صفحة 1
مادة سمعية مفرغة: موقف الإباضية من عثمان وعلي ومسائل أخرى
المؤلف: أحمد بن حمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى اله وصحبه الغر الميامين.وبعد:
فنحمد الله تعالى على أن وفقنا لتفريغ هذا الشريط الذي يحمل بين جنباته الخير الوفير والعلم الغزير لما لا وقد ألقاه سماحة الشيخ العلامة الجليل بدر الدين احمد بن حمد الخليلي حفظه الله تعالى تناول فيها سماحته سؤالين اثنين هما:
*موقف الاباضية من عثمان وعلي رضي الله عنهما .
*موضوع الكبائر والخلود في النار .
وقد تناول هاتين المسالتين باستفاضة وذكر فيها آراء المتكلمين فيهما من غير المذهب ليرد شبهة تعصب المذهب الاباضي.
وقد أخرجنا الآيات وبعض تراجم الأعلام الواردين في المحاضرة للفائدة.ونسال الله تعالى أن يجزل العطاء للأستاذ /بدر بن سعود المعولي الذي شرفنا للقيام بالعمل المثمر بعونه تعالى ونسال الله تعالى الإخلاص في العمل وحسن الجزاء في الدارين وان ينتفع به كل من اطلع عليه .
مفرغو الشريط
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين... أما بعد:
فهناك أسئلة وصلتني من أحد الأخوة الذين يدرسون في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد كانت رغبته أن تكون الإجابة على هذه الأسئلة كتابياً، وتلك هي رغبتي لولا أن الأشغال تحول بيني وبين الكتابة، لذلك آثرت تسديد الأجوبة.
السؤال الأول:
* موقف الإباضية من عثمان وعلي رضي الله عنهما:
يقول في سؤاله الأول: من بعض النقاط التي طالما تجول في خاطري، وتثير التساؤل في ذهني ، نقطة موقف الأباضية من عثمان وعلي – رضي الله عنهما – ول أخفي عليك أنني أكن لهما حباً عظيماً كما أكنه لعمر وأبو بكر - رضي الله عنهما – وهذا يخلق نوعاً من التضارب في ذهني بين ما عرفته طول حياتي عن عمر وأبو بكر وعثمان وعلي رضي الله عنهما وبين ما أسمعه من رأي الأباضية في هذا الموضوع. (1/1)
صفحة 2
الجواب:
مكانة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم:
الجواب على هذا البحث أنني أعتقد أن لأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم منزلة كبرى ، فقد أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم في كتابه في قوله :
" محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً بيتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الأنجيل كزرع أخرج شطأه فأزره فاستغلظ فستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيض بهم الكفار وعد الله الذين أمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيما " (الفتح : 29 )
وأثنى الحق تعالى عليهم في قوله :"لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريبا " ( الفتح :18) ، وفي قوله :" للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوأ الدار والأيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " ( الحشر :8) .
وإنني لحريص جداً على دخول في ظل الذين قال الله تعالى عنهم :" والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين أمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم " ( الحشر:10).
وإنني أعتقد أن أحدنا لو أنفق مثل جبل أحد ذهباً لما ساوا ذلك مد أحدهم أو نصيفه ، كما أخبر بذلك الرسول – صلوات الله وسلامه عليه – وإنني لحريص جداً على طي صحيفة الفتنة التي كانت بينهم ولم أكن أريد أن يتحدث لساني أو أن يكتب قلمي شيءٌ (1/2)
صفحة 3
عن تلك الفتنة عملاً بقول الله سبحانه :" تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون " ( البقرة : 134) وهذا المبدأ هوا الذي أعلنه الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إذ قال :" تلك دماء طهر الله منها أسنتنا أفلا نطهر منها ألسنتنا " وهو نفسه الذي قاله الأمام نور الدين السالمي – رحمه الله - :-
فما مضى قبلك لو بساعة ** فدعه ليس البحث عنه طاعة
وفي قوله :-
نحن الأُلى نسكت عمن قد مضى ** ولا نعد الشتم دين يرتضى
فهذه بلادنا لا تلقى ** فيها يسب الصحب
وهكذا كل بلاد المذهب ** مع كل عالم وكل غبي
جاهلانا لا يعرف الخلافا ** بينهم حتى الممات وافى
وعالم بالاختلاف يمضي ** في السر ما يلزمه من فرض ِ
إلى أخر ما قال.
موقف سماحة الشيخ أحمد الخليلي من الفتنة: (1/3)
صفحة 4
إذا كنت أكره شيء من التاريخ، فإنني أكره ذلك التاريخ ، تاريخ الفتنة العمياء التي نجمت بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدت إلى تفرق هذه الأمة أشلاء ممزقة حتى طمع فيها عدوها ولو كان بإمكاني محو آثار هذه الدمغات السوداء من صحائف التاريخ ومن أذهان الناس لفعلت ، لتعود الوحدة بين هذه الأمة ، ولكن أنى لي أن أعمل ذلك والقدر قد كتب ما كتب والله سبحانه وتعالى لا راد لحكمه ولا معقب له وكل ما يحدث في هذا الوجود إنما هو بقضاء وقدر منه سبحانه وتعالى ولست هنا بصدد الحكم في تلك الفتنة العمياء ولا على أحد ممن خاض في تلك الفتنة أو ممن أصيب بشيء من شررها ، وإنما كل ما أريده الأن هو دفع التهم التي توجه إلى الأباضية في أنهم يعادون بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وينالون من كرامتهم والذي أريد أن أقوله أن الأباضية ليسو وحدهم في هذا الميدان فكثير من الناس تحدثوا عن تلك الفتنة ودونوا ما حدث فيها وقد كان موقف الأباضية كموقف غيرهم من الذين تحروا الحقيقة مجرد ذكر تلك الأحداث العظيمة التي وقعت في ذلك العصر ولا ريب أن الخلافة الإسلامية قد ولج إليها ما ولج بعد ما كبر الخليفة الثالث واستولى الرجال على أمره كما أثبت ذلك المؤرخون وكان على رأس هؤلاء الذين أوقدوا هذه الفتنة العمياء مروان بن الحكم ابن طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
مواقف القائلين والكاتبين في الفتنة وفي سيدنا عثمان:
* موقف عبد الله بن الأهتم: (1/4)
صفحة 5
ونحن إذا جئنا نتدبر ما قاله القائلون وما كتبه الكاتبون وجدنا أن الناس كانوا غير راضين عن تلك الفتنة ، فلنسمع إلى أحد الخطباء ألقى خطبة أمام الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وهو عبد الله بن الأهتم الذي وفد مع الوافدين إلى الخليفة العادل بعد ما ولي الخلافة ولم يرى الخليفة إلا وعبد الله بن الأهتم يخطب بدون استئذان منه حمد الله في خطبته وأثنى عليه وصلى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ثم ذكر جانباً من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وما واجه من تحديات من قبل قومه ثم ذكر الخليفة الأول ثم ذكر الخليفة الثاني ثم قال بعد ذلك :" ثم أنا والله لم نجتمع بعدهما إلا على ضلع أعوج ، وهذه الخطبة موجودة في الجزء الرابع من كتاب العقد الفريد لأبن عبد ربه ، وموجود أيضاً في البيان و التبيين أما في العقد الفريد فهي في الجزء الرابع في الصفحة الرابعة والتسعين وكلامه يعني انتقاد الأوضاع بعد عهد الخليفتين أبي بكر وعمر باللوم جاء في كثير من الكتب ذكر بعض الأحداث التي وقعت في عصر الخليفة الثالث عثمان بن عفان بعد ما بلغ من الكبر عتيا وتدخل مروان بن الحكم في أمر المسلمين .
