صفحة 1
الكتاب: سؤال أهل الذكر 86 حلقة [مبوب]
المؤلف: أحمد بن حمد الخليلي و سعيد بن مبروك القنوبي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
غرّة رمضان 1422 هـ
السؤال (1)
تتم عملية غسيل الكلى عن طريق الأوردة حيث يتم إدخال بيكربونات الصوديوم وبعض الأملاح ويضاف له أحيانا جلوكوز ويمرر هذا عن طريق الأوردة ومهمته تنقية الدم ثم إخراجه هل في هذه الحالة هذه العملية تضر الصوم؟ وإذا أراد المسلم أن يصوم هل له ذلك؟
الجواب:
أولا قبل كل شيء هل يتسرب شيء من ذلك إلى الجوف أو لا، فإن كان يتسرب شيء من ذلك إلى الجوف فإنه ناقض للصيام وإلا فلا، ولكن نظراً إلى أن المريض بالكلى هو مريض من ناحية ثم هو بحاجة إلى العلاج من ناحية ثانية فنحن نختار له تفادياً لهذا الأمر أن يأخذ برخصة الله تعالى للمريض في ذلك اليوم أي اليوم الذي تقوم فيه هذه العملية وأن يفطر ثم يقضي بعد ذلك يوما مكان هذا اليوم.
السؤال (2)
هل يصح للمرأة أن تصلي صلاة التراويح في بيتها؟
الجواب:
لا مانع في ذلك.
السؤال (3)
ما أهمية صلاة التراويح للمرأة؟
الجواب:
المرأة كالرجل مطالبة بأداء الفريضة، ومأمورة أن تتقرب إلى الله تعالى بالنوافل حسب استطاعتها.
السؤال (4)
نلاحظ بأن المساجد تكتظ في شهر رمضان الكريم وفي نهاية الشهر تفرغ أو ربما يقل فيها المصلون فهل لكم أن تتحدثوا في علاج هذه الظاهرة؟
الجواب:
مما يؤسف له أن يهتم الناس بالصلاة خلال شهر رمضان المبارك وتفتر هذه الهمة والعزيمة فيما بعد ذلك مع أن المعبود في رمضان هو المعبود في غيره ويجب له العبادة في غير رمضان كما تجب له العبادة في شهر رمضان.
على أن الكثير من الناس قد يهتمون بقيام رمضان أكثر مما يهتمون بالفرض وهذا أيضا أمر غير سديد لأن الاهتمام بالفرض أولى والاهتمام بالفرض لا في شهر رمضان وحده بل في شهر رمضان وفي غيره من سائر الشهور دائما، ويتقبل الله من المتقين ومن أخل بفرائض الله فليس من المتقين، ولا يفيد الإنسان أن يعتني بالنوافل مع إخلاله للفرائض، والله تعالى أعلم.
السؤال (5) (1/1)
صفحة 2
امرأة تأتيها العادة وتزيد عن الأيام المعتادة لها وفي بعض الأحيان تصل إلى عشرة أيام وقد تتجاوز إلى أربعة عشر يوما ومع ذلك تأخذ العلاج لمكافحة هذه الزيادة، فما حكم صيامها؟
الجواب:
أولا قبل كل شيء يجب على المرأة بقدر استطاعتها أن تعرف ميقات حيضها وطهرها، فإن ضبط الضابط واجبه عليها، وبمقدار هذا الضبط تستطيع أن تؤدي العبادات لو ما عرض لها عارض من استحاضة، فإنها بضبطها أوقات حيضها المعتادة وضبطها أوقات طهرها المعتادة تتمكن من رد كل شيء إلى أصله.
ومن ناحية أخرى أيضا تؤمر المرأة أن تفرق بين الدماء الثلاثة بين دم الحيض ودم النفاس ودم الإستحاضة، وكذلك المرأة عليها أن تعرف أقل مدة الحيض وأكثر مدة الحيض، فأقل مدة الحيض على ما دل عليه الحديث حديث أنس عند الإمام الربيع هو ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام، وإن كانت هناك أقوال أخرى منهم من قال أقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر، ومنهم من قال أقله دفعة، ومنهم من قال أقله يومان، ومنهم من قال أكثره سبعة عشر، ولكن هذا الذي دل عليه الحديث.
أما أصحاب الأقوال الأخرى فإنهم جعلوا الحديث دال على الحالة الغالبة في طبائع النساء من غير حصر، ولكن مع هذا كله نحن نسمع من الأطباء وهم ذو خبرة في هذا المجال أن الحيض لا يقل عن ثلاثة أيام ولا يزيد عن عشرة أيام كما جاء الحديث، هذا ما سمعته من أكثر من طبيب ومن هؤلاء الأطباء الدكتور محمد على البار الذي هو من كبار الأطباء في المملكة العربية السعودية وله بيان وتفصيل فيما يتعلق بهذا الجانب فيما سمعته منه.
فلذلك ما دامت الأيام لم تتجاوز العشرة الأيام وهي لم تكن لها عادة مستقرة سابقاً عليها في خلال العشر أن تجعل الدم جميعاً دم حيض، وهذا إن كان هذا الدم بدأ بالسواد بحيث تكون فيه صفات دم الحيض. (1/2)
صفحة 3
ومما يجب على المرأة أيضا أن تعرف دم الحيض لأن دم الحيض أسود غليظ له رائحة بخلاف دم الإستحاضة دم أحمر رقيق، وقد يميل أحيانا إلى الصفرة وليس له رائحة دم الحيض، فلما كان الحيض متميزا بهذه الصفات بإمكانها أن تميز بين دم الحيض وبين دم الإستحاضة. إلا أن الدم إن جاء في ميقاته أو إذا جاء إلى المرأة بحيث أمكن أن تجعله للحيض وكنن دما أسودا إذا جاء من بعد الدم الأحمر فإنها تجعله في حكم دم الحيض إلا إذا خرج عن الأوقات المعتادة فإن هناك لا تعطيه للحيض وتجعله استحاضة، أما إن كان في الوقت المعتاد بحيث لا تتجاوز أيام عادتها فإن حكمه حكم ما قبلة لأن الصفرة والكدرة والترية وسائر التوابع تجعلها المرأة تابعة للدم ففي الحديث عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها (لا تطهر المرأة من حيضها حتى ترى القصة البيضاء) وحديث أم عطية (كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئا) أي لا نعد للصفرة والكدرة شيئا زائداً على ما سبقه. فالصفرة تعطى حكم ما سبقها، فإن كانت مسبوقة بدم فهي حيض، وإن كانت مسبوقة بطهر فهي طهر، وكذلك جمع التوابع لها هذا الحكم فإذا هذه المرأة عليها أن تضبط أوقاتها أولا والدم في خلال هذه الأيام العشر إن لم تكن لها عادة مستقرة بأيام معلومة تجعله دم حيض ولا تجعله دم استحاضة. أما إن خرج عن الأيام العشر وتجاوز أيامها المعتادة وتجاوز أيام الانتظار التي تؤمر المرأة أن تنتظر فيها فتجعله عندئذ دم استحاضة فإذا كان الدم جاوز عشرة أيام إلى أربعة عشرة يوما فعلى القول الراجح الذي دل عليه الحديث وأيده الطب الحديث هو دم استحاضة وفي خلال دم الإستحاضة تؤمر أن تغتسل وتؤمر أيضا أن تصوم إن كانت في فترة الصيام والله تعالى أعلم.
السؤال (6)
إذا كانت الجدة وصلت مرحلة من العمر لا تستطيع معها الصيام وولدها يسكن عنها بعيدا بمسافة ست ساعات بالسيارة هل يجوز أن يطعم عنها وهو بعيد عنها؟
الجواب: (1/3)
صفحة 4
لا مانع من ذلك سواء أطعم عنها في المكان التي هي فيه أو في المكان الذي هو فيه، والله تعالى أعلم.
السؤال (7)
ما هو حكم الاستياك بالمعجون في نهار رمضان؟
الجواب:
أولا الاستياك العلماء اختلفوا فيه لأن عدداً كبيراً من العلماء كرهوا السواك في نهار الصيام، منهم من كرهه من أول النهار إلى آخره، ومنهم من كرهه بعد الزوال، ومنهم من كرهه للرطب دون اليابس، وهؤلاء الذين قالوا بالكراهه استندوا إلى حديث (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) وقالوا لأن المستاك عندما يستاك يقضي على الخلوف مع أنه ينبغي له أن يحرص على استبقائه حتى يزول وزواله مكروه لما كان بقاؤه مستحبا. (1/4)
صفحة 5
وهناك رأي آخر قاله أيضا عدد كبير من العلماء وهو أن السواك لا يمنع منه الصائم سواء كان في أول النهار أو في وسطه أو في آخره ومن غير كراهة وهذا القول استدل له بروايات متعددة منها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وعند كل وضوء)، وهذا يعني سواء في حالة الصيام أو في غير حالة الصيام، ومنها رواية لبعض الصحابة رضي الله عنهم: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستاك بالرطب واليابس ما لا أحصي. وإلى غير ذلك من الأدلة التي استدلوا بها، وهذا هو أقوى دلالة لأن حديث الخلوف لا يدل على منع السواك لا من قريب ولا من بعيد إذ لم يتعرض لذلك قط وإنما غاية ما فيه أن الصيام هو محبوب وكل ما يترتب عليه فهو محبوب فالخلوف الذي يكرهه الصائم هو أطيب عند الله تعالى من ريح المسك هذا الطيب لا لذات الخلوف ولكن من أجل الصيام فالطيب إذاً طيب الصيام هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن السواك لا يقضي على الخلوف فلذلك لا ترى التمسك بهذا الدليل وترك الأدلة الصريحة الظاهرة فحديث أبي هريرة رضي الله عنه (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وعند كل وضوء) عموم الحديث يدل على أن السواك مستحب على أي حال في جميع الأوقات عند كل صلاة وعند كل وضوء بما في ذلك وقت الصوم إذ لم يخص وقت الصوم والعام يجرى على عمومه ما لم يرد مخصص يخصصه، أما بالنسبة للمعجون فإنه لا يؤمن أن يتسرب من هذا المعجون شيء إلى الحلق فلذلك من الأحوط للصائم أن يتجنب السواك بالمعجون وأن يقتصر على السواك بالمسواك المعتاد فحسب، والله تعالى أعلم.
السؤال (8)
أخ في هولندا عندهم مشكله في تحديد الإفطار لا يدرون متى يأتي وقت الإفطار لعل الساعات هناك تكون طويلة من طلوع الشمس إلى غروبها أو النهار قصير لكن هناك أيضا أشخاص آخرين من دول الخليج كل واحد يفطر على دولته ما هو حل هذه القضية؟
الجواب: (1/5)
صفحة 6
أنا أعجب من هذه الحالة فإن هولندا إنما هي في أوروبا والفصل الآن قريب من الشتاء ومن عادة الأيام في فصل الشتاء أن يكون نهارها قصيرا لا سيما في تلك المناطق الشمالية فأي مشكلة في هذا، كيف لا يصومون حتى تغرب الشمس عندهم فإن الله تعالى ناط الإفطار بغروب الشمس بالليل والليل إنما يتحقق بغروب الشمس (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) (البقرة: من الآية187)، أما أولئك الذين يفطرون بحسب التوقيت في بلادهم وهم في بلاد أخرى فهم قد انغمسوا في الجهل حتى غرقوا إلى الأذقان كيف يكون الصيام بحسب ساعات النهار في بلدهم وهم في بلد أخرى.
هم ليسوا متعبدين بحسب البلدان التي هم منتمون إليها، وإنما هم متعبدون بحسب الأوقات في البلد الذي هم فيه، أريتم صلاة الظهر متى يصلونها هل يصلونها في وقت الصباح هنالك لأن ذلك هو وقت الظهر في بلدهم، وكذلك صلاة العصر هل يصلونها في ما قبل وقت الظهر مثلا وكذلك صلاة المغرب هل يصلونها قبل وقت العصر أو وقت الظهر هذا أمر غريب. (1/6)
صفحة 7
ما بال هؤلاء الناس يتصرفون هذا التصرف مع أن الله تبارك وتعالى ناط الصيام بطلوع الفجر وناط الإفطار بإقبال الليل وإقبال الليل إنما هو بغروب الشمس فعليهم أن يمسكوا عن الطعام عند طلوع الفجر وعليهم أن يفطروا عند غروب الشمس وأن لا يلتفتوا إلى الحالة التي في بلادهم فإنهم في بلد آخر هم عليهم أن يتكيفوا في واجباتهم بحسب الأوقات في ذلك البلد الذي هم فيه وعليهم إن لم يكونوا قادرين على التحكم في معرفة الوقت أن يلجأوا إلى الخبراء الفلكيين فإن الخبراء الفلكيين بإمكانهم أن يحددوا لهم وقت غروب الشمس بدقة ومن خلال ذلك يتمكنوا من الإفطار في الوقت للذي أباح الله تعالى فيه الإفطار، أما الذي يفطر قبل غروب الشمس فهو مفطر في النهار ومن أفطر في النهار فقد هدم صومه.
السؤال (9)
حكم الغيبة هل تؤثر على الصائم؟
الجواب:
جاء في الحديث عن رسول الله صلى عليه وسلم: (الصيام جنة) وفي بعض الروايات (الصيام جنة عن الغيبة) وقد جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في المسند الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله (الغيبة تنقض الوضوء وتفطر الصائم) وهذا الذي نعمل به هذا الذي تأخذ به وهو يعتضد بالروايات الأخرى من بينها رواية أبي هريرة رضي الله عنه عن الإمام البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجه في أن يدع طعامه وشرابه)، فهذا المغتاب عليه أن يعيد يومه وتسقط عنه الكفارة، والله تعالى أعلم.
السؤال (10)
في شهر رمضان الكريم الإنسان يحاول أن يكثر من العبادة فيه لكنة قد يذهب إلى مكان من أماكن العبادة فسمع عن وجود مرض هناك أو أخبار في الحقيقة غير مؤكدة أو مؤكدة ما الحكم أو ما نصيحتكم؟
الجواب: (1/7)
صفحة 8
المعبود موجود في كل مكان، والله تعالى لم يكلف عباده شططا، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم:" إذا سمعتم بهذا الوباء في الأرض فلا تدخلوها " هكذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل أحد أرضا سمع بأن فيها شي من الوباء وليعبد الله تعالى ولتقرب إليه في بلده ومن بين القربات الصدقات فليتصدق بما كان سينفقه في سفره لو سافر، والله تعالى الموفق.
السؤال (11)
ما حكم صلاة التراويح بالنسبة للمرأة؟
الجواب:
المرأة ينبغي أن تكون لها صله بالله تعالى من خلال صلوات النوافل كالرجل فالمرأة هي متعبدة كما أن الرجل متعبد فصلاة التراويح ليست محصورة في الرجال وكذلك صلاة التهجد وهى التي تكون بعد منتصف الليل وخصوصا بعد الليل الأخير هذه الصلاة ينبغي على الرجل والمرأة أن يحرصا عليها.
السؤال (12)
هل هناك نوافل مستحبة؟
الجواب:
هذه النوافل كلها من يملك النوافل الزيادة على الفرائض والسنن الرواتب وكذلك التهجد في جنح الليل وصلاة الضحى وغيرها من الصلوات المرأة فيها كالرجل.
السؤال (13)
ما هو الصاع وكم مقداره؟
الجواب:
الصاع هو مكيال والمكيال يختلف باختلاف الأشياء المكيلة قد يكون بعضها أثقل من بعض أما بالنسبة للعرس يقدر الصاع بنحو كيلويين وثمانين جراما ونحن قلنا النصف صاع فإن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن المسكين يطعم نصف صاع في الفدية إذا حلق الإنسان رأسه ونحن قلنا بقياس بقية الإطعام على هذا الإطعام لأجل أن الأنه واحدة إذ المقصود الإطعام أما بالنسبة إلى إخراج القيمة فالقيمة لا يمكن أن تحدد بين بلد وآخر فقد يكون الطعام في بعض الأزمان أقل قيمة وفي أخرى أكثر قيمة فلذلك لا يمكن أن نحدد القيمة بمقدار معين.
السؤال (14)
ما حكم ذكر الله تعالى في مكان الاستنجاء. وهل هناك دعاء بالاستنجاء؟
الجواب: (1/8)
صفحة 9
ليس هناك دعاء فإن كان يعني بذلك النية فالنية إنما هي القصد بالقلب وليست تلفظا باللسان وليس هنالك داع للتحدث باللسان.
السؤال (15)
عن المعاصي وتأثيرها في الصوم؟
الجواب:
نحن قلنا بأن الكبائر والكبائر ما ورد عليها وعيد المعاصي فالكبائر بناء على حديث النبي صلى الله عليه وسلم (لا صوم إلا بالكف عن محارم الله) وقوله (من لم يدع قول الزور والعمل به) فالكبائر تبين نقضها للصيام وقوله تعالى (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: من الآية183)) أما الصغائر فلا نقوى على القول بأنها ناقضة والله تعالى أعلم.
السؤال (16)
لدينا رجل معوق ومتخلف عقليا فهل يجوز لزوجة أبية أن تنكشف عليه عند استحمامه علما أن والده غير موجود في المنزل بصفة دائمة فهل يبطل صومها؟
الجواب:
لا يبطل للصوم بذلك، وليس عليها حرج إن لم تجد من يقوم بشأنه، وإنما تتفادى النظر إلى عورته بقدر استطاعتها.
السؤال (17)
هل يجوز في شهر رمضان أن تقوم الخادمة غير مسلمة بطهي الطعام؟
الجواب:
الطعام لا يختلف بين رمضان وغير رمضان، ولكن ينبغي للإنسان أن يأكل طعام المسلمين لا طعام غيرهم، وإنما أبيح طعام الذين أوتوا الكتاب لأن رطوباتهم غير مؤثرة.
السؤال (18)
هل يلزم الإنسان أن يقوم للسحور؟
الجواب:
السحور من السنة وهو بركة ومن تركه لا يؤثر ذلك على صيامه.
السؤال (19)
هل يجوز الإفطار لأذان التلفاز؟
الجواب:
الإفطار إنما يكون يتحقق الغروب، فإذا غربت الشمس وتحقق من الغروب فالإنسان يباح له الإفطار في ذلك الوقت سواء أذن المؤذن أم لم يؤذن. (1/9)
صفحة 10
أما بالنسبة إلى التلفاز هل هنالك ضبطاً للوقت في الآذان الذي يبث في التلفاز، ثم من ناحية أخرى لا بد من اعتبار الفارق بين الوقت فقد يكون هنالك فارق، مثلا بين مسقط وصلالة بالسلطنة فارق كبير جداً قد يتقدم الآذان في مسقط خصوصا في أوقات الشتاء أكثر من نصف ساعة عنه في صلالة، فينبغي أن ينظر في ذلك وأن لا يفطر الإنسان بالآذان الذي يبث في التلفاز من غير أن يعتبر الفارق في التوقيت بين منطقة وأخرى.
السؤال (20)
كنت قد اتفقت مع مقاول لبناء منزل لي وكان الاتفاق هو أن أدفع له مبلغاً مقسطاً شهريا وعلى أن يبدأ البناء بعد انتهاء نصف التكلفة ولكن بعد اكتمال الشرط لم نتفق وطالبت منه استرجاع مبالغي ولكنه أخبرني بأنه لا يوجد لديه الآن وسوف يردها لي على دفعات. هل الزكاة على هذه الأموال واجبة؟ وإذا كان الجواب نعم فعلى من تجب؟
الجواب:
قول السائل لم نتفق كلام غامض وله أكثر من معنى محتمل، فإذا كان قصده بذلك أن العقد الذي كان مبرما بينهما أنهياه على أن يستبدل هو مقاول آخر بدلاً من المقاول الأول بحيث كان كل واحد من المتعاقدين في حل من هذه العقدة التي كانت بينهما من قبل فلا ريب أن هذا دين واجب على المقاول، وإن كان وصل إليه شيء من المبلغ وأصبح هذا الدين في ذمته وهو دين حال والدين الحال كما ذكرنا أكثر من مرة يجب أن يزكي من قبل الدائن بشرط أن يكون المدين وفياً فإن كان كذلك فتجب تزكيته على الدائن وإلا فلا حتى يتمكن من استيفائه، والله تعالى أعلم.
السؤال (22)
امرأة تشتكي من خروج الدم من بين أضراسها باستمرار وعندما تنام يتسرب شيئا منه إلى حلقها مما تضطر إلى عدم النوم في نهار رمضان فما حكمها؟
الجواب: (1/10)
صفحة 11
لا، عليها أن تنام، ولا يلزم أن يكون هذا الدم يتسرب إلى الحلق عندما تنام فقد يعصمها الله تعالى من ذلك ولئن وقع ذلك في غير حالة اختيار بأن يكون ذلك اضطرار فإن الله تعالى لا يؤاخذها بما وقع عليها اضطرارا وإنما عليها أن تحترس مع إمكانها فحسب، والله تعالى أعلم.
السؤال (22)
هل تؤثر الاستحاضة على الصيام والصلاة؟
الجواب:
المستحاضة لا تُمنع من الصلاة ولا تُمنع من الصيام، فالمستحاضة عندما تعرف أن الدم دم استحاضة وليس دم حيض عليها أن تصلي وعليها أن تصوم إن كانت في شهر رمضان المبارك.
السؤال (23)
امرأة في أول نفاس لها كان اليوم الثامن والثلاثين من نفاسها هو يوم التاسع والعشرين من شعبان أي قبل رمضان بيوم ورأت الجفاف في هذا اليوم فاغتسلت وأصبحت صائمة إلا أنها عند المغرب من أول يوم رمضان رأت دما قد خرج ثم رأت الجفاف عند العشاء فجمعت المغرب والعشاء تلك الليلة، واستمر الجفاف ليومين آخرين عاشرها زوجها خلالها أي في اليوم الثالث والأربعين إلا أنها تعاقب عليها بعد ذلك الصفرة أحيانا والجفاف أحيانا أخرى ولم تعرف أطهرت أم لا، وفي اليوم الخامس من رمضان رأت القصة البيضاء فاغتسلت للاحتياط ولكنها لم تعرف متى طهرت بالضبط وما هو الحال في ما صامت في رمضان علما بأنه أول نفاس لها؟
الجواب: (1/11)
صفحة 12
إن كانت رأت الجفاف فالجفاف الذي يلي الدم تعطيه حكم الطهر اللهم إلا إن اعتادت المرأة أن يكون طهرها بالجفاف لا بالقصة البيضاء، فمن اعتادت فإنها تعتبر الجفاف طهرا ولكن عندما يستمر بها الدم ثم لواحق الدم وهي التوابع من الصفرة والكدرة أو الترية أو الجفاف فإنها إن استمر بها الدم إلى ما بعد الأربعين تعتبر الأربعين هي النفاس ولا حرج على زوجها أن يواقعها بعد الأربعين في غير فورة الدم ولو كان الدم مستمرا عليها أن تغتسل وعليها أن تصلي بعد الأربعين لأن النساء الصحابيات كن يقعدن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أربعين يوما وذلك لا يكون إلا بتوجيه من النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم، فلذلك أخذ العلماء بهذا الرأي واعتمدوه وإن كانت هنالك حالات تخالف هذه الحالة فهي حالات شاذة لا يحمل عليها الحكم العام، والله تعالى أعلم.
السؤال (24)
إذا جاءت الدورة المرأة في نصف النهار هل تمسك إلى الليل أم تفطر مباشرة؟
الجواب:
لا معنى للإمساك لأنها أتاها ما قطع حبل صيامها فهي تأكل وتشرب وتمتنع عن الصلاة كذلك.
السؤال (25)
ما نصيحتكم للشباب الذين يحيون ليالي رمضان باللعب وما شابه هذا الأمر؟
الجواب:
النصيحة الموجهة إلى أولئك أن يعرفوا قيمة العمر، وأن يعرفوا قيمة الشباب، وأن يعرفوا قيمة الأوقات التي خصها الله تعالى بمزيد الفضل كليالي شهر رمضان المبارك، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه)، يسأل عن عمره لأن العمر هو النعمة الكبرى التي تترتب عليها النعم الأخرى، فكل نعمة من نعم الحياة إنما هي مبنية على هذه النعمة العظيمة وهي نعمة العمر. (1/12)
صفحة 13
ثم أن هذا العمر يتميز جزء منه على جزء فالشباب متميز على بقية المراحل متميز على المرحلة التي سبقته وهي مرحلة الصبا ويتميز على المرحلة التي تلحقه وهي مرحلة الكهولة والشيخوخة، فلذلك كان للشباب وضع فيسأل عنه الإنسان سؤالا خاصا.
والأوقات أيضا فضّل الله تعالى بعضها على بعض ومن بين هذه الأوقات المفضلة أوقات رمضان فكلها ذات فضل عظيم، ليل رمضان ونهاره كلاهما ذو فضل عظيم كيف وقد جاء في الحديث أن من أدى في رمضان نافلة كان كمن أدى في غيره فريضة، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى في غيره سبعين فريضة، فكفى بها مزية، ثم مع هذا نجد أيضا أن الأعمال تضاعف أجورها وترقى درجاتها في شهر رمضان المبارك فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لأم سنان الأنصارية رضي الله عنها (إذا جاء رمضان فاعتمري فإن عمرة رمضان تعدل حجة معي)، هذا دليل على ميزة هذا الشهر الكريم وفضله العظيم فجدير بالإنسان أن يحرص على استغلال أي وقت من أوقات هذا الشهر وأن لا يفوت أي وقت من أوقاته في ما لا يعود عليه بجدوى، لذلك كان على أولئك الذين يقضون لياليهم في السمر والحديث الضائع الذي لا يجدي شيئا والقيل والقال والهراء من القول ويقضون أوقاتهم في اللعب إلى غير ذلك من الأحوال التي لا تحمد عليهم أن يتقوا الله وأن يقدروا هذه النعمة وأن يعرفوا المسئولية أمام الله تعالى.
السؤال (26)
أقرضت ولدي مبلغا من المال لشراء قطعة أرض فهل يجب علي إخراج الزكاة من هذا المال مع العلم بأنني لا أملك غير هذا المال؟
الجواب:
إن كان هذا القرض في ذمة وفيّ فعلى المقرض الزكاة وإلا فلا.
السؤال (27)
هل هناك فرق بين الملبوس وغير الملبوس من الحلي؟
الجواب: (1/13)
صفحة 14
الحلي كله يجب أن يزكى إن كان ذهبا أو فضة إن كان ملبوسا أو غير ملبوس لأجل الروايات الكثيرة التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم منها تشديده عليه أفضل الصلاة والسلام فيما وجده على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من السوارين إن لم تؤد زكاتها وكذلك روايات أخرى تؤكد هذا وهذه الروايات تعتضد بالآية الكريمة (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (التوبة: من الآية34)، وبالأحاديث العامة التي توجب الزكاة في الذهب والفضة، والله تعالى أعلم.
السؤال (28)
هل زكاة الأبدان تشمل الفقراء؟
الجواب:
الناس في زكاة الأبدان بين مشدد ومرخص ومتوسط، وهي لا تجب على المعدم نهائيا، هي تختلف عن الزكوات الأخرى لا يكون لها نصاب معين لأنها طهرة للصائم من اللغو ولكن على من تجب؟ تجب على الواجد، ولكن من هو الواجد؟ قيل من عنده فضلة عن طعام يومه أي يوم العيد فمن كان عنده فضلة عن طعام يومه لزمه أن يدفعها، ومنهم من قال من كانت عنده فضله عن طعام شهر، ومنهم من رخص أكثر من ذلك.
الذين رخصوا أكثر من ذلك وسعوا كثيرا ومن قال بأن من كانت عنده فضلة عن نفقة يومه أيضا شددوا، أما الذين قالوا بمقدار نفقة الشهر فهؤلاء توسطوا.
والإنسان لا يأمن أن يقع في اللغو، فلينظر هذا الإنسان إلى حاجته لأنه قد يكون عنده فضل عن نفقة يومه ولكن لا يتيسر له العمل في اليوم التالي من أيام العيد واليوم الذي يليه فلذلك ينبغي أن يوسع لمثل هذا بحيث يوسع له أن يدخر مقدار ما يكفي لنفقته ونفقة عياله إلى أن يتيسر له العمل، وأما من كان له مثلا مرتب يومي أو مرتب شهري بحيث وإن كان عنده مقدار نفقة يومه فقط مع الزيادة التي يمكنه أن يخرجها فلا ريب أنه مع الضمان الحاصل له لا ينبغي أن يتردد من إخراجها حرصا على تطهير صيامه من اللغو، والله تعالى أعلم.
السؤال (29) (1/14)
صفحة 15
سلم شخص زكاة لقريب له وذهب ليسلمها له فلم يجده فرجع وفي حالة رجوعه طلبها منه شخص آخر لتكون سلفا وقرضا وأكد أنه سيعيدها قريبا لكي تصل لصاحبها الأصلي فلم يرجعها حتى الآن فهل على من تسلم الزكاة أن يدفعها من جيبه علما بأن قيمة الزكاة مائة ريال؟
الجواب:
إن كان هذا الذي كانت الزكاة بيده كانت هذه الزكاة أمانة بيده ليسلمها إلى شخص معين فإنه بتسليمها إلى شخص آخر كقرض مثلا مضيع لأمانته وعليه أن يضمنها هو الذي أقرض فعليه أن يرد القرض وكل منهما مسئول، فهذا الذي دفع الزكاة التي كانت أمانة في يده قرضا يعد مضيعا لأمانته، وذلك الذي أخذ القرض ولم يرده أيضا هو مضيع لما يجب عليه فعليه أن يرد القرض.
السؤال (30)
رجل لديه صندوق يجمع فيه أموالاً لأولاده حتى وصلت ثلاث مائة وخمسون ريالا هذه من العطايا والصدقات فهل تجب فيها الزكاة؟
الجواب:
إن كان هذا المال مشتركا من أول الأمر وبلغ النصاب فهو بمثابة المال الذي يملكه المالك الواحد تجب الزكاة فيه، أما إن كان لكل واحد نصيب مستقل عن نصيب الآخرين فإن الزكاة تجب في مال كل واحد منهم إن بلغ النصاب.
السؤال (31)
مجموعة من الأهل لديهم صندوق خيري ربما يقيمون منه مشاريع أو يساعدون به بعضهم فتتغير أموال هذا الصندوق فمرة ترتفع ومرة تنخفض فهل تجب الزكاة فيه؟
الجواب: (1/15)
صفحة 16
إن كان هذا الصندوق لقوم مخصصون يعود عليهم بالمصلحة وهم يجمعون المبالغ التي تودع فيه من أموالهم لأجل أن يعود عليهم بالمصلحة فذلك بمثابة المال المملوك لأنه لم ينتقل عن ملكهم، وعليهم أن يزكوه إذا بلغ النصاب ثم لو انخفض المقدار عن مقدار النصاب وزاد بعد ذلك في آخر الحول فبما أنه زكي من قبل يزكي أيضا من بعد، أما إن كان من أجل التبرعات الخيرية بحيث لا يحصر فيه أناس وإنما يتبرع مما يودع فيه إلى كل أحد كان مستحقا للمساعدة سواء في النائبات أو في غيرها من غير حصر في جماعة تجمع هذا المال فلا ريب أن هذا المال أخرج في أول الأمر ليكون صدقة وما كان صدقة فلا زكاة فيه.
السؤال (32)
السباحة لوقت طويل بحيث يظل الرجل في الماء هل يؤثر على صيامه؟
الجواب:
إن كان لا يصل الماء إلى جوفه من المنافذ بحيث يمنع وصوله بسبب سده لأنفه وإغلاقه لفيه وتغميضه لعينيه فلا يصل الماء إلى الجوف فلا ينتقض الصيام بذلك.
سؤال أهل الذكر2
الموضوع: السحر
السؤال (1):
ما حقيقة السحر؟ وما مدى تأثيره على الناس؟
وهل سحر النبي صلى الله عليه وسلّم أم لا؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقبل كل شيء يجب علينا أن يكون في قرارة نفوسنا جميعاً أن هذا الكون بأسره سماءه وأرضه، علويه وسفليه، ملكه وملكوته، ظاهره وباطنه، روحه ومادته هو ملك لله سبحانه وتعالى، وأن كل ما في هذا الكون وكل من في هذا الكون إنما هو مملوك لله، فلا يملك أحد لأحد نفعاً ولا ضرا، لا يستطيع أحد مهما كان أن يحقق مصلحة لنفسه أو أن يدفع مضرة عن نفسه إلا بإذن الله سبحانه. (1/16)
صفحة 17
ولإن كان الحق تبارك وتعالى يخاطب خيرة رسله وصفوته من خلقه سيدنا محمداً عليه وعلى آله وصحبه عليه أفضل الصلاة والسلام فيقول له (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (الأعراف: 188)، فكيف بمن عداه صلى الله عليه وسلّم، كيف يتصور الإنسان أن الخلق يملك بعضهم لبعض تحقيق منفعة لم يردها الله تبارك وتعالى، أو دفع مضرة شاء الله تعالى وقوعها. (1/17)
صفحة 18
والآيات القرآنية تصل الإنسان بالله سبحانه وتعالى وتعرّفه أن الكون هو ملك لله، وأن الإنسان هو مملوك لله فما عليه إلا أن يتجه بروحه وجسمه، بعقله وقلبه، بضميره وغرائزه، بحواسه ومشاعره إلى الخالق العظيم سبحانه وتعالى، يقول سبحانه وتعالى (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الرعد: 16)، ويقول سبحانه وتعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) (الزمر: 38)، ويقول (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (فاطر: 2)، ويقول سبحانه وتعالى (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ) (الأنعام: 17)، ويقول (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يونس: 10) (1/18)
صفحة 19
كل ذلك من أجل أن تصفو عقيدة الإنسان ويخلص إيمانه ويتوجه بيقينه إلى ربه سبحانه وتعالى، موقنا أن الخلق أجمعين لا يملكون شيئا من تحقيق المنافع ولا دفع المضار، فلا يتعلق الإنسان بالجن ولا يتعلق بالشياطين ولا يتعلق بالسحرة ولا يتعلق بأي شيء، إنما يتعلق بالله، فإذا سأل فإنه يسأل ربه سبحانه، وإذا دعا فإنه يتجه إلى بدعائه إلى الله تبارك وتعالى.
وهكذا علّم النبي صلى الله عليه وسلّم حبر الأمة وترجمان القرآن عبدالله ابن عباس- رضي الله عنهما- إذ قال له (يا غلام احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، واعلم أن أهل السماوات والأرض لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك. (
ولكن مع هذا فإن الله تعالى يبتلي بعض عباده ببعض، ويبتلي بعض مخلوقاته ببعض لحكمة يعلمها الله سبحانه وتعالى، فهو يسلط من يشاء على من يشاء، ويقي من يشاء شر من يشاء، كل ذلك لأنه سبحانه وتعالى مدبر هذه الوجود ومصرفه، ويفعل في خلقه ما يريد، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا تبديل لكلماته، وذلك لابتلاء العباد عندما يبتلون بمثل هذه المواقف هل يصبرون أم يجزعون، فإن الإنسان مجزي بصبره يجزى به خيرا عظيما، وبشر الله سبحانه وتعالى الصابرين في آيات كثيرة منها قوله سبحانه وتعالى (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 155)، ويقول تعالى (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: 10)، هذا لأجل أن يوطن الإنسان نفسه لجميع الشدائد التي يلقاها والمحن التي يكابدها والتي يواجهها حتى لا يجزع عند وقوع شيء من ذلك، بل يكون أشد صلة بالله وأشد إيمان به سبحانه وتعالى.
والسحر الذي ذكر في القرآن الكريم إنما هو نوعان: (1/19)
صفحة 20
سحر تخيل، بحيث يخيل الإنسان للإنسان ما ليس بواقع، وهذا أمر معهود، أنا شاهدته بنفسي، كنت في الصين ورأيت كيف يتصرف الساحر فيخيل للناس أشياء غريبة، رأيت قبل كل شيء أحداً من الناس جاء بورقة من الورق ولواها، ثم أخذ يصب فيها حليبا، وبعد حين نفض هذه الورقة وإذا بها بدلاً من أن ينسكب منها حليب يسقط منها منديل، ثم بعد ذلك غطى على المنديل بشيء وبعد ذلك كشف هذا الغطاء فإذا ببطة كما تسمى هناك عندهم ببطة بكين تطير من هناك، وهذا كله من السحر وليس هو من الحقيقة في شيء، والله سبحانه وتعالى ذكر ذلك في قصة موسى مع فرعون عندما قال (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) (طه: 66)، فالخيال هذا أمر واقع وهو مشاهد وكثير من الناس تحدث به.
والنوع الآخر الذي تحدث عنه القرآن الكريم هو السحر الذي يكون بإلقاء العداوات والكره في النفوس بحيث تكره نفس نفسا أخرى وهذا أيضاً يقع، والله تبارك وتعالى يقول (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ)، ولكن مع هذا يقول (وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (البقرة: 102)، فهم لا يملكون أن يوقعوا المضرة إلا عندما يريد الله تبارك وتعالى وقوعها ابتلاء منه سبحانه وتعالى. (1/20)
صفحة 21
فالسحر لا ينفعل بنفسه وإنما ينفعل بأمر الله تعالى، فإذاً هذان النوعان هما المذكوران، أما ما شاع وذاع في أوساط الكثير من الناس من أن السحرة يأكلون لحوم البشر، وأنهم يخفون البشر ويظهرونهم للناس أنهم موتى، وقد يخيل لبعض الناس أن فلاناً ميت وليس هو بميت وإنما أخفي من قبل الساحر، ويخيل إليهم أنه يُغسل غسل الموتى والذي يُغسل هو جماد وليس ذلك الرجل الذي يخيل إليهم أنه مات، فكل من ذلك لم يقع، وكل من ذلك لم يدل عليه دليل قط لا من كتاب الله ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا إنما هو من الأوهام والأساطير التي تعشش في الأدمغة المريضة، والتي يروج لها في المجتمعات الساقطة، المجتمعات التي شاع فيها الجهل وانحسر عنها العلم. (1/21)
صفحة 22
وأنا بنفسي تابعت قضيتين اثنتين، قضية واحدة سمعت الكثير من الناس أن شاباً مات ودفن ووقف أبوه على قبره ودفنه بنفسه وواره في التراب ثم بعد سنين ظهر، وشاع ذلك حتى وجدت أحد المشايخ مع الأسف الشديد دوّن هذه القصة بقلمه، وبعد هذا جاء أبو الشاب وأمه إليّ وذكرا أن ابنهما وجداه بعينه، وأن كل العلامات التي كانت في ابنهما ظهرت في هذا الذي وُجد ولكن قالا بأنه استولى على عقله الساحر، ولا يعترف بأبوة أبوه له وبأمومة أمه، بل أصبح ينتمي إلى ذلك الساحر، والقضية وصلت إلى الشرطة، وإذا بي في نفس اليوم ألقى ذلك الشاب وقد كان هذا من قدر الله تعالى المقدور، لقيته في عزاء وحضر أمامي وعُرضت علّي قضيته لأنه طلق امرأته وهو في حالة يرثى لها بسبب فقدانه الوعي والنباهة، فسألت عنه أهو الذي يقال بأنه مسحور؟ فقيل لي: نعم. وقد وصل الأمر إلى حد أن بعض الجهات الرسمية صدقت بهذا الأمر حتى قالوا في ذلك الذي يدعي أنه ابنه خذه إليك، لما جاء به هو وامرأته من العلامات التي ظهرت فيه، ولكن في نفس الوقت هنالك جماعة من الناس يشهدون بأن هذا ابن فلان وأنهم عرفوه منذ ولد إلى ذلك الوقت، وابن خالته شخصية بارزة، شخصية لها مكانة اجتماعية ومكانة سياسية في الدولة والمجتمع، ولذلك كان وجود هذه الشخصية سببا للحيلولة دون هذا التصرف الأهوج. (1/22)
صفحة 23
فإذاً هذه القضية على أن أخواتها من القضايا إنما هي شبيهة بها ولا تخرج عنها، وهنالك قضية أخرى روج لها، أشيع عن رجل بأنه ظهر بعد سنين، بعد اختفاء مدة طويلة، وبعدما ظهر لأبويه أنه مات، وجاء إلى المجتمع الذي مات الشاب الذي تقمصه بعد حين، جاء إلى المجتمع وجاء إلى أم ذلك الشاب وقال أنا ابنك، وأظهر لها العلامات التي تعرفها في ابنها، وأخذ يحدثهم عن قصص ذلك الشاب وعن أخباره وماذا كان من أمره، هذا الرجل رُوّج لقضيته هذه حتى جيء بصورته في بعض الصحف المحلية ونشرت قصته، وصارت قصة شائعة تحدث عنها الصغير والكبير، ثم تورط بعلاقة مع امرأة خائنة واتفق هو وإياها على التخلص من زوجها وفعلا وقع هذا التخلص، قتلاه جميعا لأجل أن يتزوجها فيما بعد، وبعد هذا كله القضية رصدت في الجهات الأمنية باسم ذلك الذي قالوا عنه بأنه مسحور، باسم ذلك الشاب الذي توفي قبل سنين وكان قد غرر بأم ذلك الشاب وقال لها بأنه ابنها وصدقت كل تصديق، وعندما عرضت القضية علينا في اللجنة الشرعية، سألت هذا الرجل: ما اسمك الحقيقي؟ فاعترف بكل الحقيقة، وقال اسمي فلان ابن فلان الفلاني، وأبي هو فلان ابن فلان الفلاني، وأمي فلانة بنت فلان الفلانية، فاندهشت حتى تلك العاهرة التي شاطرته الجريمة، اندهشت منه، وقالت له: ألا تقول بأن أمك فلانة، قال: ليست بأمي، ولكنني ابتليت بها، فقلت له: بل هي التي ابتليت بك. (1/23)
صفحة 24
والرجل اتضحت حقيقته قبل أن يُعدم، ووضحت صورته كما هي، وتبين أنه لعب بعقول الناس، فإذاً كل هؤلاء إنما هم شياطين، وهم يلعبون بعقول الناس ويجدون في المجتمع المنحط من يساندهم، فعندما سألته من أخبرك بقصص ذلك الشاب الذي توفي قبل سنين حتى تقمصت شخصيته وأخذت تحكي قصصه التي تحكيها كأنك شاهد عيان وكأنك أنت صاحب هذه القصص التي تحكيها، حدثني بأن أخاه أي أخا ذلك الشاب من أبيه هو الذي علمه تاريخه جميعا وحفّظه إياه حتى استطاع أن يغرر الناس بما يحكيه منه، فهكذا شأن هؤلاء.
أما السؤال عن سحر النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام فلا ريب أن ذلك مما ورد في الصحيحين وتقبله الكثير مع الأسف الشديد، وتلقاه الكثير بالقبول، ودوّن في الكتب، ولكن عندما نرجع إلى التحقيق نجد أنه ليس كل ما ثبت سنده ثبت متنه، فالروايات يجب أن تنقد من حيث المتون كما يجب أن تنقد من حيث الأسانيد، فالنقد من حيث الإسناد لا يكفي. (1/24)
صفحة 25
ومما هو معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان معصوما، وحالة السحر التي حُكيت حالة لا يمكن أن تصيب النبي صلى الله عليه وسلّم بحيث يخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله، يخيل إليه أنه يأتي نسائه وهو لا يفعل ذلك، هذه حالة لا يمكن بحال من الأحوال أن تصيب المعصوم صلوات الله وسلامه عليه الذي ينزل عليه الوحي من عند الله لأن هذا مما يجعل المجرمين يشككون في الوحي، لأن الوحي على هذا يكون غير مأمون أن يكون أصيب بما أصيب من التحريف من جراء هذا الذي يزعم هؤلاء الزاعمون أنه أصيب به النبي صلى الله عليه وسلّم، ومن خلال ذلك روّج لقصة الغرانيق التي روّج لها المروجون وما هي من الحقيقة في شيء، إنما هي خيال في خيال، ولكن تلقفها المتلقفون وأظهروها في صورة مزوّقة تغري النفوس بقبولها وليست هي من الحقيقة في شيء، فعلينا أن نوقن بأن الرسول صلى الله عليه وسلّم معصوم من عند الله، وأن كل ما ينطق به إنما هو وحي من عند الله تعالى، فلا يمكن أن يؤثر عليه سحر الساحرين، كما لا يمكن أن تتدخل الشياطين في الوحي الموحى إليه من رب العالمين حتى يخيل للناس ما يمليه أولئك الشياطين أنه من جملة الوحي. والله تعالى المستعان.
السؤال (2)
هل يستطيع الساحر أن يخفي إنساناً عن الأنظار من دون أن يميته؟
الجواب:
قد يُخفي نفسه، يمكن للساحر بسبب ما يخيل للناس من سحره يمكن أن يخيل لهم أنه حيوان يمر كما يمر الحيوان بين أيديهم هذا من المحتمل، وهذا كما ذكرنا بأنه يمكن يخيل للناس غير الواقع أنه واقع ويخيل لهم ماهو واقع ليس بواقع، مجرد خيال، يخفي عن الأبصار ما هو ظاهر، لكن أن يتصرف بحيث ينقل أحدً من مكان إلى مكان ويخفيه عن الأنظار ويأتي بخشبة مثلا فيصورها في صورة إنسان هذا أمر مستحيل لا يُصدق.
السؤال (3)
بعض الناس يعتقدون أن الشيطان يتمثل في صورة ابن آدم أربعين يوما، فهل في هذا حقيقة؟
الجواب: (1/25)
صفحة 26
كثير من القضايا إنما هي من وحي الشياطين، حتى ما يسمى الآن بتحضير الأرواح، إنما هو من وحي الشياطين وليس ذلك من الحقيقة في شيء، وأنا أخبرني أحد من الناس قبل ما يقارب ثلاثين عاما من الآن، لأنني كنت أتابع هذه القضية وأسأل عنها لما أشيع عند الناس من أن هنالك من يحضر الأرواح، مع أن القرآن الكريم يدل على أن تحضير الأرواح من المستحيل لأن الله تعالى يقول (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) (الاسراء: من الآية85)، ويقول (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا) (مريم: 98)، ويقول (اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّى) (الزمر: من الآية42)، فلئن كانت الروح التي ماتت يمسكها الله فمن الذي يستطيع أن يطلقها من يد الله تعالى لتعود وتتحدث إلى الناس. (1/26)
صفحة 27
تابعت هذه القضية وسألت بعض المشائخ الذين جربوا هذا الأمر، فذكروا بأن رجلاً من الناس كان يزعم أنه يحضر أرواحاً بطريقة معينة، يقول: وكان الناس يلتفون من حوله، وهذا يقول له حضّر روح فلان وذلك يقول له حضّر روح فلان، وإذا بي – يعني الشخص المتحدث - يقول: أرى أنني أرغب أن أسمع من روحي بعض الحديث. فقلت له: حضّر روحي أنا فلان بن فلان. فقال: طيب، وكان هنالك " زنبيل" عندما تحضّر الروح حسب ما يزعمون يتحرك فتحرك الزنبيل، فسُئل: من أنت؟ فقال: فلان. باسم الرجل نفسه. يقول: فطرحت على هذا الذي حضر أسئلة عن أشياء لا يعلمها غيري، فأجابني كما هي بها فعجبت من هذا الأمر ولكن سألته عن بعض الأمور كحفظ القرآن وغير ذلك فإذا به ليس على صفته، فقلت له: من أنت واصدقني في ما تقول؟ فقال لي: أنا قرينك. أي هو القرين من الجن، هو الذي يتحدث بهذا ليضلل الناس، فإذاً هؤلاء إنما يحضرون الشياطين الذين يريدون أن يضلوا الناس ولهم صلة بهؤلاء الشياطين من خلال خبث النفوس لأن الشياطين تألف النفوس الخبيثة كما تألف الملائكة الأرواح الطيبة.
السؤال (4)
أنا امرأة ولله الحمد ملتزمة بديني من فروض وتطوع وأعتني ببيتي وأولادي وقبل فترة من الزمن تزوج زوجي عليّ زوجة أخرى وكانت على خلق ودين، ولكن طرحت عليّ إحدى القريبات مني فكرة (عمل) أي تفريق بين وزوجي وزوجته، فقمت بهذا العمل وتم التفريق بين زوجي وزوجته، وزوجي في الحقيقة لا يؤمن بهذا، ولا يشك فيّ أبدا، فماذا عليّ؟
الجواب: (1/27)
صفحة 28
من تعامل مع السحره فقد كفر، وعلى هذه المرأة أن تتوب إلى الله توبة نصوحا، وأن ترجع إلى حظيرة الحق التي خرجت منها، وأن تطلب من زوجها العفو عما أجرمته في حقه، وأن تطلب من تلك المرأة التي تسببت للفراق بينها وبين زوجها عليها أن تطلب من تلك المرأة أيضاً بأن تسامحها، وعليها أن تصلح ما أفسدته بقدر المستطاع بحيث إن كانت دفنت شيئا من هذا العمل الخبيث في مكان أو استعملت شيئاً من ذلك عليها أن تنتزعه وتتلفه بمشيئة الله تعالى، وأن تطلب من الله سبحانه وتعالى بأن يقضي على أثر هذا السحر الخبيث، وبهذا تكون ذمتها بريئة وتوبتها مقبولة، والله تعالى المستعان.
السؤال (5)
ألا يجب عليها أيضاً أن تخبر عن ذلك الرجل الذي عمل لها ذلك التفريق حتى تتبعه السلطات ويلحق به العقاب؟
الجواب:
إن كان بحيث يمكن أن تناله السلطات فنعم، ولكن إن كان في مكان قاصٍ بعيد بحيث لا يمكن أن تمتد إليه يد العدالة، بحيث يكون في دولة أخرى فماذا عسى أن يقال!!
السؤال (6)
هنالك من يعالج بالقرآن الكريم، وهو حسب الظاهر من الثقات وهذا المعالج يخبر المريض بأنه مسحور، أو أن أحداً من الناس وضع له عمل، فكيف استدل المعالج على ذلك؟ وما الحكمة من سؤال المعالج عن اسم أم المريض؟
الجواب:
أما السؤال عن سؤال اسم أم المريض فذلك مما يدخل في التنجيم، والتنجيم باطل وهو حرام حرام حرام، لا يجوز لأحد من الناس أن يفعله، ولا يجوز لأحد من الناس أن يأتي من يفعله، فإن التنجيم إنما هو من بقية المعتقدات الضالة، معتقدات الذين يعتقدون لهذه النجوم تأثيراً في حياة الناس. (1/28)
صفحة 29
فيجب على الناس أن لا يصدقوا هذا الذي يدّعي علم الغيب لأن القرآن صريح في أنه لا يعلم الغيب إلا الله، فالله تعالى يقول (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (النمل:65)، فلا يجوز لأحد أن يصدق قط أن هنالك من خلق الله تعالى من يعلم الغيب في السماء وفي الأرض، هذا ما يجب أن يكون في قرارة نفوسنا جميعاً أنه أمر مستحيل، ومن كان في قرارة نفسه خلاف ذلك فقد كفر بما أنزل على محمد، لأنه كفر بصريح هذه الآية الكريمة.
ونحن نطالب من أولئك الذين يتورطون ويذهبون إلى هؤلاء العرافين أن يعودوا قبل كل شيء إلى عقيدة الإسلام، وأن يستلهموا الحقائق من القرآن الكريم، وأن لا يقعوا أسارى لأولئك الذين يروجون بينهم هذه الأوهام، فإنهم بهذا تعمى عليهم السبل، ولا يجدون الطريق الذي يؤدي إلى الحقيقة، فليتقوا الله تعالى وليرجعوا إلى رشدهم، وحديث النبي صلى الله عليه وسلّم يقول (من أتى عرافا فسأله فقد كفر بما أنزل على محمد). والله تعالى المستعان.
السؤال (7)
ما مدى صحة استخدام المعالج للأخوة المسلمين من الجن في إبطال الأعمال والأمراض من الجسم؟
الجواب: (1/29)
صفحة 30
أولا قبل كل شيء الجن لا يعلمون الغيب، فالله تبارك وتعالى يقول وهو سبحانه وتعالى هو أصدق القائلين (فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) (سبأ: من الآية14)، ثم إن الله سبحانه وتعالى بيّن في سورة الجن أن تشبث الإنس بالجن وتعلقهم بهم من أجل دفع الضرر أو من أجل تحقيق المنافع أمر لا يزيد هؤلاء المتشبثين إلا رهقا (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً) (الجن:6)، فالتعلق بالجن من أجل دفع شيء من هذه المضار أو تحقيق شيء من المكاسب، من الأمور التي هي وليدة الأوهام و الجهل والخرافة فلا يجوز لأحد أن يصدقها.
وأنا أتعجب من تصديق هذه الأشياء من قِبَلِ أحد يتلو كتاب الله تعالى ويصلي وفي صلاته يقرأ سورة الفاتحة الشريفة، وهذه السورة فيها ما يبيّن أن الاستعانة لا تكون إلا بالله كما أن العبادة لا تكون إلا له، فالله تعالى يعلمنا كيف نستعين وكيف نعبد بحيث لا نستعين إلا به ولا نعبد إلا إياه يقول (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة: 5)، فكما أن العبادة لا يجوز أن تكون إلا لله فالاستعانة أيضاً يجب أن لا تكون إلا بالله سبحانه وتعالى، هذا في الأمور التي لم يجعل الله تعالى التعاون فيها بين الناس من سنن الحياة ونواميس الوجود، أما الأمور التي جعل الله تعالى التعاون بين الناس من سنن الحياة ومن نواميس الوجود فبهذا الاسلوب لا مانع من استعانة أحد بأحد فللإنسان أن يأتي إلى غيره من الناس ليقول له أعني بإقراض مبلغ من المال، ولكن ليس له أن يقول له أعني فاجعلني من الأغنياء.
وله أن يقول له: أعني بحيث تعالجني عن هذا المرض، ولكن ليس له أن يقول له: أعني بحيث تشفيني من هذا المرض. فإن الشافي إنما هو الله سبحانه وتعالى. (1/30)
صفحة 31
وللإنسان أيضا أن يقول لغيره: أعني بحيث تحمل معي هذا الحمل، أو تحمل عني هذا الحمل، ولكن ليس له أن يقول له: أعني بحيث تجعلني قوياً قادراً على حمل هذا الحمل، فإن ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله تبارك وتعالى.
ولما كان ذلك من مقدور الله تعالى وحده فليس لأحد أن يستعين عليه بأحد إلا به تبارك وتعالى، ليس له أن يستعين بإنسي أو أن يستعين بجني، فالإنس والجن جميعا لا يملكون دفع الضرر ولا يملكون تحقيق منفعة إلا بأمر الله تعالى، والله تبارك وتعالى يعلمنا من خلال ما يحكيه عن إبراهيم عليه السلام أن الشفاء إنما هو بيد الله (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) (الشعراء: 80)، ولكن بما أن الله تعالى جعل لكل داء دواء فالطبيب المعالج إنما يستعمل الدواء النافع سواءً كان هذا الدواء حقنة أو شرابا أو كان هذا الدواء من خلال عملية يجريها ويستأصل العلة، أما أن يكون ذلك الطبيب هو نفسه يملك بأن يشفى أحداً فلا، وإلا لكان هذا الطبيب قادراً على أن يدفع الموت عن الناس، وكم من أحد يعالجه الطبيب وهو يتماثل للشفاء وإذا به يموت وهو على تلك الحالة، فالله تبارك وتعالى وحده هو الشافي وهو الذي يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد.
السؤال (8)
قال الله تعالى (وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) ما المقصود بسحر عظيم؟
الجواب:
جاءوا بسحر عظيم لأنهم خيلوا لموسى عليه السلام مع أنه لا بد أن يكون من أرسخ الناس عقلا وأحياهم نفساً وأكثرهم بصيرة، خيل إليه أنها تسعى وما هي بساعية، فهذا سحر عظيم، استطاعوا أن يخيلوا إليه هذا الأمر، هذا سحر عظيم.
السؤال (9)
الناس يلصقون بمن يتهمونه بالسحر بعض الصفات فيقولون بأن الساحر لا يمكن أن يقرب مسجد ولا يمكن أن يذهب إلى الحج، فإذا وجدوا شخصية من هذا النوع اتهموه بالسحر فهل هذا صحيح؟
الجواب:
لا، الساحر قد يكون يأتي المسجد وهو في حقيقته ساحر.
السؤال (10)
هل يعد الساحر كافرا؟
الجواب: (1/31)
صفحة 32
نعم، نعم، هو كافر لأنه يستمد من وحي الشياطين، وليس هو من الإيمان في شيء، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلّم بقتله (اقتلوا الساحر والساحرة (.
السؤال (11)
ما هي عقوبة الساحر في الآخرة؟
الجواب:
عقوبته في الآخرة عذاب جهنم خالداً فيه مخلدا.
السؤال (12)
الإنسان الذي لا يعتني بنظافته ولا يكون نظيفاً في ملابسه وفي مظهره هل يكون معرضا للسحر؟
الجواب:
الشياطين تألف الخبيث، فإن كان لا يتقي النجاسات فلربما كان ذلك سبباً لقرب الشياطين منه بسبب عدم اتقائه هذه النجاسات، وقد يكون أيضا الخبث المعنوي سبباً لأسر الشياطين لأولئك (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) (مريم: 83)، فقد يكون الخبث المعنوي وهو أن يكون هذا الإنسان خبيث النفس عاصياً لله سبحانه وتعالى مجانباً لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصيام والحج وسائر العبادات وسائر الأعمال بعيداً عن ذكر الله، فإن ذلك مما يؤدي أيضاً إلى أن تتلبس به الشياطين. والله تعالى أعلم.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
7 من ربيع الأول1423 هـ، 19/ 5/2002م
الموضوع: عام
السؤال (1)
بالنسبة للمعوقين ما هو الحد في التصرفات المالية التي يتصرفون بها ومتى تتاح لهم فرصة ممارسة هذه المعاملات، وما هي الضمانات التي جعلها الشرع حفاظاً على أموالهم؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: (1/32)
صفحة 33
فالشخص المُعَوّق، أو المَعُوْق، يقال فيه مَعوق ومُعَوّق، يمكن أن تكون علته علة جسمية ويمكن أن تكون علته علة عقلية، فإن كان ما به يتعلق بجسمه وكان عقله عقلاً وافرا بحيث لم يكن متأثراً أبداً في أفكاره، ولم ينعكس ما به من علة على تصرفاته وعلى أعماله فإن له حرية التصرف فهو يبيع ويشتري كغيره من الناس، وهو أيضاً يمكن أن يتزوج ويزوّج، ويمكن أن يبرم أي اتفاق بينه وبين غيره كالذي يكون من سائر الناس، أما إن كان الذي به أمراً يعود إلى عقله أو إلى سوء تصرفه وذلك أيضاً عائد إلى عقله فإن آفة العقل لا تنحصر في الجنون وحده وإنما هي في أنواع من الآفات التي تنعكس آثارها على تصرفات الإنسان، فيمكن أن يكون الجنون هو الآفة ولا ريب أنه آفة كبرى، ولربما كان أيضاً العته آفة من الآفات، ولربما كان أيضاً بعض التصور الخاطئ وذلك بأن تكون به غرة، وأن يكون غير قادر على تصور الأمور كما هي وهذه غفلة وهؤلاء هم الذين يعبر عنهم بالحمقى، فهؤلاء الحمقى والمغفلون هم الذين أصيبوا بشيء من الحجاب المانع من نفاذ شعاع العقل إلى تصرفاتهم حتى تكون هذه التصرفات منضبطة انضباطاً تاما، فهؤلاء أيضا يمنعون من التصرف بسبب هذا الآفة التي تنعكس على تصرفاتهم، وقد يكون أحدهم غير قادر على تصور ما ينفعه أو ما يضره، فقد يندفع فيبيع ويشتري من غير أن يفكر في مصلحته. (1/33)
صفحة 34
ومن ذلك السفه، والسفه هو عبارة عن خفة، هذه الخفة تؤدي بالإنسان أحياناً إلى أن لا يبالي بما ينفقه من مال سواءً كان ذلك في بيع أو اشتراء، أو كان ذلك في إعطائه المال لغيره، فمثل هؤلاء جميعاً لا يتركون وهذا التصرف يتصرفون كيف يشاءون، وإنما يمنعون من التصرف بقدر ما تصان أموالهم حتى لا تكون هذه الأموال عرضة للتلف، فإذاً العاهة التي تؤدي إلى الحجر والمنع، منع صاحب المال من التصرف في ماله إنما هي التي تؤدي به إلى سوء التصرف، أما إن كان به عاهة في جسمه ولا تمنعه من التصرف الحسن والانضباط في تصرفه وفي أعماله فهذه العاهة لا تمنعه من التصرف،، نعم إن كان ضريرا، فالضرير قالوا بأنه يمنع من البيع والشراء إلا بواسطة وكيله لأنه قد لا يتصور ما يبيعه، فلا يتصور قيمته إلا إذا كان هذا الذي يبيعه شيئاً منضبطاً معلوماً كالمياه مثلاً، لأن المياه أي المياه التي يسقى بها وهي المعبر عنها بمياه الأفلاج هي منضبطة وهي معلومة ولا تحتاج إلى نظر، فما كان غير حاجة إلى النظر بحيث لا يعود تقديره إلى النظر لا يمنع الأعمى من بيعه، كل ما كان من هذا القبيل لا يمنع من بيعه، وإن كان بعض أهل العلم يرى أن الأعمى الحاذق القادر على ضبط تصرفاته في بيعه وشراءه لا يمنع من البيع والشراء، والله تعالى أعلم.
السؤال (2 (
ما حكم عمليات التجميل التي يندفع الناس إليها بسبب التشوه الخلقي؟
الجواب: (1/34)
صفحة 35
عمليات التجميل تختلف بين عملية وأخرى، فإن كانت عمليات التجميل تبديلاً لخلق الله بحيث يغيّر الإنسان ما فطره الله تعالى عليه، يغير خلق الله إلى خلق آخر فهذا غير جائز لأنه من وحي الشيطان، فالشيطان قال فيما ذكره من قصده في إغواء هذا الإنسان (وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) (النساء: من الآية119)، فتبديل خلق الله أمر غير مستساغ قطعا، أما إن كان هذا لأجل تشوه وقع خارج عن الفطرة وإنما هو تشوه حصل للإنسان حتى ولو كان هذا التشوه تشوها خلقيا ويؤدي به إلى الضرر سواءً كان الضرر ضرراً جسديا أو كان ضرراً نفسيا بحيث يشعر دائماً كأنه أمام الناس مزدرى ومحتقر وينعكس أثر ذلك على نفسه ففي هذه الحالة لا مانع من إزالة التشوهات فحسب من غير تبديل لخلق الله، والله تعالى أعلم.
السؤال (3 (
كم هو نصاب الذهب، وهل على الحلي زكاة؟
الجواب:
نعم، هذه المسألة وإن وقع فيها الخلاف بين علماء الأمة إلا أن القول الذي نأخذ به والذي تعضده الأدلة هو أن في الحلي زكاة، لا فرق بين الحلي وغيره عندما يكون الحلي من أحد النقدين بحيث يكون ذهباً أو فضة ففيه الزكاة، والأدلة على ذلك كثيرة منها قول الله تعالى (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (التوبة: من الآية34)، وعموم حديث النبي صلى الله عليه وسلّم: ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حق الله فيهما .. إلى آخر الحديث الشريف. فالحديث عام بجانب الأحاديث الخاصة التي دلت على نفس زكاة الحلي، وهذه الأحاديث لم تعارض إلا بأحاديث أخرى أضعف منها متناً وأضعف منها سندا، فلذلك أخذنا بالأحاديث الأقوى التي تعتضد بالعمومات. (1/35)
صفحة 36
ونصاب الذهب هو عشرون مثقالاً، والعشرون مثقالاً بحسب التقديرات التي توصل إليها بعض علماء العصر رأوا أنها بحسب معايير العصر هي خمسة وثمانون جراماً، فإذا وصل الذهب إلى هذا المقدار وجبت الزكاة فيه، والله تعالى أعلم.
السؤال (4 (
بعض الشباب يتخذون هؤلاء الذين ابتلاهم الله بعاهة في عقولهم مجال سخرية وتسلية، فنريد كلمة لهؤلاء.
الجواب:
حقيقة الأمر هذا يعود إلى عدم الوازع الديني من ناحية، ويعود إلى عدم التربية الأخلاقية من ناحية أخرى، فإن من تربى على الأخلاق الفاضلة، وتربى على توقير الكبير، وعلى الرحمة بالصغير لا يمكن أن تصدر منه هذه التصرفات، هذه التصرفات هي تصرفات قوم شاذين خارجين عن الفطرة السليمة التي فطر الله تعالى عباده عليها، وإنما دفعت بهم التربية السيئة إلى الإنزلاق في هذه المزالق، والوقوع في هذه المهالك.
والإيمان حاجز للإنسان من ذلك كله، لأن المؤمن يدرك تمام الإدراك أن الله تبارك وتعالى هو الذي خلق هذا الإنسان هذا الخلق، هو الذي حرمه من نعمة العقل أو من نعمة وفرة العقل، فلئن كان هذا ابتلاءً من الله تبارك وتعالى فإذن السخرية منه إنما هي سخرية من الله الذي ابتلاه هذا الابتلاء، والله تعالى يبتلي من يشاء من عباده بالحرمان من بعض النعم كما يبتلي من يشاء من عباده بتوفير النعم فكل ذلك ابتلاء من الله، يبتلي الله من ابتلي بنقص النعم حتى يبلو الله تعالى صبره من جزعه، ومن وفّر نعمته فإنما يبتليه الله تبارك وتعالى ليبلو شكره من كفره (1/36)
صفحة 37
فجدير بهذا الذي آتاه الله تعالى النعمة نعمة العقل إن كان يتصور نفسه عاقلا أن يستخدم هذه النعمة في طاعة المنعم، واستخدامها في طاعة المنعم تقتضي أن يكون حريصاً على عدم احتقار أحد من الناس وتنقيص أحد من الناس بسبب ما به من آفة أو عاهة، فإن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يقتله ولا يحقره حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. فما بال هذا الإنسان يحقر أخاه المسلم لأنه ابتلي بآفة أو عاهة، لأنه أصيب في عقله.
على أن التسلية لا تكون بهذا، إنما يتسلي الإنسان بالنظر في آيات الله والاعتبار بخلقه، واستجلاء نعمه في هذه المخلوقات التي خلقها سبحانه وتعالى وسخرها لعباده فإن ذلك هو الذي يسلي الإنسان.
على أن الإنسان يعلم أن كل ما بيده من نعمة إنما هو من عند الله، وأن الله تعالى قادر على أن يسلب منه أي نعمة من هذه النعم في أي وقت من الأوقات، فلا يتوقف هذا السلب على إرادة الإنسان وإنما هي إرادة الله تعالى، فالحياة نفسها تسلب من الإنسان على غير اختيار لينقلب من كونه حياً إلى كونه جثة هامدة، وقد يتحول من العقل إلى أن يكون أقل الناس عقلا يتصرف تصرف المجانين، وقد يكون أيضاً هذا الإنسان الذي آتاه الله تبارك وتعالى صحة في جسمه يتحول فجأة إلى مصاب بعاهة تجعله عبرة لعباد الله، والعاقل هو من اعتبر بغيره، والأحمق أو الجاهل هو من اعتبر به غيره، والله تعالى المستعان.
السؤال (5 (
امرأة تتعاطي نوعاً من العلاج يتسبب في تأخيرها لصلاة الفجر، فما الحكم في ذلك؟
الجواب: (1/37)
صفحة 38
إن كان هذا العلاج ضرورياً فذلك لا يمنع لأن ذلك ليس بيدها، والعلاج لا بد منه، أما إن كانت تجد علاجاً آخر فإن ذلك العلاج الاخر ينبغي ان تأخذ منه ما يكفيها عن هذا العلاج إن كان يغنيها عن هذا العلاج، ذلك لأن المحافظة على الصلاة في أوقاتها واجبة هذا إن كان الإنسان لا يملك القدرة على هذه المحافظة على الأوقات أما إن كان ينام ولا ينتبه من نومه إلا بعد مضي الوقت فهو متعبد بأن يصلي الصلاة متى انتبه من نومه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا تذكرها.
السؤال (6 (
امرأة نذرت فعل شيء ما ولم تستطع بسبب عدم وجود المال أو بسبب الفقر، فما الحكم في ذلك؟
الجواب:
هذا النذر بما أنها نذرته يكون متعلقاً بذمتها، فمتى منّ الله عليها بالقدرة عليها أن تفي به، وإن عجزت عنه فالله أولى بعذرها.
السؤال (7 (
ما الحكم في تقويم الأسنان المتباعدة، وهل يفرق في ذلك بين ذكر وأنثى في هذا الأمر؟
الجواب:
لا يفرق بين ذكر وأنثى، فإن كان هذا التقويم لا يؤثر تغييراً في خلق الله، ولا يسبب شيئاً مما يحذر منه الشرع الشريف فلا مانع منه، أما إذا كان يسبب شيئاً من ذلك أي يكون تغييراً لخلق الله فهو ممنوع.
السؤال (8 (
متى تكون الوصية واجبة؟ فالملاحظ أن غالب الناس يوصون عند أسفارهم للحج ونحوه.
الجواب:
أولاً نحن نرى في القرآن الكريم أن الله تعالى يقول (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) (البقرة:180)، فهذه الوصية يدل القرآن على أنها واجبة، ويجعلها حقاً، حقاً على من؟ حقاً على المتقين، ومعنى ذلك أنها حق على كل مسلم، لأن كل مسلم مطالب بأن يتقي الله تبارك وتعالى، فهي حق في رقاب العباد بشرط أن يكون الإنسان بيده شيء من المال الذي يتركه. (1/38)
صفحة 39
وكلمة (خير) هنا كلمة مطلقة لم تقيد بقيد، وقد اختلف العلماء في مقدار المال الذي عندما يتوفر لدى الإنسان عليه أن يوصي بشيء لأقربيه الذين لا يرثونه صلة لهم بعد الموت كما أن عليه أن يصلهم في حياته بقدر ما يستطيع، اختلف العلماء في ذلك، والقول الفصل في هذا بأن ذلك يعود إلى العرف فما يعرف عند الناس بأنه مال يكفي صاحبه لحاجاته ويفضل شيء منه لورثته فعليه أن يوصي بشيء ولو كان يسيراً لأولئك الذين لا يرثونه، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: ما حق رجل مسلم يجد ما يوصي به أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه. ومعنى ذلك أن الإنسان يطلب منه من أول الأمر أن يتعجل في الوصية، حتى لا يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة معدة، إذ لا يدري متى يفجؤه ريب المنون، مع أن هذه الوصية فرضها الله تبارك وتعالى عند حضور الموت على كل من كان يملك خيراً أي يملك مالا، ولا يدري الإنسان متى يحضره الموت فقد يحضره فجأة من غير أن تكون له مقدمات.
السوال (9 (
توجد رواية عن الإمام جابر بن زيد رحمه الله تعالى أنه قال للسيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: إني أحبك. ثم تذكر أنه لم يقل لها في الله، فرجع وقال لها: إني أحبك في الله. فقالت له: أو تظن في غير الله يا أعور.
فهل هذه الرواية صحيحة، وعلى تقدير صحتها هل التلفظ أو الإفصاح بحب المرء امرأة في الله خاص بأمهات المؤمنين وهل للمرء أن يفصح لأي امرأة بهذا الشعور.
الجواب: (1/39)
صفحة 40
أولاً قبل كل شيء من حيث الرواية هي رواية مذكورة في آثار أهل العلم، وهي مما أضافه الإمام أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني رحمه الله إلى مسند الإمام الربيع ابن حبيب من رواية أبي سفيان محبوب بن الرحيل رحمه الله، ولكن من حيث السند لم يتصل سندها، فهي رواية لم يتصل سندها، ولكن مع ذلك ليس بمستبعد أن يقول الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بأنه يحبها في الله، أو أنه يحبها ثم يلوم نفسه لأنه من المعلوم أن هذا الحب لن يكون إلا في الله فيصرح بأن حبه إياها إنما هو في الله.
وثانياً لا يمنع المسلم أن يصرح لمسلمة أن يحبها في الله، ولا تمنع المسلمة أن تصرح لمسلم أنها تحبه في الله ذلك لأن المودة بين المؤمنين والمؤمنات مشتركة، فالمودة هي تجسيد للولاية التي تجب بين المؤمنين والمؤمنات، والله تبارك وتعالى بيّن أن هذه الولاية ليست خاصة بين المؤمنين وحدهم أو بين المؤمنات وحدهن بل قال (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ) (التوبة: من الآية71 (
فالتواد في الله سبحانه وتعالى إذاً مشروع بين هؤلاء جميعاً، بين هؤلاء المؤمنين والمؤمنات الذين التزموا أوامر الله وانقادوا لحكمه، وأذعنوا لطاعته ووقفوا في حدوده فصاروا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، ونحن نوالي كل رجل متصف بهذه الصفات، ونوالي كل امرأة متصفة بهذه الصفات، نوالي كل مؤمن ومؤمنة، ولما كنا نوالي كل مؤمن ومؤمنة اتصف بهذه الصفات فلا يمنع أن نصرح للرجل المؤمن بأننا نحبه في الله، وأن نصرح للمرأة المؤمنة بأننا نحبها في الله، والله تعالى أعلم.
السؤال (10 ( (1/40)
صفحة 41
ما حكم الاحتفال بالمولد النبوي؟
الجواب:
الاحتفال بذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلّم أمر لم يعهد عند السلف، لم يعهد في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم نفسه، ولم يعهد في عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولم يعهد في عهد التابعين وإنما حدث بعد قرون، بعد مضي ثلاثة قرون، وأول ما حدث عند الفاطميين، والناس يقدحون في معتقدات الفاطميين، ويرون أنهم يريدون أن يطووا حقيقة معتقداتهم وأن يظهروا خلاف ما يضمرون فلذلك أظهروا الاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلّم ستراً على معتقداتهم لأن معتقداتهم غير إيمانية، هذا هو قول الذين حجروا على الناس أن يحتفلوا بهذه المناسبة الكريمة.
ومنهم من قال بأن هذه وإن كانت بدعة إلا أنها بدعة حسنة، فالبدعة الحسنة ما كان لها أصل في شرع الله، والبدعة السيئة ما لم يكن لها أصل في شرع الله وإنما كانت مخالفة لشرع الله.
والله سبحانه وتعالى شرع لعباده ما يأتون وما يذرون، وبيّن النبي صلى الله عليه وسلّم ذلك، فالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام بيّن كثيراً مما سكت عنه القرآن الكريم وبيّن مجملات القرآن الكريم، ولكن مع ذلك قد تكون بياناته صلى الله عليه وسلّم مجملات، وعندما يكون عمل الإنسان يوافق شيئاً من هذه المجملات التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلّم أو عمل بمقتضاها فإن هذه البدعة تكون بدعة حسنة عندئذ.
ونحن عندما ننظر إلى الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلّم نجده أنه يجسد حب الإنسان المسلم للنبي صلى الله عليه وسلّم، وإن كان هذا الحب يجب أن لا ينحصر في هذا الجانب وحده، فإن محبته صلى الله عليه وسلّم ليست محبة عاطفية فحسب حتى تكون كمحبة غيره لا تكاد تثور حتى تغور، وإنما محبته محبة عقيدة، وهي يجب أن تكون متجسدة في الاقتداء به عليه أفضل الصلاة والسلام وترسم خطواته. (1/41)
صفحة 42
ومن شأن الإنسان أن يحب الاقتداء بالعظماء، وأي عظيم أعظم من النبي صلى الله عليه وسلّم، ومن شأن الإنسان أن يسارع في هوى من يحبه، وأي أحد أولى بالحب من النبي صلى الله عليه وسلّم، فلذلك كان حرياً بهذا الذي يحب النبي صلى الله عليه وسلّم أن يحرص على تجسيد هذا الحب في إحياء سنته وفي اتباع أوامره وفي الازدجار عن نواهيه.
على أن اتباعه صلى الله عليه وسلّم ليس تجسيداً لحبه وحده وإنما هو تجسيد لحب الله تعالى أيضا، فإن الله تعالى يقول (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (آل عمران: من الآية31 (، ولكن مع هذا، هذا الإنسان ليس خالياً من العاطفة، ولما كان ليس خالياً من العاطفة فقد يريد أن يُظهر هذا الحب في مظهر، إلا أن هذا ينبغي أن يؤطر في الإطار الشرعي وذلك بأن تكون هذه المناسبة يحتفي بها المسلم احتفاءً بعيداً عن البدعة، فلا يكون في ذلك اختلاط بين النساء والرجال، ولا يكون في ذلك أيضا شيء من مظاهر الإسراف والبذخ ذلك لأن الإسلام يحرم هذه الأمور، ومع هذا أيضا لا بد من أن يكون هذا الاحتفاء بنّاء بحيث يترجم إلى عمل واقعي، أي عمل دعوي يحرص المسلمون على استغلال هذه المناسبة من أجله بحيث يستثيرون في إخوانهم المسلمين هذه العاطفة لأجل اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلّم وإحياء ما اندرس منها، وإبلاغ دعوته إلى الناس، وهذا لا يتم إلا عندما تكون هذه الاحتفالات متجددة، ومعنى كونها متجددة أن لا يقتصر الإنسان على تلاوة قصة مولد النبي صلى الله عليه وسلّم، قصة قد تكون كتبت قبل مئات السنين أكل عليها الدهر وشرب حتى أصبحت تمل من كثرة ما تردد على الأسماع، على أنه لا يمكن أن يردد حديث على الأسماع باستمرار إلا ويمل ماعدا قول الله تعالى. (1/42)
صفحة 43
ومع هذا علينا أن نفرق بين كلام الله وكلام غيره، فكلام الله تلاوتنا له تلاوة تعبدية، فإن الأعجمي الذي لا يعرف من العربية شيئا يتلو القرآن الكريم فيكتب الله تعالى له أجراً على تلاوته القرآن بخلاف ما يُتلى من كلام الناس، فإن الذي يُتلى من كلام الناس إنما يتلى من أجل الاستفادة من فائدته، حتى كلام النبي صلى الله عليه وسلّم لا يُتلى من أجل التعبد به، نحن لا نقراً حديث الرسول صلى الله عليه وسلّم من أننا نتقرب إلى الله بقراءته كما نتقرب إلى الله بقراءة القرآن الكريم، وإنما نتلوه ونتقرب إلى الله بتلاوته من أجل تفهمنا معناه ومن أجل محاولتنا لتطبيق مضمونه.
ولئن كان هذا في كلام النبي صلى الله عليه وسلّم فكيف بكلام غيره من الناس، ولئن كان الأمر كذلك فإنه من المفروض أن تربط هذه المناسبة بالواقع، وذلك بأن يُكشف للناس كيف كان عظم هذا الحدث التاريخي، وماذا ترتب عليه من خير عظيم للإنسانية، وماذا يجب على الأمة المسلمة أن تصنع الآن وهي قد بعدت كثيراً عن هذا المصدر بحيث أصبحت الآن تقلد الآخرين بدلاً من أن تتبع خطوات النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، وأصبحت تعتز بحذوها حذو غيره من الناس ولربما كان أولئك كفرة، أكثر مما تعتز بارتباطها بالتأسي بالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام، مع معالجة قضايا العصر على ضوء هذه المناسبة، ففي هذه الحالة تكون هذه المناسبة مناسبة بناءة، ويكون الاحتفاء بذكراها سبباً لإزالة كثير من غبش التصور عن كثير من الناس، ويكون ذلك سبباً لارتباط كثير من الناس بعقيدتهم، وارتباطهم بأخلاقهم، وارتباطهم بأوامر ربهم، وارتباطهم بسنة نبيهم عليه أفضل الصلاة والسلام.
السؤال (11 (
امرأة لزمها مبلغ من المال لأحد الخياطين ثم سافر هو الآن وهي تسأل ما السبيل لإيصال هذا المال وقد تعذر وصولها إليه ومعرفتها مكانه فماذا تصنع فيما لزمها له؟
الجواب: (1/43)
صفحة 44
عليها أن تحرص على إيصال هذا المال إليه إن كانت تجد سبيلاً إليه، وعندما لا تجد السبيل عليها أن تسأل عن السبيل بقدر المستطاع، فإن تعذر ذلك عليها ولم تجد سبيلاً قط إليه ففي هذه الحالة تدفع ذلك إلى فقراء المسلمين، والله تعالى أعلم.
السؤال (12 (
ما حكم استعمال الحناء بالنسبة للرجال إذا استخدمه للعلاج ولم يقصد به الزينة؟
الجواب:
أما التزين بالحناء فهذا من خصائص النساء، وقد جاء في حديث رواه أبو داود من طريق أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم جيء إليه بأحد خضب يديه ورجليه بالحناء. فقال ما بال هذا؟ فقيل له: إنه يتشبه بالنساء. فأمر به فنفي إلى النقيع. وهذا يعني أنه لا يجوز لأحد أن يخضب يديه أو رجليه بالحناء لأجل الزينة لأن ذلك من شأن النساء لا من شأن الرجال، وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلّم: لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال. وإن كان يصنع ذلك علاجاً بحيث لم يجد علاجاً آخر إلا هذا العلاج لعلة به فذلك لا يمنع، إن كان ذلك علاجاً ولا يغني عنه علاج آخر.
السؤال (13 (
هل يكون المؤذن إماماً، وكذلك الإمام هل يتولى أمر الأذان والإقامة؟
الجواب:
ينبغي أن يؤذن غير من يؤم، وأن يؤم غير من يؤذن إلا إن لم يوجد من يقوم بهذه المهمة إلا شخص واحد، والله تعالى أعلم.
السؤال (14 (
هل يصح للمرأة أن تصبغ شعرها الأسود بلون آخر؟
الجواب:
هذا من تبديل خلق الله، وهذا من الاقتداء بالآخرين، تريد المرأة أن تشقر شعرها لتخرج عن الفطرة التي فطرها الله تعالى عليها، هذا غير جائز.
السؤال (15 (
ما حكم الشراء بعملة كأن يذهب رجل إلى دولة ما وتكون معه عملة بلده ثم في معاملته تلك يدفع عملته التي معه وترجع له باقي القيمة بعملة أخرى غير العملة التي دفعها؟
الجواب:
لا حرج إن كان ذلك يداً بيد، ولم يفترقا وبينهما شيء.
تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه (1/44)
صفحة 45
19 ربيع الآخر 1423هـ، 30/ 6/2002م
السؤال (1)
أب وابن تزوجا أخوات، ثم أن أحد الجيران أعطى زوجة الأب ابنته لترضعها، ثم بعد زمان تزوج ابن الابن البنت التي أرضعتها زوجة الأب " أي خالته " .. اكتشف هذا الأمر في الفترة الأخيرة، وتم الانفصال وذلك عندما سئل سماحة الشيخ الجليل عن ذلك. ولكن بعد فترة لم يستطع الزوج الصبر عن زوجته والتي هي أخته، متعللا بأولاده وأرجعها وأنجب منها طفلا ...
ما قولكم سماحة الشيخ، وما نصيحتكم لهم ولوالديهم، والى مشايخ البلدة الذين لم يتكلموا بشي؟؟
الجواب:
لا ريب أن الله تبارك وتعالى عندما أباح الزواج قيده بقيود وضبطه بضوابط. ومن بين هذه القيود أن لا يكون الزواج زواج بذات محرم. ذوات المحارم جاء بيانها في كتاب الله عندما قال الله تعالى (وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً * حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) (النساء:22 - 23). فالمحارم لا بد من أن تتقى، لأن الله سبحانه وتعالى إنما حرمها لحكمة علمها عز وجل. (1/45)
صفحة 46
ومن بين هذه المحارم من الرضاع. فالحرمة تقع من أجل علاقة نسبية أو علاقة سببية، فالعلاقة السببية تنقسم إلى قسمين: أما أن تكون صهرا وأما أن تكون رضاعة. فيحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
وفي تعداد المحارم في هذه الآية الكريمة قال الله تبارك وتعالى ( ... وَأُمّهَاتُكمُ الّتي أَرْضعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكم مِّنَ الرّضاعَةِ).
وقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام تؤكد هذه الحرمة وتدل على أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
ومعنى ذلك أن كل علاقة محرمة من قبل النسب يحرم مثلها من قبل الرضاع. فالمرضعة تحرم لأنها أم، وبنت المرضعة تحرم لأنها أخت، وأخت المرضعة تحرم لأنها خاله، وأم المرضعة تحرم لأنها جدة، وعمة المرضعة تحرم لأنها عمة أم، وخالة المرضعة تحرم لأنها خالة أم، وبنت ابن المرضعة تحرم لأنها بنت أخ، وبنت ابنة المرضعة تحرم لأنها بنت أخت .. وهكذا .. فكل ما يحرم من الرضاع يحرم من النسب، وكذلك زوج المرضعة يكون أباً للطفل الراضع فيحرم الزواج بين الطفل الراضع وبين من يحرم عليه من قبل أبيه الذي ولده من الأنساب في حكم الرضاع، إذ هذه العلاقة النسبية حكمها نفسه حكم العلاقة التي تكون من الرضاع ـ كما ذكرنا ـ.
وبناء على هذا فان زوجة الجد ـ أب الأب ـ إن أرضعت طفلا، فذلك الطفل هو ولد لذلك الجد، وإن أرضعت طفلة فتلك الطفلة هي بنت لذلك الجد. أي في هذه الحالة حسب ما جاء في هذا السؤال تكون هذه الراضعة من زوجة الجد عمة لهذا الذي تزوجها، لأنها أخت أبيه من الرضاع فهي عمته فيحرم عليه أن يتزوج بها. ولما تبينت هذه العلاقة وانكشفت بعدما كانت بينهما علاقة زوجية ظاهرة فإنه في هذه الحالة يتبين بطلان تلك العلاقة الزوجية، ويتبين أن الاستمرار عليها أمراً محرم لإنه استمرار على نكاح المحرم، والتفريق بينهما أمر لازم فلا بد من التفريق بينهما بعدما تأكد هذا الرضاع. (1/46)
صفحة 47
وكما قلنا يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي ـ عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام ـ لأجل ذلك فإن رجوع هذا الشخص إلى تزوج تلك المرأة التي تبين له أنها عمته من الرضاع مرة أخرى ما هو إلا رجوع إلى الباطل وإصرار عليه، وتزوج بذات محرم منه. وفي هذه الحالة يكون زانيا بذات محرم، وذات المحرم الزنا بها أشد من الزنا بغيرها من النساء _ وإن كان الزنا كله شديدا ـ فان الله تبارك وتعالى قال (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً) (الإسراء:32)، ولكن الزنا بذات المحرم هو اشد أثما ومن اجل ذلك جاء في روايات عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أن الزاني بذات محرم يقتل حدا أي ولو كان غير محصن _ أي ولو كان بكرا ـ، وهذا الذي فعله عبد الملك ابن مروان وأثنى عليه بسبب ذلك الإمام أبو الشعثاء ـ رضي الله عنه ـ فقد جيء عبد الملك بن مروان برجل تزوج زوجة أبيه فقال له: كيف تزوجت أمك؟ قال: ليست أمي وإنما هي امرأة أبي، ولم أدر إنها حرام علي. فأمر عبد الملك بضرب عنقه وقال: لا جهل ولا تجاهل في الإسلام. فأثنى على ذلك الإمام أبو الشعثاء وقال: أجاد عبد الملك أو أحسن عندما بلغه صنيعه هذا ..
فهكذا الأمر ينبغي في هذه الحالة، بل يجب أن يتعاون الكل على تغيير هذا المنكر وسكوتهم عن هذا المنكر إنما هو سكوت عن باطل وإقرار له. ومن سكت عن الباطل وأقره استحق لعنة الله تعالى، فان الله عز وجل يقول (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ* كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة:78 - 79)، فحال هؤلاء الساكتين مع علمهم بهذا حال أولئك الذين استحقوا هذه اللعنة من بني إسرائيل .. والله المستعان.
السؤال (2) (1/47)
صفحة 48
هل تشمل عموميات الوعيد التي في الآيات حتى من لم يتب؟
الجواب:
طبعا عمومات الوعيد إنما هي فيمن لم يتب لأن الله تبارك وتعالى قيدها بعدم التوبة فالله تعالى يقول (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (الفرقان:68 - 70).
والله سبحانه وتعالى يقول أيضا (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) (النساء:93)
وهذا مقيد بها إذا لم يتب الإنسان، أما مع التوبة فان الله سبحانه وتعالى يتقبل توبته.
وآيات الوعيد وأحاديث الوعيد إنما تجري في مجراها في عمومها إلا فيمن تاب فقط. أما غير التائب ـ فإن غير التائب ـ يجري عليه عموم الوعيد.
وقول من قال بأن الله تبارك وتعالى ينجز وعده ويخلف وعيده ليس بشيء لأنه يترتب عليه أن الله سبحانه وتعالى عندما يتوعد على أمر ما، إما إن يكون عالما بأنه سيخلف هذا الوعيد وهذا يعني الكذب في كلام الله ـ تعالى الله على ذلك ـ، وإما أن يكون يعني أن الله سبحانه وتعالى يبدو له فيما بعد إن يخلف هذا الوعيد بعدما كان أول الأمر في علمه إنه سينفذه وهذا يعني الجهل، والجهل منتفي عن الله. لأن الله تعالى يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن أن لو كان كيف يكون.
كل من ذلك معلوم له سبحانه وتعالى وبكل شي عليم كما انه على كل شيء قدير. (1/48)
صفحة 49
وجاءت الآيات القرآنية تدل على أن كلمات الله تعالى لا تبديل لها وان الوعيد لا يتبدل فالله سبحانه وتعالى يقول (لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ِ) (ق: 28 - 29).
ويقول سبحانه وتعالى أيضا (ِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) (يونس: من الآية64)، ويقول) إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) (آل عمران: من الآية9).
فالقول بأن الله سبحانه وتعالى ينجز وعده ويخلف وعيده هو في منتهى الخطورة.
على إن هذا الادعاء هو الذي يدفع إلى انتهاك الحُرم والوقوع في المعاصي وارتكاب الموبقات، فإن الله سبحانه وتعالى ذكر عن بني إسرائيل الوقوع في هذا الأمر، وهذه الأمة حُذرت أن تتبع سنن ما قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع، وقد وقعت في ذلك ـ والعياذ بالله ـ فالله سبحانه وتعالى يقول في بني إسرائيل (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا) (الأعراف: من الآية169).
نعم هذا الأمر الذي وقع فيه أولئك الذين يقولون بأن الله سبحانه وتعالى ينجز وعده ويخلف وعيده إنما يتعلقون بأماني المغفرة.
على أن هذه الأماني قد اجتثت بالنصوص القاطعة في كتاب الله، فان الله تبارك وتعالى يقول وهو اصدق القائلين (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً) (النساء:123) (1/49)
صفحة 50
أما كون أن هذه الأدلة أدلة عامة وأن العموميات قد خصصت وما من عام إلا وقد خصص. فان ذلك ليس على إطلاقه، إذ ليس كل عموم يكون في دلالته ظنية، إذ من العمومات ما لا يحتمل التخصيص بحال من الأحوال .. من العمومات ما لو قيل بتخصيصه لأدى ذلك ـ والعياذ بالله ـ إلى الكفر فمن ذلك قول الله سبحانه وتعالى في وصف نفسه (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) (الإخلاص:3 - 4)، فقوله (لَمْ يَلِدْ) نفي لأن يكون الله تبارك وتعالى والداً لأي أحداً كان، لأن المنفي هنا فعل والفعل حكمه حكم النكرة، فكما أن النكرة إذا كانت في سياق النفي تفيد العموم، كذلك الفعل إذا كان في سياق النفي يفيد العموم.
وكذلك قوله (لَمْ يُولَدْ) هو نفي للمولودية عنه سبحانه وتعالى، فهو لا يتصف بها بالنسبة إلى أي أحد كان فلا يجوز بأن يقال أن هذا العموم خصص وأنه مولود لبعض الخلق دون بعض، فهو تبارك وتعالى لا يتصف بالمولودية كما أنه لا يتصف بالوالدية.
وكذلك قوله سبحانه بعد ذلك (وَلَمْ يَكُن لّهُ كفُواً أَحَدُ) فهو على عمومه ولا يمكن أن يقال بأنه خصص وأن أحد من خلقه يمكن أن يكون كفوا له تبارك وتعالى فإن الله عز وجل لا يكافأه شيء من خلقه ـ تعالى الله أن يكون له كفوء ـ.
ومثل ذلك قول الله سبحانه (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً) (الجن:3)، هذا العموم يجب أن يبقى كما هو على عمومه، وبقائه كما هو على عمومه لأن تخصيصه يؤدي إلى بطلان التوحيد؛ ذلك لأن من قال بأن هذا خُصص وأن الله تبارك وتعالى اتخذ بعض الصواحب فمعنى ذلك أنه تبارك وتعالى صار مفتقرا إلى الصاحبة ـ تعالى الله عن ذلك ـ. فقوله سبحانه وتعالى (مَا اتخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً) كذلك هو على عمومه سواء كان من حيث الصاحبة أو من حيث الولد لأنه يستحيل أن تكون لله تبارك وتعالى صاحبه أو أن يكون له ولد .. (1/50)
صفحة 51
ومثله قوله تعالى (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) (الكهف: من الآية49)، فإن بقاء هذا العام على عمومه أمر قطعي ولا يمكن أن يشك فيه أحد، إلا من أراد أن ينسب إلى الله تبارك وتعالى ما هو بريء منه من الظلم ..
ومثله قوله تعالى (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ) (محمد: من الآية19)، (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ) هو على عمومه أي نفي ألوهية أي أحد غير الله تبارك وتعالى، والدلالة على ذلك دلالة قطعية إذ لو كانت هذه الدلالة دلالة ظنية لساغ الشك في وجود إله غيره تبارك وتعالى.
وكذلك قوله سبحانه وتعالى (لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) (الحاقة: من الآية18) فإن قوله ذلك على عمومه وإلا لكان هنالك مجال للشك في أن بعض الأشياء تخفى على الله سبحانه. ومثل هذا كثير، وضابط ذلك أن يكون تخصيص هذا العموم يؤدي إلى أمر لا يقره العقل، لأنه يؤدي إلى نقص في حق الله تبارك وتعالى.
ومسائل الوعيد تعود إلى هذا النحو لان الله تبارك وتعالى متصف بالعدل فهو لا يحابي أحداً من الناس، كلهم سواء، ليست بين أحد من خلقه تبارك وتعالى وبينه عز وجل صلة نسب ولا صلة سبب إلا التقوى. فالصلة التي بين العباد وبين ربهم سبحانه وتعالى هي صلة التقوى، فلذلك كانت محاباة بعض الناس بأن يتهاون في حقهم وأن يشدد على الآخرين أمر يستحيل على الله تبارك وتعالى لأنه ينافي العدل الذي هو متصف به عز وجل فلذلك كانت هذه الأدلة أدلة قطعية. والله تعالى أعلم
السؤال (3)
ما حكم الركعتين اللتين قبل صلاة الظهر؟ هل هما واجبتان؟ أم في مرتبة المستحبات؟ وهل تاركهما آثم أم لا؟
الجواب: (1/51)
صفحة 52
هما سنة مرغب فيها، ولا يصل الأمر بها إلى درجة الوجوب، فمن تركها لم يقترف إثما، ولا يترتب على تركها شيء من العقوبة عليه. ولكن مع هذا كله إن كان داخلا في المسجد في ذلك الوقت فإننا نرجح بأن تحية المسجد هي سنة واجبة ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها قبل الجلوس ونهى عن الجلوس قبلها اجتمع فيه أمر ونهي. في رواية عنه صلوات الله وسلامه عليه (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس)، وفي رواية أخرى (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يرجع ركعتين)، والله تعالى أعلم.
السؤال (4)
ما هو الدليل على أنه لا تقليد في الأصول؟ وما هي الأصول؟
الجواب:
الأصول هي أصول الدين، فالقضايا التي الأدلة فيها شاهرة والحق فيها ظاهر لا يجوز لأحد أن يقلد فيها. أي ما كان منصوصا عليه نصاً قطعياً في كتاب الله أو ما كان دلالة العقل عليه واضحة جلية ففي هذه الحالة لا يجوز للإنسان أن يرجع إلى التقليد. وكذلك ما ثبت بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم وكانت عليه الدلالة عليه دلالة نصية.
السؤال (5)
ما هي الأمور المعلومة من الدين بالضرورة؟ وهل هي متفق عليها ام مختلف فيها؟
الجواب:
الأمور المعلومة من الدين بالضرورة هي كل ما كانت الدلالة عليه دلالة قطعية لا تحوم حولها ريبة قط. ومن ذلك الإيمان بوجود الله، والإيمان بصفاته سبحانه وتعالى التي هي لا ريب فيها، والإيمان بالمعاد ـ بيوم القيامة ـ وبمثوبة المطيع وعقوبة العاصي كل ذلك من الأمور التي عرفت من الدين بالضرورة.
السؤال (6)
من الأمور المحزنة تم تزويج بنت عمرها عشر سنوات إلى رجل عمره خمس وستون سنة وذلك طمعا من الأب، ولسيطرة إحدى النساء على الأب رغم أنها ليست من أقاربه حيث أنها حصلت على مبلغ من المال من الزوج ومن الأب.
ما قول سماحتكم وما نصيحتكم لهم ولوالديهم وإلى مشايخ البلدة؟
الجواب: (1/52)
صفحة 53
بئس ما يفعله هؤلاء. الزواج ليس هو بيعاً للفتاة المتزوجة وإنما هو ربط مصير بمصير، ويجب أن يكون بعد موافقة الفتاة نفسها إن كانت بالغة. ولذلك إن كانت دون البلوغ فلها الغير وكل ما أنفقه الزوج إن دخل بها فإنه في هذه الحالة لا يمكن أن يسترد منه شيء مع غيارها وذلك بما أصاب منها.
وعلى الناس أن يتقوا الله تعالى في هذا الأمر، وأن يدركوا أن الصداق ليس للأب حق فيه ونصيب، إنما هو حق للفتاة وحدها فإن الله تبارك وتعالى يقول (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) (النساء: من الآية4)، ولم يقل وآتوا أولياء النساء الصدقات أو آتوهم شيء من الحقوق أو شيء، فليس له من الحق شيء إنما الحق كله للفتاه.
فطمع الأب الذي يؤدي به إلى أن يبيع ابنته هذا البيع إنما هو محض طمع فيما لم يأذن الله تبارك وتعالى بالطمع فيه. إنما هو ظلم وعلى الآباء أن يتقوا الله، وعلى المجتمع أن لا يقر هذه العادات السيئة.
السؤال (7)
بعض المسيحيين الذين أسلموا يدعون لآبائهم بالجنة. ويحتجون بآية من القرآن الكريم في سورة البقرة التي يقول الله تعالى فيها (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة:62)، فمثل هؤلاء يستدلون أنه يمكن أن يدخلون الجنة استدلالاً بهذه الآية فكيف نرد على هؤلاء؟
الجواب:
أولا علينا أن ندرك معاني القرآن الكريم، وأن نقف عند حدود الله تبارك وتعالى. (1/53)
صفحة 54
الله تبارك وتعالى نص في مواضع متعددة أن الذين لم يسلموا ليس لهم نصيب من رحمته تبارك وتعالى فقد قال الله سبحانه وتعالى (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85)، قال عز من قائل (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ) (آل عمران: من الآية19)، وقال سبحانه وتعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) (البينة:6)، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي نصت على وعيد هؤلاء فعلى الإنسان أن يكون عارفاً معاني ذلك.
أما قوله تبارك وتعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة:62) علينا أن نفهم معنى الآية الكريمة.
أولا المفسرون اختلفوا في المراد بهذه الآية الكريمة. هل المراد بها الذين كانوا موجودين أثناء نزول الآية الكريمة، ومعنى ذلك أن الذين آمنوا أي الذين آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم. هذا قول طائفة من المفسرين. والذين هادوا هم اليهود والنصارى هم المعروفين والصابئين أيضا هم المعروفين
(من آمن) أي من تخلى عما كان عليه أول الأمر من الكفر والضلال وآمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ومعنى ذلك اتبع الحق واستمسك بالهدى واعرض عن الباطل.
أو أن المراد بالذين آمنوا هذه الأمة - أمة النبي صلى الله عليه وسلم - ووصفهم بأنهم الذين آمنوا إنما هو وصف تغليبي، وإلا فوصف الإيمان يسلك على كل من كان مستمسك بحبل الله والذين هادوا هم أمة موسى والنصارى هم أمة عيسى والصابئين هم على حسب ما اختلف فيهم. (1/54)
صفحة 55
فيهم كلام كثير، منهم من قال بأن هؤلاء الحنفيون، ومنهم من قال هم غيرهم من آمن بالله واليوم والآخر أي من كان مستمسكا بالإيمان بالله واليوم الآخر ومتبعا لشريعته التي جاءت من عند الله تبارك وتعالى من غير تفريط فيها ومن غير أن يكذب رسالة من رسالات الله فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ومعنى ذلك أن هؤلاء أن كانوا على ما هم عليه قبل أن تأتي الرسالة الخاتمة التي بعث بها الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد مجيء هذه الرسالة الخاتمة لا يسع أحدا إلا اتباعها.
فهؤلاء ليسوا على شيء من الحقيقة عندما يقولون هذا القول. عليهم أن يدركوا معاني القرآن. والقرآن الكريم لا يؤخذ بعضه ويترك بعضه إنما يؤخذ به جميعا، ومتشابه القرآن يرد إلى محكمه. والله تبارك وتعالى أعلم.
السؤال (8)
شاب أسلم وعمره خمسة عشر سنه والأبناء هنا في هولندا لا يكتسبون حريتهم إلا بعد ثمانية عشر سنه والابن في هذه الحالة ـ أو الشاب ـ يواجه مشكلة مع أهله فعندما يريد أن يسمع القرآن الكريم يرفضون، وعندما يريد أن يأكل الحلال يرفضون ويأكلونه لحم الخنزير .. كيف يتعامل معهم في هذا العمر؟
الجواب:
عليه أن يتقي الله تعالى حسب استطاعته، وعلى المسلمين هنالك أن يوجدوا له المأوى والكنف بقدر الاستطاعة لا يكلفون ما لا يطيقون. فعليه أن يخرج في بعض الأحيان، ولا بد أن يجد فرصة للخروج إلى المراكز الإسلامية أو إلى جماعة المسلمين الموجودين هناك من أجل اللقاء بهم والارتباط بهم وتنفس هواء الحرية في كنفهم، والله تبارك وتعالى يفتح له، (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) (الطلاق: من الآية2).
وإن أكّلوه لحم خنزير عليه أن يتقي ذلك قدر استطاعته، وان أكلوه فعليه أن يقيه إن تمكن من ذلك، إن أكّلوه كرها.
السؤال (9) (1/55)
صفحة 56
بعض الناس ابتلي بمرض جلدي أو بالبرص أيضا وتقدم لخطبة فتاة ورفض أهلها ورفضت الفتاة أيضا. ما هو الحكم في رفض الولي أو المرأة لهذا الشخص بحجة أنه معوق؟
الجواب:
لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، الإسلام يأمر برفع الضرر، وبما أنه مصاب فعليه أن يحتسب أجره عند الله سبحانه وتعالى، وليتزوج التي ترغب فيه لا التي لا ترغب فيه حتى لا يكون سبباً لأذاها، ولا يكلف الولي بأن يزوج موليته بمن يكون وجودها عنده سببا لضررها.
السؤال (10)
إذا قرأ الإنسان الفاتحة ثم أعادها في الصلاة أو أعاد آية منها. هل تبطل الصلاة؟ وما الدليل؟
الجواب:
نعم لأن الفاتحة ركن. والركن لا يكر في المقام الواحد. فلا يجوز تكرار الفاتحة وإنما يقتصر على قرأتها مرة واحدة فحسب. والله تعالى أعلم.
السؤال (11)
في قوله تعالى (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة: من الآية44)، هل هو كفر ملة؟ أم هو كفر دون كفر؟
الجواب:
هناك أمران، إن كان يعتقد رداً لحكم الله بأن يعتقد أن ما أنزله الله تعالى باطل وأن ما كان من شرعة الطاغوت هو الحق ففي هذه الحالة يكون راداً لنص قطعي ويكون كفره كفر ملة، وبهذا يخرج من ملة الإسلام. أما إن كان يرتكب المخالفة مع إيمانه بأن ما أنزله الله تبارك وتعالى هو الحق وأن ما خالفه هو الباطل ففي هذه الحالة يكون كفره كفر نعمة. والله تعالى أعلم.
السؤال (12)
سائلة علمت أن تكبيرة الإحرام واجبة عليها بعد التوجيه قبل خمس سنوات فهل تقبل صلواتها ـ يعني أنها لم تكن تكبر تكبيرة الإحرام ـ؟
الجواب:
إن كانت لا تكبر رأسا فعليها أن تقضي. وأما إن كانت من قبل تكبر قبل الإحرام فليس عليها قضاء.
السؤال (13)
ما هي نصيحتكم للشباب الذين يضربون أمهاتهم؟
الجواب:
بئس ما يفعلون وساء ما يرتكبون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (1/56)
صفحة 57
الأم لها مكانة عظيمة في الإسلام، فالله تبارك وتعالى قرن حق الأبوين بحقه في أكثر من موضع من كتابه الكريم ومع ذلك ـ أي مع تنبيهه على حق الأبوين كليهما ـ بيّن التضحيات العظيمة التي قدمتها الأم، فالله سبحانه وتعالى يقول (وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً) (الاحقاف: من الآية15). والله تبارك وتعالى يقول أيضا (وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (لقمان:14)
والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء نصاً ليدل على ما أشارت إليه الآيتان الكريمتان. الآيتان تشيران إلى أن حق الأم أعظم بعد حق الله تبارك وتعالى فهو أعظم من حق الأب لأن الله تعالى بعد ما ذكر حق الوالدين جميعا نبّه على التضحيات التي قدمتها الأم
والحديث الشريف جاء نصا فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله أي الناس أحق بحسن صحابتي؟ فقال له أمك. قال له: ثم من؟ قال له: أمك قال له: ثم من؟ قال له أمك. قال له ثم من قال له أبوك ثم الأقرب فالأقرب. فبين أن حق الأم وذكره ثلاث مرات ثم عطف عليه حق الأب مرة واحدة بثم التي تقتضي المهلة والترتيب.
فهل من حق الأم أن تُضرب بعد هذه التضحيات العظيمة. إن هذه جرأة ليست بعدها جرأة ووقاحة لا تضاهيها وقاحة وعقوق هو أعظم عقوق.
فعلى هؤلاء أن يتقوا الله. ولأن كان الوالد ليس من حقه ليس من حقه التأفف أمامه فلا يجوز أف من الولد فكيف بالضرب .. والله تعالى المستعان.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
9 من جمادى الثانية 1423هـ، 18/ 8/2002م
موضوع الحلقة: آداب السؤال
السؤال (1) (1/57)
صفحة 58
في بداية اللقاء سماحة الشيخ نحن بحاجة إلى أن نتعرف على أهمية السؤال؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الإنسان مطالب بأن يكون على بينة من أمره وبصيرة من دينه بحيث لا يتقدم خطوة في شيء جاء فيه شرع الله تبارك وتعالى إلا وهو على بينة من كون تلك الخطوة التي يخطوها صوابا، ذلك لأن الإنسان لم يخلق هملاً ولم يترك سدى يقول الله سبحانه وتعالى (أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً) (القيامة:36)، فالإنسان خلق ليضطلع بأمانة كبرى، هذه الأمانة لا يستطيع أن يقوم بواجباتها ويؤديها حق الأداء إلا إذا كان على معرفة وبصيرة.
ولئن كان النظام الذي يسلكه مخلوق في هذه الأرض لا بد من دراسته حتى يكون دارسه على بينة من أمره لئلا يقع في خطأ في شيء منه، فإن النظام الرباني هو أولى بالدراسة وأجدر لئن يعكف عليه الإنسان عليه حياته كلها، ذلك لأن الحياة تتجدد وأطوارها تتقلب، وهذه الأطوار مع كل تجدد لا تخرج عن إطار حكم الله سبحانه وتعالى، فحكمه يتناول الكليات والجزئيات والدقائق والجلائل من أعمال الإنسان، وقد فرض الله سبحانه وتعالى السؤال في قوله (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النحل: من الآية43)، والنبي صلى الله عليه وسلّم عندما أقدم قوم على أمر خالفوا فيه الشرع فكان من النبي صلى الله عليه وسلّم التوبيخ لهم ثم أتبع ذلك قوله (هلا سألوا فإن شفاء العي السؤال)، فالإنسان مأمور بأن يسأل وأن لا يتقدم خطوة إلا وهو على بينة من أمره.
هذا ولا ريب أن الإنسان خلق جاهلاً بطبعه فالله تبارك وتعالى يقول (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً) (النحل: من الآية78)، ولكن هذا الجهل يتبدد بالسؤال وطلب المعرفة وقد أجاد الشاعر عندما قال: (1/58)
صفحة 59
إذا أنت لم تدر ولم تك بالذي *** يسآل من يدري فكيف إذن تدري
فإذن السؤال هو على قدر من الأهمية، وبقدر اختلاف حكم المسئول عنه يكون الاختلاف في قدر السؤال، فإن كان واجباً فعله أو واجباً اتقاؤه وقد كان ذلك أمراً حاضراً فهو من الفرائض اللازمة أو الواجبات على حسب اختلاف العلماء هل الفرض هو الواجب أو الواجب أعم من الفرض، وذلك بأن يكون الفرض ما ثبت بدليل قطعي والواجب أعم منه بحيث يشمل ما ثبت بالدليل الظني، وإن كان من الأمور التي هي أوسع من كونها واجباً فعلها أو واجباً اتقاؤها فذلك من الأمر المندوب إليه إن كان أيضاً مما يتعلق بجانب الدين. والله تعالى أعلم.
السؤال (2)
سماحة الشيخ أنتم الآن بينتم أهمية السؤال وأن الإنسان المسلم مطالب بأن يسأل في أمر دينه، كيف نوفق بين هذه الأهمية وبين ما ورد في بعض الأحاديث من التحذير من كثرة السؤال فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول في حديث آخر مبيناً أن هلاك بعض الأمم إنما كان بسبب كثرة سؤالهم كيف نوفق بين هذا وذاك؟
الجواب:
أولاً قبل كل شيء علينا أن نعرف معنى السؤال لغة وشرعا، فإن الشرع كثيراً ما يستخدم الألفاظ في أصولها اللغوية وذلك كالصلاة مثلا، الصلاة نقلت في الشرع إلى معنى أخص من المعنى اللغوي، ولكن مع ذلك قد تستعمل شرعاً بالمعنى اللغوي كما في قول الله تبارك وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (الأحزاب: من الآية56)، المقصود بالصلاة هنا الدعاء وهذا الأصل الصلاة كما يدل على ذلك قول الشاعر:
عليك مثل الذي صليت فاغتبطي ***نوماً فإن لجنب المرء مضطجعا
لأن ذلك مترتب على قوله من قبل:
تقول ابنتي وقد قربت مرتحلاً ***يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا (1/59)
صفحة 60
ونجد كثيراً في الشرع استعمال الألفاظ التي لها وضع آخر في الشرع غير الوضع اللغوي أو وضع أخص من الوضع اللغوي في المعنى اللغوي كما في قول الله تعالى حكاية عن مريم عليها السلام (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً) (مريم: من الآية26 (.
والسؤال من حيث اللغة هو الطلب، طلب الشيء يقال سأل بمعنى طلب، ولذلك نجد في القرآن الكريم الأمر بإعطاء السائلين وجعل ذلك من جملة ما شرعه الله سبحانه وتعالى من البر (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ) (البقرة: من الآية177)، فإن السؤال هنا بمعنى الطلب. (1/60)
صفحة 61
وقول النبي صلى الله عليه وسلّم (إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال) يحتمل أن يحمل على هذا المعنى كما حمله على ذلك بعض الشراح، ومن المحتمل أن يكون المراد بذلك السؤال الذي فيه تنطع كما كان من بني إسرائيل عندما أمروا أن يذبحوا بقرة، قيل لهم اذبحوا بقرة لكنهم أخذوا يتنطعون بالسؤال بحيث يدققون تدقيقاً عجيباً فضُيق عليهم بقدر ما ضيقوا على أنفسهم، هم لم يكتفوا بهذا فهم عندما قيل اذبحوا بقرة تناولوا أي بقرة كانت لكان ذلك مجزياً وكافياً ولكنهم أخذوا يدققون ويتنطعون فسألوا موسى عليه السلام عندما قال (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) (البقرة: من الآية67) قالوا (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ) (البقرة: من الآية68)، لم يكتفوا بها (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) (البقرة:69)، لم يكتفوا بهذا بل (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا) (البقرة: من الآية70). هكذا ضُيق عليهم بقدر ما ضيقوا على أنفسهم، وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلّم يكره مثل هذه الأمور كسؤال بعض الناس عندما سأله: الحج واجب علينا في كل عام؟ لذلك اشتد النبي صلى الله عليه وسلّم وغضب حتى احمّر وجهه لأنه لو قال نعم لكان ذلك واجباً وهم لا يقدرون على أن يفعلوا ذلك.
السؤال (3) (1/61)
صفحة 62
سماحة الشيخ قد يقول البعض الآن معرفة الأحكام أصبح أمراً متاحاً لكل أحد من خلال الرجوع للقرآن والسنة ما داما المصدرين الشرعيين لاستنباط الأحكام. لماذا لا يتاح لأي مسلم إشغال عقله واستثمار هذه المصادر المتاحة أمامه الآن ليستنبط الحكم منه؟
الجواب:
ليس كل أحد قادراً على الاستنباط، فالاستنباط يتوقف على فنون شتى. من المعلوم أن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن بلسان عربي مبين، واللغة العربية هي أوسع اللغات فلذلك هيأها الله تعالى لتكون وعاء لكلامه فأنزل بها كتابه، وجاءت السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام بلسان عربي مبين أيضا، ولكن مع هذا كله قبل كل شيء اللغة العربية دخلها الكثير الكثير من العجمة بسبب دخول أمم في دين الله، فلذلك احتاجت اللغة إلى فنون شتى وقد تسابق الناس إلى خدمتها، وكان العجم أكثر من العرب عناية بها، فنحن نجد أن الذين اعتنوا باللغة العربية ودرسوا فنونها وبحثوا اشتقاقاتها وتأملوا اصطلاحاتها معظمهم من العجم، وهذا راجع إلى رغبتهم في معرفة القرآن الكريم، ثم بجانب ذلك هناك طرق للاستنباط وهذه الطرق قد تكون صعبة إلا على من يسر الله تبارك وتعالى ذلك له بحيث تمكن من الوسائل التي تُسهّل له هذه المهمة.
والصحابة رضوان الله تعالى عليهم لسلامة فطرهم ولأنهم صحبوا النبي صلى الله عليه وسلّم وعايشوا نزول القرآن الكريم على قلبه عليه أفضل الصلاة والسلام وعرفوا كيف كانت الآيات تتنزل ولأي مناسبة كانت تأتي أحكامها، وعرفوا كيف السنة النبوية ترد كانوا أقدر الناس على الاستنباط، وهم وإن تفاوتوا من حيث الفقه إلا أن ثم قدراً مشتركاً بينهم جميعا في الفقه فكلهم فقهاء وكلهم قادرون على استنباط الأحكام من أدلتها.
ثم جاءت طبقة التابعين وكانوا أقل من الصحابة في ذلك فلذلك كانوا بحاجة إلى أن يرجعوا إلى الصحابة وأن يمارسوا هذا الأمر. (1/62)
صفحة 63
ثم جاءت طبقة من بعدهم واحتاج الناس إلى وضع المصطلحات، احتاج الناس إلى أن يفهموا اللغة فهماً دقيقاً فأخذ الناس يدرسون فنون هذه اللغة بعدما وضعها الواضعون، ثم احتاج الاستنباط أيضاً إلى دراسة الطرق والوسائل، فإن الأدلة الشرعية منها ما هو مجمل ومنها ما هو مبين، ومنها ما هو عام ومنها ما هو خاص، ومنها ما هو مطلق ومنها ما هو مقيد ومنها ما متشابه ومنها ما هو محكم، ومنها ما هو ناسخ ومنها ما هو منسوخ.
فلذلك كان دراسة الفن الذي يمكّن من ذلك أمراَ ضروريا، فنحن نجد أن العلماء بعد تلك الفترة وضعوا فن أصول الفقه، والصحابة رضوان الله عليهم وإن لم يصطلحوا على تسمية هذا خاصاً وهذا عاماً وتسمية هذا مطلقاً وهذا مقيداً وتسمية هذا مجملاً وهذا مفصلاً، إلا أنهم كانوا على قدر من الذكاء والفطنة فلذلك كانت الأحكام تجري على ألسنتهم وفق مراد الله تبارك وتعالى من غير وجود هذه المصطلحات.
ولكن بعدهم أنّى للإنسان الآن وهو يرى الدليل العام أن يأخذ بهذا الدليل العام على أي حال من الأحوال ولو كان ثم مخصصات خصصت هذا الدليل العام، فكم من مخصص خصص العموم، حتى أن العلماء قالوا إنه ما من عام إلا وقد خصص ما عدا بعض العمومات التي لا يجوز تخصيصها وهي لا تتعلق إلا بجانب العقيدة لا تتعلق بجانب العمل، وكذلك نجد أن المطلقات قيدت وأن المجملات بينت وأن هناك منسوخاً وثم ناسخا فلا بد من فهم ذلك، ولا بد من فهم كيفية التخصيص للعمومات وكيفية التقييد للمطلقات وكيفية البيان للمجملات هذه أمور لا يتمكن منها إلا الحاذقون الفاهمون الذين درسوا هذا الفن وهو فن أصول الفقه. (1/63)
صفحة 64
فأنى للعامي أن يأتي إلى القرآن الكريم وهو يجد في تضاعيف كتاب الله تبارك وتعالى أحكاماً شتى هذه الأحكام جاءت عاماً ولكنها خصصت بمخصصات متعددة مثال ذلك قول الله تبارك وتعالى (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَاخُذْكُمْ بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) (النور: 1 - 2)، جاء هذا الحكم حكم الزاني والزانية في كتاب الله أنه الجلد ولم يفرق القرآن بين محصن وغير محصن، ولكن السنة النبوية التي أُجمع على صحتها وأخذت بها الأمة جميعا، هذه السنة خصصت هذا العموم ودلت على أن هذا الحكم إنما هو خاص بالبكر، وأما المحصن فلا بد من رجمه.
ذلك نجد أن الله تبارك وتعالى في تعداد المحرمات من النساء قال بعد ذلك (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) (النساء: من الآية24) إلا أن السنة النبوية بينت أن ثم محارم لم يذكرها القرآن الكريم فلا بد من تخصيص عموم القرآن عموم قوله (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) (النساء: من الآية24) بتلكم المخصصات التي وردت عليه من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال (لا تنكح المرأة على عمتها ولا المرأة على خالتها لا الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى).
كذلك القرآن الكريم عندما تعرض للمحارم من قبل الرضاع إنما ذكر الأمهات والأخوات فقط، ولكن السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام بيّنت على أن المحارم تتعدى ما ذكر القرآن إلى كل ما يحرم من قبل النسب فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلّم (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)، وثبت عنه (يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة)، وثبت عنه صلى الله عليه وسلّم (إنما الرضاع مثل النسب) إلى غير ذلك فكان في هذا تخصيص. (1/64)
صفحة 65
كذلك نحن نجد في القرآن الكريم قوله سبحانه وتعالى (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) (الأنعام: من الآية145)، نجد أن الله تبارك وتعالى ذكر هنا أربعة أصناف من المحرمات، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلّم أن يقول بأنه لا يجد فيما أوحي إليه محرماً إلا ما ذكر هنا، ولكن جاءت مخصصات بعضها من القرآن نفسه وبعضها من السنة النبوية.
فمن المخصصات ما جاء في القرآن الكريم وذلك أن الله تبارك وتعالى حرّم الخمر وهي من جملة المطعومات فهذا تخصيص لهذا العموم، كذلك حرّم الحق سبحانه وتعالى الصيد على المُحرم وهذا من جملة المخصصات، كذلك جاءت السنة التي خصصت هذا العموم فالنبي صلى الله عليه وسلّم نهى عن أكل الحمر الأهلية والنبي صلى الله عليه وسلّم قال (أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير حرام) فدل ذلك على أن هذه الآية خُصّص عمومها بمخصصات متعددة. (1/65)
صفحة 66
فلو أخذ الإنسان بالعموم الذي يجده في القرآن لوقع في أمر مريج، ولقي من الإشكال أمراً لا يكاد يتصور، ولكن لا بد من النظر في المخصصات ولا بد من النظر أيضاً في المقيدات والمطلقات ولا أيضاً بد من النظر في أسباب النزول أحياناً، فكل ذلك مما يضطر الإنسان إلى أن يدرس فن أصول الفقه فضلا عن حاجة الإنسان إلى معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة، ومعرفة مقاصد الشريعة الإسلامية لينزل كل شيء منزله وليعطي كل شيء حكمه، فمن هنا كان التقول على الله تبارك وتعالى بغير علم من أكبر المحرمات، الله تبارك وتعالى قرن ذلك بالإشراك عندما قال (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:33).
واللغة العربية لا بد من أن يكون الدارس للفقه متمكناً منها حتى ينظر في دلالات الألفاظ من حيث اللغة العربية.
نجد أن المجتهد هو بحاجة إلى النحو وبحاجة إلى الصرف وبحاجة إلى البلاغة وبحاجة إلى أصول الفقه وبحاجة إلى علوم الحديث، بحاجة إلى فنون مختلفة ليتمكن من الاجتهاد. (1/66)
صفحة 67
نجد كثيراً من الاختلاف يبنى على النظر في بعض الحروف في العربية، كثير من الاختلاف يكون بين الفقهاء وهذا الاختلاف إنما مرجعه إلى النظر في حاجة قد يراها الإنسان أمراً بسيطاً ولكنها في الحقيقة ليست ببسيطة مثال ذلك أن العلماء اختلفوا في التيمم بغير التراب هل التيمم مقيد بالتراب أو يمكن أن يكون بغير التراب؟ الذين قالوا بأنه يتيمم بأي شيء كان بالتراب وغير التراب قالوا بأن (منه) في قوله الله تبارك وتعالى (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) (المائدة: من الآية6)، هي لابتداء الغاية، والذين قالوا لا بد من أن يكون تيمم بتراب يلتصق بالكفين عند ضربهما عليه قالوا بأن (منه) هنا للتبعيض.
كذلك مثال ذلك الواو في قوله تعالى (وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) (الأنعام: من الآية121) اختلفوا فيها هل هي للحال أو هي للعطف، وبناء على هذا الاختلاف وقع الاختلاف في حكم أكل ما لم يذكر اسم الله تعالى عليه. والله تعالى أعلم.
السؤال (4)
هناك حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم (أعظم الناس جرماً من سأل عن شيء ليحرم) نريد إطلالة مختصرة حول ماهية السؤال، ومعنى هذا الحديث.
الجواب:
هذا يرجع إلى ما ذكرناه من التنطع المذموم شرعا، وذلك أن يأخذ الإنسان في السؤال عن شيء لم يأت به حكم من الله تبارك وتعالى سواء كان نصاً في القرآن أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلّم، يأخذ في السؤال عنه وهو لم يحرم فيترتب على هذا السؤال أن يرد شرع بتحريمه. (1/67)
صفحة 68
هذا من التنطع، فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلّم إشفاقاً على أمته يأمرهم أن يتركوه ما تركهم بحيث لا يسألون عن أشياء لم يرد فيها حكم بتحريمها. إذ قبل كل شيء الأصل فيما خلقه الله تبارك وتعالى وجعل فيه منافع للعباد أن تلك المنافع مباحة لهم، إلا إن دل الدليل الشرعي على رفع هذه الإباحة بتحريم، ثم من ناحية أخرى أن الأمور التي حرمت في الإسلام هي غالباً أمور محدودة أمور مقيدة أمور معدودة بخلاف الحِل، فإن الحِل هو الأصل، ولذلك كان الحل لا ينضبط ولا يتقيد بقيد والحرمة هي التي تتقيد.
الله تبارك وتعالى عندما ذكر المطعمومات استثنى أربعة أنواع من المطعومات ثم جاءت نصوص أخرى في القرآن الكريم كما ذكرنا تدل على تحريم بعضها، وجاءت أيضاً نصوص قليلة من السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام تدل على تحريم بعضها وإلا فالأصل أن كل مطعوم نافع هو حلال ولا يحرم، ثم كذلك نأتي إلى المنكوحات من النساء الله تبارك وتعالى بيّن ما يحرم نكاحه من النساء ثم قال (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) (النساء: من الآية24) إلا ما جاءت السنة مبينة أنه يحرم فذلك مخصص بهذا العموم.
كذلك أيضاً أنواع اللباس أباح الله تبارك وتعالى الانتفاع بما خلقه في هذه الأرض (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة: من الآية29)، ومن بين ذلك الملبوسات وإنما جاء تحريم الذهب وتحريم الحرير على الرجل وتحريم لبسة الخيلاء وهكذا فإذن المحرمات هي معدودة، والأصل في الحل الإطلاق بخلاف الحرمة فالأصل فيها أن تكون مقيدة أن تكون غير مطلقة، فلذلك يمنع أن يأتي الإنسان وهو يرى هذه الأدلة التي تدل على إطلاق الحل وتقييد الحرمة أن يأتي ويأخذ في التنقير والبحث حتى يترتب على سؤاله أن يرد نص شرعي بتحريم ما لم يكن حراماً من قبل فهذا هو الممنوع والله تعالى أعلم.
السؤال (5) (1/68)
صفحة 69
إذا كانت فتوى المفتي تحمل عدة أقوال بدون أن يرجح رأياً من الآراء فهل يجوز للمستفتي أن يعمل بأيها شاء؟
الجواب:
أولاً قبل كل شيء علينا أن ندرك التفرقة بين مسائل الرأي ومسائل الدين، مسائل الرأي المجال للاختلاف فيها واسع، ذلك لأنه من المعلوم أن كل واحد يتشبث بدليل ولو اختلفوا.
ومسائل الرأي إنما هي فيما لم يرد فيه نص قطعي الدلالة وقطعي المتن، قطعية المتن إنما تكون ذلك بأن يكون النص نصاً متوترا، ومعنى كونه متواترا أن يتلقاه عدد كبير لا يمكن أن يتواطأ مثلهم على الكذب عادة يتلقونه عن مثلهم وعن مثلهم هكذا حتى ينتهي تلقي هذا النص إلى المعصوم فمثل هذا النص هو قطعي المتن. ولكن إن كانت دلالته دلالة ظاهرة وليست دلالة نصية كالعام فإنه يكون ظني الدلالة ولذلك يقولون في العام مثلاً (العام ظني الدلالة ولو كان قطعي المتن) فإن كان قطعياً من الدلالة وقطعياً من حيث المتن ففي هذه الحالة لا يجوز أن يخالف هذا النص القطعي من حيث الدلالة ومن حيث المتن ولا يؤخذ بأي دليل آخر يخالفه نظراً إلى أن الأدلة الظنية لا تقاوم الأدلة القطعية وذلك كتحريم الربا مثلا أو تحريم الخمر أو تحريم أي شيء من هذا القبيل، هذا الأمر أصبح من المعلوم من الدين بالضرورة فلا يجوز الاجتهاد في ذلك، لا يسوغ أن يقول قائل مقالاً يخالف النص الشرعي القطعي من حيث الدلالة ومن حيث المتن، وأما ما عدا ذلك فإن المجال واسع للاختلاف، إذ الأدلة تتعارض أحياناً، فبعضهم يأخذ بهذا الدليل لأنه يترجح عنده على الدليل الذي يخالفه، وبعضهم يأخذ بذلك الدليل لأنه يترجح عنده على الدليل الذي يخالفه وهكذا، فلذلك تتعدد الآراء في النظر إلى مخصصات العمومات وفي النظر إلى تقييد المطلقات وفي النظر إلى كيفية استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلة نظراً إلى أن هذه الأدلة أدلة غير نصية، فلذلك يقع الاختلاف بين العلماء. (1/69)
صفحة 70
وفي المسائل التي هي معدودة من مسائل الرأي وهي التي يستدل لها بأدلة ظنية لا يقطع فيها عذر المخالف، ولكن مع هذا كله فإنه من الواجب على الإنسان إن وجد عالماً مجتهداً قادراً على الترجيح أن يرجع إليه، ذلك لأن العالم شأنه كشأن الطبيب، فالطبيب قد يعطي لهذا جرعة ويعطي لآخر جرعة أخرى مع أن علتهما واحدة إلا أنه ينظر في كثير من الأحوال، ينظر في الطبائع فطبائع الناس تختلف هذا طبعه حار يابس وهذا طبعه حار رطب وهذا طبعه بارد رطب وهذا طبعه بارد يابس فيكون علاج هذا يضر ذلك، وبجانب ذلك أيضاً ينظر الطبيب أحياناً إلى الفصول وينظر إلى المناخات وذلك أن المناخ الاستوائي غير المناخ البارد وهكذا، فلذلك يحتاج الطبيب إلى النظر في طبائع الناس وفي طبائع المناخات وفي طبائع الفصول والأزمنة فيكون العلاج بمقدار ذلك، وهكذا شأن العالم أيضا مثال ذلك أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما جاء إليه رجل وسأله عن تقبيل الرجل لزوجته فأباح له ذلك، وجاءه رجل آخر فمنعه من ذلك، وقد لاحظوا أن الرجل الذي أباح له أن يقبل امرأته وهو صائم كان شيخاً أي رجلاً متقدماً في السن، ومن المعلوم أن الشيخوخة مظنة ضعف الشهوة، والآخر الذي منعه من ذلك كان شاباً والشاب إنما هو مظنة فوران الشهوة فلذلك منعه لئلا يجره التقبيل إلى ما هو أعظم منه. (1/70)
صفحة 71
وهكذا. ثم مع ذلك قد تختلف الظروف وتختلف الأحوال فنجد الدليل الشرعي يشرع ومع ذلك هذا الدليل إنما يكون لمصلحة يعلمها الله تبارك وتعالى ولا يستطيع أن يطّلع على تلك المصلحة إلا الربانيون من العلماء، ولذلك كان عمر رضي الله تعالى عنه ينظر في بعض الأحوال ويحكم بأحكام لم يكن قد حُكم بها في عهد الرسول الله صلى الله وسلّم ولم يكن حُكم بها في عهد أبي بكر رضي الله عنه، مثال ذلك أنه منع المؤلفة قلوبهم ما كانوا يُعطونه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم وفي عهد أبي بكر رضي الله عنه، وسهم المؤلفة قلوبهم منصوص عليه في القرآن الكريم، فهو رضي الله عنه لم يقصد مخالفة القرآن، ولم يقصد مخالف الرسول صلى الله عليه وسلّم، ولم يقصد مخالفة ما أجمع عليه المسلمون في عهد أبي بكر رضي الله عنه، ولكن رأى أن مجيء ذلك الحكم في القرآن إنما هو لأجل غاية، هذه الغاية كان لا بد من ملاحظتها في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم ولا بد من ملاحظتها في عهد أبي بكر رضي الله عنه ولكن بعد ذلك هذه الغاية أصبح النظر إليها أمراً لا حاجة إليه لأن الزمن تبدل، فسهم المؤلفة قلوبهم إنما شرع من أجل كف شر هؤلاء المؤلفة قلوبهم لما لهم من مكانة اجتماعية عند قومهم من اجل استدرار خيرهم، والإسلام بعدما قوي وأصبح يغزو الروم والفرس لم تكن هناك حاجة إلى أن يعطى هؤلاء مما كانوا يعطونه من قبل فلذلك منعهم ما كانوا يعطونه وقال إن ذلك لما كان الإسلام ابن لبون وأما الآن فقد بزل أي صار قويا ليس هو بحاجة إليهم فهكذا كان تصرفه فأين هؤلاء الذين يستطيعون أن يفرقوا بين هذه الدقائق، ذلك أمر لا يقدر عليه كل أحد وإنما يقدر عليه العلماء الربانيون المتمكنون من العلوم القادرون على النظر في الأحكام الشرعية وإنزال كل شيء منزله، ولأجل هذا كانت الضرورة داعية إلى أن يتقيد الإنسان برأي العالم المجتهد في عصره إن وجد هذا العالم المجتهد القادر على استنباط الأحكام (1/71)
صفحة 72
الشرعية من أدلتها التفصيلية. والله تعالى أعلم.
السؤال (6)
ورد عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال (دعوني ما تركتم إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).
من المعلوم سماحة الشيخ أن العلماء ورثة الأنبياء، وأن المسلمين يأخذون منهم أحكام الدين، فهل ما سكت عنه العالم يسع المسلمين السكوت عنه فلا ينبغي السؤال عنه مثلا. على سبيل المثال إذا نزلنا إلى بعض فتاواكم سماحة الشيخ السؤال عن لبس المرأة الجوارب في الصلاة هذه المسألة لم تكن مثارة من قبل بالشكل الواسع وكنتم سماحة الشيخ لا تذكرونها بالصورة الملفتة لكن عندما وجه إليكم السؤال عن هذا الموضوع أفتيتم بالفتوى المعروفة والتي انتشرت بشكل واسع هل هذه المسألة وغيرها تنطبق على الكلام الذي قلناه من أن ما سكت عنه العالم لا ينبغي السؤال عنه؟
الجواب:
لا. أولاً إنني أنا لست بشارع، الشارع هو الرسول صلى الله عليه وسلّم أنا فقط أخذت من حديث الرسول صلى الله عليه وسلّم عندما سئل عن الإسبال وشدّد وقال في إزرة المؤمن أنها إلى نصف ساقيه، سألته أم سلمة رضي الله عنها عن المرأة فقال: ترخي شبراً. قالت له: إذن ينكشف عن قدميها. فقال: ترخي ذراعاً. لذلك أخذنا من هذا الحديث وجوب ستر المرأة لقدميها إذ لو لم يكن ثم محذور من انكشاف قدمي المرأة لما أمر النبي صلى الله عليه وسلّم المرأة أن ترخي ذراعاً بعدما أذن لها أولاً أن ترخي شبراً فقط. هذا دليل على هذا. هذا لا يدخل في هذا النوع.
المسألة مشكلة يُسأل عنها لكن مثال ذلك أن يعطي العالم أو العلماء جواباً عاماً هذا الجواب العام تندرج تحته أنواع الخصوصات المتعددة ومع ذلك يأخذ أحد من الناس ويدقق يسأل عن كل خصوص بعينه هل كذا كذا حكمه، هل كذا كذا حكمه ... ، مثل هذا هو من باب التكلف ومن باب التنطع الذي لا ينبغي أن يكون.
السؤال (7) (1/72)
صفحة 73
أنتم ذكرتم أن العالم الرباني الذي لديه العلم الواسع هو يفتي للناس، لكن نعود مرة أخرى، هذا العالم الرباني في بعض الأحيان عندما يُستفتى يسرد في أقواله عدة آراء لا يرجح شيئا منها، هل يصح للمستفتي أن يأخذ بأيها شاء؟
الجواب:
في هذه الحالة ينبغي له أن يسأله إن كان يعرفه قادراً على الترجيح ما هو القول الراجح من هذه الأقوال، ينبغي له أن لا يأخذ بأي رأي كان، وإنما يسأله ما هو القول الراجح.
السؤال (8)
بعض الناس لا يراعون أوقات العلماء فيتصلون في وقت متأخر من الليل أو في وقت القيلولة أو في أوقات مزعجة يكون العالم فيها منفرداً بنفسه، هل هناك ضوابط لهذه المسائل بحيث ينال العلماء راحتهم فيها؟؟
الجواب:
لا ريب أن كل أحد يرتاح ويتعب، الإنسان كيفما كان معرض للتعب، بطبعه يحب الراحة في بعض الوقت لا بد مراعاة ذلك، وإنما هذا يمكن في أن يراعى فيه ترتيب وقت معين يكون للسؤال مع إمكان أن يرتب هؤلاء المشايخ العلماء أوقاتهم لتكون هذه الأوقات منتظمة باستمرار وهذا لا يمكن إلا أن يكون للمتفرغين لأعمال خاصة تتعلق بالعلم، أولئك الذين يقسمون أوقاتهم بين تدريس وتأليف وإجابة على الأسئلة، هؤلاء يمكن أن يخصصوا لهم أوقاتاً خاصة، أما إن كانوا مشغولين بالدهماء بجماهير الناس في قضايا هي بعيدة عن الفقه والدين وغير ذلك فكثيراً ما يكون هؤلاء لا يمكن أن تنتظم أوقاتهم.
السؤال (9)
سماحة الشيخ في بعض الأحيان يسأل الإنسان عالماً معيناً في مسألة من المسائل فيفتيه بالرأي الراجح عنده لكنه ربما لا يقتنع بذلك فيذهب ليسأل عالماً آخر، كالطلاق مثلا ربما أفتاه عالم بأن الطلاق هنا غير واقع وأفتاه آخر بأن الطلاق واقع في هذه الحالة هل يأخذ بسؤال العالم الأول أم له أن يأخذ بسؤال العالم الثاني؟
السؤال (10)
ولكن هل يصح له أساساً أن يسأل مرة هذا ومرة هذا؟
الجواب: (1/73)
صفحة 74
ولماذا هو يفعل ذلك، إن كان يلتمس الرخصة فلا ينبغي له ذلك، لأنه يبحث عن الرخصة ولو كانت بزلة لسان.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
16 من جمادى الثانية 1423هـ، 25/ 8/2002م
موضوع الحلقة: آداب السؤال وآداب الاختلاف
السؤال (1)
بين لنا باختصار آداب السؤال؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإن السائل إنما يطلب ممن يجيبه على سؤاله أن يوضح له حقيقة ما غمض على فهمه، وهذا يعني أنه يطلب بسؤاله هذا أن يمنحه المجيب علماً في القضية التي يسأل عنها، لذلك كان الواجب أولاً أن يكون هذا السائل يسأل سؤالاً فيه ما ينم عن تواضعه، ويدل على حرصه على الاستفادة لا أن يكون هذا السؤال سؤال متعالم، ولذلك فإن من سلفنا وهو الإمام أبو علي موسى بن علي رحمه الله قال: إن العالم ليسأل سؤال الجاهل ويفهم فهم العاقل.
أي من أدب السؤال ولو كان الإنسان من أهل العلم إذا سئل من هو أعلم منه يكون سؤاله كسؤال الجاهل الذي لا يعرف شيئاً في تلك المسألة، لا أن يكون سؤال متعالم، سؤال تقعر وتنطع، وقد نظم هذا المعنى الإمام السالمي رحمه الله تعالى عندما قال:
من أدب السؤال للعفيف *** أن يسأل العالم كالضعيف
فالعفيف أي العاقل الكيس الفطن من شأنه أن يسأل وهو عالم لا أنه جاهل لا يعرف شيئاً.
ثم إن هناك أشياء لا بد من أن يتفادها السائل وذلك ألا يكون سؤاله بأسلوب فيه شيء مما يجعل السؤال ساقطا.
والسؤال يسقط بالعديد من الأسباب منها: (1/74)
صفحة 75
أن يكون السؤال سأل سؤالاً تناقض، وذلك أن يكون آخر السؤال ينقض ما جاء في أوله. كأن يسأل مثلاً ما الدليل على أن صار هذا الأمر كذا، مع أن الحقيقة بخلاف ذلك كأن يسأل عن الدليل على أن صار العرض جرماً وصار الجسم حركة. هذا سؤال فيه تناقض الأمر بخلاف ذلك. العرض ليس هو من الأجرام وإنما هو الأشياء التي تتعلق بالأجرام، وكذلك الحركة، الحركة هي من الأعراض.
كذلك أن يكون هذا السؤال مضطرباً وذلك أن يدخل الأعم في الأخص، أو أن يكون هذا السؤال فيه إثبات شيء المجيب ينفي ذلك الشيء كأن يسأل عن الحجة في إثبات قدم العالم، ومن المعلوم أن المجيب المؤمن لا يقول بقدم العالم.
أو أن يجمع عن سؤالين معاً كأن يقول مثلاً ما الدليل الذي صار من أجله العرض عرضاً وصار من أجله الجسم جسماً بحيث يجمع السؤالين ويطلب لهما إجابة واحدة، هذا كله مما يؤدي إلى التناقض.
وكذلك إذا كان هذا السؤال سؤال تعنت بحيث لا يريد هذا السائل إلا أن يقول المجيب بأنه لا يعرف تلك المسألة ليكون شامتاً بهذه الإجابة فمثل هذه الأسئلة لا إجابة عليها، والله تعالى أعلم.
السؤال (2)
الرخصة موجودة في الكثير من الأحكام الفقهية وهي تتناسق مع قول النبي صلى الله عليه وسلّم (يسروا ولا تعسروا) وأنه صلى الله عليه وسلّم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، لكن العلماء يظهرون هذه الرخصة بل ينفرون من تتبعها ويزجرون من يسأل عنها، ألا يتناقض هذا مع الحديث الداعي إلى اليسر؟
الجواب:
ما هي الرخصة، في عرف الفقهاء الرخصة القول العاري من الدليل، والقول العاري من الدليل ولو قاله من قاله فإنه لا يعتد به، إذا لا يعدل الإنسان عن الدليل إلى غيره. (1/75)
صفحة 76
قد نجد من الفقهاء من يقول ورخص ولكن في مصطلحهم أن هذه الرخصة هي قول لم يقم عليه دليل، ومن المعلوم أن الإنسان متعبد باتباع الدليل مع وجوده، فإن كان الدليل قطعياً فتعبده به أمر قطعي، وإن كان الدليل ظنياً فتعبده به أيضاً أمر ظني، وهو وإن كان لا يُقطع عذره إن خالف الدليل الظني إلا أنه إن كان ذلك تبعاً لهواه فلا ريب أنه لا يجوز له ذلك إذ ليس للإنسان أن يعرض عن الدليل مع قيام الحجة به.
ولا ريب أن مع وجود الدليل الشرعي من كتاب الله أو من سنة رسوله صلى الله عليه وسلّم سواء كان هذا الدليل نصياً أو كان ظاهراً لا يجوز للإنسان أن يعدل عنه لأن الله تعالى يقول (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً) (النساء: من الآية59)، ويقول (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء: من الآية83)، وهو سبحانه وتعالى يقول (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (الأحزاب:36)، فليس للإنسان مع وجود الحجة في كتاب الله أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلّم سواء كانت هذه الحجة نصية أو كانت ظاهرة أن يقوم باعتصار ذهنه من أجل أن يصل إلى قول يخالف الدليل الشرعي. (1/76)
صفحة 77
ومع هذا أيضا الأدلة تتعارض وقد يكون الدليل الذي استدل به العالم هو الدليل الأقوى، وليس للعالم أن يعدل عن الدليل الأقوى إلى الدليل الأضعف لأنه مطالب أن يقارن بين الأدلة وينظر المرجحات ما بين هذا الأدلة فقد يكون هنالك دليل ولكن هنالك ما يدل على أن ذلك الدليل منسوخ وأنه نسخه دليل آخر فلا تكون الحجة في المنسوخ.
كذلك إن كان دليل الرخصة عموماً ودليل العالم الذي لا يترخص خصوصاً، فإن الخصوص يقدم على العموم، كذلك إن استدل أحد بالإطلاق مع وجود ما يقيد فإنه لا يعدل إلى المطلق مع وجود المقيد، إذ المطلق يجب أن يحمل المقيد كما أن العام يحمل على الخاص وهكذا.
فهذه الأشياء لا بد من النظر فيها، وقد يكون الدليلان متكافئين من حيث قوتهما ولكن مع ذلك أحد الدليلين يتفق مع مقاصد الشرع، والآخر قد يكون مع اعتبار المقصد الشرعي لا يتفق مع مقصد الشارع فلا بد من مراعاة ذلك، فلذلك من الواجب على الإنسان أن يتفطن لهذه الدقائق. وهذه الأشياء لا يدركها العوام.
على أن الذين يأخذون بالرخص هم يريدون التلفيق ما بين آراء أهل العلم ليخرجوا برأي لم يقله أحد من أهل العلم قط بحيث يأخذون من هذا العالم الترخيص في مسألة كذا، ويأخذون من قول العالم الثاني الترخيص في مسألة كذا، ويأخذون من العالم الثالث الترخيص في مسألة كذا، وإذا بما يأتونه خليط من الآراء لم يقله أحد من أهل العلم قط، وفي هذا ما يؤدي إلى فساد الدين ويؤدي إلى الميوعة، وهذه أمور لا يرضاها الإسلام قط، والله تعالى أعلم.
السؤال (3) (1/77)
صفحة 78
هناك عدد من الأمور تعد عند علماء معينين في بلد معين من السنن الواجبة التي لا بد من الالتزام بها كالذي يتعلق باللباس أو المظهر أو غيره بينما تعد عند غيرهم من سنناً مستحبة وذلك يحدث حتى في المذهب الواحد فيتبع أهل كل بلد قول عالمهم وهذا الواقع موجود ولكن تتفرع عليه مسائل وهي الأول هل يمكن أن يقع الخلاف بالفعل في مثل تلك المسائل بحيث تكون عند فريق مستحبة وعند آخرين واجبة؟
الجواب:
لا ريب أن العالم مطالب بأن يرجع إلى الدليل كما قلت، ولما كان هو مطالباً بأن يرجع إلى الدليل فلعل من قال بالوجوب وجد الدليل الدال على الوجوب، ومن قال بالاستحباب كانت عنده قرينة تصرف ذلك الدليل عن دلالته عن الوجوب إلى دلالته على الندبية مثلا، لأن الندب يأتي حتى في كلام الله تعالى هنالك توجيهات ربانية، هذه التوجيهات ليست هي في الحقيقة دالة على وجوب ذلك كأمره سبحانه وتعالى بمكاتبة الأرقاء إن علم الإنسان فيهم خيراً (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُم) (النور: من الآية33). هذا الأمر هو هنا إنما هو في الحقيقة للندب إذا لا يفرض على الإنسان أن يكاتب رقيقه ولكن هذا من باب الحث على السبق إلى الفضائل مع غير ذلك من الأشياء، مع أن الأصل في كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم إن جاء أمراً أن يحمل على الوجوب إلا إن كانت هنالك قرينة تصرف هذا الأمر من الوجوب إلى الندب أو إلى غير ذلك من الأمور التي يحمل عليها الأمر.
وقد يرى أحد العلماء قرينة تصرف الأمر مثلاً من الوجوب إلى الندب، ولا يرى الآخر ذلك بل يرى الأمر هو على أصل وجوبه فلذلك يحمله على محمله فيجعله من الواجب.
السؤال (4)
لكن أليست هذه القرائن شيء اصطلح عليه علماء الأصول بحيث يجب على كل عالم أن يعرفه؟
الجواب: (1/78)
صفحة 79
مهما كانت هذه القرائن لكن قد تختلف وجهات نظر العلماء فيها، كثيراً ما نرى مسائل حدثت حتى في عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كاختلاف الصحابة في توريث الجد، فإن كلاً من أولئك بنى رأيه على أصل المسألة معروفة عند الفرضيين بمسألة الأكدرية اختلف فيها الفقهاء على العديد من الآراء نحو ستة آراء من عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
السؤال (5)
إذا التزم أهل كل بلد في مثل هذه المسائل التي ذكرتموها قبل قليل نجد في واقع طلبة العلم من يخطئ الطرف الآخر ولربما يتكلم عليهم، ولربما لا يتولاهم أيضاً، هل يصح له ذلك؟
الجواب:
لا، المسائل الفرعية لا يؤدي الأمر فيها إلى البراءة، ولا يؤدي الأمر فيها إلى التقاطع، ولا يؤدي الخلاف فيها إلى قطع العذر، فإن ذلك كله مما يتنافى مع دلالة ذلك الدليل على ذلك الحكم بطريق الظن.
على الناس أن يدركوا أن هنالك مسائل قطعية، والمسائل القطعية لا يجوز الاختلاف فيها، فلا يجوز لأي أحد أن يجتهد فيدّعي أن الزنا مباح في حال من الأحوال، وليس لأحد أن يجتهد فيدّعي أن الخمر محللة، وليس لأحد أن يدّعي أن الربا محلل، وليس لأحد أن يجتهد فيدّعي أن قتل النفس بغير حق محلل، وليس لأحد أن يجتهد فيّدعي أن أكل مال الغير غنماً محلل، كل من ذلك لا يحل.
على الناس أن يدركوا أن هذه الأشياء محرمة بالنص وبالإجماع فلا يجوز الاجتهاد فيها، ولكن هناك مسائل وقع فيها الخلاف بين أهل العلم، وكل ذي رأي من هذه الآراء إنما بنى رأيه على ما فهمه من الدليل الشرعي. (1/79)
صفحة 80
نرى مثلاً أن العلماء اختلفوا في ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير هل هي حرام أو هي حلال، منهم من قال بأن ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير هي حرام لأن حديث النبي صلى الله عليه وسلّم يقول (أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير حرام)، ومنهم من يقول لا بل هي محللة لأن الله تبارك الله وتعالى يقول (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) (الأنعام: من الآية145)، وهؤلاء قالوا وإن كان الحديث يخصص عموم القرآن الكريم إلا أن كلمة حرام قد تطلق أحياناً على معنى التغليظ في الكراهة في اصطلاح بعض أهل العلم، ولربما حمل بعض الناس الحديث على ذلك، وبما أن الحديث آحادي والآحادي وإن كان يخصص عموم القرآن الكريم إلا أنه قد يتردد بعض الناس في إثبات أصل الحديث وعدم إثباته لذك لم يجز لمن أخذ بهذا الحديث وجعله مخصصاً لعموم القرآن أن يقطع في هذه المسألة عذر مخالفه لأن ذلك لا يؤدي إلا إلى الشقاق الذي لا يرضاه الله تعالى مع أن المسألة كما قلت مسألة رأي.
السؤال (6)
البعض يقرأون كتباً معينة فيحسون أنهم حازوا من العلم ما يناطحون به العلماء ويثيرون بذلك بلبلة في أوساط أهل العلم، فما هي نصيحتكم لهؤلاء؟
الجواب:
أولاً قبل كل شيء من واجب طالب العلم أن يتواضع، وأن يعرف قدره، وأن يقف عند حده، وقد أجاد الشاعر عندما قال:
من لم يقف عند انتهاء قدره *** تقاصرت عنه فسيحات الخطا (1/80)
صفحة 81
والتواضع إنما هي صفة المؤمن، المؤمن لا يتعالى ولا يتكبر، التكبر إنما هو من صفات الكفار ومن صفات المنافقين، ومع هذا فإن الذي يحذر عقاب الله تعالى وسخطه عليه لا بد من أن يمنع لسانه فلا يطلقها حتى تلغ في حرمات الناس وفي أعراضهم، ولئن كانت للناس حرمات عامة وللمسلمين حرمات خاصة فإن للعلماء حرمات أخص فيجب أن تراعى هذه الحرمات وأن لا يتطاول عليهم السفهاء والأوغاد، إنما مثل هؤلاء كما يقول الشاعر:
ومنزلة الفقيه من السفيه ... كمنزلة السفيه من الفقيه
فهذا زاهد في قرب هذا ... وهذا منه أزهد منه فيه
إذا غلب الشقاء على سفيه ... تنطع في مخالفة الفقيه
وقد أجاد في هذا الإمام نور الدين السالمي رحمه الله تعالى إذ نظم معنى البيت الأخير فقال:
إن غلب الشقاء على سفيه *** أبدى تنطعاً على الفقيه
وعليهم أن يدركوا أن الفتيا أنما العاقل يتجنبها بقدر استطاعته إن وجد من يكيفه إياها ولو بلغ ما بلغ من مقامات أهل العلم ومنازلهم فإنه يتمنى أن يجد الكفاية من قبل غيره، ولا يجرؤ على أن يفتي برأيه ومن تلقاء نفسه. (1/81)
صفحة 82
أولاً قبل كل شيء الإنسان مأمور بأن لا يقدم على أي أمر كان إلا ببينة وبصيرة، الله تبارك وتعالى يقول (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الاسراء:36)، وقد قرن الله تبارك وتعالى التقول على الله بغير علم بالإشراك به عندما قال (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:33)، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: (من أفتى مسألة أو فسّر رؤيا بغير علم كان كمن خر من السماء إلى الأرض فصادف بئراً لا قعر لها ولو أنه وافق الحق).
وصحابة الرسول صلى الله عليه وسلّم مع علو أقدارهم وعظم شأنهم واشتراكهم جميعاً في الفقه كانوا يتدافعون الفتيا خوفاً وإشفاقاً على أنفسهم فكيف بأمثالنا.
نحن لم نجد بداً من أن نجلس في هذا المجلس ونجيب على الأسئلة وإلا فكم نتمنى أن يكفينا هذا الأمر العلماء الربانيون الراسخون في العلم الذين هم أولى بهذا الأمر منا.
وطلبة العلم عليهم واجب أن يرعوا أقدار العلماء وألا يتطالوا على العلماء وأن يقفوا عند حدودهم. طالب العلم عليه أن يدرك أنه طالب فلا يتطاول على العالم فضلاً عن تطاوله على حكم الله تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه وسلّم، كأين رأينا من أحد يتطاول على أحكام الله وعلى أحكام رسوله صلى الله عليه وسلّم ثم إذا به من بعد ينقلب على عقبيه ويصبح في عداد الملاحدة الكفرة ثم يقضي الله تبارك وتعالى عليهم بما هم له أهل. (1/82)
صفحة 83
أنا بنفسي حضرت أحد المؤتمرات وقد تطاول متطاول، وهذا المتطاول كثيراً ما كان يلبّس على الناس من خلال بعض المقالات التي ينشرها ومن بعض التمويهات التي يحاول أن يلبّس بسببها على عقول الناس، سمعته يتطاول وهو على منصة ذلك المؤتمر على حكم الرجم للمحصن ويقول بأن الرجم فرية وأن أي أحد لا يمكن أن يؤخذ قوله ما دام هنالك دليل من القرآن يدل على خلاف قوله، معنى ذلك يريد أن يرد السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام بما يزعمه دليلاً من القرآن الكريم، هو لم ينظر إلى أن السنة تخصص عمومات القرآن وهذا مما وقع إنعقاد الإجماع عليه فقال هذا الذي يقوله القرآن (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَاخُذْكُمْ بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر) (النور: 1 - 2).
ثم قال: وهل يبقى إسلام لأحد يقول في أمر قال الله تبارك وتعالى فيه بأنه مبين وأنه مفروض وأنه أنزل فيه آيات بينات؟ هل يبقى إسلام لمن يقول بأنه مع ذلك يحتاج إلى بيان من جهة أخرى؟ يريد بهذا إنكار السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. (1/83)
صفحة 84
ولكن كانت عاقبة ذلك أن الرجل بعد مدة ليست بالطويلة كشف عن حقيقة نفسه وأسقط قناعه عندما نشر رسالة بثها في الآفاق مدّعياً أنه رسول الله وأنه هو الذي يشير إليه القرآن الكريم في قوله تبارك وتعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّه) (آل عمران: من الآية81)، وقال بأن هذه الآية تعنيه هو أنه الرسول الذي يأتي بعد النبيين مصدقاً لما معهم، وحاول أن يلبّس على الناس من خلال بعض الكلمات التي كتبها فيما يدل على إعجاز القرآن الكريم حسب تصوره هو من حيث الأرقام، ولكن الله تبارك وتعالى قطع دابره فبعد مدة قضى الله تعالى شأنه على يد من أراد من عباده.
هكذا شأن أولئك الذين يتطاولون على الله ويتطاولون على أحكامه ويريدون أن يبدعوا في دين الله تبارك وتعالى ما لم يأذن به الله، والله تعالى المستعان.
السؤال (7)
إذا وجدنا رجلاً قرأ كتاباً ثم أخذ يثير البلبلة في أوساط العلماء ألا نحكم مباشرة على أنه رجل ليست لديه نية صافية في العلم؟
الجواب:
الله تبارك وتعالى جعل الظاهر عنوان على الباطن وقد أجاد الشاعر الذي يقول:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ***وإن خالها تخفى على الناس تعلم
وأجاد الشاعر التهامي عندما قال:
ثوب الرياء يشف عما تحته *** فإذا التحفت به فإنك عاري
فمن كان على هذا النحو فهو من أول الأمر ساقط الاعتبار ولا زنة له، والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول (من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء لقي الله وهو خائب من الحسنات).
السؤال (8) (1/84)
صفحة 85
في المسائل المعاصرة كأطفال الأنابيب والتشريح والتبرع بالأعضاء وغيرها عادة ما تجتمع المجامع الفقهية فتصدر فيها فتاوى موحدة بعد مناقشتها إلا أن كل عالم بعد ذلك يفتي فيها باجتهاده بما يخالف ربما ما اتفق عليه في مجمع الفقه ومن هنا أيضاً ينبثق سؤال: أليس ما اتفق عليه العلماء في مجمع الفقه يعد إجماعاً فيأخذ أحكام الإجماع الذي يعد المصدر الثالث للتشريع؟
الجواب:
لا ريب أن رأي الاثنين من العلماء أقوى من رأي الواحد، ورأي الثلاثة أقوى من رأي الاثنين، وكلما كثر العدد كان ذلك أبعد من مظنة الخطأ والغفلة والوقوع في الزلل، ولكن مع ذلك الإجماع الذي اعتبر حجة وكان يعتبر المصدر الثالث من مصادر التشريع له أوصاف معينة، وذلك أن يُجمع أهل العصر جميعاً حتى أن بعض العلماء شدّد في ذلك وقال أن يجمع أهل العصر برهم وفاجرهم عالمهم وجاهلهم صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم على حكم معين فهذا هو الإجماع القطعي الذي لا يجوز خلافه مع تواتر ذلك وثبوته وعدم سبق الخلاف فيه، لا بد من أن يكون الإجماع الذي هو حجة غير مسبوق بخلاف في المسألة فإذا كان مسبوقاً بخلاف فلا يعد ذلك إجماعا، ومن المعلوم أن المجامع الفقهية تعتني عناية بالغة بتتبع آراء العلماء الكبار، ولكن لا يعني ذلك أن جميع علماء العصر مشاركون في ذلك المجمع بل هناك خارج المجمع كثير من العلماء، ثم إنه مع ذلك قد يقع الخلاف في المسألة الواحدة بين العلماء في نفس المجمع ثم تُعرض الآراء للتصويت فأي رأي صوّت عليه أكبر عدد من الآراء الأخرى كان هو الذي يؤخذ به ويعتد به والإجماع بطبيعة الحال ليس كذلك.
السؤال (9) (1/85)
صفحة 86
إذا اتفق العلماء في مجمع الفقه على مسألة من المسائل وأصدروا فيها فتوى ثم اجتهد العالم في أي بلد من البلدان في تلك المسألة وأفتى بفتوى تخالفهم، هل يجوز للناس في هذه الحالة أن يأخذوا بالرأي الذي أجمع عليه العلماء في المجمع الفقهي أم عليهم لزاماً أن يأخذوا برأي عالمهم؟
الجواب:
قبل كل شيء إن وجد الدليل فالدليل هو الفيصل في هذا، فأولئك الذين اتفقوا على رأي في مجمع الفقه من المعلوم أنهم لم يقولوا ما قالوه إلا عن دليل، ولكن هذا الدليل قد يكون أحياناً دليلاً وقتياً لأنه كما سبق في الحلقة الماضية قد يقع الاختلاف في مراعاة الظروف بين عصر وآخر إذ لكل عصر ظروفه، كما أن الأمكنة أيضاً لها اعتبارات في هذا، فقد تتفاوت ظروف الأمكنة كما تتفاوت ظروف الأزمنة، ومن أجل هذا وقع ما وقع من الاختلاف في التطبيق بين عهد الخلفاء الراشدين وعهد النبوة كما ذكرنا عن موقف عمر رضي الله تعالى عنه من بعض القضايا التي كان فيها حكم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم بل نزل فيها حكم في القرآن، ولكن رأى عمر رضي الله عنه عدم الضرورة إلى تطبيق ذلك الحكم في عصره من حيث إن الحكم شرع في القرآن وفي السنة لأجل مراعاة بعض الجوانب التي لا بد من مراعاتها، كحق المؤلفة قلوبهم في الزكاة فإنه أسقط هذا الحق لا إسقاطاً لحكم الله ولكنه رأى أنه لا داعي إليه لأنه شرع من أجل كفاف شر أولئك ومن أجل اجتلاب ما يمكن أن يجتلب من خيرهم وذلك في إبان كون الدولة الإسلامية ضعيفة أما بعدما قوي الإسلام وأصبح يهد عروش الروم والفرس فإنه لم يعد بحاجة إلى تأليف قلوب أولئك المؤلفة بشيء من المال يعطونه.
فهذه الأمور كلها لا بد من اعتبارها. فالعالم الذي هو في بلده ربما اعتبر أن الأحوال تختلف عن الأحوال التي راعاها العلماء الذين نظروا ذلك النظر في المجمع واتفقوا عليه، قد يكون هو أخذ بهذا الرأي لسبب من الأسباب والسبب يختلف. هذه الأمور لا بد من مراعاتها. (1/86)
صفحة 87
فلذلك أنا لا أقول بأنه يلام من أخذ بالرأي الذي قاله العالم بحسب ما رأى من ظروف بلده، ولا يلام أيضاً من أخذ بالرأي الذي ذهب إليه الأكثرون في المجمع لأن هذه المسائل التي يختلف فيها إنما هي مسائل فرعية وليست من المسائل القطعية، والله تعالى أعلم.
السؤال (10)
بعض الناس يتصيدون الرخص ولربما أيضاً نيتهم أخرى فيسألون عالماً من العلماء مسألة من المسائل ويعملون بها حيناً من الزمن ثم يسألون عنها عالماً فيتركون ذلك الحكم ليأخذوا بالحكم الجديد فهل يصح لهم ذلك؟
الجواب:
ما هو الداعي لتكرار السؤال؟ وما هو الباعث على ذلك؟ هل هذا كله من أجل محاولة التماس الرخص؟ ومحاولة الخروج من الدليل الشرعي أي الانفكاك من الدليل الشرعي؟ أو المحاولة هي محاولة استفادة علم ومعرفة، أما إذا كان ذلك العالم أفتى برأي واحد وفي المسألة آراء متعددة وهم يريدون الاستفادة من الآراء المتعددة، أو لأنه وقع في نفوسهم أنه ربما كان ذلك العالم عندما أفتى وهو غير حاضر الذهن فأرادوا التأكد من كونه حاضر الذهن إلى غير ذلك من الأسباب التي هي تعد مشجعة على هذا التصرف أما إذا كان المقصود من هذا أن يتصيدوا الرخص أو المقصود بهذا أن يوقعوا بين أهل العلم شيئاً من الاختلاف وشيئاً من الشقاق فذلك أمر غير جائز وعليهم أن يكفوا عنه والله تعالى يعلم سرائرهم.
السؤال (11)
يحدث خلافاً بين العلماء ونحن لا نسميه خلافاً وإنما نسميه تعدد آراء لكن بعض الذين يأخذون برأي عالم من العلماء عندما يرون الآخرين قد أخذوا برأي عالم آخر يقرعونهم ويدعون أنهم هم الأفضل وعلى ذلك أن يترك الرأي الذي أخذه، ما هي نصيحتكم لهؤلاء؟؟
الجواب: (1/87)
صفحة 88
إن كان الطرف الثاني عول على رأي عالم بلغ رتبة من العلم تمكنه من النظر في الأدلة الشرعية وإعطاء الحكم الشرعي بناء على نظره فليس لهم أن يقرعوه، وليس لهم أن يوبخوه، وليس لهم أن ينالوا منه قط، وإن كان إنما حاول أن يخالف ذلك العالم لهوى في نفسه ورغبة في المخالفة لا غير ذلك هذه مسألة أخرى والله يعلم السرائر.
والمسائل الفرعية يسع فيها الاختلاف، ولا يجوز فيها قطع العذر، ومن قطع عذر أحد فيها قُطع عذره لأنها مسائل فرعية، وكل واحد من العلماء يقول: قولي صواب يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب، هذا هو قول كثير من العلماء حسبما قرأنا عنهم.
السؤال (12)
الذي يتردد أن الاختلاف بين العلماء رحمة، هل هذا الاختلاف في المسائل الفقهية أم أيضاً يشمل المسائل العقائدية؟
الجواب:
الاختلاف في المسائل الفقهية هو اختلاف رحمة، ولئن كانت المسائل العقدية لا تصل إلى القطع بحيث لم يكن هنالك دليل قطعي لقول أحد من الناس وإنما كان يترجح رأي من الآراء عند أحد بسبب ما يراه من القرائن التي تؤيد رأيه فالقضية أيضاً لا تتعدى أن تكون قضية رأي ويجوز فيها الاختلاف. (1/88)
صفحة 89
أما إن كان الأمر بخلاف ذلك بحيث يرد أحد دليلاً قطعياً ثابتاً في كتاب الله تعالى أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم المتواترة وكانت دلالته نصية ولم تكن دلالته ظاهرة فحسب فإن هذا هو الذي يرد، والذي لا يجوز الاختلاف معه، ويكون الاختلاف معه نقمة بدلاً من أن يكون رحمة. وأيضاً حتى في المسائل الفقهية لو رد أحد من الناس حكماً فقهياً منصوصاً عليه في كتاب الله تعالى أو في السنة المتواترة عن النبي صلى الله عليه فإنه لا يعتبر ذلك الاختلاف رحمة. الاختلاف الذي هو رحمة إنما هو الاختلاف في فهم الأدلة إذا كانت هذه الأدلة ليست نصية، ويكون الاختلاف في أيضاً رحمة في ترجيح دليل على دليل إذا كانت هذه الأدلة في نفسها ظنية بحيث كانت ظنية المتن وذلك كالأحاديث الآحادية، والله تعالى أعلم.
السؤال (13)
سؤال يتعلق بالمرأة التي تبلغ مبلغاً من العلم وتأهلت للفتيا إذا ما تصادم قولها مع قول عالم من الرجال، المعروف بأن شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، في هذه الحالة إذا حصل خلاف بين عالم وعالمة برأي من يؤخذ؟
الجواب:
يؤخذ بالرأي الذي يترجح بالدليل، والنساء قد يبلغن في العلم مبلغاً لا يقل عن مبلغ الرجال فأمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن عندما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يختلفون في الكثير من المسائل لا سيما المسائل التي تتعلق بالنساء أو المسائل التي اطلعت أمهات المؤمنين على موقف للرسول صلى الله عليه وسلم فيها فإن الصحابة كانوا يأخذون بعد الاختلاف بما يصلهم من قبل أمهات المؤمنين. (1/89)
صفحة 90
كم من مسألة وقع فيها الاختلاف بين الصحابة، ولما وقع فيها الخلاف رفعوا الأمر إلى أمهات المؤمنين فسألوهن. كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يرجع إلى أمهات المؤمنين في الكثير من المسائل، بل ربما رجع إليهن في أمور حتى الأمور التي لم يكن فيها نص عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام مثال ذلك أنه سأل ابنته حفصة رضي الله تعالى عنها عندما مر بامرأة في الليل وهي تقول:
ألا طال هذا الليل واسود جانبه ***وليس إلى جنبي خليل ألاعبه
إلى آخر الأبيات
و هذا هو أمر شأن هذه المرأة فطلبها وسأل عن شأنها فإذا بزوجها في الغزو وهي بحاجة إلى معاشرته، فسأل السيدة حفصة رضي الله تعالى عنها عما يمكن أن تصبر فيه المرأة عن زوجها من الزمن؟ فقالت له: إنها ينتهي صبرها بمضي أربعة أشهر. فأمر أن لا يبقى غاز في غزوته أكثر من أربعة أشهر إن كانت له امرأة.
كذلك عندما وقع الخلاف بين ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأبي سلمة ابن عبد الرحمن وهو ابن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وهو من التابعين وليس من الصحابة ولكن وقع بينهما خلاف في المعتدة إن كانت حاملاً ووضعت حملها قبل مضي أربعة أشهر وعشر أي إن كانت مميتة فقال ابن عباس: تعتد بأبعد الأجلين، وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: بل بوضعها حملها تنتهي عدتها، فجاء أبو هريرة فعرض عليه الأمر فقال أنا مع ابن أخي أي مع سلمة بن عبد الرحمن فأرسلوا رسولاً إلى أم سلمة رضي الله تعالى عنها فأجابتهم أم سلمة بأن سبيعة الأسلمية وضعت حملها بعد موت زوجها بليال وأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح ما شاءت إذ اعتبر عدتها قد انتهت، هذا مما يدل على أن الصحابة كانوا يرجعون إلى أمهات المؤمنين. (1/90)
صفحة 91
فإن نبغت امرأة وكانت من الفطنة و الذكاء والإدراك والقدرة على الاستنباط والقدرة على فهم الأدلة والترجيح ما بين هذه الأدلة في مكان لم يصله عالم من علماء زمانها من الرجال فلا ريب أن قولها يقدم على قول ذلك العالم.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
23 جمادى الثانية 1423 هـ، الموافق 1/ 9/2002 م
موضوع الحلقة: عام
السؤال (1)
رجل توفي وعنده مال وأثر ماء يتجاوز الثلاثة آلاف وعنده زوجة وأربعة أولاد فهل يجب على أولاده الإنفاق بحجة وعمرة وصيام رمضان وكفارة أم لا؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فمما يؤسف له أن كثيراً من الناس يغادرون هذه الحياة الدنيا وقد أُنسأ في آجالهم ولكنهم مع ذلك لا يتهيئون للقاء الله سبحانه وتعالى، فلا يكتب أحدهم وصية مع أن القرآن الكريم بيّن فرضية الوصية، الوصية للأقربين ذلك لأن الله تبارك وتعالى يقول (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) (البقرة:180)، فهذه الوصية واجبة عندنا بدليل أن الله تبارك وتعالى بيّن أنها مما كُتب أي فُرض، ولا يمكن أن يصرف هذا اللفظ إلى غير معنى الوجوب، كذلك قال بعد ذلك (حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) فمعنى ذلك أن كل من أراد أن يكون من زمرة المتقين فحق عليه أن يوصي بهذه الوصية وهي الوصية للأقربين الذين لا يرثون. (1/91)
صفحة 92
ولماذا أدرج الوالدان هنا في ضمن الذين يوصى لهم مع أن الوالدين لهما حق في الإرث منصوص عليه في كتاب الله في سورة النساء؟؟ كثير من الناس من قال بأن هذه الآية الكريمة نُسخ ما فيها ما دل على الوصية للوالدين بآيات المواريث، ومنهم من قال بأن النسخ إنما هو بحديث (لا وصية لوراث) مع انعقاد الإجماع على مدلول هذا الحديث. ومنهم من قال بالجمع ما بين الحديث والآية.
وذهب بعض العلماء من السلف ورّجحه بعض أشياخنا المتأخرين إلى أن الوالدين المقصودين هنا هما الوالدان الذين لا يرثان وهما الوالدان اللذان لهما عقيدة دينية تخرجهما من ملة الإسلام وذلك بأن يكونا غير مسلمين فلا حق لهما في الإرث، ولكن لهما حق في الوصية بسبب أبوة الأب وأمومة الأم، فإن هذه الوالدية لها حق ولذلك يجب أن يراعى هذا الحق وأن يوصي لهما ولدهما المسلم. وهذا القول هو في الحقيقة من القوة بمكان إذا ما رأينا إلى الدلائل الأخرى وهي عدم جواز أن يوصى للوارث.
وكذلك يجب على الإنسان أن يوصي بما عليه من الحقوق التي يخشى أن لا يتمكن من أدائها في حياته، لأن الإنسان لا يدري متى يفجأه ريب المنون، فإن كانت عليه حقوق لله تبارك وتعالى أو حقوق للبشر فعليه أن يوصي بهذه الحقوق مع أمره بأن يعجّل في أدائها، ولكن الوصية للإحتياط لا لأجل أن يتكل على الوصية ولا يؤدي هذه الحقوق.
أما الوصية للأقربين الذين لا يرثون فهي وصية واجبة ولو بر هؤلاء الأقربين ووصلهم في حياته فإن الله تبارك وتعالى أراد أن تكون هذه الصلة مستمرة بعد مماته فلذلك فرض ما فرض من الوصية لهم. (1/92)
صفحة 93
وإن أوصى أحد بما عليه من الحقوق سواء كانت هذه حقوقاً لله تبارك وتعالى أو كانت حقوقاً للبشر فإن ذلك ينفذ من وصيته، وقد أجمع الكل على أن حقوق العباد تنفذ من أصل المال، واختلفوا في حقوق الله هل هي من أصل المال أو أنه من الثلث، والراجح أنها من أصل المال ولو ذهب كثير من العلماء أنها من الثلث بدليل أن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام قال (فاقضوا فدَين الله أحق بالقضاء)، وكلمة أحق إن لم تدل على أسبقية حقوق الله تبارك وتعالى على حقوق الناس فلا أقل من أن تدل على أن حقوق الله تبارك وتعالى وحقوق الناس جميعاً مشتركة في هذه الأحقية، فلا تكون حقوق الله أقل من حقوق الناس.
واختلفوا فيما إذا كانت عليه حقوق لله تبارك وتعالى ولم يوص بها مع الإجماع أن حقوق البشر - أي ما كان عليه من ديون أو ما كان عليه من تبعات أو ما كان عليه من أي حق من حقوق الناس المفروضة عليه التي هي واجبة عليه - فإن أدائها يكون من المال ولو لم يوص بهذه الحقوق إذا ثبتت الحجة بها.
وأما حقوق الله فقد اختلفوا فيها فذهب أصحابنا وطائفة من علماء المذاهب الأخرى إلى أن هذه الحقوق لا تجب إن لم يوص بها، ومنهم من قال بأنها تجب إن ثبتت لدى الوارث تجب في ماله ولو لم يوص بها، وهذا القول هو أرجح ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلّم (فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء) هو دليل على ذلك.
ومن العلماء من فرّق بين الحقوق الواجبة في الذمة - أي حقوق الله الواجبة في الذمة - وبين حقوقه التي هي واجبة في المال فلم ير وجوب أن تنفذ الحقوق الواجبة في الذمة ورأى وجوب أن تنفذ الحقوق الواجبة في المال، وهذا هو الذي ذهب إليه الإمام نور الدين السالمي رحمه الله تعالى. (1/93)
صفحة 94
وبجانب هذا فإنه مما ينبغي للأولاد أن يبروا أباهم وكذلك أمهم بعد وفاتهما، ومن هذا البر أن يكثروا من الصدقة عنهما، وأن يفعلوا ما يمكن أن ينفعهما عند الله تبارك وتعالى كالحج والعمرة فإن ذلك مما يرجى خيره للوالدين وللأولاد الذين يأتون بهذه الأعمال، أما أن نقول بالوجوب فإنه لا دليل على الوجوب ولكن ذلك من البر ومما ينبغي للإنسان أن يفعله، والله تبارك وتعالى أعلم.
السؤال (2)
ترك أحد أقربائي وصية ليحج عنه أحد أقرباه، ثم رآه أحد أقاربه في المنام يطلب منه أن يحج عنه ويقول له: حج عني. فرد عليه هذا الرجل: لماذا لا تحج أنت عن نفسك؟ فقال: أنا مشغول. فهل هذه الرؤيا تلزم القريب بالحج عن ذلك الرجل الذي رآه في المنام؟
الجواب:
أما الإلزام فلا، لأن الأحكام الشرعية لا تتلقى في المنامات، وإنما تترتب هذه الأحكام على موجباتها، ولكن مع ذلك فإن قول الميت حق لأنه في دار حق، ولذلك ينبغي لهذا القريب أن يحج عنه، وقوله إنني مشغول لا ريب أنه كذلك لأنه بسبب وفاته صار لا يتمكن من أداء الحج، فمما ينبغي أن يحج عنه هذا فلعل في هذه الحجة خيراً للميت وخيراً لمن يحج عنه.
السؤال (3)
أحد الأولاد تزوج في عهد أبيه ولم يكن لديه بيت فأراد أبوه أن يقتطع له قطعة من أرض المزرعة قام فيها بقطع النخل وبنى فيها بيتاً لولده، ولم يستشر في ذلك أبناءه ولم يأخذ رأيهم، الآن بعد وفاة الأب هل يعتبر ذلك الذي أخذه الابن جزءاً من نصيبه من ميراث أبيه، أم له نصيب في كل الميراث؟
الجواب: (1/94)
صفحة 95
الله المستعان، حقيقة الأمر مما يؤسف له أن نرى كثيراً من الناس يتصرفون تصرفات لا ترضي الله تبارك وتعالى فالعدل مطلوب، ومن العدل المطلوب العدل بين الأولاد، فلا ينبغي لأحد بل لا يجوز له أن يؤثر أحد أولاده على غيره، لأن هذا الإيثار مما يؤجج روح الحسد ما بين الأولاد ويجعل العداوة تستحكم في نفوسهم، والحسد يثور في مكامن أحاسيسهم، ذلك لأن الولد عندما يرى والده يؤثر أخاه عليه لا بد من أن ينقدح في نفسه شي من الغيرة بسبب هذا الإيثار، ومن أجل هذا جاءت السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ناهية أِشد عن ذلك فعندما أراد النعمان بن بشير أن يمنح أحد أولاد نحلة - أي عطية - وأراد أن يشهد النبي عليه أفضل الصلاة والسلام على ذلك امتنع النبي صلى الله عليه وسلّم من الشهادة وقال (لا أشهد على جور، أو لا تشهدني على جور. أو لا أشهد إلا على حق، أو أشهد غيري)، وليست كلمة أشهد غيري إقرار لهذا التصرف وإنما ذلك من باب التهديد لأن النبي صلى الله عليه وسلّم ليس من شأنه أن يقبل الجور فلا يمكن أن يشهد عليه، وإنما إن حصل ذلك فذلك يحصل من غيره هذا هو مراده عليه أفضل الصلاة والسلام من بقوله ذلك. (1/95)
صفحة 96
والعلماء اختلفوا فيما إذا فعل الإنسان ذلك هل يُرد فعله هذا أولا يُرد؟ فجمهور أهل العلم قالوا بأن ذلك يعتبر ماضياً ولا يُرد، ومنهم من قال بأنه يُرد، وهذا القول يتبين لي رجحانه ذلك لأن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام يقول (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وهذا قد عمل عملاً ليس عليه أمر الرسول صلى الله عليه وسلّم، وأمر الرسول صلوات الله وسلامه عليه إنما هو من أمر الله تبارك وتعالى فما كان لمؤمن أن يخالف أمر الله أو أمر رسوله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (الأحزاب:36) فيجب رد الباطل إلى الحق، فلذلك أنا أجنح إلى القول بأن ذلك يرد والعطية لا تمضي هذا الذي أراه.
ومهما كان قضية الإرث قضية ثانية وإنما قضية العطية هي يحكم فيها إن لم يصطلح الأطراف فيها على وجه معين، وإنما أنصح هذا الابن بأن يحترز لنفسه وأن يرد هذه العطية لتكون من ضمن الميراث، وأن لا يحمل أباه تبعة هذا الأمر، وأن لا يحمل نفسه لأنه يعلم أن أباه أقدم على ذلك بغير وجه حق، والله تعالى أعلم.
السؤال (4)
ذكرتم بأنكم تميلون إلى القول الذي يقتضي من الابن أن يرد العطية التي أعطاها إياها أبوه، في هذه الحالة الرجل بنى بيتاً في تلك الأرض، هل يقيّم البيت أم ماذا؟
الجواب:
نعم في هذه الحالة إن كان من الصعب أن يقتسم البيت فإنه يقوّم، وإن كان الابن هو مضطراً إلى البيت فهو أولى به مع دفعه القيمة، والله تعالى أعلم.
السؤال (5)
إذا سامح أخوته؟
الجواب:
من رضي أن ينزل عن حق من حقوقه فذلك خير له، بل لو نزل أحد الورّاث عن كل ما يملك من حق لما كان في ذلك حرج على أحد.
السؤال (6)
الابن إذا اشترى قطعة أرض من أبيه في حياته فهل هذا يصدق عليه مسألة العطية، أم أن الشراء يختلف؟ (1/96)
صفحة 97
الجواب:
بما أنه اشترى فالشراء معاوضة، ولما كان ذلك بمعاوضة فلا يدخل ذلك في الإيثار.
السؤال (7)
صليت صلاة الجمعة ثم بعد الصلاة تذكرت أنني لم أتوضأ، فماذا أفعل؟
الجواب:
لا صلاة إلا بوضوء، لأن الوضوء شرط من شروط صحة الصلاة، ولما كانت الصلاة مشروطة بالوضوء فإن الشرط كما عرّفه العلماء هو ما يترتب على عدمه العدم ولا يترتب على وجوده الوجود ولا العدم لذاته، فلذلك تكون الصلاة غير صحيحة، وبما أن صلاة الجمعة لا يمكن أن يصليها الإنسان بمفرده ففي هذه الحالة على من فاتته صلاة الجمعة أن يصلي ظهراً أربع ركعات إلا إن كان في سفر فإنه يصلي ركعتين، والله تعالى أعلم.
السؤال (8)
يقول النبي صلى الله عليه وسلّم: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنحكوه - وقيل دينه وأمانته - إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير. ما هو حكم أولياء الأمور الذين يحرصون على تزويج بناتهم بأشخاص ذوي مناصب عالية أو مكانة اجتماعية ولا يبالون بهذا الحديث؟
الجواب:
أولاً قبل كل شيء يقدّم ما دل عليه الحديث على كل اعتبار آخر، ثم بجانب ذلك لا بد من أن يكون أيضاً الأمر راجعاً إلى مولية الرجل، فليس للرجل أن يزوج موليته لأي شخص بحسب هواه بنفسه، وإنما عليه أن يستشيرها، وأن يقبل رأيها فإنها هي التي تتزوج وهي التي تقترن، وهي ذات نفس ذات مشاعر وأحاسيس، وقد تحب وقد تكره وقد تود وقد تبغض كما هو شأن الرجل، فلذلك لا يمكن أن تكره بالزواج من شخص لا توده، أو يضيق صدرها منه، أو تحس بأن العيش معه عيش نكد، من الصعب أن يزوج الإنسان موليته لشخص لا ترضى به، إنما عليه أن يلحقها بهواها لأن ذلك مما يجعل الألفة بينهما ألفة مظنونة الوقوع بخلاف ما إذا أرغمها أن تقترن بشخص هي لا توده ولا تريد الاقتران به، فكيف ذلك وهذه ليست دابة تباع لأي شخص يريد أن يبيعها له صاحبها، إنما هذه نفس تحمل مشاعر وتحمل أحاسيس فعليه أن يتقي الله تبارك وتعالى في ذلك. (1/97)
صفحة 98
السؤال (9)
إذا نام شخص عن صلاة الفجر وصحا بعد طلوع الشمس فهل يصح له أن يصلي صلاة الفجر في تلك اللحظة؟
الجواب:
نعم، بل عليه أن يصلي في ذلك الوقت فإن في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا تذكرها. فمن نام عن صلاة فاستيقظ وقد فات وقتها، لا معنى لما يفعله الكثير من الجهلة الذين لا يعرفون شيئاً من أمر الدين ويتصورن أنهم على معرفة به لأن جهلهم جهل مركب كما يقول الشاعر:
ومن عجب الأيام أنك لا تدري ***وأنك لا تدري بأن لا تدري
أولئك يؤخرون الصلاة إلى مثل وقت وجوبها من الغد وليس ذلك بصحيح إنما النبي صلى الله عليه وسلّم أمر أن تصلى الصلاة في وقت تذكرها إن كان قد نسيها، وفي وقت اليقظة إن كان قد استيقظ، وهو عليه أفضل الصلاة والسلام فعل ذلك، فإنه صلى الله عليه وسلّم كان في سفر ونام، ونام أصحابه واستمروا في النوم إلى ما بعد طلوع الشمس، واستيقظ عمر رضي الله عنه وكبّر فيهم، واستيقظ النبي صلى الله عليه وسلّم وأصحابه، وفي ذلك الوقت قاموا لتأدية الصلاة لأن ذلك هو وقت الوجوب.
هذا، ومن الخطأ ما يظنه الكثير من الجهلة من أن الصلاة الفائتة لا تقضى إلا في مثل وقتها فإن النبي صلى الله عليه وسلّم قضى صلاة الظهر وصلاة العصر وصلاة المغرب في وقت العشاء، وهذا يعني أن جميع الأوقات هي مإنة لقضاء الصلوات الفائتة إلا الأوقات التي تحرم فيها الصلاة، وهي وقت طلوع الشمس إلى أن تستكمل طلوعها، ووقت غروبها إلى أن تستكمل غروبها، ووقت استوائها في كبد السماء في الحر الشديد إلى أن تزول، والله تعالى أعلم.
السؤال (10)
رجل توفي منذ ثمانية أشهر وعلم أبناؤه أن عليه دين خمسة عشر يوماً من رمضان، فكيف يكون القضاء، وهل يمكن أن يقسم على أبنائه؟
الجواب: (1/98)
صفحة 99
اختلف العلماء في صوم الحي عن الميت، هل يصوم الحي عن الميت أو لا يصوم عنه؟ ذلك لأن الصيام عبادة بدنية خالصة كالصلاة، فمنهم من قال بأنه لا يصوم أحد عن أحد كما لا يصلي أحد عن أحد، ولكن جاء في حديث الشيخين من رواية أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلوات الله وسلامه عليه قال: من مات وعليه صيام صام عنه وليه.
وعلى هذا فإنه لا حظ مع الأثر. ولا يعوّل على القياس مع وجود الخبر عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام لأن القياس إنما هو في غير مورد النص، ومع ورود النص فلا يعّول على القياس، ولكن بعض العلماء حملوا هذا على صيام النذر دون غيره.
ومهما يكن فإنه أولاً قبل كل شيء فإن كان الحكم ورد في النذر فذلك من باب ذكر حكم العام بفرد من أفراد العموم وذلك لا يخصص العموم، ولو كان ذلك يخصص العموم لاقتضى أن تخصص عمومات كثيرة بمخصصات من هذا النوع، ومن ناحية أخرى فإنه ما الذي يفّرق بين صيام النذر وغيره؟ لأنا لو أعملنا القياس فالقياس يقتضي أن يلحق صيام غير النذر بصيام النذر، فلذلك أرى أن يصوم أحد أولياءه عنه، وإن وزّع ذلك الورثة فيما بينهم فإن ذلك يكون بقدر الميراث، ولا يكون في وقت واحد وإنما يصوم هذا مع فطر هذا، إذ لا يجوز أن يصوم اثنان عنه في وقت واحد.
هذا وإن أرادوا الإطعام فلا مانع من ذلك فليطعموا عن كل يوم مسكينا، والله تعالى أعلم.
السؤال (11)
رجل أكل عمداً في نهار رمضان ستة أيام فكيف تكون الكفارة وكيف يكون القضاء؟
الجواب:
عليه أن يقضي هذه الأيام الستة، وإن كان من العلماء من يقول بأنه بطل صيام شهره جميعاً، وهؤلاء اختلفوا منهم من قال يقضي الشهر كله، ومنهم من قال يقضي الأيام السابقة على هذا الإفطار. (1/99)
صفحة 100
طار لشهر واحد فيرخص له أن يكفّر كفّارة واحدة عن جميع الأيام التي أفطرها عمداً بذلك الشهر، ومنهم من يترخص رخصة بالغة وهذه الرخصة لا ينبغي أن تبذل إلا للتائبين تيسيراً لهم لأن الله تبارك وتعالى يحب التيسير على عباده وهي أن يكون الكفارة كفارة واحدة، هذه رخصة تبذل لمن كان تائباً لا لمن كان مصراً، وإن أخذ أحد بذلك نرى أنه أخذ بوجه حق مع توبته إلى الله تبارك وتعالى وإقلاعه وندمه، والله تعالى أعلم.
السؤال (12)
إذا كان الرجل قادراً على الحج ولكنه لمشاغل الحياة لم يحج ومات على ذلك، فهل يسقط عنه العذاب إذا حج عنه أولياؤه؟
الجواب:
نسأل الله تبارك وتعالى اللطف، حقيقة الأمر قضية العذاب هذه مردّها إلى الله تبارك وتعالى، لأن الله هو العليم بسريرته عندما مات هل كان مصراً على عدم المبالاة بالحج أو أنه كان تائباً إلى الله تعالى، نادماً على تأخيره الحج، راغباً أن لو استقبل من أمره ما استدبر، فلذلك ينبغي أن نكل هذا الأمر إلى الله تبارك وتعالى وحده.
بالنسبة إلى الأولاد فإنهم يؤمرون بأن يحجوا عنه وذلك من برهم بأبيهم وإحسانهم إليه كما دلت على ذلك الروايات عن الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام ومنها حديث الخثعمية ومنها حديث التي ماتت وقد نذرت أن تحج والمرأة التي ماتت ونذرت أن تصوم فأمر النبي صلى الله عليه وسلّم بقضاء الصوم والحج، وهكذا ينبغي للأولاد أن يحجوا عنه وأن لا يترددوا في ذلك.
السؤال (13)
امرأة أسلمت في دولة مسلمة وليس لديها محرم وترغب في الحج، فهل يصح لها أن تحج بغير محرم، أو هل هناك طريقة أخرى؟
الجواب: (1/100)
صفحة 101
الطريق الآخر إن كانت تحج حجة الفريضة أن تذهب في رفقة جماعة المسلمين المصاحبين لنسائهم وهم ثقات أمناء، فإن أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن حججن مع أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه، وقد استدل العلماء بهذا على جواز حج المرأة في برفقة جماعة المسلمين الموثوق بها، ولا بد من أن يكونوا مصاحبين لنسائهم ففي ذلك حل لمشكلتها إن شاء الله.
السؤال (14)
هل يجب الغسل إذا عاشر الرجل زوجته ولم ينزل شيئاً، وإذا كان يجب الغسل فما هي الكفارة لمن كان لا يغتسل؟
الجواب:
وجوب الغسل هو القول الذي استقر عليه العمل عند الأمة عملاً بحديث الرسول عليه وعلى آله وصحبه اَفضل الصلاة والسلام عندما قال: إذا التقى الختانان فالغسل واجب، وفي رواية: إذا التقى الختانان وجب الغسل أنزل الرجل أو لم ينزل. سواء كان هنالك إنزال أو لم يكن هنالك إنزال فإن التقاء الختانين موجب للغسل.
أما حديث) الماء من الماء) فإنه حديث منسوخ بدليل حديث رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه الذي ناداه النبي صلى الله عليه وسلّم وكان يعاشر أهله فقام عن أهله وأتى النبي صلى الله عليه وسلّم بعدما اغتسل فقال له: لعلنا أعجلناك. فقال له: نعم. فقال له: إذا أعجلت أو قحطت فيكيفك الوضوء. ثم إن رافعاً قال إن هذه كانت رخصة أول الأمر ثم بعد ذلك فرض النبي صلى الله عليه وسلّم الغسل من المباشرة نفسها ولو لم يقع إنزال. فلذلك استقر عمل الأمة على أن الغسل واجب أنزل الرجل أو لم ينزل.
وعلى هذا الشخص الذي كان لا يغتسل وهو يباشر أهله بحيث تغيب الحشفة في فرج المرأة على هذا الرجل أن يتوب إلى الله تعالى، وأن يقضي الفروض التي أداها على هذا النحو وهي لا تصح إلا مع الغسل من الجنابة الفروض المشروطة بالغسل من الجنابة، والله تبارك وتعالى أعلم.
السؤال (15)
ما حكم إزالة بعض الشعيرات المتفرقة من المنطقة التي توجد بين العين والحاجب؟
الجواب: (1/101)
صفحة 102
هذا الشعر إما أن يكون موصولاً بشعر الحاجبين أو لا، فإن كان موصولاً بشعر الحاجبين فلا يجوز إزالته لأنه من الحاجبين وهو من ترقيق الحاجبين وذلك محرم لأن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: لعن الله النامصة والمتنمصة. ذلك وعيد شديد لأن اللعن لا يكون إلا على كبيرة من الكبائر، والله تعالى المستعان.
وإن كان غير موصول بشعر الحاجبين فذلك شعر آخر ولا يعتبر من ترقيق شعر الحاجبين فلا مانع من إزالته، والله تعالى أعلم.
السؤال (16)
ما حكم النوم على البطن، لأنه يروى حديث ينهى عن النوم على البطن لكونها نومة الشيطان؟
الجواب:
جاء في بعض الروايات النهي عن نوم الرجل على بطنه، وأنا لست على خبرة بمقدار صحة هذا الحديث ومعرفته فذلك أمر راجع إلى أهل الحديث، وكذلك جاءت رواية وأحسبها موقوفة على عمر رضي الله تعالى عنه عن أن تنام المرأة مستلقية في هيئة من تنتظر المباشرة من الرجل ذلك لئلا يكون في ذلك تذكير للمرأة بالمباشرة وإثارة للشهوات. هذا من باب الأدب حتى يكون الإنسان قادراً على السيطرة على غرائزه لا يثير الغرائز ولا يهيجها. هذا الذي يتبين لي، والله تعالى أعلم.
السؤال (17)
ما حكم سفر البنت للدراسة في الدول الأخرى؟
الجواب:
إن كانت تسافر مع محرم، وتسافر لتستقر في مكان مصون، والمكان الذي تدرس فيه أيضاً هو مكان مصون بحيث يؤمن عليها كل فساد، تسافر مع محرم وتعود مع محرم وتكون في يد أمينة بحيث تكون مصونة من كل سوء فلا حرج.
أما أن يلقى بها إلى حيث المخاطر فإن ذلك مما يعد إهمالاً للواجب وتضييعاً للأمانة وذلك هو عكس ما يدل قول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) (التحريم: من الآية6) (1/102)
صفحة 103
وأنا أريد أن أذكّر أولياء الأمور بأن يتقوا الله تعالى في بناتهم، فإن الفتاة التي في مرحلة المراهقة والبلوغ كثيراً ما تكون عرضة لأولئك الذين يريدون بها السوء، وهي إن أهملت وتركت وشأنها كانت في ذلك خطورة بالغة.
والناس في أيام جاهليتهم من غير يؤمنوا بالله، ومن غير أن يؤمنوا باليوم الآخر كانوا يحافظون على الشرف والعرض، ويرون العرض أغلى من كل شيء، فكيف والإسلام هو الذي شدّد في هذا الأمر، ويقترن بالمحافظة على العرض الخوف والرجاء، الخوف من عقاب الله تبارك وتعالى، فمن الواجب على الإنسان أن يحافظ على عرضه، وأن يحافظ على كرامته، وأن لا يفرط في ثمرات فؤاده وفي أفلاذ كبده، فإن في ذلك خطورة بالغة، فليتق الله أولياء الأمور، والله تعالى المستعان.
السؤال (18)
امرأة استعارت كراساً من عند زميلتها، ولكن بعد ذلك ذهبت عنها تلك الزميلة، وتقطن في مكان بعيد ولا سبيل لها للوصول إليها، تريد الآن إرجاع الأمانة فماذا تفعل؟
الجواب:
عليها أن تحافظ على هذه الأمانة، وأن تبحث عن صاحبة الأمانة بقدر المستطاع، وأن توصي بردها إليها إن خشيت الوفاة، وإن أيست نهائياً بحيث يتعذر أن تُرد هذه الأمانة إلى صاحبتها أو إلى ورثة إن كانت توفيت سواء في حياتها هي أو بعد مماتها، إن تعذر كل ذلك فذلك مال مجهول ربه، وكل مال جهل ربه ففقراء المسلمين أولى به، والله تعالى أعلم.
السؤال (19)
امرأة حفظت خمسة عشر حزباً من القرآن الكريم ولانشغالها لم تستطع مراجعتها فنسيت الكثير منها أو نسيتها، فهل تؤثم؟
الجواب:
النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: من تعلم القرآن ثم نسيه حشر يوم القيامة أجذم. والعلماء اختلفوا في النسيان، فجمهورهم على أن النسيان هو نسيان التلاوة لأن هذا هو الظاهر وهذا هو المتبادر، ولا يصار إلى غيره إلا مع قرينة. (1/103)
صفحة 104
ومنهم من حمل النسيان على معنى نسيان العمل بحيث ترك القرآن، ولكن مع هذا، أي مع القول بالتشديد فإنهم قالوا إن كان هذا بسبب مرض أدى إلى هذا النسيان فلا حرج، وبعضهم ترخص مادام يفرق الإنسان ما بين القرآن وغيره من الكلام بحيث لا يلتبس عليه غير القرآن بالقرآن.
ومهما يكن فإننا نوصيها بأن تحافظ على ما حفظته وأن تحرص على استعادة ما نسيته، وأن تحافظ على مدارسة القرآن لئلا يتفلت منها ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم (مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت)، والله أعلم.
السؤال (20)
ما قولكم في رجل يفضل زوجته على والدته ويسخط إذا قالت كلمة لزوجته، ويؤدي ذلك إلى خصام بين والدته وبين زوجته؟
الجواب:
الوالدة هي أعظم حقاًُ، وأولى بأن تبر وأن تقدم وأن تراعى وأن يحافظ على حقها، فإن أعظم حق على الرجل إنما هو حق أمه، عليه أن يتقي الله تبارك وتعالى في هذا الحق وأن يحافظ عليه.
وللزوجة أيضاً حق، ومن حقها أيضاً ألا تكون عرضة لأن تمتهنها الأم وأن تؤذيها وأن تجرح مشاعرها، فلكل واحدة منهما حق، فليس له أن يسخط أمه لإرضاء زوجته من غير أن تكون هذه الأم ارتكبت شيئاً من الإيذاء، شيئاً مما يخل بالحقوق الواجبة للزوجة، وفي نفس الوقت أيضاً عليه أن يرشد أمه بالنصح وبالكلمة الهادئة الهادفة إن وجدها قد حافت على الزوجة أو قالت لها كلاماً جارحاً أو نحو ذلك عليه أن يستعمل الأسلوب الحسن وأن يتقي الله تبارك وتعالى في كل واحدة منهما.
السؤال (21)
عن قول الله عز وجل (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً) (الجن: من الآية23)؟
الجواب: (1/104)
صفحة 105
الآية ظاهرة، معصية الله تبارك وتعالى مخالفة أمره، ومعصية الرسول صلى الله عليه وسلم هي مخالفة أمره، فالله تعالى وعد الطائعين جنة عرضها السماوات والأٍرض وتوعد بالنار، فعلى الإنسان أن يتقي الله وأن لا يمني نفسه الأماني إذ الله تبارك وتعالى يقول (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً) (النساء:123 (
والله سبحانه يقول (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (النمل:89 - 90 (
يقول (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (القصص:84 (
ويقول (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (الأنعام:160 (
ويقول تبارك وتعالى رداً على مقولة اليهود (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة:81)، فليتق الله كل أحد في نفسه ولا يغتر بالأماني.
السؤال (22)
طلقت زوجتي عن طريق الهاتف بعد مرور عام ونصف من الزواج ومن أهم أسباب الطلاق أنها كانت تدعي أنها كثيرة الخوف من المعاشرة طوال سنة ونصف وحاولت علاجها ولكن فشلت. هل الطلاق بالهاتف جائز، وهل يحق له استرجاع المهر علماً أنه لم يدخل عليها أو لم يدخل بها؟
الجواب:
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ما أكثر جهل الناس وتجاهلهم، ما أكثر وقوعهم في الأخطاء، ليتهم يسألون قبل أن يقعوا في الخطأ فن شفاء العي السؤال (1/105)
صفحة 106
إذا أنت لم تدر ولم تك بالذي ***يسآل من يدري فكيف إذاً تدري
ما الداعي إلى أن يطلقها ثلاثاً؟، ما الداعي إلى ذلك؟ إنما هذه حماقة يرتكبها الناس من دون مبالاة بما يترتب عليها من عواقب الوخيمة، على أن الطلاق شرع بطريقة معينة والخروج عن هذه الطريقة مخالفة صريحة لهدي كتاب الله وسنة نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام.
هذا وقضية الجواز وعدم الجواز هذه قضية ثانية، كان ينبغي له أن يسأل هل وقع الطلاق أو لا يقع؟.
الطلاق وقع بل ولو لم يخاطبها مباشرة ولو يكن بالهاتف، بل ولو قال في غيبتها بأنها طالق فإنها تطلق بذلك، ثم من المعلوم أن المرأة لها الصداق، الصداق حق من حقوقها ولا يجوز لأحد أن يرزأها فيما أعطاها من الصداق، فإن الصداق أمر فرضه الله تبارك وتعالى للمرأة وقد قال عز وجل (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَاخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً * وَكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً) (النساء:20 - 21 (
فما يفعله كثير من الناس من مضايقة نسائهم حتى يضطروهن إلى الإفتداء ذلك لا يجوز شرعاً وإنما يأكلون سحتاً. (1/106)
صفحة 107
ثم مع هذا أيضاً المرأة إن كانت هي صارت متضايقة من دون تقصير منه ولا تستطيع معاشرته فإنها هذه المرأة يباح لها أن تفتدي إن لم يرض هو بأن يسرحها بدون فدية، وإنما تفتدي بما دفع إليها لا بأكثر منه، تدفع ما دفع إليها لا أكثر من ذلك لحديث (وأما الزيادة فلا) فإنها لا تزيده على ما دفع ما يفعله الكثير من الناس الذين بحيث يأخذون من نسائهم أكثر مما دفعوا إليهن وذلك عندما تخشى المرأة ألا تقوم بالحقوق الزوجية، ويخشى هو أيضاً ألا يعاملها معاملة حسنة بسبب تقصيرها فإن الله تبارك وتعالى يقول (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَاخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) (البقرة: من الآية229)، هكذا يكون الأمر فيما بين الزوجين إن وقع بينهما شجار أو خلاف، أما أن يطلقها ثم بعد ذلك يعود ليطالبها بالصداق فلا. (1/107)
صفحة 108
والصداق يجب للمرأة، وإنما إن طلقها ولم يباشرها وقد سمّى لها صداقاً أي اتفقا على صداق، فلها نصف ما سمّى لها سواء ما دفعه إليها أو لم يدفعه إليها، وسواء ما يسمى بالعاجل أو ما يسمى بالآجل لها نصف ذلك وترد إليه النصف الباقي، إلا إن عفا فأتم أو عفت فأسقطته، أي إن عفت فأسقطت الجميع فذلك إليها ويحل له في هذه الحالة أن يأخذ ما أسقطته، وإن عفا فأتم فذلك خير فالله تبارك وتعالى يقول (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة:237)، فلها إذن نصف الصداق إلا أن عفت فأسقطته أو عفا هو فأتم فدفع إليها النصف الباقي ودفع إليها صداقاً وذلك خير لأن الله تبارك وتعالى يقول (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (.
وإن اختلفا بحيث ادّعى هو أنه لم يباشرها، وادّعت هي أنه باشرها فإن كان قبل الدخول وقبل أن يرخي عليها حجاباً فالقول قوله، وبعد كان أن أرخى عليها حجاباً فالقول قولها، والله تعالى أعلم.
السؤال (23)
شخص ذهب إلى مكان فصلى صلاة السفر ثم تبين له أن المسافة التي قطعها لم تتجاوز المدة المحددة للسفر وهي 12 كلم؟
الجواب:
إن كانت المسافة دون مسافة القصر عليه أن يعيد الصلاة تماماً وإلا فقد صلى والله تعالى يتقبل منه.
السؤال (24)
أجهل كل الجهل للأمور الفقهية الأساسية وفق المذهب الإباضي هل يمكن أن تدلوني على بعض عناوين الكتب التي استفيد منها في هذا المجال؟
الجواب: (1/108)
صفحة 109
نعم، نوصيك بأن تقرا كتاب الوضع للشيخ أبي زكريا يحيى الجناوني، وأن تقرأ كتاب القواعد للشيخ إسماعيل بن طاهر، وأن تقرأ كتاب الإيضاح للشيخ عامر الشماخي، وأن تقرأ جامع أبي الحسن البسيوي العماني، وأن تقرأ كتاب مختصر الخصال للإمام أبي إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي، وأن تقرأ مدارج الكمال، أو مختصر الخصال للإمام نور الدين السالمي، وأن تقرا معارج الآمال، ومثل هذه الكتب فهي كتب مفيدة إن شاء الله.
السؤال (25)
ما قولكم في المرأة التي تذهب للكوافير لتصفيف شعرها لزوجها، وما قولكم في من يقول أن من يدخل هذا المكان كفر؟
الجواب:
نسأل الله تبارك وتعالى العافية، دخول المرأة الكوافير التي قد يكون فيها رجل وقد تكون فيها النساء غير مسلمات وقد تكون فيها الفاسقات من النساء المسلمات هو مكان فيه ريبة، والكفر هنا ليس كفر شرك وإنما هو كفر نعمة.
السؤال (26)
جدة أرضعت أبناء أبناءها وأبناء بناتها فما حكم التزاوج فيما بينهم وكذلك الإرث؟
الجواب:
الرضاع لا يترتب عليه الإرث من لم يكن وارثاُ بسبب أو نسب، أي لا يترتب على الرضاع أن يرث الراضع، أو أن يرث أي أحد بسبب علاقة الرضاع بين الوارث والموروث.
أما الحرمة فنعم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. فإن كانت الجدة أرضعت أولاد بنيها وأولادها بناتها فأولئك الذي رضعوا يحرم عليهم أن يتزاوجوا، ويحرم الزواج بينهم وبين أولاد عماتهم وبين أولاد خالهم ما بين الطرفين، كل من رضع منها يحرم عليها، إن كان الراضع من أولاد أبناءها فيحرم عليه أن يتزوج أي واحدة من بانت أعمامه أو من بنات عماته، وإن كان الراضع من أولاد بناتها فيحرم عليه أن يتزوج أي واحدة من بنات أخواله أو بنات خالاته الكل حرام، والله أعلم.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
1 رجب 1423هـ، 8/ 9/ 2002م
الموضوع: عام
السؤال: (1/109)
صفحة 110
امرأة كان لها زوج شديد وقاس وكان يعمل الأعمال السحرية ليضر بها الناس وكان يجبرها أن تدفن تلك الأعمال السحرية في أماكن معينة ثم تشاهد بنفسها المقصودين بالسحر يتضررون وهي الآن مطلقة وتائبة ولكنها تسأل عما يمكن أن تُكفّر به عن ذلك السحر؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلّم على سيدنا ونبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإن الله تبارك وتعالى لم يترك الناس سدى، ولم يخلقهم هملا، بل كل إنسان محاسب على ما قدّم وأخّر مسئول عن فعله (أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) (القيامة:36 - 40).
بلى، وإنه سبحانه سوف يحاسب كل أحد بعد إحيائه على ما قدّم وأخّر في هذه الحياة الدنيا، لهذا كانت طاعة من تحق له طاعة من البشر مؤطرة في حدود طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلّم، فما كان لأحد أن يطيع أحداً من الناس أياً كان زوجاً أو والداً أو أي أحد له شأن وقدر ورفعة في معصية الله سبحانه وتعالى فإن معصية الله سبحانه وتعالى أمر عظيم، من شأن المؤمن أن لا يتردد في طاعة الله وفي طاعة رسوله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (الأحزاب:36) لأنه اجترأ على الله ذي الشأن العظيم والذي له الحق في أن ينقاد له كل أحد من أعماق نفسه. (1/110)
صفحة 111
هذا والسحر هو أكبر الكبائر لأنه من ضمن الإشراك بالله، والشرك بالله هو أكبر الكبائر فإن السحر يتضمن الإشراك بالله تبارك وتعالى، إذ فيه طاعة للشيطان وتجاوب مع عمله وانقياد له وإيثار لطاعته على طاعة الله، وكفر بما أنزل الله سبحانه وتعالى، لذلك كان السحر معدوداً من جملة الإشراك، ولذلك جاء في الحديث عن النبي عليه وعلى وصحبه أفضل الصلاة والسلام (اقتلوا الساحر والساحرة)، فالساحر والساحرة حكمهما أن يقتلا بسبب ردتهما عن الإسلام.
على أن السحر مهما كان إنما يضر من كتب الله تعالى عليه التضرر به فالله سبحانه وتعالى يقول (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ) (البقرة: من الآية102)، ولكن مع ذلك هو من أعظم الكفر، ولذلك تجد التصريح بما يدل على أن السحر داخل في ضمن الكفر في قوله الله تعالى (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) (البقرة: من الآية102)، ومعنى ذلك أن من تعلم السحر فهو كافر، أو من سعى وراء ضلالة السحر فهو كافر.
فما كان لهذه المرأة أن تطيع زوجها فيما يأمرها به من الكفر ومخالفة الحق، وعليها مع التوبة إلى الله سبحانه وتعالى أن تتخلص إلى أولئك الذين تضرروا وذلك بأن تضمن لهم ما لحقهم في أنفسهم أو في أموالهم، أي أن تضمن أي تضرر أصابهم إلا أن ينزلوا عن حقهم ويعفوا عنه فإن ذلك أمر سائغ، والله تعالى أعلم.
السؤال:
قضية تلبس الجن الإنس هل هي حقيقة أم هي أمور نفسية؟
الجواب: (1/111)
صفحة 112
حقيقة الأمر هذه قضية بحثها العلماء ووقفوا منها موقفين، منهم من قال بدخول الجن في جسم الإنس لأن أجسامهم أجسام لطيفة أي هم أقرب إلى الروحانية فلذلك يتمكنون من الدخول، ومنهم من قال بعدم دخولهم لأنهم ولو كانت أجسامهم لطيفة إلا أنهم أجسام فلا يتلبس جسم بجسم، ولكن مع هذا هنالك تأثير من حيث الإيحاء فقد يتكلم الإنسان كلاماً يوحيه إليه الجني الذي تلبس به بطاقته الروحانية لا بدخوله في جسمه حسب ما يبدو، وإنما يؤثر عليه تأثيراً حتى يتحدث مما يتحدث به.
وهذه القضية قضية لا ننكر وقوعها إلا أن ذلك قد رُوّج له ترويجاً عجيباً عند الناس، وهذا الذي جعل الناس يتأثرون تأثراً نفسياً عجيباً، وتترادف عليهم الأمراض النفسية، وتكثر عندهم الأوهام، وتشيع عندهم الخيالات حتى يتحدث الإنسان بأنه رأى كذا ورأى كذا وأنه يحس بكذا في حالة نومه أو في حالة انفراده أو في غير ذلك من أنواع الحالات، هذا إنما هو في الغالب ناشئ عن حالات نفسية، وقد كان الواجب أن تكافح هذه الأمور نفسياً بحيث يُعوّد الناس على التصلب.
وصل الأمر بالناس أن أحداً إذا أحس حشرجة في حلقه قال هذا من أثر الجن، أو أوجعته أذنه قال هذا من الجن، أو وجع رأسه قال هذا من الجن، أو أصابه أي شيء قال هذا من الجن، كأنما الإنسان ليس عرضة للبلاء مع أن أي أحد عرضة للبلاء.
فمثل هذه الإشاعات أوحت إلى الناس إيحاءات غريبة، وأثّرت عليهم تأثيراً نفسياً فلذلك من الواجب أن يكافح هذا، ومع هذا يؤمر كل أحد أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، عندما شكا عبدالله بن عمرو بن العاص إلى النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أنه عندما ينام يرى أهوالاً علّمه النبي صلى الله عليه وسلّم أن يقول (أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعذابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون). (1/112)
صفحة 113
فالمسلم يؤمر أن يتقي الله في جميع أحواله، أن يتقي الله عندما ينام، وأن ينام على طهارة، وأن يتقي الله عندما يستيقظ، وأن يستيقظ على نية خالصة ترضي الله وتعالى، وأن يذكر الله قبل نومه، وأن يذكر الله عند يقظته، وأن يذكر الله تعالى في جميع أحواله، استجابة المسلم لذكر الله تبارك وتعالى في أحواله المختلفة سبب لوقايته من هذه الشرور ومن الأوهام ومن هذه الخيالات، فليكثر الناس من ذكر الله تبارك وتعالى لتطمئن قلوبهم فإن الله تعالى يقول (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: من الآية28)، والله تعالى الموفق.
السؤال:
من خلال تفحصنا للواقع نجد أن مشكلة أيضاً وقعت في هذا مثل الموضوع فقد تنشز زوجة أحدهم عليه فيبقى حائراً هل ذلك النشوز هو بسبب السحر أم بسبب أنها لا تحبه أو لا ترغب فيه فيرتبك ولا يدري كيف يتصرف، فهل هنالك علامات معينة تدل على أن الزوجة إنما تأثرت بفعل السحر؟
الجواب:
نحن لا ننكر أن يكون هنالك سعي من بعض السحرة والدجالين للتفريق بين المرء وزوجه كما قال الله تعالى (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) (البقرة: من الآية102)، ولكن مع هذا لا يقع إلا بقدر من الله (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ) (البقرة: من الآية102)، الضرر إنما يقع إذا كتبه الله تبارك وتعالى وإلا فالأصل أن لا يؤثر سحر الساحر حتى يكون ذلك أمراً مقدراً من قبل الله سبحانه. (1/113)
صفحة 114
وكثير من الناس ربما يتوهمون أن ما يقع بينهم من خصومات وما يقع بينهم من خلاف إنما هو بسبب سحر الساحرين، ولا يلزم أن يكون ذلك صحيحاً، هذا لعله من النادر أن يكون ذلك بسحر السحرة فإن كره المرأة لزوجها، وكذلك كراهة الرجل أحياناً لامرأته قد يحصل بدون أن يكون هنالك سحر هذا مما وقع، والخلاف ما بين الزوجين يقع حتى في أطهر البيوت في بيت النبوة، النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام كان أحياناً يقع خلاف بينه وبين أهله حتى أنه خيّر نساءه لمدة شهر وما ذلك إلا بسبب ما يقع من خلاف فيما بينهم فلا يُعد هذا أمراً خارجاً عن الطبيعة وخارجاً عن المألوف.
السؤال:
أنا سيدة متزوجة وموظفة ومن نغّص عليّ عيشي وقلب حياتي جحيماً وأحال شمسي ظلاماً و أبدل سروري تعاسة هو للأسف الشديد والدي سامحه الله فقد اشترط عليّ تسليمه راتبي كاملاً، وكذلك التحكم في كل مصروفاتي فهذا اقتنيه وذلك لا أشتريه ولا يسمح لي إلا بما يريد، ولله الحمد لا أخالف الدين في ما أصرفه من مال وأستشير زوجي وهو راض تماماً ولكن أبي يضيق عليّ الخناق ويزيد في شروطه ومتطلباته رغم أني لم أقصر في حقه وأدفع له كل شهر مبلغاً من المال، ما هي نصيحتكم؟
الجواب:
أولاً نصيحتنا للأب أن يتقي الله، وأن لا يكون جشعاً، وأن لا يفرض على ابنته ما لا تطيق وما لا تقوى عليه، وأن يحرص على تجنب الطمع المرذول، فهذا هو الطمع المرذول الذي يجعل الإنسان جشعاً على المال جشعاً يتعدى الحدود ويخرج عن المألوف. (1/114)
صفحة 115
مما يؤسف له أن يكون كثير الآباء يساعدون أولادهم على عقوقهم، هذا التصرف من هذا الأب مدعاة للعقوق، والمرأة هي أحق بما تملك، نعم إن كان أبوها في حالة عجز لا يجد ما ينفقه على نفسه في هذه الحالة عليها أن تنفق عليه بقدر طاقتها مع تساعدها هي وبقية إخوتها لا أن تتحمل هي العبء والتبعة، وإن كان هو قادراً على الإنفاق على نفسه، إن كان قادراً على الاكتساب أو كان عنده مال يأتيه من قبله ريع فإنه عليه أن يقنع بما رزقه الله، وأن لا يكلف ابنته هذه الكلفة الشاقة الصعبة عليها.
السؤال:
امرأة عند انتهاء مدة حيضها يأتيها الجفاف وبعد يومين ترى القصة البيضاء فبأي علامة تعمل؟
الجواب:
الأصل في الطهر من الحيض أن يكون بالقصة البيضاء لا بالجفاف، وإنما الجفاف للتي لا ترى القصة البيضاء، فإن كانت لا تأتيها القصة البيضاء ويأتيها الجفاف فعندئذ تأخذ بالجفاف، أما إن كانت تأتيها القصة البيضاء فالجفاف يكون حكمه حكم التوابع، والتوابع حكمها حكم ما قبلها كالصفرة والكدرة والدَريّة، كل من ذلك إنما ما قبله فما كان مسبوقاً بدم فهو حيض وما كان مسبوقاً بطهر فهو طهر.
السؤال:
رأيت في المنام أني أسأل سماحة الشيخ المفتي هل يجوز الكذب على الأطفال فأجابني بأنه لا يجوز والكذب حرام سواء كان على الأطفال أم على غيرهم فقلت له إن الأطفال لهم متطلبات كثيرة وخصوصاً إذا ذهب الأب إلى الأسواق أو غيرها فإنهم يطلبون هذا وذاك ولو أجابهم الأب إلى ذلك لكثرت عليه الديون فتبسم من ذلك، فما هو ردكم على هذا الموضوع، هل نسميه دلالة على موافقتي أم ماذا؟
الجواب: (1/115)
صفحة 116
الكذب على الأطفال مما يجرأ الأطفال على الكذب، والنبي صلى الله عليه وسلّم بيّن أن الكذب على الأطفال حرام حيث أبصر امرأة تقول لابنها تعال خذ فسألها ماذا تريدين أن تعطيه؟ فأجابت بما تريد أن تعطيه فبيّن لها النبي صلى الله عليه وسلّم أنها لو لم تكن قاصدة أن تعطيه شيئاً وقالت له ذلك لكانت كاذبة وتبوء بوزر الكاذبين.
فالكذب من أخبث السجايا التي تكون في الإنسان، ولا يُطمئن إلى الكذاب في أي حال من الأحوال، والولد في حالة طفولته إنما هو كاللوحة الصافية التي لم ينقش فيها شيء، وتنتقش بحسب ما يكون عليه الوالدان، فالولد يحاول أن يقلد والده في كل ما يسمع منهما وفي كل ما يبصر منهما، فإن جرب على والديه كذباً كان ذلك مدعاة لأن يعتاد الكذب، فلذلك كان الكذب من أقبح ما يربى عليه الأولاد، فعلى الوالدين كليهما أن يحرصا على أن لا يعثر الطفل في سلوكهما على أي كذب، وأن يحرصا على تحري الصدق في حديثهما إليه.
وهذه المطالب التي تكون من الأطفال يمكن أن يقنعوا بطريقة أو بأخرى حتى يَقنعوا بالشيء اليسير ولا يكلفوا والدهم الشيء الكثير، والله تعالى أعلم.
السؤال:
ما حكم الصلاة بقبعة فيها شعار إسرائيل؟
الجواب:
إن كان هذا الشعار يوحي بالرضا عن فعلهم، أو موالاتهم أو شيء من ذلك فذلك حرام حرام حرام داخل الصلاة وخارجها.
السؤال:
ما حكم تعليق صورة مرسومة باليد لوالدي رحمه الله في البيت؟
الجواب:
الرسم باليد ممنوع كالنحت إن كان لصورة ذات لروح، وإنما أقصى ما أبيح هو الصور الفوتوغرافية لا غير، والله تعالى أعلم.
السؤال:
ما الحكم الشرعي في حلب الأخت الحليب من صدرها مباشرة في عين أختها والتي تبلغ من العمر أحد عشر عاماً؟
الجواب:
لا يمنع ذلك لأن رضاع الكبير لا يؤثر عليه، فمن رضع وقد جاوز الحولين فلا يؤثر عليه الرضاع حكماً، إنما الرضاع يؤثر على من لم يجاوز الحولين.
السؤال: (1/116)
صفحة 117
امرأة كبيرة في السن قالت إنها أرضعت شخصاً ثم أنكرت ذلك فهل يصح التزاوج بين هذا الشخص وبين أولاد المرأة التي اعترفت ثم أنكرت علماً بأنها كبيرة في السن؟
الجواب:
أما إن كانت تذهل وتنسى وهناك احتمال كبير أن يكون ذلك الاعتراف ناتجاً عن ذهولها ثم تذكرت بعد ذلك وأنكرت إنكاراً جازماً ففي هذه الحالة يمكن أن يتم الزواج، أما إن كانت ليست بهذه الحالة أي لم يصل بها الحال إلى أن تقول غير الواقع وإنما ذكرت أنها أرضعت ثم تراجعت ففي ذلك خلاف بين أهل العلم منهم قال بأن قولها السابق حجة، والحجة لا يسقطها الإنكار فإنكارها فيما بعد هو محاولة منها لدرأ الحجة ولا تندرأ الحجة عندما تقوم، ومنهم من يقول بأن هذا الإنكار يسقط الحجة لأنها كما يحتمل أن تكون كاذبة في إنكارها يحتمل أن تكون كاذبة في قولها الأول. والله تعالى أعلم.
والحوطة في ذلك عدم الزواج ففي غيرها من النساء سعة، والله تعالى أعلم.
السؤال:
ما حكم القنوت عند أصحابنا الإباضية؟
الجواب:
القنوت روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه كان يقنت وهو يدعو على قوم، يدعو على رُعَل وذكوان لمدة شهر، ثم لما نزل بعد ذلك (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ) (آل عمران: من الآية128) امتنع من القنوت.
وهناك أحاديث عديدة دلت على أن الكلام في الصلاة ُنسخ، فالأمة اختلفت منهم من قال بمنع القنوت رأساً وهذا الذي أخذ به أصحابنا بناء على منع أي كلام في الصلاة خارج الكلام المألوف المعهود.
ومنهم من قال بأنه بقي في صلاة الفجر وفي صلاة الوتر وفي النوازل.
ومنهم من خصه بالنوازل وحدها. (1/117)
صفحة 118
ونحن لسنا في مجال المناقشة في قضية القنوت وإنما نقول بأن من كان يصلي خلف أحد وفي معتقد ذلك المصلي أن ما يأتيه في الحكم هو عنده مشروع فإن ذلك لا يؤثر على صلاة من صلى خلفه، ولذلك عندما فقد أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة رحمه الله أبا مودود حاجب بن مودود وقد كانا متصاحبين في طريقهما إلى الحج فصليا خلف إمام قنت في صلاته ففقد أبو عبيدة أبا مودود حاجب بن مودود قال أين ذهب اللحياني؟ - وقد كان كبير اللحية - لعله يريد أن يعيد الصلاة ونحن لا تلزمنا إعادتها.
فنحن نود أيضاً من الذين يقنتون أن يقتصروا على المأثور دون غيره، وأن لا يخرجوا عما روي إلى ما عداه من الكلمات العجيبة التي قد تكون خارجة عن حدود الصلاة، والله تعالى أعلم.
السؤال:
شاب تاب إلى الله تعالى بعد ضلالته وكان قد أكل حقوق كثير من الناس منهم يعرفهم ومنهم لا، والآن يرغب في أداء الحقوق إلى أصحابها ولكنه لا يملك المال الكافي لأداء هذه الحقوق إليهم، ولا يستطيع أن يطلب منهم مسامحته، فماذا يفعل؟
الجواب:
كان جديراً بهذا أن يأتي إليهم ويقول لأحدهم قد كانت عليّ حقوق لك هذا مقدارها ولا أقدر أن أدفع إليك هذا الحق إن كنت تعفو فذلك وإلا فأني أوصي لك بهذا الحق، ومتى تيسر لي قبل وفاتي فإنني سوف أدفعه إليك، فإن تنازل ذلك الشخص بالحق عن حقه سقط عنه الحق وإلا فإنه يحرص على الوصية له، ولعل الله تعالى يهيئ له من يقضي عنه هذا الحق بعد موته، أو يهيئ له من يتبرع له في حياته بأن يعينه على قضائه.
السؤال:
رجل لديه أمواله كثيرة ولكنه لا يزكيها وتريد زوجته أن تزكي عنه ماله بدون إذنه، هل يصح له ذلك؟
الجواب: (1/118)
صفحة 119
لا، الزكاة لا تؤخذ من أحد كرهاً إلا أن يأخذها الحاكم المسلم الذي يجبر الناس على دفع زكواتهم، ذلك لأن الزكاة عبادة من العبادات فلا تؤخذ من الإنسان خلسة وراء ظهره لأن أي عبادة من العبادات لا بد لها من نية، فهي وإن دفعتها ولكن تبقى هي في ذمة ذلك الزوج واجبة عليه لأنه لم ينو دفعها، أما لو أخذها الإمام بطريقة مشروعة أي الحاكم المسلم ففي هذه الحالة تكون الزكاة قد بلغت مبلغها وإنما تبقى نية ذلك الذي أخذت منه هل نيته بعد ذلك أن يتوب الله أو أن يستمر على منعه للزكاة.
السؤال:
امرأة كانت في خلاف شديد مع زوجها وكان يعود إليها في وقت متأخر فيسمعها كلاماً مؤلماً ويتهمها بأشخاص معينين وقال لها في مرة من المرات اذهبي إلى بيت أهلك، فلما أرادت أن تأخذ أغراضها قال: إنك أتيت عندي ولم تأت بشيء. وعندما أرادت الخروج قال لها: إن خرجت من رز الباب فأنت خارجة بكلمتك. بعد ذلك التفت إلى أولاده وقال لهم من منكم يريد أن يذهب مع أمه؟ فقالت بنت: أريد أن أذهب مع أمي. فقال لها إن ذهبت مع أمك فأنت لست ابنتي وإنما من رجل آخر، ما الحكم؟
الجواب:
بئس الرجل من يتصرف هذا التصرف، هذا التصرف يدل على عدم الإيمان، ويدل على عدم مراعاة حقوق الزوجية، ويدل على الانحراف عن الفطرة الإنسانية السليمة، تلكم الفطرة التي فطر الله تبارك وتعالى عليها البشر، فإن العلاقة الزوجية هي وئام ومودة وسكون وعطف ورحمة، الله تبارك وتعالى يقول (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم:21). (1/119)
صفحة 120
فالعلاقة الزوجية علاقة مودة علاقة رحمة، لا علاقة جفاء وعلاقة نشوز وخلاف وشقاق ونفرة، وغلظة في القول، وصلف في المعاملة فإن ذلك أمر مرفوض شرعا، وخير الناس من كان أبر بأهله، النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام يقول: خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي. قد كان النبي صلى الله عليه وسلّم مثالاً في حسن معاشرة الأهل، كان يعاشر أهله بالحسنى، ويتلطف في مخاطبتهم، ويلين لهم القول، ويحسن معاملتهم، ويعينهم على خدمة البيت، هكذا كان شأنه صلى الله عليه وسلّم، لم يكن صلفاً ولم يكن غليظ القول جافياً، إنما هذا الجفاء نتيجة الانحراف في الفطرة، ونتيجة فراغ هذه النفوس من الإيمان.
ثم إن اتهام الرجل لامرأته بأنها تأتي الفاحشة وترتكبها ثم يقذفها برجال هذا كله إنما هو قذف لها وقذف لأولئك، فهذا يبوأ بعقوبة القذف، الله تبارك وتعالى فرض في هذه الدنيا عقوبة للقاذف عندما قال (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا) (النور: 4 - 5)، الله تبارك وتعالى حكم عليهم بهذه العقوبة وفي الآخرة يقول الله سبحانه وتعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) (النور:23 - 25)، هكذا يبين سبحانه وتعالى هذه العقوبة في الآخرة التي تنتظر هؤلاء القاذفين. (1/120)
صفحة 121
على أن مضايقة المرأة واضطرارها للافتداء من الرجل أمر أيضاً لا يرضاه الإسلام، فليس للرجل أن يأخذ من امرأته أي حق كان، أي شيء كان، إلا في حالة واحدة أن يعلم أنها له كارهة، وأنها لا تستطيع أن تقوم بحقوقه، وتريد أن تتخلص منه لأجل أن لا تكون عليها تبعة، تبعة القيام بهذه الحقوق في هذه الحالة يباح له فالله تبارك وتعالى يقول (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَاخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة: من الآية229)، ويقول (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَاخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً * وَكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً) (النساء:20 - 21)، فأين هذه الآيات القرآنية من هذا الأرعن الذي يتصرف هذا التصرف.
وأما قوله لها اذهبي إلى أهلك فإن قصد به الطلاق فهو طلاق لأن ذلك من كنايات الطلاق، وإن لم يقصد به الطلاق لم يقع.
وكذلك قوله إن خرجت خرجت بكلمتك إن قصد بذلك الطلاق فإنها تطلق بهذا القول.
وقوله لابنته أنت لست بابنتي ولتخبرك أمك بأبيك هذا أيضاً من القذف ومما يعاقب عليه، ولا يتخلص من ذلك إلا بلعان أي إن لاعن هذه المرأة تخلص من الولد الذي أنكره على أن يكون مُنكراً له من أول الأمر لا يكون ذلك منوطاً بسبب رغبة الولد سواء كان ذكراً أو أنثى في اللحوق بأمه، إن كان من أول الأمر مُنكراً لذلك الولد فإنه يلاعن بينه وبين المرأة إن أصر على هذا الإنكار ورماها بالزنا، والله تعالى المستعان.
السؤال: (1/121)
صفحة 122
رجل تسبب في وفاة آخر وكان هو المخطئ فدفع دية مقدارها ثمانين ألف دينار جزائري، ما الحكم في هذا؟
الجواب:
دية الإنسان بالنسبة إلى الرجل هي في الأصل مائة من الإبل، وبالنسبة إلى المرأة هي خمسون من الإبل، هذه هي الدية الشرعية المشروعة من أول الأول.
والدية تختلف بين منطقة وأخرى بحسب التقدير للقيم، قدرت في عهد الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه، فرض على أصحاب الإبل كما ثبت في السنة مائة من الإبل، وعلى أصحاب الذهب ألف دينار، وعلى أصحاب الدراهم أي أصحاب الفضة اثني عشر ألف درهم وهكذا، فالدية إنما تقدر بحسب ما يراعى من القيم بين منطقة وأخرى، والدية مشروعة فقد شرعت بنص القرآن الكريم ولا معنى للتردد في إقرارها فإنها أمر أقره الإسلام.
السؤال:
كم تكون الدية وهل عليه صوم؟
الجواب:
الدية هي في الأصل مائة من الإبل إلا إن رضي الطرف الآخر أن يتنازل عن حقه، ولا بد من الصيام فيمن قتل مسلماً أو غير مسلم خطأ. والله تعالى أعلم.
السؤال:
الإسلام كما تعلمون حرّم جمع المرأة بعمتها وخالتها وحرم جمع المرأة بأختها ولكن لم يحرّم الجمع بين بنات العم، ما الحكمة في ذلك الجمع رغم وجود الغيرة في كل الأحوال؟
الجواب:
طبعاً علاقة الأخت بأختها أقوى وعلاقة العمة بابنة أخيها وعلاقة الخالة بابنة أختها أقوى من علاقات بنات العم فلذلك لم يحرم الجمع بين بنات العم، وإنما هو مكروه.
السؤال:
هل من حقوق الزوجة على زوجها أن يخبرها بكل مصادره المالية، وهل يخبرها بكل صدقاته التي يتصدق بها؟
الجواب:
لا، ليس ذلك من حقوقها، والصدقة يؤمر بأن يخفيها الرجل حتى لو تصدق بصدقة كما جاء في الحديث ينبغي أن يخفيها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه.
السؤال:
رجل يعمل في إحدى المحلات التجارية وهذا المحل يقوم ببيع الدخان وقد طلب من صاحب المحل عدم بيع الدخان، فما هو الحكم في العمل في هذا المحل هل يستمر فيه أم يبحث عن عمل آخر؟
الجواب: (1/122)
صفحة 123
الأولى أن يتجنبه، وإن بقي فيه فلا يبيع الدخان، وإنما يبيع بقية الأمتعة.
السؤال:
أب يمنع ابنته من الالتقاء بأمها المطلقة وكذلك يمنعها من صلة أبيه الذي هو جدها؟
الجواب:
عليها أن تبر أمها وتصلها رضي أم كره، فليس لها أن تطيعه في معصية الله تعالى.
السؤال:
وجبت الزكاة على رجل وأراد أن يؤخرها دائماً إلى شهر رمضان ليحوز الفضل، وكان الفارق بين وجوب الزكاة عليه وبين شهر رمضان ما يقارب ثلاثة أشهر أو أكثر، هل ينفعه التأخير بعدما وجبت، هل عليه الزيادة على التأخير، وكيف تحسب إذا كانت عليه؟
الجواب:
الأولى أن يزكيها متى ما حضرت الزكاة ولا يؤخرها ذلك لأن الزكاة تجب بمرور العام فإذا مر العام فليزكيها.
السؤال:
رجل نذر أن يعمل لزوجته ساعة من ذهب إن جاءه ولد، وبعد ذلك جاء الأولاد وبلغ عددهم ستة ولم يعمل شيئاً، فما الحكم؟
الجواب:
من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه، وقد نذر هو بطاعة لأنه لا ضير أن يدخل السرور على أهله، فليدخل عليهم السرور، وليوف بنذره.
السؤال:
إذا لم يستطع مطلقاً أن يوفي بهذا النذر، هل يبقى في ذمته؟
الجواب:
نعم.
السؤال:
من حصل على جائزة جاءت عن طريق الربا، هل يصح له أن ينتفع بها في تدريس ابنته؟
الجواب:
لا، لا، لا، فالربا حرام من أكله أو من أطعمه.
السؤال:
إن العالم الإسلامي يعيش هذه الأيام فترة حرجة ومؤسفة، فهل هذا الضيق الذي تشعر به الأمة الآن ويشكل ضغطاً عليها قاسياً يعد بشارات نصر أم هي هزيمة؟
الجواب:
نعم، إن رجعت الأمة إلى الله وادّكرت وعملت بأمره وازدجرت عن نهيه، ووقفت عند حدوده واعتصمت بكتابه وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلّم فإن هذا مؤشر خير والله تعالى يقول (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (الشرح:5 - 6).
السؤال: (1/123)
صفحة 124
هل يصح أن تُصلى صلاة الجمعة في إحدى قاعات الجامعة في بلاد الغرب لعدم وجود مسجد جامع في الجامعة، وإن كان لا يصح ذلك فهل تسقط الصلاة عن الطلبة الموجودين في الجامعة والذين ليس لديهم متسع من للوقت للذهاب إلى المسجد الجامع؟
الجواب:
صلاة الجمعة تصلى في الجوامع ولا تصلى في القاعات، إذ لم يصلها النبي صلى الله عليه وسلّم إلا في مسجد مع أنه كان يصلي بقية الصلوات في غير المسجد عندما تحضره الصلاة، فلا تصلى صلاة الجمعة إلا في المسجد.
السؤال:
ما رأيكم في تحدث المرأة مع عاملها في أمر هي بحاجة إليه فيه، علماً بأن هذا العامل مسلم؟
الجواب:
أما الخلوة فليس لها أن تخلو برجل أجنبي مسلماً كان أو كافرا، بل حتى ليس لها أن تخلو بحميها كما دل الحديث عندما قال النبي صلى الله عليه وسلّم: إياكم والدخول على النساء. فقال له رجل من الأنصار: أرأيت الحمو يا رسول الله؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلّم: الحمو الموت. أما إن كانت لا تخلو به، أو كانت تكلمه بواسطة كأن تكلمه في الهاتف وكان كلاماً بريئاً فلا حرج في ذلك.
السؤال:
ما مدى صحة الحديث الذي يروى عن عائشة رضي الله تعالى عنها في جواز ظهور الوجه والكفين لدى للمرأة؟
الجواب:
حديث عائشة حديث ضعيف لأن فيه إرسال، ومن ناحية أخرى هو جاء من طريق قتادة معنعنا، وعنعنة قتادة تُضعّف بسبب تدليسه، وإنما يقال في هذا الحديث بعض المتابعات التي تدل عليه، والحديث جاء من طريق عائشة أن أسماء دخلت على النبي صلى الله عليه وسلّم فأعرض عنها وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصح لها أن يُرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى الوجه والكفين. ولكن هنالك أدلة أخرى كحديث الخثعمية تدل على أن الوجه غير عورة، وإنما مع خوف الفتنة يجب اتقاء الفتنة فسد ذرائع الفساد باب من أبواب الشريعة السمحة.
تمت الحلقة بحمد الله تعالى و توفيقه
22 رجب 1423 هـ - 29/ 9/2002 م (1/124)
صفحة 125
الموضوع: عام
السؤال:
أخت جزائرية تحكي فيها مأساتها الفكرية تقول: إنها كانت غير ملتزمة بالأصول والقواعد والآداب والأخلاق، لأنها كانت بعيدة نوعا ما عن النصح والإرشاد، وتخرجت من الجامعة وحصلت على شهادة اللسانس في الحقوق، وبعد فترة من الزمن (في الثمانينات) سمعت بالمبادئ والقيم والأخلاق التي تدعو إليها الجماعات الإسلامية في الجزائر، فاعتنقت مبادئهم والتزمت ولبست الحجاب، وسمت تلك المرحلة بالمرحلة الذهبية لأنها شعرت فيها بحلاوة الإيمان وأحست أنها مؤمنة حقاً.
في بداية التسعينيات حدث عندها تغير فكري، عندما سمعت وعلمت أن هذه الجماعات الإسلامية التي تأثرت بها ورأت فيها القدوة الممتازة بدأت تقتل الأطفال والنساء والشيوخ، وبدأت تستخدم وسائل مفزعة ومرهبة في إرعاب الناس، فهذا الأمر جعلها تشك في عقيدتها بل تشك حتى في التوحيد الذي تؤمن تشك في إيمانها بالله جل وعلا، فمثلت هذه المرحلة عندها مرحلة مقلقة جداً أدت في بها في نهاية المطاف إلى خلع الحجاب بل إلى الشك في القيم والمبادئ والأخلاق الإسلامية، وتحسب أنها في هذا الوضع تعاليم ميتة وأنها لا تصلح للحياة إذا كان هؤلاء الذين يدعون إليها يرتكبون مثل هذه الأعمال المنكرة.
وتقول: فكيف لمن كان يدعو للجنة والخير والمحبة والأخوة وكل الخير للناس أن يذبح ويمزق أشلاء كل الناس بدون تمييز بين صبي وأنثى وبين رضيع وغيره.
تقول: أريد معرفة حكم الإسلام في أفعالي، لأنها عندما تحولت فكرياً وبدأت تتخلى عن الحجاب تخلت أيضاً عن الصلاة والصيام والعجيب أنها خلعت الحجاب في السابع والعشرين من رمضان عام 1996 م. (1/125)
صفحة 126
ثم بعد ذلك شعرت بألم في بطنها وذهبت إلى الأطباء، لكن التحاليل لم تثبت شيئاً من الأمراض العضوية عندها، ثم ذهبت إلى الرقية ويبدو أنه لا يزال لديها بصيص من الأمل في الإسلام والقرآن الكريم، فقال لها الراقي أن جنياً دخلت في جسدك ويتحدث بلسانك ويسيء إلى الإسلام ويسيء إلى النبي صلى الله عليه وسلّم.
بقيت المرأة الآن في حالة اضطراب نفسي وانتابها تغير فكريولم تدر ما حقيقة ما شاهدته من أفعال مرعبة وإرهابية، هل هو من قبل الذين يدعون إلى المبادئ والأخلاق الإسلامية أم هو من قبيل فعل الجن والسحر كما سمته هي بسحر التكليف.
تريد هي منك أن تبسط القول في هذه المسألة، وتقول: لا أريد أن أكون من الخاسرين، فلقد فطرت على حب الخير وحب الأنبياء وأولياء الله الصالحين، ولقد واجهت مشاكل عويصة في حياتي وكنت والحمد لله من الصابرين، أريد أن تقنعني لأنني شعرت أنه لا يوجد رجل في هذا العالم سواكم يمكن أن يحل مشكلتي.
فتريد منك أن تهديها إلى طريق السواء وأن توضح لها الحقيقة التي غابت عنها؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فمما يؤسف له أن نجد قوماً محسوبين على الإسلام يدمرون الإسلام أكثر مما يدمره أعداءه من الخارج، ووجدت حالات عديدة فيها الكثيرة من المفارقات والتناقضات التي تدعو كل ذي لب إلى أن يقف عندها ليتدبر وينظر أسباب مآسيها، وما هي الدواعي والبواعث إلى ارتكاب هذه الأمور التي تؤدي إلى الاضطراب وتؤدي إلى المفارقات والتناقضات، مع أن دين الإسلام دين سمح دين أصيل جاء من عند الله بعيد عن المفارقات والتناقضات. (1/126)
صفحة 127
ولقد وقفت مع نفسي كثيراً وتساءلت حول هذه القضايا التي أصبحت تدعو إلى الأسى وقلت في أكثر من موقف بأنه يجب أن تصاغ هذه الأمة صياغة من حيث الفكر ومن حيث الأخلاق ومن حيث الإجتماع، على أن تكون هذه الصياغة صياغة قرآنية نابعة من صميم عقيدة القرآن ونابعة من أسس هذا الدين الحنيف الذي جاء به المرسلون وأكلمه الله سبحانه وأتم به النعمة على يد عبده ورسوله محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام.
الأمة كما قلت بحاجة إلى صياغة فكرية ذلك لأن كل هذه المآسي التي أصابت هذه الأمة والتي جرتها عليها انحرافاتها إنما هي بسبب فقدان التصور، فأولئك الذين ارتكبوا المآسي العظيمة لم يبالوا بالحرمات فقتلوا الأطفال وقتلوا النساء وشردوا الآمنين ارتكبوا ما ارتكبوا باسم الإسلام والإسلام براء من كل ذلك فإن الإسلام دين المرحمة يدعو إلى الرحمة في أي موقف من المواقف، ولذلك ينهى أتباعه كل النهي وأشد النهي عن العدوان حتى عندما يقابل المسلمون العدوان إنما عليهم أن يردوا عدوان المعتدي وحده وألا يتعدوا على غيره، فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة:190).
ولئن كان الإسلام يأمر بالبر والإنصاف حتى مع غير المسلمين الذين لم يجاهروا المسلمين بالعداوة حيث يقول عز من قائل (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة:8).
فكيف يرضى المسلم مع ذلك أن يعامل إخوانه المسلمين بل يعامل أهل بلدته وأبناء جلدته هذه المعاملة القاسية؟ ويتنكر لمبادئ الإنسانية حتى يكون سبعاً ضارياً لا يبالي بأن يفتك بالأطفال والنساء والشيوخ الكبار وكل ضعيف. (1/127)
صفحة 128
إن هذه الحالة هي حالة شاذة بعيدة كل البعد عن تعاليم الإسلام وعن قيم الإسلام، فليت هؤلاء ما انتموا إلى الإسلام قط، وليتهم لم يرضوا بأن يلحقوا بهذا الدين الحنيف النظيف هذه التهم القذرة التي يجب أن يبرأ الدين منها.
ونحن نأسف لذلك، وقد سبق أن قمت بالإجابة على أسئلة طرحت في ندوة عن صياغة هذه الأمة فهذه الأخطاء هي أخطاء ليست وليدة اليوم والأمس وإنما هي وليدة تراكمات تاريخية حجبت عن الناس الصورة الصحيحة عن الإسلام، فلا بد إذن من أن يبني كل مسلم فكره على أساس التصور الإسلامي الصحيح حتى يعرف كيف يتصرف في هذه الحياة.
أما بالنسبة إلى ما وقع لهذه المسكينة التي أصيبت بما أصيبت به التي رزأت بهذه الأرزاء، رزأت في عقيدتها وفكرها ودينها، بالنسبة إلى مأساتها فإن من الواجب عليها قبل كل شيء ألا تفهم الإسلام من خلال هذه التصرفات الشائنة التي تنطلق من أقوام لا معرفة لهم بالدين ولا دراية لهم بأصوله ولا بفروعه ولا أساس عندهم من تعاليمه وفكره.
وإنما عليها أن ترجع إلى الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا خلفه فتستوحي تعاليم الإسلام منه، وعليها أن تراجع نفسها. (1/128)
صفحة 129
وأن تنظر إلى هذا الكون كله فإنها تجد أن الكون مصاحف هداية لهذه الإنسانية، إذ كل ذرة من ذرات هذا الكون هي كلمة من كلمات الله ناطقة بافتقارها إليها سبحانه وتعالى، وتناسق هذا الكون العجيب دليل واضح على وحدانية مكونه سبحانه وتعالى، ولذلك نجد أن في الكتاب الكريم إحالة الإنسان على النظر في دلائل هذا الكون التي تدل على توحيد الله سبحانه في مقام الدعوة إلى توحيده فالله تعالى يقول (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (البقرة: 163)، ثم يتبع الله سبحانه وتعالى ذلك قوله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة:164).
نعم إن في ذلك كله آيات بينات لأن خلق السموات والأرض يدل دلالة واضحة على وحدانية المكون العظيم سبحانه وتعالى ذلك لأن كل ما في هذا الكون من سمائه وأرضه، من علوه وسفله كل ما في هذا الكون إنما هو متناسق مع بقية أجزاء الكون تناسقاً عجيباً وذلك دليل على أن صدور ذلك عن مكون واحد إذ لو كان ذلك عن أكثر من مكون واحد لكان لكل واحد منهم إرادة مستقلة عن إرادة غيره، هذا مما يجعل كل واحد من أولئك يستقل بمراده وهنا يكون التعارض والاختلاف والشقاق، وذلك يؤدي إلى الفساد كما قال سبحانه (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) (الأنبياء:22). (1/129)
صفحة 130
فلأجل هذا نجد اقتران ذكر التوحيد في كتاب الله سبحانه وتعالى بذكر هذه العلامات الكونية الدالة وحدانيته عز وجل فالله سبحانه وتعالى يقول (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ *أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (النمل: 59 - 63).
فعليها أن تفكر في وجودها بنفسها وفي وجود هذه الكائنات كلها من حولها فإنها دلائل شاهدة صادقة على وحدانية الله سبحانه وتعالى.
هذا ما اعتمل في نفسها من أفكار ووساوس فإن ذلك إنما هو نتيجة حتمية لانحراف الإنسان عن الحق، فإن الإنسان عندما ينحرف عن منهج الحق يصاب بهذه الأزمات النفسية، وتكون نفسه فريسة للشيطان الرجيم فالله سبحانه يقول (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً) (مريم:83)، ويقول سبحانه وتعالى في وصف الذين اتقوا الذين هم بعيدون عن هذا (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُون) (الأعراف:201). (1/130)
صفحة 131
هنالك فارق بين المتقي وغيره، لذلك ندعوها إلى أن تكون في زمرة المتقين ومن حزب عباد الله المصلحين أولئك الذين يتذكرون كلما مسهم مس من الشيطان، كلما ألم بهم شيء من وسوسة الشيطان وفكره، ولا ريب أن الشيطان عندما يوسوس للإنسان وينصرف الإنسان عن منهج الحق يكون عرضة بعد ذلك لمثل هذه الأزمات النفسية ولمثل هذه الأمراض العصبية والنفسية والذهنية التي تخيل إليه خيالات شتى.
فلذلك نحن ندعوها أولاً إلى أن تكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى، فإن ذكر الله تطمئن به القلوب يقول الله سبحانه وتعالى (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: من الآية28). (1/131)
صفحة 132
وعليها أن تكثر من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وأنصحها بأن تتلو في كل يوم ما يتيسر من كتاب الله سبحانه وتعالى مع التزامها بدين الله، وأن تكثر من تلاوة المعوذات وذلك بأن تقرأ الإخلاص والمعوذتين مع النفث في يديها والمسح وينبغي أن تقول في حال مسح جسدها: أعوذ بالله السميع العليم الشيطان الرجيم، أعوذ بالواحد الصمد من شر كل ذي حسد، أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعذابه ومن شره عباده ومن همزات الشياطين، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما أجد وأحاذر فإن الله سبحانه يدفع عنها هذه الوساوس وهذا القلق وهذه الأمراض وهذه البلاوى وهذه المصائب التي ألمت بها، ومع هذا كله فإن مما ينبغي أن تلازمه قراءة عشر آيات من سورة البقرة في كل صباح وفي كل مساء وذلك بأن تقرأ أربع آيات من أول سورة البقرة إلى قول الله تبارك وتعالى (المفلحون) ثم ثلاث آيات هي آية الكرسي والآيتان بعدها إلى قوله سبحانه وتعالى (خالدون) ثم قوله سبحانه (لله ما في السماوات ... ) إلى آخر السورة وهذه الآيات الثلاث الأخرى ومع ملازمتها لذلك وإخلاصها لله سبحانه وتعالى فإنني أرجو كل الرجاء أن تنقشع أمام نظرها هذه الغيوم التي تلبدت حتى حجبت الحقيقة عن قلبها وعقلها، وأرجو بمشيئة الله أن تتلاشى هذه الوساوس وأن تتلاشى هذه الأمراض، وأن تعود إلى سيرتها الأولى والله تبارك وتعالى ولي التوفيق.
السؤال:
فيما يتعلق بهذه الأفعال التي يرتكبها من يدّعي الإسلام، هناك حجج ربما تطايرت إلى أسماع الناس وتعاطف معها الكثير أيضاً ظانين أنها صحيحة من هذه الحجج يقول من يقوم بمثل هذه الأعمال أن الآخرين يقتلون أبناؤه ونساؤه وأطفاله فلا بد أن يواجههم أيضاً بالمثل، وبعضهم خصص ذلك بالنسبة للكافرين فما دام الكفار يفعلون مع أبناءه وأطفاله نفس تلك الأفعال فلا بد أن يواجههوا بالمثل، هل هذه الحجة صحيحة؟
الجواب: (1/132)
صفحة 133
لا، وألف لا، فإن المسلم الذي هو صحيح الإسلام من شأنه الرفق، ومن شأنه الرحمة فهو لا يعتدي على من لم يعتد عليه، وما ذنب هذا الطفل الذي هو ولد على الفطرة؟ فإن كل مولود يولد على الفطرة كما جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم (كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه).
فما ذنب هذا المولود الذي على الفطرة ولا يزال الفطرة لم يبلغ الحلم، ولم يرتكب شيئاً من المنكرات ولم يقارف شيئاً من الأوزار، ولم يعتد على حرمة أحد من الناس حتى تنتهك حرمة حياته ويودى بحياته؟
ما الداعي إلى ذلك؟
ما ارتكبه غيره من حماقات لا ينعكس أثره عليه لأنه الله تبارك وتعالى (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الاسراء: من الآية15).
ثم مع هذا كله هب أن أولئك الذين تنكروا لإنسانيتهم وفعلوا ما فعلوا من هذه الأعمال الوحشية فعلوا ذلك بالمسلمين، فهل المسلمون في مثل هذه الحالة يتنكرون لإنسانيتهم أيضاً ويتجردون من معاني هذه الإنسانية، لا، وألف لا.
وأذكر هنا كلمة قالها الإمام أبو الخطاب المعافري اليمني رحمه الله تعالى ورضي عنه الذي نُصب إماماً لأهل الحق والاستقامة في بلاد المغرب وكان مثالاً في العدل والاستقامة والنزاهة وتطبيق سيرة النبي صلى الله عليه وسلّم وسيرة الخلفاء الراشدين، فإنه شدّد على جيشه أن يأخذوا شيئاً من أموال أهل البغي من الذين يقاتلون هؤلاء المسلمون الصالحون من أهل الحق والإستقامة بسبب تنكرهم لمبادئهم ويأخذون أموالهم قيل له من قبل بعض جيشه بعدما منع هو أصحابه من أن يأخذوا شيئاً من أموال أولئك، فقال له بعضهم: نأكل من أموالهم كما يأكلون من أموالنا. قال: إذن حق على الله أن يكبنا معهم في النار فنكون كما قال الله تعالى (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا) (الأعراف: من الآية38). (1/133)
صفحة 134
هكذا التورع، وهكذا النزاهة، وهكذا ينبغي أن يكون المسلمون في ورعهم وفي نزاهتهم وفي تطبيقهم لمبادئ الإيمان ومبادئ الإسلام ومبادئ الرحمة التي جاء بها القرآن الكريم.
السؤال:
البعض يقولون بأن هذا الذي ينسب إلى الجماعات الإسلامية من قتل وتشريد وإرهاب إنما هو كيد إعلامي ليس له أساس من الواقع ويراد به تشويه المسلمين وتشويه الإسلام من خلال هذه التغطية الإعلامية التي يراد منها إبعاد المسلمين عن حقيقة الإسلام.
الجواب:
حقيقة الأمر أن من يرتكب هذه الحماقات وهذه الأعمال فلا يعد من الجماعات الإسلامية، ولا يعد تصرفه من تصرف المسلمين، وإنما يعد من عملاء أعداء الدين ينفذ ما ينفذ من الأعمال الرهيبة في أمة الإسلام لأجل النكاية بالإسلام، ولأجل النكاية بالمسلمين خدمة لأعداء الدين، ونحن لا نحمل على جماعة معينة ونحملها تبعية الأمر، وإنما نقول من فعل ذلك، ولا نقول بأن هذا ثابت على جماعة معينة فإن الأصل في المتهم أنه برئ حتى يثبت ما أتهم به، فما يدرينا لعل هؤلاء قوم دُسوا في وسط هذه الجماعات من أجل تشويه صورتها ومن أجل الكيد لها، هذا أمر محتمل.
السؤال:
لكنكم أشرتم إلى أن التراكمات التاريخية التي كانت ترزأ بها أمة الإسلام دفعت مثل هذه الجماعات إلى ارتكاب مثل هذه الأعمال؟
الجواب:
نعم، عدم وضوح صورة الإسلام، لربما اندفع بعض الناس وراء العاطفة، ولم ينظروا إلى الأمور بمنظار العقل ومنظار الوحي الرباني، وإنما نظروا إلى كل شيء بمنظار العاطفة، ولم تقف بهم عاطفتهم عند حد معين حتى أدت بهم إلى ارتكاب هذه الحماقات.
السؤال:
بعض الذين يلتزمون بتعاليم الإسلام يتميزون بالفضاضة والغلظة في تعاملهم مع الناس ولم يستحضروا في أثناء تعاملهم هذا قول الله سبحانه وتعالى (ولو كنت فضاً غليظ القلب لانفضوا من حولك)، نريد نصيحة لهؤلاء؟
الجواب: (1/134)
صفحة 135
هذا أيضاً مما يؤسف له كثيراً، فإن الإسلام دين أخلاق، والله تبارك وتعالى عندما وصف الرسول صلى الله عليه وسلّم وصفه بالخلق وذلك دليل على أن الخلق أسمى ما يتصف به الإنسان، فالله تعالى عندما وصف النبي صلى الله عليه وسلّم قال (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4 (.
ونحن نرى أن الله سبحانه وتعالى بهذا الوصف يرفع من قدر الخلق حتى يجعله أعظم ما يتصف به عباد الله الصالحون، ولذلك وصف به خيرة خلقه عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلّم الذي أرسله رحمة للعالمين وسراج للمهتدين وإماماً للمتقين، فلو كان هنالك وصف أعظم من الخلق لوصفه به.
وقد يظن الإنسان أن العلم هو الدرجة العليا للإنسان ولكن الله تعالى لم يصف النبي صلى الله عليه وسلّم بقول وإنك لعلى غزير، أو وإنك لعلى علم عظيم، وإنما وصفه بالخلق فقال (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4)، أما العلم فقد خاطبه مع غيره من بني البشر بقوله (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً) (الاسراء: من الآية85)، ومعنى ذلك أن علم الرسول صلى الله عليه وسلّم وعلم سائر البشر بجانب علم الله تعالى لا يعد إلا شيئاً قليلاً ولو كان الرسول صلى الله عليه وسلّم أعلم البشر أجمعين إلا أن هذا العلم لا يوازي شيئاً بجانب علم الله الذي أحاط بكل شيء، فلذلك وصف الله تعالى عبده ورسوله صلى الله عليه وسلّم بالخلق فقال (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ). (1/135)
صفحة 136
وهذا يعني أن أتباع النبي صلى الله عليه وسلّم عليهم أن يتحلوا بالأخلاق الحميدة، الأخلاق الفاضلة، الأخلاق السهلة التي تقرب ولا تبعد وتؤلف ولا تنفر وتجمع ولا تفرق، هكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلّم وهكذا كان صحابته رضي الله عنهم لأن أخلاقهم انعكست عليها أخلاق النبي صلى الله عليه وسلّم فتجسدت أخلاق النبي صلى الله عليه وسلّم في أخلاقهم، وخلق النبي صلى الله عليه وسلّم هو تجسيد لخلق القرآن كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها عندما سئلت عن خلقه فقالت: كان خلقه القرآن.
ونجد أن هذا الخلق الذي تحلى به صلوات الله وسلامه عليه كان يتجسد في رحمته بالعباد، في رحمته بالناس وحبه الخير لهم فالله تعالى يقول (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة:128).
نعم كان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً كان بالناس رؤوفا لأنه يريد أن ينتشل الناس جميعاً من الضياع، يريد أن ينقذ الناس جميعاً من النار فهو يأخذ بحجزهم عن النار لأنه يدعوهم إلى الله، وكان حريصاًَ على إيمانهم حتى ينقذوا أنفسهم من الهلكة ولذلك يقول الله تعالى مخاطباً إياه (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) (الكهف:6)، ويقول (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (الشعراء:3)، ومعنى باخع نفسك أي مهلك نفسك، فهو من شدة الهم الذي يحمله بسبب عدم إيمان الناس حتى ينقذوا أنفسهم من النار، من شدة هذا الهم الذي يحمله كان يكاد أن يودي به هذا الهم لولا لطف الله تبارك وتعالى به، وذلك يعود إلى خلقه العظيم، إلى اتصافه بالرحمة، إلى اتصافه بالخير. (1/136)
صفحة 137
والله تعالى يصفه صلى الله عليه وسلّم بأنه لو كان فضاً غليظ القلب لانفض خير القرون من حوله، لانفض صحابته من حوله مع أن صحابته أثنى الله عليهم في كتابه بما أثنى عليهم به قد خلد ذكرهم بقوله (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر:8 - 9).
ويقول في وصفه ووصفهم (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) (الفتح:29). ومع هذا يقول لنبيه صلى الله عليه وسلّم (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك) (آل عمران: من الآية159)، أي لانفض صحابته من حوله مع ما من مبادئ الرحمة، فكيف بسائر الناس. (1/137)
صفحة 138
كيف بالرجل العادي الذي يريد أن يكون داعية إلى الخير، وأن يكون آمراًً بالمعروف، وأن يكون ناهياً عن المنكر يقابل الناس بالفضاضة ويقابل الناس بالشدة معه أنه ليس في مستوى النبي صلى الله عليه وسلّم.
أين هو من النبي صلى الله عليه وسلّم؟ بعده عن الرسول صلى الله عليه وسلّم كبعد الثرى عن الثريا وكبعد الضريح عن الضراح، وأولئك الناس أيضاً الذي هم من حوله يريد أن يدعوهم إلى الخير أين هم من صحابة النبي صلى الله عليه وسلّم الذين أثنى الله تعالى عليهم في كتابه، وأولئك الصحابة الذين لو كان النبي صلى الله عليه وسلّم فضاً غليظ القلب لانفضوا من حوله فكيف بهؤلاء لا ينفضون من حوله وقد اتصف بهذه الفضاضة واتصف بهذه الغلظة.
لا ريب أن دماثة الأخلاق تقرب البعيد وتؤلف النافر وتدعو كل أحد إلى التفاعل مع هذا الذي اتصف بهذه الدماثة، فعلى جميع المتدينين أن يكونوا مثالاً في حسن الخلق، ونحن نجد أن الله تعالى يقول (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) (البقرة: من الآية83)، وهذا الخطاب وإن كان هو موجهاً من حيث لفظه إلى بني إسرائيل إلا أن إنزاله في القرآن الكريم دليل على أن هذه الأمة مطالبة بأن تتحلى بهذه الصفة وذلك بأن تقول للناس حسنا، ولم يقول وقولوا للمؤمنين حسنا، قال وقولوا للناس ليكون ذلك داعياً لجميع الناس إلى الإيمان واتباع الحق، والله تعالى المستعان.
السؤال: (1/138)
صفحة 139
قال رجل قبل ثلاثة أشهر من الآن لزميل له إنني أعتبر علاقتي مع زوجتي انتهت من هذه اللحظة، وهي في طهر مسها فيه، قال ذلك نتيجة تراكم سوابق كثيرة معها ومع أهلها جعله ييأس من استمرار هذه العلاقة، ونظراً لأنه علاجها بعيداً عن عالم الحروز والعقاقير والبخور والتمائم فقد كانت مريضة ولكنها تتبع تعليمات أهلها في ذلك محاولة إخفاء ذلك عنه، ثم رأى أهلها ضرورة العلاج بالطب العصري فلما وصل العلاج إلى مرحلة يقتضي فيها العلاج السفر بعيداً عن الوطن للعلاج استنجدوا بالزوج فقال ما ذكر لكنه وعد بعلاجها أولاً مع اعتبار العلاقة منتهية خلال هذه الفترة من وفاء وعدة، فأخذ زوجته وسافر بها وقام بإعادة إجراءات علاجها من جديد إلى أن شُخص المرض بأنه لا علاج لها إلا بعملية جراحية وهي استئصال في ورم في غدة في الرأس وهم ينتظرون صدور قرار الأطباء بإجراء العملية أو عدمها وهذه مرحلة حاسمة مع العلم بأن الرجل طوال الوقت يختلي بزوجته ويسافر بها لكن لم يباشرها والزوج خلال هذه الفترة لا يعتبرها زوجته وهو يقوم بالسعي في علاجها لأنه وعدهم بذلك.
الجواب:
أولاً قبل كل شيء قوله قد انتهت العلاقة التي بينه وبينها من الكنايات أي من كنايات الطلاق، فإن قصد بذلك الطلاق فالطلاق واقع، وإن كان لم يقصد بذلك الطلاق فالطلاق غير واقع، ولكنني أفهم من السؤال أن الزوج قصد بذلك الطلاق، وبناء على هذا فإنها بعد أن تنتهي عدتها ليس له أن يختلي بها قط، وتصبح أجنبية منه، وقد كان علاج ذلك أن يراجعها إن كان هذا الطلاق رجعياً قبل أن تنتهي عدتها وذلك بأن يشهد شاهدين على أنه راجعها بصداقها وعلى ما بقي من طلاقها، فإن فعل ذلك قبل أن تنتهي عدتها وأخبرها الشاهدان بذلك فهي تصبح في عصمته، تصبح امرأته كما كانت من أول مرة.
السؤال: (1/139)
صفحة 140
رجل يقول: طلقت زوجتي للمرة الثانية ثم راجعتها بعد مرور شهر ونصف بإشهاد شاهدين، وبعد مرور ما يقارب سنة طلقتها الطلاق الثالث والآن قد أخبرتني أنها قد غسلت ثلاث مرات في فترة الشهر والنصف بعد الطلاق الثاني ما حكم المراجعة بعد الطلاق الثاني؟ وما حكم الطلاق الثالث علماً بأنني لم أكن أعلم بأنها حاضت وغسلت ثلاث مرات بعد الطلاق الثاني، وأن الزوجة لم تكن تعلم أنه لا بد من عقد جديد إذا خرجت المرأة من العدة ولم تراجع خلال تلك الفترة؟
الجواب:
إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا هو الجهل بعينه، فإن كثيراً من الناس يظنون أن المراد بثلاثة قروء ثلاثة أشهر، وذلك فهم خاطئ ناشئ عن الجهل وعدم المعرفة بالعربية، وعدم المعرفة بأحكام الإسلام، فالثلاثة قروء هي ثلاث حيض، ولا يحل للإنسان بعد أن تغتسل زوجته من حيضتها الثالثة أن يراجعها في حال من الأحوال، وإنما عليه أن يتزوجها بعقد جديد، وبناء على ذلك فإنها لبثا في معاشرة محرمة وعليهما أن يتوبا إلى الله تبارك وتعالى.
السؤال:
ما حكم مصافحة الزوجة لأخوال زوجها؟
الجواب:
أخوال الزوج وإخوته وأعمامه كلهم أجانب من زوجته فلا تجوز لهم مصافحتها، ولا يجوز لها مصافحتهم، لأنهم أجانب منها، وذلك أنه لو مات عنها الزوج أو طلقها تصبح حلالاً لكل واحد منهم، فكيف مع ذلك يصافحونها، وأما المحارم الذين تجوز المصافحة بينهم وبين ذات المحرم منهم فهم الأب وإن علا أي الجد وأبوه وجده وإن علا، والابن وإن سفل أي ابن الابن وابن البنت وهلم جرا وإن سفلوا هؤلاء كلهم هم محارم، وكذلك الأخ وأبناء الأخ ابن الأخ وابن ابن الأخ، وابن بنت الأخ وهلم جرا، وكذلك أبو الزوج، وكذلك ابن الزوج وكذلك الخال وكذلك العم، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب كما دل على ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلّم مع دلالة القرآن على حرمة الأخوات من الرضاع، وعلى حرمة الأمهات من الرضاع.
السؤال: (1/140)
صفحة 141
في الجزائر يعانون هناك من ندرة في الطلبة الذين ينقلون الفتاوى ويضبطونها، ويوجد لديهم طالب يدرس في السنة الثانية من المرحلة الجامعية يريد أن يتفرغ لهذا الأمر فيضبط الفتاوى وينقحها، لكن تفرغه لهذه الفتاوى يؤدي إلى أضرار اقتصادية ومالية به فهل يواصل دراسته وفي أثناء الفراغ يقوم بهذا العمل، أم يقطع الدراسة نظراً لأن الأمر يهم المسلمين وينفعهم
الجواب:
في هذه الحالة أنا أحب أن يكون هنالك تنسيق بينه وبين غيره، بحيث يكون هناك فريق يقوم بهذه المهمة حتى لا يقع العبء على رأسه وحده وإنما يتحمل كل واحد نصيب من هذا العبء بحيث ينقل هذا الفتوى مع فراغه، وينقل الآخر مع فراغه والعمل إن تكاثرت الأيدي التي تقوم به يكون سهلاً ميسراً، ولا ينبغي لأحد منهم أن يقطع دراسته فليجمعوا بين الحسنيين بين الدراسة وبين نقل الفتاوى، والله تعالى يوفقهم.
السؤال:
يقول الله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم) ما حدود هذه الآية؟ هل يقف المسلم عند كل حركة وسكون ولا بد أن يسأل؟
الجواب: (1/141)
صفحة 142
أولاً قبل كل شيء أشد ما يكون حرمة أن يقدم الإنسان على القول بغير علم، فإن الإقدام على القول بغير علم أمر قرنه الله تبارك وتعالى بالإشراك به عندما قال سبحانه (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:33)، وبين أن ذلك مما يدعو إليه الشيطان لعنه الله والعياذ بالله من شره ومن دعوته فقد قال سبحانه (إِنَّمَا يَامُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:169)، وجاء في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع رحمه الله في مسنده الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: من أفتى مسألة أو فسر رؤيا بغير كان كمن خر من السماء إلى الأرض فصادف بئراً لا قعر لها ولو أنه وافق الحق. هذا ولو وافق الحق، فكيف إذا خالف الحق، فلذلك كان التقول على الله بغير علم أمراً محرماً.
أما الفعل فإن كان الإنسان في نفسه ريبة من الأمر، وفي نفسه حرج من الإقدام على ذلك الفعل فليس له أن يقدم عليه حتى يسأل ليتبينه قبل أن يقدم عليه، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك. وفي الحديث عنه: البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في الصدر. (1/142)
صفحة 143
وكذلك نجد في بعض الروايات دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. فليس للإنسان أن يقدم على شيء من غير أن يكون على بينة من الأمر وهو في نفسه ريبة من ذلك الأمر، أما إن لم تكن في نفسه ريبة وأقدم على شيء وهو لا يعلم حكمه ووافق الحق و لم يخالف الحق ففي هذه الحالة لا يكون مسئولاً أمام الله لأنه وافق الحق وإن كان الأولى له أن يتعلم، ولكن لا يستطيع الإنسان أن يمتنع من أي عمل حتى يتعلم حكمه فإن ذلك أمر عسير فما لم تكن هنالك ريبة وكانت النفس مطمئنة ترجى السلامة إن وافق الحق، والله تعالى أعلم.
السؤال:
رجل طلق زوجته أثناء المكالمة الهاتفية ثلاث مرات ثم أعاد الطلاق ثلاث مرات بعد المكالمة ويقول كانت نية الطلاق موجودة قبل المكالمة؟
الجواب:
تبين منه بالثلاث لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرة في العدة، ومن العلماء من حكى الإجماع على ذلك ومن بين العلماء الذين حكوا الإجماع عليه العلامة ابن قدامة في كتابه المغني، والله تعالى أعلم.
السؤال:
امرأة تصوم عن زوجها المتوفى وهو ليس عليه صيام فهل أجر الصيام يصل إليه؟
الجواب:
ليس في ذلك دليل شرعي ولا ينبغي لها أن تفعل ذلك وإنما الأولى أن تتصدق عنه فإن الصيام عن الغير إنما هو في من مات وعليه صيام كما جاء في حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها من مات وعليه صيام صام عنه وليه، والله تعالى أعلم.
تمت الحلقة بحمد الله تعالى
29 رجب 1423 هـ، الموافق 6 أكتوبر 2002 م
الموضوع: عام
السؤال:
ما قول سماحتكم في رجل عقد قرانه على امرأة ولم يدخل بها بعد، وأراد الذهاب إلى العمرة، فهل يجوز له أن يأخذها معه، لأنه سمع من بعض الأشخاص أنه ليس محرماً لها لكونه لم يدخل عليها بعد؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلّم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: (1/143)
صفحة 144
فهو ليس بمحرم لها، لأنها لو كانت محرماً له لما جاز له أن يتزوج منها، ولما جاز له أن يستمتع بها، وإنما هي حليلته وهو أقرب الناس إليها وهي أقرب الناس إليه، فلذلك كانا زوجين، ومعنى كونهما زوجين أنهما حقيقة واحدة كل واحد منهما يمثل شطراً من هذه الحقيقة، فهو زوج لها وهي زوج له، والذي أحلها له هو العقد الشرعي، فبما أنه عقد زواجه بها فهي حليلته ولذلك أبيح له الاستمتاع بها، ومادام مباحاً له الاستمتاع بها فكيف لا يباح له أن يأخذها عنده ويباح لها أن تسافر عنده، إن ذلك مباح ولا يمنع من ذلك مانع فإن الذي يحللها له هو العقد الشرعي بعد استيفائه جميع شروطه، والله تعالى أعلم.
السؤال:
متى يبدأ وقت صلاة قيام الليل، ومتى يبدأ الثلث الأخير من الليل بالنسبة للصيف وللشتاء؟
الجواب:
قبل كل شيء صلاة الليل ليست مرهونة بوقت معين من الليل، فإن الله تبارك وتعالى يقول (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) (الاسراء:79)، فمتى قام الإنسان في أي وقت من الليل كان له فضل عظيم في ذلك، وإنما يتفاوت الفضل بتفاوت الوقت فكلما كان أقرب إلى السحر كان ذلك أبلغ في الفضل، فعندما يقوم الإنسان في الثلث الأخير من الليل يكون قد قام في أفضل جزء من الليل يقام فيه، والثلث الأخير من الليل يقاس بتقسيم الليل إلى ثلاثة أثلاث بحيث تكون هذه الأثلاث متساوية الثلث الأول منذ غروب الشمس إلى انقضاء الجزء الأول من الثلاثة الأجزاء، ثم الثلث الوسط الذي هو بذلك المقدار، ثم الثلث الأخير الذي هو إلى مطلع الفجر، والله تعالى أعلم.
السؤال:
ما حكم من حلف بالله عدة مرات وهو كاذب؟
الجواب: (1/144)
صفحة 145
عليه أن يتقي الله، وأن يتوب إليه توبة نصوحا، وأن يرجع إليه سبحانه فإن اليمين الكاذبة هي اليمين الغموس، ومعنى كونها غموساً أنها تغمس صاحبها في النار والعياذ بالله إن لم يتب منها، وبجانب هذه التوبة فإن عليه عندنا أن يكفّر كفارة يمين، وكفارة اليمن هي ما نص عليه القرآن الكريم حيث قال عز من قائل (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) (المائدة: من الآية89)، ومعنى ذلك أنه مخير بين ثلاثة أشياء بين أن يطعم عشرة مساكين من أوسط ما يطعم به أهله، أو أن يكسوهم كسوة متوسطة، أو أن يعتق رقبة، فإن عجز عن ذلك كله فهنالك ينتقل إلى الصيام بحيث يصوم ثلاثة أيام، هذه الكفارة المنصوص عليها في كتاب الله والمنصوص عليها في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم عندما يقع الإنسان في يمين يحنث فيها، هذه كفارة الحنث، وإنما شدّد بعض العلماء عندما رأوا التشديدات من قبل الناس في الأيمان فجعلوا اليمين عندما يشدّد الإنسان على نفسه فيها حكمها كحكم كفارة الظهار من حيث نوع التكفير بحيث يكون التكفير إما عتقاً للرقبة وإما صياماً لشهرين متتابعين وإما إطعاماً لستين مسكينا وذلك مما لم يقم عليه دليل، ولذلك جنح كثير من علمائنا إلى أن كفارة اليمين لا تختلف ولا تتنوع بين مغلظة ومرسلة كما ينوعها بعض أهل العلم، وإنما هي كفارات مرسلة بحسب ما نُص عليه في القرآن، والله تعالى أعلم.
السؤال:
نحن نعيش في بلدة لا تحترم أوقات الصلاة التي تبث من وزارة الشؤون الدينية ويحدث هذا خاصة في صلاة العشاء بحيث أن الوزارة تجعل الوقت بين المغرب والعشاء ساعة وربع أو أكثر بقليل بحسب اختلاف الفصل، لكن في البلدة وفي جميع المساجد تكون الصلاة فيها بعد ساعة وهذا على طول السنة والأسئلة كالآتي: (1/145)
صفحة 146
ما وقت صلاة المغرب ومتى ينتهي؟
الجواب:
صلاة المغرب إنما يبدأ وقتها باستكمال غروب الشمس ويستمر إلى غيبوبة الشفق الأحمر، وقيل إلى غيبوبة الشفق الأبيض، وعندما ينتهي وقت المغرب يدخل وقت العشاء، فإن كان الشفق قد غاب فوقت العشاء يكون قد دخل على الاختلاف بين الشفق الأحمر والشفق الأبيض، والشفق الأحمر هو أكثر في الاعتبار، والله تعالى أعلم.
السؤال:
هل وقت صلاة العشاء يبدأ بانتهاء وقت صلاة المغرب، وما الفاصل بين الصلاتين؟
الجواب:
نعم يبدأ وقت العشاء بانتهاء وقت صلاة المغرب، وليس هنالك فاصل، بل ينتهي وقت هذه الصلاة ليدخل وقت الصلاة الأخرى، ولذلك سُوّغ للإنسان أن يجمع بين صلاتي المغرب والعشاء عندما يكون هنالك داع إلى الجمع بحيث يكون في حالة سفر أو يكون في حالة مرض أو يكون في حالة غيم أو مطر أو نحو ذلك من الأعذار التي تسوغ للناس أن يجمعوا بين الصلاتين، وقد وقع ذلك من فعل الرسول صلى الله عليه وسلّم حتى في حالة كونه مقيماً غير مسافر فقد روى الإمام الربيع بين حبيب رحمه الله في مسنده من طريق ابن عباس رضي الله عنهما قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم الظهر والعصر معاً والمغرب والعشاء الآخرة معاً من غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر.
وقد روى الحديث الإمامان البخاري ومسلم ونص روايتهما: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالمدينة من غير خوف ولا سفر، وفي رواية من غير خوف ولا مطر. قيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. (1/146)
صفحة 147
ومعنى ذلك أن فعل الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام هذا إنما لأجل رفع الحرج عن الأمة. وجاء في رواية الشيخين تعليق على هذه الرواية، هذا التعليق يتمثل في سؤال سأله عمرو بن دينار سأله أبا الشعثاء الإمام جابر بن زيد وهو الذي روى الحديث ثم أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما جاء فيه أنه قال - أي عمرو بن دينار - قلت لجابر: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجّل العصر. قال: وأظنه. ومعنى ذلك أنه أخر الظهر إلى آخر وقتها وعجلّ العصر في أول وقتها بحيث يكون صلى الظهر في الجزء الأخير من وقتها، وصلى العصر في الجزء الأول من وقتها، فيكون بذلك جمع بين الصلاتين مع أنه أدى كل واحدة من الصلاتين في وقتها. قال الإمام أبو الشعثاء: وأظنه. أي أظن أنه فعل كذلك. وأخذ بعض العلماء بهذا الذي ظنه الإمام أبو الشعثاء ومن بين هؤلاء ابن سيد الناس وهو من علماء الشافعية قال: جابر بن زيد أدرى بمعنى الحديث لأنه راويه.
ولكننا نرى أن الإمام أبا الشعثاء لم يقطع بهذا وهو لو لم يقل بأن النبي صلى الله عليه وسلّم أخّر الظهر إلى آخر وقتها وعجّل العصر في أول وقتها قطعاً، وإنما ذلك مجرد ظن منه، ولما كان ذلك مجرد ظن فإننا ينبغي لنا أن لا نضيّق ما وسعته هذه الرواية، وإنما يحمل ذلك على ساعات الحرج على أوقات الحرج، ومن أجل هذا قال لفيف من العلماء باشتراك الوقتين أي وقتي الظهر والعصر ووقتي المغرب والعشاء، وهذا أمر يسوغ الأخذ به ولكن بشرط أن يتقيد من أخذ بذلك في حال الاضطرار لا في حال الاختيار أو في حالات الشدة والحاجة الملحة التي تدعو إلى ذلك بحيث لا يعتاد الإنسان استمراره في جمع الظهر والعصر معا، والله تعالى أعلم.
السؤال:
رجل ترك الصلاة زمناً طويلاً تكاسلاً منه لا إنكاراً لها، والآن رجع إلى الله فما هي أفضل الطرق لاستدراك ما فرّط فيه، نرجو الإفادة؟
الجواب: (1/147)
صفحة 148
عليه أن يتوب إلى الله توبة نصوحا، وذهب كثير من العلماء إلى أنه عليه مع ذلك أن يقضي هذه الصلوات التي فاتته وعليه أن يُكفّر، أما القضاء فقد أخذه العلماء من قضاء النبي صلى الله عليه وسلّم للصلوات التي فاتته اضطرارا، فالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام قضى يوم الخندق صلاة الظهر وصلاة العصر وصلاة المغرب في وقت العشاء بسبب أن المشركين شغلوه عن هذه الصلوات فقام بقضائها في وقت العشاء حيث أمر بلالاً أن يؤذن فأذّن ثم أمره أن يقيم فأقام وصلوا الظهر، ثم أمره أن يقيم فأقام وصلوا العصر، ثم أمره أن يقيم فأقام وصلوا المغرب، ثم أمره أن يقيم فأقام وصلوا العشاء، ولئن كان ساغ أن يقضي الإنسان بل وجب عليه أن يقضي ما تركه اضطرار فأحرى أن يكون واجباً عليه أن يقضي ما تركه اختيارا، فلذلك حمل العلماء حكم من ترك الصلاة اضطراراً تهاوناً بها على حكم من تركها وهو غير مضطر.
وأما الكفارة فقد قيست على كفارة الصيام، إذ لم يرد نص قط بوجوب الكفارة في الصلاة، ولكنهم قاسوا ذلك على كفارة الصيام نظراً إلى أن كل واحدة من العبادتين عبادة موقوتة بوقت وتفوت بفوات ذلك الوقت، والصلاة ليست بأقل من الصيام من حيث التشدد فيها، بل هي أولى أن يتشدد فيها لأنه الركن الثاني من أركان الإسلام، والركن الأول من أركانه العملية، فلذلك كانت حرية بهذا التشدد. (1/148)
صفحة 149
وهناك من العلماء من قال بأنه نظراً إلى أنه لم يأت نص عن النبي صلى الله عليه وسلّم يفيد وجوب قضاء الصلاة على من تركها اختياراً قالوا بأن ذلك لا يحمل على ما إذا تركها اضطرارا لأنه في حال تركها اضطراراً معذور وفي حال تركها اختياراً غير معذور فكأنما يوصد الباب أمامه بحيث يغلق عليه الباب فلا يمكنه أن يتدارك تلك الصلاة، وبناء على هذا قالوا بأنه أيضاً الكفارة في هذا لم تثبت ولا يؤخذ بحكم الكفارة فيما لم تثبت فيه الكفارة لأن الكفارة من الأمور التوقيفية التي لا تقاس نظراً إلى أنها شبيهة بالحدود.
والذي نأخذ نحن به أن القضاء لا بد منه ولكن الكفارة لا تلزم إلا إن أرادها احتياطا، إن أراد أن يحتاط لنفسه فيكفّر ففي ذلك خير كثير بمشيئة الله، ولكن لا نقول بوجوب هذه الكفارة عليه، ومع هذا أيضاً لا نقول بسقوط القضاء عنه لأنه يجب أن يتشدد في حق من ترك الصلاة تهاوناً أكثر مما يتشدد في حق من تركها اضطرارا لأن ذلك له عذر وهذا ليس له عذر فأولى بهذا أن يشدّد عليه ويلزم أن يتدارك ما فاته من هذه الصلاة، والله تعالى أعلم.
السؤال:
لو ترك الصلاة وكان مسافراً للدارسة لمدة أربع أو خمس سنوات لم يصل في تلك البلد التي سافر إليها وعندما عاد إلى بلاده تاب إلى الله، فكيف يقضي الصلوات؟
الجواب:
يقضي الصلاة على حسب الحالة التي كان عليها فإن كان عندما ترك هذه الصلاة في حالة السفر فهو يقضيها سفرية وإن كان في الحضر، وإن كان في حالة قيام أي كان مقيماً في الحضر فهو يصلي صلاة المقيم ولو كان في السفر أي يقضيها صلاة مقيم ولو كان في السفر.
السؤال:
رجل استدرك مع الإمام وبعدما سلّم الإمام لم يقم هو لاستكمال الصلاة ناسياً، وتذكر بعد أن سلّم ولكنه لم يقم من مكانه، فماذا عليه أن يفعل؟
الجواب: (1/149)
صفحة 150
أما إن تهاون بعد أن انتبه وجلس بقدر ما يتمكن من عمل من أعمال الصلاة يأتي به ففي هذه الحالة عليه أن يعيد الصلاة من جديد، أما إن قام فوراً بعدما تذكر فليس عليه إلا أن يسجد لسهوه، والله تعالى أعلم.
السؤال:
رجل نسي قراءة الفاتحة وتذكرها بعد أن سلّم فماذا عليه؟
الجواب:
يقوم ويأتي بهذه الفاتحة ولا شيء عليه إلا ذلك، والله تعالى أعلم.
السؤال:
ماذا يلزمنا إن وجدنا اسماً من أسماء الله الحسنى مكتوباً في ورقة أو آية من آيات القرآن الكريم، هل يجوز لنا حرقها أو قص كل حرف منها؟
الجواب:
هي ولو قطعت حروفاً صغيرة فإن ذلك لا يقضي على حرمتها، حرمتها تكون باقية، ولذلك ينبغي في مثل هذه الحالة أن تؤخذ أسماء الله تعالى وما كان من الآيات القرآنية التي لا تمكن المحافظة عليها وما كان من كل ما هو مقدس أي بما فيه أسماء لله تعالى يجب أن يؤخذ ذلك ويتلف بطريقة إما أن يُرمى في بئر مهجورة بحيث تكون هناك طمأنينة بأنه لن يصل أحد إلى هتك حرمتها، وإما أن تدفن في أماكن بعيدة بعد وضعها في الأكياس، وإما أن تلقى في البحر، وإن تعذر ذلك كله فلا مانع من الإحراق، والله تعالى أعلم.
السؤال:
هل يجب قضاء الوتر، وهل يجوز أن تصلى الوتر ركعة واحدة في حال الحضر؟
الجواب:
أما القضاء فالوتر حكمه في القضاء حكمه في الأداء، فمن رآه واجباً قال بوجوب قضائه، ومن رآه سنة مؤكدة قال كذلك حكم قضائه، ومن رأى أن الوتر نافلة - وهو قول لبعض أهل العلم - فكذلك قضاؤه، ونحن نأخذ بقول من قال بأن الوتر سنة مؤكدة، هذا ولا مانع من الإيتار بركعة واحدة أي الاقتصار على ركعة واحدة وهذا وتر العاجز كما روي عن الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم.
السؤال: (1/150)
صفحة 151
اشترك خمسة عشر شخصاً في جمعية بأسهم معينة كل منهم على حسب قدرته المالية فبعضهم يستلم خلال السنة الأولى من بدء الجمعية وبعضهم يستلم بعد ذلك ويدفعون مائة ريال، هل تجب الزكاة على هؤلاء؟
الجواب:
ما كان من نحو هذا فإنه ينظر هل هذه المبالغ التي تُجمع تبقى في صندوق الجمعية إلى مُضي عام عليها وقد بلغت مقدر النصاب أو لا، فإن تبقى في صندوق الجمعية بمقدار عام كامل وقد بلغت النصاب ففي هذه الحالة تُزكى من أسهم الجميع بحيث ينوب كل واحد من المشاركين مقدار ما يجب عليه قدر حصته من الزكاة، وإن كان لا، بحيث يُسلّم هذا المبلغ إلى أحد الناس من المشاركين في هذه الجمعية فإنه تنتقل زكاة ذلك الذي سُلّم إليه إلى ذلك الشخص نفسه بحيث يطالب هو بأن يزكيه بعد أن يمضي الحول عليه وقد بلغ النصاب، فإن بقي معه نقداً وقد مضى الحول عليه وقد بلغ النصاب ففي هذه عليه أن يزكيه وإلا فلا، إن كان استهلكه قبل مضي الحول أو كان دون النصاب وبقي في يده حتى ولو مضى عليه الحول ففي هذه الحالة لا زكاة عليه، والله تعالى أعلم.
السؤال:
ما هو تفسير الحديث (لعن الله النامصة والمتنمصة)؟
الجواب:
النمص هو ترقيق الحواجب، فأية امرأة رققت حواجبها فهي داخلة في هذه اللعنة، وأي امرأة كان ذلك عملها بحيث ترقق الحواجب للنساء الأخريات فهي أيضاً تبوء بهذه اللعنة والعياذ بالله، إنما اللعن على من فعل ذلك ومن فُعل به كما جاء في الحديث، والله تعالى أعلم.
السؤال:
البعض يقلن بأنهن يرققن حواجبهن للأزواج، فهل يجوز ذلك؟
الجواب:
لا يتزين للزوج بما حرم الله، إنما يتزين له بما أباحه الله.
السؤال:
ما حكم صبغ الشعر بمختلف الألوان بالنسبة للمرأة؟
الجواب:
أما صبغ الشعر من السواد إلى اللون الآخر فذلك من تبديل خلق الله، وأما إن كانت ابيضّ شعرها فلها أن تصبغه بالحناء وأجيز لها أن تصبغه بالسواد لأجل التزين لزوجها من غير تدليس عليه.
السؤال: (1/151)
صفحة 152
هل من حلف يميناً ثم حنث به فكفّر فهل تكون تلك اليمين ماضية أم عليه أن يقسم ثانية؟ وإن كانت لا تزال ماضية فهل عليه أن حنث بها ثانية أن يؤدي كفارة أخرى؟
الجواب:
ما معنى أن يقسم ثانية؟ هو لا يطالب بأن يقسم، الناس لا يطالبون بأن يحلفوا، ومن العلماء من فسّر قول الله تعالى (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ) (البقرة: من الآية224)، أي ألا تكثروا الحلف بالله ولو كان هذا الحالف صادقاً في يمينه فهو لا يطالب بأن يحلف وإنما عليه أن يتجنب الحلف بقدر المستطاع ولو كان صادقا، فإن حلف وحنث وكفّر سقط عنه حكم اليمين ولا عليه بعد ذلك أن يستمر في فعل ما يقتضي الحنث بما أنه فعله ثم كفّر، والله تعالى أعلم.
السؤال:
رجل تزوج امرأة وأنجب منها أولاداً ومضى على زواجها ثلاث سنوات وأن الرجل زنى بامرأة أخرى وأنجب منها ولداً وبعدما تزوجها بعد الولادة أخبر زوجته الأولى بما حدث، وبعد ذلك أمره أهل الزوجة الأولى بأن زوجته الأولى محرمة عليه لأنه زنى بتلك المرأة وأخبرها بذلك، وأمره أهل تلك الزوجة أن يطلق زوجته فطلقها طلقة واحدة رغماً عنه كما تقول، وهي لا تريد الطلاق ولا هي تريد أن يطلق زوجته أم أولاده وبعدها طلق زوجته الثانية وهي الآن حامل بعد طلاقها، فهل تكون الزوجة الأولى محرمة عليه للأبد؟ وهل تكون محرمة بعدما يتزوجها رجل آخر ثم يطلقها ويتزوجها هو مرة أخرى؟
الجواب:
هو وقع في ورطة كبيرة عندما اعترف عندها بأنه زنا لأنه ليس له أن يكشف عندها مساوئه وإنما يطالب بأن يستتر بستر الله تعالى، وكذا لو وقعت المرأة في مثل ذلك، وهذا راجع إلى أن كل واحد من الزوجين لا يكون كفؤاً للزوج العفيف عندما يكون متلبساً بجريمة الزنا، فالله تبارك وتعالى يقول (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (النور:3). (1/152)
صفحة 153
فقوله (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) إشارة إلى أن الزنا يتنافى مع الإيمان. فمن تلبس بالزنا فقد خلع ثوب الإيمان من نفسه، ولذلك جاء في الحديث عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)، وتأكد هذا الحكم فيما أنزله الله تبارك وتعالى في سورة المائدة، وسورة المائدة من أواخر القرآن نزولاً فالله تعالى يقول فيها (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (المائدة: من الآية5)، فأباح الله تعالى المحصنات من المؤمنات والمقصود بالمحصنات هنا العفائف، فإن العفائف هن المباحات، وكذلك المحصنات من الذين أوتوا الكتاب حتى ولو كن كتابيات لا بد من كونهن محصنات أي عفيفات، فإن تزوج الرجل المسلم بالكتابية مشروط بأن تكون هي محصنة أي عفيفة، فإن كانت غير ذلك لا يجوز له أن يتزوجها.
وعلى هذا فإن اعترافه بالزنا أمامها يسقط صفة الإحصان عنه، وبما أنه تسقط عنه صفة الإحصان يكون في هذه الحالة تحرم عليه تلك المرأة عندنا، وقيل تحرم عليه إن صدقته، وقيل إن تدارك هو وكذّب نفسه قبل أن يواقعها لم تحرم عليه، أما إن لم يكذّب نفسه فإنها تكون محرمة عليه، وبناء على ذلك فإن هذه الحرمة ليست حرمة وقتية وإنما هي حرمة أبدية ولا يحلها أن يتزوجها من بعده زوج آخر، والله تعالى أعلم.
السؤال:
علماً بأن الزوج أمر زوجته بإرضاع الولد وأرضعته أيضاً زوجة أخيه فما حكم هذه الرضاعة؟
الجواب: (1/153)
صفحة 154
هو من حيث الحكم لا يكون ولداً له بحيث لا يرثه إن لم يكن ولد على فراشه، أما إن ولد على فراشه ولو كان نكاحه نكاح شبهة فهو لاحق به، وإن كان لم يولد على فراشه فالولد للفراش وللعاهر الحجر، وكونه أرضعته زوجته يجعله ابناً له من حيث حرمة النكاح ولكن لا يكون ابناً له من حيث النسب والإرث، والله تعالى أعلم.
السؤال:
هل يجوز الجمع في حال قدوم ضيوف وخشي الرجل أن يتركهم وحدهم في بيته؟
الجواب:
في هذه الحالة ينبغي له أن يتجنب الجمع إلا إن دعته إلى ذلك الضرورة بحيث كان هنالك حرج كبير في ترك الضيوف فلا مانع أن يجمع ولكن على ألا يتخذ ذلك عادة.
السؤال:
من نذر بصيام ولو يوف بنذره ما حكمه، وما يجب عليه؟
الجواب:
هل هو نذر موقوت أو لا؟، فإن كان نذراً موقوتاً وفات وقته قيل عليه أن يقضيه وقيل لا، القول الأول مبني على أن الأمر بالقضاء هو نفس الأمر بالأداء، والقول الثاني مبني على أن الأمر بالقضاء أمر ثان غير نفس الأمر بالأداء، واختلف إن فاته هل عليه كفارة يمين أو لا تلزمه كفارة، والله تعالى أعلم.
السؤال:
هل يمكن للإمام أن يصلي في صف واحد مع المأمومين لأن المكان لا يكفي لتقدم الإمام على المأمومين علماً بأن الجماعة تتكون من ثلاثة أشخاص فقط فإذا صلى اثنان معاً في صف واحد فالثالث سيبقى بدون جماعة؟
الجواب:
إن تعذر ذلك فلا حرج في مثل هذه الحالة، والعلماء اختلفوا كثيراً في جواز أن يكون الإمام في نفس الصف قيل إن كان اثنين لزم أن يكونا خلفه وهذا الأرجح ولكن ذلك يقيد بحالة الاختيار لأن النبي صلى الله عليه وسلّم دفع الاثنين إلى خلفه عندما اصطفا بجنبه، وقيل حتى يكونوا ثلاثة وقيل حتى أربعة وقيل خمسة وقيل أحد عشر في ذلك خلاف، ولكن مع ذلك كله فإنه يباح في حالة الاضطرار ما لا يباح في حال الاختيار.
السؤال: (1/154)
صفحة 155
ما قولكم في قيادة المرأة العاملة للسيارة من أجل الذهاب إلى العمل والذي قد يكون في نفس الولاية ويستغرق عشر أو خمس عشرة دقيقة للوصول؟
الجواب:
ليست القضية قضية قيادة السيارة، وإنما القضية قضية ما يترتب على هذه القيادة، فهذه المرأة قد تتعطل سيارتها وتحتاج إلى إصلاح ويكون إصلاحها بكيفية لا تليق مع حشمة المرأة المسلمة ووقارها هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى قد تقع في مخالفات مرورية وذلك مما يؤدي إلى جرها من قبل شرطة المرور إلى مخافر الشرطة وهذا مما يجب أن تتنزه عنه المرأة المسلمة، فلذلك نرى أنه من الأسلم ترك القيادة إلا إن دعت الضرورة إلى ذلك فالضرورة تقدر إذن بقدرها.
السؤال:
امرأة طلبت من زوجها طلاقها وذلك بسبب تشاجر حدث بينهما وبين أم الزوج ولعدم توفر المال عند الزوج في الوقت الحالي لبناء منزل مستقل ومع أنه وعدها بعد خمسة أشهر أنه سيحصل على مبلغ يؤهله لشراء منزل مستقل إلا أن الزوجة أصرت على الطلاق ويوجد لديهم طفل عمره سبعة أشهر فكيف يمكن أن يصلح بينهما؟
الجواب:
الصلح خير، ولما كان الصلح خيراً فينبغي التوسط، ومن الممكن أن يحل المشكلة بأن يستأجر مكاناً موقوتاً يسكن فيه امرأته حتى لا يقع صدام بينها وبين أمه فإن ترك الصدام هو الواجب وذلك إلى أن يتمكن من بناء منزل مستقل لها.
سؤال (تابع):
ما هو وضع الطفل مستقبلاً إذا حدث الطلاق؟
الجواب: (1/155)
صفحة 156
نعوذ بالله من الطلاق، ولا ينبغي أن يصار إلى الطلاق إلا مع تعذر الوفاق، أما إن أمكن الوفاق فإنه يؤمر بتفادي الطلاق، ولذلك نحن نرى حل المشكلات في القرآن مقدماً على الطلاق فالله تعالى يقول (وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً) (النساء: من الآية34)، ومعنى هذا أن الزوج يعالج مشكلة نشوز امرأته وعدم طاعتها بنفسه فيبدأ أولاً بالموعظة الحسنة إذ الموعظة يكون لها أثر في نفس من سلمت فطرته، فإن تعذر تأثير هذه الموعظة عليها هنالك ينتقل إلى حل آخر وهو هجرانها في المضجع، فإن تعذر تأثير هذا الدواء فيها فإنه يعدل إلى علاج آخر وهو الضرب الذي هو غير مبرح ولا مؤثر، ومع هذا فإن استمر النشوز واستمر الخلاف بين الزوجين هنا تتدخل الأسرتان (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً) (النساء:35).
والأصل في الأم أن تكون هي أولى بحضانة ولدها إن افترقت مع أبيه أي إن خرجت عن عصمة أبيه تكون الأم هي أولى بالحضانة ما لم تتزوج لقول النبي صلى الله عليه وسلّم للمرأة التي شكت إليه أن أبا ولدها يريد أن ينزعه عنها لقوله لها (أنت أحق به ما لم تنكحي) أي ما لم تتزوجي، والله تعالى أعلم.
السؤال:
رجل يجد عناداً عنيفاً من زوجته إذا ما دعاها إلى حقه الشرعي وعلى الرغم من أنه يلح عليها كثيراً ويذكرها بالآيات والأحاديث إلا أنها لا تكثرت بذلك أبدا حتى اضطره ذلك الوضع إلى أن يمارس العادة السرية من أجل عناد الزوجة ويريد منكم سماحة الشيخ نصيحة لها حتى تستجيب لطلبه؟
الجواب: (1/156)
صفحة 157
أولاً قبل كل شيء على هذه المرأة أن تتقي الله وأن تطيع زوجها وتستجيب لمطلبه الفطري، وأن لا تترد في ذلك فإنها بقدر تبعلها له أي بقدر ما تحسن عرضها نفسها على الزوج وتقدم نفسها له من أجل قضاء حاجته منها وقضاء حاجتها هي منه لأن هذه حاجة مشتركة بقدر ذلك تكون مأجورة عند الله بل لها في هذا ثواب المجاهدين في سبيل الله، وإن أبت ذلك فإنها تلعنها الملائكة والعياذ بالله حتى تصبح وتكون بعيدة عن رضوان الله وتعالى، عليها أن تتقي الله في هذا الأمر وأن لا تعرض زوجها لسخط الله سبحانه إذ لا يحل لامرأة أن تمنع نفسها وزوجها يدعوها إلى الفراش، والله تعالى أعلم.
السؤال:
هل من الجائز أن يقوم رجل طبيب مسلم أو غير مسلم بعمليات جراحية للنساء إذا تعذر وجود طبيبات يقمن بهذه العملية؟
الجواب:
نعم يباح في حال الاضطرار ما لا يباح في حال الاختيار، فإن أمكن أن يتفادى ذلك بحيث يكون العلاج بغير العملية عندما تكون العملية غير ضرورية فإنه يجب أن يقتصر على العلاج الآخر إن لم توجد الطبيبة التي تقوم بهذا العلاج، وإن كانت العملية ضرورية وأمكن امرأة أن تقوم بها ففي هذه الحالة لا يجوز للمرأة أن تتطبب عند رجل بحيث يقوم هو بإجراء العملية لها، وإن كان الأمر خلاف ذلك بحيث كانت العملية ضرورية ولم توجد امرأة تقوم بها ففي هذه الحالة يباح أن يجري هذه العملية رجل لهذه المرأة، وفي هذه الحالة يؤمر أن يكون معها ذو محرم اللهم إلا إن تعذر ذلك فإن الأمور ينظر فيها بقدر ظروفها وملابساتها ويباح في حال الاضطرار ما لا يباح في حال الاختيار، والله تعالى أعلم.
السؤال:
امرأة تزوجت رجلاً كانت لا تعلم أنه لا يصلي إلا بعد الزواج والمعاشرة فما حكم الزواج، علماً بأن لديها أولاد منه؟
الجواب: (1/157)
صفحة 158
إن كان تاركاً للصلاة تهاوناً من غير أن يجحدها فهي لا تحرم عليه ولكن لا خير في مقامها معه مادام لا يصلي لأنه أشبه بثعابين جهنم، وكيف ترضى المرأة المسلمة أن تضاجع ثعباناً من ثعابين جهنم والعياذ بالله، وإن كان يجحد هذه الصلاة ففي هذه الحالة يكون مرتداً عن الإسلام ولا علاقة له بالإسلام قط، وفي هذه الحالة تكون حراماً عليه ويكون حراماً عليها، والله تعالى أعلم.
السؤال:
نحن في بلاد الغرب عندما نذهب إلى المسجد نلاقي في الطريق من المتبرجات اللواتي كشفن عوراتهن وقد ينظر أحدنا إليهن خطأ ثم يكف بصره غير عامداً ولكن هل يلزمه في هذه الحالة إعادة الوضوء؟
الجواب:
لا، لأنه لم ينظر إليها بشهوة متعمدا.
السؤال:
ما حكم من تزوج بامرأة كانت بينه وبينها علاقة محرمة دون الزنا؟
الجواب:
جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم (العينان تزنيان واليدان تزنيان والرجلان تزنيان ويصدق ذلك ويكذبه الفرج)، ومعنى ذلك إن لم تكن مواقعة بالفرج فلا تترتب الأحكام التي تترتب على الزنا من هذه الأحكام حرمة هذه المرأة عليه ولكن مع ذلك التنزه هو أولى وأفضل، والله تعالى أعلم.
السؤال:
امرأة وهي في عدة الوفاة بعد موت زوجها وقبل أن تنقضي العدة بعشرة أيام قامت جهلاً منها وتعطرت ولبست ثياباً جديدة ومارست حياتها وكأنها أنهت العدة، ثم تقدم شخص لخطبتها بعد عشرين يوماً من ذلك التاريخ أي بعد عشرة أيام من اكتمال عدتها التي انقضت منها عشرة أيام، ماذا عليها؟ وهل يلحق الشخص المتقدم لخطبتها إثم؟
الجواب:
إن كان خطبها بعد انقضاء العدة فلا عبرة بما فعلته في عدتها من تقصير ومخالفة للأحكام الشرعية، ذلك لا يؤثر عليها إنما تكون الخطبة في هذه الحالة خطبة صحيحة.
وما معنى العدة؟ العدة التربص بحيث لا تتزوج هذه هي العدة، أما امتناعها عن الطيب والزينة فذلك مما تؤمر به في أثناء العدة وليس ذلك هو عين العدة.
السؤال: (1/158)
صفحة 159
إذا دخل رجل مسافر مسجداً ووجد جماعة تصلي وهم في بداية التشهد الأخير وهو على علم بأن جماعة أخرى ستأتي وتصلي فهل له أن ينتظر أو يدخل مع الجماعة الأولى؟
الجواب:
جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال (إذا جئت والناس يصلون فصل معهم)، وإن كانت تلك الجماعة الثانية جماعة غير متخلفة بالعمد عن هذه الجماعة الأولى بحيث لم ترد من تلقاء نفسها أن تقيم جماعة مستقلة عن الجماعة الأولى وإنما كانت مضطرة بحيث منعها مانع من الحضور من أول الأمر فلا حرج إذا انتظر لأن ذلك ليس فيه شقا للعصا وليس فيه تفريق للجماعة، والله تعالى أعلم.
السؤال:
أنا فتاة في التاسعة عشر من عمري لي عادة وهي أنني أتشوق لحضور الصلوات المفروضة ولكن حين أؤديها أحس بأن شيطاناً يوسوس لي غالباً ما يخرج ذهني من الصلاة وعندما أستعيذ وأحاول الخشوع ولكن الشيطان يغلب علي، أفيدوني أفادكم الله؟
الجواب:
عليها أن تتقي الله، وأن تستشعر عظمة المقام الذي وقفته بحيث تحرص دائماً على أن يكون معنى ما تقوله في صلاتها أسبق إلى ذهنها من لفظه إلى لسانها، هذا هو الذي عليها ولكن مع ذلك إن غلبها الذهول والنسيان فذلك من طبع الإنسان ولا تكلف ما لا تطيقه فأن الله تبارك وتعالى يقول (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية286)، ويقول (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا) (الطلاق: من الآية7)، ويقول سبحانه وتعالى فيما يحكيه عن عباده المؤمنين (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَانَا) (البقرة: من الآية286)، والله تعالى أعلم.
السؤال:
في حالة تأدية الصلاة أين ينظر المصلي هل تجاه القبلة أم ماذا؟ وفي حالة الركوع هل ينظر للقدمين أم للقبلة؟
الجواب: (1/159)
صفحة 160
المصلي عندما يكون قائماً يكون نظره محصوراً بين قدميه وموضع سجوده، وعندما يكون ساجداً ينظر إلى أنفه لأن ذلك هو النظر الطبيعي، وعندما يكون راكعاً ينظر إلى ما بين إبهاميه، وعندما يكون قاعداً ينظر إلى ما بين ركبتيه، والله تعالى أعلم.
السؤال:
قام رجل يصلي فريضة العشاء الآخرة منفرداً وبعد أن أتم ركعتين دخل رجلان آخران المسجد وأقاما يصليان العشاء جمعا فزحف الرجل الأول إليهما ودخل معهما في الجماعة، ثم ارتبك ماذا يعمل هل يسلم بعد أن يصلي ركعتين لأنه أكمل أربع ركعات أم يواصل معهما ففضل المواصلة فصلى ست ركعات فماذا عليه؟
الجواب:
عليه أن يعيد الصلاة، قد كان عليه أن يقطع صلاته، قيل تبطل صلاته بقول المقيم قد قامت الصلاة، وقيل تبطل صلاته بتكبيرة الإحرام من قبل الإمام وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلّم: إذا أقيمت المكتوبة في جماعة فلا صلاة إلا المكتوبة، والله تعالى أعلم.
السؤال:
لدي طفل وفي أحياناً كثيرة عندما أصلي يأتي طفلي فوق السجادة وبالطبع يكون مرتدياً الحفاظ وفي بعض الأحيان يكون الحفاظ نجساً فما حكم صلاتي في هذه الحالة؟
الجواب:
هذه حالات الضرورة التي يتسامح فيها مع المرأة أكثر مما يتسامح فيها مع غيرها، أي يتسامح فيها مع الأم أكثر مما يتسامح فيها مع غيرها، فما عليها من حرج من ذلك، وإنما عندما يمكن أن يمسك هذا الطفل شخص آخر أو عندما يمكن أن تتفادى مجيئه إليها ففي هذه الحالة لا بد من الاحتراز، والله تعالى أعلم.
السؤال:
هل يمكن أن أعطي زكاة ذهبي كعيدية في العيدين للأطفال؟
الجواب:
الأطفال فيهم الغني وفيهم الفقير، والزكاة تُعطى لمن ينفقها على نفسه وعلى عياله من الفقراء، والله تعالى أعلم.
السؤال:
نرجو من سماحتكم التحدث عن صلاة المريض بشيء من التفصيل من حيث مراحلها والهيئة التي يكون عليها الإنسان، وأين يضع يديه أثناء الصلاة جالساً؟
الجواب: (1/160)
صفحة 161
المريض حاله إنما ينظر فيه إلى مراحل هذا المرض أو حالات هذا المرض، فمن كان قادراً على أن يتكلف القيام ويصلي قائماً فإنه يؤمر أن يصلي قائماً إلا إن شق عليه ذلك، أما إن شق عليه القيام وقدر على القعود ففي هذه الحالة يصلي قاعداً ويضع يديه على الأرض، وقيل يجلس كما يجلس في حال التشهد، قيل تكون هيئته كهيئته في حال التشهد، وقيل بل يضع يديه على الأرض إلا إن كان في حال القعود للتشهد، وإن تعذر عليه ذلك بحيث لم يكن قادراً على القعود فإنه يصلي مضطجعاً على الجانب الأيمن ووجهه إلى القبلة، فإنه تعذر عليه ذلك صلى كيفما أمكنه، فإنه تعذر عليه أن يأتي بالصلاة فإنه يكبر لكل صلاة خمس تكبيرات، والله تعالى أعلم.
السؤال:
دخل رجل المسجد ليصلي صلاة الظهر فوجد جماعة قائمة للصلاة إلا أنهم مسافرون أي يصلون قصراً فدخل الرجل معهم وقد فاته قراءة الفاتحة من الركعة الأولى، وبعد أن سلّم الإمام قام المستدرك بدون تكبيرة وبدأ أولاً بصلاة الركعتين لتكملة الأربع وقرأ التحيات إلى عبده ورسوله، ثم قام للاستدراك ولكنه أيضاً قام بدون تكبيرة فبقي مرتبكاًً ماذا يفعل لأنه قام مرتين بدون تكبيرة الأولى لتكملة الصلاة الرباعية والثانية للاستدراك فماذا عليه؟
الجواب:
أما في الأولى فقد كان عليه أن يقوم بتكبيرة، وقيامه بدون تكبيرة خطأ، ولذلك عليه أن يسجد لسهوه، وأما في المرة الثانية فهو على صواب، والله تعالى أعلم.
السؤال:
أودع والدي عندي مبلغاً ولكني استخدمته فهل عليه زكاته أم عليّ؟
الجواب:
أما إن كان الولد وفياً ملياً وكان قاصداً أن يعيده إلى أبيه والأب متمكن من استرداده متى أراد ذلك من أجل أن ولده مليّ وهو وفيّ في نفس الوقت ففي هذه الحالة الزكاة على الوالد، وإلا على الولد إن كان عنده مال، والله تعالى أعلم.
السؤال: (1/161)
صفحة 162
فيمن دخل على الإمام المسافر الذي يجمع الصلاتين وكان يظن أن الإمام في صلاة الظهر ولكن تبين له بعد التسليم أنه في صلاة العصر فكيف يصنع؟
الجواب:
هنا الأحوط والأسلم أن يعيد الصلاة، وإن أخذ برأي من يجيز الصلاة خلف من يصلي فريضة أخرى فلا مانع من ذلك لا سيما وقد دخل هو ولم يكن دارياً بهذا الأمر، والله تعالى أعلم.
السؤال:
ما رأيكم في فئة معينة من الناس اتخذت من الباب الذي يدخل منه إمام وخطيب صلاة الجمعة اتخذت منه مدخلاً لها أيضاً وذلك ليكونوا في الصف الأول وخلف الإمام مباشرة حتى ولو كانوا متأخرين، مع العلم بأن هؤلاء من الناس الذين منّ الله عليهم بالعلم وليس بهم أي عاهة تمنعهم من المشي وغالباً ما يخصصون الصلاة خلف الإمام مباشرة أي يخصصون الصف الأول لهم؟
الجواب:
ما كان ينبغي ذلك أي التميز بهذا، ومثل هؤلاء ينبغي أن يبادروا ويعجلوا الرواح إلى الجمعة فإن من توضأ وراح في الساعة الأولى كان كمن أهدى بدنة، ومن راح في الساعة الثانية كان كمن أهدى بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة كمن أهدى كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة كمن أهدى دجاجة، ومن راح في الساعة السادسة فكمن أهدى بيضة، فلا ينبغي لهؤلاء أن يفوتوا الفرصة وأن يدخلوا من ذلك الباب لأجل أن يكونوا في الصف الأول وهم يأتون متأخرين.
السؤال:
ما نصيحتكم لمن وفقه الله للذهاب إلى العمرة والحج وبعدها رجع إلى سالف عهده من ارتكاب المحرمات؟
الجواب:
نقول له ولغيره الواجب عليهم أن يتقوا الله وليس التقوى بسبب الحج والعمرة فحسب وإنما التقوى فريضة على الإنسان من أول مراحل حياته، فإن تقوى الله تعالى ضمان للإنسان في الدنيا والآخرة وحسب امرئ من دنياه أن يعمل بطاعة ربه وأن يقف حدوده، والله تعالى أعلم.
تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه
6 شعبان 1423 هـ، الموافق 13 أكتوبر 2002م
الموضوع: تربية الأبناء
السؤال: (1/162)
صفحة 163
ما أهمية الترابط الأسري والاحترام المتبادل والتعاون في تكوين نفوس أطفال صالحين مطمئنين وينتشرون في الحياة على أسس صحيحة؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإن الله تبارك وتعالى جعل الأسرة محضناً للأولاد، كما جعلها لبنة في بناء المجتمع ومن خلال ذلك تبنى الأمة، ولذلك كانت الأسرة بحاجة إلى أن تكون متينة الصلة حسنة العلاقة يشد بعضها إلى البعض الآخر حنان وعطف ومودة، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم عندما قال الله سبحانه (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَة) (الروم: من الآية21) فإن السكون هنا إنما هو سكون القلب وطمأنينة النفس.
