صفحة 1
الكتاب: وللآخرة خير وأبقى
المؤلف: أحمد بن حمد الخليلي { بسم الله الرحمن الرحيم }
عنوان " وللآخرة خيرُ وأبقى "
محاضرة لسماحة المفتي
_____________________________
{ بسم الله الرحمن الرحيم }
مقدمة :
... الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، أحمده تعالى بما هو له أهلٌ وله الحمد واشكره وأتوب إليه من جميع الذنوب وأستغفره ، وأؤمن به ولا أكفره ،وأعادي من يكفره . واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله ، أرسله الله إلى خلقه بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد
... فالسلام عليكم أيها الأخوة الأعزاء وأيتها الأخوات العزيزات ورحمة الله وبركاته أشكركم جميعاً على اجتماعكم في هذا المكان الطيب في هذا الصرح العلمي سائلاً الله أن يبارك في جمعنا هذا ، وان يوفقنا للخير وان يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه . (1/1)
صفحة 2
? المسلم وعمله : فلا ريب إننا جعلنا ندرك ان الإنسان لم يخلق هملاً ولم يترك سدى ، فالإنسان ينوء (1) بأمانة كبرى لأن الله سبحانه وتعالى جعل مصيره مرتبطاً بعمله ودنياه موصلة بآخرته ، وعمله موصولاً بجزائه . فالإنسان رهين عمله إن قدم خيراً أو قدم شراً . والحياة التي نعيشها حياة محدودة . فكل أحد يدرك أنه لم يدرك أنه لن يخلد في هذه الحياة ، إذ أن الله تبارك وتعالى حكم على الجميع بالموت ، فقد قال وهو أصدق القائلين ( كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) (2) هذا حكم الله الذي لا تبديل لحكمه ولا معقب له ولا إخلاف لميعاده ، وهو سبحانه وتعالى أصدق القائلين . فالإنسان مهما كان عمره وهو يقطع هذه المسافة ، مسافة العمر في هذه الدنيا ، حكمه حكم السجين الذي حكم عليه بالإعدام ولكن لا يدري متى ينفذ هذا الحكم . ثم أن الموت ليس هو نهاية المطاف ، وإنما هو مرحلة في الطريق . وبعد هذه المرحلة مراحل حتى ينتهي الإنسان إلى دار القرار . فبعد الموت بعث حيث تعود الأرواح مرة أخرى إلى الأجساد ، بعد البعث حساب ، وبعد الحساب جزاء ، والله تعالى بين الجزاء في كتابه الكريم وبين أن هذا الجزاء موصول بالعمل ، ويأتي حسب ما يكون العمل في هذه الدنيا فقد قال عز من قائل ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم فتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) (3) والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون في هاتين الآيتين بين الله تعالى المصير الذي هو مرهون بالمسير في هذه الدنيا ، فكل أحد هو رهين عمله ، ومصيره يحسب مسيره ، فمن أحسن وجد إحساناً ، ومن أساء فلا يلومن إلا
1- ينوء : يحمل ويتعب من ثقل ما يحمله 2- آل عمران : 185 (1/2)
صفحة 3
3- يونس : 26 * الدنيا هل تستحق كل هذا الاهتمام ؟
نفسه ، فلن يجزي أحد إلا بما عمل ، وقد ضرب الله تعالى الأمثال الكثيرة التي تبين حقارة هذه الدنيا وهوانها ، فإن الله تعالى سماها متاع الغرور ويقول الله عز وجل ( إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وأزينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغني بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ) (1) هكذا شأن هذه الحياة ثم قال سبحانه وتعالى بعد ذلك ( والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) ثم بين سبحانه العاقبة التي