صفحة 1
مادة سمعية مفرغة: موقف الإباضية من عثمان وعلي ومسائل أخرى - نسخة ثانية - لأحمد الخليلي بسم الله الرحمن الرحيم
السؤال: من النقاط التي طالما تجول بخاطري ، وتثير التساؤل في ذهني نقطة موقف الإباضية من عثمان وعلي رضي الله عنهما، ولا أخفي عليك أنني أكن لهما حبًّا عظيماً كما أكنه لعمر وأبو بكر رضي الله عنهما وهذا يخلق نوعاً من التضارب في ذهني بين ما عرفته طول حياتي عن عمر وأبو بكر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - وبين ما أسمعه من رأي الإباضية في هذا الموضوع ؟
جواب سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عُمان: إنني أعتقد أن لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منزلة كبرى فقد أثنى الله - سبحانه وتعالى - عليهم في كتابه في قوله: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانَا سِيمَاهُمْ في وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ في التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ في الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفًّارُ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) وأثنى عليهم الحق في قوله تعالى: ((لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمنِيِنَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا في قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِيَنَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) وفي قوله: ((لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حَاجَةً (1/1)
صفحة 2
مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ)).
وإنني لحريص جداً على دخولي في ضمن الذين قال الله تعالى عنهم : ((وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)) . وإنني أعتقد أن أحدنا لو أنفق مثل أُحُدٍ ذهباً لما ساوى ذلك مُدَّ أحدهم أو نصيفه كما أخبر عن ذلك رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ، وإنني لحريص جداً على طَيِّ صفحة الفتنة التي كانت بينهم، ولم أكن أريد أن يتحدث لساني أو أن يكتب قلمي شيئاً عن تلك الفتن عملاً بقوله تعالى : ((تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) وهذا المبدأ هو الذي أعلنه الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - إذ قال: ((تلك دماء طهر الله منها أَسِنَّتَنَا أفلا نطهر منها ألسنتنا )). وهو نفسه الذي قاله الإمام نور الدين السالمي:
فَمَا مَضَى قَبْلَكَ لَوْ بِسَاعَة ... فَدَعْهُ لَيْسَ البَحْثُ عَنْهُ طَاعَة
وفي قوله :
نَحْنُ الأُولَى نَسْكُتُ عَمَّنْ قَدْ مَضَى وَلا نَعُدُّ الشَّتْمَ دِيناً يُرْتَضَى
فَهَذِهِ بِلادُنَا لا تَلْقَى فِيهَا لِسَبِّ الصَّحْبِ قَطُّ نُطْقًا
وَهَكَذَا كُلُّ بِلادِ المَذْهَبِ مَعَ كُلِّ عَالِمٍ وَمَعَ كُلِّ غَبِي
جَاهِلُنَا لا يَعْرِفُ الخِلافَا بَيْنَهُمُ حَتَّى المَمَاتَ وَافَى
وَعَالِمٌ بِالإخْتِلافِ يُمْضِي فِي السِّرِّ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ فَْرضِ
إلى آخر ما قاله .. (1/2)
صفحة 3
وإذا كنت أكره شيئاً من التاريخ، فإنني أكره ذلك التاريخ، تاريخ الفتنة العمياء التي نجمت بين أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأدَّت إلى تفرق هذه الأمة إلى أشلاء مُمَزَّعَة حتى طمع فيها عدوها، ولو كان بإمكاني محو هذه الدمغات السوداء من صحائف التاريخ ومن أذهان الناس لفعلت، لتعود الوحدة بين هذه الأمة، ولكن أنَّى لي أن أعمل ذلك، والقدر قد كتب ما كتب، والله - سبحانه وتعالى - لا رادَّ لحكمه، ولا معقب له، وكل ما يحدث في هذا الوجود إنما هو بقضاء وقدر منه - سبحانه وتعالى - .
ولست هنا بصدد الحكم في تلك الفتنة العمياء، ولا على أحد ممن خاض في تلك الفتنة أو ممن أصيب بشيءٍ من شررها، وإنما كل ما أريده الآن هو دفع التهم التي تُوجه إلى الإباضية ؛ بأنهم يُعادون بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وينالون من كرامتهم، والذي أريد أن أقوله : أن الإباضية ليسوا وحدهم في هذا الميدان، فكثير من الناس تحدثوا عن تلك الفتنة ودوَّنوا ما حدث فيها، وقد كان موقف الإباضية كموقف غيرهم من الذين تحروا الحقيقة ، مجرَّد ذكر تلك الأحداث العظيمة التي وقعت في ذلك العصر .