ولذلك كان الإنسان جديراً بأن يحرص على المحضن الصالح لذريته قبل أن يتكون المحضن، ومعنى ذلك أن ذلك قبل أن تتكون الذرية، ومن هنا كان التوجيه النبوي الشريف إلى أن يختار الرجل لنطفه (اختاروا لنطفكم فإن العرق دساس)، ومن أجل ذلك كان أيضاً التوجيه النبوي الشريف إلى أن يختار الرجل الزوجة الصالحة ذات الدين فقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام (تنكح المرأة لمالها وجمالها وحسبها فاظفر بذات الدين تربت يداك) معنى ذلك أن الميزان إنما هو الدين، وكذلك بالنسبة إلى المرأة إنما تؤمر أن تختار الرجل الصالح الذي يعينها على الدين، والذي يتجاوب معها في إطار الفطرة السليمة ويتعاطف معها كما أرشد القرآن الكريم، وهذا ما دل عليه الحديث الشريف عندما قال عليه أفضل الصلاة والسلام (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير). (1/163)
صفحة 164
ولا ريب أنه إن كانت الأسرة يقوم بناؤها على المودة والرحمة والتعاطف والتفاهم والتلاحم فإنه لجدير أن تكون هذه الأسرة حريصة على أسباب ذلك كله بحيث تتفادى المشكلات فإن ثمرات ارتباط هذه الأسرة الذرية، والذرية كما هو معروف هم أفلاذ الأكباد وثمرات الفؤاد ولذلك كان حرياً بالإنسان أن يحرص على راحة ذريته وسلامتها واستقرارها ونشوؤها في ظلال الرحمة والمودة وإحساسها بالعطف والرحمة، وعندما يكون تنافر بين الأب والأم فإن أثر ذلك ينعكس على الأولاد إنعكاساً سلبياً وقد يؤدي ذلك إلى أن ينشأ الولد شاذاً بسبب ما يراه من تنافر أبويه لأنه يسخط على الواقع ومن خلال سخطه على الواقع يسخط على المجتمع ويسخط على الأمة ويسخط على الحياة، ولذلك يكون شاذاً في تصرفه وسلوكه وأعماله وهذا هو الذي يؤدي إلى وجود أقوام في هذه الحياة يكونون عبئاً على المجتمع من خلال تصرفاتهم ومن خلال أعمالهم.
فمن هنا كانت الضرورة إلى التفاهم وإلى المودة وإلى التعاطف، وهذا معنى يجب أن يدركه الرجال والنساء معاً ذلك لأن كل واحد مسؤول من جانبه، فالرجل مسؤول والمرأة مسؤولة، الأب مسؤول والأم مسؤولة.
فلذلك من كان من الضرورة أن يتعاون الأب والأم على تربية الأولاد تربية صالحة، تربية تقوم على أساس المودة بين الأبوين وخشية الله تبارك وتعالى وحب الخير لأولادهما لينعكس أثر ذلك كله في حياة الأولاد، فإن الولد كالمرآة الصافية ينعكس عليها كل ما يقابلها، وماذا عسى أن تكون حالة هذه المرآة عندما تكون لا تعكس إلا الشقاق والنفرة والخلاف، أو عندما تكون لا تعكس إلا الأمور الشاذة التي فيها مخالفة للفطرة ومخالفة لدين الله سبحانه وتعالى، لا ريب أن ذلك مما ينغرس في نفسية الطفل ويؤدي به ذلك إلى أن يكون كما قلت ناقماً على الحياة شاذاً في مجتمعه، والله تعالى المستعان.
السؤال: (1/164)
صفحة 165
الخلاف طبيعة البشر وحتى عند الزوجين الخلاف حاصل لا محالة، فإذا حدث شجار أو خلاف كيف يكون التصرف؟
الجواب:
لا شك أن الخلاف من سنن الحياة ولا يمكن أن تصفو الحياة دائماً، وقد أجاد الشاعر عندما قال في وصف هذه الحياة:
جُبلت على كدر وأنت تريدها *** صفواً من الأقذار والأكدار
لا يمكن أن تكون الحياة صافية، ولذلك كانت الأسر تتعرض للخلافات، وما من أسرة إلا وقع فيها خلاف، وهذا أمر معلوم ولكن هنالك أمور تعالج هذا الخلاف، في بيت النبوة كان خلاف، كان شيء من الحساسية، كان شيء من التجاذب والتدافع قد وقع ذلك بين أمهات المؤمنين، ووقع ذلك بينهن وبين رسول الله صلى الله عليه وسلّم نفسه، وقد آلى النبي صلى الله عليه وسلّم من أزواجه شهراً بسبب هذا الخلاف نفسه ولأجل ردعهن، ولكن مع هذا كله هنالك فطر سليمة، هذه الفطر ترد هذه النفوس إلى الخير، وتبعثها على العمل بما يرضي الله، وتجعلها تدّكر، وتجعلها ترعوي عن غيها وتثوب إلى رشدها، فمن الضرورة بمكان أن يكون كل واحد من الزوجين يحس بمسؤوليته، ويعرف مدى ما تحمّله من أمانة الله تعالى من خلال هذه العلاقة الزوجية، لأن هذه الأمانة ليست أمانة بشرية وإنما هي أمانة الله تبارك وتعالى إذ كل واحد منهما مسؤول عن تربية الأسرة فيما بينه وبين الله سبحانه وتعالى، ومسؤول أيضاً عن الحقوق الزوجية فيما بينه وبين الله، فلذلك يؤمر الزوجان جميعاً أن يتقيا الله سبحانه، فعندما ينشأ الخلاف لا بد من التذكير، والمرأة بطبيعة الحال قد تكون أكثر حدة وأكثر نُفرة لما يطرأ عليها من أمور طبيعية من بينها الدورة الشهرية، فإن للدورة الشهرية تأثيراً على سلوك المرأة وعلى طبيعتها، ومن أجل ذلك أُمر الرجل أن يتقي الله في امرأته في خلال هذه الأيام، ومن هذا أنه حَرُم عليه تطليقها إبان الدورة الشهرية لأنها قد تكون سريعة الانفعال في هذه الفترة، وهذه بعض الحكم التي ينطوي عليها التشريع الرباني في أن لا (1/165)
صفحة 166
يطلق الرجل امرأته إلا في طهر لم يباشرها فيه، أي أنه يحرم عليه أن يطلقها إبان عدتها، وبسبب أن المرأة قد تتعرض لبعض هذه الحالات الشاذة مع أن كثيراً من الرجال أيضاً قد يكونون ضيقي العطن، تضيق صدورهم من أي شيء من معاملات نسائهم مع أن الرجال من المفروض عليهم أن يكونوا أكثر احتمالاً.
لأجل هذا – أي لما ذكرته من طبيعة النساء – كان توجيه الأمر الرباني إلى الرجال عندما قال (وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً) (النساء: من الآية34)، يعني بما أن الرجل هو القوّام جُعل له أن يعالج هذه الأمور التي تكون في بيته بالتدريج وذلك أن يبدأ أولاً بالموعظة الحسنة، فإن الموعظة تثير في النفوس الحساسية، حساسية الخشية من الله تبارك وتعالى ومراقبة الله عز وجل، فلذلك أُمر الرجل أن يعظ امرأته أولاً، وأن يذكّرها بسوء العواقب في الدنيا وبسوء العواقب في العقبى.
ثم بعد ذلك إن استمرت هذه المرأة على غيها ولم تثب إلى رشدها وارتكبت ما ارتكبت من الحماقات يؤمر الرجل بهجرها في المضجع لعل في ذلك تذكيراً لها.
فإن تمادت وأصرت على ما هي عليه ولم تقبل أن ترعوي وتزدجر ففي هذه الحالة يضربها ضرباً خفيفاً، ضرباً غير مؤثر وغير مبرح، ومعنى ذلك أن يكون هذا الضرب بقدر التأديب لا لأجل أن ينتقم منها ويتشفى منها ويشفي غليله منها فإن ذلك أمر غير محمود. (1/166)
صفحة 167
فإن استمر الشقاق بينهما ففي هذه الحالة تتدخل الأسرتان أسرة الرجل وأسرة المرأة (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) (النساء: من الآية35)، كل ذلك لأجل تفادي الطلاق، لأن الطلاق أمره أمر كبير، الطلاق يؤدي إلى تشرد الأسر وضياع الأولاد، فالولد يبقى مشرد الذهن لأنه يفقد إما حنان الأم الرؤوم وإما رعاية الأب الحاني، ولذلك يبقى فاقداً لجزء مهم فإما أن يكون مع أمه مع فقدانه رعاية أبيه، وإما أن يكون مع أبيه مع فقدانه حنان أمه، وهذا أمر فيه كما قلنا الكثير من الخطأ والخطر بخلاف ما إذا كان الأبوان مجتمعين جميعاً ففي اجتماعهما الخير الكبير، وربما تزوجت الأم وتزوج الأب وكان زوج الأم لا يحتمل أولاد امرأته، أو كانت زوجة الأب لا تحتمل أولاد زوجها وهذا مما يؤدي أيضاً إلى أن يحس الأولاد بالغربة إما في بيت أبيهم وإما في بيت أمهم، فمن هنا كانت الضرورة إلى أن يحرص الأبوان ما داما حيين على الألفة وعلى المودة وعلى حسن العشرة بقدر المستطاع.
السؤال:
هل تنصحون إذا ما حدث هذا الخلاف ولم يلتزموا بهذه النقاط الذي ذكرتموها، هل تنصحون الأبوين أن يكون بينهما اتفاق في تفريغ هذا الاحتقان بعيداً عن سمع ومرأى الأولاد؟
الجواب:
نعم، إن لم يكن هناك بد من المناقشة الحادة بين الأبوين، المناقشة التي تثور فيها العواطف وتهيج فيها مشاعر الغضب فالأولى أن يكون ذلك في جو بعيد عن حضور الأولاد حتى لا يشهد الأولاد مثل هذا الخلاف الحاد.
السؤال:
في وسط ما نراه الآن من انفتاح في العلاقات وما يراه الشباب في التلفزة ووسائل الإعلام، ما الذي يجب على الآباء فعله لأبنائهم مع دخولهم سن المراهقة وحدوث تغيرات نفسية وفسيولوجية؟
الجواب: (1/167)
صفحة 168
في هذه الحالة يجب على الآباء قبل كل شيء قبل هذه المرحلة أن يهيئوا أولادهم لهذه المرحلة بالتربية الصحيحة السليمة من بداية نشوءهم وذلك أن يغرسوا فيهم تقوى الله تبارك وتعالى والتعلق بالله عز وجل وذلك من خلال سلوك الأبوين نفسه، فإن سلوك الأبوين كما قلت ينعكس على نفسية الأولاد، فعندما ينشأ الولد وهو يرى الأب يتقزز من الأمور المنكرات، ويرى الأم تتقزز من الأمور المنكرة، ويرى كل واحد منهما حريصاً على الطهر والعفاف والنزاهة، يرى كل واحد منهما يغض بصره عن الحرام، ويحرص على تجنب مسالك الغي والضلال فإنه ولا ريب ينشأ هذا الطفل وهو يُعظّم القيم ويُجل الأخلاق، ينشأ على حب الأخلاق الكريمة، وينشأ على تقدير القيم السامية، ومن ذلك أيضاً أن يكون الأبوان ملتزمين للصدق متجنبين للكذب حريصين على الحلال في قوتهما وفي كل شيء فإن هذا مما ينعكس أثره على الطفل، فإذا جاء إلى هذه المرحلة - مرحلة المراهقة - وكان الأبوان بهذا القدر فإنه ولا ريب هو يحرص أيضاً على تجنب ما عساه أن تُرميه إليه نفسه ويقوده إليه شيطانه. (1/168)
صفحة 169
ومن الضرورة بمكان والعالم كما قلنا أصبح الآن شبه قرية، والإنسان وهو في داخل بيته في عقر داره وبين جدران حجرته يغزوه غزو عالمي يقتحم عليه الحواجز، ويتخطى السدود، ويلج إلى داخل البيوت بدون استئذان فمن هنا كانت الضرورة إلى البرمجة التي تجعل الأولاد لا يشاهدون ولا يسمعون مما يبث ومما يعرض من خلال الشاشات عبر التلفاز أو شبكات المعلومات أو غيرها إلا ما فيه تهذيب للأخلاق وسمو بالنفس وتربية للضمير وإرهاف للحس بحيث لا يُرخى العنان هكذا لينظر الأولاد ما يشاءون وليتأملوا ما يريدون فإن عاقبة ذلك عاقبة خطيرة على الأولاد أنفسهم وعلى مجتمعهم، فالأب في هذه المرحلة يجب عليه أن يكون حساساً يراقب أولاده بدقة، كذلك بالنسبة إلى الأم أيضاً عليها أن تكون حساسة وهي العين الناظرة عندما يكون الأب غائباً فعليها أن تتقي الله في أمانتها وأن تراقب هؤلاء الأولاد، أن تراقب أفلاذ الأكباد مراقبة دقيقة لئلا يقعوا فيما لا تحمد عاقبته.
السؤال:
كيف يكون التصرف في مثل هذه المراقبة لأن علماء النفس وعلماء التربية يقولون أن الشاب إذا وصل إلى سن المراهقة وكذلك الفتاة فإن تغيرات فسيولوجية ستكون في حياتهما فيكون بينهم وبين الوالدين صراع حول القيم والمبادئ فلا يكون هناك انسجام، فإذا كانت هناك مراقبة شديدة من الوالدين للشاب الذي يكون في سن المراهقة فإنه سينفر منهما وسيذهب إلى أصدقاءه في الخارج، فكيف تكون المراقبة؟
الجواب:
هذا أمر يجب أن يوضع له أساس من قبل، كما ذكرت أولاً يجب على الأبوين كليهما أن يمهدا للتربية في هذه المرحلة بالتربية فيما قبل هذه المرحلة
وينشأ ناشئ الفتيان منا *** على ما كان عوّده أبوه (1/169)
صفحة 170
ينشأ الولد على ما عوده عليه أبوه، وعلى ما عودته عليه أمه، فإن نشأ هذا الولد وهو يسمع الكلام الطيب من أبويه ويرى السلوك الطيب منهما ويرى الصورة المثلى في سلوكهما ويشدانه أيضاً بحديثهما إلى السلف الصالح فإنه ولا ريب تتهيأ نفسه لكل خير، ومن المعلوم أن كل واحد من الأبوين له أثر لكن الأم هي المدرسة الأولى
الأم مدرسة إذا أعددتها *** أعددت جيلا طيب الأعراق (1/170)
صفحة 171
الأم هي المدرسة الأولى، الأم جديرة بأن تعرف كيف تربي أولادها، ونحن نرى في التاريخ كما قيل وراء كل عظيم امرأة كيف استطاعت الأمهات الصالحات أن يربين أولادهن على الصلاح وعلى الطهر وعلى النزاهة وعلى حب الخير، ومن خير الأمثلة التي تدل على ذلك قصة عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه التي ربته أمه، وأمه هي بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وكما ذكرنا اختيار المحضن الصالح للأولاد أمر مهم، هذه المرأة لها تاريخ صالح جدها أبو أبيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأمها كان لها تاريخ عند عمر كان لها شأن، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان في أثناء الليل يجوب طرق المدينة لينظر أحوال الناس ويكتشف ما عسى أن يقوم بإصلاحه من المنكر والفساد فلذلك كان يحرص على أن يجوب طرق المدينة في الليل ويتحسس أحوال الناس فبينما هو في ليلة من الليالي يمر إذا به يسمع صوت امرأة تقول لابنتها: امذقي اللبن. أي اخلطي اللبن بالماء ليكثر هذا اللبن ولترتفع قيمته. فقالت لها: إن أمير المؤمنين نهى عن ذلك. فقالت لها: ومن أين أن يعلم أمير المؤمنين بشأنك. فردت عليها بأنه إن لم يعلم هو فربه هو العليم بذلك هو الذي لا تخفى عليه خافية، فأعجب بمنطق هذه الفتاة وسأل عنها بعد ذلك وهل هي مشغولة أو غير مشغولة أي هل متزوجة أو غير متزوجة، فتبين له أنها غير متزوجة فأمر ابنه عاصماً أن يتزوجها، وقال: أرجو أن تلد من يملأ الأرض عدلاً بعد أن تملأ جورا. (1/171)
صفحة 172
فولدت لعاصم ابنتها وهذا الابنة تزوجها عبد العزيز بن مروان، وعبد العزيز هو معلوم من الأسرة الأموية الحاكمة هو أخو عبد الملك بن مروان وكانت هذه الأسرة بلغت من الطغيان مبلغاً عظيماً، وبعد هذا كله ولد عمر بن عبد العزيز من ابنة تلكم الفتاة التي توسم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيها الخير، فلما ولد نشأ على تربية أمه وكانت تغذيه بسيرة جدها العظيم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتحدثه بمآثره وسلوكه ومواقفه فكان لذلك أثر كبير عليه، ولذلك عندما شب عشق سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعندما أفضى إليه الأمر حرص على أن يطبق هذه السيرة وكان كما قال عبدالله بن الأهتم، وكان عبدالله بن الأهتم من ضمن الذين وفدوا على عمر بن العزيز بعدما ولي الخلافة ولما دخل عليه لم يستأذنه وإنما وقف بين يديه خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي صلى الله عليه وسلّم وصلى عليه ثم قال: أما بعد فإن الله خلق الخلق غنياً عن طاعتهم آمناً لمعصيتهم وهم في المنازل والرأي مختلفون، والعرب بِشر تلك المنازل، تستباح دونهم لذات الدنيا ورفاهتها حيهم أعمى وميتهم في النار، فلما أراد الله إكرامهم بعث الله إليهم رسولاً من أنفسهم عزيز عليه ما عنتوا حريص عليهم بالمؤمنين رؤوف رحيم، فلم يمنعهم ذلك أن جرحوه في جسمه ولقبوه في اسمه .. إلى أن ذكر ما ذكر، ثم ذكر بعد ذلك ما كان بعده صلى الله عليه وسلّم من سيرة الخلفاء الراشدين، ثم أشار إلى الانحراف الذي حصل ثم قال: ثم إنك يا عمر ابن الدنيا ولدتك ملوكها وألقمتك ثديها، فلما وُليّتها ألقيتها حيث ألقاها الله، وآثرت ما عند الله، فالحمد لله الذي جلا بك حوبتها، وكشف بك كربتها، فامض ولا تلتفت فإنه لا يغني عن الحق شيء. (1/172)
صفحة 173
هكذا سار عمر هذه السيرة مع إنه ابن الملوك الذين ودوا بحب الدنيا، وهو نفسه عمر رضي الله عنه نشأ في بيئة فيها الترف إلا أن تربية أمه هي التي ارتفعت به عن الهبوط في دركات ذلك الترف إلى أن عشق سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وحاول أن يعكسها في حياته، فإذا هكذا تربية الأم.
فالأب إذاً عندما يمهد لهذه المرحلة بحسن التربية، والأم تمهد لهذه المرحلة بحسن التربية من أول الأمر بحيث يغرسان العقيدة الصحيحة والقيم الرفيعة في أولادهما منذ بداية الأمر منذ بداية التعقل والفهم والإدراك لا ريب أن ذلك مما يجعلهما قادرين بعد ذلك على التحكم فيما يطرأ على أولادهما من العواطف الجياشة ومن أسباب الخلاف في مرحلة المراهقة ليتجاوزا هذه المرحلة بسلام إن شاء الله.
السؤال:
في بعض الأحيان يتعرض الأبوان لأسئلة محرجة من الأبناء فيما يخص العقيدة وكذلك فيما يخص الحياة الأسرية والحياة الجنسية فربما يسأل الولد أباه أين الله؟ ولماذا لا نراه؟ وكيف شكله؟، وربما يسأل من أتيت أنا؟ فكيف يتعامل الوالدان مع هذه الأسئلة المحرجة؟
الجواب:
بالنسبة إلى السؤال عن الله تبارك وتعالى الجواب ينبغي أن يكون بقدر عقلية هذا الطفل بحيث يغذى بالعقيدة السليمة، ويقال له بأن الله تبارك وتعالى هو أجلّ من أن تكتنفه الأقطار، وأسمى من أن يحل في مكان، هو تبارك وتعالى قد كان قبل خلق الزمان والمكان، ولئن كنت أيها الطفل لا ترى عقلك ولا ترى روحك وهذه الروح ترى أثرها وهو هذه الحياة التي تدب في جسمك فأنى لك أن تستطيع أن تتوصل إلى إدراك خالقك العظيم، فالعجز عن الإدراك هو الإدراك، ينبغي أن يلقن هذه العقيدة بقدر المستطاع. (1/173)
صفحة 174
أما من أين أتيت أولاً قبل كل شيء يُعرّف بأن الذي خلقه إنما هو الله ولكن ولدته أمه، وأبوه هو الذي يرعاه ويقوم عليه، لا يخبر بالأمور الجنسية التي قد تكون كبيرة عليه من أول الأمر وإنما يدرج في إخباره شيئاً فشيئا حتى يتوصل إلى درك الحقيقة، والله تعالى الموفق.
السؤال:
في كثير من الأحيان يرتكب الآباء أخطاء فادحة في مسألة العقيدة نفسها فعندما يريد بعض الآباء أن يصور لابنه يوم القيامة وأن يبين له أن هناك جنة وأن هناك نار، يستغل هذا في التربية فيزجر الولد بالنار ويقول له إن فعلت هكذا فإنك ستصطلي بالنار فدائماً ما يخوف الولد بالنار حتى صارت هذه عادة عند الأطفال فإذا رأى طفلاً يخالفه في الأمر فإنه يقول ستكون من أهل النار فانكسر حاجز الخوف من النار بسبب هذه الأمور التي تتردد على ألسنة الآباء مع أطفالهم حتى غدت العملية سهلة.
فإذا أراد الوالد أن يبين لولده صورة الجنة والنار ويوم القيامة، فما هي الطريقة المثلى حتى تبقى هذه الأمور مخافة عند الولد في جانب النار ومرغوبة في جانب الجنة؟
الجواب: (1/174)
صفحة 175
مما ينبغي أن يغرس في نفس الطفل أن الجنة ونعيمها أجلّ من أن يستطيع تصور ما فيها من النعيم أحد، وهذا هو الواقع فإن الله تبارك وتعالى يقول (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (السجدة:17)، فإذا انغرس في نفس الطفل أن هنالك نعيماً أعظم من مدارك البشر، وأسمى من أن تكتنهه عقول الناس، يكون دائماً متشوقاً إلى ذلك النعيم، هذا مع أنه يغرس في نفسه بأن أي أحد لا يستطيع أن يقطع لنفسه بالسلامة والنجاة من النار والفوز بالجنة، ولا يستطيع أن يحكم عليها أيضاً بأنها من أهل الشقاء وأنها من أهل الحرمان حتى يكون هنالك توازن بين الخوف الرجاء، بين خوف العقاب والرجاء للثواب، وبالنسبة إلى النار يذكّره ضعف الإنسان دائماً أن الإنسان لو آذته بعوضة يتأثر بإيذائها، ولو لحقه لفح من نار الدنيا فإنه يتأذى بذلك ولا يطيق هذا اللفح فكيف لو صلي نار يوم القيامة ونار يوم القيامة أشد من نار الدنيا، وعذابها عذاب أكبر، ومن دخلها خُلّد فيها (وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ) (الانفطار:16)، كل ذلك مما يجعله يعيش بين التعلق بالجنة والرغبة في نعيمها والخوف من النار والإشفاق على نفسه من جحيمها، مع غرس العقيدة الصحيحة فيه وهي أنه لا يُقطع لأحد بعينه لم يُنص عليه بأنه من أهل الجنة أو أنه من أهل النار فذلك لا يهدد أحداً بأنك ستدخل النار قطعا لأن ذلك تدخل سافر في أمر الله تعالى إذ الله تعالى وحده هو الذي يعلم خواتيم عباده وهو وحده الذي يعلم السعداء والأشقياء منهم.
السؤال:
ما هي نصيحتك سماحة الشيخ لأولياء الأمور الذين لا يهتمون بأولادهم ويهتمون بأنفسهم؟
الجواب: (1/175)
صفحة 176
هؤلاء لم يهتموا بأنفسهم، لأنهم لو اهتموا بأنفسهم لاهتموا بأولادهم، فإن كل أحد يعلم أن بقاءه في الحياة بقاء محصور بقاء محدود وأن امتداد هذا البقاء إنما هو عبر الذرية المتسلسلة فيما بعد إذ الإنسان يبقى ذكره ببقاء ذريته، هذه هي السنة، سنة هذه الحياة، ولذلك يحرص الإنسان على الذرية لأنه يرى بقاءه يمتد في وجودهم، في تسلسلهم من بعده إلى أن يشاء الله تبارك وتعالى نهاية ذلك، وعلى هذا فإنه عندما يهتم بذريته يكون مهتماً بنفسه اهتماماً أكبر، هذا من حيث التسلسل.
ثم أيضاً هو يكون مهتماً بنفسه من حيث إنه يحرص على أداء ما عليه إذ الإنسان المهتم بنفسه هو الذي يهتم بعاقبتها في الدار الآخرة وبسعادتها في تلك الدار، وإذا كان هو لا يهتم بذريته فمعنى ذلك أنه لا يهتم بما ينفع نفسه إذ هذه أمانة حُمّلها فإن لم يتحملها كان عاقبة أمره خسرا، فالله تبارك وتعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم:6)، فما أجدر هذا الإنسان أن يهتم بأولاده وبسلامتهم من تلك النار ليكون هو أيضاً سالماً بأداء ما عليه من الواجب، ثم إنه هو ولا ريب هذا الإنسان مهما كانت قسوته ومهما كانت شدته وفضاضته لو رأى ولده يتعرض لنار تلفحه في هذه الدنيا أما كانت تثور في نفسه مشاعر الرحمة، أما كان يثور في وجدانه إحساس بوجوب إنقاذ ولده من هذه الهلكة، هذه هلكة الدنيا فكيف بالهلكة يوم القيمة، لذلك كان لزاماً على الإنسان العاقل أن يحرص على سلامة أفلاذ أكباده في الدار الآخرة بتربيتهم التربية الصحيحة وأمرهم بما فيه طاعة الله.
السؤال: (1/176)
صفحة 177
سائلة تقول: لا شك أن الصلاة عمود الدين فإذا كان الأب والأم غير مواظبين على صلواتهم في أوقاتها فكيف الحال سيكون عند الأبناء أنا لا أريدهم أن يكونوا نسخة مني ومن أبيهم فكيف أجعلهم أكثر حرصاً منا على صلواتهم علماً بأن أعمارهم بين التاسعة والثانية عشر؟
الجواب:
عليها قبل شيء أن تتقي الله تعالى في صلاتها، أن تحافظ عليها محافظة تامة، وعليها أن تدعو زوجها إلى البر والتقوى والصلاح والاستقامة والمواظبة على الصلاة والحرص على كل خير ففي هذه الحالة تتمكن ويتمكن زوجها من تربية أولادهما على البر والصلاح والخير والاستقامة والهدى والرشد والسداد.
السؤال:
شاب عنده أخ كثير الخروج من البيت خاصة في الليل يعني كثير السهر وعندما يقوم بنصحه تزعل الأم وتقول لأخيه الأكبر (الناصح) إنه لم يأت إليك ليطلبك وهو غير محتاج إليك، فما نصيحتكم لهذه الأم؟
الجواب:
على الأم أن تتقي الله، وأن تعلم أن صلاحها ورشدها وسعادتها في استقامة ولدها، وفي تربية ولدها على الاستقامة والصلاح والرشد، ولتعلم أن أخاه عندما يدعوه إلى البر والتقوى والصلاح والمواظبة على الخير والبعد عن الشر والبعد عن قرناء السوء فإنما يدعوه لما فيه مصلحته، هو حريص على مصلحة أخيه، ولو لم يكن حريصاً على مصلحة أخيه لأهمله.
السؤال:
ما هو معيار لباس الأم أمام أطفالها؟
الجواب:
الأم ينبغي لها أن تكون حريصة على الستر حتى ولو كان يجوز لها أن تظهر مفاتن جسمها أمام أولادها إلا أن ذلك قد يكون ينعكس له أثر سلبي على نفسية الأولاد، وعندما يرونها حريصة على التستر بقدر المستطاع، بقدر ما لا يضايقها فإنهم يُجلّون هذه القيم وينشأون على هذه الأخلاق.
السؤال: (1/177)
صفحة 178
ما هي الطرق المثلى التي يمكن للمسلم أن يتبعها في تربية أولاده في ظل متطلبات الحياة المغرية بحيث يستطيع أن يوازن بين التزامه بالتربية الإسلامية وبين عدم حرمان الأولاد من التمتع ببعض متطلبات العصر مع التسليم بأن التربية الصالحة تفوق أي اعتبار آخر؟
الجواب:
لا ريب أن الله تبارك وتعالى لم يحرّم على عباده ما فيه منفعتهم وما فيه مصلحتهم، وإنما حرّم عليهم ما فيه مضرتهم، فالانتفاع بالحياة المعاصرة وغير المعاصرة لا يتصادم مع الدين بشرط ألا يكون ذلك إلا في إطار ما أباحه الله تبارك وتعالى أي في إطار الأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة، فإن كان في هذا الإطار فمن الذي حرّم على الناس أن ينتفعوا بمتع هذه الحياة (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (الأعراف: من الآية32)، فالله تعالى أباح لعباده أن ينتفعوا بمتع هذه الحياة التي ليس فيها ما حرّم عليهم، وإنما حرّم الله سبحانه تعالى ما حرّم لأجل ما فيه من المضرة والمفسدة للعباد، والإنسان يستطيع في هذا الوقت أن يوفر لأولاده ما تدعو إليه الحاجة سواءً ما كان من ناحية التغذية أو كان من ناحية اللباس أو كان من ناحية مرافق الحياة أو كان من ناحية الترفيه عليهم بشرط أن يكون ذلك كله في حدود الفضيلة ولا يتجاوزها إلى ما عداها.
السؤال:
هل يوم القيامة يُسئل كل والد عن ولده، لأن كل إنسان سيكون بالغاً ويحاسب عن نفسه، فهل سيحاسب الوالد عن ولده في ذلك اليوم؟
الجواب: (1/178)
صفحة 179
نعم، يحاسب على تربيته لأولاده، لأنه إن انحرف الولد نتيجة تربية الأب الفاسدة فإن ذلك مما يُسئل عنه الأب، فإن من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، فكل أحد مسئول عن نتائج أعماله، من كان قدوة صالحة كان له ثواب صلاح غيره يعود مثله إليه، وكذلك من كان قدوة سيئة لغيره فعاقبة انحراف الآخرين يعود عقابها عليه بقدر ما يعاقب أولئك لأنه كان السبب في ذلك.
السؤال:
في بعض الأحيان يخطئ الآباء في تربية أبناءهم فعندما يوبخون أبناءهم يسكبون عليهم جملاً من العبارات التوبيخية ولا يسكبون هذه العبارات على الفعل وإنما على الولد كقولهم أنت لا تنفع، أنت ليس لديك ذكاء فيصاب الولد بإحباط ويحتقر نفسه؟
الجواب:
هذا أسلوب فاسد، أسلوب جهلة، أسلوب الذين لا يفرقون بين التمرة والجمرة، ولا بين الفاسد والضار، فلذلك لا حيلة لهم إلا أن يأتوا بهذه الأساليب التي ليس من وراءها أي جدوى، وإنما الأسلوب الحسن أن يعنّف على تركه ما هو قادر عليه من فعل الخير، ويبين له أنه كان بإمكانه أن يفعل خيراً بدل من أن يفعل شرا، وتثار في نفسه النخوة من أجل فعل الخير، هكذا ينبغي لا أن يوبخ ويقرع بما لا يعود عليه إلا بالإحباط.
السؤال:
لدي بنت أبعثها كل يوم إلى المدرسة وأحاول جاهداً أن تكون ملتزمة بالمبادئ والأخلاق، ولكن تعود من المدرسة محملة ببعض الأفكار من زميلاتها فيطالبنها بنوع معين من اللباس حتى يكون موضة في الفصل، ويطالبنها كذلك بأن تشتري بعض الصور التي ترمز في حقيقتها إلى أعداء الإسلام، فأمام هذا الضغط الذي يأتي من المدرسة ومن المجتمع أيضاً كيف أتصرف مع ابنتي؟
الجواب: (1/179)
صفحة 180
نعم، في هذه الحالة ينبغي يربيها من أول الأمر على البعد عن الزميلات الفاسدات، فعليه وعلى أمها أن يربياها على أن تنتقي الزميلات الصالحات اللواتي يُعِنَها على الخير حتى إن كان بالإمكان أن ينقلها من هذه المدرسة إلى المدرسة الأخرى التي تجد فيها الزميلات الصالحات فذلك أولى من أن يتركها لتكون ضحية لهذه الزمالة الفاسدة.
السؤال:
أبوان ربيا أولادهما على القيم الأخلاقية النبيلة ولكن عند خروج الأولاد من البيت وعند زيارة أرحامهم يتعلمون السب والشم وما شابه ذلك فكيف تحل هذه المشكلة؟
الجواب:
ينبغي أن يُعوّد الأولاد من أول الأمر على التقزز على الكلمات المستهجنة وألا يُعودا إلا على الأخلاق الفاضلة.
السؤال:
أبوان عوّدا أبناءهما على تقبيل يديهما ورأسيهما عند الاستيقاظ أو عند مصافحتهما، ولكن يقوم أجداد هؤلاء الأبناء بتأنيبهم بسبب هذا احتجاجاً بأن هذا ليس من الرجولة فما قولكم؟
الجواب:
ليس في ذلك أي حرج، ما كان ينبغي لأولئك الأجداد أن يفعلوا ذلك.
السؤال:
ما هو السن الأمثل الذي يكون فيه الطفل قادراً على استيعاب التربية العقدية؟
الجواب:
ذلك يختلف باختلاف مدارك الأطفال، فمن الأطفال من يكونوا مهيئين في مرحلة مبكرة على إدراك مثل هذه القضايا، ومنهم من يكونوا بليدي الأذهان فتراعى هذه المدارك وتفاوتها، فمن كان ألمعياً قادراً على الاستيعاب يُغذى بالمعارف في مرحلة مبكرة، ومن كان بخلاف ذلك يراعى فيه أيضاً هذا الجانب ويعطى من الجرعات بقدر ما تحتمله مداركه.
السؤال:
كثير من الآباء يستخدم وسيلة الضرب لتقويم سلوك الأبناء، فهل الضرب وسيلة ناجعة للتربية؟ وإذا لم تكن فهل هناك وسائل أخرى؟
الجواب: (1/180)
صفحة 181
لا يصار إلى الضرب إلا مع عدم جدوى غيره، والضرب يكون ضرب أدب، ضرب غير مؤثر ولا مبرح، أما الضرب المؤثر والمبرح فهو من الخطأ وقد يعكس آثاراً نفسية سلبية في نفسية الطفل فلا ينبغي ذلك، وينبغي أن يحس الطفل بإشفاق والديه عليه وحبهما له ورحمتهما به وأنهما يدفعانه إلى الخير دفعا.
السؤال:
كيف يمكن لنا أن نزرع في نفوس أبناءنا قوة الإرادة والثقة بالنفس؟
الجواب:
إنما ذلك بما يرونه في الآباء أنفسهم، فمن الضرورة أن يكون الأب نفسه قبل كل شيء قوي الشخصية ليغرس هذه الشخصية في نفسية أولاده.
السؤال:
ما هي الأبعاد النفسية التي تترتب على التفضيل بين الأبناء؟
الجواب:
لا ريب أن كل نفس ترغب أن تكون سابقة وألا تكون مسبوقة، وفي هذا تنافس بين جميع الناس، الأولاد مع آبائهم، والمرؤوسون مع رؤوسائهم والأتباع مع قادتهم، الكل يحرص على أن يكون سابقاً لا أن يكون مسبوقا، فلئن كان هذا الولد غير مقصر في شيء ويرى الآخر من الأولاد يقدم عليه لا لسبب إلا لكونه محبوباً وهو لم ينل هذه المحبة فإن ذلك مما يدعوه إلى الغيظ، ويدعوه إلى أن يحس بالكراهية لذلك الذي ينافسه ويتقدم عليه بغير موجب إلا لكونه محبوباً وهو لم ينل هذه المحبة وهذه الحظوة عند والديه أو عند أحدهما، فلذلك ينبغي للأبوين أن يحرصا على تآلف أولادهما وانسجامهما في حياتهما وعدم إحساس أحد منهم بأنه مؤخر عن غيره بحيث يكون هؤلاء الأولاد يرون الأبوين يغمرانهم جميعاً بمشاعر الرحمة، ويغمرانهم بالإحسان من غير أن يقدما أحداً على غيره.
السؤال:
نحن لو نزلنا إلى واقع الأسر نجد بعض الأبناء يبرون آبائهم أكثر من الآخرين فيقدمون للأب أو الأم خدمة جليلة مالية وغيرها من المساعدات فيميل الأب لذلك الذي يخدمه من أبناءه ألا يجوز له أن يفضله ولو بشيء من الهدايا؟
الجواب: (1/181)
صفحة 182
نعم هذه مكافأة، ليس ذلك إيثاراً، وإنما هذه مكافأة على ما قدمه الولد، والمكافأة على الإحسان محمودة، وهذا مما يشجع الآخرين أيضاً على الإحسان.
السؤال:
ما مدى صحة القول بأن ربوا أبناءكم لزمان غير زمانكم حيث أصبحت التربية التقليدية التي تربينا عليها لا تصلح لزمن التلفاز والانترنت وغيره من وسائل الإعلام المؤثرة على الطفل، ما هي النصيحة التي تقدمها للأم والأب حتى يؤديا أمانتهما على أكمل وجه؟
الجواب:
هنالك ثوابت لا تختلف بين زمان وآخر، وهناك متغيرات تراعى فيها ظروف الزمان والمكان، فالثوابت تجب المحافظة عليها من غير تفريط فيها، والمتغيرات لا بد من أن تتغير بحسب اختلاف الأزمنة والأمكنة فإن ما يتطلبه الظرف الحالي والمرحلة الراهنة غير ما كانت تتطلبه الظروف السابقة من أجل ما هو معلوم من هذه الطفرة في التطور واختلاف نمط الحياة من وقت إلى آخر.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
13 من شعبان 1423هـ، الموافق 20 أكتوبر 2002م
الموضوع: تربية الأبناء
السؤال:
اعتاد الناس أن يحتفلوا بالمولود الجديد مطلع كل عام وتقام له الولائم ويجمع له الأولاد الصغار ويطلق عليه عندنا (الحول حول)، فما حكم هذا النوع من الاحتفال؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: (1/182)
صفحة 183
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلّم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، مما يؤسف له أن المسلمين كثيراً ما انجرفوا وراء عادات الآخرين، وأصبحوا يطبقونها تطبيقاً دقيقاً كأنما هي من صميم معتقداتهم ودينهم، مع أنه يجب على المسلم أن يكون مستقلاً بمنهجه في حياته، كما يجب أن يكون مستقلاً بفكره وعقيدته وتصوره، ذلك لأن المنهج إنما ينبثق عن الفكر، ومن المعلوم أن احتفاء الناس بأعياد الميلاد وتواتر ذلك في كل عام إنما هو من شأن غير المسلمين، أما المسلمون فهذا أمر لم يعهد عندهم أي عند أسلافهم، وإنما حدث، وهذا الذي حدث إنما هو ناشئ عن حب التقليد للآخرين، وتقليد الآخرين أمر مخالف لمنهج الحق الذي ربى النبي صلى الله عليه وسلّم عليه أتباعه، إذ رباهم على الاستقلالية في المنهج والاستقلالية في التصور والفكر، فلذلك نحن نحذّر من هذا خشية أن ينساق المسلم وراء منهاج غيره شيئا فشيئاً حتى ينفلت من تعاليم دينه نهائياً، ونسأل الله تبارك وتعالى العافية.
ولا ريب أن خير ما يُصنع للصبي أن يذكّر إن كان يعي الذكرى بأنه مر على عمره عام، وأنه بمرور هذا العام يستقبل عاماً جديداً، يستقبل مرحلة جديدة في حياته، وعليه أن يوطّن نفسه لاستقبال التكاليف الشرعية عندما يُلزم هذه التكاليف فذلك خير ما ينبغي أن يكون على رأس عام، بل مما ينبغي أن يهياً له الطفل دائماً ليستقبل التكاليف الشرعية بهمة وبنشاط حتى يقوم بما يجب عليه فيما بينه وبين ربه سبحانه، وفيما بينه وبين الناس، والله تعالى أعلم.
السؤال:
كيف تتم تربية الأطفال تربية روحية؟
الجواب: (1/183)
صفحة 184
حقيقة الأمر هذا أمر يعود إلى المنهج الذي يتبّعه الآباء وتتبعه الأمهات، فإن الطفل إنما يفتح عينيه على أبويه وهما قدوته من بداية طريق حياته، فيحاول أن يقلد أبويه في كل شيء، يترسم خطوات أبويه، فعندما يكون الأبوان يتقيان الله تبارك وتعالى ويخشيانه، ويعملان بأمره ويزدجران عن نهيه، ويقفان عند حدوده، ويحرصان على تجنب أي شيء يؤدي إلى سخطه، ينعكس أثر ذلك على الطفل لأنه يرى أبويه مشفقين من عقاب الله سبحانه وتعالى.
فمن هنا كانت الضرورة داعية إلى أن لا يرى الطفل من أبويه أية مخالفة شرعية، فعليهما أن يحرصا على تطبيق أوامر الحق، وإظهار ذلك للطفل، حتى تنغرس فيه هذه الروح، ثم بجانب ذلك التذكير دائماً، وما ذكرته أولاً من كون الأبوين قدوة للطفل، إنما تكون هذه القدوة في القول وتكون في العمل، فلذلك كان من الضرورة بمكان ألا يعثر الطفل على كذب قط في حديث أبويه لأنه إن جرّب عليهما كذباً عدّ الكذب مهارة وشطارة، وحرص على أن يكذب ليتفنن في ابتكار التمويهات في تعامله مع الآخرين لأنه أبصر أبويه يفعلان ذلك فيريد أن يطبق ما يفعلانه، ومن هنا جاء حديث الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام مشدّداً حتى في تعامل الأم في مرحلة مبكرة مع أولادها بحيث لو أرادت أن تصرف الولد عن شيء لا تعده أنها تعطيه شيئاً وهي لا تعطيه إياه، عندما سمع النبي صلى الله عليه وسلّم امرأة تنادي طفلها وتقول له تعال خذ. قال لها: ماذا تريدين أن تعطيه؟. وبصّرها بعد ذلك أنها لو لم تكن تريد أن تعطيه شيئاً لكانت كاذبة تبوء بإثم كذبها، فهكذا شأن الأبوين مع الطفل إنما يجب أن يكون كل واحد منهما حريصاً على ترسم طريق الحق ليجد في مسلكهما الطفل القدوة الصالحة. (1/184)
صفحة 185
ومن ذلك أيضاً أن يكونا عفيفين عن كل حرام بحيث يحرصان على أن لا يلج الحرام أجوافهما قط، وأن لا يغذيا هذا الطفل إلا بالحلال الطيب. وتعامل الأبوين هكذا بالطرق المحللة شرعاً يؤدي بالولد إلى أن يكون متقززاً من الحرام حريصاً على الحلال، يأبى عليه ضميره أن يقع في أي محرمة، بحيث يحرص على أن لا يأخذ مال أحد، وأن لا يحتال على مال أحد قط، وكذلك من حيث المسارعة إلى البر والإحسان كالبر بالأقربين، والبر بالمستضعفين، والبر بالجيران، والبر بكل إنسان، ذلك أيضاً مما ينعكس أثره على نفسية الطفل ويحرص على أن يقدم ما يمكنه من البر، وتعويده على ذلك مطلب شرعي مهم جداً.
السؤال:
ما هي الأساليب المثلى والطرق الصحيحة التي يتم بها معالجة ظاهرة العناد عند الأطفال؟
الجواب:
هذه الظاهرة قد تكون في الطفل منذ مرحلة مبكرة، وقد تكون في مرحلة من المراحل، وينبغي أن يكون علاجها بالرفق لا بالعنف، فإن العنف قد يزيد من هذا العناد، ولكن تبصير الطفل بما يجب أن يكون عليه من إسلاس القياد لأبويه ومن طاعته لربه سبحانه وتعالى، وتبصيره بأن عاقبة عناده إنما تنعكس على نفسه بما لا يَحمد، وأنه إن أسلس القياد وأطاع في حدود طاعة الله تبارك وتعالى كان ذلك من الأمور المهمة جداً، هذا كله مما يجعل هذا الطفل يحرص على تجاوز ما تمليه عليه نفسه من العناد وعلى إسلاس القياد، مع أنه قد يمكن أن يُغرى أحياناً بما يحبه وبما يرغب فيه سواء كان ذلك شيئاً مادياً أو كان غير مادي حتى يترك هذا العناد، يمكن أن يُعوّد على ترك العناد بترغيبه في ما هو راغب فيه وتسهيل ذلك له لعله يترك هذا العناد، وهكذا يجب أن يكون الأبوان كالطبيب في هذا بحيث لا يعطيان إلا الجرعة المناسبة لهذا الطفل فقد يكون العلاج الرفيق اللطيف أحسن، وأحياناً قد يخلط اللين بالشدة أيضاً ذلك مما يفيد، أما تكون شدة فقط فلا.
السؤال: (1/185)
صفحة 186
هل يجوز شراء الدمى التي تكون على شكل إنسان أو حيوان للأطفال، وماذا يُفعل بالنسبة لمن أهدي إياها؟
الجواب:
هذه من المصائب التي انتشرت الآن، وعم بلاؤها، فلله الأمر من قبل ومن بعد، والعلماء اختلفوا في الدمى بالنسبة إلى البنات منهم من رأى أنها كغيرها من الصور هي محرمة، ومنهم من قال بأنها تحل للبنات، ومنهم من قال بكراهة تركها ولو كان ذلك للبنات، ومهما يكن فإن صرف الأولاد عنها هو أفضل وأنزه، وإبعادها من البيت هو أبر وأرحم وأفضل للأطفال والآباء والأمهات، ولكن كما قلنا أصبحت هذه علة منتشرة، داءً خطيراً، نسأل الله تبارك وتعالى العافية منه.
السؤال:
ما هو السن المناسب لأمر البنات بتغطية الشعر؟
الجواب:
حقيقة الأمر كلما كان ذلك في مرحلة مبكرة كان أولى، وإنما ينبغي منذ أن تعقل الفتاة وتدرك أنها مطالبة بأن تكون مستترة، وأن المرأة تختلف عن الرجل بحيث من حشمة المرأة ووقارها أن تكون متحجبة، أن تدعى إلى الحجاب بقدر المستطاع وتدرّج في ذلك مع ترغيبها في ذلك بكل ما يرغبها فيه وبكل ما يبعث حماسها من أجله.
السؤال:
ما رأيكم في ضرب الأطفال؟ وما هي ضوابطه من حيث السن ومن حيث كيفية الضرب ومن حيث الأماكن التي يضرب عليها الطفل.
الجواب:
الضرب ليس هو مقصوداً لذاته، وإنما المقصود ردع الطفل عن العناد وعن سوء الأخلاق وعن الانحراف، هذا هو المراد وليس الضرب غاية في نفسه. (1/186)
صفحة 187
والناس مع الأسف كثير منهم فهموا أن الضرب هو غاية مطلوبة، وأن من لم يؤدب أولاده بالضرب كان مقصراً، ولذلك قد يتفنن الأب في ضرب أولاده ويقسو عليهم وهذا غير مطلوب، وإنما المطلوب أن يردعهم عن الشيء الذي فيه مضرتهم، فلذلك ينبغي أن يتدرج الأب وأن تتدرج الأم في نصح الأولاد بحيث يبدأان أولاً بالنصح الرفيق اللطيف حتى ينجذب الولد إلى ما يريدانه منه من الاستقامة ونبذ سوء الأخلاق، فإن ظهرت منه مشاكسة فإن إغلاظ القول مقدم على الضرب، ولا ينبغي أن يصار إلى الضرب إن كان يرجى أن يرتدع بسبب إغلاظ القول له والتشديد عليه، هذا من غير أن يقال له كلمات نابية كما يقول الكثير من الناس يا حمار ويا كلب ويا كذا ويا كذا فإن هذا الكلمات قد يألفها هذا الصبي ويخاطب بها غيره كما يُخاطب بها من قبل أبويه، وإنما يؤنبانه من غير أن يأتيا بالفحش في تأديبهما، فإن وجد منه إصرار ففي هذه الحالة يضرب ضرباً غير مؤثر ولا مبرح وذلك عندما يكون يعقل الضرب ويفهم أنه رادع ويكون سبباً في ردعه فإنه يضرب ضرباً غير مؤثر ولا مبرح، وقد حد بعضهم الضرب بثلاث ضربات غير مؤثرات ولا مبرحات، ولكن هذا التحديد ليس عليه من دليل فلذلك ذهب بعض المحققين إلى أنه ينظر فيه إلى طبيعة الطفل فلربما ارتدع بضربة واحدة ولربما كانت الثلاث ضربات لا تجديه شيئاً لأنه قاس وبقدر هذه القسوة ينبغي أن يشدد عليه أيضاً، ولكن مع ذلك يتفادى في هذا الضرب كما قلت التبريح والتأثير فلذلك لا يضرب في الأماكن التي يكون الضرب فيها سبباً لتعطيله أو سبباً لإصابته بما يعوقه أو بما يشل حركته إذ ذلك كله مما لا يحمد، وإنما يضرب في الظهر أو في أماكن أخرى سليمة حيث لا يؤثر الضرب عليه، أما الضرب في الرأس والضرب في الوجه فهذا مما لا ينبغي أن يصار إليه.
السؤال:
هل يأثم من ضرب ولده تشفياً في ساعة غضب؟
الجواب: (1/187)
صفحة 188
إذا كان الضرب ضرب تشفٍ ولم يكن ضرب تأديب، نعم. وينبغي له أن يحسن إلى الولد بقدر ما آذاه بالضرب.
السؤال:
هل يجوز تعليم اللغة الإنجليزية للأطفال دون سن السابعة؟
الجواب:
قبل كل شيء مما ينبغي أن لا يكون تعليم أي لغة غير لغة القرآن على حساب لغة القرآن، فإن لغة القرآن هي لغة العبادة، وينبغي أن يُنشّئ الطفل معتزاً بهذه اللغة لأنها اللغة التي تشرف بأن خاطبه الله تبارك وتعالى بها فيما أنزله من كتابه الذي جعله ذكراً للعالمين وهو من ضمن العالمين، فهو خطاب لأي واحد، فكل أحد شَرُف بأن خاطبه الله تبارك وتعالى بهذه اللغة.
ومن ناحية أخرى هو أيضاً مطالب بأن يخاطب ربه بها فإنه عندما يعبده ويمثل بين يديه إنما يخاطب ربه سبحانه وتعالى بهذه اللغة فيقول بلسان عربي مبين (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5)، ولا فرق في هذا بين عربي وأعجمي، فإن الطفل ولو كان من العجم ينبغي أن يُنشّئ من أول الأمر على الاعتزاز بلغة القرآن، اللغة التي جعلها الله تبارك وتعالى رابطة بين المسلمين بحيث تحل ألغازهم وتكشف الأمر المُعمّى عنهم فيمكنهم أن يتفاهموا بها إذ ليست هنالك لغة ترشح لأن تكون لغة المسلمين قاطبة غير هذه اللغة التي خاطب الله تعالى بها عباده وشَرّف المسلمين بأن جعلهم يخاطبونه بها. (1/188)
صفحة 189
فجدير إذاً بأي أحد أن يحرص على تربية أولاده من أول الأمر على إجلال هذه اللغة والاعتزاز بها، وما يؤسف له كثيراً أن نرى كثيراً من الآباء والأمهات يُنشِّئون أولادهم على تعظيم اللغات الأجنبية وترك هذه اللغة مع كونها - كما قلت - لغة جميع المسلمين، وهي سيدة اللغات لأن الله تبارك وتعالى اختصها بأن جعلها وعاءً لكلامه فكيف مع هذا تحتقر، وكيف يُختار غيرها دونها، ولقد تسابق العجم تسابق غير العرب في المحافظة على هذه اللغة، وفي بحث فنونها، وفي دراسة طواياها وذلك إنما يعود إلى اعتزازهم بالقرآن، وحرصهم على الحفاظ عليه، ورغبتهم في الإطلاع على كنوز معارفه، ولذلك كان معظم الذين درسوا هذه اللغة العربية وبحثوا فنونها من العجم من أمثال سيبويه والفرّاء والكسائي والأخفش وغيرهم، ونجد مثلاً الزمخشري وهو من العجم يقول في فاتحة كتابه المفصل (الله أحمد على أن شرفني بأن جعلني من علماء العربية). (1/189)
صفحة 190
فما للناس واحتقار هذه اللغة، ما للمسلمين واحتقار هذه اللغة، ما للعرب أنفسهم وهم شرُفوا بها وكان القرآن الذي نزل بها ذكراً لهم ولاحتقار هذه اللغة، وابتغاء البديل عنها، فلذلك لا ينبغي أن تكون دراسة اللغات الأخرى على حساب هذه اللغة، فالطفل ينبغي من أول الأمر أن يُنشئ على هذه اللغة لغة القرآن، ولو كان من غير العرب، لأنها اللغة التي شَرُف جميع المسلمين بتلقي خطاب الله تبارك وتعالى بها، ولا بأس بعد ذلك أن يُدرّس الطفل من اللغات الأخرى ما يمَكّنه من قضاء المآرب والحاجات فإن من آيات الله تعالى اختلاف الألسن والألوان، والله سبحانه وتعالى يقول (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) (ابراهيم: من الآية4)، وهذا الطفل قد يكون داعية في يوم من الأيام، وقد يكون في دعوته يغشى مجتمعات أجنبية ويريد أن يشرح لهم الإسلام ولا يمكنه أن يشرحه لهم إلا بلغاتهم فإن أتقن لغة أجنبية فذلك مما يمكنه من أداء مهمته والقيام بواجبه ولكن لا على أن يكون ذلك على حساب العربية.
السؤال:
ما حكم الكتب التي تحتوي على صور مرسومة باليد أو بالحاسوب، هل يجوز اقتناؤها لأجل التعلم، مع العلم أن هذه الصور تساعد الأولاد على الفهم وأن أغلب تلك الكتب وخاصة المدرسية تحتوي على هذا النوع من الصور؟
الجواب: (1/190)
صفحة 191
أنا لا أظن أن الصورة المرسومة باليد هي نفسها تبقى في الكتاب وإنما ما أخذ منها بالفوتوغراف هو الذي يكون بالكتاب، فلذلك ما كان مأخوذاً بالفوتوغراف لا مانع من اقتنائه إن لم يكن به شيء مما لا يُقر في الشريعة كالمجون والفساد، أي بحيث تكون هذه الصور عارية من كل ما يتنافى مع شريعة الإسلام وآداب الإسلام وأخلاق الإسلام، وفي هذه الحالة لا حرج من اقتناء الكتب التي تشتمل على هذه الصور من أجل مزيد من الدراسة والتعلم، ولربما كانت الدراسة دراسة تشريحية ويحتاج الإنسان أن يعرف الأعضاء أعضاء الجسم الداخلية ولا يكون بيانها إلا برسم صور لها، والله تعالى أعلم.
السؤال:
كلمة نقرأها كما وردت إلينا: الكاتب أبو الخطاب عبدالله من السعودية يقول: سماحة الشيخ تكلمت على شخصكم الكريم مرات عديدة بسبب التلبيس على شخصكم من قبل البعض، ولقد تبين لي الحق عنكم، فأرجو منكم مسامحتي؟
الجواب:
أسأل الله تعالى المسامحة للجميع.
السؤال:
ما هو السن الذي يكون فيه الولد ملزما بالذهاب للصلاة في المسجد؟
الجواب:
جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: (مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم على تركها لعشر)، أمر النبي صلى الله عليه وسلّم أن يؤمر الصبيان بأن يصلوا عندما يمر لهم من عمرهم سبع سنوات، وأمر أن يُضربوا على تركها لعشر سنوات، ومعنى هذا أن الصبي ينبغي بعد أن يبلغ السابعة أن يحرص والده على ترغيبه في الذهاب إلى المسجد من غير أن يضربه، ولكنه إذا وصل العاشرة فإنه يؤدبه لأن المحافظة على الجماعات من المحافظة على الواجبات، والله تعالى أعلم.
السؤال: (1/191)
صفحة 192
كيف يمكن أن أتعامل مع ولدي الذي يبلغ من العمر خمسة عشر سنة والذي يتخذ قرارات بدون أن يأخذ مشورتي، وأعظم شيء عمله مؤخراً هو أنه اتفق مع جده وقاموا بتركيب مستقبل القنوات التلفزيونية (الدش)، مع علم ابني وأبي بأنني لا أرغب في تركيب الدش، لذا فإنني الآن في حيرة من أمري هل أخرجه من بيتي وبذلك ربما أعصي والدي، أو أتركه وأنا في خوف من إساءة استعماله مع علمي بتوجهات ولدي، أفدني شيخنا الفاضل؟
الجواب:
عليك أن تتقي الله، وأن تنصح ابنك، وأن تحرص على تربيته على ما يرضي الله تبارك وتعالى، وأن تذكره بالله واليوم والآخر، وأن تذكره أن الحياة ما هي إلا متاع زائل وظل مغادر، وأن بعد هذه الحياة موتاً، وبعد الموت نشراً وحساباً وثواباً وعقاباً، وأن كل أحد يُسأل عما قدّم وما أخر، وأن أي أحد لا يدري متى يفجأه ريب المنون، وهكذا فمثل هذا يمكنك أن تغرس في ولدك مخافة الله تبارك وتعالى.
أما بالنسبة إلى مستقبل البث الذي تخشى عاقبة أمره فإن كان هنالك ما يتقى بحيث يستعمل في ما لا يرضي الله تبارك وتعالى فاتقاء المضار مقدم على جلب المنافع، ويجب في هذا أن تخرجه من بيتك أي تخرج هذا الاستقبال للبث من خارج البلاد، إن كان هذا البث ضاراً بالأخلاق ومسبباً للفساد ولو لم يرض بذلك أبوك، فإن طاعة الله مقدمة على طاعة أي أحد، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق سبحانه.
السؤال:
ما حكم من يُدّرس في مدرسة ابتدائية مثلاً ويُدّرس الحديث وهو لا يدري مدى صحة تلك الأحاديث فهل يجوز له أن يلقن التلاميذ تلك الأحاديث، وبماذا تنصحونه، وما حكم من مضى لمن كان هذا شأنه؟ هل يجب عليه أن يبلغ توبته تلاميذه؟
الجواب: (1/192)
صفحة 193
هذه الأحاديث إما أن تكون روايات ثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلّم أو لا، وعلى أي حال يُعرف الثابت من غيره بالنظر في متنه بجانب النظر في سنده، فإن المتون - متون الروايات - التي تتصادم مع النصوص القطعية، أو التي تتصادم مع العقل بحيث تأتي بأمور غريبة لا يمكن أن يصدقها العقل فهي غير ثابتة عن الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، كل رواية خالفت نص الكتاب العزيز أو نصاً متواتراً عن الرسول صلى الله عليه وسلّم أو خالفت صريح العقل فهي لا يمكن أن تكون ثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلّم ولا يمكن أن تُقر، أما إن كانت هذه الروايات خالية من هذا كله، أو كان هذا المدرِس لم ينظر فيها ولم يفكر فيها، وإنما أحال طلبته على ما جاء في الكتاب بحيث كان يعلمهم كتاباً معينا فيه هذه الروايات فما عليه من ذلك شيء لأنه برأت ذمته بحيث نسب ذلك إلى الكتاب الذي وجدت فيه هذه الروايات، والله تعالى أعلم.
السؤال:
في منهج الصف الرابع الابتدائي في المدارس النظامية قسم العقيدة فيه دروس لصفات الله وأسمائه كالسميع والبصير، فكيف يتم تدريسها مع الخوف على التلميذ من تشبيه الله سبحانه وتعالى بأحد مخلوقاته؟
الجواب:
ليس في هذا تشبيه قط، فإن الله تبارك وتعالى متصف بجميع الكمالات، فهو يُعرّف بأن الله تبارك وتعالى تتجلى له جميع الأصوات على حقيقتها تجلياً تاماً، كما تتجلى له جميع الكائنات فيراها سبحانه وتعالى كما هي من غير أن يكون عز وجل مشابهاً لخلقه. (1/193)
صفحة 194
الإنسان هو بطبيعة الحال يحتاج إلى سلسلة من الوسائط بينه وبين المرئيات، وكذلك يحتاج إلى سلسلة من الوسائط بينه وبين المسموعات، فالباصرة تلتقط الصور وتنتقل عبر أسلاك معينة إلى الدماغ، والدماغ هو الذي يُميز بينها، وكذلك بالنسبة إلى الأصوات المتموجة كيف تلتقطها آلة السمع ثم تمر أيضاً بأسلاك حتى تصل إلى الدماغ. الله تبارك وتعالى لا يشبه شيئاً من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه، فهو الغني عن كل شيء، تتجلى له الأشياء على حقائقها من غير وساطة بينه وبينها، والله تعالى أعلم.
السؤال:
في أي مرحلة من مراحل عمر الطفل يكون مناسباً تحفيظه القرآن؟
الجواب:
ذلك يرجع إلى استعداد الطفل نفسه، فإن كان مستعداً لتحفظ القرآن ولو كان في عمر الثالثة من عمره أو ما دون ذلك، إن وجدت فيه هذه الملكة فينبغي أن تستغل الملكة و لا تفوت، وينبغي أن يُحفّظ، إنما يرجع ذلك إلى الموهبة التي يؤتيها الله تبارك وتعالى من يشاء من عباده.
السؤال:
مما يؤسف له قيام بعض من ابتليت بهم مهنة التعليم بالتفوه بأقبح الألفاظ أمام الطلبة مما يؤثر سلباً على سلوكيات الأطفال، ما نصيحتكم لأمثال هؤلاء؟
الجواب: (1/194)
صفحة 195
عليهم أن يتقوا الله، وأن يحرصوا على أن لا يقولوا هجراً قط، وأن يستذكروا قول النبي صلى الله عليه وسلّم (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يتبينها تهوي به في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم (وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم)، وقول النبي صلى الله عليه وسلّم (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله يكتب الله تعالى له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله يكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه)، فعلى الإنسان أن يزن كلامه بموازين الحق، على أن هؤلاء هم قدوة لغيرهم وبقدر ما يكونون عليه من الصلاح أو الفساد أو الاستقامة أو الاعوجاج يكون تلامذتهم، فإنهم يتأثرون بسلوكهم إن كان يفوهون بكلمات باطلة، كلمات يتقزز منها الطبع السليم وتأباها الفطرة أمام هؤلاء الطلبة الذين هم صنيعة أيديهم فلا ريب أن هؤلاء الطلبة يتأثرون بهم ويقتدون بهم في ذلك، ويكون فعلهم هذا وبالاً على أنفسهم ووبالاً على هذه الشبيبة الناشئة، وبسبب ذلك يتضاعف وزرهم مما يقولونه، فعليهم أن يتقوا الله، وأن يقولوا قولاً سديدا.
السؤال:
هل هناك فرق بين سن البلوغ وسن الرشد؟
الجواب:
المراد بسن الرشد سن البلوغ لأنه سن تتكامل فيه الملكة العقلية ولكن مع وجود الرشد (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) (النساء: من الآية6) لا بد من أن يكون بجانب بلوغ سن التكليف هنالك رشد، بحيث تكون استقامة في هؤلاء الذين بلغوا الحلم في البُلّغ، لأن عادة الإنسان أن تقوى ملكته العقلية عندما يبلغ هذا المقدار من العمر.
السؤال: (1/195)
صفحة 196
طالبة بالمرحلة الثانوية كانت نصرانية فأسلمت، ولم تظهر إسلامها خوفاً من أبيها المتعصب، ولكن أمها تميل إلى الإسلام وهي نصرانية أيضاً، والأم تقرأ القرآن وتتابع البرامج الدينية، فماذا تقول سماحتكم للأم، وبماذا تنصح البنت التي تخاف إظهار إسلامها، وماذا عن الحجاب ما نصيحتك لها هل تلبسه أم لا حذراً من معرفة أبيها بإسلامها؟
الجواب:
بالنسبة إلى الأم عليها أن تتقي الله وأن تتبع الحق، فإن الإنسان لا يسمح له أن يبقى على غروره وأن يبقى على ضلاله وقد تبين له الحق، إذ هو مسئول عن عقله الذي منحه الله تبارك وتعالى إياه، فما لهذا الإنسان واتباع المسالك الملتوية والمعتقدات التي لا تستسيغها العقول السليمة كاعتقاد أن الله ثالث ثلاثة، وأن الله هو المسيح ابن مريم، مع أن المسيح حملته أمه وولدته كسائر البشر، فأنى للإله أن يكون محمولاً، وأنى للإله أن يكون مولوداً، من الذي كان يصرف هذا الكون، ويدبر هذا الوجود عندما كان هذا الإله جنيناً في رحم أمه؟ ليت شعري أي عقل يستسيغ مثل هذه المقولة، وهذا يعني أن عليها أن تترسم طريق الحق وأن تتبع الحق، بينما هذه الفتاة عليها أن تجد لنفسها المناخ المناسب من أجل أن تشهر إسلامها، ولعلها تستطيع أن تقترن بالرجل الصالح الذي تجد عنده الكنف الذي يؤويها، وتجد عنده الضمان لاستمرار هدايتها واستمرار راحتها وطمأنينتها ويجعل الله تبارك وتعالى على يديه يسرها بعد عسرها إن شاء الله، وأسأل الله تبارك وتعالى لها التوفيق.
السؤال:
ما قولكم في اقتناء الأطفال للرسوم المتحركة والبعض منها هادف في مضمونه؟
الجواب:
إن كانت هنالك مضار فالمضرة تتقى لأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وإن كانت لا توجد مضار في اقتناء هذه الرسوم ويمكن أن تكون نتيجتها نتيجة إيجابية فذلك خير ولا مانع منه.
السؤال: (1/196)
صفحة 197
يلحظ على لباس الأطفال لاسيما البنات عري يتفاوت بين الشدة والخفة فما رأيكم في هذا؟ وهل هنالك ضوابط للبس الأطفال؟
الجواب:
الأطفال ينبغي أن يُنشّئوا من أول الأمر على الحياء، فإن الحياء من الإيمان كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم (الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها كلمة لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى من الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) فلما كان الحياء شعبة من الإيمان فجدير بالأبوين أن يحرصا على تربية أولادهما على الحياء من أول الأمر، ولا سيما الجنس اللطيف، فإن شرف المرأة وجمالها وجلالها في حيائها، فإن كانت بعيدة عن الحياء لم يكن لها شرف، ولم يكن لها أي قدر، ولم تكن لها هيبة وكانت مبتذلة، فالمرأة هي أحوج إلى أن تكون حيية، وأن تكون بعيدة عن أي تهور كان، فلذلك ينبغي أن تُنشّئ الفتيات من أول الأمر على الحياء وعلى العفة والترفع عن سفاسف الأمور، كما أن الشباب أيضاً يجب أن يُنشئّوا على مثل هذه الحالة، ولكن حياء المرأة كما قلت أوكد من حياء الرجل، والله تعالى أعلم.
السؤال:
ما هو السن الذي يمنع فيه التكشف على الأطفال بحيث تعتبر سوآتهم عورة؟
الجواب:
حقيقة الأمر ينبغي من أول الأمر الابتعاد بقدر المستطاع عن ذلك، ولكن عندما يكون هذا الطفل حيياً، عندما يصل إلى درجة الاستحياء من إبداء سوأته فإنه في هذه الحالة يكون من الواجب ترك الاطلاع على سوأته.
السؤال:
ما حكم تدريب البنات على الرقص، وقد يكون في محافل نسائية مغلقة كالأعراس؟
الجواب:
تعويدهن على الرقص ولا سيما الرقص المبتذل، الرقص الرخيص الذي هو بعيد عن الحياء وبعيد عن المحافظة على الشرف، إنما هو تعويد على سفاسف الأمور وتجرأة لهؤلاء الفتيات على الفحشاء والمنكر، فلذلك يجب إبعادهن من ذلك وعدم السماح لهن به.
السؤال:
كيف نربي أولادنا على حب الله ورسوله؟
الجواب: (1/197)
صفحة 198
نعم، تربية الأولاد على حب الله تعالى من حيث تذكيرهم بنعم الله، وتذكيرهم بجلال الله، فإن الإنسان يعظّم غيره ويحبه ويقدره لأحد أمرين، إما لكونه متفوقاً عليه، وإما لأنه أسبغ عليه يداً بيضاء، وعلى كلا الاعتبارين فإن الله سبحانه وتعالى يجب أن تفوق محبته محبة كل شيء، فهو تبارك وتعالى يتجلى جلاله في كل ذرة من ذرات هذا الكون، ذلك مما ينبغي أن يُعرّف الأطفال إياه، لأن كل ذرة من ذرات هذا الكون يتجلى فيها جلال الله، فالشمس تغرب تطلع وتغرب وما هي طلوعها وغروبها إلا مسخرة من أمر الله سبحانه وتعالى من أجل ما فيه مصلحة العباد ومن أجل إذكاء الحياة في هذا الكون الذي تشرق عليه، وكذلك نزول الأمطار ونبات النباتات على اختلافها وخروج الثمار على اختلافها وما هيأه الله سبحانه وتعالى من أسباب الرزق، وما هيأه للإنسان من تسخير هذا الكون بأسره كل من ذلك يتجلى فيه جلال الله، وكل من ذلك أيضاً نعمة من الله تبارك وتعالى أنعمها على الإنسان، فما أحرى هذا الإنسان أن يكون عبداً محباً لله تعالى، ومعنى حبه إياه أن يفنى هواه في طاعة الله، بحيث يؤثر طاعة الله على هوى نفسه، ويقدّم أمر الله تبارك وتعالى على أمر كل من عداه، فلا يؤثر طاعة أحد من خلق الله على طاعة الله. (1/198)
صفحة 199
وأما حب الرسول صلى الله عليه وسلّم فهو أيضاً يرجع إلى ذينك السببين نفسيهما فمن حيث تفوقه صلى الله عليه وسلّم فهو أعظم البشر، كيف وقد أثنى الله عليه في كتابه حيث قال (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء:107)، وهي شهادة الخلاق العليم بأنه صلى الله عليه وسلّم أعظم من كل مخلوق، كيف وهو نفسه صلى الله عليه وسلّم رحمة أهداها الله تبارك وتعالى للعالمين، والعالمون جمع عالم، والعالم كل ما كان علامة ودليلا ًعلى وجود الخالق سبحانه فيشمل ذلك جميع أجزاء الكون، ومعنى ذلك أن كل ذرة من ذرات هذا الكون مشمولة بهذه الرحمة ومغمورة بهذه النعمة، ولئن كان النبي صلى الله عليه وسلّم بهذا القدر فإنه أولى أن تكون محبته تفوق محبة الناس أجمعين.
ثم من ناحية أخرى هو باب الهداية إذ عليه يديه اهتدت هذه الجماهير، وقد كان صلى الله عليه وسلّم حريصاً على هداية الجماهير كما وصفه الله تعالى عندما قال (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة:128)، فهو حريص علينا، حريص على هدايتنا حريص على إنقاذنا من الضلالة، حريص على أن يأخذ بحجزنا عن النار والعياذ بالله كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلّم بذلك بنفسه، وهو مع ذلك رؤوف بنا رحيم بنا، ولذلك حرص على هدايتنا فمع ذلك كله لا ينبغي أن يكون أحد من خلق الله أعظم محبة في نفس أي أحد من رسول الله صلى الله عليه وسلّم، بهذا تنغرس محبة الله ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلّم في نفوس الأطفال.
السؤال:
كيف يتعامل مع الطفل المغرور؟
الجواب: (1/199)
صفحة 200
الطفل المغرور ينبغي أن يكبح غروره بأن يُعرّف بنفسه أولاً لماذا يغتر؟ لأي شيء يتعالى على غيره؟ هل يتعالى من أجل مجد أبويه؟ فإن كان لهما مجد فذلك المجد لا يورث بالغرور، وإنما يورث بالاقتداء بهما على أنه لا مجد إلا تقوى الله تبارك وتعالى، فالتقوى هي ميزان التفاضل بين الناس (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13).
وإن كان مغروراً بماله أبويه فإن المال لا يُعد شيئاً، إذ هو عرض زائل، وكم من غني أصبح فقيراً بين عشية وضحاها لا يملك شيئاً قط، وكم من معدم أيضاً أصبح بين عشية وضحاها من الأثرياء، فالإنسان لا يغتر بالمال.
وإن كان ذلك عائداً إلى ما يجده من نفسه من تفوق فإن هذا التفوق لا يعد شيئاً بجانب هبوطه في دركات الأخلاق الذميمة ومن بين هذه الأخلاق الغرور، إذ الغرور هو على رأس الأخلاق السيئة وهو سبب لانحدار الإنسان إلى جميع مساوئ الأخلاق، فلذلك ينبغي له يكبح هذا الغرور في نفسه. (1/200)
صفحة 201
وإن كان اغتراره بسبب أنه يرى نفسه متفوقاً على زملائه في طلب العلم وفي تحصيل العلم فإن العلم بدون أخلاق لا قيمة له إذ الله تبارك وتعالى لم يصف عبده ورسوله صلى الله عليه سلّم بغزارة العلم بقدر ما وصفه بمحاسن الأخلاق فقد قال في وصفه إياه (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4)، ولم يقل له وإنك لعلى علم غزير، بل خاطبه معه غيره عليه أفضل الصلاة والسلام بقوله (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً) (الاسراء: من الآية85)، فالوصف الذي تميز به الرسول صلى الله عليه وسلّم إنما هو مكارم الأخلاق، ومكارم الأخلاق تتنافى مع الغرور، بل الغرور سبب لمحق جميع مكارم الأخلاق بحيث لا يبقى للإنسان خلق فاضل قط، وهكذا بهذا يمكن أن يكبح هذا الغرور وأن يُعرّف بقيمته، وأن يوقف عند حده.
السؤال:
متى ينبغي عزل الأبناء عن غرف نوم الآباء؟
الجواب:
حقيقة الأمر هناك تفاوت ما بين الأطفال الذين يستيقظون ويمكن أن يروا آبائهم وأمهاتهم وهم في حالة لا ينبغي أن يراهم عليها الطفل، ومنهم من يكون غير مستيقظ، على أنه مما ينبغي أن يوضع حاجز ما بين الأبوين عندما ينامان في فراش واحد وبين الطفل حتى لا يرى ما يدور بينهما، وعندما يكون الطفل يستيقظ ويقوم ويكتشف الحالة ويعقل، في هذه الحالة ينبغي أن يعزل في غرفة أخرى لئلا يرى هذه التصرفات.
السؤال:
ما الذي يمكن أن يبديه الآباء أمام أبناءهم من مظاهر التواد والتعاطف، فمثلاً التقبيل والعناق، وفي أي سن يمكن أن يحجم عن إظهار هذا؟
الجواب: (1/201)
صفحة 202
إظهار التقبيل أمام الأطفال الذين يعقلون ويعون لا ينبغي، لأن هذه الصورة قد تنعكس في نفسية الطفل، وقد يحفظها الطفل حتى وهو في مرحلة متأخرة في عمره إذ بعض الأطفال تنغرس في أذهانهم المشاهد التي يشاهدونها وتبقى راسخة في قرارة نفوسهم إلى أن يبلغوا من الكبر عتيا، فلذلك ينبغي تجنب ذلك، أما إبداء العطف والرحمة والتوقير وإبداء الحب الطبيعي بين الأبوين فذلك أمر لا بأس به، وهو مما يجعل الطفل يطمئن ونفسه تستقر عندما يرى أبويه غير متنافرين.
السؤال:
ما حكم اصطحاب الأطفال إلى المساجد لتعليمهم شعائر الإسلام ولكن قد يكون وجودهم في المسجد مثيراً للضوضاء؟
الجواب:
أما إن كانوا يزعجون المصلين فلا ينبغي أن يصطحبوا إلى المساجد، لأنهم يشوشون عليهم في صلواتهم، وإنما ينبغي اصطحابهم عندما يكونون مستقرين لا يثيرون ضجيجاً في المسجد ولا يشوشون على الناس صلاتهم.
السؤال:
ما قولكم إذا مالت الأم أو الأب بالاهتمام إلى طفل دون الآخرين وقد يكون السبب في ذلك مداركه؟
الجواب:
حقيقة الأمر صاحب المدارك يولى عناية بقدر ما آتاه الله من مدارك، ومن لم يعط هذه المدارك أيضاً يولى عناية حتى تُنمى مداركه، كل واحد يولى عناية، الذي أكرمه الله سبحانه وتعالى بحدة المدارك يولى عناية من أجل استغلال هذه الطاقة الموجودة عنده لئلا تهدر وتضيع، وكذلك الذي لم يعط هذه المنحة وإنما كانت موهبته أقل من مواهب الآخرين ينبغي أن تنمى موهبته بقدر المستطاع حتى يمكن أن تنمو هذه الموهبة وأن يلاحق أخاه الآخر، والله تعالى الموفق.
السؤال:
نرى من المعلمين من يدخن أمام الطلبة فما رأي سماحتكم في هذا الفعل؟
الجواب: (1/202)
صفحة 203
هذه مصيبة، التدخين هو سم قاتل، سم زعاف يقتل به الناس أنفسهم والله تبارك وتعالى حرّم عليهم أن يقتلوا أنفسهم عندما قال (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) (النساء:29 - 30)، وكون الأب يدخن أمام أولاده، أو كون المدرس يدخن أمام تلامذته هذه كارثة من الكوارث لأن الطفل يريد أن يتشبه بمن يتشبه؟، إنما يتشبه بوالده أو يتشبه بأستاذه فالمثل الأعلى أمامه الوالد والأستاذ، ولذلك يجب على هؤلاء أن يتقوا الله، وأن يبتعدوا عن هذه التصرفات الشائنة، والله تعالى ولي التوفيق.
تمت الحلقة بعون من الله وتوفيقه
20 من شعبان 1423هـ، الموافق 27 أكتوبر 2002 م
الموضوع: وسائل الاتصالات والانترنت
السؤال:
كيف يوظف المسلم وسائل الاتصالات في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: (1/203)
صفحة 204
فإن الله تبارك وتعالى كرّم الإنسان تكريما، ورفع منزلته وفضله على غيره تفضيلا، وهذا يتجلى في ما أوتيه هذا الإنسان من ملكات العقل، والقدرات المختلفة التي من خلالها يمكنه أن يتعامل مع جميع الكائنات الموجودة في هذه الأرض بل وأن يمتد تعامله إلى الكائنات التي هي خارج إطار هذه الأرض، ولا ريب أن هذه الكائنات سخرت تسخيراً للإنسان، وأعطي الإنسان من الملكات والقدرات من أجل استخدامها في مصلحته ما يبين بكل وضوح أن وجود الإنسان في هذه الأرض يختلف تمام الاختلاف عن وجود غيره من الكائنات، فإن الإنسان لم يؤت هذه المواهب المختلفة من أجل هذه الحياة القصيرة التي ينشرها الميلاد ويطويها الموت، وإنما أوتي هذه الملكات من أجل أن يعمل عملاً صالحاً يمتد أثره في أعقابه، ويمتد أثره فيما بعد بحيث يجني ثمرته في الدار الآخرة، تلك الدار التي تختلف عن هذه الدار، لأن حياتها حياة لا تنصرم، والناس يجنون فيها ما غرسوا في هذه الدنيا خيراً كان ذلك أو شرا، فمن غرس خيراً لقي خيرا، ومن غرس شراً فلا يلومن إلا نفسه (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام: من الآية164)، فكل نفس إنما تجني على نفسها فحسب.
هذا ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى إنما آتى الإنسان هذه المواهب المختلفة لأجل أنه مستخلف في هذه الأرض، ومعنى هذا الاستخلاف أن يكون قائماً بواجب عمارتها على النحو الذي يرضي الله تبارك وتعالى، وأن لا يشذ عن منهج الله فإن المستخلف إنما يجب أن يكون عمله فيما استخلف فيه في إطار توجيهات من استخلفه، ولئن كان الله تبارك وتعالى هو المستخلف لهذا الإنسان وهو مالك الملك رب السماوات والأرض الذي منه المبدأ وإليه الرجعى وله الحمد في الآخرة والأولى فإنه يجدر بهذا الإنسان أن لا يخرج في كل تصرفاته وفي كل أعماله عن الحدود التي رسمها له مستخلفه سبحانه وتعالى بحيث تكون أعماله وتصرفاته وفق أمر الله سبحانه. (1/204)
صفحة 205
ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى جعل هذا الإنسان كائناً إجتماعيا ومن أجل هذا كان بحاجة إلى التواصل مع بني جنسه وهذا الأمر لا يقف في حدود القطر الواحد أو المجتمع الواحد، بل ولا يقف في حدود الجيل الواحد، وإنما هو يمتد عبر الأجيال المتسلسلة، ومن أجل هذا هيأ الله سبحانه وتعالى الوسائل المختلفة من أجل نقل المعلومات من جيل إلى جيل كما أنها تنقل المعلومات أيضاً من قطر إلى قطر، فنطق الإنسان الطبيعي بلسانه لا يمتد إلا إلى مسافة محدودة، ولكن يمكن أن يمتد ما يشبه النطق وهو التسجيل بالقلم حتى يكون مفهوماً عبر الأجيال المتسلسلة، فالقارئ يقرأ ما كتبه من سبقه بقرون وكأنه يعايشه بحيث يطلع على ما كانت عليه رغباته وعلى ميوله وعلى مشاعره وأحاسيسه وعلى أفكاره وكأنما هو ينادمه لا يفصل بينه وبينه شيء.
كذلك شاء الله سبحانه وتعالى أن تكون حياة هذا الإنسان حياة تطور، تطور لا يقف عند حد، وهذا التطور يسير سيراً حثيثاً، ولئن كان التطور عبر القرون السابقة كان بمقدار وسائل النقل في ذلك الوقت بحيث كان التطور لا يعدو أن يكون في سرعة من يمشي ركضاً أو من يركض ركضاً فإن التطور في وقتنا هذا يكاد يكون يصل إلى حد سرعة الضوء، فإن المسافات تطوى بسرعة، ومن بين هذه التطورات التي حصلت وجود هذه الوسائل التي تنقل الأفكار والمعلومات بل وتنقل المشاهد من أماكن إلى أماكن بعيدة حتى أصبح العالم بأسره بترامي أطرافه وكأنما هو غرفة واحدة يطلع الإنسان على ما يجري فيها، وهذا كله مما يدعو الإنسان إلى أن يتفكر في هذه الموهبة العظيمة التي منحها، وما هي إلا ابتلاء من الله يبتليه الله سبحانه وتعالى أيشكر أم يكفر، فالشكر إنما هو استخدام هذه النعمة فيما خلقت من أجله، والكفر إنما صرف هذه النعمة باستخدامها فيما لا يرضي المنعم بها تبارك وتعالى. (1/205)
صفحة 206
ومن هنا كانت الضرورة داعية إلى أن يحرص الإنسان الذي يدرك ذلك وهو المسلم على أن يستخدم هذه النعمة في هداية القطعان البشرية الحائرة الضالة، فإن الإنسان المسلم صاحب رسالة فهو مسئول عن تبليغ هذه الرسالة إلى آفاق الأرض كلها ذلك لأن الله تبارك وتعالى أورث المسلم مواريث النبوة، والأنبياء إنما جاءوا من أجل هداية الخلق أرسلهم الله سبحانه وتعالى مبشرين ومنذرين ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، وجمع الله سبحانه وتعالى ما تفرق من رسالاتهم في الرسالة الخاتمة الجامعة التي بعث بها عبده ورسوله محمداً عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، فهي منطوية على كل خير وأمته خير أمة أخرجت للناس، ولكن متى تكون هذه الخيرية؟ إنما تكون هذه الخيرية عندما تكون أمة ملتزمة، أمة تعمل بأمر الله، وتحرص على اتباع هدي رسوله صلى الله عليه وسلّم، وذلك بأن تتحمل هذه الرسالة لتبلغها إلى الناس أجمعين، ومن هنا وجدنا أن الحق سبحانه وتعالى يبين ميزة هذه الأمة إذ يقول (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: من الآية110)، فهي أمة خيرة، وخيريتها إنما تكون عندما تكون ملتزمة بهذا الأمر وذلك بأن تحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما تبني ذلك كله على الإيمان بالله. (1/206)
صفحة 207
وقد فرض الله تعالى عليها أن تكون أمة هذا شأنها عندما قال سبحانه وتعالى (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران:104)، ولا ريب أن السلف الصالح أدركوا هذه المسئولية فلذلك قاموا بنشر هذا الحق فانطلقوا في أرجاء الأرض وكأنما كل واحد منهم رسول إلى أمة يتلو عليها كتاب ربها سبحانه وتعالى ويأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر ويقيم عليها الحجة ويبين لها المحجة ويرسم لها الطريق الصحيح الذي إن سارت فيه وصلت إلى البغية وأدركت المنى وخرجت من هذه الدنيا برشاد وبهداية وبفوز عظيم وفتح مبين وذلك لأنها تنتقل إلى رضوان الله سبحانه وتعالى، أما إن سارت سيراً آخر فإنما تنقلب والعياذ بالله إلى عاقبة لا تعدو أن تكون خسرا.
وشاء الله سبحانه وتعالى أن تمتد هذه الهداية لتصل إلى آفاق الأرض وتنتشر مع أن الوسائل ما كانت متوفرة عندهم إذ كانت الوسائل وسائل بدائية، كانت الوسائل إنما ركوباً على أرماث البحر أو على ظهور الدواب أو سعياً على الأقدام من أجل نشر دعوة الحق، والآن الإنسان وهو في غرفته يستطيع أن يخاطب العالم، يستطيع أن يوجه الخطاب إلى أًصقاع الأرض، فما أجدر المسلم وهو يملك هذه الوسيلة أن يبصر هذا العالم الحائر بطريق سلامته وطريق هدايته من أجل إنقاذه من ورطته ومن أجل انتشاله من الضياع ومن أجل أن النهوض به من عثرته، والله تعالى ولي التوفيق.
السؤال:
الذي يستخدم شبكة المعلومات العالمية (الانترنت) في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، هل لا بد أن تتوفر فيه شروطاً معينة حتى لا يضر بالإسلام؟
الجواب: (1/207)
صفحة 208
الدعوة يجب أن تكون مهمة كل مسلم، لأن الله تبارك وتعالى بيّن أن ميزة هذه الأمة إنما هي في الدعوة إلى الله، إذ قال (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (آل عمران: من الآية110) وقال (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران:104)، ومن المعلوم أن (من) هنا في قوله (منكم) ليست للتبعيض وإنما هي للبيان، فهي على حد قولهم وجدت من فلان أسداً، وجعل الله له من أولاده أنصارا، وهكذا، فإن المراد بمثل هذا أن (من) لبيان الجنس وليست هي للتبعيض، ومعنى (ولتكن منكم أمة) أي كونوا أمة هذا شأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله.
فإذا اضطلعت الأمة بهذه الأمانة أدت واجبها، ولكن لا بد من أن يكون الإنسان فيما يقوله على بينة من أمره وبصيرة من دينه وسداد من مسلكه حتى لا يتورط.
فمن ذلك لا بد من أن يكون الإنسان عارفاً بما يدعو إليه ولذلك قيل بأن الإنسان لا يكون آمراً بالمعروف ولا ناهياً عن المنكر حتى تجتمع فيه خصال: أن يكون عالماً بما به يأمر، وعالماً بما عنه ينهى، وأن يكون عدلاً فيما به يأمر، وعدلاً فيما عنه ينهى، وأن يكون مؤتمراً بما به يأمر، ومنتهياً عما عنه ينهى. (1/208)
صفحة 209
لا بد من أن تتوفر في الإنسان هذه الخصال، أما العلم فإنه أساس العمل وأساس الهداية، ولذلك كانت الهداية منوطة بالعلم، والله سبحانه وتعالى عندما أرسل رسوله صلى الله عليه وسلّم خاطبه أول ما خاطبه بكلمة اقرأ (اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَا وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق: 1 - 5) لأن الله بعثه برسالة العلم، فالله سبحانه وتعالى عندما امتن به على عباده المؤمنين إنما امتن به لأنه جاء معلماً لهم ومزكياً لهم فقد قال سبحانه (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (آل عمران:164)، وقال امتناناً على عباده الأميين وهم العرب (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (الجمعة:2 (
وقد حذّر الله سبحانه من التقول عليه بغير علم عندما قال عز من قائل (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:33)، فالتقول على الله بغير علم أمر غير جائز. (1/209)
صفحة 210
ولكن الدعوة تختلف بين أمر وآخر، فهناك أمور من الضرورة أن يعرف الإنسان حكمها إذ من الذي لا يعرف أن الخمر مثلاً حرام وأن الزنا وأن الغيبة حرام وأن كلمة الباطل يقولها الإنسان حرام، فالإنسان عندما يغيّر مثل هذا المنكر لا يحتاج إلى كثير علم إذ الناس جميعا مشتركون في معرفة ذلك، وكذلك عندما يجد أحد من الناس أحداً يسيء التصرف في أمر من الأمور وهو يحسن التصرف فإن عليه أن يدعوه إلى الخير وأن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، وبهذا يكون قد أدى ما عليه.
وكذلك من هذا الباب تربية الإنسان لأولاده على طاعة الله وعلى البر وعلى الإحسان وعلى اجتناب سفاسف الأمور وعلى التحلي بمكارم الأخلاق، فإن ذلك كله يدخل في باب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وهكذا تتوسع الدعوة شيئاً فشيئا ويشترك فيها الناس بقدر قدراتهم.
وأما العدل فهو أن لا يحابي أحداً على حساب أحد آخر، لا يحابي قريباً على حساب بعيد، ولا حبيباً على حساب بغيض، ولا صالحاً على حساب طالح، فإن الناس متساوون في هذه الناحية، لا بد من أن تكون كلمة الحق التي يقولها منبعثة من أعماق نفسه من أجل هداية الناس لا من أجل الحيف على أحد، أو توصير أحد على حساب أحد، فالله تعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا) (النساء: من الآية135)، ويقول سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: من الآية). (1/210)
صفحة 211
وأما الائتمار بما به يأمر والانتهاء عما عنه ينهى عنه فإنه من ضرورات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذلك لأن هذه الدعوة إن لم تكن مترجمة بالعمل ومصدقة بالفعل فإنها ولا ريب تكون متعثرة في طريقها، والحق سبحانه وتعالى يقول في تقريعه لليهود (أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة:44)، وليس التقريع هنا على الأمر والنهي على أمر الناس بالبر، وإنما التقريع على نسيانهم أنفسهم، فهم وإن أحسنوا من حيث دعوة الناس إلى الخير ولكنهم أساءوا من حيث إنهم تركوا الائتمار بهذا الذي يأمرون به والانتهاء عن هذا الذي ينهون عنه.
ونجد أن السلف الصالح إنما استطاع أن يقتحم السدود، وأن يذلل العقبات، وأن يصل إلى غايته في هذه الدعوة بالتطبيق الدقيق لكل ما يدعو إليه، فالسلف الصالح كانت أعمالهم أدعى إلى الحق من أقوالهم، ولذلك تفاعل الناس تفاعلاً تاماً مع هذه الدعوة فاتبعوا دين الله ودخلوا فيه أفواجا، وهذا كما قلنا مع عدم وجود الوسائل في ذلك الوقت ولكن عزيمتهم كانت عزيمة متوقدة، وأعمالهم كانت أعمالاً صالحة، وسيرتهم كانت سيرة زكية، ولذلك تفاعل الناس مع دعوتهم فتسارعوا إلى الاستجابة لها.
السؤال:
كما تعلمون فإن وسائل الاتصال منتشرة بشكل كبير اليوم ولله الحمد والمنة، ويعد برنامج (البالتوك) نوع من أنواع الاتصالات، ومن بين غرف هذا البرنامج غرفة الأرقم تجري في هذه الغرفة مناقشة بعض القضايا مثل قضية تعدد الزوجات حيث تتم المناقشة إما بالكتابة أو بواسطة لاقط الصوت بين الأشخاص.
ماذا ترون في مشاركة المرأة في مثل هذه المناقشات وبالذات بواسطة لاقط الصوت؟، وهل صوتها يعتبر عورة بالنسبة للرجال؟ علماً بأن الغرفة يدخلها الجنسان؟
الجواب: (1/211)
صفحة 212
حقيقة الأمر القضية تحتاج إلى شيء من الدقة في الإجابة عليها، فنحن نشجع المرأة أن تكون داعية إلى الله آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، وأن تسخر هذه الوسائل من أجل القيام بهذه المسؤولية، والاضطلاع بهذه المهمة. والله سبحانه وتعالى يقول في وصف المؤمنين والمؤمنات (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ) (التوبة: من الآية71)، فالله سبحانه وتعالى وصفهم هذا الوصف وهو وصف يدل على اشترك الجنسين جميعاً في الاضطلاع بهذه المهمة.
ولكن مع هذا لا بد من مراعاة الآداب والأخلاق والتقيد بالحشمة والوقار، فحديث الرجل إلى المرأة يجب أن لا يكون حديثاً مشوباً بعاطفة ولربما غرّر الإنسان بالمرأة من خلال إذكائه عاطفتها وهو يتحدث إليها حديثاً عاطفياً يجذبها إلى أمور لا تحمد.
فمن هنا نحن نوصي أولئك الدعاة أن يتخلقوا بأخلاق الدعاة، وأن يتركوا هذا الجانب، وأن يحرصوا على الإصلاح بحيث لا يجعلون الدعوة وسيلة لتهييج العواطف فإن ذلك أمر يؤدي إلى التخريب لا إلى التعمير وهذا أمر معروف بطبيعة الحال.
كما أن المرأة يجب أن تتعامل مع الرجل بحذر وأي حذر ولا سيما إن أراد أن يفاتحها في قضية زواج أو في غير ذلك فإن الاسترسال في هذا ربما أدى بها إلى ما لا تحمد عاقبته وليس كل الرجال رجالاً، الناس يتفاوتون، وقد يغرها بمظهره بسمته وبوقاره وبتحليه بصفات الصالحين حسبما يظهر ولكنه ينطوي على حقيقة مضادة لهذه الحقائق وهذا أمر يجب أن يتبنه له الجميع. (1/212)
صفحة 213
ومن المعلوم أن المرأة سرعان ما تتهيج عاطفتها لأن عاطفة المرأة كما تقول باحثة اجتماعية فرنسية تشغل كلا جانبي دماغها عندما تثور، بخلاف عاطفة الرجل فإنها تشغل جانباً واحداً وتترك الجانب الآخر صالحاً للتفكير، فالمرأة كثيراً ما تتأثر ولذلك يجب الرفق بالمرأة كما قال النبي صلى الله عليه وسلّم: رفقا بالقوارير.
يجب الرفق بالمرأة، ويجب على الرجل أن يتعامل مع امرأته على أنها أخته وعلى أنها أمه وعلى أنها ابنته، فكما أنه لا يرضى لأمه ولا يرضى لابنته ولا يرضى لأخته أي عار يلحقها كذلك عليه ألا يرضى بأي امرأة أخرى ذلك لأنها قبل كل شيء أخته في الإنسانية قبل أن تكون أخته في الإسلام، ثم هي أخته في الإسلام، ثم قد تكون أخته في المجتمع أيضا بحيث يجمعهما جميعا مجتمع واحد، فعليه أن يتقي الله تبارك وتعالى في ذلك وأن يحرص على تجنب جميع الإثارات.
وأنا بنفسي وصلتني شكاوى من بعض النساء الداعيات بأن بعض الفتيات أصبحن يتعرضن للإثارات من قبل بعض الناس الذين يتظاهرون بمظهر الصلاح والاستقامة وذلك عبر هذه الوسيلة، فعلى هؤلاء أن يتقوا الله وأن لا يستعملوا هذه الوسيلة إلا في البناء لا في الهدم.
ويمكن أن يلتقيا (الداعي والداعية) من خلال الحديث ولكن مع ذلك يجب أن يكون حديثاً وقوراً، أنا لا أقول بأن صوت المرأة عورة على أي حال، وإنما على المرأة إن تحدثت مع الرجل أن تتجنب التغنج وأن تتجنب المثيرات، ومع هذا أيضا يجب أن لا يكون حديثاً عاطفياً كما قلت، وإنما يجب أن يكون حديثاً جدياً ليس فيه ما يتعلق بهذا الجانب، وبهذا يمكن أن يتعاون الجنسان.
ولا أقول بمنع التحدث إلى المرأة فيما يتعلق بأمور الزواج أي مفاتحة المرأة في هذا ولكن ذلك في حدود الحشمة والوقار مع اطلاع أسرتها على ذلك ومن بينهم ولي أمرها. (1/213)
صفحة 214
وهنا تعجبني أبيات فيها الكثير من النصح والتوجيه للمرأة ومن بينها ما يتعلق بهذا الجانب أي بجانب تغرير المرأة من أجل الزواج أو من أجل شيء من هذا قالها أحد كبار الدعاة قبل سنين كثيرة عندما خرجت المرأة متبرجة تبرج الجاهلية ونسيت حشمتها ووقارها وما يجب أن تكون عليه فقد وجه إلى المرأة نصيحة.
وأنا أذكر هذه الأبيات وهي وإن كانت لا تتعلق جميعاً بهذا الجانب الذي كنا نتحدث فيه وإنما تتعلق بما وصلت إليه المرأة من فتح الباب على مصراعيه للشهوانيين يقول:
قَصّرتِ أكماماً وشلتِ ذيولا ... هلا رحمتِ إهابكِ المصقولا
أسأمتِ من بردِ الشتاء سجونَه ... فطلبتِ تحريرَ المصيفِ عَجولا
وخطرتِ تحت غِلالةٍ شفافة ... في فتنةٍ تدعُ الحليمَ جهولا
محبوكةٍ لصِقت بجسمٍ مشرقٍ ... دفعته فورتُه فبان فُصولا
هل قصّر الخدانِ في صرعاهما ... أو كان طرفُكِ في الطعان كسولا
حتى استعنتِ على القلوبِ بمُغمَدٍ ... وجعلتِ جسمكِ كلَه مسلولا
ألححتِ في عرضِ الجمالِ وغركِ ... الأغرارُ لما أسمعوكِ فضولا
من نال منكِ رضا فأنت مَلاكُه ... ومن انتهرتِ قسا فكان عذولا
صوني قداسةَ ما وُهِبتِ وحاذري ... أن تبتغي بعد الهُويّ حُلولا
واسمَي بعرضكِ فالمُضَلل فورة ... وإن اهتدى عبثاً يضل وصولا
ثم هنا جاء بما كنا نتحدث به قال:
شاهدتُ ضليلاً يطاردُ غادةً ... فنهرتُه حنِقَاً فقال خجولا
أبغي البناء بها فقلت مداعباً ... هل كان باب وليها مقفولا
فرنا ولم يرها فجُنّ وقال لي ... أبُعثت فينا يا غيور رسولا
لم يبق لي أرَب فما يضطرني ... حتى أكون مكلفاً مسئولا
قل للفتاةِ الغرِ هذا حبه ... إن بان ملتاعاً وذاب ميولا
يلقاك كالحَمَلِ الوديعِ مُضللاً ... فإذا تمكن منكِ أمسى غولا
فهكذا نحن نحذّر المرأة من أن تقع فريسة لمثل هؤلاء الناس، كما نحذر الرجل أيضاً أن يقع هو أيضاً فريسة الشيطان من خلال إغوائه بطريق المرأة، وعلى الجانبين أن يتقيا الله تبارك وتعالى.
السؤال: (1/214)
صفحة 215
المتساقطون على طريق الدعوة ليسوا بقليل في العالم الإسلامي، هل ترى سماحتكم أن بعضهم أخفق في سبيلها إن كان ذلك كذلك، فإلى أي الزوايا مرد ذلك الإخفاق، أهو فساد معتقد أم انحطاط فكر؟
الجواب:
حقيقة الأمر هناك أسباب متعددة، فقد يكون الغبش في التصور سبباً من أسباب هذا التساقط، وقد يكون أيضاً غلبة النزوة والشهوة سبباً من هذه الأسباب، ولا أعني بالشهوة شهوة معينة، هنالك شهوات مختلفة تغري الإنسان وتدفعه دفعاً إلى ارتكاب الموبقات من بينها شهوة حب الظهور ومن بينها شهوة المال، ومن بينها أن يحب بأن يتبوأ مكاناً عالياً بين الناس إلى غير ذلك من الأمور التي تردي الإنسان، ولا ريب أن هذه كلها مهلكات فإن الله تبارك وتعالى يقول (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص:83 (.
ونحن نرى كيف أن الله تبارك وتعالى بدأ بالعلو هناك قبل الفساد لأن حب العلو في الأرض هو الذي يدفع بصاحبه إلى الفساد دفعا، فلذلك ضرورة تنقية النفس من جميع هذه الشوائب. (1/215)
صفحة 216
ولا ريب أن المتساقطين كثر، فما أكثر أولئك الذين ظهوراً للناس أولاً بمظهر الدعاة المخلصين الراغبين في إنقاذ المجتمع وإنقاذ الإنسانية كلها من الورطات وإذا بهم يقعون فيما كانوا عنه ينهون، ويترامون إلى ما كانوا منه يحذرون، هذا كله إنما يعود إلى ضعف هذه النفوس أمام المغريات المختلفة والمؤثرات المتباينة فلذلك على كل أحد أن يحرص بأن يكون موصولاً بربه سبحانه وأن لا يأمن مكر الله فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، ووصل الأمر ببعض أولئك الذين كانوا يتظاهرون بذلك المستوى العالي أن انحدروا إلى دركات الإلحاد وإلى دركات أنواع الفساد، فما أجدر الإنسان أن يحرص كل الحرص على أن يتقي الله تبارك وتعالى، وأن يحاسب النفس باستمرار محاسبة دقيقة، وأن يكون كما قال شعيب عليه السلام (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) (هود: من الآية88)، فكيف يحذر الإنسان من أمر ثم يقع فيه بنفسه؟
هنا تعجبني كلمات قالها بعض الدعاة يقول: (إن الكلمة لتخرج ميتة وتصل هامدة مهما تكن طنانة رنانة إذا هي لم تخرج من قلب مؤمن بها، ولن يؤمن إنسان بما يقول حتى يستحيل هو ترجمة حية لما يقول وتصويراً واقعياً لما ينطق، حينئذ تخرج الكلمة كلها دفعة حياة لأنها تستمد قوتها من واقعها لا من طنينها، وجمالها من حقيقتها لا من بريقها)، والله تعالى المستعان.
السؤال:
بعض الشباب هداهم الله يستغلون شبكة الانترنت فيما حرم الله من تصفح المواقع الإباحية ويضيعون أوقاتهم وأموالهم.
ما هي النصيحة التي تقدمونها شيخنا لهؤلاء الشباب؟
الجواب: (1/216)
صفحة 217
قبل كل شيء نصيحتي لهم أن يتقوا الله تعالى في حياتهم، وأن يتقوا الله في شبابهم، فالإنسان مسئول عن عمره كله، ومسئول عن شبابه كله، (لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يُسئل عن خمس عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم)، يُسئل الإنسان عن ذلك كله، يُسئل عن العمر لأنه الموهبة الكبرى.
وهؤلاء الذين يقضّون أوقاتهم في مطالعة هذه المواقع الإباحية إنما يضيعون أعظم شيء في حياتهم لأنهم يضيعون الحياة نفسها، والحياة هي أعظم شيء لأن نعم الله تبارك وتعالى تنبني على هذه النعمة الكبرى، فلولا نعمة الحياة لما أحس الإنسان بنعمة قط من نعم الله سبحانه وتعالى، على أن هذه الحياة وهبت له لا لأجل أن يتهالك فيها على ملذاتها، وإنما وهبت له من أجل أن يعمل فيها لحياة أفضل، لحياة الخلود، لحياة البقاء، لحياة الجزاء، لحياة لا يعقبها موت وكل ما فيها من خير لا يهدده شر، فصحتها لا تكدر بمرض، وغناها لا يهدده فقر، وشبابها لا يكدره ذكر هرم، وإنما تلكم حياة أبدية لمن آمن وعمل صالحاً ثم اهتدى بحيث سلك الطريقة القويمة التي تسعده في الدار الآخرة عند ربه سبحانه.
فعلى هؤلاء أن يتقوا، وأيضاً عليهم أن يعرفوا نعمة شبابهم، فالشباب ليس فرصة للتهالك على هذه الموبقات، وإنما هو فرصة للعمل الصالح، للطموح إلى معالي الأمور، فالأمم تقاس بشبابها رقياً وانحطاطا وتقدماً وتأخرا، فبقدر ما تكون شبيبتها على صلاح واستقامة وبر ووفاء وحب لله تعالى وخشية منه تكون الأمة عزيزة، تكون كريمة ذات شأن عظيم، وبقدر ما يتهالك شبابها على موبقات ألأمور تكون أمة ساقطة لا قيمة لها، فمن هنا كانت الضرورة إلى تربية هؤلاء الشباب على الصلاح والاستقامة والبر والإحسان والطموح إلى معالي الأمور والترفع عن سفاسفها. (1/217)
صفحة 218
هؤلاء نصيحتي لهم أن يعرفوا قيمة شبابهم، وأن يعرفوا قيمة عمرهم، على أن الإنسان قد يكون في غضارة الشباب، وفي ميعة الفتوة فإذا به يأتي ريب المنون ليقطع دابره فجأة واحدة فيتحول إلى جثة هامدة ثم يتحول بعد ذلك إلى عظام نخرة، ولا يدري الإنسان متى يفجأه ريب المنون، فالناس جميعاً مثلهم في هذه الحياة كمثل سجناء حكم عليهم جميعاً بالإعدام ولكن لا يدري الإنسان ساعة تنفيذ الحكم، وأي حكم أبلغ من حكم الله تبارك وتعالى الذي يقول (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران:185)، جدير بالإنسان أن يتقي الله، وأن ينهنه نفسه عن هذه السفاسف، وأن يربأ بنفسه عن الانحدار إلى هذه الدركات، وعن الرعي في هذه المراعي الوبيئة، هذه هي نصيحتي لهم، والله المستعان.
السؤال:
هل قضاء الأوقات الطوال أمام شاشة الحاسب الآلي في تصفح الأخبار مثلاً، تعد أيضاً من ضمن التضييع والهدر للأوقات؟
الجواب:
حقيقة الأمر كل شيء بمقدار، وكل ما خرج عن حده انقلب إلى ضده، ولا ينبغي للإنسان أن يفوّت الفرص وإنما عليه أن يزن الأمور بمعايير دقيقة، فالأخبار يعطيها الإنسان فرصة، لا أقول أنا بأنه يعيش في منأى عما يدور في العالم لأن المسلم مطالب بأن يكون خبيراً بما يدور في العالم ولا أدل على ذلك من أن الله سبحانه وتعالى أنزل في كتابه أنباء الأمم السابقة من أجل أن تتبصر هذه الأمة وتتربى على كونها أمة عالمية تحمل إلى الإنسانية رسالة عالمية. (1/218)
صفحة 219
بل أنزل الله تعالى قرآناً يتلى في الصلوات وفي غيرها إلى قيام الساعة يُحدث المسلمين وكانوا يومئذ فئة قليلة، كانوا أفراداً قليلين لا يكادون يصلون إلى العشرات، كانوا مغمورين بالكثرة الكاثرة من أهل الجاهلية أنزل الله تعالى قرآنا يتلى ينبئهم بما وصل إليه الصدام المسلح بين دولتين كبريين كانتا تتقاسمان معظم العالم المتحضر، مع أن أولئك المؤمنين في ذلك الوقت لم يكونوا حسب الظاهر يعنيهم من هذا شيء إذ كانوا مشغولين بأنفسهم وكانوا في معزل عن معترك هاتين الدولتين إذ لم يكن يمتد إليهم نفوذ أي واحدة منهما ولكن مع ذلك أنبأهم الله سبحانه وتعالى بما وصل إليه الأمر وما سينقلب إليه فيما بعد عندما قال (غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ) (الروم: 5 - 2).
ولكن لا أن يكون ذلك على حساب طلب العلم وعلى حساب ضرورات الحياة وعلى حساب العبادة، وعلى حساب الأوراد والأذكار والتقرب إلى الله تعالى بصنوف الطاعات وإنما ذلك وقت بقدر ما يأخذ الإنسان العظة والعبرة والدرس ويتزود من أجل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
السؤال:
من المواضيع الحساسة حول شبكة الانترنت الساحات التي يتم فيها الحوار بين مختلف الثقافات وبين مختلف طوائف المسلمين ومذاهبهم لكن المؤسف جداً أن الساحات الدينية بالذات يحدث فيها سباب وتراشق بالاتهامات بل حتى في المذهب الواحد يصطرع أتباعه على أمور لا تخدم الدعوة الإسلامية ولا تقدم للإسلام شيئاً، فهل يصح استخدام هذه الساحات في هذا التراشق والاختلاف؟
الجواب: (1/219)
صفحة 220
أنا كما قلت أولاً أرى بأن هذه جميعاً نعم الله تبارك وتعالى ويجب شكرها، ومن شكرها عدم استخدامها فيما لا يرضي الله سبحانه وتعالى، وما ذكرتموه من التراشق بالتهم والترامي بألقاب السوء والفساد كل ذلك مما يتنافي مع الدين الصحيح، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والإنسان مسئول عما يقول وكذلك هو مسئول عما يكتب، ولعل المسئولية على الكتابة أعظم من المسئولية التي تترتب على القول لأن القول قد يقول لحظة وينتهي أثر قوله لا يبقى لقوله أثر، ولكن الكتابة يمتد أثرها عند كل قارئ يقرأها وخصوصاً عندما تكون الكتابة في مثل هذه الآلات التي تنشر المكتوب وقد تنشر الصوت أيضاً فذلك مما يضاعف على الإنسان الوزر إن استخدم هذه الآلات فيما لا يرضي الله تبارك وتعالى، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يتبينها تهوي به في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب. ويقول أيضا: إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله تعالى له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله تعالى عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه. فعلى الإنسان أن يتقي الله فيما يقوله، وأن يتقي الله فيما يكتبه، وقد أجاد الشاعر الذي قال:
لسانك لا تذكر به عورة امرئ *** فكلك عورات وللناس ألسن
على أن هذا ليس من مصلحة الأمة وإنما هو مما يضاعف الشرخ الذي فيها والصدع الذي في جدارها، ويؤدي إلى تمزقها كل ممزق، وذلك مما لا يرضي الله سبحانه وتعالى، فنسأل الله تعالى العافية.
السؤال: (1/220)
صفحة 221
إذا نظرنا إلى هذه الساحات معظم الأشخاص الذين يشاركون فيها يستخدمون أسماء مبهمة وألقاباً مختلفة، نحن نعلم سماحة الشيخ أن المعلومات في ديننا الإسلامي في الأحاديث وفي المعلومات التاريخية وغيرها موثقة من خلال السند فإذا كان في السند رجل مجهول لا يقبل، الآن المعلومات في أمور الدين وغيرها أيضاً من القضايا المذهبية معظمها تأتي من أسماء مجهولة فهل تأخذ هذه نفس الحكم؟؟
الجواب:
هذه المعلومات توزن بموازين الحق فما وافق الحق وما خالفه رفض، وإن من خير ما قرأناه لعلمائنا كلاماً قاله الإمام أبو نبهان رحمه الله تعالى (إياك أن تلتفت إلى من قال بل إلى ما قال) فالالتفات إلى حقيقة القول الذي يقوله القائل لا إلى القائل نفسه فلا عبرة بكون القائل حبيباً أو بغيضاً، وإنما العبرة بما يقوله حقاً أو باطلا.
السؤال:
بسبب التطور الكبير للإعلام الحديث هناك شبكات للدعوة النصرانية، فهل هناك من ضير في محاورة هؤلاء لمعرفة ما عندهم لعله يجد باباً لدعوتهم إلى الإسلام؟
الجواب:
باب الحوار مفتوح في الإسلام فالله تبارك وتعالى يقول (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (العنكبوت:46)، فمحاورة أولئك بطريقة فيها إقناع بالحجة الواضحة والحق اليقين سبب لاهتداء من كتب الله تبارك وتعالى له الهداية، ولكن لا بد من أن يكون الإنسان متمكناً حتى لا يكون حواره حوار جاهل يؤدي إلى نتائج سلبية، وإنما يجب أن يكون هذا الحوار حوار ملم بأبعاد الموضوع الذي يحاور فيه حتى يؤدي بمشيئة الله إلى نتائج إيجابية.
السؤال: (1/221)
صفحة 222
من الملاحظ أن الإنسان يقضي الساعات الطويلة ولو كان في عمل الخير كالدعوة ولكنه يتقاعس عن الأعمال الأخرى كزيارة الأقارب والمرضى والأعمال الخيرية في بلده، ما رأي الشرع في هذا العمل؟ وما نصيحتكم لهذا الإنسان؟
الجواب:
كما قلت أولاً كل شيء خرج عن حده انقلب إلى ضده ولو كان نافعاً فإنه عندما يخرج عن حده ينقلب إلى الضرر، وهب الجرعة من الدواء إن لم يأخذها الإنسان بقدر ما تنفعه فإنها تنقلب إلى مضرته، ومن هنا كذلك على الإنسان أن يعطي هذه الآلات من الوقت بقدر ما ينفع ولا يضر بحيث لا يكون كما قلت على حساب الدين والواجبات ومن بين هذه الواجبات صلة الأرحام وزيارة المرضى وتشييع الموتى والقيام بالواجبات الاجتماعية المتنوعة فإن ذلك كله مما يجب أن لا يفرط فيه، والله تعالى أعلم.
تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه
30 من شعبان 1423هـ، 6/ 11/2002 م
الموضوع: الصيام وفضله وأحكامه
سؤال:
ما هي أهمية هذا الشهر الكريم بالنسبة للمسلم، وما هي الثمرات التي يرتجيها المسلم من هذا الشهر؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإني أهنئ جميع الأخوة والأخوات المسلمين والمسلمات المستمعين والمستمعات والمشاهدين والمشاهدات بهذه المناسبة مناسبة حلول شهر رمضان المبارك، سائلاً الله تبارك وتعالى أن يمن علينا فيه باليمن والنصر والتأييد والتوبة من الآثام وإخلاص العمل لله سبحانه وتعالى، وأن يعيده على الأمة جميعاً وعلينا بصفة خاصة بما فيه اليمن والخير والعزة والكرامة والنصر والتأييد. (1/222)
صفحة 223
هذا ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى يفضّل ما يشاء على ما يشاء، فيفضّل بعض عباده على بعض، ويفضّل بعض الأمكنة على بعض، ويفضل بعض الأزمنة على بعض، ومن ذلك تفضيله لشهر رمضان المبارك على غيره من سائر شهور العام، وما ذلك إلا لمزيته الكبرى ومكانته السامقة وقدره العظيم ذلك لأن الله تبارك وتعالى جعل هذا الشهر الكريم ميقاتاً لحدث فيه تحويل مجرى حياة الإنسان من الشر إلى الخير ومن الفساد إلى الصلاح ومن التشتت إلى الاجتماع ومن الضلال إلى الهدى، ومن الغي إلى الرشد ومن الظلمات إلى النور، فقد أنزل الله سبحانه وتعالى فيه القرآن الكريم على قلب عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلّم نوراً وهدى للناس يقول الله سبحانه (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة: من الآية185).
وقد بيّن الله سبحانه وتعالى شرف الليلة العظيمة التي نزل فيها القرآن على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلّم، أي التي كانت بداية لنزوله على قلبه فقال في بيان فضلها وشرفها وعظم منزلتها (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) (الدخان:3 - 5)، وقال (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) (سورة القدر). (1/223)
صفحة 224
فما أعظم شأن هذه الليلة التي ينوه الله سبحانه وتعالى بشرفها وقدرها في فاتحة سورة الدخان، وينزل فيها سورة بأسرها تدل على ما لها من قدر عند الله وشأن عظيم عنده وما لها من الفضل الذي من أحرزه أحرز خيراً عظيماً بحيث صارت خيراً من ألف شهر، ومن أجل هذا نرى في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلّم ما يدل على أن قيام تلكم الليلة فضله فضل عظيم يقول النبي صلى الله عليه وسلّم (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) فلذلك كان حرياً بالمسلم أن ينافس في هذا الميدان، وأن يسارع إلى هذا الخير، وأن يسابق في هذه الحلبة التي يتسابق فيها المتسابقون.
هذا ولا ريب أن نزول القرآن على قلب النبي صلى الله عليه وسلّم حدث ترتب عليه ما ترتب من خير هذه الأمة وإنقاذ هذه الإنسانية من ورطتها والوصل بين المخلوق وخالقه العظيم سبحانه وتعالى، والوصل بين الدنيا والآخرة، والوصل بين الأرض والسماء وبين الإنسان والملأ الأعلى بحيث إن هذا الإنسان من خلال دراسته للقرآن الكريم يطلع على الحقائق الكونية فهو الترجمة الصادقة لسنن الكون ونواميسه، وهو المرآة التي تعكس حقائق الوجود، وجاءت جميع الاكتشافات العلمية لتؤكد ذلك، ولذلك آذن الله سبحانه وتعالى عباده بهذه الاكتشافات وأنها ستأتي مصدقة لما في القرآن مؤيدة له وذلك عندما قال (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ *سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ *ألا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ) (فصلت: 52 - 54). (1/224)
صفحة 225
هذا ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى لم ينزل القرآن ليكون وسيلة للتسلّي، وإنما أنزله ليكون منهج حياة، ليسير بهذا الإنسان في دروب الخير ويجنب الإنسان الوقوع في مزالق الردى، فذلك كان من الضرورة أن يأخذ الإنسان بحجزة القرآن الكريم، ويلتزمه في كل جزئية من جزئيات حياته فضلا ًعن كلياتها، وهذا أمر يتوقف على العزيمة والإرادة.
وقد جعل الله سبحانه وتعالى في صيام هذا الشهر الكريم صقلاً لهذه العزيمة وتقوية لهذه الإرادة فلذلك نجد الربط بين امتنانه على عباده بإنزاله هذا الكتاب الكريم في هذا الشهر الكريم وبين فرضية صيامه وذلك عندما قال (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة: من الآية185)، وكفى دليلاً على هذا الربط ما بين الأمرين وجود الفاء التي تقتضي ربط ما بعدها بما قبلها. (1/225)
صفحة 226
على أن هذا كله لأن في الصيام ما يدفع الإنسان إلى التقوى والاستمساك بحبل الله وذلك مما يسهل عليه الالتزام التام بجميع ما في القرآن من أوامر الله سبحانه تعالى وتوجيهاته ليفيض هذا القرآن نوراً على هذا الإنسان، على أن الصيام نفسه يهيئ روح الإنسان ومشاعره لأن تتلقى هذا النور، فإن الصيام يضفي على الروح البشرية الشفافية وذلك لأن الإنسان يكابر شهواته من خلال صيامه فتكون نفسه متهيئة لتلقي نور الله، ولذلك يسهل على الإنسان أن يمارس جميع ما في القرآن من أوامر وتوجيهات مع التزامه الصيام، ومن هنا نرى الربط بين فرضية الصيام وبين تقوى الله تبارك وتعالى وذلك عندما قال سبحانه وتعالى في فاتحة آيات الصيام (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183)، ثم قال بعد ذلك أي بعد تبيان أحكام الصيام في خاتمة آيات الصوم (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (البقرة: من الآية187)، فإذن الغاية هي تقوى الله، وبتقوى الله يتحقق للإنسان الاضطلاع بأمانة القرآن والقيام بواجباته والسير بمنهاجه، والله تعالى ولي التوفيق.
سؤال:
إذا وقفنا عند التقوى، التقوى ربما تفهم في هذا السياق على أنها الصيام نفسه كذلك أيضاً في سياق الآيات الأخرى التي تحث على العبادات كالصلاة والحج وغيره. البعض يفهم من التقوى خشعة في القلب ترافقها دمعة تنساب من العين، في حين اللسان يلغ في أعراض المسلمين والواقع العملي طافح بالسيئات، من الذي من الذي يمكن أن يقال له بأنه متقي؟ ما هي التقوى؟
الجواب: (1/226)
صفحة 227
حقيقة الأمر التقوى قبل كل شيء عقيدة في النفس، عقيدة متحكمة في نفس الإنسان تقود الإنسان إلى الخير وتنعكس آثارها في كل جزئية من جزئيات حياته، فالله تبارك وتعالى يبين صفات المتقين في قوله عندما وصف الكتاب الكريم (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (البقرة: 2 - 5 (.
فالله تعالى أول ما وصف المتقين وصفهم بالإيمان، ثم بين بعد ذلك بأنهم يؤمنون بما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلّم وما أنزل من قبله ومعنى ذلك أنهم لا يفرقون بين رسالة وأخرى وبين رسول وآخر فإنهم يؤمنون برسالات الله جميعا ويتقونه عز وجل، ولذلك ذكر الله سبحانه تعالى الصلاة من ضمن أوصافهم أي إقامتها وأنهم مما رزقهم الله تعالى ينفقون أي أنهم يجمعون بين العبادات البدنية والعبادات المالية غير مترددين في شيء من ذلك. (1/227)
صفحة 228
ومع هذا أيضاً نجد أنه سبحانه وتعالى يبين صفات المتقين عندما وصف الأبرار وبين حقيقة البر، وبين أن هؤلاء الذين يلتزمون البر هم المتقون أي تنحصر صفات التقوى فيهم وحدهم، وذلك عندما قال عز من قائل (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَاسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (البقرة: 177) فالله تعالى يبين أن هؤلاء هم الصادقون وأنهم هم المتقون. (1/228)
صفحة 229
وقد وصفهم الله سبحانه وتعالى أولاً بالإيمان بالله واليوم الآخر وملائكته وكتبه ورسله والنبيين، فمعنى هذا أن ركيزة التقوى الإيمان، ثم إننا نجد أن الله سبحانه وتعالى بعد هذا يصف المتقين بما يصفهم به من الصفات التي ترتفع بهم إلى أوج الفضائل الشامخ فهم متصفون بكل صفات الخير، هم أولاً متمكنون من أنفسهم بحيث يقودونها إلى الخير، ومن أعظم ما يؤثر على الإنسان ويقلب مجرى حياته إلى الشر حبه للمال، وقد وصف الله تعالى هؤلاء بأنهم يؤتون المال مع حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وذلك من غير الزكاة بدليل قوله (وأقام الصلاة وآتى الزكاة)، ثم ذكر في تعاملهم مع الناس أنهم يوفون بالعهد وهذا شامل لتعاملهم أيضاً من ربهم سبحانه وتعالى، ووصفهم الله سبحانه وتعالى بالصبر في البأساء والضراء وحين البأس، وحصر صفات التقوى في هذا الجنس من الناس، وهذا كله مما يدل على أن كلمة التقوى مدلولها واسع، ويؤكد ذلك ما نجد في سورة آل عمران (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (آل عمران: 15)، ثم وصف هؤلاء الذين اتقوا بقوله (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران:16)، كما وصفهم بقوله (الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ) (آل عمران:17 (. (1/229)
صفحة 230
وكذلك عندما بشّر الله تعالى هؤلاء المتقين بجنة عرضها السموات والأرض بيّن عزوجل أن هذه الجنة لأولئك الذين يجمعون بين صفات الخير عندما قال (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران:133 - 135 (.
فهذه الآيات القرآنية تدل جميعاً على أن كلمة التقوى لها مدلول شامل يتناول جانب التخلي وجانب التحلي مع أن مدلولها اللغوي إنما هو مدلول سلبي أي مدلول يتعلق بالترك لا بالفعل لأن أصل أتقى بمعنى تجنب يقال اتقى الشيء بمعنى تجنبه، اتقيت هذا الشيء بمعنى تجنبته كما يقول الشاعر:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ***فتناولته واتقتنا باليد
أي اتقت رؤيتنا لها بوضع يدها على وجهها حتى لا تمتد إليها أبصارنا فنراها. (1/230)
صفحة 231
والمدلول الشرعي هو مدلول فعلي وتركي أو هو مما يشمل جانب التخلي وجانب التحلي، جانب التخلي بمعنى التخلي عن جميع معاصي الله حتى لو أن أحداً قارف معصية من معاصي الله فإنه سرعان ما يدّكر ويرجع ويتوب إلى الله كما يقول سبحانه وتعالى أيضاً في وصف المتقين (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (الأعراف:201). فالمتقون لا يسترسلون في غيهم، المتقي من شأنه أن يدّكر فإذا أراد الشيطان أن يلم به وأن يغويه وأن يبعده عن مسلك الحق ادّكر فرجع إلى ذلكم المسلك، والله تبارك وتعالى هكذا يصف هؤلاء المتقين بهذه الأوصاف، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلّم تدل على ذلك والآثار المحكية عن السلف الصالح أيضاً تصب في هذا المصب نفسه.
سؤال:
ما هي الطريقة المثلى في تعامل المسلم مع القرآن الكريم في شهر رمضان؟
الجواب: (1/231)
صفحة 232
المسلم يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا ريب أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان حريصاً على القرآن في جميع أوقاته، لم يكن حريصاً عليه في شهر رمضان فحسب، وإنما كان حريصاً عليه في جميع أوقاته، ولا يهجر القرآن وحاشاه عن ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يشكو إلى الله (يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً) (الفرقان: من الآية30)، ولكن مع ذلك كان يضاعف اجتهاده في تدبر القرآن وتأمله ودراسته في شهر رمضان المبارك، فالحديث المروي من طريق ابن عباس رضي الله عنهما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يعرض القرآن على جبريل في شهر رمضان جاء في كلام ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلّم أجود بالخير من الريح المرسلة وكان أجود ما يكون في رمضان عندما يلقى جبريل يعرض عليه القرآن. كان يعرض القرآن على جبريل عليه السلام، وفي العام الذي توفي فيه صلى الله عليه وسلّم أي في رمضان الذي كان قبل وفاته عرض القرآن مرتين على جبريل.
فالمؤمن حريص على الإقتداء بالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام وذلك أنه يعكف في ليله ونهاره على تلاوة القرآن الكريم في كل أوقات فراغه قدر مستطاعه، ومع ذلك لا يقرأه قراءة استرسال من غير تدبر وتأمل بل يقف عنده لتدبره وتأمله والاستنارة بهديه والمشي على دربه بحيث يحرص على أن يكيف نفسه وفق تعاليم القرآن فهو يتأمل أمره ونهيه ومواعظه وأمثاله وقصصه ووعده ووعيده لينصب ذلك كله في وعاء قلبه حتى يتكيف قلبه وفق تعاليم القرآن ليصلح بصلاحه جسده فإن القلب هو الذي يصلح به الجسد إن صلح، ويفسد به الجسد إن فسد كما جاء في الحديث عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام (ألا وإن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)، فإذن هكذا شأن المسلم في تعامله مع كتاب الله تعالى، والله تعالى الموفق.
سؤال: (1/232)
صفحة 233
أنا امرأة متزوجة وزوجي يعاني من بعض الأمراض، هل يجوز التكشف عليه في نهار رمضان، وما حكم صيامي علماً بأنه كبير في السن ولا يستطيع قضاء أموره لوحده؟
الجواب:
لا مانع من أن تقوم بخدمته بل هي مأجورة على ذلك، وهذا أيضاً ليس هو مما يؤثر على الصيام بل ولو لم يكن هنالك عذر، ولو لم يكن هنالك ما يدعو إلى هذا من حيث طبيعة الزوج أي من حيث مرضه ومن حيث ضعفه، فإن رؤية المرأة لزوجها على أي حال لا ينقض صيامها، فلو أبصرته عارياً لما كان ذلك ناقضاً لصيامها، بل ولو وقعت يدها على شيء من سوأته لما كان ذلك ناقضاً لصيامها، وإنما ينقض الصيام الجماع لا غير مما يكون بين الرجل والمرأة أي بين الزوج والزوجة، والله تعالى أعلم.
سؤال:
سماحة الشيخ وردت علينا عدة أسئلة تشكك في أن اليوم كان مفترض أن يكون صياماً، وقد شاع أيضاً عند الناس أننا لا بد أن نقضي هذا اليوم لأن اللجنة قد أخطأت.
أحدهم يقول: لقد رأيت اليوم بعد صلاة المغرب الهلال، والواضح من حجمه وشكله أنه هلال اليوم الثاني لرمضان وليس الأول، وبما أنه لم ترد إلى اللجنة المكلفة بالاستطلاع أية بلاغات برؤيته، والواضح أن عدم رؤيته كان بسبب السحب، فماذا علي أن أفعل بعد أن تأكدت أن اليوم الثلاثين من شعبان يوم أمس كما أعلن ليس هو إلا غرة رمضان المبارك؟
الجواب: (1/233)
صفحة 234
إن الله سبحانه وتعالى ناط الصوم برؤية الهلال، وجاءت الأحاديث عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، والرسول صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، جاءت لتؤكد ذلك بألفاظ متعددة منها أنه صلى الله عليه وسلّم قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له)، وفي رواية (فأكملوا العدة ثلاثين)، وهي تفسر رواية (فاقدروا له)، وجاء في رواية أخرى (لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين). إلى غيرها من الروايات الكثيرة التي تدل على أن الصيام والإفطار كل منهما نيط برؤية الهلال أو تمام عدة الشهر ثلاثين يوما، ومعنى هذا أن الشهر إن كان في آخر شعبان غيم أو في آخر رمضان غيم فإنه تكمل العدة في هذه المدة ثم بعد ذلك يبتدأ الإنسان في الصيام أو يبتدأ في الفطر من غير التفات إلى أمر آخر.
ودل الحديث على أن النظر في حجم الهلال لا عبرة به، وهذا كله من أجل قطع دابر الشك فالنبي صلى الله عليه وسلّم عندما يأمر بهذا إنما يأمر بقطع دابر الشك حتى لا يأخذ الناس في الشكوك، فقد جاء في حديث عند مسلم من رواية ابن عباس رضي الله عنهما أن جماعة من المسلمين كانوا في سفر إلى الحج فلما كانوا بذات نخلة ترآى الناس هلال ذي الحجة فمنهم من قال هو لليلتين، ومنهم من قال هو لثلاث ليال، أي رأوه مرتفعاً وكبيراً جداً حتى أن منهم من قال هو لثلاث ليال، ومنهم من قال هو لليلتين، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هو لليلة رأيتموه فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: إن الله عظّمه لكم لتروه. ومعنى ذلك أن الله جعله كبيراً من أجل أن تتيسر لكم رؤيته، هو لليلة رأيتموه لا تجعلوه لليلتين أو لثلاث ليال، فلا معنى لذلك، وهذا من أجل قطع دابر الشك. (1/234)
صفحة 235
فإذن نحن مستمسكون بهذا النهج، نهج الرسول صلى الله عليه وسلّم الذي أمرنا به (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (الأحزاب:36)، والله تعالى الموفق.
السؤال:
رجل يعيش في قرية نائية ولا يوجد من يصلي بهم صلاة التراويح هناك وهو لا يحفظ من القرآن الكريم إلا القليل ولربما يخطئ في بعض الأحيان فلا يجد من يرد عليه، هل عليه مسئولية إذا صلى بهم؟
الجواب:
عليه أن يصلي بهم، فإنه يؤمر الإنسان أن يصلى بمن هو مثله أو بمن هو أدون منه، حتى أن الأميين يؤمهم أمي مثلهم، من كان لا يستطيع حتى قراءة الفاتحة إن كان الآخرون مثله فإنه يصلي بهم، فهذا عليه أن يحرص على تجنب الخطأ فليراجع المصحف الشريف وليتأمل ما فيه من الأشكال حتى يستطيع أن يتفادى الخطأ، والله تبارك وتعالى يعينه، وليؤمهم على بركة الله.
سؤال:
جاءت جماعة من فرنسا إلى هولندا وكان الوقت صلاة الظهر وصلى الإمام الظهر أربعاً وصلى العصر ركعتين، هل يجوز ذلك؟
الجواب:
ما معنى ذلك؟ هو لم يصل وراء مقيم وإنما هو الإمام، فإن كانت المسافة مسافة قصر فلا معنى للإتمام، ولا ريب أن المسافة مسافة قصر ما بين الدولتين فلا معنى للإتمام، ولو كان مقيماً هنالك وموطناً في ذلك المكان فلا معنى لقصر الصلاة في الثانية، هذا من الخطأ العجيب.
سؤال:
أنا عيش في بلد أجنبي ويوجد لدي أوقات الصلاة ولكنني لا أعرف وقت الإمساك، فكيف يتم تحديد وقت الإمساك؟
الجواب: (1/235)
صفحة 236
وقت الإمساك كما قال الله تبارك وتعالى (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) (البقرة: من الآية187)، ومعنى ذلك أن يبدأ الفجر الصادق في الظهور، فعندما يبدأ الفجر الصادق وهو الفجر المستطير لا الفجر المستطيل لأن المستطيل هو الكاذب عندما يبدأ في الظهور فإنه في هذه الحالة يؤمر بالكف، وينبغي أن يجتهد قدر استطاعته حتى يتبين هذا الوقت، وذلك يمكن أن يعرفه بمعرفة شروق الشمس لأنه من العادة أن يكون بين طلوع الفجر وشروق الشمس نحو ساعة ونصف هذا هو المعتاد. والله أعلم كيف تكون الحالة في تلكم الأماكن البعيدة عن خطوط الاستواء لا بد من أن يكون هنالك فارق ما بين زمن الصيف وزمن الشتاء.
سؤال:
ما هي أنواع الفجر؟
الجواب:
الفجر الكاذب هو الفجر المستطيل الذي هو كما يقال كذنب السرحان أي كذنب الذئب يظهر ثم يختفي، أما الفجر الصادق فهو الفجر المستطير أي المنتشر الذي يبدأ في الظهور ويأخذ في الانتشار ولا يختفي بعد بداية ظهوره.
سؤال:
المرأة هل عليها أن تصلي التراويح إذا كان بيتها قريباً من المسجد؟
الجواب:
أما الوجوب فلا يجب عليها أن تذهب إلى المسجد، وإن شاءت أن تصلي في بيتها ففي ذلك خير، لكن لا مانع من أن تذهب ولا سيما إن كان هذا الذهاب يجعلها تنشط بحيث تكون مع النساء جميعاً وراء الإمام فينشطن جميعاً لاجتماعهن وخصوصاً إن كانت أيضاً تسمع الدروس والتوجيهات ففي هذا خير كبير ولكن على أن تخرج غير متبرجة بزينة وغير متطيبة لا ببخور ولا بعطر مع الاحتشام التام ومع الستر الواجب الشرعي.
سؤال:
من لديه موعد عند الطبيب لتنظيف الأسنان، هل يؤثر ذلك التنظيف على الصيام؟
الجواب:
لا، حتى القلع إن لم يلج شيء من الدم إلى داخل الجوف لا يؤثر ولكن من باب الاحتياط ينبغي للإنسان أن يحتاط، وتنظيف الأسنان لا يؤدي إلى نقض الصوم قط.
سؤال: (1/236)
صفحة 237
مسجدان أحدهما كبير والآخر صغير والناس يرغبون أن يتجمعوا في المسجد الكبير إلا أن بعض كبار السن لا يستطيعون الذهاب إلى الكبير فهل يصلون التراويح في الصغير؟
الجواب:
حقيقة الأمر أن قرب المساجد بعضها من بعض أمر فيه حرج كبير فنحن نرى أولاً قبل كل شيء أن القرآن الكريم يومي إلى أن وجود المساجد بعضها قرب بعض مما يعد ضرارا فالله تبارك وتعالى يقول (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (التوبة: من الآية107)، فجعل العلل التي من أجلها حُكم على مسجد بأنه ليس مسجداً شرعياً أن من جملة العلل أنه يسبب التفريق بين المؤمنين ذلك لأن هذه الفئة عندما تجتمع في مسجد تكون قد اجتمعت ولذلك عندما تنقسم على نفسها، إلى أن تسير فرقة في مسجد وفرقة أخرى تجتمع في مسجد آخر فذلك تفريق وهو غير جائز.
والسلف الصالح كانوا حريصين على أن لا تكون المساجد بعضها قريباً من بعض وإنما تكون بعيدة، ولذلك أمر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عندما فتح المدائن ومصر الأمصار أمر عماله بأن يبنوا المساجد وأن لا يبنوا مسجداً بجوار مسجد وأنه إذا بني مسجد بجوار مسجد يضاره فإن الثاني يجب هدمه.
ولذلك قال العلماء بأن كل مسجد بني بجوار مسجد حتى صار مضاراً له، أو بني رياء أو سمعة، أو بني بمال حرام، أو بني في أرض مغصوبة فحكمه حكم مسجد الضرار في عدم جواز الصلاة فيه وأن حكمه بأن يهدم.
هذا وعلى هذا نحن نفضل مع الإمكان أن يجتمعوا في المسجد الكبير وأن لا يتفرقوا، أما إن كان أولئك الكبار يشق عليهم أن يذهبوا إلى المسجد الكبير وهم قريبون من المسجد الصغير فلأجل عذرهم لا حرج عليهم أن يصلوا في المسجد الصغير لأجل عذرهم لا لأجل أن يكون ذلك سبيلاً لانقسام الجماعة إلى جماعتين مع إمكان اجتماعها في مسجد واحد، والله تعالى أعلم.
سؤال: (1/237)
صفحة 238
ربما في بعض الأحيان تكون زحمة في السكان يتطلب أن يكون هناك مسجدان نظراً لكثرة المصلين؟
الجواب:
نعم، لكن إذا أمكن أن يوسّع المسجد الواحد في الحي الواحد فذلك هو الواجب، وإن تعذر ذلك بأن تكون أرض المسجد الأول ضيقة ويتعذر أن يوسع ففي هذه الحالة لا حرج أن يبنوا ثانياً مع الحرص على البعد عن المسجد الأول بقدر المستطاع.
سؤال:
هل هناك مسافة معتبرة؟
الجواب:
المسافة بقدر ما لا يضار، أما ابن حزم فقد بالغ في التشدد حتى قال إن سمع أذان المسجد الأول حيث بني المسجد الثاني فهو مسجد ضرار ويجب هدمه.
سؤال:
هل يجوز للمعتدة الذهاب للمسجد لأداء صلاة التراويح في جماعة لأنها معتادة في السابق أن تذهب للصلاة مع الجماعة؟
الجواب:
لا مانع من ذلك.
سؤال:
من المعتاد عند العمانيين في السابق أن تجتمع العائلة وأن يقوم رب الأسرة بتلقين العائلة نية الصيام (عقد رمضان)، والمشكلة إلى الآن بعض الأسر تعمل بهذا فهل يصح هذا وهل هناك طريقة أخرى؟
الجواب:
النية المطلوبة هي القصد بالقلب، وليست النية المطلوبة هي كلمات تقال باللسان وإنما أحدثت هذه الكلمات بعد الرعيل الأول بعد عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم وبعد عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم بل بعد عهد التابعين أحدثت هذه الألفاظ من أجل أن تكون وسيلة لعوام الناس وجهلتهم حتى يتقنوا ما يستحضرونه من النية عندما يتلفظون بها بألسنتهم أي عندما يترجمون هذه النية بألسنتهم، أحدث ذلك من أحدثه من العلماء ولكن هذه الوسيلة الآن أصبحت هي الغاية ولم تعد هي وسيلة فحسب، وغاب المقصد في خضم العناية بالوسيلة.
فالناس لا يحسبون أن هناك نية بالقلب وإنما يحسبون أن النية باللسان فلذلك يرددون هذه الألفاظ من غير استحضار لمعانيها وهذا خطأ عظيم. (1/238)
صفحة 239
فعلى الناس أن يستحضروا أنهم قادمون على العبادة التي هم قادمون عليها وأنهم يبتغون بذلك وجه الله فإن ذلك هو الإخلاص والله تعالى يقول (وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (البينة: من الآية5)، ويقول سبحانه (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) (الكهف: من الآية110)، وهذه هي النية المطلوبة التي دل على قول الرسول صلى الله عليه وسلّم (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) على أن هذا الذي هاجر إلى الله ورسوله لم يكن يقول ذلك بلسانه وإنما ذلك قار في قرارة نفسه، وكذلك الذي هاجر إلى امرأة يتزوجها أو إلى دنيا يصيبها لم يكن يقول ذلك بلسانه أنني مهاجر من أجل أتزوج فلانة أو أن أصيب كذا من الدنيا ولكن كان ذلك في قرارة نفسه، والله تعالى أعلم.
سؤال:
سماحة الشيخ بعض الناس يستثمرون شهر رمضان الكريم في تحقيق مآربهم الخاصة فالبعض يستثمره في النوم والبعض الآخر وخاصة الشباب يستثمره في السهر الطويل إلى الفجر وهناك أيضاً من يستثمر هذا الشهر في متابعة القنوات الفضائية التي تبث برامج لا ربما تليق بهذا الشهر الكريم وكثير من المسلمين يستغلون الفرصة في هذا الشهر الكريم لتحقيق مآربهم الخاصة، فما هي نصيحتكم لهؤلاء؟
الجواب: (1/239)
صفحة 240
شهر رمضان شهر مغفرة ورحمة لمن تعرض لهذه الرحمة، هو شهر تنافس وتسابق في مجال الخير في كل مجال من مجالات الخير فالإنسان مطالب أن يسارع فيه إلى الطاعات، أن يحرص فيه أولاً قبل كل شيء على حسن عبادة ربه وذلك بأن يؤدي الفروض، وأن يحرص على ما يمكنه من النوافل أي ما يمكنه أن يأتي به من النوافل، فعليه أن يكثر من النوافل، أن يكثر من الصلوات ولا سيما الليل فإن قيام رمضان من أعظم القربات التي تقرب الإنسان من ربه الله سبحانه وتعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخلت العشر الأواخر شد مئزره وأيقظ أهله وأحيى ليله، ومعنى ذلك أنه يستمر في إحياء الليل كله، هو كان يقوم الليل في كل وقت من شهر رمضان في الليالي حتى في رمضان ولكنه يضاعف من هذا القيام حتى الليل كله ولذلك كان يشد مئزره وذلك كناية عن شدة حزمه في هذا الأمر بحيث يقبل إليه بجهده كله.
فمن هنا كان المسلم حرياً بأن ينافس في هذا الخير، وأن يسابق في هذا الميدان، وأن لا تفوته فرصة من ليله ولا فرصة من نهاره يستطيع أن يفعل فيها طاعة إلا ويتقرب إلى الله تبارك وتعالى بتلك الطاعة فيها، هذا هو الذي ينبغي للمسلم لا غير ذلك.
السؤال:
نحن طلبة ندرس في الخارج في بريطانيا ولم يتأكد لدينا ثبوت الهلال فبعض الجماعة يقولون بأن اليوم هو الثلاثون من شعبان والبعض يقول غير ذلك والبعض يقول يستحيل أن يرى الهلال لأن الفلك لا يصدق ذلك على أي حال حصل خلاف فبعض الأخوة صاموا والبعض لم يصم، فما قول سماحتكم في هذه المسألة؟
الجواب:
الصيام منوط برؤية الهلال، وإن تعذرت الرؤية في ذلك البلد بسبب غيم أو نحوه فالأصل هو الإكمال، ولكن إن كانت الشهور هكذا عليهم أن ينظروا إلى أقرب بلد من ذلك أي مما يسامت ذلك البلد ويختلف معه في الطلوع والغروب، فعليهم أن يرجعوا إلى ذلك البلد، وأن يصوموا بصيامه.
تمت الحلقة بحمد الله وتوفيقه
17 من رمضان 1423 هـ، 23/ 11/2002 م
الموضوع: عام (1/240)
صفحة 241
السؤال:
هناك ظاهرة بدت ملاحظة في هذه الأيام وهي ظاهرة انحسار المصلين من المساجد ومحافظتهم على صلاة التراويح فحسب بينما تختفي تلك الجموع في صلاة الفجر، نود منكم أن توجهوا نصيحة إلينا وإلى الناس جميعاً في المحافظة على العبادة في هذا الشهر الكريم إلى آخره.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإن الإنسان وقد أكرمه الله سبحانه تعالى ببلوغ هذا الشهر الكريم جدير به أن يغتنم فرصته ساعة ساعة ودقيقة دقيقة وثانية ثانية، وأن لا يفرط في شيء منه، فإن هذا مكسب عظيم ولئن كان التاجر الذي يتاجر في الماديات لا يفرط في أي سبب من أسباب الكسب، وإنما يحرص على الربح فكذلك من كان يتّجر للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالطاعات والأعمال الصالحة عندما يأتي الوقت الذي يضاعف فيه الأجر يجب عليه أن يحرص على أن يستغل جميع أجزاء ذلك الوقت وأن لا يقصر فيه.
على أن هذا الشهر الكريم آخره خير من أوله ذلك لأن آخر هذا الشهر هو مظنة ليلة القدر، وليلة القدر هي خير من ألف شهر، ومعنى ذلك أن من حرص على إحيائها والأعمال الصالحة فيها والتقرب إلى الله سبحانه تعالى بضروب الطاعات في وقتها يكسب من الخير والأجر ما لا يكسبه ما لو فعل ذلك في ألف شهر، فمن الذي يفرّط في هذا الخير العظيم؟ ومن الذي يزهد فيه؟ (1/241)
صفحة 242
هذا ولا ريب أن المحافظة على صلاة الجماعة في جميع الأوقات هي خير كبير وفضل عظيم وواجب مقدس لأن تلبية داعي الله سبحانه وتعالى عندما يقول حي على الصلاة حي على الفلاح امتثال لأمره سبحانه عندما يقول (وأقيموا الصلاة) إذ الإقامة إنما هي الإتيان بالشيء كالجسد القائم المنتصب الذي لا خلل فيه، ومعنى ذلك أن تكون إقامة الصلاة وفق ما فرض الله سبحانه وتعالى، ومن جملة إقامة الصلاة أن تكون هذه الصلاة إن كانت صلاة فرض أن تكون في جماعة، فلذلك كانت ملازمة الجماعة مطلباً شرعياً يجب على الإنسان أن لا يفرّط فيه.
ولئن كانت صلوات الجماعة كلها ذات فضل عظيم فإن صلاة الفجر أعظم أجراً، وأقرب إلى نيل رضوان الله سبحانه وتعالى عندما يحافظ عليها الإنسان، فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: آية ما بيننا وبين المنافقين شهود العتمة الصبح لا يستطيعونهما. فجعل الفرق بين المؤمنين والمنافقين شهود العتمة والصبح، بحيث إن المنافقين يشق عليهم أن يشهدوا صلاة الفجر في جماعة وأن يشهدوا صلاة العشاء في جماعة.
وكذلك شدّد النبي صلى الله عليه وسلّم في من يتخلف عن هاتين الصلاتين في الجماعة بحيث لا يؤديهما في جماعة إذ قال: لو أن أحدهم وعد بمرماتين حسنتين لشهد العتمة والصبح.
فإذاً من الضرورة أن يحرص الإنسان كل الحرص على أداء الصلوات في الجماعات لا سيما صلاة العشاء وصلاة الصبح، ولا معنى للتفريط في الصلوات المفروضة والحرص على صلاة السنة وهي صلاة القيام فإن ذلك تضييع إذ النافلة لا تستقيم إلا بالفريضة فمن ضيع الفريضة لم تكن النافلة تجديه شيئا. (1/242)
صفحة 243
وآخر الشهر كما قلنا خير من أوله من حيث إنه مظنة ليلة القدر كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلّم عندما قال: فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلّم إذا دخلت هذه العشر أي العشر الأواخر شد مئزره وأحيى ليله وأيقظ أهله، ومعنى كونه يشد مئزره أنه يشمر عن ساعد الجد ويجتهد في العبادة، ومعنى كونه يحي ليله أنه يواصل القيام في جميع الليل بخلاف حاله في بقية الشهر وفي سائر ألأوقات فإنه يقوم وينام أما في العشر الأواخر فإنه كان يواصل جميع الليل اجتهاداً منه صلى الله عليه وسلّم وحرصاً منه على بلوغ الفضل العظيم الذي جعله الله سبحانه وتعالى لمن أحيا ليلة القدر، ولئن كان الرسول صلى الله عليه وسلّم يفعل ذلك وقد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر شكراً لله تعالى على نعمته فكيف بالعبد الغارق في الذنوب أليس حرياً أن يحرص على تكفير هذه الذنوب بالتقرب إلى الله بقيام الليل؟ وبالمحافظة على الواجبات في هذا الشهر وفي غيره، والله تعالى الموفق.
السؤال:
هناك من يهون من ظاهرة رجوع المسلمين بعد قضاء رمضان الكريم إلى المنكرات والمفاسد ويؤكد بأنها ظاهرة طبيعية لا تثير القلق ويقول هذا الرجل إن هناك نصوص نبوية تدفع الناس إلى مثل هذا السلوك فالنبي صلى الله عليه وسيقول: إن لم تذنبوا لأتى الله بقوم يذنبوا ثم يتوبوا ثم يغفر الله لهم. فهل هذا الحديث وهل هذا الكلام من الصحة بمكان؟
الجواب:
هذا الحديث ليس فيه تشجيع قط على إتيان المعصية، وإنما هو دليل على أن الحق سبحانه وتعالى يقبل توبة التائبين، هو إنما يدل على عدم يأس الإنسان المؤمن من رحمة الله، فهو دائماً يكون متشبثاً بأذيال فضل الله سبحانه راجياً رحمته مع خشيته من عذابه. (1/243)
صفحة 244
ليس معنى ذلك أن يكون الإنسان مطمئناً لا يخشى عذاب الله، بل مهما فعل من بر ومهما فعل من إحسان عليه أن يكون خائفاً من الله وبدون الخوف من الله لا يستقيم عمل الإنسان قط، فالله تبارك وتعالى يقول (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى) (الأعلى:10)، ويقول سبحانه عز وجل (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) (قّ: من الآية45)، ويقول تبارك وتعالى (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) (يس: 6 - 11)، فإذن خشية الله تبارك وتعالى لا بد منها، كما أن الرجاء أيضاً لا بد منه، لا بد للإنسان من أن يوازن بين الخوف والرجاء، وليس معنى هذا أن يسترسل في المعصية فإن الإنسان يخشى الله تبارك وتعالى وهو يؤدي طاعة الله ويحرص على تجنب معصية الله كيف والله تبارك وتعالى يقول (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) (المؤمنون:60) أولئك يفعلون ما يفعلون من الخير، ويدفعون ما يدفعون من الفضل، ويقدمون ما يقدمون من الأعمال الصالحة ولكن مع ذلك قلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون، ولذلك عندما سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن المؤمن أيخشى الله عندما يأتي المعصية؟ أجابها بأنه يخشى الله وهو يأتي الطاعة بدليل هذه الآية، أسمعها هذه الآية الكريمة (1/244)
صفحة 245
(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) (المؤمنون:6)
هذا ولا ريب أن صيام شهر رمضان إنما شرع من أجل التقوى كما ذكرنا فالله تبارك وتعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183) أي للتتقوا.
فالغاية من الصيام إنما هي تقوى الله، كما أنها الغاية من أي عبادة من العبادات.
هذه الغاية لا تتحقق للإنسان إلا عندما يؤدي الصيام على النحو الشرعي، ذلك لأن الصيام الشرعي إنما يعوّد الإنسان الانضباط في حركاته وسكناته وأعماله وخواطر نفسه وجميع تصرفاته وجميع حركات جسمه، يعوّد الإنسان الانضباط حتى تكون هذه الحركات كلها مقيدة بقيود التقوى بقيود أمر الله سبحانه، فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول كما جاء في مسند الإمام الربيع من رواية ابن عباس رضي الله عنهما يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: (ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله (.
وكذلك جاء في الصحيحين من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. ومعنى هذا أن هذا الكلام خرج مخرج التهديد لأولئك الذين ليس لهم نصيب من صيامهم ألا أن يدعوا الطعام والشراب وهم مع ذلك يقعون في معاصي الله غير متحرجين وغير مبالين. (1/245)
صفحة 246
فالإنسان إذاً يتعود في الشهر الكريم الانضباط بحسب أوامر الله فهو يحرص على المسارعة إلى طاعة الله وإلى توقي معصيته سبحانه وتعالى بحيث يتجنب الوقوع في أي معصية من المعاصي، وعندما ينتهي الشهر الكريم عندما يفرّط في هذه المكاسب بحيث يرتمي في حضن الشيطان الرجيم مسترسلاً في معصية الحق سبحانه، متابعاً لهوى نفسه، معرضاً عن التذكير الذي جاء في كتاب الله وجاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم يكون هذا شخصاً خاسرا، وأي خسران أعظم من هذا الخسران كيف حرص على الصيام الشرعي في شهر رمضان ومع ذلك لم يحرز مكاسب هذا الصيام حتى يكون في جميع وقته في جميع عامه متقيداً بقيود الحق منضبطاً بضوابط الشرع.
لا ريب أن الإنسان تقع منه الهفوات وتقع منه الزلات ولكن من هو المؤمن؟ من هو التقي؟ نحن نجد أن الله سبحانه وتعالى وعد الجنة المتقين ولم يعدها الفجار الله تبارك وتعالى يقول (وَلَدَارُ الآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ * جَنَّاتُ عَدْنٍ) (النحل: 30 - 31) هي دار المتقين. (1/246)
صفحة 247
ويقول (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران:133 (، هؤلاء المتقون من هم؟ المتقون وصفوا بصفات، هذه الصفات تجدها في كتاب الله، فالله سبحانه وتعالى يبين أن التقوى قبل كل شيء عقيدة في النفس تسيطر على هذه النفس وتهيمن عليها، وتتغلغل في أعماق مشاعرها، ثم بجانب ذلك إنعكاس لهذه العقيدة في تصرفات الإنسان وأعماله حتى تكون هذه التصرفات والأعمال متجاوبة مع هذه العقيدة فنحن نرى أن الله تبارك وتعالى يقول (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) (البقرة:2 - 4)، ويقول سبحانه عندما ذكر البر (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَاسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (البقرة:177) أي الذين جمعوا بين هذه الصفات جميعاً هم الذين صدقوا وهم المتقون. (1/247)
صفحة 248
كذلك يقول الله سبحانه وتعالى (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ) (آل عمران: 15 - 17)، ثم نجد أن الله تعالى أيضاً يقول (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران:133 - 135)، فهم وإن وقعوا في معصية يتراجعون ويتوبون إلى الله ويندمون على تلك المعصية.
كذلك يقول الله تبارك وتعالى (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (الأعراف:201)، فهؤلاء سرعان ما يدّكرون ويعودون إلى الله وينقلبون عن المعصية إلى الطاعة تاركين لتلك الهفوات التي وقعوا فيها.
فشأن المتقي أن يكون حريصاً على أن يتراجع لا يسترسل في هواه، لو وقع في معصية هو سرعان ما يتوب إلى الله، لا يستلذ تلك المعصية ويستمرئها ويستمر عليها إنما يتراجع عنها ويرى أن سعادته في تركها، أما الذي يستمرئ المعصية ولا يبالي بها فذلك هو المصر على معصية الله سبحانه وتعالى. (1/248)
صفحة 249
هؤلاء المصرون هم أبعد ما يكونون عن رحاب المتقين، فوقوع المعصية من شأن الإنسان، وليس ذلك بغريب على الإنسان، لأن الإنسان جبل على النسيان وجبل على الضعف، هو ضعيف، وتيارات كثيرة تؤثر عليه ولكن الله من فضله فتح له باب التوبة، وهذه التوبة إنما تكون بتراجع هذا الإنسان وندمه على ما فرط، ولا يعني ذلك أن يستمرئ تلك المعصية ويستمر عليها فإن هذا مما يتنافى كل التنافي مع ما يتصف به المتقون، بل ذلك مما يتنافى مع الإيمان الذي هو ركيزة التقوى وهو ركيزة النجاة فإن الله تبارك وتعالى قال في المؤمنين (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الأنفال:2)، فهؤلاء هم المؤمنون الذين توجل قلوبهم من هيبة الله سبحانه وتعالى ومن خشيته فلا يمكن أن يستمروا على معصية الله.
السؤال:
أحد الأخوة من بريطانيا يقول أحياناً يمسك الوضوء لثلاث صلوات نظراً لشدة البرد هناك، فهل يصح له ذلك؟
الجواب:
إذا لم يحدث الإنسان وقد توضأ فإنه ولو صلى بوضوئه ذلك خمس صلوات أو أكثر من خمس صلوات لا تؤثر هذه الصلوات على وضوئه شيئاً وليس عليه أن يجدد وضوئه.
السؤال:
ما حكم صائم يعاني من وجود البلغم في حلقه طوال النهار، ليس نخامة غليظة ولا ريقاً كالذي يخرج من حلق الإنسان إذا تنحنح، وإذا حاول إخراجه كل مرة سيقع في حرج كبير إذ يكون ذلك همه طول النهار، وماذا يلزمه إذا ابتلعه مع إمكانية أن يطرحه؟
الجواب: (1/249)
صفحة 250
أولاً قبل كل شيء ينبغي أن نفرق بين حالة الشدة وحالة الرخاء، أو بين حالة الضيق وحالة السعة، فهذه المسألة هي مختلف فيها من أساسها، لأن العلماء اختلفوا في ما إذا عارض الإنسان وهو في صلاته أو وهو في صيامه شيء من ذلك، فمنهم من قال بأن كل ما نزل من الرأس أو صعد من الصدر ينقض الصلاة والصيام جميعا إذا ابتلعه أي إذا بلع شيئاً من ذلك وقد كان قادراً على إخراجه ثم بلعه متعمداً فإنه ينقض صلاته إن كان في صلاته لأن المصلي ليس له أن يتناول شيئاً مما يدخل جوفه وهذا أدخل جوفه غير الريق الطبيعي وكذلك إن كان في صيامه من غير أن يفرق بين ما نزل من الرأس أو ما صعد الصدر.
ومنهم من قال بأن ما صعد هو الناقض بخلاف النازل من الرأس.
ومنهم من قال بعكس ذلك أي ما نزل من الرأس هو الناقض.
ومنهم من قال بأن ما نزل من الرأس ينقض الصلاة دون الصيام، وما ارتفع من الصدر ينقض الصيام دون الصلاة.
ومنهم من قال عكس هذا فهناك أقوال متعددة، ولكن أنا ما وجدت دليلاً على هذه الأقوال ما عدا أن الإنسان في الأصل يمنع في صيامه وللصلاة حكم الصيام أن يولج إلى جوفه شيئاً مما لا يضطر إليه، يضطر إلى أن يولج الريق ولا يستطيع أن يتخلص منه أما لو كان الريق مشوباً بدم فإنه في هذه الحالة ليس له أن يولجه إلى جوفه، ولو كان مشوباً أيضاً بمادة أخرى من دواء أو غير ذلك لما كان له أيضاً أن يبتلعه.
فبناء على هذا نحن نرى أنه في حالة السعة ينبغي التشديد في هذا أما في حالة الضيق فإن المشقة تجلب التيسير، ومن القواعد الفقهية عند بعض الفقهاء أن الأمر إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق، والله تعالى أعلم.
السؤال: (1/250)
صفحة 251
يقول النبي صلى الله عليه وسلّم (فإذا غم عليكم فاقدروا له)، على التسليم بهذا الحديث ألا يفسره الحديث الآخر وهو قول النبي صلى الله عليه وسلّم (نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) فلو كان علم الفلك متطوراً في زمن النبي صلى الله عليه وسلّم وبهذه الدقة التي عليها اليوم أما يعوّل عليه النبي صلى الله عليه وسلّم بدلاً من الرؤية؟
الجواب:
قبل كل شيء علينا أن ندرك أن الدين يسر، ومن يسر الدين أن الله تبارك وتعالى ناطه بما هو معروف عند جميع الناس بحيث لا يكلف الإنسان عسرا، فكما ناط الله تبارك وتعالى صلاة الظهر بزوال الشمس وزوال الشمس أمر معروف عند جميع الناس يعرفه الصغير والكبير والمرأة الرجل والشيخ والشاب والمتعلم وغيره لا فرق بين المتعلم والأمي في ذلك فكذلك أمر الصيام، نيط الصيام برؤية الهلال لأن رؤية الهلال مما يشترك فيه الكل، يشترك فيه الذكور والإناث والصغار والكبار والأميون والعلماء الكل مشترك في ذلك فلا فرق بين هذا وذاك بخلاف الحساب الفلكي فإن حساب الفلك إنما هو خاص بأناس.
نحن نقدر شعباً مقدار سكانه مليون شخص كم من الذين يتقنون الفلك ما بين هؤلاء؟؟ لا ريب أنه لا يوجد إلا النزر اليسير اليسير، بل الشاذ ما بين هذا الجمع الكبير من هو متقن لعلم الفلك، مع أنه هذه العبادة تُعبد بها الجميع تعبد بها الصغير والكبير والغني والفقير والمتعلم والجاهل كل متعبد بعبادة الصيام، فلذلك كان من فضل الله تعالى أن نيطت هذه العبادة بأمر معروف عند الكل بخلاف لو كان ذلك منوطاً بحساب الفلك لكان أمراً فيه عسر بالغ. (1/251)
صفحة 252
هذا والنبي صلى الله عليه وسّلم عندما قال (فإن غم عليكم فاقدروا) بيّن معنى ذلك في رواية أخرى عندما قال: (فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين). فإنه في هذا الحديث بيّن المراد بقوله (فاقدروا) ولم يبق هنالك شك في معنى ذلك، وقول النبي صلى الله عليه وسلّم (نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) إنما ذلك بالنظر إلى الجمهور إلى الدهماء والكل متعبد، فلذلك كما قلنا نيط هذا الأمر بقضية معروفة عند الجميع.
أما ما يشكك الناس من أجله أو أن يكون الهلال مرتفعاً أو أن يكون الهلال كذا أو كذا فهذا أيضاً أمر محسوم في السنة النبوية كما جاء رواية مسلم من طريق ابن عباس أنهم كانوا في سفر إلى مكة فلما كانوا بذات نخلة رأوا هلال ذي الحجة، فمنهم من قال هو لليلتين ومنهم منى قال هو لثلاث. يعني رأوه مرتفعاً جداً فقال بعضهم هو لليلتين وقال بعضهم هو لثلاث، فقال ابن عباس: هو لليلة رأيتموه فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: إن الله عظّمه لكم لتروه. (1/252)
صفحة 253
ومعنى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلّم بقوله هذا أراد أن يقطع دابر الشك حتى لا يدخل الناس في التخمينات التي من خلالها يكونون مغالين في أمر دينهم إذ الغلو غير محمود، ونحن لا نشك أن هنالك دقة في الحساب الفلكي في وقتنا هذا ولكن لا ينبغي الخروج عن مقتضي السنة، بل ينبغي الجمع بين هذا وذاك، بين معطيات العلم الحديث وبين السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، والجمع إنما هو بالأخذ بالحديث في الصوم برؤية الهلال والإفطار برؤية الهلال ومع الغيم يكون الإكمال كما أمر الحديث، وفي نفس الوقت يؤخذ بالحساب الفلكي في دفع شهادة الشهود عندما يدّعون رؤية الهلال مع استحالة أن تتحقق هذه الرؤية، فإنه مع كونه غير مولود أو ولد ولا يمكن أن يُرى لأجل أنه مع الشمس أو وراءها بالمرة وقد خفي بسبب ضوء الشمس في هذه الحالة يتعذر أن يُرى الهلال في هذه الحالة فينبغي أن يجمع بين هذا وذاك وبهذا نأخذ وعليه نعول، والله تعالى المستعان.
السؤال:
هل هناك مسافة معتبرة فلكياً تفصل بين بلدة وأخرى بحيث أنها تعني اختلافاً في المطالع؟
الجواب:
حقيقة الأمر نحن نرى حديث ابن عباس الذي رواه كريب رضي الله تعالى عنه يدل على أن المسافة إذا تباعدت كبعد الشام عن الحجاز يعتبر هذا التباعد، وإن كان العلماء قد اختلفوا في ذلك اختلافاً كثيراً كما أوضحه الحافظ ابن حجر في فتح الباري ذكر اختلافاً للعلماء منهم من قال بأن الفرق إنما يكون باختلاف الأقاليم، ومنهم من قال باختلاف أي البلدان بين بلد وآخر، ومنهم من قال بقدر مسافة القصر، ومنهم من قال باختلاف المناطق سهلاً وجبلا. (1/253)
صفحة 254
الخلاف موجود بين العلماء ولكن الاختلاف إنما يراعى الاختلاف الطبيعي الذي يترتب عليه الاختلاف في الرؤية فحديث كريب جاء فيه: أرسلتني أم الفضل بنت الحارث والدة عبدالله ابن عباس إلى معاوية بالشام فاستهل علي هلال رمضان وأنا بالشام فلما قضيت حاجتها ورجعت إلى المدينة. ثم قال لي: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال لي: أنت رأيته؟ فقلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال: ولكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نرى الهلال. فقلت: أو ما تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
ومثل هذا القول عندما يصدر من الصحابي يعطى حكم الرفع، إذ الصحابي لو قال كنا نؤمر أو كنا ننهى لكان ذلك بطبيعة يدل على أن الآمر أو الناهي إنما هو رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام فكيف وقد صرح بأن النبي صلى الله عليه وسلّم هو الذي أمر.
وحقيقة الأمر أنا لا خبرة لي بعلم الفلك، وهذا أمر ينبغي للإنسان أن لا يقحم فيه نفسه إلا بعد ما يكون به خبيرا، ولذلك أقول دائماً بأن أصحاب كل اختصاص هم أولى باختصاصهم، فالفلكيون هم أولى بأن يعتبر ما يقولون في هذا، وكذلك في المجالات الاقتصادية وغيرها لا يبت فيها الفقهاء إلا بعدما يفهمون ما عند هؤلاء الخبراء في القضايا الاقتصادية وهكذا في القضايا الطبية لا بد من تتلاقح الأفكار بناء على تلاقح الخبرات في هذا. (1/254)
صفحة 255
ووجدت لبعض الفلكيين أن مسافة خمسمائة ميل تؤدي إلى التفاوت في الرؤية، ولعل المراد بخمسمائة ميل، خمسمائة ميل جوي لأن خمسمائة ميل أرضي تختلف باختلاف طبيعة الأرض من حيث التضاريس والجبال وغيرها فقد تكون خمسمائة أحياناً مسافتها قصيرة وقد تكون مسافتها ممتدة ولكن في ما أحسب بأن هذه مسافة خمسمائة ميل جوي أو خمسمائة بحري بحيث يكون السير مستوياً لا تعارج فيه، هذه المسافة تؤدي إلى الاختلاف في رؤية الهلال حسب ما وجدت لبعض الفلكيين، والفلكيون هم أولى بفنهم هذا، والله تعالى أعلم.
السؤال:
فيمن يرى الهلال ويتشكك في رؤيته فلا يحمله ذلك على الإبلاغ وإنما يقول أنا لا أستطيع أن أتحمل هذه المسئولية، فهل يجوز له ذلك؟
الجواب:
لا، لا، لا، هذه أمانة في عنقه فعندما يرى الهلال يجب عليه أن يبلغ المسؤولين حتى ينظروا في شهادته إما أن تكون مقبولة وإما أن تكون مردودة ولعل شهادته تتعزز بشهادة غيره، الله تعالى أعلم.
السؤال:
ما حكم من وجبت عليه كفارة وهي صيام شهرين ولكنها الآن ترضع وتخشى الضرر إن صامت ولا تنتهي مدة الرضاع إلا بعد سنة، هل يجب عليها الآن، وإن أرادت أن تتعجل في أداء ما وجب عليها هل يجوز لها أن تطعم ستين مسكينا بدلاً من الصيام؟
الجواب:
إن كانت الكفارة منوطة بالصيام فعليها أن تصوم ولو بعد حين وإنما تؤخر ذلك إلى فراغها من هذا الشاغل إلا عندما تكون غير راجية للفراغ من هذا الشاغل بحيث إنها لو خرجت من الرضاع تتوقع الحمل وتستمر هكذا أحوالها فلا تستطيع الصيام ففي هذه الحالة لها العذر أن تطعم ستين مسكينا فيما يجوز فيه الإطعام، والله تعالى أعلم.
السؤال:
عن صحة حديث أن النبي صلى الله عليه وسلّم مر على حمار قد وشم في وجهه؟
الجواب:
وجدت هذه الرواية لكنني لا أعرف مدى صحتها، والله تعالى أعلم.
السؤال: (1/255)
صفحة 256
هل يشترط في بيع السلم أن يكون البائع مالكاً للمبيع، أم يجوز السلم في شيء لم أشتره بعد؟ وما الفرق بينه وما بين بيع ما لم تملك؟
الجواب:
السلم رخصة رخصّها النبي صلى الله عليه للناس من أجل حاجتهم، ذلك لأن أحوال الناس تقتضي أن يُسلم أحد في شيء يريده ويأخذ المستلم ذلك المبلغ إلى أن يتوفر له المبيع الذي باعه للمسلم، فالسلم إنما هو بيع غائب بحاضر.
السلم ليس هو كالبيوع الأخرى إنما هو بيع مستقل بحكمه فقد هاجر النبي صلى الله عليه وسلّم إلى المدينة المنورة ووجد أهلها يسلمون في الأطعمة التي كانت تزرع عندهم فاشترط النبي صلى الله عليه وسلّم أن يكون ذلك بكيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم، وأقرهم عليه أفضل الصلاة والسلام على هذا. وعلى هذا فهذا تخصيص لعموم النهي عن بيع الإنسان ما لم يملك، والمخصصات عندما ترد على العمومات فإنه يؤخذ بالخصوص، ويبقى العموم حكمه فيما لم يتناوله الخصوص. والخصوص يكون بالكتاب ويكون بالسنة بل ويكون بالإجماع بل ويكون بالقياس كما هو رأي كثير من العلماء.
وقد اختلف العلماء في السلم هل هو مقيد بالحبوب وحدها دون غيرها أو أنه يترخص في كل ما يمكن أن ينضبط بضوابط، منهم من رأى أنه خاص بالحبوب لأن ذلك هو الذي رخّص النبي صلى الله عليه وسلّم فيه ولأنه قيد الإباحة أن تكون بوزن معلوم أو كيل معلوم ومن المعلوم أن الوزن أو الكيل إنما هما خاصان بهذه الحبوب التي يقتات بها.
ومنهم من رأى الإباحة مطلقا. فالذين قيدوا هذه الإباحة بمورد النص وحده قالوا بأن كل ما كان خارجاً عن القياس فإن غيره عليه لا يقاس. لا يقاس الشيء على غيره إن كان الأصل خارجاً عن القياس، والسلم هو خارج عن القياس.
أما الذين رأوا الترخص في هذا والتوسع فإنه رأوا أن التوسع إنما كان لأجل حاجة الناس، ومعنى هذا أن الحاجة ينبغي أن تراعى. (1/256)
صفحة 257
وفي زماننا هذا أصبحت الضرورة تقتضي أن يتوسع الناس في أحكام السلم فإنه قد يحتاج أحد إلى أن يستورد من بعيد، يحتاج التاجر مثلاً إلى أن يستورد، أو تحتاج الدولة إلى أن تستورد، قد تحتاج إلى استيراد أسلحة أو استيراد آلات، أو استيراد السيارات، أو استيراد طائرات أو استيراد أي شيء فعندما يغلق هذا الباب يصبح الأمر عسيراً بخلاف ما إذا توسع فيه وقيدت ذلك بما هو معروف الآن من ضبط هذه الآلات بضوابط معروفة، ضوابط لا يمكن أن يخرج شيء منها عنها، هي ضوابط في منتهى الدقة.
فلذلك نحن نرى الترخص في هذا لأن الحديث لم يمنع من الإسلام في غير الحبوب، وهنالك على أي حال مجال للحديث في هذا، ولكن نظراً إلى ضيق الوقت نقتصر على هذا، ونسأل الله تعالى التوفيق.
تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه
18 من رمضان 1423هـ، 24/ 11/2002 م
الموضوع: عام
السؤال:
كنتم أمس تتحدثون بالأمس عن بيع السلم، ولأن الوقت كان قصيراً لم تكملوا الإجابة، فنريدكم أن تفيضوا في الموضوع.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فقد سأل السائل بالأمس عن بيع السلم، وعن كيفية الجمع بين إباحته وتحريم بيع الإنسان ما لم يملك، وهل هذا يعني أنه لا بد من أن يكون واجداً لما عامل فيه بطريقة السلم أي بما أُسلم فيه أو غير واجد؟
السلم كما ذكرنا بالأمس إنما هو بيع غائب بحاضر، ومعنى هذا أن المسلَم فيه لا يلزم أن يكون موجوداً، وإنما يلزم أن يكون للإنسان الذي أسلم أن يحضره في الوقت المتفق عليه.
وقد هاجر النبي صلى الله عليه وسلّم إلى المدينة المنورة فوجد الأنصار رضي الله عنهم يسلمون في الحبوب، فاشترط النبي صلى الله عليه وسلّم أن يكون ذلك بكيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم. (1/257)
صفحة 258
ومعنى ذلك أنه لا بد من أن يكون المقدار محدداً أي المقدار الذي أسلم فيه كأن يكون مثلاً عشرين صاعاً أو أربعين صاعاً أو ثمانين صاعاً أو مائة صاع، أو أن يكون بالوزن بأن يكون عشرين رطلاً أو أربعين رطلاً أو أقل من ذلك أو أكثر بحسب المعايير المتداولة وبحسب المكاييل المتفق عليها والتي هي معروفة مضبوطة مقدرة تقديراً مع كون الأجل أيضاً معلوماً، وذلك بأن يكون السلم إلى عام أو إلى نصف عام أو إلى أي وقت يمكن أن يجد المسلَم تلكم البضاعة التي أخذ فيها ثمنها قبل حضورها في وقت وقوع الصفقة بينه وبين المسلم.
وإنما كان ذلك من الرسول صلوات الله وسلامه عليه من أجل مراعاة حاجة الناس، فإن الفقراء الذين يكدحون في المزارع يكونون محتاجين إلى نفقات ينفقونها على أنفسهم، ويكونون أيضاً أحياناً محتاجين إلى نفقات ينفقونها في زراعتهم، فهم بسبب هذه الحاجة وسّع النبي صلى الله عليه وسلّم في هذه المعاملة لهم حتى لا يضيّق عليهم لأن المشقة تجلب التيسير.
والعلماء اختلفوا هل يكون السلم خاصاً بما ورد فيه الترخيص من الرسول صلى الله عليه وسلّم أي لما كان متعاملاً به عند الناس في ذلك الوقت وهو أن يكون السلم في الحبوب وحدها أي الحبوب التي يقتات بها دون غيرها من أنواع الأشياء التي يحتاج إليها الناس كاللباس والحيوانات وغيرها.
فمنهم من قال بأن الرخصة لا تتعدى مكانها، وهذا هو الأصل في الرخصة لأن الرخصة تكون خارجة عن الأصل، وتكون خارجة عن القياس، ولذلك قالوا بأن كل ما كان على خلاف القياس فلا يقاس غيره عليه. (1/258)
صفحة 259
ومنهم من ترخص في هذا نظراً إلى مقصد الشارع لأن مقصد الشارع إنما هو التيسير وإذا كانت الحاجة داعية فلا ينبغي أن يفرّق بين ما دعت إليه الحاجة من التوسع فيه من أنواع ما يسلم فيه وبين شيء آخر، بل ينبغي أن يراعى الضبط وتراعى الدقة، فإذا كانت الدقة متوفرة وكان الضبط متيسراً فإذاّ لا بد من أن يقال بالإباحة عندما تكون الحاجة طارئة.
ونحن نرى في وقتنا هذا أن الضرورة داعية إلى التوسع في كثير من الأشياء بطريقة السلم. هنالك ضرورات مختلفة، ضرورات متباينة بعضها يرجع إلى حاجات الناس الشخصية، وبعضها يرجع إلى حاجات الحكومات والمؤسسات.
فمن أمثلة ذلك أن الحكومات تحتاج كثيراً إلى استيراد أسلحة أحياناً كاستيراد مدافع أو استيراد رشاشات أو بنادق غير آلية أو أي شيء من هذا القبيل أي استيراد الآلآت العسكرية أو استيراد الطائرات أو استيراد الدبابات أو استيراد أي شيء من هذا القبيل، ولا يمكن ذلك إلا بدفع الثمن أولاً فإما أن يكون هذا بطريقة بيع ما هو غير حاضر وهذا غير جائز، وإما أن يُكيف بطريقة السلم وذلك بأن تتفق الشركة التي تُصنّع هذه الأسلحة أو تُصنّع هذه الطائرات أو تُصنّع هذه الآلآت على اختلاف أنواعها مع الحكومة التي تريد أن تستورد منها وذلك بأن يضبط نوع الأسلحة التي تحتاج إليها الحكومة ومقاديرها وقوتها كما هو معروف الآن فإن هنالك ضبطاً دقيقاً لكل نوع من أنواع الأسلحة، وضبطاً دقيقاً أيضاً لكل نوع من أنواع الآلآت التي يحتاج إليها مع تقدير الزمن أي بأن يكون إحضار ذلك في مدة معينة وذلك بأن يكون بعد عام أو بعد عامين أو بعد نصف عام أو نحو ذلك ففي هذا توسع ولا ينبغي أن يضيق على الناس ما دام الناس محتاجين إلى هذه المعاملة. (1/259)
صفحة 260
وقد كان الترخص في عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم من أجل هذه الحاجة. على أن هذه في وقتنا هذا لعلها أشد وأعظم من حاجة الناس في ذلك الوقت لأن الناس الآن إما أن يتوسعوا في بهذه الطريقة وإما أن يقعوا في المعاملات المحرمة ذلك بأن يكون بطريق المؤسسات المالية التي تدفع الأموال بطريقة القرض الربوي المحرم، وهذا بطبيعة الحال غير جائز، فلئن كان المؤسسات المستوردة أو الحكومة المستوردة تقدم الثمن مع الاتفاق مع الجهة التي أًُسلم إليها بأن يكون التسليم في وقت معين لتلكم البضاعة المطلوبة أو تلكم السلعة المطلوبة فإن هذا هو الذي تحل بالمشكلة والحمد لله.
فينبغي الأخذ بهذا نظراً إلى حاجة الناس إلى ذلك.
على أن نهي النبي صلى الله عليه وسلّم عن بيع الإنسان ما ليس عنده أي ما لا يملك هو نهي عام وترخيصه في السلم هو خاص والخصوص مقدم على العموم، فإذا ورد الخاص على العام فإنه يؤخذ بالخصوص ذلك لأجل قوة الدليل الخاص ولأجل ضعف الدليل العام، حتى أن العلماء أي علماء الأصول قالوا بأن العام وإن كان قطعي المتن فهو ظني الدلالة ولذلك تخصص العمومات بالمخصصات التي هي قد تبدو ضعيفة فيمكن أن تخصص آية من القرآن الكريم بحديث آحادي، ويمكن أن يخصص حكم أيضاً في القرآن بقياس ويمكن أن يخصص أيضاً حتى بمفهوم المخالفة فضلا ًعن تخصيص القرآن بالقرآن، أو تخصيص القرآن بالسنة المتواترة، أو تخصيص السنة بالسنة، فإن ذلك أمر مما لا يختلف فيه، والله تعالى أعلم.
السؤال:
أنتم ذكرتم مثالاً فقط في مسألة الأسلحة والمواد العسكرية، هل هذا خاص أم في كل المعاملات؟
الجواب:
المعاملات بأسرها لأن الآن الشركات التجارية هي بحاجة مثلاً إلى استيراد السيارات، وللسيارات كما يقال موديل معروف بلغة العصر من خلال ذلك يمكن أن يضبط نوع هذه السيارات وقوتها وأحجامها ومقاديرها. (1/260)
صفحة 261
ونحن نرى أن العلماء توسعوا في السلم بسبب الحاجة فرخصوا السلم حتى في الحيوان وذلك عندما يكون هذا الحيوان مضبوطاً بضوابط بحيث يكون طوله بمقدار وعرضه بمقدار ووزنه بمقدار فإن ذلك كله مما يدخل في ضبط هذه المعاملة وينبغي الأخذ بذلك في حالات الضرورة ولا سيما ما ذكرناه.
السؤال:
سألت بعض المتخصصين في علم الفلك فأوضح لي بأن الشفق الأحمر يختلف طول وقته باختلاف القرب والبعد عن خط الاستواء وحسب اختلاف الفصول كذلك. وفي منطقتنا نحن يغيب الشفق الأحمر في الشتاء بعد ساعة ونصف تقريبا بعد غروب الشمس، ويغيب في الصيف بعد ساعة وخمسين دقيقة من الغروب، والمشكلة أننا في منطقتنا نصلي العشاء وعلى مدار السنة ساعة بعد المغرب إلا في شهر رمضان فما الحكم في هذا، وإذا كان هذا التوقيت غير شرعي فما حكم الصلوات الماضية؟ وما العمل إذا كان تصحيح ذلك شبه مستحيل؟ وهل يعتبر كل ذلك الوقت ما بين المغرب والعشاء وقتاً لصلاة المغرب؟
الجواب:
هذه المسألة تحتاج إلى نظر من علماء المنطقة أنفسهم، لأن الشفق الأحمر هو المعتبر في خروج وقت المغرب ودخول وقت العشاء، وكما قيل بأن الشفق الأحمر كلما كانت البلاد أبعد عن خط الاستواء كان استمراره لعله أطول لأن الشفق الأبيض أيضاً يستمر حتى أنه في بعض البلدان التي هي بعيدة عن خط الاستواء لا يكاد يغيب الشفق الأبيض طوال الليل لا يكاد يغيب حتى يظهر الفجر هكذا سمعت، وهذا واضح لأن الشمس تكون قريبة منهم فلذلك يكون شيء من الشعاع ممتداً في الأفق فيتولد منه الشفق الأبيض. (1/261)
صفحة 262
فعلماء المنطقة ينبغي أن يدرسوا هذه القضية وأن يحلوا هذه المشكلة. ولا ينبغي التسرع في صلاة العشاء قبل وقتها. ولا ينبغي التعجيل في وقت العشاء إلا بعد دخول الوقت. والنبي صلى الله عليه وسلّم كان من سنته أن يؤخر صلاة العشاء، وقال لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بأن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو إلى نصف. هكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلّم يحرص على تأخير وقت العشاء. وقد فعل ذلك حيث أخّر ليلة من الليالي صلاة العشاء فخرج إلى أصحابه بعد مضي ثلث الليل وقال لهم مثل هذا الكلام بعدما نعس الناس وكادوا ينامون.
فينبغي أن تراعى هذه المشكلة. على أن هناك بعض البلدان التي لا يغيب فيها الشفق والتي يقع الناس فيها في إشكال كثير من هذه الناحية أجبناهم بأن لهم أن يجمعوا بين المغرب والعشاء لأجل مراعاة هذا الجانب، لأن الجمع بين المغرب والعشاء أو بين الظهر والعصر في وقت الحاجة يجوز ولو كان ذلك في الحضر ولم يكن في السفر فقد أخرج الإمام الربيع رحمه الله في مسنده عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهم قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم الظهر والعصر معاً والمغرب والعشاء الآخرة معاً من غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر. وروى هذا الحديث الشيخان وغيرها من طريق عمرو بن دينار عن الإمام أبي الشعثاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، وجاء في هذه الرواية صلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم الظهر والعصر معاً والمغرب والعشاء معاً من غير خوف ولا سفر. وفي رواية من غير خوف ولا مطر. وجاء أن ابن عباس سئل ماذا أراد بذلك؟ فقال: أراد ألا يحرج أمته. وجاء في هذا الحديث كما قلنا أن ابن عباس رضي الله عنهما عندما سئل ما أراد بذلك، أي ما أراد النبي صلى الله عليه وسلّم بذلك؟ قال؟ أراد ألا يحرج أمته. ومعنى هذا أن أوقات الحرج هي جديرة بأن يراعى فيها هذا الترخيص وأن يباح للناس الجمع فيها. (1/262)
صفحة 263
فعندما يكون الشفق لا يغيب في بعض المناطق ويقع الناس في حرج ويكون الليل قصيراً جداً كبعض المناطق الشمالية النائية البعيدة عن خط الاستواء كذلك الجنوبية النائية البعيدة عن خط الاستواء في هذه الحالة لا يمنع الناس أن يجمعوا ما بين الصلاتين لأجل مراعاة هذه الحاجة ومراعاة العسر إن لم يجمعوا.
وفي الصلوات السابقة التي صلوها من غير مراعاة الدقة في دخول وقت العشاء هم معذورون، لكن ينبغي لهم أن يرفعوا أمرهم إلى العلماء، علماء أقطارهم ليجتمعوا ويتدارسوا القضية وينظروا في أمر الشفق حتى لا يصلوا الصلاة قبل وقتها لأن الله تبارك وتعالى يقول (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء: من الآية103) فهي موقوتة بأوقات محددة لا يجوز تقديمها على وقتها كما لا يجوز تأخيرها عن الوقت، والله تعالى أعلم.
السؤال:
هل الجمع المقصود به هنا الجمع الحقيقي دون قصر؟
الجواب:
نعم هو جمع الظهر والعصر مع الإتمام والجمع بين المغرب والعشاء مع عدم قصر العشاء أي تصلى أربعا.
السؤال:
رجل ابتلاه الله تعالى بمرض داء عضال فيطلب منكم نصيحة له ولأهله.
الجواب:
نصيحتي له أن يصبر فإن وراء الصبر الفرج بمشيئة الله، وأن يدعو الله تبارك وتعالى أن يشفيه من علته، وأن يتعالج بالعلاج الطبيعي بواسطة الأطباء ذوي الخبرة فإن النبي صلى الله عليه وسلّم حث على العلاج قال: تداووا عباد الله. وبين أن كل داء له دواء إلا الهرم فإنه لا دواء له.
والتداوي اتباع لسنة الحياة التي سنها الله تبارك وتعالى فلا ينبغي للإنسان أن يعدل عنه هذا مع الدعاء لأن الله تبارك وتعالى يشفي بإرادته وبقدرته فنبي الله تعالى وخليله إبراهيم عليه السلام يقول) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) (الشعراء:80 (. (1/263)
صفحة 264
فالدواء لا يشفي، والطبيب لا يشفي، إنما الدواء سبب والطبيب متسبب، والشافي هو الله سبحانه وتعالى، ولكن مع ذلك الأخذ بالأسباب سنة من سنن الحياة وينبغي للإنسان أن يهتم بذلك.
ونصيحتي لأهله بأن يعينوه وأن لا يئيسوه من الشفاء وأن يكونوا معه متعاونين في جميع الأحوال، وأن يصبروا على ما يلقونه من التعب في علاجه وفي العناية بشئونه والقيام بمصالحه فإن ذلك مما يؤجرون عليه كما كان ذلك من امرأة أيوب عليه السلام عندما اعتنت بزوجها بعدما هجره الناس جميعا وقد ابتلاه الله بما ابتلاه به فكانت عاقبة ذلك أن منّ الله عليه بالعافية وأن وهبه سبحانه وتعالى أهله ومثلهم معهم رحمة من عنده، ورفع منزلة تلك المرأة.
فينبغي هكذا أن يعتنى كثيراً بالمرضى وأن لا يلقوا من قبل أهليهم شيئا من القنوط أو اليأس أو شيئاً من الضيق والحرج فإن ذلك مما يتنافي مع ما سنه الله تبارك وتعالى من الأخلاق العالية التي يتعامل بها الأهلون.
وأسأل الله تبارك وتعالى لهذا المبتلى الشفاء من كل داء والعافية من كل بلاء والصحة من كل سقم والراحة من كل تعب إنه تبارك وتعالى على كل شيء قدير وهو بالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير.
السؤال:
رجل اعتمر لأول مرة وعندما ذهب ليعتمر للمرة الثانية تبين له أنه طاف من غير المكان الذي طاف منه للعمرة الثانية وهو بداية الحجر الأسود وأن الطواف الثاني كان صحيحاً فماذا عليه؟
الجواب:
إن كان بدأ طوافه قبل الحجر فإن الحجر يكون داخلاً في الطواف ولا عليه من ذلك حرج، وأما إن كان بدأ الطواف بعد الحجر ففي هذه الحالة يكون الطواف قاصرا وتكون العمرة غير صحيحة ومعنى ذلك عليه أن يعيد العمرة مع كونه يلزمه دم لتحلله قبل أن يؤدي مناسكه.
السؤال:
امرأة أخرجت زكاة ذهبها من أموال طفلها التي حصلت عليها عند ولادته، هل عليها إعادة تلك المبالغ؟
الجواب: (1/264)
صفحة 265
أولاً اختلف في حق الوالد من مال الولد، منهم من قال بأن الولد وماله لأبيه ومعنى أن ذلك الأب له أن يتصرف في مال الولد بالانتفاع فالنبي صلى الله عليه وسلّم قال لرجل: أنت ومالك لأبيك. وهذا اختلف فيه الناس هل هو توسع مطلق؟ أو مع الحاجة؟
لأن الإنسان لا يملك رقبة الابن، وإنما يملك الانتفاع بابنه أما رقبته فلا يملكها فليس له أن يبيع ابنه فكذلك ليس له أن يبيع مال ولده هكذا قال طائفة من العلماء، ومنهم من توسع في ذلك.
واختلف في الأم هل لها ما للأب من الحق في ذلك، منهم من قال بأن لها ما للأب وهذا القول هو أرجح لأن حق الأم أعظم بدلالة قول الله تبارك وتعالى (وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً) (الاحقاف: من الآية15)، فبعد أن ذكر الوالدين جميعا أشار إلى التضحيات التي قدمتها الأم، وجاء حديث النبي صلى الله عليه وسلّم صريحاً بذلك عندما قال عليه أفضل الصلاة والسلام لسائله الذي سأله أي الناس أحق مني بحسن الصحبة؟ فقال له: أمك. قال له: ثم من؟ قال له: أمك. قال له: ثم من؟ قال له: أمك. قال له: ثم من؟ قال له: أبوك ثم الأقرب فالأقرب. فذكر حق الأم ثلاث مرات وعطف عليه حق الأب بذكره مرة واحدة معطوفاً بثم التي تقتضي المهلة والترتيب فهذا دليل على عظم حق الأم، ولئن كان حق الأم بهذا القدر من العظم فإن لها أن تنتفع من مال ولدها، كما أن الأب له أن ينتفع، وإذا كانت هي قائمة بحاجات الولد وشؤونه بحيث تسد حاجته عندما يكون محتاجاًً أو يعينها أبو الولد على سد حاجته فلا مانع من الانتفاع بما كان من مال يملكه ذلك الولد، والله تعالى أعلم.
السؤال:
امرأة استخدمت العطر وهي صائمة فأحست منه شيء في حلقها، فماذا عليها؟
الجواب: (1/265)
صفحة 266
إن كانت لم تقصد ذلك وإنما وصل إلى حلقها خطأ، وحاولت أن تبصق وأن تتنحنح وأن تبصق بعد ذلك لإخراج آثار ذلك العطر الذي وصل إلى حلقها فأرجو أن لا يكون عليها حرج إن شاء الله.
السؤال:
أسكن في حارة فيها ثلاثة مساجد وجميعها يقنتون في صلاة الفجر، فهل أصلي معهم؟
الجواب:
هذه المسألة كما هو معلوم مسألة تتعلق بقضية جزئية وليست هي من قضايا الأصول ولا ينبغي أن تعظّم هذه القضايا، ونحن وإن كنا نقول بأن القنوت منسوخ لكننا لا نخطّأ أولئك الذين اعتمدوا على الرأي القائل ببقاء حكم القنوت، وإنما نأخذ بما دلت عليه الأحاديث الكثيرة من كون الكلام نسخ في الصلاة إلا ما كان قراءة - أي قراءة للقرآن الكريم - وما كان تسبيحا وتحميداً وما عدا ذلك فهو منسوخ، ولا ينبغي للإنسان أن يترك صلاة الجماعة على أي حال من الأحوال.
السؤال:
رجل مقيم في قطر ولكنه من بلد آخر فهل يرسل زكاة فطره إلى ذلك أصحاب بلده؟
الجواب:
إن أنفقها في مكان إقامته فذلك خير، وإن وكّل من ينفقها عنه وعن عياله في بلده فذلك أيضاً خير وهو جائز و لا حرج في ذلك، وإن أنفق زكاة نفسه في البلد الذي يقيم فيه وأرسل إلى عياله النفقة لينفقوا الزكاة التي تتعلق بهم هنالك في البلد الذي هم مقيمون فيه فذلك أيضاً خير ولعل هذا أفضل لأن هذه الزكاة طهرة للصائم وهو موجود في بلد غير بلده، وفي كل من ذلك خير إن شاء الله.
السؤال:
رجل ملتزم ويصلي ويحافظ على الواجبات كلها إلا أنه يدخن الشيشة فما الحكم؟
الجواب:
نعوذ بالله من عادات السوء، هذه الشيشة هي من البلايا العظيمة، وهي أخت التدخين، والتدخين ثبت ضرره. (1/266)
صفحة 267
مضار التدخين مضار كثيرة وهي مضار مهلكات منها ما يؤدي إلى الهلكة بسبب أنواع من السرطان، ومنها ما يؤدي إلى الهلكة بسبب أنواع من الجلطات، ومنها إلى الهلكة بسبب أمراض الشرايين، ومنها ما يؤدي إلى الهلكة بسبب أمراض الكبد، هناك أكثر من علة من العلل الخطيرة تنشا عن التدخين فالتدخين ضرره بالغ، والشيشة لا ريب أنها هي أخت التدخين والله تبارك وتعالى حرم على الإنسان أن يقدم على قتل نفسه قال تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) (النساء:29 - 30 (.
وجاء في الحديث الصحيح الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلّم أن من قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا، وكذلك جاء في القرآن الكريم ما يدل على أن تبديل النعمة مؤد إلى سخط الله فالله تبارك وتعالى يقول (وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (البقرة: من الآية211 (.
على أن الصحة هي نعمة، نعمة عظيمة، والمال هي نعمة، والأخلاق هي نعمة وكل من ذلك يُتلف بالتدخين، فالصحة يتلفها الإنسان بالتدخين بسبب تعريضه نفسه لأنواع من الأمراض الفتاكة القاتلة من خلال هذه الآفة الخطيرة جداً، وبالنسبة إلى المال يُتلف هذا المال ولو كان يرى الإنسان ما ينفقه شيئاً يسيراً، لنقدر أن هذا المدخن لا ينفق في كل يوم إلا مائة بيسة فإنه في الشهر ينفق ثلاثة ريالات في السنة ستة ثلاثين ريالاً فهب أحداً لا يدخن ولكنه على رأس كل سنة يأخذ من ماله ستة وثلاثين ريالاً ويلقيها في النار ألا يقال بأنه مبذر وأنه جدير بأن يقبض على يده ويمنع من التصرف في ماله لأنه ملحق بالسفهاء، فكيف بهذا الذي ينفق هذه النفقات وهو بسببها يقتل نفسه، يعرض نفسه للقتل. (1/267)
صفحة 268
على أن عائد هذا التدخين إلى من يعود؟ إنما يعود على أعداء الإسلام، فشركة واحدة من شركات التدخين تعود بالدخل على المؤسسة الصهيونية العالمية التي تحارب الإسلام وتقتل المسلمين وتفعل الأفعال بالمسلمين، تعود عليها بالدخل في كل سنة باثني عشر مليار دولار، ومعنى ذلك أنه لو امتنع عن الناس التدخين فهذه الشركة الواحدة تخسر اثني عشر مليار دولار وذلك مما يؤدي إلى ضعف الكيان الصهيوني الذي يعادي المسلمين ويقتل المسلمين ويحارب المسلمين، فضلاً عن الشركات الأخرى الكثيرة التي تعود بالدخل عليهم وعلى أمثالهم.
فلو انقطع الناس عن التدخين جميعاً لأدى ذلك إلى خسارة تطيح باقتصاد أولئك. أليس ذلك واجباً على المسلمين وهم يتعرضون الآن لهذه الحروب حروب الإبادة من قبل أعداء الإسلام وعلى رأسهم الصهيونية العالمية؟ فضلاً عن كونهم يقتّلون أنفسهم فأولئك يستنزفون أموال المسلمين من خلال هذا التصدير تصدير الموت الزؤام الموت من خلال هذه السموم التي يبثونها فيما بينهم، وهذا كله من نعمة المال وهو نعمة من نعم الله فكيف يتلفه الإنسان.
كذلك الأخلاق فإن المدخن يضر بغيره، المدخن ينفث الدخان أمام غيره وذلك يتنافى مع الأخلاق، وهو يضر بغيره ضرراً بالغاً فإن التدخين غير المباشر قد يكون أشد ضرراً من التدخين المباشر أي الذي يشتمّه غير المدخن من روائح الدخان من خلال ما يخرج من الدخان من أفواه المدخنين هو أشد ضرراً عليهم من ضرر أولئك الذين يدخنون مع أن الذين يموتون من التدخين في كل سنة نحو أربعة ملايين في هذا الوقت، والعدد يتزايد باستمرار، ويمكن أن يصل بعد فترة إلى عشرة ملايين في كل سنة. هؤلاء يموتون بسبب التدخين فكيف يُقر المسلمون في أوساطهم هذه العلة الفتاكة. (1/268)
صفحة 269
وأنا أعجب من محاربة الناس للمخدرات مع إقرارهم التدخين. التدخين لا يقل ضرراً عن المخدرات بل الذين يموتون بسبب التدخين في كل عام أضعاف أضعاف أضعاف الذين يموتون بطريق المخدرات، حتى قيل بأنه أكثر من مائة ضعف الذين يموتون بالتدخين أكثر من مائة ضعف من الذين يموتون بالمخدرات، وهم عشرة أضعاف الذين يموتون بسبب مرض نقص المناعة المكتسب. ومع هذا لا يبالي الناس بهذه الآفة الفتاكة التي سرت في أوساطهم هذا السريان العجيب.
فالتدخين لا يضر الشخص المدخن وحده بل يضر بأولاده لأنهم يقتدون به ويتبعون خطواته، ولربما كان أيضاً تدخين الأب سبباً لسريان مرض التدخين وآفته إلى الأولاد الذين يتكونون منه، وتدخين الأم معلوم بالضرورة أنه يسري في أولادها، يضر بأولادها عندما تحمل وتلد وترضعهم فإن حملها لهم وولادتها إياهم وإرضاعها لهم كل من ذلك مما ينقل إليهم عدوى هذه الآفة الفتاكة. فيجب التنبه لذلك وإغلاق هذا الباب نهائياً. وعلى جميع المؤسسات الإعلامية والثقافية والدينية وغيرها أن تقف في وجه هذه الآفة الفتاكة، والله تعالى الموفق.
السؤال:
البعض سماحة الشيخ يقول بأنه لم يأت نص في القرآن الكريم يحرم أو الأحاديث النبوية الشريفة يحرم التدخين ولذلك فما دام لم يرد نص في تحريمه فلذلك هو مكروه فحسب، هل هذا الكلام صحيح؟.
الجواب:
طيب، كذلك أيضاً الهيروين وغيره من هذه الآفات المنتشرة لم ينص على شيء منه في القرآن الكريم. أنا أتحدى أولئك الذين يطالبون بالنص على تحريم التدخين أن يأتوا بنص أيضاً على تحريم هذه الأشياء فإما أن يقولوا بإباحتها، وإما أن يقولوا بتحريمها وتحريم التدخين معها. (1/269)
صفحة 270
وكذلك هنالك أشياء كثيرة من الضرر، السم لم يأت نص صريح بأنه لا يجوز تناول السم، ولكن نُهي عن قتل الإنسان نفسه (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (النساء: من الآية 29)، على أن النبي صلى الله عليه وسلّم جاء وصفه في التوراة والإنجيل والقرآن بأنه يحل الطيبات ويحرم الخبائث، ومن الذي يقول بأن التدخين من الطيبات، رائحته خبيثة وطعمه خبيث وأثره خبيث كل ما فيه خبيث، هو ضرر لا نفع فيه قط، فكيف مع ذلك يقال بإباحته؟
وجدت بعض الناس أيضاً الذين ابتلوا بهذه الآفة الخطيرة يحاول أن يدافع عن ذلك ويقول أيضاً الشحوم تضر بالجسم فلماذا لا يقال بحرمة الشحوم؟
الجواب الشحوم قد يحتاج إليها الجسم لا بد من نسبة من الشحوم في الجسم، وعدم وجود نسبة قط عدم تغذي الجسم بشيء من الشحوم يؤدي ذلك إلى الضرر في الجسم بخلاف التدخين، فإن التدخين لا يحتاجه الجسم أبداً بل ما يلج إلى الجسم من الدخان إنما هو سم زعاف قاتل فكيف يقاس التدخين على الشحوم أو يحمل عليها، الشحوم شيء آخر.
نعم المبالغة في كل شيء حتى الطعام الطيب الذي هو في الأصل لا ضرر فيه، حتى التمر لو أكثر الإنسان منه إلى حد الإسراف فإن ذلك يعد حراما لأن الله تعالى يقول (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) (الأعراف: من الآية31)، فإن كان يؤدي إلى التخمة وهو يعلم ذلك ويأكل إلى يتخم نفسه عمداً فإنه بهذه الحالة يكون قد أضر بنفسه، ويكون بتجاوزه حدود الاعتدال قد وقع في الحرام. (1/270)
صفحة 271
وكذلك الماء الذي هو سبب في الحياة عندما يكثر الإنسان منه إلى أن يضر بنفسه وهو متعمد لذلك، يحمل نفسه على شرب الماء من غير أن تكون نفسه بحاجة إلى هذا الماء، من غير أن يكون جسمه بحاجة إلى هذا الماء، وإنما يكره نفسه على نفس الماء إلى أن يؤدي ذلك إلى الضرر به فذلك أيضاً حرام، كما دلت الآية الكريمة (ولا تسرفوا) بعد إباحة الأكل والشرب (وكلوا واشربوا) فإن كل شيء مقدر بمقدار الاعتدال، وكذلك تناول الشحوم إنما هو مقدر بمقدار الاعتدال بقدر ما ينفع ولا يضر، ولا يقال بحرمة الشحوم على الإطلاق كيف وفيها نفع للجسم بل الجسم بحاجة إليها ولا يقوم بدونها، وإنما هذه من باب مغالطة الحقائق، والله تعالى المستعان.
تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه
19 رمضان 1423 هـ، 25/ 11/2002م
الموضوع: عام
السؤال:
هناك من يسند إلى السلف من أهل المغاربة أنهم رأوا فرض الكفاية في صلاة الجماعة، فهل هذا صحيح؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام وعلى سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فما من ريب أن جمهور العلماء يقولون بأن صلاة الجماعة هي واجبة على الكفاية سواء أصحابنا مشارقتهم ومغاربتهم أو غيرهم من علماء المذاهب الأخرى، وهذا الرأي هناك من يخالفه من أصحابنا كما أن هنالك من يخالفه من علماء المذاهب الأخرى. (1/271)
صفحة 272
وعند الخلاف يجب الرجوع إلى الدليل ونحن تعلمنا من علمائنا أنفسهم أنه مع الاختلاف يجب أن يكون الدليل هو الفيصل وهو المرجع، ولا يلتفت إلى غيره مع قيام حجته، فقد حكى الإمام أبو نبهان رحمه الله عن الإمام أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني رحمه الله تعالى أنه عندما أكرمه الله سبحانه وتعالى بحج بيته المحرم وتشرف بزيارة النبي الأكرم عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام قال مشيراً إلى القبر الشريف: لا تقليد إلا لصاحب هذا القبر، وأما الصحابة فهم أولى بالاتباع لعهدهم برسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأما التابعون فهم رجال ونحن رجال. ولئن كان التابعون هم رجالاً ونحن كذلك رجال في مقابلهم فإنه يجب أن يصار إلى الدليل.
كذلك الإمام أبو نبهان رحمه الله نفسه إذ يقول فيما يقول في هذا (إياك أن تلتف إلى من قال بل إلى ما قال)، ومعنى ذلك أن الأقوال لا تنظر من خلال قائليها بحيث يؤخذ القول باعتبار مكانة قائله، وإنما يلتفت إلى القول نفسه ومقدار قوته أو ضعفه بسبب عرضه على الدليل، فمن خلال النظر في القول يُعرف القول الصحيح والقول الضعيف، ويعرف الراجح والمرجوح.
وكذلك نجد أن الإمام السالمي رحمه الله تعالى يقول:
فنحن حيث ما أمر القرآن *** لا حيث ما قال لنا فلان
ويقول أيضا:
حسبك أن تتبع المختارا *** وإن يقولوا خالف الآثارا
ويقول أيضا:
لأنني أقفو الدليل فاعلما *** لم أعتمد على مقال العلماء
فالعلماء استخرجوا ما استخرجوا *** من الدليل وعليه عرجوا
فهم رجال وسواهم رجل *** والحق ممن جاء حتماً يقبل
فالحجة هي الفيصل ونحن نرى الأدلة الكثيرة في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلّم دالة على أن صلاة الجماعة واجبة على الأعيان فما لنا والانصراف عن هذا الدليل أو عن هذه الأدلة إلى قول يخالفها. (1/272)
صفحة 273
وحسبنا من كتاب الله أن الله تبارك وتعالى شرع صلاة الجماعة في وقت حرج جداً هو أحرج المواقف وأدقها. موقف يقف فيه صفان، صف المؤمنين وصف من الكافرين متواجهين، وكل واحد من الجانبين ينتظر الفرصة للانقضاض على الجانب الآخر. في هذا الموقف الحرج أُمر المؤمنون أن يصلوا جماعة وأن ينقسموا إلى طائفتين فالله تبارك وتعالى يقول (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَاتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَاخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) (النساء: من الآية102)، مع أنه يقول (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً) (النساء: من الآية102)، ولكن مع هذا أُمر المؤمنون في هذا الموقف الحرج وفي هذا الموقف الصامد وفي هذا الموقف الحساس أن يقيموا الصلاة في الجماعة وما ذلك إلا لأجل وجوبها على الأعيان وإلا فقد كان بإمكان كل واحد أن يصلي بنفسه أو أن تصلي طائفة وتنتظر الطائفة الأخرى تكون هي المواجهة للعدو من غير أن تكون داخلة في الصلاة مع الجماعة، ولكن نظراً لما في صلاة الجماعة من جمع الشمل واجتماع الكلمة أُمر أن يجتمع الفريقان على إمام واحد.
ثم إننا نجد أن الله تبارك وتعالى يقول (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) (البقرة: من الآية43) وقد فسر ذلك كثير من العلماء بأن تُصلى الصلاة مع الجماعة. (1/273)
صفحة 274
وكذلك يقول الحق تبارك وتعالى (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ) (القلم: 42 - 43)، وقد قال غير واحد من التابعين بأن الآية ما نزلت إلا في المتخلفين عن صلاة الجماعة من هذه الأمة يسمعون نداء الحق حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لا يجيبون.
ولئن كانت الآيات جاءت مشيرة إلى هذا الحكم غير ناصة عليه فإن الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم جاءت ناصة وصريحة دالة على هذا الحكم فقد جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع وأخرجه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: لقد هممت بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فينادى لها ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار.
وما كان صلى الله عليه وسلّم ليهم بتحريق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة بالنار إلا لأنهم تركوا واجباً عينياً، ولو كان هذا الواجب واجباً كفائياً لكانت الكفاية حاصلة به صلى الله عليه وسلّم وبالمؤمنين الذين يقيمونها معه.
ولو كانت هذه سنة مرغباً فيها لم تنتقل إلى درجة الواجب لما هم النبي صلى الله عليه وسلّم أن ينزل بمن تركها هذا العقاب الأليم الصارم الشديد.
وما كان تركه صلى الله عليه وسلّم تنفيذ ما هم به إلا لما في البيوت من النساء والأطفال مع أنه لا تزر وازرة وزر أخرى وهذا شيء معلوم ومتبادر، مع أنه جاءت رواية بذلك كما في رواية أحمد من طريق أبي هريرة وإن كان إسنادها مضعفاً إلا أن مغزاها واضح، وذلك مما يتبادر إلى الذهن من أول الأمر. (1/274)
صفحة 275
ولا يقال بأن النبي صلى الله عليه وسلّم بتركه إياها وانصرافه إلى الذين يتخلفون عنها يكون بذلك تاركاً بنفسه لهذا الواجب لأن الواجب يترك لما هو أوجب منه، على أن النبي صلى الله عليه وسلّم بإمكانه أن يستدرك ذلك بأن يصلي بأولئك الذين ينطلقون معه إلى أولئك القوم جماعة.
وبالجملة فإن دلالة الحديث على وجوب الصلاة على الأعيان أي صلاة الجماعة دلالة واضحة لا غبار عليها، ويؤكد ذلك ما جاء في الروايات الأخرى من بين هذه الروايات حديث ابن أم مكتوم الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلّم وقال له: يا رسول الله إني ضرير البصر شاسع الدار وإن المدينة كثيرة الهوام كثيرة السباع أفتجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ فلما قال له النبي صلى الله عليه وسلّم نعم وهم بالانصراف ناداه صلى الله عليه وسلّم قال له: أتسمع النداء؟ قال: نعم أجب إذن. وفي رواية أجب إذن فإني لا أجد لك رخصة. والحديث جاء من رواية ابن أم مكتوم نفسه، وجاء من رواية أبي هريرة.
كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلّم لمن جاء مودعاً له لأجل السفر مع أخيه: إذا كنتما في سفر فأذنا وأقيما وليؤمكما أفضلكما. وفي رواية فليؤمكما أكبركما. والحديث في الصحيحين وهو دليل على أن صلاة الجماعة يؤمر بها حتى في المواقف الحرجة فالسفر مظنة المشقة ولذلك شرع فيه القصر لأجل ما فيه من المشقة. والسفر مظنة الخوف ولا سيما في الأوقات التي يتربص فيها المشركون بالمؤمنين الدوائر ويريدون الانقاض عليهم، ولكن مع هذا أُمر الرجلان أن يصليا جماعة في سفرهما. والأمر للوجوب ما لم تصرفه قرينة، وليست هنالك قرينة صارفة عن هذه الدلالة بل القرائن مؤكدة لها. (1/275)
صفحة 276
على أننا إن اعتبرنا أن قول الصحابة رضوان الله عليهم أولى بالاتباع من قول غيرهم لأنهم أقرب عهداً إلى رسول الله صلى الله عليه سلّم، وأدرى بالأحكام التي صدرت عنه عليه أفضل الصلاة والسلام، فإننا نجد فيما يقوله الصحابة ما يؤكد هذا الرأي إذ لم أجد قط عن أحد من الصحابة قولاً يخالف القول بأن صلاة الجماعة واجبة على الأعيان.
ما رأيت عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم قولاً يدل على أن صلاة الجماعة واجبة على الكفاية، أو أنها سنة مرغب فيها. بل كل أقوالهم تدل على أنهم يرون وجوبها وجوباً عينياً يلزم كل واحد بعينه.
ومن الدلائل التي تدل على ذلك ما أخرجه الجماعة إلا البخاري والترمذي من رواية ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هذه الصلوات الخمس حيث ينادى بهن يعني في المساجد فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد رأيت الرجل يهادى بين الرجلين من المرض حتى يقيماه في الصف.
ومعنى ذلك أنه قد انتشر في أواسط الصحابة رضوان الله عليهم أن من تخلف عن صلاة الجماعة فهو منافق، كانوا يعدون المتخلف عنها منافقاً معلوم النفاق، وبلغ بهم الحال أن أحدهم وهو مريض يتوكأ على رجلين يسيران به إلى المسجد حتى يقيماه في الصف وهو يميل ذات اليمين وذات الشمال. (1/276)
صفحة 277
ولئن كان المريض من الصحابة رضوان الله عليهم ما يتخلف عن صلاة الجماعة بل يحرص على حضورها ويرى أن هذا التخلف سمة النفاق. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلّم لم يعذر ابن أم مكتوم مع كونه شكا ما شكا، شكا أنه ضرير البصر وأنه شاسع الدار وأن المدينة كثيرة الهوام كثيرة السباع، فكيف بمن كان بخلاف ذلك. كيف بالمبصرين؟ وكيف بمن كانوا أقرب إلى المساجد وهم يسمعون النداء، وبإمكانهم التردد إلى المساجد في وضح النهار أو تحت أشعة الكهرباء في الليل، كيف يعذر هؤلاء عن حضور صلاة الجماعة؟
لا ريب أن صلاة الجماعة واجبة على الأعيان لأجل هذه الدلائل ولأجل دلائل غيرها أيضاً تؤكد هذا المعنى.
فلا ينبغي للإنسان بل لا يجوز له مع قيام هذه الحجة عليه أن يتشبث بأقوال الرجل بدلاً من أن يتعلق بالدليل، فإن التعلق بأقوال الرجال مع قيام الأدلة على خلاف ما ذهبوا يعتبر أمراً مخالفاً لنهج السلف الصالح.
وأولئك العلماء أنفسهم علمونا بأن نتشبث بالأدلة وأن نستمسك بها وأن تعرض أقوالهم على الأدلة فنحن لم نخالفهم بل وافقناهم، وبهذا علينا أن نتبع ما دل عليه الدليل، والله تعالى أعلم.
السؤال:
هل صلاة الجماعة المقصود منها تحقيقها بأي حال وعلى أي صورة، أم لا بد من أن تكون في مسجد الجماعة لأن البعض قد يصلي الجماعة بأولاده في البيت، فهل يصح له ذلك؟
الجواب: (1/277)
صفحة 278
أولاً قبل كل شيء علينا أن ندرك المغزى من مشروعية صلاة الجماعة، ما هو المغزى؟ إن دين الإسلام هو دين الفطرة، دين يدعو إلى الاجتماع والوحدة والتئام الكلمة ونظافة القلوب وحسن العلاقة وتمكين الصلة بين الناس، والناس بطبيعة الحال خلقوا أسوياء الفطرة ولذلك خلق كل أحد محتاجاً إلى الآخر، ولا يمكن لأحد أن يستغني عن الآخر، وهذه العلاقات التي بين الناس يجب أن تقوم على أساس العقيدة والصلة بالله سبحانه وتعالى، فلذلك شرع في دين الله ما شرع من أسباب الاجتماع ووحدة الصف واجتماع الكلمة ورأب الصدع ونظافة النفوس وطهارة القلوب، فقد شرع الله سبحانه وتعالى العبادة بطريقة جماعية ويشير إلى ذلك ما نردده في سورة الفاتحة وهو قوله سبحانه (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5)، فإن الله سبحانه علمنا هنا أن نوجه العبادة إلى الله التي هي صلة بين العابد وبين ربه سبحانه وتعالى، علمنا أن نوجهها إليه بطريقة جماعية لا بطريقة فردية إذ لم يعلمنا أن نقول إياك أعبد وإياك أستعين، وما ذلك إلا لأجل تذكير الناس بأن الدين يدعو إلى الوحدة والاجتماع وللقضاء على أسباب الفرقة والشقاق.
ولذلك كان هذا الذي يريده الله تبارك وتعالى منا منعكساً فيما أمر به من إقامة صلاة الجماعة فنجد أن صلاة الجماعة داعية إلى الوحدة والتآلف واستلال السخائم والقضاء على الأحقاد حيث يجتمع أهل الحي في المسجد الواحد، يجتمع القوي والضعيف والغني والفقير والرئيس والمرؤوس والصغير والكبير والأبيض والأسود ليصطفوا بين يدي الله تعالى على قدم المساواة منتظمة حركاتهم، يرددون ما يردده الإمام من كلمة الله أكبر والثناء على الله سبحانه وتعالى، ويتحركون وراءه متساوية أقدامهم، يقف هذا بجنب هذا لا فرق بين هذا وذاك، وفي هذا من تعليم النظام وتعليم أسباب الألفة والوحدة ما لا يخفى على اللبيب. (1/278)
صفحة 279
فلا ينبغي للمسلم أن يفرّط في هذا، بل لا يجوز له أن يفرط في ذلك لأن التفريط في ذلك إنما هو تفريط في الدين، وتفريط في أسباب قوة الأمة ووحدتها، وفي أسباب تآلفها واقتراب بعضها من بعض.
وما أحرى الإنسان أن يخرج بأولاده إلى المسجد ليعودهم الصلاة في المسجد وهم صغار حتى ينشأوا على ذلك عندما يكبرون، وذلك مما ينعكس أثره على الأولاد أن يروا كيف انتظام حركات المصلين وهم يركعون معاً وراء الإمام، ويرفعون معاً، ويخرون للسجود معاً، ويرفعون منه معاً، ويدخلون في الصلاة في وقت واحد عندما يكونون جميعاً وراء الإمام، ويخرجون منها جميعاً أيضاً، في هذا ما يدعو إلى تآلف القلوب ووحدة الصف.
فما للإنسان والإعراض عن ذلك بدعوى أنه يقيم الجماعة. نعم إن كان الإنسان في حالة عذر فله أن يصلي الجماعة بمن يجده من أهل بيته من أولاده حتى امرأته إن لم يتمكن من الذهاب إلى المسجد بسبب من الأسباب فإن ذلك مما يشرع، وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلّم ببعض الناس في البيوت كما وقع ذلك في حديث أنس وجدته التي صفت وراء رسول الله صلى الله عليه وسلّم ووراء أنس وفي هذا ما يدل على أن صلاة الجماعة قد تشرع في البيوت عندما يكون متعذراً على الإنسان أن يذهب إلى المسد، فلا مانع عندما تفوت صلاة الجماعة في المسجد أن يصلي بمن يجده في بيته، والله تعالى أعلم.
السؤال:
جماعة من التجار يتناوبون في أداء صلاة الجماعة حتى أنهم يصلون اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وذلك حتى لا تقفل محلاتهم فيأتي الرجل من ذلك المحل ليصلي مع آخر من هذا المحل وهكذا دواليك ويقوم التناوب على هذا الأساس، ومنهم من يصلي منفرداً حيث أنهم يصلون قصرا دون جمع. والمكان واحد المسجد ليس ببعيد، فما قول سماحتكم؟
الجواب: (1/279)
صفحة 280
يُؤمرون أن يذهبوا إلى المسجد ما داموا يسمعون النداء، ولا عذر لهم اللهم إلا إن كانت ضرورة لا محيص عنها. أما من أجل التجارة فالتجارة لا تستمر في جميع الأوقات، وينبغي في أوقات الصلوات أن تعطل التجارة من أجل الصلاة، والله تعالى أعلم.
السؤال:
امرأة مسنة تعاني من أمراض - شفاها الله تعالى منها - مثل القرحة الحادة في المعدة وأمراض الكبد والطحال منذ رمن بعيد وإذا صامت أكثر من ثلاثة أيام تأثر كثيراً وتتدهور صحتها ولا تقوى على الصيام وتضطر إلى أن تذهب إلى المستشفى. فهل يجب عليها الصيام وهي على هذه الحالة؟ وإذا كان لا يجب عليها الصيام فماذا يجب عليها إذا كان الإطعام يجزيها أن تطعم مسكيناً واحداً لكل يوم الأيام التي أفطرتها وما هو المقدار الذي يجب عليها إذا كان الإطعام نقوداً أو طعاما؟
الجواب:
إن كانت عاجزة عن الصيام بسبب أن الصيام يزيد في مرضها أو أنه يؤخر برئها أو أنها تصاب بإعياء شديد من جرائه بحيث لا تطيقه ففي هذه الأحوال جميعاً لها أن تأكل وتطعم عن كل يوم مسكيناً إن كانت هذه العلة مزمنة فيها. والإطعام على القول الراجح هو نصف صاع لأن حديث كعب بن عجرة دل على أن المسكين يُطعم نصف صاع، والله تعالى أعلم.
السؤال:
إذا لم يجب عليها الصيام فهل تصلي التراويح وصلاة السحر؟
الجواب:
ما المانع من ذلك، إنما هذا لأجل الشهر وليس هو لأجل الصيام.
السؤال:
ماذا على الإمام إذا صلى ثلاث ركعات اعتقاداً منه أنه صلى أربعا في صلاة العشاء ولم ينبهه المأمومون إلا بعد أن سلّم؟ وماذا عليه لو نبهه بعد أن جلس للتشهد؟
الجواب: (1/280)
صفحة 281
إن نبهوه بعد الجلوس للتشهد فعليه أن يتم الرابعة، وكذلك إن انتبه قبل السلام فعليه أن يتم الرابعة بل لو تنبه بعد السلام وقبل أن يأتي بما ينقض الصلاة فعليه أن يتم الرابعة وعليه أن يسجد لسهوه ولا حرج عليه في ذلك. أما إن أتى بما ينقض الصلاة في حال انصرافه من الصلاة ففي هذه الحالة عليه أن يعيد الصلاة من جديد وذلك عندما يكون متيقناً بأن ما قيل له صحيح، أما إن كان بخلاف ذلك فلا يلتفت إلى الشك بعد اليقين، والله تعالى أعلم.
السؤال:
رجل مصاب بشلل كامل ومتأثر من ذلك نفسياً ومعنوياً وأشيع عنه أنه طلق زوجته وصدقت الزوجة ولم تعتد عليه ولكن لم تحضر ذلك الطلاق ولم يخبرها أي أحد شهد الطلاق، فهل يحرمها ذلك من حق الميراث؟؟
الجواب:
الأصل أنها زوجته حتى تقوم البينة العادلة على أنها طلقت، وإن كانت طلقت طلاقاً رجعياً وماتت في أثناء العدة عدة الطلاق فإنها في هذه الحالة ترث أيضاً وتلزمها عدة الوفاة أي تنتقل من عدة الطلاق إلى عدة الوفاة، والله تعالى أعلم.
السؤال:
طالبة تدرس في كلية تبعد عن بيتها أكثر من أربعين كيلومتر فهل لها أن تقصر الصلاة؟
الجواب:
بل عليها أن تقصر لأن هذه هي السنة الثابتة عن رسول صلى الله عليه وسلّم، فالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام صلى الظهر بالمدينة أربعاً وصلى العصر في ذي الحليفة ركعتين لما بين ذي الحليفة والمدينة من مسافة القصر، فعليها أن تقصر الصلاة بل يجب عليها ذلك، والله تعالى أعلم.
السؤال:
في من يصوم في دولة تقدمت عنا بيوم ثم جاء إلى هنا وفي حال أننا صمنا ثلاثين يوما سيصوم هو واحد وثلاثين يوما؟
الجواب:
هذه المسألة اختلف فيها من العلماء من قال بأنه إن انتقل إلى دولة فعليه أن يصوم بصيام تلك الدولة أو انتقل إلى بلد فعليه أن يصوم بصيام ذلك البلد ولو زاد الصيام على ثلاثين يوما، وحجة هؤلاء قول النبي صلى الله عليه وسلّم: الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون. (1/281)
صفحة 282
ومنهم من قال بأن الصيام لا يزيد على ثلاثين يوماً، وعلى هذا فإن تيقن دخول الشهر بحيث قامت الحجة الشرعية بدخول الشهر في البلد الذي كان فيه وانتقل إلى بلد آخر وزاد صيام ذلك البلد عن ثلاثين يوماً باعتبار صيامه هو الذي بدأه في البلد الآخر فعليه أن يفطر بعد مجاوزة الثلاثين، وكلا القولين له وجه من النظر، والله تعالى أعلم.
السؤال:
هل يصح للحائض أن تقرأ القرآن الكريم عن ظهر قلب؟
الجواب:
منعت الحائض من القراءة قراءة القرآن إن كانت تنطق به، أما أن تكيفه في قلبها فغير ممنوع، أي لا يمنع تكييف القرآن بالقلب وإنما يمنع النطق به كما يمنع مس المصحف بالنسبة إليها.
السؤال:
إذا كانت الأم تزكي عنها وعن بناتها زكاة الذهب منذ أن كن صغاراً والبنات الآن كبرن وصارت كل واحدة منهن تتقاضى راتباً معيناً لكن الأم لا تزال تدفع زكاة الذهب عنهن، فما الحكم هل تُلزم البنات بالزكاة عن ذهبهن؟
الجواب:
إن كانت الأم تدفع الزكاة بموافقة البنات ورضاهن واتفاقهن على ذلك فذلك يسقط الزكاة عنهن وإلا فلا.
السؤال:
إذا اقترض إنسان من آخر مبلغاً من المال وقدره ألفين وسبعمائة ريال ولم يحدد دفعة معينة لاسترجاع هذا المبلغ وذلك الشخص أخذ يجمع المبلغ شيئا فشيئاً لمدة ثلاث سنوات حتى اكتمل فهل كان عليه أن يدفع الزكاة عن ذلك المال خلال تلك المدة، أم أن الزكاة تجب على صاحب المال الحقيقي؟
الجواب:
زكاة المدين الذي دينه غير محدد بأجل يسقط عنه مقدار ذلك الدين من الزكاة أي تسقط الزكاة بمقدار ذلك الدين إن كان الدين غير مؤجل أو كان مؤجلاً وحضرا أجله. وأما بالنسبة إلى الدائن فعليه أن يزكي الدين الحاضر أي الدين الذي لم يحدد بوقت أو الذي حدد وقته وحضر فهو عليه أن يزكيه إلا إن كانت الزكاة على غير وفي أو كانت الزكاة على غير ملي، ومعنى ذلك إن كان الدين على معسر أو كان الدين على مماطل فليس عليه أن يزكيه حتى يقبضه، والله تعالى أعلم.
السؤال: (1/282)
صفحة 283
ما حكم مشاهدة المسلسلات في نهار رمضان، وما نصيحتكم لمن يصرف وقته في مشاهدتها؟
الجواب:
نحن قبل كل شيء ندعو إخواننا المسلمين جميعاً إلى أن يحرصوا على الوقت فإن الوقت ثمين، الوقت فرصة الإنسان الذهبية التي إن فوّتها فاته الخير الكثير، وهو مما يسئل عنه يوم القيامة ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسئل عن خمس عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله ما أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم.
يسأل عن عمره فيما أفناه لأن العمر هو الموهبة الكبرى التي تترتب عليها المواهب الأخرى فكل نعمة من نعم الله سبحانه ينعمها على عبده تترتب على نعمة الحياة، لأن الحياة هي وعاء هذه النعم جميعا، فلذلك كانت المحافظة على هذه الحياة وجميع أجزائها جميع أوقاتها من واجب هذا الإنسان بحيث يصرف هذا الوقت فيما يرضي الله تبارك وتعالى من أنواع الطاعات وأنواع القربات ومنافع الإنسان في دينه ودنياه، يصرف الإنسان وقته في طلب العلم أو في مدارسة القرآن الكريم، أو في الأمر بالمعروف، أو في النهي عن المنكر، أو في الاستفادة مما ينفع من كسب حلال أو علم يرتقي به إلى الخير ولو كان علماً دنيوياً ولكن ينتفع به، لا أن يميت الوقت فيما لا يعود عليه بالمنفعة فإن ذلك مما يضر بالإنسان. (1/283)
صفحة 284
ولئن كان العمر كله نعمة كبرى من الله سبحانه وهو وعاء النعم الأخرى كما ذكرنا فإن الشباب في عمر الإنسان هو المرحلة الذهبية لما يتميز به من الفتوة والقوة والطموح، فلذلك كان حرياً بالإنسان وهو في شبابه أن يستغل فرصة الشباب لأنه يقوى فيه على ما لا يقوى عليه في غيره، يقوى في شبابه على إتيان كثير من الطاعات وفعل كثير من الخير مما لا يقوى عليه بعد فوات مرحلة الشباب، فلذلك كان يسئل عن شبابه سؤالاً خاصاً بجانب كونه يسئل عن عمره كله سؤالاً عاما، فلذلك كان حرياً بهذا الإنسان أن يستغل هذه الفرص، هذا من ناحية الوقت.
أما من ناحية الحكم فإن العبرة بما في هذه المسلسلات هل هذه المسلسلات فيها ما لا يحمد كرؤية المناظر الشائنة القبيحة وذلك بأن يرى النساء المتبرجات الكاسيات العاريات، أو يرى شيئاً مما لا يجوز النظر إليه، أو يسمع شيئاً مما لا يجوز له الإصغاء إليه فإن كان كذلك فإن ذلك مما يتنافى كل التنافي مع ما يطلب منه في رمضان وفي غيره.
على أن الصيام داعية التقوى فإن الله تبارك وتعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183)، ويقول في آخر آيات الصيام (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (البقرة: من الآية187)، والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. وفي حديث آخر: ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله. (1/284)
صفحة 285
ومعنى ذلك أنه لا بد من أن ينضبط الصائم في جميع تصرفاته وأعماله حتى تكون وفق شريعة الله سبحانه وتعالى فلا يستعمل العين إلا فيما يجوز النظر إليه، ولا يستعمل الأذن إلا فيما يجوز الإصغاء إليه، ولا يستعمل اليد إلا فيما يجوز تناوله أو دفعه أو البطش به، وكذلك لا يستعمل الرجل إلا في المشي الحلال، ولا يستعمل أي جارحة إلا فيما أباحه الله. أما أن يقضي سحابة نهاره وهو في ممارسة المحرمات فذلك مما يتنافى كل التنافي مع الصيام ومع حكمته ومع الغاية من مشروعيته، والله تعالى أعلم.
السؤال:
أعطى رجل مالاً لشركة من أجل المضاربة على من تجب الزكاة إذا كان على صاحب المال وهو قد قدم ذلك المال في رجب وهو يزكي في رمضان والشركة لا يمكن أن تخبره بالربح أو الخسارة إلا في ذي الحجة فكيف يزكي ذلك المال؟
الجواب:
من المفروض أن تكون هذه الشركة قائمة من أول الأمر على الأحكام الشرعية ومن بين هذه الأحكام تزكية هذا المال، من المفروض هكذا لأن المال المشترك فيه كالمال الواحد فهذا يدفع من عنده وذلك يدفع من عنده وباشتراك المجموعة في التجارة يكون حكم أموالهم كالمال الواحد، أما عندما تكون الشركة غير متقيدة بهذا ففي هذه الحالة على صاحب كل سهم أن يدفع الزكاة عن نصيبه عن حصته عندما يحين موعد زكاته، والله تعالى أعلم، وعليه في هذه الحالة أن يتحرى الربح بقدر مستطاعه.
السؤال:
كان المصلون في جماعة ولكن الإمام سها فسبح له عدد غير قليل حتى الصبيان مما دفع ذلك بعض كبار السن أن يناديهم فيقول لا ينبغي أن يتكلم كلكم، فهل تجب إعادة الصلاة على ذلك الرجل فقط أم على الصف بأكمله؟
الجواب:
ذلك الذي تكلم بما هو خارج مما يقال في الصلاة وخارج عن مصلحة الصلاة هو الذي عليه أن يعيد الصلاة أما غيره فلا ينطبق عليه هذا الحكم.
تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه
الأربعاء 21 من رمضان 1423 هـ، 27/ 11/2002م
الموضوع: ليلة القدر وأسئلة أخرى (1/285)
صفحة 286
السؤال (1 (
سماحة الشيخ هل يمكن لنا أن تبينوا لنا فضل ليلة القدر، ومتى يمكن للمسلم أن يتحراها؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الله سبحانه وتعالى يرفع درجات من يشاء، ويفضّل ما يشاء ما على ما يشاء، فهو يفضّل الناس بعضهم على بعض، ويفضّل الرسل الذين هم صفوة الناس وخاصتهم بعضهم على بعض كما نص على ذلك القرآن الكريم مع أنهم جميعاً مصطفون أخيار بلغوا من درجة الكمال البشري ما لم يبلغه غيرهم، وكذلك فضّل الله سبحانه وتعالى بعض الأمكنة على بعض كما هو واضح في تفضيل حرمه الآمن، وتفضيله أيضاً المكان الذي بارك حوله وهو المسجد الأقصى وما حوله وهذا مما دل عليه القرآن الكريم، كذلك فضّل الله بعض الأزمنة على بعض، وقد يكون المفَضل أيضاً على غيره منه ما هو أفضل من غيره.
فشهر رمضان كله شهر فضيل لأجل ما جعل الله سبحانه وتعالى فيه من البركة والخير كما ينبئ بذلك قوله سبحانه (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة: من الآية185)، فهو شهر فضيل من أجل هذه الميزة، ولكن هذه الليلة هي مفضلة على سائر ليالي الشهر ولذلك بلغت من الكمال - كمال الفضل وهو كمال المخلوقات بطبيعة الحال - ما لم تبلغه ليلة أخرى وما لم يبلغه زمان آخر، وناهيكم أن الله سبحانه وتعالى سماها ليلة القدر وسماها ليلة مباركة وقد قال (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) (الدخان: 3 - 5)، وتسميتها بليلة القدر يوحي بمكانتها وعظمتها فإن القدر هو الشأن فهي ليلة شأن عظيم وشأو جليل لا يعلم مداه إلا الله سبحانه وتعالى. (1/286)
صفحة 287
وقد أنزل الله سبحانه وتعالى سورة بأسرها تدل على فضلها وميزتها وشرفها وعلو شأنها يقول سبحانه (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) (سورة القدر).
فهذه الليلة ليلة بلغت من الفضل هذا القدر العظيم وذلك أنها جعلها الله سبحانه وتعالى خيراً من ألف شهر من الشهور التي ليست فيها ليلة قدر.
ومعنى هذا أن الإنسان عندما يعمل الصالحات في هذه الليلة ويجتهد بالتقرب إلى الله سبحانه وتعالى يكون قد أحرز من الفضل مثل ما يحرزه لو عمل ذلك في كل ليلة من ليالي ألف شهر، فهذا فضل عظيم لا يزهد فيه من عنده مثقال ذرة من عقل، ومن الذي يزهد في هذا الخير العظيم؟
هذه الليلة أخفاها الله سبحانه وتعالى في تضاعيف هذا الشهر الكريم كما أخفى الله سبحانه ساعة الإجابة من يوم الجمعة، وذلك من أجل أن يجتهد الناس في الدعاء في جميع الساعات يوم الجمعة، وكذلك أخفى الله سبحانه وتعالى كثيراً من الأشياء عن عباده لأجل أن يجتهد الناس، فالناس لا يدري أحدهم متى يموت، فساعة وفاة الإنسان لا يعلمها لأجل أن يكون الإنسان في كل لحظة من لحظات العمر متهيئاً للقاء الله موطناً نفسه للانتقال من هذه الدار الدنيا إلى الدار الآخرة، وكذلك قيام الساعة أمر لا يعلمه إلا الله.
فليلة القدر هي ليلة مجهولة هي إحدى ليالي الشهر الكريم، أخفيت من أجل هذه الحكمة حتى لا يتكل الناس عندما يعرفونها، بحيث يعملون الخير فيها وحدها ويدعون عمل الخير في سائر الشهر، فالناس مطالبون بأن يتسابقوا إلى الخير في هذا الشهر الكريم، وأن يضاعفوا جهودهم فيه أكثر مما كانوا يفعلون في غيره فلذلك أخفيت هذه الليلة. (1/287)
صفحة 288
والنبي صلى الله عليه وسلّم عُرفّها أُريها، ولكن خرج ليخبر بها أصحابه فتلاحى رجلان فرفعت أي رفع علمها عنه صلى الله عليه وسلّم فلذلك قال على أثر ذلك: فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر. فالناس مطالبون بأن يلتمسوها في العشر الأواخر لا سيما الليالي الأوتار وهي ليلة الحادي والعشرين وليلة الثالث والعشرين وليلة الخامس والعشرين وليلة السابع والعشرين وليلة التاسع والعشرين فعلى الإنسان أن يتحراها في هذه الليالي.
ولقد شاع عند عوام الناس وجهلتهم أن في هذه الليلة أشياء تبدو للناس فيتراءونها بحيث تنقلب الأمور رأساً على عقب، وقد تصور بعض العوام والجهلة أن الأشجار يظهر سيولها في هذه الليلة المباركة ويرى الناس ذلك، وكذلك تصوروا أن كثيراً من الأشياء تنقلب عن سننها المعهودة، وتصوروا أيضاً أن هذه الليلة عندما يكاشف الإنسان بها كل ما يريده أو يخطر على باله يتحقق له هذا كله ليس صحيحاً.
إنما فضل هذه الليلة بما ذكره الله سبحانه وتعالى مما أودعه فيها من البركة حتى كان قيامها بمثابة قيام ألف شهر من سائر الليالي، فلو كانت هنالك علامات ظاهرة كما يقولون لما خفيت تلكم العلامات عمن يقومون ليالي الشهر الكريم جميعاً، ولكن هذه إشاعات لا أساس لها من الصحة، وإنما فضل هذه الليلة بما ذكرناه. (1/288)
صفحة 289
ولربما ظهر لبعض الناس بعض الأشياء كظهور الأنوار بسبب كثرة الملائكة الذين يتنزلون فيها وهذا أمر لا يكاشف به كل أحد ولكن ربما يظهر ذلك لبعض الناس، وإنما على الإنسان أن يحرص على اكتساب خيرها بغض النظر عن هذه الأشياء كلها، وإنما عليه أن يحرص على اكتساب خيرها وذلك بأن يحيها بالتهجد وذكر الله تعالى واستغفاره والتبتل إليه سبحانه وتكرار الدعاء الذي علّمه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها عندما سألته ماذا تصنع عندما ترى هذه الليلة أو تصادف هذه الليلة فأمرها النبي صلى الله عليه وسلّم أن تقول: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني، فينبغي للإنسان ذلك.
والنبي صلى الله عليه وسلّم من أجل كون هذه الليلة هي إحدى الليالي التي تكون في العشر الأواخر من الشهر المبارك، لما كانت هذه إحدى الليالي العشر من الشهر المبارك كان يحرص صلى الله عليه وسلّم على مضاعفة جهده في التهجد في العشر الأواخر، كان يعتكف هذه العشر الأواخر، وكان إذا دخلت شد مئزره وأيقظ أهله وأحيى ليله، ومعنى شده مئزره أنه كان يشمر عن ساعد الجد في العمل لأن شد المئزر يكون عندما يقابل الإنسان عملاً شاقاً، ومنهم من حمل شده مئزره على معنى أنه كان يجتنب النساء ولا يواقع النساء بسبب إخلاده إلى الاعتكاف في هذه العشر. ومعنى إيقاظه أهله أنه كان يدعوهم إلى التهجد يأمرهم ألا يناموا إلا بقدر ما يضطرون إلى النوم، وإنما يدعوهم إلى أن يتهجدوا لأجل أن يشاركوا في الخير لينالوا من ربحه العظيم.
ومعنى كونه صلى الله عليه وسلّم يحي ليله أنه يقضي ليله تهجداً بحيث يطوي فراشه في هذه الليالي العشر حرصاً على اكتساب هذا الخير العظيم، فهكذا ينبغي للناس. (1/289)
صفحة 290
وحقيقة الأمر الناس اختلفوا كثيراً في ليلة القدر على نحو أربعة وأربعين قولاً، وهذه الأقوال كثير منها لا دليل عليه، منهم من قال بأنها ليست من ليالي شهر رمضان رأساً وإنما هي ليلة في سائر ليالي العام، وهذا قول بعيد عن الصواب لأن الله تعالى قال (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (القدر:1)، وفي نفس الوقت قال (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة: من الآية185)، ولكن الذين ذهبوا إلى هذا الرأي قالوا إن معنى نزول القرآن الكريم في هذا الشهر الكريم أي نزول بيان فضل هذا الشهر وميزته ومكانته، وهذا قول بعيد عن التحقيق.
ومنهم من قال بأنها في العشر الأولى، منهم من قال هي الليلة الأولى، ومنهم من قال الثانية ومنهم من قال الثالثة وهكذا، ومنهم من قال في الوسط منهم من قال ليلة السابع عشر ومنهم من قال ليلة السادس عشر وهكذا، وهذه الأقوال لا تتفق مع ما دل عليه الحديث الصحيح إذ أخبر النبي صلى الله عليه وسلّم بأنها إحدى ليالي العشر الأواخر، والله تعالى أعلم.
السؤال (2 (
سماحة الشيخ أنتم ذكرتم أن بعض الناس ربما يكاشفون برؤية أنوار معينة تدل على أنهم صادفوا تلك الليلة، فهل معنى هذا أنه من قام تلك الليلة ولم ير تلك الأنوار ولم يكاشف بها أنه لا يعد مصادفاً؟
الجواب:
بل هو مصادف مهما كان الأمر، لا يعني هذا أنه غير محرز لفضل ليلة القدر، لا عبرة بما يراه الإنسان وإنما العبرة بحال الإنسان، العبرة بإخلاصه وبعمله.
السؤال (3)
هل هناك شروط يجب أن تكون في الشخص حتى يكون مؤهلاً لرؤية ليلة القدر؟
الجواب:
ليلة القدر لا تحتاج إلى رؤية إنما ليلة القدر يعيشها الإنسان فإذا كان الإنسان متقيا لربه سبحانه وتعالى قائماً ليله داعياً الله تعالى حريصاً على طاعته فهذا أحرز فضل ليلة القدر وناله. (1/290)
صفحة 291
وأي عمل خير يعمله الإنسان في هذه الليلة المباركة حتى أن من صلى العشاء والغداة في جماعة في هذه الليلة المباركة يكون ذلك من الفضل العظيم الذي يكتب له لأن الأجر كما قلنا يضاعف أكثر مما يضاعف في غيرها حتى يكون الفضل مثل قيام ألف شهر من غير الشهور التي فيها ليلة القدر أي من غير شهر رمضان.
السؤال (4)
لكن بعض الناس يعتبرون ليلة القدر ضرباً من الحظوظ تصيب بعض الناس من غير جهد ولا عمل فإذا وجدوا إنساناً مثلاً قد تحققت له خيرات كثيرة أو وجدوا إنساناً قد طال عمره يقولون هذا إنسان قام في ليلة القدر أو صادف ليلة القدر.
الجواب:
هذا من كلام العوام، ولا عبرة بكلام العوام، إنما فضل ليلة القدر بما يحرزه الإنسان فيها من عمل الخير.
السؤال (5)
هل يمكن أن تحصروا هذه الليلة (ليلة القدر) في أقرب ليلتين يمكن للإنسان أن يتحراهما، وهل هناك دلالات معينة؟
الجواب:
حقيقة الأمر ليلة القدر كما فهمنا من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم هي إحدى الليالي الأوتار في العشر الأواخر من شهر رمضان لأنه صلى الله عليه وسلّم قال: التمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر. فالعشر الأواخر هي مظنة ليلة القدر ولا سيما الأوتار منها (والتمسوها في كل وتر (
واختلف العلماء كثيراً هل هي ليلة الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين أو الخامس والعشرين أو السابع والعشرين وهو الذي شاع عند كثير من الناس حتى صاروا كأنهم يقطعون بأنها ليلة القدر أو ليلة التاسع والعشرين. (1/291)
صفحة 292
ولم نجد دليلاً يمكن أن يعول عليه في ترجيح كونها إحدى هذه الليالي إلا ما جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلّم رأى أنه في غدوتها يسجد على ماء وطين، ولما كانت ليلة الحادي والعشرين نزلت السماء فوكف مسجده صلى الله عليه وسلّم يعني نزل ماء الغيث من سقف مسجده صلى الله عليه وسلّم إلى الأرض فسجد النبي صلى الله عليه وسلّم على الماء والطين، وأبصر بعض الصحابة رضوان الله عليهم أثر الماء والطين على جبهة النبي صلى الله عليه وسلّم وأنفه، فهذا ربما يترجح به أن هذه الليلة هي ليلة الحادي والعشرين، هذا من باب الظن فقط لا يعدو أن يكون ذلك ظنا، مع احتمال أن تكون هذه الليلة تنتقل ما بين عام وعام آخر بحيث تكون في هذا العام ليلة الحادي والعشرين - وهذا قول قاله كثير من العلماء - وفي العام الآخر ليلة الثالث والعشرين هذا أمر محتمل وليس ذلك ببعيد، والله تعالى أعلم.
السؤال (6)
أنا زوجة رجل لا يعرف للصلاة طريقاً، وأنا امرأة متدينة والحمد لله، وعندما أذهب للصلاة يجلس يضحك عليّ وإذا كلمته أن يقوم للصلاة يصرخ في وجهي ويقول يكفي أنك أنت تصلين، وحاولت معه بدون فائدة، والآن جاء الشهر الفضيل وهو على هذه الحال طوال اليوم وهو نائم فقط يقوم للتلفاز والأكل حتى إنني أصبحت أكره العيش معه وأفكر أن أتركه وأذهب إلى بيت أهلي وأنا معي أطفال أربعة وأفكر كيف أذهب فما هو الحل؟
الجواب:
بئس الرجل هذا الرجل، ونحن نأسف كثيراً أن كثيراً من الناس لا يبالون بمصير بناتهم إذ يربطون مصيرهن بمصير وحوش من الرجال لا أخلاق لهم ولا دين ولا يعدّون في شيء من صفات الإنسانية قط وإنما هم أشبه بالسباع المفترسة. (1/292)
صفحة 293
والمرأة كيف تطمئن أن تضاجع رجلاً هو أشبه بالثعبان، لعله ثعبان من ثعابين جهنم والعياذ بالله، فمن لا يصلي لا قيمة له ولا قدر له ولا حظ له في الإسلام لأن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر.
ومن ترك الصلاة تهاوناً بها من غير أن يجحدها فهو كافر كفر نعمة، وأما من تركها إنكاراً لها أو استخفافاً بقدرها كما تذكر هذه المرأة فهو كافر كفر شرك، ومعنى ذلك أنه خارج من ملة الإسلام لأن من استهزأ بالصلاة فقد استهزأ بأعظم ركن من أركان الدين العملية، والمستهزئ بالدين هو خارج من ملة الإسلام هو مرتد عن الإسلام والعياذ بالله. وفي هذه الحالة لا يجوز للمرأة المسلمة أن تبقى معه. فعليها أن تخرج من عنده ما دام بهذه الحالة وألا تعود إليه اللهم إلا إذا غيّر حالته مما هو عليه إلى حالة مناقضة لها.
وأما قضية الأولاد فإنها هي أولى بأولادها فما دام هو بهذه الحالة لا يؤتمن على الأولاد، ولا يكون حرياً بان يربيهم والأصل أنهم على فطرتهم الإسلام، وأمهم المسلمة أولى أن تقوم بتربيتهم، بل حتى لو تزوجت هي بما أنه ليس من فطرة الإسلام في شيء حيث ترك الصلاة استهزاءً واستخفافاً بها فإنه لا يكون حقيقاً بأن يربي الأولاد، هي أولى بهم ولو تزوجت، أما لو كان رجلاً مسلماً متمسكاً بإسلامه و تزوجت المرأة ففي زواجها تسقط حضانتها بسبب الزواج ويكون هو أولى بالأولاد وإنما لها حق الزيارة لا بد من أن تعطى هذا الحق، أما إن كانت لم تتزوج فهي أولى بحضانة الأولاد لقول النبي صلى الله عليه وسلّم للمرأة التي خاصمت مطلقها في ولدهما: أنت أحق به ما لم تنكحي. والله تعالى أعلم.
السؤال (7)
صلاة العيد بالنسبة للمرأة هل هي سنة مؤكدة؟
الجواب: (1/293)
صفحة 294
هي سنة، النبي صلى الله عليه وسلّم أمر أن تخرج النساء العواتق حتى المرأة الحائض أمرها أن تخرج لتشهد صلاة العيد وتعتزل المصلى ما دامت حائضاً، وأمر من لم تكن تملك جلباباً أن تستعير جلباباً من أختها لتشارك المسلمين في هذه الفرحة.
السؤال (8)
عاهدت الله سبحانه وتعالى على عدم فعل فاحشة من الفواحش ولكنني في كل مرة أنسى وأقوم بفعل تلك المعصية وسرعان ما أندم على فعلها فأتوب إلى الله سبحانه وتعالى وأصلي ركعتين صلاة التوبة وأجدد عهدي مع الله تعالى على عدم فعل تلك المعصية بعد فراغي من صلاة التوبة، ولكن لضعف إيماني ومع مرور الأيام أقوم بفعل تلك المعصية وأجدد التوبة والعهد مع الله تعالى مرة ثانية وثالثة ومرات عديدة لا يعلمها إلا هو.
ماذا يلزمني فعله نتيجة عدم الوفاء بعهدي في كل مرة وبعد أن منّ الله علي واستطعت البعد عن تلك الفواحش تبت إلى الله توبة نصوحاً فإن كان عليّ كفارة هل هي مرسلة أم مغلظة؟ وما مقدار هذه الكفارة إذا أردت أن أطعم بإخراج أرز مثلاً؟
الجواب:
نأسف أن يجرؤ أحد على أن يعاهد الله ثم ينثني في هذا العهد الذي عاهده ربه سبحانه وتعالى، هذا مما يؤسف له كثيراً لأن عهد الله تعالى مسئول. (1/294)
صفحة 295
والعلماء اختلفوا في ما إذا قال الإنسان عاهدت ربي أن أفعل كذا فنكث في عهده هل تكفيه كفارة مرسلة؟ هذا قول طائفة من أهل العلم قالوا تكفيه كفارة مرسلة هو الذي ذهب إليه العلامة ابن بركة من علماءنا في القرن الرابع الهجري، وقال به الإمام نور الدين السالمي رحمه الله أيضاً من علمائنا في القرن الرابع عشر الهجري، وهذا القول يتأيد بأن المنصوص عليه في كفارات الأيمان وللعهد حكم اليمين هو الكفارة المرسلة وهي التي جاءت في قول الله تبارك وتعالى (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) (المائدة: من الآية89)، معنى هذا أن الإنسان مخير بين أن يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم أو يحرر رقبة فإن عجز عن كل ذلك ولم يكن قادراً على شيء من ذلك فهو في هذه الحالة ينتقل إلى صيام ثلاثة أيام.
ومن العلماء من قال بأن هذه الكفارة كفارة مغلظة، ولربما قاس هؤلاء هذا القول على الظهار لأن الظهار افتراء كذب على الله فجعلوا هذا كافتراء الكذب على الله سبحانه وتعالى وأعطوه حكمه.
ذهب بعض العلماء إلى أن الكفارة تكون كفارة مغلظة ولكن لم يقولوا بأن هذه الكفارة تجب كما تجب في الظهار بحيث يكون الانتقال من أمر إلى آخر، وإنما قالوا هي إما عتق رقبة، وإما صوم شهين متتابعين وإما إطعام ستين مسكينا.
وإطعام المسكين إنما هو أن يطعم نصف صاع هذا هو القول الراجح. اختلف العلماء في ما يعطى للمسكين ولكن حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه عندما أمره النبي صلى الله عليه وسلّم أن يفتدي بإطعام مساكين بسبب حلفه أو أن ينسك بشاة أو أن يصوم أمره بأن يطعم لكل مسكين نصف صاع فلذلك نأخذ بهذا، والله تعالى أعلم.
السؤال (9) (1/295)
صفحة 296
إحدى الأخوات تقول أنها ترى في نومها كوابيس مخيفة وفي كل مرة تقوم مرعبة خائفة تردد بعض الآيات وهي رأت ذلك ثلاث مرات وتريد حلاً؟
الجواب:
نسال الله لها العافية والسلامة وزوال البأساء والضراء ودفع كل ما تكره.
ونوصيها عندما تحاول أن تأتي الفراش للنوم أن تنام على طهر إذا كانت متمكنة من التطهر في غير أوقات الحيض طبعا إذ في أوقات الحيض لا يمكن أن تنام إلا على حدث، ولكن نوصيها بأن تنام وهي متطهرة في غير أوقات الحيض بحيث لا تنام على جنابة ولا تنام إلا متوضئة ثم تتلو ما تيسر من كتاب الله وينبغي أن تقرأ الفاتحة الشريفة وأن تقرأ آية الكرسي وأن تقرأ الإخلاص وأن تقرأ المعوذتين وأن تنفث في يديها ثم تمسح بعد على جسدها كله وهي تقول عند المسح أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعذابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فإن هذا دعاء علمه رسول صلى الله عليه وسلّم عبدالله بن عمرو بن العاص عندما كان يشكو عندما يأتي إلى فراشه لينام أنه تزعجه أحلام فأمره النبي صلى الله عليه وسلّم أن يتلو هذا الدعاء.
ولئن كانت هذه المرأة في حالة حيض فإنها تقتصر على هذا الدعاء، على أنه رخص بعض العلماء إن كانت تخاف أن تتلو بعض القرآن ما يسكن روعها ولو كان ذلك في حالة الحيض، والله تعالى أعلم.
السؤال (10)
هل يجوز للرجل أن يعطي زكاة الفطر لأولاده البالغين المستقلين عنه بمسكن آخر؟
الجواب:
إن كانوا فقراء أدقعهم الفقر بحيث أنهم بحاجة إلى هذه الزكاة وهم مستقلون عنه لا يتولى هو إطعامهم فلا مانع من أن يعطيها لهم.
السؤال (11)
بالنسبة للشغالة التي تعمل في البيت هل يلزم الإنسان المسلم أن يخرج عنها الزكاة؟
الجواب:
لا وإنما تخرجها عن نفسها إلا إذا أراد أن يتبرع عنها مع إخبارها لأنها ليست ممن يعولهم عولاً واجباً عليه شرعا.
السؤال (12)
هل تلزم الزوجة العاملة أن تدفع زكاة الفطر لزوجها العاطل عن العمل؟
الجواب: (1/296)
صفحة 297
أما كونها تلزم فإنها لا تلزم، ولكن يجوز لها أن تدفعها إليه إن كان مضطراً ولا يجد ما يحتاج إليه في ذلك اليوم.
السؤال (13)
امرأة في اليوم الأخير من الدورة الشهرية طهرت ولم تغتسل من الحيض وباشرها زوجها من غير حائل وأولج، فما حكم ذلك؟
الجواب:
بئس ما فعلا لأن الله تبارك وتعالى قال (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) (البقرة: من الآية222) فجمع بين الطهر والتطهر، والطهر إنما هو الطهر الطبيعي والتطهر إنما هو التطهر بالماء أي الاغتسال المشروع لها (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) (البقرة: من الآية222)، الله سبحانه وتعالى أمر بإتيانهن بعد تطهرهن لا قبل تطهرهن فعليهما أن يستغفرا الله تعالى مما وقعا فيه.
السؤال (14 (
أرجو توضيحا في المسألة التي طرحتها عليكم في الحلقة الماضية فيما يخص وقت صلاة العشاء هل يعتد بعلم الفلك في رؤية غروب الشفق الأحمر أم يكتفى برؤية العين؟ وما هي شروط الرؤية بالعين المجردة؟ وإذا لم يعتد المسئولون بما يقوله الفلك من أن الشفق يختلف حسب القرب والبعد عن خط الاستواء وحسب اختلاف الفصول أيضاً فما العمل حينئذ هل نصلي العشاء في بيوتنا في جماعات أم يجوز أن نصلي ولو كان وقت العشاء لم يدخل بعد؟
الجواب:
أولاً قبل كل شيء الأصل في هذا إن كان من الممكن أن تكون الرؤية بالعين الاعتماد على رؤية العين لأن الأمور الشرعية تُعبد بها جميع الناس جهلتهم وعلماؤهم وأذكياءهم وأغبياءهم وصغارهم وكبارهم ونساءهم ورجالهم، وليس بإمكان هؤلاء جميعاً أن يكونوا ملمين بعلم الفلك فإن الإلمام بعلم الفلك له قوم مختصون به درسوا الفلك، والتعبد إنما يكون بالأمور التي يشترك فيها الناس جميعاً. (1/297)
صفحة 298
نحن نجد كيف أن الله تبارك وتعالى ناط أحكام الصلاة وغيرها من الأمور بأشياء معلومة فقد قال سبحانه وتعالى (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) (البقرة: من الآية187)، وكذلك قال (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ) (الروم: 17 - 18)، وقال عزوجل (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (الاسراء:78).
ناط أمر الصلاة وأمر الصيام وغيرها من الأمور بأمور معروفة عند الكل فلا ينبغي أن يشدد على الناس بحيث يقال لهم جميعاً بأنه من الواجب عليهم أن يعرفوا الفلك وأن يرجعوا إلى الفلك لأن أمر الفلك أمر لا يعرفه إلا خاصة متخصصون فيه، نعم إن كان ذلك أمراً متعذراً بحيث يستحيل أن يرى الشفق بالعين المجردة بسبب الغيوم الدائمة التي تحول دون إدراك الشفق ففي هذا الحالة يرجع إلى الفلكيين ويكون قولهم حجة على غيرهم.
ولا ينبغي للناس أن ينفصلوا عن الجماعة وأن يعتزلوا الجماعة لأن في اعتزال الجماعة فرقة وتشتتاً، فإن أمكنهم أن يقنعوا الجماعة بما ثبت عندهم وعرفوه ووضحت حجته لهم فذلك خير، وإن تعذر عليهم ذلك فليحضروا عندهم الصلاة، ثم بعد ذلك ليصلوا الصلاة في وقتها إن كانوا متيقنين بأن الصلاة صليت قبل وقتها، والله تعالى أعلم.
تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه
حلقة 23 رمضان 1423 هـ، 29/ 11/2002 م
الموضوع: عام
السؤال:
قرية تبعد عن مسجد تقام فيه صلاة الجمعة مسافة 13 كيلومتر، هل الواجب عليهم الصلاة الذهاب إلى صلاة الجمعة، أم أنها لا تلزمهم؟
الجواب: (1/298)
صفحة 299
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن تلبية الداعي إلى الحق سبحانه وتعالى من خلال نداء الجمعة أمر واجب بنص الكتاب العزيز وبنصوص أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلّم ومن خلال إجماع الأمة، فإن الله تبارك وتعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (الجمعة: 9)، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين.
وجاء في حديث آخر عنه صلى الله عليه وسلّم: من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه. إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة.
ونجد علماء السلف كانوا حراصاً على تلبية الداعي يوم الجمعة فنجد في المأثور عن صحار بن العباس العبدي رضي الله تعالى عنه أنه كان يسعى إلى الجمعة بالبصرة من مسافة طويلة فقد كان يسعى إليها بعد أن يصلي الفجر ويصل إليها ثم يقفل راجعاً إلى أهله ولا يصل إلى أهله إلا عند المغرب.
وقد قال الإمام أبو سفيان محبوب بن الرحيل رحمه الله كتب أهل عمان إلى أبي الشعثاء جابر بن زيد يستفتونه عن صلاة الجمعة هل يلزم السعي إليها من لم يسمع ندائها؟ فأجاب لو لم يسع إليها إلا من سمع ندائها لقل الساعون إليها، بل يسعى إليها من فرسخين وثلاثة. (1/299)
صفحة 300
وكذلك ذكر الإمام أبو سفيان عن الإمام أبي مودود حاجب بن مودود الطائي رحمه الله ورضي عنه أنه كان في سجن الحجاج بالبصرة وكان ينوي حج بيت الله المحرم فلم يطلق سراحه الحجاج إلا بعد أن ضاق الوقت بحيث لم يبق عن دخول رؤية هلال ذي الحجة إلا ثمانية أيام فلما أطلق سراحه أخذ زاده وراحلته والتحق برفقة إلى الحج فتذكر أن اليوم يوم جمعة فقال: إن في نفسي من الجمعة لحاجة.
فقالوا له: يا حاجب بيننا وبين الموسم ثمانية وأنت تنتظر الجمعة. فقال: إنني لأجد في نفسي من الجمعة حاجة. فتأخر عنهم وتقدمت الرفقة، ثم ركب على أثرهم ولحق بهم بعد يومين في مكان يسمى لحيب. وهذا مما يدل على حرص السلف رحمهم الله ورضي عنهم على تلبية داعي الله سبحانه وتعالى وعدم التردد في السعي إلى الجمعة. فالسعي إلى الجمعة فيه خير كثير.
وإن كان هذا الشخص في هذا المكان يقصر الصلاة بحيث لم يوطن الحوزة ففي هذا ترخيص من أهل العلم نظراً إلى كونه مسافرا بأن لا يلزمه السعي، وإن كان في السعي خير كثير.
أما إن كان غير قاصر للصلاة في ذلك المكان بحيث هو داخل في الحوزة التي يتم فيها الصلاة، أو ليس بينه وبين الحوزة التي يتم فيها الصلاة مقدار مسافة القصر فعليه أن يسعى إلى الجمعة، لأن الجمعة تلزم من كان مقيماً حيث لا يقصر الصلاة، والله تعالى أعلم.
السؤال:
شاب لديه المقدرة الكافية لقراءة الكتب الفقهية وللتفقه فيها ولديه ذاكرة جيدة للحفظ ويريد أن يقرأ في كتب أهل الحق والإستقامة في كتب المذهب، ويريد منكم أن ترشده إلى الطريقة التي يتمكن بها من ذلك؟
الجواب: (1/300)
صفحة 301
يبتدئ في القراءة بالأهم قبل المهم، بحيث يبتدئ بالمختصرات قبل أن يقرأ المطولات فيقرأ مثلاً كتاب الوضع وحاشيته، وكتاب القواعد وكذلك حاشية القواعد إن وجدت عنده، ويقرأ كتاب الإيضاح وجامع أبي الحسن وجامع أبي محمد، ثم يتدرج بعد ذلك إلى الموسوعات بحيث يقرأ مثلاً شرح النيل وكتاب التاج وغيرها من الكتب الموسعة ففي ذلك خير كثير إن شاء الله. هذا بالنسبة إلى الفقه أما بالنسبة إلى الأصول فإنه يتدرج أيضا من المختصرات إلى المطولات وهكذا وكذلك كتب العقيدة، والله تعالى أعلم.
السؤال:
هل على الجمعيات الأهلية زكاة؟
الجواب:
نعم، إن كانت هذه الجمعية خاصة بحيث لم تكن وقفاً عاماً ينتفع منه الكل فهي ملك خاص ولما كانت ملكاً خاصاً ففيه الزكاة.
السؤال:
الجمعيات هذه التي أصبحت معروفة لدى الناس التي تستمر مثلاً لعشر سنوات أو أقل يشترك فيها مئة أو مئتان فيحصل الواحد على دوره بعد سنة أو سنتين فيستلم مبلغاً طيباً، فهل فيه زكاة؟
الجواب:
أما ما كان في صندوق الجمعية مشتركاً ما بين الجميع بحيث لم يسلم إلى شخص بعينه فزكاته إنما هي على الجميع لأنه لم ينتقل بالملك إلى شخص معين بحيث كان ملكاً له وحده وإنما هو ملك للكل فإذاً من نفس الصندوق تكون تزكيته.
أما ما دفع إلى شخص معين فهذا الذي دفع إليه إن ظل عنده إلى أن حال عليه الحول أو ظل عنده إلى الوقت الذي يؤدي فيه زكاة جنسه أي زكاة نقده، وكان عنده من النقد ما تجب فيه الزكاة، أي عنده الأصل الذي يرد إليه هذه الزيادة التي يعبر عنها الفقهاء بالفائدة ففي هذه الحالة تجب عليه الزكاة. أما إن استهلكه قبل أن يحول عليه الحول وقبل أن يحول عليه حول زكاته أي الميقات الذي يزكي فيه ففي هذه الحالة لا تكون عليه الزكاة لأنه قد استهلكه. (1/301)
صفحة 302
أما بالنسبة إلى الآخرين فإنهم في هذه الحالة تسقط عنهم الزكاة لأن هذا بمثابة الدين الذي لم يحضر أجله، والدين الذي لم يحضر أجله فإن زكاته لا تكون على الدائن إنما تكون على المدين إن كان موسراً.
أما عندما يحضر وقته ويتمكن الدائن من استرداده ففي ذلك الوقت تكون زكاته على الدائن، ومعنى هذا أن القسط الذي حضر وقته فزكاته على الجميع إن كان هذا القسط الذي حضر وقته على وفيّ مليّ أي على شخص من عادته الوفاء لا يماطل في أداء ما عليه، وفي نفس الوقت مليّ أي واجد عنده ما يقضي به دينه، والله تعالى أعلم.
السؤال:
لكن هذا الصندوق لا تبقى فيه الأموال فهي بعد كل شهر تصرف إلى واحد منهم.
الجواب:
فلما كان كذلك فالجواب كما قلنا، هذا الذي صرف إليه المبلغ إن ظل ذلك المبلغ في يده فعليه زكاته لأنه صار ملكاً له، أما إن لم يبق في يده بحيث استهلكه فلا زكاة عليه، ليست هنالك عين تزكى.
السؤال:
هل يجوز للمسلم أن يجمع السباحة والوضوء؟
الجواب:
لعل المقصود بالسباحة الاغتسال الاستحمام، لا أدري ما الذي يعني بسؤاله هذا؟
هل يعني بسؤاله هذا أن نفس السباحة نظراً إلى كونها تعم الجسد بالماء تكفيه عن الوضوء، وكذلك الاغتسال نظراً إلى كونه يعم الجسد بالماء يكفيه عن الوضوء؟ أو قصده أنه يجمع ما بين الأمرين بمعنى أنه يستحم وهو في حالة غير ساترة؟
فعلى الأول أي على تقدير أن مراده بأن نفس الاغتسال أو نفس السباحة بالماء نفس تعميم الجسد بالماء يكفي عن الوضوء؟ فالجواب لا، أي لا بد من أن يتوضأ ولو عمّم جسده بالماء، وأتى على جوارح الجسم جميعها، فإن ذلك لا يكفيه عن الوضوء، إذ الوضوء عبادة مقصودة لا بد لها من نية، وفي نفس الوقت هذه العبادة لا يكفي عنها غيرها. (1/302)
صفحة 303
هذا إن كان هذا الاغتسال ليس اغتسالاً رافعاً من الحدث. أما إن كان اغتسالاً رافعاً من الحدث كأن يكون غسلاً من الجنابة مثلاً ففي ذلك خلاف بين أهل العلم. من أهل العلم من قال بأنه يكفيه الغسل من الجنابة عن الوضوء ذلك لأن الله تبارك وتعالى خاطب عباده خطابين، خطاب غير الجنب بقول عز من قائل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (المائدة: من الآية6)، وخاطب من كان جنباً بقوله (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (المائدة: من الآية6).
فهناك خطابان خطاب وُجّه إلى غير ذوي الجنابة هؤلاء خوطبوا بالوضوء، وخطاب خوطب به من كان على جنابة وهو خطاب التطهر ومعنى ذلك الاغتسال من الجنابة المفروض.
هذا ما ذهب إليه طائفة من أهل العلم، وتعقب ابن بركة هذا بأن الخطاب الأول إنما هو خطاب شامل للجميع، شامل لمن كان على جنابة ومن لم يكن على جنابة، ولا معنى لتخصيصه بمن كان على غير جنابة.
وأما الخطاب الأخير فهو خطاب خاص لمن كان جنباً مع مراعاة الخطاب الخاص الأول أي يجتمع على الجنب فرضان فرض الغسل وفرض الوضوء معا.
وقد قال الإمام السالمي رحمه الله بأن هذا التوجيه الذي وجهه ابن بركة توجيه حسن لولا ما جاء في الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يغتسل ولا يحدث بعد غسله وضوءا. وهذا أيضاً فيه نظر ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يتوضأ قبل الغسل وإنما كان تارة يقدم غسل الرجلين قبل اغتساله وتارة يؤخر غسل الرجلين إلى ما بعد اغتساله، فقد كان يتوضأ وكان يجمع ما بين الطهارتين. فإذاً قول من قال بأنه لا بد من الجمع بين الطهارتين ولو كان الغسل غسلاً رافعاً للحدث هو القول الراجح الذي نعتمد عليه، والله تعالى أعلم. (1/303)
صفحة 304
أما إذا كان المراد بأنه حال اغتساله أو حال سباحته في مكان ما، وهو على غير ستر يتوضأ، فالجواب لا يخلو ذلك إما أن يكون في مكان لا يراه فيه أحد من الناس، أو في مكان يمكن أن يرى فيه؟ فإن كان في مكان ساتر أو إنما كان على غير ثياب أي كان عرياً ولكن المكان مكان ساتر ففي هذا الحالة وضوءه صحيح ويكره له ذلك أي يكره له أن يتوضأ وهو بهذه الحالة.
وإن كان في مكان غير ساتر أي إنه يمكن أن يرى ففي هذه الحالة هو معرض نفسه لأن ترى عورته وبسبب هذا التعريض هو واقع في الإثم، والوضوء هو قربة وطاعة وعبادة، والعبادة تنافي المعصية، وقد جمع بين الإتيان بهذه العبادة وبين المعصية فوضوءه غير صحيح، والله تعالى أعلم.
السؤال:
ما حكم من وجبت عليه الزكاة مليونين فأخرج مليوناً وترك الآخر في متجره ليستخدمه ثم أخرجه في آخر السنة؟ وكيف يتنصل؟
الجواب:
ما معنى وجوب زكاة مليونين وإخراجه مليوناً، فإن الزكاة إنما هي ربع العشر في النقود وما في حكم النقود، إلا إذا كانت الزكاة نفسها هي بمقدار مليونين، أي لم يكن ما يملكه مليونين وحدهما بل هو مبلغ كبير بمقدار ثمانين مليوناً، فنعم زكاة ثمانين مليوناً هي قدر مليونين لأن زكاة النقود تجب بمقدار الواحد من الأربعين، فإن كان على حسب الذي تبين لي أخيراً فإنه في هذه الحالة إن أخرج الشطر من الزكاة الواجبة عليه وأخر الشطر الثاني واستخدمه في هذه الحالة عليه أن يدفع ذلك الشطر، وإن أخره إلى مضي عام ثان فعليه أن يخرج زكاته لذلك العام ويخرج زكاته مع ما ربحه منه في العام الثاني ومع ما ربحه من غيره، والله تعالى أعلم.
السؤال:
امرأة احتلمت في نهار رمضان وأحست بالرطوبة بعد قيامها من النوم ولكنها لم تبادر إلى الاغتسال فماذا عليها؟
الجواب: (1/304)
صفحة 305
اختلف العلماء في وجوب الغسل على المرأة إن احتلمت والقول الراجح الصحيح ما دل عليه حديث أم سليم رضي الله تعالى عنها وهو أنه يجب عليها ما يجب على الرجل من الغسل، فقد جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلّم وقالت له: يا رسول الله برح الخفاء ترى المرأة ما يرى الرجل فهل عليها من غسل؟ قال: نعم إن رأت الماء. فغطت أم سلمة رضي الله تعالى عنها وجهها وقالت: يا رسول الله أو تحتلم المرأة؟ فقال: نعم، تربت يداك بما يشبهها ولدها.
ومعنى ذلك أن المرأة عندما ترى ما يرى الرجل أي ترى المباشرة في منامها، ويؤدي ذلك إلى خروج السائل المنوي منها فعليها في هذه الحالة أن تغتسل كما أن ذلك على الرجل عندما يرى هذا الأمر.
الأمر الثاني هل الجنابة مؤثرة على الصوم أو غير مؤثرة عليه؟ ذهب أصحابنا وعدد من علماء التابعين وغيرهم إلى أن الجنابة مؤثرة على الصوم، وذهب جمهور أهل العلم بأن الجنابة لا تؤثر على الصوم.
واستدل أصحابنا ومن قال قولهم بما رواه الإمام الربيع في مسنده من طريق أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه أيضاً مسلم من طريق أبي هريرة نفسه وأشار إليه البخاري وهو أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: من أصبح جنباً أصبح مفطرا. وهذا القول كما ذكرنا قاله جماعة من علماء التابعين.
واستدل الآخرون بما روي من طريق أم سلمة وطريق عائشة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يصبح جنباً ويصوم. وجاء في رواية أخرى أخرجها مسلم وغيره من طريق عائشة رضي الله عنها أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلّم وقال له: يا رسول الله إني أصبح جنباً وأصوم. فقال: وإني أصبح جنباً وأصوم.
ولكن كيف يُجمع الروايتين؟ أما الذين قالوا بأن الجنابة لا تؤثر على الصوم فإنهم منهم من قال بأن رواية أبي هريرة منسوخة، ومنهم من قال غير ذلك. وحقيقة الأمر لا يصار إلى النسخ إلا مع وجود الدليل الذي يقتضي النسخ. (1/305)
صفحة 306
وإنما هناك أمران يرجح بهما الاستدلال بحديث أبي هريرة على الاستدلال حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما:
الأمر الأول: أن الجنابة حدث أكبر والصوم عبادة بدنية خالصة، والعبادات البدنية يشترط لها الطهارة، منها ما يشترط له الطهارة من الحدثين جميعاً كالصلاة، ومنها ما يشترط له الطهارة من الحدث الأكبر لأجل أن الحدث الأكبر يمكن أن يتفادى أكثر مما يمكن أن يتفادى الحدث الأصغر فلذلك رُخص في تلبس الإنسان بالحدث الأصغر مع كونه في هذه العبادة وهي عبادة الصيام، فإن الإنسان لا بد له من أن يتلبس بحدث أصغر، ولو منع منه لكان ذلك أمراً فيه عسر شديد، والله تبارك وتعالى يحب التيسير لعباده (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر) (البقرة: من الآية185)، فلذلك كان الواجب أن يتفادى الحدث الأكبر، ولذلك لم يصح صيام الحائض لأن الحيض حدث أكبر، والجنابة حدث أكبر كالحيض فتقاس الجنابة على الحيض، فالقياس يعزز رواية أبي هريرة.
الأمر الثاني: أن هذا الحديث حديث موجب للحكم، وهو حديث أبي هريرة، والحديثان الآخران إنما هما مسقطان للحكم، والإسقاط إنما هو يتفق مع براءة الأصل، ووجوب الحكم أمر طارئ على البراءة الأصلية، وعلى هذا فإذا وجد دليل يثبت حكماً ودليل آخر يقتضي عدم وجوب ذلك الحكم أي ما يتفق مع البراءة الأصلية فإنه يؤخذ بالدليل المثبت للحكم لأنه ثبت بالدليل ذلك الحكم ورفعه يحتاج إلى دليل آخر، أما ما دل على ما يتفق مع البراءة الأصلية فإنه مجرد استصحاب للأصل الأول الذي هو قبل أن يطرأ ذلك الحكم.
فبهذا يتبين أن الجنابة إن تمادى الإنسان وأخّر التطهر منها تؤدي إلى بطلان صيامه، وعلى هذا فهذه المرأة إن تمادت ولم تسارع إلى الاغتسال فوراً فعليها أن تعيد صيام يومها، والله تعالى أعلم.
السؤال: (1/306)
صفحة 307
رجل ابتلى الله زوجه بمرض فشل الكلى، وهو يتردد على المستشفى مرتين في الأسبوع لأجل الغسيل الكلوي وقد أصحبت حياته ابتلاء عظيم من الله كما يصفها هو فهو يعمل من الصباح إلى الثانية ظهرا ثم يرجع إلى البيت ليقوم بأداء معظم الواجبات المنزلية لعدم قدرة الزوجة على العمل في معظم الأحيان وأيضاً القيام بالعناية بالأولاد وما يتخلل ذلك من عمل خارج المنزل، وقد أكد له معظم الأطباء المسلمون منهم والكافرون بأن العلاج الأمثل لمثل هذه الحالات هو نقل كلية من شخص إلى زوجه، يقول الزوج: فهل يجوز لي أتبرع بإحدى كليتي ليس بيعاً وتصرفاً بشيء من جسمي ولكن إيثاراً ومشاطرة لنعمة من نعم الله عز وجل؟
الجواب:
حقيقة الأمر هذه القضية قضية بحثت في المجامع الفقهية وغيرها، والعلماء منهم من تشدد وقال بأن على المبتلى أن يصبر إلى أن يأتي الله تعالى بالفرج. وهذا الذي هو معافى ليس له أن يؤثر غيره بشيء من جسمه، لأن الإيثار ليس بالنفس وإنما الإيثار على النفس. ومنهم من قال بأن ذلك إن لم يكن ذلك تجارة - وهذا قول أكثر علماء العصر - إن لم يكن ذلك تجارة، ولا كان ذلك من شخص لا يملك أمره، ولا كان ذلك بتأثير من ضغوط نفسية أو غيرها وإنما ذلك اختياراً فلا مانع من أن يستفاد، ونحن نرى من توسع بهذا الرأي وأخذ بهذا الرأي فنرجو أن لا يؤاخذه الله تبارك وتعالى، ونسأل الله تعالى لهذا الرجل السلامة، ونسأل الله لامرأته العافية والصحة وزوال البأساء والضراء وأن يجعل حياتهما حياة هانئة سعيدة، وأن يبدلهما بالسقم صحة وبالبلاء عافية، وبالمرض سلامة من كل داء، والله تعالى ولي التوفيق.
السؤال:
رجل من البريمي أفطر على توقيت مسقط وضع قطرة من الماء ثم امتنع عندما أخبره ولده؟ ما الحكم؟
الجواب: (1/307)
صفحة 308
ليس له أن يفطر على أذان مسقط لما بين البلدين من الفارق، فمسقط يتقدم فيها الأذان بنحو عشر دقائق أو أكثر من عشر دقائق، أي يتم غروب الشمس فيها قبل عشر دقائق أو أكثر من غروبها في البريمي، فلذلك كان جديراً بأن لا يفطر حتى يؤذن في نفس البلد، إذ الإنسان متعبد بحسب البلد الذي هو فيه في صلاته وفي إفطاره وفي صيامه وفي كل شيء، وما قاله الله تبارك وتعالى من قوله (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر) (البقرة: من الآية187) إنما هو بحسب المكان الذي هو فيه لا بحسب المكان الآخر، وكذلك قوله (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) (البقرة: من الآية187) إنما هو بحسب المكان الذي هو فيه، وقوله (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (الاسراء:78) كل ذلك إنما هو بحسب المكان الذي هو فيه.
فليس له أن يفطر أو أن يلتزم الإمساك أو أن يفعل أي شيء آخر بحسب توقيت بلد غير البلد الذي هو فيه، وليس له أن يصلي بحسب توقيت بلد آخر غير البلد الذي هو فيه لأن هذه تعبدات نيطت بأحوال طبيعية معروفة فعلى الإنسان أن يلتزم هذه العبادة وفق ما فرض الله تبارك وتعالى عليه.
وإن كان ذلك خطأً ولم يكن قاصداً الإفطار وكان جاهلاً بالفرق أو أنه ظن بأن ذلك الأذان أذان البلدة التي هو فيها وكان لا يرى الأفق في مكان يتوارى عن الأفق بحائل يحول دون رؤية الأفق ففي هذه الحالة يمكن أن يحمل صنيعه هذا على ما إذا أفطر ناسياً بحيث أكل أو شرب ناسياً فإن الحديث دل على أن الله أطعمه وسقاه ففي هذه الحالة لا حرج عليه.
أما إن كان يعرف الفرق وأتى ذلك وفعل ذلك بنفسه ففي هذه الحالة لا يعذر، ونسأل الله تبارك وتعالى العافية.
السؤال: (1/308)
صفحة 309
سمعنا حديث عن صلاة تصلى في آخر جمعة من رمضان وهي عبارة عن أربع ركعات وهي كفارة للصلوات الفائتة في عمر الشخص تمتد إلى أربعمائة سنة، فهل هذا الحديث صحيح أم لا؟
الجواب:
هذه الصلاة يسأل الناس عنها كثيراً، وهذه الرواية رواية غير صحيحة ولا تقبل، وليست هي من الصحة في شيء، لا ينبغي التعويل على هذه الروايات المكذوبة.
السؤال:
رجل أحس بألم في عينه فوضع لها دواء دهني مرهما قرابة الساعة الرابعة فجراً وأحس بطعم الدواء في حلقه صباح اليوم التالي، فما حكم صيام ذلك اليوم؟
الجواب:
حقيقة الأمر المرهم نوعاً ما يختلف عن القطرة، لأن المرهم جامد ولربما أحس لكن من غير أن تسيل عينه إلى الداخل، يمكن أن يكون الإحساس إنما بسبب سريان طعم هذا المرهم من المكان الذي هو فيه، وما لم يتبين له أنه ولج إلى جوفه شيء فلا نقول بلزوم القضاء عليه، أما إن تبين أنه ولج إلى جوفه شيء فعليه القضاء، ولكن مع هذا ننصحه ألا يفعل ذلك إلا في الليل فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
والعين يمتد أثر ما يقع فيها لا سيما إن كان سائلاً فإنه سرعان ما يلج إلى الحلق ومن الحلق إلى الجوف، فلذلك كان الضرورة أن يتجنب الإنسان التقطير فيها، وينبغي أيضاً أن يتجنب وضع حتى نحو المراهم فيها خشية أن يتسرب شيء منها إلى داخل الجوف لأنه من الممكن أن يذوب هذا المرهم مع الدمع ويصل إلى الجوف فذلك أمر محتمل، والله تعالى أعلم.
السؤال:
بعد صلاة الفجر في يوم من أيام رمضان الكريم انتابتني حمى وكحة فوضعت بعض المسكنات (مرهم) على صدري وبعد وضع ذلك المرهم أحسست بأن رائحته دخلت في حلقي، فماذا علي في صيام ذلك اليوم، هل الصيام صحيحاً أم لا؟
الجواب:
هذا لم يضعه في فيه ولم يضعه في انفه ولم يضعه في عينه وإنما وضعه على صدره، وإنما الرائحة امتدت إلى الحلق، فليس عليه حرج إن شاء الله.
السؤال:
جمع صلاة العصر مع صلاة الجمعة في حال السفر هل يجوز؟
الجواب: (1/309)
صفحة 310
المسافر له أن يجمع بين الظهر والعصر، والجمعة هي تقوم مقام صلاة الظهر فلا مانع من أن يصلي الجمعة ويصلي بعدها العصر جمع تقديم، والله تعالى أعلم.
السؤال:
قمت بعمل جمعية للطلبة العمانيين في بريطانيا وتعنى هذه الجمعية بالأنشطة الدينية كإقامة المحاضرات الثقافية وغيرها، وقد قمنا بتخصيص مبلغا شهريا يدفعه كل شخص وقد تجمع مبلغ عندنا يزيد على النصاب، فهل تجب علينا فيه الزكاة؟
الجواب:
أما إن كان وقفاً عاماً بحيث لم يكن خاصاً بهؤلاء الذين أسهموا في دفع هذه المبالغ وإنما فائدته تعود على الجميع، تعود عليهم وعلى غيرهم فذلك بمثابة الصدقة، ولا صدقة في الصدقة.
السؤال:
متى يتم توزيع زكاة الفطر؟
الجواب:
زكاة الفطر تجب قيل بغروب شمس آخر يوم من رمضان، وقيل بطلوع فجر أول يوم من شوال، وقيل بطلوع شمس أول يوم من شوال ويمتد وقتها إلى الخروج إلى المصلى، وبعد أداء صلاة العيد تكون هذه الصدقة كسائر الصدقات، ولا تكون له خصوصية صدقة الفطر.
والخلاف يظهر أثره فيما لو أن أحداً من الناس ولد له مولود قبل طلوع الفجر وبعد غروب الشمس هل يلزمه أن يزكي عنه زكاة الفطر أو لا؟ وكذلك ما لو ملك رقيقاً مثلاً ما بين الوقتين هل يلزمه أن يزكي عنه أولا؟ وكذلك من مات ما بين الوقتين هل يلزم أن يزكى عنه أولا؟
ففي الصورتين الأوليين يلزم أن يزكى عن المولود وعن الرقيق على رأي من يقول بأن زكاة الفطر تجب بطلوع فجر أول يوم من شوال أو طلوع شمس أول يوم من شوال.
أما على القول بأنها تجب بغروب آخر يوم رمضان فلا لأنه عندما غربت الشمس لم يكن هذا المولود ولد ولم يكن هذا الرقيق ملك لهذا الشخص.
وكذلك بالنسبة إلى المسألة الثالثة وهي من مات ما بين الوقتين فعلى قول من قال بأن الزكاة تجب بغروب آخر يوم من رمضان يكون من الواجب أن يزكى عنه لأن الزكاة تعلقت بذمته إن كان هو العائل وتعلقت بذمة من يعوله إن كان يعال من قبل غيره. (1/310)
صفحة 311
وعلى الرأيين لا يجب ذلك، ذلك لأنه عندما دخل وقت وجوب هذه الزكاة لم يكن هذا حياً وإنما صار في عداد الموتى، فعلى هذا لا تجب الزكاة عنه.
ومن تعذر عليه أن يجد من يستحق الزكاة في ذلك الوقت فإنه بإمكانه أن يخرجها في وقت وجوبها، ثم يعزلها في جانب حتى يجد الفقير الذي يستحقها ولو بعد الصلاة ويدفعها إليه لأنه عزلها قبل الصلاة من أجل صرفها إلى من يستحقها، والله تعالى أعلم.
تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه
السبت 24 رمضان 1423 هـ، 30/ 11/2002 م
الموضوع: عام
السؤال (1 (
هل العيدان التي تستخدم لتنظيف الأذن تفطر أم لا؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإن إدخال الإنسان إصبعه في فيه أو في أنفه أو في أذنه أو في عينه غير مفطر، فللإنسان أن يتمضمض ويدخل إصبعه لينظف أسنانه أثناء مضمضته من غير أن يؤثر ذلك على صيامه، وكذلك أي الإنسان أيضاً أن يدخل إصبعه في خياشيم أنفه عندما يتوضأ في حال استنشاقه ولا مانع من ذلك ولا يؤثر ذلك شيئاً على صيامه، وكذلك لو أدخل إصبعه في عينيه لما كان ذلك مؤثراً على صيامه.
هذا مع أن الأذن غير موصلة إلى الجوف، هذا إن كانت أذناً سليمة لأن هنالك ما يسد وصول أي شيء إلى الجوف ما لم تكن الطبلة مخترقة، أما إن كانت الطبلة سليمة فإنه من الملاحظ أنه لا يمكن أن يصل شيء إلى الجوف، فالإنسان قد يضع ماءاً في أذنه ويبقى فترة طويلة حتى إذا قام وجد ذلك الماء على حاله لم ينزل من شيء داخل الأذن، وهذا مما يدل على أن الأذن غير موصولة إلى الجوف. (1/311)
صفحة 312
وقد بيّنا أن الفم الذي هو المدخل الأول إلى الجوف عندما يدخل الإنسان شيئاً في فيه لا يؤثر ذلك على صيامه، بل للإنسان أن يستاك فالنبي صلى الله عليه وسلّم روي عنه بأنه كان يستاك بالرطب واليابس وهو صائم، وجاءت الرواية التي أطبقت الترغيب في السواك قبل الوضوء وقبل الصلاة فالنبي صلى الله عليه وسلّم قال كما في حديث أبي هريرة: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وعند كل وضوء. ولم يكن ذلك مؤثراً على الصيام قط، وإنما كره بعض العلماء السواك من بعد الزوال ليفطر الإنسان على خلوف، حتى لا يُذهب الرائحة الحاصلة من أثر الصوم، هذا قول طائفة من أهل العلم، ولكن الصحيح بأنه لا يكره السواك سواء قبل الزوال أو بعده، وسواء كان بالرطب أو باليابس. بل أكثر من ذلك جاء في الرواية عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلّم: هششت فقبّلت وأنا صائم. كان متحرجاً بسبب ما وقع منه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلّم: أرأيت أن لو وضعت في فيك ماءاً ثم مججته أكان ذلك ناقضاً لصومك؟ قال له: لا. قال: ففيم إذن. ومعنى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلّم علّم عمر رضي الله عنه قياس القبلة التي هي مقدمة للجماع بالمضمضة التي هي مقدمة للشرب فكما أن المضمضة التي هي مقدمة للشرب لا تفطر الصيام كذلك القبلة.
والأذن كما قلنا هي غير موصلة إلى الجوف فلا يتحرج الإنسان ولو وضع فيها قطوراً فضلاً عن أن ينظفها بعيدان أو بأي شيء آخر فإن ذلك لا يؤثر على صيامه قط، والله تعالى أعلم.
السؤال (2 (
إذا جلس الشخص بجانب شخص يدخن هل يفطر ذلك أم لا؟
الجواب: (1/312)
صفحة 313
مما يؤسف له أن الناس الذين اعتادوا التدخين اعتادوا سوء الأخلاق والعياذ بالله، فهم لا يبالون في الإضرار بغيرهم، ذلك لأن التدخين كما قلنا ليس مضراً للمدخن وحده فحسب بل هو مضر لمن يجلس حوله. وينبغي للإنسان أن يتفادى الجلوس مع المدخنين في كل وقت من الأوقات لما يسبه ذلك من الضرر، ثم بجانب ذلك إن كان صائماً يتأكد الأمر بالابتعاد عن المدخنين لئلا يلج إلى حلوقهم شيء من الدخان الذي يخرج من أفواه المدخنين أو الذي ينبعث من السجائر هكذا، ولكن مع تفادي دخول ذلك في الأنف أو دخوله من طريق الفم فإنه لا يتأثر صيامه إلا أنه ينبغي للعاقل أن يتفادى الجلوس مع هؤلاء في كل أحواله ولا سيما حالة الصوم، والله تعالى أعلم.
السؤال (3 (
امرأة تصلي في بيتها التراويح مع صلاة إمام المسجد المجاور والذي يفصلها عنه شارع غير معبد، فما الحكم في ذلك؟
الجواب:
حقيقة الأمر أن المرأة أولاً قبل كل شيء يتسامح في حقها ما لا يتسامح في حق الرجل، والدليل على ذلك حديث أنس رضي الله تعالى عنه الذي صلى على الحصير الذي اسّود من طول ما لبس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وصف بجنب الرسول الله صلى الله عليه وسلّم أو صف هو والشيخ أو هو واليتيم كما جاء في الرواية وراء رسول الله صلى الله عليه وسلّم وصفت العجوز ورائهم، ومعنى ذلك أنها وقفت صفاً وحدها مع أن الرجل لو وقف صفاً وحده لما صحت صلاته كما أكدت ذلك روايات عدة عن النبي صلى الله عليه وسلّم بأنه لا صلاة لمن صلى وقف وحده خلف الصف. فهذا يدل على التسامح في المرأة ولذلك قال من قال من الفقهاء بأن الصفوف لا تلزم النساء، وهذا دليل التسامح. (1/313)
صفحة 314
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن صلاة السنن وصلاة النفل يتسامح فيها أيضاً ما لا يتسامح في صلاة الفرض فلا ينبغي أن يشّدد على المرأة ويقال بعدم جواز فعلها هذا ما دامت هي تقف وراء الإمام ولو كان ذلك مع وجود فاصل بينها وبين المصلين بمقدار الشارع، والله تعالى أعلم.
السؤال (4 (
هل هذا في النفل قط؟
الجواب:
ينبغي أن يقصر هذا على السنن والنوافل، يتسامح فيها ذلك، وإن كنت لم أجد دليلاً يقتضي التشديد علها ولكن ينبغي الأخذ بالاحتياط فيقتصر في هذا على صلاة السنن والنوافل.
السؤال (5 (
قلتم سماحة الشيخ: وراء الإمام. ماذا لو كان بيتها أمام الإمام أمام المسجد؟
الجواب:
أما أن يتقدم المأموم الإمام فلا، هذا التقدم لا يجوز سواء التقدم في المكان أو التقدم في الحركات والسكنات فإن الإمام جعل إماماً ليؤتم به، ولذلك ليس للمأموم أن يتقدم إمامه لا في حركته ولا في مكانه.
السؤال (6 (
إذا كانت في الجنب، هل يصح؟
الجواب:
في جنب المصلين لا بأس.
السؤال (7 (
إذا صلى الرجل بامرأته أين تقف؟
الجواب:
هذه المسألة حقيقة وجدنا للفقهاء فيها قولاً لم نجد له دليلا ًمن السنة. وجدنا الفقهاء يقولون بأنها تقف على يساره وعللوا ذلك بأنه لو دخل داخل عليهما فإن ذلك الداخل هو الذي يقف على يمين الإمام وهي تتأخر فلذلك حتى لا تمنع الداخل من الوقوف على يمين الإمام. ولئن كانت العلة هذه فإن هذا فينبغي أن يحصر فيما إذا كان هنالك إمكان لئن يدخل عليهما داخل، أما إن كانا وحدهما في غرفتهما ولا يدخل عليهما داخل فإنه لا ينبغي أن يفرق بينها وبين الرجل فتقف في هذه الحالة على جنبه الأيمن.
السؤال (8 (
هل يجوز أن يصلي بزوجته الفرض أيضاً؟
الجواب:
لا مانع من ذلك.
السؤال (9 (
هل تجوز صلاة التراويح بعد صلاة الوتر؟
الجواب:
كيف تصلى صلاة التراويح بعد صلاة الوتر؟ مع أن الوتر هي آخر الصلاة. (1/314)
صفحة 315
من صلى الوتر ونام فله أن يقوم ويصلي بعد ذلك، وهذه الصلاة تكون صلاة التهجد، هي صلاة التهجد ولربما سميت صلاة السحر، هذه الصلاة تكون متأخرة عن صلاة التراويح وهي الصلاة التي تصلى في السحر أو في ما بعد منتصف الليل، وهذه الصلاة فيها فضل عظيم، فلئن كان الإنسان حاول النوم ثم بعد ذلك قام فليصل بعد ذلك إن شاء الله.
السؤال (10 (
البعض يجمع الصلاتين في حال السفر فيصلي معهما الوتر؟
الجواب:
بما أنه يتوقع أن يجد من يصلي معه قيام رمضان ما الذي يدعوه إلى أن يجمع الوتر؟ ما باله لا يؤخر الوتر؟!.
السؤال (11 (
أنا طالب علم أصاب بحالة في بعض الأحيان أخاف من عواقبها وهي أنني أحس بالإحباط والفشل وأحتقر نفسي عندما أرى غيري من الطلبة يتفوقون عليّ من حيث العلم والذكاء وغير ذلك، فأطلب من الشيخ حفظه الله أن يصف لي علاج مشكلتي وأن يدعو لي بالثبات.
الجواب:
أولاً قبل كل شيء أدعو الله تبارك وتعالى أن يعافي هذا الطالب، وأن يشفيه، وأن يحل عقدته، وأن ينفس كربته، وأن يجلي همومه وغمومه، هذا من ناحية ثم لا بد من أن يحاول هو التغلب على هذه المشكلة فالإنسان لا يتفوق بالذكاء والفطنة والحفظ فحسب، وإنما مجالات التفوق مجالات متعددة، فالناس متفاوتون في مواهبهم وقدراتهم، ذلك لأن الله تبارك وتعالى طبع هذا الإنسان بطابع الاجتماع فالإنسان مدني بطبعه اجتماعي بفطرته، ولذلك كان التفاوت الكبير بين أفراد الجنس البشري تفاوتاً لا يقف عند حد، وليس هذا التفاوت في مجال واحد فحسب بل في مجالات شتى، فقد يكون التفاوت في القوى البدنية، منهم من يكون أقوى من غيره بكثير، بل منهم من يكون شاذاً في قوته، وأيضاً من حيث الفطنة والذكاء، وكذلك من حيث المواهب الأخرى كالحظ في اكتساب المال إلى غير ذلك من الأمور التي يتفاوت يفيها الجنس البشري ذلك لأجل أن يكون هنالك تكامل ما بين أفراد الجنس البشري. (1/315)
صفحة 316
على أن التفاوت الأكبر الذي يؤدي إلى التغابن فيما بين الناس إنما هو التفاوت في توفيق الله تبارك وتعالى للطاعة وحسن العمل والإخلاص لله سبحانه وتعالى في الأقوال والأعمال، هذا هو المجال الذي ينبغي على الإنسان على السبق فيه، فإن توفيق الله تبارك وتعالى أعظم ما يوهبه الإنسان، إذ هبات الله تبارك وتعالى وإن كانت عظيمة على الإنسان إلا أن التوفيق نعمته الكبرى التي تؤدي بالإنسان إلى السعادة الأبدية. فما للإنسان لا يحرص على أن يدخل مضمار السباق في مجال الأعمال الصالحة، والتقرب إلى الله تعالى بالطاعات مع الإخلاص له سبحانه وتعالى في القول والعمل؟!
فلا ينبغي للإنسان إذا حُرم مثلاً من نعمة الفطنة أو من نعمة الحفظ أو من نعمة الفهم والإدراك أن يصاب بإحباط، ذلك أن للحق سبحانه وتعالى عليه نعم أخرى، ولربما كان ذلك خيراً، ربما اختبره الله تعالى، ثم مع ذلك الاجتهاد يؤدي بالإنسان بطبيعة الحال إلى أن تفتح له آفاق فالشاعر يقول:
بجَدٍ لا بجِدٍ من مُجِدِ *** وهل جَد بلا جِد بمجد
فالجِد قد يرتقي بالإنسان إلى درجات الجَد، والجَد هو الحظ، يصل إلى الحظ بجِده واجتهاده، فليحرص على الاجتهاد لتتفتح له الآفاق بمشيئة الله تعالى، والله تعالى الموفق.
السؤال (12 (
إذا كان الإمام يصلي بالناس ويوجد خلف المسجد ملحق للنساء وتصلي النساء على صوت الإمام عن طريق لاقط الصوت، وحدث أن سقط لاقط الصوت من الإمام، فهل يصح للسترة أن يذهب فيضعه على الإمام، هل يعد هذا مخلاً بالصلاة، لأن النساء هناك لا يسمعن صوتاً بعد ذلك؟
الجواب:
حقيقة الأمر ينبغي للإمام نفسه أن يحاول بأن يأتي بالأمر فيه مصلحة الصلاة، فإن رفعه لأجل مصلحة الصلاة فلا حرج في ذلك. وإن تعذر أن يقوم الإمام بذلك فليقم بذلك غيره إن كان ذلك أمراً ضرورياً لأجل مصلحة الصلاة. ويسحب رجليه في ذهابه وإيابه.
السؤال (13 ( (1/316)
صفحة 317
هذه حدثت وسقط لاقط الصوت من الإمام فبقيت النساء بلا صوت فبعضهن أتممن الصلاة وبعضن توقفن وأعدن الصلاة من جديد فمن منهن الصائب؟
الجواب:
بما أنهن دخلن في الصلاة فإن أتممن الصلاة مع تعذر الإئتمام بالإمام فلا حرج عليهن في ذلك، ومن أعادت فإنها احتاطت لنفسها، والله تعالى أعلم.
السؤال (14 (
أنا طالبة أدرس في معهد يبعد عن منطقتي التي أعيش فيها بحوالي سبعة عشر كيلومتراً ويرفع أذان الظهر أثناء وجودي المعهد فأصليها قصراً، لكن يرفع أذان العصر وأنا في طريق عودتي وعلى مسافة تبلغ خمسة عشر كيلومتراً قبل وصولي إلى منزلي؟ هل أصلي صلاة العصر قصراً وأجمعها مع صلاة الظهر، أم أصلي العصر كاملة أثناء عودتي إلى المنزل؟
الجواب:
إن كانت تدرك الصلاة في منزلها فلا حرج أن تؤخرها، وإن كانت لا تدرك فالأولى لها أن تجمع بين الصلاتين حتى لا تفوتها الصلاة، والله تعالى أعلم.
السؤال (15 (
بالنسبة لزكاة الفطر عادة الناس في بعض المناطق يتبادلون الزكاة فيما بينهم، ونريد من سماحتكم التوضيح والبيان حول ذلك؟
الجواب:
زكاة الفطر يستحقها الفقير، والفقير هو الذي يكون بحاجة إليها، والفقير الذي يعطى من الزكاة هو الذي لا يكفيه دخله لنفقاته الضرورية.
وبالنسبة إلى من تجب عليه فإنها تجب على من كان عنده فضلة عن قوته. ولكن العلماء اختلفوا هل عن قوت يومه ومعنى ذلك أن من كان عنده فضلة عن قوت يومه بقدر الزكاة الواجبة عليه التي يدفعها عن نفسه وعن كل من يعوله فإنه يدفعها، وهذا أشد ألأقوال.
وقيل عن قوت شهره وهذا أوسط الأقوال. وقيل إن كانت هذه هي زائدة عن قوت عامه وهذا أوسع الأقوال.
فلئن قيل بقوت يومه أي تجب على من كانت فاضلة عن قوت يومه ففي هذه الحالة لا حرج أن يدفعها إلى من كان مثله، وأن يأخذها أيضاً ممن يدفعها إليه وإن كان هو يدفعها إلى من يستحقها أيضاً. (1/317)
صفحة 318
أما على القول بقوت العام وبأن لا تجب إلا على من كانت له فضلة عن قوت عامه فإنه لا ينبغي أن له يأخذها لأنه في غنى عنها، كيف يأخذ الزكاة وهو عنده قوت عام، أما الفقراء فهم الذين يأخذونها فإن أوجبت عليهم بناء على التشديد فيها كما ذكرنا فلا حرج أن يأخذوها ويعطوها، والله تعالى أعلم.
السؤال (16 (
امرأة عندها ذهب وبلغ النصاب وحال عليها الحول لكنها لا تملك مبالغ تزكي بها عن ذلك الذهب فهل تبيع جزءاً منه؟
الجواب:
هي مخيرة أن تدفع جزءاً من الذهب وهذا هو الأصل، لأن زكاة الشيء من عينه، الأصل في زكاة كل شيء من عينه، فلذلك لو دفعت جزءاً من الذهب لكان ذلك مجزياً بل هو الأصل، وإن أرادت أن تدفع القيمة فلا حرج في ذلك بحيث تدفع دراهم أو ريالات أو من أي عملة أخرى ما يساوي قيمة ما يجب عليها من زكاة ذلك الذهب، ولئن باعته وأعطت الفقراء كان ذلك مجزياً عنها، والله تعالى أعلم.
السؤال (17 (
ليلة القدر عندما يقيمها الإنسان هل يقيمها من بداية الليل إلى الفجر أم في أي ساعة من الساعات؟
الجواب:
للإنسان أن يأتي بما استطاع من الطاعات بل ينبغي له ذلك أن يأتي بقدر ما يستطيع من الطاعات، سواءً كان ذلك تهجداً أو كان ذلك تلاوة لكتاب الله أو كان ذكراً وتسبيحاً لله سبحانه وتعالى فإن ذلك كله مما يضاعف.
وإنما الصلاة هي الأفضل لاشتمال الصلاة على تلاوة القرآن واشتمالها على التسبيح والذكر، فالصلاة لا ريب أنها أجمع للخير، ولكن لو اقتصر على الذكر أو اقتصر على تلاوة القرآن لكان في ذلك كله خير له سواءً كان ذلك في أول الليل أو كان في وسطه أو كان في آخره من حيث إنه يكتب له أجر مضاعف إن كان ذلك في ليلة القدر، وإن كان ذلك في أخر الليل أفضل لأن وقت السحر وقت مبارك يرفع الله سبحانه وتعالى فيه الدعاء، ويحقق فيه لعباده الرجاء، ويغفر فيه للمستغفرين. (1/318)
صفحة 319
فينبغي للإنسان أن لا يفوته، ولا يلزمه أن يقوم الليل كله من أوله إلى آخره فإن هذا شيء لا يقدر عليه إلا خاصة الخاصة من المسلمين (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) (الأنعام: من الآية132).
فمن قام جزءاً من ليلة القدر ضوعف له الأجر كأنما قام ذلك الجزء في ألف شهر فيما عدا هذه الليلة، وإن قام جزءاً أكبر من ذلك أيضاً ضوعف له بقدر هذه النسبة، وهكذا فيما يفعله من الطاعات والتهجد وذكر الله سبحانه وتعالى، ومن استطاع أن يقوم الليل كله فإن ذلك خير كبير له، والله تعالى أعلم.
السؤال (18 (
رجل عنده عائلة مكونة من ثمان بنات وثلاثة أولاد وفي شهر رمضان يستلف مبلغاً من البنك من أجل أن يُخصم من راتبه فيؤدي به زكاة الفطر ويزور به أرحامه فهل يصح له ذلك؟
الجواب:
إن كان هذا القرض قرضاً غير ربوي فلا حرج في ذلك من أي مكان أخذه والله تعالى يكتب له الأجر بقدر نيته وإخلاصه لله سبحانه وتعالى.
أما إن كان قرضاً ربوياً فإنه يجب على الإنسان أن يتفادى الربا لقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (البقرة:278)، ولقول النبي صلى الله عليه وسلّم: لعن الله الربا وآكله وموكله وكاتبه وشاهديه ثم قال هم سواء. يعني في الإثم، فالمقياس عنده، والله تعالى أعلم.
السؤال (19 (
إذا اضطر الإنسان إلى أن يستلف من أي مكان مبلغاً من أجل ان يؤدي زكاة الفطر، هل تجب عليه مع هذا؟
الجواب:
لا إن لم تكن عنده، إنما تجب على الواجد، لا على غير الواجد.
السؤال (20 (
رجل عنده بنتان وولد أنهوا الثانوية العامة ولكنه لا يمتلك مبلغاً يجعلهم يكملون الدراسة فهل يعد مقصراً في حقهم فيؤثم على ذلك؟
الجواب: (1/319)
صفحة 320
(لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية286)، (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا) (الطلاق: من الآية7)، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. فهو لا يكلف حتى في فروض العبادات لا يكلف بما لا يستطيع، إن لم يطق القيام في الصلاة له أن يصلي قاعداً، إن لم يطق أن يصلي قاعداً له أن يصلي مضطجعاً، فكيف بما عدا ذلك، فهو إنما يحسن إلى أولاده بقدر مستطاعه، والله تبارك وتعالى يفتح لهم أبواب الخير، والله الموفق.
السؤال (21)
رجل لم يؤد عن أولاده النسيكة فهل عليه شيء في ذلك؟
الجواب:
لا شيء عليه، وعندما يبلغون إن شاءوا أن يؤدوا بأنفسهم كان ذلك خيراً لهم.
السؤال (22 (
هل يعني ذلك أنها (النسيكة) تبقى في ذمتهم؟
الجواب:
لا، لا تبقى في ذمتهم، لكن لو شاءوا أن يفعلوا ذلك.
السؤال (23 (
امرأة جاءتها الدورة في بداية رمضان واستمرت سبعة أيام ثم انقطعت فجاءتها بعد ثلاثة أيام واستمرت خمسة عشر يوماً، والأطباء يقولون ربما هذا نزيف، ما الحكم؟
الجواب:
هذا هو النزيف، بالقطع هذا هو النزيف، لأن أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام، ولا يأتي الحيض إلا بعد طهر عشرة أيام، أقل ما يفصل بين الدمين من الطهر هو عشرة أيام، فلا يمكن أن يكون الطهر الفاصل ما بين الدمين أقل من عشرة أيام. (1/320)
صفحة 321
على أن تحديد الحيض بثلاثة أيام من حيث قلته وبعشرة أيام من حيث كثرته دل عليه الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع رحمه الله في مسنده من طريق أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام. وقد رواه بعض أئمة الحديث من رواية أبي أمامة ولكن بسند ضعيف إلا أن ثبوته بطريق الإمام الربيع بذلكم السند العالي قاض بصحته، وقد أيد ذلك الطب الحديث فإن الأطباء حسبما فهمنا منهم يقررون بأن الحيض لا يكون أقل من ثلاثة أيام ولا يكون أكثر من عشرة أيام. وإن زاد على عشرة أيام فذلك يعد استحاضة وهو ما يعبر عنه في عرف العصر بالنزيف، وإن جاء قبل الطهر عشرة أيام أيضاً أي بعد الدم الأول فذلك لا يمكن أن يكون حيضاً وإنما يعد استحاضة، والله تعالى أعلم.
السؤال (24 (
توفي رجل منذ سنتين وكان وكيلاً للمسجد ويوجد لدى المسجد أموال تبلغ النصاب، وفي هذه الفترة منذ وفاة الرجل طُلب من ولده أن يسير ألأمور وهو لا توجد له دراية بمثل هذه المواضيع، وهو يسأل هل تجب الزكاة على أموال المسجد سواء مبالغ أو غيره، وإذا كانت تجب فماذا يجب على هذا الولد تجاه هذا الموضوع علماً بأن يخاف من المساءلة القانونية إذا أخرج أي مبلغ من هذه المبالغ؟
الجواب:
الزكاة إنما تجب على المتعَبدين، ولا تجب ما يسمى بالشخصيات الاعتبارية، إنما تجب على الشخصيات الحقيقة أي تجب على الإنسان المتعبد، ولا تجب على المسجد، ولا تجب على الوقف العام، ولا تجب على الوقف الخيري لمدرسة أو نحو ذلك فهذا مما لا تجب فيه الزكاة، والله تعالى أعلم.
السؤال (25 (
عندي مجموعة من الذهب لم أزكها منذ سنوات لا أعلمها، وهذا الذهب كنت أبيع منه لأشتري ذهباً آخر بنفس القيمة أو أكثر فكيف أزكي عن الذهب؟
الجواب:
في هذه الحالة تعود إلى التحري وتخرج الزكاة إلى أن تطمئن نفسها بأنها أدت ما عليها وتكون بذلك أبرأت ذمتها إن شاء الله.
السؤال (26 ( (1/321)
صفحة 322
امرأة خلعت سناً واستمر النزيف إلى اليوم التالي، فما الحكم؟
الجواب:
النزيف لا يؤثر شيئاً على الصوم، وإلا لأثرت الاستحاضة مع أن الاستحاضة غير ناقضة للصيام، والله تعالى أعلم.
السؤال (27 (
الشغالة التي تعمل في البيت على من تكون زكاة فطرها؟
الجواب:
هي على نفسها لأنها ليست داخلة في من يعولهم الإنسان أي يعولهم صاحب البيت عولاً واجباً عليه شرعا.
السؤال (28 (
وإذا أعطته هي المال ليخرج عنها أيصح ذلك؟
الجواب:
نعم.
السؤال (29 (
رجل يريد أن يتملك أرضاً لم يمض عليها خمس وثلاثون سنة وإنما اثنا عشر سنة، والقاضي لا يملكه إياها إلا إذا مضى عليها خمس وثلاثون سنة، هل يصح له أن يأتي بشهود يشهدون معه على أن الأرض مضى عليها خمس وثلاثون سنة؟
الجواب:
هذه شهادة الزور، ولا يتوصل إلى الحق بشهادة الزور، بل يجب اجتنابها فإن الله تبارك وتعالى شدّد في شهادة الزور قال (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً) (الفرقان:72) والنبي صلى الله عليه وسلّم أيضاً عندما ذكر الكبائر شدّد في شهادة الزور وكرر كلمة (ألا وشهادة ألا قول الزور) ذلك لأجل التغليظ في هذه الشهادة، ويجب على الإنسان اجتنابها فلا يحوم حولها بأي حال من الأحوال، والله تعالى أعلم.
السؤال (30 (
امرأة لم تكن تستر في الصلاة ناصيتها وذراعيها وقدميها عملاً بقول مشائخها، ولما تبين لها أن ستر ذلك واجب، التزمت بذلك، فما حكم ما مضى من صلاتها، وهل يوجد فرق بين من كان تفعل ذلك تقليداً لأمها وأخواتها وبين من أخذت ذلك عن أحد مشائخها؟
الجواب:
حقيقة الأمر هذه المسألة مسألة حرجة ولكنها نظراً إلى أنها لم تكن متعمدة الانتهاك وإنما كانت تفعل ذلك جاهلة فلا مانع من أن يُتعذر لها بسبب جهلها وتعذر فيما سبق نظراً إلى أنها اعتمدت على أقوال وإن كانت هذه الأقوال أقوالاً ضعيفة لا يعول عليها، والله تعالى أعلم. (1/322)
صفحة 323
السؤال (31 (
رجل انتهك حرمة شهر رمضان المبارك في نهار رمضان وجامع زوجته بحجة أنه يعمل طول الليل وليس لديه أي وقت لرؤية أهله النهار، وزوجته هداها الله أجابته وتقول إن لم اتركه سيزني والآن الرجل يريد التوبة من فعلته هذه فماذا عليه؟
الجواب:
عليهما جميعاً أن يتوبا إلى الله، وعليهما مع التوبة قضاء صومهما مع الكفارة وهي عتق رقبة فإن لم يجدا فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطيعا فإطعام ستين مسكينا، والله تعالى أعلم.
السؤال (32 (
ما حكم استعمال أصباغ الشعر الحديثة، وإذا كان ذلك جائزاً في حالة دون أخرى فهل للتاجر أن يبيعها دون السؤال عن غرض استعمالها؟
الجواب:
حقيقة الأمر إذا كان هذا تغييراً لخلق الله كما يرغب الكثير من النساء في تشقير الشعر الأسود فإن ذلك غير جائز، أما إذا كانت المرأة تفعل ذلك من أجل التزين لزوجها بخضاب شعرها الأبيض فلا مانع منه. فإن كان هذا الذي يبيع يرجو أن يكون من يستعمل هذا الصبغ من النساء إنما تستعمله لأجل تلكم الحالة وهي خضاب الشعر الأبيض لأجل التزين للزوج ففي ذلك سعة بفضل الله، والله تعالى أعلم.
السؤال (33 (
هل تصبغ المرأة شعرها بالسواد؟
الجواب:
رُخص للمرأة في ذلك، وإن شُدد في ذلك على الرجل.
السؤال (34 (
وتشقير الشعر الأسود؟
الجواب:
لا، لأن أحسن الشعر فاحمه وإنما هذا من تغيير خلق الله إلى الأسوء.
السؤال (35 (
والأبيض إذا حولته إلى أشقر؟
الجواب:
لا بأس لأن النبي صلى الله عليه وسلّم أباح الخضاب بالحناء.
السؤال (36 (
ما الطريقة الصحيحة للتذكية؟
الجواب:
الطريقة الصحيحة هي أن يذكر اسم الله ويقطع الحلقوم والودجين والمرئ.
تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه
25 من رمضان 1423 هـ، 1/ 12/2002م
الموضوع: عام
السؤال (1 ( (1/323)
صفحة 324
أريد أن أخرج زكاة مالي لأسرة يتيمة، فهل يجوز أن أخرج هذه الزكاة لهذه الأسرة فقط؟ فإذا كان يجوز هل أعطي كل واحد على حدة أم أعطي من يعولهم علماً بأن فيهم الصغير والكبير؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإن الزكاة تدفع في الأصناف المعهودة المنصوص عليها في القرآن الكريم وفي مقدمة هذه الأصناف الفقراء والمساكين، ومعنى ذلك أن اليتم وحده إن لم يكن المبتلى به فقيراً فليس أهلاً لأن يُعطى من الزكاة، أي اليتيم إن لم يكن فقيراً بحاجة إلى هذه الزكاة فليس أهلاً لأن يعطاها، أما إن كان فقيراً فلا ريب أنه حقيق بأن يعطى من الزكاة بسبب فقره، وهو أحق من غيره من غيره بسبب يتمه، أي إن الفقر هو المسوغ أو الموجب لإيتائه الزكاة، فإن كانت هذه الأسرة لا يكفيها دخلها لنفقاتها الضرورية فهي جديرة بأن تعطى لفقرها ويتأكد ذلك من قبل اليتم لأن اليتيم لا يستطيع التصرف كما يستطع الكبير أن يتصرف.