استعرضنا بعض الحديث عنها فما استعرضناه من خلال ذكر الآيتين بعد هذه الآية الكريمة ويقول تعالى ( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فاصبح هشيماً تذروه الرياح وكان الله على كل مقتدراً ، المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خيرٌ عند ربك ثواباً وخيرٌ أملاً ) (2) ويقول سبحانه وتعالى ( اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) (3) ثم يأمر بالذي هو خير فيقول ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للذين أمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) وهذا كله يدعو الإنسان إلى أن يقطع هذه الحياة الدنيا غير راكناً إليها ، وغير مطمئن إليها ، وغير واثق بصحبتها . فالدنيا كما قيل أنمله أو جنة أو جله . هكذا شأن هذه الحياة الدنيا . وإنما على الإنسان أن يجعلها وسيلة إلى الدار الآخرة لا غير . (1/3)
صفحة 4
أما إن جعلها غاية ، فإنه يكون قد أعطاها فوق حقها ويكون قد غبط الآخرة حقها ، على أن الدنيا لا تسوى شيئاً بجانب الآخرة ، فإن الآخرة لو كانت تراباً وكانت الدنيا ذهباً لكانت الآخرة أحرى بأن يحرص عليها من أجل بقائها وخلودها . فكيف وإن كانت الآخرة أغلى من الذهب والدنيا أرخص من التراب فبطبيعة الحال يجب على الإنسان أن يحرص على الدار الآخرة ، على أن الناس وإن كانوا متفاوتين في هذه الحياة الدنيا فمنهم من يعيش لحظات ، ومنهم من يعيش عمراً مديداً بالنظر في مقاييس البشر ، وهم متفاوتون أيضاً في المال فمنهم من يفتح له باب الدنيا فتحاً ، ومنهم من من يقدر عليه في رزقه ، فهم متفاوتون أيضاً في سائر المواهب الحسية والمعنوية كالملكات الظاهرة والباطنة والحظوظ والأقدار وغير ذلك مما يغتر به الناس من متاع هذه الحياة الدنيا ، ولكن ليس في ذلك تغابط ، فمهما كان هناك تفاوت في الأعمار ، ومهما كان هناك تفاوت في الطاقات والقوى والملكات (4) ومهما كان هنالك تفاوت في الحظوظ ، ومهما كان هنالك تفاوت في الأموال ، فإنه في الحقيقة لا يعد ذلك تغابناً . فالتغابن الحقيقي بين الناس هو التغابن في توفيق الله تبارك وتعالى لهم بالطاعة وحسن العمل . فبقدر ما يوفق الإنسان من أجل طاعة الله يكون نصيبه أوفر ، وبقدر ما يحرم من هذا التوفيق يكون خاسراً . فشتان بين من واجه الشدائد في الدنيا وكابد المشاق ، ثم انقلب إلى الجنة عرضها السماوات والأرض فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ، بحيث لا تعلم نفس ما أخفت لها من قرة أعين ، وبين من أوتي حظاً في الدنيا ، وبسط في رزقه ، وبسط له في جاهه وسلطانه ونفوذه ، وأوتي أيضاً حظاً من القوة الجسدية ، وأوتي من كل ما يستمع به الناس من متاع الحياة الدنيا ، ثم انقلب بعد ذلك إلى نار وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، فشتان بين المصيرين . (1/4)
صفحة 5
هناك التغابن الحقيقي ، ولقد وصف الله تعالى الدار الآخرة بما وصفها به أولاً قبل كل شيء أنها تختلف تمام الاختلاف أي الحالة التي يكون عليها الناس في هذه الحياة الدنيا . فقبل كل شيء في الحياة الدنيا لو أن أحد من البشر سخط عليه حاكم أو سخط عليه من هو أقوى منه ، يمكن أن يستعين بناس آخرين
1- يونس : 24/25 3- الحديد : 20
2- الكهف : 45/46 4- الملكات : هي المواهب (1/5)
صفحة 6