ولا ريب أن الخلافة الإسلامية قد وَلَجَ إليها ما ولج بعدما كبر الخليفة الثالث واستولى الرجال على أمره كما أثبت ذلك المؤرخون، وكان على رأس هؤلاء الذين أوقدوا هذه الفتنة العمياء مروان بن الحكم، إبن طريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . (1/3)
صفحة 4
ونحن إذا جئنا نتدبر ما قاله القائلون وما كتبه الكاتبون، وجدنا أن الناس كانوا غير راضين عن تلك الفتنة، فلنسمع إلى أحد الخطباء ألقى خطبته أمام الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه- وهو عبد الله بن الأهتم الذي وفد مع الوافدين إلى الخليفة العادل، بعدما وليَ الخلافة ، ولم يُرَع الخليفة إلا وعبد الله بن الأهتم يخطب بدون استئذان منه، حمد الله تعالى في خطبته وأثنى عليه وصلى على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، ثم ذكر جانباً من سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وما واجهه من تحديات من قِبَلِ قومه، ثم ذكر الخليفة الأول، ثم ذكر الخليفة الثاني، ثم قال بعد ذلك: (ثم إنّا والله لم نجتمع بعدهما إلا على ضلع أعوج) وهذه الخطبة موجودة في الجزء الرابع من كتاب "العقد الفريد" لابن عبد ربه ، وموجودة أيضاً في "البيان والتبيين" ؛ أما في " العقد الفريد " فهي في الصفحة 94 من الجزء الرابع وكلامه يعني انتقاد الأوضاع بعد عهد الخليفتين أبي بكر وعمر، وكذلك جاء في كثير من الكتب ذكر بعض الأحداث التي وقعت في عهد عصر الخليفة الثالث عثمان ابن عفان بعدما بلغ من الكبر عِتِياًّ، وتَدَخَّلَ مروان بن الحَكَم في أمر المسلمين، ولنسمع إلى ما يقوله ابن قتيبة صاحب كتاب "الإمامة والسياسة" يقول في الصفحة 35 من الجزء الأول من هذا الكتاب تحت عنوان "ما أنكر الناس على عثمان" قال : وذكروا أنه اجتمع أناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فكتبوا كتاباً ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنة صاحبيه، وما كان من هِبَتِهِ خُمْسَ إفريقية لمروان وفيه حق الله ورسوله، ومنهم ذوي القربى واليتامى والمساكين، وما كان من تطاوله في البنيان حتى عدوا سبعة دور بناها في المدينة، داراً لنائلة وداراً لعائشة وغيرهما من بناته وأهله، وبنيان مروان القصور بذي خُشب، وعمارته للأموال من الخُمْس الواجب (1/4)
صفحة 5
لله ورسوله، وما كان من إفشائه العمل والولايات في أهله وبني عمه من بني أمية أحداث وغلمه ، لا صحبة لهم من الرسول ولا تجربة لهم بالأمور، وما كان من الوليد بن عقبة بالكوفة -وهو أمير عليها- إذ صلى بهم الصبح وهو سكران أربع ركعات، ثم قال لهم : إن شئتم أزيدكم صلاةً زدتكم ثلاثاً، وتعطيله إقامة الحد عليه، وتأخيره ذلك عنه، وتركه المهاجرين والأنصار لا يستعملهم على شيء، ولا يستشيرهم واستغنى برأيه عن رأيهم، وما كان من الحِمَى الذي حمى حول المدينة، وما كان من إدراره القطائع والأرزاق والأعطيات على أقوام بالمدينة ليس لهم صحبة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم لا يغزون ولا يذبُّون، وما كان من مجاوزته الخيزران إلى السوط، وأنه أول من ضرب بالسياط ظهور الناس، وإنما كان ضرب الخليفتين قبله بالدُّرَّة والخيزران. (1/5)