وكلمة اليتم إنما تصدق على من لم يبلغ الحلم، على من فقد أباه أي مات عنه أبوه وهو لم يزل دون سن الرشد، أما من بلغ سن الرشد فلا يطلق عليه أنه يتيم.
وقوله أن فيهم كباراً وصغاراً فمن كان بلغ إلى حد سن الرشد بحيث كان بالغاً الحلم فإنه لا يطلق عليه أنه يتيم إلا باعتبار ما كان كما في قوله الله تبارك وتعالى (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) (النساء: من الآية2)، أي آتوا الذين كانوا يتامى أموالهم.
فهذه الأسرة إن كان فيها من بلغ الرشد فإن ذلك البالغ أولى أن تدفع إليه الزكاة بنفسه، أما من كان دون سن الرشد وهؤلاء هم اليتامى فإن الزكاة هذه تدفع إلى من يتولى شؤونهم من وصي أو ولي، والله تعالى أعلم.
السؤال (2 (
رجل يتقاضى راتباً اجتماعيا يصل إلى ستة وثمانين ريال عماني والأسرة مكونة من 14 فرد، فهل تجب عليه زكاة الفطر؟
الجواب: (1/324)
صفحة 325
نحن قلنا فيما سبق بأن زكاة الفطر إنما تكون من الفائض عما يحتاج إليه الإنسان لنفسه ولأسرته التي يعولها عولاً واجباً عليه، فإن كان هنالك فائض فمن هذا الفائض تدفع زكاة الفطر، واختُلف هل هو الفائض عن حاجته في يومهم أي يوم العيد؟ أو عن حاجتهم في شهرهم أو عن حاجتهم في عامهم؟ العلماء اختلفوا في ذلك.
ولا أظن أن من كان يتقاضى نحو ثمانين ريالاً أو ما زاد عليها بقليل يمكن أن يسد جميع حاجاته وهو يعول أسرة تتكون أكثر من عشرة، والله تعالى أعلم.
السؤال (3 (
بعض الناس يقومون باستئجار حجة إلى بيت الله الحرام وهم لم يحجوا عن أنفسهم فهل يصح لهم ذلك؟
الجواب:
هذا خطأ، ما كان ينبغي لأحد أن يأخذ حجة عن غيره نيابة عنه مع أنه لم يحج بنفسه عن نفسه، فالنيابة عن الغير تكون بعد الحج عن النفس بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلّم سمع أحداً يقول لبيك عن شبرمة فسأله عن شبرمة فأخبره أنه أخوه فسأله هل حج عن نفسه قال له لا فأمره أولاً أن يحج عن نفسه.
السؤال (4 (
أنا معلمة في إحدى مدارس السلطنة قمت بإدارة جمعية تعاونية بالمدرسة التي أعمل فيها ويتمثل ذلك بالقيام بأعمال البيع والشراء للجمعية، وكنت خلال هذه العمل أقوم بشراء بعض السلع خارج حسابات الجمعية لبيعها لحسابي الخاص، كما كنت في بعض الأحيان آخذ بعض أموال الجمعية لصالحي أيضاً، ومضى على ذلك قرابة سبع سنوات وحتى الآن لم أرجع هذه المبالغ، ولم أعرف كم هذا المبلغ مع العلم بأن هذه المبالغ هي أموال طلاب وجزء منها لإدارة المنطقة التعليمية، كما أن أصحاب هذه الأموال من المساهمين من الطلاب وقد أنهوا دراساتهم وهم الآن غير معروفين، كيف لي أن أرجع هذه الأموال، وكيف أقدرها وأنا حائرة في أمري وأتوب إلى الله تعالى من هذا العمل، أرجو أن تفيدوني.
الجواب: (1/325)
صفحة 326
حقيقة الأمر الناس كثيراً ما يورطون أنفسهم إذ يتصرفون تصرفاً عجيباً في الأموال من غير مبالاة ولا يصحون من هذه السكرة إلا بعد حين، وعندئذ يلتمسون المخرج، وقد يكون المخرج كما قيل أضيق من عقد التسعين بسبب صعوبة الأمر.
ولكن مهما كان الأمر فإن من اتقى الله يجعل له تبارك وتعالى مخرجاً من أمره إذ الله تبارك وتعالى يقول (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) (الطلاق: 2 - 3 (.
فالإنسان مطالب بأن يتورع كل الورع عن أموال الناس، وعن كل ما يتصل بحقوق الناس لأن توبة الذي يأتي شيئاً مما يتعلق بحقوق الناس أي بغمط حقوق الناس فإن هذه التوبة مرهونة برد الحقوق إلى أصحابها أو طلب التنازل منهم عن ما لهم من حقوق وهذا أمر قد يتيسر وقد يتعسر أحياناً، فلذلك كان من الضرورة أن يحرص الإنسان على اتقاء أموال الناس، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: القليل من أموال الناس يورث النار.
والنبي عليه أفضل الصلاة والسلام قال: من اقتطع حق مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار. فقيل له: وإن كان شيئاً قليلاً يسيراً يا رسول الله؟ فقال: وإن كان قضيباً من أراك.
وجاء في الحديث الثابت من طريق أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم عام خيبر فلم نغنم ذهباً ولا فضة إلا الأموال والمتاع، فأهدى رجل من بني الضبيب يسمى رفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلّم غلاماً أسوداً يسمى مدعما، فوجه النبي صلى الله عليه وسلّم نحو وادي القرى فبينما مدعم يحط رحال رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذ جاء سهم غرب فأصابه فقال الناس: هنيئاً له الجنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: لا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها من المغانم يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا. (1/326)
صفحة 327
والأحاديث في هذا كثيرة وحسبنا القرآن فالله تعالى يقول (وَلا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَاكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة:188)، ويقول سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) (النساء: 29 - 30)، وقال في أكل أموال اليتامى (إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) (النساء:10)، فالمشكلة مشكلة معقدة لأن مال الناس يجب أن يرد إليهم.
و نظراً إلى أن الحق سبحانه وتعالى فتح أبواب التوبة لعباده ويسّر للمتقين الخروج من المآزق، والتقوى إنما هي باتباع منهج الرسل فإن من اتقى الله جعل الله تعالى له مخرجا، وهذا يتبين من خلال نظر الإنسان في اجتهادات الفقهاء، فالفقهاء قالوا في المال الذي جُهل ربه بحيث تعذر التوصل إلى ربه بأي حال من الأحوال قالوا إن فقراء المسلمين أولى، ومنهم من قال بأن مرده إلى بيت مال المسلمين. والأصل في هذا اللقطة فإن اللقطة تدفع إلى فقراء المسلمين عندما يتعذر على الإنسان معرفة صاحبها ويحمل على ذلك كل مال جهل ربه.
وعلى هذا فهذه المرأة ينبغي أن تبحث قدر مستطاعها عن أصحاب هذه الحقوق، فإن تعذر عليها التوصل إليهم بأي سبيل من السبل عندئذ تعدل إلى دفعه إلى فقراء المسلمين، وفي ذلك إن شاء الله مخلص لها، والله تعالى.
السؤال (5 (
ما حكم مصافحة أرملة العم ومطلقته كذلك؟
الجواب: (1/327)
صفحة 328
زوجة العم ومطلقته وأرملته هي ليست من ذوي المحارم، إذ يجوز لابن الأخ أن يتزوج امرأة عمه بعدما تنفصل عنه بطلاق أو وفاته، وكذلك امرأة الخال يجوز لابن الأخت أن يتزوجها، وكذلك امرأة ابن الأخت يجوز لخاله أن يتزوجها، وامرأة ابن الأخ يجوز لعمه أن يتزوجها كل ذلك بعد الانفصال عنه، فإذاً ليست هنالك محرمة بينه وبينها، لذلك كانت مصافحته إياها غير جائزة، والله تعالى أعلم.
السؤال (6 (
ما الحكم إن سدد لي الزبون عن طريق الشيك لآخذه فيما بعد من البنك؟
الجواب:
البنك في هذه الحالة بمثابة الشخص المستودع، فإن أحلت إلى أي شخص بإمكانك أن تأخذ حقك منه سواءً كان هذا الشخص مسلماً أو لم يكن مسلماً أو كان ممن هو معروف أنه يتعامل مع الناس بطرق ربوية أو بطرق محرمة إذ النبي صلى الله عليه وسلّم عامل اليهود، وكان اليهود كما وصفهم القرآن أكالين للسحت أكالين للربا ومع هذا كانت هناك معاملة بين النبي صلى الله عليه وسلّم وبينهم، حتى جاء الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلّم توفي ودرعه مرهونة عند يهودي فيما أخذه منه من الطعام، هذا مما يدل على جواز التعامل مع غير المسلمين ومع غير الأبرار المتقين، فلا مانع من أن يحتال الإنسان إذا أحيل على مصرف ليأخذ حقه من غير أن تكون بينه وبينه معاملة ربوية، والله تعالى أعلم.
السؤال (7 (
هل يجوز أن أبيع سلعة بالسلم وأنا لم أشترها بنية أن أشتريها في المستقبل؟
الجواب:
السلم هو بيع غير حاضر بحاضر، وللإنسان أن يستلم على سلعة غير موجودة عنده إذ النبي صلى الله عليه وسلّم وسّع لأهل المدينة عندما كان يسلم بعضهم إلى بعض في ثمار مزارعهم من غير أن تكون هذه الثمار أصحبت موجودة متيسرة عندهم، أباح النبي صلى الله عليه وسلّم السلم فيها، فكل ما كان غير حاضر يجوز السلم فيه، فيجوز للإنسان أن يستلم وبعد ذلك يبحث عن هذه الحاجة إن كان البيع بطريق السلم المعروف لا بيع ما لم يحضر بطريقة أخرى. (1/328)
صفحة 329
السلم إنما هو بيع غائب بحاضر ومعنى ذلك أنه لا بد من أن يكون الثمن نقداً في وقت وقوع الصفقة بين المتبايعين.
السؤال (8 (
أنا طالب أدرس في الخارج وهناك أصوم شهر رمضان الكريم وكما هو معلوم هناك النساء لا يستترن ويكشفن رؤوسهن، وأذهب في كل يوم إلى المدرسة أو الكلية وأذهب لأغراض أخرى فيقع نظري عليهن، فما حكم صيامي؟
الجواب:
كل من الرجل والمرأة مأمور بغض البصر، الرجال مأمورون بغض الأبصار، والنساء مأمورات بغض الأبصار (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) (النور:30 - 31)، وهذا الغض ليس هو في وقت الصيام فحسب، بل الإنسان مطالب بأن يغض بصره عما حرم الله سواء كان ذلك في حال الصيام أو في غير حال الصيام لأن النظر سهم مسموم، فمن أطلق لنظره العنان أرداه كما هو معلوم، فإن عاقبة النظر الوقوع في المحارم ولذلك جمع الله تبارك وتعالى بين غض البصر وحفظ الفرج.
إن الله سبحانه وتعالى جعل النظر مفتاح باب الشهوة، فلذلك كان حرياً بالإنسان أن يحرص على غض بصره عن أن يمتد إلى محارم الله سبحانه، وهذا لا ينحصر في حال الصيام.
فنحن نوصي جميع أبناءنا الطلبة الذين يسافرون إلى أماكن لا تتورع النساء فيه عن إبداء مفاتنهن وعدم التقيد بالآداب الشريعة وبالأخلاق الإيمانية نوصيهم على أن يحرصوا على غض أبصارهم، والذي يتعمد أن يطلق لبصره العنان هو معرض لفتنة كبيرة فإن معظم الفتن مبدأها من النظر، كل بلاء مبدأه من النظر (ومعظم النار من مستصغر الشرر)، وقد أجاد من قال:
وإنك إذ أرسلت طرفك رائداً *** لعينك يوماً أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر *** عليه ولا عن بعضه أنت صابر
ويقول أمير الشعراء شوقي: (1/329)
صفحة 330
نظرة فابتسامة فسلام *** فكلام فموعد فلقاء
هكذا يتدرج الإنسان في الشر شيئاً فشيئاً والعياذ بالله بسبب إلقاء النظرة المحرمة على ما حرم الله تبارك وتعالى، فلذلك كان لزاماً عليهم أن يمتنعوا.
ولئن كان هذا النظر في نهار رمضان عن قصد فإنه لا ريب أن ذلك يتنافى مع التقوى، والله تبارك وتعالى بيّن أن الغاية من الصيام التقوى. وكيف لهذا الصائم أن يطلق نظره في محارم الله تبارك وتعالى وهو مع ذلك في مدرسة التقوى، في الصيام الذي يتدرب فيه على التزام تقوى الله وعلى التزام الأخلاق الفاضلة، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله. ويقول النبي صلى الله عليه وسلّم: من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. فلذلك نرى أن هذا عرّض صيامه للخطر.
لكن إن حرص على أن يغض بصره وأن يتجنب فإن الله تعالى لا يؤاخذه بسبب ما لم يكن قادراً على الامتناع منه، وذلك لأن الإنسان لم يؤمر بأن يغض بصره كله وإنما أمر بأن يغض من بصره، لأنه لو غض بصره كله لما أمكن له أن يتصرف، لما أمكنه أن يمشي في طريق ولا أمكنه أن يأخذ ولا أن يعطي وإنما يغض من بصره، فلا بد له من أن يفتح بصره بقدر ضرورته، فإن كان فاتحاً بصره بقدر ضرورته ومع ذلك يرى بمقدار هذا الفتح ما لا يحمد فليس عليه من ذلك شيء مع طهارة قلبه وحرصه على التزام تقوى الله سبحانه وتعالى وتجنب ما يؤدي إلى سخطه عز وجل ومع كراهته لما يبصر وإنكاره ذلك ولو بقلبه عندما يكون عاجزاً عن تغييره بلسانه، والله تعالى أعلم.
السؤال (9 (
ما حكم إظهار المرأة لزينتها عند خروجها من البيت وخاصة إظهار الخاتم والأساور، وهل هي من الزينة، وبماذا نرد على من يقول أن هذه ليست ملفتة وليست أيضاً مثيرة للرجل؟
الجواب: (1/330)
صفحة 331
قول من قال بأن بروز خاتم المرأة وبروز أساورها غير لافت لنظر الرجال كلام غير صحيح لا أساس له من الصحة. إنما يلفت نظر الرجل من المرأة كل شيء. نفس جرس حليها ولو لم يبد هو لافت لنظره ومثير لخياله وأحاسيسه، وكذلك نفحة طيبها ونبرة صوتها، كل من ذلك مثير لخيال الرجل، ولذلك نرى نحن في الأدب الرباني الذي يؤدب الله تبارك وتعالى به عباده من المؤمنين والمؤمنات يقول (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: من الآية31)، أمرن أن لا يثرن حواس الرجال ومشاعرهم من خلال إسماعهم جرس حليهن، فكيف بما إذ كان ذلك الحلي ظاهراً وتمتد إليه أنظار الرجال؟ لا ريب أن ذلك مما يثير كوامن ما في نفوسهم من الرغبة في هذه النسوة، فلذلك كانت الضرورة داعية إلى أن تستتر المرأة ولا تبرز هذه الزينة. من قال بأن الأساور غير زينة؟ إذن ما معنى لبس المرأة لها؟ وكذلك الخاتم إن لم يكن زينة فما معنى لبس المرأة له؟ هل تلبسه عبثاً أو تلبسه للتزين؟ فإذاً على المرأة أن تحرص على إخفاء كل ذلك وعدم إبداءه إلا لزوجها وذوي محارمها، والله تعالى أعلم.
السؤال (10 (
تتداول الآن ورقة تذكر الآية التي يتداولها الناس بأن تدمير البرجين في أمريكا نصت عليه الآية في سورة التوبة (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ... ) وتطورت المسألة إلى أن أصبحت توزع ويطالب كل من يقرأها أن يطبعها ويوزعها، وأنه لم يوزعها سيصبه مرض أو ستصيبه خسارة، فما صحة هذا الكلام؟
الجواب: (1/331)
صفحة 332
هذا من الكلام العقيم، ما أشبه هذا بما لا يزال يتداول من قصة الشيخ أحمد حامل مفاتيح حرم رسول الله صلى الله عليه وسلّم هذه القصة أنا سمعت والدي قبل ثلاثة وخمسين عاماً يذكر أنه اطلع عليها قبل عام 1350 للهجرة أي قبل أكثر من ثلاثة وسبعين عاماً اطلع على هذه القصة ولا تزال تتداول إلى الآن كأنما هي غضة طرية حصلت الآن.
والناس لقلة إدراكهم يصدقون هذه الأوهام ويقعون فريسة لها.
نحن نحرص على الدعوة إلى الحق، والدعوة إلى الإسلام والدعوة إلى التمسك بآداب الإسلام وقيمه، والدعوة إلى اتباع عقيدة الحق، ولكن على أن لا يكون ذلك بطرق الأوهام. فإن الدعوة إلى الحق بطرق الأوهام تنقلب رأساً على عقب على هذه الدعوة نفسها لا على أصحابها فحسب.
والإسلام جاء بتحريم الكذب، وتحريم الغش والتدليس واللبس، لبس الحق بالباطل لأن الحق حق والباطل باطل، الحق ثابت والباطل غير ثابت، فأنى للحق أن يقَر ويؤيَد للحق بطريق الباطل. لا يمكن أن يكون للحق سند من الباطل، إنما سند الحق حق، فالأوهام هذه كلها يجب أن نتركها جانباً، وأن نحرص كل الحرص على أن ندعو إلى الإسلام بحجة واضحة ودليل يقين، وما أكثر الحجج والأدلة التي تدل على صدق الإسلام وحقه، فلسنا بحاجة إلى التلبس بهذه الأوهام.
وهذا إنما أخذه الناس من مسلك دعاة النصرانية فإن أولئك أيضاً كثيراً ما يشيعون مثل هذه الأوهام ويروجون لها ويقولون من فعل كذا فإن عاقبة أمره أن ينال من الربح وأن ينال الخير الكثير وأن يشفى من مرضه وأن وأن وأن إلى آخره، ومن فعل خلاف ذلك حلت عليه اللعنة ووقع عليه البوار وأصيب في ماله وفي نفسه وفي أههل وفي ولده إلى غير ذلك مما يروجون له. (1/332)
صفحة 333
هؤلاء الضعاف من المسلمين الذين لا يملكون الحجة عندما يريدون الدعوة إلى الإسلام يريدون أن يسلكوا هذا المسلك نفسه. وهذا المسلك خطأ لأنه لم يقم على مسلك صحيح، فعلى الناس أن يتجنبوا مثل هذه الأشياء. ومثل هذه الأوراق يجب إتلافها. وأنا بنفسي أتلفها وأحرقها أمام الناس حتى يقتنعوا بأن أي ضرر لن يصيبهم من خلال عدم تطبيق ما فيها، فنحن لا نصدق بهذا أبداً، وإنما نستمسك بالحق الذي أنزله الله تبارك وتعالى.
السؤال (11 (
هل هناك من بأس في استعمال الهاتف النقال في المسجد وخاصة بالنسبة للمعتكف حيث سمعنا أن الاتصال عبارة عن معاملة بين المتصل والشركة، وهل يؤثر على الاعتكاف خاصة أن من يستعمله يرغب بالاتصال بأهله لطلب الطعام وغيره من الطلبات التي قد يحتاجها الإنسان في حالة اعتكافه أو وجوه في المسجد؟
الجواب:
قبل الإجابة على هذا السؤال أنا أريد أن أنبه الأخوة المستمعين إلى ما يجب من احترام المسجد.
كثيراً ما نكون صافين في الصلاة متوجهين إلى الله تعالى وإذا بهذه الهواتف النقالة تزعجنا من هنا وهناك وكأننا في مكان فيه ضوضاء وجلبة، وبعض هذه الهواتف فيها أصوات موسيقية كأنما في حلبة موسيقية نسمع فيها الكثير الكثير من الأصوات الموسيقية كأننا خارج الصلاة.
هذا أمر يزعج المصلين لا ينبغي أن يفعله الناس. ما لهؤلاء الناس يأتون إلى بيوت الله سبحانه يأتون بهذه الهواتف النقالة وهي مفتوحة ويتركونها كذلك لتزعج الناس وتشغلهم عن الصلاة مع أن في الصلاة شغلاً، لأن صلاة الإنسان تعني إقباله على ربه وتركه هموم الدنيا وتركه لجميع مشاغل النفس، لأن الصلاة يعني إقبال على عالم آخر، على عالم القدس، على مخاطبة الله تبارك وتعالى وحده، ولكن مع الأسف الشديد هؤلاء الذين لا يقدّرون للصلاة قيمتها، ولا يعرفون منزلتها عند الله سبحانه وتعالى لا يبالون بهذا. هذا أمر يجب أن يتنبهوا له. (1/333)
صفحة 334
أما إن كان مجرد طلب حاجة من غير أن يترك الهاتف شغّالاً ليزعج الناس في المسجد الناس فلا مانع منه. أما أن يعقد الصفقات مع هذا أوهذا وهو في المسجد فلذلك غير جائز، وإنما يتحدث في الهاتف في غير أوقات الصلاة بقدر ضرورته فحسب، ولا مانع من هذا لأن الضرورة تقدر بقدرها.
السؤال (12 (
بعض الناس ربما يغفل عن إغلاق هاتفه فيصيح فيقوم بقفله، هل هذه الحركة تؤثر على الصلاة؟
الجواب:
هذا حقيقة الأمر دليل الإهمال، ودليل عدم المبالاة بحق الصلاة، أنا قلت يجب أن يقال في حق هؤلاء بأنهم عليهم أن يغلقوا هواتفهم وعليهم أن يعيدوا صلاتهم، لأنهم من أول الأمر هم مهملون للواجب، غير مبالين بحق الصلاة.
السؤال (13 (
وبعض الناس يجعله هزازاً وعندما يأتيه اتصال يهتز جزء من جسده، فهل هذا أيضاً يؤثر على الصلاة؟
الجواب:
إن كان يشغله، ويذهب بفكره عن الصلاة فلا ريب أن ذلك ممنوع شرعا.
السؤال (14 (
أنا مقيم في سمائل أما بلدنا الأصلي فهو وادي محرم ولكن منذ زمن الآباء ونحن مستقلون في سمائل، وبين فترة وأخرى نذهب إلى وادي محرم لزيارة الأرحام والأقارب، ولي هنالك غرفة أبيت فيها يوم أو يومين ولي بعض النخيل لا تتجاوز عدد الأصابع، هل تجب عليّ صلاة القصر أم الإتمام مع العلم أنني قبل أن اكتب إليكم كنت عندما أذهب إلى هناك أتم صلاتي ولا أصلي الصلاة قصراً، والمسافة تبعد أكثر من ستين كيلومتراً؟
الجواب:
هذا راجع إلى كونه هل يشعر بطمأنينة المستقر الساكن هنالك بحيث يذهب بعائلته في بيته ويحس بالاستقرار والطمأنينة وبين أهله أو لا؟ فإن كان يحس بالاستقرار والطمأنينة، ولا يحس بمشاعر تختلف عن مشاعره عندما يكون حيث مستقره فإذاً هو موطّن، أما إن كان يحس بأنه غريب وأنه ينتظر ساعة العودة إلى مكان استقراره بحيث لا يريد الاستمرار هنالك فهذا مسافر وعليه أن يقصر الصلاة.
السؤال (15 ( (1/334)
صفحة 335
نحن مجموعة أردنا أن نصلي في مكان وفرشنا الحصير فهل يلزم الصف الآخر أن يقيم في حدود الحصير أم يخرج خارج الحصير لأننا غير متأكدين من نظافة المكان حول الحصير؟
الجواب:
الأصل في المكان الطهارة، الأصل في الأرض وما على الأرض الطهارة حتى تثبت النجاسة لأن النجاسة طارئة والطهارة هي الأصل ويستصحب حال الأصل، ولا ينبغي للإنسان أن يكون شكّاكا، لأن الشك يؤدي إلى الوسوسة فليستصحب هذا الأصل وليصل وليتوكل على الله تعالى.
السؤال (16 (
شخص استيقظ وشرب دون أن يعلم أن وقت الإمساك قد بدأ إلا بعد أن سمع أذان الفجر بعد أن انتهى من الشرب؟ فما حكم صيامه؟
الجواب:
العبرة بحال الأذان، إن كان الأذان عند انبلاج الفجر فليس له أن يشرب بعد انبلاج الفجر، لأن الله ناط الأكل والشرب إلى ميقات معين، ناط ذلك بحالة الوصول إلى ميقات معين ميقات زمني وهو أن يستطيع الإنسان أن ينظر إلى الفجر الصادق متميزاً من بين الظلام، بحيث يبدو الخيط الأبيض من الخيط الأسود أي يبدو انبلاج الفجر، فإن كان الأذان في هذه الحالة فهذا قد أكل بعدما تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود فعليه إن تعمد التوبة والقضاء والكفارة، وإن كان غير متعمد وإنما كان ذلك على طريق السهو أو على طريق النسيان أو على طريق الجهل فعليه القضاء وعليه بجانب ذلك أن يستغفر الله من صنيعه.
السؤال (17 (
ماذا لو قام فشرب وهو لا يدري هل أذن لصلاة الفجر أم لم يؤدن، فماذا عليه؟
الجواب:
إن كان استصحب الأصل فاستصحاب الأصل يسقط عنه حكم القضاء وغيره، إن كان هو لا يدري، الأصل ليل ولم ير للفجر أثرا فإنه في هذه الحالة يستصحب حكم الأصل حتى يتبين له خلافه.
السؤال (18 (
المولود الذي يولد وهو كامل الخلقة إذا ولد ميتاً هل يصلى عليه صلاة الميت؟
الجواب: (1/335)
صفحة 336
إن ولد ميتاً لم يستهل فلا يصلى عليه، أما إن استهل فإنه يصلى عليه، وإنما له حقوق إن كان لم يستهل فهو يغسل ويكفن ويدفن، أما الصلاة فهي على من تُيُقنت حياته بعدما ولد.
السؤال (19 (
كنت مريضاً قبل يومين فذهبت إلى الطبيب فأعطاني إبرة في فخذي ووضع فوق مكان الإبرة شريطاً لاصقاً، وفي نفس الليلة أصابتني جنابة فقمت واغتسلت ولكنني لم أنزع الشريط اللاصق فلا بد أنه لم يصل الماء إليه أثناء الاغتسال، ولم يصل الماء إلى موضع الإبرة بسبب الشريط اللاصق ولم أنتبه إلا بعد مضي يوم ونصف، فما حكم صيامي وصلاتي؟
الجواب:
صيامك وصلاتك صحيحان لأن ذلك حكمه حكم الجبيرة، ويجوز المسح على الجبيرة من أجل الضرورة في الغسل وفي الوضوء.
السؤال (20 (
ما حكم من وجد كرة بسيطة أمام مجموعة من المنازل فأخذها وغالب الظن أن تلك الكرة لأولاد أصحاب تلك المنازل وهذا حدث قبل أكثر من عشر سنوات وهو حين فعل ذلك لم يكن بالغاً فهل يجب عليه الآن أن يذهب إلى تلك لمنازل ليبحث عن صاحبها مع أنه متيقن لو وجده وقص عليه ما حدث لعفا عنه وذلك لتفاهة ذلك الشيء، ماذا يجب عليه في هذه الحالة؟
الجواب:
الأصل في الإنسان أن يحرص على التخلص من أموال الناس، ولكن إن كان واثقاً ومطمئناً بأن صاحب ذلك الشيء لا يطالبه به فإن هذه الثقة كافية لأن تسقط عنه التبعة، ولأجل هذا أبيح الأكل من مال الغير بسبب الدلالة، وأبيح أيضا الأكل من مال الغير بسبب التعارف، إن تعارف الناس في مجتمع على طريقة معينة يسوغون فيها للناس أخذ شيء من المال كالتقاط ما يسقط من النخيل أو الأشجار مثلاً إن كان ذلك عرفاً عاماً فإن ذلك مما يسوغ للناس أن يتبعوا الطريقة التي تعورف عليها، ولا يلزم أن يعرفوا عن الشخص بعينه أي صاحب المال أنه راض إن كان العرف سائداً بين الناس بأن الكل يكون راضياً عمن أخذ من مثل هذه الأموال الخفيفة، فالعرف كاف لأن يسقط الضمان عمن أخذ به.
السؤال (21 ( (1/336)
صفحة 337
رجل لا يجيد تجويد القرآن الكريم وكان يتلو بعض آياته ولكنه توقف عند آية فلم يدر أو لم يعلم تلاوتها التلاوة الصحيحة، فهل يجوز له أن يتخطاها أو أن ينهي قراءته حتى يسأل عن كيفية تجويدها أو قراءة تلك الآية؟
الجواب:
إن وجد من يسأله فالأولى أن يسال أولاً، وإن لم يجد فإنه يتحرى قراءتها ثم بعد ذلك إن وجد الشخص الذي يعرفه بالطريقة السليمة فليقرأها مرة أخرى أو مع إعادته لقراءة القرآن الكريم.
السؤال (22 (
إذا تخطاها عمداً؟
الجواب:
لا حرج عليه
تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه
26 من رمضان 1423 هـ، 2/ 12/2002م
الموضوع: عام
السؤال (1 (
امرأة متزوجة من رجل منذ أكثر من سبعة وعشرين عاماً، ولديها أولاد كبار وصغار منهم يعملون وتزوجوا وأنجبوا ومنهم الصغار كذلك، حيث أن زوج هذه المرأة لا يحافظ على الصلاة، وبمعنى أصح لا يعرف الوضوء ولا الصلاة حتى أنه لا يذهب إلى المسجد لأداء الصلاة بحجة أنه غير قادر وأن به ألم في رجليه إلا أنه في حقيقة الأمر يعمل ويستطيع المشي والحركة ويذهب إلى أي مكان آخر يريده.
ما قولكم في هذا الرجل وما الحكم الذي ينطبق عليه، وهل يجوز لزوجته أن تعاشره مع العلم أنها نصحته مراراً عديدة وهي غير راضية عن تصرفاته، وأولاده غير راضين عنه ودائماً ينصحونه ويحثونه على أداء الصلاة ولكنه لا يقبل النصيحة؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: (1/337)
صفحة 338
فنحن قبل كل شيء نوجه نصيحتنا إلى الرجل نفسه، وإلى أمثاله من الذين يتهاونون في الصلاة ولا يبالون بها متى أدوها، أو لا يبالون بها أدوها أو لم يؤدوها، نوجه نصيحتنا إلى هؤلاء أن يتقوا الله، وأن يدركوا أولاً أنه لا نصيب لهم في الإسلام ما داموا مضيعين لصلاتهم، فإن الحق سبحانه وتعالى جعل الإسلام ليس أمراً نظرياً يعيش في عالم المثال فحسب، وإنما هو حقيقة واقعية، فالإسلام دين الله الحق جاء من أجل تطويع النفوس لرب العباد سبحانه تعالى، ووصل هذه النفوس ببارئها عز وجل، وهذه الصلة إنما تكون من خلال هذه الطاعة خلال هذه العبادة والانقياد المطلق لرب السموات والأرض الذي تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفورا.
فالإنسان إن لم يكن مؤدياً لواجبه وقائماً بحق العبادة لله سبحانه وتعالى يكون نشاز بين طبيعته وحركته، إذ للإنسان حركة فطرية اضطرارية، وله أيضاً حركة اختيارية كسبية.
فالحركة الفطرية إنما هي حسب سنن الله تبارك وتعالى، فللإنسان حركات تتجاوب مع نظام الكون، هذه الحركات إن لم توازها حركات كسبية اختيارية تنسجم معها كان نشاز بين فطرة الإنسان وحركته الكسبية، ولذلك يحدث ما يحدث من انفصام الشخصية ويحدث ما يحدث من تنكر الإنسان للكون وسخطه على الواقع بسبب ما يكون من ضيقه لإحساسه بأن فعله لا يتفق مع طبيعته التي طبع عليها وفطرته التي فطره الله تبارك وتعالى عليها. (1/338)
صفحة 339
وليس هذا فحسب بل الإنسان يكون عدواً للكون ويحس أن الكون عدواً له عندما يكون بعيداً عن عبادة الله سبحانه تعالى، فلذلك نحن نرى في كلام الناس اليوم الذين بعدوا عن عبادة الله ما يدل على هذه العداوة الناشئة عن هذا الاضطراب النفسي والبعد عن منهج الله، فكثيراً ما يردد الناس الذين بعدوا عن الله كلمات تنم عن عدائهم للكون وإحساسهم بعداوة الكون لهم كقولهم فلان استطاع أن يقهر الطبيعة أو أن قوماً غزوا الفضاء أو نحو ذلك مما يدل على أنهم يحسون بأن الكون عدو لهم فلذلك يحرصون على غزو ما يغزون منه ويحرصون على قهر ما يدعون أنهم يقهرونه منه.
بينما المؤمن بخلاف ذلك لأنه يشعر بأنه يتجاوب مع هذا الكون، إذ الكون بأسره تسبح كل ذرة من ذراته بحمد الله وتسجد لجلاله وهذا ما أنبأ عنه القرآن الكريم في كثير من الآيات فالله تبارك وتعالى يقول (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) (الاسراء:44)، ويقول (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الحديد:1)، ويقول (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الحشر:1)، ويقول (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) (الجمعة: من الآية1) (الجمعة:1) إلى غير ذلك من الآيات. (1/339)
صفحة 340
ويقول تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) (الحج: من الآية18)، فالإنسان خلاياه التي يتكون منها جسمه لها حركات تنسجم مع هذه الحركة الكونية العامة، ولكن عندما يكون هذا الإنسان شاذاً فإن حركته الكسبية تكون ضد هذه الحركة الاضطرارية فلذلك يحدث ما يحدث من الاضطراب، ولا ريب أن الصلاة في مقدمة العبادات جميعاً إذ هي تجمع التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، وهي أيضاً تجسد الخضوع المطلق لله عز وجل فلذلك قرنت الصلاة بالإيمان وجاءت رديف الإيمان في كثير من آيات الكتاب فالله تبارك وتعالى يقول (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) (البقرة2 - 3) أردف الإيمان بذكر إقامة الصلاة، وكذلك يقول سبحانه (هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) (النمل: 2 - 3)، ويقول أيضاً (هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) (لقمان:3 - 4).
وقد بين القرآن الكريم أن إيمان الإنسان لا يتحقق إلا بهذه الصلاة فلذلك يكون حرباً على الإسلام إلا عندما يقيم الصلاة فقد قال تعالى (فإن تابوا) أي في المشركين الذين يحاربون المسلمين (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) (التوبة: من الآية5).
ثم بين أن بهذه التوبة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تتحقق الأخوة ما بينهم وبين المؤمنين عندما قال (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) (التوبة: من الآية11). (1/340)
صفحة 341
وكذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى بين أن نصرة العباد لله إنما تتحقق بإقامة الصلاة وبإيتاء الزكاة فقد قال (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج: 40 - 41).
وعندما وعد عباده المؤمنين الاستخلاف والتمكين في الأرض ذكر ما يدل على أن هذا الاستخلاف إنما يكون للذين يقيمون الصلاة أي إقام الصلاة من أهم شروطه التي نيط بها فقد قال سبحانه وتعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: 55)، ثم أتبع ذلك قوله (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (النور:56) للتتنبه النفوس وتستيقظ الضمائر إلى أن هذا الاستخلاف لا يكون إلا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
على أن هذه الصلاة هي ذات الأثر البعيد في تطهير النفس من أدرانها وتصفية مرآتها من أكدارها وتمتين صلة الإنسان بربه سبحانه، وتمتين صلته بمجتمعه وأسرته وأمته حتى يكون فرداً فاعلاً في هذه الأسرة أو هذا المجتمع أو هذه الأمة. (1/341)
صفحة 342
وكما أن الصلاة تأتي في مقدمة أفعال الخير وذلك كما تكرر كثيراً في القرآن الكريم نجد أيضاً أن التقصير في الصلاة أو إضاعتها أو عدم المبالاة بها من أسباب كون الإنسان يتردى والعياذ بالله في دركات الشر فالله سبحانه وتعالى قال (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) (مريم:59)، يعني أن إضاعة الصلاة هي مقدمة أعمال الشر بأسرها فهي تأتي أولاً قبل كل شيء في مقدمة أعمال الشر ولذلك يليها ما يليها من اتباع الشهوات وغيره.
كذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى عندما ذكر أصحاب الجحيم وأنهم يسئلون يوم القيامة عما سلكهم في سقر حكى إجابتهم إذ قال فيما يحكيه من إجابتهم قَالُوا (لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) (المثر: 43 - 47)، فهم مع ما ارتكبوه من الجرائر الكثيرة التي من بينها التكذيب بيوم الدين جيء بإضاعتهم الصلاة وتركهم إياها في مقدمة أعمال السوء التي ارتكبوها.
وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم جاءت لتؤكد هذا الذي دل عليه القرآن وإن كان القرآن لا يحتاج إلى أن يؤكد بشيء ولكن جاءت الأحاديث موضحة لئلا يبقى لبس في النفوس، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإن فعلوا ذلك فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله). (1/342)
صفحة 343
ونجد أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام عندما ذكر الصلوات الخمس قال: من حافظ عليهن كن له يوم القيامة نوراً وبرهاناً ونجاة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع فرعون وقارون وهامان وأبي بن خلف)، وذكر بعض العلماء فائدة ذكر هؤلاء الأربعة كيف ذكروا هنا؟ فقال بأن تارك الصلاة إما أن يتركها لأنه مشغول عنها بملكه فمن كان كذلك فهو يحشر يوم القيامة مع فرعون ويقرن به، وإن كان مشغولاً عنها بماله حشر يوم القيامة مع قارون وقرن به، وإن كان مشغولاً عنها بمنصبه حشر يوم القيامة مع هامان وكان مقروناً به، وإن كان مشغولاً عنها بتجارته حشر يوم القيامة مع أبي بن خلف الذي هو أحد تجار كفار قريش بمكة وكان مقروناً به.
هكذا يؤدي ترك الصلاة بصاحبه إلى أن يكون من أمثال هؤلاء العتاة المتكبرين وأن يحشر معهم وإن لم يفعل ما فعلوا من الكبائر الأخرى ولكن حسبه تركه الصلاة فاحشة عظيمة وفعلاً منكرا.
ونجد الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أن الصلاة هي عمود الدين ويقول عليه الصلاة والسلام: لكل شيء عمود وعمود الدين الصلاة وعمود الصلاة الخشوع. رواه الإمام الربيع رحمه الله من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، ومثل هذا يتكرر في الأحاديث فلذلك كان من الضرورة على المسلم الذي يريد أن يصدق انتماءه إلى الإسلام أن يحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس، كما أن عليه أن يحافظ على كل شيء من الواجبات، ومن هذه المحافظة أن يؤديها بخشوع حتى تكون زاجرة له عن الشر باعثة له على الخير وأن يحافظ عليها في الجماعات. (1/343)
صفحة 344
فما بال هذا الإنسان يدعي أنه لا يستطيع الذهاب إلى المسجد ليصلي جماعة وهو ينطلق برجليه إلى أرض فسيحة وينتقل من مكان إلى مكان ذلك كله إنما دليل على أن الشيطان يثبطه عن المحافظة على هؤلاء الصلوات. ثم كيف لو كان معذوراً عن شهودها في المسجد هل يسمح له أن لا يصليها قط فهو بإمكانه أن يصليها حتى في البيت.
نعم الصلاة هي في الأهمية بهذا القدر، ولذلك كان على المرأة المسلمة أن لا ترضى لنفسها أن ترتبط بشخص من أمثال هؤلاء الذين لا يبالون بالصلاة، هذا مما يدل على أنهم ليسوا من الإيمان في شيء بل ليسوا من الإسلام في شيء، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر. ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة.
فلذلك أنا أدعو هذه المرأة إلى أن تحرص على أن تبلغ هذا الرجل إما أن يستقيم ويحافظ على الصلاة وإما أن تطالبه بالانفصال عنه، والله تعالى الموفق.
السؤال (2 (
امرأة بدوية ألزمها خالها برعي الغنم وسحب الماء من البئر فلم تستطع الصوم وقتاً من الزمن ومنذ أن بلغت إلى أن صامت فوتت أربعة رمضانات، ثم توفيت المرأة بعد أن أخبرت ابنتها بذلك، وابنتها تسأل ما الذي يجب عليها للتكفير عن والدتها فيما ضيعت؟
الجواب:
حقيقة الأمر يا ليت هذه المرأة تداركت أمرها وهي في حياتها، وقضت ما كان لازماً عليها من صيام الشهر بنفسها، ولكن بما أنها أفضت إلى ربها والله سبحانه وتعالى هو يتولى أمرها، إلا أنه مما ينبغي للبنت أن تصوم إن قدرت عنها لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها: من مات وعليه صيام صام عنه وليه. وإن شاءت أن تطعم عن كل يوم مسكيناً عنها فذلك خير، هذا وإن أرادت أن تحتاط أكثر فتكفر على الأقل كفارة واحدة، وفي هذه الحالة تكون الكفارة عنها إطعام ستين مسكينا لأنها لا تجد الرقبة. (1/344)
صفحة 345
ثم إن نفس هذه المرأة التي يكفر عنها غير موجودة فلا مانع من أن يطعم عنها مقدار ستين مسكينا كما هو الواجب في الإطعام في الكفارة، والله تعالى أعلم.
السؤال (3 (
زكاة الفطر كم تقدر بالمبالغ؟
الجواب:
حقيقة الأمر تجب على كل واحد أن يخرج عن نفسه وعن من يعوله عولاً واجباً عليه صاعاً من الطعام من غالب ما يقتاتون به في البلد، والناس الآن كثيراً ما يقتاتون بالأرز فلذلك ينبغي أن يكون المخرج صاع أرز.
وأما العدول إلى القيمة فذلك أمر اختلف فيه العلماء فجمهورهم على المنع من ذلك. وإنما رخص بعض أهل العلم في ذلك، وهذه الرخصة لا ينبغي أن يصار إليها إلا مع تعذر وجود من يقبل الطعام ففي هذه الحالة لئلا تعطل هذه الزكاة تدفع نقوداً، أما مع وجود من يقبل الطعام فإنها تدفع طعاماً كما جاءت بذلك السنة ولا ينبغي العدول عن ذلك، ومع العدول عن الطعام إلى القيمة فإن القيمة تختلف باختلاف الزمان والمكان فلذلك ينبغي للسائل أن يبحث عن قيمة الأرز مقدار الصاع وأن يحتاط بأن يدفع أكثر من هذه القيمة كأن يدفع في وقتنا هذا ريالاً أكثر من ريال، والله تعالى أعلم.
السؤال (4 (
البعض يقول نحن عندما نذهب بالأرز إلى أحد لا يرده خجلاً وحياء إنما يتقبله على مضض ولكننا نرى ونشعر أن بحاجة إلى المال أكثر من حاجته إلى الأرز؟
الجواب:
أنا أعجب من هذه الحالة!! هل الفقراء الآن لا يأكلون؟ لماذا يحتاجون إلى المال؟ أليس المال يحتاجون إليه من أجل الإنفاق على أنفسهم وفي مقدمة الإنفاق الاقتيات أي الإنفاق على القوت، فالأرز عندما يدفع إليهم إنما يقتاتون به والقوت في مقدمة حوائج الناس جميعاً الأغنياء والفقراء جميعاً، فكيف يرفضون الأرز ويريدون الثمن!!!
السؤال (5 (
الفقراء يحتاجون المبالغ لشراء الملابس في العيد، فهل يراعى مثل هذا الأمر؟
الجواب:
إن وجد من يقبل الأرز أو من يقبل الطعام فيعطى الطعام اتباعاً لما دل عليه الحديث.
السؤال (6 ( (1/345)
صفحة 346
طالب يدرس وعمره خمسة عشر عاماً وأصابه مرض وفي الليل قال إن أصبح علي الصباح وأنا مريض فسوف أفطر، وأصبح عليه الصباح وهو معافى ولكنه الساعة الثامنة أفطر، فماذا عليه؟؟
الجواب:
أما إن كان أفطر بغير مسوغ ففي هذه الحالة عليه التوبة والقضاء والكفارة، والكفارة هي معلومة كما كررنا ذكرها مراراً هي عتق رقبة لمن وجدها فإن لم يجدها فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، والله تعالى أعلم.
السؤال (7 (
بالنسبة للنية التي تحمل هذه الاحتمالات كأن يقول إن أصحبت معافى أصبحت مريضاً أصبح صائما، ما حكمها؟
الجواب:
هو ينوي أن يصوم، وإن اعتراه مرض فإنه يفطر من أجل مرضه.
السؤال (8 (
امرأة مريضة منذ سنة ولا تعرف أولادها فهي شبه فاقدة للوعي فهل عليهم أن يطعموا عنها كل يوم مسكينا في رمضان؟
الجواب:
لا، لأن الواجب سقط عنها بسبب فقدانها عقلها، والعقل هو مدار التكليف فمع فقدانه يسقط التكليف، والله تعالى أعلم.
السؤال (9 (
وهل عليها زكاة الفطر؟؟
الجواب:
أما هي فلا، ولكن من يقوم بعولها يزكي عنها كما يزكي عن الصبي الصغير الذي لم يكلف شيئاً قط.
السؤال (10 (
الذي يُطعم عنه كل يوماً مسكيناً هل يجوز أن تجمع هذه المبالغ أو يجمع هذا الطعام إلى نهاية الشهر فيعطى لفقير واحد؟
الجواب:
نعم، يجوز ذلك لأن كل يوم مستقل بنفسه فيمكن أن يطعم نفس المسكين في كل يوم، ويمكن أن يجمع هذا الطعام كله ليعطى إياه آخره الشهر، والله تعالى أعلم.
السؤال (11 (
رجل يحضر المسجد فيأكل من الفطرة الموضوعة هناك ولكنه لا يصلي في المسجد إنما يأكل وينصرف وكذلك بقية الصلوات؟
الجواب:
بئس الرجل هذا، هذا رجل نهم يحرص على الأكل ولا يعرف للعبادة معنى، فما باله يأتي إلى المسجد ما دام لا يصلي مع الجماعة، هذا يجب أن يطرد مادام يأت للأكل وحده ولا يصلي مع المصلين، يجب أن يطرد من المسجد.
السؤال (12 ( (1/346)
صفحة 347
كما نعرف أن الأعمال تضاعف في ليلة القدر، فهل تنطبق هذه المضاعفة على من أحيا ليلة القدر على الباطل أو في معصية الله سبحانه وتعالى؟
الجواب:
لا ريب أن كل ذي حرمة تكون المعصية في كنفه أعظم إثماً وأشد جرما، فالمعصية مثلاً في مكة المكرمة يضاعف وزرها لمكانة الحرم حرم الله تبارك وتعالى، وكذلك المعصية التي تكون في شهر رمضان يضاعف وزرها بسبب أن الإنسان يجترئ على الله في الشهر الكريم، وعندما تكون ليلة القدر فإنها يضاعف أيضاً وزرها، فيجب على الإنسان أن يحرص على أن يتفادى المعصية بكل ما يملك من قوة حتى لا يقع فيها.
السؤال (13 (
ذهب المرأة المستخدم للزينة، هل يزكى؟
الجواب:
نحن كررنا الحديث بأن الذهب والفضة إن بلغا النصاب يزكيان ولو كان حلياً للمرأة فإن الأدلة العامة تدل على عدم خروج الحلي من حكم وجوب الزكاة الذي جعله الله تبارك وتعالى حقاً معلوماً في الذهب والفضة. وهنالك أدلة خاصة بجانب هذه الأدلة العامة وهي وإن قوبلت بأدلة أخرى إلا أنها أقوى سنداً وأقوى دلالة من تلكم الأدلة التي تسقط الزكاة، وبجانب كون أن هذه الأدلة معتضدة بالعمومات التي دلت على وجوب الزكاة في كل ذهب وفي كل فضة كقوله تعالى (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) (التوبة:34 - 35)، وكذلك حديث: ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقهما إلا صفحت له يوم القيامة صفائح من نار. هذا وبجانب ذلك هنالك أحاديث أخرى تدل على وجوب الزكاة في الحلي كحديث المرأة صاحبة المسكتين الغليظتين وحديث عائشة رضي الله تعالى عنها وغيرها من الأحاديث.
السؤال (14 ( (1/347)
صفحة 348
ما حكم ذهاب البنت للدراسة في الخارج ربما بغير محرم؟
الجواب:
أما إن كانت تذهب مع محرم وهي مصونة من كل ما يخشى ويتقى فلا مانع من ذلك، وأما أن تذهب بنفسها مع غير محرم ولا زوج فذلك لا يجوز لنهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن سفر المرأة إلا مع زوج أو ذي محرم، والله تعالى أعلم.
السؤال (15 (
امرأة أفطرت في شهر رمضان وكان عمرها اثنا عشرة سنة، فما الحكم؟
الجواب:
على أي حال نسأل الله تبارك وتعالى العفو والعافية، هي لا تخلو إما أن تكون بلغت الحلم أو لم تكن بلغت الحلم، فإن كانت بلغت الحلم فهي متعبدة بما تعبد به كل بالغ عاقل، وإن كانت لم تبلغ الحلم فهي لم تتعبد بعد بالتكاليف الشرعية، ولكن مع هذا نحن نأمرها احتياطاً أن تصوم ذلك اليوم قضاء وأن تستغفر الله تعالى مما أقدمت على فعله وأن تكفر، والكفارة هي عتق رقبة إن وجدتها فإن لم تجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم تستطع تطعم ستين مسكينا، ونسأل الله تعالى القبول والعافية.
السؤال (16 (
امرأة أفطرت يوماً من رمضان لشدة العطش في الصحراء وهي في بداية سن البلوغ وقد أطعمت ستين مسكينا عن طريق دفع مبلغ وهو ستون ريالاً فهل هذا جائز إن كان عليها كفارة أصلاً؟
الجواب:
إن كانت مضطرة وما أفطرت إلا وهي مضطرة فلا كفارة عليها وإنما عليها القضاء فإن الله يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة: من الآية185)، فالله سبحانه وتعالى لم يكلف عسيرا وإنما كلف يسيرا، فلذلك لا تجب الكفارة على من أفطر مضطرا، ومن هنا كان ترخيص الله تبارك وتعالى للمسافرين والمرضى أن يفطروا في نهار رمضان وأن يقضوا فيما بعد وهكذا كل مضطر يعطى هذا الحكم، والله تعالى أعلم.
السؤال (17 ( (1/348)
صفحة 349
ما حكم الزوجة التي تكلم غريباً وقد نصحت من قبل أبناءها وأخذوا عنها الهواتف لكن الزوج صامت لا ينكر عليها بشيء فبالنسبة لهم هم هل يهجروها أم يضربوها أم يرحلوها إلى أهلها؟ ماذا يصنعون معها؟؟
الجواب:
كيف يرحلونها إلى أهلها وهي في ذمة زوج؟ ترحيلها إلى أهلها أمر عسير، ولكن عليهم أن ينصحوها بقدر مستطاعهم، وأن يحركوا مشاعر الزوج حتى لا يقر السوء في أهله فإن الذي يقر السوء في أهله ديوث، والديوث حرام عليه رائحة الجنة كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. مع أن مكالمة المرأة بالرجل الأجنبي في الهاتف من غير ضرورة ومن غير أن يكون الكلام بريئاً أمر فيه الكثير من الخطورة، والله تعالى أعلم.
السؤال (18 (
ماذا يصنع المأموم إذا نسي الإمام الجهر بالفاتحة؟
الجواب:
إن نسي الجهر بالفاتحة فإنه يؤمر المأموم أن يسبح له حتى يجهر إن كان ذلك في موضع الجهر أي إن كان ذلك في صلاة جهرية، وإن كان لا يتفطن للتسبيح فإنه من المناسب أن يقول له كلمة من القرآن تدل على ما ينبهه عليه كأن يقول له (وَلا تُخَافِتْ بِهَا) (الاسراء: من الآية110).
السؤال (19 (
زكاة الإبل هل يخرجها عبارة عن رأس غنم أم يخرجها نقداً؟
الجواب: (1/349)
صفحة 350
زكاة الإبل إن بلغت خمساً ففيها شاة، وإن بلغت عشراً ففيها شاتان، وإن بلغت خمس عشرة ففيها ثلاث شياه، وإن بلغت عشرين ففيها أربع شياه، وإن بلغت خمساًً وعشرين ففيها بنت مخاض، وإن بلغت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون، وإن بلغت ستاً وأربعين ففيها حقة، وهكذا زكاة الإبل تجب أولاً في كل خمس شاة ثم بعد ذلك تنتقل إلى أن تكون زكاتها من جنسها، واختلف العلماء في إخراج القيمة هل يجزي إخراج القيمة أو لا يجزي، قيل بأنه لا يجزي لأن الأحاديث نصت على ما يُخرج ولا ينبغي الخروج عن ذلك قط، ولو كانت هنالك رخصة لبينها النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل يجزي لحديث معاذ ولكن الحديث غير متصل الإسناد وللعلماء فيه مقال لذلك نحن قلنا بأنه مع الإمكان أي إمكان أن يخرج ما يجب من الزكاة في الإبل وغيرها فإنه لا يعدل عنه إلى دفع القيمة، وإن تعذر ذلك أو تعسر، أو كانت مصلحة الفقراء في دفع القيمة في هذه الحالة لا حرج في العدول عن الأصل الذي يجب إخراجه إلى دفع القيمة مع كون هذه القيمة قيمة عادلة.
السؤال (20 (
بالنسبة لصلاة التراويح عندما ينتهي من الركعتين الأوليين هل يكبر مباشرة تكبيرة الإحرام للركعتين الأخريات أم يبدأ بالتوجيه؟
الجواب:
من العلماء من يرى الاكتفاء بالتوجيه الأول، ومنهم من يرى أنه ينبغي أن يأتي بالتوجيه ولو بالاختصار كأن يقتصر على توجيه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي كلا الأمرين خير إن شاء الله، وهذه المسألة مسألة بسيطة لا ينبغي أن تكون مثار شقاق بين الناس.
السؤال (21 ( (1/350)
صفحة 351
رجل قرأ آيتين إحداهما تدل على أن الله يحاسب على ما في النفس سواء جهر به الإنسان أم أخفاه، والثانية تدل على خلاف ذلك (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ) (البقرة: من الآية284)، والثانية (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) والرجل الآن مبتلى بوسواس شديد ربما تحدثه نفسه في بعض الأحيان إلى الإشراك بالله، فما هو علاجه؟
الجواب:
على أي حال الوسواس القهري لا يؤاخذ به الإنسان وهو معنى قول الله تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية286) فعندما نزل قول الله سبحانه وتعالى (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ) (البقرة: من الآية284) ضاقت صدور الناس ذرعا وجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكوا ما يجدونه في أنفسهم مما لا يستطيعون دفعه فنزل قوله سبحانه (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية286)، ومعنى ذلك أن ما يحاسب عليه الإنسان إنما هو الذي يستطيع أن يدفعه ولا يدفعه، أما ما كان غير قادر على دفعه فذلك مما لا يحاسب عليه بل هو من حديث النفس الجبري أي القهري الذي لا يدخل فيما يؤاخذ عليه العبد.
تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه
الثلاثاء 27 رمضان 1423 هـ،3/ 12/2002 م
الموضوع: عام
السؤال (1 (
كنت حاملاً بالشهر الأول وأجهضت وأجريت بعد ذلك عملية تنظيف في أول أيام شهر رمضان المبارك، وبعد ذلك أفطرت ثلاثة عشر يوماً وأتممت صيامي وصلاتي، هل تصح الصلاة والصيام رغم نزول الدم بشكل متقطع، وبعد تسعة وعشرين يوماً أتتني أوجاع العادة الشهرية ونزل الدم ولكن لونه أحمر، هل هو دم الدورة الشهرية أم هو دم استحاضة؟ وهل أنا أعتبر نفساء وأقضي شهر رمضان كاملاً؟ أم أصوم الأيام التي أفطرتها مع الصلاة؟ أم فقط أقضي الأيام التي أفطرتها دون قضاء الصلوات؟
الجواب: (1/351)
صفحة 352
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلّم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فحقيقة الأمر أنا لا أدري ما الذي أجهضته هذه المرأة؟ هل أجهضت أي أسقطت جنيناً كامل الخلقة، أو أسقطته مضغة مخلقة أو مضغة غير مخلقة أو علقة أو غير ذلك، فقد كان ينبغي أن يُبيّن كيف كان هذا السقط الذي أسقطته، ومهما يكن فإن للعلماء اختلافاً كثيراً، ونحن لسنا بحاجة إلى استعراض هذا الخلاف، ولكن نقول بأنها إن كانت رأت الطهر وكان ذلك بعد ميقات يمكن أن تعتبره ميقاتاً للنفاس حسب ذلك السقط الذي أسقطته، ثم رأت بعد ذلك الدم فإن ذلك الدم لا تعتبره شيئاً.
على أن الدم الفاتح أو الصفرة أو الكدرة أو الترية أي التوابع التي تتبع الدم حكمها حكم ما كان قبلها، فإن كانت مسبوقة بدم فحكمها أنها حيض أو نفاس، وإن كانت مسبوقة بطهر فحكمها حكم الطهر، وهذا لأجل الجمع بين حديث أم عطية (كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلّم)، وحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها (لا تطهر المرأة من حيضها حتى ترى القصة البيضاء)، فمعنى (لا نعدها شيئاً) أي شيئاً زائداً على الأصل فحكمها حكم ما سبقها فإن كانت مسبوقة بطهر فهي طهر وإن كانت مسبوقة بدم فهي حيض أو نفاس.
أما الدم الفاتح الذي جاء بعد هذا الطهر فإنه على أي حال يُعد له حكم الاستحاضة لأنه غير دم الحيض فدم الحيض هو دم أسود ثخين له رائحة نتنة كما جاء تعريفه بذلك في الحديث، و الله تعالى أعلم.
السؤال (2 ( (1/352)
صفحة 353
رجل اشترى من الحكومة في زنجبار منزلاً مهجوراً لا يعلم أين صاحبه، وقد باعته الحكومة لخرابه لعله له، واحتفظت الحكومة بثمنه لصاحبه، فأنفق المشتري على إصلاحه مالاً كثيراً وعاش فيه نحو عقدين من الزمن، ثم عاد صاحب المنزل من خارج البلاد ولم يرض بما دفعه المشتري ثمناً ولم يقبضه من الحكومة وما كان للمشتري حينها من المال ما يرده ثم رحل صاحب المنزل عن البلاد من غير رجعة ودون أن يعلم وجهته أو يعلم أحداً من أقاربه، وقد توفي المشتري للمنزل من الحكومة ويسأل ورثته عن حكم امتلاكهم للمنزل وما يلزمهم، تكرموا علينا ببيان شاف؟
الجواب:
يبدو حقيقة الأمر أن الحكومة أقامت من نفسها شخصاً محتسباً عن هذا مراعاة للمصلحة من حيث إنه غير موجود، وبقاء ذلك البيت خراباً لا يعود على صاحبه بمصلحة فباعته، ولكن ينبغي أن ينظر هنا هل القيمة هي قيمة عادلة، أو فيها غبن على صاحب البيت؟ فإن كانت قيمة عادلة وبيع البيت من أجل المصلحة لئلا يزداد خراباً وتقل قيمته أكثر فأكثر، فإنّ رفض ذلك الرجل لأخذ حقه إنما هو سكوت عن حقه وعدم قبول له، فلذلك يسقط الحق برفضه إياه. ولكن إن كان ثمن البيت أكثر مما دفع هذا المشتري ففي هذه الحالة ينبغي لهؤلاء الورثة أن يبحثوا عن صاحب البيت فإن لم يجدوه فليبحثوا عن ورثته فإن تعذر عليهم ذلك فليدفعوا هذا الفارق إلى فقراء المسلمين، والله أولى بعذرهم، والله تعالى أعلم.
السؤال (3 (
أنا شاب مبتلى بعادة قبيحة ألا وهي العادة السرية وحاولت أن أقطعها في شهر رمضان ولكن ما إن وصلت منتصف رمضان إلا ومارست هذه العادة القبيحة ومارستها في الليل، وحاولت قبل رمضان أن أقطعها بدون فائدة، وذهبت إلى أداء العمرة لعل قلبي يخشع وأترك هذه العادة، وما إن مضى شهر تقريباً إلا وعدت إلى هذه العادة القبيحة، شيخي الفاضل أرجو منك أن تدعو لي في هذا الشهر الكريم وأن يهديني من أجل مقاطعتها. يسأل الآن بماذا تنصحونه حتى يتركها؟ (1/353)
صفحة 354
الجواب:
حقيقة الأمر هذا كله إنما يرجع إلى الوساوس التي تنتاب الإنسان بسبب العزوبة، فلذلك كان حرياً به أن يحاول بأن يعف نفسه بالزواج الشرعي إذ النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)، فهو مأمور أولاً بالزواج، لأن في الزواج استجابة لداعي الفطرة، ولأن فيه تنمية للغريزة واستغلالاً لها فيما يعود بالمصلحة على الإنسانية، يعود بالمصلحة على الإنسان نفسه بحيث يكون في ذلك امتداد لحياته متمثلة هذه الحياة الممتدة في حياة أعقابه من الذرية، ولأن في ذلك راحة لضميره ولباله، كما أن في ذلك كما قلنا مصلحة للأمة من حيث تنمية هذه الأمة وتكثير سوادها فيكون في ذلك خير كثير لها.
ثم إن تعذر عليه أن يتزوج لسبب أو لآخر وذلك بأن لم يجد المؤونة التي تسد حاجته في الزواج الشرعي ففي هذه الحالة يعدل عن الزواج إلى الصيام لعل في الصيام كسراً لشهوته وحداً لغريزته.
ولكن مهما يكن فعليه دائماً أن يكون موصولاً بربه سبحانه وتعالى يستشعر هيبة الله تبارك وتعالى وخشيته ونعمته عليه ليستشعر الحياء منه والخوف منه، وعليه بجانب ذلك أيضاً أن يكثر من ذكر الله آناء الليل وآناء النهار، وأن يكثر من ذكر الموت وغصته والقبر ووحشته والحساب وهوله والجنة ونعيمها والنار وجحيمها، والله تعالى أعلم.
السؤال (4 (
البعض يقول إنه سمع بأنه من كان شديد الشهوة مندفعاً إلى ارتكاب الفاحشة وما وجد بداً سوى أن يمارس هذه العادة فهي أخف عليه من أن يزني ولذلك يبيح لنفسه فعلها، فهل هذا الكلام صحيح؟
الجواب:
هذا كلام قيل، ولكن مهما كان كما يقول القائل:
وليس كل خلاف جاء معتبراً *** إلا خلاف له وجه من النظر (1/354)
صفحة 355
فإن النبي صلى الله عليه وسلّم أمر بأمرين اثنين، أمر بالزواج ثم أمر بالصيام، والله تبارك وتعالى يقول وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ (المؤمنون:5 - 6)، واليد ليست هي من الأزواج وليس هي ملك يمين فلذلك كان قضاء الشهوة بها أمراً شُدّد فيه من قبل العلماء المتفطنين لخطورة هذه العادة، مع ما يترتب على ممارستها من أمراض نفسية وجسدية أيضا.
السؤال (5 (
ما هو الصيام الحقيقي الذي يصد المسلم عن فعل مثل هذه العادة ويبتعد عنها؟
الجواب:
الصيام الذي يبعد الإنسان من الوقوع في شهواته هو الصيام الشرعي الذي يغض الإنسان فيه بصره ويحفظ لسانه ويضبط جميع حركاته ويستطيع به أن يقيد أيضاً مشاعره وأحاسيسه لتكون منسجمة مع روح التقوى التي يمليها الصيام عليه.
السؤال (6 (
أنتم ذكرتم أن لهذه العادة أخطاراً نفسية وجسدية وصحية على المسلم، هل هذه هي العلة التي جعلتها محرمة لأن البعض يقول عندما لا تحدث عندي مثل هذه المشكلات فذلك يعني جائز؟
الجواب:
وكم من أمور يمارسها الإنسان لأجل رغبته فيها ولا يظنها تحدث شيئاً من المشكلات ولكن سرعان ما تنكشف هذه المشكلات. المدخنون يقولون بأنهم لا يحسون من التدخين بالضرر، ولكن كم من مدخن صار ضحية هذه العادة السيئة عادة التدخين، مع أنه كان مندفعاً ويقول بأنه لا يحس بأي ضرر من هذه العادة. وهكذا كل ما يمارسه الإنسان مما تشتهيه نفسه يقول بأنه لا يؤثر على صحته مع أن التأثير على الصحة أمر معروف وأمر يقره الأطباء، فلا ينبغي للعاقل أن يماري في ذلك.
السؤال (7 (
إن مارس هذه العادة في شهر رمضان في الليل، هل يضر ذلك صيامه في النهار؟
الجواب: (1/355)
صفحة 356
حقيقة الأمر كل ما يفعله الإنسان في ليل رمضان يضاعف وزره إن كان معصية، ولكن لا يؤثر في صيامه الذي في النهار من حيث النقض، لا يؤثر عليه شيئاً ولكن إنما يبقى وزر ذلك وزراً مضاعفاً إن لم يحسن التوبة إلى الله تبارك وتعالى.
السؤال (8 (
أنا امرأة أرملة توفي زوجي منذ عدة سنوات وقد رأيته في منامي يوماً من الأيام وقد كان في فراشي وهو يعاتبني بعدم الخروج إلى المزرعة وأنا أعطيه ظهري، وقد رأيته في يوم من الأيام مع أجنبية لا أعرف من هي، فما تأويل ذلك؟
الجواب:
أما التأويل فلا أستطيع أن أؤول بدون علم، هذا أمر يتوقف على العلم والدراية، وحسبي أن أقول لا أدري، ولكن ربما هذه المرأة تقع في أمور الآن ما كان يرضاها زوجها من قبل، فينبغي لها أن تحاسب النفس لعلها لا تقبل نصيحته، أو تقع في أمور لو كان هو حياً لما كان موافقاً عليها، فلتتق الله تبارك وتعالى ولتحاسب النفس.
السؤال (9 (
في الرؤيا والأحلام، ما الذي يحكيه الإنسان لمن يثق فيه، هل إذا رأى رؤيا يخبر بها كل أحد أم يقتصر على أشخاص معينين، هناك برامج في قنوات متعددة تعنى بتفسير الأحلام والرؤى فتنشر أمام الناس جميعاً، فهل ذلك جيد؟
الجواب:
حقيقة الأمر الرؤيا تختلف، إن كانت الرؤيا بشارة لجميع المسلمين فينبغي للإنسان أن يعلنها لأنها بشارة تعود على الكل بالخير، والمسلمون شركاء فيها فينبغي أن تعمم بينهم، وإن كانت هذه الرؤيا خاصة بالرائي فإنه يتخير من يتحدث إليه بها حتى يتجنب ما عسى أن يحدث، ربما يُحسد وهذا كما حدث من قبل يعقوب عليه السلام عندما نصح ابنه يوسف عليه السلام ألا يقص على أخوته ما رآه في منامه من سجود الشمس والقمر وأحد عشر كوكباً له.
السؤال (10 (
امرأة عادتها سبعة أيام وفي اليوم الثامن لازالت الكدرة تأتيها وربما تستمر مرات إلى اليوم التاسع وأحيانا إلى اليوم الحادي عشر، هل تغتسل بعد اليوم السابع أو في اليوم السابع مباشرة أم تستمر؟ (1/356)
صفحة 357
الجواب:
أولاً قبل كل شيء هل هذه العادة مع استمرار الكدرة في كل مرة؟ أو أنها كانت لها عادة أن تطهر على رأس ثمانية أيام بالقصة البيضاء أو بالجفاف إن كانت تلك عادتها وما كانت ترى كدرة، ثم صارت الكدرة تحدث لها؟ فإن كانت معتادة أن تطهر بالقصة البيضاء أو كانت معتادة أن تطهر بالجفاف إن لم تكن تر القصة البيضاء ثم صارت بعد ذلك تحدث لها الكدرة ففي هذه الحالة تنتظر من أجل هذه الكدرة يوماً وليلة على القول المشهور عند أهل العلم، وبعد ذلك تغتسل وتصلي، أي تنتظر لمدة أربع وعشرين ساعة.
وأما إن كانت من عادتها أن تستمر الكدرة متصلة بدم الحيض فإنها في هذه الحالة فإنها تعطى الكدرة ما قبلها كما كررنا من قبل، لأن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: لا تطهر المرأة من حيضها حتى ترى القصة البيضاء. بجانب حديث أم عطية: ما كنا نعد الكدرة والصفرة شيئاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم. وقد جمع بين الحديثين كما قلنا بأنهن لم يكن يحسبنها شيئاً زائداً على الأصل، أي إن كانت مسبوقة بطهر فهي طهر، وإن كانت مسبوقة بحيض فهي حيض، والله تعالى أعلم.
السؤال (11 (
امرأة مدة الحيض لديها سبعة أيام وتغتسل بالجفاف واغتسلت من الحيض في إحدى ليالي شهر رمضان وأصبحت صائمة، وفي اليوم الثامن وقبل صلاة الظهر عاودها الدم مرة أخرى فتكرر ذلك لشهرين متتاليين فما حكم الدم الذي تراه في اليوم الثامن هل هو دم حيض أم استحاضة؟ وما حكم صيامها؟
الجواب:
هو دم استحاضة وليس بدم حيض، لأنه فصل طهر ما بينه وبين دم الحيض ولو كان هذا الطهر جفافا، ولا تعتبر ما كان بعد الطهر اللهم إلا عند من يقول بالإثابة مع استيفاء الإثابة شروطها. (1/357)
صفحة 358
والإثابة هي كالآتي: أن تكون للمرأة مثلاً عادة أن تحيض خمسة أيام، ولكن بعد فترة من الوقت صارت هذه الأيام الخمسة بعد أن يأتي بعدها طهر يومين تردف بدم لمدة يومين، فإذا تكرر لها ذلك ثلاث مرات فعلماؤنا بالمشرق يقولون بأن هذه إثابة وتعطى حكم الحيض بالشروط المعهودة عندهم وهي:
أن تكون هذه الإثابة متفقة في الأيام بحيث لا تختلف
وأن تكون الأيام، أيام الطهر الفاصلة بينها وبين أيام الحيض السابقة أيضاً لا تختلف.
واختلف فيما إذا كان الفارق بالساعات، فلو كانت الإثابة تأتي تارة يومين وتارة يوماً وتارة ثلاثة أيام فإنها لا تعد شيئا، واختلف كما قلنا إذا كانت تأتي تارة لمدة أربع وعشرين وساعة وتارة لمدة ثلاثين ساعة وتارة لمدة ست وعشرين ساعة اختلف في ذلك هل تعتبر أو لا تعتبر.
كذلك أيام الطهر التي تفصل ما بينها يشترط أن لا تكون بينها فارق بحيث يلزم أن تكون كما هي سواء كانت يوماً واحداً أو يومين أو ثلاثة أيام.
والشرط الثالث أن لا تكون المدة من أول الدم الأول إلى آخر الدم الثاني تخرج عن حدود أيام الحيض، بحيث لا تكون زائدة عن الأيام التي يمكن أن تأخذها المرأة وقتاً لحيضها وهي عشرة أيام على الأصح كما ذكرنا في حديث سابق من أجل الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلّم في ذلك، والله تعالى أعلم.
السؤال (12 (
ليلة القدر تكون في ليلة واحدة يتحراها المسلم، لكننا مثلاً نحن تأخرنا عن البلدان الأخرى يوماً وتأخرنا عن البلد الأخرى يومين في هذه الحالة إذا كانت في ليلة الحادي والعشرين هل تتكرر معنا ومعهم، أم كيف يكون حالها؟
الجواب: (1/358)
صفحة 359
أولاً أن الاختلاف قد يكون بسبب اختلاف المطالع، وقد يكون بسبب الغيم. فليلة القدر ليلة واحدة وإنما هي تسير مع سير الليل، فالليل يبدأ من المشرق وينتهي إلى المغرب، الليلة تبدأ من المشرق وتنتهي إلى المغرب، ففي كل منطقة من هذه المناطق تستمر هذه الليلة إلى مطلع الفجر، أما اعتبار كونها من الليالي الأوتار فقد يكون ذلك حكماً أغلبياً، وقد يكون ذلك حكماً باعتبار أوسط المناطق، والله تعالى أعلم.
السؤال (13 (
هل يصح إقامة العزاء في المساجد؟
الجواب:
هذه قضية حقيقة الأمر من الأمور التي يُعبّر عنها بأنها تعم بها البلوى، فالناس يجدون في هذه المساجد متسعاً لهم، مع أن المساجد بنيت لما بنيت له، فهي بيوت الله، وكما لا يتصرف في بيت أحد إلا بإذنه يجب أن لا يتصرف في بيت الله إلا بإذنه. (1/359)
صفحة 360
وقد بيّن الله تبارك وتعالى ما يأذن به في هذه البيوت عندما قال عز من قائل (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآَصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (النور:38 - 38) فهذه البيوت بينت لما بنيت له من الأمور التي تقرب العبد إلى ربه سبحانه وتعالى. هي ما بنيت لأجل أغراض دنيوية وإنما بنيت لأجل أغراض أخروية، ولذلك صينت من كل ما يتنافى مع هذه الغاية التي بنيت لها، فنجد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم النهي عن اتخاذها طرقا، أي لا يجوز للإنسان أن يجعل المسجد طريقا بحيث يدخل من هذا الباب ليخرج من الباب الآخر، يدخل من الباب الشمالي ليخرج من الباب الجنوبي ماراً بالمسجد متخذاً إياه طريقا، لا، هذا مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلّم.
وكذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلّم عن اتخاذها أسواقا، لأنها أسواق أخروية، البضاعة التي تعرض فيها هي عبادة الله، والربح هو رضوان الله تبارك وتعالى، ورأس مال الإنسان هو تقوى الله عز وجل. فالعابد فيها إنما يتقي الله عز وجل، فلذلك يجب تنزيهها. (1/360)
صفحة 361
كذلك أيضا نجد في الحديث عن النبي عليه أفضل الصلاة السلام أنه شدّد في إنشاد الضالة في المسجد، فليس للإنسان أن ينشد في المساجد ضالته، بل أمر النبي عليه أفضل الصلاة والسلام عندما يأتي أحد إلى مسجد وينشد ضالة في المسجد أن يقال له لا رد الله عليك ضالتك تشديداً عليه. ولئن كان نشدان الضالة مع حاجة الإنسان إلى ضالته يشدد فيه هذا التشديد فما بال الإنسان بحديث الدنيا الذي ترتفع به الأصوات في المساجد. فكثيراً عندما يجتمع عوام الناس وجهلتهم في المساجد يحولون المساجد إلى أسواق، بحيث يتحدثون فيها عن بيعهم وشرائهم وغلاء الأسعار ورخصها، وما ينزل في الأسواق من الحاجات وغيرها، فضلاً عما يزيد على ذلك من اغتياب الناس والوقوع في أعراضهم والنيل من كرامتهم فهذا كله أمر يشدد فيه.
ومن المعلوم أن كثيراً من الذين يحضرون العزاء لا يتورعون عن أن يرفعوا أصواتهم بالصخب، وبما لا يرضي الله تعالى من القول في هذه المساجد. فكثيراً ما يتحدثون عن أمور الدنيا وكأنما هم في بيوتهم. بل أكثر من ذلك أن كثيراً منهم يقعون في أعراض الناس.
فلذلك ينبغي تنزيه المساجد عن إقامة العزاء فيها. وكثير من أهل الخير والحمد لله وجدناهم قد تفطنوا الآن وأخذوا يقيمون مجالس بجانب هذه المساجد من أجل صون هذه المساجد. يقيمون مجالس للعزاء وللأفراح بحيث يمكن للناس أن يجتمعوا في هذه المجالس في أعراسهم ويأتوا بالأطعمة إلى هنالك بدلاً من أن يدخلوا الأطعمة في المساجد. ويمكنهم أيضاً في أيام عزائهم أن يجتمعوا هناك، ويصونوا مساجدهم مما يحدث من اللغو فيها من قبل العوام الذين يلازمون العزاء.
فنحن ندعو إلى هذه الخطوة المباركة، ونرجو أن يكون بمشيئة الله بجنب كل مسجد مجلس لأجل صون المسجد وكفايته هذه الأمور التي تحدث من جراء اجتماع الناس به في الأفراح أو الأتراح، والله تعالى ولي التوفيق.
السؤال (14 ( (1/361)
صفحة 362
قضيت فترة من عمري منذ البلوغ وأنا دائماً أغسل يدي في الوضوء من الرسغين إلى المرفقين جهلاً مني ولأنه لم يرشدني من هو اكبر وكان ذلك مني ظناً أن هذا الغسل لليدين هو إكمال لغسل اليدين أول الوضوء؟
الجواب:
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هذا الجهل جهل عميق، ومما يؤسف له أن كثيراً من الناس لا يبالون بدينهم، ولا يبالون بثمرات أفئدتهم وأفلاذ أكبادهم فهم يتركونهم فرائس للجهل، وهذا أمر فيه خطر كبير.
وماذا عسى أن نقول لهذا السائل؟ إنما نحن نلتمس المخرج لمن وقع المشكلة، لا لمن لم يقع فيها، نلتمس المخرج بقدر المستطاع فإن كان هو يغسل يديه إلى الرسغين بنية الوضوء فيمكن أن نجد له مخرجاً من مشكلته هذه، على أن لا يتكرر ذلك منه قط، ولكن بالنسبة إلى الماضي نقول بأن صلاته صحيحة بناء على أنه نوى غُسل اليدين وغَسل الكفين أولاً إلى الرسغين ثم بعد ذلك غسل ما بعدهم بناء على أن الترتيب في الوضوء غير لازم أي هو مستحب ومندوب إليه فقط وليس هو بلازم، بناء على هذا يمكن أن نجد له هذا المخرج على أن لا يتكرر ذلك منه قط، وعلى أن يُعلّم أولاده خلاف ما تعلمه، والله تعالى الموفق.
السؤال (15 (
هل يجوز أن يؤجر شخص لقراءة القرآن الكريم ثم يهدي ثواب ذلك لميت لأنه هو أوصى بذلك؟
الجواب:
حقيقة الأمر الناس أحدثوا أموراً كثيرة لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم مع قول النبي عليه أفضل الصلاة والسلام: إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلّم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. (1/362)
صفحة 363
فالناس أحدثوا كثيراً من الأمور التي لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم من ذلك قراءة القرآن بالأجرة، فإن القرآن عبادة. القرآن يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى بتلاوته. وهذه العبادة لا يؤخذ عليها أجر، فكما أن الإنسان لا يأخذ أجراً على صلاته التي يصليها، كذلك لا يأخذ أجراً على قراءته لكتاب الله تبارك وتعالى، وإنما أجر ذلك ما يناله في الدار الآخرة من الثواب الجزيل عند الله سبحانه وتعالى.
أما أن يتخذ القرآن الكريم طريقة للكسب فهذا شيء فيه ما فيه. ما بال الإنسان بدلاً من أن يقرأ القرآن تقرباً إلى الله يقرأه لأجل دريهمات أو لأجل ريالات أو لأجل دنانير ينالها، إنما هذا من بيع القرآن الكريم ونرى منع ذلك منعاً بتاً، وإن وجد من العلماء من يرخص في ذلك، ولكن الذي نأخذ به أنه لا يجوز هذا لمخالفة هذا ما مضى عليه السلف في أيام النبي صلى الله عليه وسلّم والخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم.
وأيضاً إهداء العمل إلى الميت ليس هنالك ما يدل على أن الميت ينتفع بما يهدى إليه من الأعمال إلا ما ورد الدليل عليه، فقد ورد الدليل بأنه يمكن أن يحج أحد عن غيره سواء كان ميتاً أو حياً عاجزاً كما حصل ذلك للخثعمية التي جاءت تستفسر النبي صلى الله عليه وسلّم عن حجها عن أبيها فأباح لها الحج. كذلك جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم الحث على الصدقة عن الميت، وكلك جاء عنه كما في حديث عائشة عند الشيخين من مات وعليه صيام صام عنه وليه. (1/363)
صفحة 364
ولكن هل يقال بأن بقية الأعمال كذلك، نحن نجد عدم الاختلاف بين العلماء أنه لا يصلي أحد عن أحد، والقراءة هي جزء من الصلاة، إذ الصلاة لا تكون بدون قراءة. فإذاً قراءة القرآن بغير صلاة كذلك أقرب إلى أن يكون الميت لا دليل على انتفاعه بها. فما ينبغي أن يهدي الإنسان ثواب قراءته التي يقرأها للميت. نعم يمكن أن يدعو للميت بعد قراءة القرآن ويكون ذلك مظنة لاستجابة الدعاء، فإن قراءة القرآن من العبادات والعبادات وسائل لاستجابة الدعاء، فالإنسان قد يصلي صلاة الفريضة وقد يصلي صلاة السنة وقد يصلي صلاة النافلة ثم يدعو بعد ذلك بما يدعو به من الدعاء فذلك ما يعمله من الطاعات إنما هو مظنة لاستجابة الدعاء، فإن تلا القرآن الكريم ودعا للميت بعد تلاوته للقرآن الكريم رجي أن يستجيب الله تبارك وتعالى هذا الدعاء، والله تعالى أعلم.
السؤال (16 (
رجل وكيل لإخوانه العشرة ولما توفي أبوهم منذ أشهر وجدوا أنه كتب المنزل باسم زوجته الثانية ولديها أيضاً أولاد، ففي هذه الحالة هل يثبت هذا التنازل من الزوج لزوجته أو هذه الكتابة؟
الجواب:
أما الهبة أن يهب زوجته فالهبة ماضية، الأصل هكذا، وإن كان قصد بذلك حرمان ورثته من حقهم من تركته فأمر ذلك إلى ربه سبحانه وتعالى هو الذي يحاسبه على ذلك، وحسب الظاهر إن لم يكن هنالك ما يدل دلالة واضحة أنه أراد حرمان الورثة فالهبة ماضية والزوجة تكون أحق بما أعطاها زوجها، والله تعالى أعلم.
السؤال (17 (
رجل كان يقود سيارته ووقع له حادث وتوفي معه شخص وتوفي في السيارة الثانية رجل وامرأة وكانا في حالة سكر، أما هو فكان سليماً، يسأل الآن ويصبح في ذلك اليوم رمضان كيف يكون صيامه هل يصح له ولأن عليه كفارة صيام شهرين فإذا لم يستطع أن يصوم هل يتصدق؟
الجواب: (1/364)
صفحة 365
أولاً الكفارة لا يسقطها أن يكون الإنسان مستقبلاً لشهر رمضان إن كان هو المخطئ، العبرة في ذلك بالخطأ، إن كان الخطأ منه فإن الكفارة تكون واجبة عليه بسبب قتل نفس مؤمنة أو معاهدة، وهذه الكفارة بيّنها القرآن بأنها عتق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ولم يذكر إطعاما، ومعنى ذلك أنه بعد صيامه رمضان عليه أن يصوم هذين الشهرين في الوقت الذي يناسبه. وإذا لم يستطع الصيام وجد من العلماء من يقول بأنه يطعم ستين مسكينا، ولكن لم يأت نص بذلك، ونحن نقول مع تعذر الصيام رأساً ففي هذه الحالة الإطعام خير له من ترك الصيام وترك الإطعام جميعا.
تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه
28 رمضان 1423 هـ، 4/ 12/2002م
الموضوع: أحكام العيد
السؤال (1)
ما هو مغزى العيد ومقاصده في الإسلام؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن العيد مأخوذ من العود، لأن العيد مناسبة تعود وتتكرر، هي مناسبة حولية فلذلك سمي العيد عيدا، وقد هاجر النبي صلى الله عليه وسلّم إلى المدينة المنورة ووجد الأنصار كانوا في أيام جاهليتهم لهم يومان يلعبون فيهما فأخبرهم النبي عليه أفضل الصلاة والسلام بأن الله أبدلهم بذينك اليومين يومي عيد الفطر وعيد الأضحى، فكان في هذين اليومين الشريفين بديل عما كان للناس في أيام الجاهلية. (1/365)
صفحة 366
ويوم عيد الفطر هو يوم الجائزة ذلك لأن المؤمنين كدوا نفوسهم وأتعبوها في الصيام والقيام، قضوا شهر رمضان بين صيام وقيام فهم يصومون نهاره ويقومون ليله، ويتقربون إلى الله في ليلهم ونهارهم بأصناف الطاعات وصنوف القربات، يتقربون إلى الله سبحانه وتعالى بتلاوة كتابه الكريم، ويتقربون إليه بالصدقات ويتقربون إليه بكل ما فيه صلة بينهم بين أقاربهم وما فيه صلة بينهم وبين أبناء ملتهم، وما فيه صلة بينهم وبين جيرانهم إذ لرمضان آثار تنعكس على صلة الإنسان بأي أحد بذوي القربى وبالجيران وبأبناء الملة.
وهذا كله يفهم من سيرة النبي صلى الله عليه وسلّم، فالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام كان يجمع في شهر رمضان المبارك بين العناية بالقرآن والعناية بفعل الخير، فمن عنايته بالقرآن أنه كان يدارسه جبريل عليه السلام يعرض عليه القرآن في شهر رمضان، وكان في هذه الحالة أجود بالخير من الريح المرسلة كما جاء ذلك من طريق ابن عباس رضي الله عنهما.
فعندما يفعل المؤمن ذلك اقتداء بفعل النبي عليه الصلاة والسلام لا ريب أنه يكون قد شغل نفسه في شهره بهذه الطاعات العظيمة، شغل نفسه بالطاعات البدنية التي تتمثل في الصيام والتهجد وفي الاعتكاف وفي تلاوة كتاب الله، وشغل نفسه بالطاعات المالية من خلال الصدقات التي يتصدقها على الفقراء والمساكين وذوي الحاجات ومن خلال الصلات التي يصل بها جيرانه ويصل بها أرحامه فلذلك كان حرياً بهذه الجائزة. (1/366)
صفحة 367
وقد جعل الله سبحانه وتعالى يوم عيد الفطر يوم الجائزة، فهذه الجائزة لعباد الله أن ينعموا بهذه الفرحة بعدما أدوا ما أدوه، ولا ريب أنهم تغمرهم السعادة عندما يلتقون في مصلى العيد متصافين متصافّين متصافحين متوادين متعاطفين متراحمين، على أن يكون هذا اللقاء في ظل العبودية لله سبحانه وتعالى، فالعبودية لله هي أمر ملازم لهم فكما كانوا في شهر رمضان يجسدون عبوديتهم لله تعالى بطاعتهم لله في الصيام والقيام والاعتكاف وأنواع القربات وصنوف الطاعات كذلك تتجسد عبوديتهم لله سبحانه وتعالى في يوم العيد في افتتاح أعماله بزكاة الفطر أولاً ثم بالصلاة لتكون العبادات المالية والعبادات البدنية مصاحبة لهم، فزكاة الفطر من صنوف العبادات المالية، والصلاة من صنوف العبادات البدنية.
على أن ذكر الله تعالى يلازمهم فإن من رأى هلال العيد كان حقاً عليه كما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن يلزم التكبير والتحميد والتهليل حتى يخرج الإمام إلى المصلى، فابن عباس هكذا يروى عنه بأنه حقاً من رأى هلال العيد أن يقوم بالتكبير والتحميد والتهليل إلى أن يخرج الإمام إلى المصلى.
ومعنى هذا أن الناس عندما يخرجون إلى المصلى ينبغي لهم أن يخرجوا مكبرين الله تبارك وتعالى يرددون تكبيره ويرددون مع ذلك التهليل والتحميد ليكون ذلك شعاراً لهذه الطاعة العظيمة التي أطاعوها ربهم سبحانه وتعالى. (1/367)
صفحة 368
ثم مع هذا كله فإن هذه القلوب وهي قلوب العباد قلوب تتأثر بالمؤثرات الكثيرة من خلال احتكاك الناس بعضهم ببعض، ولربما كانت هذه الآثار تترك في النفس أوغاراً وأحقاداً ولكن عندما يؤدي الإنسان هذه الصلاة والناس كلهم أي أبناء الحي الواحد أو أبناء البلد الواحد كلهم يكونون في اجتماع يؤدون الصلاة جميعاً فإن هذه القلوب تتصافى بهذا اللقاء الطيب مع هذه الفرحة الغامرة التي تعم الصغير والكبير والغني والفقير والقريب والبعيد فينعم الكل بما ينعمون به من البهجة الغامرة وينعمون أيضاً بالمصافاة بينهم فيتواصلون، يذهب هذا إلى ذاك وذاك إلى هذا ليتم التواصل بينهم باستمرار، وليكون في هذا ربط بين كل واحد وأخيه حتى لا تنفصل هذه العروة التي تشد كل واحد من المسلمين إلى الآخر، فهذه من حكم مشروعية العيد ومشروعية أحكام العيد المبارك.
السؤال (2)
لكنه قد يفهم البعض العيد على أنه فرصة لهذه النفس لتمارس من الأعمال ما كانت ممنوعة عنه من قبل وتطلق لنفسها العنان في ممارسة اللهو الذي تشاء احتجاجاً بأن العيد فرحة وبهجة وبأن الإنسان لا ينبغي أن يكبت نفسه أو أن يصدها عن تشتهيه في مثل هذا اليوم. فهل فرحة العيد في الإسلام تعني هذا كله؟
الجواب:
فرحة العيد حقيقة الأمر لا تعني الانفلات من الإنسان عن حدود الدين وأحكامه، بل فرحة العيد إنما هي في إطار أحكام الدين الحنيف، لا تخرج الفرحة عما شرع الله تبارك وتعالى إلى ما لم يشرعه، لا الفرحة تخرج عن حدود ما أباح إلى ما لم يبحه.
نعم لا ريب أن هذه الفرحة يكون معها ما كان ممنوعاً من الطعام والشراب والصلة بين الأزواج كل من ذلك مباح بعد أن كان في نهار رمضان ممنوعاً.
ولا يجوز الصيام في يوم العيد بالإجماع من غير خلاف لأنه يوم ضيافة الله تبارك وتعالى فحرم صيامه، لأن في صيامه رداً لهذه الضيافة من الله العزيز العليم، وهذا لا يعني أن يبيح الإنسان لنفسه المحجورات. (1/368)
صفحة 369
أما تلكم الفكرة التي تراود الناس الغافلين عن ذكر الله تبارك وتعالى من أن العيد فرصة لأن يرتمي الإنسان في أوحال الشهوات الدنيئة وأن يرتكب ما يرتكب من المحظورات، هذه الفكرة مردودة على أصحابها ومن بين أولئك الشاعر الذي قال:
رمضان ولّى هاتها يا ساقي *** مشتاقة تسعى إلى مشتاق
بالأمس قد كنا أسيري طاعة *** واليوم منّ العيد بالإطلاق
الطاعة على الإنسان أن يصاحبها في كل الأوقات وإلا فما فائدة صيامه رمضان مع أن صيام شهر رمضان يكتسب به الإنسان كما قلنا تقوى الله تبارك وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183)، فلما كانت الغاية من الصيام التقوى فما بال الإنسان يفرط في التقوى بعد أن ينتهي شهر رمضان بل في أول يوم يستقبل فيه أيام الفطر، هذه خسارة ليست بعدها خسارة ومن قال مثل ذلك القول يعد من الأغبياء غباوة لا تزيد عليها غباوة.
السؤال (3)
الزوجة في يوم العيد قد يحصر البعض دورها في إعداد الطعام وفي التجهيز وفي أمور كثيرة تخدم الرجل في حين أنها هي بنفسها لا تجد طعم العيد لأن الزوج مهتم في ذلك اليوم بنفسه فلا يقدم لها ما يبهجها وما يجعلها تشاركه هذه الفرحة، فهنالك توجيهات معين في هذا الجانب؟
الجواب:
لا ينبغي أن يكون الأمر كذلك، لا ينبغي أن يكون الأمر محصوراً في إعداد الطعام والشراب وفي إجهاد النفس بمثل هذه الأمور وحدها، إنما هناك أيضاً لقاء بين الزوجين، هناك فرحة غامرة هناك لقاء بين الأب والأولاد، هناك لقاء بين رب الأسرة والأسرة، هناك تعاطف ينبغي للإنسان أن يشعر الآخرين بالرحمة وبالشفقة عليهم وبالسرور لسرورهم ويحرص على إدخال البهجة عليهم بقدر المستطاع حتى تكون الأسرة أسرة متفاعلة يتفاعل بعضها مع بعض بحيث تكون مترابطة برباط الإيمان والتقوى.
السؤال (4) (1/369)
صفحة 370
ما هي الأعمال التي يصنعها المسلم في يوم العيد بداية من الصباح إلى أن يؤدي الصلاة؟
الجواب:
ينبغي للإنسان عندما يصبح أن يستحم يتنظف، وأن يتناول شيئاً من الطيب، وأن يتوضأ بطبيعة الحال، وأن يؤدي زكاة الفطر إن كان لم يؤدها في الليل ليلة العيد، وأن يخرج إلى المصلى وهو يردد تكبير الله تعالى وتهليله وتحميده، ثم بعد ذلك ينتظر في المصلى وهو يردد التكبير حتى يخرج الإمام إلى المصلى، فإذا جاء الإمام إلى المصلى فلتصطف الصفوف وليؤدوا الصلاة ثم يكون بعد ذلك التصافح بين الناس بحيث تكون يتصافحون جميعاً ويتوادون ويظهر بعضهم لبعض البشاشة والفرحة والبهجة.
ثم بعد ذلك تكون الزيارات فيما بينهم يتزاور الأقارب ويتزاور الجيران ويتزاور الأصدقاء من أجل أن يشعر الكل بأن الفرحة غمرت الجميع وأن يشعر الكل بأن الصلة تتمثل بمثل هذه المناسبات، وأن الكل ينظر إلى غيره نظرته إلى نفسه بحيث تكون المشاعر متحدة وتكون العواطف جياشة رغبة في التواد والتراحم والتلاحم هكذا ينبغي أن يكون الناس في ذلكم اليوم المبارك.
السؤال (5)
نطلب منكم تهنئة خاصة مباركة مع الدعاء بالنصر والثبات إلى شعب القدس الشريف الذين يحاصرون في هذه الأيام من قبل أعدائهم بحيث يجب علينا أن لا ننساهم في هذه الأيام المباركة.
الجواب: (1/370)
صفحة 371
أسأل الله تبارك وتعالى لهم النصر والتأييد، وأن يرفع عنهم الكبت، وأن يفك عنهم الأغلال، وأن يؤيدهم ويثبت أقدامهم ويجعلهم من المنصورين المؤيدين، وأرجو الله تبارك وتعالى أن يعيد عليهم هذا العيد السعيد مرة أخرى ومرات أخرى وقد فك الله تبارك وتعالى عنهم الأغلال ورفع عنهم كابوس الظلم وجعلهم منصورين ينعمون بالحرية والاستقلال والاستقرار والطمأنينة في بلدهم، وقد تحررت بلدهم من الطغيان والاحتلال البغيض، وأن يعيدهم الله تبارك وتعالى إلى أماكنهم ومساكنهم مؤيدين مظفرين مطمئنين إنه تعالى على كل شيء قدير، وأهنيهم بالعيد السعيد وبالجهاد المظفر، وأسأل الله تبارك وتعالى لهم أن يكتب لهم النصر.
السؤال (6)
كيف تؤدى هي صلاة العيد باختصار؟
الجواب:
صلاة العيد هي صلاة بركعتين وتكبير، واختلف في هذا التكبير على أحد عشر قولاً، ونحن لا نريد أن ندخل في هذه التفاصيل فكل أحد يتبع ما كان ينهجه وما استقر عليه العمل عنده، ويخطب فيها بخطبة أو بخطبتين بعد الصلاة، وهذه الخطب تبدأ إما بالحمد ثم التكبير أو بالتكبير ثم بالحمد فكل من ذلك لا حرج فيه، وفي هذه الخطبة يكون التذكير بهذه البهجة ويكون التذكير أيضاً بمكاسب الصيام التي أحرزها العبد المؤمن، ويكون فيها شيء من الشرح لزكاة الفطر، وكذلك تُهيأ النفوس لاستقبال أشهر الحج والمشاعر المعظمة من أجل أن حفز الهمم لمن أراد الحج في الأيام المقبلة، وكذلك في هذه الخطبة الأمر بالطاعات والأمر بالصلة والأمر بالتقارب والأمر بالألفة والأمر بالتواد والتراحم والتلاحم بين عباد الله المؤمنين لتكون الأمة المسلمة أمة واحدة قوية مترابطة متآلفة يحرص كل فرد من أفرادها على خير جميع أفرادها لتنعم هذه الأمة بالاستقلال ولتنعم بالحرية ولتنعم بالخير بمشيئة الله تعالى.
السؤال (7)
هل على المرأة صلاة العيد؟
الجواب: (1/371)
صفحة 372
صلاة العيد يؤمر أن يخرج إليها الكل، الرجال والنساء، على أن تكون النساء عندما يخرجن لصلاة العيد غير متطيبات وغير متزينات، أو أن تكون زينتهن مستورة لا تظهر للرجال ولا يُسمع جرسها حتى لا تؤثر على خيالهم وإنما تبقى هذه الزينة مستورة.
وأمر النبي صلى الله عليه وسلّم أن تخرج العواتق وأن تخرج حتى الحيّض لصلاة العيد ولكنهن يعتزلن المصلى ذلك من أجل هذه البهجة لتكون هذه البهجة شاملة بهجة مشتركة.
فمع الإمكان بحيث تؤدى الصلوات في مصليات يمكن للنساء أن يجدن مكاناً فيها فإنه ينبغي للنساء أن يخرج إلى هذه المصليات، كذلك إن كانت تؤدي في مساجد وهذه المساجد فيها أماكن لصلاة النساء فإنهن يؤمرن أن يخرجن إلى هذه الصلاة ليشاركن الرجال فرحتهم وبهجتهم لأنهن شاركنهم في الصيام والقيام فكذلك يشاركنهم في عيد الفطر يوم الجائزة ويشاركنهم في التوجه إلى الله تبارك وتعالى بهذه الطاعة العظيمة التي هي رمز العبودية عبودية الناس لربهم تبارك وتعالى.
السؤال (8)
إذا كان العيد في يوم الجمعة هل تقوم صلاة العيد مقام صلاة الجمعة؟
الجواب:
حقيقة الأمر عذر بعض الناس أي بعض العلماء المصلين عن حضور الجمعة بسبب اشتغالهم يوم العيد، ورأى أن صلاة العيد تكفي لا عن أداء فرض الظهر ولكن عن أداء فرض الجمعة مع أداء فرض الظهر بدلاً من فرض الجمعة، هذا هو رأي لبعض العلماء، ولكن مع هذا فإن الرأي الصحيح بأن صلاة العيد لا تؤثر على الجمعة إذ الجمعة فريضة مستقلة والعيد سنة مؤكدة والسنة لا تقوم مقام الفريضة، هذا هو القول الراجح، والله تعالى أعلم.
السؤال (9)
هل وردت سنة ما يدل على أن الأطفال يهدوا هدايا أو ما يسمى بالعيدية في يوم العيد؟
الجواب:
ورد في السنة ما يدل على تفريح الأطفال ومن جملة التفريح تقديم الهدايا إليهم، فهذا من إدخال البهجة على قلوبهم فلذلك ينبغي للإنسان أن يفعل ذلك فيؤجر على ذلك.
السؤال (10) (1/372)
صفحة 373
ما هي نصيحتكم للنساء اللواتي يتبرجن في يوم العيد بحجة أن اليوم يوم عيد ويجوز فيه كل شيء حتى مصافحة الأجانب؟
الجواب:
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، يوم العيد لا يعني هدم ما بناه العبد في شهر رمضان المبارك، وإنما يوم العيد هو يوم الفرحة لإحراز المكاسب مكاسب شهر رمضان المبارك، فما للإنسان يعرض هذه المكاسب للتلف.
إن يوم العيد يوم تجب فيه طاعة لله والتقيد بأوامره وعدم الوقوع في مناهيه كسائر الأيام. (1/373)
صفحة 374
لا يعني العيد إطلاق النفس لترعى في المراعي الوبيئة هذا غير سائغ، فالمرأة مطالبة بألا تتبرج تبرج الجاهلية سواء كانت في أيام العيد أو في غير أيام العيد، الحجاب الشرعي واجب على المرأة على أي حال سواء كان ذلك في يوم العيد أو في غيره فالله تبارك وتعالى لم يخص يوم العيد مما شرعه وفرضه على النساء بقوله (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور:31)، وما شرعه بقوله سبحانه (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (الأحزاب:59). (1/374)
صفحة 375
فلا معنى لهذه الإباحة إباحة أن تتبرج المرأة، ولا معنى لإباحة أن تصافح رجلاً أجنبياً لأن المصافحة من أسباب الفتنة ما بين الرجل والمرأة خصوصاً عندما تكون بين رجل وامرأة شابة أو بين شابين كل من ذلك مثار للفتنة، وعلى أي حال المصافحة ما بين الجنسين ممنوعة إلا أن تكون مصافحة بين رجل وذات محرم منه، أما المرأة الأجنبية فلا يجوز له أن يصافحها، ولا يجوز لها أن تصافحه، بل عليهما أن يمتنعا من ذلك.
ثم مع ذلك كله نحن نجد في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلّم أمر النساء عندما يخرجن إلى صلاة العيد أن تستعير المرأة من جارتها جلباباً إن لم يكن عندها جلباب ذلك كله لأجل الصون ولأجل الستر فلو كان يباح التبرج لما كان معنى لأمرهن بأن يستعرن الجلابيب، كذلك نجد أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلّم نهى النساء عندما يشهدن المصلى عندما يشهدن صلاة العيد أن يخرجن إلا وهن على غير زينة وعلى غير طيب، كل هذا مما يدل على أن يوم العيد حكمه كحكم غيره من الأيام لا يباح فيه ما حرم في غيره من الأيام من إبداء المرأة زينتها لغير زوجها وذوي محارمها، والله تعالى أعلم.
السؤال (11)
شخص يعمل في دولة الإمارات العربية المتحدة وسيكون غداً في وطنه عمان إلى الساعة التاسعة صباحاً وسوف يستأنف عمله في الإمارات في الساعة الواحدة ظهراً وفي حالة ثبوت رؤية الهلال وكان يوم غد يوم عيد في الإمارات هل يواصل إمساكه أم يفطر عندما يصل إلى هناك ويقوم بإبدال هذه اليوم؟
الجواب:
إن كان صام ثمانية وعشرين يوما وثبتت الرؤية في البلد الذي انتقل إليه ثبوتاً شرعياً ففي هذه الحالة يفطر ثم يقضي بعد ذلك يوماً مكان ذلك اليوم.
السؤال (12)
هو يكون في الصباح هنا في السلطنة غداً ثم يذهب إلى هنالك فهل عندما يذهب إلى هناك يفطر؟
الجواب:
نعم إذا ثبتت الرؤية هناك.
السؤال (13) (1/375)
صفحة 376
إذا صمنا نحن ثلاثين يوماً وبعض الأخوة صاموا في دول أخرى فهل يصوموا معنا اليوم الحادي والثلاثين؟
الجواب:
هذه المسألة اختُلف فيها وهذا كله منوط برؤية ثبوت هلال رمضان في تلكم البلدان، فمع ثبوت ذلك ثبوتاً شرعياً إذا انتقل إلى بلد آخر تأخر صيامه واستمر الناس على الصيام حتى جاء اليوم الحادي والثلاثين بالنسبة إليه ففي هذه المسألة خلاف بين أهل العلم، منهم من قال بأنه يفطر ولا يصوم أكثر من ثلاثين يوماً لأن الشهر إما أن يكون تسعة وعشرين وإما أن يكون ثلاثين وهو في حكمه قد مضى شهره لأن صام ثلاثين يوماً، ومنهم قال لا، بل عليه أن يستمر على صيامه نظراً إلى أنه انتقل إلى بلد آخر وبانتقاله إلى البلد الآخر كان حكمه حكم أهل ذلك البلد وهذا مما استدل له القائلون به بقول النبي صلى الله عليه وسلّم: الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون. ولكل واحد من القولين وجه وجيه، والله تعالى أعلم.
السؤال (14)
نحن طلبة عمانيين ندرس في بريطانيا وقد انقسمنا إلى فريقين فريق صام مع أغلبية الناس هنا وفريق نصح أن يتم شعبان ثلاثين يوما فصام بعد يوم من معظم المسلمين في بريطانيا أي في نفس اليوم الذي صام فيه الناس في السلطنة وقد أعلن العيد هنا بأنه سيكون يوم غد، ماذا يجب علينا مع العلم بأنه لا يمكن أن نفطر غداً مع باقي المسلمين في بريطانيا لأننا صمنا فقط ثمانية وعشرين يوماً وتتعذر مشاهدة الهلال هنا لسوء الأحوال الجوية.
الجواب:
في هذه الحالة إذا كان الإنسان في بلد آخر فإنه حكمه حكم أهل ذلك البلد، لا يكون حكمه حكم أهل بلدته لأنه خرج من بلدته، فحكمه حكم أهل البلد الآخر في كل شيء في مواقيت الصلاة وفي مواقيت الصيام، لأن هذه الفرائض نيطت بأحوال طبيعية كما قلنا ذلك مراراً، هي منوطة بأحوال كونية طبيعية معروفة. (1/376)
صفحة 377
فلا معنى لئن يتقيد الإنسان بصيام أهل بلده أو بفطر أهل بلده أو أن يتقيد بميقات الصلاة في بلده أو ميقات الصيام في بلده، أي طلوع الفجر في بلده وغروب الشمس في بلده، فإن هذه الأمور ليست معقولة قط فضلاً عن أن تكون مشروعة، هو في بلد آخر وقد نيطت هذه الأعمال بأمور طبيعية فعليه أن يتقيد بما فرض عليه من التقيد به من مراعاة هذه الأمور الطبيعية، وعليه فإن ثبتت رؤية الهلال هناك فعليه أن يفطر بطبيعة الحال كما أن ثبوت رؤية هلال رمضان تقتضي أن يصوم ولا معنى لتأخره عن صيام أهل ذلك البلد لأجل مراعاة الصيام في بلده.
أما مع عدم ثبوت ذلك ومع تعذر ثبوت ذلك بأن تكون السماء غائمة باستمرار ففي هذه الحالة ينبغي أن يؤخذ بما يوازي ذلك البلد من المناطق التي فيها الصحو، يؤخذ برؤية أقرب بلد إلى ذلك البلد من الجهة الجنوبية مثلاً إذا كان هذا البلد شمال خط الاستواء وهناك غيم، يؤخذ بما ثبت ما يوازي ذلك البلد من الناحية الجنوبية ويعوّل على ذلك، وبهذا ينتفي الريبة ولا يكون ذلك عسر إن شاء الله، وعندما يتعذر ذلك عندما يكاد يكون ذلك كله مستحيلا فهنا لا مانع من الأخذ بما دل عليه الحساب الفلكي المتفق عليه من غير اختلاف بين الفلكيين، والله تعالى أعلم.
السؤال (15)
في هذه الحالة إذا صاموا ثمانية وعشرين؟؟
الجواب:
عليهم أن يقضوا يوما مكان ذلك اليوم.
السؤال (16)
فيمن يستدرك الصلاة في يوم العيد فيدركهم في الركعة الثانية كيف يكون قضاء الركعة الأولى؟
الجواب:
يقضي كما كان يقضي سائر الصلوات، ولكن هل يكبر أو لا، ينبغي له أن يكبر كما كبر الإمام.
السؤال (17)
من العادة التي ألفناها أثناء الخروج لصلاة العيد خروج الناس بالتطبيل عوضاً عن التكبير فما هي نصيحكتم؟
الجواب: (1/377)
صفحة 378
العادات تغير لتتفق مع السنة، ولا تمات السنة من أجل المحافظة على العادات، فلذلك أنا أنصح هؤلاء الذين ألفوا التطبيل بدلاً من التكبير أن يتركوا ما ألفوه وأن يحيوا ما أميت عندهم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم بحيث يخرجون وهم يكبرون كما دل على ذلك القرآن الكريم قبل السنة النبوية فإن الله تبارك وتعالى يقول (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) (البقرة:185) فالتكبير مشروع بهذا النص القرآني فلا ينبغي العدول عنه إلى غيره، ويجب ترك غيره لإحياء ما أميت مما دل عليه القرآن ودلت السنة النبوية.
السؤال (18)
ما الطريقة الصحيحة في الذبح؟
الجواب:
حقيقة الأمر قضية الذبح أنا أرى أنه ينبغي أن يُخصص حلقة خاصة لأمر الذبح وأحكامه، ولعل ذلك يكون بعد أيام العيد لأجل مناسبة استقبال لعيد الأضحى المبارك الذي شرع فيه النحر، وهناك طبعاً أخطاء فيما يتعلق بالذبح ولا بد من التعرض لهذه الأخطاء وإزالة الشبه.
السؤال (19)
ما حكم ذهاب المرأة إلى أماكن الكوافير لإزالة شعر الوجه واليدين؟
الجواب:
المرأة تتزين الزينة المشروعة على أن تكون هذه الزينة إما بتزيينها لنفسها أو تزيين امرأة من المسلمات المؤمنات المحافظات، أما أن تذهب إلى مثل هذه الأماكن التي تكون فيها ريبة، قد تكون فيها امرأة غير مسلمة، وقد تكون فيها امرأة غير متقيدة بتعاليم الإسلام لا يؤمن منها أن تصف محاسنها للرجال إلى غير من ذلك مما يكون من المخالفات الشرعية فذلك غير مباح، والله تعالى أعلم.
السؤال (20)
بالنسبة للزيارات في يوم العيد نجد ظاهرة ملموسة على أرض الواقع وهو أن الزيارات تقتصر على الكبار في حين أن فئة الشباب تنطلق هنا وهناك ولا يعرفون للزيارة طعماً ولا رائحة فكيف يربي الآباء أبنائهم على الزيارات وأهميتها خاصة للأرحام؟
الجواب: (1/378)
صفحة 379
هذه القضية من مشكلات العصر الحاضر، ولعل هذه ضريبة من الضرائب التي تؤديها الأمة للحضارة المعاصرة، مع الأسف الشديد الصلات بين الناس كادت تنعدم، وأنا رأيت سابقاً في كتاب ألفه الأستاذ الأديب الشهير أحمد أمين عن ترجمة حياته بعنوان (حياتي) يقول بأنه نشأ في حي من الأحياء كان هذا الحي يتكون من ثلاثين بيتاً وهناك ثلاث طبقات الطبقة العليا بيت واحد والطبقة الوسطى تسعة بيوت والطبقة الدنيا عشرون بيتاً، وتكلم عن الأحوال الاجتماعية ولكن في النهاية قال بأن الكل كان يعيش كالأسرة الواحدة لو مرض طفل في أقصى هذه الحارة لعرف عنه الجميع وعاده الجميع هذا يحمل إليه دواء وهذا يحمل إليه هدية.
ويقول شاء الله أن أعيش حتى أرى الناس يعيشون في عمارة واحدة في شقق متجاورة ولا يعرف بعضهم بعضا.
هذه مصيبة، ومما يؤسف له أن كثيراً من الناشئة أصبحوا لا يعرفون أرحامهم ولربما تساءلوا في دهشة ما هي العلاقة بيننا وبين فلان، ما الذي يربطنا بفلان مع أن فلان من أرحامهم ومن ذوي الحقوق عليهم ولكنهم لا يعرفون هذه الحقوق، ولا يعرفون كيف تكون الصلة بينهم، هذا لأنه اشتغلوا بأمور جانبية وتركوا الأمور الضرورية التي يجب أن يشتغل بها في الحياة، فتقطعت الأواصر الاجتماعية بينهم وبين ذويهم وقراباتهم.
فمن هنا كانت الضرورة أن يحرص الأب من أول الأمر أن يصطحب حتى الأطفال الصغار عندما يزور أرحامه ليغرس فيهم حب أرحامهم، وليغرس فيهم تعلقهم بأرحامهم حتى ينشئوا على ما نشأ عليهم آباؤهم من تقدير هؤلاء الأرحام وزيارتهم والاعتناء بهم والقيام بشؤونهم والحرص على التلاحم معهم، هذا من الضرورة بمكان وهو الذي أوصي به، والله تعالى الموفق.
تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه
24 من شوال 1423 هـ، 29/ 12/2002 م
الموضوع: الحج
السؤال (1)
ما هي الآثار الروحية والسلوكية التي تطبعها فريضة الحج على المؤمن؟
الجواب: (1/379)
صفحة 380
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان خلقاً سويا، وجعل خلقه جامعاً لجوانب شتى نفسية، فهو كائن عاقل، وبسبب هذا العقل كُلّف ما كلف من الواجبات لأنه بدون عقل يكون أشبه ما يكون بالكائنات التي تشاركه البقاء والوجود في هذه الأرض ولا تشاركه العقل والتكليف.
ولكنه بجانب هذا فإن الله سبحانه وتعالى لم يحرمه من العاطفة، هذه العاطفة تجعله يتشوق ويتطلع، وهذا الشوق قد يكون شوقاً إلى خير، وقد يكون شوقاً إلى شر، إلا أن الله تبارك وتعالى جعل فيما شرع في الدين الإسلامي ما يتلاءم مع فطرة هذا الإنسان، فهو يملأ جميع تطلعات الإنسان سواء ما يرجع منها إلى العقل أو ما يرجع منها إلى العاطفة. فالأشواق التي ترجع إلى عاطفته إنما هذه الأشواق يجد الإنسان ما يشفيها من خلال ما شرع الله تعالى وما أمر به.
فلا ريب أن الإنسان وهو يؤمن بالله تبارك وتعالى، ويؤمن برسله المصطفين الأخيار، ويؤمن بدينه الحق الذي شرعه لجميع عباده وأرسل به جميع رسله وهو دين الإسلام، ويؤمن بوحي الله سبحانه وتعالى، لا ريب أن هذا الإنسان مع إيمانه بهذا كله تنطبع في نفسه انطباعات تدعوه إلى أن يرتبط بأماكن في هذه الأرض.
والله سبحانه المعبود وهو منزه عن المكان والزمان لأنه كما قلنا أكثر من مرة قد كان قبل خلق الزمان والمكان وهو على ما عليه كان، لا يُدرك بعين ولا يُطلب بأين، فلذلك كان الإنسان وهو يتوجه إلى ربه سبحانه وتعالى المنزه عن الأمكنة والأزمنة لا بد له من أن يجد ما يملأ فراغ نفسه من حيث إنه يرتبط بأماكن ذات قدسية وذات مكانة ولها تاريخ وتتطلع النفوس إليها وتشتاق القلوب إلى أن تصل إلى جنباتها لتنعم بالخلود فيها. (1/380)
صفحة 381
فجعل الله سبحانه له بيتاً من أمّه أحس من أعماق نفسه أنه يؤم نحو أمر الله تبارك وتعالى ويتجه إلى ربه عز وجل، فلذلك كان الاتجاه إلى هذا البيت اتجاه إلى الله ولا أدل على ذلك مما جاء في الحديث الصحيح عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام من الأمر بعدم البصاق عندما يكون الإنسان يصلي تجاه قبلته لأن الله بينه وبين قبلته أي لأنه اتجه إلى ربه باتجاهه إلى تلكم القبلة، ولا يعني ذلك أن الله تبارك وتعالى حالّ فيما بينه وبين قبلته، ولكن يحس الإنسان وهو يناجي ربه بهذه الصلاة أنه متجه إليه بروحه وبأعماق نفسه، فهو سبحانه وتعالى وإن لم تكن له جهة إلا أن توجه هذا العبد إلى مكان مقدس ومكان معظم عند الله سبحانه وتعالى وقد أُمر العبد بتعظيمه وتقديسه يحس الإنسان بأنه متجه إلى ربه فضلاً عما يرتبط به هذا المكان من تاريخ عظيم، هذا التاريخ نحن لا نستطيع أن نبدأ من أوله لأن بدايته غير واضحة لنا، فالله سبحانه أخبرنا بأن البيت الحرام هو أول بيت وضع للناس يقول عز من قائل (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً) (آل عمران:96 - 97)، بين الله سبحانه وتعالى أنه أول بيت وضع للناس، وذكر أن من الآيات العظيمة التي فيه مقام إبراهيم. (1/381)
صفحة 382
ولكن مع هذا نجد في ثنايا ما أنزل الله تعالى في كتابه ما يدل على أن هذا البيت الحرام سابق على عهد إبراهيم، فإن إبراهيم عليه السلام عندما جاء بابنه إسماعيل وأمه هاجر عليهما السلام إلى هذا المكان المقدس كان فيما حكاه الله تعالى عنه في ضراعته وتوجهه إلى ربه أنه قال (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم:37)، ومعنى ذلك أن البيت الحرام كان موجوداً قبل أن يقوم بتشييده وبنائه إبراهيم عليه السلام، لأن إبراهيم عليه السلام إنما بناه بعدما كبر إسماعيل، وبعدما تردد مرتين من أرض الشام إلى أرض الحجاز ليزور إسماعيل عليه السلام ولم يره كما دل على ذلك الحديث الذي أخرجه البخاري من طريق ابن عباس رضي الله عنهما وهذا مما يدل دلالة واضحة على أن بناء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام للبيت العتيق كان بعد هذا الدعاء الذي توجه به إبراهيم عليه السلام إلى ربه عندما أسكن إسماعيل عليه السلام في ذلك المكان المقدس. (1/382)
صفحة 383
فإذن بداية بناء هذا البيت الحرام أمر غير معروف عندنا ولكن بُني بأمر الله، وبناه من بناه من صفوة خلقه الله سبحانه الذين اختارهم الله تعالى على علمه ليكونوا حملة لمشعل الهداية بين الناس، ويكفينا أن من أمّ هذا البيت الحرام يستذكر تلكم العهود، يستذكر إبراهيم عليه السلام وهو يجأر إلى ربه سبحانه وتعالى بالدعاء (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) (إبراهيم:37)، ويستذكر أيضاً ما كان من أمر إسماعيل عليه السلام وأمه هاجر عليها السلام وقد تركهما إبراهيم منفردين في ذلك المكان وإسماعيل لا يزال صبيا، وكيف اشتد الأمر بهاجر وبابنها إسماعيل عندما كان إسماعيل يكابد ما يكابد من الظمأ حتى تداركتهما عناية الله ففجّر الله تبارك وتعالى لهما العين التي لا تزال بركتها باقية إلى الآن، وكان ذلك سبباً لئن يأتي إليهما من يأتي من قبيلة جرهم ليسكنوا في ذلك المكان الذي كان متروكاً ومهجورا.
هذا كله مما يستذكره الإنسان، وإيمانه بأن عناية الله تبارك وتعالى هي التي تداركت الطفل الصغير وهو في ذلك الموقف الحرج وتداركت أمه وهي أيضاً في تلكم الحالة العصيبة كيف كانت تشاهد ولدها يقاسي ألم العطش، هذه العناية يرجوها المسلم في كل مكان، فعندما يتوجه إلى ذلك المكان ويأتي إليه ويطوف بذلك البيت لا ريب أنه يشعر بهذه العناية التي يحوط الله تبارك وتعالى بها عباده المؤمنين فيرجو أن يكون له نصيب وافر من هذه العناية الربانية ليشق طريق حياته غير لاو على شيء من تحدياتها، ويمتثل أمر ربه سبحانه وتعالى كيفما كلفه ذلك من المشقة والتعب. (1/383)
صفحة 384
هذا وبجانب هذا أيضاً فإن الدعوة التي انبعثت من ذلك المكان على يدي عبدالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلّم ليجلجل صداها في أنحاء العالم بأسره حتى يمتد هذا الصدى عبر الأجيال المتعاقبة والقرون المتتابعة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، هذه الدعوة انطلقت من النبي صلى الله عليه وسلّم في ذلكم المكان، فعندما يأتي الإنسان بعد طوافه بالبيت الحرام إلى الصفا ليبدأ السعي بين الصفا والمروة تتفاعل في نفسه أحاسيس متنوعة فهو يذكر كما قلنا مأساة إسماعيل وهاجر عليهما السلام وكيف كانا يكابدان المشقة حتى تداركتهما عناية الله ولا سيما عندما يبدأ السعي فيستذكر كيف كانت هاجر تتردد في ذلك المكان ذاهبة وآئبة وهي ترجو رحمة الله تعالى بها وبابنها.
وكذلك يتذكر ما كان من دعوة النبي صلى الله عليه وسلّم عندما جاء إلى الصفا بعدما أنزل الله تبارك وتعالى عليه (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) (الشعراء:214) فصعد على الصفا ونادى في قريش واصباحاه فاجتمعت حوله وقال لهم: أرأيتم أن لو أخبرتكم أن خيلاً وراء هذا الجبل مغيرة عليكم أكنتم مصدقي؟ فقالوا له: ما جربنا عليك كذبا. فقال لهم: إني لكم نذير بين يدي عذاب شديد. فابتدره عمه أبو لهب قائلاً له: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فكان ذلك سبباً لنزول الوعيد الشديد الذي تضمنته سورة بأسرها أنزلها الله تبارك وتعالى من أجل توعد أبي لهب في مقابل هذا العنت وهذا الشقاق إذ كان إمام الكافرين فكان هو الرائد لهم في تكذيب النبي صلى الله عليه وسلّم. (1/384)
صفحة 385
فهذا مما يبعث في نفس الإنسان الأمل فإن تلك الدعوة مع ما واجهته من التحديات من أقرب الأقرباء وأخص الخاصة الذين كانوا حول النبي صلى الله عليه وسلّم هذه الدعوة آتت ثمارها ولو بعد حين وأخذت تنتشر وسط أنواع التحديات، فهكذا الدعوة إنما هي دعوة إلى الحق هي دعوة تحتاج إلى تضحية وإلى فداء طريقها غير مفروش بالياسمين والورود وإنما هو مفروش بأشواك القتاد فلا بد للمسلم أن يصبر ويصابر حتى تؤتي هذه الدعوة ثمارها بمشيئة الله تعالى، والله المستعان.
السؤال (2)
تدور على ألسنة خصوم الإسلام شبه منها يقولون بأن في الحج بقايا من الوثنية من حيث تقديس الأحجار والطواف حولها والازدحام من أجلها، فكيف يرد على مثل هذه الشبهة؟
الجواب:
أعوذ بالله، هذه شبه أهل الجاهلية، نحن وجدنا هذه المقالة قالها من قالها من الملاحدة، وقالها من قالها من النصارى من أمثال زويمر الذي حاول أن ينتقد الإسلام بسبب ما كان يعتمل بين جوانحه من حقد على الإسلام والمسلمين وكان هو يطمح إلى تنصير الجزيرة العربية بأسرها والقضاء على الإسلام في مهده كان من ضمن ما انتقد به الإسلام أن الإسلام لا تزال فيه بقايا وثنية ومن بين هذه البقايا تعظيم البيت الحرام. (1/385)
صفحة 386
هذا ولا ريب أن البيت الحرام أولاً قبل كل شيء تعظيمه ليس تعظيماً ناشئاً من فكر الإنسان القاصر المحدود، هنالك فارق بين أن يكون الإنسان معظماً لشيء أُمر بتعظيمه من قبل ربه سبحانه وتعالى، وبين أن يكون معظماً لشيء تعظيمه أخترع تعظيمه من تلقاء نفسه، فإن الله تبارك وتعالى تعبد عباده بما تعبدهم به، تعبدهم بأمور يعرفون غاياتها ويعرفون حكمها وأبعادها فهذه الأمور هي أمور كما يعبر عنها العلماء معقولة المعنى لأن حكمها واضحة ونتائجها وثمارها ظاهرة، وهنالك أمور أخرى هي بخلاف ذلك، أمور تعبدنا الله تبارك وتعالى من غير أن نعرف الحكمة فيها مثال ذلك الصلوات الخمس، الصلاة من حيث العموم هي معقولة المعنى والغاية لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ولأجل هذا اُمرنا بإقامتها (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (العنكبوت: من الآية45)، ولكن هل معنى هذا أن كل ما تنطوي عليه هذه الصلاة هو معقول المعنى ندرك أبعاده وغايته؟. (1/386)
صفحة 387
لا، فهنالك فارق بين صلاة الظهر وصلاة العصر وصلاة المغرب وصلاة العشاء وصلاة الفجر، ففرض الظهر والعصر والعشاء أربع ركعات، وفرض المغرب ثلاث ركعات، وفرض الفجر ركعتان لماذا كان ذلك؟ ذلك أمر لا ندريه، كذلك نفس هذه الصلاة بعض الأعمال تتكرر فيها في كل ركعة، وبعضها لا تتكرر، الركوع في كل ركعة هو متكرر، الركوع يتكرر في كل ركعة ولكن مرة واحدة بينما السجود يتكرر في كل ركعة مرتين، كذلك تكبيرة الإحرام هي تكبيرة واحدة وإن كان التكبير يتكرر في جميع الانتقالات ولكن هو غير تكبير الإحرام، التشهد يتكرر مرتين في الرباعية والثلاثية ويكون مرة واحدة في الصلاة الثنائية لماذا ذلك؟ هذه أمور لا ندريها إنما علينا أن نسلّم بأمر الله تبارك وتعالى لأننا لو حاولنا أن نتكلم فيها فإننا ننطلق في حديثها عن التخمين والظن، وليس لنا أن نقطع في هذه الأمور بمجرد ما يعتمل في نفوسنا من ظنون لأن هذه الظنون كثيراً ما تكون خاطئة. فهذه أمور تعبدية علينا أن نتقبلها ولو كنا لا نعرف الحكمة منها فليس لنا نتساءل لماذا يتكرر السجود ولا يتكرر الركوع، بل علينا أن نمتثل أمر الله وبهذا يتبين الفارق بين المطيع والعاصي وبين المؤمن والكافر وبين البر والفاجر.
كذلك بالنسبة إلى أعمال الحج هناك أعمال هي غير معقولة المعنى وإنما هي أعمال تعبدنا بها فعلينا أن نمتثل أمر الله سبحانه وتعالى، قد تكون هنالك أسباب نتصور ونعتقد أنها هي من وراء مشروعية بعض هذه الأحكام ولكن ليس لنا أن نقطع بهذه الأسباب إذ هذه أمور ظنية لا يقطع بها ما لم يكن هنالك دليل قطعي نصي يدل عليها، مثال ذلك السعي بين الصفا والمروة ذلك أمر نحن لا نستطيع أن نقطع بأن سببه كذا وإنما قيل بأن سببه ما كان من قصة هاجر عليها السلام، ولكن لماذا خلد الله تبارك وتعالى هذا الأمر وجعله عبادة تجب على العباد؟ ذلك أمر لا ندريه. (1/387)
صفحة 388
الهرولة التي تكون في السعي كذلك نفس الشيء أمر نحن لا نستطيع أن نقطع بسببها وإن كان قيل بأننا نهرول حيث كانت هاجر تهرول، كذلك بالنسبة إلى الوقوف بعرفات ولماذا خص باليوم التاسع دون غيره من الأيام، والبقاء في منى لمدة ثلاثة أيام ورمي الجمار فيهن كل ذلك من الأمور التي علينا أن نسلم تسليماً لها من غير أن نخوض في أعماقها.
أما بالنسبة إلى تعظيم الكعبة وتعظيم الحجر الأسود فإن هذا أمر فرضه الله تبارك وتعالى علينا، ونحن نرى فيما جعله الله سبحانه وتعالى من أعراف العباد ما فيه مقنع لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، نحن نرى أن خرقة تعلق فتكون تلك الخرقة لها شأن عند الناس بسبب أنها علم لدولة من الدول، أصحاب تلك الدولة يحرصون على ألا تمس بسوء قط مع أنها مجرد خرقة ليست لها ميزة دون غيرها من الخرق ولكن صارت رمزاً لتلك الدولة.
فالكعبة البيت الحرام إنما هو رمز لامتثال دين الله والانصياع لأمر الله. وهنالك تلتقي وفود الله تبارك وتعالى التي تأتي من بقاع الأرض كما قال سبحانه وتعالى (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) (الحج: من الآية28)، ومن بين هذه المنافع ما يحصل ما بينهم من التعارف وما يحصل ما بينهم من التآلف وما يحصل ما بينهم من الانسجام، وما يحصل بينهم من التعاون على البر والتقوى. (1/388)
صفحة 389
فإن وفود الحق سبحانه تأتي من بقاع الأرض إلى تلكم الأماكن المقدسة على اختلاف أحوالها وهم كلهم يأمون تلكم الكعبة، وهم جميعا يرددون شعاراً واحداً قائلين جميعاً: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك، هم يرددون هذا الكلام نفسه على اختلاف ألسنتهم، والكل أيضاً يتجرد في ثوبين مع ما يكون بينهم من التمايز عندما يكونون في حالاتهم العادية بحيث يكون هذا متميزاً هذا بزيه وذاك متميزاً بزيه إلا أن كل واحد يترك زيه ليتجرد في ثوبين، ثم مع هذا يحصل أيضاً تلاقي أصحاب المهارات وأصحاب الخبرات على اختلاف أنواعها وفي هذا ما يجعلهم يتعارفون ويبحثون قضاياهم ومشكلاتهم المتنوعة ويعطون الحلول فيكون في ذلك تعاون على البر والتقوى بمشيئة الله وينطلقون من هنالك وكل واحد منهم أخذ شحنة إيمانية في نفسه من خلالها يتمكن بأن يشق طريق الخير داعياً إلى الله سبحانه وتعالى ممتثلاً لأمره متجرداً من جميع ما يعوقه عن السعي إلى الخير والدعوة إليه، هذا كله من حكمة مشروعية الحج كما قال سبحانه وتعالى (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ .... ) (الحج: من الآية28).
السؤال (3)
بالنسبة للإحرام هل تلزم له ركعتان تسميان بركعتي الإحرام؟
الجواب:
أما اللزوم فلا، ولكن الإنسان إن أراد الإحرام ينبغي له إما أن يحرم على أثر صلاة صلاها كأن يحرم على أثر صلاة الظهر أو صلاة العصر أو صلاة المغرب أو صلاة العشاء أو صلاة الفجر، أو أن يحرم بعد أن يركع ركعتين ليكون قد أحرم بعد صلاة كما أحرم النبي عليه أفضل الصلاة والسلام بعد الصلاة.
السؤال (4)
الحاج الذي يريد الإفراد يأتي من المدينة ويحرم من ذي الحليفة مثلاً هل يلزمه أن يأتي مباشرة ويبيت في مكة ثم في صباح اليوم الثاني يحرم من مكة وينطلق إلى منى؟
الجواب: (1/389)
صفحة 390
بما أنه قصد الحج وأمّ وجهه نحو البيت الحرام لأجل أداء شعيرة الحج فإنه لا يجوز له أن يتعدى الميقات إلا وهو محرم فإن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام عندما حدد المواقيت قال (هن لهن ولمن أتى عليهن ممن أراد الحج أو العمرة)، (هن لهن): أي هذه المواقيت لهذه الأماكن المخصصة المعلومة. (ولمن أتى عليهن) لمن أتى من هذه الأماكن، لمن أتى من بلاد بعيد ولكن دخل من هذه الأماكن كأن يدخل من طريق المدينة المنورة فإنه يحرم من ذي الحليفة، أو يدخل من الجهة التي تمر على قرن المنزل كأن يكون آتياً من منطقة بعيدة من نجد ويمر على نجد ثم إلى قرن المنازل فإنه يحرم من ذلك المكان، أو يكون آتياً من العراق فيحرم من ذات عرق، أو يكون آتياً من اليمن فيحرم من يلملم، أو يكون آتياً من الشام أو من مصر فيحرم من الجحفة. قال (هن لهن ولمن أتى عليهن ممن أراد الحج أو العمرة).
فمن أراد الحج أو أراد العمرة لا يجوز له أن يتجاوز الميقات إلا وقد أحرم بالنسك الذي أراد من حج أو عمرة. ثم إن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة قال: خذوا عني مناسككم. وقد ذهب إلى حيث ذهب، من الناس من كان محرماً بالحج، ومن الناس من كان قارناً بين الحج والعمرة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلّم بعد ذلك أن كل من كان محرماً أن يتحلل بعمرة إلا من كان سائقاً للهدي وقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة.
ومعنى هذا أن من الناس من كان مهلاً بالحج، ومن الناس من كان مهلاً بعمرة وحجة معا، ولربما كان بعضهم من أول الأمر متمتعا قد يكون هكذا، ولكن لم يتجاوز أحد منهم الميقات إلا وهو محرم، فلا يجوز لأي أحد أن يتجاوز الميقات وهو يريد الحج أو العمرة إلا وقد أحرم، والله تعالى أعلم.
السؤال (5) (1/390)
صفحة 391
إذا أتى رجل من جهة المدينة أو من جهة قرن المنازل وأحرم في اليوم الخامس من ذي الحجة هل يذهب ويمكث في مكة دون أن يطوف ودون أن يؤدي شيئاً من المناسك؟
الجواب:
أما الطواف فمختلف فيه قيل يطوف طواف القدوم من غير أن يسعى لأنه إن سعى كانت عمرة، وقيل ليس له أن يطوف إلا إذا أراد أن يتحلل بعمرة.
وهو لا ريب يجوز له أن يتحلل بعمرة ذلك أن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام أمر عندما جاءوا محرمين أمر كل من كان محرماً ولم يسق الهدي أن يتحلل بعمرة، أن يجعل إحرامه إحرام عمرة إلا إن كان سائقاً للهدي ذلك لأن الله تبارك وتعالى يقول (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّه) (البقرة: من الآية196).
وللهدي ميقاتان ميقات زماني وميقات مكاني، فالميقات المكاني هو الحرم لا يجوز أن ينحر الهدي في غير الحرم، والميقات الزماني هو بعد أن يؤدي الإنسان فريضة الحج ويرمي جمرة العقبة لأن هذا الميقات بيّنه النبي صلى الله عليه وسلّم بفعله وقال: خذوا عني مناسككم.
ولذلك من الخطأ ما يفعله كثير من الناس من التهاون بحيث إنهم يتمتعون بالعمرة إلى الحج ولكنهم يؤدون هدي التمتع ما بين العمرة والحج مع أن الموجب لهذا الهدي إنما هو الإحرام بالحج ولا يقاس على ذلك الصوم صوم الثلاثة أيام التي تكون في الحج لأن هذه الثلاثة الأيام يجوز صيامها قبل الإحرام بالحج بسبب أن الأغلب من الصوم هو سبعة أيام يصومها الإنسان بعد فراغه من الحج فلذلك كان تقديم ثلاثة أيام لا حرج فيه فمن هنا كان لا بد من أن يمنع أن ينحر قبل أن يؤدي الإنسان فريضة الحج، والله تعالى أعلم.
السؤال (6)
الذي يتمتع بالعمرة إلى الحج عندما ينتهي من العمرة ينطلق مباشرة إلى منى فيبيتون فيها ويحرمون في اليوم الثامن من منى، هل يصح ذلك؟
الجواب:
لا مانع من ذلك، ما المانع من هذا ؟
السؤال (7) (1/391)
صفحة 392
الوقوف على الصفا يبدأ الارتفاع ويوجد بلاط وبقايا الجبل يوجد في الأعلى من أين بالتحديد يجزي المسلم أن يقف؟
الجواب:
يؤمر الإنسان أن يرتفع مقدار ما يشاهد البيت الحرام ويقابل البيت الحرام هذا بالنسبة إلى الرجل وأما المرأة فلا عليها إن بقيت في الأسفل قبل أن تصعد.
السؤال (8)
عندما تقام الصلاة في أثناء السعي يقف الناس الذين يؤدون السعي، فهل يواصلون بعد ذلك مباشرة؟
الجواب:
نعم، يبني على ما تقدم من سعيه.
السؤال (9)
من أرهقته رجلاه وتعب هل له أن يستريح؟
الجواب:
لا حرج ثم بعد ذلك يبني على ما تقدم من سعيه.
السؤال (10)
ما حكم الشك في السعي؟
الجواب:
أنا أعجب من هذا الشك ما هو مصدر الشك؟ من غرائب الأمور!!! لأن السعي أمره واضح ولعله أوضح من الطواف. قد يكون الشك في الطواف ولكن الشك السعي!!! كيف يكون الشك في السعي؟ لأنه يبدأ من بالصفا ويختتم بالمروة، وكل شوط بين الصفا والمروة، كل جيئة وكل تردد بين الصفا والمروة مما يعد شوطاً كاملا فيستبعد أن يكون هنالك شك، ولو قدرنا أن هنالك شكاً فإنه يبني على الأقل إذ أمر السعي ليس بأعظم من أمرالطواف والطواف حكمه كحكم الصلاة فكما أن في الصلاة إن شك يبني على الأقل فكذلك الطواف، والله تعالى أعلم.
السؤال (11)
هل يعفى الإنسان من الهرولة حينما يكون المسعى مزدحما بالناس؟
الجواب:
ولو كان مزدحما يتحرك، يحرك نفسه كأنما يسرع ولو لم يجد فرصة للإسراع.
السؤال (12)
بالنسبة للرمل في الأشواط الثلاثة في الطواف، ما هو حكمه؟
الجواب:
الأرجح أن يرمل الإنسان في طواف القدوم.
السؤال (13)
كنا محرمين وعندما وصلنا عند نقطة التفتيش لم يسمح لنا بالدخول إلا إذا كان الذين يسوقون السيارة يلبسون الملابس المدينة والسواقون كانوا محرمين أيضاً فلبسوا اضطراراً الملابس المدنية وبعد عبروا تلك النقطة رجعوا إلى ملابس الإحرام. فما الحكم؟
الجواب: (1/392)
صفحة 393
أعوذ بالله، هذا أمر غريب لأنهم لا يجوز لهم أن يصدوا أحداً عن البيت الحرام وقد أحرم، هذا من الصد، هذا تصرف إن ثبت فهو تصرف ناشئ عن جهل، لا يكون من مسئول يعي معنى المسؤولية ويعقل معنى المسؤولية وإنما يتصرف بجهله، والمسئولون الذين هم على وعي وعلى معرفة بأحكام الله لا يفعلون ذلك لأنه لا يجوز لأحد بعدما أحرم أن يتخلى عن إحرامه إلا لضرر، الضرر هو ما بيّنه الله تبارك وتعالى عندما قال سبحانه وتعالى (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) (البقرة: من الآية196)، واختلفوا في الإحصار هل الاحصار إحصار العدو فحسب وذلك بأن يصد المسلم عن الحج أو عن العمرة بعدما أحرم لهما عدو يمنعه من الوصول إلى البيت الحرام؟، أو أن الإحصار يشمل العدو والمرض.
فمن العلماء من قال بأن الاحصار إنما هو خاص بالعدو وهذا كما حصل للنبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام عندما صده المشركون مع من معه من الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وكانوا نحو ألف وأربعمائة، صدهم المشركون عن الإتيان إلى البيت الحرام وحالوا بينهم وبين البيت الحرام في الحديبية. وهناك كل منهم تحلل بعدما قدم ما عنده من الهدي، بعدما نحروا هديهم في ذلك المكان، وبعدما نحروا الهدي تحللوا من عمرتهم تلك، ثم بعد ذلك جاءوا معتمرين في السنة الثانية، كما تم على ذلك الصلح بينهم وبين مشركي قريش. (1/393)
صفحة 394
فبعض العلماء يحصر كما قلنا الإحصار في إحصار العدو فحسب، ومنهم من يقول بأن الإحصار يشمل إحصار العدو وإحصار المرض، ومنهم من يقول بأن المرض لا يقال أحصره المرض وإنما حصره المرض هناك بحث لغوي فيما يتعلق بهذا الجانب، ولكن العلماء كثير من علماء السلف جعلوا ما يحصر الإنسان عن الوصول إلى البيت الحرام شاملاً للعدو الصاد عن البيت الحرام وللمرض المانع من ذلك، ومعنى هذا أن المريض كذلك عليه أن يقدم ما عنده من الهدي والله تبارك وتعالى أولى بأن يعفو عنه وأن لا يؤاخذه.
ومنهم من قال بأنه لو وقع عليه كسر أو شيء مما يمنعه من أداء مناسك الحج ولم يتمكن من السفر إلى الحج فإنه يبقى بإحرامه ولو إلى عام، من العلماء من قال هكذا، فهؤلاء ليس لهم أن يمنعوا أحداً.
وأنا أنزه المسئولين الذين هم على دراية أو على بصيرة إن كان وقع ذلك فلعل هذا وقع من قوم جهلة لا يعرفون التفرقة بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال وبين الجائز وغير الجائز فلذلك تصرفوا ذلك التصرف إن كان ذلك حقاً وقع.
وبالنسبة إلى من صد إن لم يجد سبيلاً عليه أن يبقى حسبما ما يمكن إذا كان يرجو أن يتوصل إلى الحج والعمرة مع بقاءه بإحرامه، وعليه أن يتصل، كان على هؤلاء أن يتصلوا بالمسئولين الذين هم أكبر من أولئك الذين صدوهم إن كان ذلك كذلك.
أما وقد وقعوا في هذا الأمر فإنهم في هذه الحالة عليهم أن يفتدوا بنسك وعليهم أن يتوبوا إلى الله تبارك وتعالى من فعلتهم هذه، وعليهم أن يرجعوا إلى إحرامهم ويوصلوا نسكهم، والله تعالى أعلم.
السؤال (14)
امرأة تلبس أسورة ولا يمكنها أن تنزعهما عند الإحرام إلا عن طريق القص فهل يبقى مكانه عندما تريد أن تحرم أم تقصه؟
الجواب: (1/394)
صفحة 395
حقيقة الأمر أنا أعجب مما رأيته عن فقهاءنا رحمهم الله من أن المرأة تؤمر بأن تنزع ما عليها من حلي عندما تحرم، هذا بطبيعة الحال وجدنا عليه فقهاء المذهب، وهذا من باب الاحتياط، ولأجل إبعاد المرأة عما يغري الرجل بها كما تبتعد ويبتعد الرجل عن الطيب، والإحرام يتنافى مع التطيب، جعلوا الزينة كذلك الزينة مغرية، ولكن نحن وجدنا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها الذي روي عنها موقوفاً عليها ومرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلّم أنه لا بأس بحلي المرأة. هذا بطبيعة الحال مع سترها لهذا الحلي، ومع وجود رواية بهذا لا نستطيع أن نأخذ بالقياس، فالقياس إنما يصار إليه مع عدم الدليل الشرعي أي مع عدم النص، ولكن مع وجود النص لا يعدل عنه إلى القياس، أنا لا أمنع من أن تتجرد المرأة من زينتها عندما تذهب إلى هنالك بل أقول بأن الخروج من عهدة الخلاف فيه خير وفيه احتياط وكما يقول بعض العلماء ينبغي للمسلم أن يخرج من عهدة الخلاف مهما أمكن، ولكن مع هذا كله لا أشدد عليها وأقول بأن ذلك لازم عليها مع وجود هذا الدليل، والله تعالى أعلم.
السؤال (15)
من أين يحرم المسافر عن طريق الطائرة؟
الجواب:
أما إذا كان يسافر إلى المدينة، من الممكن أن يسافر بطائرة إلى المدينة، ومن الممكن أن يسافر بطائرة إلى جدة ثم من هناك يذهب إلى المدينة أولاً ثم يحرم من ذي الحليفة أو من أي ميقات يمر به إن كان يأتي من طريق أخرى، أما إن كان سافر إلى جدة وهو على قصد التوجه إلى مكة المكرمة فإنه يلبس إحرامه في آخر مطار يطير منه أو في نفس الطائرة قبل أن يصل إلى الميقات، وعندما يتحرى قرب الوصول إلى الميقات فإنه يبدأ بالإهلال بالحج أو بالعمرة، والله تعالى أعلم.
السؤال (16)
كيف يمكن للمسلمين أن يستغلوا فريضة الحج ويستفيدوا منها في واقع حياتهم وإصلاح أمورهم؟
الجواب: (1/395)
صفحة 396
حقيقة الأمر الأمة الإسلامية ترزح تحت نير مشكلات متنوعة ولذلك هي بحاجة إلى الكثير الكثير في وقتنا هذا مما يمكن أن يستغل موسم الحج من أجله.
الأمة الإسلامية بحاجة أولاً إلى أن تتفاهم فيما بينها وأن تتدارس مشكلاتها، وأن تستفيد من ذوي الخبرات، وهناك خبرات متنوعة، فهناك الفقهاء على اختلاف مذاهبهم وعلى اختلاف اجتهاداتهم يلتقون في تلكم العراص الطاهرة ومع هذا اللقاء يمكن أن يطرحوا مشكلاتهم وأن يتدارسوها فيما بينهم وأن يخرجوا برأي موحد، رأي نير لأنه في مكان طيب طاهر في مكان مقدس وفي بقعة فاضت عليها أنوار الحق سبحانه وتعالى بما أنزل الله سبحانه وتعالى فيها من وحيه وشملها ببركاته.
وأيضاً هناك الساسة يمكنهم أن يلتقوا ويطرحوا مشكلاتهم ويتدارسوا هذه المشكلات مع استعانتهم بالفقهاء وبغيرهم، وهنالك أصحاب المهارات المختلفة التي تتعلق بالدعوة وبحياة الأمة فهؤلاء كلهم يمكنهم أن يلتقوا وأن يستفيدوا من هذا اللقاء الطيب، وأن يتدارسوا مشكلاتهم، وهذا من المنافع التي أشار إليها القرآن في قول الله تبارك وتعالى (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) (الحج: من الآية28)
وأنا أعتبر أن من أعظم الفرص التي تتاح للمسلمين جميعاً في موسم الحج أن يصفوا حساباتهم فيما بينهم ذلك لأن هنالك الكثير من المشكلات التي نجمت والتي فرقت هذه الأمة وقد كان حرياً بها ألا تفترق لأنها أوتيت كتاب الله تبارك وتعالى الذي صين من التبديل والتغيير فبقي مصدر هداية لها وكان حرياً بها وهي بين يديها هذا الكتاب العزيز أن لا تفترق.
فهذه المشكلات الذي فرقت هذه الأمة وجعلتهم يتعادون ويتقاطعون ويتنابزون بالألقاب ويتراشقون بالتهم من الممكن أن تطرح على بساط البحث مع الرجوع إلى كتاب الله تعالى المنزل ومع الرجوع إلى الثابت الصحيح من سنة النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام وبهذا تنهى هذه المشكلات المتنوعة ويعود الوئام والألفة بين الأمة. (1/396)
صفحة 397
ومن الممكن أيضاً أن يستمع كل واحد منهم إلى ما عند الآخر فلعله وهو من بعيد لم يكن قادراً على استيعاب ما عند الآخر وغير قادر على تصوره تصوراً صحيحاً وهنالك تلبيسات ولكن مع الحضور ومع الطرح من قبل صاحب الفكرة نفسها يمكن أن يتفاهم المسلمون وأن يترفعوا عن هذه الخلافات التي مزقتهم وشتتهم.
فإذن هذا الموسم موسم فرصة، هذا كله مما ينبغي للمسلمين ألا يفوتهم وهم في تلكم العراص الطاهرة تلتقي وفودهم من جميع أصقاع الأرض، والله تعالى الموفق.
السؤال (17)
بالنسبة للحاج عندما يعود من الحج كيف ينبغي أن يكون؟
الجواب:
الحج كغيره من العبادات شرع من أجل غرس روح التقوى في عباد الله، ولئن كانت العبادات بأسرها تؤدي إلى هذه الغاية المطلوبة والقرآن الكريم يدل على ذلك ونبهنا على هذا مراراً، فإننا نجد أن القرآن يؤكد اقتران الحج بالتقوى في كثير من آيات الكتاب أكثر من غيره فالله تبارك وتعالى يقول (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (البقرة: من الآية196)، ثم يختتم ذلك بقوله سبحانه (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (البقرة:196)، ثم على أثر ذلك يقول: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ) (البقرة:197)، ثم يقول (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (البقرة:203). (1/397)
صفحة 398
ثم نجد أن الله سبحانه وتعالى أيضاً يقول (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: من الآية32).
ويقول في البدن التي تساق إلى ذلك المكان المقدس (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) (الحج: من الآية37).
فإذن الحج هو من هذه العبادات التي تغرس روح التقوى في نفس الإنسان وتثمر في سلوكه تقوى الله تبارك وتعالى بحيث يكون هذا الإنسان حريصاً على اتباع أمر الله، فعندما ينقلب عليه أن يقلب صفحته من الشر إلى الخير ومن الضلال إلى الهدى ومن الغي إلى الرشد ومن الفساد إلى الصلاح ومن الانحراف إلى الاستقامة ومن النفرة من إخوانه إلى التآخي معهم، ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق ومن كل شر إلى كل خير.
كما أن هذا الإنسان يؤمر أيضاً وهو قد أكرمه الله سبحانه وتعالى بالوفادة إلى ربه سبحانه في تلكم الأماكن المقدسة أن يحرص على تذكر الانقلاب إلى الله تعالى في الدار الآخرة، وأن يزن جميع تصرفاته وأعماله بموازيين الحق التي أنزلها الله سبحانه وتعالى ليكون مستعداً للانقلاب إلى ربه تبارك وتعالى وهو نظيف الجيب طاهر القلب والنفس نقي السلوك بعيد عن معاصي الله مستمسك بحكم الله تعالى المتين ناهج صراطه المستقيم، وبهذا كان الحج ينفي الأوزار ينفي المعاصي كما جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة)، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم (والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)، فعلى الإنسان أن يحرص على أن يكون حجه مبروراً وعلامة بره أن يعود خيراً منه عندما ذهب، والله تعالى الموفق.
تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه
من ذي القعدة 1423 هـ، 5/ 1/2003 م
الموضوع: الحج
السؤال (1) (1/398)
صفحة 399
سماحة الشيخ هل تشعرون أن فريضة الحج عبر السنين المختلفة قد أدت وظيفتها وأهدافها المقصودة؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فلا ريب أن الأمة الإسلامية يحمل أفرادها كل واحد منهم بين جوانحه عاطفة جياشة تشده إلى إخوانه المؤمنين، وتلهب في نفسه مشاعر الحماس من أجل هذا الدين، ولكن مما يؤسف له أن هذه العاطفة كثيراً ما تكون غير مصحوبة بعلم وبصيرة حتى يكون الإنسان قادراً على استخدامها وتصريفها وفق متطلبات الدين الحنيف ووفق مصلحة هذه الأمة.
فلذلك كثيراً ما تكون العبادات على اختلاف أنواعها غير مؤدية للدور المطلوب منها بسبب أن ممارستها لا تكون على بصيرة ووعي ودين.
ولو أن الناس فقهوا أمر دينهم واستبصروا بوحي ربهم سبحانه وتعالى لكان الواقع غير ما نرى وما نشاهد، ولأدى الأمر إلى ترابط هذه الأمة وتعاونها جميعاً على البر والتقوى، وخروجها من المأزق الذي لا تزال تعاني فيه ما تعاني.
فعدم الفقه في دين الله سبحانه هو الذي أدى إلى عدم أداء هذه الشعائر المقدسة على النحو المطلوب، وعدم استصحاب الإنسان لبصيرة العقل في ممارسته إياها وتأديته لها، فلذلك يذهب الإنسان من هنا إلى هناك من أجل أداء هذه الفريضة المقدسة وكأنما هو ذاهب إلى زيارة من الزيارات مع كونه يحمل لا ريب فيما بين جنباته هموم الأمة، ولكن هذا الحمل إنما هو عاطفة والعاطفة سرعان ما تتقد ثم تنطفئ، وسرعان ما تبدو ثم تضمحل فلذلك ما كان هنالك ما يقتضي استمرار هذا الشعور واستمرار هذا الإحساس في نفسية المسلم ليكون همه الوحيد في حياته. (1/399)
صفحة 400
ونحن نحمد الله تبارك وتعالى على أنه وجدت نماذج من البشر، وجدت مجموعات من البشر التقت من هنا وهناك من أنحاء مختلفة في العالم في تلكم العراص وكان بينها التعارف وكان بينها التآلف وكان بينها التواد وكان بينها التراحم، هذا وجد بطبيعة الحال عبر التاريخ، ولكن لا يعني ذلك أن الأمة أصبحت في حل من أمرها، إنما هي عليها أن تحرص دائماً على استغلال هذه المواسم وهذه اللقاءات ما بينها لتشد من رابطتها ولتستمسك أكثر فأكثر بدينها، ولتحرص دائماً على ما يجمع شملها ويوحد صفها ويرأب صدعها ويجمع كلمتها ولتحرص على البذل فيما يعود بالخير على الدين الحنيف وعلى جميع أفراد الأمة، والله تعالى ولي التوفيق.
السؤال (2)
نريد منكم سماحة الشيخ أن تبينوا لنا مناسك الحج باختصار؟
الجواب:
مناسك الحج تكون على ثلاث كيفيات، لأن من يذهب إلى حج بيت الله الحرام فإما أن يكون مفرداً بالحج وحده، وإما أن يكون قارناُ بين الحج والعمرة، وإما أن يكون متمتعاً بالعمرة إلى الحج.
فأما المفرد بالحج فإنه يهل من أول الأمر بالحج بحيث يقول لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك له، ثم يقول لبيك بحجة تمامها وبلاغها عليك يا الله. يعني أنه قاصد أداء فريضة الحج من غير أن يدرج العمرة في ضمن هذا الأداء، وعندما يصل إلى هناك إن كانت ثم فرصة فإن من أهل العلم من يرى أن يطوف بالبيت الحرام، ومنهم من يرى أن الطواف قد يحوّل هذه الحجة أو يحوّل هذا النسك إلى عمرة إلى نسك آخر.
وإن لم يكن بإمكانه الطواف وذلك بأن يصل في وقت متأخر فإنه ليس عليه طواف وإنما يذهب رأساً إلى منى، ثم بعد ذلك يؤدي ما يؤدي من مناسك الحج حتى ينتهي من مناسكه ويتحلل، ومعنى ذلك أنه يذهب في يوم الثامن إلى منى. (1/400)
صفحة 401
ثم يظل هنالك حتى يبيت ليلة التاسع ويغدو في صبح يوم عرفة وهو بمنى، ثم ينتقل بعد ذلك من منى إلى عرفات وهو يلبي يذكر الله تبارك وتعالى ويستغفره ويتوب إليه، وعندما يصل إلى عرفات عندما تزول الشمس يقوم لأداء صلاتي الظهر والعصر جمعاً وقصرا، ثم بعد ذلك يدعو الله تبارك وتعالى بما تيسر له ويستغفره وينيب إليه ويكثر من التلبية ويكثر من قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ويكثر من الدعاء والإلحاح فيه لأن هذه العشية عشية مباركة، ويستمر على ذلك إلى غروب الشمس، ولا يغادر مكانه إلى أن تغرب الشمس، فإذا غربت الشمس بدأ في الإفاضة ويفيض من عرفات إلى المزدلفة، فإذا وصل إلى هنالك جمع بين الصلاتين بين صلاتي المغرب والعشاء مع قصر العشاء وذلك في وقت قبل العشاء، ويذكر الله تبارك وتعالى عند المشعر الحرام ويستمر على الذكر مع التبتل إليه سبحانه، ومع هذا يأخذ قسطاً من الراحة ينام ثم يصلي الفجر هنالك، وبعد صلاة الفجر يقطع وادي محسر بعدما يذكر الله تبارك وتعالى ويحرص على قطع الوادي قبل أن تطلع الشمس. (1/401)
صفحة 402
ثم يغدو إلى منى فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة، وبعد رميه جمرة العقبة يتحلل لأنه ليس عليه هدي إلا أن يكون قد ساق الهدي، فإن كان قد ساق الهدي فإنه لا يتحلل إلا بعد أن يبلغ الهدي محله لقول الله تبارك وتعالى (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) (البقرة: من الآية196)، ثم بعد ذلك، بعد التحلل يذهب إلى مكة المكرمة ويطوف بالبيت ثم يظل في منى لمدة ثلاثة أيام بحيث يبقى في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر هذا إن تأخر، ويجوز له أن يتقدم بحيث يتعجل في يومين أي يبقى إلى اليوم الثاني عشر بعد الزوال، وفي كل يوم يرمي الجمار الثلاث الجمرة الأولى والجمرة الوسطى وجمرة العقبة يرميهن بعد الزوال كل واحدة منهن بسبع حصيات. ثم بعد ذلك يذهب إلى مكة المكرمة وعندما يريد المغادرة يطوف بالبيت ليكون آخر عهده بالبيت هذا كما قلنا إن كان مفرداً بالحج، فإن شاء الاعتمار فإنه يعتمر بعد أيام التشريق.
وأما القارن بين الحج والعمرة فإنه يلبي بهما جميعاً يلبي بالحج وبالعمرة ويظل على إحرامه.
واختلف هل لا بد من أن يطوف طوافين ويسعى سعيين أو أنه يجزيه لنسكه طواف واحد وسعي واحد، أو أنه يطوف طوافين ويكتفي بسعي واحد هذا مما اختلف فيه أهل العلم.
واختلف أيضاً في القارن هل يجب عليه دم أو لا يجب عليه دم؟ والاختلاف مبني على أن القران هل هو خروج عن الأصل وأن الأصل عدم القران فلذلك يجب عليه الدم لأنه جمع بين نسكين جميعاً وفي ذلك تمتع له فيصدق عليه قول الله تبارك وتعالى (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) (البقرة: من الآية196)، أو أن ذلك لا يعد تمتعا.
وإن كان أكثر العلماء يرون أن القران كالتمتع من حيث وجوب الهدي فإننا نرى أنه إن لم يسق الهدي فلا يجب عليه أن يهدي بل يكفيه ألا يهدي كحال من أفرد الحجة وحدها. (1/402)
صفحة 403
وأما المتمتع فإنه يهل بعمرة بحيث يلبي بعمرة يقول لبيك بعمرة تمامها وبلاغها عليك يا الله، ثم بعدما يصل إلى مكة المكرمة يطوف بالبيت ويسعى وبعدما يسعى يتحلل بتقصير أو بحلق، ثم بعد ذلك يستمر وهو محل ويطوف بالبيت الحرام متى ما أراد وهو في حال إحلاله إلى أن يأتي اليوم الثامن، فإذا جاء اليوم الثامن فإنه يهل بحجة ويذهب إلى منى أولاً كما هو الشأن في بقية النسك في نسك الحج وحده أو في نسك القران ثم إلى عرفات فيما بعد. فإذا جاء إلى منى في اليوم العاشر بدأ برمي جمرة العقبة بسبع حصيات ثم بعد الرمي ينحر هديه وبعد نحره للهدي يتحلل بحلق أو تقصير، ثم يطوف بعد ذلك طواف الإفاضة ويرمي الجمار في الأيام الثلاث، ثم بعد ذلك عندما يريد المغادرة يطوف بالبيت، هكذا شأن هذه النسك الثلاثة.
وعلى الإنسان أن يحرص دائماً على أن يستحضر عظمة الله تبارك وتعالى وجلاله وكبريائه، وأن يكون في تأديته لهذه المناسك مستشعراً أنه يطيع ربه تبارك وتعالى فإن الأعمال الظاهرة لا قيمة لها إن لم تكن مصحوبة بنية خالصة لوجه الله عز وجل، وشرع ما شرع من المناسك من أجل ذكر الله، فذكر الله يجب أن يسيطر على فكر الإنسان ووجدانه وأن يهيمن على جوارحه وأركانه بحيث يوجهها الوجهة المرضية في طاعة الله تبارك وتعالى. وبهذا يكون حجه بمشيئة الله تعالى حجاً مبرورا.
ومما يجب التنبيه عليه أن هنالك من العلماء من أخذ يترخص في نحر الهدي قبل يوم النحر بحيث ينحر المتمتع هديه وهو في مكة المكرمة قبل يوم النحر، وهذا فيه مخالفة للسنة، والنبي صلى عليه وسلّم كانت أعماله في حجة الوداع ترجمة دقيقة لمناسك الحج، وكل ما كان حكمه أوسع من فعله صلى الله عليه وسلّم نبّه عليه لئلا يتقيد الناس بما فعله فلذلك قال: وقفت هاهنا وعرفات كلها موقف، وقال وقفت هاهنا وجمع كلها موقف، وقال: ونحرت هاهنا ومنى كلها منحر وفي رواية وزيادة: وفجاج مكة كلها منحر. (1/403)
صفحة 404
هذا من أجل ألا يتقيد الناس بما فعله صلى الله عليه وسلّم وإلا فبقية الأعمال كانت ترجمة دقيقة لمناسك الحج فيجب التقيد بما فعله صلى الله عليه وسلّم، فلو كان الهدي يمكن أن ينحر قبل يوم النحر لما تقيد النبي صلى الله عليه وسلّم عندما ساق الهدي بإحرامه وظل عليه إلى يوم النحر وقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة. فلماذا تقيد إلى يوم النحر وإنما ذلك لأن للهدي ميقاتين ميقاتاً زمانياً وهو يوم النحر وميقاتاً مكانياً وهو الحرم فلا بد من التقيد بذلك، والله تعالى أعلم.
السؤال (3)
من يريد أن يفرد بالحج ولم يعتمر من قبل هل يصح له ذلك؟
الجواب:
لا مانع من أن يفرد الحج، فإن شاء أن يعتمر بعد أداء مناسك الحج فليعتمر بعد أيام التشريق، وإن شاء أن يؤخر العمرة إلى مناسبة أخرى فلا مانع من ذلك.
السؤال (4)
الناس عندما يفيضون من عرفات ويتجهون إلى المزدلفة في بعض الأحيان لكثرة الزحام يتأخر عندهم الجمع بين صلاة المغرب والعشاء فما هو الوقت الذي تنتهي عنده صلاة العشاء؟
الجواب:
في ذلك خلاف قيل إلى ثلث الليل وقيل إلى نصف الليل وقيل بل إلى الفجر أي إلى طلوع الفجر، ولكن مع هذا نظراً إلى وجود صلاة المغرب معها فلا ينبغي للإنسان أن يؤخر طويلاً، بل عليه أن يحرص على أن يصلي في الثلث الأول من الليل فإن تعذر ذلك فليصل في النصف الأول، وإن تعذر عليه ذلك أن يصل إلى هناك لأجل الزحام فليصل في طريقه قبل أن يصل لأجل صلاة المغرب فليجمع بينهما قبل أن ينتصف الليل، والله تعالى أعلم.
السؤال (5)
بعض الناس عندما يلتقطون الحصى من منى والمزدلفة يقومون بغسلها، فهل غسل الحصى هذه من السنة؟
الجواب:
لا، ليس لذلك دليل، وإنما هذا مجرد نظافة فحسب.
السؤال (6)
عند رمي الجمرات البعض يحرص أن تكون الحصاة واصلة في العمود، هل يشترط ذلك؟
أم يكفيه وصولها في الحوض؟
الجواب:
لا، الحوض ليس هو الجمرة. (1/404)
صفحة 405
السؤال (7)
امرأة أوصت بحجة أن تنفذ قبل موتها لكنها حجت بنفسها فهل بعد موتها تنفذ الوصية؟
الجواب:
إن أوصت بأن يحج عنها بعد موتها وحجت هي في حياتها فإن ألغت هذه الحجة فلا يجب أن تنفذ الوصية لأنها ألغتها، وإن لم تلغها فإن ذلك من الواجب، وهناك احتمالات، للاحتمال أن تكون أرادت بإبقاءها الاحتياط وهناك احتمالات أخرى، فالأولى أن يحج عنها، وينوى بها الاحتياط عنها.
السؤال (8)
هل ذبح الهدي في منطقة الشرائع بالقرب من منى هو جائز، لأننا ذهبنا للبحث عن الهدي في هذا المكان بالقرب من منى لعدم وجود الهدي المناسب في منى؟
الجواب:
جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: نحرت هاهنا ومنى كلها منحر، وفي رواية بزيادة: وفجاج مكة كلها منحر. ومعنى ذلك أن أي جزء من أرض الحرم هو منحر. فما دام نحر في أرض الحرم فقد نحر في محل الهدي، والله تبارك وتعالى يقول (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) (البقرة: من الآية196) فلا بد من أن يكون منحوراً في الحرم الشريف.
السؤال (9)
الآن المسلخ صار بعيداً عن منى فهل هناك بأس في الذهاب إلى هناك؟
الجواب:
كما قلت إن كان لم يخرج عن أرض الحرم فأرض الحرم كلها منحر. أما إذا جاوز وادي محسر إلى جهة عرفات فقد جاوز حدود الحرم وخرج من حدود الحرم.
السؤال (10)
ذهب رجل لأداء العمرة فلم يؤد طواف الوداع وسمع من يقول بأن المعتمر ليس عليه طواف وداع؟
الجواب:
هو فيما مضى أخذ برأي من آراء علماء الأمة وليس عليه إن شاء الله في ذلك حرج، أما في المستقبل فإنه ينبغي له أن يأخذ بالأحوط وأن يخرج من عهدة الخلاف فإن الخروج من عهدة الخلاف مطلوب من الإنسان الذي يحرص على سلامة دينه، على أن العمرة هي نسك كالحج وقياسها على الحج من القياس الجلي، والله تعالى أعلم.
السؤال (11)
المرأة الحائض في الحج هل عليها طواف وداع؟
الجواب: (1/405)
صفحة 406
المرأة الحائض معذورة بنص حديث الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام فليس عليها أن تطوف طواف الوداع.
السؤال (12)
ما قولكم في رجل استأجر أكثر من حجة دون علم المؤجرين بأن هذا الشخص يقوم بهذا العمل، وقيل عنه أنه يؤجر عندما يصل إلى مكة المكرمة فيقوم بتأجير هذه التي كلف بها لأشخاص آخرين دون علم المؤجرين الذين استأجر منهم؟
الجواب:
هذا رجل خائن، ولا يستحق الأجرة على ما فعل وإنما عليه الضمان وعليه أن يرد هذه المبالغ إلى أربابها، إذ ليس للأجير أن يؤجر غيره. ثم إن هنالك فرقاً بين حجة ينطلق بها الإنسان من موطن المحجوج عنه، وبين حجة تكون من مكان قريب، من أرض قريبة من أرض الحرم، هنالك فرق في الإيجار، بل وهنالك فرق حتى في الأجر عند الله تبارك وتعالى لأن الحجة التي خرج بها الإنسان من مكان بعيد ليست كالحجة التي نواها من أرض قريبة من أرض الحرم. الحجة التي جاء بها من بلده ليست كالحجة التي نواها من مكان قريب من أرض الحرم. فهذا التصرف يعد من الخيانة ولا يكون ذلك من مؤمن يخشى الله تبارك وتعالى ويتقيه.
السؤال (13)
هل هنالك شروط معينة في المستأجر؟
الجواب:
العاقل هو من يحرص على أن لا يأخذ حجة عن غيره بأجرة، نعم إن تبرع أن يحج عن غيره فذلك جائز وليس فيه حرج، لكن أن يأخذ حجة بأجرة وإن كان ذلك جائزاً إلا أن فيه مخاطرة، فلذلك ينبغي أن لا يقدم على هذا الأمر إلا الرجل المتفقه في دين الله لئلا يقع في شيء من التقصير.
ثم مع ذلك عليه أن يحرص بجانب تفقهه على تفادي التقصير بقدر المستطاع، وعليه أن يطلب المحاللة أيضاً ممن أجره لئلا يكون قد وقع في التفريط من غير قصد منه. كل ذلك مما ينبغي أن يكون الحسبان. (1/406)
صفحة 407
ولا بد أيضاً من أن يكون من يحج عن غيره بأجرة رجلاً قادراً على ممارسة الشعائر بنفسه، فهنالك بعض الناس لا يستطيعون أن يرموا الجمار، وهناك من لا يستطيع أن يقوم ببعض الأعمال إلا بمساعدة، فهؤلاء ليسموا مؤهلين بأن يحجوا عن غيرهم بأجرة، فلذلك ينبغي للإنسان قبل كل شيء أن يحتاط لنفسه وأن يبتعد من مثل هذه الأمور، وينبغي للأمين أن لا يختار للقيام بمثل هذه المهمة إلا الأمين القادر كما قال الله تبارك وتعالى حكاية عن بنت الرجل الصالح الذي لقي موسى عليه السلام (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ) (القصص: من الآية26).
السؤال (14)
ما قولكم في امرأة كبيرة في السن ولكنها تستطيع المشي قرابة ثلاثة كيلومترات أو أكثر وهي تنوي تأجير حجة عن نفسها لعدم تمكنها من تأدية الفريضة عن نفسها وذلك لسبب لم تبح به؟
الجواب:
من كان قادراً على أداء هذه الشعيرة المقدسة بنفسه فلا يسمح له أن يؤجر غيره عن ذلك مع عدم الحيلولة بينه وبين أداء هذه الفريضة بأي مانع. عليه أن يؤديها بنفسه. أما العاجز فنعم، له أن ينيب غيره لأجل حديث المرأة الخثعمية التي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقالت له: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع الثبوت على الراحلة أفأحج عنه؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلّم: أرأيت أن لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ذلك مجزياً عنه؟ فقالت: نعم. فقال: فذاك ذاك. فهكذا شأن هذه الشعيرة يمكن أن يؤديها الإنسان عمن كان عاجزاً ولو كان حيا. أما القادر فلا، فلا يؤديها عنه غيره وإنما يؤديها بنفسه، والله تعالى أعلم.
السؤال (15)
في حالة منع الشرطة من الوقوف في المزدلفة وكذلك في حالة استعجال الشرطة للشخص الواقف للمبيت في المزدلفة بالذهاب وتهديدهم بسحب سيارته قبل صلاة الفجر، ماذا يفعل في هذه الحالة؟
الجواب: (1/407)
صفحة 408
من ضاق به الأمر فله أن يغادر أرض المزدلفة بعد غروب القمر كما جاء في حديث أسماء رضي الله تعالى عنها فإنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أباح للظعن عندما قال لها غلامها يا هنتاه ما أرانا إلا غلسنا فقالت له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أباح للظعن.
ومعنى ذلك أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أباح للضعفاء أن يتقدموا، وقد قيد هذه الإباحة حديث أسماء بأنها كانت تراقب القمر حتى غرب القمر، فلما غرب القمر أمرت غلامها أن ينتقل بها إلى منى.
وجاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما يدل على أن هذه رخصة لجميع الضعفاء فقد قال: أنا ممن قدّم رسول الله صلى الله عليه وسلّم في ضعفة أهله. كان من الضعفاء لأجل صغر سنه، كان من الذين قدمهم النبي صلى الله عليه وسلّم من ضعفة أهله. وعندما يكون الإنسان واقعاً في مثل هذا الحرج فحكمه حكم الضعيف له أن يتقدم بعد غروب القمر. يبقى بعض الوقت بقدر مستطاعه ثم بعد ذلك يذهب إلى منى، والله تبارك وتعالى أولى بعذره.
السؤال (16)
في اليوم الثاني عشر الكثير من الناس وبسبب الزحام تبدأ سياراتهم تتحرك عندما ينتهون الرمي ولكن تغرب عليهم الشمس وسياراتهم لا تزال في حدود منى إلا أنهم قد تحركوا فهل يلزمهم أن يبيتوا اليوم الثالث عشر أم لا؟
الجواب:
هكذا المشهور أن من غربت عليه الشمس فليبت مكانه، ولكن بما أنهم متحركون وإنما حبسهم حابس وهم في طريقهم فنرجو أن يكونوا في حكم من خرج لأنهم نووا الانتقال.
السؤال (17)
علي مبلغ من المال ولا أملك ضماناً له ولكن تتوفر لدي الوسيلة للذهاب إلى الحج وأملك ما يكفي لأهلي في غيابي، فهل أحج؟
الجواب:
أولاً قبل كل شيء من كان عليه دين فإن قضاء الدين هو أولى من أن يعنى بالحج، إذ الحج إنما هو واجب على المستطيع، ومن كان مشغولاً بفريضة أخرى فليس بمستطيع لا يستطيع أن يؤدي معها هذه الفريضة. (1/408)
صفحة 409
وأداء الدين لأهله فريضة. وتسيير حقوقهم إليهم من الفرائض فلا يقدم الحج على ذلك وإنما يقدم ذلك على الحج.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى قد يكون هذا الدين ديناً ربوياً والدين الربوي يجب على الإنسان أن يتخلص منه قبل أن يفد على الله لأن الله تبارك وتعالى إنما يتقبل من المتقين، ومن كان متلسباً برجس فعليه أن يتطهر من رجسه ليفد على الله تبارك وتعالى وهو طاهر.
وإن كان الدين غير ربوي وكان عنده وفاؤه وكان مسجلاً أي مضموناً بحيث هنالك وثيقة بيد الدائن يتمكن من خلالها أن يسترد حقه وكان عند هذا المدين وفاء والدائن راض بأن يذهب إلى الحج، أو كان دينه لم يحضر بعد بأن يكون مؤجلا ففي هذه الحالة لا مانع من ذهابه إلى الحج، والله تعالى أعلم.
السؤال (18)
هل يجوز للزوج أن يأخذ زوجه للحج والصرف عليها من باب التعاون على البر والتقوى أم يلزمها ذلك من مالها فقط؟
الجواب:
الأصل في ذلك أن تؤدي الواجب الذي عليها من مالها، ولكن لما بين الزوجين من الاندماج والاختلاط ولأن الزوج هو القيم على امرأته فإن أخذها إلى الحج من ماله وأدت هذه الفريضة فإنها تكون مؤدية لما عليها، ولو كان عندها يسر فضلاً عن كونها غير مؤسرة، فإن كانت غير مؤسرة وأدت هذه الفريضة من مال زوجها ثم بعد ذلك من الله عليها باليسر فليس عليها أن تعيدها مرة أخرى بل ذلك مجزئ عنها إن شاء الله.
السؤال (19)
المرأة التي تريد أن تذهب إلى الحج فلم تجد سوى نساء يذهبن مع محارمهن لكن المحارم الذين يذهبون معه لا بد أن تتوفر فيهم شروط الأمانة، لكن شروط الأمانة هنا لم تتوفر بالطريقة المطلوبة، فهل تذهب معهم هذه المرأة؟
الجواب:
لا بد من أن يكون هؤلاء الرجال الذين أخذوا مع محارمهم من النساء لا بد من أن يكونوا أمناء فإن الخائن غير مؤتمن، ولذلك لا ينبغي للمرأة بل لا يجوز لها أن ترافق الخونة من الرجال ولو كان عندهم نساؤهم، والله تعالى أعلم.
السؤال (20) (1/409)
صفحة 410
رجل أجّر بحجة ولكن الذي أجّره لم يكن يعلم أنه يحمل في يديه وشماً أو صوراً وأشكالاً معينة فهل تكون حجته تلك تامة؟
الجواب:
هذا الوشم إما أن يكون وضعه بنفسه باختياره، وإما أن يكون بغير اختياره، فإن كان بنفسه اختيار أن يوشم في يديه أو في أي جزء من جسده فهذا لا ريب أنه عاص لربه فإن الوشم مما يشدد فيه ولذلك جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: لعن الله الواشمة والمستوشمة، فالكل ملعون يعني الفاعل والمفعول به ذلك، الكل منهما ملعون بنص حديث الرسول الله صلى الله عليه وسلّم.
وإن كان عن غير اختيار فهو إما أن يكون قادراً على التخلص منه أو غير قادر على التخلص منه، فإن كان قادراً فعليه أن يتخلص منه ويزيله قبل أن يذهب إلى هناك، وإلا فإن كان غرر بغيره فعليه أن يرد هذه الأجرة، والله تعالى أعلم.
السؤال (21)
بالنسبة للمؤجر إذا لم يرد إليه ماله هل يؤجر شخصاً آخر ويعتبر تلك الحجة باطلة؟
الجواب:
إن كان ذلك مصراً على معصيته، نعم. لأنه مصاحب للمعصية في أداء هذه الفريضة.
السؤال (22)
ما حكم من كان يسكن مع والده وهو متزوج وله أولاد وقد ضاق به الأمر في بيت والده لضيق البيت ولكون العادة تفرض عليه الاستقلال ببيت لوحده في تلك الظروف، ولديه مبلغ من المال يكفيه لأداء فريضة الحج لكن نظراً لوضعه أراد أن يدخر ذلك المبلغ لشراء البيت إذ لو أنفقه في أداء فريضة الحج لما تمكن من ذلك ن فهل يجب عليه الحج؟
الجواب:
الحج إنما يجب من المال الفاضل عن ضرورات الإنسان، ولئن كان هو في حالة ضرورية بحيث لا يجد ملجأ أو بيتاً يأوي إليه إلا بإنفاق ذلك المال الذي يريد أن يحج به في توفير البيت فعليه أن يوفر البيت أولاً ثم بعد ذلك يحج، وهذا من صون نفسه ومن صون عياله، والله تعالى أعلم.
السؤال (23)
هل تجوز الإنابة في الهدي بدون عذر؟
الجواب:
الهدي لا حرج فيه إن أهدى الإنسان عن غيره بإنابته إياه في ذلك. (1/410)
صفحة 411
السؤال (24)
هل المعيصم من منى، وهل يجوز الهدي فيها؟
الجواب:
يجوز الهدي في جميع أرض الحرم، أرض الحرم كما قلنا هي منحر فكل ما كان داخل الحرم من أرضه فيجوز الهدي في أي جزء منه.
السؤال (25)
ما حكم بطاقات الهدي حيث توجد محلات تبيع هذه البطاقات فيشتريها الحاج من أجل أن يذبحوا ويهدوا عنه بطريقة معينة؟
الجواب:
حقيقة الأمر الهدي هو عبادة، قربة إلى الله تبارك وتعالى فلا بد من أن يتحقق من أداء هذه العبادة وعليه أن لا يتحلل إلا بعد التحقق من أن هذه العبادة أديت عنه على النحو الذي يرضي الله.
السؤال (26)
بالنسبة للوقوف بعرفة، وقوف عرفة هكذا هي اللفظة المتعارفة، فهل تعني أن يظل المسلم واقفاً أكثر وقته أم ماذا؟
الجواب:
لا يلزمه أن يكون مستمراً في وقوفه بل يمكن أن يقف، ويمكن أن يكون واقفاً على راحلته كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلّم كان كثيراً ما يقف على راحلته، ويمكن أن يقعد ولا سيما عندما يحس بالتعب ويحس بالشدة فلا حرج عليه في القعود ولكن ينبغي له أن يكثر من الوقوف ويكثر من الدعاء.
السؤال (27)
هل يشرع قيام الليل في ليلة المبيت بمزدلفة أم أن ذلك اليوم يوم راحة فينام المسلم فيه؟
الجواب:
كثير من العلماء من يرى أنه يوم راحة ولكن أسماء رضي الله تعالى عنها حرصت على قيام تلك الليلة فظلت تصلي وهي تسأل غلامها هل غرب القمر أي بعد أن تسلم من صلاتها فعندما يقول لها: لا، تواصل صلاتها وهذا دليل على أنه لا مانع من أن يتهجد الإنسان في جنح الليل.
السؤال (28)
قد لا تجد المرأة في مزدلفة مكاناً ساتراً تصلي فيه فهل تؤخر الصلاة حتى تجد المكان المناسب؟
الجواب:
تصلي كيفما أمكنها والصلاة لا تؤخر عن ميقاتها.
السؤال (29)
ما حكم من غطى رأسه وهو نائم في مزدلفة؟
الجواب:
إن كان ذلك عن غير اختيار فليمط الغطاء عن رأسه فور ما يستيقظ وليلبي.
السؤال (30) (1/411)
صفحة 412
متى يبدأ الحجيج في تحركهم من مكة إلى منى في اليوم الثامن؟
الجواب:
إن شاءوا بدأوا بعد طلوع الفجر، وإن شاءوا بعد طلوع الشمس، وإن شاءوا قبل الزوال. إن شاءوا في أي وقت، وإنما يؤمرون بالمبيت في منى، وصلاة الظهر هي أولى أن تكون في منى وهكذا ما بعدها من الصلوات فقد قيل بأن الصلوات في تلكم الأيام في منى هي أفضل من الصلاة في المسجد الحرام لأن الفضل في وجود الحاج في منى في ذلك الوقت.
السؤال (31)
بعض الناس اعتادوا أن يصوموا الأيام البيض فهل يجوز لهم صيامها في أيام الحج؟
الجواب:
لا يصوم الإنسان في اليوم الثالث عشر لكراهة الصيام في أيام التشريق، وإنما يصوم من الرابع عشر فصاعداً.
السؤال (32)
ما قولكم امرأة عندها طفلة عمرها سنة وثلاثة أشهر فقامت بفطامها لتذهب إلى الحج لكن جدتها غير راضية عنها أن تذهب عنها؟
الجواب:
الأمر ليس إلى الجدة وإنما الأمر إلى الأبوين، فإن اتفقا على فطام الطفل لأي غرض من الأغراض من رؤيتهما أن ذلك الطفل يحتمل الفطام فلا مانع من أن يفطم قبل السنتين، الأمر إلى الأبوين لأن الله تبارك وتعالى قال (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: من الآية233)، وبيّن سبحانه وتعالى أن الفطام إنما يكون عن تراض بينهما فإن كان عن تراض بينهما فلا حرج.
السؤال (33)
ما هي سنن الوقوف بعرفة؟
الجواب:
الوقوف بعرفة من الواجب أن يكون الإنسان محرماً في ذلك اليوم. ومن السنة أن يكثر من التلبية ويكثر من ذكر الله تبارك وتعالى ويكثر من الدعاء ويحرص على القيام بقدر المستطاع في دعائه وتوجهه إلى ربه، وأن يكون مستقبلاً للبيت الحرام في دعائه وتوجهه إلى ربه. (1/412)
صفحة 413
ومما ينبغي للإنسان أن يكون على طهارة لأنه يذكر الله وذكر الله تعالى على طهارة هو أفضل ومعنى ذلك أن يكون الإنسان على وضوء، ولو كان محدثاً أي على غير وضوء فلا مانع بل ولو نام واحتلم مثلاً بعدما صلى الظهر والعصر وظل على جنابته فإن ذلك لا ينافي ذكر الله تعالى من غير تلاوة القرآن ولا يؤثر ذلك على إحرامه ولكن مع هذا كله الأفضل أن يحرص على الطهارة وأن يحرص على استقبال البيت الحرام في دعائه وابتهاله إلى ربه، والله تعالى أعلم.
السؤال (34)
إذا احتلم شخص في مزدلفة وليس لديه ماء كاف وكذلك لا يوجد معه رداء آخر، ماذا يفعل؟
الجواب:
في هذه الحالة يتيمم، ويحاول أن يميط الأذى بكل ما يمكنه ويصلي، والله تعالى أولى بعذره.
السؤال (35)
امرأة تريد أن تذهب إلى الحج هل يجوز لها أن تأخذ مساعدة مالية من أولادها علماً بأنها لا تمتلك مالاً؟
الجواب:
أما أن تكلفهم ذلك فلا، ولكن إن أعطوها من طيب خاطرهم فذلك من برهم بها ولتتوكل على الله عز وجل.
السؤال (36)
هل يُلزم الحاج بطواف القدوم وخصوصاً أنه يريد التوجه إلى مباشرة إلى منى؟
الجواب:
لا
السؤال (37)
ما هي النصائح التي تسدونها إلى الحجاج وهم يستعدون في هذه الأيام لأداء هذه الفريضة؟
الجواب:
نصيحتي لهم أولاً أن يتقوا الله سبحانه وتعالى، وأن يدركوا أنهم مقبلون على ربهم، وأن يحرصوا على التخلص من كل التبعات وقضاء جميع الديون وأداء جميع الحقوق، ومن ذلك أن يصلوا أرحامهم، وأن يصلوا جيرانهم، وأن يستأصلوا ما بينهم وما بين غيرهم من إخوانهم ما عسى أن يكون من الشحناء والخلاف والسخائم وذلك بالتحالل وبالكلمة الطيبة وبالابتسامة والبشاشة في وجوه إخوانهم حتى يزيلوا ما في نفوسهم ما عساه أن يكون من الغيظ أو الحقد أو الكراهية. (1/413)
صفحة 414
وعليهم مع ذلك كله أيضاً أن يحرصوا على أن تكون أعمالهم التي يأتونها خالصة لوجه الله فإن الأعمال إنما هي بالنيات فالحج من جملة الأعمال فالنية يجب أن تكون لله تبارك وتعالى خالصة إذ لا يتقبل الله سبحانه وتعالى ما أشرك فيه غيره فالله أغنى الأغنياء عن الشرك.
ونصيحتي لهم بأن يحرصوا على التفقه في دين ربهم سبحانه وتعالى حتى لا يقدموا على شيء إلا ببينة من أمرهم وبصيرة من دينهم. وكثير من الناس الذين يفدون إلى البيت الحرام ويقومون بأداء المناسك يؤدون هذه المناسك على غير بصيرة، وهذا مما يزيد المشكلة تعقيداً. فالزحام الذي يكون هنالك كثير ما تكون نتيجته جهل الناس فنجد من الجهلة من يأتي إلى ذلك المكان مع الازدحام الذي فيه ويحرص كل الحرص على أن يؤذي غيره بالمزاحمة على الحجر الأسود مثلاً، مع أن الحجر الأسود في أيام الحج في هذه السنين من أصعب الصعب أن يصل إليه أحد، فما الداعي إلى الازدحام هنالك؟ إنما ينبغي لكل أحد أن يحرص على الإشارة للحجر فحسب من غير أن يزاحم الناس حتى يصل إليه فيلمسه أو يقبله فمن ذا الذي يستطيع تقبيله في وسط ذلك الزحام فإن أراد أن يجد الفرصة لتقبيله فليكن ذلك بعد موسم الحج.
كذلك ما نجد كثيراً من الناس يفعلونه من تكاتفهم مجموعات مجموعات وهم يزاحمون الآخرين لا يبالون بوطء الضعفاء ودفعهم وإيذاءهم هذا مما يتنافى مع ما أمر الله سبحانه وتعالى فإن الحج ليس مضايقة للآخرين إنما هو عبادة لله تعالى.
بل نجد أيضاً أن كثيراً من الناس من يعتقدون أن الصلاة في صحن المسجد الحرام في ذلك الوقت تجاه الكعبة في صحن الكعبة المشرفة أمر مطلوب فيحرصون على الصلاة هنالك مع جموع الطائفين بالبيت وهذا يؤدي بهم إلى عرقلة الطواف وهو أمر لا يجوز شرعا، فإن ذلك إيذاء للغير وبدلاً من أن يفوز الإنسان بالأجر إنما ينقلب بالوزر والعياذ بالله. (1/414)
صفحة 415
كل ذلك مما يجب إدراكه. كذلك المزاحمة في رمي الجمرات أيضاً مما يجب على الناس أن يتفادوه وهكذا. هذا كله إنما يتيسر للناس بالتفقه في دين الله، فأنا أوصي جميع إخواني الحجاج أن لا يقدموا على شيء إلا بعد أن يدركوا حكم الله تعالى فيه وأن يرجعوا إلى فقهاءهم، والله تبارك وتعالى ولي التوفيق.
تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه
16 من ذي القعدة 1423 هـ، 19/ 1/2003 م
الموضوع: عام
السؤال (1)
تطوع أفراد من أهل الاستقامة في زنجبار بتنظيم بعثة حج وخدمتها على أن يدفع الحجاج لها مثل ما يدفعه غيرهم للفرق الأخرى من المبالغ حيث تكون نفقات هؤلاء المنظمين من تلك المبالغ نفسها كما هو الشأن مع سائر البعثات، على أنهم سيعودون بما فضل عن نفقاتهم ونفقات الحجاج لجمعية الاستقامة بزنجبار ليصرف في أبواب البر والخير. فهل من مانع أن يستأجر بعض هؤلاء حجة لغيره بنفس المبالغ ويدفعها للبعثة كغيره مع علم المؤجر ورضاه باشتراكه في التنظيم؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فحسب ما ورد هذا السؤال، وحسب معرفتي بمضامينه لا أرى مانعاً من أن يستأجر أحد من هؤلاء حجة على هذا النحو مع معرفة المؤجر بحاله.
وأجرة الحاج عن الغير تختلف باختلاف كيفية تحمله تلك الحجة، فهو إما أن يكون ضامناً، وإما أن يكون أمينا.
فالضامن هو الذي يستأجر حجة عن الغير بمبلغ معلوم مقطوع، فإن زادت نفقته على ذلك المبلغ فهي عليه وحده، وإن فضلت هذه الأجرة عن نفقته فالفضلة تعود إليه. (1/415)
صفحة 416
وأما الأمين فهو أن يأخذ حجة للنفقة أي بمقدار النفقة، ففي هذه الحالة إن فضل شيء من هذه الأجرة فإنه يردها على المؤجر، وإن زاد شيء عليها من نفقته فإنه يرجع بذلك أيضاً على المؤجر. وبناء على ما فهمت من سؤال هذا السائل فإن هذا يكون ضامناً ولا حرج عليه إن أخذ حجة على هذا النحو، والله تعالى أعلم.
السؤال (2)
عادة الناس في التأجير أنهم يؤجروا شخصاً على أن يؤدي عمرة وحجة هذا الذي تعارف عليه الناس سواء كان بالتمتع أو القران ولكن البعض يستأجر حجة فيقوم بالإفراد دون أن يعلم المؤجر بأنه يفرد لا يتمتع. فهل يصح ذلك؟
الجواب:
أما إن استأجر حجة وعمرة فعليه أن يفي بما اتفق عليه مع المؤجر على حسب الطريقة المتفق عليها، فإن كان الاتفاق بينهما أن يؤدي الحجة والعمرة معاً بحيث يكون قارناً بينهما فعليه أن يقوم بذلك، وليس له أن يغير ما اتفقا عليه.
وإن اتفقا على أن يكون متمتعاً فكذلك ليس له أن يقرن بل عليه أن يكون متمتعا. وإن اتفقا على الحجة والعمرة، على أن يفرد الحج ثم يعتمر بعد أيام التشريق فكذلك عليه أن يحرم بالحج ويهل به ويؤدي مناسك الحج حتى إذا فرغ منها وانتهت أيام التشريق فليؤد العمرة على حسب ما هو متفق عليه.
أما إن اتفقا على حجة وعمرة ووكل المؤجر إلى المستأجر كيفية الأداء ففي هذه الحالة هو مخير إن شاء قرن، وإن شاء أفرد ثم اعتمر بعد ذلك، وإن شاء تمتع بالعمرة إلى الحج، والله تعالى أعلم.
السؤال (3)
بالنسبة للمبالغ التي يقبضها المستأجر قبل أداء ما كلف به هل يصح له أن يستخدم المبالغ قبل أن يذهب إلى الحج؟
الجواب:
ذلك يختلف باختلاف الكيفية، فإن كان ضامناً في استئجاره فله أن يتصرف على أن تكون تلك المبالغ في ضمانه ما لم يؤد الحجة، وإن كان غير ضامن أي إن كان أميناً فعليه أن يخرج منها بقدر نفقته. (1/416)
صفحة 417
وإن كان ضامناً ووصل إلى بعض العمل ولم يقم ببعضه لمانع منعه من ذلك ففي ذلك خلاف، قيل يستحق الأجرة بعد انتهاءه من العمل الذي تم الاتفاق على أن يستأجره، وقيل بل له بالمحاصصة أي بمقدار الحصة التي تعتبر مستحقة له إذا ما قُدر ذلك العمل. وقيل بل إن ذلك يعود إليه فإن شرع في العمل وجبت له الأجرة بمجرد الشروع في العمل. هذا إن كان تأخيره عن الوفاء بالعمل لعذر طرأ عليه، أما إن تهاون وترك ذلك فإنه في هذه الحالة يكون مضيعاً ولا يكون مستحقاً للأجرة.
السؤال (4)
المستأجر هناك عندما يؤدي هذه الحجة هل يُشهد على ذلك أم لا يلزمه الإشهاد؟
الجواب:
الأمر يختلف باختلاف ما بينه وبين المؤجر. إن كان المؤجر وضع ثقة فيه فإنه لا يلزمه الإشهاد وإنما ينبغي له ذلك ليدرأ التهمة عن نفسه، أما إن كان المؤجر يطالبه بالحجة وهذا هو الأصل ففي هذه الحالة لا بد من أن يشهد عند إحرامه بأنه أحرم عن فلان، وأن يشهد أيضاً عند وقوفه بعرفة بأن وقفته تلك عن فلان.
السؤال (5)
هل يدعو له في كل منسك من مناسك الحج؟
الجواب:
يدعو لمن تولاه. إن كان متولى فإنه يدعو له.
السؤال (6)
رجل صدم بسيارته سيارة أخرى بدون عمد علماً بأن الرجل كان في حالة جيدة أي لم يكن في حالة سكر أو غيره، فنتج من هذا الحال موت رجل من السيارة المصدومة، وبعد التحقيقات تبين أن السبب من ذلك الرجل الذي صدم بسيارته فسجن ودفع دية لورّاث المتوفى، والآن يعيش ذلك الرجل في حالة من الضيق والتوتر حتى أن صحته تنهار شيئاً فشيئاً، وأصبح لا يستطيع النوم في الليل من كثرة التفكير في هذا الأمر، وهو يسأل الآن هل بقي عليه شيء من الحقوق عليه أن يؤديها سواء كانت هذه الحقوق حقوق الله تعالى أو من حقوق الأشخاص المتوفى؟
الجواب: (1/417)
صفحة 418
نعم، عليه حق لله تبارك وتعالى، هذا الحق هو الكفارة فإن الله تبارك وتعالى فرض الكفارة في قتل الخطأ، يقول سبحانه وتعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ) (النساء: من الآية92).
هكذا فرض الله تبارك وتعالى، إذ الناس ينقسمون إلى ثلاث أصناف: إما أن يكون هذا المقتول مؤمناً، فإن كان المقتول مؤمناً ففي هذه الحالة تجب الدية له، أي المقتول خطأ، وتجب كفارة على القاتل.
وإن كان رجلاً مؤمناً ولكنه بين قوم كافرين محاربين للمسلمين، وذلك بأن يعيش الإنسان لظرف أو لآخر بين قوم كفرة هم محاربون للمؤمنين ففي هذه الحالة الدية غير واجبة ساقطة، وإنما تجب الكفارة، وسقوط الدية بسبب عيشه بين أولئك القوم المحاربين للمؤمنين، لأنه بعيشه بينهم أسقط ماله من حق الدية وبقي حق الله تبارك وتعالى وهو الكفارة.
فإن كان من قوم بينهم وبين المؤمنين ميثاق وذلك بأن يكون مثلاً ذمياً، أو يكون معاهداً للمؤمنين ففي هذه الحالة تجب الدية وتجب الكفارة.
ومن الناس حمل قوله تعالى (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) (النساء: من الآية92) على معنى أنه إن كان مؤمناً وكان ساكناً مع قوم بينهم وبين المؤمنين ميثاق ففي هذه الحالة تجب الدية وتجب الكفارة، وإن كان بخلاف ذلك أي لم يكن مؤمناً فتجب له الدية ولا تجب الكفارة. ولكن الواضح من الآية الكريمة خلاف ذلك. (1/418)
صفحة 419
والكفارة هي عتق رقبة وذلك لأن الله تبارك وتعالى جعل العتق إحياء للنفس إذ الرق إنما هو بمثابة العدم للشخص الواقع فيه إذ لا يملك من أمره شيئاً كما قال الله تبارك وتعالى (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) (النحل: من الآية75)، فالعبد المملوك لا يستطيع أن يتصرف بحريته فإذا أعتق فقد أحي، نال حياة معنوية، فلذلك جعل الله تبارك وتعالى هذا الإحياء في مقابل ذلك التسبب في الموت الذي حصل فهو تكفير.
فإن تعذر عليه العتق بحيث لم يجد الرقبة ففي هذه الحالة ينتقل إلى الصيام، ويصوم شهرين متتابعين توبة من الله فهذا الواجب. والآن الرقاب لا توجد، ولما كانت الرقاب لا توجد فعليه أن يصوم شهرين متتابعين، والله تعالى أعلم.
السؤال (7)
إذا نزلنا إلى واقع المسلمين اليوم، واقع الدول الآن، كل دولة ترتبط مع الدول الأخرى بعلاقات والسفارات موجودة تشهد بذلك، ففي هذه الحالة لو كان المقتول رجلاً ليس مسلماً من دولة ليست مسلمة؟
الجواب:
إن كان بينه وبين المسلمين ميثاق فحكمه في هذه الحالة كما ذكرنا، وإن كان محارباً للمسلمين فلا.
السؤال (8)
الكفارة هل هي على الفور أم على التراخي؟
الجواب:
الكفارة حكمها كحكم سائر الأوامر المطلقة التي يؤمر بها الإنسان. فالأوامر المطلقة منهم من قال بأنها تحمل على الفور أي غير موقتة، ومنهم من قال بأنها للتراخي. ومن الأصوليين من قال بأن الأمر المطلق الذي لم يقيد بوقت فهو يبقى على إطلاقه ليس للفور ولا للتراخي فمتى أداه سواء عجّل تأديته أو أخّر تأديته فهو مؤد له، إن كان لم يؤخره تأخيراً يؤدي به إلى الإهمال.
السؤال (9)
في من يصوم في هذه الأيام الكفارة ويفصل العيد في هذا الصيام، هل يتجاوز أيام التشريق أم يصوم بعد العيد مباشرة؟
الجواب: (1/419)
صفحة 420
ليس له أن يصوم مع القاطع، عليه أن يؤخر الصيام إلى ما بعد العيد وبعد أيام التشريق، ويبدأ الصيام في وقت لا يمنعه مانع من مواصلة صيامه فيه، لأن الصيام صيام كفارة فليواصل الصيام من غير أن يكون هنالك ما يتخلله إلا إن كانت ضرورة لا محيص عنها وذلك بأن يمرض ولا يستطيع أن يواصل الصيام.
السؤال (10)
خلال الشهرين لو أنه أفطر متعمداً في يوم من الأيام ماذا عليه؟
الجواب:
عليه أن يبتدأ الصيام من جديد.
السؤال (11)
وهل تلزمه النية في كل يوم؟
الجواب:
هذا بناء على الاختلاف هل النية تجب في أول الصيام أو تجب لكل ليلة بناء على الاختلاف هل كل يوم هي فريضة مستقلة أو الشهر مثلا في شهر رمضان الشهر كله فريضة، والنية هي القصد بالقلب، النية ليست هي قولاً باللسان.
السؤال (12)
رجل أوصى بحجة بعد موته وقام أولاده بتنفيذ الوصية فهل يجوز للذي يقوم بالوصية أن يتمتع بعمرة إلى الحج أم يفرد بالحج بناء على أن الوصية لم تذكر فيها عمرة؟
الجواب:
لا مانع لأنه أدى الحجة وزاد عليها فليجعل الحجة من أول الأمر هي عن ذلك الميت بحيث يخرج من بلده قاصداً أن يحج عنه، وليجعل العمرة عن الميت نفسه.
السؤال (13)
هل يجوز للمرأة أن تحج بمبلغ الجمعية بعد استلامها لها مباشرة، وهل لا بد من وجود ما يضمن لها سداد دينها، وإن لم تمتلك هل تعتذر عن الذهاب، وماذا عليها أن تفعل؟
الجواب:
إن كانت واجدة لما يسد مسد هذا الحق الذي تنفقه مما استلمته من الجمعية فلا مانع، أما كانت غير واجدة فهذا دين عليها، وعليها أن تلتزم أولاً قضاء حقوق الناس، والحج إنما هو واجب على المستطيع، وغير الواجد غير مستطيع.
السؤال (14) (1/420)
صفحة 421
هل يجوز تقديم السعي على الطواف في الحج، وما مدى صحة الحديث الذي جاء من طريق أسامة بن شريك في ما معناه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلّم وقال: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلّم: طف ولا حرج.؟
الجواب:
السعي مرتبط بالطواف، أما الحديث فلا أعرف إسناده، والسعي مرتبط بالطواف، والنبي صلى الله عليه وسلّم قال: خذوا عني مناسككم. وعلى الإنسان أن يتقيد بالكيفية التي أداها رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وكل ما كان حكمه أوسع من عمله صلى الله عليه وسلّم نبّه عليه لئلا يقع الناس في إحراج، فقد قال: وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف. وقال أيضاً في جمع: وقفت هاهنا وجمع كلها موقف. وقال: نحرت هنا ومنى كلها منى، وفي رواية بعد قوله ومنى كلها منحر وفجاج مكة كلها منحر. لئلا يتقيد الناس بالوقوف حيث وقف صلوات الله وسلامه عليه، ويتقيدوا بالوقوف في جمع حيث وقف، ويتقيدوا بالنحر في الموضع الذي نحر فيه.
السؤال (15)
ما حكم ما يفعله بعض الناس عند تعلم السياقة بحيث يتفق مدرب السياقة مع المتدرب على مبلغ معين يدفعه الأخير عند حصوله على رخصة القيادة من دون تحديد لفترة التدريب ولا يحصل المدرب على أجرته إلا بعد حصول المتدرب على رخصة القيادة؟
الجواب: (1/421)
صفحة 422
هذه صفقة فيها غرر، إذ لا يدري أيهما المدة التي يستغرقها المتدرب في تدربه، فلا يدري مدربه متى ينتهي هذا من تدربه، وينتهي هو من تدريبه، ولا يدري المتدرب أيضا ما المقدار الذي يتكلفه المدرب من الوقت ومن العناء، فلذلك كانت هذه الصفقة أو كانت هذه الاتفاقية فيها جهالة، وكل جهالة غرر، وكل غرر غير جائز، اللهم إلا بعد أن ينتهي من تدربه ففي هذه الحالة إن أتم ما اتفقا عليه تم ذلك، وإن لم يتم ما اتفقا عليه أو أتم ذلك أحدهما وعارض الآخر ففي هذه الأحوال كلها يرجعان إلى أجر بحيث يقدر عناء المدرب بالنظر إلى المدة والنظر إلى الجهد الذي بذله في تدريبه لهذا المتدرب.
السؤال (16)
إذاً من أجل أن يفهم الناس هذه المعاملة جيداً، ما هي الطريقة المثلى التي تأمرونهم بها؟
الجواب:
الطريقة المثلى أن تقدر الأجرة بالساعات، بحيث بقدر الساعات التي يستغرقها المدرب في تدريب المتدرب.
السؤال (17)
امرأة تعبت في الحمل، وعندما وضعت قالت إن شاء الله تعالى أني لا أحمل مرة ثانية لمدة سنتين، وعندما تتحقق أمنيتي ولا أحمل لمدة سنتين أنوي أن أصوم شهراً كاملاً، وقالت هذا الكلام في ساعة غضب، وبعد ذلك تحققت أمنيتها ولم تحمل لمدة سنتين، وبعد السنتين حملت مرة ثانية، فما قولكم سماحة الشيخ في هذا الكلام علماً بأن هذه المرأة تعبت في هذا الحمل أكثر من السابق ولا تقدر على الصيام شهراً كاملاً في هذه الفترة، هل يجوز أن تصوم بعد الولادة أم يكون هناك حل آخر؟
الجواب:
في الأصل ينظر في قصدها، فإن كانت قصدت بهذا النذر فذلك حسب قصدها، إذ النذر ليس باللفظ نفسه، إنما اللفظ نفسه نية يعبر عن نيتها التي تعتلج في نفسها، وأما إن كانت قاصدة النذر فعليها الوفاء بما نذرت، وإن كانت غير قاصدة النذر فلا يلزمها الوفاء بذلك. وبناء على أن الوفاء يلزمها فلا حرج عليها إن أخرت هذا الوفاء إلى أن تضع حملها.
السؤال (18) (1/422)
صفحة 423
هل يشرع تأخير طواف الإفاضة إلى آخر أعمال الحج ليغني عن طواف الوداع وذلك بدون عذر؟
الجواب:
لا ينبغي ذلك، ولكن الإنسان مأمور أن يجعل آخر عهده بالبيت، فإن كان آخر عهده بالبيت فلا حرج، إلا أنه لا ينبغي ذلك، وقد يكون الزحام نفسه عذراً، إن كان الزحام زحاماً شديداً وهذا الإنسان ضعيفاً لا يتحمل الزحام فذلك عذر له، ولا حرج عليه في هذا.
السؤال (19)
ما هي التميمة، وما حكم تعليقها، وما حكم تعليق الحروز إذا كانت مكتوبة بالقرآن بقصد التبرك بالقرآن لأجل الشفاء.؟
الجواب:
أما بالنسبة إلى التميمة، فالتميمة في الأصل ما كان يعلقه الناس في أيام جاهليتهم من الأشياء التي يعتقدون فيها دفعاً للضرر، فلربما تصور متصور بأن ما يعلق على الطفل مثلاً من أنواع بعض الأشياء مما يدفع الضرر عنه.
نحن أدركنا بعض الناس في حالة جهلهم يعلقون بعض الأشياء من الحيوانات على الأطفال كأظفار الأسود مثلا، هذه هي التمائم وذلك لا يجوز، بل من علق تميمة فقد أشرك لأنه اعتقد أن ذلك المعلَق يدفع عنه ضررا ويحقق له خيرا وهذا أمر لا يجوز قط، إذ لا يملك أحد لآخر نفعاً ولا ضررا إلا الله تبارك وتعالى وحده فهو الذي يصرف هذا الكون.
والآيات القرآنية تدلنا على أن المعتقد الصحيح يحول بين الإنسان وبين أن يفعل شيئاً من هذه الأشياء من ذلك اعتقاد الإنسان بأن شيئاً من هذه التمائم يضر أو ينفع اعتقاد مخالف للنصوص القاطعة من كتاب الله تبارك وتعالى، فإن القرآن الكريم جاء ليقرر عقيدة التوحيد، ومن التوحيد أن يعتقد الإنسان أن الله تبارك وتعالى وحده هو الذي يدفع الضراء وأنه وحده هو الذي يحقق السراء، فالله سبحانه وتعالى يقول (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة:51). (1/423)
صفحة 424
ويقول (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الأنعام:17).
ويقول (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يونس:107).
ويقول سبحانه وتعالى (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الرعد:16) ز
ويقول (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (فاطر:2).
ويقول (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) (الزمر:38).
ويقول في أولئك الذين كانوا يتشبثون بالجن ويتعلقون بهم ويرجون منهم أن يعيذوهم من الشرور) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً) (الجن:6). (1/424)
صفحة 425
فإذاً لا يملك أحد لغيره نفعاً ولا ضراً إلا الله تبارك وتعالى، فإن الله هو الذي يحقق المنفعة ويدفع المضرة، ولئن كان النبي صلى الله عليه وسلّم على عظم شأنه وقدره وما كان له من منزلة عند الله تعالى يقول الله تعالى له (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) (الأعراف: من الآية188)، فكيف بغيره صلوات الله وسلامه عليه، بل كيف بالجمادات، كيف بهذه التمائم التي لا تسمع ولا تعقل ولا تبصر ولا أثر لها في الحياة، لا إحساس لها قط (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا) (الأعراف: 194 - 195)، هؤلاء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرا.
فكيف للإنسان يدع أن يتعلق بالله ويتعلق بالتمائم أو يتعلق بمثل هذه الأشياء. فلذلك نقول بحرمة اتخاذ هذه التمائم ومن اعتقد منفعتها أو مضرتها فهو مرتد عن الإسلام لأن الأمر كله بيد الله وذلك ينافي ما جاء به القرآن، ينافي العقيدة الصحيحة التي هي قطعية متواترة.
أما إن كان يتبرك بآيات من كتاب الله ففي هذا خلاف، أي إن كانت تكتب هذه الآيات ويعلقها تبركاً. منهم من كره ذلك لئلا يتشبه بأولئك الذين يعلقون التمائم، ولئلا يعتقد أن كتابة هذه الآيات هي التي تنفع وتدفع المضرة، فلذلك قالوا بكراهة ذلك، ومنهم من أباح ذلك، مع أن الإمام السالمي رحمه الله تعالى يشير إلى أن الكتابة لا ينبغي للإنسان أن يتشبث بها لأن الكتابة غير معهودة في الرعيل الأول وإنما هي حادثة، وهي وصلت إلى المسلمين من طريق اليهود فلذلك يرى تركها يقول: (1/425)
صفحة 426
ثم الكتابة التي قد ذكرت ... لا أعرف الوجه لها لو شهرت
حادثة في جمعنا المعهود ... وأصلها قد كان في اليهود
والله قد أغنى العباد عنها ... بأدعيات يستجاب منها
فينبغي للإنسان أن يتعلق بالدعاء، وأن يتبرك بتلاوة الآيات القرآنية، وإن كان الذي يعَوذ طفلاً فإنه يعوذه بتلاوة الآيات من الكتاب الكريم كتلاوة سورة الفاتحة الشريفة وآية الكرسي والإخلاص والمعوذتين، وكل القرآن بركة، وكل القرآن خير، فكل ما يتلى من القرآن الكريم على الصغار والكبار إنما هذه التلاوة خير.
ولا ينبغي للناس أن يسلسوا قيادهم لهذه الأوهام وأن يستأثروا بهذه الخيالات، بل عليهم أن يكابروا هذه الخيالات قدر مستطاعهم.
أصبح الناس يتصورون الآن تصورات عجيبة. بالأمس كان اتصال من امرأة في قضية معينة وتتعلق في أمر لا يملك أحد أن يحقق فيه منفعة أو أن يدفع فيه مضرة فأجبتها، وآخر الأمر تقول على من تدلني؟ فقلت لها: أدلك على الله العليم الخبير السميع البصير، الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، الله سبحانه وتعالى هو الذي يصرف الوجود.
فما للناس وهم لا يقتنعون بهذا، إن دلوا على الله تبارك وتعالى اشمأزوا، هذه عادة جاهلية (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ) (الزمر:45)، تشمأز نفوسهم من دلالتهم على الله سبحانه وتعالى، ويعتقدون في البشر تحقيق المنافع ودفع المضار، هذه لوثة عقدية خطيرة جداً، وعلى الناس أن يتقوا الله وأن يدركوا المعتقد الصحيح، أن يعرفوا المعتقد الصحيح ويلتزموه، وعليهم أن يتداركوا أنفسهم لإنقاذها من هذه الورطة، والله تعالى المستعان.
السؤال (20)
شخص توفي والده في السنة الماضية وكان ينوي أن يذهب للحج وترك مبالغ معينة لهذا الأمر إلا أنه لم يتوفق، فهل يحج عنه أحد أقرباءه بذلك المبلغ؟
الجواب: (1/426)
صفحة 427
المبلغ بما أنه لم يوص به فإن مرجعه إلى الورثة، ولكن بما أنه يجب عليه الحج، أي كان واجباً وقادراً على الحج فيؤمر الأولاد أن يحجوا عنه، أو يؤمر أقرباؤه أن يحجوا عنه فالأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلّم: فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء. هذا دين لله، بما أن الحجة واجبة عليه، فهذا دين لله، فيؤمر أولياؤه بأن يقضوا عنه سواء من ذلك المبلغ إن وافق الورثة على ذلك أو من غيره.
السؤال (21)
هل الأمر هنا للوجوب؟
الجواب:
أما الحديث ظاهره هكذا (فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء)، إن كان الحج متعيناً عليه، ومنهم يقول بأن هذا إن كان في الحقوق المالية دون غيرها، إن كان شيئاً متعلقاً بماله، ومنهم من لا يرى لا هذا ولا ذاك.
السؤال (22)
رجل أضاع عدداً من الصلوات فأراد الآن أن يقضي هذه الصلوات مع كل فريضة يؤديها في هذه الأيام، فمثلاً عندما يصلي الظهر يصلي معها عدداً من صلوات الظهر الفائتة، فهل هذا يصح؟
الجواب:
القضاء لا يتقيد بوقت، وإنما يمنع القضاء في الأوقات التي تحرم الصلاة فيها، فليس له أن يقضي في وقت طلوع الشمس حتى تستكمل طلوعها، ولا في وقت غروب الشمس أي عندما تبدأ الشمس في الغروب حتى تستكمل غروبها، ولا عند استواء الشمس في كبد السماء في الحر الشديد، وأما فيما عدا ذلك من الأوقات فيحل له أن يقضي في أي وقت من الأوقات.
في هذا الوقت يمكن أن يصلي الظهر، ويمكن أن يصلي العصر، ويمكن أن يصلي المغرب، ويمكن أن يصلي العشاء، وفي واقعة الخندق صلى النبي صلى الله عليه وسلّم الظهر والعصر والمغرب والعشاء في وقت العشاء أي صلى ثلاث صلوات قضاءا وصلاة أداءا في وقت العشاء، أمر بلالاً أن يؤذن فأذن ثم أمره أن يقيم فأقام وصلوا الظهر، ثم أمره أن يقيم فأقام وصلوا العصر، ثم أمره أن يقيم فأقام وصلوا المغرب، ثم أمره أن يقيم فأقام وصلوا العشاء، هكذا جاء في صحيح البخاري. فإذن على هذا يعول. (1/427)
صفحة 428
له أن يقضي في أي وقت من الأوقات، لا يعني أنه يلزمه أن يقضي صلاة الظهر في وقت الظهر، أو يلزمه أن يقضي صلاة العصر في وقت العصر.
يمكن أن يقضي الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء أو الفجر في وقت الظهر أو في وقت المغرب أو في وقت العشاء أو في وقت العصر أو في وقت الفجر، أو أن يقضي مثلاً ما بين طلوع الشمس إلى الزوال يمكنه أن يقضي أي صلاة من الصلوات في هذه الأحوال.
ويمكنه في اليوم الواحد أن يقضي حتى ولو صلاة سنة إن استطاع ذلك، وإنما يكون القضاء بالترتيب حسب رأي بعض أهل العلم فالقضاء بالترتيب على حسب رأي بعض أهل العلم، ومنهم من قال لا يلزم الترتيب، والذين قالوا بالترتيب راعوا الفعل فعل النبي صلى الله عليه وسلّم حيث بدأ بالظهر أولاً ثم العصر ثم المغرب ثم صلى العشاء الحاضرة، والذين قالوا بعدم وجوب الترتيب راعوا أن هذا فعل، والفعل لا يلزم أن يكون دالاً على الوجوب إذ يمكن أن يكون ذلك من باب مراعاة الأفضلية، ومنهم من فرّق بين أن تكون الصلوات خمساً فصاعدا أو ما دون الخمس، فإن كانت دون الخمس فعليه أن يرتبها، وإن كانت فوق الخمس فلا يلزمه ترتيبها، وهذا من أجل مراعاة دفع المشقة لأن كثرة الصلوات الواجبة على الإنسان قد تكون مراعاة الترتيب في قضائها تؤدي إلى مشقة وعسر والله يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، فلذلك رأوا هذا الرأي.
والصلوات تقضى بحسب ما تركها الإنسان فما أضاعه في السفر يقضى سفرياً حتى ولو كان في الحضر، وما أضاعه في الحضر يقضى تماماً ولو كان ذلك في السفر، والله تعالى أعلم.
السؤال (23)
هل يصح له أن يصلي مثلاً في وقت الظهر خمس صلوات ظهر فائتة؟
الجواب:
بناء على أن الترتيب لا يلزم كما قلنا لا حرج عليه، وبناء على وجوب الترتيب فلا بد من مراعاة الترتيب.
السؤال (24)
إذا كان مسافراً كيف يقضي الصلوات الرباعية في السفر؟
الجواب: (1/428)
صفحة 429
يقضيها كما أضاعها، ما أضاعه في السفر يقضيه سفرياً ولو كان في الحضر، وما أضاعه في الحضر يقضيه تماماً ولو قضاه في السفر.
السؤال (25)
في من وجد طفلاً ميتاً من أب غير شرعي وهو لا يدري هل خرج من بطن أمه حياً أم ميتاً هل يصلى عليه؟
الجواب:
الأصل فيما يولد ولا دليل على حياته أنه خرج ميتاً، الأصل أن يكون خارجاً ميتاً إن كان لم يستهل، أما إن استهل فإنه يصلى عليه، وإن كان لم يستهل فإنه لا يصلى عليه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون أبوه أباً شرعياً أو غير أب شرعي إذ الأصل أنه على الفطرة والله تعالى يقول (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام: من الآية164)، فلا يحمل تبعة ما فعل أبواه، والله تعالى أعلم.
السؤال (26)
في من فقد صاحباً من أصحابه في الحج في اليوم الثاني عشر وذهبوا هم إلى مكة فعاد ذلك الرجل ليبحث عن صاحبه في منى فغربت عليه الشمس هناك في اليوم الثاني عشر فهل عليه أن يبقى إلى اليوم الثالث عشر؟
الجواب:
أما الذي دفع من منى في اليوم الثاني عشر فرجوعه إلى منى لا يُلزمه المبيت، وأما الذي بقي في منى فالأصل هكذا، إلا إذا كان بدأ في الدفع ثم بعد ذلك منعه مانع وعاقه عائق فهو شرع في الدفع ولا حرج عليه.
السؤال (27)
في من يرى في منامه أهوال يوم القيامة ويتخيل نفسه أنه يموت عدة مرات، فما تأويلها؟
الجواب:
أنا لست خبيراً في تعبير الرؤى، وعلى أي حال الأهوال هذه قد تكون حديث نفس أحياناً، وأما إن كان يرى الإنسان أن القيامة قد قامت فهذه الرؤيا مبشرة في حقيقتها لأن المعبرين هكذا يقولون، يقولون رؤية القيامة دليل على قيام العدل لأن الله تعالى يقول (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) (الأنبياء: من الآية47).
السؤال (28)
امرأة رأت في المنام أنها نذرت أن توزع خبزاً وحلوى إذا ما شفيت أمها، فهل هذا النذر يلزمها؟
الجواب:
لا، ما كان في المنام لا يلزمها.
السؤال (29) (1/429)
صفحة 430
ما حكم العمل في المصارف؟
الجواب:
إن كانت المصارف متقيدة بالأحكام الشرعية بحيث تتجنب الربا ولا تقرب من الربا ولا فيها غش ولا فيها أي شيء مما يحرم شرعاً من الغرر وغيره، والصرف يتقيد فيه بالطريقة الشرعية بحيث يتم فيه التقابض يداً بيد فلا مانع من ذلك وإلا فيجب اجتناب كل ما فيه حرمة.
السؤال (30)
امرأة كانت أمها مريضة في المستشفى ومضى عليها شهر رمضان فلم تصم منه شيئاً وبعد خروجها من المستشفى استمرت سبع سنوات تعاني من المرض ولم تقض ذلك الشهر إلى الآن فأرادت أن تقضيه الآن فهل عليها مع ذلك كفارة؟
الجواب:
لا كفارة عليها لأنها عاجزة، وبسبب عجزها هي معذورة، وعندما يكون الإنسان في مثل هذه الحالة ويجد أن المرض مرض من الصعب الشفاء منه، أو عادة أنه مرض مستمر فله أن يعدل مع العجز عن الصيام له أن يعدل عن الصيام إلى الإطعام، وذلك من تيسير الله تعالى لمن لا يطيق الصيام، والله تعالى أعلم.
السؤال (31)
في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم (من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من حجه كيوم ولدته أمه)، إذا حج الإنسان عن شخص معين هل ذلك الشخص الذي حج عنه أيضاً يعود بمثل هذا الأجر؟
الجواب:
الحجة الواحدة يدخل بها ثلاثة الجنة الحاج والمحجوج عنه والوصي إن كانوا بررة أتقياء ونيتهم خالصة لوجه الله تعالى.
تمت الحلقة بحمد الله تعالى وتوفيقه
23 من ذي القعدة 1423 هـ، 26/ 1/2003 م
الموضوع: أحكام الذبائح، وفتاوى أخرى
السؤال (1)
ما هي الطريقة الصحيحة في الذبح؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: (1/430)
صفحة 431
فإن الله تعالى الذي استخلف الإنسان في الأرض بسط له من فضله، وآتاه ما آتاه من آلائه ونعمه إذ يتجلى هذا الاستخلاف في هذا التمكين الذي مُكنه للإنسان بحيث كان كل ما في هذه الأرض مسخراً له ومخلوقاً من أجله فالله تعالى يقول (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة: من الآية29)، ومع هذا أيضاً فإن ما حول الأرض بل كل ما في الكون هو مسخر للإنسان كما ينبئ بذلك قوله تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ) (الجاثية: من الآية13)، ومن بين ما سُخر له الحيوانات التي ذللت للإنسان، فإن الله تبارك وتعالى وهب الإنسان هذا التمكين من الحيوانات ينتفع بها مطلق الانتفاع، فمنها ما يأكل لحمه، ومنها ما يأكل لحمه ويركب عليه ويحمل أثقاله، ومنها أيضاً ما يتولى حمل الأثقال، ومنها ما يمكن أن يسخر لأمور أخرى أو أن ينتفع به في جوانب مختلفة كالعلاج وغيره، وقد أحل الله تعالى بهيمة الأنعام إلا ما استثني فقد قال الله سبحانه وتعالى (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) (المائدة: من الآية1)، وما يتلى علينا هو ما جاء في قول الله تبارك وتعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) (المائدة: من الآية3)، فهذا هو الذي استثناه الله كما جاء الاستثناء في قوله سبحانه وتعالى في سورة الأنعام إذ قال تبارك وتعالى: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) (الأنعام: من (1/431)
صفحة 432
الآية145).
وهنالك أيضاً مخصصات خصصت هذا العموم من السنة النبوية، ولا بد من العمل بمقتضى هذه المخصصات، فإن الله سبحانه وتعالى جعل في السنة النبوية تبياناً لإجمال ما في كتابه الكريم، ومن بين هذا الإجمال تخصيص العمومات وتقييد المطلقات، وقد جاء ذلك في روايات عن النبي صلى الله عليه وسلّم دلت على حرمة على الحمر الأهلية ودلت على حرمة أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، وإن كان للعلماء في هذا الأمر خلاف عريض الحاشية، إلا أننا نأخذ بما دلت عليه السنة من تخصيص عمومات الكتاب العزيز وهذا أمر واضح لأن السنة النبوية كما قلنا مبينة لمجملات القرآن، فالله تعالى يخاطب النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام بقوله (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (النحل: من الآية44).
وهذا الحيوان الذي أحله الله تبارك وتعالى للإنسان هو في الحقيقة كائن حي يتألم كما يتألم الإنسان، وفي القضاء على حياته نوع من إيذائه، ولكن بما أن الله تبارك وتعالى الذي خلقه فسواه والذي هو مالكه هو الذي أحله كان للإنسان أن ينتفع به، وأن يُقدم على ذبحه لا لقصد إيذائه وإنما لقصد الانتفاع الذي أحله الله تعالى له. (1/432)
صفحة 433
ولأجل هذا كان هذا الذبح لا بد من أن يكون وفق ضوابط معروفة، هذه الضوابط هي تعبدية، فليس للإنسان أن يعدو على الحيوان كما يعدو السبع الفتاك ويفترسه ثم يأكله، وإنما يأتي إليه فيذبحه بطريقة فيها رفق وفيها رحمة وفيها تقيد بضوابط معينة، هذه الضوابط هي أمور تعبدية، ولذلك كان الذبح أمراً تعبدياً، إذ ليس المقصود إزهاق الروح فحسب، ولو كان المقصود إزهاق الروح لما حَرُمت الموقوذة ولما حرمت المتردية، بل هذا الذبح الذي يقع وهو قطع أوداج الحيوان ليموت، هذا الذبح نفسه لو وقع على الحيوان بطريقة لم يقصدها الإنسان بحيث خر من أعلى فوقع على سكين مثلاً وقطعت أوداجه لما قيل بأنه حلال وإنما هو في حكم المتردية التي حرمها الله تبارك وتعالى، ويدل على هذا أن الله تبارك وتعالى في كتابه قرن بين النسك والصلاة، والنسك هو يعني الذبح فقد قال تعالى (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:162)، ولذلك جاء التحذير البالغ في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم من الذبح لغير الله تبارك وتعالى كما في حديث الإمام علي كرم الله وجهه وغيره، كل ذلك مما يؤذن أن الذبح أمر تعبدي، ولما كان الذبح أمراً تعبدياً فإنه لا بد من أن يكون وفق الطريقة الشرعية التي جاءت في كتاب الله وفي هدي رسوله عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، فهناك في كتاب الله تبارك وتعالى ما يدل على النحر وما يدل على الذبح (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) (البقرة: من الآية67)، وقال تعالى (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (الكوثر:2)، والذبح إنما هو بقطع الأوداج، والنحر إنما هو في اللبة، ولذلك جاء في الحديث ما يدل على أن الذكاة إنما هي في الحلق وفي اللبة هكذا تكون الذكاة. (1/433)
صفحة 434
وهناك أيضاً حيوانات غير أليفة وهي حيوانات وحشية لا يمكن للإنسان أن يتوصل إليها فيتمكن من ذبحها إلا بطريقة صعبة جداً، هذه أبيح اصطيادها سواءً كان بإرسال السهام أو كان ذلك بإغراء الجوارح كالكلاب والطيور الجارحة فالله تعالى يقول (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) (المائدة: من الآية4)، هذا يدل على أن الذبح أحل بهذه الطرق فما كان من الحيوانات ينحر كالإبل مثلاً فإنه ينحر في اللبلة فقد قال تبارك وتعالى (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ) (الحج: من الآية36). وقد جاء في مدونة الإمام أبي غانم بشر بن غانم الخراساني رحمه الله من رواية أبي المؤرّج عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: صواف أي معقولات. ومعنى ذلك أن تقف على ثلاث وتعقل اليد، يد الناقة وتنحر على هذه الحالة.
وكذلك نجد أن الذبح جاءت السنة تدل على قطع الأوداج، والأوداج تصدق على الحلقوم والمريء والودجين فهذه هي الأوداج، وإن كان هنالك اختلاف في وجوب قطع الحلقوم وفي وجوب قطع المريء في ذلك خلاف بين أهل العلم، هل هذا مما يجب أو مما لا يجب، وعلى أي حال فإنه مما ينبغي للإنسان أن يخرج من عهدة الخلاف مهما أمكن، ولما كانت السنة جاءت بقطع الأوداج، ويغلّب لفظ الأوداج فتطلق كلمة الأوداج على الحلقوم والمريء والودجين فإنه مما ينبغي الأخذ بهذا بحيث يكون لا بد من قطعها جميعاً، هذا مع ذكر اسم الله تبارك وتعالى. (1/434)
صفحة 435
وفي ذكر اسم الله تعالى خلاف بين أهل العلم وصل إلى ستة أقوال، ونحن نعوّل على أنه لا بد من ذكر اسم الله، وأن ما تُرك ذكر اسم الله عليه سواء كان ذلك عمداً أو كان نسياناً لا يؤكل لقوله تعالى (وَلا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) (الأنعام: من الآية121)، ولقوله سبحانه (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) (الأنعام: من الآية118)، فإن الآية الأولى من هاتين الآيتين دالة بمنطوقها على النهي عن ما لم يذكر اسم الله عليه، ودالة بمفهومها على إباحة ما ذكر اسم الله عليه، والآية الأخرى دلت بمنطوقها على ما دلت عليه هذه بمفهومهما، ودلت بمفهومهما على ما دلت عليه هذه بمنطوقها، فالآيتان كل واحدة منهما تؤيد مدلول الآية الأخرى.
وهناك من قال بأن قوله سبحانه وتعالى (وَلا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) (الأنعام: من الآية121) مقيد، والتقييد بقوله تعالى (وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) (الأنعام: من الآية121)، ومعنى ذلك أن هذه لا تؤكل في حالة كونها فسقا، لأن الواو هنا حسب ما يقول هؤلاء هي واو الحال وليست عاطفة، والحال تفيد التقييد أي لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه حالة كونه فسقا، والفسق بينته آية (أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) (الأنعام: من الآية145)، ولكن هذا مردود، الأصل ألا تجعل الواو للحال إلا عندما يتعذر العطف، إذ لا بد مما يدل على أن هذه الواو هي واو حال، وأي دلالة تدل على ذلك؟. (1/435)
صفحة 436
أما قول من قال بأنه يمنع عطف الخبر على الإنشاء فلذلك حملت الواو على أنها للحال ليس بشيء، إذ هو من المعهود أن يعطف الخبر على الإنشاء ويعطف الإنشاء على الخبر، ومما يدل على أن هذه الواو ليست للحال قوله تعالى فيما بعد (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (الأنعام: من الآية121)، فلو كانت هذه الجمل جملة حالية التي أخذت عليها بالواو وهي قوله تعالى (وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) (الأنعام: من الآية121)، لكانت الجمل التي عطفت عليها جملاً حالية أيضا، مع أن جعل تلك الجمل الأخرى جملاً حالية أمراً متعذرا، ولما كان ذلك متعذراً هنالك فإن هذه الجملة أيضاً لا يمكن أن تكون جملة حالية.
وهناك الكثير من الأدلة التي دلت على عطف الخبر على الإنشاء والعكس، من ذلك قول الله تبارك وتعالى (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) (البقرة: من الآية221)، وكذلك قوله الله سبحانه وتعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) (البقرة: من الآية282)، ذلك كله مما يدخل في ضمن عطف الخبر على الإنشاء وكذلك العكس جائز.
فإذن يتبين من هذا المنع من أكل مما لم يذكر اسم الله عليه سواء كان الترك عمداً أو نسياناً، لا يقال بأن الناسي معذور، لأنه في حالة أكله ليس بناسي وإنما هو ذاكر، وقد نهي عن أن يأكل ما لم يذكر اسم الله عليه، وهذا يعني أن ذكر اسم الله تبارك وتعالى شرط والشروط هي من خطاب الوضع. (1/436)
صفحة 437
وخطاب الوضع يختلف عن خطاب التكليف، فخطاب الوضع الأصل فيه ألا يراعى فيه الذكر أو النسيان لأنه ليس من جنس خطاب التكليف، وإنما الشرط هو الذي يلزم من عدمه العدم كما قالوا، ولا يلزم من وجوده الوجود ولا العدم لذاته، وهذا على أي حال إن لم تكن هنالك قرينة أو يكون هنالك دليل يدل على تقييد الشرط بحالة الذكر لا بحالة النسيان، ومع عدم وجود هذا الدليل أو هذا التقييد فإن الشرط على إطلاقه، لا يتقيد بحالة الذكر دون حالة النسيان.
وهذا كله إنما هو بشرط أن يكون المذكي مسلماً أو أن يكون كتابياً، أما كونه مسلماً فإن الأصل في المسلم أن يأكل ذبيحة المسلم كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلّم: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا) أي ذبيحة المسلمين، وأما الكتابي فلقول الله تبارك وتعالى (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) (المائدة: من الآية5)، وقد قال المفسرون إن المراد بالطعام هنا الذبائح.
غير أن العلماء اختلفوا هل ذبيحة الكتابي مباحة على الإطلاق أو بشرط أن يكون ذمياً؟، منهم من اشترط أن يكون من أهل الذمة لا أن يكون من أهل الحرب، وهذا القول له وجه وجيه ولكن نجد في صحيح البخاري ما يدل على خلافه وهو أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لما كانوا محاصرين لخيبر ألقى اليهود الذي داخل حصن خيبر لهم جراباً من شحم فتغذى به الصحابة رضوان الله عليهم مع أنهم كانوا في ذلك الوقت محاربين. (1/437)
صفحة 438
ولكن لا بد من مراعاة أمر وهو أن يكون الذبح من الكتابي بطريقة شرعية لا بطريقة مخالفة للشرع، فإن الله تبارك وتعالى حرّم الموقوذة سواءً كانت هذه الموقوذة موقوذة مسلم أو موقوذة كتابي، وما كان الله تعالى ليحرم موقوذة المسلم ويبيح موقوذة الكتابي، وحرم الله سبحانه وتعالى المنخنقة سواءً كان الانخناق بسبب أو بغير سبب، فالسبب كأن يخنقها الإنسان وسواءً كان هذا الخانق مسلماً أو غير مسلم، فلا تباح المنخنقة سواءً كانت بسبب أو بغير سبب، ولا يعني هذا أن تباح المنخنقة إن خنقها كتابي فإن ذلك لا يسوغ أبداً، هذا من الكلام العجيب أن يقال بأن المنخنقة التي خنقها الكتابي تباح، والمنخنقة التي خنقها المسلم لا تباح لماذا؟ إنما المنخنقة هي حرام على الإطلاق، فلذلك من الأقوال المستبعدة التي لا ينبغي التعريج عليها ما قاله ابن العربي من أن النصراني مثلاً لو خنق الدجاجة فإن أكلها حلال، مع أن ابن العربي ناقض نفسه بنفسه في نفس كتابه في كتاب (أحكام القرآن) إذ قال في مكان قريب مما نص عليه بهذا المعنى قال ما يدل على خلافه أن الذبيحة من الكتابي يشترط أن تكون موافقة للذبيحة الشرعية وألا تكون مخالفة للذبيحة الشرعية. (1/438)
صفحة 439
هذا ولا بد من التأكد أن الذابح كتابي إذ كثير من الناس الآن ربما ظُنوا كتابيين وليسوا بكتابيين بسبب تفشي الإلحاد ونبذ الدين، فلذلك على المسلمين إن كانوا في بلاد أجنبية أن يتقيدوا بأكل ذبيحة المسلمين أو ذبيحة الكتابيين الذين تُيقنت كتابيتهم مع التزامهم الذبح بطريقة شرعية مباحة في الإسلام، مع كون هذا الذابح قد قصد بهذا الذبح القربة إلى الله تبارك وتعالى فهو لا يرفع اسم الله تعالى ويذكر اسم الله تعالى عند الذبح إلا لأجل الإيذان بأنه إنما يذبح باسم الله الذي أحل له هذا الذبح وأحل له الانتفاع بهذا الحيوان مع أن في ذلك إزهاقاً لروحه وقضاءً على حياته وإيذاءً له، ولكن ذلك بما أن ذلك من شرع الله تبارك وتعالى فإنه إنما يقدم على هذا الفعل بمقتضى شرعه وباسمه تعالى، فلذلك لا يجوز أن يترك ذكر اسم الله تعالى عند الإقدام على الذبح، وكذلك عند إرسال الكلب مثلاً أو عند إرسال أية جارحة أو عند إرسال السهم كما دل على ذلك قول الله تبارك وتعالى (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) (المائدة: من الآية4)، والله تعالى الموفق.
السؤال (2)
البعض يقوم بقطع ما يسمونه بالقفل أو النخاع، فهل يصح هذا في الذبيحة؟
الجواب:
جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه نهى في الذبح - وهذا في مسند الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله من رواية أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلّم نهى في الذبح - عن الوخز والخزل والنخع والترداد.
فهو ينهى عن الوخز أي بحيث تطعن الذبيحة بالسكين.
أو الخزل هو القطع قيل هو قطع كل الرأس وقيل غير ذلك.
والترداد هو أن يردد المدية في حلق الدابة كما يردد المنشار.
والنخغ هو قطع النخاع. (1/439)
صفحة 440
وقطع النخاع شُدد فيه وذلك لأجل أن تكون الذبيحة تذبح بطريقة فيها رحمة، ليس فيها تعذيب، ولئلا يكون قطع النخاع مساعداً على موتها، وإن كان للعلماء خلاف في ذلك، وفي نفس الوقت لا خلاف في أنها تحل لو قطع الرأس جميعاً على طرق الخطأ كما قال الإمام السالمي رحمه الله ( ..... وما به على الخطا من باس)، وإنما ينهى أن يتعمد الإنسان ذلك.
السؤال (3)
في حال التعمد لو فعلها وقطع القفل أو النخاع؟
الجواب:
إن تعمد ذلك فإنه شُدّد في هذا الأمر. ومن الناس من قال بأن النخغ هو كسر النخاع باليد، وقالوا الخزل هو قطع جميع الرأس.
السؤال (4)
في المصانع الحديثة التي تقوم بتصدير الدواجن والطيور تقوم بصف عدد منها ثم ينادي أحدهم على سكين مدورة باسم الله ثم تقطع الجميع، هل يكفي ذلك؟
الجواب:
وليس يجزي ذابحاً شاتين *** إن سم في الأولى من الثنتين
بل كل واحدة منها يُسمى لها تسمية خاصة، يذكر اسم الله على كل واحدة منها، ولا يجزي أن يسمي على أولى الذبيحتين فحسب.
السؤال (5)
التسمية هل هي باللفظة المعروفة، أم يكفي أن يذكر الله بأي لفظ آخر؟
الجواب:
أن يذكر الله، لو قال الله أكبر، أو سبحان الله، أو سبحان الله والحمد لله، أو بسم الله لأجزى ذلك.
السؤال (6)
غير العربي هل يجزي له ذلك؟
الجواب:
غير العربي له أن يذكر اسم ربه سبحانه وتعالى بلغته.
السؤال (7)
هل يشترط استقبال القبلة في حالة الذبح؟
الجواب:
استقبال القبلة لا يشترط.
وإنما يؤمر أيضاً (وهذه من الأمور التي غفلناها ولا بد من ذكرها) يؤمر الإنسان بأن يحرص على الرحمة في حال الذبح، النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح -وفي رواية فأحسنوا الذبحة - وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته. ومعنى ذلك أنه لا يذبحها بسكين كليلة وإنما يذبحها بسكين حديدة حتى لا تتعذب البهيمة عند الذبح. (1/440)
صفحة 441
وكذلك من الآداب التي يؤمر بها أن يخفي السكين عن الحيوانات عندما يأتي لذبحها.
ومما ينبغي أيضاً أن تُسقى قبل الذبح حتى تكون تذبح وهي مرتاحة.
السؤال (8)
ذكرتم بأن من الآداب أن يخفي السكين عن الذبيحة وذكرتم أيضاً أنها تسقى، البعض يقوم بذر بعض الملح على ظهرها هل هذا من السنة؟
الجواب:
لم أجد ذلك في السنة، ولم أجد ذلك في آثار أهل العلم.
السؤال (9)
هل من الآداب أن لا يذبح الواحدة بجنب الأخرى؟
الجواب:
نعم، مما ينبغي ذلك.
السؤال (10)
هل يصح الذبح بالشمال؟
الجواب:
لا مانع إن كان معتاداً أن يستعمل الشمال، وإن كان الأفضل له أن يذبح باليمين.
السؤال (11)
هل يشترط في الذبيحة أن تتحرك بعد الذبح، أم إذا ذبحها ولم تتحرك تحل؟
الجواب:
أما بالنسبة إلى الموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع فهذه إن أدركت ذكاتها ذكيت، وإدراك ذكاتها بشرط أن تتحرك، فإن حصلت منها حركة فإن تلك الحركة تدل على أن بها حياة، أما ما كان حياً من أول الأمر وذبح فإنه بإدراكه حياً وتيقن حياته ولم يكن به شيء مما يعجل موته فلا يشترط هنا أن تتحرك، وإن كان ليس من المعهود أن تكون غير متحركة.
السؤال (12)
بالنسبة للأبكم هل يصح له أن يذبح؟
الجواب:
بناء على اشتراط ذكر اسم الله أخرس اللسان والأبكم لا يباح لهما أن يذبحا.
السؤال (13)
هل يشترط في السكين التي يذبح بها طول معين؟
الجواب:
بمقدار ما تكون قادرة على تذكية ذلك الحيوان.
السؤال (14)
ذكرتم خلافاً في وجوب قطع الحلقوم فهل على من اقتصر على قطع الودجين تصح ذبيحته؟
الجواب:
أما نحن الذي نأخذ به لا بد من قطع الحلقوم والمريء، وإنما هنالك خلاف فكثير من أهل العلم يرون الاقتصار على قطع الودجين.
السؤال (15)
هل يشترط التعيين في الأضحية أن يعين مثلاً أضحية معينة فإذا ما عينها هل يصح له أن يتصرف فيها بعد لك؟
الجواب: (1/441)
صفحة 442
أما الأضحية فإن عينها ففي هذه الحالة عليه أن يحرص على ذبح تلك التي عينها، لكن إن لم يعينها فله أن يذبح أية ذبيحة، ولا يشترط التعيين.
السؤال (16)
نريد منكم كلمة باختصار للآباء الذين يعضلون بناتهم عن الزواج؟
الجواب:
مما يؤسف له أن كثيراً من الآباء لا يبالون بأعراضهم وبكرامتهم، فهؤلاء الذين يعضلون بناتهم عن الزواج إنما يعرضونهن للفحشاء، ويدفعون بهن إلى معصية الله تبارك وتعالى، والله سبحانه حذر من العضل فقال (فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة: من الآية232)، ففي هذا عظة لأولي الألباب، عظة لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر كما قال سبحانه (ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) (البقرة: من الآية232).
وقد بين سبحانه أن هذا هو أزكى للعباد وأطهر، وأن الله هو الذي يعلم العواقب والناس لا يعلمونها، فالله هو العليم بفطر النساء وبحاجتهن إلى الأزواج وبضرورتهن إلى ذلك، فمن عضل ابنته عن الزواج فقد حال بينها وبين ما تقتضيه فطرتها، ولذلك كان جديراً بسخط الله، وكان بعيداً عن الإيمان بالله واليوم الآخر، والله تعالى المستعان.
السؤال (17)
في محلات الدواجن يتم الذبح بحيث تكون معكوسة، الرأس في الأسفل والأرجل في الأعلى، فما حكم هذا الذبح؟
الجواب:
هذه الطريقة لا تؤدي إلى حرمة الذبيحة.
السؤال (18)
هل يجوز أن يؤجر حجة عن طفل مات وعمره ثمان سنوات؟
الجواب: (1/442)
صفحة 443
ما الداعي إلى ذلك، ليس هنالك من داع لأنه لم يتعبد بعد، هو دون سن التعبد، ولا يعني هذا أن ذلك حرام، ولكن الأولى هذه النفقة التي تنفق في هذا يتصدق بها على الفقراء والمساكين فذلك أولى، والطفل الذي مات في طفولته إنما مات على الفطرة، فكل مولود يولد على الفطرة، ولا داعي إلى أن يعمل له عمل.
السؤال (19)
رجل نذر أن يذبح شاة إذا شفاه الله سبحانه وتعالى، وقد شفاه الله فهل يذبحها ويوزعها على الفقراء أم يطبخها لأهله؟
الجواب:
يفهم من هذا أنه نذر أن يتقرب إلى الله، والأصل أن النذر إنما هو في التقرب إلى الله، فالله تعالى مدح الذين يوفون بالنذر، والنبي صلى الله عليه وسلّم قال: من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه. وجاء في الحديث عنه أفضل الصلاة والسلام: لا نذر فيما لا يملك ابن آدم، ولا نذر في معصية. والنذر لما كان هو قربة فإذاً ليبتغ القربة إلى الله ليتصدق بهذا على الفقراء والمساكين لأنه إن أطعهما لنفسه وأطعمها لعياله أتى بما كان معتاداً فإنه لا بد من أن يطعم نفسه ويطعم عياله بخلاف ما إذا تصدق على الفقراء والمساكين وذلك يعود إلى نيته في حال نذره.
السؤال (20)
ما حكم المقابلات التي تتم بين الخاطب وخطيبته قبل العقد، بحيث يكون بينهما لقاء ويستمر بدون محرم، فما الحكم وإذا وقع هل يجوز لهما بعد ذلك أن يتزوجها؟
الجواب:
الأمر لله عزوجل، هذا من التهاون والتفريط وعدم المبالاة، والمسئولية تقع على عاتق الآباء والأمهات الذين يرخون العنان لبناتهم ليمرحن ويفعلن مثل هذه الأفعال التي تنعكس آثارها السلبية على الأسرة جميعا، فكثيراً ما يعود الأمر بالعار على الأسرة كلها. (1/443)
صفحة 444
فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة إلا مع ذي محرم. ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم، ويقول: ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما. والنبي صلى الله عليه وسلّم يحذر من الدخول على النساء أيما تحذير عندما قال عليه أفضل الصلاة والسلام: إياكم والدخول على النساء. فقال له رجل من الأنصار ك أرأيت الحمو يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلّم: الحمو الموت.
وهذا لأن في نفس الرجل باعثاً قوياً تجاه المرأة فهو يندفع إليها اندفاعاً غير شعوري، كذلك المرأة هي بجانبها أيضاً خُلقت ميالة إلى الرجل وهي راغبة فيه فلذلك تندفع نحوه اندفاعاً غير شعوري، فلذلك كانت الضرورة داعية إلى أن يكون هنالك حاجز عند لقائهما من أن يندفعا هذا الاندفاع الذي قد تنعكس آثاره السلبية على حياتهما وحياة أسرتيهما، وهذا الحاجز هو وجود المحرم بحيث يراقب حركاتهما ويطلع على أمرهما، أما مع عدم وجود المحرم فإن ذلك غير جائز، ذلك حرام حرام حرام.
وماذا عسى أن تكون حالة هذا الشاب الذي يكون بين يدي فتاة جميلة يبادلها الحديث الذي هو كثيراً ما يكون حديث غرام وحديث لوعة؟ ماذا عسى أن يكون من أمره ولا رقيب عليهما؟ وهما لا يباليان بمراقبة الله تعالى لأنهما ينسيان عهد الله في هذه الحالة؟ وما بال هذه الفتاة التي تكون في ميعة الشباب بين يدي شاب تطمح أن يكون فارس أحلامها، وأن يكون شريك حياتها؟
فإذاً هذا مما يؤدي بهما إلى الوقوع في الفحشاء وقد وقع ذلك كثيراً كثيراً ونحن اطلعنا على الكثير من الأسئلة. (1/444)
صفحة 445
على أن هنالك كثيراً من الشباب من لا يبالون بانتهاك أعراض الفتيات لا يبالون بانتهاك فيضحكون على عقولهن، كل واحد منهم يحاول أن يرسخ في وجدان الفتاة التي يلعب على عقلها بأنه هو فارس أحلاهما، وأنه سيكون شريك حياتها، حتى إذا ما رزأها في عفتها وفي طهارتها وفي أعز ما تملك رفسها برجله، وأخذ يبحث عن فريسة أخرى.
فإذن على الآباء والأمهات أن يكونوا على يقظة من هذا الأمر، وأن يكونوا على دراية مما يقع خلفهم وأن لا يرخوا العنان لبناتهم ليمرحن مع هؤلاء الشباب كما يملي عليهن هوى النفس، وكما يسول لهن الشيطان، والله تعالى المستعان.
السؤال (21)
بالنسبة لحديثه معها عن طريق الهاتف هل يأخذ نفس الحكم؟
الجواب:
الحديث البريء الذي لا يشاب بشائبة لا مناع منه، ولكن نحن نخشى من هذه الأحاديث لأن كثيراً ما يحاول أن يستدرجها، يبدأ أولاً معها بحديث بريء ثم يأخذ في استدراجها شيئاً فشيئاً حتى يوقعها في الفخ، والفتاة تكون دائماً غراً، وتكون غير متمكنة من السيطرة على أعصابها، والمرأة كما قيل هي عاطفية لأن عاطفتها أقوى من عاطفة الرجل، فإذا ما أثار عاطفتها لم يبق في دماغها موضوع للتفكير قط، وإنما تسيطر العاطفة على جميع جوانبه، فينبغي الحذر أيما الحذر من ذلك.
السؤال (22)
هناك كثير من النساء يرغبن أن يخرجن من البيت وهن متعطرات لا لإغراء الرجال ولغيرها من الفتنة ولكن من أجل الرائحة الطيبة، ولاختفاء هذه الظاهرة تقيداً بقول العلماء أصبحن لا يشممن روائح طيبة سواء روائح العرق، فما قولكم؟
الجواب: (1/445)
صفحة 446
المرأة إن خرجت من بيتها تؤمر أن تخرج غير متطيبة، ولذلك شدد النبي صلى الله عليه وسلّم في شهود المرأة المتبخرة الصلاة في المسجد: من أصابت بخوراً فلا تشهد معنا الصلاة. هكذا منع النبي صلى الله عليه وسلّم النساء، لأن المرأة لها أثر بالغ على الرجل سواءً من نفحة طيبها أو من جرس حليها أو من ترنيمة صوتها كل ذلك يؤثر على الرجل تأثيراً بالغاً، فلذلك تؤمر المرأة ألا تتطيب، اللهم إلا إذا كانت متطيبة قبل خروجها، وما استطاعت أن تخفي ذلك الطيب، واضطرت إلى الخروج فالله أولى بعذرها.
السؤال (23)
امرأة أجرت عمليتين من أجل الولادة وكلاهما بطريقة العملية القيصرية، لكن أمرها الطبيب أن تمتنع عن الحمل لمدة ستة سنوات حتى تكتسب صحة جيدة لكنها حملت الآن بعد سنتين، وهي تعاني الآن من آلام وأمراض كثيرة فهل صح لها أن تجهض حملها؟
الجواب:
هي أخطأت إذ لم تتبع نصح الطبيب، فلئن تمتنع من الحمل أولى لها من أن تجهض حملاً قد تكوّن، اللهم إلا إذا كان الأمر يؤدي إلى خطورة على حياتها، وقرر الأطباء ذلك ولم يختلفوا فيما بينهم ففي هذه الحالة لها أن تجهض من أجل المحافظة على حياتها لأن حياتها متيقنة ومستقبل حياة ذلك الجنين غير متقين، والجنين في عالم الغيب وهي في عالم الشهادة، فلذلك المحافظة على حياتها أولى وإن كانت لذلك الجنين حرمات، والله تعالى أعلم.
تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه
8 من ذي الحجة 1423هـ، 9/ 2/2003م
الموضوع: عام
السؤال (1)
ما حكم صيام العشر الأول من ذي الحجة؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: (1/446)
صفحة 447
فهذه الأيام العشر هي أيام مباركات، لها شأن عظيم عند الله تبارك وتعالى، ولذلك أقسم الله تبارك وتعالى بلياليها تنويهاً بقدرها وتبياناً لعظم شأنها عنده فقد قال (وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ) (الفجر:1 - 2)، والمراد هذه العشر الليالي التي تسبق يوم النحر هي أيام مباركات، هي أيام فيها خير عظيم، جاء في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلّم بأنه ما من أيام فيها العمل أحب إلى الله تبارك وتعالى منه في هذه الأيام العشر، فالأعمال كلها تكون في هذه الأيام العشر أعمالاً مضاعفة الأجور، أعمالاً ذات شأن عند الله سبحانه وتعالى ويندرج في ذلك الصيام فإن الصيام من جملة الأعمال التي يتقرب بها العباد إلى الله، ولذلك يسن صيام هذه الأيام جميعاً، ومن لم يتمكن من صيامها جميعاً فليصم اليوم التاسع كما هو معروف، وصيام اليوم التاسع أجره أجر عظيم وقدره قدر جسيم، والله تبارك تعالى أعلم.
السؤال (2)
كيف يتم توزيع لحم الأضحية، وهل يصح أن يعطى الفقير لحماً مطبوخاً؟
الجواب: (1/447)
صفحة 448
الأضحية يراد منها أولاً قبل كل شيء تذكير هذه النفوس بالمحنة التي مر بها أبو الأنبياء إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، فقد رأى إبراهيم في المنام كما جاء في نص القران الكريم أنه يذبح ولده إسماعيل، وعرض الأمر عليه فقال له (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (الصافات: من الآية102) كل منهما استسلم لأمر الله، إبراهيم عليه السلام استسلم لأمر الله سبحانه وتعالى في ذبح وليده وتلك محنة شديدة قاسية على النفس وطأتها وطأة عظيمة، وإسماعيل عليه السلام أيضاً استسلم لأمر الله تبارك وتعالى إذ لم يكن له أن يكون بمعزل عما يقتضيه هذا الأمر الرباني، ورؤيا الأنبياء حق، فإن رؤياهم إنما هي وحي، ولذلك كانت هذه الرؤيا واجبة الامتثال، ولكن الله تبارك وتعالى لما علمه من هذين العبدين الصالحين من الإخلاص وحب الخير والتفاني في طاعة الله والتضحية بأعز ما يملكان لأجل نيل رضوان الله تبارك وتعالى تداركتهما عنايته فلطف بهما سبحانه وتعالى وفدى إسماعيل عليه السلام بذبح عظيم، فكانت تلك سنة الأضاحي في هذا اليوم العظيم من أجل تذكير هذه النفوس، وفي هذا أيضاً ما يجعل الناس يذكر بعضهم بعضا بالخير بحيث إن الأغنياء يواسون الفقراء في هذا اليوم بما يقدمونه من هذه الضحايا. (1/448)
صفحة 449
وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: كلوا وتصدقوا وادخروا. أمر النبي صلى الله عليه وسلّم بأن يأكلوا وأن يتصدقوا وأن يدخروا، وذلك بعدما منع من الادخار، وكان منع الادخار من أجل الدافة أي التي تدف إلى أرض المدينة من البوادي، والمراد بها الناس الذين يأتون وهم محتاجون إلى الطعام، فأمر النبي صلى الله عليه وسلّم ألا يدخر من لحم الأضاحي وأن يعطى هؤلاء منها، ثم بعدما وجدت الغُنية عندهم وكانوا في غير حاجة إلى هذه الأضاحي التي يضحي بها أهل المدينة وسّع النبي صلى الله عليه وسلّم لهم فقال: كلوا وتصدقوا وادخروا.
ولذلك ينبغي للإنسان أن يأكل ثلثها وأن يتصدق بثلثها وأن يدخر ثلثها، هكذا من أجل هذا الأمر الذي جاء من النبي صلى الله عليه وسلّم، وإن لم يدخر شيئاً بأن كانت الحاجة داعية إلى الصدقة فذلك خير، أو كانت الحاجة داعية إلى الأكل وذلك أن يطرق الإنسان طراق من ضيوف أو غيرهم فلا مانع في هذه الحالة أن يقدم إليهم من لحوم الأضاحي حتى ولو أكلوا ذلك جميعاً، ولكن ينبغي له ألا يفوت الصدقة عن الفقراء بحيث يعطيهم شيئاً ولو أقل من الثلث إن لم يكن بمقدار الثلث مواساة لهم، والله تعالى أعلم.
السؤال (3)
ولو كان مطبوخاً؟
الجواب:
ولو كان مطبوخاً لا فرق بين أن يعطيهم إياه نياً أو طبيخاً.
السؤال (4)
من يطالب بالإمساك عن حلق الشعر وتقليم الأظافر؟
الجواب:
هو من نوى أن يضحي، فالرجل الذي ينوي أن يضحي يؤمر في خلال الأيام المباركات الأيام العشر ألا يأخذ من تفثه شيئاً ألا يقلم أظفاره وألا يأخذ من شعره إلى أن يضحي، وبعد التضحية عندئذ لا حرج عليه، هذا لمن أراد أن يضحي كما جاء في الحديث عن الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام
السؤال (5)
من أدركته العشر وقد طالت أظفاره وطال شعره فهل الأولى أن يبقى على ذلك الحال؟
الجواب: (1/449)
صفحة 450
ينبغي للإنسان أن يتعهد نفسه قبل هذه العشر بأن يأخذ من أظفاره ويأخذ من تفثه من شعره، وإذا دخلت العشر عليه فليمسك عن أخذ شيء من ذلك إن كان في نيته أن يضحي.
السؤال (6)
هل تصح صلاة المأموم منفرداً خلف الإمام مع وجود خلاف بين العلماء في هذا المسألة ويريد ترجيحكم؟
الجواب:
ما المراد بمنفرداً؟ هل المراد بذلك أنه يقف وحده خلف الصف من غير أن يكون معه غيره؟ أو المراد بذلك أن يصلي صلاة المنفرد مع وجود جماعة تصلي؟ فإن كان المراد أن يصلي صلاة المنفرد من وجود جماعة تصلي فالجواب إذا أقيمت المكتوبة في جماعة فلا صلاة إلا المكتوبة، لا يجوز أن يصلي أحد بنفسه مع وجود الجماعة التي ينادى لها، إذ تلبية داعي الجماعة فرض عيني على كل قادر ولو كان خارج المسجد فكيف بمن كان في المسجد فإن الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم تدل على أن ذلك واجب على الأعيان، فالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام لم يعذر الأعمى الذي شكا إليه شسوع الدار وعدم القائد الملائم وكثرة الهوام وكثرة السباع في المدينة المنورة بل أمره أن يلبي الداعي وأن يستجيب وقال له: أجب ولو حبواً، فكيف بالمبصر القادر.
وهو عليه أفضل الصلاة والسلام قال: لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فينادى لها، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار. وما كان صلى الله عليه وسلّم ليهم بتحريق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة بالنار إلا لأنهم تركوا واجباً عينياً، إذ لو كان هذا واجباً كفائياً لكانت الكفاية حاصلة بالنبي صلى الله عليه وسلّم ومن يقيم هذه الشعيرة معه من المؤمنين، ولو كانت هذه مجرد سنة مرغب فيها لما شدّد فيها النبي صلى الله عليه وسلّم إلى هذا القدر، لكن هذا التشديد دليل على أن هذه شعيرة واجبة لا بد من أن يحافظ عليها إلا من لم يكن قادراً على تلبية الداعي. (1/450)
صفحة 451
وإن كان مراده بهذا أن يصلي وحده خلف الصلاة مؤتماً بالإمام من غير أن يكون معه آخر فالجواب لا يجوز له ذلك لحديث: لا صلاة لمن وقف وحده خلف الصف، أو لمن صلى وحده خلف الصف. فلا صلاة لمن صلى بنفسه وراء الصف، بل لا بد من أن يكون معه غيره، ونفي الصلاة يعني نفي الصحة فلا تعتبر صلاته صحيحة وعليه أن يعيد صلاته إن فعل ذلك. بل لا بد من أن يكون معه غيره، والله تعالى أعلم.
السؤال (7)
ما حكم ذبح الأضحية قبل الصلاة؟
الجواب:
من ذبح قبل الصلاة فليبدلها بغيرها إن كان ناوياً أن يضحي، لأن هذه الشاة التي ذبحها قبل الصلاة لا تعدو أن تكون شاة لحم كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم، فقد أمر من أراد أن يضحي أن يضحي بعد الصلاة عملاً بما يدل عليه قول الله تعالى (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (الكوثر:2)، بناء على أن المراد بالنحر هنا هذا النحر المعروف وهو التضحية كما هو رأي طائفة من المفسرين.
والنبي صلى الله عليه وسلّم أكّد ذلك فبيّن أن من ذبح قبل ذلك فشاته لا تعدو أن تكون شاة لحم، أما أن تكون ضحية فهي ليست بضحية، فلو ذبح في نفس الساعة قبل أن يصلي لما كانت تلك ضحية، أما إن ذبح قبل ذلك بحيث ذبح في اليوم التاسع أو ما قبل اليوم التاسع فذلك أبعد عن موافقة السنة وأوغل في البدعة فشاته لا تكون شاة ضحية بأي حال من الأحوال، وعليه أن يبدلها بغيرها إن كان ناوياً أن يضحي، والله تعالى أعلم.
السؤال (8)
ما هو فضل صيام يوم عرفة؟
الجواب:
لا ريب أن يوم عرفة يوم عظيم وصيامه فيه الأجر الكبير إلا الواقف في عرفة إن كان يخشى أن يضعف، وينبغي للإنسان ألا يصوم حتى لا يضعف عن الوقوف فإن ذلك اليوم يوم يضاعف فيه أجر الذكر للذاكرين عندما يكونون هنالك في الموقف العظيم، فلا ينبغي للإنسان أن يضعف نفسه بصيامه، والنبي صلى الله عليه وسلّم لم يصم في ذلك اليوم فلا ينبغي لأحد أن يصوم حتى لا يضعف نفسه عن الذكر.
السؤال (9) (1/451)
صفحة 452
هل يضحى عن الميت؟
الجواب:
قضية الضحية عن الميت فيها خلاف ولم ترد بها سنة، وإنما السنة في أن يتصدق عن الميت. الميت انتهى عهده انتهى وجوده فلا ينبغي لأحد أن يضحي عنه، وإنما يتصدق عنه بأي صدقة قربة إلى الله تبارك وتعالى.
السؤال (10)
هل يصام يوم عرفة منفرداً أو أنه يحتاج إلى صيام يوم قبله أو بعده خاصة إذا صادف يوم جمعة؟
الجواب:
صيام يوم عرفة إن صام يوماً قبله فلا حرج، إن صام يوم الثامن واليوم التاسع فلا حرج، لكن أن يصوم يوماً بعده فإن اليوم العاشر هو يوم عيد، ويوم العيد لا يجوز صيامه بإجماع المسلمين سواء كان عيد الأضحى أو كان عيد الفطر، لا يجوز صيام العيد لأن يوم العيد هو يوم ضيافة الله فمن صامه فقد رد ضيافة الله تبارك وتعالى.
أما يوم الجمعة فإنه ينهى عن صيامه وحده إلا أن يصادف يوماً يصومه أحدكم كما جاء في الحديث، فمن صادف يوماً اعتاد الإنسان صيامه فلا حرج عليه أن يفرده بالصيام، لو كان صادف يوم الجمعة يوم عرفة فلا حرج أن يصومه الذي اعتاد أن يصوم يوم عرفة، وكذلك لو صادف يوم الجمعة يوم عاشوراء فلا حرج أن يصومه من اعتاد أن يصوم يوم عاشوراء، وكذلك لو صادف أي يوم من الأيام التي اعتاد الإنسان أن يصومها فلا حرج في ذلك.
نعم يوم عاشوراء أيضا ينبغي أن يصوم معه التاسع، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلّم كان يفرده بالصيام وحده إلا أنه قال قبل وفاته: لئن بقيت إلى العام القابل لأصومن التاسع مع العاشر. فينبغي للإنسان أن يجمع بين التاسع والعاشر، والله تعالى أعلم.
السؤال (11)
رجل استمر يقرأ التوجيه في كل ركعة من ركعات صلواته ولمدة أربع سنوات، ثم علم أن التوجيه يقتصر به في الركعة الأولى فماذا عليه الآن؟
الجواب: (1/452)
صفحة 453
سبحان الله، ما كان ينبغي له ذلك، ينبغي للإنسان أن يسأل عن صلاته وليس له أن يزيد عن المشروع فيها، إذ كل ما يؤتى به في الصلاة إنما هو توقيفي، فليس للإنسان أن يزيد. والذي نختاره بأن الصلاة تفسد بالإتيان بالتوجيه في كل ركعة من ركعاتها ذلك لما في ذلك من الزيادة على ما هو مشروع في الصلاة، والله تعالى أعلم.
السؤال (12)
ما هي الأحكام المتعلقة بالأضحية من حيث أسنانها والعيوب التي تجعلها غير مجزية؟
الجواب:
ينبغي للإنسان أن يختار الضحية المناسبة، الضحية التي لا عيب فيها فيتجنب العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والعجفاء كذلك، ويتجنب مكسورة القرن، ويتجنب كل ما كانت فيها عيب من العيوب، كل شاة أو كل حيوان من الأنعام فيه عيب من العيوب فإنه يتفادى التضحية به، بل يحرص على أن يضحي بما لا عيب فيه من الحيوانات، ثم مع هذا كله أيضاً لا بد من مراعاة السن، فبالنسبة إلى الغنم تجزي الثنية من المعز والجذعة من الضأن، الضأن لا بد من أن تكون جذعة، والجذعة هي التي مر عليها عام ودخلت في العام الثاني، هذا هو الراجح في الجذعة، وإن كان هنالك خلاف بين أهل العلم طويل الحاشية في هذا.
والثنية هي التي جاوزت العامين ودخلت في العام الثالث، فالثنية من المعز مجزئة، والجذعة من الضأن مجزئة. أما بالنسبة إلى البقر فإنه لا يضحى بما دون المسنة، وإن كان هنالك قول في كتب الفقه بأن ولد العام من البقر يجزي للواحد وأما المسنة فتجزي للثلاثة فصاعداً إلى آخره، لكن لا ينبغي للإنسان أن يضحي بأقل من مسنة، والمسنة هي بنت عامين. (1/453)
صفحة 454
وأما الإبل فلو قسنا على البقر فإنه يضحى بابن لبون، ولا أجد فرقاً بين الإبل والبقر، ومما يعجب منه أن نجد من العلماء من قال شيئاً عجيباً وهذا شيء مشهور في كتب الفقه وهو أن ابن لبون وبنت لبون وأن ابن مخاض وبنت مخاض والحقة كل منهما مجزئ عن شخص واحد أي عن ضحية واحدة، وأما إن كان جذعا أو كانت جذعة فهذه تجزي عن خمسة، والثنية التي هي أكبر عن الجذعة بعام أي هي بنت خمسة أعوام تجزي عن سبعة.
أولاً قبل كل شيء القياس ينبغي أن يقاس على المسنة فيقال بجزاءة اللبون وإن كانت المسالة هي تحتاج إلى بحث، وتحتاج إلى مناقشة لأنني ما تفرغت حقيقة الأمر للرجوع إلى الأخبار والآثار في هذا ومحاولة الجمع بين الروايات والنظر فيها حتى نستأنس بها من أجل ترجيح ما هو أرجح، لكن من العجب أن يقال بأن الحق لا يجزي إلا عن واحد بينما المسنة تجزي عن ثلاثة وتجزي عن خمسة هذا قول لا يخلو من غرابة إذ ما هو الفارق بين الإبل والبقر، فالقضية تحتاج كما قلنا إلى نظر، والله تعالى أعلم.
السؤال (13)
من اشترى أضحية ثم تبين له بعد أن ضاق عليه الوقت نظراً لحالته المادية أو أن الوقت لم يسعفه، اكتشف أن فيها عيباً بيناً ماذا يصنع في هذه الحالة؟
الجواب:
إن كان يمكنه أن يبدلها بغيرها فليبدلها بغيرها وإن كان تعذر عليه نهائياً ذلك فيسوغ في هذه الحالة أن يضحي بها مع التصدق بالنقص الذي سببه ذلك العيب، أن يتصدق بذلك على الفقراء حتى لا يكون مقصراً مع أنه نوى الأضحية ولم يجد البديل الذي يضحي به.
السؤال (14)
كيف يكون هذا الإكمال مثلاً لو كانت مكسورة القرن، كيف يكون هذا النقص؟
الجواب:
قد يقدر في مكسورة القرن، ينظر ما الذي ينقص من قيمتها.
السؤال (15)
ما حكم التكابير بعد صلاة الظهر من يوم العيد والتي تستمر حتى عصر يوم الثالث عشر؟
الجواب: (1/454)
صفحة 455
هذه مما يدخل في الذكر الذي عناه قول الله تبارك وتعالى (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) (البقرة: من الآية203) فالتكبير في هذه الأيام المباركات مأثور عن السلف الصالح، مأثور عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم، كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يكبر حتى في السوق، كان يردد التكابير وكان المكبر يكبر في مكان فيسمعه من حوله فيتجاوب معه ويكبر ويسمعه الآخرون ويكبرون وهكذا ترتفع الأصوات بالتكبير، فلا ينبغي للإنسان أن يقصر في التكبير، وخير مناسبة يكبر فيها أو يكبر لها إتمام الصلوات، فينبغي للإنسان أدبار الصلوات أن يكبر، قيل من صبيحة اليوم التاسع وقيل من صلاة الظهر يوم النحر إلى أواخر أيام التشريق، هذه أيام مباركات هي الأيام المعدودات التي ذكرها الله تعالى فينبغي للإنسان أن لا يؤخر عن التكبير فيها، وإن كان بعض العلماء روي عنه أن صلى بغير تكبير من بينهم موسى بن علي رحمه الله تعالى فقد صلى بغير تكبير، ولكن مع هذا نحن نختار رفع هذا الشعار المبارك، رفع تكبير الله تعالى على الألسن وأن يجهر به حتى يبقى شعاراً بين المسلمين، وفي هذا إحساس من هذه النفوس بعظمة هذه الأيام وقدسيتها وما لها من مكانة عند الله تبارك وتعالى.
السؤال (16)
إذا كان الرجل لم يذبح في بيته وإنما اكتفى بذبح ولده فهل تجزي هذه الأضحية الواحدة عن سائر أهل المنزل؟
الجواب:
نعم، بما أن الابن ضحى عن نفسه وعن أبيه وعن أهل بيته الذي يأوون معاً في مكان واحد فإن هذه الضحية إن شاء الله مجزئة لهم، وقد ضحى النبي صلى الله عليه وسلّم عن من لم يضح من أمته. وبطبيعة الحال الولد هو من كسب الرجل، ولد الرجل من كسبه، فإذا عمل من نحو هذا العمل فإنه يستفيد منه ولا سيما إن كان الأب فقيراً وكان الابن كافله فإن الضحية التي يضحيها الولد مجزئة، والله تعالى أعلم.
السؤال (17)
هل يمكن أن تكون الأضحية مخصية أومقطوعة الذنب؟
الجواب: (1/455)
صفحة 456
مقطوعة الذنب اعتبروا هذا من العيوب إلا إذا كان لا يوجد غير مقطوع الذنب كأن تكون منطقة لا توجد بها أغنام إلا أغنام مستوردة وكل المستوردات من هذا النوع فهذا أمر لا بد منه، وأما المخصي فلا حرج فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلّم ضحى بكبشين موجوءين، والمقصود بالموجوءين المخصيان، أي ضحى بكبشين مخصيين، وهذا دليل على أن الضحية بالمخصى جائزة، وأن الخصاء لا يعتبر عيباً يمنع في الأضحية، والله تعالى أعلم.
السؤال (18)
رجل يريد يذبح عن والده وأبوه في الأردن وهو في الإمارات، فهل يصح له ذلك؟
الجواب:
فليذبح وليتوكل على الله، فهو على أي حال يضحى عن والده، ومن أولى بالبر من الوالد، أولى الناس بالبر الأم ثم الأب كما جاء في الحديث عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام عندما سئل أي الناس أحق بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال له: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال له: ثم من؟ قال: ثم أبوك ثم الأقرب فالأقرب. فهو أولى بأن يبر والديه، أن يبر أمه وأباه، ومن هذا البر أن يضحي عنهما. فليضح عنهما على بركة الله تعالى، والله يتقبل من المحسنين.
السؤال (19)
كيف تكون ضحية الأعزب؟
الجواب:
الأعزب كغيره، الأعزب يضحي عن نفسه كما يضحي صاحب الأسرة عن نفسه وعن أسرته، فليضح عن نفسه وليتوكل على الله إن كان واجداً، أما إن كان غير واجد فإنه لا يكلف ما لم يكن في مقدرته (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية286).
السؤال (20)
صلاة الجمعة هل تجب على سكان البادية؟
الجواب: (1/456)
صفحة 457
صلاة الجمعة ينبغي السعي إليها ولو من أماكن بعيدة كما قال الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد: يسعى إليها من فرسخين وثلاثة. وجاء في بعض الروايات وإن كانت هي روايات ضعيفة: الجمعة على من آواه الليل في أهله. أي من أمكن أن يرجع إلى أهله في الليل بحيث يأتيه الليل وقد وصل إلى أهله فعليه أن يسعى إلى الجمعة، لكن مهما يكن إن كان في مكان يقصر فيه الصلاة فإن ذلك لا يلزمه إلا أنه لا ينبغي له أن يفرط فيها إن كان قادراً على السعي إليها فليسع إليها لما فيها من الخير والبركة وسماع الموعظة الحسنة وشهود ذلك المشهد الذي يجمع شتيتاً من عباد الله المؤمنين يمثلون بين يدي الله تعالى راكعين ساجدين خاضعين فهو مشهد يثير في النفس مشاعر حب المؤمنين والتضامن معهم والاتحاد وحب الخير للأمة فلا ينبغي للإنسان أن يفرط فيها. على أن البعد عن مثل هذه المشاهد يؤدي إلى قسوة القلوب ويؤدي إلى إظلام النفوس فلذلك نحث أهل البادية على أن يسعوا إليها في المدن وفي القرى التي تقام فيها، والله تعالى الموفق
السؤال (21)
التكابير التي تكون بعد الصلوات هل لها صيغة معينة؟
الجواب: (1/457)
صفحة 458
التكبير لا يلزم أن تكون له صيغة معينة فلو قال المكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر كبيرا، الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر تكبيرا، الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد حمداً كثيرا، لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، وإن زاد على ذلك لا إله إلا الله نعبده مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله نعبده مخلصين له الدين ولو كره المشركون، لا إله إلا الله نعبده مخلصين له الدين ولو كره المبطلون، كان ذلك خيرا، وإن زاد على ذلك لا إله إلا الله إله واحداً فرداً صمداً ما اتخذ ربنا صاحبة ولا ولدا، فذلك أيضاً خير، كل من ذلك ذكر لله تبارك وتعالى، وفي هذا الذكر خير كبير إن شاء الله.
السؤال (22)
هل التكبير مختص بالرجال وحدهم أم أن المرأة أيضاً مطالبة به؟
الجواب:
أما رفع الصوت نعم، وأما ذكر الله تعالى فالمرأة تذكر الله في نفسها ومع خفوت صوتها من غير أن ترفع عقيرتها كما يسمع ذلك الرجل لأنها مأمورة بخفض صوتها، وإلا فهي مطالبة بأن تذكر الله تبارك وتعالى أيضا، وإن كان ذلك غير لازم عليها.
السؤال (23)
ما هي الأعمال التي ينبغي الحرص عليها يوم العيد؟
الجواب:
يوم العيد هو يوم مبارك، هو يوم يجمع الشتيت، شتيت عباد الله تعالى المؤمنين.
فينبغي للإنسان أن يستعد للصلاة في ذلك اليوم بأن يهيأ نفسه فيستحم يغتسل ومع ذلك يتناول ما يمكنه أن يتناوله من الطيب. وإن كان العيد عيد الفطر فليأكل قبل ذهابه إلى المصلى تمرات، أما إن كان اليوم يوم العيد هو عيد الأضحى فليمسك عن الأكل حتى يصلي. (1/458)
صفحة 459
ثم ليذهب إلى الصلاة وليذكر الله تبارك وتعالى هنالك ليردد ذكر الله من تكبير وتهليل وتسبيح وتحميد إلى أن يخرج الإمام، فإذا خرج الإمام انقطع التكبير وعندئذ تقام الصلاة ويصلون ثم بعد ذلك تكون التحية فيما بينهم يحي بعضهم بعضاً بتحية الإسلام ويهنئ بعضهم بعضاً.
وينبغي بل يسن في ذلك اليوم أن يزور الإنسان أرحامه ويصلهم ويصل جيرانه، وأن يوسع على أهله، وأن يجود بالمعروف بقدر ما يمكنه هذا كله مما ينبغي ألا يفوت الناس في يوم العيد.
ثم من المعلوم أن ذلك اليوم هو يوم منحه الله تبارك وتعالى لعباده لأجل أن يعوضهم عما كانوا آلفيه في الجاهلية، الله تبارك وتعالى أبدل المسلمين بالأيام التي كانت مألوفة لهم يحتفلون فيها ويلعبون فيها في الجاهلية أبدلهم بتلكم الأيام هذين اليومين المباركين العظيمين ليكونا عيداً للمسلمين فيهما الفرحة وفيهما البهجة والسرور والتلاقي والتواد والتراحم والتعاطف والسخاء وبذل المعروف من القريب لقريبه ومن الغني للفقير ومن جار لجاره.
ومع هذا أيضا ينبغي للإنسان بل يتأكد عليه أن يشكر نعمة الله التي أنعمها عليه فلا ينسى حق الله تعالى بخلاف ما يفعله الفسقة العصاة الذين يجعلون من العيد فرصة لهم في ارتكاب الموبقات من معاقرة الخمور وغير ذلك مما يأتونه من معاصي الله سبحانه، فهذه الأمور هي محرمة على أي حال وفي يوم العيد يتأكد تحريمها لأن شكر نعمة الله تعالى لا يكون بمقارفة معصيته فذلك اليوم ينبغي أن يشكر، وشكر النعمة إنما هو باستخدامها في طاعة من أنعم بها، وهذا خلاف النظرية التي رددها بعض الشعراء عندما قال:
رمضان ولى هاتها يا ساقي *** مشتاقة تسعى إلى مشتاق
وقال:
بالأمس قد كنا أسيري طاعة *** واليوم من العيد بالإطلاق (1/459)
صفحة 460
لا يعني أن العيد يمن على الإنسان بأن يطلق له الحبال ليرتكب ما يشاء من الموبقات والمعاصي، لا، بل عليه أن يزم نفسه بزمام التقوى وأن يصلح ظاهره وباطنه وأن يستديم شكر نعمة الله التي أسبغها عليه، هكذا ينبغي للإنسان، والله تعالى الموفق.
السؤال (24)
اليوم التاسع هو يوم عرفة، فكيف يعيش المسلم خطبة وداع النبي صلى الله عليه وسلّم أمته في هذا اليوم؟
الجواب:
حقيقة الأمر يوم عرفة يوم عظيم، وقد امتن الله تبارك وتعالى على هذه الأمة بأن أنزل على نبيها عليه أفضل الصلاة والسلام في يوم عرفة ما يؤذنها بأن الله تبارك وتعالى أتم عليها النعمة وأكمل لها الدين فقد قال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً) (المائدة: من الآية3) هذه الآية أنزلها الله تبارك وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلّم في يوم عرفة، وقد قيل بأن ناقته صلى الله عليه وسلّم بركت عندما نزل الملك بهذه الآية الكريمة على قلبه عليه أفضل الصلاة والسلام، وهي مؤذنة بأن الله سبحانه وتعالى وفق نبيه صلى الله عليه وسلّم بأن يضطلع بالأمانة التي حُمّلها، وأنه بلغ الناس، وفعلاً النبي صلى الله عليه وسلّم في ذلك اليوم أعلن كما يقال حق الإنسان في هذه الأرض وما على الإنسان للإنسان وما يكون بين الناس.
فمما قاله صلى الله عليه وسلّم في ذلك اليوم: إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتفاخرها بالآباء كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى.
فليس للناس أن يتعالوا بالأحساب والأنساب وأن يتفاخروا بها وإنما عليهم أن يعتبروا الميزان الذي يتفاضل به الناس هو ميزان التقوى، فبقدر ما يكون الإنسان متقياً لرب متقرباً إليه يكون ثقيل الميزان، وبقدر ما يكون بخلاف ذلك يكون طائش الميزان. (1/460)
صفحة 461
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا.
بيّن النبي صلى الله عليه وسلّم حرمة المسلم على المسلم، دم المسلم على المسلم حرام، ومال المسلم على المسلم حرام، وعرض المسلم على المسلم حرام، لا يجوز لأحد أن يتطاول على أخيه المسلم فينال من عرضه، ولا أن يسفك شيئاً من دمه، ولا أن يأخذ شيئاً من ماله بل عليه أن يرعى حرماته.
فهذا كله مما يجب على المسلم وهو يمر بهذه المناسبة التي تتجدد فيها هذه الذكرى ذكرى إتمام الله تبارك وتعالى النعمة على عباده وإتمامه دينهم الذي ارتضاه لهم، على هذا الإنسان وهو يمر بهذه المناسبة أن يستشعر هذا الميثاق العظيم، أن يستشعر هذا العهد الذي بينه وبين ربه، أن يستشعر هذا المن الذي من الله تبارك وتعالى به على عباده، أن يستشعر ما بين المؤمنين من ولاء وترابط وتراحم وتعاطف وتلاحم كما أمر الله سبحانه وتعالى ليشكل المؤمنون كتلة واحدة مجموعة واحدة يتألم كل فرد من أفرادها بألم أي فرد من هذه المجموعة كيف ما كان بينهم من التباعد ولو كان أحدهما في المشرق والآخر في المغرب إنما الكل مشاعرهم واحدة وأحاسيسهم واحدة كما أن عقيدتهم واحدة ووجهتهم واحدة، هذا مما ينبغي للإنسان أن يستشعره، والله تعالى الموفق.
السؤال (25)
هل يصح للمرأة أن تضحي عن أهلها؟
الجواب: (1/461)
صفحة 462
من فعل حسنة من الحسنات ذكراً كان أو أنثى فإن الله تبارك وتعالى يتقبلها منه (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً) (النساء:124)، (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ) (الأنبياء:94)، (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل:97)، من يعمل من الصالحات سواء كان ذكراً أو أنثى وهو مؤمن فإن الله تبارك وتعالى يضاعف له الحسنات، فللمرأة أن تضحي عن أهلها والله تعالى يتقبل منها.
السؤال (26)
رجل أمسك عن قص أظافره وشعره طيلة هذه الأيام لكنه مقبل على إحرام فهل له أن يقلم أظفاره ويقص شيئاً من شعره؟
الجواب:
المحرم إن كان ناوياً للحج فلا حرج عليه بل ينبغي للإنسان قبل إحرامه أن يأخذ من تفثه ليمسك بعد ذلك عندما يحرم.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
15 من ذي الحجة 1423هـ، 16/ 2/2003 م
الموضوع: عام
السؤال (1)
ما هي الحدود الممنوعة في التعامل بين الزوج وزوجته في عدة طلاقها الرجعي؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: (1/462)
صفحة 463
فإن المرأة عندما تكون مطلقة طلاقاً رجعياً تكون هناك صلة بينها وبين زوجها، وإن كان لا يحل له أن يستمتع بها إلا بعد أن يراجعها مراجعة شرعية، والصلة إنما هي تظهر في كونه يرثها وترثه، وفي كونها مأمورة بأن تبقى في نفس بيته كما دل على ذلك قول الله تعالى (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) (الطلاق: من الآية1)، وفي هذا ما يدل على جواز أن ينظر إليها ويراها، وأن يخلو بها خلوة من غير استمتاع، أما أن يستمتع بها فالمتعة غير جائزة، أي متعة كانت، فلا يحل له أن يواقعها، ولا يحل له أن يضمها، ولا يحل له أن يقبلها، وإنما يجوز له النظر إليها لعل في هذا النظر ما يشجعه على مراجعتها، ومن أجل ذلك استُحب لها أن تتزين حتى يكون في ذلك ما يدفعه إلى مراجعتها في خلال العدة، أما الاستمتاع كما قلنا بأي وجه من الوجوه فهو لا يحل، وإنما تُظهر له ظاهر زينتها دون باطن زينتها، وليحذرا من الوقوع في محارم الله، فإن مالت نفسه إليها فلا يأتينها إلا بعد أن يراجعها مراجعة شرعية، والمراجعة الشرعية عندنا تتوقف على شهادة شاهدين أخذاً بما دل عليه قول الله تعالى (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) (الطلاق: من الآية2)، فلا بد من أن يشهد شاهدين على مراجعتها، على أن يكون ذلك إبان عدتها قبل أن تنسلخ عدتها، أما بعد أن تنسلخ عدتها فإنه في هذه الحالة يكون كواحد من الخطاب وهي أملك بنفسها منه، فلا تحل له إلا بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية وهي رضاها وإذن وليها وصداق جديد وبينة، والله تعالى أعلم.
السؤال (2)
يوصي البعض بأن يكفن من ماله ولا ينتبه لذلك إلا بعد أن يدفن الميت، فكيف يتصرف الوصي في هذه الحالة؟
الجواب: (1/463)
صفحة 464
في هذه الحالة أي عندما يتعذر تنفيذ الوصية فإن الوصية ترجع إلى الورثة، فإن كان الورثة كلهم بُلّغاً عُقّالا بحيث يسوغ لهم أن يتصرفوا في التركة كما يشاءون فإنه ينبغي لهم أن ينفقوا ذلك في الخير من غير أن يكون ذلك لازماً عليهم، ولكن ذلك أبر لميتهم وأفضل لهم، وإن لم يفعلوا ذلك فإن هذا الأمر يرجع إليهم.
أما إن كان الورثة أيتاماً أو كان بعضهم يتامى فإن ذلك لا يسوغ في مال اليتامى وإنما يسوغ في مال البُلّغ العقلاء المالكين لأمرهم، والله تعالى أعلم.
السؤال (3)
ما رأي سماحتكم فيما يوصي به البعض من إعطاء مبلغ معين لمن شارك في الدفن أو الحفر لقبره حيث إن عدد المشاركين في ذلك كبير يشق على الوصي معرفتهم؟
الجواب:
عندما يتعذر الوصول إلى الموصى لهم فإن الوصية ترجع إلى الورثة، إلا إن كانت هذه الوصية من ضمان ففي هذه الحالة لا بد من البحث عن الموصى لهم أو عن ورثتهم إن كانوا قد ماتوا، فإن تعذر ذلك فحكم ذلك حكم المال الذي جُهل ربه، وكل مال جُهل ربه فإن فقراء المسلمين أولى به، والله تعالى أعلم.
السؤال (4 (
كيف يمكن أن تكون مصائب الأمة المسلمة سبيلاً لتوحيد وجمع كلمتها؟
الجواب:
نعم، الأمة المسلمة هي قبل كل شيء مطالبة بأن تكون أمة واحدة، أمة لا تختلف ولا تتنازع لأن دينها دين وحدة كما أنه دين توحيد، فالله تبارك وتعالى كما دعاها إلى أن توحده وأن تفرده بالعبادة، كذلك دعاها إلى أن تتوحد فيما بينها فقد قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: 102 - 103). (1/464)
صفحة 465
وحذّر الله تعالى هذه الأمة من التفرق والتنازع كما تفرقت الأمم من قبل وتنازعت وقد قال سبحانه وتعالى (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران:105).
وبيّن أن التفرق صفة للمشركين وذلك عندما قال (وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (الروم:31 - 32).
وكذلك بيّن أن النبي صلى الله عليه وسلّم بريء من أولئك المتفرقين المختلفين الذين فرقوا أمر دينهم فقد قال سبحانه (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ) (الأنعام: من الآية159).
وحذّر الله سبحانه وتعالى هذه الأمة من التنازع والتفرق وبيّن أن ذلك سبب لذهاب الريح فقد قال سبحانه (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُم ْ) (الأنفال: من الآية46).
كل ذلك مما يدعو هذه الأمة إلى أن تتوحد، فضلاً عن كون جميع التعاليم التي جاء بها دينها تقتضي الوحدة فيما بينها، فالعبادات كل عبادة من العبادات تؤدي إلى الوحدة، فالصلاة مؤدية إلى الوحدة، إذ كل كلمة من الكلمات التي ينطق بها المصلي في صلاته إنما هي كلمة حية تنبض بمعاني إيمانية تدعو المسلم إلى المسلم ليتوحدا في ظل العبودية لله سبحانه وتعالى.
كما أن هذه الصلاة في جمعها للمصلين وانتظام صفوفهم وانتظام حركاتهم جميعاً وراء الإمام بحيث يركعون معاً ويسجدون معاً ويرفعون من الركوع والسجود معاً كل ذلك مما يدعو إلى أن تتوحد لأن ذلك يقتضي توحد مشاعرها، وما هذا التوحد في الحركات إلا مظهر للوحدة الإيمانية التي هي مطلوبة من هذه الأمة. (1/465)
صفحة 466
على أن هذا الاجتماع الذي يجمع شتيتاً من المصلين إنما هو في الحقيقة أيضاً مظهر للوحدة نظراً إلى أن الأمة على اختلاف أحوالها تتوحد في هذا، فالغني يقف إلى جانب الفقير، والقوي يقف إلى جانب الضعيف، والحاكم يقف إلى جانب المحكوم، والعربي يقف إلى جانب الأعجمي، والأبيض يقف إلى جانب الأسود، فلا فارق بين هذا وذاك فكل من ذلك يدل على الوحدة الواجبة.
كما أن الزكاة كذلك تجمع المشاعر وتوحد المؤمنين لأنها تفجر مشاعر الرحمة في نفوس الأغنياء الذي يسخون بمالهم، ومن عادة الإنسان إذا سخا بماله أن يتألم لأحوال الفقراء والمساكين إلا عندما يجود بماله فهذا الألم الذي ينبعث في نفسه لما يراه من أحوالهم لا يشفيه إلا أن يجود بماله، وهذا مما يدعو أيضاً الفقراء والمساكين إلى أن يشعروا تجاه إخوانهم الأغنياء بمشاعر الوحدة الإيمانية التي تجمع هؤلاء وهؤلاء جميعاً في ظل العبودية لله.
والصيام كذلك، الصيام فيه أكثر من معنى يدعو إلى الوحدة ما بين عباد الله تعالى الصائمين، من ذلك نفس هذا الانتظام في تناول الطعام بحيث لا يكون أحد أسبق إلى تناوله من الآخر، وإنما يتناولونه جميعاً في وقت واحد، يفطرون جميعاً في ساعة واحدة في لحظة واحدة، كما يكفون عن الطعام في وقت واحد، ويشرعون في الصيام في لحظة واحدة، كل ذلك مما يوحد الأمة، فضلاً عما في الصيام من التربية على الأخلاق التي يدل عليها قول النبي صلى الله عليه وسلّم: إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن أحد سابه أو قاتله فليقل إني صائم. فإن هذا أعظم خلق، أسمى خلق يربي عليه النبي صلى الله عليه هذه الأمة، فالإنسان ليس مطلوباً منه أن يكف أذاه عن الغير فحسب، بل المطلوب منه أن يتحمل أذى الغير، وألا يقابل الإساءة بمثلها، فإن تعامل المؤمنون بمثل هذه الأخلاق كان ذلك داعيا إلى الاتحاد. (1/466)
صفحة 467
والحج أيضاً يجمع شتيت الأمة، يجمع الوفود التي تأتي من كل صوب وحدب، من مشارق الأرض ومغاربها وشمالها وجنوبها ليلتقوا جميعاً في صعيد واحد لا يفرق بين هذا وذاك شيء، إنما الكل يظهر في مظهر واحد، لا فرق بين القوي والضعيف، ولا بين الغني والفقير، ولا بين العربي والأعجمي، ولا بين القاصي والداني إنما الكل يظهر في مظهر واحد، ويرددون جميعاً بلسان واحد لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، هذا مما يدعو الأمة إلى الاتحاد، ويدعو إلى إزالة الفوارق بينهم وكسر الحواجز التي تفصل بعضهم عن بعض.
وهكذا المعاملات بأسرها إنما هي مبنية على الأخلاق، فإن المعاملات تدعو إلى الوحدة، فنحن نجد كيف شرعت الحقوق في الإسلام، شرع حق الوالدين وحق الأولاد وحق الأرحام وحق الجوار وحق المسلم على المسلم كل ذلك من أجل التوحد.
كما أن المعاملات المالية وغيرها مبنية على الأخلاق، فقد نُهي الإنسان أن يساوم على سوم أخيه، أو يخطب على خطبته وهذا مما يدعو إلى اتحاد مشاعرهم. والنبي صلى الله عليه وسلّم يجسد هذه المشاعر الإيمانية التي تجمع شتيت الأمة عندما يقول: ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.
ولما كان ذلك هو الدين وهذه هي القيم التي يدعو إليها الإسلام، وهذه هي الحلية التي تتحلى بها هذه الأمة فإذاً هي مطالبة بأن تكون أمة وحدة، ولئن كانت المصائب تنزل بهم فإن ذلك أحرى أن تكون باعثة إلى الاتحاد وقاضية بالتآخي. (1/467)
صفحة 468
المسلم عليه أن يشعر بمشاعر الألم عندما يتألم أي مسلم من أي مسلم آخر، لو تألم أحد في مشارق الأرض فعلى من في مغاربها أن يتألم لألمه وكذا العكس، والمسلم يشعر أيضاً بالفرحة بفرح المسلم، فانتصار المؤمنين مما يجعل كل مؤمن في الأرض يشعر بالفرحة الغامرة التي تغمر القلوب بسبب هذا الانتصار، وكذلك عندما يصاب المسلمون بنكبة.
فإذن كون هذه الأمة مستهدفة في عقيدتها، ومستهدفة في سياستها ومستهدفة في أخلاقها وفي آدابها ومستهدفة في ثقافتها وقيمها ومستهدفة في قوتها وحريتها كل ذلك مما يدعو الأمة إلى الاتحاد فيما بينها، وأن يعطف بعضها على بعض، وأن يكون الكل متحابين في الله ساعين إلى الرابطة المقدسة التي تربط بينهم. (1/468)
صفحة 469
على أن هذا الحب في الله لا يتم إلا في إطار تقوى الله تبارك وتعالى وطاعته والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، ونحن نرى ذلك واضحاً فيما وصف به الحق سبحانه وتعالى المؤمنين والمؤمنات يقول تعالى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (التوبة: من الآية71)، معنى ذلك أن هذه هي أسباب الموالاة بين المؤمنين والمؤمنات، فعندما يكون هؤلاء المؤمنون والمؤمنات يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله في اتباع ما أمرا به وفي الازدجار عما نهيا عنه فإن ذلك داع إلى الواحدة فيما بينهم، وداع إلى أن تكون حبال الموالاة تشد بعضهم إلى بعض بحيث يتآخون في مشاعرهم وفي أحاسيسهم، فلا يكون بينهم فرق قط، وهذا لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داعيتان لأجل أن تتوحد الأمة، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لتنقية الأمة من الشوائب، شوائب الخلافات، شوائب الخروج عن الحق والشذوذ عنه، شوائب عدم المبالاة بحقوق الآخرين، فعندما يكون هنالك تآمر بالمعروف وتناه عن المنكر تنقى الأمة من هذه الشوائب فتكون أمة متآخية مترابطة متوادة في الله. (1/469)
صفحة 470
وإقام الصلاة عامل مهم في ذلك لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة كذلك لأن الزكاة تزكي هذه النفوس بحيث تنمي فيها الفضائل وتطهرها من الرذائل كما يقول الله تبارك وتعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) (التوبة: من الآية103)، وطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلّم تستوجبان أن يتقى الحق سبحانه وتعالى باتباع ما أمر به، والازدجار عما نهى عنه، وباتباع ما أمر به رسوله صلى الله عليه وسلّم، والازدجار عما نهى عنه، وبذلك تكون الأمة أمة قوية، أمة متآخية مترابطة يوالي بعضها بعضاً في ظل تقوى الله تبارك وتعالى وطاعته.
السؤال (5)
كيف يكون اختلاف علماء المسلمين رحمة للأمة الإسلامية؟
الجواب:
نعم، اختلاف علماء المسلمين هو رحمة بالأمة الإسلامية فيما إذا كان هذا الاختلاف في الفروع، أي لم يصادم نصاً قطعي الدلالة وقطعي المتن، أما إن صادم نصاً قطعي الدلالة وقطعي المتن ففي هذه الحالة يكون هذا الاختلاف سبباً للنقمة لأنه لا يجوز لأحد أي كان أن يخالف أمر الله، أو أن يخالف أمر رسوله صلى الله عليه وسلّم، فالله تبارك وتعالى يقول (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (الأحزاب:36). (1/470)
صفحة 471
وقد أمر الله سبحانه وتعالى عباده بأن يطيعوه، وأن يطيعوا رسوله صلى الله عليه وسلّم، ثم أن يطيعوا أولياء أمورهم ولكن مع ذلك نبه أنه عند الاختلاف والتنازع يجب أن يرد الأمر كله إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلّم فقد قال الله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً) (النساء:59).
فأمر الله تعالى إنما هو أمر رب السموات والأرض خالق الكون مصرف الوجود الذي أسبغ على العبد نعمه ظاهرة وباطنة ومنه مبدأه وإليه منتهاه فهو جدير أن يطاع ولا يعصى.
وأمر رسوله صلى الله عليه وسلّم إنما هو أمر المبلغ عن الله الذي هو معصوم من الخطأ والزلل الذي وصفه الله تبارك وتعالى بقوله (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم:3 - 4)، وقد جعل الله طاعته صلى الله عليه وسلّم من طاعته عز وجل فقد قال (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) (النساء:80)، فإذاً لا يجوز أن يأتي أحد أياً كان ليرد حكماً جاء عن الله تبارك وتعالى أو جاء عن رسوله صلى الله عليه وسلّم مع ثبوت ذلك الحكم وصحته. (1/471)
صفحة 472
وهذا كما قلنا عندما يكون النص قطعي الدلالة وقطعي المتن، أما عندما يكون غير قطعي الدلالة كأن يكون عاماً فإنه قد يختلف العلماء في تخصيصه بالمخصصات المتنوعة، هناك مخصصات كثيرة تخصص العمومات حتى قيل ما من عموم إلا وقد خصص ما عدا الأشياء التي لا يجوز أن تخصص أي التي يقتضي العقل استحالة تخصيصها، فهذه العمومات تكون عموماتها قطعية الدلالة ولا تكون ظنية الدلالة فحسب لأن العقل يقضي باستحالة تخصيصها كقول الله تبارك وتعالى (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً) (الجن:3) فلا يجوز أبداً أن يخصص هذا العموم، وكقوله سبحانه) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) (الاخلاص:3)، فلا يجوز أن يقال بأن هذا العموم مخصوص وأن الله تعالى ولد أحداً أو ولده أحد تعالى الله عن ذلك، وكذلك قوله (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) (الاخلاص:4)، وكذلك قوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: من الآية11)، إلى غير ذلك من الآيات التي يقتضي العقل استحالة تخصيصها.
أما العمومات التي تتعلق بأفعال العباد فإن هذه هي التي خصصت حتى قيل ما من عموم إلا وقد خصص ذلك إنما يرجع إلى العمومات التي تتعلق بأفعال العباد، فنحن نجد في القرآن الكريم التخصيص لكثير مما جاء من عموماته، نجد القرآن يخصص القرآن، ونجد حديث النبي صلى الله عليه وسلّم يخصص أيضاً عمومات القرآن حتى ولو كان آحادياً لأن دلالة العام دلالة ظنية. (1/472)
صفحة 473
وقد يختلف العلماء في تخصيص المخصصات لهذه العمومات وذلك بأن ينظر بعضهم إلى أن هذا المخصص جاء لسبب وأن هذا السبب قد فقد، ولا يعتبر إذاً مخصصاً للعموم، ونظر بعضهم إلى أنه لم يأت لسبب خاص وأنه لا يزال على تخصيصه للعموم مثال ذلك أن الله تبارك وتعالى قال (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) (الأنعام: من الآية145)، هذا عام وقد جاء تخصيصه بكثير من المخصصات من ذلك تحريم الصيد على المحرم فهو مخصص لهذا العموم، ومن ذلك أيضاً تحريم الخمر لأن الخمر من ضمن المطعومات وهو مخصص لهذا العموم.
ولكن مع هذا كله أيضاً هناك مخصصات اختلف العلماء فيها كتخصيص هذا العموم بتحريم الحمر الأهلية لأنه ورد النهي عن الحمر الأهلية، ولكن كثيراً من العلماء قالوا بأن هذا النهي إنما هو لأجل حملها متاع الناس وحاجة الناس إليها وإلا لما نهي عنها، فنظراً إلى هذا اختلف العلماء، ولا يعنف أحد ممن يقول برأي في مثل هذا الأمر. وكذلك تخصيص هذا العموم بتحريم ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير.
ومثل هذه المخصصات أيضاً المخصصات التي طرأت على قول الله تبارك وتعالى (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) (النساء: من الآية24)، هنالك مخصصات مجمع عليها لا يجوز الخلاف فيها بأي حال من الأحوال لأن الأمة أجمعت عليها كتخصيص هذا العموم بتحريم كل ما هو حرام من قبل النسب إذا كان من جهة الرضاع بحيث يلحق الرضاع بالنسب، جاءت أحاديث بذلك والأحاديث أجمع عليها وبسبب هذا الإجماع عليها كان ذلك مما لا يسوغ لأحد أن يخالف. (1/473)
صفحة 474
وهناك بعض المخصصات الأخرى قد تكون بسبب النظر والاختلاف كخطبة المرأة في عدتها إلى غير ذلك، هذه الأمور إنما هي أمور راجعة إلى أدلة ظنية، وما كان الاختلاف فيه بسبب الرجوع إلى الأدلة الظنية فإنه لا يسوغ التفسيق فيه، وفي هذا تكون الرحمة بالعباد، أما أن يخالف أحد نصاً قطعياً في كتاب الله فذلك مما يسوغ أبداً، والله تعالى أعلم.
السؤال (6)
هناك من يتمسك بهذه المقولة وهي أن اختلاف العلماء رحمة، ثم يردف هذه المقولة بمقولة أخرى: من أخذ بقول من أقوال المسلمين فهو سالم، ألا ترون سماحة الشيخ أن هذه المقولة مع تلك تؤدي إلى نوع من التسيب في السلوك المسلم؟
الجواب:
لا ريب أن اختلاف العلماء رحمة، ولكن لا يعني هذا أن تتسيب الأمة بحيث تتتبع الرخص فيأخذ المسلم بهذا الرأي وبهذا الرأي وبهذا الرأي حتى يركب من عمله مجموعة من آراء لا تعود هذه الآراء إلى قول أحد من علماء الأمة، هذا مما لا يسوغ.
ولذلك ضبط كثير من العلماء مثل هذه الأحوال بوجوب أن يرجع العامي الجاهل الذي لا يستطيع أن يرجح رأياً على رأي إلى رأي العالم المعاصر القادر على الترجيح والنظر والاستدلال حتى يوجهه إلى الأخذ بالدليل الراجح فلعله يبين له الدليل فيكون بذلك هذا العامي قد أخذ بالدليل متابعة لذلك العالم الذي بيّن له الدليل. (1/474)
صفحة 475
أما أن يُترك الحبل على الغارب ويفسح المجال لأي أحد يأخذ بما شاء من الآراء ويدع ما يشاء فقد يفضي هذا الأمر إلى أن يجمع شتيتاً من الآراء بحيث يتبع هذا العالم فيما ترخص فيه ويترك تشدداته، ويأخذ برخصة العالم الآخر ويدع أيضاً تشدداته، ويأخذ برخصة العالم الآخر في المسألة الأخرى ويدع تشدداته، فيجمع مزيجاً غريباً وخليطاً عجيباً من الآراء الشاذة التي لا ينبغي لأحد أن يعول عليها، لا ريب أن اختلاف علماء الأمة أيضاً رحمة لكن لا على هذا الأساس، فإن كان هذا العامي مقلداً لعالم فليأخذ بقوله في المسائل الفرعية من غير أن يخرج عن رأي ذلك العالم، هكذا ينبغي، والله تعالى أعلم.
السؤال (7)
من صلى جماعة بأناس في يوم العيد وأيام التشريق ولكنه لم يكبر عقب الصلاة، فماذا عليه؟
الجواب:
التكبير ذلك اليوم أو في تلكم الأيام إنما هو شعار، وليس ذلك من ضمن الصلاة، فلا يدخل في واجبات الصلاة، وإنما هو شعار ينبغي أن يردد لأنه من ذكر الله تبارك وتعالى في الأيام المعدودات متابعة للحجاج في ذكرهم لله تبارك وتعالى وهم بمنى، فلا ينبغي للمسلم أن يتركه، ولكن لو تركه ليس عليه في صلاته شيء، والله تعالى أعلم.
السؤال (8)
من نوى أن يصوم عرفة ولكن ظروفه حالت دون ذلك فهل يلزمه أن يصوم؟
الجواب: (1/475)
صفحة 476
من نوى أن يصوم عرفة ولم يدخل في صيامه فليس عليه أن يقضي صيامه قولاً واحدا، ولكن لو نوى أن يصوم ذلك اليوم وأصبح صائماً ثم طرأ عليه ما سبب إبطاله لصيامه فهل عليه أن يعيده؟ في ذلك خلاف بناء على الاختلاف في صيام النافلة، هل من شرع فيه كان لزاماً عليه أن يتمه أو ليس عليه أن يتمه، فالذين قالوا بالقول الأول نظروا إلى قول الله تبارك وتعالى (وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) (محمد: من الآية33)، فإن الآية الكريمة تنهى عن إبطال العمل، ومعنى ذلك إن دخل الإنسان في العمل فعليه أن يستمر عليه وأن لا يبطله، والذين قالوا بالرأي الآخر نظروا إلى الحديث الذي جاء بأن صائم النفل أملك بنفسه، والله تعالى أعلم.
السؤال (9)
هل سيدنا إبراهيم ولوط عليهما السلام بعثا في زمن واحد، وإذا كانا كذلك فهل هما في مكان متقارب؟
الجواب: (1/476)
صفحة 477
نعم، كان بعث إبراهيم سابقاً على بعث لوط، وبعث لوط في وقت إبراهيم عليه السلام، بدليل أن الحق سبحانه وتعالى عندما ذكر دعوة إبراهيم عليه السلام قومه أن ينبذوا عبادة الأصنام، وأن يتركوا ما كانوا من أمر الجاهلية، أتبع ذلك قوله (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ) (العنكبوت: من الآية26)، ومعنى ذلك أن لوطاً عليه السلام قبل أن يُشرف بالرسالة آمن بإبراهيم عليه السلام، ثم يدل على ذلك قوله سبحانه وتعالى (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِين قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) (العنكبوت:31 - 32)، فإبراهيم عليه السلام ذكر أن في تلكم القرية لوطا وهذا يدل على اتحاد زمنهما وتقارب مكانهما، والجميع كانوا ببلاد الشام، وإبراهيم عليه السلام كان في الأرض المقدسة، ولوط عليه السلام كان في أرض مدين كما توحي بذلك بعض الأدلة التي جاءت بهذا، والله تعالى أعلم.
السؤال (10)
ما حكم قراءة المولد والمالد؟
الجواب:
أما بالنسبة إلى قراءة المولد هذا هو الاحتفال بذكرى ميلاد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وهذا أمر لم يكن عند السلف الصالح إذ لم يكن معهوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم ولا في عهد الصحابة رضوان الله عليهم، وإنما حدث ذلك بعد قرون ويقال بأنه حدث في إبان الدولة الفاطمية، ولذلك وقف العلماء موقفين منه، منهم من نظر إلى أنه بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعلى هذا هو غير جائز أي الاحتفال بمناسبة ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلّم. (1/477)
صفحة 478
ومنهم من قال بأنه سائغ لأن فيه تذكيراً بنعمة بعثة النبي صلى الله عليه وسلّم، وهذا رأي وجيه، ولكن لا بد من أن نعتبر بعض الاعتبارات، ربما بالغ بعض الناس في ذلك في الاحتفال بذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلّم وأحدثوا أشياء لم تكن ليرضى بها الرسول صلى الله عليه وسلّم، من بين هذه الأشياء الاختلاط بين النساء والرجال، ومن بين هذه الأشياء الإسراف الذي ينهى عنه الإسلام، وكذلك تقديس كلام أحد بعينه لأن القدسية لكلام الله، فلا حرج أن يقرا الإنسان الكتاب الذي ألف في حكاية قصة مولد النبي صلى الله عليه وسلّم ولكن هذا على أن لا يكون يعتقد في قراءة ذلك الكلام التعبد الذي في قراءة كلام الله تبارك وتعالى، فإن كلام الله تعالى تعبدنا بتلاوته بل لو قرأ القرآن الكريم شخص أعجمي لا يعرف من العربية شيئاً، فإنه يكون بذلك متعبداً بهذه التلاوة التي يتلوها لكتاب الله، بينما كلام غيره من كلام أهل العلم بل حتى الأحاديث النبوية لا يتعبد أحد بتلاوتها لذاتها، وإنما لأجل فهم دلالات الحق ومقاصد الشرع وإرشاد الإنسان إلى سبيل الحق والدين، أما أن يعتبر الإنسان كلام أحد له قدسية بحيث يقرأه متبركاً به كما يتبرك بقراءة كلام الله تبارك وتعالى فهذا غير سائغ.
ولذلك نحن نقترح في تذكير الناس بمثل هذه المناسبة العظيمة أن تلقى محاضرة يدعى فيها الناس إلى اتباع السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وإحياء ما اندرس من هذه السنة، والقيام بالدعوة التي دعا إليها الرسول صلى الله عليه وسلّم حتى لا يكون الناس يشتغلون بمجرد الأمور الظاهرة، ويشتغلون بالشكل ويتركون الحقيقة والمضمون. (1/478)
صفحة 479
ومن ناحية أخرى ما يسمى بالمالد هذا أمر آخر، هذا أمر أنا بنفسي لا أعرفه ولكن حسبما قيل لي بأنهم يعتقدون اعتقادات خارجة عن الحق، ويستحضرون الشياطين إلى آخره، هذه أمور لا تجوز أبداً، ولا يجوز لأحد أن يدعو غير الله تبارك وتعالى، فإن دعاء غير الله يدخل من اتخاذ غير الله تبارك وتعالى إله يعبد، والحق سبحانه وتعالى شددّ في ذلك كثيرا ًفي كتابه فقد قال (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الرعد:16 (.
ويقول سبحانه وتعالى (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (فاطر:2)، ويقول (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) (الزمر:38). (1/479)
صفحة 480
ونجد أن الله سبحانه وتعالى يخاطب في كتابه الرسول صلى الله عليه وسلّم وهو أشرف الخلق وأعلاهم منزلة وأعلاهم قدرا فيقول له (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ) (الأعراف: من الآية188) وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلّم لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرا فكيف بغيره عليه أفضل الصلاة والسلام، بل كيف يملك ميت أو يملك أحد أياً كان حياً أو ميتاً لأي أحد نفعاً ولا ضرا، أو أن يلجأ إنسان إلى مردة الجن أو الشياطين أو نحو ذلك فيطلب منهم قضاء حاجة أو دفع مضرة أو تحقيق منفعة ذلك كله مما يعد من الشركيات، والله تعالى المستعان.
السؤال (11)
هل يجوز الدعاء في السجود حيث أن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؟
الجواب:
نعم في صلاة النفل ذلك جائز، أما في صلاة الفرض فنحن نرى بأنه يقتصر على الذكر الوارد ولا يعدل عنه إلى ما زاد عليه، لأن هذه الصلاة كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلّم لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، فيقتصر على المنصوص عليه، ويترك ما زاد عليه، أما في صلاة النفل فلا مانع من ذلك، والله تعالى أعلم.
السؤال (12)
من هم أصحاب الفترة، وإلى أين مأواهم؟
الجواب: (1/480)
صفحة 481
أصحاب الفترة هم الذين كانوا بين نبيين من أنبياء الله، ومعنى هذا أن أصحاب الفترة هم الذين سبقوا بعثة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بحيث لم تصل إليهم دعوته، وما كانوا معايشين أيضاً لدعوة نبي من الأنبياء الذين هم قبله أي جاءوا بعد النبوات السابقة، هؤلاء اختلف العلماء فيهم هل هم معذورون أو هم غير معذورين، أما الذين قالوا بأنهم معذورون فإنهم نظروا إلى قول الله تبارك وتعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء: من الآية15)، معنى ذلك أنه قبل أن يبعث رسول من الرسل أو قبل أن يبعث رسول يوجه إلى أمة من الأمم فإن تلك الأمة تكون معذورة بسبب جهلها وعدم معرفتها.
والآخرون اعتمدوا على روايات جاءت تدل على أن هؤلاء يسألون يوم القيامة ويعذبون وقالوا بأن المراد بقول الله تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء: من الآية15) عذاب الدنيا أي لا يرسل الله تعالى نقماً على الأمم بسبب عدم عملها بالحق إلا بعد أن يرسل إليهم رسولاً فيكذبوا ذلك الرسول، عندئذ يرسل الله تبارك وتعالى عليهم نقماً بسبب هذا التكذيب، وأما الأمم فإنها هي مسئولة عن اتباع الحق الذي جاء به المرسلون من قبل، إذ ما من أمة إلا وهي مسبوقة برسالة، فقبل كل شيء آدم كان رسولاً إلى بنيه كما هو شائع، ثم بعد ذلك جاء نوح عليه السلام فكان رسولاً، ثم هلم جرا أرسل الله تبارك وتعالى المرسلين متوالين كل واحد منهم يلي الآخر ولو بعد فترة من الزمن، ولكن مواكب النبوات لم تنقطع عن هذه الأرض فكانت حجة الله تعالى قائمة. (1/481)
صفحة 482
على أن كثيراً من الأمور التي كان عليها أهل الجاهلية تتنافى مع العقل السليم ومع الفطرة السليمة، كانوا يتخذون آلهة من دون الله، يعبدون آلهة يصنعونها بأيديهم وهذا مما تأباه العقول السليمة، فلذلك قالوا بأن هؤلاء غير معذورين، وحقيقة الأمر الأدلة في هذا متعارضة ونحن نكل ذلك إلى أمر الله سبحانه، فنحن لسنا مسئولين عن هذا الأمر إذ لم يأت نص قطعي لنكون متعبدين به، والله تعالى أعلم.
السؤال (13)
المكلف بالرمي هل يقدم في الرمي نفسه أو يقدم من كلفه بالرمي؟
الجواب:
أولاً يرمي عن نفسه، ثم يرمي عمن طُلب منه أن يرمي عنه.
السؤال (14)
ما حكم إيداع مبلغ من المال ثم أخذ زيادة عليه؟
الجواب:
لا يجوز أخذ زيادة على مال إلا أن تكون المضاربة مضاربة شرعية مضبوطة بضوابط الشرع ومقيدة بقيود الحق، والله تعالى أعلم.
السؤال (15)
ما هي ضوابط الخلوة المحرمة بين الرجل والمرأة؟
الجواب:
نعم، حقيقة الأمر الخلوة التي تكون بين الرجل والمرأة هي داعية الفتنة، ولذلك جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: ألا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم.
وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة إلا مع ذي محرم.
وقال: إياكم والدخول على النساء فقال له رجل من الأنصار: أرأيت الحمو يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الحمو الموت. وذلك لخطورة دخوله على امرأة أخيه، والمقصود بالحمو هو أخ الزوج، فأخ الزوج هو الموت لأن دخوله على امرأة أخيه أمر فيه من الخطر ما ليس بعده، فهو من المحارم التي يجب أن تتقي.