* موقف ابن قتيبة: (1/5)
صفحة 6
ولنسمع إلى ما يقول أبن قتيبة صاحب كتاب الإمامة والسياسة وهو يقول في الجزء الأول من هذا الكتاب صفحة خمسة وثلاثين تحت عنوان ما أنكر الناس على عثمان قال :" وذكروا أنه أجتمع الناس من أصحاب النبي – عليه الصلاة والسلام – فكتبوا كتاباً ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من سنة رسول الله وسنة الصاحبين وما كان من هبته قوت افريقية لمروان وفيه حق الله ورسوله ومنهم ذوي القربى و اليتامى و المساكين وما كان من تطاوله في البنيان حتى عدو سبع دور بناها في المدينة ، داراً لنائلة وداراً لعائشة وغيرهما من أهله، وبنيان مروان القصور بذي خشب وعمارة الأموال بها من الخمس الواجب لله ولرسوله وما كان من إفشائه العمل والولايات في أهله وبني عمه من بني أمية أحداث وخيمة لا صحبة لهم من الرسول ولا تجربة لهم بالأمور وما كان من الوليد بن عقبة بالكوفة إذ صلى بهم الصبح وهو أمير عليها سكران أربع ركعات ثم قال لهم إن شئتم أزيدكم صلاة زدتكم وتعطيله إقامة الحد عليه وتأخيره ذلك عنه ، وتركه المهاجرين و الأنصار لا يستعملهم على شيء ولا يستشيرهم واستغنى برأيه عن رأيهم وما كان من الحمى الذي حمى حول المدينة وما كان من إدراره القطائع والأرزاق والأعطيات على أقوام من المدينة ليست لهم صحبة من النبي عليه الصلاة والسلام ثم لا يغزون ولا يدبون وما كان من مجاوزته الخيزران إلى الصوت وأنه أول من ضرب بالسياط ظهور الناس وإنما كان ضرب الخليفتين قبله بالدرة والخيزران ثم تعاهد القوم ليدفعون الكتاب في يد عثمان وكان ممن حضر الكتاب عمار بن ياسر والمقداد بن الأسود وكانوا عشرة فلما خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلى عثمان والكتاب في يدي عمار جعلوا يتسللون عن عمار حتى بقي وحده فمضى حتى جاء دار عثمان فستأذن عليه فأذن له في يوم شاتٍ فدخل عليه وعنده مروان بن الحكم وأهله من بني أمية فدفع إليه الكتاب فقرأه فقال له: أنت كتبت هذا الكتاب قال: نعم قال: ومن كان معك؟ قال (1/6)
صفحة 7
كان معي نفر تفرقوا فرقا منك قال: من هم؟ قال: لا أخبرك بهم. قال : فلم اجترأت علي من بينهم؟ فقال مروان: يا أمير المؤمنين إن هذا العبد الأسود(يعني عمار)قد جرأ عليك الناس وإنك إن قتلته نكلت به من وراءه قال عثمان: أضربوه. وضربوه وضربه عثمان معهم حتى فتقوا بطنه فعشي عليه فجروه حتى طرحوه على باب الدار فأمرت به أم سلمه زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأدخل منزلها وغضب فيه بني مغيرة وكان حليفهم فلما خرج عثمان لصلاة الظهر عرض له هشام بن الوليد بن المغيرة فقال: أما والله لأن مات عمار من ضربه هذا لأقتلن به رجلا عظيما من بني أمية .
فقال عثمان: لست هناك " إلى أخر ما جاء في كلامه.
وهذا موجود في الصفحة الخامسة والثلاثين والسادسة والثلاثين من الجزء الأول من كتاب الإمامة والسياسة وليس هو من مؤلفات الإباضية
* موقف السيد قطب :
وإذا جئنا إلى أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحاضر نجد كثيرا منهم أيضا تناولوا هذه الفتنة وتحدثوا عما جرى فيها بكل جرأة ومن بين هؤلاء شهيد الإسلام الأستاذ }سيد قطب في كتابه" العدالة الإجتماعية في الإسلام" ولنسمع بعض ما قاله الأستاذ سيد قطب في صفحة مائتين وعشرة من الكتاب المذكور يقول: " هذا التصور لحقيقة الحكم قد تغير شيئا ما دون شك على عهد عثمان وأن بقي في سيلج الإسلام لقد أدركت الخلافة عثمان وهو شيخ كبير ومن وراءه مروان بن الحكم يصرف الأمر بكثير من الانحراف عن الإسلام كما أن طبيعة عثمان الرخية وحدبه الشديد على أهله قد ساهم كلاهما في صدور تصرفات أنكرها الكثيرون من الصحابة من حوله وكان لها معقبات كثيرة وآثار في الفتنة التي عانى الإسلام منها كثيرا. (1/7)
صفحة 8
منح عثمان من بيت المال زوج ابنته الحارث بن الحكم يوم عرسه مائتي ألف درهم فلما أصبح الصباح جاء زيد بن الأرقم خازن مال المسلمين وقد بدى في وجهه الحزن وترقرقت في عينيه الدموع فسأله أن يعفيه من عمله ولما علم منه السبب وعرفه أنه عطيته لصهره من مال المسلمين. قال مستغربا:"أتبكي يا ابن الأرقم أن وصلت رحمي" فرد الرجل الذي يستشعر روح الإسلام المرهف لا يا أمير المؤمنين ولكن أبكي لأني أضنك أخذت هذا المال عوضا عن ما كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله ،والله لو أعطيته مائة درهم لكان كثيرا فغضب عثمان على الرجل الذي لا يطيق ضميره هذه التوسعة من مال المسلمين على أقارب خليفة المسلمين وقال:" له ألق بالمفاتيح يا ابن الأرقم ، فان سنجد غيرك ".
موقف سيدنا علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - : * (1/8)
صفحة 9
والأمثلة كثيرة في سيرة عثمان على هذه التوسعات وقد منح الزبير ذات يوم ستمائة ألف ومنح طلحة مائتي ألف ونفل مروان بن الحكم خمس خراج إفريقيا ولقد عاتبه في ذلك ناس من الصحابة على رأسهم علي بن أبي طالب فأجاب: " إني لي قربة ورحماً" فأنكروا عليه وسألوه:" فما كان لأبي بكر وعمر قرابة ورحم؟"، فقال :" إن أبا بكر وعمر كانا يحتسبان في منع قرابتهما وأنا أحتسب في إعطاء قرابتي "، فقاموا عنه غاضبين يقولون :" فهديهما والله أحب إلينا من هديك"، وغير المال كانت الولايات تغدق على الولاة من قرابة عثمان وفيهم معاوية الذي وسع عليه في الملك فضم إليه فلسطين وحلب وجمع له قيادة الأجناد الأربعة ومهد له بعد ذلك أن يطلب الملك في خلافة علي وقد جمع المال والأجناد وفيهم الحكم بن العاص طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي آواه عثمان وجعل ابنه مروان بن الحكم وزيره المتصرف وفيهم عبد الله بن سعدبن أبي السرح أخوه من الرضاعة ، ولقد كان الصحابة يرون هذه التصرفات الخطير العواقب ، فتداعون إلى المدينة لإنقاذ تقاليد الإسلام إنقاذ الخليفة من المحنة والخليفة في كبرته لا يملك أمره من مروان وأنه من الصعب أن نتهم روح الإسلام في نفس عثمان ولكن من الصعب كذالك أن نعفيه من الخطأ الذي نلتمس أسبابه من ولاية مروان الوزارة في كبرة عثمان ، ولقد إجتمع الناس فكلفوا علي بن أبي طالب أن يدخل إلى عثمان فيكلمه فدخل إليه فقال: " الناس ورائي وقد كلموني فيك والله ما أدري ما أقول لك وما أعرف شيئا تجهله ولا أدلك على أمر لا تعرفه إنك لتعلم ما نعلم ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ولا خلونا بشيء فنبلغك وما خصصنا بأمر دونك وقد رأيت وسمعت وصحبت رسول الله ونلت صهره وما ابن أبي قحافة بأولى بعمل الحق منك ولا ابن الخطاب أولى بشيء من الخير منك وإنك أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رحما ولقد نلت من صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم ينالا ولا (1/9)
صفحة 10
سبقاك إلى شيء فالله الله في نفسك فإنك والله ما تبصر من عمى ولا تعلم من جهل وإن الطريق لواضح بين وإن أعلام الدين لقائمة تعلم يا عثمان أن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هدي وهدى ، فأقام سنة معلومة وأمات بدعة متروكة فوالله إن كل لبين ،إن السنن لقائمة لها أعلام ، وإن شر الناس عند الله امام جائر ضل وضل به ، فأمات سنة معلومة ،وأحيى بدعة متروكة ، وأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" يؤتى يوم القيامة بالأمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيلقى في جهنم". فقال عثمان:" قد والله علمت ليقولن الذي قلت إما والله لو كنت مكاني ما أعنتك ولا أسلمتك ولا أبدو عليك وما جاءت منكرا أن وصلت رحما وسدت خله وآويت ضائعاً ووليت شبيهاً بمن كان عمر يولي ، أشهدك بالله يا علي هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك "؟ قال :" نعم ". قال :" اتعلم أن عمر ولاه ؟" قال نعم :" فلم تلومني أن وليت ابن عامر في رحمي وقرابتي ؟" قال علي :" سأخبرك إن عمر كان من ولى فإنما يضع على صماخه إن بلغه عنه حرق جلبه ثم بلغ به أقصى الغاية وأنت لا تفعل ، ضعفت وركبت على أقربائك ". قال عثمان :" وأقرابك أيضاً . قال علي :" لعمري إن رحمهم مني لقريب ولكن الفضل في غيرهم ".قال عثمان :" هل تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها وقد وليته ؟" قال علي :" أنشدك الله هل تعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من يرفع غلام عمر منه؟ " قال :" نعم" قال علي :" فان معاوية يقطع الأمور دونك وأنت لا تعلمها فيقول للناس هذا أمر عثمان فيبلغك ولا تغير على معاوية " (ينتهي كلام سيد قطب ). (1/10)
صفحة 11
ثم يقول الأستاذ شهيد الأسلام :" بعد ذلك وأخيراً ثارت الثأرة على عثمان وأختلط فيها الحق بالباطل والخير بالشر ، ولكن لابد لمن ينظر إلى أمور ينظر إلى الامور بعين الإسلام ويستشعر الأمور بروح الإسلام أن يقر أن تلك الثورة في عمومها كانت ثورة من روح الإسلام وذلك دون إغفال لمن كان وراءها من كيد اليهود من أبن سبأ - عليه لعنة الله – ". وهذا كله موجود في كتاب العدالة الأجتماعية في الإسلام من صفحة ماتين وعشرة إلى صفحة ماتين وأثني عشر .
