صفحة 1
الكتاب: يأجوج ومأجوج
المؤلف: خالد بن مبارك الوهيبي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] يأجوج ومأجوج....رؤية أخرى
الأستاذ : خالد الوهيبي
لا تزال بعض القضايا التي يتشبث العقل المسلم بحكم موروثه (السلفي) محتاجة إلى مزيد نظر وبحث، والتعويل في التعامل معها مع ثوابت النصوص.
وقضية كقضية (يأجوج ومأجوج) من جملة هذه القضايا، والتي تصور إلى يومنا هذا تصويراً مثيولوجياً (1) [i] بحتاً يبعدها عن دائرة السنن والقوانين التي أوجدها الله سبحانه وتعالى.
{ سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدراً مقدوراً } .
يأجوج ومأجوج في القرآن الكريم
ورد ذكر يأجوج ومأجوج في موضعين من كتاب الله عز وجل:
1. قال الله تعالى: { حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً - قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً - قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردماً - آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله ناراً قال آتوني أفرغ عليه قطراً - فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً - قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقاً - وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعاً - وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضاً } الآيات 94-100 من سورة الكهف.
2. قال الله تعالى: { وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون - حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون - واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين } الآيات 95-97 من سورة الأنبياء.
في الآيات (1) من سورة الكهف يذكر الله سبحانه قصة الملك الصالح المؤمن ذي القرنين، والذي
{ مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شي سبباً } .
__________
(1) أسطورياً. (1/1)
صفحة 2
وهذا الملك الصالح بعد تطوافه في المشرق والمغرب، وجد بين السدين (=موضع بالكرة الأرضية!!) قوماً لا يكادون يفقهون قولاً.
وطلبوا من هذا الملك القوي أن يساعدهم في بناء ردم يقيهم شر جيرانهم (يأجوج ومأجوج).
ولكن الملك رفض عرضهم في أخذ مقابل مادي لبناء هذا السد، وقرر أن { ما مكني فيه ربي خير } وطلب منهم الاشتغال معه في بناء هذا السد.
ثم بعد انتهاء البناء قال لهم: { هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقاً } .
فمما سبق يتبين الآتي:
1. أن يأجوج ومأجوج أقوام أرضيون طبيعيون، لا يختلفون عن بني البشر في شي.
2. ذكر القرآن الكريم أنهم (=يأجوج ومأجوج) لم يكونوا على وفاق مع جيرانهم، وكانوا مفسدين في الأرض.
3. ومما يؤيد أن يأجوج ومأجوج أقل شأناً مما تصورهم الأدبيات المثيولوجية أن جيرانهم:
{ -كانوا لا يفقهون قولاً } (=التخلف الثقافي والعجز عن التفاعل مع محيط الشعوب وثقافاتها).
- { فهل نجعل لك خرجا } (=وجود الموارد المالية لدى هؤلاء حتى يعطوها لملك ملك المشرق
والمغرب.
{ -أعينوني بقوة } (=عندهم الموارد البشرية القادرة على البناء)
{ آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين } (=هذا تعليم من ذي القرنين للقوم أصول الصناعة الحربية التي تختص بها الأمم المتقدمة دون المتخلفة، وهذا دال دلالة صريحة على أن هؤلاء القوم متخلفون في الصناعة).
ورغم ذلك لم يستطع يأجوج ومأجوج استئصال هذه الأمة الضعيفة المتخلفة، وكان الردم بمثابة حاجز طبيعي يقيهم شر جيرانهم.
· في الآيات (2) من سورة الأنبياء:
-الآيات التي سبقتها تحدثت عن قصص الأنبياء عبر التاريخ، وذكرت ما وقع لهم في دعوتهم لأقوامهم، وبينت عدداً من السنن الإلهية في هذا الكون.