ومما يؤسف له أن كثيراً من الناس لا يبالون بهذا الأمر، لا يبالون بهذا التوجيه النبوي الشريف، ولا يبالون بهذا الضابط الشرعي الذي ينفي عن الأمة كل ريبة وكل خطر أخلاقي، فلذلك تقع أمور سلبية ناتجة عن هذه الخلوة التي تكون بين الرجل والمرأة الأجنبية. (1/482)
صفحة 483
والخلوة هي أن يكون رجل وامرأة في مكان يمكن أن يتصرفا فيه من غير أن تمتد إليهما عين ومن غير أن يراقبهما أحد، ففي هذا المكان لا يجوز لرجل أن يكون معه امرأة أجنبية إلا أن يكون معها محرم لها، أما مع عدم وجود محرم المحرم فإن ذلك أمر فيه من الخطورة ما ليس بعده فيجب أن يتقى ذلك، والله تعالى أعلم.
السؤال (16)
قد يكون لمسجد أموال فائضة عن حاجته في حين توجد مساجد أخرى هي بحاجة لهذه الأموال، فهل يصح نقل هذه الأموال إلى غير المسجد الموقوف له؟
الجواب:
أما نقل الأصل إلى غير المسجد الموقوف له فلا يجوز، وإنما يجوز على رأي جماعة المسلمين أن ينتفع بالفائض من ريع وقف المسجد عن حاجته ليصرف في منفعة مسجد آخر، ذلك لا مانع منه، أما أن يحول الأصل فإن ذلك من التبديل الذي هو محرم شرعا فإن الله تعالى قال في الإيصاء (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) (البقرة: من الآية181) وللوقف حكم الوصية، والله تعالى أعلم.
السؤال (17)
في ظل تواصل العمران إلى مسافات طويلة كما هو الحال الآن في بعض المناطق من أين يبدأ المسافر حساب الفرسخين؟
الجواب:
يبدأ الحساب من آخر نقطة وطّنها، وينبغي أن تكون هذه النقطة مفصولة عن ما بعدها بفاصل، بحيث يكون هنالك واد، فإن الوادي مثلاً يمكن أن يكون مثلاً يعتبر فاصلا، واختلف في الوادي هل يعتبر فاصلاً مطلقاً أو بشرط أن يكون معه خراب، أو يفرّق بين الوادي الصغير والوادي الكبير، فالوادي الكبير يمكن أن يعتبر فاصلاً والوادي الصغير لا يمكن أن يعتبر فاصلاً، هذا مما اختلف فيه الفقهاء، والله تعالى أعلم.
السؤال (18)
تشترط بعض محلات الذهب لتشتري الذهب القديم أن يقوم صاحب الذهب القديم بشراء الذهب منها، فهل في هذا الشرط من باس؟
الجواب: (1/483)
صفحة 484
هذا من باب البيعين في بيع، فلا يجوز بيعان في بيع، أن يكون بعني لأبيع لك، هذا تشارط أن يكون بيع هذا لهذا مشروطاً ببيع ذلك لهذا، هذا أيضاً من الشرط الفاسد الذي لا يجوز.
السؤال (19)
أشار الشيخ علي يحيى معمر إلى نظرية المعرفة والتعارف والاعتراف، وبيّن أنها هي أهم ما يمكن يوصل الناس إلى صهر الخلافات المذهبية فيما بينهم، فنريد كلمة حول هذه النظرية، وكيف تصل بنا إلى هذا المبدأ الوحدوي العظيم
الجواب:
نعم، المعرفة أن لا يُصدر أحد حكماً ضد غيره إلا بعد معرفته بأحواله، فلا بد للناس من أن يطلع كل فريق منهم على ما عند الفريق الآخر، حتى يمكن أن يتصوره تصوراً صحيحاً تاماً، ثم بعد هذا أن يكون التعارف ما بين هؤلاء وهؤلاء، هذا مما ينتج عنه التآلف وزوال الوحشة والفرقة التي تفصل بعضهم عن بعض، والله تعالى أعلم.
تمت الحلقة بحمد الله تعالى وتوفيقه
22من ذي الحجة 1423 هـ،23/ 2/2003م
الموضوع: عام
السؤال (1)
رجل عندما كان القران فلبى بالحج مفرداً خطأ ثم ألغى التلبية الأولى ولبى مقرناً؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فلا حرج أن يدخل الإنسان العمرة في الحج إذا ما لبى بالحج ثم بعد ذلك أدخل العمرة في حجه، على أن الإنسان تعتبر نيته بقصده لا بنطقه، وهو قصد من أول الأمر أن يقرن بين الحج والعمرة، ثم انفلتت لسانه فنطق بالحج وحده، فلا عبرة بذلك إذ العبرة بالقصد، وإنما هذه التلبية شعار يُرفع، ويؤمر أن يكون هذا الشعار وفق النية التي هي بين حنايا نفسه حتى تكون التلبية إخباراً عما انطوى عليه ضميره من القصد، وأرجو الله تبارك وتعالى أن يتقبل من هذا، ولا حرج عليه.
السؤال (2)
رجل لم يحسن التلبية فقدم وأخر في لفظ التلبية عندما أحرم بالعمرة والحج؟
الجواب: (1/484)
صفحة 485
نسأل الله أن يتقبل منه، والصحابة رضي الله تعالى عنهم اختلفت ألفاظهم بالتلبية، وإنما التلبية المشهورة مروية من طريق ابن عمر ومروية من طريق أبي سعيد الخدري رضي الله عنهم، وعلى أي حال من أخطأ فيها لا يترتب على خطأه هذا فساد في إحرامه.
السؤال (3)
جماعة عندما وصلوا إلى مكة محرمين هيئوا لهم مسكناً فبدأوا بالأكل أولاً ثم طافوا بعد ذلك، هل عليهم شيء؟
الجواب:
لا حرج عليهم في ذلك، بل ولو أخروا الطواف إلى وقت لاحق فلا حرج على الإنسان أن يأكل قبل أن يطوف بالبيت عندما يصل إلى مكة، بل ولو شاء المبيت على أن يؤدي الطواف بعد ذلك فلا حرج عليه، وإنما يبقى بإحرامه ولا يأتي بما يتنافى مع الإحرام، فعليه أن يلتزم بواجبات هذا الإحرام من غير أن يفرط في شيء منها.
السؤال (4)
جماعة دخلوا المسجد الحرام من قبالة الميزاب ومشوا عكس الطواف حتى وصلوا إلى الحجر الأسود؟
الجواب:
هم لم يكونوا طائفين في تلك الحالة وإنما هم يؤمون المطاف، هم قاصدون إلى بداية المطاف فلا حرج عليهم في ذلك.
السؤال (5)
رجل أثناء الطواف تجاوز الخط الذي يبتدأ منه الطواف نسياناً ثم تذكره بعد عدة خطوات، هل يبدأ طوافه من حيث تذكر؟
الجواب:
لا، بل لا بد من أن يرجع ويبدأ طوافه وهو في مقابل الحجر الأسود، لا بد من أن يكون الحجر داخلاً في بداية طوافه، وإلا فذلك الشوط لا يعتد به.
السؤال (6)
رجل طاف الشوط الأول في الطابق الأول ثم أراد أن يكمل الستة المتبقية في الصحن فهبط إلا أن الهبوط اضطره إلى أن يخرج من المسجد ثم دخل مرة أخرى ليكمل الستة؟
الجواب:
بما أنه باق على وضوءه الذي توضئه لطوافه ذلك لم ينتقض وضوءه فإنه يبدأ من أول المطاف أي من قبالة ركن الحجر لبقية الأشواط، ولا عليه حرج في كونه بدأ الطواف من أعلى ثم وجد الفرصة ليكمله أسفل، والله تعالى أعلم.
السؤال (7) (1/485)
صفحة 486
لكثرة الزحام في المسجد لم يستطع البعض أن يركع أو يسجد بشكل صحيح فاضطروا إلى الإيماء، فما الحكم؟
الجواب:
الأمر لله، حقيقة الأمر الأصل أن الركوع والسجود ركنان من أركان الصلاة، ولا يمكن الإخلال بهما مع القدرة على الإتيان بهما، أما العاجز فإنه يعذر، ذلك لأن الله تعالى يقول (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا) (الطلاق: من الآية7)، ويقول (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية286)، ويقول النبي صلى الله عليه وسلّم: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. فالعاجز يعذر، أما غير العاجز فعليه أن يوفي الصلاة جميع حقوقها، وأن يستوفي جميع أركانها وشروطها، والله تعالى أعلم.
السؤال (8)
رجل كبّر تكبيرة الإحرام ثم جاءت موجة من الناس زحزحته عن مكانه إلى مكان بعيد عن المكان الذي كبّر فيه، هل يقطع الصلاة، أم يستمر؟
الجواب:
بما أن فعله ذلك لم يكن اختياراً منه وإنما كان عن اضطرار فصلاته إن شاء الله صحيحة وليكمل صلاته، لأنه لم يخرج من مكانه بسبب اختياره، وإنما كان ذلك بدون قصد منه، وهذه من العوارض. على أن الإنسان له في حالة الاضطرار أن يدع ذلك المكان إلى مكان آخر، عندما يكون في حالة الصلاة وينزل به المطر وهو لا يطيق ذلك المطر فله أن يدخل في مكان يقيه المطر، وهكذا ما كان من نحو ذلك.
السؤال (9)
حتى لو كانت هذه الزحرحة اضطرته إلى أن يستدبر الكعبة؟
الجواب:
هو لم يستدبرها مختاراً، وإنما استدبرها اضطراراً.
السؤال (10)
في من صلى خارج المسجد خلف باب المروة في الساحة المبسوطة هناك، هل له أجر الصلاة داخل المسجد؟
الجواب: (1/486)
صفحة 487
الإنسان يرجو من الله تعالى الخير، ولكن الفضل إنما هو في الصلاة داخل المسجد الحرام، لا خارج المسجد الحرام، فحيث ما يعد مسجداً فثم من الأجر ما هو موعود به من صلى داخل المسجد الحرام، أما إن كان صلى خارج المسجد فتلك صلاة يرجى له أيضا ثواب عليها ولكن بطبيعة الحال ليس هو ثواب من صلى داخل المسجد الحرام.
السؤال (11)
رجل وصل إلى منى في صبيحة اليوم التاسع، هل عليه شيء؟
الجواب:
النبي صلى الله عليه وسلّم كانت حجته التي حجها ترجمة دقيقة لمناسك الحج، فقد قال: خذوا عني مناسككم. وكان مما فعله صلى الله عليه وسلّم أنه أتى إلى منى في اليوم الثامن وصلى فيها خمس صلوات، أي صلى فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم بعد طلوع الشمس خرج إلى عرفات، فهذه الأعمال هي في حقيقة الأمر ترجمة دقيقة لمناسك الحج، وعلى الإنسان مع القدرة والإمكان والاختيار أن يلتزمه، ولكن عندما يكون هنالك عسر ويكون هنالك ضيق، أو يكون قد أتى من مكان بعيد فإنه يعذر بدليل حديث عروة بن مضرس الذي أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلّم ووجده في المزدلفة في جمع في صلاة الفجر وصلى معه صلى الله عليه وسلّم صلاة الفجر ثم قال له: يا رسول الله: إني أقبلت من جبلي طي أكللت راحلتي وأتعبت نفسي إن تركت من حبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: من شهد عندنا صلاة الغداة هذه وكان قبل ذلك قد وقف بعرفة ساعة من الليل أو النهار فقد أتم حجه وقضى تفثه. (1/487)
صفحة 488
فمعنى هذا أن هذه الحجة حجة مقبولة بمشيئة الله تعالى لأنه لم يتعمد التأخير عن بقية المناسك التي أتى بها النبي صلى الله عليه وسلّم قبل الوقوف بعرفة، والحديث الشريف يدل على أن الحج عرفة، فقد قال صلى الله عليه وسلّم: الحج عرفة. وحديث عروة بن مضرس يبين أن الوقوف بعرفة قد يعذر الإنسان إن وقفه ليلاً لأجل الضرورة، هذا الحديث لا يدل على أن الإنسان مطلقاً له أن يقف بعرفة ولو ساعة من الليل وهو باختياره وبإمكانه أن يقف في النهار، وإنما ينبغي أن يحمل الحديث على أن هذه الحالة خاصة لمن كانت فيه تلكم الحالة التي وقع فيها عروة بن مضرس وهي أنه جاء مقبلاً من مكان بعيد يؤم البيت الحرام، يؤم تلكم الرحاب المقدسة وقد أرهق نفسه وأتعبها ولكن لم يستطع أن يصل إلى هنالك إلا في وقت الليل فتمكن من الوقوف ولو لحظة في وقت الليل بعرفات أو تمكن قبل غروب الشمس ولو بلحظات، ينبغي أن يحمل الحديث على هذا، لا لأجل تخصيص العام باعتبار سببه الخاص، وإنما ذلك لأجل مراعاة القرائن الأخرى التي تؤكد هذا التخصيص.
فإذاً الحديث يعمل به في من كان على هذا النحو، مع أن هذا السائل بعدما أتى على منى ذهب إلى عرفات فقد تمكن بمشيئة الله تعالى أن يقف في عرفات مع الواقفين، فهو بفضل الله تعالى قد أدى نسكه وقضى تفثه والله تعالى يتقبل منه.
(12)
اعتذار
من سائل من السعودية يسمى أبو محمد يقول:
سماحة الشيخ الوالد أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله وفضيلة الشيخ سعيد القنوبي حفظه الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
والدي لقد تكلمت عليكم مراراً بسبب التدليس من المخالفين وبسبب جهلي وعدم طلبي للحق، ولكن منّ الله عليّ بأحد الأخوة من أهل الحق والاستقامة عبر شبكة الانترنت ليبين لي الحق والعقيدة الصحيحة، والحمد لله، وعليه أطلب يا والدي مسامحتي لتكتمل فرحتي برجوعي إلى الحق ورضاكم عني وأرجو إبلاغي رسالتي هذه إلى الشيخ القنوبي حفظه الله.
الجواب: (1/488)
صفحة 489
نسأل الله تعالى أن يتقبل منه، وأن يوفقه، وأن يأخذ بيده إلى جادة الحق والصواب، وأن لا يؤاخذه على ما فعل فيما مضى، وأن يحفظه ويصونه فيما أقبل. والله تعالى يوفقه، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
السؤال (13)
ما هي سنن الصلاة الواجبة، ما هي سننها التي ليست واجبة؟
الجواب:
الأصل في السنن التي حافظ عليها النبي صلى الله عليه وسلّم ولم يفرط فيها أنها واجبة، فالتشهد الأول هو واجب ولكنه يجبر بسجود السهو إن تركه الإنسان ناسيا، أما أن يتعمد تركه فليس له ذلك، وكذلك التكابير تكابير الانتقال أي ما عدا تكبيرة الإحرام هي واجبة، فإن نسي شيئاً منها جُبر ما نسيه بسجود السهو، وكذلك مثل قول سمع الله لمن حمده، وبالجملة فإن كل ما حافظ عليه النبي صلى الله عليه وسلّم من السنن كان واجباً، ومثل ذلك قول سبحان ربي العظيم في الركوع وقول سبحان ربي الأعلى في السجود لما ثبت في الحديث عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أنه لما نزل قول الله تبارك وتعالى (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) (الواقعة:74) قال: اجعلوها في ركوعكم، ولما نزل قوله تعالى (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) (الأعلى:1) قال: اجعلوها في سجودكم. والأمر للوجوب ما لم تصرفه قرينة، فهذه من الأمور التي ثبتت في السنة فهي من السنن الواجبة، وإنما ما كان سنة لو نسيه الإنسان يجبر بسجود السهو، والله تعالى أعلم.
السؤال (14)
رجل متزوج من امرأتين قامت إحداهما بإرضاع طفل من خارج هذه العائلة وعندما كبر هذا الطفل تزوج من إحدى بنات هذا الرجل من غير التي أرضعته، فما حكم مثل هذا الزواج، علماً أن الزوجين لديهما الآن أولاد وقد قاما باستفتاء أحد رجال العلم في هذه المسألة قبل الزواج فأفتاهما بالجواز؟
الجواب: (1/489)
صفحة 490
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هذه من الفتاوى التي يقوم بها الجهلة من غير أن يرجعوا إلى السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام من أجل استيضاح حكم الشرع فيما يفتون فيه، فهذه فتوى باطلة.
وقد جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام الربيع رحمه الله من طريق أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: إن أفلح أخا أبي القعيس هو عمي من الرضاعة استأذن عليّ فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأخبرته قال: ائذني له فإنما الرضاع مثل النسب. وقد أخرج هذا الحديث الشيخان وغيرهما أيضاً من طريق عائشة رضي الله تعالى عنها وفيه أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلّم: يا رسول أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل. فقال لها: إنه عمك فليلج عليك. وجاء في رواية لمسلم وكان أبو القعيس زوج المراة التي أرضعت عائشة.
وفي رواية لمسلم أيضاً أن أفلح أخا أبي القعيس قال إئذني لي فإنما أنا عمك. فقالت: من أين صرت عمي؟ فقال: أرضعتك امرأة أخي. فقالت: أرضعتني امرأة أبي القعيس ولم يرضعني أبو القعيس، ومع ذلك كله فإن النبي صلى الله عليه وسلّم قال لها عندما أخبرته: إنه عمك فليلج عليك. وفي رواية أخرى أن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلّم جالس في بيته إذ سمعت رجل يستأذن في بيت حفصة فقلت: يا رسول هذا صوت رجل يستأذن في بيتك. فقال: أراه فلاناً لعم حفصة من الرضاعة. فقلت: لو كان عمي فلان حياً لدخل عليّ؟ فقال: نعم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. (1/490)
صفحة 491
وهناك روايات أخرى تدل على هذا المعنى نفسه، واتفق العلماء على ذلك، حتى أن العلماء من حكى الإجماع على هذا، فلا ينبغي لأحد أن يفتي بما يخالف الحق، وبالجملة فبما أن هناك أحاديث صحيحة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلّم تدل على عدم صحة هذا الزواج فإنه زواج باطل مهما كانت الحالة، ولو ترتب عليه أن يولد للزوجين أولاد، فإن ذلك الزواج لا يعتد به، وعليه أن يخلي سبيلها، والله تعالى أعلم.
السؤال (15)
رجل لم يعثر على مكان يؤويه في منى نظراً لكثرة الزحام فسكن خارج منى وأثناء المبيت بالليل يأتي إلى منى، ثم يرقد هناك وفي الصباح يعود إلى سكنه.
الجواب:
أولاً قبل كل شيء العبرة بالمبيت، وينبغي للإنسان أن لا يترك منى إلا في حالة تضطره إلى الترك، ومن القواعد الفقهية المعروفة الشيء إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق، فهو لا يخرج عن منى تركاً لها وإنما يخرج من أجل الضيق ويأتي في الليل من أجل أن تحقق السنة، لا حرج عليه في ذلك إن شاء الله.
السؤال (16)
في مزدلفة كان البرد شديداً هذا الموسم فقام البعض بتغطية رأسه
الجواب:
أما من تعمد تغطية رأسه وهو محرم فعليه الفدية، عليه الفدية التي جاء بها الكتاب العزيز في من حلق رأسه، والله تعالى أعلم.
السؤال (17)
عند الرمي ولشدة الزحام لم يتأكد من عدد الحصيات التي رماها، وهل كبّر عند كل حصاة أم لم يكبر.
الجواب:
إن كان وقع له اللبس بعد الخروج من العمل فإنه لا يعود إليه من أجل الشك فيه، فهذه من وساوس الشيطان، وعلى الإنسان أن لا يتلفت إلى الوسوسة بعدما يدع العمل، فمن كان في صلاته وأداها وانتهى منها وخرج منها ثم شك في شيء بعد ذلك هل أتى به أو لم يأت به فإنه لا يتلفت إلى الشك، وكذلك من رمى الجمار ثم خالجه الشك بعدما انتهى من الرمي حتى الجمرة الواحدة بعدما انتهى من رميها إن خالجه الشك في هذا الرمي فإنه لا يعود إليه مرة أخرى، والله تعالى يتقبل منه، والله تعالى أعلم. (1/491)
صفحة 492
السؤال (18)
ولشدة الزحام رجل استطاع أن يرمي ثلاث حصيات ثم بعد ساعة من الزمن عاود رمي الأربع المتبقية فهل يصح له ذلك؟
الجواب:
نعم، لا حرج له في ذلك، والله تعالى يقبل منه.
السؤال (19)
قبل الدخول نيته أن يرمي عن أربعة أشخاص ولكن لشدة الزحام رماها متتابعة دون أن يفصل بين كل سبع حصيات بنية مستقلة.
الجواب:
الأمر لله عز وجل، وقد كان الواجب عليه خلاف ذلك، لا بد من أن يجدد النية بالنسبة إلى كل واحد، ولكن ماذا عسى أن نقول، وخصوصاً إذا كاد الزحام أن يزهق روحه، ففي هذه الحالة ينبغي للناس أن يوسعوا وأن لا يشددوا، مع أننا ندعو إلى أن يحرص الإنسان على الأداء الدقيق الموافق للشرع، وأن يحرص على النية في عمله عندما يعمله ولكن نظراً إلى مثل هذه الشدة وهذا الزحام وكون الألباب تطير في مثل هذه المواقف نرجو من الله تبارك وتعالى أن يتقبل منه.
السؤال (20)
ما حكم من ارتكب كبيرة في أيام أداء مناسك الحج نفسها وهو محرم لكنه ليس في وقت أداء المنسك، هل عليه قضاء ذلك الحج؟
الجواب:
أنا لا أعرف نوع الكبيرة، ما هي الكبيرة التي قارفها، فإن كانت كبيرة زنا فالوطء يفسد الإحرام ولو أن هذا الوطء كان مع أهله، فكيف إذا كانت مع امرأة أجنبية، كيف إذا كان زنا، الوطء الحلال يفسد الإحرام لأنه يكون حراماً على المحرم فكيف بوطء الأجنبية. (1/492)
صفحة 493
وإن كانت كبيرة أخرى من الكبائر فليتب إلى الله تبارك وتعالى، ولينسك بشيء، وليسأل الله تبارك وتعالى المغفرة وليندم على فعله، وإن كان فعل المعاصي يتنافى في الأصل مع الإحرام فإن الله تبارك وتعالى يقول (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجّ) (البقرة: من الآية197)، فكما أنه نُهي عن الرفث نُهي كذلك عن الفسوق فأي شيء يعد فسوقاً فإنه يؤثر على الإحرام بل يترتب عليه ما يترتب من الفدية ولكن مع ذلك لا نقوى أن نقول بأنه يبطل حجه، وإنما نقول عليه أن يتوب إلى ربه سبحانه وتعالى، وأن يفعل الحسنات فإن الحسنات يذهبن السيئات، اللهم إلا إذا كان قد وطئ فإن الوطء مبطل حتى من أهله فكيف من امرأة أجنبية، والله تعالى أعلم.
السؤال (21)
في هذا الموسم تأذى الناس كثيراً من المدخنين، محرمون وهم يدخنون، فما الحكم؟
الجواب:
لا حول ولا قوة إلا بالله، هذه من الآفات التي انتشرت عند الناس، وهذا أيضاً من الفسوق الذي يتنافى مع قدسية الإحرام، فإن الإحرام يجب على الإنسان أن يتجنب فيه أي معصية من معاصي الله سبحانه وتعالى، والمعاصي يجب أن تتجنب في أي من الأوقات فكيف في حال أداء عبادة مقدسة. (1/493)
صفحة 494
المعصية تتنافى مع الطاعة إذ لا يجتمع طاعة ومعصية، فإن الطاعة من الاستجابة لنداء الله، والمعصية من الاستجابة لنداء الشيطان، فكيف تجتمع طاعة ومعصية؟ والتدخين من المعاصي، بل هو من كبائر الإثم، فإن كل ما تُوعد عليه الإنسان في كتاب الله أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلّم فهو من الكبائر، وقد جاء الوعيد في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلّم على قتل الإنسان نفسه، فالله تعالى يقول (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً) (النساء:29 - 30).
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم كما في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما من طريق ابي هريرة رضي الله عنه: من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا، ومن رمى نفسه من شاهق فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا، ومن تناول سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه فينار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا. (1/494)
صفحة 495
ومن المعلوم أن الدخان هو سم ناقع، هو سم قاتل، فالدخان من أسباب الهلاك، والناس يموتون بسببه ملايين، فقد كان قبل بعض سنين وصلت الإحصائية إلى ثلاثة ملايين في كل عام، والآن الإحصائية كادت تصل إلى أربعة ملايين في كل عام يموتون بسبب التدخين، وحسب ما رأيت في بعض الكتابات ينتظر أن تصل الإحصائية إلى عشرة ملايين في السنوات السابقة مع ارتفاع هذه النسبة لأن الدخان سبب لأمراض فتاكة خطيرة متنوعة من بينها أنواع من السرطان، ومن بينها أنواع من الجلطات ومن بينها الشرايين ومن بينها ومن بينها، مع أن الصحة هي في الأصل نعمة من الله، وأي نعمة من نعم الله ليس للإنسان أن يبدلها ويستبدل بها نقيضها، فالله يقول (وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (البقرة: من الآية211)، والصحة هي نعمة من الله، فالذي يتناول الدخان إنما يقضي على صحته فضلاً عن كونه يفضي به إلى القتل، يفضي به إلى الموت، وكذلك المال هو نعمة من الله، وتبديد المال في هذا السم الناقع الذي يتناوله الناس هو أيضاً من باب تبديل نعمة الله تعالى، مع ما في هذا الدخان من الأذى للغير كما هو الحال فيما يسأل عنه السائل، فإن أولئك الحجاج تأذوا من المدخنين، فالمدخن لا يؤذي نفسه فقط بل يؤذي نفسه ويؤذي جليسه، بالرائحة الكريهة، ويؤذي جليسه بما ينقل إليه من الأمراض من خلال هذا التدخين. (1/495)
صفحة 496
فإذاً من خلال ذلك كله نعتبر أن الدخان كبيرة من الكبائر التي يجب أن تحارب، ولا يجوز أن يتساهل فيها، فإن قيل بأنه لم يرد نص على الدخان بنفسه، فجواب ذلك وهل ورد نص على المخدرات؟ هذه المخدرات التي اجتمعت الأمم على محاربتها، هل ورد نص في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم يدل على حرمة هذه المخدرات؟ لا. وإنما هنالك نصوص تدل على أن كل ما يضر بالعقل أو يضر بالجسم أو يضر بالنسب أو يضر بالعرض أو يضر بالمال هو حرام، وهذه الآفات مما يضر بذلك كله، فعلى الناس أن يتقوا الله، وأن يتجنبوها، والله تعالى الموفق.
السؤال (22)
أثناء الهدي حصلت هذا العام مسألة للحجاج حيث إنهم عندما وصلوا المسلخ ودفعوا ثمن الهدي أعطوا قسيمة معينة، وقد قام القائم على الأمر بإحداث علامة عليها دلالة على أن المشتري وكّله للذبح عنه، وتجمهر الناس ينتظر أدوارهم ثم أذن مؤذن أنه من أعطي قسيمة تحمل علامة معينة فقد وكّلنا للذبح عنه وعليه فلينصرف فحجه مبرور، انتظر البعض احتجاجاً على هذا الوضع والبعض ذهب ليحلق.
الجواب:
حقيقة الأمر هذه مشكلة، لأنه أولاً يجب على الإنسان أن يطمئن على أنه أدى نسكه، أنه وفّى نسكه حقه، وكثير من الناس ربما يوكّلون وهم غير أمناء، فمن وكّل غير أمين في أمر دينه فقد عرّض دينه للضعف، وماذا عسى أن نقول والأمر قد فات، وإنما نختار لهؤلاء أن يحتاطوا لأنفسهم بنسك يكون عوضاًعن ذلك النسك الذي وكّلوا فيه الغير، والله تعالى أعلم.
السؤال (23)
عند الوضوء للصلاة هل يجب أن نقرأ الدعاء أم لا، فالبعض يقول علينا أن نقرأه والبعض يقول لا.
الجواب: (1/496)
صفحة 497
لا يجب على الإنسان دعاء في حال وضوءه، وجمهور العلماء يقولون بأنه لم تأت في بذلك سنة ولكن وجدت روايات في سنن النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يأتي ببعض الأدعية في وضوئه، ونحن لا نقول بأن هذه سنة ثابتة إذ هذه الرواية ربما كانت مطعونة في سندها، غير أنه في الأصل يباح للإنسان أن يدعو في أي وقت كان من غير أن يعتقد أن الدعاء سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلّم فيما لم تثبت فيه سنة الدعاء، فالدعاء هو في الأصل مباح للإنسان في أي وقت كان، فمن شاء أن يدعو فليدعو، ومن شاء أن يترك الدعاء وأن يكتفي بإسباغ الوضوء فليسبغ وضوئه، ولا يجوز أن يقال بأن هذا الدعاء واجب إذ لا يجب على الإنسان فعل شيء لم يثبت على وجوبه دليل شرعي لا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ولا من إجماع أهل العلم ولا من قياس جلي يدل على وجوبه، والله تعالى أعلم.
السؤال (24)
أنا من الذين اغتربوا في بلاد الغرب وأذهب للتدريب وأعود بعد فوات صلاة المغرب والعشاء معاً أعود بأهلي لأنه لا يوجد بالمسجد من أستطيع الصلاة معه جماعة المغرب فلو صليت العشاء بالمسجد فلا أستطيع أن أصلي المغرب جماعة فأصليها منفرداً، فأيهما أولى أن أصلى الصلاتين جماعة بأهلي بالبيت أم أصلي المغرب منفرداً والعشاء جماعة بالمسجد؟
الجواب:
إن كان يتعذر عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها حتى يحافظ على الجماعة، وكان في حالة تدعو إلى التيسير بأن يكون مشغولاً مثلاً فحسن أن يحافظ على الجماعة ولو صلى بأهله، والله تعالى أعلم.
السؤال (25)
ما معنى الأعراف، وما المقصود بهم؟
الجواب: (1/497)
صفحة 498
أصحاب الأعراف فيهم خلاف كثير بين أهل العلم، فمنهم من قال هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم وقد نص المفسرون على أن المراد بذلك الصغائر لا الكبائر كما في تفسير القرطبي وغيره من كلام المفسرين وجاءت بذلك ورايات إلا أنها هذه الروايات لم تصل إلى درجة الصحة التي يعتمد عليها، ومع هذا أيضا فإنه من المعلوم أن الحديث الآحادي لا يترتب عليه الأخذ بشيء من القضايا العقدية لأن الاعتقاد ثمرة اليقين، واليقين لا يكون إلا بدليل قطعي، والدليل القطعي لا يكون إلا نصاً متواتراً وذلك إما أن يكون نصاً في كتاب الله أو في رواية متواترة عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام.
وهناك آراء أخرى متعددة تصل إلى اثني عشر رأياً، منهم من قال هم الأنبياء، ومنهم من قال هم الملائكة، ولكن القول بأنهم ملائكة بعيد لأن الله تعالى وصفهم بأنهم رجال، ومنهم قال هم الشهود الذين يشهدون على الخلق يوم القيامة، ومنهم من قال هم شهود الأنبياء الذين يشهدون لهم بالتبليغ، ومنهم ومنهم هناك آراء متعددة.
ولعل أقرب هذه الآراء إلى الترجيح قول من قال بأنهم شهود يشهدون على الناس، لأنهم يخاطبون أهل الجنة ويخاطبون أهل النار جميعا، وهذا دليل على أنهم شهود، فلو كانوا كما قيل قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم وأنهم محبوسون عن دخول الجنة ثم يؤذن لهم بدخولها، فإن الموقف يقتضي أن يكونوا مشغولين بأنفسهم لا أن يكونوا مشغولين بمخاطبة هؤلاء تارة ومخاطبة أولئك تارة أخرى، وهؤلاء هم على الأعراف.
والأصل في الأعراف أنها الأماكن المرتفعة، فالعرف هو المكان الناتئ المرتفع الذي هو في ارتفاع عن غيره، ولذلك سمي عرف الديك عرفاً لأجل سبب ارتفاعه. (1/498)
صفحة 499
فإذاً هذا دليل على أنهم في مكان مرتفع ويشرفون على هؤلاء وهؤلاء، فلا يبعد أن يكون القول بأنهم الشهود الذين يشهدون على الناس بما عملوه يوم القيامة هم أصحاب الأعراف، هذا من غير قطع، لأن القطع ثمرة الدليل القطعي، ولا يوجد دليل قطعي كما ذكرنا، وإنما نقول ذلك من باب التفسير بما يتبين من القرائن من غير أن نقطع به، والله تعالى أعلم.
السؤال (26)
إذا مرت عليه سجدة في المصحف فأين يضع المصحف، هل يضعه على الأرض على الرغم من أنها طاهرة؟
الجواب:
المصحف يجب أن يصان، ونحن من وجدنا من علمائنا من يقول بأن الكتاب الذي فيه آيات من كتاب الله، وفيه أسماء لله تبارك وتعالى، وفيه علم نافع من حرمته أن لا يترك على الأرض، بل يوضع على مكان مرتفع، وهذا من تقدير العلم، ومن تعظيم أسماء الله تعالى وآياته، فكيف بكلام الله تبارك وتعالى، كيف بكتاب الله المنزل الذي هو كلامه يضعه الإنسان على الأرض حيثما يضع قدمه، لا ينبغي أن يصدر ذلك ممن يعظم حرمات الله ويجلها بل عليه أن ينظر له مكاناً رفيعاً يضعه عليه، فإن لم يجد فليجعله تحت إبطه وليسجد ثم بعد ذلك ليمسكه بيديه، والله تعالى أعلم.
السؤال (27)
جملة من الشباب من مناطق مختلفة اجتمعوا في مكان واحد من أجل الدارسة أو العمل، في بعض الأحيان يجمعون الصلاة وأحياناً يفردون كل صلاة وحدها، وأخبرهم من أخبرهم بأنهم ما داموا مقيمين لفترة معينة لا يجوز لهم الجمع؟
الجواب:
حقيقة الأمر حسبما سمعت من السائل يقابل الجمع بالقصر وهذا من الخطأ، ينبغي للناس أن يعلموا بأن الجمع لا يقابله القصر، وإنما الجمع يقابله الإفراد، والقصر يقابله الإتمام، فقصر الصلاة هي قصر الرباعية إلى ركعتين سواءً كان ذلك مصحوباً في ذلك بجمع الصلاتين، أو كان ذلك مع إفراد كل صلاة في وقتها، هذا هو القصر. (1/499)
صفحة 500
أما الجمع هو أن تجمع الصلاتان سواءً كان ذلك مع القصر من أجل السفر، أو كان ذلك مع الإتمام لعارض يدعو إلى الجمع في حالة وجود الإنسان في حضر، أو كان ذلك لأجل الصلاة وراء الإمام المتم، فإن من صلى وراء الإمام المتم فعليه أن يتم بإتمامه، لأن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة إمامه، فلذلك كان الإتمام مشروعاً للمسافر إن صلى خلف المقيم. (1/500)
صفحة 501
والجمع ليس هو من واجبات المسافر إنما المسافر عليه على القول الصحيح الذي نأخذ به أن يقصر به الصلاة ما دام في سفره حتى يؤوب إلى أهله، أي أن يصلي الرباعية ركعتين ولا يعني ذلك أنه واجباً عليه أن يجمع ما بين الصلاتين، وإنما الجمع رخصة يصار إليها مع الحاجة كأن يكون الإنسان جاداً في سيره، أما المقيم في مكان فالإفراد له أفضل، هذا مع أننا لا نقول بأن الجمع حرام عليه، وإنما نقول بأن الأفضل له أن يفرد وإلا فالجمع قد يجوز حتى للمقيم في حضره، قد يجوز له الجمع عندما تعن له حاجة تقتضي الجمع ودليل ذلك ما أخرجه الإمام الربيع رحمه الله من طريق أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم الظهر والعصر معاً والمغرب والعشاء الآخرة معاً من غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر. وقد أخرج الحديث الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما من طريق ابن عباس أيضا، وجاء في هذه الرواية أنه قيل لابن عباس رضي الله عنهما: ما أراد بذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته. وفي رواية الشيخين للحديث من رواية عمرو بن دينار عن الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد أن عمرو بن دينار قال لجابر: يا أبا الشعثاء أظنه أخّر الظهر وعجّل العصر. قال: وأظنه. ولكن هذا مجرد ظن فلا يقطع بأنه كان ما بين الوقتين، لا يلزم أن يكون الجمع ما بين الوقتين كما يذهب إلى ذلك بعض العلماء ومن بينهم ابن سيد الناس كما ذكر ذلك عنه الحافظ ابن حجر وغيره فقد قال: جابر بن زيد أعلم بمعنى الحديث لأنه راويه ولذلك كان يرى أن يكون الجمع ما بين الوقتين، إلا أنه لا دليل على ذلك بسبب أن جابراً بنفسه قال بأن ذلك مجرد ظن وليس ذلك عذراً مقطوع به عنده، والله تعالى أعلم.
السؤال (28)
من انطلق من وطنه في وقت دخلت فيه الصلاة فكيف يصلي في سفره، هل يصلي قصراً أم يصلي تماماً؟
الجواب: (2/1)
صفحة 502
هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فقيل يتم الصلاة في سفره إن دخل وقتها في حضره، إن دخل وقتها وهو لا يزال في الحضر أي قبل أن يخرج من بلده فعليه أن يتم في سفره، هذا رأي جماعة من أهل العلم.
وقيل بل يقصر الصلاة ولو دخل وقتها وهو في حضره، وهذا هو الرأي الراجح ذلك لأن الوقت كله وقت أداء لا فرق بين أوله ووسطه وآخره، فالوجوب لا يتعلق بأول الوقت وحده دون وسطه ودون آخره، ثم من ناحية أخرى ينظر إلى المسألة من حيث الطرد والعكس ينظر إلى المسألة من حيث إن من كان على عكس هذه الحالة وذلك بأن يدخل عليه الوقت وهو في السفر ثم يصل إلى حضره والوقت لا يزال باقيا فلا خلاف بين أهل العلم أنه في هذه الحالة عليه أن يتم لأنه صلى الصلاة وهو في حضره، فهكذا ينبغي العكس في العكس إذ المختلف فيه يحمل على المجمع عليه. والله تعالى أعلم.
السؤال (29)
بعد طواف الوداع ولشدة التعب أخذت البعض سنة من النوم ريثما يفرغ أصحابهم من طوافهم ثم قفلوا معهم راجعين؟
الجواب:
إن كان لم يتعمد أن ينام وإنما غلبه النوم وهو في حالة قعوده وانتظاره أصحابه فالله تعالى أولى بعذره، والله تعالى أعلم.
السؤال (30)
اشتهت نفسه كوباً من العصير بعد طواف الوداع فاشتراه ثم انصرف؟
الجواب:
ما كان ينبغي له ذلك ولكن رخّص العلماء في أن يشتري الإنسان زاده الذي يحتاج إليه بعد الطواف، والله تعالى أعلم.
السؤال (31)
إذا سألني زبون عن ثمن سلعة وخطأً أخبرته بثمن أقل من ثمنها الحقيقي وقبل أن أتدارك ذلك الخطأ طلبها مني، هل يجب أن أبيعها بالثمن الذي أخبرته به خطأ أم يجوز أن أرفض البيع إلا بالثمن الحقيقي؟
الجواب:
ما دام العقد لم يقع بين المتبايعين فكل واحد منهما له أن لا يتم البيع، والله تعالى أعلم.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
6من محرم 1424هـ ،9/ 3/2003م
الموضوع: الخشوع في الصلاة
السؤال (1) (2/2)
صفحة 503
نريد منكم أن تبينوا لنا حقيقة الخشوع ومعناه؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلّم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الخشوع في الصلاة هو روحها، إذ الصلاة بدونه هي بمثابة الجسم الذي خلا من الروح، والجسم إن كان خالياً من الروح فإنه لا حراك له ولا إحساس له ولا أثر له، ولذلك كانت صلاة كل أحد بحاجة إلى أن يكون فيها خاشعا، ولذلك نيط الفلاح بالخشوع كما في قوله تبارك وتعالى (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المؤمنون:1 - 2)، وفي الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع رحمه الله من رواية أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام قال: لكل شيء عمود، وعمود الدين الصلاة، وعمود الصلاة الخشوع، وأكرمكم عند الله أتقاكم.
فإذاً لا بد للإنسان أن يكون خاشعا.
ما هو هذا الخشوع؟
الخشوع حقيقته أن يستحضر الإنسان عظمة المقام، وأن يستحضر حقيقة المقال.
فعظمة المقام أن يحس بأنه بين يدي الله تبارك تعالى يناجيه فيجب عليه في هذه الحالة أن يكون قد تجرد من أوزار هموم هذه الحياة الدنيا، ومعنى ذلك أن يكون هذه الهموم قد حطها عنه جانبا، فالتاجر لا يشتغل بتجارته، والحارث لا يشتغل بحرثه، وصاحب العمل الإداري لا يشتغل بعمله، وصاحب أي مهمة في هذه الحياة الدنيا لا يشتغل بمهمته، وإنما يقبل على ربه سبحانه وتعالى، فكما يقبل في ظاهره بوجهه بحيث يتوجه إلى البيت الحرام، يقبل في باطنه بقلبه بحيث يكون هذا القلب فارغاً من كل شغل آخر ما عدا ما هو مقبل عليه.
كما أن عليه أيضاً أن يستحضر حقيقة المقال، أي أن يكون ما يتحدث به في صلاته مما يأتي به من ذكر أو تلاوة يسبق معناه إلى ذهنه، بحيث يكون لا يلفظ بقول إلا وقد سبق معنى هذا القول إلى ذهنه واستوعبه تماماً. (2/3)
صفحة 504
فعندما يمثل بين يدي الله تعالى ويدخل في صلاته بتكبيرة الإحرام، عليه أن يستحضر معنى هذه التكبيرة لينسكب في نفسه شعور بأنه بين يدي الله تعالى الكبير المتعال، وأن الكبرياء لله وحده، فما له من الكبرياء شيء، ولا يحق له أن ينازع ربه تبارك وتعالى كما جاء في الحديث القدسي: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني فيهما أدخلته النار ولا أبالي.
فليس له أن ينازع ربه تبارك وتعالى شيئاً من صفاته، ومن بين هذه الصفات صفة الكبرياء والعظمة، ولئن كانت الكبرياء لله تعالى وحده فعليه أن يخضع وأن ينقاد، وأن لا يتكبر على أحد من خلق الله.
فإن كان ممن أوتي في هذه الدنيا شيئاً من الوجاهة أو شيئاً من السلطة أو شيئاً من المال أو نحو ذلك مما يعده الناس مظهراً من مظاهر العظمة والكبرياء في هذه الحياة الدنيا فإن عليه أن يشعر أن ذلك كله لا يرفع من قدره إن هو تكبر على أحد من خلق الله، فعليه أن يتصاغر وعليه أن يتطامن وعليه أن يدرك عظم الموقف الذي يقفه.
ولئن كان أيضاً على عكس ذلك كأن يكون فقيراً مزدرىً به فإنه بمجرد ما ينطق بهذه الكلمة كلمة (الله أكبر) يشعر بأن الكبرياء لله وهو بجانب تطامنه وتواضعه لله تبارك وتعالى ذي الكبرياء يحس بالاعتزاز بصلته بالله فلا يخضع إلا لله، ولا يطأطأ رأسه إلا لجلاله سبحانه وتعالى، ولا يحني ظهره إلا لكبريائه فيكون بين يدي الله تعالى عبداً خاضعاً ذليلاً، وبين أيدي الناس سيداً رفيع القدر كريما لأنه اتصل بربه سبحانه وتعالى، ولا يعني ذلك أن يتكبر على الناس، ولكن أن يحس بين الناس بأن الكبرياء لله تعالى وحده والناس متساوية أقدامهم بين يديه عز وجل. (2/4)
صفحة 505
وكذلك إن استعاذ بالله من الشيطان الرجيم عليه أن يستحضر ما معنى هذه الاستعاذة، فمعنى أستعيذ ألجأ فإذاً عليه أن يلجأ بقلبه، وعليه أن يلجأ بعقله، وعليه يلجأ بعمله قبل أن يكون هذا اللجوء مجرد قول من الأقوال، ومعنى ذلك أن يحس من قلبه بأنه فار إلى ربه سبحانه من الشيطان الذي أقسم بعزة الله عز وجل انه ليضلنه، وعليه أن يحرص على أن يكون عمله متفقاً ومنسجماً مع هذا الذي صدر منه.
كذلك عندما ينطق بعد ذلك بقول (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (الفاتحة:1) يشعر أن كل شيء لا يعتد به إلا إن كان لله، فباسم الله يقرأ، وباسم الله يصلي، وباسم الله يأتي أي عمل من الأعمال، لأن الأعمال يجب أن تكون لله.
ومع هذا عندما يأتي بقول الحق تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة:2) يشعر بالنعم العظيمة التي غمرته والتي لا يمكن أن يحصيها قط، ولا يمكن لأحد أن يحصيها، ولا يمكن للعالمين أن يحصوها، هذه النعم هي من عند الله وحده فلذلك كان الحمد لله تعالى وحده، ومع ذلك فالله تعالى متصف أنه رب العالمين، إذ ربوبيته سبحانه وتعالى ليست محصورة في شأن هذا العبد وحده بل هي شاملة لجميع الكائنات فما من ذرة في الكون إلا وهي مغمورة بتربية الله تبارك وتعالى لها، وهي مشمولة بنعمته تعالى عز وجل عليها، فإذاً هذه الكائنات كلها هي مظاهر لربوبيته تبارك وتعالى من الذرات الدقيقة إلى المجرات الواسعة، وهذا أمر يدعو الإنسان إلى أن يجف قلبه وترتعد فرائصه ويشعر بالقشعريرة تسري في كل عضو من أعضائه لأنه وقف بين هذا الرب العظيم الذي هو موصوف بهذا الشأن العظيم، إلا أنه تفيض على نفسه الطمأنينة عندما يتلو قوله تعالى (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (الفاتحة:3) فهذه الربوبية وهذه العظمة لله تبارك وتعالى هي في الحقيقة ربوبية إحسان، وهي عظمة مقرونة بهذا الإحسان العظيم الذي يحسنه على عباده. (2/5)
صفحة 506
وعندما يتلو قوله تعالى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (الفاتحة:4) يستشعر الوقوف بين يدي الله تعالى في ذلك اليوم، اليوم الذي يتخلى فيه كل شيء عنه، ولا تبقى له صلة بأي كائن آخر إلا صلة التقوى وخوف الله تبارك وتعالى والعمل لذلك اليوم وهذا مما يحفزه إلى الاستعداد للقاء الله تعالى في ذلك اليوم.
فإذا تلا بعد ذلك قوله سبحانه وتعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5) شعر بأنه هو واحد من أولئك الذين يسبحون بحمد الله ويسجدون لجلال الله، فالعبادة تقدّم إلى الله بصيغة جماعية والكل يعبد الله وحده، إياك نعبد: أي لا نعبد إلا إياك، فالعبادة الحقة لا تكون إلا لله، فعليه أن يكون صادقاً في قوله هذا، بحيث لا يتشبث بشيء مما يتنافى مع هذه العبادة الخالصة لوجه الله، لا يتعلق بالأوهام، ولا يتعلق بأي شيء مما يجعله بعيداً عن التوجه إلى الله، فهو وإن عمل أي طاعة لأحد من الناس إنما يعملها في الحقيقة لله لأن الله تعالى أمر بتلك الطاعة، ولا يطيع أحداً إلا بموجب ما أمر الله تعالى عز وجل من طاعته، وكذلك الاستعانة، الاستعانة بالله تعالى وحده، لا يستعين بغير الله تعالى إنما يستعين بالله، فكما يُفرده تعالى بالعبادة يُفرده سبحانه وتعالى أيضاً بالاستعانة. (2/6)
صفحة 507
فالاستعانة في الحقيقة إنما هي بالله، وما جعله الله تبارك وتعالى من وسائل للتعاون فيما بين الناس من مسائل للعون فذلك إنما هو في الحقيقة من باب الأخذ بالأسباب، وعلى الإنسان أن لا يشتغل بالأسباب عن مسببها، فعليه أن يلحظ مسبب الأسباب وهو يأخذ بهذه الأسباب، فالاستعانة الحقيقية إنما هي بالله، على أنه لا يحق لأي أحد أن يستعين بغير الله تعالى فيما لم يجعل الله التعاون فيه من سنن هذه الحياة، فليس له أن يأتي إلى أي أحد ليقول له ارزقني ولداً مثلاً أو اجعلني من أهل السعادة أو اجعلني من الأبرار أو اجعل لي حظاً أو نحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله فإن ذلك من الشركيات، ولئن كان ذلك يُمنع أن يكون بين الإنسان وبين الحي المتصرف الذي هو حسب مظهره قادر وعالم ومتصرف في شئونه فإنه يُعتبر ذلك أشد جرماً وأعظم إثماً وأوغل في الكفر عندما يكون بشيء لا حراك له، بشيء لا يملك نفعاً ولا ضرا كأن يأتي مثلاً إلى قبر ليطلب صاحب القبر وهو رهين تحت أطباق التراب أن يقضي حاجته أو أن يرزقه شيئاً ما، وكذلك عندما يأتي مثلاً إلى شجرة أو إلى حجرة أو إلى عين أو إلى أي شيء من هذا القبيل. (2/7)
صفحة 508
فإذا قال بعد ذلك (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) (الفاتحة:6 - 7) شعر أنه بين طريقين، طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وطريق الذين ضلوا وغضب الله عليهم بسبب ضلالهم وانحرافهم عن منهج الحق، فعليه أن يسلك طريق أولئك وأن يجعلهم له وقدوة وأسوة، وأن لا يزيغ عن الطريق الذي يبلغه رضوان الله تبارك وتعالى، ويبلغه نعمة الله تعالى في الدار الآخرة، وهكذا كل ما يتلوه المصلي في صلاته، وكل ما يأتي به من تسبيح أو تكبير أو أي شيء من الأذكار إنما يُفيض مثل هذه المشاعر على نفسه، وبهذا يكون هذا الإنسان خاشعاً حقا.
السؤال (2)
ما حكم الخشوع في الصلاة، وهل هناك قدر معين بحيث لو نقص عنه كانت الصلاة باطلة؟
الجواب:
نعم، الخشوع لا بد منه في الصلاة لأنه روحها كما دل الحديث على أنه عمودها، فالصلاة بدون خشوع لا يمكن أن يكون لها أي أثر. (2/8)
صفحة 509
الصلاة شُرعت لما شُرعت له، هي تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولكن صلاة غير الخاشع لا يمكن أن تنهى عن الفحشاء والمنكر، الصلاة تقتلع من الإنسان صفات مذمومة كأنما هذه الصفات جُبل عليها الإنسان، هذه الصلاة هي أهم عامل في اقتلاعها، فإن الله تعالى يقول (إِنَّ الأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ) (المعارج:19 - 23)، فإذاً الصلاة هي أهم عامل في اقتلاع جذور هذه الصفات الذميمة من نفس الإنسان، ولكن هذه الصلاة إنما هي صلاة الخاشع، لا صلاة الذي يشتغل عن صلاته، يقبل على غير ربه في صلاته، ولئن كان انحراف القلب عن الله تبارك وتعالى في الصلاة يؤدي إلى أن تكون الصلاة غير صحيحة، فإنه كذلك من الواضح أن يكون الاشتغال في الصلاة بالأعمال التي هي مجانبة للصلاة كأن يتلفت ذات اليمين وذات الشمال أو يرفع يديه إلى السماء مثلاً يشير إلى شيء، أو أن يحاول أن يصلح ثيابه تارة، أو أن ينظر إلى ساعته أو أن يفعل أي شيء، يمارس أي عمل من الأعمال غير الأعمال المشروعة في الصلاة فإن هذه الأعمال هي منافية للخشوع.
الخشوع أن يكون الإنسان في صلاته لا يأتي إلا بالمشروع من الأعمال مع استحضار عظمة هذه الصلاة التي يمثل بها بين يدي الله تبارك وتعالى، فهذا أمر لا بد، أي لا بد من أن يمنع جميع الحركات عنه، أي الحركات التي هي غير مشروعة في الصلاة، لا بد من أن يمتنع عن هذه الحركات جميعاً، ومع هذا أيضاً لا بد من أن يكون مستحضراً لصلاته بقدر ما يمكنه، فليس له أن يرخي لفكره العنان من أجل أن يسرح ويفكر في كذا وفي كذا، ومعنى ذلك أنه ليس له أن يجتنب الأفكار فإن اجتنب فكراً ما يكون في هذه حالته هذه قد أخل بصلاته لأنه أخل بالخشوع، أما إن غلبته وساوس وغلبته أفكار فإنه عليه أن يقاومها. (2/9)
صفحة 510
وخير سبيل للمقاومة هو أن يكون كما قلت أن يحرص على أن يسبق المعنى إلى الذهن من اللفظ إلى اللسان.
السؤال (3)
ذكرتم بأن الإنسان إذا أراد أن يتخلص من الأفكار وحديث النفس في الصلاة عليه أن يسبق إلى المعنى قبل قراءة اللفظ، لكن بعض الناس قد لا يحسنون تفسير الآيات أو فهمها وهذا الذي ذكرتموه إنما يتعلق بسورة الفاتحة فماذا عن السور الأخرى، كيف يمكن للإنسان بالفعل أن يتخلص من هذه الوساوس؟
الجواب:
السور الأخرى أيضاً لا بد أن يكون فيها إما ذكر الله، وإما أن يكون فيها أمر، وإما أن يكون فيها نهي، وإما أن تكون فيها مواعظ , وإما أن تكون فيها قصص أيضاً تدعو إلى الاعتبار والذكرى، وإما أن يكون فيها امتنان، هذا كله مما يجعل الإنسان يعايش هذا الذي يتلوه، فعندما يتلو قصة فيها عبرة فإنه يستحضر في نفسه هذه العبرة، عندما يتلو قصص الأمم السابقة وما مضى من خيرها وشرها وإيمانها وكفرها وصلاحها وفسادها فإنه يستشعر أنه لا بد من أن يقتدي بالصالحين، وأن يكون من البررة، كما أنه أيضاً يستشعر بأنه لا بد من أن تكون الغلبة بمشيئة الله والعاقبة للمتقين لأن الله تعالى يقول (وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) (طه: من الآية132)، وكذلك عندما يتلو الآيات التي تتحدث عن نعم الله تعالى وعن آياته في الأنفس وفي الآفاق يتفاعل مع هذا الذي يتلوه فيكون بذلك من الخاشعين.
السؤال (4)
ذكرتم نقطة مهمة وهي أن بعض السور تحوي على قصص الأولين من أنبياء وغيرهم، عندما يقرأ الإمام أو المصلي هذه القصص هل يمكن للإنسان أن يرسم خيالات ومشاهد معينة في الصلاة؟
الجواب:
لا يتعمد، لكن ما يرتسم في ذهنه بمجرد قراءة السورة أو قراءة القصة من السورة الكريمة يدعه وشأنه فإن ذلك هو الذي ينبغي. السورة نفسها ترسم المشهد.
السؤال (5) (2/10)
صفحة 511
بعض الناس يحاول أن يبعد التفكير في الدنيا وشؤونها بالتفكير في أهوال يوم القيامة وأهوال المحشر فيفكر عمداً في الصلاة في مشاهد يوم القيامة حتى يصرف التفكير في الدنيا.
الجواب:
الإنسان ينبغي أن لا يكون بعيداً عن جو الآية التي يتلوها أو التي يتلوها الإمام ويسمعها، ينبغي أن يكون كذلك، هذا مع استحضاره ليوم القيامة، فإنه بدخوله في الصلاة يودع هذه الدنيا، يترك هذه الدنيا، فهو بهذا يستحضر توديع هذه الحياة الدنيا، هو يتنقل من عمل إلى آخر وفي هذه الأعمال كلها يحس أنه بين يدي الله تعالى، فهو قبل كل شيء يقف وهذه الوقفة وقفة خشوع وقفة وتواضع وقفة تذلل بين يدي الله سبحانه تعالى، فهذه الوقفة كوقفة العبد أمام سيده يستحضر أنه بين يدي ملك الملوك سبحانه وتعالى، فلذلك عليه أن يشعر بقدر هذه الوقفة وشأنها.
ثم كذلك الانتقال إلى الركوع ثم الانتقال إلى السجود ثم الانتقال بعد ذلك إلى القعود عندما يقعد في صلاته، كل من ذلك إنما يستحضر أنه بين يدي الله، هو في ركوعه يخضع لله، وفي سجوده يتذلل بين يدي الله تعالى ويقترب منه.
ثم عندما يقعد يكون كأنما بعد أداء هذه المراسيم، وبعد أداء هذه الأفعال المطلوبة منه كأنما أُذن له بأن يقعد وأن يتقدم بحاجته ولذلك يكون بعد التشهد الأخير الدعاء، يدعو العبد ربه سبحانه وتعالى يستجير بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المسيح الدجال ومن فتنة المحيا والممات ويدعو بما شاء الله من الدعاء الحسن. (2/11)
صفحة 512
بعد ذلك ينتقل إلى السلام، والسلام خروج من الصلاة فكأنما ودع الدنيا ثم عاد إلى أهلها، وعندما عاد إلى أهلها يسلم عليهم من جديد لأنه رجع من رحلة طويلة، رحلة عرّجت به إلى السموات العلى وعايش فيها الملأ الأعلى وعاش مع الملائكة الذين هم يسجدون دائماً والذين يركعون دائماً والذين يقفون دائماً بين يدي الله بحيث شاركهم في أعمالهم هذه واستحضر أنه بين يدي الله الذي هو محيط بهذا الكون ومصرف لهذا الوجود ومقدر لكل شيء.
وبهذا بعد أداء ذلك كله يرجع إلى الدنيا فيسلّم على الناس تسليماً جديداً، أو يسلّم على الخلق من الملائكة والناس تسليماً لأنه كان بين يدي الله، كان غارقاً في شهوده بين يدي الله سبحانه وتعالى.
السؤال (6)
البعض يقول أن عدم الخشوع دلالة على ضعف الإيمان، فما هي الأسباب المعينة على الخشوع؟
الجواب:
الناس يتفاوت إيمانهم بتفاوت خوفهم من الله تبارك وتعالى وإجلالهم لله عز وجل، فلا ريب أن من كان لا يخشع في صلاته ليس هو من أهل الإيمان المطلوب، الله تبارك وتعالى يقول (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (الأنفال:2 - 3).
هنا لا بد من أن نشير إلى نقطة، الصلاة عندما يؤمر بها أو يثنى على أهلها لا تذكر الصلاة هكذا وحدها مجردة، وإنما تذكر إقامة الصلاة، إقام الصلاة، يذكر إقام الصلاة، الله تبارك وتعالى أثنى على الذين يقيمون الصلاة، وأمر بإقام الصلاة (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) (البقرة:43، البقرة 83، البقرة:110، النساء:77، النور: 56، المزمل: 20). (2/12)
صفحة 513
لم يأت لفظ صلوا إلا في الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلّم، أما الصلاة التي هي عبادة لله والتي هي صلة بين العباد وبين ربهم سبحانه وتعالى فإن الأمر بها إنما يكون بإقامتها (وأقيموا الصلاة)، أو بالمحافظة عليها، فإذاً الصلاة إنما يجب أن تقام، ومعنى أن تقام أن يؤتى بها كالجسم المستقيم المعتدل، إقامة الصلاة أن يأتي بها الإنسان مستقيمة كالجسم المستقيم، أي يجعلها مستقيمة ليس بها نقص من أي ناحية، لا من ناحية جسمها ولا من ناحية روحها، أما الجسم فكما ذكرنا على الإنسان أن يكون مقبلاً على الله تعالى بوجهه، بحيث لا يحرف وجهه ذات اليمين وذات الشمال، لأنه باتجاهه إلى القبلة البيت الحرام هو متجه إلى ربه، إذ ذلكم الاتجاه إنما هو رمز الاتجاه إلى الله، لأن الله تبارك وتعالى أمره بالاتجاه إلى ذلك المكان فكان اتجاهه إلى هناك إنما هو في الحقيقة اتجاه إلى الله تبارك وتعالى الذي أمر به، فهذا لا بد منه. (2/13)
صفحة 514
فإن أخذ ينحرف ذات اليمين وذات الشمال بحيث يرمي بوجهه تارة إلى يمينه وتارة إلى شماله، وتارة يرفعه إلى السماء وتارة يطأطأه إلى أسفل هذا غير متجه إلى ربه، كذلك عندما يعبث بيديه تارة يرفعه يديه إلى السماء وتارة يشير بها إلى مكان آخر إلى اليمين أو إلى اليسار أو إلى أي جهة أخرى فإن ذلك مما ينافي الخشوع، وكذلك عندما يكون تارة يعبث بثيابه وتارة يعبث بلحيته وتارة يعبث بعمامته أو برأسه وتارة يعبث بأعضائه الأخرى هذا كله من العبث الذي متنافٍ مع الخشوع، وهذا الجسم هو الشكل الظاهر لا عبرة به وحده ما لم يكن فيه روحه، وروح الصلاة الخشوع، فإذاً الصلاة لا تقام إلا بالإتيان بها كاملة جسماً وروحا، فهكذا الصلاة، والإيمان الحق هو إيمان أولئك الذين يخشعون في صلاتهم لأن الله تعالى ناط الفلاح بالإيمان الذي يجعل صاحبه متصفاً بصفات أول هذه الصفات الخشوع في الصلاة عندما قال تعالى (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المؤمنون:1 - 2).
السؤال (7)
هذا كله الذي ذكرتموه تبدده هذه الأيام أصوات الهواتف النقالة فما يكاد الإنسان يخشع في صلاته إلا ويسمع رنة من هنا أو هزة تحرك جسده من هناك، فهل لكم أن تتحدثوا في هذا الموضوع.
الجواب:
نعم، أمر الهواتف النقالة أمر مشكل، أمر عظيم، الناس عندما يأتون إلى المساجد قد يجدون إشارات على أبواب المساجد بأن عليهم أن يغلقوا هواتفهم النقالة، وقد يجدون إعلانات كتب عليها أغلقوا الهواتف النقالة، ومع ذلك لا يصيخون لشيء من ذلك سمعا، بل يتركون هذه الهواتف وشأنها كما هي، لا يفكرون أنهم مقبلون على الله تعالى. (2/14)
صفحة 515
على أن المساجد بيوت الله، وبيوته يجب أن تجرد من كل شيء لا يتفق مع قدسيتها، فالله تعالى يقول (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ) (النور:36 - 37)، هذه بيوت الله التي أذن الله فيها بما أذن، وما لم يأذن به الله فهو محجور، ولئن كانت الأحاديث دلت على أن ما يحتاج إليه الإنسان في أمر دنياه ليس له أن يتحدث به في المساجد، فليس له أن ينشد عن ضالته في المسجد، وليس له أن يتحدث عن أمر الأسواق والتجارة في المسجد، هذا مما دلت عليه الأحاديث، والنبي صلى الله عليه وسلّم شدّد في أمر نشدان الضوال في المسجد حتى أمر من صدر منه ذلك أن يقال له لا ردّ الله عليك ضالتك، فكيف بما وراء ذلك، كيف بهذه الأصوات الموسيقية التي تتردد في المساجد وكأنما الإنسان يحس بأنما هو في غير جو المسجد، كأنما هو في جو كنسي من كثرة الموسيقى التي تتردد، يسمع هاتفاً يؤدي نغماً موسيقياً بأسلوب معين، ويسمع هاتفاً آخر يأتيه من قبله نغم بصوت آخر، ويسمع هاتفاً ثالثاً أيضاً بنغم ثالث، وكأنما أصبحت هذه المساجد ميداناً لاستعراض الأنغام الموسيقية، هذا أمر لا يجوز شرعاً، وعلى الناس أن يفكروا في ذلك. (2/15)
صفحة 516
وأنا أعجب كيف يغفل هذا المصلي الذي يأتي إلى المسجد أن يغلق الهاتف النقال؟ أنا سافرت بنفسي كثيراً في أنحاء مختلفة وبطائرات متنوعة، ولم أسمع في يوم من الأيام في الطائرة هاتفاً نقالاً، لأنهم جميعاً ينبهون بأن إغلاق الهواتف النقالة ضروري في الطائرات لئلا تشوش على الاتصالات، فهنالك يحافظون على مصلحتهم الدنيوية، وهي مصلحة هذه الطائرات، يحافظون على سلامتهم في الدنيا، ولا يحافظون على سلامتهم في العقبى، عندما يأتون إلى مساجد الله هم أولى بأن يحترزوا، وأولى بأن يغلقوا هواتفهم، ولكن مع ذلك لا يبالون بذلك.
على أن هذه الهواتف النقالة لا تشغل أصحابها فحسب، فصاحب الهاتف عندما يسمع هذا الاتصال لا بد من أن يكون مشغولاً به من أين جاءه الاتصال، ولا بد من أن يفكر كثيراً في قصد هذا المتصل لأي غرض اتصل به لا سيما التجار فإنهم مشغولون بتجارتهم، وهم دائماً يحسبون حساباً للأرباح التي يحرزونها أو الأعمال التي يقومون بها، فلذلك تشغلهم الهواتف النقالة، وكذلك صاحب أي عمل من الأعمال يشغله عمله فإذا ما جاءه الهاتف النقال اشتغل بذلك وأصبح لا يفكر في أمر صلاته بقدر ما يفكر في مضمون هذا الاتصال.
ولكن مع ذلك لا ينحصر شر الهواتف في شغل هؤلاء عن صلاتهم فحسب بل هذه الهواتف تشغل المصلين لأن كثيراً منهم يمتعضون منها فيتألمون منها وأنا واحد منهم، أنا إن سمعت هاتفاً في الصلاة أتأثر كثيراً لأنني أرى أن هؤلاء الذين يحملون هذه الهواتف ويتركونها شغالة غير مغلقة عندما يدخلون في المساجد إنما هم في الحقيقة يتعمدون أن يلهوا الناس عن الصلاة، وأن يلهوهم عن ذكر الله فلذلك أتأثر بهذا، فإذاً تنصب على هؤلاء اللعنات من كل جانب، فمالهم ولهذا الأمر، ما بالهم لا ينتبهون، هذه مصيبة من المصائب نسأل الله تبارك وتعالى السلامة منها، ونسأل الله أن يهدي هذه القلوب إلى الحق وإلى طريق مستقيم.
السؤال (8) (2/16)
صفحة 517
البعض بدلاً من أن يقفل هاتفه مطلقاً يتركه على نوع معين من الاستقبال وهو الهزاز أي يهتز الهاتف في جيبه وهذا ربما يؤثر في الذي يصلي بجنبه، هل هذا جائز؟
الجواب:
كل ما شغل عن الصلاة لا يجوز، على الإنسان أن يقبل على ربه سبحانه وتعالى في صلاته وقد تجرد من كل شاغل يشغله عن ربه.
السؤال (9)
البعض يرن هاتفه في الصلاة ولكنه لا يلتفت إليه ولا يقوم بقفله نظراً إلى أن قفله سيغيب عليه الخشوع.
الجواب:
بئس ما يفعل، وساء ما يصنع، إنه في الحقيقة هو غير خاشع، ولو كان خاشعاً لأهمه الخشوع من أول الأمر واشتغل بإغلاق الهاتف منذ إقباله على الصلاة بل منذ دخوله المسجد مراعاة لحرمة المسجد، ولكنه يكذب أنه خاشع، هؤلاء غير خاشعين، وإنما هم يخادعون أنفسهم ويظنون أنهم يخادعون ربهم سبحانه وتعالى.
السؤال (10)
هل وضع اليد للتثاؤب في الصلاة ينافي الخشوع؟
الجواب:
التثاؤب يؤمر الإنسان أن يكافحه بحسب ما يمكن، والحركة التي هي لمصلحة الصلاة لا تعتبر منافية للخشوع، وبما أن مكافحة التثاؤب من مصلحة الصلاة فإنه لا يمنع، لكن على أن يحرص الإنسان بأن يغلق فاه من غير أن يحرك يده إن أمكن ذلك، وإن اضطر إلى تحريك يده فلا حرج.
السؤال (11)
بالنسبة للعطس، البعض يعطس ويحمد الله سبحانه وتعالى.
الجواب:
العطاس لا مانع من أن يحمد الله من بعده، وهذا مما جاء في السنة فقد روي أن قول من قال: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً كان على أثر عطاس.
السؤال (12)
رنين جرس الساعات المعلقة على الحائط ورنين أيضاً الساعات الموجود على أيدي المصلين، هل هذا يدخل ضمن الكلام على الهاتف النقال؟
الجواب:
كل ما يشغل المصلين يجب أن يكافح، وأنا أعجب لماذا تكون في المساجد ساعات ترن، ينبغي أن تكون ساعات صامتة، الناس ليسو بحاجة إلى أن يعدوا رنين الساعات وإنما هم بحاجة إلى أن يعرفوا الساعة من خلال نظرهم إلى عقاربها قبل دخولهم في الصلاة.
السؤال (13) (2/17)
صفحة 518
هناك صور نقلت عن بعض الخاشعين في الصلاة من أن أحدهم كان يصلي فانهدم جانب من المسجد فلم يشعر به، وبعضهم مرت عليه طبول وزمور فلم يسمعها، هل هذه حقيقة، وهل هذا ممكن حقاً؟
الجواب:
الناس يختلفون في ذلك، منهم من يكون إذا شغله شاغل لا يتلفت إلى أي شيء آخر، ولا يمكن أن يحس بأي شيء آخر، وهذا مما يقع كثيراً حتى عندما تجد بعضهم مشغولاً بأمر الدنيا عندما يشغله شاغل أنت تحدثه وأنت تكلمه وهو لا يتلفت إليك ولا يفهم ما يصدر منك، فإذاً هؤلاء الذين هم أهل الله وخاصته وقد أكرمهم الله سبحانه وتعالى بما أكرمهم به من التعلق به عز وجل، هؤلاء عندما يقبلون على صلاتهم يكونون كأنما خرجوا من هذه الدنيا، ليسوا في هذه الدنيا قط، فلا يلتفتون إلى أي صوت، ولأجل هذا كثير منهم لا يستنكر منهم أن يشغله ما هم مقبلون عليه من أمر الصلاة، وأن يشغلهم الخشوع في الصلاة عن سماع أي صوت كان من صوت طبول أو مزامير أو صوت قضة مسجد مثلاً يسقط أو صوت أي شيء آخر مما يقع، بل روي عن بعضهم أنه أرادوا أن يجروا له عملية قبل وجود التخدير أن يقطعوا رجله فأمرهم أن يقطعوها عندما يكون في الصلاة لأنه لا يحس بشيء عندما يقبل على ربه سبحانه وتعالى، هذه مواهب يهبها الله تبارك وتعالى من يشاء من عباده.
السؤال (14)
هناك تساؤلات حول هذا الموضوع نفسه ذكرتم بأن هذا ممكن، وإنما يكون لبعض الناس الذين يخشعون خشوعاً تاماً، نحن قرأنا في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلّم سمع صياح طفل فعجّل في الصلاة لأنه أمه ربما كانت تصلي خلفه.
الجواب:
النبي صلى الله عليه وسلّم أوسع الناس قلبا، فهو مع إقباله المطلق على الله تبارك وتعالى يظل أيضاً مراعياً لحاجة الناس ولضرورات الناس ولأحوال الناس فلذلك مع هذا الإقبال المطلق ومع كونه أخشع الناس في الصلاة وأكثرهم استحضاراً للمقام يكون أيضاً هنالك من قبله ما يشغله من أمر الناس حتى لا ينفّر الناس عن الصلاة. (2/18)
صفحة 519
السؤال (15)
ذكرتم سماحة الشيخ في حديثكم عن حكم الهواتف النقالة ورنينها في الصلاة جملة مهمة (يحافظون على سلامتهم في الدنيا بالنسبة للراكبين في الطائرة ولا يحافظون على سلامتهم في الأخرى) هل هذا يشير إلى أن رنين الهاتف النقال في الصلاة يؤثر عليها من حيث الصحة والفساد؟
الجواب:
نعم، ما دام هذا الإنسان تعمّد أن يأتي بشاغل يشغله في صلاته فإن هذه الصلاة تتأثر بذلك لأنه تعمد أن يأتي بشاغل، وهذا الشاغل يتنافى مع قدسية الصلاة، يشغله عن الخشوع، بل نفس هذا الشغل من النوع الذي لا يجوز في المساجد كما ذكرنا موسيقى.
السؤال (16)
بعض الناس يبدأ في الصلاة لكنه لا يتذكر إلا وهو في قراءة السورة لا يدري هل كبر أم لم يكبر أي لم يخشع طوال تلك الفترة ماذا عليه؟.
الجواب:
عليه أن يحرص بأن يدخل في الصلاة مستشعراً لها، لأن تكبيرة الإحرام لا بد من أن يستحضرها، إذ بها يدخل في الصلاة، وكيف يدخل في الصلاة وهو لم يكبر؟ وكيف يدخل في الصلاة وهو لم يستشعر تكبيرة الإحرام؟ فإن كان استشعر تكبيرة الإحرام ثم انصرف ذهنه بعد ذلك من غير أن يصرفه وإنما كان ذلك أمراً غير اختياري فعليه أن يحرص على مكابرة هذه الوساوس ومقاومتها هذه الأفكار وأن يستشعر عظم المقام ويواصل صلاته.
السؤال (17)
بعض الناس يصلي خلف الإمام فيستمع إلى قراءة السورة لكن يغيب ذهنه ويدخل في التفكير فلا يدري أي سورة قرأ الإمام فهل عندما يسلم الإمام يقوم بقضاء تلك السورة؟
الجواب:
هذا قول قاله بعض أهل العلم لكن بما أننا لم نجد دليلاً عليه، وهذا لم يتعمد إفلات ذهنه حتى يسرح في هذه الأفكار، فإننا لا نرى مثل هذا، نرى أنه يعذر ما دام هو يقاوم الوسوسة ويقاوم الأفكار بقدر استطاعته.
السؤال (18)
هل يدخل في العبث من يقوم بإصلاح غطاء رأسه مراراً لأنه لم يحكم ربطه؟
الجواب: (2/19)
صفحة 520
نعم، هو ليس له أن يقوم بذلك، عليه أن يُعد نفسه للإقبال على ربه سبحانه وتعالى ولا يشتغل بمثل هذه الأعمال.
السؤال (19)
سمعت من يقول بأنه ورد في السنة أنه يجوز للإنسان ثلاث حركات في الصلاة.
الجواب:
هذه الثلاث حركات وجدناها عند الفقهاء، وثبوت ذلك في السنة الله أعلم به، وقالوا هذه الثلاث الحركات إنما هي لمصلحته، كأن يحس بالتهاب في مكان والالتهاب يشغله عن صلاته فله أن يحك ذلك المكان الملتهب بقدر ما يسكن التهابه لثلاث حركات لا زيادة على ذلك.
السؤال (20)
الأطباء في بعض الأحيان يحملون نداء فعندما يصلون يصدر ذلك النداء صوت دلالة على وجود مريض مضطر لا بد أن يحضروا فوراً، فهل ذلك يؤثر على خشوعهم وعلى الصلاة؟
الجواب:
إن كان ذلك أمراً ضرورياً بحيث فيه إنقاذ لحياة أحد من الناس، أو فيه دفع ضراء عن أحد الناس بحيث إن الضرورة داعية لحضور الطبيب فهذه حالة مستثناة، وأما بدون ذلك فلا.
السؤال (22)
كذلك الشرطة تواجههم نفس المشكلة، يبقى الجهاز مشتغلا ًمعهم؟
الجواب:
أما إذا كان لضرورة لا محيص عنها، أي لأمر أمني أو لأمر خطر كحادث سير يقع فهذه من الضرورات. أما غير ذلك فلا.
السؤال (23)
في المسجد ساعة تصدر نغمات موسيقية قبل رنينها، والناس تعارفوا عليها وربما لا يرضون أن تزال من هناك، كيف يتعاملون مع هذه القضية.
الجواب:
هذه الساعة يجب أن تكون ساعة صامتة، لا أن تكون ساعة فيها هذه الرنات التي تشغل الناس عن الصلاة.
تمت الحلقة بحمد الله وتوفيقه
حلقة الأحد 13 من المحرم 1424هـ، 16/ 3/2003م
السؤال (2)
ما الذي جعل العقيدة الإسلامية تتقبل ما يأتي به الآخرون الذين دخلوا في الإسلام وحملوا أفكاراً مختلفة من عقائدهم السابقة، هل يعني ذلك أن العقيدة الإسلامية فيها فراغات وفيها هوامش لم يملأها المسلمون جيداً، أم ماذا يعني ذلك؟
الجواب: (2/20)
صفحة 521
العقيدة الإسلامية لم تكن هي مستوحاة من المسلمين، وإنما هي وحي الله تعالى، والله تعالى ما فرط في الكتاب من شيء، ولكن على كل حال بدأت الأمور بتفسيرات للنصوص الكتاب من حيث إن الكتاب العزيز تحدث عن كثير من أخبار الأمم السابقة وتحدث عن كثير من أحوال الكون، وهناك من دخل في الإسلام وهو عنده بعض القصص عن بعض الأمم السابقة، وعنده أيضاً بعض التصورات عن نظام هذا الكون فألحق بتفسير القرآن ما ألحق من أمثال هذه الأشياء، وبدأ الغزو شيئاً فشيئاً، بدأ الغزو يدب في هذه الأمة شيئا فشيئا، بل هذا الغزو متصادم مع الكتاب العزيز ومع السنة النبوية الصحيحة الثابتة التي لا يحوم حولها أي ريب.
ولكن مع ذلك عجبنا كيف وجد من يروج لمثل هذا الفكر حتى راج في أوساط الأمة، نأتي على سبيل المثال نحن نجد من التحريفات الموجودة في التوراة المحرفة وصف الأنبياء بأوحش الصفات، وصف الأنبياء بأنهم قساة وأنهم قتلة وأنهم شهوانيون وأنهم وأنهم وأنهم إلى آخره، هذه الصفات موجودة في التوراة، وصف لوط عليه السلام بأنه سكر وزنى بابنته وحملت منه، أعوذ بالله نبي من أنبياء الله يوصف بهذه الفحشاء العظيمة، وكذلك نبي الله يعقوب وصف بما وصف به، وغيرهم من الأنبياء وصفوا بأنهم حسدة وأنهم قتلة وأنهم وأنهم إلى آخره. (2/35)
صفحة 522
ومما يؤسف له أن هذه الأفكار انتقلت إلى تفسير كتاب الله، فنجد مثلاً في كتاب الله تبارك وتعالى آيات جاءت هذه الآيات وهي بحاجة إلى ما يبينها، وبيانها واضح من نفس الكتاب، ومن الروايات الصحيحة، ومن المقارنة والنظر في الأدلة، ولكن مع ذلك أسلس الناس القياد للروايات الباطلة الضعيفة التي دسها من دسها، مثال ذلك في قصة يوسف عليه السلام، يوسف عليه السلام برأه الله تعالى من أن يكون قد حام حول الفاحشة، وهذا واضح في قوله تعالى (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) (يوسف: من الآية24)، وقد حكى الله تبارك وتعالى عنه قوله (مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (يوسف: من الآية23)، وحكى الله تعالى عنه قوله (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) (يوسف: من الآية33)، إلى غير ذلك من الأدلة التي تدل على براءته عليه السلام، لكن وجدنا من المفسرين من المسلمين من يقول بأن يوسف عليه السلام عندما دعته امرأة العزيز إلى نفسها وعرضت عليه الوقوع في الفحشاء استجاب لها حتى جلس بين رجليها مجلس الرجل من امرأته، وحل تكة سراويله فرأى بعد ذلك آية تردعه عن ذلك، جاء في بعض الروايات أنه رأى كفاً مكتوباً عليها كيف تصنع فعل السفهاء وأنت معدود في الأنبياء؟
ومنهم من قال إنه رأى يعقوب عليه السلام عاضاً على يده، إلى غير ذلك مما جاء في الروايات، هذه روايات كلها باطلة، هذا كله لا يصح. (2/36)
صفحة 523
وقد أجاد الفخر الرازي عندما قال في هذا بأن من قال مثل هذا الكلام كذّب الله تعالى، وكذّب يوسف عليه السلام، وكذّب امرأة العزيز، وكذّب النسوة، وكذّب إبليس، أما تكذيبه لله تعالى فإن الله تعالى قال (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) (يوسف: من الآية24)، وأما تكذيبه ليوسف عليه السلام فإن يوسف عليه السلام حكى الله تعالى عنه أنه قال (مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (يوسف: من الآية23)، وحكى الله تعالى عنه أنه قال (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) (يوسف: من الآية33)، وأما تكذيبه لامرأة العزيز فإنها قالت (وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) (يوسف: من الآية32) معنى استعصم امتنع، وأما تكذيبه للنسوة فإن الله تعالى حكى عنهن أنهن قلن) حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ) (يوسف: من الآية51)، وأما تكذيبه لإبليس فإن إبليس قال (لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (صّ:82 - 83)، ويوسف عليه السلام بشهادة الله تعالى له هو من عباد الله المخلصين، فأنى تصل إليه هذه الغواية. (2/37)
صفحة 524
وما قيل من أن المراد بقول الله تعالى (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا) (يوسف: من الآية24) هذا هو غير صحيح، فإن الهم هنا هو أمر آخر غير هذا، هي لما عرضت عليه ما عرضت عليه من الوقوع في الفاحشة امتنع امتناعاً قاطعاً عن الاستجابة لندائها، ولما امتنع ذلك الامتناع رأت أن هذا غلام مشترى، وقد جاء به سيده إليها وجعله تحت تصرفها وتعرض عليه مثل هذا الأمر وهو يأبى ذلك فرأت أن تعاقبه، فهمت به، همت أن تضربه، وهم بها، هم أن يرد عليها هذا الضرب لولا أن رأى برهان ربه، رأى من البرهان من يدل على أنه لو فعل ذلك لظهر عليها أثر الضرب وكان ذلك مما يقوي حجتها عليه، فلذلك ولى هارباً فاجتذبته من قميصه فقدت قميصه من دبر فكان ذلك حجة له عليها.
هذا هو التفسير الصحيح الذي يتلاءم مع الأدلة وهو أيضاً يتلاءم مع كلمة الهم لأن المرأة لا تهم بالمجامعة إذ هي مفعول بها وليست فاعلة فهي لا تفعل شيئاً للرجل وإنما تمكنه من نفسها هذا كل ما تفعله أما الرجل هو الذي يفعل. فإذاً همها به إنما همها بضربه بعدما امتنع عن الاستجابة لداعي، وهم أن يرد عليها ذلك، أن يضربها كما تريد أن تفعل، ولكن من برهان الله تبارك وتعالى ما ألقي في روعه وألهمه أنه لو فعل ذلك لانقلبت الحجة عليه فأولى له أن يفر هاربا.
السؤال (3)
ما الفرق بين صلاة الحاجة وصلاة الاستخارة؟
الجواب:
صلاة الحاجة لم ترد بها سنة، وإنما الصلاة مظنة لاستجابة الدعاء، فالإنسان ينبغي له إذا عرضت له حاجة إما أن يدعو الله تعالى بعد فريضة يصليها، أو بعد سنة من السنن التي يصليها، أو أن يدعو بعد نافلة أن يسأل الله تبارك وتعالى حاجته. (2/38)
صفحة 525
أما الاستخارة فقد جاء في الحديث: ما خاب من استخار، ولا ضل من استشار. فينبغي للإنسان أن يستخير الله تعالى حتى يتبين له صواب ما يريد أن يقدم عليه أو عكسه، هل ما يريد أن يقدم عليه في مصلحته أو في غير مصلحته، وذلك بأن يسأل الله تعالى أن يلهمه ما فيه مصلحته في عاجلته وفي آجلته، في دنياه وفي آخرته، في ظاهر أمره وفي باطنه، في سريرته وفي علانيته.
السؤال (4)
هناك عدد من المفاهيم يقول البعض بأن دعاة المسلمين يوضحونها بصورة تخالف الواقع الذي يعيشه الناس اليوم، من بين ذلك يقولون بأن هنالك عداوة مستحكمة بين العقيدة الإسلامية وعقيدة أهل الكتاب حيث أن الصورة المدفوع بها هو أن أصحاب هذه العقيدة لا يحملون شيئاً من الخير للأمة المسلمة، ولكن الذي يشاهده الناس الآن هو أن أصحاب هذه العقيدة يندفعون الآن بأعداد كبيرة للدفاع عن شعوب مسلمة في حين لا يرى شيء من ذلك عند المسلمين بالطرق السلمية نفسها، فهل هذا يشكك في عقيدة المسلم؟
الجواب:
عقيدة المسلم عقيدة واضحة لا غبار عليها، ويجب أن نعلم قبل كل شيء أن العقيدة الصحيحة التي جاء بها الكتاب المنزل قبل القرآن الكريم لا تتصادم مع عقيدة القرآن ولا تختلف مع عقيدة القرآن، ولم يكن نسخ في المعتقدات أبداً، ليس هنالك نسخ في شيء من المعتقدات، وإنما حصل ما حصل من التحريف، والقرآن الكريم جاء ليصوب هذا الذي حصل، جاء ليرد الناس إلى الجادة التي كان عليها الأنبياء المتقدمون. (2/39)
صفحة 526
ونحن نجد القرآن الكريم ينصف أهل الكتاب فلا يعمم الحكم عليهم بالانحراف جميعاً لأن بعض أهل الكتاب في عصر النبوة أدركوا الحقيقة وأتبعوا الحق بل وكانوا على الحق من قبل أن ينزل القرآن، الله تبارك وتعالى يقول في هؤلاء (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) (القصص:52 - 55)، هكذا يصف طائفة من أهل الكتاب، هؤلاء اتبعوا الحق، وآمنوا به وارتضوه ولم يفرطوا فيه.
كذلك يقول الله تعالى (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) (آل عمران:113 - 114)، وكذلك يقول الله تبارك وتعالى (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (المائدة:82 - 83) إلى آخر ما وصفهم الله تعالى به. (2/40)
صفحة 527
فإذاً هذا ثناء من الله تبارك وتعالى على طائفة من أهل الكتاب، أنزل فيهم الحق تعالى قرآناً يتلى في الصلوات وفي غيرها، وهو مما يدل على إنصاف من كان منصفاً ومن كان متبعاً للحق ومن كان حريصاً على الحق.
ونحن لا نشك أن كثيراً من الناس على الفطرة. كثير من الناس لو تبينوا الحقيقة لاعتنقوها، ولو تبينوا الحق لاتبعوه، ولكن هنالك ضباب حال ما بينهم وبين معرفة الحق، فبما أنهم على الفطرة ينساقون إلى الخير وينساقون إلى الإنصاف.
ونحن نرجو أن يكون هنالك عرض حسن للإسلام من قبل المسلمين، وهذا يتوقف كما قلت إلى أن تصوغ الأمة نفسها صياغة جديدة، صياغة تكون نابعة من القرآن ومن السنة الثابتة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، عندئذ تكون هذه الأمة حقيقة بأن تعرض الإسلام الحق، أما وهي على ما هي عليه من الانحراف في الفكر ومن الاختلاف في المناهج والمسالك ومن اتباع ذات اليمين وذات الشمال وإيثار الهوى على الهدى فإن ذلك مما يجعل ظهور الإسلام عند هؤلاء ظهوراً مكتنفاً بضباب، فلذلك من المهم أن يقشع هذا الضباب، وأن تسطع شمس الحقيقة حتى يذوب هذا الضباب ويتبين الناس حقيقة الإسلام دين الله تعالى الحق.
السؤال (5)
هل تبقى للأب سلطة على ابنته بعد زواجها؟
الجواب: (2/41)
صفحة 528
حقيقة الأمر أولاً قبل كل شيء علينا نحن أن ندرك بأن الإسلام يختلف تمام الاختلاف عن النظم السائدة الجديدة، فالبنت عندما تتزوج لا تنفصل عن أسرتها بخلاف النظام المتبع عند غير المسلمين والذي مما يؤسف أن نجد المسلمين أيضاً ينساقون ورائه وهم مع ذلك يرددون الآن شعار تحرير المرأة وشعار إنصاف المرأة إلى غير ذلك مع أن المرأة أصبحت تذوب شخصيتها، حتى عندما تتزوج تفقد انتمائها إلى أسرتها فهي تنتمي إلى أسرة الزوج ولا تنتمي إلى أسرتها، هذا كلام غير صحيح، الإسلام لا يقر ذلك، تبقى علاقتها بأبيها، تبقى ابنة له، له عليها الحقوق، ولها عليه الحقوق، له عليها حقوق الأبوة، ولها عليه حقوق البنوة، هي ابنته عليه أن يرعاها، وعليه أن يحافظ على شرفها، وأن يحافظ على كرامتها ولو كانت هي في كنف زوج، ولكن لا يعني هذا أن يرفع نظرته عنها، بل عليه أن يشعرها بحنان الأبوة دائماً، وكذلك هي عليها بره، فالعلاقة لا تنقطع، وإنما هنالك حقوق كبيرة حقوق الزوج، حقوق الزوج حقوق عظيمة فهو القوام عليها بعدما كان أبوها قواماً عليها قبل أن تتزوج أصبح الزوج هو القوام عليها فهو الذي يجب عليه أن ينفق عليها، وهو الذي يجب عليه أن يرعى مصالحها، وهو الذي يجب عليه أن يوجهها الوجهة السليمة، وهي عليها أيضاً أن تطيعه ما دام في طلبه لها لم يخرج عن طاعة الله تبارك وتعالى، تطيعه في حدود طاعة الله وفي حدود ما أذن الله تعالى به، أما إن دعاها إلى ما لم يأذن بها الله فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، هذا مما يجب أن يعرف. (2/42)
صفحة 529
ثم مع هذا كله أيضاً علينا أن ندرك بأن حقوق الزوجية حقوق عظيمة، حقوق الزوجية ليست هي على جانب للجانب آخر فحسب، بل هي متبادلة بين الجانبين جميعا، فإن الله تبارك وتعالى قول (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: من الآية228)، أي لهن على الأزواج من الحقوق مثل ما للأزواج عليهن من الحقوق بالمعروف، وإنما الميزة التي توجد واحدة وهي ميزة القوامة التي جعلها الله في يد الرجل وهي التي أشار إليها القرآن عندما قال (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) (البقرة: من الآية228)، أي درجة القوامة ذلك لأن المرأة من عادتها أن تتأثر عاطفتها، وأن تنساق كثيراً وراء عواطفها، فلذلك لا تستطيع أن تتحكم في هذه العواطف بقدر ما يستطيع الرجل ولذلك جعل الطلاق بيده ولم يجعل بيدها، وجعلت الرعاية إليه ولم تجعل إليها اللهم إلا أنها واجب عليها أن ترعى البيت، وأن ترعى مصلحته ومصلحة أولادها، فهذه حقوق مشتركة ما بين الزوجين.
وليس ذلك فحسب بل بين الله تعالى أن الزوجين جميعاً يكوّنان هيكلاً اجتماعياً واحداً، الرجل جزء منه والمرأة جزءه الآخر، فكل واحد منهما بعض من هذه الحقيقة التي تضمهما جميعاً، فكأنهما غصنان من شجرة واحدة وهذا الذي يوحي به القرآن عندما يقول سبحانه وتعالى (وَكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) (النساء: من الآية21)، ولم يقل وقد أفضيتم إليهن. هذا مما يدل على عظم الحقوق المتبادلة بين الزوجين. فعلى كل واحد من الزوجين أن يرعى ذلك. (2/43)
صفحة 530
ولكن مع هذا على المرأة أيضاً أن تبر أباها بجانب ما يجب عليها من حقوق للزوج، وعليها أن تبر أمها، لا يعني هذا أنها لا يجب عليها شيء من الحقوق لأبويها بعدما تزوجت، بل الحقوق تظل واجبة عليها لهما، وكذلك هي أيضا بما أنها كائن اجتماعي تجب عليها حقوق لأرحامها، وعلى الرجل أن يرعى ذلك، وأن يقدر هذا الأمر فلا يمنعها من أداء هذه الحقوق لأرحامها.
السؤال (6)
إذن تبقى الطاعة في الأمر والنهي للزوج؟
الجواب:
الأمر والنهي للزوج مع أن الأب أيضاً عليه لو قصر الزوج في الأمر والنهي ودعاها الزوج إلى المنكر، لو دعاها أن تتبرج تبرج الجاهلية حتى يقال بأنه متطور وأنه متحضر وأنه يساير ركب التقدم وأرادها أن تحضر المراقص، على الأب أن يغير ذلك وله الحق أن يتدخل في هذا ولو بضربها.
السؤال (7)
لبس الجوارب أثناء الصلاة، هل يضر بالصلاة؟
الجواب:
لا، ما الذي يضر بالصلاة؟ الجوارب لا تمنع الأقدام من أن تصل إلى الأرض، لا تمنع من السجود على سبعة أراب.
السؤال (8)
ولا تدخل في مسالة الإسبال؟
الجواب:
لا، لا.
السؤال (9)
التيمم هل لا بد أن يكون من تراب فيه غبار؟
الجواب:
العلماء اختلفوا في التيمم، هل التيمم هو بكل ما على الأرض لأن الصعيد يشمل كل ما على الأرض، أو أنه لا بد من أن يكون من تراب يتصل باليدين في حال الضرب، ويمسح الإنسان بهذا التراب وجهه وكفيه كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم، أي يبقى في الكفين شيء من هذا التراب الذي يمسح به وجهه وكفيه.
منهم من قال يمكن أن يكون التيمم بأي شيء، بكل ما على الأرض من الحصى وأنواع الأتربة وكل ما على الأرض نظراً إلى أن الصعيد كل ما صعد على الأرض.
ومنهم من قال لا، ومنشأ الخلاف النظر إلى (من) في قول الله تعالى (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) (المائدة: من الآية6)، لأن (من) تستعمل لمعنيين تأتي تارة للتبعيض، وتأتي تارة لابتداء الغاية. (2/44)
صفحة 531
فالذي قال التيمم جائز بكل شيء جعلها لابتداء الغاية، والذي قال بأن التيمم لا بد من أن يكون بالتراب قال بأن (من) هذه هنا للتبعيض، فلذلك لا بد من أن يكون المسح ببعض من التراب، وهذا أظهر، ومما يؤيد هذا أن الله تبارك وتعالى قال (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) (المائدة: من الآية 6) أمر بأن يتيمم الصعيد الطيب، والطيب فسرته آية أخرى وهي قوله تعالى (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ) (الأعراف: من الآية58)، فإذاً التراب المنبت، ومعنى ذلك أن أنواع الحصى وسائر الأشياء لا يتيمم بها.
كذلك اختلفوا نظراً إلى أن الحديث جاء عن النبي صلى الله عليه وسلّم: جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا، جاء في رواية (وترابها طهورا) لكن جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا، هل كل ما يصلى عليه يتيمم به أو لا، أيضاً هذا مما وقع فيه الاختلاف بين أهل العلم، والله تعالى أعلم.
السؤال (10)
من كان يرقد في المستشفى ولم يجد تراباً يتيمم به وجسده متصل بأجهزة العلاج ففي هذه الحالة كيف يتيمم؟
الجواب:
في هذه الحالة يصلي بدون وضوء ولا تيمم إن عجز عنهما جميعاً لأن الله تعالى يقول (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: من الآية16)، ويقول (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية286)، ويقول (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا) (الطلاق: من الآية7)، فعندما يعجز عن الوضوء وعن التيمم يسقطان عنه ويسقط اشتراطهما ولا يسقط المشترط وهو الصلاة، فعليه أن يأتي بالصلاة لأنها لا تسقط وإنما تسقط العبادة المشترط لها هكذا، ومن العلماء من قال بأنه إن أمكنه أن يضرب ضربتين في الفضاء وينوي بهما التيمم فذلك مما يؤمر وهذا من باب الاحتياط إذ لم يأت بذلك دليل قط.
السؤال (11)
هذا الحال يصدق يسقط مع راكب الطائرة إن لم يجد ماءً؟
الجواب: (2/45)
صفحة 532
إن لم يجد ماءً نعم، وإن تمكن إذا كان هناك غبار في المقاعد وتمكن من الضرب على ذلك الغبار فليفعل.
السؤال (12)
توفي رجل وخلف بنتاً وخلف أيضاً ولد أخ من أم، هل يرث ولد الأخ من الأم؟
الجواب:
لا، لأنه ذو رحم، ولا يرث ذو الرحم مع العاصب أو ذي السهم، فللبنت النصف والباقي للعاصب إن وجد، فإن لم يوجد عاصب ولم يوجد وارث آخر كأم أو أب أو أخت، الأخت تكون عاصباً لأن الأخوات مع البنات عصبات، إن لم يوجد أحد من أمثال هؤلاء لا أخ ولا أخت، أي لا أخ أبوي أو شقيق ولا أخت أبوية أو شقيقة ولا أم ولا أب ولا ابن عم ولو كان بعيداً في هذه الحالة الباقي يرد إلى الابنة وتكون هي وارثة للجميع.
السؤال (13)
رجل لم يحدث أن أساء إلى زوجته أو أن جرح مشاعرها ولو حدث فهو نادم، لكن زوجته الآن تطلب منه الطلاق وتريد الانفصال، وهو لا يريد ذلك أبداً ويقدم لها تنازلات عدة وهي ترفض إلا أن يطلقها، وهو يعز عليه أن يطلقها ولا يتحمل طلاقها ومعهم بنت، فما هو الحل لهذه المسألة؟
الجواب:
الحل ما جاء به القرآن (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) (النساء: من الآية35)، فأرى في مثل هذا الموقف أن يحكّم حكمان، حكم من أسرته وحكم من أسرتها بحيث يبحثا المشكلة بحثاً مستفيضاً دقيقاً واسعا حتى يتوصلا إلى أساس المشكلة، فإن كانت المشكلة يمكن علاجها فعليهما أن يعالجاها وإلا فلا بد مما لا بد منه. (2/46)
صفحة 533
وأنا أقدر مشاعر هذا السائل، وأحترم موقفه لأنه لم يتسرع إلى الطلاق كما يفعل كثير من الرجال، وأريد أن أنبهه بأنه لو أراد أن يطلق، لو اقتضى الأمر ذلك ولم يكن هنالك أي علاج نافع فعليه أن يراعي السنة النبوية في التطليق، بل عليه أن يراعي الأوامر الإلهية أولاً فالله تبارك وتعالى يقول (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ) (الطلاق: من الآية1)، وهذا يعني أن تطلق المرأة كما جاء في السنة في الحديث الذي بيّن هذه الآية وهو حديث ابن عمر رضي الله عنهما الذي طلق امرأته وهي حائض فجاء عمر رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلّم وقال له: يا رسول الله إن عبدالله طلق امرأته وهي حائض. فقال له: مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإن شاء أمسك وإن شاء طلق فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء.
أي أن يطلقها في طهر لم يباشرها فيه، لا يطلقها في حيض ولا يطلقها في طهر باشرها فيه، وإنما يطلقها في طهر لم يباشرها فيه، على أن يكون هذا الطلاق طلقة واحدة من غير زيادة، لا أن يطلقها ثلاث تطليقات أو ألف تطليقة أو سبعين تطليقة أو يقول لها حرمت علي وحللت لأي أحد آخر كما يفعل ذلك العوام الجهلة الذين يحرمون ما أحل ويحللون ما أحل الله، وبئس ما يفعلون
السؤال (14)
هناك كلمات يظهر أنها كلمات كفر وجاءت نتيجة عدم فهم المسلمين لعقيدتهم الإسلامية فمثلاً البعض يقول لا حول الله، ولا يكملها، والبعض يسمي الشبشب وهي النعل المعروفة ببعض الصفات يسميها زنوبة ويقول البعض أن هذا اسم يهودي، والبعض يقول راعي السباق، فراعنا الذي وردت في القرآن ربما ينطبق عليها هذا الكلام، فهل من نصيحة تقدمونها لهؤلاء؟
الجواب:
على الناس أن يتقوا الله تعالى في عباراتهم. (2/47)
صفحة 534
أولاً ما يتعلق بالله تبارك وتعالى عليهم ألا يتحدثوا عن الله إلا بما فيه تعظيم لله وتقديس له وتنزيه له بحسب ما أذن الله سبحانه وتعالى من غير أن ينحرفوا عن ذلك، وليلزموا ما أمروا أن يقولوه، فهم عليهم أن يقولوا لا إله إلا الله، لا أن يقول لا إله، لأن كلمة لا إله هي كلمة إلحاد نفي للألوهية تعالى الله عن ذلك، وكذلك عليهم أن يقولوا لا حول ولا قوة إلا بالله، لا أن يقولوا لا حول ويسكتوا، أو يقولوا لا حول الله، ومثل هذه الكلمات كفر وأي كفر، هذه من الكلمات الكفرية التي لا يعذر صاحبها، فعليهم أن يتقوا الله.
وكذلك الكلمات التي ربما تثير شكوكاً أو يترتب عليها شيء من المفاسد عليهم أن يتقوا الله وألا يقولوها، فإن سد الذرائع باب من أبواب الشريعة الإسلامية جاء به القرآن الكريم وجاءت به السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فعلى المسلمين جميعاً أن يتقوا الله في هذا وألا يفرطوا في أمر دينهم، والله تعالى المستعان.
تمت الحلقة بحمد الله وتوفيقه
9 من ربيع الأول 1424 هـ، 11/ 5/2003م
الموضوع: الأخلاق الإسلامية
السؤال (1)
الذي أوتي علماً غزيراً كيف يتعامل مع الآخرين؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: (2/48)
صفحة 535
فإن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان خلقاً سويا، ومنّ عليه بنعمة العقل ورفع درجته وأعلى شأنه إذ كرمه بما آتاه من مواهب، وبوأه منصب الخلافة في هذه الأرض، وجعله سيداً في هذا الكون، يقول تبارك وتعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء:70)، هذا التكريم لا يعود إلى جسم الإنسان وأصله، وإنما يعود إلى النفخة الربانية التي نفخها في هذا الجسم فتحول إلى خلق آخر، فلو كان الأمر يعود إلى الجسم لربما كان جسم الحيوان أحسن من جسم الإنسان من حيث إن جسم الحيوان قد يكون أقوى بكثير من جسم الإنسان، وقد يكون أقدر على مقاومة التحديات المختلفة والطبيعة المتنوعة، ولكن الله تبارك وتعالى جعل تلكم النفخة الربانية هي التي رفعت من شأن الإنسان، ولئن كان الإنسان رفع بهذه النفخة الربانية فعليه أن يعلم أن الحق سبحانه وتعالى جعله عبداً متحملاً لأمانته، وأن فضله ومنزلته بقدر ما يتحمل هذه الأمانة لا أن يتعالى بسبب أي شيء أوتيه في هذه الحياة الدنيا، إذ لا قيمة للعلم وحده من غير أن يكون العبد متخلقاً بالخلق الكريم، فالله سبحانه وتعالى قد اختار عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلّم وشرّفه فوق الخلائق كلها وأعلى منزلته وجعل رسالته رحمة للعالمين فقد قال سبحانه وتعالى مخاطباً عبده ورسوله عليه أفضل الصلاة والسلام (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107)، ولكن عندما أثنى سبحانه وتعالى عليه بماذا وصفه؟ هل وصفه بالعلم الغزير؟ لا، وإنما وصفه بالخلق العظيم فقد قال تعالى مخاطباً إياه صلوات الله وسلامه عليه (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4)، ولم يقل له وإنك لعلى علم غزير، بل قال سبحانه وتعالى مخاطباً له ولغيره (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا (2/49)
صفحة 536
قَلِيلاً) (الإسراء: من الآية85).
فإذاً هذا الإنسان لا يكون سموه في هذه الحياة بمنصبه ولا بجاهه ولا بعلمه إن كان مجرداً من الأخلاق، فالأخلاق هي ميزان التفاضل بين الناس، ذلك لأن الخلق الرفيع يؤدي إلى أن يكون الإنسان أولاً مراعياً لحق الله سبحانه الذي خلقه فسواه، إذ غروره قد يجعله يرى أنه وصل إلى ما وصل إليه باستحقاق، وأن الله تبارك وتعالى لا فضل له عليه وهذا أمر فيه من الخطورة ما لا يمكن أن يتصوره متصور، فإن الغرور هو الذي يردي صاحبه، ما اغتر مغتر وإلا وكان غروره سبباً لما وصل إليه من إذلال الله تعالى له ومن إهانته إياه، ففرعون اغتر حتى وصل به الأمر إلى أن يقول (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) (القصص: من الآية38)، وقال (وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي) (الزخرف: من الآية51)، فأهلكه الله سبحانه وتعالى بما كان مغتراً به، أهلكه بالماء إذ أغرقه فيه فكان عبرة للمعتبرين (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى) (النازعات:26)، وكذلك غيره.
والله تبارك وتعالى يبين لنا في كتابه أنه أهلك من أهلك من الأمم من قبلنا، تلكم الأمم التي أوتيت ما أوتيت إياه من المنافح الإلهية ولكنها لم تضعها في موضعها فإنه سبحانه وتعالى يقول (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَانَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ) (الأنعام:6).
ولئن كان الغرور هو مصدر هلاك الإنسان، فإن غروره بالعلم أيضاً قد يكون مصدر هلاكه، إذ الله تبارك وتعالى قد حكى عن قارون قوله (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) (القصص: من الآية78)، وقد كان ذلك سببا لهلاكه، فهكذا يجب أن يعتبر المعتبرون. (2/50)
صفحة 537
والإنسان يجب عليه كلما زادت نعمة الله تبارك وتعالى عليه أن يكون أحسن خلقا وأطيب معاملة وأصفى سريرة، ليس للإنسان أن يتعالى بأن يؤتى علماً أو يؤتى منصباً أو يؤتى مالاً بل يجب أن تكون هذه المواهب الربانية تجعله يتطامن ويطأطئ رأسه ويعامل الآخرين معاملة رقيقة معاملة حسنة.
على أن هذه الدعوة التي بعث بها النبي صلى الله عليه وسلّم ما كان من أسباب انتشارها إلا ما كان متصفاً به عليه أفضل الصلاة والسلام من الصفات الحميدة والسجايا الحسنة التي مهدت لهذه الدعوة حتى وصلت إلى حيث وصلت إليه. (2/51)
صفحة 538
ونجد أن الله تعالى يخاطب النبي صلى الله عليه وسلّم وهو أشرف الخلق وهو بين جيل هو أشرف الأجيال وأطهر الأجيال جميعاً، جيل المهاجرين والأنصار الذين أثنى الله تعالى عليهم في كتابه عندما قال (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) (الفتح:29)، نرى أن الله تعالى يخاطب النبي صلى الله عليه وسلّم وهو أشرف الخلق وبين ذلك الجيل العظيم القدر العلي المنزلة فيقول له (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران: من الآية159)، هكذا لو كان صلى الله عليه وسلّم قاسي المعاملة خشن الأخلاق لانفض أولئك الذين هم خير القرون من حوله وما كانت الصلة بينه وبينهم صلة سيا، فكيف بغيره صلى الله عليه وسلّم، وكيف بمن يعامل جيلاً آخر غير ذلك الجيل. (2/52)
صفحة 539
على أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلّم أن يكون دمث الأخلاق في دعوته حسن المعاملة للناس جميعاً إذ يقول له (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل:125)، كذلك نجد أنه سبحانه وتعالى يقول في مقام ذكر الدعوة (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصلت:34)، وهذا يدل على تأثير الأخلاق في تعامل الإنسان مع بني جنسه.
ولذلك نحن نجد في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم ما يدل على أن الأخلاق هي التي تقرب العبد إلى الله، وهي التي تقرب الإنسان المسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم يوم القيامة فيكون قريباً المنزلة منه، فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول (إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون المتفيهون) فالإنسان إنما يحمد بأخلاقه ويوزن بأخلاقه، إذ الإنسان نسبه ما يكون متحلياً به من أخلاق فاضلة وعمل صالح يقربه إلى الله تعالى زلفى.
ونجد في حديث آخر أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام يقول للسيدة أم المؤمنين أم سلمة رضي الله تعالى عنها: يا أم سلمة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة. ومعنى ذهاب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة أن حسن الخلق لم يدع لغيره من خير الدنيا والآخرة شيئاً، بل احتوى خير الدنيا والآخرة، فالإنسان بقدر ما يكون عليه من خلق فاضل في هذه الحياة الدنيا يكون له الخير الكثير في هذه الدنيا إذ تكون محبة الناس له تفعم قلوبهم، وكذلك بالنسبة إلى الدار الآخرة فإن منزلته عند الله إنما تكون بقدر ما يكون عليه من أخلاق. (2/53)
صفحة 540
فلذلك على الإنسان أن يحرص دائماً على أن يحسن خلقه، وأن يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به، لا أن يعاملهم بالقسوة والخشونة ولو كان يغيّر منكرا ًعليهم عليه أن يأتيهم بالرفق واللطف إذ ما دخل الرفق شيئاً إلا زانه، وما دخل العنف شيئاً إلا شانه، فهكذا يجب أن تكون أخلاق المؤمنين، أن تكون جذابة هي بنفسها تدعو إلى الحق وإلى الإسلام أكثر مما تدعو ألسنتهم، والله تعالى ولي التوفيق.
السؤال (2)
حول قضية الأخلاق الموروثة، البعض عندما يريد أن يسم إنساناً بالأخلاق السيئة يقول هذا نشا في ظل أبوين قاسيين غليظين ولذلك فهذه هي طبيعته ورثها عن أبويه.
فهل تستطيع الأخلاق الإسلامية أن تغير هذه الطبائع فتحول ما نشأ عليه هذا الإنسان إلى طبائع أخرى؟
الجواب:
نعم، الإيمان يحول الإنسان من طبع إلى طبع، ومن مسلك إلى آخر، يحوّل الإنسان من جبلة إلى جبلة أخرى، فالإيمان هو الذي يجعل الإنسان يستعلي على ما كان متصفاً به قبل إيمانه، وهذا ما نشاهده في القرآن الكريم، فإن القرآن الكريم يتحدث عن سحرة فرعون ويحكي عنهم كيف كان طمعهم، كيف كانت نظرتهم إلى الحياة المادية، كيف كان طموحهم إلى أن ينالوا المكاسب التي كانوا يسعون إليها من وراء سحرهم، فهم الذين قالوا لفرعون كما حكى الله عنهم (أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ) (الشعراء: من الآية41)، ما كانوا ينظرون إلا إلى حطام هذه الحياة الدنيا، ولكنهم بالإيمان تحولوا فجأة إلى طبائع غير طباعهم، وإلى أخلاق غير أخلاقهم، وإلى مقاييس غير مقاييسهم، فهم الذين قالوا لفرعون نفسه بعد أن تهددهم (لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (طه: من الآية72). (2/54)
صفحة 541
وكذلك بالنسبة إلى المهاجرين والأنصار، العرب كانوا معروفين بقسوة القلوب وبغلظة الأكباد نتيجة الحروب الطاحنة التي كانت تأكل الأخضر واليابس عندهم، ويتوارثها الجميع يرثها الأولاد والحفدة عن الآباء والأجداد، إلا أن الإسلام رقق طباعهم وهذّب أخلاقهم وغيّر مشاعرهم وأحاسيسهم، فكانوا يختلفون تمام الاختلاف، يكفي ما كان يحكى عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه مما كان عليه في الجاهلية في جاهليته حتى أنه حكي عنه أنه كان ممن وأد البنات، كيف تحولت طبيعته إلى طبيعة أخرى عندما أكرمه الله سبحانه وتعالى بالإسلام، فكان رقيق الحاشية لطيف المعاملة مهذب الأخلاق مع ما كان فيه من الشدة إلا أن الشدة التي كان متصفاً بها إنما كانت غيرة على حرمات الله، ولم تكن هذه الشدة من أجل نفسه أبداً، ما كان يشتد من أجل نفسه، بل كان يحرص على أن يتواضع ويخضع حتى أنه عندما أعلن أمام الملأ، أمام الجمهور: أيها الناس إذا رأيتم فيّ اعوجاجاً فقوموه في. فقال له أحد الحاضرين من عرض الناس الحاضرين: ولله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا. ما كان منه أن أنف وتكبر وتعالى وأدّعى أن منزلته لا تتلائم مع هذا الجواب بل حمد الله على أن أكرمه بأن وجد في رعيته من يقوم اعوجاجه بسيفه.
وكذلك عندما يكون حوار بينه وبين امرأة وتظفر المرأة بالحجة يقول: كل الناس أفقه من عمر حتى النساء، وهكذا كان لطيف المعاملة رقيق الحاشية وذلك كله إنما يعود إلى خلق الإيمان إلى خلق الإسلام، الإسلام الذي جبله على هذه الأخلاق الحسنة بعدما كان في جاهليته مجبولاً على غيرها، فإذن الأخلاق الإسلامية لها أثراً على الإنسان. (2/55)
صفحة 542
لا ريب أن للتربية أثراً كبيراً على نفس الإنسان ولكن عندما يتعمق الفهم الإسلامي في نفسه، وتتبين له الرؤى، ويميز بين الباطل والحق وبين الضلال والهدى وبين الغي والرشد، فإنه بطبيعة الحال يتجاوب مع هذا التصور الصحيح، وتكون أخلاقه إنعكاساً لهذا التصور الصحيح، ولذلك يكون المسلم دائماً رقيق الحاشية حسن المعاملة، والله تعالى المستعان.
السؤال (3)
هل هذا يصدق على البيئة التي يعيش فيها الإنسان لأن علماء الاجتماع كابن خلدون صنف الناس بحسب المناطق التي يسكنون فيها فالذين يسكنون في المناطق الباردة يقول بأن أخلاقهم هادئة ودمثة، وأما الذين يسكنون في المناطق الصحراوية القاسية فطبائعهم تكون غليظة، فالبيئة هذه هل لها أثر أيضاً على أخلاق الإنسان؟
الجواب:
أنا لا أنكر أن يكون للبيئة اثر على طبيعة ألإنسان، ونحن نجد المناخات تختلف أخلاق أهلها باختلافها، فقد يكون مجتمع من المجتمعات شديد المعاملة قاسي المعاملة، بينما مجتمع آخر يكون بخلاف ذلك، هذا مما نجده في الناس، ولكن مع هذا كله فإن الإسلام يهذب هذه الأخلاق، عندما يكون الإنسان حقاً مسلماً متمكساً بإسلامه عاضاً بالنواجذ على تعاليم الإسلام دين الله الحق.
الإسلام يهذب الأخلاق ويجعل الإنسان كما ذكرنا لطيف المعاملة رقيق الحاشية يستقبل إخوانه بشوشاً مبتسماً، ويعد ذلك من الصدقات التي يتصدق بها لأجل أن يكرمه الله بالأجور كما دل على ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلّم (وابتسامك في وجه أخيك صدقة). (2/56)
صفحة 543
فالإنسان المسلم إنما يلقى إخوانه بوجه طلق، بوجه كله بشر وكله فأل حسن وكله انبساط، لا يلقاه بوجه عبوس مكفهر، وهذا لا ينحصر في معاملة الإنسان المسلم للناس الآخرين غير أهل بيته، بل حتى في بيته، الإنسان المسلم عليه أن يكون لطيف المعاملة (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلّم، النبي عليه أفضل الصلاة والسلام كان ألطف الناس في معاملة أهله، عندما يدخل بيته يكون وديعاً إلى أقصى الحدود، ويكون لطيف المعشر إلى أقصى الحدود لأن الإيمان هو الذي جعل خلقه من هذا النوع العالي السامي، كيف وقد هيأه الله تعالى لحمل رسالة الإيمان إلى العالمين، وجعل هذه الرسالة رحمة للعالمين، فإذن هكذا يجب أن يكون المسلم، لا أن يدخل بيته مقطب الجبين مكفهر الوجه لا ينظر إلا شزرا، ولا يرد جواباً إلا بغلظة وبقسوة، هذه الحالة غير مألوفة في الإسلام، عندما دخل صبي من صبيان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عليه وهو في مجلسه، وفي مجلسه رجل جاء ليبعثه إلى ولاية من الولايات أي ليوليه منطقة من مناطق الأمة ألإسلامية، قطراً من أقطار الإسلام فلما دخل الصبي استقبله عمر رضي الله عنه وبش له وقبله، فقال له: حتى أنت تقبل أولادك والله إن لي من الولد كذا وما قبلت أحداً منهم قط. فعمر رضي الله عنه على الفور قال: إذاً لا أوليك أمر المسلمين إن كنت قاسياً في معاملتك لأولادك فكيف تكون معاملتك للآخرين. وأبى أن يوليه، أنهى المعاملة، وهكذا كل السلف الصالح الذين كانوا تشربوا روح الإسلام إنما كانت معاملتهم معاملة لطيفة. (2/57)
صفحة 544
وهذه المعاملة هي التي جرت الناس إلى الحق، هي التي أقنعت الأمم فتساوق الناس إلى الدخول في دين الله أفواجأًُ، ما كانت معاملتهم معاملة قاسية منفرة، كما قلت إن كان النبي صلى الله عليه وسلّم يقول الله تعالى (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران: من الآية159)، فكيف بغيره عليه أفضل الصلاة والسلام.
السؤال (4)
الذي يحافظ على الصلوات في جماعة ويصوم النهار ويقوم الليل ويؤدي جملة كبيرة من العبادات والطاعات والنوافل ولكنه يسيء أخلاقه مع الناس فكيف ينظر إليه الإسلام؟
الجواب:
جاء في رواية أنا لا أعلم ما مدى صحة سندها، ولكن على أي حال الرواية تدل على خطورة سوء المعاملة، جاء في رواية أن النبي صلى الله عليه وسلّم سئل عن امرأة تقوم الليل وتصوم النهار ولكنها تؤذي جيرانها فقال: هي في النار. كانت تؤذي جيرانها هي في النار، وأذية الجار من سوء الخلق، لا يكون الإنسان مؤذياً لجيرانه إلا بسبب شراسة خلقه وسوء معاملته، وهكذا ينبه النبي صلى الله عليه وسلّم على خطورة سوء الأخلاق. هي في النار لأنها تسيء معاملة جيرانها.
فيجب على الإنسان ألا يجعل صيامه وقيامه وتحنثه مقياساً لفضله، بل عليه أن يستقل ذلك في جنب الله سبحانه. مهما عمل الإنسان من فضل من صلاة وصيام وصدقة وغير ذلك، ذلك قليل في جنب الله سبحانه، لأن حق الله أعظم من كل حق، ومع هذا عليه أن يشعر أنه أقل من غيره، وأن غيره يفضله، وبهذا يعامل الآخرين المعاملة الطيبة المعاملة الحسنة لأنه يشعر أن ذلك الآخر هو خير منه، ولا يشعر بأنه هو خير من ذلك الآخر، وليدرك كل إنسان أنه بقدر ما يقسو على الآخرين يكون بعيداً عن مرضاة الله سبحانه ويكون منحط المنزلة عند الله.
السؤال (5)
البعض يتساهل في العبادة بحجة أنها ليست هي المقياس في صلاح الإنسان وإنما الأخلاق هي المقياس، فكيف يجاب على هذا؟
الجواب: (2/58)
صفحة 545
العبادة المفروضة لا بد من الوفاء بها، فلا بد للإنسان أن يوفي بالعبادات المفروضة، ومن قصّر في العبادات المفروضة ولم يقم بحقها فإنه مهما حسنت أخلاقه ومهما حسنت معاملته لا يجديه ذلك مع هذا التقصير في الواجبات المفروضة عليه.
على الإنسان أن يطيع ربه سبحانه في كل ما أمره به، وفي كل ما نهاه عنه، (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (الأحزاب: من الآية36).
والعبادات هي مورثة للأخلاق الفاضلة، كل عبادة من العبادات مؤثرة في نفس صاحبها، الصلاة هي مؤثرة في نفس صاحبها (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (العنكبوت: من الآية45)، والله تعالى يقول أيضاً في الصلاة (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) (طه: من الآية14)، ونجد سبحانه وتعالى يقول (إِنَّ الأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ) (المعارج:19 - 23)، فمعنى هذا أن الصلاة مؤثرة في نفس الإنسان بحيث تصفيها من الأخلاق السيئة المذمومة، وكذلك الزكاة الله تعالى يقول (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) (التوبة: من الآية103)، وكذلك الصيام وكذلك الحج هذا مما يدل على أن العبادات جميعاً مؤثرة في نفس الإنسان تتولد منها الأخلاق الفاضلة، فلا ينبغي للإنسان أن يستهين بعبادة الله بأي حال من الأحوال، والله تعالى أعلم.
السؤال (6)
كيف يعامل المسلم الكافر؟
الجواب: (2/59)
صفحة 546
بطبيعة الحال لا يستوي الذين آمنوا والذين كفروا من حيث إن المؤمن مع المؤمنين لا بد من أن يكون ألطف معاملة وأحسن معاشرة، إلا أن ذلك لا يعني أن يقابل الكفار بما ينفرهم، إنما يقابلهم بحسن المعاملة وبلطف الأخلاق ليكون ذلك أدعى إلى قبولهم الدعوة، دعوة الحق دعوة الإسلام دعوة الإيمان، دعوة الفطرة الزكية التي فطر الله تعالى الناس عليها، ومن أجل هذا نجد أن الله سبحانه وتعالى يقول للنبي صلى الله عليه وسلّم (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: من الآية125)، ويقول (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (العنكبوت:46)، ويقول تعالى (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) (البقرة: من الآية83)، لم يقل (وقولوا للذين آمنوا حسنا) وإنما قال (وقولوا للناس حسنا). (2/60)
صفحة 547
فالإنسان المسلم عليه أن يستقبل الناس جميعاً بوجه طلق وبحسن البشاشة، لأنه مبلغ رسالة ولما كان مبلغ رسالة فإن هذه الرسالة لا بد من أن يكون تبليغها إلى الغير بالحكمة باللطف بالرفق ليكون ذاك أدعى إلى القبول، إذ الدعوة إن كانت بأسلوب قاس، أسلوب شديد عنيف كان ذلك منفراً عن قبولها، الله سبحانه وتعالى يقول (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت:33)، ثم بعد ذلك قال (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت:34 - 35)، هكذا يأمرنا الله سبحانه وتعالى أن نعامل الذين ندعوهم إلى الخير باللطف وبالرفق وبحسن المعاشرة، وهذا هو الذي يؤدي إلى اجتذاب القلوب وتألف النفوس حتى تنصاع للحق وتستجيب للهدى.
السؤال (7)
استقر في أفهام الناس انه إذا ألقى المسلم السلام رجل غير مسلم لا يرد عليه والبعض فهم غير المسلمين الآن أننا لا نرد عليهم السلام فصاروا ينظروا إلينا نظرة ليست جيدة، فهل نرد عليهم السلام؟
الجواب:
يقال لغير المسلم: وعليكم. وهذا كان له سبب وهو أن اليهود عندما كانوا يلقون السلام على النبي صلى الله عليه وسلّم كانوا يقولون السام عليكم، أي الموت عليكم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلّم أن يرد عليهم بقوله (وعليكم)، أي وعليكم ما تقولون، فكلمة (وعليكم) تفيد أن عليكم ما تقولون سواء قلتم خيراً أو قلتم شرا.
السؤال (8)
امرأة طبيعتها عصبية ويصدر منها صراخ شديد ويصدر منها إزعاج شديد لأطفالها وغضب، كيف تستطيع أن تغير هذا الطبع؟
الجواب: (2/61)
صفحة 548
على الإنسان دائماً أن يحرص على أن يقاوم طبعه، مقاومة الطبع السيء مما يؤمر به الإنسان، عندما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلّم وقال له: يا رسول الله قل لي قولاً ينفعني وأقلل عليّ لعلي أعيه. قال له النبي صلى الله عليه وسلّم: لا تغضب. ثم رجع إليه وسأله مرة فقال له: لا تغضب، وسأله مرة أخرى فقال له: لا تغضب. فمعنى ذلك أن الإنسان إن كان من طبعه الغضب والانفعال يؤمر أن يقاوم هذا الطبع، ويؤمر أن يحرص على الترفق والتلطف، ومهما كانت صعوبة ذلك عليه فإنه بترويض نفسه على ذلك يستطيع أن يتغلب على هذا الطبع.
جاء أيضاً في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب. ومعنى ذلك أن يقاوم طبع الغضب، وأن لا ينساق وراء هذا الطبع، فإذا ما غضب العبد عليه أن يتذكر غضب الله تعالى حتى يتفادى الوقوع فيما يؤدي إلى غضب الله، الله تبارك وتعالى هو أقدر من كل قادر هو العزيز القادر المصرف لكل شيء فنعوذ بالله تعالى من غضبه، ونسأله تعالى رضاه، والإنسان عندما يغضب عليه أن يتذكر خطورة غضب الله تعالى عليه ليبرد ذلك من غضبه.
والنبي صلى الله عليه وسلّم أمر بأمور من أجل مقاومة الغضب، أمر من اشتد به الغضب إن كان واقفاً أن يقعد، وإن كان قاعداً أن يضطجع، وكذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلّم بالوضوء عندما يشتد على الإنسان غضبه، وأن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، كل ذلك مما يباعد الإنسان عن غضبه، فنوصي هذه الأخت بأن تحرص دائماً على أن تتبع هذه التوجيهات النبوية وأن لا تخالفها.
السؤال (9)
طفل عمره عشر سنوات يحافظ على الصلاة، ولكن المشكلة عنده أنه لا يعترف بالخطأ فيكذب من أجل أن يبرر ما يصنع، كيف يعالج؟
الجواب: (2/62)
صفحة 549
يجب أن يكون الأبوان قبل كل شيء أسوة لولدهما وقدوة له بحيث يتفاديان الكذب حتى يشعر الطفل من أول الأمر أن الكذب أمر فيه خطورة بالغة، ثم مع ذلك عليه أن يُذكر بهذا الخطر، وأن يقال له بأن الكذب يهدي إلى الفجور، وأن الفجور يهدي إلى النار والعياذ بالله كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم ليتخوف عاقبة الكذب حتى ينشأ على جبلة الصدق، والله تبارك وتعالى هو المسئول بان يهديه وأن يصلح من أمره.
السؤال (10)
هناك من يؤم الناس ولكن أخلاقه ليست جيدة لأنه أيضاً لا يصل رحمه ولا يتعامل مع الناس بالحسنى على الرغم أنه إمام يصلي بالناس الصلوات، فما هي نصيحتكم لهذا؟
الجواب:
نصيحتي له أن يتقي الله، وأن يبر رحمه وأن يصلهم، وأن يصل جيرانه ويعطف عليهم، ويقول كلمة الحسنى للناس جميعا، وعليه أن يحذر عقاب الله فإن عقاب الله شديد، والله تعالى أعلم.
السؤال (11)
اللباس هل له علاقة بالأخلاق فلبس الفتاة لملابس شفافة أو لملابس غير لائقة، وكذلك لبس الرجل لملابس غير لائقة هل له علاقة بالأخلاق؟
الجواب:
بطبيعة الحال هذا مما يتنافى مع الأخلاق الفاضلة، الخلق لا ينحصر في لطف المعاملة فحسب، بل يتناول كل جانب من جوانب حياة الإنسان، فمن الخلق الحياء، وإبداء المرأة مفاتنها وعدم المبالاة بلباسها هذا مما يخدش الحياء، والنبي صلى الله عليه وسلّم عندما تحدث عن الإيمان قال: الإيمان بضع وستون وشعبة أعلاها كلمة لا إله إلا الله وأدناها إماطة ألأذى من الطريق والحياء شعبة من الإيمان. فإبداء المرأة مفاتنها وعدم المبالاة بما تكون عليه من اللباس كل ذلك مما يتنافي مع الإيمان بل مما يتنافى مع الفطرة الزكية، وكذلك أن يكون الرجل بحالة من المظهر الذي لا يتلاءم مع إيمانه ومع إسلامه ومع كرامته هذا أيضاً مما يخدش الحياء فلا ينبغي له أن يكون بهذه الحالة.
السؤال (12) (2/63)
صفحة 550
البعض عندما يوجه نصيحة للناس يقول عاداتنا وتقاليدنا تفرض علينا ذلك، فهل الأخلاق تخضع لقانون العادات والتقاليد؟
الجواب:
الدين فوق العادات والتقاليد، الدين هو استسلام الإنسان لأمر الله وتجاوبه مع حكم الله، وانقياده لشرعه، وإذعانه لطاعته، هذا هو الدين، ونحن إنما تعبدنا بما تعبدنا به سواء اتفق ذلك مع عاداتنا أو لم يتفق فعلينا أن نرعى جانب الدين، الدين هو الأصل، أما ما كان موروثاً عن الآباء والأجداد فإنه يعرض على الدين فإن اتفق مع الدين فبها ونعمت وبذلك يؤخذ، وإلا فالدين هو الأصل، وما عداه فهو مرفوض.
السؤال (13)
هل الأخلاق الإسلامية أخلاق نسبية، أم أنها تتسم بالثبات ولا تتغير بتغير الزمان والمكان؟
الجواب:
الأخلاق الإسلامية بطبيعة الحال أخلاق ثابتة لأنها نابعة من الفطرة، والإسلام هو دين الفطرة (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (الروم:30).
السؤال (14)
الدعوة إلى الله بالأخلاق كيف يمارسها المسلم؟
الجواب: (2/64)
صفحة 551
نعم، نحن ذكرنا فيما تقدم أن الداعية يجب أن يكون أدمث الناس خلقا وأحسنهم معاشرة وألطفهم قولا وأصدقهم حديثا، الداعية إلى الله تعالى إنما يمثل الدعوة بمعاملته وبخلقه، فلذلك كان جديراً بأن تتجسد الدعوة من خلال الأخلاق، وأن تكون أخلاقه جذابة إلى الذين يدعوهم إلى الخير ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، لا أن يكون قاسي المعاملة مكفهر الوجه عابس الجبين لا يلقى الناس إلا بوجه منقبض، لا ينظر إليهم إلا شزرا فهذا مما يتنافى مع الدعوة التي يدعو إليها المؤمن، وكما ذكرنا الله تبارك وتعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلّم (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل:125)، وقال (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (العنكبوت:46)، وقال كذلك (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصلت:33 - 34)، فالأخلاق مطلوبة من الداعية، الداعية لا يمكن أن يؤثر على الناس من خلال دعوته إلا بحسن معاملته وبطيب معشره، فلذلك نحن ننبه جميع إخواننا الدعاة بأن يتقوا الله في أنفسهم، وأن يتقوا الله في دعوتهم، وأن يحرصوا على الملاطفة الحسنة والمعاشرة الطيبة.
السؤال (15)
ظاهرة الكذب عند الأطفال ألا يمكن أن يكون تعلمها من الوالدين بطريقة غير مباشرة؟
الجواب: (2/65)
صفحة 552
هذا الذي قلناه، من المحتمل أن يكون اعتاد على الكذب لأنه وجد والديه يكذبان عليه، الطفل من أول نشأته يجب ألا يجرب على أبويه إلا الصدق من أول نشأته، فإن الطفل عندما يرى أن أبويه يكذبان عليه يتعمد هو الكذب لأنه يعتبر أن الكذب شطارة ومهارة، وأن ذلك خلق حميد فلذلك يحاول أن يبتكر أنواع الكذب بقدر ما يغرر بأبويه كما أنهما يغرران به، ونرى ذلك واضحاً في حديث عبدالله بن عامر رضي الله عنه عندما روى عن النبي صلى الله عليه وسلّم بأن أمه نادته، والنبي صلى الله عليه وسلّم كان في بيتهم، فقالت له: تعال أعطيك. قال لها النبي صلى الله عليه وسلّم: ماذا تريدين أن تعطيه؟ فقالت: أريد أن أعطيه تمرا. قال: أما أنك لو لم تعطيه شيئا لكتبت عليك كذبة. الطفل عندما ينادى لا يطمع في شيء وذلك الشيء لا يناله، لا يقال له خذ من غير أن يعطى شيئا، لا يقال له سوف أعطيك كذا وهو لا يعطى شيئا، وإنما يعود الصدق في المعاملة ليتعود على الصدق هو أيضاً في معاملة أبويه وفي معاملة الناس جميعا وهكذا.
تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه
23 من ربيع الأول 1424هـ، 25/ 5/2003م
الموضوع: عام
السؤال (1)
في العمران المتصل من أين يبدأ السفر؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن كان العمران متواصلا، والمراد بالعمران المباني أو الشجر الكبير كالنخل ونحوه فإن الحساب يبدأ من انتهاء العمران، بحيث يبدأ الإنسان يحسب مسافة القصر بعد نهاية العمران، اللهم إلا إن كان العمران يتخلله فاصل وذلك كالأودية، فإن الأودية يمكن أن يعتبرها الإنسان فاصلة، وقيل بأنه لا بد من أن يكون مع الوادي خراب، حتى يبدأ اعتبار الفاصل بعد الوادي والخراب، أي يبدأ باعتبار الحساب بعد الوادي والخراب باعتبار ذلك الوادي مع ما معه من الخراب فاصلا. (2/66)
صفحة 553
ورخص جماعة من العلماء أن يعتبر منطقة معينة هي المنطقة التي يوطنها ولو كانت متصلة بغيرها، بل هناك من أهل العلم من أباح أن يوطن الإنسان ولو داره أي بيته، ثم بعد ذلك يعتبر ما خرج من ذلك فاصلا، يعتبر ما خرج من ذلك بداية لحساب مسافة القصر.
ونحن الذي نعول عليه أن العمران إن كان متواصلاً فإنه يبدأ الحساب من نهاية العمران، لا يبدأ من قبل نهايته، ولا نرغب في الأخذ برأي من يرى بأنه من الممكن أن يعول الإنسان على توطين داره أو نحو ذلك لما في ذلك من التضييق، تضييق الوطن، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلّم لم يفعل ذلك، بل كان يبدأ الحساب بعد الخروج من المدينة المنورة، وكان يقصر الصلاة حتى يدخل المدينة المنورة فإذا دخلها أتم، فلذلك نرى التعويل على هذا، والله تعالى أعلم.
السؤال (2)
ذكرتم أن العمران قد يفصل بينه وبين عمران آخر واد، هذا الوادي الآن كما تعلمون بدأت معالمه تختفي حيث رصفت فوقه الطرق وأنشئ في بعضها مباني فهل يعتبر الوادي فاصلا؟
الجواب:
أما إن أنشئت مباني فإن حكم الفصل الذي يكون للوادي ينتهي بذلك.
السؤال (3)
والطرق؟
الجواب:
أما الطرق لو اعتبرناها عمرانا لاعتبرنا القارة كلها بمثابة القرية الواحدة أو المدينة الواحدة لأن القارة الواحدة قد تربط بينها جميعاً شبكة من الطرق.
السؤال (4)
شاب خطب فتاة من إحدى البلدان فطلب منه ألفان وعندما أراد ترسيم الزواج فوجئ بطلب آخر زعموا أنه معروف لدى الجميع لا يحتاج إلى أن يركز عليه مع الخطبة وهو دفع ألفين آخرين إلى الأب وفي حال الامتناع يفسخ العقد مع العلم بأنه عقد قرانه وأراد أن يزف إليه زوجته، هل يصح للأب أن يفسخ العقد بهذه الحجة؟ وهل هذا جائز؟ وما هي نصيحتكم لأمثال هؤلاء؟
الجواب: (2/67)
صفحة 554
مما يؤسف له أن كثيراً من الناس جشعوا إلى حد أن أحدهم يجعل من زواج ابنته وسيلة للإثراء، وهذا أمر ينافي مكارم الأخلاق، فضلاً عن منافاته للدين الحنيف، فالصداق هو حق للفتاة المتزوجة وليس حقاً لأبيها ولا لأمها ولا لأي ذي قرابة منها، فالله تبارك وتعالى يقول (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) (النساء: من الآية4)، ولم يقل: وآتوا أولياء النساء صدقاتهن نحلة، فإن الصداق إنما هو للمرأة وليس للولي منه نصيب.
الذين رخصوا للوالد أن يأخذ منه إنما رخصوا باعتبار أن الولد وماله لأبيه، ولكن مع ذلك هذا أمر يجب أن يكون في حدود الحاجة لا لأجل الجشع كما هو شأن الآباء، وبشرط ألا يؤدي ذلك إلى تعسير الزواج، ونحن نرى أن هذا الجشع أدى كثيراً إلى تعسير الزواج حتى صار الكثير من الشباب يرغبون في الزواج، يرغبون في أن يعفوا أنفسهم ويحول بينهم وبين ذلك جشع آباء الفتيات، كما أن الكثير الكثير من الفتيات يرغبن في أن يعففن أنفسهم بالزواج الشرعي ولكن جشع آبائهن هو الذي يحول بينهن وبين تحقيق هذه الأمنية. (2/68)
صفحة 555
فعلى هؤلاء أن يتقوا الله، وأن يحرصوا على تيسير الزواج، وأن يدركوا أن العرض أهم شيء بعد دين الله تبارك وتعالى، فالإنسان يضحي بحياته فضلاً عن كونه يضحي بماله من أجل المحافظة على عرضه (يحمي الكريم عرضه ويحتمي)، من شأن الإنسان ألا يهون عليه عرضه، ومن المعلوم أن هؤلاء يعرضون عرضهم لأن ينال منه، فإنه من المعلوم بأن من عرض الإنسان ما خرج من صلبه، ابنته هي من عرضه فالمحافظة على شرفها، والمحافظة على كرامتها، والمحافظة على دينها من المحافظة على العرض، على أن هؤلاء كثيراً ما يؤدي بهم هذا الجشع الذي يحول بين بناتهم وتحقيق أمنياتهن إلى أن يكون دافعاً لهؤلاء البنات إلى ارتكاب الفاحشة والوقوع في الرذيلة والتلطخ بالعار وذلك مما ينعكس بطبيعة الحال على شرف الآباء، فلذلك كان عليهم أن يتقوا الله، وألا يعرضوا بناتهم لفعل الحرام بسبب هذا الجشع، عليهم أن يدركوا أن ستر سوءاتهم والمحافظة على أعراضهم من أوجب الواجبات عليهم، بل هذا مما يجب على الإنسان بفطرته ولو لم يكن هنالك دين مشروع، فالإنسان يدرك بالفطرة أنه يجب عليه أن يحافظ على عرضه وألا يضحي بعرضه من أجل طمع في المال فضلاً عن الدين الحنيف الذي جاء من أجل المحافظة على الأنفس، والمحافظة على الأعراض، والمحافظة على الأنساب، والمحافظة على الأموال، والمحافظة على الدين قبل كل شيء، فالدين الحنيف يوجب على الإنسان أن يحافظ على عرضه، ونحن نرى أن الله تبارك وتعالى يدعو إلى الإنكاح يقول (وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) (النور: من الآية32)، وهذه الدعوة وهذا الأمر للوجوب، فلا يجوز للإنسان أن يتخلف عن ذلك لما يفضي إليه هذا التخلف من وقوع الفساد في الأرض (إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير). (2/69)
صفحة 556
ونرى أن الله سبحانه وتعالى يدعو أولياء النساء إلى أن لا يكونوا حجر عثرة في سبيلهن دون تحقيق أمنيتهن من الارتباط بأزواجهن يقول الله سبحانه وتعالى (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:232)، فالله سبحانه وتعالى يبين أولاً أن هذا مما يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ومعنى ذلك أن من لم يتعظ بموعظة الله تعالى هذه فليس هو من الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر، ومن ناحية أخرى الله سبحانه وتعالى يقول (ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ) أي هذا الأمر أزكى لهؤلاء الأولياء وأطهر لما ذكرنا أن الحيلولة دون تحقيق هذه الرغبة تؤدي إلى الدفع بمولياتهم إلى الوقوع في محارم الله سبحانه وتعالى، ثم يبين بأن الله هو العليم (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)، لأن الله هو الذي فطر النساء على هذه الفطرة، فطرة الرغبة في الرجال، والحيلولة دون هذه الفطرة وتحقيق رغبتها يؤدي إلى وقوع انفجار خطير مدمر والعياذ بالله تعالى، فلذلك كان لزوماً على الآباء أن يتقوا الله.
ثم إن هنالك صداقاً متفقاً عليه بين الجانبين وهو الألفان اللذان اتفق عليهما، فما الداعي بأن يلزم هذا الزوج أن يدفع ألفين آخرين، يجب الاقتصار على هذين الألفين، ويجب على الجميع أن يكون أسوة ومثالاً في تخفيف معاناة الشباب والفتيات معاً، وأن يكون مثالاً في الترفع عن الطمع بحيث يكون الصداق للمرأة وحدها لا نصيب فيه لوليها، والله تعالى أعلم.
السؤال (5)
ما هو دور الدعاة وهم يمتطون منابر الدعوة من خطبة الجمعة ومحاضرة وغيرها، ما هو دورهم في معالجة هذه القضية؟ (2/70)
صفحة 557
الجواب:
أنا قبل كل شيء أقول بأن الواجب أن يكون الكل قدوة لغيره، هؤلاء أنفسهم قبل كل شيء يجب أن يكونوا هم قدوة لغيرهم في هذا الأمر، ثم بجانب ذلك أيضاً عليهم أن يبينوا للناس مخاطر هذا الأمر وسوء العاقبة، وما يترتب على هذا الأمر من فساد كبير، فساد في المجتمع وانتشار العنوس بين الفتيات، وهذه ظاهرة تهدد المجتمع والعياذ بالله، فلذلك يجب على الكل أن يتعاون على درء هذا الفساد، ومقاومة هذا الباطل والوقوف في هذا الانحراف، والله تعالى الموفق.
السؤال (6)
هل للفتاة أن تطرح على أبيها رغبتها في الزواج بشخص معين؟
الجواب: (2/71)
صفحة 558
نعم، نعم، لها أن تطرح على أبيها، وفي قصة موسى عليه السلام مع الرجل الصالح ما يدل على هذا، فإن الفتاتين اللتين لقيهما موسى عليه السلام عندما جاءت إحداهما تمشي على استحياء وقالت له (إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَاجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ) (القصص:25 - 26)، في طي كلامها هذا تعريض بأنها ترغب في الاقتران به لأنه قوي من حيث إنه رفع الصخرة التي كانت فوق البئر، وأمين من حيث إنه اتقى الله تبارك وتعالى في صحبته لتلك الفتاة إلى أبيها وغض طرفه عنها وسار سيرة محمودة، ثم إن الأب أدرك هذه الرغبة في ابنته ولم يمنعه ذلك أن يصارح موسى عليه السلام بما صارحه به إذ قال (أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ) (القصص: من الآية27) هذا مما يدل على أنه لا عار على الأب أن يفاتح الرجل الصالح الذي يرى فيه الكفاءة بأن يكون زوجاً لابنته بمثل هذا الأمر، وكذلك بالنسبة إلى المرأة لا مانع أن تفاتح أباها في هذا، ولا مانع أيضاً أن تفاتح الرجل كما كان ذلك من السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها عندما خطبت النبي صلى الله عليه وسلّم لنفسها. لا أرى في ذلك حرجاً قط.
السؤال (7)
إذا قال الأب لأخوتها أو لأحد أقاربها زوجوا البنت ممن تريدون أي ترك لهم فرصة التزويج؟
الجواب:
هذا نزول منه عن حقه في ولايتها، وتخويل لغيره أن يقوم بتزويجها وعلى هذا فلا مانع من أن يقوم ذلك الغير بتزويجها.
السؤال (8)
كثير من النساء يذهبن إلى حفلات الأعراس في مكان لا يدخله الرجال وعندما يدخلن في ذلك المكان يخلعن الحجاب ويظهرن زينتهن مع بعضهن البعض فهل في ذلك حرج؟
الجواب: (2/72)
صفحة 559
أولاً قبل كل شيء يجب على المرأة المسلمة أن تعرف المرأة التي تظهر لها زينتها، فإن الله تبارك وتعالى عندما ذكر من تظهر المرأة المؤمنة عندهم زينتها قال سبحانه وتعالى (أَوْ نِسَائِهِنَّ)، وهذا دليل لأن قوله (أَوْ نِسَائِهِنَّ) يعود إلى المؤمنات أي النساء المؤمنات، (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ) (النور: من الآية31)، أي النساء المؤمنات، وإلا لقال أو النساء، وإنما قال (أَوْ نِسَائِهِنَّ) والمراد بذلك النساء المؤمنات، ومعنى هذا أن المرأة الكافرة لا يحق للمرأة المؤمنة أن تظهر لها ما تخبئه عن الرجال الأجانب من زينتها خشية أن تتحدث عن مفاتنها وتغري الرجال بها، وكذلك بالنسبة للمرأة الفاسقة، إذ الفواسق حتى ولو كن من المسلمات من شأنهن أن لا يبالين بهذا الأمر، قد يتحدثن مع الفساق عن مفاتن المرأة التي يطلعن على زينتها، فمن هنا كان لزاماً على المرأة المؤمنة أن تحافظ على نفسها لئلا تبدي هذه الزينة إلا للنساء المؤمنات وحدهن دون غيرهن من النساء.
فإذا كانت هذه الحفلة تضم غير المؤمنات تضم الكافرات المشركات أو المنافقات الفاسقات فعليها أن تتقي الله تبارك وتعالى وأن لا ترفع الحجاب عن نفسها.
السؤال (9)
ما حكم حضور النساء للحفلات التي فيها فرق غنائية؟
الجواب: (2/73)
صفحة 560
الغناء إنما هو كما قالوا رقية الزنا، وهو وسيلة إغراء المرأة بالفساد، ولذلك شدّد العلماء فيه، وسماع المرأة صوت الرجل يغني لها بما يطربها وبما يحرك عاطفتها ويهيج مشاعرها أمر فيه خطر كبير فيجب اتقاء ذلك.
السؤال (10)
إذا توضأت المرأة أمام زميلتها وكشفت عن رقبتها ورأسها هل يضر وضوئها؟
الجواب:
لا يضر وضوئها ما دامت تلك مؤمنة.
السؤال (11)
رجل زنى بامرأة جاره وأيضاً فعل نفس الفعلة مع ابنة عمه إلا أنه لم يجامعها وإنما صنع معها مقدمات الجماع، والآن يريد أن يتزوج ولكنه خائف من الدين خائف من أن يُزنى ببناته أو يزنى بزوجته فيما بعد، فما هو الحكم؟
الجواب:
عليه التوبة إلى الله عز وجل، وليقدم، وليسأل الله تعالى العفة لنسائه والعفة لبناته.
السؤال (12)
البعض يطرح تساؤلاً حول موضوع قضاء دين الزاني من بناته أو زوجته يقول الله تعالى (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام: من الآية164)، فهل هناك تعارض بين الآية وبين الحديث الذي ورد في هذا الشأن؟
الجواب:
الحديث إنما فيه التحذير، تحذير الرجل أن يقدم على مثل هذا العمل الشائن، وتذكيره بأن في ذلك خطورة عليه وإلا فلا تزر وازرة وزر أخرى، ما ارتكبه هو لا يدان به غيره، لا يؤاخذ به غيره، كل يؤاخذ بعمله لا بعمل غيره (وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام: من الآية164)، ما من أحد يزر إلا على نفسه فقط.
السؤال (13)
أنا أقلد القطب فما هي كتبه التي تنصحونني بها لأخذ منها أقواله؟
الجواب: (2/74)
صفحة 561
نعم العالم، وكتب قطب الأئمة رحمه الله تعالى كثيرة، كان من أكثر العلماء تأليفا، ألف في فنون كثيرة، وفي مجالات متعددة، فإن كان يسأل عن الكتب الفقهية، بطبيعة الحال للقطب رحمه الله كتب كثيرة في الفقه وإنما من الكتب التي هي ميسرة ويمكنه أن يرجع إليها (الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص)، وكذلك (شرح النيل وشفاء العليل)، وكذلك فتاوى القطب التي جمعت هنا في عمان من قبل بعض علماء عمان وسميت بكشف الكرب من أجوبة القطب، وإن كان يمكنه أن يتوصل إلى الكتب التي لم تظهر في عالم الطباعة كحاشيته على الإيضاح وغيرها من حواشيه على الكثير من مؤلفات العلماء السابقين في المذهب فذلك خير، ونرجو له التوفيق إن شاء الله.
السؤال (14)
هل يصح أن نلبس ساعة من الحديد أو النحاس المطلي بطلاء ذهبي؟
الجواب:
ما كان ذهبياً أو مطلياً بالذهب فعلى الرجل أن يتقيه وأن لا يلبسه، والحديد أيضا ينهى عن لبسه.
السؤال (15)
ما حكم الجمع بين المرأة وابنة خالتها؟
الجواب:
أما الجمع ما بين المرأة وابنة خالتها، أو المرأة وابنة عمتها، أو المرأة وابنة عمها، أو المرأة وابنة خالها فإنما هو مكروه كراهة تنزيه فحسب (بل جابر يكرهه تخوفا *** من القطيعة التي قد وصفا)، لئلا يؤدي ذلك إلى قطيعة بين الأقارب، لئلا تكون هنالك قطيعة فإن من شأن النساء أن يكون في نفوسهن شيء من الغيرة من ضراتهن وهذه الغيرة قد تدفع المرأة إلى أن تكيد كيداً لضرتها، فلئلا تكون هنالك قطيعة، لئلا تكون هنالك بغضاء، لئلا يكون هنالك إلا الصفاء بين الأقارب ذهب من ذهب من العلماء إلى الكراهة، وهي كراهة تنزيه فحسب ولا تتعدى التنزيه وإنما الأصل الإباحة، والإباحة دلت عليه الآية الكريمة وهي قول الله تبارك وتعالى (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) (النساء: من الآية24).
السؤال (16) (2/75)
صفحة 562
رجل صلى بالناس ثلاثاً وأخبروه بذلك فقال لهم هل أنتم متأكدون قالوا نعم، فصلى بهم الرابعة منفردة فهل يصح هذا؟
الجواب:
الظاهر أن الرجل أخذ بحديث ذي اليدين الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلّم بعدما صلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم ركعتين وسلّم وقال للنبي عليه أفضل الصلاة والسلام: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم سهوت؟ فقال: كل ذلك لم يكن. فقال: بل كان. فسأل النبي صلى الله عليه وسلّم: أكما قال ذي اليدين؟ قالوا: نعم. فاستقبل القبلة وأتم بهم الركعتين. الظاهر أن الرجل أخذ بهذا، ولكن بالنسبة إلى علمائنا قالوا بأن هذا رخصة كانت قبل أن يمنع الكلام في الصلاة ولو كان هذا الكلام لمصلحة الصلاة إلا أنه كلام خارج عن الصلاة، فمن باب الاحتياط حتى لا يأتي الإنسان في صلاته بكلام خارج عن موضوع الصلاة أن يعيدوا صلاتهم، وإن كانوا لم يخرجوا عن الآراء أي هنالك من قال بمثل هذا الرأي إلا أننا نستحسن أن يعيدوا صلاتهم من جديد، والله تعالى أعلم.
السؤال (17)
أشخاص يعانون من بعض الأمراض فيقول لهم البعض بأن هذا ربما من الاسم فيطلبون منهم أن يغيروا الاسم حتى يتحقق لهم الشفاء، فهل يجوز هذا؟
الجواب: (2/76)
صفحة 563
أولاً قبل كل شيء أريد أن أنبه أن الغيب لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (النمل:65)، والنبي صلى الله عليه وسلّم أكرم الخلق على الله، هو رسول الله الذي اصطفاه الله سبحانه بأن يحمل الرسالة الخاتمة، الرسالة العالمية التي تبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والله سبحانه وتعالى أنبأ عن فضله العظيم وقدره الجسيم إذ قال (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء:107)، ومع ذلك كله أمره سبحانه وتعالى أن يعلن للناس أنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرا، وأنه لا يعلم الغيب، فقد قال تعالى له (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) (الأعراف: من الآية188).
والله سبحانه وتعالى بين أنه لا يظهر على غيبه إلا من ارتضى من رسول وذلك بوحي يوحيه إليه، لا أن الرسول يعلم الغيب، ولكن الله تعالى عندما يريد أن يطلع أحداً من الرسل على غيبه فإنه يوحي إليه وحياً لينبئه بما في ذلك الغيب، وإلا فعلم الغيب لا قدرة لأحد عليه، فكيف هؤلاء يدعون الغيب، على أن الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلّم شدّد في أمر هؤلاء فقد قال النبي عليه أفضل الصلاة والسلام (من أتى عرافاً _ أي المقصود بالعراف ما يعبر عنه بالباصر عندنا _ من أتى عرافاً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد) لأن مما أنزل على محمد كما ذكرنا قوله تبارك وتعالى (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ) (النمل: من الآية 65)، فمن صدّقه في ادعاء الغيب فقد كفر بما أنزل على محمد. (2/77)
صفحة 564
فلا يجوز لأي أحد أن يذهب إلى أحد من هؤلاء، وعلى الكل أن يعتقد بأن الله هو وحده رافع الضر، يبتلي من يشاء بما يشاء، ويرفع الضر متى يشاء عمن يشاء، يقول سبحانه وتعالى (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الأنعام:17)، ويقول (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يونس:107)، ويقول سبحانه (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الرعد:16)، ويقول سبحانه (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (فاطر:2)، ويقول (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) (الزمر:38)، ويقول (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة:51)، فالآيات الكريمة ناصة على أنه لا يكشف الضر إلا (2/78)
صفحة 565
الله.
فهؤلاء الذين يذهبون إلى هؤلاء طالبين منهم كشف الضر إنما هم في الحقيقة أصيبوا بلوثة في عقيدتهم، إذ العقيدة الصحيحة تقتضي أن لا يتعلق الإنسان إلا بالله، يعلمنا الله في كتابه أن نفرده بالاستعانة كما نفرده بالعبادة بحيث علمنا الله أن نقول في صلاتنا (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5)، أي لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا إياك، فكما أن العبادة لا تكون إلا لله فكذلك الاستعانة يجب ألا لا تكون إلا بالله سبحانه وتعالى.
وهذا لا ينافي أن يتعالج الإنسان علاجاً طبيعياً عند أحد من الأطباء، فذلك هو في حقيقة الأمر لا يخرج عن كونه استعانة بالحق سبحانه، لأنه الله جعل لهذا الكون نواميس وسننا، والأخذ بالأسباب والدخول على الأشياء من أبوابها إنما هو من باب الاستعانة بالله، لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي سبب هذه الأسباب وهو الذي هيئها وهو الذي جعلها تفضي إلى مسبباتها، وهو سبحانه وتعالى الذي جعل هذه الوسائل مؤدية إلى الغايات المطلوبة، فطلب الأمور من أبوابها ومن وسائلها الطبيعية إنما هو لا يخرج عن كونه استعانة بالله، بخلاف أن يأتي أحد إلى أحد يدعي علم الغيب فيطلب منه رفع ضر أو تحقيق منفعة إذ لا يكون ضر ولا نفع إلا من قبل الله سبحانه الذي له ملك السماوات والأرض والذي يصرف الكائنات كما يشاء.
على أن الأسماء لا تأثير لها في المسميات، وإنما كل شيء منوط بقضاء وقدر ولربما حصل شيء من انتفاع بعض الناس ظاهراً باتباع مثل هذه النصائح ربما يحصل شيء من ذلك، ولكن يجب علينا أن ندرك أنه لا يعدو أن يكون استدراجا فإن الله تعالى يقول (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) (الأعراف:182 - 183، القلم 44 - 45)، فهذا استدراج من الله تبارك وتعالى فعلى المسلم أن يتيقظ لذلك، والله المستعان.
السؤال (18)
هل يجوز للرجل أن يلبس ساعة من الألماس؟
الجواب: (2/79)
صفحة 566
الماس غير ممنوع عن الرجل لأنه ليس بذهب، إنما الممنوع الذهب، لأن الذهب قبل كل شيء هو أمره يختلف عن أمر الماس، هو يفضي إلى الليونة، يفضي إلى أن يكون الإنسان ليناً يتفق مع طبيعة النساء، ثم الذهب عملة، ولما كان عملة فيجب أن لا يكون معطلاً لأن الذهب ولو لم يتعامل الناس به كما في هذا الوقت غير إنه معتبر لأن هذه العملات المتداولة إنما تسعر بمقدار سعر الذهب وتقوم بمقدار قيمة الذهب، وشغل الناس بأن يستغلوا الذهب في التحلي به مما يعطل هذه المصلحة، والنساء إنما جعل الله سبحانه وتعالى حلال لهن لأنه يتلاءم مع فطرتهن بخلاف الرجال، والله تعالى أعلم.
السؤال (19)
امرأة مخطوبة وسوف تتزوج بعد شهر ولكن خاطبها يرى في المنام أن رجلاً أبيض يأتيه يقول له بأن الزواج غير صحيح؟
الجواب:
الله أعلم، الأحكام الشرعية لا تستقى من المنامات، الأحكام الشرعية تناط باتباع الأوامر والازدجار عن النواهي والتقيد بالقيود الشرعية والانضباط بحسب موجب الأحكام الشرعية من غير خروج عنها، وإنما من المحتمل أن يكون بينهما رضاع، أو يكون بينهما شيء من هذا، فالرؤيا عندما تكون للرجل الصالح كثيراً ما تكون فيها إرشاد وفيها تنبيه كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، فمن المحتمل أن يكون بينهما رضاع، لذلك ينبغي له أن يتحقق من وقوع الرضاع، هل وقع رضاع بينهم أي رضاع يؤدي إلى حرمتها عليه، أو أن هنالك سبباً من أسباب تحريمها عليه، فإن كان هنالك ما يؤدي إلى التحريم فعليه أن يتقي ذلك، والله المستعان.
السؤال (20)
ماهي توبة من اجتهد في حفظ القرآن الكريم بنية ربح الجائزة ثم تحصل عليها؟
الجواب: (2/80)
صفحة 567
أي ما قصد بذلك وجه الله، عليه أن يصلح نيته، وأن يدفع هذه النية السيئة، وأن يعقبها بنية صالحة بحيث يحرص على تلاوة القرآن من أجل استبقاء حفظه ليكون هجيراه في ليله وفي نهاره يتلوه آناء الليل وآناء النهار، ويتقرب به إلى الله يتهجد به في جنح الليل ليكفر تلك النية السيئة غير الصالحة التي نواها، والله تعالى أعلم.
السؤال (21)
أليس هذه الجوائز حافزاً للشباب كي يحفظوا؟
الجواب:
لكن على أن تكون النية نية صالحة، حتى ولو كانت الجائزة، يأخذ الجائزة لأجل أن يستعين بها فيما ينفعه بينه وبين ربه سبحانه وتعالى، لا أن يجعل الجائزة هي الغاية.
السؤال (22)
في إحدى الأيام كنا نحفر قبراً لأحد الموتى وفجأة وجدنا عظام إنسان فمنا من قال نستمر ومنا من قال علينا أن ندفنها ثم نقوم بحفر قبر آخر وهذا ما فعلنا ولكن بعد مجادلات، فما هو الصحيح؟
الجواب:
نعم ما فعلوا، فإن القبر هو بمثابة البيت لصاحبه، وبيت الإنسان لا يزاحم فيه اللهم إلا إذا ضاقت الأرض ولم تتسع فعندئذ لا مانع من أن يدفن في جانب من ذلك القبر، والله تعالى أعلم.
السؤال (23)
صلاة الضحى أصليها أحيانا وأنا في الدوام، هل يمكن ذلك أم أنه يتعارض مع العمل والعمل أيضاً عبادة؟
الجواب:
أنا لا أدري طبيعة العمل، فإن كان طبيعة العمل يقتضي الاستمرار وعدم التوقف فالمحافظة على العمل أولى وإلا فلا مانع.
السؤال (24)
هل توصيل زميل لي ليس معه سيارة في طريقي وفي نيتي من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، أم هي خلوة؟
الجواب:
هذه الأمور تراعى فيها الضرورات مع اتقاء كل ما يؤدي إلى سخط الله، فلا ينبغي للمرأة أن تسرع في حمل رجل معها إلا عندما تكون ضرورة لا بد منها، اللهم إلا أن يكون معها ذو محرم أو تكون معه ذات محرم.
السؤال (25)
ما هو الدليل عند أصحابنا على عدم قراءة غير الفاتحة في صلاتي الظهر والعصر؟
الجواب: (2/81)
صفحة 568
الدليل على ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنه الذي يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلّم لم يكن يقرأ، وهو دليل جازم بخلاف دليل من قال بالقراءة فإنه دليل ليس بجازم لأنه عوّل فيه على رؤية شفتي النبي صلى الله عليه وسلّم وهما تتحركان، وهذا لا يقتضي الجزم إذ الحركة قد تكون حركة بمجرد قراءة الفاتحة الشريفة، ثم بجانب ذلك قوله (بم كنتم تعرفون قراءته قالوا بتحرك شفتيه) يبعد ذلك لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا وراءه فكيف يرون شفتيه تتحركان وهو أمامهم فلذلك كان في ذلك ما يدعو إلى عدم الأخذ بتلكم الحجة.
السؤال (26)
رجل أجريت له عملية جراحية والطبيب لم يمنعه من الركوع والسجود ولكنه لم يركع ولم يسجد بحجة أنه يشعر ببعض الآلام واستمر على ذلك أربعين يوماً، فما الحكم؟
الجواب:
كما يقال العاقل طبيب نفسه، فإن كان يحس بمشقة فإن الدين جاء بالتيسير ولم يأت بالمشقة (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: من الآية185)، والله تبارك وتعالى يقول (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا) (الطلاق: من الآية7)، (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية286)، أما إن كان متهاوناً فتهاونه بطبيعة الحال يؤدي به إلى عدم صحة صلاته التي أخل بركن من أركانها فكيف وقد أخل بركنين وهما الركوع والسجود.
السؤال (27)
هل يجوز أن تعطى الزكاة لزوجة المبتلى بشرب الخمر لتنفق على نفسها وعلى أولادها، وهل يعد ذلك إعانة للعاصي على معصيته بطريق غير مباشر؟
الجواب:
إن كان امتنع عن الإنفاق عليها ولم يكن هنالك سبيل إلى فرض هذا الإنفاق عليه فلا مانع من أن تعطى الزوجة المبتلاة بمثل هذه الحالة إلى أن يجعل الله تبارك وتعالى لها مخرجا حتى لا تضاع، فلا مانع من أن تعطى من الزكاة لتنفق على نفسها وعلى أولادها النفقة الضرورية.
السؤال (28)
هل شراء سيارة بالأقساط يعد ربا؟
الجواب: (2/82)
صفحة 569
يجوز للإنسان أن يبيع سلعة لمن يشتريها يداً بيد بكذا، ولمن يشتريها نسيئة بكذا، على أن يكون البيع مقطوعاً به، لا أن يكون البيع معلقاً بحيث تكون الصفقة عائمة بين كونها نسئة وكونها نقدا، فإن كان البيع مقطوعاً به بحيث اتفق الطرفان على أن يكون العقد إما نسيئة وإما أن يكون يداً بيد فلا مانع ولو كان بين العقدين تفاوت، وإنما يمنع عن بيعين في بيع أي عقدين في عقد فلا يجوز أن تكون عقدة البيع عائمة، تكون الصفقة عائمة بين هذه الصفة وتلك الصفة، وهذا إذا كان بين المتبايعين بنفسيهما بحيث لم يكن هنالك وسيط ثالث، أما إن كان يمول طرف ثالث وتكون الزيادة لذلك الطرف لأنه هو الممول فذلك غير جائز لأنه مما يدخل في الربا، والله تعالى أعلم.
السؤال (29)
عندنا جلبتان من النخيل لي ولورثة معينين لكنهما مهمولتان وقد قاربتا على الخراب فرأيت أن أهتم بهما سقياً وإصلاحاً حتى آتتا ثمارهما وحدث ذلك دون أن أشعر بقية الورثة، وقد تكلف الإصلاح ثلاثمائة ريال من غير المسافة الشاقة التي أقطعها في كل مرة للقيام بهذا الأمر، والآن جاء المحصول وبعد إعطاء العاملين معي حقهم بقي مائة وخمسون ريالاً، فهل أقاسم هذا المبلغ بقية الورثة، أم آخذه كتعويض على الجهود التي قمت بها؟
الجواب:
في الأصل إن كان قام بهذا الأمر تبرعاً فلا ينبغي لمتبرع أن يعود، أما إن كان قام على أنه محتسب عن الآخرين لأنهم غير موجودين، أو لم يمكن أن يشاورهم في ذلك واحتسب عنهم فما على المحسنين من سبيل وينبغي أن لا يضاع حقه.
السؤال (30)
هل تتبع المرأة زوجها في صلاة السفر؟
الجواب:
نعم، تتبع المرأة زوجها في صلاة السفر بعد أن يتزوجها وتخرج من بلدها الذي فيه، أما إن كانت مقيمة مع والدها فإلى أن تنتقل إلى الزوج.
تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه
30 من ربيع الأول 1424هـ، 1/ 6/2003م
الموضوع: الوسواس
السؤال (1)
ما حقيقة الوسواس؟
الجواب: (2/83)
صفحة 570
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فالوَسواس والوِسواس بالفتح والكسر مصدر وسوس يوسوس، كما يقال زلزل يزلزل زَلزالاً وزِلزالاً، وهكذا كل ما كان على هذا الوزن فإنه يأتي بالفتح والكسر في فاء كلمته.
ووسوسة الإنسان يوسوس هو أن يفكر تفكيراً يؤدي به إلى أن يفقد الاتزان في التفكير بحيث ينعدم ضبط هذا الفكر عنده إلى أن يتصور تصورات باطلة، وأن يصل به الأمر إلى أن يعتقد الحق باطلاً أو الباطل حقا، أو أن يشك في أمر لا يقتضي الشك، فكل ذلك من الوسواس الذي يجب على الإنسان أن يستعيذ بالله تعالى منه.
على أن الوسواس قد يطلق أيضاً نفسه على الشيطان والعياذ بالله الذي يوسوس للإنسان لأنه مصدر هذه الوسوسة، ومهما يكن فإن الإنسان مطالب بأن يستعيذ بالله تبارك وتعالى من شر هذه الوسوسة. (2/84)
صفحة 571
الوسوسة التي تكون من الشيطان بتزيين الباطل له وتحبيبه إليه، وتقبيح الحق في عينه وإبغاضه إليه، هذه هي وسوسة الشيطان، والله تبارك وتعالى أمر بالاستعاذة منه فقد قال (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (الأعراف:200 - 201)، ويقول سبحانه وتعالى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (فصلت:36)، وقد أنزل سورة بأسرها، تدل هذه السورة على ضرورة التعلق بالله تبارك وتعالى واللجوء إليه فراراً من هذا الذي يزينه الشيطان في نفس الإنسان أو يثيره في نفسه من الشكوك والأوهام حتى يكون هذا الإنسان أسير وهمه، أنزل الله تبارك وتعالى سورة تنبئ الإنسان بضرورة اللجوء إلى الله فراراً من هذه المكائد الشيطانية، فقد قال عز من قائل (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) (سورة الناس)، فإذاً على الإنسان دائماً أن يكون ملتجئاً إلى الله تبارك وتعالى. (2/85)
صفحة 572
أما بالنسبة إلى الشعور بالتقصير في أداء الطاعات والقيام بالواجبات فهذا مما يجب أن يكون مع الإنسان دائماً، إذ الإنسان مهما قام بالحقوق الواجبة عليه، واضطلع بالأمانة الملقاة على عاتقه فإن التقصير ديدنه، إذ لا يستطيع إنسان قط أن يوفي حق الله تبارك وتعالى، ولذلك نحن نجد في كتاب الله تبارك وتعالى ما يدل على أن المؤمنين الصالحين يفعلون ما يفعلون من خير ويسارعون إلى الطاعات ويتجنبون المعاصي ولكن مع ذلك تبقى نفوسهم في خوف من الله تبارك وتعالى، فالله سبحانه وتعالى يقول (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) (المؤمنون:60 - 61)، فهؤلاء مع كونهم يعملون الصالحات، ومع كونهم يؤتون ما آتوا من أموالهم طيبة بذلك نفوسهم، فإن قلوبهم تظل وجلة من خشية الله تبارك وتعالى، شاعرة بالمنقلب إليه سبحانه وتعالى، وهم بهذا الوجل والخوف من الله سبحانه وتعالى يزدادون قرباً له ومسارعة إلى طاعاته وابتعاداً عن معاصيه ولذلك كانوا دائماً يسارعون في الخيرات كما قال سبحانه (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ).
هذا، ومن المعلوم أن الإنسان ضعيف أمام عواصف الأفكار المختلفة التي تلم به، وأمام التحديات المتنوعة التي يواجهها، وأمام تقلبات الأحوال من حوله بحيث قد يكون في نعمة فينقلب إلى ضدها، وقد يكون أيضاً في أمر يحبه فإذا هو يصادف ما يكره، وهكذا تحديات الزمن وصروف الدهر فالإنسان إذاً عرضة لهذه التقلبات، ولكن مع ذلك فإن المؤمن الواثق بالله تبارك وتعالى يلجأ إلى الله ويتوكل عليه. (2/86)
صفحة 573
والله تبارك وتعالى لم يكلف الناس عسيرا إنما كلفهم يسيرا ووعدهم خيراً كثيرا وأجراً كبيرا، وهو سبحانه وتعالى ما جعل عليهم في الدين من حرج فقد قال تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: من الآية185)، وهو سبحانه وتعالى بيّن أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَت) (البقرة: من الآية286)، فطبيعة الإنسان أن تكون نفسه عرضة للكثير الكثير من التقلبات، ولكن المؤمن مهما واجه من هذه الظروف ومن هذه الأحوال ومن هذه التقلبات ومهما كان من طبيعة نفسه من شدة أو عكسها إلا أنه هو دائماً يكون موصولاً بربه كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (الأعراف:201)، هكذا يكون دائماً شأن المتقين فلذلك مهما ألمت بهم الوساوس فإنهم يقاومون هذه الوسوسة ويستعيذون بالله تبارك وتعالى من الشيطان الرجيم ويستعيذون بالله سبحانه وتعالى مما يلم بهم فتصبح الصورة واضحة والحقيقة بينة ويتغلبون على هذه العوارض كلها.
السؤال (2)
هل للوسواس أنواع، وما هي أعراض كل منها؟
الجواب: (2/87)
صفحة 574
نحن لا نستطيع أن نحصي جميع أنواعه، الوساوس تختلف باختلاف أحوال الناس، من الناس من يشك في الناس بحيث يظن أن الناس يضمرون له الشر، فإذا أبصر اثنين يتحدثان وقع في نفسه أنهما يريدان الوقيعة به، وإذا خطا أحدهم خطوة تصور أن تلك الخطوة هي ضده، وإذا كلمه أحد كلاماً حسناً جميلاً تصور أنه يضمر خلافه، هذه طبيعة توجد في الناس وهي سوء الظن، هذه من الوسوسة، وسوسة تدعو إلى سوء الظن ونظر السوء إلى الناس، وهذا مما دعا القرآن الكريم إلى تجبنه فالله تبارك وتعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) (الحجرات: من الآية12)، ونجد أن الحديث يقول (إياك والظن فإن الظن أكذب الحديث)، أي سوء الظن أكذب ما يتلقاه الإنسان، قد يظن الظنون بغيره ويفضي به سوء الظن إلى أمور خطيرة جداً كما يقول الشاعر:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... و صدّق ما يعتاده من توهم
وعادى محبيه بقول عداته ... وأصبح في ليل من الشك مظلم
فالإنسان كثيراً ما يوقعه سوء الظن وهو ينشأ عن الوسوسة لأنه يخيل إليه أن كل أحد يضمر له الشر والحقيقة خلاف ذلك. (2/88)
صفحة 575
وقد تكون هذه الوسوسة فيما يتعلق بأداء الواجبات، كثيراً ما تكون الوسوسة في الطهارة بحيث يشك الإنسان في طهارته ويتصور أنه لم يقم بالواجب في تطهيره نفسه، قد تكون هذه الطهارة من النجاسات ويتصور دائماً أنه متلبس بالنجاسات فيحرص على أن يغسل جسده وأن يغسل ثيابه وأن يغسل فراشه وأن يغسل كل شيء من حوله، فالإسلام قطع دابر ذلك إذ جعل الأمور محمولة على أصلها، والأصل في الأشياء الطهارة، وكذلك قد يكون الإنسان شاكاً في الطهارة من الحدث بحيث يرى أنه لو قام بما قام لم يوف الطهارة حقها فيتوضأ المرار الكثيرة ويغتسل الغسل الواجب غسلاً مكررا، وهذا أيضاً مما قطع الإسلام دابره فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم أن لبدء الوضوء شيطان يسمى الولهان يولع الناس بالإسراف في استعمال الماء.
وقد يتصور الإنسان في كل حين أنه أحدث وأن وضوءه انتقض هذه وسوسة، ودل الحديث الشريف على معالجة ذلك بحمل الشيء على أصله، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم النهي عن أن ينفلت الإنسان من صلاته إذا شك في الحدث حتى يسمع صوتاً أو يشم ريحا، وهكذا كل ما كان من هذا القبيل فإنه جعل الإسلام الحنيف له علاجاً.
أيضاً الوسوسة تكون في صلاة الإنسان بحيث يشك وهذا أمر قُطع دابره بعدم العودة إلى الركن بعد أن جاوز محله، إذا تجوز الإنسان حداً من حدود الصلاة ثم شك هل فعل ذلك الشي أم لم يفعل فإنه لا يعود إليه بعدما جاوزه بحد، وهكذا كل ما كان من هذا القبيل، فالشك يُقطع دابره باليقين، باستصحاب الأصل، بعدم الالتفات إلى هذه الشكوك بعد مجاوزة أماكنها، والله تعالى أعلم.
السؤال (3)
فعل الموسوس أثناء الوضوء والغسل ألا يوقعه في محظور كالإسراف في المياه؟
الجواب: (2/89)
صفحة 576
يوقعه في أكثر من محظور، يوقعه في الإسراف والإسراف محرم، والماء ثروة للجميع، الماء لا يختص به أحد دون أحد، ولذلك كان الناس شركاء في ثلاثة ومن بينها الماء، فما يفضل عن حاجة الإنسان ينتفع به غيره، ولا ينبغي للإنسان أن يسرف في استعمال الماء، إنما يأخذ من الماء كفايته، الماء الذي يستنزف ثروة عامة لجميع المسلمين، بل لجميع الناس، هذه الثروة لا يجوز للإنسان أن يتلفها، على أن في كثير من الأقطار كقطرنا هذا المياه قليلة شحيحة فعندما يكثر الإنسان من صب الماء سواءً في غسله من الجنابة أو غسل المرأة من الحيض مثلاً أو في حال الوضوء أو في حال تغسيل الثياب أو أي شيء من هذا النوع ذلك مما يعد من الإسراف غير جائر، والوسوسة تدفع بالإنسان إلى أن يولع بالإسراف حتى لا يبالي، هذا مما يجب أن يتفطن له الإنسان وأن يتجنبه، كذلك من المحاذير والمحاظير التي تترتب على الوسواس أن الإنسان إذا اشتغل بالوضوء يتوضأ ثم يشك في وضوئه، ثم يتوضأ ثم يشك في وضوئه قد تفوته صلاة الجماعة، بل ربما فاته الوقت بحيث يستمر استمراراً طويلاً، ولذلك الفقهاء رأوا علاج مثل هذه الأشياء بأن يُحمل هؤلاء الموسوسون على الأخذ بأرخص الأقوال، فالموسوس دائماً يُطلب منه أن يأخذ بالقول الأرخص حتى يتجنب هذه الوسوسة ويتمكن من علاجها ومقاومتها.
السؤال (4)
إذا توضأ وشك هل يعود مرة إلى الوضوء؟
الجواب:
يستصحب الأصل، واستصحاب الأصل قاعدة أصولية متبعة، إن كان الأصل الطهارة بحيث تيقن أنه توضأ ثم شك بعد ذلك في انتقاض وضوئه فلا يعود، وإن كان متيقناً الحدث ثم شك هل توضأ أو لم يتوضأ فإنه في هذه الحالة يتوضأ لأنه لم يتيقن الوضوء مع تيقنه للحدث.
السؤال (5)
امرأة تعيد الصلاة أكثر من مرة وحاولت التخلص من ذلك، وكذلك عندما تقرأ الفاتحة تقرأها اكثر من مرة، وعندما تسمع صوتاً وهي في الصلاة توسوس وتعيد الصلاة مرة أخرى، فما هو علاجها؟
الجواب: (2/90)
صفحة 577
أولاً قبل كل شيء عليها أن تتفقه في الدين بحيث تعرف أن العمل إذا دخله الإنسان ليس له أن يبطله لأن إبطال العمل منهي عنه بنص القرآن الكريم، فالله تبارك وتعالى يقول (وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) (محمد: من الآية33)، ولذلك كان الخروج من الصلاة بعد الدخول فيها من غير موجب للخروج أمراً محرماً، فلا يجوز للإنسان أن يقدم عليه لما في ذلك من التشديد في حكم الله سبحانه وتعالى.
ثم من ناحية ثانية تكرار الفاتحة الشريفة أمر غير جائز، بل تكرار الفاتحة في الركعة الواحدة مبطل للصلاة، لأن الفاتحة ركن والركن إنما يقتصر الإنسان في حال تأديته على التأدية المشروعة من غير أن يزيد شيئاً عليها فلا يجوز للإنسان أن يزيد شيئاً من الركن، فكما لا يجوز له أن يكرر الركوع في الركعة الواحدة بحيث يركع مرتين أو ثلاث مرات وإنما يقتصر على القدر المشروع وهو مرة واحدة فكذلك الفاتحة لا يجوز أن يكررها بحيث يقرأها المرة تلو المرة في الركعة الواحدة، هذا أمر مؤدٍ إلى بطلان الصلاة.
فهي عليها أن تتغلب، أن تستعين بالله وأن تكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى، وقبل قيامها إلى الصلاة فلتقرأ آية الكرسي وسورة الإخلاص والمعوذتين ولتستعذ بالله سبحانه وتعالى من الشيطان الرجيم ولتقرا هاتين الآيتين من آخر سورة الأعراف (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (الأعراف:200 - 201). (2/91)
صفحة 578
ولتقبل على الصلاة بإرادة وبصمود بحيث لا تزعزعها الأحداث، ثم بجانب هذا عليها أن لا تبالي بالأصوات التي تسمعها فإنها لا يعنيها من تلك الأصوات شيء، فلو أنها سمعت صوت طفل أو صوت صغير أو صوت كبير فلا يشغلنها ذلك عن الصلاة، ولو حصل أن اشتغلت فعليها أن تتجاوز ذلك حتى تعتاد عدم الاشتغال بذلك لأنها لو أبطلت الصلاة كلما سمعت صوتاً فإن ذلك يتسارع في صلاتها حتى لا تستطيع أن تقرأ شيئاً من الصلاة قبل أن تبطلها، وإنما عليها أن تستمر مهما كانت هذه الأصوات وبهذا تتغلب إن شاء الله على هذه العادة الخطرة، والله تعالى الموفق.
السؤال (6)
الوسواس هل هو مرض عضوي أم هو فقط مجرد وسوسة شيطانية؟
الجواب:
على أي حال هو ضعف في النفس يستغله الشيطان والعياذ بالله فيملي على أصحاب هذه النفوس، هو مرض، هذا المرض يستغله الشيطان، ولذلك يزين الشيطان لأصحاب هذه الأمراض الاسترسال في هذه الحالة إلى أن يصبح الإنسان أسير هذه العادة السيئة.
السؤال (7)
امرأة تشك في الصلاة بالكلية هل صلت أم لم تصل، وفي بعض الأحيان تحمل أبنائها وتشك إذا كانوا يحملون النجاسة كالبول وغيره فتعيد الصلاة بمجرد التباسها بأبنائها وهكذا؟
الجواب: (2/92)
صفحة 579
أولاً قبل كل شيء هذه المرأة عليها أن تدفع هذه الوسوسة بأن تستحضر أنها قامت، إذا استحضرت أنها قامت للصلاة ففي هذه الحالة لا تعود إلى الصلاة مرة أخرى، عليها أن لا تلتفت إلى ما يعتريها من الشك، وإن كانت لا تستطيع أن تستحضر بأنها قامت إلى الصلاة أو لم تقم، إذا كانت لا تتمكن من هذا الاستحضار فإنها في هذه الحالة عليها أن تستعين بشيء بحيث تعقد عقدة مثلاً عندما تقوم إلى الصلاة، ثم بعد ذلك عندما تشك هل قامت إلى الصلاة أو لا، تنظر إلى هذه العقدة هل عقدتها أو لم تعقدها، فما عليها إن كانت عقدت هذه العقدة فلا تلتفت إلى هذا الشك رأساً، وهكذا كل ما كان من هذا النوع، إنما عليها أن تدفعه بأي وسيلة كانت، وبهذا تتغلب بمشيئة الله على هذه الوساوس.
السؤال (8)
في أثناء الصلاة أظل سرحان وفي تفكير وحاولت التخلص منه ولكن دون جدوى، فما هي الطريقة للتخلص من هذا التفكير؟
الجواب:
الطريقة أن يستحضر الإنسان وهو ماثل بين يدي الله تعالى عظم المقام، وأن يحرص على أن يكون دائماً ما يقوله يسبق معناه إلى ذهنه من حرفه إلى لسانه، عليه أن يعود نفسه ذلك باستمرار، والله تبارك وتعالى يقول (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (العنكبوت: من الآية69)، فهذه مجاهدة وكلما كان الإنسان حريصاً عليها كانت نتيجتها أنجح بمشيئة الله.
السؤال (9)
امرأة مصابة بالوسواس القهري، وهذا الوسواس يجعلها تشك في الصلاة وتوسوس ولا تدري هل صلت أم لم تصل، وقال لها من قال بأن لها أن تجمع الصلاة لأنها لا تستطيع حتى الخروج من البيت لأنها تخشى أن تفوتها الصلاة، فهل لها أن تجمع الصلاتين؟
الجواب: (2/93)
صفحة 580
كل ما كان محرجاً للإنسان يسوّغ له أن يجمع بسببه الصلاتين، والمرض من جملة الإحراج، فالنبي صلى الله عليه وسلّم كما جاء في الحديث الصحيح صلى الظهر والعصر معاً، والمغرب والعشاء الآخرة معاً، من غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر. وقد جاء في رواية الشيخين وغيرهما لهذا الحديث أن راويه ابن عباس رضي الله عنهما سئل: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. ومعنى ذلك أن أوقات الحرج يسوغ فيها للإنسان أن يجمع الصلاتين دفعاً لهذا الحرج، ولا ريب أن مثل هذا المرض، مرض الوسوسة حرج كبير فما على هذه المرأة أن تصلي بمشيئة الله الظهر والعصر معاً وأن تجمع أيضاً بين المغرب والعشاء معاً، جمعاً من غير قصر، إلا إذا كانت في حال السفر فلتقصر، والله تعالى يتقبل منها.
السؤال (10)
من شك أثناء الصلاة هل بسمل في أول وضوئه أم لا، وإذا تيقن أنه لم يبسمل؟
الجواب:
نحن قلنا بأن الموسوس يعالج وسوسته بأمور ومن بين هذه المعالجات أن يأخذ بأرخص الأقوال في كل شيء، فأولاً قبل كل شيء استصحاب الأصل ذكرناه، فلا يلتفت إلى شك في وضوئه وقد دخل في صلاته، الأمر الثاني أن البسملة فيها خلاف بين أهل العلم، لم يُجمع على وجوب البسملة، بل لم يجمع على مشروعيتها، كثير من العلماء لا يقولون بمشروعية البسملة وإن كنا نحن لا نوافقهم بسبب الروايات التي دلت على مشروعية البسملة وإن قال من قال بضعفها إلا أن الرواية في ذلك جاء في مسند الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله، ولكن مع ذلك حتى هؤلاء الذين يقولون بمشروعيتها هم مختلفون هل الأمر بالبسملة للوجوب أو لغير الوجوب، وعلى هذا فلا ينبغي أن يلتفت إلى هذه الوسوسة بعدما وقف بين يدي الله تبارك وتعالى مصلياً وليأخذ بأرخص الأقوال دفعاً لهذا الوسواس، والله تعالى أعلم.
السؤال (11)
إذا شك المصلي في تكبيرة الإحرام، ماذا يفعل؟
الجواب: (2/94)
صفحة 581
كثير من العلماء قالوا نظراً إلى أن تكبيرة الإحرام يكون بها الدخول في الصلاة فمن شك فيها ليبدأ الصلاة من جديد، ونحن نقول بأن تكبيرة الإحرام هي ركن من أركان الصلاة ولو كان الدخول لا يكون إلا بها إلا أن الإنسان إذا جاوز الركن إلى ركن آخر فلا يرجع إليه، فإذا كان في حالة القراءة وهو من عادته أن يكبر تكبيرة الإحرام فلا يلتفت إلى هذا الشك حتى يتيقن أنه لم يكبر، هذا الذي نختاره، وفي هذا درأ للوسوسة، وفي هذا أيضاً استصحاب للأصل لأن الأصل أن لا يشرع في القراءة إلا وقد كبر تكبيرة الإحرام فما له ولهذه الوسوسة ولهذه الشكوك.
السؤال (12)
ما حكم من شك في وسط الصلاة هل قرا الفاتحة أم لا، أم هل استعاذ قبل القراءة أم لا، ماذا يفعل؟
الجواب:
بعدما جاوز موضع الشيء فلا يلتفت إليه قط.
السؤال (13)
الورقة التي تنسب إلى الشيخ أحمد حامل مفاتيح حرم رسول الله صلى الله عليه وسلّم، يطلب من الذي يقرأ هذه الورقة أن ينسخها وأن يوزعها وإلا أصابته أمراض، فما هو تعليقكم؟
الجواب:
أيضاً هذه الأباطيل وهذه الأوهام وهذه الأكاذيب وهذه الافتراءات بدأت منذ أمد بعيد، بدأت قبل ولادتي، بدأت أنا حسبما سمعت من أبي يقول بأنها وقعت في يده تقريباً منذ نحو ثمانين عاماً من الآن، وهكذا انتشرت هذه في الناس منذ أمد بعيد. (2/95)
صفحة 582
هذه أوهام ولا تزال تتكرر إلى الآن، بدأت منذ أمد بعيد معنى هذا أنه مضى عليها ما يقارب القرن من الزمن الآن والناس لا يزالون في هذه الأوهام، وأنا أعجب ممن يصور مثل هذه الأوراق ويوزعها، وقد صرحت أولاً تصريحاً ونشر فيما أعتقد في جريدة عمان وفي جريدة الوطن بأن هذه أكاذيب، وهذه شخصية وهمية غير معروفة، ومثل هذه الأمور لا يدعى إلى الإسلام بمثل هذه الوسيلة، الإسلام يدعى إليه بوسيلة إيجابية لا بالأكاذيب، الأكاذيب ليس هي وسائل للدعوة الصحيحة، الدعوة إلى الاستقامة والطاعة وحب الله تعالى ورسوله، وبعض الناس نسبوا إليّ أنا ما وُجد في هذه الأوراق مع أن هذه الأوراق كما قلنا كانت قبل ولادتي بأمد بعيد، والله تعالى المستعان.
السؤال (14)
امرأة في صلاة الظهر والعصر دائماً تقرأ الفاتحة وتقرأ معها سورة وعندما تتذكر تعيد الصلاتين مرة أخرى؟
الجواب:
لا داعي إلى إعادة الصلاة، ولا معنى لهذه الإعادة، فلتدع عنها ذلك، وإن سهت فزادت أو نقصت فلتسجد سجدتي سهو، والله تعالى يتقبل منها.
السؤال (15)
رجل عنده وسواس شديد عندما يصلي في المسجد مع الجماعة يأتيه الشيطان فيوسوس له بأنه سيموت الآن أو سيصاب بالجنون، وهذا الأمر لا يجعله خاشعاً في الصلاة وربما يدفعه في بعض الأحيان إلى أن يخرج من الصلاة، وعندما يصلي في البيت لا يحدث له هذا الأمر، فما هو العلاج؟
الجواب: (2/96)
صفحة 583
نسأل الله تبارك وتعالى له العافية والصحة وزوال البأساء والضراء، ومع ذلك نرجو منه أولاً أن يكابر هذه الأوهام والشكوك، وأن يتغلب عليها بتقوية إرادته، فإن هذه الشكوك إنما تقوى على الإنسان عندما تضعف إرادته، ثم بجانب ذلك عليه أن يلجأ إلى الله، وأن يكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى في الصلاة وخارج الصلاة فالله تعالى يقول (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: من الآية28)، فبذكر الله يطمئن قلبه، وقبل أن يقوم إلى الصلاة ليذكر الله تبارك وتعالى وليستعذ به من الشيطان الرجيم، وليتل ما أمكنه من الآيات المعوذة كسورة الفاتحة الشريفة وآية الكرسي وسورة الإخلاص والمعوذتين، وليكثر من قول لا إله إلا الله فإنها كلمة الإخلاص، وكلمة الإخلاص تدفع الوسوسة، وهكذا كل ما كان من هذا القبيل، ليكثر من ذكر الله تبارك وتعالى، والله سبحانه وتعالى ينزل السكينة على قلبه، وليكثر من الدعاء بإخلاص وباليقين بالإجابة فإن الله تبارك وتعالى يقول (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة:186).
السؤال (16)
رجل صلى العصر فقرأ جهراً ولم يسجد سجدتي السهو؟
الجواب:
صلاته إن شاء الله صحيحة، والله يتقبل منه، وليته سجد لأجل أن يجبر ما حصل، ولكن مهما كان الله تعالى يتقبل منه.
السؤال (17)
هل الذي يوسوس هو الشيطان أم النفس؟
الجواب: (2/97)
صفحة 584
القرآن الكريم يدل على أن الشيطان له أثر إلا أن النفس بسبب ضعفها يتمكن الشيطان من السيطرة عليها، فالنفس تضعف وهذا الضعف قد يكون بسبب تأثيرات من الشيطان نفسه لأنه يخيل للإنسان خيالات وإذا بهذه النفس تضعف شيئاً فشيئاً وهو يستغل هذا الضعف، الله تبارك وتعالى يقول (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (الأعراف:200 - 201)، وقد دل أيضاً القرآن الكريم على الوسوسة تكون من الشيطان (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) (سورة الناس)، فالإنسان مطالب بأن يستعيذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم وفي هذه الاستعاذة ما يدفع هذه الوسوسة إن شاء الله.
السؤال (18)
نحن ندرس للطالبات كتاباً بعنوان (نساء حول الرسول) في هذا الكتاب وردت فقرة نريد أن نتأكد منها هل هي صحيحة أم لا، تقول بأن النبي صلى الله عليه وسلّم كان نائماً ثم قام فبال في إناء وفي الصباح سأل عن الإناء فقالت له إحدى زوجاته بأنها شربته فقال: إنه شفاء لك من ألم البطن، فهل هذا صحيح؟
الجواب: (2/98)
صفحة 585
هذه روايات نحن وجدناها في كتب الحديث، ولكن مهما كان من أمر فإنه مما يؤسف أن علماء الحديث اهتموا بنقد الروايات ولم يهتموا بنقد المتون، فالنبي صلى الله عليه وسلّم لم يدل هنالك دليل على أن فضلاته التي هي نجسة من غيره طاهرة منه، ليس هنالك من دليل، ولذلك كان صلى الله عليه وسلّم كغيره من الناس يستنجي بعد قضاء حاجته ويتطهر، فلو كان بوله صلى الله عليه وسلّم طاهراً لما كانت هنالك حاجة إلى أن يتطهر من البول بل كان يكتفي أن يبول فحسب من غير أن يفعل شيئاً من ذلك، هذا مما يدل على أن هذه الرواية في النفس منها ريبة، ونحن لا نستطيع أن نقول بصحتها.
السؤال (19)
ما هو واجب الأسرة والمجتمع في مساعدة المريض بالوسواس؟
الجواب:
الأسرة والمجتمع لهما أثر كبير في إعطاء المريض دفعة إيمانية من حيث إنه يقال له بأن شخصيته شخصية قوية ولا ينبغي أن يضعف أمام هذه العاصفة من هذه الوسوسة، ويجب أن يصمد ويجب أن يقوى ويجب ويجب إلى آخره. (2/99)
صفحة 586
المرض النفسي يعالج بمثل هذا العلاج النفسي، وقد يقوى الإنسان على مقاومة هذه الوساوس عندما يكون هنالك علاج نفسي، أنا سمعت بأن رجلاً من الناس كان دائماً يخيل إليه أن في رأسه مسماراً من الحديد، وكان دائم الصراخ والعويل يقول بأنه يحس بوجع شديد بسبب وجود هذا المسمار الحديدي في رأسه ويذهب إلى الأطباء، والأطباء يقولون له لا يوجد فيك شيء، ويطلب منهم أن يدخلوه في الأشعة حتى يكتشفوا هذا المسمار، ويردون عليه بأن الأشعة دلت على أن رأسه خال من كل شيء، ولكن مع ذلك هذه الوسوسة كانت ملازمة له، كان ذلك داءً مكيناً سيطر على عقله وفكره فما كان يصدق أبداً مقالة طبيب، ويقول بأن هؤلاء الأطباء جميعاً لا يعرفون شيئا، إلى أن جاء إلى طبيب وعرف حقيقة أمره فقاله له نعم المسمار موجود وإن شاء الله سوف أخرجه، فأعطاه مخدراً ونام وشطبه قليلاً وضمده، ثم قال له انتزعنا المسمار، وأتى بمسار وذبح ديكاً وطلاه بالدم وقال له هذا هو، فاطمأنت نفس الإنسان وسكنت، وزال عنه كل ما يشكو إلى بعد حين قال له أحد بان الطبيب هذا الذي فعله عندئذ قال ولذلك أنا لا أزال أحس بالوجع وأخذ يصرخ مرة أخرى ويردد ما كان يقوله من قبل، فإذاً المجتمع عليه أن يكون حكيماً في معالجة مثل هذه الأمراض وكذلك الأسرة، والله تعالى الموفق.
تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه
7 من ربيع الآخر 1424هـ، 8/ 6/2003م
الموضوع: عام
السؤال (1) (2/100)
صفحة 587
عندي زميلة كانت على علاقة بشخص، واستمرت علاقتهما تقريباً إلى ست سنوات وتمت المقابلات والأحاديث عن طريق الهاتف وعند كل مقابلة يمارسون حياتهم كأنهم متزوجون ولكن لم يحدث بينهم إيلاج ولم يتم فض غشاء البكارة وعلاقتهم كانت مستمرة وتقول زميلتي إن الشخص جاء ليخطبها عند أهلها لأنه يحبها جداً، فهل يصح الزواج من هذا الشخص حيث أنها تحبه وهو يريد أن يقترن بها وأن يتوبا وأن يعيشا حياة سعيدة، فما حكم ذلك سماحة الشيخ، أرجو مساعدتهم لأنهما لا يريدان أن يفترقا عن بعضهم.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإنه مما يؤسف له أن نجد الأمة تقع في هذه المنعطفات الخطيرة، وتهوي إلى هذا القرار السحيق، وذلك بسبب بعدها عن التمسك بالأخلاق، وانحسار التربية الإسلامية الصحيحة التي يجب أن يتربى عليها المؤمن والمؤمنة، ويجب أن يستمسكا بأهدابها وألا يفرطا في أي جزئية منها. (2/101)
صفحة 588
إن الإسلام الحنيف جاء بالطهارة والنقاء وحسن المعاملة والأدب والحياء، جاء الإسلام الحنيف ليقيم حاجزاً من الحياء والعفاف بين الرجل والمرأة إلا إذا ما اقترنا بالعلاقة الزوجية، وهذا واضح مما نجده في كتاب الله، ومما نجده في حديث الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، فالله تبارك وتعالى يقول (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور:30 - 31). (2/102)
صفحة 589
ويقول سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (الأحزاب:59)، ونرى في القرآن الكريم التوجيه لأمهات المؤمنين اللاتي وصفهن الله تبارك وتعالى بأنهن لسن كغيرهن من النساء مع تقواهن لله سبحانه وتعالى، وجههن الله سبحانه وتعالى إلى أن يلتزمن الحشمة والأدب والعفاف والطهارة والنزاهة والترفع وألا يكون الخطاب بينهن وبين الرجال إلا خطاباً محاطاً بسياج من هذه الأخلاق الرفيعة والآداب الفاضلة لئلا تتزلزل نفس أحد من أولئك الذين في قلوبهم مرض مع أنهن في كنف بيت النبوة، ومع أنهن في مجتمع المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، الذين مثلهم في التوراة والإنجيل، فكيف بغيرهن من النساء، الله تبارك وتعالى يقول (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً*وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً*وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً) (الأحزاب:32 - 34)، نعم هذا هو التوجيه الرباني لبيت النبوة، لنساء النبي صلى الله عليه وسلّم مع كونهن أمهات للمؤمنين، ولكن هذه الأمومة لم تجعل الصلة بينهن وبين المؤمنين صلة مبتذلة، صلة تتعدى فيها الحدود وتنتهك فيها الحرم، إنما هي صلة كما شاءها الله تبارك وتعالى صلة مقدسة، صلة تقوم على أساس (2/103)
صفحة 590
الطهر والعفاف والنزاهة والحياء والأدب.
ونجد في الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم التشديد البالغ في العلاقة التي تكون بين الرجال والنساء، فالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام يقول: إياكم والدخول على النساء. فقال له رجل من الأنصار: أرأيت الحمو يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلّم: الحمو الموت.
وقال صلى الله عليه وسلّم: ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم. وقال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة إلا مع ذي محرم. وقال: ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما. وماذا عسى أن يفعل الشيطان عندما يكون ثالث اثنين. أليس الشيطان هو الذي يدعو إلى تعدي حدود الله واقتحام المخاطر وإلقاء النفس إلى التهلكة بحيث يدعو إلى معصية الله سبحانه وتعالى وعدم مبالاة الإنسان بنفسه أن تنقلب إلى عذاب الله والعياذ بالله.
ولئن كان النبي صلوات والله وسلامه عليه يشبه حما المرأة وهو أخو زوجها بالموت لما في دخولها عليها من الخطورة فما بالكم بالرجال الأبعدين، وما بالكم بأولئك الذين تسول لهم أنفسهم وتدعوهم شهواتهم إلى الوقوع في محارم الله سبحانه وتعالى.
وأنا أتعجب أين البيت المسلم الذي يراقب الفتاة المسلمة ويراقب الفتى المسلم؟
أين الحفاظ على العرض؟
أين القيم؟
أين الأخلاق؟
أين الغيرة؟
أين الشهامة؟
أين الرجولة؟
ما بال هذا الإنسان يسمح لابنته وهي جزء من عرضه بأن تكون مبتذلة إلى هذا الحد، وأن تكون عرضة لذئاب البشر.
ماذا عسى أن تكون وقد التقت برجل أجنبي؟ التقت بشاب وهو في ميعة الشباب في حال فوران الشهوة.
ولماذا إذا كانت هنالك رغبة في الاقتران بين الاثنين لا يعجل في هذا الاقتران حتى يلتقيا وهما زوجان بحيث يجوز بينهما كل ما يجوز بين الرجل وامرأته.
ما بالهما يلتقيان وهما أجنبيان فيكون بينهما ما بين الزوجين. (2/104)
صفحة 591
إنا لله وإنا إليه راجعون. إن دل هذا على أمر فإنما يدل على ما أصاب هذه النفوس من المسخ، وما أصاب الفطرة من التعفن، وما أصاب الأخلاق من الانحطاط، وما أصاب الشهامة والمروءة والنجدة والحمية من فساد ومسخ لا يكاد يحد بأي حد كان.
هذه أمور في منتهى الخطورة، والناس يظنون بأنهم بهذا إما يسايرون المدنية ويمشون في ركابها، وهذه مدنية تسوقهم والعياذ بالله إلى الجحيم، فعلى الناس أن يتفطنوا لهذا الأمر.
ولا ريب أن العلاقة الزوجية علاقة مقدسة، علاقة شرف، علاقة محبة في الله تبارك وتعالى، الله تبارك وتعالى يقول (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم:21)، نعم علاقة الزوجية هي علاقة سكون وطمأنينة، وهذا السكون ليس هو سكون الجسم وإنما هو سكون القلب وراحة البال وطمأنينة النفس واستقرار الروح، هو لقاء روحي بين اثنين قبل أن يكون لقاءً جسدياً، فلذلك جعل الله تبارك وتعالى بين الزوجين المودة والرحمة لأن شأن البشر يختلف عن شأن الحيوانات العجماء التي تلتقي ثم تفترق ولا تبقى بينهما رابطة. إنما أراد الله تبارك وتعالى للإنسان أن يبني مدنية من خلال هذا اللقاء بين الزوجين، وأن يكون هنالك امتداد لحياتهما في أعقابهما، في الذرية الصالحة، فلذلك يجب أن تكون الحياة الزوجية غير مشوبة بشيء من شوائب الفساد. (2/105)
صفحة 592
هذا، وقد شددً أصحابنا في نكاح الزاني بمزنيته بسبب أن الاستقرار يفقد بينهما، ولأجل سد باب الشهوة أمام الشهوانيين، وهم وإن ترخصوا فيما إذا كان ما حصل من سوء أدب، وما حصل من تعد على الحرمات دون الزنا لأجل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم الذي يقول: العينان تزنيان واليدان تزنيان والرجلان تزنيان، ثم قال: ويصدق ذلك ويكذبه الفرج. أي أحكام الزنا إنما تنبني على المباشرة بين الرجل والمرأة بحيث يقضي الوطر منها، إذ هذه المباشرة هي التي تعد تصديقاً للفرج بالزنا، ولكن مع هذا كله فإن الإنسان يبقى تساوره الوساوس وهو قد جرب مثل هذه التصرفات الماجنة الخليعة مع امرأة وإن كانت هي دون الزنا، فلذلك يستحب عند الجميع أن لا يكون بينهما زواج بعد مثل هذه التصرفات الماجنة الخليعة الفاسدة، وإن كان ذلك لا يؤدي إلى الحرمة.
فنحن ندعوهما إلى تقوى الله وطاعته، والتوبة من كل ما وقعا فيه من الإثم، وأن يكونا صادقين في التوبة، فالتوبة لا بد فيها من ندم بحيث يندم الإنسان على ما فعل من معصية، وبحيث يتمنى أن لو استقبل من أمره ما استدبر حتى لا يأتي ما أتاه، وأن يقلع عن تلك المعصية، وأن ينوي عدم العدم إليها كما لا تعود الألبان إلى ضروعها، وأن يسأل الله تبارك وتعالى غفران خطيئته معترفاً بهذه الخطيئة، والله تبارك وتعالى أعلم.
السؤال (2)
هل معنى ذلك أنه يجوز له أن يتزوجها؟
الجواب:
لا أقول بالمنع، وإن كانت نفسه لا تطمئن إلى امرأة هذا شأنها، ولا تطمئن نفسها إلى رجل هذا شأنه، والله المستعان.
السؤال (3)
ما هي حدود التعارف المسموح بها شرعاً بين الخاطب ومخطوبته؟
الجواب:
يجب أن يكون هذا اللقاء بينهما في حدود ما أذن به الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلّم عندما قال: لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخلو بامرأة إلا مع ذي محرم. وقال: ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم. (2/106)
صفحة 593
فيجب أن يكون اللقاء مع وجود ذي المحرم لا أن يكونا يلتقيان بنفسيهما هكذا، وحتى الاتصالات بالهاتف عندما تكون هذه الاتصالات رقيقة الحاشية، بطريقة مثيرة للعواطف، مهيجة للشهوات فإنها أيضاً تحرم، إذ الوسيلة تحرم بسبب حرمة الغاية التي تؤدي إليها، وسد ذرائع الفساد من الواجب على المسلمين، والله تعالى أعلم.
السؤال (4)
ورد في الحديث الحث للخاطب أن ينظر إلى مخطوبته، هل ينسحب هذا على الرغبة في معرفة مستواها الثقافي وفي معرفة مستواها السلوكي وما شابه ذلك؟
الجواب:
لا مانع من أن يطلع على ذلك، لكن هذا لا يعني أن يطلع على مخابئ الفتنة منها، وإنما يباح له أن ينظر إلى الوجه والكفين لا إلى ما عدا ذلك.
السؤال (5)
أنا شخص لم أكن مهتماً بالدين كثيراً، فكنت أقوم بعبادتي على أساس التقليد دون التحري، وفي بعض الأحيان بالإهمال، وأنا الآن أتثبت في أموري، وتبت إجمالاً عما بدا مني سابقاً ما علمته وما لم أعلمه، سائلاً الشرع عما ارتكبت فيه سابقاً، دائناً بالتوبة عما لم أعلمه لو علمته، هل يكفي لي هذا أم عليّ أن أتتبع أبواب الفقه بفروعها علني ألتقي عما اقترفته سابقاً مع ما في ذلك من الصعوبة والحرج؟
الجواب:
هذه المعاصي إما أن تكون فيها حقوق للبشر، وإما أن تكون حقوقاً لله تبارك وتعالى، فما كان من حق الله سبحانه وتعالى فإن الله أولى بالعفو كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع من طريق أبي عبيدة أنه قال سمعت ناساً من الصحابة يروون عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: الذنب ذنبان، ذنب بين العبد وربه، وذنب بين العبد وصاحبه، فالذنب الذي بين العبد وربه من تاب منه كمن لا ذنب له، والذنب الذي بين العبد وصاحبه فلا توبة منه حتى يرد المظالم. فعلى أي حال لابد من أن يسأل حتى يتخلص لئلا تكون هنالك مظلمة يجهلها، إن كان يحفظ حاجة بعينها، يحفظ قضية بعينها ولا يعرف حكم الله فيها فعليه أن يتثبت من الحكم لعل عليه تباعة. (2/107)
صفحة 594
وحقوق الله أيضاً لا بد من أداء هذه الحقوق وإن كان من ناحية المقارفات، إن كان قارف أموراً فإنه إن تاب منها تقبل الله توبته، ولكن هنالك أمور لا بد من مراعاتها منها أنه إن ترك الصيام فعليه قضاؤه مع الكفارة الواجبة، وكذلك إن ترك الصلاة فلا بد من الكفارة، وكذلك إن كانت هنالك أيمان فلا بد من كفارات هذه الأيمان، وسائر الكفارات الواجبة لا بد من أدائها، والله تعالى أعلم.
السؤال (6)
أنا من ولاة أمور مجتمع انتشرت فيه بعض البدع المخالفة للسنة وهي من المسائل الفرعية في الدين، هل يجوز لي التدرج في اجتثاث تلك البدع، وأثناء ذلكم التدرج أتبع بعض الأقوال المرجوحة كي لا أنفرهم حتى نتخلص من تلكم البدع؟
الجواب:
الداعية عليه أن يكون كالطبيب، والدعوة إنما هي بالحكم والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، والإنسان ينظر، بعض البدع تكون بدعاً خطيرة جداً، بدع ربما تزلزل العقيدة وتؤثر عليها، وبعضها هي أهون من ذلك. وعلى أي حال فإن الإنسان ينظر إن كان يتمكن من قطع دابر بدعة بسرعة فعليه أن لا يتردد في ذلك، وإن كان لا يتمكن فإن الله تبارك وتعالى لم يكلفه عسيرا، وإنما كلفه يسيرا، الله تبارك وتعالى يقول (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية286)، ويقول (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا) (الطلاق: من الآية7)، فعليه أن يسعى بقدر مستطاعه مع مراعاة الحكمة في ذلك، والله تعالى أعلم.
السؤال (7)
ما هو الفرق بين من يقول يا فارق الفرقان ومنزل القرآن، وبين يا فارق القرآن ومنزل الفرقان أيهما الأصوب وهل هنالك فرق؟
الجواب: (2/108)
صفحة 595
القرآن فرقان، والفرقان أعم من القرآن، والفرقان يوم بدر، سمي يوم الفرقان لأنه فرق بين الحق والباطل، وقد آتى الله موسى وهارون الكتاب والفرقان كما جاء في القرآن، وكل ما فرق بين الحق والباطل فهو فرقان، والقرآن هو على رأس الفرقان لأنه فارق بين الحق والباطل، فبذلك لا حرج على من قال هذا أو قال ذلك، والله تعالى أعلم.
السؤال (8)
رجل يسكن في الشرقية ولكنه الآن يعمل في مسقط وقد استأجر بيتاً في إحدى ولاياتها ويذهب بين الحين والآخر إلى بلده، هل يقصر الصلاة أم يصلي تماماً؟
الجواب:
إن كان ساكناً مطمئناً مستقراً فعليه الإتمام ولا يجوز له القصر.
السؤال (9)
البعض يعمل في الدوائر الحكومية ويظن أن عمله ربما بإذن الله سيمتد إلى عشرين أو ثلاثين سنة وهو أيضاً مستأجر بيتاً في مسقط، فهل هذا يعتبر مطمئناً؟
الجواب:
نعم هو مطمئن لأن عمله غير محدود بزمن.
السؤال (10)
والدتي لديها فشل كلوي وفي رمضان أفطرت ثلاثة أيام ووزعت عن كل يوم طعاماً فهل يكفيها ذلك أم تبدل؟
الجواب:
إن كانت قادرة على القضاء فعليها القضاء لقوله تعالى (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (البقرة: من الآية184)، وإن كانت غير قادرة فإن ذلك يجزيها، والله تعالى أعلم.
السؤال (11)
ما حكم من يهزأ من آراء من خالفه في الرأي في المسائل الفرعية بحجة أن الصواب والسنة مع العالم الذي يتبعه؟
الجواب: (2/109)
صفحة 596
مسائل الرأي يجب أن لا يهزأ أحد فيها من رأي غيره، مادامت هي مسائل رأي، أي مسائل ليست أدلتها قطعية، والاختلاف فيها اختلاف محمود، وعلى أي إنسان أن لا يدعي العصمة لنفسه، بل في مسائل الرأي يقول كل واحد منهم قولي صواب يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب، لأنه يرى أن قوله صواب من قبل ما ترجح عنده من الدليل، ويرى قول غيره خطأ بسبب أنه يرى الدليل في غير قول غيره، ولكن صوابه يحتمل الخطأ، وما يراه عند غيره من خطا يحتمل الصواب، فهكذا مسائل الرأي، ليس للإنسان أن يهزأ فيها من رأي غيره، وأن يسفه رأي غيره، والله تعالى أعلم.
السؤال (12)
أنا أعمل في إحدى الدول الإسلامية وأبقى فيها دائماً إلا ما يتخلل ذلك من عطل، وأنا في ذلك البلد مطمئن بعائلتي، فهل يجوز لي أن أتخذه وطناً وأصلي فيه تماماً؟
الجواب:
إن كان قاصداً الاستقرار الدائم والاستمرار على ذلك وما عنده من مانع من ذلك، أي لا يحجزه عن ذلك أي حاجز، فذلك مباح وإلا فالعبرة بالاستقرار.
السؤال (13)
أسرة لديها طفلة في وجهها شامة، إذا أزالت تلك الشامة أحدثت أثراً في وجهها هل يعد ذلك إجراماً في حقها أو تشويهاً لوجهها من غير إذنها، وهل تعتبر تلك الشامة نعمة من الله فتبقى كما هي؟
الجواب:
أما إذا كانت شامة لا تضر فلتدعها كما هي، أما إن كانت تؤدي إلى ضرر بها أو تشوهها فلتستشر الأطباء في إزالتها بطريقة لا تؤدي إلى الإضرار بها.
السؤال (14)
رجل اختلف مع زوجته وقال لها بالغضب باللغة الفرنسية (إذاً نفترق) يقصد بذلك سؤالها أو كأنه في صيغة سؤال، لم يقصد الطلاق وهو يخشى أن يكون طلاقاً؟
الجواب: (2/110)
صفحة 597
ليس هذا بطلاق، ولا يقع بذلك الطلاق، وليمسك عليه زوجه، وليتق الله ربه، وعليه أن يرعى جانبها، وأن يقوم بواجبات الحقوق الزوجية جميعا، وعليها هي أيضاً أن ترعى جانبه، وأن تطيعه في غير معصية الله تبارك وتعالى، وأن لا تثير حفيظته في شيء، وعلى كل واحد منهما أن يتقي الله في نفسه وفي الآخر.
السؤال (15)
هل يجوز أن تخرج المرأة بإذن وليها بعد عقد القران على زوجها ولكن لم يدخل بها؟
الجواب:
إن أذن لها الزوج بالخروج ليس للولي اعتراض في ذلك، وإن كان من حسن الأدب أن لا تقطع صلتها بوليها لا سيما الأب لما للأب من حقوق.
السؤال (16)
هل يصح أن يسمى الطفل الذي ولد ميتا، لأن البعض يريد أن يجعل ذكرى لذلك الطفل الذي ولد ميتاً فيضع له اسما؟
الجواب:
لا مانع من ذلك، التسمية ليست مشكلة.
السؤال (17)
الإمام عندما يلتفت إلى المصلين يأتي بالصلاة الإبراهيمية: اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، لماذا لا تضاف سيدنا ونبينا محمد وأيضاً سيدنا ونبينا إبراهيم؟
الجواب:
لا مانع من ذلك، من أراد أن يضيفها فلا مانع.
السؤال (18)
من يقيم الصلاة وهو يمشي إلى أن وقف على الخط وانتهت الإقامة، هل يصح ذلك؟
الجواب:
لا حرج في ذلك، لا يؤدي ذلك إلى فساد في الصلاة ولا سيما مع الاستعجال.
السؤال (19)
حجاب المرأة هل يشمل تغطية الوجه أم يكفي تغطية الشعر فقط؟
الجواب: (2/111)
صفحة 598
اختلف العلماء في الوجه والكفين هل هما داخلان في عورة المرأة، أو غير داخلين في عورتها، وهذا الاختلاف منذ قديم، منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم من التابعين ومن بعدهم، والذي نذهب إليه أن الوجه غير عورة وكذلك الكفان من غير عورة المرأة، والدليل على ذلك أن المرأة مطالبة بأن تكشف عن وجهها عندما تكون محرمة وبطبيعة الحال هذا إن لم تكن عند الرجال الأجانب، وهذا دليل على أن الوجه غير عورة إذ لا يتعبد بكشف شيئاً من العورة، لا يكون كشف شيء من العورة عبادة، ولكن مع ذلك عندما تكون خائفة من الفتنة فعليها ستر وجهها لسد ذريعة الفساد، لا لأجل أن الوجه عورة لأجل ستر العورة، وإنما ذلك لأجل سد ذريعة الفساد، و وذرائع الفساد يجب سدها، والله تعالى أعلم.
السؤال (20)
رجل عمل حادثاً وقتل فيه إنساناً، فما الذي يجب عليه؟
الجواب:
عليه مع الكفارة الواجبة عليه شرعاً الدية لأولياء القتيل، إن كان هذا القتل خطأً، اللهم إلا إن أسقطوا هذه الدية وعفوا فإن عفوهم إنما هو نزول عن حقهم، وبما أن الحق لهم فهو يسقط بإسقاطهم إياه، والله تعالى أعلم.
السؤال (21)
هل عليه أن يكفر بالصيام قبل الدية؟
الجواب:
سواءً قدّم الصيام أو الدية، أو في أثناء الصيام أدى الدية كل من ذلك جائز.
السؤال (22)
الصوم في السفر هل يشمل أيضاً الكفارة؟
الجواب:
لو أراد أن يصوم في السفر فلا مانع من ذلك إذ لم يكن هنالك دليل على منع الصيام في السفر وإنما أبيح للمسافر أن يفطر في نهار رمضان لأجل التوسعة له، ولو صام فذلك الصيام خير كما جاء ذلك في حديث أنس رضي الله تعالى عنه.
السؤال (23)
خطب امرأة وعقد عليها القران إلا أنها أهلها يمنعونه من أن يراها وأن يأخذها معه، فهل يصح لهم ذلك، ما الذي عليه أن يفعله؟
الجواب: (2/112)
صفحة 599
هذا مما يرجع إلى الأعراف، ربما كانت الأعراف تقتضي ذلك وإلا فالأصل بعد عقد زواجه بها هي حليلته يحل له منها كل ما يحل للرجل من امرأته، والله تعالى أعلم.
السؤال (24)
من أدرك الإمام في صلاة الجمعة بعد الركوع من الركعة الثانية فماذا يصلي وكيف تكون نيته؟
الجواب:
هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، منهم من قال بأنه إن فاته ركوع الركعة الثانية فليصل في هذه الحالة أربعاً، أي تكون ظهراً، لأن صلاة الجمعة فاتته ولكن لا تفوته الجماعة إلا أن تلك الركعة لم يدركها، وبما أنه لم يدركها فعليه أن يصلي أربعا.
وقيل بل بما أن الإمام يصلي الجمعة ويصلي ركعتين فلتكن الجمعة ركعتين، ولعل القول السابق أرجح بدليل الحديث الشريف حديث النبي صلى الله عليه وسلّم (من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصلاة، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الصلاة) حيث جعل إدراك الصلاة منوطاً بإدراك الركعة ومعنى ذلك أن من لم يدرك الركعة فهو غير مدرك الصلاة، وعلى هذا تكون قد فاتته الجمعة، وبما أنه فاتته الجمعة فليصل أربعا هكذا يبدو، والله تعالى أعلم.
السؤال (25)
هل يصح للمرأة غير الطاهرة أن تلمس الشريط الذي يحوي القرآن الكريم؟
الجواب:
المرأة غير الطاهرة ممنوعة من مس المصحف، و الشريط لا نستطيع بأن نقول حكمه حكم المصحف، لأن الشريط بمثابة الذاكرة التي تحفظ القرآن، إذ يمكن أن يتلى من خلال الشريط في حال تشغيله، وأي إنسان كان يمكن أن يحفظ القرآن كاملا، ولكن لا يعني هذا أن من كان ذا حدث أكبر يمنع أن يمس ذلك الذي يحفظ القرآن، فيبدو لي أن الشريط حكمه حكم حافظ القرآن، وليس حكمه حكم المصحف، والله تعالى أعلم.
السؤال (26) (2/113)
صفحة 600
أنا امرأة متزوجة ولدي سبعة أطفال أكبرهم يبلغ من العمر 12 سنة، هل يمكنني أن أطلب من زوجي أن يأتي بخادمة تساعدني في عمل المنزل، علماً بأنني مصابة بمرض الدم، وأعاني من مضاعفات حادة جداً تعيق عملي كربة بيت، كذلك بعض أطفالي يعانون من نفس المرض ويحتاجون إلى رعاية، زوجي يعمل مهندساً ولديه معارف كثيرون ولا أقدر بأن ألبي له متطلبات الضيافة من أكلات وغيره.
وما هي الشروط التي يمكنها أن تتوفر في الخادمة؟
الجواب:
أولاً قبل كل شيء أسأل الله تعالى لها ولأولادها العافية والصحة وزوال البأساء والضراء، وأن يبارك فيها وفي زوجها وفي أولادهما، وأن يجعل هذه الذرية ذرية صالحة مؤمنة قائمة بأمر الله، ثم بجانب ذلك بالنسبة إلى الخادمة بما أنها لا تستطيع أن تتحمل أعباء البيت فلا مانع من أن تطلب من يساعدها على ذلك، ولكن مع ذلك لتحذر أن تكون هنالك خلوة ما بين هذه الخادمة والزوج فإن هذه الخلوات كثيراً ما تكون سبباً للفساد والانحراف والعياذ بالله، وعلى كل واحد منهم أن يتقي الله تبارك وتعالى ربه.
أما بالنسبة إلى أوصاف هذه الخادمة فينبغي أولاً قبل كل شيء أن تكون مسلمة وأن تكون محافظة على صلاتها ومحافظة على عباداتها، وأن تكون أمينة، وإن أمكن أن تكون غير شابة صغيرة السن، أي غير مغرية فذلك أولى خشية الفتنة، والله تعالى الموفق.
السؤال (27)
امرأة أرضعت عدداً من الأطفال من آباء مختلفين وجميعهم أرضعتهم قبل أن يكملوا السنتين، فهل هؤلاء يعتبروا أخوة، وما هي الأحكام المترتبة على ذلك؟
الجواب:
الرضاع كالنسب، فإذا كان الأولاد الذين تلدهم المرأة في مدد متفاوتة وأعمار مختلفة ولو كان بين الواحد والآخر أكثر من عشرات السنين فهم أخوة، فكذلك الذين ترضعهم ولو كانت المدد التي تفصل بين رضاع هذا ورضاع الآخر متفاوتة فإنهم جميعاً أخوة ما دامت أرضعتهم امرأة واحدة. (2/114)
صفحة 601
هم جميعاً أولاد تلك المرأة، وزوج تلك المرأة هو أب لهم، فهم بينهم وبين قرابة تلك المرأة من الأحكام ما يكون بينهم وبين قربة أمهم من الأحكام، فأخوها خالهم ويحرم عليه أن يتزوج أي واحدة من اللاتي رضعن منها، وأختها خالتهم يحرم على كل واحد منهم أن يتزوجها، وكذلك بناتها جميعاً هن أخواتهم يحرم الزواج بين هذه البنات وبين كل من رضع منها، وأبناؤها هم أخوانهم فيحرم على هؤلاء الأبناء أن يتزوجوا بأي واحدة من اللاتي رضعن منها، ثم كذلك من قبل الزوج كل ما يحرم عليهم من قبل أبيهم يحرم عليهم من قبل ذلك الزوج، أي زوج المرأة لأنه والدهم من الرضاع، فلا تعتبر المدد المتفاوتة، لا يعتبر أيضاً أن هذا رضع مع هذا أو هذا رضع مع ذاك، لا، إنما الكل هم أخوة، والله تعالى أعلم.
تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه
14 من ربيع الآخر 1424هـ، 15/ 6/2003م
الموضوع: عام
السؤال:
ما أهمية التبرع بالدم، وهل هو في الأساس تصرف مشروع؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
أما بعد، فإنه لا ريب أن الله تبارك وتعالى جعل التعاون سنة من سنن الحياة الإنسانية، إذ الإنسان قليل بنفسه كثير بأخيه، وقد جعل الله سبحانه كل أحد بحاجة إلى غيره، ومن أجل ذلك كان التعاون في مثل هذه القضية تعاوناً مهماً مشروعاً لأن فيه إنقاذاً لحياة بشر، ولأن فيه أيضاً إنقاذاً لصحة أقوام. (2/115)
صفحة 602
والحق سبحانه وتعالى وإن جعل الدم نجساً تعاطيه محرماً كما دلت على ذلك الآيات القرآنية ودلت عليه الأحاديث النبوية الشريفة إلا أنه جعل الله تبارك وتعالى الضرورة تختلف أحكامها عن أحكام الاختيار، فنحن نرى أن الله سبحانه وتعالى مع تحريمه الدم والميتة ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله نص في كتابه العزيز على إباحة ذلك للمضطر عندما قال عز من قائل (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة: من الآية173)، والاضطرار قد يتصور أنه خاص بالمخمصة وهي الجوع لأن الله تبارك وتعالى قال (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ) (المائدة: من الآية3)، والواقع خلاف ذلك، فإن الاضطرار لا يخصص بكونه في مخمصة، أو لا يقيد بكونه في مخمصة، ذلك لأن المخمصة هنا إنما هو وارد مورد الأغلب المعتاد، ومن المعلوم أن مفهوم المخالفة عندما يكون منطوقه وارداً مورد الأغلب المعتاد لا يحتج به عند العلماء كما في قول الله تبارك وتعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ) (الأنعام: من الآية151)، وقوله (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) (الإسراء: من الآية31)، فإن قوله (من إملاق) وقوله (خشية إملاق) لا يقيد هذا الحكم بحيث تكون قتل الأولاد لغير الإملاق ولغير خشية الإملاق مباحة، لأن ذكر الإملاق وخشية الإملاق إنما هو وارد مورد الأغلب المعتاد، ولأجل ذلك وجدنا فقهاء الأمة يكادون يجمعون على أن قول الله سبحانه وتعالى في تعداد المحارم (وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِن) (النساء: من الآية23)، لا يقيد حكم المنع فيه بكون هذه الربائب في الحجور، لأن ذكر كونهن في حجور أزواج أمهاتهن إنما هو وارد مورد الأغلب المعتاد، وإنما هنالك رأي شاذ تُرك منذ أمد بعيد وعولت الأمة على أن الربائب حرام على أزواج أمهاتهن إن دخلوا بأمهاتهن (2/116)
صفحة 603
سواء كُن في حجورهم أو لم يكنّ في حجورهم، وهكذا، فإذاً قوله سبحانه وتعالى (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ) (المائدة: من الآية3)، إنما هو وارد مورد الأغلب المعتاد.
وقد دلت الأدلة الكثيرة على إباحة التداوي بالمحرم، من ذلك حديث العرنيين حديث أنس عند الإمام الربيع وعند الشيخين وعند أصحاب السنن أن العرنيين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فاستوخموا المدينة المنورة فأباح لهم النبي صلى الله عليه وسلّم التداوي بأبوال الإبل، وهذا لأجل ضرورة هذا التداوي.
وهكذا نجد أن الضرورات يباح معها ما كان محجورا، فلذلك قلنا بأن التداوي بالدم بإدخاله في جسم المريض لا يمنع، ولكن لا بد من مراعاة أمور من ذلك أن يكون الدم المتبرع به زائداً عن حاجة المتبرع، فإنه إن كان مضطراً بنفسه فليس له أن يتبرع، إذ الإنسان لا يقتل نفسه ليحي غيره، فإن قتل النفس حرام والله تعالى يقول (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة: من الآية195)، ويقول تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً) (النساء:29 - 30)، إلى غير ذلك من الأدلة التي تشدد في هذا، ومن ذلك أن يكون النفع – نفع الدم – لذلك المريض المتبرع له أمراً متيقناً، ومن ذلك أن يكون هذا بضبط وبدقة من قبل طبيب دقيق المعرفة يستطيع أن يعرف قدر ما ينفع ولا يضر سواء بالنسبة إلى المأخوذ منه أو بالنسبة إلى المأخوذ له، فنحن ندعو لمراعاة هذه الضوابط وهذه الأحوال، والله تعالى أعلم.
السؤال:
هل حكم التبرع بالدم يختلف عن حكم التبرع بالأعضاء، وما حكمكم على عملية التبرع بالأعضاء؟
الجواب: (2/117)
صفحة 604
التبرع بالدم له خصائصه التي يتميز بها عن التبرع بالأعضاء، فمن ذلك أن العضو لا يشرع للإنسان بتره في أي حال من الأحوال إلا عندما يضطر إلى أن يفصله عن جسده بخلاف الدم فإنه تشرع فيه الحجامة ويشرع فيه الفصد، ومعنى ذلك أن العضو لا يزيد عن حاجة الإنسان بخلاف الدم فقد يزيد عن حاجة الإنسان بل ربما كان تكاثره يؤدي به إلى الإضرار كما جاء (لئلا يتبيغ بكم الدم) ولذلك شرع الفصد وشرعت الحجامة لأجل هذا، أما العضو فلا، ثم إن العضو لا يمكن أن يعوض، العضو لا يعوضه شيء، فالعضو لا ينبت من جديد، فمن فصل من الإنسان جزء منه إن أخذت عينه أو إن قدرنا إلى الأعضاء الظاهرة قطعت يده أو قطعت رجله، أو بالنسبة إلى الأعضاء الباطنة لو أخذت كليته أو أخذ أي شيء من جوارحه فإن ذلك لا يمكن أن يعوض، الجسد لا ينمو نمواً يعوض بسببه عضو مبتور بخلاف الدم فإن الدم يتعوض بالتغذية، والتغذية لا تسد مسد العضو عندما يبتر من الإنسان فلا ينبت فيه من جديد بسبب التغذية.
ثم إن العضو مهما كان الحالة، العضو هو مفصول عن الحي، ومن فصل عن الحي فهو ميت، والدم لا يوصف بذلك، ثم إن العضو له حرمة، ومن بين هذه الحرمات أنه عندما يفصل من الإنسان بسبب من الأسباب كأن يكون عضواً مصاباً بشيء من الأمراض الخطيرة يشرع فيه أن يدفن، له حرمات بخلاف الدم فإنه يراق، إلى غير ذلك من الأمور التي يتميز بها العضو عن الدم، ومعنى ذلك أن للدم خصائص غير خصائص العضو، فلذلك يمكن أن يفرق بينهما. (2/118)
صفحة 605
إلا أن جماعة من العلماء المعاصرين نظراً إلى الظروف المعاصرة وكثرة الاحتياجات التي طرأت أباحوا التبرع بالأعضاء التي يحتاج إليها احتياجاً شديداً من غير أن يكون هنالك ضرر على العضو كالتبرع بإحدى الكليتين لأجل أن الكلية الأخرى تسد مسدهما، أي تغني عن الكلية الأخرى، فهكذا أباح العلماء ذلك، ولكن مع هذا نحن نؤكد أيضا أن الإنسان الأصل فيه أنه لا يملك جسده، وهذا لا بد من أن يشرط بأنه لا يجوز أن يكون في مقابل ثمن لأن الإنسان ليس له أن يبيع جزءاً من جسده إذ الإنسان يملك منفعة جسده ولا يملك الجسد نفسه، فهو يملك منفعة العضو ولا يملك العضو نفسه.
السؤال:
ما حكم من تبرع بالدم وهو صائم، هل يصبح مفطراً؟
الجواب:
هذه القضية يعتريها الخلاف الذي وقع بين الأمة في الحجامة هل تنقض الصوم أو لا تنقض، والخروج من عهدة الخلاف خير للإنسان، فينبغي للإنسان أن يخرج من عهدة الخلاف مهما أمكنه.
السؤال:
التبرع بالدم هل يصبح في فترة من الفترات واجباً على الإنسان؟
الجواب:
عندما يكون الإنسان كما قلنا عنده فضلة من الدم زائدة عن حاجته بنفسه ويجد مضطراً من إخوانه المسلمين بحيث تعرض حياته للخطر إن لم يتبرع له، وليس هنالك أي دم يمكن أن يعالج به، ففي هذه الحالة يصبح الأمر ضرورياً ولذلك قد يصل إلى حد الوجوب.
السؤال:
هل يجوز أن استخدم الدم كمنفعة مالية بأن أبيع دمي للمحتاجين؟
الجواب:
نحن قلنا فيما سبق بأن الإنسان لا يملك شيئاً من أعضائه بالنسبة إلى الأعضاء، ونقول في الدم، الدم هو في أصله نجس والنجس لا يجوز بيعه، ثم بجانب ذلك الإنسان لا يملك شيئاً من جسده وإنما يملك المنفعة.
السؤال:
هل يجوز للمرأة أن تتبرع بالدم دون موافقة زوجها لحاجة ماسة لهذا الدم؟
الجواب:
إن كانت هناك ضرورة ملجئة إلى ذلك فنعم. المرأة أبيح لها عندما تنقذ نفساً أبيح لها حتى إرضاع الرجل الأجنبي عندما يكون الأمر لا يمكن إنقاذه إلا بإرضاعها إياه. (2/119)
صفحة 606
السؤال:
فتاة تقول لأبيها دائماً (أف) وتتكرر هذه الكلمة منها، فما حكم ذلك؟
الجواب:
على كل من الابن والابنة أن يتقيا الله تبارك وتعالى، وأن يراعيا حق أبويهما، فالله تبارك وتعالى يقول (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) (الإسراء:23 - 24)، نعم إن الوالدين حقهما حق كبير ولذلك قرنه الله تبارك وتعالى بحقه، وعطفه على حقه، وقرن الوفاء بحقهما بعبادته وترك الإشراك به سبحانه وتعالى، وهذا كله مما يؤكد عظم حقهما. (2/120)
صفحة 607
فلذلك كان أي كلمة يقولها الولد ذكراً كان أو أنثى في حق أبيه أو في حق أمه مما يدل على تضجره وتأففه فإن ذلك يعد عقوقاً، فالآية الكريمة تقول (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا) أي إذا بلغ أحد الوالدين الكبر، أو بلغ كل منهما الكبر بحيث كانا جميعاً عاجزين كبيرين فلا تقل لهما أف، وهذا لا يعني أنه يجوز ذلك قبل أن يبلغا الكبر أي إن كان الوالد في سن الكهولة أو في سن الشباب، وكذلك الوالدة إن كانت في سن الكهولة أو في سن الشباب لا يعني ذلك أنه يجوز لأحد من أولادهما أن يقول لهما أف أو نحو ذلك، ولكن ذكر الكبر هنا لأن الكبير دائماً تصدر منه تصرفات، قد تكون هذه التصرفات محسوبة على أخلاقه وعلى شمائله، لأن الكبر له أثر، إذ الإنسان في الشيخوخة لا يكون حاله كحاله في الشباب، وكذلك في حالة السقم لا يكون حاله كحالة صحته، ففي حالة الشيخوخة قد تصدر منه تصرفت يشمئز منها الولد، ولكن مع ذلك ليس له أن يقابل هذه التصرفات بشيء من التضجر حتى كلمة أف، وقد قالوا بأن كلمة أف هي تعني كل ما يصدر من الإنسان من إظهار عدم الارتياح إلى ما صدر من الوالد ولو كان مجرد تصعيد نفس، ليس له أن يصعّد نفسه لأجل أنه ينفس عن نفسه بسبب تضجره مما صدر عن والده.
هذا حق الوالد، فلذلك كان فعل هذه الفتاة عندما تقول لوالدها أف في كل مرة عقوقاً، ونحن ننصحها عن ذلك، وندعوها إلى التوبة على الله سبحانه، وندعوها إلى إرضاء والدها وبرها به، والقيام بحقه، مع أننا أيضاً ندعو والدها إلى أن لا يعرضها لعقوق، فإن بعض تصرفات الآباء وتصرفات الأمهات قد تكون معرضة لأولادهم لعقوقهم، فلذلك نحن ننصح هؤلاء وهؤلاء بأن يكونوا عوناً على طاعة الله سبحانه وتعالى، وأن يحرصوا على تقوى الله، وحسن المعاملة، والله تعالى أعلم.
السؤال: (2/121)
صفحة 608
هل يجوز أن أصلي صلاة الظهر والعصر بوضوء واحد ما لم أحدث، وأيضاً في أمريكا أنا أتوضأ للصلاة في البيت ولكن عندما أذهب إلى المسجد تواجهني فتنة النساء حيث أن النساء هنا بحكم أنه مجتمع غير مسلم سافرات، فما حكم وضوئي في هذه الحالة؟
الجواب:
لا مانع أن يصلي الإنسان حتى الصلوات الخمس كلها بوضوء واحد ما لم ينتقض وضوءه. فيجوز للإنسان أن يصلي الصلوات الخمس إن استطاع أن يمسك وضوءه مثلاً من صلاة الفجر إلى صلاة العشاء، أو من صلاة الظهر إلى صلاة الفجر، أو من صلاة المغرب إلى صلاة العصر في اليوم الثاني، أو من صلاة العشاء إلى صلاة المغرب في اليوم الثاني، لا مانع إن استطاع أن يمسك وضوءه أن يصلي بوضوء واحد من غير أن يجدد الوضوء.
أما بالنسبة إلى ما يشاهده الإنسان من المغريات والفتنة والعياذ بالله فعليه أن يغض من بصره وما عليه من ذلك فليتق الله ما استطاع، والله تعالى أعلم.
السؤال:
طفل عمره سبع سنوات ويعاني من مرض الشلل ويريد أهله ختانه لكن الطبيب يمنع ويقول بأن صحته لا تسمح بذلك فهل يجوز أن يبقوه على حالته؟
الجواب:
نسأل الله تبارك وتعالى له العافية والصحة وزوال البأساء والضراء ورفع كل بلاء، وبما أن الطبيب أخبر بأن هذا الطفل لا يحتمل الختان بسبب ضعفه ومرضه، وأن الختان سيعرضه للخطر فلا يجوز ختانه، بل عليهم أن يمسكوا عن ذلك، إذ لا تعرض حياة أحد للخطر من أجل الختان، فالختان شرع مع إمكانه لا مع تعذره، والله تعالى أعلم.
السؤال:
هل الختان واجب؟
الجواب:
هو من سنن الفطرة، ومعنى ذلك أن الأخذ به واجب، فالختان من سنن الفطرة التي شرعت منذ عهد إبراهيم عليه السلام، ولذلك تميز به أتباع إبراهيم عليه السلام، والأمة المسلمة هي وارثة لملة إبراهيم فلذلك شرع لها الختان.
السؤال: (2/122)
صفحة 609
قد يواجه بعض الدعاة الذين يُدخلون غير المسلمين في الإسلام مشكلة مع المسلمين الجدد وهم كبار في هذه الناحية، هل يجوز لهم أن يبقوهم على حالتهم؟
الجواب:
أما أن يتركوهم وشأنهم لا، وإنما عليهم أن يخبروهم بضرورة الاختتان، فإن كانوا متمكنين من الاختتان فذلك، وإن كان هنالك عذر شرعي فإلى أن يرتفع ذلك العذر الشرعي.
السؤال:
امرأة تأتيها الدورة الشهرية يوماً واحداً في الشهر ثم بعد خمسة أيام تأتيها مرة يوم واحد، فما الحكم؟
الجواب:
هذه المسالة منبنية على مسألة قد تكون نوعاً ما غير مفهومة عند كثير من الناس، وهي ما يسمى بالأصل والبناء في مسائل الحيض، فالمرأة قد تأتيها دفعة دم ثم تنقطع عنها ثم تظهر بعد ذلك بعد حين، فهل يضم ما بعد ذلك إلى ما تقدم أو لا؟ المسألة فيها خلاف كثير، وفيها أخذ ورد، هل تبني على يوم واحد أو تبني على يومين أو تبني على ثلاثة أيام؟ وهل تلفق أيام الطهر مع أيام الدم؟ وهل تجمع ما بعد الطهر القاطع؟
ونظراً إلى أن هذه المرأة صارت عادتها هكذا أن يأتيها الدم في يوم ثم ترى الطهر ويستمر بها الطهر إلى مضي خمسة أيام، ثم يعود إليها الدم، فنظراً إلى حالتها هذه نرى أن تأخذ برأي من يقول بأنها تبني على اليوم الواحد، وأنها تلفق أيام الطهر مع أيام الدم بحيث تعتبرها في الحكم جميعاً أيام دم، ولكن عليها إذا رأت الطهر أن تغتسل وتصلي حتى تأتيها دفعة الدم بعد ذلك وتترك لها الصلاة هذا إن كانت أوصاف دم الحيض في اليوم الأول وفي اليوم الذي يلحق بعد ذلك هي نفس أوصاف دم الحيض، والله تعالى أعلم.
السؤال:
هل يجوز لي أن أتبرع بدم لمريض أوشك على الهلاك وهو غير دين الإسلام؟
الجواب: (2/123)
صفحة 610
يختلف الحكم بين كونه محارباً وبين كونه غير محارب، فغير المحارب له حكم يختلف عن حكم المحارب للإسلام، أما من كان محارباً للإسلام وللمسلمين فلا ريب أنه ليست له هذه الحرمة ونفس وجوده يشكل خطراً على الإسلام، أما من كان مسالماً وعلاقته بالمسلمين علاقة حسنة فإن الله تبارك وتعالى قال (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة:8).
السؤال:
هل المحارب الذي يمارس الحرب فعلياً؟
الجواب:
المحارب سواء كان يمارس الحرب بنفسه أو كان يشارك فيها أو يخطط لها أو يمول الذين يحاربون.
السؤال:
ما حكم من يصلي فشك هل هو في التشهد الأخير أو في التشهد الأول ماذا يصنع؟
الجواب:
أما إن شك مثل هذا الشك فإنه يبني على الأقل ويسجد لسهوه. فإن شك هل هو في الثانية أو في الثالثة اعتبر نفسه في الثانية، إن شك هل هو في الثالثة أو في الرابعة اعتبر نفسه في الثالثة، إن شك هل هو في التشهد الأول أو في التشهد الأخير اعتبر نفسه في التشهد الأول، والله تعالى أعلم.
السؤال:
طفل لديه تشوه في الخلقة وعمر 11 سنة كما أن عنده مرض في الكلى كيف تستطيع أن تجعله يصوم وأن يصلي؟
الجواب: (2/124)
صفحة 611
أما الصلاة ليست مشكلة، الصلاة يعلم الصلاة وليصلها كيفما قدر، إن استطاع أن يؤدي الصلاة بجميع وظائفها وأعمالها فليفعل، إن لم يستطع فليأت بما يقدر عليه، فإن لم يستطع مثلاً أن يصلي قائماً فليصل قاعداً، وإن لم يستطع أن يصلي قاعداً فليصل مضطجعاً، وهكذا أعمال الصلاة غير مشكلة. ولكن الصيام فإن كان غير قادر على الصيام فلا يكلف الصيام، وإذا بلغ الحلم وهو غير قادر على الصيام ففي هذه الحالة يدخل في الذين (يطيقونه) كما جاء في قوله تعالى (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) (البقرة: من الآية184)، ومعنى ذلك أن يفتدي بإطعام مسكين عن كل يوم، والله تعالى أعلم.
السؤال:
من عمره 11 سنة هل يجب عليه الصيام؟
الجواب:
عندما يبلغ الحلم، بلوغ الحلم بالنسبة إلى الذكر إما بنبات الشعر في الموضع المعتاد أو بالاحتلام، أو ببلوغ خمسة عشر عاماً.
السؤال:
نقل الدم من امرأة إلى طفل دون سن الحولين هل يأخذ الرضاع؟
الجواب:
نحن لا نستطيع أن نقول بأن نقل الدم له حكم الرضاع، لأن الرضاع على كل حال هو امتصاص للبن، وقد يكون الماء أيضاً له حكم الرضاع عندما يكون ماء ثيب كما ذكرنا ذلك غير مرة، أما الدم فليس هو في حكم الرضاع، هكذا يبدو ولا نستطيع أن نعطيه حكم الرضاع وإن كان وجدنا من العلماء من يقول ذلك، ولكن الإقدام على القول بهذا نرى فيه شيئاً من العسر فلذلك نحن نمسك عن القول به.
السؤال:
هل التبرع بالدم يقوم مقام الفصد والحجامة الذي ورد في السنة؟
الجواب:
هذه قضية طبية لا أحكم فيها أنا، وإنما ينظر الطبيب هل التبرع بالدم يغني عن الحجامة , وأنا أظن أن الحجامة تختلف عن هذا لأن الحجامة إنما هي إخراج لدم قد يكون دماً متلوثاً أو دما فاسداً هكذا يقال، بخلاف التبرع، فالدم المتبرع به الدم الصافي، والله تعالى أعلم.
وهذه قضية ينظر فيها الأطباء وهم الذين يقررون ذلك.
السؤال: (2/125)
صفحة 612
هل يجوز أخذ أعضاء من الإنسان بعد الوفاة؟
الجواب:
أما أن تؤخذ أعضائه بعد الوفاة هكذا من غير أن يوصي هو بذلك فهذا غير جائز، ثم بالنسبة إلى الوصية هي مشكلة لأن الإنسان لا يملك كما قلنا جسمه فهو يملك منفعته ولا يملك عينه، لا يملك عين العضو وإنما يملك منفعته، وإنما وجد من العلماء من يترخص في أخذ بعض الأشياء بعد الوفاة مع الوصية بذلك من قبل المتوفى نفسه، والله تعالى أعلم.
السؤال:
رجل يصلي مع الجماعة وأثناء تكبيرة الإحرام أحس بفرجة عن يمينه فالتفت قليلاً للتأكد من ذلك فما حكم صلاته؟
الجواب:
هل هو على يمين الصف أو على يسار الصف، فإن كان هو على يسار الصف ومعنى ذلك أنه لو صارت هذه الفرجة تكون فرجة بينه وبين الصف ففي هذه الحالة له أن ينظر لأنه عليه أن يسعى لسد هذه الفرجة إذ لو بقيت هذه الفرجة لأثرت على صلاته وصلاة من بعده، أما إن كان هو على يمين الصف فلا معنى للنظر إلى يمينه لأنه في هذه الحالة الإمام يكون على جهة يساره فما عليه هو أن يسد الفرجة، وإنما يسد الفرجة من كان أبعد منها فهو الذي يأتي لأجل سدها، لا يكون الذي هو أقرب إلى جهة الإمام عليه أن يبتعد ليوجد فرجة جديدة بينه وبين الصف.
السؤال:
يقول الله تعالى (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء: من الآية103)، هل كلمة (كانت) تفيد الماضي؟
الجواب: (2/126)
صفحة 613
كلمة كان كثيراً ما تأتي لأجل التأكيد، لا للدلالة على أن ذلك أمر مضى، كثيراً ما تدخل كان على جملة لتؤكد مضمونها كما قول الله تعالى (وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (النساء: من الآية96)، فلا يعني ذلك أن الله سبحانه وتعالى كان فيما مضى من الزمان غفوراً رحيما والآن هو ليس بغفور ولا برحيم، وكذلك (وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) (النساء: من الآية158)، لا يعني ذلك أنه سبحانه وتعالى كان فيما مضى عزيزاً وكان فيما مضى حكيماً وأنه الآن ليس بخلاف ذلك ليس بعزيز ولا بحكيم، فكذلك (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء: من الآية103)، كلمة كانت هنا إنما هي تفيد تأكيد مضمون هذه الجملة وهي كونها كتاباً موقوتا، والله تعالى أعلم.
السؤال:
في بعض الأحيان يمارس البعض لعب كرة القدم وليس الجميع يلتزم بلبس الملابس الساترة للعورة من السرة إلى الركبة، فما حكم الذين يلتزمون بذلك في لعبهم مع أولئك الذين لم يلتزموا وهل ينطبق عليهم الحديث (لعن الله الناظر والمنظور إليه)؟
الجواب:
ليس للإنسان أن يبدي عورته ولا أن ينظر إلى عورة غيره، ففي الحديث: لعن الله الناظر والمنظور إليه، وعليه فلا بد من دفع هذه المفسدة، فإن استطاع أن يغير المنكر فليغيره وإلا فليمسك بنفسه ولا يشارك هؤلاء الذين يبدون عوراتهم، والله تعالى أعلم.
السؤال:
عندما يواجه الإنسان مضايقة في المسجد، عندما يُسأل عن مذهبه وعن غيرها من التصرفات التي ربما يقتنع هو بها ولا يقتنع بها الآخرون، في هذه الحالة هل يعد ذلك مبرراً لأن يصلي في بيته دون المسجد؟
الجواب: (2/127)
صفحة 614
الإنسان مطالب بأن يصلي في المسجد، وأن لا يشذ عن الجماعة، ومع هذا نحن ننصح المسلمين جميعاً بأن لا تكون الخلافات المذهبية حاجزاً ومانعاً من التواصل فيما بينهم، وأن لا يكون ذلك مؤدياً إلى اشمئزاز بعضهم من بعض، فلا معنى لهذه التصرفات بحيث ينتقد الإنسان على غيره في قضايا جزئية قضايا خلافية، هنالك أعداد هائلة من الذين ينتمون إلى أمة الإسلام ولكنهم لا يصلون، لماذا لا تكرس الجهود في توجيه أولئك إلى الصلاة؟
هنالك أعداد هائلة من الذين ينتسبون إلى أمة الإسلام ولا يقيمون الصلاة بحيث إنهم وإن صلوا فصلاتهم فيها الكثير مما ينقضها، هناك الكثير من أمة الإسلام ممن لا يحسن الطهارة، هناك الكثير من أمة الإسلام ممن لا يعرف الاعتقاد الصحيح ربما كان كثير منهم يصف الله تبارك وتعالى بصفات يجب تنزيهه عنها، فلماذا لا تكرس الجهود لدعوة الناس إلى المعتقدات الصحيحة وإلى الخير، إلى ما هو مجمع عليه مع عذر المسلمين بعضهم بعضاً في ما هو مختلف فيه؟
ليت هؤلاء المسلمين يكرسون جهودهم لذلك، ومع هذا كله فإن وصلت المضايقة بالإنسان إلى أن يضطرب اضطراباً في هذه الحالة لا مانع من أن يعدل عن الصلاة في مسجد إلى مسجد آخر، أو أن يوجد جماعة في بيته أو نحو ذلك، والله تعالى أعلم.
السؤال:
رجل قال: أقسم بالله لأبلغن عن أشخاص معينين لأنه رآهم يفعلون شيئا ما لكنه عدل بعد ذلك عن هذا الأمر فهل كفارته مغلظة أم مرسلة؟
الجواب: (2/128)
صفحة 615
الكفارة هي ما نص عليه القرآن، الكفارة هي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، والرقبة الآن غير موجودة، يستطيع الإنسان أن يطعم عشرة مساكين أو أن يكسوهم، فإن تعذر عليه ذلك بحيث كان غير واجد للطعام أو للكسوة ومعنى ذلك أنه لا يجد الثمن الذي يشتري به الطعام أو يشتري به الكسوة مع عدم توفر الطعام أو توفر الكسوة عنده ففي هذه الحالة يعدل إلى صيام ثلاثة أيام لأن الله تعالى يقول (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) (المائدة: من الآية89)، هذا لغير الواجد أما الواجد فعليه إما أن يطعم عشرة مساكين وإما أن يكسوهم وإما أن يحرر رقبة.
السؤال:
أنا فتاة عقد قراني منذ سنة تقريباً على شاب متدين والحمد لله وهو أصغر مني بعشر سنوات ونحن الآن نستعد للعرس إن شاء الله، هل يؤثر فارق السن على الحياة الزوجية بعد ذلك مع العلم بأننا متفقون في أشياء كثيرة؟
الجواب:
ليست في ذلك مشكلة، النبي صلى الله عليه وسلّم تزوج السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها وكان عمره خمسة وعشرين عاماً وكان عمرها أربعين عاماً أي كان الفارق بين عمره وعمرها خمسة عشر عاماً ومع ذلك تزوجها وظلت في قلبه إلى فارق الحياة صلوات الله وسلامه عليه إلى أن لحق بالرفيق الأعلى، ظل وفياً لها يذكرها ولا يقدم عليها أي واحدة من نسائه، هذا دليل على أن الفارق في السن لا يكون سبباً لمشكلة بين الزوجين، فنسأل الله تعالى لها ولزوجها الألفة وحسن العشرة، ودوام الصحبة على الخير، والذرية الصالحة الطيبة.
السؤال:
ما مدى إمكانية تأجيل غسل الجنابة إلى ما بعد الصلاة المفروضة على أن يصلي جنبا بوضوء مع غسل موضع الجنابة وذلك خشية فوات موعد الصلاة أو لصعوبة الغسل في وقت كالفجر مثلاً؟
الجواب: (2/129)
صفحة 616
الطهارة من الحدث الأكبر سواء الجنابة أو الحيض أو النفاس من شروط صحة الصلاة، فلا تصح صلاة من تلبس بجنابة، أو المرأة إن كانت طهرت من حيضها ولم تغتسل فصلاتها غير صحيحة، أو طهرت من نفاسها ولم تغتسل فصلاتها غير صحيحة، بل على هؤلاء أن يغتسلوا، وإن تعذر الغسل بحيث لم يوجد الماء بأن كانوا في سفر ولم يجدوا الماء، أو تعذر بسبب مرض بحيث كان استعمال الماء مضراً بهم، أو كان البرد برداً شديداً وخشوا على أنفسهم من الهلكة إن هم اغتسلوا ففي هذه الحالة يجوز التيمم لهم، بل يشرع التيمم ويجب عليهم أن يتيمموا، ولا يحل لهم أن يصلوا بغير غسل وبغير تيمم بل لا بد من التيمم وعندما يجدون الماء فعليهم أن يغتسلوا لقول النبي صلى الله عليه وسلّم (فإذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك)، والله تعالى أعلم.
السؤال:
الأمم كلها ستمثل أمام الله سبحانه وتعالى وذلك أمر لا مرية فيه، فما هو مصير الأمم الأخرى الأمم غير المسلمة؟
الجواب: (2/130)
صفحة 617
أولاً كلمة الإسلام نحن نريد أن نبين أن كلمة الإسلام لا تعني هذه الأمة التي بعث فيها الرسول صلى الله عليه وسلّم، فأتباع المرسلين السابقين الذين لم يبدلوا ولم يحرفوا ولم يغيروا ولم يكفروا برسول جاء من بعد رسولهم، أولئك أيضاً هم يعتبرون من المسلمين لأن الله تبارك وتعالى حكى عن نوح عليه السلام أنه قال (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (يونس: من الآية72)، وذكر الأنبياء ووصفهم بالإسلام وذكر الأمم السالفة التي استقامت على الطريقة ووصفها بالإسلام فالكل من أولئك كانوا مسلمين، وأولئك هم على أي حال مؤمنون ناجون بمشيئة الله ما داموا ملتزمين، أما من كفر بنبوة نبي جاء بحيث كان متبعاً لرسول ثم جاء رسول من بعد وكفر برسالته ففي هذه الحالة يكون بطبيعة الحالة من الكفرة ومن المتوعدين إذ الله تعالى يقول في النبي صلى الله عليه وسلّم وفيما أنزل (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ) (هود: من الآية17)، ويقول (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) (البينة:6)، والله تعالى أعلم.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
28 من ربيع الآخر 1424هـ، 29/ 6/2003م
الموضوع: عام
السؤال:
نحن طالبات نذهب للمدرسة في مكان نتجاوز فيه حد السفر وكنا نعود إلى البلد قبل فوات وقت صلاة الظهر، وأخبرنا عن مجيء لجنة إلى المدرسة فمنعنا من الخروج، وقد تأخرت اللجنة كثيراً، وبعدها عدنا إلى البيت وقد فات وقت الظهر، فمنا من صلى الظهر سفرية، والبعض الآخر صلاها صلاة تامة، فما الحكم في ذلك، وما صحة صلاة الطالبات؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آهل وصحبه أجمعين أما بعد: (2/131)
صفحة 618
فبما أن وقت الصلاة الثانية لا يزال ممتداً فصلاة الأولى سفرية أمر فيه خطأ، ذلك لأن الظهر والعصر يشرع الجمع بينهما في الحضر لأجل الحاجة، ولأجل الضرورة كما يشرع الجمع في السفر، وكذلك المغرب والعشاء، والدليل على ذلك الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع رحمه الله في مسنده من طريق ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم الظهر والعصر معاً، والمغرب والعشاء الآخرة معاً من غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر. والحديث قد أخرجه الشيخان وغيرهما، وجاء في روايتهما زيادة وهي أن ابن عباس رضي الله عنه قيل له: ما أراد بذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته. وهذا دليل على أن هذا مشروع في وقت الحرج لرفع الحرج، ومثل هذه القضية تعتبر من مظنة الحرج، فلذلك كان على هؤلاء الطالبات أن يصلين الظهر والعصر معاً ولو بعد الوصول إلى بلدهن من غير قصر، أي تماماً من غير قصر، هكذا يؤمرن، ومن صلت منهن مسافرة فعليها أن تعيد صلاتها، والله تعالى أعلم.
السؤال:
هل يجوز استعمال الحناء للذكور علماً بأنهم لم يتجاوزوا سن البلوغ ويستخدمونه للزينة خاصة في أيام الأعياد؟
الجواب: (2/132)
صفحة 619
الحناء إنما هو زينة للنساء دون الرجال، ولذلك يؤمر الرجال بأن يتجنبوه، وقد جاء في حديث أخرجه أبو داود في سننه من طريق أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلّم أتي برجل يخضب يديه ورجليه بالحناء، فسأل عن ذلك، فقيل له: إنه يتشبه بالنساء يا رسول الله. فأمر النبي صلى الله عليه وسلّم أن ينفى إلى النقيع. وهذا لأنه بهذه الحالة يكون داخلاً في التشبه، والتشبه حرام، فقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلّم لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال. فلا يجوز التشبه لأي واحد من الصنفين بالصنف الآخر، ومن هذا التشبه التزين بزينة الصنف الآخر. فلذلك نقول بحرمة ذلك، وعلى الآباء والأمهات أن يربوا آبائهم وبناتهم على البعد عن هذا التشبه، وعلى ملازمة كل صنف من الصنفين لخصائصه وعدم التمرد عليها والخروج عنها، والله تعالى أعلم.
السؤال:
إذاً الحناء بالنسبة للرجال يدخل في الحرمة.
الجواب:
نعم.
السؤال:
البعض يستخدم الحناء للعلاج في أسفل القدم، هل هذا يدخل في الحرمة؟
الجواب:
العلاج يباح فيه ما يباح في حالة الاضطرار، حتى أن للإنسان أن يعالج نفسه بما هو محرم، بمادة محرمة كالميتة ونحوها، لو اضطر الإنسان إلى ذلك من أجل العلاج فإن لذلك حكم الاضطرار من أجل إحياء نفسه بإنقاذها من المخمصة، والدليل على ذلك قول الله تعالى (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) (الأنعام: من الآية119)، فالضرورة تبيح المحظور، ولا تقيد الضرورة بكونها في مخمصة لأن قول الله تبارك وتعالى (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ) (المائدة: من الآية3) إنما هو وارد مورد الأغلب المعتاد، وما كان المنطوق فيه وارداً مورد الأغلب المعتاد فإن مفهومه لا حجة فيه، والله تعالى أعلم.
السؤال:
هل يشمل هذا الكحول لان بعض الأدوية كتب عليها (فيها نسبة من الكحول)؟
الجواب: (2/133)
صفحة 620
أولاً ينبغي أن نعرف أن الخمر هي داء وليست دواء، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم، فلما كانت داءً لا يجوز التداوي بها، أما إذا كانت نسبة ضعيفة من الكحول في الدواء بحيث تتلاشى في هذا الدواء، ولا تكون مؤثرة على الإنسان إسكارأً، لا تؤثر على من تناولها إسكارا فلا مانع من ذلك خصوصاً عندما يكون الدواء الذي لا كحول فيه غير موجود، والله تعالى أعلم.
السؤال:
بعد الانتهاء من الصلاة يقوم الإمام بالدعاء، وبعد الدعاء نقرأ الفاتحة ثلاث مرات، ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلّم، ثم يختم بسبحان ربك رب العزة عما يصفون، فما الحكم في ذلك لأن هنالك من يقول هذه بدعة؟
الجواب:
هذا من ذكر الله، وذكر الله تبارك وتعالى مشروع على أي حال، لا مانع من أن يذكر الإنسان ربه بتلاوة شيء من كتابه أو بتسبيحه و بتحميده وتهليله أو بأي نوع من أنواع الذكر، فإن الله تبارك وتعالى يقول (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً) (الجمعة: من الآية 10)، فذكر الله تعالى مشروع، ولا مانع من ذكر الله على أي وجه من الوجوه ما لم يكن خارجاً عن ما شرع الله تبارك وتعالى، ولم يكن مصادماً لما شرعه الله وشرعه النبي صلى الله عليه وسلّم.
السؤال:
في شمال بريطانيا هنالك الوقت ضيق جداً بين المغرب والعشاء، فما الحكم؟
الجواب: (2/134)
صفحة 621
يبدو أن المشكلة إنما هي في كون الشفق لا يغيب لأجل بعد المنطقة جداً عن خط الاستواء وقصر الليل، هذا الذي يبدو أن الليل قصيراً جداً هناك بسبب أن المنطقة بعيدة عن خط الاستواء والوقت صيف، هذا الذي يظهر، فلذلك لا يكاد يغيب الشفق، على أي حال نحن قلنا في مثل هذه الحالة يكون حرج على الناس أن يتحروا خروج وقت المغرب ودخول وقت العشاء، فلذلك قلنا في مثل هذه الحالة يجوز الجمع ولو للمقيم، مع عدم الاستمرار على ذلك إلا في هذا الظرف، أي إذا جاء فصل آخر غير هذا الفصل، وكان هنالك اعتدال بين الليل النهار أو زادت ساعات الليل على ساعات النهار فإنه لا تتبع هذه الطريقة، ولكن في مثل هذه الحالة لا بأس بالجمع ولو للمقيم مع الإتمام لا مع القصر، والله تعالى أعلم.
السؤال:
ما حكم الصلاة خلف من يقنت في صلاة العشاء؟
الجواب:
بالنسبة إلينا نحن نعتبر أن القنوت منسوخ، وهذا الذي دلت عليه الروايات الكثيرة، ولكن لا نعترض على أصحاب المذاهب التي ترى أن القنوت لا يزال مشروعاً، إلا أنه من المعلوم أن أغلب الذين يقرون القنوت إنما يقرونه في صلاة الفجر وليس ذلك في صلاة العشاء، فأعجب من القنوت في صلاة العشاء.
السؤال:
المعتدة هل تنتهي عدتها بوضعها لحملها، أم بانتهاء الأربعة أشهر وعشرة أيام؟
الجواب:
المعتدة المميتة – أي التي مات عنها زوجها – اختلف فيها منهم من قال تعتد بأبعد الأجلين، ومعنى اعتدادها بأبعد الأجلين أنها إن كانت مدة الحمل أطول من أربعة أشهر وعشرة أيام فإنها تعتد إلى أن تضع حملها، وإن كانت مدة الحمل أقصر وكانت أربعة أشهر وعشرة أيام أكثر وأطول فإنها تعتد إلى مضي أربعة أشهر وعشرة أيام، هذا القول روي عن الإمام علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما، وأخذ به أكثر أصحابنا. (2/135)
صفحة 622
وأما جمهور العلماء فإنهم يقولون تعتد بوضع حملها، فمتى ما وضعت حملها سواء كانت مدة الحمل أقصر من أربعة أشهر وعشرة أيام أي وضعت حملها قبل ذلك، أو أنها كانت مدة الحمل أطول فإنها بمجرد وضع حملها تكون قد انتهت عدتها.
وهذا القول هو الذي نعتمد عليه، ودليله حديث سبيعة الأسلمية التي وضعت حملها بعد موت زوجها بأيام فقال لها النبي صلى الله عليه وسلّم: حللت فانحكي. والذين قالوا بخلاف ذلك قالوا أن سبيعة الأسلمية كانت مخصوصة بهذا الحكم، ولكن هذا يُرد بعدة أمور: أولها أن الأصل عدم الخصوصية، والثاني أن سياق الرواية حسب ما جاء في مسند الإمام الربيع بن حبيب وفي الصحيحين وفي غيرها من الكتب يدل على خلاف ذلك فإن أم سلمة رضي الله تعالى عنها هي التي روت هذا الحديث، أي هي من جملة رواته، وروي من طرق متعددة، ولكن من جملة الرواة أم سلمة، وقد روته في مقام حل النزاع الذي كان في المسألة بين طرفين، فقد اختصم في هذه المسألة ابن عباس من جهة وأبو سلمة ابن عبد الرحمن من جهة أخرى، فجاء أبو هريرة وذكرا له فقال: أنا مع ابن أخي، أي مع ابن سلمة ابن عبد الرحمن، فأرسلوا إلى أم سلمة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، فأخبرتهم بقصة سبيعة. فلو كانت هنالك خصوصية لعرفتها أم سلمة، ولما كانت خافية عليها لأنها هي الرواية للحديث.
ثم من ناحية أخرى جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلّم بعد إخباره بهذا الحكم تلا الآية الكريمة (وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (الطلاق: من الآية4)، ثم من ناحية أخرى أيضاً جاءت رواية عند ابن جرير الطبري وغيره تدل على عموم هذا الحكم وشموله لغير سبيعة، فإذاً الأخذ بذلك أولى، والله تعالى أعلم.
السؤال:
هل هذا الحكم ينطبق على عدة المطلقة؟
الجواب:
المطلقة لا خلاف فيها أنها تنتهي عدتها بوضع حملها سواء طالت مدة الحمل أو قصرت.
السؤال: (2/136)
صفحة 623
نرجو من سماحة الشيخ التحدث عن ظاهرة انخفاض الروح المعنوية لدى بعض العاملين في المؤسسات سواء كانت حكومية أم خاصة، وما هي السبل المثلى لعلاج هذه الظاهرة، وكيف يكون للإيمان الصحيح أثر إيجابي في نفس العامل؟
الجواب:
أنا لا أدري ما سبب هذا الانخفاض للروح المعنوية؟ فما هو السبب؟ هل معنى هذا أنهم لا يبالون بالعمل؟ ولا بالمحافظة على العمل؟ فإن كان هذا، فهذا إخلال بالأمانة، والإنسان مسؤول عن كل ما أؤتمن عليه، والعامل هو مؤتمن فعليه أن يؤدي عمله على أحسن وجه، وعليه أن يقوم به من غير تقصير ومن غير إخلال، أما الإخلال فإنه بطبيعة الحال يعد خيانة للأمانة وتقصيراً في المحافظة عليها فيجب التفطن لذلك، والله تعالى أعلم.
السؤال:
كيف يمكن الحفاظ على الصحة النفسية للفرد المسلم بشكل عام؟
الجواب:
الحفاظ على الصحة النفسية إنما يكون بإدمان ذكر الله تبارك وتعالى، والتوكل على الله، وتسليم الأمر إليه وتفويضه إليه، وعدم الاكتراث بكل ما يقع لأن كل ما يصيب الإنسان إنما هو بقدر مقدور، فعلى الإنسان أن يسلم أمره إلى ربه تبارك وتعالى، وأن يتوكل عليه وينيب إليه، ويفوض كل أمر يصدر منه أو يقع عليه إلى الله تبارك وتعالى (وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً) (النساء: من الآية45).
السؤال:
هناك من يقول بأن الشرب أثناء الغروب يؤدي إلى وفاة أحد الأقارب والأبناء، فما قولكم؟
الجواب: (2/137)
صفحة 624
أعوذ بالله من الأوهام والضلالات، هذه أوهام ما أنزل الله تعالى بها من سلطان، لا يكون موت أحد ولا تكون حياة أحد بسبب شرب في وقت أو عدم الشرب في وقت، إنما كل أحد قد كتب الله تعالى أجله، لا يموت إلا بحضور أجله، (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) (آل عمران: من الآية185)، ويقول الله تعالى (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (الأعراف: من الآية34)، هذه أوهام، لا يناط موت أحد ولا حياة أحد بأي عمل من الأعمال التي يقوم بها الإنسان والتي تتعلق بنفسه من أكل أو شرب أو نوم أو يقظة أو غير ذلك، هذه أمور عادية سواء شرب الإنسان عند الغروب أو عند الطلوع أو عند الاستواء أو في أي وقت من الأوقات، فليشرب ما لم يكن صائما، وليأكل ما لم يكن صائما، والله تعالى أعلم.
السؤال:
أنا امرأة موظفة وفي حاجة ماسة لقيادة السيارة من وإلى مكان عملي وخلال السنوات اضطررت لاستئجار السيارة وأحياناً مع غير محرم، وهذا يضايقني كثيراً مما دعاني للتفكير في قيادة السيارة، ولكن للأسف والدي لا يرضى بذلك رغم أنه رجل مسن لا يستطيع قيادة السيارة، وليس لدي أخوة أو أي محرم يستطيع إيصالي لمكان عملي، فهل إذا قدت السيارة بدون موافقته هل أكون مذنبة رغم اضطراري لذلك؟
الجواب: (2/138)
صفحة 625
أولاً قبل كل شيء بالنسبة إلى قيادة المرأة للسيارة لا تمنع لذاتها ولكن لما قد يترتب على ذلك، فلعل المرأة تقف سيارتها في مكان، تتعطل في مكان ما ينبغي لها أن تبقى في ذلك المكان هو مظنة الريبة أو مظنة الخوف عليها، ومن ناحية أخرى أيضا قد تقع في مخالفات مرورية، وقد يؤدي ذلك إلى أن تذهب لمخافر الشرطة وأن تدخل إلى مداخل ما كان ينبغي لها أن تدخلها، فلذلك نستحسن لها ترك قيادة السيارة، ولكن عندما تكون هنالك ضرورة فإنه يدفع أكبر الضررين بأخفهما، فلا مانع عندما تكون ضرورة، وإذا كانت تحس أنها مضطرة، وأنها إن لم تفعل ذلك قد تقع في مخالفات شرعية أي في الركوب مع الرجل الأجنبي من غير أن يكون معهما محرم ففي هذا الحالة لا مانع من أن تقود سيارتها ولو خالفت في ذلك أباها، والله تعالى أعلم.
السؤال:
من كان في سالف عهده تاركاً لصلاة الجماعة هل عليه القضاء للحديث الذي روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: من سمع النداء إلى الصلاة فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر؟
الجواب:
لا، ليس عليه قضاء الصلوات التي تركها، وإنما عليه التوبة من إهماله صلاة الجماعة، والله تعالى أعلم.
السؤال:
تقول بعض النساء أنه في يوم الجمعة لا يجوز للمرأة أن تصلي الظهر إلا بعد رجوع الرجال من صلاة الجمعة، فهل هذا صحيح؟
الجواب:
لا، الظهر كسائر الصلوات إنما نيطت بوقت معلوم، فإذا دخل ذلك الوقت فقد شرعت الصلاة، والله تعالى أعلم.
السؤال:
ما هي السور التي يسن قراءتها في الوتر بعد الفاتحة؟
الجواب:
الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه كان يقرأ في الوتر سورة الأعلى في الركعة الأولى، وسورة الكافرون في الركعة الثانية، وسورة الإخلاص في الثالثة، والثالثة هي الوتر كان يقرأ فيها الإخلاص، وهكذا ينبغي للإنسان أن يقتدي بالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام.
السؤال:
ما حكم الصلاة خلف من يسدل يديه في الصلاة؟
الجواب: (2/139)
صفحة 626
هذه قضايا لا ينبغي أن تكون مثار خلاف وشقاق، وداعية تفرق واختلاف ونزاع وتشتت كلمة والامتناع من صلاة أحد ممن يرى هذا الرأي وراء من لا يراه، فإن الخلاف في ذلك إنما هو خلاف الجزئيات، هو خلاف فرعي لا يمس العقيدة، وليس فيه مصادمة مع نص قطعي، ما الداعي إلى أن يكون هذا الخلاف سبباً للتباعد والتشتت بين الأمة!.
السؤال:
في حال الضرورة قد يصلي البعض صلاة الجماعة ولكنهم ينحرفون عن القبلة بمقدار عشرة إلى عشرين درجة من الشمال أو الجنوب، فما الحكم؟
الجواب:
حقيقة الأمر عشر درجات فيما أحسب بالنسبة إلى البوصلة عشر درجات ما بين مائتي درجتي هي لعلها قليلة جداً حسبما رأيت، ولكن مع هذا لا ينبغي للإنسان وقد أمكنه أن يتحرى القبلة إلا أن يصلي إليها بالدقة، أن يتحري الدقة في استقبال القبلة لا ينبغي إلا أن يدقق، وإن كانت الجهة لمن بعد، أما مع الضرورة فإن ذلك مما يدخل في استقبال الجهة لمن بعد، إذا كانت هنالك ضرورة بحيث لا يتسع المكان للمصلين أو نحو ذلك.
السؤال:
جماعة يصلون الجماعة وفي الصف الذي يكون خلف الإمام متسع وفاصل لأن يمر شخص أو شخصان، فما الحكم؟
الجواب:
وهل يمر الشخص والشخصان؟ أو لا يمران؟ إن كان لا يمر شخص ولا شخصان فلا مانع من ذلك بمجرد فاصل، بل بعض العلماء أباحوا أن يكون الفاصل حتى ولو مسافة ما بين الصفين مثلاً أو ما بين الإمام والمأمومين حتى مسافة طويلة بعض العلماء أباحوا في ذلك، منهم أباح حتى خمسة عشر ذراعاً خصوصاً في حالات الحرج والضرورة.
السؤال:
إذا كان الفراغ في الصف الواحد، بحيث يكون في الصف ثلاثة وهناك أربعة وفي الوسط فراغ للضرورة؟
الجواب: (2/140)
صفحة 627
أما قافية الإمام فلا بد من أن يكون أحد ورائها، ولا يمكن أن تكون الصلاة من غير أن يأخذ أحد بقافية الإمام، ولا بد أيضاً من رص الصفوف فإن إيجاد الفرجة أمر مخل بالصلاة، ولكن إن وجد حاجز يحجز الصف عن التواصل مع كون ذلك الحاجز يملأ الفراغ فلا مانع من ذلك في حالات الضرورة كالأسطوانة ونحوها، والله تعالى أعلم.
السؤال:
في الطائرة إذا صلوا جماعة وكان البعض عن يمين الإمام وبعضهم عن شماله ويبقى الإمام في الوسط؟
الجواب:
الإمام في الوسط من غير أن يأخذ أحد بقافيته لا يجوز ذلك.
السؤال:
في بعض الأحيان تقام الجماعة ويكتمل الصف الأول والصف الثاني فيه واحد فقط والصف الثالث فيه ثلاثة، فما الحكم؟
الجواب:
لا صلاة لمن وقف وحده خلف الصف، هكذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم فلا بد من أن يكون معه ثاني.
السؤال:
في بعض الأحيان تقوم جماعة بأداء الصلاة وجماعة أخرى تصلي في مكان آخر لأن المكان لا يتسع، ولا يسمع أحدهم الآخر؟
الجواب:
أما إن كان ذلك في غير المسجد، ولم يكن هنالك مكان يتسع للكل فلا مانع من ذلك إن كان لا يسمع بعضهم البعض.
السؤال:
في مسند الإمام الربيع عن الرسول صلى الله عليه وسلّم: أمرني حبيبي جبريل عليه السلام بمداراة الرجال. فما الفرق بين المداراة والمداهنة؟
الجواب:
المداراة إنما هي الكلمة اللطيفة الطيبة والابتسامة في وجه الشخص وإحسان القول عملاً بقول الله تبارك وتعالى (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) (البقرة: من الآية83)، وأما المداهنة فإنما هي على حساب الدين كأن يترك الإنسان واجباً من الواجبات، أو يخل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو يقر باطلاً، أو يسكت عن حق فإن ذلك مما يدخل في المداهنة وهي محرمة.
السؤال: (2/141)
صفحة 628
نحن جماعة نصلي في مسجد ولدينا إمام معين من قبل الحكومة وخلال فترة إجازة الإمام نقدم أحد الأشخاص لإمامة الجماعة إلا أن شخصاً آخر يقول بأنه لا تصح الصلاة خلف ذلك الشخص بحجة أنه لا يحضر لصلاة الفجر؟
الجواب:
عدم حضوره صلاة الفجر إن كان لغير عذر أمر يخل بدينه ويخل بإيمانه لأن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: آية ما بيننا وبين المنافقين شهود العتمة والصبح لا يستطيعونهما. فهذه صفة إن كان يداوم عليها هذا الرجل صفة تخل بإيمانه، وتدل على ضعف هذا الإيمان، بل ذلك ربما يدخل في النفاق العملي، إلا أن الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع من طريق ابن عباس رضي الله عنهما دل على جواز الصلاة خلف كل بر وفاجر حيث قال عليه أفضل الصلاة والسلام: الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر. وهذا لا يعني أنه ينبغي أن يقدموا من كان بهذه الحالة، وإنما ينبغوا أن يقدموا الأفضل فالأفضل، ولو تقدم بنفسه فلا مانع من الصلاة خلفه، والله تعالى أعلم.
السؤال:
امرأة قالت في حالة غضب: نذراً علّي أن لا أركب في أي حملة للذهاب إلى العمرة والحج. وذلك بسبب المشقة الكبيرة التي لاقتها في حملة ذهبت معهم ولم تكن مجهزة بوسائل الراحة وأهمها التكييف كما كانت تحمل أبنائها معها؟ فماذا عليها نرجو التوضيح؟
الجواب:
الذي يبدو أنها أرادت أن تمنع نفسها من ذلك، والكلام الذي يدل على المنع، محاولة منع الإنسان نفسه من فعل أمر ما إن جعله واجباً عليه فذلك بمثابة اليمين، وعليه فإنها في هذه الحالة إن فعلت خلاف ما نذرته أي ما فرضته على نفسها فعليها في هذه الحالة كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم تجد شيئاً من ذلك فلتصم ثلاثة أيام وكفى.
السؤال:
هل من نصيحة توجهونها لأصحاب حملات الحج والعمرة؟
الجواب: (2/142)
صفحة 629
نحن نوصي الكل بأن يحسنوا أعمالهم، وأن يترفقوا بالناس، وأن يتلطفوا بهم، وأن يوفروا لهم أسباب الراحة بقدر المستطاع فإن ذلك مما يعود عليهم بالمصلحة الدينية والدنيوية معا.
السؤال:
شخص نسي صلاة من غير قصد وتذكرها بعد صلاة الفجر فصلاها في ذلك الوقت، فما الحكم؟
الجواب:
أجاد وأحسن فإن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا تذكرها.
فقد أجاد، ولا يمنع أن يصليها في أي وقت ولو كان وقتاً ينهى عن الصلاة فيه إلا في الثلاثة الأوقات التي هي وقت طلوع الشمس حتى تستكمل طلوعها، ووقت بداية غروبها إلى أن تستكمل غروبها، ووقت استوائها في الحر الشديد في كبد السماء، أما بعد الفجر أو بعد صلاة العصر أو بعد الوتر فلا مانع من ذلك لأن هذه صلاة ذات سبب، والصلاة ذات السبب غير ممنوعة، والله تعالى أعلم.
السؤال:
هل تصح مصافحة أبناء العم والعمة وأبناء الخال والخالة وكذلك العكس؟
الجواب:
لا أدري ماذا يعني السائل؟ هل يعني مصافحة الرجل لهؤلاء؟ أو مصافحة المرأة لهؤلاء؟ فإن كان مراده مصافحة المرأة لهؤلاء فإن هؤلاء أجانب من المرأة إذ يجوز لهم الزواج بها فلا يجوز لهم أن يصافحوها، ولا يجوز لها أن تصافحهم إذ الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم ينهى عن مس الرجل المرأة الأجنبية يقول: لأن يطعن أحدكم بمخيط من حديد في رأسه خير من أن يمس امرأة ليس له عليها سبيل. فيجب التوقي من ذلك، والله تعالى أعلم.
السؤال:
نريد نصيحة للآباء الذين يرفضون تزويج بناتهم من الأكفاء ويجعلون من النسب والقبيلة سبباً لرفضهم، وكذلك إن لم يكن المتقدم من نفس البلدة أو معرفة أحد إذا كان من بلاد أخرى، ويريد الآباء معرفة نسب هذا الذي تقدم إليهم ولو كان ذا خلق ودين , وما هو دور الأخوة في هذا الأمر مع علمهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم: إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير؟ (2/143)
صفحة 630
الجواب:
المعيار الأول هو الدين والخلق والاستقامة، ويجب أن يكون ذلك نصب أعين الآباء والأولياء، وأن يراعوا هذا الجانب أكثر مما يرعون أي جانب آخر، والله تعالى أعلم.
السؤال:
ما المراد بالإيمان بالقرآن الكريم؟
الجواب:
الإيمان بالقرآن أن يؤمن هذا الإنسان بأن هذا القرآن هو كلام الله المنزل على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلّم، وأنه اختتم الله تعالى به وحيه المنزل على أنبيائه كما اختتم أنبيائه ورسله بمحمد صلى الله عليه وسلّم، وأن كل ما في هذا القرآن إنما هو حق من عند الله. (2/144)
صفحة 631
على أن هذا الإيمان يجب أن يتجسد في الواقع بحيث تكون الأعمال متناغية معه ومتجاوبة معه، بحيث لا يعمل الإنسان أي عمل من الأعمال إلا وهو تجسيد لهذا الإيمان كما يدل على ذلك قول الله تبارك وتعالى (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (السجدة:15 - 16)، وكذلك يدل عليه أن الله تبارك وتعالى قال في بني إسرائيل الذي أخذوا ما حلا لهم من التوراة وأعرضوا عما لم يحلُ لهم (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة: من الآية85)، والآية الكريمة وإن كانت في بني إسرائيل إلا أن معناها ينطبق على هذه الأمة عندما تعرض عما لم يحلُ لها من القرآن الكريم، وكذلك يدل على هذا حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها عندما أبصرت امرأة وقد لبست الرقيق من الثياب فقالت: ما آمنت بسورة النور امرأة تلبس هذه الثياب. فهذا كله مما يدعو إلى أن الإيمان الحق بالقرآن يجب أن يتجسد في حياة المؤمن، والله تعالى أعلم.
السؤال:
كان رجل وقريبه يلعبان بالرصاص فانطلقت رصاصة من قريبه إلى صديقه فقتلته والآن أهله يطالبون بالقصاص بحجة أنه قتله عمداً؟
الجواب: (2/145)
صفحة 632
إن كانت القرائن والدلائل تدل على أن القتل غير عمد فلا ينبغي أن يحملوا في نفوسهم ضغينة، وأن يحاولوا أن يقتصوا منه، ذلك لأن الأصل في المسلم ألا يقتل مسلماً إلا بطريق الخطأ (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلا خَطَأً) (النساء: من الآية92)، هذا هو الأصل، ثم بجانب ذلك ما يكتنف القضية من قرائن يدل على هذا ويؤكد ذلك فهما إنما كانا يطلقان النار لعلهما، أو كانا في حالة دراسة لكيفية التعامل مع البنادق وشاء الله تبارك وتعالى أن تخرج طلقة من غير أن يفعل شيئاً ذلك الشخص وإنما كان على سبيل الخطأ، فلا داعي لأن يقال بأن هذا من العمد، وعلى أي حال القضاء هو الذي يتولى هذه القضية، فعلى هؤلاء أن لا يقدموا على أي شيء إلا برفع قضيتهم إلى القضاء الشرعي، وكفى بشرع الله تعالى فاصلا.
السؤال:
شاب كان يقود سيارته ومعه أبوه ووقع لهما حادث فتوفي الأب في ذلك الحادث، فهل يرثه هذا الولد؟
الجواب:
هذا يختلف باختلاف نوع الحادث، لأن الحادث قد يكون عن سبب متعمد من الولد، وذلك بأن يكون قد أسرع إسراعاً لا يملك معه السيارة، أو أن يكون ساق السيارة مع الإخلال بطريقة القيادة بأي وجه من الوجوه، أو قادها وهي فيها شيء من الخلل فإن ذلك كله مما يعتبر سبباً، وقتل الخطأ تترتب عليه الدية وتترتب عليه الكفارة، ويترتب عليه أيضاً الحرمان من الإرث لحديث النبي صلى الله عليه وسلّم: لا يرث القاتل المقتول عمداً كان القتل أو خطأ.
وأما إن كان بخلاف ذلك بأن كان هنالك أمر حدث، نقدر أنه كان يقود هذه السيارة ولم يخل أبداً بطريقة القيادة وإذا بحيوان يقفز أمامه أو شيء من هذا القبيل فإن ذلك لا يعد إخلالاً منه بقيادة السيارة فلا يترتب على ذلك لا وجوب الدية ولا وجوب الكفارة ولا الحرمان من الإرث.
السؤال: (2/146)
صفحة 633
رجل تزوج من هولندية وهو في مصر ووثق زواجه في السفارة الهولندية والمصرية لكن عندما انتقل معها إلى هولندا لم يرها تصنع شيئا من المسيحية ولا تؤدي طقوساً معينة تتصل بالنصرانية، وحاول أن يدعوها إلى الإسلام ولكنها لم تستجب، فالآن هل يتركها أن يبقى معها؟
الجواب:
مما لا ينبغي للمسلم أن يكون أسير شهوته، وأن يندفع في الزواج بمن لا يرتضيها في دينها، ذلك لأن زواج المسلم من الكتابيات شرع في الوقت السابق ليكون وسيلة من وسائل الدعوة إلى الإسلام عندما يحتك أهل الكتاب بالمسلمين ويرون فيهم الأخلاق الفاضلة والمثل العليا والاستقامة على الطريقة، ذلك مما يؤدي بطبيعة الحال إلى أن يتفاعل هؤلاء مع المسلمين، وكانت كلمة المسلمين كلمة نافدة، ودولتهم كانت دولة مهيمنة، الله تبارك وتعالى استخلفها في الأرض ومكن لها، فالمؤمن إذا تزوج الكتابية ومات عنها إنما يموت وهو قرير العين بأن أفلاذ كبده سوف ينشئون على الإسلام في كنف الدول الإسلامية.
وأما الآن فالأمور صارت بعكس ذلك تماماً، فكثير من الذين تزوجوا غير المسلمات عرضوا أولادهم للإرتداد، عرضوا أولادهم لأن ينشئوا على الكفر، أن ينشئوا بعيدين عن الإسلام، وهذا وقع عند أناس كثيرين أعرفهم، حتى أدى الأمر إلى أن تكون أسرة أعرفها خرج منها أربعون على غير الإسلام والعياذ بالله بسبب هذا التسرع في الزواج بغير المسلمات. (2/147)
صفحة 634
فبما أن هذه المرأة امتنعت عن الإسلام أنا لا أرى أن يتمسك بها بل خير له أن يسرحها ولا سيما أنها أيضاً غير متمسكة بتعاليم دينها الذي هي عليه، غير متمسكة بتعاليم دينها فماذا عسى يرتجى منها على أنه لا بد من مراعاة أن تكون هذه التي يتزوجها محصنة، ومعنى محصنة أنها عفيفة وهل هو يأمن أنها عفيفة والله تبارك وتعالى يقول (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) (المائدة: من الآية 5) فترون هكذا أن الله تعالى اشترط الإحصان، والمقصود بالإحصان هنا العفة فلا بد من أن تكون عفيفة، والله تعالى أعلم.
السؤال:
هل يصح للمرأة أن تذهب للعمرة مع ابنها الذي عمره عشر سنوات ومع ابن خالتها وهو أخوها من الرضاعة؟
الجواب:
أولاً قبل كل شيء ابن عشر سنوات هو مميز، ثم الأخ من الرضاعة هو أيضاً محرم فلا مانع من أن تذهب مع هؤلاء.
تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه
6 من جمادى الأولى 1424هـ الموافق 6/ 7/2003م
الموضوع: عام
السؤال:
في هذه الأيام يرسل الكثير من الآباء أبنائهم إلى المراكز الصيفية من أجل تعلم القرآن الكريم والآداب والأخلاق الإسلامية إلا أن البعض يواجه مشكلة في هذه المراكز من حيث عدم المبادرة في التدريس والتقاعس عن أداء هذه المهمة والرسالة الطيبة، يريدون منكم نصيحة للأخوة كي يشاركوا في مثل هذه المراكز.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: (2/148)
صفحة 635
فلا ريب أن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن الكريم ذكراً حكيماً وصراطاً مستقيما، أخرج به هذه الأمة من الظلمات إلى النور، ومن الباطل إلى الحق، ومن الفساد إلى الصلاح، ومن التشتت إلى الاجتماع، فكان مصدر خيرهم، ولذلك كان تعلمه وتعليمه مناط الخير كله، فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: خيركم من تعلم القرآن وعلمه.
وتعلم القرآن وتعليمه لا ينحصران في تعلم تلاوته فحسب وإنما في تعلم تلاوته وتحفظه، وفي تعلم أحكامه ودارسة علومه، ومن المعلوم أن جميع العلوم مصدرها القرآن الكريم، فالعلوم الشرعية والأخلاقية والعلوم العقدية وجميع ما فيه خير الدنيا والآخرة إنما مصدره القرآن، لذلك كان جديراً بالإنسان أن يحرص على دراسة القرآن، وأن يحرص على تدريسه.
فتعليم الناس العلم مما يجعل حلقات هذه الأمة متواصلة في سلسلة الخير وذلك بأن يأخذ آخرها عن أولها، ويستمر فيها الخير إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها تصديقاً لما جاء به الحديث الشريف عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين)، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلّم بأن يبلغ عنه ولو آية، فقد قال: بلغوا عني ولو آية فرب مبَلغ أفقه من مستمع.
فنحن نوصي جميعاً إخواننا وأبنائنا أن يحرصوا على المسابقة في هذا الخير ودخول هذا المضمار، وألا يتقاعسوا عنه، وأن يؤدوا عملهم بأحسن وجه فإن في ذلك خيرهم في دينهم ودنياهم، والإنسان لا يدري متى يقبض عمره، فإن الإنسان يمرح ويلهو غير دارٍ بأن هذه اللحظات التي تمر به تنتقص من عمره، فاللحظات إنما هي عمر هذا الإنسان
على لحظات ينقص العمر مرها *** تؤكد آمال البقاء وتزيد (2/149)
صفحة 636
أنفاس الإنسان محسوبة عليه وهي خطواته إلى لقاء ربه، فعلى الإنسان أن يغتنم الفرص وألا يفتوها، وقد دل على ذلك الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلّم اغتم خمساً قبل خمس، ومن هذه الخمس التي أمر النبي صلى الله عليه وسلّم اغتنامها فراغك قبل شغلك. فعلى الإنسان أن يغتنم فرصة الفراغ كما يغتنم فرصة الحياة وفرصة الشباب وفرصة الصحة لأجل أن يبادر إلى الخير، وألا يسوّف ويتواكل منتظراً في وقت آخر سيعمل للدار الآخرة، إنما الحياة فرصة ولا يدري الإنسان متى يقبض عمره، نحن وجدنا كثيراً من الناس يخيلون لأنفسهم أنهم سيعمرون، ويقول أحدهم سأفعل كذا فيما بعد أما الآن فلم أفرغ لذلك وأنا أنتظر الفرصة، عندما تواتيني الفرصة وعندما أتمكن من بناء حياتي، عندما أتمكن من فعل كذا وفعل كذا وفعل كذا سأغتنم الفرصة في المستقبل وسأفعل الخير الكثير، سأنشر العلم سأفعل سأفعل وإذا بريب المنون يفجؤه بين عشية وضحاها، فالعاقل لا يسوف، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أعطى نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، والله المستعان.
السؤال:
هل هناك طريقة معينة في حفظ القرآن الكريم تنصحون بها القائمين في هذه المراكز؟
الجواب:
طريقة حفظ القرآن إنما تتفاوت بتفاوت المتحفظين له، من الناس من يكون أسرع إلى حفظ القرآن عندما يتلو السورة من أولها إلى آخرها ثم يتهجاها بعد ذلك حتى ترسخ في نفسه وترتسم في ذاكرته، ومنهم من يحتاج إلى تقطيع السورة آية آية أو فقرة فقرة من آيات السورة حتى يتمكن من حفظها فيراعى هذا الجانب والناس كما قلت متفاوتون، والله تعالى المستعان.
السؤال:
البعض يخشى من حفظ القرآن خشية نسيانه للحديث الوارد من حفظ القرآن ثم نسيه حشر يوم القيامة أجذم، فهل هذا الحديث يشمل كل من حفظ آية ثم نسيها أم هناك معنى آخر؟
الجواب: (2/150)
صفحة 637
الحديث الشريف يدل على أن الإنسان يجب عليه أن يعكف على القرآن، وألا يفرط فيه، فالقرآن كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلّم عندما قال: مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت. فصاحب القرآن إن أهمله بأن لم يبال به نسيه لأن القرآن الكريم يتفلت وهو أكثر تفلتاً من غيره، والله تبارك وتعالى جعله متشابهاً كما نرى آياته فيها التشابه الكثير، وما ذلك إلا لأجل أن يدأب الإنسان على تلاوته حتى يرتسم في ذاكرته باستمرار، فإن الإنسان إذا ما أهمله ولو مدة قصيرة التبس عليه فيما بعد بسبب تشابهه.
وإهمال القرآن وعدم تلاوته إنما هما من نسيانه الذي هو مترتب عليه الوعيد، ونحن نرى أن الله تبارك وتعالى يحكي عن الرسول صلى الله عليه وسلّم قوله (رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً) (الفرقان: من الآية30)، يجب على المؤمن ألا يهجره، فالحديث يدل على وجوب المحافظة على القرآن وعدم هجرانه بحال من الأحوال حتى يبقى في الذاكرة، هذا مع وجوب العمل به فإنه أيضاً من نسيانه وهو أخطر وأشد أن يترك الإنسان العمل به، ولئن كان الله سبحانه وتعالى يقول في بني إسرائيل (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً) (الجمعة: من الآية5)، فإن هذه الأمة ينطبق عليها أكثر فأكثر هذا المثل ونحوه عندما تتوانى في العمل بما جاء به القرآن، ولئن كان الله تعالى يقول لأهل الكتاب (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ) (المائدة: من الآية68)، فإن هذه الأمة ليست على شيء حتى تقيم القرآن، والله المستعان.
السؤال: (2/151)
صفحة 638
امرأة لا تعرف إذا دخل وقت الصلاة وأدركها الحيض فيه بأن تقضي هذه الصلاة، فما الحكم في السنين التي مضت عليها وهي لا تعرف كم صلاة أدركها الحيض فيها، وكذلك لا تعرف ما هي هذه الصلاة من الصلوات علماً أنها لا تعرف كم كان عمرها عندما أتاها الحيض؟
الجواب:
في هذه الحالة تؤمر هذه المرأة أن تقضي الصلوات وتنوع القضاء بحيث تقضي تارة الظهر وتارة العصر وتارة المغرب وتارة العشاء وتارة الفجر حتى تطمئن نفسها إلى أنها قضت ما لزمها من الصلوات وعندئذ تخرج من عهدة هذا القضاء، والله تعالى أعلم.
السؤال:
سافرت من مسقط إلى عبري ومررت بمساجد عديدة تقام فيها صلاة الجمعة فهل صلاة الجمعة واجبة عليّ أم مستحبة؟
الجواب:
المسافر في حال سفره لا تجب عليه صلاة الجمعة، ولكن في صلاتها خير كثير له، وعندما يصليها يسقط عنه فرض الظهر بالإجماع، وفي صلاتها كما قلت خير كثير له، وحسبه أن يسمع الخطبة التي فيها التذكير بالله واليوم الآخر وكفى، والله المستعان.
السؤال:
ولدت بفرنسا وترعرعت هنا بعيداً عن القيم الإسلامية ونتيجة لذلك أتيت بثلاثة أطفال بدون زواج من امرأة واحدة، والآن قد تبت إلى الله سبحانه وتعالى ورجعت لديني، ما حكم هؤلاء الأولاد وهل هم أبنائي، وبالنسبة لأمهم هل يجوز لي الزواج بها بعد أن تدخل الإسلام؟ وهل يجب أن أطلع من سأتزوجها غير هذه المرأة أن أخبرها هذه القصة أم أستر على نفسي؟
الجواب: (2/152)
صفحة 639
أولاً بالنسبة إلى الأبناء فهم من حيث الحكم أولاد أمهم لا يلحقون بمن زنى بها فإن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: الولد للفراش وللعاهر الحجر. فإن كانت هذه الأم فراشاً لرجل بحيث كانت زوجة له إبان حملها بهؤلاء الأولاد أو كانت في حكم من يلحقه أولادها بحيث إنه منذ طلقها أو منذ مات عنها لم تمض مدة انقطاع الصلة الشرعية على اختلاف فيها ما هي مدتها، فإن الأولاد يكونون في هذه الحالة أي إن لم تكن هي فراشاً لرجل آخر من قبل يكونون أولادها، وإن كانت زوجة لرجل آخر فالأولاد يتبعون ذلك الزوج، والزاني ليس له إلا الحجر أي الرجم على بعض التفسير للحديث أو الخيبة على التفسير الآخر كما يقال في فيك الحجر وفي فيك الكثكث أي الحجر كما فسروا ذلك.
فعلى كلا التفسيرين الأولاد لا يلحقون بالزاني، أما زواجه بالمرأة التي زنى بها فإن رأينا نحن أنه لا يتزوجها اللهم إلا إن كانا جميعاً في حال الزنا على غير ملة الإسلام ثم أسلما بعد ذلك فلا مانع من أن يتزوجها لأن الإسلام جب لما قبله، وعليه حُمل كلام ابن عباس رضي الله عنهما: أوله سفاح وآخره نكاح.
أما بالنسبة إلى المرأة التي يتزوجها ويريد أن يعف نفسه بها فلا يجوز له أن يطلعها على هذا الأمر، بل عليه أن يستر نفسه ففي الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: من أصاب شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله فإن من يُبد لنا صفحته نقوم عليه كتاب الله. (2/153)
صفحة 640
على أن المرأة العفيفة لا يجوز لها أن تقترن بالزاني، كما أن الرجل العفيف لا يجوز له أن يقترن بالزانية أي من كان زناه ظاهراً وذلك بأن تقوم عليه البينة الشرعية بالزنا، أو يعترف اعترافاً صريحاً بالزنا أمام من يريد أن يتزوج بها، أو تعترف هي أمام من تريد هي أن تتزوج به فإن في هذه الحالة لا يجوز لهذا العفيف أن يتزوج الزانية، ولا لتلك العفيفة أن تتزوج الزاني أي اللذين اعترفا بالزنا بصريح العبارة، وأما إذا كان ذلك بينهما وبين الله فعلى أي حال أمرهم إلى الله، وعليهم التوبة. (2/154)
صفحة 641
ولا يمنع من الاقتران بين العفيفة ومن وقع في الزنا مع كونه أخفى هذا الزنا وتاب بينه وبين الله، وكذلك بالنسبة إلى المرأة والدليل على ما ذكرناه قول الله تبارك وتعالى (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) (النور: من الآية3)، وقد نُسخ حكم الشرك بقول الله تبارك وتعالى (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) (البقرة: من الآية221)، ومن الدليل على ذلك أيضاً قول الله تبارك وتعالى في سورة المائدة وهي كما قالوا آخر القرآن نزولا (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (المائدة: من الآية5)، فقد اشترط الله تعالى الإحصان، ومعنى الإحصان العفة، فليس للمسلم أن يتزوج مسلمة غير محصنة أي غير عفيفة، وكذلك ليس للمسلم أن يتزوج كتابية غير عفيفة، فلا بد من أن يكونا عفيفين حسب الظاهر أما الباطن فأمره إلى الله، والله تعالى المستعان.
السؤال:
إذا حدث مثل هذا في عالم المسلمين وأتي بأطفال من غير طريق شرعي، الآن قضية نسبتهم إلى أب أصبحت قضية تترتب عليها أمور كثيرة فهو لا يدخل المدرسة إلا بنسبته إلى أب ولا يحصل على جواز إلا بنسبته إلى أب فكيف الحل لمثل هذه المشكلة؟
الجواب: (2/155)
صفحة 642
ينسب بأنه فلان ابن عبد الله ابن عبد العزيز ابن عبد الرحمن ابن عبد السلام، كل الناس عباد لله، وهو العزيز وهو السلام وهو المؤمن وهو المهيمن وهو القاهر وهو الصبور وهو الشكور، ينسب إلى مثل ذلك ولا مانع، وينسب نسباً عاماً، ويمكن أن ينسب إلى عشيرة من تولى أمره باعتبار حكم الولاء، لأن النسب يكون بالولاء ويكون بالحلف، ولما دخل في تلك العشيرة بالولاء والحلف فهو يمكن أن ينتسب إليها، أما أن يُتبنى بحيث ينسبه الإنسان إلى نفسه فإن الإسلام قطع دابر التبني بما أنزله الله تعالى في كتابه في سورة الأحزاب عندما قال (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ) (الأحزاب: من الآيتين4 - 5).
السؤال:
من تزوج امرأة ثم علم بعد ذلك أنها زنت من قبل فهل يطلقها أم يبقيها معه؟
الجواب:
إن كانت تابت توبة نصوحا وما بدا من حالها إلا الخير فليمسكها، والله تعالى المستعان.
السؤال:
امرأة نسيت أن تصلي صلاة العشاء، فماذا عليها؟
الجواب: (2/156)
صفحة 643
كان عليها أن تصلي فوراً عندما تتذكر، الناسي معذور، الله تبارك وتعالى لا يؤاخذ الإنسان إلا بما في وسعه، وليس في وسع الإنسان أن يعمل شيئاً نسيه، الله تبارك وتعالى يقول (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَانَا) (البقرة: من الآية286)، ويقول سبحانه (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية286)، ويقول (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا) (الطلاق: من الآية7)، ويقول النبي صلى الله عليه وسلّم: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان. أي حكم الخطأ وحكم النسيان بحيث لا يكلف الإنسان إذا ما نسي في حالة نسيانه، وكذلك إن فعل شيئاً خطأ لا يترتب على فعله ذلك إثم، وإنما يترتب عليه الضمان إن سبب هذا الخطأ إتلاف نفس أو إتلاف مال.
فهي غير مطالبة في حال نسيانها أن تصلي تلك الصلاة، ما وجه إليها التعبد، بل التعبد مرفوع عنها في ذلك الوقت إلى أن تتذكر، وعندما تتذكر يكون عليها أن تصليها فوراً ولا يسعها التأخير فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا تذكرها. فعليها أن تصلي عندما تتذكر وأن لا تؤخرها عن ذلك الميقات.
السؤال:
البعض عندما تفوته صلاة يقول أصليها في وقتها من اليوم الثاني، فما الحكم؟
الجواب:
هذا خطأ، أولاً قبل كل شيء هو متعبد أن يصليها عندما تذكرها، الأمر الثاني لو كان ذلك قضاءً و لم نجعل ذلك أداءً فإن القضاء لا يرتبط بوقت معين، النبي صلى الله عليه وسلّم عندما شغله المشركون عن الصلاة في يوم الخندق قضى الظهر والعصر والمغرب في وقت العشاء، والله تعالى أعلم.
السؤال:
لي أخوة تصدر منهم ألفاظ نابية ويستمعون للملاهي، فأريد نصيحة لهم؟
الجواب: (2/157)
صفحة 644
أولاً قبل كل شيء نحن ننصح الآباء والأمهات أن يكونوا قدوة لأولادهم في الخير، وأن يحرصوا على الأخلاق الفاضلة لتنعكس على أخلاق أولادهم وتصرفاتهم، ومع هذا نوصيهم بالتربية الحسنة، التربية التي تجعل من الولد يراقب الله تبارك وتعالى فيما يقوله وفيما يعمله، وتجعله يحرص على الوقت ولا يضيعه، فإن الوقت فرصة ثمينة لا يضاع في اللهو، لا يضاع في الملاهي، لا يضاع في الإنصات إلى الأغاني والكلام الساقط ومثل هذا الأمور التي لا تعود على صاحبها بخير، إنما عليهم أن يتقوا الله تبارك وتعالى في تربيتهم لأولادهم وأن يكونوا هم قدوة.
نوصي هؤلاء الأولاد أن يتقوا الله، وأن لا يغتروا بشبابهم فإن من شب على شيء شاب عليه، والإنسان لا يستطيع أن يتفلت من عادة ألفها وعندما يكون في مرحلة مبكرة من عمره يكون أكثر قدرة على الإقلاع عما اعتاده بخلاف إذا ما تقدم به العمر لأن العادة ينقلب بالطبع كلما طال عليه عهده، فعليهم أن يتقوا، وأن يحرصوا على الخير، والله تعالى المستعان.
السؤال:
شخص زوجته تستعمل حبوب منع الحمل رغماً عنه بحجة أنها تريد أن تتمتع بشبابها فلا تريد الحمل والولادة في مقتبل عمرها ولوالديها دور في ذلك، وباء الزوج بالفشل في إقناعها، فماذا يلزمه تجاهها، هل يجب عليه أن يطلقها، وأن يتزوج بأخرى؟
الجواب:
أما وجوب الطلاق فلا، ونحن لا نوصي بالطلاق، الطلاق عاقبته كثيراً ما تكون عاقبة وخيمة، ولا ينبغي، ولكن عليه أن ينصحها بقدر المستطاع، وأن يبين لها أن الزواج ثمرته الذرية الصالحة الطيبة التي يرى فيها الأبوان حياتهما تمتد في حياتها فعليها أن تستجيب لداعي الفطرة، وأن تحرص على أن لا تفوت على نفسها الفرصة في أن تأتي بأولاد عسى أن يكونوا صالحين، وأن يكون فيهم الخير وأن تؤجر عليهم، والله تعالى أعلم.
السؤال:
امرأة أمها أرضعت بنت ابنتها والآن ولدها يريد أن يتزوج من تلك البنت التي أرضعتها أمها، فهل يصح له ذلك؟
الجواب: (2/158)
صفحة 645
تلك البنت هي خالته من الرضاعة ولا تحل له أبداً لأن الرضاع مثل النسب، فمن رضع من امرأة فتلك المرأة هي أمه من الرضاع وهي حرام عليه، وأمها جدته من الرضاع فهي حرام عليه، وأخواتها خالاته من الرضاع هن حرام عليه، وخالاتها خالات أمه من الرضاع هن حرام عليه، وعماتها كذلك وبنات أبنائها وبنات أخوته بنات بناته وهكذا، وكذلك إن رضع الطفل من امرأة فإنها تصبح هي بمثابة البنت لتلك المرأة فتحرم على جميع أبنائها، وعلى جميع أبناء أبنائها وعلى جميع أبناء بناتها، وليس الأمر كذلك فحسب بل زوج المرأة المرضعة يكون أباً للطفل الراضع فإن كانت الراضعة أنثى فهي حرام عليه لأنه أبوها وحرام على أبنائها ولو من غير تلك المرضعة لأنهم اخوتها من الرضاع وحرام على إخوته لأنهم أعمامها من الرضاع وحرام على أبيه لأنه جدها من الرضاع وهكذا، فيجب أن يراعى هذا الجانب. يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب سواء بسواء لا فرق بين هذا وذاك، والله تعالى أعلم.
السؤال:
امرأة عندما تخرج من البيت تلبس العباءة ولكنها عندما تذهب للمدرسة لا تصنع ذلك، فهل عليها إثم؟
الجواب:
ولم ذلك؟ هل المدرسة هي داخل البيت؟ فإن لم تكن داخل البيت فلا ريب أنها تكون خارجة من البيت، والله تعالى يقول (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) (النور: من الآية31)، ويقول سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ) (الأحزاب: من الآية59)، فعليها أن تتقي الله وأن تتجنب هذه العادة، والله تعالى أعلم.
السؤال: (2/159)
صفحة 646
إذا قال شخص لآخر أنا أضمن سداد دينك الذي على فلان لك إن وقع منه إنكار، فأنكر هذا الذي عليه الدين، فهل يجب على الضامن السداد؟ وهل يجوز له قبض الزكاة لذلك، مع العلم أن المنكر هو والد هذا الضامن
الجواب:
بما أنه ضمن فإن الحق مرتبط بذمته، ولصاحب الحق أن يطالب به من قبل الضامن أو المضمون أي من قبل الكفيل أو المكفول، له أن يطالب أيهما فإن طالبه من الكفيل أي من الضامن فعليه أن يؤدي الحق إليه كاملاً غير منقوص، وإن لم يجد وسيلة لقضاء هذا الدين إلا بقبض الزكاة فليأخذ بمقدار ما يقضي هذا الحق الواجب عليه، والله تعالى أعلم.
السؤال:
رجل صلى صلاة المغرب والعشاء ونسي أنه على جنابة وتذكر ذلك بعد الفجر في اليوم الثاني، فماذا عليه؟
الجواب:
عليه أن يصلي عندما تذكر المغرب ثم العشاء ثم الفجر في نفس الوقت ولا يؤخر شيئاً منهن، والله تعالى أعلم.
السؤال:
ما الدليل على عدم جواز قص ناصية المرأة؟
الجواب:
شعر المرأة كلحية الرجل، شعر المرأة هو جمالها، هو تاجها، ولذلك تؤمر المرأة أن تحافظ على هذا الجمال، في قصه وفي حلقه تشويه لجمالها، فعليها أن لا تفعل ذلك، ومن الفطرة أن يكون جمال المرأة باحتفاظها بشعرها، ولذلك لا يجوز لها أن تأخذ منه إلا بقدر ما تأخذ منه عندما تتحلل من إحرامها، والله تعالى أعلم.
السؤال:
رجل صلى بزوجته عدة مرات جماعة ووقفت بجنبه من جهة اليمين مع أن الحكم الشرعي في ذهنه لكنه ذهل عن ذلك بحيث عندما نُبّه انتبه ووجد نفسه يعرف الحكم الشرعي لكنه ذهل عنه، فما حكم ما مضى من تلك الصلوات بالنسبة له ولزوجته؟
الجواب:
أنا لا أعد هذا ذهولاً، والفقهاء قالوا بأنها تصف على يساره ولكن ذلك مراعاة أنه إن دخل داخل عليهما فإن ذلك الداخل هو الذي يصف عن يمينه، ولكن إن كانا في غرفتهما بحيث لا يدخل الداخل عليهما فما المانع من أن تصف عن يمينه والأصل في الصف أن يقف المأموم عن يمين الإمام، والله تعالى أعلم. (2/160)
صفحة 647
السؤال:
ما حكم وضع التحف والمجسمات بصور إنسان أو حيوان في البيت؟
الجواب:
النبي صلى الله عليه وسلّم قال: إن أصحاب ليعذبون بها يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم. والنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة أو كلب. وذلك بطبيعة الحال في الصورة المجسمة مجمع عليه بلا خلاف، وإنما هو مختلف فيه في الصورة التي لا ظل لها، والله تعالى أعلم.
السؤال:
امرأة عندها محل للبيع وكانتوتتعامل مع أشخاص لكنهم انقطعوا عنها، وعليها لهم مبالغ، فماذا تصنع بهذه المبالغ؟
الجواب:
عليها أن تبحث عنها حتى تيأس من الوصول إليهم، فإن وصلت إلى حد اليأس فعندئذ عليها أن تدفعها لفقراء المسلمين وفي ذلك خلاصها إن شاء الله، لأن كل مال جهل أربابه ففقراء المسلمين أولى به.
السؤال:
هل تقليم الأظافر ينقض الوضوء؟
الجواب:
لا دليل على انتقاض الوضوء بتقليم الأظافر، وإنما قالوا يستحب للإنسان أن يعيد الوضوء إن قلم الأظافر، أما كونه ناقضاً للوضوء فلا.
السؤال:
ما ضوابط استعمال الدف والزعاريد للنساء في العرس؟
الجواب:
ضوابطه أن لا تكون هذه الزعاريد تخرج عن حدود النساء وتسمع من خارج فإن النساء مأمورة بخفض أصواتهن، والله تعالى أعلم.
السؤال:
لدي في البيت امرأة مريضة جداً وأقوم أنا برعايتها وإعطائها الدواء، لكن مرضها يجعلها أحياناً تسبني وتسب أهلي، وعندما أغضب عليها كثيراً أحلف بالله العظيم أن لا أعطيها الدواء، ولكنني بعد ذلك أتمالك نفسي وأعطيها الدواء، ماذا علي أن أفعل لمخالفتي للحلف بالله؟
الجواب:
النبي صلى الله عليه وسلّم قال: من أقسم على شيء فرأى غيره خيراً منه فليأت الذي هو خير وليكفّر عن يمينه. فعلى هذه المرأة أن تفعل الخير، أن تبر تلك المرأة وتحسن إليها وتكفر عن يمينها بإطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم تجد فلتصم ثلاثة أيام وكفى.
السؤال: (2/161)
صفحة 648
هل يجوز للمرأة أن تقوم بعملية ربط الرحم لمنع الحمل؟
الجواب:
لا، لا، لا، إن لم يكن هنالك ضرر فإن نفس هذا الربط ضرر، وعليهن أن يتقين الله، أما إن كن مضطرات إلى ذلك فلا مانع، والله تعالى أعلم.
السؤال:
امرأة أتاها الحيض في غير عادتها علماً بأن عادتها ثلاثة أيام والآن الدورة أتت في غير التاريخ الذي كانت تأتيها فيه وهي الآن قاطعة لصلوات الظهر والعصر المغرب والعشاء، وتبين من هذا الدم أنه دم حيض فما حكم الشرع في ذلك؟
الجواب:
إن أتاها بعد طهر عشرة أيام فالذي نأخذ به هو رأي الإمام الربيع رحمه الله وهو أن كل دم جاء بعد طهر عشرة أيام فهو حيض إن كانت فيه أوصاف دم الحيض، وهذا القول فيه تيسير كثير على الناس ولذلك نأخذ به، ولأن الأصل في الدم الذي فيه أوصاف دم الحيض أن يكون حيضا، والدم بعد عشرة من أيام من أيام الطهر يمكن أن يكون حيضاً فلتأخذ بهذا إن مضت عليها عشرة منذ اغتسلت من حيضها السابق، والله تعالى أعلم.
السؤال:
البعض لديه نفس متهاونة في الطاعة وتعصي الله سبحانه وتعالى على الرغم من حبها لله تعالى ورسوله ولكن تصدر منها بعض الأحيان أفعال وأقوال تدل على هذا التهاون وعلى عدم تأكيد هذا الحب، مثلا يدخل في الغيبة ويغتاب الأشخاص الذين يتعامل معهم ويدعي أن ذلك جائز لأن جملة من المذاهب الأخرى لا تجعل لمثل هذه الذنوب الكبيرة إثم، فماذا تقولون لمثل هذا؟
الجواب: (2/162)
صفحة 649
ليس هنالك رأي لأحد من الناس أياً كان صغيراً كان أو كبيرا عالماً كان أو جاهلا ذكراً كان أو أنثى بعد كلام الله تبارك وتعالى وبعد كلام الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (الأحزاب:36)، ويقول الله تبارك وتعالى (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً) (النساء: من الآية59)، وقد شدّد في الكتاب العزيز وفي السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فالله سبحانه وتعالى يقول (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ) (الحجرات: من الآية12)، فالله سبحانه وتعالى شدّد في أمر الغيبة هذا التشديد وشبّهه بنهش الإنسان لحم أخيه وهو ميت، وكفى بهذا تنفيراً وتحذيراً، والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم في الغيبة كثيرة جداً، فعلى هذا الإنسان أن يتقي الله، وأن يقلع عن هذا الذي يفعله، والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم يدل على أن لسان الإنسان والعياذ بالله هو الذي يورده النار فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبينها تهوي به في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب. ويقول: إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يحسب أن تبلغ ما بلغت تهوي به في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب. والله تعالى المستعان.
السؤال:
البعض تصدر منه عبارات تجرح مشاعر الآخرين وعندما يؤنب في ذلك يقول أنا هازل فما الحكم؟
الجواب: (2/163)
صفحة 650
بئس الهزل هذا، والمزاح الجائز إنما هو مزاح لا يجرح المشاعر ولا يثير الأضغان ولا كذب فيه، هذا هو المزاح المشروع، أما المزاح الذي يؤدي إلى شيء من ذلك فهو حرام، والله تعالى المستعان.