موقف العلامة المرجودي: *
وكثير من الكاتبين تناولوا هذا الموضوع من نقد وتحليل ومن بينهم العلامة المرجودي في كتابه ( الخلافة والملك ) باللوم في كتابه (التجديد لهذا الدين ) وقد علل ما حدث في كتابه (التجديد لهذا الدين):" بأن الخليفة الثالث جاءته الخلافة وقد بلغ من الكبرعتيا ، وكان لم يمنح تلك المواهب التي أوتيهما العظيمان الذان تقدمان . فهل الأباضية وحدهم الذين يتحدثون عن مثل هذه الأشياء أو يكتبون عنها ؟ وهل نستطيع القول بأن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مجمعين على كراهة ما حدث على عثمان مع أن عثمان لم يقتل غيلة وإنما قتل بعد حصار دام نحو شهر ، فهل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين فتتحوا مدائن كسرى وهزموا قيصر واستطاعوا أن يطأوا بأقدامهم على عرشيهما هل كانوا عاجزين عن فك الحصار الذي كان مضروباً على عثمان لمدة شهر وهم في عاصمة الإسلام في المدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ؟
قصة دفن سيدنا عثمان: (1/11)
صفحة 12
ولننقل هنا ما قاله ابن قتيبة ايضاً في كتابه ( الأمامة والسياسة ) في صفحة ستة وأربعين في دفن عثمان لنستجدي الحقيقة ، يقول :" وذكروا أن عبد الرحمن بن الأزهر قال : لم أكن دخلت في شيء من أمر عثمان لا عليه ولا له فإني لجالس بفناء داري ليلاً بعد ما قتل عثمان بليلة إذ جاءني المنذر بن الزبير فقال إن أخي يدعوك فقمت إليه فقال لي : إنا أردنا أن ندفن عثمان فهل لك ؟ فقلت والله ما دخلت في شيء من شأنه وما أريد ذلك . فانصرفت عنه ثم أتبعته فإذا في نفر فيهم حبير بن مطعم وأبو جهم بن حذيفة و المسور بن محرمة وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير ، فحتملوه على باب وإن رأسه ليقول طق طق فوضعوه في موقع الجنائز فقام إليهم رجال من الأنصار فقالوا لهم :لا والله لا تصلون عليه . فقال أبو الجهم : ألا تدعون نصلي عليه فقد صلى الله عليه وملائكته . فقال له رجل ٌ منهم : إن كنت فأدخلك الله مدخله. قال له : حشرني الله معه . فقال له : إن الله حاشرك مع الشياطين والله إن تركناكم به لزعجتم منا . فقال القوم لأبي جهم :اسكت عنهم وكف ، فسكت فاحتملوه ثم انطلقوا مسرعين ، فكأني اسمع وقع رأسه على اللوح حتى وضعوه في أدنى البقيع ، فأتاهم جبلة بن عمر الساعدي من الأنصار: والله لا تدفنوه في بقيع رسول الله ولا نترككم تصلون عليه . فقال أبو الجهم : فانطلقوا بنا ، إن لم نصلي عليه فقد صلى الله عليه . ووخرجوا ومعهم عائشة بنت عثمان معها مصباح في حق . إذا اتوا به حس كوكب حفروا له حفرة ثم قاموا يصلون عليه وأمامهم حبير بن مطعم ، فلما رأته ابنته صاحت ،فقال ابن الزبير : والله لأن لم تسكت لأضربن الذي فيه عينيك ، فدفنوه ولم يلحدوه بدمن وحثوا عليه الثراب حثوا ". (1/12)
صفحة 13
فهذا الذي نتقله ابن قتيبة وهو من غير الأباضية وهو يدل على موقف جماعة من الأنصار من هذه الفتنة ، فهل يمكن بعد ذلك أن نحكم بأن الذين قتلوه هم رعاع من الناس جاءوا شذاذاً من الآفاق إلى المدينة المنورة فاستطاعوا أن يحققوا مقصدهم وأن يصلوا إلى غايتهم وأن يصدعوا الأسلام بقتل خليفته مع عجز المهاجرين والأنصار عن الكف عنه ، إن ذلك مما لا يقبله المنطق السليم وأنني مع ذلك لا أريد أن أعلق شيئاً على ما قاله المؤرخون ، وأقول إن الأهلة عليهم بأنفسهم ، ولست أستطيع أن أحكم بشيء من تلك الأحداث العظام ، وأنما أقول ما قلته من قبل بأن السلامة في العمل بقول الله سبحانه :" تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون " وأنما أردت بما ذكرتموها هنا تبرئة ذمة الأباضية من التهمة ، فهم ليسوا وحدهم الذين يتحدثون عن هذه الأحداث التي وقعت في عهد الخليفة الثالث وإنما ثم كثير من المؤرخين والكاتبين من المتقدمين والمحدثين تحدثوا عنها فكيف ينحى باللوم على الأباضية وحدهم ، إن ذلك أمر لا يخلوا من تعصب من هؤلاء الذين ينحون بالملامة على الإباضية ويتركون غيرهم من الذين خاضوا في هذه الأحداث بالكلام .
موقف الإباضية من علي وقضية التحكيم: (1/13)
صفحة 14
أما بالنسبة إلى الخليفة الرابع الأمام علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه – فإن الأباضية لا يزيدون عن حكاية ما حدث في عهده ولا ينالون من شخصهِ شيئاً وهم أكثر الناس تقديراً له وأحتراماً لصحبته رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته منه ، ويدركون كل الأدراك أنه من أفقه صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وأكثرهم إطلاعاً على سيرته عليه أفضل الصلاة والسلام وأكثرهم علماً بكتاب الله سبحانه وتعالى لذلك كثيراً ما يأخذون آرائه في الفقه كما هو واضح في كتب الفقه حتى في الأشياء التي لا يأخذ فيها الجمهور بآراء الخليفة الرابع الأمام علي - كرم الله وجهه - وإنما يذكرون قضية التحكيم ، تحكيم الحكمين الذي أكره عليها الأمام علي ولم يكن راضياً عنها ، ونصحه كثيرٌ من أصحاب العقول والأفكار والبصائر عن قبول التحكيم ، ولكن الظروف أجبرته على قبول التحكيم ، ثم فعل ذلك أنقلب أولئك الذين أرغموه على التحكيم إلى أولئك الذين رفضوا التحكيم بعد ظهور آثار التحكيم السلبية ، فكان السبب في قتلهم وإبادة جمع غفير منهم ، ونجد الأمة جلوها تقف موقف الغير المنصف في هذه القضية ، ونجد أولئك الذين ناصروا الأمام علي ووقفوا بجانبه وعضدوه وحرسوا أن لا تنال الخدعة شيء منه ، ولا من أمره أولئك الذين يرمون من قبل كثير من الكتاب ، فنجد أهل النهروان معرضين للنقد ومعرضين للتكفير من قبل كثير من الكتاب مع أنهم يعذرون الذين ثاروا على الأمام علي بقصد القضاء على الخلافة الأسلامية وبقصد تحويلها إلى ملك عظيم ، فنجدهم يعذرون معاوية بن ابي سفيان وأصحابه أهل الشام ، بينما ينتقدون أهل النهروان ويقولون أن معاوية كان مجتهداً ، فلماذا لا يصوغ الاجتهاد لأهل النهروان ؟ ويقولون أيضاً إن معاوية كان من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا كان هذا مصوغاً لعذره فكثير من أهل النهروان أيضاً من صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ومنهم حرقوص بن زهير السعدي (1/14)
صفحة 15
وعبد الله بن وهب الراسبي ، وأخرون أيضاً كانوا من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإذا جئنا ما كتبه الأباضية في ذلك نجد كتاباتهم تتسم بالأدب والحشمة وتعظيم مقام الأمام علي وأحترام قرابته من النبي-صلى الله عليه وسلم-حتى في مقام العتاب ، لنسمع إلى أحد من الذين عاتبوا الأمام علي على قبوله تحكيم الحكمين ، ماذا قال له يقول العلامة أبو مسلم في قصيدته الرائية المشهورة برائية المحكمة :-
على أن علت فوق الرماح مصاحف ** ونادوا إلى حكم الكتاب نصير
مكيدة عمر حيث رنت حباله ** وكادت بحور القاصفين تغور
أبى حسن ذرها حكومة فاسق ** جراحات بدر في حشال تفور
أبا حسن أقدم فأنت على هدى ** وأنت بغايات الغوي بصير
أبا حسن لا تعطين دنيدة ** وأنت بسلطان القدير قدير
أبا حسن إن تعطها اليوم لم تزل ** يحل عداها فاجراُ ومبير
أبا حسن أطلقتها لطليقها ** وانت بقيد الأشعري أسير
اتحسبن خيل الله عن خير خصمه ** وسبعون ألفاً فوقهن هصورا
اتوها رعالاً تنسف الشام نسفةً ** نثارات عمار لهن زفير
وصك ثغور القاسطين بفيلق ** له مدٌ من ربه ونصير
فلا يبقى إلا علوةٌ أو تحصهم ** ويركبن صخر قبه وسرير
فمالك والتحكيم والحكم ظاهر ** وأنت عليٌ والشأم تنور
فالدين شك أم هوادة عاجز ** تجوزنها أم للفقار كثير (1/15)
صفحة 16
وهذا كان كلامهم كاه يشعر باحترام الأمام علي وتقديره ، وإنما كانوا يعاتبونه على قبوله التحكيم ونحن نقول إن قبوله للتحكيم كان ليس عن رضاً منه كما ينم عن ذلك كلامه بنفسه ، وهذه القضية تحتاج إلى دراسة ولست أريد أن أخوض فيها وأتحدث عنها طويلاً ، وإنما بحسب ما قلته و الذي أصرح به بأن جميع الأباضية مستعدون أن يطووا صحائف تلك الفتنة التي حدثت في عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ينبت فيها بنبت شفه ، ولا يخط فيها حرفاً واحداً، ولكن لابد من احترام أهل النهروان أيضاً وعدم النيل منهم ، فيجب على المسلمين جميعاً أن يتساعدوا على كف الخوض في تلك الفتن حتى تعود للمسلمين وحدتهم ولا يثيروا أشياء حدثت قبل أربعة عشر قرناً هم في ألف عنا عن إثارتها في هذا العصر الذي هم فيه أحوج ما يكون إلى من يجمع الشمل ويؤلف بين القلوب والله تعالى ولي التوفيق .