من أجل دفع هذا السخط من أجل دفع العقوبة ، ولكن الله تعالى وصف ذلك اليوم بقوله ( واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولاهم ينصرون ) (1) فذلك يوم لا تجزى نفس عن نفس شيئاً بحيث لا تكون نفس جزاءاً عن نفس لا تكون نفس فدية عن نفس ولا يقبل من أي نفس شفاعة ، ولا يقبل من أي نفس عدل ولا تكون هنالك نصرة من أحد ، كل أحد أوتي شيئاً من هذه الدنيا يأتي ذلك اليوم مجرداً مما أوتيه سواءٌ أكان أوتي جاهاً ، أو كان أوتي مالاً ، أو أي شيئاً كان فالله تعالى يقول ( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون ) (2) فجميع الصلات التي تتكون بين الناس تنقطع في ذلك اليوم ، وكل رياش وكل جاه يؤتاه الإنسان في هذه الدنيا يجرد منه في ذلك اليوم فالصلات تنقطع حتى بين الأقرباء ، ( فإذا نفخ في الصور فلا إنسان بينهم يومئذ ولا يتسائلون) (3) بل المودة تتحول إلى عداوة وبغضاء إلا ما يكون بين عباد الله المتقين من الصلة والولاية والرابطة الربانية التي تصل الإنسان الرباني بالإنسان الرباني . ويوصف الله ذلك اليوم بقوله ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) (4) فالعداوة في ذلك اليوم تكون بين جميع الذين يحب بعضهم بعضاً في الدنيا إلا عباد الله المتقين فإن المتقين لا تكون بينهم عداوة ، وإنما تكون بينهم الصلة والمرحمة والمودة ، كذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى عندما يذكر ذلك اليوم وما فيه من حساب ، يذكره مقروناً بالأهوال التي هي فوق تصور الإنسان . (1/6)
صفحة 7
فإن الله سبحانه وتعالى يذكر الحساب مقروناً بالأهوال وباختلال نظام هذا الكون ، وتهاوى أجزائه ، ووقوع بعضها على بعض ، في ذلك اليوم اهوال فوق ما يتصور الإنسان فالله تعالى يقول ( فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكت دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء فهي يومئذ واهية ، والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذِ ثمانية يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ) (5) كذلك يقول الله سبحانه وتعالى ( فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ) (6) ويقول تبارك وتعالى ( إذا الشمس كورت وإذا النجوم إنكدرت وإذا الجبال سيرت وإذا العشار عطلت وإذا الوحوش حشرت وإذا البحار سجرت وإذا النفوس زوجت وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت وإذا الصحف نشرت وإذا السماء كشطت وإذا الجحيم سعرت وإذا الجنة ازلفت علمت نفسٌ ما أحضرت ) (7) ويقول عز من قائل ( إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انبثرت وإذا البحار فجرت وإذا القبور بعثرت علمت نفسٌ ما قدمت وأخرت ) (8) ثم يتبع ذلك توبيخ هذا الإنسان الذي اغتر بالأماني ، وتعلق بالأوهام وتشبث بالسراب فيقول الله سبحانه وتعالى ( يا أيها الإنسان ما عزك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك ) (9) وكذلك يقول الله تعالى ( إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت وأذنت لربها وحقت يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً وينقلب إلى أهله مسروراً ، وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا إنه في أهله مسروراً إنه ظن أن لا يحور بلى إن ربه كان به بصير ) (10) فهذا الحساب الذي يذكره الله سبحانه وتعالى وكما أن الله حذر أهل الكتاب بخطورة ذلك اليوم ، وحذر المؤمنين (1/7)
