعاد الثلاثية ... وكنتيجة لذلك فعند وجود أكثر من ثلاثة أبعادٍ لن تكون الشَّمس قادرةً على الوجود في حالة مستقرة، حيث ضغطها الداخلي يوازن قوَّة شد الجاذبية، فإما أن تتشظَّى لأجزاء متباعدة، أو تتقلص مكونةً ثقبًا أسود، وكلاهما سيُفسد يومك!! ستسلك القوى الكهربائية على المقياس الذري بالطَّريقة نفسها مثل قوى الجاذبية، وهذا يعني إما أن تهرب الإلكترونات من الذرات، أو أنَّها ستسقط بشكل لولبي في النواة، ولن تكون الذرات التي نعرفها ممكنةً في أي من الحالتين (2). (9) - الضبط الدقيق لمقدار شحنة الإلكترونات - التي تدور حول أنوية الذرات - إذ لو كان
،
المقدار مغايرًا لما هو عليه الحال لما حدثت الاندماجات النووية بين ذرات الهيدروجين في النُّجوم، ولما انبعثت الطاقة منها، ونحن نعرف - في وقتنا الحالي على الأقل - أنَّ ميكانيكا الكم تقصر حالات حركة الإلكترونات داخل الذرات في مجموعة منفصلة، وكل حالة لها مقدار محدد من شدة الطاقة، فحين تكون الذرة في أدنى طاقة إجمالية لها يُعرف هذا الوضع باسم (الحالة القاعيَّة)، بينما جميع الأوضاع الأخرى تكون مستويات الطاقة فيها أكبر، وتُعرف باسم حالات الإثارة)، وتنتج الأطياف الذريَّة عن إشعاع الضوء أو امتصاصه عندما تقفز إلكترونات هذه الذرات بين حالات الإثارة المختلفة، أو بين حالة الإثارة والحالة القاعية، وتظلُّ الطاقة الإجمالية محفوظة، والفارق في الطاقة بين الحالتين الدريتَيْن يُساوي طاقة الفوتون الذي جرى إطلاقه أو امتصاصه خلال العملية، وحين تتلامس البروتونات والنيوترونات تساعد قوتهما
1 - يُنظر: محمد صبري روعة التماثل في الكيمياء، ص 13.
2 - ستيفن هوكينج، التصميم العظيم، ص 191.
534 (1/534)
صفحة 535
المبحث التاسع: المستوى العقلي
الجاذبة العظيمة على تكوين النَّواة المتماسكة في قلب الذرة، فالقوة الضعيفة يمكنها تحويل الجسيم من نوع إلى آخر، ويُمكن أن يتسبب هذا في تحويل العناصر، على غرار تحويل الهيدروجين إلى هليوم داخل الشَّمس ().
(10) - الضبط الدقيق لنسبة كتلة البروتون، فلو كانت نسبتها مغايرة للوضع القائم لما نشأت الذرات وجزيئات المادَّة، "ولو كانت البروتونات أثقل بنسبة (2) فسوف تتحلل إلى نيوترونات، وتجعل الذرات غير مستقرة، ولو كانت محصلة كتلة الكواركات التي تصنع البروتون قد تغيرت قليلا بنسبة (10) سيكون هناك عدد أقل بكثير من نوى الذرات المستقرة التي صُنعنا منها. في الحقيقة يبدو تقريبًا أنَّ محصلة كتلة الكواركات قد جعلت في الوضع الأمثل من أجل وجود أكبر عدد من النوى المستقرة).
(11) - تكون العناصر الرئيسة والمهمة كالكربون والأكسجين والهيدروجين والنيتروجين ونحوها بنِسَبٍ دقيقةٍ ومتوازنة، وهنا نُحب أن نشير إلى ما يُعرف بمبدأ (التَّكافؤ)؛ أي نسبة الذرات المطلوبة لإشباع كل عنصر، فالكربون يميل إلى الاتحاد مع ذرّاتٍ أخرى بنسبة واحد إلى أربعة، وفي الميثان تتَّحد ذرَّةُ كربون واحدةً مع أربع ذرّاتٍ من الهيدروجين، وفي رباعي كلوريد الكربون ترتبط ذرَّةُ الكربون بأربع ذرّاتٍ من الكلور، وكأنَّ ذرّات الكربون بها أربعة شقوق مخصصة لذرّات أخرى. وقد لخص جدول ماير تكافؤات العناصر المعروفة التسعة والأربعين، وكشف أنَّ العناصر ذات التّشابه الكيميائي تشترك أيضًا في تكافؤ عام؛ فلمجموعة الليثيوم والصوديوم
والبوتاسيوم تكافو مقداره، واحد، وكذلك الحال بالنسبة إلى مجموعة الكلور والبروم واليود.
وهناك مجموعة من الأبحاث التي تُبيّن كيف أنَّ الخواص تتكرر على نحو دوري كلَّ ثمانية عناصر إذا تم ترتيبها على أساس الوزن الذري، وقد شُبّه هذا بـ (الموسيقا)؛ حيث يبدأ السلم الموسيقي من جديدٍ كلَّ ثُماني درجات نغميَّة، وقدّمت هذه الفكرة في خطاب أمام الجمعية الكيميائية في لندن عام (1866 م) لكنَّها قُوبلت بالسخرية واعتبرت مجرد أهكومة، ورأى كيميائيون آخرون قانون الثَّمانيات مجرَّد مصادفة!! وفقط في عام (1887 م) ابتسم
لهذه الفكرة فتم إثبات صحتها من حينها (3).
1 - يُنظر: فرانك كلوس فيزياء الجسيمات، ص (42، 41، 16). 2 - ستيفن هوكينج، التصميم العظيم، ص (190 - 191).
3 - يُنظر للتوسع: فيليب بول، العناصر، ص 83) - (84). وإيريك شيري، قصة سبعة عناصر، ص (47 - 49).
الحظ
535 (1/535)
صفحة 536
مناجزة الإلحاد
وفيما يخص الكربون بالذات فإنَّ طريقة وجوده تحتاج إلى ضبط دقيق وصارم، فالكربون ينشأ نتيجة اندماج ثلاث نوى هيليوم، أو اندماج نواتي الهيليوم والبيريليوم، وتُعرف هذه الظاهرة بـ (الطَّنين)، وهي تحتاج إلى ضبط دقيق جدا لمستوى الطاقة الرئيسة في كل نواة، واكتشاف هذا الضبط هو الذي هنَّ إلحاد عالم الكونيَّات فريد هويل وخَضخَضَه، وجعله يعترف - مُرغمًا - بأنَّه لا تُوجَد قوى عمياء في الطَّبيعة، وأنَّ هناك وعيًا نافذا قد صَمَّمَ الفيزياء والبيولوجيا. (12) - وجود (30) ثابتا كونيا رئيسًا لا يقوم هيكل الكون من دونها، فأي نقرةٍ أو خلل في قيم الكثير من هذه الثوابت لن يسمح باستقرار الكون ولا بنشأة الحياة فيه، فمعظم الثوابت الأساسية في نظرياتنا تبدو مضبوطةً بدقة، بمعنى أنَّها لو عُدّلت بمقادير بسيطةٍ لا غير فإنَّ الكون سيختلف كيفيًّا، وسيكون في حالاتٍ كثيرةٍ غير ملائم لتطور الحياة). وننوه هنا بضرورة التمييز بين وجود الثوابت نفسها ووجودها بالقيم الرصدية الحالية، فكلا الأمرين على حِدَةٍ يحملان دلالات الضبط والنظم والغاية.
(13) - الحجم المتوازن والمناسب للأرض، فلو كان مختلفًا بشكل كبير عن حجمها الحالي لاستحالت الحياة فيها، ففيما لو افترضنا أنَّ حجمها كان كحجم القمر - مثلًا - لعجزت عن الاحتفاظ بغلافيها المائي والهوائي من حولها؛ أي إنَّ الغلاف الجوي سيتلاشى، ثم ستشتد البرودة ليلًا حتَّى درجة التَّجمد، وتشتد الحرارة نهارًا حتَّى درجة الاحتراق، ولو كان حجم الأرض ضعف حجمها الحالي لتضاعفت جاذبيتها، وانكمش غلافها الهوائي، وارتفع ضغطها الجوي (3). (14) - الضبط الدَّقيق لنسبة كثافة الغلاف الجوي للأرض، فلو كانت نسبته أقل مما هي عليه الآن لسقطت النيازك كلَّ يومٍ على الأرض، وأبادت كلَّ ما فيها، ولو كانت أكثر مما هي عليه لافتقدنا الكثير من العناصر والطاقات المهمة التي تأتينا من الخارج.
(15) - المقدار المناسب لسرعة دوران الأرض حول نفسها، والذي يبلغ (1760) كم في السَّاعة الواحدة، فلو انخفضت هذه السُّرعة إلى (500) كيلو متر في الساعة لطال الليل والنهار، ثم ستحرق حرارة الشمس كل شي وتتكفّل البرودة في الليل بتجميد ما تبقى.
(16) - المسافة المتوازنة بين الأرض والشَّمس، والتي تُقدر بـ (165) مليون كم، فلو
1 - يُنظر: 1982. Annual Review of Astronomy and Astrophysics, Vol. 20, P
2 - ستيفن هوكينج، التصميم العظيم، ص 190. 3 - يُنظر: صبري الدمرداش، للكون إله، ص 71.
536 (1/536)
صفحة 537
المبحث التاسع: المستوى العقلي
اقتربت الشَّمس من الأرض بمقدار النصف لاحترقت الأرض، ولو ابتعدت بمقدار الضعف لتجمدت الأرض).
(17) - الضبط المتوازن لحجم كتلة الشَّمس. يقول ستيفن هوكينج: "إذا كانت كتلة شمسنا أقل أو أكثر بعشرين في المئة، فإنَّ الأرض ستكون أبرد من المريخ اليوم، أو أسخن من الزهرة اليوم (2).
،
(18) - نسبة التّفاوت المركزي للأرض والذي يُقارب الصفر، فلو كانت قريبةً من الواحد فإنَّ محيطاتنا ستغلي عندما نصل لأقرب نقطة من الشَّمس، وستتجمد تمامًا عندما نصل لأبعد نقطة (3). (19) - تناسب حرارة الشمس مع الأرض فو كانت حرارتها أكبر من ذلك بكثير لأصبحت الحياة على الأرض لا تُطاق وهذا ما يُسميه العلماء بـ (المنطقة القابلة للشكني/ Goldilocks Zone) ويسمونه كذلك بـ نطاق الحياة، واحتمال وجود مثل هذه المنطقة ضئيل جدا؛ لأنَّه يحتاج إلى ضبط دقيق لدرجة حرارة الكوكب (4)
(20) - ضبط مقدار سُمك قشرة الأرض، والذي يمتد إلى ما يقارب (32) كم، فلو زاد عما هو عليه ولو بمقدار ثلاثة أمتار فقط فإنَّ قشرة الأرض ستمتصُّ الأكسجين، ثم تستحيل الحياة الحيوانية من حيث الوجود أولا والبقاء والاستقرار ثانيا.
(21) - مقدار عُمق البحار، إذ لو زاد عما هو عليه ولو ببضعة أمتار لامتصت هذه البحار الأكسجين وثاني أكسيد الكربون، وعليه؛ يستحيل وجود النباتات على الأرض، فضلًا عن وجود
الحياة الحيوانية (0).
(22) - الضبط الدَّقيق لنسبة الأكسجين في الغلاف الجوي، والتي تبلغ (21 ?)؛ إذ لو زادت عن ذلك لارتفعت معها قابلية الاحتراق، وفي تقدير العلماء فإنَّ زيادة الأكسجين ولو بنسبة (1?) - أي تصبح نسبته (22) - ستجعل (70)) من غابات الأرض على صفيح الاحتراق (7)!! ثمَّ إِنَّ وجود غاز الميثان بجانب الأكسجين في الغلاف الجوي يُعد أمرًا فريدًا، وقوانين
أن.
1 - يُنظر: عمرو شريف رحلة عقل، ص (143 - 145).
2 - يُنظر: ستيفن هوكينج التصميم العظيم، ص (180 - 181).
- يُنظر: المرجع السابق، ص 180.
4 - يُنظر: المرجع السابق، ص (181). ويُنظر كذلك: ديفيد إيه روذري، الكواكب، ص 33.
ه - يُنظر: راشد المبارك، هذا الكون ماذا نعرف عنه، ص 39.
6 - يُنظر: صبري الدمرداش، للكون إله، ص 78.
537 (1/537)
صفحة 538
مناجزة الإلحاد
الكيمياء شديدة الوضوح عند زيادة الأكسجين ينبغي أن يتحول الميثان بالكامل إلى ماء (HO) وثاني أكسيد الكربون (CO 2). والعملية تتّسم بكفاءة عالية؛ بحيث لن يُوجد أيُّ جزيء من الميثان في الغلاف الجوي لكوكبنا في حالةٍ من العُزلة في مقابل أن تجد الميثان في واحد من كل مليون جزيء!
(23) - انتظام دوران الكواكب والنجوم والمجرات منذ ملايين السنين وفق قوانين مضبوطة ومقدرة بدقة، فكل في فلك يسبحون.
(24) - الضبط الدقيق والعجيب لخاصيَّة الماء، ففي حال تجمده تقل كثافته ويخف وزنه مما يجعله يطفو عاليًا، وهذا يسمح للكائنات البحرية بالبقاء على قيد الحياة في فصل الشتاء شديد البرودة، فلو لم تقل كثافته ويخف وزنه لتجمدت الأحياء البحرية.
(25) - ناموس ارتفاع الماء إلى أعالي النباتات، حيث تعجز الآلات الضخمة بقوة (100) حصان عن رفعه إلى ما يزيد عن (20) مترا، وهناك عدم اتفاق في الأسباب الحقيقية التي تقف خلف وجود هذا الأمر، خاصةً في ظل ما يبدو أنَّه مقاومةٌ منه لقانون الجاذبية، ولعل نظرية التماسك والالتصاق هي الأكثر قبولا - حاليا - في تفسير هذه الظاهرة المدهشة (2). (26) - أعجوبة الهندسة الوراثية، حيث يحتوي الجسم البشري على ملايين الخلايا التي تحمل كل واحدة منها (23) زوجا من الكروموسومات، ويحمل كلُّ كروموسوم (25,000) جين تقريبًا، ويعترف العلماء بمدى التَّعقيد الرَّهيب الذي اكتشفته أبحاث الهندسة الوراثية، فلك أن تتصوّر حجم المعلومات التي يحتوي عليها الجينوم البشري الواحد؛ إذ إنَّ كتابًا واحدًا من (100) صفحةٍ لن يستوعبها حتّى يتضاعف عدد الكتب من هذا الحجم إلى (3,300) كتاب!! وإذا قرأنا الجينوم البشري الواحد طوال (24) ساعة بلا انقطاع فسنحتاج إلى (100) عام حتى نصل إلى خاتمته فالجينوم البشري يُقدَّر بـ (3,5) مليار حرف؛ أي إنَّه سيملأ مكتبةً بأسرها، وإذا ما تمَّ بسط (DNA) بشكل متصل ومتواصل فإنَّه سيجوبُ المسافة بين الأرض والشمس ذهابًا وإيابًا (600) مرَّة (3)!
(27) - الخلايا الحيويَّة؛ إذ يُمكن تصويرها على أنَّها "مصنع يضم شبكة متقنةً من أنظمة
1 - يُنظر: كارل ساجان، كوكب الأرض، ص 68.
2 - يُنظر: روبرت، دفلن فسيولوجية النبات، ص 162.
3 - للتوسع؛ يُنظر: محمد النشواتي، الإعجاز الإلهي في خلق الإنسان، ص (85 - 121).
538 (1/538)
صفحة 539
المبحث التاسع: المستوى العقلي
التجميع المتشابكة التي يتألف كلُّ واحدٍ منها من مجموعة من الآلات البروتينية الكبيرة، انتقاء هذا التصوير إلى التجمعات البروتينية التي تحتوي على أجزاء متحركة متناسقة الآلات التي يخترعها البشر - مع فارق بالطبع لصالح الخلية - وتقوم
ويرجع
بشكلٍ كبيرٍ تمامًا كما في بالمهام الموكلة إليها).
(28) - بناء جزيء واحدٍ من البروتين، حيث يجب أن تُشكّل الأحماض الأمينية روابط تعرف باسم (الروابط البيبتيديَّة؛ لكي ترتبط في سلسلة، البروتين، واحتمال بناء سلسلة من (100) حمض أميني من هذه الروابط يُعادل (30101)!! ثمَّ إِنَّ كلَّ حمض أميني لديه نسخةً مطابقة له، النسخة اليسرى أو الحمض الأميني ذو الشكل (L)، والنسخة اليمنى أو الحمض الأميني ذو الشكل (D)، واحتمال بناء سلسلة من (100) حمض أميني من الشكل (L) يُعادل (6010/ 1)!! ثمَّ يجب أن تكون كلُّ الأحماض الأمينية متصلة في ترتيب متتابع ومُخصَّص، تمامًا كالحروف في الجُمَل وعليه؛ يُصبح احتمال الحصول على بروتين خاص بطول (100) حمض أميني يُعادل (13010/ 1) (2)!!
(29) - كريات الدم الحمراء، والتي تُوجد في جسم الإنسان بأعدادٍ مهولة، فإذا ما علمنا بأن واحدةً فقط من هذه الكريات الحمراء تتكون من (280000.000) جزيء هيموجلوبين، فإنَّ متوسط العمر الافتراضي للأرض لن يكفي لإنشاء كرية دم حمراء واحدة بالصدفة والعشوائية. يقول عالم البيولوجيا ريتشارد دوكينز: "جزيء الهيموجلوبين الواحد يتكون من (574) جزيئًا من الأحماض الأمينية التي تنتظم في أربع سلاسل تلتف بعضها على بعض؛ لتشكل بنيةً كرويةً ثلاثية الأبعاد ذات تعقيد محير. وقد يبدو أي نموذج من جزيء الهيموجلوبين أشبه بشجيرة شائكة كثّة. لكن خلافا للشجيرة الشائكة الحقيقيَّة هو ليس نموذجًا تقريبيًّا عشوائيا، وإنَّما بنية محددة وثابتة لا يشوبها أي غصنٍ متفرع أو انحناء في غير موضعه، تتكرر تكررًا متطابقا نحو ستة آلاف مليون مليون مليون مرَّةٍ في الجسم البشري العادي ... فشجيرات الهيموجلوبين الشائكة تنبت في جسمك وفقًا للشَّكل المفضّل لديها بمعدل أربعمائة مليون مليون شجيرة في الثانية، فيما تتلاشى أخرى بالمعدل نفسه ... (3).
1 - ويليام ديمبسكي وجوناثان ويلز، تصميم الحياة، ص 208.
2 - يُنظر: مايكل بيهي وآخرون العلم ودليل التصميم في الكون، ص (85 - 87).
- ريتشارد دوكينز، الجينة الأنانية، ص (26 - 27).
539 (1/539)
صفحة 540
مناجزة الإلحاد
(30) - عجائب الخلق والتعقيدات في جسم الإنسان وتكوينه من نحو: الوعي والإدراك والفكر والمعلومات مرورًا بالمخ والأعصاب والجينات والشفرات الوراثية وأجهزة الجسم المتنوعة والمختلفة مما أصبح معلومًا.
قالوا عن النظم ....
(1)
يزتُ الفيلسوف الإنجليزي الكبير أنتوني فلو خبر انتقاله السعيد من الإلحاد إلى الإيمان بقوله: "ثم جاءت اللحظة الحاسمة، ففاجأت الجميع في أهم مناظراتي العلنية - عُقدت في جامعة نيويورك عام (2004 م) - بأنَّني قد صرت أقبل فكرة الوجود الإلهي! وفسَّرتُ ذلك بأنَّ ما أثبته العِلمُ الحديث من تعقيد مذهل في بنية الكون يشير إلى وجود مصمم ذكي، كذلك فإنَّ البحوث الحديثة حول أصل الحياة وما تكشف من بنيةٍ شديدة التعقيد وطريقة أداء مذهلة لجزيء الدنا (DNA) يؤكد حتميَّة وجود المصمم الذكي وأفاق آلان سانداج (Allan Sandage)) على إيقاع النغمات الاسرة للنظم والتَّعقيد، فألقى إلحاده وراءه ظهريا، وارتمى مُزمعًا في أحضان الإيمان، وقد سبق له - قبيل ذلك - أن دبَّجَ عبارته الآتية: "العالم معقد بشكل كبير في جميع أجزائه وترابطاتها، وعليه؛ فلا يمكن إرجاع الأمر إلى الصُّدفة لوحدها، إنَّني على قناعة بأنَّ وجود الحياة وانتظامها وترتيبها في كل الكائنات موضوع بصورة جيدة جدا (3).
وعلى أفنان النظم البديع يصدح الفلكي إدوارد روبرت هاريسون (Edward R. Harrison)) قائلًا: "ها هو الدليل الكوني على وجود الله حُجَّة التصميم والتي قدمها بيلي في صورة محدثة ومجددة، الضَّبط الدَّقيق للكون يُقدّم دليلًا بدهيًّا لرب مُصمّم، قم بالاختيار بين صدفة عمياء تفتقر إلى عدد هائل من الأكوان، أو مُصمّم لكون واحد. ويقول العالم الكبير فرانسيس كولنز (Francis Collins) : " الضبط الدَّقيق لجميع الثَّوابت والقوانين الفيزيائية من أجل إمكان
1 - عمرو شريف، رحلة عقل، ص 68. 2 - عالم الفلك الأمريكي (1926 - 2010 م) يُلقب بأبي علم الفلك الحديث، ويُعتبر من أكثر علماء الفلك تأثيرا في القرن العشرين، وهو عضو بارز في الجمعية الملكيَّة، وفي الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم.
3 - A Scientist Reflects on Religious Belief, Dr. Allan Sandage: www.leaderu.com/truth/1 truth 15.html
4 - عالم الفلك والكونيَّات الإنجليزي (1919) - 2007 م)، له أوراق علميَّة كثيرة تجاوزت (200) ورقة، كما أنَّ له عدَّة كُتُب لعل أهمها: (أقنعة الكون)، و (علم الكونيات)، و (ظلام الليل).
ه - عالم الجينات الأمريكي من مواليد عام (1950 م) اشتهر بعمله كرئيس لمشروع الجينوم البشري، حصل على قلادة العلوم الوطنية الأمريكية في مجال العلوم الحيويَّة، من أشهر كتبه على الإطلاق: The Language of God (لغة الله).
540 (1/540)
صفحة 541
عالم
المبحث التاسع: المستوى العقلي
حدوث حياة ذكيَّةٍ ليست عائدةً للصُّدفة، ولكنَّها تعكس عَمَلَ مَن خَلَقَ هذا الكونَ ابتداء". أما الفيزياء النظرية توني روثمان (Tony Rothman) فيدلي مُعترِفًا: "حين تواجه جمال الكون، وهذه المصادفات الغريبة في الطبيعة، فإنَّ من المغري القيام بقفزة إيمانية من العلم إلى الدين، أنا واثق أنَّ كثيرًا من الفيزيائيين يرغبون في ذلك، أتمنّى فقط أن يعترفوا بذلك» (3). ويقول الحاصل على نوبل في الفيزياء العالم الألماني أرنو بنزياس (Arno Penzias)(3) : أوصلنا علم الفلك إلى حَدَثٍ متفرّد، كون خُلق من عدم كون يتحقق فيه توازن دقيق جدا لا بُدَّ منه لتوفير الظروف الصَّحيحة الدَّقيقة جدا والمطلوبة لوجود الحياة، إلى كون يسير وفق خُطَّةٍ محددة (4). وللفيزيائي الشهير بول ديفيز كلمته أيضًا: "لا يُظهر هذا العالم انتظامات تعسفية فقط، بل مرتبة بطريقة خاصة جدًّا ... الكون موضوع بشكل جميل بين طرفي توأم: ترتيب محكم بسيط (مثل البلورة)، وتعقيد عشوائي (كما في غاز فوضوي)، لا يمكن إنكار حقيقة أنَّ العالم معقد، لكن هذا التعقيد هو من نوع تنوع منتظم .... )).
ويقول الفيزيائي ستيفن هوكينج: "إِنَّ دور الحظ في القوانين الفيزيائية الأساسية وشكلها الدقيق يختلف عن نوع الحظ الذي نجده في العوامل البيئية، لا يمكن تفسيره هكذا بسهولة، وستكون له تطبيقات فيزيائية وفلسفية أعمق كثيرًا، ويبدو أنَّ كوننا وقوانيننا لهما تصميم بحيث أنَّ كليهما قد خاطهما خياط ماهر لدعم وجودنا، وإذا كان لنا أن نُوجَد فإنَّه ترك مجالًا ضئيلا لتعديلهما، ليس من السهل شرح ذلك، وهو ما يطرح السؤال الطبيعي عن لماذا يكون الأمر بهذه الطريقة (6).
وفي الورقة العلميَّة التي قدمها لوك بارنز (Luke Barnes الباحث المتخصص في معهد سيدني لعلم الفلك تُوجد عشرات الاقتباسات والنقولات عن كبار العلماء جميعها تؤكد وجود
1 - عالم الفيزياء النظرية الأمريكي، من مواليد عام (1953 م)، يعمل حاليا كمحاضر في الفيزياء بجامعة (برينستون)، له الكثير من الأعمال، وقد تُرجم بعضها إلى سبع لغاتٍ عالميَّة، من بينها: (الرياضيات المقدَّسة)، و (الشك واليقين). 2 - يُنظر: عبدالله العجيري، شموع النهار، ص 214.
3 - عالم الفيزياء الأمريكي، من مواليد عام (1933 م)، من أشهر إنجازاته: اكتشافه لأشعة الخلفية الكونية الميكرونية. ومن أجله
حصل على جائزة نوبل في الفيزياء في عام (1978 م). 4 - أحمد. حسن أقوى براهين جون لينكس، ص 226.
ه - بول ديفيز، التدبير الإلهي، ص 219.
6 - ستيفن هوكينج، التصميم العظيم، ص 193.
541 (1/541)
صفحة 542
مناجزة الإلحاد
مظاهر الضبط الدَّقيق والنظم والتَّصميم في الكون، وضمت القائمة علماء من الانتماءات الدينية كافة، من أمثال بارو، وكار وكارتر وبول ديفيز، وريتشارد دوكينز، وديتوش، وإليس،
:
وجرين، وهاريسون وستيفن هوكينج، وولند وبيج وبنروز ووبلكنغهورن، وريز، ونديج، وسمولين، وسوسكند، وتجمارك، وتبلر، وفلنكن، وستيفن واينبرغ، وويلر، ويلزك).
البرهنة بالنظم (1)
برهانُ النَّظم يرتكز على مقدمتين في غاية الانبلاج والجلاء:
المقدمة الأولى: (الكونُ مُنظَّم).
المقدمة الثانية: (لكل نظم مُنظم).
ففيما يخص المقدمة الأولى فإنَّها مقدمة حسيَّةً؛ لأنّها تعتمد على اللحظ والمشاهدة والتَّجريب؛ حيث يرصد الإنسانُ الأجزاء المتنوعة والمختلفة من الكون وهي تنتظم جميعها في سِلْكِ واحدٍ لتُؤتي ثمارها اليانعة. وفيما يخص المقدمة الثَّانية فإنَّها مقدمة عقلية فلسفية، عقلية لأنَّها تستند إلى قانون العِليَّة العقلي القاضي بضرورة أن يكون (لكل نظم مُنظم). وهي فلسفية؛ لأنَّ قانون العليَّة قانون عقلي ينتزعه العقل من الحس، وهو من المعقولات الثانية الفلسفية؛ باعتبار أنَّ اتصاف الأشياء بالعِليَّة موجود في الخارج، وأما عروضها - أي وجودها - فهو في الذهن.
البرهنة بالنظم (2)
عن طريق ما يُعرف في علم المنطق بـ (القياس الشرطي المنفصل) يُمكننا أن نقول: إنَّ الكون منظم، وهناك ثلاثة احتمالات لا رابع لها لتفسير وجود هذا النظم:
الاحتمال الأوَّل: (خاصيَّة المادة).
الاحتمال الثاني: (الصدفة).
الاحتمال الثالث: (الإله).
فإذا تمت ضعضعة الاحتمال الأول والثَّاني - كما سيأتي لاحقا - فلن يبقى مكان إلا للاحتمال
الثالث لا غير.
1 - يُنظر: The Fallacy of Fine-Tuning, P. 7 Luke A Barnes
542 (1/542)
صفحة 543
نتيجة برهان النظم
المبحث التاسع: المستوى العقلي
في برهان النَّظم نجد بأنَّ النتيجة النهائية هي إثبات وجود الله سبحانه وتعالى؛ لأنَّها النتيجة العقلية المنطقية الوحيدة، والتي تفرضها الضَّرورة العقلية، وتظهر مصداقيتها في ثلاثة أمور: الأول: الإعجاز المذهل في تموضعات الأفراد الجزئية المبثوثة بين زوايا الكون الرَّحيب. فكل جزء قد وُضع في مكانه المناسب بكل دقة؛ ليؤدي دوره المنوط به، ولا يتأتى كلُّ هذا إلا
بتقدير من عليم خبير.
الثَّاني: الضبط والتَّوازن الدَّقيقان في النسيج الكوني، وما يشتمل عليه من علاقات حاكمةٍ بين أفراد الجزئيات الكونية المختلفة. لنتفكر - مثلاً - في عملية تبادل الأكسجين وثاني أكسيد الكربون بين النباتات والحيوانات فلو امتنعت النَّباتات عن بثّ الأكسجين لما وُجِدَتْ الكائنات الحية، ولو لم تمنح هذه الكائناتُ الحيَّةُ ثاني أكسيد الكربون للنباتات لما وُجِدَتْ النباتات إنَّها عمليَّةً تبادليَّةً تناسقيَّة، فكلُّ أجزاء الكون مرتبطة ببعضها أشدَّ الارتباط؛ لذا لا عجب إن قيل بأنَّ انقراض النَّحل - مثلًا - سيعقبه انقراض للحياة كلها على الأرض! ولنتفكَّر كذلك في قضيَّة الداء والدواء، حيث إنَّ الطَّبيعة توفر للكائنات الحية ما يُسعفها على البقاء، أو ما يُخفف عنها آلامها حال تعرضها للأدواء، أو لنتفكر في تناسب أحجام الكائنات، لننظر مثلًا إلى الحشرات التي تكتسح فناء الأرض بأعدادها المهولة، ماذا لو كانت أحجامها أكبر مما هي عليه بعشرات المرَّات؟! في الحقيقة هناك ألوف الأمثلة والنماذج التي تفرض نفسها علينا عنوةً لتضطرنا إلى الإقرار بالضَّبط والتَّوازن والتَّناسب الذي يفيض به الكون. إن مجموع هذا الضَّبط والتَّوازن لا يُمكن تفسيره بالمادة نفسها؛ لأنَّ المادة منفردةً لا يُمكن أن تُنتج ضبطاً وتوازنا ونظامًا، فالحجارة بمفردها لا تصنع منزلًا، ولهذا لم يتفوه أحد بهذا القول، كما أنَّ اجتماع المادة مع بعضها هو الآخر لا ينتج ضبطاً وتوازنًا ونظامًا، فالحجارة باجتماعها مع
543 (1/543)
صفحة 544
مناجزة الإلحاد
الحديد والإسمنت والماء لا تصنع منزلًا، فهذا مبلغ تقصر عنه خطاها، ولا يسع له أبدًا طوقها! إنَّ ما يصنع منزلا - أو ضبطاً دقيقًا ونظامًا مُحَكمًا - هو وجود قوَّة وإرادة واعية لها علم وتخطيط مسبق.
إنَّ الفاعل الواعي هو وحده من يستطيع ابتداع النظم المعقد والمخصص، أما الفاعل غير الواعي فليس له إلى ذلك من سبيل؛ لأنَّ (فاقد الشَّيء لا يُعطيه). فالإنسان على سبيل المثال يصنع جهاز الحاسوب، لكن الحاسوب لا يصنع إنسانًا.
الثالث: نظام حساب الاحتمالات (Probability Theory) حيث إنَّ اجتماع العدد الهائل من شروط الحياة وبنود الاستقرار بتلك الصُّورة المضبوطة والمحسوبة رياضيا بكل دقة وتوازن وبذلك الترتيب المشروط والمناسب لا يُمكن أن يكون إلا بتقدير من عليم قدير خبير، ولو أننا قارنا بين احتمال أن تكون هذه الشَّرائط صادرةً من الإله العليم القدير واحتمال أن تكون صادرةً من معاقل الصُّدف أو من كنائن المادَّة من غير قصدٍ ولا غاية فإنَّ العقل والمنطق سيجنحان بكل تأكيد إلى الوقوف في صف الإله العليم القدير، ويفرَّان من الاحتمالين المناهضين له، وإِنْ شَغَبَ مَن شَغَبَ بافتراض وجود احتمالية للصُّدفة وضربات الحظ والتخبط العشوائي وانعدام القصد والغاية فإنَّ تلك الاحتمالية من الضعف بمكان لا يمكن التمادي في اعتبارها أو الالتفات إليها.
معه
إِنَّ من يُطالع كتابًا ككتاب (الإشارات والتنبيهات لابن سينا، أو كتاب (الأسفار الأربعة) للملا صدرا الشيرازي، دون أن يعلم من هما مؤلفاهما، فإنَّه لن يُخامره أدنى شكّ في أنَّ الأفكار والمفاهيم العميقة المبثوثة في هذين الكتابين هما من عطاء عالمين نطاسيين متضلعين في سبر أغوار الفلسفة والمنطق، تثنى بهما الأصابع، وتُعقد عليهما الخناصر، وإن ظنَّ بأنَّهما من عطاء شخص أُمّي أو جاهل فإنَّ ظنّه سيكون مُغرِقًا أشدَّ الإغراق في الضعف والوهن والضحالة (2). وإن زعم زاعم بأنَّ هنالك احتماليَّةً على نحو ما لأن تكون كل تلك الأفكار والمفاهيم
1 - هناك مثال جميل ذكره د. عدنان إبراهيم في كتابه (مطرقة البرهان وزجاج الإلحاد يقول فيه: "جملة: (نص حكيم قاطع له سر) - وهي جملة مؤلفة من الأحرف المقطعة الموجودة في أوائل بعض سور القرآن - نظم هادف له معنى، ولكنه حتما ليس مُسببًا عن مجرَّد خواص كل حرف من الأحرف المكونة لها؛ بدليل أنَّه يمكن تأليف جملةٍ مختلفةٍ من الحروف ذاتها مثل ما يردد الشيعة (صراط علي حق نمسكه). أو ما يقوله أهل السُّنة (صح طريقك من السُّنة)، فمن البين أنَّه لا يُوجد في خواص الحروف ما يجعلها تنتظم بطريقةٍ تُنتج معها هذه الجمل المفيدة، لا مناص من الإقرار بوجود إرادة واعية مهيمنة“. (عدنان إبراهيم، مطرقة البرهان، ص 15 بتصرف).
2 - المثال كما هو واضح مخصوص بالأفكار والمناقشات الفلسفية في الكتابين، لا بالنسخ والنقل والطباعة.
544 (1/544)
صفحة 545
المبحث التاسع: المستوى العقلي
الفلسفية العميقة من تأليف شخص أُمّي وجاهل فإنَّه بذلك - حسب نظام حساب الاحتمالات - سيترك الاحتمال الضروري والبدهي الذي تدعمه مقرراتُ العقل والمنطق، ويلتجئ إلى قشّة الاحتمال المتهافت الناحل بل والمستحيل!
:
في تقريره لبرهان النظم عن طريق حساب الاحتمالات؛ يقول المفكر الإسلامي السيد محمد باقر الصدر فى كتابه المرسل الرسول الرسالة) "الخطوة الأولى: نلحظ توافقًا مطَّرِدًا بين عددٍ كبير وهائل من الظواهر المنتظمة، وحاجة الإنسان ككائن حي لتيسير الحياة له على نحو نجد أنَّ أيّ بديل لظاهرة من تلك الظواهر يعني انطفاء حياة الإنسان على الأرض أو شلّها. وفيما يلي نذكر عددًا من تلك الظواهر كأمثلة: تتلقى الأرض من الشَّمس كميَّةً من الحرارة تمدُّها بالدفء الكافي لنشوء الحياة وإشباع حاجة الكائن الحي إلى الحرارة، لا أكثر ولا أقل، وقد لُوحِظَ عمليًّا أنَّ المسافة التي تفصل بين الأرض والشَّمس تتوافق مع كمية الحرارة المطلوبة من أجل الحياة على هذه الأرض، فلو كانت ضعف ما عليها الآن لما وُجدت حرارة بالشكل الذي يتيح الحياة، ولو كانت نصف ما عليها الآن لتضاعفت الحرارة إلى الدرجة التي لا تطيقها حياة! ونلحظ أن قشرة الأرض والمحيطات تحتجز على شكل مُركَّبات الجزء الأعظم من الأكسجين، حتَّى أنَّه يُكوّن ثمانية من عشرة من جميع المياه في العالم، وعلى الرغم من ذلك ومن شدة تجاوب الأكسجين من الناحية الكيميائية للاندماج على هذا النحو فقد ظلَّ جزء محدود منه طليقا يُسهم في تكوين الهواء، وهذا الجزء يُحقق شرطًا ضروريا من شروط الحياة؛ لأنَّ الكائنات الحيَّة من إنسان وحيوان بحاجةٍ ضرورية إلى الأكسجين لكي تتنفّس، ولو قدر له أن يُحتجز كلّه ضمن مركَّبات لما أمكن للحياة أن تُوجَد! وقد لوحِظَ أنَّ نسبة ما هو طليق من هذا العنصر تتطابق تمامًا مع حاجة الإنسان وتيسير حياته العملية، فالهواء يشتمل على (21) ? من الأكسجين، ولو كان يشتمل على نسبة كبيرة لتعرضت البيئة إلى حرائق شاملة باستمرار، ولو كان يشتمل على نسبة صغيرة لتعذرت الحياة أو لأصبحت صعبة!
ونلحظ ظاهرةً طبيعيَّةً تتكرر باستمرار ملايين المرَّات على مر الزمن تُنتج الحفاظ على قدرٍ معين من الأكسجين باستمرار، وهي أنَّ الإنسان - والحيوان عمومًا - حينما يتنفس ويستنشق - الأكسجين يتلقاه الدَّم ويُوزّع في جميع أرجاء الجسم، ويُباشر هذا الأكسجين في حرق الطعام،
545 (1/545)
صفحة 546
مناجزة الإلحاد
وبهذا يتولد ثاني أكسيد الكربون الذي يتسلل إلى الرئتين ثم يلفظه الإنسان، وبهذا يُنتج الإنسانُ وغيره من الحيوانات هذا الغاز باستمرار، وهذا الغاز بنفسه شرط ضروري لحياة كل نبات، والنبات بدوره حين يستمد ثاني أكسيد الكربون يفصل الأكسجين منه، ويلفظه ليعود نقيًّا صالحًا للاستنشاق من جديد، وبهذا التبادل بين الحيوان والنبات أمكن الاحتفاظ بكمية من الأكسجين، ولولا ذلك لتعذَّر هذا العنصر، وتعذَّرت الحياة على الإنسان نهائيا. إنَّ هذا التَّبادل نتيجةً لآلافٍ من الظواهر الطبيعيَّة التي تجمعت حتَّى أنتجت هذه الظاهرة التي تتوافق بصورة
كاملة مع متطلبات الحياة ....
الخطوة الثَّانية: نجد أنَّ هذا التَّوافق المستمر بين الظواهر الطبيعية ومهمة ضمان الحياة وتيسيرها في ملايين الحالات يُمكن أن يُفسر في جميع هذه المواقع بفرضية واحدة، وهي: أن نفترض صانعا حكيمًا لهذا الكون قد استهدف أن يُوفّر فى هذه الأرض عناصر الحياة، ويُيسّر مهمتها، فإنَّ هذه الفرضية تستبطن كل هذه التوافقات.
الخطوة الثالثة: نتساءل: إذا لم تكن فرضيَّة الصَّانع الحكيم ثابتةً في الواقع؛ فما هو مدى احتمال أن تحدث كلُّ تلك التَّوافقات بين الظواهر الطَّبيعية ومهمة تيسير الحياة دون أن يكون هناك هدف مقصود؟ ومن الواضح أنَّ احتمال أن تكون الرسالة المبردة إليك - في مثال سابق - من شخص غير أخيك ولكنَّه يُشابهه فى كل الصفات بعيد جدًّا؛ لأنَّ افتراض المشابهة في ألف صفةٍ - بعضها له خصوصيَّةٌ أخوية قصوى - ضئيل بدرجة كبيرة في حساب الاحتمالات، فما ظنك باحتمال أن تكون هذه الأرض التي نعيش عليها بكل ما تضمه غير هادفة ولكنها تشابه الفاعل الهادف الحكيم في ملايين ملايين الصفات! الخطوة الرابعة: نُرجّح بدرجةٍ لا يشوبها الشَّكُ أن تكون الفرضية التي طرحناها في الخطوة الثانية صحيحة؛ أي أنَّ هناك صانعا حكيمًا.
الخطوة الخامسة: نربط بين هذا الترجيح وضآلة الاحتمال التي قررناها في الخطوة الثالثة، ولما كان الاحتمال في الخطوة الثالثة يزداد ضالةً كلما ازداد عدد الصدف التي لا بُدَّ من افتراضها فيه - كما عرفنا سابقا - فلا غرابة أن يكون هذا الاحتمال ضئيلا بدرجةٍ لا تُماثلها احتمالات الخطوة الثالثة في الاستدلال على أي قانون علمي؛ لأنَّ عدد الصدف التي لا بُدَّ من افتراضها في احتمال الخطوة الثالثة هنا أكثر من عددها في أي احتمال مناظر، وكلَّ احتمال
546 (1/546)
صفحة 547
المبحث التاسع: المستوى العقلي
من هذا القبيل فمن الضروري أن يزول، وهكذا نصل إلى النتيجة القاطعة، صانعا حكيمًا بدلالة كل ما في هذا الكون من آياتِ الاتساق والتَّدبير (1). الاعتراضات على برهان النظم
وهي
أنَّ للكون
هناك عِدَّةُ اعتراضات تقدم بها المشككون في برهان النظم نذكرها بالإجمال أولًا، ثمَّ نُفصل
القول فيها لاحقا على النحو الآتي:
:أولا: الاعتراضات على المقدمة الأولى:
النظم إسقاط نفسي بشري.
تحيز الإدراك المتأخر.
الضبط الدقيق غير دقيق
نسبة الضبط الضَّئيلة مقارنةً بحجم الكون.
عدم وجود كون مُقارن لنحكم بوجود النظم.
ثانيا: الاعتراضات على المقدمة الثانية:
الصدفة.
الانتخاب الطبيعي.
خاصية المادة.
(المبدأ البشري الضعيف).
النَّظم ظاهرة ثقافية محضة.
الأكوان المتعددة (تعدد العوالم).
قياس الشاهد على الغائب!
ثالثا: الاعتراضات على النتيجة:
من هو المنظم؟!
من نظم المنظم؟!
إله الفجوات.
1 - محمد باقر الصدر المرسل الرسول الرسالة، ص (25) - 32)، بتصرف".
547 (1/547)
صفحة 548
مناجزة الإلحاد
أولا: الاعتراضات على المقدمة الأولى
تعرضت
المقدمة الأولى لبرهان النَّظم الكونُ مُنظَّم) إلى قائمة من الاعتراضات - هي في الحقيقة تهويشات وتشويهات - وقد سبق الإلماع إليها قبل قليل بالإجمال، وآنَ الآنَ أوان تفصيلها: (1) - النَّظم إسقاط نفسي بشري
يرى بعض الملاحدة أنَّ الاعتراف بوجود النَّظم في الكون هو مجرد إسقاط نفسي بشري؛ بمعنى أنَّ النَّظم في الكون غير موجود على الحقيقة، بل هو موجود فقط في تجاويف رؤوسنا الواهمة!! فالنَّظم - بناءً على هذا الرَّأي - أمر غير موضوعي، وليس له واقع حقيقي، بل هو مجرد وهم اصطنعته عقولنا، وحاكته مُخيلتنا الخصبة؛ فتعثرنا بأذيال مِرْطِه! ويُمكن أن نضرب مثالا يُوضح فحوى هذا الاعتراض: فلو افترضنا أنَّ شخصًا ما شاهد اللوحة الفنيَّة المُطهَّمة المعروفة بـ (العشاء الأخير) للرسام العالمي الشهير ليوناردو دافنشي، فإنَّه سيحكم عليها بالإتقان والإبداع والجمال، لا لأنَّها متقنةٌ ومُبدعة وجميلة في الحقيقة، بل لأنَّ ذلك الشخص يتوهم الإتقان والإبداع والجمال!
ولو افترضنا - كذلك - بأنَّ شخصًا قرأ (ديوان الحماسة) لأبي تمام، ثم قال لنا بأنَّ كاتب الحماسة شاعرُ لا يُشق له غبار، خبير بلغة العرب ماهر بتدبيج اللفظ، عالم بالبيان وصنعة الشعر، فهل سنقول أنَّ ظنَّه هذا مجرد وهم لا حقيقة له؛ إذ لا يحتوي الديوان على شعر جميل متزن جزل، بل كلُّ ما في الأمر مجرد إسقاط بشري! هذا مع لحظنا للفرق الشاسع بين هذه الأمثلة الصَّغيرة، والتي قد تعتمد على الذائقة، وبين الكون الفسيح الذي يعتمد تقرير ما فيه من نظم وضبط وإتقان على الحس والعقل قبل كل شيء!
وكتحليل للأبعاد الفلسفية التي ينبثق عنها هذا الافتراض فلن تجد حرجًا في إلحاقه بالفلسفة الوجودية التي تجعل الإنسان هو المركز الأوحد والمسؤول الأول في الكون، فلولاه لما كان للكون أي معنى يُذكر، ومن ثم فهو الوحيد الذي يحكم بوجود النظم أو عدم وجوده، وكأنَّ النظم أمر غير موضوعي في ذاته كما أنك لن تجد كُلفةً في إلحاق هذا الاعتراض بالمنهج الخيالي السفسطائي الذي يتعامد طولا وعرضًا مع المنهج الواقعي، فالعلم ليس كاشفًا للواقع، بل هو إسقاط بشري؛ مما يعني: الإنكار الصَّريح لوجود العالم الواقعي، أو على الأقل التشكيك في واقعيته، وهذا هو ما يتلاقى ويتمازج فيه الاعتقادان: الإسقاط البشري، والمنهج الخيالي.
548 (1/548)
صفحة 549
المبحث التاسع: المستوى العقلي
وبعد أنَّ اتَّضحت لنا الصُّورة العامة لهذا الاعتراض نستتلي ذلك بالتقوضات الآتية: (1) - يُوجد. تفكك منطقي أو تناقض ذاتي في صميم هذا الاعتراض، فإذا كان النظم الذي نشاهده ونتحسّسه مجرد إسقاط نفسي بشري، فإنَّ الحكم عليه بهذا الوصف العاسف هو أيضًا إسقاط بشري!! فليس حكمنا عليه بـ (الإسقاط البشري) أولى بالقبول والاعتبار من حكمنا عليه بـ (واقعية النظم).
(2) - ما الدليل على أنَّ النَّظم المشاهد في الكون هو مجرد إسقاط بشري؟! أليس هذا ادعاءً جسيمًا يستدعي البيئة؟! (3) - لو افترضنا حقًّا بأنَّ النَّظم هو مجرَّد إسقاط بشري، فإِنَّ مِن لازِم ذلك أن نُساوي بين المتفارقين، بمعنى أن تتساوى - في وعينا وإدراكنا وحكمنا - الكومة المتناثرة والمهترئة من القطع المعدنية مع سيارة فارهة من طراز رولز رويس (Rolls Royce) مثلا؛ باعتبار أنَّ القضية مختزلة في الإسقاط البشري! كما أنَّ هذا يعني أنَّك إن أغمضت عينك فإنَّ الشَّمس غير
موجودة، فوجود الشمس يعتمد على الإسقاط البشري، فهي تُوجد بوجوده وتنعدم بعدمه! (4) - توافق البشر على معنى النَّظم - التَّرابط والتَّناسق لتحقيق وظيفة معينة - يدلُّ على أنَّ النَّظم قضيَّةٌ موضوعيَّةٌ وليست إسقاطاً بشريًّا، فلو كان الأمرُ عائدًا إلى الإسقاط البشري بعيدا عن موضوعية النَّظم لما اتَّفق البشر على التفريق بين المنظوم وغير المنظوم، ولأصبحت معادلات الجاذبية وحسابات النسبية وأرقام الثَّوابت الكونية مسرحًا تهتك أذواق البشر وإسقاطاتهم المختلفة أستاره!
(5) - العِلم الحديث أزاح الستار عن الكثير والكثير من علامات النظم التي كُنَّا نجهلها، بل وبادر في تأكيدها وإرساء دعائمها، فلو لم يكن ثمَّةَ نظم واقعي، وكان الأمر مسنودًا إلى خيوط عنكبوت الإسقاط البشري، فإنَّ العِلم الحديث سيكون المتهم الأكبر بهذه الجناية؛ أي الإيهام بوجود النظم! ستيفن هوكينج بدوره يبدي عدم رضاه عن مثل هذا الاعتراض قائلًا: "فإنَّني من أتباع الفلسفة الوضعية، حيث أعتقد أنَّ النَّظريات الفيزيائية هي مجرد نماذج رياضيَّةٍ نضعها، وأنَّ التَّساؤل عمَّا إذا كانت هذه النظريات تتوافق مع الواقع أم لا يُعدُّ بلا معنى فقط إذا تنبأت بالملاحظات (1).
1 - روجر بنروز وآخرون، فيزياء العقل البشري، ص 191.
??? (1/549)
صفحة 550
مناجزة الإلحاد
(1) - إلحاقا بهذا الاعتراض؛ لماذا لا تكون كل أحكامنا هي الأخرى مجرد إسقاطات بشرية؟! فإذا كان النَّظم فى الكون - بالرَّغم من جلائه وإفراعه حسيًّا وعقليًّا وعلميا - هو مجرد إسقاط بشري، فماذا تبقى لنا؟! ما الحال مع أحكامنا الأخرى، والتي تتضاءل ثباتًا وظهورًا أمام قضيتنا بمراحل ضوئيّة؟! أفليس هذا تقعرًا غريبا وتشدُّقًا فجَّا؟!
(7) - العلم الحديث يقوم على فكرة انتظام الكون واتزانه وانضباط قوانينه، فإذا ما شككنا لحظةً في هذه الفكرة الراسخة في العقيدة العلمية - باعتبارها مجرد إسقاط بشري - فإنَّنا بذلك العِلم جملةً، ونتركه محلول العُرى رَهِيكَ، المفاصل، يتأفَّفُ من حرقة الشكوك!
سنُشكك
فالعلم من يوم مولده لا يُحلّق إلا وقلائد انتظام الكون في عنقه. (8) - العلم الحديث أبان عن موجودات لم نكن نُدركها، وأخرى لم نكن لنتصور وجودها، وذلك كله عن طريق الحدس والتنبؤ المسبقَين، فلإيماننا بأنَّ الكون وقوانينه محكومان بسلسلة متينة من حلقات الإحكام والضبط والانتظام أمكن لنا الكشف عن وجوه كانت معماةً عنا ومجهولة، وأمكننا من فتح مغاليق الأبواب الموصدة لنرى ما يختلج في أفنيتها، فكيف يكون النظم مجرَّد إسقاط بشري وهو دليلنا الكاشف ودستورنا العلمي السالف؟!
(9) - التحقق من وجود النَّظم ممكن بالتكرار والإعادة، فمن خلال الحسابات والتقديرات المنتظمة والمتوازنة نستطيع تكرار عمل الأشياء المنتظمة لِنَصِلَ إلى النتيجة ذاتها، فمن الممكن - على سبيل المثال - أن نبني منزلا وفق حساباتٍ ومواصفات محددة، ثم نقوم بتعميم تلك الحسابات والمواصفات على عمليات بناء منازل أخرى لنصل إلى النتيجة نفسها، وهكذا بالنسبة إلى الظواهر الطبيعية المتكررة، فلو كان الأمر حكرًا على الإسقاط البشري لما أنتج لنا التكرار نظما وضبطاً.
(10) - لم يُوجد البشر على الأرض إلا قبل فترة وجيزةٍ ومتأخرة من عُمر الكون، فهل كان الكون غير منظم قبل وجودهم حتَّى يُقال: إنَّه مجرَّد إسقاط بشري؟! لو كان الأمر كذلك لما وجد البشر من الأساس - بحكم انعدام النَّظم الذي يسمح بوجودهم - ولكان وجودهم الحالي نفسه هو مجرد إسقاط بشري! إذن؛ لا يُوجَد أبدًا ما يُبرر الفصل بين الحكم العِلمي والعقلي - القاضي بوجود النَّظم- والعالم الحقيقي الواقعي فالعلاقة بينها علاقة التحام لا انفصال، ومن ثمَّ يكون الحكم العلمي العقلي
550 (1/550)
صفحة 551
بوجود
المبحث التاسع: المستوى العقلي
عبارة عن استشفاف لمضامين الكون، واستفتاح لما استغلق منها؛ ولهذا قضت الأحكام العقلية أشياء لم تكن مترائيةً لنا بعد، ولم يحن موعد اللقاء معها وجها لوجه! وفي هذا دلالة ظاهرة على خطأ فرضيَّة الإسقاط البشري. وممَّا يُمكننا الإدلاء والإدلال به على ذلك من النماذج الحاضرة بين أيدينا:
اكتشاف بوزون هيغز Higgs boson فقد تنبأ عالم الفيزياء الإسكتلندي بيتر هيغز (1) عام (1964 م) بوجود هذا الجسيم؛ بناءً على النموذج الفيزيائي القياسي الذي ينصُّ على أن قوى الكون الرئيسة قد انفصلت عند الانفجار العظيم. فهذا الجسيم الأولي هو المسؤول عن حصول جسيمات الإلكترون والبروتون والنيوترون على كتلتها. هذا التنبؤ قد ثبت ميدانيا بالفعل؛ إذ تمكن العلماء من رصده عمليا بنسبة بلغت (99,999 ?) بواسطة مصادر الهادرونات الكبير (LHC) ، فلو كان الأمر مرتهنا في وجوده على أكسجين الإسقاط البشري وأنَّه لا تُوجد حقيقةً واقعيَّةٌ للنظم والضبط لما تحققت مثل هذه الحسابات العقلية البشرية!!
بيتر هيغز
رضد الأمواج الثقالية، حيث سبق لأينشتاين (Einstein) أن اقترح وجود أجسام متسارعة - مثل نجمين نيوترونيين أو ثقبين أسودين - تسببت بتشتت في النسيج الكوني، وعندما اندمجت هذه الأجسام أطلقت ظاهرةً كونية؛ لتنتج أطنانا من الموجات الثقالية إلى الفضاء، وتوقع أن هذه الموجات تمر عبر المجرات بسرعة الضوء؛ لتغير من شكل الأجسام التي تقف في وجهها. عندما تنبأ أينشتاين - قبل قرن تقريبًا - بوجود هذه الأمواج وفقًا لحساباته في النَّظريَّة النسبية العامة لم يكن هنالك أي رصد ميداني لها بعد، لكن وباعتبار أنَّ الكون منتظم ومنضبط بالفعل فقد تم مؤخَّرًا رصد هذه الأمواج بواسطة مرصد الأمواج الثقالية (LIGO) بالولايات الأمريكية المتحدة (3).
أينشتاين
1 - بروفيسور إنجليزي متخصص في الفيزياء النظرية، وهو من مواليد (1929 م)، حصل على جائزة نوبل في الفيزياء في عام (2013 م)؛ نظير إسهاماته في مجال كُتل الجسيمات تحت الذريَّة.
2 - يُنظر خبر الاكتشاف على الموقع الإلكتروني لجريدة الشرق الأوسط، بتاريخ: (5/يوليو/2012 م):
(http://archive.aawsat.com/details.asp?section=54&issueno=12273&article=684900#.WGIYTuaffl 4).
- يُنظر: (2016/ sc-100216 - gravitational-waves/10/02/http://arabic.cnn.com/scitech) .
551 (1/551)
صفحة 552
مناجزة الإلحاد
الجدول الدوري لدميتري مندليف (Mendelete)) حيث قام عالم الكيمياء الروسي ديميتري مندليف بترتيب العناصر الكيميائية المعروفة في عصره بحسَب تصاعد أوزانها الذريَّة، وتكون لديه جدول في صفوف وأعمدة ظهرت فيه عناصر كل عمود ذات صفاتٍ كيميائية وطبيعية متماثلة، ولعلَّ
دميتري مندليف أهم عيوب الجدول الدوري هذا أنَّ الوزن الذري للعناصر غالبًا ما يكون عددًا غير صحيح؛ ممَّا يُفقد التَّرتيب حتميَّته، وقد ترك مندليف في جدوله
فجوات تنبَّأ بأنَّها أماكن شاغرة ستملؤها الأيامُ بعناصر لما تكتشف بعد! وبالفعل؛ فقد أبانت الكشوفات اللاحقة عن وجود تلك العناصر؛ ولهذا اختلف الجدول الدوري الحديث عن جدول مندليف، واعتمد في حساباته على الوزن الذري بدلًا من الأخذ بالعدد الذري).
اكتشاف الإلكترون (Electron) فقد كان في ظن العلماء أنَّ الذرة
وحدة لا تتكوّن من مكوناتٍ أصغر منها، لكن الواقع العلمي قد فاجأهم
فاكتشفوا وجود الإلكترون بعد التجارب التي قام بها العالم الفيزيائي النَّظري الإنجليزي جوزيف طومسون (Joseph Thomson)(3) وزميلاه، وهذا يدلُّ
جوزيف طومسون على أن إسقاطهم البشري السَّابق كان مُجافيًا لحقيقة الواقع، ومن هنا يظهر صدق أحكامنا البشرية فيما لو طابقت الواقع، وبطلانها فيما لو ناقضته، ولو
كان الأمر مجرَّد إسقاط بشري لتساوى تطابق أحكامنا مع الواقع وتخالفها. وهذا ما لا يقوله عاقل
معه
(اجتماع للنقيضين)
اكتشاف كوكب نبتون، حيث تمَّ التَّنبؤ بوجوده قبل رؤيته، ولقد كان للحسابات الرياضية دور بارز ومحوري في توقع وجوده قبل أن يُرصد بـ (التليسكوب) في الرابع والعشرين من سبتمبر من عام (1864 م) في مرصد (برلين) بألمانيا. كانت هناك بعض الأدلة التاريخية عن مشاهدة نبتون قبل اكتشافه، ولكن لم يتم التَّعرُّف عليه، وتُشير بعض الأدلة إلى أنَّ جاليليو جاليلي قد شاهده ولكن ظنَّ بأنَّه مجرَّد نجم في السَّماء. لقد استرعى انتباه بعض علماء الفلك
1 - عالم كيمياء روسي (1834) - (1907 م)، اشتهر بوضعه للجدول الدوري للعناصر الكيميائية. من أهم كتبه إطلاقًا: (مبادئ الكيمياء) والذي تُرجم إلى العديد من) اللغات العالمية.
2 - يُنظر: راشد المبارك، هذا الكون ماذا نعرف عنه، ص (110 - 111).
- فيزيائي إنجليزي (1856 - 1940 م) حاز جائزة نوبل في الفيزياء عام (1906 م) نظير اكتشافه للإلكترون، ولذلك يُلقب في الوسط
العلمي بـ (أبو الإلكترون).
552 (1/552)
صفحة 553
المبحث التاسع: المستوى العقلي
وعلى رأسهم ألكسيس بوفار (Bouvard)) وجود ظاهرة عدم الانتظام في مسار كوكب أورانوس في مداره، ولكن بعد الرجوع إلى قوانين نيوتن للجاذبية تم تفسير هذه الظاهرة في إطار وجود تأثير خارجي من كوكب آخر يؤدي إلى حدوث اضطراب غير معروف في مسار أورانوس حول الشَّمس، وبالفعل فقد أثبتت الأيام اللاحقة وجود هذا الكوكب، والذي ألكسيس بوفار عرف باسم (نبتون) (2). فهل يسوغ بعد كل هذا أن نعتقد بأنَّ وجود النظم
هو مجرد إسقاط بشري!؟!
ما زالت شظايا الفلسفة المثالية الخيالية - هي ضدُّ الواقعية والمادية على العموم - تتناثر على
أن
أرضية العلم، ولا يزال هناك من يجهد ذاته بالمشي على هذه الشظايا بغية لملمتها! ويبدو حكاية الإسقاط البشري للنظم ليست كل شيء! فهناك خبيء أكبر بالتأكيد! إنَّ وجود الكون بل ووجودنا نحن - ليس حقيقيًّا، إنَّه بأكمله عبارةٌ عن مشهد خيالي تغزله عقولنا البشرية! نعم؛ هناك من يقول بذلك في الأوساط العلمية إلى اليوم! لقد شبه بعضُ العلماء وجود الكون ووجودنا فيه بالبرنامج الحاسوبي الذي يُدار بواسطة كائن أو كائنات ما لا نعرف عنها شيئًا. ونحن لا ندري كيف يُمكن لنا إن كُنَّا نتخيل أو نعيش في وهم كوني عارم أن نتعرّف على ذلك!! إنَّ مجرَّد معرفتنا لحقيقة أننا نعيش في خيال هو نفسه مناقض لمعرفتنا التي قررناها قبل ذلك! فكيف للخيال أن يعرف أنَّه خيال بغير أن تكون هناك حقيقة كاشفةً من نوع ما!؟! يبدو أنَّ التَّفكُكَ المنطقي مستحوذ على أجواء فكرة
التشبيه أعلاه!