صفحة 6
ثم تعاهد القوم ليدفعُنَّ الكتاب في يد عثمان، وكان ممن حضر الكتاب عمار بن ياسر والمقداد بن الأسود، وكانوا عشرة، فلما خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلى عثمان والكتاب في يد عمار جعلوا يتسللون عن عمار حتى بَقِيَ وحده، فمضى حتى جاء دار عثمان، فاستأذن عليه فأذن له في يوم شاتٍ ، فدخل عليه وعنده مروان بن الحكم وأهله من بني أمية، فدفع إليه الكتاب فقرأه فقال له: أنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: نعم، قال: ومن كان معك؟ قال: كان معي نفر تفرقوا فَرقاً منك. قال: من هم؟ قال: لا أخبرك بهم؟ قال: فلم اجترأتَ عليّ من بينهم؟ فقال مروان: يا أمير المؤمنين إن هذا العبد الأسود - يعني عماراً- قد جَرَّأَ عليك الناس، وإنك إن قتلته نَكَّلْت به من ورائه فقال عثمان: اضربوه، فضربوه وضربه عثمان معهم حتى فتقوا بطنه، فغُشيَ عليه، فجروه حتى طرحوه على باب الدار، فأمرت به أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - فأُدخل منزلها، وغضب فيه بنو المغيرة- وكان حليفهم - فلما خرج عثمان لصلاة الظهر عرض له هشام بن الوليد بن المغيرة فقال: أما والله لئن مات عمار من ضربه هذا لأقتلن به رجلاً عظيماً من بني أمية، فقال عثمان : لست هناك... الخ ما جاء في كلامه) وهذا موجود في كتاب الإمامة والسياسة في الصفحتين 35 و36 من الجزء الأول وهو ليس من مؤلفات الإباضية.
وإذا جئنا إلى أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحاضر، نجد كثيراً منهم أيضاً تناولوا هذه الفتنة، وتحدثوا عما جرى فيها بكل جُرأة، ومن بين هؤلاء شهيد الإسلام الأستاذ سيد قطب في كتابه "العدالة الإجتماعية في الإسلام" فلنسمع بعض ما قاله الأستاذ قطب في صفحة 210 من الكتاب المذكور؛ يقول : (1/6)
صفحة 7
هذا التصور لحقيقة الحكم قد تغير شيئاً ما دون شك على عهد عثمان، وإن بقيَ في سياج الإسلام، لقد أَدْرَكَتْ الخلافة عثمان وهو شيخ كبير، ومن ورائه مروان بن الحكم يُصَرِّف الأمر بكثير من الإنحراف عن الإسلام، كما أن طبيعة عثمان الرَّخِيَّة، وحَدَبَه الشديد على أهله؛ قد ساهم كلاهما في صدور تصرفات أنكرها الكثيرون من الصحابة من حوله، وكانت لها معقِّبات كثيرة، وآثار في الفتنة التي عانى الإسلام منها كثيراً ، منح عثمان من بيت المال زوج ابنته الحارث بن الحكم يوم عرسه مائتي ألف درهم، فلما أصبح الصباح جاء زيد بن أرقم خازن مال المسلمين، وقد بدا في وجهه الحزن، وترقرقت في عينيه الدموع، فسأله أن يُعْفِيَه من عمله، ولما علم منه السبب وعرف أنه عطيته لصهره من مال المسلمين، قال مستغرباً: (أتبكي يا ابن أرقم أن وَصَلْتُ رَحِمي) فرد الرجل الذي يستشعر روح الإسلام المرهف: (لا يا أمير المؤمنين، ولكن أبكي لأني أظنك أخذت هذا المال عوضاً عما كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ والله لو أعطيته مائة درهم لكان كثيراً) فغضب عثمان على الرجل الذي لا يطيق ضميره هذه التوسعة من مال المسلمين على أقارب خليفة المسلمين، وقال له: (ألقِ بالمفاتيح يا ابن أرقم فإنا سنجد غيرك).