السؤال:
امرأة تعاني من ألم في الرأس وهذا الألم يتسبب في إنزال دم في حلقها وفمها فما حكم صومها في هذه الحالة؟
الجواب:
إن لم تبتلع شيئاً من الدم وهي قادرة على عدم ابتلاعه فصومها صحيح، أما لو غلبها الدم وولج حلقها من غير أن تتعمد فإن ذلك لا يؤثر عليها، وإنما يؤثر عليها لو ولج شيء من الدم إلى الجوف وهي قادرة على عدم إيلاجه ففي هذه الحالة عليها إعادة الصيام، والله تعالى أعلم.
السؤال:
ذهب أمي وأبي وأخي الصغير للعمرة وعند الإحرام لم يرتد الصغير ملابس الإحرام وذلك بسبب خوف أمي من أن يصاب الطفل بمرض والسبب هو أن الجو كان ممطراً وبارداً مصحوباً برياح، وفي اليوم الثالث كان الجو معتدلاً فألبسته ملابس الإحرام هل على الوالدين أية كفارة على ذلك؟
الجواب:
إن كانا لم ينويا إدخاله في العمرة فليس عليهما حرج لأنه لم ينطبق عليه حكم الاعتمار، وحكم الاعتمار إنما يكون بالإحرام والتلبية.
السؤال:
من أوتر قبل أن ينام وأراد النوم فلم يستطع فهل يجوز له أن يقوم الليل؟
الجواب:
لا يقوم الليل إلا إن نام، ولكن إن حاول النوم وتقلب في الفراش ولم ينم، واجتهد في محاولة النوم ولم ينم فما عليه حرج إن قام الليل، والله تعالى أعلم.
السؤال:
فتاة كانت تستأجر لقراءة القرآن الكريم وتأخذ على ذلك مبالغ معينة هل هذا جائز وإذا كان غير جائز فكيف تكفّر عن ذلك مع العلم بأن بعض الذين استأجرت لهم قد فارقوا الحياة؟
الجواب:
إن استطاعت أن ترد الثمن أو الأجرة إلى من أجّرها أو إلى ورثته فذلك وإلا فلتصرف ذلك إلى فقراء المسلمين إن تعذر عليها، وإن كان في المسالة خلاف ولكن نحن لا نرى جواز أخذ الأجرة على قراءة القرآن.
السؤال: (2/164)
صفحة 651
هل يجوز قراءة القرآن على الميت عند زيارة القبور؟
الجواب:
القبور زيارتها مشروعة لا لاتخاذها مساجد أو لأجل العبادة فيها، فالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. والنبي عليه أفضل الصلاة والسلام أمر بقراءة القرآن في البيوت وقال: لا تجعلوا بيوتكم قبورا. ومعنى ذلك أن القبور ليست مكاناً لقراءة القرآن، فلا ينبغي للإنسان أن يقرأ القرآن عندما يزور ميتاً بل عليه أن يقتصر على ما دلت عليه السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلّم عندما زار القبور سلّم على الموتى واستغفر لهم ودعا لهم واكتفى بذلك ولم يزد عليه، فحسبنا أن نتبع النبي صلى الله عليه وسلّم
وقد أجاد في هذا الإمام السالمي رحمه الله تعالى عندما قال:
أتعمرون قبورنا الدوارس ... ويترددن إليها الدارس
وهذه المساجد المعدة ... نتركها وهي لذاك عدة
والمصطفى قد زارها وما قرا ... إلا سلاماً ودعا وأدبرا
حسبك أن تتبع المختارا ... وإن يقولوا خالف الآثارا
فبهذا نأخذ ونكتفي، والله تعالى أعلم.
تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه
27 من جمادى الأولى 1424هـ الموافق 27/ 7/2003م
الموضوع: عام
السؤال (1)
ظهرت مشكلة ارتفاع المهور مرة أخرى بعد أن كانت قد انخفضت قليلاً. ونظراً لحركة الزواج في أيام الصيف، فنريد منكم كلمة مختصرة في أمر المهر.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: (2/165)
صفحة 652
فإن الزواج رابطة مقدسة، وهو محضن للأسرة التي تنشأ في أكنافه وتحاط برعايته، ومن المعلوم أن الله تبارك وتعالى كرّم هذا الإنسان تكريماً، وجعله خليفة في الأرض فلذلك جعل له مزايا لا توجد في غيره من الكائنات الأخرى، ومن هنا كان هذا اللقاء الفطري بين الذكور والإناث محاطاً في الشريعة الإسلامية بسياج من الأخلاق من أجل أن يكون هذا اللقاء بنّاء، ومن أجل أن تبنى حياة مدنية، ومن أجل أن يحصل الترابط بين الجنس البشري لا بين المتلاقيين وهما الرجل والمرأة فحسب بل بين أسرتيهما أيضاً كما يحصل من الترابط من خلال هذه المصاهرة التي تشد كل واحد من أفراد الأسرتين إلى الأسرة الأخرى حتى تندمج الأسرتان كأسرة واحدة ويكون التلاقي وتكون المودة والرحمة، وهذا أمر فيه منفعة للكل فيجب أن يستغل جيداً لا استغلالاً دنيئاً، ومعنى ذلك من الواجب أن تهيئ الفرص لهذا اللقاء بين الشباب والفتيات في إطار الفضيلة والحشمة والآداب والأخلاق، وأن لا توضع العراقيل أمامه من خلال إغلاء المهور، فإن غلاء المهور وبال على الكل، وبال على الشاب الذي يتطلع إلى أن يعف نفسه بالزواج الشرعي، ووبال على الفتاة التي تتطلع أيضاً إلى هذا الغرض نفسه فتجد نفسها في حيز يحال فيه بينها وبين قضاء هذه الرغبة بسبب ما في نفس وليها من الجشع بحيث يريد أن يثري على حسابها، وأن يحول بينها وبين رغبتها حتى يتمكن من الوصول هو إلى رغبته في المال، وهذا أمر غير جائز. (2/166)
صفحة 653
على أن هذه الصدقات ليست هي لأولياء أمور النساء وإنما هي للنساء، فالله تبارك وتعالى لم يقل وآتوا أوليائهن صدقاتهن نحلة، وإنما قال (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) (النساء:4)، وهذا دليل على أنها تتصرف فيه وفق إرادتها، وقد جعله الله سبحانه وتعالى فاصلاً بين السفاح والنكاح، فالنكاح لا بد من أن يكون بصداق كما يكون بشروط أخرى، بينما السفاح قد يكون بدون أي شيء يقدّم إلى المرأة، فمن هنا كانت الضرورة داعية إلى أن يدرك أولياء أمور النساء هذا الأمر، وأن يعرفوا أن الإنسان كما يدين يدان، فهم يريدون أن يزوجوا أبنائهم كما أن الغير يريد أن يزوج أبنائه من بناتهم، فهكذا يجب أن يعاملوا الناس المعاملة التي هم يرغبون أن يعاملوا بها، وأن لا يقفوا حاجزاً أمام أبنائهم وبناتهم من قضاء الوطر الفطري بطريقة فيها يسر وفيها تقريب، وإنما عليهم أن يحرصوا دائماً على تلبية هذه الرغبة وتيسير هذا المطلب من غير أن يكونوا عائقين. (2/167)
صفحة 654
ومن أجل التنبيه - والناس كما تفضلتم أقبلوا على الزواج بطريقة جماعية وحصل الترابط - من أجل التنبيه على حقيقة العلاقة الزوجية، أريد أن أنبه بأن هذه العلاقة علاقة مقدسة، وأن على كلا طرفيها أن يرعى حقها، وأن يرعى هذ الرباط المقدس، وأن يحرص على المحافظة عليه حتى لا يكون عرضة للحل، فإن الزواج نعمة والطلاق نقمة، إذ قد يكون الطلاق نقمة على الأولاد بعد أن يحصلوا، لذلك كان على كل واحد من الزوجين أن يرعى حق الآخر، فالله تبارك وتعالى فرض حقوقاً للرجال على النساء، وفرض حقوقاً للنساء على الرجال، وسوّى ما بين هذه الحقوق عندما قال سبحانه وتعالى (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَة) (البقرة: من الآية228)، أي لهن من الحقوق عليهم مثل الذي لهم عليهن بالمعروف، وإنما للرجال عليهن درجة القوامة لأجل الخصائص الفطرية الموجودة في الرجل دون المرأة، فلذلك على كل واحد منهم أن يرعى هذه الحقوق، وأن يحرص على استمرار هذا الرباط. (2/168)
صفحة 655
وعلى الرجال أن يدركوا بأنهم عندما خوّل الله إليهم أمر القوامة عليهم أن يتحملوا وأن يسوسوا هذه الحياة الزوجية برفق، وأن يسوسوا هذه الحياة بلطف لا بعنف وشدة، فإن الرفق ما دخل إلا زانه، والعنف ما دخل شيئاً إلا شانه، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى عليهم أن يدركوا أن النساء اللواتي تزوجوا بهن أصبحن جزءاً من كيان يجمع بينهن وبينهم وهم الجزء الآخر، فمعنى ذلك أن الزوجين يشكلان حقيقة واحدة، الرجل جزء منها والمرأة جزء منها، فكأنما هو بعض من هذه الحقيقة وهي بعض منها وهذا ما يوحي به قول الله تعالى (وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) (النساء: من الآية21)، وهو يدل على هذ الاندماج ما بين الزوجين في إطار الحياة الزوجية، وأنه يجب ان يكون هنالك انسجام بالغ لأنهما يتزجان معاً حتى يشكلا حقيقة واحدة، ومع هذا قال (وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً) (النساء: من الآية21)، وهذا على القول الراجح هو الميثاق الفطري الذي يجعل المرأة تستلم للرجل وترغب في الانتقال إليه ولو كان من مكان بعيد ومن أسرة لا رابطة بينها وبين الأسرة التي هي منها إلا رابطة الإسلام فحسب، هذا مما يفرض على الرجل أن يرعى هذا، ولأجل هذا يؤمر الرجل أن يسوس الحياة الزوجية عندما تنجم مشكلات بطريقة هادئة هادفة تؤدي إلى المحافظة على هذه الحياة وهذا واضح في قول الله تبارك وتعالى (وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً) (النساء: من الآية34)، يبدأ الرجل أولاً عندما تستفحل المشكلة بعلاجها بالموعظة الحسنة وتذكير المرأة بالعاقبة السيئة التي تترتب على نشوزها فإن هي استجابت فذلك وكفى، وإن لم تستجب واستمرت في عنادها وشقاقها فهنا ينتقل إلى لون آخر من علاج المشكلة وهو هجرانها في المضجع لما لذلك من أثر عليها، فإن استجابت فذلك وإلا (2/169)
صفحة 656
فهنا يؤذن للرجل أن يضربها ضرباً غير مبرح وغير مؤثر، ضرب تأديب لا ضرب انتقام وتشف، لأنه لا يجوز أن يتشفى منها بالضرب المبرح، وإن استعصى الأمر أيضاً واستمرت القضية في صعوبتها فهنا تتدخل الأسرتان وذلك ما يوحي به قول الله سبحانه وتعالى من بعد (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) (النساء: من الآية35)، وإن أمكن الإصلاح فذلك وإن كان تعذر فالطلاق.
والطلاق إنما شرع في الإسلام لا لأجل أن ينتقل الرجل من حياة الزوجية إلى حياة أخرى زوجية وإنما لأجل تفادي المشكلة التي هي أكبر عندما تتحول الحياة الزوجية بسبب تنافر الطباع بين الزوجين إلى جحيم لا يطاق فهنا يكون الطلاق بطريقة مشروعة. (2/170)
صفحة 657
أولاً ليس للرجل أن يرزأ المرأة شيئاً مما أعطاها إياه اللهم إلا أن يكون من قبلها الشقاق وهي التي تريد الفكاك من هذه الحياة الزوجية وهو يريد الاستمرار عليها، أما أن يضايقها ويلجئها إلى أن تفتدي منه فذلك غير جائز فالله تبارك وتعالى يقول (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَاخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) (البقرة: من الآية229)، ويقول الله سبحانه وتعالى أيضاً (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) (النساء: من الآية19)، ويقول (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَاخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً * وَكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً) (النساء:20 - 21). (2/171)
صفحة 658
ومع هذا الطلاق المشروع هو طلقة واحدة، لتكون هذه الطلقة في طهر لم يجامعها فيه، أما في الحيض فهو طلاق بدعة، وتطليقها في طهر جامعها فيها هو أيضاً طلاق بدعة، وتطليقها طلقتين أو ثلاث تطليقات أو أكثر أيضاً ذلك طلاق بدعة وذلك غير جائز الله تبارك وتعالى يقول (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) (البقرة: من الآية229)، ومما هو أشد من هذا أن يقول الرجل حرمتك على نفسي وحللتك لأي رجل آخر، هذا من الكلام الخطير لأنه يخرج بصاحبه عن ملة الإسلام يعتبر به في حكم المرتدين، سواء بالتحريم أو بالتحليل إذ ليس للإنسان أن يحرم ما أحل الله أو يحلل ما حرم الله، الله تبارك وتعالى يقول (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) (النحل:116)، وقد بيّن سبحانه أن هذا التحريم من شأن المشركين عندما قال (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ) (الأنعام: من الآية148)، قرنه الله تعالى بالإشراك وجعله من صفات المشركين وكذلك (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) (النحل: من الآية35)، فهذا لا يجوز أبداً، هذا من أشد الحرام، كيف يقول هي حرام على نفسه، يحرمها على نفسها والله تعالى يقول (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً) (البقرة: من الآية228)، هو أحق بمراجعتها ما دام الطلاق رجعيا، وكيف يقول هي حلال لغيره مع أنها لا تحل للغير بنص القرآن حتى تعتد العدة الشرعية، الله تعالى يقول (2/172)
صفحة 659
(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً) (البقرة: من الآية228)، هذه الأمور يجب أن تراعى وأن لا يتسرع الناس إلى الطلاق، وعندما يضطرون إلى الطلاق عليهم أن يتحروا الطلاق بأن يكون طلاقاً على وجه السنة لا على وجه البدعة، والله تعالى أعلم.
السؤال (2)
هل هنالك فروق إجتماعية معتبرة شرعاً في الزواج، أم أن الأمر يعتمد فقط على حصول التقوى من الطرفين؟
الجواب:
الميزان الذي يتفاضل به الناس تقوى الله سبحانه، الله تبارك وتعالى يقول مبيّنا فضل التقوى على غيره (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: من الآية13)، والنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه. ويقول: فاظفر بذات الدين تربت يداك. أما بقية الأمور فهذه أمور تعود إلى الأعراف الإجتماعية، ليست هي من صميم الدين، وإنما هي من الأعراف الإجتماعية.
السؤال (3)
يقول النبي صلى الله عليه وسلّم: إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه. فهل يترتب إثم على الأب إذا رفض الشاب لأي اعتبار آخر من هذه الاعتبارات التي ذكرتموها التي هي عرفية وليست شرعية.
الجواب: (2/173)
صفحة 660
أولاً قبل كل شيء لا بد من أن تكون المرأة هي نفسها راغبة في الزواج، لأنه ليس للولي أن يكرهها على الزواج ممن لا تريده، ثم من ناحية أخرى هنالك اعتبارات، هذه الاعتبارات قد تكون بعض الأحيان التخلص منها من الصعب فيراعى ذلك، لا يكلف الإنسان ما لا يتحمله، لأن بعض الاعتبارات الإجتماعية تكون ثقيلة حتى يكون هنالك وعي اجتماعي عام من أجل التخلص من ذلك.
السؤال (4)
لماذا لم يحدد العلماء حداً أعلى للمهر بحيث لو تعدي لصارت المسألة مخالفة شرعية؟
الجواب:
هذه القضية تعتبر من المصالح المرسلة وليست هي من القضايا المنصوص عليها، فالنص الشرعي أباح أن يكون الصداق كيفما كان من حيث الكثرة (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً) (النساء: من الآية20)، هذا لأجل المبالغة وإلا فلا يؤتي أحد قنطاراً المرأة، لأجل بيان أنه ليس له أن يرزأها شيئاً مما أعطاها إياه، وعلى أي حال يُرغّب في تيسير الصداق، والنبي صلى الله عليه وسلّم كان قدوة في هذا لأن صدقات بناته كانت من أيسر الصدقات.
السؤال (5)
جارنا له أخ مجنون لا يعقل ما يدور حوله بالإضافة إلى أنه ضعيف البصر ويتركه عارياً على الطريق مع أن الحكومة الرشيدة سعت ممثلة في مكتب الوالي وبالتعارون له بلدية المنطقة بالسماح له في بناء غرفة خاصة لأخيه المجنون ولكنه استعملها لأغراضه الخاصة تاركاً أخاه عارياً في الخارج أمام المارة، وعندما نكلمه يتعذر بأن أخاه يحتاج لشم الهواء في الخارج.
فهل يحق لنا أن نشكوه إلى الوالي، أم أن هذا يعتبر من إيذاء الجار، وهل يجوز لزوجاته أن يبعدن أخاه المجنون عن الطريق وهو عاري أو أن يغيرن ملابسه علماً بأن عمره الآن يتراوح بين الأربعين والخمسين؟
الجواب: (2/174)
صفحة 661
تقديم الشكوى على مثل هذا الرجل عند المسئول من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من باب تغيير المنكر، فإن هذا الذي يفعله من أكبر المنكرات وأفضع الفضائع، كيف ينتهك حرمة أخيه بحيث يدعه عارياً، هو وإن كان مجنوناً له حرمة الإنسانية، ثم إنه في أصله على فطرة الإسلام وخرج من بين أبوين مسلمين فهو على فطرة الإسلام فله حقوق الإسلام بجانب حقوق الإنسانية، والله تعالى يقول (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الاسراء:70)، فكيف مع ذلك يتركه عارياً هذه من الأمور المحرمة وخصوصاً تركه على الطريق، من المفروض أن يكون حريصاً على ستره، على أنه أخوه ولما كان أخاه فإنه يعتبر عرضه عرضه، فعليه أن يرعى هذا العرض وأن يصونه وأن لا يجعله منتهكا، معنى ذلك أن ستره لسوأته ستر لسوأته هو بنفسه فكيف يتركه على هذه الحالة، فإن أصر على هذه الحالة ولم تجد فيه النصيحة فإنه من الضرورة أن تقدم عليه دعوى عند أولياء الأمر من أجل ردعه عن هذه الحالة وذلك مما يدخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. على أنه عندما يتعذر أن يقوم الرجال بالستر على النساء مع صونهن لأنفسهن أن يسترنه بقدر استطاعتهن من غير أن يتعرضن له بشيء فيه انتهاك للحرمة وإنما عليهن أن يغضضن أبصارهن وأن يلقين عليه ثوباً يستره وأن يصرفنه بقدر استطاعتهن عن البقاء في الطريق.
السؤال (6)
رجل ينوي السفر هل يجوز له أن يصلي الظهر والعصر جمع تقديم قبل دخول وقت صلاة الظهر بنصف ساعة؟
الجواب: (2/175)
صفحة 662
الصلاة موقوتة بميقات محدد، الله تبارك وتعالى يقول (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء: من الآية103)، فلا يجوز أن تقدم الصلاة قبل ميقاتها بحال من الأحوال، ولا يجوز في السفر ولا في الحضر أن يصلي الإنسان الظهر قبل ميقاتها، أو أن يصلي المغرب قبل ميقاتها. (2/176)
صفحة 663
أما الجمع بين صلاتي الظهر والعصر وبين صلاتي المغرب والعشاء فهو مأذون به في حالة السفر، وقد أذن به في حالة المشقة والصعوبة ولو كان الإنسان في الحضر كأن يكون الإنسان مريضاً، أو أن تكون المرأة مستحاضة، أو يكون به أحد سلس البول، أو أن يكون في حالة متعبة، أو في حالة غيم أو حالة ريح أو مطر أو نحو ذلك مما يجعل من الصعوبة على الإنسان أن يتردد إلى المسجد، ففي هذه الحالة يباح للمصلين أن يجمعوا بين صلاتي الظهر والعصر وبين صلاتي المغرب والعشاء، وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلّم ذلك من غير وجود مشقة وإنما أراد بذلك أن ينبه الأمة بأنها في حالة عسرها ومشقتها لها أن تفعل ذلك، فقد أخرج الإمام الربيع رحمه الله في مسنده عن أبي عبيدة عن جابر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم الظهر والعصر معاً والمغرب والعشاء الآخرة معاً من غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر، وقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما هذا الحديث من طريق عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء جابر بن زيد عن ابن عباس أيضا وكان مما جاء فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلّم صلى الظهر والعصر معاً، والمغرب والعشاء معاً بالمدينة من غير خوف ولا سفر. قيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته. وجاء في هذه الرواية أن عمرو ابن دينار قال: قلت لجابر: يا أبا الشعثاء أظنه أخّر الظهر وعجّل العصر. قال: وأظنه. وعلى أي حال فإن ذلك إنما يجوز في الوقت وإن كان من العلماء من ذهب إلى أنه لا بد من أن يكون بين الوقتين كما يوحي بذلك سؤال عمرو بن دينار لجابر بن زيد وإجابة جابر رحمه الله بذلك. وقد قال ابن سيد الناس: وجابر بن زيد أعلم بمعنى الحديث لأنه راويه. ولكن جابراً لم يقطع بذلك وإنما بيّن أنه مجرد ظن. (2/177)
صفحة 664
ونحن نرى من أجل التيسير إباحة هذا الأمر سواء في وقت الأولى أو في وقت الثانية عندما تكون هنالك مشقة ويكون هنالك عسر، ومع التوسط بين الوقتين فإن ذلك يكون أولى وأجوز.
أما تقديم الصلاتين قبل دخول وقت الصلاة الأولى فذلك لا يقول به أحد، والله المستعان، ونسأل الله تعالى التوفيق.
السؤال (7)
امرأة لا تستطيع السجود إلا إذا وضعت يدها على جبهتها، بحيث تسجد فوق يدها. فهل يصح لها ذلك؟
الجواب:
لا تسجد فوق اليد، ولا تسجد فوق مخدة، ولا تسجد فوق أي شيء كان من هذا النوع إن لم تستطع السجود على الأرض، وأعني بالأرض المكان المستوي الذي هي قاعدة عليه ولو كانت على الفراش فإنها تسجد على ذلك الفراش، أما أن تسجد على شيء مرتفع فذلك غير جائز، فإن تعذر عليها السجود فلتومئ لسجودها، إنما يؤمر الإنسان أن يأتي من الأوامر المشروعة بما قدر عليه ويسقط عنه ما عجز عنه، الله تبارك وتعالى يقول (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا) (الطلاق: من الآية7)، ويقول (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية286)، والنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم. فإذا كانت هي عاجزة عن السجود فإنها تكتفي بالإيماء وكفى، والله تعالى أعلم.
السؤال (8)
ما حكم التلقيح الصناعي بالنسبة للأبقار وغيرها من البهائم إذا كان عن طريق الطبيب البيطري؟
الجواب:
التلقيح الصناعي إن لم تترتب عليه مضرة ولم تترتب عليه مفسدة، وفي الحيوانات ليست هنالك مفسدة، فهو جائز على أي حال إن لم يكن فيه إضراراً للحيوان ولا فيه شيء من أسباب كونه تترتب عليه المضرة كأن يكون اللحم غير طبيعي أو يكون مثل هذا فلا حرج فيه.
السؤال (9)
ما هي كيفية أداء صلاة الاستخار وصلاة الخوف؟
الجواب: (2/178)
صفحة 665
أما بالنسبة إلى صلاة الاستخارة فإنها تصلي ركعتين وتقول: اللهم إني أستخيرك بخيرتك وأستقدرك بقدرتك فإنك تعلم ولا أعلم وتقدر ولا أقدر، اللهم إن كنت تعلم في أمري هذا خيرا – وتسمي ذلك الأمر باسمه – فيسره لي وأعني عليه واشرح صدري له، ومن شاء زاد إن كنت تعلمه خيراً في عاجل أمري وفي آجله، في أوله وفي آخره، في ظاهره وفي باطنه، في دنياي وفي آخرتي فيسره وأعني عليه، وإن كنت تعلمه شراً في عاجل أمري أو في آجله في أوله أو في آخره في ظاهره أو في باطنه في دنياي أو في آخرتي فاصرفني عنه واصرفه عني وأغنني عنه بما هو خير لي. هذه هي صلاة الاستخارة.
أما صلاة الخوف فهي تختلف قد تكون صلاة مواقفة، وقد تكون صلاة مسايفة، وقد تكون صلاة مطلق الخوف. أما صلاة المواقفة فهي أن تنقسم جماعة المسلمين إلى قسمين قسم يواجه العدو وقسم يصلي مع الإمام ركعة ثم تنصرف تلك الفئة التي صلت ركعة من غير أن تسلم وتحل محل الفئة التي تواجه العدو، وتأتي تلك وتصلي مع الإمام الركعة الأخرى، وهل على كل واحدة من الفئتين قضاء الركعة التي لم تصلها أو تجتزئ بركعة في ذلك روايتان عن الرسول صلى الله عليه وسلّم، والأقوال في هذا بلغت نحو ستة عشر قولا، ولكن المشهور ما ذكرناه من هاتين الروايتين، ومع هذا بعد ذلك يسلم الإمام فيسلم الجميع، والمشهور عندنا أنه يجتزى بالنسبة إلى المأمومين بالركعة، كل فئة تصلي ركعة وإنما يسلمون معاً، هذه صلاة المواقفة، مواقفة العدو عندما لا يكون هنالك تداخل وإنما توجس أن يهجم العدو.
أما إذا كان الأمر أكبر من ذلك بأن يكون هنالك تداخل بالسلاح فإن المسلم يصلي في هذه الحالة كيفما أمكنه ولو كان في حالة استعمال السلاح ضد عدوه. (2/179)
صفحة 666
وأما صلاة مطلق الخوف فهي أن يكون الإنسان خائفاً من تبع يتبعه في هذه الحالة يصلي وهو على راحلته أو وهو ساعٍ على قدميه أو يعدو على قدميه هارباً من هذا العدو الذي يتبعه يصلي كيفما أمكنه سواء على جهة القبلة أو على غيرها، لا يشترط أن يكون مستقبلاً للقبلة وإنما يستقبل الجهة التي هو متجه إليها ويكتفي بذلك حتى لا يدع الصلاة تفوت، والله تعالى أعلم.
السؤال (10)
وإذا تحصل له الأمن هل يعيد الصلاة؟
الجواب:
لا يكلف أن يأتي بنفس الفرض مرتين.
السؤال (11)
رجل عقد قرانه على فتاة لكن بعد فترة من عقد القران طالبته بالطلاق لأسباب سطحية، ففي هذه الحالة ماذا يصنع؟
الجواب:
الله تبارك وتعالى جعل القلوب تتآلف وتتنافر وتجتمع وتفترق، وهو سبحانه وتعالى مصرف القلوب كيفما يشاء، فإن تعذر عليه إقناع هذه المرأة بأن تستمر العلاقة الزوجية بينهما فليسرحها تسريحاً جميلا، والله تبارك وتعالى يغنيه عنها بمن خير له منها، وليس له أن يمسكها إمساك مضارة لأن المضارة غير مشروعة، وإنما عليه أن يسرحها تسريحاً جميلاً عملاً بقول الله تعالى (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) (البقرة: من الآية229)، والقلوب يصرفها الله تبارك وتعالى كيفما يشاء، وليس لأحد سلطان على القلوب، والزواج إنما هو لقاء أرواح قبل أن يكون لقاء أبدان، فإذا كانت الأرواح متنافرة فإنه من العسير أن تبنى حياة زوجية مع هذا التنافر، والله تعالى المستعان.
السؤال (12)
رجل أراد أن يجمع المغرب والعشاء وبعدما فرغ من المغرب وكبر للعشاء سمع جماعة تقيم صلاة العشاء، فهل يقطع صلاته ويدخل معهم؟
الجواب:
نعم، إذا أقيمت المكتوبة في جماعة فلا صلاة إلا المكتوبة.
السؤال (13)
إذا تعذر الوصول إليهم نظراً لزحمة الصفوف وصلى بنفسه العشاء بينما هم أيضاً يصلون العشاء، فما الحكم في هذه الحالة؟
الجواب: (2/180)
صفحة 667
أما إذا كان لم يدخل في صلاته ويتعذر عليه أن يصل إليهم فلينتظر حتى يفرغوا إن سمعهم يصلون، أما إن دخل في الصلاة وكان من العسير أن يذهب إليهم بحيث يتعذر ذلك ففي هذه الحالة ليستمر على صلاته.
السؤال (14)
بعد أن صلينا الجمعة قام أحد المسافرين ليصلي العصر فصلينا وراءه سنة الجمعة ولكن البعض لم يصل السنة مع الإمام الذي يصلي العصر في الجماعة بل إنه جلس في الصف في مكانه والآخرون قاموا يصلون بأنفسهم سنة الجمعة في الصف نفسه. وبالتالي أصبحت الصفوف غير منتظمة منهم القاعد والقائم والراكع. ما حكم صلاة هؤلاء جميعاً؟
الجواب:
أولاً قبل كل شيء أنا أرى أن هؤلاء المسافرين الذين يحرصون على جمع الصلاتين كثيراً ما يسببون مشكلات متنوعة، ويسببون فوضى لا تقف عند حد، لذلك أنا أنصح بأن يتركوا جمع الصلاتين في مثل هذه الأحوال إلا لضرورة لا محيص عنها، أما أن يعتبروا ذلك عادة كما هو شأن الكثير من الناس فهذا أمر فيه ما فيه، نحن نرى كثيراً من الأحيان ترتبك الصفوف وتكون الفواصل في الصف الواحد، هؤلاء اثنان أو ثلاثة يصلون بأنفسهم، وهناك في نفس الصف اثنان أو ثلاثة يصلون بأنفسهم من غير أن يلتحم الصف، ومع أمور أخرى تحدث ومنها المرور أمام المصلين وإيذاء المصلين ومضايقة المصلين، هذه أمور كلها تحدث ارتباكاً كبيراً، وأتألم كثيراً عندما أشاهد مثل هذه الأحوال، فأنا أدعو الأخوان إلى ترك الجمع بين الصلاتين إلا لضرورة لا محيص عنها.
أما في مثل هذه الأحوال ما هو الداعي للجمع، ما هو الداعي؟ إنما الأمر يفضي إلى الإفساد، إفساد الصلاة على الناس، ولو كانت هذه سنة متبعة فإن السنة تترك إن ترتبت عليها مضرة، فكيف مع أن السنة بالنسبة إلى المقيم في المكان أن يفرد الصلاة، وبالنسبة إلى الجاد في السير هو الذي يسن له أن يجمع بين الصلاتين
والفضل للمقيم في الإفراد *** والجمع للمجد في الترداد (2/181)
صفحة 668
ما هو الداعي إلى هذا؟ ومع هذا أيضاً نرى أن الكثير من الناس عندما يجمعون بين الصلاتين يصلون مثلاً المغرب والعشاء معاً ثم يبقون مكانهم إلى صلاة العشاء لأجل المحاضرة أو لأجل غير ذلك وعندما يؤذن للصلاة يكونون هم في المسجد مع أن الخروج من المسجد بعد التأذين للصلاة من الجفاء، فمن خرج من المسجد فيعتبر عاصياً لأمر الرسول صلى الله عليه وسلّم.
هذه من المخالفات العجيبة، وعندما يكون هنالك ضرر لا محيص عنه عليهم أن يعلم بعضهم بعضاً وأن يجتمعوا في مكان واحد بحيث يكونون في صف واحد أو في صفوف متراصة في مكان واحد لا يفصل بينهم أحد، ومع هذا كله يحرصون على أن لا يمروا أمام المصلين، وأن لا يقطعوا على الناس صلاتهم، المرور أمام المصلي فيه تشديد كبير في السنة (لأن يقف أحدكم أربعين خريفاً خير له من أن يمر بين يدي المصلي لو كان يعلم ما في المرور بين المصلي)، فكيف وهم يمرون بين أيدي المصلين من غير مبالاة، هذه أمور عليهم أن يراعوها، وأن يحرصوا على المحافظة على السلامة فيها. هذا التصرف الأهوج الذي يتصرفونه.
ثم ما الداعي لهذا المقيم أن يصلي السنة مع هؤلاء، لا أقول بمنع ذلك، لكن ما الداعي إلى ذلك، إنما هو تشجيع على الجمع بين الصلاتين ونحن نختار ترك التشجيع عليه. والله تعالى المستعان.
السؤال (15)
امرأة كانت على وشك الولادة فصامت اليوم الأول من رمضان فقط وأفطرت ستة أيام فما حكم هذه الأيام؟
الجواب:
عليها قضاؤها ولها أن تفطر إن كان الصيام شق عليها أو خشيت منه مضرة على نفسها أو مضرة على جنينها، والله أعلم.
السؤال (16)
رجل يعمل في الإمارات العربية المتحدة وهناك صاموا قبلنا بيوم وعندما عاد إلى عمان في نهاية رمضان ابتلاه الله بمرض فأفطر يومين فكم يقضي؟
الجواب: (2/182)
صفحة 669
هذه المسألة مختلف فيها بين العلماء، منهم من قال إذا ثبتت الرؤية ثبوتاً شرعياً في بلد ما وانتقل إلى بلد آخر تأخرت الرؤية فيه فإنه يستمر في صيامه هناك حتى يصل إلى ثلاثين يوماً وليس عليه أن يزيد على ثلاثين يوماً، ومنهم من قال لا بل يستمر ولو زاد على ثلاثين يوماً لأنه انتقل إلى حكم البلد الذي انتقل إليه، واستدل هؤلاء لهذا بقول النبي صلى الله عليه وسلّم: الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون، والمسألة على أي حال فيها خلاف. هذا بطبيعة الحال مع ثبوت الرؤية في البلد الذي صام فيه أولاً، والله تعالى أعلم.
السؤال (17)
ماذا ترجحون أنتم سماحة الشيخ؟
الجواب:
نحن نختار الخروج من عهدة الخلاف، نختار الاستمرار.
السؤال (18)
امرأة عندما تصلي تمد رجلها أثناء السجود لأنها لا تستطيع كفها؟
الجواب:
(لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية286)، والنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم.
السؤال (19)
امرأة قالت لابنتها إذا شفاك الله سبحانه وتعالى من المرض فسوف آخذك معي إلى العمرة لكن عندما شفاها الله لم يسمح لها زوجها بالذهاب إلى العمرة؟
الجواب:
إن كانت نذرت ذلك وجعلته نذراً فإن هذا النذر يجب عليها الوفاء به، وإن وجد ما يمنعها منه فإنه يبقى ديناً في ذمتها إلى أن يمن الله تعالى عليها بالفرصة للوفاء، والزوج يمنع من أن يمنعها من أداء النذر الذي هو واجب عليها، وأما إذا كان مجرد وعد منها لابنتها فليس عليها لزوماً أن تفي بهذا الوعد.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
2 من جمادى الآخرة 1424هـ، 24/ 8/2003م
الموضوع: أحكام الأسرة وأسئلة أخرى
السؤال:
الكثير من الفتيات والشبان في أيامنا هذه يستخدمون الدردشة عن طريق الانترنت فلو تكرمكتم فضيلة الشيخ تعطينا الحكم في الدخول إلى مواقع الدردشة، وهل هي حرام أم لا؟
الجواب: (2/183)
صفحة 670
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلّم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقبل كل شيء ينبغي أن نحدد معنى الدردشة، لأن الحكم على الشيء فرع تصوره، وما الذي يترتب عليها من منافع أو مضار، ومن أمور سلبية أو أمور إيجابية. حقيقة الأمر الإنسان مسئول عما يقول وعما يقدم وما يؤخر (أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى) (القيامة:36 - 37)، نعم إن الإنسان مرده إلى الله تعالى، والله سائله عما قدّم وما أخّر، وقد قال سبحانه (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قّ:18)، والنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يحسب أن تبلغ ما بلغت يكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يحسب أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه.
فالإنسان مسئول عن فلتات لسانه، ولذلك عندما كان يوصي رسول الله صلى الله عليه وسلّم معاذاً رضي الله تعالى عنه أشار إلى فيه - إلى لسانه - وقال له: ألا أدلك على ملاك ذلك كله احفظ هذا. مشيراً إلى اللسان. فقال له: أإنا مؤاخذون بما نقول يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلّم: ثكلتك أمك وهل يكب الناس في النار على مناخرهم أو على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم.
فحصائد الألسنة هي التي تسوق الناس والعياذ بالله إلى النار سوقا.
وكذلك عندما تكون حصائد الألسنة حصائد إيجابية خيرة بحيث يتحرى الإنسان في كلامه مرضاة الله تبارك وتعالى تسوقه إلى الجنة سوقا. (2/184)
صفحة 671
فلئن كانت هذه الدردشة فيها كذب وافتراء فذلك ليس من شأن المؤمن، إذ الله تبارك وتعالى يقول (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ) (النحل:105) وهو دليل قاطع على أنه لا يمكن أن يصدر الكذب من المؤمن، وكذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلّم: يطبع على المؤمن على الخلال كلها ليس الخيانة والكذب.
وعندما سئل النبي صلى الله عليه وسلّم عن صفات المؤمن فقيل له: أيكون المؤمن كذابا؟ قال: لا. أي ليس من شأن المؤمن أن يكذب، ونحن نرى أن الله سبحانه وتعالى عندما توعد المنافقين قال فيما توعدهم عليهم (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (البقرة: من الآية10)، هذه على قراءة من قرأ (يكذبون) وهي قراءتنا المعتمدة في المشرق. (2/185)
صفحة 672
والدخول في مثل هذه الأمور يجب أن يضبط بضوابط، أولاً قبل كل شيء يجب أن يكون حقاً لا باطل فيه، أي أن يكون كل ما يقوله الإنسان وما ينشره إنما هو حق ليس فيه باطل، ومعنى ذلك أن يكون صدقاً غير ممزوج بكذب، هذا من ناحية، من ناحية ثانية ألا يكون ذلك يؤدي إلى الإفساد، فقد تكون الكلمة في ذلك حق ولكن يراد بها باطل، يراد بها إفساد، يراد بها جرف الناس إلى الشر، يراد بها خداع المؤمنين والمؤمنات، فقد تغرر المرأة بالكثير من الأحابيل التي يصنعها أولئك الماكرون الذين لا يريدون بها إلا السوء ولا يريدون بها إلا الكيد، فلذلك كان من اللازم أن يتفطن الإنسان في ذلك إلى أي غاية تؤدي هذه الدردشة فإن كانت تؤدي إلى باطل فلا ريب أنها محرمة ويجب اجتنابها ولو لم تخرج عن حدود الصدق وحدود الحق، لكن إذا كانت عاقبتها أن تؤدي إلى باطل فإن ذلك مما يجب اجتنابه، ولذلك يقول بعض المتفطنين من الحكماء والعلماء يقول: ما علمت أن كلمة (سبحان الله) تكون معصية إلا اليوم. فسئل عن ذلك فقال: حضرت مجلساً كان فيه أحد الظلمة ينزل على أحد من الناس لأنه يتهمه بباطل، وكان أحد الحاضرين يريد أن يغري ذلك الظالم بذلك المظلوم فكان يقول (سبحان الله) كأنه يفخم هذا الأمر ويعجّب مما جاء به ذلك الرجل حتى يوقع به ذلك الظالم. فكانت كلمة سبحان الله التي هي تنزيه لله سبحانه عز وجل مستخدمة من أجل باطل، فهي كلمة حق ولكن استخدمت من أجل باطل، لذلك كان يجب اتقاء مثل هذه الأمور إن كانت تؤدي إلى باطل ولو كانت في حقيقتها حقا. والله تعالى المستعان.
السؤال:
المجتمع الشرقي أو فلنقل العربي له من التحفظ والثقافة ما يجدر به أن يتمسك بأهدابه وهنا تطرح قضية بإلحاح وهي الثقافة الجنسية فما هي نظرة الشرع إليها وكيف يوجّه إليها الأبناء، وإلى أي حد يفصح عنها ويصرح بمضامينها؟
الجواب: (2/186)
صفحة 673
حقيقة الأمر هذه قضية فطرية، وينبغي أن لا يتعدى إفهام أولئك الأولاد من الجنسين الذكور والإناث بمضامين هذه القضية يجب أن لا يتعدي إفهامهم حدود الأدب وحدود الحشمة والوقار والحياء، يجب أن لا تقال كلمة تخدش الحياء، ولا يعني الحياء أن لا يتفقه الإنسان في دين الله فأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها تقول: لله در نساء الأنصار ما منعهن الحياء من التفقه في دين الله.
ولكن الحياء أن لا يتعدى الإنسان حدود الحق وحدود الجائز، فإن الله تبارك وتعالى جعل الحياء من الأخلاق المحمودة إذ هو خصلة من خصال الإيمان كما دل على ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلّم: الإيمان بضع وسبعون شعبة، وفي رواية بضع وستون شعبة أعلاها كلمة لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى من الطريق، والحياء شعبة من الإيمان.
ولما كان الحياء شعبة من الإيمان فيجب أن يحافظ عليه، ومعنى هذا أن يُفهّم الأولاد حقيقة الأمر بقدر ما يصونهم من الوقوع في المزالق ومن الانجرار وراء الشهوات بحيث يفطّنون وينبّهون بأن هذه الشهوة قد تقود صاحبها إلى سوء المصير والعياذ بالله عندما يسلس لها القياد فعليه أن يتفطن، وإنما جعل الله تبارك وتعالى إطفاء هذه الشهوة بممارستها في الناحية البناءة وذلك باللقاء ما بين الزوجين في حدود الحشمة وحدود الفضيلة وحدود التعمير لهذه الحياة، لا أن يكون انسياقاً وراء هذه الشهوة من غير مبالاة كما هو شأن الشهوانيين من الجنسين الذين لا يبالون بالمصير الذي ينقلبون إليه في سبيل إرواء هذا السعار الذي لا يقف عند حد. (2/187)
صفحة 674
وهناك أيضاً النواحي الفقهية لا بد من إفهامهم إياها ليتفطنوا لذلك وخصوصاً عندما يكونون مشارفين للزواج سواء ذلك في حق الذكور أو في حق الإناث، ونحن نجد صوراً ونماذج في حياة السلف الصالح تدل على ما كان عليه السلف الصالح من الحرص على التفقه في دين الله من غير أن يكون الحياء الذي يتصفون به مانعاً لهم من ذلك، فمن ذلك ما روي عن ابنة أبي مسور رحمهما الله، وكان أبو مسور أحد علماء أهل الحق والاستقامة في جربة، في القطر التونسي، قبل نحو اثني عشر قرناً، ولا يزال مسجده موجوداً إلى الآن ويسمى باسمه، كان من الفقهاء الكبار، وكانت عنده ابنة في منتهى الذكاء والفطنة، وكانت تسآءل أباها كثيراً، وعندما أتاها الحيض أخذت تسآءله عن مسائل تتعلق بالحيض حتى وصفت كيف يأتيها الحيض وماذا رأت، فقال لها: أما تستحين يا بنيتي تسألينني عن مثل هذا؟ قالت له: إني أخشى أن يمقتني الله إن استحييت. فقال له: لا مقتك الله.
وكات هذه الفتاة في منتهى الفطنة وكان أبوها يعترف لها كثيراً بفطنتها وبذكائها فيما يكون بينهما من حوار حتى إنه كان بينه وبنيها حوار في يوم من الأيام في الأعمال، هل الأعمال هي أفضل من العاملين، أو العاملون أفضل من الأعمال، فكان رأي أبيها أن العاملين هم أفضل من أعمالهم، فردت عليه بل الأعمال أفضل لأنهم يفنون وتبقى أعمالهم.
ومما يؤيد رأيها أن العمل لا يشرف بالعامل وإنما العامل هو الذي يشرف بالعمل، والعامل لا يرفع قدر العمل وإنما العمل هو الذي يرفع قدر العامل.
وكان في يوم الأيام أيضاً جالساً بجنبها وكانت تغسل ملابسه فقال: أتمنى أن يطهر الله قلبي مثل هذا الثوب. فقالت له: أتمنى أن يجعل الله تطهير قلبي بيدي فأطهره بيدي فأطهره مثل هذا الثوب. فقال لها: أنت أفقه مني حتى في الأماني. (2/188)
صفحة 675
فهذه الفتاة صورة مما كان عليه السلف الصالح من الحرص على التفقه في دين الله وعدم حيلولة الحياء دون ذلك، فهكذا يجب على الجنسين جميعاً أن يتفقهوا في دين الله وأن يعرفوا ما يأتون وما يذرون، وأن يقبلوا على الحياة الزوجية وهم عارفون بحقيقتها وبجميع شعبها حتى لا يقعوا في شيء من محارم الله سبحانه وتعالى، هذا الذي ينبغي أن يُعلّمه الناشئون عندما يصلون إلى حدود الاحتلام أو يناهزون ذلك، والله تعالى أعلم.
السؤال:
نود منكم سماحة الشيخ نصيحة لأولئك الرجال الذين يتهاونون بالطلاق؟
الجواب:
قضية الطلاق قضية شائكة، وقضية مشكلة جداً، وأنا قلت أكثر من مرة بأن أمرين اثنين لا يبالي بهما الناس مع ما يترتب عليهما من سوء الحال وعاقبة المآل والعياذ بالله، رأيت هذين الأمرين يندفع الناس إليهما اندفاعا:
أولهما: الإسراع في السير، فإن هذه الحوادث حوادث السير التي تذهب بهذا العدد الهائل من الأرواح، في كل يوم تفنى أمة بسبب حوادث السير، ومع ذلك لا يعتبر الناس، فإذا أمسك قائد السيارة المقود اندفع اندفاعاً وضغط على الوقود من غير مبالاة فتندفع السيارة، ولا يبالي بمخالفته نظام السير، ولا يبالي بأن ينتحر أو ينحر، ولا يبالي أن يتخطى غيره في مكان لا يسمح فيه بالتجاوز، ولا يبالي أن يتجاوز الغير أيضاً مع كونه يرى سيارة مقبلة نحوه فيكون ذلك من أسباب هلاكه وهلاك من ركب معه وهلاك من في السيارة الأخرى فيتحمل أوزار ذلك، فنحن نرى قواد السيارات عندما يقومون بقيادة السيارة يسارعون إلى الموت كأنهم يرون أنهم يسارعون إلى الجنة ولا يدرون أنهم يسارعون إلى النار لأنهم ناحرون منتحرون والعياذ بالله. (2/189)
صفحة 676
هذا من ناحية. الناحية الثانية ناحية الطلاق فمع ما يترتب من المشكلات العويصة، ومع ما يترتب على الطلاق من الندم وعض البنان من شدة الندم من قبل الكثير ممن يتورطون لا يبالون في هذا الطلاق فيندفعون إليه اندفاعاً بغير مبالاة، ونحن كثيراً ما نبهنا أن الطلاق لا يصار إليه إلا مع الضرورة القصوى، فأولاً قبل كل شيء نحن نرى أن الله تبارك وتعالى ما جعل الطلاق بيد المرأة وإنما جعله بيد الرجل لأن الرجل يتحكم في عواطفه أكثر من المرأة، ويستطيع أن يضغط على أعصابه، وأن يتصرف تصرفاً حكيماً لأن الواقع كما تقول باحثة اجتماعية فرنسية: إن المرأة إذا شبت عاطفتها شغلت كلا جانبي دماغها، ولم يكن هنالك مجال للتفكير بخلاف الرجل فإن العاطفة تشغل جانباً من جانبي دماغه بينما الجانب الآخر يكون صالحاً للتفكير.
ولكن من هذا، إنما هو الرجل وليس هو الأهوج الذي لا يبالي بالتصرف الأعمى الذي يتصرفه، إنما ذلك الرجل الذي يحس بالمسئولية، ويعرف كيف يواجه المشكلة، وكيف يتغلب على عواطفه، وكيف يتحكم في أعصابه، هذا هو الرجل الذي هو حقيق بهذه الصفات، فعلى أي حال نحن نرى أن القرآن الكريم يوصي بالمرأة خيرا، فالله تبارك وتعالى يقول (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) (النساء: من الآية19)، فالرجال مأمورون بالاحتمال، وطبيعة المرأة على أي حال طبيعة فيها شيء من الانفعال فعلى الرجل أن يقدر ذلك وألا يتسرع إلى قطع الصلة بينه وبينها، والنبي صلى الله عليه وسلّم كثيراً ما كان يوصي بالنساء ويقول: خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي. ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: إن المرأة خلقت من ضِلَع أعوج، وإن أعوج ما في الضِلَع أعلاه فإن ذهبت تقومه كسرته. وفي هذا يقول الشاعر:
هي الضِلَع العوجاءُ لست تقيمها ... ألا إن تقويم الضلوع انكسارها (2/190)
صفحة 677
أتجمع ضعفاً واقتداراً على الفتى ... أليس غريباً ضعفُها واقتدارُها
فلا ينبغي للرجل أن يتسرع، ثم إن كانت هنالك مشكلات مستعصية ومستمرة فعليه أن يعالجها، الله تبارك وتعالى يقول (وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً) (النساء: من الآية34)، ومعنى ذلك أن يتصرف الرجل هذا التصرف بحيث يبدأ أولاً بالموعظة الحسنة، يحاول أن يتلطف بالمرأة وأن يحسسها بأنه راغب فيها وأنها في قلبه بمنزلة وأنه لا يريدها أن تتورط، فيأخذ في موعظتها بقدر المستطاع، يبدأ باللين ثم بعد ذلك يصعد إلى الشدة في الموعظة، فإن هي استمرت في نشوزها وعدم تجاوبها يحاول أن يريها كيف صبره عنها بحيث يهجرها في المضجع، فإن استمرت على نشوزها عندئذ يحل له أن يضربها، لكن على أن لا يكون ذلك ضرباً مبرحاً ولا ضرباً مؤثرا وإنما يكون ضرب أدب كما قيل بحيث يحد من كبريائها، فإن استمرت المشكلة هنا يؤمر بأن تتدخل الأسرتان أسرة الرجل وأسرة المرأة بحيث يجرد من كل واحدة من الأسرتين حكم، فالله تبارك وتعالى يقول (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً) (النساء:35)، فإن تعذر الإصلاح بين الجانبين هنا يمكن الطلاق، ولكن متى يكون هذا الطلاق؟ ولماذا يشرع الطلاق في وقت معين، في فترة معينة، في حالة معينة تكون عليها المرأة لماذا ذلك؟ إنما ذلك لحكمة بالغة، الله تبارك وتعالى يقول (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ) (الطلاق: من الآية1)، هكذا قال الله تعالى، والنبي صلى الله عليه وسلّم بيّن ذلك عندما جاء إليه عمر رضي الله (2/191)
صفحة 678
عنه فقال له يارسول: إن عبدالله - أي عبدلله بن عمر - طلق امرأته وهي حائض. فقال له النبي صلى الله عليه وسلّم: مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإن شاء أمسك وإن شاء طلق فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء.
ومعنى ذلك أنه لا يجوز للرجل ان يطلق امرأته وهي حائض، ولا يجوز له أن يطلقها في طهر باشرها فيه، وإنما يطلقها إن أراد تطليقها في طهر لم يباشرها فيه، فتطليقها وهي حائض إنما يمنع لسبيين اثنين: أولهما أن فترة الحيض فترة قد تفقد المرأة فيها توازن فكرها بسبب ما يغلب عليها من الانفعالات فتكون عصبية فلذلك أمر الرجل أن يحتملها في هذه الفترة وأن لا يتسرع إلى تطليقها، والأمر الثاني أن الرجل أيضاً قد يندفع إلى الطلاق في هذه الفترة لأتفه سبب لأنه لا يجد من المرأة مبتغاه من المتعة فلذلك يتسرع إلى تطليقها، أما في طهر باشرها فيه فيمنع أيضا لأنه قضى منها نهمته وأصاب منها وطره ففي هذه الحالة قد تكون نفسه شبعت منها فيزهد فيها ويطلقها لأنفه سبب، ولكن في طهر لم يباشرها فيه تكون نفسه تواقة إليها وبإمكانه أن يقضي وطره منها، فلذلك يباح له في هذه الفترة أن يطلقها لأنه لا يتسرع إلى تطليقها إلا لسبب قاهر.
أما بالنسبة إلى الحامل فكثيراً ما يكون الرجل لا يفكر فيها وحدها وإنما يفكر فيما بين أحشائها فلذلك أبيح له أن يطلقها هنا، لأنه لا يطلقها إلا بدافع قوي فلذلك أباح الله تعالى الطلاق، أما الناس اليوم فإنهم لا يبالون في تطليق نسائهم أن يطلق أحدهم امرأته وهي في حيضها أو يطلقها وهي في طهر باشرها. (2/192)
صفحة 679
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نوع الطلاق فإن الطلاق المشروع إنما هو أن يطلقها طلقة واحدة الله تبارك وتعالى يقول (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) (البقرة: من الآية229)، أي الطلاق طلقة بعد طلقة، والطلاق مرتان أي الطلاق الذي تسوغ فيه الرجعة إنما يكون في خلال هاتين المرتين أما بعد المرتين فلا تسوغ المراجعة كما بين الله تعالى فيما بعد، ومعنى هذا أنه ليس للإنسان أو يوقع بالمرأة أكثر من طلقة واحدة، أما أولئك الذين يطلقون ثلاثاً أو يطلقون بعدد الأشجار أو بعدد الانهار أو بعدد النجوم أو بعدد ذرات الرمال، هؤلاء حمقى، إنما يضاعفون من أوزارهم، يقعون في مخالفة السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. (2/193)
صفحة 680
وأشد من ذلك هو أن يقول حرمّتك على نفسي وحلّلتك لأي رجل آخر، ما هذه الجرأة؟ وما هذه الوقاحة؟ وما هذا سوء الأدب في حق الله تبارك وتعالى، فإن التحليل والتحريم ليسا موكولين إلى أحد من الناس، الله تبارك وتعالى يقول (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِب) (النحل: من الآية116)، ويقول سبحانه وتعالى (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ) (الأنعام: من الآية140) وقال (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) (يونس:59)، والله سبحانه وتعالى يبين أن المشركين هم الذين وقعوا في الأمر، وأن هذا هو شأن المشركين فقد قال (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (النحل:35)، ويقول الله سبحانه وتعالى (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) (الأنعام: من الآية148)، فإذاً هذه عادة المشركين، ما للمسلم ولإقحام نفسه في هذه العادة السيئة التي هي من عادات المشركين، هي من مواريث أهل الشرك، وقد نعى الله تعالى عليهم ذلك في القرآن وشدّد عليهم تشديداً عندما حرموا ما حرموا من بهيمة الأنعام قال الله سبحانه وتعالى (قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ (2/194)
صفحة 681
نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (الأنعام: من الآية143)، ثم قال كذلك (قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا) (الأنعام: من الآية144).
فهذه من الأمور التي يجب على المسلم أن يتجنبها، ثم إن على الإنسان أن يفكر في أفلاذ أكباده، أن يفكر في أولاده كيف يوتمهم وهو حي، كيف يوتمهم ببقائهم في حالة سيئة لأنهم إما أن يتربوا عنده فيفقدون حنان الأم، وإما أن يتربوا عند أمهم المطلقة فيفقدون رعاية الأب، وكل من الأمرين أمر فيه حرج كبير، فلذلك يجب على الإنسان أن يحرص على جمع شمل الأسرة، وعلى أن يحتمل ما يحتمله مما يتصوره أذى من قبل أهله، كما أننا نوصي النساء أيضاً أن يتقين الله تبارك وتعالى، وأن يطعن أزوجهن، وأن لا يستجبن لهواهن، وأن لا يستجبن لعواطفهن وأن يحرصن على عدم إثارة حفائظ أزواجهن ففي ذلك الخير الكثير لهن ولهم ولأولادهن فليتقين الله وليقلن قولاً سديدا.
السؤال:
هل يلزم الزوجة زيارة أهل زوجها؟
الجواب:
الزواج إنما هو ترابط وليس ترابطاً بين اثنين فحسب وإنما هو ترابط بين أسرتين، وقد امتن الله تبارك وتعالى به عندما قال (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم: من الآية21)، هذه المودة وهذه الرحمة لا تنحصر بين الزوجين فحسب بل تفيض حتى تشمل الأسرتين جميعا، فلذلك يجب على كل واحد من الزوجين أن يحرص على ما يوطد علاقته بالأسرة الأخرى. (2/195)
صفحة 682
فمن بر المرأة بزوجها ومحافظتها على حقوقه وقيامها بالواجب تجاهه أن تحسن إلى أهله، أن تبر أهله، أن تزور أمه، وأن توقر أباه، وأن تجعل أمه أماً لها، وأن تجعل أباه أباً لها، وأن ترعى أولاده أيضاً إن كانوا من غيرها، وأن ترعى جميع قرابته، من بر المرأة بزوجها أن تفعل ذلك.
أما بالنسبة إلى الرجل أيضاً فهو من جانبه مأمور بأن يتسع صدره لأهل امرأته، وأن يبرهم وأن يحسن إليهم، وأن يجعل أبا المرأة أباً له، وأن يجعل أم المرأة أماً له، وأن يرعى أولادها أيضاً من غيره، وأن يرعى جميع أسرتها، هذا هو الذي يوطد العلاقة ما بين الأسرتين.
أما أن يكون الرجل مشغولاً بامرأته فحسب ولا يعنيه من أسرتها فذلك مما يسبب نفوراً بينه وبينها لا بينه وبين الأسرة فحسب، كذلك المرأة إن كانت لا تقدّر إلا زوجها ولا ترعى غيره، ولا يعنيها من أمر أسرته، لا يعنيها من أمر أبيه ولا يعنيها من أمر أمه، ولا يعنيها من أمر اولاده من غيرها ولا يعنيها من أمر سائر الأسرة وسائر القرابة فذلك مما يؤدي إلى النفور بينه وبينها، فعلى كل واحد منهم أن يتقي الله، ولتحسن المرأة معاملة أهل الرجل حتى تستحوذ على قلوبهم وحتى تتودد إليهم وكذلك العكس.
السؤال:
هل يجوز تأخير الزكاة عن وقتها إن كان لم يقيم في نفس الوقت؟
الجواب:
نحن أجبنا سابقاً بأن من وقع في مثل هذه الحالة عليه أن يوصي , وأن يبين أنه لم يؤد الزكاة لئلا يظن ورثته أنه أدى الزكاة، فلو توفي عليهم أن يؤدوا هذه الزكاة، وليتق الله في ذلك، وليضم الفائدة إلى الأصل حتى يزكي الجميع، والله تعالى أعلم.
السؤال:
ربما يقع الطلاق ويكون هذا الطلاق واقع وبدون سابق تخطيط له فيندم كلا الزوجين وتبقى أواصر العاطفة بينهما متأججة، فما هي حدود التعامل بين المنفصلين المطلقين؟
الجواب: (2/196)
صفحة 683
إن كان الطلاق طلاقاً رجعياً أولاً قبل كل شيء يؤمر الرجل أن لا يخرجها من البيت، وتؤمر هي ألا تخرج من البيت، (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) (الطلاق: من الآية1)، والله تبارك وتعالى بعد ذلك قال (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً) (الطلاق: من الآية1)، أي مراجعة ما بين الزوجين، فعلى الرجل أن يتقي الله تبارك وتعالى، وأن يبقي المرأة في بيته، وأن لا يخرجها من بيته، وعلى المرأة أيضاً أن تتقي الله، وأن لا تخرج أيضاً من البيت، هذا في الطلاق الرجعي.
وبما أن الطلاق طلاق رجعي فإنها تؤمر أن تتزين حتى تغريه من أجل مراجعتها، وتدفعه إلى المراجعة، أن تظهر بمظهر الزينة عنده، وعلى أي حال عليهما أن يجتنبا الوقوع في المنكر بحيث لا يتمتع بها، عليه أن يمتنع من التمتع، وعليها أن تمتنع من تمكينه من أن يتمتع بها إلا بعد المراجعة فإذا أراد المراجعة فليأت بشاهدي عدل وليشهدهما أنه راجعها بصداقها وعلى بقي من طلاقها وعندئذ تستمر العلاقة الزوجية بينهما، وعلى أي حال في هذه الفترة نفقتها عليه، عليه أن ينفق عليها، يتحمل نفقتها كما يتحمل نفقتها عندما كانت زوجة له، أي في خلال عدتها.
أما إذا كان الطلاق بائناً فإذاً لا نفقة لها ولا سكنى، لأنه ليس هنالك ما يدعو إلى المراجعة بعد البينونة، أما العلاقة بينهما لا ينبغي أن تنقطع (وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) (البقرة: من الآية237)، الله تبارك وتعالى أمر بذلك.
السؤال:
إلى أي حد يمكن أن تتنازل المرأة عن حقوقها للرجل؟
الجواب: (2/197)
صفحة 684
إن كانت هي نزلت عن حقوقها برضاها، ومكنته من مالها برضاها فليس عليه حرج في أن ينتفع بذلك، أما إذا كان ذلك بسبب الحياء، أو كان بسبب الضغط عليها فذلك حرام ولا يجوز أن يرزأها ولا فلسا واحدا.
السؤال:
تلجأ بعض النساء إلى عمليات ربط الرحم، فما قولكم في مثل هذا لأن البعض عمل مثل هذه العمليات ووجه من قبل البعض إلى الكفارة؟
الجواب:
ربط الرحم لا يصار إليه إلا مع الضرورة القصوى، الضرورة تقدر بقدرها، فإن كانت هنالك مشكلة في الحمل وكانت هذه المشكلة مشكلة آنية فإنها يمكن أن تتجنب الحمل بعلاج آني لا بعلاج أبدي، وإن كانت المشكلة مستعصية بحيث لا يمكن أن تحمل مطلقاً في الحال ولا في المستقبل عندئذ لا مانع من ربط العنق، ولا داعي إلى إلزامها الكفارة، ما معنى هذه الكفارة؟
أما إن كانت تورطت ووقعت في ورطة فنحن لا نقول بلزوم الكفارة وإن كان أصحابنا من أهل المغرب يرون أن على كل معصية كبيرة كفارة، ولكن لا دليل على ذلك، فلا نستطيع إلزام أحد أن يكفّر إلا بدليل ثابت إما من الكتاب العزيز أو من السنة النبوية ولا سيما أن الكفارات كالحدود، والحدود إنما تثبت بالنص ولا تثبت القياس، ولكن مع ذلك نقول بأنها مأمورة بأن تفعل خيراً لتكفّر خطيئتها يقول الله تبارك وتعالى (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (هود: من الآية114)، والنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: أتبع السيئة الحسنة تمحها.
السؤال:
هل المرأة ملزمة بخدمة أم الزوج؟
الجواب:
أما كونها ملزمة فهي غير ملزمة، وإنما ذلك من البر والإحسان، ومن حسن المعاملة ما بين الزوجين، وعلى أسرة الزوج أيضاً أن ترعى هذه الزوجة، وأن تحسن إليها، وأن يكون الإحسان ما بين الجانبين متبادلاً، وأن تكون العلاقة بين الجانبين موطدة بحسن المعاملة ما بينهما، هذا هو الواجب على الجميع.
السؤال:
ما حكم المرأة التي ترفض الذهاب مع زوجها إلى بيته لعدم راحتها النفسية هل يسعها ذلك؟ (2/198)
صفحة 685
الجواب:
إن كانت تحس بضيق فعلى أي حال لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لكن إن كان ذلك محتملاً فلتطع زوجها ولتحتمل ذلك ولتحتسب أجرها والله تبارك وتعالى يشرح صدرها، ولتسأل الله أن يشرح صدرها.
السؤال:
من يتزوج زوجتين وربما يفضي به الغضب إلى منع أبنائه من بعض الأمور مقابل إباحة شيء للأبناء الآخرين، محور القضية عدم العدل بين الأبناء أو الزوجات سبب للخلاف كيف يتم حل ذلك؟
الجواب:
على من تزوج امرأتين فصاعداً أن يعدل بين نسائه، وأن يتقي الله تعالى، مثال مما جاء عن الإمام أبي الشعثاء رحمه الله تعالى أنه قال كما جاء في تفسير الألوسي قال: إن لي امرأتين وإني لأعدل بينهما حتى أني أعد القبل. أي يقبل هذه بقدر ما يقبل هذه، لا يزيد في تقبيل هذه عما يكون منه تجاه هذه، هكذا الحرص على العدل بين النساء.
وبالنسبة إلى الأولاد أيضاً عليه أن يحرص على العدل بينهم، والنبي صلى الله عليه وسلّم بيّن ذلك عندما جاء بعض أصحابه وأراد أن يعطي بعض بنيه شيئاً من المال قال: أكل ولدك نحلت مثل هذا؟ .. قال: لا. قال: لا تشهدني على جور. قال: لا أشهد على باطل. وقال: أشهد غيري. ومعنى ذلك أنه معرض عن ذلك، لا يقبل هذه المعاملة، فهذا يدل على أن الأب عليه أن يعدل بين أولاده، وأن يتلطف بهم جميعاً، وأن يحسن عشرتهم جميعاً، وأن يحرص على أن لا يحس أحد منهم بميله إلى الطرف الآخر أكثر من ميله إليه، بل يجعلهم سواء، وهذا لأجل التواد والتراحم فيما بينهم، ولتكون العلاقة ما بين الأولاد علاقة حميمة قائمة على تقوى الله تبارك وتعالى وعلى المودة والمحبة والوئام، لا أن تكون علاقة تنافر وتشاجر ما بين هؤلاء الأولاد فإن ذلك ليس من مصلحة الأب في حياته ولا في مماته، فليتق الله وليحرص على العدل بينهم.
السؤال:
هل يصح قطع النسل إذا وجد مرض وراثي مشترك بين الزوجين؟
الجواب: (2/199)
صفحة 686
الضرورة تقدر بقدرها، فإن كان ذلك أمراً متيقناً ويفضي إلى ما لا يحتمل فإن ذلك يقدر بقدره.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
18 من جمادى الآخرة 1424هـ _ 17/ 8/2003م
الموضوع: عام
السؤال (1)
هل يجوز للمرأة التصرف في مالها الخاص بدون إذن زوجها؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإن المرأة ذات حق في الملكية، ولذلك كانت وارثة كما يرث الرجل، فقد فرض الله تبارك وتعالى لها حصة في الميراث كما فرض للرجل أيضاً حصة في الميراث وقال عز وجل (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) (النساء:7)، فللرجل حق في الإرث وللمرأة حق في الإرث، ومعنى ذلك أن لكل واحد منهما حقاً في التملك، فبما أن كلاً منهما يتملك فإذن لكل منهما التصرف في ملكه ولا يلزم أن يرجع إلى الآخر، فالمرأة لها أن تتصرف في ملكها بالعطاء والتصدق أو بغير ذلك من وجوه التصرف من غير أن ترجع إلى زوجها، وإن وجدت رواية عن الرسول صلى الله عليه وسلّم تمنع من ذلك فإن في هذه الرواية من حيث المتن نظراً بسبب أن الأصل في الملكية لصاحبها أن يتصرف فيها، والمرأة مطالبة بالصدقة، ومطالبة بأداء الواجب المالي كما أن الرجل مطالب بذلك، فلا معنى لربطها بالرجل وهذا مما يدل على أن الحديث من حيث المتن لا يخلو من نظر.
السؤال (2)
هل التمثيل بالسيدة مريم عليها السلام أو الصحابة والصحابيات جائز، وما حكم النظر إلى مثل هذه المسلسلات؟
الجواب: (2/200)
صفحة 687
حقيقة الأمر هذه قضية خطيرة جداً نظراً إلى أن هذه المسلسلات يراها العاقل وغير العاقل، الفطن وغير الفطن، الكيس وغير الكيس، الكبير والصغير، فكل من الناس يرونها، ومن المعلوم أن ذلك الطفل الصغير أو الشخص الذي ليست فيه كياسة ولا نباهة عندما يرى هذه المسلسلات ترتسم في مخيلته تلك الصورة ويحسبها حقيقة فهو قد يظن أن تلك الممثلة هي مريم عليها السلام، وقد يتصور أيضاً أن ذلك الممثل هو النبي فلان أو الصحابي فلان أو هو المَلك فلان، فلذلك نحن ننصح بعدم هذا التمثيل، ولو وقع ذلك ننصح بعدم متابعته والنظر إليه خشية أن يؤثر ذلك على الأطفال أو غيرهم، والله تعالى المستعان.
السؤال (3)
هل يجوز اصطحاب الأطفال دون سن السابعة للمسجد؟
الجواب:
في عهد الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام الأطفال كانوا يدخلون المساجد ولا يمنعون من مساجد الله، وينبغي تقييد ذلك بكون الصبي بدأ الصلاة أو بدأ تعلم الصلاة.
السؤال (4)
أنا موظفة مضطرة لقيادة السيارة وأبي يعارض ذلك بشدة لذلك اضطر لاستئجار السيارة وأركبها بدون محرم أحياناً، فهل يصح لي مخالفة والدي؟
الجواب:
نحن قلنا بأن قيادة المرأة للسيارة الأصل فيها أنها كركوب الدابة، ولكن قد تترتب عليها بعض المخاطر، قد تترتب على قيادة السيارة بعض الأمور السلبية منها أن تتعرض لمخالفة في المرور وتجر إلى المخافر، ومنها أن تكون هذه المرأة أيضاً عرضة لبعض الإحراج عندما تتعطل سيارتها في مكان فيه حرج فتضطر إلى محاولة إصلاحها بطريقة تتنافى مع الحشمة التي يجب أن تكون عليها المرأة المسلمة، فمن ذلك قلنا بأنه ينبغي للمرأة المسلمة أن تتجنب قيادة السيارة إلا لضرورة لا محيص عنها. وبما أنها مضطرة إلى الركوب مع الأجانب من غير أن يكون معها ذو محرم فإنا نرى ارتكاب أخف الضررين، على أنه لا ينبغي لها أن تتجاوز حدود القصر في قيادتها للسيارة إلا إن كان معها ذو محرم.
السؤال (5) (2/201)
صفحة 688
هل يصح أن يرسل أحد كلمات شعرية ليتغنى بها؟
الجواب:
أنا لا أعرف كيفية التغني، أما التغني بطريقة مائعة فذلك لا يجوز، وكذلك إن كانت هذه الكلمات نفسها كلمات ماجنة بحيث تحرك كوامن الشر في نفس سامعها فذلك لا يجوز حتى ولو لم يتغن بها ولو أرسلها إرسالاً طبيعياً وهي كلمات تثير كوامن الشر وتبعث على الشر فذلك غير جائز ولذلك قال الله تبارك وتعالى (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا) (الشعراء:224 - 226)، فهؤلاء استثنوا لأنهم التزموا الحق، وإلا فمن كان من الشعراء غير ملتزم بالحق فكلامه يكون إثماً عليه لأنه يأثر باطلاً يبقى من بعده.
السؤال (6)
ما قول سماحتكم في شعر المرأة المتساقط بعد تمشيطه، هل هو عورة ويلزم إخفاؤه وهل تعتبر متسببة في قص شعرها وتأثم بذلك؟
الجواب:
إذا كان يتساقط بنفسه فهي غير آثمة بسقوطه لأن ذلك لم يكن باختيارها، ولكن عليها أن تستره لأن الشعر من جملة عورة المرأة فعليها أن تستره ولو انفصل عنها.
السؤال (7)
أنا رجل متزوج وكان هنالك شرط في عقد الزواج أن تطلق نفسها الطلقة تلو الأخرى حتى يصبح الطلاق بائنا، فتم الطلاق بيننا عند القاضي واحتسبها القاضي طلقة رجعية، هل يصح أن أرجعها أو يصبح الطلاق بائنا، القضية الآن بمحكمة الاستئناف والقضية تأخذ شهراً هل يمكن أرجعها قبل أن تحكم محكمة الاستئناف؟
الجواب: (2/202)
صفحة 689
أولاً ما هو السبب الذي طلقت هذه المرأة نفسها من أجله؟ هل كان ذلك بسبب تقصير في حقها وهل كان ذلك بتمكين من القاضي الشرعي بحيث إنه رأى عليها مضرة في بقائها مع هذا الرجل فلذلك مكّنها من تطليق نفسها، فإن كان الشرع هو الذي طلقها أو خوّل لها أن تطلق نفسها لاشتراط ذلك عندما ترى المضرة عليها ففي هذه الحالة تعتبر هذه الطلقة طلقة بائنة بينونة صغرى بحيث لا يجوز له أن يردها إليه إلا بطريقة جديدة أي بعقد جديد مع جميع لوزمه الشرعية ومن بين هذه اللوازم الشرعية رضا هذه المرأة، أن تكون راضية بذلك.
أما إن طلقت نفسها هكذا بمجرد أن يكون هو وافقها على أن يكون الطلاق بيدها في هذه الحالة إن كانت طلقت نفسها طلقة رجعية فله أن يراجعها قبل أن تنتهي عدتها، وعدتها إن كانت حاملاً بوضع حملها، أما إن لم تكن حاملاً وكانت ممن يأتيها الحيض فهي ثلاث قروء أي ثلاث حيض على الصحيح وقيل بل هي ثلاثة أطهار، وإن كانت لا يأتيها الحيض لصغر أو لكبر بحيث بلغت سن اليأس فإن عدتها في هذه الحالة ثلاثة أشهر بدلاً من ثلاثة قروء.
السؤال (8)
أنا لم أعمل أي شيء يضر هذه المرأة ولكن القاضي طلقها لوجود الشرط لأنها اشترطت في عقد الزواج أن تكون العصمة بيدها فأجابها على هذه الطلقة وحكم بطلقة رجعية.
الجواب:
لما كانت هذه الطلقة رجعية فلك أن تراجعها في خلال عدتها الشرعية أي قبل أن تضع حملها.
السؤال (9)
هي سوف تضع حملها بعد اسبوعين والقضية لم تأت في الاستئناف مصدقة
الجواب:
مهما كان من أمر، أنت سابق الأمر بمراجعتها. أشهد شاهدين على المراجعة وليخبرها الشاهدان وإن احتاج الأمر إلى أن يدليا بشهادتهما أمام القضاء الشرعي بأنك راجعتها في خلال عدتها قبل أن تضع حملها فليدليا بهذه الشهادة.
السؤال (10)
ما هي الطريقة التي أقنعها وأجعلها تسمع مني وأتفاهم أنا وإياها؟
الجواب: (2/203)
صفحة 690
أنت من الأول أهملت القضية بجعلك الطلاق في يدها، والمرأة من طبيعتها أن تتأثر عاطفتها بسرعة فهي سريعة هيجان العاطفة ولذلك ما جُعل الطلاق بيد المرأة لئلا تتسرع في التطليق مع أتفه الأسباب، وإنما جُعل الطلاق بيد الرجل من حيث إنه يستطيع أن يتحكم في عواطفه أكثر مما تستطيع المرأة أن تتحكم في عواطفها، فلم جَعلت الأمر بيدها؟ هذه هي الغلطة التي وقعت فيها. فعليك أن تتدارك الخطأ، وعليك أن تحسن إليها فقد يأسرها الإحسان ويجرها إليك إن شاء الله.
السؤال (11)
امرأة تقول أن زوجها له أخوة كبار متزوجون والجميع يسكن في منزل واحد ويجتمعون ذكرانا وإناثا على المائدة، وفي الأعياد تتزين النساء ويظهرن بزينتهن وكلما تنصحهم لا يسمع لكلامها، فما هي نصيحتكم للجميع؟
الجواب:
نصيحتي لهم جميعاً بأن يتقوا الله، وأن يأتمروا بأمره، وأن يزدجروا عن نهيه، وأن يدركوا أن الخير كل الخير في اتباع أمر الله سبحانه، وأن الشر كل الشر في البعد عن أمر الله سبحانه، وقد جاء البيان الفاصل في كتاب الله حيث قال (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ) (النور: من الآية31)، وإخوة زوجها ليسوا من هؤلاء جميعاً فلا يجوز للمرأة أن تبدي لهم زينتها بأي حال من الأحوال.
فعلى الرجال أن يتقوا الله تعالى في هذا الأمر، وأن يصونوا نسائهم. وعلى النساء أن يصن أنفسهن، وأن يحافظن على أمر الله. (2/204)
صفحة 691
وهذا الذي يعده الناس تسامحاً إنما هو في الحقيقة تساهل، وكثيراً ما يفضي إلى الفتن، كثيراً ما تهيج الفتن بسبب مثل هذا التساهل في أمر الله سبحانه وتعالى، وحديث النبي صلى الله عليه وسلّم قطع دابر هذ الأمر عندما قال عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام: إياكم والدخول على النساء. فقال له رجل من الأنصار: أرأيت الحمو يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلّم: الحمو الموت. والمراد بالحمو هو أخو الزوج. فقد شبهه النبي صلى الله عليه وسلّم بالموت لخطورة دخوله على امرأة أخيه، فعلى هؤلاء جميعاً أن يتقوا الله، وأن يقفوا عند حدوده، والله المستعان.
السؤال (12)
امرأة لم تصم شهر رمضان بسبب مرض السكر ولم تزل تعاني من هذا المرض فما الحكم الشرعي إن كانت لا تسطيع أصلاً الصيام نظراً لحاجتها إلى تعاطي الإبر، أو أنها تستطيع أن تصوم صياماً مفرقاً.
الجواب:
إن كانت تستطيع أن تصوم صياماً مفرقاً فعليها ذلك، ولو استطاعت أن تصوم يوماً بعد يوم عليها ذلك لأن الله تعالى قال (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (البقرة: من الآية184)، أي فالواجب صيام عدة من أيام أخر، وإن كانت عاجزة نهائياً عن الصوم بحيث إنها – عافاها الله – آيسة من القدرة على الصيام في أي يوم من الأيام فهنا عليها أن تطعم عن كل يوم مسكينا عملاً بما دل عليه قول الله (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) (البقرة: من الآية184)، ويجزيها ذلك بمشيئة الله.
السؤال (13)
امرأة نذرت في حملها الأول إن ولدت جنساً معيناً أن تفعل شيئاً ما ولكن ولدت بخلاف ما نذرت به، هل ينطبق هذا النذر كذلك في حملها الثاني؟
الجواب: (2/205)
صفحة 692
إن كانت ناذرة بالنظر إلى حملها الأول أي هكذا نوت في قرارة نفسها فلا ينطبق ذلك الحكم على الحمل الثاني، فإن حملت بعد ذلك وولدت كما كانت تتمنى وكما حددت في نذرها فلا يلزمها لأنها حددت ما حددته بالنسبة إلى الحمل الأول، أما إذا كانت نذرت على الإطلاق حسب نيتها فذلك يلزمها الوفاء به، أي إن نذرت بأنها إن رزقت ابنا أو رزقت بنتاً لتفعلن كذا فعليها الالتزام بما نذرت به إن كان ذلك في حدود طاعة الله لأن النذر في المعصية لا يجوز الوفاء به (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه).
السؤال (14)
تاجر تعود أن يقوّم ماله في شهر رجب ويخرج زكاته لكن لظرف ما يريد أن يؤخر الزكاة في هذه السنة إلى شهر شعبان فهل له ذلك، وإذا كان ذلك جائزاً كيف يتصرف من حيث النسبة التي تعود أن يخرجها؟
الجواب:
إن كان هنالك ظرف يمنعه من إخراج الزكاة في ميقاتها الشرعي فلا مانع من أن يخرجها بعد ذلك بشهر أو بأكثر من شهر على أن يوصي بإخراجها فيما لو مات قبل الإخراج، عليه أن يوصي بإخراجها لأن ميقاتها وصل وهو على قيد الحياة فيجب إخراج ذلك الحق من ماله كما شرعه الله تبارك وتعالى. على أن يعود في بقية السنين إلى ميقات الوجوب وهو شهر رجب كما هو معتاد.
السؤال (15)
هل هذا التأخير يترتب عليه زيادة مال؟
الجواب:
لا، لا يترتب عليه شيء وإنما يترتب عليه أن يوصي بإخراج ذلك المبلغ.
السؤال (16)
كيف يتنصل من وقع في الربا وربما أخذ جزءاً من الزيادة أو دفع جزءاً من الزيادة في إحدى المعاملات الربوية؟
الجواب: (2/206)
صفحة 693
أما إن كان دفع جزءاً من الزيادة فعليه التوبة النصوح بينه وبين ربه بشروطها المعروفة وكفى، وأما إذا كان أخذ شيئاً من المال بطريق الربا أو ربح شيئاً بطريقة ربوية غير جائزة فعليه في هذه الحالة أن يتنصل من هذه الزيادة وأن يدفعها إلى فقراء المسلمين إن لم يجد من أخذ منه هذا الربا، أما إن كان واجداً له فعليه أن يرده إليه لأن الله تبارك وتعالى قال (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) (البقرة: من الآية279).
السؤال (17)
ما حكم التبرع للجمعيات الخيرية التي في بلاد الغرب والتي تعنى بالبحوث العلمية والطبية؟
الجواب:
كل ما يعود بالخير والمصلحة على البشر فإن في التبرع في ذلك خيراً ويؤجر عليه الإنسان، إذ للإنسان كرامة فالله تبارك وتعالى يقول (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الاسراء:70)، وعندما وقعت المجاعة في مكة المكرمة بعث النبي صلى الله عليه وسلّم بميرة إلى أهل مكة مع كونهم لا يزالون على الشرك، فالبر والإحسان إذا صدر من مسلم حتى تجاه غير المسلمين مما يؤجر عليه.
كيف والله تبارك وتعالى يقول (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة:8).
السؤال (18)
ما حكم قص الشعر بين الحاجبين؟
الجواب:
مادام متصلاً بالحاجب فهو من الحاجب، أما لو كان شعراً آخر منفصلاً عن الحاجب فذلك لا مانع من إزالته.
السؤال (19)
ما حكم صلاة الحاجة، وكيف تؤدى؟
الجواب: (2/207)
صفحة 694
أما صلاة الحاجة بالنسبة إليّ لم أجد دليلاً عليها من السنة وإنما الإنسان يصلي ما شاء الله ليجعل الصلاة وسيلة إلى قبول دعائه فإن خير ما يتوسل به إلى الله تبارك وتعالى العمل الصالح، والصلاة هي قربة وهي صلة إلى الله فليصل ما شاء وليدعو الله تبارك وتعالى بعد ذلك والله تعالى يستجيب دعائه.
السؤال (20)
بعض النساء يعتقدن أنه بعد بلوغهن سن اليأس مطالبة أن تصوم شهرين متتابعين. فنريد تصحيح هذه الفكرة.
الجواب:
لا دليل على ذلك قط، فهي لا يجب عليها أن تصوم شهرين إلا إن وجبت عليها كفارة مغلظة يترتب عليها صيام شهرين متتابعين فيجب عليها الوفاء بتلك الكفارة، أما إن لم تمارس شيئا مما يوجب عليها هذه الكفارة فلا يجب عليها أن تصوم كما لا يجب على الرجل ذلك.
السؤال (21)
ما هي كيفية صلة الأرحام، ومن هم الأرحام الذين يؤمر بصلتهم.
الجواب:
الأرحام لهم الحق ولو بعدوا قيل ولو إلى خمسة أجداد وقيل أربعة أجداد وقيل إلى سبعة أجداد وقيل إلى عشرة أجداد وقيل ما لم يقطع الشرك فصلتهم واجبة، ومعنى ذلك أن على الإنسان يصلهم بقدر استطاعته، إن استطاع أن يذهب إليهم بنفسه في أفراحهم وفي أتراحهم فذلك خير، ما استطاع ذلك، وإن استطاع أن يتصل بهم عبر الهاتف مثلاً أو أن يكتب رسائل إليهم أو أن يرسل إليهم هدايا فذلك أيضاً مما ينبغي ومما يؤمر به، وإن تعذر ذلك عليه فلينو الصلة في قلبه متى ما تيسرت له الصلة إن كانوا بعيدين لا يتمكن الوصول إليهم وكان لا يجد الوسيلة التي لا تمكنه من الاتصال بهم كالهاتف وغيره فإنه يكون في فسيح العذر مع نيته أن يصلهم، ولا ينوي قطيعتهم بحال من الأحوال.
السؤال (22)
هل من الواجب أن يحلق الأب شعر ولده في الحج عند الإحلال؟
الجواب:
إن كان طفلاً وأحرم له فإنه في هذه الحالة عليه أن يأمره بأن يفعل جميع المناسك، كل ما يمكن أن يفعله من المناسك فليفعله ومن بين ذلك الحلق.
السؤال (23) (2/208)
صفحة 695
هل تجوز إمامة من كان عمره ثلاثة عشر سنة؟
الجواب:
قد يكون ذلك بالغاً، كثيراً ما ييلغ الصبي إن وصل دون الثالثة عشر كيف وقد بلغ الثالثة عشر قد يتحمل أن يكون بالغاً وإن لم يكن بالغاً فهو مراهق على أن في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم أمر بعض الوفود أن يؤمهم من كان أكثرهم قرآناً فأمهم صبي في حال صباه بسبب كونه أكثرهم قرآناً.
السؤال (24)
رجل ابتلي بالربو ويستخدم البخاخ بمعدل مرة كل ساعتين فكيف يصوم؟
الجواب:
حقيقة الأمر بالنسبة إلى استعمال البخاخ في مجمع الفقه الإسلامي صدرت فتوى من المجمع بأن استعمال البخاخ لا يؤثر على الصيام، وحقيقة الأمر لا أدري أنا - الحكم على الشيء فرع تصوره - هل تصل ندواة تكاد تكون رطبة تصل إلى الجوف من خلال البخاخ أو لا، فلذلك قلت من باب الاحتياط ينبغي لمن ابتلي بالاضطرار إلى استعمال البخاخ أن يستعمله في صيامه وأن يحتاط بإطعام مسكين لكل يوم إن كانت هذه العلة عنده مستمرة.
السؤال (25)
كيف تحسب المسافة في حد السفر، ومن أين تحسب؟
الجواب:
تحسب المسافة من آخر العمران الذي وطنه، عندما يخرج من العمران الذي وطنّه - والعمران الأشجار والنخيل والبيوت هي العمران أما الزروع فلا تعتبر - فعندما يخرج من آخر عمران يبدأ في حساب المسافة فإن وصلت المسافة مسافة قصر قصر الصلاة.
السؤال (26)
أيهما أصح مصطلح الهالك أم المتوفى أو المتوفي بالنسبة إلى الميت؟
الجواب: (2/209)
صفحة 696
أما المتوفي فالمتوفي هو الله، هو الذي يتوفى الأنفس (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّى) (الزمر: من الآية42)، الله يتوفى الأنفس أي يميت الأنفس، المتوفي هو الذي يتوفى النفوس عند وصولها إلى أجلها المحدد لها، والله تعالى هو الذي يتوفى الأنفس، ويكون أيضاً الملك (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) (السجدة: من الآية11)، وكذلك غيره من الملائكة كما قول الله تبارك وتعالى (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) (الأنفال: من الآية50)، وكذلك قول الله سبحانه وتعالى (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ) (النحل: من الآية32)، والرسل والمقصود بالرسل هم الملائكة (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا) (الأنعام: من الآية61)، فالمقصود بالرسل هنا الملائكة.
ولكن بالنسبة إلى الشخص الذي حلت به الوفاة يقال فيه المتوفى، وهناك لغة ضعيفة متوفي بمعنى المستوفي لأجله لأن تفعل واستفعل يترادفان وهذه لغة في حقيقة الأمر لغة لا ينبغي أن يعول عليها أو أن تقال.
أما بالنسبة إلى الهالك فكل ما فني فهو هالك لذلك قال الله تعالى (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ) (القصص: من الآية88)، أي كل شيء فانٍ إلا الله تبارك وتعالى فإنه هو الذي يبقى، ومثل ذلك قوله سبحانه وتعالى في نبيه يوسف عليه السلام (حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً) (غافر: من الآية34) أي حتى إذا مات فكل ميت هو مالك، كل شيء ميت فلذلك قال الله تعالى (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ) (القصص: من الآية88).
السؤال (27) (2/210)
صفحة 697
امرأة يمنعها زوجها من الذهاب إلى العمرة، فما الحكم؟
الجواب:
إن كانت عمرة نفل فلتأتمر بأمر الزوج، وإن كانت عمرة الفرض او عمرة الواجب فلتنتظر الفرصة عندما تتمكن من الذهاب إلى الحج ولتؤد العمرة والحج معاً في وقت واحد.
السؤال (28)
ما معنى قول الله عز وجل (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، ربما البعض تمسك بهذه الآية وسوّل لنفسه الآثام والمعاصي كالربا ونحوها.
الجواب: (2/211)
صفحة 698
قول الله تبارك وتعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) سيق في موضعين من كتاب الله من سورة النساء، وفي كلا الموضعين في مقام الدعوة إلى الإسلام والتحذير من الكفر، فالله سبحانه وتعالى يقول في الموضع الأول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً * إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء:47 - 48)، وفي الموضع الثاني هذا النص مسبوق بقوله سبحانه وتعالى (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) (النساء:115)، ثم جاء من بعده (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: من الآية116)، فيستخلص من هذا أن الله سبحانه وتعالى يبين هنا أن من كان على شركه ولو تاب من جميع معاصيه الأخرى، أو ولو تجنب كل معصية من المعاصي الأخرى لكن مع بقائه على شركه فلن يغفر له، أما إن كان هو على ملة الشرك مثلاً سواء كان على ملة الوثنية أو غيرها من ملل الشرك ثم تاب من شركه ذلك ولو قارف ما قارف من المعاصي في حالة شركه فإن تلك المعاصي تغفر بتوبته من الشرك، إذ الإسلام جب لما قبله، الإسلام جب لما قبله فلذلك لو هو قتل النفس ولو نهب المال ولو فعل ما فعل المنكرات فإنه بتوبته من شركه بالله سبحانه وتعالى تغفر تلك السيئات، ولا يجب عليه أن يرد المال ولا يجب عليه أن يتخلص من تبعات الدم ولا من أي تبعات أخرى، كل من ذلك هو (2/212)
صفحة 699
مغفور، فمن شاء الله تبارك وتعالى توفيقه للدخول في الإسلام بعد أن كان على ملة الشرك غفر الله تبارك وتعالى له ما دون الشرك بتوبته من الشرك، وهذا تدل عليه دلائل من ذلك أن الله تبارك وتعالى حذّر هذه الأمة من الاغترار بالأماني والتشبث بها فقد قال (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ) أي يا معشر المسلمين، (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً) (النساء:123)، (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) أي منكم يا معشر المسلمين أو من معاشر أهل الكتاب وغيرهم الذين اغتروا بهذه الأماني كما ذكر الله تعالى عن أهل الكتاب قولهم (سَيُغْفَرُ لَنَا) يقول سبحانه وتعالى (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا) (الأعراف: من الآية169)، وكذلك يقول سبحانه وتعالى محذراً لهذه الأمة من الاغترار بالأماني (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة:254)، حذّر من الاغترار بالأماني فأمرهم بالاستعداد لذلك اليوم الذي لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة، وكذلك يقول الله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (2/213)
صفحة 700
(المنافقون:9 - 11)، وقال تعالى (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (النمل:89 - 90)، وقال (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (القصص:84)، و (أل) في الحسنة وفي السيئة هنا للجنس، وكذلك يقول سبحانه وتعالى (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (الأنعام:160)، فهكذا يجب على الإنسان أن يحذر وأن لا يتعلق بالأماني.
تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه
17من رجب1424هـ،14/ 9/2003م
الموضوع: عام
السؤال (1)
في بعض الأحيان تعترض الطريق العام جملة من الحيوانات السائبة كالحمير مثلاً فتتسبب في حوادث كثيرة وتكبد الناس خسائر مادية ومعنوية، فهل يجوز قتلها والتخلص منها لهذا السبب؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: (2/214)
صفحة 701
فلا يخلو إما أن تكون هذه الحمير ملكاً لأحد ففي هذه الحالة تقام الحجة على أربابها بأن يحفظوها ويصونوها ويمنعوها من الإضرار بالغير، وإما أن تكون غير مملوكة لأحد ففي هذه الحالة إن كانت سبباً في وقوع الحوادث وتلف الأنفس فإن المحافظة على الأنفس البشرية أولى من المحافظة على الحيوانات، إذ كل ما في هذه الأرض إنما خلق للإنسان، فإن كان سبباً لإزعاجه والإضرار به ففي هذه الحالة يصرف الضرر، كل ما هو مضر بالإنسان يصرف أياً كان، فالإنسان كُرّم تكريماً من عند الله (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء:70)، فلذلك تصان حياة الإنسان من أجل قيامه بهذه الوظيفة التي نيطت به ويصرف عنه الأذى، والله تعالى المستعان.
السؤال (2)
ذكرتم في حلقات ماضية أن السرعة الساحقة التي يتهور فيها الإنسان وأصابه حادث وتوفي يعتبر منتحراً إذا كان هو قد تسبب في ذلك، فإذا كان مسرعاً بالفعل واعترضه هذه المرة حمار أو حيوان وتوفي، والسرعة كانت كبيرة هل هذا يعتبر معذوراً؟
الجواب:
لا، لا، ما دامت السرعة كانت السبب في وفاته فإنه يؤاخذ بذلك، إذ يعد بذلك منتحرا.
السؤال (3)
هل يجب السكوت والوقوف عن الحركة عند سماع الأذان، وكيف نعمل إذا تعددت الأذانات هل المتابعة للأول أم الأقرب أم للرافع صوته؟
الجواب: (2/215)
صفحة 702
جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم سلوا الله لي الوسيلة. فعندما يسمع الأذان يُسن له أن يتابع ذلك المؤذن، وجمهور العلماء يقولون بأن ذلك محمول على الندب، ولكن الحنفية يقولون بأن ذلك محمول على الوجوب، وما اعتل به الجمهور من القرينة ليس كافياً لصرف هذا الأمر عن الوجوب إلى الندب، إذ الأصل في أمر الرسول صلى الله عليه وسلّم أن يحمل على الوجوب هذا من ناحية.
ومن ناحية الوقوف عن الحركة فإن ذلك لم يسن، ليس من السنة أن يقف الإنسان ولا يتحرك ويعطل العمل الذي يباشره إن كان يباشر عملاً من الأعمال، فبإمكانه أن يستمر على عمله مع رده على أذان المؤذن، وإن كان ماشياً فبإمكانه الاستمرار في مشيه من غير أن يتوقف عن المشي إن سمع أذان المؤذن.
السؤال (4)
عندما يردد الأذان خلف المؤذن هل يُمنع من الكلام كلية بحيث يقتصر فقط على ترديد كلمات الأذان، أم يتكلم ويردد؟
الجواب:
إن كان هنالك داعٍ للكلام ينبغي أن يفرق بين أن يكون كلام الإنسان مجرد ثرثرة، وبين أن يكون كلامه لداع، فإن كان كلامه لداعٍ فلا حرج، وإن كان كلامه مجرد ثرثرة يشغل بها سامعه فإنه مما لا ينبغي لأحد أن يثرثر في إبان الأذان لأن ذلك مما يصرف سامعيه عن متابعة هذا المؤذن.
السؤال (5)
عندما يصل المؤذن إلى قوله (أشهد أن محمداً رسول الله)، هنا هل يقدّم المسلم الصلاة على النبي أولاً أم يردد الكلمة؟
الجواب: (2/216)
صفحة 703
كثير من العلماء استحبوا أن يبدأ أولاً بالصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلّم، لأن النبي صلى الله عليه وسلّم ذكر والله تبارك وتعالى يقول (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (الأحزاب:56)، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. فقيل يصلي على النبي صلى الله عليه وسلّم أولاً ثم بعد ذلك يأتي بالشهادة له صلى الله عليه وسلّم بالرسالة، ومنهم من يقول بأنه يأتي بالشهادة ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلّم ولا حرج.
السؤال (6)
رجل سافر إلى فرنسا هل يجوز له أن يجمع الصلاتين تكاسلاً؟
الجواب:
المسافر له أن يجمع ولكن ليس ذلك لأجل الكسل، فإن كان مقيماً بالمكان فالأفضل له أن يصلي كل صلاة في وقتها، لا يمنع من الجمع ولكن لداعٍ لا لأجل التكاسل.
السؤال (7)
شخص سب الدين، هل يعتبر نجساً نجاسة حسية، يعني هل تتنجس ملابسه وعرقه؟
الجواب:
أولاً علينا أن ندرك أن الدين إنما هو دين الإسلام، لأن الله تعالى قال (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) (آل عمران: من الآية85)، وقال (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ) (آل عمران: من الآية19)، فلما كان الدين دين الإسلام فسبه سب لمن شرع هذا الإسلام، ولذلك كان ذلك في حكم الارتداد والعياذ بالله عن الإسلام، فمن سب الدين ولم يتب ولم يقلع عن غيه ولم يعد إلى الشهادتين ففي هذه الحالة يكون في حكم المرتد عن دين الله والعياذ بالله. (2/217)
صفحة 704
والمرتد هو في حكم المشرك، وقد قال الله تبارك وتعالى (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) (التوبة: من الآية28)، وهذه النجاسة اختلف فيها هل هي نجاسة حسية أو أنها نجاسة معنوية، ثم إن كانت حسية فهل هي نجاسة كسبية لأنهم لا يتقون النجاسات، أو هي نجاسة ذاتية، هذا مما اختلف فيه، والذي يترجح أن هذه النجاسة إنما هي نجاسة حسية بدليل أن السيدة أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله تعالى عنها لما جاء إليها أبو سفيان قبل الفتح ودخل عليها - لما جاء إلى المدينة المنورة عندما جاء طالباً تمديد صلح الحديبية بعدما حدث ما حدث وكان قد أدى ذلك إلى قلق قريش أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلّم - ودخل عليها، أراد أن يجلس على الفراش فطوته عنه فعجب من أمرها فقالت له: إنك رجل مشرك نجس وهذا فراش رسول الله صلى الله عليه وسلّم. فهذا دليل على أن هذه النجاسة نجاسة حسية وإلا لما أرادت أن تطوي الفراش عنه، هذا من ناحية.
من ناحية أخرى كذلك نجد ما يدل على ذلك في قصة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قبل إسلامه عندما أراد أن يمسك القرآن فاشترطت عليه أخته أن يغتسل.
وكون هذه النجاسة نجاسة كسبية أو نجاسة ذاتية هذا أيضاً مما يختلف فيه، فعند من يجعلها نجاسة كسبية يقول بأنه - أي المشرك - إنما هو نجس لأنه لا يتقي النجاسات وعلى هذا فلو اغتسل وأماط الأذى عنه ولم تكن فيه نجاسة فلا حرج في رطوباته، والذين يقولون بأنها كسائر النجاسة نجاسة ذاتية يقولون بخلاف ذلك، والتعبير بالنَجَس لا بالنَجِس يؤكد أن ذواتهم أنجاس، والله تعالى أعلم.
السؤال (8):
هل سب دين جماد مثلاً يقول شخص ألعن دين هذا الحيوان، هل يعتبر من سب الدين الذي يؤدي إلى الارتداد؟
الجواب: (2/218)
صفحة 705
الجماد ليس هو الحيوان، الجماد ما كان جامداً لا حراك له، فهناك إنسان، وهناك حيوان وهناك نبات، وهناك جماد، الجماد كالجبل والصخر والتراب، كل ما لا حراك له، كل ما لا ينمو فهو جماد، أما الحيوان فهو شيء آخر غير الجماد، الحيوان فيه حياة وفيه إحساس، فالحيوان شيء آخر.
بقي الكلام فيما يتعلق بسب الدين، دين الحيوان، أما الحيوان فهو غير مكلف، والجماد هو غير مكلف، ولكن مع ذلك دل القرآن الكريم على أن هذه الأشياء كلها تنقاد لأمر الله، دل القرآن الكريم على أن كل هذه الكائنات تسبح بحمد الله، ودل على أنها تسجد لجلال الله سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى يقول في وصف نفسه (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) (الإسراء:44)، ويقول عز من قائل (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) (الحشر: من الآية1)، ويقول (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) (الحديد: من الآية1)، ويقول (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) (الجمعة: من الآية1)، فالكائنات كلها إذاً تسبح، وكذلك دل القرآن الكريم على أنها تسجد فإن الله تبارك وتعالى يقول (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) (الحج: من الآية18)، فلما كانت هذه مسبحة وكانت ساجدة، وإن كنا لا ندري كيفية سجودها، إن كانت تسبح بحمد الله وفي نفس الوقت تسجد لجلال الله وإن كنا لا ندري كيف يكون هذا السجود فإنها إذاً منقادة لله تبارك وتعالى، ويؤكد ذلك قوله سبحانه (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً) (آل (2/219)
صفحة 706
عمران: من الآية83)، لما كان الأمر كذلك فإن كان يسب هذا الدين الذي هو الإسلام، إسلام هذه الكائنات لله تبارك وتعالى، وقد كان ذلك أمراً فطرياً فيها، ويلعن ذلك، فمعنى ذلك أنه يسب من جعل هذا الدين فطرة في هذه الحيوانات وفي هذه الكائنات، فلذلك في هذه الحالة لا يختلف حكمه عن حكم من قبله، والله تعالى أعلم.
السؤال (9):
نحن مجموعة طبيبات في وزارة الصحة يوجد زميل لنا يريد أن يتخصص في أمراض النساء والولادة وبما أن هذا التخصص يتطلب التعرض إلى عورات النساء المغلظة فلقد نصحنا زميلنا بالتخصص في مجال آخر وترك هذا التخصص للطبيبات العمانيات خاصة أن مخرجات كلية الطب من الطبيبات تكفي لسد حاجة هذه التخصصات وغيرها فنطلب من سماحتكم توضيح حكم الشرع في هذه المسألة عسى أن يقتنع زميلنا.
الجواب: (2/220)
صفحة 707
العورات لها حرمات، ولا يجوز التعدي على هذه الحرمات، فلا يجوز لرجل أن يطلع على عورة رجل أو عورة امرأة إلا لضرورة لا محيص عنها، فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: لعن الله الناظر والمنظور إليه. ولما سئل عن العورات أمر النبي صلى الله عليه وسلّم الرجل السائل أن يحفظ عورته أن يسترها إلا عن امرأته وما ملكت يمينه أي السُرّية التي ملكها وقد تسراها، فلذلك لا يجوز أبداً إبداء شيئاً من العورات، ولا يجوز الاطلاع على شيء من العورات إلا في حالة الضرورة القصوى، ومن المعلوم أيضاً في حالة الضرورة يجب أن يكون الاطلاع على عورة الرجل من قبل الرجل لا من قبل المرأة ما لم تكن زوجة له، ويجب أيضاً الاطلاع على عورة المرأة من قبل امرأة لا من قبل الرجل ما لم يكن ذلك الرجل زوجاً لها، فلا يجوز لأمرأة أن تطلع على عورة رجل من أجل علاجه إلا إن كان يتعذر أن يقوم بعلاجه رجل، ولا يجوز لرجل أن يطلع على عورة امرأة من أجل علاجها إلا أن يكون يتعذر على أي امرأة أن تعالجها، فعلى هذا إن كان من الممكن أن تقوم بهذا التخصص نساء فلا يجوز للرجل أن يقوم بهذا العمل لما يجب عليه من المحافظة على حرمات العورات، والله تعالى أعلم.
السؤال (10)
ورد حديث يحث على الحجامة في يوم الثلاثاء فما مدى صحة هذا الحديث؟
الجواب:
الحجامة يوم الثلاثاء، لا أعرف صحة هذا الحديث، وإنما الحجامة هي مسنونة، أي من جملة العلاج الذي ثبتت به السنة، ليس يعني مسنونة أنه ينبغي للإنسان أن يحتجم، نعم يحتجم إن كانت الحاجة داعية إلى الحجامة عند من يعرف كيف يحجم لئلا يمتص دمه الذي هو دم نقي وإنما يستخرج الدم الفاسد فينبغي أن تكون الحجامة قبل كل شيء بخبرة، والله تعالى أعلم.
السؤال (11)
هل توجد شروط معينة للعب كرة القدم؟
الجواب: (2/221)
صفحة 708
الأصل في اللعب ما لم يكن ذا فائدة هو ممنوع شرعا إلا إذا كان ذا فائدة، فإذا كان من أجل ترويض الجسم وتقوية الجسم فذلك، وفي هذه الحالة لا بد من أن يكون ساتراً لعورته، وأن يكون من حوله ساترين لعوراتهم، وأن لا يكون ذلك على حساب عبادة كالصلاة، بحيث لا تفوت الصلاة من أجل كرة القدم، وأن لا يكون هنالك سباب ما بين اللاعبين إذا كانت هناك مباراة ما بين الجانبين، وأن لا تكون هنالك ضغينة أيضاً بينهم بحيث لا يكون هذا اللعب سبباً لوجود ضغينة وأحقاد تتأجج بين الجانبين إن فاز فريق على فريق آخر، وأن لا يؤدي ذلك إلى التحريش بين الجانبين بحيث تتعصب لهذا الفريق طائفة وتتعصب للفريق الآخر طائفة أخرى فذلك كله مما يجب تجنبه، والله تعالى أعلم.
السؤال (12)
تشاجرت مع زوجي في موضوع وأنا صادقة فيه لكنه كذبني وأثناء الحوار لفظ علي الطلاق فقال لي: أنت طالق طالق وسكت. فقال: إذا كنت كاذبة فأنت طالق. فما رأي سماحتكم في هذا؟ هل يقع الطلاق بموجب لفظه لذلك، وإذا كان يقع الطلاق هل يجوز لي الرجوع وكيف، علماً بأنه سابقاً طلقني طلقة واحدة ورجعت إليه وهذه هي المرة الثانية، فبماذا تأمرني سماحة الشيخ؟
الجواب: (2/222)
صفحة 709
تلك الطلقة السابقة كما وقعت، أما بالنسبة إلى هذا الطلاق الأخير فقوله أنت طالق طالق، هذا الطلاق لم يقيد، وإنما في المرة الثالثة قيد، فذلك تقييد لطلقة أخرى، أما ما مضى بما أن التقييد لم يكن في نفس واحد مع المقيد فالتقييد لا عبرة به، قوله (إن كنت كاذبة) لا عبرة به لأنه جاء بعدما أطلق الطلقتين من غير تقييد، وتكراره بحيث قال لها (أنت طالق طالق) هذا التكرار إن قصد به التأسيس وهو إنشاء طلقة جديدة عندما أعاد اللفظ فإنها تطلق طلقتين، وإن كان قصد به التأكيد أي تأكيد الطلقة الأولى فهي طلقة واحدة، فإن كانت هذه طلقة واحدة والطلقة الثالثة لا عبرة بها لأنها مقيدة بكونها كاذبة وهي مع ذلك غير كاذبة، هذه الطلقة الثالثة لا عبرة بها لكونها غير كاذبة فله أن يراجعها إن كان قصد التأكيد ولم يكن قصد التأسيس لأن الطلقة الثانية تضم إلى الطلقة الثالثة، له أن يراجعها بما بقي من طلاقها وقد بقي من طلاقها طلقة واحدة، والله تعالى أعلم.
السؤال (13)
هل لكم من تعليق على هذا الموقف أي حوار بسيط بينه وبين زوجته أدى إلى الطلاق
الجواب:
هذا من الهوس وضلال العقول، وعدم معرفة الناس كيف يتصرفون. الطلاق إنما جعل بيد الرجل لأن الرجل أقدر على ضبط أعصابه والتحكم في نزعاته ونزغاته، أقدر على التحكم في عواطفه عندما تهيج بخلاف المرأة فلذلك جعل الطلاق بيد الرجل، ولكن الرجل أصبح هو الأحمق والأرعن الذي يتصرف هذا التصرف الذي هو خارج عن حدود الاعتدال. (2/223)
صفحة 710
الطلاق أولاً لم يشرع من أجل التلاعب، يتفادى الطلاق كل التفادي، ولذلك حتى عندما يستحكم الخلاف بين الرجل والمرأة يؤمر إن تعذر الصلح فيما بينهما وعلاج مشكلتهما فيما بينهما يؤمر أن تتدخل الأسرتان أسرة الرجل وأسرة المرأة (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) (النساء: من الآية35)، ذلك من أجل تفادي الطلاق، عندئذ إذا تعذر الوفاق وصارت الحياة الزوجية جحيماً لا يطاق عندئذ يمكن الطلاق أو يجوز الطلاق ولكن مع هذا لا بد من أن يكون تراعى فيه شروط، الله تبارك وتعالى يقول (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ) (الطلاق: من الآية1)، وقد بيّن ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلّم عندما جاء إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال له: يا رسول الله إن عبدالله طلق امرأته وهي حائض فقال له: مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإن شاء أمسك وإن شاء طلق، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء. أي يمكن أن يطلق المرأة في طهر لم يباشرها فيه، أما في طهر باشرها فيه فالطلاق حرام، أو في الحيض أيضاً الطلاق حرام لأن هنالك حكمة ربانية، في الحيض كثيراً ما تكون المرأة هائجة العواطف متوترة الأعصاب فيؤمر الرجل أن يحتمل هذه الحالة النفسية منها وأن لا يتسرع إلى طلاقها.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى الرجل لا يتمكن من قضاء وطره من المرأة في هذه الحالة فلربما زهد فيها نفسه فلذلك أمر بأن يمتنع من الطلاق في هذه الحالة. وأما في الطهر الذي باشرها فيه أيضاً قد تكون نفسه أصابت الرغبة منها وانتهت هذه الرغبة فقد يتسرع إلى طلاقها، أما في طهر لم يباشرها فيه فإن نفسه تكون أكثر ميلاً إليها مع إمكان قضاء الوطر منها فلذلك لا يطلقها إلا لداعٍ لا محيص عنه. (2/224)
صفحة 711
ثم مع هذا الله تبارك وتعالى يقول (الطَّلاقُ مَرَّتَان) (البقرة: من الآية229)، ومعنى ذلك أن الطلاق الذي يكون بعده الرجوع بحيث تكون المراجعة مراجعة المرأة هو طلقة بعد طلقة، فلا يوقع الطلاق دفعة واحدة، وإنما يوقع الطلقة الأولى فإن وجد نفسه تميل إلى المرأة تمكن من مراجعتها، فإن انتهت عدتها كان واحداً من الخطاب، والأمر يعود إليها، وبعد هذا لو راجعها وطلقها ثانية كذلك نفس الشيء، بعد ذلك إن طلقها الثالثة منع هنا من مراجعتها حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، ولكن مع ذلك نجد الناس يتسرعون فيجمعون الطلقات الثلاث دفعة واحدة، كل ذلك بسبب الهوس وعدم قدرتهم على التحكم في العواطف وعدم خشيتهم من الله، فهم يخالفون كتاب الله، ويخالفون هدي رسوله صلى الله عليه وسلّم، وكثير من العوام الجهلة لا يطلقون حتى يكفروا، يجمعون بين كفرين والعياذ بالله، بحيث يقول أحدهم لامرأته أنت حرام عليّ وحلال لأي رجل آخر، من أين هذا القول من أين جاء به؟ هي أولاً قبل كل شيء في العدة، وفي العدة إن كان الطلاق رجعياً فهو أملك بها لأن الله تعالى يقول (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِك) (البقرة: من الآية228)، ثم من ناحية التحليل للغير، الله تعالى حرمها على الغير ما دامت لم تنته عدتها فقد قال (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِن) (البقرة: من الآية228)، فلا يحل لهن الزواج إلا بعد مضي هذه الثلاثة القروء، فمن أين له أن يحللها لغيره؟ هذا التصرف دليل الهوس، وهو كفر لأنه افتراء كذب على الله، والله سبحانه وتعالى حذّر من التجرئ على التحليل والتحريم إلا بحكم منه، لأن التحليل والتحريم من شأن الله لا من شأن العباد، الله تبارك وتعالى يقول (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ (2/225)
صفحة 712
وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) (النحل:116)، وقول تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) (يونس:59)، وبيّن سبحانه وتعالى أن التحريم لما أحل الله من شأن المشركين فقد قرن بين الإشراك والتحريم عندما قال في سورة الأنعام (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ) (الأنعام: من الآية148)، وكذلك قال في سورة النحل (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) (النحل: من الآية35)، فليس للإنسان أن يقدم على تحريم شيء أحله الله ولا على تحليل شيء حرمه الله، إنما التحليل والتحريم بيد الله سبحانه وتعالى وحده، والله تعالى المستعان.
السؤال (14)
امرأة تفوتها في بعض الأحيان صلاة الفجر فتصليها في وقت متأخر بعد طلوها الشمس، وهناك من قال لها عليك أن تصليها مع الظهر، لكنها سمعت أيضاً أنها تصليها فور قيامها فما الحكم؟
الجواب:
الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا تذكرها. فمن نام فليصلها في وقت يقظته، ومن نسي صلاة فتذكرها فليصلها إذا تذكرها، وإن كان ذلك الوقت وقتاً لا تصح فيه الصلاة فلينتظر حتى ينتهي الوقت الذي لا تجوز فيه الصلاة. (2/226)
صفحة 713
الكتاب: سؤال أهل الذكر 86 حلقة [مبوب]
المؤلف: أحمد بن حمد الخليلي و سعيد بن مبروك القنوبي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] والأوقات التي لا تجوز فيها الصلاة هي ثلاثة أوقات: وهي حال طلوع الشمس، بداية طلوع الشمس عندما يخرج شعاع من الشمس حتى تستكمل طلوعها، وعندما يبتدأ غروب الشمس حتى ينتهي غروبها أي تكون غاربة تماماً، وعندما تكون في كبد السماء في الحر الشديد أي عندما تتكون في وسط السماء بين المشرق والمغرب في وقت شدة الحر، وأما في بقية الأوقات فإن من استيقظ في وقت فعليه أن يصلي في ذلك الوقت الذي استيقظ فيه وأن لا يؤخر الصلاة إلى ما بعد ذلك، وكذلك الذي تذكر الصلاة في وقت فعليه أن يصليها في حال تذكره وأن لا يؤخرها إلى ما بعد ذلك، والله تعالى أعلم.
السؤال (15)
امرأة استلفت مبلغاً من المال ليس لها وإنما لغيرها وأرادت أن تذهب إلى الحج أو العمرة، هل يعتبر ذلك ديناً عليها؟
الجواب:
نعم، بما أن ذلك الحق هو في ذمتها أخذته لم تكن مجرد واسطة، وإنما أخذته على أنها هي المستدينة، فهي التي عليها وفاء ذلك الدين، هي المدينة، وإن كان الدين حالّ الأجل فلتبدأ أولاً بوفائه إن كان الدائن يطالبها، وإن لا يطالبها ونفّس لها ووسع لها وعندها وفاء الدين ووسع لها أن تذهب إلى الحج أو العمرة فلا عليها أن تحج أو تعتمر.
السؤال (16)
رجل عندما ينام يصدر أصواتاً حيث أنه كان في الصباح يقلد أصوات الحيوانات ويظهر ذلك عليه عندما ينام، والأشخاص الذين ينامون معه يتضايقون من هذا الأمر فهل من حل له؟
الجواب:
حل هذه المسألة أن يدع التقليد، هو إنسان، لماذا ينزل إلى دركات الحيوانات، ويرضى لنفسه أن يكون حيواناً؟! أيسخط على الله تعالى أن خلقه إنساناً؟! هذا دليل حماقة هذا الرجل.
السؤال (17)
امرأة تريد أن تذهب إلى العمرة وعندها أبقار وأغنام إلا أنها تركت أمر رعايتها على جاراتها، هل يسعها ذلك؟
الجواب:
ما المانع من ذلك!!
السؤال (18) (2/227)
صفحة 714
رجل أطلق كلمة قيد بها حركة زوجته وهو نادم عليها الآن ويريد أن يتخلص من هذه الجملة، قال لزوجته (إذا ذهبت إلى مكان لا أعلم به اعتبري نفسك طالقا)؟
الجواب:
حقيقة الأمر هذه من الأخطاء التي يقع الناس فيها كثيراً ويورطون أنفسهم، وقد تذهب المرأة ناسية أو ذاكرة، وقضية الطلاق إن كان معلقاً على شيء هو مما يسمى عند الأصوليين من خطاب الوضع، فهو يقع بوقوع المعلق عليه سواءً كان ذلك عن طريق القصد أو عن طريق غير القصد، لأن الطلاق المعلق على شيء يقع بوقوع ذلك الشيء المعلق عليه، فلذلك كان ينبغي له أن يحتاط لئلا يورط نفسه، قد تذهب وتنسى، وقد تكون أحياناً امرأة لا تخشى الله تعالى فتذهب وتستحب أن تبقى في كنف الزوج ولو كانت هي خارجة من عصمته بسبب فعلها ما علق طلاقها عليه.
فهذه من الأخطاء، ولكن أرى المخلص في ذلك أن تذهب إلى مكان لا يعلمه، وعندما تذهب إلى ذلك المكان تخبره فوراً ويراجعها، وبعد المراجعة هذه الكلمة تسقط لا يبقى لها أثر بعد أن يراجعها، إن كان لم يسبق له أن طلقها تطليقتين قبل هذه الطلقة.
السؤال (19)
امرأة قالت لها أمها لا ترضى لها أن تلبس الزي الطويل (الجلابية) حيث لم تكن شائعة في ذلك الوقت بل تحب أن تراها بالزي التقليدي وقد توفيت أمها منذ عشر سنوات وبناتها الآن ينصحنها بأن تلبس الزي الطويل في بعض المواقف لأنه ساتر، لكنها من ورعها تقول بأنها لم تعص أمها في حياتها فكيف يمكن أن تعصيها بعد مماتها، فما رأي سماحتكم؟
الجواب:
طاعة الله سبحانه مقدمة على طاعة الأم، والمرأة مأمورة بأن تلبس اللباس الساتر لا اللباس الذي يبرز شيئاً من مفاتن جسدها.
السؤال (20)
طلبة عمانيون في أمريكا يقولون: نواجه بعض الصعوبات في الحصول على محلات لبيع اللحم الحلال وإن وجدت فهي بعيدة جداً، والسؤال ما رأيكم في الأطعمة المقدمة في المطاعم والمحلات غير المسلمة اللحم والدجاج الطازج منها أو المعلب، ما حكمه؟
الجواب: (2/228)
صفحة 715
أولاً علينا أن ندرك بأن ذبح الحيوان لا بد أن يكون بطريقة مشروعة، بطريقة لا تختلف عما شرع الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه قد حرّم كثيراً من أنواع الحيوانات مما أُحل لكن بسبب من الأسباب، والله تعالى يقول (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) (المائدة: من الآية3)، فلئن كانت هذه اللحوم مذبوحة بطريقة شرعية ممن تجوز ذكاته شرعا، وذلك بأن يكون المذكي مسلماً، أو يكون المذكي كتابياً مع اليقين بكاتبيته لا مع الشك فيها ففي هذه الحالة لا مانع من أكلها إن لم تكن بطريقة لا تجوز، أي ما لم تكن موقوذة، إذ لم يكن الله تبارك وتعالى ليحرم الوقذ من مسلم ويبيح الموقوذة إن كانت من كتابي، إنما الموقوذة هي محرمة سواءً كان الواقذ مسلماً أو كان الواقذ كتابياً، وكذلك حرّم الله تبارك وتعالى المنخنقة، فالمخنوقة سوءاً كان الخانق كتابياً أو كان الخانق مسلماً إنما المخنوقة لا تحل، وهكذا كل ما كان على غير الطريقة الشرعية.
أما إن كان الذبح بطريقة شرعية ليس فيها شيء مما يعاب قط بحيث تكون مستوفية لجميع شروطها فلا مانع من أكل ما ذبحه الكتابي مع التيقن من كتابيته فإن معظم الغربيين أصبحوا اليوم ملاحدة ولم يعودوا كتابيين، والله المستعان.
السؤال (21)
سأل سائل أمير المؤمنين علياً كرّم الله وجهه عن اللطخة التي نراها في القمر فأجاب على الفور بآية من كتاب الله، ما هي هذه اللطخة التي توجد في القمر؟
الجواب:
هذا شيء لا أعرفه.
السؤال (22) (2/229)
صفحة 716
أنا شاب خطبت فتاة ذات دين وخلق وبعد شهرين من الخطبة أصر أهلي على ترك هذه الفتاة وأجبروني على ذلك لا لسبب إلا لأنها ليست من قبيلتي، ويريد أهلي تزويجي من فتاة عادية على أساس أنها من نفس قبيلتي، والسؤال هل أنا ملزم بطاعة أهلي في ترك الزواج من هذه الفتاة المتدينة دون سبب، وهل يأثم أهلي بفعلهم هذا حيث أن فسخ هذا الزواج سبب للفتاة حرجاً كبيراً وكذلك لأهلها، ما نصيحتكم للأهل الذي يجبرون أبنائهم للزواج من فتيات على أساس القبيلة أو القرابة دون اعتبار للدين والخلق؟
الجواب:
أولاً العبرة بالدين والأخلاق سواءً من قبل الرجل أو من قبل المرأة (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه) (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، هذا من ناحية، من ناحية أخرى الزواج لا يجبر عليه لا الذكر ولا الأنثى، لا الابن ولا الابنة، لا الشاب ولا الفتاة، لا يجبر أحد على الزواج ممن لا يريد الزواج به، لا تجبر الفتاة أن تتزوج من لا تريده، ولا يجبر الفتى أن يتزوج من لا يريدها، الكل إنما يختار شريك حياته بنفسه، لأن الزواج إنما هو ربط مصير بمصير، وهو لقاء أرواح بأرواح، لقاء عواطف، لقاء مشاعر وأحاسيس، هذه المشاعر إنما تكون بين الزوجين نفسيهما، فكيف يفرض الإنسان على أحد أن يشعر بمشاعر معينة تجاه شخص معين وهو لا يشعر بها بفطرته، هذا من الخطأ الكبير الذي يقع فيه الأهل، وتكون عاقبة مثل هذا الزواج الفشل، وكثيراً ما أدى مثل هذا التصرف الأرعن إلى فشل الزواج إلى مشكلات تنجم ما بين الأسر فلذلك يجب عليهم أن يبتعدوا عن مثل هذه الأشياء ثم هم على أي حال عندما سعوا إلى إبعاد ولدهم عن التزوج بمن يريدها وهي مرتضاة في دينها وخلقها عندما سعوا إلى ذلك آثمون ولا ريب في ذلك، ثم هم آثمون بسبب الإحراج الذي وقع لهذه الفتاة ولأهلها، فعليهم أن يتقوا الله، وأن يدعو عنهم مثل هذا التصرف الأرعن.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه (2/230)
صفحة 717
10 من رجب1424هـ، 7/ 9/2003م
الموضوع عام
السؤال (1)
ضرب الفأل في القرآن الكريم هل له أساس شرعي؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فعلينا قبل كل شيء أن ندرك أن الغيب لا يعلمه إلا الله، فالله سبحانه وتعالى يقول (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول) (الجن: 26 - 27)، ويقول سبحانه وتعالى أيضاً (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (النمل:65)، فاستشراف الغيب من خلال اطلاعٍ على آية ودلالة تلك الآية أمر لم تأت به سنة عن النبي صلى الله عليه وسلّم، ولا دل عليه دليل شرعي قط.
أما كون الإنسان يتفاءل بأن يسمع آية مبشرة، ويتفاءل بأن يطّلع أول ما يطلع على آية مبشرة فإن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يعجبه الفأل الحسن من كل شيء، سواءً كان من أسماء البشر أو من غيرها، فكيف إذا كان هذا الفأل آية من كتاب الله، فإن في سماع الإنسان ما يبشره بالخير من القرآن الكريم ما يدعوه إلى أن يمضي قدماً في سبيله وأن لا يتردد في ذلك.
والنبي صلى الله عليه وسلّم بقدر ما كان يتفاءل كان لا يتطير أي لا يتشاءم، كان بعيداً كل البعد عن التطير، ولذلك قال صلى الله عليه وسلّم فيما وصّى به أمته (وإذا تطيرتم فلا ترجعوا)، ثم قال بعد ذكر وصاياه (وذلك آية ما بين المؤمن والمنافق)، فالإنسان لا يتطير - أي الإنسان المؤمن- وإنما يتفاءل يحب الفأل الحسن كما كان شأن الرسول صلى الله عليه وسلّم، ويرضى بقسمة الله، ويحرص دائماً على أن لا يكون متردداً عندما يريد الإقدام على خير.
فهذا هو الذي أراه فيما يتعلق باستشراف الغيب من خلال مراجعة الإنسان لشيء مما جاء في القرآن.
السؤال (2) (2/231)
صفحة 718
كيف يستطيع الإنسان أن تكون من صفته حسن الظن؟
الجواب:
نعم، الظن الحسن من شأن المسلم، المسلم دائماً حريص على أن يظن بالناس ظناً حسناً جميلا، فإن المسلم كسائر البشر، من شأن الإنسان أن ينظر إلى غيره من خلال نظرته إلى نفسه، فلذلك يرى أنه يحب الخير للناس ويسعى في مصالح الناس، ولا يحب أن يضر الناس في أنفسهم ولا في أموالهم فلذلك يظن بغيره مثلما يرى نفسه عليه، أما من كان بخلاف ذلك فإنه أيضاً ينظر إلى غيره من خلال نظره إلى نفسه، لأن نظرة الإنسان إلى الغير تنعكس على نفسه فيرى الغير من خلال نفسه، وفي هذا يقول الشاعر:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توهم
وعادى محبيه بقول عداته ... وأصبح في ليل من الشك مظلم
ونجد نحن في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلّم ما يدل على أن الإنسان مأمور ولو ظن الظنون أن لا يجزم، لأن من شأن الإنسان أن تختمر في نفسه آراء وأفكار وتعتمل في داخله ظنون وظنون ولكن مع ذلك عليه أن لا يقطع، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلّم في ضمن وصاياه لأمته (وإذا ظننتم فلا تحققوا)، ثم قال (وذلك آية ما بين المؤمن والمنافق). فمعنى ذلك أن المؤمن وإن ظن الظنون لا يجزم بها، بخلاف المنافق.
على أن القرآن الكريم حذّر من الاندفاع وراء الظنون فالله سبحانه وتعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) (الحجرات: من الآية12)، فالإنسان مأمور بأن يحسن الظن. (2/232)
صفحة 719
هذا ولا يعني هذا بحال من الأحوال فوات الحزم، فإن من شأن المسلم أن يكون حازماً بحيث لا يُخدع، المؤمن لا يُخدع، (لست بالخِبِ ولا الخِبُ يخدعني) من شأن المؤمن أن يكون يقظاً، فالناس تتفاوت أحوالهم، قد يكون الإنسان سوء صنيعه مدعاة لسوء الظن به، وفي الأثر المروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه جاء (من رأينا فيه خيراً قلنا فيه خيراً وظننا فيه خيراً وتوليناه، ومن رأينا منه شراً قلنا فيه شراً وظننا فيه شراً وتبرأنا منه)، فالإنسان على أي حال يُظن به ما هو مألوف منه، فإن كان أُلف منه الخير فيجب أن يظن به الخير، أما إن كان بخلاف ذلك فإنه لا حرج على الإنسان إن ظن بالفاسق ظنون السوء لأن من شأن الفاسق أن تصدر تلكم المظنونات منه.
السؤال (3)
هل هذا هو تفسير كلمة (بعض) في قوله تعالى (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)،
أم لها تفسير آخر؟
الجواب:
لا، بعض تعني مثل أن يظن الإنسان الظن السيء بمن لا يستحق ذلك، ولكن مع ذلك قد يكون ظنه ظناً حسناً في حق من هو جدير بأن يُحسن به الظن، وقد يكون أيضاً ظناً سيئاً في حق من هو جدير بذلك ولا يلام على ذلك.
السؤال (4)
امرأة قاطعت ابنتها ما يزيد على الثلاث سنوات بسبب أنها تزوجت ممن قبلت واقتنعت به مع موافقة والدها، وفشلت كل السبل لاسترضاء أمها، وهي ترفض مسامحة ابنتها بشكل قاطع، فهل تؤثم الفتاة مع أنها لم تفعل ما يغضب الله سبحانه وتعالى بزواجها الشرعي خصوصاً أن الرجل ممن يرضى دينه وخلقه، وماذا عليها تجاه أمها الرافضة لها تماماً ومن تنعتها بالعقوق، وهل أخطأت الفتاة بالاختيار أو ليس رضاها شرطاً من شروط صحة العقد، وما نصيحة سماحتكم لكل من الأم والفتاة؟
الجواب: (2/233)
صفحة 720
أنا أعجب من هذه الأم التي تعترض ابنتها في سبيل تحقيق أمنيتها، فإن كل فتاة تتطلع إلى الزوج الصالح الذي ترضى دينه وخلقه، فإن في ارتباطها بالصالح ما يؤمّن بفضل الله تبارك وتعالى مستقبلها، بخلاف ما إذا ارتبطت بمن لا يرضى دينه ولا خلقه، ومع هذا فإن قضية الزواج إنما هي ربط مصير بمصير، وهي لقاء أرواح بأرواح قبل أن تكون لقاء أجساد بأجساد، وهي أيضاً لقاء عواطف بعواطف ومشاعر بمشاعر، فالمشاعر عندما تكون منسجمة يترتب على ذلك الاستقرار، ومن الذي يعاشر الرجل؟ إنما تعاشره المرأة التي يتزوجها، لا يعاشره أبوها ولا تعاشره أمها، فلذلك كان جديراً بأن يراعى جانب عواطفها ومشاعرها وأحاسيسها تجاهه، وأن لا يُفرض عليها أن تتبع مشاعر شخص آخر تجاه ذلك الشخص، ومن أجل هذا نرى أن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: (الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تُستأذن في نفسها، وأذنها صماتها). فمع كون البكر عادة كما جرى عليه العرف في تلكم الأزمنة الغابرة السحيقة أن تكون حيية جداً أي شديدة الحياء لا تستطيع أن تعبر عن مشاعرها أُمر باستئمارها ولكن مع ذلك روعي هذا الجانب وهو جانب الحياء فيها، فكان تعبيرها عن مشاعرها لا يلزم أن يكون باللسان، وإنما يمكن أن يكون بالصمت، فإذا سكتت ولم تقل شيئاً اعتبر ذلك رضا منها لأنها بإمكانها أن تقول لست أريده، إذ لا تستحي من الرفض وإنما ربما تستحي من القبول. (2/234)
صفحة 721
ونحن نجد أيضاً في كتاب الله تبارك وتعالى ما يحّذر أولياء أمور النساء من اعتراض سبيلهن في تحقيق أمنيتهن من الزواج، فالله تبارك وتعالى يقول (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:232)، فليس للولي أن يعترض موليته بحيث يمنعها من الزواج، ولو قدّرنا أنها كانت متزوجة ثم طلقت من قبل ذلك الزوج، واعتبر الولي ذلك الطلاق إهانة لها، ورغبت هي بعد أن كانت أملك بنفسها بحيث انتهت عدتها رغبت في الرجوع إلى ذلك الزوج ورغب هو فيها فليس للولي أن يعترض سبيلها، ولو أحس بأن إهانة أصابته وأصابتها من خلال تطليق ذلك الرجل لها، وهذا كما وقع في قصة أخت مَعقل بن يسار التي كانت ذات زوج وطلقها وانتهت عدتها منه فهويته وهويها، أي كل واحد منهما أراد أن يرجع إلى الآخر، فاعترض على ذلك معقل بن يسار، ومنعها من الرجوع إليه بسبب أنه اعتبر طلاقها إهانة، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية الكريمة، فخضع وانقاد واستسلم لحكم الله تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه وسلّم وزوّجها بذلك الزوج مرة أخرى.
ولئن كان هذا في الولي فكيف بالأم، الأم ليست هي ولية، ليست هي ولية لابنتها من حيث الزواج، لا تلي أمر تزويجها، نعم للأم حق البر، وحقها عظيم ولا ينكر ذلك أحد، فمن حيث وجوب البر هي أعظم حقاً من الأب، ولكن مع هذا لا يعني أن لها أن تعترض سبيل ابنها أو سبيل ابنتها في تحقيق أمنيتهما من الزواج.
وماذا تريد لابنتها؟ الابنة تريد الاستقرار، وتريد الطمأنينة، وتريد أن تعيش في كنف رجل صالح يعينها على أمر دينها ودنياها، فمال لهذه الأم والحيلولة دون ذلك. (2/235)
صفحة 722
ثم إن القضية قد انتهت فمالها ولهذه المقاطعة، هذه المقاطعة لا تحل، مقاطعة أي قريب لا تحل، الله تبارك وتعالى قرن ما بين المقاطعة والإفساد في الأرض، وجعل عاقبة ذلك اللعن والعياذ بالله، فقد قال سبحانه وتعالى (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) (محمد:22 - 23).
فأنا أنصح هذه الأم أن تتقي الله تبارك وتعالى، وأن تحسن معاملة ابنتها، وأن تحرص على خير ابنتها، وأن لا تعترض سبيلها في الخير، بل عليها أن تدعو الله تبارك وتعالى لهما في زواجها بأن يحقق لهما السعادة والاستقرار والطمأنينة وأن يرزقهما الذرية الصالحة الطيبة.
كما أنني أنصح هذه الابنة بأنها مهما لقيت من أمها من عنت وشقاق وسوء معاملة أن لا يكون ذلك داعياً إلى عقوقها، فالأم مهما أساءت يؤمر بالإحسان إليها لأن من حقها أن يحسن إليها، وربما كان جهلها وقصور عقلها وعدم تجربتها سبباً في هذا التصرف الأحمق الأرعن الذي صدر منها، والله تعالى أعلم.
السؤال (5)
هل هناك طرق معينة سماحة الشيخ تنصحون بها البنت في استرضاء أمها؟
الجواب:
نعم، من الممكن أن تستعين عليها بقريباتها ذوات التأثير عليها، ومن الممكن أن تستعين عليها بأقربائها المؤثرين عليها، ومن الممكن أن تترك أحداً من ذوي الحكمة يخاطبها بما فيه إقناعها ويضرب لها الأمثال ويقرّب لها البعيد الذي لا تراه بسبب قصر نظرها.
السؤال (6)
امرأة توفي زوجها بعد زواجهما بيومين ومر على ذلك شهر وهي تقضي عدتها في بيت أهل زوجها وهناك تكلم إخوان زوجها، فهل يصح لها ذلك، وإذا كان لا يصح لها فماذا تصنع في المدة التي مضت؟
الجواب: (2/236)
صفحة 723
يجب أن نعلم أن هنالك ضوابط في التعامل بين الرجل والمرأة، لا تكون هذه الضوابط في إبان عدتها فحسب، بل هي في جميع أحوالها سواء كانت معتدة أو كانت غير معتدة، فالمرأة يجب عليها أن تتوقى الخلوة بالرجل الأجنبي ولو كان قريبا لها، ولو كان مثلاً ابن خالها أو ابن خالتها أو كان ابن عمها أو ابن عمتها أو كان أخ زوجها أو كان زوج أختها فهؤلاء كلهم أجانب، ولا يجوز لها أن تختلي بهم، كما لا يجوز لها أن تبدي شيئاً من زينتها عندهم، فلا يجوز لها أن تبدي عندهم ما لا يجوز إبداؤه للرجل الأجنبي لأن هؤلاء جميعاً أجانب، وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلّم من دخول الرجل على امرأة أخيه فقد قال النبي صلى الله عليه وسلّم: (إياكم والدخول على النساء). فقال له رجل من الأنصار: أرأيت الحمو يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (الحمو الموت). وحمو المرأة هو أخو زوجها، وقد شبّهه النبي صلى الله عليه وسلّم بالموت لما في دخوله على زوجة أخيه من السوء والخطر، وهذا لا يعني عندما تكون معتدة فحسب بل في جميع الأحوال.
والعدة الشرعية لا تختلف أحكام المرأة فيها عن أحكامها عندما تكون غير معتدة إلا من بعض النواحي، فالمعتدة المميتة - أي التي مات زوجها - تنهى عن الزينة، وتنهى عن التطيب، وتنهى عن ذهابها للمبيت إلى مكان آخر غير البيت الذي تركها فيه زوجها أو وصلها فيه نعي زوجها، وأما ما عدا ذلك فلا تختلف أحكامها عن أحكام غيرها، فما للتشدد على المعتدة والتساهل عند غير المعتدة؟، هذا من الجهل إنما المرأة يجب أن يكون تعاملها مع الرجال مقيداً بقيود ومضبوطاً بضوابط سواء كانت في عدتها أو لم تكن في عدتها، والله تعالى أعلم.
السؤال (7)
أنا شاب أدرس في بريطانيا لفترة وجيزة وأسأل عن حكم صلاة الجمعة في هذه الدولة؟
الجواب: (2/237)
صفحة 724
أما لزومها ووجوبها عليك فلا يجب عليك حضورها، من حيث الوجوب واللزوم فهي غير لازمة عليك، أما أن تحضر مع المسلمين وتجتمع بهم وتسمع خطبة الخطيب وتنتفع بذلك فذلك خير كبير إن شاء الله.
السؤال (8)
هل يجوز للطالب القاطن بدولة أجنبية أن يقوم بتأمين حاجياته ضد السرقة خصوصاً إذا كانت المنطقة التي يسكن بها تتسم بطابع الخطورة وكثرة السرقات بها، ألا يمكن قياس هذه المسألة بمسألة حيلة وضع الأموال في البنوك للضرورة إذا لم يتوفر مكان آخر يماثله في الأمان؟
الجواب:
أما التأمين فالتأمين فيه غرر كبير، وفيه أيضاً بيع مال بمال. أما إذا كان هنالك ضرورة بالغة في منتهى الشدة فالضرورات تقدر بقدرها، إذا كان الإنسان محتاجاً مثلاً إلى معالجة أو مثل ذلك من هذه الأمور فإنه إن لم يستطع المعالجة إلا من خلال التأمين فلا حرج عليه مع هذه الضرورة ومع موافقته على أن يكون ذلك المبلغ الذي دفعه هو في مقابل العلاج الذي يعالج به، أما أمر السرقة فإن على هذا الإنسان أن يحذر من هؤلاء اللصوص قدر استطاعته، وأن يسأل الله تبارك وتعالى الحفظ، أما هذا التأمين فلا داعي إليه لأجل هذا الغرض.
السؤال (9)
تقدم لخطبتي شاب متدين وقد امتدحه الكثيرون لحسن أخلاقه وأثنوا عليه ولما وافق عليه أهلي اشترط ما يلي: أن أسدل الخمار على وجهي، أن أترك قيادة السيارة، أن أترك عملي، أن لا ألمس الهاتف بيدي مهما كان الأمر، أن لا أشاهد قناة فضائية ولا موقعاً في الانترنت، أن ألتزم بجميع آرائه لأنه كما يقول المرأة ضعيفة لا رأي لها، وقد علمنا أنه طلق زوجته الأولى لأنها لم تلتزم بجميع أوامره ولأنها بكرت له بأنثى وكان يرغب أن يكون بكره ذكرا، فهل تعتبر مثل هذه الشروط شرعية وهل ثمة أساس لاعتبار شرعية شروط النكاح؟ وهل يترتب على رفض الزواج من هذا الخاطب معصية أو إثماً مع العلم أنني قد ناهزت من العمر ثمانياً وثلاثين سنة؟
الجواب: (2/238)
صفحة 725
أولاً قبل كل شيء وصف هذا الرجل بأنه متدين مع أنه تصرف ذلك التصرف حيث طلق امرأته بسبب أنها ولدت أول ما ولدت أنثى، وصفه بأنه متدين هو وصف غير دقيق، هذا بعيد عن المتدينين، لأن هذه الحالة نعاها الله تبارك وتعالى على المشركين وأنكرها عليهم وشدّد إنكارها فقد قال سبحانه (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) (النحل:58 - 59).
فكيف يكون متديناً من يقتدي بأهل الجاهلية وينظر بنظرتهم ويتأسى بهم، هذا دليل هوسه وحماقته وسوء معتقده، وإلا فالمسلم الذي رضي بالله تعالى رباً وبمحمد صلى الله عليه وسلّم رسولاً وبالقرآن الكريم هادياً ودليلاً لا يتصرف مثل هذا التصرف الأرعن، على أن لو قدرنا أن في ولادة الأنثى ضرراً عليه، لو قدرنا ذلك، فماذا تملك المرأة؟ هل المرأة هي التي تخلق أو أن الله تبارك وتعالى هو الخالق؟ فالله سبحانه وتعالى هو الذي يهب الإناث وهو الذي يهب الذكور قال سبحانه وتعالى (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً) (الشورى:49 - 50)، فالله سبحانه وتعالى يهب لمن يشاء إناثاً، ويهب لمن يشاء الذكور من الأولاد، وقد يجمع لأحد بين الذكور والإناث فيهبه الإناث ويهبه الذكور، ومع هذا على الإنسان أن يتقبل ما جاءه من قبل الله، ونحن نرى كيف أن الامتنان بالإناث في الآية الكريمة سبق على الامتنان بالذكور وما ذلك إلا لأجل مقاومة هذه الداعية التي في نفوس الناس بسبب ألفتهم حياة الجاهلية وهي داعية كره الإناث.
فلذلك أنا أرى أن هذا الوصف وصف غير دقيق، وهذا الرجل ينبغي أن تكون المرأة على حذر منه باعتبار هذا الوصف. (2/239)
صفحة 726
أما بالنسبة إلى إرخاء الخمار على الوجه فهذا فيه ستر للمرأة وصون لها، ونحن وإن كنا نرجح أن وجه المرأة غير عورة ولكننا مع ذلك نقول إنه من الستر والصون لها أن ترخي غشاءً على وجهها حتى تتقي نظر الرجال إليها، وإن كان هنالك ما يحذر من الفتنة فعندئذ يتعين عليها ذلك، والفتنة قائمة إذ كثير من الرجال لا يؤمن من قبلهم الشر، لا يؤمن منهم أن تمتد أنظارهم إلى محاسن النساء من خلال تأملهم في وجوههن، وهم يُمَنّون أنفسهم بكثير من الأماني الفاسدة من خلال هذا النظر، هذا من ناحية.
أما بالنسبة إلى أمر الوظيفة فإنه تراعى الوظيفة ونوع هذه الوظيفة، هل هي وظيفة مصونة تليق بمكانة المرأة، وتليق بطبيعتها وبأنوثتها، أو هي بخلاف ذلك هذا من ناحية، من ناحية أخرى ينظر إلى حاجتها إلى تلك الوظيفة وعدم حاجتها، إمكان استغنائها عنها أو عدم إمكان استغنائها.
ثم مع هذا أيضا بالنسبة إلى مس الهاتف، قضية الهاتف إن لم هنالك محذور فالأصل أن كلام المرأة في الهاتف مباح.
وكذلك بالنسبة إلى أي شيء من هذا القبيل، الإطلاع على موقع في الانترنت إن لم يكن هنالك محذور، إن كانت استفادة من ذلك، وكذلك بالنسبة إلى متابعة الفضائيات وغير ذلك إن لم يكن هنالك أي محذور وإنما كانت تتابع ما ينفع وتتقي ما يضر فليس عليها في ذلك حرج. (2/240)
صفحة 727
وأما كون المرأة تذوب شخصيتها في شخصية الرجل بحيث لا يكون لها رأي فهذا خلاف ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلّم في معاملته لنسائه، قد كن يراجعنه في الرأي، ولربما استشارهن في الأمر الذي يتعلق بالأمة كما استشار أم سلمة رضي الله تعالى عنها لما يتعلق بأمر المسلمين عندما امتنعوا من التحلل من إحرامهم بعدما نزل من حكم الله تبارك وتعالى في أمر الحديبية ما نزل ووقع صلح الحديبية، وقع في نفوس المسلمين حرج من ذلك، ورأوا أن في ذلك غضاضة عليهم، ولذلك امتنعوا حتى من التحلل، فهَمّ النبي صلى الله عليه وسلّم ذلك، ولما عرض ذلك على أم سلمة اقترحت عليه بأن يبادر هو ويتحلل بأن يخرج إلى الناس ويحلق أمامهم، ففعل ذلك فاستجاب الناس لرأيه، هذا دليل على أن الرجل يشرك المرأة في الرأي ولا يتجاهل رأيها وهكذا.
فإذاً هذه الأمور كلها من الممكن أن ينظر فيها كما قلنا بأن تصرف الرجل في قضيته من المرأة الأولى يدل على هوسه وحماقته والله تعالى المستعان. فنحن لا نقول بأن هذه المرأة تأثم.
والشروط التي يشترطها الرجل على المرأة، أو تشترطها المرأة على الرجل قبل زواجهما على كل منهما أن يرعى قدرته على الوفاء بهذه الشروط أو عدم قدرته، أن لا يزج بنفسه في أمر يرى عاقبته عليه فيها شيئاً من الحرج، بل عليه أن ينظر قبل الإقدام على الأمر حتى يكون القبول أو الرفض مبنياً على دراسة متأنية واعية مستفيضة، والله تعالى الموفق.
السؤال (10)
من الذي يحدد وظيفة المرأة في الإسلام؟ هل يصح لأي إنسان أن يحدد وظيفة المرأة على أنها تنحصر في كذا وكذا وهو ليس لديه علم كاف.
الجواب:
طبيعة المرأة مألوفة ومعروفة فلذلك الوظيفة هي التي تليق بطبيعة أنوثتها بحيث أولاً قبل كل شيء يجب أن لا تكون مزاحمة للرجال، وأن لا تكون مختلطة بهم، ثم مع ذلك أن تكون هذه الوظيفة نفسها تلبي حاجات بنات جنسها، هكذا ينبغي أن تكون وظيفة المرأة.
السؤال (11) (2/241)
صفحة 728
أنا شاب متزوج منذ سنة تقريباً وكنت قبل الزواج أحلم بأنني سأبني حياتي مع زوجة تهتم بالعلم وتترتفع عن سفاسف الأمور وتكرس أغلب وقتها للعلم والدعوة، وطبعاً هذا أمر يحتاج إلى أن تقتنع به الزوجة حقيقة الاقتناع لكي تتنصر لهذا السبيل، وأنا ولله الحمد وإن كنت واجهت صعوبة في بادئ الأمر إلا أن زوجتي اقتنعت بهذا الأمر فيما بعد، والمشكلة أن النساء في مجتمعنا شأنهن شأن أغلب النساء في العالم فهن حقاً ناقصات عقل ودين بل الأدهى والأمر أنهن قد يشتغلن بأمور صبيانية ويجعلن ذلك كل همهن وعلى هذا فهن لا يرين عمل المرأة ينحصر في طهي الطعام وغسل اللباس وما شابه ذلك من الأمور التي تتعلق بالبيت وإلى جانب ذلك فهن يعشقن حضور الأعراس والمناسبات، وحبذا لو كانت تلك اللقاءات تستفيد منها المرأة شيئاً غير عرض الأزياء أو التكلم في غيبة بعضهن البعض إلا القليل، وكل امرأة لا تحضر هذه الأشياء أو يمنعها زوجها عن تلك الأمور تعد من المتكبرات، مشكلتي -سماحة الشيخ- هو أنني أحاول أن أمنع زوجتي من حضور تلك الأعراس والمناسبات، فما قولكم؟؟
الجواب:
أولاً قبل كل شيء يُنظر في هذه الأعراس هل فيها ما ينكر أو ليس فيها ما ينكر، فإن كان فيها ما ينكر فالمنكر يجب قطع سبيله.
من ناحية أخرى أيضاً لا بد من النظر في كون هذه الأعراس هي لقرابة هذه المرأة ولأرحامها أو هي للبعداء، فقطيعة الرحم أيضاً يجب اتقاؤها وهكذا، وإنما يجب أن تكون هنالك توعية، إن كانت النساء في الأعراس يقع بعضهن في بعض أي يلغن بألسنتهن في أعراض النساء ولا يبالين بذلك فهذا من الممكن أن تقوم بإصلاحه المرأة الواعية المرأة المثقفة المرأة المتدينة التي تخشى الله تبارك وتعالى وتتقيه. (2/242)
صفحة 729
ووظيفة المرأة لا تنحصر في طهي الطعام وفي ما أشار إليه السائل وإنما وظيفتها واسعة، يمكن أن تقوم بتعليم بنات جنسها، يمكن أن تقوم بتمريض بنات جنسها، يمكن أن تقوم بتوعية بنات جنسها، المرأة داعية كما أن الرجل أيضاً داعٍ، فالله تبارك وتعالى يقول (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ) (التوبة: من الآية71)، وكم من مجتمع نسائي صلح بسبب قيام امرأة بالدعوة والإصلاح والتذكير وانصرفت بالنساء عن مسلكهن السابق مسلك الفساد إلى مسلك آخر بسبب جهدها في توعيتهن والأخذ بأيديهن إلى جادة الخير، فإن كانت هذه المرأة واعية ومثقفة فلتقم بهذه الدعوة مخلصة لله تبارك وتعالى، ولتصلح أمر بنات جنسها، ففي ذلك خير كثير لها ولزوجها، والله تعالى أعلم.
السؤال (12)
امرأة ذهبت إلى العمرة فلم تتحلل بقص أطراف شعرها، ثم ذهبت مرة أخرى واعتمرت وتحللت فما حكم العمرة الأولى؟
الجواب:
إن كانت قصت جانباً من شعرها ولو أخذت منه من جانب فعلى كل حال هي أخطأت ولكنها تحللت، وأما إذا كانت لم تقص شيئاً من شعرها قط ففي هذه الحالة تكون قد تركت شيئاً واجباً في التحلل وهو قص الشعر، وعلى هذا عليها الفدية وهي دم، والله تعالى أعلم.
السؤال (13)
الرهن الذي سميتموه ببيع الإقالة يتعامل به الناس يقوم أحدهم برهن بيته لشخص ثم يسكنه ويدفع إيجاره لذلك الشخص الذي ارتهن منه، فما حكم هذه المعاملة؟
الجواب: (2/243)
صفحة 730
أولاً قبل كل شيء الرهن الشرعي هو وثيقة تكون في يد المرتهن لا ينتفع منها بشيء، إنما تكون في يده حتى يطمئن إلى وفاء حقه، والله تبارك وتعالى شرع الرهن في السفر، ولكن دلت السنة على جوازه في السفر وفي الحضر، وعلى أي حال الرهن كما قلت لا يعدو أن يكون وثيقة في يد المرتهن، وليس للمرتهن أن ينتفع بشيء، بل لو نقدر أنه ارتهن خنجراً ليس له أن يلبسها، ولو لبسها لعدت تلك منفعة، وكل قرض جر منفعة فهو ربا، وهذا مما جاءت به الروايات وإن لم تكن هذه الروايات بذلك القدر من حيث اتصال الأسانيد إلى غير ذلك إلا أنها معتضدة بالإجماع، فالإجماع منعقد على هذا أن كل قرض جر منفعة فهو ربا، وبجانب هذا الرهن ليست له مدة بحيث يمتلك المرتهن العين المرتهنة، (لا يغلق الرهن لصاحبه غنمه وعليه غرمه) هكذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم.
أما ما يصنعه الناس اليوم وما يسمونه رهنا، لم أسمه أنا بيع إقالة وإنما هذه تسمية قديمة عرفت في عمان، عرف ببيع الإقالة وببيع الخيار، كما سمي عند أقوام ببيع الوفاء، وسمي عند غيرهم ببيع الشرط، وسمي عند بعض الناس ببيع الجائز أسماء متعددة كما بينت ذلك في الجواب المدون، ولكن هذا البيع هو محدث لم يكن موجوداً من قبل، وإنما أحدثه من أحدثه لسبب محاولة التوصل إلى الانتفاع بالعين المبيعة مع عدم فوات هذه العين عن البائع، بحيث يتمكن من استردادها، وهذا أمر فيه خطورة كبيرة، والناس تصرفوا فيه تصرفاً عجيباً، وأصبح اليوم رباً واضحاً لا غبار عليه، وكل من يكابر في ذلك، وكل من يدّعي خلاف ذلك فهو إنما يخدع نفسه والعياذ بالله. (2/244)
صفحة 731
وهؤلاء الذين يجادلون في هذا إنما هم بأنفسهم وقعوا في إثم هذه المعاملة السيئة فلذلك لا يريدون أن ينفلتوا عنها، الناس وقعوا في أمر مريج من هذه المعاملة السيئة. على أن كثيراً من الناس ساءهم ما قلته في ذلك الجواب، وأنا أدعو هؤلاء إلى المناظرة وجلسة المناقشة العلنية ليحصحص الحق في هذه المسألة، أما أن يقولوا من وراء الكواليس ما يقولونه ويكونوا كما قال الشاعر:
وإذا خلا الجبان بأرض ... الخ
فهذا أمر لا عبرة به إنما نطالبهم بالمناقشة، المناقشة الواضحة ومقارعة الحجة بالحجة والإتيان بالدليل، ونحن أوضحنا من الأدلة ما يكفي لأن يكون معتبراً، ونحن ننصح جميع المسلمين بأن يتركوا هذه المعاملة وأن يربأوا بأنفسهم عنها، وأن لا يقعوا فيها فإن فيها إثماً كبيراً وهي محاربة لله ورسوله، هي محاربة من ناحيتين محاربة من ناحية المخادعة، ومحاربة أيضاً من ناحية أكل الربا الصريح، والله تعالى المستعان.
السؤال (14)
اقترض أخو زوجي مبلغاً من المال من إحدى الجمعيات بفائدة تصل إلى سبعين في المئة ولما جاء موعد السداد لم يستطع سداده فرفعت عليه الجمعية دعوى قضائية وحكم عليه بالسجن فذهب زوجي ودفع هذا المبلغ للجمعية لينقذه من السجن، فهل يعتبر زوجي آثماً ومشتركاً في الربا؟
الجواب:
نعوذ بالله، هذا هو الربا، ومن تورط في ذلك تورط في أمر خطير والعياذ بالله، وإنما هذا الزوج ما أراد التشجيع على الربا وإنما أراد أن ينقذ هذا الرجل فأرجو أن لا يؤاخذه الله إن كان ما أراد إلا إنقاذه.
السؤال (15)
امرأة حلفت أن لا تذهب إلى مكان ثم ذهبت إليه، فماذا عليها؟
الجواب: (2/245)
صفحة 732
عليها إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن عجزت عن ذلك بحيث كانت غير واجدة لا للطعام ولا للكسوة ولا للرقبة ولا تستطيع الوصول إلى ذلك قط ففي هذه الحالة تعدل إلى صيام ثلاثة أيام وذلك لقوله تعالى (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) (المائدة: من الآية89)، (فمن لم يجد) قيّد بعدم الوجدان، والله تعالى أعلم.
السؤال (16)
رجل أرسل رسالة عن طريق الهاتف إلى زوجته كتب لها في تلك الرسالة طالق طالق طالق، ثم بيّن لها بعد ذلك أنه كان مازحاً، فما الحكم؟
الجواب:
لا مزاح في ذلك ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة. فلا مزاح، وإنما طَلَقت منه، والله تعالى أعلم.
السؤال (17)
ما حكم الطلاق عن طريق البريد الالكتروني؟
الجواب:
ما دام أرسل إليها طلاقاً فقد وقع طلاقها.
السؤال (18)
ما حكم البيع والشراء عن طريق الانترنت؟
الجواب:
ما هي العين المشتراة، هل هي معروفة؟ هل هي واضحة؟ أما إن كانت معروفة بحيث لم يكن هنالك أي غرر فلا حرج، أما إن كان غرر، أو كان البائع يبيع ما لم يملك، أو ما لم يكن بقبضته فذلك مما يدخل في النهي سواءً كان بواسطة هذه الآلة أو كان ذلك مباشرة، والله تعالى أعلم.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
17من رجب1424هـ،14/ 9/2003م
الموضوع: عام
السؤال (1)
في بعض الأحيان تعترض الطريق العام جملة من الحيوانات السائبة كالحمير مثلاً فتتسبب في حوادث كثيرة وتكبد الناس خسائر مادية ومعنوية، فهل يجوز قتلها والتخلص منها لهذا السبب؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: (2/246)
صفحة 733
فلا يخلو إما أن تكون هذه الحمير ملكاً لأحد ففي هذه الحالة تقام الحجة على أربابها بأن يحفظوها ويصونوها ويمنعوها من الإضرار بالغير، وإما أن تكون غير مملوكة لأحد ففي هذه الحالة إن كانت سبباً في وقوع الحوادث وتلف الأنفس فإن المحافظة على الأنفس البشرية أولى من المحافظة على الحيوانات، إذ كل ما في هذه الأرض إنما خلق للإنسان، فإن كان سبباً لإزعاجه والإضرار به ففي هذه الحالة يصرف الضرر، كل ما هو مضر بالإنسان يصرف أياً كان، فالإنسان كُرّم تكريماً من عند الله (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء:70)، فلذلك تصان حياة الإنسان من أجل قيامه بهذه الوظيفة التي نيطت به ويصرف عنه الأذى، والله تعالى المستعان.
السؤال (2)
ذكرتم في حلقات ماضية أن السرعة الساحقة التي يتهور فيها الإنسان وأصابه حادث وتوفي يعتبر منتحراً إذا كان هو قد تسبب في ذلك، فإذا كان مسرعاً بالفعل واعترضه هذه المرة حمار أو حيوان وتوفي، والسرعة كانت كبيرة هل هذا يعتبر معذوراً؟
الجواب:
لا، لا، ما دامت السرعة كانت السبب في وفاته فإنه يؤاخذ بذلك، إذ يعد بذلك منتحرا.
السؤال (3)
هل يجب السكوت والوقوف عن الحركة عند سماع الأذان، وكيف نعمل إذا تعددت الأذانات هل المتابعة للأول أم الأقرب أم للرافع صوته؟
الجواب: (2/247)
صفحة 734
جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم سلوا الله لي الوسيلة. فعندما يسمع الأذان يُسن له أن يتابع ذلك المؤذن، وجمهور العلماء يقولون بأن ذلك محمول على الندب، ولكن الحنفية يقولون بأن ذلك محمول على الوجوب، وما اعتل به الجمهور من القرينة ليس كافياً لصرف هذا الأمر عن الوجوب إلى الندب، إذ الأصل في أمر الرسول صلى الله عليه وسلّم أن يحمل على الوجوب هذا من ناحية.
ومن ناحية الوقوف عن الحركة فإن ذلك لم يسن، ليس من السنة أن يقف الإنسان ولا يتحرك ويعطل العمل الذي يباشره إن كان يباشر عملاً من الأعمال، فبإمكانه أن يستمر على عمله مع رده على أذان المؤذن، وإن كان ماشياً فبإمكانه الاستمرار في مشيه من غير أن يتوقف عن المشي إن سمع أذان المؤذن.
السؤال (4)
عندما يردد الأذان خلف المؤذن هل يُمنع من الكلام كلية بحيث يقتصر فقط على ترديد كلمات الأذان، أم يتكلم ويردد؟
الجواب:
إن كان هنالك داعٍ للكلام ينبغي أن يفرق بين أن يكون كلام الإنسان مجرد ثرثرة، وبين أن يكون كلامه لداع، فإن كان كلامه لداعٍ فلا حرج، وإن كان كلامه مجرد ثرثرة يشغل بها سامعه فإنه مما لا ينبغي لأحد أن يثرثر في إبان الأذان لأن ذلك مما يصرف سامعيه عن متابعة هذا المؤذن.
السؤال (5)
عندما يصل المؤذن إلى قوله (أشهد أن محمداً رسول الله)، هنا هل يقدّم المسلم الصلاة على النبي أولاً أم يردد الكلمة؟
الجواب: (2/248)
صفحة 735
كثير من العلماء استحبوا أن يبدأ أولاً بالصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلّم، لأن النبي صلى الله عليه وسلّم ذكر والله تبارك وتعالى يقول (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (الأحزاب:56)، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. فقيل يصلي على النبي صلى الله عليه وسلّم أولاً ثم بعد ذلك يأتي بالشهادة له صلى الله عليه وسلّم بالرسالة، ومنهم من يقول بأنه يأتي بالشهادة ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلّم ولا حرج.
السؤال (6)
رجل سافر إلى فرنسا هل يجوز له أن يجمع الصلاتين تكاسلاً؟
الجواب:
المسافر له أن يجمع ولكن ليس ذلك لأجل الكسل، فإن كان مقيماً بالمكان فالأفضل له أن يصلي كل صلاة في وقتها، لا يمنع من الجمع ولكن لداعٍ لا لأجل التكاسل.
السؤال (7)
شخص سب الدين، هل يعتبر نجساً نجاسة حسية، يعني هل تتنجس ملابسه وعرقه؟
الجواب:
أولاً علينا أن ندرك أن الدين إنما هو دين الإسلام، لأن الله تعالى قال (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) (آل عمران: من الآية85)، وقال (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ) (آل عمران: من الآية19)، فلما كان الدين دين الإسلام فسبه سب لمن شرع هذا الإسلام، ولذلك كان ذلك في حكم الارتداد والعياذ بالله عن الإسلام، فمن سب الدين ولم يتب ولم يقلع عن غيه ولم يعد إلى الشهادتين ففي هذه الحالة يكون في حكم المرتد عن دين الله والعياذ بالله. (2/249)
صفحة 736
والمرتد هو في حكم المشرك، وقد قال الله تبارك وتعالى (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) (التوبة: من الآية28)، وهذه النجاسة اختلف فيها هل هي نجاسة حسية أو أنها نجاسة معنوية، ثم إن كانت حسية فهل هي نجاسة كسبية لأنهم لا يتقون النجاسات، أو هي نجاسة ذاتية، هذا مما اختلف فيه، والذي يترجح أن هذه النجاسة إنما هي نجاسة حسية بدليل أن السيدة أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله تعالى عنها لما جاء إليها أبو سفيان قبل الفتح ودخل عليها - لما جاء إلى المدينة المنورة عندما جاء طالباً تمديد صلح الحديبية بعدما حدث ما حدث وكان قد أدى ذلك إلى قلق قريش أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلّم - ودخل عليها، أراد أن يجلس على الفراش فطوته عنه فعجب من أمرها فقالت له: إنك رجل مشرك نجس وهذا فراش رسول الله صلى الله عليه وسلّم. فهذا دليل على أن هذه النجاسة نجاسة حسية وإلا لما أرادت أن تطوي الفراش عنه، هذا من ناحية.
من ناحية أخرى كذلك نجد ما يدل على ذلك في قصة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قبل إسلامه عندما أراد أن يمسك القرآن فاشترطت عليه أخته أن يغتسل.
وكون هذه النجاسة نجاسة كسبية أو نجاسة ذاتية هذا أيضاً مما يختلف فيه، فعند من يجعلها نجاسة كسبية يقول بأنه - أي المشرك - إنما هو نجس لأنه لا يتقي النجاسات وعلى هذا فلو اغتسل وأماط الأذى عنه ولم تكن فيه نجاسة فلا حرج في رطوباته، والذين يقولون بأنها كسائر النجاسة نجاسة ذاتية يقولون بخلاف ذلك، والتعبير بالنَجَس لا بالنَجِس يؤكد أن ذواتهم أنجاس، والله تعالى أعلم.
السؤال (8):
هل سب دين جماد مثلاً يقول شخص ألعن دين هذا الحيوان، هل يعتبر من سب الدين الذي يؤدي إلى الارتداد؟
الجواب: (2/250)
صفحة 737
الجماد ليس هو الحيوان، الجماد ما كان جامداً لا حراك له، فهناك إنسان، وهناك حيوان وهناك نبات، وهناك جماد، الجماد كالجبل والصخر والتراب، كل ما لا حراك له، كل ما لا ينمو فهو جماد، أما الحيوان فهو شيء آخر غير الجماد، الحيوان فيه حياة وفيه إحساس، فالحيوان شيء آخر.
بقي الكلام فيما يتعلق بسب الدين، دين الحيوان، أما الحيوان فهو غير مكلف، والجماد هو غير مكلف، ولكن مع ذلك دل القرآن الكريم على أن هذه الأشياء كلها تنقاد لأمر الله، دل القرآن الكريم على أن كل هذه الكائنات تسبح بحمد الله، ودل على أنها تسجد لجلال الله سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى يقول في وصف نفسه (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) (الإسراء:44)، ويقول عز من قائل (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) (الحشر: من الآية1)، ويقول (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) (الحديد: من الآية1)، ويقول (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) (الجمعة: من الآية1)، فالكائنات كلها إذاً تسبح، وكذلك دل القرآن الكريم على أنها تسجد فإن الله تبارك وتعالى يقول (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) (الحج: من الآية18)، فلما كانت هذه مسبحة وكانت ساجدة، وإن كنا لا ندري كيفية سجودها، إن كانت تسبح بحمد الله وفي نفس الوقت تسجد لجلال الله وإن كنا لا ندري كيف يكون هذا السجود فإنها إذاً منقادة لله تبارك وتعالى، ويؤكد ذلك قوله سبحانه (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً) (آل (2/251)
صفحة 738
عمران: من الآية83)، لما كان الأمر كذلك فإن كان يسب هذا الدين الذي هو الإسلام، إسلام هذه الكائنات لله تبارك وتعالى، وقد كان ذلك أمراً فطرياً فيها، ويلعن ذلك، فمعنى ذلك أنه يسب من جعل هذا الدين فطرة في هذه الحيوانات وفي هذه الكائنات، فلذلك في هذه الحالة لا يختلف حكمه عن حكم من قبله، والله تعالى أعلم.
السؤال (9):
نحن مجموعة طبيبات في وزارة الصحة يوجد زميل لنا يريد أن يتخصص في أمراض النساء والولادة وبما أن هذا التخصص يتطلب التعرض إلى عورات النساء المغلظة فلقد نصحنا زميلنا بالتخصص في مجال آخر وترك هذا التخصص للطبيبات العمانيات خاصة أن مخرجات كلية الطب من الطبيبات تكفي لسد حاجة هذه التخصصات وغيرها فنطلب من سماحتكم توضيح حكم الشرع في هذه المسألة عسى أن يقتنع زميلنا.
الجواب: (2/252)
صفحة 739
العورات لها حرمات، ولا يجوز التعدي على هذه الحرمات، فلا يجوز لرجل أن يطلع على عورة رجل أو عورة امرأة إلا لضرورة لا محيص عنها، فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: لعن الله الناظر والمنظور إليه. ولما سئل عن العورات أمر النبي صلى الله عليه وسلّم الرجل السائل أن يحفظ عورته أن يسترها إلا عن امرأته وما ملكت يمينه أي السُرّية التي ملكها وقد تسراها، فلذلك لا يجوز أبداً إبداء شيئاً من العورات، ولا يجوز الاطلاع على شيء من العورات إلا في حالة الضرورة القصوى، ومن المعلوم أيضاً في حالة الضرورة يجب أن يكون الاطلاع على عورة الرجل من قبل الرجل لا من قبل المرأة ما لم تكن زوجة له، ويجب أيضاً الاطلاع على عورة المرأة من قبل امرأة لا من قبل الرجل ما لم يكن ذلك الرجل زوجاً لها، فلا يجوز لأمرأة أن تطلع على عورة رجل من أجل علاجه إلا إن كان يتعذر أن يقوم بعلاجه رجل، ولا يجوز لرجل أن يطلع على عورة امرأة من أجل علاجها إلا أن يكون يتعذر على أي امرأة أن تعالجها، فعلى هذا إن كان من الممكن أن تقوم بهذا التخصص نساء فلا يجوز للرجل أن يقوم بهذا العمل لما يجب عليه من المحافظة على حرمات العورات، والله تعالى أعلم.
السؤال (10)
ورد حديث يحث على الحجامة في يوم الثلاثاء فما مدى صحة هذا الحديث؟
الجواب:
الحجامة يوم الثلاثاء، لا أعرف صحة هذا الحديث، وإنما الحجامة هي مسنونة، أي من جملة العلاج الذي ثبتت به السنة، ليس يعني مسنونة أنه ينبغي للإنسان أن يحتجم، نعم يحتجم إن كانت الحاجة داعية إلى الحجامة عند من يعرف كيف يحجم لئلا يمتص دمه الذي هو دم نقي وإنما يستخرج الدم الفاسد فينبغي أن تكون الحجامة قبل كل شيء بخبرة، والله تعالى أعلم.
السؤال (11)
هل توجد شروط معينة للعب كرة القدم؟
الجواب: (2/253)
صفحة 740
الأصل في اللعب ما لم يكن ذا فائدة هو ممنوع شرعا إلا إذا كان ذا فائدة، فإذا كان من أجل ترويض الجسم وتقوية الجسم فذلك، وفي هذه الحالة لا بد من أن يكون ساتراً لعورته، وأن يكون من حوله ساترين لعوراتهم، وأن لا يكون ذلك على حساب عبادة كالصلاة، بحيث لا تفوت الصلاة من أجل كرة القدم، وأن لا يكون هنالك سباب ما بين اللاعبين إذا كانت هناك مباراة ما بين الجانبين، وأن لا تكون هنالك ضغينة أيضاً بينهم بحيث لا يكون هذا اللعب سبباً لوجود ضغينة وأحقاد تتأجج بين الجانبين إن فاز فريق على فريق آخر، وأن لا يؤدي ذلك إلى التحريش بين الجانبين بحيث تتعصب لهذا الفريق طائفة وتتعصب للفريق الآخر طائفة أخرى فذلك كله مما يجب تجنبه، والله تعالى أعلم.
السؤال (12)
تشاجرت مع زوجي في موضوع وأنا صادقة فيه لكنه كذبني وأثناء الحوار لفظ علي الطلاق فقال لي: أنت طالق طالق وسكت. فقال: إذا كنت كاذبة فأنت طالق. فما رأي سماحتكم في هذا؟ هل يقع الطلاق بموجب لفظه لذلك، وإذا كان يقع الطلاق هل يجوز لي الرجوع وكيف، علماً بأنه سابقاً طلقني طلقة واحدة ورجعت إليه وهذه هي المرة الثانية، فبماذا تأمرني سماحة الشيخ؟
الجواب: (2/254)
صفحة 741
تلك الطلقة السابقة كما وقعت، أما بالنسبة إلى هذا الطلاق الأخير فقوله أنت طالق طالق، هذا الطلاق لم يقيد، وإنما في المرة الثالثة قيد، فذلك تقييد لطلقة أخرى، أما ما مضى بما أن التقييد لم يكن في نفس واحد مع المقيد فالتقييد لا عبرة به، قوله (إن كنت كاذبة) لا عبرة به لأنه جاء بعدما أطلق الطلقتين من غير تقييد، وتكراره بحيث قال لها (أنت طالق طالق) هذا التكرار إن قصد به التأسيس وهو إنشاء طلقة جديدة عندما أعاد اللفظ فإنها تطلق طلقتين، وإن كان قصد به التأكيد أي تأكيد الطلقة الأولى فهي طلقة واحدة، فإن كانت هذه طلقة واحدة والطلقة الثالثة لا عبرة بها لأنها مقيدة بكونها كاذبة وهي مع ذلك غير كاذبة، هذه الطلقة الثالثة لا عبرة بها لكونها غير كاذبة فله أن يراجعها إن كان قصد التأكيد ولم يكن قصد التأسيس لأن الطلقة الثانية تضم إلى الطلقة الثالثة، له أن يراجعها بما بقي من طلاقها وقد بقي من طلاقها طلقة واحدة، والله تعالى أعلم.
السؤال (13)
هل لكم من تعليق على هذا الموقف أي حوار بسيط بينه وبين زوجته أدى إلى الطلاق
الجواب:
هذا من الهوس وضلال العقول، وعدم معرفة الناس كيف يتصرفون. الطلاق إنما جعل بيد الرجل لأن الرجل أقدر على ضبط أعصابه والتحكم في نزعاته ونزغاته، أقدر على التحكم في عواطفه عندما تهيج بخلاف المرأة فلذلك جعل الطلاق بيد الرجل، ولكن الرجل أصبح هو الأحمق والأرعن الذي يتصرف هذا التصرف الذي هو خارج عن حدود الاعتدال. (2/255)
صفحة 742
الطلاق أولاً لم يشرع من أجل التلاعب، يتفادى الطلاق كل التفادي، ولذلك حتى عندما يستحكم الخلاف بين الرجل والمرأة يؤمر إن تعذر الصلح فيما بينهما وعلاج مشكلتهما فيما بينهما يؤمر أن تتدخل الأسرتان أسرة الرجل وأسرة المرأة (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) (النساء: من الآية35)، ذلك من أجل تفادي الطلاق، عندئذ إذا تعذر الوفاق وصارت الحياة الزوجية جحيماً لا يطاق عندئذ يمكن الطلاق أو يجوز الطلاق ولكن مع هذا لا بد من أن يكون تراعى فيه شروط، الله تبارك وتعالى يقول (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ) (الطلاق: من الآية1)، وقد بيّن ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلّم عندما جاء إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال له: يا رسول الله إن عبدالله طلق امرأته وهي حائض فقال له: مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإن شاء أمسك وإن شاء طلق، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء. أي يمكن أن يطلق المرأة في طهر لم يباشرها فيه، أما في طهر باشرها فيه فالطلاق حرام، أو في الحيض أيضاً الطلاق حرام لأن هنالك حكمة ربانية، في الحيض كثيراً ما تكون المرأة هائجة العواطف متوترة الأعصاب فيؤمر الرجل أن يحتمل هذه الحالة النفسية منها وأن لا يتسرع إلى طلاقها.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى الرجل لا يتمكن من قضاء وطره من المرأة في هذه الحالة فلربما زهد فيها نفسه فلذلك أمر بأن يمتنع من الطلاق في هذه الحالة. وأما في الطهر الذي باشرها فيه أيضاً قد تكون نفسه أصابت الرغبة منها وانتهت هذه الرغبة فقد يتسرع إلى طلاقها، أما في طهر لم يباشرها فيه فإن نفسه تكون أكثر ميلاً إليها مع إمكان قضاء الوطر منها فلذلك لا يطلقها إلا لداعٍ لا محيص عنه. (2/256)
صفحة 743
ثم مع هذا الله تبارك وتعالى يقول (الطَّلاقُ مَرَّتَان) (البقرة: من الآية229)، ومعنى ذلك أن الطلاق الذي يكون بعده الرجوع بحيث تكون المراجعة مراجعة المرأة هو طلقة بعد طلقة، فلا يوقع الطلاق دفعة واحدة، وإنما يوقع الطلقة الأولى فإن وجد نفسه تميل إلى المرأة تمكن من مراجعتها، فإن انتهت عدتها كان واحداً من الخطاب، والأمر يعود إليها، وبعد هذا لو راجعها وطلقها ثانية كذلك نفس الشيء، بعد ذلك إن طلقها الثالثة منع هنا من مراجعتها حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، ولكن مع ذلك نجد الناس يتسرعون فيجمعون الطلقات الثلاث دفعة واحدة، كل ذلك بسبب الهوس وعدم قدرتهم على التحكم في العواطف وعدم خشيتهم من الله، فهم يخالفون كتاب الله، ويخالفون هدي رسوله صلى الله عليه وسلّم، وكثير من العوام الجهلة لا يطلقون حتى يكفروا، يجمعون بين كفرين والعياذ بالله، بحيث يقول أحدهم لامرأته أنت حرام عليّ وحلال لأي رجل آخر، من أين هذا القول من أين جاء به؟ هي أولاً قبل كل شيء في العدة، وفي العدة إن كان الطلاق رجعياً فهو أملك بها لأن الله تعالى يقول (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِك) (البقرة: من الآية228)، ثم من ناحية التحليل للغير، الله تعالى حرمها على الغير ما دامت لم تنته عدتها فقد قال (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِن) (البقرة: من الآية228)، فلا يحل لهن الزواج إلا بعد مضي هذه الثلاثة القروء، فمن أين له أن يحللها لغيره؟ هذا التصرف دليل الهوس، وهو كفر لأنه افتراء كذب على الله، والله سبحانه وتعالى حذّر من التجرئ على التحليل والتحريم إلا بحكم منه، لأن التحليل والتحريم من شأن الله لا من شأن العباد، الله تبارك وتعالى يقول (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ (2/257)
صفحة 744
وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) (النحل:116)، وقول تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) (يونس:59)، وبيّن سبحانه وتعالى أن التحريم لما أحل الله من شأن المشركين فقد قرن بين الإشراك والتحريم عندما قال في سورة الأنعام (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ) (الأنعام: من الآية148)، وكذلك قال في سورة النحل (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) (النحل: من الآية35)، فليس للإنسان أن يقدم على تحريم شيء أحله الله ولا على تحليل شيء حرمه الله، إنما التحليل والتحريم بيد الله سبحانه وتعالى وحده، والله تعالى المستعان.
السؤال (14)
امرأة تفوتها في بعض الأحيان صلاة الفجر فتصليها في وقت متأخر بعد طلوها الشمس، وهناك من قال لها عليك أن تصليها مع الظهر، لكنها سمعت أيضاً أنها تصليها فور قيامها فما الحكم؟
الجواب:
الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا تذكرها. فمن نام فليصلها في وقت يقظته، ومن نسي صلاة فتذكرها فليصلها إذا تذكرها، وإن كان ذلك الوقت وقتاً لا تصح فيه الصلاة فلينتظر حتى ينتهي الوقت الذي لا تجوز فيه الصلاة. (2/258)
صفحة 745
والأوقات التي لا تجوز فيها الصلاة هي ثلاثة أوقات: وهي حال طلوع الشمس، بداية طلوع الشمس عندما يخرج شعاع من الشمس حتى تستكمل طلوعها، وعندما يبتدأ غروب الشمس حتى ينتهي غروبها أي تكون غاربة تماماً، وعندما تكون في كبد السماء في الحر الشديد أي عندما تتكون في وسط السماء بين المشرق والمغرب في وقت شدة الحر، وأما في بقية الأوقات فإن من استيقظ في وقت فعليه أن يصلي في ذلك الوقت الذي استيقظ فيه وأن لا يؤخر الصلاة إلى ما بعد ذلك، وكذلك الذي تذكر الصلاة في وقت فعليه أن يصليها في حال تذكره وأن لا يؤخرها إلى ما بعد ذلك، والله تعالى أعلم.
السؤال (15)
امرأة استلفت مبلغاً من المال ليس لها وإنما لغيرها وأرادت أن تذهب إلى الحج أو العمرة، هل يعتبر ذلك ديناً عليها؟
الجواب:
نعم، بما أن ذلك الحق هو في ذمتها أخذته لم تكن مجرد واسطة، وإنما أخذته على أنها هي المستدينة، فهي التي عليها وفاء ذلك الدين، هي المدينة، وإن كان الدين حالّ الأجل فلتبدأ أولاً بوفائه إن كان الدائن يطالبها، وإن لا يطالبها ونفّس لها ووسع لها وعندها وفاء الدين ووسع لها أن تذهب إلى الحج أو العمرة فلا عليها أن تحج أو تعتمر.
السؤال (16)
رجل عندما ينام يصدر أصواتاً حيث أنه كان في الصباح يقلد أصوات الحيوانات ويظهر ذلك عليه عندما ينام، والأشخاص الذين ينامون معه يتضايقون من هذا الأمر فهل من حل له؟
الجواب:
حل هذه المسألة أن يدع التقليد، هو إنسان، لماذا ينزل إلى دركات الحيوانات، ويرضى لنفسه أن يكون حيواناً؟! أيسخط على الله تعالى أن خلقه إنساناً؟! هذا دليل حماقة هذا الرجل.
السؤال (17)
امرأة تريد أن تذهب إلى العمرة وعندها أبقار وأغنام إلا أنها تركت أمر رعايتها على جاراتها، هل يسعها ذلك؟
الجواب:
ما المانع من ذلك!!
السؤال (18) (2/259)
صفحة 746
رجل أطلق كلمة قيد بها حركة زوجته وهو نادم عليها الآن ويريد أن يتخلص من هذه الجملة، قال لزوجته (إذا ذهبت إلى مكان لا أعلم به اعتبري نفسك طالقا)؟
الجواب:
حقيقة الأمر هذه من الأخطاء التي يقع الناس فيها كثيراً ويورطون أنفسهم، وقد تذهب المرأة ناسية أو ذاكرة، وقضية الطلاق إن كان معلقاً على شيء هو مما يسمى عند الأصوليين من خطاب الوضع، فهو يقع بوقوع المعلق عليه سواءً كان ذلك عن طريق القصد أو عن طريق غير القصد، لأن الطلاق المعلق على شيء يقع بوقوع ذلك الشيء المعلق عليه، فلذلك كان ينبغي له أن يحتاط لئلا يورط نفسه، قد تذهب وتنسى، وقد تكون أحياناً امرأة لا تخشى الله تعالى فتذهب وتستحب أن تبقى في كنف الزوج ولو كانت هي خارجة من عصمته بسبب فعلها ما علق طلاقها عليه.
فهذه من الأخطاء، ولكن أرى المخلص في ذلك أن تذهب إلى مكان لا يعلمه، وعندما تذهب إلى ذلك المكان تخبره فوراً ويراجعها، وبعد المراجعة هذه الكلمة تسقط لا يبقى لها أثر بعد أن يراجعها، إن كان لم يسبق له أن طلقها تطليقتين قبل هذه الطلقة.
السؤال (19)
امرأة قالت لها أمها لا ترضى لها أن تلبس الزي الطويل (الجلابية) حيث لم تكن شائعة في ذلك الوقت بل تحب أن تراها بالزي التقليدي وقد توفيت أمها منذ عشر سنوات وبناتها الآن ينصحنها بأن تلبس الزي الطويل في بعض المواقف لأنه ساتر، لكنها من ورعها تقول بأنها لم تعص أمها في حياتها فكيف يمكن أن تعصيها بعد مماتها، فما رأي سماحتكم؟
الجواب:
طاعة الله سبحانه مقدمة على طاعة الأم، والمرأة مأمورة بأن تلبس اللباس الساتر لا اللباس الذي يبرز شيئاً من مفاتن جسدها.
السؤال (20)
طلبة عمانيون في أمريكا يقولون: نواجه بعض الصعوبات في الحصول على محلات لبيع اللحم الحلال وإن وجدت فهي بعيدة جداً، والسؤال ما رأيكم في الأطعمة المقدمة في المطاعم والمحلات غير المسلمة اللحم والدجاج الطازج منها أو المعلب، ما حكمه؟
الجواب: (2/260)
صفحة 747
أولاً علينا أن ندرك بأن ذبح الحيوان لا بد أن يكون بطريقة مشروعة، بطريقة لا تختلف عما شرع الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه قد حرّم كثيراً من أنواع الحيوانات مما أُحل لكن بسبب من الأسباب، والله تعالى يقول (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) (المائدة: من الآية3)، فلئن كانت هذه اللحوم مذبوحة بطريقة شرعية ممن تجوز ذكاته شرعا، وذلك بأن يكون المذكي مسلماً، أو يكون المذكي كتابياً مع اليقين بكتابيته لا مع الشك فيها ففي هذه الحالة لا مانع من أكلها إن لم تكن بطريقة لا تجوز، أي ما لم تكن موقوذة، إذ لم يكن الله تبارك وتعالى ليحرم الوقذ من مسلم ويبيح الموقوذة إن كانت من كتابي، إنما الموقوذة هي محرمة سواءً كان الواقذ مسلماً أو كان الواقذ كتابياً، وكذلك حرّم الله تبارك وتعالى المنخنقة، فالمخنوقة سوءاً كان الخانق كتابياً أو كان الخانق مسلماً إنما المخنوقة لا تحل، وهكذا كل ما كان على غير الطريقة الشرعية.
أما إن كان الذبح بطريقة شرعية ليس فيها شيء مما يعاب قط بحيث تكون مستوفية لجميع شروطها فلا مانع من أكل ما ذبحه الكتابي مع التيقن من كتابيته فإن معظم الغربيين أصبحوا اليوم ملاحدة ولم يعودوا كتابيين، والله المستعان.
السؤال (21)
سأل سائل أمير المؤمنين علياً كرّم الله وجهه عن اللطخة التي نراها في القمر فأجاب على الفور بآية من كتاب الله، ما هي هذه اللطخة التي توجد في القمر؟
الجواب:
هذا شيء لا أعرفه.
السؤال (22) (2/261)
صفحة 748
أنا شاب خطبت فتاة ذات دين وخلق وبعد شهرين من الخطبة أصر أهلي على ترك هذه الفتاة وأجبروني على ذلك لا لسبب إلا لأنها ليست من قبيلتي، ويريد أهلي تزويجي من فتاة عادية على أساس أنها من نفس قبيلتي، والسؤال هل أنا ملزم بطاعة أهلي في ترك الزواج من هذه الفتاة المتدينة دون سبب، وهل يأثم أهلي بفعلهم هذا حيث أن فسخ هذا الزواج سبب للفتاة حرجاً كبيراً وكذلك لأهلها، ما نصيحتكم للأهل الذي يجبرون أبنائهم للزواج من فتيات على أساس القبيلة أو القرابة دون اعتبار للدين والخلق؟
الجواب:
أولاً العبرة بالدين والأخلاق سواءً من قبل الرجل أو من قبل المرأة (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه) (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، هذا من ناحية، من ناحية أخرى الزواج لا يجبر عليه لا الذكر ولا الأنثى، لا الابن ولا الابنة، لا الشاب ولا الفتاة، لا يجبر أحد على الزواج ممن لا يريد الزواج به، لا تجبر الفتاة أن تتزوج من لا تريده، ولا يجبر الفتى أن يتزوج من لا يريدها، الكل إنما يختار شريك حياته بنفسه، لأن الزواج إنما هو ربط مصير بمصير، وهو لقاء أرواح بأرواح، لقاء عواطف، لقاء مشاعر وأحاسيس، هذه المشاعر إنما تكون بين الزوجين نفسيهما، فكيف يفرض الإنسان على أحد أن يشعر بمشاعر معينة تجاه شخص معين وهو لا يشعر بها بفطرته، هذا من الخطأ الكبير الذي يقع فيه الأهل، وتكون عاقبة مثل هذا الزواج الفشل، وكثيراً ما أدى مثل هذا التصرف الأرعن إلى فشل الزواج إلى مشكلات تنجم ما بين الأسر فلذلك يجب عليهم أن يبتعدوا عن مثل هذه الأشياء ثم هم على أي حال عندما سعوا إلى إبعاد ولدهم عن التزوج بمن يريدها وهي مرتضاة في دينها وخلقها عندما سعوا إلى ذلك آثمون ولا ريب في ذلك، ثم هم آثمون بسبب الإحراج الذي وقع لهذه الفتاة ولأهلها، فعليهم أن يتقوا الله، وأن يدعو عنهم مثل هذا التصرف الأرعن.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه (2/262)
صفحة 749
16 من شعبان 1424هـ، 12/ 10/2003م
الموضوع: عام
السؤال (1)
في بعض الأحيان تكون حالة المريض سيئة وإجراء عملية له لا تعد في تقدير الطبيب مضمونة، ربما نسبتها ثلاثين في المئة أو عشرين في المئة، فعندما يقوم الطبيب بإجراء عملية من هذا النوع هل يعد ذلك من قبل الاعتداء على النفس؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإن للإنسان حقوقاً في الإسلام بسبب إنسانيته إذ هي مناط تكريمه، فالله تبارك وتعالى يقول (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الاسراء:70)، ولذلك أحيط الإنسان بسياج من الأحكام بحيث تصان حياته ويمنع العدوان عليه، ويمنع انتهاك أي حرمة من حرماته، ومن المعلوم أن الأمر قد يترجح جانب فيه على جانب فيكون لهذا الرجحان أثر في الحكم في الإسلام، فإذا كان يترجح أن الإقدام على العملية قد يؤدي إلى عطب هذا المريض وهلاكه فإن الإقدام في هذه الحالة عليها يعد اعتداء ولا يجوز شرعاً، لأن ما ترجح في نفس الطبيب أو في نفوس الأطباء هو الذي يعوّل عليه، أما الضمان لا يمكن أن تكون عملية من العمليات مضمونة، فكل عملية لا تخلو من شيء من المخاطرة، ولكن بما أنه يترجح في كثير من العمليات أن جانب السلامة أدعى إلى طمأنينة النفس واستقرارها ففي هذه الحالة لا مانع من الإقدام عليها، ولكن عندما يكون الأمر بخلاف ذلك فإن الإقدام على هذه العملية يعد أمراً فيه من الخطورة ما فيه فلذلك يضمن الطبيب هنا، بل يُعد متعدياً بفعله ذلك، والله تعالى أعلم.
السؤال (2)
قد تصل نسبة النجاح بحسب تقدير الطبيب إلى خمسين في المائة، فهل تكفي هذه النسبة للجواز بالقيام العملية؟
الجواب: (2/263)
صفحة 750
أما إذا كانت خمسين في المائة فلا تكفي هذه النسبة، ما لم يترجح جانب السلامة على جانب العطب، لا بد من ترجح جانب السلامة بحيث تكون النفس أقرب إلى الطمأنينة ورجاء السلامة للمريض.
السؤال (3)
هل موافقة المريض أو موافقة أهله دخل في إجازة هذا الموضوع؟
الجواب:
المريض لا يملك من الأمر شيئاً إذا كان في حالة مرض شديد فقد يحجر عليه التصرف حتى في ماله عندما يصل إلى تلكم المرحلة، فكيف إذاً الإقدام على إباحة شيء في نفسه لا يبيحه شرع الله تعالى، وغير المريض من أوليائه أيضاً ليس لهم أن يخاطروا بحياته لأنه حياته مصونة في حكم الإسلام ويجب أن يحافظ عليها.
السؤال (4):
إنهاء حياة الميت دماغياً، معلوم في الفترة ألأخيرة حسب التشخيصات الطبية أن الميت عندما يموت دماغه فقد تحقق موته، ربما يظل القلب يعمل بالأجهزة الصناعية لكن بمجرد رفع الأجهزة يكون المريض قد فارق الحياة، فهل يجوز إنهاء حياة الميت دماغيا؟
الجواب: (2/264)
صفحة 751
حقيقة الأمر هذه القضية مما وقع الأخذ والرد فيه، وتضاربت الآراء فيه، وأثيرت في مجمع الفقه الإسلامي، والأطباء ذكروا أن المريض في هذه الحالة لا تكون فيه حياة إلا الحياة المكتسبة من وجود الأجهزة التي تُبقي نبضات قلبه وإلا فإن حياته لا ترجى بحال من الأحوال، فلئن كان المريض بهذه الحالة وكانت هذه الأجهزة لا تكلف الدولة أو لا تكلف المجتمع شيئاً من النفقات - لو كان ذلك كذلك - فعندئذ إبقاء هذه الأجهزة هو الواجب لعدم التكليف، ولكن بما أن هذه الأجهزة هي مكلفة والحاجة إليها داعية، وقد يحتاج إليها من ترجى حياته وهذا لا ترجى حياته فسحب الأجهزة ليس قتلاً له، وإنما هو أمر يترتب عليه أن تتوقف نبضات قلبه لأن تلكم النبضات أصبحت صناعية بسبب ذلك الجهاز، ما أصبحت نبضات طبيعية، وإنما هي نبضات صناعية، والأجهزة تكلف حسبما فهمنا من الأطباء تكلف الدولة مبلغاً هائلاً مع عدم رجاء الحياة لذلك المريض إذ هو في حكم الميت وإنما نبضات قلبه كما ذكرنا لا تعدو أن تكون صناعية بسبب وجود تلكم الأجهزة، ففي هذه الحالة توفر فائدة هذه الأجهزة للذين ترجى حياتهم لا للذي هو ميئوس من حياته.
السؤال (5):
إذا استمر الميت دماغياً يعمل بالأجهزة الموضوعة فيه وقد تحقق موته وإنما بقيت الأجهزة هي التي تعمل فيه، ففي هذه الحالة زوجته هل تعتد بمجرد تقرير الأطباء أنه مات وإنما بقي الآن حياً بسبب هذه الأجهزة؟
الجواب:
ولماذا تبقى هذه الأجهزة فيه؟ لأنها مثار ريبة، ما دام معلوماً أن الرجل ميت وأن هذه النبضات ليست هي إلا من فعل الأجهزة، وليست هي من إفراز الطبيعة فيجب أن تفصل هذه الأجهزة حتى يتحقق موته وعندئذ تترتب أحكام موته من إرث وغير ذلك. لا يحكم عليه بأنه ميت لو أنه مات أحد ممن يتوارث معه في تلك الحالة مادامت هنالك ريبة باقية فإن الأصل حياته حتى يتيقن موته، فينبغي في هذه الحالة أن تسحب هذه الأجهزة لأجل تيقن موته.
السؤال (6): (2/265)
صفحة 752
الميت دماغياً هل يجوز أن تؤخذ منه كلية مثلاً لأحد أقاربه؟
الجواب:
هذه قضية ثانية، على كل حال قضية فيها أخذ ورد بين علماء الأمة، على أن التصرف في جسم الميت أيضاً لا يكون برأي قريب ولا برأي غيره إنما هي قضية كما قلنا بعض العلماء أباح للإنسان أن يوصي نظراً لأجل المنفعة، ومنهم من تحفظ نظراً إلى أن الإنسان لا يملك من جسده شيئا، وعلى كل حال القضية لا ينبغي أن يُتسرع في البت فيها.
السؤال (7):
البلدة التي نصل إليها من طريقين الطريق الأولى تتعدى مسافة السفر والطريق الثانية لكنها غير معبدة هو طريق ترابي لا يتعدى مسافة السفر، عندما نسلك الطريق الذي يتعدى مسافة السفر هل يجب القصر؟
الجواب:
إن كان كلا الطريقين مسلوكة فلا يكون هنالك قصر، بل يجب الإتمام، أما إذا كان أحد الطريقين مهجورا فالعبرة بالطريق المسلوك لا بالطريق المهجور.
السؤال (8):
لكن قد لا يعد طريقاً مهجوراً مطلقاً لكن يمشي فيه سيارة أو سيارتان.
الجواب:
إن كان غير مهجور فلا تقصر فيه الصلاة.
السؤال (9):
من قصر الصلاة في هذه الوضعية ماذا عليه هل يعيد الصلاة؟
الجواب:
فليعد صلاته.
السؤال (10):
الولد أو البنت عندما يصلان سن البلوغ هل يخضعان لقانون الحضانة؟
الجواب:
الحضانة تنتهي بانتهاء ميقاتها، والبالغ ليس هو بحاجة إلى حضانة حتى يقال إنه محضون، نعم الأنثى يجب على والدها أن ينفق عليها إلى أن تتزوج بخلاف الذكر فإنه يمكن أن يستقل بنفسه فيمكن أن يعمل.
أما قضية الحضانة فلا تدخل في هذا الباب إذ بالبلوغ ينتهي كل شيء. نعم ينبغي أن ينظر في أي المكانين أحرى أن تكون البنت، إذا كانت الأم غير متزوجة فإننا نرى أن في هذه المرحلة أي مرحلة البلوغ ينبغي أن تكون عند أمها إذ هي أجرأ على تعليمها أحكام الحيض وأحكام الجنابة وغيرها من الأحكام التي قد يشق على الأب أن يباشر ابنته بتعليمها إياها.
السؤال (11): (2/266)
صفحة 753
نادى كثير من العلماء وفي مقدمتهم سماحتكم بأهمية الوحدة الإسلامية والتي هي أمل كثير من أبناء الأمة الإسلامية، لكن في الظروف الحالية هل بالإمكان تحقيق هذه الوحدة، وما هي الأساليب والوسائل التي من الممكن أن تساهم في تحقيقه؟ وهل ساهمت المذاهب الإسلامية في شتات وفرقة الأمة خاصة إذا علمنا أن كثيراً من المسلمين يضللون غيرهم من المسلمين إذا خالفوهم في بعض الأمور الاجتهادية.
الجواب:
حقيقة الأمر أولاً قبل كل شيء يجب أن يدرك الجميع الفرق بين الفروع والأصول، وبين الجزئيات والكليات، وبين القطعيات والظنيات، فالقضايا الظنية ليست مجالاً لقطع عذر أحد فيها وإنما للناس اجتهاداتهم فيها.
فالمسائل القطعية لها وضع خاص، والقطعي هو ما ثبت بالدليل الذي هو قطعي متناً ودلالة، فقطعية المتن أن يكون متنه متناً متواتراً وذلك بأن يكون آية من كتاب الله تعالى أو حديثاً تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلّم، والتواتر هو أن ينقل الحديث جماعة عن جماعة لا يمكن أن يتواطأ مثلهم على الكذب عادة حتى يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلّم، فالحديث المتواتر إنما هو الحديث الذي تلقاه عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم عدد كبير من الناس لا يمكن أن يتواطأ مثلهم على الكذب عادة، ونقل ذلك عنهم مثلهم أو أكثر منهم تقريباً كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلّم الذي هو (من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، فإنه قيل بأنه رواه عن النبي صلى الله عليه وسلّم نحو ثمانمائة صحابي، فهذا عدد كاف لئن يعتبر تواترا بل لعله زاد عما يشترط في التواتر ونقله عنهم أعداد هائلة وانتشر واشتهر ما بين الأمة حتى أصبح من الأمور التي لا يشك فيها فهذا هو المتواتر. (2/267)
صفحة 754
وأما قطعية الدلالة فقطعية الدلالة إنما تكون بكون الدليل نصاً، لأن الدليل إن كان غير نص وذلك بأن يكون ظاهراً مثلاً فدلالته لا تكون دلالة قطعية حتى ولو كان متنه متناً قطعياً، فظواهر القرآن الكريم وظواهر الحديث المتواتر ليست قطعية، فمثلاً بالقرآن الكريم عمومات، هذه العمومات خُصصت بمخصصات متعددة فلذلك لا تعتبر قطعية لأنها يدخل عليها التخصيص، والعلماء قالوا بأنه ما من عموم إلا وقد خُصص ما عدا عمومات معينة وهي العمومات التي لا يمكن أن يدخلها التخصيص لاستحالة تخصيصها كقول الله تبارك وتعالى (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه) (المؤمنون: من الآية91)، وقوله سبحانه (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) (الاخلاص:3 - 4)، وقول لا إله إلا الله وأمثال ذلك، فإن هذه عمومات قطعية لاستحالة تخصيصها بأي مخصص كان. (2/268)
صفحة 755
أما العمومات الشرعية التي هي مصدر الاستدلال الفقهي فإنها لا يكاد يسلم عموم منها من تخصيص فلذلك تخصص هذه العمومات بالأحاديث الآحادية، وتخصص بالقياس، وتخصص بمفهوم المخالفة، وتخصص بمخصصات كثيرة مثال ذلك قول الله تبارك وتعالى بعدما ذكر ما ذكر من المحارم (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) (النساء: من الآية24)، فإن هذا عام وقد ورد تخصيصه في السنة النبوية بحيث جاءت السنة بالمنع من الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها فلا تنكح الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى، وكذلك جاء في الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم إلحاق كل ما يحرم مثله من النسب أي إلحاق العلاقات التي هي من الرضاع بعلاقات النسب في الحرمة مع أن القرآن الكريم ما ذكر إلا الأمهات والأخوات فقط، ولكن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم ألحق بذلك العلاقات التي يحرم مثلها من النسب إذ قال عليه أفضل الصلاة والسلام: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. وقال: يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة. وقال: إنما الرضاع مثل النسب. فهذا من باب تخصيص عموم قوله تبارك وتعالى (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) (النساء: من الآية24)، وكذلك قال سبحانه وتعالى (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة) (النور: من الآية2)، ومع ذلك جاءت السنة النبوية لتخصص هذا العموم بحكم الرجم في الزاني المحصن إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة. وهذا مما هو واضح.
فاجتراء أي أحد على تضليل أحد بسبب مخالفته إياه في الرأي، ومسائل الرأي غير مسائل الدين، لأن مسائل الدين ما ثبتت الدلالة عليها بطريقة القطع، اجتراء الناس على تضليل بعضهم بعضاً في ذلك أمر فيه خطورة كبيرة لأنه تجنٍ على الدين وتجنٍ على الأمة وسعي بالفساد في الأرض لأنه يؤدي إلى القطيعة ما بين هذه الأمة التي فرض الله تبارك وتعالى عليها أن تكون أمة واحدة. (2/269)
صفحة 756
على أن وحدة الأمة مطلب إسلامي يتمناه كل أحد من المسلمين، فأولئك الذين يقطعون أوصال الأمة بالتضليل والتفسيق والتبديع في غير ما قامت عليه الأدلة النصية القطعية إنما هم يخيّبون أمل هؤلاء الذين يتطلعون إلى وحدة الأمة كما أنهم يمهدون لأعداء الإسلام لأن يحتلوا هذه الأمة ويدوسوا كرامتها وينفذوا إرادتهم فيها. (2/270)
صفحة 757
إذ عدو الإسلام إنما يجد الفرصة للانقضاض على الأمة الإسلامية بسبب تشتتها واختلاف كلمتها، إذ التشتت يؤدي إلى الضعف والوهن، الله تبارك وتعالى يقول (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال: من الآية46)، ونحن نرى أن الله سبحانه وتعالى يدعو في كتابه الكريم إلى توحد الأمة كما يدعوها إلى توحيده تعالى فهو يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً) (آل عمران: 102 - 103)، ثم إنه يحذر الأمة أن تتفرق بها السبل كما تفرقت بالأمم السابقة فيقول (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران:105)، ويبين سبحانه أن أولئك الذين يتفرقون ويتشتتون ويؤدي الأمر بهم إلى التنازع ويؤدي الأمر بهم إلى التضليل والتبديع ليسوا من النبي صلى الله عليه وسلّم في شيء فهو سبحانه وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلّم (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء) (الأنعام: من الآية159)، وكذلك يبين تعالى أن هذا من شأن المشركين (وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً) (الروم: 30 - 31)، فالله سبحانه وتعالى من خلال هذه الآيات كلها يحذر هذه الأمة من التفرق، فالواجب إذاً على الأمة أن تفرّق بين القضايا القطعية والقضايا الفرعية أي عليها أن تفرّق بين الأصول وبين الفروع، وأن تفرق بين الكليات وبين الجزئيات، وأن تفرّق بين الدين والرأي، إذ الدين ما كان قطعاً من عند الله أو بنص ثابت بالقطع عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم، أما الرأي فهو ما يكون من قبل العلماء بسبب نظرهم في الأدلة. (2/271)
صفحة 758
على أن الاختلاف في الرأي أمر أقر من قبل الله ومن قبل رسوله صلى الله عليه وسلّم، فالله سبحانه وتعالى أقر المسلمين على اختلافهم في رأيهم في نخيل بني النضير عندما أنزل قوله (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّه) (الحشر: من الآية5)، وكذلك أقر النبي صلى الله عليه وسلّم أصحابه رضي الله تعالى عنهم على الاختلاف في فهم معنى قوله لهم عندما قال لهم: لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة. ففهم بعضهم أن الصلاة يجب أن تكون في بني قريظة مهما كان من تأخيرها عن وقتها الموقوت لها حتى ولو كان ذلك بعد مضي وقتها بزمن طويل، ومنهم من فهم أن المراد بهذا المسارعة للذهاب إلى بني قريظة حتى يحرص الكل على أن تكون الصلاة عندهم، وقد اختلفوا فيما بينهم فمنهم من صلى وذلك قبل ذلك عندما خشي فوات الوقت، ومنهم من أخر الصلاة إلى أن وصل إلى عند بني قريظة فأقر النبي صلى الله عليه وسلّم هؤلاء وهؤلاء على ما فهموا لأجل أن يكون في ذلك مجال للاجتهاد من قبل هذه الأمة.
فالقضايا الاجتهادية قضايا يجب أن يفهمها الناس على أنها ليست مثاراً للجدل ومثاراً للخلاف ومثاراً للتنازع والتشتت فيما بينهم، إنما على الكل أن يحرص أن يتمسك بكتاب الله وبالثابت الصحيح من سنة رسوله صلى الله عليه وسلّم، وأن لا يكون غرض أي منهم أن يخالف حكماً من عند الله أو حكماً جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فإن الله تعالى يقول (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (الأحزاب:36). (2/272)
صفحة 759
ونحن دائماً ننادي بضرورة وحدة الأمة وتضافر جهودها من أجل المحافظة على استقلالها وحريتها وكرامتها واستعادة عزتها واستعادة أمجادها إذ مع التشتت والاختلاف لا يكون أبداً سبيل إلى هذه العزة التي نصبو إليها والكرامة التي نتمناها والاستقلالية التي يجب علينا أن نحافظ عليها، إنما الأمة تبقى ضائعة مع الاختلاف والتنازع، وتذهب بذلك ريحها وتصبح مطمعاً لعدوها بحيث يطمع فيها كل واحد من أعدائها، فنرجو أن يرد الله تبارك وتعالى هذه الأمة إلى صوابها، والله تعالى ولي التوفيق.
السؤال (12):
سماحة الشيخ أنتم تحضرون الكثير من المؤتمرات والاجتماعات الرامية إلى توحيد الأمة الإسلامية والتقريب بين المذاهب هل ترون أنها كافية في وحدة هذه الأمة؟
الجواب:
نحن نشكر لذوي النوايا الطيبة حسن نواياهم ونتمنى أن تتحقق هذه الأماني، ونشكر لكل ساع إلى الخير سعيه مهما كانت النتيجة، فالشاعر يقول:
لأشكرنك معروفاً هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف
ولا ألومك إن لم يمضه قدر ... فالشيء بالقدر المحتوم مصروف
ويقول الآخر:
على المرء أن يسعى ويبذل جهده ... ويقضي إله الخلق ما كان قاضيا (2/273)
صفحة 760
فالله سبحانه وتعالى يؤجر الناس على جهودهم وعلى نواياهم الطيبة، في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وسلّم: نية المؤمن خير من عمله. وذلك لأن المؤمن ينوي ما لا يستطيع أن يتوصل إليه من الأعمال الصالحة، فالنوايا الطيبة التي في نفوس المؤمنين يؤجرون عليها، فنحن نشكر لأصحاب النوايا الطيبة والمساعي الطيبة نواياهم ومساعيهم، ونسأل الله أن يحقق ذلك، ولا ريب أن هناك من الجهلة ومن ذوي الإرادات والأضغان والأحقاد من لا يروق له أن يجتمع شمل الأمة، ويسعى دائماً إلى الصيد في الماء العكر، هؤلاء مثل الخفافيش التي تعيش في الظلام وتخشى أن تعيش في الضوء فلذلك لا يروق لها أن تتحد الأمة، ومهما يكن من أمر فإن الله تبارك وتعالى غالب على أمره.
ونحن نترقب اليوم الذي يحقق الله تبارك وتعالى أماني هذه الأمة فيه باستعادة هذه الأمة وحدتها، وما متى يترتب على ذلك من استعادة مجدها التليد وعودها إلى أن تكون أمة قائدة رائدة تقود الإنسانية إلى طريق الخير وتسير بها في دروب الرشد والصلاح وما ذلك على الله بعزيز، فمع وجود هذه النوايا نأمل أن يتغلب الناس على هوى النفوس، ونأمل أيضاً أن يحرص الناس على الاحتكام إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلّم الثابتة الصحيحة، وأن يدعوا أهواء النفوس، في هذا إن شاء الله ما يجمع شمل هذه الأمة.
السؤال (13):
نحن نرى أن معظم الذين يثيرون الخلافات بين أبناء الأمة الإسلامية إنما هم التلاميذ أو المقلدون الذين لم يبلغوا درجة كبيرة من العلم ويبقى العلماء في اتحاد وفي تعاون، فهل ترون أنه إذا حاول أحد التلاميذ أن يثير زوبعة من هذا النوع ينبغي على العالم أن يسرع إليه ليزجره كما فعل أبو عبيدة عندما لم يجز لتلاميذه كلهم بالفتيا إنما أجاز لبعضهم ومنع البعض، فماذا تقولون في هذا؟
الجواب: (2/274)
صفحة 761
كل من يتلاعب بأمر المسلمين ويسعى إلى تشتيت شملهم وتمزيق جمعهم وفل حدهم إنما يجب أن يوقف عند حده، وهذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
السؤال (14):
هل الرؤيا إشارة وقوع أم إشارة تحذير؟
الجواب:
أولاً أنا لست خبيراً في أمر الرؤيا، وأؤمن أن الرؤيا حق، وأؤمن أنها جزء من النبوة على اختلاف الروايات، هل هي جزء من ستة وأربعين جزءاً أو أقل من ذلك أو أكثر كما جاء في الروايات الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم، أؤمن أنها جزء من النبوة، ليست هي النبوة بالمعنى المفهوم إذ لا نبوة بعد النبي صلى الله عليه وسلّم، ولكن أبقاها الله تبارك وتعالى كرامة لهذه الأمة بحيث يرى الإنسان في منامه ما يُفتّح له آفاق المستقبل، ومع هذا إنني أعترف بأنني لست خبيراً في أمر الرؤيا، وإن كنت أحياناً قد أرى الرؤيا واستبشر بها ويتحقق الخير الذي استبشر به. فالرؤيا على أي حال هي تفتح للإنسان آفاقاً بحيث ينفذ منها إلى معرفة المستقبل وإن لم تكن قطعية، إذ التعبير لا يلزم أن يكون قطعياً، ولكن مع ذلك كله فإن الإنسان يطمئن إلى الرؤيا الصالحة التي تبشر بمستقبل سعيد.
السؤال (15):
رجل كان يقود سيارة في الجبل الأخضر وتعطلت السيارة مما تسبب في وقوعها وفقد السائق زوجه وأطفاله وأخته وأم زوجته، فهل تجب الكفارة عليه عن كل شخص مع العلم أن زوجته كانت حاملاً في شهرها التاسع؟
الجواب:
الذي نذهب إليه وهو الذي عوّل عليه كثير من العلماء في مجمع الفقه أن الكفارة تجب بعدد الأشخاص الذين توفوا بطريق قتل الخطأ كما في هذه الصورة، إنما عليه أن ينفذها بقدر وسعه فإن استطاع أن ينفذ ذلك في عام فلينفذه في عام وإن لم يستطع إلا أن ينفذ كفارة في كل عام فليفعل ذلك، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها، والله تعالى أعلم.
السؤال (16): (2/275)
صفحة 762
سماحة الشيخ أجبتم في حلقة ماضية عن الحمير التي تعترض طريق المارة الذين يقودون سياراتهم وقلتم بأن الحيوانات هذه سخرت لخدمة الإنسان فإذا أحدثت ضرراً يجوز قتلها، ولكن بعض طرق السلطنة توجد جمال والجمال يستفيد منها الإنسان في الأكل والركوب وغيرها ولكن دائماً ما تعترض طريق الناس فكيف يتصرفون مع هذه؟
الجواب:
عليهم أن يبلغوا ولي الأمر بذلك، وولي الأمر يصدر أمره بتحذير أصحاب هذه الجمال، وإلزامهم أن يصونوا جمالهم ويحفظوها حتى لا تكون عرضة للأحداث ولا تكون سبباً لقتل الناس، فإن أهملوها مع إقامة الحجة عليهم وسببت خطورة على الناس بحيث كانت سبباً لموت الناس، في هذه الحالة المحافظة على سلامة الناس أولى، وهؤلاء أهدروا حقوقهم بعدم صون أموالهم، فيأمر ولي الأمر بقتلها.
السؤال (17):
إذاً لا يحق للأفراد أن يمارسوا قتلها إنما هذا لولي الأمر؟
الجواب:
نعم.
السؤال (18):
لقد توفي والدي وترك تركة، وهذه التركة لم تقسم وكذلك تركة جدي بعضها قُسم بعضها لم يقسم، وعندما رزقني الله تعالى وتزوجت أقنعني أحد إخوتي بكتابة تنازل عن ميراث أبي بعدما حسبوه وقدروه مقابل قطعة أرض اشتراها إخوتي ليست من ميراث أبي فوافقت على ذلك ووقعت على تنازل من جميع ميراث أبي وجدي ما عدا ميراث الماء الذي لم يعطوني نصيبي منه، وهم يقومون باستغلاله مع العلم أن التركة لم تقسم حتى الآن وإنما أنا الوحيد الذي أخرجت من الميراث وعندما تزوجت احترت في أمري، فهل يلحقني أثم على ذلك، وما نصيحتي لإخوتي وأخواتي وأمي الذين وافقوا على هذا العمل؟
الجواب:
بما أن أنكم اتفقتم على ذلك برضاكم فما على الإنسان إن رضي أن يتنازل عن حقه ولو نزل عن حقه جميعا.
السؤال (19):
ما حكم من كتب في وصيته مالاً للمعزين أو للقيام بالعزاء، هل يصح ذلك؟
الجواب: (2/276)
صفحة 763
هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم إذا أوصى الإنسان بمثل هذه الوصية، والذي نأخذ به هو ما ذهب إليه الإمام أبو نبهان رحمه الله تعالى وعوّل عليه الإمام نور الدين السالمي رحمه الله وهو أن هذه الوصية وصية باطلة لما فيها من مخالفة سنة النبي صلى الله عليه وسلّم، والنبي عليه أفضل الصلاة والسلام يقول: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد. وفي رواية أخرى من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد. فلذلك نرى عدم إقرار هذه الوصية.
السؤال (20):
هل يجوز الشراء من المحلات المبنية على أرض كانت مقبرة في الأصل، وهل للمقبرة مدة محددة؟
الجواب:
قبور المسلمين يجب أن لا تنتهك، وحقوق المسلمين ثابتة لهم في حياتهم وبعد مماتهم فلا يجوز أن تنتهك حرمات المقابر، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: لئن يقعد أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه حتى تفضي إلى جسمه خير له من أن يقعد على قبر. فهذا مجرد القعود فكيف بنبش هذه القبور وإتلاف عظامها والبناء عليها، كل ذلك حرام، وإقرار مثل ذلك يعد حراما، والله تعالى أعلم.
السؤال (21):
في حالة شق الطرق في المقابر حين لا يجدون بداً من شق طريق فوقها، فما الحكم فيها؟
الجواب:
يتفادى شق الطريق في المقبرة بقدر المستطاع، فإن تعذر فليحاولوا أن يصونوا القبور بقدر ما يمكنهم.
السؤال (22):
إذا ثبت لدى الإنسان المسلم أن هذا الشارع يمر فوق مقبرة هل يجوز له أن يمر عليه؟
الجواب:
لا، إلا إن لم يجد طريقاً آخر للمرور فيه واضطر إلى المرور.
السؤال (23):
لي أخ يبلغ من العمر ثلاث وعشرين سنة معوق مصاب بمرض فقر الدم الشديد وشلل نصفي مزمن فهو لا يصلي ولا يصوم في شهر رمضان، بل لا يعرف ما معنى الصوم، ماذا علينا نحن كأخوة أن نفعل، هل نؤجر من يصوم عنه بعد انتهاء الشهر الكريم، أما ماذا نفعل؟
الجواب: (2/277)
صفحة 764
لا، إن عجز الصيام فليطعم، وإن عجز عنهما سقط ذلك عنه، والصلاة لا يصلي أحد عن أحد، فإن كان عاقلاً فليصلي بقدر استطاعته، وإن كان لا يعي فالتكليف ساقط عنه.
السؤال (24):
المعتمر إذا خرج من مكة دون أن يودع قاصداً الذهاب إلى جدة أو الطائف بقصد التنزه أو التجول هل يُحرم عند عودته إلى مكة؟
الجواب:
لا يلزمه ذلك.
السؤال (25):
هل يجوز استخدام غسول للفم لمعالجة التهاب اللوزتين علماً بأنه يحتوي على نسبة من الكحول؟
الجواب:
يُتفادى استعمال الكحول لئلا يلج شيء من مادتها إلى الجوف بقدر استطاعته مع وجود أي علاج آخر يمكن أن يستغنى به، أما إن تعذر العلاج إلا علاجاً فيه كحول فإن الضرورة تبيح المحظورات، والضرورة لا تنحصر في المسغبة فقط بل تكون في المسغبة وفي إحياء النفس أيضا.
السؤال (26):
هل يجوز للشخص أن يتزوج من امرأة لا تريدها أمه، مع العلم أن هذه المرأة يراها هو أنها مناسبة له؟
الجواب:
طاعة الأم هي أولى، ولا ينبغي للإنسان أن يخرج عن طاعتها، إلا إذا كان يرى أن طاعتها تؤدي إلى الضرر به بحيث إنه لو ترك تلك المرأة لتعلقت بها نفسه ولما أدى حق الزوجية لأي امرأة أخرى، في هذه الحالة ينبغي له أن يقنع الأم بقدر استطاعته، ولا ينبغي للأم أيضاً أن تقف حجر عثرة في سبيل تحقيق رغبته.
السؤال (27):
ما قول سماحة الشيخ في من عليه كفارة وهي صيام شهرين متتابعين وأراد الحج فهل يجوز له أن يؤخر الكفارة إلى ما بعد الحج؟
الجواب:
ليوص بهذه الكفارة وليحج خشية أن يفوته الحج.
السؤال (28):
كان شخص عندما يصلي يقرأ التوجيه في كل ركعة ظناً منه بأن التوجيه يكون في كل ركعة وهو جاهل، وفعل ذلك خلال أربع سنوات وبعد ذلك اكتشف بأن صلاته فاسدة فماذا عليه أن يفعل؟
الجواب: (2/278)
صفحة 765
إن تمكن من إعادة صلاته فذلك أولى، وإلا فإنا نقول بأنه نظراً إلى جهله ولم يتعمد أن يأتي بهذه الكلمات لو اكتفى بالتوبة إلى الله يرجى من الله تعالى أن يقبل عذره.
السؤال (29):
في بعض الأحيان في أيام العزاء يقرأون الوهبة (الختمة) ويحضرون جملة من الطعام فما حكمة قراءة القرآن، وما حكم الأكل من الطعام في هذه الوضعية؟
الجواب:
هذه من الأمور البدعية التي لا ينبغي أن تفعل، وعلى الناس أن يتجنبوها، ينبغي في العزاء أولاً قبل كل شيء عدم إحضار الطعام، ما معنى إحضار الطعام في العزاء؟ العزاء ليس هو كالأعراس ونحوها، ليس محلاً للحفلات وإنما العزاء مكان للتعزية تعزية الحي في مصابه بالميت، ولا ينبغي أن تضاف مصيبة إلى مصيبته بحيث يرزأ في ماله كما رأز في عزيزه الذي فقده، وسنة النبي صلى الله عليه وسلّم أن يحمل الطعام إلى أصحاب المصيبة لا أن يرزأوا في طعامهم، وبما أن اجتماعهم يؤدي إلى هذه البدعة فنحن ندعو إلى عدم مثل هذا الاجتماع وندعو إلى عدم الأكل من مثل هذا الطعام.
السؤال (30):
يقال أن هنالك شجرة تسمى شجرة الأقدار تنفض في الخامس عشر من شعبان فهل لهذا حقيقة؟
الجواب:
أما إذا كانت شجرة محسوسة ترى بالأبصار فأنا لم أبصرها ولم أرها ولم أسمع أحداً أنه رآها، وإن كانت مما هو في عالم الغيب فعالم الغيب لا ينفذ إليه ولا يتوصل إلى معرفته إلا بنص من كتاب الله أو حديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولم يأت بذلك نص في كتاب الله ولا حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم فيجب عدم قبول مثل هذه الأقاويل.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
30 من شعبان 1424 هـ، 26/ 10/2003م
الموضوع: عام
السؤال (1)
كيف يجب أن ينظر الناس إلى رمضان بالحقيقة التي أرادها الله تعالى من هذا الشهر الكريم؟
الجواب: (2/279)
صفحة 766
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فأحيي الأخوة والأخوات المشاهدين والمشاهدات من المسلمين والمسلمات بهذا الشهر الميمون الأغر الذي أطل علينا بالبركات واليمن، والذي أشرق علينا بالإيمان والأمان والإسلام والسلام، فالسلام عليكم جميعا أيها الأخوة المؤمنون وأيتها الأخوات المؤمنات ورحمة الله وبركاته، وأهنئكم بهذا الشهر المبارك، شهر الخير والعطاء، شهر العمل والجد، شهر البذل والعطاء، الشهر اختاره الله تبارك وتعالى لأن يكون ميقاتاً لأعظم حدث وقع في هذه الأرض فحوّلها مما كانت فيه وعليه من الباطل والفساد والانحراف إلى ما صارت إليه بمشيئة الله تبارك وتعالى من الحق ومن الاستقامة على النهج السوي.
فشهر رمضان المبارك هو شهر جعله الله تعالى ميقاتاً لنزول القرآن على قلب النبي صلى الله عليه وسلّم، ذلك الكتاب الذي أشرق على هذا الوجود بالحقائق الربانية ونقل هذه الإنسانية مما كانت فيه من التخبط إلى ما آلت إليه من السير على صراط مستقيم عندما استمسكت بكتاب الله تعالى واتبعت هدي نبيه الأمين عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم، يقول الله سبحانه امتناناً على عباده بهذه النعمة العظيمة (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة: من الآية185)، فشهر رمضان المبارك اختاره الله تعالى لحكمة يعلمها لهذا الحدث العظيم، فالله سبحانه يكرم ما يشاء بما يشاء، يكرم من يشاء من عباده وما يشاء من خلقه بما يشاء من مكنونات عطائه، وقد اختص شهر رمضان من بين سائر الأوقات بهذه الهبات العظيمة إذ ميّزه بهذه المزايا القدسية فكان فيه ما كان من خير، وحسب المؤمن أن تكون فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. (2/280)
صفحة 767
ولئن كان هذا الشهر كذلك فإنه ولا ريب يراد من العبد كثرة العمل والجد والتفاني والإخلاص والإقبال على الله تبارك وتعالى، ومحو ما علق بصفحته من أكدار السيئات وذلك بالتوبة النصوح والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، فهو شهر المغفرة، ومن لم تغفر ذنوبه في شهر رمضان فمتى تغفر؟
الله تبارك وتعالى ربط بين نعمته على عباده بإنزال كتابه في شهر رمضان وبين فرضية صيامه عندما قال (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة: من الآية185) على أثر قوله (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة: من الآية185)، فمعنى ذلك أن في ما بين هداية القرآن وعبادة الصيام رابطة مقدسة، فإن صيام الإنسان يقويه ويمكنه من الإقبال على تعاليم القرآن وتطبيقها، إذ الصيام مدرسة يتكيف الإنسان فيها وفق تعاليم القرآن، فلذلك هذا الشهر لم يكن فرصة كما يظن الناس للهو واللعب والسمر على ما تهوى النفس، وإنما هو فرصة للقيام والجد، فيؤمر الإنسان كما يصوم نهاره أن يقوم ليله، وأن يحتسب عبادته عند الله سبحانه وتعالى، فمن صام رمضان وقام احتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: من صام شهر رمضان إيماناً واحتساباً غفر له تقدم من ذنبه. ويقول: من قام ليلة القدر غفر له ما تقدم من ذنبه. (2/281)
صفحة 768
وليلة القدر هي في ثنايا هذا الشهر الكريم، وهي الليلة التي اختصها الله تعالى بهذه الميزة العظيمة ميزة إنزال القرآن على قلب النبي صلى الله عليه وسلّم، فهي الليلة التي سماها الله تبارك وتعالى ليلة مباركة عندما قال (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الدخان:3 - 6)، وهي ليلة القدر بسبب علو قدرها وعظم شأنها وما اختصها الله تبارك وتعالى به من خير وهبات، فلئن كانت هذه الليلة في ثنايا هذا الشهر الكريم أي من جملة لياليه فإن على الإنسان أن يجتهد في ليالي هذا الشهر، ولم يخفها الله تبارك وتعالى في طوايا ليالي هذا الشهر الكريم إلا لأجل الحكمة الربانية البالغة وهي أن يحسب الناس حسابهم لها في كل ليالي الشهر بحيث يحرص الإنسان على أن يقوم كل ليلة من ليالي هذا الشهر الكريم لعل الله تبارك وتعالى يقدر له مصادفة في هذه الليلة المباركة فيغفر له ما تقدم من ذنبه.
فإذاً المؤمن في شهر رمضان يتعهد نفسه أولاً بصالحات الأعمال وذلك بأن يؤطر نفسه في إطار الفضائل حتى لا تخرج عنها قط، ويحرص على أن يكيف نفسه في جميع أخلاقها وفي جميع تصرفاتها وأعمالها وفق تعاليم القرآن الكريم، كيف والصيام نفسه هو مدرسة يتكيف الإنسان فيها حسب تعاليم القرآن لأن في هذا الصيام ضبطاً للنفس وقيداً للجوارح عن الوقوع في معاصي الله سبحانه وتعالى ونهنهة لهذه النفس عن هواها، وتعويداً لها على فضائل الأعمال، وتعويداً لها على الانضباط في جميع الأحوال حتى لا تسترسل في هواها ولا تستمرئ الغي والفساد. (2/282)
صفحة 769
فلذلك علينا أن ندرك قيمة هذه الشهر وأنه لأجل التقوى. الله تبارك وتعالى افتتح آيات الصوم بقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183)، واختتمها أيضاً بقوله (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (البقرة: من الآية187)، فإذاً التقوى هي الغاية من مشروعية الصيام، ولئن كانت التقوى هي الغاية فالتقوى ليست بالأمر الهين، التقوى إنما هي إيمان راسخ وعمل صالح وخلق فاضل واستقامة على سواء الصراط وبعد عن الانحراف، هذه هي تقوى الله تبارك وتعالى، هي تجمع في إطارها كل فضيلة، وتنفي عن حيزها كل رذيلة، فهكذا يجب أن يكون الصائم، وهكذا يجب أن يعد المسلم نفسه لاستقبال شهر رمضان المبارك على هذا النحو من التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل.
السؤال (2)
بعض الناس إذا جاء شهر رمضان الكريم يضغط على كابح النفس فتتوقف بقوة عن جملة من الملاهي والشهوات، ثم إذا انقضى هذا الشهر الكريم عاود السير في ما كان عليه، وفي قرارة نفسه يتمنى أن يستمر على هذه الحياة الروحية وعلى الطاعة المطلقة لله سبحانه وتعالى إلا أن دافع النفس بعد رمضان يتقدم بإعصاره الهائل، فهل هناك طريقة معينة تنصحون بها أنفسنا والمسلمين جميعاً أن يستغلوا بها هذا الشهر الكريم حتى يستمروا بعد ذلك على نفس الطريقة في طاعة الله سبحانه وتعالى.
الجواب: (2/283)
صفحة 770
لا ريب أن شهر رمضان المبارك هو موسم عبادة، وكل عمر الإنسان إنما هو مواسم للعبادة، الإنسان لا يفتأ عن العبادات دائماً، هيأ الله تبارك وتعالى للإنسان أجواء للعبادة وأعانه عليها ويسرها له، فالعبادات هي مطلوبة للإنسان في جميع الأوقات، نجد أن الله تبارك وتعالى فرض على الإنسان الصلوات الخمس ورغّبه في قيام الليل وفي نوافل الصلاة على اختلافها، ونجد مع ذلك أن الذكر مشروع ومرغب فيه ومأمور به ومطلوب من الإنسان في جميع الأحوال، فإذا انفلت الإنسان من أي عبادة من العبادات لا ينفلت منها ناسياً أثر تلك العبادة وما اكتسبه منها الله تبارك وتعالى يقول (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة:10)، ويقول (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً) (البقرة: من الآية200)، وهكذا الإنسان يؤمر أن يذكر الله تبارك وتعالى على كل حال، والذكر هو عبادة، الذكر يوقظ ضمير الإنسان ويجعله يحاسب نفسه ويتقوى ويتمكن من السيطرة على غرائزه والسيطرة على شهواته، ولكن مع ذلك كما تفضلتم الإنسان يكون دائماً بين جزر ومد لأن طبيعة النفس البشرية ميالة إلى هواها وراغبة في الهوى، لذلك يؤمر الإنسان أن يزم نفسه بزمام التقوى وأن يضبط جميع حركاتها وجميع سكناتها وكل تصرفاتها وأعمالها لتكون مؤطرة في إطار تقوى الله تبارك وتعالى، ومن المعلوم أيضاً أن الإنسان لا يدري من يفجؤه هادم اللذات وموتم البنين والبنات فهو بين الفينة والفينة يترقبه ولئن كانت أمامه فرصة عليه أن يغتنم هذه الفرصة وأي فرصة أعظم من فرصة هذا الشهر الكريم، على أن الإنسان مسئول عن عمره كله في ما أفناه وعن شبابه في ما أبلاه، فهو مسئول عن ليله ونهاره، ومسئول عن جميع أحواله، يسئل الإنسان يوم القيامة عن هذه (2/284)
صفحة 771
اللحظات القصيرة التي تتقضى بهذه السرعة الهائلة، فالإنسان إذاً مطالب أن يكون في جميع أوقاته مستعد للقاء ربه وهو على أحسن حال من الاستعداد النفسي والتحلي بالفضائل والبعد عن الرذائل.
وبطبيعة الحال يتمكن الإنسان من مقاومة تيار الهوى الذي يدفع به إلى قعر العصيان والعياذ بالله، يستطيع أن يقاوم هذا التيار بتيار أقوى منه وهو تيار الخوف والرجاء، بحيث يكون مستشعراً خوف الله تبارك وتعالى ومن أولى بأن يخشى من الله (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (البروج:12 - 16)، الله تبارك وتعالى وعد وتوعد، ولا إخلاف لوعده ولا لوعيده (لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ) (قّ:28 - 29)، الإنسان مأمور أن يكون وجلاً من وعيد الله تعالى، ونحن نجد أن الله تعالى توعد من عصاه ووعد من أطاعه. ومع هذا أيضاً يستشعر رجاء فضل الله تبارك تعالى ونعمته عليه، بهذا يتقوى الإنسان ويستطيع أن يواجه ذلك التيار العاتي الذي يدفع به والعياذ بالله إلى قعر الرذيلة والفحشاء والمنكر لأجل أن يهلك.
وعندما يستذكر الإنسان أن القيامة بين يديه وأن الموت لا يدري متى يفجؤه، ولا يدري إلى أين مصيره، هو راكب على راحلة وليس قيادها بيده، إنما قيادها بيد غيره فلا يدري بها إلى أين ترحل، هل ترحل إلى جنة عالية أو ترحل والعياذ بالله به إلى نار حامية، مع هذا عندما تعتمل عوامل الخوف والرجاء في نفسه لا بد من أن يقوى على كبح هذه النفس الأمارة بالسوء وزم هواها وضبط غرائزها والتصرف في طاقاتها لتكون عاملة في مجال البناء والتعمير بدلاً من أن تكون وسيلة للهدم والتدمير والعياذ بالله.
السؤال (3) (2/285)
صفحة 772
ما صفة النية التي يفتتح بها المسلم دخوله في هذا الشهر الكريم؟
الجواب:
النية هي روح العمل، إذ العمل إنما هو شكل ظاهر، فقد يكون هذا العمل من حيث الظاهر عملاً صالحا ولكن النية هي التي تنحرف به إلى أن يكون عملاً سيئا، نجد أن الإنسان يسجد في اتجاه القبلة فحسب ظاهره يسجد لله تبارك وتعالى الذي أمر بأن يتوجه إليه بالسجود شطر البيت الحرام، وقد يكون هو ساجداً لغير الله في قرارة نفسه فيكون سجوده ذلك كفراً بدلاً من أن يكون إيماناً، ويكون هلاكاً بدلاً من أن يكون سعادة، وهكذا الأعمال تتحول من وضع إلى وضع بسبب النية، إذ النية هي المصححة للعمل، وهي التي أيضاً تدمر العمل عندما تكون نية سيئة، وقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه. والنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: نية المؤمن خير من عمله. وجاء أيضاً في رواية أخرى: ونية الفاجر شر من عمله. وهذا يعني أن المؤمن ينوي الخير الكثير، والفاجر ينوي الشر الكثير، وكل واحد منهما مجزي بحسب هذه النية التي عقد عليها عزمه.
والنية المطلوبة هي إخلاص العمل، الله تبارك وتعالى يقول (وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (البينة: من الآية5)، وذلك بأن ينوي بأن يقوم بذلك العمل تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى وأداء لما فرض عليه إن كان ذلك العمل فريضة، هذه هي النية المطلوبة، وبدونها لا تكون للعمل قيمة، ومعنى ذلك العمل بدونها لا يحيى كما لا يحيى الجسم بدون روح. (2/286)
صفحة 773
وهذه النية هي القصد، إذ الكلمات التي يقولها الإنسان بلسانه لا أثر لها في تكييف فعله وتحويل هذا الفعل إلى أن يكون فعلاً معتبراً معتداً به مقبولاً عند الله سبحانه وتعالى، فقد يقول الإنسان الكثير بلسانه ويدعي الكثير ولكن مع ذلك لا جدوى لهذه الدعوى، وإنما العبرة بما في النوايا، ويؤكد ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلّم: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه. فهذا الذي هاجر إلى الله ورسوله لم يكن يقول بلسانه هجرتي إلى الله ورسوله، هجرتي إلى الله ورسوله، وإنما ذلك شيء في طوايا نفسه وفي أعماق ضميره، والله تعالى مطلع على ما اكتنفه ضميره وطوته نفسه. وكذلك الذي هاجر وهو في نفسه أن هجرته لأجل امرأة أو لأجل دنيا فإنه لم يكن يقول بلسانه أنا أهاجر لأجل أن أتزوج بفلانة، أو أنا أهاجر لأصيب من هذه الدنيا وإنما ذلك أمر في طويته، والله سبحانه وتعالى هو العالم بذلك فلذلك كان محاسباً بهذه النية التي نواها.
هذا كله يدلنا على أن التلفظ باللسان لا أثر له في النية ولا قيمة له، إنما النية هي القصد بالقلب، فمن نوى الصيام قُبِل صيامه، ومعنى نيته الصوم أن يعقد عزمه بقلبه أن يؤدي هذه الفريضة التي فرضها الله عليه بحيث يصبح وهو ممسك عن الطعام والشراب وقضاء الوطر من الشهوة الجنسية إلى أن يمسي ويدخل وقت المساء، كما يتجنب كل ما يؤدي به إلى إبطال صيامه من الإتيان بالغيبة والنميمة وسائر المفطرات العملية والقولية حتى لا يتأثر صيامه بأي مؤثر. (2/287)
صفحة 774
هذه هي النية المطلوبة وليست القول باللسان وإلا لكان الأمر هيناً، فإن القول باللسان أمر ميسور يمكن لأي أحد أن يقول، ولكن الصعب أن يستطيع الإنسان بأن يضبط هذه النية حتى تكون خالصة لوجه الله إذ هناك مؤثرات كثيرة تؤثر عليه، فقد يبتغي بعمله الذي هو في ظاهره قربة إلى الله أن يصرف وجوه الناس إليه وأن ينال عندهم حظوة ومنزلة بحيث يتحدثون عنه بأنه على تقى وورع وعلى وعلى إلى آخره، هذه نية فاسدة، فعلينا أن نعرف ذلك ونعتبر بهذا، فالنية إنما هي القصد بالقلب، ولفظ النية يدل على ذلك إذ هذه الكلمة من حيث مدلولها تدل على هذا المعنى، فإن قائلاً لو قال لأحد لقيه كنت بالأمس ناوياً أن أزورك، ماذا يفهم الذي قيل له ذلك؟ إنما يفهم أنه كان في قرارة نفسه أن يزوره ولا يفهم أنه كان يتحدث بلسانه بأنني سأزور فلان وسأزور فلان.
السؤال (4)
إذاً المسلم في هذا الشهر الكريم ليس بحاجة إلى أن يقول: اللهم إني نويت أن أصوم غداً، فيكفي بقلبه؟
الجواب:
نعم، ولو تحدث بذلك من غير أن يكون قاصداً بقلبه فلا عبرة بحديثه.
السؤال (5)
امرأة سقط جنينها ميتاً في الشهر الخامس واستمر معها الدم يومان، وبعد اليومين انقطع ستة أيام وإلى الآن لم يأتها دم فهل تصوم هذا الشهر الكريم؟
الجواب:
إذا رأت الطهر ولو كانت ولدت ولادة طبيعة بحيث لم يسقط جنينها بل ولدته حياً فإنها عندما ترى الطهر عليها أن تصلي وعليها أن تصوم، ويعتد بذلك الصيام الذي تصومه.
السؤال (6)
إذا بدأت المرأة الصيام من اليوم الثالث من الشهر المبارك بسبب الدورة الشهرية فهل تنويه الثالث أم تنويه الأول؟
الجواب:
تنوي أن تصوم ذلك اليوم نفسه الذي تعبدت بصيامه، وعليها أن تقضي اليومين اللذين قبله، أي لا يمكن أن يكون اليوم الثالث هو اليوم الأول.
السؤال (7) (2/288)
صفحة 775
هنالك بعض الامهات تدل بناتها على استعمال أقراص منع الحيض في الشهر الكريم خوفاً من اكتشاف أمرها من قبل أفراد العائلة حينما تقوم بالقضاء، فما رأي سماحتكم؟
الجواب:
هذا أمر فطر الله تبارك وتعالى النساء عليه، فلا معنى للاستحياء منه، إنما هذا أمر فطري ولذلك كان على المرأة أن لا تستحي منه، واستعمال هذه الأقراص يؤدي إلى ضرر، فعلى هذه الأم أن تتقي الله وأن لا تأمر بذلك ابنتها.
السؤال (8)
امرأة تسأل عن حكم الصوم للمرضع والحامل لأنها سمعت من يقول لها أنها تفطر في هذا الشهر الكريم ولا تقضي ذلك بعد رمضان؟
الجواب:
حقيقة الأمر من خلال ما سمعته من كلامها فهمت أنها لا تفرق بين الأحكام الخمسة، وكثير من الناس لا يفرقون بين الأحكام الخمسة، وهذا أمر فيه خطورة فإن من لم يفرق بين الأحكام الخمسة ربما تصور الواجب مباحاً، وربما تصور المباح واجبا وهكذا فتختلط عليه الأحكام ولا يستطيع أن يميز بينها، من الضرورة أن يميز المسلم بين الأحكام الخمسة، الله تبارك وتعالى تعبدنا بأحكامه فعلينا أن نعرف ما تعبدنا به.
هنالك واجب وفي مقابله المحرم، وهناك مندوب إليه وفي مقابله المكروه، وهنالك الجائز أو المباح وهو بين هذه الأحكام كلها.
أما الواجب فهو ما يثاب الإنسان على فعله امتثالاً، إذا نوى بفعله الامتثال والقربة إلى الله فإنه يثاب على فعله امتثالاً، ويعاقب على تركه، كإقام الصلاة الفريضة كصلاة الظهر وصلاة العصر وصلاة المغرب وصلاة العشاء وصلاة الفجر وكذلك صيام شهر رمضان وكذلك الحجة الواجبة على الإنسان التي هي حجة الفريضة، وكذلك بر الوالدين وصلة الرحم، هذه كلها أمور واجبة من فعلها أثيب عليها إن كان قصده امتثال أمر الله سبحانه، ومن تركها عوقب على تركها. (2/289)
صفحة 776
في مقابل الواجب المحرم، وهو بعكس الواجب هو يثاب على تركه امتثالا ًويعاقب على فعله، وذلك كالزنا وشرب الخمر واكل الربا وقتل النفس المحرمة بغير حق وأكل مال اليتيم وجميع الأمور الفاسدة، كل هذه داخلة في المحرم.
هناك حكمان آخران ليس فيهما عزيمة وإنما كل ما فيهما الترغيب، هناك مندوب إليه، المندوب إليه يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه، وهناك بالعكس المكروه يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله.
وبين جميع هذه الأحكام المباح، هو لا يثاب على فعله ولا على تركه لذاته.
قد يفعل الإنسان ذلك الفعل من غير أن تكون له نية فلا يثاب عليه ولا يعاقب عليه، ولكن إن كانت له نية فإن تعلق الثواب أو تعلق العقوبة بحسب تلك النية، فإن نوى به خيراً أثيب على تلك النية نفسها، وإن نوى به شراً أثيب على تلك النية، وذلك كالأكل مثلاً في حدود الاعتدال فمن أكل من أجل أن يتقوى على طاعة الله فإن هذه النية تحول هذا الأكل إلى أن يكون من الأمور المندوبة أو من الأمور التي يثاب عليها الإنسان، وإن أكل لأجل أن يتقوى على معصية الله سبحانه وتعالى كان الأمر بعكس ذلك.
هذه النية هي التي تؤدي به إلى أن يناله العقاب لأنه أكل لا لأجل إحياء نفسه والتنعم بنعمة الله تعالى عليه واستشعار ما أنعم الله به تعالى عليه، وإنما أكل من أجل أن يتقوى على معصية الله، وأن يتحدى ربه سبحانه وتعالى، فتكون نيته هذه محولة لهذا العمل من الإباحة إلى أن يكون من الأعمال المحرمة.
فهذه الأحكام الخمسة يجب علينا أن نعرفها، أنا سمعتها أنها تسأل وتقول هل يجوز أن تقضي أو من الناس من قال لا يجوز أن تقضي. (2/290)
صفحة 777
واختلف في من أكلت من أجل خوفها على نفسها أو من أجل خوفها على جنينها أو خوفها على طفلها وهي حامل أو مرضع، أي الحامل إذا أكلت من أجل خوفها على نفسها أو خوفها جنينها، أو المرضع إن أكلت من أجل خوفها على نفسها أو خوفها على طفلها إن لم تأكل، في ذلك خلاف هل عليها القضاء والفدية، أو عليها القضاء دون الفدية، أو عليها الفدية وحدها، في هذه المسألة خلاف بين العلماء، وإنما نرى عليها القضاء لأنها كالمريض أي هي كصاحب العذر أي عذر كان، ولكن مع ذلك إن افتدت فذلك أفضل لها، تؤمر بالقضاء وتؤمر بعد ذلك بالفدية، هذا هو الذي نراه وإن كان هنالك من العلماء من يرى أنها تفتدي فحسب وهذا القول مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فسّر قوله سبحانه وتعالى (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) (البقرة: من الآية184)، وحمل يطيقونه على معنى يتكلفونه، وجعل الآية في الشيخ الكبير الهرم وفي العجوز غير القادرة على الصوم وفي المرأة المرضع إن خافت على نفسها أو على طفلها وفي المرأة الحامل إن خافت على نفسها أو على جنينها، هكذا كان رأي ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو رأي وجيه، ولكن نختار أن تقضي، وإن افتدت مع القضاء فذلك أفضل لها وأحوط لها، والله تعالى أعلم.
السؤال (9)
ما مقدار الفدية؟
الجواب:
هي إطعام مسكين عن كل يوم، منهم من قال وجبة ومنهم من قال وجبتان والأولى أن يكون الإطعام بإعطائه صاعاً من الطعام.
السؤال (10)
إذا كانت الفدية بالقيمة أي بالنقود هل تصح؟
الجواب:
الأصل أن تعطي الطعام، أما النقود فإنه لا يصار إلى ذلك إلا مع الحاجة التي تلح عليها.
السؤال (11)
صلاة التراويح هل هي واجبة على المرأة المسلمة، وإذا كانت واجبة هل تكون في المسجد؟
الجواب: (2/291)
صفحة 778
هي ليست بواجبة، إنما هي سنة، والاجتماع لها من المؤكدات لما في ذلك من الشعيرة، والمرأة إن صلتها في بيتها كان في ذلك فضل لها، وإن حضرت في المسجد مع استتارها ومع عدم إصابتها شيئاً من الطيب أو إصابتها شيئاً من البخور، وكان المكان مكاناً ساتراً، ولم يكن فيه اختلاط بالرجال فذلك أيضاً خير، وقد تكون صلاتها في المسجد أفضل عندما تستفيد علماً بحيث يكون هنالك درس تستفيد منه بعد الصلاة فذلك أيضاً فيه خير كثير.
السؤال (12)
رجل يعمل في الإمارات ونقل أهله من عمان معه بقصد أن يسكنوا هناك لأنهم ينتظرون التجنس، ففي هذه الحالة كيف تكون صلاتهم سفر أم وطن؟
الجواب:
عندما يكون الإنسان استقر في مكان واختاره سكناً ويرى نفسه مطمئنة فيه وغير راغبة في الانتقال عنه عليه أن يوطن في ذلك المكان، ولا يجوز له قصر الصلاة إذ لا ينطبق عليه حكم المسافر
ووطن الإنسان حيث يسكن ... وتطمئن نفسه ويوطن
يراه خير منزل لا يخرجه ... منه سوى أمر عظيم يزعجه
السؤال (13)
امرأة نوت أن تختم القرآن الكريم في هذا الشهر الكريم ولكن تخشى أن يفاجئها عمل وشاغل فلا تستطيع أن تلبي هذه النية فهل تكمل القرآن الكريم بعد رمضان؟
الجواب:
نعم لتتمه بعد رمضان ولا حرج عليها في ذلك.
السؤال (14)
هل يستحب القراءة بتأنٍ وختمه مرة واحدة مثلاً أم الإسراع في قراءته قليلاً لختمه مرات عديدة؟
الجواب: (2/292)
صفحة 779
الإنسان يؤمر أن يقرأ القرآن قراءة المتدبر المتأمل الواعي المدرك لمعانيه المتدبر لأمثال وحكمه ووعظه وإرشاده وأمره ونهيه ووعده ووعيده وقصصه وأمثاله ليتزود من ذلك زاد الإيمان وزاد التقوى، هكذا يؤمر الإنسان، فالله تبارك وتعالى أمر بترتيل القرآن الكريم عندما قال (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) (المزمل: من الآية4)، خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلّم، وهو وإن كان خطاباً للنبي عليه أفضل الصلاة والسلام إلا أن الأمر بذلك ينطبق علينا، هو خطاب لأمته أيضاً من خلال شخصه صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك قال سبحانه وتعالى (لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْث) (الإسراء: من الآية106)، معنى المكث الترسل والتأني وعدم الإسراع فالإنسان يؤمر أن يتدبر القرآن كيف والغاية من قراءته الانتفاع به وتدبره، الله تعالى يقول (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد:24)، فهكذا ينبغي للإنسان أن يتدبر القرآن، وأن يقرأه قراءة الفاهم الواعي المتقن المدرك لمعانيه وغاياته.
السؤال (15)
امرأة طلقها زوجها الطلقة الأولى ثم أرجعها إليه واستمرت معه شهرين ثم طلقها بالثلاث وهي حامل، فهل تعود إليه؟
الجواب:
الذي نأخذ به أن طلاق الثلاث دفعة كالثلاث المتفرقات فتبين منه بالثلاث مع كونه يأثم بذلك، وهذا من عجرفة الرجال، وعدم تحملهم مسئولية حسن العشرة مع النساء إذ الله تبارك وتعالى يقول (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) (البقرة: من الآية229)، وليس من الإمساك بالمعروف ولا من التسريح بالإحسان أن يطلق الإنسان امرأته ثلاثاً دفعة واحدة، ويفضي ذلك إلى ما يفضي إليه من الباطل، وإنما هذا كله مخالفة لأمر الله وخروج عن سنة المصطفى عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام. (2/293)
صفحة 780
والرأي الذي قلته هو رأي الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم، حتى أن العلامة ابن العربي حكى عدم الاختلاف في العصرين الكريمين أي عصر الصحابة والتابعين، يقول بأنه مضى على ذلك العصران الكريمان من غير خلاف في هذه المسألة، والله تعالى المستعان.
السؤال (16)
عند الاغتسال بالماء الساخن في رمضان، ما حكم تلك الرطوبة المستنشقة؟
الجواب:
الله تبارك وتعالى لم يكلف عسيراً وإنما كلف يسيرا، ولو ضُيّق على الناس لأدى ذلك إلى الحرج الكبير، فإذاً حتى الهواء الندي ربما يتحرج الإنسان من استنشاقه وهكذا، فما على الإنسان من حرج من هذه الرطوبة.
السؤال (17)
ابنة تركت مبلغاً قدره ألف ريال عماني عند والدتها، وتركت الأم ذلك المبلغ وقدره ثلاثة آلاف عند ابنها ليضعه في البنك في حسابه كأمانة، ومن ضمن هذا المبلغ مبلغ ابنتها، وتوفيت الوالدة فجأة وكان الابن يعلم بأنه يوجد لأخته مبلغ ألف ريال عماني من ضمن المبلغ الموجود عنه لوالدته، وأنكر بأن والدته قد تركت مبلغ ثلاثة آلاف ريال وأقر بوجود خمسمائة ريال عماني عنده فقط، هنا تسأل الابنة تقول بأن أمها تزورها في المنام عدة مرات وتطلب منها أن تأخذ حقها من أخيها.
هل والدتها في هذه الحالة تُعذب في قبرها بسبب المال الذي لها عند أخيها؟
الجواب:
الغيب لله تبارك وتعالى، ذلك عالم غيب، ونحن لا نخوض في أمر عالم الغيب، نعلم ما كان ظاهراً لنا، ولا نستطيع أن نقتحم عالم الغيب، الإنسان إذا مات فقد أفضى إلى ربه سبحانه، الله تبارك وتعالى هو العليم بسعادته وشقاوته، والعليم بنعيمه وعذابه، وليس للإنسان أن يخوض في ذلك، ولا يستدل بالرؤى على شيء معين فيقطع به، وإنما قد يستأنس ببعض الرؤى بحيث تدل على أن الميت ينعم أو على أن الميت يعذب، ولكن من غير أن يقطع الإنسان بالحالة التي تدل عليها رؤياه، والله تعالى المستعان.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه (2/294)
صفحة 781
غرة رمضان 1424 هـ، 27/ 10/2003م
الموضوع: عام
السؤال (1)
هل يندرج النذر للأشجار أو عيون المياه أو غير ذلك من النذور في دائرة الشرك الذي لا يغفر كما جاء في قول الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء:48)؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فلا ريب أن الله تبارك وتعالى هو الإله الواحد الذي يُقصد في الملمات، ويطلب لقضاء الحاجات، فإن الله سبحانه وتعالى هو القادر، وهو المصرف لهذا الوجود، وهو المدبر لهذا الكون، ولذلك علّمنا سبحانه وتعالى أن نفرده بالاستعانة كما نفرد بالعبادة عندما قال عز من قائل (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5)، تعليماً لعباده كيف يوجهون الخطاب إليه سبحانه وهم يفردونه في توجيه العبادة إليه وفي استعانتهم به في جميع أمورهم، ومعنى ذلك أن الإنسان كما لا يجوز له أن يعبد غير الله كذلك أيضاً لا يجوز له أن يستعين بغيره تبارك وتعالى. (2/295)
صفحة 782
وجاءت الآيات الكثيرة في كتاب الله سبحانه ناعية على المشركين الذين كانوا يتخذون مع الله آلهة أخرى فيتقربون إلى تلك الآلهة بالقرابين والنذور وغيرها، ويشركونها في عبادة الله، ويعتقدونها وسائط بينهم وبينه، فالله سبحانه وتعالى يقول (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الرعد:16)، ويقول سبحانه وتعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) (الزمر:38). (2/296)
صفحة 783
ونجد الآيات الكثيرة دالة على أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يرفع الضراء وهو الذي يبتلي من يشاء بما يشاء فقد قال سبحانه (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة:51)، وقال (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (فاطر:2)، وهكذا تتوالى الآيات لأجل أن تبلور العقيدة الصحيحة والفكر السليم الذي يصل بين العبد وربه سبحانه وتعالى من غير أن تكون بينهما واسطة، وهذا يعني حرمة أن يتقرب الإنسان بنذر أو قربان أو أي شيء مما كان إلى غيره تعالى، كأن ينذر لعين أو ينذر لشجرة أو لحجرة أو لأي شيء كان.
ونجد من العلماء من بنى حكمه على أن ذلك شرك بالله سبحانه وتعالى عندما قال بأن من فعل ذلك وعنده امرأة مسلمة صارت المرأة حراماً عليه لأنه في حكم المرتد عن الإسلام، ومعنى ذلك أنها تخرج من عصمته إلا إن تاب ورجع إلى عقيدة الإسلام وتبرأ من هذه العقيدة الزائفة التي يعتقدها في الأشجار والأحجار وهذه الأمور كلها.
وأنا أعجب كيف لا يفكر هذا الإنسان في أن هذه الكائنات بأسرها لا تملك منفعة ولا دفع مضرة عن نفسها، فكيف تستطيع أن تحق لغيرها!!. (2/297)
صفحة 784
لا يختلف اثنان من العقلاء أن النبي صلى الله عليه وسلّم هو أفضل مخلوقات الله سبحانه وتعالى ومع ذلك فإن الله تبارك وتعالى يقوله له (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوء) (الأعراف: من الآية188)، هذا مع أن النبي صلى الله عليه وسلّم عندما أُمر بأن يقول ذلك كان إبّان حياته وملء ثيابه، فكيف بغيره صلى الله عليه وسلّم، بل كيف بالأموات في القبور، وكيف بالشجار والأحجار وغيرها. فهذه القضية في منتهى البلاء.
هذا ومن المعلوم أيضا أننا علينا أن نعتقد بأن قول الله (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: من الآية48)، لا يعني تسويغ ما دون الإشراك، لا يعني تسويغ المعصية وأن المعصية التي هي دون الإشراك مغفورة، فإن الله تبارك وتعالى قد قطع دابر هذه الأماني عندما قال (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً) (النساء:123)، وهو القائل ناعياً على أهل الكتاب هذا المعتقد الخاطئ (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَاتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَاخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقّ) (الأعراف: من الآية169). (2/298)
صفحة 785
وإنما هذه الآية الكريمة تكررت في سورة النساء مرتين، والسياق هو الذي يدل على معناها ويشخصه، فإنها مسبوقة في موضع واحد بقول الله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً) (النساء:47) ثم تبع ذلك قوله (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: من الآية48)، وجاء ذلك أيضاً بعد قوله سبحانه وتعالى في نفس السورة (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء115 - 116)، فمعنى ذلك إذاً أن هذه دعوة إلى الدخول في الإسلام.
فالله تبارك وتعالى لا يغفر الشرك ولو تاب الإنسان من أي معصية من المعاصي، إنما تغفر المعاصي كلها إذا تاب المشرك. فإلإسلام جَب لما قبله. فهذه دعوة للدخول في الإسلام، مع تبشير الذين يدخلون في الإسلام بأن ما سلف منهم من المعاصي إنما يغفر بدخولهم في الإسلام كما يقول سبحانه وتعالى (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ) (الأنفال:38)، وهذا يعني على أي حال كما قلت أن هؤلاء الذين يتوبون من معاصيهم هم الذين شاء الله تعالى أن يغفر لهم ما سلف مما هو دون الشرك بدون توبة لأن الإسلام وحده كاف لئن يجب ما قبله. (2/299)
صفحة 786
وبهذا يُجمع ما بين هذا النص والنصوص الأخرى التي تؤكد الوعيد الشديد على الكبائر وتأكيد أن المغفور له إنما هو الصغائر مع اجتناب الكبائر وعدم الإصرار عليها فالله تبارك وتعالى يقول (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً) (النساء:31)، والله تعالى المستعان.
السؤال (2)
الزوجة عندما تعلم أن زوجها قدّم قرابين للأشجار أو للمساجد، عندما تعلم بهذه الحرمة واستمرت معه دون أن تنفصل عنه هل معنى ذلك أنها مكثت مع رجل حرام عليها؟
الجواب:
نعم إذا كان هو يعتقد هذا المعتقد الخاطئ الباطل، يعتقد النفع والضر من قبل الشجرة أو الحجرة التي يتقرب إليها، أو من قبل العين التي يقرب إليها النذور، أو منق قبل القبر أو صاحب القبر الميت، أو قبل الجني الذي يتعلق به لقضاء حاجته فالله تعالى يقول (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً) (الجن:6)، ومثل هذا ما يصنعه جهلة الناس وعوامهم عندما يصابون بشيء بحيث يأتون ببخور يتقربون به إلى الجن يقولون إن كان لكم فخذوه وإن لغيركم فادفعوه إليهم أو فأبلغوهم إياه.
السؤال (3)
كيف تكون توبة هذا الإنسان؟
الجواب:
توبة هذا الإنسان بالرجوع إلى عقيدة الإسلام الصحيحة، والتنصل من هذا الأمر، التبرؤ من هذا المعتقد الباطل، واعتقاد أن غير الله تعالى لا يجدي نفعاً ولا يدفع ضرا.
السؤال (4)
وهل ينطق بالشهادتين مرة أخرى؟
الجواب:
نعم
السؤال (5)
وهل ترجع الزوجة إليه بدون عقد؟
الجواب:
نعم ترجع إليه برجوعه إلى عقيدة التوحيد كحكم المرتد هكذا، من العلماء من قال بأن المرتد يُجدد عقد النكاح هذا رأي، والرأي الآخر أنه برجوعه إلى الإسلام تعود إليه امرأته.
السؤال (6)
هل دخول البلغم إلى الجوف يفسد الصوم؟
الجواب: (2/300)
صفحة 787
من استطاع أن يتقي البلغم فليتقه، ولكن إن لم يستطع أن يتقيه فإن الله تعالى أولى بعذره إذ لا يكلف الله أحداً ما لا يستطيعه (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية286)، (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا) (الطلاق: من الآية7)
السؤال (7)
صدمت شخصاً بغير عمد بدراجة نارية أثناء قطعه للطريق فسقط على الأرض فسببت له خدوشاً بسيطة، ما قيمة هذه الخدوش في الجبهة وخروج الدم الخفيف منها؟
الجواب:
هذه الخدوش منهم من قال فيها حكومة، ومن جعل فيها شيء شيئا من الأرش المقدر المحدد ولكن الذي نراه أن يتفق مع هذا الرجل ويصطلح معه ويدفع إليه ما يرضيه وبهذا تنتهي هذه المشكلة إن شاء الله، وليحذر في المستقبل من الإسراع بالدراجة وليحسب حسابه لكل من يمر في الطريق ولكل راكب أو ماشٍ، والله تعالى الموفق.
السؤال (8)
الإمام الذي يصلي بالناس إذا ثبت عنه أنه أتى عرافاً هل تصح الصلاة خلفه وقد ورد أنه لا تقبل منه الصلاة أربعين يوما؟
الجواب: (2/301)
صفحة 788
الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: من أتى عرافاً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد. ذلك لأن الله تعالى أنزل على عبده ورسوله صلى الله عليه وسلّم قوله (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (النمل:65)، فالإنسان أياً كان لا يمكن أن يعلم الغيب اللهم إلا أن يوحى إليه من قبل الله، ولذلك استثنى الله تعالى رسله، وبيّن أن ذلك بطريق الوحي لا لأنهم بأنفسهم يعلمون الغيب، فإن الرسل هم أيضاً كغيرهم من الناس لا يعلمون الغيب، ولذلك قال الله تعالى (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً) (الجن:26 - 27)، ذلك الرسول إنما يوحي إليه الله تعالى وحياً ينبئه بالغيب وإلا فالرسول بذاته لا يعلم الغيب، كيف والنبي صلى الله عليه وسلّم الذي هو أفضل الرسل جميعاً والذي وصفه الله تعالى بقوله (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء:107) أمره الله تعالى أن يعلن أنه لا يعلم من الغيب شيئا، فقد قال الله تعالى له (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) (الأعراف: من الآية188)، فالآية الكريمة هي نص صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلّم لم يكن يعلم الغيب، ولئن كان هو كذلك فسائر الرسل أيضاً لم يكونوا يعلمون الغيب.
السؤال (9)
بعض الشباب عندما يمشون خلف جنازة لا يقومون بحملها وأخذ دورهم في ذلك وعندما يقال لهم لماذا لا تصنعون ذلك قالوا السنة تقتضي عدم حمل الجنازة إنما المشي خلفها فقط، فهل هذا الكلام صحيح؟
الجواب: (2/302)
صفحة 789
هذا كلام الجهلة الذي لا يفرقون بين التمرة والجمرة، ولا يفرقون بين الضب والنون، ولا بين الجدي والحمل، أما أهل العلم فلا يقولون ذلك.
كيف لا يسن للإنسان أن يحمل الجنازة؟ ولماذا كان حضوره؟ مع أن الحضور إنما كان هو لأجل الحمل، والنبي صلى الله عليه وسلّم نفسه شارك في حمل الجنائز، فكيف يعتذر الإنسان عن حمل الجنازة! فهل شرع الحضور لأجل المشي فحسب؟ أو أنه شرع الحضور لأجل المشاركة في الحمل. والناس مأمورون بالتعاون على البر والتقوى، ومن البر أن تُحمل الجنازة، ويوصل الميت إلى مكان دفنه وإلا فكيف لو كل واحد تنصل من هذا الأمر وتبرأ منه وتركه كيف يمكن أن يوصل الميت إلى القبر، أو أنه يُخص ذلك بأناس معينين ما دليل هذه الخصوصية؟ إنما هذا التصرف تصرف أرعن وهو يدل على حماقة هؤلاء وجهلهم، والله المستعان.
السؤال (10)
كان معي شخص ثقيل النوم وأحاول إيقاظه للصلاة أو السحور ولكنه لا يقوم بسرعة وإذا حاولت تحريكه فإنه يهيج ويغضب وعند استيقاظه يقول بأنه لم يكن يدرك ما كان يفعله، فهل يلزمني أن أوقظه دائماً ولو مع هذه الحالة، أم أن ذلك يرتفع عني وخاصة على حساب أمور أود أن أقوم بها كمراجعة الدروس أو قراءة القرآن أو ما شابه ذلك؟
الجواب:
في مثل هذه الحالة يجب أن يتفق الاثنان على أمر، على أن يتصرف هذا الموقِظ تصرفاً يؤدي به إلى أن يستيقظ الموقَظ. فينبغي أن يتفقا على شيء كأن يرشه بالماء من أول الأمر، فإن الرش بالماء قد يطرد عنه النوم، وهذا مما دل عليه حديث الرسول صلى الله عليه وسلّم حتى في ما بين الزوجين حيث المرأة توقظ زوجها لقيام الليل فإن أبى رشت عليه الماء وكذلك العكس، لأن للماء أثراً في الإيقاظ، فينبغي فعل ذلك، وبهذا يزول الحرج عن الاثنين إن شاء الله.
السؤال (11)
قد يفهم البعض كيفية الرش بالماء أنه يأتي بدلو ويصبه؟
الجواب:
لا، لا، وإنما يرشه في وجهه ببعض قطرات الماء.
السؤال (12) (2/303)
صفحة 790
زوجي له أسرة كبيرة يعيشون في منزل واحد كبير ولديهم أربعة من الرجال وكلهم متزوجون ولديهم أولاد والحمد لله، المشكلة أنهم دائمو الاختلاط رجالاً ونساء وعندما أنصحهم بأن يأكل الرجال وحدهم والنساء وحدهن يقولون لي: ما تفرق شملنا امرأة. ودائماً أوضح لهم أن الدين يقول ذلك ودليلي قول الرسول صلى الله عليه وسلّم: إياكم والدخول على النساء. فسئل رجل أرأيت الحمو؟ فقال صلوات الله وسلامه عليه الحمو الموت. وهؤلاء كلهم حمياني، فماذا تقولون؟
الجواب:
هذه الإجابة من هؤلاء إنما هي دليل الحماقة والجهل وعدم العلم والتخبط في هذه الحياة، وإلا فالأمر واضح وهدي النبي صلى الله عليه وسلّم بيّن، فالنبي صلى الله عليه وسلّم حذّر من الاختلاط بين الجنسين، يقول صلى الله عليه وسلّم: إياكم والدخول على النساء - والحديث صحيح ثابت في الصحيحين وغيرهما – فقال له رجل من الأنصار: أرأيت الحمو يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلّم: الحمو الموت. كذلك قال صلى الله عليه وسلّم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة إلا مع ذي محرم. وقال: ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم. وقال: ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما.
فهذا الاختلاط بهذه الطريقة كثيراً ما يفضي إلى الكثير من المشكلات، وهذا ما عانينا منه من خلال الأسئلة الكثيرة التي وجهت إليّ، فكثير من مشكلات وقعت بمثل هذه التصرفات الرعناء التي يتصرفها أولئك الذين لا يقيمون وزناً للفضيلة ولا يفرقون بين المنفعة والمضرة. (2/304)
صفحة 791
نعم الأسرة يجتمع شملها، ولكن اجتماع الشمل لا على مخالفة أمر الله، ومخالفة هدي رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وإنما اجتماع الشمل على الحق وعلى الهدى وعلى التعاون على البر والتقوى، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى الحيطة في أمور الدين، والتزام الآداب والأخلاق والفضائل وعدم الاندفاع إلى مثل هذه التصرفات التي لا تؤدي إلا إلى ما لا تحمد عقباه.
السؤال (13)
حصل خلاف في بعض المساجد وانتقل الإمام إلى مسجد ثان وهذا المسجد يبعد عن المسجد حوالي خسة عشر خطوة، فانزاحت فرقة احترما لهذا الإمام وتفرقت الجماعة في المسجدين وتقام الصلاة في المسجدين في نفس الوقت، فما الحكم؟
الجواب:
أولاً قبل كل شيء المسجد له أوصاف أي المسجد الشرعي الذي يعتد به، ومن جملة أوصافة أن لا يكون هذا المسجد مبنياً بجوار مسجد يضاره، فإن أي مسجد بني بجوار مسجد يضاره فهو مسجد ضرار، ومسجد الضرار حكمه الهدم، الله تبارك وتعالى يقول (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ) (التوبة: من الآية107)، فذكر هنا أربعة أشياء، هذه الأشياء الأربعة كل واحد منهما مؤثر في الحكم استقلالاً، فلا يجوز بحال من الأحوال أن يُعتد بمسجد متصف بتلك الصفة.
أول هذه الصفات الضرار وهي إلحاق الضرر بأي احد من المسلمين. المسجد الذي يفضي إلى الضرر بجماعة المسلمين أو بأفراد المسلمين هو على أي حال ليس بمسجد شرعي.
والأمر الثاني الكفر الذي يؤدي إلى كفر الملة أو كفر النعمة إلى أي كفر، ومن بين هذا الكفر تشتت وحدة المؤمنين والتنازع فيما بينهم فإن النبي صلى اله عليه وسلّم يقول: لا ترجعوا من بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض. (2/305)
صفحة 792
والأمر الآخر التفريق بين المؤمنين، فالتفريق بين المؤمنين أمر لا يقر إذا كان المسجد الثاني يضار الأول ويؤدي إلى أن تفترق الجماعة وأن يتبدد الشمل فإن ذلك أيضاً غير جائز.
والأمر الأخير الإرصاد أن يكون يُقصد بالمسجد الإرصاد لمحاربة الله ورسوله، أي أن يتخذ مرصداً لمحاربة المؤمنين، في هذه الحالة يكون المسجد مسجد ضرار.
أي بأي واحد من هذه الأسباب الأربعة يكون المسجد مسجد ضرار ومسجد الضرار حكمه الهدم كما هُدم مسجد الضرار في عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم.
ومن أجل هذا دأب العلماء من كل المذاهب الإسلامية على أن المساجد التي تبنى بجوار مساجد أخرى هي مساجد ضرار، وأنه يجب هدمها ولا تجوز الصلاة فيها، وهذا ما أوصى به الفاروق رضي الله تعالى عنه، فإن الفاروق كما جاء في رواية عطاء عندما فتح الأمصار أمر ولاته بأن يبنوا المساجد فيها وأمر عندما يجدون مسجداً بجوار مسجد آخر أن يهدموا المسجد الثاني منهما، أي المسجد الثاني لا يقر لأنه صار مسجد ضرار وهو يضر بالمسجد الأول فلا يمكن أن يبقى على حاله تلك بل يجب أن يهدم. وهذا هو المروي عن عدد كبير من السلف ومن بينهم ابن مسعود رضي الله تعالى عنه فإنه شدّد في أمر المساجد التي تبنى بجوار مساجد أخرى. وكذلك جماعة من السلف، وهذا ما اتفقت عليه كلمة علماء الإسلام، وقال بذلك المفسرون في تفسير هذه الآيات من سورة التوبة، واتفقوا على ذلك. ومما ذكره هؤلاء العلماء أن مما يُلحق المساجد بمساجد الضرار أن تبنى رياء، أو أن تبنى من أموال محرمة أو أن تبنى في أماكن مغصوبة فكل من ذلك يلحقها بمساجد الضرار ولا تجوز الصلاة فيها بحال من الأحوال، والله تعالى أعلم.
السؤال (14)
هل يصح طلب الشفعة عن طريق الوسائل الحديثة كالاتصال أو كتابة رسالة عن طريق البريد الالكتروني؟
الجواب: (2/306)
صفحة 793
الشفعة إن طلبها بهذه الطريقة ولم يكن هنالك ارتياب يمكن أن يعتبر طالباً بطريقة مشروعة، إن لم يكن هنالك ارتياب بأنه هو الذي طلب.
أما إن أمكن أن يكون هذا الذي طلب الشفعة غير الذي له الشفعة وإنما انتحل شخصيته بحيث يتصور أن يكون قد انتحل شخصيته رجل آخر فالريبة في مواطن الريبة لا يعتد بمثل هذه الاتصالات.
السؤال (15)
ما هي المسافة المعتبرة بين المنزلين أو المزرعتين لطلب الشفعة؟
الجواب:
القضية ليست هي قضية المسافة، إذ الجوار وحده غير موجب للشفعة، وإنما الموجب للشفعة أن يكون بينهما اشتراك، فلا شفعة إلا لشريك، والشركة إما أن تكون شركة مشاع وإما أن تكون شركة منافع، فمما بين المنزلين شركة منافع أن يكون جدارهما مثلاً واحداً، أو أن يكون هنالك تداخل في بعض الأشياء التي لا بد منها كأن يكون السلم الذي يصعد منه هذا ويصعد منه هذا إلى منزله سلماً واحدا هذا هو الاشتراك في المنافع.
السؤال (16)
من سها في الفريضة ولم يتذكر ذلك إلا في بعد انتهاءه من السنة وأيضاً قد يكون سها في السنة نفسها؟
الجواب:
فليسجد لفرضه بعد السلام من السنة، وليسجد للسنة بعد ذلك.
السؤال (17)
ما حكم صلاة من يلبس ثوبا مجسداً للعورة؟
الجواب:
من شرط الثوب أن لا يشف ولا يصف، فكونه يصف يشخص العورة، فإذا كان مشخصاً للعورة فهو ثوب لا يجوز في الصلاة، ولا تجوز إمامة من لبسه.
السؤال (18)
من ارتكب الزنا عدة مرات وأراد أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى كيف تكون توبته؟
الجواب: (2/307)
صفحة 794
التوبة إلى الله سبحانه وتعالى مفتوح بابها، ولا يعني هذا أن يشهر الإنسان بنفسه وأن يكشف سوأته، وأن يجاهر بما فعل، لا، بل عليه أن يتوب بينه وبين ربه فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: من أصاب شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله فإن من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله. فلا يشترط في التوبة من الزنا ولا للتوبة من أي معصية تجب فيها عقوبة معينة أي يجب فيها الحد الشرعي أن يعلن هذا الإنسان هذه المعصية حتى يقام عليه الحد، وإنما يكفيه أن يتوب بينه وبين ربه والله تعالى مطلع على أمره. وإنما من أبدى صفحته بحيث كشف عن أمره وأبان عن سوأته واعترف بجريمته هذا هو الذي يقام عليه الحد الشرعي، وإلا فالأصل في الإنسان أن يتوب بينه وبين ربه وكفى ذلك.
وإنما هناك أمر لا بد من اعتباره وهو أن التوبة إلى الله إنما تختلف باختلاف الذنب، فإن كان هذا الذنب بينه وبين ربه سبحانه فتوبته منه تمحوه ولا تُبقي له أثراً، وإن كان هذا الذنب بينه وبني العباد فلا بد من أن يؤدي الحقوق إليهم سواء كان ذلك مما يتعلق بالدماء، أو كان ذلك مما يتعلق بالأموال، أو كان ذلك مما يتعلق بالأعراض.
ومما يتعلق بالأعراض الزنا، فهذه التي زنا بها إما أن تكون امرأة حرة بالغة عاقلة مختارة بحيث لم يغتصبها وإنما كانت راضية بزناه بها، وإما أن تكون بخلاف ذلك. فإن كانت حرة بالغة عاقلة راضية بفعله فقد أسقطت حقها بنفسها، أما إن كانت بخلاف ذلك كأن تكون مملوكة أو تكون صبية أو تكون مجنونة أو تكون متغصبة بحيث أكرهها على فعله الزنا بها ففي هذه الحالة يجب لها عليه العقر وهو الصداق، وقد قُدر ذلك إن كانت بكراً بعشر ديتها، وإن كانت ثيباً بنصف عشر ديتها، وذلك في كل مرة يطأها وهي بهذه الحالة هي صبية أو هي مملوكة أو هي مجنونة أو مغتصبة بحيث لم تكن راضية بفعله.
السؤال (19)
إذاً ليست من شروط التوبة أن يسلّم نفسه لجهات معينة تقيم عليه العقاب؟
الجواب:
لا. (2/308)
صفحة 795
السؤال (20)
من تسحر بعد أذان الفجر بسبع دقائق وذلك استناداً على أقوال العلماء بأن العبرة بالإمساك هو طلوع الفجر وليس الأذان؟
الجواب:
نعم الأذان ليس هو مناط وجوب الصيام، ولا هو مناط أيضاً جواز الإفطار إن كان أذان المغرب، فهب أن هذا المؤذن أذن قبل الفجر بساعة هل بأذانه يجب الإمساك يجب عن الطعام؟ وهب أنه أخّر الأذان إلى قبيل طلوع الشمس بعدما أشرق الفجر وأشرق وأشرق أذّن هل يباح للإنسان أن يستمر على الأكل إلى أن يسمع الأذان؟ وهب أن المكان الذي به ليس به أذان كأن يكون في غير بلاد الإسلام وأذان هنالك فهل معنى ذلك أنه يباح له الأكل ما لم يسمع الأذان؟ لا. الله تبارك وتعالى ناط حكم الصيام بأمر معين وذلك عندما قال (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) (البقرة: من الآية187)، ومعنى هذا أنه بتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود وذلك بخروج الفجر، بظهور الفجر، وظهور الفجر إنما هو ظهور الشعاع المعترض، الذي يكون معترضاً في الأفق، هذا الشعاع هو مناط وجوب الإمساك.
(ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) (البقرة: من الآية187)، فلو أنه أذّن مؤذن للمغرب قبل أن تغرب الشمس هل يقال بأنه بأذانه ذلك يسوغ للناس أن يفطروا؟ لا. لا يسوغ للناس أن يفطروا وإنما بإقبال الليل، وإقبال الليل إنما هو بغروب الشمس وإقبال ظلام الليل من قبل الشرق، بهذا يكون الإنسان قد انتهى صيامه كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: إذا أدبر النهار من هنا – يعني من جهة المغرب – وأقبل الليل من هنا- يعني من جهة المشرق- أفطر الصائم. في ذلك الوقت يكون الصائم قد أفطر، والله تعالى أعلم.
السؤال (21)
ما هي الفترة الزمنية التي ينبغي أن تكون بين الأذان وبين الإقامة بحيث يتمكن المفطرون من اللحاق بالجماعة؟
الجواب: (2/309)
صفحة 796
في شهر رمضان على الإمام أن يتحرى الزمن، وأن ينظر إلى الظرف الذي يتسع لجماعة المسجد أن يفطروا، وأن لا يُعجلهم عن إفطارهم، هكذا ينبغي له أن يبقى بعض الدقائق في انتظارهم حتى يتمكنوا من قضاء وطرهم من الإفطار.
السؤال (22)
حتى ولو امتدت إلى عشر دقائق؟
الجواب:
حتى لو امتدت إلى عشر دقائق إن كان ذلك من الضرورة.
السؤال (23)
ما حكم من يسرق صديقه وهو يسكن معه ويأكل معه وعندما يواجهه ينكر بأنه سرق من صديقه مع العلم بأنه واجهه بالإثباتات والأدلة ماذا يصنع معه؟
الجواب:
ذلك راجع إليه، إن كان يحتمل السرقة ويرضى بأن يُسرق ماله فلا يكلف أن يفعل شيئاً، وإن كان بخلاف ذلك فله أن يرفع دعوى عليه، وأن يثبت أنه هو الذي سرق بالأدلة التي تؤكد ذلك وتثبته.
تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه
2 رمضان1424هـ،28/ 10/2003م
الموضوع: عام
السؤال (1)
بعض الناس ربما يتمتع بمدى أخلاقي واسع يتسع لأن يسمح لبعض التصرفات أن تنفذ إلى المجتمع من خلاله، وهذه الأخلاق ربما تزعج الآخرين من ضمن ذلك ربما في الطريق تحدث زحمة سيارات بسبب عرقلة في الطريق أو بسبب ازدحام على مثلث من المثلثات أو تقاطع من التقاطعات فيقف الناس في صف واحد فيأتي البعض من الجنب من اليمين أو من الشمال ويقتحم على الآخرين خطهم ويتعدى حقوقهم.
ما حكم هذه التصرفات؟ وهل الذي يسمح له بالدخول على حساب الآخرين الذين يمكثون خلفه بانتظام يصح له ذلك أم لا يصح؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فهذه في الحقيقة مسألة غريبة لم تطرح من قبل عليّ، ولم أسمع لأحد فيها رأيا، وما سبق أن ذُكرت لي حتى أبحث فيها وأكون على بينة من الأمر فيها، ولا ينبغي أن يكون الرأي فيها رأياً ارتجاليا. (2/310)
صفحة 797
وهذه المسائل - مسائل السير- إنما تدخل في ضمن ما يعرف عند الفقهاء بالمصالح المرسلة، فلذلك تؤطر في هذا الإطار، وينبغي أن يكون هنالك نظام يسير عليه جميع الناس يقوم بوضعه الخبراء الذين يعرفون كيف يمكن تفادي المشكلات، ويمكن أن يُعطى كل ذي حق حقه، لأن الطريق إنما هو حق للجميع، فليس للإنسان في الطريق أن يزحم الآخرين من أجل أن تكون السعة له ويضيق على الآخرين فيها، بل لكل واحد حقه، وجميع الحقوق في المرافق العامة إنما هي حقوق مشتركة لا يُفضّل فيها أحد على أحد، فهذا الذي يسلك طريقاً جانبياً من أجل أن يتقدم الآخرين إبّان الازدحام ينبغي أن تُراعى فيه عدة أمور من بين ذلك هل هو مضطر أو غير مضطر، فللضرورة أحكام خاصة لا تمنح هذه الأحكام لغير المضطر، وعلى سبيل المثال أن يكون حاملاً مريضاً معه ويريد أن يسابق بذلك المريض إلى المستشفى، ومن ضمن ذلك أن يكون متعجلاً لأجل أنه تأخر لسبب أو لآخر عن الحضور إلى المطار مثلاً لأجل السفر ويخشى أن يفوته السفر، وكذلك أصحاب الضرورات على اختلاف أنواعها ينبغي أن يراعى جانبهم.
ومن ناحية أخرى كذلك يُنظر هل يسبب مضايقة للآخرين أو لا يسبب مضايقة، فإن لم يكن هنالك أي سبب لمضايقة الآخرين من قبله فلا مانع من أن يتوسع، أما إذا كان يفضي إلى مضايقة الآخرين فإنه يُمنع إلا في حالات الاضطرار كما ذكرنا. (2/311)
صفحة 798
ثم هذا الذي يفتح له المجال ويدعه يدخل في وسط السيارات أيضاً ما الذي يدفعه إلى ذلك؟ هل مجرد المجاملة، أو أنه يريد أن يتفادى المشكلة لأنه يحس أنه إن لم يدخل تبقى هنالك مشكلة، ولربما كانت المشكلة مفضية إلى تضييق السير أكثر فأكثر، فيتفادى المشكلة بأن يسمح له أن يتقدم ويفسح له المجال، في هذه الحالة لا حرج عليه بخلاف ما إذا كان الأمر يفضي إلى مضايقة الناس أكثر فأكثر، ومع ذلك لم تكن ثم ضرورة تلجئه إلى أن يتقدم، أما إن كانت هناك ضرورة فكما قلت صاحب الضرورة يجب أن تراعى ضرورته، والناس يجب عليهم أن يتعاونوا على الخير، وأن لا تضيق صدروهم بمثل هذه التصرفات عندما يكون الباعث من أجلها مثل ما ذكرنا، والله تعالى أعلم.
السؤال (2)
في الطريق الآن سُمح لأي إنسان يستخدم الطريق إذا أحس بإزعاج خارج عن الحد من قبل بعض العابثين في الطريق عليه أن يبلغ عنه بعد أن يدون رقم سيارته وبعض العابثين يسلكون مسالك طائشة ويضيّقون على الناس في هذه الأمور وربما يتسبب في حوادث فيبقى الإنسان متردداً يقول في نفسه هل أتركه وشأنه وأمره إلى الله، أم أيبلغ عليه بناء على هذه الفرصة المفتوحة حتى يحافظ على حياة الآخرين؟
الجواب: (2/312)
صفحة 799
الله تبارك وتعالى يقول (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة:71)، فبدأ في أوصاف المؤمنين والمؤمنات بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وقدّم ذلك على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، لأن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإن كان أثرهما ينعكس على المجتمع إلا أن الأصل في مصلحتهما أن تكون مصلحة المصلي والمزكي نفسه بخلاف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولأن نفس إقام الصلاة وإيتاء الزكاة نفس هذين الفعلين يتوقفان على الأمر بالنهي بالمعروف والنهي عن المنكر فلذلك بدأ في وصف المؤمنين والمؤمنات بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وجعل ذلك هو السبب لوجود الموالاة بينهم أي الترابط، فالترابط بين المؤمنين والمؤمنات إنما يكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسبب ما يترتب عليهما من صلاح أحوال الناس واستقامتها، وما يترتب على ذلك من سد أبواب الفساد وقطع الطريق عليه.
وهذا يعني أن على المجتمع المسلم أن يشترك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويتعاون على ذلك، ومن ضمن هذا الاشتراك في دفع المفاسد التي تنجم عن تصرفات الطائشين كما ذكرنا، والنبي صلى الله عليه وسلّم قال: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان. فالإنسان مطالب بأن يغير المنكر إن استطاع بيده وإن لم يستطع تغييره بيده فإنه يؤمر بأن يغيره بلسانه، وإن لم يستطع أن يغيره بلسانه فإنه على الأقل يؤمر أن يغيره بقلبه بحيث يستنكر ذلك ولا يرضى به ولا يقره في نفسه، وبهذا يكون داخلاً في زمرة المؤمنين، وإن كان واقعاً في نقطة أضعف الإيمان. (2/313)
صفحة 800
فبناء على هذا كله نرى من الوجوب أن تُدرأ المفاسد عن الأمة، ومن درأ المفاسد أن ينظم السير، بحيث يتعاون الناس جميعاً على ضبط هذا السير، بحيث يكون لا ضرر فيه على أحد، لأن انضباط السير من أسباب انتشار الأمن، فعدم انتظام السير يؤدي إلى الحوادث التي تودي بأرواح الناس، وتؤدي إلى تحطم أعضائهم وفقدانهم جانباً من قواهم، فهذا الضبط إذاً من الضرورة بمكان، والتعاون فيه وعليه من ضرورات هذه الحياة الاجتماعية الإسلامية. فإبلاغ المسلم عن الطائش لأجل ردعه حتى تستقيم الأمور وينضبط السير ويأمن السالكون، ولا يجد أي أحد في نفسه خوف من خطر يداهمه بسبب طيش الطائشين من الضرورة بمكان فذلك من الواجب ولا يجوز التخلف عنه.
السؤال (3)
ما رأي سماحتكم في التلقيح الصناعي داخل الرحم إذا تعذرت العلاجات الأخرى؟
الجواب:
حقيقة الأمر هذه القضية قضية للعلماء مقال فيها، ولا أزال أجد في نفسي شيئاً لم أستطع أن أصل فيه إلى ما يقنعني. فالقضية طرحت في مجمع الفقه الإسلامي في دورة من دوراته التي انعقدت في فترات ماضية، وانقسم العلماء الحاضرون إلى ثلاثة أراء كل كان له موقف معين من هذه القضية.
منهم من أباح ذلك بضوابط، ومن بين هذه الضوابط أن تكون هنالك ضرورة مُلجئة إلى ذلك، وأن يكون اللقاح ما بين الحيوان المنوي من الزوج والبييضة من الزوجة، لا أن تؤخذ بييضة من امرأة أخرى أو يؤخذ الحيوان المنوي من رجل آخر، وأن لا يكون هنالك رحم ظئر أي لا يستأجر رحم آخر من أجل هذا الحمل، بل أن يكون التلقيح في رحم الزوجة نفسها صاحبة البييضة، وأن يكون ذلك على أيدي أطباء مؤمنين مسلمين متقين مأموني الجانب، وأن تتلف الحيوانات المنوية الباقية فورا لئلا تستخدم في لقاح تختلط فيه الأنساب. هذا موقف الذين أباحوا.
أما الآخرون فإنهم قد منعوا ذلك، أي هنالك فريق آخر ركن إلى المنع.
وفريق ثالث توقف في المسألة. (2/314)
صفحة 801
وقد كنت طرحت سؤالاً على الأطباء الذين حضروا هذه الدورة لأن من شأن مجمع الفقه الإسلامي أن يستعين بخبرة الخبراء في المجالات المتعددة ففي مثل هذه الأمور يستعين بخبرة الأطباء، وفي المجالات الاقتصادية يستعين بالخبراء الاقتصاديين، وهكذا في أي مجال كان يستعين بذوي الاختصاص فيه.
طرحت سؤالاً على الأطباء الحاضرين، وقلت ما معناه بأن سنة الله تعالى اقتضت أن يكون هذا الإنسان تجتمع فيه عناصر متعددة، وأن تكون حياته مركبة منها، فالإنسان هو جسم وروح وعقل وقلب وفكر ووجدان وضمير وغرائز. الفكر والوجدان والمشاعر والأحاسيس هذه كلها تنبعث من الروح. (2/315)
صفحة 802
الجسم مقومات، والروح أيضاً لها مقومات، ومن المعلوم أن اللقاء بين الزوجين عندما يتم لا يكون لقاءً جسدياً فحسب، بل تمتزج فيه المشاعر بالمشاعر، ويتم الانسجام بين الأحاسيس والعواطف حتى تكون عواطفهما ومشاعرهما وأحاسيسهما في ذلك الوقت كأحاسيس النفس الواحدة وذلك بأن تنصهر نفس كل واحد منهما في الآخر بسبب ما يكون من الانسجام بينهما، لأن ساعة اللقاء بين الزوجين على فراش الزوجية هي ساعة انسجام بالغ، فعلى أي حال مع امتزاج هذه المشاعر الذي نراه أن ذلك ينعكس على الجنين المتكون إن تكون من لقائهما هذا جنين، فهذا الانعكاس يبدو أثره على عقلية هذه الجنين ومشاعره وأحاسيسه عندما ينشأ لأنه يستمد من المشاعر المنسجمة من أبويه في ساعة تكوينه، فهل يمكن التعويض عن هذه المشاعر عندما يكون اللقاح بطريقة لا تلتقي فيها مشاعر بمشاعر ولا أحاسيس بأحاسيس، فإن البييضة تُنتزع من المرأة وحدها من غير أن تكون في ذلك الوقت مشاعر زوجها معها، وكذلك عندما يؤخذ الحيوان المنوي من صلب الرجل إنما لا تكون امرأته في ذلك الوقت مشاركة له في مشاعره وأحاسيسه، فهل يُعوّض هذا الجنين الذي يكون بهذه الطريقة أَثَر هذه المشاعر المنسجمة، أو ليس ذلك مما يدعو إلى القلق والخطر من أن ينشاً شاذاً ناقماً على مجتمعه حيث إنه تكون بطريقة غير الطريقة الطبيعية.
حقيقة الأمر الطبيب الذي أجاب في ذلك الوقت قال بأن الإجابة على هذا السؤال تتوقف على دراسة أحوال الأطفال الذين تكونوا بطريقة التلقيح الصناعي، فهل هؤلاء نشأوا طبيعين، وذلك يتوقف على معرفة أطوار حياتهم من مرحلة الطفولة إلى مرحلة البلوغ فما بعد البلوغ. (2/316)
صفحة 803
فإذاً هذا الأمر ينبغي أن يدرس بتأنٍ بالغ، وأن يُتأمل حال هؤلاء الأطفال الذين ولدوا بهذه الطريقة أي تم اللقاح ما بين أبويهم بهذه الطريقة وهي الطريقة الخارجة عن حدود الطبيعة والاعتدال لئلا ينشأوا كما قلت شاذين في تصرفاتهم وفي أعمالهم وفي أحاسيسهم وفي مشاعرهم. هذا الذي كنت أتصوره ولا أزال أرتكز على هذه النقطة، وأرى من الضرورة أن تُدرس، وأن لا يُتسرع في البت في هذه القضية بدون دراستها، والله تعالى المستعان.
السؤال (4)
أود الاستفسار حول صيامي حيث إنني على نية سفر إلى ألمانيا وسوف تقلع الطائرة الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وكما تعلمون فإن فارق التوقيت بين السلطنة وألمانيا ثلاث ساعات، والوصول إلى ألمانيا يكون في الساعة الرابعة بتوقيت السلطنة والواحدة بتوقيت ألمانيا، علماً بأن الفجر هناك يكون في الساعة الواحدة بتوقيت ألمانيا فكيف يكون صيامي في هذه الحالة، وهل يجوز لي الإفطار ذهاباً وإياباً حيث إنني أمكث في ألمانيا لمدة يومين؟
الجواب:
الله تبارك وتعالى وسّع ولم يضيّق، فقد قال عز من قائل (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر) (البقرة: من الآية184)، أي فالواجب عدة إن أفطر من أيام أخر، فالمريض والمسافر كل منهما يَسوغ له الفطر، وبما أن هذا السائل عاقد العزم على السفر، والسفر في منتصف الليل بحيث يصبح مسافراً فإنه لا خلاف بين العلماء على جواز الفطر له متى ما أراد الفطر، فلا حرج عليه أن يفطر في ذهابه وفي إيابه، بل وفي المدة التي يبقى فيها هنالك لأن تلك المدة أيضاً هي مدة سفر، ويقضي بعد ذلك عدة من أيام أُخر بقدر ما أفطر في سفره، لا حرج في ذلك. (2/317)
صفحة 804
أما إن صام فإنه يصوم عندما يطلع الفجر في المكان الذي هو فيه ويستمر على الصيام إلى أن تغرب الشمس في المكان الذي انتقل إليه، لأن الحق سبحانه وتعالى قال (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) (البقرة: من الآية187)، وعندما ينتقل الإنسان من مكان إلى آخر ينتقل حكمه بانتقاله بنفسه، فلا يكون حكمه حكم المكان المنتَقَل عنه، وإنما حكم المكان المنتَقَل إليه، والله تعالى أعلم.
السؤال (5)
هل يشترط في الوقف القول أو الكتابة أم تكفي مجرد النية؟ بمعنى لو نوى بقلبه أن الشيء الفلاني وقف، فهل يلزمه بمجرد هذه النية وعليه إخبار الناس بذلك أم يقال بأن الوقف لم ينعقد بعد؟
الجواب:
الوقف عقد من العقود، ولما كان عقداً فإنه لا بد من التلفظ فيه، ولا يُجزي فيه أن ينوي في قرارة نفسه من غير أن ينطق بأنه وقف ذلك المال للغرض الذي خصصه به، فلو نوى في قرارة نفسه أن ذلك المال موقوف ولكنه مع ذلك لم يقف ذلك المال فالوقفية لا يسري حكمها إليه، والله تعالى أعلم.
السؤال (6)
أنا الآن موجود في تونس وإقامتي هنا غير محددة قد تستمر شهر رمضان أو لا تستمر، فهل يجوز لي الإفطار في هذه المدة أم لا؟
الجواب:
بما أنه على سفر فله حق الإفطار إن أراد، ولكن الصوم أفضل له ما دام هو مستقراً هنالك أي ليس هو على ظهر وإنما هو باقٍ هنالك ولو بضعة أيام فإن الصيام أفضل له وإن كان يَسوغ له الفطر.
وتختلف الظروف بين مسافر ومسافر، فقد يكون المسافر الفطر خير له عندما يكون يلقى صعوبة ومشقة في صيامه، وهذا معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم: ليس من البر الصيام في السفر.
وقد اختلف العلماء في ذلك اختلافاً كثيراً منهم من حمله على معنى ليس من البر الذي يجب أن يُعتنى به وإنما يسوغ غيره ويكون أيضاً براً. (2/318)
صفحة 805
ومنهم من حمله على حالة معين إذا وصل إليها الصائم وذلك أنه جاء في الحديث كما في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلّم وجد رجلاً قد ظُلِّل عليه في سفره فسئل عليه أفضل الصلاة والسلام عن حاله فقيل له بأنه مسافر، فقال صلى الله عليه وسلّم: ليس من البر الصيام في السفر. أي في من كانت حالته كذلك، وهذا الذي استظهره ابن دقيق العيد وقال بأن هذا ليس من باب قصر عموم اللفظ على خصوص السبب، فإن عموم اللفظ إنما يُجرى كما هو ولو كان هنالك سبب خاص إلا إن كانت هنالك قرائن تدل على أن ذلك اللفظ الذي أطلقه الشارع إنما أراد به ذلك السبب الخاص أو ذلك الوضع الخاص فإنه يُحمل كلام الشارع على ما تفيده هذه القرائن التي تحف بالقضية كما في هذه المسألة، وهذا واضح جداً.
فينبغي في من كان يشق عليه الصيام وهو في سفره أن يفطر، أما من كان مرتاحاً بحيث لا يجد صعوبة ولا حرجاً في صيامه فإن الأفضل في هذه الحالة أن يصوم (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) (البقرة: من الآية184). (2/319)
صفحة 806
وقد جاء في حديث الإمام الربيع رحمه الله من طريق أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم فلم يَعب الصائم من المفطر، ولا المفطر من الصائم. هذه رواية الربيع، وقد رواه الشيخان وغيرهما بلفظ (فلم يَعب الصائم على الفطر ولا المفطر على الصائم) وعلى كلتا الروايتين فإنه يعطى الحديث حكم الرفع، أما على رواية الربيع فذلك ظاهر، وأما على الرواية الأخرى فإن ذلك كان على مرأى ومسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقد أقر هؤلاء وهؤلاء على ما هم فلم يعب أحد على أحد. وإنما تراعى الأحوال. النبي صلى الله عليه وسلّم في العام الفتح خرج ومعه أصحابه وكانوا صياماً حتى بلغوا الكديد، فأفطر وأمر أصحابه بالإفطار، هكذا جاء في رواية ابن عباس رضي الله عنهما في المسند الصحيح وفي الصحيحين وغيرهما، ولكن في رواية أبي سعيد الخدري التي جاءت في صحيح مسلم ما يدل على ذلك الظرف الذي أمر فيه النبي صلى الله عليه وسلّم بالإفطار، فقد جاء في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلّم صام وصام أصحابه حتى بلغ الكديد، وقال لهم إنكم ملاقوا عدوكم والفطر أقوى لكم فكانت رخصة فمنهم من أفطر ومنهم من صام، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلّم بعد ذلك إنكم مصبّحوا عدوكم. فأمرهم بالإفطار بسبب أنهم سيلاقون العدو قال أبو سعيد فكانت عزمة. أي كان الإفطار عزيمة لأن النبي صلى الله عليه وسلّم أمر به. وهذا لا يعني أن الصيام في السفر غير مشروع بعد ذلك الموقف، بل هو مشروع كما دل على ذلك كلامه بأنهم بعد ذلك سافروا مع النبي صلى الله عليه وسلّم فمنهم من صام ومنهم من أفطر، وإنما تراعى الظروف كما قلت، والله تعالى أعلم.
السؤال (7)
أصبت بالتهاب في مجرى البول مما أدى إلى خروج الدم والبول في حال التبول وفي غيرها وأجد قطرات من الدم والبول في الإزار بعد الصلاة، فما حكم صلاتي؟
الجواب: (2/320)
صفحة 807
هو يؤمر في هذه الحالة أن ينظر عندما يقوم إلى الصلاة ويتوضأ في ذلك الوقت ويتخذ عازلاً، يستعمل عازلاً لأجل تفادي أن يصل البول إلى إزاره أو إلى بدنه، ولا حرج فيما خرج لأنه في حالة الضرورة، والله تعالى أعلم.
السؤال (8)
المسافر إذا كان مقيماً في سفره ثم أراد أن يفطر فما حكمه؟
الجواب:
لا ينهدم الصيام الذي صامه المسافر في حال سفره بفطره الذي يفطره من بعد ويدل على ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلّم إذ صام وصام أصحابه حتى بلغوا الكديد فأفطر ثم أمر أصحابه بالإفطار.
السؤال (9)
إذا احتاج الوقف إلى النفقة من أجل إصلاحه أو تعميره فمن أين يكون ذلك؟
الجواب:
لا يخلو إما أن يكون الواقف خصص له مصدراً لإصلاحه وترميمه وتعميره، فإن كان خصص له مصدراً فذلك يعود إلى ذلك المصدر نفسه بحيث يُصلح بالمصدر الذي خصصه الواقف، وإن لم يخصص له فإنه يصلح من غلته، والفاضل من غلته يصرف في الجهة الموقوف لها وكفى ذلك.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
3 من رمضان1424هـ، 29/ 10/2003م
الموضوع: عام
السؤال (1)
ما هو ضابط ما يجوز وقفه؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فالذي يجوز وقفه هو كل مال متملك فيه منفعة تبقى عينه وينتفع بمنفعته، فما كان له ريع فإنه يوقف لأجل أن يكون ريعه ملكاً للجهة الموقوف لها، بينما العين تبقى غير متملكة لأحد بعد أن خرجت عن ملكية صاحبها الواقف إلى أن صارت وقفا، معنى ذلك أن الأصل يبقى موقوفاً لا يباع ولا يشترى ولا يوهب ولا يرهن ولا يتصرف فيه أي تصرف، وإنما منفعته هي التي تُصرف للموقوف لها.
السؤال (2)
هل يجوز وقف المتنقلات كالمركبات وقطع الأثاث والسلع؟
الجواب: (2/321)
صفحة 808
بما أن ذلك ينتفع به فالمنفعة هي التي تعود على الجهة الموقوف لها بينما الأصل يبقى كما قلت موقوفا، فلا مانع من وقف المركبات أو وقف الأسلحة أو وقف الثياب أو وقف الحلي أو وقف كتاب يقرأ وينتفع بالقراءة منه من غير أن تتملك عينه.
السؤال (3)
هل ينتهي وقفها بانتهائها؟
الجواب:
نعم، إلا إذا كان هنالك مال وقف لأجل تجديد ما تلاشت عينه من أنواع الموقوفات كهذه بحيث يُشترى بديلاً لذلك المال فلا مانع.
السؤال (4)
رجل وقف دراهم لينتفع بها، فما حكم هذا الوقف؟ والمنتفع هل له أن يستهلكها أم يرجعها إلى مثلها بعد الانتفاع؟
الجواب:
الوقف مصدر وقف يقف، لأن وقف يأتي لازماً ومتعدياً، فاللازم مصدره وقوف، والمتعدي مصدره وقف، ومما جاء متعدياً في ذلك قول الله تبارك وتعالى (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ) (الصافات:24)، وقوله سبحانه وتعالى (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ) (سبأ: من الآية31)، فوقف يقف، هذه هي اللغة الفصيحة، وصاحب القاموس ذكر لغة ضعيفة أوقف يوقف، وكثير من الناس يقول بأن ذلك خطأ، ولكن شاع ذلك عند كثير من الناس في استعمالهم وإلا فالفصيح وقف يقف وقفاً.
ما هي طريقة الانتفاع بالدراهم، ما المراد بذلك؟ هل المراد بهذا أن تلك الدراهم تُقرض للمحتاج ثم بعد يسره يردها لتقرض لغيره؟ أو كيف يكون الانتفاع؟ أما إن كانت موقوفة من أجل أن تقرض للمحتاجين ثم بعد ذلك يردها المقترض وتبقى في حكم الموقوف بحيث ينتفع بها كل من كان محتاجاً إليها مع ردها فلا حرج.
أما إن كانت تستهلك عينها ولا يبقى حق في الذمة متعلق بسببها فهذا لا يعني الوقفية وإنما يعني التمليك.
السؤال (5)
ما الحكم وقف مالاً له في وجه من وجوه الخير في حياته وشرط لنفسه الانتفاع به أو ببعض غلته مع انتفاع من وقف لهم؟
الجواب: (2/322)
صفحة 809
للواقف أن ينتفع بالموقوف إن اشترط ذلك بنفسه في حياته، وله أن يشترط لنفسه الإشراف في حياته على المال الموقوف، وله أيضاً أن يشترط أن يكون أحد من ورثته هو المشرف من بعد وفاته على العين الموقوفة، وهكذا لا مانع من أن يخصص أحداً من الناس يشرف على هذا الوقف.
السؤال (6)
أنا شخص أعمل في شركة لحفر آبار النفط وطبيعة عملي صعبة جداً ويتطلب مني مجهوداً بدنياً هائلاً ونعمل لفترات طويلة بدون راحة ولقد فاتني السحور ذات مرة بسبب الإجهاد، وفي الصباح لم أستطع إكمال الصوم ففطرت، فماذا يجب عليّ؟
الجواب:
من أفطر مضطراً فهو أمين نفسه، إن أفطر من أجل الضرورة فذلك يسوغ له، إلا أن من العلماء من شددّ بأن قال من أصبح على صيام وأفطر بسبب أنه أُجهد فإنما يفطر بقدر حاجته، فإن اضطر إلى الماء لم يجز له أن يأكل، وإن اضطر إلى الطعام دون الماء لم يجز له أن يشرب، وهذا قول في الحقيقة فيه تشديد بالغ فإن الصيام انتقض بمجرد الأكل، فما معنى لإمساكه بعد ذلك؟ فلذلك نحن نرى في هذه الحالة أنه بما أنه أفطر يجوز له أن يأكل إذا أفطر من أجل اضطراره، وإنما عليه أن يقضي يوماً مكان ذلك اليوم، والله تعالى أعلم.
السؤال (7)
أنا رجل أشكو من أمراض القلب كالكبر والحسد وعدم الإخلاص الحقيقي لوجه الله تعالى، وأحس في أكثر الأحيان وكأنني أعمل أشياء وأراعي فيها ماذا سيقول الناس في، وأنا مستاء من حالتي وكثيراً ما يقع لي هذا، ولكنني أسرع في مراجعة نفسي وإهانتها لكي يذهب عني ما بي، فما الحكم في هذا، ما الحل لكي أنزع هذه الأمراض تماماً من قلبي؟ وأريد أن أكون مثلكم في الإخلاص؟
الجواب: (2/323)
صفحة 810
استغفر الله، استغفر الله، استغفر الله، نسأل الله تعالى العفو والعافية، على أي حال نسأل الله تبارك وتعالى لنا جميعاً العفو والعافية والمعافاة التامة في الدين والدنيا والآخرة، لا ريب أن القلب يقع بين جزر ومد، تطغى عليه مؤثرات نفسية ومؤثرات أخرى فيتزعزع ويتزلزل، وطبيعة الإنسان الضعف، الإنسان ضعيف جداً، وإنما عليه أن يعتصم بالله، ولذلك الله تبارك وتعالى أمر أن يفزع الإنسان إليه مستعيذا بالله سبحانه وتعالى من الشيطان الرجيم يقول عز من قائل (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (الأعراف:200 - 201)، يقول سبحانه وتعالى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأعراف:200)، فالإنسان مأمور أن يلجأ إلى ربه سبحانه وتعالى مع إحساسه بمثل هذه المؤثرات التي تطغى على نفسه. (2/324)
صفحة 811
ولا ريب أن الإنسان عندما يدّكر ويتراجع يدرك أن ما كان عليه إنما هو خطأ، فإن كان يرائي الناس فماذا عسى أن يفيده الناس إن عمل من أجلهم؟ الناس كلهم لا يملكون لأي أحد نفعاً ولا ضرا، على أن كل أحد منهم فاني، ولو كان وصل إليه ما وصل من علم ذلك العمل فامتلأ إعجاباً به فإن هذا الإنسان هو فانٍ. ماذا عسى أن يفيد هذا العامل من إعجاب هذا الإنسان الفاني مثله لعمله؟ أو ليس أولى له أن يعمله لوجه الله تبارك وتعالى الباقي الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، الذي يحي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا ريب أن العاقل يدرك أن المصلحة إنما في أن يعمل ذلك لوجه الله تبارك وتعالى لا من أجل الناس، وما قيمة الناس؟ الناس كلهم مهما كانت أقدراهم، ومهما كانت منازلهم ومهما كان شأنهم في هذه الحياة إنما هم عباد لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرا، ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشورا، فضلاً عن أن يملكوا لغيرهم، فلا يحق أن يُعمل لأي أحد منهم، إنما العمل يجب أن يكون لله سبحانه وتعالى.
ثم إن كان الإنسان أيضاً مغروراً بعمله، أو مغروراً بعلمه، أو مغروراً بجماله، أو مغروراً بماله، أو مغروراً بمنصبه، أو مغروراً بأي شيء مما خوله في هذه الحياة الدنيا فعليه أن يدرك أن ذلك إنما هو خيال عابر وظل زائل، الدنيا كلها لا تسوى شيئا. فماله وللإعجاب بما أوتي في هذه الدنيا من علم أو ما صدر منه من عمل وما أوتيه من مال، أو أوتيه من جاه، أو أوتيه من منصب أو أوتيه من جمال أو أوتيه من أي شيء من هذا القبيل. هذه حلية معارة لا تلبث أن تسترد، فلذلك على الإنسان يستبصر، وأن لا يغتر بشيء من ذلك. (2/325)
صفحة 812
ولا ريب أن الإدّكار من شأن المؤمنين، فبما أن هذا الرجل يخبر عن نفسه بأنه يدرك ويرعوي ويحاول أن يهين النفس، وهو في الحقيقة يعزها بهذا لا يهينها، إنما كلما أهانها أعزها، فبقدر ما يشتغل الإنسان بكبح جماح النفس يكون قد أعزها وقد انتشلها من ضياعها وقد سلك بها السبيل الأمثل الذي يؤدي بها إلى الكرامة، فهو على أي حال مادام على هذه الحالة نرجو له التوفيق، ونرجو له السداد إن شاء الله، والله تبارك وتعالى يعينه، وقد قال عز من قائل (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69)، فعليه أن يجاهد نفسه في الله، والله سبحانه وتعالى يهديه إلى السبيل الأمثل، وهو بهذا يكون في عداد المحسنين إن شاء الله.
السؤال (8)
من ذهل عن ذكر اسم الله تعالى أثناء الذبح ثم تذكر بعد ذلك بقليل فذكر اسم الله حين ذاك، فما الحكم الآن وقد وقع ذلك مع أن هذه الذبيحة ملك للغير وقد أُكلت فهل يجب الضمان وعلى من؟
الجواب:
هذه المسألة وقع فيها خلاف بين أهل العلم كثيرا، وقع خلاف في وجوب ذكر اسم الله تعالى عند الذبح أو عدم وجوبه، وهل تحرم الذبيحة إن لم يذكر الله تعالى عليها أو لا تحرم، وهل يُفرّق بين حالة وحالة. هذا مما وقع فيه الخلاف، وقد وصلت الأقوال إلى ستة أقوال وإنما أشهرها ثلاثة: قول من قال بأن تارك ذكر اسم الله تعالى تحرم ذبيحته على الإطلاق. وقائل آخر بأنه لا تحرم على الإطلاق، وقائل بالتفرقة بين حالتي العمد والنسيان. هذه هي الأقوال التي اشتهرت وإن كانت هنالك أقوال ثلاثة أخرى أيضا. (2/326)
صفحة 813
والقول بأنه تحرم الذبيحة إن لم يذكر اسم الله عليها على الإطلاق هو القول الراجح، لأن الله تبارك وتعالى يقول (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْه) (الأنعام: من الآية118)، ومعنى ذلك الأمر وهو أمر إباحة بأكل ما ذكر اسم الله عليه، ويستفاد من هذا المنطوق مفهوم أن ما لم يذكر الله عليه لا يؤكل، وهذا الذي دل عليه المفهوم هنا دل عليه منطوق في قوله تعالى (وَلا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) (الأنعام: من الآية121)، وكذلك ما نراه من الأمر بالذكر في قول الله سبحانه وتعالى (يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) (المائدة: من الآية4)، كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلّم: ما قطع الجلد وأنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ليس السن والظفر. إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة التي تدل على اشتراط ذكر اسم الله تبارك وتعالى سواء عند إرسال السهم أو إغراء الجارحة أو عند استعمال النصل في الذبح أو النحر إنما يشترط ذكر اسم الله تبارك وتعالى حسب دلالة القرآن وحسب دلالة السنة. (2/327)
صفحة 814
أما الذين قالوا بخلاف ذلك فقد تأولوا هذه الآيات وهذه الروايات تأويلات قد تكون بعيدة أحياناً، ذلك لأنهم قالوا مثلاً في قول الله تعالى (وَلا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) (الأنعام: من الآية121)، بأن الآية الكريمة إنما قيدت المنع بكون ما لم يذكر اسم الله تعالى عليه فسقاً والفسق بينته آية أخرى وهي قوله تعالى (أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِه) (الأنعام: من الآية145)، أي ما نُحر لغير وجه الله تبارك وتعالى، فما نحر به مثلاً للصنم أو لقبر أو لأي شيء مما يتقرب إليه من دون الله سبحانه وتعالى فذلك مما أهل به لغير وجه الله تعالى فلا يحل أكله، هؤلاء قالوا كذلك بأنهم جعلوا الواو في قوله (وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) (الأنعام: من الآية121)، واو حال ولم يجعلوها عاطفة، وقالوا بان العطف هنا لا يصح لأجل تغاير ما بين المعطوف والمعطوف عليه بحيث إن الجملة المعطوف عليها جملة إنشائية والجملة المعطوفة جملة خبرية فلا يعطف الخبر على الإنشاء ولا العكس، هكذا قالوا ولكن هذا الكلام مردود، والعطف عطف الخبر على الإنشاء سائغ وله شواهد كثيرة في القرآن من ذلك قول الله تبارك وتعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّه) (البقرة: من الآية282)، وقوله (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) (البقرة: من الآية221)، فنجد هنا عطف الخبر على الإنشاء، وكذلك قول الله تبارك وتعالى (وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: من الآية4)، هذا أيضاً فيه عطف خبر على إنشاء. (2/328)
صفحة 815
هذا مما يتكرر كثيراً في القرآن فهو دليل على أنه لا مانع من عطف الخبر على الإنشاء والإنشاء على الخبر، والواو لا تحمل على أنها واو حال إلا عند تعذر العطف ولم يتعذر العطف هنا، فلذلك لا يمكن أن تُحمل على معنى الحال مع أن الحال في مثل هذه الحالة لا تحتاج إلى تأكيد وقد أكدت هذه الجملة بقوله تعالى (إن) وبدخول اللام (وَإِنَّهُ لَفِسْق) (الأنعام: من الآية121)، هذا كله ما يدل على أن الجملة هذه غير جملة حالية وإنما هي جملة خبرية سيقت لأجل تأكيد ذلك الحكم المذكور في الجملة المعطوفة السابقة.
هذا هو الذي يتبين فلذلك نحن نأخذ برأي من قال بالتشديد في هذا أخذاً بدلالة القرآن وبدلالة الأحاديث الكثيرة عن الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، ولكن بقي أن بعض العلماء قالوا بأن من نسي فهو معذور، وهؤلاء استدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلّم: عفي عن أمتي الخطأ والنسيان. وفي هذا الاستدلال أيضاً نظر لأن الله تعالى لم يقل ولا تذبحوا إلا بذكر اسم الله. وإنما قال (وَلا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) (الأنعام: من الآية121)، فالنهي منصرف إلى نفس الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه سواء كان ترك الذكر عمداً أو نسياناً، ولا دليل على تخصيص النسيان، ولكن بما أن هذا الرجل وقع في هذا الخطأ، ولم يكن متعمداً له، وقد نسي أو تناسى في ذلك الوقت أن ينبه الذين أكلوا من هذه الذبيحة، وقد أكلوها وهم يعتقدون حلها مع أن هنالك قولاً لبعض علماء المسلمين بالحل فلا نرى تضمينه بسبب ذلك، وإنما عليه أن يحذر في المستقبل، والله تعالى أعلم.
السؤال (9)
المتمتع إذا سُرقت نقوده في اليوم العاشر فكيف يتصرف، هل يلزمه أن يقترض أم يبقى الهدي ديناً عليه أم كيف يفعل؟
الجواب: (2/329)
صفحة 816
إن سُرقت نقوده في ذلك اليوم فلا حرج فليصم بقية الأيام، وقد سوّغ له بعض أهل العلم أن يصوم في أيام التشريق ثلاثة أيام ثم يصوم بعد ذلك ما تبقى.
السؤال (10)
بعض المؤذنين يقوم بتقديم الأذان قبل وقت الإمساك في وقت الفجر، فما الحكم في هذا؟
الجواب:
إن كان يُقتصر في المسجد على أذان واحد فلا يجوز أن يقدم الأذان على وقت الفجر، لأن الأذان إنما هو لأجل الإعلان بدخول الوقت، وإنما يسوغ تقديم الأذان إن كان هنالك أذانان كالذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم عندما كان ابن أم مكتوم يؤذن عند طلوع الفجر، وكان بلال يؤذن قبل ذلك، فكان بلال يؤذن بليل الأذان الأول، وكان ابن أم مكتوم يؤذن عند طلوع الفجر أذان الصلاة، فالأذان الأول هو أذان السحر، والأذان الثاني هو أذان الصلاة، فإن كان أذانان فلا بأس بالتقديم، وإن كان أذان واحد فلا يُقدم قبل الفجر، والله تعالى أعلم.