(2) - تحيز الإدراك المتأخر!
تحيز الإدراك المتأخر أو ما يُسميه بعضهم بـ (الإدراك بأثر رجعي) وهو اعتقاد يتساوق إلى حدٍ كبيرٍ مع القول بـ (الإسقاط البشري النفسي، فالتحيز له أنواع كثيرة جدا تتجاوز الستين نوعًا، كالتحيز الاعتقادي، والتَّحيز السلبي، وتحيز التَّقديس، وتحيز الإغفال، وغيرها. وفيما يخص التَّحيز بالأثر الرجعي؛ فهو موضوع يتناوله بالتَّحديد عِلم النفس الإدراكي، والمقصود به هنا هو أنَّ أحكامنا الحالية على الأمور تحدث بناءً على التَّجارب الماضية التي مررنا بها،
1 - عالم الفلك الفرنسي (1843 - 1767 م)، وعضو أكاديمية العلوم الفرنسية. له إسهامات كثيرة من بينها: اكتشافه لثمانية مذنبات، ووضعه لجداول فلكية لعدة كواكب في المجموعة الشمسية.
2 - يُنظر: المؤسسة العامة للتَّدريب المهني - السعودية - الكيمياء العامة، ص (44045).
553 (1/553)
صفحة 554
مناجزة الإلحاد
ولذلك يتوهم بعضُهم بأنَّهم كانوا على عِلم أو على اطلاع مسبق بما حدث قبل حدوثه، لكنَّهم لا يعترفون بذلك إلا بعد حدوثه فقط!
وخُلاصة هذا الاعتراض: إِنَّ (تحيز الإدراك المتأخر) هو الذي يقتادنا إلى الاعتقاد بوجود النَّظم والتَّعقيد والتصميم في الكون، وهو الذي يُرغمنا على قبول الاعتقاد بهذا؛ بحكم أننا لا نملك واقعا آخر غير واقعنا هذا، ولو امتلكنا واقعًا مُغايرًا ولم يكن في حقيقته مُنظَّمًا أو مُصمَّمَّا فإنَّنا وبحكم التَّحيز أيضًا سنعتقد بأنَّه واقع مُنظَّم ومُصمَّم هو الآخر، بالرغم من أنه ليس كذلك! إنَّ أصحاب هذا الاعتراض يفترضون بأنَّنا لو ألقينا لوحةً بيضاء على الأرض، ثم انهلنا عليها بمقادير عشوائية من الأصباغ المختلفة، فإنَّها ستكون لوحةً مُصمَّمةً في نظرنا، ولو أعدنا الكرة تارةً أخرى فإنَّ اللوحة ستتغير - ولو قليلًا - بحكم عامل العشوائية، لكنَّها ستبقى لوحةً عشوائيةً أيضًا، ولكن باعتبار التحيز بالأثر الرجعي فإنَّنا قد حَكَمْنَا على اللوحة الأولى بالنظم والتصميم دون الثانية، وهكذا بالنسبة إلى حكمنا بوجود النظم في الكون
طبعًا سنكتفي في الرد على هذا الاعتراض بما قلناه قبل قليل حول نقد أُطروحة (الإسقاط)، فما أشبه الشَّيء يُعطى حكمه، بل ولربما كان هذا الاعتراض أشد شُزُوبًا وإبعادًا للنُّجعة من سابقه!
(3) - الضبط الدقيق غير دقيق!
يُوجد صوت ناشر داخل البيت الإلحادي نفسه، ولا ندري فقد يكون لهذا الصوت ما ينفخ في أوراه ويزيد من ضرامه مستقبلًا، فمع اعتراف العلماء - المؤمنين منهم والملحدين - بوجود مظاهر النظم والتصميم والضبط في الكون، وافتراقهم فقط في تحديد الناظم أهو الإله أو شيء آخر؛ يبدو أنَّ هناك صوتًا إلحاديا يزعم في غير مزعم، ويطمع في غير مطمع، قائلا بأنَّ النَّظم في الكون لا وجود له باعتبار عدم صرامة بعض قيم الثوابت الكونية، فهناك - كما يقول هؤلاء - إمكان لتغيير قيمها بشكل أكبر مما يُصرح به العلماء دون إحداث أي مشكلة!
إنَّ هذا الافتراض بجانب ضعفه الفلسفي - حيث إنَّ الإمكان قبل تحققه يختلف عن الموجود يُصبح مساوٍ للرتبة التي وُجد عليها ولا يُمكن له أن
الإمكان بعد
تحققه؛ بمعنى
أنَّ
يكون إلا كذلك - فإنَّه يحتوي على نسبة كبيرة من الهشاشة، والضعف العلمي يُهلهل قوامه؛ ذلك
554 (1/554)
صفحة 555
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: عقيدة - فلسفة - دراسات فكرية - الفكر والدعوة
------------------------------------------
العنوان: مناجزة الإلحاد
المؤلف: أحمد التميمي - محمود المسلمي
الناشر: بيت الغشام للنشر والترجمة
مكان النشر: مسقط - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 2018م
الطبعة: 1
ردمك: 978-99969-1-692-2
الإيداع القانوني: 2017/350
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=6652&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/633
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 22 شعبان 1446ه/ 21 - شهر 02 - 2025م. 000
المبحث التاسع: المستوى العقلي
لأنَّ إثبات إمكان الأمر علميًّا يحتاج إلى تجربة عمليَّة؛ بحكم أنَّه إمكان علمي لا عقلي، وهذا لا يتسنّى لأحدٍ لعدم وجود كون مقارن آخر تُوجد فيه تلك القيم المتغيرة!
ثمَّ إِنَّ هذا الافتراض يتجاهل قضيتَيْن جوهريتين وهما: الضبط والتخصيص. فالضبط الدقيق موجود وإن سلَّمنا بإمكانيَّة التَّلاعب ببعض القيم الكونية؛ إذ لو زعم زاعم - مثلًا - بأنَّ هناك مجالا لتغيير قيمة مُعادل الجاذبية بشكلٍ كبيرٍ ومن دون حدوث مشكلة - وهذا زعم باطل - فإنَّ وجود قيمة معادل الجاذبية بما هي عليه لا يعني أنها قيمة غير متوازنة أو غير مضبوطة بدقة؛ ذلك لأنَّ الضَّبط الدَّقيق صفةٌ ذاتية موضوعية، بينما وجود نوع من المرونة أو الاحتمالية في تغيير قيمته صفةٌ عَرضيَّةً طارئة.
وكمثال على قضيَّة الضَّبط ووجود هامش لتغيير بعض معطياته: تصوّر أنَّ مهندسًا قام بتنفيذ تخطيطه لبناء عشرة منازل، ورُوعي في بناء هذه المنازل الضَّبط والدقة، إلا أنَّ كلَّ واحدٍ منها سيختلف عن الآخر في بعض المعطيات، فهل هذا الاختلاف سينزع عن هذه المنازل صفة الضبط والدقة؟! بالطبع لا.
أما تجاهل هذا الافتراض لقضيَّة التَّخصيص فيكمن في إغفاله لجانب تخصيص معطيات الثوابت نفسها، فلو كان بالإمكان - مثلاً - أن يكون ثابت بلانك h = 6,626070 x 10 - 34) أقل أو أكبر مما هو عليه فإنَّ حقيقة التَّخصيص ستبقى ماثلةً أمام أعيننا، فلماذا كان هو بهذه القيمة دون أي قيمةٍ أُخرى مع افتراض إمكان تغيير قيمته دون حدوث مشكلة؟! وجانب التخصيص في مثالنا هذا لا ينحصر على قيمة الثَّابت فقط، بل يتعدها أيضًا إلى تخصيص وقت حدوث الثابت وظهوره بعد أن لم يكن شيئًا مذكورًا.
ثم قبل ذلك كله، يجب أن نعلم بأنَّ أيَّ تغيير في قيم أحد هذه الثوابت أو المعطيات الكونية سيعقبه تغيير آخر في كل الثوابت والقيم الكونية الأخرى حتى ترجع حالة التوافق المعهودة والتي أرسى العلم الحديث قواعدها النظرية والحسابية، وفوق ذلك فإنَّ هناك ثوابت كونية كثيرة سيُسبب أدنى تغيير فيها إلى انهيار الكون بل وعدم وجوده من أساسه!! إنَّه مهما الاحتمالات الممكنة لنكون أحياء فيما إذا تغيَّرت قيم تلك الثوابت الكونية فإنَّ هناك احتمالات أكبر وطُرُقًا أكثر لنكون أمواتا كما يقول ريتشارد دوكينز!
كان
حجم
1 - يُنظر: ريتشارد دوكينز الجديد في الانتخاب الطبيعي، ص (31 - 32). (1/555)
صفحة 556
مناجزة الإلحاد
ونختم بالقاعدة الأهم، أو بالمعيار الموضوعي الأبرز، وهو أداء الوظائف وتحقيق الأهداف والغايات، ففي ظل ذلك لن تُؤثر الاختلافات الطفيفة - سواء بالافتراض العقلي أو الواقعي - على منحى نشأة الحياة واستقرارها وفق نمط منظوم وهادف كما هو حاصل فعلا. بل إن الاعتقاد بإمكان إحداث تغيير في قيم بعض الثوابت يلزم منه - لزوما عقليًا ومنطقيا - وجود من قام بإحداث ذلكم التغيير وتخصيصه من بين بدائل ممكنة، بمعنى أنَّ هذا الاعتقاد لن يُغير من حقيقة الاستدلال (الفاعلي/ الغائي)!
(4) - نسبة الضبط الضئيلة مقارنة بحجم الكون
يتذرَّعُ الملاحدة بالقول بأنَّ الضَّبط الموجود في الكون يحتلُّ نسبة ضئيلة لا تكاد تذكر مقارنةً بمساحة الكون الشَّاسعة، فنسبته لا تُشكّل من مجموع الكون إلا ما يقارب الـ .............. ) أو أقل، وحاله كحال قارَّةٍ كبيرةٍ تعيش في طرمِسَاء حالكة باستثناء بقعةٍ صغيرةٍ جدًّا يشع منها النُّور لا تتجاوز ( ...... ) ملم! فكيف يُشار إلى تلك البقعة المتناهية في الصغر، وتُهمل كلُّ تلك المساحات المترامية؟!
قد يجد بعضُ النَّاس في هذا الاعتراض إغراء ساحرًا وأسرًا لا فكاك منه، لكنهم - ودون أدنى شك - سيجدون فيه نقيض ذلك إن استحضروا مناط الاستدلال ببرهان النظم كما سبق بيانه ويتضح الأمر أكثر بالإيرادات الآتية:
(1) - ما الدليل على أنَّ تلك المساحات (المظلمة) لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالضبط والنَّظم؟! إِنَّ صاحب هذا الاعتراض يحتج بما لا يعرف له صِلةً - حسب معطياته - بالضّبط والنَّظم؛ ليُصدِرَ حُكما نهائيًّا بعدم وجود الضَّبط والنَّظم، وهذا هو عين ما يُعرف بمغالطة (الاحتجاج بالجهل).
(2) - لا يُوجَد ارتباط بين وجود الضبط والنَّظم في جزء صغير فقط من الكون ونفي وجود الضابط والمنظم كما هي بُغية صاحب الاعتراض، فلو زُرت مدينةً مهجورةً ولم تر فيها شيئًا شاخصًا أو ذا بال باستثناء بيتٍ واحد، فهل يعني هذا أنَّ ذلكم البيت ليس له صانع ومنظم بمجرد أنه يقع في مدينة مهجورة لا تدبُّ الحياة في أزقتها؟! (3) - موضع الاحتجاج هو النظم والضبط وليس شيئًا آخر، فعلى افتراض أنَّ الكون لا يعمه النظم والضَّبط باستثناء منطقة محدودة فيه، فإنَّ تلك المنطقة المعنية بالاحتجاج فقط،
هي
556 (1/556)
صفحة 557
المبحث التاسع: المستوى العقلي
فلكل نظم منظم، ولا أحد يستدل بمواضع العشوائية هنا - إن كان حقا لها وجود - فلم نقل
إِنَّ لكل عشوائيَّة منظما. (4) - هناك عِدَّةُ دلائل علميَّة تُشير إلى أنَّ المنطقة التي يُهيمن عليها النظم والضبط تحتاج فعلا إلى تلك المساحة الشاسعة من الكون والتي يزعم صاحب هذا الاعتراض بأنها غير مضبوطة وغير منظمة، فسعة الكون قد تكون لها يد طولى في نشأة الحياة واستقرارها، فمن ذا الذي يستطيع أن يقول - مثلاً - إنَّ المادة المظلمة التي تملأ الكون بأسره لا أهمية لها بالنسبة إلى المنطقة التي تنعم تحت أفياء النظم والضبط!؟!
(5) - الضبط له قيمة موضوعيَّةٌ مستقلة، فلا يُمكن أن يُقاس بالحجم أو الكم؛ لأنَّه سيبقى يرفل بثوب الضبط والنظم، ولا يستطيع الحجم ولا الكم أن ينزع عنه ثوبه هذا، فالأمور لا تقاس بأحجامها بل بمضامينها وقيمها.
(5) - عدم وجود كون فقارن لنحكم بوجود النظم
هذا الاعتراض يتساوى مع قولنا: إنَّ عدم وجود كوكب أرضِ مُقارن يمنعنا من إطلاق الحكم على كوكبنا بأنه صالح ومُهيَّاً للحياة! فكما أنَّ الحياة صفةٌ ذاتية موضوعيَّةٌ تُدرك ببساطة بمقارنتها بـ (اللاحياة) دون كلفة النظر في كوكب آخر، فكذا النظم هو صفةٌ ذاتية موضوعيَّةٌ تُدرك ببساطة بمقارنتها بـ (اللانظم) دون عناء البحث عن كون مُقارَن! فهل أدرك النَّاسُ - قديمًا وحديثًا - مفهوم (الحياة) ومفهوم (النَّظم) عن طريق كواكب أخرى أو أكوان مقارنة؟! بالطبع لا. إنَّ عدم وجود أكوانٍ مُقارنة لا يعني بحالٍ من الأحوال أنَّ النظم غير موجود، أقصى ما هنالك هو وجود احتماليَّة لأن تكون هناك أكوان أكمل نظما من كوننا ليس أكثر! ولأجل هذا فلا يمكن اعتبار هذا الاعتراض مصوّبًا باتجاه برهان النَّظم بقدر ما أنَّه مصوب باتجاه قضيَّة إمكان وجود كون أكثر تنظيمًا من كوننا عند المقارنة، وهذه قضيَّةٌ لها مسار آخر بطبيعة الحال. من الجيد إحالة النظر إلى تبديد هالات الاستقراء العلمي، فليست كلُّ معارفنا العلمية الطبيعيَّة استقرائية المصدر، فعلى سبيل المثال: الانفجار الأعظم ليس استقرائيا بطبيعته؛ لأنَّنا لم نلحظ تكراره ولم نقم بمقارنته بانفجار أعظم! آخر وكذلك أصل الحياة - أيضًا - لا يُمكن مقارنته؛ لأنَّنا لا نعرف إلا حياةً واحدة بل إنَّ الأحداث التَّاريخية التي نُؤمن بها لم تقم على المنهج الاستقرائي؛ إذ هي غير قابلة للإعادة والتجربة والتكرار!
OOV (1/557)
صفحة 558
مناجزة الإلحاد
ومضة
بناءً على مبرهنة كورت جودل الثَّانية التي قدَّمت برهانًا رياضيًا على أنَّ الإنسان لا يستطيع استخدام الرياضيات - التي نصف بها انتظام الكون - دون أن يُؤمن باتساقها؛ نقول - كما سبق - لكل أولئك المشككين في المقدمة الأولى من برهان النَّظم: إنَّك إن لم تؤمن بانتظام الكون فلا يُمكنك استخدام قوانينه ولا يُمكنك فهمه ولا، توصيفه، ولا التنبؤ بشيءٍ فيه!
ثانيا: الاعتراضات على المقدمة الثانية
حاول البعض إلقاء زُمرة من الاعتراضات في طريق المقدمة الثانية لبرهان النظم (لكل نظم منظم)، وهذه الاعتراضات منها ما له مسيس بها من وجه ما، ومنها ما ليس كذلك في الحقيقة، وتفصيل الأمر كالآتي:
(1) - الصدفة
الله.
-
سبق أن أوضحنا عند حديثنا في برهان الحدوث أنَّ إيمان الملاحدة بـ (الصدفة) وتطوافهم الدؤوب حولها يُقصد منه نفي العِلَّة الغائيَّة - حسب ظنَّهم - لا العِلَّة الفاعلة، وهو ما يعني في نهاية المطاف وقوعهم في أفخاخ التّسلسل الممتنع عقلا ومنطقا، أفخاخ نصبوها لأنفسهم بأنفسهم رهبًا وهربًا من الإقرار بوجود) ونُنوه - هنا - بضرورة التيقظ لإشكاليَّة النَّموذج المعرفي الذي يتبناه الإلحاد، فلكونه نموذجًا مختزلا قاصرًا فإنَّك لن تجد في حساباته الفلسفية اعترافا بالعِلَّةِ الغائيَّة، فما من شكّ أنَّه سيواصل مسيرته الماكرة في شطبها وإخفائها بكل الألوان والمساحيق المتاحة أمامه، ولو ظهرت على وجهه تجاعيد التهافت العقلي، وأخذت أدواءُ المنطق بمَخْنَقه!
نعم؛
إنَّ القول بأنَّ كلَّ هذا النظم البديع الأخاذ الذي يختال أنقا ويتمايل ازدهاء على عرصات الكون يصدر من الصُّدفة (ملجأ الملاحدة وملاذهم هو قول يحمل على أكتاف نموذجه المعرفي الخلل والقصور بدايةً، والتبجح والجحود ختامًا!!
هل يُمكن عقلا أنَّ نتصور بأنَّ نظام الكون المعقد، وقوانينه المحسوبة بكل دقة ورصانة -والتي تُشكّل لوحة فنية مرسومةً بفرشاة الرياضيات لا تُضاهي جمالها ودقتها أي لوحة أخرى - خرج لنا هكذا بضربة حظ عمياء؟! سيقول الملحد: نعم!
558 (1/558)
صفحة 559
المبحث التاسع: المستوى العقلي
ما ظنُّك إن دخلت يومًا صفا دراسيًّا، فوجدت على السَّبورة حلا معقدًا وصحيحًا لـ (معادلة فيرما الأخيرة) التي عجز حُذاق علماء الرياضيات عن حلها منذ ما يربو على (300) عام قد خلت - قبل أن يحلَّها مؤخَّرًا أندرو ويلز - هل سيكون للصُّدفة يد في هذا الأمر ومن ثم فلا
حاجة لنا بافتراض وجود عالم رياضيَّاتٍ قام بحلها؟ نعم هكذا سيجيبك الملحد!
قاعدة
بعدما مرَّ نود أن نلقي عصا التسيار بين أفنية دليل الضبط والنظم في الكون لنشير إلى أمور ثلاثة هي غاية في الأهمية وهي كالتالي:
- الاحتمالية: وهي أن يكون الحَدَثُ ممكنا من بين عدة احتمالات.
- التعقيد وهو ضدُّ البساطة، ومن ثمَّ يُستبعد تفسيره بالصدفة.
:
- التخصيص: وهو الاختيار والانتقاء، ويدلُّ على نمط من أنماط الذكاء.
لنأخذ مثالا على هذه الأمور الثلاثة، وليكن مثالُنا هو (القفل التَّوافقي). فكلما زادت التوافقات المحتملة كانت الآلة أكثر تعقيدًا، فيكون احتمال فتح الآلة صُدفةً أقل. فالقفل التوافقي المرقم من (0) إلى (39) والذي يتم تدويره في ثلاثة اتجاهات بالتناوب؛ سيكون لديه (64000) = (40
40 (40) من التوليفات المحتملة؛ أي إنَّ مقدار احتمال فتحه بالصدفة= (1/ 64000). أما القفل الآخر والأكثر تعقيدًا والمرقم من (0) إلى (99) والذي يدور في خمسة اتجاهات بالتناوب؛ فلديه قرابة ......... 1) (100×100×100×100×100) من التوليفات المحتملة؛ أي إنَّ مقدار احتمال فتحه ....... 10/ 1). وهذا يعني أنَّ العلاقة بين الاحتمال والتعقيد علاقة عكسية، فكلما زاد مقدار الاحتمال زاد معه مقدار التّعقيد).
لكن يبقى أنَّ إثبات الاحتمالية والتَّعقيد قد لا يكفي لإثبات التصميم، بل يجب أن يكون عامل التخصيص فارضًا وجوده أيضًا. نوضح هذا بالمثال الآتي:
- الاحتمال والتَّعقيد: ء ة ال ي ف 3 لت&بب فهةبوة لاتلاى). - الاحتمال والبساطة: اب ات اب ات اب ات اب ات.
1 - يُنظر: مايكل بيهي وآخرون العلم ودليل التصميم في الكون، ص (35 - 36).
559 (1/559)
صفحة 560
مناجزة الإلحاد
- التعقيد والتخصيص: (لا تقتل البعوض وإنَّما جفّف المستنقعات).
يظهر جليًّا أنَّ التعقيد والتخصيص هو الذي يتطلب وجود فاعل واع ومختار (منظم) بخلاف الاحتمال والتعقيد، وبخلاف الاحتمال والبساطة؛ لأنَّه يتوفّر على الترتيب والنظم وتحقيق الهدف وقابلية الفهم. وبناءً عليه؛ فإنَّنا قبل أن نَصِف أي حدثٍ بأنَّه منظم ومصمَّم يجب أن
نُجيب عن الأسئلة الآتية:
- هل هذا الحَدَثُ محتمل؟
- هل هو مُعقد؟
- هل هو مُخصص؟
المرور بهذه الأسئلة ومنه الانتقال إلى الإجابة عنها هو ما يسميه ويليام ديمبسكي (Dembski)) بـ (الفلتر التفسيري للوصول إلى قرار نهائي حول الحدث الذي وضعنا أيدينا
عليه إن كان مُصمَّما أم غير مصمَّم (2
الفلتر التفسيري
البداية
الضرورة
الاحتمال
لا
التعقيد
لا
الصدفة
التخصيص
غير
مصمم
1 - عالم رياضيات أمريكي، من مواليد عام (1960 م)، وهو من أنصار ما يُعرف بـ (التصميم الذكي)، يحمل سبع درجاتٍ جامعية،
من أهم مؤلفاته: (تصميم الحياة)، و (العلم ودليل التصميم في الكون).
2 - تنبيه: لقد تصرفنا قليلا في هيكلة (الفلتر التفسيري)؛ وذلك لاختلافنا مع أنصار حركة التصميم الذكي.
560 (1/560)
صفحة 561
المبحث التاسع: المستوى العقلي
لقد قام الفيزيائي والرياضي الإنجليزيُّ الشهير روجر بنروز (Roger Penrose) بحساب احتمال نشوء الكون بالصدفة، وبلغ الاحتمال ما يُقارب (1 (10) 123)، وهو رقم رهيب لا يمكن تصوره قطعا، فلو افترضنا بأنَّ كلَّ ذرَّةٍ من ذرات هذا الكون الفسيح تُمثّل صفرًا من الأصفار لما كانت كافيةً لتحقيق الرقم المطلوب يقول بنروز: "هذا عدد خارق، ولا يستطيع روجر بنروز إنسان على الأرجح أن يكتبه كاملا بحسب الترقيم العشري المألوف؛ لأنَّه
سيكتب (1) وعن يمينها (12310) صفرًا على التوالي. وحتَّى لو كتبنا صفرًا على كل بروتون بمفرده وعلى كل نترون بمفرده في الكون كله ... لظللنا بعيدين جدا عن كتابة العدد المطلوب. فمجال الدقة اللازمة لوضع الكون في مجراه هو أصغر بما لا يُقارن كما يتضح من كل مجالات الدقة التي سبق لنا أن أصبحنا معتادين عليها في معادلات الديناميك الرائعة). ولو تحدثنا عن اندماج القوى الرئيسة في كينونةٍ واحدةٍ نتيجةً لمبدأ تناظري منفرد وبارع يُدعى (عدم تغير المعيار Gauge) Invariance) سنقول: إنَّ هذا المبدأ هو الذي مكن العلماء من وضع توقعاتهم عما كان عليه الكون فى اللحظات الباكرة جدًّا من عمره، فمن بوتقة الكواركات والليبتونات وقوى المعيار الرئيسة نشأ عِلم الكونيات المعاصر، وقد سمح) لنا هذا المبدأ بأن نقفز نظريا إلى مقاييس أصغر بألف ترليون مرَّةٍ من تلك التي يُمكننا مشاهدتها بواسطة أقوى مسرعات الجسيمات التي نملكها، وسمح لنا أيضًا بأن نتصور ما كان عليه الكون ذاته في الجزء الأول من مليون مليار مليار مليار جزء من الثَّانية الواحدة، وفي مسافاتٍ على ذلك القدر من الضَّآلة، والذي يُقدر بـ (10) - (33) من البوصة، ومن خلال إرساء هذا المبدأ يُحاول العلماء الوصول إلى صيغة رياضيَّةٍ جامعةٍ تجمع توصيفات الكون بأسره، هذه الصيغة هي ما يُعرف باسم نظرية الأوتار الفائقة (M-Theory) (3). إننا لو أخذنا معطيات هذا المبدأ وما انبثق عنه من تصورات
•
حول نظرية الأوتار الفائقة لعلمنا أين تقع الصدفة فهي لا تقع إلا في العقول الخائبة!
1 - عالم فيزيائي ورياضي إنجليزي من مواليد عام (1931 م)، أحد أبرز المساهمين - بالتعاون مع ستيفن هوكينج - في صياغة نظرية الثقوب السوداء، من أهم كُتُبه: (عقل الإمبراطور الجديد)، و (ظلال العقل).
2 - روجر بنروز عقل الإمبراطور الجديد، ص (406 - 407).
- يُنظر: ليون ليدرمان وكريستوفر هيل التناظر والكون الجميل، ص (34 - 35).
561 (1/561)
صفحة 562
مناجزة الإلحاد
لقد سبق أنَّ رددنا على الاعتقاد بـ (الصُّدفة) كتفسير لحدوث الكون بأكثر من (13) وجها، فليُرجع إليه في مكانه. ولعلَّ النُّقاط التي سنطرق أبوابها الآن ستعري حقيقة الصدفة أمامنا،
وتكشف القناع عن وجوه إمكان كونها سببًا صالحًا لتفسير انضباط الكون وانتظامه:
(1) - إِنَّ الصُّدفة مجرَّد تصور ذهني، فلا يُوجد في الخارج شيء مُجسَّد اسمه (الصدفة) له كيان معين ومُحدَّد، أو له إرادةٌ عاقلة وفاعلة؛ أي إنَّ الصُّدفة مجرد وصف نصف به بعض الحوادث التي نواقعها. وبناءً عليه؛ كيف يكون هذا الوصف الذهني - الذي لا وجود له في الخارج - سببًا يُعتد به في تفسير الضبط والتوازن والنظم؟!
(2) - إنَّ معنى الصُّدفة - حسَبَ الوضع - هو حدوتُ الشَّيء بلا قانون مسبق، أو حدوثه بالندرة على خلاف السَّائد المعهود، إلا أنَّ الملاحدة يمتطون صهوة الصُّدفة - دون أن يشعروا - وكأنها قانون صارم من قوانين الطَّبيعة المنتظمة، فهم يفسرون بها جميع مظاهر انضباط الكون وانتظامه وهم بهذا بين عائلتين؛ إما أن يقولوا: إِنَّ الصُّدفة في انضباط الكون وانتظامه عبارةٌ عن قانون طبيعي نحتنا له اسم (الصُّدفة). وإما أن يقولوا: إنَّها عبارة عن قانون طبيعي مجهول. وكلا القولين يُؤديان إلى النتيجة نفسها وهي إثباتُ وجود قانون ما، ومن ثم انتفاء وجود الصدفة! (3) - إنَّ الصُّدفة في حقيقتها جهل بالأسباب، فكلُّ ما جَهِلَ الملاحدة سبَبَه - ولم يجدوا له موئلا غير الله - نسبوه إلى الصُّدفة من غير برهان، لكنَّ الضَّربة القاصمة لهذا الزَّعم تأتي من عالم الأحياء الشهير تشارلز داروين إذ يقول: " وغالبًا ما نسبنا حدوثها إلى الصُّدفة، على أنَّ كلمة (الصُّدفة) هنا خطأً محضّ يدلُّ على اعترافنا بالجهل المطلق وقصورنا عن معرفة السبب في حدوث كل تحوُّل بذاته يطرأ على الأحياء). ومن أجل هذه الحقيقة البلجاء حاك الفلاسفة الشائعة: "يقول بالاتفاق - أي بالصدفة - جاهل الأسباب». فـ (الصُّدفة) = عدم عِلمٍ
مقولتهم
بالأسباب، أو عدم علم بنتائج الأسباب، أو كلاهما. ومجموع ذلك هو: الجهل.
(4) - إِنَّ الصُّدفة أمر نسبي، فما تراه أنت صدفة - لجهلك - قد لا يراه غيرك صدفة - لعلمه - فلو أنَّ مديرًا أمر أحد موظفيه بزيارة منطقة ما لمهمة عمل عاجلة، وأمر موظفا آخر من قسم مختلف بزيارة المنطقة ذاتها، وكان هذا الموظف صديقًا قديمًا للموظف الأول، فحدث لقاء 1 - تشارلز داروين، أصل الأنواع، ص 193.
562 (1/562)
صفحة 563
المبحث التاسع: المستوى العقلي
بينهما بـ (الصدفة)؛ إذ لم يكن لقاؤهما مطروحًا أو معلومًا أو متوقعا، فهذا اللقاء بالنسبة إلى الموظفين حدث بالصدفة لكنَّه كان معلومًا ولم يكن صدفة بالنسبة إلى المدير.
(5) - ما هو البرهان العقلي أو العِلمي على أنَّ الصُّدفة) هي سببُ الدقة والتَّوازن والنظم في الكون؟! إنَّ الاعتقاد بدور الصُّدفة النَّاجز في تفسير كل الضبط والنظم الذي يضج به الكون اعتقاد كبير جدا يحتاج إلى برهان كبير أيضًا يتناسب مع حجمه!
(6) - هل تستطيع الصدفة أن تُفسر انتظام عمل القوى الأربعة في الدقائق الثلاث الأولى من لحظة الانفجار العظيم؟! وهل تستطيع أن تُفسر وجود هذه القوى الأربعة فضلا عن اجتماعها
وانتظامها ودقة عملها؟! وهل تستطيع تفسير كل مظاهر الانضباط والانتظام الأخرى؟!
(7) - هل الصُّدفة فرضيَّةٌ يُمكن تجربتها أو التحقق من صحتها؟! ألا يتطلب القولُ بالصدفة دليلا تجريبيا وفق المنهج العلمي المُتَّبع؟! إنَّكم عندما تقولون بـ (الصدفة) فأنتم تعلمون ما حدَثَ بالضبط تمامًا كعلمكم أو كقولكم بأنَّ الله غير موجود)!
(8) - يجب تغيير مصطلح (الصُّدفة) بالمعنى الإلحادي؛ لأنَّ عدد الموجودات التي نسبوا دقتها وتوازنها وانتظامها إلى الصُّدفة يتجاوز المليارات، وعليه فليسموا الصُّدفة بـ (العادة)، أو بـ (القانون)!! ولئن كانت الصدفة تفعل حقًّا كلَّ ذلك لما أصبح أي معنى لوجود كلمة (الغاية) ومشتقاتها المعنوية
(9) - أيها الملحد؛ إذا كنا سنحدّثك عن الانفجار العظيم، وعن الثوابت الكونية، وعن الحياة يب انتظامها ودقيق ترتيبها في كل الكائنات، وعن جزيء الدنا (DNA) ببنيته شديدة التعقيد وطريقة أدائه المذهلة، وعن عجائب الخلق والتَّعقيدات في جسم الإنسان وتكوينه، وعن الأحماض الأمينية والخلايا الحيويَّة، وعن ..... وعن .... إذا كنا سنحدّثك عن كلّ هذا لنسمع منك بعدها ترنيمتك الأثيرة: "إنَّها الصُّدفة". فلا بدَّ لنا عندها أنَّ نقول لك: "ما أشدَّ صلابة إيمانك أيها الملحد“!
1 - القول بوجود | الله مختلف. عن القول بالصدفة؛ فالله قبل الزمان والمكان، ومن ثم فإنَّ الاستدلال به عقلي فلسفي لا يُمكن أنْ يخضع للمعايير التجريبية التي يجب أن تخضع لها الصُّدفة.
563 (1/563)
صفحة 564
مناجزة الإلحاد
(2) - الانتخاب الطبيعي
يبدو أنَّ الملاحدة قد تراجعوا - من وجه دون آخر - عن الاعتقاد بـ (الصدفة)؛ لأنَّهم أدركوا أنَّ ثمن الاعتقاد بها باهظ ويُكلفهم الكثير وفق فواتير العقل والمنطق، وكأنَّهم يعترفون أخيرًا بأنَّ رائد التوفيق قد أخطأهم، وأنَّ سهام الاعتقاد بـ (الصدفة) طاشت عن مراميها، وشوهت لهم وجوه آمالهم؛ لذا نجدهم قد آثروا التَّخلي عن الاعتقاد بها، والالتجاء
ويليام بيلي إلى مبدأ الانتخاب الطبيعي، هذا المبدأ الذي يُوصف بأنه مبدأ أعمى غير
هادف ولا يعي ما يقوم به، لكنَّه في الوقت ذاته ليس عشوائيا (تناقض!)، وقد شبهه ريتشارد دوكنز بـ (صانع الساعات الأعمى) في ردّ واضح منه على أُطروحة (مُصمّم الساعات) التي تقدم بها اللاهوتي ويليام بيلي (aley) عام (1802 م) في كتابه (اللاهوت الطبيعي/ Natural Theology) حيث افترض بيلي أنَّ مجرَّد العثور على ساعةٍ في فلاة من الفلوات، ثمَّ التَّأمل في تصميمها ودقتها وتعقيدها كفيل بإبعاد شبح الصدفة عنها وإثبات وجودِ صانع ذكي لها. كما شبه ريتشارد دوكينز الانتخاب الطبيعي بتشبيه آخر في كتابه (تسلق جبل الاحتمال البعيد)؛ إذ دعا إلى تصور وجود جبل عال له جانب شديد الانحدار يصعب تسلقه لكنه قصير المسافة، وجانب منحدر يسهل تسلقه بالتدريج لكنَّه طويل المسافة، وقمة الجبل في هذا التشبيه ترمز إلى منتهى مبدأ الانتخاب الطبيعي، فإنَّه يصعد إلى قمة الجبل بالتدريج عبر الجانب المنحدر ذي المسافة الطويلة. نعم؛ مبدأ الانتخاب الطبيعي أعمى لكنه ليس عشوائيا؛ لأنَّه دائما ما يُبقي على الأصلح، وهذا يُفسر لنا مظاهر النَّظم والتصميم، فلو افترضنا أنَّ شخصًا وضع في عُلبة ألواحًا نُقِشَت عليها أحرفُ اللغة العربيَّة، ثم قام بخض تلك العلبة بصورة عشوائية، فإنَّ احتمال أن تترتب تلك الحروف لتُكوّنَ جملةً مستقيمةً ذات معنى سيكون احتمالا أقرب إلى الاستحالة، لكن إن كان هناك مبدأ كالانتخاب الطبيعي يعمل على استبقاء الأصلح والبناء عليه دون هدم محاولاته السَّابقة فإنَّ الحصول على تلك الجملة المستقيمة ذات المعنى سيكون
واردا بقوة!
1 - اللاهوتي الإنجليزي والفيلسوف النفعي (1743) - (1808 م) كان مستشارًا للأبرشية، واشتهر بكونه ناشطًا ضد تجارة الرقيق، من أشهر أعماله: (اللاهوت الطبيعي)، و (المبادئ الأخلاقية والفلسفة السياسية)، و (إطلالة على الأدلة المسيحية).
564 (1/564)
صفحة 565
المبحث التاسع: المستوى العقلي
هنا سنتجنَّب الحديث عن الأنظمة الحيويَّة البيولوجية (الكائنات الحية ونتجه مباشرةً إلى الحديث عن الأنظمة الكونية الفيزيائية (الكونيَّات)؛ لنرى فيما إذا كان بإمكان مبدأ الانتخاب
الطَّبيعي فعلا أن يُفسّر - لا أن يَصِفَ فقط - مظاهر الضَّبط والتوازن والنظم في هذا الكون! إنَّ أي حدث كوني تكون نسبةُ احتمال وقوعه أقل من 10 - 150) فإنَّ تحقق وقوعه - من الناحية الرياضية - يغدو مستحيلًا؛ ذلك لأنَّ عدد الجسيمات الأوَّليَّة في الكون= (8010)، بينما أكبر عددٍ يُمكن أن تُحدثه العمليات الكونية في الثَّانية الواحدة= (4510) حسب ما ينص عليه زمن بلانك المقدر بـ 10) - (45)، إضافةً إلى احتساب عمر الكون من بدايته إلى اليوم (2510) ثانية. فلو أجرينا عملية ضرب رياضية لهذه المعطيات الرقمية السابقة لكان الناتج عنها= (8010×2510 x 4510=15010). وهذه النتيجة تبرهن على استحالة أن يُفسّر الانتخاب الطبيعي
حدوث الكون ومظاهر انتظامه بطريقة عشوائية غير واعية.
ومن الناحية العلمية فإنَّ الانتخاب الطبيعي لا يعمل على مستوى نشوء الكون، وقد سبق أن علمنا بأنَّ نشوء الكون تمَّ وفق حساباتٍ ومعادلات دقيقةٍ لو تخلفت عما كانت عليه ولو بنسبة ضئيلة جدا لما وُجِدَ الكونُ من الأساس! نعم؛ الانتخاب الطبيعي لا يعمل على مستوى نشوء الكون، بل على مستوى الأنظمة البيولوجية؛ لأنَّ:
(1) - الانتخاب الطبيعي يحتاج إلى بيئة حاضنة له، ولم يكن لحظة نشوء الكون ثمة بيئة بعد، بل ومع افتراض تحقق وجود البيئة الحاضنة فإن الانتخاب الطبيعي لا يعمل إلا بعد وجود الحياة كشرط آخر، وفي ذلك يعترف ريتشارد دوكينز قائلا: "فإنَّ أصل الحياة يقع خارج حدود هذا التفسير - أي الانتخاب الطبيعي - لأنَّ الانتخاب الطبيعي لا يمكن أن يبدأ بدونه). (2) - لا يوجد شيء آنذاك حتّى يتم الانتخاب أو الاصطفاء منه؛ ولهذا لم يقل تشارلز داروين بفاعلية الانتخاب الطبيعي في غير النظم البيولوجية الحيَّة.
(3) - لا مجال للمقارنة بين مجموعة من الأكوان لرصد آلية انتخاب كون منها دون الآخر. (4) - الانتخاب الطبيعي يعمل عبر ملايين السنين، بينما نشأ الكون مع الكثير من قوانينه الدقيقة والعجيبة والفريدة في الدقائق الثلاث الأولى فقط!
1 - ريتشارد دوكينز، وهم الإله، 142.
565 (1/565)
صفحة 566
مناجزة الإلحاد
أما من الناحية الفلسفية فإنَّ مبدأ الانتخاب الطبيعي يعجز كذلك عن تفسير وجود مظاهر النظم والتصميم؛ لأنَّه:
- مبدأ حادث لا يُمكن أن يُوجد نفسه بنفسه (دور منطقي واجتماع للنقيضين) أو بالصدفة، فلا بُدَّ إذن من وجود ذاك الذي أوجده. - مبدأ ذكي وواع يقوم على انتقاء الأصلح، ويملك بعدا مستقبليا في محصلته النهائية، فكيف يُقال عنه بأنَّه عشوائي؟!!
يصف ريتشارد دوكينز علم البيولوجيا الذي تمخضت عنه فكرة الانتخاب الطبيعي بأنه: "دراسة الأشياء المعقدة التي تُعطي مظهرًا بأنَّها قد صُمّمت لهدف». إذن؛ أشياء معقدة، وتبدو أنَّها مُصمَّمةٌ ولها هدف!! هنا يُمكن استجلاب ما يُسميه بعضهم بـ (برهان البطة). فهناك شخص يقول عن شيءٍ ما: إِنَّه يُشبه البطة، ويمشي كالبطة، ويسبح كالبطة، ويُبطبط كالبطة، وكلُّ شيءٍ فيه يدلُّ على أنَّه بطة، لكنَّه ليس بطة!! هكذا يُصرُّ الملحد على موقفه، فهو يعتقد بأنَّ الانتخاب الطبيعي يبدو وكأنه ذكي وواع وهادف ومبدع ومنظم لكنَّه مع كل هذا يصمه بـ (الأعمى) ويحطم قدره بوصفه بـ (غير الهادف)
لقد قام ريتشارد دوكينز بمحاكاة عملية الانتخاب الطبيعي عبر جهاز حاسوب صممه خصيصي ليكون قادرًا على الوصول إلى انتخاب جُملةٍ (محدَّدة سلفًا من مسرحية (Hamlet) للأديب الإنجليزي ويليم شكسبير من بين (26) حرفًا عشوائيا، والجُملة هي: Methinks it is like a
Weasel) فحصل المطلوب في غضون (11) ثانية فقط، مما أوحى لدوكينز بالنجاح الكاسح
لكن بعد الفرحة الخادعة هذه يأتي الاعتراف بوجود القياس الفارق من ريتشارد دوكينز نفسه! فدوكينز يُصرح بأنها عمليَّةٌ يُختِمُ عليها اللبس في طرائق مهمة، ذلك لأنَّ "الحياة ليست كذلك، فالتَّطور ليس له هدف على المدى الطويل، وليس من هدف بعيد المسافة (2). بينما ما قام به دوكينز في تجربته الحاسوبية هو انتخاب هادف ومستقبلي، فالهدف المراد - وهو انتقاء الجملة السَّابقة - مرسوم مستقبلًا، كما تم تصميم البرنامج الحاسوبي وفق تخطيط هادف ومقصود؛ لتحقيق غاية محددة ومعلومة وهذا ما يتصادم طولا وعرضًا مع العماية و (اللاهدفيَّة)
1 - ريتشارد دوكينز الجديد في الانتخاب الطبيعي، ص 21. - المرجع السابق، ص 82. (1/566)
صفحة 567
المبحث التاسع: المستوى العقلي
التي تُدير دفّةَ الانتخاب الطبيعي وهذا يذكرنا بالمثل العربي القديم: (فلان قريب الترى بعيد النَّبَط)؛ أي داني الموعد بعيد الإنجاز!
إذن؛ الملحد في نهاية المطاف - ومع تبنيه لمبدأ الانتخاب الطبيعي - يرجع القهقرى اضطرارًا وإرغامًا ليُعيد اعتراضه السابق، وليعترف بـ (الصُّدفة) كسبب لتفسير النظم من حيث يدري ولا يدري، فلو سألته عن قانون الانتخاب الطبيعي وعمَّن وضعه وقننه وفعله سيقول لك: حدث بـ (الصدفة)!! لا نتكلم هنا عن آلية عمل الانتخاب الطبيعي بل عن وجوده من أساسه! الاعتقاد بأنَّ الانتخاب الطبيعي هو بديل عن الاعتقاد بـ (الصدفة) ليس سوى خطوة بائسة إلى الوراء؛ لأنَّ الاعتقاد بـ (الصدفة) ينتظر الملحد في نهاية الطريق، ليكون الموئل الختامي الذي يؤول إليه لا محالة! فالانتخاب الطبيعي نفسه أُعطيةٌ من أُعطيات الصدفة! وهذا يُرغمنا على العودة من جديد إلى نقطة البداية، حيث يرجع الملحد متعشّرًا بأذيال الخيبة، فالانتخاب الطبيعي لم يغنه من أمره ولو بقدر قلامة ظفر!
ومما يدلُّ على أنَّ الانتخاب الطَّبيعي يُرجعنا مرَّةً أخرى إلى كرسي الاعتراف بالصدفة؛ هو لجوء الملاحدة إلى المبدأ الأنثروبي لتفسير بعض المظاهر التي يستحيل على الانتخاب الطبيعي أن يُوجدَها فضلا عن أن يقوم بتنظيم سيرها؛ حيث يقول ريتشارد دوكينز: "وهنا يأتي المبدأ الأنثروبي من تلقاء نفسه، بإمكاننا معالجة فكرة أصل الحياة بافتراض عدد هائل من الفرص الكونيَّة، وبمجرَّد أن نحصل على ضربة الحظ والمبدأ الأنثروبي يضمن لنا حصولها بشكل أكيد ... ).
له
في حقيقة الأمر فإنَّ الذي يعترض على وجود المنظم الحكيم بـ (الانتخاب الطبيعي) يرتكب منطقيًّا مغالطة الفئة (Fallacy Category)، أو ما يُسمى بـ (الخطأ المقولي)، فالانتخاب الطبيعي مستوى. مختلف عن مستوى المنظم والمصمّم، فهما مستويان متغايران تغايرا نوعيًّا لا تغايرا صداميا، فالانتخاب الطبيعي مجرَّد آليَّة طبيعية، بينما المنظم هو منظم تلك الآلية وصانعها. وإثبات وجود الآلية لا يعني أبدًا إنكار وجود صانع الآلية ومنظم عملها، فإثبات وجود آلية
لاحتراق الوقود في محرك السيارة لا يعني إنكار وجود صانع المحرك ومنظم عمله!
1 - ريتشارد دوكينز، وهم الإله، 142.
567 (1/567)
صفحة 568
مناجزة الإلحاد
طوق نجاة من وحي الخيال!!
هناك لفيف من علماء الملاحدة لم يستطيعوا أن يتنكروا لضرورة وجود المنظم؛ لذا آثروا أن يبتدعوا من وحي خيالهم الخضب الحالم طوق نجاة؛ ليستمروا في العوم والطفو ظنا منهم بأنَّ هذا الطَّوْق سيُوصلهم إلى مراسي الأمان فعلماء من أمثال فريد هويل وفرانسيس كريك لما وجدوا أنفسهم يثنون الرُّكب قبالة محاريب العقل والمنطق - التي أرغمتهم واضطرتهم إلى الاعتراف بوجود المنظم - اتَّخذوا من فرضيَّة البذرة الفضائية (panspermia) موئلا يؤولون إليه، ومأمنًا يقيمون تحت سمائه؛ حيث تتبنى هذه الفرضيَّةُ الاعتقاد بقدوم الحياة من الفضاء الخارجي،
فشيء ما من هنالك قد نَشَرَ على الأرض بذور الحياة وما تحويه من قوانين ومبادئ وأنظمة! ولأنَّ فريد هويل يرى استحالة إرجاع سبب وجودِ كل هذا النظم في الكون إلى الصدفة والعشوائية فإنَّه لم يجد بدا من الاعتراف بوجود المنظم الذّكي، لكنَّه - كمن ناوص الجرَّة ثُمَّ سالمها - أبى أن يشير في اعترافه هذا إلى الإله، وفضَّل أن ينسب كلَّ ذلك إلى الفضاء الخارجي (لربما كائنات فضائيَّةٍ ذكيَّة)، وقد طَرَحَ مثالًا شهيرًا يُدلل به على استحالة ظهور الحياة والنظم في الكون بواسطة الصدفة والعشوائية ألا وهو مثال طائرة البوينغ 747)؛ حيث شبه إمكان حدوث النظم في الكون بـ (الصدفة) بإمكان قيام إعصار جامح يمر على كومة مهترئة من القطع المتناثرة ليُشكّل من خلالها في نهاية المطاف طائرةً من طراز (بوينغ 747)!
(3) - خاصية المادة
يعترض المشككون والرافضون لدلالة المقدمة الثَّانية من برهان النظم بالقول بأنَّ المادة تمتلك في تراكيبها وطيَّاتها كل المؤهلات التي تُمكّنها من أداء وظائفها الملقاة على عاتقها، فالذرات وما تحويه من أنوية وإلكترونات وبروتونات وكواركات، والخلايا وما تحويه من بروتيناتٍ وأغشية وجيناتٍ وأحماض مسؤولة عن الضَّبط الدَّقيق والتوازن المذهل الذي نراه أنظمة الكون المتنوعة، فهناك قابليَّةٌ في المادَّة ذاتها لأن تقوم بأدوار عديدة ومختلفة على
في
أفضل وجه ممكن.
568 (1/568)
صفحة 569
المبحث التاسع: المستوى العقلي
نلحظ بأنَّ هذا الاعتراض نفسه يستدعي الاعتراض عليه فهناك عِدَّةُ مغالطات ومراوغات يُمكن رصدها بكل جلاء فيه، ومن بين هذه المغالطات والمراوغات:
(1) مغالطة تجاهل المطلوب (Irrelevant Conclusion) ذلك لأنَّ المستدلين ببرهان النظم لا يزعمون بأنَّ المادة لا تمتلك خصائص تُمكّنها من القيام بما هي أهل له، بل على العكس من ذلك، فهم يؤكدون وجود مثل هذه الخصائص في المادَّة؛ لأنَّهم يعتقدون بنظام الأسباب والمسببات - السَّبب الأولي والسبب الثانوي - ولربما كان بعض الفلاسفة المؤمنين أشدَّ تمسكًا بهذا الرَّأي من علماء الطبيعة أنفسهم؛ لأنَّهم يعتقدون فلسفيًّا بما يُسمى بالـ (الحركة الجوهرية)، كما أنَّهم يرون بأنَّ وجود المادة بما هي عليه من خصائص ومؤهلات هو عَينُ وجودها؛ أي إِنَّ وجودها مساو للرتبة التي أُعطيت لها، لا أنها شيء مختلف عنها.
وبهذا يبان موضعُ تجاهل المطلوب في هذا الاعتراض، فالملحد يُريد ردَّ برهان النظم بافتراض أن ورقة الرهان الرَّابحة تكمن في إثبات خاصيَّة المادَّة، وكفى، والحاصل أن المطلوب هو تفسير وجود الوعي والانتظام والغائيَّة والتَّخصيص فيما تفعله المادة لوحدها، إضافةً إلى تفسير مصدر خاصيَّة المادَّة نفسه. هذا هو المطلوب لا إثبات خاصية المادة التي لا جدال لنا فيها أساسًا من حيث إنَّها سبب من الأسباب، فخاصيَّة المادَّة من هذه الوجوه المطلوبة قاصرة لأنَّ طبيعتها تفتقد هذه المتطلبات من غير توجيه خارجي (فاقد الشيء لا يُعطيه).
(2) - الخلط بين (توصيف) الواقع وتفسيره)، فنظريَّة خاصيَّة المادة تقوم في الحقيقة على توصيف الواقع كما يرصده علماء الطبيعة، وهذا التوصيف يتّفق عليه الجميع - المؤمنون والملحدون - لأنَّه نتيجةً من نتائج المنهج العلمي الطبيعي، ولكن تفسير الواقع شيء مختلف عن توصيفه، وهو ليس من اختصاصات المنهج العلمي الطبيعي، بل من اختصاصات الفلسفة والمنطق. والفرق بين (توصيف) الواقع و (تفسيره) فيما يتعلق بمحل الخلاف هنا هو أنَّ الأول يقول لنا: إنَّ سبب حصول ما يحدث أمامنا هو أنَّه يحدث؛ لأنَّه يحدث بسبب ما نراه يحدث!! أمَّا الثَّاني فيقول لنا: إِنَّ سبب حصول ما يحدث أمامنا هو أنَّه يحدث مع النظر في حقيقة ما يحدث وتفسير ما بين الحادث وعلائق القصد والغائيَّة والاختيار من وشائج وروابط. وهذا يعني
569 (1/569)
صفحة 570
مناجزة الإلحاد
وجود نقص في (التَّوصيف) لا يُسدُّ عَوَزُه إلا بالاستعانة بـ (التَّفسير). وقد سبق أن ضربنا على هذا الأمر عِدَّة، أمثلة، كمثال كعكة العمَّة ماتيلدا الذي قدَّمه فيلسوف اللاهوت جون لينكس.
(3) - الإيهام بأنَّ القول بخاصية المادَّة يُعطي إجابةً كافيةً لإحباط أهداف برهان النظم، وهذا
الإيهام ممَّا يضيق عنه نطاق العذر، وليس لقائله غفيرة ولا عذيرة؛ وذلك لعدة اعتبارات: - أنَّ المادة قبل كل شيء حادثة حدوثاً ذاتيا - وقد سبقت البرهنة على ذلك - ومن ثم فإنَّها قد استمدت وجودها وخصائصها الكامنة في أعماقها من شيء آخر غير نفسها. - أنَّ المادة ممكنة الوجود - وقد سبقت البرهنة على ذلك أيضًا - وممكن الوجود خاضع
بالضَّرورة لسلطان الذي مكنه من الوجود وأمدَّه بحضوره على النحو الذي هو عليه).
- فشل خاصية المادة في تقرير الكثير من الحقائق كحقائق الغائية والقصدية، وحقائق التخصيص في إدارة المهام والوظائف، وحقائق الترتيب والنظم والضبط الدقيق. فلو جئنا إلى تخصيص عمل أي نظام طبيعي على المستوى الفيزيائي أو على المستوى البيولوجي لوجدنا بأنَّ هناك إمكاناتٍ كثيرة لأن تقوم هذه الأنظمة بعملها بناءً على خصائصها ومؤهلاتها، لكننا وجدناها تقوم بتلك المهام وفق ترتيب محدد، ووفق تخصيص مُعين؛ أي إِنَّ هناك وعيًا وإرادةً يقودان عجلة المادة على طرقات التخصيص والتَّرتيب؛ ولنضرب على ذلك مثال (تخصيص عمل الخلايا حيث إنَّ كلَّ خلايا الجسم - ما عدا الخلايا الجنسيَّة والدَّموية - تحتوي على جينوماتٍ كاملة، ونظريًا فإنَّ كلَّ خليّةٍ منها قادرة على القيام بكل وظائف الجسم؛ بحكم احتوائها على الجينوم كاملا، لكن عمليا فإنَّ لكل خليَّة وظيفة معيَّنة تضطلع بالقيام بها، فالخلية الكبدية - مثلًا - تشتغل فيها جينات معينة، وترقد الجينات الأخرى في سباتٍ خلوي، لماذا؟! هنا تعجز نظرية خاصية المادة تمامًا، فلدى الخليَّة القدرة على القيام بوظائف سائر الخلايا إلى جانب قيامها بوظيفتها، فلماذا تخصصت في وظيفة دون الوظائف الأخرى؟! أيا كان السبب الذي يقف خلف هذا الترتيب والتوزيع للمهام فإنَّه لا بُدَّ للتَّسليم من أنَّ الوعي الذي لديه يفوق حتمًا وعي كل
1 - نلحظ بأن الاحتجاج بـ (خاصيَّة المادة) لتفسير النَّظم يحتاج في الرد على بعض جوانبه إلى نوع إسنادٍ من برهاني (الحدوث والإمكان) كما هو الحال أعلاه.
OV. (1/570)
صفحة 571
المبحث التاسع: المستوى العقلي
(1)
جهاز منفصل في الجسم فضلا عن وعي كل خلية مفردة، فما عساه يكون ذاك السبب الواعي الذي يُهيمن على عمل لا خلية أو خلايا منفردة بل على عمل الجسم كله؛ بمعنى أن لديه الخطة الكاملة لهذا الجسم من ناحية الباطن ومن جهة الظاهر، إنَّه وعي يتسلط على البدن من خارجه، يُلقي نظرة مفارقة، بعبارة مباشرة: وعي خالق لديه فكرة مكتملة عما يريد إنجازه). ولا يقتصر الأمر على تخصيص عمل الخلايا، فهناك أمثلة كثيرة جدًّا للتخصيص، ولنأخذ مثلًا تخصيص (DNA)؛ حيث يقول الفيزيائي بول ديفيز: " فليس هناك سبب أساسي لعدم إمكانية استخدام الحياة لـ (دنا) تلتف نحو اليسار، إنَّها ستكون مطابقة للأولى كيميائيا، ومستقرةً مثلها ولا شيء فيها سيُخالف أي قانون من قوانين الفيزياء، ويعود هذا إلى أن قوانين الكهرطيسية - المسؤولة عن بناء الجزيئات - لا تهتم إطلاقًا بالتمييز بين اليسار واليمين. وبالتعبير بحذر أكثر؛ يقول الفيزيائيون: إنَّ للكهرطيسية تناظرًا مرآتيا، وبالتأكيد لو حاولت الحياة استخدام الشكل اليميني واليساري معًا لدخلت في مشكلة، ولكن ليس هناك سبب خاص لماذا يكون اليمين هو اليمين، إنَّ أفضل تخمين هو أنَّه منذ زمن بعيد عندما كانت الحياة في طور التشكل - بطريقةٍ - ما - من اللاحياة كسرت مصادفةً جزيئيَّةً عشوائيَّةُ التَّناظر وما إن يجري اختيار عشوائي حتَّى يتوقف عن ذلك، ويجب أن يتوقف حتَّى تستطيع الحياة بأكملها أن تستخدم معيارًا واحدًا، ولكن هناك احتمال (50) أن تذهب في الاتجاه الآخر). ومثل (الدنا)، لا يُظهر العديد من الأنظمة الفيزيائيَّة التَّناظر المؤسس للقوى التي: بوضوح، وليس من العسير العثور على أمثلة على ذلك، فالأرض تدور حول الشَّمس باتجاه مخالف لعقارب الساعة عندما يُنظر إليها من فوق نصف الكرة الشمالي، ولكن قوانين نيوتن في الحركة والثقالة لا يهمها مطلقًا أكان الدوران باتجاه عقارب الساعة أم عكسه فهي متناظرة، ولو دارت الأرض حول الشمس في الاتجاه المعاكس لبقيت قوانين الفيزياء صالحةً تماما (3).
تشكلها
1 - عدنان إبراهيم مطرقة، البرهان، ص (155)، بتصرف. 2 - التخمين نفسه المذكور في هذا النَّص يطرح إشكالاتٍ كثيرة! فلماذا تشكلت الحياة؟! ولماذا انكسرت العشوائية؟! ولماذا حصل ذلك في التوقيت المفترض دون غيره؟! ولماذا يجب أن يتوقف الاختيار العشوائي ولا يستمر؟! ولماذا يجب أن تختار الحياة معيارًا واحدًا ... إلخ.
3 - بول ديفيز، الجائزة الكونية الكبرى، ص 215.
OVI (1/571)
صفحة 572
مناجزة الإلحاد
(4) - مغالطة (الفئة) حيث يتم الخلط بين مستويين مختلفين في هذا الاعتراض لا تعامد بينهما وكأنهما شيء واحد، فالمستوى الأول هو المادة، والمستوى الثاني هو الوعي والقصد، الأوَّل محسوس وملحوظ ومُشاهَد، والثَّاني معنوي ومعقول ومجرَّد، فهذا الاعتراض يشيح بوجهه عن المستوى الثاني مع أنَّه يُقر بلازمه حسَبَ الواقع، ولازمه هو التعقيد والتخصيص- النظم. (5) - إِنَّ (فاقد الشَّيء لا يُعطيه) وهذه القاعدة في جوهرها ترتكن إلى المبدأ العقلي الحريز والراسخ: (عدم اجتماع النقيضين). فكيف للمادة العمياء وغير الواعية - كما يقول الجميع عنها - أن تُنتج هدفًا حاليًّا أو مستقبليا؟! كيف لفاقد الوعي والهدف أن يُعطي وعيًا وهدفًا؟! كيف للمادة العمياء أن تنتظم - رغم اختلافها وتنوعها - في عقد ماسي واحد دون انفراط متجهةً إلى تحقيق غايات مفهومةٍ ومضبوطة!؟! كيف لفاقد النظم أن يُعطي نظما!؟! (6) - المادة نفسها تعمل وفق مقتضيات القوانين الحيوية والطبيعية، فهي مجرد خامات لا عمل لها ولا إرادة إلا بما تفرضه عليها تلك القوانين القاهرة من فوقها، وهذا يعني أن القوانين شيء مفروض على المادَّة من خارجها، ومن ثم تبطل فرضيَّة خاصية المادة المكتفية بنفسها في كل أمر؛ لأنَّ الإشكال سيبقى شامخًا كما كان، فمَن الذي خصَّص المادَّة؟! أتُحدِّثُونَ العاقِلَ عن تخصيص بلا مخصّص!! ويبقى السؤالُ العتيد سؤالُ العقل والمنطق فارضًا نفسه: (من قنن القوانين؟!).
(4) - المبدأ البشري الضعيف
في البداية علينا أن نميز بين طرحَيْن اثنين؛ الأوَّل منهما ما يُعرف بـ (المبدأ البشري الضعيف) والمقصود منه هو: أنَّ مجرَّد وجودنا في هذا الكون المنظوم كفيل بعدم إرهاق الفكر بالبحث عمَّن أوجده ونظمه؛ لأنَّنا لو لم نكن موجودين لما أمكننا أن نتحدث عن ذلك! وبعبارة أخرى: لأنَّنا موجودون فإنَّ الكون مضبوط ومنظوم بالفعل، فلا يُوجد من الأساس ما يستدعي إطلاق أعِنَّةِ تلك التَّساؤلات الملتبكة عن سبب الضبط والنظم! أمَّا الطَّرح الآخر فيعرف بـ (المبدأ البشري القوي والمقصود منه هو: أنَّ الكون قد أُعِدَّ لاستقبالنا حقا، حقا، ولولا هذا الإعداد المسبق لما كان لنا أن نُوجَد.