والأمثلة كثيرة في سيرة عثمان على هذه التوسعات، فقد منح الزبير ذات يوم ستمائة ألف، ومنح طلحة مائتي ألف، ونَفَل مروان بن الحكم خُمْس خراج إفريقية، ولقد عاتبه في ذلك ناس من الصحابة على رأسهم على بن أبي طالب فأجاب: (إن لي قرابة ورحماً) فأنكروا عليه وسألوه : فما كان لأبي بكر وعمر قرابة ورحماً ؟!) فقال: (إن أبا بكر وعمر كان يحتسبان في منع قرابتهما، وأنا أحتسب في إعطاء قرابتي) فقاموا عنه غاضبين يقولون: (فهديهما والله أحب إلينا من هديك). (1/7)
صفحة 8
وغير المال؛ كانت الولايات تُغْدَق على الولاة من قرابة عثمان، وفيهم معاوية الذي وسَّع عليه في الملك فضم إليه فلسطين وحمص، وجمع له قيادة الأجناد الأربعة، ومهَّد له بعد ذلك أن يطلب الملك في خلافة علي، وقد جمع المال والأجناد، وفيهم الحكم بن العاص طريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي آواه عثمان، وجعل ابنه مروان ابن الحكم وزيره المتصرف، وفيهم عبدالله بن سعد بن أبي السرح أخوه من الرضاعة.
ولقد كان الصحابة يَرَوْنَ هذه التصرفات خطيرة العواقب فيتداعون إلى المدينة لإنقاذ تقاليد الإسلام وإنقاذ الخليفة من المحنة، والخليفة في كبرته لا يملك أمره من مروان، وإنه لمن الصعب أن نتَّهِم روح الإسلام في نفس عثمان، ولكن من الصعب كذلك أن نعفيه من الخطأ الذي نلتمس أسبابه في ولاية مروان الوزارة في كبرة عثمان.
ولقد اجتمع الناس فكلَّفوا علي بن أبي طالب أن يدخل إلى عثمان فيكلمه، فدخل إليه، فقال: (الناس ورائي وقد كلموني فيك، والله ما أدري ما أقول لك؟ وما أعرف شيئاً تجهله، ولا أدُلُّك على أمر لا تعرفه، إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ولا خلونا بشيء فنبلغكه، وما خُصِصْنا بأمر دونك، وقد رأيتَ وسمعتَ وصحبتَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونلتَ صهره، وما ابن أبي قحافة بأولى بعمل الحق منك، ولا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك، وإنك أقرب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رُحماً، ولقد نلت من صهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لم ينالا، ولا سبقاك إلى شيء، فاللهَ اللهَ في نفسك، فإنك والله ما تُبَصَّرَ مِن عَمَى، ولا تُعَلَّم من جهل، وإن الطريق لواضح بيّن، وإن أعلام الدين لقائمة. (1/8)
صفحة 9
تعلم يا عثمان أن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هُدي وهَدى، فأقام سنة معلومة، وأمات بدعة متروكة، فوالله إن كِلاً لَبَيِّن، وإن السُّنَن لقائمة لها أعلام، وإن شر الناس عند الله إمام جائر ضلَّ وضُل به، فأمات سُنَّةً معلومة، وأحيا بدعة متروكة، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيلقى في جهنم)). فقال عثمان: (قد والله علمت ليقولن الذي قلت، أما والله لو كُنتَ مكاني ما عَنَّفْتُك ولا أسلمتك ولا عِبْتُ عليك، وما جِئْتُ مُنْكِراً أن وَصَلْتَ رحماً، وسَدَدتَ خَلَّة، وآويتَ ضائعاً، ووليت شبيهاً بمن كان عمر يولي، أنشدك الله يا علي هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك؟) قال: (نعم) قال: (أتعلم أن عمر ولاه؟) قال: (نعم) قال: (فلم تلوموني أن وليت ابن عامر في رحمه وقرابته؟) قال عليٌّ سأخبرك: ( إن عمر كان من ولى فإنما يطأ على صماخه إن بلغه عنه حرف جلبه، ثم بلغ به أقصى الغاية، وأنت لا تفعل، ضعفت ورفقت على أقاربك) قال عثمان: (وأقرباؤك أيضاً) قال علي: (لعمري إن رحمهم مني لقريبة، ولكن الفضل في غيرهم) قال عثمان: (هل تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها؟ فقد وليته؟) قال علي: (أنشدك الله؛ هل تعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من يرفأ غلام عمر منه؟) قال: (نعم) قال علي: (فإن معاوية يقطع الأمور دونك، وأنت لا تعلمها فيقول للناس هذا أمر عثمان فيَبْلُغُك ولا تغير على معاوية. (1/9)
صفحة 10
ثم يقول الأستاذ شهيد الإسلام بعد ذلك: وأخيراً ثارت الثائرة على عثمان واختلط فيها الحق بالباطل والخير بالشر، ولكن لا بد لمن ينظروا إلى الأمور بعين الإسلام ويستشعروا الأمور بروح الإسلام أن يقرروا أن تلك الثورة في عمومها كانت ثورة من روح الإسلام، وذلك دون إغفال لما كان وراءها من كيد اليهودي عبد الله بن سبأ عليه لعنة الله. هذا كله موجود في كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام من ص210 إلى ص212.