- ثم انتقل الخطاب القرآن في الحديث عن يأجوج ومأجوج وانفتاحهم على العالم بعد زوال سده، وهم يسرعون الخطى على هذه البسيطة باتجاه مزيد من القوة والرفعة. (1/2)
صفحة 3
- ثم بعد ذلك ينتقل بنا الخطاب القرآني فجأة إلى تصوير مشاهد يوم القيامة والحساب وأهواله.
- ولم تذكر هذه الآيات يأجوج ومأجوج من الصفات سوى أنهم { من كل حدب ينسلون } ...وهي كناية عن النشاط والحركة، عكس جيرانهم الكسالى الذين ذكروا في سورة الكهف.
أين يكمن الاكتناز؟
الذي يجب أن يرسخ في أذهاننا أن القرآن الكريم كتاب يتجاوز حدود المكان والزمان، لأنه الكتاب القائمة حجته إلى قيام الساعة، وهو الصالح لكل زمان ومكان { إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون } { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } .
ولذا فتلاحظون أن القرآن الكريم لا يرتبط بعناصر (زمانية) تجعله محدود الدلالة في زمن معين، أو يرتبط بعناصر (مكانية) تجعله إقليمي النزعة. إن القرآن الكريم (يوظف) أحياناً هذه المفردات الزمانية والمكانية لإطلاق دفقات هائلة من الدلالات التي تهز ضمير البشرية وتوقظها من سباتها العميق.
فمثلاً هذه المفردة (يأجوج ومأجوج) مفردة زمنية ذات إحداثيات مكانية معينة، كان من اللازم علينا نحن المسلمين أن نبحث في وضعيتها الزمانية والمكانية لاكتشاف الاكتناز من إيرادها ضمن السياق القرآني. كان علينا أن نعمل بتعاليم القرآن (ونسير في الأرض) ونبحث عن طبيعة هؤلاء القوم، وأين يكمن سدهم هذا؟، وما هي الأرض التي ذكرها الله تعالى بقوله: { حتى إذا بلغ بين السدين } .... كل هذا لا لأجل التسلية والتفكه، بل لأجل فهم معاني كتاب الله عز وجل.
ولكن بدلاً من ذلك، رحنا نجري وراء الخرافات والأساطير التي جاءتنا من أهل الكتاب في شأن يأجوج ومأجوج، عندها طرنا فرحاً وظننا أننا نحسن صنعاً. (1/3)
صفحة 4
إننا لم نجد أحداً – فيما نعلم - قام بدراسة وافية عن هذه القضية بهذا المنظور، في حين أن أمم الأرض قامت بكشوفاتها الجغرافية، التي مكنتها من اكتشاف مجاهل الأرض والسيطرة عليها، ونحن إلى الآن لم نقم بدراسة لفهم أعظم كتاب أنزل على البشرية، فما أتعسنا من أمة!!.
على كل حال، والذي يظهر الآن أن الاكتناز يكمن في:
· الخطاب القرآني ينقل البشرية نقلة تلغي (اعتبار الزمن).فقوله تعالى: { قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقاً - وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعاً). وقوله تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون - واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا } ......عبارة عن نقلة هائلة من عصر (يأجوج ومأجوج) إلى القيامة وأهوالها.
· لأجل أن يستشعر الإنسان أن الساعة أقرب إليه من شراك نعله، وأنها لا تبعد عنه حتى ولو كان في عصر يأجوج ومأجوج، لأن الزمن لا اعتبار له { وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون } .
· وعلى هذا فيكون قوله تعالى: { وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض } وقوله تعالى: { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من حدب ينسلون } ...تعبير عن (امتزاج) و( تداخل) و(انفتاح) يأجوج ومأجوج مع غيرهم من بني البشر في زمن معين بعد زوال السد لا أكثر ولا أقل.