لقد أدرك العلماء منذ زمن بعيد - كما يقول بول ديفيز - أنَّ الكون يبدو ملائما للحياة بطريقةٍ غريبة، ولكنَّهم فضلوا إهمال ذلك؛ فقد شكل هذا إحراجًا لهم؛ لأنَّه بدا شبيها جدا بعمل مصمّم
572 (1/572)
صفحة 573
عصر
المبحث التاسع: المستوى العقلي
كوني! وقد نظر إلى حُجَّة (المبدأ الإنساني) بازدراء لأنَّها اعتقاد شبه ديني! يقول الفيزيائي الفلكي أندريه ليند: "إِنَّ شخصًا واحدًا فقط عمل على هذا الموضوع في الاتحاد السوفييتي)! إذن؛ يبدو أنَّ مثار نقع الاعتراض هنا على برهان النَّظم بـ (المبدأ البشري الضعيف) يكمن في الاعتقاد بأن مجرد وجودنا كافٍ لتفسير ضبط الكون وانتظامه، دون الحاجة إلى أمخاخنا بأي تساؤلات تخص مصدر الضَّبط والنَّظم! فهل هذا الاعتراض له نصيب من المعقولية والمنطقيَّة؟! وهل يتجاوب أوَّله مع آخره، أو يشف ظاهره عن باطنه؟! سوف نرى ذلك من خلال الإيرادات الآتية: (1) - إنَّ هذا المبدأ يُمكن تسميته بـ (مبدأ الاجتثاث الخفي للعلم)؛ لأنه يكتفي بوجود الأشياء كما هي دون الشعي إلى سبر أغوارها واستبطان، دخائلها، واستجلاء غوامضها، وهذا الأمر لا يشكُ أحدٌ في أنَّه مناهضٌ ومُماتِنٌ لأبجديات العِلم والمعرفة، فمجرد وجودنا يكفي لتفسير قوانين الجاذبية والنسبية والحركة والطاقة ... إلخ!!
سمح
(2) - يضرب الفيلسوف الكندي أندرو ليزلي (Andrew Leslie)) مثالاً رائعًا لإبطال المبدأ البشري الضعيف: فلو افترضنا أنَّك وقعت رهينةً - لا الله - في قبضة عصابة إجرامية، ثمَّ سمعت سائس هذه العصابة يأمر أتباعه بإطلاق النار عليك، فأغمضت عينيك خوفًا وذعرًا، وتم إطلاق النار بكثافة لكنك تفاجأت بعد وقف إطلاق النار بعدم إصابتك بأي طلقة! فهل سيكون التفسير المنطقي لهذا هو أن تتبجح قائلا: لم تُصبني أيُّ رصاصة لأنني لم أمت، ولو أصابتني لما كنتُ أتحدَّثُ الآن. وتكتفي بذلك اكتفاء منطقيًا ومعرفيًّا، أم أنَّ التَّفسير المنطقي يكمن في شيء آخر يجب البحث عنه ومعرفته!
(3) - وقوع هذا المبدأ في مغالطة تحصيل الحاصل (Tautological Explanation)؛ لأنَّه يُفسّر انتظام الكون بانتظامه؛ بمعنى أنَّ الكون منظّم لأنَّه منظم، ويتجنَّب البحث عن تفسير الانتظام نفسه!! فهل من المنطقي - مثلًا - أن تقول لمن ضربك إنَّه ضربك؛ لأنَّه ضربك، ولو لم يضربك لما ضربك! أم أنَّك ستبحث عن تفسير ذلك؟! لقد قيل - قديما - في أمثال هذه الإجابات التي يقترحها المبدأ البشري الضعيف والتي تتجانف عن مذاهب الرزانة:
1 - يُنظر: بول ديفيز الجائزة الكونية الكبرى، ص 207.
2 - فيلسوف كندي من مواليد (1940 م)، يشغل حاليا منصب الأستاذ الفخري في جامعة جيلف بكندا، من أشهر أعماله: كتاب (الأكوان).
573 (1/573)
صفحة 574
مناجزة الإلحاد
أقامَ يُجهد أيامًا قريحته وفسر الماء بعد الجُهد بالماءِ
ويذكرنا هذا بقول الشاعر الهزلي حيث قال ساخرا:
الأرض أرضُ والسَّماء سماءُ
والماء ماء والهواء هواء
والبحر بحر والجبال رواسخ والنور نور والظلام عماءُ
والحر ضد البرد قول صادق
أشياء الورى أشياءُ وجميع
والمر مر والحلاوة حلوة والنَّار قيل بأنها حمراء ويُقال أنَّ النَّاس تنطق مثلنا أما الخراف فقولها مَأْمَاءُ
كل الرجال على العموم مذكَّرُ أمَّا النِّسَاء فَكُلُّهنَّ نساءُ
يقول ستيفن ماير: "المبدأ الإنساني الضعيف أخطأ في تأكيده أنَّ كشْفَ الظروف الضرورية لحَدَثٍ ما يُلغي الحاجة لمعرفة السبب المفسّر لهذا الحدث. الأكسجين ضروري للنَّار، لكن هذا القول لا يُضيف سببًا مفسّرًا لحريق سان فرانسيسكو بالمثل؛ الإحكام الدقيق للثوابت الفيزيائية للكون لازم لوجود الحياة، لكنَّه لا يُفسر أو يُلغي الحاجة لتفسير أصل الإحكام الدقيق). (4) - إنَّ الإقرار بوجود الضبط والنظم في الكون ليس هو التَّفسير لوجود الضبط والنظم فيه! فهذا استدلال دائري كما لا يخفى، فالكون منظم لأننا موجودون، ونحن موجودون لأنَّ الكون منظم! بينما النَّظم نفسه كقيمة موضوعيَّةٍ مستقلَّةٍ هو الذي يفرض الحاجة إلى التفسير، فأنت عندما تشاهد التفاحة تسقط على الأرض لن تقول: "إنَّها تسقط على الأرض وكفى“. بل ستنتقل مباشرةً إلى مرحلة طلب التَّفسير - وهو هاهنا قانون الجاذبية - فالتهرب ليس تفسيرًا! (5) - إنَّ مجرد الاعتراف بأننا موجودون لأنَّ الكون منظّم يحمل في ظاهره وباطنه ومن فوقه ومن تحته الإقرار بأنَّ الكون مُنظَّم؛ لأنَّه يُقر بأنَّ ظروف الكون كانت مناسبة لوجودنا واستقرارنا، وكأنَّ الكون مُعد فعلا لاستقبالنا. وهذا بدوره يزيد من ضرام الحاجة إلى وجود التفسير، بل إنَّ وجود الغائية والهدفية لمن لوازم هذا الإقرار!
1 - مايكل بيهي وآخرون العلم ودليل التصميم في الكون، ص 68.
574 (1/574)
صفحة 575
المبحث التاسع: المستوى العقلي
(5) - النظم ظاهرة ثقافية محضة
هذا الاعتراض يُشبه إلى حد كبير الاعتراض السابق بـ (المبدأ البشري الضعيف)، وهو يُشير إلى أنَّ الاعتقاد بالنظم كان نتيجةً للطَّريقة التي اختارت فيها الكائنات البشرية أن تُفكر بالعلم! ولا يخفى أنَّ هذا الاعتراض يتناوشه التناقض الذَّاتي والتَّفكك المنطقي، فهل الاعتراض نفسه هو نتيجة لطريقة تفكير البشر بالعلم أم لا؟! فإن كان الجواب بـ (نعم)؛ سقط الاعتراض؛ لأنَّ ما يُشبه الشَّيءَ يُعطى حُكمه، وإن كان الجواب بـ (لا)؛ فمن أي طريقة إذن جاء الاعتراض؟! من المعلوم بأنَّ الإنسان قام بتصميم الكثير من مصنوعاته ومنتوجاته عن طريق محاكاة الطَّبيعة أو ما يُسمَّى بـ (هندسة الطَّبيعة؛ أي إنَّ الطَّبيعة هي الأصل، وما صممه الإنسان هو التقليد، فكيف يُزعم بعد هذا أنَّ ما جاء عن طريق التقليد هو المصمَّم والمنظم، وأنَّ ما جاء عن طريق الأصل غير مصمَّم ولا منظَّم؛ بدعوى أنَّ وجود التصميم والتنظيم هو مجرد ظاهرة
ثقافية محضة؟!
لقد ارتأينا أن نُفسح المجال هنا للعالم الفيزيائي الكبير بول ديفيز؛ إذ يقول ناقدًا هذا الاعتراض: "لقد حذر كانط من أنَّنا إذا نظرنا إلى العالم من خلال نظارات زهريَّةٍ فليس مُفاجئًا إذا بدا العالم ورديَّا، إنَّنا ميَّالون إلى إسقاط أهوائنا الذهنيَّة على العالم باتجاه مفاهيم رياضية. بكلماتٍ أخرى: إنَّنا نقرأ النظام الرياضي في الطبيعة بدلًا من أن نقرأه خارج الطبيعة ... أما السُّؤال: لماذا القوانين الأساسية للطبيعة هي قوانين رياضية؟ فيستدعي الإجابة السخيفة: لأننا نعرف أنَّها أساسيَّةُ لتلك القوانين التي هي قوانين رياضية ... هل نجاح الرياضيات في العلم مجرَّدُ مغالطة ثقافية، ومجرَّدُ حادثة في تاريخنا الارتقائي والاجتماعي؟ لقد زعم بعض العلماء أنَّ الأمر هو كذلك، لكنني أقر أنَّني أجد هذا الزَّعم مجرَّدَ هذر، وذلك لعدة أسباب؛ السبب الأول: إنَّ معظم الرياضيات الفعّالة في النظرية الفيزيائية قد صيغت كتدريب مجرَّدٍ من قبل علماء الرياضيات البحتة قبل زمن طويل من تطبيقها على عالم الواقع. فالبحوث الأصيلة كانت غير مرتبطة بتطبيقها النهائي، وقد عبر جيمس جينز عن ذلك بقوله هذا: "العالم المستقل المخلوق من ذكاء محض قد وُجِدَ لاحقًا أنَّه يملك فائدةً في وصف الطبيعة“. وعالم الرياضيات البريطاني ج. ه. هاردي يقول إنَّه مارس الرياضيات من أجل جمالها لا من أجل جدواها العلمية، وقال
Ovo (1/575)
صفحة 576
مناجزة الإلحاد
متباهيًا إنَّ باستطاعته أن يتنبأ بعدم وجود تطبيق مفيد مهما كان للقيام به. لكننا نكتشف - بعد سنواتٍ تاليةٍ في أغلب الأحيان - أنَّ الطَّبيعة تقوم بلعبتها بنفس القوانين الرياضية التي صاغها هؤلاء العلماء من ذي قبل ... لقد فكر بنروز بهذا الموضوع أيضًا، ورفض وجهة النظر الثقافيَّة، وهو يُشير إلى النجاح المذهل للنظريات - كالنَّظرية النسبية العامة عندما يقول: "من الصعب بالنسبة لى أن أعتقد - كما حاول البعض - أنَّ نظريَّاتٍ خارقة كان من الممكن أن تظهر من خلال اصطفاء عشوائي طبيعي فقط ..... يُصادق بنروز على الاعتقاد - الذي وجدتُ أنَّ معظم العلماء يُؤمنون به - بأنَّ مراحل متقدمةً رئيسةً في الفيزياء الرياضية تمثل فعلا اكتشافا لبعض الجوانب الحقيقية للواقع، وليست مجرد إعادة تنظيم للحقائق في شكل أكثر ملاءمة من أجل فهم فكري بشري ... إنَّنا نعرف عن العالم عبر سبيلين واضحين تماما: السبيل الأول عن طريق الإدراك المباشر، والثاني عن طريق استخدام المحاكاة العقلية والأعمال الفكرية الأعلى مستوى. تأمل - مثلاً - سقوط حجر، فالملاحظة الفيزيائية تحدث في العالم الخارجي، ثم تنعكس في عقولنا؛ لأنَّ أدمغتنا تبني نموذجًا ذهنيا داخليا للعالم الذي فيه كيان مقابل للشَّيء الفيزيائي - أي الحجر - الذي يتم إدراك أنَّه يتحرّك عبر الفضاء ثلاثي الأبعاد: إننا نرى الحجر يسقط. ومن ناحية ثانية يستطيع المرء أن يعرف عن سقوط الحجر بطريقة مختلفة كليًّا، بل وأكثر عمقًا، فمن معرفة قوانين نيوتن بالإضافة إلى معرفة بعض الرياضيات المناسبة يستطيع المرء أن يُولّد نوعًا آخر من نموذج سقوط الحجر ... ).
(1)
وفي كتابه (فيزياء العقل البشري) يقول عالم الرياضيات روجر بنروز: "يراودنا إحساس بأنَّ الرياضيات المطلوبة لوصف هذه الأشياء ليست من النوع التقليدي، مع ذلك؛ فإنَّ هناك شعورًا عامًا بأنَّ هذه التراكيب الرياضية هي نتائج عقليتنا؛ أي إِنَّ الرياضيات تُعد نتاج العقل البشري. وفي الواقع يمكن أن ننظر للأمور بهذه الطريقة لكنَّها ليست طريقة العالم الرياضي في النظر إلى الحقيقة الرياضية، كما أنَّها ليست طريقتي أيضًا لفعل ذلك (2).
1 - بول ديفيز، التدبير الإلهي، ص (165 - 167).
2 - روجر بنروز وآخرون فيزياء العقل البشري، ص (115 - 116).
576 (1/576)
صفحة 577
المبحث التاسع: المستوى العقلي
(6) - الأكوان المتعددة (تعدد العوالم)
يبدو
أنَّ فرضيَّة (الأكوان المتعددة) هي. ملاذ الملحدين الأخير للتملص والانفكاك من بين
قبضتي برهان النَّظم، ولإبقائه ناشبًا في غمده لا يخرج منه، حيث تزعم هذه الفرضية احتمالية وجود أكوان كثيرة جدًّا قد تبلغ نسبة وجودها (50010) من عدد الأكوان الممكنة، وليس كوننا المنظور سوى واحدٍ منها، ومن ثمَّ فيمكن لهذا العدد الهائل من الأكوان أن يُفسّر وجود النَّظم في كوننا دون حاجة إلى افتراض تدخُلاتٍ ميتافيزيقية! يقول ريتشارد دوكينز في مساجلته مع الفيزيائي ستيفن واينبرغ: "إذا تأمَّلت هذا الكون المذهل المهيأ بعناية؛ فليس أمامك إلا تفسيريْن اثْنَيْن: إما إله خالق، أو أكوان متعددة (). ويقول كريس إمبي: "إنَّ العدد الهائل من الحالات الفيزيائية للأكوان المتعددة يُبطل حجّة الضَّبط الدَّقيق. نعم؛ يلتزم قانون الفيزياء إلى حدٍ بعيد بما يبدو ضروريًا للحياة، والطاقة المظلمة صغيرة للغاية على نحو غير سوي، لكن مع وجود حالات الفراغ البالغ عددها (50010) ليس من المستبعد أن يكون للكون الخصائص التي نراها. إنَّنا نعيش بصورة طبيعيَّةٍ في أحد الأكوان الصَّالحة للحياة؛ وتوجد الأكوان العديدة غير القابلة للحياة في مكان آخر (3)!!
إنَّ الأمر هنا أشبه ما يكون بالمقامرة، ففوز مقامر واحدٍ من بين (50010) مقامرٍ أمر مؤكد بنسبة (100)، أمَّا تعيين من هو الفائز من بينهم فهو غير مؤكَّد نهائيًّا بطبيعة الحال. ويتبيَّن من هذا التشبيه أنَّ كوننا الحالي هو المقامِرُ الفائز من بين الأكوان الأخرى!
إنَّ ما قد يبدو لأول وهلةٍ حلا لتفسير وجود النَّظم في الكون بعيدًا عن سطوة الإله عن طريق حياكة فرضية الأكوان المتعددة؛ سيرتطم بجُدر العِلم والعقل والمنطق لينهي فاعليته - كحل - بيديه ويتجلى ذلك في التقوضات الآتية:
(1) - إِنَّ الفرضيَّة لم تثبت علميًّا، وكثير من العلماء يُناهضونها ويُحاكرونها، بل ويُصرحون بأنها و إن كانت متحققة واقعا فلن يُمكن التَّثبتُ من وجودها أبدًا، لاعتبارات علمية وعملية كثيرة ليس
1 - الأصل العلمي الحديث لهذه الفرضية يعود لفيزياء الكوانتم، يقول تشارلز سايف: " وحتّى مع عدم وجود دليل مباشر على وجود مثل تلك الأكوان، فإنَّ هذا الاعتقاد هو في جزء كبير نتيجة لألغاز نظرية الكم". (تشارلز سايف، فك شفرة الكون، ص 270).
3 - كريس إمبي، نهاية كل شيء، ص 305.
2 - (http://suffolkhands.org.uk/2008764/07/).
OVV (1/577)
صفحة 578
مناجزة الإلحاد
أقلها ما يُعرف علميًا بأفق الحدث أو الأفق الحاتم (Horizon Event) فالذي يكون في خارج هذا الأفق لا يستطيع أن يلحظ ما يعتلج في داخله؛ مما يعني أن وجود كون آخر سيقع حتمًا خارج إطار أُفق الحدث، ومن ثمَّ لن يُمكن رصده مطلقًا. يقول العالم الفيزيائي بول ديفيز: "يعترف منظرو الأكوان المتعددة بأنَّ العوالم الأخرى لا يُمكن من ناحية المبدأ تفحصها). ويصف ريتشارد دوكينز فرضيَّة الأكوان المتعددة بقوله: "من المغري التفكير - والعديدون وقعوا في هذا - بأنَّ العالم المتعدد الأكوان نوع من التَّرف المسرف الذي لا يجب السَّماح به“. ويقول: "العالم المتعدد الأكوان يبدو نظريَّةً في غاية التَّبذير من ناحية عدد الأكوان» (1). ويعود بول ديفيز ليُصرح من جديد برفض الكثير من العلماء لهذه الفرضية وامتعاضهم منها قائلا: "كان الهجوم على فكرة الكون المتعدد عنيفًا، واستخدم العلماء المتميزون والمعلقون كلمات مثل: خيال، وجرثوم، ومفلس عقليًّا أثناء شجبهم لها، ويجد بول شتاينهارت أستاذ كرسي ألبرت آينشتاين في جامعة برنستون الفكرة كريهة بكاملها؛ بحيث أنه ببساطة أغلق عقله عنها، وقد صرح عن ذلك بقوله: إنَّ هذه الفكرة خطيرة بحيث أنني ببساطة لا أرغب حتَّى في مجرد التفكير فيها (3). وفي الندوة التي أقيمت بجامعة ستانفورد عام (2003 م) بخصوص الأكوان المتعددة قدَّم ريس خطابًا عامًا بمشاركة كل من بول ديفيز وأندريه ليند، وفي نهاية الندوة سألهم أحد الحاضرين عما هم مستعدون للمراهنة به على صحة نظرية الأكوان المتعددة؛ ساعتها تذكَّر ريس موقف أحد علماء الفيزياء عندما سُئل عما إذا كان سيراهن بسمكته الذهبية أو بكلبه أو بابنه لإثبات صحة النَّظريَّة، فأجاب قائلا: أراهن بكلبي أنَّ هناك أكوانًا متعددة. بول ديفيز بدوره هو الآخر تدخل قائلًا: وأنا أيضًا، إن كان الأمر على مستوى الكلاب، أما المستوى الأعلى فهو مستوى حسابي صرف (4)!!
1 - بول ديفيز، الله والفيزياء الحديثة، ص (205). ومن باب الأمانة العلميَّة نُشير إلى أنَّ بول ديفيز ينص - في الوقت نفسه - على
إمكان افتراض وجود الأكوان المتعددة استنادًا إلى الأدلة غير المباشرة كما يُسميها.
2 - ريتشارد دوكينز، وهم الإله، ص 149.
3 - بول ديفيز، الجائزة الكونية الكبرى، ص 232. 4 - يُنظر: كريس إمبي، نهاية كل شيء، ص 306.
OVA (1/578)
صفحة 579
المبحث التاسع: المستوى العقلي
(2) - من الواضح أنَّ الفرضيَّة مبنية على الإيمان لا العِلم التجريبي، ويعترف بول ديفيز بهذا الأمر قائلًا: "ينبغي لاعتقاد كهذا أن يستند إلى الإيمان وليس المراقبة». ويقول أيضا: "يتمثل الانتقاد الآخر لنظرية الأكوان المتعددة بأنَّها ليست عِلما؛ لأنَّه لا يُمكن اختبارها بالتجربة أو بالملاحظة، ولهذا الاعتراض بعض القوَّة، إنَّ الادعاء بأنَّ كوننا ترافق مع عددٍ لا يُحصى من الأكوان الأخرى يبدو من المستحيل اختباره). ويعترف الفيزيائي الشهير آلان جوث بأنَّه
،
من هواة فرضية الأكوان المتعددة لكنَّه في الوقت نفسه لا يعتبرها حقيقة (3).
لا جَرَمَ إذن في اعتقاد بعض عُلماء الفيزياء النظرية بـ (الأكوان المتعددة) بعد القنوط من إمكان رصدها عمليا؛ إذ يجب عليهم أن يتحلوا بالخيال الواسع، فكما هو معلوم فإنَّ عالم الفيزياء النظرية لا يكون واسع الخيال - كما ينبغي له - ما لم يرتكب أخطاء تزيد نسبتها على (10 ?) كما يقول مايكل ليمونيك (4)!
(3) - الأكوان المتعددة نفسها لن تُوجد إلا في ظل معطيات فيزيائية تتّسم بالضبط والدقة في القوى والقوانين التي تنبثق عنها هذه الأكوان ولا ندري كيف تم تجاهل هذه الحقيقة!! يقول الفيزيائي النَّظري ستيفن هوكينج: "يجب ضبط الحالة الابتدائية للكون بطريقة خاصة جدا وبعيدة الاحتمال جدًّا، هكذا؛ فإنَّ نظريَّة التَّضخُم التَّقليدية تحل مجموعةً واحدةً من القضايا، لكنَّها تخلق مجموعةً أخرى وهي الحاجة إلى وجود حالة ابتدائية خاصة جدا» (5). وعليه؛ فإنَّ فرضية الأكوان المتعددة هروب من النَّظم إلى نظم آخر أكثر اندياحًا وانبثاتا (كالمستجير من الرمضاء بالنَّار)
(4) - حسب المبدأ العلمي المعروف بـ (شفرة (أوكام فإنَّ افتراض وجود أكوان متعددة لتفسير ظاهرة النَّظم يُعتبر افتراضًا معقدًا ومُوغِلًا في الإسراف، بينما افتراض وجود المنظم هو الحلُّ الأكثر بساطة واقتصادًا وشمولا. وقد يظنُّ بعض الملاحدة - تقليدًا منهم لدوكينز - أنَّ فكرة
1 - بول ديفيز، الله والفيزياء الحديثة، ص 205.
2 - بول ديفيز، الجائزة الكونية الكبرى، ص 234.
- يُنظر: (2014/ multiverse-inflation-big-bang-science-space/03/news.nationalgeographic.com/news-140318).
4 - يُنظر: مايكل ليمونيك البحث عن الحياة في الكون، ص 87.
ه - ستيفن هوكينج، التصميم العظيم، ص 158.
579 (1/579)
صفحة 580
مناجزة الإلحاد
وجود الإله هي أكثر تعقيدًا من فكرة وجود الأكوان المتعددة لتفسير النظم، وهذا غير صحيح طبعًا، فالله لا يُوصف بالتعقيد والتركيب)!
ثمَّ لماذا لا تكون الأكوان المتعددة معقدة!؟! وكيف عرفنا بأنَّها أقل تعقيدًا من غيرها!؟ إضافةً إلى أنَّ التَّفسيرات المعقدة لا تُقابَلُ بالرفض لمجرَّد تعقيدها، فهناك أحداث بسيطة جدا تكون تفسيراتها معقدة؛ خذ مثلا: سقوط الكتاب على الأرض. فهو حدث بسيط يعرفه كلُّ النَّاس، لكن لو فشرناه بقوانين الجاذبية أو النسبية ومعادلاتها فإنَّه سيبدو حدثًا معقدا بالمرَّة! بل إنَّ
هناك موجودات معقدة يلفها الغموض ولا نكاد نعرف عنها شيئًا، ومع ذلك يثبتها العلماء!
إنَّ الرهان في قبول الحقائق قائم على القوَّة التفسيرية أو القدرة التفسيرية لا البساطة وحدها، فأنت ومن خلال تصفحك لورقات هذا الكتاب تعلم بأن كاتبه أكثر تعقيدًا منه، وتعلم بأنَّ سبب وجود الكتاب هو الكاتب؛ أي أنَّ التَّفسير هنا كان أكثر تعقيدًا من الحَدَثَ نفسه، لكنَّه مقبول بطبيعة الحال؛ نظرًا لاتسامه وتوشيه بالقدرة التفسيرية الكاملة. وكملحوظة فلسفية لا ينبغي أن
يُهمل ذكرها في مثل هذا الموضع: (إِنَّ العِلَّة الحقيقيَّة دائما ما تكون أكمل من معلولها). (5) - الأهم من كل ما سبق هو عدم وجود خط تماس بين افتراض وجود الأكوان المتعددة ورفض وجود الإله المنظم؛ فقد سبق أن قلنا بأنَّ محلَّ الاحتجاج هو النظم نفسه، فمتى وُجد النَّظم وُجِد النَّاظم؛ بحكم قانون السَّبية العقلي، ووجود الأكوان المتعددة من عدمه لا يضيف شيئًا هنا، بل إنَّنا أشرنا فيما سبق إلى أنَّ الأكوان) (المتعددة فكرة طرحها بعض المؤمنين منذ القدم قبل أن يطرحها بعض علماء العصر، وأنَّ هناك إشارات دينية قد تدعمها، وقد كان الإمام الفخر الرازي من أشد المدافعين عنها، وصرَّح بأنَّ دلائل الفلاسفة في إثبات أنَّ العالم واحد دلائل ضعيفةٌ إذ يقول: " وثبت بالدليل أنَّه تعالى قادر على جميع الممكنات، فهو تعالى قادر على أن يخلق ألف ألف عالم خارج العالم بحيث يكون كل واحدٍ من تلك العوالم أعظم
1 - بما أنَّ دوكينز من خلفية مسيحيَّةٍ فلو أنَّه نظر بتمعن إلى كتاب واحدٍ على الأقل من كُتُب اللاهوت المسيحي كـ (الخلاصة اللاهوتية) لتوما الإكويني - (ج 1/ ص 25) - وبالتحديد المبحث المعنون بـ (بساطة الله) لما وصف الله بالتعقيد! بل ومن العجيب أن يناقش دوكينز موضوع تعقيد الإله وعدم بساطته، ويقرر أنَّ الله معقد وغير بسيط بحكم أنه غير قابل للتقسيم، وفوق ذلك يستشهد بمبدأ هاكسلي الذي وضعه في علم الأحياء لتحديد الشيء المعقد عن طريق عدم قابليته للتجزئة الوظيفية!! وكأن الله عند دوكينز مخلوق مادي يبحث عنه وعن صفاته وخصائصه في علوم الأحياء!! (يُنظر لمزيد من العجب: ريتشارد دوكينز، وهم الإله، ص 152).
580 (1/580)
صفحة 581
المبحث التاسع: المستوى العقلي
وأجسم من هذا العالم، ويحصل في كل واحدٍ منها مثل ما حصل في هذا العالم من العرش والكرسي والسَّموات والأرضين والشَّمس والقمر، ودلائل الفلاسفة في إثبات أنَّ العالم واحد دلائل ضعيفة ركيكة مبنية على مقدماتٍ واهية).
وبهذا الصدد يُفرغ العالم الكيميائيُّ التَّطوري كريستيان دي دوف (De Duve)) ما في جعبته قائلًا: "حتى لو ثبتت مصداقيَّة النَّظريَّة فإنَّ الاستنتاج المبني عليها يُزعجني، وكما يُقال في الفرنسية: إغراق السمك. فإن أنت استخدمت كل الماء الموجود في المحيط من أجل إغراق السمكة، فإنَّها ستظلُّ هنالك تُثبت وجودها، فمهما افترضنا من عدد الأكوان المتعددة فإنَّ هذا لن يجعل كوننا كونًا عابرًا لا أهميَّة له مهما تضخّم العدد، فالمهم هو وجود الحياة والذَّكاء (3). (7) - قياس الشاهد على الغائب
يتوجه هذا الاعتراض إلى المقدمة الثانية لبرهان النَّظم وهي المقدمة التي تقول: (لكل نظم منظم). والمقصود منه هو أنَّ الاستدلال بوجود النظم في الكون على وجود المنظم يُعتبر مغالطةً منطقيَّةً من قبيل قياس الشَّاهد على الغائب، أو ما يُسمَّى بـ (قياس التمثيل)؛ ذلك لأنَّه استدلال مبني على قياس المصنوعات والمنتوجات الطبيعيَّة على المنتوجات والمصنوعات البشرية، فلأننا تعلم: بأنَّ لتلك المصنوعات والمنتوجات فاعلا ما وهو الإنسان، حَكَمْنَا على النظم في الكون بضرورة أن يكون له فاعل ما وهو الإله، وهذا غير صحيح؛ لأن منتوجات الإنسان ومصنوعاته يُمكن مشاهدة كيفية إنتاجها وصُنْعِها كما يُمكن معرفة منتجها وصانعها؛ بخلاف الكون الذي لا نعرف صانعه ولا كيفية صنعه؛ لأنَّنا لم نشاهد كلَّ ذلك. وفي الحقيقة فإنَّ هذا الاعتراض يدلُّ دلالةً واضحةً على سوء فهم طوية المقدمة الثانية للبرهان؛ لأنَّ الأساس المتين الذي تتوكَّأُ عليه هذه المقدمة هو العقل والمنطق لا الحسُّ والتجريب؛ بمعنى أنَّها مقدمة عقليَّةٌ فلسفية نابعة من صميم قانون السببية، فكلُّ نظم لا بُدَّ
1 - الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، (1/ 14). كما يقرر الفيلسوف الفرنسي المؤله هنري برغسون إمكان وجود حياة في الكواكب السيارة الأخرى. (يُنظر: برغسون، منبعا الأخلاق والدين، ص 272) 2 - عالم بلجيكي (1917 - 2013 م) متخصص في الأحياء الخلوية والكيمياء الحيوية، وهو من الحاصلين على جائزة نوبل في الطب، وله إسهامات كثيرة في المجال الخلوي لربما لم يسبق إليها.
3 - Christian De Duve, Life Evolving, Molecules, Mind, And Meaning, p. 299
??? (1/581)
صفحة 582
مناجزة الإلحاد
له من مُنظم)، كما أنَّ لكل حادث سببًا، ولكل مصنوع صانعًا. ومنشأ سوء الفهم هذا راجع إلى الاعتقاد الغالط بأنَّ قانون السببية هو قانون حسي تجريبي وليس قانونًا عقليًّا مُطَّرِدًا. وقد أساء بعض الكتاب المحدثين تقرير وجه الاستدلال بالمقدمة الثَّانية من برهان النظم؛ إذ جنحوا إلى اعتبار أنَّه يقوم على مبدأ التمثيل والقياس في محاولة منهم لتأكيد صحة موقف ديفيد هيوم والذَّود عن حياضه، فتراهم يُشكلون على ذلك بالقول: "ليست القضيَّة في أن يحكم العقل أو لا، بل في الأساس الذي يقوم عليه حكم العقل هنا. وننصح أمثال هؤلاء بالالتفات إلى أصل قانون السَّببيَّة، وإلى كيفية نشوئه، وإلى أنّه يُعتبر من المعقولات الفلسفية الثانية، وليس من المحسوسات والمجربات لكي يُزعم بأنَّه مفتقر إلى التمثيل والقياس، كما ندعوهم إلى مطالعة ما حبَّره الفلاسفة في قضيَّة (الانتزاع) في باب نظرية المعرفة!
:
ولو أنَّنا سلَّمنا جدلًا بأنَّ الأمر هنا هو من قبيل قياس الشَّاهد على الغائب قياسًا تمثيليا حسيًّا، فهل يقدح هذا في حقيقة أن يكون لكل نظم منظم)؟! قطعا لا، لأنَّه يتجه مباشرةً إلى قضيَّة تعيين ذلكم المنظم لا نفي وجوده؛ مما يعني أنَّ المعترضين طاشت رميتهم ولم تقع على المقصود! يجب أن نُدرك بأنَّه لا يُوجد قياس تمثيلي حسي هنا من الأساس - خلافًا لما يدعيه نُدماءُ هذا الاعتراض - فكلُّ ما في الأمر هو إصدار تعميم عقلي لقانون السببية، وحكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد، فلو سمعت صوتا من خلف الجدار، ولا تعلم مصدره، بل ولا تعلم إن كان صادرًا من إنسان أو حيوان أو أي شيءٍ آخر، فإنَّك ستحكم بطبيعة الحال بوجود من أصدر ذلكم الصوت؛ بحكم قانون السَّببية لكل حدث سبب)، فبالرغم من أنك لم تستطع تصور مصدر الصوت، وربما يكون سماعك لذلك الصوت هو للمرة الأولى في حياتك، ومع ذلك كله فإنَّك لن تحكم قطعا بأنَّه لا سبب له!
نعم؛ فجهلنا وعدم معرفتنا بالمعلول غير الطبيعي لا يعني أبدًا أنَّه لا عِلَّة له - وعدم العلم ليس علمًا بالعدم - فلو شاهدنا في كوكب بعيد عنا - أو في كون آخر إن أمكن ذلك - آلةً عجيبةً متقنةَ الصُّنع، فإنَّنا سنعلم يقينًا بأنَّ لها صانعا صنعها ومتقنا أتقنها، مع أننا قد نجهل كنه ذلك الصَّانع. إنَّ الأبحاث العلميَّة تُقرر بأنَّ علامات الذكاء والإتقان هيا المنفذ الوحيد من وجود كائنات حية واعية في الكواكب أو المجرَّات الأخرى، فبمجرد أن تلتقط
للتأكد
582 (1/582)
صفحة 583
المبحث التاسع: المستوى العقلي
الأجهزة المختصَّةُ إشارةً ذكيَّةً من تلك الكواكب والمجرَّات فإنَّ ذلك سيدعم فرضية وجود
تلك الكائنات
لقد كشف علماء الفلك كما في فلم (Contact) (1) عن وجود كائنات ذكيَّة خارج الأرض، وقد قام العلماء - حسَبَ الفلم نفسه - بمراقبة ملايين الإشارات التي تأتي من الفضاء الخارجي، ثمَّ أدخلوها في حواسيبهم لاكتشاف الأنماط التي قد تُشبه الأنماط الموجودة في الحواسيب المعدة لهذا الغرض، فإذا لم تتطابق تلك الإشارات مع الإشارات المحددة سلفا فسوف يتم تمريرها دون أي اعتبار لها، والعكس بالعكس.
وجد العلماء إشارات من قبيل:
(1111111111111) (11 - 1111 - 11111 - )
واعتبروا هذه الأرقام دليلًا يؤكد وجود الذكاء والوعي خارج الأرض!
فلو كان الأمر حكرًا على القياس الحسي التمثيلي لما كان لمثل هذه الأبحاث أن تقوم؛ بحكم الاعتقاد المغلوط بأنَّ قانون السَّبية - الذي يتوافق مع القول بأنَّ التقاط إشارات الذكاء والإتقان يدلُّ على وجود الفاعل الذكي وإن كُنَّا لا نعرفه - قانون حسي وليس قانونًا عقليًا. ومن المجحف بحق أن يحكم العقل الواحد بوجود الذَّكاء في الفضاء بناءً على رصد بعض علامته، ويرفض وجوده على الأرض بالرغم من أثاثة انتشاره وكثافة شواهده وآياته!
وبهذا يتضح أنَّ الاعتراض في حقيقته لا يتعرّض لبرهان النَّظم، وإِنَّما يُحيل إلى شيءٍ آخر ليس له أدنى صلة بنفي وجود المنظم، وما تسميتنا له بـ (الاعتراض) إلا من قبيل التّرف الأرستقراطي و (الإتيكيت) العلمي
ثالثا: الاعتراضات على النتيجة
على غرار مقدمتي برهان النَّظم؛ فقد تلقت نتيجته (المنظم هو الله) بضعة اعتراضات أيضًا، تعود في مجملها إلى سؤال واحدٍ يختص بتحديد الإله وصفاته؛ مما يعني أنَّ هذه الاعتراضات
1 - هذا الفيلم مأخوذ من رواية لعالم الكونيات الراحل كارل ساجان، ويعد - في الحقيقة - تسويقًا شائقًا للمشروع البحثي (SETI)، ولكي يبدو الفيلم مثيرًا فإنَّ العلماء فيه قد عثروا على تلك الحياة الذكية التي كانوا يبحثون عنها، بخلاف المشروع الواقعي (SETI) الذي لم يُحالفه الحظ.
583 (1/583)
صفحة 584
مناجزة الإلحاد
ليست اعتراضات في جوهرها بقدر ما هي تساؤلات و اشتباهات، ومع هذا فإنَّنا مضطرون إلى استقبالها - مَأرُبَةً لا حفاوة - على النحو الآتي:
(1) - من هو المنظم؟!
سبقت مناقشة ما يُشبه هذا الاعتراض، وذلك في معرض الحديث عن برهاني الحدوث والإمكان ومفاد الاعتراض: إنَّ الإقرار بوجود المنظم لا يلزم منه أن يكون هو الإله الخالق، فمن الممكن أن يكون شيئًا آخر غيره!
السؤال هنا عن تحديد المنظم يستبطن الاعتراض على تخصيصه بالإله الخالق والتَّبرم من ذلك، فهل يصح هذا الاستبطان فيما لو عرضناه لبعض الكشوفات الماسحة؟! لمعرفة الأمر علينا أن ننظر إلى نتائج المعطيات الآتية:
(1) - إِنَّ سبب الإدلاء بهذا الاعتراض لا يعود في حقيقته إلى البرهان نفسه بقدر ما يعود إلى النموذج المعرفي الذي يتبناه الملاحدة، فهم لما اختزلوا الوجود في المادة وحدها فلا غرابة أن يعترضوا على أي برهان - مهما كانت قوته وجزالته - لمجرد أنَّه يُثبت وجود شيء وراء المادة! فالإشكال إذن في النموذج المعرفي لا في البرهنة نفسها.
(2) - إِنَّ الدَّلالة العقلية بالنَّظر إلى الكون والنظم البديع الذي يتوشّح به تُوجب أن يكون المنظمُ متّصفاً بصفات العِلم الكلي والقدرة المطلقة والإرادة الناجزة، فوجود الكون بعظمته وجلاله وجماله يدلان على ذلك عقلا.
فهو
(3) - إنَّ حُدوث الكون وانتظامه في السيناريو العِلمي أكبر معجزة علمية يعلمها البشر، يحتاج إلى خبرة وقدرة وإرادةٍ مُطلقة لا تحدُّها الحدود، ولا تعتريها القيود، وليس
حَدَث
ذلك لأحدٍ إلا الله.
(4) - إنَّ برهان النَّظم يُثبت وجود الله من حيث العِلمُ الكلي والقدرة والإرادة المطلقتان، لا من حيث جميع صفاته الأخرى، فوجود الله الذي يُثبته برهان النظم يدور حول نقطة محدَّدَةٍ، وهي وجود الفاعل العليم المريد المقتدر، ولا يبحث في شيءٍ غيرها، فذلك مما يمكن أن يُقبس من أجذاء البراهين الأخرى، ومن أقباس الوُحِيّ الإلهية.
??? (1/584)
صفحة 585
ومن
المبحث التاسع: المستوى العقلي
(5) - عدم معرفة صفات المنظم لا يعني عدم وجوده وهذه هي بغية الاعتراض الأصيلة)! شأن ذلك أن يقودنا - مرَّةً أخرى - إلى الاعتراف بأنَّ هذا الاعتراض لا علاقة له برفض
نتيجة برهان النظم.
(6) - ما الدليل على أنَّه شيء آخر غير الإله الخالق؟! ثُمَّ هل يحتاج هذا الآخر إلى من يُوجده أم لا؟! فإن احتاج فليس هو المنظم الحقيقي، وإن لم يحتج فهو المنظم الحقيقي، وهذا هو مقصود مقولة محققي الفلاسفة: "لا مؤثر في الوجود سوى الله“. فلم تبق إذن على الساحة العقلية إلا حقيقة الإله الخالق ولا عبرة إن سُميت هذه الحقيقة باسم آخر! وهذا ما أكدناه في البرهنة بالنظم عن طريق القياس الشرطي المنفصل.
(2) من نظم المنظم؟!
هذا التساؤل يُعيد إلى أذهاننا فكرة السؤال القديم الجديد: (مَن خَلَقَ الله). فقد أعاد ريتشارد دوكينز تدوير أسطوانته ليتوافق هذه المرَّة مع موضوع برهان النظم. يقول دوكينز: "التصميم ليس بديلًا بالأساس؛ لأنَّه يُؤدي لإثارة مشكلة أكبر من المشكلة التي يُحاول حلها: مَن خَلَقَ الخالق".
ولأنَّ (ما أشبه الشَّيء يُعطى حكمه) فإنَّ سؤال (مَن نظَّم المنظم) أو (مَن صمَّم المصمّم) يُحال إلى المحاكمة العقليَّة التي ستقام لاحقًا - في مبحث قادم ومستقل - ضدَّ سؤال (من خلق الله). بيد أنَّه من المفيد أن نستبق تلك المحاكمة المستقبلة بالإشارة إلى عدم وجود صلة بين هذا السُّؤال وإنكار نتيجة برهان النَّظم، فإنَّ أقرب ما تتناوله اليد للإطاحة بهذا السؤال الأهوج هو أن ترميه بالمغالطة المنطقية المعروفة بـ (عدم التّرابط / Non-Sequitur) .
(3)- إله الفجوات!
هذا الاعتراض سبق نقده ونقضه في صفحات الاعتراضات الموجهة إلى برهان الحدوث تحت عنوان: ارتكاب مغالطة التَّوسل بالجهل في البرهنة. فليُرجع إليه هنالك خشية التكرار. لكن هذا لا يمنعنا من الإشارة إلى منقول يُلخص الردَّ على دعوى إله الفجوات) وهو منقول الفيلسوف واللاهوتي الإنجليزي ريتشارد سوينبرن حيث يقول: "لاحظ أنني لا أفترض وجود إله الفراغات، إله فقط لتفسير الأشياء التي لم يُفسّرها العِلمُ بعد، بل أفترض إلها ليُفسّر: لماذا يُقدم
585 (1/585)
صفحة 586
مناجزة الإلحاد
العلم التفسير. فأنا لا أنكر أنَّ العِلم يُفسّر، لكنَّني أفترض إلها لتفسير: لماذا يُقدم العِلمُ التَّفسير. إنَّ نجاح العلم في إثبات قدر التَّنظيم العميق للعالم الطبيعي يُقدم الأساس القوي للاعتقاد بوجود سبب أعمق لذلك التنظيم". إنَّه - كما يقول جون لينكس - لا يجوز لنا أن نضع السَّيد هنري فورد - مؤسس شركة فورد للسيارات - في فراغات معرفتنا عن عمل محركات الاحتراق الداخلي. وبدقة أكثر: لا يجوز أن نطرح فورد في أي تفاسير سببية تخص الآليات؛ لأنَّ فورد ليس آلية، فهو العامل المسؤول عن وجود الآليات في المقام الأوّل، ولذلك تحمل كلها علامات عمله الجيد، ويشمل هذا الأقسام التي نفهمها منها والتي لا نفهمها.
إنَّ علوم الكيمياء والفيزياء والأحياء لا تستطيع تفسير وجود كاتب للكتاب الذي بين أيدينا، ولا تفسير وجود راسم للوحة المعلَّقة هنا أو هناك أو هنالك ... فإذا ما اعتقدنا بوجود كاتب للكتاب، أو راسم للوحة فلن يقول لنا أحد: إنَّكم تؤمنون بـ (كاتب الفجوات)، أو بـ (راسم الفجوات)! ديفيد هيوم يُفرغ ما في جعبته
قدم الفيلسوفُ الشَّكَاك ديفيد هيوم ثمانية اعتراضاتٍ - أو لنقل تشغيبات - على برهان النظم، وذلك في كتابه ذائع الصيت محاورات في الدين الطبيعي). هذا الكتاب الذي أدار هيومُ دفة أحداثه بافتراض حوار يدور بين كليانتش - وهو فيلسوف رواقي قديم - الذي يتقمص دور الدوغماتي بدفاعه المستميت عن برهان النظم وفيلون الأريسي - وهو فيلسوف يوناني شكاكُ - الذي يلعب دور المعترض على مُقرَّرات برهان النَّظم، وقد تَدخُل عَرَضًا - في بعض الأحيان - شخصيَّةٌ ثالثة فى الحوار تُدعى دميان هذه الاعتراضات الثمانية التي ألقاها هيوم على مسامع قُرَّاء محاوراته لاقت رواجًا واندياحًا كبيرين، فقلما تجد حوارًا بين اثنين يتجاذبان فيه أطراف موضوع برهان النَّظم دون أن يكون لواحدٍ من الاعتراضات (الهيومية) نصيب من
الإشارة والاستدعاء!
وكمرور مقتضب على هذه الاعتراضات؛ نُوردها سراعًا كالآتي:
(1) - أنَّ برهان النَّظم يتضمَّن مفارقة (قياس الشاهد على الغائب). وقد سبق الرَّدُّ على هذا
586 (1/586)
صفحة 587
المبحث التاسع: المستوى العقلي
الاعتراض، وتبيَّن أنه مجرد سوء فهم لحقيقة برهان النَّظم؛ حيث إنَّه برهان عقلي منطقي وليس برهانا حسيًّا تجريبيا، ومن ثم فهو لا يفتقر إلى التَّجريب والقياس ولا يحتاجهما. (2) - لو كانت عِلَّة النَّظم هي الإله حقًّا، فما هي عِلَّة هذا الإله؟! هذا الاعتراض - تساؤل في الحقيقة وليس اعتراضًا - لا يصب في مجرى برهان النظم، فسواء أكان للإله عِلَّة أم لم تكن، وسواء أعلمنا بها أم لم نعلم، فإنَّ الحقيقة العقلية: لكل نظم منظم). تظل شامخةً لوحدها أمام جموع المنكرين. (ستأتي لاحقًا تجلية هذا الاعتراض وتعريته).
(3) - إذا كان النَّظم دليلًا على الإله، فكيف نُفسّر مظاهر الفوضى والعشوائية في الكون؟! هذا الاعتراض لا علاقة له - أيضًا - ببرهان النَّظم، فقد قلنا: إنَّ برهان النظم يستند إلى حقيقة وجود النظم - وهذا ما يعترف به الاعتراض نفسه - وإلى حقيقة أن يكون مأتى هذا النظم هو الإله، وهذا هو فقط ما يقتصر عليه برهان النَّظم، أما وجود مظاهر الفوضى والعشوائية أو (اللانظم) فله تعلق بقضيَّة (مشكلة الشر) والتي سنُوردها لاحقا. (4) - خاصية المادة وتفاعلاتها، وأنها تتكفَّلُ بتفسير وجود النَّظم في الكون دون الحاجة إلى افتراض وجود الإله. وقد مرَّت الإجابة عن هذا فيما سبق.
(5) - عدم وجود كون مُقارن لنحكم بوجود النظم. وقد سبق البتُ في أمر هذا الاعتراض أيضًا.
(1) - من هو المنظم؟! فالبرهان لا يُحدّد مَن هو! وقد مرَّ - سلفًا - تفنيد هذا الاعتراض.
(7) - ما المانع من أن يكون الإله قد حاول مِرارًا وتكرارًا أن يخلق هذا الكون المنظم، وبعد محاولاتٍ كثيرة توصل أخيرًا إلى هذا الكون بالصُّورة التي نراها عليه اليوم. ولا يخفى أنَّ هذا الاعتراض لا قَدَمَ له ليضعها على منصة برهان النَّظم؛ لأنَّه يُثبت - من حيث يدري ولا يدري - أنَّ هناك مُنظما، فكأنَّه يقول: الله هو المنظم، لكنَّ الكون مرَّ بتجارب إلهيَّةٍ كثيرة حتَّى انتظم أخيرًا!! فهل لهذا علاقة في إبطال برهان النَّظم؟! بالتأكيد لا، هذا إذا غَضَضْنا الطَّرْفَ عن المطالبة بالدليل المثبت لهذا الادعاء العريض المختال الذي تعوزه البينة والذي دونه - بلا أدنى شك - خرط القتاد!!
587 (1/587)
صفحة 588
مناجزة الإلحاد
(8) - قد يكون النظم نتاج اجتماع لفيف من الآلهة وليس إلها واحدا. هذا الاعتراض هو الآخر يعترف - من حيث يدري ولا يدري - بوجود الإله المنظّم للكون، لكنه ينحو منحى افتراض التَّعدد في وجود الآلهة، وهذا ما لا يتناوله برهان النظم ولا يتطرق إليه، وقد سبق الرد على ما يُعرف بـ (شبهة ابن كمونة) أو (افتخار الشياطين) وهو ردُّ يستوعب هذا الاعتراض بحكم الجذر المتشابه الذي يربطهما. ولكن مع ذلك فلا يُمكن إغفال قضيَّة النَّظم والتَّناسق والتَّوازن والضبط، فهذه الأمور بأجمعها تُشير إلى حقيقة المنظم الواحد.
بين الفخر الرازي وديفيد هيوم! بداية هناك لفتة لم نجد - ربَّما لقصور اطلاع مِنَّا - أحدًا قد أشار إليها من قبل، وهي التناقض الفاضح في أحد اعتراضات ديفيد هيوم، فهو يعترض على برهان النَّظم باعتباره إياه من قبيل قياس الشاهد على الغائب؛ أي قياس التصميم البشري على التصميم الطبيعي للكون، لكنَّه في موضع آخر من محاوراته - وعلى لسان فيلون - يزعم بأن تصميم الكون لا يلزم منه وجود مُصمّم حكيم، وإلى هنا لا يُوجد تناقض بعد. فأين يقبعُ التَّناقض إذن؟!
يقبعُ التَّناقض بين تضاعيف الدليل الذي ذكره هيوم على عدم لزوم وجودِ مُصمّم حكيم للكون؛ حيث زعم بأنه من الممكن أن تكون السَّفينة المصمَّمة من نتاج عمل نجار أحمق
حاول تقليد الآخرين عبر مراحل متلاحقة إلى أن نَجَحَ في صناعة تلك السفينة المصممة. ألم تلحظ أيها القارئ الكريم التناقض الضارب بأطنابه في تمثيل هيوم السابق؟! ألا تلحظ أنَّ ديفيد هيوم وقع فيما عابه على غيره حيث قاسَ الشَّاهد على الغائب! حيث يقيس التصميم البشري للسَّفينة على تصميم الكون الطَّبيعي مع الفارق الهائل بين المقيس والمقيس عليه!! فهل ثمَّة تناقض أصرخ وأصرح من هذا؟! وعمومًا هذا هو حال الأفكار الفاسدة دائمًا فمثلها كبذرة فاسدة ميتة لا حياة تُرتجى من ورائها وإنْ علَّق الزراع عليها آمالهم العراض! وما كنت لترشف
من الفسيخ أو الصَّاب عسلًا، وما كنت لتجتني من البصل وردا في يوم من أيَّام الدهر! ونضيف عليه أنَّ التدليل الذي تقدم به هيوم يجرح نفسه بسكينه الحادة، فالنجار الأحمق لم يكن بتلك الحماقة في الوقت الذي نَجَحَ فيه بتصميم السَّفينة! نعم؛ هو قد يكون أحمق في مرحلة ما من مراحل صُنع السَّفينة نتيجة المضي في عملية التصنيع على غير هدى من
588 (1/588)
صفحة 589
المبحث التاسع: المستوى العقلي
التخطيط السليم والإعداد المحكم والتنفيذ المتقن، ولكن ليس بعد ذلك بلا شك؛ فصنع السَّفينة أمر لا يقوى عليه الحمقى! ثُمَّ إِنَّ السَّفينة - وكفارق جوهري شاسع - شيء يُمكن تقليده، فهل الكون يُمكن تقليده؟!
وبناءً على التفريع العريض الذي افتتحناه أعلاه، فإنَّ اعتراض ديفيد هيوم السابق ليس جديدًا على الساحة، فقد وجدنا الإمام الفخر الرازي يُورد قبله بقرون الاعتراض ذاته، بل يورده بشيء من التفصيل والدقة، وذلك في معرض سرده لأدلة القائلين بإمكان صدور الفعل المحكم والمتقن من الجاهل؛ حيث أوردها على النحو الآتي: "السؤال الثالث: نزلنا عن البحث عن تفسير الإحكام والإتقان فلم قلتم: إنَّ كلَّ من كان فعله محكمًا متقنا فإنَّه يجب أن يكون عالمًا؟ والذي يدلُّ على أنَّ الأمر ليس كذلك وجوه: الأوَّل: لا نزاع أنَّ الجاهل بالصفة قد صَدَرَ عنه الفعلُ المحكم المتقن على سبيل الإتقان مرَّةً واحدة، فالعاجز عن نظم الشعر قد ينطق على سبيل الإتقان بمصراع من الشعر، والجاهل بالخط قد يكتب حرفًا واحدًا على الإحكام والإتقان بالاتفاق والندرة، وإذا ثبت هذا فنقول: قد ثبت في العلوم العقلية أنَّ حُكم الشَّيء حكم مثله، فلما ثبت أنَّ العمل القليل قد يُوجد من الجاهل وَجَبَ أن يكون حكم أمثاله وأشباهه كذلك، وهذا يدلُّ على أنَّ صدور الفعل المحكم المتقن من الجاهل جائز. الثَّاني: تشاهد أنَّ النَّحل يبني البيوت المسدَّسة من غير مسطرة ولا فرجار على أحسن الوجوه، بل العقلاء الحصفاء الكاملون لو أرادوا بناء البيوت المسدَّسة من الشمع مثل ما يبني النَّحل يعجزون عنه، والعنكبوت - أيضًا - إذا أرادت إصلاح بيتها فإنَّها تأتي بأعمال عجيبة في ذلك البناء، والنملة إذا خبَّأت في جحرها حبات الحنطة فإنَّها تفلق كلَّ حَبَّةٍ إلى نصفين؛ لأجل أنَّه إذا أصابتها الرطوبة فإنَّها لا تنبت، وعجائب أفعال الحيوانات مذكورة في الكتب، فهذه أفعال محكمة متقنة، فإنْ دلَّ الفعل المحكم المتقن على عِلم الفاعل وَجَبَ القول بأنَّها أكثر عِلمًا من الإنسان؛ لأنَّ ما في هذه الأنواع من الأفعال من وجوه الإحكام والإتقان أكثر مما في أفعال النَّاس، وذلك بعيد جدًّا.
ويواصل الفخر الرازي حسر لثام الشبهات وإجلاء ظلمات الشكوك بعرض المزيد من الأدلة، فيذكر دليلًا يتشابه في مضمونه مع ما ذكره ديفيد هيوم - في مثال السفينة والنجار الأحمق - إذ يقول الرازي:
589 (1/589)
صفحة 590
مناجزة الإلحاد
نرى أنَّ الإنسان إذا أراد أن يتعلَّم صنعة الكتابة أو ضرب الطَّنْبُور أو صنعةً أخرى فإنَّه في أوَّل الأمر يحتاج إلى أن يستحضر في ذهنه صورة حرف حرف، وصورة نقرة نقرة، ومتى كان
يصير
الإنسان باقيًا في هذه الدرجة فإنَّه يكون مقصرًا في تلك الصناعة، ثمَّ إذا واظب - أي الجاهل - على تلك الحرفة مدَّةً مديدة، وتمرّن فيها حصلت له حالةٌ عجيبةٌ تُسمى بـ (المَلَكَة)، بأن بحيث يكتب على أحسن الوجوه من غير أن يحتاج إلى استحضار حرف في الخيال، فهاهنا: الفعل المحكم المتقن الواقع على أكمل الوجوه حاصل مع أنَّ العلم بتلك التفاصيل والأحوال
غير حاصل، فثبت بهذا أنَّ صنعة الفعل المحكم المتقن لا تتوقف على كون فاعله عالما“. والملحوظ هنا هو أنَّ هذه الأدلة تنحصر في زاوية ضيقة وهي: إمكان صدور الفعل المتقن المحكم من فاعل قادرٍ غير عالِم. لكنَّها تُثبت في الوقت نفسه - كما ساقها القائلون بها - أنَّ الفعل نفسه صادر من فاعل قادر مختار وهذا يعني بقاء القاعدة العقلية (لكل نظم منظم) راسخةً كما كانت دون أي مساس بها. الحقيبة لا تتسع لكل الاعتراضات!
متناكرةً
لو استرسلنا في النظر إلى الاعتراضات التي تقدم ذكرها فلن نجد مشقةً في تقرير أنَّها اعتراضات لا يُمكن - بحال من الأحوال - أن يتفوه بها جمعاء شخص واحد، فهي متنافرة اللحمة، و يَجَأُ بعضها في صدر بعض فمثلًا: إذا كنت تعتقد بوجود النظم في الكون وتعترف بذلك، فلا يُمكنك - ساعتها - أن تجمع معه الاعتقاد أو الاعتراف بأنَّ النَّظم مجرد إسقاط نفسي! فمَن يتبنى فرضيَّة الإسقاط لا يسعه أن يتبنى فرضيَّة وجود النظم على الحقيقة، فهذا جمع بين المتقابلين.
وإذا كنت تعتقد بأنَّ الكونَ منظَّم حقًّا فلا يُمكنك - في الوقت ذاته - التمسح بالاعتراض القائل: "إِنَّنا نحتاج إلى كون مقارن لنحكم بوجود النظم في كوننا“. يجب أن تضرب بأطناب رأيك على مستقر واحد! فإما أن تتبنى القول الأوَّل، وإما أن تتبنى القول الثاني، ولا يحق لك منطقيا أن تجمع بين هذين النقيضين في سلة واحدة!
وإذا كنت تعتقد بعدم وجود النَّظم في الكون، فلا يمكنك أن تجتر وراءك أذيال الاعتراضات الأخرى التي تعترف بوجود النظم، وذلك كالاعتراض بـ (ضآلة الضبط مقارنةً برحابة الكون)، أو
590 (1/590)
صفحة 591
المبحث التاسع: المستوى العقلي
الاعتراض بـ (الأكوان المتعددة ونحوها من الاعتراضات التي يُراد منها إبطال المقدمة الثانية للبرهان مع الإقرار بالمقدمة الأولى.
وقبل أن نختم نود أن نلفت النظر إلى أنَّ متبني الاعتقاد بـ (الإسقاط البشري) هم أنفسهم الذين كانوا يزعمون - في مواقف أخرى - بأنّهم نصير و العِلم والعقل وأبناء بجدتهما؟! وهم أنفسهم الذين كانوا يدعون الآخرين إلى اتباع العِلم والعقل ونبذ الخرافات وما سواهما من أوهام وإسقاطات؟! فسبحان من جمع النقائض في نفس واحدة وكأنها لُزَّت بقَرَن! هذا، ونرجو أنَّ آية اليقين قد نسخت آية الشَّك.
591 (1/591)
صفحة 592
مناجزة الإلحاد
خلاصة المبحث
- جميع المعارف البشرية تحكمها القوانين العقلية الأولية.
- النظريات الحديثة (كالنسبية والكوانتم لم تهدم صرحَ القوانين العقلية، كلُّ ما في الأمر هو سوء فهم لا أكثر.
- المستوى العقلي مليء بدلالات إثبات وجود الله كدلالة الحدوث، ودلالة الإمكان،
ودلالة النظم.
- جميع الاعتراضات الإلحادية تقوم على مبدأ تغليب الظَّن على اليقين، وعدم رةِ المُتشابه
إلى المحكم.
592 (1/592)
صفحة 593
المبحث العاشر
المسْتَوَى العملي (1/593)
صفحة 594
لا يُمكن التسامح على الإطلاق مع الذين ينكرون وجود الله، فالوعد والعهد والقسم من حيث هي روابط المجتمع البشري
ليس لها قيمة بالنسبة إلى الملحد، فإنكار الله حتَّى لو كان بالفكر فقط يفكّكُ جميع الأشياء".
(جون لوك)
" لو لم يكن الله موجودًا فكلُّ شيءٍ سيُصبح مباحًا“. (دوستويفسكي)
"إذا لم تتخذ لنفسك دينا فلا بُدَّ أنْ تُقدّم احترامك لهتلر وستالين.
(توماس إليوت) (1/594)
صفحة 595
أيها العقل العملي. ما رأيك في الإلحاد؟
يا ترى عما ستسفر رؤيتك حول الجدل هنا؟ هل ستقطع عذر من تلكأ وتَقَاعَسَ؟! (1/595)
صفحة 596
مناجزة الإلحاد
المستوى العملي
في هذا المستوى - بالتَّحديد - ننزل بضع درجاتٍ من سُلَّم البراهين، لنستقر على أرضية المقارنات والاحتمالات؛ طلبًا للخروج بأقل الأضرار والعمل بأسلم الحلول المتاحة عند النظر والتَّأمل في المعطيات العملية، أو تنزلا في القول: أخذًا بأهون الشَّرَّيْن؛ إذ الضَّرِرُ الأَشدُّ يُزال بالضرر الأخف كما هو مقرر عند جميع العقلاء الأكياس. فهذا المستوى يميل إلى الترجيح بين الاحتمالات المطروحة، والنَّظر في مآلاتها وعواقبها أكثر من ميله إلى البرهنة العقلية المحضة. هناك الكثير من القضايا التي يُمكن اقتحام أسوارها من خلال سلالم الترجيح بين الاحتمالات، والارتفاق على عصا المقارنات، وفق ما يقتضيه المستوى العملي، فإذا ما افترضنا بأنَّ الإنسان عاجز عن اتخاذ قرار حاسم في قضيَّة وجود الله، فإنَّ البيانات التي يطرحها المستوى العملي ستكفل له اتخاذ قرار إثبات وجود الله تعالى؛ من مبدأ دفع الضرر المحتمل، والعمل بأسلم الحلول وأحوطها، فيجب إذن؛ أنْ تُعامل معطيات هذا المستوى على أنها ترجيحات ملزمة عمليًّا، وليست براهين عقلية وفلسفية محضة.