وكثير من الكاتبين تناولوا هذا الموضوع بالنقد والتحليل ومن بينهم العلامة الأستاذ المودودي في كتابه "الخلافة والملك" وكذلك في كتابه "التجديد لهذا الدين" وقد علل ما حدث في كتابه التجديد لهذا الدين بأن الخليفة الثالث جاءته الخلافة وقد بلغ من الكبر عتياً، وكان لم يُمْنَح المواهب التي أُوتيَها العظيمان اللذان تقدماه.
فهل الإباضية وحدهم الذين يتحدثون عن مثل هذه الأشياء، أو يكتبون عنها؟! وهل نستطيع القول بأن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا مجتمعين على كراهة ما حدث على عثمان ؟! مع أن عثمان لم يقتل غيلة، وإنما قتل بعد حصار دام نحو شهر، فهل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين افتتحوا مدائن كسرى وهزموا قيصر واستطاعوا أن يطأوا بأقدامهم على عرشيهما؛ هل كانوا عاجزين عن فك الحصار الذي كان مضروباً على عثمان لمدة شهر، وهم في عاصمة الإسلام في المدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام؟!!.
ولننقل هنا ما قاله ابن قتيبة أيضاً في كتاب (الإمامة والسياسة) في الصفحة 46 من الجزء الأول في دفن عثمان لنستجليَ الحقيقة، يقول: (1/10)
صفحة 11
وذكروا أن عبد الرحمن بن أزهر قال: (لم أكن دخلت في شيء من أمر عثمان لا عليه ولا له، فإني لجالس بفناء داري ليلاً بعدما قُتِل عثمان بليلة إذ جاءني المنذر بن الزبير فقال: (إن أخي يدعوك) فقمت إليه، فقال: (إنا أردنا أن ندفن عثمان فهل لك؟) فقلت: (والله ما دخلت في شيء من شأنه، وما أريد ذلك) فانصرفت عنه ثم اتبعته، فإذا هو في نفر فيهم جبير بن مطعم، وأبو الجهم بن حذيفة، والمسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير، فاحتملوه على باب، وإن رأسه ليقول: طق؛ طق. فوضعوه في موضع الجنائز، فقام إليهم رجال من الأنصار فقالوا لهم: (لا والله لا تصلون عليه) فقال أبو الجهم: (ألا تَدَعونا نصلي عليه فقد صلى عليه الله تعالى وملائكته) فقال له رجل منهم: (إن كنت فأدخلك الله مدخله) قال له: (حشرني الله معه) فقال له: (إن الله حاشرك مع الشياطين، والله إن تركناكم به لعَجْزٌ منا) فقال القوم لأبي الجهم: (اسكت عنهم وكف) فكف؛ فاحتملوه، ثم انطلقوا مسرعين، فكأني أسمع وقع رأسه على اللوح حتى وضعوه في أدنى البقيع، فأتاه جبلة بن عمر الساعدي من الأنصار فقال: (لا والله لا تدفنوه في بقيع رسول الله، ولا نترككم تصلون عليه) فقال أبو الجهم: (انطلقوا بنا إن لم نصل عليه فقد صلى الله عليه) فخرجوا ومعهم عائشة بنت عثمان معها مصباح في "حُقْ" حتى إذا أتوا به "حش كوكب" حفروا له حفرة، ثم قاموا يصلون عليه، وأمَّهم جبير بن مطعم، ثم دلُّوه في حفرته، فلما رأته ابنته صاحت، فقال ابن الزبير: (والله لئن لم تسكتي لأضربن الذي فيه عينيك) فدفنوه ولم يلحِّدوه باللبن، وحثوا عليه التراب حَثْواً . (1/11)
صفحة 12