السؤال الثاني :
موضوع الكبائر والخلود في النار:
يقول فيه الأخ السائل :كذلك موضوع الكبائر ، والخلود في النار مع وجود أدلة من القران الكريم على ما قرأته في كتابنا إلا أن هناك بعض الآيات توضح أن الله يغفر الذنوب جميعا إلا الشرك ، وقول أن الذي يدخل النار لا يخرج منها ، فهناك حديث صححه البخاري في الذي دخل النار وخرج منها ، فالرجاء توضيح هذه الأمور لكي أكون على بينة من هذا الأمر .
الجواب:
هذا السؤال ذو شقين، الشق الأول يتعلق بغفران الخطايا ما عدا الشرك، والشق الثاني يتعلق بالخروج من النار،
غفران الخطايا ما عدا الشرك :-
وأريد أن أفيد السائل وغيره بأن القرآن الكريم ينص في آيات كثيرة أن كل من عمل صالحاً جوزي بما عمل من عمل سيئاً جوزي بما عم وقد حذر الله سبحانه تعالى هذه الأمة من الأغترار بالأماني ،وقد قال عز من قائل :" ليس بأمانيكم ولا بأماني أهل الكتاب من يعمل سوءً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيرا "
( (1/16)
صفحة 17
النساء : 123) وفي ذكر أماني أهل الكتاب مع أماني هذه الأمة إشارة إلى أن بعض أفراد هذه الأمة سوف يفترون كما أغتر أهل الكتاب وسوف يتعلقون بالأماني راجين من الله سبحانه وتعالى أن يغفر لهم ذنوبهم بمجرد انتمائهم إلى هذا الدين الحنيف وتصديقهم بالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام، وفي ذكر أماني أهل الكتاب مع أماني هذه الأمة تحذير لهذه الأمة عن مسلك أهل الكتاب ليأخذ كل أحد قدره وليعمل جهده في طاعة الله سبحانه وتعالى .
هذا وقد جاءت آيات يؤيد ما فيها ما جاءت به هذه الآية من أ ن كل أحد سوف يجازى بعمله من ذلك قوله سبحانه وتعالى في سورة النمل :" من جاء بالحسنة فلهو خير منها ومنهم من فزع يومئذ آمنوا ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم بالنار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون "
( (1/17)
صفحة 18
النمل : 89 ) وقوله سبحانه في سورة القصص :" من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون" ( القصص :84 ) وهذه نصوص صريحة لا تقبل الجدل أن الله سبحانه وتعالى يجزي كل أحد بعمله خيراً كان أو شراً وقد بين سبحانه وتعالى أنه يغفر ذنوب التائبين ، لا ذنوب المصرين فقد قال عز من قائل في سورة طه :" وأني لغفار لمن تاب وءامن وعمل صالحاً ثم أهتدى " وبين سبحانه وتعالى أنه يغفر سيئات الذين يجتنبون الكبائر أن يغفر صغارهم دون كبائرهم ولا تغفر الصغيرة إلا مع اجتناب جميع الكبائر وشريطة عدم الأصرار عليها يقول سبحانه :" إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم مدخلاًكريما " ( النساء : 31)، وإذا أدرك الأنسان ذلك فهم معنى قوله تعالى :" إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " (النساء :48) ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء إما بالتوبة و الاقلاع عن الكبائر و الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى ، وإما باجتناب الكبائر مع صدور بعض الكبائر من غير قصد الإصرار عليها ومن غير الاستمرار على ارتكابها هذا هو المقصود بقوله سبحانه : " ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " وقد يبين سبحانه في الآيات الأخرى من يشاء لهم المغفرة وهم الذين يجتنبون الكبائر ولا يصرون على الصغائر وقد جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم " لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع إستغفار " وكما أنه سبحانه وتعالى حذر من أماني الغفران ويبن أن كل أحد سوف يجزى بما كسب حذر أيضا الله سبحانه وتعالى من أماني الشفاعة وقد وجهه هذا التحذير إلى هذه الأمة وقد قال مخاطبا للمؤمنين " يأيها الذين امنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون " (لبقرة : 254)قال سبحانه مخاطبا بني إسرائيل : "واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها (1/18)
صفحة 19
عدل " (لبقرة : 48) وفي هذا أيضا تحذير لهذه ألامه ولغيرها من التعلق بأماني الشفاعات وأن الإنسان سوف يشفع له النبيون يوم القيامة وسوف يتخلص من العقاب وقد بين الله سبحانه وتعالى الذين يستحقون الشفاعة من النبيين وغيرهم في قوله " ولا يشفعون إلا لمن أرتضى " (الأنبياء: 28) فالشفاعة تحق للرضا دون غيره وان كان الرضا يستحق دخول الجنة وقد تكون أيضا من ضمن الأسباب التي تؤدي إلى دخول الجنة وقد يكون للتائب من معصيته ويجعل الله سبحانه وتعالى للشفاعة نصيبا في قبول توبته أما المصرون على الكبائر فلا شفاعة لهم بهذه النصوص القاطعة.
الخروج من النار: (1/19)
صفحة 20
وأما مسألة الخلود في النار أو الخروج منها فهي مسألة يجب أن تستوضع بالأدلة الصحيحة بالإثبات القرآنية والأحاديث الصحيحة المجمع عليها الثابتة عن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام والآيات القرآنية صريحة في أن أصحاب الكبائر يخلدون في النار لارتكاب كبائرهم إن ماتوا مصرين عليها ولم يتوبوا منها والله سبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه أن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون وقالوا يا مالك ليقضي علينا ربك قال إنكم ماكثون وهل من قائل يقول ان الذي مات وهو مصر على الزنا ولم يتب منه أو شارب الخمر أو قاتل النفس المحرمة بغير حق او أكل الربا أو المصر على ارتكاب الكبائر ليس من المجرمين من الذي يقول ان هؤلاء ليسوا من المجرمين ويقول سبحانه وتعالى " إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين * وما هم عنها بغائبين " (لانفطار ) يبين سبحانه وتعالى ان الناس ينقسمون إلى قسمين أبرا وفجار ويبين أن الأبرار لفي نعيم وأن الفجار لفي جحيم وأنهم لم يغيبون عن هذه الجحيم وهل من يؤمن بالله واليوم الآخر أن الزنا من البر وأن قصية الرحم من البر وأن عقوق الوالدين من البر وان أكل الربا من البر وأن قتل النفس المحرمة من البر وأن من فعل ذلك أو نفى ذلك من الإبرار هل يقول ذلك رجل يؤمن بالله واليوم الآخر وهل ينكر أحد من المؤمنين بالله واليوم الآخر أن هذه المعاصي من الفجور وأن فاعلها من الفجار وقد بين سبحانه وتعالى أن الفجار لا يعيبون عن النار ويقول سبحانه وتعالى : " والذين لا يدعون مع الله إله آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما " (الفرقان: 68) فقد نص الله سبحانه في هذه الآية أن من قتل النفس المحرمة بغير حق ومن زنا (1/20)
صفحة 21
فلهما حكم المشرك في الخلود في النار ولعل قائل يقول أن الوعيد منصب على من جمع هذه الصفات جميعا فأشرك مع الله إله آخر وقتل النفس المحرمة بغير حق وزنا والجواب أنه يلزم هذا القائل أن لا يخلد أحد في النار يسبب الشرك حتى يضم إلى الشرك قتل النفس المحرمة بغير الحق والزنا أما إن أشرك ولم يقتل نفسا محرمة بغير حق ولم يزني يلزمهم على هذا القوم أن لا يكون من المخلدين في النار ويقول سبحانه وتعالى في أكل الربا " فمن جاءه موعظة من ربه فأنته فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " (البقرة: 275) هذا نص صريح لأن من عاد إلى أكل الربا فهو من أصحاب النار الذين يخلدون في النار .قال عز من قائل: " وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون " ثم رد عليهم بقوله : " بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " (البقرة:80) ويقول سبحانه وتعالى مبينا أن هذه العقيدة هي سبب ترك اليهود ما أمروا به " ألم تر إلى اللذين أخذوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون فكيف جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون " وبهذا يتبين أن هذه العقيدة هي عقيدة يهودية الأصل وإنما سرت إلى المسلمين بسبب احتكاك كثير منهم باليهود وتأثرهم بما يقولونه من الأضاليل . (1/21)
صفحة 22
ولست وحدي أزعم أن هذه العقيدة عقيدة يهودية الأصل فإن المنصفين قد قالوا ذلك بل القرآن الكريم صريح بذلك ومن المنصفين اللذين صرحوا بذلك الإمام العلامة السيد محمد رشيد رضا صاحب تفسير المنار مع أنه ينتمي إلى مذهب يدين بالخروج من النار ولكنه اجتهد وراءى الحق ولم يتعامى عنه وقد صرح بذلك في تفسيره المنار في مقدمة تفسير البقرة في الجزء الأول صفحة مائة و أثنى عشر يقول: القاعدة السادسة أن الجزاء على الإيمان والعمل معا لأن الدين إيمان وعمل ومن الغرور أن يظن المنتمي إلى دين نبي من الأنبياء أنه ينجوا من الخلود في النار لمجرد الانتماء والشاهد عليه ما حكاه الله لنا عن بني إسرائيل من غرورهم وما رد به عليهم حتى لا يتبع سنتهم فيه وهو : " وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة " (البقرة:82:80 ).