ومن باب التيسير والتسهيل ارتأينا تقسيم قضايا المستوى العملي إلى قسمين اثْنَيْن:
(أ) - القضايا المشهودة.
(ب) - القضايا الغائبة.
596 (1/596)
صفحة 597
المبحث العاشر: المستوى العملي
أولا:
القضايا المشهودة
ونعني بها: تلك القضايا التي يُمكن الاحتكام إلى نتائجها ومُحصلاتها من خلال معطياتها الحاضرة بين أيدينا، فنحن لا نحتاج في الحكم بترجيحها إلى النظر في الاحتمالات المستقبلية التي لم نتأكد منها بعد، أو من خلال محاولات هتك حُجب الغيب، وإنَّما يكفينا النظر في الاحتمالات الماثلة أمامنا، والمعطيات التي نستدرُّها من ضروع واقعنا المعاش لنُصدِرَ عليها حكمًا ترجيحيًّا مناسبًا، وسوف يكون حديثنا عن هذا النوع من القضايا محصورًا في زاويتين: التوازن النفسي، والأمن الاجتماعي.
التوازن النفسي
الإنسان يسعى دائما - بطبيعته - إلى الحصول على أكبر قدر ممكن من التَّوازن النفسي، والابتعاد قدر المستطاع عن الاضطرابات والقلاقل التي تُعكر صفو حياته، وتُنغص روقان معيشته، ومن هذا المنظور فإنَّ الإنسان لو كان مترددًا في قضية وجود الله تعالى فلينظر في قرارة نفسه بنفسه، وليُجب عن هذا السُّؤال: هل الإيمان بوجود الله تعالى يُشعره بالطمأنينة والسكينة، ويعمقُ في دواخل وجدانه حالةَ التَّوازن النفسي أم أنَّ الإلحاد هو من يتكفل بهذه المهمة
وليس الإيمان؟!
يجب على الملحد أن يحذر - هنا - من الوقوع في التناقض؛ لأنَّه إن أنكر أنَّ الإيمان يجلب الطُّمأنينة والسَّكينة والتَّوازن النفسي يكون بذلك قد نسف - من دون أن يشعر - كلَّ تلك الفرضيات التي كان يرددها ويتبناها، والتي تزعم بأنَّ الإنسان قد اخترع فكرة الإيمان بالله طلبًا للطُّمأنينة والسَّكينة وهربًا من الخوف والجهل والفضول فضلًا عن أنَّه سينسف الكثير من الدراسات العلمية - بلا مستند سوى أنها تُخالف مزاجه - التي تنص على أنَّ الإيمان مصدر
597 (1/597)
صفحة 598
مناجزة الإلحاد
للشُّعور بالطمأنينة والسَّكينة والتَّوازن النفسي، بل إنَّ الفيلسوف الملحد وليم جيمس - مؤسس الفلسفة البراجماتية - يرى بأنَّ وجود الدين مهم لا لشيء إلا لأنَّه يُشكّل منفعةً نفسيَّةً وعملية!
من
" في دراسة علميَّةٍ بحثيَّةٍ في عام (2002 م) عن نسبة الانتحار - والتي اعتمد فيها الباحثون على مراجع الأمم المتحدة - اتَّضح بأنَّ الملحدين يُمثلون أعلى نسبة انتحار في العالم!! فمن لوازم الإلحاد المادي عدم التقيد بأي شيء معنوي، فإذا أراد الملحد في المقابل - وكَحَل بديل يُريحه العناء - أن يزيد من وتيرة التَّقمص الحيواني ليتخلَّص منه ولا يزعجه؛ لا تجده إلا وقد زاد نفسه ألمًا وإحكامًا لغرقه في مستنقع الفشل!! فمثله في ذلك مثل الواقع في الرمال المتحركة فإن هو سكن لوضعه واستسلم تجده وقد ازداد نزوله ببطء نحو هلاكه! وإن هو تحرك محاولا الخروج تجده وقد تسارع نزوله أكثر في الرمال ممَّا لو سكن! وأما سرُّ الألم الدَّائم للملحد فهو أنَّه يجد نفسه مضطرًا للدفاع عن سلوكيات غيره من الملاحدة الذين حققوا لوازم الإلحاد من التَّحرُّرِ الظَّاهري، والانفلات من كل قيد أخلاقي أو قيمي أو عُرفي أو ديني تحت دعوى الحريَّة الشَّخصيَّة وعدم وجود إله، فتجده يدافع عن سلوكيات الشاذين جنسيا وأقوالهم!! وعن الممارسين للجنس مع الحيوانات!! وعن المنادين بالتَّعري في الشوارع وفي الوقفات!! وعن الممارسين لزنى المحارم!! وعن المنادين بحرية تبادل الأزواج أو خيانتهم، حيث لا حرج في الإلحاد من تصريف الشَّهوة الحيوانية مع من يريد! والقائمةُ
تطول وتتشعَّبُ ممَّا يُؤلم نفسه ويُخالف فطرته ويجرح روحه في كل يوم وليلة عشرات المرات تجد ذلك الألم والضَّياع وتلكم الحسرة في تعليقاتهم على مواقعهم ومنتدياتهم وحساباتهم في (الفيسبوك) و (تويتر) وغيرها، فإن سألته: هل ترضاه لنفسك؟ يقول: لا! هل ترضاه لأمك؟ لأختك؟ لزوجتك؟ يقول: لا! وهنا تقف على حقيقة تشتُتِه ونفاقه النفسي وازدواجية المعايير الأخلاقية التي تتصارع في داخله كلما ابتعد عن الدين والفطرة إلى أن يُقرر في يوم من الأيام علاجًا أخيرًا لحالته وآلامه بالانتحار إن استمر على وضعه هذا!!
وكملحوظة: فإنَّ المؤمنين بالله عندما يرتكبون أفعالا تتنافى مع إنسانيتهم وفطرتهم وأخلاقهم - كالحروب الظالمة مثلا ودفع الجنود بالأمر لقتل وإبادة الأبرياء - فإنَّ ردَّات الفعل النفسي - لديهم تكون غايةً في الشّقاء والألم الذي يُطاردهم طوال العمر! وفي هذا الصدد لا يغيب عنا
598 (1/598)
صفحة 599
المبحث العاشر: المستوى العملي
أنه - وإلى اليوم وبعد أكثر من عشر سنوات تقريبًا - لم تزل الولايات المتحدة الأمريكية تُسجل أعلى نسبة انتحار لجنودها العائدين من حربي أفغانستان والعراق
لعلَّ مصدر ألم هذا الصنف من الملاحدة هو نفسه ما يتغنّى بإنكار وجوده ليل نهار، ألا وهو نفسه وروحه التي بين جنبيه، وفي ذلك مصيبةٌ والله أي مصيبة!! إذ لو كان سبب شقائه جمل على ظهره أو فوق كتفيه لرماه، ولو كان لباس يستره لخلعه ولو كان بيت يسكنه لتركه، ولو كان مكان لرحل عنه، ولو كان عمل لاستبدله، بل ولو كان عضو من أعضائه لقطعه الإلحاد في حقيقته (لا أدريَّة) مُوجّهةً؛ لأنَّ الملحد مهما بلغ مستوى إنكاره لوجود الإله الخالق فهو لا يملك دليلًا يقينيا على ذلك، وإنما يلجأ في أحسن حالاته إلى الإيمان بغيب آخر - غير الغيب الديني - يخترعه ليوهم نفسه به وبصحته!
هي
من
إنَّ هذه الحقيقة تجعل احتمالية وجود إله من عدمه في عقل الملحد - تنزلا مع فكره فقط. الخمسين بالمئة لكل منهما والسُّؤال هاهنا: كيف لعاقل أن يرهن حياته لمثل هذه النسبة الاعتقاد! فما صنيعه إن رجحت كفَّةُ الخمسين بالمئة المقابلة، كفَّةُ الإيمان التي نادت بها الأديان إنَّها الصفقة البائرة الخاسرة. إنَّ الإعصار الذهني الذي يجتاح عقل هذا الصنف من النَّاس إعصار هائل تظهر بعض شواهده في نِسَبِ الانتحار!! إنَّ الملحد يعي خطورة ما يضحك به على نفسه ويُصبّرها به بتافه الأفكار البديلة والأوهام التي يتخيَّل معها موتا بلا حساب! واسألوا أولئك العائدين إلى طريق الإيمان بعد أنَّ زلّت بهم الأقدام وجَنَحَت بهم الأفكار؛ فعند جُهَيْنةَ الخبَرُ اليَقِينُ
إنَّ الجميع مُبتلى بكل أنواع الهموم والابتلاءات، وإنَّما اختلاف المؤمن عن الملحد هنا أنَّ المؤمن يجد في إيمانه بالله تعالى وفي معنى الحياة ترجمةً لامتحانه بسائر الامتحانات - كما أخبره الدين - فلا يبتئس، ويجد في استشعاره معيَّة الله تعالى - خالقه وربه - دوما ملاذا له من اليأس والإحباط وصاحبًا لن يعدمه في كل حين، وكذلك يجد في ذكره الله تنفيسًا ومناجاةً لحبيب ولقريب ولمقتدر على فك ما به من كرب، بل ويجد في وعد الله له بالثَّواب تخفيفا لآلامه وعزاء له على صبره واحتسابه، هذه هي الأرضية الصلبة التي يقف عليها المؤمن، وفي
599 (1/599)
صفحة 600
مناجزة الإلحاد
مقابلها أرضيَّة أخرى نَزَلَتِ الصُّدوع بساحتها فساء واقعها ومآلها وهي أرضية الملحد، اختار فيها العطش والماء بين يديه فهو من داخله يعرف ويعترف بضعفه كإنسان، ولكنه ما زال يكابر إذا نظرنا لأكبر أسباب الانتحار وهي الأمراض العقلية والاضطرابات النفسية؛ نجد أنَّ الإلحاد يحمل نصيبًا غير قليل منها في عقول أتباعه! كيف لا وهم يعيشون عشرات التناقضات في حياتهم - كما أسلفنا من قبل - بل وتحترق دواخلهم بنار الشَّك والارتياب، ومعظمهم يعرف أنه قد بنى إلحاده على اعتراضات عاطفية وتظلُّميَّةٍ واهية، وأنَّ هذه الاعتراضات لا علاقة لها البئة - عقلا - بإنكار وجود الإله الخالق، تماما مثلما يقول لك أحدهم: الحكومة ظالمة، إذن؛ هي غير موجودة! فما دخل هذا بذاك؟! ما بالكم بكل هذه الضغوطات والتي لا يجد الملحد لها مخرجًا إلا أنْ يُحدِّثَ بها نفسه لعدم إيمانه بوجود إله!
فبمثل هذا الاضطراب النفسي ومعه دوران الملحد في دوائر الشبهات التي لا تنتهي بين الإنكار واليقين وبين الإيمان والكفر والتي يبعث بعضُها على الجنون بالفعل؛ لاستطعنا إيفاء السَّبب الأول للانتحار حقَّه ونصيبه من أمراض الملحدين التي تأخذ نسبةً ملحوظةً في عيادات الطب النفسي في الخارج ففي أكثر الدول تقدما ورفاهيَّةً وارتفاعا في المعيشة مثل السويد والدنمارك فاقت نسبة انتحار المرضى النفسيين في الدنمارك مثيلتها في السويد إلى أن وصل مجموع حالات الانتحار في الدنمارك ما نسبته (5,6) شخص لكل (100.000) في مقابل (0.31) شخص في السويد، كما نشر ذلك موقع أخبار الدنمارك في (2011 م)؛ إذ إنَّ الإصابة بالاكتئاب النفسي عمومًا تسبق الانتحار غالبًا فيما يُقارب نصف حالات الانتحار على وجه التقريب. لم يعد من الصعب على المختصين والباحثين والأكاديميين اليوم لحظ العلاقة العكسية بين التَّدين والانتحار فكما يُبشرُ الدينُ بالتَّفاؤل والصبر والألم واحتساب الأجر عند الله، نجد الإعلام الغربي والأجنبي يُزين الانتحار والهروب ويُجمّل صورته - خاصةً أمام الشباب والمراهقين - لتنتشر عدواه بينهم فيما يُعرف بـ (تأثر فيرتر) أو (الانتحار بالتقليد)
نشرت مجلة (العلوم) في عام (2008 م) دراسةً تحت عنوان (أصل التدين المجتمعي وتطوره) حاولت في نهايتها التقليل من شأن نتائجها التَّجريبية المظهرة لتفوق الدين في ضبط السلوكيات الاجتماعية وإيجابيتها مقارنةً بالإلحاد واللادينية!! وأما الدراسة التي تم نشرها في
7 .. (1/600)
صفحة 601
المبحث العاشر: المستوى العملي
عام (2004 م) والتي كانت أكثر وضوحًا وصراحةً في بيان الفرق الشاسع بين التَّدين والإلحاد في ضبط النفس والمجتمع والبعد عن الانتحار الذي يُمثل قمَّة الفشل الإنساني، فهي تلك الدراسةُ التي نشرتها مجلَّةُ الطب النفسي في الولايات المتحدة باسم (الانتماء الديني ومحاولة الانتحار)، والتي خلصت إلى أنَّ نسبة الانتحار لدى الملحدين أعلى ما يمكن، وأن الملحدين هم الأكثر عدوانيةً من غيرهم، وأنَّ المؤمن أقل غضبًا وعدوانية واندفاعًا، وأنَّ الدين يُساعد على تحمل أعباء الحياة والإجهادات، ويُقلل فرص الإصابة بالاضطرابات النفسية المختلفة، وأنَّ الملحدين كانوا أكثر الناس تفككا اجتماعيًّا، وليس لديهم أي ارتباط اجتماعي؛ لذلك كان الإقدام على الانتحار سهلا بالنسبة إليهم، وخُتمت الدراسة بهذه التوصية: إنَّ الثقافة الدينية هي علاج مناسب لظاهرة الانتحار". أ. هـ. (2).
(1)
وفي الدراسة التي قامت بها الرابطة العالمية لمنع الانتحار استحوذ الإلحاد على نصيب الأسد كأعلى شريحة يكثر فيها الانتحار، وجاءت المعدلات والإحصاءات على النحو الآتي (3):
45
40
35
30
25
20
15
10
Suicidologi 2002, ?rg. 7, nr. 2
Figure 4. Suicide rates (per 100,000) according to religion: Total
Male Female
Buddhist 1986
Christian 1994
Hindu 19951
Muslim 1985,87
Atheist 1995.96
1 - قد يعترض بعض الملاحدة على هذا بالعمليات الانتحارية التي يقوم بها بعض المتدينين المتطرفين، لكن هذا الاعتراض يأتي في مصادمة حقيقة الدين الذي يُحرم الانتحار من الأساس، هذا إذا غضضنا الطرف عن مبررات الانتحار عند هؤلاء المتطرفين والملحدين، إذ ليس فقدان التوازن النفسي سببًا لانتحار أولئك، بل هو التغرير بهم بخلاف مبررات الملاحدة! كما أنَّ الإلحاد - فضلا عن أنَّه يُشجع على الانتحار بطبعه - لا يملك مرجعيّةً قِيَميَّةً تحجر الانتحار على أتباعه! 2 - مجلة براهين، العدد الأول، ص (32) - 45)، بتصرف وإضافة“.
- يُراجع الموقع الرسمي للمنظمة: https://www.iasp.info) .
7.1 (1/601)
صفحة 602
مناجزة الإلحاد
من المعلوم بأن الملحد - بخلاف المؤمن - يتَّخذ من المنفعة معيارا للصَّواب، إلا أنَّه في حال الإيمان الذي يجلب للإنسان الطمأنينة والتَّوازن النفسي نراه قد ناكف معياره السابق وناكته، فلم يُلقِ له بالا، بل وولاه دبره؛ لأنَّه لو طبق معياره هذا - هاهنا - فسيلزمه باعتناق الإيمان ونبذ ما هو فيه من الإلحاد! ونحن لا نتحدث هنا عمَّا يخرج عن مجال المقارنة المحصور في الطمأنينة والتوازن النفسي بين الغريمين الإيمان والإلحاد؛ لأنَّ الملاحدة يعترضون على هذا باعتراضاتٍ تخرج عن مجال المقارنة، كقولهم بأنَّ الإلحاد لا تُوجَد فيه الزامات وعبادات وواجبات ومحرمات ونحو ذلك، ومن ثم فهو مصدر للطمأنينة والراحة ... إلخ، ومن هنا يظهر لنا بأن المعترض بنحو هذه الاعتراضات كان همه الأكبر هو اللذة الجسميَّة والشَّهوة الحيوانية والتحرر والانعتاق من القيود - وهذا ما يرفضه الملاحدة كسبب يُلصقه بهم بعضُ المؤمنين لتبرير إلحادهم - بينما حديثنا هنا عن التوازن النفسي!
يضرب بعضُ الملاحدة في أودية الحدس عندما يظنُّون بأنَّ التخلُّص من الطقوس أو القيود الدينيَّة سيقودهم إلى التَّوازن النفسي! لا شكٍّ بأنَّ سهام ظنونهم قد طاشت هنا وأبعدت المرمى، فإنَّ جماعةً كبيرةً من الملاحدة انتقلت إلى الطقوس الدينية للبوذية والجينية ونحوها طلبا للتَّوازن النفسي الذي فقدوه ولم يجدوه في كنائن الإلحاد وقد سبق الإلماعُ - في المبحث الأول من هذا الكتاب - إلى أنَّ بعض الملاحدة في الغرب سعوا إلى الترويج للإصدار الثاني من الإلحاد (Atheism) والذي يشمل بعض الطقوس والشعائر الدينية!
يعترف أندريو سيمز بأنَّ التَّأثير المفيد للإيمان الديني والروحانيات على الصحة العقلية والجسدية هو أحد أكثر الأسرار كتمانًا في علم النفس والطب عمومًا. لو ذهبت نتائج مجلد ضخم من البحث حول هذا الموضوع في الاتجاه المعاكس وخلصت إلى أنَّ الدين يُدمر الصحة العقلية فستكون خبرًا رئيسًا في الصفحة الأولى من صفحات الجرائد على الأرض» (1)!
إذن؛ لماذا كان التّوازن النفسي مفقودا في الإلحاد؟!
كل الأسباب الكثيرة والمتنوعة التي يمكن الإدلاء بها هنا ترجع في نهاية المطاف إلى فقدان الغائية والمرجعية القيمية الموضوعيَّة، فالإلحاد مفتقر إلى هذين الأساسين بشكل ظاهر وواضح، 1 - أحمد حسن، أقوى براهين جون لينكس، ص 545.
602 (1/602)
صفحة 603
المبحث العاشر: المستوى العملي
فبينما يعتقد المؤمنُ بأن موته لا يعني نهاية كل شيء، يعتقد الملحد بأن موته هو نهاية الرحلة وللأبد، وبينما يعتقد المؤمن بأنَّ المصائب التي تقع عليه يُمكن أن تكون خيرًا له في دنياه وأُخراه - وهذا ما يجعله ربيط الجأش مُقرنًا لخطوب الدهر - يعتقد الملحد بأنَّها شر محض أنزلته عليه الطَّبيعةُ الغاضبة (1) - وهذا من شأنه أن يفتق بنائق صبره ويحلَّ عُرى عزمه - وبينما يعيش المؤمنُ وهو على يقين من عقيدته مبتعدا عن معتركات الظنون وفيافي الارتياب، يعيش الملحد محتارًا مُعلَّقًا ما له من قرار يبيت ليله رهين، البلابل نجى الوساوس، وبينما يجد المؤمنُ كل الإجابات المقنعة الأسئلة عن الوجودية الكبرى لماذا) جاء؟ وما الغاية؟ وما المصير ... ) لا يجد الملحدُ ما يُجيب به عن هذه الأسئلة إلا بإلقامها حجرًا، أو بالتهرب من مواجهتها، أو بالخروج بتوصيفات مادية طبيعية تتنافى مع الطَّبيعة الغائية لها! وقد مر بيان ذلك (2).
لكن الملحد مطمئن نفسيًا كالمؤمن؟!
قد لا نختلف كثيرًا في هذا؛ لأنَّ القرآن الكريم يُشير إلى شيءٍ من ذلك في قوله: إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (يونس:. ولا يُستبعد أن يكون هذا الاطمئنان منسوبًا لأولئك الذين أقنعوا أنفسهم ورؤضوها على تقبل فكرة عدم وجود الله واليوم الآخر، لا أولئك الذين ما زالوا مُعلَّقين لا يعلمون أيَّ السُّبُل يسلكون، إلا أنَّ الاطمئنان يظلُّ عاملا من عوامل التَّوازن النفسي ولا يُناط به كل شيء، ثمَّ إِنَّ الاطمئنان على درجات فالاطمئنان الدنيوي لوحده منقوص ومبخوس ومؤقت، ويختلف عن الاطمئنان الدنيوي والأُخروي النَّام والدائم، بيد أنَّ الاطمئنان الدنيوي لوحده هو علامة. الختم والخذلان والانغماس في الملذات الزائلة؛ إذ كيف يطمئن اطمئنانا تامًا مَن كان يعتقد
على
1 - وكما يقول نيتشه معترفًا بأنَّ رؤيته للطَّريقة التي تنقلب فيها المصائب حظوظًا حسنةً هي التي أغرته بالاعتقاد في وجود الله. (ينظر: ول ديورانت، مباهج الفلسفة، 2/ 274). 2 - تشير هنا إلى الاعترافات التي سطرها الأديب العالمي تولستوي؛ حيث صرح بأنَّه كان يفكر في الانتحار كل يوم بسبب عدم قدرته على إيجاد الإجابات المقنعة حول القضايا الغائيَّة للوجود، يقول تولستوي: "ماذا فعلت عندما نشدت جوابًا على قضيتي - يقصد الإجابة عن الأسئلة الوجودية - بدرس العلوم الطبيعية؟ رغبتُ في معرفة السبب الذي أعيش لأجله، لذلك درست كل شيء ما خلا نفسي، ولا شك أنَّني تعلمت أمورًا كثيرة بهذا الدرس، ولكنني لم أتعلم شيئًا مما كنت في حاجة إليه. وماذا فعلتُ عندما نشدت الجواب في درس علم الفلسفة؟ درستُ أفكار الذين كانوا في نفس الحالة التي كنتُ فيها، يجهلون الجواب على السؤال (لماذا أعيش؟) وواضح أنَّه لم يكن لي أن أتعلم بهذه الطريقة إلا ما عرفته من قبل، وهو أنَّه يستحيل علي أن أعرف شيئًا ..... وانتهى به المطاف معترفًا بأنَّ الإيمان وحده هو الذي يجب عن هذه التّساؤلات كما ذكرنا سابقا. (اعترافات تولستوي، ص 81).
603 (1/603)
صفحة 604
مناجزة الإلحاد
بأنَّ الموت فناء أبدي لوجوده، ونهاية كلية لمأموله، فكأنَّه ما جاء لهذه الدنيا إلا ليموت وينقضي
كلُّ ما عمله من خير أو شر، ويضيع من بين يديه كل حيّ أُخِذ منه بغير وجه حق! ولا يتوهمنَّ الملحدُ أنَّ بعض الاطمئنان الناقص والمؤقت - الذي قد يشعر به - سوف يجعله سعيدًا في نهاية المطاف، فكثيرًا ما تكون الأمور المؤقتة ماتعة وتفي بالغرض المحدود، إلا أنَّ نتيجتها كارثية على النفس والبدن على حدٍ سواء، فلا تغُرُّك نشوةُ السَّكران في حال سكره! فالإيمان غريزة فطرية - كما سبق بيان ذلك - وكلُّ الغرائز إن لم تُلبَّ كانت لها مضاعفات سلبيةً على الشَّخص، فإذا كان الجسم لا يقوم إلا على الطَّعام والشراب، فكذا النَّفس لا تقوم إلا على الإيمان. الأمن الاجتماعي
إنَّ الحفاظ على أمن أي مجتمع رهين بالقيم الأخلاقية التي يتحلى بها أفراده، فإذا ما تم اختطاف القيم الأخلاقية، أو التقليل من شأنها، أو جعل معياريتها خاضعةً للمجتمع أو المنفعة أو الفرد أو أي مرجعية نسبية أخرى - كما مرَّ بيان ذلك في مبحث الأخلاق - فإنَّ المجتمع سيهدم بيديه سياج سلامته، وسيُبددُ نوازع أمنه الاجتماعي، ومن ثم سيؤول إلى التردي والانهيار عاجلا أو آجلا.
إذا ما افترضنا بأنَّ الإلحاد - الذي لا يجد أي مبرر موضوعي ومُلزم للأخلاق - قد ساد في مجتمع من المجتمعات، فاقرأ على ذلكم المجتمع السلام؛ لأنَّ الإلحاد لا عهد له ولا ذمة! نعم؛ يوجد ملاحدة - كأشخاص - أمناء وأفياء، لكن لا يُوجد إلحاد أمين ووفي، فالإلحاد يعمل وفق آليات المنفعة الشَّخصيَّة ووفق مقتضيات قانون الصَّراع من أجل البقاء! يقول مؤسس الليبرالية الحديثة جون لوك في كتابه (رسالة في التّسامح): "لا يُمكن التسامح على الإطلاق مع الذين يُنكرون وجود الله، فالوعد والعهد والقسم من حيث هي روابط المجتمع البشري ليس لها قيمةٌ بالنسبة إلى الملحد، فإنكار الله حتَّى لو كان بالفكر فقط يُفكّكُ جميع الأشياء)
(1) c
كيف تثق في الإلحاد وهو لا يُعطي أدنى اعتبار للعهد والولاء والقسم؟!! إنَّ العهد والولاء والقسم من ضرورات التّعامل والتَّقاضي في كثيرٍ من جوانب علاقات البشر التي تربط بعضهم
1 - جون لوك، رسالة في التسامح، ص 57.
604 (1/604)
صفحة 605
المبحث العاشر: المستوى العملي
ببعض، فكل العهود والعقود مبنية على الوازع قبل الرادع، فمن أين يأتي الإلحاد بالوازع المُلزم
وهو يفتقد المرجعية الموضوعية الكبرى؟!!
يقول مؤسس الفلسفة البراجماتية الملحد وليم جيمس (William James) معترفًا بأهمية الدين: "إنَّه يبدو لي أيضًا وتلك هي نتيجتي النهائيَّة أنَّ العالَم الخُلقي المستقر المنظم الذي يبحث عنه الخُلقي، لا يمكن أن يُوجد كاملًا إلا حيث تُوجد قوة مقدَّسَةٌ ذات
الفيلسوف
مطالب
عامة وشاملة، فإذا وُجد مثل هذه القوة فإنَّ منهجه في إخضاع أحد المُثل وليم جيمس
للآخر يكون المنهج الصحيح لتقدير القيم، وتكون مطالبه أبلغ أثرًا، ويكون عالمه المثالي أكثر العوالم ممكنة التحقيق شمولا، وإذا كان موجودًا الآن فلا بُدَّ أن يكون قد علم بالفعل تلك الفلسفة الخُلقية التي نبحث عنها، وعلم أنَّها النموذج الذي يجب أن نعمل للوصول إليه دائمًا؛ لذلك ينبغي لنا كفلاسفة ومن أجل تحقيق غاياتنا من إيجاد نظام أخلاقي، واحد، أن نفترض وجود الإله، وأن نتمنَّى انتصار الدين على اللادينية". وسبق أن قال قبل ذلك: "لهذا السبب نفسه كانت الغلبة دائمًا في جميع المعارك للخاطر الأقوى، وكان الدين
دائما متغلبًا على اللادينية (2).
بالله،
لقد سبق أنَّ صرح أفلاطون في جمهوريته (3) بأنَّ الشَّعب لا يُمكن أن يكون قويا ما لم يؤمن وهو إله حي يستطيع أن يُحرك الخوفَ في القلوب التي استولت عليها الأثرة والأنانية الفردية، ويحملها على الاعتدال في نهمها وشرها وبعض السيطرة على عواطفها، وفوق ذلك إذا أُضيف إلى الإيمان بالله الإيمان بوجود حياة أبديَّةٍ في الآخرة؛ لأنَّ الإيمان بالحياة الآخرة يمدنا بالشَّجاعة في مواجهة الموت، وتحمل موت أحبابنا).
وفي رسالته إلى صديقه الملحد هولباخ معاتبا له يقول فولتير: "لقد قلت أنت بنفسك أنَّ
1 - فيلسوف أمريكي (1842 - 19110 م) من أبرز رواد علم النفس الحديث، يُلقب بـ (فيلسوف الحرية)، من أهم أعماله: (إرادة
الاعتقاد) و (مبادئ علم النفس)، و (أصناف الخبرة الدينية).
2 - وليم جيمس إرادة الاعتقاد، ص (106 - 107).
- يُراجع: أحمد المنياوي، جمهورية أفلاطون، ص (178 - 185).
4 - ول ديورانت قصة الفلسفة، (30 - 31)، بتصرف.
605 (1/605)
صفحة 606
مناجزة الإلحاد
(1)
الإيمان بالله قد ساعد في إبعاد بعض الناس عن ارتكاب الجرائم، إنَّ هذا وحده يكفيني، فإذا كان هذا الإيمان يمنع من وقوع عشرة اغتيالاتٍ وعشر وشايات، فإنَّه يجعلني أتمسك بأن يؤمن كل العالم بهذا الدين، إنَّك تقول بأنَّ الدين قد سبَّبَ أيضًا كوارث لا حصر لها، وكان الأجدر بك أن تقول: الخُرافات الدخيلة على الدين التي تتحكم في عالمنا البائس .. عندما ينظر كبار ملاحدة العصر لكثير من الأخلاقيات القبيحة والممجوجة كإباحة الخيانة الزوجية وإباحة الشُّذوذ ونكاح الحيوانات وإباحة التعري - ولا ندري ما عسى أن يكون القادم - ماذا سيبقى من أواصر الأسرة التي تُشكلُ اللَّبنةَ الأساس في أي مجتمع؟! ماذا لو تم تطبيق مثل هذه القواعد الإلحادية - التي لا يستطيع الملاحدة أن يُبرروا خطأها - في عموم المجتمع؟! أننا سنخيب ظن الملاحدة بقولنا لهم إنَّ هناك بقيَّةً باقية من الوازع الديني يمكن لحظها في المجتمعات التي قد توصف بأنَّها (لادينية) قبل غيرها، وهو ما يُسهم في حفظ البقية الباقية من ماء وجهها إلى الآن!
يبدو
إنَّ هذا المأزق الإلحادي استدعى نشوء بعض المؤسسات والشبكات الإلحادية، كشبكة بحر الإيمان (Sea Of Faith Network) التي تحضُّ على الاستمساك والتشبث بحبل الإيمان، مع اعترافها بأنَّ الإيمان زائف وباطل، وما ذاك إلا لأنَّها أدركت عُمق الشرخ الأخلاقي في الخطاب الإلحادي، والذي سيؤثر حتمًا في الأمن الاجتماعي بشكل صارخ!! إنَّك حقًا عند مطالعتك لإحصاءات اختلال الأمن الاجتماعي الناتجة عن الجرائم والانتحار والاغتصاب والشُّذوذ والمخدّرات ونحوها ستفجع وتتفاجأ بأنَّ أكثر الدول التي توصف بـ (اللادينية) هي من تعتلي رأس الهرم في نسبة انتشار هذه المشكلات!
تقول الملحدة والناقدة الفنية كاميليا باجيلا: أرغب في أن يتم تعليم الأديان الرئيسة في كل مدرسة، إنَّ العلمانية الإنسانية قد انتهت إلى طريق مسدود ... (3). ولا تعجب إن قلنا لك - أيُّها القارئ الكريم - إنَّ الملاحدة في الجيش الأمريكي يُطالبون بوجود أشخاص مسؤولين عن تقديم الدعم المعنوي لهم كما هو الحال عند الجنود المتدينين، لكنَّ طلبهم لم يُقبل بعد!!
1 - المرجع السابق، ص 188.
2 - الموقع الرسمي للمؤسسة: http://www.sofn.org.uk).
- يُنظر: (2007/ Clarkson/08/08/http://www.salon.com).
606 (1/606)
صفحة 607
المبحث العاشر: المستوى العملي
تصوّر ما الذي سيقوله أولئك للملاحدة؟! كيف سيدعمونهم معنويا؟! سيقولون لهم: "أنتم مجرد وسخ كيميائي"! أم يقولون لهم: "اذهبوا إلى وَهدَة العدم وهُوَّة الفناء الأبدي“!! ثمَّ لو نظرنا إلى الإنسان الذي يُعدُّ حجرَ الزَّاوية في بناء أي مجتمع، ما الذي يجعله يميل إلى الكمال الأخلاقي؟! هل الإيمان أو الإلحاد؟! إِنَّ الإلحاد - بما يملكه من منطلقات وأُسس ولوازم - لا يقوى على توجيه الإنسان نحو الكمال الأخلاقي إلا بفرض القوانين - والتي ليس لها مرجعية قيميَّةً موضوعيَّةً ومطلقة - والقوانين لا تعمل إلا في نطاق الأمور الظاهرة فقط، بينما الإيمانُ يُوجّه الإنسان إلى الكمال الأخلاقي في السر والعلن، ولا يخفى على أحدٍ ما للسر والخفاء - الذي لا تطاله القوانين - من عميق أثر في صميم بنية الأمن الاجتماعي. على لسان (ماثيو) يقول المؤرخ اللاأدري ول ديورانت ما نصه: "الدين لم ينزع عن الموت ما فيه من ألم فقط، بل ملأ الحياة جمالا بالطقوس والبناء والنَّحت والنقش والدراما والموسيقى، فقد رفع أحداث الروتين في حياة الإنسان من الولادة إلى الزواج ثم الموت، إلى مستوى السر المقدس، وجعل هذه الأمور العادية تجارب مقدَّسة، ومد جذورها في النفس بالشُّعور، وخيَّلها للنَّاس بالفن، لقد بدل مأساة الحياة الحقيرة إلى رحلة شاعريَّةٍ يحج فيها المرء إلى نهاية شريفة، وبغير الدين تُصبح الحياة سخيفةً وضيعةً كبدنٍ بغير نفس .....
ويقول على لسان (بول) ما نصه: "قيمته - أي الدين - بالنسبة إلى المجتمع لا تقل أهميَّة. إنَّ الاحتفال الديني بالزواج لم يعظم هذا الحادث في نظر الشَّريكين المرتبطين فقط، بل ربطهما برباط وثيق من الزواج الذي يقوم على عمق العاطفة والخشية ممَّا يُضفيه الدين على ذلك الأمر الذي بغيره إنما يكون مجرد إباحة المضاجعة. وقد أدى الدين بهذه الشبل إلى استقرار الأسرة وإلى استقرار الدولة تبعا لذلك. وأينما وجهت نظرك في حياة الإنسان الجارية رأيت الغرائز الفرديَّة أقوى من الغرائز الاجتماعيَّة، والغريزة التَّناسلية - وهي أقواها جميعًا - ليست بالضرورة اجتماعيَّة، وقد تُؤدي إلى التفكك والفوضى كما هي الحال اليوم، ووظيفة الدين الكبرى بما فيه من أسرار مقدَّسة وتعاليم خُلقيَّةٍ ووعد بالجنة ... أن يدعم دوافع الإثار - أو إن شئت فقل دوافع المعاونة والتعاون - لتقاوم دوافع الأثرة القديمة التي ربيت في أحضان آلاف السنين من
1 - ول ديورانت، مباهج الفلسفة، (2/ 274).
607 (1/607)
صفحة 608
مناجزة الإلحاد
الكفاح في سبيل البقاء فيحارب ويظفر ويأكل ويسود، ولست أعتقد بوجود جهنم ولكني أعتقد أنَّ الفكرة عنها قد باعدت بين كثير من الناس وبين ارتكاب الشَّر، والذي أراه أنَّ الشَّاب حين يكتشف أنَّ جهنَّم لا وجود لها فإنه لا يحفل بشيء، ووظيفة الأخلاق أن تُمثل الكل في مقابل الجزء، والمستقبل في مقابل الحاضر، وهذا بالضبط ما يسعى الدين إلى عمله، الدين كما يقول هوفدنج هو الاحتفاظ بالقيم، وبغير الجزاءات الدينية تُصبح الأخلاق مجرد تقدير، فيختفي
الإحساس بالواجب، ويقف كل شاب جميع ذكائه وعلمه على التحايل على الوصايا (1).
جميع
ويتابع ول ديورانت حديثه على لسان (فيليب قائلا: "لا ريب أنَّ الدين كان أعظم قوة في التاريخ هذبت توحش الإنسان قبل ظهور المدارس، وذهب بنيامين كيد إلى أن الحضارات قامت على أساس الجزاءات الأُخروية التي قدمها الدين للأخلاق، وكان تارد يعتقد أنَّ الحياة الشَّريفة عند بعض الملحدين ترجع إلى الأثر المستمر لتربيتهم الدينية ... وقد كتب دوستويفسكي أعظم قصص في العالم؛ ليبين كيف أصبح الإنسانُ (متلبسًا بالشَّياطين) حين هجر الله. فلا غرابة أنَّ الدَّولة حتى زمان الثَّورة الفرنسيَّة والأمريكية كانت تربط نفسها دائما بدين من الأديان، وكانت تمنحه معونة ماليَّةً وحربيَّةً في نظير حمايته للأخلاق ... يقول فلوطارخس في بعض كتبه: قد يكون قيام مدينة بغير أرض تملكها أيسر من قيام دولة بغير اعتقاد في الله ... وكان نابليون يظنُّ أنَّ أعظم معجزات المسيحية أنها حجزت الفقراء عن قتل
(2)
الأغنياء ... (2).
نحن لا يأخذنا العجب عندما تشاهد دراسات علميَّة تُؤكد النظرة السلبية للنَّاس تجاه الملحد، ففى الولايات المتحدة - مثلًا - يستهجن غالبيَّةُ الشَّعب وجود الملحدين، ويمنعون أبناءهم من التعلم تحت أيديهم (3)، كما أكدت صحيفة واشنطن بوست (Washington Post) أنَّ الملحد هو أكثر الشَّخصيَّات المقرفة في أمريكا)، وفي البرازيل يُعامل الملحد على اعتباره مدمن
(2 - 276
1 - المرجع السابق، (2752 -
2 - المرجع السابق، (2/ 276 - 277).
3 - الدراسة نشرتها المجلة العلمية الشهيرة (ساينتفيك أمريكان) Scientific American تحت عنوان (إنَّنا لا نثق في الملحدين)
In Atheists We Distrust يُنظر: http://www.scientificamerican.com/article/in-atheists-we-distrust).
- يُنظر: (https://live.washingtonpost.com/why-do-americans-hate-atheists-herb-silverman.html) .
608 (1/608)
صفحة 609
المبحث العاشر: المستوى العملي
مخدرات، ويوصف الملحدون فيها رسميا بأنهم أحط الأقليات مكانة، وفي إيرلندا يُمنع الملحد من وظيفة التدريس (2)، وفي اليونان يتم اعتقال أي ملحد مباشرة (3)، وهناك العشراتُ من الدول والمدن الغربية التي تمنع الملاحدة من الحصول على بعض الوظائف - كحضانة الأطفال - لأنَّهم لا يثقون فيهم.
إنَّ مثيلات هذه القضايا التي تمسُّ صميم الأمن الاجتماعي وتسوقه إلى الهاوية والحضيض وتضربه في مقتل تُرجّح كفّة الإيمان على كفّة الإلحاد، بحيث لا يبقى من الزاوية العملية ما يجعل الملحد منصاعًا ومنقادًا إلى مبادئ الإلحاد وقواعده، وإنَّ ممَّا لا يلحظه الملحد في العادة هو أنَّ المجتمعات الغربية لم تُطبق بعد مبادئ الإلحاد وقواعده بحذافيرها وجَرَامِيزها، فليس جميع أفرادها ملاحدة؛ فهم ما زالوا يُشكلون نسبةً قليلة، ولو خَطَت إلى تلك الخطوة فعليها أن تستحضر مقولة جون لوك السَّابقة قبل إعلان احتضارها!!
ثمَّ إنَّه فيما لو قامت السياسات الأيديولوجية بدعم المبادئ الإلحادية فإنَّ المجتمعات الشَّعبية في كثير من الأحيان تبقى لديها بقيَّةً من الحصانة الدينية بوجه من الوجوه ضد تلك
الحملات والإغراضات السياسية.
1 - يُنظر: (https://live.washingtonpost.com/why-do-americans-hate-atheists-herb-silverman.html) . 2 - يُنظر: (1.616580 - http://www.irishtimes.com/opinion/why-must-agnostics-be-obliged-to-teach-faith). - يُنظر: (2014/ elder/16/01/http://www.keeptalkinggreece.com).
4 - يُنظر على سبيل المثال: (151241/ scariest_states_to_be_an_atheist_10/http://www.alternet.org/story) ولمزيد بحث وتأكيد يُنظر كذلك: (2014/ atheists-discrimination_n_4413593./16/01/http://www.huffingtonpost.com htm). وبإمكان القارئ الكريم أن يستخدم محركات البحث لتقصي مثل هذه الحقائق المغيَّبة عن الجمهور، فهناك الكثير والكثير من أمثالها لمن أراد الوقوف عليها بنفسه!!
7+9 (1/609)
صفحة 610
مناجزة الإلحاد
ثانيا:
القضايا الغائبة
ونعني بها: تلك القضايا التي يتوقف عليها مصيرنا الغيبي في العالم الآخر، فنحن لا نحتكم إليها بناءً على معطيات نشاهدها أمامنا كما في القضايا السابقة، بل نحتكم إليها دفعًا للضرر أو جلبًا للنفع المحتمل في الحياة الآخرة، فإن كان الملحد غير مُوقن بوجود عالم آخر يُحاسب فيه على أعماله، وكان باب هذا الاحتمال الغيبي مفتوحًا أمامه على مصراعيه، فإنَّ مبدأ الترجيح من أسلم الاحتمالات وأحوطها هو المخرج الذي ينشده كلُّ عاقل!
وسوف يكون حديثنا عن هذا النوع من القضايا محصورًا فقط فيما بات يعرف مؤخرًا
بنظرية القرار.
نظرية القرار
نظرية القرار (Decision theory) في الأصل مأخوذة من علوم الاقتصاد والرياضيات وتطبيقاتها، لكننا مع ذلك تطبقها أيضًا بشكل عفوي تلقائي في حياتنا العامة، حيث تعتمد هذه النَّظريّة على اتخاذ القرار المناسب من بين الاحتمالات والبدائل المطروحة، مع مراعاة درجة المخاطرة والمجازفة الموجودة في كل احتمال فمثلا في علم الاقتصاد تستخدم المؤسسات الاقتصادية نظرية القرار في اتخاذ القرار الحاسم والمناسب بعد النظر في جميع الاحتمالات المطروحة وتقييمها عند انعدام اليقين. وفي علم الرياضيات يستخدم الرياضيون نظرية القرار كإحدى مُرجّحات نظرية الاحتمالات في حال وجود احتمالات غير مؤكدة. وفي مجالات الحياة العامة فإنَّ نظريَّة القرار تُستخدم بكثرة، فالطَّبيب على ضوء نظرية القرار والموازنة بين الاحتمالات يُقرر إجراء عملية الجراحة للمريض أو عدم إجرائها في وقت دون الآخر، والأب في بيته يُقرر على ضوء نظرية القرار أن يبتاع هاتفًا محمولًا لابنه أو عدم ابتياعه، والمعلم في مدرسته يقرر على ضوء نظرية القرار معاقبة الطالب المسيء أو مسامحته في وقت دون وقت
آخر ... إلخ.
71. (1/610)
صفحة 611
المبحث العاشر: المستوى العملي
إن جميع قراراتنا ناتجة عن الرغبات والأسباب، فـ" الاختيارات القائمة على أدق منطق ولكن تفتقر إلى أي رغبة؛ هي اختيارات فارغةً من المعنى. ولكنَّ الرغبة بدون سبب هي رغبة واهنة عاجزة، ولا تصلح إلا لطفل ثائر يرغب في العودة إلى المنزل وعدم العودة إليه في الوقت ذاته .... المعقولية خاصيَّةٌ تتّسم بها أنماط الاختيار، وليس الاختيارات الفردية نفسها؛ فلا يوجد شيء غير عقلاني في الرغبة في العودة إلى المنزل، ولكن ثمة شيئًا خاطئًا في الرغبة في العودة إلى المنزل وعدم الرغبة في العودة إليه في الآن عينه. لا يوجد شيء غير عقلاني في اختيار أحدهم تعاطي الهيروين، ولكن اختياره هذا يبدو شاذا إذا ما اختار بالتَّوازي معه أن يتجنَّب احتمالية التّعاسة واليأس والموت»).
عند
إنَّ نظرية القرار تُؤكد بأنَّ عمليّة اختيار القرار المناسب من بين عدة احتمالات تتوقف على الأمان مستوى ودرجته في كل احتمال، وهذا بدوره يؤدي إلى اتخاذ القرار الذي يخرج بأقل الأضرار الممكنة عمليا فيما إذا كانت المصالح والمفاسد موجودةً في كل الاحتمالات المطروحة التَّأمل والنَّظر فيها، وهذا التّصرُّف وفق ما تمليه نظرية القرار هو التصرُّف الواعي والمتزن، وهو تصرُّفُ العقلاء الأكياس الذي لا يروغ عنه إلا المتهورون والمستهترون! ونحن إذا ما زعمنا - كما يزعم الملاحدة - بأنَّ براهين الإيمان غير كافية، فإنَّ بيننا وبين العاقل منهم ما يُمكن أن يحسم الأمر - عمليا - بضربة ترجيحيَّةٍ تُسددها نظريَّةُ القرار لصالح أحد المتعاركين: الإيمان -
أو الإلحاد. لقد جئنا إلى هذه الحياة دون أن يستأذننا أحد - وهذا دليل وعلامة على ضعفنا وقلة حيلتنا - ثم وجدنا أنفسنا أذلاء تحت قهرِيدِ الموت الذي يقض مضاجعنا ويُهددنا في كل لحظة، فتساء لنا على إثر ذلك: هل الموت هو نهاية المشوار أم أنَّ هناك عالمًا آخر بعده سنحاسب فيه على أعمالنا؟! وهل هناك ثواب وعقاب؟! وهل هناك حياة أخرى يكون فيها الجزاء من جنس
أعمالنا؟! وهل هناك براهين تدل على وجودها!! وما مقدار نسبة ترجيح هذه البراهين؟! إِنَّ الإيمان يُقيّد رغباتنا وشهواتنا، ويُكلّفنا بأمورٍ لا نريد أن نقوم بها، بينما الإلحاد على النقيض من ذلك، فنحن أحرار فى هذه الحياة، لا يُوجَد فيها ما يُقيدُ رغباتنا وشهواتنا، أو ما
1 - مايكل، ألينجهام نظرية الاختيار، ص (10 - 11). بتصرف“.
611 (1/611)
صفحة 612
مناجزة الإلحاد
يحملنا ما لا نريد تحمله من الالتزامات والواجبات، ولكن هذه الحياة منتهية وزائلةٌ في غضون سنين معدودة، ورغباتنا التي أشبعناها ستتلاشى وتنطفئ حتمًا، ومع ذلك نتساءل:
- هل مجيئنا هنا كان لنؤوب إلى الزوال؟!
- هل صمودنا - في وجه الأحزان والآلام - كان ليكون مآله إلى التلاشي والاضمحلال؟! - هل كفاحنا العنيد لتجاوز عقبات الموجعات والمغريات كان ليكون منتهاه إلى الفناء بعد الاكتمال؟!
بعد الذي مرَّ؛ دعونا نصوغ الاحتمالات والمعطيات المطروحة في قضيَّة الإيمان والإلحاد
على النحو الآتي:
(1) - أدلة الإيمان غير كافية.
(2) - هناك احتمال ضئيل بوجود العالم الآخر ونحن نميل إلى تكذيبه.
(3) - إن آمنا فسيفرض الإيمان علينا شروطًا وقيودًا لا نرغب في تنفيذها، وإن ألحدنا فسيبقينا الإلحاد أحرارًا منطلقين من غير قيود.
(4) - إنْ ألحدنا فهناك احتمال بوجود عالم آخر نُجازى فيه على إلحادنا بالعقاب الأبدي، وإن آمنا نُجازى فيه بالثَّواب الأبدي.
(5) - الملذَّاتُ المنتهية في الدنيا بالموت تقابلها الملذَّاتُ الأبدية في العالم الآخر.
(6) - المقيدات والعذابات المنتهية في الدنيا بالموت تقابلها المهلكات والعذابات الأبدية
في الآخرة.
الاختيار
المقارنة
الاحتمال
الإيمانُ
ملذات مقيدة + مؤقتة
ثواب أبدي
الإلحاد
ملذات مطلقة + مؤقتة
عقاب أبدي
إذن؛ نحن بين خيارين: اقتناصُ الشَّهوات والملذات المطلقة والمؤقتة والزائلة باسم (الإلحاد) وسيترتب على ذلك العقاب الأبدي، أو العمل بالملذات المقيدة بالضوابط
612 (1/612)
صفحة 613
المبحث العاشر: المستوى العملي
والالتزامات المؤقتة والزائلة باسم (الإيمان) وسيترتب على ذلك التَّواب الأبدي. فأيُّ الخيارين أسلم للعاقل وأحوط له؟!
إنَّ القضية هنا ليست قضيَّة حقيقةٍ وخرافة أو قضيَّة حق وباطل، أو قضيَّة صواب وخطأ، القضيَّةُ هنا قضيَّةُ ربح مطلق أو خسارة مطلقة، قضيَّةُ نفع وضرر، قضيَّةُ مصيرٍ أبدي! إنَّ موضوع الإيمان تترتَّبُ عليه تبعات كثيرة؛ ومن أجل ما له من ارتباط وثيق بمصير الإنسان وخاتمته - ولو على شكل احتمال قائم - فإنَّ العقل السليم والمنطق القويم ينظران إليه على النحو الآتي:
(1) - احتمال وجود ضرر أبدي يُصيب الإنسان.
(2) - دفعُ الضَّرر واجب - عقلًا ومنطقا - على الإنسان.
(3) - لا يُمكن دفع الضرر إلا بالإيمان.
(4) - ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
إذن؛ الإيمان واجب وضروري دفعًا للضَّرر المُحتمل.
هذه
هي
النتيجة المنطقية التي تفرضها علينا نظرية القرار، وللأسف فإنَّ الكثيرين من الملاحدة عندما يُوجهون سهام اعتراضاتهم إلى نظرية القرار - وما يتبعها من معايير مشابهة لها كنظرية الاحتمالات وبرهان باسكال - يُظهرون حجم تعشفهم الكبير في فهم النظرية على وجهها الصحيح! ولبيان ذلك بشكل مفصل؛ إليك - أخي القارئ - هذه الحزمة من الاعتراضات مقرونةً بما ينقضها:
(1) - ملذات الدُّنيا يقينية، بينما أمور الحساب ظنية.
ينطلق هذا الاعتراض من مبدأ صحيح، وهو أنَّ اليقين لا يُترك بالظَّن، إلا أنَّ نظرية القرار لا تفاضل بين اليقين والظَّن، بل تفاضل بين النفع المتيقن المؤقت والضرر المحتمل الدائم، كما أنَّها تقرر بأنَّ النَّفع المؤقت كالعدم بحكم زواله، بينما الضرر الدائم كالموجود بحكم بقائه وسرمديته.
613 (1/613)
صفحة 614
مناجزة الإلحاد
(2) - يُشترط في الايمان الجزم واليقين، وهذا يتناقض مع نظرية القرار. صحيح؛ يُشترط في الإيمان الجزم واليقين لا الظَّن والاحتمال، لكن معيار نظرية القرار يكمن في النَّظر إلى الضَّرر والنفع والموازنة بينهما، ولا علاقة لها بصحة الإيمان وشروطه، فالإيمان ليس هو المعيار، بل هو مجرد نتيجةٍ تُحقق المعيار، وعندما يعمل الذين لا تكفيهم
الأدلة بهذا المعيار العملي فلا يُوجد - لاحقًا - ما يمنعهم من الجزم واليقين إلا أنفسهم! (3) - ما الإيمان الذي تُرجحه نظرية القرار؟ الإيمان باله الإسلام أم إله المسيحية أم اليهودية ... ؟!
نظرية القرار تتحدَّثُ عن الإيمان بالإله الخالق دون النظر إلى الأديان، فهي في هذه المرحلة تُثبت رجحان الإيمان بالله على الإلحاد، ولا تُثبت رجحان دين على دين - هي ضد الإلحاد في هذه المرحلة لا اللادينية - فهذا ممَّا لا علاقة لها به وكما سبق أن قلنا فالنظرية لها معيار عملي وهو النَّفع والضَّرر، ولا تبحث في الحق والباطل، والحقيقة والخرافة، والصواب والخطأ.
محدد
(4) - معيار نظرية القرار براجماتي بحث لا يهمه سوى النفع والضرر. إنَّ سياق اللجوء إلى نظرية القرار لم يكن سياق برهنةٍ وحُجَج - فقد سبق التَّطرق إلى ذكر بعض تلك البراهين والحجج في المستويين الفطري والعقلي - وإنَّما هو سياق ترجيح يُوصل إلى عتبة الإيمان بالله، بحيث يلجأ إليه كلُّ مَن لم يترجح عنده الإيمان بالله، ولم تكفه الأدلة - حسب زعمه - وعليه؛ فإنَّ نظرية القرار لا تعني أنَّ قضيَّة الإيمان أصبحت تُقاس بمعيار براجماتي عملي؛ لأنَّنا لم نتطرق إليه إلا بعد تقديم المعايير والبراهين العقلية والمنطقية.
(5) - نظرية القرار مبنية على التهديد والتخويف.
يظنُّ بعضُ الملاحدة أنَّ افتراض وجود الله كافتراض وجود وحش بحيرة لوخ نس ونحوه، ومن ثم يتم تهديد النَّاس وتخويفهم بناءً على هذا الافتراض!! لا يخفى ما في هذا القياس من التهافت والضحالة، فهل أصبح احتمال وجود الله كاحتمال وجود الافتراضات الأخرى بعد كل تلك البراهين والحجج السَّابقة؟!! هل وجود (واجب الوجود كوجود (ممكن الوجود)؟! فعلى افتراض الاحتمالية فإنَّ الصَّفات العقليَّة التي نعرف بها الله وغيره مختلفة، فهل تلك الصفات
614 (1/614)
صفحة 615
المبحث العاشر: المستوى العملي
التي تُطلق على الله هي الصفات ذاتها التي تُطلق على أي شيءٍ آخر؟! هل وجودُ السَّبب الأول للموجودات بأسرها يشابه وجود أي شيءٍ آخر لا تستدعيه الضَّرورة السببية من الأساس؟! هل الإيمان بالافتراضات الأخرى يترتب عليه ثواب وعقاب؟! ثمَّ إِنَّ نظرية القرار كما قلنا توازن بين الاحتمالات المطروحة، ولا يُوجَد في الاحتمالات المطروحة بين الإيمان والإلحاد ما يستدعي الترجيح بين احتمالاتٍ خارجة عنهما، فليس الإيمان بموجود آخر غير الله من ضمن الاحتمالات المطروحة من الأساس!
(6) - ماذا لو لم يكن هنالك إله؟!
لو لم يكن هنالك إله فقد فعلت ما يُمليه عليك العقلُ السَّليم والمنطق القويم، وأنت لن تخسر غير ملذَّاتِ الدُّنيا - على افتراض أنَّ الإيمان حرمك من كل شيء - بل لن تعرف وجود الله ولن تشعر بخسارتك لأنَّه لا يُوجَد إله ليبعثك ويحاسبك!! لكن ماذا لو كان هنالك إله؟!! هل ستقول: إنَّ الأدلة لم تكن كافية؟! لو لم تكن الأدلة كافيةً فإنَّ نظرية القرار قد أدَّت المهمة المرجوة منها، وأوصلتك إلى ترجيح الإيمان على الإلحاد، والله يتولى أمرك فلا خداع ولا
مخادعة هنالك!
(7) - ماذا لو كان هنالك إله ولكن لا وجود للحساب؟!
هذا الاعتراضُ هو الآخر بالإمكان تطبيق نظرية القرار عليه بشكل خاص! فماذا لو كان هنالك حساب؟! بيد أنَّ الإله لا يُمكن أن يكون عابنا؛ لأنَّ العبث لا يليق بالإله الحق، فعدم الحساب يلزم منه الوجود العبثي غير الغائي، ويلزم منه عدم إقامة العدالة التي لم تُطبق في
الدنيا، وهذا ظلم ظاهرُ يُنافي الحكمة، والإله الحقُّ حكيم عادل لا يظلم النَّاسَ شَيئًا.
(8) - لماذا يهتم الإله بالإيمان دون اهتمامه بالمعاملة الحسنة؟! إنَّ الله يأمر بالإيمان والعدل والإحسان والمعاملة الحسنة، ولسنا نحن من يُقرر اشتراط الإيمان من عدمه، بغض النظر عن أنَّ الإيمان هو الذي يُشكلُ المرجعية والقيمة الموضوعية والمطلقة للمعاملة الحسنة والأخلاق بشكل عام، هذا مع أنَّ نظرية القرار تُفيد بأنَّ اشتراط الإيمان مُحتمل بنسبةٍ متكافئة مع احتمال اشتراط المعاملة الحسنة لوحدها، ومن ثم يكون الإيمانُ هو المُرجح عمليا.
615 (1/615)
صفحة 616
خلاصة المبحث
- المستوى العملي خطوة ترجيحية نحو الإيمان بالله.
- التوازن النفسي والأمن الاجتماعي قرينان بالإيمان بالله.
- نظرية القرار تحسم أي تلجلج أو تردُّدٍ في الاختيار بين الإيمان والإلحاد. (1/616)
صفحة 617
المبحث الحادي عشر
كبريات الاعتراضات الإلحادية (1/617)
صفحة 618
"الله هو الركيزة الأساسية لضمان أنَّ الحقيقة حقيقة. (عبد الوهاب المسيري)
"ليس العالم من يُعطي أجوبةً صحيحةً بل
من يسأل الأسئلة الصحيحة“.
(ليفي شتراوس)
"هل هناك أشد صممًا وعمى من ذاك الذي
اختار بإرادته ألا يسمع أو يرى“.
(مثل إنجليزي) (1/618)
صفحة 619
أيها الإلحاد أين أوراقك الرابحة؟ ماذا لو احترقت تلك الأوراق؟
لم تنصر الظن وتخذل اليقين؟ (1/619)
صفحة 620
مناجزة الإلحاد
بعد
كبريات
m
الاعتراضات الإلحادية
الأخذ والرد في براهين وجود الله، نستعرض في هذا المبحث كبريات الاعتراضات الإلحاديَّة على وجود الله تعالى والتي لم نكشف الستار عنها فيما مرَّ من الاعتراضات، وأرجأنا الحديث فيها إلى أجل قد آن أوانه في هذا المبحث؛ وما ذاك إلا لأنَّ كبريات الاعتراضات الإلحادية هذه تأتي في مرتبة متأخرة من سلسلة الاعتراضات الإلحاديَّة على وجود أن تسبق ببيان الكثير من الأمور التي كان لا بُدَّ من بيانها في المباحث السابقة،
يستدعي
الله
وهذا
وأخيرًا لأنَّ هذه الاعتراضات من الشُّهرة بمكانٍ حتَّى غدت أيقونة يستخدمها الملاحدة بكثرة في محادثاتهم، بل وأضحت لحنًا مُشتهرًا يتراقص الملاحدة على أنغامه عند كل حوار ونقاش! ننوه - بدايةً - بأننا قد وضعنا اصطلاح (كبريات الاعتراضات الإلحادية)؛ نظرًا لتكرارها المستمر والمتواصل على ألسن كبار الملاحدة وصغارهم قديمًا وحديثًا، بل إنَّ بعضهم تراه هذه الاعتراضات وكأنها براهين مستقلة تؤكد عدم وجود الله، وليست مجرد
يتعامل مع اعتراضات أو تشغيبات مستوردة من هنا وهناك!
إنَّ عنوان هذا المبحث يتقصَّدُ - فيما يتقصَّدُه - حصرًا النظر في قضيتين اثنتين يجب أنْ نضع أيدينا عليهما بوجه خاص، ألا وهما:
- قضيَّةُ (مَن خَلَقَ الله).
- قضيَّةُ (مشكلة الشر).
وتندرج تحت هاتين القضيتين جملة من التساؤلات والإشكالات التي سنسعى - بقدر المستطاع - إلى إيضاح معالمها، وكشف ما يُحيط بها من لبس وإيهام وإبهام، وذلك من خلال ما ستورده في معرض حديثنا عن كل واحدة منها على حدة.
620 (1/620)
صفحة 621
المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية
مَن خَلَقَ الله؟!
هذا الاعتراض جاء بصيغة استفهام متبوعة بالتَّعجب وفي هذا إشارة ظاهرة إلى أنَّ أشهر الاعتراضات الإلحاديَّة ليست فى الحقيقة استدلالا على صحة الإلحاد ولا برهنةً على مشروعيته، بل مجرد استشكالات واستفهاماتٍ تستدعي ضرورة الإيضاح والإفصاح عما يكتنفها من غموض وإبهام، فإذا كان هذا هو حال كُبَّار كبريات الاعتراضات الإلحادية فما بالك بما
هو دونها!!