صفحة 8
أيضاً ، وبين للمؤمنين أنه لن تجدي الشفاعة في ذلك اليوم ولا الخلة ولا أي شيء مما يتشبت به الإنسان في الدنيا في ذلك اليوم ، فقد قال الله تعالى ( يا أيها الذين أمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن ياتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون ) (11) فإذاً من أي ناحية من النواحي على الإنسان أن لا يغتر بالأماني . وقد
1- البقرة / 48 2- الأنعام / 94 3- الأنعام / 94 4- الزخرف / 67 5- الحاقة 6- القيامة من 6:13 7- أول سورة الشمس إلى الآية 14
8- الانفطار من الآية 1 إلى الآية 5 9- الانفطار من 6 : 8 11- الانشقاق من 1: 15 (1/8)
صفحة 9
حذر الله تعالى هذه الأمة من الاغترار بالأماني كما اغترت الأمم السابقة ، فإن الله سبحانه وتعالى يقول ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجزه به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصير ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ) (1) فكل من عمل سوءاً يجزى به ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى فإنه يجزى بما قدم من الأعمال الصالحات ، وذكر القرآن الكريم كيف حال الناس في ذلك اليوم بحسب ما يأتون به من الحسنات والسيئات فإن الله يقول ( من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ، ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ) هكذا انقسام الناس ، وكذلك يقول الله سبحانه وتعالى ( من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون ) (2) ويقول الله سبحانه وتعالى ( من جاء بالحسنة فله عشرة أمثالها ) (3) فكل أحد يعمل خيراً يجازي أضعاف ذلك الخير الذي جاء به يجزى خيراً منه ، لأن الله تبارك وتعالى كريم . أما الذي يأتي بالسيئة فإنه يجزى مثلها ولكن ما أدرك ما هو الجزاء إنما الجزاء ذكره الله سبحانه وتعالى في قوله ( يا أيها الذين أمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) (3) وقد جاء وصف عذاب النار يوم القيامة في آيات كثيرة ، وهي كلها تدل على أن هذا العذاب عذاب لا يطاق يوم يحمى عليها في النار بالنسبة للذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكون بها جباهم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكترون ويقول سبحانه وتعالى أيضاً ( هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم . يصهر به ما في بطونهم والجلود . (1/9)
صفحة 10
ولهم مقامع من حديد ) (4) هذا العذاب لا يمكن لأحد أن يطيقه مهما أوتي فكيف والقوة يومئذ كلها تتلاشى ، هو عذاب فوق ما يتصور الإنسان . في مقابل ذلك النعيم فيقول الله سبحانه وتعالى ( ولا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاءاً بما كانوا يعملون ) كل ما ورد من ذكر نعيم الآخرة بالتفصيل لا يفي بهذا الإجمال الذي في الآية فلا تعلم نفس لأن أي نفس لا يمكن أن تعلم وتتصور حق التصور ما في ذلك اليوم من النعيم العظيم الذي أخفاه الله سبحانه وتعالى لأوليائه المتقين . كذلك يصف القرآن الكريم الأبعاد الواسعة أبعاد تلك الدار الخيرة التي أعدها الله للمتقين إذ يقول ( سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ، والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفر لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا ) (5) .