وما حكاه عن اليهود والنصارى جميعا من قولهم : " وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم " (البقرة: 111)، إلى آخر الآيتين صفحة مائة وأحدى عشر إلى مائة وأثنى عشر ثم بعد ذلك قال ولكننا قد أتبعنا سننهم شبرا بشبر وذراع بذراع مصدقا لما ورد في الحديث الصحيح وإنما نمتاز عليهم بأن المتبعين لهم بعض الأمة لا كلها وبحفظ نص كتابنا كله وضبط سنن نبينا في بيانه وبأن حجتنا حجة أهل العلم والهدى منا قائمة إلى يوم القيامة . (1/22)
صفحة 23
انتهى كلامه في ذلك . وصرح بأكثر من ذلك في تفسيره آية الربا في أواخر سورة البقرة فقد قال هنالك ما نصت في الجزء الثالث في تفسيره المنار صفة ثمان وتسعون إلى صفحة تسع وتسعون قال: أباح أكل سلف قبل التحريم جزاء آكله لعله يغص بأكل ما في يده منه فيرده إلى صاحبه ولكنه صرح بالوعيد على من أكل شيئا بعد النهي فقال : " ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " (البقرة: 275) ، أي ومن عاد إلى ما كان يأكل من ربا المحرم بعد تحريمه فأولئك البعداء عن الإتعاض بموعظة ربهم الذي لا ينهاهم إلا عن ما يضر بهم في أفرادهم أو جميعهم هم أهل النار والذين يلازمونها كما يلازم الصاحب صاحبه فيكونون خالدين فيها . (1/23)
صفحة 24
ثم قال بعد ذلك : ( وقد أول الورود المفسرون لتتفق الآية مع المقرر في العقائد والفقه من كون المعاصي لا توجب الخلود في النار فقال أكثرهم : أن المراد ومن عاد إلى تحليل الربا واستباحته اعتقاد ورده بعضهم لأن الكلام في أكل الربا وما ذكر عنه من جعله كالبيع وهو بيان لرأيهم قبل التحريم وهو ليس بمعنى استباحة المحرم فإذا كان الوعيد قاصدا على الاعتقاد بحله لا يكون هنالك وعيد على أكله بالفعل والحق أن القرآن فوق ما كتب المتكلمون والفقهاء يجب إرجاع كل قول في الدين إليه ولا يجوز تأويل شي منه ليوافق كلام الناس وما الوعيد بالخلود هنا إلا كالوعيد بالخلود في آية قتل العمد وليس هنالك شبه في اللفظ على إرادة الاستحلال ومن العجيب أن يجعل الرازي الآية هنا حجة على القائلين بخلود مرتكب الكبيرة في النار انتصارا لأصحابه الأشاعرة ثم قال بعد ذلك : وخير من هذا التأويل تأويل بعضهم للخلود بطول المكث ثم قال : إما نحن فنقول ما كل ما يسمى إيمانا يعصم صاحبه من الخلود في النار الإيمان إيمانا لا يعني تسليم الإجمالي بالدين الذي نشأ فيه المرء أو نسب إليه ومجارات أهله ولو بعدم معارضتهم في ما هم عليه وإيمان هو عبارة عن معرفة صحيحة بالدين عن يقين بالإيمان متمكنة في العقل بالبرهان فوائدة بمقتضى الإذعان حاكمة على الإرادة المصرفية للجوارح في الأعمال بحيث يكون صاحبها خاضعا لسلطانها في كل حال إلى ما يخلوا عنه الإنسان من غلبة جهالة أو نسيان وليس الربا من المعاصي التي تنسى أو تغلب النفس عليها خفت الجهالة والطيش كالحدة وثورة الشهوة أو يقع صاحبها منها في غمرت النسيان من كالغيبة والنظرة فهذا هو الإيمان الذي يعصم صاحبه في دين الله من الخلود في سخط الله ولكنه لا يجتمع مع الأقسام على كبائر الإثم والفواحش عمدا آثارا على حب المال واللذة على دين الله وما فيه من الحكم والمصالح أما الإيمان الأول فهو صوري فقط ، فلا قيمة له عند الله (1/24)
صفحة 25
تعالى ؛ لأنه تعالى لا ينظر إلى الصور والأحوال ولكنه ينظر إلى القلوب والأعمال كما ورد في الحديث الشواهد على هذا الذي قررناه في كتاب الله تعالى كثيرة جداًً وهو مذهب السلف الصالح وأن جهله كثير ممن يدعون إتباع السنة حتى جرءوا الناس على هدم الدين بناء على إن مدار السعادة على الاعتراف بالدين وان لم يعمل به حتى صارا الناس يتبجحون بارتكاب الموبقات مع الاعتراف بأنها من كبائر ما حرم كما بلغنا عن بعض كبراءنا إنه قال: إنني لا أنكر إنني أكل الربا ولكنني مسلم أعترف بأنه حرام وقد فاته بأنه يلزمه بهذا القول الاعتراف بأنه من أهل هذا الوعيد وبأنه يرضى بان يكون محاربا لله ولرسوله وظالما لنفسه وللناس كما سيأتي في آية أخرى فهل يعترف بالملزوم أم ينكر بالوعيد المنصوص فيؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض نعوذ بالله من الخذلان ) هذا كلامه في تفسير آية الربا التي فيها الوعيد على أكله واستيضاح محمد رشيد رضا قد سبقه أستاذه الكبير العلامة الإمام محمد عبده إلى مثل هذا الرأي فلنسمع إلى ما يقوله في تفسيره قوله سبحانه وتعالى : " فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يقول الأستاذ ومن المفسرين من ترك السيئة في الآية على أطلاقها فلم يؤولها بالشرك ولكنهم أولوا جزءها فقالوا : أن المراد بالخلود طول مدة المكث لأن المؤمن لا يخلد في النار وإن استغرقت المعاصي عمره وأحاطت الخطايا بنفسه فانهمك فيها طول حياته وأولوا هذا التأويل هروبا من قول المعتزلة أن الكبائر يخلدون في النار وتأييدا لمذهبهم أنفسهم المخالف للمعتزلة .
ثم قال بعد ذلك : ( والقرآن فوق المذاهب يرشد إلى أن من تحيط به خطيئته لا يكون أولا يبقى مؤمنا )وقد علق على هذا مثل الكلام سيد محمد رشيد رضا بما يؤيد ما قاله هنالك من الخلود في النار فمن شاء فليرجع إليه في تفسير المنار . الجزء الأول صفحة ثلاثمائة وثلاثة وستون إلى ثلاثمائة وأربع وستون (1/25)
صفحة 26
وأما الحديث الذي رواه البخاري ورواه غيره في الخروج في النار فهو حديث آحادي ومن المعلوم أن من القواعد المتبعة عند المحققين بأن الحديث الأحادي يوجب العمل ولا يوجب العلم . أي يعمل به ولا يعتمد عليه فالاعتقاد لأنه ظني والاعتقاد يقوم على الحجج القطعية هذا إذا لم يخالف ما هو أقوى منه فكيف وقد خالف الصريح من القرآن الكريم ومن المعلوم أن أصحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كانوا يتحرزون أشد التحرز من قبول رواية أي أحد كان إذا كان في روايته ما يخالف مدلول القرآن الكريم ففي الصحيحين وغيرهما .
عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها إنها أخبرت أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما – روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن الميت ليعذب ببكاء الأهله عليه )) يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما أنه لم يكن ليكذب . (1/26)
صفحة 27
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن لعله سها أو أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في اليهودية : ((التي مر على أهلها وهم يبكون عليها أنهم ليبكون عليها وأنها لتعذب في قبرها ببكائهم عليها )) ثم قالت بعد ذلك حسكم القرآن لا تزر وازرة وزر أخرى هل كانت عائشة رضي الله عنها تكذب ابن عمر أو أنها شكت في ذكره وفي نسيانه وشكت لعله التبس عليها الأمر فلذلك ردت هذه الرواية بسبب ما رأته من مخالفتها لعموم قوله سبحانه : " ولا تزر وازرة وزر أخرى " وقد رد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حديث فاطمة بنت قيس في الأمور العلمية لا في القواعد الاعتقادية رد هذا الحديث بسبب ما رآه من مخالفة عموم قوله سبحانه و تعالى : " أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدتكم " [البقرة : 275] ، وقال : لا نترك كتاب الله لقول امرأة ذكرت أم نسيت وفي رواية أخرى لا ندري أصدقت أم كذبت مع أن فاطمة بنت قيس من الصحابيات رضوان الله عليها وعلى غيرها ولكنه رضي الله تعالى عنه لأجل الحيطة من مخالفة القران الكريم في أي شي رد حديثها وإذا كانت الروايات ترد في عهود الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لأجل مخالفتها شيئا من القرآن الكريم حتى لو في نظر هؤلاء الرادين فكيف وبيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر قرنا وقد اختلط الحابل بالنابل في كثير من الروايات ولعل من أحسن ماقيل في ذلك كلام العلامة محمد رشيد رضا في تفسيره المنار في آخر الصفحة خمس وثمانون وأول صفحة ست وثمانون من الجزء الأول يقول وإذا كان من علل الحديث المانعة من وصفه بالصحة مخالفة راويه لغيره من الثقات ومخالفة القطعي من القرآن الكريم المتواتر أولى بسلف وصف الصحة عنه والآيات القرآنية واضحة هناك كثير من الأحاديث النبوية الصحيحة الثابتة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام دالة على خلود أهل الكبائر في النار ، وعلى عدم دخولهم الجنة منها ما رواه الإمام الربيع عن أبي (1/27)
صفحة 28
عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من اقتطع حقه بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب عليه النار " ،وقد رواه الإمام مالك في الموطأ ومسلم والنسائي وأبو داؤد من حديث أبو أمامة رضي الله تعالى عنه في أن من فعل ذلك لا يدخل الجنة وذلك يقتضي الخلود في النار قطعا كذلك أحاديث رواها البخاري ومسلم وغيرهما كحديث من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يعذب بها خالدا مخلدا في النار كذلك من احتسى سما فسمه في يده يتحساه خالد مخلدا في النار إلى ما وراى ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تدل على أن من مات مصرا على كبيرة فهو مخلدا في النار وقد روى الإمام الربيع رحمه الله تعالى في مسنده كثيرا من هذه الأحاديث ولكن لعل الكثيرين من هؤلاء الذين يدينون بالخروج من النار يعتقدون أن الإمام الربيع روى هذه الأحاديث انتصارا لمذهبه مع أن الإمام الربيع هو أصدق وانزه من أن يروي شيئا لم يقله رسول عليه الصلاة والسلام ولكن لنسكت عن الأحاديث التي رواها الإمام الربيع ولنذكر الأحاديث التي رواها غيره وهي كثيرة جدا كما ذكرنا من قبل وإذا كانت الأحاديث متعارضة فهل الأولى أن يؤخذ بالأحاديث التي تتعارض مع آيات القرآن الكريم أويؤخذ بالأحاديث المتفقة مع آيات القرآن الكريم لا أظن أحدا في قلبه إيمان بما أنزله الله تعالى على محمد عليه أفضل الصلاة والسلام يقول غيرما نقول أن الأولى الأخذ بالأحاديث الصحيحة المتفقة مع آيات القرآن الكريم لأن القرآن هو الأصل ويجب الرجوع إليه والأحاديث قد كثر فيها الخبط واللبط من قبل الرواة الذين لم يكونوا يتورعون من الزيادة والنقصان ولعل بعض أئمة الحديث قد إغتر ببعض هؤلاء الرواة كما يظهر ذلك واظحا في روايات البخاري وغيره على أن نفس هذا الحديث الذي رواه البخاري في خروج أهل الكبائر من النار نفس هذا الحديث فيه ما يدل على عدم صحته ولو أخذنا نحلل هذا الحديث لأخذت وقتا طويلا (1/28)
صفحة 29
وهو حديث طويل جاء من رواية أبي هريرة عند البخاري ومن رواية أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عند مسلم وفي كثير من متونه ما يدل على التناقض وما يدل على عدم الصحة كما وضحنا بعض ذلك في تعليقنا على ما يتعلق برؤية الله سبحانه وتعالى نسأل الله سبحانه وتعالى العافية و التوفيق ونعوذ به من الخذلان إنه عز وجل ولي التوفيق .
* المذهب الإباضي وموقفه من التعصب المذهبي :
ويقول الأخ السائل في سؤاله الثاني إنني عندما { أ يد بعض الكتب للأخوة في المسجد هنا يرون فيها تعصبا واضحا للمذهب الإباضي وهجوما وتشنيعا وتشريفا على بقية العلماء والمذاهب وغيرها من النقاط غير المفهومة بالنسبة لأكثر منهم إلى آخرة لما جاء في كلامه ولست أدري ماذا يعني بهذه النقاط كما أنني لا أدري ما قصده بالتعصب الواضح بالمذهب الإباضي نحن إذا جئنا لإستقراء ما دون في المذهب واستقراء طريقة أهل المذهب نجد المذهب أبعد ما يكون عن التعصب وأكثر ما يكون التزاما بالإنصاف الواجب من المسلم للمسلم وبحسبنا أن أحد قادة المذهب وهو الإمام [أبو حمزة الشاري قال في مقام انفعال في واجهة الذين تحدوه وقاتلوه قال وهو على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام: " الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثا ، مشركا بالله عابد وثن أو كافرا من أهل الكتاب أو متسلطا في الأرض يحكم في عباد الله بغير ما أنزل الله " وهل من أحد يرى في هذا الكلام إلا الإنصاف وهل يشم منه شيء من روائح التعصب .
إن هذا الكلام وغيره لأبعد ما يكون عن التعصب وأكثر ما يكون إلتزاما بما يجب للمسلم على المسلم من الإنصاف ويقول أيضا من علماء المذهب المحققين الإمام نور الدين السالمي رحمه الله في أرجوزته كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة يقول :
ونحن لانطالب العباد ... ... فوق شهادتيهم إعتقادا
فمن أتى بالجملتين قلنا ... ... إخواننا وبالحقوق قمنا (1/29)
صفحة 30
إلا إذا ما أظهروا ضلالا ... ... وأعتقدوا في دينهم محلا
قمنا نبين الصواب لهم ... ... ونحسبن ذلك من حقهم
فما رأيته من التحرير ... ... في كتب التوحيد والتقرير
حل مشاكل ورد شبه ... ... جاء بها من ظل للمنتبه
قمنا نردها ونبدي الحقا ... ... بجهدنا كي لا يضل الخلقا
لو سكتوا عنا سكتنا عنهم ... ... ونكتفي منهم بأن يسلموا
هذا الكلام يدل على الإنصاف ويد على التزام هذا المذهب للإنصاف ونحن إذا رجعنا إلى فقه المذهب منذ أن انقسم المسلمون إلى مذاهب نجد في فقه المذهب نقل آراء الآخرين واحترام آراء الآخرين ولو ذكرت الأمثلة على ذلك لاستغرقت الإجابة وقتا طويلا وبحسبي أن أذكر نماذج من مواقف علماء المذهب من ذلك أن الإمام أبا علي يوسف بن علي وهو أحد علماء عمان في بداية القرن الثالث الهجري كان يقول كل طلاق بلا ولي هو باطل ولكن أن وقع الدخول لم افرق بينهما .
* منهج الإباضية في مسائل الرأي : (1/30)
صفحة 31
المذهب يقتضي بطلان الطلاق بلا ولي وهو الذي يدل على الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلا بولي والحديث الصحيح عنه عليه أفضل الصلاة والسلام : " أيما امرأة زوجت نفسها دون إذن وليها فنكاحهما باطل باطل باطل " ولكن مع ذلك يقول الإمام أبو علي أنه لا يتجاسر على التفرقة بينهما بعد وقوع الدخول لما ذلك لقد أوضح العلماء الذين جاءوا من بعده قصده من ذلك وقالوا : أنه قال : ذلك أحتراما لرأي الإمام أبو حنيفة الذي يرى صحة تزويج المراءة نفسها ولو بدون اذن وليها ألا يكون الزوجان آخذين بمذهب أبي حنيفة راءى عدم التفرقة بينهما فهل يوجد إنصاف أكثر من هذا الإنصاف ولو تتبع أحد كتاب الجامع لأبن بركه وهو من علماء القرن الرابع الهجري لوجد كثرة النقل عن ائمة المذاهب الأخرى على اختلافهما واحترام أراءهم وكذلك كان الإمام سعيد الكدمي معاصرا للإمام ابن بركة وقد يحكي في كتبه كثيرا من أراء المذاهب وقد تناولنا كتاب الإسراء للإمام ابن المنذر وشرحه شرحا يبين فيه ترجيح القول الذي يراه راجحا بالدليل من بين الأقوال التي ينقلها ابن المنذر عن فقهاء الأنصار ومنهم الأئمة الأربعة ، ولو جئنا إلى كتاب بيان الشرع أو كتاب المصنف وكلاهما ألف في القرن الخامس الهجري لوجدنا كتاب الإشراف برمته منقولا ما فيه في كتابي بيان الشرع الذي يبلغ ثلاث وسبعون جزءا والمصنف الذي يبلغ أحد وأربعين جزءا وكلاهما من كتاب أئمة الإباضية فلماذا ينقلون عن الآخرين مع أن الآخرين لا ينقلون عن الإباضية إلا نادرا وفي مقام التشنيع إلى وقتنا هذا ونسمع إلى ما يقوله الصاوي في حاشيته على تفسير الجلالين في تفسير سورة الكهف يقول : يجب على الناس جميعا أن يقلدوا الأمة الأربعة ومن لم يقلدهم فهو ضال مضل ولا يبعد أنه يقع في الكفر ولو أنه وافق ظاهر القرآن والأحاديث الصحيحة وأقوال الصحابة .