لقد أفسحنا لأنفسنا المجال - هنا - لننطلق بحريَّةٍ أكثر رحابة في فهم مجريات هذا السؤال وفي تناول ما ينفثه من بين ثناياه الكالحة التي تبذؤها النَّواظر، ولملمة ما ينفرط من عقده الذي تلفظه الآماق، ومن أجل بلوغ هذا المرام نُفصِلُ القول فيه على النحو الآتي:
السؤال من زاوية إسلامية
في النصوص الإسلامية تجدُ ما يُفيد صراحةً بأنَّ سؤال (من خلق الله) وارد على النفس البشرية بطبيعتها، فهو بهذا الاعتبار ليس من بُنيَّات أفكار الإلحاد ولا من حقوقه الشخصية المحفوظة! فقد جاء في المرويات الإسلامية وبصيغ كثيرة ومتعددة تحديد مورد هذا السؤال، بل وتحديد علاجه الصحيح والناجع، كما في رواية: "يأتي الشَّيطانُ أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتَّى يقول: من خلق ربك؟! فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته».
مجرد
إذن؛ السُّؤال من الزاوية الإسلامية - حسَب بعض النُّصوص - يُنظر إليه على أ أنه وسوسة شيطانية تُعالج بالاستعاذة ونحوها، لكن من يتتبع النُّصوص الإسلامية الأخرى سيجد بأنَّ هذه المعالجة لا تكون مُتعينةً إلا على مَنْ ورَدَ إِليه الإشكال على سبيل الوسوسة وأحاديث النَّفس وخواطرها، أمَّا من ورَدَ إليه الإشكال واستحكم في عقله، وضرب بأطنابه على فكره، فأصبح موزّع الفكر يهيم في أندية الشكوك وأوديتها، فلا شكّ أنَّه يُعالج بطريقة أخرى، وهي
-1
البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، حديث رقم (3276).
621 (1/621)
صفحة 622
مناجزة الإلحاد
مما
آياته،
طريقة البرهان والاستدلال العقلي والنظري التي حضَّ عليها القرآن الكريم في كثير من كقوله تعالى: {وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة: 111). وقوله تعالى: أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهُ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (النمل: 64). يتّضح - - بأنَّ هنالك نمطين لورود هذا السُّؤال: نمط مؤقت مباغت، وهذا يُعالج بالاستعاذة والانتهاء عنه؛ لأنَّه مجرد وساوس وهواجس سُرعان ما تخنس، ونمط آخر مستفحل مستحكم، وهذا يُعالج بالبرهان والاستدلال العقليين، فإذا وجد الإنسانُ في نفسه شيئًا من ذلك فما عليه إلا أن يتحقق من نمط ورود السؤال، ثمَّ يتَّبع الإجراء الذي يتناسب مع طبيعة النمط كما مر آنفًا. السؤال من زاوية الحادية
سبق
يُشكِّلُ سؤالُ (مَن خَلَقَ الله) حجَّةً كافيةً عند كثير من كبراء الملاحدة؛ ليبرروا بها تعثرهم بأذيال الإلحاد والوقوع في مَرَاغَتِه! فعندما نقرأ في سِيَرهم الذاتية أو في كتاباتهم ونتاجاتهم الثقافية نجد بأنَّ هذا السؤال قد عرض عليهم فأفك عزمهم، وفل عَرَارَةَ فكرِهم، وأخذ عليهم متوجههم نحو الإيمان، بل إنَّ بعضهم يُصرح بأنَّه كاد أن يُؤمن بوجود الله لولا أنه اصطدم بجدار هذا السؤال، فلم يجد مخرجًا أو منفذا يعبر من خلاله!
قائمة طويلة من مشاهير الفلاسفة وضعت هذا السُّؤال على سُلَّم براهينها الإلحاديَّة؛ انطلاقًا
6
من ديفيد هيوم، وجون ستيوارت، مل و هربرت سبنسر وجون بول سارتر، وبرتراند راسل وصولا إلى من جاء بعدهم كستيفن هوكنج وريتشارد دوكنز وسام هاريس، ومن سار سيرهم وحذا حذوهم من الملاحدة المعاصرين.
أما إذا تساءلنا: كيف شكل هذا السُّؤال حجَّةً كافيةً لإلحاد هؤلاء وصدهم عن سبيل الله؟! فالجواب تجده حاضرًا عند برتراند راسل الذي قال بملء فيه: "لربما كانت قضيَّةُ المسبب الأول هي أسهل النظريات وأكثرها قابليّةً للفهم، وهي تعني أنَّ كل شيء نراه في هذا العالم له سببه، وعندما تذهب إلى أبعد حلقات هذه السببية ستجد المسبب الأول وهو ما يُسمَّى بـ (الله). إنَّ هذه الفرضية - في اعتقادي - لا تحمل مصداقيَّةً قويَّةً هذه الأيام؛ لأنَّ سببها ليس واضحًا كما يتصوره البعض إنَّ الفلاسفة ورجال العلم خاضوا في هذه السببية، وهي ليست بالصلاحية المرجوة منها والتي كانت تُؤتي أكلها في الماضي، ولكن - وبمعزل عن كل هذا.
622 (1/622)
صفحة 623
المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية
سنجد أنَّ فرضية السببية ليست على مستوى عالٍ من المصداقية! لربما قلتُ بأنني حين كنتُ شابا كنت أجادل بخصوص هذه الأسئلة بكل ما أوتي عقلي من طاقة، ولقد قبلت لوقت طويل فرضيَّة المسبب الأوَّل، حتى جاء اليوم الذي تخليت فيه عنها، وذلك بعد قراءتي لسيرة جون ستيوارت مل، حيث قال: "لقد علَّمني والدي إجابة السُّؤال عمن خلقني، وبعدها - مباشرةً- طرحت سؤالًا أبعد من هذا: (من خلق الإله؟!). إنَّ هذه الجملة القصيرة علمتني - إلى الآن. كيف أنَّ مبدأ المسبب الأول هو مبدأ مغلوط وسفسطائي، فإذا كان لكل شيء مسبب فيجب أن يكون الله مسبب أيضًا!! وإذا كان كل شيء بلا مسبب فسيكون العالم هو الله!! لهذا وجدت أنَّه لا مصداقية في هذه الفرضيَّة، إنها - تمامًا - مثل الفرضية الهندوكية التي تقول: إنَّ العالم رقد على ظهر فيل، وإنَّ الفيل رقد على ظهر سلحفاة، ثمَّ حين يُقال: وماذا عن السلحفاة؟! يُبادر الهندي بالإجابة: "دعنا نغير الموضوع! إِنَّ السَّببيَّة ليست بأفضل حال من السلحفائية، إننا لا نُدرك السبب الذي من أجله جاء العالم بلا سبب، وكذلك في الضفة المقابلة لا نستطيع إدراك لماذا كانت السببية غائبةً وغير موجودة على الدوام! إنَّه لا يُوجد أي داعٍ لنفترض من خلاله أنَّ العالم له بداية، إنَّ فكرة وجود بداية لكل شيء سببها فقر مخيلتنا عن هذا العالم، ولهذا على الأرجح لن أهدر مزيدًا من وقتي وأنا أجادل عن السبب الأول». (1)
الإجابة نفسها التي قدمها برتراند راسل وجدنا صداها في الجانب العربي عند صادق جلال العظم؛ إذ يقول هو الآخر مقلدا لراسل: "لنفترض أنَّنا سلَّمنا بأنَّ الله هو مصدر وجود المادة الأولى؛ هل يحل ذلك المشكلة؟ هل يجيب هذا الافتراض عن سؤالنا عن مصدر السديم الأول؟ والجواب هو طبعًا بالنفي. أنت تسأل عن علة وجود السديم الأول وتجيب بأنَّها الله، وأنا أسألك بدوري وما علة وجود الله؟ الله؟ وستجيبني بأنَّ الله غير معلول الوجود، وهنا أجيبك: ولماذا لا نفترض أنَّ المادة الأولى غير معلولةِ الوجود، وبذلك يحسم النقاش دون اللجوء إلى عالم الغيبيات وإلى كائنات روحيَّةٍ بحت لا دليل لدينا على وجودها ... “. (2)
1 - برتراند راسل لماذا لست مسيحيًّا، ص (18 - 19)، بتصرف.
2 - صادق جلال العظم، نقد الفكر الديني، ص 28.
623 (1/623)
صفحة 624
مناجزة الإلحاد
خالق
مخلوق
خالق
?
مخلوق
خالق
مخلوق
يستحق برتراند راسل ومقلّده الثَّناء العاطر على هذا العرض الواضح، لكنَّه - مع وضوحه - خاطئ بالكامل! ولا يهمنا هذا - حتى اللحظة - فقد اتَّضح لنا ما يُمتِّلَه سُؤال (مَن خَلَقَ اللَّه) من زاوية إلحاديَّة، ووضعنا أيدينا على بعض مواطن الإشكال، وأخذنا تصورًا محددًا عن طبيعة الحجج التي اقتنع الملاحدة بها فأرخوا لها زمامَ عقولهم، وسلَّموا لها أعِنَّة أمرهم، بينما صدوا عن الحجج والبراهين المضادة، وأبدوا لها صفحة إعراضهم، وأسدلوا عليها حجاب سمعهم! وكلُّ ذلك سيتكشَّفُ على مُكث فيما سيأتي.
التوقيت المفترض للسؤال
هنا سنكشف النقاب عن التوقيت المفترض حسب التسلسل المنطقي لطرح سؤال (من خلق الله) كاعتراض على قانون السَّببيَّة الذي أحالنا بالضرورة العقلية إلى الإقرار بوجود الخالق، ولا يحتاج تقرير هذا إلى كثير عناء وجهد؛ لأنَّ السُّؤال نفسه لن يكون مطروحًا على طاولة النقاش إلا بالتسليم بما قبله، فإذا كان الملحد لا يسلّم بأنَّ الله مُسبب من المسببات وعلَّةٌ من العِلل - ولو على افتراض الجدل والتَّنزل في الحوار - فإنَّ سؤاله من خلق الله) لن يصبح ذا معنى، ولن يرجع إلى محصول، وكأنَّه مسرود فقط لينهال انهيالًا! وهذا يعني أنَّ التوقيت المنطقي المناسب لطرح السُّؤال يأتي مباشرةً بعد بذل الجهد والعجز عن رد البراهين بصورة معتبرة.
إنَّ مجرَّد طرح هذا السؤال فيه دلالة على استفراغ الملحد لكل ما في جعبته من الاعتراضات الممكنة، بحيث لم يبقَ له إلا اللجوء إلى هذا السُّؤال الذي غشاه ليل التهافت كلجوء الغريق إلى أي قشَّةٍ ليتشبث بها، فمنطقيًّا لا يُوجد مكان لسؤال من خلق الله) إلا بعد الإقرار بما قبله، فإن قام الملحد بطرحه فإنَّ ذلك سيُلزمه بما يترتب على الإجابة عنه، فمن ألزم نفسه شيئًا أُلزم به، وعند الإلزام لا ينفع رجوع القهقرى
624 (1/624)
صفحة 625
المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية
لكل
نحن لو أمعنا النظر جيدًا فيما يسبق سؤال (مَن خَلَقَ الله) لوجدنا بأنَّ اقتفاءنا الحثيث لطريق قانون السببية هو الذي أوصلنا - بالضَّرورة العقلية - إلى الاعتقاد بوجود سبب موجود - بهذه الصيغة حسب الافتراض الإلحادي - فالله سبب باعتراف الملحد عند طرحه لهذا السؤال، إلا أنَّ السَّبب هنا - وهو الله - يحتاج إلى سببٍ قبله أيضًا، وهكذا إلى ما لا نهاية حسب قانون السببية من منظور إلحادي!! ومن هنا يتبيَّن لنا متى يُفترض أنْ يُطرح سؤالُ (مَن خَلَقَ الله)، وما دلالة التوقيت المفترض لطرحه.
تشريح بنية السؤال
لربما سمع بعضنا عمَّا يُسمَّى بـ (برج السلاحف، فبعدما ختم أحد علماء الفلك محاضرته، سألته عجوز قائلةً له: "محاضرتك خاطئة، فالأرض مُسطّحةً وتقف على ظهر سلحفاة، وليس كما ادعيتَ أنت؟ ". فقال لها: " وعلى ماذا تقف هذه السلحفاة؟ ". ردَّت قائلةً: "على ظهر سلحفاة أخرى". فقال لها: "وعلى ماذا تقف هي الأخرى؟ ". قالت: "كلُّها تقف فوق بعضها“! يبدو أنَّ أن الملاحدة يُحبون تسلّق برج السَّلاحف هذا فهم يتقمصون دور المرأة العجوز بالضبط عندما يُصرون على وجود عِلَّةٍ مادية لا بداية لها للعالم الطبيعي، ويتجلى ذلك في اعتراضهم بسؤال (مَن خَلَقَ الله)، فالعِلَل المادية تقف فوق بعضها البعض إلى ما لا نهاية (برج المواد تماما كما تقف السَّلاحفُ فوق بعضها إلى ما لا نهاية على برجها السلحفائي!
حجم
المغالطات
لو أمررنا مبضع التشريح على بنية سؤال (من خلق الله) سنكتشف المنطقية التي تستوطن خلاياها وتعشعش فيها، والتي عجز كبارُ الملاحدة - أو تعاجزوا - عن كشفها مع وضوحها الشافر! ولمعرفة حجم هذه المغالطات الملحوظة وجب علينا استحضار جميع الأمور التي سبق بيانها فيما يخص براهين وجود الله ونقض الاعتراضات الموجهة إليها؛ ليثبت المطلوب بكل سلاسة وانقياد.
دعونا - بدايةً - نوضح المقصود من كلمة (الله) في السُّؤال، المقصود هو: الخالق، وواجب الوجود، ومبدئ الأكوان، والسبب الأوَّل، وعِلَّة العِلل ... إلخ. فعندما يسألك أحدهم: من صنع السيارة؟ وما نوعها؟ ستطلب منه - قبل أن تُجيب - أن يُحدّد أي سيارة يقصد بالضبط! وهكذا عندما يسأل الملحدُ: مَن خَلَقَ الله؟ ستطلب منه أن يُحدّد المقصود بـ (الله)! فقد يقصد الملحد
625 (1/625)
صفحة 626
مناجزة الإلحاد
شيئًا مختلفًا حسب تصوره الشخصي، بل إنَّ سؤاله يدلُّ دلالةً قاطعةً على أنَّ تصوره لمفهوم الله مختلف إطلاقًا عن تصور المؤمنين، تماما كذاك الشخص الذي صادف أرنبًا لأوّل مرَّةٍ فقال له:
أهلا يا أرنب، أهذا أنت؟ فقال الأرنب: دعنا نتصوّر أنَّه ليس أنا، ونرى ما يحدث! إذن؛ فإنَّ أوَّل مغالطة منطقيَّةٍ في بنية سؤال (مَن خَلَقَ الله) هي مغالطةُ السُّؤال عن شيءٍ بما لا يتناسب مع طبيعته ولا يتشاكل مع أطرافه، وهو ما يُسمَّى بمغالطة (الفئة)! فأنت عندما تَسأل: "مَن خَلَقَ الله. تمامًا كمثل من يَسأل: "مَن خَلَقَ الخالق". أو مَن يَسأل: "مَن خَلَقَ السَّببَ الأَوَّل“. أو: "مَن خلَقَ الذي لا خالق له. أو: "مَن
خلَقَ الشَّيء غير المخلوق“. أو: ”مَن عِلَّةُ الشَّيء الذي لا عِلَّةَ له. أو: ”مَن قَبْلَ الذي لا أحدَ قَبْلَه“. أو: "ما هي بداية الشَّيء الذي لا بداية له"!
إنَّ مثل هذا السُّؤال المغلوط ينطبق على الأسئلة المغلوطة الأخرى من قبيل: (ما طعمُ اللون الأحمر؟))، أو (ما عددُ أولاد الشخص الذي لا أولاد له أهو: أربعة أم خمسة؟)، فاللون - كما في السؤال الأول - لا يُقاس بالطَّعم بالنسبة إلى الإنسان، وإنَّما بالبصر وآلياته، وإن أيَّ إجابة عن الطَّعم كما يفترضها السُّؤال المغلوط لا شكّ بأنّها ستكون إجابة خاطئة، فالإجابة الصَّحيحةُ تكمن في تصحيح السُّؤال أو في رده مباشرةً. والاختيار من بين الأربعة أو الخمسة - كما في السُّؤال الثاني - اختيار خاطى؛ لأنَّ بنية السُّؤال مغلوطة، فمن لا أولاد له لا يُمكن أن يكون له ولد واحد فضلا عن وجود أربعة أو خمسة، فالإجابة الصحيحة ستكون بتصحيح السُّؤال أو برده مباشرةً.
ومن ناحية أخرى؛ يُعتبر سؤال (مَن خَلَقَ الله متمرّعًا في أوحال التناقض الصريح، متمعكا بطينة الاضطراب، فبمجرد أدنى تغيير لألفاظه وإرجاعها إلى لوازم معانيها ينكشف التناقض والتلاعب بكل جلاء!! لنضع مثلا كلمة (الخالق) في محل كلمة (الله)؛ لتصبح صيغة السؤال هكذا: (مَن خَلَقَ الخالق؟). هنا يظهر التناقض في أجلى صوره، فالشَّيء الذي يقع بين النَّفي والإثبات - النقيضين - لا يُمكن أن يحمل الصفتين معا في آن واحد؛ لأنَّ اجتماع النقيضين
1 - يصرح ريتشارد دوكينز بأنَّ كلَّ الأسئلة ليست مناسبة لكل الموضوعات: (ما لون الغيرة؟ قد يكون مناسبًا لشاعر ولكن ليس لعالم. إن بعض الأسئلة - كما يقول دوكينز - ببساطة لا تستحق أجوبة ما هو لون التجريدية؟ ما هي رائحة الأمل؟ فكون الجملة صحيحة إعرابيًا لا يجعلها ذات معنى يُنظر: ريتشارد دوكينز، وهم الإله، ص 59).
626 (1/626)
صفحة 627
المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية
محال، فالشَّيء إما أن يكون مخلوقا وإما أن يكون خالقًا، فلو كان مخلوقا استحال أن يكون خالقًا، ولو كان خالقًا استحال أن يكون مخلوقا.
ويُمكن تشبيه هذا التناقض الحاصل في سؤال (مَن خَلَقَ الله) بالتناقض الحاصل في الأسئلة المتناقضة الأخرى من قبيل: (كم يبلغ طول الضلع الرابع للمثلث؟)، أو (من الذي قتل الشَّخصَ غير المقتول؟)، أو (من خلق الشَّيء غير المخلوق؟)، أو (من هي زوجة غير المتزوج؟). فالمثلث لا يكون مثلثا إن كان له أربعة أضلاع والشخص الذي تم قتله لا يُمكن أن يكون غير مقتول في الوقت نفسه، والشَّيء غير المخلوق لا يُمكن أن يكون مخلوقا، والشَّخصُ غير المتزوج لا يُمكن أن تكون له زوجة، ومثل هذه الأسئلة ينكشف سراعًا وجهها المغلوط الزائف بمجرد انحسار جزء صغير من لثامها، وقد صَدَقَ من قال: "حينما يتمكنون من جعلك تسأل أسئلةً خاطئة، فلن تقلقهم كيفية إجابتك“!
كذلك يُعتبر سؤالُ (مَن خَلَقَ الله) في سياق إنكار وجودِ الله مغالطة منطقيَّةً تُعرف بمغالطة عدم الترابط (Non sequitur) فالحجَّةُ المفترضة في السُّؤال لا ترابط بينها وبين النتيجة المرجوة منها وهي إنكار وجود) الله؛ لأنَّ معرفتنا لعِلَّة وجود الله لا علاقة لها بإنكار وجوده، بل العكس هو الصحيح، فمعرفتنا تلك لها علاقة مباشرة بإثبات وجود الله، لكنَّها علاقة تسلب عنه صفةَ (واجب الوجود)، ومن ثم يترتب على ذلك - ضرورةً - البحثُ عن واجب الوجود الحقيقي!! أيضًا يُعتبر سؤالُ مَن خَلَقَ الله) في سياق إنكار وجود الله مغالطة منطقيةً تُعرف بمغالطة القناص (The Sharpshooter)؛ حيث يقوم الملحد بالاحتجاج بالمعطيات التي تدعم موقفه ويتجاهل المعطيات التي تهدم موقفه وتتصادم معه، فتراه يقوم بتفعيل جانب محدَّدٍ من قانون السببية - حسب ظنه - وتطبيقه على الله في الوقت الذي يقوم فيه بتعطيل قانوني: امتناع التّسلسل، وعدم اجتماع النقيضين أو تراه يقوم بتفعيل التَّصورِ دون التَّعقُلِ في الوقت الذي يجب فيه تفعيل التَّعقُل على حساب التَّصور!
المرمى المنطقي للسؤال
يفترض الملاحدة - بدون أساس منطقي - أنَّ سؤال (مَن خَلَقَ اللَّه) يُمثل دليلًا مُفحِمًا بيد الإلحاد على عدم وجود الله؛ بحيث إنَّ المؤمنين إذا ما عجزوا عن الإجابة عنه فإنَّ الأمر
627 (1/627)
صفحة 628
مناجزة الإلحاد
سيؤول تلقائيا إلى نفي وجود وترجيح كفة الإلحاد على كفّة الإيمان! فهل لهذا الافتراض المزعوم. حظ من الصحة والصواب؟!
لا وألف لا! فإنَّ المرمى المنطقي للسُّؤال - على افتراض صحة مظهره ومخبره - لا علاقة له البتة بوجود الله من عدمه، فهو يتجه مباشرةً إلى موضوع (صفات الله) حسَبَ التَّصوُّر الذي يطرحه السؤال نفسه، وهذه الحقيقة قد لا تدور في خَلَد الملاحدة أنفسهم! ولكي تتضح الصورة أكثر: إِنَّ سؤال (مَن خَلَقَ الله فيه إقرار بوجود الله من الأساس، ولهذا هو يطلب الإجابة عمَّن وما من شكّ أنَّ السُّؤال عمَّن خلق الشَّيء يختلف عن السؤال عن وجود الشَّيء نفسه، فالأول فيه إقرار بوجود الشَّيء الذي لا نعرف من خلقه؛ ولذا نسأل عنه، والثاني فيه إقرار بعدم معرفتنا بوجود الشَّيء من من عدمه.
خلق
الله
إِنَّ سؤال (مَن خَلَقَ الله) يتضمَّن الإقرار بوجود الله لكن وفق تصور مغلوط لصفاته، وهذا يغير اتجاه دفة السُّؤال من موضوع (وجود الله) إلى موضوع (صفات الله).
الخلاصة: إنَّ المكان المناسب للسُّؤال هو أن يُوضع في خانة الاعتراض على صفات الله لا الاعتراض على وجوده، ومن العجيب أن يتَّخذ الملاحدة من هذا السؤال مبررًا كافيًا لإنكار وجود الله مع أنَّه يتضمن الإقرار بوجوده كشيء معلوم وعدم معرفة من خلقه كشيء مجهول، بحيث يقومون بنفي الشَّيء المعلوم وإثبات الشَّيء المجهول!!
المنبع المشبوه للسؤال
لربما تساءل بعضنا عن الأُسس المعرفية التي يقوم عليها سؤال (مَن خَلَقَ الله)، أو بعبارة أُخرى: عن المنابع التي استقى منها هذا السؤال ما يُقيم عوده ويرسي دعائم وجوده، والإجابةُ عن هذا التساؤل تكمن في الإحالة إلى منبع مشبوه يتمثل في (سوء الفهم)! ويتجلى ذلك في
عِدة محاور:
(1) - من سوء فهم الملاحدة أنَّهم قد ظنُّوا بأنَّ قانون السَّببيَّة تتم هيكلته وقولبته على النحو الآتي: (لكل موجودٍ مُوجِدٌ)، فإذا كان الله موجودًا فإنَّ ذلك يستدعي أيضًا وجود سبب وعِلَّةٍ له! والحالُ ليست كما يظنُّون، فقانون السببية ينصُّ على أنَّ لكل حادث سببًا، وأنَّ لكل ممكن
628 (1/628)
صفحة 629
المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية
سيئا، وما ظنَّه الملاحدة لا يعدو كونه ضربًا من المغالطات المنطقية المعتادة - والتي تجري على ألسنتهم كجريان الماء الباثق المكثار في جداوله - والذي يُعرف بمغالطة رجل القش (Straw Man Argument)، فقانون السببية بالصيغة التي يتبناها الملاحدة مُحرَّفٌ ومَصحف،
وكان من شأن هذا أن اقتادهم إلى مرابع الخطأ. وسوء الفهم لحجة الطرف الآخر. إِنَّ قانون السببية يُصاغ على النحو المنطقي التّالي: (لكل حادث مُحدِثُ)، أو (لكل ممكن علة)، أو (لكل مُسبَّبٍ مُسبّب)، أو (لكل موجود فقير مُوجِد غني)، ومن ثمَّ فَإِنَّ الله ليس بحادث ليكون له مُحدِثُ، وليس بممكن ليكون له علة، وليس بمُسبب ليكون له مسبّب، وليس بموجود فقير ليكون له مُوجِدٌ غني؛ لأنَّه لو كان شيء من ذلك صحيحًا لما كان خالقًا، ولما كان إلها من الأساس ولئن كان شيء من ذلك صحيحًا لوجدنا بأنَّ الملاحدة أنفسهم - في موقف جدالي آخر غير هذا - هم أوَّل النَّاس في نفي وجود مثل هذا الإله؛ إذ كيف يكون إلها وهو مخلوق أو مُحدَثُ أو مصنوع؟! (1)
(2) - من سوء فهم الملاحدة أنَّهم ماثلوا بين المتفارقين فجعلوا ما ينطبق على المخلوق ينطبق على الخالق، فإذا كان المخلوقُ مفتقِرًا إلى عِلَّةٍ تُوجده، فإنَّ الخالق هو الآخر مفتقر إلى عِلَّةٍ تُوجده!! إنَّهم يقعون هنا في مغالطة التركيب (Fallacy of composition) فإذا كان الله موجودًا فإنَّ ما ينطبق على الموجودات الأخرى ينطبق عليه، فافتقار الموجودات إلى عِلَّةٍ يلزم منه افتقارُ الله إلى عِلَّة بحكم الاشتراك في الوجود حسب زعمهم!
(3) - من سوء فهم الملاحدة أنَّهم أخذوا بـ (قياس التَّمثيل بين وجود الخالق ووجود المخلوق، وعملوا بما يقتضيه هذا القياس الفاسد، فأورثهم ذلك إرباكا وتعشفًا شديدين، جعلهم يبادرون بهذا السؤال الغالط والمتناقض! ويُذكرنا هذا بما سطره المفكر الإسلامي مصطفى محمود - بعد عودته إلى طريق الإيمان - قائلًا: "لقد غابت عني أصول المنطق، ولم أدرك أني أتناقض مع نفسي، إذ كيف أعترف بالخالق ثمَّ: أقول: ومَن خلق الخالق. فأجعل منه مخلوقا في الوقت
1 - يُواجه المعترض القائل بـ (ضرورة وجود علة لكل موجود) بالسُّؤال الآتي: ما الدليل على أنَّ لكل موجود علة؟! فإن لم يكن لديه دليل سقط، اعتراضه، أمَّا إن استدلَّ بالدليل المعتاد، وهو الخبرة البشرية القاضية بأنَّ كلَّ ما حولنا يقوم على العلل والأسباب، قيل له: إنَّ استدلالك قائم على الموجود المادي؛ بمعنى أنَّ كل موجود مادي له علة، وليس كل موجود كما تدعي مقدمتك!! وهذا يؤكد أنَّ مناط الاحتياج إلى العلة ليس الوجود بل شيء آخر، وهو الإمكان الماهوي أو الإمكان الفقري.
629 (1/629)
صفحة 630
مناجزة الإلحاد
الذي أسميه خالقا، وهي السفسطة بعينها (1) نعم؛ لو كان سبب الكون مخلوقا لتوَاصَل تسلسل العِلل، ولصح السُّؤال عن ذلك إلى أن ينقطع التسلسل عند الوصول إلى الخالق. أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (النحل: 17).
(4) - من سوء فهم الملاحدة أنَّهم يتحدثون عن الله - وفق سؤالهم عمَّن خلقه - دون أن يفهموا أبسط الصفات الواجبة له فالله يجب أن يكون واجب الوجود، يجب أن يكون كاملا غير
محتاج، فإذا ما تعين سؤال (مَن خَلَقَ الله) سيصبحُ المقصود بـ (الله) شيئًا آخر غير الله! (5) - من سوء فهم الملاحدة أنَّهم لا يُفرقون بين التَّعقُل والتَّصور، فالتَّعقُل يضطرنا إلى الاعتقاد بوجود واجب الوجود الذي لا أوَّلَ له وإن كنا لا نستطيع أن نتصور وجود موجود لا سبب له؛ لأنَّ التَّصوَّر يخضع فقط لما ينطبع في الذهن من الصُّوَر، والله ليس مادَّةً حتَّى يتم تصوره! وعلى هذا؛ فإنَّ نفي التَّصور لا يلزم منه نفي التَّعقُل، فنحن عندما نسمع صوتًا من خلف الجدار، نتعقل وجود سبب يقف وراءه وإن لم نتصوّره، وعدم قدرتنا على تصور السَّبب
(2)
الحقيقي للصوت لا يعني إلغاء ما أثبتَهُ تعقلنا، فالأوّل جهل وظنُّ والثَّاني علم ويقين. (6) - من سوء فهم الملاحدة أنهم يسألون عن سبب وجود الله، مع أنَّ السَّبب نفسه لا يمكن إلا أن يكون مخلوقا، والمخلوق لا يتقدم على الخالق!
(7) - من سوء فهم الملاحدة أنَّهم يُجيزون التسلسل في العِلَل المؤثرة إلى ما لا نهاية، مع أنَّ ذلك من لازمه عدم وجود المعلولات بأسرها!
(8) - من سوء فهم الملاحدة أنَّهم يعتقدون بوجود زمان يسبق وجود الله، ومن ثم فإنَّ الله قبل ثمَّ أي زمان حدَثَ فيه سبب وجود الله؛ ولذا فهم عندما يطرحون سؤالهم (مَن خَلَقَ الله) يعتقدون بأنَّ هناك زمانًا يسبق وجود الله، ولا يعلمون بأنَّ الزَّمان مخلوق من الأساس!
1 - مصطفى محمود، رحلتي من الشك إلى الإيمان، ص 8.
2 - من المفارقات أنَّ برتراند راسل يعترف بأنَّ وجوب وجود بداية للأشياء عائد إلى نقصنا وعجزنا، يقول راسل: "والفكرة القائلة بأنَّ على الأشياء أن يكون لها بداية تعود بالحقيقة إلى فقر خيالنا. (برتراند راسل لماذا لست مسيحيًّا، ص 19). وهذا يُذكرنا بالحقيقة الواقعية التي تدلُّ على أنَّ بعض فلاسفة الغرب لم تكن عندهم معايير التفريق بين التصور والتَّعقُل معلومة، مع أنَّ هذه المعايير بمثابة الأبجديات الفلسفية عند فلاسفة الإسلام!! ولا غرابة من أن تجد فيلسوفا غربيًا كبيرًا لا يفرق بين الحمل الذاتي والحمل الشائع الصناعي، أو لا يفرق بين المعقولات الفلسفية الأولى والثانية ونحو ذلك مما أُشبع بحثًا في الفلسفة الإسلامية، ومن ينقضي عجب المتعجب من وجود الكثير من الأخطاء والإشكالات الشنيعة في الفلسفة الغربية.
هنا
630 (1/630)
صفحة 631
المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية
(9) - من سوء فهم الملاحدة أنَّهم يُطالبون بوجود خالق للخالق، ولا ينظرون إلى حقيقة أنَّ احتياجَ الشَّيء إلى عِلَّةٍ تكمن في افتقاره (فاقد الشَّيء لا يعطيه)، فإذا لم يكن مفتقرًا إلى الشَّيء لم يكن محتاجًا إليه!! إِنَّ السُّكَرَ لا يحتاج إلى سُكَّرٍ ليكون حُلوا، والملح لا يحتاج إلى ملح ليكون مالحًا؛ لأنَّ ذات هذه الأشياء مكتفية بنفسها من هذه الحيثية. وأنت عندما ترى رجلًا يجلس على كرسي ثابت في إحدى الطرقات، ثم ترحل بعيدًا لتعود إلى المكان ذاته بعد مرور عدة ساعاتٍ فلا تجد الرَّجُل ولا الكرسي في مكانيهما، فمن العقل والمنطق - ساعتها - أن تسأل عمَّن أخذ الكرسي؛ لأنَّه لا يتحرك دون فاعل، لكنَّك لن تسأل عمَّن أخذ الرَّجُل؛ لأنَّه مكتفٍ بذاته في هذه الحالة ولا يحتاج إلى فاعل من المنطقي أن تسأل - مثلا - عمَّن طَرَقَ الطَّرقة، أو عمَّن طَبَخَ الطَّبخة، لكن من غير المنطقي أن تسأل عمَّن طَرَقَ الطَّارِق أو طَبَخَ الطَّابخ!! بل حتَّى في فلسفة العلم الطبيعي نجد بأنَّ التَّفسير لا يحتاج إلى تفسير؛ لأن احتياجه إلى تفسير سيقودنا إلى تسلسل غير منقطع، وهذا يؤدي إلى فشل كل التفسيرات المطروحة في نهاية المطاف وعدم الوقوف على أرضية نبني عليها معارفنا.
(10) - من سوء فهم الملاحدة أنَّهم ظنُّوا بأنَّ العِليَّة اعتباريَّةٌ وليست حقيقية، فإذا كان الخالق عِلَّةً للمخلوق فمن الممكن أن يكون المخلوق عِلَّةً للخالق، ومن ثم نقول: ”مَن خَلَقَ الخالق“!! وهذا غير صحيح بالمطلق؛ لأنَّ ذلك يلزم منه تغيير حقيقة الشَّيء وواقعيته، فمثلا: لا يُمكن أن يأتي العدد (3) إلا بعد العدد (2)، ولو وضعناه بعد العدد (1) لتغيرت حقيقته وواقعيته! وهكذا بالنسبة إلى العِليَّة بين الخالق والمخلوق.
(11) - من سوء فهم الملاحدة أنَّهم لم يُفرِّقُوا بين الصفة الذاتية والصفة العَرَضيَّة، فالصفة الذاتية للشَّيء لا تنفتُ عنه، وذلك كصفة السيولة للماء السَّائل، وأما الصفة العَرَضيَّة فهي الصفة التي تنفك عن الشَّيء، وذلك كصفة الضَّخامة في الجسم؛ لأنها تعتمد على المقارنة وليست لازمة له. وقد تبين لنا من خلال بُرهان الوجوب والإمكان أنَّ صفة (الوجود) واجبةً لله تعالى، فهي صفةٌ ذاتيَّةٌ وليست عَرَضيَّة، ولأنَّها كذلك فهي لا تحتاج إلى مَن يُوجِدُها، فوجودُها هو عَينُ وجودها. يقول الفيلسوف أبو يوسف الكندي: "العارض إذن في المعروض فيه مستفاد غيره، فهو مستفاد من مفيد، فهو أثر في المعروض فيه والأثر من مؤثر؛ لأنَّ الأثر والمؤثر من
من
631 (1/631)
صفحة 632
مناجزة الإلحاد
المضاف الذي لا يسبق بعضه بعضًا. وأيضًا كل شيءٍ كان في شيء آخر عرضًا فهو في شيءٍ آخر ذاتي، لأنَّ كلَّ شيءٍ كان في شيء بعرض فهو في شيء آخر بالذات. وإذ قد بينا أنَّ الوحدة في هذه جميعًا بعرض فهي لا جزء لا بالذات بل بعرض، فالوحدة فيما هي فيه بعرض مستفادة الوحدة له مما هي فيه بالذات. فإذن؛ هاهنا واحد حق اضطرارًا لا معلول الوحدة». (1) العجز عن الإدراك إدراك
هَبْ أَنَّك عجزت عن معرفة سبب الذي لا سبب له، فهل عجزك المعرفي هذا دليل على عدم وجود ذاك الذي لا تعرف سبب وجوده؟ قد تُراهن هنا على أنَّ سؤال (مَن خَلَقَ الله) جاء في معرض الإنكار لا الإقرار ولا بأس بقبول رهانك والتَّغاضي عن المغالطات والتناقضات الصارخة فى سؤالك؛ لأنَّنا هنا سنُحلل السُّؤال من زاوية مغايرة.
إنَّ العجز عن إدراك الله والإحاطة به هو إدراك، فلئن سلَّمنا - جدلًا - بأنَّنا لا نستطيع الإجابة عن سؤال من هذا القبيل، فإنَّ ذلك يُعد دليلا على عدم قدرتنا على إدراك الله تعالى والإحاطة به، وعدم قدرتنا على إدراكه هو في حقيقته شهادة على الكمال الإلهي المطلق، وفي الوقت نفسه هو شهادة على عجزنا وقصورنا، فليس إلها حقًّا ذاك الذي يُحيط البشر به علمًا وخُبرًا؛ إذ كيف يُحيط النَّاقصُ بالكامل، والمحدود بغير المحدود!!
ثمَّ منذ متى كان عدمُ العِلم علمًا بالعدم؟! لنتصوَّرَ أنَّنا وجدنا في إحدى النفانِف أو الصَّحاري المقفرة سيارةً مركونةً وقد التحفها الغبار وكادت أن تطمرها الرمال، لا نعرف عنها شيئًا، لا نعرف كيف جاءت، ومن أين جاءت، ولماذا جاءت، فهل عدم علمنا بهذه الأمور ينفي علمنا بوجود السيارة نفسها؟! هل عدم علمنا بسبب وجودها ينفي علمنا بوجودها؟! وهل حيرتنا وارتيابنا في الإجابات المُحتمَلة عن هذه الأسئلة يُلغي يقيننا بوجود السيارة؟!
1 - أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي، رسائل الكندي الفلسفية ص (70). تقول القاعدة العقلية العامة: "ما بالعَرَض لا بُدَّ أن يعود إلى ما بالذات، وما بالذات لا يعود إلى شيء".
632 (1/632)
صفحة 633
المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية
حجة جدلية تهدم السؤال
الحُجَّة الجدلية هي أنْ يُلزِم المحاورُ محاوره بلوازم قوله ويُحاججه فيها فيحجه، بغض النظر عن صحة برهانه كما يُقرر ذلك نطاسيو المناطقة وحُذَاقهم. ولكن؛ ما علاقة الحُجَّة الجدلية بسؤال الملاحدة (مَن خَلَقَ الله)؟!
هناك علاقة وطيدة بينهما سنجليها أمام ناظري القارئ الكريم، فالملاحدة يقولون: إنَّ الكون لا سبب له، أو أنه جاء بالصدفة، أو أنه نشأ من لا شيء، أو أنَّه أزلي لا بداية له، أو أننا لا نعلم له سببا ... إلخ. فهم قد أقنعوا أنفسهم بأنَّ الكونَ أزلي لا بداية له، أو لا سبب له بوجه من الوجوه، بينما لم يقنعوا أنفسهم بأنَّ الله أزلي لا سبب له!
هم لا يجدون غضاضةً أو حرجًا من الاعتقاد بأنَّ الكون - الممكن والحادث والمفتقر - جاء هكذا بلا سبب، مع أنه لا يمكن أنْ يُوجد الشَّيء الممكنُ الحادثُ المفتقر بلا سبب - كما سبق بيانه - لكنهم يجدون حربًا شديدًا وعنتًا بالغا في الاعتقاد بأنَّ الله - الواجب الوجود والكامل والغني - لا سبب له، أنَّه لا يُمكن أن يكون لواجب الوجود سبب؛ لأنَّ حقيقته مستغنيةٌ مع عن الأسباب!
يُطلعنا المفكر الإسلامي محمد الغزالي في كتابه (قذائف الحق) على هذه الحُجَّة الجدلية قائلًا: "دار بيني وبين أحد الملاحدة جدال طويل ملكتُ فيه نفسي وأطلتُ صبري حتى ألقف آخر ما في جعبته من إفك، وأدمغ بالحُجَّة الساطعة ما يوردون من شُبهات ... قال: إذا كان الله قد خلق العالم، فمن خلق الله؟ قلتُ له: كأَنَّك بهذا السؤال - أو بهذا الاعتراض - تؤكد أنَّه لا بُدَّ لكل شيء من خالق!! قال: لا تُلقني في متاهات أجب عن سؤالي. قلتُ له: لا لفّ ولا، دوران إنَّك ترى أنَّ العالم ليس له خالق؛ أي إنَّ وجوده من ذاته دون حاجة إلى مُوجد، فلماذا تقبل القول بأنَّ هذا العالم موجود من ذاته أزلا وتستغرب من أهل الدين أن يقولوا: إِنَّ الذي خلق العالم ليس لوجوده أول؟! إنَّها قضيَّةٌ واحدة، فلماذا تُصدق نفسَك حين تُقررُها وتُكذِّب غيرك حين يُقررُها؟! وإذا كنت ترى أنَّ إلها ليس له خالق خرافة، فعالَم ليس له خالق خرافة كذلك وفق المنطق الذى تسير عليه!! قال: إنَّنا نعيش في هذا العالم ونحس بوجوده فلا نستطيع أن تنكره!! قلتُ له: ومن
الله
633 (1/633)
صفحة 634
مناجزة الإلحاد
طالبك بإنكار وجود العالم؟! إنَّنا عندما نركب عربةً أو باخرةً أو طائرةً تنطلق بنا في طريق رهيب، فتساؤلنا ليس في وجود العربة، وإنَّما هو: هل تسير وحدها أم أنَّ هناك من يُسيرها؟! ومن ثم فإنَّني أعود إلى سؤالك الأول لأقول لك: إنَّه مردود عليك، فأنا وأنت معترفان بوجود قائم لا مجال لإنكاره، تزعم أنَّه لا أوَّلَ له بالنسبة إلى المادَّة، وأرى أنَّه لا أوَّلَ له بالنسبة إلى خالقها، فإذا أردت أن تسخر من وجودٍ لا أوَّلَ له، فاسخر من نفسك قبل أن تسخر من المؤمنين"!!)
واجب الوجود هو:
الملحد: الكون
المؤمن: الله
إذن؛ كمقاربة جدلية؛ أي القولين أحقُّ بالقبول؟! هل من ينفي العِلَّةَ عن الكون أم من ينفي العِلَّة عن الله؟! ومن جهةٍ أخرى فإنَّ مَن لا عِلَّة له سيصبح إلها خالقا شاء الملاحدة ذلك أم أبوا، وعليه؛ فهل الكونُ هو الإله الحقُّ - كما يلزم من منهج الملاحدة - أم أنَّ الله هو الإله الحق؟! إشكالات تتوالد من رحم السؤال
طبعا في كل جدال وسجال يخوضه الملاحدة مع المؤمنين حول سؤال (مَن خَلَقَ الله) يطرحون مجموعةً من الإشكالات المكرورة والمجرورة من قبيل:
- لماذا لا يحتاجُ الله إلى سبب؟!
- لماذا لا يكون الكون أو المادَّةُ هي السَّببُ الأَوَّل؟!
- لماذا لا يكون السَّببُ الأَوَّلُ شيئًا غير الله؟!
وقد سبقت الإجابة عن هذه الإشكالات في مبحث المستوى العقلي، فليرجع إليها هنالك.
1 - محمد الغزالي، قذائف الحق، ص (197 - 198).
634 (1/634)
صفحة 635
المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية
مشكلة الشر
من كبريات الاعتراضات الإلحاديَّة على وجود الله ما يُعرف في الثيولوجيا (Theology) أو علم الإلهيات بمشكلة الشر (Problem Of Evil)، وهذه المشكلة ليست وليدة العصر الحديث، فقد تطرق إليها قدماء الفلاسفة؛ إذ إنَّ هناك من تبناها كالفيلسوف الإغريقي الشهير إبيقور - نسب ذلك إليه ديفيد هيوم ومن جاء بعده - وهناك من نقدها ونقضها كالفيلسوفين الشهيرين أفلاطون وتلميذه أرسطوطاليس). وقد تصدَّى الفلاسفة والعلماء والمفكرون اللاحقون لهذه المشكلة نقدًا وتحليلا وتفكيكا حتّى جاوز عدد الكتب التي أفردوها لهذا الغرض وحده (4000) كتاب في غضون (30) سنة فقط!!
(1)
وفي الجانب الإسلامي بالتحديد يظهر أنَّ العلماء منذ القدم لم يألوا جهدًا ولم يدخروا وسعًا في سبيل وضع أجود اللبنات التي يقوم عليها بناءً حلحلة مشكلة الشر، فتجدهم يسطرون طروسهم بالحديث عن مشكلة الشَّر في ثلاثة أبواب مختلفة حسب ما يقتضيه المقام؛ إذ تحدثوا عنها في باب (التوحيد) عندما عزموا على تفكيك شبهة التنوية القائلين بوجود إلهين: إله الخير، وإله الشَّر، وتحدَّثوا عنها في باب العناية الإلهية عندما أرادوا تبيين موقفهم تجاه المنكرين للعناية الإلهية بحجة وجود ظواهر الشَّر، كما تحدَّثوا عنها أيضًا في باب (العدل) لما انخرطوا في فضَّ النزاع المحتدم في مسألة الجمع بين العدل الإلهي ووجود مظاهر الشَّر المتمثلة في الظلم.
أما في الفترة الأخيرة فإنَّ الحديث عن مشكلة الشر يأخذ منحى مختلفًا؛ حيث تم اتخاذها - كما هو معلوم - ذريعةً لإنكار الوجود الإلهي من أساسه؛ مما يعني ضرورة فتح باب رابع تُناقش فيه مشكلة الشَّر بإسهاب واستفاضة، وهو باب (الوجود الإلهي).
1 - صرّح أرسطو بأنَّ الموجودات تنقسم - حسب الحصر العقلي - إلى خمسة أقسام لا سادس لها، وهي: الخير المحض الذي لا شر فيه، والخير الغالب على الشَّر، والشَّر الغالب على الخير، والشَّر الذي يتساوى مع الخير والشر المحض الذي لا خير فيه.
والأقسام الثلاثة الأخيرة لا وجود لها في العالم بخلاف القسم الأول والثاني.
635 (1/635)
صفحة 636
مناجزة الإلحاد
فما هي مشكلة الشر هذه التي أرصد العلماء لها الأهبة، وركبوا إليها ظهور البحث والاستقصاء وأعدوا لها كلَّ تلك العدة؟ وما الدَّلالات والغايات التي ترمي إليها؟ وقبل ذلك ما هو وجه الإشكال فيها؟ ثم كيف نقض الفلاسفة المؤمنون غزلها أنكاتا؟ كل هذه التساؤلات - وغيرها - ستأتي الإجابة عنها تباعًا بحول الله تعالى.
ما هي مشكلة الشر؟
تتلخص هذه المشكلة في القول بأنَّ وجود الشَّر في هذا العالم يتعارض على طول الخط مع وجود إله رحيم عليم، قدير فلئن كان هذا الإلهُ الرَّحيمُ موجودًا حقًّا فلا يُمكن أن يُوجَد الشَّر، ولما كان الشَّرُ موجودًا بالفعل فلا وجودَ إذن لهذا الإله من الأساس! وقد صيغت هذه المشكلة في قوالب منطقيَّةٍ تُضارع صُوَرَ الأقيسة البرهانية وتُحاول أن تتمثل خُطاها، ونُسبت صياغتها المنطقية - لا يُمكن تأكيد صحة هذه النسبة - إلى الفيلسوف الإغريقي الشهير إبيقور على
النحو الآتي:
(1) - الشَّرُّ موجود في العالم.
(2) - إذا كان الإلهُ القديرُ الرَّحِيمُ العليم موجودًا فلا مكان للشر.
(3) - لكن الشّر موجود إذن؛ الإلهُ القديرُ الرَّحيم العليم غير موجود.
إنَّ الإله العليم يجب أنْ يَعلم بكل منافذ الشَّر، فإن لم يعلم بها فهو جاهل، والجاهل لا يكون إلها!! ثمَّ إِنَّ الإله الرّحيم يجب ألا يسمح بوجود الشَّر، فإن سمح بوجوده فهو شرير، والشرير لا يكون إلها!! كما أنَّ الإله القدير يجب أن يمنع وجود مظاهر الشر، فإن لم يمنعها فهو عاجر،
والعاجز لا يكون إلها!! هذا باختصار أقصى ما ترسمه أصابع مشكلة الشر على أروقة المنطق. لا شك أن ديفيد هيوم هو أشهر فيلسوف في العصر الحديث أوقد في الأذهان فكرة الاحتجاج بمشكلة الشر كحجةٍ يمكن استغلال بريقها اللافت في تدعيم موقف المشككين بصحة براهين وجود الله. يقول هيوم في محاوراته: "هل يريد - أي الإله - أن يحول دون الشَّر
636 (1/636)
صفحة 637
المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية
ولا يستطيع؟ إذن؛ فهو غير قادر هل هو قادر على الحيلولة دون الشَّر لكنَّه لا يريد؟ إذن؛ فهو يريد الشر. هل هو قادر ويريد أيضًا؟ إذن؛ من أين يأتي الشر؟». (1)
ثم نرى من بعد هيوم تتابع خطوات الملاحدة والشَّكَّاكين في السير على طريقته والاستنان بسنته؛ إذ أعاد الفيلسوفُ جاي أل ماكي Mackie . . صياغة مشكلة الشر من جديد بقوله: "إذا كان إله صالح وقدير موجودًا، فما كان يسمحُ بالشَّر العديم الجدوى؛ ولكن لأنَّ في العالم بالفعل كثيرًا من الشر العديم الجدوى والذي لا يبرر، لايعقل أن يكون الإله التقليدي الصالح والقدير موجودًا، قد يكون موجودًا إله آخر، أو لا إله، ولكن ليس الله التقليدي).
لكن ألا يجدر بنا قبل أن نتقصى أثر الإشكال والإعضال الذي تتلطَّخ به شمعة الشر أن نتحقق من كيفية معرفتنا للشَّر؟! لا بُدَّ أن نتحقق فعلا من أمرٍ بهذا المستوى الرفيع من الأهمية. إِنَّ كيفية معرفتنا لمفهوم الشَّر - كتصور يسبق التصديق - أمر بدهي يستند إلى دعامة الإحساس والوجدان البشريين، فشعور الإنسان بالألم - المادي والمعنوي - الذي يعتريه، أو تقمصه للألم الذي يعتري الآخرين - أيا كانوا - هو الذي يقدح في نفسه شرارة تصوره للشر. ومعرفتنا لهذه الحقيقة سيكون لها أثر بارز في تقرير أنَّ الشَّر أمر نسبي خاضع للإحساس البشري، وليس أمرًا يخضع لحقيقة واقعية مجرَّدةٍ عن (الأنسنة) التي يُحاول أن يُضفيها الإنسان - بطبيعته النرجسية - على كل شيء من حوله كالحيوانات والجمادات بل والإله أيضًا. القيمة الدلالية لمشكلة الشر
مطلقا
من الواضح بأن إدراج مشكلة الشر في مبحث يحمل عنوان (كبريات الاعتراضات الإلحاديَّة) له دلالة مباشرة على أنَّها - أي مشكلة الشَّر - تقع بالنسبة إلى الإلحاد موقع البرهان الذي لا يُشاكسه برهان آخر في حجيته على نفي وجود الله، وهذا ما لا تُخطئه عين المطلع
رسم
1 - محمد فتح علي خاني، فلسفة الدين عند ديفيد هيوم، (343). علما بأنَّ هيوم لا يؤمن بعدم إمكان الجمع بين وجود الشّر ووجود الإله اللامتناهي، يقول محمد فتح علي خاني المعقب على فلسفة هيوم: "يتضح هنا أنَّ) صورة منسجمة من الجمع صفات الله اللامتناهية وشرور العالم ليس بالأمر المستحيل من وجهة نظر هيوم، وإلا لما ادعى أنَّ الأسراريين ينجحون في تبيين امتزاج الخير والشر في العالم بينما يخفق الدين الطبيعي في هذه العملية. (يُنظر: محمد فتح علي خاني، فلسفة الدين عند ديفيد هيوم، ص 344).
بين
2 - مشكلة الشر والألم في الحياة: (https://www.difa 3 iat.com/18919.html) .
637 (1/637)
صفحة 638
مناجزة الإلحاد
المبتدئ فضلا عن أنْ تُخطئه عين الباحث النَّدْس؛ إذ ما انفك الملاحدة من ترداد الاحتجاج بمشكلة الشَّر وتكراره حتَّى أصمخوا به الآذان، بل ولم يستثنوا السجالات والحوارات التي تُخصص لمناقشة بعض قضايا الإيمان التي لا علاقة لها بوجود الله مباشرة!
فلا عجب - والحال كما علمت - أن ترى أعيان الملاحدة وقُرعَانهم يقدمون مشكلة الشَّر كأبرز المبررات المنطقية لإلحادهم، أو كأبرز البراهين المنطقيَّة ضد الإيمان بوجود الله بوجه عام، بل إنَّ بعض الملاحدة ما وجدوا شيئًا يُبررون به إلحادهم إلا الاحتكام إلى سُلطة مشكلة الشر،
بحيث إنهم كانوا في طريقهم إلى الإيمان بالله لولا تعثرهم بأذيالها، لودفيغ بوخنز واغترارهم بزخرف قولها الخادع. يعترف الفيلسوف أنتوني فلو بذلك قائلا:
(2) 1
"يمثل إحساسي بمعضلة الشّر والألم أحد العوامل المبكرة وراء اندفاعي تجاه الإلحاد). وقبله اعترف أيضا برتراند راسل مُلوّحًا بقوله: "هنا في هذا العالم نجد قدرًا كبيرًا من الظلم ... فإِنَّ هذا يقدم حجَّةً أخلاقيَّةً ضد الألوهية وليس لصالحها). من هنا كان لمشكلة الشر الصدى الأكبر والتأثير الأظهر في المناجزات الإيمانية الإلحاديَّة، إنَّها (صخرة الإلحاد) على حد تعبير الفيلسوف لودفيغ بوخنز (Ludwig Buchner) (3) !! إِنَّ هذه القيمة الدلالية لمشكلة الشر - وبهذه السطوة حسب التصور الإلحادي لها - كانت بمثابة المُحفّز المعرفي الأبرز في تدافع الناس إلى تبني الإلحاد واعتناقه - خصوصًا في الغرب - وهذا ما قاد بعض المفكرين إلى القول بأنَّ دلالات مشكلة الشر هي الأشد وطئًا والأعمق أثرًا من بين كل الدلالات الإلحادية الأخرى في
سياق نفي وجود الله. (4)
1 - عمرو شريف، رحلة عقل، ص 48
2 - برتراند راسل، لماذا لست مسيحيا، ص 25.
3 - طبيب وفيلسوف ألماني (1824 - 1899 م) واحد من مؤسسي الفلسفة الطبيعية الوجودية الإلحادية، اعتبره اللاهوتيون الألمان الأب الروحي للإنجيلية الإلحاديَّة. من أشهر أعماله: (القوة والمادَّة)، و (الداروينية والاشتراكية).
4 - في مفارقةٍ تُؤكد بأنَّ مشكلة الشَّر سلاح ذو حدين فإنَّ بعض من ألحدوا بإيعاز منها قد رجعوا إلى الإيمان بإيعاز منها أيضًا، فالأديبان الشهيران تولستوي وسي إس لويس ألحدا بدافع من مشكلة الشر، لكنَّهما عادا إلى الإيمان بالدافع نفسه!!
638 (1/638)
صفحة 639
روافد الإشكال بمشكلة الشر
المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية
هل هناك إشكال حقيقي في موضوع الشَّر يستحق أنْ يُوصف بـ (المشكلة) أو بـ (المعضلة)؟! دعونا نفترض الإجابة بـ (نعم). وساعتها سنورد بعض روافد الإشكال وموارده، أو لنقل بعبارة أوضح: لماذا كانت قضيَّةُ الشَّر مشكلةً ومعضلة؟!
سنحاول تقريب العدسة أكثر من مواطن الإشكال لنُعطي القارئ الكريم إجابةً واضحةً تجعله يُدرك على الحقيقة الأسباب التي كَسَتْ جسد الشَّر بكساء الإشكال والإعضال. وتتلخص هذه الأسباب - والتي أسميناها بروافد الإشكال - في الآتي:
أنه
(1) - تُصور بعضُ الكُتُب المقدَّسة القديمة - ككُتُب الهندوسية والجينية - الشَّرَ على مجرد وهم باطل لا حقيقة لوجوده، ومن هنا تساءل النَّاسُ: كيف يكون الشّر وهما لا حقيقة له وهو واقع مشاهد في هذا العالم؟!
(2) - تُصور التَّوراة المحرَّفة الإله في كثيرٍ من نصوصها على أنَّه إله دموي ومدمّر وشرير، فلم يستطع النَّاس أن يهضموا هذه العقيدة المنحرفة؛ إذ كيف يكون الإله شريرا في الوقت الذي يدعو فيه إلى الخير؟!
وسع
(3) - يُصور الإنجيل المحرَّف الإله في كثيرٍ من نصوصه على أنَّه إله محبةٍ فقط، فلم يكن في أذهان النَّاس أنْ يُوفقُوا بين الإله المملوء بعواطف الحب الجياشة ووجود الشرور والمآسي والكوارث في العالم، كذلك لم يكن بمقدورهم استيعاب معنى وجود هذه الشرور في الوقت الذي يعتقدون فيه أنَّ حادثة صلب المسيح كانت خلاصا لهم!
(4) - عدم القدرة المنطقية - عند من انطلت عليه مشكلة الشر - على الجمع بين وجود المتّصف بالكمال ووجود الشرور والمآسي والمصائب.
الله
(5) - الجهل بالحِكم العامة من وجود الشَّر دفَعَ إلى وضع علامات تعجب واستفهام واختلاق
هالات ضخمة من الإشكالات على وجوده، فالإنسان بطبيعته إن جهل شيئًا عاداه!
(6) - الإجابات القاصرة والمختزلة والخاطئة عن سبب وجود الشر، والتي لا تسمن ولا تغني من جوع، هي رافد آخر من روافد الإشكال.
639 (1/639)
صفحة 640
مناجزة الإلحاد
(7) - قياسُ الشَّر بمقاييس البشر - السيكولوجية - مع أنَّ الشَّر بمقاييس الموجودات الأخرى قد يكون خيرًا، وهذا نوع من الأثرة و (الأنانيَّة) يُشكل رافدًا من روافد الإشكال بقضيَّة الشّر، فمثلا: يحكم الإنسان بالشَّر على الفيروسات المؤذية التي تهاجم جسمه، ويتجاهل حقيقة أنَّ تلك الفيروسات تبحث عن قوت يومها من خلال جسم الإنسان، وأنَّ ضمان بقائها وتكاثرها - غريزة حب البقاء - مرهون بهذا التَّطفل السَّافر كذلك: يحكم الإنسان بالشَّر على سموم الأفاعي والعقارب والعناكب إن مسه طائف منها، مع أنَّ هذه الشموم تعتبر بالنسبة إلى هذه الكائنات وسيلة من وسائل الدفاع وحماية النفس وليست وسيلة من وسائل الشر وتصفية الحسابات مع بني البشر، بل إنَّ الإنسان استطاع أن يجعل من هذه الشموم ترياقًا يشفي به أمراضه وبلسما يخفف عنه آلامه!! (1)
(8) - الاعتقاد بأنَّ الشَّر أمرُ وجودي مطلق وليس أمرًا عدميًّا نسبيًّا، فقدرتك - مثلًا - على المشي والانحناء وحمل البندقية وتصويبها نحو هدف ما ... إلخ كلُّ هذا يُعد من مظاهر الخير - التي تفتقدها أغلب الموجودات بل ويفتقدها بعض البشر - لكن تصويبها نحو الأبرياء هو الشّر! ومعنى هذا أنَّ الشَّر ملازم للخير لا ينفك عنه ولا يُوجَد إلا بوجوده في عالمنا، فمهما صلت وجلت وقطعت مسافات الأفلاك فلن تجد شرًا من الشرور إلا وهو مقرون بخير؛ لذلك نقول: الخير هو أكسجين الشر. ولئن كانت رئتاك تطردان عنك ثاني أكسيد الكربون فإنَّ وجوده سيظل ضروريًا في الوقت ذاته لاستمرار بقائك!!
(9) - الحصر المخادع لصفات الكمال الإلهي في ثالوث (الرَّحمة والعلم والقُدرة)، واستبعاد صفات الكمال الإلهي الأخرى كـ (الحكمة والإرادة والمشيئة). وهذا النوع من الحصر يمكن تصنيفه في خانة ما يُسمى بمغالطة (الحصر المخادع).
وهم،
نرى بأنَّ هذه الأمور تُمثلُ أهم روافد الإشكال بقضيَّة الشَّر، فنفي وجود الشَّر واعتباره مجرد أو فرض صورة الإله الشرير على النَّاس، أو صورة الإله المحب والعاطفي، أو التعاطي
1 - كذلك: لو رأى الإنسانُ إعصارًا يضرب منطقةً معينةً سيُطلق وصف الشَّر عليه، مع أنَّ الإعصار نفسه قد يؤثر إيجابًا على المنطقة المقابلة لها، وهذا ثابت علميًّا، ويمكن تشبيه ذلك بمن يُشاهد عمليات هدم البيوت فيحكم عليها بالشر، وهي في حقيقتها عملية بناء للبيوت على قواعد جديدة! كما أنَّ الإنسان قد يحكم - بمنظوره الخاص - بالشّر على عمليات الافتراس التي تقوم بها سباع البراري، مع أنَّ السباع في الحقيقة لا ترى ما تقوم به شرا، بل ضرورة ملحة! أرأيت من ينظر إلى حاجبه في المرآة فيقول: "أيها الحاجب الأعوج لو كنت مستقيما لكنتُ أعوج!! “.