· وليس ذلك بمستنكر، فإن انتقال الخطاب القرآني من الزمان الماضي إلى الحديث عن أهوال يوم القيامة وارد كثيراً في كتاب الله عز وجل. (1/4)
صفحة 5
قال الله تعالى: { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } . (1) [ii]
وقال تعالى: { اقتربت الساعة وانشق القمر } . (2) [iii]
وأما عن قوله تعالى: { فإذا جاء وعد (3) [iv] ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقاً } ...فهو تعبير عن (واقع زمني) لا يرتبط بحال من الأحوال –كما يدل على ذلك السياق- بقرب قيام الساعة (4) [
__________
(1) ii] التعبير عن أمر الله وهو بمعنى الساعة هنا –كما يدل على ذلك السياق، فها هنا انتقل الخطاب القرآني بالسامع من حاضره الذي يعيش فيه أثناء تفاعله مع النص القرآني إلى لحظة قيام الساعة التي عبر عنا بصيغة الماضي، وكأن الساعة أمر ولى وانتهى وذلك لأنها لا تأتي إلا بغتة، فعلى الإنسان أن يكون دائم الاستعداد لها.
(2) iii] جمع الخطاب القرآني هنا بين قرب الساعة وانشقاق القمر عند قيامها، وعبر عنهما بصيغة الماضي، وهو انتقال من الوضعية الزمنية للمخاطب إلى قيام الساعة وحصول أهوال القيامة.
(3) iv] يأتي الوعد في كتاب الله لمعان منها:
- ما وعد الله به عباده في الدنيا ومنها قوله تعالى: (هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقاً).
- يوم القيامة ومنها قوله تعالى: (واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا).
(4) الساعة تأتي بغتة كما دلت على ذلك النصوص القاطعة من كتاب الله عز وجل.
-قال تعالى: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ).
-وقال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).
-وقال تعالى: (أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ).
-وقال تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ - لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ ولا عَن ظُهُورِهِمْ ولا هُمْ يُنصَرُونَ - بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا ولا هُمْ يُنظَرُونَ).
-وقال تعالى: (وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ).
-قال تعالى: (هَلْ يَنظُرُونَ إلا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ). (1/5)
صفحة 6
v].
يأجوج ومأجوج في الروايات
ما ارتبط بهذه القضية من مثيولوجيا جاء من قبل الرواية التي نسبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لها الدور الأكبر في (ارتباط) القضية بأشراط الساعة وما يكون من ملاحم وفتن عند قرب قيامها، ومن أهم هذه الروايات:
1) روى البخاري ومسلم وغيرهما من طريق السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نام عندها ثم استيقظ محمراً وجهه وهو يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بين اصبعيه).
2) وفي البخاري ومسلم من طريق أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا وعقد تسعين). (1/6)
صفحة 7
3) روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كانوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً، فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا، حتى إذا كانوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: اغدوا فستحفرون غداً إن شاء الله، ويستثني، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس، فينشفون الماء، ويتحصن الناس في حصونهم فيرمون بسهامهم إلى السماء، فيبعث الله عليهم نغفاً في أقفائهم فيقتلهم بها. والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر من لحومهم ودمائهم). (1) [vi]
__________
(1) vi] روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن كعب الأحبار قريباً من هذا، ونص رواية ابن جرير:حدثنا ابن عبد الأعلى قال: حدثنا ابن ثور عن معمر عن غير واحد عن حميد بن هلال عن أبي الصيف قال: قال كعب: إذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج حفروا حتى يسمع الذين يلونهم قرع رؤوسهم، فإذا كان الليل قالوا: نجيء غداً فنخرج،فيعيدها الله كما كانت، فيجيئون من الغد فيجدونه قد أعاده الله كما كان، فيحفرونه حتى يسمع الذين يلونهم قرع فؤوسهم، فإذا كان الليل ألقى الله على لسان رجل منهم يقول: نجيء غداً فنخرج إن شاء الله. فيجيئون من الغد فيجدونه كما تركوه،فيحفرون ثم يخرجون . فتمر الزمرة الأولى بالبحيرة فيشربون ماءها، ثم تمر الزمرة الثانية فيلحسون طينها،ثم تمر الزمرة الثالثة فيقولون : قد كان ههنا مرة ماء وتفر الناس منهم، فلا يقوم لهم شيء...الخ الرواية اليهودية. (1/7)
صفحة 8
4) وفي حديث النواس بن سمعان عند مسلم وغيره بعد ذكر (قتل عيسى عليه السلام!! لما يسمى بالدجال عند عودته!!!) قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( فبينما كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى ابن مريم عليه السلام إني قد أخرجت عباداً من عبادي لا يدان بقتالهم فحرز (1) [vii] عبادي إلى الطور فيبعث الله يأجوج ومأجوج وهم كما قال تعالى: ( وهم من كل حدب ينسلون)، فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله عز وجل، فيرسل الله عليهم طيراً كأعناق البخت فيحملهم فيطرحهم حيث شاء الله تعالى..).