* عمل المذهب الإباضي بالقران والسنة : (1/31)
صفحة 32
فهل مثل هذا الكلام يتجاسر أحد من الإباضية أن يقوله ؟ هل يقول أحد من الإباضية بأن الناس يجب عليهم أن يقلدوا أئمة الإباضية ولو خالفوا ظواهر القرآن ولو خالفوا الأحاديث الصحيحة ولو خالفوا أقوال الصحابة ابن ذلك من كلام أئمة الإباضية اسمع ما يقوله الإمام نور الدين السالمي :- رحمه الله تعالى – يقول :
نقدم الحديث وهما جاء على قياسنا ولا مراء
ويقول :
حسبك أن تتبع المختار وأن يقولوا خالف الآثار
ويقول :
لأنني اقفوا الدليل فاعلما لم اعتمد على مفال العلماء
فالعلماء استخرجوا ما استخرجوا من الدليل وعليه عرجوا
فهم رجال وسواهم رجل والحق مما جاء حتما يقبل
ويقول أيضا :
فنحن حيث أمرا القرآن لا حيث ما قال لنا فلان
وهكذا منهج جميع علماء المذهب لا نراهم يقدمون أراء ائمتهم على ما جاء في متاب الله أو على ما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو على ما جاء وثبت عن صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم ولنسمع أيضا إلى ما يقوله الإمام نور الدين السالمي في بداية كتابه أنوار العقول يقول :
والأصل للفقه كتاب الباري إجماع بعد سنة المختار
والإجتهاد عند هذي منعا وهالك من كان فيها مبدعا
فكيف يقال مع ذلك أن أئمة الإباضية متعصبون وأن الآخرين متصفون
ونحن إذا تدبرنا ما يقوله الآخرون عن الإباضية إلى وقتنا هذا نجد كثير منهم بعيدين كل البعد عن إنصاف الإباضية بل عن إنصاف الحق فلنسمع إلى ما يقوله الإستاذ عمر التلمساني في مقالته التي اجريت في إمارة أبو ظبي ونشرت في جريدة الإتحاد لقد ذكرنا الأحزاب المنشقة عن الأخوان المسلمين وذكرما بينه وبينهم من خلاف وذكر براءة الأخوان منهم وقال بعد ذلك وهل يضر المسلمين ما فعله الإباضية والقرامطة . (1/32)
صفحة 33
ما الذي ترك الإستاذ عمر التلمساني يجمع ما بين الإباضية والقرامطة مع أن القرامطة خارجين عن الإسلام مرتدون عنه وقد اقتلعوا الحجر الأسود وظل عمدهم عشرون عاما وبنوا كعبة في الإحساء وحاولوا صرف الناس إلى تلك الكعبة فهل يقاس هؤلاء بالإباضية وهل يصح أن يقرن الإباضية مع هؤلاء مع أن الإباضية أكثر الناس التزاما بكتاب الله وسنة رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام وأكثر الناس تحريا للحق وأكثر الناس تطبيقا لما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم . (1/33)
صفحة 34
وقد كتب احد الكاتبين تعليقا على كتاب العماني في الانساب جاء فيه ذكر بني سليمة وان منهم الإمام الشاري ابا حمزة المختار بن عوف الذي عرقه الإمام مالك كتب كاتب تعليقاًً على هذا الكلام قال نعم لقد عرف الأمام مالك أبا حمزة باغياًًًًًًًًًًًًًًًً ضالاًًًًًًًًًً عن سبيل المؤمنين حين هاجم الحرمين الشريفين خارجاًًًًًًً على الدولة الأسلامية أي إنصاف في كلام هذا الكاتب الذي كتب عن أبي حمزة ووصفة بالخروج على الدولة الإسلامية الضلال والإضلال مع ان ابا حمزة لم يخرج الأ على البغي الضلال ولم يقاوم الإ الباطل مع ان هذا القائل يعني بالدولة الاسلامية دولة بني امية التي انتهكت حرمة الكعبة المشرفة إذ قصفتها بالمنجنيق مع ان الله تعالى قد حرم القتال حول المسجد الحرام والدولة الاموية هي التي قتلت سيط رسول صلى الله عليه وسلم الحسين بن علي وهي استباحت حرم رسول صلى الله عليه وسلم ثلاثة ايام بالمدينة المنورة وكانت وقعت الحرة التأريخية التي قتل فيها اكثر من عشرة الآلف من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبقى بعدها بدري وقد قيل انه حمل في هذه الواقعة ثلاثمائة من الابكار من اهل المدينة بسبب معرة الجيش الاموي هل من الممكن أن تنسب هذه الدولة إلى الإسلام وهل من الممكن ان توصف بأنها متمسكة بالاسلام وان من خرج عليها ضال مضل و إنه أحق بأن يوصف بالضلال وانه احق بان يوصف بالبغي ومتى هاجم أبو حمزة الحرمين الشريفين أن ابا حمزة لم يقاتل في الحرمين الشريفين ولكنة قاتل لما أعترضه اهل المدينة وحاول ان يقنعهم بان يرجعوا عنه ولكنهم أبوا الرجوع ثم قال لأصحابها كفوا عنهم ولاتبداوهم بالقتال حتى يبداوكم ولما رموا أصحابه بسهامهم وأصاب بعضها بعضاً من رجاله قال لاصحابه دونكم الآن فقد حل قتالهم وقد كان تاريخة كله مثالاًًًًًًًًًًًًً للاستقامة والنزاهة والبعد عن المؤثرات النفسية كان أكثر ما يكون بعدا عن الانتقام لنفسة أو لاصحابة (1/34)
صفحة 35
كما يشهد التاريخ بذالك كما جاء في كتاب فتوح البلدان وكتاب الأغاني لأبي فرج الاصفهاني وكتاب مختار الأماني وهذه الكتب كلها ليست عن الإباضية فكيف مع ذلك يوصف بعد ذالك كله الأباضية بالتعصب وكفى دليلاًًًًًً على سلامة منهج الإباضية في كل شي إن الإباضية لما خرجوا بقيادة الإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي وكان معه قائدة أبو حمزة المختار بن عوف من حضر موت الى صنعاء خرجوا وكانوا في منتهى الفقر وفي اشد الحاجة يصفهم أبو حمزة بقوله: النفر الكثير منهم يتعاقبون على بعير واحد ويتعاورون لحافاًًًًًً واحدا ولما احتلوا صنعاء واخرجوا منها العامل الاموي القاسم بن عمر الثقفي وجدوا خزاءن الاموال مكدسة ولكنة الامام طالب الحق رحمة الله تعالى لم يستبح إن يأخذ شي من تلك الأموال لنفسة ولأصحابه مع أنهم كسروا الطرق الظلم الذي كان محيطاًًً بصنعاء واليمن وإنما فرقوا تلك الأموال بين أهل صنعاء من غير تفرقة بين أهل مذهب مذهب وآخذ ذلك إنهم قالوا هذه الأموال جبيت بغير حق من أهل صنعاء فعلينا إن نردها عليهم وفي هذا القول الإمام نور الدين السالمي رحمة الله:
و طالب الحق في صنعاء حكما بجعلها في أهلها واحتشما
لم يأخذ عن هضيق يومه شيئاًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًً لنفسه ولا لقومه
تعففاًًًًًًًًًًًً منهم ومن كمثلهم أكرم بهم من عصبة أكرم بهم
كانوا يموتون على ما ابصرو من الهدى ما بدلوا وغيروا (1/35)
صفحة 36
إلى ما وراء ذلك من الشواهد التي تدل على استقامة هؤالاء الناس وعندها خرج قائد بني أمية ابن عطية ليقاتل الأباضية الذين كانوا تحت لواء أبي حمزة الشاري بالمدينة المنورة منع أبو حمزة من قتالهم حتى يقيمون الحجة على ابن عطية وسأل ابنة عطية ماذا تصنعون بكتاب الله فأجابه ابن عطية:نصنعه في الجوالق قال له:وماذا تصنعون بالتيم فأجابه ابن عطية: نأكل ماله ونفجر بأمه ، فهل يقتضي الإسلام بأن يوضع كتاب الله في الجوالق وان يؤكل مال اليتيم وأن يفجر بأمه وهل الإسلام يقتضي بأن من التزم طريقة الحق وعمل بكتاب الله وبسنة رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام يعتبر من المارقين الخارجين عن هذا الدين الحنيف حتى يوصف أبي حمزة بأنه ضال مضل خارج عن الدولة الإسلامية ونسمع صفات ابي حمزة واصحابة رحمهم الله في تلك الكلمات التاريخية التي قالها ابي حمزة على منبر الرسول الله صلى الله عليه وسلم قال:يأهل المدينة تعيروني بأصحابي تزعمون أنهم شباب وهل كان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الاشبابا نعم شباب والله مجتهدون في شبابهم غضيضة عن الحرام عينهم بطيئة عن الشر أقدامهم أمضاء عبادة واطلح سهر موصل كلالمهم بكلالهم وقيام ليلهم بصيام نهارهم قد اكلت الأرض جباههم وأيديهم وركبهم من طول السجود مصفرة ألوانهم ناحلة أجسامهم من كثرة القيام وطول القيام لقد نظر الله إليهم في جوف الليل منحنية اصلابهم على اجزاء القرأن اذا مر احدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوق إليها وإذا مر بآية ذكر فيها النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه مستقلون ذلك في جنب الله مستنجزون لوعد الله حتى إذا رأوا سهام العدو قد فوقت أشرعت وسيوفه قد امتطيت وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت وأبرقت استهانوا وعيد الكتيبة بوعد الله فلقوا شبا الأسنة وشانك الهام وحدا السيوف بوجودهم وصورهم ونحورهم ومضى الشاب هنالك قدما حتى اختلفت قدماه على عنق فرسيه وخر صريعاً في الثرى ورملت محاسف (1/36)
صفحة 37
وجهة بالدماء واسرعت إليه سباع الارض وانحط إليه طير السماء فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها في جوف الليل منخشية الله وكم من يداً بينت عن مساعدها طالما اعتمد عليها صاحبها في سجوده لله وكم من خد عتيق قد فلق بعمق الحديد فرحم الله تلك لأبدان وادخل أرواحهم الجنان).