640 (1/640)
صفحة 641
المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية
مع الإجابات القاصرة والمختزلة، ونحوها - ممَّا مرَّ أعلاه - هي التي عمقت هُوَّةَ الإشكال والتنافر بين وجود الشَّر ووجود الله وأجهضت أي محاولة لتجسيرها، فاتَّسع الخرق على الراقع، وأصبحت القضيَّة تُوصف بـ (المشكلة) و (المعضلة)، وكأنه قد حيل حقا بينها وبين مفاتيح الحلول، وأوصدت كل الأبواب في وجهها حتَّى أرخى عليها القنوط سدوله!
الوجهة المنطقية لمشكلة الشر
بدايةً يجب تحديد الموقع الافتراضي لمشكلة الشر على خارطة قضيَّة الوجود الإلهي - التي هي محل النزاع - بكل دقة، وتحديد ذلك ليس بالأمر الشَّمُوس أو المعسور، فالتضاريس المنطقية هنا ليست بتلك الوعورة التي قد تبدو للأذهان من بعيد!!
إنَّ العلاقة بين وجود الشّر ووجود الله ليست علاقةً تقابليَّةً تناقضيَّة، فوجود الشَّر لا يتعارض مع حقيقة وجود الله، ولئن كان ثمة تعارض ما فإنَّ البوصلة المنطقية ستتجه مباشرةً إلى موضوع (صفات الله) دون موضوع (وجود الله)؛ ذلك لأنَّ محلَّ النزاع يدور حول رحمة الله وعلمه وقدرته، فالإله الذي يحمل هذه الصفات - خصيصى - لا يمكن له أنْ يُوجد الشَّر، أو أن يراه ولا يمنعه، أو أن يجهل وجوده.
نعم؛ إنَّ الوجهة المنطقية لمشكلة الشَّر - إن وُجدت - هي في التعارض الذي يطفو على الشطح بين بعض صفات الله ووجود الشَّر، وليس هناك صدام بين وجود الله ووجود الشر، فإذا كان الملك أو الحاكم شريرًا فلا يعني ذلك عدم وجوده، بل إثبات وجوده بوصفه شريرا، وإذا كان الإله ظالمًا - تعالى جده وجلَّ ذكره - فلا يعني ذلك عدم وجوده، بل يعني إثبات وجوده لكن بوصفه ظالمًا، وهذا يُبطل إقحام مشكلة الشَّر في قضيَّة الوجود الإلهي. ويبدو أنَّ لسان حال الملحد يقول هنا: إما أن يكون الله غير موجود، وإما أن يُظهر نفسه ويمنَعَ الشَّر على طريقتي، وليس له خيار آخر!
لقد مال بعض الفلاسفة الغربيين إلى تبنّي الاعتقاد بوجود الإله غير الكامل؛ إدراكًا منهم بأنَّ مشكلة الشر لا تتعلق الله بوجود وإنَّما بصفات كماله، بل إنَّ بعض الملاحدة - كريتشارد دوكنز - أقروا بعدم التلازم بين وجود الشَّر ووجود الله، لذلك تراهم يقترحون - كحل للإشكال الظاهر - أنْ يُقال بوجود إله غير كامل، أو بوجود إله شرير كإله التّوراة، أو بوجود إله متسام كإله
641 (1/641)
صفحة 642
مناجزة الإلحاد
الربوبيين، بل ويُمرر دوكنز دون اعتراض منه المقولة التى تنصُّ على أن مشكلة الشَّر حُجَّةٌ
ضد وجود إله طيب فقط.
الله
التي
إذن؛ أوَّلُ لطمةٍ يتلقاها المحتجون بمشكلة الشر على إنكار وجود
الله
هي عدم التلازم
ووجود
الله وعليه؛ فلا
الله
عن طريق الاحتجاج
وجه لنفي وجود
الشَّر المنطقي بين وجود بمشكلة الشَّر، وإنَّما الوجه المعتبر - سيأتي نقده - هو في وجود الشر ومعايرته بحقيقة رحمة وعلمه وقدرته. بل يبدو أنَّ هذا الوجه المعتبر نفسه قد أصبح في نظر الكثير من الفلاسفة والمفكرين جزءًا من الماضي؛ لأنَّ التناقض المفترض بين صفات الإله ووجود الشر يمكن الإفلات من قبضته والانفكاك من تبعاته بمجرد تقديم حزمة من الحكم أو المبررات المنطقية تأذن بحضور الشر في هذا العالم؛ ولذلك نجد في آخر الصياغات الإلحادية المطورة لمشكلة الشر تقييد الشَّر الذي يتناقض مع الصفات الإلهية بالشَّر العديم الجدوى فقط وليس مطلق الشَّر. يقول الفيلسوف الملحد جاي أل ماكي: "إذا كان إله صالح وقدير موجودًا، فما كان يسمح بالشّر العديم الجدوى؛ ولكن لأنَّ في العالم بالفعل كثيرًا من الشّر العديم الجدوى والذي لايُبرّر لايعقل أن يكونَ الإله التَّقليديُّ الصَّالح والقدير موجودًا، قد يكون موجودًا إله آخر، أو لا إله، ولكن ليس الله التقليدي. فحسب هذه الصياغة المطورة يظهر أنَّ هناك اعترافا صريحًا بأنَّ مطلق الشَّر لا يمثل أي مشكلة، ما يمثل مشكلة بالفعل هو خصوص الشر المتمثل فيما يُسمى بـ (الشَّر المجاني)، أو (الشَّر العديم الجدوى) وفق تعبير جاي أل ماكي؛ أي الشَّر الذي لا يمكن إيجاد حِكَم أو مبرراتٍ منطقيَّةٍ من وراء وجوده. يقول الفيلسوف الملحد جويان باجيني: "نحن نعلم أنَّ الشَّر بمعناه المحدَّد - موجود في العالم. إذا كان الإله موجودًا فكيف نستطيع عندئذٍ تعليل هذا الشر؟ (12). إذن؛ هذا هو ما يجب أن نُسلّط الذهن عليه ونوليه الاهتمام الأكبر؛ إذ لو تبيَّن أنَّ هذا الشَّر المجاني الذي لا يُمكن تعليل وجوده ليس له وجود أساسًا فإنَّ من شأن ذلك أن يُنهي المسألة برمتها، ويقطع عنها مدد الإشكال والإعضال الذي تتوشح به!!
(1)
1 - مشكلة الشر والألم في الحياة: (https://www.difa 3 iat.com/18919.html) .
2 - جوليان باجيني، الفلسفة موضوعات مفتاحية، ص 198.
642 (1/642)
صفحة 643
المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية
إنَّ الوجهة المنطقية لمشكلة الشَّر في الحقيقة ليست أفعال الله، بل مفعولاته، فأفعال الله
غير
رحيم
تتصف بالحكمة والتَّدبير، ولا يلزم من وجود الشر في المفعولات أن يكون الذي يبتر رجل المريض حفاظًا على سلامة أعضائه الأخرى من التلف عمل بالشر
فالطبيب
القليل - بتر الرجل - تحقيقًا للخير الكثير - إنقاذ حياة المريض - نعم؛ قد يقول قائل: إِنَّ الطَّبيب مضطر، وقدرته مقيدة ومحدودة بخلاف الإله الكامل! والجواب يكمن في وجوه الأسباب والحِكم الكثيرة للسَّماح بوجود الشَّر العَرَضي في المفعولات، وهذه الحكم لا تتحقق إلا بوجود الشر، فهي من لوازمه المنطقية التي لا تنفك عنه.
الشر
المفعولات
عندما يتحدث الإلحاد عن الشر!!
قبل أن يعترض الملحد على وجود الله بإقحام رأس مشكلة الشر في حلبة الجدل المطوقة بحبال المنطق العقلي يجب عليه أوَّلًا أنْ يُعرف مفهوم الشر، ويرسم لنا بريشته الاستعراضية تصورًا منطقيًّا محكمًا عنه - فالتّصور يسبق التصديق كما هو معلوم - ثم يضع ين أيدينا معيارًا موضوعيًّا نميز به بين ما هو شر وما هو خير، ثمَّ يُوضح لنا لماذا يكون الشَّرُّ مرفوضا ويكون الخيرُ مطلوبًا، وما هي مرجعية قراره هذا، وهل هي مرجعية مطلقة أو نسبية، وقبل ذلك - وهنا أعظم سفافيد الجدل السَّابقة حرارةً واستعارًا - عليه أنْ يُبيَّن كيف يُمكن أن يكون ثمة شر وخير في كنف النَّظرة الطبيعية المادية - غير المتسامية - وفي ظل عدم وجود الله؟! إِنَّ أَوَّلَ مأزق يقع الملحد في حبائله عند احتجاجه بمشكلة الشر هو تناقضه مع مبادئ إلحاده! فالإلحاد لا يؤمن بما وراء المادة والطبيعة، إنَّه يرى كلَّ شيءٍ يسير وفق آليات الطبيعة وقوانين المادة لا يتخطاها ولا يحيد عنها قيد أنملة، فالسَّبع عندما يلتهم فريسته يعمل وفق مقتضيات الطبيعة، ومن ثم لا يُمكن وصف فعله بأنَّه شر أو غيرُ أخلاقي، إنَّها قوانين الطبيعة الحتمية ولا شيء غير الطبيعة!
643 (1/643)
صفحة 644
مناجزة الإلحاد
لقد اعترف ريتشارد دوكنز في كتابه (River Out of Eden) بأنَّ الطبيعة لا تعرف الخير ولا الشر، وأنَّها لا تبحث عن هدف للحياة، كلُّ ما هنالك اختلافات عديمة الرحمة، وأنَّنا مجرد
(1)
آلات لنشر الحمض النووي). نعم؛ نحن مجرَّد آلات لنشر الحمض النووي بلغة ريتشارد دوكينز! ومجرد وسخ كيميائي بلغة ستيفن هوكنج إنَّ هذا لوحده كفيل بهدم الاحتجاج بمعضلة الشَّر؛ إذ لا وجود إلا للحتمية الطَّبيعية البيولوجية، ونحن نخضع لها ونسير في مساربها مرغمين، مخضودي الشوكة مبذولي المقادة فالانتخاب الطبيعي والصراع من أجل البقاء ونحوها من قوانين الطبيعة لا توصف بالخير ولا بالشّر، ولا يُمكننا تجاوز ما تفرضه علينا الطبيعةُ الأم إلا بافتراض أمور ميتافيزيقية كالخير والشر، والإلحاد حرب هوجاء على الميتافيزيقا كما لا يخفى! ينص برهان هالدان (Haldane) على أنَّ المنظور المادي لو كان صحيحًا حقًّا فإنَّنا لن نستطيع التحقق من صحته؛ لأنَّ التَّحقق منه سيلزم منه الدور المنطقي (الاستدلال الدائري)؛ إذ لا وجود إلا لسُلطة المادَّة والطَّبيعة والاستدلال على صحتها لن يكون إلا عن طريقها، فكيف يتسنّى للملحد أن يحكم بوجود الشَّر في ظل النظرة المادية أُحادية القُطب؟!! إِنَّ الإنسان حيوان بيولوجي سيكولوجي تحكمه قوانين البيولوجيا والسيكولوجيا، ولا يمكن أن توصف هذه القوانين الطبيعية التي تتحكّم بخيوط حركته بأنّها شر أو خير؛ لأنَّها قوانين قاهرة يعيش الإنسانُ وفق منظومتها ولن يتجاوزها إلا بتجاوز عالمها المادي، ولا شك أن قشرة دماغه المتطورة ليست إلا من عالمه المادي كذلك!
إنَّ احتجاج الملحد بمشكلة الشر يدلُّ على حقيقة وجود القيمة الغائية لوجود الإنسان، فتراه متسائلًا و باحثًا ومنقبًا طوال عمره عن حِكَم - أو مغازي - وجود الشر في هذا العالم، بيد أنَّ الإقرار بوجود معايير موضوعية للخير والشَّر وفق النظرة الإلحاديَّة المُعتنقة للمعايير النسبية للأخلاق يبدو أمرًا ظاهر التناقض والازدواجية، إذ كيف يكون الشَّرُّ مطلقًا إن كانت المعايير نسبية؟! وكيف يكون موضوعيًّا إنْ كان متغيرًا متلونا يسلخ جلده في كل عام مرَّةً أو مرتين، وكيف يكون ملزما إن كانت القيمة الإلزامية مفقودةً؟! حقًّا لقد أصاب المحز وأنضج القول وخمَّره مَنْ وَصَفَ المادية بأنَّها: "تكتب لنفسها شيعًا كبيرًا على مبلغ لم تستلمه بعد!
1 - Richard Dawkins, River Out of Eden, p. 131
644 (1/644)
صفحة 645
سي
المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية
الألف
لقد استشعر هذا المعنى ثلة من الكتاب والأدباء والمفكرين، جاء على رأسهم الكاتب الإيرلندي الشهير أس لويس، فقد سبق له الوقوع في حبائل مشكلة الشر، وسجل بقلمه اعترافًا تاريخيا يكشف لنا ما كان يموج في نفسه ويمور في صدره قائلًا: "وقد كانت حجتي ضد الله أنَّ العالم بدا في منتهى القساوة والظلم، ولكن كيف حصلت على مفهوم الظلم والعدل هذا؟ إنَّ المرء لا يصف خطا بأنَّه غير مستقيم إلا إذا كانت لديه فكرة ما عن ماهية الخط المستقيم. فبماذا كنتُ أقارن هذا العالم لمَّا دعوته غير عادل؟ وإذا كان العرض كله سيئًا وتافها من إلى الياء - إذا جاز التعبير - فلماذا ألفيتُ أنا نفسي في ردة فعل عنيفة هكذا تجاهه، مع أنَّ من المفترض أن أكون جزءًا من العرض؟ إِنَّ الإنسان يشعر بالبلل عندما يسقط في الماء، لأنه ليس حيوانًا مائيَّا؛ أما السمكة فما كانت لتشعر بالبلل. وكان من شأني طبعًا أن أتخلى عن مفهومي للعدل بمجمله بقولي إنَّه ليس شيئًا سوى فكرةٍ خاصة من بنات أفكاري. ولكن لو فعلت ذلك لانهارت أيضًا حجتي ضد الله؛ لأن ركن تلك الحجة كان القول بأنَّ العالم غير عادل فعلا وليس فقط أنَّه لم يصدف أن يُرضي ميولي. وهكذا؛ ففي محاولتي إثبات عدم وجود الله تبين لي في ذلك الفعل ذاته حقيقة وجوده؛ لأنَّ الإنسان بإنكاره وجود العدل - في فعل ما - يُرغم على التسليم بوجود مفهوم العدالة. وبناءً على ذلك يتبين أنَّ الإلحاد ساذج جدا. ولو كان الكون كله عديم المعنى لما كان قد تبين لنا إطلاقًا أنَّه عديم المعنى، فالوضع شبيه تماما بهذا: لو لم يكن في العالم نور، ولم تكن في العالم مخلوقات لها أعين لما كنا نعرف قطعًا أنَّ الظُّلمة مسيطرة، الظلمة كلمة عديمة المعنى“
ولكانت
منهج
(1) ce
عندما يتذرع الملحد بمشكلة الشَّر؛ باعتبارها دليلا على إنكار وجود الله فإنَّ هذا يقوده ضمنا إلى الاعتراف بوجود الله باعتبار مشكلة الخير في الاتجاه المعاكس!! فالشَّرُّ - حسَبَ الملحد في اعتباره إياه شيئًا وجوديا ذاتيا - هو نقيضُ الخير، والاستدلال بنقيض الشَّيء استدلال بنقيضه على نقيض ما استُشهد عليه، وهذا ما لا يتغيَّاه الملحد!! فإذا كانت المعادلة الإلحادية هنا= الشر ينفي وجود الله. فإنَّ نقيض هذه القضيَّة الخير يثبت وجود ا الله. فإن لم تصدق القضيَّةُ الثَّانية عند الملحد وجب أن لا تصدق القضيَّة الأولى؛ باعتبارها مناقضةً لها، وبالتالي تستلزم نتيجةً مختلفةً عنها بالضرورة المنطقية!!
1 - سي أس لويس، المسيحية المجردة، ص (51 - 52).
645 (1/645)
صفحة 646
مناجزة الإلحاد
وكمثال توضيحي: النُّور نقيض الظلام كما هو معلوم، فإذا كان الثور يثبت وجود مصدرٍ ما للضوء فإنَّ الظَّلام ينفي وجود ذلكم المصدر، وإن زعم زاعم بأنَّ النُّور والظَّلام معًا يُثبتان وجود مصدر للضَّوء أو ينفيان وجوده - هكذا بضربةٍ واحدةٍ وبدون تفريق - لكان زعمه هذا من بعيد المزاعم ومن عجيب الصنائع (1)
وكلفتةٍ فإنَّ ممَّا ينبغي أن تتوجه إليه حدقة الفكر هنا لتسبر غوره وتغوص في عمقه وتستخرج مخبأته هو المنطق الإلحادي في الاحتجاج بمشكلة الشَّر؛ لأنَّه يؤدي - لزاما - إلى الاعتراف بافتقار العالم وعَوَزه وقصوره البالغ وحاجته إلى من يقف على تسيير شؤونه، ومن ثم افتقاره وحاجته إلى الإله الذي أوجده لا من شيء، وامتغطه من غمد العدم، متفضلًا عليه بسابغة الوجود، فالعاجز في حال وجوده أولى بالعجز في حال عدمه!!
مغالطة منطقية تُطل برأسها
عزم رجلٌ على تفكيك "مُحرك سيارته؛ بحثًا عن العشرين حصانًا التي هي قوة المحرك!! لقد برع بنو الإنسان في خلق تصورات مجرَّدةٍ ومفاهيم ذهنيَّةٍ تُساعدهم على حصر الأشياء والأحداث، وتصنيفها واختزالها اختزالًا يُتيح لهم من الاقتصاد الذهني ما يُمكنُهم من الإحاطة بأشياء العالم وتناولها، غير أنَّ المأساة تكمن في أنَّ هذه العملية قد تجري - أيضًا - في الاتجاه العكسي؛ أي معاملة التصور المجرد كما لو كان شيئًا حقيقيا، حين يحدث ذلك نكون بإزاء
مغالطة منطقيَّةٍ عتيدةٍ مُبيَّتةٍ في صميم العقل البشري ذاته وفي طريقة أدائه لوظيفته (3). إنَّ الشَّر في حقيقته تصور ذهني نفسي وليس كيانًا مستقلا أو ذاتا لها مصداق خارجي متشخّص، وهذا يقتضي استحالة أن يكون الشَّرُّ شيئًا، ومن هنا يتضح مبلغ المغالطة المنطقية في معاملة الشَّر وهو المفهوم الذهني النفسي المجرَّد على أساس أنه واقع مادي متحيز، وهو ما يُعرف بمغالطة التشييء (Reification) وبمعنى آخر: إنَّ الشَّرَّ المحضَ - الشَّرِ الذَّاتي - لا وجود له ولا يُمكن تصوره؛ لأنَّ الشَّر الذي يمكن تصور وجوده هو الشَّر العرضي فقط، وهو مجرد وصفٍ طارئ على الخير الذاتي.
- 1
- تنبيه: هذا البيان وارد على المنهج الإلحادي الذي يتعامل مع الشَّر باعتباره أمرًا وجوديًّا، أما المنهج الآخر الذي يتعامل مع الشَّر باعتباره أمرًا عدميًّا فإنَّه يجعل نوع التقابل المتحقق بين الخير والشَّر هو تقابل الملكة لا تقابل التناقض والتّضاد. 2 - عادل مصطفى، المغالطات المنطقية، ص (173 - 174).
?? (1/646)
صفحة 647
المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية
إنَّ الصفات التي نطلقها تكون على قسمين: "منها ما يكون له واقعية كموصوفه، مثل كون الإنسان موجودًا، أو أنَّ كلَّ متر يساوي مئة سنتيمتر. فاتصاف الإنسان بالوجود، والمتر بالعدد المذكور، أمران واقعيَّان ثابتان للموجود، توجه الذهنُ إليه أم لا ... ومنه ما لا يكون له واقعيَّةٌ إلا أنَّ الإنسان ينتقل إلى ذلك الوصف، أو بعبارة صحيحة: ينتزعه الذهن بالمقايسة، كالكبر والصغر، فإنَّ الكبر ليس شيئًا ذا واقعيَّة للموصوف، وإنَّما بالقياس إلى ما هو أصغر منه ... إذا عرفت انقسام الأوصاف إلى القسمين فعليك تحليل مفهوم الشَّر على ضوء هذا البيان فنقول: إنَّ كون العقرب موجودًا وذا سُمّ من الأمور الحقيقية، وأما كونه شرا فليس جزءًا من وجوده وإِنَّما يتّصف به سُمَّ العقرب إذا قيس إلى الإنسان وتضرُّره به أو فقدانه لحياته بسببه، وإلا فإنَّه يُعدُّ كمالا للعقرب ومُوجبًا لبقائه، فإذا كان كذلك سهل عليك حل عقدة الشرور من جوانبها المختلفة ... وإلى هذا تؤول كلماتُ الفلاسفة القُدامى إذ قالوا:
- الشر أمر عدمي، وليس أمرًا موجودًا محتاجًا إلى عِلَّة.
- الشَّر ليس مجعولا بالذات بل مجعولا بالعرض.
- إذا تصفحت
جميع الأشياء الموجودة في هذا العالم المسماة عند الجمهور (شرورًا) لم
تجدها في أنفسها شرورًا، بل هي شرورُ بالعَرَض خيرات بالذات،
لكن ما معنى قولنا بأن الشر عدمي؟!
(1)
قد ينفرط عن بعضنا عقد فهم هذه الحقيقة، فيظنُّ - متسرّعًا - بأنَّ الإقرار بعدميَّة الشَّر= الإقرار بأنَّ الشَّر معدوم لا واقعيَّة له. وهذا الظنُّ غير صحيح؛ لأنَّ هناك فارقًا بين عدميَّة الشَّر ومعدوميَّته، فمعدوميته تعني عدم وجود واقعيَّةٍ له، أما عدميَّته فتعني وجود واقعية له لكنَّها واقعيَّةٌ عرضيَّة عادِمةٌ للمَلَكَة - خصوص العدم لا مطلق العدم - بمعنى: أنَّ الله لم يخلق شيئًا جديدًا يُضاف إلى العالم يُقال له الشَّر، وعدم الخلق عدم، والعدم لا شيء. وكمثال توضيحي نقول: إنَّ الموت أمر عدمي؛ لأنَّه عبارة عن عدم الحياة (نقص في الأنفس بلغة القرآن)؛ أي عبارة عن عدم الحياة بعد وجودها. فالموت ليس خلقًا جديدًا له مصداق متشخص، وإنَّما هو
1 - جعفر السبحاني، الإلهيات، (279/ 1 - 280).
647 (1/647)
صفحة 648
مناجزة الإلحاد
عدم لأمر وجودي وهو إفاضة الحياة)، وبهذا فهو ليس شيئًا ذاتيا. وعليه؛ فما ليس بشيءٍ ذاتي لا يُنسب إلى مَصدَر، بل يُنسب إلى العدم؛ لأنَّ عدم الإفاضة = عدم فعل الإفاضة. وعدم الفعل ليس بفعل إلا مجازا؛ لذا لا يحتاج إلى فاعل.
مشكلة الشر والتَّدرع بالمنطق
أُلبست مشكلةُ الشَّر لَبُوسَ المنطق، حيث فُرض وجود التناقض المنطقي بين وجود الشَّر الله، ووجود الله، ووجود الله ينفي وجود الشَّر، ولمَّا كان الشَّرُ مُتحققا فوجود الشر ينفي وجود وموجودًا بالفعل فإنَّ الله غير موجود فالشَّر متيقن منه ووجود) الله مظنون. هكذا جاءت مقاربة مشكلة الشر من حيثية منطقية إلحاديَّة.
إنَّ افتراض التناقض بين وجود الشَّر ووجود الله غير يقيني ولا ضروري، والمقدمات البرهانية جب أن تكون يقينيَّةً وضرورية، فمن الممكن أن يكون الشَّرُّ خيرًا لنا، ومن الممكن أن يكون الشَّرُ خيرًا لغيرنا، بل إنَّ امتحانَ النَّاس وابتلاء هم يستدعي وجود الخير والشر، وإلا لكان الامتحان عبئًا ولغوا، ثمَّ إِنَّ حريَّة الاختيار والإرادة التي من الله بها على البشر تجعلهم يقررون اختيار الخير أو اختيار الشَّر ... إذن؛ القُدرة على استخلاص الحِكَم المنطقية من وجود الشّر تهدم دعوى التناقض، وتنقلها من مرحلة اليقين والضَّرورة إلى مرحلة التخمين والظَّن والادعاء. إذن نحن هنا نسأل: "هل يعجز الإله أن يجعل وراء كل ما يبدو شرا مجانيا حكمةً وتعويضًا؟ إن قال الملحد: إذا افترضنا وجود إله فإنَّ العقل لا يمنع من وجود هذه الحكمة وهذا التَّعويض للمبتلى؛ سقط اعتراضه، وإذا قال: إنَّ هذا الأمر ممتنع عقلا؛ طولب بالدليل العقلي، ولا دليل؛ واستبان عندها أنَّه لا يعرف معنى كمال الألوهية. وهذا إلزام قوي قاطع لدعوى الملحد، بل هو من أقوى الردود وأعظمها؛ إذ هو يقلب (معادلة) الملحد من:
- وجود شر مجاني هو أمر يقيني.
وجود إله هو مجرَّد فرضية بحاجة إلى بحث
1 - وهنا حُقَّ لنا أن نسأل هل الموت شر أو عدم الموت هو الشَّر؟! إجابةً عن هذا السُّؤال لم لا نحسب الشرور التي ستنتج
:
عن عدم موت الأحياء!!
648 (1/648)
صفحة 649
المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية
- وجود الشر المجاني حجَّةٌ على نفي وجود إله؛ لأنَّه لا يمكن أن يوجد إله قدير وعليم ورحيم
ويوجد في خلقه شر مجاني.
- إذن لا وجود لإله!
لتصبح المعادلة المعقولة هي:
- الأدلة ... في التجريد العقلي قاطعة بوجود إله.
- وجود الشر المجاني مجرد فرضية بحاجة إلى بحث.
- يقيننا العقلي أنَّ هناك إلها قديرًا وعليمًا ورحيمًا يقتضي أن نلزم عقولنا بالقول إنَّ هذا الإله قادر على أن يخفي وراء ما يبدو شرًا مجانيًا حِكَمًا وخيرًا.
- إذن لا وجود لشر مجاني".
(1)،
هنا تنقلبُ الحَجَّةُ على الملحد، لأنَّ وجود حريَّة الاختيار بين فعل الشر أو تركه - كاختيارك بين أن تُؤمن أو أنْ تُلحد - يتناقض مع عدم وجود الشَّر، إذ كيف يوفق الملحد بين وجود حرية الاختيار وعدم وجود الشَّر؟! إنَّ حريَّة الاختيار يلزم منها وجود الشر والخير؛ ليختار الإنسان أحدهما، فهذه هي الضَّريبة المنطقيَّة لوجود الشَّر، فمن غير الشَّر سيصبح امتحانُ النَّاس مجرد عبث؛ إذ لا وجود لما يمتحنون به!
فلا تناقض إذن بين قدرة الله وعلمه ورحمته ووجود الشَّر؛ لأنَّ وجود الشَّر - منطقيًا - مرتبط ة بحرية الإرادة والاختيار، وحيث لا وجود للشَّر فلا وجود لحرية الاختيار، ولا يمكن الجمع بين وجود أحدهما دون وجود الآخر؛ لأنَّ ذلك محال منطقيًّا، وإن زعم الملحد إمكان الجمع بين هذَيْن النَّقيضين فإنَّه بذلك سيهدم ما شيَّده بيديه؛ إذ إنَّ اعتراضه بمشكلة الشر نابع من عدم قدرته على الجمع بين وجود الله ووجود الشَّر، فإذا لم يستطع أن يجمع بينهما لتناقضهما - حسَبَ زعمه - فإنَّه لن يستطيع أن يجمع بين وجود حريَّة الاختيار وعدم وجود الشَّر لتناقضهما كذلك، وإن استطاع أن يجمع بين هذين النقيضين المنطقيين فإنَّه من باب أولى سيستطيع أن يجمع بين ما افترض تناقضه في وجود الله ووجود الشَّر.
:
1 - سامي عامري، مشكلة الشر، ص 152
649 (1/649)
صفحة 650
مناجزة الإلحاد
يقول الفيلسوفُ الشَّهير ألفن بلانتنجا (Plantinga)) : " حقيقة أنَّ مخلوقات حرة تزلُّ أحيانًا لا تُحسب ضدَّ وجود قدرة الله الكلية ولا ضد خيريَّته؛ لأنَّه ليس بالإمكان أنْ يُمنع وقوع الشَّر الأخلاقي إلا بمنع إمكان الخير الأخلاقي؛ أي أنَّنا أمام استحالة عقلية محضة، مُلخّصُها أنَّه عقلا الجمع بين وجود إرادة حرَّةٍ تفعل ضمن حريتها - كما هي في المفهوم الدنيوي البشري - وعجر هذه الإرادة عن أن تفعل غير الشَّر، كما أنَّ منع هذا الشَّر هذا الشر يعني إلغاء حريَّة الإنسان، وتحوله إلى كائن موجهِ غير مريد، وهو ما يؤول إلى منع تسمية فعله الميكانيكي الصواب (خيرًا)؛ لأنَّه ليس فعلا اختياريا» (2).
يمتنع
قد يسألنا هنا أحد الملاحدة قائلًا: أليس من الممكن أن يكون عالمنا بلا شرّ مع وجود
حرية الاختيار؟!
والجواب: لا؛ لأنَّ تصور ذلك مستحيل، فحريَّة الاختيار تكون بين شيئين وأكثر، ولا تكون في شيءٍ واحد؛ لأنَّ وجود الخير وحده يُلغي حريَّة الاختيار ويحول المسألة إلى الجبر والحتمية، فالإنسان مجبور على فعل الخير وحده وليس في استطاعته اختيار فعل الشر!! فهل يكون المجبور على خيار الخير فقط حرًا ومختارًا؟! هل يكون المجبور على فعل الصواب فقط
دون الخطأ حرًا ومختارًا؟! هل يُمكن أن نفهم معنى حريَّة الاختيار بل ومعنى الخير نفسه دون الشَّر؟! طبعا لا؛ لأنَّ حريَّةَ الاختيار ووجود الخير ستصبح أمورًا فارغةً لا معنى لها، فأنت ساعَتَئِذٍ ستكون حرا بلا حريَّة!!
وجود
إنَّ عدم وجود الشَّر يلزم منه - لزوما منطقيا - أن يكون وجودنا في هذه الحياة مجرد عبث لا معنى له، فوجود الشر والخير هو الذي يُضفي على الحياة طابع المعنى والحكمة، ولا شك من أنَّ الكمال الإلهي المطلق يقتضي وجود الحكمة والغائية وإن جهلناها، وبهذا يتضح أنَّ إصرار الملحد على تناقض وجود الشَّر مع وجود الله يلزم منه وصف الإله بالعبثية وعدم الحكمة، وكأنَّ الملحد يُشْكِل إشكالا متناقضا منطقيا قائلًا: على الإله أن يكون حكيمًا وعابثًا في الوقت ذاته!!
1 - فيلسوف أمريكي متخصص في اللاهوت الدفاعي، من مواليد عام (1932 م)، وهو أستاذ الفلسفة في جامعة (نوتردام)، من أبرز كتبه: (الله والعقول الأخرى)، و (طبيعة الضَّرورة)، و (الله والحريَّة والشّر). 2 - سامي عامري، مشكلة الشر ووجود ا الله. ص 120
650 (1/650)
صفحة 651
المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية
وإذا علمنا بأنَّ حريَّة الاختيار من اللوازم المنطقيَّة للوجود العرضي للشَّر؛ بحيث لا تُوجَد حريَّة اختيار من غير وجود الشَّر العَرَضى، وجب أن نعلم كذلك بأنَّ وجود الشَّر من اللوازم المنطقية لوجود المادة المتحركة المستعدة للخروج من القوَّة إلى الفعل، فكل عينة منها تسعى نحو الوصول إلى نقطة معينة قد تتعارض مع عيّنةٍ أخرى، فيتطاير شرر الشَّر منها بالعرض. وعليه؛ فلا فكاك - منطقيا - بين وجود هذه المادة وما يترتب عليها من شرورٍ عَرَضيَّة؛ لأنَّ التَّلازم بينهما يضرب بأطنابه؛ بحيث يُصبح التفريق بينهما من قبيل التفريق بين المثلث وأضلاعه الثلاثة، وهو معلوم الاستحالة!
لقد سبقت البرهنة على أنَّ واجب الوجود واجب الوجود من جميع الجهات، فهو خير محض لا شرَّ فيه؛ لأنَّ الشَّر جهةُ نقص وعدم، وبما أنَّ واجب الوجود واجب من جميع الجهات؛ فهذا يقتضي انتفاء جميع صفات النقص عنه، والتي من بينها: صفة الشّر. ولازم هذه الحقيقة هو أن ما سوى واجب الوجود الممكنات والواجبات بالغير) ليست بواجبة الوجود من جميع الجهات، ويلزم من ذلك ضرورة وجود النَّقص فيها، وهذا النقص الملازم لها هو النافذة التي تلج منها الشرور إلى هذا العالم.
مشكلة الشر والتوسل بالمجهول
يُقدّم المؤمنون قائمة طويلةً وعريضةً من الحِكَم التي يُمكن استخلاصها من وجود الشر، والتفكر في هذه الحِكَم يُحيل إلى الاعتقاد بأن وجود الشَّر العرضي أمر ضروري تنعدم بعدمه الكثير من الأهداف والغايات والمقاصد التي قد يصل بعضُها إلى حكم الضرورة والأهمية القصوى في تسيير شؤون حياة البشر، ويُمكن الإلماعُ إلى بعض هذه الحكم: (1) - إِنَّ وجود الشَّر يُعطي معنى وقيمةً لوجود الخير، فبدون الشَّر لا يُمكننا التوصل إلى الخير؛ لأنَّ الأشياء لا تتمايز إلا بأضدادها، وقد أجاد مَنْ قال: "وبضدها تتميز الأشياءُ“. (2) - إِنَّ وجود الشَّر هو المُولّد الحركي للحياة؛ إذ كيف ستغدو الحياة من غير ألم ولا لذة؟! كيف نشعر باللذة إذا لم نشعر بالألم؟! بل كيف سنتعرف عليهما قبل ذلك؟!
651 (1/651)
صفحة 652
مناجزة الإلحاد
(3) - إِنَّ وجود الشَّر يُسهم في صياغة البشر، ويؤهلهم لممارسة شؤون حياتهم بكل جَلد وصبر وعزيمة؛ إذ لولا وجوده لما كان للصَّبر والشجاعة والمغامرة ونحوها من المعاني السامية أي وجود وأي قيمة!
(4) - إنَّ وجود الشَّر ينبوع تتدفّق منه الإبداعات البشرية، فالحاجات أم الاختراعات، وقد يكون الجزء الأكبر من الحاجات ناشئًا عن الشَّر؛ ابتغاء دفعه وصده.
(5) - إنَّ وجود الشر - الألم تحديدًا - يحفظنا من الأخطار المحدقة بنا، فهو وسيلة دفاع
مهمة جدًّا. (1)
(1) - إِنَّ وجود الشَّر فيه دلالة على ضعف الإنسان وعجزه وقصوره، وهذا يكفل له معرفةً قدره فلا يعدوه ولا يأخذه الغرور في ربه وفي الناس من حوله.
(7) - إِنَّ وجود الشَّر يترتب عليه الجزاء بالخير إن واجهَهُ الإنسانُ بالصبر والشكر والاحتساب. (8) - إنَّ وجود الشَّر فيه تذكير للإنسان؛ لئلا يتمادى في غَيه ويقضي جُلَّ وقته في المتع الدنيوية، ويتناسى قيمته وغائية وجوده.
(9) - إِنَّ وجود الشَّر فيه دلالة على أنَّ العدل الإلهي يجب أن يُقام لا محالة في دار الحساب لمن لم يأخذ حقه في الدنيا من جرَّاء شرور الآخرين؛ أي إنَّ في وجود الشر تحقيقا لـ (العدل الإلهي).
دعونا لا نطيل في سرد وجوه هذه الحِكَم التي لا تقف عند حدٍ يُمكن حصرها في نطاقه، ولنقف قليلا عند مشكلة الشَّر واتخاذها مطيَّةً لإنكار وجود الله، فالذي يظهر لنا - جليا - هو وجود. - - الكثير من الحكم المعروفة وغير المعروفة، والتي من خلالها يتوسم حل مشكلة الشر، لكن الملحد يأبى إلا أن يستمر في الاحتجاج بالمجهول والابتعاد عن المعلوم، فتراه محتجا بمشكلة الشر لجهله بالحِكَم المترتبة عليها، وهو بهذا يُمارس بكل صلافة مغالطة (التوسل بالمجهول)!
1 - يقول الدكتور بول براند: "أنا لا أرغب في حياةٍ من غير ألم، ولا يمكنني حتى تصور ذلك". ويقول: "يكمن الخطر للإنسان الذي لا يشعر بالألم في كل شيء. الحنجرة التي لا تشعرُ بالدَّغدغة لا تُستثار لتسعل وتخرج البلغم من الرئة إلى الحنجرة؛ ولذلك فإنَّ من لا يسعل أبدًا مهدد بمرض الالتهاب الرئوي!! (يُنظر: سامي عامري، مشكلة الشر) الله، ووجود ص 198 - 199).
652 (1/652)
صفحة 653
المبحث الحادي عشر: كبريات الاعتراضات الإلحادية
الزفرات الأخيرة لمشكلة الشر
إنَّ مشكلة الشَّر تُفسح المجال لطرح مشكلة الخير، فلئن كان في الشر حجة للملحد على
بيد
نفي وجود الله فإنَّه بذلك يعترف ضمنًا بأنَّ في الخير حجَّةً للمؤمن على إثبات وجود الله أنَّ الخير هو الأصل وهو القاعدة، وما الشَّر إلا شذوذ وحدوث طارئ على الخير العميم، ولكي
لا يخرج الملحد من حواره حول مشكلة الشَّر إلا وقد استفرغ كل ما في ذهنه من اعتراضات وإشكالات؛ تراه يتساءل - كمحاولاتٍ أخيرة - لماذا لم يجعل الله عالمنا مثاليا بلا شر؟! وهل يستطيع الله أن يجعل العالم مثاليًّا؟! وكيف يخلق الإله الكامل عالمًا غير كامل؟! وإذا كان الله يعلم بأنَّ وجود الشَّر من اللوازم المنطقية لخلق العالم؛ فلماذا خلقه إذن؟!
تقتضي
والإجابة عن هذا يُمكن أن يستلهمها القارئ الكريم مما سبق، وكإضافة عليها؛ فإنَّ المثالية أن يكون العالم مخلوقا لتحقيق ما خُلق له من الحِكم، فهل كانت الحكمة من خلقه هي التنعيم المحض؟! ثُمَّ إنَّ العالم المثالي الذي يُطالب به الملحد موجود، أليست الجنَّة عالما مثاليا؟! بل وقبل ذلك أليس العالم العلوي - كما يعتقد المؤمنون - عالمًا مثاليا لا شرَّ فيه؟! أمَّا عن التساؤل الثَّالث فإنَّه لا تلازم بين كمال الله وكمال مخلوقاته والكمال لا يُقاس بمقياس أُحادي، بل يُنظر فيه إلى تحقيق الغايات أيضًا، وإلى الإرادة والمشيئة والتصرف ... إلخ. أمَّا عن التساؤل الأخير فإنَّه لما كان وجود الخير هو الغالب على وجود الشَّر في العالم؛ فهل عدم خَلْقِ العالم - الذي يغلب فيه الخير - بسبب وجود القليل من الشّر الملازم لذلك؛ هل عدم خَلْقِ مثل هذا العالَم هو خيرٌ أم شرٌّ؟ لا شكَّ بأنَّ ترك الخير العميم بسبب حفنة من الشّر العَرَضي هو وقوع في الشَّر أيضًا!! فكيف نحاول الهرب من لوازم الشر لنقع في لوازم شرّ آخر أشد من الأول!!
وأخيرًا؛ ماذا لو سألنا أنفسنا: هل القدرة على الشُّعور والإحساس خير أو شر؟! إِنَّ القدرة على الشُّعور والإحساس كمال ثانوي بالنسبة إلينا، وفقد هذه القدرة نقص وافتقار، وعليه؛ فإنَّ القدرة على الشُّعور والإحساس بالخير والشَّر هي في نفسها كمال وخير، وعدم القدرة على ذلك هي في نفسها نقص وشر؛ باعتبار أنَّ عدم الكمال في أمر من شأنه الاتصاف بالكمال هو شر.
653 (1/653)
صفحة 654
مناجزة الإلحاد
خلاصة المبحث
- أقوى الاعتراضات الإلحادية (من خلق الله - مشكلة الشَّر لا علاقة لها بوجود الله من عدمه. - سؤال (من خلق الله مملوء بالمغالطات المنطقية الصارخة.
- الشَّر ليس مشكلة إلا في ذهن من يحمل تصوراتٍ مغلوطة عنه من جهة، وصفات الله من
جهة أخرى.
654 (1/654)
صفحة 655
المبحث الثاني عشر
وهم البراهين وبراهين الوهم (1/655)
صفحة 656
إنَّ صوت الشَّيطان لطيف على الأذن". (ستيفن كينج)
"بدون الإيمان بالغيب تُغلق على
نفسك كوَّةَ الدَّار.
(جلال الدين الرومي)
أكبر استخفاف بالرّب ليس الغفلة عنه،
بل التفكير فيه بما لا يليق“.
(جان جاك روسو) (1/656)
صفحة 657
كيف يبرهن الإلحاد على دعاويه؟
ما حجم الوهم في براهينه؟
وهل هي براهين أو استشكالات؟ (1/657)
صفحة 658
مناجزة الإلحاد
وهم البراهين
وبراهين الوهم
الإلحاد لا يملك في حقائبه الاحتجاجية أي برهان على نفي وجود الله تعالى؛ ولهذا يجيء وصف الإلحاد على لسان بعض الملاحدة أنفسهم بأنَّه عبارة عن رفض الموقف الديني المطروح وليس موقفًا مستقلا بحد ذاته. بيد أنَّ رفض الموقف المطروح يُعد موقفًا هو الآخر! ومن أجل الثقوب التي تعج بها بالونات الاستدلالات الإلحادية على نفي وجود الله؛ يطرح بعضُ الملاحدة ما يظنُّونه أقيسةً برهانيَّةً تؤكد عدم وجود الله، وحيث إنَّ من شروط الأقيسة البرهانية أن تكون مُقدمَاتُها يقينيَّةً - كما هو مُقرَّرُ في علم المنطق - فإنَّنا سنتعقب تلك المقدّمات البرهانية الإلحاديَّة بالنقد والتَّفنيد، وسنقررُ ما إذا كانت يقينيَّةً بالفعل أم أنها مجرد براهين موهومة، أو - إن جاز التعبير - مجرد توهمات برهانية.
تتمثل المشكلة الأبرز في الاستدلالات الإلحاديَّة في نمط الاعتراضات المطروحة، فالنمط الغالب عليها عمومًا هو الاعتراضُ المقلوب كالاعتراض على اليقينيات بالظَّنيات، وعلى المحكمات بالمتشابهات والاعتراض على الراجحات بالمرجوحات، وعلى أفضل التفسيرات وأقواها بأدناها وأضعفها، وهذا كله يُظهر حجمَ الشَّرخ العميق في صميم الاستدلالات الإلحادية؛ إذ إن هرم إِنَّ التدرجات المعرفية عند الملاحدة مقلوب على رأسه، فلا الأوليات في مكانها الصحيح، ولا المشاهدات ولا التجريبيات في محلها المعهود، ولا المتواترات ولا الحدسيات ولا الفطريات في موضعها الذي ينبغي لها أن تكون فيه، فبكبسة زرّ طائشة ينسف الملاحدة هرم مبادئ الأقيسة البرهانية، فيُغلبون حُكم المظنونات أو حُكم الوهميات على غيرها، فيختلط
لديهم الخاثر بالزباد عند الاعتراض، ويركبون على العمياء، فلا يُعلم قبيلهم من دبيرهم! ولكي لا يكون حديثنا هنا مُلقى على رُسيلاته، ومُرمى على عواهنه، فإنَّنا سنعرض لذكر بعض تلك الأقيسة البرهانية الموهومة، وتخضعها تحت مجهر التحليل العقلي ومشرط النقد المنطقي، آخذين على عاتقنا مبدأ الإيجاز قدر استطاعتنا. والانطلاقة ستكون على النحو الآتي:
658 (1/658)
صفحة 659
المبحث الثاني عشر: وهم البراهين وبراهين الوهم
(1) - كمال الله وكمال الكون
- إذا كان الله كاملا فيجب أن تكون مخلوقاته كاملة.
- الكون غير كامل.
- إذن؛ يستحيل أن يكون الله هو خالق الكون.
تنص المقدمة الأولى على وجوب أن يكون كل شيءٍ خلقه الله تعالى كاملًا، فهل هذه المقدمة يقينية؟ وقبل ذلك هل هي صحيحة؟ والجواب عن السؤالين: لا. فأما من جهة كونها غير يقينيَّةٍ فهذا ظاهر لا يخفى على أحد، فإنَّه لا يُوجد في العقل ما يُوجِبُ التَّلازم بين كمال الخالق وكمال ما يخلقه، ونحن نرى بأنَّ الصَّانعَ - دائما وأبدًا - أفضل من المصنوع وأكمل منه، فالمصنوع مفتقِرُ إلى مَن يصنعه ولا يُمكن أن يكون إلا كذلك.
وأمَّا من جهة كونها غير صحيحةٍ فإنَّ من لوازم كمال الله: الإرادة الكلية والمشيئة المطلقة. فهو يخلق ما يشاء ويختار، وليس من كمال الله أنْ تُقيَّدَ إرادته في مخلوقاته؛ بحيث يعجز عن خلق ما يشاء ويختار، بل إنَّ هذا التَّقييد يلزم منه أنْ يكون المعلول - وهو الكون هنا - سابقًا وهي الإله - ومُؤشّرًا عليها، بدليل أنَّه أوجب عليها الكمال لا غير!! وهذا ظاهرُ البطلان، فالمعلول لا يتقدم على عِلَّته وإلا لزم منه التناقض!
للعلة.
ثمَّ إِنَّ الكمال في المخلوقات يتناسب مع طبيعة المخلوق نفسه، ففيما يخص الكونَ فَإِنَّ هناك جملةً من الفلاسفة والمحققين ممَّن قالوا بأنَّ الكون مخلوق على أفضل كيفية ممكنة - لا بأفراده - وكان من رأيهم في الكون أنَّه لا يُمكن أن يكون أفضل مما كان! واشتهر عن الإمام أبي حامد الغزالي قوله: "ليس في الإمكان أبدع مما كان".
بمجموعه
بل إنَّنا وجدنا عالم الفيزياء الكبير بول ديفيز يصرح قائلا: "فإذا ما تركنا القضايا الأخلاقية جانبًا؛ ما يزال هناك معنى فيزيائي في عالمنا هو الأفضل من بين عوالم ممكنة. إذن؛ تهافتُ المقدمة الأولى للبرهان المتوهم يُربك حساباته، ويُشوّه وجوه آماله، وهذا يكفي في الإعلان عن
نضوب ضحضاح رجائه وتعثر الغاية التي تقف من خلفه، ومن ثُمَّ سقوط نتيجته.
1 - في القرن التاسع عشر الميلادي ساد اعتقاد الاهوتيين النَّصارى بأنَّ الله الكامل لا يُمكن أن يخلق إلا كونا كاملا. 2 - القاعدة العقليَّة الفلسفية تقول: (العِلَّةُ أكمل من المعلول أبدًا).
3 - بول ديفيز، التدبير الإلهي، ص 192.
659 (1/659)
صفحة 660
مناجزة الإلحاد
ولا يخفى كذلك أنَّ معرفة الله من خلال مرآة الكون ليست كمعرفة الله من خلال نفسه؛ ذلك لأنَّ الناظر في مرآة الكون للوصول إلى معرفة الله قد تستوقفه بعضُ صور النقص فيها - حسب عُمق وجهة نظره - ومن ثم تنتقل تلك الصُّوَر الناقصة لتؤثر في حقيقة نظرته إلى الله! أمَّا معرفة الله من خلال نفسه فإنَّ الطَّريق إليها لا تكتنفها أي صور من صور النقص تلك، بل إنَّ من يسلك هذه الطريق لا يجد أمامه شيئًا غير الله.
(2) - كمال الله وخلق الكون
الله خالق الكون.
- خلق الكون لا يكون إلا لحاجة.
- إذن؛ الله محتاج، والمحتاج لا يكون كاملًا.
تنص المقدمةُ الثَّانية على أنَّ الخلق لا يكون إلا لحاجة، والحاجة نقص يتنافى مع الكمال. وهذا صحيح فيما إذا كان خلق الله للكون ناشئًا عن الحاجة بالفعل، فهل ما تفترضه هذه المقدمة يقيني أو صحيح؟! الجواب: لا. فأمَّا كونها غير يقينية فلأنَّ خلق الكون لا يلزم منه منطقيا - الحاجة، فقد يكون إظهارًا وتجلّيًا لصفات الخالقيَّة والفاعلية والحكمة والإرادة ونحوها، ولا يلزم منه الحاجة والافتقار، بل إنَّ هذا هو المتعيّن هنا.
إنَّ خلق الكون صورة من صور جود الله وقيوميته وإحسانه وامتداد فيوضه وعدم انقطاعها، وهذه الصفات بطبيعتها المنطقية لا تنفك عن مظاهِرِها، فلو قال قائل: لماذا يجب أن يُظهر الله هذه الصفات عن طريق خلق الكون؟ قيل له: إنَّ مجرَّد خلق الكون بذاته يُوصلنا منطقيا إلى استشفاف هذه الصفات؛ لأنَّها لا تنفكُ عن خلق الكون؛ أي أنَّه لا يُمكن أن نتصور خلق الله للكون دون أن تظهر إرادته وقيوميته وجوده وإحسانه وامتداد فيوضه مباشرةً مع فعل الخلق نفسه. فكما أنَّه لا يستقيم القولُ بأنَّ الإله لا يمكن أن يكون إلها؛ لأنَّه لو كان كذلك لكان محتاجًا إلى الألوهية، والمحتاج لا يكون كاملا، فإنَّه لا يستقيم القول كذلك بأنَّ ظهور قدرة الله وحكمته وإرادته وإحسانه عبر خلق الكون هو علامة على الحاجة إلى الخلق، والمحتاج لا يكون كاملًا؛ لأنَّ كل هذه الأمور هي تجليات لصفات الله تعالى، بحيث لو انتفت عنه للزم من انتفائها الحاجةُ وعدم الكمال
77. (1/660)
صفحة 661
المبحث الثاني عشر: وهم البراهين وبراهين الوهم
وأما من جهة كونها غير صحيحة - أي المقدمة الثَّانية - فلأنها تتوسد مغالطة (قياس التَّمثيل) فتصرفات الله لا تُقاس بتصرفات البشر، فإذا كان البشر لا يتصرفون إلا بمقتضى الحاجة والرغبة فلا يلزم الله ما يلزمهم، بل إنَّ البشر قد يتصرفون أحيانًا بمقتضى الإحسان والإكرام دون النظر إلى الحاجة أو الفائدة والعائدة، كما في قيم التسامح والإيثار والتضحية! ثم كيف يُعقل أن يكون خالق هذا الكون العظيم محتاجًا؟ وقبل ذلك من أخبر الملحد بأن خلق الله للكون كان لحاجة وليس لحكمة ما؟!
يُطرز المفكر الإسلامي الكبير مرتضى المطهري هذه المسألة بخلاصته الفلسفية العميقة قائلا: "أما الله سبحانه فهو غني على الإطلاق، لا يتعب نفسه في البحث عن غاية، ولا يُوجد كمال يُمكن فرضه عليه إلا وهو فيه موجود، فكيف يُمكن - والحال هذه - أن يبحث عنه؟ إذن؛ كونه حكيمًا لا بُدَّ أن يعني أنَّه يُوصل الأشياء إلى كمالاتها اللائقة بها، والتي يمكن أن تظفر بها، فعمله هو الإيجاد الذي يعني الإيصال إلى كمال الوجود، أو التدبير والتكميل وسوق الموجودات نحو كمالاتها الثانوية الذي هو نوع آخر من إيصال الأشياء إلى كمالاتها. وبعض الشبهات والإشكالات آتية من قياس حكمة الله على حكمة الإنسان، وهو قياس خاطئ. فغالبًا ما يتساءلون: لماذا خلق الله الشَّيء الكذائي؟ فإنَّ المتسائل يحمل في ذهنه هذه الفكرة وهي: أنَّ الله إلى أي شيءٍ كان يهدف من وراء هذا العمل؟ وهو غافل عن أنَّنا لو نسبنا الهدف إلى الله كما ننسبه إلى الإنسان فمعنى هذا أنَّ الله قد أصبح مثل الإنسان يُوجد في أعماله النقص وهو يحاول سدَّ هذا النقص ليمنح نفسه التكامل. هذه الشبهات ما كانت لتستحكم لو عرفنا منذ البداية أنَّ حكمة الله معناها أنَّ لفعله تعالى غاية وليس لذاته غاية. وحكمة كل مخلوق إنَّما هي الغاية الخبيئة في أعماق وطبيعة ذلك المخلوق، أما حكمة الله فهي تعني دفع المخلوقات نحو غايتها الطبيعية .......
هنا نحب أن نضع هذه القاعدة الجليلة ليضعها المرءُ - أيا كان مشربه - قلادةً على عنقه: "غاية خلق الكون - التي يُسميها الملحد هنا بـ (الحاجة) - تعودُ لفعل الله لا لذاته“. وعليه؛ فإنَّ إقرار المقدمة الأولى بأنَّ الله هو الخالق كفيل بهدم المقدمة الثانية؛ فالإقرارُ فيها كان يقينيا، والإنكار في الثانية كان ظنيًّا، والظنُّ لا يُسقط اليقين.
1 - مرتضى المطهري، العدل الإلهي، ص 213.
661 (1/661)
صفحة 662
مناجزة الإلحاد
(3) - الله والزمان والمكان
- الله منزّه عن الزمان والمكان.
- لكن الله يتصرَّفُ في الزمان والمكان.
- إذن؛ يستحيل وجود الله المنزه عن الزمان والمكان.
هل هناك تلازم بين أزليَّة الله وتصرفه في مخلوقاته؟! إِنَّ وجود هذا التلازم هو الذي تفترضه جُزافاً نتيجةُ المقدمتين السابقتين، وهذا الافتراض ما هو إلا سراب خادع ووهم ظاهر لا محل له من اليقين المطلوب في المقدمات البرهانيَّة، وكما يُقال: "إذا كذب السفير بطل التدبير“؛ ذلك لأنَّ التَّصرُّفَ في المخلوقات وفق السُّنن الإلهيَّة الأزليَّة لا يعني ضرورة عدم تنزه الله عن الزمان والمكان والحوادث، ومنشأ هذا الزَّعم - مرَّةً أخرى - هو قياس التمثيل المرفوض، أو (أنسنة الله بلغة الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت!
إِنَّ التَّصرُّف في الحقيقة يظهر في المخلوقات لا الخالق في المفعولات لا الفاعل؛ لأنَّها محل ذلك ومنزله، فالأمر هنا لا يعود إلى الصفات الذاتية للإله، بل إلى الصفات الفعلية، والتي تندرج جميعها تحت صفة (القيوميَّة). ثمَّ إِنَّ افتراض النقيض - وهو عدم التصرُّف في المخلوقات - يلزم منه النقص وانتفاء الكمال، متمثلا في انعدام القيومية والربوبية والتدبير، وكلُّ ما لزم منه النقص فهو منتف عن الله تعالى.
إنَّ المطالع المبتدئ - فضلًا عن المطلع الخبير - لعلوم المنطق والفلسفة والأصول يُدرك مباشرةً أنَّ هناك فارقًا كبيرًا بين مقام الثَّبوت ومقام الإثبات، فتصرُّف الإله في مخلوقاته - والتي من بينها الزمان والمكان، وهذا ما تجاوزته هنا عين البرهان الموهوم - هو تصرُّف أزلي في مقام الثبوت لا يلزم منه عدم التَّنزه عن الزَّمان والمكان، لكنَّنا لا نستطيع الوصول إلى معرفة وجود مثل هذا التَّصرُّف - بَلْه إثبات وجوده - إلا في مقام الإثبات؛ لأنَّ مقام الإثبات هو الذي يختص التي تظهر لنا. فليس التَّصرُّف الإلهي من قبيل التَّغير في أحوال المتصرف؛ لأنَّ التَّغير
بالأدلة
1 - هنا تظهر مرَّةً أخرى إشكالية عدم التفريق بين مفهومي: ي: (التَّعقُل) و (التَّصور). ثمَّ إِنَّ الزَّمان والمكان أمران نسبيان حسب ما تقرره نسبية أينشتاين، ويبدو أنَّ هذا البرهان الإلحادي ما زال يعيش في كهوف النظرة النيوتنية القديمة للزمان والمكان ولم
يتجاوزها!
2 - مقام الثبوت هو مقام الحقيقة الخارجية (الواقع كما هو) أو ما يُسمَّى فلسفيا بـ (نفس الأمر)، أما مقام الإثبات فهو مقام الأدلة التي تظهر لنا، والتي من خلالها نستطيع الوصول إلى معرفة مقام الثبوت في أي قضيَّةٍ من القضايا.
662 (1/662)
صفحة 663
المبحث الثاني عشر: وهم البراهين وبراهين الوهم
الحقيقي لا يكون إلا في مقام الثَّبوت فقط، كأن يكون الإله قادرًا على التصرُّف في وقت ما ثمَّ
يصبح عاجزا عنه في وقت آخر.
(4) - الوجود المطلق لله
- الله موجود في كل مكان.
- الموجود في كل مكانٍ لا يُمكن أن يكون شخصًا أو ذاتًا.
- إذن؛ يستحيل أن يكون الله موجودًا.
وجود
الله في كل مكان لا يقصد منه الوجود المادي (المتحيّز)؛ لأنَّ التَّحيز من علامات
الحدوث والتركيب التي يلزم منها الافتقار والاحتياج والنَّقص، بل يُقصد منه العلم والإحاطة الأزليَّة والمطلقة؛ لأنَّ الله موجود قبل الزمان والمكان، فهو الخالق وهما المخلوقان، وهو الأزلى وهما الحادثان، وبهذا يتبين خطأُ الاستنتاج المبني على الفهم المغلوط للمقدمة الأولى، هذا بغض النظر عن كون المقدمتين لا تصلحان للبرهنة؛ لعدم احتكامهما إلى اليقين العقلي!
(5) - العلم الكلي والإرادة الكلية
- علم الله الكلي يُوجب فعل المعلوم في المستقبل.
- وجوبُ فعل المعلوم يتعارض مع الإرادة الكلية الله ويُقيدُها.
- إذن؛ يستحيل وجود الله؛ لاستحالة الجمع بين العلم المطلق والإرادة المطلقة. إنَّ علم الله تعالى صفةٌ كاشفةٌ لا صفة مؤثرة، فعلم الله بما سيكون يقع على طول خط إرادته ولا يتصادم أو يتعارض معه؛ لأنَّه لو لم يكن يعلم بما سوف يريده ويختاره لكان جاهلًا، والجاهل لا يكون إلها، كما أنَّ الله تعالى لا تجري عليه أحكام الزمان - الماضي والحاضر والمستقبل - فهذه الأحكام تسري على المخلوقات فقط لا الخالق، فمثلا: علم الله بأنَّ فلانا سيموت في توقيت مُعينٍ لا يُمكن أن يقع نقيضُه وهو عدم موته، ليس لقصور في الإرادة بل لكونه خلاف المعلوم الذي يلزم منه الجهل فلو قدَّرنا على سبيل المثال بأن شخصًا ما قد تحدى الله قائلا: أَمِتُ فلانًا الآن قبل موعده المحدد في علمك. فإنَّ هذا الشخص يفترض مسبقا بأنَّ الله لم يكن يعلم بأنه سيتحداه، ومن ثم فإنَّ الله لا يستطيع أن يُميت فلانا؛ لأنَّ علمه
663 (1/663)
صفحة 664
مناجزة الإلحاد
قد سبق إرادته!! فإذا تبيَّن وجه الأمر على حقيقته هنا فإنَّ المقدمة البرهانية الثانية ستكون
غالطة وفاسدة منطقيا، وبفسادها تسقط النتيجة التي بنيت عليها.
(1) - تقييد القدرة الكلية
- الله كلى القدرة.
- كلي القدرة لا يُعجزه شيء.
- الله عاجز عن أن يخلق مثله أو أنْ يعدم نفسه.
- إذن؛ الله كلي القدرة غير موجود.