السؤال (11)
البعض يريد تأخير الوتر فلا يصليها في ذلك الوقت وإنما يصليها في آخر الليل فهل يصلي الوتر مع الجماعة سنة حتى يتجنب الرياء؟
الجواب:
في هذه الحالة ليشفع الوتر بركعة حتى لا يكرر وترين في ليلة.
السؤال (12)
رجل حصل على جائزة من مؤسسة ربوية فأراد أن ينشيء بها دورة مياه لمسجد، فهل يصح ذلك؟
الجواب:
لا، كل ما يتعلق بالمسجد لا يبنى إلا بالمال الطيب الخالص، ولا يبنى بشيء من المال الحرام، وإنما هذا مال جُهل ربه فيصرف إلى فقراء المسلمين، فإن كل مال جُهل ربه ففقراء المسلمين أولى به.
السؤال (13)
من يقعد في مقعد الدراسة ولكنه يدرس من قبل مدرسات أجنبيات يتبرجن ولا يضعن ما يستر رؤوسهن وأقدامهن وهو صائم فماذا يصنع؟
الجواب: (2/330)
صفحة 817
هذه مصيبة، وأولاً قبل كل شيء نحن نهيب بالمسئولين في المجتمع المسلم أن يحرصوا على أن يفرضوا في مثل هذه المؤسسات الآداب الإسلامية والأخلاق الواجبة التي يجب أن يتحلى بها المجتمع المسلم، وأن يتكيف وفق مقتضاها من كان في هذا المجتمع ولو لم يكن من المسلمين، فإن على غير المسلمين أن يحترموا أخلاق المسلمين، وأن يتقيدوا بآدابهم، وأن لا يطلقوا لأنفسهم العنان بأن يأتوا بأخلاق غير أخلاق المجتمع الإسلامي، وسلوك غير سلوك الأمة الإسلامية، بل عليهم أن يتقيدوا بهذه الأخلاق ويتأدبوا بآدابها، هذا هو الواجب، ويجب على المسئولين أن يحرصوا على تطبيق هذا النظام، وأن لا يتساهلوا فيه.
ثم على من وقع في ذلك مضطراً عليه أن يغض من بصره بقدر استطاعته، وأن لا يطلق لبصره العنان، وأن يكبح جماح نفسه، وأن لا يطلق العنان لشهواته، بل عليه أن يكون متحرياً جداً، خائفاً من الله تبارك وتعالى، مستشعراً أن الله تبارك وتعالى يراه، وأنه خبير بما يختلج في طوايا نفسه وفي أعماق ضميره، وأنه لا تخفى عليه خافية قط، في هذه الحالة نرجو له مع اضطراره إلى مثل هذه الحالة أن لا يؤاخذه الله، والله تعالى المستعان.
السؤال (14)
رجل يعمل في قطر منذ سبعة عشر سنة فهل يصلي قصراً أم تماماً؟
الجواب:
إن كان مستقراً مطمئناً ناوياً الاستقرار ويحس بالطمأنينة هنالك فعليه أن يتم الصلاة وإلا فإن كان يتحين الفرصة للرجوع ويريد أن يرجع إلى أهله وبلده فصلاة المسافر ركعتان حتى يؤب إلى أهله أو يموت كما جاء في الحديث.
السؤال (15)
يقول الله تعالى (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) (النور: من الآية3)، هل الأبناء الذين جاءوا عن طريق الزنا مصيرهم مثل مصير أبيهم في الزواج؟
الجواب: (2/331)
صفحة 818
لا، لأن أولئك لا يُجرّمون بجرم آبائهم وأمهاتهم فإن الله تعالى يقول (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام: من الآية164)، فما على أحد من وزر غيره، إنما كل واحد يحمل وزره (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) (الطور: من الآية21)، لا يُحمّل أحد وزر غيره مهما كان.
السؤال (16)
رجل سافر من عمان باتجاه المغرب العربي مع العلم أن الفارق الزمني قد يصل إلى أربع ساعات بين البلدين، فما قولكم في توقيت إفطار هذا الصائم وهو في الجو وكلما ذهب إلى الغرب كلما امتد الوقت؟
الجواب:
الله تبارك وتعالى ناط الحكم بغروب الشمس وبالليل قال تعالى (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) (البقرة: من الآية187)، فيؤمر الإنسان أن يتم الصيام إلى أن تغرب عليه الشمس، فإذا غربت عليه الشمس في أي مكان كان فهو انتهى صومه سواء طال الوقت أو قصر، فقد ينتقل الإنسان من المغرب إلى المشرق ويقصر الوقت وقد يكون بعكس ذلك، وإنما عليه أن يستمر على صيامه إلى نهاية الوقت الذي حدده له الشارع، والله تعالى أعلم.
السؤال (17)
ذكرتم بان الذي يقود سيارته بسرعة متهورة ثم يتوفى نتيجة حادث معين بسبب تلك السرعة يُعد منتحراً، هل هنالك سرعة محددة بحيث من يتجاوزها ينطبق عليه هذا الحكم؟
الجواب:
هذه قضية يمكن لذوي الخبرة في قيادة السيارات أن يحددوها، كل شيء يعود إلى ذوي الخبرة من المختصين به، أما أنا فلا خبرة لي في ذلك، وإنما الخبرة لمن كانت هذه مهنته وكان خبيراً بذلك.
السؤال (18)
هل يعتمد هذا على المهارة فقد يكون شخص لديه المهارة في قيادة السيارة؟
الجواب:
عليه أن لا يغتر بهذه المهارة، كثير من هؤلاء الذين يدّعون المهارة هم الذين يكونون الضحية لغرورهم.
السؤال (19) (2/332)
صفحة 819
مشكلتي تمكن في العلاقة المعقدة بيني وبين أمي وزوجتي فرضا أي منهما لا يستقيم إلا بزعل الأخرى، والأم لها حق لها السمع والطاعة وتحت أقدامها الجنان ولكن أحياناً لا يستقيم رضا والدتي إلا بعمل فيه المشقة على زوجتي أو القسوة عليها أو إهانتها وإن أفعل تغضب وتتهمني بالتحيز لزوجتي وهنا غيرة مشتركة بين الاثنتين أمي تغار من معاملتي لزوجتي وزوجتي تغار من معاملتي لأمي، أرجو أن تنصح الاثنتين بما فيه الخير والصلاح؟
الجواب:
حقيقة الأمر عليه هو أن يتقي الله، وأن لا يؤثر إحداهما على الأخرى، الأم لها حق عظيم ويجب تقديرها ولكن لا يعني هذا أن احترامها يؤدي إلى غمط ذي حق حقه فإن كل ذي حق يجب أن يحفظ له حقه وأن لا يغمط، فالزوجة أُمر الرجل بأن يحسن معاشرها، الله تبارك وتعالى يقول (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء: من الآية19)، ويقول سبحانه (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) (البقرة: من الآية229)، ويقول (وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظا) (النساء: من الآية21)، فعلى الإنسان أن يتقي الله في هذا الميثاق وفي هذه العشرة الواجبة تجاه الزوجة، كما أن على الزوجة أن تبر زوجها بإحسانها إلى أمه وبرها بأمه وحسن معاملتها لأمه. وعلى الأم أن لا تحمل ابنها على عقوقها، وأن لا تكلفه شططا.
فكل واحدة مطالبة بأن ترعى الحق تجاه الجانب الآخر، على الزوجة أن ترعى حق أم زوجها، وعلى الأم أن ترعى حق ابنها وحق زوجة الابن، وأن لا تحمل ولدها على أن يخالف أمر الله تبارك وتعالى فيما فرض عليه من حسن معاملته لزوجته فإن العلاقة الزوجية علاقة قائمة على الاحترام المتبادل وعلى المودة بين الجانبين وعلى حسن العشرة بينهما، فيجب أن لا تتأثر هذه العلاقة بشيء مما يكدر صفوها، وعلى الأم أن تكون مساعدة لابنها ولزوجته على إسعادهما، والله تعالى الموفق.
السؤال (20) (2/333)
صفحة 820
شخص وقف ماله لأقاربه حيث قال وقفت المال الفلاني لأقاربي، فمن يعطى من هذا المال؟ أي من يدخل في لفظ القرابة، هل يقسم بينهم أم ينتفعون بالغلة متى تلاحقت الأجيال؟
الجواب:
لو كان أراد أن يُقتسم فيما بينهم لم يكن ذلك وقفاً وإنما كان ذلك وصية، فهو بما أنه قال وقف، فالموقوف يُنتفع بريعه مع بقاء أصله، أما لو قُسّم الأصل فذلك لا يعتبر من الوقفية في شيء. نعم لو كانت وصية أوصى لهم بمال معين فإنه يُقسّم فيما بينهم بالسواء إلا إن كان حدّد لكل أحد نصيباً معيناً فبقدر ما حدّد. ولكن بما أنه لم يوص وإنما قال وقفت هذا المال، أو قال أوصيت بوقف هذا المال من بعدي على قرابتي فإن المال يظل موقوفاً لا يُقتسم، وإنما ينتفعون بالريع مع بقاء الأصل.
والقرابة هم الذين تحق لهم وصية الأقربين وبما يراعون في ذلك بقدر ما يحصل من النفع من هذا الوقف، توزع المنفعة بقدر ما تتسع، فالقرابة تراعى بقدر قوة الصلة يراعى الأقرب فالأقرب، فأولاد الأولاد وما تناسلوا فالأقرب، ثم بعد ذلك الأجداد الذين لا يرثون أي وجود الآباء والأمهات هم أيضاً من القرابة، ثم بعد ذلك أجداد الجدات، ثم بعد ذلك الأخوة ثم أولادهم ما تناسلوا، ثم الأعمام والعمات والأخوال والخالات وأولادهم ما تناسلوا، ثم بعد ذلك أعمام الأب وأعمام الأم وأخوال الأب وأخوال الأم وأولادهم ما تناسلوا، وهكذا قيل تنتهي القرابة بأربع درجات، وقيل تنتهي بخمس، وقيل تنتهي بسبع، وقيل ما لم يقطع الشرك وكانت القرابة معروفة بحيث كان النسب الموصول معروفاً فإن حقهم يبقى، والله تعالى أعلم.
السؤال (21)
مريض بالقلب يضع تحت لسانه أقراصاً فتذوب هناك لكنه لا يدخل شيئاً من حلاوته أو مرارتها في فمه إنما يمج ذلك، وهو صائم فما الحكم؟
الجواب:
أما إذا كان يمج ذلك ولا يصل شيء منه إلى جوفه فلا يتأثر بذلك صيامه.
السؤال (22) (2/334)
صفحة 821
يحدث أثناء الرحلات الطويلة أن ينام بعض المسافرين على مقاعدهم فيحتلم أحدهم أو يصعد الراكب إلى الطائرة وهو ناسٍ لجنابته، أو تطهر المرأة من حيضها ونفاسها مع دخول وقت صلاة الفجر علماً أن وصول الطائرة إلى البلد الآخر لا يكون إلا بعد خروج وقت ولا يمكن الاغتسال في حمام الطائرة فما العمل؟
الجواب:
في هذه الحالة يُعدل إلى التيمم وينفض المقعد الذي يجلس عليه لعله يجد فيه غباراً ويتيم به وحسبه ذلك، ثم إذا وجد الماء بعد ذلك فليمسسه بشرته كما جاء في الحديث، ولا يعيد الصلاة.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
4 من رمضان1424هـ، 30/ 10/2003م
الموضوع: عام
السؤال (1)
نحن من أبناء وادي ميزاب منا من يعمل خارج بلدته بحيث يُعتبر مسافراً فيقيم في بلدة عمله ما لا يقل عن الشهرين والثلاثة أشهر فيعود إلى مسقط رأسه لإجازة لا تتعدى الاسبوعين والشهر، ونحن في بلاد العمل على صنفين منهم المتملك أرباب عمل وهناك من هو أجير عندهم، وفي الحالتين أملنا الاستقرار في البلد الأصلي عند الكبر أي أجسادنا في موطن العمل وعقولنا عند أهلينا في الوطن، هل نقصر أو نتم الصلاة في مواطن العمل؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن إتمام الصلاة إنما هو نتيجة التوطين، والتوطين إنما هو نتيجة استقرار النفس وطمأنينتها، فحيث ما سكن الإنسان واطمأنت نفسه ورأى أنه لا يزعجه شيء وبإمكانه الاستقرار والاطمئنان ففي هذه الحالة عليه أن يتم الصلاة.
وللرجل أن يوطن أكثر من وطن واحد، وقد يكون الإنسان في كلتا البلدتين أو كل البلدان التي له مصالح فيها ويقيم فيها ويستمر بها مرتبطاً بمشاعره، قد يرتبط بتلكم البلدان جميعاً بمشاعره وأحاسيسه بحيث لا يرى ما يزعجه عندما يكون فيها، فلذلك في هذه الحالة يكون موطّنا. (2/335)
صفحة 822
ولربما زاد من استقرار الإنسان وطمأنينة نفسه وهدوء باله أن يكون مالكاً لمسكنٍ في ذلك المكان ففي هذه الحالة الإنسان عليه أن يستفتي قلبه وأن ينظر إلى طمأنينة نفسه، فإن كان يجد في نفسه الطمأنينة فليستقر وليوطن وإلا فليقصر، والإنسان أمين نفسه، والله تعالى أعلم.
السؤال (2)
من كان في سالف عهده تاركاً لصلاة الجماعة هل عليه القضاء للحديث الذي روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: من سمع النداء إلى الصلاة فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر.
الجواب:
الحديث دال على أن قبول الصلاة ممن صلى وهو قادر على أن يجيب داعي الله تبارك وتعالى إلى الجماعة من صلى في بيته أو في مكان آخر ولم يجب الداعي فصلاته غير مقبولة، ولكن مع ذلك يسقط بها الفرض عنه إلا عند الظاهرية فحسب، فالظاهرية وحدهم هم الذين يقولون لا يسقط فرضه، وإلا فجمهور العلماء الذين قالوا بأن صلاة الجماعة واجبة على الأعيان والاستجابة لداعي الله تبارك وتعالى واجبة يقولون بأن الإنسان إنما يُحرم من ثواب تلك الصلاة مع كونه لا يجب عليه أن يعيد الفرض، وهذا القول هو الذي نأخذ به ونعتمد عليه مع كون التوبة إلى الله تبارك وتعالى مما يجدد له بمشيئة الله الثواب وليكثر في توبته من النوافل وصالحات الأعمال الأخرى من غير الصلاة أيضاً كالصدقات وغيرها فإن ذلك مما يعوض بمشيئة الله عما فاته في ما مضى، والله تبارك وتعالى يقبل توبة التائبين من عباده.
السؤال (3)
ما هي وحدة الشهود ووحدة الوجود؟
الجواب:
لا ريب أن الله تبارك وتعالى هو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً احد، والكون بأسره ما هو إلا صفحات مشرقة بأنوار ربوبيته تبارك وتعالى من حيث إن ربوبيته تتجلى في كل ذرة من ذرات الوجود، ولذلك قال بعض العلماء الربانيين كل ذرة من ذرات الوجود إنما هي كلمة من كلمات الله، ناطقة بتوحيده سبحانه وتعالى وتنزيهه، وما عداها فهو كالشرح لتلك الكلمة. (2/336)
صفحة 823
وهذا ما يدل عليه القرآن الكريم لأن الله تبارك وتعالى أحال في القرآن على النظر في آيات الله تبارك وتعالى في الأنفس وفي الآفاق فقد قال (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) (ابراهيم: من الآية10)، أي كيف يشك الإنسان في وجود الله مع أن دلائل هذا الوجود بأسره دالة على وجوده، ويقول سبحانه وتعالى (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (البقرة:163)، ثم أتبع ذلك قوله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة:164)، ومعنى ذلك أن الله سبحانه بعدما ذكر أنه الإله الواحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأن ما يعبد سواه ليس هو من الألوهية في شيء بعدما بيّن أدلة ذلك من خلال ما يتجلى للإنسان ويتراءى له في هذا الوجود المترامي الأطراف الواسع الأرجاء، فإن هذا الكون كله على تباعد أطرافه وتراميها هو وحدة متكاملة، كل جزء منه مكمل لبقية الأجزاء، فلا يمكن بحال من الأحوال أن يكون صدر عن أكثر من مكون واحد، بل الذي أوجده إنما هو خالق واحد، ذلك لأنه لو كان هنالك أكثر من خالق لاستقل كل واحد منهم بإرادته، وإذا استقل كل واحد منهم بإرادته فلا بد من أن يكون مستقلاً بمراده، فيريد هذا الشيء بخلاف ما يريده الآخر، يريده أحدهما طويلاً ويريده الآخر قصيراً، يريده أحدهما أبيضا ويريده الآخر أسودا، يريده أحدهما ليناً ويريده الآخر صلباً، يريده أحدهما ناعماً ويريده الآخر خشناً، وهكذا تختلف الإرادات، وباختلاف هذه الإرادات يختلفون في (2/337)
صفحة 824
المراد، وهذا مما يؤدي إلى التنازع وإلى عدم انتظام هذا الوجود وذلك الذي دل عليه قوله سبحانه وتعالى (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) (الانبياء: من الآية22)، ولكن يتجلى في شهود هذا الوجود كله أن الله تعالى إله واحد وذلك لأن هذا الوجود بأسره منتظم متناسق متساوق كل جزء منه مكمل لبقية الأجزاء فلا نشاز ولا اضطراب ولا أي شيء من التناقض فيه، وهذا دليل واضح على وحدانية خالقه. فوحدة الشهود تتجلى في هذا لأن الله تبارك وتعالى يتجلى وجوده في كل ذرة من ذرات الوجود.
ولكن مع ذلك هذا التجلي ضل به قوم زعموا أن الخالق والمخلوق هو حقيقة واحدة، فلم يفرقوا بين الخالق والمخلوق، فأعطوا ما للخالق للمخلوق، ووصفوا المخلوق بصفة الخالق، حتى أنهم ذهبوا إلى الشك والاضطراب بحيث قال أحدهم والعياذ بالله وأنقل ذلك لا لأني أقر هذا الذي أنقله ولكن كما قيل ناقل الكفر غير كافر وإنما أنقله منكراً له ومغيراً له قال:
الرب عبد والعبد رب ... فليت شعري أين المكلف
إن قلت عبد فذاك رب ... أو قلت رب فأنى يكلف
وهذا الذي ذُكر عن بعضهم أنه قال: سبحاني سبحاني ما أعظم شاني. وقال بعضهم أيضاً: ما في هذه الجبة غير الله. يعني أنه هو الله. إلى آخر ما قيل من أمثال هذه الترهات وهي التي يُعبر عنها بفلسفة وحدة الوجود.
وهذه فلسفة كانت توجد في الديانات المنحرفة. كانت توجد عند بعض الناس في بعدهم عن سواء الصراط في تصوراتهم لنظام هذا الكون، ولكن بسبب الاحتكاك الذي حصل بين بعض المسلمين وبعض فلاسفة الهنود الوثنيين وغيرهم انتقلت فكرة وحدة الوجود إلى بعض صوفية المسلمين فعبروا بمثل هذه التعبيرات البعيدة عن الحق التي لا تقر أبداً، ولا يجوز أن يصوبها أي أحد ولو كانت صادرة في شطحاتهم وفي أحوال هم فيها بعيدون عن الصواب لا يمكن أن تقر هذه الأمور، ولا يمكن أن يصوبوا عليها. (2/338)
صفحة 825
فإذاً فلسفة وحدة الوجود بهذا المعنى لا يمكن أن تُقر أبداً، لا يمكن، إذ وجود الخالق ليس كوجود المخلوق، فالمخلوق وجوده وجود جائز في الأصل، وأما وجود الخالق فهو وجوب واجب، الله تبارك وتعالى هو واجب الوجود إذ لا يتصور أن يكون غير موجود بأي حال من الأحوال، أزلاً وأبداً، أما المخلوق ففي الأزل لم يكن موجوداً، ثم وجوده ينتهي إلى أن يشاء الله تبارك وتعالى أن يجدد له الوجود.
ولئن كان الله تبارك وتعالى كتب الخلود لعباده (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) (الشورى: من الآية7)، فإن ذلك الخلود إنما هو بتخليد الله تبارك وتعالى لهم، فليس بقاؤهم إلا بإبقاء الله سبحانه إياهم، أما بقاء الله تعالى فهو بقاء ذاتي ليس كبقاء المخلوق، ولا يمكن أن تقاس صفات الخلق على صفات الحق.
نعم هناك على أي حال صفات كمالية لله تبارك وتعالى يتصف المخلوقون بمعانيها من غير أن يكونوا مشاركين لله تبارك وتعالى في حقيقتها، فالإنسان قد يوصف بالعلم ويوصف بالقدرة ويوصف بالحياة ويوصف بالسمع ويوصف بالبصر، ولكن علينا أن ندرك الفرق الكبير بين علم المخلوق وعلم الخالق، فعلم المخلوق علم جزئي نسبي محدود جداً لا يساوي شيئاً أبداً بجانب ما يجهله، بينما علم الخالق سبحانه وتعالى علم محيط بكل شيء بحيث لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، كل ذرة من ذرات الكون أحاط الله تبارك وتعالى بها علماً، بكل ما هو أدق من هذه الذرة، تراكيب الذرات الله تعالى محيط بها علماً وبخصائصها وبكل أسرارها وبكل طواياها وأبعادها، الله تبارك وتعالى محيط بذلك كله علماً، لا يخفى عليه من ذلك شيء. (2/339)
صفحة 826
على أن علم المخلوق علم حادث، فالمخلوق نفسه هو حادث، ثم إنه مع ذلك يحدث وهو لا يعلم شيئاً، ويتجدد العلم فيه، يأخذ العلم في التجدد والنمو شيئاً فشيئاً (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً) (النحل: من الآية78)، ولكن يتعلم هذا المخلوق، أما علم الله فعلم أزلي ليست له بداية بحال من الأحوال.
وكذلك المخلوق قد يعيش حتى ينكر ما كان يعلمه كما يقول سبحانه وتعالى (لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً) (الحج: من الآية5)، بينما الله تبارك وتعالى علمه علم باقٍ، علم أزلي أبدي، علم لا يتجدد، وإنما تتجدد المعلومات، أما علم الله تعالى بهذه المعلومات فهو علم ذاتي أزلي أبدي إذ هو يعلم هذه الكائنات كلها في الأزل قبل وجودها، كما يعلمها فيما لا يزال بعد وجودها.
وهكذا بالنسبة إلى القدرة، فإن المخلوق ولو وصف بالقدرة إلا أن قدرته قدرة نسبية محدودة لا توازي شيئاً بجانب ما يعجز عنه، بينما الله تبارك وتعالى أحاط بكل شيء قدرة، ولا أدل على ذلك من خلقه هذا الكون بأسره مع ترامي أطرافه وبعد مسافاته (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاس) (غافر: من الآية57).
وكذلك بالنسبة إلى السمع وإلى البصر وإلى أي صفة من هذه الصفات لا يمكن أن تقاس صفة المخلوق بصفة الخالق، إنما صفة الخالق صفة مطلقة، وصفة المخلوق نسبية محدودة جداً.
فكمالات المخلوق إنما هي كمالات محدودة، وهي كمالات فائضة من عند الله، أفاضها الله تبارك وتعالى عليه، بينما كمالات الله تبارك وتعالى كمالات ذاتية لم يفضها عليه غيره تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.
فيجب أن نفرق بين عقيدة التوحيد وبين فلسفة وحدة الوجود تلك الفلسفة التي تجعل المخلوق هو الخالق والخالق هو المخلوق تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.
السؤال (4) (2/340)
صفحة 827
ذكرتم أن كبائر المعاصي ناقضة للصيام بناء على حديث: ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله. وسؤالي لماذا لم تلزموا مرتكب الكبيرة في نهار رمضان مع إعادة يومه الكفارة، مع أن حديث أبي هريرة عن الربيع يقول: أفطر رجل في رمضان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأمره بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا. وقد ذكرتم أن هذا الحديث عام في كل من انتهك حرمة الصيام ولم تروا حديث عائشة رضي الله عنها مخصصاً له لأنه واقع حال، فمعنى هذا أن كبائر المعاصي داخل حكمها في حديث أبي هريرة أم أن منازعة بعض العلماء في نقض المعاصي للصيام كافٍ أن يزرع شبهة تدرأ بها الكفارة؟
الجواب:
نعم، الكفارة إنما تجب في ما أُجمع على أنه ناقض، لا في ما اختلف في كونه ناقضا. ولذلك نحن نجد في مسند الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله حكاية عن جماعة كثيرة من السلف أنهم قالوا من أصبح جنباً أصبح مفطرا ولكن مع ذلك قال ويدرأون عنه الكفارة. فدرأ الكفارة عنه إنما هو لأجل شبهة الاختلاف في ذلك. فلما كانت شبهة الاختلاف قائمة والكفارة بمثابة الحد ومن شأن الحد أن يدرأ بالشبهة فكذلك الكفارات تدرأ بالشبهات، والله تعالى أعلم.
السؤال (5)
من أين استقى القائلون بوجوب الكفارة على من وجبت عليه على الترتيب، فإن كان من حديث عائشة فكيف يتفق ذلك مع قولهم أن حديث عائشة لا يخصص عموماً ولا يقيد إطلاقا؟
الجواب:
الترتيب دل عليه الحديث لأن النبي صلى الله عليه وسلّم عندما جاءه المفطر ذكر له الكفارات بالتدريج، بدأ أولاً بعتق الرقبة، ولما اعتذر أنه لا يستطيع العتق أحاله على الصيام، ولما اعتذر عن الصوم أيضاً أحاله على الإطعام فإذاً هذا دليل على أن الكفارة إنما تجب بالترتيب، وهذا القول هو قول جمهور الأمة، وقد ذهب إليه من علمائنا الإمام ابن محبوب والإمام أبو نبهان رحمهما الله تعالى وبه نأخذ، والله تعالى أعلم.
السؤال (6) (2/341)
صفحة 828
من كان الحكم فيه بالبراءة لتخلفه عن الجماعة وتركه الجمعة كما نعتقد وكما بينتم سماحتكم، إن كان الحكم عليه هكذا في الحياة فما البال عند الممات خصوصاً إن ذلك كالأب أو الجد فكيف يكون الدعاء له والترحم عليه وطلب المغفرة له من الله وما هو الواجب من ذريته نحوه؟
الجواب:
من كان مجاهراً ومعانداً في تركه الجماعة كما هو شأن كثير من الناس فحكم البراءة يطبق عليه، ولا ريب أن موقف علمائنا في هذا واضح وظاهر وهو أنه لا يدعى له بخير الآخرة، ودليلهم على ذلك قول الله تبارك وتعالى في ابن نوح عليه السلام (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) (هود: من الآية46)، فقد قرأ حمزة وهو من القراء السبعة وقراءته مشهورة (إنه عَمِلَ غير صالح)، وهذه القراءة قرأ بها أربعة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهي تدل على أن العمل غير الصالح هو الذي يوجب البراءة ويمنع من الدعاء، كيف ونوح عليه السلام لم يزد على قوله (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) (هود: من الآية45)، فرد الله تعالى عليه بقوله (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِك) (هود: من الآية46) وعلّل ذلك بقوله (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِح) (هود: من الآية46)، معنى ذلك أن عمله الذي عمله غير صالح، ويؤكد ذلك ما في قراءة حمزة كما قرأ كما قلت (إنه عَمِلَ غير صالح)، والله تعالى أعلم.
السؤال (7)
إذا كان الإنسان يصلي وأراد أثناء الصلاة أن يزيد عدد الركعات إذا كان قد نوى أن يصلي ركعتين فأراد أن يضيف ركعتين، فهل يصح له ذلك؟
الجواب: (2/342)
صفحة 829
أي صلاة، أما صلاة الفرض فلا يزاد عليها، صلاة الفرض تبقى كما هي إذ هي محددة بركعاتها فلا يمكن أن يزاد عليها شيء، وأما إذا كانت صلاة نافلة فإنه بعدما يسلم من الركعتين يقوم للركعتين الباقيتين ويصلي كما شاء، إن نوى أن يصلي ركعتين نافلة مثلاً وسلّم منهما فليقم إلى ركعتين أخريين، فإن شاء زاد ركعتين أخريين، وهكذا إلى أن يفرغ مما أراده.
السؤال (8)
ما الحكمة من منع بيع الصرف إلا يداً بيد، وإذا كان ذلك لأجل وجود الربا في بيع الصرف إلا يداً بيد فأين يحدث الربا في ذلك بالضبط؟
الجواب:
الصرف دل الحديث الشريف على أن الصرف لا يجوز إلا يداً بيد وذلك في قصة عمر بن الخطاب عندما جاء أحد بذهب وكان طلحة بن عبيد الله يريد أن يأخذه بورق أي بفضة، فكان يقلبه حتى يأتي خازني من الغابة، فقال عمر رضي الله عنه: لا أبرح مكانكما فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: الذهب بالورق ربا إلا ها وها. أي الذهب بالفضة ربا إلا ها وها. وذلك لأن الذهب والفضة بسبب اشتراكهما في النقدية صارا جنساً واحداً، ومعنى ذلك أن النقود بسبب اشتراكها في النقدية وكونها جنساً واحداً لا يجوز بيع بعضها ببعض إلا يداً بيد، ولو كانت بعضها من فضة وبعضها من ذهب، أو كانت هذه النقود مثلاً نقوداً ورقية وكانت بعضها صرف دولة والأخرى صرف دولة أخرى فإنه لا بد من التقابض في المجلس وإلا كان ذلك ربا نسيئة وربا النسيئة مجمع على تحريمه من غير خلاف، والله تعالى أعلم.
السؤال (9)
الإباضية يُنسبون إلى عبدالله بن إباض هل هذه النسبة علم أم هي نسبة لاعتبارات أخرى، ومن هو عبدالله بن إباض؟
الجواب: (2/343)
صفحة 830
حقيقة الأمر هذه النسبة إنما هي في الأصل جاءت في الأصل من غير الإباضية بسبب أن عبدالله بن إباض هو الذي كان يدافع عنهم، ويواجه الجهات الرسمية باسمهم فلذلك نسبوا إليه، وإلا فهم من حيث ضبط المذهب وتدوينه وتدقيق أحكامه إنما إمامهم الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد رضي الله تعالى عنه الذي أخذ العلم عن ابن عباس وعن غيره من الصحابة الذين أدركهم، وقد قال: لقيت سبعين بدرياً من الصحابة فحويت ما بين أظهرهم ما خلا البحر. وهذا الاستثناء هو استثناء منقطع لأن البحر ابن عباس رضي الله تعالى عنه لم يكن من أهل بدر وإنما هذا من باب الاستثناء المنقطع، وقد شهد له ابن عباس رضي الله تعالى عنه بسعة العلم وقال: عجباً لأهل العراق يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد لو قصدوا نحوه لوسعهم علمه إلى غير ذلك. وكذلك عبدالله بن عمر شهد له بسعة العلم.
فالإباضية من حيث الارتباط بالفقه إنما هم مرتبطون بفقه جابر بن زيد وهو إمامهم من هذه الناحية، وإنما عبدالله بن إباض كان يدافع عنهم ويقيم الحجة على خصومهم، وينطق باسمهم لدى الجهات الرسمية التي كانت تحكم في ذلك الوقت، وهذا مما تؤكده الشواهد إذ لا توجد مسألة في الفقه منسوبة إلى عبدالله إباض أبداً، لا يوجد في فقه هذا المذهب مسألة واحدة تنسب إلى عبدالله بن إباض , وإنما جميع المسائل تنسب إلى العلماء الآخرين كجابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة والربيع بن حبيب وأبي مودود حاجب بن مودود وأبي نوح صالح الدهان وغيرهم من العلماء الذين بعضهم كان تلامذة لجابر، ومنهم من كان تلميذاً لأحد تلامذته أو لبعض تلامذته، ومنهم من كانوا في عصر جابر كجعفر بن السماك العبدي وصحار العبدي وغيرهم هؤلاء كانوا في رتبة جابر، ولعل صحاراً كان أسبق لأنه فيما يقول بعض العلماء كان صحابياً روى ثلاثة أحاديث عن النبي صلى لله عليه وسلّم كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر. (2/344)
صفحة 831
فنسبتهم إلى عبدالله بن إباض إنما هي للتميز لا للتشريع، إذ لم يكن عبدالله بن إباض محرراً لمذهبهم أو مناقشاً لمسائل فقهية أو تلقوا عنه مسائل فقهية أو مسائل في القضايا الاعتقادية اللهم إلا القليل النادر الذي جاء في رسالته التي وجهها إلى عبد الملك بن مروان. وإنما كان مرجعهم الإمام أبو الشعثاء، وعبدالله بن إباض نفسه كان يرجع إلى الإمام أبي الشعثاء، والله تعالى أعلم.
السؤال (10)
ما تفسير علة المالية الذي ذكرها أكثر أصحابنا الإباضية في تفسير علة الجنس الربوي وهل تعني منع بيع كل الأشياء المتماثلة لبعضها البعض كمنع بيع السيارة بسيارة أخرى أو منزل بمنزل؟
الجواب:
نعم علماؤنا شدّدوا في ذلك بناء على ما جاء من الروايات التي تدل على منع بيع بعض الأشياء ببعض مع تجانسها، حتى أنه جاء منع بيع الحيوان بالحيوان إلا يداً بيد، وهذا هو الذي ذهب إليه أصحابنا وذهب إليه الحنابلة وبعض علماء المذاهب الأخرى، ومنهم من أجاز ذلك مع اختلاف أنواع الحيوانات كبيع بعير بشياه أو شياه ببقر أو نحو ذلك منهم من أجاز ذلك وإن لم يكن يداً بيد بسبب اختلاف أنواع الحيوانات، ولكن مع ذلك نجد التشدد عند كثير من العلماء، وكذلك بالنسبة إلى الأدهان منع بيع الدهن بالدهن ولو مع الاختلاف مثلاً بسبب دخولها جميعاً في جنس الدهنية، فكذلك إذاً السيارة بالسيارة لا يجوز بيعها إلا يداً بيد، فلا يجوز بيعها بطريقة النسيئة لما في ذلك من الوقوع في الربا، والله تعالى أعلم.
السؤال (11)
ما العلة الصحيحة التي ترونها في تفسير علة الجنس الربوي في حديث عبادة بن الصامت وبناء على رأيكم في العلة ما الأشياء التي ينبغي الناس الحذر عند التعامل بها خوفاً من الوقوع في الربا؟
الجواب: (2/345)
صفحة 832
حقيقة الأمر الأحاديث هذه هنالك تختلف الأمور، حديث ذكر الستة الأصناف إنما يدل على ما دل عليه الحديث (يداً بيد مثلاً بمثل فمن زاد أو استزاد فقد أربى). فهذه الأنواع الستة لا يمنع بيعها إلا يداً بيد فحسب بل يشترط أيضاً على الصحيح أن تكون مثلاً بمثل، لأن الرأي الذي نختاره هو أن ربا الفضل يمنع وإن كان هو في المنع أقل شدة من ربا النسيئة، ولكن الروايات الكثيرة دلت على ذلك، وهذا إنما يحصر في هذه الأصناف الستة بحيث يجب بجانب التقابض فيها أن تكون مثلاً بمثل من غير زيادة فمن زاد أو استزاد فقد أربى.
السؤال (12)
امرأة صائمة صوم قضاء وعندما عادت من العمل في الساعة الثالثة كانت متعبة جداً فأفطرت فما الحكم؟
الجواب:
أما إن كانت متعبة تعباً تحتمل معه الصوم وتستطيع الصيام ولا يجهدها الصوم فعليها أن تستمر على الصوم. أما إن كانت مضطرة بحيث رأت الهلاك لو لم تفطر ففي هذه الحالة يجوز لها الفطر وعليها أن تقضي يوماً مكان يوم.
أما على الاحتمال الآخر وهي أن تكون قادرة على مواصلة الصوم ولكن أرادت أن ترتاح وأرادت أن تفطر لأجل راحتها ففي هذه الحالة مع القضاء عليها الكفارة، والله تعالى أعلم.
السؤال (13)
من يًُعلم كبار السن قراءة القرآن الكريم لكن دون أن يراعي أحكام التجويد نظراً إلى أنهم لا يحسنون ذلك ومراعاة لحالهم فهل يصح ذلك؟
الجواب:
إن كانوا لا يستطيعون أن يجودوا فلا يكلفون ما لا يستطيعون، الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا) (الطلاق: من الآية7).
السؤال (14)
هل يصح أن يعتمر أحد عن إنسان قادر؟
الجواب:
إذا كانت هذه العمرة عمرة نفل فقد رُخص فيها ونعمل بهذا، وإن كانت هذه العمرة عمرة وجوب فلا تجوز النيابة عن الحي القادر في عمرة الوجوب كما لا تجوز النيابة عنه في حجة الوجوب.
السؤال (15) (2/346)
صفحة 833
امرأة عمرها أربعة عشر عاماً كانت لا تصلي في هذا السن ولا تصوم وبعد الزواج استمرت ثلاث سنوات لا تصلي أيضاً ولا تصوم ثم سألت عن ذلك فقالوا لها بوجوب قضاء الصلوات وعليها الكفارة، فهل يجب عليها الكفارة؟
الجواب:
أما الصوم فلا بد من التكفير عنه لأجل ثبوت الأحاديث في كفارة الصيام، وأما الصلاة فجمهور علمائنا يقولون بوجوب الكفارة من أجل ترك الصلاة كوجوب الكفارة من أجل ترك الصيام فقد قاسوا كفارة الصلاة على كفارة الصيام بجامع أن كلاً من الصيام والصلاة عبادة بدنية لها وقت محدد تفوت بفوات وقتها، ولكن الذي نأخذ به أن الكفارات كما قلت سابقاً لا يقاس بعضها على بعض لأنها أشبه بالحدود ويبعد فيها القياس، لذلك لا أميل إلى القول بوجوب كفارة الصلاة، وإن كنت أرى أن من عمل بذلك وأخذ بذلك فقد احتاط لدينه، فإن أرادت أن تزيد في احتياطها لدينها فلتكفر بجانب القضاء. وعليها أن تتوب إلى الله تعالى توبة نصوحا والله تعالى يقبل توبتها.
السؤال (16)
ذهبت والدتي إلى الحج العام الماضي وعندما وصلت بين الصفا والمروة خرجت منها كلمة (أخ) عندما شمت رائحة كريهة من أحد الحجاج دون قصد الاستهزاء فاستغفرت من قولها وعند رجوعها تذكرت هذه الحادثة فهل عليها شيء؟
الجواب:
إن كانت هي ما قصدت التحقير فعلى أي حال ليس عليها شيء، لعلها كربتها الرائحة.
السؤال (17)
ومن قصد الاستهزاء؟
الجواب:
تلك عبادة، والعبادة تتنافى مع الاستهزاء بالغير والاستخفاف به.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
19 رمضان 1424 هـ، 14/ 11/2003م
الموضوع: الاعتكاف
السؤال (1)
ما هي القيمة الروحية والتربوية التي يتحصل عليها المسلم من الاعتكاف؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: (2/347)
صفحة 834
فإنه من المعلوم أن الله تبارك وتعالى خلق هذا الإنسان متكوناً من روح وجسم، ولكل واحد من هذين الأمرين تطلعاته وضروراته وحاجاته، والروح دائماً تتطلع إلى المحيط الواسع وتستشرف الغيب، ولذلك خص الله تبارك وتعالى الذين يؤمنون بالغيب بما خصهم به إذ جعلهم من المهتدين، فإن الإيمان بالغيب نقطة الافتراق بين فريقين فريق ينحبس بين مضيق المادة ولا يخرج عنها، فلا ينظر إلى شيء إلا بمقياسه المادي، ولا يتطلع إلى ما وراء المادة، وهذا الفريق في حقيقة الأمر عمي عن الحقيقة، فإن وراء المشاهدات الحسية عوالم واسعة الآفاق، ووراء ذلك كله من هو بكل شيء محيط، وعلى كل شيء قدير وبكل شيء خبير، وبكل شيء بصير، الذي يصرف هذه الكائنات كما يشاء سبحانه، وهو الذي كان قبل خلق الزمان والمكان، وهو الآن على ما عليه كان، لا يُسأل عنه بأين، ولا ينظر إليه بعين، إنما هو تبارك وتعالى كما كان من قبل.
فالإنسان الذي يؤمن بالغيب يخرج من هذا المضيق، وينطلق مع الذين خرجوا من هذا المضيق إلى آفاق واسعة في العوالم الأخرى التي تحيط بهذا العالم المادي الذي يعيش فيه الإنسان، ويتجاوز ذلك إلى أن يكون مع خالق هذا الوجود كله، مع الذي هو بكل شيء بصير وعلى كل قدير، فالإنسان بحاجة إلى هذه الصلة، الصلة التي تربط روحه بالعوالم الأخرى والتي هي أيضاً في نفس الوقت تصله بمن هو محيط بكل عالم وهو الله تبارك وتعالى، ولأجل ذلك شُرعت العبادات، فكل عبادة من هذه العبادات لها أثرها الكبير في تنوير البصيرة وترويض النفس وفتح الآفاق الواسعة لهذه النفس حتى تخرج من هذا المضيق الذي تعيش فيه. (2/348)
صفحة 835
فالإنسان بمجرد ما يقف بين يدي ربه تبارك وتعالى ماثلاً راكعاً ساجداً قائلاً الله أكبر يستشعر عظمة الخالق تبارك وتعالى، وتتراءى أمام ناظريه مشاهد العوالم الساجدة لله تبارك وتعالى المسبحة بحمده التي هي كما أخبر الله تبارك وتعالى عنها لا يشذ شيء منها عن السجود والتسبيح لله تعالى كما يقول عز وجل (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْض) (الحشر: من الآية1)، (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْض) (الجمعة: من الآية1)، (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) (الاسراء:44)، وكذلك بجانب كونها مسبحة لله تعالى هي ساجدة أيضاً لجلال الله، فكل شيء في هذا الكون أيضاً يسجد لله إلا من يشذ من الجنس البشري، فالله تعالى يقول (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) (الحج: من الآية18)، أي وكثير منهم هم الشاذون عن هذا النظام الذي جعله الله تبارك وتعالى موحداً ما بين هذه العوالم كلها. فالمسلم في خلواته إنما يحس بهذه الصلة ما بينه وبين هذه الكائنات.
بل يحس المسلم أيضاً بأنه لا يُسبح بلسانه الناطق فحسب، بل هنالك ألسنة صامتة في نفسه هي تسبح مع تسبيحه بلسانه الناطق، فكل خلية من خلايا جسمه هي تسبح بحمد الله تعالى، بل كل ما هو أدق من الخلايا من الجسيمات أيضاً يشترك في هذا التسبيح. (2/349)
صفحة 836
فهناك نستطيع أن نقول ملايين الملايين من الألسنة في جسم الإنسان الواحد تسبح بحمد الله تسبيحاً صامتاً، وإن كان هذا التسبيح لا يصل إلى فهمه وإدراكه إلا أولوا البصائر الذين نوّر الله تبارك وتعالى بصائرهم حتى عرفوا أن الكائنات بأسرها منتظمة في هذا النظام العجيب، وأما حركة الإنسان الاضطرارية هي أيضاً منسجمة مع نظام الوجود، وشذوذ الإنسان بعدم تفاعله مع ذلك عندما يكون خارجاً عن المنهج الرباني يؤدي به إلى النشاز بينه وبين نفسه، يدرك ذلك أولوا البصائر كما قلت.
وهذا ما قاله بعض العلماء الربانيين عندما كان يفكر في مثل هذه الأمور وهو الإمام الرباني سعيد بن خلفان الخليلي رحمه الله تعالى فقد قال:
أعاين تسبيحي بنور جناني ... فأشهد مني ألف ألف لسان
وكل لسان أجتلي من لغاته ... إذاً ألف ألف من غريب أغاني
ويُهدى إلى سمعي بكل لُغَيّةٍ ... هُدى ألف ألف من شتيت معاني
وفي كل معنى ألف ألف عجيبة ... يقصّر عن إحصائها الثقلان
ولم أذكر الأعداد إلا إشارة ... كأني في أوصاف ميططران
وإلا ففوق العد أمر منزه ... عن الحد يفنى دونه الملوان
ولا تتعجب إن عجبت فإنها ... حقائق صدق ليس بالهذيان
فالإنسان إذاً الذي يخرج بنفسه من هذا العالم المادي الضيق بحيث يأوي إلى ربه سبحانه في بيت من بيوته، مستشرفاً عالم الغيب، متطلعاً إلى نفحات الله تبارك وتعالى يحس هذا الإنسان بروحانية عجيبة، يُحس بأنه خرج من سجن كان فيه إلى رحاب واسعة لا يحيط بها إلا الله تبارك وتعالى، يحس أنه خرج إلى رحاب عالمية واسعة لا يمكن أن يحيط بها فكره، ولا يمكن أن يحيط بها علمه إنما المحيط بها هو الله سبحانه، بل يشعر أنه يعيش في الملأ الأعلى. (2/350)
صفحة 837
وعندما يتلو كتاب الله تبارك وتعالى الذي تتجلى فيه آيات الله سبحانه وتعالى الواسعة المتطابقة مع آياته الصامتة في مخلوقاته الواسعة التي لا يحيط بها غيره سبحانه يحس أيضاً بالعجب العجاب لأنه يحس بأنه يشاهد العالم من خلال ما يقرأه في كتاب الله سبحانه وتعالى من آيات الله تعالى الواسعة التي تحدث عن هذا الوجود وأنه بأسره خاضع لجلال الله، مستجيب لداعيه، مسبح بحمده، ساجد لكبريائه.
فهذه من جملة الثمرات التي يجنيها المعكتف عندما يقضي تلك اليُيَيمات في بيوت الله سبحانه وتعالى حيث القدسية وحيث الطهارة وحيث النزاهة وحيث الإيمان وحيث الأمان، وبجانب ذلك أيضاً يشعر أنه زالت حواجز بينه وبين ربه، فهو وإن كان في أي حال من الأحوال يمكنه الاتصال بربه سبحانه وتعالى من خلال مناجاته إلا أن هنالك حواجز تقف في سبيله منها أطماعه الكثيرة ومنها رغباته في هذه الحياة الدنيا ومتعها، ومنها صلاته بعباد الله، ولكنه عندما يقطع هذه الصلات كلها، وينفرد مكانه بربه سبحانه وتعالى مناجياً خاضعاً راكعاً ساجداً متضرعاً تالياً لكتاب الله يشعر بتلكم الحواجز وقد تحطمت كلها فيصل بفضل الله تعالى ومشيئته إلى درجة الإحسان التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلّم بقوله (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، فإن هذا الشعور إنما يخامر الإنسان في مثل هذه اللحظات الطيبة.
السؤال (2)
رجل يريد الاعتكاف إلا أن له بنتاً معوقة يتولى حملها إلى المدرسة يومياً بنفسه إذ لا توجد حافلة لها، فهل له أن يخرج من معتكفه لحملها إلى المدرسة ثم يرجع مباشرة وفي نهاية اليوم الدراسي يذهب إليها ليرجعها إلى المنزل؟
الجواب:
الناس في مسألة الاعتكاف بين مضيق جداً وموسع ومتوسط بين التضييق والتوسيع. (2/351)
صفحة 838
فهناك من العلماء من لا يبيح للإنسان الخروج من معكتفه إلا لقضاء حاجته الضرورية التي لا مناص منها وهي أن يذهب إلى بيت الماء من أجل قضاء حاجته، ومنهم من يتوسع توسعاً أوسع من ذلك بكثير بحيث يبيح له أن يشهد جنازة يلي تجهيزها، وأن يخرج لعيادة المريض من قرابته، وأن يتولى الأمور التي هي لا بد منها في حياته فهذه الأمور وُسّع فيها كثيراً، ومنهم بطبيعة الحال من يتوسط بين هذا وذاك.
ففي حقيقة الأمر نحن نرى أن الاعتكاف ما هو المقصد منه؟ وما هو معناه؟ الاعتكاف مأخوذ من عكف على الشيء معنى أقام عليه، فالاعتكاف من حيث الدلالة هو دال على الانحباس في المكان المخصص وهو المسجد من أجل العبادة وذكر الله تبارك وتعالى وتلاوة كتابه والتأمل في آياته واستشعار نعمته سبحانه وتعالى على العبد ومحاسبة النفس على ما قدمت وما أخرت، وهذا أمر لا بد منه أي لمن أراد أن يعتكف، لا بد من أن يكون عاكفاً أي مقبلاً على ما هو بصدده.
أما بالنسبة إلى التوسع ففي الحقيقة هناك أمور لا بد من مراعاتها، وقد خرج ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أجل قضاء حاجة لأحد جاء إليه يطلب منه أن يسعى في حاجته فخرج من أجل ما في قضاء حاجة الأخ المسلم من مصلحة ومنفعة الدنيا وأجر وثواب في الدار الآخرة. (2/352)
صفحة 839
فبالنسبة إلى هذا الذي عنده ابنة يعوقها عائق عن السير وعن الحركة ومن الضرورة أن تدرس ولا يجد من يكفله ويقوم مقامه في الذهاب بها إلى المدرسة، ويرى من الضرورة أن يذهب بها بنفسه في حقيقة الأمر لا ينبغي أن يُضيق عليه لأن الله في مقام التشريع قال (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: من الآية185)، فالله تبارك وتعالى رفع عن هذه الأمة الآصار والتكاليف الشاقة التي كانت على الأمم السابقة عقوبة لها، ولم يفرض على هذه الأمة من التكاليف إلا ما فيه اليسر والرحمة للعباد، ولكن مع ذلك نحن نود لمثل هؤلاء الذين يرون أن حاجتهم ملحة إلى مثل هذه التصرفات أن يشترطوا لأنفسهم في اعتكافهم عندما يقبلون على الاعتكاف، أن يشترطوا لأنفسهم الخروج في مثل هذه الحاجات في قصدهم الاعتكاف ونيتهم الاعتكاف، والله تبارك وتعالى يتقبل منهم إن شاء الله.
السؤال (3)
هل يجوز للمعتكف أن يخرج من اعتكافه لحضور صلاة جنازة على أحد أقاربه أو والديه أو يعودهما إذا كانا في المستشفى في مرض خطير؟
الجواب:
هذه الأحوال في الحقيقة من كان واقعاً في مثل هذه الظرف ينبغي له أن يشترط عند اعتكافه أن يخرج لمثل هذه الحالة، ولا حرج عليه إن خرج إن شاء الله لأن في ذلك مصلحة للعباد، والله تعالى لم يكلف العباد ما فيه شطط.
السؤال (4)
ما معنى هذا الاشتراط وكيف يكون؟
الجواب:
يعني كما أمر النبي صلى الله عليه وسلّم ضباعة بنت الزبير رضي الله تعالى عنها وهي بنت عمه عليه أفضل الصلاة والسلام عندما أرادت الإحرام وكانت امرأة ثقيلة وقالت تخشى أن تعجز عن مواصلة السير إلى أداء المناسك، فالنبي صلى الله عليه وسلّم أمرها أن تقول في تلبيتها (ومكاني حيثما حبستني) أي إن طرأ عليها حابس فإن ذلك هو مكانها ولها أن تتحلل في مثل هذه الحالة عندما يطرأ عليها طارئ. وهذا ينطبق على ذلك.
السؤال (5) (2/353)
صفحة 840
من لديه هذه الظروف الصعبة كرجل لديه بنت معوقة أو لديه والدان في مرض خطير هل الأفضل له أن يعتكف أم الأفضل له أن يحتسب ذلك لله ويواصل خدمتهم؟
الجواب:
حقيقة الأمر بر الوالدين والقيام بخدمتهما ومراعاة أحوالهما في حال حاجتهما إلى الولد أفضل من الاعتكاف ومن غيره، فقد جاء رجل يستأذن النبي صلى الله عليه وسلّم في الجهاد فقال له النبي صلى الله عليه وسلّم: ألك والدان؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد. هذا دليل على أن حق الوالدين حق عظيم، وأن أجر القيام ببرهما والإحسان إليهما ثوابه جزيل كيف وقد قرن الله تعالى برهما بعبادته عندما قال (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) (الاسراء:23)، والوالدان في حالة الضعف هما بحاجة إلى نظرة من ولدهما، هذه النظرة الحانية تنزل على قلوبهما بمثابة الغيث الذي ينزل على الأرض المجدبة، فلذلك كان جديراً بالولد الذي يشعر أن والديه بحاجة إليه أن لا يحبس نفسه بحابس يشغله عن قضاء حاجتهما والسعي في مصلحتهما، وله أجر اعتكافه إن كان هو ينوي في قرارة نفسه لولا أن والديه في هذه الحالة لاعتكف، فالله تعالى يؤجره على نيته فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.
السؤال (6)
بعض الموظفين يقتطع إجازة اضطرارية ويعتكف تاركاً الأعمال على غيره ويخرج من العمل لأجل هذا الغرض؟
الجواب:
حقيقة الأمر ينبغي أن ينظر في طبيعة العمل، ومقدار العمل والدور الذي يقوم به هذا العامل في ذلك العمل، وما يخلّفه من ضرورة ومن سوء حالة عندما يخرج من ذلك العمل، كل شيء يقاس بمقياسه. (2/354)
صفحة 841
فنحن نرى كيف كان السلف الصالح يقيسون الأشياء بمقاييس دقيقة، فقد يميزون بين حالة وحالة، حتى أن منهم من عدّ الشخص الذي ترتبط به مصالح الأمة، وتحتاج إليه الأمة، وتفتقر إليه الأمة في ذلك العصر أي في العصور الغابرة التي كانت الأسفار فيها الكثير من المشقات، كانوا يقولون في مثل هذا الشخص إن حج نافلة كان كمن بنى قصراً وهدم مصرا ذلك لأجل حاجة الأمة إليه، لأن الأمة تتطلع إلى ما عنده، وتتطلع إلى عطائه الواسع، فبقاؤه ما بين الأمة يكفيه عن الحج والعمرة وعن غير ذلك من الأعمال التي هي مندوب إليها، لا أعني حجة الفريضة فحجة الفريضة هي ركن من أركان الإسلام، ولكن هذا مع الترغيب في الحج فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.
ولكن عندما يكون الإنسان يسافر سفراً طويلاً كما كان الناس في ذلك الوقت أسفارهم إلى الحج تأخذ وقتاً طويلاً ففي بعض الأمصار يحتاجون إلى مدة حتى يصلوا إلى مكة قد تصل المدة ستة شهور أحياناً وقد تكون أقل من ذلك وقد تكون أكثر والأمة بحاجة إليه ويذهب إلى هنالك من أجل حجة نافلة ويترك مصالح الأمة قالوا هذا كمن بنى قصراً وهدم مصرا، لأن الناس بحاجة إليه، فهكذا ينبغي أن ينظر إلى جميع الأعمال بمنظار دقيق، وأن يميز بين أحوال الناس، فمن الناس من يكون بقاؤه في بلده لأجل التصدي للأعمال وخدمة الأمة والنهوض بمصالحها أولى من السفر إلى الحج أو من دخوله المعتكف وقد يكون بخلاف ذلك.
السؤال (7)
ثبت في الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه لما أراد الاعتكاف أمر بضرب خباء له فأمرت بعض زوجاته بضرب خباء لها. كما ورد في صحيح مسلم أيضاً عن نافع قال: وقد أراني عبدالله المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم من المسجد. فهل هذه الآثار تدل على أن الأصل في الاعتكاف أن يكون في موضع معين من المسجد؟
الجواب: (2/355)
صفحة 842
إذا اعتكف المعتكف في المسجد ففي أي زاوية من زوايا المسجد يلبث فهو معتكف، وإنما ذلك من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلّم يريد أن يأخذ حريته في بقائه في ذلك المكان، وقد يحتاج إلى بعض الأشياء فلذلك يضرب الخباء، إذ لا يحسن بالإنسان أن يفعل كل شيء أمام جميع الناس، قد يريد أن يلبس ثوباً ويخلع ثوباً لأجل هذه الحالة كان يأمر بضرب الخباء له، لا لأجل أنه يلتزم ذلك المكان الذي ضرب فيه الخباء وحده ولا يخرج عنه.
السؤال (8)
من يعتكف في مسجد لا تقام فيه صلاة الجمعة فإذا حانت صلاة الجمعة هل يخرج ليصليها في مسجد آخر؟
الجواب:
نعم يخرج إلى المسجد الذي تقام فيه الجمعة، ويصلي هنالك الجمعة ثم يعود إلى معتكفه فورا.
السؤال (9)
معتكف أراد الخروج إلى البيت للاستحمام حيث أن المسجد لا توجد به مسخنات للماء، فهل له ذلك، وهل هناك فرق بين إذا كان مضطر أم لا؟
الجواب:
هذه الحالة كما قلت من الناس من شدّد في هذا ولم يبح له أن يخرج من أجل الاستحمام إلا إذا كان محتلماً فله أن يخرج، بل عليه أن يخرج فوراً حتى لا يبقى في المسجد وهو جنب، ويذهب فوراً إلى أقرب مكان يجد فيه الماء ويمكنه أن يغتسل فيه. ومنهم من وسّع في ذلك إن كان محتاجاً إلى تنظيف جسمه بأن يخرج لأجل الاستحمام، وينبغي في هذه الأحوال أن يكون استحمامه لغير الجنابة مثلاً في الوقت الذي يخرج فيه لقضاء حاجته.
السؤال (10)
من خرج من معتكفه لغير ضرورة، ما الذي يلزمه؟
الجواب: (2/356)
صفحة 843
هذه المسألة هي التي وقع فيها الاختلاف بين أهل العلم، هل المعتكف إن خرج وقطع الاعتكاف عليه أن يبدله، أو ليس عليه أن يبدله؟ النبي صلى الله عليه وسلّم عندما ضربت نساؤه أخبيتهن من حوله، ورأى بينهن التنافس في ذلك خرج من معتكفه، ثم أعاد الاعتكاف في شهر شوال. فمن العلماء من أخذ هذا دليلاً ًعلى وجوب قضاء الاعتكاف، ثم هناك قاعدة أصولية أيضاً يبنى عليها الاختلاف هل الأمر بالقضاء هو نفس الأمر بالأداء، أو أن القضاء يحتاج إلى أمر ثان، فإن قيل بأنه نفس الأمر بالأداء فإنه في هذه الحالة لما ألزم نفسه الاعتكاف لزمه وعليه أن يقضيه فيما بعد، هذا رأي لبعض أهل العلم.
أما إن قطع اعتكافه بما ينقضه وهو المجامعة، أي إن جامع وهو معتكف ففي هذه الحالة عليه ما على المجامع في صيامه من القضاء والتوبة والكفارة، والله تعالى أعلم.
السؤال (11)
هل من الممكن الاعتكاف في الأيام الوتر فقط من العشر الأواخر؟
الجواب:
نعم لأن الاعتكاف لا يلزم أن يعتكف الإنسان جميع العشر، وقد يعتكف النهار وحده، أقل ما يمكنه في اعتكافه أن يعتكف النهار وحده، وذلك أن يعتكف من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهذا لأن المعتكف لا بد من أن يكون صائما، فالاعتكاف مقترن بالصوم عندنا وعند طائفة من علماء المذاهب الأخرى.
وهناك طائفة أخرى لا ترى لزوم الصيام في الاعتكاف وهؤلاء يبيحون الاعتكاف ولو ساعة، أما بناء على هذا القول الذي عليه أصحابنا وعليه جماعة من علماء المذاهب فإن أقل ما يمكن أن يعتكفه المعتكف في المسجد هو النهار وحده بحيث يدخل قبل طلوع الفجر في معتكفه ويخرج من معتكفه بعد غروب الشمس، أما إن نوى الليل مع النهار فإنه يدخل قبل غروب الشمس ويخرج في اليوم الثاني بعد غروب الشمس. (2/357)
صفحة 844
فمن أراد أن يعتكف في الأوتار وحدها فعليه أن يدخل قبل غروب الشمس، ويلبث هنالك إلى غروب الشمس في اليوم التالي، ولا حرج عليه بعد ذلك إذا خرج حتى تأتي الليلة التي هي الوتر من الليالي الأوتار ففي هذه الحالة يدخل أيضاً قبل غروب الشمس ويستمر إلى غروب الشمس في اليوم التالي.
السؤال (12)
هل يصح للمرأة أن تعتكف في مكان وجدت فيه نساء يعتكفن لكنه يتعدى مسافة السفر عن بيتها؟
الجواب:
أما إن كان يأخذها إلى ذلك المكان محرم أو يأخذها زوجها فلا حرج عليها في ذلك.
السؤال (13)
من مات وعليه اعتكاف فماذا على ورثته سواء أوصى به أم لم يوص؟
الجواب:
من مات وعليه اعتكاف فعلى أي حال لا يلزم ذلك الورثة، ولا ينتقل الفرض عنه إلى ورثته، وأمره إلى الله، فإن كان هو ترك الوفاء بما لزمه إن كان لزمه ذلك بنذر أو بغيره فإنه إن كان ترك ذلك لأجل عذر فالله تبارك وتعالى أولى بعذره وإلا فأمره إلى الله ولا دخل لورثته في هذا.
السؤال (14)
ما هي آداب الاعتكاف؟
الجواب: (2/358)
صفحة 845
المعتكف يؤمر أن يقبل على ربه تبارك وتعالى بحيث يُقضي أوقاته بقدر مستطاعه في تلاوة كتاب الله، وفي التهجد في جنح الليل، وفي ذكر الله في التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، وأيضاً لا حرج عليه وهو في معتكفه أن يدرس العلوم الشرعية التي تنفعه فيما بينه وبين ربه، ولا حرج عليه أن يُدرّس إن كان ذا أهلية للتدريس، فالإنسان الذي هو في معتكفه يمكن أن يلقي دروساً على من في المسجد، ويمكن أن يلقي دروساً أيضاً على من كان خارج المسجد عبر الوسائل التي تنقل هذه الدروس إلى من هم خارج المسجد، فلو أمكن نقل هذه الدروس عبر الإذاعة إلى آفاق الأرض من معتكفه لا حرج عليه في ذلك، كما أنه لا حرج عليه أن يلقي خطبة الجمعة من خلال منبر المسجد الذي هو معتكف فيه وتنقل هذه الخطبة عبر الإذاعات وغيرها هذا كله مما هو ممكن، وإنما يتجنب اللغو ويتجنب هُجر المقال، يحترم المسجد، يحترم بيت الله بجانب احترامه لما هو مقبل عليه من ذكر ربه سبحانه وتعالى.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
20 من رمضان 1424هـ،15/ 11/2003 م
الموضوع: عام
السؤال (1)
ما هي فضائل العشر الأواخر؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الله تبارك وتعالى يفضل ما يشاء من الأزمنة على ما يشاء، كما يفضل ما يشاء من الأمكنة على ما يشاء، ويفضل من يشاء من البشر على من يشاء، هذه هي سنة الله تبارك وتعالى في خلقه، وفضل الأزمنة والأمكنة بما يكون فيها من خير. (2/359)
صفحة 846
والله سبحانه وتعالى اختار شهر رمضان المبارك لئن يكون ميقاتاً لنزول الكتاب الكريم على قلب خاتم النبيين سيدنا ونبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم، فقد قال الله سبحانه وتعالى (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) (الدخان: 3 - 5)، ويقول سبحانه وتعالى فيها (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْر * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) (سورة القدر).
وكما ترون نوه الله سبحانه وتعالى بفضل هذه الليلة المباركة العظيمة في سورة الدخان، وأنزل سورة القدر بأسرها مبينة عظم منزلتها وجلالة قدرها وشمول فضلها، فهذا فضل عظيم لا يسامى، ولذلك كانت الليالي التي تحتوي هذه الليلة المباركة هي أفضل الليالي، والزمن الذي تقع فيه هذه الليلة المباركة هو أفضل الأزمنة. (2/360)
صفحة 847
ومن المعلوم أن هذه الليلة دل القرآن على أنها في شهر رمضان المبارك لأنها كانت ميقاتاً لنزول القرآن على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله سبحانه وتعالى في هذا القرآن (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة: 185) تبين بذلك أن هذه الليلة هي إحدى ليالي هذا الشهر، ثم جاءت السنة النبوية لتقرر وتبين أن هذه الليلة إنما تُلتمس في العشر الأواخر في شهر رمضان المبارك، وفي الليالي الأوتار منها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر. ومعنى ذلك أنها تلتمس في ليلة الحادي والعشرين والثالث والعشرين والخامس والعشرين والسابع والعشرين والتاسع والعشرين، أي في الليالي الأوتار من هذه العشر المباركات.
هذا يدل على أن هذه العشر الأواخر متميزة على بقية الشهر الكريم كتميز الشهر الكريم على بقية الأشهر والأزمنة، فالشهر الكريم متميز بكثير من المزايا، من بين هذه المزايا أنه تضاعف فيه الحسنات، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من عمل فيه نافلة كان كمن عمل في غيره فريضة، ومن عمل فيه فريضة كان كمن أدى في غيره سبعين فريضة، هذا يدل على مضاعفة أجر العاملين في هذا الشهر الكريم. وكذلك دل الحديث على أن العمرة في هذا الشهر الكريم يضاعف أجرها حتى تكون بمثابة الحجة مع النبي صلى الله عليه وسلم كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه لأم سنان الأنصارية رضي الله تعالى عنها: إذا كان رمضان فاعتمري، فإن عمرة في رمضان تعدل حجة معي. وهذا فضل عظيم وشرف كبير.
وهذه الليلة هي لما كانت في العشر الأواخر فإن هذا يعطي العشر الأواخر منزلة تفوق منزلة بقية الشهر، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على هذه العشر الأواخر، كان إذا دخلت العشر شد مئزره وأيقظ أهله وأحيا ليله. (2/361)
صفحة 848
(شد مئزره) كناية عن الجد في العمل، لأن من أراد أن يجد في شيء إنما يتشمر ويشد مئزره ويشد ثيابه، فهذا كناية عن الجد في العمل، أو أنه كناية عن البعد عن الشهوات بحيث إنه لا يقارب النساء في خلال هذه الأيام لأنه يكون في معتكفه، وقد قال الله تبارك وتعالى (وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا) (البقرة:187)، فلا يجوز للإنسان أن يباشر أهله وهو عاكف في المسجد، كما أن المرأة أيضاً عندما تكون معتكفة لا يجوز لها أن يباشرها زوجها.
ومعنى كونه (أحيا ليله) أن يواصل العمل في جميع الليل بحيث يتهجد الليل كله، بخلاف بقية الليالي، فبقية الليالي يتهجد فيها وينام، أي يأخذ قسطاً من الراحة، ولكنه في العشر الأواخر يبالغ في العبادة حتى أنه يحي الليل كله.
(ويوقظ أهله) لأجل أن ينالوا من هذا الخير من هذا الفضل حتى لا يأخذهم النوم فيحرموا من هذا الفضل العظيم، هكذا كان شأن النبي صلى الله عليه وسلم، فاعتكافه في هذه العشر الأواخر من أجل ليلة القدر، لأن هذه الليلة وحدها هي خير من ألف شهر نظراً إلى حال من أحياها بالتهجد والقيام، لا إلى حال من نام فيها واشتغل بملذاته ولم يعن بالتهجد ولم يعن بالذكر، ولا أقول بأن ذلك خاص بالذي يحي الليلة بأسرها من أولها إلى آخرها، فإذا أحيا الإنسان جزءاً من هذه الليلة بالتهجد والصلاة والذكر وتلاوة كتاب الله سبحانه وتعالى يكون قد أخذ حظه من هذا الخير العظيم، ويكون قد نال من شرف هذه الليلة ما نال، فلا ينبغي للإنسان أن يفوت التهجد في أي وقت من الأوقات ولا سيما شهر رمضان المبارك، ولكن في هذه العشر الأواخر أكثر ينبغي للإنسان يجد فيها وأن لا يفوت التهجد أبداً، والله تعالى المستعان.
السؤال (2) (2/362)
صفحة 849
مما يؤسف له أن بعض الناس يبدأ الرسم البياني معهم في العشر الأواخر يأخذ في الانحدار إلى الأسفل وينقطعوا عن صلاة التراويح أو يختصروها في أربع ركعات وتكاد المسجد يقل الزحام فيها فهل في ذلك فيه إشارة حرمان لهؤلاء من هذا الخير؟
الجواب:
نسأل الله تبارك وتعالى العافية، وخير العمل ما واظب عليه صاحبه، والحرص على مضاعفة العمل في العشر الأواخر دليل الإيمان، فإن الذي آمن بما أنزل الله تبارك وتعالى من فضل ليلة القدر، وآمن بما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم من أن العشر الأواخر هي مظنة ليلة القدر، وآمن بالاقتداء والتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يحرص على التهجد ويحرص على الاعتكاف، ويحرص على إحياء الليل كله في العشر الأواخر، من آمن بذلك كله دفعته همته إلى أن يضاعف من العمل الصالح في العشر الأواخر، لا إلى التقاعس عن العمل.
فمن العجيب أن الناس قد يحرصون على النافلة أكثر مما يحرصون على الفريضة، ومن ذلك أنهم يحرصون على أداء صلاة التراويح في الجماعة أكثر مما يحرصون على أداء الفروض الخمسة في جماعة، مع أن الفروض الخمسة هي مفروضة بنص الكتاب العزيز فلا يجوز لأحد قط أن يتهاون بها، وقد أشارت آيات من القرآن إلى لزوم أدائها في الجماعة مع الإمكان، ونصت على ذلك أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن مع ذلك الناس يتقاعسون عنها، وقد يحرصون بعض الوقت على صلاة التراويح في الجماعة ثم عندما يتضاعف الفضل ويأتي ميقات التزاحم على الأعمال الصالحة وهو العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك إذا بهم يتقاعسون عن ذلك، هذا مما يعجب منه، فهذا على أي حال حرمان، من كان غير محروم إنما يحرص على أن ينال من هذا الفضل العظيم، وأن يكرع من هذا السلسبيل النقي، وأن لا يفوت نفسه الانتفاع بهذا الخير الكبير. (2/363)
صفحة 850
والصيام نفسه بما أنه داعٍ إلى تقوى الله تعالى هو مما يحفز صاحبه إلى أن يحرص على أعمال الخير في جميع الأوقات ومن ذلك حرصه على أداء الصلوات في الجماعات في جميع الأوقات، لا أن يودع العبادات بعدما ينتهي شهر رمضان، وأن يقبل على ملذاته وعلى دناياه كما يقول أحد الشعراء:
رمضان ولى هاتها يا ساقي ... مشتاقة تسعى إلى مشتاق
بالأمس قد كنا أسيري طاعة ... واليوم منّ العيد بالإطلاق
هذا كلام أهوج، ليس هو كلام عاقل، الله المستعان، على الناس أن يتنبهوا لذلك، والله تعالى الموفق.
السؤال (3)
البعض يظن أن ليلة القدر ضرب من الحظوظ العمياء يصادفها البلهاء والمجانين أو أنها حظ يأتي لمن صادفها من غير سابق عمل وطاعة، فهل هذا الكلام صحيح؟
الجواب:
ليلة القدر مزيتها أن الأجر يضاعف فيها. ما يقوله هؤلاء المغفلون البله لا أساس له من الصحة، إنما الله تبارك وتعالى قال في بيان مزيتها وفضلها (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ) (القدر: 3)، فهي خير من ألف شهر مما يتضاعف من أجور العاملين بها وكفى. هذا هو فضل ليلة القدر، لا أن الأحوال تنقلب فيها عن حسب ما يجري عليه نظام الكون، وأن سنن الحياة تتبدل فيها، هذا كلام ليس هو من الحقيقة في شيء، إنما هو كلام سخيف ولا يصدر إلا ممن كان سخيف العقل.
السؤال (4)
في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بين أنه رأى ليلة القدر إلا أنه أنسيها، فهل هناك علامات معينة يستدل بها المؤمن على ليلة القدر؟
الجواب:
قد يرى الإنسان أنواراً أحياناً، من المحتمل، ليس ذلك ببعيد، لأن الملائكة تتنزل فيها، وقد يكشف الله تبارك وتعالى خبايا أسرار هذا التنزل لمن يشاء من عباده فكيف بالمصطفين الأخيار، هذا من المحتمل، قد يرى شيئاً من هذه العلامات، لكن لا على أساس أن نظام الكون يتبدل فيها.
السؤال (5) (2/364)
صفحة 851
من يقوم الليل كله تقريباً حرصاً على أن يصادف هذه الليلة لكنه لم ير شيئاً من هذا، فهل يعني ذلك أنه لم يصادف تلك الليلة؟
الجواب:
نفس قيامه الليل وتوفيقه لذلك إنما هو توفيق من الله تبارك وتعالى لنيل الحظ العظيم في هذا الموسم المبارك.
السؤال (6)
ما الحكم في أن بعض الرجال والنساء يتكلمون في شهر رمضان في الانترنت مع بعضهم البعض؟
الجواب:
لا يحرم التكلم بين النساء والرجال إذا كان الكلام كلاماً مباحاً لا تشوبه شائبة من فساد ولا غيره، فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يتحدثون إلى أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن من وراء حجاب، ويسألونهن عما أشكل عليهم من الأمور الخفية التي تتعلق بأحكام النساء والتي كن يطلعن على أحكامها من خلال معاشرتهن للنبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك التابعون تلقوا العلم عن أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن، ولم يكونوا يتحرجون من الكلام، وإنما يجب أن يكون هذا الكلام كلاماً لا يخرج عن حدود المباح، ولا يؤدي إلى الانزلاق، أما الكلام الذي يؤدي إلى الانزلاق فإنه يمنع سواء كان ذلك في شهر رمضان أو في غيره، فالفتنة يجب أن توصد أبوابها وأن تسد نوافذها، وأن لا يفتح لها مجال قط، هذا هو الواجب على الجنسين جميعاً على الرجال والنساء.
السؤال (7)
هل العمرة في العشر الأواخر من رمضان فيها ميزة تختلف عن بقية الأيام، وكذلك التصدق في العشر الأواخر عن الأموات؟
الجواب: (2/365)
صفحة 852
العمرة في شهر رمضان المبارك كله من أوله إلى آخره تتميز على العمرة في غير رمضان بما دل عليه حديث أم سنان رضي الله عنها وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: إذا كان رمضان فاعتمري، فإن عمرة في رمضان تعدل حجة معي. هذا فضل عظيم لا يزهد فيه عاقل، ولا ريب أن العشر الأواخر تضاعف فيها الأجور، فلما كانت تضاعف الأجور فكذلك أجر العمرة فيها يتضاعف (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا) (الأنعام: من الآية 132)، كل واحد ينال نصيبه بمشيئة الله تعالى، فما على الإنسان إلا أن يسعى، والله تبارك وتعالى يثيب عباده بغير حساب، وكما أن الله سبحانه وتعالى يثيب عباده بغير حساب فعلى العبد أن يعمل من غير أن يحسب حساباً بالأرقام للأجور، يكل ذلك إلى الله تبارك وتعالى وكفى.
وكذلك الصدقة، الصدقة مطلوبة من الإنسان في كل الأوقات، ولكن في شهر رمضان هي كسائر الأعمال تضاعف فيها الأجور، وهذا مما دل عليه حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عندما وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان أجود الناس بالخير، كان أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان عندما يلقى جبريل يعرض عليه القرآن.
فهذا مما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص في هذا الشهر الكريم على مضاعفة الصدقات أكثر وأكثر مما كان عليه من قبل، مع كونه صلى الله عليه وسلم في كل الأوقات يسخو بكل ما يكون تحت يده ويعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
السؤال (8)
عند تغسيل الميت هل يجب وضع خرقة على اليد عندما يكون المغسل الزوج أو الزوجة؟
الجواب: (2/366)
صفحة 853
حقيقة الأمر الزوج والزوجة وقع خلاف بين أهل العلم في تغسيل كل واحد منهما للآخر، وهذا الاختلاف مبني على الاختلاف في العلاقة الزوجية هل تبقى بعد الموت أو تنتهي بالموت، والأدلة تؤكد أن السلف الصالح وهم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كان عندهم تغسيل الرجل لامرأته والمرأة لزوجها أمراً مألوفاً فيما بينهم، فالسيدة أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غير نسائه. وأم رومان رضي الله تعالى عنها غسّلها أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وكان ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما يدل على أن هذا الحكم أقره النبي صلى الله عليه وسلم. فلا مانع من تغسيل الرجل لأمرته وتغسيل المرأة لزوجها.
وفرّق بعضهم بين تغسيل الرجل لأمرته وتغسيل المرأة لزوجها، فقالوا إن كان الميت هو الرجل فإن العلاقة تظل باقية بسبب ما يلزم على المرأة من الاعتداد في خلال مدة العدة المعروفة وهي أربعة اشهر وعشرة أيام، وهذا يعني أن العلاقة الزوجية لا تزال باقية، بخلاف ما إذا ماتت المرأة فإن الرجل لا تلزمه العدة، ولذلك قالوا لا يغسلها وإنما تغسله، هذا رأي لبعض أهل العلم، والراجح كما قلنا أن العلاقة الزوجية تكون باقية، ونظراً إلى كون العلاقة الزوجية تكون باقية فلا مانع من أن يباشر كل واحد منهما الآخر في التغسيل كما كان يباشره في الحياة. ولكن وضع الخرقة هو أسلم وأحسن في هذه الحالة وأدعى إلى الاحتياط، هذا الذي أراه، والله تعالى أعلم.
السؤال (9)
ما حكم العطر والبخور ومعجون الأسنان في نهار رمضان؟
الجواب: (2/367)
صفحة 854
أما بالنسبة إلى الطيب في نهار رمضان فإن كان هذا الطيب طيباً مشموماً ولم يكن يلج إلى الخياشيم أو يلج إلى الفم شيء منه فلا حرج فيه، أما إذا كان بخوراً بحيث يتصاعد ويدخل من الخياشيم أو يدخل من الأنف فهو كالدخان الذي يمنع استعماله، لأن كل داخل إلى الحلق يمنع استعماله، فإن كان هذا البخور يصل إلى الحلق ويلج إلى الجوف فهو يمنع استعماله وإلا فلا مانع من شم رائحته، أي شم رائحة البخور بالنسبة إلى الصائم، وكذلك سائر أنواع الطيب لا حرج في شم رائحتها.
وأما معجون الأسنان فالاحتياط في تركه، وإنما يباح السواك بغير معجون، ينبغي للإنسان أن يستاك بالأراك، وقد اختلف العلماء في السواك، هناك عدد كبير من العلماء قالوا بأنه يكره السواك للصائم، وهناك طائفة قالت بأنه يكره السواك للصائم بالرطب دون اليابس، ومنهم من قال يكره ذلك من بعد الزوال لا قبل الزوال، ولكن القول الصحيح بأنه لا يمنع السواك، أي لا يمنع الصائم من السواك ويباح له السواك، سواء كان ذلك في أول النهار أو في آخره، وسواء كان ذلك بالرطب أو باليابس لأجل الأحاديث التي دلت على الترغيب في السواك من غير تفرقة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، وعند كل وضوء. والحديث في مسند الإمام الربيع وفي صحيح الإمام مسلم. وهذا الحديث على عمومه يتناول بعمومه جميع الأوقات حتى أوقات الصيام، وكذلك جاء عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم كما في سنن أبي داود رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستاك بالرطب واليابس ما لا أحصي وهو صائم. هذا يدل على مشروعية السواك للصائم، لذلك قال كثير من العلماء المحققين بأنه لا يمنع الصائم من السواك وبهذا نأخذ، والله تعالى أعلم.
السؤال (10)
هل يجوز للمعتكف في بيت الله الحرام أن يخرج من الحرم لتناول وجبة العشاء والسحور وكذلك هل يجوز له الخروج للاتصال بأهله؟
الجواب: (2/368)
صفحة 855
ينبغي أن نعرف معنى الحرم، ما هو الحرم، الحرم ليس هو المسجد الحرام فحسب كما يظن الكثير من الناس أن الحرم إنما هو المسجد الحرام، الحرم هو البقعة التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم ووضع حدوداً لها بحيث لا يجوز للإنسان فيها أن يجز شيئاً من حشيشها، ولا يجوز له أن يقلع شيئاً من شجرها، ولا يجوز الاصطياد فيها، الحرم هو الذي لا يعضد شجره، ولا يختلى خلاه، وهو الذي لا ينفر صيده، وهو الذي لا يجوز لأحد أن يسفك فيه دماً قط، اللهم أنه أبيح إذا اعتدي على المسلمين أن يردوا العدوان فقط، مجرد رد العدوان، أما ما عدا ذلك فلا، هذا هو الحرم، معنى ذلك أن حدود الحرم حدود واسعة، فحدود الحرم تصل إلى ذي الحديبية وإلى نمرة وإلى التنعيم، والتنعيم أقرب حل إلى الحرم، أقرب حل إلى المسجد الحرام، ولذلك من أراد الاعتمار يذهب إلى التنعيم.
ليس الحرم هو المسجد الحرام، فقد كان حرياً بالسائل أن يقول هل يجوز له الخروج من المسجد الحرام من أجل أن يتناول الطعام؟، لا أن يقول هل بأنه يجوز له أن يخرج من الحرم. فهل قوله: هل يجوز له أن يخرج من الحرم؟ يعني أنه يخرج مثلاً إلى التنعيم أو يخرج مثلاً إلى ذي الحديبية أو يخرج إلى نمرة أو يخرج إلى أي مكان آخر من أماكن الحل؟ لا. وإنما هو في مكة لا يتجاوز مكة، بل لا يتجاوز عراص المسجد الحرام، الأماكن القريبة من المسجد الحرام، فإن كان لا يجد من يقرّب له الطعام في المسجد فله أن يخرج من أجل أن يتناول الطعام، أما إذا كان يجد من يأتي إليه بالطعام الكافي لفطوره وسحوره في المسجد الحرام في هذه الحالة لا يباح له أن يخرج لأنه وجد من يكفيه مؤنة تقريب الطعام. والله تعالى أعلم.
السؤال (11)
البعض يوصي بالبخور للمعزين بعد موته، فهل يصح هذا؟
الجواب: (2/369)
صفحة 856
الوصية بالعزاء مما اختلف فيه أهل العلم، وهذه الوصية جرت إلى كثير من المشكلات، وتعمد الناس التكاثر بالنفقات في العزاء سواء من قبل الضيافة التي تقدم للمعزين أو مثل ما جاء في السؤال البخور وغيره، فلذلك نحن نقترح أن يلغى ذلك، ونرى عدم الأخذ بهذه الوصية، فإن في الأخذ بها ما يؤدي إلى إبطال السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
السؤال (12)
استدرك رجل مع الجماعة وهم يصلون صلاة الجمعة في الركعة الثانية فهل صلاته تامة إذا أكمل ما فاته من الإمام من الركعتين مع العلم أنه لم يستمع للخطبة؟
الجواب:
مادام أدرك الركوع من الركعة الثانية فليقض الركعة السابقة، ليقض ما فاته وكفى، وليس عليه أن يأتي بأكثر من ذلك.
السؤال (13)
هل في التسمية باسم (سعيد) حرج؟
الجواب:
اسم سعيد كان موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يمنعه الرسول صلى الله عليه وسلم، وكفى.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
25 رمضان1424هـ / 20/ 11/2004م
الموضوع: زكاة الفطر وأسئلة أخرى
السؤال (1)
من الذين تلزمهم زكاة الفطر، هل تلزم الغني والفقير على السواء؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن زكاة الفطر إنما تلزم الواجد لا المعدم، ولكن من هو الواجد؟ في ذلك خلاف بين مشدد وموسع، والمشددون قالوا بأنها تجب على كل من كانت عنده فضلة عن قوت يومه، والموسعون قالوا بأنها تجب على من كانت عنده فضلة عن قوت عامه، والمتوسطون قالوا بأنها تجب على من كانت عنده فضلة عن قوت شهره، ولا ريب أن الناس في حقيقة الأمر يتفاوتون، فمنهم من يكتسب كسباً يومياً وبإمكانه أن يوفر كل يوم لنفسه، ومنهم من يكون بخلاف ذلك بحيث يتعذر عليه أن يكتسب في كل يوم، فينبغي أن تراعى أن هذه الأحوال. (2/370)
صفحة 857
وقد يكون الإنسان لا يمكن أن يقال بأنه واجد إلا عندما يكون عنده قوت عامه نظراً إلى أنه لا يتجدد له الكسب، فلذلك ينبغي أن تراعى هذه الأحوال في الناس وإن كان القول بأن الواجد من كان عنده قوت عام قولاً فيه ترخيص بالغ.
فزكاة الفطر إنما شُدّد فيها نظراً لأنها طهرة لصيام الصائم من اللغو والرفث، وكل صائم هو بحاجة إلى أن يطهر صيامه من أثر اللغو والرفث فإنهما يتنافيان مع الصيام كما دل على ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلّم عندما قال: الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن أحد سابه أو قاتله فليقل إني صائم.
وقد يتسائل متسائل بأنه ليس كل صائم يرفث، فهناك من يمسك لسانه ويضبط نفسه فلا يقع في الرفث فكيف تكون زكاة الفطر مؤكدة عليه أو مفروضة عليه بناء على الاختلاف فيها هل هي فرض أو هي أنها سنة مؤكدة؟
والجواب عن ذلك بأنه مهما يكن من أمر فإن الإنسان معرض للخطأ، ولما كان معرضاً للخطأ فقد يحصل منه ما لا يحمد حصوله، فلذلك كان مأنة لحصول الخطأ منه وبسبب هذا شرعت هذه الزكاة للجميع من غير أن تناط بالوقوع في الرفث، والله تعالى أعلم.
السؤال (2)
هل يعني هذا أن الفقير هو من يمتلك قوت يومه؟
الجواب:
لا، من لا يمتلك القوت الضروري فهو فقير بطبيعة الحال.
السؤال (3)
لكن البعض ربما يمتلكون القوت الضروري من خلال تجمع هذه الزكوات عندهم فهل معنى ذلك أنها إذا تجمعت عندهم صاروا ملزمين هم بإخراج زكاة الفطر؟
الجواب:
أما إذا كان الإنسان عنده ما يكفيه فليس له أن يأخذ من الزكاة، ولكن إنما شرعت هذه الزكاة أيضاً لأجل إغناء الفقراء عن التسول في ذلك اليوم.
السؤال (4)
ما هو المقدار الذي يخرجه المزكي؟
الجواب:
المقدار هو صاع من الطعام، يخرجه عن نفسه وعن كل فرد من أفراد أسرته الذين يعولهم عولاً واجباً عليه.
السؤال (5)
كم يقدر الصاع بالكيلو؟
الجواب: (2/371)
صفحة 858
تختلف الموزونات فمنها ما يكون الصاع لا يصل إلى مقدار كبير بالوزن لخفة الذي يُخرج، وبعض هذه المكيلات تكون ثقيلة فلذلك يكون وزنها وزناً ثقيلاً، ولكن بما أن المعتمد هنا في الطعام في شهر رمضان المبارك وفي هذه الأيام إنما هو الأرز، فصاع الأرز يقدر بنحو كيلوين وثمانين جراماً، ولكن ينبغي للإنسان أن يحتاط فيخرج كيلوين وربع كيلو.
السؤال (6)
البعض يقول إن العلماء ركزوا كثيراً على إخراج الطعام في حين أن الفقراء هذه الأيام ربما حاجتهم إلى النقود أكثر من حاجتهم من هذا؟
الجواب:
حقيقة الأمر في مثل هذه الأشياء التعبدية ينبغي أن لا يتجاوز النص إلى ما ورائه، فلذلك نحن نحبذ الوقوف عند حدود النص، نحبذ إخراج الطعام إلا إذا تعذر قبول الطعام بحيث لم يجد الإنسان من يقبله رأساً فعندئذ يعدل عن الطعام إلى القيمة لأجل هذه الضرورة، لأجل عدم وجود المتقبل للطعام.
السؤال (7)
ما هو الوقت المناسب لإخراج زكاة الفطر؟
الجواب:
زكاة الفطر تجب بعد وجوبها، وقد اختلف العلماء في الوقت الذي تجب فيه، قيل إنما تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان، وقيل بطلوع فجر أول يوم من شوال، وقيل بطلوع شمس أول يوم من شوال.
السؤال (8)
طالبات في سكن جامعي كن يصلين لمدة ثلاثة أشهر إلى جهة معينة ظناً منهن بأنها هي القبلة ثم اكتشفن بعد ذلك أنها في جهة أخرى، فما حكم تلك الصلوات؟
الجواب:
إن كان توجههن إلى ذلك المكان الذي توجهن إليه عن اجتهاد وأخطأن في الاجتهاد فهن معذورات في ذلك لأنهن أدين ما عليهن وقمن بالواجب وليس عليهن أن يعدن الصلاة، وأما إن كان نتيجة إهمال فإنهن في هذه الحالة عليهن أن يعدن الصلاة، والله تعالى أعلم.
السؤال (9)
هل يمكن أن تخرج زكاة الفطر في هذه الأيام قبل نهاية رمضان بأيام؟
الجواب: (2/372)
صفحة 859
المعتكف يؤمر أن يقبل على ربه تبارك وتعالى بحيث يُقضي أوقاته بقدر مستطاعه في تلاوة كتاب الله، وفي التهجد في جنح الليل، وفي ذكر الله في التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، وأيضاً لا حرج عليه وهو في معتكفه أن يدرس العلوم الشرعية التي تنفعه فيما بينه وبين ربه، ولا حرج عليه أن يُدرّس إن كان ذا أهلية للتدريس، فالإنسان الذي هو في معتكفه يمكن أن يلقي دروساً على من في المسجد، ويمكن أن يلقي دروساً أيضاً على من كان خارج المسجد عبر الوسائل التي تنقل هذه الدروس إلى من هم خارج المسجد، فلو أمكن نقل هذه الدروس عبر الإذاعة إلى آفاق الأرض من معتكفه لا حرج عليه في ذلك، كما أنه لا حرج عليه أن يلقي خطبة الجمعة من خلال منبر المسجد الذي هو معتكف فيه وتنقل هذه الخطبة عبر الإذاعات وغيرها هذا كله مما هو ممكن، وإنما يتجنب اللغو ويتجنب هُجر المقال، يحترم المسجد، يحترم بيت الله بجانب احترامه لما هو مقبل عليه من ذكر ربه سبحانه وتعالى.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
20 من رمضان 1424هـ،15/ 11/2003 م
الموضوع: عام
السؤال (1)
ما هي فضائل العشر الأواخر؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الله تبارك وتعالى يفضل ما يشاء من الأزمنة على ما يشاء، كما يفضل ما يشاء من الأمكنة على ما يشاء، ويفضل من يشاء من البشر على من يشاء، هذه هي سنة الله تبارك وتعالى في خلقه، وفضل الأزمنة والأمكنة بما يكون فيها من خير. (2/373)
صفحة 860
وكذلك العكس أي الإسقاط فيما لو مات أحد في هذا الوقت ما بين الوقتين أو ما بين الأوقات المختلف فيها وذلك بأن يكون ليلة العيد أو يموت بين طلوع الفجر وطلوع الشمس في يوم العيد، فمن قال بأنها تجب بطلوع فجر أول يوم من شوال قال لا يجب أن يخرج عنه، وكذلك الذي مات في ليلة العيد من قال بأنها تجب بطلوع فجر أول يوم من شوال، أو طلوع شمس أول يوم شوال قال لا يجب أن يخرج عنه لأنه توفي قبل تعلق الواجب بإخراجها عنه، قبل أن يجب إخراجها عنه.
ومن قال بعكس ذلك أي بغروب شمس آخر يوم من رمضان قال يجب أن تخرج عنه زكاة الفطر في هذه الحالة.
وهكذا يكون الخلاف في مثل هذه الأحوال ويمكن للإنسان أن يفرع بنفسه عندما ينظر في الأشخاص الذين يجب أن تخرج عنهم هذه الزكاة.
السؤال (10)
هل تخرج زكاة الفطر عن الرضيع؟
الجواب:
نعم حتى ابن ساعته، إن ولد قبل ميقات وجوبها ولو بلحظات وجبت إخراجها عنه.
السؤال (11)
هناك عادة تعارف عليها بعض الناس وهي أن يتبادلوا زكاة الفطر فيما بينهم؟
الجواب: (2/374)
صفحة 861
حقيقة الأمر هذه العادة إنما هي نتيجة الجهل، الزكاة هي زكاة لا تعطى إلا لمن يستحق الزكاة شرعا، والناس يختلفون في تصور من يستحق الزكاة، منهم من يتصور أنه لا يستحقها إلا من كان لا يجد شيئاً بتاً، هذا القول غير سليم، هذا ليس برأي من آراء الفقهاء، إنما الزكاة تجب للفقراء والمساكين، وقد يجد المسكين شيئاً بدليل قول الله تبارك وتعالى (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْر) (الكهف: من الآية79)، فالقول بأنه لا يعطى الزكاة إلا من لا يجد شيئاً قط هذا قول ليس له أساس من الصحة، والقول الذي يأخذ به الناس وهو أيضاً ليس له أساس في الفقه الإسلامي وهو أن تتبادل الزكاة في بين الأثرياء يعطيها هذا لذاك ويعطيها ذاك لهذا هذا أيضاً لا أساس، وإنما تعطى من يستحقها، فإن لم يوجد في البلد صرفت إلى من يستحقها خارج البلد، والإنسان إذا شق عليه أن يجد من يستحقها في وقت الوجوب فلا مانع من أن يعزلها بعد وقت وجوبها جانباً، أي أن يكيل مقدار ما يجب عليه صرفه في زكاة الفطر ثم يفتش عن المستحق ثم يعطيه له ولو بعد خروج الوقت، لأنه بعزلها إياها كان بمثابة من أخرجها.
السؤال (12)
من هو الفقير الذي تصرف إليه الزكاة؟
الجواب:
الفقير هو من لا يكفيه دخله لنفقاته الضرورية، ولا يُقَدّر الدخل إذ النفقات تختلف، فبعض الناس يحتاجون إلى نفقات طائلة، ومنهم من يحتاج إلى نفقات قليلة، فقد يكون الإنسان دخله لا يتجاوز مائة ريال ولكن ليست عنده أسرة إنما يعول نفسه أو يعول نفسه وامرأته وهما عندهما دار يسكنانها، فليس عليهما مشقة وليست عليهما نفقات، المائة ريال تكفيهما بالاقتصاد، فهذا ليس بفقير. (2/375)
صفحة 862
وقد يكون الإنسان يتقاضى في الشهر ثلاثمائة ريال إلا أنها لا تكفيه نظراً إلى أنه يعول أسرة كبيرة فقد يكون يعول أبويه مع امرأته ومع أولاده، ويعول عدداً كبيراً من الأولاد، وهؤلاء الأولاد يحتاجون إلى نفقات، يذهبون إلى المدارس ويحتاجون إلى نفقات، وقد يكون أيضاً غير واجد للدار التي يسكنها إلا بالأجرة وإيجار الدار يكلفه كثيراً مع نفقات الكهرباء والماء، كل من ذلك إنما يجب أن يراعى، هذه الأحوال لا بد من إدخالها في الحساب، فلذلك قد يكون الإنسان الذي يتقاضى مرتباً عالياً بالنسبة إلى غيره معدوداً في الفقراء، وقد يكون الذي يتقاضى أقل من ذلك المرتب غير معدود في الفقراء بسبب أن مرتبه يكفيه لنفقاته الضرورية. فهذه الأحوال لا بد من مراعاتها.
السؤال (13)
طلبة يدرسون في الخارج وقد لا يتعرفون على الفقير الذي يستحق الزكاة، ففي هذه الحالة هم مكلفون بالبحث والتقصي عن الفقير هناك أم يكفي أن يوكلوا أحداً عنهم هنا في عمان لدفع الزكاة؟
الجواب:
أما إن وكّلوا أميناً يدفع عنهم الزكاة في بلدهم فلا حرج في ذلك لأن القائم في البلد بإمكانه أن يجد الفقير أكثر ممن كان السفر لا سيما في البلاد غير المسلمة فإن العثور على المسلم المستحق لزكاة الفطر هناك قد يكون أمراً عسيراً، فمن التيسير لهم أن يسمح لهم بأن يوكلوا في بلادهم من يخرجها عنهم.
السؤال (14)
هناك قد تكون مراكز وجمعيات خيرية مسلمة تعنى بشؤون المسلمين فهل يجوز له أن يدفع لهم الزكاة؟
الجواب:
إذا وجدت هذه المراكز وكانت أمينة بحيث كان القائمون عليها أمناء فإنها تسلم إليهم ولا حرج.
السؤال (15)
هل يجوز دفع الزكاة للمراكز الإسلامية لتطويرها؟
الجواب: (2/376)
صفحة 863
لا، زكاة الفطر ليست هي للمراكز، ليست للمؤسسات وإلا لجاز أن تبنى بها المدارس، وجاز أن يبنى بها المساجد، وجاز أن تنشأ بها المكتبات، وجاز أن تعمل بها مؤسسات خيريه متنوعة، ولكن زكاة الفطر إنما هي لسد حاجات الفقراء في ذلك اليوم، لأجل إغنائهم عن التسول في ذلك اليوم حتى يشاركوا فرحة العيد إخوانهم الأغنياء.
السؤال (16)
إذا وكّل أحداً هنا في عمان لدفع هذه الزكاة ولم يبعث إليه بالمال إنما قال له: أقرضني من عندك مالاً لتؤدي عني زكاة الفطر؟
الجواب:
قد يكون هنالك تعارف بين الأهل، ما بين الوالد وولده والأخ وأخيه والقريب وقريبه والجار وجاره.
السؤال (17)
أنا أرغب أن أعطي زكاة الفطر لأقارب لي في منطقة بعيدة ولكنني لا أجد وقتاً كافياً للوصول إليهم إلا بعد العيد فهل إخراجها وإعطائهم إياها بعد العيد يكفي؟
الجواب:
بشرط أن يكونوا فقراء، أما إن لم يكونوا فقراء فهم لا يستحقونها، فهذه ليست صلة وإنما هي صدقة، وإن كانت إذا أعطيت القريب المستحق كانت صلة وصدقة في نفس الوقت، ولكن إن كان القريب غير مستحق لها بحيث لم يكن فقيراً فإنه لا يعطاها.
السؤال (18)
من كان قادراً أن يصل إلى أقاربه قبل العيد لو كلف نفسه؟
الجواب:
إذا أمكن فذلك أفضل أن يقدمها لهم قبل العيد، إنما يبقى هنالك شرط مراعاة بقاء ذلك المعطى مستحقاً لها إلى وقت وجوبها.
السؤال (19)
أطفال الفقراء في هذه الأيام بحاجة إلى ملابس وبحاجة إلى كماليات يتزينون بها في يوم العيد فهل زكاة الفطر يمكن أن تؤدى في هذا الجانب؟
الجواب:
زكاة الفطر كما قلنا هي لأجل إطعامهم في ذلك اليوم، أما ما عدا ذلك فإن ذلك من التكافل الذي يكون بين المسلمين، إذ ليس من بر المسلم بإخوانه المسلمين أن يكون هو كاسياً ويكونوا عراة، وليس من بر المسلم بإخوانه المسلمين أن يكون هو في أبهة في ذلك اليوم وهم في حالة تقشف وحالة عسر، فالمسلمون يكفل بعضهم بعضاً ويقضي بعضهم حاجة بعض. (2/377)
صفحة 864
السؤال (20)
عددهم 12 شخص ففي هذه الحالة هل يشتري عن الجميع جونية طحين أم يخرجوا قيمة ذلك؟
الجواب:
نحن قلنا بأن الأصل أن يخرج الطعام، ولا يصار إلى إخراج النقد إلا مع الضرورة بحيث يتعذر وجود من يتقبل الطعام تطبيقاً للسنة وعملاً بها، ففي ذلك بركة إن شاء الله تعالى.
أما بالنسبة إلى صرف هذه الزكاة فإنها تصرف إلى المستحقين وينظر بقدر الحاجة، فيعطى الإنسان بقدر حاجته، فقد تكون أسرة أكثر حاجة من غيرها، وقد تكون أسرة أخرى تقابلها هي أقل حاجة منها، فلذلك ينبغي مراعاة ذلك في تقسيم هذه الصدقات بقدر حاجة أولئك الذين توزع عليهم.
السؤال (21)
رجل يذكر بأن أخاً له قد ترك والديه ولم يسلّم عليهما ولم يزرهما، فيريد حكم ذلك، ويريد النصيحة منكم له؟
الجواب:
حقيقة الأمر بر الوالدين مقرون بعبادة الله تعالى، فالله تبارك وتعالى يقول (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) (الاسراء:23 - 24). (2/378)
صفحة 865
فالإنسان مأمور بان يبر والديه حتى أنه لو تعرض منهما في حال كبرهما لما يسوءه ليس له أن يتأفف ويتضجر، حتى أن يردد النفس الذي يدل على تضجره وتأففه من معاملتهما له يعد ذلك من أنواع العقوق التي يجب على الإنسان أن يتفاداها. والله تبارك وتعالى يقول (وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً) (الاحقاف: من الآية15)، هذا يدل أيضاً على أن الوالدين وإن اشتركا في الحق إلا أن حق الأم أعظم وبرها أوجب وألزم ذلك لأن الله تعالى عندما وصى بهما جميعاً نبّه على تضحية الأم التي ضحت بها بحيث حملت هذا الولد كرها ووضعته كرها وتكلفت تربيته وإرضاعه لمدة سنتين أو نحو ذلك.
وكذلك يقول الله تعالى (وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (لقمان:14)، فكيف لهذا الإنسان أن يقطع أحد والديه أو أن يقطعهما معا، إن ذلك مما يعتبر معصية كبيرة من الكبائر، ولذلك جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: لا يدخل الجنة عاق. أي من عق والديه فإنه لا يدخل الجنة والعياذ بالله.
فيجب على هذا القاطع لوالده أو لوالدته أو لكليهما أن يسارع إلى بر من قطعه من والديه، والإحسان إليه والتودد إليه والتحبب إليه والرغبة في أن يحس والده بمشاعر الأبوة من قبل هذا الولد تفيض عليه حتى يكون أيضاً بولده رحيماً لطيفاً ولتعود البركة عليه إن شاء الله من ذلك، فعليه أن يتقي الله تعالى وأن يبر من عق من والديه، والله تعالى الموفق.
السؤال (22) (2/379)
صفحة 866
في المدن الكبيرة قد يصعب على الواحد منا معرفة أماكن الفقراء والمساكين فلهذا السبب قام بعض الشباب صندوق في كل مسجد لجمع زكاة الفطر من الناس على هيئة نقود في الأيام الأخيرة من رمضان على توزع بعد ذلك طعاماً قبل العيد بيوم أو يومين على فقراء ومساكين وهؤلاء الفقراء والمساكين أيضاً قد حددوا من قبل في عملية استبيان ميداني فما قولكم في هذا العمل؟
الجواب:
بما أن هذا العمل فيه تيسير للناس ويعطون هذه الزكاة في الوقت الذي يستحقون فيه عطائها، والذي يخرجها ولو أخرج نقداً إنما يخرج النقد لأجل شراء الطعام المشروع إعطاؤه فلا حرج في ذلك إن شاء الله.
السؤال (23)
ما قيمة الصاع بالنقود؟
الجواب:
لا نستطيع أن نحدد، لعل هو أعرف بقيمة الصاع، هذا أمر يعرفه من نزل السوق وعامل التجار، فالتجار هم الذين يعرفون قيمة الصاع، ويعرف ذلك من عاملهم.
السؤال (24)
هل يصح أن يكون الإخراج بعد صلاة العشاء بحيث تؤخر إلى الساعة الثانية عشر ليلاً؟
الجواب:
كما قلنا من العلماء من قال تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان، وعلى هذا فإن أخرجها بعد المغرب من ليلة العيد فقد أخرجها وهي إن شاء الله تعالى مقبولة وخصوصاً مع العسر والشدة، ليس هنالك حرج في أن يؤخذ بهذا الرأي.
السؤال (25)
هل في الراتب الشهري زكاة؟
الجواب:
الراتب الشهري تجب زكاته إن بقي منه مقدار النصاب لم يستهلك حتى حال عليه الحول، أو ضُم إلى مال تخرج زكاته بحيث تخرج زكاة هذه الزيادة وهي هذا الراتب مع الأصل الذي يخرج زكاته من قبل.
السؤال (26)
أسرة عليها دين يصل إلى خمسة آلاف دولار ولديها سبعة أطفال فهل تأخذ من هذه الزكاة وتقضي هذا الدين، وهل تسقط عنهم زكاة الفطر؟
الجواب: (2/380)
صفحة 867
إن كانوا غير واجدين وهم مدينون فإن المدين يعتبر فقيراً، هو بحاجة إلى أن يقضي دينه، هو بحاجة إلى أن يعول نفسه، فهم بحاجة إلى العول من ناحية وبحاجة إلى وفاء الدين الذي يجب عليهم، فليس هنالك حرج من قبول هذه الصدقات ودفعها إلى مستحقيها، إذ الغارمون لهم نصيب بنص القرآن الكريم في الزكاة.
السؤال (27)
أعاني من نزيف في اللثة، خروج دم من الأسنان، وهذا يحدث لي كثيراً عند الوضوء عند المضمضة ويستمر حتى عندما أنتهي من الوضوء فأشيروا علي جزاكم الله خيرا؟
الجواب:
أشير عليه بأنه ينبغي له أن يتلطف عندما يتوضأ بحيث لا يكون التمضمض بشدة وإنما يكون بلطف تجنباً لخروج الدم، وما عليه بعد ذلك إن خرج لأن الإنسان لا يكلف ما لا طاقة له به، فالله تبارك وتعالى وسّع للإنسان أن يصلي ولو كان في حالة نزيف دم كحالة المستحاضة مثلاً تصلي والدم يخرج منها، وكذلك المصاب بسلس البول يصلي والبول يتقاطر منه، وكذلك من كان مثلهما من كان به جرح أو من كان مصاباً بإصابة في أي مكان من جسده ويخرج منه دم فإنه ليس عليه حرج ولو صلى بتلك الحالة، بل هو مطالب بالصلاة لأنه يشق عليه أن يكون كامل الطهر، ولا يكلف إلا ما يسره الله تعالى له، أما لم ييسره فإنه يسقط عنه وهذا معنى قول الله تبارك وتعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية286) وقوله سبحانه (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا) (الطلاق: من الآية7) وقوله (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: من الآية16)، وقول النبي صلى الله عليه وسلّم: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. والله تعالى أعلم.
السؤال (28)
هل المطلوب في زكاة الفطر السرية كما هو الحال في الصدقة العامة؟
الجواب: (2/381)
صفحة 868
لا، صدقة النفل ينبغي الإسرار بها، أما الزكاة الواجبة شرعاً فلا ينبغي الإسرار بها لأجل أمرين اثنين أولهما أن يبرأ الإنسان نفسه من تهمة عدم القيام بالواجب في إيتاء الزكاة، والأمر الثاني حتى يكون قدوة للناس في القيام بالواجب والمسارعة إلى الطاعة.
أما بالنسبة إلى صدقة النفل فهي بخلاف ذلك، صدقة النفل ينبغي للإنسان أن يخرجها سرا، أما الفريضة فإنه يجهر بإخراجها كما أن صلاة الفريضة تشرع في الجماعات ويؤمر الإنسان أن يأتي إلى المساجد لأجل أدائها بينما النافلة ولا سيما قيام الليل أي التهجد ينبغي أن يكون في بيت الإنسان بحيث لا يراه أحد.
السؤال (29)
ما حكم من لم يؤد زكاة الفطر؟
الجواب:
زكاة الفطر مختلف فيها بين قائل بفرضيتها كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عند البخاري (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلّم .... )، وقائل بسنيتها كما دل على ذلك حديث الإمام الربيع رحمه الله، وليس هنالك كبير فرق بين القول بالسنية والقول بالفرضية، أما القول بالفرضية فيمكن أن يقال فرض بمعنى قدر رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وسن بمعنى جعل ذلك سنة متبعة وإن كان ذلك الواجبات، فهذا من المحتمل أن يكون هو المراد، ولذلك نحن نرى أن تارك هذه الزكاة لا يصل به الحال إلى أن يكون كتارك الزكاة المعهودة التي تجب في أصناف المال، ولكنه مع ذلك هو خسيس المنزل، سيء الحالة لأنه على الأقل أعرض عن سنة مؤكدة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلّم فلا ينبغي أن يرقى إلى مصاف من يرتضون ويتولون، والله تعالى أعلم.
السؤال (30)
عدم إخراج زكاة الفطر هل يؤثر على الصيام؟
الجواب:
الصيام أمره إلى الله، ولكن هو يؤمر بأن يتدارك أمره وأن يتوب، والله تعالى يتقبل منه ويتقبل منه صيامه الذي صامه.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
26 رمضان 1424هـ، 21/ 11/2003م
الموضوع: عام
السؤال (1) (2/382)
صفحة 869
مؤسسة أهلية تقوم بخدمة الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، تعتمد في دخلها على التبرعات التي تأتي من أهل الخير، وكذلك تقوم بإقامة بعض الفعاليات والأنشطة من أجل جلب دخل ومبالغ تفي بمصاريف والتزامات المؤسسة لتقوم بدورها تجاه تلك الفئة التي قدر الله عز وجل لها أن تعيش حياة خاصة، ومن ضمن الأنشطة التي ترغب المؤسسة القيام بها لجلب أموال لها طبع بطاقات سحب (كوبونات) وتوزيعها على المجتمع حيث أن قيمة البطاقة الواحدة ريال عماني، وتوضع جوائز للفوز بها عن طريق السحب مع العلم بأن البعض منهم لديه الرغبة بالمشاركة لنيل الجائزة والبعض الآخر لديه النية لدعم هذه الفئة، فما الحكم؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: (2/383)
صفحة 870
فإن الله تبارك وتعالى شرع الإنفاق من الحلال الطيب، ومعنى ذلك أن النفقات في سبل الخير يجب أن تكون بعيدة كل البعد عن كل وسيلة غير شرعية إذ الغاية لا تبرر الوسيلة، فالله سبحانه وتعالى حرم الميسر بالنص القطعي إذ قال عز من قائل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (المائدة:90 - 91)، وقد جاء التحريم هنا من عشر أوجه أولها أن الله تبارك وتعالى قرنه بالخمر، وقرنه بالأنصاب، وقرنه بالأزلام، وقال بأنه رجس، جعل كل ذلك رجسا، وقال ذلك كله هو من عمل الشيطان، وأمر باجتنابه جميعاً، وناط الفلاح باجتنابه، ثم قال بأن الشيطان إنما يريد أن يوقع بين الناس العداوة والبغضاء في الخمر والميسر،، وأن يجعل ذلك وسيلة لصد الناس عن الصلاة وعن ذكر الله، ثم أكد ذلك بقوله (فهل أنتم منتهون).
فهذه عشرة أوجه من خلالها تبين تحريم الميسر، مع أن الميسر إنما كانت العرب تستعمله لأجل مصلحة الفقراء والمحتاجين، فكانوا يتقامرون فيما بينهم بالطريقة المعروفة عندهم والتي تؤدي إلى نحر الجزر من أجل مصلحة الفقراء ومصلحة المساكين، ولكن مع ذلك بما أن هذه الوسيلة وسيلة غير نظيفة فإن الشريعة لم تقرها إذ الله تبارك وتعالى حرمها. (2/384)
صفحة 871
وفي حكم الميسر كل مقامرة، فهؤلاء الذين يشتركون من أجل السحب يريدون الفوز بالجائزة إنما يدفعون أموالهم مقامرين، يريدون الفوز بالجائزة التي ينالونها، ومعنى هذا أن الذي يفوز بهذه الجائزة يكون قد أخذ جانباً كبيراً من أموال الآخرين الذين هم لم يكونوا قاصدين أن يربحوه بأموالهم، وإنما كانوا قاصدين أن يربحوا ماله ومال غيره، فهذه هي المقامرة بعينها.
والإنفاق على الأطفال وعلى اليتامى وعلى المساكين وعلى المحتاجين بشتى الوجوه إنما يجب أن يكون إنفاقاً خالصاً، الله تبارك وتعالى يقول (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيه) (البقرة: من الآية267)، ولئن كان هذا الخبيث الذي شدّد الله تبارك وتعالى فيه هنا هو الرديء، فما بالكم بما كان خبثه من أجل تحريمه.
والنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: لا يقبل الله صدقة من غلول. ومعنى ذلك أن من سلك هذه الطريق الملتوي لم يفز بأجر العمل الذي يعمله من خلاله أي من خلال هذا الطريق، ويبوء بوزر عمله المخالف للشرع الشريف، فعلى هؤلاء أن يتقوا الله تبارك وتعالى، وأن يتجنبوا هذه الوسيلة غير الشرعية.
السؤال (2)
ما الحكم في من يشتري سلعة معينة بنفس قيمتها المتعارف عليها في السوق لكن الشركة وضعت عليها دعاية من أجل حث الناس على الشراء فكل من اشترى تلك السلعة يشترك في السحب فهل يصح هذا؟
الجواب: (2/385)
صفحة 872
لا، لا، لا، لا يصح ذلك، لأن هؤلاء كثير منهم ما يقصدون السلعة التي يشترونها، وإنما يقصدون التوصل إلى السحب، ونحن عرفنا عن أناس أنهم يشترون المشروبات الغازية لا لأجلها وإنما لأجل السحب، حتى أن منهم من يشتريها ويريقها لا يشربها ولكن لأجل أن يتوصل إلى السحب، وهذا يعني إنفاقاً للمال في ما لم يأذن به الله تبارك وتعالى، والإنسان مسئول عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، فالذي يضيع ماله في ذلك هو مسئول عنه، والذي ينال المال بهذا الطريق أيضاً هو مسئول عنه، والله تعالى أعلم.
السؤال (3)
بعض الشركات تجعل بطاقات فكل من اشترى بمبلغ معين يحصل على بطاقة وإذا تجمعت هذه البطاقات يحصل بدلاً عنها سلعة معينة؟
الجواب:
إن كان ذلك بغير طريق السحب فلا حرج في ذلك. أما بطريق السحب فلا.
السؤال (4)
من دخل في هذا السحب وخرجت له هذه الجائزة وتبين له الحكم فيما بعد، كيف يتصرف في تلك الجائزة؟
الجواب:
عليه أن يتخلص مما أخذه بدفعه إلى فقراء المسلمين فإنه مال مجهول ربه، وكل مال جهل ربه ففقراء المسلمين أولى به.
السؤال (5)
خرجت لي جائزة من هذا النوع ومقدارها عشرون ألفاً فأردت أن أسد بها ديون الذين وقعوا في ديون ربوية، فهل يصح ذلك؟
الجواب:
إن كان أولئك غير تائبين وإنما وقعوا في الديون وتورطوا وهم لا يشعرون بألم الندم من أجل المعصية التي ألموا بها فلا يجوز أن يعطوا شيئاً من ذلك. أما إن كانوا تائبين ويريدون الخلاص ولم يجدوا إلى الخلاص سبيلا فإن التائب يساعد على الخلاص مما وقع فيه من الورطات.
السؤال (6) (2/386)
صفحة 873
امتلك مبلغاً وقدره ثلاثون ألفاً قمت بإخراج زكاته في شهر رمضان الماضي وأقوم بإضافة مبلغ شهري من راتبي إلى هذا المبلغ، اتفقت مع مقاول لبناء منزل بمبلغ تسعة وعشرين ألف ريال ادفعها على دفعات حسب سير العمل في البناء، تضمنت الاتفاقية على أن أتحمل تكلفة إحضار بعض المواد كالأبواب والنوافذ والبلاط والكهرباء، دفعت للمقاول حتى الآن أربعة عشر ألف ريال عماني، المتوقع أن يكون المبلغ الذي بحوزتي في شهر رمضان القادم خمسة وعشرين ألفاً، وفي المقابل أنا مطالب للمقاول بملغ خمسة عشر ألف ريال عماني أدفعها على دفعات بالإضافة إلى أنني مطالب بتوفير بعض مواد البناء تزيد عن المبلغ الذي بحوزتي وقد اضطر إلى الاستلاف لتكملة البناء، فما هو الحكم الشرعي في زكاة هذا المبلغ؟
الجواب:
المبلغ الذي لم يستهلك تجب زكاته، وإنما تسقط زكاة ما استهلك منه، ولكن مع كونه خالياً من الدين الحاضر، فإن كان واجباً على هذا الذي عنده هذا المبلغ دين حاضر فليسقط مقدار ذلك الدين الحاضر، إن كان واجباً عليه قسط من الأقساط التي اتفق عليها مع المقاول فإنه يسقط ذلك القسط الذي هو واجب قبل وجوب هذه الزكاة ويزكي الباقي، والله تعالى أعلم.
السؤال (7)
لدينا خادمة في المنزل وهي مسلمة ومن أسرة فقيرة جداً ولديها أيتام فهل يحق لها فطرة الأبدان؟
الجواب:
إن كانت فقيرة وتعول فقراء محتاجين فلتدفع إليها، لا مانع من ذلك.
السؤال (8)
نحن نعمل في مكتب يبعد عن المسجد عشر دقائق ونسمع الأذان أي أذان صلاة الظهر، ولكن بحكم العمل وارتباطنا بالعمل لا نذهب إلى المسجد كي نصلي مع الجماعة وإنما نصلي في المكتب جماعة، فما هو الحكم؟
الجواب:
إن كان من الصعب أن يخرجوا إلى المسجد بسبب ما يؤدي إليه خروجهم هذا من تعطيل العمل فلا حرج عليهم أن يتخذوا مصلى في مكتبهم وليصلوا هنالك.
السؤال (9) (2/387)
صفحة 874
رجل معتكف في المسجد ولكن إمام المسجد هناك يسرع في قراءة القرآن أثناء صلاة التراويح فهل له أن يخرج من ذلك المسجد ليصلي في مسجد آخر ثم يعود إليه؟
الجواب:
لا، وإنما يخرج من أجل الصلاة التي لا تقام هناك، إن كانت لا تقام الجمعة في ذلك المسجد فليخرج إلى صلاة الجمعة وليعد بعدها مباشرة.
السؤال (10)
في بعض البلاد توجد ظاهرة تدافع الناس في أيام العيد على زيارة المقابر، وهذا التدافع يكون فيه اختلاط بين الجنسين، فما هو توجيهكم؟
الجواب:
أولاً قبل كل شيء زيارة القبور لا يتخذ لها موسم، لأن زيارة القبور إنما هي للعظة وللعبرة وليست عبادة، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلّم عن اتخاذ القبور مساجد، وقال: لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وقال: لا تجعلوا قبرا عيدا. وشدّد النبي صلى الله عليه وسلّم أول الأمر في زيارة القبور مطلقاً بحيث منعها لأجل قرب الناس بعهد الجاهلية، ثم لما استقرت العقيدة وقوي الإيمان وكان الناس موصولين بالله تبارك وتعالى أباح لهم زيارتها وقال: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزورها ولا تقولوا هجرا.
فزيارة القبور لا تتخذ عادة في يوم معين كأيام العيد ونحو هذه الأيام، إنما زيارة القبور لأجل الاتعاظ. (2/388)
صفحة 875
وإن كان قصد الناس بزيارتها في أيام العيد أن يكونوا مدّكرين بحيث يستشعرون أنهم وإن كانوا في فرحة فإن الموت بالمرصاد لهم فلا حرج في ذلك، ولكن مع ذلك يجب أن يتجنوا كل ما فيه حرمة، ومن ذلك ألا تتخذ زيارة القبور وسيلة لأمر محرم كدعاء الميت واستغاثته والتضرع إليه، فإن الله تبارك وتعالى هو وحده هو قاضي الحاجات، لا يمكن لأحد في الأرض ولا في السماء أن يقضي حاجة أحد، والله تعالى يقول (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يونس:107)، ويقول (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الأنعام:17)، ويقول سبحانه (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الرعد:16)، ويقول (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (فاطر:2)، ويقول (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ (2/389)
صفحة 876
الْمُتَوَكِّلُونَ) (الزمر:38).
فمن ضلال العقول أن يأتي الإنسان إلى قبر لأجل طلب قضاء حاجة من صاحب القبر، لأن صاحب القبر لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرا، هو ميت، هو بمثابة الجماد الذي لا حراك له، وعندما كان حياً ملء ثيابه لم يكن قادراً على تحقيق منفعة ولا دفع مضرة إلا بإذن الله.
الله تبارك وتعالى يخاطب عبده ورسوله صلى الله عليه وسلّم وهو أشرف الخلق جميعا وأعظمهم منزلة وأجلهم مكانة ورسالته رحمة للعالمين يقول تعالى فيه (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء:107)، ومع ذلك يخاطبه بقوله (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) (الأعراف: من الآية188)، وكان يخاطبه بهذا الخطاب في أيام حياته، يأمره أن يعلن بأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرا ًإلا بمشية الله تبارك وتعالى، فكيف بغيره صلى الله عليه وسلّم، بل كيف بالأموات في قبورهم أنى لهم أن يحققوا منفعة أو أن يدفعوا مضرة.
ومن المنكرات التي يجب تفاديها هذا الاختلاط بين الرجال والنساء، فإن في الاختلاط فتنة، وفي الاختلاط ما يؤدي إلى إسقاط الحرم التي أمر الله تبارك وتعالى بالمحافظة عليها. (2/390)
صفحة 877
ومع هذا كله أيضاً نفس ذهاب النساء ولو ذهبن وحدهن إلى زيارة القبور أمر فيه ريب، لأن النبي صلى الله عليه وسلّم نهى النساء عن زيارة القبور، وذلك لأن المرأة تتأثر بسرعة، إذ سرعان ما تهيج عاطفتها، قد تأتي بالأمر الذي لا يحمد كالعويل وغيره، وقد تنوح وهي في وسط المقبرة، فلذلك منعت من زيارة القبور لئلا يكون ذلك مهيجاً لعاطفتها ودافعاً لها إلى أن تأتي بالأمور التي لا تحمد، وهذا لا ينافي ما كان من أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها من زيارتها لقبر أخيها لأنها كانت واثقة من نفسها أنها لن يصدر منها ذلك، وقد أدركت هي الحكمة من نهي النبي صلى الله عليه وسلّم للنساء عن زيارة القبور، فهن منهيات عن زيارة القبور لأجل هذه العلة، والمعلول ينتفي بانتفاء علته، فلذلك كانت واثقة من نفسها فأباحت لنفسها أن تزور قبر أخيها لأنها لم لتكن لتفعل شيئاً مما يحرمه الله تبارك وتعالى عليها كالعويل ونحوه.
فهذه الأمور يجب التفطن لها، ويجب تفادي هذا الاندفاع الذي يجمع بين الرجال والنساء وهم يتدافعون جميعاً إلى القبور في ذلك اليوم، وعليهم أن يتقوا الله، وأن يقولوا قولاً سديداً، والله تعالى أعلم.
السؤال (11)
قد يرافق في بعض الأحيان أثناء زيارة القبور عادة وهي وضع الورود توضع على القبر، فما حكمها؟
الجواب:
أعوذ بالله، هذا من شأن أهل الجاهلية الثانية أو الجاهلية الحاضرة، وهذا من المنكرات التي يجب النهي عنها. وماذا ينفع الميت أن توضع على قبره هذه الزهور وهذه الورود مع أن الميت لا ينفعه إلا العمل الصالح الذي عمله.
السؤال (12)
توجد مدارس تعنى بتدريس القرآن الكريم فهل يجوز أن تعطى هذه المدارس من الزكاة المفروضة لتمويلها أو تمويل الذين يدرّسون فيها؟
الجواب: (2/391)
صفحة 878
أما المدارس فلا تعطى من الزكاة لأن الزكاة لها مصارف معينة، ولكن إن كان القائمون على التدريس فيها مستحقين للزكاة بحيث لا يجدون دخلاً كافياً لهم يسد حاجتهم فلا مانع من أن يعطوا من هذه الزكاة، فهم يستحقون من وجهين أولهما فقرهم لأن الفقر يجعل صاحبه مستحقاً للزكاة، والأمر الثاني كونهم قائمين على مصلحة فبذلك يكونون أحرياء بأن يعطوا من هذه الزكاة، ولا مانع من ذلك.
السؤال (13)
هل يعني ذلك فيما لو طلب من هؤلاء المدرسين أن يحبسوا أنفسهم لهذا التدريس ويعطوا راتباً شهريا ًمن هذه الزكاة، فهل يصح ذلك؟
الجواب:
لا حرج في ذلك لأن الحاجة داعية، لأنهم في هذه الحالة لا يجدون نفقة إلا من هذه الزكاة.
السؤال (14)
امرأة عجوز كبيرة في السن صامت ثلاثة أيام فقط من شهر رمضان الكريم وبسبب استعمالها للبخاخ تركت الصيام تقول لا تستطيع أن تطعم كل يوم مسكين ولا تستطيع أن تكفر ولا تستطيع أن تصوم بعد نهاية شهر رمضان، فهل يجوز أن تتبرع عنها امرأة فتدفع عنها هذه الكفارة؟
الجواب:
أولاً قبل كل شيء الله تعالى كلّف يسيراً، وأسقط عن عباده الآصار، ورفع عنهم الأغلال التي كانت على الأمم السابقة، وذلك من فضله تبارك وتعالى على هذه الأمة ومن ذلك أن الإنسان لا يكلف ما لا يطيقه، الله تبارك وتعالى يقول (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) (التغابن: من الآية16)، ويقول (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية286، ويقول (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا) (الطلاق: من الآية7)، ويقول النبي صلى الله عليه وسلّم: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. (2/392)
صفحة 879
فهذه المرأة إن كانت عاجزة عن الصيام وعاجزة عن الفدية فإن الفرض يسقط عنها، ولا ينتقل هذا الفرض إلى غيرها، وإن وجد من العلماء من قال بأنه ينتقل إلى ورثتها، هذا قول وجد عند كثير من أصحابنا، ولكن العلامة أبو المؤثر الصلت ابن خميس رحمه الله تعالى كان أول من قال بأنه لا ينتقل هذا الفرض إلى الآخر لأن ذمة الآخر في الأصل غير مشغولة بهذا، وشغل هذه الذمة بهذا الفرض يحتاج إلى دليل شرعي ولا دليل على ذلك، بل الدليل دال على خلاف ذلك لأن الله تعالى قال (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية286)، وقال (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا) (الطلاق: من الآية7)، وقال (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) (التغابن: من الآية16)، وهذه الاستطاعة غير موجودة عند هذا الذي يصام عنده أو الذي يطعم وإنما هي استطاعة غيره، فلا يتعبد باستطاعة غيره، ولا ينتقل الفرض عنه إلى غيره، هذا هو الذي دلت عليه الآيات، وهذا القول هو من التحقيق بمكان، ونرى التعويل عليه والأخذ به فلا ينتقل الفرض عنها إلى غيرها.
نعم لو تبرع الغير عن أحد بأن يدفع عنه فدية أو نحو ذلك فلا مانع من هذا، ومن أدلة ذلك أن الأعرابي الذي وطئ في نهار رمضان وأمره النبي صلى الله عليه وسلّم أن يعتق رقبة واعتذر إليه بأنه لا يجد الرقبة، ثم أمره بعد ذلك أن يصوم شهرين متتابعين فاعتذر بأنه غير قادر على الصيام، ثم أمره أن يطعم ستين مسكيناً فاعتذر إليه دفع إليه النبي صلى الله عليه وسلّم عذقاً لأجل أن يطعم به. فإذاً هذا دليل على جواز الدفع عن الغير ولا مانع من ذلك. لكن الفرض في أصله ساقط مع العجز عن كلا الأمرين، والله تعالى أعلم.
السؤال (15)
إذا وجد من يدفع عنها فكم مقدار الذي يدفع؟
الجواب: (2/393)
صفحة 880
إطعام مسكين، عن كل يوم مسكين، وإطعام المسكين دل عليه حديث كعب بن عجرة في قضية الفدية إذ أمر النبي صلى الله عليه وسلّم أن يطعم المسكين نصف صاع، وبهذا نأخذ.
السؤال (16)
هناك حفل يتطلب حضوره شراء تذكرة دخول مع العلم في نهاية الحفل سيتم السحب على جوائز تبرعت بها بعض الشركات، فما قول سماحتكم في من فاز بهذا السحب مع العلم أن قصده الأساسي هو الدخول إلى الحفل وليس الحصول على إحدى هذه الجوائز؟
الجواب:
بما أن هنالك سحباً والإنسان لا يعرف نوايا الآخرين، بل الغالب على عادة الناس أن هؤلاء الذين أسهموا في هذه التذاكر إنما كانوا يريدون بذلك التوصل إلى هذه الجائزة، هذه هي عادة الناس، نظراً إلى ذلك كله نرى أنه لا يجوز أخذ هذه الجائزة، ومن وقعت في يده فليتبرع بها لفقراء المسلمين لأنها مال جهل رب، وكل مال جهل ربه ففقراء المسلمين أولى به.
السؤال (17)
من أراد أن يحج وعليه دين، وهذا الدين يدفعه كأقساط شهرية ولديه ضياع وعمارات يمكن أن تفي بهذا الدين، فهل يصح له الذهاب؟
الجواب:
أما إذا كان القسط غير حاضر وكان الدين موثقاً فلا مانع من ذهابه إلى الحج، أما القسط الحاضر فليدفعه أولاً قبل ذهابه إلى الحج، ويجوز تأخير القسط الحاضر إن أذن بذلك الدائن، ولا بد من أن يكون الدين موثقا.
السؤال (18)
لدي إخوة أيتام يقيمون معي في منزلي والدنا المتوفى وبحكم كوني المعيل لهذه الأسرة فأنا أصرف عليهم من راتبي كحال أسرتي تماماً، وهم يحصلون على راتب شهري من الضمان الاجتماعي، وحيث إني أصرف عليهم من راتبي فإنني أوفر لهم راتبهم الشهري، ولكن في بعض الأحيان تمر بي بعض الظروف وأحتاج إلى مبالغ لحاجات المنزل والمأكل كذلك، فهل يجوز لي أن آخذ من مالهم ذلك وأعتبره مساهمة منهم لي في شؤون المنزل؟
الجواب:
إذا كنت تعتبر ذلك في مقابل بعض ما أنفقته عليهم بسبب عسرك وعدم قدرتك على تحمل تلكم النفقات فلا مانع من ذلك.
السؤال (19) (2/394)
صفحة 881
وهل يجب علّي أن أخرج زكاة عن مالهم الذي وفّرته لهم من راتبهم في حال انقضاء حول عليه؟ وما حكم السنوات الماضية التي لم أخرج فيها هذه الزكاة؟
الجواب:
نعم إن بلغ النصاب وانقضى عليه حول، وعليك أن تستدرك الزكاة الآن وأن تخرجها.
السؤال (20)
إحدى قريباتي أرادت أن ترضع طفلها مدة تتجاوز السنتين لكون الطفل مريضاً ولديه تأخر في النمو، فهل يصح لها ذلك؟
الجواب:
لا يمنع إرضاع الطفل أكثر من السنتين، وإنما يكره ذلك إذا كان الطفل سوياً لأن هذه هي مرحلة الرضاع الطبيعية.
السؤال (21)
رجل نذر أن يصوم شهراً لله تعالى إن تم قبوله في عمل معين، والآن بعد أن تم اختياره لا يستطيع أن يصوم ما نذر به بسبب مشقة العمل أثناء فترة التدريب والتي تستمر قرابة السنتين، فهل يؤجل الصيام إلى ما بعد السنتين أم ماذا يفعل؟ علماً بأنه لم يحدد شهراً بعينه وإنما قصد صيام شهر واحد؟
الجواب:
هذا فرض ليس واجباً على الفور وإنما متى ما أداه أي أدى هذا النذر يعتبر مؤدياً له ولا حرج عليه في ذلك.
السؤال (22)
هل هناك رابط بين الوسواس وبين عصيان الإنسان لله سبحانه وتعالى بحيث يكون هذا الوسواس عقاباً له؟
الجواب:
قد يكون. الله تعالى يبتلي من يشاء بما يشاء، ويعاقب من يشاء بما يشاء، الأمر أمره سبحانه، وعلى الإنسان أن يحاسب نفسه، عندما يتعرض الإنسان لأي ضيق في هذه الحياة عليه أن يحاسب نفسه، فإنه قد تضيق نفس الإنسان بسبب معصية ارتكبها، وهكذا والأدلة حتى من القرآن الكريم على ذلك (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) (الأنعام: من الآية125)، فهكذا يبتلى الإنسان بسبب معصيته التي يرتكبها، وجدير بالإنسان أن يحاسب نفسه كثيرا.
السؤال (23)
هل معنى ذلك أن الوسواس قد يكون عقاباً وقد يكون اختباراً له.
الجواب:
نعم.
السؤال (24) (2/395)
صفحة 882
عندما أصلي وخاصة عند السجود أشعر بخروج بول من عضوي على شكل قطرات خفيفة فيزداد شكي بالصلاة مما يجعلني أقطع صلاتي لأرى ماهية هذا الشيء، وقد ذكر لي أن هذا هو الوسواس لكني أرى بعيني وأحسها، فما العمل؟
الجواب:
إن كان يرى هذه القطرات بعينه وهذه عادة مستمرة عنده فعليه في هذه الحالة أن يتخذ عازلاً إن كانت عادة مضطردة مستمرة، لأن هذا هو سلس البول، فليتخذ عازلاً وليتوضأ عندما يقوم على الصلاة، ولا حرج عليه في ما خرج لأنه لا يمكنه أن يتفادى ذلك.
السؤال (25)
هل أعيد صلاتي مع العلم أن هذه القطرات قد تكون ملازمة لكل صلاة مما يجعلني أحمل هماً من إعادة الوضوء والصلاة؟
الجواب:
لا، لا، وإنما عليك أن تتخذ العازل كما ذكرنا.
السؤال (26)
هل المساهمة في بناء مجلس للعزاء تعتبر صدقة جارية؟
الجواب:
العزاء يختلف وضعه، قد يكون بطريق السنة، وقد يكون فيه رفع تكاليف عن الناس، فلا حرج في الإسهام في ذلك، وتعتبر هذه صدقة جارية.
وأما إذا كان بخلاف ذلك بحيث يكون في هذا العزاء ما يخالف السنة كإقامة الولائم وغير ذلك فلا تعد هذه صدقة، وإنما المشاركة في ذلك إنما هي تشجيع على الباطل، والله تعالى المستعان.
السؤال (27)
عندما يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلّم فهل الأفضل أن يقال اللهم صل وسلم على رسول الله، أم اللهم صل وسلم عليه؟
الجواب:
كلا الأمرين جائز، وإنما أفضل الصيغ ما دل عليه الحديث الشريف: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. هذه الصيغة هي أفضل بسبب أنها جاءت في الحديث الشريف عندما سئل النبي صلى الله عليه وسلّم عن كيفية الصلاة عليه.
السؤال (28)
البعض عندما يكتب لفظة الرسول ويذكر رسول الله صلى الله عليه وسلّم يضع بين قوسين (ص) أو (صلعم)، فهل يصح هذا؟
الجواب:
لا، لا ينبغي ذلك. بل يؤتى بالصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلّم.
السؤال (29) (2/396)
صفحة 883
نعلم أن المسافر له أن يصوم وله أن يفطر، فما حكم من استمنى في نهار رمضان وهو صائم في السفر ثم تاب واستغفر، هل عليه الكفارة أم القضاء فقط؟
الجواب:
عليه ما على الصائم في حضره لأنه صائم وقد انتهك حرمة الصيام.
السؤال (30)
رجل أجّر بحجة عن والدته وهو لم يحج عن نفسه بعد، فهل يصح ذلك؟
الجواب:
هو ليس له أن يؤخر إن لم يكن له عذر يمنعه من الحج، إنما يؤمر أن يبادر خشية أن تعترضه العوارض التي تمنعه من الحج، فقد يموت الحي، وقد يفتقر الغني، وقد يمرض الصحيح، كل من ذلك يقع، هذه أمور يحسب لها الإنسان كل حساب، ولكن مع ذلك إن أجّر أحداً بأن يحج عن أمه فنرجو أن تكون حجة مقبولة إن شاء الله.
السؤال (31)
من نوى أن يعتكف العشر الأواخر ولكن إذا ثبت الهلال في التاسع والعشرين، فما الحكم؟
الجواب:
المقصود بالعشر الأواخر ما فوق العشرين من شهر رمضان، فكل ذلك يصدق عليه أنه عشر أواخر، وإن استُهل هلال شوال فإنه يخرج من معتكفه في هذه الحالة.
السؤال (32)
رجل شعر بألم شديد وأحس بأن عضلاته تسترخي وأنه يعاني من صداع شديد فأسرع للقضاء على هذه الآلام بتناول الدواء فأفطر، فما الحكم؟
الجواب:
أما إذا كان ألماً لا يطاق فلا حرج عليه، وأما إذا كان ألماً يمكن احتماله فإنه لا يعذر في هذه الحالة، وعليه ما على المفطر عمداً.
السؤال (33)
رجل لديه رصيد في بنك من البنوك ثم حوّل رصيده هذا إلى بنك إسلامي ولكن بقي رصيده في البنك الأول وفيها زيادة ربوية فماذا يصنع بتلك الزيادة؟
الجواب:
ليتخلص منها بدفعها إلى فقراء المسلمين ولا يأخذ منها شيئا لأنها مال مجهول أربابه، وليتب إلى الله تعالى.
السؤال (34)
هل يصح إخراج قيمة في زكاة الفطر نظراً إلى أن الفقير في هذه الأيام يقول أنا لا أحتاج طحيناً ولا أرزاً إنما أحتاج مالاً أشتري به لأولادي؟
الجواب:
فليبع الطحين والأرز وليأخذ النقد.
السؤال (35)
كيف يقي الإنسان نفسه من الوسواس؟ (2/397)
صفحة 884
الجواب:
يقي نفسه بالاعتصام بالله (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (الأعراف:200 - 201)، فليعتصم بحبل الله تعالى.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
27 رمضان 1424هـ، 22/ 11/2003م
الموضوع: عام
السؤال (1)
امرأة لها زوج يشرب الخمر ولا يصلي ولا يصوم، فكيف يكون موقفها معه؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فمما يؤسف له أن كثيراً من الناس وكثيراً من الأسر لا يقيمون وزناً للدين كما ينبغي في قضية العلاقات الاجتماعية، ولذلك عندما يأتيهم خاطب يريد الارتباط بموليتهم لا يبالون بدينه، فلا يسألون عن عبادته، ولا يسألون عن أمانته، ولا يسألون عن صدقه، ولا يسألون عن أخلاقه، ولا يسألون عن أي شيء يتعلق بجانب الدين، إنما يعنون بجانب المال وأصالة المحتد والمنصب وترف هذه الحياة الدنيا، وهذا مما ينافي ما يوجهنا إليه القرآن الكريم، وما توجهنا إليه السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم، فإن الله تبارك وتعالى يبين لنا أن معيار التفاضل بين الناس إنما هو الدين فقد قال سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: من الآية13)، والنبي صلى الله عليه وسلّم عندما ذكر ما تنكح من أجله المرأة قال: فاظفر بذات الدين تربت يداك. وقال: إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه. هذا كله مما يدل على أن الدين هو المحور الذي يجب أن يرتكز عليه اهتمام جميع الناس في العلاقات الاجتماعية وفي غيرها. (2/398)
صفحة 885
هذا ومن المعلوم أن تارك الصلاة لا نصيب له في الإسلام، فإن الله تبارك وتعالى يقول (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) (التوبة: من الآية5)، ويقول أيضا (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) (التوبة: من الآية11)، فجعل تميز المسلم واستحقاقه حقوق الإسلام إنما هو بتوبته مما كان عليه من قبل إن كان على ملة الجاهلية من قبل مع إقامه للصلاة وإيتائه للزكاة.
وكذلك نجد أحاديث النبي صلى الله عليه وسلّم تدل على هذا، فالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام يقول – كما في حديث ابن عمر عند الشيخين وغيرهما -: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله.
فهكذا الصلاة لها هذه المكانة العظيمة، ونحن نرى دائماً أنها تتصدر الأعمال عندما تذكر في القرآن الكريم، فالمحافظة على الصلاة تأتي على رأس قائمة الأعمال الصالحة التي هي مناط السعادة وأساس السلامة، فالله تبارك وتعالى يقول (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (البقرة:2 - 3)، ويقول (هُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) (النمل:2 - 3)، ويقول (هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) (لقمان:3 - 4). (2/399)
صفحة 886
وكذلك نجد في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلّم ما يدل على أن الصلاة هي التي تتصدر الأعمال الصالحة وذلك في أحاديث كثيرة لسنا الآن بصدد استعراضها، فلذلك كان من الضرورة بمكان أن يسئل عن المرء أول ما يسئل عن صلاته، هل هو محافظ عليها؟ هل هو قائم بحقها؟ هل هو غير مفرط فيها؟
ومن ترك الصلاة لا نصيب له في الإسلام، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر. ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: ليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة. فإذاً الصلاة هي أهم الأعمال التي يجب أن تراعى في هذا الجانب.
وهذا الذي ترك الصلاة لا يخلو إما أن يكون تاركاً لها مع إنكاره إياها أو إنكاره لأي شيء مما علم من الدين بالضرورة، وفي هذه الحالة يكون هو في عداد المرتدين، ولا يجوز أن تبقى هذه المرأة معه لحظة واحدة، لأن زواجه بها زواجاً فاسدا ذلك لأنه لا يجوز إنكاح المشركين، فالله تبارك وتعالى يقول (وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) (البقرة: من الآية221)، وفي هذه الحالة عليها أن تخرج من بيته وأن لا تبقى عنده، أي إن كان ينكر وجوب الصلاة، أو ينكر أي شيء مما علم من الدين بالضرورة كأن ينكر اليوم الآخر أو ينكر أي صفة من صفات الله سبحانه وتعالى التي نص عليها القرآن الكريم، أو ينكر الزكاة المشروعة، أو ينكر شيئاً من أحكام الله تعالى التي نص عليها القرآن الكريم أو نصت عبها سنة متواترة عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم، في هذه الحالة إن أنكر شيئاً من ذلك من غير تأويل يكون في عداد المرتدين عن الإسلام والعياذ بالله. (2/400)
صفحة 887
أما إن كان لا ينكر وجوب الصلاة ويدين لله تعالى بوجوبها ولكنه مع ذلك هو متهاون بها في هذه الحالة يكون كافراً كفر نعمة، ولا خير في بقائها عنده، ولكن لا نقول بأنه يحرم عليها أن تبقى عنده، وإن كان من الأفضل للمرأة المسلمة أن لا تبقى مع تارك الصلاة بأي حال من الأحوال.
هذه هي الحالة التي يجب أن تراعى، ومهما يكن فإننا نوصي دائماً، نوصي أولاً النساء أن لا يرضين بالارتباط إلا بمن يرتضى دينه وخلقه، ونوصي أولياء أمورهن أن لا يرضوا بربط مصير مولياتهم إلا بمصير من يرتضى دينه وخلقه، والله تعالى ولي التوفيق.
السؤال (2)
لكن قضية انفصالها عنه كيف تكون، لأنه قد لا يصغي إلى قولها ويرفض أن يطلقها؟
الجواب:
أما إن كان منكراً لفرضية الصلاة فلا تحتاج إلى أي عملية في الانفصال، لأن العقد من أوله عقد غير صحيح، وعليها أن تخرج من عنده.
وأما إن كان لا ينكر ففي هذه الحالة عليها أن ترفع أمرها إلى القضاء الشرعي، وعلى القضاء الشرعي أن يراعي هذا الجانب، وأن لا يدفع بامرأة إلى أن تكون ضجيعة لثعبان من ثعابين جهنم والعياذ بالله.
السؤال (3)
كيف يتقبل الإنسان تجليات الله سبحانه وتعالى بالقبول والجمال والرضا من غير انفعال أو من غير رفض أو ضجر؟
الجواب:
المؤمن يرى كل ما يأتيه من قبل الله تبارك وتعالى حسنا، لأن الله تبارك وتعالى أولاً قبل كل شيء لا يسئل عما يفعل، فلا يجري عليه حكم من قبل أحد، هو الذي يحكم على غيره ولا يُحكم عليه من قبل أحد، ثم إن الله تبارك وتعالى هو العليم الخبير السميع البصير الذي أحاط بكل شيء علماً وخبرة، فتأتي أفعاله وفق حكمة يعلمها سبحانه وتعالى وإن كنا نحن لا نعلمها. (2/401)
صفحة 888
وعلينا أن ندرك أن ما يأتي من قبل الله تبارك وتعالى إن تلقيناه بالقبول والرضا كان ذلك سبباً للوصول إلى استقرار الحال، وطمأنينة النفس وهدوء البال، ذلك لأن الله تبارك وتعالى يختبر من يشاء من عباده بما يشاء من أفعاله، فهو يختبر عباده بالشدة ويختبرهم بالرخاء، ويختبرهم بالبؤس ويختبرهم بالنعيم، ويختبرهم بالراحة ويختبرهم بالتعب، كل من ذلك لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى.
على أننا علينا أن ندرك بأن الله سبحانه وتعالى مهما لقينا من قضائه وقدره من شدة وتعب فإن ألطافه هي أعظم من أن تحصى، الله تبارك وتعالى هو اللطيف بعباده، هو الذي خلق العباد، وهيأ لهم أسباب الحياة، ووهب لهم هذه الحياة نفسها، وجعل لهم مناخ الاستقرار في هذه الأرض، من الذي يمكنه أن يفعل ذلك؟
الله تبارك وتعالى منّ على الإنسان بإخراجه من العدم إلى الوجود، ثم غمره بأنواع ألطافه، ومن ذلك أن الإنسان وهو ضعيف لا يستطيع أن يرد عن نفسه ضرراً ولا يستطيع أن يجلب لنفسه نفعا، الله تبارك وتعالى يسّر له من يقوم بأمره ومن يرعاه في طفولته حتى بلغ إلى حيث بلغ، ومع ذلك كله أيضاً الله سبحانه وتعالى جعل الطبيعة متوائمة مع هذا الإنسان وخلقته وفطرته فهي تخدم فطرة هذا الإنسان، لذلك كان على الإنسان أن يرعى ذلك. (2/402)
صفحة 889
والله سبحانه وتعالى يشد انتباهنا إلى ذلك في آيات كثيرة من كتابه العزيز من ذلك قوله سبحانه وتعالى (قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ * فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ) (عبس:17 - 32)، من الذي يقدر على ذلك؟
أولاً خلق الإنسان من نطفة مهينة حقيرة، من خلية من خلايا هذه النطفة، ثم تدرج هذا الإنسان في مدارج الأطوار التي مر بها حتى خرج بشراً سوياً سميعاً بصيرا، ثم أخذ بعد ذلك ينمو شيئا فشيئا وتنمو معه مداركه وتنمو معه قواه وتنمو معه مشاعره وأحاسيسه إلى أن وصل إلى حيث وصل.
ثم إن الله تبارك وتعالى يسّر له العلم فعلمه ما لم يكن يعلم، ثم بعد ذلك أن الله تبارك وتعالى هيأ له الرزق الذي يقتات به، وهذا الرزق يمر عبر حلقات كثيرة فإن الله تبارك وتعالى هيأ نزول الأمطار، وجعل في هذه الأرض خاصية النبات، وجعل فيما ينزل عليها من الغيث خاصية الإنبات، فتنبت الأرض بمشيئة الله سبحانه وتعالى، ثم إن هذا النبات يسخر الله تعالى له أيدي لتخدمه، تخدمه أيد كثيرة ويمر بمراحل عديدة حتى يكون طعاماً مهيأً لهذا الإنسان مع ما جعله الله تعالى من طبيعة هذا الكون سببا لوصول هذا الطعام إلى حيث وصل أو وصول هذا النبات إلى حد يكون طعاماً صالحاً لتغذية جسم هذا الإنسان، مع الوسائل الأخرى الكثيرة ووجود الأيدي التي تخدم مصلحة هذا الإنسان أي التي سخرها لذلك حتى وصل هذا الطعام إليه وتغذى به. (2/403)
صفحة 890
هذا ونجد أن الله سبحانه وتعالى يسّر للإنسان ما كانت حاجته إليه أدعى بدون كلفة وبدون مشقة. فالإنسان أحوج ما يكون إلى النفس، وهذا الأوكسجين مهيأ له في جميع أحواله، يستنشقه في حركته وفي سكونه وفي يقظته وفي نومه وفي راحته وفي تعبه وفي شدته وفي رخائه وفي فرحه وفي حزنه في جميع أحواله، يستنشق هذا الأوكسجين ليتغذى به ولينتعش به، فلو أن الله تعالى قطع عنه الأوكسجين من الذي كان يأتي به؟
ومع ذلك لا يكلفه ذلك أي مئونة، ولا يكلفه ذلك أي مغرم، فهو يستنشقه حتى وهو نائم بحيث لا يشعر أبداً.
وكذلك إذا جئنا إلى ما بعد ذلك فالماء فالجسم بحاجة إليه، وحاجته أقل من حاجة الهواء، وقد جعل الله سبحانه وتعالى الماء ميسراً أكثر من الطعام، ولكن هو أقل يسراً من الهواء، فهو ليس كالأوكسجين في يسره، فيحتاج إلى بعض العناء حتى يتناوله الإنسان، ثم يأتي بعد ذلك الطعام، ثم يأتي بعد ذلك الدواء.
وقد جعل الله سبحانه وتعالى ما في هذه الأرض مخلوقاً لمصلحة الإنسان، وقد امتن بذلك عندما قال (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة: من الآية29)، وقال (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْه) (الجاثية: من الآية13)، فالكون بأسره يخدم هذا الإنسان فلذلك كان جديراً بهذا الإنسان أن يذكر هذه الألطاف التي تغمره من قبل الله سبحانه وتعالى، وبذلك يكون راضياً عن تجليات الحق من خلال أفعاله سبحانه وتعالى التي تتعلق بهذا العبد نفسه، فلا يسخط على الله سبحانه لأجل أي شدة يلقاها من أي ناحية من النواحي بل يكون دائم الرضا، وهذا الرضا هو الذي يجعله قرير العين، ولعل هذه الشدة مع رضاه بها، وعدم استنكاره لما جاءه من قبل الله تكون عاقبتها عاقبة حسنة، وتنقلب بعد ذلك إلى رخاء، وتنقلب إلى لطف، (وعند الصباح يحمد القوم السرى).
السؤال (4) (2/404)
صفحة 891
شخص لا يمتلك مالاً لكن له دين على شخص يبلغ النصاب فهل يزكيه وهو لا زال في ذمة المدين أم ينتظر حتى يستلمه؟
الجواب:
الدين لا يخلو إما أن يكون ديناً حاضراً وذلك بأن يكون من أصله غير مؤجل إلى أجل معين، أو أن يكون ديناً مؤجلاً وقد حضر أجله، وإما أن يكون غير حاضر الأجل أي أن يكون ديناً مؤجلاً إلى ميقات زمني معين ولم يحضر ذلك الميقات الزمني، فإن كان هذا الدين غير حاضر، وذلك بأن يكون مؤجلاً إلى وقت لم يحضر ذلك الوقت فإنه لا زكاة على الدائن فيه، وإنما زكاته على المدين إن كان عنده من النقد أو من المال الذي يزكى، إذ لا يجب على المدين وفاؤه في ذلك الوقت، والدائن ليس له أن يتقاضى المدين هذا الدين.
فالمنتفع هو المدين وليس الدائن، فزكاته على المدين إن كان عنده - أي كانت موجودة عنده سيولة أو تحول مثلاً على تجارة ونحوها-.
أما إن كان هذا الدين حاضراً فزكاته على الدائن ولكن بشرطين:
أن يكون المدين وفياً، بحيث لا يكون مماطلاً ممتنعاً عن الوفاء
وأن يكون ملياً، أي قادراً على الوفاء بحيث لا يكون معدما، فإن كان معدماً فإنه لم تبق عنده عين حتى تزكى، عين المال غير موجودة وإنما هي في الذمة وصاحب الذمة ليس عنده شيء، فلذلك لا يكون عليه شيء إن كان المدين غير وفي أو كان غير ملي.
وإنما عليه أن يزكيه إن كان حاضراً بشرط أن يكون المدين وفياً مليا، والله تعالى أعلم.
السؤال (5)
الملابس التي تغسل مع بعضها وفي بعضها نجاسة هل تؤثر على الملابس الطاهرة؟
الجواب:
أولاً هذا التغسيل أليس هو يأتي على جميع ما في هذه الملابس من النجاسات؟! فإن كان يأتي على جميع ما في الملابس من النجاسات ولا تبقى لها عين ولا يبقى لها أثر إذاً تكون طاهرة، ولو انتقلت هذه النجاسة إلى الملابس الأخرى لكن تطهر من الجميع بعامل هذا التغسيل. (2/405)
صفحة 892
ومما يجب أن يتنبه له أن النجاسة تطهيرها أمر معقول المعنى، ومعنى كونه معقول المعنى أنه إنما هو لأجل علة ظاهرة بينة، فلذلك إنما يزول حكم النجاسة بزوالها، فإذا زالت النجاسة ولو بفعل غير إنسان فالنجاسة لا يبقى لها حكم.
فلو أن أحداً تنجس ثوبه، وتركه في مكان حتى زال اثر النجاسة، فإن ذلك الثوب يكون طاهراً.
ولو قدرنا أن الإنسان تنجس ثوبه، وألقاه في مكان وإذا بترعة من الماء تجري هناك وتأتي على ما في هذا الثوب من النجاسة فإنه يكون في هذه الحالة قد طهر ولا يحتاج إلى أن يغسله من جديد صاحبه. وكذلك ما كان من نحو ذلك.
وهكذا إذا كان الإنسان الذي غسّل هذا الثوب غسّله بغير نية، بحيث إنه مثلا ًما كان عارفاً بأن ثوبه تنجس ولكن غسّله لأجل التنظيف فقط وزالت النجاسة ففي هذه الحالة لا يحتاج أن يعيد غسله لأن حكم النجاسة كما قلنا هو معقول المعنى.
والشيء الذي هو غير معقول المعنى هو الذي لا تظهر حكمته أي هو خفي، كالوضوء لماذا خص الله تعالى أعضاء معينة بغسلها وتنظيفها عند القيام إلى الصلاة، وكذلك بالنسبة إلى الحدث الأكبر كالحيض والنفاس والجنابة فإن هذه أيضاً تدخل في حكم الأمر الذي هو غير معقول المعنى فتحتاج جميعاً إلى النية، إذ الإنسان يفرز جسده إفرازات هي أنجس من هذه الإفرازات التي تؤدي إلى وجوب الغسل ومع ذلك لا يجب عليه أن يغسل جميع بدنه، فلماذا خصت هذه الإفرازات بهذا الغسل، ثم قد يكون من غير إفراز شيء مجرد التقاء الختانين ما بين الرجل والمرأة يجب عليهما الغسل جميعاً، لماذا ذلك؟ هذه حكمة يعلمها الله سبحانه وتعالى.
فلذلك كان غسل الجنابة يتوقف على النية، وكذلك الغسل من الحيض يتوقف على النية، وكذلك الغسل من النفاس يتوقف على النية، أما ما عدا ذلك أي لأجل إزالة نجاسة عالقة بالجسد أو عالقة بالثوب أو نحو ذلك فإن مجرد زوال النجاسة يكون قد أتى على حكمها. (2/406)
صفحة 893
وقد يتصور جهلة الناس وعامتهم أن الثوب الذي كان على جسد الإنسان عندما يواقع أهله تصيبه الجنابة أيضا، أي ما يقوم بالبدن من حكم الحدث الأكبر يقوم بالثوب أيضاً فيكون الثوب جنباً ويجب تغسيله كما يجب غسل البدن، وكذلك إذا كانت المرأة حاضت وعليها ثياب فإن هذه الثياب يجب تغسيلها عندما تطهر، هذا كلام غير صحيح، فإن الجنابة لا تتعلق بالثوب، وكذلك الحيض لا يتعلق بالثوب فالنبي صلى الله عليه وسلّم كان يواقع أهله ويصلي بالثوب الذي واقع به، أي إذا كان عليه عندما واقع من غير أن يغسّله.
وكانت أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن يحض ومع ذلك يصلين بالثياب التي عليهن من غير أن يغسلنها فيما بعد، أي بعد طهرن من الحيض، فهذا مما يدل على أن الجنابة والحيض لا يتنقل حكمهما إلى الثياب.
نعم لو أصاب الثوب شيء من المني، أو شيء من دم الحيض، أو شيء من دم النفاس فإنه في هذه الحالة يغسل الموضع الذي أصابه الدم أو أصابته النطفة فحسب، والله تعالى أعلم.
السؤال (6)
البعض يأخذ ملابسه ليغسلها في مغسلة يعمل فيها مجوسي أو غير مسلم، وبعد أن يغسلها يجففها ثم يقوم بكيها ففي هذه هل تعتبر تلك الثياب طاهرة؟
الجواب:
هناك خلاف في رطوبات المشركين هل هي طاهرة أو غير طاهرة، هذه قضية فيها خلاف نظراً إلى الاختلاف في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) (التوبة: من الآية28)، هل هذه النجاسة حسية، أو أنها نجاسة معنية، فلذلك يؤمر الإنسان أن يحترز من هذه الناحية ليخرج من عهدة الخلاف مهما أمكنه ذلك، حتى لا تنتقل رطوبات المشركين إلى ملابس المسلم التي يصلي بها ويؤدي بها واجباته، فهذا أمر يجب أن يُحتز منه وأن يُتفطن له.
السؤال (7)
وهل كي المشرك للثياب يطهرها؟
الجواب:
الثياب لا تطهر إلا بالغسل إن أصيبت بنجاسة.
السؤال (8) (2/407)
صفحة 894
رجل اشترى بضاعة قديمة من صديق له وهي في الحقيقة بضاعة رجل آخر متوفى منذ فترة وتكفل هو ببيعها وتفاهموا على الثمن لكنه عندما أخذ البضاعة وجد فيها بعضاً من الذهب، فهل يعيد الذهب إلى صاحبه، ولا يدري هل صاحبه الذي باعه تلك السلعة يعلم بوجود الذهب أو لا يعلم، وكيف يتصرف في هذه الحالة؟
الجواب:
كيف باع الصديق هذه البضاعة؟ ومن الذي مكّنه من بيعها وهي بضاعة لغيره؟ فإن كان أميناً للورثة فلا حرج بيعه إياه، أو كان محتسباً بحيث خشي عليها الضياع فباعها من أجل المحافظة على ثمنها حتى يأخذ ثمنها إلى هؤلاء أيضاً لا حرج في ذلك، على أن يكون البيع بيعاً عادلاً، بثمن عادل، لا غبن فيه على هؤلاء الورثة.
وإن كان بخلاف ذلك فالأصل أنه ليس للإنسان أن يتصرف في مال غيره فيبيع مال غيره، إنما يباح له أن يبيع ماله، وأن يبيع المال الذي وكّل من بيعه إما بتفويض من مالكه أو بسبب مراعاة لمصلحة فيه واحتسابه في ذلك، هذا هو الذي يباح للإنسان أن يتصرف فيه أما ما عدا ذلك فلا.
فإن كان باع هذا المبيع بسبب مراعاته لمصلحة هؤلاء الورثة، أو بسبب تفويضهم إياه في بيعه فلا حرج في ذلك، ولكن إذا كان وقع شيء مما لم يُتفق على بيعه في ضمن البضاعة التي بيعت كالذهب المشار إليه فإنه في هذه الحالة على المشتري أن يرد هذه العين التي اندست ما بين البضاعة المبيعة، إما أن يردها بعينها، أو يتفق مع بائعها على ثمن جديد لها، إذ مما يطمئن إليه أن البائع لو كان عارفاً بوجود هذا الذهب في تضاعيف هذه البضاعة لزاد في ثمنها ولاشترط وجود الذهب في ذلك حتى يزيد المشتري في الثمن. من المعلوم ذلك.
السؤال (9)
في أسبانيا هناك من صام يوم الأحد متابعة لبعض الدول وهناك من صام يوم الاثنين متابعة لدول أخرى، إذا كان العيد في يوم الاثنين فكيف يصنع، إذا صاموا تسعة وعشرين يوماً هل يجب أن نفطر يوم العيد أم ماذا يجب أن نصنع؟
الجواب: (2/408)
صفحة 895
العبرة برؤية الهلال في ذلك البلد الذي هم فيه، ولا عبرة برؤية الهلال في الأماكن البعيدة، لأنهم متعبدون بحسب ثبوت الرؤية في نفس ذلك البلد، وإن تعذر ثبوتها هنالك لسبب أو لآخر فإنهم عليهم أن ينظروا لأقرب دولة إسلامية إليهم بحيث تكون متاخمة لهم أو محاذية لهم فيأخذوا برؤيتها، والله تعالى أعلم.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
28 رمضان1424هـ 23/ 11/2003م
السؤال (2)
ورد في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلّم عندما ينطلق لصلاة العيد يسلك طريقاً وعندما يعود يسلك طريقاً آخر، فهل هناك حكمة معينة في هذا؟
الجواب:
هذه أعمال قد تخفى علينا الحكمة فيها إن لم ينص على الحكمة، فلذلك نحن نقف عند حدود ظاهرها، وقد يكون في ذلك أيضاً تذكير للإنسان لأن المسلم في كل موقف يقفه وفي كل مسلك يسلكه عبرة وعظة، ولعل هذا الأمر فيه أيضاً تذكير بالانصراف عن هذه الدنيا، فالإنسان في هذه الحياة الدنيا كأنما دخلها من باب وخرج عنها من باب آخر.
السؤال (3)
هل هناك صيغة معروفة وردت عن النبي صلى الله عليه وسلّم في التهنئة بالعيد؟
الجواب:
التهنئة بالعيد تختلف باختلاف الأعراف وباختلاف اللغات، فلا تنحصر في صيغة معينة، وإنما يسأل الإنسان ربه سبحانه وتعالى أن يعيد هذه المناسبة على أخيه المسلم بالخير والبركة وباليمن ففي هذا إن شاء الله ما يثلج صدره وما يقر عينه.
السؤال (4)
هناك خلاف يثور حول المصافحة هل تكون قبل الصلاة أم بعد الصلاة، فهل مثل هذه الخلافات مجدية؟
الجواب:
هذه أشياء جزئية لا داعي للخلاف فيها، وينبغي أن تؤخر المصافحة إلى ما بعد الصلاة بحيث يسارع الكل أولاً إلى الصلاة، ثم بعدما ينفلتون من صلاتهم يصافح بعضهم بعضاً لأن الفرحة تتجدد بسبب ما وفقوا له من ذكر الله تبارك وتعالى.
السؤال (5)
المرأة التي تبين لها أن صلاة العيد سنة مؤكدة هل عليها أن تعيد جميع صلوات العيد في السنوات الماضية؟
الجواب: (2/409)
صفحة 896
لا، وإنما يكفيها أن صلى المسلمون وشاركوا في هذه الصلاة وحسبها ذلك.
السؤال (6)
خروج المرأة لصلاة العيد كيف يكون؟
الجواب:
هي من السنة. من السنة أن تخرج، لكن تخرج المرأة كما تخرج في سائر الصلوات غير متبرجة بزينة ولا متطيبة بما يشد انتباه الرجال إليها.
السؤال (7)
هل الوعي في هذا العصر كافٍ لتطبيق هذه السنة؟
الجواب:
عند الواعيات المؤمنات نعم.
السؤال (8)
من يصلي العيد هل يكفيه ذلك عن صلاة الضحى؟
الجواب:
في ذلك اليوم من السنة أن لا يصلي الإنسان إلا صلاة العيد، لا يصلي صلاة الضحى وإنما يصلي صلاة العيد وحسبه ذلك كما فعل النبي صلى الله عليه وسلّم إذ لم يصل قبل صلاة العيد ولا بعد صلاة العيد.
السؤال (9)
هناك حديث قدسي يقول: من عصاني يوم العيد فكأنما عصاني يوم الوعيد، فهل هذا صحيح؟
الجواب:
يوم الوعيد ليس هو يوم عصيان وإنما هو يوم جزاء، ومعصية الله تبارك وتعالى شؤم على صاحبها في أي يوم من الأيام، لا ريب أن أوقات الفضل التي يتضاعف في الأجر والأماكن المفضلة التي يضاعف في الأجر يضاعف فيها أيضاً وزر الذين يزرون الأوزار، فشهر رمضان المبارك مثلاً هو شهر فضيل تضاعف فيه الأجور، فمن أتى فيه المعاصي كانت هذه المعاصي مضاعفاً وزرها عليه، كما أن الإنسان الذي يبقى في مكة المكرمة ويقارف معاصي الله تضاعف أوزاره على تلكم المعاصي في ذلكم الحرم لأنه في حرم الله، فهكذا الأيام المفضلة يضاعف وزر الأعمال السيئة التي يعملها الإنسان فيها كما يضاعف أجر الأعمال الصالحة. وعلى الإنسان دائماً أن يكون حذوراً من معصية الله، فإن معصية الله شؤم عليه وعلى أمته، والله تعالى المستعان.
السؤال (10)
أحيينا سنة التكبير ونحن نخرج لصلاة العيد ولكن بقيت هناك عادة أخرى لم نتمكن من التغلب عليها بعد وهو أن الناس عندما يعودون من صلاة العيد يعودون وهم يدقون الطبول ابتهاجاً بذلك اليوم، فما قولكم؟
الجواب: (2/410)
صفحة 897
هذه عادات تختلف باختلاف وعي الناس وقدرتهم على الفكاك من أسر ما ألفوه من قبل، فينبغي أن يوعّى الناس بأن البهجة إنما تكون باستدامة ذكر الله تبارك وتعالى وطاعته والتقرب إليه بأنواع القربات.
السؤال (11)
ما حكم صلاة العيد للمسافر؟
الجواب:
المسلم أينما كان يشارك إخوانه بهجة العيد، ويحضر معهم الصلاة ويسارع معهم إلى الطاعة، ويحرص معهم على ذكر الله تبارك وتعالى.
وصلاة العيد اختلف فيها هل واجبة على الكفاية أو أنها سنة مؤكدة، ومهما قيل من وجوبها فإن ذلك إنما هو بفعل النبي صلى الله عليه وسلّم وملازمته لها، وهذا الوجوب لم يكن وجوباً عينياً نظراً إلى أن النبي صلى الله عليه وسلّم لم يكن يؤاخذ الناس بها إن لم يحضروها، ولم يأت وعيد من قبله في حق من تخلف عنها، ولكن المسلمين بملازمتهم إياها جسّدوا الحكم الشرعي في المحافظة على هذه الشعيرة المقدسة، فينبغي للإنسان أن يحافظ عليها، وأن لا يفرط فيها مع إمكانه.
السؤال (12)
في أوروبا كثير من المسلمين يقبلون على الصلاة ويحافظون على الطاعات في رمضان ولكن بعد انقضاءه يكون هناك انحسار واضح بالإضافة إلى أن عدداً كبيراً من المسلمين في أوروبا معرفتهم بالإسلام وحتى بالشهادتين قليلة، فما هي نصائحكم لهم؟
الجواب:
نصيحتي لهم بأن يتقوا الله، وأن يحرصوا على التفقه في دين الله ومعرفة أحكامه، واستبانة الحق من كتابه ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلّم، فإنهما المعيار الذي يميز به بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال وبين الرشد والغي.
والله تبارك وتعالى لم يخلق الإنسان هملا، ولم يتركه سدى، بل خلق لتحمل أمانة عظيمة، هذه الأمانة لا يمكن أن يتحملها إلا عندما يكون موصولاً بربه سبحانه، ولا تكون هذه الصلة إلا من خلال معرفته بربه تعالى ومعرفته باليوم الآخر ومن خلال العبادة الصحيحة التي يؤديها. (2/411)
صفحة 898
فلذلك نحن ندعو جميع المسلمين سواء في بلاد الغرب أو في غيرها من أرض الله تبارك وتعالى، أن يحرصوا على أن يعرفوا الله تبارك وتعالى كما تجب معرفته بأن يعرفوه إلهاً واحداً فرداً صمداً ما اتخذ صاحبة ولا ولدا، وأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأنه الإله الحق المتفرد بالألوهية والربوبية، وأنه سبحانه وحده له حق الطاعة المطلقة بحيث يطاع في كل شيء ولو أدى ذلك إلى مخالفة كل من سواه، فإن طاعة الله تبارك وتعالى فريضة لازمة على العباد، والاستعداد لليوم الآخر، يوم المنقلب الذي لا يدري الإنسان متى ينتقل إليه، إذ هذه المرحلة التي هو فيها على ظهر هذا الكوكب المظلم إنما هي مرحلة عبور، وهي مرحلة عمل لينقلب إلى الجزاء في اليوم الآخر، فلذلك عليه أن يحرص على الاستعداد لذلك اليوم بحيث يعمل من الصالحات قدر مستطاعه لينقلب إلى الدار الآخرة بزاد من تقوى الله تبارك وتعالى.
وندعوهم إلى أن يحرصوا على التفقه في دين الله، فإن الله لا يعبد بالجهل وإنما يعبد بالعلم، ولذلك كان لزاماً على الإنسان أن يسأل عن ما يلزمه، وأن يسأل عن أي شيء مما يتعلق بدينه، يسأل عن الواجبات كيف هي، وعن المحظورات ما هي، وعن المباحات ما هي، وعن المندوبات وعن المكروهات ليسارع إلى إتيان الواجبات، وليسارع إلى الازدجار عن المحرمات، وليسارع أيضاً إلى فعل المندوبات بقدر مستطاعه، وليسارع إلى اجتناب المكروهات قدر مستطاعه، وليأخذ من المباح قدر حاجته. (2/412)
صفحة 899
هكذا ينبغي للإنسان أن لا يقدم على أمر إلا وهو على بينة منه بحيث يكون على بصيرة في دينه يعرف ما الذي يأتيه وما الذي يذره، ومهما أشكل عليه من أمر فإن عليه أن يتوقف فيه حتى يستبين رشده فالله تبارك وتعالى يقول (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الاسراء:36)، والنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعرفهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب.
والقلب من المعلوم أنه يتأثر بمعاصي الله، فالقلب يفسد بمعصية الله تبارك وتعالى، فالحق سبحانه وتعالى يقول (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (المطففين:14)، وقد جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم من طريق أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم: إذا أذنب العبد الذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع وتاب واستغفر صقل، وإن هو عاد زادت حتى تملأ قلبه فلذلكم الران، ثم تلا صلى الله عليه وسلّم قوله تعالى (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (المطففين:14)، فهذا دليل على أن القلب يتأثر بالذنب. (2/413)
صفحة 900
ونحن نرى أن الله سبحانه وتعالى بيّن أن النجاة لمن جاء بقلب سليم إذ قال سبحانه وتعالى (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء:88 - 89)، كذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى وعد الجنة من جاء بقلب منيب، فلذلك ينبغي للإنسان أن يحرص على تنظيف قلبه وإبعاده من أثر المعاصي وذلك بتوبته من كل معصية، فإن وقع في معصية سارع إلى التوبة والإقلاع عن الغي الذي كان عليه حتى تتحول صفحته من السواد إلى البياض ومن الظلمات إلى النور، لتكون صفحة بيضاء مشرقة بإذن الله سبحانه وتعالى.
فهكذا ندعو إخواننا المسلمين سواء في أوروبا أو في غيرها وأخواتنا المسلمات إلى التزود من العلم النافع الذي يقربهم إلى الله زلفى، ولا ريب أن الخير كل الخير في التفقه في دين الله، ولذلك جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين. لأن التفقه في دين الله هو مناط الاستقامة على الرشد واتباع سواء الصراط، فإن الذي يكون غير فقيه في دين الله ولو تعبد وتحنث يأتي بما يأتي من الأعمال وهو جاهل بأحكامها فيتخبط تخبط العشواء، لا يميز بين حق باطل ولا بين هدى وضلال ولا بين صلاح وفساد.
فعلى الإنسان أن يحرص على التفقه في دين الله بقدر مستطاعه، وهذا ما ندعو إليه جميع إخواننا المسلمين وأخواتنا المسلمات، والله تعالى ولي التوفيق.
السؤال (13)
كلفني أحد الأخوة بتوزيع زكاة أمواله وذلك لكوني على علم ومعرفة بأحوال الناس في البلد من الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، فأقوم بتوزيع جزء من الزكاة والاحتفاظ بالآخر لحين مناسبات أخرى مثل الأعياد وبداية موسم المدارس حيث يكونون أشد حاجة إليها، فهل آثم على ذلك لعلمي بعدم جواز تأخير الزكاة عن موعدها، مع العلم بأن مخرج الزكاة يكون على علم بالأمر أحياناً؟
الجواب: (2/414)
صفحة 901
إن كانت في ذلك مصلحة متعينة وكنت تكتب على الظرف الذي تكون فيه هذه الأموال بأن هذه زكاة بحيث تؤدى عنك بعد موتك - لو مت قبل أدائها - فلا حرج في ذلك مع مراعاة هذه المصلحة، والله تعالى الموفق.
السؤال (14)
أعلنا قبل الصلاة عن وجود صندوق تبرعات للمسجد وبعد نهاية الصلاة أعلنا عن محاضرة عن زكاة الفطر تكون أيضاً بعدها صناديق قد أعدت لجمع زكاة الفطر، لكن الناس الذين لم ينتظروا المحاضرة خرجوا قبل ذلك ووضعوا النقود في الصناديق الخاصة بالمسجد وهم يقولون هذه زكاة الفطر، صار هناك خلط، فماذا يصنعون؟
الجواب:
في هذه الحالة لا بد من أن ترد هذه الأموال إلى الزكاة، فمن دفع لذلك الصندوق فعليه أن ينبه بأنه دفع لقصد الزكاة ولم يدفع لقصد التبرع للمسجد حتى تعطى الزكاة حقها ويعطى المسجد حقه، وعليهم أن يبينوا ما الذي دفعوه، والله تعالى أعلم.
السؤال (15)
من كان يصلي خلف الإمام لكنه سها فسلّم قبل الإمام، ماذا عليه؟
الجواب:
في هذه الحالة يعود إلى صلاته مع الإمام حتى يسلم الإمام فيسلم معه.
السؤال (16)
هل دخول الصابون في العين له تأثير على الصيام؟
الجواب:
ما أظن أن الصابون بهذه السرعة ينتقل إلى الحلق ثم إلى الجوف، إنما يبقى في شؤون العين، وليس هو كالسوائل التي هي سريعة الانتقال.
السؤال (17)
ما حكم ابتلاع الطعام العالق بين الأسنان إذا ابتلعه الصائم؟
الجواب:
يؤمر أن لا يبتلعه، ويؤمر الصائم أن يتخلل، أن يخلل أسنانه قبل الفجر حتى لا يبقى فيها شيء من الطعام.
السؤال (18)
ما حكم حرق الحيوانات بعد موتها؟
الجواب:
ليست هنالك مثلة، فلا مانع منه، فقد يشوى اللحم، وهذا من جملة الإحراق، وكذلك قد تكون بعض الحيوانات بقاؤها يسبب ضرراً كالحيات بعدما تقتل فإنها أولى أن تحرق خشية أن تكون في بطونها أجنة وتخرج هذه الأجنة وتضر بالناس، كل من ذلك لا بد من مراعاته.
السؤال (19) (2/415)
صفحة 902
بعض الناس يطلقون أغنامهم للأكل من بيوت الناس، وعلى الرغم من نصحهم إلا أنهم لم يصغوا إلى ذلك، وإذا جاء وقت العيد حبسوها للذبح، فما هي نصيحتكم لهؤلاء؟
الجواب:
نصيحتي لهم أن يتقوا الله، وأن يتجنبوا الإضرار بالناس، وليس لأحد أن يضر الناس لا بنفسه ولا بدابته ولا بأي شيء، وأموال الناس مصونة كما أن أعراضهم مصونة ودمائهم مصونة، فكل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، والله تعالى أعلم.
السؤال (20)
هل يؤثر التخدير الموضعي على الصيام؟
الجواب:
لا، لا يؤثر.
السؤال (21)
سمعت بأن التكبير يكون ليلة عيد الفطر حتى انقضاء صلاة العيد، فما صحة هذا الكلام؟
الجواب:
هذا مما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حق على من رأى هلال عيد الفطر أن يكبر الله تعالى حتى يخرج الإمام إلى المصلى.
السؤال (22)
شخص وضع مرهماً في لسانه بالليل لالتهاب بها بنية إزالته عند السحور فقام بعد طلوع الفجر، فما حكم صومه؟
الجواب:
هذا لم يفرط في صيامه لأنه كان ناوياً إزالة هذا المرهم، ونرجو أن لا يكون ولج إلى حلقه منه شيء، فلا حرج إن شاء الله في ذلك عليه.
السؤال (23)
حصل خلاف في توزيع زكاة الفطر حيث كان الجد يريد أن يتولى دفع الزكاة بنفسه عن الذين جاءوا لزيارته لكن الجدة هي التي تريد أن تتكفل بها، فهل هناك من حرج في ذلك؟
الجواب:
أي منهم دفعها فإن الله تعالى يتقبل، ومن أحسن أحسن الله تعالى إليه، ولا ينبغي أن يكون تنازع بين الطرفين في ذلك.
السؤال (24)
امرأة أفطرت عشرة أيام من رمضان وأرادت أن تصوم الست من شوال، فهل تطالب أن تقضي ما عليها من رمضان أم لها أن تصوم؟
الجواب: (2/416)
صفحة 903
كثير من العلماء قالوا بأن من كان عليه صيام واجب فلا يصوم المندوب حتى يصوم الواجب، هذا كلام طائفة من أهل العلم، وليس هنالك دليل على هذا حتى نستند إليه ونقول به، بل وجدنا من الدليل ما ربما يدل على خلافه، فإن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها يكون عليها الصيام ولا تقضيه إلا في شهر شعبان وذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم، وليس من المعقول أن تبقى أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها خلال فترة عام كامل لا تتقرب إلى الله تعالى بصوم نافلة، ليس ذلك من المعقول، فهي ما كانت لتفوت الأيام التي فيها الفضل كالست من الشوال وتسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وغيرها من الأيام التي يفضل فيها الصيام كالثلاثة الأيام من كل شهر ما كانت لتفوت ذلك وتبقى هكذا، والذي يترجح في النفس أنها كانت تصوم، وكون النبي صلى الله عليه وسلّم يقرها على تأخير القضاء إلى شهر شعبان دليل على أنه لا مانع من صوم النافلة قبل قضاء الفريضة الواجبة، والله تعالى أعلم.
السؤال (25)
امرأة تسئل عن كيفية صلاة العيد؟
الجواب:
صلاة العيد اختلف فيها على أكثر من اثني عشر وجهاً، ولا ينبغي أن يكون الاختلاف فيها مثار شقاق ونزاع، فكل من أخذ بوجه من هذه الوجوه فهو آخذ بوجه حق إن شاء الله، ولتصل كما يصلي الإمام، ولتتبع إمامها الذي تأتم به، ولا داعي إلى التنقير والانتقاد في هذه المسألة لأنها مسألة رأي، ومسألة الرأي الاختلاف فيها موسع وهو أرحب من رحاب الفضاء بخلاف مسائل الدين وهي مسائل قطعية فإن الاختلاف فيها أضيق من سم الخياط.
السؤال (26)
ما قولكم بعض الشباب يحاولون أن يغيروا مثلاً ما اعتاد الناس عليه في بلادهم من كيفية صلاة العيد؟
الجواب:
هذه مسائل لا ينبغي أن يثار فيها الجدل وتكون سبباً للخلاف والشقاق.
السؤال (27)
صيام الست من شوال هل يشترط فيها التتابع أم يجوز تفريقها؟
الجواب: (2/417)
صفحة 904
يجوز كلا الوجهين، يجوز أن تصام بعد العيد مباشرة أي بعد أول يوم من أيام العيد، ويجوز أن تؤخر إلى آخر الشهر، وأن تصام في وسط الشهر، وأن تصام مجتمعة، وأن تصام متفرقة، كل ذلك جائز.
السؤال (28)
أنا رجل متزوج منذ شهور معدودة وعند معاشرتي زوجتي أقوم بغسل موضع المعاشرة فقط لكنني علمت أن الطهارة لا تكتمل إلا بالاغتسال كاملاً، فأرجو أن تذكروا لي كيفية الطهارة بالشكل الصحيح، وهل هناك كفارة معينة بالنسبة إلى الأيام التي لم أغتسل فيها في رمضان، وما الكفارة التي تجب على زوجتي عندما بأنها حامل ولا تستطيع الصوم؟
الجواب:
هذا من الجهل، ونعوذ بالله تعالى من الجهل، على الإنسان أن يتعلم مسائل دينه.
الغسل من الجنابة لا بد فيه من تعميم الجسد كله بالماء، يتمضمض الإنسان ويستنشق بعد غسل موضع النجاسة، ثم يغسل رأسه، ثم يعمم جسده جميعاً بالماء، ويتتبع مغابن جسده أي الأماكن التي لا يصل إليها الماء بسهولة كالإبطين والسرة والرفغين وغيرها من الأماكن التي تحتاج إلى أن يتتبعها الإنسان بيده حتى يصلها الماء مع تعميمه الجسد بأسره بالماء وعدم إبقاء ولا شعرة واحدة إلا وقد أصابها الماء.
وعليه قضاء ما صلاه بدون غسل من الجنابة، وكذلك على القول الذي نأخذ به ونعتمد عليه، عليه قضاء ما صامه وهو على جنابة وكذلك امرأته، والله تعالى أعلم.
السؤال (29)
ما هي القيمة الروحية والاجتماعية التي تصبغها صلاة العيد على الناس؟
الجواب: (2/418)
صفحة 905
صلاة العيد فيها صلة بالله، لأن العباد مهما كانوا في فرحة وبهجة عليهم أن لا ينسوا حق الله تبارك وتعالى، وأن لا ينسوا شكر الله الذي أنعم عليهم بنعمه الظاهرة والباطنة، وعليهم أن يحاسبوا أنفسهم على تقصيرهم في حق الله سبحانه وتعالى، فصلاة العيد توحي بهذه الصلة التي تشد الإنسان إلى طاعة ربه سبحانه وتعالى، ومع ذلك أيضاً الناس يجتمعون في ظلال العبودية لله بحيث تكون فرحتهم مصبوغة بالصبغة الدينية لا تكون فرحتهم فرحة بهائم، يرتعون كالبهائم، وإنما يصطبغون بصبغة الله صبغة الحق (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً) (البقرة: من الآية138)، فهم يصطبغون بصبغة التوحيد بالتوجه إلى الله تبارك وتعالى بالعبادة والرغبة فيما عنده، والتوكل عليه والإنابة إليه واستغفاره وتكبيره وتعظيمه وتهليله، ليكون في ذلك كله وصل لهم بالله سبحانه لئلا يكونوا قد انطلقوا بعد رمضان المبارك من طاعة الله سبحانه ورتعوا في الشهوات والموبقات كما يريد لهم الشيطان، إنما عليهم دائماً أن يكونوا حريصين على البقاء في حدود الله من غير تجاوزها، والله تعالى المستعان.
السؤال (30)
ما معنى الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا) (البقرة: من الآية104)؟
الجواب: (2/419)
صفحة 906
كلمة (راعنا) كلمة كان المسلمون يقولونها للنبي صلى الله عليه وسلّم طلباً لرعايته لهم ولطفه بهم وتوجيهه إياهم، واستغلها اليهود لأنها في لغتهم توحي بمعنى الرعونة، بمعنى التنقيص من قدر الذي تقال فيه، فكانوا يقولونها للنبي صلى الله عليه وسلّم بقصد تنقيصه، فمُنع المسلمون من أن يقولوها لئلا يفتحوا المجال لليهود ليعبثوا بمقام قدره صلى الله عليه وسلّم، وفي هذا ما يدل على أن الإسلام جاء بسد ذرائع الفساد، فالشيء وإن كان في ذاته حقاً إلا أنه يمنع أحياناً بسبب ما يؤدي إليه من مفسدة، فمُنع المسلمون من أن يقولوا ذلك لئلا يفتح باب الفساد لليهود فيعيثوا فساداً بما يقولونه في حق النبي صلى الله عليه وسلّم مما يتنافى مع عظيم قدره وعلو شأنه.
السؤال (31)
امرأة تقول منذ فترة كان الوسواس يراودني في الصلاة وكنت أردد الآيات وخاصة سورة الفاتحة ولكن الله تعالى شفاني من هذا الوسواس، ولكنه يراودني بين الحين والآخر حتى أنني أرفع صوتي في الصلاة، فهل يجوز لي أن أرفع صوتي علماً بأنني عندما أفعل ذلك لا يكون أحد في المكان الذي أصلي فيه وأكون أكثر خشوعاً؟
الجواب:
نحن ننصحها بأن لا تكرر ما تقرأه من القرآن لا سيما الفاتحة، ما عدا الفاتحة لا مانع من أن تكرر الآيات الأخرى، أما الفاتحة فلا يكرر منها شيء في الركعة الواحدة، لا يجوز للإنسان وهو يصلي أن يقرأ الفاتحة في الركعة أكثر من مرة، ولا أن يكرر شيئاً من آياتها أكثر من مرة، بل ولا أن يكرر شيئاً من كلماتها أكثر من مرة، فالفاتحة لا تكرر في الركعة الواحدة، إنما التكرار جائز فيما عداها.
أما بالنسبة لرفع الصوت فإننا ننصحها بأن تحرص على خفض الصوت بقدر مستطاعها، وأن تكتفي بإسماع أذنيها ففي ذلك ما يكفي إن شاء الله، وفي ذلك ما يطرد الوسواس عنها، والله تعالى أعلم.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
13 من شوال 1424هـ، 7/ 12/2003م
الموضوع: عام
السؤال (1) (2/420)
صفحة 907
أثناء الوضوء وضع اليد تحت الصنبور والماء يتدفق ويعمها كاملة، فهل يجزي ذلك عن غسلها ثلاثاً؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فالوضوء هو في الحقيقة أمر تعبدي، ولا بد من إسباغ الوضوء بالنسبة إلى الأعضاء المغسولة بحيث يعم الماء العضو كله، وذلك يكفي مرة واحدة إن كانت هذه المرة سابغة، فإن النبي صلى الله عليه وسلّم توضأ مرة مرة وقال: هذا وضوء لا تتم الصلاة إلا به، ثم توضأ مرتين مرتين فقال: من ضاعف ضاعف الله له، ثم توضأ ثلاثاً ثلاثا وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي.
نعم الثلاث هي سنة، وقد قال العلماء بأنه ينبغي أن تكون هذه الثلاث مرتبة بحيث ينوي بالمرة الأولى أنها هي الفريضة من الغسل، وينوي بالمرتين الأخريين أنهما السنة التي تشكل وضوء النبي صلى الله عليه وسلّم ووضوء الأنبياء من قبله.
وإسباغ العضو بالماء يجزي، ولكن مع ذلك علينا أن نتفطن فإن تدفق الماء بطريقة خارجة عن الاعتدال أمر غير محبوب إلى الشرع، ذلك لأن الشرع الشريف إنما يأمر بالاعتدال في كل شيء، وينهى عن الإفراط كما ينهى عن التفريط، فالله سبحانه وتعالى نهى عن الإسراف في الأكل وفي الشرب وفي كل شيء فقد قال (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف: من الآية31)، والنبي صلى الله عليه وسلّم جاء في الحديث عنه أن لبدء الوضوء شيطاناً يسمى الولهان يولع الناس بالإسراف حتى يقعوا في مخالفة السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. (2/421)
صفحة 908
ويؤمر الإنسان أن يقتصد في وضوئه بحيث يكون وضوءه قصداً من غير إسراف، إنما يحرص على الإسباغ ويتجنب التقصير والتفريط، ولكنه مع ذلك يراعي في صب الماء الاعتدال، فإن الماء ثروة، وليست هذه الثروة ثروة فرد، إنما هي ثروة أمة بل هي ثروة الإنسانية بأسرها، بل هي ثروة كل حي، فإن الله تبارك وتعالى جعل الماء ينبوعاً لهذه الحياة، فقد قال سبحانه وتعالى (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ) (الانبياء: من الآية30)، فكل شيء حي خلقه الله تبارك وتعالى من ماء، والماء هو أصل حياته، فالماء إذاً المحافظة عليه إنما هي محافظة على الحياة لأنه قوام لهذه الحياة، وبه تكون حياة الأحياء في وضعها الطبيعي، فلذلك يجب عدم الإفراط في صب الماء، فهذا الذي يفتح الصنبور فيتدفق الماء تدفقاً بغير حساب وهو لا يبالي بذلك حتى أنه يستهلك في وضوئه ما يكفيه للغسل أو أكثر من ذلك هو مخالف للسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فعليه أن يفتح بمقدار بحيث يكون الماء سائلاً وليست متدفقاً، والله تعالى أعلم.
السؤال (2)
ما حكم الزيادة على الثلاث في الوضوء؟
الجواب:
الزيادة على الثلاث هي من البدع، والنبي صلى الله عليه وسلّم قال: من زاد أو نقص فقد ظلم.
السؤال (3)
في بعض الأحيان يشكك البعض في الوضوء، فما الحكم؟
الجواب:
الشك مصدره من الشيطان فإن الشك من الوسوسة، والوسوسة إنما هي من الشيطان، فإن كان أسبغ العضو فليس له أن يشكك. حسبه الإسباغ وكفى.
السؤال (4)
في بعض الأحيان يتزاحم الناس على أماكن الوضوء في مساجد عامة وتحدث زحمة كبيرة نظراً لقرب وقت الإقامة، والبعض يتوضأ على مهله ثلاثاً ثلاثاً بينما يظل البقية خلفه يتميزون من الغيظ رجاء أن يسرع، ففي هذه الحالة ما هي الطريقة المثلى لهذا الرجل؟
الجواب:
الإنسان ولو ثلّث ولكن ليراعي غيره، وليسرع، وليس له أن يتباطأ من أن الغير بحاجة إلى ذلك المكان.
السؤال (5) (2/422)
صفحة 909
تصرف الأب في أموال ولده، ما هو المدى المسموح له، وأين ينتهي؟
الجواب:
الله تبارك وتعالى جعل الصلة بين الأولاد من بنين وبنات من ناحية وبين أصولهم من آباء وأمهات من ناحية أخرى صلة متينة ورابطة قوية، وجعل حقوق الأصول على الفروع حقوقاً عظيمة، فقد قرن الله تبارك وتعالى حق الوالدين بحقه، وجعل طاعتهما وبرهما قرين عبادة الله، فإن الله تبارك وتعالى يقول (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) (الإسراء: من الآية23)، فالإحسان إلى الوالدين قرين عبادة الله سبحانه وتعالى، فلذلك يؤمر الولد أن يبر أباه برا ًمتناهياً، وأن يبر أمه كذلك براً متناهياً، بل بر الأم مقدم على بر الأب بدليل إشارة القرآن وصريح السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فإن الله سبحانه وتعالى يقول (وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً) (الاحقاف: من الآية15)، فبعد أن وصّى بوالديه كليهما ذكر تضحيات الوالدة وما قدمته بحيث حملت هذا الولد كرها ووضعته كرها، وكذلك يقول الله سبحانه وتعالى (وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (لقمان:14)، وهذا مما يجب أن يكون في خلد كل ولد تجاه والديه.
ولكن مع ذلك فإنه لا بد من أن يكون الوالد أيضاً - سواء كان أباً أو أماً - مساعداً لولده على بره، ولكل واحد منهما حقوقه، وعلى كل واحد منهما أن يراعي هذه الحقوق وأن لا يفرط فيها. فالوالد له حقوق، والولد له حقوق. (2/423)
صفحة 910
الولد قد يكون هو بحاجة إلى المال، قد يكون متحملاً تبعة أسرة يتكلف القيام بها وعولها والمحافظة عليها وذلك مما يكلفه جهداً ويكلفه مالاً، فلئن كان كل ما يأتيه من مال، كل ما يكسبه من ثروة يجني عليه الوالد بتبديده فذلك ليس من معاونة الوالد ولده على بره، بل ذلك مما يجعل النفرة والخلاف بينهما، وهذا مما يأباه الشرع الشريف.
نعم قال النبي صلى الله عليه وسلّم في واقعة عندما شكى والد ولده بأنه يعتدي على ماله، وحصل من الوالد ما حصل من التأفف والتضجر من هذه الشكوى بسبب أنه يأخذ من مال ولده للنفقة الضرورية قال النبي صلى الله عليه وسلّم على أثر ذلك: أنت ومالك لأبيك.
وهذا لا يعني أن الأب يتصرف في مال ابنه بيعاً وإتلافاً وهبة كما يشاء، وإنما ينتفع به، هذه إباحة للانتفاع، وليست إباحة للبيع والتصرف والإتلاف، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلّم عطف المال على الولد نفسه، ورقبة الحر لا تملك، فالأب ليس له أن يبيع ابنه، وليس له أن يهب ابنه، فكذلك إذاً ماله إنما ينتفع به ولكنه لا يصرفه بيعاً أو رهنا أو شيئاً من هذا القبيل.
وقد كان أيام العلامة الشيخ أبي نبهان رحمه الله تعالى حصلت قصة، وذلك أن والداً قام على مال ابنته وباعه، فالشيخ أبو نبهان حكم أو أنه أفتى بإبطال ذلك البيع وقال بأن ذلك لا يصح، واستدل بما ذكرناه من العطف، وقال بأن هذا العطف يدل على أن للأب حق الانتفاع فحسب وليس له حق البيع والتصرف.
وقد روي عن العلامة موسى بن أبي جابر رحمه الله تعالى أنه سمّى مثل هذا التصرف باللصوصية، وقال بأن على الناس أن يحذروا ذلك. وعلى أي حال العلماء مختلفون، وأنظارهم متفاوتة، وفي المسألة نحو اثني عشر قولاً للعلماء، منهم من رخص للوالد أن يتصرف في والد ابنه ويبيعه لأجل ضرورته، ومنهم من رخص ذلك لأجل حاجته، ومنهم من رخص له أن يحج بمال ولده، ومنهم ومنهم، ومنهم من ضيّق ذلك وجعل هذا إنما هو في حاجته الضرورية. (2/424)
صفحة 911
ومما ينبغي أن يراعى في هذا بأن يُنظر إلى حال الأب وحال الولد، فإن كان الأب موسرا والولد محتاجاً فيترخص هنا للأب ما لا يترخص فيما إذا كان الأمر بالعكس بحيث كان الأب هو الموسر والولد هو المحتاج، والله تعالى أعلم.
السؤال (6)
البعض قد يتصرف في مال ولده إلى حد يتجاوز الاعتدال فيحدث خصام وشجار بين الأب وابنه ويضطر الابن إلى أن يرافع أباه في المحكمة فهل مثل تصرف هذا الولد صحيح؟
الجواب:
إن استطاع أن يحتمل ذلك فليحتمل، أما إن لم يستطع أن يحتمل ذلك فله أن يرفع، فقد يكون هو كما قلنا متكلف عول أسرة والقيام بمصالحها وهذا من الواجب عليه وإذا بالوالد يحول بينه وبين قيامه بهذا الواجب من خلال تصرفه الأرعن.
السؤال (7)
بعض الآباء يقوم بما يسمونه بالتكافل بين الأبناء فيأخذ رواتب كل ابن من أبنائه ليجمعها معه ثم يقوم بعد ذلك بإعانة الإخوة الذين لم يعملوا بعد أو الذين يحتاجون إلى شيء من الزواج أو المعونة أو ما شابه ذلك، فهل مثل هذا التصرف صحيح؟
الجواب:
هذا الأمر يتوقف على رضا الأبناء أصحاب الرواتب، فإن رضوا بذلك فذلك، وإلا فليس للوالد أن يتصرف بحيث يعطي بعض الأولاد من أموال بعض.
السؤال (8)
في بعض الأحيان يحدث نزاع وشجار في البيت بين المرأة وزوجها ويعلو صوت المرأة بالصياح، ويخمن الجيران أن ضرباً قد وقع على هذه المرأة أو أيذاءً يجعلهم مضطرين إلى التدخل، ولكن الزوج يفاجئهم بأن ذلك شأن بينه وبين زوجته وأنه لا يسمح لهم أن يتدخلوا في شؤون الأسرة، ففي هذه الحالة والمرأة صوتها مسموع وتحرك المشاعر والجيران يريدون أن يتدخلوا لكن الزوج يمانع بهذه الحجة، فما هو الضابط لمثل هذه المسألة؟
الجواب: (2/425)
صفحة 912
المرأة لها حقوق كما أن للرجل حقوقا، والمعتدي يدفع عدوانه ولا يقر على العدوان، فإن اعتدى أحد على امرأته فإنه من الواجب على من عرف هذا العدوان أن يرفع عنها هذا العدوان، وأن يكفيها شره، والجيران هم مطالبون بالتدخل، فمن الضرورة إن أحسوا بأن هنالك عدواناً أن يتدخلوا، ولا يسمح للرجل أن يتصرف أي تصرف بينه وبين امرأته. وقد وقعت قضية في وقتنا نحن، اطلعنا على قضية أن رجلاً ضرب امرأته حتى ماتت، أيقر الإنسان على هذا؟؟ لا، هذا من العدوان الغاشم الذي لا يمكن أن يقر عليه صاحبه، وتغييره من باب تغيير المنكر ومن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنع الزوج من مثل هذا التصرف من الواجب على كل من قدر عليه.
السؤال (9)
البعض يجد حرجاً في سؤال المرأة نفسها وإنما يكتفي بالسؤال ما الذي حدث فيقول هذا صراخاً تصدره المرأة من دون سبب، فهل عليه أن يذهب ليسأل المرأة؟
الجواب:
إذا كان هناك ما يوجب هذا الصراخ. المستصرخ يُصرخ أي يُنجد.
السؤال (10)
حق المرأة في الجوار أين موقعه، أي كيف يحدد؟
الجواب:
المرأة لها من الحقوق على جيرانها ما لهم عليها. المرأة هي نفسها أيضاً مأمورة بأن تطالع جاراتها، وأن تحسن إلى جاراتها، وأن تواسي جاراتها، وكذلك بالنسبة إلى جارتها نفس الشيء بينها وبينهن من الحقوق مثل ما بين الرجال أنفسهم وإن كانت تكاليف المرأة هي أقل بطبيعة الحال من تكاليف الرجل لأن الرجل يقدر على ما لا تقدر عليه المرأة.
السؤال (10)
رجل لفظ لفظة الطلاق على امرأته ولكن أتى بجملة كاملة نطقها عدة مرات قال لها: أنت طالق وتحرمي علي وتحلي لغيري. قال لها ذلك خمس مرات. فما الحكم؟
الجواب: (2/426)
صفحة 913
بئس ما قال، وساء ما صنع، على أي هذه القضية طالما نبهنا عليها، الإنسان أياً كان ليس له أن يحلل ويحرم من تلقاء نفسه، إنما الله تبارك وتعالى وحده هو الذي حلل ويحرم. لقد شدّد الإسلام في ذلك تشديداً بالغاً، فالله تبارك وتعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (المائدة:87)، ويقول سبحانه وتعالى (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) (النحل:116)، ويقول سبحانه وتعالى (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) (الأنعام:140).
وبيّن سبحانه وتعالى أن تحريم الحلال إنما هو من شأن المشركين فهم الذين يعتدون بسبب إشراكهم بالله سبحانه وتعالى على حقوق الله فيبدلون أحكامه ويحرمون ما أحل يقول الله سبحانه (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَاسَنَا) (الأنعام: من الآية148)، ويقول سبحانه وتعالى (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (النحل:35). (2/427)
صفحة 914
ونجد كتاب الله سبحانه النعي البالغ على الذين حرموا ما حرموا من أهل الشرك مما أباحه الله لهم، يقول سبحانه وتعالى (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّانِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الاُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (الأنعام:143 - 144)، هذه الأدلة كلها وغيرها تدل على خطورة أن يقدم الإنسان على أن يحرم حلالا، فمن حرم حلالاً كمن أحل حراماً، كل منهما في الحقيقة هو إشراك بالله تعالى، لأن الله تعالى إذا شرع حكماً من الأحكام فجاء أحد وبدل ذلك الحكم وغيّره فإنه جعل نفسه نداً لله تعالى، فإذا أنزل الله تعالى في كتابه إباحة شيء وجاء أحد وحرّم ما أباح الله فإنه بذلك يكون جعل نفسه نداً لله تبارك وتعالى، وكذلك إذا حرّم الله تعالى أمراً وجاء أحد وأباح ذلك الأمر فإن ذلك مما يعد من الإشراك بالله سبحانه وتعالى.
ولا ريب أن الله سبحانه جعل للرجل حق مراجعة المرأة إن كانت الطلقة التي طلقها إياها رجعية، فإن الله سبحانه يقول (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِك) (البقرة: من الآية228)، أي في أيام عدة هذه المرأة الرجل هو أحق بمراجعتها، وبعد العدة هو أيضاً له أن يتزوجها بعقد جديد إن كانت طلقها طلاقاً رجعيا. (2/428)
صفحة 915
وجعل الله سبحانه وتعالى زواجها بأي رجل في خلال عدتها أمراً محرما، وإلا فلماذا فرضت العدة؟ الله تعالى يقول (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) (البقرة: من الآية228).
فهذا الذي يحللها لأي رجل كان وهي لا تزال في عدتها إنما هو راد لحكم الله، وناقض لشرعه، ومتحد لأمر، فهو في هذا في عداد المشركين لأنه أباح ما حرم الله، أباح أن تتزوج بأي رجل آخر والله تعالى لم يبح لها ذلك، بل حرم ذلك عليها إلى أن تنتهي عدتها، وفي نفس الوقت الذي جعله الله تعالى حقاً هو يعمل العكس بحيث إنه يحرمه ويجعله حجرا ًمحجورا، بحيث يقول حرمها على نفسه فهذا من العدوان.
وأما بالنسبة إلى تكرار الطلاق فإن تكرار الطلاق إن كان المطلق قصد به التأسيس وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة فإن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في العدة، أي تتبعها الطلقة الثانية، وتتبعها الطلقة الثالثة، وهذا مما حكي الإجماع عليه، وإن كان هنالك شيء من الخلاف، وممن حكى الإجماع على ذلك ابن قدامة في كتابه المغني، وكذلك بعض علمائنا أيضاً حكوا الإجماع على ذلك. فالطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في العدة، أما إذا خرجت من العدة فإنها لا يلحقها طلاق ذلك الرجل الذي طلقها بعد أن خرجت من عدتها، وكذلك إن كان طلقها طلاقاً بائناً ولو بينونة صغرى فإنه لو أردف ذلك الطلاق طلاقاً آخر فإنه لو أردف ذلك الطلاق طلاقاً آخر فالطلاق الآخر لا يلحقها، وعلى هذا فإن كرر كلمة الطلاق ثلاث مرات فإنها تكون بذلك بائنة بينونة كبرى، وما زاد على الثلاث فلا محل، والله تعالى أعلم.
السؤال (11)
السائلة تقول أنها طلقها في حالة الغضب؟
الجواب: (2/429)
صفحة 916
الطلاق ليس هو نتيجة رضا، إنما الطلاق هو مصدره الغضب، فلو قيل بأن طلاق الغضبان لا يقع لما وقع طلاق، إذ الراضي لا يطلق وإنما يطلق الغضبان، ولكن يراعى إن كان الغضب ذهب بعقله نهائياً بحيث كان فاقداً للوعي لا يعرف ما يصدر منه فإنه في هذه الحالة لا يقع طلاقه، أما إن كان واعياً فطلاقه يقع، والله تعالى أعلم.
السؤال (12)
رجل يصلي على المذهب الشافعي لكن في بقية الفروض الأخرى في الصوم والزكاة يفعل ذلك على طريقة المذهب المالكي نظراً إلى أن يجد في الصلاة على طريقة المذهب الشافعي راحة له من الصلاة على طريقة المذاهب الأخرى فيعمل هكذا؟
الجواب:
على أي حال الشخص لا يخلو إما أن يكون مجتهداً بحيث بلغ درجة الاجتهاد واستوفى شرائطه بحيث إنه يتمكن بنفسه أن يستنبط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، ويكون قادراً على النظر في هذه الأدلة وترجيح بعضها على بعض، ففي هذه الحالة لا يمنع أن يأخذ بما دل عليه الدليل ويعتمد على ذلك. أما إن كان دون ذلك بحيث يقلد إماماً من الأئمة فإنه في هذه الحالة يؤمر أن يسير على نهج ذلك الإمام. (2/430)
صفحة 917
وهذا في القضايا الفرعية، أما في القضايا العقدية فإنه يؤمر أن يتبع الدليل، أما في القضايا الفرعية فإنه إن كان غير قادر بنفسه على استنباط الأحكام الشرعية ومعرفة الأدلة وترجيح بعض الأدلة على بعض وبناءً على ذلك ترجيح بعض الأقوال التي هي مدلولات تلك الأدلة على بعض فالتلفيق ما بين المذاهب يؤدي إلى أن يكون الإنسان ليس على مذهب معين، ويؤدي بالإنسان إلى أن يضيع أمر دينه، بل ربما أدى ذلك بكثير من الناس إلى أن يتتبعوا الرخص فيلفقوا بين الآراء، فيأخذوا من هذا المذهب بما فيه من الرخص ويأخذوا من مذهب آخر بما فيه من الرخص وهكذا المذهب الثالث والرابع إلى آخره وعلى هذا يكون على غير شيء من الدين لأنه لا يكون تابعاً لأحد من الأئمة قط، إذ كل إمام من أولئك الأئمة إنما له موقف تجاه رخص معينة لا يرى الأخذ بها، وهذا إنما يتعمد الأخذ بالرخص ويضيع دينه في خضم هذا التلاعب والله تعالى المستعان، فينبغي للناس أن يحترزوا من ذلك.
السؤال (13)
هل التدخين بعد الوضوء يؤثر على وضوئه؟
الجواب: (2/431)
صفحة 918
الوضوء عبادة والتدخين معصية، التدخين معصية وأي معصية، لأن التدخين إنما هو متلف للنفس البشرية، والدخان سموم ينفثه الإنسان، فالمدخن إنما يحرق آلافاً من السموم ويبث في هذه البيئة مفاسدها، فتتحول البيئة إلى بيئة فاسدة، إذ التدخين لا ينعكس أثره السلبي على المدخن وحده وإنما ينعكس على من حوله وينعكس أثره على البيئة فهو يتعدى على الغير ويتعدى على البيئة فيفسدها والله تبارك وتعالى حرّم جميع ذلك فقد قال (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاس) (الروم: من الآية41)، وقال سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً) (النساء:29 - 30)، والأدلة التي تدل على حرمة التدخين أدلة كثيرة من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وفيها مقنع لمن كان قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، والله تعالى أعلم.
السؤال (14)
ما هي الأدلة عند الإباضية التي تقول بأنه لا يسمح للإنسان في الفريضة أن يدعو دعاءً في السجود وإنما يقتصر على التسبيح؟
الجواب:
الدليل على ذلك ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلّم - وهذا مما اتفق عليه - أنه قال: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين. وما كان من إباحة الحديث وإباحة الدعاء وإباحة الأمور التي هي خارجة عن ألفاظ الصلاة إنما ذلك كان قبل نسخ الكلام ثم بعد ذلك نسخ الكلام بقول الله تعالى (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) (البقرة: من الآية238)، فمُنع الكلام في الصلاة، وإنما ترخص في النوافل في الدعاء في السجود وفي غيره ما لم يترخص في الفرائض، والله تعالى أعلم. (2/432)
صفحة 919
السؤال (15)
ذكرتم في الإجابة حول الطلاق (إن كان يريد التأسيس) فهل هناك مقصد آخر؟
الجواب:
نعم هناك التأكيد لأنه إذا قال رجل لامرأته أنت طالق فقد طلقت منه، فإن أردف ذلك مرة أخرى أنت طالق فإما أن يقصد بذلك التأسيس، وهو إنشاء طلاق ثانٍ وإما أن يقصد بذلك التأكيد بحيث يكون مؤكداً للطلاق الأول، فإن قصد به التأسيس فتلك طلقة ثانية والطلاق يتبع الطلاق مادامت المرأة في العدة، وإن قصد بذلك التأكيد فتلك طلقة واحدة أي ما كان من قبل وما كان من بعد لأنه لم يقصد إلا أن يؤكد الطلاق الذي صدر عنه أولاً.
السؤال (16)
امرأة جاءها زوجها وهو سكران وقام يعاتبها في أمور وقعت منها وكان سكره سكراً لا يغيبه عن الوعي، وهو يعي ما يقول لكنه ليس بدرجة دقيقة، فطلقها طلقات متعددة، فلما سئل عن ذلك قال أنا أذكر أني طلقتها ولكن لا أذكر ما الذي أقصده وكم مرة قلت.
الجواب:
هذا مثل هذا التصرف كثيراً ما ينبغي أن يحمل على التأكيد لأن الأصل عدم حرمة الزوجية حتى تثبت لحرمة هذه واحدة، ثانياً أنه بجانب ذلك الإنسان عندما يكون في حالة انفعال كثيراً ما يكرر الكلام لأجل تأكيده، فلا يبعد أن يكون قد قصد التأكيد، والله تعالى أعلم.
السؤال (17)
ابتلاني الله تعالى بمشكلة في الخصيتين وهذه المشكلة إن لم أسارع إلى علاجها قد يتسبب لي في عقم، وأنا أريد أن أعرض نفسي على الأطباء ولكن المشكلة هو أن الأطباء قد يطلبون مني إجراء فحص للمني فهل يجوز لي أن أخرج بيدي لأجل الفحص لا لغيره مع العلم أنني بعيد عن زوجتي الآن؟
الجواب:
الضرورة تقدر بقدرها فإن كان من الممكن أن يؤخر ذلك إلى حضور زوجته بحيث يكون إخراج المني بواسطة الزوجة فذلك هو الذي يجب عليه، وإن تعذر عليه ذلك وكان العلاج متوقفاً على إخراج المني بنفسه فإن الضرورة تقدر بقدرها، على أن لا يتكرر منه ذلك.
السؤال (18)
هل حلق شعر الطفل المولود من الواجب أو هو على طريق الاستحباب؟
الجواب: (2/433)
صفحة 920
ذلك من السنن المرغب فيها، وليس من السنن الواجبة، وإنما ذلك مما يرغب فيه.
السؤال (19)
امرأة تريد أن تذهب إلى الحج وعليها دين فتبرع لها أحد الناس بمبلغ حصل عليه من البنك كهدية فأخذته وسددت به جزءاً من المبالغ التي عليها وعزمت أن تذهب إلى الحج بالجزء الباقي.
الجواب:
حقيقة الأمر هذا مما يتنزه عنه اللبيب ويمتنع عنه العاقل الفطن الحريص على دينه، فإن هذه المبالغ من أين جاءت، إنما جاءت من معاملات فيها ما فيها، ولكن بما أنه جاء من هذه المعاملات التي هي مشتبهة فالأموال المشتبهة إنما تصرف إلى فقراء المسلمين فهم أولى بها. فإن كانت هذه مدينة وهي فقيرة لا تجد وفاء لدينها، ولا تستطيع سبيلاً إلى ذلك، فإن من الواجب على ذلك الذي وصل إليه هذا المبلغ أن يتخلص منه بدفعه إلى الفقراء، فإنه دفعه إليها أو دفع جزءاً منه إليها ففي ذلك خلاصه إن كانت هي بهذه الحالة أي لا تجد سبيلاً إلى وفاء دينها، وبالنسبة إلى الحج إن وجدت بعد ذلك زاداً حلالاً ومالاً حلالاً يبلغها إلى الحج فلتستعن به على وصولها إلى الحج إن شاء الله.
السؤال (20)
رجل طلق زوجته بالثلاث ثم تزوجت رجلاً آخر ثم تزوجها الأول، فهل تعود إليه على بقي لها من طلاق؟
الجواب:
ما بقي لها شيء من الطلاق الأول لأنه طلقها أولاً ثلاثاً، والزوج الثاني هل يهدم ما دون الثلاث أو لا يهدم إلا الثلاث، هذا مما اختلف فيه، فإن تزوجها الأول بعدما طلقها ثلاثاً وتزوجت زوجاً آخر فإنه في هذه الحالة يستقبل ثلاث طلقات جديدة.
السؤال (21) (2/434)
صفحة 921
امرأة كانت مع زوجها في السفر وفي الطريق توقفا لأداء صلاة المغرب والعشاء في الفلاة فتوضأت ولما وصلت إلى الرجلين لم تتوضأ لهما بل تيممت لأنها كانت تلبس جوارب طويلة وهي في الحقيقة سراويل مع الجوراب في نفس الوقت أي سروال مغلق من الأسفل، فلم يكن لها أن تنزعه في الفلاة لأنه كان بعد ثلاثمائة متر تقريباً أناس إذ يمكن أن يروها وهي تنزعه، فما حكم تيممها؟ وماذا على زوجها الذي أمرها بالتيمم لأنه تحرج من تلك القضية ورأى أن التيمم أهون من نزع كل السروال لأجل غسل القدمين؟
الجواب:
في هذه الحالة كان عليها أن توصل الماء إلى قدميها من وراء الثوب، وأن تغسل القدمين ولو من وراء الثوب، هذا الذي عليها في هذه الحالة. أما التيمم فإنه يصار إليه مع تعذر الوضوء، لا يصار إليه في مثل هذه الحالة مع إمكان أن تغسل القدمين من وراء الثوب، فلذلك نحن نرى أنها أخطأت في هذا، ونرى أن تعيد صلاتها.
السؤال (22)
رجل كان يحافظ على جملة من النوافل في الصوم فيصوم ست من شوال والاثنين والخميس وبعض الأيام الأخرى وكان معتاداً على ذلك ثم تركها، فهل يأثم بتركها؟
الجواب:
لا، لا إثم، لأن هذه هي سنن مرغب فيها وليست واجبة، ليست مفروضة، لا صيام يفرض إلا صيام رمضان، وصيام النذر الذي يوجبه الإنسان على نفسه بنذره، وصيام الكفارة الذي يرتكب موجبه، هذا هو الذي يجب بجانب صيام رمضان، أما ما عدا ذلك فمهما شرع الصيام فذلك صيام مرغب فيه، ولذلك لا يأثم من تركه وإن كان أحب العمل إلى الله تبارك وتعالى أدمه. فينبغي للإنسان أن يداوم على أعمال الخير وأن لا يفرط فيها.
السؤال (23)
إئتمنني عدد من الورثة على أموالهم وفيهم الصغير الذي لم يبلغ بعد، وهذه الأموال تعدت السنة، فهل أنا كمؤتمن أودي زكاتها ولي حق التصرف زكاتها؟
الجواب: (2/435)
صفحة 922
الصغير يقوم عنه وليه أو وصيه بدفع الزكاة عنه، والزكاة حق في المال، فلذلك تجب في أموال الصغار كما تجب في أموال الكبار، هذا هو القول الصحيح، فيسألهم هل يخرجونها بأنفسهم أو يخرجها عنهم.
السؤال (24)
إذا رفضوا إخراج الزكاة.
الجواب:
لا يأتمن لهم.
السؤال (25)
رجل عليه ثوب مسبل وأثناء الطواف قام برفع ثوبه بطريقة معينة وطاف، هل يؤثر ذلك على حجه؟
الجواب:
نسأل الله تعالى السلامة والعافية لأن الإسبال هو كبيرة من الكبائر، فإن كان يعلم ذلك وتعمد ذلك فالمسألة مشكلة من ناحية وضوئه، لأن النبي صلى الله عليه وسلّم أمر الرجل الذي صلى أن يعيد وضوئه ثلاث مرات بسبب إسباله كما جاء ذلك عند أبي داود من رواية أبي هريرة، فلذلك المسألة من حيث الوضوء أما الطواف نفسه فإن كان رفع فيه ثوبه فنرجو أن يكون طوافاً مقبولاً والأمر لله إلا إذا كان أخل بالوضوء.
السؤال (26)
إذا كان هذا الرجل لم يحج بعد، فماذا عليه؟
الجواب:
عليه أن يتقي الله، وأن يراقب أمره، وأن يزدجر عن نهيه، وأن لا يعطي نفسه هواها.
السؤال (27)
رجل يقول شككت في طواف الإفاضة بأنني أحدثت إلا أنني لم ألتفت لذلك لكن بعد مضي فترة بسيطة بقيت الوساوس تراودني؟
الجواب:
هذا الشك هو من الوسوسة التي يجب على الإنسان أن يتجنبها، مادام لم يوقن بالحدث عليه أن يستصحب الأصل، والأصل عدم الحدث حتى يثبت حدثه.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
27 من شوال 1424هـ، 21/ 12/2003م
الموضوع: عام
السؤال (1)
ما معنى المبادئ في الإسلام؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: (2/436)
صفحة 923
فإن كلمة المبادئ إنما هي اصطلاح جديد لم يكن معهوداً من قبل في ما كتبه الكاتبون عن الإسلام من سلف هذه الأمة ومن الخلف الذي تقدم، وإنما هي كلمة معاصرة، ولعل هذه الكلمة دخلت من خلال ممارسات المصطلحات التي عند الأمم الأخرى وترجمت ترجمة دقيقة فيما يبدو، وهي من بدأ يبدأ والظاهر أنهم يعنون بذلك أن هذه منطلقات الإنسان في حياته، ومن المعلوم أن المسلم ينطلق من عقيدته، وعقيدة الإسلام تقوم على ستة أركان، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره من الله.
والإيمان بهذه الأمور ليس أمراً نظرياً بحيث يعيش في عالم المثال ولا ينتقل إلى عالم التطبيق والواقع، وإنما هو إيمان راسخ في النفس ممتلك لمشاعرها، موجه لأحاسيسها، قائد لحركاتها، مصرف لأركان صاحبها وأعضائه. ومعنى هذا أن هذا الإيمان يجب أن يتجلى ويتجسد.
ذلك بأن الإيمان بالله إنما هو إيمان بالمبدئ العظيم الذي خلق هذا الوجود وصرفه، والذي هو مالك لكل شيء، ومصرف لكل أحد، كل ما في الكون ملك له (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً) (مريم:93 - 95)، منه المبدأ وإليه المعاد، كل شيء إنما صدر عنه، فهو خالق كل شيء، وكل شيء منقلبه إليه، وهو الذي منّ على الإنسان بنعمه، وأسبغ عليه واسع كرمه، هو الذي أخرج هذا الإنسان من العدم إلى الوجود، وأفاض عليه هذه النعم التي لا يمكن أن تدخل تحت عد أو تصل إلى حد لأنها نعم لا يمكن للبشر جميعاً أن يحيطوا بها، وهو سبحانه وتعالى الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ) (الرعد: من الآية8)، (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (غافر:19). (2/437)
صفحة 924
وقد شرع سبحانه وتعالى ما شرع لعباده إذ استخلف الإنسان في هذه الأرض ليكون في هذا الكون سيداً كريما، وليكون بين يدي ربه سبحانه وتعالى عبداً مطيعاً منقاداً لأمره، مذعنا لحكمه، فله تبارك وتعالى الطاعة المطلقة، يجب أن يطاع (إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ) (يوسف: من الآية40)، فكل شيء خاضع له بالطبع، ومعنى ذلك أيضاً أن يكون كل إنسان خاضع له بالشرع، فالكون كله يسبح بحمده، ويسجد خاضعاً لجلاله كما يدل على ذلك قوله تبارك وتعالى (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْض) (الحشر: من الآية1)، وقوله (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (الاسراء: من الآية44)، وقوله (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْض) (الجمعة: من الآية1)، ويقول سبحانه وتعالى أيضاً (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُاب) (الحج: من الآية18)، والإنسان إن استجاب لداعي الحق وانقاد لأمره تبارك وتعالى وأذعن لحكمه كان منسجماً مع نظام هذا الكون وإلا كان شاذاً وناشزاً، وهكذا إما أن يكون هذا الإنسان مصطدماً مع نواميس هذا الوجود عندما يخرج عن طاعة الله ويتمرد على أمره، وإما أن يكون منسجماً مع نواميس الوجود عندما يكون منقاداً لحكمه ومذعناً لطاعته. (2/438)
صفحة 925
والإيمان بملائكته يعني الإيمان بعالم الغيب، هذا الإيمان يجب أن يتجسد أيضاً في مراقبة الإنسان لربه سبحانه وتعالى ذلك لأن هؤلاء الملائكة على ما آتهم الله تبارك وتعالى من قدرات، وما منحهم من ملكات، وما أودع فيهم من طاقات، ومع كونهم من العظم بحيث إن ملكاً من الملائكة يسد ما بين السماء والأرض كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلّم عندما ذكر جبريل قال: لم أره في صورته التي خلقه الله عليها إلا في مرتين رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض، ومع ذلك هم كما قال سبحانه (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) (الانبياء:20)، هم يخشون الله تبارك وتعالى (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (النحل:50)، ينقادون لحكمه ويذعنون لطاعته، ولهم وظائف متعددة، من بين هذه الوظائف مراقبة هذا الإنسان في كل ما يصدر عنه، الله تعالى يقول (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قّ:18)، ويقول (كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) (الانفطار:9 - 12). فالإيمان بهم يقتضي أن يكون الإنسان مراقباً لربه منقاداً لحكمه مذعناً لطاعته.
والإيمان برسل الله تبارك وتعالى يعني الإيمان بصفوة خلقه، الذين اصطفاهم لحمل رسالته إلى عباده، وجعلهم وعاءً لنوره، وجعلهم مهبطاً لوحيه، هؤلاء الرسل الإيمان بهم يقتضي ترسم خطواتهم، واتباع سيرهم، فالإنسان مطالب بأن يسير على هداهم، وأن لا يحيد عن مسلكهم.
فالإيمان برسل الله وتعالى يعني أن يكون الإنسان أولاً معجباً بهؤلاء المرسلين لأن الله تبارك وتعالى كرّمهم وفضّلهم ورفع من شأنهم فهم أولى أن يمتلكوا النفس البشرية بالإعجاب، ثم من ناحية أخرى هم أولى بأن يُتبعوا ويُقتدى بهم ويُهتدى بهديهم. (2/439)
صفحة 926
والإيمان بكتب الله تبارك وتعالى يعني الإيمان بنظام الحق سبحانه وتعالى الذي شرعه لعباده، فقد أنزله في كتبه وتجسد فيما أوحاه الله تبارك وتعالى إلى العباد، هذا الإيمان يقتضي اتباع هذه الكتب، وعدم الخروج عن هداها، وهذا ما يدل عليه قوله سبحانه وتعالى عندما قال (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) (البقرة: من الآية85) تأنيباً لبني إسرائيل الذين أخذوا بما حلى لهم من التوراة وأعرضوا عما لم يَحْلُ لهم، وكذلك يقول سبحانه (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (السجدة:15 - 16).
والإيمان باليوم الآخر الإيمان بالمنقلب بحيث يلقى كل أحد جزاءه، وينقلب إلى مصيره، وهذا الإيمان يقتضي أن يكون الإنسان عاملاً لذلك اليوم، حاسباً له حسابه، مستعداً للقاء ربه سبحانه وتعالى فيه، عارفاً أنه سينقلب إلى حساب يتناول جميع أعماله دقيقها وجليلها كما أخبر سبحانه وتعالى عن ذلك عندما قال (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) (الحاقة:18)، فيومئذ يعرضون على ربهم لا تخفى من أحد خافية قط مما فعل ومما قدم وأخر، وهذا يعني الاستعداد لذلك اليوم بالحرص على طاعة الله وتجنب معصيته.
والإيمان بقضائه وقدره يعني التسليم له سبحانه وتعالى، بحيث لا يكون الإنسان ساخطاً على ما يأتي به القدر، لأن ذلك من عند الله سبحانه، وكيف يسخط الإنسان على ما جاء من عند الله (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) (البقرة: من الآية216).
السؤال (2) (2/440)
صفحة 927
الثوابت والمبادئ الإسلامية هل تخضع لظروف الزمان والمكان، أم هي ثابتة لا يجوز للمسلم أن يتخلى عنها؟
الجواب:
أولاً قبل كل شيء عقيدة المسلم يجب أن لا تتزعزع بأي شيء كان، فعقيدته راسخة، والعقيدة المتزعزعة ليس عقيدة مقبولة، ولا تعتبر عقيدة إسلامية، إنما العقيدة الإسلامية عقيدة ثابتة لا تزعزعها العواصف ولا تهدها الأعاصير ولا يؤثر عليها شيء أبدا.
الله تبارك وتعالى بيّن أن المسلم يجب أن يكون راسخ الإيمان، فهو تبارك وتعالى يقول وهو أصدق القائلين (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ) (النحل: من الآية106) يعني الذين يتوعدهم الله هم الذين بدلوا إيمانهم كفرا، ولكن من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان بحيث لم تتزعزع عقيدته وإنما صرف الشر عنه بتلفظه بما يتنافى مع هذه العقيدة في حالة الضغط الشديد عليه عندما يكون يخشى من عدو بطشه فإنه يدرأ عن نفسه هذا البطش بما يقوله بلسانه مع طمأنينة قلبه بالإيمان، (وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ) (النحل: من الآية106) يعني من شرح صدره بالكفر فإنه مغضوب عليه من قبل الله تبارك وتعالى. (2/441)
صفحة 928
والمبادئ هذه لا تتغير، والإنسان أيضاً من ناحية التطبيق والعمل لأن هذه المبادئ يجب أن تعيش في عالم الواقع، تعيش في عالم الواقع بحيث تتجسد في تصرفات الإنسان وأعماله، والأحاديث الكثيرة بجانب الآيات القرآنية تدل على ذلك، نحن نرى أن الله سبحانه وتعالى يصف الإيمان بأوصاف فمما قاله في وصف الإيمان من خلال وصف المؤمنين (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (الأنفال:2 - 4)، ويقول سبحانه وتعالى (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (المؤمنون:11)، ونجد أن الله تعالى أيضاً يقول (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات:15). (2/442)
صفحة 929
والنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها كلمة لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى من الطريق، والحياء شعبة من الإيمان. فنحن نرى كيف مثّل النبي صلى الله عليه وسلّم للعقيدة وللعمل وللأخلاق، تمثيله للعقيدة بذكر كلمة لا إله إلا الله فإنها تجسد العقيدة وتجسد أيضاً طيبات القول، وتمثيله للعمل بقوله وأدناها إماطة الأذى من الطريق وهذا من أهون الأعمال التي يقوم بها المؤمن، وتمثيله للأخلاق من خلال قوله والحياء شعبة من الإيمان.
وكذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلّم: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار.
ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين. ويقول: والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده.
ومن المعلوم أن المحب يسارع في هوى محبوبه، ومن شأن المحب أن يحرص على اتباع محبوبه وترسم خطواته والاقتداء به وإيثار رضاه على هوى نفسه هذا هو شأن المحب، فمن أحب الله تعالى ورسوله كان ذلك داعياً له إلى طاعتهما، وكان ذلك داعياً إلى يقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلّم من غير أن يفرط في شيء من أمر دينه. (2/443)
صفحة 930
ونجد أيضاً في حديث: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان مما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلّم التواد ما بين المؤمنين (وأن يحب أحدكم غيره لا يحبه إلا لله)، وكذلك نجد أيضاً أنه ذكر أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار، وذلك بأن يكره معصية الله لأن المعصية هي بريد الكفر هذا من ناحية، ثم إن الكفر هنا يتناول كفر النعمة أيضا، وكفر النعمة هو الإصرار على معصية الله تبارك وتعالى أياً كانت، فإن هذا الإصرار هو داخل في كفر النعمة والعياذ بالله، فمن شأن المؤمن أن يحرص على طاعة الله وتجنب معصيته، وأن لا يفرط في أمر الله كيف ما كانت الظروف وكيف ما كانت الأحوال.
السؤال (3)
في بعض البلدان وخاصة غير المسلمة قد يتعرض المسلم لضغوط معينة ويطلب منه أن يتخلى عن بعض مبادئه مقابل أن يتحصل على شيء مادي أو خدمات معينة، فهل يعد هذا من الإكراه؟
الجواب:
لا، لا، هذا لا عبرة به لأن من شأن المسلم أن يوطن نفسه لجميع الشدائد ولجميع التحديات، الله تبارك وتعالى يقول (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت:2 - 3)، فلا بد للمؤمن أن يمر بمراحل صعبة وعرة، وهذه مر بها الرسول صلى الله عليه وسلّم، ومر بها النبيون، ومر بها الصالحون من أوائل هذه الأمة، الكل كانوا تمر بهم مراحل صعبة، ولكن مع ذلك وطنوا أنفسهم للشدائد، هذا مما يدل على أن المؤمن يحرص على مبادئه ويتمسك بها، ويكون قابضاً على دينه ولو كان قبضه على دينه صعباً عليه كقبضه على الجمر.
السؤال (4)
ما هو الإكراه الذي يُسمح معه المسلم أن يتخلى عن شيء من مبادئه؟
الجواب: (2/444)
صفحة 931
هو إن كان يخشى القتل أو نحوه فإنما يباح له أن يتكلم بالكلام الذي يرضي خصمه أما الأفعال فأولاً من العلماء من يقول لا تقية في الأفعال، ومنهم من يبيح التقية في الأفعال فيما لم يضر بالغير ولا يؤدي إلى هدم الأخلاق، فليس لامرأة مثلاً أن ترضى إذا أكرهت على الزنا بها أن تمكن الزاني من أن يزني بها، كذلك إذا أجبر أحد أن يقتل أحداً ليس له أن يقتله بحال من الأحوال، أما أخذ مال الغير إن أجبر على ذلك وإلا كان معرضاً للقتل ونحوه في هذه الحالة أبيح له أن يأخذ من مال الغير أو أن يتلف مال الغير على أن يضمنه من ماله، أن ينوي الضمان ويؤدي إليه هذا الضمان.
السؤال (5)
ما نصيحتكم للمسلمين الذين يتعرضون لشيء من الإكراه للتخلي عن مبادئهم سواء كانوا رجالاً أو نساء، وما هي الطريقة المثلى التي يتعاملون بها مع هذه الظروف؟
الجواب: (2/445)
صفحة 932
المسلم كما قلت هو شديد التمسك بالإسلام، لا يفرط في إسلامه مهما كانت الظروف ومهما كانت الصعوبات ومهما كانت التحديات، والابتلاء من سنة الله تبارك وتعالى في خلقه، والمؤمنون في سالف العصور مروا بظروف صعبة، ونحن نجد في كتاب الله تبارك وتعالى ما يدل على أن رسل الله تبارك وتعالى الذين هم أرسخ الناس قدماً في الإيمان وأقواهم عزيمة شارفوا اليأس من هول ما لحقهم فالله تعالى يقول (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ * حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَاسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ * لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف:109 - 111)، هؤلاء رسل الله مع رسوخ إيمانهم وقوة عزيمتهم وشدة شكيمتهم يصل بهم الأمر إلى أن يشارفوا اليأس لهول ما يلقون وعندئذ تتداركهم رحمة الله ويحيط بهم لطفه سبحانه وتعالى ويتنزل عليهم منه ما يؤدي إلى انتصارهم على عدوهم، وهكذا المؤمنون في كل وقت عندما تشتد بهم الشدائد وتضيق بهم الحلقات ويجدون من أعدائهم ما يجدون من التحديات فإن ذلك يبشر بالخير، يبشر بأن يكون المنقلب إلى خير وإلى سعادة , وإلى نصر وإلى تأييد من قبل الله سبحانه وتعالى.
السؤال (6) (2/446)
صفحة 933
في بعض الأحيان قد تثور خلافات وخصومات بين شخصين مؤمنين وتتعدى هذه الخصومة الأسابيع والأشهر بل والسنوات دون أن تجد لها حلا أو يتراضيا ويتفقا على شيء، فما الواجب عليهما؟
الجواب:
النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: لا يحل لامرئ مسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث. هجران المسلم لأخيه فوق ثلاثة أيام لا يصلح به. إنما يتسامح في مدة ثلاثة أيام لأجل طبيعة النفس البشرية، لأن طبيعة النفس البشرية ضعيفة، ومن شأن الإنسان أن تؤثر عليه العواطف الرعناء، وأن يخضع لهيجان مشاعر الغضب أحياناً لسبب أو لآخر، ولكن مع ذلك يرجع المؤمن إلى ما يقتضيه إيمانه ويحاسب نفسه ويلوم نفسه (وخيرهما من يبدأ بالسلام)، أفضل المسلمَين المتقاطعَين من يبدأ صاحبه بالسلام ويبدأه بالتحية.
السؤال (7)
هل تتعرض العبادات كالصلاة والزكاة لشيء من الخلل بسبب الخصومة؟
الجواب:
لا ريب. (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة: من الآية27)، الله تعالى يتقبل من المتقين وهذا مما يتنافى مع التقوى.
السؤال (8)
امرأة مريضة في رمضان ولا تستطيع القضاء، فهل يقضي عنها أولادها؟
الجواب:
لا، العاجز عن القضاء يعدل عن الصيام إلى الإطعام إن كان عاجزاً عن الصيام لكبر أو لمرض لا يرجى برؤه، يعدل عن الصيام إلى الإطعام بحيث يطعم عن كل يوم مسكيناً عملاً بما دل عليه قول الله تعالى (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) (البقرة: من الآية184).
السؤال (9)
امرأة كانت نفساء في رمضان وبعد طهرها أصيبت بمرض استمر ثمان سنوات ولم تقض ذلك الصيام الذي عليها إنما أطعمت في نفس تلك الفترة مسكيناً عن كل يوم، فهل ذلك يجزيها عن القضاء؟
الجواب:
إن كانت هي عاجزة عن القضاء نعم. أما إن كانت قادرة فإنها تقضي.
السؤال (10)
امرأة تريد أن تذهب للحج من غير محرم وإنما تذهب مع جماعة من النساء ولكن سابقاً ذهبت مرتين، فهل يصح لها؟
الجواب: (2/447)
صفحة 934
نحن لا نُرغّب المرأة في أن تذهب في غير حجة الفريضة مع غير ذي محرم، وإن كنا لا نشدّد لأن أمهات المؤمنين سافرن مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين في تلك الرفقة الطيبة الصالحة إلى حجة غير حجة الفريضة، إلا أن الظروف تختلف، والأحوال تتبدل، والناس ليسوا كما كانوا من قبل، مع هذا نقول بأنها إن ذهبت في رفقة أمينة فيها قوم أمناء موثوق بهم لا حرج عليها، ولكن لا نحبذ ذلك.
السؤال (11)
امرأة أرادت أن تذهب للحج ولكنها أجريت لها عملية في يدها، ويدها ليست سليمة، وأولادها يطلبون منها أن تبقى وأن لا تذهب هذا العام، فهل تطيعهم؟
الجواب:
إن كانت ترى مشقة عليها فلتتأخر إلى العام القابل إن شاء الله، والله يقبل منها.
السؤال (12)
امرأة في آخر رمضان في حياتها أصيبت بمرض ولم تصم شهر رمضان وتركت بنتاً وولداً فمن منهما يقضي عنها الصيام؟
الجواب:
أيهما قضى فذلك خير، والحديث جاء: من مات وعليه صيام صام عنه وليه. فأيهما قضى، وإن أرادا فليقتسما الشهر الكريم بحسب ميراث كل واحد منهما ويصوم هذا مع فطر هذا.
السؤال (13)
نويت أنا وزوجتي الذهاب في رمضان إلى العمرة إلا أنه وبسبب كون زوجتي قد مضى على حملها شهران ونصف عارضتُ ذلك، وكذلك أهلي عارضوا ذلك لكون أن الجنين في حالة غير مستقرة وعرضة الإجهاض ولشدة إلحاحها ولمعرفتي بصلاح نيتها ولكونها العمرة الأولى لها نزلت عند رغبتها، وبعد مرور خمسة أيام على مغادرتنا حصل نزيف بسيط لزوجتي، ولما ذهبت على المستشفى أخبرت من قبل الطبيبة أن حالة الجنين طيبة رغم كون النزيف واقع من الرحم فطلبت من زوجتي عدم إجهاد نفسها مع الاستمرار في تناول الدواء واستمر النزيف أربعة أيام وظهرت علامات الإجهاد ثم أجهضت،
والسؤال:
هل يعتبر ما فعلته المرأة من الظلم بمكان لكوننا أيضاً وأنا معها رمينا أنفسنا في التهلكة مما أدى إلى الإجهاض؟
الجواب: (2/448)
صفحة 935
لا، ليست هذه تهلكة، ولم تقصد هي الإخلال بالمحافظة على الصحة، ولا أجد ما يقتضي أنها مسئولة عن فعلها هذا ما لم تتبين من أول الأمر أن حركتها تؤدي إلى إجهاض جنينها.
السؤال (14)
هل على المولود دية؟
الجواب:
الأصل بهذا التصرف لا يبين لي وجوب دية عليها.
السؤال (15)
وهل عليها طواف وداع وهي في حالة النزيف قبل الإسقاط؟
الجواب:
أما إذا كانت تطيق ذلك فلتفعل، وإن لم تطق ففي ذلك خلاف، قيل عليها أن تفتدي وقيل لا.
السؤال (16)
الجنين سقط بعد شهرين ونصف فهل يعتبر النزيف الذي جاء بعد ذلك من النفاس؟
الجواب:
نعم، نفاس ولكن يختلف حكمه باختلاف ما خرج منها، فإن كانت وضعت علقة واستمر بها الدم فنفاسها لمدة سبعة أيام، وإن كانت مضغة فنفاسها لمدة أربعة عشر يوماً، وإن كانت مضغة مخلقة فنفاسها لمدة واحد وعشرين يوماً، وإن كان كامل الخلقة فالمدة كلها وهي أربعون يوماً.
السؤال (17)
في صلاة الوتر البعض يصليها منفصلة شفعاً ووترا، والبعض يصليها متصلة ثلاثة ركعات، فأيهما أصح؟
الجواب:
كلا الأمرين جائز وقد روي كل منهما عن النبي صلى الله عليه وسلّم، ونحن نميل إلى الفصل، ولكن مع ذلك لا نرى أيضاً للوصل خطأ، نميل إلى الفصل مع قولنا أن الوصل ليس خطأ لأنه مروي عن النبي صلى الله عليه وسلّم فالأخذ بهذا وبذاك جائز.
السؤال
ما هي طريقة الفصل؟
الجواب:
يصلي ركعتين شفعاً والثالثة هي الوتر.
السؤال
وهل ينوي من البداية أن يصلي شفعاً ووترا؟
الجواب:
نعم.
السؤال
وإذا سلّم من الشفع يوجه مرة أخرى، أم يكتفي بالتوجيه الأول؟
الجواب:
يجوز له أن يقتصر على التوجيه الأول وأن يعيد التوجيه.
السؤال (18)
هل يصح التيمم بالثلج؟
الجواب:
وجد القول بأن الثلج يكون بمثابة التراب الذي يتيمم به، ولكن هذا بعيد، الثلج أقرب إلى طبيعة الماء منه إلى طبيعة التراب لأنه في الأصل ماء، فلماذا يعدل به عن حكم الماء إلى حكم التراب.
السؤال (19) (2/449)
صفحة 936
إذا لم يجد الإنسان ما يسخن به الثلج حتى يذوب ويتوضأ؟
الجواب:
يمكن أن يأخذ ولو مما يتصاعد من بخاره.
السؤال (20)
من الناس فيما مضى أوقفوا عدداً من الأغنام لتذبح في اليوم التاسع وتقام وليمة غداء كصدقة وبعد أن علموا استحباب الصيام في يوم عرفة، وجدوا حرجاً في هذا الأمر، هل يدعون الناس إلى الوليمة في اليوم التاسع أم يؤجلونها إلى يوم العاشر؟
الجواب:
طيب، لماذا لا تكون الوليمة عشاءاً في مساء ذلك اليوم، ويحضر من يحضر سواءاً كان مفطراً أو صائماً.
السؤال (21)
ما هو الفكر الإحداثي والفكر الإرجائي، وما أثرهما على العقيدة؟
الجواب:
أما الفكر الإحداثي فلم أسمع عنه، ولعله يعني الفكر الحداثي، إن كان يعني الفكر الحداثي فهذا فكر دخيل على الإسلام، ولا يمت إلى الإسلام بصلة، وقد ألّف كثير من العلماء فيه وانتقدوه وفندوه وبينوا عواره وكشفوا مخازيه. (2/450)
صفحة 937
وأما الإرجاء فالإرجاء عقيدة يهودية، الله تبارك وتعالى نسب إليهم عقيدة الإرجاء، يقول الله تبارك وتعالى (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا) (الأعراف: من الآية169)، وذلك أنهم يقدمون على ارتكاب محارم الله سبحانه وتعالى ومع ذلك هم تسول لهم أنفسهم أنه تبارك وتعالى يغفر لهم ويرحمهم، وكذلك خيل إليهم أن عذابهم إلى أمد محدود إلى أمد موقوت، وأنهم بعد ذلك يُخرجون من دار العذاب ويُنعمون كما ينعم المؤمنون المتقون، وهذا ما دل عليه قوله سبحانه وتعالى فيما نقله عن اليهود يقول عز وجل (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة:80 - 81). وهو سبحانه وتعالى يبين أن هذه العقيدة لزت بهم إلى الفساد، ودفعت بهم إلى ارتكاب الحرم، وأوقعتهم في المعاطب، فالله تعالى يقول (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (آل عمران:23 - 25). (2/451)
صفحة 938
وقد حذر الله تعالى هذه الأمة من التعلق بهذه الأماني والتشبث بهذه الآمال فقد قال تعالى (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً) (النساء:123)، وقال (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (النمل:89 - 90)، ويقول سبحانه (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (القصص:84)، وقال تعالى (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (الأنعام:160).
حذر الله سبحانه وتعالى من التعلق بهذه الأماني الفارغة، وبين أن كل أحد مجزي بعمله الذي عمله، فهو يجزى بالإحسان إحسانا ويجزى بالسيئة مثلها.
والأمة وقعت فيما وقع فيه من قبلها تصديقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلّم: لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى أنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. وقعت الأمة في هذا الأمر نفسه، فنحن نجد من الأمة يقول بأن الله تعالى إذا وعد وفى وإذا توعد عفا، أين ذلك من قوله سبحانه (لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ) (قّ:28 - 29) وقوله تعالى (لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) (يونس: من الآية64)، وقوله (إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) (آل عمران: من الآية9).
السؤال (22)
ما حكم لبس المرأة للسروال من غير أن تستره بعباءة وتخرج به؟
الجواب: (2/452)
صفحة 939
في هذه الحالة هذا لباس مفصل للجسد، اللباس يجب أن لا يشف وأن لا يصف.
السؤال (23)
عامل يصلي بملابس فيها زيوت مكائن فهل تلك الزيوت نجسة؟
الجواب:
الأصل فيها الطهارة حتى تتبين نجاستها.
السؤال (24)
الدفن في وقت الزوال يوم الجمعة؟
الجواب:
في حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه في صحيح مسلم: في ثلاثة أوقات كنا نهى أن نصلي فيها وأن ندفن فيها موتانا عندما تطلع الشمس حتى تستكمل طلوعها، وعندما تغرب حتى تستكمل غروبها، وعند زوال الشمس عندما تستوي الشمس في كبد السماء أي قبل الزوال وذلك في الحر الشديد.
في هذه الأوقات لا يدفن فيها الميت سواء في يوم الجمعة أو في غيرها من الأيام، أما بالنسبة إذا كان بعد الزوال وقد زالت الشمس فلا حرج، وإن كان ذلك لأجل تلبية داعي الجمعة، فوجود الميت الذي يخشى عليه أن يؤثر عليه البقاء إن لم يسارع في دفنه وجود هذا الميت عذر لمن كان معنياً به، فيجوز لهم أن يسرعوا في تجهيزه قبل أن يصلوا الجمعة، وليستدركوا الجمعة إن فاتتهم.
السؤال (25)
امرأة تعاني من الضغط والسكري وأرادت أن توقف الحمل بواسطة اللولب، فهل يصح لها ذلك؟
الجواب:
عليها أن تستشير الأطباء في ذلك إن كان ذلك لا يضر بها، لأن الضرر مرفوع، والإنسان ليس له أن يُقدم على ما يضره، ولتقارن بين مضرة الحمل وبين مضرة اللولب.
السؤال (26)
ما حكم بالكي في نهار رمضان؟
الجواب:
إذا كان هذا الكي لأجل علاج فإنه لا ينقض الصوم، لا يؤثر على الصيام إذ ليس هو إدخال لشيء في الجوف.
السؤال (27)
عندما يتحلل الحاج أو المعتمر يحلق بالماكينة التي لا تذهب الشعر بأكمله ولكن يبقى شيء منه في الرأس فهل هذا يعد حلقاً أم تقصيرا؟
الجواب:
هذه منزلة بين المنزلتين، ولعله أقرب إلى الحلق إن كان لا يبقى من الشعر إلا اليسير لأنه حتى الموس لا يأتي على جميع الشعر.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه. (2/453)
صفحة 940
4 من ذي القعدة 1424 هـ، 28/ 12/2003م
الموضوع: الوقف والوصية
السؤال (1)
شخص وقف مالاً لأشخاص معينين فهل لهم بيعه أو قسمته؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فالوقف مصدر من وقف يقف وقفاً، وهو فعل يتعدى بنفسه، لا يحتاج في تعديته إلى همزة، فكما أنه يأتي بهذه الصيغة أي الثلاثية لازماً يأتي كذلك متعدياً بنفس الصيغة الثلاثية، فوقف اللازم مصدره وقوف، ووقف المتعدي مصدر وقف، والدليل على أن وقف يتعدى بنفسه قول الله تبارك وتعالى (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ) (الصافات:24)، ولم يقل (وأوقفوهم)، وكذلك قوله تبارك وتعالى (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ) (سبأ: من الآية31)، ولم يقل (موقفون). ومن العلماء من قال بأن أوقف خطأ، ومنهم من قال هي لغة ضعيفة.
والوقف هو صدقة تستمر بعد موت الإنسان، فإن كان هذا الوقف وقفاً عاماً لا ريب أنه ليس لأحد أن يتصرف فيه، اللهم إلا إن أصبح الوقف لا يمكن أن يجدي نفعا، فعندئذ يمكن التصرف فيه ببيع على نظر العدول الثقات الأمناء ذوي الخبرة في شؤون الأموال الذين يرون أن بيعه أمر ضروري لا بد منه لأجل أن تستمر منفعة الوقف بحيث تعطلت بسبب عدم القدرة على الاستفادة منه، وأما فيما عدا ذلك فلا يجوز بيعه.
وإن كان وقفاً موقوفاً لقوم مخصوصين فهم يملكون المنفعة ولا يملكون العين، فلذلك أيضاً لا يجوز لهم بيعه إلا أن يروا المصلحة في بيعه بسبب أنه لا يجديهم نفعاً ولا يجدي من بعدهم نفعاً.
فالوقف إما أن يكون وقفاً مقطوعاً بحيث إنه يعود إلى الورثة بعد موت تلك الطبقة الموقوف عليها وإما أن يكون وقفاً مستمراً في أعقابهم. (2/454)
صفحة 941
فالذين وقف عليهم وقف مقطوع أي محدود بجيل معين وبعده يعود إلى الورثة فذلك الوقف بطبيعة الحال لا يملكون منه إلا المنفعة، أما بالنسبة إلى الوقف الذي يتحول إلى أعقابهم فيما بعدهم فإنهم أيضاً لا يملكون إلا منفعته ولا يملكون عينه، فلا يسوغ لهم أن يبيعوه إلا عندما تتعين المصلحة وتتبين الضرورة إلى البيع بحيث إنهم لا يجدون منفعة من بقائه بسبب عدم إمكان استغلالهم له ففي هذه الحالة تنظر المصلحة لأن الوقف حكمه حكم اليتيم وقد قال الله تعالى في اليتامى (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْر) (البقرة: من الآية220)، فهم تراعى مصلحتهم على أي حال، والله تعالى أعلم.
السؤال (2)
من وقف مالاً وقال وقفت هذا المال لأولادي ولأولاد أولادي، فهل يدخل في هذا البنات وبنات البنات؟
الجواب:
أولاً علينا أن ننظر في هذا الوقف الذي هو للأولاد لأن الأولاد إنما هو ورثة، والوقف له حكم الوصية والله تبارك وتعالى لم يجعل الوصية لوارث وذلك بسبب النص القرآني الذي دل على أن التدخل في أمر الوصايا أمر لا يجوز بحال من الأحوال، فالله سبحانه وتعالى قد قسّم المواريث بعدله جعلها مقسومة بعدله لم يكلها إلى نبي مرسل ولا إلى ملك مقرب، وبعد قسمتها قال (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) (النساء:13 - 14)، هكذا بيّن الله سبحانه وتعالى أن الخروج عما رسمه لعباده في قسمة هذه المواريث إنما هو تعد لحدوده، وتوعد الذين يتعدون حدوده بهذا الوعيد الشديد وهو أن لهم ناراً خالدين فيها ولهم عذاب مهين. (2/455)
صفحة 942
فإذاً ليس هنالك مساغ لئن يقف الإنسان وقفاً على أولاده بسبب أن قسمة المواريث بينهم قسمة عادلة والنبي صلى الله عليه وسلّم قال: لا وصية لوراث، والوقف له حكم الوصية فلذلك يُسئل عنه العبد كما يُسئل عن الوصية، لا يجوز أن يتعدى حدود الحق في هذا الوقف كما لا يجوز أن يتعدى حدود الحق في الوصية.
نعم لو وقف إنسان مالاً لأسرة بحيث تنتفع تلك الأسرة ومن بين الأسرة الأولاد فذلك خير، ولكن علينا أن ننظر أيضاً في مفهوم الأولاد، ما هو مفهوم الأولاد؟ مفهوم الأولاد يشمل البنين والبنات، فالله تبارك وتعالى يقول (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن) (النساء: من الآية11)، فسمى الجميع أولاداً، وكذلك نجد أن الآيات القرآنية تدل على الذكر والأنثى كل منهما ولد، فالذكر ولد والأنثى ولد، لا تخرج الأنثى عن كونها ولدا.
على أن الذين يخصون أولادهم بالأوقاف أو الذين يقفون الأموال لذراريهم هم بين صنفين، بين من يخص الذكور دون الإناث وفي هذا تعد عظيم، لماذا يخص الذكر دون الأنثى وقد أعطى الحق تبارك وتعالى كل واحد نصيبه؟ وإما أن يجعلوا هذا الوقف للذكور والإناث ثم لأولاد الذكور دون أولاد الإناث، وفي هذا أيضاً حيف على الإناث، فلماذا يُخص هذا الوقف بأولاد الذكور دون أولاد الإناث؟ فلا بد من النظر في ذلك والاحتراز وترك الأمر لله تبارك وتعالى كما فعل في قسمة المواريث من غير اعتراض عليه سبحانه في ذلك.
السؤال (3)
من وقف حصة له في مشاع، ما حكمه؟
الجواب:
لا مانع، لأن الوقف لا يشترط أن يكون الموقوف متعيناً متبيناً واضحاً. الوقف كالصدقة لأنها صدقة تستمر بعد الموت، وللإنسان أن يتصدق بحصته بالمشاع فكذلك له أن يقف حصته من المشاع، وليس ذلك كالبيع إذ الوقف العوض عنه ليس في الدنيا وإنما العوض عنه في الدار الآخرة.
السؤال (4)
ما معنى المشاع؟
الجواب: (2/456)
صفحة 943
المشاع المال المشترك سواء كان هذا الاشتراك بسبب ميراث وذلك بأن يرث الإنسان حصة من مال وبسبب ذلك الإرث كان ذلك المال مشتركاً بينه وبين غيره فله حصة منه وللآخرين حصص منه كل واحد نال حصته بسبب الإرث، وإما أن يكون المشاع حصل الشيوع فيه - شيوع الحصص والحقوق لكل واحد منهم - بسبب أنهم اشتروا المال جميعاً ولم يقتسموه فيما بينهم فلم يكن نصيب كل واحد منهم متميزاً عن أنصباء الآخرين بل حق كل واحد منهم في جميع المال وليس في جزء معين من المال.
السؤال (5)
أناس وقفوا نخلة وماتت منذ زمن وأراد أهل المزرعة مد ساقية مكانها، فهل يجوز أن يوقفوا بدلاً منها نخلة في مزرعة أخرى؟
الجواب:
هناك أحد أمرين، هذه النخلة إما أن تكون نخلة أصيلة أي هي وأرضها موقوفة، الأرض موقوفة كما أن النخلة موقوفة، وإما أن تكون وقيعة بحيث إن مالكها لا يملك إلا النخلة ولا يملك أرضها، فإن كانت وقيعة فبانتهائها انتهى كل شيء، وإن كانت بخلاف ذلك فإن الأرض تبقى للوقف وفي هذه الحالة يجب أن تغرس هنالك نخلة بدلاً من النخلة، ولا يجوز تحويل الوقف عن ذلك المكان إلا إن كانت المصلحة في ذلك متعينة، وذلك بأن يكون موضع هذه النخلة اقتربت منه الطريق مثلاً فأصبح غير صالح للغرس، أو أن تكون هنالك حالة من الحالات تؤدي إلى أن يكون ذلك المكان غير صالح للاستغلال أي غير صالح للغرس ففي هذه الحالة لا مانع من أن يعوضوا عنه مكاناً آخر ويتركوا هذا المكان للانتفاع به بطريقة أخرى.
السؤال (6)
إذا لم يعرف هل هذه النخلة الموقوفة وقيعة أم لا؟
الجواب:
الأصل في النخلة أن تكون غير وقيعة، إما كونها وقيعة أمر يتوقف على الدليل، من ادّعى أنها وقيعة فعليه أن يأتي بالحجة.
السؤال (7)
إذا كانت نخلة موقوفة وكان الماء لا يكفيها وظلت زمناً طويلاً ميتة فهل يستبدلونها بنخلة أخرى من أجل أن يستغلوا غلتها أيضاً؟
الجواب: (2/457)
صفحة 944
إن كانت النخلة الأولى من حيث القيمة ومن حيث الريع أفضل ورأى ذلك العدول الذين لهم النظر في شؤون هذه الأموال ولهم الخبرة في الغرس وما يحتاج إليه فلا مانع من ذلك.
السؤال (8)
إذا كانت النخلة فوق تل أو فوق ركام من التراب وأرادوا تسوية ذلك التراب، فهل التراب يعتبر أيضاً من الوقف ويباع ويستغل؟
الجواب:
تلك الأرض وما احتوته إنما هي داخلة في الوقف.
السؤال (9)
هل يتصور أن يكون في الوقف زكاة؟
الجواب:
الوقف هو صدقة، وليس في الصدقة صدقة، فمن وقف لمدرسة مثلاً أو وقف للفقراء أو وقف للمساكين أو وقف لشيء من هذا القبيل، وكذلك إن كان الموقوف لهم ذوي القربى، فإن ذوي القربى في هذه الحالة إنما أعطاهم صلة وهذه الصلة هي في حكم الصدقة فلا زكاة في ذلك لأنهم لا يملكون الأصل حتى يقال بأن في ذلك زكاة، هم غير مالكين للأصل وإنما هم مالكون للمنفعة فحسب وهذه المنفعة بمثابة الصدقة الجارية التي تجري عليهم.
السؤال (10)
عندما يُبنى مسجد يقال للناس من أراد أن يتبرع أو أن يوقف شيئاً من ماله من أجل نفع هذا المسجد فعليه أن يفعل فقام أحدهم وأتى مثلاً بألف طابوقة واستخدم منها مثلاً خمسمائة وبقي العدد الباقي فكيف يتصرف به؟
الجواب:
هذه ملك للمسجد تباع لمصلحة المسجد، فإن كان المسجد بحاجة إلى عمارة فليعمر بها، وإن لم يكن بحاجة إلى عمارة من الممكن أن يُدخل هذا المبلغ في شراء أصل يكون وقفاً للمسجد ويعود ريعه إلى المسجد.
السؤال (11)
ما حكم الوصية للحمل؟
الجواب: (2/458)
صفحة 945
لا مانع من الوصية للحمل لأن الوصية ليست هي كالإرث، الإرث لا يستحقه إلا من كان مولوداً إبّان موت الموروث أما الوصية هي بخلاف ذلك، ولذلك يمكن للإنسان أن يوصي للناس جيلاً بعد جيل يوصي لهذه الأسرة ثم لأودهم فيما بعد ثم لأولاد أولادهم فيما بعد وهكذا كما هو الشأن في الوقف عندما يوصي به الإنسان، ولكن الإرث لا يكون كذلك، فالإرث لا يكون إلا للجيل الأول إلا أن ينتقل إلى ورثة الوارثين من خلال إرثهم لهؤلاء الوارثين لا من خلال إرثهم للموروث الأول فهكذا شأن الإرث، أما الوصية فبخلاف ذلك، فلذلك لا مانع من أن يوصي الإنسان للحمل، إذ الحمل هو مولود.
السؤال (12)
امرأة لا تملك مالاً ولا ذهباً وقد أدت ما عليها من حج وزكاة وصيام، وقد قيل لها أنه يجب عليها الوصية حتى ولو لم تملك شيئاً، فهل هذا بصحيح؟
الجواب:
ليس بصحيح، الوصية إنما هي في من ترك خيرا، فالله تبارك وتعالى يقول (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً – أي إن ترك مالاً - الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) (البقرة:180).
السؤال (13)
ما حكم وصية المريض والصبي؟
الجواب:
لا ريب أن المريض له أن يوصي، والمريض هو أحوج ما يكون إلى الإيصاء، والله تبارك وتعالى يقول (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) (البقرة: من الآية180) فمعنى ذلك أن تكون أمارات الموت حاضرة سواء كان ذلك لمرض أو سواء كان ذلك لأنه حكم عليه بالإعدام فهذا المريض هو أولى بأن يوصي من غيره. (2/459)
صفحة 946
وأما الصبي ففي ذلك خلاف، منهم من رأى له أن يوصي لأن الوصية تختلف عن العطية، ولأن الصبي يتقرب إلى الله تبارك وتعالى بالقربات فلا مانع من أن يوصي، وقد يلزم الصبي أيضاً ضمان في ماله بناء على أن بعض تصرفات الصبي يترتب عليها الضمان في ماله فمن العلماء من قال بأن الصبي ما أكله في بطنه أو ركبه بفرجه أي إذا اغتصب وواقع في هذه الحالة يلزمه بعد البلوغ أن يؤدي ذلك من ماله، فقد يوصي بذلك من ماله لأنه حق متعلق بالمال، هذا على القول بأن هذين الحقين يتعلقان بمال الصبي كما يقول بعض أهل العلم.
السؤال (14)
هل يجوز للموصي أن يرجع عن وصيته، وهل يعتبر التصرف في العين الموصى بها رجوعاً عن الوصية، كأن يوصي رجل بدراهم أو بريالات معينة ثم يستخدمها أو ببيت فيهبه أو بمزرعة فيبيعها؟
الجواب:
نعم، الوصية إنما تثبت بموت الموصي، وقبل أن يموت الموصي للموصي أن يتصرف فيقدم فيها ويؤخر ويبدل ويغير ويحذف ويزيد وهكذا، له أن ينقص ويزيد، وأن يغير كما يشاء، لا مانع من ذلك، وإنما هي تثبت ثبوتاً تاماً بوفاته، فليس بعد أن يتوفى من تغيير فيها لأحد.
السؤال (15)
امرأة أوصت أولادها بأن يصوموا عنها أربعة أشهر وأن يحجوا عنها ويعتمروا، فكيف يكون هذا الصيام؟
الجواب:
في الصيام خلاف بين أهل العلم، هل يصوم أحد عن أحد، أو لا يصوم أحد عن أحد، هناك كثير من العلماء قالوا لا يصوم أحد عن أحد أخذاً بالقياس نظراً إلى أن الصيام عبادة بدينة خالصة، ولما كانت عبادة بدنية خالصة فلا يسوغ أن يصوم أحد عن أحد كما لا يسوغ أن يصلي أحد عن أحد، فالصلاة عبادة بدنية خالصة والصيام كذلك ولا يصلي أحد عن أحد، هذا رأي طائفة من العلماء.
ومنهم من استثنى صيام النذر لأجل الحديث، دل الحديث أن امرأة نذرت أن تصوم ولم تصم وسئل ابنها رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأمره بالصيام عن أمه. (2/460)
صفحة 947
وهناك رأي آخر بأن من مات وعليه صيام صام عنه وليه وهذا جاء به الحديث حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عند الشيخين وحمله بعضهم على صيام النذر خاصة، ولكن هذا يتنافى مع ما ذهب إليه أكثر إليه الأصوليين من أن الحكم العام إذا ورد لفرد من أفراد مدلولاته فإن وروده لذلك الفرد في نص آخر لا يدل على أنه خاص بذلك الفرد أي لا يخصص ذلك عمومه بل يبقى عمومه كما هو، وقوله صلى الله عليه وسلّم: من مات وعليه صيام. الصيام فيه مطلق، و (من) من أدوات العموم فمعنى ذلك من مات وعليه أي صيام كان فإن ذلك الصيام يمكن أن يصومه عنه وليه. والولي تعني القرابة هاهنا إذ القريب هو ولي قريبه.
ومن العلماء من توسع , هذا مذهب أصحابنا المشارقة توسعوا كثيراً حتى أباحوا أن يصوم الأجنبي، وأباحوا أن يكون هذا الصيام بأجرة، ولكن بما أن ذلك لم يأت به حديث، ونفس الصيام هو في الأصل صيام شخص عن شخص خارج عن سنن القياس، لأن القياس أن لا يصوم أحد عن أحد، ولولا النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم لما قلنا بصيام أحد عن أحد، وكل ما كان خارجاً عن سنن القياس فغيره عليه لا يقاس، ولما كان لا يقاس عليه غيره فلا نقول بحال بأنه يسوغ أن يصوم غير الولي وأن يكون هذا الصيام بأجرة، لا نقول ذلك، ولذلك نقول بأن أولى الناس بالصيام هم أولادها هم ورثتها، يصومون إن اقتسموا ذلك بحسب الميراث فذلك خير، وإن تكفل بعضهم فذلك خير، ولكن لا يصوم اثنان في وقت واحد، وإنما لهذا أن يصوم عندما يفطر هذا حتى لا يكون صيامان عن شخص واحد في يوم واحد.
السؤال (16)
هل يجوز الوصية بأكثر من الثلث إن أجاز ذلك الورثة أو بعضهم؟
الجواب: (2/461)
صفحة 948
الأصل في الوصية أن لا تكون إلا بالثلث، (والثلث كثير)، هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وهذه وصايا التبرعات، أما حقوق الناس فلا خلاف في أنها تُخرج من أصل المال، لا تُخرج من الثلث لأن حق الناس يتعلق بالمال كله، وأما حقوق الله ففيها خلاف، فمن العلماء من قال بأنها تُخرج من أصل المال، ومنهم من قال بأنها تخرج من الثلث، والقول بإخراجها من الثلث هو قول الأكثرين من أصحابنا فبه قال جم غفير منهم كموسى بن على وابن محبوب وأبي سعيد وأبي محمد وأبي المؤثر وغيرهم كل هؤلاء قالوا بأنها تخرج من الثلث، وإنما قال سليمان بن عثمان بأنه تخرج من أصل المال، وهذا القول يتبين لي رجحانه لأن النبي صلى الله عليه وسلّم بيّن أن حق الله تعالى حق مقدم على حق المخلوقين حيث قال (فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء)، فهذا يدل على أن دين المخلوق ودين الله يشتركان في كونهما يقضيان جميعاً وإنما دين الله أحق، فلأجل هذا لا ينبغي أن يقال بأن دين الله يخرج من ثلث المال بينما دين المخلوقين يخرج من أصل المال، الحديث دال على أنه لا يختلف دين الخالق عن دين المخلوقين في ذلك فكلاهما يخرجان من أصل المال، والله تبارك وتعالى أعلم.
هذا بالنسبة إلى جواز الوصية بأكثر من الثلث إنما هو إذا كان على الإنسان حق، أما إن كان في حال حضور الموت وافق الورثة على الوصية بأكثر من الثلث فلا مانع من ذلك، واستدل لذلك بقول الله تبارك وتعالى (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْه) (البقرة: من الآية182)، لا إثم على من أصلح بين الموصي وبين ورثته حتى يجنب الورثة الحيف والظلم لئلا يكون قصد الإلجاء، إلجاء المال عنهم، وفي نفس الوقت لا حرج أيضاً أن يوافق الورثة على ذلك لأن ذلك حق يتنازلون عنه. (2/462)
صفحة 949
وقيل ولو وافقوا على ذلك عند الإيصاء فإن لهم الحق أن يرجعوا عن هذه الموافقة لأن الوصية إنما تلزم بالموت ولا تلزم بمجرد الإيصاء، وإنما تكون ثابتة بالموت ولا تكون ثابتة بمجرد الإيصاء ما لم يمت الموصي والوصية باقية لم يغيرها، وهذا القول هو من حيث النظر هو قول قوي ولكن إذا جئنا إلى الآية الكريمة فإن الآية تجيز الصلح، والصلح بطبيعة الحال يكون في حال الإيصاء، ولو لم يكن هذا الصلح نافذاً لما كان معنى لإثباته في النص القرآني لذلك ذهب طائفة من العلماء بأن ما أثبتوه عند الوصية يكون ثابتاً عليهم عند موت الموصي، والله تعالى أعلم.
السؤال (17)
هل الثلث من المال كله، فإذا كان رجل عنده مزرعة وعنده مجموعة سيارات فأوصى بثلث المزرعة وأبقى للورثة السيارات والباقي من المزرعة، لكن الورثة يقولون بأنهم بحاجة للمزرعة أكثر من السيارات؟
الجواب:
العبرة في هذا إن أوصى بشيء بعينه مع النظر في الثلث ولم يكن ذلك زائداً على الثلث فإن وصيته تنفذ ولو كانت نفوسهم تتطلع إليه، فلو كان لا يملك إلا مزرعة واحدة وأوصى بالمزرعة كلها وله مال آخر بحيث إن تلك المزرعة لا تزيد على ثلث ماله فوصيته تنفذ ولا يجوز تغييرها.
السؤال (18)
رجل جاوزت وصيته الثلث وكان بعض ما أوصى به واجباً عليه من حقوق الله تعالى وبعضها احتياطياً وبعضها تنفلا، فهل يحاصص بين هذه كلها أم يقدم بعضها على ألآخر؟
الجواب: (2/463)
صفحة 950
قد بيّنا اختلاف العلماء في حقوق الله هل تخرج من الثلث أو تخرج من أصل المال، وقلنا بأن الحديث الشريف يدل على أنها تخرج من أصل المال لأن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء، وبما أن دين الله أحق بالقضاء فإذاً هذا حق واجب إخراجه بل الصحيح ولو لم يوص به لأن الحديث سيق في هذا المساق ولو لم يوص به فإن إخراجه يكون واجباً على القول الصحيح، هذا الذي ذهب إليه الحنابلة وذهب إليه الشافعية، بينما أصحابنا والحنفية والمالكية يقولون بأن حقوق الله لا تنفذ إلا إن أوصى بها، لكن النبي صلى الله عليه وسلّم هكذا قال لسائله (فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء)، فلا نرى التردد في الأخذ بما دل عليه الحديث الشريف، ونرى التعويل على ذلك.
وبناءً على هذا فإن ما كان من حقوق الله تعالى فهو يخرج من أصل المال، وما كان من الأمور الاحتياطية أو كان من التنفلات فهو يخرج من ثلث المال، والله تعالى أعلم.
السؤال (19)
رجل ورث من أبيه مالاً، ولم يأخذ نصيبه من هذا المال وتوفي قبل ذلك، هل ينتقل إلى أولاده؟
الجواب:
نعم، ينتقل إلى ورثته جميعاً. ما كان من حق له في إرث ولم يحرزه ثم مات قبل إحرازه فإنه ينتقل إلى ورثته جميعاً بقدر أنصبائهم، فمن كان له الثلث أعطي منه الثلث ومن كان له الربع أعطي منه الربع وهكذا، كل أحد يعطى منه بقدر نصيبه من ولد وزوج وغيره.
السؤال (20)
رجل يريد أن يوصي فهل الأفضل أن يوصي للمسجد أم للمقبرة لحفر القبور أم لمدرسة لمدرسيها وبنايتها؟
الجواب: (2/464)
صفحة 951
أولاً قبل كل شيء الوصية الواجبة عليه، يجب عليه أن يوصي لأقربيه الذين لا يرثونه، هذه وصية واجبة بنص القرآن، الله تبارك وتعالى قال (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) (البقرة:180)، أما الوالدان فمن العلماء من قال بأن حقها نسخ بسبب الآية الكريمة، ومنهم من خصه بالوالدين المشركين نظراً إلى أن المشركين لا يرثان، وقال الإمام أبو الحسن البسيوي بأن هذا القول هو الذي يعول عليه، تُجعل الآية الكريمة مخصصة بما دل من الروايات على أن المشرك لا يرث من المسلم فلهما حق في الوصية ولو كانا على الشرك، وهذا قول وجيه في الحقيقة.
ووصية الأقربين الذي لا يرثون هي وصية واجبة بهذا النص، ولا يجوز لأحد عنده مال أن يفرط فيها، ثم إنه يجب عليه أن يوصي بما عليه من الحقوق التي لم يتمكن من أدائها في حياته، فما كان يخشى أن لا يؤديه في حياته من الحقوق فعليه أن يوصي به ليقضى عنه بعد مماته.
وبعد هذا فلينظر في التبرعات، لينظر في حاجة الناس، هل هناك حاجة إلى مسجد، أو هل المسجد بحاجة إلى وقف، أو بحاجة إلى أن يوصي له بشيء من أجل إصلاحه، ومن ناحية أخرى أيضا لينظر إذا كانت الحاجة داعية إلى أن تكون هنالك مدرسة للقرآن بحيث لم تكن المدرسة قائمة، ولينظر إذا كان الفقراء أحوج، فلينظر فيما كان أحوج.
قد يكون يرى أن الوصية لمدرسة القرآن أفضل، ولكن المدرسة قائمة ولها أوقاف كثيرة وليست بحاجة إلى مزيد، وقد يكون يرى أن المسجد هو أفضل وأنه أولى بأن يوصى له ولكن المسجد قائم وله أوقاف فاضلة عن حاجته فلا داعي لأن يوصى له، وإنما على الإنسان أن يتحرى، وأن ينظر حيث الحاجة، فحيثما تكون الحاجة قائمة فثم موضع الوصية فهناك تكون الوصية أفضل منها في موضع آخر، والله تعالى أعلم.
السؤال (21) (2/465)
صفحة 952
الوصية لحفر القبور هل تجوز على اعتبار أنه عمل إنساني واجب؟
الجواب:
لا مانع من ذلك، في ذلك بر إن شاء الله.
السؤال (22)
توفي شخص وأوصى لأحد أبنائه وهو ابن صغير بقطعة أرض من ماله دون البقية ولما جاء الورثة لقسمة المال وجدوا هذه الوصية فأردوا أن لا ينفذوها لما في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم: لا وصية لوارث. ولكن ما إن علم الأخ الصغير بنيتهم عدم تنفيذ الوصية حتى أقام الدنيا عليهم ولم يقعدها وهددهم بأن لا يكلمهم إن لم يعطوه الأرض التي أوصى بها والده وكذلك فعلت والدته، فاضطروا إلى إعطائه الأرض وإخراجها من المال المقتسم، فمن هو المذنب في هذه القضية هل الأب الذي أوصى أم الأخ وأمه؟
الجواب:
الأب أذنب بوصيته للوارث وذلك حيف وظلم وتعدٍ على حدود الله، فإن للوارث نصيبه الذي حدده الله تعالى له وقد قال تبارك وتعالى بعد قسمة المواريث (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) (النساء:13 - 14).
والولد أيضاً وأمه عاصيان آثمان يبوءان بوزرهما لأنهما حرصا على إنفاذ الباطل، فهو لا يستحق هذه الوصية بنص القرآن الكريم وبنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأن القرآن دل على أن كل تعدٍ في أمر المواريث إنما هو تعدٍ لحدود الله، وحديث النبي صلى الله عليه وسلّم جاء واضحاً صريحاً في هذا، فإذاً كل من هؤلاء يبوء بوزره.
وقد كان جديراً بهذا الولد أن يحرص على التخفيف عن والده، وأن لا ينفذ الباطل الذي أوصى به والده، بل عليه أن يحرص على الابتعاد من هذا الباطل وأن يكون ضد إنفاذه، والله تعالى أعلم.
السؤال (23)
وهل رضاء الأبناء لتفادي هذه المشكلة يخفف عن والدهم؟ (2/466)
صفحة 953
الجواب:
الأمر لله عز وجل، ذلك أمره إلى الله، وإلا فقد وقع هو في مخالفة أمر الله.
السؤال (24)
الابن بما أنه علم بهذا الأمر هل تنصحونه بالمسارعة في ترك هذه الوصية؟
الجواب:
نعم.
السؤال (25)
رجل أوصى بخمسين ريالاً لمسجدين أحدهما قائم ويصلى فيه والآخر مندثر، فكيف يتصرف في هذه الحالة بهذا المال؟
الجواب:
هذه المسألة مما وقع الخلاف فيه، قيل أقرب المساجد إلى ذلك المسجد الموصى له هو أولى إن كان يتعذر أو يتعسر أن يجدد بناؤه، تتعسر عمارته أو تتعذر من جديد، وقيل بأن ذلك للمسجد الجامع، وقيل بأن هذه الوصية لا محل لها فهي ترجع إلى الورثة، نظراً إلى أن كل وصية لا محل لها ترجع إلى الورثة، ولكن ينبغي للورثة بما أن والدهم ذكر بجانب المسجد المندثر مسجداً قائماً أن يجعلوا الخمسين كلها للمسجد القائم، والله تعالى أعلم.
السؤال (26)
يرى كثير من الناس أن الوصية تكتب إذا تقدم بهم العمر، فمتى يمكن للإنسان أن يوصي وهل يغير وصيته كلما تقدم به العمر؟
الجواب:
الإنسان مطالب بأن يحرص على الوصية دائماً منذ بلوغه الحلم فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر يجد ما يوصي به أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة تحت رأسه. وهذا يدل على عظم شأن الوصية، فمن واجب الإنسان أن يحرص على أن يوصي بما عليه من الحقوق ويوصي لأقربيه الذين لا يرثونه، فإن ذلك حق عليه، وأن لا يتمادى في ذلك، وبإمكانه أن يغيّر الوصية من حال إلى حال، والله تعالى أعلم.
السؤال (27)
يروى عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: من مات ولم يوص مات ميتة جاهلية. فهل هذا الحديث صحيح؟
الجواب:
هذا الحديث لم أطلع عليه بهذا اللفظ.
السؤال (28)
هل للوصي أن يوكل غيره في إنفاذ الوصية التي أوصي إليه بأن ينفذها؟
الجواب: (2/467)
صفحة 954
إن كان غير قادر على تنفيذها نعم له أن يستعين بغيره مع مراقبة ما يفعله الغير، وأن يحرص على أن لا يستعين إلا بأمين.
السؤال (29)
رجل أوصى بمال للفقراء، فما هو أقل عدد من الفقراء يجزي لإنفاذ الوصية؟
الجواب:
الفقراء جمع وأقل الجمع ثلاثة، فإن أعطي لثلاثة فصاعداً أجزى ذلك.
السؤال (30)
رجل أوصى بنخلة لأكفان الموتى لكن هذه النخلة عندما تعرض للطني يتجنبها الناس نظراً لأن هذه الأموال كما يقولون لا تصرف في حقها وإنما يستغلها القائمون عليها، هل لهم أن يخفوا هذا الأمر عن الناس بحيث يكون سرياً حتى يشتروا أو يتعاملوا معها؟
الجواب:
لا مانع من ذلك. عليهم أن يحرصوا على ما فيه المصلحة.
السؤال (31)
من هم الفقراء الأقربون، وهل هم يتساوون في الوصية؟
الجواب:
هذا مما يؤسف له ونحن نبهنا كثيراً وقلنا كثيراً بأن هذه الوصية هي حق للأقربين وليست للفقراء منهم فحسب، هي حق لكل قريب ولو كان أغنى غني في العالم وهو قريب فإن حقه في الوصية قائم إذ الله تعالى لم يقل (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت الوصية للوالدين ولفقراء الأقربين) وإنما قال (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) (البقرة: من الآية180)، فهي حق لكل قريب ولو كان يملك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، ويملك مساحات شاسعة من الأرض، ويملك من العمارات ما لا يكاد يدخل تحت الحصر فبما أنه قريب هو حقيق بهذه الوصية، إذ هذه الوصية ليست صدقة وإنما هي صلة، صلة من الإنسان بعد موته كما أن الإنسان عليه أن يصل قريبه في حياته ولو كان من أغنى الأغنياء وأعظم العظماء ولكن بمجر كونه قريباً يكون حقه في الصلة قائماً، كذلك هذه الصلة بعد الموت صلة واجبة فعلى الناس أن يتنبهوا لذلك. (2/468)
صفحة 955
فالأقربون هم كل قريب من قبل الأب أو من قبل الأم سواء كانوا من الأصول أو من الفروع، كل قريب للإنسان من حيث النسب فإن حقه في هذه الوصية حق قائم، وإنما يراعى تقديم الأقرب فالأقرب، فإن كان له بنون فتعطى أولاد الأولاد أولاً ثم بعد ذلك أولاده ما تناسلوا، وكذلك الأجداد والجدات من قبل الأب و من قبل الأم، ثم كذلك بعد ذلك تعطى للأخوة وأولادهم ما تناسلوا، وبعد ذلك للأعمام والعمات والأخوال والخالات ما تناسلوا وهكذا، بعد ذلك أعمام الأب وأعمام الأم وأولادهم ما تناسلوا وهكذا، قيل إلى أربعة جدود وقيل إلى خمسة وقيل إلى سبعة وقيل ما لم يفصل الشرك بينهم.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
17 من ذي الحجة 1424هـ، 8/ 2/2004م
الموضوع: الحج وما بعد الحج
السؤال (1)
سماحة الشيخ الحجاج عادوا من فريضة الحج وعادوا من تلك الأماكن الطاهرة، فما هي الرسالة التي ينبغي عليهم أن يؤدوها بعد فريضة الحج؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلّم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقبل كل شيء بادئ ذي بدء أوجه هذه التهنئة من أعماق القلب إلى هؤلاء الحجاج الذين وفقوا لئن يفدوا على الله تبارك وتعالى في عراصه الطاهرة حول بيته المحرم الذي هو أول بيت وضع للناس، جعله الله تعالى مهوى للأفئدة، ونقطة ارتباط المؤمنين بعضهم ببعض، إذ يفد إليه في كل عام لفيف من وفود الله تبارك وتعالى من شتى أصقاع الأرض ليلتقوا هنالك على كلمة سواء كلمة التوحيد، معلنين ولائهم لله سبحانه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا سبحانه. (2/469)
صفحة 956
فقد جعل الله تبارك وتعالى في لقائهم هذا ربطاً بين فئاتهم الموجودة في هذه الأرض على اختلاف أجناسها وجنسياتها، وعلى اختلاف ألسنتها وألوانها، وعلى اختلاف أحوالها وعاداتها، إذ يلتقون جميعاً هنالك وكلهم يتخلون عن الفوارق التي تفرق بين طائفة وأخرى من لغة أو عادة أو غيرهما، وليعلنوا بلسان واحد لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، وفي هذا ما يشد بعضهم إلى بعض وما ينقي قلوبهم من جميع الأسباب التي تؤدي إلى التفرق والاختلاف فيما بينهم، ثم من ناحية أخرى في هذا ما يتيح لهم الفرصة لئن يتعارفوا وأن يتآلفوا، وأن يتدارسوا مشكلاتهم، وأن يتعاونوا على حلها، وأن يساعد بعضهم بعضا فيما يهمهم جميعا مجسدين في ذلك الوحدة الإيمانية التي تشد المؤمن إلى المؤمن كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلّم: ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.
ثم من ناحية أخرى في وفادتهم إلى الله تبارك وتعالى في تلكم العراص الطاهرة ما يشدهم إلى سلف هذه الأمة، إلى تاريخها العظيم، إلى تاريخ ميلاد هذه الأمة على يدي نبي الله صلوات الله وسلامه عليه عندما بعثه الله سبحانه وتعالى بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا فقام بالدعوة إلى الله سبحانه وسط ضجيج الجاهلية، ولم يبال بما كان يلقاه من تحدٍ وما كان يلقاه من عنت من قبل قومه الذين أخلدوا إلى الكفر وآثروا الباطل على الحق واستمرأوا المنكر فعافوا المعروف. (2/470)
صفحة 957
وظل صلى الله عليه وسلّم مجاهداً يواصل ليله بنهاره في الدعوة إلى الله تعالى غير لاوٍ على شيء مما كان يلقاه من التحديات حتى انتشرت هذه الدعوة ونفذ صوتها إلى أسماع الناس ثم إلى قلوبهم فتغلغل في أعماقها وتحول الناس إلى دين الله تعالى الحق، دين الإسلام الذي بعث الله تعالى به المرسلين من قبل، وأتم الله سبحانه وتعالى به النعمة على هذه الأمة إذ بعث به نبيها صلى الله عليه وسلّم على أتم وجوهه وأوسع مداخله ومخارجه وأدق أحكامه وأشملها وأعمق حكمه وأجلها.
فلذلك كان جديراً بهذا المسلم الذي يستذكر هذه الأحداث العظيمة أن يرتبط ارتباطاً بهذا التاريخ العظيم، وأن يواصل سبيل الدعوة إلى الله تبارك وتعالى غير لاوٍ على شيء مما يلقاه من التحديات، جاعلاً نصب عينيه ما كان عليه المرسلون من قبل الذي حملوا رسالة الحق إلى الخلق ولم يبالوا بالتحديات التي كانوا يلقونها حتى شارفوا اليأس من هول تلكم التحديات فشاء الله سبحانه وتعالى أن يسفر ليل اليأس عن صبح يشرق فيه صدق الرجاء الذي كانوا يرجونه من الله سبحانه وتعالى كما دل على ذلك قوله سبحانه (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ*حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَاسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ*لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف:109 - 111). (2/471)
صفحة 958
فجدير بمن شرّفه الله سبحانه وتعالى بالوقوف في تلك العراص الطاهرة واسترجاع شريط الذكريات أن يرجع من هنالك بزاد من الإيمان وبزاد من اليقين يدفعه دفعاً إلى الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بالواجب بين عباد الله سبحانه.
ثم مع ذلك على هذا الإنسان الذي شرفه الله تعالى بأن مكّنه من أن يتطهر من رجس الآثام بالتوبة النصوح وهو في أقرب مكان إلى رضوان الله تبارك وتعالى حول بيته المحرم وبجوار نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام جدير بهذا الإنسان أن يرجع من هنالك وقد قلب صفحة حياته وغيّر مجراها من الشر إلى الخير ومن الفساد إلى الصلاح ومن الاعوجاج إلى الاستقامة ومن الضلال إلى الهدى ومن الغي إلى الرشد ومن التشتت والضياع إلى الاجتماع مع المؤمنين والانتظام في سلك الإيمان مع جميع أفرادهم قائماً بحق هذه الأخوة الإيمانية ومؤدٍ لواجبها على أحسن وجه، والله تعالى ولي التوفيق.
السؤال (2)
هل إحساس الإنسان بالاطمئنان وتغير حاله إلى الأحسن من حيث تقربه إلى الله سبحانه وتعالى بصنوف الطاعات دليل على قبول حجه؟
الجواب: (2/472)
صفحة 959
المؤمن يكون دائماً خائفاً من الله وراجياً منه، يزدحم في قلبه الخوف والرجاء لأنه يشعر بتقصيره في حق الله فيدعوه ذلك إلى مخافته سبحانه وتعالى، ويشعر بفضل الله تبارك وتعالى وعظيم نعمته فيدعوه ذلك إلى الرجاء، فهو إذاً واقع بين هذين التيارين دائماً، فمهما عمل من خير يظل دائماً خائفاً من الله تبارك وتعالى، ومهما كان شاعراً بتقصيره فإنه يظل مع ذلك راجياً فضل الله تبارك وتعالى عليه، فهو يرجو أن يغفر الله تعالى خطيئته ويخشى أن توبقه سيئاته، ولذلك عندما سألت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها الرسول صلى الله عليه وسلّم عن المؤمن أيخشى عندما يرتكب المعصية؟ أجاب بأنه يخشى وهو يعمل الطاعة وتلا عليها قول الله تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) (المؤمنون:60).
فالمؤمن على هذا الحال يفعل ما يفعل من الخيرات ولكنه مع ذلك لا ينسى أن يخشى ربه تبارك وتعالى لأنه مهما عمل من صالحات ومهما وفق له من طاعات فإن حق الله تبارك وتعالى أعظم مما يعمله من الأعمال، ولكن مع ذلك كله إنما يرجو من فضل الله.
فلا يثق بأعماله وإنما ثقته بفضل الله تبارك وتعالى ورجاؤه في إحسانه سبحانه وتعالى، رجاؤه بأن يغمره بغفرانه وأن يوفقه للتوبة النصوح، وهكذا شأن المؤمن. (2/473)
صفحة 960
ولكن مع ذلك يرجى للإنسان الذي يشعر بأنه تحول مجراه إلى الخير أن يشكر نعمة الله تعالى الذي أنعمها عليه، وأن يعلم أن ذلك ليس بسبب نفسه وإنما ذلك عائد إلى توفيق الله سبحانه، فعليه أن يواصل شكر الله تبارك وتعالى بحيث لا يفتر عن هذا الشكر، وليس الشكر كلمة يقولها بلسانه، وإنما الشكر قبل كل شيء شعور في أعماق النفس بحيث يشعر الإنسان بعظم منة الله تبارك وتعالى ثم يجسد ذلك في طاعته تبارك وتعالى وفي التعبير عن هذا الشعور بلسانه بحيث يذكر نعمة الله تعالى عليه، هذا هو معنى الشكر حتى عند اللغويين فإن أهل اللغة يقولون بأن الشكر هو فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث إنه منعم على الشاكر سواءً كان قولاً باللسان أو كان اعتقاداً ومحبة بالجنان أو كان خدمة وعملاً بالأركان وهذا الذي أفاده قول الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة *** يدي ولساني والضمير المحجبا (2/474)
صفحة 961
فيده يخدمهم بها ولسانه يشكرهم به والضمير المحجب يواليهم به، ومعنى ذلك أن النعماء التي أنعموا بها عليه جعلته يسخر لسانه ويسخر يده ويسخر جنانه من أجل الوفاء بحق هذه النعمة، هذا لئن كان في حق المخلوق فكيف بحق الله؟ ولذلك قال العلماء بأن الشكر في الاصطلاح إنما هو أن يسخر العبد كل ما أنعمه الله تعالى به عليه لطاعته تبارك وتعالى بحيث لا يعصي ربه بنعمته التي أنعمها عليه، لأن كل ما بالإنسان إنما هو من نعم الله تعالى عليه، فكل خلية من خلايا جسمه بل كل ما هو أدق من الخلايا إنما هو من نعم الله تعالى التي أنعمها عليه، وكذلك النعم الأخرى التي يسبح في خضمها هي من نعم الله تبارك وتعالى التي لا تحصى ولا تعد، فهذا الإنسان جدير بأن يسخّر ذلك كله لطاعة الله، بأن يسخّر حياته بأسرها لطاعة الله، هذا هو الشكر، وفي مقابله كفر النعمة أي تغطيتها وعدم القيام بحقها، وقد قابل الله تعالى بينهما عندما قال (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) (الانسان:3)، ويقول فيما يحكيه عن عبده سليمان عليه السلام (لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) (النمل: من الآية40)، والله تعالى أعلم.
السؤال (3)
رجل توفي منذ أكثر من سنة لكن هذه السنة ولده وكّل شخصاً ليحج عنه فشاءت الأقدار أن يتوفى مع ضمن الذين توفوا في رمي الجمرات وهو الآن يسأل عن الركن الذي تبقى وهو طواف الإفاضة، كما أنه يسأل عن الشخص الذي توفي هناك ما هو أجره؟
الجواب:
الذي توفي إنما قدم إلى الله وسار في طاعة الله فيرجى له من الله تبارك وتعالى الخير، وعلينا أن نحسن ظننا بالله سبحانه وتعالى وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيرا. (2/475)
صفحة 962
أما بالنسبة إلى الحج فإنه بقي ركن من أركانه وهو طواف الإفاضة لم يؤد عن هذا الميت فلذلك كان من الضرورة أن يؤدى عنه، كان ينبغي أن يقوم أحد من رفقة هذا الحاج فيؤدي هذا الطواف هناك، ولكن بما أنه لم يقم بذلك فإنه بالإمكان أن يذهب أحد في خلال هذه الأيام ويؤدي العمرة عن نفسه وينوي في نفسه أن يطوف طواف الإفاضة عن المتوفى، فبالإمكان أن يطوف في خلال شهر ذي الحجة على رأي كثير من العلماء، قيل طواف الإفاضة ينتهي بالعشرين من ذي الحجة وقيل ينتهي بانتهاء ذي الحجة وقيل ما لم يأت الحج القابل، ومهما يكن فإنه ينبغي التعجيل، فإن وجد هناك من يمكن أن يقوم بهذا الطواف فذلك خير وأولى، وإن تعذر ذلك فالأولى أن يذهب أحد من هنا لأجل هذا الغرض، والله تعالى أعلم.
السؤال (4)
رجل قدم إلى الحج متمتعاً وأثناء الطواف للعمرة أحدث ولكنه لم يعد الوضوء بسبب الزحام فسعى وتحلل، فما الحكم؟
الجواب: (2/476)
صفحة 963
كان عليه أن يعيد الطواف، والطواف هو صلاة أحل الله تعالى فيها الكلام، فيحرم على الإنسان أن يؤدي الطواف إلا بوضوء كامل، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلّم منع الحائض التي لا يمكن أن تكون إلا متلبسة بالحدث الأكبر من الطواف بينما أباح لها أن تؤدي بقية المناسك، وهذا يعني أن الطواف بالبيت إنما يكون لمن تطهر تطهراً تاماً، ولا يجوز أن يؤدى الطواف إلا بطهر تام، فنظراً إلى هذا يعتبر هذا الرجل بأنه فعل فعلاً منافٍ لما كان يجب عليه، ولربما يمكن أن يسوغ على منتهى الترخيص، ويجعل ذلك من باب الرخصة لمن وقع في الأمر بأن يدرج في ضمن الذين قرنوا بحيث يعتبر غير متحلل إن كان ظل غير مواقع لأهله في خلال هذه الفترة، يمكن أن يفتدي مما وقع فيه من محظورات الإحرام، ويعتبر قارناً بين الحج والعمرة ويكون طوافه لحجه أي طواف الإفاضة هو طوافاً عن النسكين جميعاً وكذلك سعيه بين الصفا والمروة، يمكن أن يكون ذلك لسبب أنه وقع في هذا الأمر لا لأن يأخذ الإنسان بذلك وهو مختار، لكن هذه رخصة لمن وقع في ذلك، والله تعالى أعلم.
السؤال (5)
أجريت لي عملية جراحية في القلب والشرايين وما استطعت أن أؤدي طواف الوادع بسبب التعب والإرهاق والخشية على نفسي فجئت دون أن أودع، فما الحكم؟
الجواب:
هذه المسألة اختلف فيها لأن العلماء مختلفون في المريض غير القادر على طواف الوادع هل يكفيه ما أداه من المناسك من قبل عن الوادع، أو أنه لا بد من الوداع فإن لم يودع فعليه دم، منهم من حمله على حكم الحائض وقد رخص النبي صلى الله عليه وسلّم في الحائض في أن تغادر مكة ولا تودع، ومنهم من قال بأنه لا بد من أن يعوض عن ذلك بنسك، وهذا نراه أحوط له خروجاً من عهدة الخلاف، والله تعالى أعلم.
السؤال (6)
بسبب الزحام في مكة والمدينة لم نستطع أن نسجد وأن نركع وإنما أومأنا إيماءً، فما الحكم؟
الجواب: (2/477)
صفحة 964
أما إن تعذر على الإنسان ذلك فإنه يؤمر أن يؤدي العبادة بحسب استطاعته، (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه استطعتم) هكذا قال الرسول صلى الله عليه وسلّم، والله تبارك وتعالى يقول (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: من الآية16)، ويقول سبحانه وتعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية286)، ويقول (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا) (الطلاق: من الآية7)، ولكن عندما يكون الإنسان في عسر وشدة عندما يأتي إلى المسجد الحرام فالأولى له أن يصلي في سائر المساجد أو أن يصلي في منزله الذي نزله ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يصلي بالأبطح ولم يكن يأتي إلى المسجد الحرام، فلا يلزم أن يذهب لكل صلاة إلى المسجد الحرام، وصلاة الإنسان في مكان واسع بحيث يتمكن من أداء وظائف الصلاة وأعمالها جميعاً خير له من أن يصلي في مكان لا يتمكن فيه من أداء بعض أركان الصلاة.
السؤال (7)
رجل عاد من فريضة الحج ولكنه عاد متشككاً في أنه لم يؤد بعض المناسك فقد كان قادراً ولكنه أجر للرمي عنه؟
الجواب:
الأصل في الإنسان إن شك في شيء لم يتيقنه أن لا يعود إليه بسبب الشك، ولكن لو كان مثلاً قصّر في شيء وهذا الشيء يمكن أن يجبر بشيء بدم مثلاً فليفعل ذلك، فإن كان هو رأى أنه قصّر في الرمي فبإمكانه أن يرسل من يذبح عنه دماً هنالك دماً يكفي للهدي ويكفيه ذلك بمشيئة الله.
السؤال (8)
امرأة عمياء تستطيع الحج إن وجدت من يقودها ولكنها ترفض الذهاب بسبب هذه العلة فماذا يصنع ولدها وهل يؤجر عنها؟
الجواب: (2/478)
صفحة 965
لا، الأصل نفس التأجير عنها لا يجوز ما دامت هي قادرة، بل للنيابة حتى لو أراد أن ينوب عنها الأصل أن لا يكون ذلك في حق من هو قادر وهو غير معذور، فإن النيابة إنما جاءت إما عن الميت وإما عن العاجز كما جاء في حديث الخثعمية التي قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلّم: يا رسول الله إن فريضة الحج أدركت أبي وهو شيخاً كبيراً لا يستطيع الثبوت على الراحلة أفأحج عنه؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلّم: أرأيت أن لو كان على أبيك دين فقضيته أكان مجزياً؟ قالت: نعم. قال: فذاك ذاك. فهذا دليل على أن النيابة إنما تكون عن العاجز ولا تكون عن القادر، فلما كانت هذه المرأة قادرة فهي متعبدة بذلك، ثم مع ذلك هي عاصية بسبب إعراضها عن أداء ركن أركان الإسلام، وكيف هذا العاصي تجبر معصيته بطاعة غيره، إنما طاعة الإنسان وحده هي التي تجبر معصيته بحيث ينقلب من المعصية إلى الطاعة ومن الفساد إلى الصلاح لا طاعة غيره ولو كانت طاعة أقرب قريب إليه كولده مثلاً فإن الله تبارك وتعالى يقول (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى) (النجم:39)، فالإنسان له سعيه فبما أن سعيه سعي غير مرضٍ لله تعالى فلا ينفعه سعي غيره.
على هذا الولد أن ينصح أمه بأن تطيع ربها تبارك وتعالى وأن تنقاد لأمره وأن تذعن لحكمه، ثم بعد ذلك لو عجزت هنالك يقوم هو بأداء هذا الواجب عنها نيابة عنها بعد أن أداه عن نفسه والأولى أن يؤديه بنفسه من أن يقوم بتأجيره غيره، والله تعالى أعلم.
السؤال (9)
ما حكم من رمى جمرة العقبة قبل الفجر جهلاً منه؟
الجواب: (2/479)
صفحة 966
الرمي قبل الفجر لا يعتد به، وإنما هنالك رخصة حسبما في حديث أسماء رضي الله تعالى عنها للظُعن أي للنساء، مع أن حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه عندما قدّمه النبي صلى الله عليه وسلّم في أغيلمة بني عبد المطلب أي في ضعفة أهله كان النبي صلى الله عليه وسلّم يطعن في أفخاذهم يقول: أبيني لا ترموا حتى تطلع الشمس. قد يمكن أن يقال بأن حديث أسماء مخصص لأن هذا في خطاب الضعفة من الرجال وذلك للنساء خاصة لأنها قالت إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أباح للظعن، فإن كان هذا رجلاً فلا يرخص له وعليه أن يعيد الرمي وإن كان امرأة فهنالك رخصة للمرأة، والله تعالى أعلم.
السؤال (10)
هذا ليست لديه رخصة وفعلها، فما الحكم؟
الجواب:
يعتبر نفسه أنه لم يرم، وعلى هذا فليعد إن كان الوقت فيه سعة، وإن كان الوقت لم يبق ففي هذه الحالة عليه ما على من ترك الرمي وهو الدم، والله تعالى أعلم.
السؤال (11)
هل صحيح أن الأقرب إلى السنة بأن الإنسان في فترة الحج يستحب له أن يترك السنن الرواتب؟
الجواب: (2/480)
صفحة 967
كون النبي صلى الله عليه وسلّم لم يصل السنن الرواتب لا يعني ذلك كراهتها، وإنما هذا من باب التخفيف عن الأمة، فالنبي صلى الله عليه وسلّم حسبما روي عنه اقتصر على أداء الفرائض، ولكن لا يعني ذلك أنه جعل ذلك من المناسك، وفي الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من فهم خلاف هذا، فنجد من الصحابة من كان يتهجد في الليل فهذه السيدة أسماء رضي الله تعالى عنها عندما كانت مع غلامها كما جاء صحيح البخاري وكانت في جمع أخذت تصلي في الليل ثم قالت لغلامها هل غاب القمر؟ قال لها: لا. فاستمرت على صلاتها إلى أن سألته مرة: هل غاب القمر؟ حتى أخبرها بأنه غاب القمر فعندئذ أمرته بأن ينطلق بها إلى منى، هذا دليل على أنهم كانوا لا يقتصرون على الفرائض وحدها فلا فمعنى لهذا، إنما أراد النبي صلى الله عليه وسلّم التخفيف عن الأمة لأن أفعاله تشريع لأمته عندما يفعل الشيء، أما الترك فليس كذلك يمكن أن يترك الشيء وهو حبيب إليه إلا أنه يتركه بسبب التخفيف عن أمته، وهكذا ينبغي أن يؤخذ في هذا.
السؤال (12)
رجل في ليلة عرفة رأى أنه يطوف حول الكعبة؟
الجواب:
لعل هذه إشارة له بأن يوفق إن شاء الله للحج وأداء المناسك وأن يوفق لفعل الطاعات والأعمال الصالحة وأن يفد إلى الله بقلب مخلص إن شاء الله.
السؤال (13)
أثناء طواف الوداع سألني أحد الطائفين أنه شاك هل طاف سبعة أشواط أم لا. فقلت له: اقطع الشك باليقين، فما الحكم في قولي هذا؟
الجواب:
أصاب في هذا، لأن الأصل إذا شك الإنسان في الأمر فعله أو لم يفعله أنه لم يفعله، فإذا كان متردداً هل هو في الشوط السادس أو في الشوط السابع فليجعله السادس وليطف الشوط السابع، أما ما قيل من إعادة الطواف فذلك مبني على الاحتياط فحسب وإلا فهذا هو الأصل حتى في الصلاة عندما يتردد الإنسان في ركعة من ركعات الصلاة هل هو في الثلاثة أو في الرابعة فليجعلها الثالثة وليسجد لسهوه، والله تعالى أعلم.
السؤال (14) (2/481)
صفحة 968
بسبب الزحام نسي أن يصلي ركعتي الطواف بعد طواف الإفاضة، فما الحكم؟
الجواب:
فليصلهما متى ذكرها.
السؤال (15)
حتى لو تذكرهما هنا في عمان؟
الجواب:
فليصلهما.
السؤال (16)
من أدى العمرة من قبل فهل إذا حج عليه أيضاً أن يؤدي العمرة؟
الجواب:
لا يلزم، لا تتكرر العمرة أي لا يتكرر وجوبها، إنما تكون نافلة إذا أداها في المرة الثانية وفي المرة الثالثة، لا تكون واجبة في كل مرة من المرات. على أن العمرة نفسها اختلف العلماء فيها هل هي واجبة أو هي سنة، ومهما قيل فيها فإنها لا يتكرر وجوبها، ففي المرة الثانية تكون نافلة من النوافل. وله أن يحج من غير اعتمار.
السؤال (17)
رجل قرن بالحج مع العمرة لكنه تحلل نسياناً؟
الجواب:
ليعد إلى إحرامه وعلى كل حال إن كان لبس المخيط نسياناً ففي هذه الحالة إن كان لم يستمر من الليل إلى النهار ومن النهار إلى الليل فلينزع المخيط وليلب ولا حرج عليه، وأما إن كان قصر أو حلق فعليه الفدية عن ذلك.
السؤال (18)
ما حكم من توفي ولم يوص بالحج، فهل على أولاده أن يؤدوا الحج عنه من أمواله أم من أموالهم؟
الجواب:
حقيقة الأمر هذه المسألة مما وقع فيه الخلاف بين أهل العلم، فقيل بأن من ما لم يوص بما يجب عليه من حقوق الله تعالى لا يكون واجباً على ورثته أن يؤدوا ذلك لا من أمواله ولا من أموالهم، وهذا القول هو الذي ذهب إليه المالكية والحنفية وذهب إليه أصحابنا قالوا بأنه لا يجب عليهم أن يؤدوا وإنما يبقى الحق متعلقاً بذمته، لا يكون الحق متعلقاً بماله، هذا هو الذي ذهبوا إليه.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن ذلك يكون واجباً في ماله ولو لم يوص به، هذا مع الاتفاق بأن الحق إن كان من حقوق الناس فإنه يجب أن ينفذ من ماله ولو لم يوص به. (2/482)
صفحة 969
والإمام السالمي يفرق بين أن يكون الحق متعلقاً بذمته أو أن حقاً شريكاً في المال كالزكاة فإنها شريك في المال على قول كثير من العلماء ولعله قول أكثرهم. فإن كان هذا الحق شريكاً في المال بحيث لم يكن متعلقاً بالذمة وإنما كان متعلقاً بالمال نفسه ففي هذه الحالة يؤدى ولو لم يوص به، وإن لم يكن شريكاً لا يلزم أداؤه وإنما ذلك يعود إليهم ويثابون على تأديته إن أدوه.
والذي يترجح لي في هذا هو قول من قال بوجوب الأداء على الإطلاق أي ينفّذ ذلك من ماله مادام حقا واجباً عليه أوصى به أو لم يوص بدليل حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عند الشيخين أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: من مات وعليه صيام صام عنه وليه، وبدليل أن رجلاً جاء وسأل النبي صلى الله عليه وسلّم عن أمه بأنها نذرت أن تحج ولم تحج وفي رواية عن أخته فالنبي صلى الله عليه وسلّم قال: فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء. فدين الله أحق، قوله (أحق) صيغة تفضيل ومعنى ذلك أنه أأكد في القضاء من دين الناس، ولئن كان أأكد في القضاء من دين الناس فكيف يجب أن يؤدى دين الناس من غير أن يوصي به المدين ولا يجب أن يؤدى دين الله والنبي صلى الله عليه وسلّم يقول هو أحق بالقضاء، هذا مما يؤكد الوجوب، فلذلك في نظري أنه يجب أن تؤدى هذه الحجة من ماله، وإن أدوها من مالهم فذلك خير إن شاء الله.
السؤال (19)
إذاً لا يشترط رضا الورثة؟
الجواب:
على القول الراجح نعم.
السؤال (20)
ما حكم من رمى الجمرات بعد المغرب؟
الجواب:
جاء التحديد ببداية الرمي ولم يأت التحديد لنهاية الرمي، فمن رمى بعد المغرب فقد رمى إن شاء الله ولا حرج عليه.
السؤال (21)
رجل أمه عاجزة لا تستطيع أن تذهب إلى الحج فهل يؤجر عنها؟
الجواب:
ذلك خير، وإن حج بنفسه فذلك أفضل له كما دل على ذلك حديث الخثعمية.
السؤال (22)
هل تؤجل ركعتي الطواف إذا كان الوقت في تلك اللحظة تمنع فيه الصلاة؟
الجواب: (2/483)
صفحة 970
نعم إن كان وقت الطلوع أو وقت الغروب أو وقت استواء الشمس في كبد السماء في الحر الشديد فلتؤجل إلى زوال المانع ولتصل بعد انتهاء المانع.
السؤال (23)
لدي شعور أن الناس يقعون في مخالفات في هذا الأمر بسبب الزحام وعدم التفاتهم إلى الوقت فعادة يكاد تكون صلاتهم للركعتين لا ينقطع، فهل عليهم من بأس؟
الجواب:
لا يمكن أن نقول بأنهم يصلون متى شاءوا مع أن حديث النبي صلى الله عليه وسلّم كما جاء في حديث عقبة بن عامر عند مسلم ثلاثة أوقات كنا ننهى أن نصلي فيهن وأن نقبر فيها موتانا. هذه الثلاثة الأوقات ينهى أن يدفن فيها الموتى فضلاً عن الصلاة فكيف تباح الصلاة فيها.
السؤال (24)
هل تنصحون الحجاج والمعتمرين في هذه الحالة أن يأخذوا لديهم التوقيت المناسب لطلوع الشمس وغروبها.
الجواب:
نعم، نعم.
السؤال (25)
محرم وقع في ملابسه بعض التمر والعسل وعند دلكه سقط بعض من الشعر من جسمه أكثر من ثلاث، فما الحكم؟
الجواب:
أما إذا كان الغسل غسلاً رفيقاً ولم يكن غسلاً عنيفاً ففي هذه الحالة ليس عليه شيء لأن هذا شعر ميت وإلا فعليه الفدية.
السؤال (26)
أثناء الطواف كان يحمل طفلاً ثم اكتشف أن فيه غائطا في الحفاظ فهل يفسد وضوئه؟
الجواب:
لا يؤثر ذلك على وضوئه.
السؤال (27)
امرأة كانت تمتخط ويخرج منها الدم في عرفات؟
الجواب:
الامتخاط وخروج الدم في هذه الحالة لا يؤثر على إحرامها.
السؤال (28)
امرأة كانت تطوف مع أختها وقد بقي عليها شوطان فقالت أختها لها بقي ثلاثة فطافت ثلاثة وكانت هي على علمها أنه بقي اثنان، فما الحكم؟
الجواب:
كان عليها أن تأخذ بما تيقنت ولكن هذه الزيادة إنما أرادت بها الاحتياط، فلما أرادت بها الاحتياط لا نقول بأن ذلك مما يؤثر عليها إن شاء الله.
السؤال (29)
محرمة قتلت عصفوراً نسياناً، فما الحكم؟
الجواب: (2/484)
صفحة 971
ولو لم تكن محرمة في مكة لا يجوز قتل شيء من الصيد في مكة قط، والمحرم في أي مكان داخل مكة أو خارجها ليس له أن يقتل شيئاً من الصيد، ففي هذه الحالة عليها الفدية حتى ولو كان عصفوراً إنما عليها جزاء ما أشبهه من النعم، والنعم إنما هي ثمانية أزواج، فلذلك قالوا في الحمامة تلزم فيها شاة وهكذا ما كان نحوها لأنه لا يوجد من النعم ما هو أقل من الشاة.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
24 من ذي الحجة 1424هـ، 15/ 2/2004م
الموضوع: عام
السؤال (1)
في الحلقة الماضية سئلت امرأة عن قتل الصرصور للمحرم وربما سبق إلى أذهاننا أن السؤال عن العصفور، فنحن نطرح السؤال مرة أخرى عن قتل المحرم للصرصور؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فعندما طرح هذا السؤال سبق إلى ذهني أن المراد به عصفور، وأجبت برأي سبق لبعض العلماء التابعين هو عطاء أنه قال في كل طائر يطير تجب شاة عندما يقتل في الحرم أو عندما يقتله المحرم، وهذا رأي على أي حال.
ومن العلماء من يرى أنه تنظر القيمة في ذلك، ومن العلماء من يرى تحكيم الحكمين في مثل هذه الأشياء التي هي دون بهيمة الأنعام أي ليس له ما يماثلها من بهيمة الأنعام.
وبالنسبة إلى الصرصور أقرب ما يكون بأنه أشبه ما يكون بهذه الأشياء التي هي قليلة القيمة، هو أشبه بالجراد ونحوه، والعلماء قد قالوا في الجراد ما قالوا منهم من قال فيه قبضة طعام، ومنهم من قال بأنه فيه تمرة، ومنهم من قال فيه لقمة، ومنهم من قال بأنه يحكم فيه الحكمان. والقول بتحكيم الحكمين في مثل هذه الأشياء هو الذي ينبغي أن يصار إليه، أي يحكم حكمان ينظران في مقدار قيمة ذلك الشيء الذي قتل، فالصرصور ليس هو من الأشياء التي لها ما يماثلها في بهيمة الأنعام، فالأخذ بهذا الرأي أراه وجيهاً، والله تعالى أعلم.
السؤال (2) (2/485)
صفحة 972
أنا امرأة متزوجة وكنت أقيم مع زوجي ولي منه أولاد وكنا نعيش في منزل مستقل بعيداً عن أهلي وأهله إلا أن هذا الرجل أصيب بأمراض نفسية (الجنون) ولم يشف وقد جاءت والدتي وأخذتني مع أولادي منه وبقي زوجي وحيداً دون علاج حتى تاريخه فهل يلحقني ذنب حين تركته وهو مريض؟
الجواب:
العشرة الزوجية إنما هي إحسان بين الجانبين، هي ربط مصير بمصير كما يقال لأن كل واحد من الزوجين عليه أن يرعى الآخر في يسره وعسره، في صحته وسقمه، في مكرهه ومنشطه، في فرحه وترحه، في جميع الأحوال، فما كان لامرأة صحبت رجلاً في صحته وعافيته ونعمائه أن تنقلب بعد ذلك عندما يصاب بمرض من نحو هذا وهو لا يجد من يقوم بشأنه، أما إن كان واجداً من يقوم بشأنه فلا حرج، ثم كذلك إن كانت تخشى على نفسها منه أو تخشى على أولادها منه بحيث لا يؤمن بطشه أيضاً هذه الحالة ينبغي أن تراعى لأن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها حتى في العبادات المفروضة لا يكلف الله نفساً إلا وسعها فكيف بما دون ذلك، فهذه الأمور يجب أن تراعى، ويجب على أسرته أن تتعاون جميعاً من أجل مراعاة هذا الرجل، ومن أجل علاجه ومن أجل القيام بشئونه ومراعاة مصالحه فإن ذلك من الواجب (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: من الآية2).
السؤال (3)
أنا امرأة عندي بنات وصلن سن الزواج وتقدم أحد أقاربي لخطبة إحداهن ولم توافق، ولم أستطع إلزامها على الزواج منه والمتقدم للزواج من أرحامي وعندما رفضت البنت الزواج قاطعنا وأعلن غضبه علينا ولم يقم بزيارتنا ونحن كذلك لم نستطع زيارته حيث لم يستقبلنا في منزل أهله، فهل علينا ذنب بشأن قطع هذا الرحم؟
الجواب: (2/486)
صفحة 973
لا ينبغي القطع، وهو عليه أن يكون واعيا ًوفاهما، قضية الزواج ليس فيها إكراه، لا يكره الفتى على أن يقبل الفتاة التي لا يريدها، ولا تكره الفتاة على أن تقبل الشاب الذي لا تريده، إنما هي قضية وئام ومودة ولقاء بين القلوب، فلئن كانت القلوب متنافرة فكيف يكون هذا الزواج، ومن الواجب مراعاته أن ترك الزواج من أول الأمر أهون وأولى وأصلح من أن يدخل الإنسان نفسه في مأزق ثم يندم بعد ذلك فإن الزواج الذي لا يكون بتراضٍ ما بين الجانبين وتوافق بين الزوجين يؤدي إلى الشقاق وهذا ما شاهدناه كثيراً، فعندما تكره الفتاة بأن تتزوج من لا تريده يؤدي ذلك إلى الشقاق وتتحول الحياة إلى جحيم لا يطاق، والأولى ترك الدخول في ذلك حتى لا يجرب الإنسان هذه التجربة المريرة ثم يعض بعد ذلك على بنان الندم.
فينبغي لهذا الشاب الذي تقدم أن يكون واعياً فاهماً مدركاً وأن لا يؤدي به ذلك إلى قطع العلاقة والإساءة إلى الأرحام فإن الإساءة إلى الأرحام أمر فيه خطورة كبيرة فالله تبارك وتعالى يقول (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) (محمد:22)، قطيعة الرحم أمر خطير جداً وعلى الإنسان أن يتقي الله تبارك وتعالى في ذلك، وأن يدع هذه النزغة الشيطانية التي في نفسه والتي تجعله يحب أن تلبى مطالبه ولو لم تكن في ذلك مصلحته ومصلحة غيره وإن لم تلب أدى به الأمر إلى منع الحقوق وقطيعة الأرحام، فنحن نوصي الجانبين بتقوى الله تبارك وتعالى وبمراعاة كل جانب منهما حق الجانب الآخر، والله تعالى المستعان.