فهذا الذي نقله ابن قتيبة، وهو من غير الإباضية، وهو يدل على موقف جماعة من الأنصار من هذه الفتنة، فهل يمكن بعد ذلك أن نحكم بأن الذين قتلوه هم رعاع الناس، جاءوا شُذاذاً من الآفاق إلى المدينة المنورة، فاستطاعوا أن يحققوا مقصدهم وأن يصلوا إلى غايتهم، وأن يصدعوا الإسلام بقتل خليفته، مع عجز المهاجرين والأنصار عن الكف عنه، إن ذلك مما لا يقبله المنطق السليم، وإنني مع ذلك كله لا أريد أن أعلِّق شيئاً على ما قاله المؤرخون، وأقول: إن العِهدة عليهم بأنفسهم، ولست أستطيع أن أحكم بشيء في تلك الأحداث العِظام، وإنما أقول ما قلته من قبل بأن السلامة في العمل بقوله الله سبحانه: ((تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) وإنما أردت بما ذكرته هنا تبرئة الإباضية من التهمة، فهم ليسوا وحدهم الذين يتحدثون عن هذه الأحداث التي وقعت في عهد الخليفة الثالث، وإنما ثمَّ كثير من المؤرخين والكاتبين من المتقدمين والمحدثين تحدثوا عنها، فكيف يُنحى باللوم على الإباضية وحدهم؟!! إن ذلك أمر لا يخلو من تعصب من هؤلاء الذين ينحون بالملامة على الإباضية، ويتركون غيرهم من الذين خاضوا في هذه الأحداث بالكلام !!.
أما بالنسبة إلى لخليفة الرابع الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فإن الإباضية لا يزيدون عن حكاية ما حدث في عهده، ولا ينالون من شخصه وهم أكثر الناس تقديراً له واحتراماً لصحبته رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقرابته منه، ويدركون كل الإدراك أنه من أفقه صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأكثرهم إطلاعاً على سيرته عليه أفضل الصلاة والسلام، وأكثرهم علماً بكتاب الله - سبحانه وتعالى - ، ولذلك كثيراً ما يأخذون بآرائه في الفقه كما هو واضح في كتب الفقه حتى في الأشياء التي لا يأخذ فيها الجمهور بآراء الخليفة الرابع الإمام علي كرَّم الله وجهه. (1/12)
صفحة 13
وإنما يذكرون قضية التحكيم، تحكيم الحكمين التي أُكره عليها الإمام عليٌّ، ولم يكن راضياً عنها، ونصحه كثير من أصحاب العقول والأفكار والبصائر عن قبول التحكيم، ولكن الظروف أجبرته على قبول التحكيم، ثم بعد ذلك انقلب أولئك الذين أرغموه على التحكيم إلى أولئك الذين رفضوا التحكيم بعد ظهور آثار التحكيم السلبية، فكان سبب في قتلهم وإبادة جمٍّ غفيٍر منهم، ونجد الأمة جلها تقف موقف غير المنصف في هذه القضية، فنجد أولئك الذين ناصروا الإمام علي، ووقفوا بجانبه وعضدوه، وحرصوا على أن لا تنال الخدعة شيئاً منه ولا من أمره، أولئك هم الذين يُرْمَوْنَ من قِبَل كثير من الكُتَّاب، فنجد أهل النهروان مُعرَّضين للنقد، ومعرضين للتكفير من قبل كثير من الكتاب، مع أنهم يعذرون الذين ثاروا على الإمام علي بقصد القضاء على الخلافة الإسلامية، وبقصد تحويلها إلى مُلك عضوض، فنجدهم يعذرون معاوية بن أبي سفيان، وأصحابه أهل الشام، بينما ينتقدون أهل النهروان ويقولون: إن معاوية مجتهد، وإذا كان معاوية مجتهداً، فلم لا يسوغ الاجتهاد لأهل النهروان ؟.