يدخل هذا القياس فيما يُعرف عند الملاحدة بتناقض القُدرة الكاملة (Omnipotence Paradox) لكن فاتهم بأنه من المقرر بدهيَّا أنَّ المستحيل العقلي لا وجود له، وأنَّه عدم وليس أصلا، فلو كان شيئًا لكان موجودًا لا مستحيلا، وقدرة الله تعالى تتعلق بالممكنات فقط
بشيء لا المستحيلات والواجبات فالله على كل شيءٍ قدير، والمستحيل ليس بشيء إلا في الذهن فقط، ومرد المستحيل لا تعلق له بالفاعل بل بالمفعول ذاته، فالقول بأنَّ القدرة لها تعلق بالمستحيلات فيه تناقض كبير، فلو قال قائل: هل يستطيع الله أَنْ يُميت فلانًا ويُحييه في وقتٍ واحد؟ لكان قوله هذا متناقضًا في نفسه، فالإنسان - منطقيًّا - لا يكون حيا وميتًا في وقت واحد؛ لأنَّ اجتماع النقيضين محال، ومثله لو قال قائل: هل يستطيع الله أن يكون إلها ليس بإله، أو أن يكون كاملا من غير كمال، أو أن يكون قادرًا من غير قدرة ... إلخ.
إِنَّكَ قادر على رؤية اللَّون الأحمر لكنَّك عاجز عن شم رائحته، ليس لقصور فيك بل لقصور في المفعول نفسه؛ إذ إنَّ اللون لا رائحة له، فهو يُدرَك بالرُّؤية لا بالشم أو بالتذوق أو باللمس، فالقصور هنا قصور استحالةٍ لا قصور عجز والاستحالة لا علاقة لها بالقُدرة، فإن قال قائل مثلا:
6
"هل يستطيع الله أن يكون غير مستطيع؟ " لكان المعنى الحقيقي لسؤاله هو: "هل يستطيع الله أن يكون غير مستطيع باستطاعته؟! “ وهذا تناقض واضح يبطل معه السُّؤال، لتتحول القضيَّةُ
1 - وهكذا لو قيل بأنَّ عِلم الله بما سيكون فيه جبر وإرغام للبشر على فعل كل ما علمه الله منذ الأزل، فهل «يَقدر من علم الله تعالى منه المعصية أن يفعل خلاف ما عَلِمَ الله؟! قيل له: لا. فإن قال هذا هو مجبر!! قيل له: هو غير مجبر، وإنَّما قلنا: إنَّه لا يقدر على فعل ما علم الله تعالى أنَّه لا يفعله لتشاغله بفعل ما أُمر به، أو نهي عنه، فأما إن ترك ما اختار فهو قادر على فعل ما اختار في الحال الذي يختار فيها الفعل الثَّاني فهو شغله بفعل لا يقدر على فعل آخر، ولكنَّه قادر على ترك ذلك في حال تركه من غير مانع له من تركه ولا جابر يجبره“. (محمد بن سعيد القلهاتي، الكشف والبيان، 254/ 1).
664 (1/664)
صفحة 665
المبحث الثاني عشر: وهم البراهين وبراهين الوهم
إلى مجرَّد أُلعوباتٍ لفظيَّةٍ فارغة من المعنى! فكيف يستقيم - عقلا ومنطقا - أن يُسأل عن إبطال كمال قدرة الله بكمال قدرته؟!! وكيف يستقيم - عقلا ومنطقا - أن يُسأل عن إبطال كمال صفات الله الأخرى بكمال صفاته؟!!
إذن؛ قدرة الله تتعلَّق بالممكنات لا المستحيلات - خلافًا لمن جوز ذلك كرينيه ديكارت ومارتن لوثر وغيرهما - ولو كان للقدرة تعلّق بالمستحيلات لغدت المستحيلات ممكنات وحينها لن تقوم أي معرفة حقيقيَّة!! فالقدرة "إنَّما تتعلَّق بالجائز - أي الممكن - وهو ما أمكن وجوده وعدمه، ولا تتعلق بالواجب ولا بالمستحيل؛ ولذا لا يجوز أنْ يُقال: الله قادر على ذاته. لأنَّ ذاته واجبه الوجود ولا أنْ يُقال أنَّه قادر على أن يجعل له شريكا؛ لأنَّ وجود شريك له -
تعالى - مستحيل“.
فالقدرة الكلية ليست في جمع النَّقيضين أو الصَّدَّيْن، أو في إيجاد ما لا يتصوَّرُ في العقل وجوده، أو في انعدام ما لا يتصوَّرُ في العقل عدمه، ولو جاز أن تتعلق القدرة بالمستحيلات لجاز للملحدِ أنْ يُؤمن بوجودِ هذه المستحيلات والمتناقضات واجتماعها، ومن ثمَّ يُسقط دعامة برهانه الموهوم بيديه!!
إنَّ القاعدةَ العقليَّة التي يجب أن يُسلس لها القياد، ويُلان لها الجانب، ويُنزل على حكمها في أمثال هذه الإشكالات الموهومة هي قاعدة: القصور في المفعول لا الفاعل) وذلك لوجودِ مانعين عقليين أو وجود أحدهما، وهذان المانعان العقليان هما: الاستحالة الذاتية للمفعول، ووجود حكمة أو صفة مناقضة للمفعول. فلو وُجد هذان المانعان أو وُجد أحدهما في أمر ما لاستحال تحقق موضوعهما.
القصور في المفعول نفسه
تناقض ذاتي تناقض عرضي
1 - نور الدين السالمي، مشارق أنوار العقول، ص 244.
665 (1/665)
صفحة 666
مناجزة الإلحاد
فالسائل عن القدرة "وجب عليه أن يذكر شيئًا موجودًا فتقتضي القُدرة إعدامه، أو يذكر شيئًا معدومًا فتقتضي القُدرة إيجاده ... لأنَّ العاجز لا يُحكم عليه بالعجز إلا إذا أعجزه شيء يقدر عليه، ولا يُحكم له بالقدرة إلا إذا كان قادرًا على شيء، وأما أنْ يُحكم له بالقُدرة على غير شيءٍ فهذا عبت من القول وخروج عن الحكمة».
(7) - الفعل والجسمانية
الله فاعل.
- الفعل يقتضي الجسمانية.
الله لا يُمكن أن يكون جسما.
- إذن الله (الفاعل) غير موجود.
عندما تمعن النظر في المقدمة الثانية سنرى بوضوح أنَّها مبنية على خيوط الوهم، فهل القول بأنَّ الفعل يقتضي الجسمانية هو قول يقيني بدهي ضروري يُستند إليه مباشرةً دون الحاجة إلى البرهنة على صحته، أو هو قول نظري يحتاج إلى برهنة وإثبات؟
بطبيعة الحال هو قول نظري غير بدهي؛ إذ تسالمت كثرة من العقول على خلافه، كما أنَّ العقل لا يجد ضرورةً في هذا التَّلازم، وهذا يكفي في ردَّ نتيجة البرهنة؛ باعتبار عدم يقينية إحدى مقدماتها! ولئن كان هذا القولُ نظريًّا فإنَّه يحتاج إلى دليل يقوم عليه، فما هو الدليل على أنَّ الفعل يقتضي الجسمانية؟!
فإذا كنا نشاهد
الأفعال
لا يُوجد غير دليل الاستقراء، وهو دليل ناقص ومغلوط في هذا المحل؛ لأنَّه من باب قياس التمثيل، ومن باب قياس الشَّاهد على الغائب، وهذا لا لا تصدر إلا من الأجسام، فإنَّ هذا لا يلزم منه عدم صدور الأفعال إلا من الأجسام؛ فالله غير
يصح،
جميع
مُدرَك وغير مُشاهَد.
1 - أبو بكر الكندي، الجوهر المقتصر، ص 85.
? (1/666)
صفحة 667
لفتة أخيرة
المبحث الثاني عشر: وهم البراهين وبراهين الوهم
الأقيسة البرهانية السابقة مغالطة منطقية تُعرف
الله في سياق إنكار وجودِ توجد في جميع بمغالطة عدم الترابط (Non sequitur) فالمقدمات المفترضة لا ترابط بينها وبين النتيجة المرجوة منها وهي إنكار وجود الله؛ لأنَّها في الحقيقة تبتعد كل البعد عن قضيَّة (وجود الله)، وتحاول الاقتراب أكثر من قضيَّة (صفات الله) فلو افترضنا - مثلًا - بأنَّ خلق الكون لا يكون إلا لحاجة - كما تقول إحدى المقدمات السَّابقة - فإنَّ هذا يُثبت وجود الإله الخالق لكن بصفته محتاجًا، ولو افترضنا بأنَّ الإله ليس بكلي القدرة فهذا يُثبت وجوده لكن بصفته ناقص القدرة ... إلخ. وهذا يعني بأن نوعية هذه الحجج في أحسن الأحوال تكون جدليةً لا برهانية، بل إنها قد تكون موجودة بنحو ما عند من يُثبت وجود الخالق، وفي هذا دلالة ظاهرة على عدم الترابط بين
هذه البراهين الموهومة وإنكار الوجودِ الإلهي!!
??? (1/667)
صفحة 668
مناجزة الإلحاد
خلاصة المبحث
- لا تُوجد ضرورة تقتضي أن يكون المخلوقُ كاملًا باعتبار كمال الخالق.
- الوجود الإلهي مطلق قبل الزمان والمكان.
- العلم الإلهي صفة كاشفة وليست صفةً مؤثرة.
- القدرة الإلهية تتعلَّق بالممكناتِ لا المستحيلات والواجبات العقلية.
668 (1/668)
صفحة 669
المبحث الثالث عشر
كشاف التناقضات الإلحادية (1/669)
صفحة 670
” التناقضُ هو المِلحُ الذي يحفظُ
الحقيقة من الفساد.
(جون لانكستر سبالدنغ)
تستطيع أن تخدع بعضَ النَّاس لبعض
الوقت، لكنَّك لا تستطيع أن تخدع كلَّ
النَّاس طول الوقت.
(مثل أمريكي)
"فلان قد ركب الفيل، وقال: لا تُبصروني! “.
(مثل عربي) (1/670)
صفحة 671
أيُّها الإلحاد: هل تُدرك حجم تناقضاتك؟!
ماذا لو رَسَمْنَا لكَ بعض ملامحها؟!
خُذ الريشة وأكمل الرّسم مِنْ بَعدنا!! (1/671)
صفحة 672
مناجزة الإلحاد
كَشَّاف
m
التناقضات الإلحادية
إنَّ من يُسرف ويُوغل في إيرادِ الاعتراضات وتسطيرها لأجل الاعتراض فقط، أو لأجل مضاعفة أعداده، يقع - دون أن يتنبه - في تناقضاتٍ منطقيَّة فاضحة، وقد تتجلى هذه التناقضات عند التدقيق في الموقف الواحد نفسه، كما أنها قد تتكشف عند المقارنة بين موقفين مزدوجين يُناقضُ أحدهما الآخر، فيتربَّعُ على ساحة الاستدلالات مشهدُ الكيل بمكيالين، والازدواجية في التقعيدات؛ انطلاقًا من المقدمات ووصولًا إلى النتائج، وهذا ما يُمارسه الإلحاد بكل حرفية وتفنن في مواقفة المعلنة والمُضمَرة، فجولة تفقديَّةٌ فاحصةً في تنظيراته (مواقف + اعتراضات + نتائج) تفصِحُ لنا وتَبْدَحُ بمكنون التناقضات ومدى تغلغلها في أعماق أطروحاته، وقد اخترنا عدَّةَ نماذج لأمثال هذه التناقضات نُوردها على النحو الآتي: موقفهم من النظم من بين شناشن الاعتراضات التي وجهها الملاحدة إلى برهان النظم يطفح واحد منها - وهو من أشهرها على الإطلاق - بالازدواجية الفاضحة، بل هو - عند الإمعان فيه - اعتراض خرج من بين شفتي التناقض فقد اعترض الملاحدة على برهان النَّظم بالقول: إِنَّ النَّظم المشاهد في الكون عائد إلى القوانين الطبيعية التي تتحكّم بكل مفاصله، فهذه القوانين الناجزةُ هي المسؤولة عن وجود جميع مظاهر الضبط والنظم، ومن ثُمَّ فلا تُوجَد حاجةٌ إلى افتراض وجود الله، فالقوانين لوحدها كفيلة بتقويض دعائم هذا الافتراض الذي يرمينا في رمال الميتافيزيقا المتحركة لتُصبح المعادلة الإلحادية هنا: وجود النظم عدم وجود وفي المقابل فإنَّ الملاحدة يحتجون بوجود ما يعتبرونه - وفق منظورهم الخاص - عبثًا ولغوا وهذاءً يضيقُ به الكون، وما يصفونه - وفق رؤيتهم - بالهفواتِ والسَّقطات والأخطاء التصميمية في المخلوقات، ويُحيلون كلَّ هذا العبث وكلَّ هذه الهفوات والسقطات إلى عاملي: الصدفة والعشوائية (اللانظم). وكذلك يفعلون عند النَّظر إلى حجم الكون وسعته وغُمار أجرامه ومجراته، وهم بذلك يُحاولون إيصال رسالةٍ مُفادها: إنَّ علامات (اللانظم) مبثوثة ومنثورة في فسيح آفاق الكون. لتُصبح المعادلة الإلحادية هنا: عدم النظم= عدم وجود الله.
الله.
672 (1/672)
صفحة 673
المبحث الثالث عشر: كشاف التناقضات الإلحادية
إذن؛ يستخدم الملاحدة استدلالين متناقضين للوصول إلى نتيجة واحدة!! فهم يستخدمون (النظم) لنفي وجود الله؛ بحجة وجود القوانين التي تُدير دفة النظم لوحدها. ويستخدمون (اللانظم) لنفي وجود الله أيضًا؛ بحجة الأخطاء والسَّقطات التصميمية؛ ليقعوا بذلك كله في مستنقع التناقض من حيث لا يحتسبون؛ إذ كيف يصح منطقيًّا أنْ يُؤدي الاستدلال بالنَّقيضين
إلى نتيجة واحدة؟!!
عدم
النظم
النظم
عدم وجود الله!!
وقد يعترض الملاحدة على هذا - كعادتهم في الاعتراض - بالقول بأنَّ المؤمنين أنفسهم يحتجون بـ (النظم) و (الانظم) على نتيجةٍ واحدةٍ وهي: إثبات وجود الله تعالى! وهذا اعتراض جانح وغالط؛ لأنَّ المؤمنين لا يحتجون إلا بـ (النَّظم)؛ ولهذا سمي أعظم براهينهم بـ (برهان النَّظم)، وهم في الآن ذاته ينفونَ وجود (اللانظم)؛ لأنَّ الحكم بوجوده ضرب من ضروب مغالطة التوسل بالمجهول فيجب أن يُحال الأمر إلى تجلّيات الحكمة الإلهية المطلقة، وإلى الإرادة والاختيار الإلهيَّين، وإلى ما فيه تحقيق لغايات الأفعال، وإيصالها إلى كمالاتها المناسبة لطبيعتها. موقفهم من الصدفة
الصدفة آلهة عظيمةٌ يُضمِر الملاحدة تأليهها، فهي تقوم - بالنسبة إليهم - مقام الإله عند خَلَقَت، المؤمنين، هي التي وهي التي نظمت وصفت وصففت، وهي التي أبدعت وأحسنت وأجادت وأتقنت وهي التي هيأت لنا كلَّ أسباب الحياة، وهي التي صاغتِ القوانين التي تحكمنا وتحكم كونَنَا، إنَّها بحق آلهة مدهشة يفخر الملاحدة بها ويقطعون لها أوقات حياتهم
سُجَّدًا وقيامًا!!
نعم؛ هذه الصدفة هي من أنشأت القوانين المنظمة للكون، وفي المقابل فإنَّها هي من أنشأت أيضًا ما يظنُّه الملاحدة ثغراتٍ وأخطاء وعشوائيَّةً في الخلق والتصميم. عجيب أمرُ هذه الصدفة! إنَّها تفعل المتناقضات لتثبت لنا حقيقة وجودها!! إِنَّ النّظام الكوني الذي يُدهش العقول، ويأسِرُ الألباب، ويُهبِلُ الأفكار بحبائل جَمالِه، منبثق من رحِم الصدفة الولاد، كما أنَّ الهفوات
673 (1/673)
صفحة 674
مناجزة الإلحاد
والسَّقطات والعيوب والأخطاء (المزعومة) التي يضج بها فسيخ الكون منبثقة أيضًا من رحمها. هكذا يستدل الملاحدة بالنَّقيضين بهدف الوصول إلى نتيجة واحدة. لتصبح المعادلة الإلحادية هنا: النظم الصدفة. و (اللانظم) الصدفة.
فرضية عدم النظم
حقيقة النظم المدهش
موقفهم من مفهوم (الإله)
8
الصدفة!!
يعتقد الملاحدة أنَّ مفهوم (الإله) نشأ تحقيقا للعائدة والمنفعة، فمأتى نشوئه ومنبته هو الخوف أو الجهل والفضول أو الحاجة ... إلخ، وكلُّ هذه الأسباب تدل على أنَّ نشوء مفهوم (الإله) كان لجلب المنفعة ودرء المفسدة، فـ (الإله) أمان من الخوف، واحتماء من الجهل، وسد للحاجة؛ ولهذا فهو محضُ وهم وافتئات اخترعه الإنسان تحقيقا لمصلحته الشَّخصيَّة. لتصبح المعادلة الإلحادية هنا: وجود الإله= المنفعة.
ثمَّ يزعم الملاحدة بأن مفهوم (الإله) - والذي اقترن بفكرة الأديان - جاء ليُقيَّد الإنسان، ويكبت رغبته وحريته، ويُعكّر صفو معيشته، ويضُرَ بفكره وعقله، وكلُّ هذه الأسباب تدلُّ على أنَّ مفهوم (الإله) يجلب الضَّرر والكدر لحياة الإنسان؛ ولهذا فوجوده باطل، ومجرد تُرهاتٍ وبسابس. لتصبح المعادلة الإلحادية هنا: وجود الإله الضرر.
والمحصلة النهائية: الاستدلال بالنقيضين (النَّفع) و (الضَّرر) على نتيجة واحدة وهي: إبطال حقيقة وجود الله! ولعل النموذج المفترض والذي طرحه كل من كارل ماركس وفريدريك نيتشه يُمثل هرمَ التَّناقض في قضيَّة نشوء الإله والدين فكارل ماركس يزعم بأنَّ نشوء فكرة الألوهية والدين كان بدافع من الأغنياء (الأقوياء)؛ لتخدير الفقراء (الضعفاء) وإسكاتهم باسم الإله والدين، بينما يزعم نيتشه بأنَّ نشوء فكرة الألوهية والدين كان بدافع من الضعفاء (الفقراء)؛ لتخدير الأقوياء (الأغنياء) وكفّ أذاهم باسم الإله والدين!
المنفعة
الضرر
674
=
بطلان وجود الله (1/674)
صفحة 675
المبحث الثالث عشر: كشاف التناقضات الإلحادية
موقفهم من الأخلاق
يرى كثير من الملاحدة أنَّ المعيار الحقيقي لما هو أخلاقي أو غير أخلاقي هو معيار المنفعة، فكلُّ ما يُحقق المنفعة ويجلب المصلحة يُعلَّق على كعبة الأخلاق! لكنهم يُناقضون هذا المعيار في موطن آخر ولا يُلقون له بالا، فالتَّدين غريزة إنسانيَّة، وقد تكون له روابط تاريخية وبيولوجية ونفسيَّة عميقة باعتراف كبار الملاحدة - كما مرَّ سابقا - وهذا يعني أنَّ من مصلحة الإنسان ومنفعته أنْ يكون متدينا تحقيقا وتلبيةً لمتطلباتِ غريزته - ولهذا آثر بعضُ الملاحدة اعتناق الأديانِ ذات الرياضات الرُّوحيَّة كالبوذية والجينية - فهنا يُناقض الملاحدة معيارهم الذي وضعوه
ثمَّ إِنَّ الدين يحفظ موضوعية الأخلاق، ويجعل قيمتها مطلقةً ومُلزمةً للجميع، وهذه منفعة ومصلحة كبرى للمجتمع باعترافِ بعض الفلاسفة الملحدين كفيلسوف البراجماتية وليم جيمس. إذن؛ تُصبح المعادلة الإلحادية هنا: معيار الأخلاق المنفعة والمصلحة. لكن الدين= المنفعة والمصلحة. وهنا يناقض الملاحدة أنفسهم برفض تطبيق معيارهم على الدين، وهذا من باب الكيل بمكيالين، والازدواجية في المعايير!
الأخلاق
المنفعة
الدين
موقفهم من مشكلة الشر
الله، فإمَّا الشَّر وإما وجود
الله، وهذ
وجود الشر عند كثير من الملاحدة يتعارض مع وجود اختزال مُجحف وحصر مخادع للقضيَّة. لتُصبح المعادلة الإلحادية هنا: الشر= عدم وجود الله لكننا نرى الخير يعم الوجودَ طُرًّا، ويُخيمُ على المشهد العام، ولا نرى الشر إلا كأمر طارئ وحدث عارض، فالأصل الأصيل والأثيل هو الخير، لكنَّ الملحد يأبى إلا أن يكون الخير هو الآخر نافيًا لوجود الله. لتكون المعادلة الإلحادية هنا: الخير= عدم وجود الله.
فالملاحدة يعترضون على وجود الله بوجود الكثير من مظاهر الخير! فعلى سبيل المثال هم يقولون: إنَّ هذا الكون المدهش والأخاذ بكل ما فيه من نجوم وأجرام ومجرّات، وهذه العظمةُ
TVO (1/675)
صفحة 676
مناجزة الإلحاد
التي تعلو مُحيَّاه، وتلك الأبهة والبذوخ ... إلخ، لا يمكن أن يكون مخلوقا من أجل هذا الإنسان الحقير الخنوع الموجود علي کوکبِ تافه ضئيل الحجم وبهذا يتّضح لنا أن الاعتراضات الإلحادية هنا تستخدم النقيضين للوصول إلى نتيجةٍ واحدة، وهي نفي وجود الله، وهذا عين التناقض!
لا خير ولا شر
موقفهم من أزلية المادة
وجود الخير
عدم وجود الله!!
وجود الشر
يعتقد الملاحدة بأنَّ المادَّةَ أزليَّةٌ غير حادثةٍ، ومن ثم فهي مُتسلسلة في الماضي إلى ما لا نهاية، فلا يُوجد لديهم أي مانع عقلي يمنع التسلسل في العِلَل المؤثرة إلى ما لا نهاية، ولا يُوجد لديهم مانع عقلي من أن يكون الكون مكتفيا بنفسه وغير محتاج إلى عِلَّةٍ لوجوده (أوجد نفسه بنفسه). لتُصبح المعادلة الإلحادية هنا: المادَّة أزليَّة = عدم وجود الله. لكنهم وفي الضفة المقابلة يرفضون الاعتقاد بأزليَّة الله، ومن ثم تجدهم لا يقبلون وجوب وجوده، بل لا يستطيعون تصوره في حقه تعالى، فيعترضون بإشكالهم الجانح الغالط: (من خلق الله). لتصبح المعادلة الإلحادية هنا: لا وجود للأزليَّة عدم وجود الله.
:
إذن؛ عدم وجود الله هي النتيجة التي يستنتجها الإلحادُ من الاستدلال بالنَّقيضين، فإن كان الكونُ أزليَّا فإِنَّ الله غير موجود؛ لأنَّ وجود الكون تلقائيا ممكن، وإِنْ كان الله أزليَّا فَإِنَّه يستحيلُ من غير الممكن أن يكون الله أزليَّا واجب الوجود لا عِلَّة له!! فبجانب النتيجة المتناقضة يظهر التناقض كذلك في إمكان تصورهم لأزليَّة الكون، وعدم إمكان تصورهم لأزليَّة الله!
وجوده،
لأنَّه
أزلية الكون
عدم أزلية الكون
عدم وجود الله
676 (1/676)
صفحة 677
موقفهم من الماورائيات
المبحث الثالث عشر: كشاف التناقضات الإلحادية
إنَّ الإيمان بوجود
الله تعالى أو الإيمان بعدم وجوده قضيَّةً ماورائية (ميتافيزيقية)، والإلحاد في حقيقته لا يُؤمن إلا بما يخضع لسلطان اللحظ والحس والتّجريب، وكلُّ ذلك من عالم المادة فقط لا يتخطاه. ومن تناقضات الإلحاد في هذا الشأن ما يُنادي به من الإيمان بـ (عدم وجود الله)، وعلى الرغم من أنَّ الإيمان بـ (عدم وجود الله) قضيَّةٌ ماورائيَّةٌ (ميتافيزيقية) فإنَّ الإلحاد بتبنيه لهذا النوع من الإيمان يُناقضُ أهم مبادئ منهجه، وهو مبدأ (رفض الماورائيات)؛ إذ إنَّ الإيمان بعدم وجود الله هو في حقيقته إيمان ماورائي لا يخضع لسلطان الحس والتجريب!
نعم؛ الإلحاد إيمان بعدم وجود الله؛ لأنَّ من لا يكون مؤمنًا بعدم وجود الله لا يكون ملحدًا
ألت
بالمعنى الحقيقي للإلحاد، فكيف ناقض الإلحاد نفسه هنا وآمن بالميتافيزيقا التي هي من خصومه وأعدى أعدائه؟! إِنَّ الفيزيقا لا تجتمع مع الميتافيزيقا حسب لوازم الإلحاد المنهجية، وحسب مصادر المعرفة التي يعتمد عليها، فالإلحاد= رفض الميتافيزيقا.
الإلحاد
رفض الميتافيزيقا
الإيمان بعدم وجود الله
قبول الميتافيزيقا!!
موقفهم من إله الفجوات
انطبع في عقول الملاحدة ما تمَّ تحبيره عبر مراحل تاريخية في النسق الكنسي الأوربي، حيث نُسبت الظواهر الطبيعية التي لم يتوصل العلم إلى الكشف عن أسبابها الطبيعية إلى الله ونُسبت الظواهر الطبيعية التي توصل العلم إلى كشف أسبابها إلى قوانين الطبيعة، ومن ثم تقلص رصيد الوجود الإلهي في تلك الفجوات المعرفية، فأعقبه لاحقًا إقصاء الله من مسارح الوجود، وعدم الحاجة إلى افتراض وجوده وما زال الملاحدة يحملون معهم هذا التصور التَّاريخي الزائف إلى اليوم. وكما أحال الملاحدة سبب نشوء مفهوم (الإله) إلى الجهل، ها هم يُحيلون - مجددًا - إثبات وجود الله إلى الجهل بالأسباب الطبيعية، ليكون واقع الحال وفق منظورهم السطحي: الجهل بالأسباب الطبيعية - إثبات وجود الله. والعلم بالأسباب الطبيعية= نفي وجود وهم بهذا يجرون وراءهم أكواما من التَّصورات التّاريخيَّة المغلوطة، ويلصقونها بحقيقة
الله.
TVV (1/677)
صفحة 678
مناجزة الإلحاد
الله وجود
ومن ثم تجد الملاحدة يقحمون ما بات يُعرف بإله الفجوات (God of the gaps) عند أي نقاش حول الأمور التي لم يتوصل إليها العلم بعد؛ كتدليل على أنَّ المؤمنين يُمارسون فنَّ التَّحجج بالمجهول، وأنَّهم يرتكبون - تَمرارًا وتكرارًا - هذا الضَّرب من المغالطات المنطقية، وهم - أي الملحدون - محقون في ذلك إن ثبت حقًّا بأنَّ هناك توشلًا بالمجهول لا بالمعلوم، وكثيرًا ما يكون العكس هو الثابت بطبيعة الحال
لكن؛ أين هو أثر أقدام التناقض والازدواجية في الطرح الإلحادي هنا؟!
الأثر يظهر عندما يتوسَّلُ الإلحاد صراحةً بالجهل، ويُحيل اعتراضاته واستدلالاته إلى ما أصبح يُعرف مؤخَّرًا بـ علم الفجوات، أو ما أسماه فيلسوف العلوم كارل بوبر بـ (المادية الوعدية) فترى الملاحدة يُرددون عباراتٍ من قبيل: "سيكتشف العلم ذلك لاحقا. أو: "قد يتوصل العلم إلى ذلك. أو: " لربما سيُخبرنا العلم مستقبلا ..... وهذه الإحالات نوع من (الفصام) المنهجي؛ إذ يتهم الملاحدة المؤمنينَ بها، وهم يقعون في حبائلها، ويُناقضون أنفسهم دون أن يشعروا.
نقد: إله الفجوات
تطبيق: علم الفجوات
الإلحاد
موقفهم من الأسئلة الوجودية
لم يُقدّم الإلحاد شيئًا مقنعا أو ذا بال فيما يخص الإجابة عن الأسئلة الوجودية الكبرى؛ لأنَّ الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكون إلا بسندٍ ديني ومن داخل المنظومة الدينية نفسها، فلا إجابة عنها خارج دائرة الدين، وإذا كان الإلحاد يزعم بأنَّه يُقدّم للإنسانية ما يجعلها تترك الأديان وتتجه إليه وحده لا شريك له فعليه أنْ يُقدّم لنا إجابةً وافيةً عن الأسئلة الوجودية التي تشغل عقل الإنسان وقلبه. فإن قام بتقديم هذه الإجاباتِ المعتبرة سيتعين عليه إخبارنا كيف توصل إليها وكيف علم غيبها؛ لأنَّ هذه الأسئلة ميتافيزيقية بطبعها؟! وإن لم يقم بتقديمها فليخبرنا لماذا يُصرُّ على أنَّه الحلُّ، وأنَّ الأديان لا حاجة إليها بعد اليوم وأنها مجرد خرافة وهذيان؟! إِنَّ التَّناقض يتغلغلُ بعمق في الموقف الإلحادي المُعلَن من الأسئلة الوجودية الكبرى، فالإلحاد
678 (1/678)
صفحة 679
المبحث الثالث عشر: كشاف التناقضات الإلحادية
ينفي وجود الحاجة إلى الأديان في الوقت الذي لا يستطيع فيه - ولن يستطيع - سد الحاجة إلى الإجابة عن الأسئلة الوجودية إلا وفق ما تطرحه الأديان لتصبح المعادلة الإلحادية: الإلحاد= عدم الحاجة إلى الأديان. عدم الأديان عدم القدرة على الإجابة عن الأسئلة الوجودية المُلحة.
الحاجة إلى الدين
امتلاك حق الإجابة عن الأسئلة الوجودية
الدين
العجز عن الإجابة عن الأسئلة الوجودية
الإلحاد
موقفهم من العقل
يرى الملاحدة بأنَّ الدماغ - بشبكاته العصبية وتفاعلاتها - هو المسؤول الأوحد عن إنتاج الأفكار والمبادئ العقلية، حتَّى قال الكاتب الفرنسي جوزيه كابانيس (José Cabanis) ذات يوم: "يُفرز الدماغ الفكر كما تُفرز الكبدُ الصَّفراء". ونسي - أو تناسى - أنَّ الصفراء شيء مادي، بينما الفكر شيء مجرد ومعنوي!
إنَّ من لا يعتقد بأنَّ العقل والفكر من عالَم مختلف يسمو على عالم المادة - وإن كان لهما علاقة ببعض - يقع في تناقض شائن؛ لأنَّ قيمة الدماغ ساعتها لن تكون قيمةً موضوعيَّةً ومطلقةً ويقينية، فالدماغ في نهاية المطاف - وفق هذا التَّصور - مجرَّد عضو تطوَّرَ بالصُّدفة عن طريق الانتخاب الطبيعي، وهو قابل للتحول والتَّغير، وفي مرحلة لاحقة من التَّقدم - إن حدثت - قد تتغير كل المفاهيم والمبادئ التي اعتمد عليها.
ماذا يعني هذا التصور الإلحادي؟! يعني باختصار: إذا كان هذا هو حال الفكر والعقل وفق المنظور المادي فإنَّ يقينيَّات العقل وعمليات الفكر البشري بأسرها ليست ذات قيمة حقيقية وموضوعية تتسامى عن عالم المادة، ومن ثمَّ يقع الملاحدة في التناقض المريع! فكيف يثقون بما تطرحه عقولهم من دعاوى صحة الإلحاد وبطلان الأديان؟! بل كيف يثقون بما يُقرره العقل وهو مجرد مادةٍ أوجدها الانتخاب الطبيعي بالصُّدفة؟! إِنَّ هذا هو ما حمل تشارلز داروين على أن يُصرح ذات مرة قائلًا: "ينتابني - مرارًا - شكٍّ مريع فيما إذا كانت قناعاتُ عقل الإنسان - المتطور من كائنات أدنى منه تتمتع بأي قيمة أو تستأهل أي ثقة!! ". وهذا هو عين ما أدركه في بداية الأمر عالم الأحياء الكبير السير ألفريد والاس الذي شارك داروين في نظرية التطور،
1 - Charles Darwin, Life and Letters of Charles Darwin Series, volume 1, p. 282
679 (1/679)
صفحة 680
مناجزة الإلحاد
فطرح ما بات يعرف بـ (مفارقة والاس) ومفادها: إنَّ الذَّكاء الإنساني لا يُمكن أن يكون إلا منحةً إلهيَّة؛ لأنَّه متسام عن متطلباته الحيوية والجنسية.
نعم؛
هذه إحدى الموتغات والدهاريس التي تقصم ظهر الإلحاد، فالفكر والعقل حصيلةً للتَّطور الصُّدفوي لا غير، وبدون الإيمان بما هو متعال عن التَّطور والانتخاب الطبيعي لا يُمكن أن تكون هناك أي وثوقيَّةٍ لأحكامهما، لكن واقع الحال - في الجدال والسجال - يُخبرنا خلاف ذلك، فالملاحدة يتمسكون بآرائهم ويُنافِحون عنها وكأنَّهم على يقين منها، إنَّهم على ثقةٍ تامَّةٍ بالنبضات الكهروكيميائية التي تعتلج في دواخل أدمغتهم لتتمخض عنها أفكارهم وتعقلاتهم وتصوراتهم، إنَّهم يؤمنون بما يناقضُ لازم منهجهم دون وعي منهم!
موقفهم من الإنسان
قيمة العقل -
الإلحاد +
بينما يقوم الدين على الارتقاء بمنزلة الإنسان من البهيميَّة إلى الإنسانية الحقَّة، يُصرُّ الإلحاد على إرجاع الإنسان إلى بهيميَّته بوصفه حيوانًا متطورًا لا يُوجَد ما يُميزه عن غيره من الحيوانات سوى تطور القشرة الدماغيَّة لديه، وما كل القيم والأخلاقيات التي وُجدت مع الإنسان العاقل (المتدين) في الوقت نفسه سوى كومةٍ من الاعتقادات والسلوكيات المتطورة والمتحولة، والتي لا قرار لها ولا موضوعية تضبطها.
إِنَّ الإنسان من الناحية المادية حيوان بيولوجي، ووسخ كيميائي، وحفنة من التراب البالي، فلا وجود للروح المتسامية، ولا وجود للأخلاق الموضوعية، ولا وجود للقيم الثابتة والمبادئ النبيلة السامقة، لأنَّه قبل ذلك لا وجود للإله الخالق وهذه بتلك، ولا وجود لسلطة عُليا ومرجعية مثلى، القانون الوحيد هو قانون الطَّبيعة الأم: الصراع من أجل البقاء). والبقاء لا يكون إلا للأصلح لا حساب ولا عقاب ولا جنَّة ولا نار ولا بعث ولا نشور، ومن لم يأخذ حقه في الدنيا فلن يأخذه في الآخرة، ومن أحسن لن يُتاب، ومن أساء فلن يُعاقب!
إنَّ الفكر الإلحادي ليتشبع بما لم يُعط ويلبس ثوبي زور عندما ينظر عن الإنسانية والعدالة والقانون ويتحدث بأسمائها وكأنه مالك حقوق الحديث عنها حصرًا، ويأتينا متشدِّقًا تيَّاها يعظنا
680 (1/680)
صفحة 681
المبحث الثالث عشر: كشاف التناقضات الإلحادية
بحديثه عن الصَّلاح والفساد وعن الخيرات والشرور ويرشدنا إلى الأخلاق الفاضلة والقيم الأثيلة والأصيلة! إنَّه يُناقض نفسه، ويُناهض مبادئه، ويُماتن لوازمه لا مرجعيات يُعتمد عليها، ولا قيم ثابتة موضوعيَّة يُستند إليها، أبعد هذا يُحدثنا عن القيم والأخلاق؟! إنَّ حاله هاهنا - إن لم يكن أسوء - كحال الصلعاء التي تتفاخرُ بشعر جارتها، أو كالكوسجي المتفاخر بشعر عَارِضَي أخيه؟! فأين ذهبت سيمفونية الصراع من أجل البقاء التي لم تعرفها الإنسانية إلا في الفكر المادي وفي فكر من تأثر به؟! ولماذا توارت أهازيج الانتخاب الطبيعي عن الأنظار؟! وأين ذهبت ترنيمات الصُّدفة والعشوائية؟! أسئلة مفتوحة نطرحها على سدنة الوهم الإلحادي!
الإلحاد
أخلاق نسبية
موقفهم من الإرادة الحرة
البهيمية
بالرجوع إلى ما ذكرناه في مبحث الإرادة) (الحُرَّة تبدى لنا سافرًا أنَّ الإلحاد ينظر لكل الأمور من منظور أُحادي الجانب، وهو المنظور المادي، ومن ثم فإنَّ الإرادة الحُرَّة تقف حجر عثرة أمام نظرته المادية الضيقة، وهو بهذا يضع نفسه بين عائلتين؛ إمَّا أَنْ يُنكر الإرادة الحُرَّة لكي يضمن صحة نظرته الماديَّة، وإما أن يعترف بها فيطعن في نظرته المادية! لكن لن يقف الأمر. عند هذا الحد، فبناءً على إنكار الإلحاد للإرادة الحُرَّة ستتخلق معضلات ومثقلات جسيمة؛ لأنَّ ذلك يلزم منه - لزوما منطقيا - إنكارُ الوعي البشري، وإنكار معاقبة المجرم على إجرامه، وإثابة المحسن على إحسانه، بل وإنكارُ مبدأ (الحُريَّة) الذي يُناضل الجميع من أجله!! ولما كانوا لا يُنكرون هذه اللوازم المنطقيَّة فقد بطل بذلك زعمهم في انتفاء الإرادة الحُرَّة.
وأَمَّا إِنْ أقر الإلحاد بالإرادة الحُرَّة، فإنَّه سيُوجه ضربةً قاصمةً إلى نظرته المادية للوجود من غير أن يشعر؛ إذ إنَّ النَّظرة المادية لا تعترف بوجود الإرادة الحُرَّة، فهي لا تحيد قيد أنملة عن تفسير الأمور وفق الحتميَّات البيولوجية والجينية، ووفق النَّشاطات والتفاعلات العصبية الكهروكيميائية، ولا يُوجد في أنساق تفسيراتها غير هذا إلا بإشهار خروجها عن النظرة المادية،
وهذا الخروج سيكلفها ثمنا باهظًا، فهو بمثابة الاعتراف بفشلها وانكسارها!!
إذن؛ الإلحاد الحتميَّة الطَّبيعيَّة. وكل من ألحد فقد ألحد مجبورًا، وكل من آمن فقد آمن مجبورا، وبذلك يتناقض الملحد مع مبادئه إن دعا إلى الحرية أو نادى بها يوما!! لقد فشلت
??? (1/681)
صفحة 682
مناجزة الإلحاد
الحتميَّةُ البيولوجية علميًّا، والحتمية التربوية، والحتميَّة النَّفسيَّة كذلك، وعليه؛ فلا مناص من الاعتراف بفطرية الإرادة الحُرَّة وحقيقتها، وهذا الاعتراف يتصادم - طولا وعرضًا - مع المبررات والتفسيرات المادية، فالإنسان متسام عن المادة والإرادة الحُرَّة برهان ساطع على وجود القيم المتسامية عن المادَّة والمتعالية عليها، فهي فيض من إرادة الإله الخالق.
لوازم
الإلحاد
المادية الحتمية
النتيجة طمس الإرادة
L
L
موقفهم من التدبير الإلهي
هنا يستخدم الملاحدة حجَّتَين متناقضتين للوصول إلى نتيجةٍ واحدة، فهم يحتجون على ما يسمونه بـ (غياب الألوهية)؛ إذ يعتقدون بأنَّ الإله غير موجود؛ لأنَّهم لا يشاهدون تدخلاته، خصوصا في الأوقات التي تشتد فيها الحاجة إليه، كأوقات الحروب والكوارث والأمراض؛ المعادلة الإلحادية هنا: لا نرى الإله يتدخل= الإله غير موجود.
لتصبح
وفي موقف آخر يستخدم الملاحدة حجَّةً مناقضةً لحجَّتهم الأولى لكنَّها مطابقة لها في النتيجة!! فيعتقدون بأنَّ التَّدخلات الإلهية كإنزال الكتب ومخاطبة الناس وتقرير الشرائع وإهلاك المفسدين والانتصار للمؤمنين تنفي وجود هذا الإله؛ لأنَّه لا يعقل أن يلتفت الإله الكامل إلى شيءٍ من مخلوقاته، فهو مستغن عنهم لا ينفعه رشادهم ولا يضره ضلالهم؛ لتصبح المعادلة الإلحادية هنا: الإله الذي يتدخل في شؤون مخلوقاته - توجيها أو تحذيرًا أو نحو - هو محتاج إليهم، والمحتاج ليس بإله= الإله غير موجود.
ذلك
682 (1/682)
صفحة 683
خلاصة المبحث
المبحث الثالث عشر: كشاف التناقضات الإلحادية
- مجهرُ المقارنات يكشف عن تناقضاتٍ كبيرةٍ تعتري الاستدلالات الإلحادية.
- يستدل الإلحادُ بالشَّيء ونقيضه على نتيجة واحدة، كموقفهم من النظم و (الانظم)، وموقفهم من: فكرة (الله)، والعقل، ومشكلة الشَّر، والماورائيات، وإله الفجوات، وأزليَّة المادة، والأخلاق، والإنسان، والأسئلة الوجودية، والإرادة الحُرَّة.
- معيار الحقيقة عند الإلحاد ساري المفعول إلا إن أدى إلى ترجيح كفة الإيمان فإنَّه سيُهمل.
683 (1/683)
صفحة 684
مناجزة الإلحاد
خاتمة
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَّهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَّهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) (القصص: 71 - 73).
684 (1/684)
صفحة 685
أولا: المصادر
الفهرس
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم.
المصادر والمراجع
- محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، دار ابن كثير، بيروت، (ط 1/ 2002 م).
- الكتاب المقدس، دار الكتاب المقدس القاهرة، (ط 7/ 2011 م).
- شاكوانتالا الكتاب الهندي المقدس: البهاغافاد غيتا، ترجمة: رعد عبد الجليل، دار الحوار للنشر والتوزيع، سورية، (ط 1/ 1993 م).
- الرامايانا الهندية ملحمة الإله، راما تعريب: دائرة المعارف الهندية، مراجعة: محمد الطريحي، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، (ط/ 2007 م).
ثانيا: المراجع العربية
- إبراهيم العريس السينما التاريخ والعالم منشورات وزارة الثقافة، دمشق، (ط/ 2008 م). - إبراهيم سعفان، أزمة الفكر العربي، دار الحوار للنشر والتوزيع، سورية، (ط 1/ 1994 م). - إبراهيم عبده، أعلام الصحافة العربية مكتبة الآداب الجماميز (ط 2).
- إبراهيم فتحي، معجم
(ط 1/ 1988 م).
المصطلحات الأدبية، التعاضدية العمالية للطباعة والنشر، صفاقس،
- إبراهيم محمد، الأديان الوضعية في مصادرها المقدسة وموقف الإسلام منها، مطبعة
الأمانة،
مصر، (ط 1/ 1985 م).
- أبكار السقاف، الدين في الهند والصين وإيران العصور الجديدة، (ط/لا توجد).
??? (1/685)
صفحة 686
مناجزة الإلحاد
أبكار السقاف الدين في شبه الجزيرة العربية الانتشار العربي، بيروت، (ط 2004/ 1 م). - ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تحقيق: د. عامر النجار، دار المعارف، القاهرة، (ط 1/ 1996 م).
- ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تحقيق: د. نزار رضا، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، ط لا توجد).
- ابن أبي حاتم، تفسير القرآن العظيم، تحقيق: أسعد محمد الطيب، مكتبة نزار مصطفى الباز، (ط 1998/ 1 م).
- ابن الطفيل حي بن يقظان، مؤسسة هنداوي للتعليم والنشر، القاهرة، (ط/2012 م). - ابن العديم، بغية الطلب في تاريخ حلب تحقيق سهيل، زگار، دار الفکر، بيروت، (ط/ لا توجد).
- ابن المقفع، آثار ابن المقفع دار الكتب العلمية، بيروت، (ط 1/ 1989 م). - ابن الوردي، خريدة العجائب وفريدة الغرائب، تحقيق: أنور محمود، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، (ط 1/ 2008 م).
- ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، تحقيق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود، (ط 2/ 1991 م).
- ابن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي، القرآن تحقيق: محمود محمد شاکر، مكتبة ابن تيمية القاهرة (ط 2) - ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة، تحقيق: محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، (ط 1998/ 1 م).
- ابن سينا، الإشارات والتنبهات، تحقيق: سليمان دنيا دار المعارف، القاهرة، (ط 1983/ 3 م). - ابن سينا، الأضحوية في المعاد، تحقيق: حسن عاصي، شمس تبريزي، (ط 1382/ 1 هـ). - ابن سينا، الإلهيات من كتاب الشفاء، تحقيق: حسن زاده الآملي، مركز النشر لمكتب الإعلام الإسلامي، قم، (ط 1/ 1418 هـ).
686 (1/686)
صفحة 687
المصادر والمراجع
- ابن سينا، التعليقات الدار الإسلامية، بيروت، تحقيق: عبد الرحمن بدوي (طلا توجد). - ابن عطية الأندلسي، المحرر الوجيز، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1 2001 م).
- ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تحقيق: سامي بن محمد السلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، (ط 2/ 1999 م).
ابن منظور، لسان العرب دار صادر، بيروت، (ط 4/ 2005 م).
- أبو البركات البغدادي، المعتبر في الحكمة، منشورات جامعة أصفهان، إيران، (ط 2/ 1215).
- أبو العتاهية، ديوان أبي العتاهية، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، (ط/1986 م). - أبو العلاء المعري، الفصول والغايات في تمجيد الله والمواعظ، تحقيق: محمود حسن زناتي، دار الآفاق الجديدة، بيروت، (ط/لا توجد).
- أبو العلاء المعري رسالة الغفران، تحقيق: عائشة بنت عبدالرحمن (بنت الشاطئ)، دار المعارف، القاهرة، (ط 6).
- أبو العلاء المعري، زجر النابح، تحقيق: أمجد الطرابلسي، المطبعة الهاشمية بدمشق، (ط/ 1965 م).
- أبو العلاء المعري، سقط الزند دار بيروت ودار صادر للطباعة والنشر، (ط/1957). - أبو المظفر السمعاني، تفسير القرآن، تحقيق: ياسر أبو تيميم، وغنيم أبو بلال، دار الوطن، الرياض (ط 1/ 1997 م).
- أبو المعالي الجويني، العقيدة النظامية، تحقيق: محمد الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة، (ط/ 1992 م).
- أبو بكر أحمد الكندي، الجوهر المقتصر، تحقيق: سيدة إسماعيل كاشف، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، (ط/ 1985 م).
- أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري لن تلحد الكتاب العربي السعودي، جده
(ط 1/ 1983 م).
687 (1/687)
صفحة 688
مناجزة الإلحاد
أبو يوسف يعقوب الكندي، رسائل الكندي الفلسفية تحقيق: محمد أبو ريدة، مطبعة حسان، القاهرة، (ط 2/ 1978 م).
- البيهقي، الأسماء والصفات، تقديم وتعليق: محمد زاهد بن الحسن الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث، (ط/ لا توجد).
-
- أحمد أبو زيد، محاكمة سلمان رشدي، المصري، دار الفضيلة، القاهرة، (ط/ لا توجد). - أحمد البربري السماء في الفكر المصري القديم الحضري للطباعة، مصر، (ط 2004/ 1 م). - أحمد تيمور باشا، أبو العلاء المعري: نسبه. شعره. معتقده، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، (ط/ 1940 م).
- أحمد الخليلي، برهان الحق، دراسة معمقة في تأصيل العقيدة الإسلامية، الكلمة الطيبة، مسقط، (ط 2016/ 1 م).
- أحمد المنياوي جمهورية أفلاطون دار الكتاب العربي، القاهرة، (ط 2010/ 1 م). - أحمد أمين الشرق والغرب، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، (ط/ 1955 م). - أحمد أمين، كتاب الأخلاق، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، (ط/ 2012 م). - أحمد أمين، وزكي نجيب محفوظ، قصة الفلسفة اليونانية، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، (ط 2/ 1935 م). - أحمد بن عبد الله الغامدي الصراع بين الكنيسة والعلم، (ط/ لا توجد).
- أحمد توفيق حجازي، الوعي الروحي ط لا توجد).
الله،
كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، عمان،
- أحمد سمايلوفتش، فلسفة الاستشراق، دار الفكر العربي، بيروت، (ط/ 1998 م). - أحمد شلبي، أديان الهند الكبرى مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، (ط 11 2000 م).
- أدونيس الثابت والمتحول بحث في الإبداع والاتباع عند العرب، دار الساقي، بيروت،
(ط 7/ 1994 م).
688 (1/688)
صفحة 689
-
المصادر والمراجع
أديب مروّه الصحافة العربية نشأتها وتطورها منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت
(ط لا توجد).
- أرسطو، المنطق، تحقيق: عبد الرحمن بدوي، دار القلم، بيروت، (ط 1980/ 1 م). - إسحاق عبيد، عصر النهضة الأوربية، دار الفكر العربي، القاهرة، (ط/2006 م).
- إسماعيل أدهم، لماذا أنا ملحد، دار النشر الإلكتروني، (ط/ لا توجد).
- إسماعيل الندوي، الهند القديمة حضاراتها ودياناتها دار الشعب، القاهرة، (ط 1970 م). - إسماعيل مظهر المرأة في عصر الديموقراطية، كلمات عربية للترجمة والنشر، القاهرة، (ط لا توجد).
- إسماعيل ياغي العالم العربي في التاريخ الحديث مكتبة العبيكان، الرياض، (ط 1997/ 1 م).
- إمام عبدالفتاح إمام الطاغية عالم المعرفة، (ط/1994 م)
- أمين مدني، التاريخ العربي وبدايته، دار القوافل للنشر والتوزيع، الرياض، (ط 2008/ 3 م). - أنستاس الكرملي، أديان العرب وخرافاتهم، تحقيق: وليد محمود، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، (ط 2005/ 1 م).
- أنور الجندي، أكذوبتان في تاريخ الأدب الحديث، دار الأنصار، مصر، (ط/ لا توجد). - أنور الجندي، الصحافة والأقلام المسمومة دار الاعتصام للنشر والتوزيع، القاهرة، (ط 1980/ 1 م).
- أنور الجندي، تاريخ الصحافة الإسلامية، دار الأنصار، عابدين، (ط) لا توجد). . أنور الجندي، طه حسين حياته وفكره في ميزان الإسلام، دار الاعتصام (ط 1977/ 2 م). - أنور الجندي، معالم الفكر العربي، مطبعة الرسالة، (ط/ لا توجد).
- إيليا أبو ماضي، ديوان إيليا أبو ماضي، دار العودة، بيروت، (ط/ لا يوجد). - أيوب أبو دية، العلم والفلسفة الأوربية الحديثة من كوبرنيك إلى هيوم، دار الفارابي، بيروت، (ط 2009/ 1 م).
689 (1/689)
صفحة 690
مناجزة الإلحاد
- أيوب أبو دية، علماء النهضة الأوروبية، دار الفارابي، بيروت، (ط 1/ 2011 م). - باور أحمد حاجي، وهم الإله، دراسة فلسفية نقدية لنظرية ريتشارد دوكنز، دار أسامة للنشر والتوزيع، عمّان، (ط 1/ 2016).
- بدر الدين الزركشي، لقطة العجلان شرح جمال الدين القاسمي، مدرسة والدة عباس الأول، القاهرة، (ط 1/ 1908 م).
- بدر شاكر السياب ديوان السياب دار العودة، بيروت، ط/ 1971 م).
،
- بدر شاكر السياب ديوان أنشودة المطر، مؤسسة هنداوي للتعليم والنشر، القاهرة،
(ط/2012 م).
-
البغوي، معالم التنزيل، تحقيق: محمد عبد الله وآخرون، دار طيبة للنشر والتوزيع،
الرياض، (ط 1999/ 1 هـ).
- البيروني، تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، مجلس دائرة المعارف العالمية، حيدر أباد (ط/1958 م).
- الجاحظ، رسائل الجاحظ دار ومكتبة، الهلال، بيروت، (ط/ 2002 م).
- جبران خليل جبران المجنون، ترجمة: أنطونيوس بشير، دار العربي للبستاني، (ط لا توجد).
- الجرجاني، معجم التعريفات تحقيق محمد المنشاوي، دار الفضيلة للنشر والتوزيع والتصدير، القاهرة، (ط/2004 م).
- جعفر آل ياسين الفارابي في حدوده ورسومه عالم الكتب، بيروت، (ط 1985/ 1 م). - جعفر آل ياسين فلاسفة يونانيون العصر الأول، مطبعة الإرشاد، بغداد، (ط 1997/ 1 م). - جعفر السبحاني الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل، مؤسسة الإمام الصادق، قم، (ط 1430/ 7 هـ).
- جعفر السبحاني، الله خالق الكون مكتبة التوحيد، قم، (ط 1424/ 2 هـ).
690 (1/690)
صفحة 691
المصادر والمراجع
- جعفر السبحاني نظرية المعرفة المدخل إلى العلم والفلسفة والإلهيات، مكتبة التوحيد، قم، (ط/ 1429 هـ).
- جعفر بن الحسن الحلي، المسلك في أصول الدين مجمع البحوث الإسلامية، إيران،
(ط 1/ 1421ھ).
- جعفر شيخ إدريس الفيزياء ووجود الخالق مجلة البيان (ط 2001/ 1 م).
- جلال الدين سعيد، معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية دار الجنوب للنشر، تونس، (ط/ 2004 م).
- جمال سلطان جذور الانحراف الفكري في الفكر الإسلامي الحديث، مكتبة الدراسات الإسلامية، بريطانيا، (ط 1/ 1991 م).
- جمانة الحويك ناصيف، الوجود الإنساني بين العلم والدين الدار العربية للموسوعات، بيروت، (ط 2015/ 1 م).
- جمعية التجديد البحرينية اختطاف جغرافيا الأنبياء، كيوان للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق (ط 1 2009 م).
- جميل صدقي الزهاوي، ديوان الزهاوي، المطبعة العربية، مصر، (ط/1924 م).
- جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، (ط/لا يوجد). - جورج طرابيشي، الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية، دار الطليعة للطباعة والنشر،
بيروت، (ط 3/ 1988 م).
- جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة، دار الطليعة، بيروت، (ط 2006/ 3 م).
- الحاكم، المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 2 2002 م).
- حبيب الشاروني، فلسفة جان بول سارتر، منشأة المعارف، الإسكندرية، (ط/ إهدائية). - حبيب الشاروني، فلسفة فرانسيس بيكون، دار الثقافة الدار البيضاء، (ط 1/ 1981 م).
691 (1/691)
صفحة 692
مناجزة الإلحاد
- حبيب سعيد، أديان العالم، دار التأليف والنشر للكنيسة الأسقفية، القاهرة، (ط) لا يوجد.). - حسام الدين حامد، الإلحاد وثوقية التوهم وخواء، العدم مركز تفكر للبحوث والدراسات، (ط 1/ 2015 م).
- حسام الدين حامد، خطة معرفية للعمل في ملف الإلحاد، ط/ لا توجد).
- حسن السندوبي، أدب الجاحظ، المطبعة الرحمانية، القاهرة، (ط 1/ 1931 م).
- حسن علي مصطفى، نشأة الدين، مؤسسة الإسراء للنشر والتوزيع، قسنطينة، (ط 1/ 1991 م). - حسن نعمة، موسوعة ميثولوجيا وأساطير الشعوب القديمة، دار الفكر اللبناني، بيروت،
(ط) 1994 م). - الحسين أخدوش، جدلية الديني والكوني المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، (ديسمبر/ 2014 م).
- حسين عباس الأنصاري، العلم في رحاب الله مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة،
ط لا توجد).
- حسين علي حسن الأسس الميتافيزيقية للعلم، مطبوعات جامعة الكويت، (ط 1997/ 1 م). حسين مؤنس الشرق الإسلامي في العصر الحديث، مطبعة حجازي، القاهرة،
(ط 2/ 1938 م).
- حلمي القمص يعقوب، رحلة إلى قلب الإلحاد، كنيسة القديسين، الإسكندرية، (ط) لا يوجد).
- الحلي، نهاية المرام في علم الكلام، تحقيق: فاضل العرفان، مكتبة التوحيد، قم،
(ط 2/ 1430 هـ).
- خالد الصمدي، وعبدالرحمن حللي، أزمة التعليم الديني في العالم الإسلامي، دار الفكر، دمشق، (ط 1/ 2007 م).
- خزعل الماجدي، أديان ومعتقدات ما قبل التاريخ، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان،
الأردن، (ط 1/ 1997 م).
692 (1/692)
صفحة 693
- خير الدين الزركلي، الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، (ط 15/ 2002 م).
المصادر والمراجع
- درية شرف الدين السياسة والسينما في مصر، دار الشروق، القاهرة، (ط 1992/ 1 م). - ديوان النابغة، تحقيق، عباس عبد الساتر، دار الكتب العلمية، بيروت، (ط 1996/ 3 م).
- ديوان زهير بن أبي سلمى، تحقيق: علي حسن، فاغور دار الكتب العلمية، بيروت،
(ط 1/ 1988 م).
- ديوان عنترة بن شداد تحقيق حمدو طماس دار المعرفة بيروت، (ط 2/ 2004 م).
:
- الذهبي، العلو، تحقيق: عبدالله صالح البراك، دار الوطن، (ط 1/ 1999 م). - الذهبي، كتاب العرش، تحقيق: محمد خليفة التميمي، مكتبة أضواء السلف، الرياض،
(ط 1/ 2003 م).
- راشد المبارك، شموخ الفلسفة وتهافت الفلاسفة دار القلم، دمشق، (ط 1/ 2011 م). - راشد المبارك، هذا الكون ماذا نعرف عنه، دار القلم، دمشق، (ط 2/ 2005 م). - رضا هلال السيف والهلال الصراع بين المؤسسة العسكرية والإسلام السياسي، دار الشروق، مصر، (ط 1/ 1999 م).
- رفاعة الطهطاوي، تخليص الإبريز في تلخيص باريز ترجمات عربية للترجمة والنشر، القاهرة، (ط/ لا توجد).
- رمسيس عوض، الإلحاد في الغرب الانتشار العربي، بيروت، (ط 1/ 1997 م). - رمسيس عوض، الهرطقة في الغرب الانتشار العربي، بيروت، (ط 1/ 1997 م). - رمسيس عوض ملحدون محدثون ومعاصرون الانتشار العربي، بيروت، (ط 1/ 1998 م). - ريكان إبراهيم، علم نفس الإلحاد والإيمان، فضاءات للنشر والتوزيع، الأردن، (ط/ لا توجد). - زكي مبارك النثر الفني في القرن الرابع مؤسسة هنداوي للتعليم والنشر، القاهرة، (ط 2012 م).
- زكي نجيب محفوظ موقف من الميتافيزيقيا، دار الشروق، القاهرة، (ط 4/ 1993 م).
693 (1/693)
صفحة 694
مناجزة الإلحاد
- زكي نجيب محفوظ، قصة عقل دار الشروق، القاهرة، (ط 2/ 1988 م).
- زينب عبدالعزيز، الإلحاد وأسبابه الصفحة السوداء للكنيسة، دار الكتاب العربي، دمشق (ط 1/ 2004 م.).
- سامي عامري، مشكلة الشر ووجود الله مركز تكوين للدراسات والأبحاث، السعودية،
(ط 1/ 2016 م).
- السبزواري، شرح المنظومة، تحقيق: مسعود طالبي نشر ناب، طهران، (ط 1/ 1992 م). - سعدون الساموك، موسوعة الأديان والمعتقدات القديمة، دار المناهج للنشر والتوزيع، الأردن، (ط 1/ 2002 م). - سعيد الغامدي الانحراف العقدي في أدب الحداثة دار الأندلس الخضراء للنشر والتوزيع، جدة، (ط 1/ 2003 م).
- سعيد القحطاني، كيفية دعوة الملحدين هدية شبكة الألوكة، (ط/ 1429 هـ).
- سعيد عاشور أوربا العصور الوسطى مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، (ط/ 1959 م). - سفر الحوالي، العلمانية نشأتها وتطورها، دار الهجرة، (ط/ لا توجد).
- سلامة موسى ما هي النهضة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، (ط/ 2012 م). - سلامة موسى نشوء فكرة الله، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، (ط/ 2012 م). - سليمان الخراشي، انتحار إسماعيل أدهم، (ط/ لا توجد).
- سليمان الخراشي، عبدالله القصيمي وجهة نظر أخرى، روافد للنشر والطباعة والتوزيع، بيروت، (ط 1/ 2008 م).
- سميح دغيم، أديان ومعتقدات العرب قبل الإسلام، دار الفكر اللبناني، بيروت، (ط 1/ 1995 م).
- سمير أبو زيد، العلم والنظرة العربية إلى العالم مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،
(ط 1/ 2009 م).
- السيد أبي النصر الحسيني، الفلسفة الهندية، مطبعة مصر، (ط 1).
694 (1/694)
صفحة 695
المصادر والمراجع
- سيد العفاني، أعلام وأقزام في ميزان الإسلام، دار ماجد عيري للنشر والتوزيع، السعودية،
(ط 1/ 2004 م).
- السيد علي حسن مطر الهاشمي، فلسفتنا الميسرة، دار الحار، بيروت، (ط 1/ 2009 م). - سيد کريم، أخناتون الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، (ط/ 1997 م). - السيد ولد أباه الدين والهوية إشكالات الصدام والحوار والسلطة، جداول للنشر والتوزيع، بيروت، (ط 1/ 2010 م).