*** أهل الجنة وأهلها : هل يأبى أحد أن يدخل الجنة ؟
... يصف الجنة التي يدعو إليها هؤلاء العباد ويبين من هم أهلها . هم المتقون الذين اتصفوا بهذه الصفات . يصف هذه الجنة بان عرضها السماوات والأرض ، ولا يدري أحدنا ما هو عرض السماوات والأرض لا يمكن أن يحدد أحد عرض السماوات والأرض . فإن هذه الأبعاد لا يعلمها إلا الله ، كيف ونجد علماء الفلك الآن يتحدثون أن أبعد مجرة اكتشفوها تبعد عن هذه الأرض بينها وبين الأرض خمسة آلاف مليون سنة ضوئية . والسنة الضوئية كما يقولون ستمائة مليون مليون ميل لأن الضوء في الثانية الواحدة يقطع منه ألف ميل وستة وثمانون ألف ميل وثلاثة مائة ميل أي مسافة ثلاث مائة ألف كيلو متر في الثانية الواحدة . فلو أن إنساناً مشى بسرعة الضوء بحيث يقطع في الثانية الواحدة هذه المسافة ، واستمر في الاتجاه إلى أبعد مجرة تبعد عن الأرض لما وصل إليها إلا بعد خمسة آلاف مليون (1/10)
صفحة 11
1- الساعة 123 / 124 3- الأنعام : 160
2- القصص : 84 4- الحج من 19 : 21
3- 5- آل عمران من 133 : 135
سنة ضوئية . وفوق ذلك هنالك ما يسمى " بالإشعاعات " التي حسب ما يقول علماء الفلك بأنهم اكتشفوا الأبعاد التي اكتشفوها منها بعدها عن الأرض يقدر بعشرين مليار سنة ضوئية ، فإذاً هذه زاوية من هذا العرض من عرض السماوات التي ذكرها الله تعالى ، ثم ما هي تلك الدار ؟ تلك الدار هذه هي سعتها ، وبجانب هذه السعة يقول النبي صلى الله عليه وسلم في وصفها لموضع صوت أحدكم في الجنة خير في الدنيا وما فيها ، موضع صوت أي موضع فقد جاء في بعض الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم لأن خمار إمرأة في الجنة هو خير من الدنيا وما فيها . فإذاً الجنة لا يمكن أن يقدر نعيمها أحد ، ولا يمكن أن يقدر مسافتها أحد ، ولا يمكن أن يتصور ما فيها من متع ، بل هي فوق تصور المتصورين ، كما أن عذاب النار أيضاً فوق ما يتصور المتصورين . وقد جاء في بعض الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يؤتى يوم القيامة بأكثر الناس نعيماً في هذه الدنيا فيغمس غمسة في عذاب الله والعياذ بالله ، ثم يسأله هل ذقت نعيماً قط ؟ فيقول لينسى كل نعيماً ذاقه في هذه الحياة الدنيا . ويؤتى بأكثر الناس بلاء ومعاناة في هذه الحياة ، فيغمس غمسة في رحمة الله في نعيم الآخرة يوم القيامة ثم يقال له : هل ذقت بلاءً قط ؟ فيقول لينسى كل بلاءِ ذاقه في هذه الدنيا . (1/11)
صفحة 12
فإذاً هذه الحياة الدنيا مع نكدها وبلائها ومع سرعة انقضائها واضمحلالها مع كونها حياة وهمية غذ الإنسان لا يعرف متى يفاجئه ديب الموت ، فيها ، كيف يخلد الإنسان إليها ويترك تلك الحياة الأبدية التي لا بداية لها ولا انصرام ؟ على أن الحياة الآخرة سواء كانت نعيماً أو جحيماً تتميز بالبقاء ، فإن الله تبارك وتعالى في سورة يونس ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) (1) ويقول أيضاً عز من قائل ( إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هو عنها بغائبين ) (2) فالأبرار في نعيم دائم مستمر لا ينقطع ، والفجار أيضاً في جحيم دائم مستمر لا ينقطع ، وما هم عنهم بغائبين . ويقول تبارك وتعالى ( ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً ) (3) فإذا الآيات كثيرة تنص على البقاء المستمر في تلك الدار ، إما في النعيم أو في الجحيم . فعلى الإنسان أن يعتبر بها ، ويتعظ منها ، وعلى الإنسان أن يعرف أن هذه الدار لا تساوي بجانب تلك الدار شيئاً . (1/12)
صفحة 13