فهل هذه الصفات هي المروق وهي الضلال وهي الإضلال وهل صفات بني أمية هي صفات الدولة الإسلامية الحقة التي يجب أحترامها وتجب طاعتها حتى يقول القائل نعم لقد عرف الإمام أبا حمزة كما عرف أهل الحرمين ضالا باغيا عن سبيل المؤمن حين هاجم الحرمين الشريفين خارجاً عن الدولة الإسلامية ألخ ماكتبه من الهراء .
وقد قال بعض الكاتبين في الإباضية من تسلط عليهم حلق لحاهم ووطئ نساءهم من أين جاء بهذا الحكم وهل هذا هو الإنصاف وهل هذه هي الأخوة الإسلامية الواجبة بين المسلمين وهل سمعتم أن أحدا من الإباضيين أصرف كتابا لغير الإباضية هل جاء ذلك في التاريخ أو وقع ذلك في وقتنا هذا ونحن نستطيع أن نثبت في وقتنا هذا أن كتب الإ باضية تحرق علنا في المملكة العربية السعودية وعندنا بينة على ذلك فتوى بإحراق كتبهم من مفتي المملكة العربية السعودية سابقا مفتي الديار السعودية الشيخ / محمد بن إبراهيم ولا تزال صورة من هذه الفتوى موجودة بأيدينا إلى وقتنا هذا .
ويذهب الحجيج إلى بيت الله الحرام في هذا الوقت ويمنعون من إدخال كتب الإباضية التي فيها ذكر مناسك الحج مع أن الحرمين الشريفين كل المسلمين فيهما على السواء لا يختص بهما مذهب دون مذهب ولا طائفة دون طائفة لأن الله تعالى يقول في الحرم المكي :" سواء العاكف فيه والباد " . (1/37)
صفحة 38
ومثل ذلك حكم الحرم المدني وقد كان الواجب على هذه الدولة أن تجمع شتات المسلمين أن تلم شعثهم ولكن مع ذلك يا للأسف الشديد لسبب تعصب علمائهم تحرق كتب الإباضية فيها علنا على رؤوس الملا حتى أن أحد علماء عمان ذهب إلى هناك لأداء مناسك الحج في عام ألف وثلاثمائة وتسعون للهجرة وقد كان عنده كتاب عن الإمام نور الدين السالمي عنوانه ((بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود )) ولم يتعرض في هذا الكتاب لأي مذهب من المذاهب الإسلامية ولكنه مع ذلك صُدر في مطار جدة ولم يرد إليه إلى وقتنا هذا بسبب أنه كتاب إباضي أو بسبب إتهامه بأنه كتاب إباضي وحتى الطلبة الذين يتلقون تعليمهم في المملكة العربية السعودية في وقتنا هذا يتعرضون لضروب من الإيذاء إن كانوا من الإباضية وفي هذا العام ذهب طالب إلى هناك وكانت لجنة تمتحنه ومن ضمن الأسئلة التي وجهت إليه ما هي المذاهب الهدامة التي تعرفها فأجاب بأنه يعرف الماسونية ويعرف عن القاديانية والبهائية والشيوعية فقال له قائل من بين أعضاء اللجنة وعن الإباضية فأي احترام هذا للمسلمين وأي تقدير للإجتهادات علماء المسلمين عند هؤلاء الناس الذين يعتبرون مذهبا إسلاميا عريقا آخذا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في مصاف الماسونية والشيوعية والبهائية والقاديانية ، وهناك الكثير من الأدلة عندنا على ذلك كلها تدل على عدم الإنصاف من قبل كثير من المسلمين بينما الإباضية يلتزمون الإنصاف وقد كتب كثير من الكتاب المنصفين الذين أدركوا الحقيقة واصفين الإباضية ما هم عليه من الحق والإنصاف .
حتى أن الأستاذ أحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام الجزء الثالث . يقول فيهم وهم إن نظروا إلى الأشخاص ففي ضوء الحقيقة لا كما ينظر غيرهم إلى الحقيقة في ضوء الأشخاص. (1/38)
صفحة 39
هذه هي صفة الإباضية وقد أصاب فيهم الأستاذ أحمد أمين وإن كان وصفهم بالخارجية فهو مخطئ من حيث أنه وصفهم بأنهم خوارج وهو مصيب من حيث أنه وصفهم بهذا الوصف.
كل ذلك يدلنا على أن الإباضية أبعد ما يكونون عن التعصب وأكثر ما يكونون ألتزاما بالإنصاف وأكثر ما يكونون احتراما للمذاهب الإسلامية الأخرى ولكن أن وجد شئ من الدفاع في كتبهم عن أنفسهم أو عن مبادئ التي أقتنعوا بها والتي جاء دليلها في كتاب الله و في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم هل يعتبر ذلك تعصب ويعتبر ما يقوله الآخرون ليس من التعصب بل إنصافا إن هذا الاعتبار نفسه ليس من الأنصاف في شي وعلى من يطلب الحقيقة أن يرجع إلى كتاب الإباضية وإلى كتب غيرهم ليجد الحقيقة ماثلة وعليه أن يرجع إلى معاملة الإباضية ومعاملة غيرهم ليجد الحقيقة مجلوة لا يشك فيها أحد وكثير من الناس إلى وقتنا هذا يأبون عن مطالعة كتب الإباضية يأبون ذلك لأجل اتهامهم الإباضية وأنا أشك أنهم يأبون ذلك لأنهم يعرفون أن المبادئ التي عندهم متزلزلة والباطل دائما يخشى من الحق ومن حيث أن الإباضية ملتزمون بالحق ملتزمون بالجادة الحنفية لا يخشون ما عند غيرهم فلذلك يطالعون في جميع كتب غيرهم يأخذون من كل كتاب ما وافق الحق ويتركون ما خالف الحق كما هو واضح في مؤلفاتهم وأرجو ممن يريد الإنصاف أن يرجع إلى هذه الكتب فيلقى الحقيقة التي لا يشك فيها. (1/39)
صفحة 40
ومن أمثلة عدم الإنصاف عند الآخرين أن مجلة الإصلاح التي تصدر من الإمارات العربية المتحدة جاء ذكر فيها ما يسمى بالتطرف الديني ثم بعد ذلك قال كاتب المقال : ((رغم أن هذه المذاهب المتطرفة كلها فنيت ولم يبق منها إلا المذهب الباطني والمذهب الإباضي فإن كثيرا من شبابنا في وقتنا هذا يميلون إلى التطرف )) فما الذي يجعلهم يعتبرون الإباضية من المتطرفين ويضعونهم في مصاف الباطنيين الذين هم ليسوا من الإسلام في شيء إن ذلك دليل على عدم تحري الحقيقة فيما يكتبون ويقولون متجاهلين قول الله سبحانه وتعالى : {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } .
الخاتمة:-
إني أسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدي المسلمين لما فيه الحق وأن يرشدهم إلى الخير وأن يؤلف بين قلوبهم وأن يجمع شملهم أنه تعالى ولي التوفيق وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
الفهرس
مقدمة المفرغين ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ........
المقدمة..........................................................
(موقف الاباضية من عثمان وعلي) ... ... ... ... ... ... ... ....
مكانة اصحاب رسول الله ........................................
موقف سماحة الشيخ أحمد الخليلي من الفتن.....................
مواقف القائلين والكاتبين في الفتنة وفي سيدنا عثمان .....
* موقف عبد الله بن الأهتم..................................
* موقف ابن قتيبة.........................................
* موقف السيد قطب ......................................
موقف سيدنا علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه ... *
موقف العلامة المرجودي................................... *
قصة دفن سيدنا عثمان ...................................
موقف الإباضية من علي وقضية التحكيم..................
موضوع الكبائر والخلود في النار..........................
غفران الخطايا ما عدا الشرك ............................... (1/40)
صفحة 41
المذهب الإباضي وموقفه من التعصب المذهبي ...............
* منهج الإباضية في مسائل الرأي ..........................
* عمل المذهب الإباضي بالقران والسنة :...................
* عدم انصاف الكتاب للإباضية ...........................
*الخاتمة ................................................. (1/41)