- شكري محمد عياد، المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين، سلسلة عالم المعرفة، عدد (177) سبتمبر، (1993 م).
- الشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق: عبد الأمير علي وعلي حسن، دار المعرفة، بيروت،
(ط 3/ 1993 م).
- الشهرستاني، نهاية الأقدام في علم الكلام تحقيق ألفريد جيوم، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط 1/ 2009 م).
- شوقي أبو خليل، غريزة أم تقدير إلهي، دار الفکر، دمشق، (ط 2/ 1978 م). - شوقي الجمل، وعبدالله عبدالرزاق، تاريخ أوروبا من النهضة حتى الحرب الباردة، المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، (ط/ لا توجد). - صابر عبدالرحمن طعيمة الإلحاد الديني في مجتمعات المسلمين، دار الجيل للنشر والطباعة والتوزيع، القاهرة، (ط 1/ 2004 م).
صادق جلال العظم، نقد الفكر الديني، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت،
(ط 2/ 1970 م).
- صادق الساعدي نافذة على الفلسفة، منشورات جامعة المصطفى العالمية، إيران،
(ط 3/ 1429 هـ).
- صالح إسحاق، الإلحاد وآثاره في الحياة الأوربية الحديثة، جامعة الملك عبد العزيز،
رسالة ماجستير، (ط/ 1401 هـ).
695 (1/695)
صفحة 696
مناجزة الإلحاد
- صالح بن عبد العزيز سندي، الإلحاد وسائله، وخطره وسبل مواجهته، دار اللؤلؤة للطباعة والنشر، بيروت، (ط 12013 م).
- صبري الدمرداش، للكون إله: قراءة في كتاب الله المنظور والمسطور، مكتبة المنارة الإسلامية، الكويت، (ط 2006/ 2 م).
- صلاح قنصوه، الدين والفكر والسياسة مكتبة دار الكلمة، القاهرة، (ط/ 2006 م). - طرفة بن العبد ديوان طرفة بن العبد، دار الكتب العلمية، بيروت، (ط 3/ 2002 م). - طه حسين، في الأدب الجاهلي، مؤسسة هنداوي للتعليم والنشر، القاهرة، (ط/ 2012 م). - طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، (ط 1/ 2000 م). - عادل محمود بدر برهان الإمكان والوجوب بين ابن سينا وصدر الدين الشيرازي، دار الحوار للشر والتوزيع، (ط 1/ 2006 م).
- عادل مصطفى المغالطات المنطقية، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، (ط 2007/ 1 م). - عباس محمد العقاد و أحمد عبد الغفور عطار الشيوعية والإسلام، مطابع دار الأندلس، بيروت، (ط 2/ 1972 م).
- عباس محمود العقاد، عقائد المفكرين، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، (ط/ 2012 م).
- عبد الجبار الرفاعي الإيمان والتجربة الدينية دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، (ط 1/ 2015 م).
- عبد الكريم الزنجاني دروس الفلسفة، منشورات السيد محمد سعيد آل ثابت، (ط 2/ 1962 م).
- عبدالجبار الرفاعي مبادئ الفلسفة الإسلامية دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط 1 2001 م).
- عبدالجليل شلبي، الإرساليات التبشيرية، منشأة المعارف، الإسكندرية، (ط/ لا توجد).
696 (1/696)
صفحة 697
المصادر والمراجع
- عبدالراضي محمد، مشكلة التأليه في فكر الهند الديني، دار الفيصل الثقافية، الرياض،
(ط 1/ 2002 م).
- عبدالرحمن الكواكبي طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، دار النفائس، بيروت، (ط 3/ 2006 م).
- عبدالرحمن الميداني، كواشف، زيوف، دار القلم، دمشق، (ط 2/ 1992 م).
- عبدالرحمن بدوي، من تاريخ الإلحاد في الإسلام سنا للنشر، القاهرة، (ط 2/ 1993 م). - عبدالرحمن بن أحمد الإيجي، المواقف في علم الكلام، عالم الكتب، بيروت، (ط/
لا توجد).
- عبد الرحمن بن خلدون مقدمة ابن خلدون دار الفكر، بيروت، ط (2001 م). - عبدالرحمن عبد الخالق الإلحاد أسباب هذه الظاهرة، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية السعودية (ط 2/ 1404 هـ).
- عبد العزيز الثميني معالم الدين وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، (ط 1986 م). - عبدالعزيز الكحلوت، التنصير والاستعمار في أفريقيا السوداء، منشورات كلية الدعوة الإسلامية، طرابلس، (ط 2/ 1992 م).
- عبدالعزيز الميمني الراجكوتي، أبو العلاء وما إليه المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة،
(ط/ 1344 هـ).
- عبدالعزيز بن أحمد البداح الابتعاث تاريخه وآثاره، (ط 2/ 2001 م).
- عبدالعزيز نوار ومحمود جمال الدين التاريخ الأوروبي الحديث، دار الفكر العربي، القاهرة، (ط/ 1999 م).
- عبداللطيف حمزة، قصة الصحافة العربية، دار الفكر العربي، بيروت، (ط 2/ 1985 م). - عبدالله القصيمي الكون يحاكم الإله، منشورات الجمل، بغداد، (ط 1/ 2006 م). - عبدالله القصيمي صحراء بلا أبعاد الانتشار العربي، بيروت، (ط 2/ 2003 م).
697 (1/697)
صفحة 698
مناجزة الإلحاد
- عبدالله القصيمي، الفصل الحاسم بين الوهابية ومخالفيهم، الانتشار العربي، بيروت، (ط 2/ 2007 م).
- عبدالله القصيمي، هذا الكون ما ضميره، الانتشار العربي، بيروت، (ط 2/ 2001 م). - عبدالله القصيمي، ياكل العالم لماذا أتيت، الانتشار العربي، بيروت، (ط 2/ 2008 م). عبدالله الشهري، ثلاث رسائل في الإلحاد والعلم والإيمان، مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت، ط 1/ 2014 م). - عبدالله العجيري، شموع النهار، مركز تكوين للدراسات والأبحاث، الخبر، (ط 1/ 2016 م). - عبدالله العجيري، مليشيا الإلحاد: مدخل لفهم الإلحاد الجديد، مركز تكوين للدراسات والأبحاث، الخبر، (ط 1/ 2014 م).
- عبدالله حسين، المسألة الهندية، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة القاهرة (ط/2012 م). - عبدالله حسين، تاريخ ما قبل التاريخ، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، (ط 1/ 2014 م).
- عبدالله عبدالرزاق، وعوقي الجمل تاريخ مصر والسودان الحديث والمعاصر، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، (ط/ 1997 م).
- عبدالله مصطفى نومسوك البوذية تاريخها وعقائدها وعلاقة الصوفية بها، مكتبة أضواء السلف الرياض (ط 1 (1999 م).
- عبدالله نعمة، عقيدتنا في الخالق والنبوَّة والآخرة، مؤسسة عزالدين للطباعة والنشر، بيروت، (ط 2/ 1983 م).
- عبدالوهاب المسيري، العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية، دار الشروق، مصر، (ط 2002/ 1 م). - عبدالوهاب المسيري، رحلتي الفكريَّة في البذور والجذور والثمر، دار الشروق، مصر، (طه/ 2013 م)
ظبي،
- عدنان إبراهيم مطرقة البرهان وزجاج الإلحاد، مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام، أبو
(ط 1/ 2014 م).
698 (1/698)
صفحة 699
المصادر والمراجع
- عزيز سوريال، العلاقات بين الشرق والغرب ترجمة فيليب صابرسيف، دار الثقافة المسيحية، مصر، (ط 1/ 1972 م).
- عصمت نصار، الفكر الديني عند اليونان دار الهداية للطبع والنشر والتوزيع، مصر، (ط 2/ 2005 م).
- عقيل مهدي يوسف، أقنعة الحداثة دراسة تحليلية في تاريخ الفن المعاصر، دار دجلة، العراق، (ط 2010 م).
- علاء حامد مسافة في عقل رجل، ط لا توجد).
- علي النشار، ديموقريطس فيلسوف الذرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الإسكندرية، (ط 1/ 1972 م).
- علي القفطي، إنباء الرواة على أنباء النحاة، دار الفكر العربي، القاهرة - مؤسسة الفكر الثقافية، بيروت، ط 1/ 1986 م).
- علي زيعور الفلسفة في الهند مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر، بيروت، (ط 1/ 1993 م). - علي سامي النشار، نشأة الدين النظريات التطورية والمؤلهة، دار نشر الثقافة، الإسكندرية، (ط/ 1949 م).
- علي عبدالرازق، الإسلام وأصول الحكم، دار الكتاب المصري، القاهرة، (ط/ 2012 م). . علي فهمي خشيم آلهة مصر العربية، دار الآفاق الجديدة، الدار البيضاء، (ط 1/ 1990 م). - علي مظهر، محاكم التفتيش في إسبانيا والبرتغال، وغيرها المكتبة العلمية، (ط لا توجد). - عمر الدسوقي، في الأدب الحديث دار الفكر العربي، القاهرة، (ط 6/ 1964 م). - عمر فروخ، أبو العلاء المعري الشاعر الحكيم منشورات دار الشرق الجديد، (ط 1/ 1960 م). - عمرو شريف الإلحاد مشكلة نفسية نيوبوك للنشر والتوزيع، القاهرة، (ط 1/ 2015 م).
- عمرو شريف خرافة، الإلحاد مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، (ط 2014/ 1 م).
- عمرو شريف، رحلة عقل، مكتبة الشروق الدولية، مصر، (ط 2011/ 4 م).
699 (1/699)
صفحة 700
مناجزة الإلحاد
- عمرو شريف، وهم الإلحاد الأزهر، هدية المحرم، (ط/ 1435 هـ).
- الفارابي، مبادئ الفلسفة القديمة، المكتبة السلفية، القاهرة، (ط/ 1910 م).
- فتحي يكن العالم الإسلامي والمكائد الدولية، مؤسسة الرسالة، بيروت، (ط 2/ 1983 م). - فخر الدين الإسفرايني، شرح كتاب النجاة لابن سينا، تحقيق: حامد ناجي أصفهاني، طهران، ط/ 1383).
- فخر الدين الرازي مفاتيح الغيب، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان، (ط 1/ 1981 م). - الفخر الرازي، المطالب العالية من العلم الإلهي، تحقيق: أحمد حجازي السقا، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 1/ 1987 م).
- الفخر الرازي، نهاية العقول في دراية الأصول، تحقيق: سعيد فودة، دار الذخائر، بيروت،
(ط 1/ 2015 م).
- فراس السواح، الأسطورة والمعنى دراسات في الميثولوجيا والديانات المشرقية، دار علاء الدين، دمشق، ط 2 2001 م).
- فراس السواح، دين الإنسان بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني، دار علاء الدين، دمشق، (ط 4/ 2002 م).
- فراس السواح، دين الإنسان دار علاء الدين، دمشق، (ط 1/ 1994 م).
- فرج الله عبدالباري، العقيدة الإسلامية في مواجهة التيارات الإلحادية، دار الآفاق العربية، القاهرة، (ط 1/ 2004 م).
- فوز كردي، المذاهب الفلسفية الإلحادية الروحية وتطبيقاتها المعاصرة، مركز التأصيل للدراسات العلمية، (ط/ 1435 هـ).
- فكتور شلحت، مسألة الله في التاريخ، دار المشرق، بيروت، (ط 1/ 1998 م).
- فيصل سعد كنز، إسحاق نيوتن مكتشف الجاذبية، دار المعارف للطباعة والنشر، تونس،
ط لا توجد).
V .. (1/700)
صفحة 701
المصادر والمراجع
- القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: عبد
الرسالة، بيروت، (ط 1/ 2006 م).
الله
بن عبد المحسن التركي، مؤسسة
- كامل سعفان معتقدات آسيوية دار الندى العراق، (ط 1/ 1997 م). كمال الحيدري فلسفة الدين دار فرقد للطباعة والنشر، قم، (ط 1/ 2008 م). - كمال الحيدري، معرفة الله، دار الفرقد للطباعة والنشر، قم، (ط 1/ 2007 م). کمال محمد وفتح الله الشيخ اكتشافات وآراء جاليليو، كلمات عربية للترجمة والنشر، أبو ظبي، (ط 1/ 2010 م).
-
- لطفي وحيد، أشهر الديانات القديمة مكتبة معروف، الإسكندرية، (ط/ لا يوجد). - لؤي صافي الحرية والمواطنة والإسلام السياسي دار المجتمع المدني والدستور، (ط 1/ 2012 م).
- لويس عوض، ثورة الفكر في عصر النهضة الأوربية مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة،
(ط 1/ 1987 م).
- لويس عوض، ثورة الفكر في عصر النهضة الأوربية، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة،
(ط 1/ 1987 م). - ماجد فخري تاريخ الفلسفة اليونانية، من طاليس إلى أفلاطون وبرقلس، دار العلم للملايين، بيروت، (ط 1/ 1991 م).
- مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، مكتبة الشروق الدولية، مصر، (ط 4/ 2004 م). - مجموعة من الأكاديميين العرب الفلسفة العربية المعاصرة، منشورات الاختلاف، الجزائر، (ط 1/ 2014 م).
- مجموعة من المؤلفين، فلسفة الدين، إشراف وتحرير: علي عبود المحمداوي، منشورات ضفاف، بيروت، (ط 1/ 2012 م).
- محسن الأمين أعيان الشيعة تحقيق حسن الأمين دار التعارف للمطبوعات،
بيروت، (ط 1983 م).
701 (1/701)
صفحة 702
مناجزة الإلحاد
- محمد
الأعرجي، الصراع بين القديم والحديث في الشعر العربي، عصمي للنشر والتوزيع،
القاهرة (ط) لا توجد).
- محمد الأعظمي، فصول في أديان الهند، دار البخاري للنشر والتوزيع، المدينة المنورة،
(ط 1997/ 1 م).
- محمد الجارم، أديان العرب في الجاهلية، مطبعة السعادة، القاهرة، (ط 1/ 1923 م).
- محمد الخاقاني، نقد المذهب التجريبي، دار الزهراء، بيروت، (ط 1/ 1983 م). - محمد الخضر الإلحاد أسبابه، طبائعه مفاسده أسباب ظهوره علاجه، مكتبة ابن تيمية الكويت (ط 1/ 1986 م).
- محمد الخير عبد القادر نكبة الأمة العربية بسقوط الدولة العثمانية، مكتبة وهبة، عابدين، (ط 1/ 1985 م).
- محمد الشيرازي، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، (ط 4 1990 م).
- محمد الصلابي، الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط، دار التوزيع والنشر الإسلامية بور سعيد (ط 1/ 2001 م).
- محمد الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، (ط/ 1984 م). - محمد العلي، الحداثة في العلم العربي، جامعة الإمام محمد بن سعود، كلية أصول الدين بالرياض، (طلا توجد).
- محمد الغزالي الفساد السياسي في المجتمعات العربية والإسلامية، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، (ط/ 2005 م).
- محمد الغزالي قذائف الحق، دار القلم، دمشق، (ط 2/ 1997 م).
- محمد الغزالي، كيف نتعامل مع القرآن، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، (ط 2005/ 7 م). - محمد الغزالي من هنا نتعلم نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، (ط 5/ 2005 م).
- محمد المزوغي، تحقيق ما للإلحاد من مقولة منشورات الجمل، بيروت، (ط 1/ 2014 م).
702 (1/702)
صفحة 703
المصادر والمراجع
- محمد النشواتي، الإسلام يتصدى الغرب الملحد، دار القلم، دمشق، (ط 1/ 2010 م). محمد النشواتي، الإعجاز الإلهي في خلق الإنسان دار القلم، دمشق، (ط 1/ 2007 م). - محمد باقر الصدر المرسل الرسول، الرسالة، دار المعارف للمطبوعات، بيروت، (ط/ 1992 م).
- محمد باقر الصدر، فلسفتنا العارف للمطبوعات، لبنان، (ط 1/ 2012 م).
- محمد بن أبي بكر الرازي مختار الصحاح مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، القاهرة، (ط 1/ 2007 م).
- محمد بن أحمد الذهبي، سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، (ط 1/ 1983 م).
:
- محمد بن الطيب الباقلاني، إعجاز القرآن تحقيق السيد أحمد صقر، دار المعارف، مصر، (ط/ لا توجد).
- محمد بن رضا اللواتي البعد الضائع في عالم صوفي دار المحجة البيضاء، بيروت، (ط/ لا توجد).
- محمد بن رضا اللواتي برهان الصديقين المركز الثقافي العربي الدار البيضاء، (ط 1/ 2001 م). - محمد بن زكريا الرازي، أخلاق الطبيب، تحقيق: عبداللطيف محمد العبد، دار التراث، القاهرة (ط 1/ 1977 م).
- محمد بن زكريا الرازي الطب الروحاني، تحقيق: عبد اللطيف العبد، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة (ط/ 1978 م).
- محمد بن زكريا الرازي رسائل فلسفية، تحقيق: لجنة إحياء التراث العربي، دار الآفاق الجديدة، بيروت، (ط 1982/ 5 م).
- محمد بن زكريا الرازي، سر صناعة الطب، تحقيق: خالد حربي، (دار الثقافة العلمية/ الإسكندرية).
- محمد القلهاتي الكشف والبيان، تحقيق: سيدة إسماعيل كاشف وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، (ط/ 1980 م).
703 (1/703)
صفحة 704
مناجزة الإلحاد
- محمد بن شاكر الشريف، تجديد الخطاب الديني بين التأصيل والتحريف، طباعة مكتبة البيان، (ط 1/ 2004 م).
- محمد الجهشياري كتاب الوزراء والكتاب تحقيق: مصطفي الشقا وآخرون، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، (ط 1). - محمد تقي المدرسي المنطق الإسلامي أصوله ومناهجه، دار البيان العربي، بيروت، (ط 3). - محمد تقي المصباح، معارف القرآن ترجمة محمد الخاقاني، الدار الإسلامية، لبنان، (ط 2/ 1988 م).
- محمد الأسترآبادي، البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة، مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية، قم، ط 1/ 1424).
- محمد حسين الطباطبائي، أصول الفلسفة والمنهج الواقعي، ترجمة: عمار أبو رغيف، المؤسسة العراقية للنشر والتوزيع، (طلا توجد).
- محمد حسين الطباطبائي، أصول الفلسفة، ترجمة: جعفر السبحاني، دار جواد الأئمة،
بيروت، (ط 1/ 2011 م).
- محمد حسين الطباطبائي الميزان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلى للمطبوعات، بيروت، (ط 1/ 1997 م).
- محمد حسين الطباطبائي، نهاية الحكمة، تحقيق: عباس السبزواري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، (ط 4/ 1428 هـ).
- محمد حمد الناصر، العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب، مكتبة الكوثر، الأردن، (ط 2/ 2001 م).
- محمد دراز، بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، دار القلم، الكويت، (ط 2/ 1970 م). - محمد راغب، الطباخ إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء دار القلم العربي، حلب، (ط 2/ 1989 م).
- محمد رضا المظفر، المنطق، دار التعارف للمطبوعات لبنان (ط 2006 م).
704 (1/704)
صفحة 705
المصادر والمراجع
- محمد سهيل طقوش، تاريخ العرب قبل الإسلام، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، (ط 2009/ 1 م).
- محمد شامة الخطر الشيوعي في بلاد الإسلام، الطبعة الأولى، (ط/1979 م). - محمد صبري روعة التماثل في الكيمياء، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، (ط/2015 م).
- محمد صنقور، أساسيات المنطق، دار جواد الأئمة، بيروت، (ط 2013/ 1 م).
- محمد عبده، الإسلام بين العلم والمدنية، كلمات عربية للترجمة والنشر، القاهرة، (ط/ لا توجد).
- محمد علي أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، (ط 4/ 1986 م).
- محمد عمارة طه حسين ما بين الانبهار بالغرب والانتصار للإسلام، دار الفكر العربي القاهرة، (ط 1/ 2015 م).
- محمد فريد وجدي الحديقة الفكرية في إثبات وجود الله بالبراهين الطبيعية، مكتبة الترقي، مصر، (ط 1901 م).
- محمد قطب، مذاهب فكرية معاصرة، دار الشروق القاهرة، (ط 7/ 1993 م).
- محمد قطب، واقعنا المعاصر، دار الشروق، مصر، (ط 1/ 1997 م).
- محمد مندور، الأدب ومناهجه، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، (ط/ لا توجد). - محمود زيدان كنط وفلسفته النظرية دار المعارف، القاهرة، (ط 3/ 1979 م).
- محمود شاكر وإسماعيل أحمد، تاريخ العالم الإسلامي، دار المريخ، الرياض، (ط/ 1995 م). - محمود شاكر، أباطيل وأسمار، مكتبة الخانجي، القاهرة، (ط/ لا توجد).
- محمود صالح الشرق العربي المعاصر، (ط/ 1999 م).
- محمود عبدالحكيم جهود المفكرين المسلمين في مقاومة التيار الإلحادي مكتبة المعارف الرياض (ط) لا يوجد).
700 (1/705)
صفحة 706
مناجزة الإلحاد
- محمود عمر، ومحمد خير فارس تاريخ المغرب العربي الحديث، جامعة دمشق، (ط) لا توجد).
- محمود محمد شاكر، أباطيل وأسمار، مكتبة الخانجي، القاهرة، (ط/ لا توجد).
- مرتضى فرج، أفي الله شك، الانتشار العربي، بيروت، (ط 1/ 2013 م).
- مشير باسل عون، نظرات في الفكر الإلحادي، الحديث دار الهادي، بيروت، (ط 1/ 2003 م). - مصطفى المصمودي النظام الإعلامي الجديد سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد (94)، (1985 م).
- مصطفى النشار، المصادر الشرقية للفلسفة اليونانية دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة (ط 1/ 1997 م).
- مصطفى النشار، تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة (ط 2000 م).
- مصطفى حسيبة، المعجم الفلسفي، دار أسامة للنشر والتوزيع، عمان، (ط 1/ 2009 م). - مصطفى صبري، موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 2/ 1981 م).
- مصطفى طلاس، مباهج الفيزياء الكونية، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، سوريا، (ط 2/ 2006 م).
- مصطفى محمود أكذوبة اليسار الإسلامي، دار المعارف، (ط 2). - مصطفى محمود الإسلام السياسي والمعركة القادمة، مطبوعات أخبار اليوم (ط لا توجد). - مصطفى محمود رحلتي من الشك إلى الإيمان، دار المعارف، مصر، (ط/ 1976 م). - معروف الرصافي، ديوان الرصافي، مطبعة الاعتماد، مصر، (ط 4/ 1953 م). - معروف الرصافي، الشخصية المحمدية منشورات الجمل، ألمانيا، (ط 1/ 2002 م). - ممدوح عدوان الأعمال الشعرية، دار العودة، بيروت، (ط 2/ 1986 م).
- مهدي فضل الله، فلسفة ديكارت ومنهجه دراسة تحليلية ونقدية، دار الطليعة، بيروت، (ط 3/ 1996 م).
706 (1/706)
صفحة 707
- المؤسسة العامة للتدريب المهني - السعودية - الكيمياء العامة، (ط/ 1429 هـ).
- الموسوعة العربية الميسرة المكتبة العربية، بيروت، (ط 1/ 2010 م).
المصادر والمراجع
- الموسوعة الفلسفية العربية معهد الإنماء العربي، بيروت، (ط 1/ 1986 م). - موسوعة تاريخ العلوم العربية مركز دراسات الوحدة العربية، لبنان، (ط 1/ 1997 م). - نازك الملائكة، ديوان نازك الملائكة دار العودة، بيروت، ط/ 1997 م).
- نجيب محفوظ، أولاد حارتنا، دار الآداب، بيروت، (ط 6/ 1986 م).
- نخبة من الباحثين تاريخ الأدب الغربي، طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق، ط لا توجد).
- نديم الجسر، قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والإيمان، طرابلس، لبنان، (ط) لا يوجد). - نزار قباني، الأعمال السياسية الكاملة، منشورات نزار قباني، بيروت، (ط/ لا توجد). - نزار قباني، الأعمال الشعرية الكاملة، بيروت، (ط/لا توجد).
- نواف القديمي، يوميات الثورة، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، (ط 2012/ 1 م). - نور الدين السالمي، مشارق أنوار العقول مكتبة الإمام نور الدين السالمي، السيب، (ط/2000 م).
- نور الدين حاطوم، تاريخ عصر النهضة الأوربية، دار الفکر، دمشق، (ط/ 1985 م). - هاني يحيى نصري، نقض الإلحاد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت،
(F ... /16)
- هشام عزمي، الإلحاد للمبتدئين، دار الكاتب للنشر والتوزيع، مصر، (ط 2015/ 2 م). - هشام علي حافظ وآخرون كيف تفقد الشعوب المناعة ضد الاستبداد، رياض الريس للكتب والنشر، ط 2002 م). - هود الهواري، تفسير كتاب الله العزيز، تحقيق: بالحاج بن سعيد شريفي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، (ط 19901 م).
- هيثم طلعت العودة إلى الإيمان، دار الكاتب للنشر والتوزيع، مصر، (ط 2014/ 1 م).
707 (1/707)
صفحة 708
مناجزة الإلحاد
- هيثم طلعت كبسولات إسكات الملحدين (نسخة إلكترونية)، (طلا توجد). - هيثم طلعت كهنة الإلحاد الجديد (نسخة إلكترونية) طلا توجد).
- هيثم طلعت، مناظرة الملحدين (نسخة إلكترونية)، (طا/ لا توجد). - هيثم طلعت موسوعة الرد على الملحدين العرب، دار الكاتب للنشر والتوزيع، مصر، (ط 1/ 2014 م).
- يحيى هاشم فرغل الفكر المعاصر في ضوء العقيدة الإسلامية، مطبوعات جامعة الإمارات العربية المتحدة، (ط/ 1998 م).
- يعقوب الباحسين، طرق الاستدلال ومقدماتها عند المناطقة والأصوليين، مكتبة الرشد، الرياض، (ط 2/ 2001 م).
- يوسف الخال، الأعمال الشعرية، دار العودة، بيروت، (ط 1979/ 2 م).
- يوسف القرضاوي الإسلام والعلمانية وجها لوجه مكتبة وهبة (ط 1997/ 7 م). - يوسف القرضاوي، وجود الله، مكتبة وهبة، القاهرة، (ط 2009/ 6 م).
- يوسف كرم العقل والوجود، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، (ط/2012 م). - يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، (ط/2012 م).
- يوسف کرم تاريخ الفلسفة اليونانية، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، (ط/2012). ثالثًا: المراجع المترجمة
- إ إيفنز - برتشارد، الأناسة المجتمعية، ترجمة: حسن قبيسي، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، (ط 1/ 1986 م).
- أ. س. ميغوليفسكي، أسرار الآلهة والديانات ترجمة حسان مخائيل، دار علاء الدين، دمشق، (ط 4/ 2009 م). - أ. ف. توملين فلاسفة الشرق ترجمة عبد الحميد سليم دار المعارف، (ط 2/ 1994 م). - أ. فوغل، السينما التدميرية، ترجمة: أمين صالح، دار الكنوز الأدبية، (ط/ لا توجد).
708 (1/708)
صفحة 709
المصادر والمراجع
- إ. م. بوشنسكي، الفلسفة المعاصرة في أوربا، ترجمة: عزت قرني، سلسلة عالم المعرفة، العدد (165)، (سبتمبر/ 1992 م).
- أحمد حسن أقوى براهين جون لينكس، في تفنيد مغالطات منكري الدين، مركز دلائل،
الرياض، (ط 1/ 1437 هـ).
- أشلي مونتاغيو، البدائية، ترجمة: محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة، العدد (53)، (1982). أفلاطون في السفسطائيين والتربية محاورة بروتاجوراس، ترجمة عزت قرني، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، (ط/2001 م). - ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ترجمة كريم عزقول، دار النهار للنشر، بيروت، ط لا توجد)
- أليستر راي فيزياء الكوانتم حقيقة أم خيال ترجمة أسامة عباس، دار الكاتب للنشر والتوزيع، القاهرة، (ط 2016/ 1 م).
- إمانويل كانت نقد العقل المحض ترجمة موسى وهبة مركز الانماء القومي، بيروت، (ط) لا توجد).
- أنتوني جوتليب حلم العقل، ترجمة: محمد طلبة نصار، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، (ط 1/ 2015 م).
- أندرو ديكسون وايت بين العلم والدين ترجمة: إسماعيل مظهر، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، (ط/ 2012 م).
- أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، ترجمة: خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، بيروت، (ط 2/ 2001 م).
- إيريك شيري، قصة سبعة عناصر، ترجمة: عمر سعيد الأيوبي، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، أبو ظبي، (ط 1/ 2016 م).
- برأوين الحضارات الهندية في أمريكا، ترجمة: يوسف شلب الشام، درا المنارة للدراسات والترجمة والنشر اللاذقية، (ط 1/ 1989 م).
- براين ويتاكر، عرب بلا رب: الإلحاد وحرية المعتقد في الشرق الأوسط، (ط/ لا توجد).
709 (1/709)
صفحة 710
مناجزة الإلحاد
- برتراند راسل حكمة الغرب، ترجمة ترجمة فؤاد زكريا سلسلة عالم المعرفة، العدد: (72)، (1983 م).
- برتراند راسل، أثر العلم في المجتمع، ترجمة: صباح الملوجي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، (ط 1/ 2008 م).
- برتراند راسل تاريخ الفلسفة الغربية ترجمة زكي نجيب محمود، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، (ط/ 2010 م). - برتراند راسل لماذا لست مسيحيا، ترجمة: عبدالكريم ناصيف، دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، بيروت، (ط 1/ 2015).
- برتراند راسل، ما الذي أؤمن به، ترجمة: عدي الزعبي، دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع، دمشق، ط 1/ 2015 م).
- برتراند راسل النظرة العلمية، ترجمة: عثمان، نويه دار المدى للثقافة والنشر، دمشق،
(ط 2008/ 1 م).
- برنارد ف. ديك، تشريح الأفلام، ترجمة: محمد الأصبحي، منشورات وزارة الثقافة، دمشق،
(ط/ 2013 م).
- بلوتارك، تاريخ أباطرة وفلاسفة اليونان، ترجمة: جرجيس فتح الله، الدار العربية للموسوعات، بيروت (ط 2010/ 1 م).
- بليز باسكال خواطر ترجمة إدوار البستاني اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت، (ط/1972 م).
- بول ديفيز وجوليان براون، الأوتار الفائقة، ترجمة: أدهم السمان، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق، (ط 1997/ 2 م).
- بول ديفيز، التدبير الإلهي الأساس العلمي لعالم، منطقي، ترجمة: محمد الجورا، دار الحصاد للنشر والتوزيع، دمشق، (ط 2009/ 1 م).
- بول ديفيز، الجائزة الكونية الكبرى ترجمة: سعد الدين خرقان، منشورات الهيئة السورية العامة للكتاب، دمشق (ط 2011/ 1 م).
VI. (1/710)
صفحة 711
- بول ديفيز الله
(ط 2013/ 1 م).
المصادر والمراجع
والفيزياء الحديثة، ترجمة هالة العوري صفحات للنشر والتوزيع، سويا
- بير دوكاسية الفلسفات الكبرى ترجمة جورج، يونس منشورات عويدات، بيروت (ط 1983/ 3 م).
- بيل برايسون، موجز تاريخ كل شيء تقريبا، ترجمة: أسامة محمد إسبر، مكتبة العبيكان، الرياض، (ط 2016/ 2 م).
- تزفيطان طودوروف، الأدب في خطر، ترجمة: عبدالكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر، المغرب، (ط 1/ 2007 م).
- تشارلز داروين أصل الأنواع ترجمة إسماعيل مظهر مكتبة التنوير للطباعة والنشر، بيروت، (ط 3/ 2015 م).
- تشارلز سايف فك شفرة الكون، ترجمة: أيمن أحمد عياد، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، (ط 1/ 2012 م).
- تشاكرامارتي رام پرساد، الفلسفة الشرقية، ترجمة: وفيق فائق، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق (ط 2010 م).
- تولستوي اعتراف تولستوي ترجمة: الأرشمندريت أنطونيوس بشير، دار سؤال للنشر، بيروت، (ط 1/ 2015 م).
- توما الإكويني، الخلاصة اللاهوتية، ترجمة: الخوري بولس عواد، المطبعة الأدبية، بيروت، (ط/ 1861 م).
- جاكلين روس مغامرة العقل الأوربي، قصة الأفكار الغربية، ترجمة: أمل ديبو، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، أبو ظبي، (ط 1/ 2011 م).
- جان ألكسان، السينما في الوطن العربي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد: (51)، (1982 م).
- جفري بارندر، المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ترجمة: إمام عبدالفتاح إمام، سلسلة عالم المعرفة، العدد: (173)، (1993 م).
711 (1/711)
صفحة 712
مناجزة الإلحاد
- جفري براون، تاريخ أوروبا الحديث، ترجمة: علي المرزوقي، الأهلية للنشر والتوزيع، مصر، (ط 1/ 2006 م).
- جورج سادول، تاريخ السينما في العالم، ترجمة: إبراهيم الكيلاني وفايز كم نقش، منشورات عويدات، بيروت، ط 1/ 1968 م).
- جورج سانتيانا الإحساس بالجمال، ترجمة: محمد مصطفى بدوي، مكتبة الأسرة، مصر،
(ط/ 2001 م).
- جوزيف نيدهام موجز تاريخ العلم والحضارة في الصين، ترجمة: محمد غريب جودة، الهيئة المصرية العامة للكتاب (1995 م). - جوليان باجيني الفلسفة موضوعات مفتاحية، ترجمة: أديب يوسف، دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، (ط 1/ 2010 م).
- جون كولر، الفكر الشرقي القديم، كامل يوسف حسين، سلسلة عالم المعرفة، العدد: (199)، (1995 م).
- جون لوك، رسالة في التسامح، ترجمة: منى أبو سنة، المجلس الأعلى للثقافة، مصر،
(ط 1/ 1997 م).
جون، هرمان تكوين العقل الحديث ترجمة جورج طعمه دار الثقافة، بيروت، ط/
لا توجد).
- جيل کريستيانسن، إسحاق نيوتن والثورة العلمية، ترجمة: مروان البواب، مكتبة العبيكان الرياض، ط 1 2005 م).
6
- جيم. ولتر الهرطقة في المسيحية ترجمة جمال سالم دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، (ط/ 2007 م).
- جيمس ب كونانت مواقف حاسمة في تاريخ العلم، ترجمة: أحمد زكي، دار المعارف القاهرة، (ط 2/ 1963 م).
- جيمس كولينز الله في الفلسفة الحديثة، ترجمة: فؤاد كامل دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، (ط/ 1998 م).
712 (1/712)
صفحة 713
المصادر والمراجع
- جيمس واتسون اللولب المزدوج ترجمة أحمد مستجير دار العين للنشر، القاهرة،
(ط 1/ 2009 م).
- حميد زنار، في نشأة الكون والحياة والإنسان دار الأمان، الرباط، (ط 1/ 2013 م). - خه جاو، وآخرون، تاريخ تطور الفكر الصيني ترجمة عبد العزيز حمدي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، (ط 1/ 2004 م).
- دافيد فيرجسون حوار الإيمان ومنتقديه ترجمة منير العلي، دار الفارابي، بيروت،
(ط 1/ 2014 م).
- دنيس بولم، الحضارات الإفريقية، ترجمة: علي شاهين منشورات دار مكتبة الحياة،
بيروت، ط/ 1974 م).
دوستويفسكي، الإخوة كارامازوف ترجمة سامي الدروبي المركز الثقافي العربي
بيروت، (ط 1/ 2010 م).
،
- دونالد جيليز فلسفة العلم في القرن العشرين ترجمة: حسين علي، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، (ط 1/ 2009 م).
- ديفيد إيه، روذري الكواكب، ترجمة: هاني فتحي سليمان مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، (ط 1/ 2016 م).
- ديفيد بيرلنسكي، وهم الشيطان: الإلحاد ومزاعمه العلمية، ترجمة: عبدالله الشهري، مركز دلائل، الرياض، (ط 1/ 2016 م).
- ديفيد هيوم، مبحث في الفاهمة البشرية ترجمة موسى وهبة، دار الفارابي، بيروت، (ط 1/ 2008 م).
- ديفيد هيوم، محاورات في الدين الطبيعي، ترجمة: محمد فتحي الشنيطي، مكتبة القاهرة الحديثة، (ط 1956/ 1 م).
- روبرت دفلن فسيولوجية النبات، ترجمة: عبد الحميد بن حميدة ومحمد الجيلاني وحازم الألوسي، (ط/ لا توجد).
- روبرت ل. بارك، الخرافة الإيمان في عصر العلم، ترجمة: حيدر السعدي، (طلا توجد).
713 (1/713)
صفحة 714
مناجزة الإلحاد
- روبرت أجروس، وجورج ستانسيو، العلم في منظوره الجديد، ترجمة: كمال خلايلي، سلسلة عالم المعرفة عدد (134) فبراير (1989 م).
- روجر بنروز، عقل الإمبراطور الجديد، ترجمة: محمد الأتاسي وبسام المعصراني، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق، (ط 1998/ 1 م).
روجر بنروز، وآخرون فيزياء العقل البشري ترجمة عنان الشهاوي، كلمات عربية للترجمة والنشر، أبو ظبي، (ط 2009/ 1 م).
- ريتشارد تارناس، آلام العقل الغربي، ترجمة: فاضل جتكر، العبيكان، السعودية، (ط 1 2010 م).
- ريتشارد دوكنز، أعظم استعراض فوق الأرض، ترجمة: مصطفى إبراهيم فهمي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، (ط 1/ 2014 م).
- ريتشارد دوكينز، الجينة الأنانية، ترجمة تانيا ناجيا دار الساقي، بيروت، (ط 1/ 2009 م).
- ريتشارد دوكنز وهم الإله، ترجمة: بسام بغدادي، (ط 2/ 2009 م). - ريتشارد دوكينز، صانع الساعات الأعمى، ترجمة: مصطفى إبراهيم فهمي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، (ط/ 2002 م).
- زيغريد هونكة، شمس العرب تسطع على الغرب، ترجمة: فاروق بيضون، وكمال دسوقي، دار الجيل-بيروت، (ط 8/ 1993 م).
- س. داميكا، سؤال جيد جواب جيد حول البوذية، ترجمة: محمد شيث، جمعية بوذا دارما التعليمية المحدودة، (الإصدار الأول / 2002 م).
- سبتينو موسكاتي الحضارات السامية القديمة، ترجمة: السيد يعقوب بكر، دار الكاتب الرقي، بيروت، ط/ 1986 م).
- ستيفن هوكنج الثقوب السوداء، ترجمة: حاتم النجدي، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، سوريا، (ط 2/ 2004 م).
- ستيفن هوكنج، موجز تاريخ الزمن ترجمة: أدهم السمان دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، سوريا، (ط 4/ 2008 م).
714 (1/714)
صفحة 715
المصادر والمراجع
- ستيفن هوكينج وليونارد مولدينوو، التصميم العظيم، ترجمة: أيمن أحمد عياد، دار التنوير
للطباعة والنشر، بيروت، ط 2/ 2015 م).
ستيفن وانبرغ، أحلام الفيزيائيين، ترجمة: أدهم السمان دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق (ط 2/ 2006 م).
- ستيوارت ها مبشر عصر العقل ترجمة: ناظم طحان دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية
(ط 2/ 1986 م).
-
سي أس لويس المسيحية المجردة، ترجمة: سعيد ف. باز أوفير للطباعة المتخصصة والنشر، عمان، (ط 1/ 2006 م).
- شارل سنيوبوس تاريخ حضارات العالم ترجمة: محمد كرد، الدار العالمية للكتب والنشر، الجيزة، (ط 1/ 2012 م).
- صامويل هنتنجتون صدام الحضارات: إعادة صنع النظام العالمي، ترجمة: طلعت الشايب (ط 2 1999 م).
- علي عزت بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب ترجمة محمد عدس دار الشروق القاهرة، (ط 2016/ 7 م).
- غوردون فريزر وآخرون، البحث عن اللانهاية، حل أسرار الكون، ترجمة: مكي الحسني
وأحمد حصري، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، سوريا، (ط 1/ 1997 م).
- غوستاف لوبون، روح الثورات والثورة الفرنسية، ت: عادل زعيتر، كلمات عربية للترجمة والنشر، (ط/ لا توجد).
- فرانس وود ماركو بولو هل وصل إلى الصين ترجمة: فاضل جتكر، قدمس للنشر والتوزيع، دمشق، (ط 1/ 1999 م).
- فرانسوا جوليان، جدل في الأخلاق، ترجمة: خديجة الكسوري وآخرون، دار الجنوب للنشر، تونس (ط 2004 م).
- فرانك كلوس فيزياء الجسيمات ترجمة محمد فتحي خضر، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، (ط 1/ 2014 م).
V 10 (1/715)
صفحة 716
مناجزة الإلحاد
- فريد سباير، التاريخ الكبير ومستقبل البشرية، ترجمة: عزت عامر، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، (ط 1/ 2015 م).
- فوير باخ، أصل الدين، ترجمة: أحمد عبدالحليم عطية المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، لبنان، (ط 1/ 1991 م).
- فيكتور جون استنجر، الله الفرضية الفاشلة، ترجمة: كمال طاهر، (طلا توجد). - فيليب، بول العناصر ترجمة أحمد شكل مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، (ط 1/ 2016 م).
- كارل ساجان، الكون، ترجمة: نافع أيوب سلسلة عالم المعرفة، الكويت، الرقم: (168)، أكتوبر، (1993 م).
- كارل ساجان كوكب الأرض، ترجمة: شهرت، العالم سلسلة عالم المعرفة، الكويت، الرقم: (254)، فبراير (2000 م).
- کارن آرمسترونغ، الله لماذا، ترجمة: فاطمة نصر، ووهبة محمود، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، (ط 2010/ 1 م).
- كريس إمبي نهاية كل شيء، ترجمة: إيناس المغربي، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، ط 1/ 2014 م).
- کرين برنتون تشكيل العقل الحديث ترجمة شوقي جلال، دار العين للنشر، (ط/ خاصة، 2004 م).
کلود ب، لفنسون البوذية، ترجمة: محمد علي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت،
(ط 1/ 2008 م).
- كوينتن اسكنر، أسس الفكر السياسي الحديث، ترجمة: حيدر حاج، مركز دراسات الوحدة العربية لبنان (ط 1/ 2012 م).
- لوسيان غولدمان الإله الخفي ترجمة زبيدة القاضي الهيئة العامة السورية للكتاب،
دمشق (ط 2010 م).
716 (1/716)
صفحة 717
المصادر والمراجع
- لي ستروبل القضية الخالق، ترجمة: سليم إسكندر، وحنا يوسف، مكتبة دار الكلمة، القاهرة، (ط 1/ 2007 م).
- ليون ليدرمان وكريستوفر هيل التَّناظر والكون الجميل ترجمة نضال شمعون مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 1/ 2009 م).
- مارتن ريز، فقط ستة أرقام، ترجمة: جنات محمد وآخرون، دار الكاتب للنشر والتوزيع، القاهرة، (ط 1/ 2016 م).
- مارسيل غوشيه الدين في الديمقراطية ترجمة شفيق، محسن، مركز دراسات الوحدة العربية، لبنان، (ط 1/ 2007 م). - مايكل ألينجهام، نظرية الاختيار، ترجمة: شيماء طه الريدي، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، (ط 1/ 2016 م).
- مايكل بيهي وآخرون العلم ودليل التصميم في الكون، ترجمة: رضا زيدان مركز تكوين للدراسات والأبحاث، السعودية، (ط 1/ 2016 م).
- مايكل ليمونيك البحث عن الحياة في الكون، ترجمة: عمران قوبا، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر دمشق (ط 1 2002 م).
- مجموعة من المؤلفين، الموسوعة الفلسفية المختصرة، ترجمة: فؤاد كامل وآخرون، دار القلم، بيروت، طلا يوجد).
- محمد فتح خاني فلسفة الدين عند ديفيد هيوم ترجمة: حيدر نجف، المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية (ط 2016 م).
- مرتضى المطهري، التوحيد، ترجمة: عرفان، محمود مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر، بيروت، (ط 1/ 2003 م).
- مرتضى المطهري، دروس في الفلسفة الإسلامية ترجمة عبدالجبار الرفاعي، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، (ط 1429/ 2 هـ).
- مرتضى المطهري، العدل الإلهي ترجمة: محمد عبد المنعم الخاقاني، (ط/ لا توجد).
- مرسيا إلياد، تاريخ المعتقدات، ترجمة: عبد الهادي عباس دار دمشق، (ط 1/ 1989 م).
VIV (1/717)
صفحة 718
مناجزة الإلحاد
- مصطفى ملكيان العقلانية والمعنوية، ترجمة: عبدالجبار الرافعي وحيدر نجف، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، (ط 1/ 2010 م).
- موريس كروزيه، وآخرون تاريخ الحضارات العام، ترجمة: يوسف أسعد، وفريد داغر، منشورات عويدات، بيروت، (ط 2/ 1987 م).
- نانسي هيوستن، أساتذة اليأس، ترجمة: وليد السويركي هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، (ط 1/ 2012 م).
- نيل ديغراس تايسون وآخرون البدايات، ترجمة: محمد فتحي خضر، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة القاهرة (ط 1/ 2014 م). - هاينکه زودهوف معذرة كولومبوس لست أول من اكتشف أمريكا، ترجمة: حسين عمران مكتبة العبيكان الرياض، (ط 1/ 2001 م).
- همايون كبير، التراث الهندي من العصر الآري إلى العصر الحديث، ترجمة: ذكر الرحمن، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، (ط 1/ 2010 م).
- هنري برغسون، منبعا الدين والأخلاق، ترجمة: سامي الدروبي وعبدالله عبدالدائم، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، (ط/ 1971 م).
- هوبير ديشان، الديانات في أفريقيا السوداء، ترجمة: أحمد صادق حمدي، المركز القومي للترجمة القاهرة، العدد (1769)، (2011 م).
- هوستن سميث، أديان العالم، ترجمة: سعد رستم دار الجسور الثقافية، حلب، (ط 3/ 2007 م).
- هيرودوت، تاريخ هيرودوت، ترجمة: عبد الإله الملاح، المجمع الثقافي، أبو ظبي،
(ط 2001 م).
- واليس بدج، الديانة الفرعونية، ترجمة: نهاد خياطة دار علاء الدين، دمشق (ط 2/ 1993 م). - واليولا راهولا، بوذا، ترجمة: يوسف شلب الشام، (ط) لا يوجد).
- ول ديورانت قصة الحضارة، ترجمة محمد بدران، وآخرون، دار الجيل بيروت (ط 1 1992 م).
VIA (1/718)
صفحة 719
المصادر والمراجع
- ول ديورانت، قصة الفلسفة، ترجمة: فتح الله محمد المشعشع، مكتبة المعارف، بيروت،
(ط 1/ 2014 م).
- ول ديورانت، مباهج الفلسفة، ترجمة: أحمد فؤاد الإهواني، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة (ط 1955 م).
- ولتر ستيس، التصوف والفلسفة، ترجمة: إمام عبد الفتاح إمام، مكتبة مدبولي، القاهرة، (ط/ 1999 م).
- ولتر ستيس الدين والعقل الحديث، ترجمة: إمام عبد الفتاح إمام، مكتبة مدبولي القاهرة (ط 1/ 1998 م).
- ولتر ستيس، تاريخ الفلسفة اليونانية، ترجمة: مجاهد عبدالمنعم، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، (ط/ 1984 م).
- وليم جيمس، إرادة الاعتقاد، ترجمة: محمود حب الله، دار إحياء الكتب العربية، بيروت، (ط/ 1946 م).
- ويليام تي فومان، وداعا نظرية مركزية الأرض، ترجمة: أسامة فاروق عمر، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، (ط 1/ 2015 م).
- ويليام ديمبسكي وجوناثان، ويلز تصميم الحياة ترجمة مؤمن الحسن وآخرون، دار الكاتب للنشر والتوزيع، مصر، ط 1/ 2014 م).
- ياروسلاف تشرني، الديانة المصرية القديمة، ترجمة: أحمد قدري، دار الشروق، القاهرة، (ط 1/ 1996 م).
رابعًا: المراجع الأجنبية
- Andrei Linde, What Energy Drives the Universe, Without edition.
- Annual Review of Astronomy and Astrophysics, Vol. 20, P. 1, 1982.
Charles Robert Darwin, Life and Letters of Charles Darwin Series, Adamant
Media Corporation, 2001.
Christian De Duve, Life Evolving, Molecules, Mind, And Meaning, Oxford University Press, 2002.
719 (1/719)
صفحة 720
مناجزة الإلحاد
Max Born, natural philosophy of cause and chance.
- Max jammer, Einstein and Religion, 1999, by Princeton University.
Norman L. Geisler, Peter Bocchino, unshakable foundations, by Bethany House, Publishers 2000.
Richard Dawkins, River Out of Eden, 1995, Printed in Great Britain by Clays Ltd, St Ives plc.
- Richard p. Feynman. The Meaning of it All, London, penguin, 2007.
- robert jastrow, god and the astronomers. Toronto; George J. McLeod, 1992.
- Sigmund Freud, Psychoanalysis and Faith, Publishers, New York, 1963. The Fallacy of Fine-Tuning Luke A. Barnes.
The kalam cosmological argument, William craic and James D. Sinclair, Without edition.
U.S. Religious Landscape Survey, Religious Affiliation: Diverse and Dynamic, 2008.
William Rowe, Atheism in Edward Craig, ed The Shorter Rouledge Encyclopedia of Philosophy (New York: Routledge, 1998).
خامسا: المجلات والمواقع الإلكترونية
- أحمد إبراهيم خضر، الفروق بين المفهوم والمصطلح والتعريف، شبكة الألوكة، (2/
3/ 2013 م):
http://www.alukah.net/web/khedr/051050/
- الأدب الوجودي، شبكة الألوكة، (2009/ 12/17 م):
http://www.alukah.net/literature_language/08783/
- الإصدار الثاني للإلحاد:
https://www.ted.com/talks/alain_de_botton_atheism_2_0
720 (1/720)
صفحة 721
المصادر والمراجع
- الاضطراب النفسي: الكذب غير المعقول)
http://www.goodtherapy.org/blog/psychpedia/compulsive-lying
- آلان جوث: فرضية الأكوان المتعددة:
news.nationalgeographic.com/news/2014140318 - /03/multiverse-inflation-big-
bang-science-space
- برنامج بعد الصلاة مناظرة الإسلام والإلحاد
https://www.youtube.com/watch?v=0 TtxlpRqzXE
- برنامج متلفز، أندري أندي:
https://www.youtube.com/watch?v=ENWttTJM 79 s&feature=youtu.be
- البهيمية في سويسرا:
http://www.independent.co.uk/news/world/fears-over-rise-in-horse-sex-abuse-
in-switzerland-a 6751841.html
http://atheistcensus.com
http://www.deism.com/deism_defined.htm
- تعداد الملحدين:
- تعريف (الربوبية):
- التغريب، الندوة العالمية للشباب الإسلامي، موقع صيد الفوائد:
http://www.saaid.net/feraq/mthahb/76.htm
- تغريدة ريتشارد دوكنز على (تويتر)، (201/ 3/14 م):
https://twitter.com/RichardDawkins/status/312320023035273216
- جريدة الشرق الأوسط، بتاريخ: (5/يوليو/2012 م):
http://archive.aawsat.com/details.asp?section=54&issueno=12273&artic
le=684900#.WGIYTuaffl 4
جلال حبش الإلحاد هو الفطرة، الحوار المتمدن، العدد (2997)، (2010/ 5/6 م):
721 (1/721)
صفحة 722
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=214311
مناجزة الإلحاد
- جيم هولت، لماذا. يوجد شيء بدلا من لا شيء:
- جين الألوهية:
https://www.ted.com/talks/jim_holt_why_does_the_universe_exist/transcript
http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC 2262126
- الحلقة السابعة والعشرون من برنامج بالقرآن اهتديت:
https://www.youtube.com/watch?v=g 9 fvNj-VNcI
- حمزة الحسن، عبد الله القصيمي، المتمرد القادم من الصحراء الحوار المتمدن، العدد:
(357)، بتاريخ: (2003/ 1/3 م):
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=4712
- حوار مسجل بعنوان: إذا لم يكن لديك من الإيمان ما يكفي لتكون ملحدا، (يوتيوب):
- حوار مع آلان سانداج:
https://www.youtube.com/watch?v=4 xZtSuueBek
http://www.leaderu.com/truth/1 truth 15.html
- حوار مع دوكنز، منتدى التوحيد: (11/ 1/ 2010 م):
http://www.eltwhed.com/vb/showthread.php?26485
- خالد الدريس دراسة غالوب عن نسبة الإلحاد، (2013/ 6/14 م):
http://tafkeeer.com/play-956.html
https://yemen-press.com/news 86187.html
- دراسة عن أكثر الدول في نسبة الخيانة الزوجية:
- دراسات عن فطرية الإيمان في البشر:
http://www.telegraph.co.uk/news/religion/3512686/Children-are-born-
believers-in-God-academic-claims.html
- دراسة المجلة العلمية الشهيرة (ساينتفيك أمريكان) تحت عنوان (إننا لا نثق في الملحدين):
http://www.scientificamerican.com/article/in-atheists-we-distrust
722 (1/722)
صفحة 723
- دراسة جامعة (أكسفورد)، الإيمان جزء من الطبيعة البشرية:
المصادر والمراجع
http://www.telegraph.co.uk/news/politics/8510711/Belief-in-God-is-part-of-
human-nature-Oxford-study.html
- دراسة عن نسبة الحروب الدينية عبر التاريخ البشري:
http://carm.org/religion-cause- war#footnote 3_s 05 weal
- دعاء الدسوقي، الشيطان لا يكمن في التفاصيل، مجلة فيتو الإلكترونية، (15/ 2013/9 م):
http://www.vetogate.com/581456
- الرب أعطانا عقلا لا دينا مدونة الربوبي العربي، (26/ 8/ 2009 م):
http://arabicdeist.blogspot.com
- ريتشارد دوكنز، كيف لسلوك مكتسب أن يتحول إلى غريزة موروثة، (يوتيوب):
https://www.youtube.com/watch?v=foQslUObzKI
ساطع الحصري حول القومية العربية منتديات الوحدة العربية:
https://harakawahida.files.wordpress.com
http://www.elcinema.com
http://www.sofn.org.uk
http://press.princeton.edu/titles/9165.html
- السينما دوت كوم:
- شبكة بحر الإيمان
- طبيعة الفضاء والزمن
- فاطمة محمد أدب العبث موقع منصة المترجم، (19/ 12/ 2012 م):
http://www.moutarjam.com/absurdist-fiction
- فضائح إلحادية، منتدى التوحيد، (23/ 4/ 2013 م):
http://www.eltwhed.com/vb/showthread.php?52441
723 (1/723)
صفحة 724
مناجزة الإلحاد
- فهد الأحمدي، ابن الشاطر القائد الحقيقي للثورة الأوروبية الحديثة، صحيفة الرياض الإلكترونية (2014/ 12/4 م):
http://www.alriyadh.com/1000270
- قراءة في نتائج بعض التقارير والاستطلاعات، الدولية مركز نماء للبحوث والدراسات
http://nama-center.com/ActivitieDatials.aspx?id=101
(17/7/ 2012 م):
- القمص تادرس يعقوب، تفسير سفر المزامير مزمور (14):
http://st-takla.org/pub_Bible-Interpretations/Holy-Bible-Tafsir-01 - Old- Testament/Father-Tadros-Yacoub-Malaty/21 - Sefr-El-Mazameer/Tafseer-Sefr-El-
Mazamir_01 - Chapter-014.html
http://www.salon.com/200708/08//clarkson
- كاميليا باجيلا مقالة بتاريخ: 2007/ 8/8 م):
- كمال الحيدري، برهان فلسفي على وجود الله:
www.youtube.com/watch?v=rDdGK 5 v 59 vg
- كمال قبيسي، مقالة: مليار ملحد في العالم العربية نت، (19/ 12/ 2012 م):
http://www.alarabiya.net/articles/2012255962/19/12/.html
- اللانهائية في العالم المادي:
https: //skullsinthestars.com/201418/01//infinite-series-not-quite-as-weird-as- some-would-say
- الله يتجلى في الجمال، مصطفى اليحفوفي، مجلة رسالة النجف الإلكترونية، العدد السابع
والثامن: (2006/ 2007 م):
http://www.al-najaf.org/resalah/78 - /8 - jamal.htm
- لورانس كراوس، لماذا يوجد شيء بدلا من لا شيء، (يوتيوب):
https://www.youtube.com/watch?v=vrrQsy_-LRY
724 (1/724)
صفحة 725
المصادر والمراجع
- ما هي الموجات الثقالية:
http://arabic.cnn.com/scitech/201610/02//sc-100216 - gravitational-waves
- مجلة (Nature) الإلكترونية، (1998 م):
http://www.stephenjaygould.org/ctrl/news/file 002. html
- مجلة الحوار المتمدن، العدد: (2682)، (2009/ 6/19 م):
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=175511
- مجلة الكاردينيا الإلكترونية فنجان قهوة مع مستشار الطب النفسي ريكان إبراهيم،
(2013/ 9/16 م):
http://www.algardenia.com/fanjanqahwa/639222 - 57 - 09 - 16 - 09 - 2013 - .html
- مجلة المجمع العلمي العراقي، العدد (16) - (1968/ 3/1 م). والعدد (22) – (1973/ 3/1 م). - مجلة براهين مركز براهين لدراسة الإلحاد ومعالجة النوازل العقدية، العدد الأول، (2014 م). والعدد الثاني، (2014 م).
- محمد باسل الطائي ستيفن هوكينج وخلق العالم الحوار المتمدن، العدد: (3150)، بتاريخ: (2010/ 10/10 م):
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=231582
- مجلة (ساينتفيك أمريكان) مقالة: (إننا لا نثق في الملحدين):
http://www.scientificamerican.com/article/in-atheists-we-distrust
- مساجلة دوكينز وستيفن واينبرغ
http://suffolkhands.org.uk/2008764/07/
- مسعود ضاهر، كتب وقراءات، تاريخ الفكر الصيني:
www.caus.org.lb/Home/down.php?articleID=4807
- مشكلة الشر والألم في الحياة:
https://www.difa 3 iat.com/18919.html
- مصطفى راشد الحوار المتمدن، العدد: (4526)، (28/ 7 / 2014 م):
725 (1/725)
صفحة 726
http://www.ahewar.org/debat/s.asp?aid=425949
مناجزة الإلحاد
- معهد غالوب الدولي:
http://www.gallup.com
- مقالة مرفت الحطيم، (866) ملحدا في مصر، مجلة روز اليوسف، (2014/ 12/2 م):
http://www.rosa-magazine.com/News/11212
- مناظرة لورانس كراوس وحمزة تزورتزس: الإسلام أم الإلحاد؟! (يوتيوب):
https://www.youtube.com/watch?v=YNmKIQAoA 9 M
- مناف الحمد، إشكالية مصطلح الله في الثيولوجيا الليبرالية، موقع أنفاس الإلكتروني،
بتاريخ: (2015/ 10/2 م):
http://anfasse.org/20106303/12 - 29 - 17 - 05 - 12 - 2010/13 - 04 - 16 - 30 - 12 -
- الموسوعة العربية العالمية:
- الموسوعة العربية المسيحية:
الموسوعة الماركسية
- الموسوعة. كوم:
https://www.arab-ency.com
www.christusrex.org
www.marxists.org
http://alencyclopedia.com
- المنظمة العالمية لمنع الانتحار:
https://www.iasp.info
- ميكانيكا الكم حقائق وأساطير:
http://link.springer.com/article/10.1007/s 107019176 - -007 - y
- نظرة الغرب إلى الملاحدة أمريكا:
https://live.washingtonpost.com/why-do-americans-hate-atheists-herb-
silverman.html
726 (1/726)
صفحة 727
المصادر والمراجع
- نظرة الغرب إلى الملاحدة البرازيل:
https://live.washingtonpost.com/why-do-americans-hate-atheists-herb-
silverman.html
- نظرة الغرب إلى الملاحدة في إيرلندا:
http://www.irishtimes.com/opinion/why-must-agnostics-be-obliged-to-teach-
faith-1.616580
- نظرة الغرب إلى الملاحدة في اليونان:
http://www.keeptalkinggreece.com/201416/01//elder-pastitsios-satire-greek-
blogger
- نظرة الغرب إلى الملاحدة في بعض المدن والدول الغربية (1):
http://www.alternet.org/story/10/151241_scariest_states_to_be_an_atheist
- نظرة الغرب إلى الملاحدة في بعض المدن والدول الغربية (2):
http://www.huffingtonpost.com/201416/01//atheists-
discrimination_n_4413593.htm
- نظرية التفرد لآلن جوث:
http://creationwiki.org/Borde-Guth-Vilenkin_singularity_theorem
- نظرية الكون المتذبذب:
http://media.isnet.org/kmi/off/Xtian/Triunity/crunch.html
http://www.saaid.net/feraq/mthahb/htm 105
- الواقعية، موقع صيد الفوائد:
- ويليام لاين کريغ برهان الإمكان الكوزمولوجي:
http://hekmah.org/%D 8%A 8%D 8%B 1%D 987%%D 8%A 7%D 986%%D 9
727 (1/727)
صفحة 728
للاطلاع على قائمة إصداراتنا:
بيت الغشام للصحافة والنشر والإعلان
@ bait.alghsham (1/728)