5) روى الطبراني عن عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، ولوا أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم، ولن يموت منهم رجل إلا ترك ألفاً فصاعداً، وإن من ورائهم ثلاث أمم : تأويل ومارس ومنسك).
مناقشة الروايات
· تتفق الروايات المذكورة في أن يأجوج ومأجوج أمة تتربص بالأمم الدوائر، وهم في شغل شاغل لأجل الخروج من السد الذي يحجزهم.
· ولهم دور كبير في صناعة الأحداث والملاحم عند قرب قيام الساعة متى ما حطموا السد الذي يحجزهم.
· صفاتهم صفات مخالفة لطبيعة البشر (= قد يكونوا غزاة من الفضاء سكنوا الأرض!!!!) فهم من الكثرة بمكان بحيث أن الواحد منهم لا يموت إلا وقد خلف وراءه ألفاً من نسله، ويمرون على البحيرات فينشفونها، ولا يستطيع أحد أن يقف في طريقهم حتى الأنبياء والرسل!!.
· ونتساءل الآن: هل الدلالات التي تقدمها هذه الروايات هي نفسها الدلالات القرآنية في سورتي الكهف والأنبياء أم هي تختلف تماماً عنها؟.
- في سورتي الكهف والأنبياء تقدم الآيات وصفاً طبيعياً لهؤلاء القوم، بل إن فيها ما يشتم منه أنهم أضعف مما نتصور بكثير.
- في هذه الروايات المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تقدمهم على أنهم قوم لا يدان بقتالهم، وهم من الكثرة كالأرانب !!، ويمرون على البحيرات فيشربونها ولا يبقون فيها قطرة ماء. (1/8)
صفحة 9
- وأيضاً ليس في القرآن الكريم ما يدل على أنهم يظهرون على الناس قرب قيام الساعة، بل كما ذكرنا قبل هو إخبار من الله تعالى بنبئهم وتأريخهم ثم انتقال الخطاب إلى أهوال يوم القيامة، على عادة الخطاب القرآني الذي يختصر المسافة إلى يوم القيامة للتأثير على السامع والقذف في روعه بأن الساعة أقرب إليه مما يتصور ليكون دائماً على أهبة الاستعداد.
· وهذه الروايات تحدد وبدقة كبيرة جداً وقت حصول الساعة، فتكملة الرواية (4): (فبينما هم على ذلك إذ بعث الله ريحاً طيبة تحت آباطهم فيقبض روح كل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمير وعليهم تقوم). وهذا ولا شك مخالف مخافة صريحة لكتاب الله عز وجل الذي ينص نصاً صريحاً أن الساعة لا تكون إلا بغتة.
- قال تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } .
- وقال تعالى: { أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } .
- وقال تعالى: { وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ - لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ ولا هُمْ يُنصَرُونَ - بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا ولا هُمْ يُنظَرُونَ } .
- وقال تعالى: { وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ } . (1/9)
صفحة 10
-وقال تعالى: { هَلْ يَنظُرُونَ إلا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } .
· ومع كل هذه المخالفات لهذه الروايات للدلالات القرآنية في شأن يأجوج ومأجوج، لا يمكن بحال من الأحوال قبولها والتعويل عليها. ومن خلال تتبع كتب أهل الكتاب تبين لنا أنها (= أي هذه الروايات) منقولة حرفياً من هناك.
ففي سفر الرؤيا (1) [viii]الإصحاح العشرين: ( ثم متى تمت الألف السنة يحل الشيطان من سجنه، ويخرج ليضل الأمم في أربع زوايا الأرض جوج ومأجوج ليجمعهم للحرب الذين عددهم مثل رمل البحر، فصعدوا على عرض الأرض وأحاطوا بمعسكر القديسين والمدينة المحبوبة، فنزلت نار من عند الله من السماء وأكلتهم).
· فتلاحظون أنه لا فارق أبداً بين رواية سفر الرؤيا وبين هذه المرويات التي ينسبونها زوراً وبهتاناً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
· ومن قبل في سفر (حزقيال) الإصحاح الثامن والثلاثين: (وكان إلي كلام الرب قائلاً يا ابن آدم اجعل وجهك على جوج أرض ماجوج رئيس روش ماشك وتوبال وتنبأ عليه وقل هكذا قال السيد الرب: ها أنا ذا عليك يا جوج رئيس روش ماشك وتوبال. وأرجعك وأضع شكائم في فكيك وأخرجك أنت وكل جيشك خيلاً وفرساناً كلهم لابسين أفخر لباس جماعة عظيمة مع أتراس ومجان كلهم ممسكين السيوف فارس وكوش وفوط معهم كلهم بمجن وخوذة وجومر وكل جيوشه وبيت توجرمة من أقاصي الشمال مع كل جيوشه شعوباً كثيرة معك، استعد وهيئ لنفسك أنت وكل جماعاتك المتجمعة إليك فصرت لهم موقراً، بعد أيام كثيرة تفتقد. في السنين الأخيرة تأتي إلي الأرض المستردة من السيف المجموعة من شعوب كثيرة على جبال إسرائيل التي كانت دائمة خربة للذين أخرجوا من الشعوب وسكنوا آمنين كلهم). (1/10)
صفحة 11
إلى جاء في نفس الإصحاح: ( هكذا قال السيد الرب: هل أنت هو الذي تكلمت عنه في الأيام القديمة عن يد عبيدي أنبياء إسرائيل الذين تنبأوا في تلك الأيام سنيناً أن أتي بك عليهم. ويكون في ذلك اليوم يوم مجيء جوج على أرض إسرائيل، يقول السيد الرب أن غضبي يصعد في أنفي وفي غيرتي في نار سخطي تكلمت أنه في ذلك اليوم يكون رعش عظيم في أرض إسرائيل، فترعش أمامي سمك البحر وطيور السماء ووحوش الحقل والدابات التي تدب على الأرض وكل الناس الذين على وجه الأرض، وتندك الجبال وتسقط المعاقل وتسقط كل الأسوار إلى الأرض).
· وفي نفس السفر الإصحاح التاسع والثلاثين: ( وأنت يا ابن آدم تنبأ على جوج وقل. هكذا قال السيد الرب: ها أنا ذا عليك يا جوج رئيس روش ماشك وتوبال. وأردك وأقودك وأصعدك من أقاصي الشمال وآتي بك على جبال إسرائيل. وأضرب قوسك من يدك اليسرى وأسقط سهامك من يدك اليمنى. فتسقط على جبال إسرائيل أنت وكل جيشك والشعوب الذين معك. أبذلك مأكلاً للطيور الكاسرة من كل نوع ولوحوش الحقل. وعلى وجه الحقل تسقط لأني تكلمت يقول السيد الرب: وأرسل ناراً على ماجوج وعلى الساكنين في الجزائر الآمنة فيعلمون أني أنا الرب). (1/11)