ويقولون أيضاً: إن معاوية كان من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإذا كان هذا مسوغاً لعُذره، فكثير من أهل النهروان أيضاً من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ ومنهم: حرقوص ابن زهير السعدي، وعبد الله بن وهب الراسبي، وآخرون؛ كانوا أيضاً من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وإذا جئنا إلى ما كتبه الإباضية في ذلك، نجد كِتابَتهم تتسم بالأدب والحشمة وتعظيم مقام الإمام علي واحترام قرابته من النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى في مقام العِتاب، لنسمع إلى أحدٍ من الذين عاتبوا الإمام علياً على قبوله تحكيم الحكمين، ماذا قال له؟ يقول العلامة أبو مسلم في قصيدته الرائية المشهورة "برائِية المحكمة" :
على أن عَلَتْ فوق الرِّماح مصاحفٌ ونادوْا إلى حُكْمِ الكتابِ نَصِيرُ (1/13)
صفحة 14
مَكِيدةُ عَمْروٍ حيث رَثَّتْ حِبالُهُ وكادتْ بُحُورُ القاسِطِينَ تَغُورُ
أبَا حَسَنٍ ذَرْها حُكُومَةَ فَاسِقٍ جِرَاحَاتُ بَدْرٍ في حِشَاهُ تَفُورُ
أبَا حَسَنٍ أَقْدِمْ فَأَنْتَ عَلَى هُدَىً وَأَنْتَ بِغَايَاتِ الغَوِيِّ بَصِيرُ
أبَا حَسَنٍ لا تُعْطِيَنَّ دَنِيَّةً وَأَنْتَ بِسُلْطَانِ القَدِيرِ قَدِيرُ
أبَا حَسَنٍ إِنْ تُعْطِهَا اليَوْمَ لَمْ تَزَلْ يَحِلُّ عُرَاهَا فَاجِرٌ وَمُبِيرُ
أبَا حَسَنٍ أَطْلَقْتَهَا لِطَلِيقِهَا وَأَنْتَ بِقَيْدِ الأشْعَرِيِّ أَسِيرُ
أَتَحْبِسُ خَيْلَ اللهِ مِنْ خَيْلِ خَصْمِهِ وَسَبْعُونَ أَلْفاً فَوْقَهُنَّ هَصُورُ
أَثِرْهَا رِعَالاً تَنْسِفَ الشَّامَ نَسْفَةً بِثَارَاتِ عَمَّارٍ لَهُنَّ زَفِيرُ
وَصُكَّ ثُغُورَ القَاسِطِينَ بِفَيْلَقٍ لَهُ مَدَدٌ مِنْ رَبِّهِ وَنَصِيرُ
فَلَمْ يَبْقَ إلا غُلْوَةٌ أو تَحُسَّهُمْ وَيَبْكِي ابْنَ صَخْرٍ قِبَّةٌ وَسَرِيرُ
فَمَالَكَ وَالتَّحْكِيمَ وَالحُكْمُ ظَاهِرٌ وَأَنْتَ عَلِيٌّ وَالشَّآمُ تَمُورُ
أَفِي الدِّينِ شَكٌّ أَمْ هَوَادُةُ عَاجِزٍ تَجَوَّزْتَها أَمْ ذُو الفِقَارِ كَسِيرُ
وهكذا كان كلامهم كله يُشعر باحترام الإمام علي وتقديره، وإنما كانوا يعاتبونه على قبول التحكيم، ونحن نقول: إن قبوله للتحكيم كان ليس عن رضىً منه كما ينم عن ذلك كلامه بنفسه، وهذه القضية تحتاج إلى دراسة ولست أريد أن أخوض فيها، وأتحدث عنها طويلاً، وإنما بحسبي ما قلته . (1/14)
صفحة 15
والذي أصرِّح به بأن جميع الإباضية مستعدون أن يطووا صحائف تلك الفتن التي حدثت في عهد أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،ولا يَنْبُسُوا فيها بِبِنْتِ شَفَة، ولا يَخُطُّوا فيها حرفاً واحداً، ولكن لا بد من احترام أهل النهروان أيضاً، وعدم النيل منهم، فيجب على المسلمين جميعاً أن يتساعدوا على الكف عن الخوض في تلك الفتن حتى تعود للمسلمين وِحدتهم، ولا يثيروا أشياء حدثت قبل أربعة عشر قرناً هم في ألف غِنىً عن إثارتها في هذا العصر، الذي هم فيه أحوج ما يكونون إلى ما يجمع الشمل، ويؤلف بين القلوب ، والله تعالى وليُّ التوفيق . (1/15)