فهي أتفه عند الله من جناح بعوضة ، ولو كانت الدنيا تساوي جناح بعوضة لما سقى منها كافراً شربة ماء ، ولكنها لا تساوي شيئاً فلذلك كانت غير محصورة في المؤمنين ، غير صالحة إنما الدار الآخرة جعلها الله تبارك وتعالى خالصة للمؤمنين ، وتلك الدار الآخرة إنما هي لمن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى ( ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنغنيه حياة طيبة ولنجزينهم أأجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) ويقول عز من قائل ( إن المسلمين والمسلمات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً ) (4) هؤلاء كلهم أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً من كلا الجنيين ،جنس الذكور والإناث . ولكن بجانب ذلك على الإنسان أن يكيف نفسه حتى يكون من هؤلاء حتى ينال هذا الخير العظيم . هذا بالنسبة للذكر وبالنسبة للأنثى . وذلك يتجسد في حسن الطاعة والإنقياد لأمر الله فإن الله تعالى يقول ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً ) (5) فليس للمؤمن اختيار ولا للمؤمنة ، فإذا جاء أمر الله على المؤمنين والمؤمنات أن يتلقوا هذا الأمر بالقبول ، عن الله تبارك وتعالى . على جميع الناس أن يتلقوا أمر
1- يونس من 26 : 27 3- الجن : 23
2- الانفطار من 13 : 19 4- الأحزاب : 35
5- الأحزاب : 36 (1/13)
صفحة 14
الرسول صلى الله عليه وسلم بالقبول كذلك أيضاً الإنسان ليس مسئولاً عن نفسه فقط ، بل الإنسان مسئول عن إصلاح نفسه وغيره ذكراً كان أو أنثى . فالمؤمن مطالب بأن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ، وكذلك المؤمنة . كل واحد من الضفتين مطالب بذلك . فالمرأة لا تعذر بهذا الواجب عليها في بيتها أن تأمر حتى زوجها وأباها وأخاها وأولادها بالمعروف وتنهاهم عن المنكر . وعليها أن تحرص أيضاً على أمر بنات جنسها عندما تختلط بهن ، عليها ان تحرص على أمرهن بالمعروف ونهيهن عن المنكر ، كما أن على الرجل أيضاً أن يأمر أهل بيته وبني جنسه بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، والله تعالى يقول ( المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله ) وصف الله تعالى المؤمنين والمؤمنات بأن بعضهم أولياء بعض ، بينهم ولاية هذه الولاية بسبب الطاعة لا لأجل علاقة دنيوية ، ولكن لأجل الصلة الربانية تربط ما بينهم لأجل صلتهم بالله ، لأن الإيمان بالله سبحانه وتعالى هو الذي يوحدهم وطاعة الله هي التي تجمع شتاتهم ، والإخلاص لله هو الذي يوحد قلوبهم ، فالقلوب متآلفة فلذلك صار بعضهم أولياء بعض ، ولكن صفاتهم جميعاً أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويقيمون الصلاة ، ويؤتون الزكاة ، ويطيعون الله ورسوله . وما هي العاقبة ؟ العاقبة وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله ذلك هو الفوز العظيم . هذه هي العاقبة عاقبة الاتصاف بهذه الصفات عاقبة الإيمان الذي جمع هذا الشتات ووحد هذه القلوب وألف بينها وطهر هذه السرائر ، فأصبحت خاصة لله تبارك وتعالى . وجعل هذه النفوس تتفاعل مع هذا الإيمان ولذلك تحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله . (1/14)
صفحة 15
وعلى أية حال هذه هي صفات المؤمنين والمؤمنات فيجب على كل منا أن يتصف بهذه الصفات . على الرجال والنساء الالتزام بمقتضيات إيمانهم حتى يكونوا متصفين بهذه الصفات ، والعاقبة أن الجميع موعودون بجنة عرضها السماوات والأرض ، موعودون بمساكن طيبة في جنات عدن ، وهم موعودون برضوان من الله موعودون بالفوز العظيم . فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا جميعاً من الفائزين ، وأن يصلح أعمالنا ، ويحسن خواتمنا ، وأن يعلمنا مالم نعلم ، وأن يفهمنا مالم نفهم ، وأن يهدينا إلى الطريق الأقوم ، وأن يوفقنا بالعمل بما لم نعمل ، إنه تعالى بالإجابة جدير ، وهو على كل شيء قدير ، وهو نعم المولى ونعم النصير . وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته (1/15)