السؤال (4)
رجل لا يصلي وزوجته وأهله ينصحونه دائماً ولكنه لا يستجيب، والزوجة في قرارة نفسها غير راضية عن هذا الأمر وتخشى أن تقع المشاكل وأخيراً تسكت عنه، فهل يحاسبها الله تعالى على تركه للصلاة أو أنه يتحمل ذنبه وحده؟
الجواب: (2/487)
صفحة 974
لا خير في تارك الصلاة، فإن الله تبارك وتعالى ناط كل خير بإقام الصلاة، فعندما يذكر صفات البررة أهل التقوى والصلاح يبدأ بإقام الصلاة قبل كل شيء بعد ذكر العقيدة فوراً فإن الله تعالى يقول في القرآن (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (البقرة:2 - 3)، ويقول فيه (هُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) (النمل:2 - 3)، ويقول (هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) (لقمان:3 - 4). وهكذا نجد أن الله سبحانه وتعالى ينوط كل خير بإقام الصلاة ثم ما يتبع ذلك من الأعمال الصالحة التي هي من ثمرات إقام الصلاة، بينما الأعمال المخالفة الحق المجانفة للرشد إنما تُبدأ أيضاً بإضاعة الصلاة فالله سبحانه وتعالى يقول (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) (مريم:59)، وعندما ذكر أن أصحاب النار والعياذ بالله يقال لهم يوم القيامة (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) (المدثر:42) حكى جوابهم عندما قال (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) (المدثر:43 - 47)، فبدأ كل ما ذكره بكونهم لم يكونوا من المصلين وهذا دليل على أهمية الصلاة، فمن هنا كان من ترك الصلاة ليس له نصيب من الإسلام والعياذ بالله، ونجد أن الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر. (2/488)
صفحة 975
ويقول عليه أفضل والسلام: ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة، وفي رواية أخرى بين العبد والكفر ترك الصلاة، هذا مما يدل على خطورة أمر الصلاة وأن المحافظة عليها عنوان الصلاح والاستقامة والبر، وأن عدم المحافظة دليل التردي في المهاوي والعياذ الله.
ولذلك نحن نرى أنه من الضرورة بمكان أن تقوم بدعوته إلى الحق وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فإن هذه هي رسالة المؤمنين والمؤمنات جميعاً إذ الله تبارك وتعالى يقول (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة:71)، وإن وجدت سبيلاً للاستعانة بأحدٍ عليه كأقربائه الذين لهم تأثير عليه فإن ذلك حسن، فينبغي أن تستعين وهذا من التعاون على البر والتقوى، وإن تعذر إقناعه بكل وجه من الوجه فإنها لا تتحمل تبعة فعله إنما يتحمل ذلك بنفسه والله تعالى يقول (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام: من الآية164)، كل وازرة إنما تبوء بوزرها بنفسها ولا تتحمل وزر غيرها، فكل أحد بما كسب رهين، هو رهين بما كسب وغيره رهين بما كسب فلا تتحمل هي شيء من تبعات انحرافه عن الحق (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) (المائدة: من الآية105)، أي لا يضركم من ضل إذا اهتديتم أنتم إلى أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ودعوته إلى الحق والتمسك بالحق الذي جانفه هو، فهي إن شاء الله تعالى بما أنها أمرته بالخير ودعته إليه وحضته عليه تكون على سبيل الحق والرشد. (2/489)
صفحة 976
بقي هل لها أن تستمر على علاقتها عنده بحيث تكون زوجة له مع كونه بهذه الحالة من التردي في الفساد، الجواب إن هذا إن كان جاحداً للصلاة بحيث يقول بأنها غير مفروضة أو أنها ليست من الواجب في شيء أو نحو ذلك مما يمكن أن يقوله سفيه لا يبالي بما يصدر منه فإن حصل ذلك ففي هذه الحالة يكون مرتداً عن الإسلام ولا يجوز لها أن تبقى عنده، أما إن كان غير جاحد لها فهو يعتبر فاسقاً وكفره إنما هو كفر نعمة وليس بكفر شرك، أي كفره لا يخرجه من ملة الإسلام فلذلك لا يحكم عليه بالارتداد، وإنما يحكم عليه بالفسوق، ولها أن تبقى معه مع محافظتها على دينها، ومع حرصها على أن تربي أولادها على الاستقامة والرشد حتى لا يؤثر عليهم سلوك أبيهم المنحرف، فنرجو لأولاده أن يكونوا بمشيئة الله أولاداً بررة.
والأم لها تأثير كبير في تربية الأولاد بسبب قوة عاطفتها وقدرتها على التأثير على الأولاد من خلال هذه العاطفة إذ تغمرهم بها وترعاهم وتوجههم إلى الخير، فعندما تكون واعية حريصة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تغرس فيهم القيم منذ نعومة أظفارهم بحيث تذكرهم دائماً بالله وباليوم الآخر، تخوفهم عقابه وتبشرهم بثوابه إن استقاموا على الحق فتدعوهم إلى الاستقامة، وهذا الذي نرجوه منها إن شاء الله، ونرجو لهؤلاء الأولاد الصلاح والتقوى عندما يكونون عند أم صالحة، والله تعالى المستعان.
السؤال (5) (2/490)
صفحة 977
ذكرتم في مناسبة من المناسبة من المناسبات ما يلي ( .... فلذلك كان من يبيع المشتبه أمره في حرج فهو بمثابة من يبيع الحرام فالمشتبه ثمنه حرام عليه وعليه أن يتخلص من ذلك الثمن إن عرف صاحبه فليدفعه إليه وإلا فليدفعه إلى فقراء المسلمين)، السؤال سماحة الشيخ: إذا كان الشيء الذي هو شبهة لا يعده الناس شبهة إما لجهلهم وإما لكونهم متأولين ويقبلون على شرائه بقوة كبعض المشروبات التي يقال إنها تحتوي على مكونات محرمة وكبعض المساحيق التي يدخل في تركيبها أشياء نجسة، فهل يلزمه في هذه الحالة أن يتخلص من ذلك الثمن إن عرفه أو إلى فقراء المسلمين إن كان لم يعرف صاحبه مع العلم أن عدد الناس الذين باع لهم كثيرون جداً وقد يتذكر بعضهم والبعض الآخر لا يتذكره؟
الجواب:
في هذه الحالة إن كان هو موقنا بوجود هذه المكونات المحرمة في هذه المبيعات فإنه يكون قد أقدم على ما حرم الله تبارك وتعالى، أما إن كان غير دارٍ بذلك أو ما كان يشتبه عليه الأمر إذ كان يتصور أنها من جنس المبيعات المحللة فباع ذلك ثم تبين له بعد حين، تبين أن هنالك شبهة في هذه الحالة هو لم يقدم على ما حرم الله تعالى إنما كان الناس يتعاملون على أن ذلك الشيء هو محلل استصحاباً للأصل إذ الأصل في الأشياء الحل حتى تثبت حرمتها.
أما إن كان أقدم على بيع المشتبه به أو على بيع المحرم مع معرفته بحرمته أو مع معرفته بالشبهة التي في ذلك الشيء فعندئذ لا ريب أنه عليه الخلاص، والله تعالى أعلم.
السؤال (6)
الكثير من الناس يقولون ربما من غير علم -وهذا هو الواضح- أن هذه المادة الفلانية فيها شحم خنزير أو أن هذه المادة الفلانية فيها كذا من المحرمات الناس يقولون لكنهم لم يأتوا بدليل ...
الجواب: (2/491)
صفحة 978
هم بنوا على أي شيء قولهم هذا؟ إن كانوا بنوه على شيء من الدليل ولو كان دليلاً ضعيفاً ولكنه كافٍ لئن يثير شبهة في النفس ففي هذه الحالة يلحق ذلك بالشبهات، أما إن كانوا لم يبنوه على دليل قط ففي هذه الحالة مثل هذه الشهرة إن لم تكن مؤثرة في النفس حرجاً فلا حرج، وهذه الشهرة لا تعتبر شيئاً كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: الإثم ما حاك في الصدر والبر ما اطمأنت إليه النفس.
السؤال (7)
إذا كان الإنسان مريضاً أي لا يستطيع أن يقف في الصف لأداء صلاة الجماعة فأحضر له كرسي في المسجد للجلوس عليه ففي هذه الأثناء هل ينبغي له عندما تقام صلاة الجماعة أن يجلس بعد سترة الإمام بثلاثة أشخاص أو أكثر فنلاحظ أنه يوجد هناك فراغ بينه وبين الشخص الذي في يساره وكذلك الشخص الذي في يمينه بسبب عدم رغبتهم في الاحتكاك بالكرسي الموجود أم أنه يجب عليه أن يجلس بمحاذاة الجدار أي آخر الصف؟
الجواب:
الأولى له أن يجلس بمحاذاة الجدار، هذا أولى له وأسلم له وأسلم لغيره أيضاً، ولكن مع ذلك لو جلس في مكان من الصف قبل طرفه ولم تكن هنالك فرجة فلا مانع، أما وجود الفرجة فلا يسوغ، لا يسوغ أن تكون هنالك فرجة إذ يؤمر برص الصف وعدم إيجاد فرجة لئلا يتخلل الشيطان.
السؤال (8)
إذا كان يجلس بمحاذاة الجدار ولكنه يوجد فراغ بينه وبين المصلي الذي بجنبه؟
الجواب:
لا، لا يجوز. لا بد من ملء الفراغ.
السؤال (9)
أنا أصلي على كرسي وأنا أستطيع القيام لكنني لا أستطيع السجود فإذا قمت مع الصف فإنني أتقدمهم نظراً لأنني أجلس على كرسي، فتقدم الصف هل فيه بأس؟
الجواب:
لا يتعمد التقدم ولكن إن اقتضت ذلك ضرورة فلا حرج.
السؤال (10) (2/492)
صفحة 979
شخص كان يسب الدين كلما غضب، ومرة اختلف مع زميل له حول طعام فغضب وقال هذا الطعام حرام علي، وكان يقصد ذلك الطعام بعينه في ذلك الوقت فقط، ومرت الأيام فاطلع هذا الشخص على حكم من كان يسب الدين فبادر إلى التوبة والتلفظ بالشهادتين من جديد وأتى بالأمور التي تجب على المرتد التائب ولكنه حينما لم يكن يعلم الأمر الثاني وهو تحريم شيء أحله الله هو أيضاً يخرجه من الملة، فهل تجزئ هذا الشخص التوبة الأولى مع العلم أن هذا الشخص لما من الله تعالى عليه بالاستقامة كان يستغفر الله تعالى من حين لآخر توبة إجمالية من كل ذنوبه إلا أنه لم يتب من معصية تحريم حلال بعينه لأنه أصلاً لم يكن يظن أنها تفضي إلى الخروج من الملة وماذا يجب عليه الآن؟
الجواب:
إنا لله وإنا إليه راجعون، تحريم الحلال كتحليل الحرام كلاهما أمر عظيم، الله تبارك وتعالى بيّن أن المشركين هم الذي يحرمون ما أحل الله فقد قال الله سبحانه وتعالى (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَاسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا) (الأنعام: من الآية148)، ويقول سبحانه وتعالى أيضاً (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) (النحل: من الآية35) وقال (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّه) (الأنعام: من الآية140). (2/493)
صفحة 980
ومن المعلوم أن تحريم الحلال إنما هو افتراء على الله تبارك وتعالى فإن الله عز وجل يقول (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) (النحل:116)، ويقول (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) (يونس:59).
فهذا يدل على أن من حرّم ما أحل الله فقد افترى على الله تبارك وتعالى لأنه رد حكما من أحكام الله تعالى، ومن رد حكماً من أحكام الله تعالى فلا ريب أنه يكون خارجاً من ملة الإسلام إن لم يكن متأولاً في كلامه، وماذا عسى أن يكون هذا التأول الذي يتأوله هذا الجاهل الأرعن الذي يقدم على شيء بعينه من طعام أو شراب أو أي شيء من هذا النوع فيحرمه.
لذلك نحن ندعوه إلى أن يتوب إلى الله تعالى، ومن المعلوم أن التوبة إلى الله تبارك وتعالى إنما هي في الأصل الندم فإن كان نادماً على فعله هذا مقلعاً عنه وقد استغفر لذنوبه إجمالاً فنرجو أن يتقبل الله توبته إذ التوبة إنما تكون بالندم أولاً والإقلاع ثانياً وعقد العزم على عدم العودة إلى المعصية ثم الاستغفار، والله تعالى أعلم.
السؤال (11)
لكن الناس في ثنايا كلامهم كثيراً ما يقولون هذا حرام؟
الجواب:
الأمر لله، هذا كلام فيه خطورة عظيمة، هذا دليل الجهل ودليل أن الأمة أصيبت بما أصيبت به الأمم من قبل فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذارع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. وهذا وقت الذي وقع في هذا الأمة، فإن الأمة اتبعت سنن من كان قبلها فحرمت ما شاءت وأحلت ما شاءت بدون هدى من الله تعالى.
السؤال (12)
لكن هل هذا يخرج من الملة كما قال السائل؟
الجواب: (2/494)
صفحة 981
من حرّم شيئاً أحله الله من غير تأويل، أي ما أُحل بالنص وهو يحرمه يكون بذلك خارجاً من الملة.
السؤال (13)
رجل طلق زوجته تطليقة واحدة فرجعت إليه بشهادة رجل وامرأتين وكفّر عن ذلك بعشرة دنانير، فما الحكم؟
الجواب:
ولماذا التكفير؟ إن كان مجرد طلاق لا يحتاج إلى تكفير إن لم يكن مصحوباً بيمين، إلا إذا كانت هنالك يمين حانثة، فإن كانت يمين حانثة ففيها الكفارة، أما إن لم تكن يمين حانثة فلا داعي إلى التكفير، ولكن هذا من البر الذي نرجو أن لا يضيع إن شاء الله.
أما بالنسبة إلى الطلاق فمن العلماء من يرى أن النساء لا دخل لهن في أمر النكاح وغيره أي من حيث إنهن لا يدخلن في الشهادة لأن ذلك مما لا يعتبر من الحقوق، ومنهم من أجاز في مثل هذا إذا شهد رجل وامرأتان، وبما أن هذه القضية صاحبها أخذ برأي من آراء العلماء فنرجو أن يكون موفقاً إن شاء الله، ونرجو لهذه الرجعة التوفيق.
ونرجو من هذا الرجل أن يحرص على أن يمسك نفسه، وأن لا يندفع وراء عاطفته، فلا يقدم على الطلاق مرة أخرى بل عليه أن يدرس القضية من جميع جوانبها، وأن يتفادى الطلاق بأي وسيلة من الوسائل حتى لا يقع في الورطة، والله تعالى الموفق.
السؤال (14)
امراة ولدت ولد مختتناً وعندما أخذته إلى المستشفى قال لها الطبيب لا يمكن أن يختن لوجود جرح عميق فيه، فهل يترك على حالته؟
الجواب:
أما إن كان ولد وليست به قلفة بحيث إنها زالت بعناية الله تبارك وتعالى وبدت الحشفة فلا يلزمهم تختينه مرة أخرى، ولا داعي إلى ختانه إن كانت القلفة قد زالت أو زال أكثرها.
وهب أن أحداً كانت به هذه القلفة ولكن مع ذلك كان يخشى عليه لو ختن بسبب من الأسباب فإن هذا عذر يسوغ تأخير ختانه إلى يمن الله تبارك وتعالى بزوال الضرر عنه، وعندما يزول الضرر ويؤمن جانب الختان فإنه يختن في ذلك الوقت، والله تعالى أعلم.
السؤال (15) (2/495)
صفحة 982
سها الإمام في صلاة المغرب فقام للركعة الرابعة وسبح له المصلون فلم يجلس، فما الحكم؟
الجواب:
الله المستعان، صلاة المغرب ليس فيها التباس حتى يظن الرابعة ثالثة مثلاً ويزيد ركعة وإنما هي من أساسها ثلاث ركعات، فلماذا يقوم إلى الرابعة وقد سُبح له وبسبب التسبيح لا بد أن يتبين له أنه قام في غير موضع القيام، فإذاً إن أقدم على الزيادة وهو موقن بأن هذه زيادة في هذه الحالة يكون قد أفسد صلاته وأفسد صلاة من خلفه لارتباط صلاة المأمومين بصلاة الإمام.
السؤال (16)
بينّتم في جواب سابق أن الزوجة عليها أن تساعد زوجها في طهي الطعام وفي غسل الملابس وأن تقوم بالواجب المنزلي، فإذا تركت ذلك بدون عذر هل تؤثم وتعاقب عند ربها؟
الجواب:
نحن نقول بأن هذا هو الذي مضى عليه هدي السلف الصالح، هذا الذي كان في بيت النبوة، وهذا الذي وصى به النبي صلى الله عليه وسلّم ابنته الكريمة السيدة فاطمة رضي الله تعالى عنها عندما كانت في بيت زوجها الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، فلا ينبغي لأحد أن يعدل عن هذا النهج، بل يجب أن يسير المسلمون على هذا النهج، هذا الذي رأيناه والقضية قضية رأي، فلذلك نحن لا نقطع عذر أحد أخذ برأي مخالف لما ترجح عندنا، ولكن نحن رجحنا هذا الرأي لما رأينا عليه طريقة السلف وكفى بها حجة، والله تعالى أعلم.
السؤال (17)
امرأة نذرت إن أتت بولد أن تسميه (عمر)، ولكنها إلى الآن ولدت ولدين ولم تسم أياً منهما بذلك، فما الحكم؟
الجواب:
الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه. فالنذر يدور بين طاعة ومعصية، فإن كان طاعة فالوفاء به واجب، وإن كان معصية فالوفاء به محرم، وإن كان مباحاً فقد اختلف هل يجب الوفاء به أو لا يجب الوفاء به. (2/496)
صفحة 983
والتسمية في الأصل لا تدخل في أمور الطاعات، اللهم إذا كانت هذه التسمية تجنباً لاسم قذر أما الأسماء العادية فالاسماء كلها نرجو أن تكون فيها بركة وأن يكون فيها خير ما لم يكن اسماً مستهجناً.
فالقضية هل يجب عليها أن تفي بنذرها المباح أو لا يجب عليها أن تفي بنذرها المباح، وبناء على أنها يجب عليها هذا، ما الذي يلزمها إن لم تف به؟ إنما تلزمها كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين، فإن لم تر الآن أن تغير الاسم إلى ما يتفق مع النذر بل أرادت أن يستمر اسم الولد على ما هو عليه فلتكفر بإطعام عشرة مساكين خروجاً من عهدة الخلاف، والله تعالى أعلم.
السؤال (18)
ما حكم السكن مع عائلة مسلمة للاستفادة وتعلم اللغة الانجليزية؟
الجواب:
السكن مع العائلة المسلمة إن لم يكن هنالك اختلاط ما بين الرجال والنساء فلا حرج.
السؤال (19)
رجل وقع بينه وبين زوجته سوء تفاهم فقال لها إن ذهبت إلى المكان الفلاني فأنت مطلقة وقد ذهبت؟
الجواب:
إن كانت ذهبت في هذه الحالة وقع طلاقها وعليه فإن كان هذا الطلاق طلاقاً رجعياً بحيث لم يكن مسبوقاً بطلاقين من قبل ففي هذه الحالة إن أراد مراجعتها فليشهد شاهدين ما دامت في العدة أنه راجعها بصداقها وعلى ما بقي من طلاقها وليخبرها الشاهدان قبل أن يواقعها وقبل أن تنتهي العدة وتكون بذلك قد رجعت إليه إن شاء الله.
السؤال (20)
ما حكم تأسيس بنوك خاصة بلبن الامهات لمساعدة الذين لم يجدوا ذلك؟
الجواب: (2/497)
صفحة 984
هذه قضية خطيرة لأن الألبان يترتب عليها ما يترتب على الإنساب من الحرمات فإن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. وفي رواية أخرى: يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة. وفي رواية: إنما الرضاع مثل النسب. مع مجيء الروايات الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم التي تشدد في أمر الرضاع بأنه ملحق بالأنساب وهذا مما يؤدي إلى خطورة بالغة بحيث لا يعرف الذي رضع من هذا اللبن رضع من أي أم، من لبن أي امرأة، وهذا يؤدي إلى أن يقع الناس في المحارم من ناحية الزواج وهي قضية خطيرة جداً، فعلى كل امرأة أرضعت أحداً من الأولاد أن تعرف ذلك الذي أرضعته وأن تُشهد على ذلك خشية أن يقع في محارم الله تعالى من حيث الزواج، والله تعالى أعلم.
السؤال (21)
علمنا أن بعض المعلمين يقصرون في أعمالهم بسبب عدم حصولهم على الترقيات، فما الحكم؟
الجواب:
عمل كالتعليم إنما هو أداء رسالة وقيام بواجب واضطلاع بمسئولية أمام الله تبارك وتعالى، وعلى الإنسان أن يكون ناصحاً في عمله لا أن يكون غاشاً في عمله، وأن يكون موفياً بقدر استطاعته لا أن يكون مقصراً، ومهما تكن الحالة المادية فإن المادة هي ليست كل شيء، إنما المادة يتخذها المؤمن وسيلة للوصول إلى القيام بالواجبات بحيث إنه عندما يجد البلغة التي يمكن أن تبلغه إلى أمد في هذه الحياة فعليه أن يقوم بالواجب بقدر المستطاع وأن لا يخل بهذا الواجب، فنحن نوصي المعلمين أن يتقوا الله تعالى في أمانتهم، وأن يؤدوا هذه الأمانة كما ألقيت على عاتقهم، والله تعالى أعلم.
السؤال (22)
عندي صديق عزيز أعتبره أكثر من أخ أحترمه وأقدره، أخبرته في يوم من الأيام أنني أحبه في الله ولكن لا يبادلني نفس المشاعر والأحاسيس، فماذا يجب علي أن أفعل، هل أتركه أم ماذا؟
الجواب: (2/498)
صفحة 985
لا تتركه لعلك تحبه لاستقامته وبره وتقواه، ولعلك في الاستقامة دونه فأنت إن كنت غير مستقيم بقدر استقامته فعليك أن تحاسب نفسك، وعليك أن تحرص على أن توفي الاستقامة حقها، فإن وفيت الاستقامة حقها كان حبك واجباً عليه وواجباً على غيره من المؤمنين والمؤمنات.
السؤال (23)
بعد طواف الوادع صلوا واقفين بسبب الزحام، فما الحكم؟
الجواب:
إن كان هنالك زحام ولم يتمكنوا من الصلاة بحسب ما أمروا به فإن الله تبارك وتعالى يقول (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) (التغابن: من الآية16)، والنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. وكفى.
السؤال (24)
ذهبت إلى الحج في بعثة الحج بدون محرم ولأداء الطواف قسمونا إلى مجموعتين يطوف بنا شاب لئلا نضيع وكنا معه ونمسك ردائه فأثناء الزحمة وكانت أجسامنا تقريبا في جسمه، فما الحكم؟
الجواب:
ينبغي للمرأة أن لا تسافر إلا مع ذي محرم، بل يجب ذلك، ولكن في السفر إلى حجة الفريضة رخص أن تسافر مع جماعة المسلمين الأمناء لأداء حجة الفريضة.
والنسبة إلى هذا الالتصاق إن كان غير متعمد وكان بسبب كثرة الزحام ولم تكن هنالك وساوس شيطانية في النفس وإنما كانت النفس نظيفة من كل وسوسة شيطانية ومن كل شهوة نفسية فنرجو أن لا يكون هنالك حرج لأن ذلك مما دعت إليه الضرورة ولا يمكن تفاديه واتقاؤه، والله تعالى المستعان.
السؤال (25)
هل من حق الأبناء على أمهم أن تعد لهم الطعام وتغسل لهم ملابسهم؟
الجواب:
هذا من البر والإحسان والقيام بحسن التربية وغمر الأولاد بالعواطف الحسنة، فإن كانت واجدة من يقوم بذلك فلا عليها حرج من أن تدع ذلك لغيرها، أما إن لم تكن واجدة فماذا عسى أن تعمل، إنما عليها أن تبر هؤلاء الأولاد بقدر استطاعتها.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
8 من محرم 1425هـ ، 29/ 2/2004م
الموضوع: فقه العمال
السؤال (1) (2/499)
صفحة 986
الذي تعارف عليه الناس في هذه العصور أن العامل قد يأتي إلى بلد آخر على كفالة شخص معين لكن يحدث أن يأخذ هذا الكفيل أجرة على هذه الكفالة نظير أنه كفله، فهل يجوز ذلك؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن دين الله تعالى الحق يدعو الناس إلى أن يتعاونوا على الخير، وأن يتآزروا من أجله، وأن تكون حياتهم حياة تكافل فلذلك ليس كل أمر يعمله الإنسان يأخذ في مقابله أجرا، هناك أشياء شرعت من أجل أن يكون بين البشر تعاون ومن بين هذه الأمور المشروعة الكفالة، فالكفالة إنما هي تعاون، وهي ضريبة اجتماعية يقدمها الكفيل من أجل أن يحقق مصلحة في مجتمعه، إذ المجتمعات لو كانت قائمة على الأطماع في كل شيء بحيث لا يقوم أي أحد بأي عمل لتجمدت الحياة لأن الأمور ليس الإنسان يدرك طمعاً في كل شيء منها، قد يتحقق له مطمعه في أمر وقد لا يتحقق، وإنما يجب أن يكون هنالك باعث إنساني، فلذلك كانت الكفالة لا يجوز أن يأخذ الإنسان في مقابلها أجرة وهذا مما نص عليه أهل العلم.
السؤال (2)
ولكن البعض يقول أنا لا آخذ أجرة على الكفالة وإنما أقوم بتأجيره لائحة تجارية يفتح تحتها دكاناً أو يقيم بسببها تجارة فأنا آخذ أجرة على تلك اللائحة التجارية.
الجواب:
اللائحة التجارية هي في الحقيقة ليست شيئاً مادياً ينتفع من ورائه الإنسان وإنما هي أمر معنوي، ولذلك كان أخذ الأجرة أيضاً في مقابل هذا الأمر المعنوي أمراً فيه حرج، فينبغي التوقف في ذلك، وإن كانت بعض الأمور مصالح معنوية قد اختلف الناس في جواز الاستفادة من ورائها هل يجوز للإنسان أن يأخذ أجرة في مقابل أمر معنوي يقوم به أو لا يجوز ذلك، هذه أمور فيها خلاف، لكن مهما يكن فإن تقوية الجانب الإنساني في هذا مطلب شرعي فلذلك يجب علينا أن نحرص عليه.
السؤال (3) (2/500)
صفحة 987
الآن من علم أن أخذ الأجرة على الكفالة لا يجوز، فهل على من علم ذلك أن يرد تلك المبالغ التي أخذها إلى العامل.
الجواب:
نعم عليها أن يردها إلا إن يتحاللا، إذا كانت هناك محاللة فالمحاللة مشروعة جائزة.
السؤال (4)
قد يهرب عامل معين عن شخص أتى به ليعمل معه وقد دفع مبلغاً مالياً في فترة استقدامه والإتيان به لكن هذا العامل يلجأ إلى شخص آخر فيستخدمه لنفسه، فهل يصح ذلك؟
الجواب:
لا لأن ذلك مما يدعو إلى المضرة، ومن القواعد الشرعية أنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، فلما كان الضرر مرفوعاً وهذا ما يدل عليه القرآن الكريم فإن الله تعالى يقول (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر) (البقرة: من الآية185)، والمضرة إنما هي عسر لذلك كان دفع الضرر لازماً، ولا يجوز لأحد أن يتعمد الإضرار بأخيه، ثم مع هذا كله أيضاً على الإنسان أن يفي بعقده، الوفاء بالعقد مطلب شرعي الله تبارك وتعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: من الآية1)، وهذا العامل الذي قطع المسافة من بلده إلى هنا في مقابل أن يقوم بعمل عند أحد وتكفل له هذا الكفيل الذي جاء به بنفقة سفره وأتى به على حسابه كيف مع ذلك لا يفي بما وعده إياه ولا ينجز العقد الذي كان بينه وبينه! هذا أمر غير جائز، ولما كان غير جائز فإن فتح المجال لأن يعمل عند أحد من الناس إنما يعد من باب التعاون على الفساد، والله تعالى يقول (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: من الآية2)، وهذا تعاون على الإثم وتعاون على العدوان لأنه يفضي إلى عدم الوفاء بالوعد وعدم إتمام العقد من ناحية ومن ناحية أخرى يفضي إلى الإضرار بالغير فلذلك كان غير جائز شرعا.
السؤال (5)
هل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الإبلاغ عن مثل هذه الحالات؟
الجواب:
نعم.
السؤال (6) (3/1)
صفحة 988
قد تلزم الجهة الرسمية الكفيل أن يدفع مبلغاً مالياً في حال الإتيان بالعامل لكن يقوم هذا الكفيل بالاتفاق مع العامل نفسه على أن يرد تلك الكفالة إليه عندما يعمل، فما الحكم؟
الجواب:
كون هذا يدفع مغرماً لا ريب أنه له أن يستوفي المغرم الذي دفعه. بما أنه يدفع مغرماً فله أن يستوفي هذا المغرم، ولا يضار بأي حال.
أي معاملة لا يجوز مضارة أي جانب من جوانب المتعاملين بها.
نحن نجد أن الله تبارك وتعالى في الرضاع يقول (لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ) (البقرة: من الآية233)، وهذا الحكم ينطبق على جميع المتعاملين في أي مجال من المجالات سواء في البيوع أو في الإيجارات أو في أي شيء لا يجوز أن يضار أي أحد، فلا يضار صاحب المال ولا يضار العامل لأن كل واحد منهما له حق ويجب أن يوفى حقه كاملاً غير منقوص.
السؤال (7)
يأتي بعض العمال إلى الكفيل فيطلبون منه أن يأتي بعامل آخر مقابل مبلغ يعطونه إياه، فهل يجوز ذلك؟
الجواب:
لماذا يدفع المبلغ إلى هذا الشخص اللهم إن كان هو يتحمل مغرماً فله أن يستوفي المبلغ الذي تحمله، أما الزيادة على المغرم الذي تحمله فلا.
السؤال (8)
هو يأخذ ذلك المبلغ كدفعة مقدمة وعندما يأتي العامل يدفع أيضاً الرسوم بنفسه يردها إلى الكفيل، وهذا يعني أن ذلك المبلغ الذي يأخذه الآن شيء آخر؟
الجواب:
إنما ذلك المبلغ هو نصيب الكفيل وليس من الرسوم، هذا غير جائز.
السؤال (9)
بعض الناس ينظرون إلى العامل نظرة ازدراء واحتقار فيتعاملون معه معاملة ناقصة لا يشم فيها شيء من الأخلاق باعتبار أنه عامل ليس إلا، فما هي نصيحتكم لهؤلاء؟
الجواب: (3/2)
صفحة 989
على هؤلاء أن يتقوا الله تبارك وتعالى، وأن يعلموا أن الناس سواسية لا فرق بين أحد وآخر إلا بقدر التفاوت بين الاثنين في الطاعة وحسن العمل والتقرب إلى الله عز وجل فإن الله سبحانه وتعالى يقول (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13)، فالله سبحانه وتعالى بيّن هنا ميزان التفاضل الذي يتفاضل به الناس وهو تقوى الله تبارك وتعالى، فليس هنالك ميزان للتفاضل بين الناس، لا عبرة بالمناصب والمراتب، ولا عبرة بالأنساب والحساب، ولا عبرة بالوفرة والغنى، ولا عبرة بأي شيء من هذه الأمور إنما العبرة بكون الإنسان أقرب إلى الله، والقربة إلى الله إنما تكون بالعقيدة الصحيحة وهي عقيدة الإسلام الحقة التي نزل بها القرآن وثبتت فيما ثبت عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام.
والأمر الثاني حسن العبادة، الوفاء بالعبادة والقيام بحق الله تبارك وتعالى.
والأمر الثالث الأخلاق الحسنة، فإن الأخلاق هي مجمع الخير كله، العبرة بالأخلاق في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلّم يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون المتفيهقون.
فالإنسان عليه أن ينظر إلى الأخلاق، والأخلاق تقتضي أن لا يستعلي ذو الخلق على غيره، فإن ذا الخلق يجب عليه التواضع، ومن تواضع لله رفعه الله، لا أن يكون متكبراً يحتقر أحداً لأجل نسبه أو لأجل حسبه أو لأجل قلة دخله أو لأجل قلة ماله أو لأجل ضعف منصبه، ليس لأي أحد أن يحتقر أحداً لأي سبب من الأسباب، وقد أجاد الشاعر عندما قال:
لا تهن الفقير علك أن *** تركع يوماً والدهر قد رفعه (3/3)
صفحة 990
فالإنسان قد يهين غيره، يهين الفقير أو يهين الضعيف وإذا بالأمور تنقلب بين لحظة وأخرى فيصبح هذا الذي أهين هو الذي يتبوأ المكان الرفيع، ويصبح الذي أهان هو الوضيع الذي يفتقر إلى ذلك الذي أهانه من قبل، والدهر هكذا وكما تدين تدان، فعلى الإنسان أن يحسب حساباً لهذه الأمور كلها، وأن يتقي الله تعالى قبل كل شيء، وأن يحرص على أن يوفي العامل أجره.
ونحن نرى كيف ربى النبي صلى الله عليه وسلّم صحابته رضي الله تعالى عنهم، رباهم على التواضع والعفة وحسن المعاملة وعدم احتقار أي أحد كان، فنحن نجد أنه لما كانت بين بلال وأبي ذر رضي الله تعالى عنهما كلمات صار فيها شيء من هيجان العاطفة وأدى الأمر بأبي ذر إلى أن يقول يا ابن السوداء غضب عليه النبي صلى الله عليه وسلّم غضباً شديداً وقال له: إنك امرؤ فيك جاهلية. وقال: لا فضل لابن البيضاء على ابن السوداء إلا بالتقوى. ومعنى ذلك أن مثل هذه الكلمات صدورها من أي أحد يعتبر نعرة جاهلية على المسلم أن يترفع عنها. والإسلام بكل شيء قضى على الفوارق بين الناس، وجعل الناس سواسية، إنما يفرق بين الإنسان والآخر ما يكون عليه من عمل صالح ومن خلق رفيع لا غير، والله تعالى أعلم.
السؤال (10)
أنا عامل تركت أهلي خمس سنوات ولم أذهب إليهم وعندي زوجة ولكن ظروف العمل وغلظة الكفيل بحيث لم يسمح لي أن أسافر طول هذه المدة فماذا حكم زوجتي، هل أطلقها، أم كيف يكون الوضع مع زوجتي؟
الجواب: (3/4)
صفحة 991
حقيقة الأمر المرأة لها حقوق وواجبات على الرجل ولذلك جاء الإسلام بمراعاة هذه الحقوق مراعاة دقيقة، فنحن نرى أن المرأة لها حق النفقة وحق السكنى وهذا مما يمكن للزوج أن يوفره لامرأته وهو بعيد عنها، ولكن لها حق المعاشرة وهي بحاجة إلى الرجل كما أن الرجل بحاجة إليها لأن الجاذبية بينهما جاذبية قوية، فهو يحس بانجذاب نحو الجنس الآخر، والمرأة أيضاً تحس بانجذاب نحو الجنس الآخر نحو الرجل، وهذا الانجذاب لا يشبع إلا بهذه الطريقة الفطرية السليمة وهي الزواج الشرعي بحيث يقضي كل واحد منهما وطره ويشبع غريزته من قبل الآخر.
ونحن نرى كيف أن الإسلام رعى الحق عندما فرض حكم الإيلاء فالله تبارك وتعالى يقول (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:226 - 227)، ومعنى ذلك أن الرجل لو حاول أن يتمرد وأن يقسم أنه لا يؤدي هذا الحق الشرعي لامرأته فإنه يمهل هذه المدة، مدة أربعة أشهر، فإن فاء كان خيراً وإلا فالحكم الشرعي أنها تخرج عنه، هذا قول طائفة من العلماء وهو الذي نأخذ به، والقول الآخر أن الحاكم الشرعي هو الذي يتدخل ويلزمه أن يطلق إن لم يستجب لمطلبها.
ومهما يكن فإن هذا يدل على أن المرأة لها الحق في المعاشرة، ودل على هذا ما كان من قصة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عندما كان يتجول في المدينة المنورة في الظلام الحالك فسمع امرأة ترفع عقيرتها وتقول:
ألا طال هذا الليل واسودّ جانبه ... وليس إلى جنبي خليل ألاعبه
فوالله لولا الله لا شيء غيره ... لزعزع من هذا السرير جوانبه
مخافة ربي والحياء يعفني ... وأكرم بعلي أن تنال مراكبه (3/5)
صفحة 992
فلما سمع ذلك بحث عن وضع هذه المرأة واستقصى أمرها فوجد أن زوجها خرج غازياً في سرية إلى خارج البلاد فكتب لقائد هذه السرية أن يعجل في رد هذا الرجل حتى يعود إلى امرأته ثم بعد ذلك سأل ابنته حفصة رضي الله تعالى عنها عن المقدار الذي يمكن للمرأة ذات الزوج أن تصبر فيه عن زوجها، فأجابته بأن صبرها ينفد بعد أربعة أشهر فأمر أن لا يبقى أحد غاز في غزوة أكثر من أربعة أشهر، إنما يرد بعد ذلك.
فهذا يدل على أن المرأة لها الحق أن تطالب في عودة زوجها إليها بعد مضي أربعة أشهر، ولكن إن كانت هي صابرة وكانت بجانب ذلك أيضاً غير مستجيبة لداعي الهوى والشيطان بحيث كانت عفيفة وقادرة على الصبر فإنه لا يمنع الزوج مع مراعاة حقها بقدر الاستطاعة، ونحن نستحسن من وقع في مثل هذا الأمر أن يترك الخيار للمرأة لأنه قد يكون طلاقه لها سبباً لمشكلة اجتماعية تحيق به وبها، ولذلك لا ينبغي أن يتسرع في الطلاق ولكن إنما يترك الخيار لها فإن شاءت آثرت الطلاق وإن شاءت آثرت الصبر وفي ذلك خير إن شاء الله والصبر هو مفتاح الفرج، والله تعالى المستعان.
السؤال (11)
أحد الكفلاء أتى بزوج وزوجته للعمل هنا لكنه أمر الزوج أن يكون بعيداً عن زوجته ورفض أن يجعل لهما غرفة واحدة، فما هو الحكم؟
الجواب: (3/6)
صفحة 993
هذا تشجيع ضمني على الفساد من جانبين، فما الداعي لأن يمنع الزوجين من أن يلتقيا، في لقائهما مصلحة له ولهما، أما مصلحتهما فكما هو معروف لأن كل واحد من الزوجين سكن للآخر (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُن) (البقرة: من الآية187)، وأما المصلحة التي له فإن كون الرجل الذي يأتي به يبقى عفيفاً لا تقع منه مشكلات فيما يتعلق بالجانب الخلقي ذلك من مصلحته هو، وكذلك بالنسبة إلى المرأة إن ظلت عفيفة لا تصدر منها مشكلات أخلاقية ذلك أيضاً من مصلحته هو، بجانب ذلك كونه مصلحة لكل منهما في اجتماعهما إعفاف لهما جميعاً، فلا يجوز أن يفرق بينهما كيف والداعي الفطري يجذب كل واحد إلى الآخر، والله تعالى المستعان.
السؤال (12)
عمل المرأة الوافدة خارج بيتها هل هو منوط بالضرورة نظراً إلى أن الأصل عدم جواز سفر المرأة بغير محرم؟
الجواب:
نعم الضرورة تقدر بقدرها، والأمور تختلف بين وضع وآخر فلا بد من مراعاة الضرورة، ومع عدم الضرورة لا يمكن أن يستساغ ذلك فكما يقال الشيء إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق.
السؤال (13)
ما هي الصفات الضرورية التي ينبغي أن تتوفر في العاملة الشغالة؟
الجواب:
أولاً قبل كل شيء لا بد من الدين والأمانة والاستقامة والعفة كل من ذلك مطلب ضروري.
السؤال (14)
أصبحت هناك نظرة سيئة إلى العمال الوافدين المسلمين وهذه النظرة تتمثل في أنهم لا يتحلون بالأمانة ويتصفون بالكسل والتباطؤ مما يحمل الكثير من الناس على أن يأتوا بغيرهم من غير المسلمين، ففي هذه الحالة عندما يجد المسلم أن العامل المسلم يتصف بهذا الكسل وبقلة الأمانة هل له أن يستبدله بعامل غير مسلم؟
الجواب: (3/7)
صفحة 994
الحقيقة القضية مشكلة، وهذا مما لا أدري هل هي عقدة نفسية عند كثير من الناس من المسلمين حتى أصبحوا شائعاً بينهم هذا الوصف في العمالة الإسلامية الوافدة، أو أن هذه حقيقة واقعة، فإن كانت حقيقة واقعة فنحن ندعو المسلمين إلى أن يمثلوا الجانب الإيجابي في حياتهم، وأن يحرصوا على تحسين صورة الإسلام من خلال قيامهم بأعمالهم على أحسن وجه ومن خلال أمانتهم وصدقهم واتصافهم بمكارم الأخلاق وبعدهم عن سفاسف الأمور، هذه أمور لا بد من مراعاتها.
هذا وبجانب هذا كله فإنه أيضاً على هذا الشخص الذي هو صاحب العمل والذي جاء بهؤلاء العمال أن يكون بمثابة المربي لهم بحيث يرون فيه القدوة الحسنة والأسوة الطيبة حتى يتحلوا بأخلاقه التي يتحلى بها ويهتموا بأعمالهم كما يهتم هو بحسن معاملتهم هذه أمور لا بد منها.
فقد تكون هذه العقدة النفسية هي التي تولد في جانب العامل سوء العمل وسوء الأخلاق، قد تكون هذه العقدة النفسية التي توجد في كثير من أصحاب الأعمال، هذه أمور لا بد من مراعاتها ونرجو أن يحرص المسلمون دائماً على أن يجعلوا المسلم في مقدمة العمالة الوافدة لأجل أن المسلمين هم بحاجة والمسلم أخو المسلم، فالمسلم دائماً عليه أن يحرص على مصلحة إخوانه المسلمين.
السؤال (15)
خيرني صاحب المصنع أن أختار له أحد عاملين يعملان معه يريد أن يُرحل أحدهما فقال لي اختر لي أحدهما فوجدت أن الصفات في غير المسلم أفضل من الصفات التي توجد في المسلم بسبب بطئه أو كسله في العمل فاخترت له غير المسلم وأنا الآن يؤنبني ضميري وأسأل الآن فيما إذا كان عليّ ذنب أم لا؟
الجواب: (3/8)
صفحة 995
في هذا ليحاسب نفسه فإذا كان هو طُلب أن يختار بحسب المعايير المتفق عليها ما بينه وما بين من طلب منه الاختيار ولم يخرج عن هذا المعايير ففي هذا الحالة نرجو أن لا يكون عليه حرج إن كان اشترط عليه أن يختار من حيث حسن القيام بالعمل ووجد غير المسلم أحسن قياماً بالعمل، فهذا ما خرج عن اختيار الشخص المناسب فنرجو أن لا يكون مؤاخذاً في هذا.
السؤال (16)
العاملة من أهل الكتاب عندما تطبخ للمسلمين في البيت هل يجوز الأكل منه؟
الجواب:
إذا كانت من أهل الكتاب، وأهل الكتاب هم اليهود أو النصارى، إذا كانت من أهل الكتاب فطعامها حلال لأن الله تعالى يقول (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) (المائدة: من الآية5)، فلا حرج في طبخها إن شاء الله.
السؤال (17)
العاملة في العادة يتم تسفيرها بعد السنتين ليجدد لها عقد بعد ذلك لكن تسفيرها قبل هذه المدة المشروطة بسبب سوء معاملتها هل يجوز؟
الجواب:
أما إن أساءت المعاملة ولم تقم بالعمل على ما ينبغي ومع ذلك ربما كانت أخلاقها أخلاق شرسة فلا حرج في هذا أن تُرحّل.
السؤال (18)
هناك شروط تفرض على العاملة فإذا أخلت بشرط منها تقوم بدفع المأذونية المبلغ الذي دفعه هو كرسوم لكن هذا الشخص يقدر بنفسه هذا الإخلال فيقوم باقتطاع المبلغ من راتبها، فما الحكم؟
الجواب: (3/9)
صفحة 996
لا بد من أن يكون هناك معيار دقيق عادل ولا يكتفي الإنسان بنظرته بنفسه لأن الإنسان كثيراً ما ينظر نظرة شح عندما تكون القضية فيما بينه وبين غيره، ولا تكون هذه النظرة نظرة إنصاف، ثم مع ذلك عليه أن يتقي الله، وأن لا يضطر عاملاً إلى أن يغرم مغرماً من عنده إلا فيما يوجب عليه تلك الغرامة شرعاً، عليه أن يتقي الله تعالى في ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلّم وصى بالعامل خيراً بل أمر النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أن يوفى العامل أجره قبل أن يجف عرقه لأجل الحرص على أداء الحق إلى أهله بحيث لا تكون هناك مماطلة في أدائه.
السؤال (19)
أنا أعمل في شركة خلال ساعات العمل وأضيف عليها ساعات أخرى، الشركة هكذا تضيف ساعات معينة على عملي المرسوم، وعندما أطالب بمستحقاتي عن تلك الزيادة لا يعطوني إياها، فقمت بمحاكمة الشركة وتقديم دعوى ضدها من أجل أن أطالب بذلك المبلغ، فهل يصح لي أن أحاكم جهة عملي أم لا؟
الجواب:
نعم إذا لم توف لك حقك فالمطالبة بحقك مطلب شرعي ولك أن تقوم بذلك ولا حرج عليك.
السؤال (20)
تطلب بعض الشغالات الزواج هنا لكون أهلها مشركين بعد أن دخلت في الإسلام فمن يكون وليها؟
الجواب: (3/10)
صفحة 997
وليها الولي المسلم إن وجد لأن غير المسلم لا يكون ولياً لمسلمة فالله تعالى يقول (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (النساء: من الآية141)، وبعد دخولها في الإسلام ما أصبحت تحل لغير المسلم فالله تبارك وتعالى يقول (لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنّ) (الممتحنة: من الآية10)، فهي لا تحل لغير المسلم ولا غير المسلم يحل لها، وعلى أي حال إن لم يكن لها ولي مسلم في بلاد الإسلام فإن الحاكم المسلم في البلد الإسلامي هو يصبح ولياً لها، وفي هذه الحالة كما قال الفقهاء: السلطان ولي من لا ولي له، في هذه الحاكم المسلم السلطان المسلم هو الذي يصبح ولياً لها، هو يخول من شاء بأن يعقد لأمثال هذه النساء اللاتي يطلبن الزواج بالأزواج المسلمين، وعندما يكونون في بلد ليس فيه حاكم مسلم ولكن فيه جماعة مسلمة فإن الجماعة المسلمة تقوم مقام الحاكم المسلم مع عدم الحاكم المسلم.
السؤال (2)
قد يفهم البعض من خلال إجابتكم هذه أنه لا بد من الوصول إلى السلطان والحاكم؟
الجواب:
لا، إذا كان السلطان هو بطبيعة الحال هو يفوض من يفوض في القيام بهذه المسئوليات كالقضاة الشرعيين وغيرهم فما دام هنالك مفوضون في القيام بهذه الأعمال فهذه الجهات التي هي مفوضة هي التي تقوم بذلك.
السؤال (22)
وهل يعتبر القضاة عادة مفوضين؟
الجواب:
هكذا حسبما عرفنا.
السؤال (23)
عاملة أسلمت هنا وعندها زوج غير مسلم في بلده وهي تحب زوجها وتطمع أن تكون معه وتطمع أن تلقاه أيضاً لتعرض عليه الإسلام في هذه الحالة ما الحكم؟
الجواب:
إن حبست نفسها ولم تتزوج حتى تلتقي به وتعرض عليه الإسلام فذلك حسن، وإن أسلم فهما يقران على العقد السابق الذي كان قبل إسلامهما.
السؤال (24) (3/11)
صفحة 998
لكن إذا وجدت صعوبة في أن تدخل في الإسلام بسبب زوجها غير المسلم وهي تحبه كذلك لا تريد أن تفارقه ففي هذه الحالة هل هناك ضرورة معينة تبيح البقاء معه؟
الجواب:
النص القرآني قال (فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنّ) (الممتحنة: من الآية10)، ماذا عسى أن نقول بعد هذا النص.
السؤال (25)
بعض الناس يؤخرون أجرة العامل فلا يعطونه إياها في موعدها المحدد، فما هي نصيحتكم لهؤلاء؟
الجواب:
عليهم أن يتقوا الله، وتأخير الأجرة عن ميقاتها ظلم والظلم غير جائز، والنبي صلى الله عليه وسلّم أمر أن يوفى العامل أجرة قبل أن يجف عرقه، فهكذا أخلاق الإسلام وهكذا صفات المؤمنين، عليهم أن يسارعوا دائماً إلى توفية الأجور للعاملين من قبل أن يطالبوهم بها، عليهم أن يسارعوا في تأدية هذه الأجور إليهم، والمماطلة في ذلك هي من الظلم، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: لي الواجد ظلم. وهذا من لي الواجد، والله تعالى أعلم.
السؤال (26)
عاملة سافرت إلى موطنها وبقي لها شيء من راتبها ولكنها ذهبت برضاها، فماذا يصنع في ذلك الراتب؟
الجواب: (3/12)
صفحة 999
في هذه الحالة عليه أن يبحث عنها، وأن يرسل إليها حقها إن تمكن من إيصاله إليها، فإن وجد الأمين الذي يذهب إلى هنالك فليرسله بواسطة الأمين الذي يذهب إلى تلك البلدة، وإن أمكنه أن يرسله بطريقة البريد ووجد العنوان الذي يتمكن من خلاله أن يحول هذا المبلغ إلى بلدها فليفعل ذلك، وإذا تعذر عليه ذلك وأمكنه عبر الاتصالات من خلال القنوات الرسمية أن يذهب إلى سفارة بلدها ويتمكن من إرسال هذا الحق بواسطة السفارة فذلك خير أيضاً، كل ذلك إن أمكنه يقوم فعليه أن يقوم به، أما إذا تعذر عليه أي شيء فعليه أن يتربص حتى ييأس من التوصل إليها فإن صار بمحل اليأس من التوصل إليها في هذه الحالة يدفع هذا المبلغ إلى فقراء المسلمين، ويكون في ذلك إن شاء الله إسقاط لهذا الحق عنه، فإن أمكنه بعد ذلك أن يصلها فليعرض عليها إما أن يدفع إليها هذا الحق وإما أن ترضى بالأمر بالواقع وتثاب بالأجر بحيث يكون ما دفع في ميزانها فليفعل ذلك وفي ذلك خير إن شاء الله.
السؤال (27)
رجل لديه عاملة في المنزل ثم اكتشف بعد فترة أنها ليست مسلمة، فهل عليه شيء؟
الجواب:
في هذه الحالة بما أنها هي كانت تدعي هو لا يطالب بشيء وإنما كان عليه أن يتحرى من أول الأمر.
السؤال (28)
في أحيان كثيرة لا تكون هنالك ضرورة للإتيان بالعاملة في البيت وإنما هو الكسل والترف لدى كثير من الأسر فهل يرخص لهم في ذلك؟
الجواب: (3/13)
صفحة 1000
الإتيان بالعاملة أمر فيه كثير من الحرج فلذلك لا يتسرع إلى إباحته إلا في حالة الضرورة القصوى التي لا مناص عنها، من هذه الأمور الاختلاط، فقد تختلط بالرجل وهي أجنبية منه ولا يجوز له أن يدخل عليها بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذ الحديث يقول: إياكم والدخول على النساء. فقال رجل من الأنصار: أرأيت الحمو يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلّم: الحمو الموت. هذا أن يعني أن على الرجال أن يمتنعوا من الدخول على النساء، وقد يفضي الحال إلى أن يضطر إلى الدخول عليها، ثم قد يضطر أيضاً إلى في بعض الأحيان إلى الخلوة بها بحيث تكون امرأته خرجت من الدار غير موجودة في الدار ولا تكون معه ذات محرم ويضطر إلى أن يختلي بها، والخلوة ممنوعة بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم: ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم، وكذلك الحديث يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون مع امرأة إلا مع ذي محرم. ثم لو قدرنا أن صاحب الدار نفسه أمكن أن يحترز قد يكون أولاده لا يستطيعون الاحتراز، وقد يكونون في ميعة الشباب، وهذه أيضا تكون هي شابة ويكون ذلك سبباً للفتنة، والفتنة يجب أن يطفأ أوارها وأن لا يلهب سعيرها، وإن لم تكن فتنة في البيت كانت الفتنة مأمونة في البيت بحيث كان الكل على أخلاق وورع وتقوى واستقامة لا تؤمن أن تكون الفتنة خارج البيت، فلذلك نحن نرى الاحتراز من ذلك قدر المستطاع وإنما هذه من الضرورات والضرورة تقدر بقدرها، ولا يجوز تعدي حدودها، والله تعالى أعلم.
السؤال (29)
في بعض الأحيان تكون العاملة تتسبب في شقاء أسرة حيث يجلب أحدهم عائلة ثم تسول له نفسه الزنا بها وتشهد زوجته ذلك، فما حكم بقاء زوجته معه؟
الجواب:
إن كانت رأت الميل في المكحلة ففي هذه الحالة تكون قد حرمت على زوجها وحرم عليها ولا يحل لها أن تقيم معه، أما إن رأت ما دون ذلك فلا يفضي الأمر إلى هذا، والله تعالى أعلم.
السؤال (30) (3/14)
صفحة 1001
في بعض الأحيان لا يأتي الرجل بعاملة وإنما يأتي بعامل يخالط أهله في المنزل فما هي حدود الإتيان بالعامل ليعمل في المنزل؟
الجواب:
الذي يأتي بعامل عليه أن يضع حداً بحيث لا يتجاوز مقداراً معينا في البيت أي لا يدخل إلى البيت بعد ذلك الحد الذي حده له، وأن يحرص على أن يحذر أهله من الاختلاط به، ونحن عرفنا كثيراً من المشكلات التي وقعت بسبب العمال وأدى الأمر إلى فساد الأسر وإلى التردي في الأخلاق وإلى الوقوع في المشكلات هذه الأمور يجب الحذر منها، النبي صلى الله عليه وسلّم كما قلنا يحذر من الاختلاط بين الرجال والنساء. إياكم والدخول على النساء. ويقول عليه الصلاة والسلام: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة إلا مع ذي محرم. وقد يكون هذا العامل بعيداً عن تقوى الله، لا يخشى الله ولا يتقيه والحالة التي في الغربة تدفعه دفعاً إلى الفساد فلذلك يجب الاحتياط ووضع حدود لدخوله في الدار، وأن لا تكون هنالك خلوة مع أهله، وأن لا يكون لقاء بينه وبين أهله إلا مع وجوده هو أو مع وجود ذي محرم.
السؤال (31)
بسبب ممطالة كفيلي وعدم إعطائي المال الكافي لم أتمكن من أداء زكاة الفطر في رمضان الذي مضى، فما الحكم؟
الجواب:
بما أنه لم يكن واجداً للمال الذي منه يدفع زكاة الفطر فإنها تكون ساقطة عنه إذ هي تجب على الواجد ولا تجب على المعدم.
السؤال (32)
لم أتمكن من السفر إلى زوجتي طيلة سنتين فما هو واجبي تجاهها؟
الجواب:
كما قلنا سابقاً في هذه الحالة نرى أن يخيرها بين البقاء وبين أن يسرحها فليمكسها إن أمسكها بالمعروف وليسرحها إن سرحها بالإحسان.
السؤال (33)
الكفيل قد يظن أن كفالته إنما تنحصر في الإتيان بهذا العامل ودفع أجرة الإتيان به ثم يهمله بعد ذلك ولا يرعى شئونه ولا يوجه أخلاقه، فما هو واجب الكفيل تجاه من يكفله؟
الجواب: (3/15)
صفحة 1002
واجبه ما يكون بين الناس من واجب الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (آل عمران: من الآية104)، وعليه هو أن يكون قدوة في ذلك حتى يقتدي به العامل.
السؤال (34)
الواقع الذي نعيشه الآن يوجد فيه عمال مسلمون وغير مسلمين فهل هناك فرق في المعاملة بين المسلم وغير المسلم؟
الجواب:
المسلم عليه أن يعامل الكل بالأخلاق الحسنة، أما معاملته للمسلم بالأخلاق الحسنة فلأجل ما له من حق عليه لأن المسلم أخو المسلم، وأما غير المسلم فلأجل أن تكون هذه الأخلاق الحسنة التي يعامله به وسيلة لإقناعه بالإسلام فقد يتأثر بحسن المعاملة وبطيب الخلق وبطيب المعاشرة، قد يتأثر بذلك ويدفعه ذلك إلى أن يبحث عن الإسلام، أما أن يكون فضاً غليظ القلب في معاملته لغير المسلم فذلك مما ينفر الناس عن الإسلام، وهذه المعاملة لا تطلب شرعاً، والنبي صلى الله عليه وسلّم كان يعامل أعدائه بأحسن المعاملة كما هو واضح، وهذا الذي جر الناس إلى الإسلام، هذا الذي جر الناس إلى الدخول في دين الله لأن النبي صلى الله عليه وسلّم بطيب خلقه وبحسن معاشرته جذب الناس إليه ودخلوا في دين الله وهكذا الدعاة إلى الإسلام، فالإنسان عليه أن يُظهر الإسلام بالمظهر الإيجابي لا بالمظهر السلبي، إذ الإسلام كله إذ الإسلام كله إيجابي، وإنما السلبية في تصرف المسلمين الذين خرجوا عن سواء السبيل، فنحن نوصي الكل بحسن العاملة لأجل أن تكون هذه المعاملة الطيبة جسراً لعبور هذه العقيدة الصحيحة إلى نفوس الناس، والله تعالى أعلم.
السؤال (35)
العمال قد يسافرون إلى بلد وتتجدد إقامتهم من سنة إلى أخرى ربما يمكثون عشر سنوات أو أكثر، فكيف تكون صلاتهم في هذه الحالة؟
الجواب: (3/16)
صفحة 1003
نحن لا نتدخل في فقه المذاهب، فمن كان على مذهب وعمل بفقه ذلك المذهب فنرجو له السلامة لأن هذه قضايا فرعية وليست أصلية ولا يمكن أن نجعلها سبباً للاختلاف والافتراق في هذا.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
29 من محرم 1425هـ 21/ 3/2004م
الموضوع: حوادث المرور وأحكام السير
السؤال (1)
في كل عام تطالعنا الشرطة ورجال الأمن بأعداد مفزعة وإحصائيات للحوادث وللوفيات وللإصابات وغيرها، لكن هذه الأرقام لم تضع حداً لهذه السرعة المستهترة التي تدمر الآخرين ففي رأيكم سماحة الشيخ كيف تعالج مثل هذه التصرفات؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان وجعله أميناً على حياته وعلى حياة غيره، فالإنسان لم يخلق هملا، ولم يترك سدى، وإنما هو مسئول عما قدم وأخر، وقد اضطلع بتبعات كثيرة وأمانات ثقيلة لأنه اضطلع بالخلافة في هذه الأرض، فلذلك كان واجباً عليه أن يعمرها بتقوى الله وبحسب ما يقتضيه أمر من استخلفه وهو الله سبحانه وتعالى الذي له الخلق والأمر وله الحكم والقهر (إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّم) (يوسف: من الآية40)، وإن من هذه الأمانة العظيمة التي حُمّلها الإنسان أن يحافظ على أمنه، وأن يحافظ على أمن بني جنسه، وأن يحافظ على أمن البيئة من حوله، فلذلك كانت مسئولية الإنسان مسئولية ثقيلة أمام الله تبارك وتعالى. (3/17)
صفحة 1004
وقد بيّن سبحانه وتعالى في كتابه العزيز عظم إقدام الإنسان على قتل نفسه، وعظم إقدام الإنسان على قتل غيره، فقد قال سبحانه وتعالى في قتل الإنسان نفسه (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً) (النساء:29 - 30)، وقال في قتل الغير (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) (المائدة: من الآية32)، ومعنى هذا أن المسلم ليس مسئولاً عن سلامة بني ملته فحسب بل هو مسئول عن البشرية جميعاً لأنه بيّن الله سبحانه وتعالى هنا أن قتل نفس بغير نفس - أية نفس كانت - بمثابة قتل أهل الأرض جميعا، وكذلك السعي في إحياء النفس إنما هو بمثابة السعي لإحياء الناس جميعا.
وجاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم مشدداً أيما تشديد في قتل الإنسان نفسه، فإن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول - كما جاء في الحديث الذي أخرجه الشيخان وغيرهما من طريق أبي هريرة رضي الله تعالى عنه -: من رمى نفسه من شاهق فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا، ومن احتسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا. (3/18)
صفحة 1005
وهذا وعيد شديد جداً لهذا الذي يقدم على قتل نفسه، ولئن كان هذا الوعيد الشديد في قتل الإنسان نفسه وظلمه إياها فإنه أيضاً هو وعيد شديد فيما إذا اجترأ على قتل غيره. ونحن نرى أن الله تبارك وتعالى يقول (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) (النساء:93)، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلّم في هذا كثيرة جداً ومنها قوله صلى الله عليه وسلّم: اتقوا السبع الموبقات. وذكر من بينهن قتل النفس بغير حق.
وهذا الذي يسرع السير إسراعاً يخرج عن حدود الاعتدال بحيث لا يستطيع أن يسيطر على السيارة عندما يطرأ لها أي طارئ إنما يعتبر قاتلاً لنفسه وقاتلاً لغيره، فهو جامع بين إثمين، بين إثم الانتحار وبين إثم النحر لغيره، لأنه متسبب لإتلاف حياة نفسه ومتسبب لإتلاف حياة غيره، فهو بذلك يسعى إلى النار والعياذ بالله سعياً حثيثا، هذا الذي يسرع هذا الإسراع إنما هو يسارع إلى النار وليس هو مسارعاً إلى الجنة.
وأيضاً نجد أن هنالك نظماً يجب أن يحافظ الإنسان عليها لما فيها من السلامة ومنها أن لا يتقدم غيره في السير في مكان لا يمكنه فيه أن يرى الآتي من الاتجاه المعاكس لأنه قد يكون في تقدمه للغير يخرج من خطه الذي يجري فيه إلى الخط المعاكس الذي يأتي فيه من جاء من الاتجاه المعاكس وحيث إنه لا يرى من يأتي من الاتجاه المعاكس حيث إنه على منعطف أو نحوه ففي هذه الحالة يكون قد عرّض نفسه وعرّض الركاب معه وعرّض الذي يأتي من الاتجاه المعاكس للموت، فهو يتحمل وزر ذلك جميعا. (3/19)
صفحة 1006
كذلك قد يسرع الإنسان ويحاول أن يسابق غيره في مكان لا يتمكن فيه من سبق غيره قبل أن يصل من جاء من الاتجاه المعاكس ويؤدي ذلك إلى وقوع الحادث فقد يرى مركبة تأتي من الاتجاه المعاكس لكن لا يحسب لذلك حسابا وإنما همه أن يتقدم الغير حتى لا يكون أحد سابقاً عليه، وهذا بطبيعة الحال يعد من النحر والانتحار فهو نحر للغير وانتحار لمن وقع ذلك منه.
وعلاج هذا الأمر إنما هو بالتوعية قبل كل شيء، التوعية الشاملة الجامعة المانعة بحيث يُعَرّف الإنسان بحياته ووجوب محافظته عليها وحياة الآخرين ووجوب محافظته أيضاً عليها ومسئوليته وهو يمسك بمقود مركبة قد يكون ارتكاب أي خطأ فيها يؤدي إلى إتلاف أنفس كثيرة، يؤدي إلى تلف نفس السائق وتلف نفوس الركاب معه وتلف نفوس من الماشية أو تلف نفوس ممن يركبون في المركبات الأخرى.
وهذا عندما يكون الإنسان متغلغلاً في أعماق نفسه أن هذه الحياة أمانة وهو مسئول عنها أمام الله تبارك وتعالى، وأن حياة غيره أيضاً أمانة بما أنه يقود مركبة خطيرة قد يكون الخطأ فيها يؤثر على حياة الغير فيتلفها، نفس هذا الشعور يولد فيه خوفاً من الله تبارك وتعالى لأنه يعلم أنه ليس بعد القبر دار إلا الجنة أو النار، وليس بعد هذه الحياة الدنيا مستعتب، فما على الإنسان إلا أن يعد نفسه للقاء الله، فكيف وهو يسارع إلى لقاء سخط الله من خلال إسراعه إلى الموت بهذه الطريقة الخطيرة التي تعرّض حياته للخطر وتعرض حياة الآخرين للخطر. (3/20)
صفحة 1007
بجانب هذا فإنني أقترح بأن تفرض عقوبة صارمة على من يقع في أي مخالفة من هذه المخالفات، وأن لا تقبل شفاعة شافع يشفع له، ولئن كان تبين من الإنسان أنه مستهتر غير مبال بحياته وغير مبال بحياة الآخرين ففي هذه الحالة يُحمل إن وقع منه حادث على حكم قتل العمد فلا مانع من القصاص، بل لا مانع من أن يطبق عليه الحد الشرعي الذي يدل عليه قول الله تبارك وتعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا .... إلى آخر الآية الكريمة) (المائدة: من الآية33)، لأن في قتل من كان كذلك حفاظاً على حياة الآخرين، وقد قلت بهذا أكثر من مرة، وأبديت هذا الرأي للمسئولين، والله تعالى المستعان.
السؤال (2)
يعني أنتم ترون أن هؤلاء يؤخذ منهم القصاص ..
الجواب:
هؤلاء لئن كانوا مفسدين في الأرض يقتلون البريء هم يطبق عليهم القتل حدا.
السؤال (3)
معنى ذلك أنه إذا وقع حادث وكان الإنسان متسبباً فيه وقتل الآخرين يعتبر قتلاً عمداً؟
الجواب:
إذا كان مستهتراً غير مبالٍ، إذا عرف منه الاستهتار.
السؤال (4)
إذا وقع من الإنسان هذا الأمر هل له توبة؟
الجواب:
توبته أن يؤدي الحقوق للآخرين، وأن يقيل نفسه، وأن يتوب إلى الله توبة نصوحاً من أعماق قلبه.
السؤال (5)
ذكرتم بعض الصور في هذه الحوادث إذا كان الإنسان متجاوزاً في الاتجاه المعاكس لسيارة أخرى لكن ماذا عن السرعة نفسها، الذي يقود سيارته بسرعة؟
الجواب:
أنا قلت من أول الأمر بأن أي إنسان يقود سيارته بطريقة لا يتمكن معها من السيطرة عليها فيما لو طرأ أي طارئ فإنه في هذه الحالة ناحر منتحر، عندما يقود سيارته بسرعة بحيث لا يتمكن من السيطرة عليها لو انفجر شيء من أطرها أو لو كانت دابة تمر بين يديه لا يستطيع أن يملك هذه السيارة و يسيطر عليها أو نحو ذلك في هذه الحالة عندما يسرع مثل هذه السرعة يعتبر ناحرا ًمنتحرا. (3/21)
صفحة 1008
السؤال (6)
هل تقدير السرعة يعتبر على تقدير الإنسان بنفسه؟
الجواب:
على تقدير ذوي الخبرة من ذوي المهنة.
السؤال (7)
البعض يقول أنا أستطيع أن أقودها وأسيطر عليها في سرعة المائتين؟
الجواب:
هذا غرور، هذا لا يصدر إلا من جاهل مجنون ليس فيه شيء من العقل شيء.
السؤال (8)
أنتم دعوتم إلى التوعية وتربية هؤلاء تربية سليمة، فمن يضطلع بهذا الدور؟
الجواب:
هذا ليس مسئولية فرد إنما مسئولية الجميع، فأجهزة الدولة بكل أنواعها إنما تتحمل هذه المسئولية، الشرطة يتحملون هذه المسئولية، وزارة الأوقاف والشئون الدينية تتحمل بجانب من هذه المسئولية، الإعلام يتحمل هذه المسئولية، وزارة التربية أيضاً تتحمل هذه المسئولية يجب أن يكون ذلك في مناهج التربية بحيث يغرس ذلك في نفوس الناشئة، كذلك إذا جئنا إلى المجتمع كله يتحمل هذه المسئولية، البيت يتحمل هذه المسئولية عليه أن يوعي أفراد أسرته، كذلك المسجد يتحمل هذه المسئولية على الإمام والخطيب أن ينبه الناس ويحذرهم من هذا الأمر، كل أحد يتحمل مسئولية في هذا الأمر.
السؤال (9)
التزام الإنسان بقواعد المرور هل يعتبر من المصالح المرسلة؟
الجواب:
نعم، هذه من المصالح المرسلة ولا بد من المحافظة عليها لما يترتب على مخالفتها الخروج من الأمان إلى الخطر.
السؤال (10)
هل مخالفة ذلك يعني أن الإنسان قد ارتكب حراماً؟
الجواب:
ما دام أمن الناس متوقفاً على ذلك نعم، وأي حرام أعظم من ذلك.
السؤال (11)
هناك توجيهات للناس بأن يفحصوا سيارتهم قبل الانطلاق بها هل يعتبر هذا أيضاً من المصالح المرسلة؟
الجواب:
نعم، وعليهم ذلك ما دام أمنهم وأمن غيرهم متوقفاً على ذلك فإنه يجب أن يحافظ عليه.
السؤال (12)
تهاون الإنسان في قيادة سيارته كأن تكون الإطارات والعجلات ليست جيدة هل يعتبر مهملاً في هذه الحالة؟
الجواب:
نعم ما دام مظنة للخطر فإنه يكون كذلك، وهو مسئول أمام الله تعالى وأمام الخلق. (3/22)
صفحة 1009
السؤال (13)
بعض الناس عندما يقوم بتجاوز السيارة يعتمد فقط على تقديره بنفسه فيقول أدرك أن أصل في الوقت المناسب فلا يدرك فيقع الحادث، هل هذا أيضاً؟
الجواب:
أيضاً هو ما دام يمني نفسه بالشيء البعيد ويعرض نفسه للخطر يتحمل مسئولية ذلك وعليه وزر ذلك. يقول الشاعر:
لا تترك الحزم في شيء تحاذره *** فإن سلمت فما في الحزم من باس
ما الذي يدعو الإنسان إلى أن يسارع مهما كانت الظروف ومهما كان استعجاله، الناس قبل فترة من الوقت عندما كانوا يعيشون في ظروف بدائية كان الانتقال بالوسائل البدائية إما ركوباً على ظهور الإبل وإما سعياً على الأقدام وكانوا يصلون بعد أيام إلى المكان الذي يصلون إليه الآن في مدة قصيرة في ساعة أو ساعات، فما الذي يدعوهم إلى الإسراع، ثم بعد ذلك أيضاً عندما جاءت هذه المركبات قبل أن تكون الطرق معبدة وقبل أن تكون الوسائل متيسرة كان الانتقال من خلال هذه المركبات أيضاً يؤدي إلى بطء شديد فكيف والآن تيسرت الأمور ما الداعي إلى هذا الإسراع!
السؤال (14)
مسابقة السيارات رياضة مشهورة وعالمية والكثير من الناس يشتركون فيها، فما حكم هذه المسابقات التي تعرض الإنسان للأخطار، وإذا اشترك الإنسان فيها ووقع له حادث فمات أو مات من معه فهل هذا يعتبر ضمن من تكلمتم عنهم في البداية؟
الجواب: (3/23)
صفحة 1010
أولاً كل سباق يُسمح به في الإسلام إنما هو سباق يترتب عليه نفع كبير، مصلحة كبيرة كالرماية مثلاً لأن الرماية يتدرب الإنسان من خلالها على إصابة الأهداف وذلك مما يعين على الجهاد في سبيل الله ومما يعين على دفاع الإنسان عن نفسه ودفاعه عن أمته ودفاعه عن وطنه ودفاعه عن مجتمعه فلذلك أبيح، كذلك السباق من خلال ركوب الخيل لأن الخيل كانت هي وسيلة من وسائل الدفاع والقتال ولأجل هذا أبيح للناس أن يتسابقوا في هذا الأمر، أما الشيء الذي ليس من ورائه جدوى فإن السباق فيه إنما يؤدي أولاً إلى إضاعة الوقت، الأمر الثاني يؤدي بطبيعة الحال إلى تعريض الإنسان نفسه وتعريضه غيره للخطر، فأنا لا أعرف ما هي الجدوى من هذا السباق، لأن السيارات ليست وسيلة دفاع. (3/24)
صفحة 1011
نعم لو كان ذلك في قيادة دبابات مثلاً أو كان ذلك تدرباً على الطائرات القتالية أو شيئاً من هذا القبيل لكان ذلك أمراً محموداً لأنه مثل التدرب على ركوب الخيل، أما أن يكون هنالك سباق في سرعة السيارة قد يكون هذا مما يعوّد الإنسان على أن يسرع إسراعاً يخرج به عن حدود الاعتدال بحيث يرى إنه نشوة في هذا الإسراع ولا يملك نفسه إذا أمسك المقود حتى يندفع اندفاعاً لا يبالي معه بأن يعرض نفسه للقتل أو يعرض غيره للقتل، فإذاً ما وراء ذلك من المنفعة، أنا أتسائل ما هي المنفعة من وراء هذه الرياضة التي يعتبرونها رياضة سباق السيارات. هذا لا أتصور من وراءه منفعة، وبما أنني لا أتصور من وراءه منفعة لا أرى ما يبرر إقامة مثل هذه المسابقات فيما بين الناس، هذا من ناحية من ناحية ثانية الإنسان بما أنه مأمور بأن يكون في قيادته للسيارة حتى في حاجته الضرورية أن لا يخرج عن حدود الاعتدال فإنه لو خرج عن حدود الاعتدال من أجل سباق مثل هذا لا يُبرئ من الإثم بل هو يتحمل مسئولية الإثم ويترتب عليه ما يترتب على غيره ممن أسرع إسراعاً خرج به عن حدود الاعتدال في تحمل نتيجة ما يفعله في نفسه وما يفعله في غيره.
السؤال (15)
بعض الناس يعتمد على تقديره هو فيما إذا كان مخطئاً أم لا كأن تصدمه سيارة من الخلف وهو يرى أنه ليس مخطئاً ولكن التقارير الأمنية تأتي بنتيجة أنه هو الذي أخطأ يصادف ذلك أن يكون معه أحد يتوفى أو يصاب بشيء من الجروح فهل في هذه الحالة تقع المسئولية عليه؟
الجواب: (3/25)
صفحة 1012
أنا لا أستطيع أن أقول شيئاً فيما تتولى فيه جهة الاختصاص التمييز بين المخطئ والمخطئ عليه لأنها هي المسئولة عن ذلك وهذه أمانتها، مع هذا فإن الإنسان أياً كان عرضة للخطأ، فالشرطة الذين يتولون هذه المسئولية هم عرضة للخطأ، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، والإنسان إن اعترف بخطئه ورجع إلى صوابه ذلك خير له، قد يخطئ هؤلاء كما يخطأ القاضي إذا حكم، ولذلك عندما ولّى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مسئولية القضاء أبا موسى الأشعري كان من جملة ما أمره به ( .. ولا يمنعنك حكم أو قضاء قضيته أن تراجع فيه نفسك) ثم بين له أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، فالإنسان مطالب أن يراجع نفسه أياً كان، فبإمكان هذا الذي صدر في حقه قرار مثلاً نتيجة وقوف جماعة من المسئولين عن التمييز بين المخطئ والمخطئ عليه بإمكانه أن يستأنف وبإمكانه أن يطالب وأن يراجع في ذلك هذا الذي أنا أعرفه.
السؤال (16)
هو ربما يسأل عن الحكم فيما إذا كانت عليه كفارة أو غيره؟
الجواب:
في مثل هذا يقال (استفت قلبك يا وابصة وإن أفتوك وأفتوك)، فإن عَلِم الإنسان مئة في المئة واستفتى أهل العلم والفضل وقالوا له في مثل هذه الحالة لا يعد مخطئا فليس عليه أن يكفر.
السؤال (17)
رجل كان يعبئ ماءاً في خزان فسقط الخزان على طفلة هناك فماتت؟
الجواب:
إن كان بسبب تعبئته للماء فهو مخطئ وعليه الدية والكفارة.
السؤال (18)
بعض الشباب يعتمد على إجراءات السلامة في سيارته فبعض السيارات مزودة بواقيات ربما تقي الإنسان أثناء الحادث فلا يتسبب له أي ضرر فيعتمد على هذه الفنيات الموجودة في سيارته والتي كما يحسب هو أنه تقيه من أي مشكلة فيستهتر ويقود سيارته بسرعة، فما هي نصيحتكم له؟
الجواب: (3/26)
صفحة 1013
طيب هل الإنسان مسئول عن نفسه فحسب وليس مسئولاً عن غيره؟ أليس هذا الذي يقود السيارة ويستهتر ولا يبالي بحياته ولا حياة غيره، أو إن كان يبالي بحياته دون حياة غيره عندما يصاب الآخرون ألا وزن لحياة أولئك الذين يصابون من جراء هذا الاستهتار الذي يستهتره؟
هل الإنسان مسئول عن نفسه فحسب ويقول كما تقول العامة عندنا إن سلمت ناقتي ما علي من رفاقي أو مثل هذا الكلام، هذا كلام لا يصدر إلا من أحمق من جاهل لا يفرق بين التمرة والجمرة، ولا يقيم لحياة البشر وزنا كأنما الناس لا يُسئل عن حياتهم هو وهو يعرضهم لإتلاف حياتهم.
أليس هو بإسراعه ولو كان آمنا على نفسه من أن تصاب بشيء أليس بإسراعه يكون معرضاً لحياة المشاة؟ أليس بإسراعه يكون معرضاً لحياة الركاب الآخرين؟ ألا يمكن أن يصطدم بمركبة أخرى ويكون سبباً لإتلاف أرواح من فيها؟ هذه قضية خطيرة جدا.
السؤال (19)
بعض الناس يتركون أماكن عبور المشاة ويعبرون الشارع في منطقة يصعب فيها تجاوز الطريق فما حكم هؤلاء؟
الجواب:
الإنسان مسئول عن نفسه وأمنها سواءً كان قائداً أو كان راكباً أو كان ماشياً، فكما أن الذي يقود المركبة هو مسئول عن حياته ومسئول عن سلامته ومسئول أيضاً بجانب ذلك عن سلامة الركاب الذين معه، هو مسئول أيضاً عن سلامة أصحاب المركبات الأخرى ومسئول عن سلامة المشاة. (3/27)
صفحة 1014
كذلك هذا الماشي هو مسئول عن سلامة نفسه، ومسئول عن سلامة أصحاب المركبات وغيرهم لأنه عندما يمشي في هذا المكان الذي هو ليس مظنة للمشي قد يعرض صاحب المركبة للخطر، فقد يفاجئ صاحب المركبة بوجود هذا الماشي بين يديه وذلك مما يؤدي به إلى أن يحاول أن يكبح السيارة حتى تقف ويؤدي ذلك بطبيعة الحال إلى أن يقع حادث على السيارة كالاصطدام بشيء أو الانقلاب أو نحو ذلك، فهو أولاً عليه أن يحرص على سلامته بحيث لا يعرضها للخطر، وإن عرض نفسه للخطر كان بمثابة المنتحر، هذا من ناحية وهو أيضاً مسئول عن سلامة الآخرين ومن جملة مسئوليته عن سلامة الآخرين أنه عندما يمشي أمام سيارة يفاجأ قائدها بأنه بين يديه ماشياً وهو لم يكن يحسب لذلك حساباً قد يؤدي ذلك إلى أن يرتبك في أمره ويؤدي ذلك إلى انقلاب السيارة مثلاً أحياناً أو يؤدي ذلك إلى ارتطامها بشيء فتقع مسئولية ذلك على هذا الذي تسبب، فعلى هؤلاء المشاة أن يتقوا الله، وأن يحافظوا على سلامتهم وعلى سلامة غيرهم، وأن لا يعرضوا أنفسهم وأن لا يعرضوا غيرهم للخطر.
السؤال (20)
وقع لي قبل فترة حادث نتج عنه وفاة شخص في السيارة الأخرى، تخطيط رجال الأمن أعزى الخطأ لي رغم تأكدي أني لم أكن السبب فقد كانت السيارة الأخرى منحرفة في اتجاهي وبسرعة شديدة ولتفاديها قمت بتوجيه سيارتي إلى خطه في الوقت الذي هو يعود فيه إلى خطه ليقع الحادث في هذه الحالة حيث أنني متأكد مئة في المئة من أن صاحب السيارة الأخرى هو السبب، فما هو الواجب عليّ شرعاً؟
الجواب:
أما إن كان قائد هذه المركبة غير متسبب وإنما المتسبب الطرف الآخر فما على من لم يتسبب شيء، إنما الواجب شرعاً هو على من كان متسبباً إذ الخطأ يتحمل نتيجته المخطئ ولا يتحمل نتيجته غير المخطئ والله أعلم. وهذه الخبرة خبرة القيادة ونظامها إنما تعود إلى أصحاب المهنة وتعود إلى من وضعوا هذا النظام.
السؤال (21) (3/28)
صفحة 1015
شخص كان يقود سيارته بسرعة فصدم صبياً فتركه على الشارع دون أن يسعفه حتى توفي فما حكم ذلك الذي فعل ذلك؟
الجواب:
هذا من المفسدين في الأرض ولا يصلحون، إن تعمد ذلك فإنه حري أن يطبق عليه ما يدل عليه قول الله تبارك وتعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا) (المائدة: من الآية33).
السؤال (22)
قضية إسعاف الآخرين، البعض يعتبر إسعاف الآخرين مؤخر لوقته أو ربما سيارته تتسخ بشيء من الدماء وفي كثير من الأحيان كما نلاحظ أن الإسعافات لا تكون سريعة فيظل المصاب ينزف والناس يتفرجون عليه، فما هو واجب الناس في مثل هذه الحالات؟
الجواب:
كل واحد مسئول عن سلامته وسلامة غيره، وحياة البشر حياة اجتماع، ومصالح البشر مصالح اجتماعية، والإنسان مدني بطبعه اجتماعي بفطرته فلذلك عليه أن يسعى إلى مصالح بني جنسه، ومسئولية الفرد تقع على المجتمع كما أن أي فرد من الأفراد يتحمل أيضاً قسطاً من مسئوليته عن إصلاح مجتمعه وحفظه على مصالح وحفظه على أمنه، فهذا الذي يُترك ويُهمل هكذا إنما يتحمل مسئولية إتلاف روحه إن تسبب ذلك للتلف كل من كان قادراً على إسعافه ولم يسعفه، فكل من رآه وهو قادر على إسعافه ولم يسعفه يتحمل وزر ذلك ويبوء بإثمه ويكون مشاركاً في قتله، والله تعالى المستعان.
السؤال (23)
لو أنه مات فهل ذلك الذي لم يسعفه تلزمه كفارة؟
الجواب:
ولم لا؟ كيف لا تلزمه الكفارة!!
السؤال (24)
البعض يتعلل بأن هذه الحوادث التي تحدث وهذه الوفيات التي تحصل إنما هي عائدة إلى المقاييس الفنية للسيارات من غير أن يضع اعتباراً لعدم التزام الناس بقواعد المرور والسلامة هل لمثل هذه الأمور دخل؟
الجواب: (3/29)
صفحة 1016
مهما كانت المقاييس الفنية ولكن على الإنسان أن يكون محافظاً على سلامته ومحافظاً على سلامة الركاب معه ومحافظاً على سلامة المشاة في طريقه ومحافظاً على سلامة أصحاب المركبات الأخرى سواء قائدو هذه المركبات والراكبون فيها. على أي واحد أن يحرص على المحافظة على سلامة الجميع، ومن لم يحافظ على سلامة الجميع فهو مسئول أمام الله تعالى مهما كانت هذه المقاييس الفنية لا عبرة بها وإنما بجانبها الإنسان آتاه الله تبارك وتعالى عقلاً وجعل هذا العقل مناط تكليفه فهو عليه أن يستخدم عقله في سلامته وفي سلامة من هو مسئول عن سلامتهم.
السؤال (25)
القضاء والقدر لغة يتحدث بها كل من يقع في مثل هذه الحوادث فبماذا يجاب على هؤلاء؟
الجواب:
كل شيء بقضاء وقدر حتى لو قتل إنسان إنساناً فإنه لم يقتله إلا بقضاء وقدر، ولو زنا زانٍ والعياذ بالله لم يزن إلا بقضاء وقدر، ولو شرب أحد الخمر فإنه يشربها بقضاء وقدر، آكل الربا إنما يأكله بقضاء وقدر، كل معصية يرتكبها الإنسان يرتكبها بقضاء وقدر، لكن لا يعني ذلك إعفاء الإنسان عن المسئولية.
الله تبارك وتعالى الذي خلق هذا الوجود هو خبير بكل ما يجري، وخبير بكل ما سيقع في هذا الكون، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، فهو سبحانه وتعالى يعلم طوايا النفوس قبل أن تُخلق هذه النفوس، ويعلم الدوافع التي تدفعها إلى الخير والدوافع التي تدفعها إلى الشر، ويعلم مدى استجابة هذه النفوس واستجابتها للشر، ولكن مع هذا كله فإن الله تبارك وتعالى آتى الإنسان اختياراً، وكل أحد يرى الفرق بين حركته الاختيارية وبين حركته الاضطرارية، فعندما يحرك يده باختياره يجد أن تلك الحركة مخالفة للحركة التي تقع لليد اضطراراً. (3/30)
صفحة 1017
حركة الرعشة مثلاً تلك حركة اضطرارية لا كسب للإنسان فيها، فالإنسان إنما هو مؤاخذ بكسبه، هذا الزاني ليس معاقباً بقضاء الله وقدره وإنما هو معاقب بكسبه الزنا وقد كان كسبه باختياره بنفسه، وإنما الله تبارك وتعالى علم هذا الاختيار وهو في الأزل فلذلك قضى أنه سيقع ذلك لأنه علم أن عبده سيختار الشر على الخير وسيؤثر هوى نفسه على طاعة ربه سبحانه وتعالى فحكم الله تبارك وتعالى بما حكم عليه في الأزل لا لأجل أن هذا الإنسان مُصَرف كما هو الشأن في الميت الذي لا حراك له وإنما هو متصرف باختياره، وقضاء الله تعالى وقدره جرى حسب علم الله تبارك وتعالى من اختيار هذا العبد.
فليس للإنسان أن يتخلص من أية مسئولية بدعوى قضاء الله تعالى وقدره، ولو كان الأمر كذلك لما بقيت مسئولية على أي أحد، ولما لزم على قاتل النفس أن يُقتل، ولما لزم على من سرق أن تقطع يده بحسب الحكم الشرعي وأن يُعاقب وأن تُرد السرقة إلى أهلها، ولما لزم أن يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
لكان المفروض لو كانت المسئولية على القضاء والقدر أن يُترك الأمر بالمعروف ويترك النهي عن المنكر، ويخلى كل أحد أن يرتكب ما يرتكب لأن كل ما يجري إنما هو بقضاء وقدر، ولكن أنى ذلك، هذا مما يؤدي إلى فساد كبير، نحن نعلم أن الله تعالى لا يعصى بإكراه، يعني الله تبارك وتعالى إن عصاه العبد فإن تلك المعصية لا تكون تلك المعصية خارجة عن إرادة الحق تبارك وتعالى ولكن إرادة الحق إنما أن يعطي الناس القدرة على الاكتساب وأن يؤاخذهم بما كسبوا، فمن كسب شراً عوقب على ذلك، وكذلك أن يثيبهم على اكتسابهم للخير، والله تعالى المستعان.
السؤال (26)
الذي يعبر الطريق من غير أن يلتزم بالقواعد الصحيحة وإنما يعرض نفسه لمخاطر فتصدمه سيارة وقد يعوض مبالغ معينة على ما أصابه فهل يجوز له أخذ تلك المبالغ على الرغم من أنه هو المخطئ؟
الجواب: (3/31)
صفحة 1018
أما إذا كان هو الذي وقع في الخطأ ولم يكن الخطأ على السائق فإن ما يأخذه حرام عليه.
السؤال (27)
البعض تعينهم جهات معينة فتدفع عنهم هذه الغرامات إذا ما وقع منهم حادث فقتلوا شخصاً فهل هذه الإعانات تسقط عنهم الحق؟
الجواب:
أما إن كانت جهة متبرعة فنعم. أو كان النظام معها نظام شرعيا.
السؤال (28)
رجل وقع له حادث وكان معه مجموعة من الأشخاص يصلوا إلى الأربعة فتوفي كلهم وسلم هو، فهل يكفر عن كل واحد منهم؟
الجواب:
نعم، لأن الله تعالى ناط الكفارة بقتل النفس أي نفس.
السؤال (29)
وهل تجب الكفارة إذا كانوا أطفالاً صغاراً؟
الجواب:
الأطفال أليسوا أنفساً؟! أليست حياتهم غالية!؟
السؤال (30)
نجد أن الكثير من الحوادث سببها الجمال السائبة خاصة وقت الليل وعندما يحدث اصطدام بجمل من الجمال ليلاً نجد تهاوناً من الجهة الأمنية في البحث عن صاحب الجمل ويريدون الأعذار الواهية أثناء المحاكمة ويحملون المسئولية كاملة لصاحب السيارة وإلى الآن لم تقم الشرطة بإيجاد حل لتلك الظاهرة رغم تفشيها وذهاب كثير من الأرواح، فما الحكم الشرعي في حالة حدوث وفيات، وهل يتحمل السائق المسئولية، وما الذنب الذي تتحمله الجهة التي لا تعنى بهذا الأمر ولا توليه الاهتمام الكافي؟
الجواب:
السائق يتحمل وزر خطأه ومسئولية خطأه، أما إن كان الخطأ من غيره فإن ذلك الذي أخطأ هو الذي يتحمل المسئولية، ولا بد من وضع حلول لجميع مشكلات الناس ومن بين هذه الحلول أن توضع ضوابط لوجود الجمال في الطرق وكل من خالف تلك الضوابط يكون مسئولاً عما يترتب على مخالفته لتلك الضوابط من النتائج لا بد من أن يكون مسئولاً عن كل ما يترتب على ذلك.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
14 من صفر 1425هـ، 4/ 4/2004م
الموضوع: الكذب و (كذبة إبريل)
السؤال (1) (3/32)
صفحة 1019
ورد في بعض الأحاديث أن المسلم قد يكون بخيلاً وقد يكون جباناً لكنه لا يمكن أن يكون كذّاباً، لماذا استثنيت هاتان الصفتان ولم تستثن صفة الكذب؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سدينا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإن الله تبارك وتعالى إئتمن الإنسان على كل جارحة من جوارحه ليسخرها لما فيه رضا الله تعالى أولاً ثم لما فيه مصلحة بني جنسه ثانياً، ومن بين هذه الجوارح اللسان، واللسان أخطر الجوارح جميعاً لأن اللسان قد يؤثر أثراً بالغاً، فباللسان يمكن الإنسان أن يضل غيره، وباللسان يمكنه أيضاً أن يهدي غيره، وباللسان يمكن أن يموه الحقيقة ويجعل من الحق باطلاً، ومن الباطل حقا، ومن الغي رشداً، ومن الرشد غيا، ومن الفساد صلاحاً، ومن الصلاح فسادا، ومن الانحطاط رقيا، ومن الرقي انحطاطا، وهكذا فإن اللسان عندما يتسلط على شيء ما ولم يكن صاحبه مسخراً إياه فيما يرضي الله تبارك وتعالى بحيث لم يكن مراقباً لله في تصرفاته وفي أعماله لا ريب أنه يؤدي إلى خطر كبير.
وهل كان ضلال الضُلال وانحراف المنحرفين وفساد الفاسدين إلا بتأثير من الألسنة الخبيثة التي انحرفت فحرفت، والتي ضلت فأضلت، لأجل هذا جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم التنبيه على خطورة ما يأتي به الإنسان من خلال نطقه، فقد قال في نصيحته لمعاذ رضي الله تعالى عنه: ألا أدلك على ملاك ذلك كله، إحفظ هذا. وأشار إلى لسانه. فقال يا رسول الله: أئنا مؤاخذون بما نقول؟ قال له: ثكلتك أمك وهل يكب الناس على في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم.
وجاء في الحديث الشريف أن الرجل يتكلم بالكلمة ما يتبينها تهوي به في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب. (3/33)
صفحة 1020
وجاء في الحديث أن الرجل ليتكلم الكلمة من رضوان الله لا يحسبها تبلغ ما بلغت يكتب الله تعالى له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يظنها أن تبلغ ما بلغت يكتب الله تعالى عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه.
فهذا كله يدل على خطورة الحديث، ولا ريب إنه إن كان الإنسان مأموراً أن يحفظ لسانه بحيث لا يتركه يلغ في أعراض الناس ويقول الهجر من المقال ولا يأتي بالفاسد من الحديث فإنه من باب الأولى أن يكون مأموراً بأن يحفظ لسانه حتى لا يقول إلا الصدق ولا يُعبّر إلا عن الصدق بالصدق. ذلك لأن الكذب يؤدي إلى انقلاب الموازيين وتغير الأحوال والفساد في الأرض، فمن أجل هذا جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلّم ما يدل على أن المؤمن ليس من شأنه أن يكذب، فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلّم: يطبع المؤمن على الخلال كلها ليس الخيانة والكذب.
وجاء أيضاً عنه صلى الله عليه وسلّم عندما سئل أيكون المؤمن جباناً قال نعم. أيكون بخيلاً. قال نعم - وذلك بطبيعة الحال مع مكابرته هذا الطبع وإنفاقه مما فرض الله تعالى عليه الإنفاق منه - ولكن بالنسبة إلى الكذب يتعذر أن يبقى إنسان مؤمناً مع كذبه. كيف والله تبارك وتعالى يقول (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ) (النحل:105)، فالذي يفتري الذي إنما هو الذي لا يؤمن بآيات الله، إذ الله تبارك وتعالى يأمر بالصدق والكون مع الصادقين، ومعنى ذلك التحذير حتى أن يكون الإنسان مع الكاذبين، فالله سبحانه وتعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة:119)، يأمر عباده المؤمنين بأن يتقوه وأن يكونوا مع الصادقين وذلك بأن يلتزموا الصدق في كل حديثهم حتى لا تنفلت ألسنتهم بالكذب. (3/34)
صفحة 1021
ومن المعلوم أن في الكذب خطورة بالغة فإن النبي صلى الله عليه وسلّم يرشد إلى الصدق ويبين فضله وميزته وأثره على حياة الإنسان ويحذر من الكذب ويبين كذلك خطورته ونذالته وأثره السيئ على حياة الإنسان، فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذّابا. فمعنى هذا أن الإنسان بتعوده الصدق وتحريه إياه والتزامه به وعدم خروجه عنه يستمر على الصدق دائماً فيكون الصدق سجية من سجاياه، بينما هو إذا انفلت لسانه بالكذب وتعوده فإنه يتحول الكذب إلى أن يكون سجية من سجاياه، فلذلك شُدّد تشديداً بالغاً في هذا الأمر، وأمر الإنسان أن يحرص على أن لا يعثر إلا على الصدق منه.
ونحن نرى أن أهل الجاهلية وهم في جاهليتهم كانوا يربئون بأنفسهم عن أن يسجل عليهم الكذب سواء الوثنيون أو غيرهم، فنجد أهل الوثنية يحرصون على أن لا يعثر على كذب منهم، عندما كان هرقل يسأل أبا سفيان عن أحوال النبي صلى الله عليه وسلّم وكان أبا سفيان مشركا وكان شديد العداوة للنبي عليه أفضل الصلاة والسلام ولكن مع ذلك كان يجيبه بصدق وأمانة، وترك هرقل وراء أبي سفيان أصحابه وقال لهم: إن كذبني فكذبوه. فأبو سفيان قال: لم يخش أن يكذبوه وإنما خشي أن يعثروا على كذب منه فيتحدث الناس عنه بأنه قد كذب مع أنه كان سيداً شريفاً في قومه، فكان يحذر أن يوصم بهذه الوصمة، هذا مع جاهليته مع كونه لا يؤمن بثواب على الصدق ولا يؤمن بعقاب على الكذب عند الله تبارك وتعالى ولكن يخشى سوء الأحدوثة بأن يتحدث الناس عنه بأنه قد كذب.
وكذلك نجد السموأل وهو يهودي ولكنه كان عربياً وبطبيعته العربية كان حذراً من أن يُتحدث عنه الحديث السيئ، نجده يقول: (3/35)
صفحة 1022
إنا وإن مالت دواعي الهوى ... وأنصت السامع للقائل
لا نجعل الباطل حقاً ولا ... نلظ دون الحق بالباطل
نخاف أن تسفه أحلامنا ... فنخمل الدهر مع الخامل
فهو لا يخاف عقاباً من الله، ولكنه يخاف أن يسفه حلمه، وأن يخمل في طيات الدهر مع الخاملين بحيث لا يذكر إلا بهذه الحالة النذلة الخطيرة وهكذا.
ومن المعلوم أن الإنسان إذا صدق وتحرى الصدق ولم يعثر على كذب منه اطمأن الناس إلى قوله ووثقوا بحديثه وكان أيضاً موضع الثقة حتى في أمانته لأن الصدق يدعوه إلى الوفاء بالأمانة أما إذا كان كذابا فإن الأمر يكون بخلاف ذلك، ومعنى هذا أنه مع وجود الكذابين في المجتمع يصبح الناس في قلق من أمرهم لا يثقون بأحد، يتحدث الإنسان وهو صادق ولكن لا يوثق به لأجل أنهم اعتادوا الكذب منه.
من أجل ذلك عندما سأل هرقل أبا سفيان عن خصال النبي صلى الله عليه وسلّم كان مما سأله عنه هل كنتم تتهمونه بكذب قط؟ فقال له: لا. ولما أخذ يحدد الموقف من بعد قال قلت لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، أي لا يمكن أن يكون قد ترك الكذب على الناس ومع ذلك يكون يكذب على الله تبارك وتعالى، فهذا مما يدل على أن الصدق ركيزة يلتف حولها الذين يربئون بأنفسهم عن النذالات وأنه ركيزة الطمأنينة والثقة في المجتمع بخلاف الكذب، فلذلك يؤمر الإنسان أن يكون متحرياً للصدق في جميع حديثه، وأن يكون متجنباً للكذب، والله تعالى المستعان.
السؤال (2)
سماحة الشيخ ذكرتم في كتاب (التحذير من كذبة إبريل) عندما تحدثتم عن كذبة إبريل أن هذه الكذبة انتشرت في أوساط بعض المسلمين نتيجة الضعف الفكري والثقافي والإيماني ونتيجة الانحطاط الحضاري وذكرتم في الوقت نفسه أن هذه الكذبة أصلها كان بسبب سقوط غرناطة، ماذا يعني هذا بالنسبة للمسلمين؟
الجواب: (3/36)
صفحة 1023
حقيقة الأمر المسلم يطلب منه أن يكون مؤثراً لا متأثراً، وقائداً لا منقاداً، وأن يكون بإسلامه يجتذب الناس إلى محاسن الإسلام، وهذا الذي كان في العهود الإسلامية المشرقة عندما كانت شمس الإسلام تتألق في سماء العالم، وكان الناس ينظرون إلى المسلمين نظرة إكبار وإجلال، في ذلك الوقت أثر الإسلام تأثيراً بالغاً حتى في أعماق أوروبا وحصل ما حصل من التغير في المفاهيم والتغير في الأخلاق والتغير في العادات والتغير حتى في الأفكار، بل قالوا بأن حركة لوثر الإصلاحية ما كانت إلا أثراً من آثار الإسلام الحنيف، وكذلك وجد في أوروبا من كان ينهى عن تعظيم التماثيل وتقديسها بل واتخاذها وعدّوا ذلك وثنية وصدرت مراسيم بهذا وكان ذلك بتأثير الإسلام، بل قالوا من بأن بين الأساقفة الذين كانوا يحاربون التماثيل كولوديس أسقف تورين وقالوا بأنه نشأ وتربى وترعرع في الأندلس عندما كانت مسلمة عربية فكان ذلك سبباً لاقتباسه من المسلمين هذا الكره للتماثيل نتيجة ما كان عليه المسلمون من الالتزام بدينهم الحنيف وهكذا.
وأنا أذكر هنا كلمات قلتها مراراً وقلت بأن هذه الكلمات من المفروض على المسلمين أن يعوها وأن يفهموها وأن يدركوها، وهي لبلاغتها ولقوة تأثيرها حقيقة بأن تكتب بماء الذهب، وهذه الكلمات لم يقلها رجل عاش حياته في البلاد الإسلامية وتعلم في البلاد الإسلامية، بل قالها رجل قضى جانباً من حياته في أوروبا ودرس في أوروبا، ولكن مع ذلك كما قال هو عن نفسه قال: اكتحلت بإثمد المدينة فلذلك لم يعش بريق الحضارة الأوروبية بصري. وهو الشاعر محمد إقبال، هذه الكلمات يبين فيها المنهج الذي يجب أن يكون عليه المسلم، يقول: (3/37)
صفحة 1024
((إن المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار، ويساير الركب البشري حيث اتجه وسار، بل خُلق ليوجه العالم والمجتمع والمدينة، ويفرض على البشرية اتجاهه، ويملي عليها إرادته، لأنه صاحب الرسالة وصاحب الحق اليقين، ولأنه المسئول عن هذا العالم وسيره واتجاهه، فليس مقامه مقام التقليد والاتباع، إن مقامه مقام الإمامة والقيادة، مقام الإرشاد والتوجيه مقام الآمر الناهي، ولئن تنكر له الزمان وعصاه المجتمع وانحرف عن الجادة لم يكن له أن يخضع ويضع أوزاره ويسالم، بل عليه أن يثور عليه وينازله ويظل في صراع معه وعراك حتى يقضي الله في أمره، إن الخضوع والاستكانة للأحوال القاسرة والأوضاع القاهرة والاعتذار بالقضاء والقدر من شأن الضعفاء والأقزام، أما المؤمن القوي فهو نفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد))
ومعنى ذلك أن المسلم مطالب بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحرص على تحويل الناس من الفساد إلى الخير ومن الاعوجاج إلى الاستقامة ومن الضلال إلى الهدى ومن الغي إلى الرشد من الانحطاط إلى الرقي، وذلك ما لا يتم أبداً إلا إذا كان هو صورة إيجابية تمثل الإسلام وتجسده كما كان ذلك عند السلف الصالح، ثم لا يكون ذلك أبداً إلا مع التزامه بقيم الإسلام ومواريثه وأفكاره وتاريخه وتراثه فإن ذلك مما يجعله مؤثراً لا متأثراً وقائداً لا منقادا.
أما مع كون الإنسان يتزلزل ويتزعزع ويستجيب لكل داع، ويتأثر بكل مؤثر، ويستفزه كل ما يلوح له فإن ذلك بطبيعة الحال يدعو الناس إلى عدم الثقة حتى ولو دعا هو إلى مكرمة أو نادى بخير وبصلاح وبإصلاح لكنه ما دام هو نفسه بهذه الحالة. (3/38)
صفحة 1025
ونحن نرى أن الرسول صلى الله عليه وسلّم ربى هذه الأمة على الاعتزاز بمواريثها وبأفكارها وبتاريخها وبكل قيمها وفضائلها، رباها على اعتزازها بصلتها بالله تبارك وتعالى، فلذلك كان يحذر هذه الأمة من التأثر بأي شيء مهما كان حتى في الأمور العادية، هو نفسه صلى الله عليه وسلّم كما جاء ذلك عنه.
كان من شأنه عندما يدفن ميتاً أن يقوم ويظل قائماً في حال دفن الميت، ولكن بينما كان قائماً صلى الله عليه وسلّم وكان أصحابه قياماً مر بهم أحد أحبار اليهود وقال: هكذا نصنع. فقعد النبي صلى الله عليه وسلّم وأمر أصحابه بالقعود وقال: خالفوهم خالفوهم. هذا لئلا يتأثر المسلم في سلوكه لأن التأثر في السلوك يؤدي إلى التأثر في العبادات ويؤدي إلى التأثر في العقيدة ويؤدي إلى التأثر في الشخصية الإسلامية بحيث تصبح شخصية متزعزعة، ومن تقهقر خطوة واحدة تقهقر بعدها خطوات.
لذلك كان المسلم مأموراً أن لا يتقهقر أبداً أمام أي تيار من التيارات، وأن يظل صامداً متمسكاً بإيمانه حريصاً على عبادته لربه، وحريصاً على تميزه في أعماله وأقواله في عقيدته وتصوراته، في عاداته وعباداته، في سلوكه وأخلاقه، في مظهره ومخبره لئلا يكون هذا المسلم إمعة يقاد فينقاد ويدعى فيستجيب، وإنما يؤمر أن يكون هو المؤثر على الآخرين، وهكذا يجب أن يكون المسلمون جميعاً.
السؤال (3)
هنالك من الناس من يمارس الكذب دون أن يشعر أو قد يشعر بذلك ولكن يلتمس لنفسه عدداً من الأعذار من هذه الصور منسقو المدارء، فالمنسق دائماً ما يخبره المدير بأن يرد على الاتصالات فيقول لهم أن المدير ليس موجوداً، فالمنسق يقول أنا في حيرة إذا رفضت كلام المدير سأتعرض لمشكلة وإذا قلت للناس هكذا أكون قد كذبت، فما الحكم؟
الجواب: (3/39)
صفحة 1026
أولاً قبل كل شيء هل بهذا يحجب الناس عن المصالح، أما إذا كان يحجب الناس عن مصالحهم فذلك غير جائز لأن المدير وغيره مسئول عن قضاء حاجات الناس التي كلف بقضائها في حدود مقدرته.
أما إذا كان هذا المدير يطالبه الناس بما ليس في وسعه، بما لم يكن قادراً عليه بحيث يطالبونه بالخروج عن صلاحياته وتعديها إلى صلاحيات غيره مثلاً وكان في إخبارهم بأنه موجود إحراج فبإمكانه أن يقول هو غير موجود ويعني أنه غير موجود أمامه في مكتبه الذي هو فيه لأن المدير يكون في مكتبه ومنسقه يكون في مكتبه، فبإمكانه أن يوري (إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب)، أي يستعمل هذه المندوحة بهذا القصد من غير أن يقصد بذلك الكذب على الناس إن كان ذلك ليس مساعدة لهذا المدير على ممطالته للناس وعدم قضائه مطالبهم ومصالحهم التي نيطت به، إن كان يطالب بما لم ينط به فنعم للمنسق أن يتعاون معه بهذا الاسلوب مع هذه النية.
السؤال (4)
المعاريض هل لها ضوابط معينة؟
الجواب:
المعاريض أن يكون الكلام محتملاً لمعنى صحيح مع قصد ذلك المعنى الصحيح الصائب الذي لم يخرج عن الكذب، كما يقال إن رجلاً أبصر رجلاً فقال له أحد الناس أتعرف هذا؟ قال له: نعم، إن له قدماً وبيتاً، يريد بقدمه القدم الذي يطأ به، ويريد بالبيت البيت الذي يسكنه.
السؤال (5)
بعض الموظفين يتعرضون لإحراجات فربما تؤدي إلى فصلهم أو معاقبتهم أو خصم رواتبهم فيضطرون – كما يقولون _ إلى الكذب تلافياً لهذه المشكلة، فهل يجوز ذلك؟
الجواب:
أنا لا أعرف ما هي هذه الإحراجات، هل هم أساءوا، فإن كانوا أساءوا وخرجوا عن طريق الحق وغشوا الجهة التي يشتغلون فيها ويعلمون بها فذلك بطبيعة الحال غير جائز لأن على الإنسان أن لا يكون غشاشاً، أن يكون أميناً في أقواله وفي أعماله، أما إذا كان ذلك بخلاف هذا فإن للإنسان فيما هو حق له أن يستعمل الاسلوب الذي يرضي به الناس وفي نفس الوقت لا يسخط الله تبارك وتعالى. (3/40)
صفحة 1027
السؤال (6)
الناس يرغبون في أن يسلوا عن أنفسهم وفي أن يخوضوا مع رفاقهم فرصاً للتسلية ويستخدمون المزاح ليكون فيه تسلية، فهل يجوز الكذب في المزاح؟
الجواب:
هذا من أخطر الخطر فإن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول ويل للذي يتحدث إلى الناس ليضحكهم فيكذب ويل له ويل له. أي يريد أن يثير الضحك وأن يسبب شيئاً مما يعدونه تسلياً ويدفعه ذلك إلى أن يكذب توعده النبي صلى الله عليه وسلّم بهذا الويل، وهذا الوعيد الذي يأتي على لسان الرسول صلى الله عليه وسلّم إنما هو وعيد الله إذ النبي صلى الله عليه وسلّم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ويل له ويل له. ليس ذلك من شأن المسلم المؤمن الذي يخشى الله تبارك وتعالى ويتقيه، أولاً قبل كل شيء المسلم جاد ولا يميل إلى الهزل وإن أتى بالنكتة أو الفكاهة في كلامه فذلك في حدود الصدق ولا يتجاوز حدود الصدق إلى غيره، لا يكون كذاباً بحال من الأحوال.
السؤال (7)
البعض يأتي بنكتة وينسبها إلى شخصية معروفة كجحا أو أبي نواس ومن المعلوم أنه لم يقل تلك النكتة وإنما هو ينسبها إليه ثم يتبادلها مع زملائه، فما الحكم؟
الجواب:
كل ذلك من الكذب المحرم وهو غير جائز.
السؤال (8)
الآباء يمارسون الكذب مع أطفالهم تخلصاً من إزعاجاتهم أو غيره، فهل يجوز ذلك؟
الجواب: (3/41)
صفحة 1028
لا، لا، الكذب على الطفل أخطر من الكذب على الكبير، لأن الطفل هو كالمرآة التي تعكس كل ما يقابها، وهو كاللوحة الصافية التي لم تنقش فتنتقش كيفما نقشت، فخلق الوالد له تأثير على الطفل، خلق الأم له تأثير على الطفل، ولذلك عندما كانت امرأة عند النبي صلى الله عليه وسلّم وكانت تدعو ولدها وقالت له: تعال خذ. قال لها النبي صلى الله عليه وسلّم: ما الذي تريدين أن تعطيه قالت: أريد أ، أعطيه تمراً. قال: أما لو لم تريدي أن تعطيه شيئاً لكتبت كذبة. هذا لأن الطفل يتأثر، فهو أحرى بأن يربى تربية لا يحس فيها أي شيء من مخالفة الأوامر الشرعية، أما لو كان الطفل يفتح عينيه ويجد أباه يكذب عليه ويجد أمه تكذب عليه فإنه يعد الكذب شطارة ومهارة ويحرص هو أيضاً أن يكذب عليهما كما يكذبان عليه ويحرص أيضاً أن يكذب على زملائه كما يكذب عليه ويحرص على أن يبرع في الكذب ليزداد بذلك شطارة ومهارة حتى يفوق الآخرين في ذلك وهذا بطبيعة الحال مما يؤدي إلى أن يعتاد ذلك حتى يكون سجية من سجاياه وخلقاً من أخلاقه وهذا هو الانحراف عن الحق، والإنسان مسئول عن أولاده (كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) فكذلك هما اللذان يعودانه مساوئ الأخلاق ورذائل الأقوال والأعمال بحيث يجد فيهما القدوة السيئة التي تعوده ذلك، والله تعالى المستعان.
السؤال (9)
ما هي ضوابط الكذب في الإصلاح بين المتخاصمين؟
الجواب: (3/42)
صفحة 1029
في الإصلاح بين المتخاصمين الإنسان له أن يأتي بالكذب، إن وجد مندوحة فليستعمل المندوحة، وإن لم يجد مندوحة فلا بأس بأن يقول لأحد الخصمين بأن فلان الذي هو خصمه يذكرك في غيبتك بخير ولا يقول عنك إلا الخير الجميل وهو يقدرك وهو يحترمك وهو كذا وهو كذا مما يؤدي إلى أن يستل منه السخائم والأحقاد لأن هذا الكذب ليس فيه مفسدة وإنما فيه مصلحة ولما كان لمصلحة فلا مانع لأنه لا يعتبر غشاً ولا يقود إلا إلى التصالح والتراضي بين المتخاصمين فلذلك أبيح في الإسلام.
السؤال (10)
نرجو توضيح التورية معناها وحدود استعمالها، وهل هي المعاريض نفسها؟
الجواب:
التورية أيضاً هي من المعاريض. التورية في الأصل أن يكون هناك معنيان معنى قريب ومعنى بعيد ويقصد الموري المعنى البعيد، وهي تنقسم إلى تورية مرشحة وتورية مجردة وتورية مبينة كما قال ذلك علماء البلاغة ومن أمثلة التورية قول الشاعر:
لولا التطير بالخلاف وأنه ... قالوا مريض لا يعود مريضا
لقضيت نحباً في جنابك خدمة ... لأكون مندوباً قضى مفروضا (3/43)
صفحة 1030
هذه تورية مرشحة، الأصل أن المندوب معناه القريب المفهوم عند الناس هو ما يقابل المفروض مما يؤمر به، أي ما يكون بمعنى المأمور به أمراً لا يترتب على تركه عقاب وإنما يترتب على فعله الثواب هذا هو المندوب المعروف، كما قال علماء الأصول والفقهاء بأن الواجب هو ما يثاب على فعله امتثالاً ويعاقب على تركه، وقالوا في المندوب بأنه ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه. ولكنه هو لم يقصد هذا المعنى مع كونه قرنه بالمفروض، وفي قرنه بالفروض ترشيح لهذه التورية حيث ذكر معه ما يناسب المعنى البعيد الذي وري به ولم يأت بالمعنى الذي وري عنه، لم يأت بما يناسب المعنى الذي وري عنه، وإنما جاء بما يناسب المعنى الذي وري به. فذكره المندوب مع المفروض كأنما يوحي بأن قصده أنه مندوب، كيف يكون مندوباً أدى مفروضاً، وإنما قصده لأكون ميتاً مندوباً يندبه أهله بعد موته وقد أدى فرضاً عليه حيث قام بخدمتك حتى لقي حمامه في القيام هذه الخدمة. هذه هي التورية.
السؤال (11)
الكذب في سبيل الحب حينما يريد الواحد أن يستعطف إنساناً وأن يكسب حبه فيقدم نفسه أمامه بأنه يمتلك كذا وأنه يحوز على كذا حتى يبادله ذلك الشخص شيئاً من الاحترام والمشاعر، فما الحكم؟
الجواب:
أعوذ بالله، هذا أولاً قبل كل شيء هو من التدليس على الناس، على أن ليس مقياس الفضل أن يملك الإنسان شيئاً أو لا يملك، مقياس الفضل ما يتحلى به من أخلاق وما يكون عليه من استقامة وما يكون عليه من هدى وبصيرة في أمر دينه هذا هو مقياس الفضل. (3/44)
صفحة 1031
ليس مقياس الفضل أن يحرز الإنسان الدنيا بحذافيرها وإلا لكان قارون أولى بالفضل. هذا من الأمور التي فتن بها الناس والعياذ بالله، والنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: المتشبع بما ليس عنده كلابس ثوبي زور. الذي يتشبع أي يدعي الشبع وهو في حالة جوع، أي يدعي الغنى وهو في حالة فقر كلابس ثوبي زور. وهب أن الغير اغتر به إلى وقت فماذا عسى أن تكون النتيجة، النتيجة أن ينكشف أمره ويسقط من أعين الناس فيما بعد لأنه كذب وادّعى زوراً بأنه يملك ويملك وهو لا يملك شيئاً، هذا مما يؤدى إلى قلى الناس له وإلى سخطهم عليه وإلى عدم اعتبارهم إياه شيئاً، ونحن نرى كثيراً من الناس الآن يقعون في هذا الأمر، يريدون أن يتظاهروا بمظهر العظمة، يريد أحدهم أن يتظاهر بأنه عالم مثلاً أو يريد أن يتظاهر بأنه غني أو يريد أن يتظاهر بأنه صاحب جاه أو صاحب منزلة عند الناس ويريد أن يتظاهر بكذا وكذا مما ليس منه في قبيل ولا دبير، ولكن هؤلاء الذين يصنعون ذلك لا يزدادون عند الناس إلا سقوطا، هم بقدر ما يفعلون هذه الأمور يسقطون في أعين الناس عندما تنكشف حقيقتهم وتتبين دخائلهم وهكذا، قد يدّعي الإنسان أنه على علم واسع وأنه كذا وأنه كذا، هؤلاء الذين يحملون شهادات الزور ومع ذلك يحاولون التدليس على الناس كل ذلك مما يؤدي إلى سقوطهم في النهاية في أعين الناس.
السؤال (12)
وعدت صديقتي أن أزورها في يوم معين فلما جاء ذلك اليوم شغلتني بعض الشواغل العائلية فلم أقم بزيارتها الموعودة فلما قابلتها استحييت منها فاعتذرت بأن ضيوفاً قدموا عليّ فجأة فلم أتمكن من مغادرة المنزل، فهل هذا اللون من الكذب حرام مع أنه لا يضر صاحبتي ولا يضرني وإنما خلصني من مأزق حرج بلطف ولهذا يسمونه الكذب الأبيض؟
الجواب: (3/45)
صفحة 1032
ليس هنالك كذب أبيض، كل الكذب هو كذب أسود، الإنسان عليه أن يتحرى الصدق، هي كان واجباً عليها بما أنها وعدت صديقتها وقد حصل لها ما حصل مما ثبطها عن الذهاب إليها أن تعتذر إليها في ذلك الوقت حتى لا تعطل أعمالها وتدعها تنتظرها، كان هذا هو الواجب عليها، وما أحلى الصدق وما أمر الكذب كيفما كان.
السؤال (13)
كيف أكفّر عن الكذب؟
الجواب:
عليها أن تصلح كل ما أفسدته بكذبها ففي هذه الحالة تكون قد كفّرت عن كذبها.
السؤال (14)
في بعض الأحيان يجد الإنسان أنه لو نقل الخبر كاملاً لشخص معين قد يؤثر على صحته أو قد يصدمه فيضطر إلى أن يورّي أو إلى أن يقول له بأن الرجل لم يمت مثلاً الذي يبلغه عنه وإنما هو مريض أو لا زال بخير وما شابه ذلك، فهل هذا من الكذب؟
الجواب:
ينبغي في مثل هذا الموقف أن يستعمل الحكمة بقدر المستطاع، وأن يتدرج في إخباره، أولاً قبل كل شيء يخبره بأنه أصيب بوعكة، ولا ريب أنه في حياته أصيب بوعكة، إذ لا يمكن لأحد في حياته أن تمر حياته جميعاً من غير أن يصاب بوعكة، ثم بعد ذلك يتدرج يقول له إنه أصيب بمرض ثقيل، شيئاً فشيئاً حتى يهيئه لتلقي الخبر، هذا لا يعد كذباً. لا يقول له بأنه حي، يقول له أصيب بمرض ونرجو له الخير، يرجى له الخير عند الله لعله مات على توبة نصوح.
السؤال (15)
الطالب في المدرسة ربما سيتعرض لو لم يكذب إلى ضرب من المدرس أو إلى عقاب يستهدف الإنقاص من درجاته فيكذب، فهل يصح له ذلك؟
الجواب:
هو لماذا يقصر في الواجب عليه، ينبغي بالنسبة إلى الطلاب أن يشجعوا على الحرص على أداء الواجبات المدرسية من غير تفريط فيها، وإن كان هناك قصور بسبب الإهمال فهم أحقاء بالعقوبة، أما إذا كان الأمر بخلاف ذلك بحيث يكون الطالب لم يقصر في شيء قط ففي هذه الحالة يستعمل شيئاً من المعاريض، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب، والله تعالى أعلم.
السؤال (16) (3/46)
صفحة 1033
لي ابنة صغيرة تكذب ومشكلتها أنها تأخذ حاجيات أخواتها دون علمهم وتنكر أنها أخذتها إلا بعد محاولات كثيرة وكل هذا ولا أريد أن أضربها فكيف أستطيع التعامل معها؟
الجواب:
ينبغي أن تُحذّر من الكذب وأن يُبيّن لها أن الكذب يؤدي إلى سخط الله، وأن سخط الله يؤدي إلى عقابه، ويبين لها أن التزام الصدق يؤدي إلى رضا الله وأن رضا الله يؤدي إلى ثوابه، ويبين لها خطر العقاب وعظم الثواب حتى تتشوف نفسها إلى ثواب الله وتخشى من عقابه، يجب أن تغرس فيها خشية الله تعالى منذ صغرها.
السؤال (17)
ما هي الأبعاد الخطيرة لكذبة إبريل؟
الجواب:
كذبة إبريل أولاً هي تقليد لغير المسلمين من ناحية، ثم إن كذبة إبريل نشأت في الغرب عند الأسبان عندما سقطت الأندلس، عندما سقط آخر معقل من معاقل المسلمين وهو غرناطة في أيديهم كما قيل في أول يوم من شهر إبريل، وكان ذلك نتيجة خديعة المسلمين التي خدعوهم بها بحيث حبّبوا إليهم الشهوات واستطاعوا أن ينحرفوا بهم عن معالي الأمور فغرقوا في حب الشهوات وأخذوا يعاقرون الخمر، ووصل الأمر إلى ما وصل إليه، فاستطاعوا أن ينقضوا عليهم كانقضاض السبع على فريسته وأدى الأمر إلى سقوط هذا المعقل وهو غرناطة وهو آخر معاقل المسلمين فكان نتيجة ذلك أن احتفى الغربيون في هذا اليوم وخصوصاً الأسبان، وكانت بداية ذلك عند الكاثوليك خاصة ثم انتقلت هذه العادة إلى غيرهم، كانوا يحتفون بذلك اليوم يلقون كلمة يسمونها خدعة إبريل ثم تطورت بعد ذلك إلى كذبة إبريل. (3/47)
صفحة 1034
والمسلمون بسبب ضعفهم وبسبب هزيمتهم النفسية واغترارهم بما يشاهدون عليه الغرب الآن من مظاهر التقدم والمدنية إلى آخره انجرفوا وراء هذه العادات وظنوا أنهم بذلك يرقون إلى درجات الكمال وأنهم بذلك يصعدون إلى معالي الأمور وأنهم بذلك سوف يشاركون الغرب في تقدمهم. هم استطاعوا أن يقلدوهم في هذه السفاسف ولم يستطيعوا أن يقلدوهم في معالي الأمور، لم يستطيعوا أن يقلدوهم في النظام ولم يستطيعوا أن يقلوهم في الإدارة، مع أن النظام هو يعود إلى الإسلام، أولئك اقتبسوا من الإسلام، كل ما كان عندهم من مظاهر الحضارة والمدنية إنما استمدوه من الإسلام وهذا باعترافهم بألسنتهم ومع ذلك المسلمون ما استطاعوا أن يحاكوهم في مثل هذه الأعمال، وإنما اكتفوا أن يحاكوهم في الرذائل فكانت هذه الانتكاسة الخطيرة.
ثم هي تؤثر أثراُ خطيراً قد يصدم الإنسان أخاه أو قريبه أو أي أحد بأن يخبره عن فاجعة ألمت ويندهش ذلك، وقد يسبب ذلك فاجعة تقع فعلاً، فقد يخبر الإنسان بموت قريبه أو نحو ذلك وليس ذلك من الحقيقة في شيء ويفجع ويصدم صدمة عنيفة قد تؤثر هذه الصدمة على قلبه وقد تؤثر على عقله وقد تؤثر أيضاً عليه بأن يسوق سيارة مثلاً قاصداً إلى هذا الموضع بدون وعي فيصطدم نتيجة عدم تركيزه في قيادة السيارة وعدم استجماع فكره واستجماع عقله وهكذا، هذا كله ناتج عن هذا الكذب الخطير في هذا اليوم، والله تعالى المستعان. (3/48)
صفحة 1035
على أنه مما ينبغي إن كان الغربيون هم سادة الموقف وهم الذين يُتبعون ويقلدون فقد قرأنا العام الماضي بأن هناك جماعة في فرنسا سمت نفسها الفكاهيين التائبين بدأت هذه الجماعة بمائة رجل ثم أخذت بعد ذلك تنمو حتى وصلت في العام الماضي إلى ستمائة شخص وقعوا جميعاً على وثيقة بأنهم يترفعون عن الكذب في هذا اليوم، أي في أول يوم من إبريل، ويجعلون الكذب في ذلك اليوم من الأمور التي تنحرف بأصحابها عن النهج السليم، وأنه يجب توقي هذا الكذب على كل أحد، هكذا في معتقد أولئك وفي سلوكهم، إذاً يتبعون في هذا الأمر إذا كان لا بد من اتباعهم فليتبعوا في هذا الأمر، والله تعالى المستعان.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
21 من صفر 1425هـ، 11/ 4/2004م
الموضوع: عام
السؤال (1)
الذي يقلب صفحات العالم المعاصر يجد أن معظم مشكلاته إنما هي في بلدان المسلمين وديارهم وأراضيهم، فما يكاد ينتهي حدث حتى يتبعه آخر، حتى أصبحت أخباره مادة خصبة لوسائل الإعلام، ومع ذلك يختلف مفكروهم حول الأسباب، فمنهم من يرى أنها نتيجة حتمية لفرقتهم الفكرية والمذهبية، ومنهم من يرى أنهم مستهدفون، ومع هذا أيضاً تمتلئ وسائل الإعلام بوجهات النظر المتناطحة، ونحن اليوم نطرح عليكم هذا السؤال:
كيف يفهم المسلمون هذه الأوضاع كلها؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: (3/49)
صفحة 1036
فإن ما يجري في الساحة في العالم الإسلامي داعٍ إلى الاعتبار وباعث على الاستعبار، وإذا قلّب الإنسان آيات الكتاب العزيز وأحاديث الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام لم يكن بعيداً من إدراك الواقع كما هو، فالأمة المسلمة فرض الله تعالى عليها الاتحاد، الاتحاد المطلق في عقيدتها وتصوراتها، في شعورها وأحاسيسها، في عباداتها وأفعالها، في آلامها وآمالها بحيث تكون القلوب كلها تنبض بنبض واحد، وتحس بمشاعر واحدة، وتتألم بالآم واحدة، وتأمل آمالاً واحدة، هذا هو المفروض على الأمة المسلمة وذلك من خلال الاطلاع على الدلائل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام فالله تعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: 102 - 103)، ويقول عز من قائل (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران:105)، ويقول عز من قائل (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات:10). (3/50)
صفحة 1037
ونجد أن الله سبحانه وتعالى يؤدبنا في كتابه بآداب كلها داعٍ إلى أن نحس بأن ما يصيب الفرد منا إنما يصيب المجتمع وما يصيب المجتمع إنما يصيب كل فرد من أفراده، فكل ألم يتألمه أي فرد على كل فرد من أفراد المجتمع المسلم أن يتألم له، فالله سبحانه وتعالى فرض علينا من الآداب ما يدعو إلى التوقير والاحترام بين المسلمين يقول سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:11 - 13)، في هذه الآيات الكريمة يوجهنا الله تعالى الوجهة المرضية التي تحفظ لهذه الأمة وحدة مشاعرها ووحدة أحاسيسها ووحدة آلامها وآمالها من حيث إن الإنسان مطالب بأن لا يقدم على أمر فيه أذى لأخيه المسلم أو أذى لأخته المسلمة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) لم يقل الله تعالى (ولا تلامزوا) وإنما قال (وَلا تَلْمِزُوا (3/51)
صفحة 1038
أَنْفُسَكُمْ)، ومعنى ذلك أن كل واحد يلمز أخاه فإنه لامز لنفسه لأن ما يحل بأخيه يحل عليه ويقع به فلذلك عليه أن يتقي ذلك. وفي التعبير باللمز ما يشير إلى أثر ذلك في النفس بحيث إنه طعن في النفس وليس طعناً في الجسم فلذلك كان حرياً بالإنسان أن يتوقاه.
وما ذكره الله تبارك وتعالى هنا من وجوب أن يحرص الإنسان على أن لا يحرص على اطلاعه على عورات أخيه، وأن يحرص على عدم اغتياب أخيه مع تمثيل ذلك بمن ينهش من لحم أخيه وهو ميت كل من ذلك يدعو هذا المسلم إلى أن يكون حريصاً على مشاعر أخيه، حريصاً على أن لا يؤذي أخاه بشيء، كل من ذلك مما يبعث على الوحدة.
وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلّم تقول (ترى المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر).
نعم هذه هي مشاعر المؤمنين فيما بينهم، فهل واقعنا نحن يعكس هذه التوجيهات الربانية والتوجيهات النبوية؟
هل نحن الآن في اتحادنا وفي إحساسنا بما يصيب الأمة الإسلامية على هذا النحو الذي يوجهنا إليه القرآن وتوجهنا إليه السنة النبوية؟
كلا. فمن أجل ذلك أوتينا من هذا، فالله سبحانه وتعالى يحذرنا من الفرقة والاختلاف ويبين لنا آثارها عندما يقول (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال: من الآية46)، نعم التنازع بين الناس وسلوكهم طرائق قددا سواءً كان ذلك مما يعود إلى الاتجاهات الفكرية والمذهبية أو كان ذلك مما يعود إلى المصالح السياسية والاقتصادية وغيرها كل من ذلك أدى إلى أن تكون كلمة هذه الأمة كلمة متفرقة وبالتالي أصبح أمرها أمراً ضائعا وأصبح العدو يطمع فيها. (3/52)
صفحة 1039
والرسول صلى الله عليه وسلّم أنذرنا هذا الأمر الذي نحن نعايشه اليوم، يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها. قالوا: أمن قلة يا رسول الله؟ قال: لا. إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم، وليقذفن الوهن في صدوركم. قيل له: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهة الموت.
فالأمة وقعت في هذا الأمر ومن جراء ذلك أصيبت بهذه النكاية الخطيرة، وأصيبت بهذه الزراية بحيث ازدرى بها عدوها ولم يعد يحسب لها حسابا.
والمخلص من ذلك واضح، والطريق بيّن، فإن الأمة مطالبة بأن تعود إلى صفها فترصه، ومطالبة بأن تعود إلى فئاتها فتجمع بينها، ومطالبة إلى أن تتوحد في ظلال القرآن وفي ظلال السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ولئن تم ذلك تم لهذه الأمة كل خير بمشيئة الله.
على أنها لا يمكن أن تتوحد إلا عندما تكون محاسبة لنفسها الحساب الدقيق، وليس هذا يعني أن كل واحد يشتغل فقط بأمر نفسه بحيث يحاسبها وحدها ولا يشتغل بغيرها، إنما على كل واحد أن يحاسب نفسه وبجانب ذلك عليه أن يشتغل أيضاً بإصلاح غيره، وعليه أن يشتغل بتوجيه غيره، وأن يتقبل التوجيه من غيره. (3/53)
صفحة 1040
فكل منا مطالب بأن يتقبل التوجيه من غيره وأن يقوم بتوجيه غيره إلى الطريق الأمثل، فالله سبحانه وتعالى في معرض الدعوة إلى الوحدة والتحذير من الافتراق أمر بأن تكون هذه الأمة أمة دعوة، أمة أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، فبعد أن قال سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: 102 - 103)، ثم ذكّرهم النعمة التي أنعم بها عليهم عندما قال (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران: من الآية103)، بعد ذلك أتبع الله سبحانه وتعالى دعوة هذه الأمة إلى أن تكون أمة دعوة إلى الحق وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر عندما قال سبحانه (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران:104)، وهذا لا يعني أن المطالب بذلك إنما هم فئة من الأمة، وإنما المطالب بذلك جميع الأمة، فقوله (منكم) لا يعني التبعيض وإنما يعني البيان بدليل قوله سبحانه وتعالى (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) بحيث حصر الفلاح في هؤلاء الذين يقومون بهذا الشأن، ومعنى ذلك أن من لم يقم بذلك فليس من المفلحين، والحصر إنما يستفاد من تعريف المسند والمسند إليه وتوسيط ضمير الفصل بينهما. (3/54)
صفحة 1041
وبطبيعة الحال هذا نجده قبل التحذير من التفرق الذي جاء من بعد في قوله سبحانه (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران:105)، على أن الله سبحانه بيّن شأن المؤمنين والمؤمنات وهو أن يكون بعضهم أولياء بعض حيث قال (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ).
لكن كيف تكون هذه الولاية؟ وبأي طريق؟ وما هي لحمتها؟ وما هو سداها؟ بيّن الله سبحانه وتعالى ذلك عندما قال (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (التوبة:71).
فالواجب إذاً على جميع المؤمنين والمؤمنات أن يتآمروا فيما بينهم بالمعروف، وأن يتناهوا عن المنكر، وأن يكونوا مقيمين للصلاة ومؤتين للزكاة ومطيعين لله ورسوله، عند ذلك يمن الله سبحانه وتعالى عليهم بالنصر والتمكين، فإن الله سبحانه وتعالى يقول (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج:40 - 41).
وعلينا أن نستبصر ببصيرة سلفنا الصالح، فالسلف الصالح إنما كانوا في مثل هذه المواقف حراصاً على محاسبة النفس، والعود بها إلى سبيل الرشد، والاعتصام بحبل الله، والأخذ بأمره، وسلوك صراطه، والاهتداء بنوره، فهذا خليفة المسلمين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عندما جنّد الأجناد لمواجهة امبراطورية فارس ماذا قال للجند؟ بماذا وصّاهم؟ إنما قال لقائد الجند: (3/55)
صفحة 1042
((أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة في الحرب وأقوى المكيدة على العدو، وأوصيك ومن معك من الأجناد بأن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجند أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، فإن عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننتصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا، واعلموا أن في سيركم عليكم من الله حفظة يعلمون من تفعلون فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يُسلّط علينا فرب قوم سُلّط عليهم من هو شر منهم كما سُلط على بني إسرائيل إذ علموا بمعاصي الله كفار المجوس فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولا، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم أسأل الله ذلك لي ولكم)).
بهذا انتصرت هذه الأمة، وتمكنت من إظهار كلمة الحق، وإعلاء دين الله تعالى حتى ظهر في مشارق الأرض ومغاربها على الدين كله ولو كره المشركون، والله تعالى المستعان.
السؤال (2)
ترجع كثير من الآيات ما يصيب المسلمين إلى أنفسهم فمثلا في غزوة أحد عندما أصيب المسلمون وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم الآية ركزت على ما اقترفته أيدي المسلمين (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) (آل عمران: من الآية165) والآية هنا لم تلتفت إلى العدو الآخر أو إلى الغير الذي داهمهم إنما ركزت على النفس، فهل يعني هذا أن المسلمين عليهم بداية قبل أن ينظروا إلى غيرهم أن ينظروا إلى أنفسهم؟
الجواب: (3/56)
صفحة 1043
لا ريب أن المسلم عليه أن يلتزم إسلامه، وأن يهيئ نفسه لأن يكون أهلاً لنصرة الله تبارك وتعالى وتأييده وتوفيقه وتسديده، فإن الله تبارك وتعالى ينصر من نصره وهذا وعد كتب الله تعالى على نفسه ولا بد من أن ينجزه، فقد قال سبحانه (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد: من الآية7)، وقال عز من قائل (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: من الآية40)، وقال سبحانه وتعالى (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (الروم: من الآية47)، وقال عز من قائل (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً) (النور: من الآية55).
فعلى المؤمنين أن ينظروا إلى وعد الله تعالى أنه لا بد من أن ينجزه الله ولكن عندما يهيئون أنفسهم بأن يتحققوا بصفة الإيمان وصفة العمل الصالح، بأن يكون إيمانهم يتمثل في كل جزئية من جزئيات أعمالهم فضلاً عن كليتها، ويتمثل في أخلاقهم ومعاملاتهم، ويتمثل في اتحادهم وتعاونهم فيما بينهم وتناصرهم، فإن كل ما هو بين المسلمين من خلاف لا يدعو إلى هذا التفرق.
الاختلاف في الرأي، والاختلاف في وجهات النظر أمر فطري في الناس، لا يمكن للناس إلا أن يختلفوا، هذه هي سنة الله تعالى في خلقه، ولكن مع ذلك لا يعني أن يكونوا متفرقين مع هذا الاختلاف بحيث يكونون متنازعين متشرذمين بأسهم بينهم يشتغل بعضهم ببعض، فعندما يتجردون من أهواء النفوس، وينصب هم كل أحد منهم في يعود بالمصلحة على الأمة جميعا فالله تبارك وتعالى لا بد أن يحققه لهم. (3/57)
صفحة 1044
هذا مع أن علينا إدارك ماذا يتربصه بنا الآخرون، هذه هي الحقيقة التي اخبر بها القرآن، الله تبارك وتعالى يقول (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) (الممتحنة:2)، هذه هي حقيقة العدو، عدو المسلمين أياً كان. هذه هي حقيقته التي لا يمكن أن ينفك عنها. فعلى المؤمنين أن يدركوا ذلك، وأن يحرصوا دائماً على أن لا يجد عدوهم ثغرة يلج إليهم من خلالها.
السؤال (3)
ما حكم العمل مع أناس غير مسلمين بالرغم من وجود فئة قليلة منهم مسلمة؟
الجواب:
العمل لا يمنع إن كان عند غير المسلمين ولم يكن فيه ضرر على المسلمين ولا غيرهم، بحيث لا يضر أحداً من الناس.
العمل فيما يعود بالمصلحة على الناس مطلب شرعي، واستجابة لسنن الكون ونواميس هذه الحياة، فالإنسان لا يمنع من أن يعمل مع غير المسلمين وهذا حصل، النبي صلى الله عليه وسلّم كانت بينه وبين غير المسلمين عقود في المعاملات، من ذلك بينه وبين اليهود في خيبر من عقد المساقاة التي حصلت بينه وبينهم، وإن كانوا هم يعملون في ظل توجيهات النبي صلى الله عليه وسلّم إلا أن هذا لا يمنع أيضاً أن يكون المسلم كما حصل في عهود الصحابة رضوان الله تعالى عليهم عندما عمل المسلمون عند غير المسلمين في الوقت الذي كانوا فيه يختلطون بغير المسلمين، ما كان هنالك ما يمنعهم من العمل عندهم على أن لا يكون في هذا العمل أي إضرار بالدين ولا بالدنيا.
السؤال (4) (3/58)
صفحة 1045
لي زميلة في الدراسة وقعت في مشكلة وأريد أن أعرف هل هي أخطأت أم لا وهي تدرس في كلية خارج السلطنة، حدث معها سوء تفاهم مع زميلتها في السكن وكانت زميلتها هي المخطئة، وعندما رفضت مساعدتها في ظلمها قررت أن تنتقم فاتصلت بأخ زميلتها وقالت له: إن أختك تكلم شخصاً في الهاتف. مع أنها كلمته فقط مرة واحدة. وقالت له: أنا لا أريد أن أخوض في كلام مع الرجال وإن أردت خطبتي فعليك أن تتجه إلى أهلي. فهذه الزميلة نقلت الكلام على أنها تريد إحداث فتنة مع أخيها بأنها تكلم الشباب وتقيم علاقات مع الرجال، فقام أخوها بفصلها من الكلية وضربها وإهانتها وجعلها كالخادمة ولم يستمع إلى حججها. فهل يعتبر الأخ مخطئاً هنا، وكيف تحل مثل هذه المشكلة؟
الجواب:
الله تبارك وتعالى أمر المسلم أن لا يندفع وراء ما ينقل إليه، أمره بأن يتثبت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات:6)، وهذا الذي يقع فيه الذين يتسرعون ويتلقون كل ما ينقل إليهم من أي أحد بحيث تثار عواطفهم فيستجيبون لنداء العاطفة، ولا يستجيبون لنداء العقل والحكمة، لا يحكمون العقل في عواطفهم، بل يحكمون عواطفهم في عقولهم، هذه خطورة ويترتب على ذلك ما يترتب من أسباب الندم، فهو أخطأ في ذلك خطأً بيّنا، وقد كان عليه أن يتبين وأن يتثبت، وأن يحاول أن يعرف الحقيقة، وأن يمحص هذا الأمر إلى أن يصل هذه الحقيقة. (3/59)
صفحة 1046
وهؤلاء الذين يسعون هذا السعي بحيث يريدون التفريق ما بين الأقارب أو ما بين الأصحاب أو ما بين ذوي العلاقات هؤلاء مشاءون بالنميم، وهم مرتكبون لكبائر الإثم واقعون في مخاطر، فالله تبارك وتعالى قال (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) (البقرة: من الآية191) وهذه هي الفتنة، فالإنسان لا تؤمن فتنته إن لم يكن متقياً لله تبارك وتعالى فيما ينقل من الكلام. وأمر هؤلاء أمر عظيم، وقد حذّر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلّم من طاعة هؤلاء والاستماع إليهم عندما قال تعالى (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) (القلم:10 - 11)، هؤلاء هم المشاءون بالنميم، والله المستعان.
السؤال (5)
أنا فتاة عمري تسعة عشر عاماً قبل حوالي أربع سنوات تقريباً قمت بنقل كلاماً بين طرفين منه الصحيح والباقي أنا اخترعه بنفسي، ودبت بينهم الفتنة والنزاعات دون أن أظهر أنا في الصورة، وبعدها هدأ الوضع ولكنني ندمت أشد الندم على ما فعلته، ومن ذلك اليوم وأنا أعاتب نفسي وأصبح هذا الموضوع يؤرقني كثيراً وتبت مما فعلته وندمت ولكنني لم أستطع أن أبوح لهم بما فعلت من كثرة خجلي بفعلتي، فما حكمي أفيدوني فأنا في أشد الحاجة لمعرفة ذلك هل تقبل توبتي أم لا؟
الجواب:
عليك أن تتوبي إلى الله تعالى توبة نصوحا، وأن تصلحي ما أفسدتي، فلا بد من السعي إلى الإصلاح بقدر ما سعيت إلى الإفساد، وأن تجمعي الشمل وتوضحي الصورة للجميع حتى لا تكون فتنة بين هذه الأطراف فيما بعد، وإذا كان ترتب على ما وقع من فتن أذى في النفس أو نهب لمال أو شيء من ذلك فعليك ضمان ذلك كله، والله المستعان.
السؤال (6)
كيف يكون استدراك المكفوف إذا لم يتجه باتجاه القبلة، وكيف تستدرك صلاة العشاء إذا دخل في الركعة الرابعة؟
الجواب: (3/60)
صفحة 1047
التوجه إلى القبلة بالنسبة إلى المكفوف يطالب أن يتوجه كما يتوجه غيره، ولكن ذلك في حدود استطاعته، فقد ينحرف لغير قصد عن القبلة ولا يؤاخذ بهذا الانحراف، ولكن مع ذلك عندما يوجه بعد انحرافه فعليه أن يتجه، وعليه أن يحرص على أن يكون متوجهاً إلى القبلة دائماً.
وبالنسبة إلى الاستدراك فمن استدرك الركعة الرابعة فإنه يأتي بالثلاث الركعات السابقة على الترتيب، والذي نأخذ به هو أن من استدرك فقد دخل على الإمام في آخر صلاته، وصلاته صلاة إمامه، فهو يكون في آخر صلاته ويأتي بما سبقه به الإمام من قبل قضاءً على الصحيح، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلّم: ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا، وفي رواية وما فاتكم فأتموا. ونحن نأخذ بهذه الدلالة دلالة (وما فات) فمعنى ذلك أن الركعات السابقة فاتت المأموم وبفواتها كان داخلاً على الركعة الأخيرة، وهو يدل على أن ما أدركه المأموم من صلاة إمامه إنما هو آخر صلاته، ويأتي بما فاته قضاءً لا أداءً فيكون الترتيب بحسب ما كان يصلي لو دخل أول مرة، أي يأتي بالركعتين ثم يجلس للتشهد ثم يقوم إلى الثالثة وبعد إتمامها يقعد ويسلم، والله تعالى أعلم.
السؤال (7)
البعض يعتقد أن هنالك مؤامرة تحاك ضد الشعوب الإسلامية وهؤلاء يرون أنه لا حول ولا قوة للمسلمين إلا أن يستسلموا ويرضخوا لمثل هذه الأمور، وبعض الناس يفهم أيضاً هذه الأمور على أنها قضاء وقدر ويستدلون على ذلك بحديث يوشك أن تتداعى عليكم الأمم ... وأحاديث أخرى بحيث يفهم أن المسلمين سيظلون بهذا الوضع، فما هو توجيه سماحة الشيخ حول هذا الموضوع؟
الجواب: (3/61)
صفحة 1048
أولاً قبل كل شيء قضية المؤامرة لا بد من أن يحسب لها المسلم كل حساب، وأن يدرك ذلك بعدما بيّن له القرآن الكريم، وهذه هي طبيعة أعداء الإسلام لا بد من أن يتآمروا على المسلمين، ومنذ كانت فئة على الحق وفئة على الباطل فإن الصراع بين الحق والباطل موجود بينهما، ذلك موجود منذ كان الاختلاف بين ولدي آدم عليه السلام، عندما اختلف قابيل وهابيل وتجرأ قابيل على قتل هابيل، وهكذا ظل الاختلاف بين الناس قرناً بعد قرن، وظل الصراع بين الحق والباطل يأخذ مجراه في هذه الحياة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد قال تعالى (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) (البقرة: من الآية217).
هذه هي سنة الله تعالى في الخلق، ومع هذا إنما على المسلمين أن يدركوا ما يجب عليهم تجاه هذا الأمر بحيث يخططون ويعملون لما يصد عنهم هجمات أعدائهم، ويعملون من أجل وحدة شملهم واجتماع كلمتهم وتآلف قلوبهم وتناصر فئاتهم حتى يكونوا فئة واحدة في مواجهة هذه التحديات بأسرها. (3/62)
صفحة 1049
هذا من ناحية أما من ناحية القضاء والقدر، فإن الإيمان القضاء بالقدر لا يعني أن يكون الإنسان متخاذلاً، أن يكون مستخذياً، أن يكون ضعيفاً، بل الإيمان بالقضاء والقدر يجب أن يجرد همة الإنسان ويقوي عزيمته ويبعثه على المضي قدماً بحيث يؤمن بأنه لن يصيبه إلا ما كتبه الله تعالى له أو عليه، وأن هذه هي سنة الحياة، ولذلك يوطن نفسه لكل المصائب ولكل البلاوى، ويتقبل ذلك برحابة الصدر مع عمله بأمر الله واستجابته لداعي الله ووقوفه عند حدود الله وأخذه بحجزة أمر الله سبحانه بحيث لا يفرط في أي جزئية من جزئيات أوامر الله، لا أن يكون متخاذلاً غير قائم بأمر الله، لا يبالي بما يصيبه من قبل أعداء الله، وإنما عليه أن يجرد همته فالله تبارك وتعالى يقول (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: من الآية105)، والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم تدل على هذا فإن النبي صلى الله عليه وسلّم دعا إلى العمل وقال (كل ميسر لما خلق له).
السؤال (8)
كيف تصلى صلاة الاستخارة؟
الجواب:
صلاة الاستخارة هي ركعتان، يدعو العبد الله تبارك وتعالى في آخر صلاته قبل تسليمه أو بعد تسليمه ويقول: اللهم إني أستخيرك بخيرتك وأستقدرك بقدرتك فإنك تعلم ولا أعلم وتقدر ولا أقدر، اللهم إن كنت تعلم في أمري هذا (ويذكر ذلك الأمر) خيراً لي في عاجل أمري وفي آجله، في أوله وفي آخره، في ظاهره وفي باطنه فيسره لي وأعني عليه واشرح صدري له. وإن كنت تعلمه شراً لي في عاجل أمري أو في آجله، في أوله أو في آخره، في ظاهره أو في باطنه فباعد اللهم بيني وبينه وأغنني عنه بما هو خير لي منه.
السؤال (9)
تقام صلاة الجمعة في كندا وتكون الخطبة باللغة الانجليزية، فهل تجزي الخطبة أم أنه يلزم أن تكون باللغة العربية ولو جزء بسيط منها، وما حكم الصلاة في هذه الحالة؟
الجواب: (3/63)
صفحة 1050
الخطبة يراد بها إفهام الناس، ولكن ينبغي أن تكون أركانها باللغة العربية بحيث تبدأ بحمد الله والشهادتين والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلّم والأمر بتقوى الله ولا بد من الإتيان فيها ولو بآية واحدة من كتاب الله.
السؤال (10)
ما حكم ألعاب الأطفال التي تكون على شكل إنسان أو حيوان، وهل هناك فرق حسب المادة أو كونها تتحرك كالتي تتعمل بالبطارية؟
الجواب:
لا فرق بين مادة ومادة، فهذه الألعاب على كل حال هي صور مجسمة وفيها وعيد جاء في الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
السؤال (11)
أتعامل بالأسهم في سوق المال وكما تعلم أن هناك أغلب الشركات لديها قروض ربوية وقد أفتى البعض بجواز المضاربة على هذه الشركات إذا لم يتجاوز رأس المال الربوي 25%. أرجو من سماحتكم الرد لأن أغلب رأس مالي الآن في السوق.
الجواب:
أولاً قبل كل شيء المعاملة بالأسهم لا بد أن تكون على طريقة بينة، فهذه الأسهم لا بد من أن تكون واضحة.
هي أسهم في أي شيء؟ ما هو رأس المال؟ هل هو نقد أو هو مواد تباع وتشترى أو نحو ذلك. فلا بد أولاً من معرفة حقيقة هذه الأسهم في أي شيء، ثم مع ذلك عند البيع لا بد من أن تجرد هذه المبيعات بحيث تكون متميزة ويدخلها الحساب بدقة بحيث يعرف الإنسان ما الذي يشتريه، إذ لا يجوز له أن يشتري شيء غير ظاهر غير معروف، وبعد ذلك أيضاً لا بد من أن يكون التعامل على أساس الشريعة الإسلامية، فإن كانت هذه الشركة تحتوي على نقود فإن مقدار هذه النقود لا بد من أن يكون بيعه يداً بيد مثلاً مثلاً عملاً بما دل عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ومع ذلك فإنه يجب اتقاء الغش، ويجب اتقاء الربا، ويجب اتقاء جميع محارم الله تعالى، ولا عبرة بكون ذلك نسبة قليلة بحيث لا يشكل الأكثر ولو كان مقدار واحد في المليون فإن ذلك مما يعد حراما، والله تعالى أعلم.
السؤال (12)
هل يصح للنساء أن تشارك الرجال في صلاة الاستسقاء؟ (3/64)
صفحة 1051
الجواب:
لا مانع من ذلك. الناس يخرجون جميعاً رجالاً ونساءً وأطفالا، وإنما تكون النساء في الخلف ويكن مستترات ولا يكن متبخرات، ويصلين مع الرجال ويشاركنهم في الدعاء بحيث يؤمن على دعاء الإمام عندما يدعو.
السؤال (13)
هل يصح اجتماع النساء في منزل أو مجلس لأداء صلاة الاستسقاء بمفردهن؟
الجواب:
لا حرج في ذلك في المكان الذي لا يختلطن فيه بالرجال.
السؤال (14)
إمام يخطئ في القراءة ولكن المأمون يغتابونه بعد الصلاة ولا يقومون بنصحه كما أنه هو أيضاً يمارس الغيبة بعد الصلاة على الرغم من أنه يصلي بهم ماهو واجب الجميع؟
الجواب:
أولاً قبل كل شيء عليهم جميعاً أن يتقوا الله، ولئن كان هو يخطئ في الصلاة فعليهم أن يعرفوه بخطئه ويبينوه له، فإن أصر عليه فليقدموا غيره، ومن المفروض على الجميع أن يحرص على أن يكون المتقدم حسب الأوصاف التي جاءت في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلّم بحيث يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن أقرأهم لكتاب الله هو أولى بأن يؤمهم في الصلاة ثم يأتي بعد ذلك الأفقه في الدين والأورع والأسن إلى غير ذلك من أوصاف الذين يتقدمون.
ومع هذا عليهم جميعاً أن يتجنبوا الغيبة، هم عليهم أن يبينوا له الحقيقة وأن لا يغتابوه، وبالنسبة إليه لا يجوز له الاغتياب، وعليه أن يتقي الله تبارك وتعالى، وأن لا يقول إلا قولاً سديداً، وعليهم جميعاً أن يدركوا أنهم مسئولون عن فلتات ألسنتهم، وأن هذه الفلتات قد تقذف بهم في النار والعياذ بالله ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبينها تهوي به في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب. وقال لمعاذ رضي الله تعالى عنه: وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم. فعليهم أن يتقوا الله وأن لا يغتاب بعضهم بعضاً، والله تعالى المستعان.
السؤال (15) (3/65)
صفحة 1052
عندي بنت متزوجة وعاملة ومتدينة ولكنني أنا ما راضية عليها لأنها لا تسأل عن أهلها وخاصة الوالدين وتستمر في ذلك أكثر من شهر ولا تعطيهم من راتبها ونصحناها أكثر من مرة ولكن دون فائدة، مع العلم أننا إذا نصحناها ترد علينا (أنا ما محتاجة لأهلي) فما نصيحتكم لها ولأهلها؟
الجواب:
نحن ندعو الجميع إلى تقوى الله.
أما بالنسبة إليها فعليها أن تتقي الله، وأن تبر والديها، وأن تصل قرابتها، وأن تعطف على أهلها وخصوصاً الوالدين، وأن تواسيهم بقدر ما تستطيع من مالها.
وبالنسبة إلى الوالدين نأمرهما ونأمر الجميع أن يتقوا الله، وأن يعاملوها معاملة حسنة، وأن لا يطمعوا في مالها، فقد يكون الطمع في المال هو الذي يؤدي إلى مثل هذه الخلافات والنزاعات والشقاق الذي يحصل بين الناس.
السؤال (16)
هل يجوز للمعوقين أن يصلوا على الكراسي جماعة؟
الجواب:
لا حرج. لا مانع من ذلك.
السؤال (17)
ما هو مقدار السر والجهر في الصلاة؟
إذا أحس المصلي بحركة غير عادية أمامه فنظر إليها وعندما تذكر أنه في الصلاة قطع بصره فهل تنتقض صلاته؟
الجواب:
أما بالنسبة إلى الجهر والسر فالجهر ما أسمعه غيره، والسر ما كان دون ذلك بحيث لا يسمع إلا أذنيه.
أما النظر إلى الأمام فلا ينبغي للإنسان أن ينظر إلى أبعد من موضع سجوده، ولكن مع ذلك لا تنتقض صلاته حتى يرفع بصره إلى الأعلى، فإن رفع بصره إلى أعلى أو نظر إلى اليمين أو نظر إلى اليسار ففي هذه الحالة يعيد صلاته.
السؤال (18)
أرجو منكم توجيه نصيحة للشاب الذي إن تحدث عن الحياة الزوجية في المحاضرات وطريقة التعامل مع الزوجة تجد الجميع ينشرح لقوله، وفي بيته لا يطبق حرفاً واحداً مما يقول، ويأمر الناس بتنظيم الوقت وهو يتأخر عن العمل بصفة يومية وبدون سبب. فما هي نصيحتكم لهذا الشاب؟
الجواب: (3/66)
صفحة 1053
نصيحتنا له بأن يتقي الله، وأن يقول قولاً سديدا، وأن يطبق ما يقوله، وأن لا يكون كالديك يؤذن ولا يصلي. عليه أن يكون عاملاً بما يأمر به وتاركاً لما ينهى عنه.
السؤال (19)
هل يؤجر الإنسان بقراءة القرآن دون تدبر، وهل التدبر واجب؟ وكيف يكون؟
الجواب:
الله تعالى يقول (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد:24) فمع استطاعته أن يتدبر بحيث يكون عارفاً لمعاني القرآن عليه أن يتدبر، أما إن كان غير مستطيع بحيث إنه لا يعرف لغة القرآن ولا يدرك معانيه فعليه أن يحس بخشوع ويحس بعظمة القرآن الذي يتلوه وليس عليه إلا ذلك.
السؤال (20)
امرأة تستأذن زوجها في قيام الليل ويسمح لها في بعض الأحيان ولكنه تصدر منه كلمات جارحة لها على عبادتها، فكيف تتصرف وما نصيحتكم له؟
الجواب:
نقول بأنها لا تطيع زوجها إذا أمرها بترك فريضة أو فعل معصية، أما في النفل فإنها تطيع زوجها فإن أذن لها فلتعمل بما أذن لها به من صيام ومن صلاة النفل، وإن جرحها بكلام بعد ذلك فإن تبعة ذلك عليه ومسئوليته أمام الله عظيمة وهو محاسب على تصرفاته السيئة، وهي مأجورة إن شاء الله، يؤجرها الله عز وجل على ما تعمل من خير وعلى ما يصيبها من سوء المعاملة من قبل الزوج.
السؤال (21)
أعاني من مرض دوالي الخصية مما قد يؤثر أو لا يؤثر على تأخير الإنجاب فهل علي أن أخبر خطيبتي بذلك علماً بأنني خطبتها منذ أكثر من عام ولم يتبق على الزواج سوى شهورا قليلة؟
الجواب:
إن كان ذلك لا يؤدي إلى التأخير فلا حرج في ذلك، ولكن إن كان هنالك يقين بأن ذلك يسبب عدم الولادة في هذه الحالة لا بد من الإخبار حتى لا يقدم على ما فيه غش لها.
السؤال (22) (3/67)
صفحة 1054
ابني يريد الزواج من بنت ليست من بلدنا وأبوه غير موافق وأنا لا أدري ماذا أفعل، وفي الحقيقة أنا أيضاً غير موافقة لهذا الزواج لأن تعارفهم ليس مبنياً على أصول الشريعة إنما تعرف عليها في الكلية فأنا الآن محتارة ما الذي أفعله مع هذا الولد ونحن من أسرة محافظة؟
الجواب:
ينبغي أن ينصح بحيث لا يقدم على شيء لا يراه أبوه ولا تراه أمه، فإن أصر على ذلك فلا ينبغي للأبوين أيضاً أن يعضلاه لأنه قد يؤدي ذلك إلى اضطراب في حياته الزوجية، وهذه الأخطاء قد يرتكبها بعض الآباء وبعض الأمهات وتكون النتيجة نتيجة غير محمودة، والله المستعان.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
28 من صفر 1425 هـ، 18/ 8/2004م
الموضوع: الأحداث الراهنة وأسئلة أخرى
السؤال (1)
النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله. والكثير من المسلمين يفهمون هذا على أنه خوض معركة مع أعدائهم لكن يحصل من الأطراف الأخرى في بعض الأحيان أن يدفعوا هذا المسلم إلى الشهادة من غير أن يكون بينه وبينهم مواجهة كاغتياله مثلا، فهذا التصرف مع المسلم ودفعه إلى الشهادة بهذه الطريقة ما هو حكمه؟ وماذا تقولون فيه؟؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: (3/68)
صفحة 1055
فإن الله تبارك وتعالى قد كتب على عباده جميعاً أن يموتوا، وهو وحده المتفرد بالبقاء (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران:185)، وحث الله تبارك وتعالى عباده على الجهاد في سبيله، وجعله من أعظم القربات إليه، ووعد على ذلك خير الدنيا والآخرة، فالله تعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (الصف:10 - 13)، في هذه الآيات الكريمة يحض الله تبارك وتعالى عباده أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيله، ويعدهم على ذلك خير الدنيا والآخرة، ففي الآخرة يعدهم بمغفرة الذنوب ودخول جنة أعدها الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين المتقين ومساكن طيبة في جنات عدن، ومع ذلك يعدهم بخير الدنيا وهو أن يمكّن لهم في أرضه، وأن يمنّ عليهم بفتح من لدنه ونصر قريب، ذلك كله مما يدل على فضل الجهاد. (3/69)
صفحة 1056
وحض سبحانه وتعالى عباده على الرغبة في الاستشهاد في سبيله إذ ذكر سبحانه وتعالى ما يشوّقهم إلى ذلك (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران:169 - 171)، هكذا تأتي الآيات الكريمة لتدل على فضل الشهادة في سبيل الله.
والشهادة في سبيل الله بطبيعة الحال لا تعني فقط أن يكون الإنسان أمام عدو يواجهه وجهاً لوجه، بل لو كان أحد نذر حياته جهاداً في سبيل الله واغتاله العدو من خلفه فإن ذلك مما يعد شهادة في سبيل الله ما دام مخلصاً لله تعالى نيته قاصداً بعمله وجهاده وجهه، مبتغياً رضوانه، يسعى لئن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.
على أن من كون كلمة الله تعالى العليا أن يُنصَف للناس في هذه الأرض، فإن الله تبارك وتعالى يحب العدل بين عباده، ويحب الله تبارك وتعالى أن يُعطى كل ذي حق حقه، فالحقوق المغتصبة وما للناس من حقوق في أن يعيشوا بحرية وأمان ووجود مصادرات تقف في وجوه ذلك، انتزاع ذلك بالسعي إلى الجهاد في سبيل الله تعالى مما يعد بطبيعة الحال من أعظم القربات التي تقرب إلى الله زلفى. (3/70)
صفحة 1057
والإنسان لا يتحسر لمواكب الشهداء التي تتوافد إلى الله سبحانه وتعالى موكباً إثر موكب أو شهيداً إثر شهيد، وإنما الحسرة مما وصلت إليه هذه الأمة من كونها أصبحت مستخذية ذليلة مهينة لا تملك لنفسها أن تتصرف أي تصرف يرتفع بها من كبوتها هذه وينهض بها من عثارها، فلذلك يجب على الأمة أمام هذا العدوان الغاشم ممن يريد بها السوء ويريد بها الشر أن تحاسب نفسها وأن تعرف واجبها وأن تعمل من أجل ما فيه عزها وما فيه شرفها في الدنيا والآخرة.
السؤال (2)
في الحديث (من قاتل لتكون كلمة هي العليا فهو في سبيل الله) هناك حديث آخر (من قاتل دون عرضه وماله فهو شهيد) فهل هذا الحديث استثناء من هذه القاعدة أم هو تفسير لها؟
الجواب:
لا، ليس في ذلك استثناء لأن الإنسان الذي يقاتل دون ماله ودون عرضه إنما يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، إذ الله تبارك وتعالى لا يرضيه أن تُنتهك حرمات الأعراض ولا أن تُنتهك حرمات الأموال ولا أن تنتهك أي حرمة من حرمات عباده، جعل الله تبارك وتعالى لكل أحد حرمة وجعل لكل شيء حرمة، فمن قاتل لأجل الذب عن حرمة من هذه الحرم فهو مقاتل في سبيل الله ومقاتل لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين هي السفلى.
السؤال (3)
ذكرتم سماحة الشيخ الآية (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران:169)، فهل الشهيد في هذه الحالة ينتقل مباشرة إلى الجنة بجسده وروحه وتبقى صورته فقط؟
الجواب: (3/71)
صفحة 1058
أولاً علينا أن ندرك أن حياة البرزخ هي حياة غيبية، وعلينا أن نؤمن بعالم الغيب بقدر ما وصلْنا إليه من الفهم من خلال النصوص التي جاءت في كتاب الله تعالى والتي أيضاً ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم، من خلال نصوص الكتاب ومن خلال نصوص السنة الثابتة الصحيحة، فالآية الكريمة أخبرتنا بأن الذين استشهدوا في سبيل الله هم أحياء عند ربهم يرزقون، وأنهم فرحون بما آتاهم الله من فضله، فنحن علينا أن نؤمن بذلك، أما الزيادة على ذلك فلسنا مكلفين بهذا، مع أن هنالك أحاديث جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلّم وهي وإن لم تبلغ مبلغ التواتر ولكن مما تطمئن النفس إليها في الأخذ بها في هذا الجانب وهي أن أرواح الشهداء تكون في طير خضر تمرح في الجنة وتأكل من ثمار الجنة فلعل هذا هو الرزق الذي يشير إليه القرآن الكريم (عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ).
ومع هذا أيضاً لا ريب أن جسد الشهيد لا ينتقل فوراً إلى الجنة بل يبقى مدفوناً ولذلك عندما يموت الشهيد لا بد من أن يدفن جسده، ولا بد من أن تؤدى له حقوق الموتى، فهو لو كان ينتقل فور استشهاده إلى الجنة لما بقيت جثته بين الناس، ولكن مهما كان فإن هنالك حياة تختلف عن حياة غير الشهيد.
السؤال (4)
الدفاع عن النفس أصبح لغة يحتج بها كل من ينكأ في عدوه ويقدم صوراً مؤلمة تبيح له الرد والدفاع والصور المتزاحمة عبر وسائل الإعلام شديدة التأثير من حيث بشاعتها، ما حقيقة الدفاع عن النفس في الشريعة الإسلامية؟
الجواب: (3/72)
صفحة 1059
الدفاع عن النفس إنما يدفع المظلوم عن نفسه بحيث يدفع ظالمه، ولا يعني هذا أن يعتدي أحد على غيره، لا يعني هذا أن يعتدي أحد على أرض غيره أو على بيت غيره أو على مال غيره أو على عرض غيره ولا على أي شيء من هذا القبيل، أما أولئك الذين يسوّلون لأنفسهم ويسوّغون لها قتل الأبرياء وانتهاك الأعراض وأخذ الأموال وإخراج الناس من بيوتهم وهدم بيوتهم عليهم فلا ريب أنهم هم المعتدون الظالمون وليسوا من الدفاع عن النفس في شيء، وإنما هذا من قلب المفاهيم واللعب بالألفاظ ومن السخرية بعقول الناس، إذ كل أحد يدرك بعقله أن هذا لا يعد دفاعاً عن النفس وإنما يعد ذلك غشماً وظلماً وعدوانا.
(مداخلة الشيخ عبدالله بن عامر العيسري): السلام عليكم:
أعلنتم من قبل أن موضوع اليوم سيكون عن الدجل والشعوذة، وهذا في الحقيقة موضوع مهم، ولكن هناك نوع آخر من أنواع الدجل يتحاشى الإعلام العربي أن يتحدث عنه في ظل ظروفنا الحرجة.
قبل أن أكمل سؤالي أولاً أهنئ الشيخ الشهيد عبد العزيز الرنتيسي بتحقق أمنيته، وأعزي سماحة الشيخ أبقاه الله والمخلصين من أبناء الأمة في فقد هذا الرمز العظيم من رموز الجهاد.
أقول بأن الإعلام العربي يتحاشى أن يتحدث عن الدجل الإعلامي في ظروفنا الحرجة، فقبل أسابيع استشهد الشيخ أحمد ياسين، تلاه بعد ذلك بالأمس الشيخ عبد العزيز الرنتيسي ولكن مع ذلك بعض قنواتنا استمرت في ممارسة تخدير المشاعر ببث مواد الحقيقة لا تعبر عن نبض الشارع، ولا تعبر عن غليان القلوب، ولا تعبر عن آصرة التواصل بين المسلمين الذين هم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
في حقيقة الأمر النطق السامي من صاحب الجلالة يحفظه الله وأمد الله في عمره ووفقه واضح وضوح الشمس في رائعة النهار حينما قال (نحن لن نسمح لأحد بمصادرة الفكر)، لكن البعض في الحقيقة يبدو بأنه ما زال مصراً على مصادرة الفكر. (3/73)
صفحة 1060
فسؤالي لسماحة الشيخ أولاً ما هو دور الإعلام الحر والكلمة الحرة في نهضة الأمة المسلمة وانتشالها من حالة الذل والهوان التي أشار إليها سماحته في بداية البرنامج؟
كذلك نريد من سماحة الشيخ أن يوجه كلمة لهؤلاء القوم لا سيما وصاحب الجلالة كما ذكرت يحفظه الله بشرنا بأنه لن يسمح بمصادرة الفكر أبداً، هذه هي الشعوذة التي ينبغي أن تهتم الأمة المسلمة اليوم بمقاومتها. شكراً جزيلاً.
الجواب:
أولاً قبل كل شيء نقبل هذه التعازي التي قدّمها، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يجبر مصاب الأمة الإسلامية، وأن يتقبل جميع الشهداء الأبرار. (3/74)
صفحة 1061
ومن ناحية أخرى حقيقة الأمر الكلمة وأمانتها هي أمر عظيم، ولذلك كان من أهم ما منّ الله تبارك وتعالى به على عباده البيان لما فيه من إبلاغ الحقيقة وإفهامها للناس وكشفها وإيضاحها لهم، فالكلمة أمانتها أمانة عظيمة، ويجب على جميع الأمة المسلمة ممثلة في مؤسساتها الإعلامية أن تكون كلمتها كلمة واضحة أمام العالم بأسره، فالأمة المسلمة إنما هي شهيدة على الناس (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة: من الآية143)، ولن تكون شهيدة على الناس إلا إذا كانت مع أمانة الكلمة وكانت تضع كل شيء موضعه، فلا يجوز أن يُلبس الحق لبوس الباطل، وأن يُلبس الباطل لبوس الحق، وأن يُلبس الصدق لبوس الكذب، وأن يُلبس الكذب لبوس الصدق، وأن يلبس الظلم لبوس العدل، وأن يلبس العدل لبوس الظلم، إنما يجب أن يوضع كل شيء موضعه، وكما قلت إنه ليست هنالك حسرة على الأمة في أن تقدم مواكب من الشهداء فإن ذلك أمر لا بد منه، وهذه هي ضريبة التمكين والاستخلاف في الأرض التي وعد الله تبارك وتعالى به هذه الأمة وقد دفع هذه الضريبة السلف الصالح في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم وفي عهود الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم فمكّن لهم في الأرض واستخلفهم فيها كما وعدهم بقوله (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً) (النور: من الآية55)، ولكن مع ذلك إنما يأسف الإنسان للصمت الرهيب، صمت هذه الأمة أمام هذه المآسي التي تُنهكها إنهاكا، وأمام هذا الزحف الذي يزحف عليها من كل جانب للانتقاص منها ومن عزها ومن (3/75)
صفحة 1062
استقلالها ومن شرفها ومن مكانتها، فالأمة إذاً عليها أن تراجع نفسها في هذا، وعليها أن تصوغ حياتها صياغة قرآنية، وهذا ما ننادي به كثيراً بأن الأمة بحاجة إلى أن تصاغ صياغة جديدة، صياغة قرآنية بحيث تكون ربانية المصدر والمورد، لا تقدم على شيء إلا ببينة من ربها سبحانه وتعالى ولا تحجم عن شيء إلا بحكم من الله تعالى، تضع الموازيين القسط بين يديها لتحكم على أي شيء بموجبها، هكذا يجب على هذه الأمة ومن ذلك أن تكون كلمتها كلمة واضحة، وأن تحترم أمانة هذه الكلمة، وأن تحرص على بلوغها إلى الناس من غير مواربة ومن غير أي شيء يلبس أمرها ويقضي على دلالتها.
السؤال (6)
بالنسبة للخطاب الإسلامي في هذه العصور هناك من يرى أن الخطاب الإسلامي لم يصل إلى رغبات الجماهير المسلمة ولم يتقدم بحيث يكون ملبيا لكل حاجياتهم فعملية تطوير الخطاب الإسلامي وتعديله في ظل هذه الأوضاع كيف يكون؟
الجواب:
حقيقة الأمر الخطاب الإسلامي لا يمكن أن يعدل ولا يمكن أن يطور حتى يكون وفق متطلبات الحياة المعاصرة إلا عندما تطور عقلية المسلم الداعية إلى الله تبارك وتعالى، فإن المسلم يجب عليه أن يكون ابن عصره، يعرف ما يدور في هذا العالم، ويعرف المشكلات مشكلة مشكلة، ويعرف حلول هذه المشكلات ويعطي لكل مشكلة حلها، فالإنسان يجب عليه أن يكون دارياً بعصره. (3/76)
صفحة 1063
هذه الأمة أرادها الله تبارك وتعالى أن تكون أمة عالمية، وأن تكون كما قلنا شهيدة على غيرها من الأمم، ولذلك نجد كيف ربيت في القرآن الكريم، ربيت هذه الأمة لتكون أمة متابعة لما يجري في العالم منذ نشأتها الأولى بل قبل أن توجد الأمة، عندما كان هنالك أفراد يوجدون من هذه الأمة الذين كانوا هم نواتها الأولى وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم الأوائل الأوائل الذين أسلموا في مرحلة مبكرة وضغوط الجاهلية تضغط عليهم من كل جانب وصوت الجاهلية الهادر يحاول أن يسكت صوت دعوتهم وأن يغطي على هذه الدعوة، في ذلك الوقت عندما كان صراع بين دولتين كبريين وكان صدام مسلح ما بينهما، كان صدام ما بين الروم والفرس ولم يكن المسلمون الذين كانوا لا يتجاوزن في ذلك الوقت أفراداً قليلين مغمورين بالكثرة الكاثرة من أهل الجاهلية لم يكونوا واقعين تحت سلطة إحدى الدولتين حتى يعنيهم أمر هذا الصدام الواقع ما بينهما، وإنما كانوا في معزل عن هذا الصدام، ولكن مع ذلك نزل القرآن الكريم ليخبر بما وصل إليه الصدام في ذلك الوقت وقت نزوله، وليخبر بما سيئول إليه فيما بعد عندما قال الله تعالى (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (الروم:1 - 5)، هذا ما كان إلا لأجل تربية هذه الأمة تربية عالمية بحيث تكون متابعة لما يجري في العالم وحريصة على وضع كل شيء موضعه، وإلا فما الداعي لأن ينزل القرآن يتلى في الصلوات وفي غيرها ليخبر هؤلاء الأفراد القليلين من المسلمين بما وصل إليه الصدام المسلح ما بين أمتين كبيرتين ليستا من الإسلام في شيء، ومع ذلك لم يكن هؤلاء المسلمون واقعين في حوزة أي (3/77)
صفحة 1064
واحدة من الدولتين، إنما ذلك لأجل أن تخرج هذه الأمة من التقوقع وأن لا تكون أمة جامدة، بل لأجل أن تكون أمة منطلقة، أمة تهتم بالإعلام وقضاياه وأحداثه.
فإذاً الداعية المسلم اليوم هو بحاجة إلى أن يكون على بينة من الأمر، بأن يكون على بينة مما يجري في العالم من المشكلات سواء كانت هذه المشكلات مشكلات سياسية أو كانت مشكلات عسكرية أو كانت مشكلات اقتصادية أو كانت مشكلات اجتماعية أو مشكلات أدبية وفكرية إنما يجب على الأمة أن تكون على بينة من هذا الأمر، وعندئذ يكون الذي يوجّه الخطاب الإسلامي على معرفة بما يجري في هذا العالم.
نحن نرى كيف تتهاوى الأنظمة البشرية، نرى كيف تهاوت الشيوعية، المسلمون عليهم أن يقدموا الحل لهذه الإنسانية بعد أدركوا أن الشيوعية التي كانوا يحلمون بها ويظنونها الفردوس المنشود الذي ينشدونه ليست بشيء، وأنها تحولت إلى جحيم لا يطاق. والشيوعية على أي حال هي تركع أمام عدوتها الرأسمالية لأجل استجداء الحل وأنى لها أن تجد الحل، مع أن الشيوعية نفسها ما كانت إلا ردة فعل للظلم الرأسمالي.
فإذاً الحل إنما هو في الإسلام دين الله تعالى الحق، فعلى المسلمين أن يقدّموا هذا الحل الإسلامي، وأن يوضحوا الخطاب الإسلامي، وأن يبيّنوا عدالة الإسلام. الإنسانية اليوم تنشد العدل. (3/78)
صفحة 1065
متى وجد العدل إلا في ظل الإسلام الحنيف، الإسلام الحنيف جسّد العدل تمام التجسيد عندما كان الخليفة المسلم يقف أمامه ذمي من غير المسلمين، يقف أمامه ليحاكمه، وعندما تكون البينة غير موجودة عند الخليفة يُحكم لصالح الذمي على الخليفة مع أن الذمي في الحقيقة كان غير محق في دعواه ولكن العدالة الإسلامية لا فرق فيها بين هذا وذاك، الله تبارك وتعالى ينزل في كتابه الكريم ما يفرض على العدالة من غير تفرقة بين عدو وصديق وما بين حبيب وبغيض فالله سبحانه وتعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا) (النساء: من الآية135)، ويقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: من الآية8). (3/79)
صفحة 1066
ونرى من عدالة الإسلام التي تتجسد في القرآن الكريم أنه عندما وقعت حادثة بحيث سرقت درع على أحد من الناس، وهذه الدرع أراد الذين تعصبوا للسارق عندما كاد ينكشف أمره عندما أرادوا أن يبرءوا ساحته وأن يلصقوا هذه التهمة برجل بعيد عن الإسلام بيهودي، ورموا الدرع في بيت يهودي، فما كان إلا أن نزل قرآناً يتلى في الصلوات وفي غيرها فيه تبرئة لساحة اليهودي المتهم وتشديد على أولئك الذين تآمروا، الله تبارك وتعالى أنزل كم من آية في كتابه من أجل هذه القضية (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً * وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً) (النساء:105 - 108)، إلى قوله (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (النساء:113)، هذه الآيات كلها نزلت من أجل تبرئة ساحة يهودي مما رمي به، هذا يدل على عدل الإسلام. فإذاً مثل هذا المنطق ينبغي أن يكون الدعاة المسلمون على بينة منه وبصيرة منه بحيث يقدّمون هذا. (3/80)
صفحة 1067
أين توجد هذه العدالة إلا في الإسلام دين الله تعالى الحق الذي نعمت الإنسانية في ظله وأدركت أنها تعيش عيشة فيها المساواة ما بين جميع أفرادها لا فرق بين أحد وآخر الكل ينعم بالحرية، والكل ينعم بالراحة، والكل ينعم بالطمأنينة، والكل ينعم بالأمان والكل ينعم بالعدل.
السؤال (7)
ذكرتم أن الداعية المسلم يجب عليه أن يكون مطلعاً على العصر وقضاياه ومشكلاته وأخباره وكل تقلباته، قد يطلع الداعية على هذه الأمور كلها ولكنه لا يحسن التعاطي معها، أو تختلف وجهات نظر الدعاة في التعاطي مع مثل هذه المشكلات، فما الزاوية التي ينظر من خلالها المسلم إلى هذه القضايا وكيف يتعاطى معها؟
الجواب:
الدعوة إنما يجب أن تكون وفق ما وجّه القرآن الكريم، الدعوة لا تكون عشوائية وإنما تكون دعوة بالحكمة الله تبارك وتعالى يقول (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل:125)، والحكمة هي وضع الشيء موضعه، ولا يمكن للإنسان أن يضع الشيء موضعه إلا عندما يكون على بصيرة من أمره بحيث إنه من حيث الأحكام يتقن أحكام هذه الأمور التي يضعها في مواضعها، فإن لم يكن خبيراً بأحكامها تعسف في وضعها وفي ترتيبها، والدليل على ذلك قول الله تبارك وتعالى (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (يوسف: من الآية108)، فلا بد من أن يكون الداعية إلى الله على بصيرة، ومن البصيرة أن يكون عارفاً بما يدعو إليه وعارفاً بالقضايا التي يتناولها بحيث يراعي أولوياتها فيقدم الأهم على المهم، ويقدم المفروض على المندوب، ويقدم الأشد على الشديد وهكذا يراعي أولويات القضايا. (3/81)
صفحة 1068
هذا من ناحية من ناحية أخرى أن يكون خبيراً أيضاً بأسلوب المخاطبة مع القوم الذين يخاطبهم، وهذه هي الحكمة لا بد من ذلك بأن يكون خبيراً بما يؤثر عليهم ويجتذبهم ويخلّصهم مما هم فيه وعليه من الضلال والغي والفساد، هذا لا بد من أن يراعى، فلربما كان التأثير على بعض الناس بالترهيب، ولربما كان التأثير على آخرين بالترغيب، ولربما كان التأثير على مجموعة أخرى بإثارة النخوات في نفوسهم، ونحن نرى أن القرآن الكريم تناول هذه الجوانب كلها فجاء بالترغيبب وجاء بالترهيب وجاء بإثارة النخوات في النفوس بتذكيرهم بأمجاد آباءهم وأسلافهم كما قوله سبحانه وتعالى (يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة:47)، وبعد ذلك قال (وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) (البقرة:48)، أولاً ذّكرهم بآبائهم وأنهم فُضلوا على العالمين عندما كانوا في ذلك الوقت على استقامة وعلى صلاح وعلى رشد وكان فيهم النبيون وكانوا على استجابة لأوامر النبيين، في ذلك الوقت كانوا مفضلين بطبيعة الحال، ولكن انقلبوا بعكس ذلك، ومع ما يعلمه الله تبارك وتعالى من خسة حالهم ومن دسائسهم ومن انحراف فطرهم إلا أنه أتى بهذا الأسلوب ليكون في ذلك تعليم للعباد كيف يوجهون الخطاب إلى الناس. (3/82)
صفحة 1069
هذا علاج نفساني، هذا خطاب فيه مراعاة لأحوال نفسية لأن الإنسان دائماً يعتز بأمجاد ماضيه ويلتفت إلى هذه الأمجاد ويعتبرها رصيداً له، فلذلك ذّكروا هذا التذكير، وكذلك نحن نجد أيضاً أن الله تبارك وتعالى فيما يحكيه عن عبده موسى أنه في خطابه لبني إسرائيل عندما قال تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ) (المائدة:20)، فالله تبارك وتعالى يذّكر من خلال هذه الدعوة، ويعلم عباده كيف يدعون الناس، فلا بد من اتخاذ الأساليب. الداعية إن لم يكن خبيراً بمثل هذه الأساليب عليه أن يتعلمها، وعليه أن يمارسها. ثم لا بد من أن يكون هنالك تكامل ما بين الدعاة، فإن كان هذا يتقن هذا الجانب الآخر ربما يتقن الجانب الآخر وإنما يكون بينهم التكامل.
السؤال (8)
مسألة انتهاج السلم واللاعنف، هذه القضية يتعامل معها الدعاة من منطلقات مختلفة ولذلك هذا أعطى للآخرين الفرصة في أن يصنّفوا المسلمين تصنيفات متعددة فهناك الإسلام المتطرف والمعتدل ...
الجواب: (3/83)
صفحة 1070
أولاً يجب علينا أن ندرك أن الإسلام مع دعوته إلى السلم ومع دعوته إلى إنصاف الآخرين ومع دعوته إلى عدم العدوان، مع هذه الدعوات لا يرضى أيضاً لأتباعه الذل والمهانة، بطبيعة الحال الله تبارك وتعالى ينهى المسلمين عن العدوان (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة:190)، أمر الله سبحانه وتعالى بالمقاتلة ولكن لمن؟ لمن يقاتل المسلمين، ثم مع ذلك نهى عن العدوان وقال (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) (النحل:126)، ينهى عن العدوان حتى في العقوبة بحيث لا يتعدى الإنسان عندما يعاقب خصمه ما فعله الخصم فيه، إنما يفعل في خصمه بقدر ما فعل الخصم فيه، وهذا من باب الجزاء بالمثل ولكن مع ذلك ينهى عن العدوان (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) من غير زيادة، (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ) أي احتملتم ذلك وذلك عندما يقتضي الأمر الصبر فهو خير للصابرين.
كذلك نجد أن الله تبارك وتعالى يدعو عباده إلى أن يأخذوا الحزم في الأمور وأن لا يفلتوا الحزم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً) (النساء:71)، ويقول تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: من الآية60)، هذا كله من أجل أن تكون الأمة المسلمة عزيزة. (3/84)
صفحة 1071
أولاً قبل كل شيء موازيين الحياة لا تستقر إلا مع عزة الإسلام، لأن الأمة المسلمة عندما تكون مسترشدة برشد ربها، وتكون مهتدية بهداه في هذه الحالة تأخذ بموازيينه وتضبط الأمور كلها بأحكامه فلا ينفلت شيء من طريق العدالة، لا يخرج شيء عن قبضة العدالة، بل كل شيء يكون في موضعه الصحيح، في هذه الحالة تستقر الأمور وتهدأ، أما عندما يكون المؤمنون عجزة، عندما يكونون كسالى، عندما يكونون أتباعاً للغير عندئذ يتحكم الغير بحسب هواه، أما المسلمون فهم مطالبون بأن يضبطوا الأمور بضوابط الحق، وأن يزنوها بموازيينه، وأن لا يتدخل الهوى في أي شيء كان وهذا معنى قوله تعالى (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: من الآية8)، أما الآخرون الذين لا يحتكمون إلى شرعة الله فطبيعة الحال الهوى هو الذي يقودهم إلى أن يكيلوا بمكيالين ويزنوا بميزانين ولذلك قد يسمى المظلوم ظالما وقد يسمى الظالم مظلوما.
السؤال (9)
ما حكم المصلي إذا كرر آية من الفاتحة؟
الجواب:
الفاتحة لا تكرر ولا يكرر شيء منها، لأنها ركن من أركان الصلاة، فلا يجوز تكرار أي شيء منها، وتعمد التكرار يؤدي إلى البطلان بخلاف السور الأخرى فمن الممكن أن يكرر الآية والآيتين حتى لو شاء أن يكرر السورة لا يؤدي ذلك إلى بطلان الصلاة.
السؤال (10)
من أحدث حدثاً يوجب نقض الصلاة والوضوء وهو إمام فهل يستخلف في هذه الحالة؟
الجواب:
في هذه الحالة في المسألة خلاف، منهم من قال بأن الحدث الاضطراري وإن كان مبطلاً للصلاة لا يؤدي إلى أن تفسد صلاة المأمومين وإن ارتبطت صلاتهم بصلاته، وآخرون يرون لا ما دامت الصلاة مرتبطة فتفسد صلاة المأمومين وبهذا نأخذ فلا يُستخلف إلا في الحدث الذي جاء الحديث على أنه ينقض الوضوء دون الصلاة وهو الرعاف والقيء، والله أعلم.
السؤال (11) (3/85)
صفحة 1072
شخص أراد أن يجمع الصلاتين فصلى الظهر مع إمام مقيم وفاتته من الركعة الأولى القراءة فقط لكنه أدركه في الركوع ومع ذلك عندما أراد أن يقضي قضى ركعة كاملة وفعل ذلك متعمداً فهل يؤثر على صلاته الأولى والثانية؟
الجواب:
هذه المسألة مما وقع فيه الخلاف، فهناك جماعة من العلماء ترى أن الفاتحة يتحملها الإمام، وجماعة أخرى ترى أن الإمام لا يتحمل الفاتحة وبهذا نأخذ، وهناك رأي آخر وقد قاله الشوكاني وانتصر له كما في كتابه (نيل الأوطار) وهو أن المأموم إن فاته شيء كأن تفوته الفاتحة مع الإمام فإنه يأتي بالركعة كلها لئلا تتجزأ الركعة. فبما أنه صادف قولاً من أقوال علماء الأمة فلا نرى أن يقال ببطلان صلاته.
السؤال (12)
ما حكم تركيب العدسات الملونة التي تغير لون العين؟
الجواب:
أما إذا كان هذا التركيب لأجل الزينة فذلك مما يؤدي إلى تغيير خلق الله، وأما إذا كان هذا التركيب من أجل المحافظة على صحة النظر فلا حرج فيه.
السؤال (13)
إذا عطس المأموم أثناء قراءة الفاتحة خلف الإمام وحمد الله ثم تابع قراءته فهل صلاته صحيحة؟
الجواب:
إن شاء الله صلاته صحيحة.
السؤال (14)
كنت قادماً من سفر إلى بلدتي وفي الطريق أذن المؤذن لصلاة المغرب ولم يكن بيني وبين بلدي سوى ثلاثين كيلومتراً، فهل يجوز لي أن أصلي المغرب والعشاء جمع تقديم سفر أم أصلي عندما أصل وأجمع صلاتي المغرب سفراً ثم العشاء حاضراً؟
الجواب:
هو بما أنه في سفره فله أن يجمع، ولا يؤخر حتى يصل على بلاده وقد فاتت الصلاة الثانية، ينبغي أن يجمع قبل أن يصل إلى بلده.
السؤال (15)
كيف تكون الصلاة على الطلبة العمانيين في ماليزيا، مسألة جمع وقصر الصلاة مع العلم بأن فترة الدراسة تمتد إلى أربع سنوات، مع العلم أن مذهبي شافعي؟
الجواب: (3/86)
صفحة 1073
بالنسبة إلى الشافعية بعدما يجاوز أربعة أيام عندهم يتم الصلاة، أما بالنسبة إلينا نحن فنرى قصر الصلاة كما دلت الروايات ما دام الإنسان في سفره لم يعد منه. وبالنسبة إلى الجمع الأولى لمن أقام في بلد أن يفرد، ولكن لا يمكن يمنع من الجمع حتى بالنسبة إلى المقيم الذي يصلي أربعاً لا يمنع من الجمع عندما تعرض له حاجة تقتضي الجمع كما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ثبت ذلك من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
السؤال (16)
ما حكم تقويم الأسنان؟
الجواب:
إذا كانت الأسنان فيها خلل واعوجاج فلا حرج في تقويمها، ليس ذلك من تبديل خلق الله.
السؤال (17)
رجل صلى في السفر جمع تقديم ولما وصل إلى بلده صلى بالناس العصر جماعة ثم أخبرهم في اليوم التالي بأن صلاتهم غير جائزة لأنه قد صلى العصر من قبل، فما الحكم؟
الجواب:
ما كان داعي إلى أن يخبرهم، في هذه الحالة هو في حالة نسيان وهو معذور وهم معذورون إن شاء الله لأنهم دخلوا الصلاة على أنه يصلي الفرض ولا حرج عليهم.
السؤال (18)
رجل تقدم إلى ابنته رجل صالح وأخلاقه عالية لكنه رفض لاعتبارات أخرى، فما نصيحتكم له؟
الجواب:
عليه أن يتقي الله تبارك وتعالى، وعليه أن يحرص على أن يزوج موليته بالرجل الصالح عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلّم: إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه.
السؤال (19)
امرأة قطعت نسلها بعملية وهي نادمة على ذلك وتريد أن ترجع النسل، فهل يجب عليها أن ترجع أم يكفيها الندم؟
الجواب: (3/87)
صفحة 1074
هي أسأت إن لم تكن مضطرة إلى ذلك، وليس للإنسان أن يقطع النسل، النسل هم ثمرة الفؤاد، وهم أفلاذ الأكباد، وهم امتداد للحياة، وهم أملها، فما كان ينبغي ذلك، بل لا يجوز ذلك في غير حالة الاضطرار، أما في حالة الاضطرار فلا حرج. أما وقد وقعت في ذلك فإنها تراعي حينئذ دفع أخطر الشرين بأقلهما، فإن كانت تحذر من إجراء عملية إعادة النسل ضرراً عليها فإنها تتقي الضرر، ويؤمر الإنسان أن يقي نفسه الأضرار، أما إذا كانت آمنة من هذه الناحية فإنها تؤمر بإعادة النسل.
السؤال (20)
هناك أسماء أنبياء استخدمت كمناطق أو دول كإسرائيل، والناس عندما أحيانا يسبون الأسماء المجردة فيقولون مثلا أخزى الله إسرائيل، فهل هذا يصح؟
الجواب:
ينبغي في هذا أن لا يقول الإنسان أخزى الله إسرائيل وإنما يقول أخزى الله الصهاينة أو اليهود.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
5 من ربيع الأول 1425 هـ، 25/ 4/2004م
الموضوع: عام
السؤال (1)
ما رأي سماحتكم في من يعتني بالمعوقين خاصة من النساء علماً بأن أعمار البعض منهم فوق أربعة عشر سنة؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الله تبارك وتعالى بمنته على عباده جعل شريعته ميسرة، وجعل أحكامها سهلة، وجعل هذه الشريعة تدور حول مصلحة العباد، فلله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. وإن الله تعالى ليبتلي من يشاء عباده بما يشاء من بلائه، وبقدر ما يبتلي الله تبارك وتعالى عباده يمن عليهم باليسر في أحكامهم، ومن ذلك أن يكون الإنسان بمثل هذه الحالة كأن يكون أشل لا يستطيع الحركة، أو أن يكون مصاباً بأي مرض يقعد به عن ممارسة الحياة وفق الطبيعة المعهودة. (3/88)
صفحة 1075
فالله سبحانه وتعالى يسّر لهؤلاء وجعل أحكامهم ليست أحكاماً معقدة بحيث تصعب عليهم وتشق على من يعتني بأمرهم، فالذي يعتني بأمر هؤلاء يُيَسر له، وإنما عليه أن يغض بصره عن عوراتهم بقدر استطاعته، وعليه أيضاً أن يحاول أن لا يباشر عوراتهم في حال تنظيفهم والقيام بشئونهم بيده من غير حائل، وإنما يستعمل بقدر المستطاع الحائل الذي يحول بين اليد ومباشرة العورة، وهذا أمر معهود حتى بالنسبة إلى تغسيل الموتى فإن حرمة الميت كحرمة الحي، فلا يجوز أن يُنظر إلى عورة الميت كما لا يجوز أن يُنظر إلى عورة الحي، ولكن مع ذلك يغسل عورة الميت من وراء حائل بحيث يجعل بينه وبين عورة الميت خرقة مثلاً يلف بها يده، وهكذا بالنسبة إلى الذي يتعامل مع هذا الصنف من الناس، أي الذين لا يقدرون أن يقوموا بشئونهم بأنفسهم لما أصيبوا به من الأمراض.
فالشريعة سمحة ودين الله تبارك وتعالى يسر (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: من الآية185)، والمشقة تجلب التيسير، وهذه قاعدة فقهية معروفة، والأمر إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق، كل ذلك مما يسهل للناس أن يمارسوا ضروراتهم وحاجاتهم وفق شريعة الله تبارك وتعالى من غير مشقة عليهم.
السؤال (2)
هل الشخص المعوق مكلف بالقيام بالواجبات الدينية علماً بأن البعض منهم معوق ذهنياً وأيضاً بعضهم صم وبكم؟
الجواب: (3/89)
صفحة 1076
الله تبارك وتعالى لا يكلف ما فيه العسر وإنما يكلف ما فيه اليسر، ومن ذلك أن من كان غير عاقل بحيث إن ملكته العقلية لا تمكنه من استيعاب شئون الدين ومعرفة أحكام الله تعالى فهو غير داخل في حكم التكليف، إذ للتكليف شروط، ومن شروط التكليف أن يكون المكلف بالغاً، وأن يكون عاقلاً، وأن يكون قادراً على ممارسة الأمر الذي كلف به، وأن تكون الحجة قد قامت عليه بما كلف به، لا بد من ذلك كله، عندما تتوافر هذه الشروط يكون الإنسان مكلفاً، أما بدون توافر هذه الشروط فلا يصل الأمر إلى أن يكون مكلفاً.
والتكليف كما في هو في اللغة إلزام ما فيه مشقة، وهو في الشرع ما فرضه الله تبارك وتعالى على عباده من فعل مأموراته واجتناب منهياته فذلك هو الذي يكلف به الإنسان.
فمن كان بهذه الحالة بحيث إنه عاجز ذهنياً عن استيعاب دلائل الشرع وأحكام الشرع بحيث يكون متخلفاً عقلياً ففي هذه الحالة يكون التكليف ساقطاً عنه، أما إن كان غير متخلف عقلياً وإنما هو مصاب جسدياً بعلة تحول بينه وبين ممارسة ما كلف به ففي هذه الحالة يكون التكليف بقدر مستطاعه فالله تبارك وتعالى يقول (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية286)، ويقول سبحانه (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا) (الطلاق: من الآية7)، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. (3/90)
صفحة 1077
فالإنسان إذا كلف بشيء من شرع الله تعالى وقدر على بعضه ولم يقدر على بعضه فإنه يأتي بما قدر منه، ويسقط عنه التكليف فيما عجز عنه، ومن هذا الصلاة مثلاً، فالصلاة يؤمر بها القادر أن يأتيها مستوفية لجميع أحكامها بحيث تكون مستوفية لأركانها ومستوفية لشروطها ومستوفية لوظائفها، ولكن عندما يكون غير قادر على ذلك فإنه يسقط عنه الواجب فيما عجز عنه، ومن ذلك لو كان قادراً على الضوء مثلاً فإنه لا يجوز له أن يصلي إلا وهو متوضئ وضوءاً كاملاً، لكن إن عجز عن الوضوء ففي هذه الحالة ينتقل الواجب عنده من الوضوء إلى التيمم، فإن عجز عن كلتا الطهارتين سقطتا عنه جميعاً.
وكذلك مثلاً لو نظرنا إلى العاجز عن الإتيان بأعمال الصلاة، فالقادر على الإتيان بأعمال الصلاة يكلف بها مستوفية لجميع أعمالها، بحيث يأتي فيها بالقيام والركوع والسجود والقعود، ويأتي فيها بالقراءة المشروعة والأذكار المشروعة، أما إن كان عاجزاً عن شيء من ذلك فإنه يسقط عنه ما كان عاجزاً عنه، فمن عجز عن القيام سقط عنه ركن من أركان الصلاة وهو القيام وكان عليه أن يصلي قاعداً، إن عجز عن القعود أمكنه أن يصلي بقدر مستطاعه، فإن كان يستطيع أن يصلي مضطجعاً على الجانب الأيمن مستقبلاً للقبلة المشرفة فليفعل، فإن عجز عن استقبال القبلة سقط عنه فرض استقبالها وصلى كما أمكنه، وهكذا بالنسبة إلى كل واجب في الصلاة من الركوع والسجود وغير ذلك، وكذلك القراءة إنما يأتي الإنسان بما كان قادراً عليه، أما ما كان عاجزاً فإنه يسقط عنه، والله تعالى أعلم.
السؤال (3)
ما هي صفات المعوق ذهنياً الذي تسقط عنه التكاليف كالذي لا يستوعب ما يجري حوله او كان فاقداً للذاكرة؟
الجواب: (3/91)
صفحة 1078
أما من كان فاقداً للذاكرة ولكنه يستحضر العبادة ويستطيع استحضارها فعليه أن يمارس العبادة، أما إذا كان لا يستحضر العبادة بحيث إن فقدانه للذاكرة أدّى به إلى أن يكون عاجزاً عن استحضار العبادة التي هي واجبة على المكلفين ففي هذه الحالة تسقط عنه العبادة، كذلك إذا نظرنا أيضاً إلى كونه هل يستوعب الفرائض بحيث يعرف أن هذا شيء فرضه الله تبارك وتعالى أو أن ذهنه أصبح مضطرباً بحيث لا يستطيع أن يدرك ذلك ويتفطن له ففي هذه الحالة ما كان عاجزاً عن استيعابه يسقط عنه.
السؤال (4)
هل يجب على الإنسان إن استطاع الذهاب إلى العمرة أن يؤديها إذ تكاليف السفر إلى العمرة أقل بكثير من تكاليف السفر إلى الحج؟
الجواب:
العلماء اختلفوا في العمرة هل هي واجبة أو إنها مسنونة، فالذين قالوا بوجوبها استدلوا بقول الله تعالى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّه) (البقرة: من الآية196)، والذين ذهبوا إلى أنها سنة قالوا إن إتمام الشيء لا ريب أنه واجب بعد الدخول فيه ولكن قبل أن يدخل فيه لا يكون واجباً عليه، فالعمرة إنما تجب على الإنسان إذا ما دخل فيها فإذا أحرم للعمرة صارت واجبة عليه ولا يجوز له أن ينقضها متعمداً لأن في ذلك إبطالاً للعمل والله تعالى يقول (وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) (محمد: من الآية33)، وعلى أي حال نحن نرى أنه مع إمكان أن يقوم الإنسان بالعمرة وعجز عن القيام بالحج فليأت بما قدر عليه، ليأت بالعمرة التي هو قادر عليها، وإذا منّ الله تبارك وتعالى عليه بعد ذلك باليسر وكان قادراً على الإتيان بالحج فليأت بالحج، والله تعالى يتقبل منه.
السؤال (5)
من حج واعتمر في سفر واحد ثم وجد استطاعة للسفر مرة أخرى للعمرة، هل تجب عليه؟
الجواب:
العمرة لا تجب إلا مرة واحدة، لا يتكرر وجوبها كما أن الحج لا يتكرر وجوبه.
السؤال (6)
هل صح أن صلاة المرأة دون تحلٍ بالذهب باطلة؟
الجواب: (3/92)
صفحة 1079
هذا كلام لا يصح. وهل كل النساء تجد الذهب! وما علاقة التحلي بالذهب بالصلاة! هذا كلام لا يصح.
السؤال (7)
رجل رزقه الله تعالى بمولودة إلا أنها توفيت بعد سبعة أشهر، فهل عليه أن يذبح نسيكة عنها؟
الجواب:
لا، إنما النسيكة في حياتها، النسيكة إنما هي عندما يبلغ المولود سبعة أيام، ولا بأس إن أخّر الإنسان النسيكة إلى نهاية الاسبوع الثاني ولكن بالنسبة إلى الولد الميت لا يتعبد الإنسان أن ينسك عنه بعد موته.
السؤال (8)
ما هو أجر من توفي بعض أولاده وهم صغار؟
الجواب:
أجر ذلك أجر عظيم فإن الولد إنما هو فلذة الكبدة وثمرة الفؤاد وقرة العين، فمن رزء بشيء من أولاده وصبر على هذا الرزء فالله سبحانه وتعالى يثيبه أجراً كبيرا (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة:156 - 157).
السؤال (9)
امرأة تتفكر في خلق الله تعالى وتشعر بعظمة الله لكنها في أحياناً أخرى يتداخلها وسواس ويغزوها الشيطان فيبعدها عن التفكر في هذه العظمة؟
الجواب: (3/93)
صفحة 1080
الأصل أن الكون كله مسرح لاعتبار الإنسان، فإن كل ذرة من ذرات الكون – كما يقول أحد علمائنا – هي كلمة من كلمات الله، ناطقة بوجود الله، دالة على شهود عظمته سبحانه وتعالى، وما عداها فهو كالشرح لتلك الكلمة، فكل ذرة من ذرات الكون فيها دلائل شتى على وجود الله، ودلائل متعددة على وحدانيته سبحانه، ودلائل متعددة على عظمته وقدرته وجلاله وعلمه، فإن كل الكائنات تدل على الله تبارك وتعالى وصفاته من خلال إن الإنسان يرى أن كل ما في الكون مصنوع حادث كان بعد أن لم يكن، فالذرة بتراكيبها بحيث إن فيها نواة وفيها الكترونات تدور من حولها وفيها من النيوترونات وغيرها ما هو مقدر تقديراً عجيباً، ذلك كله شاهد على أن الله تبارك وتعالى هو الذي أوجد هذه الذرة وهو الذي خلقها، فهي معربة بلسان حالها عن افتقارها إلى واجب الوجود لذاته سبحانه وتعالى الذي تجلى في كل موجود وجوده وغمر الكون كله شهوده.
وعندما ينظر الإنسان أيضاً إلى ما فوق هذه الذرات، عندما ينظر إلى العناصر وكيف تتكون من هذه الذرات وكيف تلتئم وتتحد بمشيئة الله سبحانه وتعالى، وعندما ينظر بعد ذلك إلى المركبات وينظر إلى الأجسام وينظر إلى الأجرام الفلكية وغيرها يأخذه العجب ويرى كيف الرباط الذي يربط ما بين هذا الكون المترامي الأطراف الواسع الأرجاء بحيث إنه مع هذه السعة التي تفوت مدارك البشر لا يخرج عن كونه وحدة متكاملة كل جزء منه مكمل لبقية الأجزاء وفي ذلك دلالة واضحة على وحدانية الله تعالى، لأن وحدة نظام الكون دليل على أنه صادر عن مكون واحد. (3/94)
صفحة 1081
ولذلك نحن نرى في كتاب الله سبحانه عندما ذكر الله عز وجل وحدانيته، عندما وصف نفسه بالوحدانية حيث قال (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (البقرة:163)، أتبع ذلك قوله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة:164)، فإن كل ما ذكر في هذه الآية الكريمة إنما يدل على وحدانية الله سبحانه.
ومثل ذلك أيضاً قوله تبارك وتعالى (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (النمل:59 - 63). (3/95)
صفحة 1082
فإذاً الكون كله إنما هو مسرح لاعتبار الإنسان إذ تتجلى له عظمة المعبود تبارك وتعالى، وتتجلى له في نظرته إلى نظام هذا الكون وحدانيته سبحانه، ويتجلى له علمه سبحانه وتعالى وقدرته وحياته وإرادته ومشيئته لأن ذلك كله مما يدل على أن مكون هذا الكون قد أحاط بكل شيء علما وقد أحاط بكل شيء قدرة، وأنه لا يخرج شيء من هذا الكون عن إرادته سبحانه، فالإنسان من خلال نظرته إلى هذه الكائنات تتجلى له الحقائق الغيبية كما هي، تتجلى له عظمة الله سبحانه وتعالى وصفاته العظيمة وبهذا يكون الإنسان موصولاً بالله.
أما الوسوسة التي يمليها الشيطان على الإنسان فإن على المؤمن أن يستعيذ بالله تعالى من هذه الوسوسة مهما طرأت عليه وأن يغالبها، فالله تعالى يقول (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (الأعراف:200 - 201)، فهكذا شأن المتقين إذا ألمّ بهم شيء من الشيطان أن يتذكروا ويتراجعوا ويدركوا وسوسة الشيطان وشره ومكائده وما يريده بهم إلى آخر ذلك، فهذا كله مما يجب أن يتفطن له الإنسان. (3/96)
صفحة 1083
ومهما يكن فإن الإنسان الذي يحس بعظمة الله تبارك وتعالى من خلال نظرته إلى الكائنات ويحس بنعمته سبحانه وتعالى تغمره من خلال نظرته إلى ما سهّل له في خلال الكون فإنه يكون موصولاً بربه، فالإنسان يُطلب منه أن يمعن فكره في هذه الحقائق ليدرك أنه أفقر ما يكون إلى الله سبحانه وتعالى في جميع أحواله فهو تبارك وتعالى يقول مذكّراً لعباده (قُتِلَ الأِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ * فَلْيَنْظُرِ الأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ) (عبس:17 - 32). (3/97)
صفحة 1084
الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات يذكّر الإنسان أولاً بنعمة خلقه إياه، فقد خلق البشر من عدم، وخلقه من أمر مهين جداً في منتهى المهانة، من خلية وهي المُعبّر عنها بالنطفة وهي من دقتها وحقارتها تنظر بالمجهر ولا تكاد تبصر، فهذه الخلية طوره الله سبحانه وتعالى بعد أنه خلقه منها طوراً بعد طور حتى كانت هذه ملايين الملايين من الخلايا التي هي في جسم الإنسان وهي متنوعة ولها وظائف متعددة بقدر حاجة الإنسان إليها، ثم إنه مع ذلك وجد بينها هذا الانسجام، ثم مع هذا وُجد أيضاً في الإنسان ذلكم السر الغيبي وهو نفخ الله تبارك وتعالى فيه من روحه بحيث تحول إلى كائن آخر فصار فيه الإحساس وصارت فيه المدارك، وبعد ذلك خرج إلى هذا الكون وأخذ يتدرج في مدارج الرقي شيئاً بعد شيء، حواسه الظاهرة والباطنة تنمو ومداركه تنمو وقواه تنمو فإذا به بشر سوي سميع بصير عليم قدير يتصرف بإرادة ويستطيع أن يُحكم الأمور التي يحتاج إلى إحكامها في حياته وهكذا.
هذا مما يدعوه إلى الاعتبار، ثم مع ذلك تطور هذا الإنسان طوراً بعد طور وأخذ ينتكس في أطواره الأخيرة (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْق) (يّس: من الآية68)، ثم يموت بعد ذلك ثم يقبر، ثم مع هذا كله أيضاً يُذكّر هذا الإنسان بنعمة الغذاء الذي يسره الله تعالى له، فالإنسان بحاجة إلى الغذاء، والغذاء هو ميسر للإنسان بقدر حاجة الجسد، فما كانت الحاجة إليه أدعى كان أكثر يسرا، نحن لا نستغني في جميع الأحوال عن الهواء في نومنا وفي يقظتنا في حركتنا وفي سكوننا في ذكرنا وفي غفلتنا، وجعل الله تعالى في هذه الأحوال هذا الهواء ميسراً يستنشقه الإنسان في نومه وفي يقظته في ذكره في غفلته في حركته وفي سكونه من غير أي عناء ومن غير أي ثمن. (3/98)
صفحة 1085
ثم تأتي بعد ذلك الحاجة إلى الماء ثم تأتي بعد ذلك الحاجة إلى الطعام وهكذا يبين الله تعالى (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) كيف يُسر هذا الطعام، مر بمراحل كثيرة (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ)، من الذي يسّر ذلك، من الذي أنزل هذا الماء، لو أن الله سبحانه وتعالى أمسك قطر السماء من يستطيع أن ينزل ما أمسكه الله تعالى؟ لو أن الله تعالى جعل هذه الأرض تتشقق وتغور المياه التي فيها إلى أبعاد لا يمكن أن يتوصل إليها الإنسان من الذي يستطيع أن يسترد هذا الذي ذهب الله به (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَاتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ) (الملك:30).
فإذاً هذا كله مما يدعو هذا الإنسان إلى أن يكون كثير الاعتبار بهذا كله شاكراً نعمة الله تعالى عليه، يحس ويشعر في جميع أحواله أن نعم الله تعالى تغمره لا يستطيع أبداً أن يفي بأقل جزء من أقل نعمة من هذه النعم ولو وقف حياته كلها على طاعة الله وعبادته من أولها إلى آخرها فكان لسانه ذاكراً دائماً لربه وكانت كل جارحة من جوارحه تعمل بطاعة الله لما استطاع مع هذا كله أن يفي بشكر أقل نعمة بل أقل جزء من أقل نعمة من هذه النعم العظيمة، والله تعالى المستعان.
السؤال (10)
في فترة من الفترات الماضية غزت بعض النظريات عقول المسلمين لكن التهمة الموجهة إليها هي أنها نظرية وليست حقيقة ومع ذلك أحدثت أثراً في نفوس بعض المسلمين الهشة، الآن بعض هذه النظريات تحول إلى حقيقة، كالاستنساخ، استنساخ بشر من بشر أو حيوان من حيوان. وفي الأيام الأخيرة تمكن فريق ياباني من تلقيح بييضة أنثى فأر ببييضة أنثى فاستطاعوا بذلك أن تحمل تلك الأنثى بعشرة فئران. (3/99)
صفحة 1086
المسلم لديه تصور واضح عن قدرة الله تعالى (وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ) (لقمان: من الآية34) (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) (القصص: من الآية68)، فكيف يفهم المسلم هذه التطورات العلمية في ضوء ما يؤمن به من قدرة الله تعالى؟؟
الجواب:
المسلم يدرك تمام الإدراك أن كل ما في الكون إنما هو مخلوق لله سبحانه، وأن أي أحد لا يستطيع أن يخلق أي شيء (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) (الحج: من الآية73)، فكل ما في الكون إنما هو مخلوق لله تعالى، هؤلاء الذي قاموا بالاستنساخ هل هم أحدثوا عنصراً لم يكن موجوداً من قبل؟ أو أنهم استخدموا عنصراً موجود وطوروه من طور إلى طور؟
من الذي أوجد هذا العنصر الموجود؟ إنما أوجده الله تعالى، فهل هم خلقوا عنصراً من لا شيء، استخرجوا عنصراً من لا شيء؟ لا، وإنما أوجدوا ما أوجدوه بما آتاهم الله تبارك وتعالى من دراية بطبيعة هذه العناصر الموجودة في هذا الكون فاستطاعوا أن يتوصلوا، والله تعالى وعد عباده أن يكشف لهم أسراره قال (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ) (فصلت:52 - 54)، فهذا مما يدل على أن الله تعالى واعد بأن يجلّي للناس آياته في الأنفس وفي الآفاق التي لم تكن معروفة من قبل عندهم، أي لم تكن متصورة على ما هي عليه. (3/100)
صفحة 1087
كذلك نجد أن الله تعالى يقول (خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ) (الانبياء:37)، كذلك الله تبارك وتعالى يشير إلى انطواء القرآن على عجائب الكون، على عجائب السموات والأرض وذلك عندما يقول سبحانه وتعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) (الفرقان:4 - 6)، في هذا ما يشير إلى انطواء القرآن على أسرار السماوات والأرض.
فهذه الآيات وعد للناس بأن تتجلى لهم وأن تتكشف لهم حتى يدركوا أسرارها، وهذا ما ظهر الآن، ولا تزال الآيات تُكتشف يوماً بعد يوم، والحقائق تتجلى للناس على ما هي عليه.
فإذاً نحن نؤمن بأن كل ما في الكون من أقل شيء إلى أوسع شيء إنما هو مخلوق لله ولا دخل لقدرة العبد فيه اللهم إلا عندما يريد الله سبحانه وتعالى أن يُظهر للناس شيئاً من أسراره ويمكّنهم. إنما قدرة المخلوق بقدر تمكين الله تعالى لا زيادة على ذلك.
السؤال (11)
هل في قوله تعالى (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) (الاسراء: من الآية85) هل فيه دلالة على أن البشر سيقفون يوماً من الأيام فقط عند الروح وأما دون الروح يستطيعون استكشافه؟
الجواب:
الله أعلم، على كل هذه أمور لا نستطيع أن نجزم بها، ولا نستطيع أن نتعجل الأحداث قبل وقوعها.
السؤال (12)
هل المقصود من التعارف يوم القيامة هو ما بين الأرحام أم المقصود بين أصحاب الحقوق لأخذ الحق من الظالم إلى المظلوم؟
الجواب: (3/101)
صفحة 1088
التعارف يوم القيامة يكون بين الناس بقدر ما كان بينهم من معاملات في هذه الدنيا، وينصف الله تعالى للمظلوم من الظالم في ذلك اليوم، هذه هي الحقيقة التي أشار إليها القرآن وصرحت بها السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فعدل الله تعالى اقتضى أن يبعث الناس وأن يتعارفوا يوم القيامة وأن يوفى كل ذي حق حقه يومئذ بحكم الله تعالى العادل، والله تعالى أعلم.
السؤال (13)
ما توبة من أسرف في استعمال الماء أو الكهرباء في بيت غيره؟
الجواب:
إن كان ذلك مما أدى إلى أن يتكلف صاحب البيت زيادة عن المعهود من النفقة في الكهرباء والماء ففي هذه الحالة عليه أن يضمن لصاحب البيت هذه الزيادة التي زادت وعليه أن يحتاط بقدرها، وإن جعله صاحب البيت في حل من ذلك فلا عليه من ذلك لأن حق الإنسان يسقط عندما ينزل عنه ويسقطه.
السؤال (14)
ظهرت في الآونة الأخيرة وخصوصاً على شبكة المعلومات العالمية ظاهرة البرامج غير المصرح بها وهي برامج يقوم أحد الأشخاص بطرحها لعامة الناس للتحميل والاستخدام دون علم منتجها ودون رضاه، فما حكم استخدام وتنزيل مثل هذه البرامج هل تعتبر سرقة أم أن مثل ما يقول البعض ما دام المنتِج كافرا فلا حرج من الاستفادة لغرض تطوير المسلمين؟
الجواب:
حقيقة الأمر هناك فرق بين الكافر المسالم والكافر المحارب، فالكافر المحارب للإسلام هو يشن حرباً على المسلمين فعندما يتمكن المسلم من الاستعانة بأي شيء من حقه فإن ذلك في الأصل من حقوق الله تبارك وتعالى ولهذا الإنسان المسلم أن يستعين بهذه المعلومات وبهذه التقنيات من أجل خدمة الإسلام وخدمة الإنسانية ولا يضره ذلك.
أما إن كان مسالماً فإن كان هذا مما يدخل الضرر عليه فلا ريب أن الإضرار بأي أحد لا يجوز، وأموال الناس مصونة ولا يجوز الإضرار بأموالهم.
السؤال (15) (3/102)
صفحة 1089
هل لي الزواج من بنت عمتي علماً بأن بنت عمتي لها أخت من أب قد تزوجها أبي بحيث أن أخواتي غير الشقيقات تنادي بنت عمتي التي أريد الزواج منها بخالتهن باعتبار أن بنت عمتي أخت لأمهن من أب؟
الجواب:
لا يمنع الإنسان أن يتزوج أخت زوجة أبيه، وإنما تحرم عليه حليلة أبيه (وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) (النساء: من الآية22)، أما أخواتهن فلا يحرمن عليه.
السؤال (16)
الدف للنساء في العرس ما ضوابطه؟
الجواب:
الدف إنما يكون لأجل الإشهار ولأجل إراحة النفس، ولا مانع من أن تضرب النساء الدفوف مع كونهن في مكان لا يسمع فيه الرجال أصواتهن ولا يؤثر صنيعهن عليهم فلا مانع منه.
السؤال (17)
إذا أراد شخص أن يتوب ماذا عليه أن يفعل، وهل للتوبة شروط؟
الجواب:
التوبة يؤمر بها الإنسان في جميع أحواله، ويؤمر أن يسارع إليها، ولا بد للتائب من أن يجمع بين أشياء أولها: الندم، فتوبة غير النادم لا تعد توبة، إذ من لم يندم على ما فعل فهو غير تائب.
الأمر الثاني: الإقلاع عن المعصية بحيث إنه لا يستمر عليها فالمستمر على المعصية غير تائب بل هو ساخر من الله تعالى إن ادّعى أنه يتوب إليه مع استمراره على تلك المعصية.
الأمر الثالث: عقد العزم على عدم العودة إليها كما لا تعود الألبان إلى ضروعها.
الأمر الرابع: الاستغفار الذي دل عليه القرآن في مواضع متعددة، أمر الله سبحانه وتعالى عباده بأن يستغفروه (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) (هود: من الآية3)، والأمر للوجوب، ولا يقال بأن نفس التوبة هي الاستغفار لأجل عطف التوبة على الاستغفار، فالاستغفار إذاً هو جزء من التوبة والعطف يدل على التغاير، وهنا التغاير حاصل بين الجزء والكل. (3/103)
صفحة 1090
فإذاً هذا مما لا بد منه، مع هذا لا بد من أن يتخلص من التبعات إن كانت عليه حقوق لأي أحد من الناس سواءً ما يتعلق بالمال أو ما يتعلق بالأنفس أو ما يتعلق بالأعراض عليه أن يتخلص من هذه الحقوق وأن يوفي أهلها حقوقهم.
أما بالنسبة إلى حقوق الله تبارك وتعالى فلا ريب أن التوبة أيضاً من المعاصي مشروطة ببعض الشروط إن كانت هنالك انتهاكات فهذه الانتهاكات إن كانت لا بد لها من كفارات فليؤد هذه الكفارات، فالمنتهك لحرمة رمضان مثلاً بحيث أفطر في رمضان لا بد له من أن يكفّر، كذلك بالنسبة إلى من حلف يميناً فاجرة لا بد له من أن يكفّر، من قتل نفساً خطاً أيضاً لا بد من أن يكفّر، كذلك إن وقع من الإنسان إضاعة لفرائض الله تعالى عليه أن يعيد هذه الفرائض التي أضاعها وما تلزم فيه الكفارة فليكفّر، والله تعالى يتقبل منه.
السؤال (18)
تجادل بعض الشباب حول صلاة الحاجة بمعنى أنه إذا احتاج الإنسان لشيء من أمور الدنيا يلجأ إلى صلاة الحاجة قال بعضهم إنها سنة وقال الآخرون إنها بدعة، فماذا تقولون في هذا؟
الجواب: (3/104)
صفحة 1091
نحن لم نجد سنة في صلاة الحاجة بعينها، هذا مما لم أجده، أما أن نقول بأنها بدعة فالصلاة هي خير موضوع، فمن جعل الصلاة وسيلة إلى الدعاء لا يعتبر ذلك من البدع، كان ابن عباس رضي الله تعالى عنه في طريقه ونُعيت إليه ابنته فنزل عن راحلته وصلى ركعتين - مع أن هذا لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم - ثم استشهد بقول الله تعالى (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) (البقرة: من الآية45). فإذاً أمرنا نحن أن نستعين بالصبر وأمرنا أن نستعين بالصلاة، ولئن كان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما جعل من الاستعانة بالصلاة أن يستعين بالصلاة على درء أثر المصيبة نفسه أو تخفيف أثر المصيبة عن نفسه فكيف بالإنسان الذي يريد أن يطلب من الله حاجة كيف لا يستعين بالصلاة ويجعلها وسيلة لطلب هذه الحاجة بحيث يدعو على أثر الصلاة وهي قربة إلى الله وصلة بين العبد وبين ربه.
السؤال (19)
رجل توفي وترك ابنتين وأبناء أخ فهل لأبناء أخيه حق في الميراث؟
الجواب:
للابنتين الثلثان وما بقي فلأبناء الأخ وهم الذكور، ويقدم أبناء الأخ الشقيق على أبناء الأخ الأبوي إن اجتمعوا.
السؤال (20)
أنا امرأة كبيرة في السن أتسائل عن حلفة حلفتها عن دخول بيت أخي لكن ابن أخي أجبرني على الدخول فدخلت، فماذا عليّ؟
الجواب:
أساءت عندما حلفت أن لا تدخل بيت أخيها لأنها أقسمت على معصية، والبر بهذا القسم معصية، وأحسنت عندما دخلت، (من حلف عن شيء فرأى غيره خيراً منه فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه) هكذا جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلّم، فهي عليها أن تأتي الذي هو خير، وعليها الكفارة وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم الأهل أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن كانت عاجزة عن ذلك كله بحيث تكون غير واجدة لا للطعام ولا للكسوة ولا للرقبة ففي هذه الحالة عليها أن تصوم ثلاثة أيام، والله تعالى أعلم.
السؤال (21) (3/105)
صفحة 1092
أب لديه أبناء ذكور وإناث قد تزوجوا جميعاً ولكل مسكنه إلا واحداً يسكن معه وينفق عليه، فهل تجب عليه العدالة بين أبنائه وكيف؟
الجواب:
الأصل في ذلك أن يعدل الوالد بين أولاده إلا فيما كان لا إيثار فيه، فهذا الذي في بيته إن كان يقوم بأعماله وبخدمته ويؤدي واجبات في ذلك البيت وفي مقابل ذلك تكون النفقة عليه من قبل الأب فليس في ذلك حرج، فأولئك انفصلوا بأنفسهم وهذا قائم بخدمة أبيه.
السؤال (22)
هل يجوز للأب أن يهب أبنائه الذكور دون الإناث مع رضاهن بذلك؟
الجواب:
أما إن رضين بأنفسهن من غير إحراج فلا حرج لأن الراضي في إسقاط الحق الذي له عن من يجب عليه الحق فقد أسقط حقه بنفسه، أما إن كان في ذلك إحراج ولم يجدن بداً من أن يقلن لأبيهن بأنهن رضين بهذا الأمر ففي ذلك إحراج لهن ولا يعتد بهذا الرد.
السؤال (23)
كنت في المملكة المتحدة للدراسة وتقتضي الدراسة هناك أن يكون فيها امتحان شفوي وتصادف أن يكون هذا الامتحان في شهر رمضان ونظراً لأن هذا الامتحان مهم جداً ولا بد أن يحاط بالسرية التامة لم أخبر الذين يسألونني عن موعد الامتحان، وكنت أجيبهم بأنني لا أعرف الموعد وأنا في الحقيقة أعرف التاريخ وأعرف الموعد، وفعلت ذلك أخذاً بقول النبي صلى الله عليه وسلّم: استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان. فهل يعتبر هذا كذباً في شهر رمضان، أم يعتبر لا شيء؟
الجواب:
الواقع في مثل هذه الأشياء إن كان هنالك ما يدعوه إلى الكتمان فعليه أن يستعمل المعاريض، فإن قال لا أعرف الموعد بإمكانه أن يوري ويقصد موعداً آخر كموعد وفاته أو موعداً آخر من المواعيد الأخرى كموعد الساعة أو نحو ذلك، في هذه الحالة يكون درأ الكذب عن نفسه، أما أن يتعمد الكذب فذلك لا يسوغ وإنما عليه أن يستعمل المعارض وفيها مندوحة عن الكذب.
السؤال (24)
لكن هو الآن في ظنه أنه استخدم الكذب وفي شهر رمضان فهل يؤثر على صومه؟
الجواب:
فليعد ما أضاعه بهذا.
السؤال (25) (3/106)
صفحة 1093
تتبادل رسائل قصيرة عبر الهاتف النقال ومما ورد في هذه الرسائل حديث (يأتي زمان على أمتي يحبون الخلق وينسون الخالق، يحبون الدنيا وينسون الآخرة يحبون المال وينسون الحساب، يحبون النساء وينسون الحور) فما صحة هذا الحديث؟
الجواب:
هذا الحديث لم أطلع عليه ولا أعرف صحته، ويبدو منه أنه من الأحاديث التي يروّج لها الوعاظ من غير أن يكون لها أصل.
السؤال (26)
امرأة أخذ أبوها جزءاً من مهرها دون رضاها وبعد مضي خمس سنوات من زواجها احتاجت إلى ذلك المبلغ فهل لها أن تلزم أباها بدفعه؟
الجواب:
لها أن تطالب أباها بالحق الذي لها عليه.
السؤال (27)
كيف يتم الدخول في الدار علماً بأن الدار ليس فيها غير زوجة الأخ؟
الجواب:
زوجة الأخ هي أجنبية، ولا يجوز للإنسان أن يدخل على امرأة أجنبية مثل هذه إلا بأن يحتاط، أولاً عليه أن يستأذن، ثم بجانب ذلك عليه أن لا يخلو بها إلا مع وجود محرم عندها، فإن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: إياكم والدخول على النساء. فقال له رجل من الأنصار: أرأيت الحمو يا رسول الله؟ أي أخو الزوج. فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: الحمو الموت. فترون أن النبي صلى الله عليه وسلّم شبّه حما المرأة وهو أخو زوجها بالموت لخطورة دخوله عليها من غير أن ينضبط هذا الدخول بالضوابط الشرعية المأذون بها شرعا.
السؤال (28)
رجل زنى بامرأة ثم تزوجها منذ زمن بعيد، وقد أتى منها بأولاد ذكوراً وإناثا وتربط بينهما علاقة حب لدرجة أنهما لا يستطيعان الانفصال عن بعضهما البعض وهما الآن نادمان وتائبان إلى الله عز وجل عن كل إثم ومكروه، فما الحكم؟
الجواب: (3/107)
صفحة 1094
هذه المسألة وقع فيها الخلاف بين الأمة، فجمهور علماء الأمة لا يرون حرجاً في أن يتزوج الرجل بمزنيته، ولكن أصحابنا يشدّدون في ذلك سداً لذريعة الفساد، وهذا الذي روي عن جماعة من السلف، فقد روي عن أربعة من الصحابة رضوان الله عليهم وهم علي بن أبي طالب وعائشة أم المؤمنين والبراء بن عازب وابن مسعود، روي عن كل من هؤلاء أنه قال: أيما رجل زنى بامرأة ثم تزوجها فهما زانيان أبدا.
ويدل على ذلك أيضاً صنيع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عندما فرّق بين رجل وامرأة تزوجها قبل أن تنتهي عدتها ودخل بها قبل انتهاء عدتها ففرّق بنيهما، وقال: لا يجتمعان أبدا. كما روى ذلك الإمام مالك وغيره. ولئن كان هذا في الإقدام على الزواج فكيف بالزنا الصريح. فهذا من باب سد ذرائع الفساد لأنه بطبيعة الحال يندفع الناس إذا ما أبيح لهم هذا الأمر إلى أن يغروا الفتيات بالزنا مستعملين شباكاً من أمل خادع بأنهم فوارس أحلامهن وأنهم سيتزوجوهن بعد ذلك ويؤدي الأمر إلى وقوع الفحشاء. لذلك نرى قطع هذا الباب رأساً، ونرى أن من وقع في هذا الأمر عليه أن يتدارك نفسه بالتوبة ويتوب إلى الله سبحانه وتعالى، وليدع ما حرم الله عليه، وليأخذ بما أحل الله تعالى له (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) (الطلاق: من الآية2).
السؤال (29)
شخص استيقظ من النوم عند أذان العصر فصلى العصر مع الجماعة قبل أن يصلي الظهر فما حكمه؟
الجواب:
هو أخطأ في هذا، عليه أن يصلي الظهر أولاً ثم يصلي العصر، ولكن بما أنه فعل ذلك هناك رأي بأن من نام عن صلاة أو نسيها فإن وقتها يمتد إلى آخر وقت صلاة المستقبَلة، وعلى أي حال بما أنه فعل هذا الأمر لا أقول بخطئه ولكنه ما كان ينبغي له ذلك.
السؤال (30)
شاب أبكم حرم من نعمة الكلام وأراد أن يتزوج، كيف يكون عقد قرانه؟
الجواب: (3/108)
صفحة 1095
عقد قرانه إن كان يستطيع أن يكتب فليكتب بأنه قبل هذا العقد، وإن لم يكن قادراً على ذلك ففي هذه الحالة وليه هو الذي يتولى عنه القبول، يقبل عنه وليه، وإن أمكن الجمع ما بين الإشارة وقبول الولي ففي ذلك خير إن شاء الله.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
26 من ربيع الأول 1425هـ، 16/ 5/2004م
الموضوع: عام
السؤال (1)
أنا مواظبة على صلاة التسابيح وسمعت في قناة من القنوات الفضائية من يتحدث بأن صلاة التسابيح بدعة، فما قولكم؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الصلاة خير موضوع، والنبي صلى الله عليه وسلّم كان إذا ضاق به الأمر يرجع إلى الصلاة ويقول (أرحنا بها يا بلال)، فكانت الصلاة متنفساً له عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، وكذلك أصحابه رضي الله تعالى عنهم فقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان في طريقه فنعيت إليه ابنته فتنحى جانباً من الطريق وقام وصلى ركعتين، ثم تلا قول الله تبارك وتعالى (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) (البقرة: من الآية45).
ومعنى هذا أن من هدي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم أنهم كانوا في أمر الصلاة لا يتقيدون بالشيء الذي نص عليه، وإنما يتوسعون بحيث يصلون لأجل مناسبات مختلفة استنباطاً من كتاب الله تبارك وتعالى، فإن الله تعالى أمر بالاستعانة بالصبر والصلاة في حال الصدمة التي واجهها ابن عباس رضي الله تعالى عنه بنعي ريحانة له إليه ما كان منه إلا أن قام وصلى ركعتين ليخفف عن نفسه وقع المصيبة، وهكذا كان السلف الصالح.
وصلاة التسبيح اختلف في الحديث الوارد فيها، هل هو حديث حسن أو هو حديث ضعيف، ولا ريب أن الحديث الحسن يعمل به، والحديث الضعيف أيضاً إن لم يكن هنالك ما يصادمه ما الذي يمنع من العمل به؟ (3/109)
صفحة 1096
إن لم يكن هناك ما يعارضه من الأدلة سواء كان دليلاً مستنبطاً من كتاب الله أو كان حديثاً آخر عن الرسول صلى الله عليه وسلّم أقوى منه ما الذي يمنع من العمل به؟
أليس هنالك احتمال بمقدار نسبة معينة أن يكون ثابتاً عن الرسول صلى الله عليه وسلّم؟
أليس هنالك احتمال أن يكون بقدر العشرة في المئة أو بقدر العشرين في المئة أو بقدر الثلاثين في المئة أن يكون ثابتاً عن الرسول صلى الله عليه وسلّم؟
فإذاً لماذا يقال في من عمل به مع عدم وجود ما يخالفه ووجود الاحتمال بكونه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلّم ما الداعي لأن يقال بأن من عمل به مبتدع؟
البدعة هي أن يصادم الإنسان نصاً من نصوص القرآن الكريم أو نصاً من أحاديث الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، وما دام هنالك لا يتصادم مع أي نص من كتاب الله بل ولا مع دليل مستنبط من كتاب الله ولا دليل مستنبط من الثابت من حديث رسول الله صلى الله عليه فلماذا يوسم بأنه مبتدع!!
فصلاة التسبيح حديثها دائر بين أن يكون حسناً وبين أن يكون ضعيفاً كما قلنا وليس هنالك نهي عنها.
السؤال (2)
من له الحق في أن يقرر أن هذا العمل بدعة أم لا؟
الجواب:
البدعة هي ما خالف مشروعاً في كتاب الله أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلّم.
السؤال (3)
ما حكم من وجد شيئاً في الشارع فأخذه بحجة أن الشيء الذي وجده ليست به علامة تدل على صاحبه؟
الجواب:
هذه هي اللُقَطة، واللُقَطة إن كانت عليها علامة يمكن أن تُعرّف بها فهي يجب التعريف بها حتى يتبين صاحبها، وإن لم تكن عليها علامة يمكن التعريف بها فإن هذه اللُقَطة في هذه الحالة تكون في حكم المال الذي جُهل ربه، والمال الذي جُهل ربه فقراء المسلمين أولى، فإن كان اللاقط فقيراً فهو أولى به من غيره، وإن لم يكن فقيراً فليدفعه إلى فقراء المسلمين.
السؤال (4)
النقود أيضاً ليست بها علامة، فما حكمها لاقطها؟
الجواب: (3/110)
صفحة 1097
بالنسبة إلى الأوراق النقدية لها علامات ولكن الناس لم يهتموا بهذه العلامات، إذ ما من ورقة من هذه الأوراق النقدية إلا وعليها رقم خاص، فلذلك يمكن التعريف بها من خلال هذه الأرقام الخاصة، إلا أنه جرت عادة الناس أن لا يهتموا بهذه الأرقام، فصاحب الأوراق النقدية لا يهتم بالنظر فيها وفي علاماتها وضبط تلك العلامات ولذلك أصبحت كالشيء الذي لا يعرف له رب أو كالشيء الذي لا يمكن أن يتوصل إلى ربه لأن عادة الناس جرت هكذا وإلا فلها علامات مُعَرِّفة وهي هذه الأرقام.
السؤال (5)
وإذا لم يحفظ صاحبها تلك الأرقام ماذا يصنع الإنسان بتلك النقود؟
الجواب:
إن كان فقيراً فهو أولى بها، وإن لم يكن فقيراً فليدفعها إلى الفقراء.
السؤال (6)
حتى ولو كانت أموالاً كثيرة؟
الجواب:
ماذا عسى أن يصنع بها!!
السؤال (7)
ما هو تعريف اللُقَطة الحقيرة؟
الجواب:
التي تسمح بها النفس عادة، ولا تشح بها، ولا يبالي الإنسان لو سقطت عنه.
السؤال (8)
في بعض الأحيان لدى الناس أشياء بسيطة ولكنهم يعتزون بها ويطمعون أن لا تغيب عنه كالقلم مثلا فهو حقير القيمة لكن صاحبه ربما ترك عليه علامة تذكره بشيء معين؟
الجواب:
إذا كانت فيه علامة فهو مما يمكن أن يعرّف بعلامته التي عليه.
السؤال (9)
هل ختان الأنثى سنة أم لا؟
الجواب:
ختان النساء ليس هو كختان الرجال في تأكيده، ولكن مما ينبغي، وذلك كما قيل مكرمة للأزواج، فالمرأة بختانها يُكرّم زوجها ليتمكن من الاستمتاع أكثر، ولكن مع هذا كله ينبغي أن يكون هذا الختان في حدود المعقول بحيث لا يكون إنهاكاً كما أمر النبي صلى الله عليه وسلّم المرأة التي كانت معنية بهذا الأمر أمرها أن لا تُنهِك وإنما تقتصر على إزالة جلدة البظر فقط من غير الزيادة على ذلك.
السؤال (10)
ما حكم حلق شعر المولودة في اليوم السابع؟
الجواب: (3/111)
صفحة 1098
هذا من السنة، من السنة أن يحلق شعر المولود ذكراً كان أو أنثى في اليوم السابع ويعق عنه بحيث يعق عن الذكر بشاتين وعن الأنثى بشاة واحدة. ومع هذا أيضاً ينبغي أن يوزن شعرهما فيوزن شعر الذكر ويتصدق عنه بوزنه ذهباً وشعر الأنثى يتصدق بوزنه فضة.
السؤال (11)
ما هو القول الفصل الذي تدين لله به في حكم العادة السرية؟
الجواب:
حقيقة الأمر العادة السرية هي مخالفة أولاً للفطرة، ومع ذلك أيضاً فيها ضرر بالإنسان الذي يمارسها، وفي نفس الوقت نحن نرى القرآن الكريم يقول (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) (المؤمنون:5 - 6)، واليد التي يمارس بها الإنسان هذه العادة السرية ليست زوجة وليست ملك يمين، فبأي وجه يحل له أن يمارس هذه العادة؟ على أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أرشد الشباب إلى الزواج فإن لم يتيسر لهم أرشدهم إلى الصيام قال: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ولم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء. فترون أنه يدعو إلى الصيام فيقول (عليكم بالصوم) فلو كان هنالك متنفس لهذا الشاب من غير هذا الصوم لأباحه له الرسول صلى الله عليه وسلّم، ولكن لم يذكر هذا المتنفس بعد الزواج إلا الصيام، هذا مما يدل على منع العادة السرية.
السؤال (12)
نعلم أن الصلاة واجبة على الرجال والنساء في كل الأحوال ومما يثلج الصدر أن نرى مصليات للنساء ملحقة ببعض المساجد أو الجوامع وهذا أمر يحتاج إليه أصحاب العوائل خاصة أثناء السير لمسافات طويلة غير أنه بعض الأحيان تكون تلك المصليات منفصلة تماماً عن المسجد الأصلي ليس في الخلف أو في الجوار وبعضها لا يتصل بالمسجد إلا من خلال مكبرات الصوت، فهل تصح صلاة النساء في هذه الأماكن مع الجماعة الأصلية في المسجد بالرغم من عدم اتصال الصفوف؟
الجواب: (3/112)
صفحة 1099
حقيقة الأمر مما يؤسف له أن الذين يبنون المساجد كثير منهم لا يراعون هذا الجانب وهو أن تكون صلاة النساء في الجهة الخلفية من المسجد بحيث ترتبط صلاتهن بصلاة الإمام، فيا ليت الذين يبنون المساجد يراعون هذا الجانب ويحرصون على هذا الخير، فالنبي صلى الله عليه وسلًم في وقته كانت تصلي النساء خلف الرجال ومضت السنة بذلك واستمر عمل أصحابه رضي الله تعالى عنهم على ذلك، وما كانت النساء تصلي في معزل في مكان بعيد، قد يقال بأنه في ذلك الوقت لم تكن وسائل لنقل الصوت موجودة فلذلك يصلين خلف الرجال، ولكن مع ذلك أمر الصلاة أمر يجب أن يرتبط بالمعهود من فعل النبي صلى الله عليه وسلّم وإقراره عليه أفضل الصلاة والسلام لا أن يخرج عن ذلك المعهود، فنحن نرى في مثل هذه الحالة صلاة المرأة إن لم تكن هذه المصليات وراء المساجد التي يصلي فيها الرجال نرى أن لا يصلين صلاة جماعة مرتبطة بصلاة الرجال اللهم إلا أن تكون الصلاة نافلة كصلاة قيام رمضان مثلاً فإنه يتسامح في النوافل ما لا يتسامح في الفرائض، والله تعالى أعلم.
السؤال (13)
ما حكم تسمية الطفلة بـ (براءة)؟
الجواب:
ماذا يعني بالبراءة؟ براءة من أي شيء؟ كلمة براءة لها أكثر من احتمال. البراءة أن تكون بريئة من الكفر أو أن تكون بريئة من الشرك أو أن تكون بريئة من الفساد أو أن تكون بريئة من الضمان هذا محتمل، محتمل أن تكون البراءة براءة من المشركين أو من الكافرين أو من المفسدين هذه أيضاً براءة (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) (التوبة: من الآية3)، محتمل أن تكون كلمة براءة بمعنى قصد سورة براءة أو سورة التوبة، لا هي ليست بسورة، فلذلك أكثر من احتمال ولما كان لذلك أكثر من احتمال يحمل فعله على المعنى الصحيح أو المعنى الجائز ولا يحمل فعله على المعنى غير الجائز.
السؤال (14) (3/113)
صفحة 1100
امرأة أرضعت طفلة من امرأة أخرى وهذه الطفلة لها أخت كبيرة أراد أن يتزوج بها أخو الطفلة المرضَعة؟
الجواب:
لا يحرم على الرجل أن يتزوج أخت أخته من النسب فضلاً عن أخت أخته من الرضاع لأن حرمة الرضاع إنما هي فرع حرمة النسب (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) فحرمة الرضاع إنما هي فرع حرمة النسب وليست خارجة عن كونها فرع حرمة النسب، لا تزيد حرمة الرضاع على حرمة النسب، وللإنسان أن يتزوج أخت أخته أو أخت أخيه من النسب إن لم تكن أختاً له، مثال ذلك عنده أخ من الأم والأخ من الأم عنده أخت من الأب فلهذا أن يتزوج تلك التي هي أخت أخيه من الأب، وذلك الأخ إنما هو أخوه من الأم، وكذلك إن كان عنده أخ من الأب والأخ من الأب عنده أخت من الأم فله أن يتزوج أخت أخيه لأنها ليست أختاً له وإنما تحرم عليه أخته دون أخت أخيه، فلذلك كان هذا الزواج جائزاً وغير ممنوع.
السؤال (15)
ماذا يصنع من يعاني من سلس البول في الصلوات؟
الجواب:
إن كان لا يستطيع أن يحترز من قطران البول في حال الصلاة فليستعمل عازلاً، عندما يقوم إلى الصلاة يتطهر ثم يضع على موضع البول عازلاً، ثم بعد ذلك يتوضاً وضوء الصلاة وليصلي في الحال، ولا يصلي صلاتين بوضوء واحد إلا في حال الجمع بين الصلاتين فقط، كل صلاة يفرد لها وضوءاً مستقلاً عن غيرها من الصلوات لأن حدوث البول يؤثر على وضوئه، ولكن أبيح له أن يصلي تلك الصلاة مع قطران البول لأجل الضرورة ولذلك قال كثير من العلماء بأنه لا ينوي بوضوئه رفع الحدث وإنما ينوي بوضوئه استباحة الصلاة.
السؤال (16)
إمام كان يصلي بالناس فكرر آية من الفاتحة لاكتمال المعنى قال (غير المغضوب عليهم) ثم قال (عليهم ولا الضالين).
الجواب:
لا، لا، لا يرتبط المعنى.
) عليهم) مرتبط بما قبله.
لا معنى لهذا، تعمد التكرار في الفاتحة ينقض. (3/114)
صفحة 1101
ما معنى إعادة ليتم المعنى. كلمة (علي هم) مرتبطة بالجملة السابقة وليست مرتبطة بكلمة (ولا الضالين). غير المغضوب عليهم أي لم يغضب الله تبارك وتعالى عليهم ولا هم بالضالين.
السؤال (17)
إذاً عليه أن يعيد الصلاة وأن يأمر المأمومين بإعادتها؟
الجواب:
نعم، نحن نأخذ بقول من قال بأن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام لأجل الأدلة الدالة على هذا الارتباط.
السؤال (18)
هل يجوز جمع مبلغ من المال في حساب خاص للوالدة ولكن باسمي وذلك للحج عنها وقد مر عليه الحول وبلغ النصاب فهل تجب فيه الزكاة؟
الجواب:
أما إن كانت أخرجت هذا المال من ملكها وجعلته ملكاً لأمها فإن الزكاة تكون في هذه الحالة على المالكة له، ولو كانت قصدت به أن تحج به. وأما إذا كان تجمعه وهو لها ولم ينتقل إلى ملك أمها ففي هذه الحالة تكون زكاته عليها، فإن كان بالغاً النصاب وقد مر عليه الحول فلا بد من تزكيته، والله تعالى أعلم.
السؤال (19)
شخص لديه مبلغ من المال بلغ نصاب الزكاة ودار عليه الحول إلا أنه أقرضه لصديق له على أن يرجعه له دفعات في الأشهر المقبلة، وليس لدى صاحب المال ما يخرجه من المال حيث يملك في يده الآن ما يتقوت به في هذه الأيام فقط، فهل عليه الزكاة؟
الجواب:
القرض إن كان على وفي ملي فإنه تجب تزكيته، أما إن كان على غير وفي، إن كان على مماطل بحيث لا يتمكن المقرض في أي وقت من استرداد هذا القرض، أو كان على من لا يملك وفاءً فليس عليه أن يزكيه في هذه الحالة حتى يقبضه.
السؤال (20)
هل يجوز أن نختار بين رأيين لمفتيين في مسألة معينة بحيث نعمل بالذي يتناسب مع مصالحنا وأحوالنا؟
الجواب: (3/115)
صفحة 1102
هذا الأمر إن أطلق للإنسان فيه العنان أدى به إلى فساد كبير، فالإنسان يجب عليه أن يتحرى الأعدل من الآراء عندما يريد أن يعمل. الإنسان متعبد في المسائل المختلف فيها أن يحرص على الأخذ بالرأي الأرجح من خلال الدليل الشرعي سواء كان ذلك في إفتاء أو كان ذلك في قضاء أو كان ذلك في عمل وتطبيق، هذا إن كان قادراً على ذلك، أما غير القادر فإنه يرجع في ذلك إلى من يملك القدرة على بيان الدليل الشرعي من العلماء المعاصرين، فإن دله على الدليل الشرعي وتبين له هذا الدليل الشرعي فليعمل بذلك، وإن كان لم يتبين له وذلك العالم هو متمكن بحيث كان قادراً على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية فإنه يأخذ برأيه، إذ خير له أن يأخذ برأي من كان قادراً على التمييز بين الأدلة الشرعية وقادراً على التمييز بين مقتضيات الأحوال لأن المفتي إنما ينظر في أحوال الذين يستفتونه فقد يفتي هذا برأي ويفتي آخر برأي آخر نظراً إلى وضع كل واحد من المستفتيين، فقد جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وسأله عن القبلة للصائم فأفتاه بجوازها، وجاء إليه آخر فأفتاه بالمنع، الذي أفتاه بالجواز كان شيخاً وقد اطمئن إلى أن هذه القبلة لا تثيره، والذي أفتاه بالمنع كان شاباً وقد خاف من أن تكون مثيرة له فلذلك أفتاه بالمنع. وهكذا الذين يفتون ينظرون في أحوال الناس ما بين وقت وآخر. (3/116)
صفحة 1103
والذي لا يقدر على الترجيح أي ليس قادراً على التمييز ما بين الأدلة، وليس قادراً على التمييز ما بين الأحوال حتى يأخذ بالرأي الأرجح بحسب ما تقتضيه الأدلة وبحسب ما تقتضيه الأحوال، لذلك كان عليه أن يرجع إلى العالم الذي هو متمكن وقادر على التمييز بين الأدلة وقادر على ترجيح الرأي الأرجح، فإن تعذر عليه العالم أو وجد عدد من العلماء وكل من هؤلاء أفتى برأي فليأخذ برأي الأعلم الأورع لأنه في هذه الحالة لا بد من يأخذ بما تطمئن إليه نفسه، فإن لم يجد عالماً قط في وقته كأن يكون في بلد لا يوجد فيه عالم ولا يتمكن من الاتصال بعالم وكانت القضية قد عنت ووجد خلافاً ما بين العلماء فليأخذ برأي الأكثرية. أخذه برأي الأكثرين خير من أخذه برأي الأقلين، والله تعالى أعلم.
السؤال (21)
ما حكم لبس الحجاب الملون أو المزخرف والخروج به؟
الجواب:
المرأة تؤمر أن تخرج وليس عليها من الثياب الظاهرة ما يشد الأنظار إليها. فإن كان هذا اللون لوناً واحداً لا يشد الأنظار كأن يكون الغطاء الذي تلتحف به كله أسود أو كله على لون لا يشد الأنظار فذلك خير، أما أن يكون ملوناً بألوان شتى بحيث يشد الأنظار، أو يكون مزيناً بزينات مختلفة فذلك مما لا ينبغي أن تفعله المرأة المسلمة.
السؤال (22)
هناك من ينصح المرأة التي تعلم عن زوجها خيانة أن تصبر على ما تعلمه عنه وأن لا تطالبه بشيء، فما الحكم؟
الجواب: (3/117)
صفحة 1104
هذا العلم هو نتيجة أي شيء؟ هل هو نتيجة اعترافه له بصريح العبارة التي لا تحتمل التأويل؟ أو هو نتيجة كون هذه المرأة اطلعت على خيانته، وتلك الخيانة ليست مجرد مقدمات وإنما هي وقوع في الفحشاء بحيث رأت الميل في المكحلة، فإن كان هذا أو ذاك فلا يجوز لها أن تقيم معه لأن الله تعالى يقول (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (النور:3)، أي الأعفّاء الذين لا يقعون في الزنا.
ونجد في سورة المائدة وهي آخر القرآن نزولاً كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم أن الله سبحانه وتعالى قال (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (المائدة: من الآية5)، فالله تعالى أباح المحصنات، والمقصود بالمحصنات هنا العفائف لأنه إن كان الإحصان هو الزواج فالمرأة المتزوجة لا تباح لرجل، ولكن المقصود بالمحصنات هنا العفائف، أي العفائف من المؤمنات والعفائف من الذين أوتوا الكتاب، أي بالنسبة إلى المؤمن العفيف عليه أن يتزوج العفيفة سواء كانت هذه العفيفة مؤمنة أو كانت كتابية عندما تكون هنالك حاجة إلى أن يتزوج الكتابية، أما أن يتزوج غير العفيفة فلا، فإذاً كذلك بالنسبة إلى المرأة لا يباح لها وهي العفيفة أن تقترن بغير العفيف بل عليها أن تحرص على الاقتران بالرجل العفيف، فلئن كان هذا الرجل يعترف لها بالخيانة بصريح العبارة أو كانت وجدت هذه الخيانة التي هي الفاحشة بكل وضوح فلا يحل لها المقام معه. (3/118)
صفحة 1105
أما إن كان بخلاف ذلك بحيث يقال عنه بأنه يخونها أو ترى أمارات الخيانة من غير أن تكتشف هذه الخيانة بأم عينيها بحيث رأت وقوع الفاحشة منه فلا عليها إن صبرت على ذلك، والله تعالى المستعان.
السؤال (23)
ما حكم المرأة التي تقوم بالعناية بجد زوجها وهو رجل كبير في السن وفاقد للعقل ومن أجل تنظيفه تتطلع على عورته في بعض الأحيان؟
الجواب:
إن كان يوجد رجل يقوم بهذا الأمر دونها فليس لها ذلك، أما إن تعذر أن يقوم بذلك رجل فيباح في حال الاضطرار ما لا يباح في حال الاختيار، على أن تغض بصرها قدر استطاعتها، وعلى أن تضع حائلاً بين يدها وبين عورته عندما تقوم بتنظيفه.
السؤال (24)
في حال وجود من يقوم عنها ولكنها هي التي قامت هل عليها شيء؟
الجواب:
عليها أن تستغفر الله تعالى وتتوب إليه.
السؤال (25)
من كان يغش في الامتحانات وأخذ الشهادة عن طريق هذا الغش ثم عمل بتلك الشهادة، هل يلحقه شيء من الإثم؟
الجواب: (3/119)
صفحة 1106
نقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، كل غش هو حرام، (من غشنا فليس منا) والغش في الامتحانات ليس غشاً لفرد فحسب بل هو غش للأمة كلها، فلذلك كان ذلك مما يجب أن يبتعد عنه المسلم الذي يخشى الله تبارك وتعالى ويتقيه. ويترتب على هذا أن يتبوأ مكاناً لا يستحق أن يتبوأه إن توصل إلى شهادة بطريقة الاحتيال أو الغش أو الرشوة أو غير ذلك من الطرق التي يستعملها كثير من الناس، فعلى هؤلاء أن يتقوا الله، وعلى مصدري الشهادة أن يتحروا الأمانة في إصدار هذه الشهادات، وأن يتقوا الله تبارك وتعالى في ذلك، هذا من ناحية، أما من ناحية العمل الذي يعمله فعلى أي حال هل هو يتقن العمل الذي يتقنه من يستحق تلك الشهادة أو لا؟ فإن كان لا يتقن ذلك العمل الذي يستحقه حامل تلك الشهادة فلا يجوز له أن يتقاضى وراء هذا العمل ذلك الراتب الذي يستحقه حامل تلك الشهادة بجدارة، وإن كان الأمر بخلاف ذلك بحيث إنه مارس العمل وجربه وعرفه وخبره حتى استطاع أن يؤديه أحسن أداء فلا حرج عليه في هذه الحالة لأنه ربما يتوصل الإنسان بالممارسة إلى ما لا يتوصل إليه بالدراسة، والله تعالى أعلم.
السؤال (26)
امرأة زوجها يتهمها بالخيانة ويشك فيها ويصرح بذلك الشك عند إخوانه وعند أخواته ويصرح لها أيضاً بشكه فيها وهي تقول أنا بريئة من هذا كله، فما الحكم؟
الجواب:
هذا ليس من الإمساك بالمعروف فإن الله تبارك وتعالى (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) (البقرة: من الآية229)، وعلى الزوج أن يتقي الله تبارك وتعالى، وأن لا يأخذ في كيل الاتهامات لشريكة حياته، وأن يقول قولاً معروفاً، وأن يلتزم الخلق الحسن في معاملته لأهله (فخياركم خياركم لأهله) كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم، فالإنسان مأمور أن يصاحب أهله أحسن مصاحبة لا أن يأخذ في كيل الاتهامات. (3/120)
صفحة 1107
على أن من يتهم إنما هو غالباً يكون بنفسه واقعاً فيما يتهم غيره به، فالإنسان ينظر إلى غيره بمرآة نفسه وهذا ما عناه الشاعر عندما قال:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه *** وأصبح في ليل من الشك مظلم
هكذا شأن الإنسان عندما يكون مسيئاً أن يسيء الظنون بغيره، أما صاحب الخلق الحسن وصاحب الاستقامة فإنه أيضاً يحمل غيره على حسن الظن، يظن بغيره خيراً كما يرى في نفسه خيرا.
وكيل الاتهامات بالفجور للمرأة أمر فيه خطورة كبيرة، وإن كان الجمهور من العلماء يقولون بأنه لا يؤدي ذلك إلى التفريق بين الزوجين حتى تكون بينهما ملاعنة، إذا كانت ملاعنة عندئذ يفترقان ولا يلتقيان إلى يوم القيامة كما جاء ذلك في الحديث عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، وهناك من قال بأنه بمجرد قذفه إياها تحرم عليه، وهذا القول روي عن بعض التابعين وأظنه مجاهد وقاله أبو المؤثر من علمائنا العمانيين قال بهذا الرأي أيضا أنه بمجرد قذفه إياها تكون حراماً عليه، فعلى الأزواج أن يتقوا الله تعالى، وأن لا يدخلوا أنفسهم في هذه المآزق، وأن لا يدفعوا بها إلى هذه المزالق.
السؤال (27)
المرأة التي تعتقد أنها حرام على زوجها عندما تراه بعينها أنه يخونها وتتأكد من ذلك لكنها مع ذلك تبقى معه ويعاشرها؟
الجواب:
إن كانت رأت بعينها عملية الفحشاء بحيث رأت الميل في المكحلة ففي هذه الحالة لا يحل لها المقام عنده، ولا يجوز لها ذلك، واستمرارها على المقام عنده يعني استمراراً على الفحشاء.
السؤال (28)
دار لورثة يسكن فيها أحدهم يريد شراء أسهم الآخرين لكن ليس عنده مال واقترح أن يقسم المنزل بجدار فأبى وقال انتظروا لأجل، فما حكم الذهاب إلى منزله والأكل معه والصلاة فيها مع معرفة حالته، وكيف يتعامل أهله معه؟
الجواب: (3/121)
صفحة 1108
إن كان شركاؤه وافقوا على بقائه وانتظاره فليس هنالك من حرج، أما إذا كانوا ما وافقوا على بقائه وظل متسلطاً على أنصباء شركائه وحارماً لهم من حقوقهم فعلى أي حال ذلك المنزل لكل فيه حق، ويجوز لمن دخله أن يدخل في الجزء الخاص به لا في أجزاء الشركاء الآخرين.
السؤال (29)
رجل عقد قرانه وبعد القران قام بالدخول على زوجته قبل أن يدفع لها المهر فهل ذلك يؤثر على الزواج، وهل هناك فرق بين الدخول مباشرة وبين وجود حاجز من الملابس؟
الجواب:
لما عقد قرانه عليها صارت حليلة له، يباح له منها ما يباح لأي رجل من امرأته، وإنما لها الحق في أن تمتنع عنه ما لم يؤد إليها صداقها الآجل كما فعل ذلك الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام مع الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عندما زوّجه بابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها إذ ما تركه يدخل عليها حتى أمهرها درعه التي كانت عليه.
السؤال (30)
إذا كان ناقل الصوت في المسجد في الجهة اليسرى من المحراب هل هنالك مخالفة للأفضل عند الأذان؟
الجواب:
إن أذّن في أي مكان كان لا مانع. ليس هنالك فرق بين أن يكون في الجهة اليمنى أو في الجهة اليسرى.
السؤال (31)
الإمام أثناء الصلاة يرتبك ويضطرب ويقوم بالتقديم والتأخير في نهاية الآيات فبدل أن يقول إن الله عليم حكيم يقول إن الله حكيم عليم، فهل يؤثر على الصلاة؟
الجواب:
إن لم يتعمد ذلك وكان ذلك بسبب التباس عليه فلا حرج عليه في ذلك وخصوصاً عندما يكون قد قرأ آية بعد الفاتحة، آية مستقيمة ليس فيها شيء من الارتباك.
السؤال (32)
شاب ولد في بهلا ويسكن الآن في مسقط كيف تكون صلاته؟
الجواب:
أما إن كان لم يبلغ الحلم ففي هذه الحالة يتبع والده في صلاته، إما إن كان قد بلغ الحلم فإنه حيثما سكن واطمأنت نفسه عليه أن يوطن في المكان الذي اطمأنت إلى السكنى فيه نفسه
ووطن الإنسان حيث يسكن *** وتطمئن نفسه ويوطن
يراه خير منزل لا يخرجه *** منه سوى أمر عظيم يزعجه (3/122)
صفحة 1109
السؤال (33)
توفي أبي وقد ترك لنا ميراثاً ويوجد عندي عدد من الأخوة والأخوات وكنا أنا وواحد من أخوتي نعمل في أحد فروع الشركة لوالدنا يرحمه الله حيث قمت أنا وأخي الأكبر بأخذ بعض المال من الشركة التي نعمل بها وذلك لمواجهة ظروف الحياة ومتطلبات أولادنا المعيشية، علماً أن أبانا كان على علم ودراية ورضا عن المبلغ الذي أخذناه في حياته، وعندما توفي أبونا احتج علينا بعض الأخوة وقالوا لنا إن المبلغ الذي أخذناه من الشركة يجب أن نرجعه أو سوف يخصم من نصيبنا من التركة، فهل نحن ملزمون بدفع المبلغ الذي أخذناه؟
الجواب:
هذه قضية حكمية لا يرتفع الخلاف فيها إلا بقضاء شرعي، ذلك لأن كل طرف من أطراف الدعوى ربما صوّر القضية بحسب ما يحلو له فلربما للطرف الآخر وجهة نظر ورد على ما يقوله هذا.
وإن كان أخذ هذا المبلغ من الشركة برضا أبيه وكان أبوه راضياً وتبين الرضا باعترافه بصريح العبارة أو بما يدل على رضاه بأخذ ذلك المال وأقره ففي هذه الحالة لا يلزمهم الرد، أما إذا كان الواقع خلاف ذلك فيجب عليهم أن يرجعوا المال إلى أهله.
السؤال (34)
تعارف تجار بيع المواد الغذائية على أن يقدم لهم الفلاحون منتوجاتهم لبيعه في محلات هؤلاء التجار مقابل نسبة عشرين في المئة من ثمن البيع، ما حكم هذه المعاملة؟
الجواب:
لا مانع من ذلك، هذا أشبه بالمضاربة التي تكون ما بين طرف وطرف، وإنما هؤلاء لا يدفعون ثمناً وإنما يدفعون سلعة.
السؤال (35)
ماذا يفعل المصلي في صف قطعه رجل مر خلف قفا الإمام وهل يجب إخبار من لم يطلع على ذلك، وهل تتأثر الصفوف التي بعد ذلك الصف؟
الجواب: (3/123)
صفحة 1110
هذه القضية فيها خلاف بين أهل العلم بناء على أن سترة المصلين هل هي سترة الإمام؟ أو أن الإمام سترة لمن خلفه وكل صف سترة لمن خلفه؟ هذه المسألة وقع فيها الخلاف بين أهل العلم فضلاً عن الاختلاف في انتقاض الصلاة بمرور المارة بين يدي المصلي، فمن الناس من يقول بأنها تنتقض وهذا رأي الأكثرين، وهناك من يقول بأنها لا تنتقض ويقول بأن الصلاة ليست بحبل ممدود وإنما هي صلة بين العبد وربه يصلها بر القلب ويقطعها فجوره فلا تنقطع بمرور المارة.
لذلك أرى في مثل هذه الحالة وقد وقعت القضية أن يؤخذ بالرخصة مع دعوة الناس إلى الاحتياط ودعوة الناس إلى أن يحترزوا من المرور أمام المصلين فقد شدّد النبي صلى الله عليه وسلّم في ذلك وجعل وقوف الإنسان أربعين خريفاً أهون عليه من أن يمر بين يدي المصلي.
السؤال (36)
كيف يعامل الأسير في الإسلام؟
الجواب:
الله تبارك وتعالى يقول (فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) (محمد: من الآية4)، فالأسير يمكن أن يفادى ويمكن أن يمن على الأسير، ولكن مع هذا يجب مراعاة الجانب الآخر أيضا، إذا كان الجانب الآخر يعامل الأسير المسلم معاملة سيئة فإن المعاملة بالمثل مشروعة ما لم تخرج هذه المعاملة بالمثل عن حدود الأخلاق، أما المعاملة التي تخرج عن حدود الأخلاق فهي لا تجوز، مثال ذلك لو قدرنا أن المشركين اغتصبوا الأسارى من المسلمين فلا يجوز للمسلمين أن يفعلوا ذلك بأساراهم لأن هذه معاملة خارجة عن حدود الأخلاق.
السؤال (37)
وكذلك الإيذاء الجسدي؟
الجواب:
الأسير ليس عليه جرم مما يفعله الآخرون فيه، ولكن بما أنه محارب فهو محارب، لكن إن قتلتم فأحسنوا القتلة وإن ذبحتم فأحسنوا الذبحة.
السؤال (38)
يعني أن التمثيل لا يصح؟
الجواب:
نعم.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
3 من ربيع الثاني 1425هـ، 23/ 5/2004م
الموضوع: عام (التفاؤل وأسئلة أخرى)
السؤال (1) (3/124)
صفحة 1111
التفاؤل له دور كبير في دفع الإنسان إلى الأمام وهو كذلك الدافع الرئيسي لتحقيق الأهداف، لكن البعض تنقص عنده هذه الصفة أو تنعدم وسرعان ما تنطلق من لسانه بعض ألفاظ التشاؤم وتنعكس على حركاته وسلوكه وكأنه ينظر إلى المستقبل على أنه عقبة كؤود أو أن بينه وبين المستقبل خرط القتاد، أنتم سماحة الشيخ عُرف عنكم كثرة التفاؤل فكيف يربي الإنسان نفسه على التفاؤل؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن المؤمن يصل كل شيء بالله تبارك وتعالى الذي خلق هذا الوجود وصرّفه، والذي بيده ملكوت كل شيء، وإليه يُرجع كل شيء، سبحانه له الخلق وله الأمر وله الحكم وله القهر (إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاه) (يوسف: من الآية40).
وعقيدة التوحيد تدعو الإنسان دائماً إلى أن ينظر إلى الأمور كلها بمنظار الإيمان بالله سبحانه وتعالى، ومن خلال ذلك يرى الإنسان يد الله سبحانه وتعالى تصرف الأشياء فتأتي بما لم يكن في الحسبان، فالله سبحانه وتعالى قد يمن باليسر بعد العسر، وقد يمن بالفرج بعد الشدة، وقد يمن بالسعة بعد الضيق، وهكذا تنقلب الأحوال من حال إلى حال، ودوام الحال من المحال. (3/125)
صفحة 1112
والنبي صلى الله عليه وسلّم وهو إمام المؤمنين جميعاً علّمنا كيف نتفاءل حتى في حالات الشدة، فالرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام كان شديد التفاؤل، كان لا يتشاءم، وكان يمضي قدماً مع ما يواجهه من التحديات وما يلقاه من الصعاب، وعندما هاجر صلى الله عليه وسلّم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة بعدما أظلمت الدنيا في وجهه وتنكر له المجتمع وبعُد عنه القريب ونفاه الحميم، بعد ذلك كله كانت تلك الهجرة، وفي حال الهجرة وهو يخرج من بلد فيه مرتع طفولته وفيه مسرح أحلامه وفيه سجل ذكرياته لينتقل إلى بلد آخر بينه وبينه نحو خمسمائة كيلومتر أو نحو ذلك، وكان الرصد من أمامه وكان التبع من خلفه، كانوا يريدون به صلى الله عليه وسلّم كل شر ويضمرون له كل كيد، وفي هذه الحالة عندما تعرض له سراقة طمعاً في أن ينال الجائزة التي وعدت قريش بها من يرد رسول الله صلى الله عليه وسلّم إليهم حياً أو ميتا وهي مائة ناقة، عندما تعرض له سراقة وكانت تلك الآية الكبرى من آيات الله تبارك وتعالى بحيث ساخت قوائم فرسه في الأرض الصلبة ورأى من آيات الله ما رأى وطلب الأمان من النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعدما منحه الأمان إلا أن قال له: كيف بك إذا لبست سواري كسرى. (3/126)
صفحة 1113
فقد كان صلى الله عليه وسلّم في هذا الموقف الصعب ينظر إلى مستقبل هذه الأمة، ينظر إلى وعد الله تعالى الآتي بلا ريب، ينظر إلى اليوم الذي يعز الله تبارك وتعالى فيه المؤمنين ويذل فيه الكافرين، ينظر إلى اليوم الذي ينتصر فيه الحق على الباطل، ينظر إلى اليوم الذي ينزل فيه الجبارون من عليائهم بحيث إن أحداً من عامة الناس يلبس سواري كسرى وتاجه ليتحقق وعد الله تبارك وتعالى لهذه الأمة بالنصر والتمكين، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلّم لسراقة ذلك، وقد تحقق هذا الوعد، أنجز الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلّم وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، فجاء اليوم الذي خرج فيه كسرى طريداً شريداً من ملكه وقد خلّف ورائه كل ما كان يملك، وإذا بخزائنه يؤتى بها إلى الفاروق رضي الله تعالى عنه فيدعو سراقة ويلبسه تاج كسرى وسواريه كما وعد النبي صلى الله عليه وسلّم.
ومثل ذلك كان في غزوة الأحزاب عندما جاء المشركون بقضهم وقضيضهم وعدّهم وعديدهم لينسفوا هذه الأمة بعد غزوها في عقر دارها، في ذلك الوقت عندما كان صلى الله عليه وسلّم يحفر الخندق اعترضتهم صخرة فما استطاعوا أن يفتتوها فأخذ النبي صلى الله عليه وسلّم المطرقة من أيديهم وطرقها طرقة شع منها شعاع فقال: الله أكبر فتحت لأمتي ممالك كسرى كأني أنظر إلى قصور المدائن، وطرقها طرقة ثانية وشع منها شعاع فقال الله أكبر فتحت لأمتي ممالك الروم كأني أنظر إلى قصور الشام وهكذا، وقد تحقق ذلك فعلاً، فهكذا يجب على المؤمن أن يكون شديد التفاؤل، وأن لا يدخل التشاؤم قلبه، ولولا الفأل الحسن لما بقي للإنسان أمل وهو يواجه تحديات الدهر ومشكلاته وصعابه.
السؤال (2) (3/127)
صفحة 1114
ما يدور في هذا العالم وخاصة في العالم الإسلامي يفهمه البعض على أنه القدر الأخير وعلى أنه نفق ستكون نهايته يوم القيامة فيندبون حظوظهم ويبرمجون عقولهم على هذا الأساس وكأنهم آمنوا بنظرية فوكوياما (نهاية التاريخ)، هل لهذا أثر في جمود العقل المسلم وتوقفه عن النشاط والعطاء، وهل لاحظتم أنتم ذلك؟
الجواب:
بطبيعة الحال عندما يكون المسلم متشائماً لا يبقى عنده شيء من الأمل للعمل بل يتواكل، وهذا الذي وقع فيه كثير من الناس مع الأسف الشديد.
حقيقة الأمر ليس الأمر كذلك، نحن متفائلون أيما تفاؤل لأن تنقلب الأمور من الشر إلى الخير ومن الضيق إلى السعة ومن العسر إلى اليسر (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (الشرح:5 - 6)، وكما قال صلى الله عليه وسلّم: لن يغلب عسر يسرين. فالله تعالى ذكر العسر هنا بصيغة التعريف، وذكر اليسر بصيغة التنكير، والمعرّف إذا كرر كان الثاني هو الأول، والمنكّر إذا كرر كان الثاني غير الأول، فمعنى ذلك أن هناك يسرين يكتنفان عسراً واحدا.
السؤال (3)
أنتم سماحة الشيخ مثال حي لهذا التفاؤل، فهل يمكن أن تقدموا لنا صورة واحدة فقط من الصور التي كنتم متفائلين فيها وكان غيركم متشائما؟
الجواب:
نعم. كثير من الناس في فترة من الفترات كانوا ينظرون إلى أن الدين قد مات، وأن الساعة قد أزفت وهي لا تقوم إلا على شرار الناس، لا تقوم إلا على من لا يقول الله الله، فكانوا ينظرون إلى المستقبل أنه مستقبل مظلم، وأن الناس كفروا بما آمنوا به من قبل، وأن الإسلام سينقلب من ضيق إلى أضيق ومن شدة إلى أشد ومن غربة إلى ما هو أشد غربة وهكذا كانوا يقولون، دائماً يرددون ما روي عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أنه قال: بدأ هذا الدين غريباً وسيعود غريباً كما بدأ. فكانوا هكذا ينظرون هذه النظرة إلى الأحوال، وبحمد لله تبارك وتعالى انقلبت الأحوال إلى خلاف ما كانوا يتصورون. (3/128)
صفحة 1115
وكنا نأمل بأن تؤتي الدعوة ثمارها وأن يرجع الناس إلى دينهم، وأن يفيقوا من سكرتهم، وأن يعودوا إلى رشدهم وصوابهم، وبحمد الله حصل ذلك فعلاً. فكثير من الناس بعدما غرقوا في سكرة الهوى وكانوا لا يلتفتون إلى هذا الدين انقلبوا إلى خلاف ذلك، فكم من أحد كان شيوعي المبدأ ملحداً في تصوره وعقيدته وفكره، لا يؤمن بالله تبارك وتعالى ووجوده فضلاً عن أن يؤمن بالرسول أو يؤمن بالقرآن أو يؤمن بأحد من رسل الله وإذا بالأمر ينقلب إلى خلاف ذلك، هؤلاء جاء عليهم يوم وإذا بهم يفيقون من هذه السكرة التي وقعوا فيها ويعودون إلى رشدهم، كم أدركنا من أناس من هؤلاء النوع، وأذكر في يوم من الأيام كان أحد من الناس يتحدث عن انهيار الشيوعية وهذا قبل أكثر من ثلاثين عاماً من الآن، كان يتحدث عن الشيوعية وأنها ستنهار ولا شك، وإذا بأحد الحاضرين هناك ممن أعجب بما كان عليه وضع الناس في ذلك الوقت من الضلال والانحراف يسخر من هذا ويشيع مثل هذا الكلام لأجل السخرية والتندر به، ولم يلبث وقت طويل حتى تهاوت الشيوعية، وإذا بجورباتشوف نفسه يعلن في إحدى الفضائيات في بريطانيا عندما سئل هل يمكن أن تستمر الشيوعية في فيتنام وفي الصين، يعلن أنها لا يمكن أن تبقى، قال: كلا. فقيل له: وما البديل؟ فقال: (لا أعتقد أن البديل يكمن في الرأسمالية ولا في الاشتراكية ولا في الديمقراطية وإنما هو في نظام آخر فعلينا أن نتكيف وفق حضارة جديدة).
ما هي الحضارة الجديدة؟ لا ريب أنها حضارة الإسلام. هذا أمر مقطوع به وإلا فأي حضارة يمكن أن تقدّم لهذه الإنسانية التعيسة حلاً لمشكلتها ورفعاً لمعضلتها، إنما الحضارة هي حضارة الإسلام لا غير. (3/129)
صفحة 1116
وهذا ما صرح به فيما بعد كاسترو مع ما عرف به من كونه ملحداً شديد التمسك بإلحاده شيوعياً متشدداً في شيوعيته إذا به يصرح بأنه لم يبق أمام العالم إلا النموذج القرآني أو المنهج القرآني، فمعنى ذلك أن المستقبل لهذا الدين، الله تبارك وتعالى يقول (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة:33).
السؤال (4)
هل هناك تفاؤل مذموم؟
الجواب:
أما إذا كان يتفاءل الإنسان بأنه سيتمكن في هذه الأرض ويعيث فيها فساداً ويظلم الخلق ويجور في البشر إن كان تفاؤله من هذا القبيل فنعم، وإلا فالتفاؤل بالخير هو محمود على أي حال، لكن لا يعني هذا أن يتواكل الإنسان ولا يعمل، بل عليه بالجد مع تفاؤله، وأن يكون التفاؤل مبعثاً لعمله لا مبعثاً لأمله فحسب.
السؤال (5)
هل تجوز الصلاة للشخص المعوق سواء كان لديه تبرز لاإرادي أو تبول لاإرادي؟
الجواب:
نعم على أي إنسان أن يصلي وليس ذلك جائزاً له فحسب بل واجب عليه.
عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها إن أمكنه وإن لم يمكنه ذلك فليجمع ما بين الصلاتين بحيث يصلي الظهر والعصر معاً ويصلي المغرب والعشاء الآخرة معاً، يباح له ذلك ولو لم يكن مسافراً مع الإتمام في غير حالة السفر.
أما أن يترك الصلاة فلا، لا يباح للإنسان أن يترك الصلاة.
والطهارة إنما هي شرط لصحة الصلاة مع الإمكان، وإن تعذرت الطهارة جازت الصلاة وسقط اشتراطها أي اشتراط هذه الطهارة، جازت الصلاة بدونها، فإن استطاع أن يصلي بتيمم بدل الوضوء فليصلي به، وإن لم يستطع أن يتيمم فليصل ولو لم يتوضأ ولم يتيمم، لأن الشرط مع عدم إمكانه يسقط ويبقى الفرض كما هو، والله تعالى أعلم.
السؤال (6)
هل يتأثر صوم المرأة التي تقوم تغيير ملابس الشخص المعوق وعمره قد تجاوز الرابعة عشر سنة؟
الجواب: (3/130)
صفحة 1117
ولماذا لا يقوم الرجال بهذا؟ النساء يباشرن النساء والرجال يباشرون الرجال هكذا يجب، مع وجود الرجل لا يجوز للمرأة أن تقوم بذلك.
السؤال (7)
هل يجوز قطع الدورة الشهرية عن الإناث المعوقات سواء كان بالأدوية أو بالعملية؟
الجواب:
هذا أمر يجب أن ينظر فيه من قبل الأطباء المتخصصين، فإن كان ذلك لا يضرهن شيئاً وذلك أصلح لهن لا مانع منه إن كانت الضرورة داعية إلى ذلك، أما إن كان ذلك يضر بصحتهن فلا يجوز عمل شيء يؤدي إلى الضرر بالصحة.
السؤال (8)
إمام يصلي بالناس ولكنه يزرع المخدرات، ما حكمه؟
الجواب:
بئس الإمام هذا الذي يتسبب في الفساد والإفساد، إنما يجب على الإمام أن يكون قدوة للناس يقتدون به في الخير، وأن يكون هو آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر حاضاً على الخير مسارعاً إليه، يتجسد فيه الخير بكل معانيه، لا أن يكون بمثل هذا الصنف من الناس. ولكن مع ذلك فإنه إن تقدم بالناس وصلى بهم ينبغي أن لا تترك الصلاة خلفه ما لم يدخل في الصلاة ما يفسدها، ففي الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع من طريق ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر. ذلك لأجل جمع شمل الناس، لأن صلاة الجماعة شرعت لاجتماع الشمل ورأب الصدع واتفاق الكلمة وزوال الشقاق والنفرة بين الناس، ولا ريب أن النبي صلى الله عليه وسلّم بما كان متميزاً به من أن الله تعالى يوحي إليه يطلع على الأحوال الغيبية التي لم يطلع عليها غيره بوحي الله تعالى الذي أوحاه إليه، وهذا جعله صلى الله عليه وسلّم ينظر حال الأمة ومستقبلها وما يكون فيها من فساد، مع ذلك يجب أن لا يزاد الفساد بالنفرة والشقاق والقطيعة بين الناس فلذلك أباح الصلاة خلف كل بر وفاجر لأجل هذا المعنى. (3/131)
صفحة 1118
أما بالنسبة إلى تقديم الناس فإن الناس ينبغي لهم أن لا يقدّموا إلا من كان أمثلهم لأن إمام القوم هو وفدهم إلى ربهم، فلا ينبغي أن يختاروا لهذا الأمر إلا من كان أصلحهم وأبرهم وأقومهم لا أن يختاروا من هذا الصنف من الناس، والله تعالى أعلم.
السؤال (9)
ماذا ينبغي للناس إزاء شخصية كهذه تلبس لباس الدين ثم تقوم بهذه الأمور؟
الجواب:
ينبغي للناس أن يؤخروه عن الإمامة بهم بقدر مستطاعهم وأن يقدموا الأمثل منهم.
السؤال (10)
سمعت البعض يقول إن قطع الصلاة بدون عذر شرعي يؤدي إلى بطلان الوضوء، فهل هذا صحيح؟
الجواب:
هذا مبني على أن الوضوء يفسد بالمعصية، وهذا الأدلة تدل عليه ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: الغيبة تنقض الوضوء وتفطر الصائم. وفي هذا تنبيه على أن المعاصي الكبائر مؤديات إلى بطلان الوضوء، لأن الطهارة لا ينبغي أن تكون طهارة حسية فقط بل تكون طهارة حسية ومعنوية، والمعصية هي تدسية للنفس والله تعالى يقول (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس:9 - 10)، فالنفس تُزكى بطاعة الله تعالى وتُدسّى بمعصيته، فلذلك ذهب كثير من علمائنا إلى أن الإتيان بكبيرة من الكبائر بعد الوضوء يؤدي إلى فساد هذا الوضوء، وقطع الصلاة من عذر إبطال للعمل، ولما كان ذلك إبطالاً للعمل فهو معصية ولا ريب لأن الله تعالى يقول (وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) (محمد: من الآية33) فلذلك قالوا بوجوب إعادة الوضوء في هذه الحالة.
السؤال (11)
هل فحص السكر في الدم يؤثر على الصيام علماً بأن هذا الفحص هو عبارة عن وخزة صغيرة في طرف الاصبع لإخراج قطرة دم؟
الجواب:
القول الذي نأخذ به ونعتد به أن إخراج الدم لا يؤدي إلى إبطال الصيام، هذا قول جمهور الأمة وعليه المعول عندنا، إنما هناك من قال بأن الحجامة تنقض ولكن مثل هذا الوخز اليسير حتى الذين قالوا بأن الحجامة تفسد الصوم لا يقولون بهذا.
السؤال (12) (3/132)
صفحة 1119
هل يجوز استعمال السكر في إزالة شعر اليد والرجل؟
الجواب:
إن لم يكن ذلك مؤدياً إلى أن يرمى بالسكر في مواضع النجاسات فلا حرج في ذلك إن شاء الله.
السؤال (13)
هل لصلاة الاستسقاء شروط معينة؟
الجواب:
صلاة الاستسقاء هي توجه من العباد إلى الله، فصلاة الاستسقاء ينبغي أن تتقدمها التوبة النصوح، فالتوبة النصوح هي سبب للسقيا فإن الله تبارك وتعالى يقول (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً) (نوح:10 - 12)، فالتوبة النصوح من جميع المعاصي ظاهرها وباطنها على أن تكون هذه التوبة من أعماق القلب هي أساس الاستسقاء، فينبغي للناس إذا أرادوا أن يستسقوا أن يتوبوا إلى الله، ثم يؤمرون بجانب ذلك بالتصدق على الفقراء والمساكين فإن الصدقة تطفئ غضب الرب، والصدقة هي مفتاح الفرج، والصدقة تيسير على الناس ومن يسّر على غيره يسّر الله تبارك وتعالى عليه.
السؤال (14)
في بعض الأحيان الأطفال ما دون الثالثة تصدر منهم أفعال تغضب الوالدين فيقوم بعض الآباء بضربهم، فما هو التصرف الصحيح في مثل هذه الحالة؟
الجواب: (3/133)
صفحة 1120
الأولاد ينبغي أن يربوا بسعة الصدر ورحابة الفكر والحكمة، وأن يؤخذوا بالرفق بقدر المستطاع، ويجب على الوالدين أن يكونا قدوة لأولادهما في الخير في البر في المرحمة، في تربيتهما على التقزز من الأعمال المستهجنة والتصرفات غير المنضبطة، هذا مما ينبغي أن يكون داخلاً في صميم تربية الوالدين للأولاد، أما الضرب فالضرب الذي يؤدي إلى التأثير على الولد ذلك غير مباح، أما الضرب اليسير إن كان الولد مطيقاً للضرب قادراً عليه عندما يزداد تصرفه الخارج عن المعقولية في هذه الحالة لا يمنع بشرط أن لا يكون مؤثراً وأن لا يكون مبرحاً، بقدر ما تدعو الحاجة فقط مع كون الولد عاقلاً يردعه الضرب عن تصرفاته الشائنة.
السؤال (15)
هل يجوز التيمم بغير التراب كالحجر والجدار ومتى؟
وما حكم ما مضى من صلاة وصيام التي كان قد تيمم فيها بغير التراب؟
الجواب:
علماء الأمة مختلفون في التيمم بماذا يكون، مع كون من الشرط المتفق عليه أنه لا يكون إلا بما على الأرض، ولكن ما هو؟ هل يشترط أن يكون ذلك بالتراب؟ أو يمكن أن يكون التيمم بكل ما علا على الأرض، فإن الحق سبحانه وتعالى يقول (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) (المائدة: من الآية6)، والصعيد كل ما صعد على الأرض، فهؤلاء الذين قالوا بهذا قالوا بأن المراد بالصعيد كل ما صعد على الأرض، كل ما كان على الأرض فهو يمكن أن يتيمم به، هؤلاء أجازوا التيمم بكل أجزاء الأرض سواءً كان ذلك بالصخر أو كان ذلك بغيره عندهم يجوز التيمم به.
طائفة أخرى قالت بخلاف ذلك، والذين قالوا بخلاف ذلك قالوا بأن الصعيد قُيّد بكونه طيباً، والطيب هو ما أنبت فإن الله تعالى يقول (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ) (الأعراف: من الآية58)، والمنبت هو التراب فمعنى ذلك أنه لا بد من أن يكون التيمم بالتراب لأنه الطيب، لأنه المنبت. (3/134)
صفحة 1121
ثم من ناحية أخرى الخلاف مبني على الاختلاف في (من) في قول الله تعالى (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) (المائدة: من الآية6)، اختلف في (من) هذه، هل هي لابتداء الغاية أو أنها للتبعيض، فمن قال بأنها للتبعيض اشترط أن يكون المتيمم به تراباً بحيث يلتصق باليد ويكون المسح به لأن الله تعالى قال (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) (المائدة: من الآية6) أي من ذلك.
والذين قالوا بأن (من) لابتداء الغاية قالوا بأن (من) هنا إنما تدل على أن مبدأ التيمم من ذلك الصعيد الذي يضرب بالكفين، ولا يلزم أن يكون لاصقاً بالكفين شيء منه، هذا الاختلاف.
وعلى أي حال نحن نميل إلى أن التيمم إنما هو بالتراب لا بغيره، ويعذر الإنسان في الصلوات السابقة لأنه أخذ برأي من آراء علماء الأمة، ولكن نأمره في المستقبل أن يحرص على أن لا يتيمم إلا بالتراب عملاً بالرأي الذي يخرجه من الخلاف، فإنه مما ينبغي للإنسان أن يحرص على الخروج من عهدة الخلاف حسبما يمكنه، والله تعالى أعلم.
السؤال (16)
من يقول حينما يرى شخصاً معيناً أنا أتفاءل بك أو أنا أتشاءم منك هل يصح هذا؟
الجواب:
أما التشاؤم فلا، لا يسوغ، (إذا تشاءمتم فلا ترجعوا) هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلّم، وجعل ذلك آية ما بين المؤمن والمنافق، من جملة ما يميز المؤمن عن المنافق أن المؤمن إذا تشاءم لا يرجع. (3/135)
صفحة 1122
أما التفاؤل فهو مطلوب فالإنسان يتفاءل بالفأل الحسن، يعجبه الفأل الحسن، فقد يتفاءل بالشخص لأجل استقامته بنفسه، أو يتفاءل بالاسم الحسن منه كأن يكون اسمه محمودا أو أن يكون اسمه سعيداً أو أن يكون اسمه فائزاً أو أن يكون اسمه فلاحا أو أن تكون امرأة اسمها سعاد أو يكون اسمها سلامة أو مثل هذه الأسماء التي تدعو إلى التفاؤل، فالإنسان يتفاءل بمثل هذه الأسماء الطيبة، أما الأسماء غير الطيبة فلا يتشاءم بها، وكذلك يتفاءل بالأشخاص الطيبين ولا يتشاءم بالأشخاص غير الطيبين.
السؤال (17)
التفاؤل هل للإنسان أن يتفاءل في مصيره الأخروي كأن يتفاءل بدخوله الجنة أم أن التفاؤل فقط متعلق بالدنيا؟
الجواب: (3/136)
صفحة 1123
الإنسان يطلب منه أن يكون خائفاً راجيا، لا بد من الخوف ولا بد من الرجاء، فلا يجوز له أن يأمن من مكر الله فإن الله تعالى يقول (فَلا يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (الأعراف: من الآية99)، ولا يجوز له أن ييأس من روح الله فالله تعالى يقول (وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف: من الآية87)، فالإنسان مطلوب منه أن يكون خائفاً راجياً، مهما عمل من الصالحات يستقل ذلك في جنب حق الله تعالى، فالله تبارك وتعالى حقه عظيم، وعلى الإنسان أن يشعر بالتقصير دائماً، ولئن شعر بأنه مطمئن إلى عمله فذلك غرور منه، إذ لا يغتر الإنسان بعمله، ولئن كان النبي صلى الله عليه وسلّم يقول عن نفسه بأنه لا يدخله عمله الجنة إلا أن يتغمده الله بواسع رحمته فكيف بغيره عليه أفضل الصلاة والسلام، الإنسان لا يغتر بعمله. العمل مهما كان أولاً العمل له محبطات، من بين هذه المحبطات الرياء فإنه إذا رآءى في عمله فعمله لا يكون خالصاً لوجه الله، وأي أحد عليه أن يخشى من الرياء، وعليه أن يخشى من النفاق، ولئن كان الفاروق رضي الله تعالى عنه يستحلف بالله حذيفة رضي الله عنه صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلّم الذي أخبره النبي صلى الله عليه وسلّم ببعض المنافقين يستحلفه هل هو منهم أو لا، أي يخشى أن يكون منافقاً، فكيف بغيره كيف بنا نحن، ما لنا وللثقة بأنفسنا بأننا مبرءون من هذه الأوصاف القبيحة، علينا أن نكون خائفين من الله، ومع ذلك علينا أن نرجو رحمة الله، العبد يتعلق برحمة الله لا يتعلق بعمله وإنما يرجو رحمة الله مع حرصه على إصلاح العمل. (3/137)
صفحة 1124
وعلى أي حال الخشية من الله تعالى هي سبب الخير، سبب العمل الصالح، فالحق سبحانه وتعالى ناط الدعوة والتذكير بالخشية فقد قال سبحانه وتعالى (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) (يّس:11)، ويقول سبحانه وتعالى (ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) (ابراهيم: من الآية14)، ويقول أيضاً (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ) (قّ:33)، ويقول أيضاً (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى) (الأعلى:10 - 11)، والنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل.
فلا بد من الخوف من الله مع كونه يرجو رحمة الله، الرجاء لرحمة الله لا يعني الأمن من مكره، والخوف من الله لا يعني اليأس من رحمته.
السؤال (18)
ما معنى قول الله تعالى في الحديث القدسي (أنا عند حسن ظن عبدي بي فإن ظن بي خيراً وجد خيرا)؟
الجواب:
نعم يظن بالله تعالى خيراً مع عمله الخير ومع خشيته من الله.
السؤال (19)
هناك نظرة تشاؤمية تنظر بها المجتمعات التي ليس لديها علم كاف إلى المرأة المعتدة وتنظر المرأة المعتدة أيضاً إلى نفسها بنظرة تشاؤمية فينعكس ذلك على تصرفه معها وتصرفها مع نفسها، هل يجوز للمرأة المعتدة أن تزور أحداً في المستشفى؟
الجواب:
نعم، المرأة المعتدة عدة الوفاة لا تختلف عن غيرها من النساء إلا في ثلاث حالات فهي مأمورة أن لا تتطيب، ومأمورة أن لا تتزين، ومأمورة أن لا تبيت خارج بيتها.
السؤال (20)
ما رأي سماحتكم في بعض أولياء الأمور الذين ينكرون وجود أولاد معوقين معهم ويخفونهم عن الناس؟
الجواب: (3/138)
صفحة 1125
هذا إنما هو من السخط على قضاء الله تعالى وقدره، الإنسان يرضى بقضاء الله تعالى وقدره، ولا يسخط شيئاً من قدر الله تعالى، هذا من قدر الله فما لهم وللسخط وما لهم ولإخفاء ذلك، الله تعالى يبتلي من يشاء بما يشاء، يبتلي من يشاء بالخير ليبلوه أيشكر أم يكفر، ويبتلي من يشاء بالمحنة والتعب ليبلوه أيصبر أم يجزع، فينبغي للإنسان أن يتلقى قدر الله تعالى وقضائه برحابة الصدر وبقوة الإيمان واليقين.
السؤال (21)
من لزمته كفارة مرسلة ولم تتوفر لديه النقود للإطعام هل يجب عليه فوراً الصيام أم يجزيه أن يوصي بها إلى أن تتوفر لديه النقود فيطعم؟
الجواب:
إن كان يرجو أن يتوصل إلى المال الذي يمكنه من الإطعام أو الكسوة أو عتق الرقبة - والرقبة تكاد تكون مستحيلة اليوم - إن كان واجداً للمال الذي يمكنه من ذلك فلينتظر وصول المال إليه، وإن كان غير واجد فلا عليه إن عجّل في أداء ما عليه بصيام ثلاثة أيام.
السؤال (22)
متى يعتبر الإنسان في كفارة الصيام غير مستطيع على الصيام ليلجأ إلى إطعام ستين مسكيناً، هل يقاس على عدم قدرته على صيام رمضان، أي ما دام يستطيع صيام رمضان يكون مستطيعاً لصيام الكفارة؟
الجواب:
لا يلزم ذلك، لأن صيام رمضان شهر واحد فإضافة شهرين إلى ذلك الشهر قد يكون أمراً شاقاً عليه، فإن كان ذلك أمراً شاقاً عليه بحيث يعاني منه مشقة زائدة فلا حرج عليه في أن يطعم.
السؤال (23)
هناك جمعية تعطي قروضاً وتأخذ نسبة خمسة في المئة، وهذه النسبة الغرض منها التغطية للعاملين وغيرها من حاجيات الجمعية، فهل هذه النسبة تعتبر ربا، أم ماذا؟
الجواب:
أما إذا كانت هذه النسبة ما هي إلا مجرد حاجة لا تتكرر، تؤخذ هذه من غير أن تتكرر لتغطية النفقات فحسب من غير زيادة على تلك النفقات الضرورية فلا مانع من ذلك.
السؤال (24) (3/139)
صفحة 1126
امرأة لديها ذهب زكته وزكت منه ثم باعته بالنقود فهل زكاته هذه المرة تبتدأ احتساب الحول من لحظة البيع أم من الزكاة الماضية؟
الجواب:
من الزكاة الماضية لأن الذهب والنقود زكاتهما زكاة واحدة، لا فرق بين الذهب والنقود في الزكاة، والبديل له حكم بديله إن كان من جنسه، والنقود هي من جنس الذهب والفضة.
السؤال (25)
هل يجوز للشخص المعوق بالشلل الدماغي أن يصافح النساء ويقبل أيديهن علماً بأن سنه عشر سنوات، وتخاف الأم أن يتعود على ذلك فما الحل لهذا الشأن؟
الجواب:
أما قضية التعود فهي شيء آخر، أما في هذه المرحلة في مرحلة الطفولة لا يعد ذلك كالرجل الكبير.
السؤال (26)
عجوز عمياء ومقعدة ويأتي لزيارتها عدد من الأشخاص فتتجنب أن تصافحهم لكنها أحياناً تشعر بالحرج من بعضهم فتصافحهم مستخدمة حجاباً غليظاً بحيث لا يظهر من يدها شيء؟
الجواب:
أمر العجوز أهون من أمر الشابة، لا تخشى من قبلها الفتنة، وإن كان الاحتياط هو أفضل وأنزه لها.
السؤال (27)
في المدرسة هناك غرفة للمعلمين فيها آلات عزف وعندما تجب صلاة الظهر يجتمع المعلمون والطاقم للصلاة في تلك الغرفة ويتركون الآلات على جانب، هل تصح الصلاة في غرفة فيها مثل هذه الآلات؟
الجواب:
تلك الآلات لا تبطل الصلاة، أما ممارستها شيء آخر، وأما كونها مبطلة فلا، ليست مبطلة للصلاة.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
10 من ربيع الثاني 1425هـ،30/ 5/2004م
الموضوع: عام
السؤال (1)
ما معنى حديث (لا يصلي أحدكم وهو ناعس حتى يرقد لئلا يذهب ليدعو فيسب نفسه)؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإن الصلاة هي أم العبادات جميعاً، لأنها تجمع ما لا يجمع غيرها من العبادات، ومن أجل ذلك تتكرر في اليوم والليلة ما لا يتكرر غيرها من العبادات. (3/140)
صفحة 1127
والله تبارك وتعالى جعل للروح مطالب مثلما جعل للجسم مطالب، وقد هيأ الله تعالى مطالب كل واحد منهما بقدر الحاجة، وما كانت الحاجة إليه أدعى كان أيسر من غيره، وهذا ما نشاهده في مطالب الجسم بين الهواء والماء والغذاء، فإن كل واحد منهما يتيسر بقدر الطلب، فالهواء الحاجة إليه أدعى، فالإنسان في جميع أحواله بحاجة إلى الهواء وقد يسره الله تعالى له من غير معاناة ومن غير تعب ومن غير كلفة ومن غير ثمن، بحيث يستنشق الإنسان الهواء في ليله وفي نهاره، في نومه وفي يقظته، في ذكره وفي غفلته، في حركته وفي سكونه. وقد شاء الله تبارك وتعالى أن يكون ذلك من غير أن يبذل الإنسان أدنى ثمن في مقابل هذا الهواء.
ثم تأتي الحاجة إلى الماء وهو أيسر مما بعده، وأقل يسراً من الهواء، ثم تأتي بعد ذلك الحاجة إلى الغذاء، ثم تأتي بعد ذلك الحاجة إلى الدواء وهكذا.
وهكذا بالنسبة إلى مطالب الروح، فقد يسر الله تبارك وتعالى الذكر بحيث إن الإنسان يمكنه في أي حال من الأحوال أن يذكر ربه حتى وهو يمارس شئون حياته كأن يكون في تجارته أو في زراعته أو في أي شيء.
ثم بعد ذلك الذكر المنظم الذي له مواقيت معينة بحيث يرتبط بأحوال طبيعية في نظام هذا الكون وهو الصلاة. وقد يسر الله تعالى هذه الصلاة فلا تكلف الإنسان كلفة مالية، بل ولا تكلفه كلفة بدنية إلا شيئاً يسيراً، فهو يمارسها في جميع أحواله سواء كان فقيراً أو كان غنياً، وسواء كان في ضيق أو في رخاء، وسواء كان في حالة رضا أو في حالة غضب، الصلاة ميسرة للإنسان لأن الحاجة إليها داعية.
هذه الصلاة هي مناجاة من العبد لربه سبحانه وتعالى، فالإنسان جدير به وهو يقبل على الله تعالى وينال شرف هذا اللقاء بينه وبين ربه ويتوجه إليه بوجهه وبقلبه ويكلمه بلسانه جدير بهذا الإنسان وهو في هذه الحالة أن يكون متيقظا لا يقبل على هذه الصلاة وهو في حالة تخالف ما ينبغي أن يكون عليه من اليقظة والانتباه. (3/141)
صفحة 1128
وليقدر الإنسان أنه يدخل على عظيم من عظماء الناس، على حاكم أو من يقدر بين الناس، هل يكلمه ويناجيه وهو معرض عنه أو وهو مشغول بشيء آخر أو وهو في حالة يفقد فيها وعيه ويفقد فيها انتباهه، أو أنه يحرص على أن يكلمه بيقظة، فهكذا ينبغي إذاً من يغلبه النعاس يؤمر أن ينام أولاً حتى يأخذ حظه من النوم ليقبل على الله تبارك وتعالى وهو في حال يقظة وانتباه بحيث إن كل كلمة يقولها في صلاته يكون معناها إلى عقله وقلبه أسرع من لفظها إلى سمعه، هكذا ينبغي، أي أن تكون المعاني تسابق الألفاظ إلى ذهن هذا المصلي حتى يؤدي الصلاة على الوجه المشروع، وهذا لا يعني أن يؤخرها عن وقتها هذا إذا كان في الوقت متسع، أما إذا لم يكن في الوقت متسع فالصلاة هي كتاب موقوت وليس للإنسان أن يفرط فيها بحيث يؤخرها عن ميقاتها الشرعي.
السؤال (2)
هل مثل هذا يستثنى من وجوب صلاة الجماعة عليه؟
الجواب:
إن اشتد به أمر حتى صار في حالة لا يستطيع فيها اليقظة معها نعم، ولكن مع ذلك لا يعوّد نفسه هكذا، يعوّد نفسه على أن ينام من قبل حتى يأتي الصلاة في جماعة ولا يفرّط فيها.
السؤال (3)
في حديث للنبي صلى الله عليه وسلّم (إذا حضر العشاء فابدأوا بالعشاء قبل العشاء) هل هذا يدخل في نفس المعنى أيضاً؟
الجواب:
نعم، هذا في من كانت نفسه تتوق إلى الطعام.
السؤال (4)
هل الصف الأعوج يؤثر على صلاة من يصلي في ذلك الصف؟
الجواب:
الصف الأعوج اعوجاجه إن لم يكن اضطراراً فلا ريب أن ذلك الاعوجاج يؤثر على الصلاة لأن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: أتموا صفوفكم. والنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: سوّوا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة. فتسوية الصفوف لما كانت من تمام الصلاة فمعنى ذلك أن من صلى في صف معوجّ من غير أن تكون هنالك ضرورة فذلك الاعوجاج يؤثر على صلاته.
السؤال (5) (3/142)
صفحة 1129
دخلت المسجد في يوم من الأيام ووجدت الصف الأول مكتملاً ووجدت مجموعة من ثلاثة أشخاص قد أنشأوا صفاً جديداً على جانب من جانبي المسجد أي أنهم ليسوا خلف الإمام، ماذا أفعل في هذه الحالة هل أصف معهم، وإذا كنا اثنين هل لنا أن نصف في الوسط ونهمل ذلك الصف التي أنشأته تلك المجموعة؟
الجواب:
نعم وفي هذه الحالة على المجموعة أن تسعى لتصف وراء الإمام عملاً بأمر النبي صلى الله عليه وسلّم عندما قال: وسطوا الإمام. أمر بتوسيط الإمام.
السؤال (6)
هل تجوز الصلاة في غرفة فيها لعب أطفال وهي عبارة عن صور لحيوانات مجسمة؟
الجواب:
تلك الصور لا يلتفت إليها المصلي، وليجعلها خلفه إن لم يمكنه إخراجها، ولا حرج عليه إن صلى إن شاء الله.
السؤال (7)
إذا قطع شخص صلاة النافلة لسبب من الأسباب هل يجب عليه أن يعيدها أم يستحب له ذلك؟
الجواب:
هو مأمور بأن لا يبطل عمله ولذلك قال كثير من العلماء بأن من شرع في النافلة فعليه أن يتمها وإن قطعها فليبدأ من جديد بصلاتها حتى لا يكون قد أبطل عملاً لأن الله تعالى يقول (وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) (محمد: من الآية33).
السؤال (8)
مسجد من المساجد تحت منبره دولاب فيه مصاحف، ويقوم الخطيب على المنبر، هل يصح هذا الوضع؟
الجواب:
هل هذه المصاحف يكون عليها الخطيب؟ أو هي نازلة بحيث يوجد فراغ؟ فإن لم يكن فراغ بحيث تكون متواصلة هذه المصاحف إلى أعلى بحيث يكون الخطيب يقف عليها فذلك غير جائز، لأن حرمة المصاحف حرمة عظيمة إذ القرآن هو كلام الله، ويجب على الإنسان أن يرعى حق هذا الكلام العظيم الذي جاء من رب العالمين سبحانه وتعالى، وأما إن كان هنالك فراغ فمثل ذلك كمثل من يصلي فوق غرفة وتحتها حجرة فيها مصاحف أيضا فلا يمنع ذلك مع وجود الفراغ، ولكن مع ذلك إن وجد لهذه المصاحف مكان آخر توضع فإنه يجب أن يراعى ذلك حرصاً على تنزيه كتاب الله تبارك وتعالى وتقديساً لكلام الله عز وجل.
السؤال (9) (3/143)
صفحة 1130
في أمام المسجد في قبلة المصلي نوافذ عاكسة يرون صورهم عليها أثناء الصلاة؟
الجواب:
ولماذا يرفع الإنسان وجهه حتى يرى صورته في مرآة أو غيرها؟ المصلي يؤمر أن يكون بصره يمتد من موضعه إبهاميه إلى موضع سجوده، وأن لا يتعدى موضع سجوده، هؤلاء يرفعون أبصارهم حتى يروا ذلك وهو مما ينافى الخشوع المأمور به وهو أن يغض الإنسان من بصره وأن يطأطئ بصره بحيث لا يرفع بصره إلى أعلى.
السؤال (10)
شخص في المستشفى تحت تأثير المخدر وهو يدرك أن وقت الصلاة قد حضر ولكنه عندما يؤمر بأدائها يجد صعوبة شديدة في الاستحضار وفي بعض الأحيان تنتابه نوبات من فقدان الوعي أثناء صلاته كل هذا بسبب المخدر، ماذا عليه؟
الجواب:
مثل هؤلاء لهم الرخصة أن يجمعوا ما بين الصلاتين، ما بين الظهر والعصر وما بين المغرب والعشاء كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلّم عندما صلى الظهر والعصر معاً والمغرب والعشاء الآخرة معاً من غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر كما جاء ذلك في مسند الإمام الربيع بن حبيب من طريق ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقد أخرجه الشيخان وغيرهما من طريق ابن عباس أيضا، وفيه أن ابن عباس سُئل ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. ومعنى ذلك أن ساعات الحرج يترخص فيها. وهذه الحالة المذكورة هي حالة حرج فلذلك ينبغي أن يترخص في هذا الذي هو في حالة تأثير التخدير عليه إلى أن يرتفع عنه هذا التأثير. فيُسمح له بأن يجمع ما بين الصلاتين لأجل ذلك.
السؤال (11)
رجل أصيب بمرض في ظهره وأرشده الأطباء أن لا يكثر من القيام والقعود فاضطره هذا الوضع إلى أن يصلي جالساً، فهل يصح له؟
الجواب: (3/144)
صفحة 1131
نعم يصح له، فإن كل فريضة فرضت إنما فرضها الله تعالى في حدود الإنسان الذي فرضت عليه وقدراته والله تعالى يقول (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية286)، ويقول سبحانه وتعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا) (الطلاق: من الآية7)، والنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم. فالإنسان إنما مطالب بما استطاعه فهو إن استطاع أن يصلي قائماً يطالب أن يصلي قائماً، وإن لم يستطع فليصل قاعدا، وإن لم يستطع أن يركع وأن يسجد فليومئ لركوعه وسجوده ويؤمر أن يكون مستقبل القبلة، وإن لم يمكنه أن يستقبل القبلة كذلك سقط عنه فرض الاستقبال، إن لم يمكنه أن يصلي قاعداً له أن يصلي مضطجعاً في حال استقبال القبلة، وإن تعذر عليه استقبال القبلة فليصل كيفما أمكنه فإن ذلك هو الواجب في حقه.
السؤال (12)
هل يجب على المرأة تغطية قدميها في الصلاة؟
الجواب:
نعم القول الصحيح الذي نعتمده أن قدمي المرأة من عورتها التي يجب عليها أن تسترها في الصلاة وفي لقائها بالرجال الأجانب بدليل حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها عندما سمعت النبي صلى الله عليه وسلّم يشدّد في إسبال الرجل لثوبه فسألته عن حكم المرأة. فقال صلى الله عليه وسلّم: ترخي شبرا. فقالت له: إذاً ينكشف عن قدميها. فقال ترخي ذراعا. فهذا دليل على أن انكشاف القدمين غير سائغ بالنسبة إلى المرأة مع الرجال الأجانب، كذلك في حال الصلاة لأن في حال الصلاة هي مأمورة أن تكون في كامل هيئتها.
السؤال (13)
هل المقصود من هذا أن تلبس المرأة الجوارب أم أنها تغطي قدميها بإطالة الملابس؟
الجواب:
الواجب تغطية القدمين سواء بلبس الجوربين أو بإرخاء الثوب حتى يغطي القدمين.
السؤال (14)
قد تنكشف القدم أثناء السير إذا لبست ملابس طويلة؟
الجواب: (3/145)
صفحة 1132
إذا كانت بمقدار ذارع لا تنكشف، لأن النبي صلى اله عليه وسلّم أباح لها ذراعاً لما قالت أم سلمة: إذاً ينكشف عن قدميها فلما أباح لها النبي صلى الله عليه وسلّم أن ترخي شبراً لما قالت له أم سلمة ذلك قال: إذاً ترخي ذراعاً.
السؤال (15)
فتاة قالت لابن عمها أنت حرام علي ولن أتزوجك ولو كنت آخر زوج في العالم وكذلك هو، وشاءت الأقدار أن يتزوجا ببعضهما وأتيا بأطفال، فما حكم ذلك القول في هذه الحالة، وما واجبهم نحو ما فعلوه مع العلم أن هذا الحرام يؤنب ضميرهما؟
الجواب: (3/146)
صفحة 1133
هذا أمر عظيم يقدم عليه الناس وهو فيه خطورة بالغة، ذلك أن التحليل والتحريم ليسا من اختصاص البشر وإنما هما من شأن الله سبحانه وتعالى، وإقدام الإنسان على تحريم ما أحل الله تعالى كإقدامه على تحليل ما حرم، كل واحد مهما كفر لأنه رد لحكم الله تبارك وتعالى، ومن رد حكم الله فقد كفر كفر ملة إن لم يكن متأولاً، لأن الأمر في منتهى الخطورة، وهذا ما نجد دلائله في القرآن فالله تعالى شدد في كتابه كثيراً على أولئك الذين يقدمون على التحليل والتحريم من تلقاء أنفسهم فقد قال سبحانه وتعالى (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) (النحل:116)، وقال سبحانه (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) (يونس:59)، ويقول سبحانه وتعالى (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) (الأنعام:140)، هذه الآيات كلها تدل على أن تحريم ما لم يحرم الله تعالى إنما هو افتراء كذب على الله، وافتراء الكذب على الله أمر مخرج من ملة الإسلام والعياذ بالله. (3/147)
صفحة 1134
وبجانب هذا نرى النصوص التي تدل على أن هذا من شان المشركين فالله تعالى يقول (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ) (الأنعام: من الآية148)، ويقول سبحانه (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) (النحل: من الآية35)، فإذاً هذا ليس من شأن المسلمين.
فما للإنسان والإقدام على تحريم شيء لم يحرمه الله.
ولا ريب أنه إذا صدر ذلك من رجل في حق امرأة قبل الزواج أو صدر ذلك من امرأة في حق رجل لا يحرّم أحدهما على الآخر لأن قولهما قول كاذب، ولكن هل تلزم في ذلك كفارة يمين؟ (3/148)
صفحة 1135
نحن الذي نأخذ به نعم، تلزم كفارة يمين لأن الله تبارك وتعالى جمع في كتابه الكريم ما بين تحريم طيبات ما أحل الله وما بين الكفارة هذا الاقتران يوحي بأن الكفارة في هذا تلزم، إذ الله تبارك وتعالى قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) (المائدة:87 - 88)، ثم أتبع ذلك قوله سبحانه وتعالى (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة:89)، فهذا الاقتران ما بين ذكر التحريم وذكر كفارة اليمين دليل على أن كفارة اليمين تجب في مقابل التحريم كما تجب في مقابل اليمين بالله تبارك وتعالى.
وذلك أيضاً مما يتأكد في سورة التحريم بقول الله تبارك وتعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) (التحريم: 1 - 2)، هذا مما يدل على أن اليمين تجب في هذا، وبهذا نأخذ، والله تعالى أعلم.
السؤال (16) (3/149)
صفحة 1136
شاع في الأيام الأخيرة تبادل رسائل عبر الجوال ونصها يقول الرسول صلى الله عليه وسلّم (أنا النور ومن تبعني فلن يعيش في الظلام) ودمجوا معها جملة أخرى (أرسلها وسترى السرور) فهل هناك حديث بهذا النص؟
الجواب:
هذا شيء لم أطلع عليه، ولا ينبغي على الإنسان أن يتقول على الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام فينسب إليه ما لم يقله، لأن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلّم أمر عظيم عظيم عظيم، فالكذب على النبي صلى الله عليه وسلّم ليس كالكذب على غيره من الناس، وإنما هو يأتي بعد الكذب على الله تبارك وتعالى، فلذلك يجب على الإنسان أن يحترز من أن يسند شيئاً إلى النبي صلى الله عليه وسلّم لم يقله عليه أفضل الصلاة والسلام.
السؤال (17)
المرأة التي تصافح محارمها كعمها وخالها وهو متوضئ وقد تكون في حالة حيض أو غيرها فهل يضر ذلك الوضوء؟
الجواب:
ما الذي يؤثر على وضوئه؟ المرأة الحائض أو النفساء أو الجنب كان رجلاً أو أمرأة كل من هؤلاء طاهر، أي طاهر من النجاسة وإن لم يكن طاهراً من الحدث، الحدث شيء والنجاسة شيء آخر.
النجاسة إنما هي كما هو معروف الشيء المادي الذي لا يجوز للإنسان أن يصلي به فهذا شيء معروف، كما يخرج من فضلات الإنسان الطبيعية فضلات الطعام والشراب هذه هي نجاسة، وكذلك الدم المسفوح هو نجس، والخنزير هو نجس، هذا معروف بأنه نجس.
أما المرأة المسلمة فإن جسدها طاهر، نعم إن تلبست بنجاسة ذلك الموضع الذي لحقته النجاسة وحده هو الذي ينجس، أما ما عداه فهو طاهر فلئن كانت هي طاهر فحيضتها ليست في يدها كما قال النبي صلى الله عليه وسلّم لأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها عندما قال لها: ناوليني الخمرة. (3/150)
صفحة 1137
فقالت يا رسول الله إني حائض. فقال لها: ليست حيضتك في يدك. وكان صلى الله عليه وسلّم يتعرق اللحم، ويضع فاه حيثما وضعت عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها فاها، وكذلك يشرب من الموضع الذي شربت منه في حالة كونها حائضا، وكان صلى الله عليه وسلّم بنفسه أيضاً يصلي في الثوب الذي يواقع فيه أهله، كما كانت أمهات المؤمنين يصلين في الثوب الذي يحضن فيه، ما كان ذلك داعياً إلى اعتبار أن ذلك الثوب متنجس بسبب ما يصيبه من عرق المراة الحائض، لا، لأن الحائض ليست هي نجسة، وإنما هي متلبسة بحدث أكبر، والحدث الأكبر هو ما يوجب الغسل فالجنابة والحيض والنفاس كل منهما حدث أكبر يوجب الغسل، كما أن الحدث الأصغر أيضاً ما أوجب الوضوء، ولكن لا يعني ذلك نجاسة هذا الذي وجب عليه الغسل أو وجب عليه الوضوء.
فالأعضاء التي يغسلها الإنسان في وضوئه هذه الأعضاء ليست بها نجاسة، وإنما هذا الغسل غسل تعبدي، هذا أمر تعبدنا الله تعالى به لا نعلم حكمته، وإنما علينا أن نسلّم لأمر الله سبحانه وتعالى، ولذلك لم يكن بد من النية عندما يقوم الإنسان إلى هذه الأعمال لأنها أعمال تعبدية غير معقولة المعنى.
لذلك لو صافحت المرأة ذا محرم منها وهي حائض أو نفساء أو جنب فإن ذلك لا يؤثر على وضوئه شيئاً، والله تعالى أعلم.
السؤال (18)
كيف تكون الصلاة راحة للنفس وطمأنينة للقلب؟
الجواب:
هذا يتحقق عندما يؤدي الإنسان الصلاة على النحو الشرعي الذي شرعه الله تبارك وتعالى، فالصلاة المطلوبة أن تكون عبادة لا أن تكون عادة. (3/151)
صفحة 1138
فصلاة الذي يصلون على أنها عادة ألفوها ورثوها من آبائهم وأجدادهم ليس لها هذا الأثر، ليس لها سلطان على النفس، وليس لها أثر في حياة صاحبها، لأن هذه الصلاة فارغة من معناها، إذ هي ليست عبادة، الصلاة أم العبادات، ولذلك هؤلاء قد يصلي أحدهم وهو في شيخوخته وإذا به يلعب في صلاته كما يلعب الطفل عندما يحاول أن يقلد أباه في صلاته، هذه الصلاة لا تعدو أن تكون عادة من العادات.
أما الصلاة التي هي عبادة فهي أيضاً تنقسم إلى قسمين، تنقسم إلى روح وتنقسم إلى جسم، فجسمها هو هيئاتها وما يأتيه المصلي فيها من حركة وذكر لله تبارك وتعالى هذا هو جسم الصلاة، ولكن ذلك لا أثر له إلا عندما تكون هذه الصلاة متلبسة بروحها، فروح الصلاة هو الخشوع. (3/152)
صفحة 1139
ولذلك نحن نجد أن الله تبارك وتعالى يبين أثر هذه الصلاة عندما يقول (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر) (العنكبوت: من الآية45)، ويقول سبحانه وتعالى مبيناً أن أولئك الذين لا يؤدون الصلاة على النحو الشرعي الذي فرضه الله تبارك وتعالى يؤدي بهم الحال إلى أن يرتكبوا الموبقات ويقعوا في محارم الله، فالله تعالى يقول (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) (الماعون:1 - 3) قال بعد ذلك (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ) (الماعون:4 - 5)، وقد كان السياق يقتضي أن يقول (فويل لهم) لأن الكلام يرتبط بعضه ببعض، فما ذكر بعد الفاء إنما هو مرتبط بما قبلها، إذ من شان الفاء أن تربط ما بعدها بما قبلها، ولكن بدلاً من أن يقال (فويل لهم) قيل (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ)، إشعاراً وتنبيهاً بأن سهوهم عن الصلاة هو الذي أدى إلى ارتكاب هذه المحارم بأسرها، فلو كانوا يؤدون الصلاة على النحو المشروع لما وقعوا فيما وقعوا فيها. (3/153)
صفحة 1140
فالصلاة إنما تؤثر عندما تؤدى على النحو المشروع، ولذلك نحن نرى في كتاب الله تبارك وتعالى ما يدل على أن المحمود في الصلاة إنما هو إقامتها والمحافظة عليها والخشوع فيها، فلم يأت أمر بالصلاة بلفظ (صلوا) في كتاب الله بل (أقيموا الصلاة) (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى) (البقرة: من الآية238)، الله تبارك وتعالى أيضاً يقول (إِنَّ الأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَامُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) (المعارج:19 - 34).
هذه الأوصاف كلها ابتدأها أولاً بالمداومة على الصلاة (الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ)، واختتمها بالمحافظة على الصلاة. (3/154)
صفحة 1141
فإذاً الصلاة المطلوبة هي الصلاة التي يؤديها الإنسان مداوماً عليها على النحو الذي شرعه الله تعالى لا على النحو الذي لم يشرعه الله بحيث إنه يتلاعب في صلاته ويعبث في صلاته ولا يهمه أمر صلاته، أو يفكر في صلاته كما يذكر عن أحد التجار أنه صلى مع جماعة ولما انتهوا من صلاتهم ترددوا بين أن يكونوا صلوا أربعاً أو صلوا ثلاثاً فقال: لا بل صليتم ثلاثاً. فقالوا: وما الدليل على ذلك؟ قال: لأن عادتي إذا دخلت في صلاتي أخذت أفكر في تجارتي وأصفي حساباتي وعندما يسلم الإمام أكون قد فرغت من تصفية الحساب، وفي هذه المرة لم أفرغ من تصفية الحساب.
هذه الصلاة ليست هي الصلاة المطلوبة هذه مجرد عادة من العادات يحاول أن يجامل بها الناس بحيث يتحرك مع المصلين، يركع معهم ويسجد معهم مع أن قلبه في مكان آخر لم يشحن بشحنة الإيمان وهو يقوم بهذه الصلاة إذ هو مشغول عن ربه سبحانه وتعالى بلهوه وبتجارته، فصلاته هذه ليست من الصلاة الشرعية في شيء، إنما الصلاة الشرعية المطلوبة من الإنسان هي التي يؤديها على النحو المشروع، وهذه التي لها الأثر الكبير.
فالإنسان يجب عندما يصلي أن يحرص على أن يسابق معنى الألفاظ التي ينطق بها لفظها بحيث يكون المعنى أسبق إلى القلب من اللفظ إلى السمع، ذلك بأن يستحضر المعاني تماماً، فالإنسان عندما يقوم ويكبر الله عليه أن يستشعر بكبرياء الله تبارك وتعالى وأن كل من عدا الله فهو صغير، لا شأن لأي أحد مع الله تعالى إذ لا عبرة بما يكون عليه الناس في هذه الحياة من أبهة ومن مناصب ومن مراتب ومن أموال ومن سلطات ومن غير ذلك فإن ذلك كله لا وزن له عند الله، إنما الوزن للعبد بقدر ما يقترب من الله، بقدر ما يصلح نفسه ويهذب ظاهره وباطنه بقدر ذلك يكون مقرباً من الله سبحانه وتعالى. (3/155)
صفحة 1142
فعندما يكبر تكبيرة الإحرام يشعر بأن الكبرياء لله، فإن كان من أهل الشأن في هذه الدنيا كأن يكون صاحب منصب أو صاحب مال أو صاحب سلطة أو نحو ذلك فإنه بمجرد ما يكبر الله تعالى يشعر أنه ضعيف بين يدي الله تعالى لا شأن لذلك الذي أوتيه في هذه الحياة عند الله، وإنما شأنه بقدر ما يقترب من الله سبحانه وتعالى من الطاعة وذلك يتنافى مع الكبرياء فعليه أن يتطامن، وعليه أن يخضع، وعليه أن يتواضع.
ولئن كان بخلاف ذلك بحيث يكون ضعيفاً محتقراً فقيراً أو بخلاف ذلك فإنه بمجرد ما ينطق بتكبيرة الإحرام يشعر أيضاً أن الكبرياء لله وحده فهذا يحرره من الخضوع لغير الله تعالى لأنه يشعر أنه مع غيره سواء إذ لا كبرياء لأحد، إنما الكبرياء لله سبحانه وتعالى وحده.
ثم كذلك عندما يستعيذ المصلي بالله تعالى من الشيطان الرجيم تذكّره الاستعاذة بالحرب الضروس التي بينه وبينه الشيطان الذي أقسم بعزة الله أنه ليحرصن على أنه يرديه في جهنم إلا إن جعله الله من عباده المخلصين، وهذا مما يجعله أيضاً يتيقظ لمكائد الشيطان، ويحرص على مقاومة كيده، وعلى التخلص من مكره ومن خداعه، ويحرص على التيقظ في جميع أحواله.
ثم كذلك عندما يتلو أي شيء من فاتحة الكتاب من تحميد الله تعالى وتوجيه خطاب العبودية للربوبية إلى الله تعالى يشعر بأنه بين يدي الله تبارك وتعالى وهذا مما يجعله يتواضع لله.
وكذلك ما يتلوه في صلاته من القرآن بعد الفاتحة يذكّره بالله سبحانه وتعالى وبأوامره وبنواهيه وبوعده وبوعيده وبلقائه وهذا مما يجعله موصولاً بربه. (3/156)
صفحة 1143
فإذا انفلت المصلي من هذه الحالة يكون قد تطهر من أدناس هذه الحياة بحيث تكون نفسه نفساً صافية نقية موصولة بالله سبحانه وتعالى، وينطلق من صلاته وصدق عليه ما دل عليه حديث الرسول صلى اله عليه وسلّم عندما قال: أرأيتم لو أن نهراً جارياً غمراً بباب أحدكم ينغمس فيه كل يوم وليلة خمس مرات أيبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس. وهكذا تتكرر العملية في اليوم والليلة خمس مرات على الأقل، لينقي الإنسان نفسه ظاهره وباطنه روحه وجسمه عقله ومشاعره فكره وأحاسيسه، ينقي ذلك كله من وساوس الشيطان فيكون موصولاً بالله، هذه الصلاة عندما يؤديها الإنسان على هذا النحو يكون لها الأثر الكبير في نفسه والأثر الكبير أيضاً في تعامله مع بني جنسه.
السؤال (19)
ما حكم تكفير تارك الصلاة؟
الجواب:
الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم دلت على كفر تارك الصلاة، فالحديث يقول: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر. ويقول صلى الله عليه وسلّم: ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة. وفي رواية أخرى بين العبد والكفر ترك الصلاة. إلى غير ذلك من الروايات الأخرى، ولكن هل هو كفر نعمة أو كفر ملة؟ (3/157)
صفحة 1144
الذي نأخذ نحن به ونعوّل عليه أنه إن كان لم يجحد الصلاة وإنما تركها تهاوناً فكفره إنما هو كفر نعمة وليس كفر ملة، بحيث لا يخرج من ملة المسلمين، يبقى التوارث بينه وبين المسلمين، ولا تحرم عليه امرأته، وإن كان لا ينبغي للمرأة المسلمة المصلية المحافظة على دينها أن تكون حليلة لتارك الصلاة كيفما كان الأمر، ولكن مع ذلك لا نقول بأنها تحرم عليه، وإنما يطالب بالاستقامة والمحافظة على الصلاة، ولئن مات فهو يدفن في مقابر المسلمين ويصلى عليه على القول الراجح عملاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلّم: الصلاة على موتى أهل القبلة المقرين بالله ورسوله واجبة فمن تركها فقد كفر. والحديث الآخر أيضاً: الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر، وصلوا على كل بر وفاجر. فإذاّ هو لا يحرم من حقوق موتى المسلمين وغيرهم، ويكون التوارث بينه بين المسلمين ولكن مع ذلك هو مرتكب كفر نعمة لأنه كفر نعمة الله بتركه هذه الصلاة.
بينما تاركها جحوداً يكون كافراً كفر ملة، فيحكم عليه بأنه مرتد عن الإسلام، يطبق عليه حد الردة، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يستحق شيئاً من حقوق موتى المسلمين، ولا يكون بينه وبين المسلمين توارث، هكذا إن كان قد تركها جحوداً، أو جحد وجوبها ولو لم يتركها. هذا هو القول الذي نأخذ به ونعتد به.
السؤال (20)
امرأة حملت بجنين وأجهضته بعد ما يقارب أربعة أشهر وذلك لأن الجنين به تشوهات في رأسه حيث توجد به أورام ولا توجد به رقبة، وأخبرها الأطباء أنه إذا بقي فسيعيش بقية حياته في المستشفيات وذلك حتى يتم شفط الماء الموجود في رأسه، مع العلم أنه يوجد لديها طفل معوق كذلك فمخافة أن يكون لديها طفلان معوقان يحتاجان إلى رعاية قامت بإجهاض الجنين، فهل ما فعلته هذه المرأة صحيح أم خطأ، وإذا كان خطأ فماذا يجب عليها؟
الجواب: (3/158)
صفحة 1145
هو خطأ لأن ما أصاب الجنين ليس من قبلها وإنما هو من قبل الله تبارك وتعالى. فهي محاسبة بعملها وليست محاسبة بحالة الجنين. إذ حالة الجنين إنما هي من صنع الله، ولا دخل الإنسان في ذلك، ولكن تسببت في قتل نفس ولو كانت لم تولد بعد، ودية الجنين غرة عبد أو أمة كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم، فعليها أن تدفع هذه الدية أي مقدار ذلك، وتقدّر هذه الدية بنحو ما يساوي نصف عشر دية الإنسان الكامل.
فهذه الدية تدفعها إلى ورثة هذا الجنين من غيرها، إلا إن أسقطوها عنها. فإن أسقطوها تكون ساقطة في هذه الحالة، والله تعالى أعلم.
هذا كله إن لم يكن وجوده في رحمها يسبب خطورة عليها، أما إن كان استمرار الحمل يسبب خطورة عليها ففي هذه الحالة لها أن تتخلص منه، لأن محافظتها على حياتها أولى إذ حياتها متيقنة وحياة الجنين غير متيقنة.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
17 من ربيع الثاني 1425هـ،6/ 6/2004م
الموضوع: القرآن الكريم والصيف
السؤال (1)
ما مفهوم وقت الفراغ في حياة المسلم، وكيف يمكن أن يعمر هذا الفراغ بحيث يعود عليه بالصالح المفيد؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن المسلم لا يترك جزءاً من وقته يمر سدى، لأنه يشعر بأنه مسئول عن وقته، فإن الله تبارك وتعالى جعل الحياة هي النعمة الكبرى التي منحها هذا الإنسان وتترتب بقية النعم عليها. (3/159)
صفحة 1146
وجاء في الحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلّم ما يدل على أن العمر هو في مقدمة ما يُسئل عنه العبد، لأن كل شيء إنما يترتب عليه، فتكاليف الحياة إنما هي تترتب على العمر، والنعم الكبرى التي يسبح في خضمها الإنسان إنما جعلها الله تبارك وتعالى مؤطرة في إطار العمر، وكل ما يتعلق بالإنسان إنما هو يدور في فلك عمره، فلذلك كان هذا العمر مسئولاً عنه، ففي الحديث الذي رواه الترمذي من حديث أبي برزة الأسلمي قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسئل عن خمس عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم.
يسئل الإنسان عن العمر، هذا العمر الذي هو هبة الله تبارك وتعالى الكبرى للإنسان فيما أفناه، لأن كل لحظة من لحظات العمر إنما هي على حسابه، فما من لحظة تمر إلا وقد خسرها الإنسان إن لم يربح فيها عملاً صالحاً يتقرب به إلى الله تبارك وتعالى زلفى.
وأنفاس الإنسان إنما هي خطواته التي يسير بها إلى لقاء الله تبارك وتعالى، فما من نفس يتنفسه الإنسان يمكن أن يعوض، لأن كل نفس إنما هو على حساب العمر.
وبالجملة فإن جميع أوقات الإنسان إنما هي مطيته الدؤوب التي يقطع بها هذه الرحلة، رحلة هذا العمر، فالليل والنهار بدورانهما المستمر يطويان شريط العمر وقد أجاد من قال:
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة *** تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا
فالليل والنهار إنما يتقاضيان الإنسان ليصلا به إلى الغاية المحتومة، والغاية التي ينقلب من بعدها إلى وضع آخر بحيث ينقلب بعد هذه الغاية إلى حياة أخرى عندما يأذن الله تبارك وتعالى بعودة الحياة إليه ليلقى جزاء ما قدم من خير وشر، فلذلك كان الإنسان مسئولاً عن عمره، فعليه أن يحرص كل الحرص على انتهاز فرص هذا العمر. (3/160)
صفحة 1147
لذلك كان فراغ المسلم عندما يكون متمسكاً بإسلامه لا بد من أن يشغله بشيء، ولئن كان العمر كله بهذا القدر من القيمة الثمينة بحيث إنه جوهرة غالية إن إضاعها الإنسان لا يعوضها شيء فإن مرحلة الشباب بصفة خاصة مرحلة متميزة فلذلك كان عنه سؤال خاص كما جاء (وعن شبابه فيما أبلاه)، لأنه هو المرحلة الذهبية في هذا العمر، فالشباب هو تاج العمر وزينته وبهجته لأنه المرحلة التي تنضح بالفتوة وتتميز بالقوة، وهو المرحلة التي يمكن للإنسان فيها ما لا يمكنه فيما بعدها، وهو سرعان ما ينقضي إذ الشباب هو أشبه ما يكون بحلم يحمله الإنسان ثم بعد ذلك يستيقظ عليه وقد انتهى، هكذا شأن الشباب، وقد أجاد من قال:
شيئان ينقشعان أول وهلة ... ظل الشباب وخلة الأشرار
لا حبذا الشيب الوفي وحبذا ... غصن الشباب الخائن الغدار
وطري من الدنيا الشباب وروقه ... فإذا مضى فقد انقضت أوطاري
فإذاً الإنسان وهو في مرحلة شبابه عليه أن ينتهز هذه الفرصة، وأن لا يجعل هذه المرحلة فرصة للعب واللهو والمرح والاشتغال بالملذات والشهوات، وإنما عليه أن يجعل من شبابه فرصة ثمينة للعمل الذي يقربه إلى الله تبارك وتعالى زلفى.
ولا ريب أن كل عمل صالح وكل ما يمكن أن يصلح الإنسان في دنياه هذه أو في آخرته فإنه ينبني على العلم. ولذلك كانت هذه الرسالة رسالة علم. الله تبارك وتعالى أول ما خاطب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلّم قال له (اقْرَا) (العلق: من الآية1). لم يقل له أي كلمة أخرى. لم يخاطبه بالعبادة أولاً، لم يقل له اعبد أو أطع أو انقد أو أذعن أو نحو ذلك وإنما قال له (اقْرَا). (3/161)
صفحة 1148
هذه الكلمة ذات المدلول الواسع بحيث إنها لا يمكن أن يفي بمعناها أي لفظ آخر، فإنه لو قيل بدلاً من هذه الكلمة اعلم أو تبين أو أدرك أو افهم أو تفهم أو نحو ذلك لم تف كلمة من هذه الكلمات بما تدل عليه كلمة (اقْرَا) من أبعاد واسعة، بحيث إنها تدعو إلى القراءة، والقراءة إنما هي قراءة للمكتوب، والمكتوب إنما قراءته تحصيل للعلم بطرقه الكسبية.
فهذا العلم المطلوب إنما يتوصل إليه بالجد والتعب، بالكتابة والقراءة، بتخليده في الطروس، بنقله من مكان إلى مكان، ولا أدل على ذلك من أن الله تبارك وتعالى ذكر في فاتحة هذه السورة الثمينة أهم وسيلة من وسائل العلم وهو القلم الذي يخلد به العلم وينقل به من مكان إلى مكان، ويتوارث به عبر الأجيال المتسلسلة والقرون المتعاقبة فإن الله تعالى قال (اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَا وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق:1 - 5).
وأنا أعجب من أمة هذه فاتحة كتابها، أي هذا أول من نزل من الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلّم، ونتلو نحن هذه الآيات الثمينة، هذه الآيات العزيزة، هذه الآيات الكريمة ليل نهار ولا نعتبر بها. (3/162)
صفحة 1149
أنا أعجب من أمة هذا كتابها، هذه بداية ما نزل منه على قلب رسولها عليه أفضل الصلاة والسلام كيف تكون أمة في مؤخرة الأمم من نواحي متعددة، مع أننا نجد نحن في هذا الكتاب العزيز ما لا نجده في غيره، أولاً من الربط ما بين العلم والعمل، الأمر بالعلم والدعوة إليه والحض عليه (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الزمر: من الآية9)، ثم بجانب ذلك أيضاً وصل هذا العلم بشئون هذه الحياة الدنيا بحيث إن العلم الذي يطلب من الإنسان هو العلم الذي يقربه إلى الله زلفى ولكن مع ذلك هو لا بد من أن يكون معه علم يستطيع أن ينظّم به حياته هذه، وأن يستغل هذه الحياة في الخير، وأن يصل ما بينها وبين الدار الآخرة بحيث يربط ما بين الحياة والموت والدنيا والآخرة والعمل والجزاء والمسير والمصير، كيف مع ذلك تكون هذه الأمة متخلفة.
بل نجد في هذا الكتاب العزيز ما يربط ما بين العمل لمصلحة هذه الحياة الدنيا بالعبادة التي تقرب إلى الله زلفى، بل بأهم العبادات فإن الله تبارك وتعالى يقول (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة:10).
ونجد في هذا الكتاب العزيز أن الله تبارك وتعالى يمتن علينا بأنه خلق لنا ما في الأرض جميعاً (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة: من الآية29)، ويقول (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْه) (الجاثية: من الآية13)، فكيف مع ذلك سبقتنا الأمم إلى هذا الخير العظيم.
أنا عجبت حقيقة من هذا الأمر عجباً غريباً أنني وجدت الأمم الأخرى سبقت هذه الأمة بمراحل بمراحل، وهذا مما يدل على أنها قرأت كتاب ربها ولم تفهمه، أو فهمته ولم تطبقه، فهذه هي مصيبة هذه الأمة. (3/163)
صفحة 1150
قبل فترة قريبة من أيام قريبة زارني رجل هو يمثل حكومته في الجانب التجاري والجانب الثقافي في السلطنة وهو رئيس مكتب تجاري وثقافي لتايوان، وعجبت مما حدثني به، ما كنت أحسب تايوان بهذا القدر، حدثني عنها بأنها لا تزيد مساحتها عن ستة وثلاثين ألف كيلو مربع، يعني ذلك هي أقل من تسع مساحة سلطنة عمان، وشعبها اثنان وعشرون مليونا، والبلد ليست فيه موارد طبيعية ولا فيه أي شيء من هذا القبيل، ومع ذلك الدخل القومي هو ثلاثمائة وخمسون مليار، والصادرات هي ثلاثمائة مليار، والاحتياطي الموجود في الخارج هو مئتان وعشرون ملياراً، هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هؤلاء الناس عنوا بالعقل البشري، عنوا بتربية العقل البشري، فلذلك وصلوا إلى ما وصلوا إليه، مع أن دينهم لا يدعوهم إلى ذلك، فكيف ونحن ديننا يدعونا إلى ذلك.
أنا أعجب عندما أرى بأن اليابان التي نُكبت في الحرب العالمية بما لم ينكب به غيرها أصبحت عملاقة حتى أن اقتصادها الآن هو عشرة أضعاف اقتصاد الأمة الإسلامية بأسرها من أقصاها إلى أقصاها، بينما مساحتها مساحة صغيرة محدودة وشعبها شعب كبير، وبلادها ليست فيها موارد طبيعية، ولكن هذا يعني أن العقل البشري هو الثروة الأولى للأمم قبل أي شيء، فالثروة البشرية هي أهم ثروة، وبقدر ما تكون الأمة أمة واعية أمة متفتحة هي تكون أمة متقدمة على غيرها من الأمم، وهذا يعني أن هذه الفرص، فرص هذه الأوقات التي تعتبر فراغاً يجب أن تستغل في الخير، في خير الدين والدنيا معاً، بحيث يوصل ما بين الدنيا والآخرة وما بين الدين والدنيا، وتسخر الدنيا لمصلحة الدين، هذا الذي يدعونا إليه ديننا الحنيف.
السؤال (2)
ذكرتم سماحة الشيخ سببين لقصور المسلمين وهي أنهم لم يفهموا كتاب ربهم ولم يستوعبوه أو أنهم فهموه ولم يطبقوه، هل ترون أن هذان السببان فقط أم أن هناك أسباب أخرى بحاجة على إعادة صياغتها من جديد؟
الجواب: (3/164)
صفحة 1151
حقيقة الأمر القرآن الكريم اتُخذ مع الأسف الشديد وسيلة للتسلي. الأمة الإسلامية تقرأ القرآن كما تقرأ الشعر من أجل أن تتسلى به، وهذا أمر فيه خطورة كبيرة. الله تبارك وتعالى يقول (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد:24)، إنما الأمة الإسلامية مطالبة بأن تتدبر القرآن، بحيث إنها تحرص على تأمله آية آية وجملة جملة وكلمة كلمة وحرفاً حرفا.
عندما يتدبر الإنسان القرآن الكريم تتفتح له آفاق واسعة، آفاق معرفية، آفاق في الدنيا وفي الآخرة، آفاق في عالم الروح وفي عالم الجسم، آفاق في العالم المعنوي وفي العالم المادي، هذا كله إنما يكون بتأمل الإنسان لكتاب الله تبارك وتعالى.
كتاب الله سبحانه وتعالى أنزله الله تعالى هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمعنى هذا عندما يقرأه الإنسان لا يقرأه لأجل أن يتسلى بقراءته، وإنما يقرأه لأجل أن يتدبر ما فيه، ويمعن النظر في أوامره وتوجيهاته ونصائحه وإرشاداته.
الإنسان طاقة عظيمة، الله تبارك وتعالى اختزل فيه مع صغر حجمه العالم بأسره، هو العالم الأصغر (وتزعم أنك جرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبر)
فالعالم الأكبر منطو في هذا العالم الأصغر، في هذا الإنسان، ولكن يهدر الإنسان هذه الطاقات العظيمة التي مُنحها.
وإنما القرآن الكريم جاء من أجل تفجير هذه الطاقات العظيمة، جاء من أجل وصل هذا الإنسان بهذا الكون الواسع الأرجاء المترامي الأطراف. (3/165)
صفحة 1152
الله تبارك وتعالى يمتن على الإنسان بنعم جُلى في كتابه الكريم يقول سبحانه وتعالى كما ذكرت من قبل (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة: من الآية29)، معنى ذلك أن كل ما الأرض إنما هو مخلوق للإنسان، وهذا واضح من خلال التسخير، ففي هذا الكون الأرضي حيوانات تشارك الإنسان الحياة والوجود في هذه الأرض، وهي تفوق الإنسان بكثير، بعضها أعظم حجما من الإنسان بأضعاف مضاعفة، وبعضها أقوى قوة من الإنسان بأضعاف مضاعفة، وبعضها أشد إقداماً من الإنسان، ولكن مع ذلك سخرت هذه الحيوانات للإنسانية.
نجد أن الإنسان استطاع أن يستخرج الحيوانات من عمق البحار، واستطاع أن يأتي بالحيوانات من القفار، جاء بالأسد من الغاب وجاء بالفيل وجاء بغيرها من الحيوانات وسخرها له، بينما هذه الحيوانات كلها لم تأخذ الإنسان إليها لتسخره لمنافعها وتستخدمه في مصالحها، لا بل الحيوانات هي قاصرة عن ذلك، عاجزة عن ذلك، هذا دليل على أن الإنسان أوتي طاقات، وأن ما في الكون إنما هو مسخر له.
ومع هذا يمتن الله تبارك وتعالى علينا بأنه سخر لنا ما في الكون بأسره (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْه) (الجاثية: من الآية13)، فإذا استطاع الإنسان أن يتصرف في أي شيء مما يوجد في هذا الكون لمصلحته فليتصرف لأن الكون كله مسخر له. (3/166)
صفحة 1153
ومع هذا نجد أيضاً أن القرآن الكريم يأخذ بالعقل البشري ليطوف به في آفاق هذا الكون، يطوف به في أرجائه ويربط ذلك بالعقيدة عقيدة التوحيد، الله تبارك وتعالى يقول (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة:163 - 164).
وكم من آية جاء فيها (أفلم يسيروا في الأرض)، كم من آية جاء فيها دعوة الإنسان إلى السير في الأرض والإمعان وأخذ العبر والدروس من أحوال الأمم السابقة، في نهضتها وعثرتها، في حياتها وموتها، في بقائها واضمحلالها كل من ذلك فيه عبر لأولي الألباب من أجل أن يستفيد الإنسان لأن حياة البشر حياة اجتماعية، والإنسان كائن اجتماعي، وسنن الله تبارك وتعالى في هذه الحياة البشرية لا تتبدل (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) (الأحزاب:62)، سنة الله لا تتحول، جعلها الله تبارك وتعالى في الأمم المتعاقبة هكذا.
فعلى الإنسان أن يعتبر بأسباب النهوض والكبوة، بأسباب النجاح والفشل، بأسباب التقدم والتأخر، بأسباب الرقي والانحطاط، كل من ذلك على الإنسان أن يعتبر به، والقرآن الكريم يحث على هذا.
ثم إن القرآن الكريم كذلك يكشف للإنسان أغوار وجوده بنفسه، أغوار طبعه التي لم يكن الإنسان على دراية بها، يكشف للإنسان أبعاد هذا الكون من خلال ما يخبر به عن نظام الكائنات، كل ذلك مما يدعو إلى الاعتبار. (3/167)
صفحة 1154
فما لهذه الأمة وقد تأخرت، هذا دليل على أنها لم تأخذ بالقرآن الكريم على أنه كتاب هداية، وإنما اكتفت على أن يكون كتاب تسلية وإلا لكان وضع الأمة غير هذا الوضع الذي نراها عليه اليوم.
السؤال (3)
ما هي طريقة تدريس القرآن الكريم وحفظه وتعويد الأبناء على تطبيقه وعلى اكتشاف كنوزه على النحو الذي ذكرتموه قبل قليل، ما هي الطريقة المثلى التي ترون أنها مناسبة بعد هذه الفترة وبعد هذا الكلام لا بد أن يكون في المراكز الصيفية؟
الجواب:
كتاب الله تبارك وتعالى حفظه أمر مهم، ولكن على أن لا يكون مجرد حفظ، وإنما حفظ مع الفهم مع الإدراك.
السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم كانوا يحرصون على تعلم القرآن، ولكنهم بقدر ما يحرصون على تعلمه يحرصون على تطبيقه والعمل به كما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عندما أخبر عن مسلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم في تعلم القرآن أنهم كانوا يتعلمون عشر آيات عشر آيات من كتاب الله لا يغادرونها إلى ما بعدها إلا بعد أن يتقنوا ما فيها من العلم والعمل، أي يحرص أحدهم على أن يتعلم عشر آيات، ولكنه لا يغادرها إلى ما بعدها إلا بعدما يتقن حفظها ويعلم ما فيها ويعمل بها ويطبقها في حياته، يحرصون على تطبيق القرآن الكريم أيما حرص سواءً في مجال العبادات أو في مجال المعاملات أو في مجال الأخلاق أو في أي مجال من المجالات الاجتماعية والمجالات الحيوية بأسرها من غير أن يفرطوا في شيء.
هكذا كان مسلك السلف الصالح، فلو تعلم الناس القرآن على هذا النهج، وحرصوا على أن يدركوا رسالة القرآن ومسئولية الإنسان الذي تحمل أمانة هذا القرآن. (3/168)
صفحة 1155
نحن أمة أكرمنا الله تبارك وتعالى بأن جعلنا ورثة للأمم السابقة في هداياتها وفي خيرها، جعلنا ورثة لمواريث النبوات المتقدمة بأسرها، فلذلك علينا أن ندرك مسئوليتنا، إنما نحن أمة مطالبة بأن نقوم بمسئولية الرسل السابقين جميعاً، الله تبارك وتعالى يقول (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: من الآية110)، وترون هنا كيف أن الله تبارك وتعالى بيّن أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بتصديرهما حتى على الإيمان بالله، قدّمهما على الإيمان بالله، مع أنه لا يمكن أن يكون الأمر بالمعروف أمراً بالمعروف، ولا يمكن أن يكون النهي عن المنكر نهياً عن المنكر حتى يتقدمهما الإيمان، ولكن هذا لأجل التأكيد على أهميتهما، لأجل حفز الهمم من أجلهما، لأجل التنبيه على أن التفريط فيهما تفريط في أهم ما يميز هذه الأمة عن غيرها من الأمم.
فلذلك على كل من تعلم القرآن أن يدرك ذلك، وذلك لا يمكن إلا عندما يحرص أولاً على أن يأمر نفسه وينهى نفسه، بحيث يكيف حياته كلها وفق تعاليم القرآن فلا يخرج في عباداته ولا في معاملاته ولا في أعماله الدنيوية ولا في علاقاته بالناس عن هداية القرآن وإرشاد القرآن، بهذا نكون قد أحرزنا الخير الكثير، وبهذا نكون قد هيأنا جيلاً للقيام بمسئولية الدعوة إلى الله كما فرض الله تعالى علينا عندما قال (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران:104).
إنما هذا يتوقف كما قلت على الحرص على التكيف وفق مقتضيات القرآن الكريم مع الدقة في فهم القرآن. لا بد من تفجير هذه الطاقات التي أوجدها الله تبارك وتعالى في عقول البشر.
السؤال (4) (3/169)
صفحة 1156
مما يعرف عن الكثير من الطلبة أنهم يكرهون المدارس نظراً لارتباطها بالعقاب والمحاسبة والاختبارات والخشية من الإخفاق وغيرها من الأمور، فهذه الأشياء تجعلهم يكرهون المدرسة ولا يحبوها، وشيئاً من هذا يطبق في بعض مدارس القرآن الكريم في الفترة الصيفية مثلاً، فيدفع ذلك الطالب إلى أن يكره تعلم القرآن الكريم، ما هي الطريقة المثلى التي تنصحون بها المدرسين بحيث يحببون الأبناء إلى القرآن الكريم؟
الجواب:
أولاً قبل كل شيء أنا لا أقول بأني لا أحبذ المحاسبة.
لماذا لا يحاسب؟ إنما يجب أن يحس هذا الناشئ بأنه لا يمكن أن يستوي المستقيم والمنحرف، ولا يمكن أن يستوي الجاد واللاعب، ولا يمكن أن تتعادل كفة الناجح والفاشل، كل واحد يُنزل مُنزله ويعطى حقه، هذا الذي نجح يجب أن يحس بأنه قُدّر لنجاحه وقُدّر لاجتهاده وقُدّر لحرصه وسباقه في مجال الطلب والتحصيل، والذي فشل أيضاً ينبغي أن يحس بأنه إنما فشل وأخفق بسبب كسله وبسبب عدم اجتهاده، فلكل نصيب وإن كانت الحظوظ مقسومة، ولكن تأتي الحظوظ أيضاً مرتبطة بالجد كما يقول الشاعر:
بجَدٍ لا بجِدٍ من مُجِدٍ *** وهل جَدٌ بلا جِدٍ بمُجدي
الجَد وهو الحظ لا يجدي إلا بالجِد أي بالاجتهاد، فلا بد من أن يكون مع الجَد جِد، لأنه إن لم يكن هنالك جِد فإن الجَد يُخفق.
فلذلك أنا أؤيد لكن بطريقة الترغيب لا بطريقة الترهيب فحسب، لا بد من أن يكون هنالك ترغيب، وأن يبين للناس كيف يتفاوتون في الغايات بقدر ما يتفاوتون في السبق، فالذي يحرص على أن يكون أسبق فيحرز قصبات السبق يصل إلى الغايات التي لا يصل إليها أولئك الكسالى الذين يأتون أواخر الناس في مجال السبق، فهكذا ينبغي أن يكون الأمر.
السؤال (5) (3/170)
صفحة 1157
هناك بعض الناس لديهم رغبتان رغبة في أن يتعلم الأمور العلمية كالحاسوب وغيرها من البرامج العلمية، ورغبة في أن يتعلم اللغة العربية وأن يتعلم شيئاً من العلوم الإسلامية، فكيف ينظّم وقته بحيث يقدم الأولى فالأولى؟
الجواب:
حقيقة الأمر أنا أؤيد أولاً قبل كل شيء العناية بجانب الدين، الدنيا تأتي تبعاً للدين، وليست هي القائدة للدين، إنما الدنيا تتبع الدنيا، ولا بد من تشجيع جميع التخصصات وجميع الاتجاهات، هذا الذي يحرص على الحاسوب، وهذا الذي يحرص على الفلك، وهذا الذي يحرص على التقدم في أي مجال من مجالات العلم. الذي يحرص على الرياضيات، فليتقدم في أي مجال من مجال العلم، ولكن مع ذلك أن يكون الدين هو المحور، أن يكون الفقه في دين الله تبارك وتعالى هو المحور الذي تدور حوله هذه العلوم.
ومن المعلوم أن وعاء الدين اللغة العربية، لأنه إن لم يتقنها الإنسان لا يستطيع أن يفهم القرآن، ولا يستطيع أن يفهم الحديث الصحيح على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، لا يستطيع أن يعرف الأحاديث وأبعادها ومقاصدها، فلذلك من الضرورة بمكان أن يركز على اللغة العربية.
وأنا أعجب كيف أهملت العربية حتى لم تعد لغة علم. مما يؤسف له أن الناس يتعلمون العلوم المختلفة باللغات الأخرى، والشعوب تحرص على أن تكون لغاتهم هي لغات علم، حتى اللغات الميتة أحييت وأصبحت لغات علم، واللغة التي اختارها الله تعالى لئن لتكون وعاءً لكلامه وينبوعاً لهداية خلقه أهملت وأصبح أصحابها يتعلمون العلوم باللغات الأخرى، هذا أمر فيه إخفاق في المحافظة على هذه اللغة التي وسعت كلام الله تبارك وتعالى الذي أنزله لهداية خلقه. (3/171)
صفحة 1158
كيف لا تسع جميع العلوم المختلفة مع أن هذه اللغة يجب على المسلمين جميعاً أن يحرصوا عليها، إذ ليست هي لغة قومية، كانت لغة قومية قبل أن ينزل بها القرآن، أما بعد أن اختارها الله تبارك وتعالى لئن تكون وعاءً لكلامه، وخاطب بها عباده وأمر أن يخاطبوه بها في عباداتهم وغيرها، بعد ذلك كله لم تعد لغة قومية، وإنما هي لغة عالمية، لغة يطالب كل مسلم أن يحرص عليها، وأن يتقنها وأن يتعلمها وأن يسابق إليها.
هذا مما يجب أن يكون في وجداننا، ولا مانع من أن تكون هنالك خبرات في جميع اللغات الأخرى، ومعنى ذلك أن يحرص جماعة من المسلمين على التخصص في اللغات الأخرى ودراستها بجانب اللغة العربية لأجل التوصل إلى الدعوة بها وإقناع الناس بالإسلام وتفهيمهم بقيم الإسلام وفضائل الإسلام ومنح الإسلام، فإن التوصل إلى إفهام الناس من خلال لغاتهم مطلب شرعي، وهذا يدل عليه قول الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُم) (ابراهيم: من الآية4)، فالله سبحانه وتعالى خاطب الأمم من خلال الرسالات التي أرسل بها رسله بلغات أولئك الأقوام الذي كان منهم أولئك الرسل حتى يفهموا.
وإنما أرسل محمداً صلى الله عليه وسلّم وهو النبي العربي باللسان العربي مع كون رسالته صلى الله عليه وسلّم رسالة عالمية لا تنحصر في العرب وحدهم لأن هذا اللسان هُيئ لئن يكون وعاء لكلام الله سبحانه وتعالى، وتهيأت الأمم بفطرها لئن تتعلم هذا اللسان، ولذلك كان العجم أكثر حرصاً على هذا اللسان من العرب بحيث إنهم درسوا فنون هذا اللسان، ونظروا إلى أبعاده وتعمقوا في أسراره، واستطاعوا أن يستخرجوا ما لم يستخرجه العرب، كل ذلك بسبب المحافظة على القرآن الكريم. (3/172)
صفحة 1159
فنحن نرجو بمشيئة الله أن يحرص المسلمون على إتقان اللسان العربي، وما أكثر الأخطاء التي يقع فيها الناس في هذا اللسان العربي، ولذلك حتى هداية القرآن أصبحت عليها ضباب بسبب هذه الأخطاء الفاحشة المنتشرة على ألسن الناس اليوم.
السؤال (6)
ذكرتم سماحة الشيخ أن حفظ القرآن الكريم لا بد أن يقترن بالفهم وأن يكون فهماً عميقاً يصحبه التطبيق، هل تؤيدون إذاً في هذه الحالة أن يعتني المدرس بتحفيظ قدر معين من القرآن الكريم ثم يعمل جاهداً على ترجمته واقعياً في حياة هذا الطالب وتطبيقه ثم ينتقل بعد ذلك إلى الآخر؟
الجواب:
هذا المسلك كما قلنا كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ومسلك أولئك هو خير المسالك لا ريب، أولئك كرعوا من بحار النبوة، واقتبسوا من أنوارها، فهم أولى الناس بالاتباع، ولكن يتفاوت الناس، منهم من يكون الحفظ أسهل عنده، ومنهم من يكون الفهم أسهل عنده، فلا بد من مراعاة هذا التفاوت ما بين الناس، فمن كان أقدر على الحفظ والفهم يحتاج معه إلى وقت طويل يراعى هذا الجانب فيه، وكذلك إذا كان بعض الناس بإمكانهم أن تتفتح مداركهم لمعاني الكريم أكثر فأكثر فهؤلاء أيضاً يراعى جانبهم، وهذا لا يعني إهمال المنهج الذي يمكن أن تراعى هذه الجوانب كلها فيه.
السؤال (7)
هنالك لوم يقع على بعض المدرسين في المدارس الصيفية من أنهم لا يمتلكون القدر الكافي من الالتزام والجدية ربما لقصور فيهم؟
فما هي نصيحتكم لمن يقوم ويمارس عملية التدريس؟
الجواب: (3/173)
صفحة 1160
نصيحتي لجميع المدرسين ولجميع المدرسات بأن يتقوا الله تبارك وتعالى، وأن يكونوا قدوة لتلامذتهم في الالتزام بالقول الصادق والعمل الصالح ومراقبة اللسان والحذر من سقطاته، والحرص على محاسبة النفس على كل كلمة تصدر منهم، فإن الإنسان مأخوذ بما يقول، وبجانب هذا أيضاً التطبيق والعمل، ومع هذا يجب أن يحرصوا على أن يعلموا هؤلاء الطلبة الأخلاق، ويعودوهم حسن المعاملة وصدق الحديث والأمانة وغير ذلك مما يتميز به المسلم حتى تظهر إيجابية الإسلام وتظهر محاسن هذا الدين لجميع الناس بمشيئة الله.
السؤال (8)
بعض الأسر تأخذ أبنائها إلى الأماكن العامة والمنتزهات المختلطة فنطلب منكم نصيحة لهذه الأسر بحيث تجعل لنفسها خطة معينة في هذه الفترة الصيفية وفي هذه الإجازات لأن بعض الآباء يدفعون بأبنائهم ليتسمروا أمام القنوات الفضائية ويشاهدوا ما هب ودب؟
الجواب:
هذا السؤال له شقان الشق الأول أخذ الأولاد إلى الحدائق العامة، على أي حال لا يحرم الأولاد من أن يمتعوا أبصارهم بمحاسن الطبيعة وجمال ما ابتكره الإنسان أيضاً من تجميل لهذه الطبيعة، ولكن لا على أن يكون ذلك هو الغاية، وأن يبذلوا جميع أوقاتهم لأجل هذه الغاية، لا، وإنما لذلك وقت، وتنظيم الوقت هو الذي يمكن للإنسان من خلاله أن لا يفرط في جزء من الوقت، أما أن يمتع نفسه بالنظر إلى الطبيعة من غير أن تكون ريبة، أما الأماكن المشبوهة فيجب تجنبها، كل مكان فيه شبهة يجب على الإنسان أن يحرص على تجنبه وتجنيب أولاده إياه، وإنما يحرص على أخذهم إلى الأماكن السليمة التي لا خطورة منها قط. (3/174)
صفحة 1161
وأما بالنسبة إلى قضاء الأوقات أمام التلفزة، إنما ينبغي أن تنتقى البرامج التي يراها هؤلاء الأولاد، وعلى أن يكون ذلك في أوقات مخصوصة لا في جميع الأوقات. أن تكون هذه البرامج التي يتابعونها برامج بناءة وليست برامج هدامة، وأن يكون ذلك ليس هو على حساب تعلمهم واستفادتهم، وإنما يكون ذلك جزءاً من هذا التعلم الذي يحرصون عليه بحيث يكون ذلك داخلاً في برنامج التعلم والتثقف ليجمعوا ما بين أطراف العلم المختلفة.
السؤال (9)
رجل أجرى عملية في عينه في شهر رمضان وأمره الطبيب المسلم أن يستخدم القطرة باستمرار نظراً لوجود الجفاف في العين وكان طوال النهار يستخدم هذه القطرة، فما الحكم؟
الجواب:
قطرة العين فيها خلاف، هذا مع عدم الاختلاف في أن العين مفضية إلى الحلق، فإذا كان وصل إلى الحلق ووصل إلى الجوف شيء فذلك بطبيعة الحال مفطر، فلئن كانت هذه القطرات متوالية فذلك لا ريب أنه موصل إلى الجوف، في هذه الحالة يكون عليه أن يعيد الصيام. أما إذا كانت قطرة تتلاشى ولا يبقى لها أثر بحيث لا يصل إلى الجوف منها شيء ففي هذه الحالة يتسامح في مثلها.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
24 من ربيع الثاني 1425هـ، 13/ 6/2004م
الموضوع: عام
السؤال (1)
ما رأي الشرع في من تسبب في حرمان إنسان من كسب الرزق؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: (3/175)
صفحة 1162
فإن الله تبارك وتعالى يحب الخير من عباده ويكره الشر منهم. وإن من الشر أن يسعى أحد إلى حرمان أحد من رزق يساق إليه، فإن الله سبحانه وتعالى قسّم الأرزاق بين خلقه وأنعم عليهم بشتى نعمه، ويجب على أي أحد أن يسعى إلى توفير هذه الأرزاق بقدر استطاعته لا إلى قطعها وحرمان أحد منها، فإن ذلك من الحسد. والحسد لا ريب أنه لا يضر إلا صاحبه (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) (النساء: من الآية54).
والله سبحانه أنزل سورة في كتابه فيها تعليم لنا كيف نستعيذ من شر حاسد إذا حسد. والأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم شددت في الحسد، وبينت أنه من أكبر الكبائر، وحذرت هذه الأمة من الوقوع في الحسد.
فهذا الذي يسعى إلى حرمان أحد من رزق الله تبارك وتعالى إنما هو حاسد، وحسده لا يضر به إلا نفسه، فمن كُتب له رزقه فسيأتيه، وإنما الله تبارك وتعالى يبتلي من يشاء بما يشاء وبمن يشاء، فلذلك قد يكون أحد سبباً لابتلاء أحد، فمن هنا كان على هذا أن يتدارك أمره بالتوبة إلى الله تبارك وتعالى وبطلب المحاللة من صاحبه الذي سعى إلى حرمانه من رزقه، وفي نفس الوقت عليه أن يجبر كسره، وأن يحرص على أن يريشه بعد بريه بحيث يحرص على أن يوفر له ما تسبب في حرمانه منه ولو كان ذلك بضمان يتحمله من ماله، والله تعالى أعلم.
السؤال (2)
امرأة عليها قضاء صلوات تتراوح من خمس إلى ست سنوات، فهل يجب عليها قضاء السنن المؤكدة؟
الجواب:
السنة تظل سنة سواءً في القضاء أو في الأداء. ولا ريب أن الإنسان كلما حرص على الخير كان ذلك أنفع له. (3/176)
صفحة 1163
ونحن نرى أن الرسول صلى الله عليه وسلّم حرص على قضاء السنن، ومن ذلك ما جاء في صحيح البخاري من قضائه صلى الله عليه وسلّم سنة الظهر بعد صلاة العصر وذلك عندما شغله عنها وفد عبد القيس، فقد جاء في رواية أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها أبصرت النبي صلى الله عليه وسلّم يركع ركعتين بعد صلاة العصر فأرسلت إليه جويرية لتسأله فقال: هما الركعتان اللتان بعد الظهر شغلني عنهما وفد عبد القيس. فهذا مما يدل على أن الحرص على قضاء السنن أيضاً هو مما يثاب عليه وإن لم يكن ذلك واجباً.
وتظل السنة سنة كما ذكرت، فما كان مؤكداً في الأداء فهو مؤكد في القضاء، وما كان غير مؤكد في الأداء وتلكم هي الرغائب تظل كذلك رغائب في القضاء، ومثل ذلك بقية الصلوات فالفرائض تكون فرائض وهكذا.
السؤال (3)
النقصان في الصلاة يوجب سجود السهو قبل السلام فمن سجد بعد السلام هل يجزيه ذلك أم لا؟
الجواب:
سجود السهو مختلف فيه اختلافاً كثيراً على أكثر من ثمانية أقوال، ومن سجد قبل السلام أو بعد السلام أجزاه، وإنما الأفضل أن يسجد الإنسان قبل السلام في ما سجد فيه الرسول صلى الله عليه وسلّم قبل السلام، وأن يسجد بعد السلام في ما سجد فيه الرسول صلى الله عليه وسلّم بعد السلام.
السؤال (4)
ما صحة صلاة من يستبق الإمام في الركوع والسجود؟
الجواب:
صلاة الذي يسابق الإمام في ركوعه وسجوده صلاة باطلة. فإن النبي صلى الله عليه وسلّم شدد في ذلك حتى قال في من يسابق الإمام (ألا يخشى أن يحوّل الله رأسه رأس حمار) ومعنى ذلك أنه ممسوخ، فهو ممسوخ البصيرة وإن لم يكن ممسوخ الصورة. (3/177)
صفحة 1164
فالله سبحانه وتعالى جعل الإمام ليؤتم به (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، فالإمام يُتّبع ولا يُتقدم، لو كان يُتقدم لما كان إماما. إنما الإمامة تعني أنه سابق على غيره وغير مسبوق من غيره، فهو يسبق الجماعة في ركوعها وسجودها ورفعها وفي جميع أعمال الصلاة إذ لو لم يكن كذلك لما كان هنالك انتظام.
والله سبحانه وتعالى أراد أن يكون هنالك انتظام في حركات الناس في هذه الصلاة ليتعلموا النظام من عبادتهم لربهم تبارك وتعالى. فمن سابق الإمام فلا صلاة له.
السؤال (5)
ما حكم صلاة من أدرك صلاة الجماعة فصلى منفرداً أثناء تأدية هذه الصلاة؟
الجواب:
ثبت عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: إذا أقيمت المكتوبة في جماعة فلا صلاة إلا المكتوبة. أي المكتوبة التي أقيمت. ولا يجوز أن تصلى صلاة أخرى.
فمن القواعد المعروفة عند علماء العربية وعند علماء الأصوليين أن الكلمة إن أعيدت معرفة فالثانية نفس الأولى. فعندما قال (إذا أقيمت المكتوبة في جماعة فلا صلاة إلا المكتوبة)، يعني تلك المكتوبة التي أقيمت، فلا يجوز للإنسان أن يصلي غيرها. ولو صلى غيرها فصلاته باطلة، ولو صلى بنفسه منفرداً فصلاته باطلة. (3/178)
صفحة 1165
هذا مع أنه يُعجب كيف يتهاون الناس بأمر الجماعة حتى يقيم الإنسان الصلاة بنفسه مع أن الجماعة قائمة، وصلاة الجماعة يجب أن يُسعى لها، يجب أن يسعى لها الساعون ولو من مكان بعيد ما داموا يسمعون النداء، فإن الله تبارك وتعالى أشار إلى ذلك في كتابه العزيز عندما قال عز من قائل (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) (البقرة: من الآية43)، وهذا يعني وجوب أن تقام الجماعة مع المصلين وكذلك في قوله سبحانه (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ) (القلم:42 - 43)، فإن جماعة من التابعين قالوا بأن هذه الآية لم تنزل إلا في المتخلفين عن صلاة الجماعة من هذه الأمة بحيث إن أحدهم يسمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لا يجيب.
وكذلك نجد أن الله تعالى شرع الجماعة حتى في أحرج المواقف وأدقها، في حال مواقفة العدو، فالله سبحانه وتعالى يقول (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَاتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَاخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) (النساء: من الآية102)، في ذلك الموقف الحرج شُرعت هذه الصلاة في الجماعة، وما ذلك إلا لأن الجماعة واجبة على الأعيان. (3/179)
صفحة 1166
على أن الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم صرحت بذلك فحديث ابن أم مكتوم الذي شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم شسوع الدار وما في المدينة من كثرة الهوام وكثرة السباع مع كونه ضرير البصر، مع ذلك كله النبي صلى الله عليه وسلّم أمره أن يستجيب لهذا الداعي ما دام يسمع النداء. عندما أراد أن يُرخّص له أولاً سأله فقال له: هل تسمع النداء؟ قال: نعم. قال: أجب إذاً فإني لا أجد لك رخصة. فإذا كان هذا مع وضعه هذا لا يجد له النبي صلى الله عليه وسلّم رخصة فكيف بغيره.
هذا مع أن هناك روايات أخرى تؤكد هذا، والروايات في ذلك كثيرة كحديث أبي مالك الذي قال له صلى الله عليه وسلّم ولأخيه: إذا كنتما في سفر فأذنا وأقيما وليؤمكما أفضلكما. دليل على هذا أيضاً، فإن الأمر للوجوب ما لم تصرفه قرينة عن الوجوب. فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلّم مسافرَين أن يقيما الصلاة في السفر في جماعة (فأذنا وأقيما وليؤمكما أفضلكما).
وكذلك نجد أن النبي صلى الله عليه وسلّم همّ أن يُحرّق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة وما كان ليهم بتحريق بيوتهم لو لم يكونوا تركوا واجباً عينياً عليهم. وهكذا الأدلة تدل على وجوب المحافظة على الجماعة إلا من عذر. (3/180)
صفحة 1167
والحديث الآخر (من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر. قيل له: وما العذر يا رسول الله؟ قال: خوف أو مرض). فمن لم يُجب النداء إلى الصلاة وقد سمع النداء فإنه لا صلاة له، أي صلاته غير متقبلة إلا من عذر. والسلف الصالح كانوا يبالغون في الحرص على شهود الجماعة كما جاء في رواية ابن مسعود عند الجماعة إلا البخاري والترمذي (من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن – يعني في المساجد – فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى. ولو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد رأيت الرجل يَهادى بين الرجلين من المرض حتى يقيماه في الصف. والله تعالى أعلم.
السؤال (6)
امرأة قد بلغت من الكبر عتيا وقد فقدت شيئاً من عقلها، فهل يجوز أن يحج عنها شخص آخر أم لا؟
الجواب:
نعم، ذلك جائز بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقد جاءت إليه صلوات الله وسلامه عليه امرأة خثعمية وقالت له يا رسول الله: إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع الثبوت على الراحلة أفأحج عنه؟ فقال لها صلوات الله وسلامه عليه: أرأيت أن لو كان على أبيك دين فقضيته أكان مجزياً؟ فقالت: نعم: فقال: فذاك ذاك.
فمعنى هذا أن دين الحق سبحانه وتعالى يشرع قضاؤه من قبل الغير إن قام به كدين الخلق.
فما دام هذا ديناً لله تعالى على عباده فلا مانع من أن يقوم أحد أولاد المدين بأن يسدده فيما بينه وبين الله، ويؤكد ذلك ما جاء في الروايات الأخرى من قوله صلى الله عليه وسلّم (فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء) في من نذرت أن تحج ولم تحج، وفي من نذرت أن تصوم فلم تصم عندما جاء أولاد هؤلاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه أمرهم بالقضاء وقال: (فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء).
السؤال (7) (3/181)
صفحة 1168
أثناء الدراسة كانوا يتعاملون مع بقالة وبقي لصاحب البقالة مبلغ من المال وعندما أراد أن يوفوه ذلك المبلغ تبين أنه قد ذهب فكيف يستطيعون الآن أن يردوا هذا المبلغ؟
الجواب:
الدين يبقى في ذمة المدين، ولا يسقط بسبب عدم وجود صاحبه، فإنه لو مات صاحبه ينتقل إلى ورثته من بعده، ولو تعذر عليه أن يعرفه أو أن يعرف ورثته وما أمكنه الوصول إلى صاحب الحق بأي وجه من الوجوه في هذه الحالة يكون حقاً عاماً لفقراء المسلمين. ففقراء المسلمين أولى به، فعليه أن يدفعه إليهم وفي ذلك خلاصه إن شاء الله تعالى.
السؤال (8)
نحن شباب ذهبنا إلى الدراسة في الهند فهل يجوز لنا جمع الصلوات المفروضة؟
الجواب:
ما الذي يعني بجمع الصلوات المفروضة؟ إن كان يعني بذلك أن تجمع الصلوات الخمس جميعاً في وقت واحد فلا.
وإن كان ذلك يعني أن يجمع ما بين الظهرين وما بين العشائين بحيث يصلي الظهر والعصر معاً ويصلي المغرب والعشاء معاً أما الفجر فيصليها في وقتها فلا حرج في ذلك، فإن الجمع ما بين صلاتي الظهر والعصر في وقت إحدى الصلاتين سائغ لمن كان على سفر، وكذلك هو سائغ أيضاً به لمن كان به حرج مهما كان ففي مسند الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله تعالى عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم الظهر والعصر معاً والمغرب والعشاء الآخرة معاً من غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر.
وقد أخرج الحديث الشيخان وغيرهما وفي روايتهم زيادة فيها أنه صلى الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف ولا سفر، فسئل ابن عباس ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. وفي هذا ما يدل على أن مشروعية ذلك إنما هي لنفي الحرج. (3/182)
صفحة 1169
فإذا كان هنالك حرج فالحرج مرفوع. إذا كانت مشقة على الإنسان بسبب مرض أو بسبب ضيق وقت كأن يكون في دراسة مستمرة، هذه الدراسة لا يمكن أن يجد فرصة فيها للصلاة إلا أن يجمع ما بين الظهر والعصر وما بين المغرب والعشاء فلا حرج في ذلك. على أن طائفة من العلماء قالوا بأنه ينبغي أن يكون ذلك ما بين الوقتين، أو يتعين أن يكون ذلك ما بين الوقتين، استناداً إلى ما جاء في الصحيحين من رواية عمرو بن دينار أنه قال للإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد وهو راوي هذا الحديث عن ابن عباس: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجّل العصر. قال: وأظنه. قال ابن سيد الناس: وجابر بن زيد أعلم بمعنى الحديث لأنه راويه فينبغي أن يؤخذ بما قال.
ولكن هذا ليس متعيناً في كلام أبي الشعثاء وإنما هو مجرد ظن، ولما كان مجرد ظن فإنه لا يُقطع بذلك، ونأخذ بالرخصة وفي ذلك تيسير للناس إن شاء الله.
وفي هذا الحديث حجة لمن قال باشتراك الأوقات.
فينبغي للإنسان أن يحرص على أن يؤدي كل صلاة في وقتها، مهما كان في سفر أو في حضر، ولكن إن كان هنالك ضيق وكانت هنالك شدة فإن الشدة تجلب الرخصة، إذ العسر مجلبة للتيسير، والشيء كما قالوا إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق.
ففي هذه الحالة لا حرج أن يجمعوا ما بين الصلاتين.
أما أن يجمعوا الصلوات الخمس كلها، أو أن يؤخروا العصر إلى ما بعد المغرب مثلاً إلى وقت صلاة المغرب فذلك غير سائغ إذ لم تأت به رواية عن النبي صلى الله عليه وسلّم.
السؤال (9)
المكان الذي نصلي فيه تقوم بتنظيفه نساء، فهل تجوز الصلاة فيه؟
الجواب:
أنا أعجب من هذا السؤال، وكيف يصدر من طالب يدرس في مرحلة جامعية!! هل المرأة رجس؟
عجب كيف يقال بأن الصلاة لا تجوز في مكان تنظفه النساء. ما هو السبب في ذلك؟ (3/183)
صفحة 1170
هذه نظرة غير نظرة إسلامية، هذه نظرة جاهلية، فالمرأة ليست نجسة، إنما المرأة طاهرة كالرجل حتى ولو كانت في فترة حيض مثلاً، حيضتها لا تعني نجاسة جسمها كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه كان يدخل مع الحائض في لحاف واحد، وثبت عنه عليه أفضل الصلاة والسلام أنه كان يتعرق اللحم الذي تتعرقه الحائض فيضع فاه حيثما وضعت فاها كما جاء ذلك في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.
وعندما طلب منها أن تناوله الخمرة أي الفراش الذي يصلي فيه وقالت له إني حائض قال لها: ليست حيضتك في يدك. فهذا يدل على أن بدن الحائض طاهر فلا يقال بأن المرأة هي نجسة، هذا كلام لا يسوغ.
ولو قدرنا أن بدنها نفسه نجس – لو قدرنا ذلك بطريق الفرض لا بطريق التسليم – فإن ذلك لا يعني أن كل ما لاقى هذا البدن يتنجس، إذ البدن النجس لا يؤثر على الطاهر الذي يلقاه إن كانا جميعاً يابسين.
فكيف يقال بأن المكان الذي تنظفه المرأة لا تجوز الصلاة فيه.
أنا أعجب من هذا السؤال وأن يصدر من طالب ولعله في المرحلة الجامعية أو ما بعد هذه المرحلة الجامعية.
السؤال (10)
ما حكم مصافحة أزواج الأخوات؟
الجواب:
أزواج الأخوات هم أجانب، إذ يحل لهم أن يتزوجوها عندما تنفصل عنهم أخواتهم. فإن قيل بأن في حال وجود أختها مع أحد هؤلاء فلا يحل له الزواج بها، الجواب هذه الحرمة موقوتة، والحرمة الموقوتة أيضاً تشمل حتى النساء المتزوجات، فكل امرأة متزوجة لا يباح للإنسان أن يتزوج بها، أي لا يباح لأحد آخر أن يتزوج بها.
لو كانت الحرمة الموقوتة مفضية إلى أن تكون النساء محارم لأولئك الذين يحرمن عليهم الحرمة الموقوتة لكانت كل امرأة متزوجة محرماً لجميع الرجال الآخرين، وليس كذلك. فهكذا إذاً يجب مراعاة هذا الجانب، فالحرمة التي تبيح المصافحة وتبيح الخلوة هي الحرمة غير الموقوتة بسبب نسب أو رضاع أو صهر، والله تعالى أعلم.
السؤال (11)
ما هو آخر وقت صلاة الفجر لمن كان نائماً؟ (3/184)
صفحة 1171
الجواب:
أما النائم فإن وقت الصلاة عنده عندما يستيقظ، ذلك من يسر الله تعالى، فالله سبحانه وتعالى يسر لعباده ولم يعسر عليهم، وحديث النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا تذكرها.
وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلّم فهو بنفسه لأجل التشريع لأمته حكمة الله اقتضت ذلك، نام هو ولفيف من أصحابه عن صلاة الفجر في سفر وعندما استيقظوا أمر بلالاً أن يؤذن فأذن وقد كانت الشمس طلعت ثم أمره أن يقيم فأقام وصلوا الفجر في ذلك الوقت.
السؤال (12)
امرأة بيتها قريب من الشارع فهل تأثم إذا رفعت صوتها وكان هناك بعض المارة؟
الجواب:
المرأة على أي حال مأمورة بأن تغض من بصرها ومن صوتها، فتؤمر بأن لا ترفع الصوت بقدر استطاعتها وإنما ترفعه بقدر الحاجة.
السؤال (13)
امرأة أمها أرضعت ابنة عمها فهل بنو عمها يكونون إخوة لها؟
الجواب:
لا، إذ الحرمة لا تسري إلى غير الطفل الراضع، أما الطفل الراضع سواءً كان ذكراً أو أنثى فهو حرام على مرضعته لأنها أمه، وعلى أخواتها لأنهن خالاته، وعلى بناتها لأنهن أخواته، وعلى بنات أبنائها لأنها بنات إخوته، وعلى بنات بناتها لأنهن بنات أخواته، وعلى أمها لأنها جدته، وعلى عماتها لأنهن عمات أمه، وعلى خالاتها لأنهن خالات أمه وهكذا.
كل ما يحرم عليه من قبل أمه التي ولدته يحرم عليه من قبل أمه التي أرضعته. وكذلك زوجها هو أبوه فيحرم عليه من قبله ما يحرم عليه من قبل أبيه الذي ولده كأمه وأخواته وبناته ولو من غير تلك المرضعة وهكذا.
أما أخوة الراضع فلا يسري عليهم هذا الحكم، وإن كانت الراضعة طفلة فكذلك، فهي حرام على أبناء مرضعتها وعلى إخوة مرضعتها وعلى أب مرضعتها وعلى أبناء أبناء مرضعتها وعلى أبناء بنات مرضعتها، على الجميع. يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
ولكن لا يسري هذا الحكم إلى إخوتها وأخواتها، فهم بمنأى عن هذا الحكم، فهؤلاء ليسوا إخوة لها من الرضاع، والله أعلم. (3/185)
صفحة 1172
السؤال (14)
إذا أرضعت الأم ولداً ليس ابنها على ابنتها وكان لهذا الابن أخ وتزوج هذا الأخ من ابنة الأم ولكنها ليست التي رضعت على أخيه فهل في هذه الحالة يجوز زواجهما؟
الجواب:
العلاقة لا تكون علاقة بين الراضع وبين التي أرضع معها، وإنما علاقة الراضع بكل بنات مرضعته وبكل أبناء مرضعته.
كل من رضع فتلك أمه وجميع أبنائها هم إخوته، وجميع بناتها هن أخواته ولو قدرنا بينه وبينهم مائة عام، هذه الأخوة كأخوة النسب، أخوة النسب ولو كان ما بين الأخوين مائة عام هما أخوان، لو أن أحداً كان له أخ يكبره مائة عام أو كانت له أخت تكبره مائة عام فتلك الأخت هي أخته وتحرم عليه، لا عبرة بكونها أكبر منه أو كونها أصغر منه، فكذلك الرضاع لا يلزم أن يكون رضاعهما في وقت واحد وإنما الحرمة تشمل الجميع، ولكن كما قلنا لا تتعدى إلى إخوة الراضع الأجنبي وأخواته.
فإن كان له إخوة فلهؤلاء الإخوة أن يتزوجوا من بنات مرضعته، بل لهم أن يتزوجوا حتى من المرضعة نفسها لأنها ليست أمهم، لا علاقة لهم بها.
وكذلك لو قدرنا أن له أخوات فلأبناء مرضعته أن يتزوجوا من تلك الأخوات.
السؤال (15)
ما حكم تناول الدواء الذي يحتوي على شيء من الكحول؟
الجواب: (3/186)
صفحة 1173
الكحول مادة محرمة لا يجوز تناولها بأي حال من الأحوال، ولكن إن كانت في الدواء وكان وجودها في الدواء أمراً ضرورياً، وكان التداوي بذلك أمراً ضرورياً، ولم يكن ذلك مؤثراً إسكاراً بحيث كانت هذه المادة ضعيفة قليلة تلاشت في بقية مواد الدواء حتى لم يعد لها أي أثر، فعندما تكون هنالك ضرورة داعية إلى استعمال ذلك فذلك مما يباح من أجل الضرورة، لأن الله تعالى يقول (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْه) (الأنعام: من الآية119). والاضطرار هنا غير مقيد، هو عام، ولا يقيد بالاضطرار في المخمصة لقول الله تعالى (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ) (المائدة: من الآية3) ذلك لأن ذكر المخمصة هنا وارد مورد الأغلب المعتاد، وما كان وارداً مورد الأغلب المعتاد فلا يعتد به بمفهومه المخالف عند الأصوليين، والله تعالى أعلم.
السؤال (16)
هل تجوز الصلاة على المنتحر؟
الجواب:
من قتل نفسه ففيه خلاف هل يصلى عليه أو لا يصلى عليه، فهناك جمهرة من العلماء قال لا يصلى عليه لأنه ارتكب أمراً خطيراً حيث أقدم على نقض بنيته التي بناها الله تبارك وتعالى، وتعجل أمراً كانت له فيه فسحة.
وقتل الإنسان نفسه من أكبر الكبائر (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً) (النساء:29 - 30)، وقد جاء في حديث الشيخين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا، ومن رمى نفسه من شاهق فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا، ومن تناول سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا.
كل ذلك مما يدل على أن قتل الإنسان نفسه أمر عظيم، أمر خطير فلذلك قالت طائفة لا يصلى عليه. (3/187)
صفحة 1174
وهناك طائفة قالت بأنه يصلى على عموم أهل القبلة ما دام لم يخرج من ملة الإسلام، لم يقدم على قتل نفسه استحلالاً لقتله نفسه فإنه يصلى عليه كما يصلى على غيره من أهل الكبائر من غير أن يدخل في ولاية المسلمين، ولكن هذه الصلاة حق عام لأهل التوحيد وهؤلاء استدل بالحديث الذي أخرجه الإمام الربيع رحمه الله في مسنده من طريق أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر، وصلوا على كل بر وفاجر.
والحديث الآخر أيضاً هو في مسند الإمام الربيع بن حبيب: الصلاة على موتى أهل القبلة المقرين بالله ورسوله واجبة فمن تركها فقد كفر. أي كفر كفر نعمة. فهذا الحديث يدل على أن الصلاة حق لكل أهل القبلة مهما كانت كبائرهم لأن الصلاة فيها تمييز ما بين أهل القبلة وغيرهم.
فإذاً بناء على هذه الروايات نحن نقول بأنه يصلى عليه، ولكن لا ينبغي أن يصلي عليه المنظور إليه، وإنما يصلي عليه أحد من عامة الناس، والله تعالى أعلم.
السؤال (17)
رجل زنى بامرأة حامل ثم أخبر زوجته بالحادثة، فما الحكم؟
الجواب:
قد كان عليه أن يستتر بستر الله، فإن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: من أصاب شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله فإن من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله. والذي نعول عليه أن اعترافه الصريح بالزنا عند امرأته يجعل المرأة حراماً عليه إن لم يكذّب نفسه ذلك لأن الله تعالى يقول (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (النور:3)، فقد حرم الله تعالى على المؤمنين أن ينكحوا الزانيات وأن تنكح المؤمنات الزناة ذلك لأن علاقة الزواج إنما هي علاقة طهر، أما لو كان ذلك في سريرة أحدهما فإن كل واحد منهما يطلب منه أن يستتر بستر الله، أما وقد أبدى صفحته فالحرمة واقعة. (3/188)
صفحة 1175
والدليل على ذلك أيضاً من سورة المائدة قول الله تبارك وتعالى (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (المائدة: من الآية5)، فقد أباح الله تعالى المحصنات والمقصود بالمحصنات العفائف، فالمرأة غير العفيفة لا يقال لها محصنة بحسب دلالة هذه الآية الكريمة وإن كان ذلك إحصاناً لها من حيث إنها تنقلب من حكم الجلد إلى حكم الرجم لو زنت، وكذلك بالنسبة إلى الرجل.
فإذاً يؤمر الإنسان أن يتحرى في زواجه بحيث لا يتزوج إلا من كان من أهل العفة، وبما أن هذا الرجل أبدى صفحته واعترف بذلك فقد حرمت عليه امرأته.
السؤال (18)
رجل أقرض مالاً لرجل ثم توفي فطالب به الورثة فماطلوه فترة طويلة وإلى الآن لم يؤدوا المبلغ؟
الجواب:
هم مطالبون بأدائه. إن كانت له بينة فليقدم دعوى عليهم، وإن لم يكن له بينة فإن له عليهم يمين علم إن كانوا ينكرون ذلك بحيث يحلفون بأنهم لم يعرفوا عن هذا الحق الواجب على موروثهم.
السؤال (19)
رجل له أخ وتوفي وقد كان يعمل في مؤسسة تجارية وكان مستحقاً لمبالغ من التأمينات الاجتماعية فهل يجوز أن يأخذ هذه المبالغ؟
الجواب:
حقيقة الأمر أنا لا أدري كيفية هذا التأمين، هناك تأمين تجاري وهناك تأمين اجتماعي، فالتأمين التجاري شُدد فيه لما يترتب عليه من أمور محظورة شرعا. والتأمين الإجتماعي إن كانت المؤسسة بمثابة صندوق تعاون ما بين الناس مع أن التنمية لا تكون إلا بطريقة مشروعة وبطريقة لا تحوم حولها الشبه والريب فهذا مما سوغ عند العلماء، فلا بد من التفطن لذلك، ورد كل شيء إلى أصله.
السؤال (20)
رجل توفي وعنده منزل بحاجة إلى ترميم فمبالغ الترميم هذه هل تستقطع من الميراث رأساً أو من نصيب الأبناء سكان المنزل؟
الجواب: (3/189)
صفحة 1176
المنزل لمن هو؟ أليس للورثة جميعاً؟ أما إذا كان للأبناء هو خاص بهم وحدهم، هذا بعد قسمة المواريث، إذ تركة الميت كلها يشترك فيها مما قل منه أو كثر (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) (النساء:7)، فلكل واحد من الذكور والإناث نصيبه. فإن كان هؤلاء اقتسموا التركة وآل هذا البيت إلى بعضهم فإذاً الترميم إنما هو من نصيب هؤلاء الذين آل إليهم البيت. وإن لم يكن ذلك كذلك فالترميم يكون من أصل التركة نفسها لأن اقتسام التركة إنما هو فيما بعد.
السؤال (21)
ما حكم زيارة القبور والدعاء للموتى؟
الجواب:
زيارة القبور شرعت أو أبيحت لأجل تذكر الآخرة وقد كان النبي صلى الله عليه وسلّم نهى أولاً عن زيارتها عندما كان الناس جديدي عهد بالجاهلية حتى لا يحملوا معهم أوزاراً من عادات أهل الجاهلية وهم يزورون هذه القبور، فحذر النبي صلى الله عليه وسلّم أولاً من زيارتها، ثم قال: ألا فزوروها ولا تقولوا هجرا.
ولا حرج في أن يدعو الإنسان لمن زاره من أهل الصلاح والخير كما فعل النبي صلى الله عليه وسلّم.
أما أن يتخذ ذلك موسماً أو أن يجعل القبر مكان عبادة بحيث يصلي هنالك أو يقرأ القرآن هنالك فذلك غير سائغ، فإن الصلاة نهى النبي صلى الله عليه وسلّم عنها عند المقابر.
وكذلك شدد النبي صلى الله عليه وسلّم في أمر القرآن حيث أمر أن يقرأ القرآن في البيوت وأن لا تتخذ قبورا إشارة إلى أن القبور ليست مكاناً لتلاوة القرآن الكريم، كما أنه شدد في اتخاذ القبور مساجد، وقد أجاد الإمام السالمي رحمه الله عندما قال:
أتُعمًرن قبورنا الدوارس ... ويترددن إليها الدارس
وهذه المساجد المعدة ... نتركها وهي لذاك عدة
والمصطفى قد زارها وما قرا ... إلا سلاما ودعا وأدبرا
حسبك أن تتبع المختارا ... وإن يقولوا خالف الآثارا (3/190)
صفحة 1177
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
9 من جمادى الأولى 1425هـ، 27/ 6/2004م
الموضوع: عام
السؤال (1)
عندما أستمع إلى تلاوة القرآن الكريم أجد في نفسي السكينة والطمأنينة والخشوع ولكني عندما أقرأ القرآن بنفسي لا أشعر بنفس الشعور والإحساس وأتثاؤب كثيراً وتثقل أجفاني بالنوم، فما أفعل حتى تسكن نفسي وتخشع لتلاوة القرآن الكريم؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيقول الله تبارك وتعالى (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الحشر:21)، في هذا القول الشريف من الله سبحانه وتعالى ما يدل على عظم شأن القرآن وأثره وتأثيره في هذه الحياة، فإن الله تبارك وتعالى لو أنزله على جبل لتصدع الجبل من عظم ما جاء به، فكيف بهذا الإنسان لولا قساوة قلبه البالغة، فإن الإنسان هو أشد قسوة من الحجارة (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) (البقرة: من الآية74)، الإنسان يُطلب منه عندما يتلو كتاب الله سبحانه وتعالى أن يقبل عليه بشعور خاص، أن يقبل عليه بشعور أنه يتلقى عن الله، لأن ذلك هو كلام الله سبحانه، فيستحضر في نفسه أن الله تبارك وتعالى يخاطبه بهذا القرآن، ولذلك عليه أن يقابل هذا الخطاب بخضوع وتذلل بين يدي الله سبحانه. (3/191)
صفحة 1178
ثم إن الإنسان مطالب بأن يتدبر القرآن ولذلك قال الله سبحانه في الآية التي ذكرناها من قبل (وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، أي ليتفكروا، فإن ضرب هذه الأمثال من أجل التفكر والاتعاظ وإقبال الإنسان بكليته على كتاب الله. ويقول سبحانه وتعالى (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد:24).
على أن الإنسان يؤمر عندما يقبل على كتاب الله تبارك وتعالى يتلوه أن يستحضر بأنه يعالج به نفسه فإن الله تعالى يقول (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَاراً) (الاسراء:82)، فهو شفاء وهو رحمة للمؤمنين.
نعم هو شفاء لأن الله تعالى شفى به الصدور، ذلك لأن كل ما يتعلق بحياة هذا الإنسان حله في كتاب الله.
فالله تبارك وتعالى جعل هذا الكون وهذا الوجود وهذه الحياة سراً عجيباً ولغزاً مُعمّى. فالإنسان إن لم يستهد بهدي كتاب الله تعالى فإن الحياة أمامه تكون لغزاً لا يفهم أولها وآخرها، ولا مبدأها ولا مصيرها، ولا ماذا يترتب على وجوده فيها.
وقد جعل الله تعالى في كتابه الكريم حل هذا اللغز ذلك لأن الله سبحانه وتعالى جعل في هذا الكتاب تعريفاً بهذا الإنسان من أين جاء وإلى أين ينتهي وماذا عليه أن يعمل فيما بين مبتدأه ومنتهاه، فهو حل لغز العقيدة إذ عرّفه أولاً بربه، عرّف القرآن الإنسان بربه سبحانه وتعالى وأنه هو الخالق وأنه هو الرازق، وبيّن له من خلال مشاهد هذا الكون سر ربوبية الله وألوهيته، فهو يطوف بهذا الإنسان بين أرجاء الكون على أن الكون كله مسرح لاعتبار هذا الإنسان. (3/192)
صفحة 1179
فعندما يتلو الإنسان مثلاً قول الله تبارك وتعالى (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (البقرة:163)، ثم يتلو بعد ذلك قوله عز وجل (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة: 164)، عليه أن يعتبر وأن يدرك ماذا يراد منه، فإنه عُرفّ بأن الإله المعبود إنما هو إله واحد، ثم أتبع ذلك ما أتبع من بيان حقائق هذا الوجود، وأن في خلقه السموات والأرض واختلاف الليل والنهار إلى آخر ذلك آيات لقوم يعقلون، هذه الآيات إنما هي لمن تدبر وتفكر وأمعن، فإن السموات والأرض يعني الكون كله إنما هو وحدة متكاملة، كل جزء منه مكمل لبقية الأجزاء، فلا يمكن أن يصدر ذلك إلا من إله واحد، إذ لو كان هنالك تعدد في الآلهة لأدى ذلك إلى اختلاف حال الكون، لأن لكل واحد منهم لو تعددوا إرادة مستقلة وفي هذه الحالة كل واحد منهم يستقل بمراده فيؤدي ذلك إلى الاختلاف بينهم، ولكن هذا الانسجام بين أجزاء هذا الكون وهذا التناسق العجيب إنما هو دليل على وحدانية الله سبحانه. (3/193)
صفحة 1180
وكذلك ما ذكر مما يقع في هذا الكون من اختلاف الليل والنهار بنظام رتيب عجيب، وما ينزله الله سبحانه وتعالى من السماء من ماء وما يترتب على ذلك من نبات هذه الأرض بحيث جعل في ما ينزله من ماء خاصية الإنبات وجعل في هذه الأرض خاصية النبات، وبهذا النزول يتم التلاقح ما بين الخاصيتين فيؤدي ذلك إلى أن تنبت الأرض ما تنبته، وما يتبع ذلك من بيان الفلك التي تجري في البحر وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض كل من ذلك يدعو الإنسان إلى الاعتبار، فهذا الذي يقرأ كتاب الله إنما يطلب منه أن يعتبر، ويطلب منه أن يتملاه. (3/194)
صفحة 1181
كذلك عندما يأتي إلى نحو قول الله سبحانه (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) (النمل:59)، عليه أن يعتبر بأن عليه حقوقاً واجبة وفروضاً لازمة لخالقه سبحانه وتعالى الذي هو الإله الواحد، وأنه وحده هو الذي يستحق العبادة، وكل إله يعبد من دونه ليس له أي شيء من حق هذه العبادة، وإنما إشراكه مع الله تبارك وتعالى إنما هو إنقلاب إلى الضلال وحيرة في هذه الحياة وانطماس لبصيرة العقل، ثم ما يتبع ذلك من قوله سبحانه وتعالى (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (النمل:60 - 64)، كل من ذلك يستدعيه أن يقف عند كل كلمة من هذه الكلمات، وعند كل جملة من هذه الجمل، وأن يتملى ما فيها ويستذكر ما انطوت عليه حتى يكون موصولاً بربه سبحانه. (3/195)
صفحة 1182
كذلك هو أيضاً شفاء من حيث تعريف الإنسان بسنة الله تعالى في خلقه لأن الله تبارك وتعالى يبين في كتابه سننه في هذا الخلق، فهو يدعو إلى الاعتبار بمصير القوم الظالمين.
ففي مصير القوم الذين ظلموا أنفسهم وانقلبت عاقبتهم إلى السوء عبرة للمعتبرين وعظة للمتعظين، فكم من أحد منهم كان يخيل أنه ينطح السماء بقرنيه ويطأ الجوزاء بنعليه وإذا به ينقلب إلى مصير فيه عبرة للمعتبرين (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى) (النازعات:26)، كما كان لفرعون وقارون وهامان وغيرهم من الأمم التي بادت، عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة، كل هؤلاء في مصيرهم عبرة للمعتبرين، والله تبارك وتعالى يدعو الناس إلى الاعتبار بمصير القوم الظالمين في القرآن الكريم (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَانَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ) (الأنعام:6).
فإذاً عندما يقرأ قصص الأمم الماضية عليه أن يعتبر، وأن يقف وقفة المشاهد لمصيرهم ومنقلبهم وما كانوا عليه.
ثم كذلك بالنسبة إلى العبادات وبالنسبة إلى الأحكام والمعاملات والوصايا المتعلقة بالأخلاق وبغيرها في كل من ذلك ما يدعوه إلى الاعتبار، وأن يتكيف وفق تعاليم القرآن الكريم.
فإذن لو حاول أن يعد نفسه لتلقي هذا البيان الإلهي على هذا النحو لطار عنه ما يجده من الكسل وما يأتيه من التثاؤب عندما يتلو كتاب الله تبارك وتعالى بنفسه.
فعليه الاعتبار أي أن يقرأ القرآن قراءة متدبر معتبر متعظ مدّرك، وبحول الله تبارك وتعالى يتغلب على هذه المشكلة.
السؤال (2) (3/196)
صفحة 1183
توجد هناك أحاديث كثيرة عن الرسول صلى الله عليه وسلّم تبين فضل تلاوة القرآن الكريم من ذلك ما ورد أن الحرف بعشر حسنات، فهذا الثواب هل هو للتلاوة مجردة أم للتلاوة بشرط التفكر؟
الجواب:
لا ريب أن الإنسان لا يطلب منه أن يتلو القرآن لاهياً غافلاً، هذه التلاوة ليست لها قيمة، هذه التلاوة ليست فيها روح، هي بمثابة الجسم المتعفن الذي لا أثر له ولا حراك له بل ربما يضر ولا ينفع، فهو لا ينفع قطعاً ولكن ربما يضر لأن تعفنه يؤدي إلى النتن، نتن رائحته وإضراره بالناس، فكذلك شأن العبادة الفاقدة للروح كالصلاة التي تفقد الخشوع وكذلك تلاوة القرآن عندما لا يكون هنالك تدبر وإمعان، إنما على الإنسان أن يقاوم الوسوسة. لا ريب أن كل أحد تعتريه الوسوسة، وكل أحد تعتريه الغفلة، وكل أحد يحاول الشيطان أن يلبس عليه أمره وأن يبعده عن التفكر والإمعان لكن عليه مغالبة ذلك وأن يحرص على أن يعالج نفسه ويداوي أدوائه بهذا القرآن الكريم عندما يتلوه.
السؤال (3)
ما حكم العادة المعروفة عند العمانيين بالحول حول وهي التي تقام عندما يكمل الطفل عامه الأول؟
الجواب:
هذه لا أصل لها في السنة، ولكن إن كانت مجرد عادة ولم تتخذ عبادة وليس فيها شبه بما يفعله غير المسلمين فلا يمنع من أن يجتمع الناس فرحين مستبشرين من غير أن يتخذوا ذلك سنة، ومن غير أن يعتبروا ذلك عبادة وقربة ولكن مجرد ابتهاج ببلوغ ذلك المولود عاماً، وبغير تكرر لذلك في بقية الأعوام، لأن تكرر ذلك في بقية الأعوام إنما يعتبر من باب تقليد الآخرين.
السؤال (4)
ما حكم الأكل والشرب في الحرمين الشريفين؟
الجواب:
يجب علينا أولاً أن نحدد مفهوم الحرمين، ما المقصود بالحرمين؟ (3/197)
صفحة 1184
الحرم ليس هو المسجد فحسب، إنما الحرم المكي كل ما كان داخلاً في حدود الأرض التي لا يعضد شجرها ولا يختلى خلاها ولا ينفّر صيدها ولا يسفك فيها دم، هذه الأرض هي أرض الحرم، ولها حدود معلومة أقرب حل إلى الحرم التنعيم، وبالنسبة إلى الجهة الأخرى الحديبية، كذلك بالنسبة إلى الجهة الأخرى نمرة من جهة عرفات فنمرة هي واقعة ما بين الحرم، هذه هي أرض الحرم.
وبالنسبة إلى الحرم النبوي الشريف لا يعني الحرم المسجد فقط، فالمسجد ليس هو وحده الحرم. (وأنا أحرم ما بين لابتيها) هكذا قال الرسول صلى الله عليه وسلّم، معنى أن كل ما كان مابين ذينك الجبلين فهو داخل في الحرم النبوي الشريف، لا يعني الحرم النبوي المسجد النبوي.
ولو قلنا بمنع الأكل في الحرمين لأدى ذلك إلى أن الناس يمنعون من الأكل إذا كانوا في مكة أو كانوا في المدينة منعاً باتاً، وهذا خلاف العقل والشرع جميعاً.
وأما إذا كان المقصود بذلك في المسجد فلا مانع من الأكل في المسجدين الشريفين لا سيما الصائم فإنه إن لم يأكل في ذلك المسجد أين يأكل؟!
إن لم يأكل المعتكف في المسجد الحرام داخل المسجد، وإن لم يأكل المعتكف في المسجد النبوي الشريف داخل المسجد أين يأكل؟!
وإنما يؤمر الناس أن يجنبوا المسجد ما يضر به، ففضلات الطعام لا تُبقى في المسجد وإنما يجب إخراجها من المسجد.
السؤال (5)
من خلال تأملي لكتاب الله تعالى لاحظت أن الكفار يكذبون بالبعث أكثر من تكذيبيهم بالخالق سبحانه وتعالى؟
الجواب: (3/198)
صفحة 1185
نعم هم يعتقدون وجود الله ولكنهم يشركون معه آلهة أخرى، فلذلك يسلبونه سبحانه وتعالى ما هو خاص به وحده، ومن هنا يقيم الله تبارك وتعالى عليهم الحجج في كتابه فهو يقول (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) (الزمر:38).
أما بالنسبة إلى المعاد فهم يتجاهلون آيات الله تبارك وتعالى الكبرى التي تدل على المعاد، وإنما الفطرة دعتهم إلى الاعتراف بوجود الله، فالإنسان الذي ينكر وجود الله تعالى إنما يكابر فطرته ويغالب عقله، إذ كل ما في الكون يدل على وجوده سبحانه ولذلك قال الله سبحانه وتعالى (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) (إبراهيم: من الآية10) يعني أن كل ما في هذا الكون من أجزاء السموات والأرض دال عليه سبحانه، فكل ذرة من ذرات الوجود إنما هي كلمة من كلمات الله ناطقة بتوحيده سبحانه وتعالى وناطقة بتسبيحه ودالة على وجوده، كما قال الأعرابي عندما سئل بم عرفت ربك؟ فقال: البعرة تدل على البعير، وأثر القدم يدل على المسير، فهيكل علوي بهذه اللطافة، ومركز سفلي بهذه الكثافة ألا يدلان على الصانع الخبير. (3/199)
صفحة 1186
وبالنسبة إلى يوم القيامة فإن الله تبارك وتعالى أقام عليهم الحجج لأنهم لقصور عقولهم استبعدوا أن يبعث الإنسان بعد أن يموت وتتحول خلاياه إلى ذرات ترابية متبعثرة بحيث تتلاشى في هذه الأرض وتغيب فيها فرأوا من المستبعد أن يجمع الله تبارك وتعالى هذا الشتات وينفخ في الإنسان هذه الروح مرة أخرى، ولذلك ضرب الله تبارك وتعالى لهم الأمثال وبيّن لهم آياته الدالة على أن ذلك ليس عسيراً وليس شاقاً بل هو هين في حقه سبحانه وتعالى، وكل شيء هين في حقه، وإنما هذا أهون من نشأة الكون، فقد قال سبحانه وتعالى (أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (يّس:77 - 83). (3/200)
صفحة 1187
الله تعالى هنا ضرب هنا مثلاً لهؤلاء الذين يكابرون في حقيقة البعث ويمارون فيه، ضرب لهم مثلاً إذ بيّن أن هذا الإنسان هو خلق من نطفة، ما هي هذه النطفة؟ هي جزء حقير، بلغ في حقارته أنه ينظر بالمجهر ولا يكاد يبصر، ومع ذلك توجد فيه جميع خصائص البشرية العامة التي يشترك فيها البشر، وتوجد أيضاً في هذه الخلية جميع الخصائص البشرية الأسرية الخاصة، أي الخصائص الأسرية التي تتوارث من أسرة إلى أسرة، هذه موجودة فيها، ولذلك يكون الشبه حتى إلى جدود بعيدين بسبب هذه الخصائص المتوارثة التي تنطوي عليها تلك الخلية.
ثم مع ذلك طور الله تبارك وتعالى هذا الإنسان أطوارا حتى أخرجه إنساناً بهذا القدر، جعل هذه الخلية تخرج منها ملايين الملايين من الخلايا، وهي متنوعة ومع ذلك نفخ فيه من روحه، ومع ذلك جعل الله تبارك وتعالى له السمع والبصر والمشاعر والحواس والعلم والقدرة إلى آخره من هذه الأمور العجيبة.
كل من ذلك دليل على أن الله تبارك وتعالى ليس بعزيز عليه أن يعيد هذا الإنسان مرة أخرى كما خلقه أول مرة.
وبيّن سبحانه مع ذلك أن الذي يحي العظام وهي رميم هو الذي أنشأها أول مرة بهذه الحالة، وأنه هو الذي خلق السماوات والأرض، فمن خلق السماوات والأرض لا يعجزه أبداً أن يعيد خلق الإنسان كما كان أول مرة لأن السماوات والأرض لم تكن موجودة من قبل وقد أخرجها من عدم، كل هذا الكون أخرجه الله تبارك وتعالى من عدم، ولئن كان أخرج هذا الكون المترامي الأطراف من عدم فكيف بالإنسان الذي وجد وتكون وصار سميعاً بصيراً ألا يقدر الله تبارك وتعالى الذي أوجد هذا الكون من عدم على إعادته مرة أخرى، بل ذلك أهون والكل في حق الله هين، والله تعالى أعلم.
السؤال (6)
بدا الحث على تعدد الزوجات بصورة كبيرة، والحكمة من ذلك القضاء على العنوسة وستر كلا الجنسين من زلة الشيطان وخبثه وغيرها من الأسباب. (3/201)
صفحة 1188
لكن الرجل الآن أصبح غير قادر على تحمل مسؤولية عائلة واحدة، فكيف إن قصّر في حق من تزوجها ليسترها ويستر نفسه، فهو الآن بحاجة مادية إلى وقوف زوجته إلى جانبه لتخرج للعمل ليتقاسما الحياة من أجل أن تنشا أسرة صالحة.
وهو بحاجة إلى تربية أولاده وبحاجة إلى وقت للعبادة، فأين هو الوقت ليقسم نفسه في ماله وأولاده وعبادته لربه، وزواجه من أخرى تحتاج إليه ليقف إلى جانبها في كل شيء، هذا ما شهدته عيني في أبي الذي أخذ من حكمة تعدد الزوجات ما هو طيب ونافع له وحده، تزوج بامرأة أخرى واستهان بحق أمي عليه، أمي التي ذاقت مرارات الحياة حلوها ومرها، اليوم لا تذوق يوماً حلوا معه. لقد حطم كل ما بناه من أجل أولاده بهروبه إلى أخرى، فإن دخل البيت أو خرج فهو كالمذنب الذي يعترف بذنبه، فلا تحية ولا سلام ولا ضحكة ولا ابتسام، كرّه نفسه في أعين أولاده وتركهم للشيطان ينهش لحمهم، زرع في قلوبهم كل ما استهواه الشيطان، حاولنا نصحه ولفت انتباهه لتقصيره في حق أولاده لكن كان يلوم أمي في كل شيء، فماذا تقول سماحة الشيخ؟؟
الجواب:
لا ريب أن حكمة الله تبارك وتعالى بالغة، وعلينا أن نسلم لما قضاه الله سبحانه (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (الأحزاب:36)، فالإنسان مطالب أن يوقن أن الخيرة هي التي اختارها الله، وأن الله تعالى لم يشرع لعباده شرعاً إلا وفيه خيرهم وسلامتهم.
وقضية عنوس الفتيات، وهذه كلمة عنوس وليس عنوسة كما هي شائعة، علينا أن نصحح الأخطاء وأن نعود إلى اللغة العربية، هي عنوس وليست عنوسة لأنها مصدر عنس وفعل اللازم مصدره فعول
وفعل اللازم مثل قعدا ... له فعول باطراد كغدا
ما لم يكن مستوجباً فعالا ... أو فعلاناً فادر أو فعالا (3/202)
صفحة 1189
مثل خرج خروجاً ودخل دخولاً وذهل ذهولاً إلى آخره، فهذه عنوس الفتيات وليست عنوسة.
وعلى أي حال عنوس الفتيات أمر يؤرق الناس اليوم.
أنا ذهبت إلى بلد عربي شقيق سكانه تقريباً لا يتجاوز أربعين مليون، ولكن الفتيات العانسات به وصل إلى عشرة ملايين وهذا رقم خطير جداً، واضطروا إلى تأليف كتب من أجل أن يسلّوا العانسات.
وعلى أي حال لو كان هنالك تحمل للمسؤولية وتعديد للزوجات مع الاضطلاع بالواجب وتحمل المسؤولية بجدارة لامتص هذا العدد الهائل الذي أصبح شبحاً مخيفاً وخطراً رهيباً يقلق الناس في أعراضهم وفي دينهم وفي دنياهم.
فالقضية قضية في منتهى الخطورة، وهناك إحدى الدول التي تمنع تعدد الزوجات أخبرني أحد العلماء فيها بأنه بنفسه أخبرته امرأته أن إحدى الفتيات تقول وصل بها الحال إلى أنها لا يستفزها أن تشاهد رجلاً بل حتى عندما تشاهد لوحاً أو خشبة تتصورها رجلاً وتثور عاطفتها وغريزتها بسبب ذلك، من كثرة إلحاح الفطرة عليها لأن تستجيب لها بالطريقة السليمة ولكن أنى لها ذلك. (3/203)
صفحة 1190
فالقضية هي في منتهى الخطورة. ومع هذا نحن نقول بأنه يجب على أي رجل يتزوج امرأة ثانية أن يحرص على بر المرأة الأولى، وأن يتسع لها صدره، وأن يحنو عليها ويرعاها، ويكون شديد الحرص على أن لا تتأذى بشيء أبدا، هذا مما يجب وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلّم يفعل ذلك، بل بلغ الأمر بالرسول صلى الله عليه وسلّم إلى أن يرعى المرأة التي ماتت ولم يعد مسئولاً عنها لأنها انتقلت إلى ربها سبحانه وتعالى، كان يرعى السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها رعاية بالغة حتى أنه كان تستفزه المشاعر بمجرد ما يرى أحداً من خاصتها وقرابتها ففي يوم من الأيام دخلت أختها في بيته وسمع صوتها وهي تسمى هالة فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: اللهم هالة. فغارت من هذا السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها وقالت له: يا رسول الله ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين أبدلك الله خيراً منها. فغضب من ذلك فقال: والله ما أبدلني الله خيرا منها، والله ما أنت بخير منها، لقد صدقتني إذ كذبني الناس، وآمنت بي إذ كفر بي الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من الناس، فجزاها الله عني خير جزاء، اللهم اجز عني خديجة بنت خويلد. (3/204)
صفحة 1191
وهكذا كان صلى الله عليه وسلّم، كان شديد الرعاية لجميع نسائه في حياتهن وبعد مماتهن، وكان يتحمل ما يحصل منهن من غضب ومن انفعال بحكم طبيعة النساء، كان يتحمل كل ذلك كما تذكر أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت صانع طعام مثل صفية، صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلّم طعاماً فأرسلت به خادماً فأخذني أفكن - أي أخذتها رعشة من شدة الغيرة التي أصابتها بسبب أن ذلك الطعام جاء إلى بيتها من بيت السيدة صفية رضي الله تعالى عنها - فقالت: فأخذت حصاة وضربت الإناء الذي فيه الطعام فانكفأ الطعام وانكسر الإناء فأخذ النبي صلى الله عليه وسلّم يجمع الطعام ويقول غضبت أمكم غضبت أمكم. إلى هذا الحال كانت سعة صدره صلى الله عليه وسلّم، وعلى أي حال هي بنفسها هي لامت نفسها بعد ذلك وتراجعت ورجعت إلى صوابها وجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلّم وقالت له: يا رسول الله ما جزاء ما صنعت؟. قال لها: طعام مثل طعام وإناء مثل إناء. أي أن تبدلي الإناء بإناء آخر وأن تبدلي الطعام بطعام آخر.
ومن يتزوج اثنتين أو أكثر عليه أن يتحمل أي شيء من هذا، قد كان أحد أئمتنا رحمه الله تعالى متزوجاً من امرأتين إحداهما ابنة عمه، وفي يوم من الأيام جاء ضيف إليه فطلب من المرأة الثانية أن تصنع له طعاماً، فلما صنعت طعاماً للضيف حمل الإمام الطعام في يده فلقيته ابنة عمه وضربت يده وارتمى الطبق في مكان وانكب الطعام في الأرض، فما كان منه إلا أن أرسل خادماً ليشتري طعاماً للضيف من السوق بدلاً من ذلك الطعام. ما غضب عليها وما عنفها وما حصل منه شيء.
هكذا من كان يعدد الزوجات عليه أن يتحلى بهذه الأخلاق، وأن يصبر على مثل هذه الأشياء.
فنحن ندعو إلى التعدد لا رغبة في إهانة النساء، ولكن رغبة في أن توفى حقوقهن، رغبة في أن يمتص هذا العدد الهائل من العوانس اللاتي يقلقن الحياة، بحيث أصبحن في هذه الحياة شبحاً مخيفاً وخطراً رهيبا. (3/205)
صفحة 1192
فالمفروض على الكل أن يدرك ذلك، على الرجال أن يدركوا ذلك، وعلى النساء أن يدركن ذلك.
ونحن ندعو أبا هذه المرأة السائلة أن يتقي الله تعالى في المرأة الأولى، وأن يتقي الله في أولاده، وأن يتسع صدره ما دام تزوج امرأتين، أن يتسع صدره لكل واحدة من المرأتين، وأن يقوم بحقهما جميعاً.
وعلى أي واحد يقدم على ذلك أن يرعى حق الله تعالى في نسائه سواء الحق البدني أو الحق المالي أو الحق الاجتماعي أو غير ذلك من الحقوق التي لا بد من مراعاتها، ولا بد من الوفاء بها مع تربية الأولاد جميعاً تربية سليمة والإنصاف بينهم حتى يكونوا جميعاً متساويين في بره وفي القيام بالواجب تجاهه.
السؤال (7)
ما حكم المباعدة بين الولادات؟
الجواب: (3/206)
صفحة 1193
هذه يصار إليها مع الضرورة، لا مع عدم الضرورة. الأولاد نعمة من الله، والكثرة الكاثرة نعمة على الأمم، الله تعالى يحكي عن شعيب قوله لقومه (وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ) (الأعراف: من الآية86)، فالكثرة إنما هي نعمة، وإنما كما قلت أكثر مرة وهذا ما أكرره بأن الأمة هي بحاجة إلى عنصرين اثنين، الأمة هي بحاجة إلى تخطيط سليم وإلى تنفيذ أمين، عندما يوجد هذان العنصران في حياة الأمة فإن كل شيء يهون، ونحن عندنا شواهد من واقع الأمم الأخرى من غير أمة الإسلام، كما ذكرت في إحدى الحلقات التي كانت هنا، ذكرت كيف هو وضع اليابان، تلك هي المساحة المحدودة وذلك هو الشعب الكثير الذي فيها، وقد رزأت بما رزأت به في الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك بلادها ليست فيها موارد، ومع هذا كله البلاد أيضاً معرضة للزلازل، والطبيعة فيها طبيعة شديدة هي بلاد ذات جبال وعرة وهي مجرد جزر، ولكن مع ذلك كله بسبب وجود هذين العنصرين، وجود التخطيط السليم والتنفيذ الأمين، أصبحت اليابان الآن اقتصادها عشرة أضعاف اقتصاد الأمة الإسلامية بأسرها التي هي تعد الآن مليار وثلث مليار. ولا يوجد ياباني واحد يخرج من بلده ليكتسب العيش أو ليعمل خارج بلده، إنما هذا يرجع إلى التخطيط السليم والتنفيذ الأمين، ويرجع إلى بناء العقل البشري.
كما أنني ذكرت أيضاً كيف وضع تايوان التي مساحتها لا تعدو ستة وثلاثين ألف كيلو متر مربع، يعني أقل من تسع مساحة سلطنة عمان، وسكانها اثنان وعشرين مليونا، ومع ذلك فإنهم بنوا عقل المواطن فأصبح اقتصادهم الآن أكثر من ثلاثمائة مليار أي الدخل السنوي، ومع ذلك الاحتياطي الذي هو الخارج مئتان وعشرون مليار والصادرات ثلاثمائة مليار، فهذا كله مما يدل على أن الأمة المسلمة هي بحاجة إلى التخطيط السليم والتنفيذ الأمين، عندما يوجد هذان العنصران تهون المشكلة بمشيئة الله تعالى.
السؤال (8)
ما حكم تقبيل رأس الوالدين؟ (3/207)
صفحة 1194
الجواب:
مع قصد الاحترام والتعظيم فذلك خير.
السؤال (9)
هل الشخص المعوق مكلف بالواجبات الدينية علماً بأن البعض منهم إعاقتهم ذهنية أو متعددة والبعض منهم أيضاً عنده حركية وبعضهم صم وبكم وهناك إعاقات معقدة؟
الجواب:
بالنسبة إلى فاقد العقل فقد سقط التكليف عنه، وبالنسبة إلى من لم يفقد العقل فإن ما يعوقه عن القيام بالواجب إنما يسقط ذلك الواجب الذي لا يستطيعه ويبقى ما يستطيعه، فعندما يكون عائق يمنعه من القيام في الصلاة فإنه يعذر عن القيام ويصلي قاعداً، وإذا كان لا يستطيع القعود يصلي مضطجعاً وهكذا، أما عندما يكون أصم وأعمى في نفس الوقت ففي هذه الحالة إن كان يمكن أن تتوصل إليه المعلومة فذلك لا ريب عليه أن يقوم بالواجب، وإن كان لا يستطيع استيعاب شيء فحكمه حكم من فقد العقل.
السؤال (10)
كيف تزكى ثمار النخيل مع العلم أن أصناف النخيل تختلف في مواعيد نضجها ونوعيتها؟
الجواب:
ثمرة سنة واحدة يحمل بعضها على بعض سواء ما تقدم منها وما تأخر، فإذا بلغت النصاب فإنها في هذه الحالة لا بد من زكاتها، وإذا لم تبلغ النصاب فلا زكاة فيها.
ثمرة السنة الواحدة، ولو كان بينها تفاوت، بل ولو كان بينها أيضاً تفاوت في الأمكنة بحيث يكون مال في بلد ومال في بلد آخر، أي تكون مزرعة من النخل في بلد ومزرعة أخرى في بلد آخر بعيد عنه فإن المزرعتين إن كانتا لمالك واحد فثمار كل منهما محمول على ثمار المزرعة الأخرى، وهذا يعني أنه يعتبر مقدار بلوغ النصاب. (3/208)
صفحة 1195
أما الزكاة فزكاة كل شيء بقدره، قد يكون هنالك تفاوت في الجودة، بعضها أجود من بعضها، هذه نخلة أجود من تلك وتلك أقل جودة من هذه، فيحمل بعضها على بعضها، ولكن إما أن تُخرج الوسط ما بين هذه وتلك، وإما أن يُخرج من كل شيء بقدره، إما أن يتوسط في الإخراج بحيث يخرج الوسطى ما بين الكل، وإما أن يراعي إخراج زكاة كل واحدة منها بقدرها، فيعطي من زكاة هذه ومن زكاة تلك، هذا لا بد من رعايته. وإن أخرج الأجود فذلك خير وأبلغ في البر، فإن البر أن يسارع الإنسان إلى إخراج الأفضل الذي هو أحب إلى نفسه وهكذا.
السؤال (11)
وما حكم ما يجنى رطباً قبل موسم الحصاد؟
الجواب:
أما إذا كان يجنى رطباً ويباع فلا ريب أن ذلك أيضاً مما يدخل، أما إذا كان يأكله صاحبه بنفسه أي يستهلكه أكلاً فرخص في ذلك من قبل، إذا كان يستهلكه أكلاً بنفسه بقدر حاجته.
السؤال (12)
كم يقدر النصاب بالكيلو؟
الجواب:
النصاب هو خمسة أوسق، والوسق هو ستون صاعاً، والصاع هو خمسة أرطال وثلث بالرطل البغدادي، والرطلان من الأرطال البغدادية السابقة بالنسبة إلى الكيلو فيما أحسب فالكيلو أكثر من رطلين بقليل، فلا بد من التقدير، وقد يختلف أيضاً ما بين تمر وتمر وما بين حبوب وحبوب أخرى، هنالك تفاوت.
يقول المحقق الخليلي رحمة الله عليه:
من شاء تعريف الصواع وضبطه ... بالقرش وزناً باعتبار فاش
سبعون قرشاً بعدهن ثلاثة ... منها ومثقال بحب الماش
أي بحب الماش الصاع ثلاثة وسبعون قرشاً ومثقال
والفرض زده من قروش تسعة .....
فالفرض هو اثنان وثمانون قرشاً ومثقالان، أي تمر الفرض وتمر البلعق.
السؤال (13)
ما حكم قص شعر المرأة وصبغه؟
الجواب:
تؤمر المرأة أن توفر شعرها وأن لا تقصه اللهم إلا بمقدار ما تتحلل عند الإحرام، إن كانت تأخذ منه بذلك المقدار فلا حرج عليها أي تقص أطرافه فقط، أما أكثر من ذلك فلا. (3/209)
صفحة 1196
والصبغ من السواد إلى اللون الآخر هي ممنوعة من ذلك لأن هذه فطرة المرأة السليمة أن تحب أن يكون شعرها أسود، أما الشعر الأبيض فلها أن تخضبه لا سيما إن كانت ذات زوج ومن أجل توددها إلى زوجها.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
16 من جمادى الأولى 1425هـ، 4/ 7/2004م
الموضوع: عام
السؤال (1)
في بعض الأحيان قد يكون ممن يمارسون الدعوة دور في تحطيم بعض القيم الإسلامية كقيمة الوعد، مثال ذلك أن يدعى الناس لمحاضرة ويتجمع الناس ثم لا يحضر المحاضر دون أن ينيب عنه محاضر آخر يقوم بالمهمة.
إن تحطيم هذه القيم يدعو ببعض الناس إلى أن يستدعوا أو يمتدحوا قيماً أخرى. فقيمة الوعد عندما ساهم المسلمون في تحطيمها صار الناس يقولون أعدك وعداً إنجليزيا أو ما شابه ذلك، فكيف تعالج مثل هذه الأمور؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الوعد من الأمور التي يسئل عنها الإنسان يوم القيامة، ذلك لأن الوعد إنما هي كلمة يؤديها الناس تترتب عليها أمور عظيمة.
ولذلك نحن نجد أن الحق سبحانه وتعالى يحكي عن إبراهيم عليه السلام عندما وعد أباه أن يستغفر له لم يمتنع من هذا الاستغفار مع كون استغفار الإنسان المسلم للمشركين غير جائز، ولكنه إنما استغفر له لأجل وعده الذي وعده إياه (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة:114).
والله تعالى يقول (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) (الإسراء: من الآية34)، ولا ريب أن الوعد مما يدخل مما في ضمن العهد لأن الذي وعد أحداً شيئاً إنما هو بمثابة الذي يقطع له عهداً أن ينجز له ذلك الشيء. (3/210)
صفحة 1197
ونحن نرى في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلّم ما يدل على أن إخلاف الوعد من ضمن خصال النفاق فالرسول صلى الله عليه وسلّم يقول ثلاث من كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق من إذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر وإذا اؤتمن خان. وجاء في حديث آخر (وإذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان). مع أنه من المعلوم أن إخلاف الوعد مما يدخل في الكذب، فهو يجمع بين صفتين من صفات النفاق والعياذ بالله وهذا من أخطر الأمور.
فلذلك كان على الإنسان أن يحذر كل الحذر من إخلافه وعده. على أن هذا الإخلاف كما تفضلتم هو قد يؤدي لا إلى مجرد اتهام المخلف بل يؤدي أيضاً إلى اتهام نفس الفكر الذي يتبناه المخلف أو الذي يدعو إليه والمنهج الذي يسير عليه، فلذلك كان ذلك من أخطر المخاطر.
إن على الإنسان أن يفي بوعده، وأن يحرص على إنجازه، وأن يسارع إليه.
على أن الناس الذين يدعو إلى حضور محاضرة مثلاً على أن فلاناً سيلقيها، هذه الدعوة تثير في نفوسهم الحماس، وتبعث في قلوبهم الرجاء، وتجعلهم يتطلعون إلى ذلك اليوم الذي يلتفون فيه حول المحاضر ليستفيدوا منه وليستمعوا إليه، ولكن عندما يفاجئون بأن الرجل لم يحضر بل ولم يعتذر ولم ينب عنه من يقوم مقامه فإن ذلك يؤدي إلى تحطمهم، وقد يؤدي ذلك إلى اتجاه مسلك مخالف، قد يؤدي بهم ذلك إلى ترك الدين جانباً وعدم الاكتراث به عندما يرون الذين يتمسحون بالدين وينتسبون إليه تصدر منهم هذه المخالفات الصريحة فيما يدعو إليه الدين.
فلذلك يجب على هؤلاء أن ينقوا أنفسهم من هذه الأدران التي تلبسوا بها، وأن يعرفوا قيمة الكلمة التي يعطونها. (3/211)
صفحة 1198
على أن الكلمة مهما كانت هي مما يسئل عنه الإنسان، فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبينها تهوي به في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب. والنبي صلى الله عليه وسلّم قال لمعاذ في وصيته له رضي الله تعالى عنه: ألا أدلك على ملاك ذلك كله أمسك عليك هذا وأشار إلى لسانه. فقال له: أئنا مؤاخذون بما نقول يا رسول الله؟ فقال له: ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم. ومن جملة هذه الحصائد أن يتكلم الإنسان بالكلمة الكاذبة التي لا وفاء لها، بحيث يعد ولا ينجز هذا الوعد، والله تعالى المستعان.
السؤال (2)
إذاً ترون مع هذا سماحة الشيخ ما يتردد على ألسنة الناس من الإعجاب بما عند الآخرين من غير المسلمين من المحافظة على الوعد ومن نظام ومن غيرها من الأمور راجع إلى تحطيم المسلمين أنفسهم إلى قيمهم أم إلى الإعجاب بالحضارة وما يصحبها من تكنولوجيا وتقنيات؟
الجواب:
مهما كان من أمر فإن المسلم هو أولى بأن يكون متصفاً بجميع الصفات الحميدة، وهو أولى بأن يكون مثالاً في حسن تعامله مع الناس ووفائه بوعده وحرصه على أمانة الكلمة التي يقولها، وحرصه على أن لا يعثر عليه كذب.
نحن نرى أن السلف كانوا حراصاً على الوفاء بالوعد كيفما كان بما تعلموه من رسول الله صلى الله عليه وسلّم، بل نرى أهل الجاهلية على جاهليتهم كانوا يربأون بأنفسهم من أن يعثر عليهم كذب. عندما مثل أبو سفيان أمام هرقل ليسأله عن أوصاف النبي صلى الله عليه وسلّم وأمر أصحابه أن يكونوا خلفه، وقال: إن كذبني فكذبوه. قال أبو سفيان: ما كنت أخشى أن يكذبوني، ولكنني رأيت أنني رجل شريف فخشيت أن يعثروا على كذب مني. حاذر على نفسه بأن يعثر على كذب منه. فأمانة الكلمة أمانة عظيمة، وقيمة الإنسان إنما هي كلمته التي يقولها.
السؤال (3) (3/212)
صفحة 1199
هل هو إحساس من الدعاة بالكمال ففي بعض الأحيان قد يشعر الإنسان أن ما وصل إليه من مرتبة مقنعة بالنسبة له لا يتسائل عن قصور آخر في شخصيته وفي حياته ولذلك تجد بعض من يتصف بهذه الصفات لديه قصور ولكن لا يحاسب نفسه عليه، في حين تجد الآخرين الذي لا يلتزمون ظاهرياً بسنة رسول الله صلى الله عليه يحافظون أكثر منه هل ذلك يعود إلى شعورهم هم بالنقص؟
الجواب:
مما يؤسف له أن يدب الغرور في نفوس الناس الذين يتمسحون بالإسلام ويستمسكون به مع أنه يجب على الإنسان أن لا يغتر، يجب على الإنسان أن يحرص دائماً على الخير، وأن يسابق إليه وأن يشعر من نفسه بالتقصير، وأن يشعر من نفسه بأن لم يؤد شيئاً من حق الله تبارك وتعالى ولم يؤد شيئاً من حق العباد، وأن عليه أن يسد خلله ويصلح عيبه ويقوّم اعوجاجه ويحرص على المسارعة إلى الخير.
الناس عندما يدب إلى نفوسهم الغرور تنقلب أمورهم رأساً على عقب، وما أصيب من أصيب إلا بسبب الغرور، الله تبارك وتعالى حكى عن الذين أبطرتهم نعمة الله تعالى كيف انقلب أمرهم إلى خسر شديد، الله تبارك وتعالى ذكر عن فرعون كيف اغتر فقال (وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ) (الزخرف: من الآية51)، اغتر بذلك فكان ذلك سببا لغرقه وهلاكه بالغرق.
وكذلك حكى الله تبارك وتعالى عن قارون قوله (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) (القصص: من الآية78)، وكان ذلك سببا لأن أهله الله تعالى بأن خسف به الأرض وبكل ما آتاه من مال.
وكذلك الذي يتصور نفسه أنه بلغ من الدين مبلغاً، وأنه لا يحتاج إلى أن يصلح نفسه ويقوّم اعوجاجه ويهذّب أخلاقه ويحاسب نفسه على تقصيرها في حق الله وعلى تقصيرها في حق العباد، من كان يصل به الأمر إلى ذلك فإن ذلك من الغرور والعياذ بالله وهو يؤدي به إلى الهلاك والتبات. (3/213)
صفحة 1200
ومع الأسف الشديد نجد أناساً ليسوا من العمل الصالح في شيء ولكن مع ذلك يدب في نفوسهم هذا الغرور ويتصورون أنهم قاموا بما لم يقم به غيرهم من الصلاح والاستقامة، حتى أن أحداً من هؤلاء كان يكلمني في الأيام القريبة ويشكو ما يصيبه ويقول (مع أنني لم أقصر في حق الله شيئا). أعوذ بالله كيف هذا الغرور يشعر أنه لم يقصر في حق الله، ومن هو حتى يكون لم يقصر في حق الله، مع أن النبي صلوات الله وسلامه عليه مع عظم قدره ورفعة شأنه وكونه أرسله الله تعالى رحمة للعالمين وكان هو سبب هداية هذه البشرية التي اهتدت إلى الخير، هو مع هذا القدر العظيم يقول بأنه لا يدخله الجنة عمله إلا أن يتغمده الله برحمته الواسعة. يعني أنه يرى أن عمله لا يدخله الجنة، وإنما رحمة الله تعالى هي التي يجو بها دخول الجنة. إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلّم بهذا القدر.
والله تعالى يحكي عن عباده الذين يبلغوا ما بلغوا من الصلاح والاستقامة أنهم دائماً يشعرون بالقلق بسبب ما يشعرون به من تقصير في حق الله تبارك وتعالى (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) (المؤمنون:57 - 60)، يعني هم يسارعون إلى الخير ويسابقون إليه فيؤتون من أموالهم ويواسون بها الناس ولكنهم مع ذلك يشعرون بالوجل، بالخوف والاضطراب بسبب أنهم يوقون بأنهم إلى ربهم راجعون، ويرون أنهم لم يأتوا من ألأعمال ما بما يزكيهم عند الله تبارك وتعالى. فكيف بمن كان غارقاً في الفساد لا يعرف قبيله من دبيره ولا نفعه من ضره. كيف بمثل هذا يتجرأ ويقول إنني لم أقصر في حق الله تعالى شيئاً. هذا مما يدل على جهل الناس والعياذ بالله. (3/214)
صفحة 1201
على الإنسان أن يشعر دائماً بالتقصير في حق الله تبارك وتعالى، ولذلك عندما سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها النبي عن المؤمن هل يخشى عندما يرتكب المعصية؟ أجابها أنه يخشى وهو يأتي الطاعة، استشهد لها بقول الله تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) (المؤمنون:60).
السؤال (4)
ما هو برنامج المحاسبة الذي تقترحونه على الإنسان كي يحس دائماً بنقصه وتقصيره؟
الجواب:
الإنسان عليه أن يستشعر أولاً عظم حق الله تعالى عليه، لأن الله خلقه من عدم وهو ملك لله تبارك وتعالى، والله سبحانه الذي خلقه من عدم أسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فقد منّ عليه بهذه الحياة، منّ الله سبحانه وتعالى بما تزخر به الحياة من نعم.
لو أن هذا الإنسان أمد الله تعالى في عمره وعاش عمر نوح وقصر حياته كلها من أول عمره إلى آخر عمره في شكر أدنى نعمة من هذه النعم لما وفى بشكرها، فكيف بعظام هذه النعم.
كيف لو أن هذا الإنسان انقطع عنه النفس، لو ارتفع هذا الأكسجين الذي جعله الله تبارك وتعالى في هذا الجو الذي يعيش فيه الإنسان وضاق به الخناق، كيف تكون حالته، الله تبارك وتعالى منّ عليه بهذا النفس الذي يتنفسه، أوجد في نفسه جهاز التنفس، أوجد فيه الرئتين ثم مع ذلك هيأ له هذا الجو الطيب اللطيف الذي يستنشق منه الأكسجين في نومه وفي يقظته في حركته وفي سكونه، في ذكره وفي غفلته، في فرحه وفي ترحه في جميع أحواله.
ما قيمة هذا الأكسجين؟ قيمة عظيمة. لو أنه انقطع عن الإنسان وكانت الدنيا كلها بيده فإنه يبذل هذه الدنيا من أجل هذا الأكسجين. (3/215)
صفحة 1202
والله تعالى هيأ له الغذاء وهيأ له الشراب (قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ * فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً* مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ) (عبس:17 - 32)، بأي قدرة يمكن للإنسان أن يفعل ذلك؟ بأي وسيلة لو أن الله تعالى أمسك قطر سمائه أو أمسك نبات أرضه يمكن للإنسان أن يستخرج هذا النبات أو يستنزل هذا الماء.
لو أن الماء لم توجد فيه خاصية الإنبات، والأرض لم توجد فيها خاصية النبات كيف كان الأمر؟
ثم إن الإنسان لو لم يهيئ له الحق سبحانه وتعالى جهاز الهضم بأي وسيلة كان يمكن أن يستمرئ هذا الطعام؟
كل من ذلك يدعو الإنسان إلى أن يفكر في أمره، وأن يذكر حق الله تبارك وتعالى عليه.
ثم إن الله تعالى أمره بواجبات ونهاه عن مناه. أمره بأن يعبده حق عبادته، وأن يطيعه في سره وعلانيته فعليه أن يحاسب نفسه في هذه العبادة، وأن يحاسب نفسه في هذه الطاعة، في امتثال أوامر الله وفي الازدجار عن نواهيه، والله تعالى المستعان.
السؤال (5)
امرأة سكتت عن حقها في الميراث، توفيت أمها وتركت ولدين وابنتين قام الولدان ببيع جميع ما خلفته أمهما بدون علم الأخوات ولم يعطوا أختهما شيئاً من الميراث فتقاسماه فيما بينهما، فهل سكوت المرأة عن هذا الحق يسقط حقها؟
الجواب: (3/216)
صفحة 1203
هل سكتت عن رضا أو عن غير رضا، ثم لماذا تسكت؟ وحسب ما جاء في السؤال بأنها ما كانت عالمة ببيع الأخوين لمال الأم، فإن كانت غير راضية بهذا فعليها أن تطالب بحقها ولها حقها فالله تعالى يقول (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) (النساء:7).
السؤال (6)
امرأة تريد أن تذهب إلى العمرة وتذهب مع أختها التي تذهب مع والد زوجها المتوفى، هل يصح لها ذلك؟
الجواب:
إن كان ثقة ففي ذلك رخصة بدليل أن أمهات المؤمنين حججن مع عمر رضي الله تعالى عنه.
السؤال (7)
امرأة تريد أن تذهب إلى العمرة مع ابنة عمتها التي معها ولدها، فما الحكم؟
الجواب:
إذا كان ثقة فإن من الناس من رخص في ذلك نظراً إلى أن أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن حججن مع أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه.
السؤال (8)
هل يعني هذا أن الحملة الواحدة يكفي فيها محرم واحد؟
الجواب:
إن كانت هذه الرفقة رفقة صالحة مستقيمة ولا يخشى محذور فقد رخص في ذلك.
السؤال (9)
هل يصح الدعاء بين الإقامة وتكبيرة الإحرام؟
الجواب:
ما المانع من الدعاء في ذلك الوقت. لا يمنع.
السؤال (10)
امرأة حلفت على مصحف ولكنها كانت كاذبة، فماذا عليها؟
الجواب:
كثير من الناس يتصورون أن الحلف الذي يترتب عليه ما يترتب عليه من الإثم أن يكون على المصحف.
الحلف من حلف بالله أو بشيء من أسمائه أو بشيء من صفاته، من حلف بالله تبارك وتعالى أو بصفة من صفاته كأن يحلف بالخالق أو القادر أو الرازق أو المعطي أو المانع أو المحي أو المميت أو أي شيء من هذه الصفات الربانية سواء صفات الذات أو صفات الأفعال. (3/217)
صفحة 1204
صفات الذات كأن يحلف بالعليم القادر السميع البصير الحي، أو يحلف بصفات الأفعال كأن يحلف بالخالق الباعث الوارث المحي المميت فإن ذلك إنما هو يمين بالله تبارك وتعالى، وهذه اليمين إن حلفها الإنسان كاذباً فهي اليمين الغموس والعياذ بالله، ومعنى الغموس أنها تغمس صاحبها في جهنم والعياذ بالله إن تعمد الحلف كاذباً.
فالحلف مع الكذب أمر عظيم (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (آل عمران:77)، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: من اقتطع حق مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار.
إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة التي تشدد في هذا الجانب.
فهذا كله مما يدل على أن الحالف الذي حلف بالله تعالى إنما حلف على أمر عظيم فعليه أن يتقي الله تعالى، وأن لا يحلف.
على أن اليمين حتى ولو كان فيها صادقاً إن لم يلجئه إليها ما لا مناص منه لا ينبغي للإنسان أن يتسرع بالحلف ولو كان صادقا، فكيف يحلف بالله تعالى وهو كاذب. (3/218)
صفحة 1205
على أن اليمين إن حنث فيها الحالف فقد بيّن الله تبارك وتعالى كفارتها هذا مع التوبة بطيعة الحال عندما قال (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) (المائدة: من الآية89)، هذه هي الكفارة بجانب التوبة، وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، أي إخراج إنسان من العبودية إلى الحرية بحيث إنه يشتريه ويعتقه أو إن كان مالكاً له من قبل يعتقه، ومن لم يجد شيئاً من ذلك أي لم يقدر لا على الإطعام ولا على الكسوة ولا على تحرير الرقبة فعليه أن يصوم ثلاثة أيام، والله تعالى أعلم.
السؤال (11)
امرأة عندها أخوان أحدهما عمره اثنا عشر سنة والآخر عشر سنوات لا يصلون وبذلت مجهودا كبيرا في إقناعهما فلم تستطع، فهل هناك طريقة معينة؟
الجواب:
أمرهما بالصلاة واجب، تعليمهم الصلاة كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: مرهم بالصلاة لسبع واضربوهم على تركها لعشر.
وبجانب هذا هنالك الموعظة والإرشاد والتخويف بالله، التخويف من عذاب الله تعالى، من عذاب الآخرة ومن عذاب القبر، وبينونة أن تارك الصلاة لا يكون له نصيب من الإسلام لأن الصلاة كما الرسول صلى الله عليه وسلّم: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر.
فعلى قرابة هذين الولدين وعلى أوليائهما أن يقوما بنصحهما وإرشادهما وتذكيرهما بجانب ردعهما بالعقوبة إن لم يؤثر ذلك فيهما.
السؤال (12)
امرأة عندها صداع شديد وما وجد الأطباء له سبباً معيناً إلى الآن فهل هنالك دعاء معين تقوله لعل الله يخفف عنها؟
الجواب:
لتقرأ على كفيها سورتي الفلق والناس أي المعوذتين ولتنفث في يديها ولتمسح على رأسها ولتقل أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما أجد وأحاذر.
ويرفع الله عنها البلاء إن شاء الله.
السؤال (13) (3/219)
صفحة 1206
بعض الناس ممن يشكون الصداع يشكونه أكثر عندما يسجدون، فهل يعذرون من السجود في هذه الحالة؟
الجواب:
العبرة باحتمال ذلك الألم أو تلك المشقة. إن كانت مشقة يسيرة محتملة فعليهم أن يسجدوا. وأما إن كانت مشقة عسيرة لا تحتمل ففي هذه الحالة يسقط عنهم السجود وينتقلون إلى الإيماء.
السؤال (14)
هل يصح أن يسمى المولود باسم (قيصر)؟
الجواب:
اسم قيصر سمى به المسلمون، ولا حرج في ذلك إن شاء الله.
ولكن ينبغي للإنسان أن يختار الأسماء الحسنة لا الأسماء التي تدل على الكبرياء والتي تدل على العلو.
فما أحسن أسماء الأنبياء وأسماء الصالحين من عباد الله.
السؤال (15)
ما رأي سماحتكم في تسمية (رتاج) للأنثى؟
الجواب:
ما معنى (رتاج)؟ هل الإغلاق؟ هذا يعني الإغلاق، فلماذا الاسم يكون اسماً يدل على الإغلاق لا يدل على الفتح.
السؤال (16)
في حال هجر الولد لأبيه وابتعاده عنه ليسكن مع أمه المطلقة وينقطع كلياً عن أبيه عدداً من السنوات فهل يسقط ذلك حقه في الميراث من أبيه؟
الجواب:
عقوق الولد لا يسقط ميراثه، والإساءة من الوارث أياً كان إلى موروثه لا يؤدي إلى حرمانه من الحق، فإن المواريث قسّمها الله تعالى بعدله، لم يكلها إلى نبي مرسل ولا إلى ملك مقرب ولا إلى أي أحد كان وإنما قسّمها بنفسه في كتابه الكريم ثم قال بعد ذلك (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) (النساء:13 - 14)، فليس للإنسان أن يتدخل في أمر المواريث أمر المواريث راجع إلى الله تعالى. (3/220)
صفحة 1207
على الولد أن يبر أباه وعلى الأب أيضاً أن يبر الولد، لعل هذا الأب أساء إلى الولد بعدما طلق أمه ولم يلتفت إليه ولم يقم بحقه فكان ذلك سبباً لهذه الردة الفعلية التي كانت عند الولد تجاه أبيه.
إنما على كل منهما أن يقوم بحق الآخر.
على الولد أن يبر أباه، وأن يعلم أن حق أبيه أعظم الحقوق عليه بعد حق أمه، أول حق يجب عليه بعد حق الله هو حق الأم، ثم بعد ذلك يأتي حق الأب.
وكذلك الأب الولد هو فلذة كبده وثمرة فؤاده فإن كان أساء إلى هذا الولد ولم يربه التربية الصحيحة أو لم يلتفت إليه ولم يشتغل به، لعله تزوج امرأة ثانية بعد أمه وشغلته تلك المرأة عن أولاده وشغلته عن القيام بحقوقهم فذلك بطبيعة الحال مما يؤدي إلى مثل هذه التصرفات الرعناء، وكل يجني ثمرة ما غرس، والله تعالى المستعان.
السؤال (17)
هل يصح للإنسان أن يجمع العصر مع الظهر جمع تقديم من غير سفر؟
الجواب:
هذا مما لا ينبغي للإنسان أن يكون منه، بل عليه أن يحافظ على أداء الصلاة في أوقاتها، لا يؤخر الظهر إلى العصر أو لا يقدم العصر إلى الظهر فإن الصلاة موقوتة بمواقيت معينة وكل صلاة تصلى في وقتتها.
ولكن عندما تكون واقعة في مشكلة كأن تكون مثلاً في مكان لا تجد فيه مكاناً خاصاً للصلاة خصوصاً بالنسبة إلى المرأة، أو عندما عازمة سفر إلى مكان وتخشى أن لا تجد مكاناً مناسباً للصلاة في طريقها ففي هذه الحالة لا مانع من أن تجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم وهي لا تزال في وطنها.
وكذلك بالنسبة إلى المريض إن كان السبب في ذلك المرض أو أي من الأمور التي قد تشغل الإنسان ولا يجد مناصاً منها، في هذه الحالة الإحراج يرفع بالجمع بين الصلاتين، والله تعالى أعلم.
السؤال (18)
أنا طالبة في إحدى مدارس القرآن الكريم وفي الفترة القادمة فترة امتحان لتسميع الأجزاء تحرير وشفهي، في حالة من يتعذر عليها قراءة القرآن بسبب عذر شرعي فهل لها أن تقدم على الامتحان الشفهي؟
الجواب: (3/221)
صفحة 1208
في الامتحان الشفهي إلا تقرأ القرآن؟ فإذا كانت تقرأ القرآن وهي ممنوعة من قراءة القرآن فكيف تقرأه إذاً، هي ممنوعة من قراءة القرآن، والامتحان الشفوي هو قراءة لكتاب الله.
السؤال (19)
بالنسبة للطالبات في اختبارات المدارس ماذا يصنعن؟
الجواب:
يجب على المسئولين أن يخصصوا لهن أوقاتاً بحيث يكون هنالك دور ثاني لمن كان لها عذر شرعي.
السؤال (20)
شخص مسافر فجمع الصلاتين المغرب والعشاء لكنه عندما عاد إلى البيت وقاس المسافة وجدها لا تصل مسافة السفر، فماذا عليه؟
الجواب:
في هذه الحالة إن كان جمع مع القصر فعليه أن يعيد العشاء فيصليها أربعاً، أما المغرب فقد صلاها ثلاثاً، والله يتقبل منه.
السؤال (21)
مسافر أراد أن يصلي الظهر ووجد جماعة تصلي فصلى معهم بنية الظهر ثم اكتشف أنهم يصلون العصر، فماذا عليه؟
الجواب:
في هذه الحالة خلاف بين أهل العلم، هل للإنسان أن يصلي الظهر خلف من يصلي العصر والعكس، أو أنه لا بد من اتحاد صلاتي المأموم والإمام وهذا الذي نأخذ به أنه لا بد من اتحاد الفرضين بحيث يكون المأموم يصلي الفرض الذي يصليه الإمام من غير أن يتفاوت الفرضان.
السؤال (22)
ما معنى أن القيادة الإسلامية لا تساوم على مبادئها؟
الجواب:
القيادة الإسلامية بل المسلم عموماً لا يساوم على مبادئه، لو قيل للمسلم اكفر أو اترك شيئاً من صفات المسلم أو افعل أي شيء يخل بإسلامك فإن عليه أن لا يساوم مهما كانت النتيجة ومهما كانت العروض في مقابل هذا النزول والترك لبعض ما هو مأمور به. (3/222)
صفحة 1209
نحن نجد ذلك واضحاً في كتاب الله عندما قال الحق سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلّم (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (الكافرون:1 - 6) فالكفرة المشركون أرادوا من الرسول صلى الله عليه وسلّم أن يساوموه على دينه، أن يساوموه على مبادئه فعرضوا عليه أن يعبد آلهتهم سنة ليعبدوا إلهه فأنزل الله تعالى ذلك قطعاً لدابر طمعهم في أن يثنوا النبي صلى الله عليه وسلّم عن فكره وإيمانه وصلته بربه سبحانه وتعالى ومبادئه التي آمن بها.
وكذلك في موقف الدعوة على الله عندما اشتد المشركون على النبي صلى الله عليه وسلّم بل واشتدوا على عمه أبي طالب حتى أنهم أوقفوه على مفترق طريقين إما أن يكون مع ابن أخيه وبذلك تكون منابذة ما بينه وبين قريش، وإما أن يكون معهم ويسلمه إليهم، فعرض عليه عمه أن يخفف عن نفسه وعنه وأن لا يكلفه تحمل ما لا يتحمله قال له: يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه.
هذه هي المحافظة على المبادئ، هي المحافظة على المنهج هي المحافظة على الفكر هي المحافظة على العقيدة.
النبي صلى الله عليه وسلّم بما أنه مرسل من عند الله لإبلاغ هذه الدعوة فإنه ما رضي عن هذه العروض مهما كان الأمر ومهما كانت النتيجة ولو تركوا الشمس في يمينه والقمر في يساره على أن يترك هذا الأمر فإنه لن يتركه حتى يظهره الله أو يهلك دون ذلك، فهكذا بالنسبة على المسلم قائداً ومقوداً عليه أن يكون واقفاً هذا الموقف الصلب، وأن لا تؤثر عليه الزعازع، وأن لا تستفزه المطامع، وأن لا ينزل عن مبادئه وفكره ونهجه لأي غرض من الأغراض.
السؤال (23) (3/223)
صفحة 1210
ما حكم استعمال حبوب منع الحمل من أجل تعديل الدورة الشهرية غير المستقرة مع العلم أن ذلك يكون وفق إرشادات الطبيب؟
الجواب:
في هذا لا بد من الرجوع إلى الطبيب الأمين واعتماد قول الطبيب، فإن استعمال مثل هذه الحبوب كثيرا ًما يؤدي إلى معاكسة الفطرة ويؤدي إلى الاضطراب في الدورة الشهرية، وهذا ما نجده كثيراً عند النساء اللاتي يسألن عن حكم هذه الدورة التي تأتيهن غير منتظمة بسبب استعمال هذه الحبوب.
فإن كانت الدورة في أساسها غير منتظمة وهذه الحبوب إنما تنظمها وكان ذلك بإرشاد طبيب موثوق به وكان ذلك لا يؤدي إلى الإضرار بهذه المرأة فلا حرج فيه، والله تعالى أعلم.
السؤال (24)
هل يجب الإنصات لتلاوة القرآن ولو كان صادراً من المذياع من الجيران مثلاً أو من غرفة في البيت أو منبعثاً من مئذنة مسجد في وسط النهار أو في الليل مع العلم أنه يميز الحروف، وما حكم الكلام في مثل هذه الحالة؟
الجواب:
الله تعالى يقول (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأعراف:204)، أمر بالاستماع إلى قراءة القرآن والإنصات له عندما يقرأ وناط الرحمة بذلك، ومعنى ذلك أن هذا يجب، يجب ذلك لأنه مأمور به والأمر محمول على الوجوب ما لم تصرفه قرينة وليست هنا قرينة صارفة، بل القرينة مؤكدة على أن الأمر للوجوب لأن الرحمة نيطت بذلك، وكون الرحمة تناط بهذا ذلك دليل الوجوب.
ثم مع هذا لا بد أيضاً من أن ينبه الإنسان إذا كان هنالك ضرورات مع الناس فإنه لا ينبغي أن يُعرّض القرآن نحن نجد مع السف الشديد في متاجرهم أحياناً يشغلون أشرطة للقرآن الكريم أو في المقاهي أو في هذه الأماكن مع أن الآتي إلى هنالك ما جاء ليستمع إلى قراءة قارئ وإنما جاء ليعطي ويأخذ، جاء ليشتري فلا بد من أن يشتري ولا بد من أن يتحدث، والحديث مع قراءة القرآن محرم فينبغي التنبه لذلك. (3/224)
صفحة 1211
قراءة القرآن لا تكون في مثل هذه الأماكن وإنما تكون في الأماكن التي ينصت للقراءة فيها.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
30 من جمادى الأولى 1425هـ، 18/ 7/2004م
الموضوع: الوحدة الاسلامية
السؤال (1)
لماذا يختلف المسلمون وهم يقدمون للعالم أرقى القواعد في فقه الاختلاف؟ هل هناك نواح أخرى تتدخل في مسائلهم؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الله تبارك وتعالى من فضله على عباده لم يتركهم لأهوائهم ونزعاتهم ونزغاتهم، بل أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة.
وقد أتم الله سبحانه وتعالى عليهم نعمته وأكمل لهم الدين بأن بعث فيهم عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلّم، الذي جاء إلى هذا الوجود والناس متفرقة مسالكهم، متنوعة نزعاتهم ونزغاتهم، متباينة أهوائهم ورغباتهم، كل يدعي أنه على الصواب، فجمع النبي صلى الله عليه وسلّم بأمر الله هذا الشتات، وألف الله تعالى به بين هذه القلوب المتنافرة، وجمع به بين هذه الفئات المتدابرة، فإذا بالشقاق وفاق، وإذا بالنزاع وئام، وإذا بالاختلاف ائتلاف، جمع الله تبارك وتعالى به بين الذين ورثوا العداوات وورثوها أولادهم، فظلوا يتطاحنون في حروب دامية أكلت الأخضر واليابس وأتت على الطارف والتليد وأهلكت الحرث والنسل، فإذا بهؤلاء يتفقون جميعاً في ظل العبودية لله تعالى. (3/225)
صفحة 1212
والله سبحانه يذّكر هؤلاء العباد النعمة العظيمة التي أسبغها عليهم بأن أخرجهم من الظلمات إلى النور ومن الشقاق إلى الوفاق ومن الاختلاف إلى الائتلاف ومن التدابر إلى الاجتماع والتعاون فيما بينهم يقول سبحانه (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (آل عمران: من الآية103).
وقد قبض الله تعالى عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلّم بعدما كانت هذه النعمة نعمة سابغة على هذه الأمة شاملة لجميع أفرادها إذ تآلفت قلوبهم برباط الإيمان الذي يوحد ولا يشتت ويجمع ولا يفرق، ثم بعد ذلك ولي الأمر خلفاؤه الراشدون رضي الله تعالى عنهم وهم الذين ساروا على نهجه واتبعوا هديه إلى أن لقوا الله تبارك وتعالى.
ثم تحول الأمر إلى سياسة غاشمة كانت تتبنى توجهاتها حسب أهواء الأفراد الذين تربعوا على سدة الحكم، فكان الأمر بخلاف ذلك، إذ أخذت العرى تنقض عروة عروة ووقع الخلاف، وكل من كان في ركب تلك السياسة كان مرضياً عنه وكان معدوداً من الصالحين وكان معدوداً من الموافقين، ومن كان بخلاف ذلك كان أمره خلافه.
ونجد البون الشاسع والفرقة البعيدة والشقة المتنائية ما بين الوضع في عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم والوضع في تلكم السياسة التي قامت من بعد، ففي عهد الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم يقول أحد الخلفاء على مسمع ومرأى من الناس (أيها الناس إذا رأيتم فيّ اعوجاجاً فقوموني) فيقوم له أحد من عامة الناس ويقول له: والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا. فما يكون منه إلا أن يحمد الله على أن جعل في أمة محمد صلى الله عليه وسلّم من يقوم اعوجاجه بسيفه. (3/226)
صفحة 1213
بينما الأمر بعد ذلك وصل إلى أن يقول أحد الذين تربعوا على دست ما يسمى بالخلافة يقول (أيها الناس لست بالإمام الضعيف ولا بالإمام المداهن ولكن لن يقول لي أحدكم اتق الله حتى يكون السيف أسرع إلى عنقه من قوله إلى سمعه). ومع ذلك قيل بأن هذا الذي ولي الأمر بالقوة والجبروت هو على حكم الله سبحانه وتعالى، وأنه أصبح حاكماً بأمر الله وأصبحت طاعته واجبة على الرعية.
هكذا انقلبت الموازين رأساً على عقب. فبسبب هذا حصل الاختلاف وحصل التفرق، فمن الناس من سلك في معارضة ما كان قائماً مسلكاً معتدلاً، لم يخرج به إلى الشطط والانحراف، بل ظل مع هذا كله يحافظ دائماً على مثل الإسلام وأخلاق الإسلام وقيم الإسلام وتعاليم الإسلام.
ومن الناس من أثّرت فيه الأحداث القائمة ردة فعل أدت به إلى الشطط والبعد عن المنهج السوي والغلو والإفراط. فهذا هو الذي أدى بالناس إلى التفرق والاختلاف بطبيعة الحال.
فمهما يكن من أمر فإن تلك الأحداث التي جاءت بعد عهد الرسالة وعهد الخلافة الراشدة هي التي أدت إلى ما أدت إليه وهي التي أوجدت هذا الاختلاف بين الأمة.
ولكن تلك أحداث انقضت عصورها، تلك أحداث لا ينبغي أن تلاك بالألسن وإن كان كثير من الناس الآن يحرص على السير في ذلكم الاتجاه الذي قلب الموازين رأساً على عقب بحيث جعل المحق مبطلاً والمبطل محقا، كثير من الألسن تلوك ذلك.
ولكن نحن نرى أن طي تلك الصفحة وإصلاح الأمة وبنائها على أسس من الفكر السليم ومن السلوك المستقيم على هدي القرآن الكريم والثابت الصحيح من سنة الرسول صلى الله عليه وسلّم هو الذي سيؤدي بالأمة إلى الوفاق والتآلف من جديد بمشيئة الله، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.
فالأمة بحاجة إلى صياغة تكون امتداداً لتلك الصياغة التي كانت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم ثم في عهد خلفائه الراشدين، والله تعالى الموفق.
السؤال (2) (3/227)
صفحة 1214
من خلال كلامكم رأيتم أن الخلاف هذا كان بسبب تأثير سياسي عندما غاب النصح عن أولئك الذين تربعوا على عروشهم، لكن لماذا استجاب العلماء لهذا الاتجاه وبدأت هناك تصنيفات ومذاهب متفرقة وفهم الموضوع على أنه قضية علماء ومذاهب لا دخل له في الأمور السياسية؟
الجواب:
على كل حال ينبغي أن نفرق بين اختلاف المذاهب في القضايا الفقهية القضايا الفرعية التي لا تشتت الأمة ولا توزعها، هذه لا نعد الاختلاف فيها بلاءً ونقمة، وإنما نعد الاختلاف فيها رحمة ونعمة.
أما الاختلاف الذي يؤدي إلى التفرق والتنابز بالألقاب وقذف كل طائفة أخرى بما تقذفها به ومحاولة وصفها بالأوصاف البعيدة عن الحق هذا هو الذي يعاب وهو الذي لا يقر أبدا.
السؤال (3 (
أنتم رأيتم أن الاختلاف في بعض الأحيان يكون رحمة فكيف تكون الموازنة في هذه الحالة بين الانتماء المذهبي وبين الدعوة إلى الوحدة الإسلامية، هل تعني الدعوة إلى الوحدة الإسلامية أن يتخلى الإنسان عن طريقته التي سلكها وعن مذهبه الذي اقتنع بقواعده؟
الجواب:
ليست هنالك دعوة إلى أن يتخلى أحد عن مذهبه، إلى أن يتخلى عن قناعاته، ولكن هناك دعوة إلى أن يكون هذا الاختلاف اختلاف تكامل لا اختلاف تنافر، أن يكون بين الأمة تكامل، أن يكون بين الأمة وفاق، أن يكون بين الأمة تراحم، أن يكون بين الأمة تلاحم، هذا الذي يدعى إليه.
السؤال (4)
هل تلاحظون أن هناك تحميل للأجيال الجديدة ما كتبه الأقدمون؟
الجواب:
لا ريب أنه يجب أن يوضع كل شيء على المحك الصحيح الذي يفرق ويباين بين ما هو صحيح وبين ما هو زائف.
لا بد من أن تكون هنالك معايير يوزن بها كل ما قيل وكل ما كتب، سواءً ما كتبه الأقدمون أو ما كتبه من جاء من بعدهم، إذ ليست هذه الكتابات وحياً يوحى، إنما كانت بإيحاء من مواقف معينة، من سياسات معينة، من أغراض معينة هي التي أدت بالأمة إلى هذا التفرق وهذا الاختلاف والتشرذم.
السؤال (5) (3/228)
صفحة 1215
في واقع المسلمين الآن يلاحظ أنهم سمحوا لوسائل الإعلام أن تصنفهم إلى فرق بمسميات مختلفة، لا تكاد تحدث في بلد إسلامي مشكلة إلا سارعت وسائل الإعلام إلى تصنيفهم، هذه التصنيفات عندما يسمعها المسلم تترسخ في نفسه وعندما يسمعها غير المسلم يتوهم الفرق الكبير، السماح لوسائل الإعلام بهذه الكيفية ما قولكم فيها؟
الجواب:
إن الله تبارك وتعالى أدبنا بأدب الإسلام، ومن هذا الأدب أنه نهانا عن الكثير من الأمور، نهانا عن السخرية، ونهانا عن التنابز بالألقاب، ونهانا عن إساءة الظنون، ونهانا عن الاغتياب، كل ذلك من أجل أن تكون هنالك وحدة متكاملة بين الأمة. (3/229)
صفحة 1216
الله سبحانه وتعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 11 - 13)، هذه الآيات لو نحن عملنا بها وتأدبنا بأدبها وتخلقنا بأخلاقها لكانت هذه الآيات كفيلة لأن تقضي على عنصر الخلاف بين الأمة، وأن توحد هذا الشتات، وأن ترأب هذا الصدع، وأن تأتي على هذا الشقاق والاختلاف ما بين الأمة، فإن الله تبارك وتعالى ينهى هذه الأمة أن يسخر بعضها من بعض، ومن هذه السخرية ما يكون من وصف هذه الطائفة بأنها كذا ووصف تلك الطائفة بأنها كذا، وخلع الألقاب المستهجنة على الأمة الإسلامية وعلى جماعاتها، بحيث يكون ما بين هذه الجماعات شبه حرب إعلامية هذه تصف تلك بما تصفها به، وتلك تصف هذه بما تصفها به، هذا مما لا يجوز شرعا. (3/230)
صفحة 1217
كذلك الله تبارك وتعالى ينهانا عن اللمز، وعندما نهانا عن اللمز لم يقل (ولا يلمز بعضكم بعضا)، بل قال (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ)، ومعنى ذلك أن هذا اللمز عندما يصدر من أحد فإنما واقع على نفسه ولو كان هو في حق أخيه، إذ بلمزه أخيه إنما يلمز نفسه، فهو يطعن نفسه بما يطعنها به من القول البذيء والوصف القبيح.
كذلك ينهانا الله تبارك وتعالى عن التنابز بالألقاب، أي الألقاب الشائنة القبيحة التي ينبز بها بعض بعضا، هذا مما نهانا الله تعالى عنه هنا.
ثم مع ذلك ينهانا الله تبارك وتعالى عن الظن، يأمرنا باجتناب الكثير من الظن لأن بعض الظن إثم، أي الظن الذي يحالف الحق هو إثم.
وينهانا عن التجسس مطلقاً، ولم يقيد ذلك بالتجسس على مسلم ولا غيره لأن العورات يجب أن تستر.
ثم ينهانا الله تبارك وتعالى عن أن يغتب بعضنا بعضا، ويمثل هذه الغيبة في صورة من ينهش لحم أخيه وهو ميت.
ثم يتبع ذلك سبحانه وتعالى بيان أن الناس جميعاً مهما اختلفت ألسنتهم وألوانهم وعناصرهم وأصولهم النسبية هم يرجعون إلى أصل واحد، يرجعون إلى أب واحد، ويرجعون إلى أم واحدة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، فلا عبرة بالأحساب والأنساب، وإنما العبرة بالتقوى، فالتقوى هي ميزان التفاضل، لا فضل لهذا على ذاك بسبب عنصره وأصله، ليس أحد من الناس ينتسب إلى الله تبارك وتعالى، إذ الله عز وجل منزه عن أن يكون ولد، وهو سبحانه وتعالى ليس له جنس -تعالى الله عن ذلك -، فليس بينه وبين أحد من خلق الله نسب، وليس بينه وبين أحد من خلق الله سبب إلا ما يكون من التقوى، إنما السبب الذي يصل العباد بالله تقوى الله. (3/231)
صفحة 1218
فعندما يكون الإنسان مستمسكاً بحبل التقوى يكون موصولاً بالله، وعندما يكون مفرطاً في الاستمساك بحبل التقوى يكون بعيداً عن الله، فلذلك كانت منازل الناس متفاوتة بقدر استمساكهم بهذا الحبل المتين.
السؤال (6)
هل توجهون الآن من خلال هذا البرنامج دعوة لوسائل الإعلام الإسلامية التي تملك زمام نفسها أن تتجنب هذه الألقاب في المرحلة القادمة؟
الجواب:
نعم لا بد من ذلك، نحن نرى كيف أدبنا القرآن، الله تبارك وتعالى عندما يخاطب هذه الأمة يقول (يا أيها الذين آمنوا)، هذا الخطاب الذي يخاطب به المؤمنين، لم يخاطب الله تبارك وتعالى المؤمنين إلا بهذا الخطاب، وعندما يخاطبهم مع غيرهم من الأمم الأخرى يقول (يا أيها الناس).
الله تعالى لم يخاطب ناساً في القرآن الكريم بعبارة بذيئة أو بعبارة تؤدي إلى شيء من الحرج في النفس، وإنما عندما يخاطب حتى الكفرة يقول لهم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (الحج: 1)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً (النساء: من الآية 1)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة: 21)، هكذا يخاطب الله سبحانه وتعالى جميع طوائف العباد بقوله (يا أيها الناس)، ولا يخاطبهم خطاباً فيه شيء من اللمز والطعن أو نحو ذلك، فهكذا ينبغي.
هذا الأدب الذي أدب الله تبارك وتعالى هذه الأمة، فعلى هذه الأمة أن تدرك ذلك.
السؤال (7)
في عالم تتسابق فيه الدول المختلفة إلى الاجتماع وتوحيد الكلمة، وتتعدى ذلك إلى توحيد عملتها وهي رمز الاقتصاد، تركض إلى المسلم أينما كان أسئلة مختلفة لماذا لا يتم ذلك بين المسلمين؟ (3/232)
صفحة 1219
لم يكن لدى تلك الشعوب نصوص ربانية تسوقها إلى الوحدة، وليس بينها وبعضها قواسم مشتركة وروابط عرقية أو دينية أو لغوية، وصفحات معظمها مصبوغة بالحروب الطاحنة بينها وبين إخوتها، لكنها ما إن سمعت صوت المؤذن بالتجمع والاتحاد حتى أصغت إليه باهتمام وتنادت في المشارق والمغارب أن هلموا فاجتماعنا على قولنا مرجوح خير من تفرقنا على قول راجح.
والمسلمون واأسفاه يمتلكون المقومات اللازمة لهذه الوحدة، ويضمون إلى ذلك رصيداً ضخماً من القواسم والروابط المشتركة، وفوق هذا وذاك مأمورون شرعاً بهذا الاتحاد، لكنها لا تزال كلمات تزحم الأوراق، ومجاملات تخرج من جيب التقية أحياناً ومن ملفات تحسين الصورة أحياناً أخرى.
فما هو العلاج، وما هو الحل؟
الجواب:
حقيقة الأمر لا ريب أن الأمم التي أخذت تتجمع وتتحد أدركت مصالحها، وأدركت أن الفرقة عذاب وأن الوحدة رحمة، وأن الفرقة ضعف وأن الوحدة قوة، وأن الفرقة تعب وأن الوحدة راحة، فلذلك سارعت إلى ما فيه مصلحتها، بينما أمة الإسلام قبل أن تكون الوحدة عندها استجابة لمصالحها هي استجابة لداعي الله تبارك وتعالى، فإن الله سبحانه وتعالى فرض عليها الوحدة، يقول الله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) (آل عمران:101 - 102) ويحذر الله عباده من التفرق والاختلاف عندما يقول عز من قائل (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (آل عمران 105)، والله سبحانه يبين الفرقة تؤدي إلى الضعف والتشتت، وتؤدي إلى انهيار القوة فيقول سبحانه وتعالى (وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال: من الآية 46). (3/233)
صفحة 1220
وهكذا نجد دعوة القرآن دعوة تدوي في هذا الوجود داعية هذه الأمة إلى الاتحاد والتآلف.
وقبل كل شيء فإن الله تعالى يثبت لنا في كتابه أن هذه الأمة أمة التوحيد أمة واحدة (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء: 92)، ويقول تعالى (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) (المؤمنون: 52).
فهذه الأمة إنما تجتمع وتتآلف في ظلال العبودية لله، وفي ظلال تقوى الله، لأن عبادة الله تعالى هي جامعة هي جامعة غير مفرقة.
كل عبادة من العبادات المشروعة في الإسلام تنتزع من صدور العباد السخائم والأحقاد، وتفيض فيها شعوراً بواجب الوحدة الإيمانية الرابطة ما بين عباد الله تعالى المؤمنين.
كل عبادة من العبادات تحطم الحواجز ما بين العابدين، وتقضي على أسباب الفرقة والاختلاف بينهم ليترفعوا فوق أهوائهم ونزعاتهم ونزغاتهم متوجهين إلى الله تعالى المعبود الواحد الذي فرض بينهم هذه العبادة وفرض عليهم عبوديتهم له.
فإذاً الإسلام هو داعٍ إلى هذه الوحدة.
ومع ذلك نحن نجد أن دواعي الاتحاد بين الأمة كثيرة، فقبل كل شيء الرب المعبود واحد (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (البقرة: 163)، فما دام المعبود هو الله تعالى فإذاً هذا وحده من دواعي الائتلاف.
كذلك بجانب هذا كيفية العبادة، لأن الصلوات التي تؤديها الأمة هي التي نفس الصلوات التي اتفقت عليها جميع طوائفها.
فما من قائل بأن هناك أربع صلوات أو صلاتان أو ثلاث أو ست أو عشر، وإنما الكل يقطع بأن الفروض التي تتكرر في اليوم والليلة هي خمسة وليست أكثر من ذلك ولا أقل.
كذلك هذه الأمة متفقة في وجوب صيام شهر رمضان، ومتفقة في وجوب تزكية المال، ومتفقة في وجوب حج بيت الله الحرام وهو لقاء عام بين عباد الله تعالى المؤمنين. (3/234)
صفحة 1221
كما أن هذه الأمة أيضاً قبلتها واحدة، وكتابها الذي ترجع إليه وتعتمد عليه كتاب واحد، ونبيها الذي تأتم به وتهتدي بهديه هو نبي واحد.
كل ذلك مما يدعو إلى الألفة والاجتماع فإذاً ما يجمع هذه الأمة الشيء الكثير الكثير.
فالأمة لو أنها أخذت بأسباب الوحدة فما عندها من الرصيد الديني والرصيد الفكري كافٍ لأن يؤلف بينها ويجمع شتاتها.
السؤال (8)
قال الله تعالى (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) (المائدة: من الآية 14) هل لهذه الآية علاقة بغياب الوحدة الإسلامية؟
الجواب:
هذه الآية لا تعني هذه الأمة. هذه الآية لغير هذه الأمة. وبطبيعة الحال حصلت ما بين أولئك مجازر وحروب طاحنة بسبب الاختلاف في بعض الأشياء التي لا تمس الحقيقة ولا تداني الحقيقة. اختلفت طائفتان من النصارى الملكانية والمنفوسية في طبيعة المسيح، هل طبيعة المسيح طبيعة لاهوتية محضة، أو طبيعة مزدوجة تجمع ما بين اللاهوتية والناسوتية وأدى هذا إلى حروب طاحنة ما بين الجانبين.
السؤال (9)
أنتم ذكرتم في محاضرة من محاضراتكم أن الوحدة العربية تمتلك من المقومات ما لا تمتلكه الأمة الإسلامية من غير العربية، فما هي هذه المقومات؟
الجواب:
العرب إن استقاموا واستمسكوا بحبل الله تعالى المتين واتبعوا نوره المبين هم محط أنظار الأمة الإسلامية بأسرها من أقصاها إلى أقصاها، لأن الله تعالى أكرم العرب بأن بعث فيهم عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلّم، وهو منهم أي من جنسهم لأنه ينحدر من أصولهم، وهو أيضاً مبعوث بلسانهم، بعثه الله تعالى بلسانهم، فجاء القرآن الكريم الكتاب المعجز بهذا اللسان عربي مبين، فكان ذلك داعياً إلى توقير العرب وتقديرهم. (3/235)
صفحة 1222
ولا ريب أن اللسان رابط، فاللغة رباط ما بين الناس كما أن الفكر رباط، وهذا ما وجدنا المستعمرين قد أدركوه، فإن المستعمر في أي بلد يستعمره يحرص أن يفرض على أهل البلد لغته بحيث تكون تلك اللغة هي لغة الثقافة لتكون جسراً تعبر أفكاره عليه إلى تلك الأمة.
فإذاً لغة القرآن لغة رابطة، وبما أن العرب يتقنون هذه اللغة هم لا ريب قادرون على فهم القرآن أكثر من غيرهم، وقادرون على التوصل إلى أحاديث الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام أكثر من غيرهم، فهناك ما يدعو هؤلاء إلى أن يكونوا أكثر تآلفاً وأكثر تقارباً وأكثر تراحماً وأكثر تلاحماً، وهذا لا يعني أن يفصلوا الأمة الأخرى، أن يفصلوا بقية الأمة أي الشعوب الأخرى عنهم، بل الوحدة الإسلامية تجمع بين العربي والأعجمي وبين الأبيض والأسود وبين القريب والبعيد، لا عبرة بالأنساب والأحساب، وإنما العبرة بالإيمان، فكل كل من كان مؤمنا بالله واليوم الآخر فهو أخونا، ولكن بما أن العرب وجدت فيهم هذه المؤهلات لقيادة الأمة فإنهم إن استمسكوا بهذه المؤهلات وأخذوا بحجزتها كان في ذلك أثر كبير في نفوس الأمة، والأمة بأسرها تقدرهم، ونحن نجد ذلك فيما يقوله المفكرون والكاتبون من أمة الإسلام، الكل يقدر العرب، والكل يتمنى للعرب أن يكونوا على وحدة ووئام وعلى ألفة، وحتى أن بعضهم قال بأن تضحية شباب العرب هي قنطرة عودة أمجاد هذه الأمة إليها، يعني عندما يكون العرب مستمسكين بدين الله سبحانه وتعالى فإن ذلك مما يؤدي إلى هذه الأمة أن تتماسك وأن تتعاون وأن تتآزر وأن تتناصر. (3/236)
صفحة 1223
ثم مع هذا كله أيضاً العرب مكانهم مكان وسط في هذه الأمة، يكفي أنهم جيران بيت الله تعالى الحرام، فهم بجوار الله تبارك وتعالى، ويكفي أن بقية بلادهم تلتف حول بيت الله تعالى الحرام هذا أيضاً مما يعطيهم مكانة، بلاد العرب مقصودة من جميع أمة الإسلام، هذا كله مما يقوي جانب العرب من أجل جمع شتات هذه الأمة والتأليف فيما بينها.
السؤال (10)
مع زحمة المجامع الفقهية والمؤتمرات الإسلامية والروابط الإسلامية هل تشعرون أن علماء المسلمين لا يزالون بحاجة إلى اتحادات أخرى لتوحيد الأمة وعلمائها واجتماعها؟
الجواب:
الأمة الإسلامية تحس من أعماق نفسها بأنها هي بحاجة إلى الوحدة، ولا ريب أن الأزمات التي تمر بها والمحن التي تلاقيها والصعاب التي تكابدها كل ذلك مما يحدوها إلى الاتحاد، ومما يفجر في نفسها مشاعر هذه الأمنية العظيمة، أمنية اتحادها وتألفها وترابطها.
ونحن نحس الآن بأن الوحدة أصبحت هاجس كل مسلم.
كل مسلم يتمنى الاتحاد، والذين هم مخلصون من فئات هذه الأمة جميعاً يحسون بالسأم من هذا التفرق، ومن هذا الاختلاف، ومن هذا التنازع، ومن هذا التشتت ومن هذا التشرذم فلذلك يطمعون في هذه الوحدة، ويطمحون إليها، فهذا مما يحفز الهمم.
ولكن الأمة بحاجة كما قلت سابقاً فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي هي بحاجة إلى تخطيط سليم وإلى تنفيذ سليم، هذا ليس خاصاً بالجانب الاقتصادي فحسب وإنما هو في جميع الجوانب، في الجانب الاجتماعي في الجانب الثقافي والإعلامي، في كل الجوانب الأمة الإسلامية بحاجة إلى هذين العنصرين، بحاجة إلى تخطيط سليم وبحاجة إلى تنفيذ أمين. (3/237)
صفحة 1224
فالأمة الإسلامية مقومات اتحادها كثيرة وهي قائمة بمشيئة الله سبحانه وتعالى، وإنما وجدت عصبيات ووجد الجهل، وأججت الأحقاد في نفوسها عوامل مختلفة منذ قديم، والموروثات الفكرية التي أدت بالأمة إلى الاختلاف والتنازع والتشتت تعمقت هذه المؤثرات في نفوسهم إلى أصبحت كل طائفة منهم تحرص على أن تستمسك بمواريثها ولا تحاول قط أن تعرض هذه المواريث قط على الأصول التي يجب أن يرجع إليها وهي كتاب الله تعالى أولاً ثم الثابت الذي لا خلاف فيه من السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
السؤال (11)
ذهبتم قبل أيام إلى بريطانيا لحضور اجتماع اتحاد علماء المسلمين، هل ذلك الاتحاد رأيتم أنه أضاف شيئاً جديداً فوق تلك الاجتماعات أو المؤتمرات التي كنتم تحضرونها فيما مضى؟
الجواب:
الاجتماع بمشيئة الله تبارك وتعالى تم في ظروف ما كان يحسب فيها أن يتم مثل هذا الاجتماع، إذ حضر من بقاع الأرض نحو مئتين يحدوهم الحب الذي في نفوسهم للألفة والوحدة والترابط برباط العقيدة السمحة التي تجمع ولا تفرق.
والاجتماع كان نواة لخطة نرجو أن تكون بمشيئة الله سليمة، ونرجو أن يعقبها التنفيذ الأمين. نرجو أن تكون هذه الخطة خطة سليمة، خطة محكمة ومدروسة وتتضافر الجهود بمشيئة الله تعالى من أجل هذه الدراسة حتى تعد لاستيعاب هذه الأمة وتوحيدها وإيجاد التسامح فيما بينها بمشيئة الله سبحانه.
فهذه إضافة جديدة بجانب الجهود المبذولة فيما تقدم.
السؤال (12)
عمان في القديم والحديث ما هي إسهامات علمائها في توحيد الأمة الإسلامية؟
الجواب:
عمان منذ أمد بعيد حرصت على الوحدة، وحرصت على الألفة، وحرصت على الإنصاف، إنصاف كل أحد، ولذلك نجد في كنف أهل عمان تعيش فئات الأمة جميعاً على اختلافها، تعيش في كنف الوحدة والتعاون فيما بينها. (3/238)
صفحة 1225
هذا ما كان معروفاً عند العمانيين سواءً هنا أو في خارج أرض عمان، حتى أنه قبل خمس سنوات تقريباً كنت في اجتماع لافتتاح مسجد لجماعة عمانية في الجزيرة الخضراء، وحضر في ذلك الوقت نائب الرئيس التنزاني السابق وهو الدكتور عمر علي جمعة، وألقى خطاباً على الجمهور هناك، وكان فيما قاله في هذا الخطاب قال: ليس بيننا وبين الإباضية أية مشكلة، هؤلاء القوم كانوا حكامنا في وقت من الأوقات حكموا بلادنا، ولو شاءوا لحولونا جميعاً إلى مذهبهم، ولكن لم يقف تسامحهم عند حد أنهم يتركوننا وحرياتنا في اختيار المذهب الذي نختاره بل كانوا بجانب ذلك أيضاً يبنون المساجد ويسلمونها إلينا، هذا التسامح هو مثال في التسامح الذي يجب أن يحتذى، فعلى المذاهب الأخرى أن تتعلم من هذا التسامح).
ألقى هذا الخطاب وقاله أمام الجمهور وقد بث عبر وسائل الإعلام هناك، وتمنيت في ذلك الوقت أن لو ترجم إلى العربية ونشرته وسائل الإعلام هنا في عمان.
هكذا قال، فإذاً العمانيون ضربوا أروع الأمثال فيما يجب أن يكون عليه المسلمون من التسامح، وهذا لا يرجع إلى العمانيين فحسب بل إخوانهم من أهل شمال أفريقيا ضربوا هذه الأمثال الرائعة، وذكر ذلك في من ذكر ابن الصغير في كتابه الذي أرخ فيه لأئمة الرستميين، ذكر بأن الأئمة الرستميين كانوا مثالاً في التسامح، مع أنه لم يكتم ما كان يدور ويعتمل بين حنايا نفسه بحيث قال (وإن كنا للقوم مبغضين ولسيرتهم كارهين) هكذا قال، ويقول بأنه كان مبغضاً لهم وكارهاً لسيرتهم، ولكن معه ذلك يصفهم بالعدل، ويصفهم بالتسامح، ويصفهم بأن الشعوب كانت تلقى مأمناً في كنفهم، فكانت (تيهرت) عاصمتهم في وقتهم مأمناً للشعوب، ولذلك يقول كنت تجد في تيهرت الديار المختلفة، يقال لك هذه دار فلان العراقي وهذه دار فلان الشامي وهذه دار فلان المصري، يعني أن الشعوب كانت تأرز إلى ذلك المكان لما وجدوا فيه من التسامح. (3/239)
صفحة 1226
فهكذا كانت سيرة سلفنا بمشيئة الله تعالى، كانوا مثالاً في التسامح، وهذا ما قالوه وما أعلنوا عنه فيما قبل هذه الفترة بكثير أي في بداية تاريخ انقسام الأمة وتفرقها، كان أبو حمزة الشاري رحمه الله يعلن على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلّم (الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة: مشركاً بالله عابد وثن، أو كافراً ًمن أهل الكتاب، أو إماماً جائرا).
ولكن مع هذه الكلمات المنصفة نجد أن من الناس من حاول أن يصورها في صورة الشيء القبيح بحيث قال بأن براءته من الإمام الجائر تدل على سوء طويته وانحراف عقيدته، وما درى هذا بأن البراءة من الإمام الجائر إنما سبق إليها الله تعالى ورسوله، فالله سبحانه وتعالى لا يرضى الظلم، بل نهى عن نفس الركون إلى الظلم وشدد فيه وتوعد عليه بالنار حيث قال (وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) (هود: من الآية 113).
ونجد أن سبحانه وتعالى يبين لنا في كتابه أن أي انحراف عن الحق يقتضي البراءة، الله تبارك وتعالى يقول فيما يحكيه عن نوح عليه السلام أنه قال (إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ) (هود من الآية 45)، فرد الله تبارك وتعالى عليه بقوله (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) (هود: من الآية 46)، قال له إنه ليس من أهلك، ثم علّل ذلك بأنه عمله عمل غير صالح حيث قال (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ)، وفي قراءة حمزة (إنه عَمِلَ غير صالح)، هذه قراءة حمزة من القراء السبعة، وقرأ بها أربعة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وهم علي وابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم حسبما ما في ذاكرتي. تدل هذه القراءة تدل على أن العمل غير الصالح الذي يصر عليه صاحبه يقتضي فصله.
والنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: من غشنا فليس منا. ولئن كان هذا في غش الأفراد فكيف بمن غش الأمة بأسرها.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه (3/240)
صفحة 1227
7 من جمادى الثانية 1425هـ، 25/ 7/2004م
الموضوع: دور الإباضية في الوحدة الإسلامية
السؤال (1)
وقف بنا الوقت في الحلقة الماضية عند النقطة التي تحدثتم فيها عن خطاب أبي حمزة الشاري رحمه الله عندما قال (الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة .... )، كنتم توضحون تلك النقطة وقد تحدثتم عن التسامح العجيب الذي سجله العمانيون في القديم والحديث مع المذاهب الأخرى ومع الأمة الإسلامية ككل، فلو تكرمتم بإكمال هذا الموضوع ..
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فلا ريب أن كل من رضي بالله تعالى رباً، وبالإسلام دينا، وبالقرآن هادياً ودليلاً، وبمحمد صلى الله عليه وسلّم قائداً ورسولاً ينزع منزع الوحدة ما بين الأمة، لأن الوحدة يصبح بالنسبة إليه هو الهم الذي يؤرقه، والشاغل الذي يلم بباله، والهدف الذي يسعى إليه في حياته.
فالناس دائماً بالنظر إلى هذه العقيدة عندما ينطلقون منها وتكون نفوسهم مخلصة لله تبارك وتعالى ونواياهم طيبة إنما يسعون إلى لم الشعث ورأب الصدع وتوحيد الكلمة وتأليف النافر وتقريب البعيد.
وقبل أن أخوض في هذا أريد أن أقول بأن كل ما في دين الإسلام إنما يؤدي إلى الوحدة من عبادات ومن أخلاق ومن مُثل.
هذه الصلاة جعلها الله تبارك وتعالى سبباً للوحدة عندما تؤدى على الوجه المشروع، ويكفي ما نشاهده من مظهرها بحيث إن القوي والضعيف يقفان معاً، والحاكم والمحكوم أيضاً يصفان جميعاً، والغني والفقير لا فرق بينهما، والعربي والأعجمي أيضاً لا يفترقان في شيء.
فإذن هذه الصلاة تقضي على جميع الحواجز التي تفصل بين الإنسان والإنسان، فهي تحطم الحواجز، وتجتث النعرات، وتنتزع السخائم والأحقاد عندما يجتمع المسلمان راكعين ساجدين واقفين بين يدي الله تعالى. (3/241)
صفحة 1228
كذلك بالنسبة إلى الصيام، كذلك بالنسبة إلى الزكاة، كذلك بالنسبة إلى الحج، كل من ذلك يؤدي هذه الغاية التي ينشرها الإسلام في أبنائه.
ولا ريب أن أهل عمان نظراً إلى المبدأ الذي آمنوا به، والطريق الذي نهجوه يحرصون دائماً مع إخوانهم – كما قلت - في كل مكان على هذه الوحدة.
لا يقيمون للخلافات المذهبية وزناً بحيث تحول بين مسلم وبين وصوله إلى حقه، أو بين مسلم وبين أن يمنح الحق في أن ينعم بجميع الحقوق الإسلامية التي فرضها الله تبارك وتعالى بين المسلمين.
ومما هو واضح في هذا ما كان من طالب الحق عبدالله بن يحيى الكندي رحمه الله تعالى عندما ولي الأمر في صنعاء، وقد كان خرج من أرض حضرموت إلى بلاد صنعاء، من جنوب اليمن إلى شمال اليمن. خرج في نفر من أصحابه، وكانوا من الفقر بحيث إن أبا حمزة يصفهم بأن النفر الكثير منهم يتعاورون لحافاً واحداً ويتعاقبون على بعير واحد، ولكن عندما جاء إلى صنعاء ووجد الأموال الكثيرة التي جباها القاسم بن عمر الثقفي ما استباح هذه الأموال لنفسه ولا آثر بها أصحابه، وإنما قال: هذه أموال جُبيت من أهل صنعاء بغير حق فيجب أن ترد إليهم جميعاً. ولم يفرق بين صاحب مذهب وآخر في ذلك، بل حرم أصحابه الذين جاءوا معه، كما حرم نفسه منها ومن الانتفاع بها.
وهذا مما سجله كتاب التاريخ على اختلاف اتجاهاتهم المذهبية، وفي هذا يقول الإمام السالمي رحمه الله:
وطالب الحق بصنعا حكما ... * ... بجعلها في أهلها واحتشما
لم يأخذن عند مضيق يومه ... * ... شيئاً لنفسه ولا لقومه
تعففاً منهم ومن كمثلهم ... * ... أكرم بهم من عصبة أكرم بهم
كانوا يموتون على ما أبصروا ... * ... من الهدى ما بدلوا وغيروا
هكذا كانوا يموتون على الهدى الذي أبصروه من غير أن يرضوا لأنفسهم بأن تتدخل العواطف الرعناء في تصرفاتهم وفي أعمالهم، بل كانت العواطف يعزلونها جانباً وإنما يجعلون نصب أعينهم كتاب الله تبارك وتعالى. (3/242)
صفحة 1229
وطالب الحق هو الذي بعث بقائده أبي حمزة إلى أرض الحرمين، ولما دخل أرض مكة دخلها محرماً من غير أن يشهر سلاحاً، ومن غير أن يفعل شيئاً يؤدي إلى إزعاج الحجيج.
وبعض الناس أرادوا أن يؤلبوا عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك عليه وقالوا: احمل عليهم الحاج. هنا نرى الفرق الكبير بين تصرف وتصرف. بين تصرف أبي حمزة الشاري وبين تصرف هؤلاء الذين يريدون أن ينبري حجاج بيت الله الحرام من أجل سفك دماء هؤلاء الناس. قالوا: احمل عليهم الحاج فلئن حملت عليهم الحاج لن يكونوا إلا أكلة رأس. معنى ذلك سيقضون عليهم بسرعة.
وأراد عبد الواحد أن ينابذهم فأرسل من أرسل إلى أبي حمزة بما يدل على قصدهم المنابذة، ولكن أبا حمزة أصر وقال: نحن لم نجيء لسفك دم أبداً، لم نجيء لنشهر سلاحاً نحن أضن بحجنا.
كانوا مراعين لحرمات البيت الحرام، وهذا الموقف النبيل الذي وقفه أدى بطبيعة الحال بعبد الواحد بن سليمان إلى أن ينسحب من مكة ويخلي مكة لهم.
وقد علق المعلقون عليه، ومهما يكن من هدف له فإنه على أي حال أدى ذلك إلى سلامة الناس من أن تسفك دماء في حرم الله تعالى الآمن.
وأقام بمكة وخطب خطباً شهيرة له بمكة، وأقام موازيين القسط هنالك، وحرص على أن يستمسك الناس بالقرآن وبهدي الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام.
ثم بعد ذلك خرج إلى المدينة المنورة بأصحابه ولقيتهم هناك جموع أهل المدينة الذين أُججت فيهم الأحقاد بسبب أنهم ألفوا في أيام بني أمية نمطاً من أنماط الحياة، حياة اللهو والمجون، وتوجهوا وجهة غير وجهة سلفهم من المهاجرين والأنصار. (3/243)
صفحة 1230
وأبو حمزة جاء ليعيد موازيين القسط إلى هذه الأرض، جاء ليعيد الناس إلى ما كانوا عليه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم وفي عهد الخلافة الراشدة، فبسبب تأجيج هذه الأحقاد جاءوا وصارت بينهم محاورات في الحديث، ولكن الحوار لم يؤد إلى تفاهم بل ظل أهل المدينة مهما وضح لهم من سواء المحجة ومن قوة الحجة عند أبي حمزة إلا أنهم أصروا على موقفهم، ولكنه قال لأصحابه: إياكم أن تبدأوهم بالقتال. حرصاً على جمع الشمل، حرصاً على التفاهم، حرصاً على ما فيه الخير.
وإذا بأهل المدينة يرمونهم بالسهام، ويصاب أحد من أصحاب أبي حمزة فقال: دونكم الآن فقد حل قتالهم. كان ذلك في قديد.
ثم جاء بعد ذلك إلى المدينة، وتحدث عن هدي الرسول صلى الله عليه وسلّم وهدي الخلفاء الراشدين وما كان من تبديل بعد ذلك وما كان من انحراف عن ذلك المنهج، وجاء إلى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلّم وبكى طويلاً، ووضع وجهه حيثما كان الرسول صلى الله عليه وسلّم يضع قدميه وقال: آه كم قدم عاصية لله منتهكة لحرماته حاكمة بغير من أنزل وطئت موضع قدمي النبي صلى الله عليه وسلّم بأبي هو وأمي.
وبكى حتى خضب لحيته بالدموع ثم خطب بعدما رقى درجة واحدة في المنبر تواضعاً لمقام النبوة، واستعرض سيرة الرسول صلى الله عليه وسلّم وسيرة الخلفاء الراشدين وما حصل من بعد، ثم دافع عن أصحابه قائلاً: (3/244)
صفحة 1231
(يا أهل المدينة تعيرونني بأصحابي تزعمون أنهم شباب، وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلا شبابا، نعم شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الحرام أعينهم، بطيئة عن الشر أقدامهم، أنضاء عبادة وأطلاح سهر، موصول كلاهم بكلالهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم وركبهم من طول السجود، مصفرة ألوانهم، ناحلة أجسامهم من كثرة القيام وطول الصيام، لقد نظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقاً إليها، وإذا مر بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه، مستقلون ذلك في جنب الله، مستنجزون لوعد الله، حتى إذا رأوا سهام العدو قد فوقت، ورماحه قد أشرعت، وسيوفه قد انتضيت، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت وأبرقت، استهانوا وعيد الكتيبة لوعد الله، فلقوا شبا الأسنة وشائك السهام وحد السيوف بوجوههم وصدورهم ونحورهم، ومضى الشاب هنالك قدماً حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، فخر صريعاً في الثرى، ورملت محاسن وجهه بالدماء، وأسرعت إليه سباع الأرض، وانحط إليه طير السماء، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خشية الله، وكم من يد أبينت عن ساعدها طالما اعتمد عليها صاحبها في سجوده لله، وكم من خد عتيق قد فلق بعمد الحديد، فرحم الله تلك الأبدان وأدخل أرواحهم الجنان).
هذه السيرة المرضية، ومع ذلك نحن نجد في وقتنا هذا من يقول بأن هؤلاء لم تغن عنهم عبادتهم من الله شيئا، ويصدر هذا التصريح ممن يعد ركيزة من ركائز الدعوة الإسلامية مع الأسف الشديد، هذا دليل تغلب العواطف واستسلام الناس لها.
وعلى أي حال نحن ما جاءنا للنقاش هذه القضايا، ولكن الذي نقوله بأن أبا حمزة في ذلك الوقت في المدينة المنورة أعلن هنالك (الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة مشركاً بالله عابد وثن، أو كافراً من أهل الكتاب، أو إماماً جائرا). (3/245)
صفحة 1232
ومع هذا نجد أن من الناس من أراد أن يؤجج الفتنة ضد أبي حمزة ومن يرى رأي أبي حمزة مدعياً بأن قوله (أو إماماً جائرا) مما يعاب عليه، ومما يدل على انحراف فكره وانحراف. كأنما الإمام الجائر كالإمام العادل في وجوب موالاتهما ووجوب محبتهما ومودتهما، مع أننا نجد في كتاب الله تعالى والله أصدق القائلين يقول (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) (هود: من الآية113)، مجرد الركون إلى أي ظالم كان هو سبب لأن تمس النار.
ونجد في كتاب الله تعالى أيضاً أن ابن نوح مع كون أبيه لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله، وبسبب رفضه أن يركب السفينة مع أبيه وإيواءه إلى الجبل بسبب ذلك عندما قال نوح (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) (هود: من الآية45)، جاء الجواب القاطع من قبل الله (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) (هود: من الآية46)، ما معنى (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ)؟ هل معنى ذلك أنك عليك أن تواليه وعليك أن تحبه؟ لا، (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) يعني براءة منه بسبب ذلك.
لماذا هذه البراءة؟ لم يعلل الله تبارك وتعالى ذلك بأن هذه البراءة بسبب إشراك منه صدر منه بالله تبارك وتعالى وكفر بدعوة أبيه. لا، ما قال ذلك، وإنما كان التعليل (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) (هود: من الآية46)، أي العمل الذي عمله غير صالح، وهذا مما أدى إلى أن تُقطع صلته بأبيه وأن لا يعتبر من أهل أبيه.
أيضاً نجد بجانب هذا أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلّم، عندما مر النبي صلى الله عليه وسلّم على قمح يباع، هذا القمح ظاهره جيد، فأدخل يده فيه وإذا هو مبلول من الداخل، ماذا قال الرسول صلى الله عليه وسلّم؟ قال: (من غشنا فليس منا). ما معنى (ليس منا)؟ (3/246)
صفحة 1233
إنما ذلك يقتضي التبرؤ ممن فعل هذا الفعل. ولئن كان ذلك في غش أحد من الناس للناس في مبايعته إياهم، فكيف إذا كان غشاً للأمة بأسرها في الانحراف بنهج الحكم فيها عن الطريق الحق، بحيث لا ينصف من الظالم للمظلوم بل يزيد المظلوم ظلماً أو يجتاح هو أموال المظلومين، أليس ذلك مما يصدق على أن من كان هذا النهج إنما هو نبرأ منه وليس منا.
هذه أمور ظاهرة ولكن الناس يتعامون عنها. على أن في حديث الرسول صلى الله عليه وسلّم كما جاء في حديث صحيحي البخاري ومسلم من حديث معقل بن يسار وهو حديث مرفوع إلى الرسول صلى الله عليه وسلّم (ما من عبد يسترعيه الله رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة).
كذلك أيضاً نجد أن النبي صلى الله عليه وسلّم كما جاء في حديث كعب بن عجرة عند الترمذي والنسائي (إنه سيكون أمراء فمن دخل عليهم وصدقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه وليس وارداً عليّ الحوض).
(ليس مني) يعني هذه براءة ممن أعان ظالماً على ظلمه. فكيف نفس الظالم كيف مع ذلك يقال بأنه لا يتبرأ منه، هذه براءة من الرسول صلى الله عليه وسلّم ممن أعان ظالما على ظلمه.
فكان موقف أبي حمزة وموقف غيره إنما يجسد العدالة. (3/247)
صفحة 1234
كذلك نجد العدالة كيف كانت تتمثل في سلوك السلف الصالح الذين كانوا مهما لقوا من سائر إخوانهم من المسلمين من اضطهاد وظلم إنما يقابلون الإساءة بالإحسان. كان الإمام أبو الخطاب المعافري اليمني رحمة الله تعالى عليه الذي بويع بالإمامة في طرابلس الغرب في عام مائة وأربعين للهجرة، في أوائل عهد بني العباس، كان مما يشدد فيه جداً عندما يخرج لأي موقعة أن لا يؤخذ من أموال العدو شيء. أي ممن يقاتلونهم، فقال له أحد من أصحابه: نأكل من أموالهم كما يأكلون من أموالنا. أي نجازيهم بما يصنعون، نجازي صنيعهم السيء بمثله. فرد عليه الإمام أبو الخطاب: إذاً حق على الله أن يكبنا معهم في النار فنكون كما قال الله تعالى (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا) (الأعراف: من الآية38).
هكذا قال، وعندما خرج إلى ورفجومة عندما جاءه استصراخ امرأة من أرض القيروان بعدما سيطرت عليها قبيلة ورفجومة الصفرية، وخرج لإنقاذ تلك المرأة وإنقاذ أهل القيروان هنالك، بعدما خرج شدّد على أصحابه في أن يأخذوا أي شيء من أسلاب مقاتليهم، وعندما مرت امرأة بالقتلى من أعدائهم ومعهم أسلابهم لم يؤخذ منها شيء قالت: كأنهم رقود. فسمي المكان رقادة، ولا يزال يسمى بهذا الاسم إلى وقتنا هذا.
هذه نماذج مما كان عليه السلف. هنالك كثير مما حصل من المتقدمين والمتأخرين.
السؤال (2)
هناك تهمة توجه للزحف الذي قام به أبو حمزة والموقف الذي وقفه العمانيون من بني أمية بأنهم رفضوا الانضمام إلى الجماعة الإسلامية العامة وشقوا عصا الطاعة فكانوا سببا من أسباب تفريق الأمة الإسلامية، هذا بالإضافة إلى التهمة التي توجه إلى أبي حمزة الشاري من أنه كان من الخوارج، وما هي الصلة بين هذا الفكر وبين ما يقال عن الخوارج؟
الجواب: (3/248)
صفحة 1235
أولاً قبل كل شيء نحن علينا أن ننظر إلى التاريخ نظرة فاحصة، نظرة مستبصر، نظرة من لا يخضع للعواطف، ولا يتأثر بالدعايات، نظرة من يجعل المحك كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلّم، بهذا يمكننا أن نفحص هذا التاريخ فحصاً دقيقاً ونحكم له أو عليه.
الحق فوق كل اعتبار، وكتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلّم فوق كل نزعات الناس ونزغاتهم.
الناس من شأنهم دائماً أن يكونوا مع الغالب، وهذا ما لمسناه ليس في التاريخ الغابر بل وفي الحاضر، لو أردنا أن نضرب مثلاً شخصية إسلامية لها وزنها ولها اعتبارها كان يتكلم عن أحد القادة ويمثله بعمر بن الخطاب أو بعمر بن عبد العزيز، وهذا مما عايشناه وسمعنا من أمثاله كثيراً، وبعد تحول مجرى الأحداث بين عشية وضحاها، عندما ذُكر له بأن هذا الإنسان يرفع راية الإسلام ويقول بأنه يقاوم من أجل الإسلام، قال: ومتى كان هذا إسلامياً حتى يعنى بالإسلام. بين لحظة وأخرى هذا الانقلاب وهكذا شأن الناس، فهكذا دهماء الناس دائماً يمشون في ركاب الغالب.
ونحن عايشنا في تطورات في أفكار الناس المعاصرة الحديثة وتقلبات عجيبة بين لحظة وأخرى.
ونحن إذا جئنا إلى تلك الدولة هل كانت تسعى لمصلحة الإسلام؟ وتسعى لأجل نصرة الإسلام؟ وتسعى لأجل تنفيذ أحكام الإسلام؟ أو كان الواقع خلاف ذلك.
دولة بني أمية يكفينا أن ننظر إلى قصتين وكفى.
القصة الأولى ما الذي صنعه بنو أمية في مكة المكرمة في حرم الله الآمن وبلده الأمين؟ ألم يقصفوا الكعبة بالمنجنيق وانتهكوا حرمة بيت الله تعالى المحرم الذي من أراده بإلحاد بظلم بُشر بعذاب أليم من قبل الله تعالى؟. (3/249)
صفحة 1236
الأمر الآخر ألم يكن هؤلاء هم الذين انتهكوا حرمة حرم رسول الله صلى الله عليه وسلّم وغزوا المهاجرين والأنصار في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلّم وقتلوهم قتلاً ذريعاً واستباحوا المدينة لمدة ثلاثة أيام، حتى أن النساء الأبكار حملن من معرة الجيش، وصل الأمر أن تحمل ثلاثمائة بكر من أبكار أهل المدينة من معرة الجيش، بماذا يفسر هذا؟
أيقال بأن هؤلاء هم الذين يجب أن ينضوى إليهم وأن يسار في ركابهم.
أحد هؤلاء قال على مسمع ومرأى عندما ولي الأمر (أيها الناس لست بالإمام الضعيف ولا بالإمام المداهن لكن لن يقول لي أحدكم اتق الله حتى يكون السيف أسرع إلى عنقه من قوله إلى سمعه). بماذا يفسر ذلك؟
عندما جاء قائدهم ابن عطية من بلاد الشام إلى المدينة المنورة لمقاومة أبي حمزة ومن معه، ماذا صنع أبو حمزة؟ وماذا كان من أولئك؟
قال أبو حمزة لأصحابه: لا تبدأوهم بالقتال بل أقيموا عليهم الحجة. فنادى أبو حمزة نفسه في ابن عطية وجيشه: ماذا تصنعون بكتاب الله؟ قال: نضعه في الجوالق. ماذا تصنعون باليتيم: قالوا نأكل ماله ونفجر بأمه.
ومع ذلك يقال بأن من قام على أولئك إنما قام على الدولة الإسلامية. أهذا هو الإسلام؟
أهذا الإسلام الذي جاء به الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام؟
أهذا الإسلام الذي كان في عهد الخلفاء الراشدين؟
أهكذا جاء القرآن؟
ألهذا دعت السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام؟
أين معايير الناس؟
أين موازينهم؟
أين الضوابط التي تضبط أعمالهم وتصرفاتهم؟
ماذا صنعوا فيما بعد بأبي حمزة وأصحابه لما تمكنوا منهم؟
نعم صنعوا بهم أن صلبوهم بعد قتلهم.
المثلة نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلّم في مقاتلة المشركين.
هل كان الرسول صلى الله عليه وسلّم عندما يقتل المشركين يمثل بهم؟
هل كان يصلبهم في الجذوع؟ (3/250)
صفحة 1237
هل نصب النبي صلى الله عليه وسلّم للذين آذوه وأرهقوه بمكة المكرمة من قريش بعدما ظفر بهم وقتلوا وخروا مجندلين صرعى في غزوة بدر، هل أمر الرسول صلى الله عليه وسلّم أن تنصب لهم الجذوع لأجل أن يصلبوا فيها؟
هل أمر بصلب أبي جهل؟
هل أمر بصلب عتبة بن ربيعة؟
هل أمر بصلب الوليد بن عتبة؟
هل أمر بصلب شيبة بن ربيعة؟
هل أمر بصلب أحد من أولئك؟
لا، ما كان ذلك، وإنما هؤلاء بخلاف ذلك، هؤلاء كانوا يصلبون ويأتون ما يأتون في حق كل من أراد أن يغير من باطلهم.
ثم مع ذلك كله ماذا فعلوا في آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ونجد كيف الفقهاء حاولوا أن يسخّروا الأحكام الشرعية لتتلائم مع الواقع.
عندما قام سبط الرسول صلى الله عليه وسلّم على الدولة الأموية وقتل في من قتل وحُمل رأسه إلى يزيد بن معاوية ماذا قال فقهاء الأمة؟
من الفقهاء من قال: قُتل بسيف جده. معنى ذلك أنه قُتل بحكم جده، لأنه قام على إمام شرعي.
هكذا انقلاب الموازيين عند هؤلاء، انقلبت الموازيين انقلاباً عجيباً.
لذلك نحن نقول أن الأمة يجب عليها أن ترفع عن فكرها هذا الركام من الأنقاض عبر هذه القرون حتى يبدو هذا الفكر صافياً خالصاً نقياً.
وبهذا يمكن للأمة أن تستعيد أمجادها.
أما مع هذه الأفكار الأمة تظل متقهقرة.
أما بالنسبة إلى الخوارج، أبو حمزة وأصحابه وغيرهم كانوا أشد الناس معارضة للخوارج.
الخوارج كانوا يستبيحون أموال أهل التوحيد وسفك دمائهم، ويستبيحون أعراضهم لأنهم كانوا يأسرونهم، وعندما يأسرونهم يستبيحون أعراضهم استباحة، بحيث إنهم عندما يأسرون النساء يستبيحون أعراضهن، بحيث يعاملونهن معاملة السبايا من المشركات. هكذا كانوا يصنعون.
هل هذا وجد في نهج أبي حمزة ومن سار على هذا الهدي في أي وقت من الأوقات؟ (3/251)
صفحة 1238
لا، الأمر كان بخلاف ذلك. بل عندما قيل له في الذين خرجوا عليهم وقاتلوهم في قديد وتمكنوا منهم، عندما قيل له: اقتل هؤلاء الأسرى، لأن هؤلاء لهم ردء يرجعون إليه، لهم مأوى وهم أهل الشام، ولئن جاء أهل الشام ليكونن أنكى علينا من أهل الشام. ولكنه أبى ذلك، وقال: لا أخالف سيرة أسلافنا.
ومعنى ذلك أن أبا حمزة يسير على هدي سلف صالح، هذا السلف كان حريصاً على اتباع هذه الخطوات التي لا تخرج عن هدي الرسول صلى الله عليه وسلّم
ما زايلت خطوةَ المختار خطوتهم ... * ... ولا ثنى نفسهم عزم وشيطان
فرفض الإمام أبو حمزة هذا، وفي هذا يقول الإمام السالمي:
ولأبي الحر مع المختار ... * ... حث على القتل مع الإدبار
يوم قديد إذ لهم جبار ... * ... ردء وما ساعفه المختار
وكان فيها لأبي الحر النظر ... * ... لأنه مارسهم وقد نظر
ولكن مع ذلك قال لا أخالف طريقة أسلافنا. وعلى أي حال البون شاسع بين هذا النهج وذاك.
وكما قلنا الناس دائماً يتبعون الغالب. مما يعجب له أن الدولة الأموية انتهت على يد العباسيين. والعباسيون انتقموا منهم انتقاماً غريباً حتى أنهم نبشوا قبورهم وأشعلوا النيران فيما وجدوه من هياكلهم وعظامهم، ومع هذا أيضاً أمروا حتى بجلد الموتى، وعند الانتصار بسطت الفرش لهم على جثث هؤلاء الموتى، ومنهم من كان يئن وقربت الموائد وبسط الطعام هناك.
ومع ذلك اعتبروا الدولة الأموية دولة إسلامية تمثل الإسلام، وهذه دولة إسلامية تمثل الإسلام، فكيف يجمع ما بين النقائض. الله المستعان.
السؤال (3)
جاء في رسالة الإمام السالمي إلى الشيخ الباروني قوله (وجمع الأمة ممكن عقلاً مستحيل عادة)، فنرجو بيان معنى هذه العبارة، وهل يمكن أن تكون هذه الرسالة محور بحث أو مشروعاً يطرح في المؤتمرات الإسلامية التي تعقد هنا وهناك؟
الجواب:
بالنسبة إلى ما يتعلق بقول الشيخ (الاتحاد ممكن عقلاً مستحيل عادة) إنما هو ناجم عن نظرته إلى الواقع الذي كان يعايشه. (3/252)
صفحة 1239
فبالنظر إلى الوقع وما وجد من التعصب البالغ في الناس حتى صاروا يجعلون موروثاتهم الفكرية ولو لم يقم عليها دليل قط من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم قضايا مسلّمة بحيث يحّور القرآن ويخضع حتى يتفق مع هذه المواريث.
النظر في هذا الحال هو الذي يدعو إلى أن يقول القائل بأنه يستحيل عادة، أي مع هذا الواقع الذي نعايشه ونراه بأبصارنا ونسمعه بآذاننا، ولكن مع ذلك ممكن عقلاً إذ لو شاء الله لهدى الناس جميعاً، الله تعالى على كل شيء قدير، ولم يأت نص في كتاب الله تعالى يدل على أن الله تعالى قضى أن تتفرق هذه الأمة وأن لا تتحد، لا، لم يوجد نص كذلك. وإنما العادة ترجع إلى ما يلمسه الإنسان ما يبصره بعينيه وما يسمعه بأذنيه وما يعايشه في حياته.
أما بالنسبة إلى السؤال الآخر المتعلق بالرسالة هل يمكن أن تكون هذه الرسالة محور بحث؟ نعم وجد ذلك، هناك مراسلات كانت بين العمانيين وبين غيرهم فيما يتعلق بالوحدة الإسلامية، منها رسائل صدرت من الإمام محمد بن عبدالله الخليلي إلى الملك سعود بن عبد العزيز فيها دعوة إلى السعي لتوحيد الشمل ورأب الصدع ولم كلمة الأمة.
كذلك عندما شبت نار الفتنة في الحجاز وقامت الحرب على ساقها بين أشراف مكة والملك عبد العزيز كان من عناية العمانيين أيضاً بذلك أن صدرت من هنا رسالتان رسالة من الإمام محمد بن عبدالله الخليلي للشيخ سليمان الباروني فيها دعوة إلى المسارعة باسم العمانيين، المسارعة إلى التقريب ما بين الطائفتين المتحاربتين، بحيث يقوم بما أرشد إليه القرآن من الصلح (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) (الحجرات: من الآية9)، ولا سيما أن ذلك يمس الأمة جميعاً بسبب أن الحرب تدور حول بيت الله الحرام. (3/253)
صفحة 1240
ورسالة أخرى صدرت من السلطان تيمور بن فيصل إلى الطائفتين وفيها تخويل أيضاً للشيخ سليمان الباروني أن يقوم باسم العمانيين جميعاً من أجل رأب الصدع ورتق الفتق ولم الشعث وتوحيد الكلمة.
فهذا مما يدل على عناية الجميع بما فيه جمع شمل الأمة. وهذه الرسائل بحثت في بعض المؤتمرات. أنا أعتقد أن مؤتمراً انعقد في المملكة المغربية تحت إشراف الإيسسكو أي (المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة) وشورك من قبل بعض العمانيين ببحث، والبحث تناول هذه الرسائل فيما أحسب وإن كان تناول هذه الرسائل بالتحليل يحتاج إلى أكثر من بحث.
السؤال (4)
إن الحضور العماني في مضمار الوحدة بارز ومتميز في سائر طبقات مجتمعه وأنا أود أن أسوق بعض النصوص التي نصت عليها الكتب العمانية عن شخصياتها وهي تصب في مجال الوحدة.
رسالة الإمام العماني راشد بن سعيد اليحمدي إلى إخوانه بالمنصورة من بلاد السند (فاستقيموا لله على السبيل الذي دعاكم إليه وحثكم عليه ولا تتفرقوا فإن الدين واحد والحق واحد).
كتاب الإمام محمد بن عبدالله الخليلي إلى حضرة الملك سعود بن عبد العزيز.
كانت تلك هي وسيلة ذلك العصر لتوحيد الأمة، ولا شك أن لهذا العصر متطلباته، ونحن نرى أن القيادات السابقة كانت تلك بصماتها، فما هو الدور المرجو من قيادات العالم الإسلامي في هذا العصر بما يناسب متطلباته في خضم التنصل الذي تقوم به الشعوب باعتبار أن المسئول الأول هم القادة وأولياء الأمور؟
الجواب:
نعم الأمة الإسلامية يجب على قياداتها أن تسعى إلى اتحادها فيما بينها.
اتحاد القيادات فيما بينها وتعاونها فيما بينها وتآزرها فيما بينها مما يريح الأمة حتى لا يكون هنالك خلاف ولا يكون هنالك تفرق ولا يكون هنالك تشتت ولا يكون هنالك ضياع للأمة، لأن الاتباع يضيعون في خضم النزاعات التي تكون بين القادة. (3/254)
صفحة 1241
فهاجس الوحدة يؤرقهم ويشغلهم ومع ذلك تكون الأحداث معاكسة لهم ومخالفة للتيار الذي يحرصون على السير فيه وهو تيار الوحدة.
فالقادة هم مطالبون بأن يلموا شعثهم. ونحن نرجو أن يرتفع صوت الأمة من خلال اتحاد علماء المسلمين إلى قادة المسلمين، ومن خلال المؤتمرات الكثيرة التي تنعقد هنا وهناك نرجو أن يرتفع صوت الأمة إلى قادة المسلمين فيسعوا دائماً إلى رص الصف وتوحيد الكلمة والقضاء على أسباب الخلاف.
وقبل نحو شهر أو أقل من شهر كنا في مؤتمر في اليمن، هذا المؤتمر ساع إلى الوحدة، ومما اقترحناه في جلسة خاصة من أجل استغلال ثمرات هذا المؤتمر اقترحنا أن يُحرص على تنفيذ بنود هذا المؤتمر بتشكيل وفد يخرج إلى قادة الأمة الإسلامية في جميع أصقاع الأرض من أجل تنفيذ بنود هذا المؤتمر ليتم الترابط ما بين الأمة والتوحد والتآزر فيما بينها.
السؤال (5)
ما مدى قدرة الفكر العماني المتمثل في المدرسة الإباضية في استيعاب المدارس المتنوعة في العالم الإسلامي، وما هي الأسس والمبادئ التي انطلقوا منها؟
الجواب:
أولاً قبل كل شيء نحن يجب علينا أن نحرص دائماً على الكلمة السواء التي تلم هذا الشعث وترأب صدع جدار الأمة وتعيد إلى الأمة الوحدة والألفة، نحن نرى أن هذا الفكر دائماً فكر تسامح، فكر يستند إلى الدليل قبل كل شيء، ويجعل الدليل فوق كل الاعتبارات
ولا تناظر بكتاب الله ... * ... ولا كلام المصطفى الأواه
معناه لا تجعل له نظيرا ... * ... ولو يكون عالماً خبيرا
قد نجد عند الآخرين ما لا يتفق مع هذا السياق. نحن وجدنا يقول بأنه يجب على الناس جميعاً أن يقلدوا عدداً معيناً من الأئمة، ومن لم يقلدهم فهو ضال مضل ويخشى عليه الوقوع في الكفر ولو أنه وافق ظاهر القرآن والأحاديث الصحيحة وأقوال الصحابة. هذا كلام في منتهى السخف لا يقبله عاقل، ونحن نرأب بأي أحد من أمة الإسلام أن يقبل مثل هذا الكلام. (3/255)
صفحة 1242
بالنسبة إلى علمائنا أيضاً وجدنا التسامح عندهم بأن الأصول التي تجمع هي كافية لئن تمد جسور الأخوة بين أمة الإسلام، الإمام السالمي رحمه الله تعالى يقول:
ونحن لا نطالب العبادا ... * ... فوق شهادتيهم اعتقادا
فمن أتى بالجملتين قلنا ... * ... إخواننا وبالحقوق قمنا
إلا إذا ما أظهروا ضلالا ... * ... واعتقدوا في دينهم محالا
قمنا نبين الصواب لهم ... * ... ونحسبن ذلك من حقهم
فما رأيته من التحرير ... * ... في كتب التوحيد والتقرير
حل مسائل ورد شبه ... * ... جاء بها من ضل للمتنبه
قمنا نردها ونبدي الحقا ... * ... بجهدنا كي لا يضل الخلقا
أولاً قبل كل شيء تجد نبرة الإنصاف في أن القاسم المشترك يكفي، عندما يكون هناك التقاء على جملتي التوحيد فذلك كاف (فمن أتى بالجملتين قلنا *** إخواننا وبالحقوق قمنا)، نقوم بجميع حقوق الأخوة الإسلامية بمجرد أن يأتي أحد بالجملتين اللهم إلا إذا نقض هذا المقال.
جملة التوحيد تقتضي الإيمان باليوم الآخر لو نقض الإنسان الإيمان باليوم الآخر وادعى أنه لا جنة أو لا نار أو لا جزاء على خير هذا مما ينقض المقال، هو في منتهى المحال، ولكن عندما تكون تفسيرات جملة التوحيد منسجمة مع جملة التوحيد بحيث لا يعاكس الإنسان مقتضى هذه الجملة فإن نفس الإتيان بالجملة مما يمد جسور الأخوة ما بين المسلم والمسلم.
ويجب على كل الطرفين أن يحترم الطرف الآخر وأن يقدر له وأن يعينه وأن يناصره وأن يشد من أزره وأن لا يخذله بحال (المسلم أخو المسلم لا يقتله ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه).
تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه
14 من جمادى الثانية 1425هـ، 1/ 8/2004م
الموضوع: حوار الحضارات
السؤال (1)
كثر الحديث خصوصاً في السنوات الأخيرة عن حوار الحضارات وأعدت هناك الكثير من الدراسات والاطروحات وعقدت الكثير من المؤتمرات. (3/256)
صفحة 1243
وهو موضوع يمكن بحثه من جوانب مختلفة قد تكون اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو ثقافية، ونحن في هذا اللقاء ننظر إلى حوار الحضارات من خلال رؤية شرعية مستمدة من هذه الشريعة الغراء، وباعتبار أننا أمة تستمد تصوراتها وأفكارها وتهتدي في سلوكياتها وتصرفاتها بهدي الكتاب العزيز، فهل هناك من نصوص أو إشارات في كتاب الله أو في سنة الرسول صلى الله عليه وسلّم يمكن أن نستلهم منها مشروعية الدخول في حوار الحضارات؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الله تبارك وتعالى بعث عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلّم كما بعث إخوانه من الرسل من قبل برسالة الحق، رسالة الهدى، رسالة الإنقاذ لهذه الإنسانية، رسالة وصل الدنيا بالآخرة ووصل المخلوق بخالقه تبارك وتعالى أولاً، رسالة وصل هذا الإنسان المستخلف في هذه الأرض ببني جنسه، ووصله بهذا الكون بأسره، لأن الإنسان مستخلف في جزء منه وهو الأرض، وممكن في الانتفاع بجميع أجزاء هذا الكون.
فلذلك كانت هذه الرسالة رسالة عقل. والله سبحانه وتعالى شرف الإنسان بالعقل، وميزه به على غيره، وجعله مناط تكليفه وسبب هدايته. ونجد في كتاب الله سبحانه وتعالى ما يدل على تكريم العقل ورفع قدره فالله تعالى يقول (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، ويقول (لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ)، و (لقوم يذكرون)، و (لقوم يتفكرون)، و (لقوم يعلمون)، مما يدل على أن العقل عندما يستخدم استخداماً سوياً سليماً يؤدي بهذا الإنسان إلى أن يهتدي بفضل الله تبارك وتعالى وتوفيقه.
ولما كان العقل هو مناط تكريم الإنسان والإسلام جاء بهذه الرسالة مبنية على أسس من العقل السليم والشرع الصحيح فإن خطابه للعقلاء من الأمم مبني على هذا الأساس. (3/257)
صفحة 1244
ولذلك نحن نجد في كتاب الله تعالى حواراً لجميع الفئات من البشر، للضالين من مختلف الفئات.
الله تبارك وتعالى يأمر نبيه صلى الله عليه وسلّم بمحاورة المشركين الذين اتخذوا مع الله آلهة أخرى، ويبين له من خلال النظرة العقلية الفاحصة لهذا الكون وسننه ونواميسه التي طبعه الله تبارك وتعالى عليها ما يدل على وحدانية الله سبحانه، فالله تعالى يقول (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الرعد:16). (3/258)
صفحة 1245
ويقول سبحانه وتعالى أيضاً موجهاً لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلّم إلى محاورة أولئك الذين ضلت عقولهم، وانحرفوا عن سواء الصراط، واتخذوا مع الله آلهة أخرى، وعوّلوا على مخلوقات لا تنفع ولا تضر في طلب قضاء الحاجات وفي التوصل إلى الرغائب، وفي الوصول إلى المقاصد، فالله تبارك وتعالى يقول (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (النمل:59 - 64)، فهذا كله حوار مع الإنسان على أسس العقل. فإن القرآن الكريم يفتح مدارك هذا العقل، ويبين لهذا الإنسان أن حقائق الوجود كلها تنبئ بلسان حالها أنها مفتقرة إلى واجب الوجود لذاته، وأنها لا يمكن أن تقوم بنفسها. (3/259)
صفحة 1246
ولذلك يقول أحد علمائنا (إن كل ذرة من ذرات الكون هي كلمة من كلمات الله ناطقة بوجوده سبحانه وما عداها فهو كالشرح لتلك الكلمة).
فالقرآن الكريم جاء بخطاب العقل، جاء بتوجيه الإنسان إلى الخير، جاء بمحاورة هذا الإنسان الذي آتاه الله تبارك وتعالى ما آتاه من عقل، ولكن طمس هذا العقل بضلاله وبانحرافه، بمخلفات أسلافه التي جعلها مقدمة على العقل، ورأى أن سلامته في أن يغمض عينيه ويسد أذنيه ولا يعول إلا على ذلك الموروث الذي ورثه هدى كان أو ضلالاً، حقاً كان أو باطلاً.
وكما أنه يحاور المشركين من العرب هذا الحوار بحيث إنه يوقفهم على الحقيقة التي يجب أن يسلّموا لها إن كانوا عقلاء وهي وحدانية الله سبحانه وتعالى فإنه يحاور أيضاً أهل الكتاب ويبين لهم أن الحق يقتضي أن يفردوا الله تبارك وتعالى بالعبادة وأن لا يشركوا معه غيره، فالله تبارك وتعالى يقول (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران:64)، هذا هو منطق العقل.
الله سبحانه وتعالى يدعوهم إلى أن يجتمعوا إلى كلمة سواء بين المؤمنين وبين أهل الكتاب، وهذه الكلمة السواء أن لا يشركوا بالله ما لم يأذن به، وأن لا يتخذ بعضهم بعضا أرباباً، وأن لا يدعوا مع الله إله آخر.
هذا كله هو حوار جاء به الإسلام دين الله تعالى الحق. (3/260)
صفحة 1247
فالإسلام يفتح مجالاً واسعاً للحوار مع أي أحد، ولكن لا يعني ذلك أن هذا يعني التشكيك في أي قضية من قضايا الإسلام. الإسلام جاء من عند الله، ليس لأحد فيه دخل، فلا يعني هذا أن ينزل الإنسان عن شيء من قضايا الإسلام، من عقيدة الإسلام، من موروث الإسلام، مما جاء في كتاب الله، مما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم، لا يمكن أن يكون لأي أحد في ذلك دخل، ولا يملك أي أحد أن ينزل عن أي شيء من ذلك، وكل من رد شيئاً من ذلك فهو ناقض للإسلام من أساسه.
وإنما هذا الحوار من أجل أن هذه الرسالة رسالة الإسلام هي رسالة عالمية، هي رسالة لا تقف عند حدود الزمان والمكان، جاءت لتكون هدى للناس، جاءت لتكون هدى للعالمين (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) (الفرقان: من الآية1)، جاءت هذه الرسالة من أجل إخراج هذا العالم بأسره من فساده وانحرافه وباطله إلى الصلاح والحق والاستقامة على سواء الصراط.
الله تبارك وتعالى أخبر فيما أنزله في مكة المكرمة في الآيات المكية أن هذا الإسلام هو رحمة للعالمين، الله تعالى يقول (إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) (يوسف: من الآية104) (التكوير:27) (صّ:87)، ويقول (وَمَا هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) (القلم:52)، جاء ذلك كما نرى في سورة يوسف وهي سورة مكية، في سورة ص، في سورة القلم، في سورة التكوير، هذه كلها سور مكية. (3/261)
صفحة 1248
وكثير من الناس حاولوا أن يكابروا أولئك الذين كبر عليهم أن تكون دعوة الإسلام دعوة عالمية حاولوا أن يكابروا ويزعموا بأن عالمية الإسلام ما كانت مذكورة في الدعوة المكية وإنما دعا إليها رسول الله صلى الله وسلّم أو نادى بها بعدما انتقل إلى المدينة المنورة ولاحت له علائم النصر فرجا أن تكون دعوته دعوة عالمية. هذا من كذبهم وافترائهم والكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلّم، وإلا فالآيات المكية تدل على هذا. الدعوة الإسلامية قامت على أساس أن تكون دعوة عالمية من أول أمرها.
السؤال (2)
لعل الهاجس المؤرق لكثير من العلماء والمفكرين عند تطرقهم لقضية حوار الحضارات هو التخوف من المساس بالهوية، والرغبة في الحفاظ على الخصوصية العربية والإسلامية، برأيكم سماحة الشيخ كيف يمكن الدخول في حوار الحضارات مع المحافظة على الهوية والخصوصية؟
الجواب:
أولاً أنا أريد أن أعلق على كلمة العربية والإسلامية.
الإسلام ليس ديناً عنصرياً، القومية العربية وغيرها هذه دعوات إنما هي ردة فعل، وقد ولدت في محاضن غير إسلامية.
الإسلام جاء بدعوة إسلامية من غير تفرقة بين عربي وأعجمي، نعم جعل الله تبارك وتعالى اللسان العربي وعاء للإسلام، وسمعت أحد العلماء المفكرين وقد أجاد في هذا يقول (إن كلمة عروبة وهي مفرغة من الإسلام تساوي صفر)، لا تساوي شيئاً. العرب لم يكن لهم شأن يذكر قبل الإسلام.
كان ملكهم النعمان بن المنذر عندما يذكر أمام كسرى يقال له عبدك نعمان، كانوا أذلة ولكن الله تعالى أعزهم بالإسلام، فالإسلام هو كل مجد.
نعم العرب شرفهم الله بأن جعلهم طليعة هذا الفتح الإسلامي، طليعة هذه البشارة الإسلامية. (3/262)
صفحة 1249
فنحن علينا أن نعتز بإسلامنا لا بعنصرنا، أما لو اعتززنا بعنصرنا فإن في تاريخ الأمم الأخرى من غير العرب من الأمجاد المادية الدنيوية ما تتضاءل معه أمجاد العرب، أقاموا امبراطوريات وفتحوا الدنيا واستذلوا الناس وعبدوا الناس وفعلوا وفعلوا وفعلوا، وإنما الإسلام هو الذي رفع من شأن العرب، ورفع أيضاً من شان الأمم الأخرى، وسوّى ما بين الجميع.
فعلى كل حال الهوية الإسلامية لا يمكن المساس بها، لا يمكن أن تنال بأي شيء. المسلم لا يكون مسلماً حقاً إلا عندما يستسلم لله تبارك وتعالى في كل ظاهره وباطنه.
الله تبارك وتعالى بيّن الإسلام ما هو عندما قال (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام: 161 - 163)، نعم المسلم مأمور هكذا أن يكون ظاهره وباطنه، روحه وجسمه، قلبه وعقله ضميره وغرائزه كل ذلك خاضعاً لله تعالى مستسلماً له منقادا.
معنى الإسلام هو الاستسلام، وهذا الاستسلام ليس هو للمخلوق، وإنما هو استسلام لرب المخلوقين، لمن خلق السماوات والأرض، لمن صرّف هذا الوجود، لمن يتجلى كبرياؤه في كل جزء من مملكته، في أدنى جزء من مخلوقاته، من يتجلى في كل موجود وجوده ويغمر كل مشهود شهوده، هذا هو الذي يستسلم له وينقاد. هذا الاستسلام فيه تحرير للرقاب من أن تخضع لغيره سبحانه وتعالى، فيه تحرير للنفوس من أن تتطامن إلا لجلاله تبارك وتعالى وكبريائه. (3/263)
صفحة 1250
فهذا الإسلام هو الذي ينقذ هذه الإنسانية الحائرة التعيسة، عندما يكون الإنسان غير عبد لشهواته، وغير عبد لرغباته، وغير عبد لبيئته، وغير عبد لموروثاته الفكرية وغير ذلك إنما عبوديته لله، عبوديته لمن خلق السموات والأرض، ولذلك يسلم له حياته بأسرها.
(قُلْ إِنَّ صَلاتِي) أي الصلاة هي رمز العبادات.
(وَنُسُكِي) النسك وهو إن كان عبادة من العبادات لكن فيه قضاء منافع دنيوية وهو الذبح.
(وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أن يكون المحيا لله، وأن يكون الممات لله سبحانه وتعالى عندئذ يكون الإنسان حقاً مسلماً، بهذا يكون الإنسان مسلماً حقاً، أما بما دون ذلك فهذه دعوى إسلام (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (الأحزاب:36).
السؤال (3)
من المعروف في القواعد الفقهية أن الأمور بمقاصدها، ويمكن القول أيضاً أن الأمور بنتائجها ومآلاتها، وبما أن حوار الحضارات أصبح أمراً حتمياً، هل يمكن أن ندخل هذا الحوار ونعود منه محققين أكبر قدر من المكاسب؟
الجواب:
هذا يعود إلى عقلية المحاور ومؤهلاته الفكرية ورسوخ العقيدة في نفسه، لأن المسلم الحق الذي رسخت في نفسه عقيدة الإسلام لا يمكن أن يتزعزع، لأن أي زعزعة ولو قيد شعرة تؤدي به إلى التقهقر. فمن رضي لنفسه أن يتقهقر خطوة واحدة فإنه ستتقهقر اضطراراً خطوات، إذ من تقهقر خطوة لا بد أن تلي تلك الخطوة خطوات أخرى، فلذلك كان من الضرورة بمكان أن يكون هذا المحاور متمكناً في عقيدته، قادراً على استلهام الحقائق وعرضها على الأسس الثابتة على القضايا المسلمة، على كتاب الله وعلى هدي رسوله عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام. (3/264)
صفحة 1251
عندما يكون هناك تسليم تام لأمر الله سبحانه وتعالى بحيث لا يكون هنالك أي تردد فلا ريب أن الإسلام بقوته التي لا تقف عند حد سوف يتغلب على جميع التيارات.
الإسلام قوي وإن ضعف أهله، ما نراه من ضعف ليس هو في الإسلام، وإنما هو في الذين حُمّلوا هذا الإسلام فلم يحملوه بجدارة، إنما هو في المنتسبين إليه والمنتمين إليه.
الإسلام مشكلته من أبنائه أكثر من مشكلته من قبل أعدائه، ولو أن الإسلام رسخ في أبنائه رسوخاً حقاً فإنه لا يمكن أن تقف أمامه أي قوة من القوى لأنه يستمد قوته من حقيقته، وحقيقته جاءت من عند الله، ليس هو نظاماً بشرياً وإنما هو نظام رباني جاء من عند الله.
ثم إن الإسلام له الكثير من المزايا، لا يمكن أن نقارنه بأي فلسفة، ولكن لو شئنا أن نقول بأن مزايا الإسلام التي تثبته وترسخه وتدعمه وتجعله لا يتزعزع ولا يتضعضع كثيرة، من تلكم المزايا أنه جمع ما بين الجانب الروحي والجانب المادي، فهو مع كونه عقيدة راسخة في النفس هو نظام حياة يشمل كل جانب من جوانب الحياة البشرية، وهو صلة بين العبد وربه ولكنه أيضاً رابط بين هذا العبد وبين مخلوقات الله تبارك وتعالى، هو واصل ما بين هذا الإنسان المسلم وما بين إخوانه المسلمين، وواصل ما بينه وما بين الجنس البشري بأسره، بل هو واصل بين هذا الإنسان المسلم وبين الكون المترامي الأطراف الذي تسبح ذراته بحمد الله وتسجد خاضعة لجلال الله. (3/265)
صفحة 1252
فالإسلام لا يخشى من هذه الناحية، وإنما كل الخشية من قبل هذه الهزيمة النفسية التي أصابت أمة الإسلام حتى أخذت تتقهقر وترضى لنفسها الدنية. أمة الإسلام أصيبت بما أصيبت به، وهذا بسبب أنها حُمّلت رسالة الإسلام ولم تحملها بجدارة فصدق عليها ما قاله الله تبارك وتعالى في من حُمّل التوراة (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً) (الجمعة: من الآية5)، كذلك نفس الشيء هذه الأمة لا يمكن أبداً أن تكون على شيء إلا عندما تقيم موازيين الحق التي أنزلها الله تعالى في هذا الكتاب العزيز، ولئن كان الله تعالى يخاطب أهل الكتاب بقوله (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ) (المائدة: من الآية68) فإن أمة القرآن ليست على شيء حتى تقيم القرآن، ومعنى إقامتها للقرآن أن تأخذ بالقرآن الكريم في كل جزئية من جزئيات حياتها بحيث لا تفرط أبداً في القرآن الكريم، هي مطالبة بأن تقيم القرآن في حياتها عقيدة ومنهجاً وسلوكاً وأخلاقا.
السؤال (4)
بالنسبة للنتاج الفقهي عبر خمسة عشرة قرناً من الزمان وكذلك أيضاً النتاج الفقهي المعاصر هل ترون سماحتكم أنه يدعم الحوار؟
الجواب:
يجب علينا أن نفرق بين الفقه الذي هو بمعنى الشريعة المنزلة من قبل الله سبحانه وتعالى، وبين الفقه الذي هو بمعنى الوعي البشري لهذه الشريعة. (3/266)
صفحة 1253
أما الشريعة المنزلة من عند الله سبحانه وتعالى فإنها بطبيعة الحال شريعة صالحة لكل عصر من العصور، تستوعب مشكلات الإنسانية بأسرها، فيها ما يشفي غلة كل صادي، فيها ما يقضي على كل مشكلات هذه الحياة لأنها جاءت من عند الله الذي هو الخبير بمصالح العباد، والخبير بطوايا فطرهم، والخبير بدخائل نفوسهم، والخبير بالطبيعة التي تربطهم بهذا الكون من حولهم، فالله سبحانه وتعالى يعلم ذلك كله، ولذلك جاءت شريعته منسجمة مع نواميس الكون وسنن الوجود (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك:14).
وأما إذا جئنا إلى الفقه بمعنى فهم العباد، فإن الافهام تتباين، ويكون فيها القاصر ويكون فيها الموفي، ولكن هذه التوفية في حدود القدرات البشرية المحدودة لأن الطاقات البشرية هي بأسرها محدودة، ولذلك يتجدد الاجتهاد باختلاف العصور واختلاف الأحوال، وقد نجد المجتهد الواحد تكون له اجتهادات في مرحلة من عمره ثم تأتي من بعد اجتهادات أخرى في مرحلة ثانية كما كان ذلك للإمام الشافعي ما بين قديمه وجديده في فقهه الواسع. كذلك بقية الأئمة والعلماء الآخرين نجد عندهم نحو هذا. فهذا لا يعني بطبيعة الحال أن هنالك تصاماً ما بين هذا الاجتهاد وذلك الاجتهاد، ولكن يعني هذا أن فهم الإنسان يتجدد والبيئة تختلف والظروف تتنوع. (3/267)
صفحة 1254
ونحن نجد في عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم حصل ما حصل من الاجتهاد، وتجدد هذا الاجتهاد في تلكم المرحلة التي عاشوها بسبب الانفتاح الذي حصل على العالم عندما توسعت الفتوحات الإسلامية، بل نجد أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مع قربه من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ومع قربه من عهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه كانت له اجتهادات قد تكون نوعاً ما تبدو اختلفت عن الواقع الذي كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم والذي كان في عهد أبي بكر، ولكن هذا لا يعني أنه صادم ما كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم ولا صادم ما كان في عهد أبي بكر إنما تلكم ظروف.
بل نجد أن عمر اجتهد في فهم النص اجتهاداً راعى فيه مقصد الشارع، فطبق النص تطبيقاً يتلاءم مع الظروف التي كانت تكتنف حياة الأمة الإسلامية في عهده، نجد ذلك واضحاً في سهم المؤلفة قلوبهم، هو لم يلغ النص قط، ولم يردّ حكم الله تعالى قط، وإنما طبق النص تطبيقاً يتواءم مع مقصد الشارع الحكيم. فإعطاء المؤلفة قلوبهم هذا السهم إنما هو لأجل كفاف شرهم واستدرار خيرهم في وقت كانت الأمة تحتاج إليهم، فلما قويت شوكة الأمة وأصبحت يحسب لها كل حساب إذ صارت تهز عروش الأكاسرة والقياصرة بفتوحاتها العظيمة لم يعد هنالك احتياج إلى أن تتألف قلوب هؤلاء المؤلفة بل صاروا مغمورين بهذه الكثرة المؤمنة وبهذا المد الإسلامي الواسع، فلم تعد هنالك حاجة إليهم وإنما كانت مصارف الزكاة الأخرى هي أحوج إلى هذا السهم.
فهو لم يلغ النص، ولا نقول بأن النص ملغى، نقول إلى الآن بأن هذا النص يطبق عندما تكون هنالك حاجة من الأمة إلى إعطاء المؤلفة قلوبهم سهماً من الزكاة فإنهم يعطون، أما عندما يكونون مستغنين بحيث يكون أبناء الأمة الأوفياء هم بمقدرة على أن يسوسوا أمرهم من غير احتياج إلى أولئك فإنه يستغنى عنهم ويصرف هذا السهم للمصارف الأخرى التي هي بحاجة إليه، فهكذا كان. (3/268)
صفحة 1255
فإذن فقه الأمة لا بد من أن يكون متجددا، ونحن نرى فقهائنا توسع فقههم بحسب توسع الزمن الذي عاشوا فيه، بقدر ما يكون الزمن الذي يعيشون فيه زمناً واسعا تتجدد اجتهاداتهم نظراً إلى القضايا المستجدة.
ونحن نرى أن طبيعة البشر طبيعة متطورة، الإنسان لم يخلق ليظل جامداً كما كان من قبل، وإنما خلق متطوراً فلذلك تتطور البيئة من حوله بتطور عقله وبتطور فكره، فهو يؤثر على هذه البيئة تأثيراً إيجابياً وسلبياً من حيث النهج الذي يكون عليه وبحسب العقلية التي يكون عليها.
ولئن كان هذا التطور سنة من سنة الله في جميع القرون المتتالية فإنه في قرننا هذا شهد طفرة عجيبة، فلئن كان تطور البشرية يقاس في ذلك الوقت بالمقاييس السهلة القريبة في العصور السابقة فإنه في عصرنا هذا يكاد يكون يقاس بسرعة الضوء، لذلك كان عصرنا بحاجة إلى تجديد الاجتهاد مع هذه التطورات المذهلة ومع المشكلات التي تفرزها هذه التطورات.
فالفقه بحاجة أن يوسع، والنظرة نظرة الفقهاء بحاجة إلى أن تكون واسعة سواءً في المجالات الاقتصادية أو في المجالات الطبية أو في العلاقات الدولية أو في أي مجال من مجالات هذه الحياة.
السؤال (5)
يقول الله تعالى (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (العنكبوت:46)، ألا ترى سماحة الشيخ أن هذه الآية تلح كثيراً على فكرة القواسم المشتركة التي هي أمر ضروري قبل أي حوار؟
الجواب:
لا ريب أن أهل الكتاب بما بقي عندهم من علم الكتاب يدركون ما لا يدركه غيرهم، فلذلك كان الاحتجاج إليهم وكان الحوار معهم على أساس هذه البقية التي بقيت عندهم من علم الكتاب. (3/269)
صفحة 1256
فهم يدركون أن الله تبارك وتعالى لا يمكن أن يكون له شريك في ملكه وإن ذهبوا إلى تأليه المسيح عليه السلام أو القول بأنه ابن لله أو غير ذلك مما قالوه، هم يدركون أن العقل السليم لا يمكن أن يتقبل مثل هذه الأمور المجانبة للعقل.
ونحن نجد في العصر الجديد أناساً منهم وصلوا إلى الحقيقة وكادوا أن يدخلوا في دين الله، ولكن الله تعالى غالب على أمره. (3/270)
صفحة 1257
قبل أقل من ثلاثين سنة من الآن وبالضبط في عام 1977 الشاعر الخوري الذي يعرف بالشاعر القروي، وهو رجل له مكانة كهنوتية في الديانة النصرانية لأنه خوري، والخوري رجل مرتبط بالدين، كتب وصية بعدما بلغ من العمر تسعين عاماً لأنه ولد في عام 1887 وكتب وصيته في عام 1977، ونشرت هذه الوصية مجلة الرسالة التي كانت تصدر من لبنان، جاء في وصيته التي كتبها ( ... لقد أثبتت المصادر التاريخية أن يسوع المسيح عليه السلام كان يعبد الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، واستمر على ذلك أتباعه إلى القرن الثالث الميلادي عندما تنصر قسطنطين عاهل الروم فأدخل في النصرانية بدعة التثليث، ومالئه على ذلك بعض الأسقافة وعلى رأسهم مكاريوس الذي لقب نفسه (أرثوذكس) أي مستقيم الرأي، وعارضه آخرون وعلى رأسهم آريوس، وعقدت بين الطائفتين مجامع للحوار فاز فيها آريوس بالحجة القاطعة والحق واليقين، ولكن السلطة التي هي مصدر البلاء وضعت ثقلها في الميزان فأسكتت صوت الحق، وظل الحق يتململ في قيده منتظراً آريوساً جديداً .... ثم يقول .... وكم أتمنى وأنا الأرثوذكسي المولد أن يكون هذا الآريوس بطريركاً بطلاً ينفي عن ديننا وسمة ألحقها به غرباء غربيون، وكثيراً ما كان الغرب مصدر بلائنا الديني والسياسي معا .... ثم بعد ذلك قال ... وإيماناً مني بصدق نبوة نبينا العربي، وإعجاباً مني بمعجزته القرآن أردت أن أكون قدوة لإخواني أدباء النصرانية فأدخل في دين الله، ولكنني رأيت إصلاح ديننا الأول خيراً من الانتقال عنه إلى دين جديد، وكخطوة أولى في هذا السبيل أعلن عن عزوفي عن أرثوذكسيتي المكاريوسية إلى أرثوذكسيتي الآريوسية .... )) إلى آخر ما جاء في وصيته هذه، فالرجل بيّن الحقيقة، وهذه حقيقة العقل، منطق العقل هو الذي يهدي إلى مثل هذه القضايا. (3/271)
صفحة 1258
فإذن حوار هؤلاء على هذه الأسس وعلى هذه المبادئ وعلى ما بقي من علم الكتاب وما في العهدين القديم والحديث أي الأناجيل الأربعة والتوراة من تبشير بالنبي صلى الله عليه وسلّم وبيان رسالته يمكن الحوار عندهم على أساس ذلك وتكون المجادلة بالتي هي أحسن.
السؤال (6)
المسلم العادي ألا يمكن أن يكون طرفاً في معادلة الحوار بحكم احتكاكه بالمنتمين إلى الثقافات الأخرى وإسهامه بشكل مباشر في عملية التواصل الحضاري والثقافي؟
الجواب:
المسلم العادي إنما يتأثر بالمؤثر العام، فإن كان المؤثر العام هو الوعي والإدراك والاستقامة والرشد والصلاح وتطبيق قيم الإسلام فإنه بطبيعة الحال يسهم إسهاماً فعالاً، وهذا الذي كان عند الرعيل الأول، كان الرجل العادي يخرج إلى أي مكان في هذه الأرض فتتجاوب الأمم معه بسبب ما يرونه من صلاحه واستقامته ورشده، أما عندما يكون الجو السائد مخالفاً لذلك بحيث لا تكون حقيقة الدين بارزة إلا مع قلة قليلة من الناس فلا ريب أن تأثير المسلم العادي الذي لا إدراك له لقيم الدين، ولا فهم له لحقيقة الدين يكون تأثيراً سلبياً في هذه الحالة. (3/272)
صفحة 1259
على أن الحوار هو دعوة، والدعوة لا يمكن أن تكون إلا على بصيرة فالله سبحانه وتعالى يقول (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف:108)، ولذلك نحن نرى في كتاب الله تعالى أن الدعوة نيطت بالفقه في دين الله تعالى، فالله سبحانه وتعالى ربط ما بين الإنذار والفقه عندما قال (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة:122)، فالتفقه في الدين هو سبيل هذا الإنذار أي معنى ذلك أنه وسيلة الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
السؤال (7)
للشيخ علي يحيى معمر نظرية في تقريب وجهات النظر بين المذاهب الإسلامية وهي تقوم على ثلاث مرتكزات المعرفة والتعارف والاعتراف. هل يمكن أن تلقوا الضوء على هذه المرتكزات الثلاثة؟
الجواب:
الأمة الإسلامية بينها روابط وقواسم مشتركة، ومما يؤسف أن نرى أن الأمة الإسلامية شُغلت بما اختلفت فيه، ولم تشغل بما اتفقت عليه. وهذا ناتج عن جهل بعضهم ما عند البعض الآخر.
نحن لو جئنا إلى أركان الإيمان لوجدنا أن أركان الإيمان الستة خمسة منها ليس بين الأمة خلاف في أصولها، وإنما الخلاف في جزئيات منها، فالإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين هذه لا يمكن أن تختلف فيها الأمة، أي في أصولها.
ليس هنالك من ينفي وجود الله تبارك وتعالى مثلاً، أو من يقول بأن الله تعالى غير موصوف بالكمالات، أو من يقول بأن الله تعالى حادث تعالى الله عن ذلك، أو بأن الله فان سبحانه عن ذلك وتعالى علواً كبيرا، ليس هنالك من هذه الأمة من يزعم ذلك أو يدعي ذلك. (3/273)
صفحة 1260
وكذلك ليس هنالك من هذه الأمة من يزعم أن مع الله إلهاً آخر، هذه قضية مسلم، كذلك بالنسبة إلى الإيمان باليوم الآخر ليس من الأمة من يشكك في البعث أو في الحساب أو في المجازاة بالثواب أو العقاب، وإن وقع اختلاف في جزئيات ولكن هنالك إيمان متفق عليه باليوم الآخر.
كذلك بالنسبة إلى الملائكة وإلى الكتب المنزلة وإلى النبيين ليس بين الأمة اختلاف في ذلك، الكل مجمعون على هذا الإيمان.
لا بد من أن يكون اختلاف في وجهات النظر في بعض القضايا، ولكن مهما يكن فإن الأصول مشتركة.
بقي الإيمان بقضاء الله وقدره، من الأمة من يقول بأن في هذا الأمر نظراً، وأن الله تعالى لم يكتب المعصية على العباد، ولكن مع ذلك كله فإن الكل يثبت أن الله تعالى هو الذي يصرف الكون، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء كما أخبر سبحانه وتعالى بذلك. فإذن هناك ما يجمع هذه الأمة.
كذلك إذا جئنا إلى أركان الإسلام، ليس في هذه الأركان خلاف، لم تختلف الأمة في الشهادتين، ولم تختلف الأمة في إقام الصلاة، ولم تختلف الأمة في إيتاء الزكاة، ولم تختلف الأمة في صيام رمضان، ولم تختلف الأمة في حج بيت الله الحرام. الأمة مجمعة على هذه الأركان.
كذلك بالنسبة إلى الكتاب العزيز، الأمة مجمعة على أنه هو الذي يجب أن يهتدى به ويعول عليه وهو الحكم.
كذلك بالنسبة إلى ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم واتفقت هذه الأمة على ثبوته لا خلاف في أنه حجة على الجميع.
كذلك بالنسبة إلى الاستقبال فإن الأمة بأسرها إنما تتجه إلى قبلة واحدة، وتحج نحو هذه الكعبة المشرفة التي تتجه إليها.
فالأمة عندها ما يجمع شتاتها، وما يؤلف بين فئاتها، وما يوحد صفها.
فعندما يدرك بعضنا بعضا بأننا متفقون على هذه الأصول ولا نختلف فيها فإن هذا مما يردم الهوة ويقرب.
فالمعرفة هي الأساس ثم التعارف بحيث إن كل فريق يبدي ما عنده للفريق الآخر ثم بعد ذلك يتم الانسجام ما بين الجميع. (3/274)
صفحة 1261
فالأمة بحاجة إلى أن تأخذ بهذه الوسائل للتوصل بمشيئة الله إلى الوحدة العامة الشاملة التي تجمع فئاتها وتجمع شتاتها، والله تعالى الموفق.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
28 من جمادى الثانية 1425هـ، 15/ 8/2004م
الموضوع: عام
السؤال (1)
تُعرف الشخصية الإسلامية باستقلاليتها وتميزها، فهي تستمد هديها من الكتاب العزيز ومن إشراقات النبوة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، لكننا نلحظ أن بعض الشباب يقلدون بعضهم البعض في المشي وفي الحركة وفي الكلام، وهم بالتالي يخرجون عن طبيعتهم وعن خلقتهم التي خلقهم الله عليها وبالتالي أيضاً عن تميزهم، ما رأي سماحة الشيخ في مثل هذا الأمر؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان خلقاً سويا، وجعل بين أفراده التمايز، فلكلٍ خصائصه ولكلٍ سماته ولكلٍ مزاياه الحسية والمعنوية، هذا لأجل أن يكون بين هذا الجنس البشري كما أراد الله تبارك وتعالى التكامل.
لذلك كان من المطلوب من الإنسان أن يبقى على الفطرة، وأن لا يحاول بأن تكون حياته حياة مصطنعة. الحياة الفطرية هي التي تُطلب من الإنسان، والخروج عن الحياة الفطرية إلى الحياة الاصطناعية مما يؤدي بالإنسان إلى أن يتناقض مع نفسه لأنه يكابر فطرته، ويريد أن يخرج عن طبيعته. وهذا يعود إلى ضعف الشخصية.
فالشخصية الإسلامية يجب أن تكون شخصية قوية، شخصية راضية بما فطرها الله تبارك وتعالى عليه، لا أن تكون شخصية مهزوزة. فهذا الذي يريد أن يخرج عن فطرته ويتشبه بغيره شخصيته مهزوزة، فهو يرى أنه فيه قصور وفيه ضعف وفيه نقص فيريد أن يسد هذه الجوانب كلها بتقليد الآخرين. (3/275)
صفحة 1262
وعلى أي حال لا ينبغي للإنسان أن يكون حديثه حديثاً اصطناعياً خارجاً عن حدود الفطرة التي فطر عليها بحيث أن يحاول أن يقلد صوتاً غير صوته فإن ذلك من شأن الببغاوات، وذلك يؤدي بالإنسان إلى أن يكون مهزوزاً. وكذلك من ناحية الحركة والمشي، إنما عليه أن يمشي المشية الطبيعية التي فطره الله تبارك وتعالى عليها، وكذلك جميع الحركات ينبغي أن تكون وفق ما فطره الله تعالى عليه، والله تعالى أعلم.
السؤال (2)
ما هي أوجه البر بالوالدين بعد موتهما، وهل يمكن أن يتصدق باسمهما أو يبنى مسجد بنية أن يكون أجر بنائه في ميزان أعمالهما يوم القيامة؟
الجواب:
نعم كل ذلك مشروع. والإنسان مطالب أن يبر والديه في حياتهما، وأن يبرهما بعد وفاتهما.
فبره بهما في حياتهما أن يقوم بخدمتهما، وأن يعينهما على الخير، وأن ينفق عليها، وأن يوسّع في متطلبات حياتهما بحيث يحاول أن لا يرد لهما طلبا، وأن يمنحهما بقدر مستطاعه من المال، وأن يسعهما بأخلاقه مع احتمال ما عسى أن يصدر منهما مما يؤذيه ويجرح مشاعره.
وبرهما بعد موتهما إنما هو بالاستغفار لهما، والانفاق في أمور البر عنهما، فإن الصدقة عن الوالدين متقبلة، الصدقة عن الميت متقبلة ويرجى أن يعم نفعها المتصدق والمتصدق عنه، وهذا بطبيعة الحال لا بد من أن يكون المتصدق عنه براً أو مات على توبة من الله حتى تكون أعماله التي عملها والتي تُعمل له أعمالاً متقبلة.
وكذلك بالنسبة إلى الحج والعمرة عنهما ذلك مما يشرع، وإن كانت عليهما ديون فإنه يؤمر ولدهما أن يسارع إلى قضاء دينهما حتى تكون صفحتهما صفحة بيضاء وحتى تكون ذمتهما ذمة بريئة.
السؤال (3)
هل يصح للمصلي أن يغمض عينيه في الصلاة إذا خشي الانشغال؟
الجواب: (3/276)
صفحة 1263
إغماض العينين في الصلاة مما اختلف فيه الفقهاء كثيرا. فمنهم من شددّ فيه حتى قيل بأنه إن كان يصادف في قيامه غباراً ويضطره ذلك إلى أن يغمض عينيه فإنه يصلي قاعداً ولا يصلي قائماً مع إغماض عينيه. هذا قول في منتهى التشدد.
في مقابل ذلك هناك قول وصل بصاحبه إلى أن يقول بأنه يستحب له أن يغمض له أو يندب له أن يغمض عينيه، وقيل بإباحة غمض العينين، وقيل بكراهة غمض العينين أي ذلك كله في الصلاة.
والقول الذي نعوّل عليه بأن الإنسان يتوسط، فهو لا يفتح عينيه كثيراً، ولا يغمضهما إغماضاً مطلقاً، وإنما يفتح من عينيه بقدر ما يفرق بين الضوء والظلمة ليؤدي صلاته بخشوع، والله تعالى يعين.
السؤال (4)
امرأة حامل وهي في نهاية شهرها الرابع وتبين للأطباء بعد الفحوصات أن في الجنين فتحة في بطنه وهم ينصحونها بالإجهاض، فما رأيكم سماحة الشيخ؟
الجواب:
للجنين حرمات منذ تكونه، فلا يباح أن يعتدى على الجنين ولو قبل أن تنفخ الروح فيه، لأنه كائن حي حياة نمو.
إذ الجنين من أول ما يكون اللقاح تكون فيه حياة نمو، فلذلك يضطرد نموه إلى أن يصل في الوقت الذي تنفخ فيه الروح.
ولذلك كان العدوان على حياته عدواناً على حياة نسمة خلقها الله تبارك وتعالى.
وبعد أن تنفخ فيه الروح تكون حرمته أعظم وأكبر لأن حياته بجانب كونها حياة نمو أيضاً هي حياة إحساس، إذ بنفخ الروح يكون الإحساس في الكائن البشري ولو كان جنيناً في طوايا رحم أمه، وبسبب ذلك لا يجوز العدوان على حياة الجنين لا من قبل الأم الحامل ولا من قبل غيرها، إلا إذا كان ذلك يؤدي إلى خطر يهدد حياتها، ففي هذه الحالة إن تيقن الأطباء بأن القضية قضية خطيرة، وأن سلامتها في خطر إن استمرت في حملها ففي هذه الحالة يجوز الإجهاض لأن حياة الأم حياة واقعة وحياة الجنين حياة ليست واقعة وإنما هي حياة متوقعة أو حياة منتظرة، فلذلك يحافظ على الحياة الواقعة. (3/277)
صفحة 1264
ثم بجانب ذلك أيضاً الأم هي الأصل، والجنين هو الفرع، فالمحافظة على الأصل أولى من المحافظة على الفرع، هذا عندما يكون هنالك يقين في نفوس الأطباء وهذا مما يعرف باستقراء ما يقوله الأطباء وتتبع ذلك حتى تكون هي على بينة من أمرها بحيث لا تثق بقول واحد فقط، فإن قول الواحد عرضة للخطأ، فينبغي أن يُسأل عن ذلك أكثر من طبيب. والله تعالى أعلم.
السؤال (5)
الأطفال في البيت تعودوا على الصراخ وتعودوا أيضاً على أن يتعاملوا فيما بينهم بنوع من الشدة، ما هي نصيحتكم لهؤلاء الأبناء؟
الجواب:
نحن قبل أن ننصح الأطفال الصغار ننصح الكبار.
فنصيحتنا إلى الآباء والأمهات أن يربوا أولادهم من أول الأمر تربية سليمة، تربية تقوم على حسن المعاملة، وذلك بأن يجد الطفل في أبويه القدوة الحسنة، الهدوء، الطمأنينة، الكلمة الهادئة الهادفة، اللطف في المعاملة، هذا كله مما نرجو أن ينعكس أثره على الأطفال فيكونوا هادئين كهدوء آبائهم وأمهاتهم.
أما عندما يكون مصدر تسكين الأطفال وردعهم عن سيئات الأمور الصوت المزعج ففي هذه الحالة ينعكس أثر ذلك عليهم ويتعودوا ما عودوه من قبل آبائهم وأمهاتهم.
فينبغي أن يخاطبوا خطاباً فيه رفق وفيه حنان وفيه لطف، ثم بجانب ذلك ينبغي أيضاً أن يربوا على الترغيب والترهيب، فالبيت مدرسة، والأم هي الركن الأول في هذه المدرسة.
الأم مطالبة بأن تربي أولادهم على تذكيرهم بالله، وتذكيرهم باليوم الآخر، وتعريفهم بالأخلاق الحسنة، وتعويدهم على هذه الأخلاق، وتعويدهم على الكلام اللطيف، الكلام اللين، الكلام الذي فيه رفق وفيه حنان يكاد يسيل عذوبة مما يمتزج به من الحنان والرفق. عندئذ يرجى من هذا الطفل أن ينشأ على الأخلاق، وأن ينشأ على الرفق، وعلى حسن المعاملة. (3/278)
صفحة 1265
ومع هذا لا بد أيضاً من ترهيبهم بجانب ترغيبهم، لا بد من اجتماع العنصرين الترغيب والترهيب، وفي هذا إن شاء خير كبير، ونسأل الله تعالى لهؤلاء الأطفال الهداية والصلاح والبر والاستقامة والهدوء.
السؤال (6)
هل يمكن أن نضع المصحف كزينة داخل البيت مع العلم أنه يوجد مصحف أو مصاحف أخرى نتلو منها آيات الله، وهل لا بد علينا أن نقرأ من هذه المصاحف أم نكتفي بالمصحف الذي نقرأ منه دائماً؟
الجواب:
الكتاب هو زينة عندما يُعمل به. الكتاب العزيز ليس زينة تترك على الرفوف، وإنما الكتاب العزيز هو زينة الحياة عندما يطبق ويعمل به ويحكّم في كل دقيقة وجليلة ويهتدى بهداه وتزين الألسنة بذكره وتعمر القلوب بهداه، عندئذ يكون زينة في هذه الحياة وجمالاً، لأنه هو كلام الله تبارك وتعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أُنزل ليكون هدى، هدى للمتقين، هدى للمحسنين، هدى للمؤمنين.
فالقرآن الكريم لا ينبغي أن يكون مجرد حاجة تزين بها البيوت كما أفهم من هذا السؤال، هذا مما يحط من قدر القرآن. (3/279)
صفحة 1266
الله تبارك وتعالى يصف القرآن الكريم بقوله (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) (الاسراء:9)، ويقول سبحانه (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الاسراء: من الآية82)، ويقول (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الحشر:21). فمن كانت عنده مصاحف كثيرة ينبغي له أن يؤثر بهذه المصاحف من لا يوجد عنده مصحف من الناس. وكم من الناس محتاجين إلى مصاحف. نحن نعرف في أصقاع الأرض في بلاد الإسلام الكثير من الناس يفتقرون إلى المصحف، بل ربما عند طائفة من المسلمين عندما يجدون المصحف يعتبرون أنفسهم وجدوا كنزاً ثميناً يحرصون عليه.
فأين هذا الإنسان الذي عنده فضلة في المصاحف بحيث لا يحتاج إلى أن يقرأ منها أين هو من إعطاء هذه المصاحف لمستحقيها لمن يقرؤها ويعمر البيوت بتلاوتها ويعمر القلوب بذكر ما فيها!
هذا مما يعود خيره على الجميع، وبهذا تزدان حياته لأنه عمل عملاً صالحاً يزيّن حياته ويتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى ويكون له ذخراً في المعاد.
السؤال (7)
والدنا متزوج زوجتين وهو غير عادل بينهما، وكذلك بين أولاد كلا الزوجتين في المعاملة والعطية، وقد اضطر أولاد الزوجة الأولى إلى مقاطعته وعدم زيارته لتماديه وتفريقه الواضح. والسؤال هل يأثم الوالد في مثل هذه المعاملة؟ وهل يلحق الإثم للأولاد من عدم زيارته؟ وهل يعتبر نوعاً من أنواع قطيعة الرحم؟
عدم زيارته؟ وهل يعتبر نوعاً من أنواع قطيعة الرحم؟
الجواب:
بهذه المناسبة أريد أن أقول كلمة.
حقيقة الأمر نحن وجدنا القرآني هو الحل الأمثل لمشكلات هذه الحياة. (3/280)
صفحة 1267
فالله سبحانه وتعالى أباح للرجل أن يتزوج أكثر من امرأة ولكن بشرط العدل، وفي ذلك حل لمشكلات الحياة، لأن العدد الهائل من النساء عندما يكن غير واجدات للرجل الذي يعشن في كنفه لا بد من أن يتأثرن نفسياً، ولربما أدى ذلك إلى الوقوع في الفحشاء، لأن هذه الفطرة موجودة في الرجال وفي النساء جميعاً، فكل امرأة بفطرتها وطبيعتها تتطلع إلى الرجل، كما أن كل رجل يتطلع إلى امرأة، ولا يحس أحدهما باكتماله إلا عندما يرتبط بالآخر.
فالرجل يحس بنقص شديد إن كان أعزب غير مقترن بامرأة، وكذلك المرأة تحس بنقص شديد عندما تكون عزباء غير مقترنة برجل.
ولكن مع ذلك أسيء استغلال هذا التشريع الحكيم الرباني من قبل الكثير من الناس حتى عادوا يعتبرون الزواج بأكثر من واحدة ترفاً يلجئون إليه من أجل إشباع رغباتهم النفسية بدون مبالاة بالحقوق الزوجية التي يجب عليهم أن يحافظوا عليها. (3/281)
صفحة 1268
وخير ما يحافظ عليه الرجل من الحقوق بعد حق الله تبارك وتعالى وحق الوالدين، حق الزوجة، لأن الله تبارك وتعالى جعل بين الرجل والمرأة تكاملاً، وهو جزء من حقيقة تتكون منهما جميعاً وهي الجزء الآخر كما يؤذن بذلك قول الله سبحانه وتعالى (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) (النساء: من الآية19)، وقوله سبحانه (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَاخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً * وَكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً) (النساء:20 - 21)، ولم يقل (وقد أفضيتم إليهن)، فمعنى هذا أن الرجل هو بعض من هذه الحقيقة التي تشمل الزوجين، والمرأة هي البعض الآخر، وباجتماعهما يكون التكامل، فلا يجوز للإنسان أن يغمط حق المرأة، ولا يجوز له أن يحكم هواه ويحكم رغباته النفسية في مشاعرها وفي أحاسيسها لأنها تشعر بمشاعر وتتألم بآلام. (3/282)
صفحة 1269
وأنا قبل أيام وصلتني رسالة من امرأة تقول بأنها كان بينها وبين زوجها حسن العشرة والود والألفة حتى اشتغل الرجل بامرأة أخرى كانت تتصل به ويتصل بها، وصارت عبارات الحب متبادلة بينهما إلى حد أنه وصل الأمر إلى الإساءة بهذه المرأة، ثم ارتبط بتلك المرأة الثانية، وقبل أن ينقلها إليه أساء معاملة هذه المرأة حتى وصل به الأمر إلى أن يضربها وأن يجرح مشاعرها بالكلمات النابية، ووصل به الأمر إلى أن يعطل حقوقها الواجبة عليه، تقول بأنه يلجأ إلى الفراش قبل أن يقترن بزوجته الثانية وهي تشتاقه روحاً وجسدا ولكن مع ذلك لا يؤدي لها حق الفراش وعندما تطالبه بذلك يقول بأنه شاخ وشاب، وأن ذلك ناتج عن الضعف، وتقول لماذا إذاً يتزوج بالثانية إن كان يشعر بالشيخوخة ويشعر بالضعف.
فعلى أي حال هذه الأمور يجب أن تراعى، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن يكون التزوج بالثانية والثالثة والرابعة ترفاً، وإنما يشترط لذلك أن يكون هذا الرجل الذي يقدم على ذلك عنده المقدرة التامة، عنده المقدرة الجسدية لتوفية كل امرأة حقها، وعنده المقدرة المالية للإنفاق على كل واحدة منهن إنفاقاً عادلا، وعنده المقدرة النفسية لاحتمال ما عسى أن يكون بين هذه النساء من صدام وخلاف لأن ذلك مما ألف في حياة النساء حتى في بيت النبوة، فعليه أن يكون محتملاً لذلك، وأن يكون موسعاً صدره، وأن يكون ذا هدوء متحكماً في أعصابه هذا كله مما يشترط، وبهذا يكون العدل بين النساء، فالله تعالى يقول (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) (النساء: من الآية3). (3/283)
صفحة 1270
هذه نصيحة أقدمها لكل من يريد أن يتزوج بالثانية أو بالثالثة أو بالرابعة مع كوني أقول بأن تشريع تعدد الزوجات إنما هو لأجل هذه الحكمة الربانية، وهو حل لهذه المشكلة الاجتماعية العظيمة، وإنما يشترط لذلك العدل ويشترط لذلك أن يكون الإنسان واثقاً من نفسه بأنه عنده القدرات، القدرة الجسدية والقدرة المالية والقدرة النفسية حتى يوفي كل واحدة من زوجاته حقها.
ومع هذا كله أقول بأن مقاطعة الأولاد لآبائهم غير جائزة مهما كانت إساءة الأب ومهما كان سوء معاملته لهم، فإنه يجب عليهم أن يبروا أباهم، وأن يبروا أمهم ولو حصل ما حصل من الإساءة منهما إلى الأولاد، فإن برهما حق واجب على الأولاد.
وعلى الأب أن يعين أولاده على بره، ومن عونه للأولاد على البر أن يكون عادلاً بينهم، فإنه مع عدم العدل بينهم تكون الحزازات ويكون الاختلاف ويكون الشقاق ما بين أولاد الأب الواحد الذين خرجوا من صلب واحد، ثم مع ذلك يكون الشقاق بينهم وبين أبيهم أيضاً فإن أولئك الذين يشعرون بالحرمان لا يكونون بارين بآبائهم كأولئك الذين يغمرهم بعواطفه ويغمرهم بإحسانه وفضله وبره.
فيجب أن يكون الآباء على نباهة من هذا الأمر. وحيف الآباء في معاملة الأولاد ينعكس أثره على هؤلاء الأولاد، وينعكس أثره على تعاملهم مع آبائهم فيجب التفطن لذلك، والله تعالى أعلم.
السؤال (8)
امرأة ترغب في الحج عن أمها لكن تم إبلاغها بأنه قد حُج عنها، فهل تحج عن أمها أو تحج عن أبيها؟
الجواب:
إن كانت حجة الفريضة حُجت عن الأم والأب لم يحج عنه فالأولى أن تحج عن أبيها، وبعد ذلك إن تمكنت من أن تحج عن أمها حجة نفل فذلك خير، ولكن بما أن الأب لم يُحج عنه الحجة الواجبة ولم يحج هو أيضاً في حياته الحجة الواجبة وذمته مشغولة بهذه الحجة فالأولى أن تحج عن أبيها.
السؤال (9)
أبناء أوصى أبوهم بصيام شهر فهل يجوز أن يتصدقوا عنه؟
الجواب: (3/284)
صفحة 1271
من أوصى بالصيام جاز أن يُعدل عن الصيام الذي أوصى به إلى الإطعام، ومن أوصى بالإطعام لم يجز العدول عن الإطعام إلى الصيام، إذ الأصل أنه لا يصوم أحد عن أحد إلا إن مات وعليه صيام فيصوم عنه القريب كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم (من مات وعليه صيام صام عنه وليه).
وأما الإطعام فهو على أي حال فهو مشروع، وما كان من التوسع في الوصية بالصيام الذي يكون بنفقة تنفق على الصائم فإنما ذلك من باب التوسع الذي لم يأت عليه نص في الحديث، والأخذ بما دل عليه الحديث هو الأولى والاحوط والاسلم، فنرى العدول عن هذه الوصية إلى الإطعام، يُطعم عن كل يوم مسكين، والله تعالى يتقبل ذلك.
السؤال (10)
بالنسبة للعدول من الصوم إلى الإطعام. الصوم باعتباره عبادة خاصة، والإطعام باعتباره عبادة اجتماعية عبادة تتعدى المسلم إلى الآخرين، هل معنى ذلك أن العبادة الاجتماعية أو العبادة التي تتعدى الشخص إلى مجتمعه هي أفضل عند الله تعالى من العبادة الخاصة؟
الجواب:
لا ريب أن كل عبادة تكون أنفع للناس هي أولى بها مع عدم الاخلال بالفرائض. كل ما يكون أجدى للناس لأن منفعة الناس مطلوبة، حتى هذه العبادات الشخصية التي يؤديها الإنسان تنعس آثارها الإيجابية أيضاً على المجتمع كالصيام، فإن صوم الصائم ينعكس أثره على المجتمع لما فيه من التربية للنفس على قهر الشهوات والترويض على الطاعات، فهذا الترويض ينعكس أثره على المجتمع لأن أفراد المجتمع إن كانوا مروضين على الطاعة وكانوا معتادين لمحاسن الأخلاق فأثر ذلك يعود على مجتمعهم جميعا.
السؤال (11)
أبناء أوصاهم أبوهم بوصية ولم ينفذوها إلى الآن، فما الحكم؟
الجواب:
هذه مصيبة. الوصية يؤمر بتعجيل إنفاذها، حتى إن أمكن ذلك قبل أن يدفن الميت فإن يؤمر بإنفاذ الوصية قبل دفن الميت مع إمكان ذلك، لئلا يتأخر إنفاذ الوصية. (3/285)
صفحة 1272
ونحن نرى أن الله تبارك وتعالى ذكر الوصية والدين في أربعة مواضع من كتابه العزيز، وقدّم الوصية على الدين لئلا يتساهل الناس فيها، فقد قال سبحانه وتعالى (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) (النساء: من الآية11)، وقال (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) (النساء: من الآية12)، وقال (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) (النساء: من الآية12)، وقال (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ) (النساء: من الآية12)، هذا كله من أجل أهمية الوصية حتى لا يتساهل الناس فيها.
فلا يجوز أبداً أن ينتفع الوارث من مال موروثه إلا بعد إنفاذ الوصية، إذ لا حق له في الإرث إلا بعد الوصية كما نص على ذلك القرآن في هذه النصوص الأربعة التي ذكرناها. لا يجوز أن ينتفع الموروث بمال الوراث.
وقد قال العلماء بأن المال تتعلق به أربعة حقوق أولها تجهيز الميت، ثم قضاء الدين ثم إنفاذ الوصية ثم الإرث. أي الإرث يقع بعد ذلك.
السؤال (12)
هل يجب على الأب أن يساوي بين أبنائه ذكوراً وإناثاً في نوع الهبة؟
الجواب:
الهبة يجب أن يعدل فيها الأب بين أولاده، وأن لا يعطي أحداً ويحرم غيره، أو لا يعطي هذا قليلاً ويعطي الآخر كثيرا.
فالعطية يجب على الأب أن يكون فيها عادلاً، كما يدل على ذلك حديث النعمان بن بشير عندما جاء أبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلّم وأراد أن يشهده على إعطاء ولده عطية فقال له: أكل ولدك نحلته مثله؟ قال له: لا. قال له: فلا تشهدني إذاً فإني لا أشهد على جور. وفي بعض الروايات (أشهد غيري) معنى ذلك أنه لا يقره على الإشهاد. وهذا الحديث يدل على وجوب العدل ما بين الآباء فيما ينحلونه أولادهم. فليس للأب أن ينحل بعض أولاده دون بعض، أو أن يعطي هذا أكثر من ذلك. (3/286)
صفحة 1273
واختلف هل يكون الذكور والإناث على سواء هنا لأن هذه عطية وليست داخلة في حكم الإرث، أو أن الذكور لهم ضعف الإناث كما هو الإرث.
فمنهم من قاس العطية التي تكون في الحياة على الميراث الذي يكون بعد الوفاة فقال للذكر مثل حظ الاثنيين، ومنهم من قال لا.
والأقرب والأرجح أنه لا فرق بين الذكر والأنثى، لأن الحديث قال له (أكل ولدك نحلته مثله)، والولد يصدق على الذكر والأنثى، فمعنى ذلك أن عليه أن يعطي كل واحد من أولاده الذكور والإناث مثل ذلك، وأن لا يميز بينهم، والقياس هنا إنما هو قياس مع الفارق، والله تعالى أعلم.
السؤال (13)
هل يجوز لامرأة أو امرأتين أن تذهبا للعمرة مع رفيقات لهن؟
الجواب:
لا بد من أن يكون معهن محرم ولو كان هذا المحرم لبعضهن إن كان أميناً موثوقاً به فإنه في هذه الحالة جوّز بعض أهل العلم أن تذهب المرأة في رفقة الأمناء المصطحبين لنسائهم، وأما أن يذهبن بأنفسهن من غير أن يكون معهن محارم رفقاء لهن فذلك غير سائغ أي بحيث يكن نساء فحسب.
السؤال (14)
الكثير من الناس يستخدمون الصحف كفراش للطعام ولربما يكون فيها بعض الآيات والأحاديث؟
الجواب:
أما إن كانت في هذه الصحف آيات من كتاب الله سبحانه وتعالى، أو أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم، أو كانت فيها أسماء لله سبحانه وتعالى فإن افتراشها ووضع الطعام عليها مما يخل بحسن الأدب مع كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من يديه ولا من خلفه.
في ذلك إخلال بحسن الأدب مع كلام الله الذي أنزله ليكون هدى الناس ومع أسمائه الحسنى. (3/287)
صفحة 1274
ولذلك بعض العلماء قال بأن الفرق بين قول الله سبحانه وتعالى (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) (الأعلى:1)، وقوله سبحانه وتعالى (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) (الجمعة: من الآية1) بحيث ذكر تسبيح اسمه وذكر تسبيح ذاته، بأن تسبيح ذاته إنما هو تنزيه الله سبحانه وتعالى عن كل ما لا يليق به، تسبيح ذاته هو تنزيه الله تعالى عن الشريك، تنزيه الله تبارك وتعالى عن الولد، تنزيه الله تبار وتعالى عن الصاحبة، تنزيه الله تبارك وتعالى عن صفات النقص جميعاً من موت وفناء وحدوث وجهل وصمم وعمى وغير ذلك من صفات النقص.
وأما تسبيح الاسم الكريم (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) فمعنى ذلك تسبيح أسمائه بحيث تنزه هذه الأسماء الكريمة عن كل ما لا يليق بها وعن كل ما يوحي بإهانتها.
ولا ريب أن افتراش صحيفة فيها أسماء الله تبارك وتعالى إنما هو مما يوحي بإهانة أسمائه سبحانه وتعالى، فلذلك مما يجب على الإنسان أن يتجنب ذلك.
السؤال (15)
موظف في شركة توفر له قرض بدون أي زيادة لكن تشترط عليه أن يؤمن لهذا القرض تأمين الحياة وكذلك تأمين ضد الحريق، وهو عندما يحسبها من ناحية المصلحة يقول بأن الإيجار أكثر بكثير من مصاريف التأمين هذه، فما هو الحكم في هذا الأمر؟
الجواب:
ليست القضية قضية مصاريف أو غيرها، قضية موافقة الحق ومخالفة الحق، فالتأمين التجاري مما اتفق عليه العلماء في مجمع الفقه الإسلامي بعد دراسته من جميع أوضاعه ومن جميع وجوهه على عدم جوازه، وإنما وافقوا على التأمين الاجتماعي، في هذه الحالة ينبغي أن يكون هذا التأمين تأميناً اجتماعياً مراعى فيه الأحكام الشرعية وضوابط هذه الأحكام.
السؤال (16)
زكاة الدين الذي لم يحدد أجله على من تكون؟
الجواب:
زكاة الدين الذي حل أجله أو الذي لا أجل له إنما هي على الدائن. (3/288)
صفحة 1275
فالذي حل أجله لأنه وصل وقته قضائه واقتضائه، والذي لم يحدد له أجل فللدائن أن يطالب به في أي وقت من الأوقات فزكاته على الدائن بشرط أن يكون المدين وفياً ملياً. ومعنى كونه وفياً أنه لا يماطل بحيث لو اقتضاه الدائن فإنه يؤدي ما عليه. وملياً أنه عنده ما يقضي به هذا الدين، ليس بمعسر، فإن كان كذلك فزكاته على الدائن وإلا فلا.
السؤال (17)
كنت أقود السيارة فشقت امرأة الطريق فجأة فقمت بكل المحاولات كي لا اصطدم بها ولكن رغم ذلك اصطدمت بها وأصيبت بجروح خفيفة ونقلت إلى المستشفى فكشف الفحص أن أحد أضلاع قفصها الصدري قد كسر كسراً خفيفاً. فماذا يجب عليّ شرعاً تجاهها، وإذا حدد لها الشرع حقا لكن سمحت هذه المرأة أو وليها في هذا الحق فمن يكون سماحه معتبراً شرعاً أم كلاهما يلزم، مع العلم أن هذه المرأة أرملة؟
الجواب:
الأصل في الخطأ أنه يجب فيه الضمان سواء كان خطأ في النفس أو كان خطأ في المال.
فإن كان الخطأ من السائق ففي هذه الحالة الضمان عليه، وإن لم يكن الخطأ من السائق بحيث لم يكن سبباً في ذلك قط فيما أصابها، وإنما رمت بنفسها هكذا مع مرور السيارة بغير سرعة خارجة عن حدود الاعتدال ففي هذه الحالة تكون هي التي عرضت نفسها للخطر، إذ على الإنسان قبل أن يقطع الطريق أن يبصر عن ميمنته وعن ميسرته ليتأكد من عدم وجود السيارة حتى لا يقع في المحذور.
فإن كانت هي رمت بنفسها هكذا من غير مبالاة فقد تسببت بنفسها. ثم إن لزمه شيء بحيث كان تسبب في هذا الخطأ، أو أراد الاحتياط لنفسه وعفت هي بحيث أسقطت حقها ففي هذه الحالة يكون عفوها معتبراً ومعتداً به ولا حرج عليه إلا إن كانت بها نقص كأن تكون مجنونة أو تكون صبية غير بالغة أو أن تكون مملوكة مثلاً. أما في غير هذه الأحوال فإن العفو يرجع إليها وليس إلى وليها ولا إلى زوجها إن كانت ذات زوج.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
13 من رجب 1425هـ، 29/ 8/2004م (3/289)
صفحة 1276
الموضوع: عام
السؤال (1)
عندما يجتمع الشباب إلى بعضهم تدور بينهم أحاديث كثيرة ومتعددة، لكنهم عندما يلامسون موضوع العلاقة الجنسية فلربما نسمع منهم الكلام البذيء والمقذع والمنافي للذوق في بعض الأحيان متعللين بأنه لا حياء في الدين، في حين أن المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه أشد حياءً من العذراء في خدرها.
سماحة الشيخ كيف يمكن أن نجمع بين المقولة أنه لا حياء في الدين والثابت من أخلاقه صلى الله عليه وسلّم؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الحياء شعبة من شعب الإيمان كما جاء بذلك حديث الرسول الثابت عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، فالرسول صلى الله عليه وسلّم يقول: الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها كلمة لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى من الطريق والحياء شعبة من الإيمان.
فهذا يعني أن المؤمن لا بد من أن يتخلق بخلق الحياء.
والحياء واقٍ يقي الإنسان من التردي في منزلقات كثيرة، ذلك لأن حياؤه من ربه أولاً يمنعه من إقدامه على معصيته. بحيث إنه يستذكر نعمة الله التي أسبغها عليه فيرى مقابلة هذه النعمة بالعصيان أمراً يتنافى مع الطبع السليم فضلاً عن تنافيه مع الشرع الحكيم، فلذلك ينهنه نفسه عن معصية الله، إذ من طبيعة النفس السليمة إن كانت على الفطرة التي فطرها الله تبارك وتعالى عليها أن تستحيي من الإساءة إلى من أحسن إليها، فكيف إذا كان هذا المحسن هو الله تبارك وتعالى الذي يعلم السر وأخفى، فهو يرى الذي الخفايا من الإنسان، ولو ظن أنها تخفى، هي خفية عن غير الله تعالى أما عن الله فلا تخفى. فإيمانه بذلك يمنعه من الإقدام على ذلك استحياءً من الله. (3/290)
صفحة 1277
والحياء أيضاً يمنع الإنسان من أن يسيء إلى من أحسن إليه، فيدفع ذلك به إلى الإحسان إلى من أحسن إليه لأنه يرى أن مقابلة الإحسان بالإساءة أمر مناف للخلق المرضي وأمر مناف لما يحب الإنسان أن يظهر منه، فلا يقابل الإحسان إلا بالإحسان.
فالحياء خلق جبل عليه الإنسان في الأصل، وإنما الذين يتجردون من لا الحياء قد انسلخوا من الفطرة التي فطرهم الله تبارك وتعالى عليها.
والحياء هو الذي يصون لسان المرء عن أن يقول بذيء القول، فالإنسان تحسب عليه كلماته، وأجاد الشاعر الذي قال:
إن الإناء بما في بطنه رشحا
يعني أن الإنسان لا يصدر منه من الكلام إلا ما هو واقر في نفسه.
فالكلام البذيء يدل على انحراف الطبع. فالمؤمن يترفع حياءً عن أن يقول الكلمات البذيئة أو أن يذكر العورات بأقبح أسمائها أو أن يذكر المباشرة الجنسية بطريقة مكشوفة إنما يوري ويكني.
فالله تبارك وتعالى في كتابه الكريم كنّى (فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفا) (الأعراف: من الآية189) إنما قال (تغشاها)، وكذلك (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) (النساء: من الآية43) عبّر بالملامسة.
وكذلك يقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنّ) (الأحزاب: من الآية49)، عبّر بالمس ولم يعبر بالعبارة الصريحة المكشوفة ذلك من أجل أن الله سبحانه وتعالى يحب لعباده أن يعبروا بمثل هذه العبارات.
وهو سبحانه وتعالى حيي كريم يكني في خطابه عندما يخاطب عباده بمثل هذه الأمور.
وكذلك كان خلق الرسول صلى الله عليه وسلّم، فالرسول عليه أفضل الصلاة والسلام كان شديد المبالغة في الحياء، يحرص على أن لا يقول من الكلمات إلا ما لا يستهجن، أما الكلمات المستهجنة فهو يتقيها عليه أفضل الصلاة والسلام. (3/291)
صفحة 1278
فهو الذين يتلذذون بالحديث عن الجانب الجنسي بالعبارات المكشوفة الصريحة إنما هم في الحقيقة بعيدون عن الأدب الإسلامي والخلق الديني الذي يطبع عليه المؤمن، هؤلاء أشبه بالسوقة منهم بمن هم متخلقون بأخلاق الإيمان والإسلام.
وأما ما يتذرعون به من أنه لا حياء في الدين، نعم لا حياء في الدين، الإنسان مطالب أن يتحدث بكلمة الحق من غير أن يستحيي، ومطالب أن يتعلم دين الله تبارك وتعالى من غير أن يستحيي، ومطالب أن يسأل عن أمور الدين من غير أن يستحيي، ومطالب أيضاً أن يعلم الناس أمر دينهم من غير أن يستحيي، هذا كله مما يطالب به المرء، لا يعني ذلك أن يكون قبيح القول تصدر منه الكلمات البذيئة أو يذكر العورات بأقبح أسمائها، إنما يصدر منه الكلام الطيب الذي فيه تورية تارة، وفيه كناية تارة أخرى.
ومن أمثلة كون عدم الحياء في الدين أمراً محمودا أن النبي صلى الله عليه وسلّم جاءته امرأة وقالت: يا رسول الله برح الخفاء إن المرأة لترى ما يرى الرجل هل عليها من غسل؟.
هذا أمر مطلوب وأمر محمود لأن حياءها لم يمنعها من التفقه في دين الله. سألت عما يعتري النساء بحيث إن المرأة ترى في منامها كما يرى الرجل في منامه من أمر المباشرة فسألت النبي صلى الله عليه وسلّم هل يجب عليها في هذه الحالة أن تغسل كما يجب على الرجل أن يغتسل. قال لها: نعم إن رأت الماء.
كذلك تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: لله در نساء الأنصار ما منعهن الحياء من التفقه في دين الله، تعني بذلك أن نساء الأنصار كن يسألن عن أمر دينهن ويتفقهن ويحرصن على أن يطلعن على الخفايا التي ربما النساء تستحيي أن تسأل عنها بطبيعتهن ولكن يغالبن هذه الطبيعة من أجل أن يؤدين الواجب، ومن أجل أن يتقين المحارم، ومن أجل أن يتعلمن ويُعلمن أحكام الله سبحانه وتعالى، فهذا هو معنى (وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقّ) (الأحزاب: من الآية53). (3/292)
صفحة 1279
كذلك نجد أن النبي صلى الله عليه سلّم قال (إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أعجازهن)، يعني بذلك أن المباشرة بين الرجل والمرأة إنما تكون في صمام واحد، في المكان الذي أحله الله تبارك وتعالى، لا في المكان القذر الذي لم يحله الله سبحانه وتعالى.
ونحن نرى أيضاً في هذا الأمر نفسه كيف أن القرآن الكريم جاء بالعبارة المهذبة اللطيفة (فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة: من الآية222).
فالإنسان على أي حال مأمور أن يسأل عن أمر دينه، وأن يتفقه فيه، وأن يبحث عما يقيه سخط الله سبحانه وتعالى من غير استحياء.
ونجد من النساء الصالحات ابنة أبي مسور رحمهما الله، كانت فتاة صالحة عاقلة ذكية، وكانت في منتهى اللباقة، وعندما أتاها الحيض أخذت تسأل أباها العلامة أبا مسور عن مسائل في الحيض، ووصفت له كيف يأتيها الحيض. فقال لها: أما تستحين يا بنيتي تسألينني عن مثل هذا؟ قالت له: أخشى أن يمقتني الله عن استحييت. فقال لها: لا مقتك الله.
فعدم الحياء في هذا مطلوب، أما أن تذكر العورات أقبح أسمائها، أو أن تصور العملية الجنسية تصويراً مستهجناً قبيحاً فهذا أمر يتنافى مع خلق الإسلام ومع ما ينبغي أن يتطبع به المؤمن من الأخلاق الزكية الطيبة.
السؤال (2)
أنا طالبة جامعية لم يتبق لي إلا القليل لأنهي دراستي ورغم ذلك يرفض أهلي تزويجي تحججاً منهم بدراستي الجامعية وأن ذلك سوف يشغلني عن دراستي رغم أن هنالك الكثير ممن تقدم لخطبتي وقد تحجج الأهل أنهم غرب والأقرب أولى منهم، كيف وأنا غير راضية على القريب، وفي نفس الوقت لا أريد أن أخرج عن رغبة أهلي وعن رضاهم وأنا غير مقتنعة بما هم يطلبونه مني، فماذا أفعل، أصر على رغبتي وأكون بذلك عاقة لهم، أو أني أخضع لما يريدونه وأمري لله تعالى؟
الجواب: (3/293)
صفحة 1280
لا ريب أن الألفة مطلوبة والانسجام ما بين الولد ذكراً كان أنثى وأبويه وسائر أسرته أمر مطلوب، فكل واحد يطلب منه أن ينسجم مع أسرته، ولكن هذا لا يعني أن تفرض الأسرة على الفتاة إرادتها فيما يتعلق بالزواج، وتحرمها من أن تحقق رغبتها وهي لا تريد إلا الخير لنفسها ولا تريد إلا الخير لهم.
فبما أن الخاطب هو من الصالحين، من الناس الذين تحمد سيرتهم، ولا يقبحون من أي ناحية من النواحي، فلا ينبغي للأهل أن يرفضوه.
ثم إن التزويج مطلب فطري، فكل واحد يرغب في الزواج، الذكر يرغب في الزواج، والأنثى ترغب في الزواج (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم:21)، جعل الله تعالى الزواج طمأنينة وقرة عين وهدوء بال.
فلا يجوز للأسرة قط أن تعضل أي أحد من أفرادها عن الزواج، لا يجوز لها أن تعضل بناتها عن الزواج، فالله سبحانه وتعالى شدّد على الأولياء في العضل وجعله منافياً للإيمان بالله واليوم الآخر، ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:232)، فالعضل يتنافى مع الإيمان بالله واليوم الآخر، وهو مناف للتزكية التي هي مطلوبة من الإنسان أن يزكي بها نفسه وأن يزكي بها أسرته، العضل أمر فيه خطر كبير. (3/294)
صفحة 1281
ثم إن إذا نظرنا إلى قضية الهدوء والاستقرار والطمأنينة فإنها بمجرد معرفتها أنها ارتبطت بزوج تقر به عينها ويطمئن به بالها ويرضي ضميرها تكون نفسها هادئة، وهذا لا يتنافى مع طلب العلم.
فيجب على هذه الأسرة أن تسارع إلى تحقيق رغبة هذه الفتاة.
وكونها تصر على موقفها لا يعد ذلك بأي حال عقوقاً للوالدين والأهل لأن الزواج إنما هو ربط مصير بمصير.
فعليها أن تفكر في من ترتبط به قبل أن تقدم على هذا الارتباط. عليها أن تفكر في النواحي الدينية والخلقية وانجذاب أيضاً نفسها إليه فإن ذلك مما يراعى، إذ الزواج إنما هو انسجام بين جانبين، وهو لقاء بين روحين قبل أن يكون لقاء بين جسدين، والله تعالى الموفق.
السؤال (3)
رجل أم جماعة في صلاة العشاء ونسي في الركعة الثانية أنه إمام فقرأ الفاتحة سراً حتى (إياك نعبد وإياك نستعين)، لكنه بعد ذلك رجع وأعاد الفاتحة جهراً من بدايتها ماذا عليه؟
الجواب:
هو أصاب رأياً من آراء علماء المسلمين. فالعلماء مختلفون في من أسر الفاتحة نسياناً وقبل أن ينتهي منها تنبه لذلك أو نُبه، فهل يبتدأها من جديد جهرة، أو أنه يبني على القراءة السابقة؟ هذا مما اختلف فيه.
منهم من قال بأنه يبني لأن الفاتحة لا تكرر، إذ الفاتحة من الحدود والحدود لا تكرر.
ومنهم قال بأنه نظراً إلى أن القراءة في الأصل أن تكون جهرة ويلتبس الأمر على المأمومين فإنه يعيدها جهرة.
فهو أصاب رأياً من الآراء، أخذ برأي ولا حرج عليه، وصلاته إن شاء الله صحيحة.
أما لو نسي فجهر في مكان الإسرار ففي هذه الحالة يبني عندما يتذكر في أثنائها.
أما لو أكمل قراءة الفاتحة إلى آخرها ففي هذه الحالة يسجد سجدتي سهو من أجل إسراره ولا حرج عليه.
السؤال (4)
ما حكم السياج من التراب والحصى الذي يوضع على القبور، وما حكم كتابة الأسماء على القبور؟
الجواب: (3/295)
صفحة 1282
أما كتابة الأسماء على القبور فهي مكروهة، لأن في ذلك ما يدعو إلى تعظيم أصحاب القبور وتقديسهم، وهذا أمر يتنافى مع ما يُطلب من الأمة من عدم تحويل القبور إلى مساجد، فلا ينبغي ذلك.
وأما بالنسبة إلى عمل سياج على القبر خشية أن يداس بالأقدام فذلك من صونه ولا حرج عليه، وإنما يمنع تجصيصه كما ذلك جاء في الحديث، والله تعالى أعلم.
السؤال (5)
رجل عنده دواب فيعطيها لشخص آخر ليربيها معه ويتقاسمان النتاج؟
الجواب:
أما هذا ففيه غرر فلا يجوز ذلك، لأن هذا العقد إنما هو عقد على غرر، إذ النتاج مجهول، قد لا تلد قط، وقد تلد في كل عام، وقد تتأخر الولادة، وقد تحمل ثم يسقط الجنين، فهذه أمور غيبية، ولذلك لا يجوز ذلك، اللهم إلا إن تشاركا في الأصل بأن جعل الدابة مشتركة بينهما هذا يملك نصفها والآخر يملك نصفها ففي هذه الحالة لكل واحد منهما نصف النتاج، والله تعالى أعلم.
السؤال (6)
شخص فتح حساباً في أحد المتاجر وبعد مدة سافر التاجر ولم يسدد الشخص المبلغ الذي عليه، ولم يكن الشخص يعرف مقدار المال الذي عليه للتاجر فما يفعل في هذه الحالة؟
الجواب:
عليه أن يسأل عن هذا التاجر حتى يصل إليه، ويصالحه إن التبس عليه الأمر ولم يعرف كم عليه له.
وإن تعذر عليه الوصول إليه وأمكن أن يتصل بورثته بعد موته فعليه في هذه الحالة أن يتصالح مع الورثة وأن يدفع إليهم ما اصطلحوا عليه.
فإن تعذر ذلك كله وأيس من الوصول إليه أو إلى ورثته ففي هذه الحالة إنما يؤمر بالتخلص من ذلك بدفعه إلى فقراء المسلمين وفي ذلك خلاص له إن شاء الله لأنه مال مجهول ربه، وما جهل ربه ففقراء المسلمين أولى به، والله تعالى أعلم.
السؤال (7)
عندي نية أن اذهب للعمرة في رمضان والمشكلة أنه ليس لي محرم وعندي بنات خالاتي وعماتي عندهن محرم ونحن مجموعة من النساء نذهب مع مقاول، فهل يصح لها أن تذهب معهم؟
الجواب: (3/296)
صفحة 1283
رخص في ذلك إن كان في الرفقة نساء عندهن محارمهن أو أزواجهن وهم ثقات مؤتمنون وذلك كما حجت أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن في رفقة كان فيها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، والله تعالى أعلم.
السؤال (8)
أنا طالب موجود حالياً خارج السلطنة وسوف أرجع إلى البلد مع بداية رمضان الكريم فإذا ما رجعت إلى البلد وأردت أن أقضي إجازة إلى بعد عيد الفطر، وسؤالي إذا بدأت الصوم من البلد الذي به الآن هل يصح أن أفطر بعمان علماً بأنه يمكن أن يكون الصيام متأخراً أو متقدماً عن الصيام في السلطنة فكيف أحسب أيام الصوم؟
الجواب:
في هذه الحالة إما أن يكون الصيام متقدماً في تلك البلدة ومعنى ذلك أن الفطر هنالك يتقدم، ففي هذه الحالة إن أهل هلال شوال وكان صام ما دون تسعة وعشرين يوماً ففي هذه الحالة عليه أن يفطر وأن يقضي يوماً مكان يوم التاسع والعشرين.
أما إن كان بعكس ذلك بحيث زادت المدة على المدة التي هي مفروضة في الصيام بحيث صام ثلاثين يوماً وأتم، وهناك لم يهل هلال شوال، ففي هذه الحالة يختلف ما بين أهل العلم، منهم من قال لا بد من أن يصوم بصيام ذلك البلد، ومنهم من قال لا يلزمه أن يصوم أكثر من ثلاثين يوماً، ولئن صام ثلاثين فعليه أن يفطر بعد ذلك ولا حرج عليه، والله تعالى أعلم.
السؤال (9)
هل حكم صرح المسجد مثل حكم المسجد في واجباته وحقوقه؟
الجواب:
نعم، القول المشهور بأن صرحة المسجد منه، فلذلك يجب أن تصان هذه الصرحة من كل ما يجب أن يصان منه المسجد. فلا يجوز فيها بيع ولا شراء، ولا تجوز فيها مساومة، ولا يجوز فيها لغو الكلام، ولا يجوز أن تتخذ الصرحة طريقاً بحيث يعبر الإنسان من ناحية إلى ناحية ماراً بالصرحة من غير أن يصلي، وكذلك إذا دخل يؤمر أن يصلي تحية المسجد في الصرحة كما يؤمر إذا دخل المسجد داخله أن يصلي تحية المسجد.
السؤال (10)
أنا شاب عمري خمسة عشر سنة سرقت من أبي مبلغاً من المال فكيف أتوب؟
الجواب: (3/297)
صفحة 1284
عليه أن يتخلص برد ذلك المال إلى أبيه، ولا يلزمه أن يقول له بأنه سرق، إنما يجب عليه إيصال المال إليه، وإن طلب منه أن يجعله في حل فأحله فلا حرج في ذلك.
السؤال (11)
رجل أراد أن يقضي صلاة الجمعة الفائتة حيث إنه تركها بدون عذر فهل يصح له ذلك، وهل المسافر أن يؤدي صلاة الجمعة ولو كان مطمئناً في تلك البلاد؟
الجواب:
صلاة الجمعة تقضى ظهراً اللهم إلا إذا أعيدت في الوقت بعدما فسدت مع الجماعة نفسها، لو فسدت على الجماعة بأسرها وإعادتها بشروطها فإنها تعيدها جمعة، أما بعد خروج الوقت فإنها تقضى ظهراً أربع ركعات.
وأما بالنسبة إلى المسافر فالمسافر لا تلزمه الجمعة ولو كان مقيماً، ولكن الفضل له في أن يصليها.
السؤال (12)
ما اسم الركعتين اللتين تصليان بعد الأذان الأول من يوم الجمعة، وهل هي واجب على الكل؟
الجواب:
ليست واجبة، ولم تثبت بها أيضاً سنة لأن الأذان الأول لم يكن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم.
ولكن ينبغي أن يُشغل الوقت بذكر الله تعالى، وهذا من جملة الذكر أي أن يصلي المصلون ركعتين، فهي من القربات التي يتقربون بها إلى الله.
السؤال (13)
في هذا الزمن انتشرت الكثير من الألعاب المختلفة فمنها الذهني ومنها البدني ومنها التقليدي ومنها الالكتروني فكل شخص يريد الترويح عن نفسه يجد نفسه وسط كم كبير من الألعاب فهل كل لعبة هي مباحة أم أن هناك شروط وضوابط حتى يكون اللعب مباحاً؟
الجواب:
اللعب الذي يباح ما كانت فيه منفعة ولم تكن فيه مضرة، فذلك أبيح للإنسان أن يلاعب قوسه من أجل الرمي، وأبيح أيضاً أن يلاعب خيله من أجل الركوب، وأبيحت له مثل هذه الأشياء، فهذه ألعاب فيها منفعة وليست فيها مضرة.
فما كانت فيه منفعة ولم تكن فيه مضرة بحيث لم يكن اللعب قاتلاً للوقت ولم يكن على حساب الدين بحيث يفوّت صلاة أو يفوّت واجباً من الواجبات، ولم يكن على حساب أي واجب من الواجبات فلا يمنع منه إن لم تكن فيه مضرة. (3/298)
صفحة 1285
السؤال (14)
امرأة توفي جنينها في الشهر الرابع ونزل في الشهر الخامس فتسأل عن عدة النفاس؟
الجواب:
إذا كان كامل الخلقة فإنها تعتد عدة كاملة إن تواصل دم النفاس بحيث لم ينقطع إلى تمام الأربعين، أما إن انقطع فيما دون الأربعين فلا ريب أن عليها أن تغتسل وتصلي، ولكن أن تواصل حتى أتمت أربعين يوماً فإنها تترك فيها الصلاة إلى مضي أربعين يوماً، والله تعالى أعلم.
السؤال (15)
بعد أداءنا للعمرة رأيت الدم بعد مرور عشرة أيام فقط على طهري، ولم أتيقن من أنه دم حيض ومن ثم صليت ودخلت المسجد النبوي وصليت في الروضة وتصرفت على أنه استحاضة، حيث كنت أغتسل لكل صلاتين وأصلي الفرائض، واعتبرت أن ذلك دم علة بسبب المشي الكثير أثناء العمرة.
واستمر بي الدم أربعة أيام مع العلم أنه بقي على موعد حيضي القادم اثنا عشر يوماً وعادتي هي ثمانية أيام، ثم في الشهر التالي جاءتني الدورة في نفس موعد نزول هذا الدم فرأيت أنه ربما يكون ذلك الدم دم حيض، فهل آثم على أدائي للفرائض والصلاة في المسجد النبوي، وإذا كان ذلك دم حيض ولم أعرفه فهل ينبغي لي أن أنتظر ولا أصلي حتى أتيقن أنه دم حيض؟
الجواب:
الدم الذي هو دم الحيض أولاً قبل كل شيء له أوصاف، فهو يتميز عن بقية الدماء من حيث إنه دم ثخين أي غليظ، وله رائحة فهو يتميز عن بقية الدماء من هذه الناحية.
ثم إن المرأة إن كانت لها عادة معتادة بحيث يأتيها الدم في ميقات معين ويستمر الطهر إلى ذلك الميقات بعدما ينتهي أمد الدم واستمرت على هذا واستقرت لها هذه العادة ففي هذه الحالة إن أتاها الدم قبل أيامها المعتادة وبعد مضي عشر أيام ففي ذلك خلاف.
قيل كل دم جاء بعد عشرة أيام فهو دم حيض، أي إذا كانت فيه أوصاف دم الحيض لا إذا لم تكن فيه أوصاف دم الحيض، وأما إن لم تكن فيه أوصاف دم الحيض فلا تجعله حيضاً.
وقيل لا، بل تنتظر إلى أيامها المعتادة التي أتتها فيها الحيضة. (3/299)
صفحة 1286
ولئن كانت هنالك أسباب تؤدي هذه الأسباب إلى انفجار الدم كشرب دواء مثلاً مؤثر على الرحم أو أي شيء من هذا القبيل، ففي هذه الحالة فلا تترك المرأة من أجل هذا الدم الصلاة حتى ينتهي أثر ذلك السبب الذي تحسب أن الدم جاء من أجله.
فإذا مضت الأيام التي تفكر أن الدم جاءها فيها لأجل ذلك السبب ففي هذه الحالة بعد مضي الأيام التي يذهب عنها توهم أن الدم من أجل ذلك السبب عليها في هذه الحالة أن تترك الصلاة.
ومهما يكن فلئن كانت هي اعتادت في حالة المشي الكثير أن يخرج منها دم، أو كان هذا من عادة النساء فإنها لا حرج عليها فيما فعلت، ومما يقوي ذلك كون الحيض جاءها في ميقاته المعتاد، والله تعالى أعلم.
السؤال (16)
خلال شهر رمضان الماضي كانت زوجتي تعاني من القيء في نهار رمضان واستمر ذلك معها فترة طويلة خلال أيام رمضان، وكانت تشعر ببعض المرورة في حلقها بعد القيء، فماذا عليها بالنسبة للقضاء؟
الجواب:
ليس عليها قضاء. من قاء بنفسه أي بطبعه فلا قضاء عليه، أما من تقيأ عمداً هو الذي عليه القضاء.
نعم إن بلعت شيئاً من القيء بعد إمكان عدم بلعه ففي هذه الحالة عليها القضاء، أما كانت لم تبلع شيئاً فلا قضاء عليها.
والمرورة التي في الحلق لا تأثير لها على الصوم.
السؤال (17)
من العادات المعروفة أن يقسم المهر إلى مقدم ومؤخر لكني قرأت في كتاب النكاح لأبي زكريا ما يدل على عدم صحته. أرجو التوضيح.
الجواب:
الصداق بحسب ما اتفق عليه، إن اتفق على تقديمه كله فذلك خير، وإن اتفق على تأخيره أيضاً لا مانع منه. (3/300)
صفحة 1287
وإنما في كتاب النكاح المحقق – ويظهر أنه التبس عليه كلام المحقق بكلام الأصل- محقق كتاب النكاح هو الذي تعرض لقضية الصداق، ورأى أنه من الحيف على المرأة أن يؤخر صداقها مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم عندما زوّج ابن عمه علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه بالسيدة فاطمة رضي الله تعالى عنها أمره أن يصدقها درعه مع أنه أحوج ما يكون إلى الدرع بسبب الجهاد، فلماذا منع الرسول صلى الله عليه وسلّم ابنته عنه إلا بعد أن يصدقها الدرع التي هو أحوج ما يكون إليها، إنما ذلك دليل على أن الصداق مما ينبغي أن لا يتهاون به. فلذلك قال بأن المرأة ماذا عسى أن تستفيد لو لم تعط صداقها إلى آخر لحظة من عمرها بحيث يكون الصداق من بعد ميراثاً لورثتها، ماذا عسى أن تستفيد من ذلك.
هذا الذي عناه المحقق، وإلا فالأصل أن الصداق لو أُخر لا يمنع، ولا يمنع من تقسيمه إلى مقدم وإلى مؤخر.
فالمقدم يكون فيه إرضاء للمرأة وتكون به طمأنينة لنفسها، والمؤخر يكون أيضاً سبباً لمراعاة حقها بحيث يشعر الزوج أن لها حقاً مادياً واجباً عليه فضلاً عن الحق المعنوي الذي هو حسن عشرتها، وفضلاً عن الحق المادي الذي يجب عليه تجاهها وهو الإنفاق عليها.
السؤال (18)
هل يصح أن يأتم الإنسان بإمام بينهما خصومة وقد تكون في أغلب الأحيان الخصومة دنيوية؟
الجواب:
ما الداعي إلى الخصومة أولاً. الخصومة ينبغي القضاء عليها اللهم إلا إذا كانت من أجل الدين، فالخصومة من اجل الدين لا ريب أنها مطلوبة، الفاسق حتى يرتدع عن فسقه، المجاهر بمحاربة الإسلام، مجاهر بفعل الباطل هذا مما ينبغي أن يقف المرء أمامه وقفة شديدة حتى يرتدع، ويثوب إلى رشده، ويرجع عن غيه.
وأما خصومة من أجل الدنيا فينبغي أن يكون ما بين المتخاصمين الصلح والوفاق والانسجام، والدنيا لا تسوى خلافاً وشقاقا. (3/301)
صفحة 1288
والصلاة من أجل تأليف القلوب ومن أجل وحدة الصف ومن أجل رأب الصدع أجزيت حتى خلف الفاجر، فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر. كما جاء ذلك في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع في مسنده من رواية أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، فهذه الرواية تدل على الصلاة خلف الفاجر.
فما المانع من أن يصلي خلف من في نفسه حرج عليه مع أن هذا الحرج لا ينبغي أن يكون بين مؤمن ومؤمن، نعم إن كان فاسقاً فإنه يحاول قبل كل شيء أن يرشده إلى الحق وأن ينهاه عن الغي فإن أصر ففي هذه الحالة لا حرج أن يخاصمه بسبب فسقه وإصراره على الفساد.
السؤال (19)
هل يصح مسح آثار الوضوء بثوب؟
الجواب:
لا يؤثر ذلك على الوضوء وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلّم منديل يمسح به بعد الوضوء، وكانت نساؤه تناوله إياه كما ثبت ذلك. فلا حرج في هذا.
السؤال (20)
ما مدى صحة ما يروى عن الإمام جابر بن زيد أنه سأل السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها عن أدق خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلّم بينه وبين نسائه؟
الجواب:
هذا لم يرو بسند صحيح ثابت، وإنما ذكره أبو يعقوب الوارجلاني رحمه الله في لواحق المسند وليس هو في قلب المسند هذا ناحية.
من أخرى فإن أبا الشعثاء رحمه الله سأل عن أشياء دقيقة فيما يتعلق بالعلاقة الزوجية من أجل استبانة أمر الدين، ومما ثبت أنه سأل عنه فيما إذا أتى الرجل امرأته ولم ينزل، هل يؤدي ذلك إلى وجوب الغسل أو لا؟ وأجابته عائشة رضي الله تعالى عنها بأن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يفعل ذلك مع نسائه ويغتسل ويأمرهن بالاغتسال، وهذا من جملة الأسئلة الدقيقة. هذا لأجل التفقه في دين الله، ولم يكن يتلذذ بالبحث عن كيفية الإتيان وغير ذلك، حاشاه عن ذلك، وحاشا لأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أن تخبر بذلك.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه (3/302)
صفحة 1289
20 من رجب 1425هـ، 5/ 9/2004م
الموضوع: عام
السؤال (1):
نعلم جميعاً أن الإسلام اعتنى أيما عناية بالأسرة وشرع الوسائل الكفيلة للحفاظ عليها بأي حال من الأحوال حتى عندما شرع الطلاق.
سماحة الشيخ: كيف يمكن أن نفهم مقاصد الدين في الحفاظ على الأسرة وضمان استقرارها واستمراريتها من خلال الأحكام المصاحبة للطلاق؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن العلاقة الزوجية علاقة مقدسة، علاقة جعلها الله تبارك وتعالى رابطة لا بين فردين فحسب بل تكون رابطة بين أسرتين، وهي منشأ الذرية التي هي امتداد للوجود الإنساني في هذه الحياة، فلذلك كانت المحافظة على هذه العلاقة بين الزوجين من واجبات الدين، فالله سبحانه وتعالى أمر بأوامر ووجه عباده إلى أن يتفادوا الطلاق بحسب ما يمكن، وقبل كل شيء شُرع ما شُرع من الأحكام التي تشد الزوجين بعضهما إلى بعض، فهما يلتقيان في كنف الدين الحنيف وتحت مظلة الحق وعلى بساط الحلال، وجعل بينهما حقوقاً وواجبات تدل على الامتزاج الذي يحصل بين الزوجين، فقد قال تعالى (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) (البقرة: من الآية228).
نعم للنساء على الرجال مثل ما لهم عليهن من الحقوق، فالحقوق مشتركة ومتبادلة، وإنما يتميز الرجل بدرجة القوامة التي جعلها الله سبحانه وتعالى بيد الرجل لأن الرجل كما قلنا أكثر من مرة قادر على التحكم في أعصابه وقادر على التحمل الذي لا تقدر عليه المرأة، فالمرأة سرعان ما تهيج عاطفتها وتتأثر بهذا الهيجان العاطفي الجارف حتى تطالب بالطلاق لأتفه سبب من الأسباب ثم تكون هي النادمة، فلو كان الطلاق بيدها لتسارعت النساء إلى تطليق الرجال، ولكن جعلت القوامة للرجل وجعل الطلاق بأيديهم من أجل هذا كله. (3/303)
صفحة 1290
جعل الله سبحانه وتعالى العلاقة الزوجية علاقة فيها امتزاج ما بين الاثنين بحيث إنهما يشكلان حقيقة واحدة، الرجل بعض من هذه الحقيقة، والمرأة هي البعض الآخر، كما يؤذن بذلك قوله سبحانه وتعالى (وَكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً) (النساء:21).
نعم أفضى بعضكم إلى بعض، هذا يؤذن بأن هذا الإفضاء ليس من أجنبي إلى أجنبي، وإنما من بعض إلى بعض، من بعضٍ من حقيقة واحدة إلى البعض الآخر. ومما يدل على ذلك تسميتهما زوجين، لأن الزوجين شيئان من جنس واحد يكمّل كل واحد منهما الآخر. (3/304)
صفحة 1291
فبهذا تبين أن هذه العلاقة الزوجية هي علاقة أصيلة في حياة الإنسان، وتفادي كل ما يؤثر على هذه العلاقة يتبين فيما وجه الله تبارك وتعالى إليه الرجال والنساء معاً، فالله سبحانه وتعالى أمر بما فيه تفادٍ للطلاق، عدم التسرع إلى إيقاعه، ولذلك أمر أولاً الزوجين نفسيهما أن يقوما بالإصلاح فيما بينهما، فعندما يكون هنالك نشوز وتكون هنالك مشكلة يؤمر الزوجان بالإصلاح، وبما أن القوامة للرجل خوطب الرجل، فالله سبحانه وتعالى يقول (وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً) (النساء: من الآية34)، البداية إنما هي بالموعظة، لأن الموعظة لذات أثر كبير، والكلمة الحسنة الهادئة تتغلغل في أعماق النفس، وتؤثر على النفس أثراً بالغا. فيؤمر الرجل أن يعظ المرأة، وأن يذكّرها بالله واليوم الآخر عندما يرى منها نشوزاً أو إعراضا، فإن أصرت على موقفها ذلك عندئذ يعالج علاجاً آخر فيه شيء من القسوة وهو الهجران في المضجع، لأن للهجران في المضجع أثراً على نفسية المرأة، فإن أصرت على موقفها كان ذلك أدل على العنت، في هذه الحالة يباح للرجل أن يضربها ضرباً غير مبرح وغير مؤثر، أي ما يسمى بضرب الأدب، قد قيد بهذا أن يكون ضرباً غير مبرح وغير مؤثر، ليس ضرب تشفٍ وانتقام، وإنما هو ضرب علاج. (3/305)
صفحة 1292
فإن لم يجد هذا كله هنا تتدخل الأسرتان (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً) (النساء:35)، تتدخل الأسرتان بحيث يُعيّن حكم من أهل الرجل وحكم من أهل المرأة، يلتقي الحكمان فإن وجدا أن هذا الخلاف بينهما يمكن أن يسد ويمكن لهذا الصدع أن يرأب فإن عليهما أن يسعيا إلى ذلك، أما عندما يكون الأمر بخلاف ذلك بحيث تكون العلاقة الزوجية متوترة إلى حد أن يكون استمرارها أمراً متعذراً وذلك لتنافر الطبائع وللحقد الذي يحل في القلوب في هذه الحالة يكون العلاج هو الطلاق، وذلك لأنه هو الذي يريح الاثنين، عندما تتحول حياة الزوجية إلى جحيم لا يطاق، يتعذر على الرجل أن يمسك المرأة ويتعذر على المرأة أن تبقى في كنف الرجل بحيث تنافرت طباعهما إلى حد أن كلاً منهما يريد أن يتخلص من الآخر، هنا يكون الطلاق.
والطلاق له أخلاق أيضاً، لا يشرع الطلاق هكذا بطريقة عشوائية، ولذلك أمر الرجل عندما يطلق المرأة أن لا يرزأها شيئاً مما آتاها، فالله سبحانه وتعالى يقول (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَاخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة:229). (3/306)
صفحة 1293
لا يحل للرجل أن يأخذ من المرأة شيئاً مما آتاها -وهو خلاف ما يفعله كثير من الناس بحيث يضيقون عليهن الخناق ثم بعد ذلك يلجئونهن إلى أن يفتدين منهم بالمال الكثير، هذا يتنافى مع التوجيه الرباني، ويتنافى مع مقصد الشارع، ويتنافى مع وجوب ذكر المعروف وعدم نسيانه.
وإنما أبيح للرجل أن يأخذ منها الفدية في حالة واحدة هي (أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) وذلك بأن تكون نافرة منه، بحيث لا تستطيع أن تتحمله قط، لا لمضايقته إياها ولكن لتنافر طبعها مع طبعه، فهي تريد أن تتخلص منه، وترى أن بقائها عنده سيؤدي بها إلى أن لا تقوم بالحقوق الواجبة عليها، وفي هذه الحالة يُخشى أيضاً من قبله هو عندما تعامله هذه المعاملة أن يعاملها بالمثل ويؤدي ذلك إلى أن لا يقيما جميعاً حدود الله، في هذه الحالة لا حرج في أن تفتدي منه بما يتفقان عليه، ونجد التأكيد على هذا المعنى في قوله سبحانه وتعالى (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَاخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً * وَكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً) (النساء:20 - 21).
ومع هذا أيضا يؤمر أن يكون الطلاق في ميقات معين، فالله سبحانه وتعالى يقول (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ) (الطلاق: من الآية1). نعم أمر الله سبحانه وتعالى أن تطلق النساء لعدتهن، متى ذلك؟ بيّن ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما، فقد طلق امرأته في حال حيضها، وجاء عمر رضي الله عنه إلى الرسول صلى الله عليه وسلّم فقال له: يا رسول الله إن عبدالله طلق امرأته وهي حائض. قال له: مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، فإن شاء أمسك وإن شاء طلق، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء. (3/307)
صفحة 1294
نعم أمره أن يراجعها حتى تطهر من حيضتها تلك، ومع ذلك يستمر حتى لا تكون المراجعة من أجل الطلاق وإنما المراجعة من أجل الإمساك.
فليمسكها بعد تلك الحيضة حتى تطهر طهراً بعدها ثم تحيض حيضة أخرى ثم تطهر فإن شاء أمسك وإن شاء طلق.
معنى ذلك أنه يحرم على الرجل أن يطلق امرأته وهي حائض، ويحرم عليه أن يطلقها في طهر باشرها فيه، وإنما يؤمر أن يطلقها في طهر لم يباشرها فيه.
لم ذلك؟ في ذلك حكمة، من هذه الحكمة الواضحة في هذا كما استظهر بعض أهل العلم، أن الرجل عندما تكون امرأته حائضاً لا ينتفع منها بشيء، فقد تزهد فيها نفسه ويطلقها لأتفه سبب، وعندما يكون قضى وطره منها بعد طهرها من حيضها يكون أيضاً قد شبع منها فلعله يندفع إلى طلاقها، أما في طهر لم يباشرها فيه فهو بإمكانه أن يستمتع بها، وهو تكون نفسه مشتاقة إليها لمضي أمد على الاتصال بينهما ففي هذه الحالة لا يندفع إلى طلاقها وإنما يطلقها لأمر ضروري لا مناص عنه، فلذلك أبيح الطلاق في هذه الحالة فقط.
ومن الحكم التي هي واضحة في هذا أن المرأة أيضاً في حال حيضها هي سريعة الانفعال، فهي بسبب حالتها الطبيعية قد تكون عصبية فيؤمر الرجل أن يحتملها في هذه الحالة، وأن لا يتسرع إلى طلاقها، وإنما عليه أن يمسكها.
هذا كله مما يضيّق الفجوة ما بين الرجل والمرأة، ومما يجعل الطلاق أمراً لا يتسرع إليه وإنما يكون بعد تأن ودراسة واستيعاب للظروف وتأمل في الملابسات بأسرها ليكون قراراً صادراً عن وعي وإدراك، لا عن عاطفة وانفعال. (3/308)
صفحة 1295
ومع هذا أيضاً فالطلاق الذي شُرع هو طلقة واحدة، ليس للإنسان أن يطلق أكثر من طلقة، لا يجوز للرجل أن يقول لامرأته كما هو شأن الكثير من الناس أنت طالق ثلاثا، فذلك مما لا يتفق مع الحكمة الربانية، لأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يكون هذا الطلاق فيه درس لكل واحد من الرجل والمرأة، أما بالنسبة إلى الرجل فإنه ينظر إلى نفسه أولاً هل يستطيع الصبر عن هذه المرأة أو لا يستطيع الصبر عنها، هل بإمكانه أن يصبر بعدما يطلقها أو أنه يجد نفسه تواقة وميالة إليها فلا يطيق صبراً، فله أن يراجعها في خلال العدة من غير صداق ومن غير ولي ومن غير رضاها لأنه أملك بها في حالة عدتها منه، فالله تعالى يقول (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً) (البقرة: من الآية228)، فإن ردها في خلال هذه المدة فالرد يتوقف على إشهاد شاهدين، وليخبرها الشاهدان بذلك قبل أن يباشرها وذلك في خلال العدة قبل أن تنتهي العدة، أما إذا انتهت العدة ففي هذه الحالة يكون واحداً من الخطاب، فإن أرادها فبعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، وهي رضاها وإذن وليها وصداق جديد وإشهاد شاهدين. (3/309)
صفحة 1296
وفي هذه الحالة لو انقضت العدة ورغب هو في أن يراجعها ورغبت هي في أن ترجع إليه وعضلها الولي فإن الإسلام يشدد على الولي إذ ليس له أن يعضلها، الله تعالى يقول (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:232).
فإن صار بينهما تنافر بعد هذا الطلاق وبعد هذه الرجعة، ولم يمكن أن يتآلفا وطلقها طلقة ثانية يكون له أيضاً الحق في أن يراجعها خلال عدتها منه وله أن يتزوجها بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية بعد انتهاء العدة، فإن راجعها أو تزوجها بعقد جديد ثم تنافرا وطلقها الثالثة فهنا تكون القضية قضية حاسمة، ليس له أن يراجعها حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، لا يجوز للرجل أن يدفع بأحد ليتزوجها من أجل أن يحللها له، فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: لعن الله المحلل والمحلل له. وقال: لعن الله التيس المستعار. إذ الله تعالى قال (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) (البقرة: من الآية230)، وهذا الذي يسمونه المحلل ليس هو زوجاً في الحقيقة، إنما هو زان بالمرأة، هذا ليس من الزواج في شيء، فهما جميعاً ملعونان أي المحلل المحلل له، وكذلك المرأة عن كانت عالمة بذلك. وإنما يتوقف ذلك على زواج صحيح.
في هذا علاج الرجل الذي جرب نفسه ثلاث مرات وفي كل مرة يطلقها، إن كان هذا الداء منه فإنه في هذه الحالة لا ينفّس له، لا يحل له أن يرجع إليها إلا بعد أن تتزوج زوجاً آخر لتنتقل إلى حياة زوجية جديدة. (3/310)
صفحة 1297
وحسب هذا الزوج الأهوج إن كان الطلاق من قِبله، وكان هو المتسرع في أمر الطلاق ولم يكن ذلك بسبب منها، حسبه أن يرى هذه المرأة التي كانت شريكة حياته وكانت جزءً مهما في حياته حسبه أن يراها عند زوج آخر وفي كنف زوج آخر يستمتع بها كما كان هو يستمتع بها فإن في هذا تأديباً له، وإن كان الأمر بعكس بأن تكون هذه المرأة منها العنت ومنها الشقاق فحسبها أن تنتقل إلى هذا الزوج الجديد لترى نمطاً آخر من أنماط الحياة الزوجية فلعل في ذلك تأديباً لها.
فإن لم تستمر حياتهما الزوجية بأن مات عنها الزوج الثاني أو طلقها فهنا يحل للأول أن يتزوجها بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية وتستقبل مرة أخرى معه طلقات ثلاثة.
هذا هو علاج الإسلام لهذه المشكلة. فالإسلام يعالج المشكلة التي تكون بين الزوجين علاجاً جذرياً بحيث لا يسمح للعواطف الرعناء أن تكون هي المتحكمة في الحياة الزوجية، وإنما ينساق الإنسان وراء عقله لا وراء عاطفته، وينظر مصلحته ومصلحة أهله، على أن يكون عدلاً في ذلك من غير أن يحيف عليها، والله تعالى الموفق.
السؤال (2)
ما توجيه سماحتكم في قضية الإسراف في ولائم العزاء؟
الجواب:
العزاء ليس هو موضع فرح وابتهاج حتى يلتقي الناس فيه على الموائد، العزاء ليس هو مثل الأعراس والمناسبات التي فيها الفرحة والابتهاج، وإنما العزاء هو بمعنى الصبر، عزّى يعزّي بمعنى صبّر يصبّر
(تعزَّ فلا إلفين بالعيش مُتّعا)، أي تصبر.
فكل من الذين يأتون إلى العزاء إنما يقصدون بذلك المواساة وتصبير الذين فجعوا بهذه المصيبة، أما أن يأتوا ويأكلوا من موائدهم ومن أطعمتهم ويرزأوهم في أموالهم فإن هذه مصيبة فوق المصيبة السابقة. (3/311)
صفحة 1298
وأصحاب العزاء أنفسهم يجب أن يكونوا حراصاً على تطبيق السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فليس من السنة في شيء أن يأكل الناس طعام أصحاب العزاء، إنما من السنة أن يعمل جيران أصحاب المصيبة طعاماً لأصحاب المصيبة ليطعموا به، ذلك من باب المعاونة فيما بينهم لأنهم أتاهم من المصاب الفادح ما ذهب بألبابهم وشغل أوقاتهم، فهم في غير فراغ لأن يصنعوا طعاماً لأنفسهم، فكيف يصنعون طعاماً لغيرهم، ينبغي طعامهم بأنفسهم أن يكون من قبل جيرانهم، فكيف يصنعون طعاماً لغيرهم، هذا مما يجب أن يدركه الناس.
ونحن نرى أن أمر العزاء بولغ فيه كثيراً، فلربما كانت مصيبة جرت مصائب، قوم يذهبون إلى العزاء إلى أماكن بعيدة ويؤدي بهم ذلك إلى أن يقعوا في حوادث وبدلاً من مصيبة واحدة تكون مصائب متكررة.
فلذلك يجب في هذه الحالة على الناس أن يكون العزاء بقدر ما فيه مواساة، لا أن يذهب الإنسان من مكان بعيد، اللهم إلا إن كان رحماً لصاحب المصيبة فمن حق الرحم أن يصل رحمه بل ذلك مما يؤمر به في حالة مصيبته وفي حالة فرحته، أما أن تذهب أقوام لا إحصاء لهم من كل مكان، كل من سمع بمصيبة ولو كان لا يعرف أصحاب المصيبة إنما يهمه أن يسمع أن مصيبة في مكان كذا ليذهب إلى ذلك المكان، هذا مما لا ينبغي.
وينبغي أيضاً أن لا يرزأ هؤلاء الذين يعزون المصاب صاحب المصيبة شيئاً من ماله فضلاً عن مال الميت الذي ربما كان فيه حق ليتيم أو حق لغائب، فإن أكل شيئاً من هذا المال يكون من أكل أموال الناس بغير حق، والله تعالى المستعان.
السؤال (3)
مطلقة بالثلاث وزوجها منكر لذلك، ماذا عليها الآن؟
الجواب: (3/312)
صفحة 1299
في هذه الحالة لا يجوز لها أن تبقى معه، بل عليها أن تخرج، بل نص العلماء على أنه لو أراد أن يغشاها وهي تعلم أنها ليست حليلة له فلها أن تدافعه ولو كان ذلك بقتله، هذا فيما بينها وبين الله تعالى، لأنه يغشاها وهي حرام عليه وهو حرام عليها فعليها أن تخرج مهما كلفها ذلك وأن لا تبقى معه.
السؤال (4)
زوجة تعاني من القسوة ومن مظاهر ظلم كثيرة من زوجها فهو يأخذ راتبها فما توجيهكم ونصيحتكم له؟
الجواب:
هذه من الأمور التي نأسف لها كثيراً أن تصدر من رجال لا يخشون الله تعالى ولا يتقونه، ولا يبالون بحلاله وحرامه.
أولاً أكل مال الزوجة بغير رضاها وبغير إذنها هو حرام حرام حرام. فكل أولى بماله، الزوج أولى بماله، والزوجة أولى بمالها، وعلى الزوج أن ينفق على امرأته، وليس على المرأة أن تنفق على زوجها، على الزوج نفقة المرأة من طعام وكسوة وسكنى وغير ذلك، وليس على المرأة أن تنفق على زوجها.
فكون المرأة ترزأ في مالها من قبل زوجها أمر يتنافى مع ما يجب أن يكون من المعاشرة بالمعروف، والله تعالى يقول (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) (النساء: من الآية19). يؤمر الرجل أن يعاشر المرأة بالمعروف (وخيركم خيركم لأهله)، والنبي صلى الله عليه سلّم يقول (وأنا خيركم لأهلي)، فليس من الخيرية أن يضايق الإنسان امرأته. (3/313)
صفحة 1300
أولاً عليه أن يعاملها معاملة لطف ومعاملة بر ومعاملة مرحمة، وأن يتحمل إساءتها، وأن يعفو عن هفواتها، وأن يتلطف بها في المعاملة، لا أن يكون قاسياً عنيفاً شديداً، ومع هذا أيضاً عليه أن لا يرزأها شيئاً من أموالها، فأخذ شيء من أموالها إنما هو من أكل الأموال بغير حق، والله تبارك وتعالى يقول (وَلا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَاكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة:188)، وهذا من أكل أموال الناس بالإثم، وفيه إثم عظيم، فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: القليل من أموال الناس يورث النار.
السؤال (5)
هل يجب العدالة بين الزوجات في الممارسة الجنسية؟
الجواب:
في الأصل أن الرجل مطالب أن يعدل في كل شيء، أن يعدل حتى في النظرة، حتى في الجلوس مع نسائه، بل يروى عن الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله تعالى أنه قال: عندي امرأتان وإني لأعدل بينهما حتى أني أعد القبل. أي يقبّل هذه بقدر ما قبّل الأخرى، لا يؤثر واحدة على الأخرى في التقبيل بحيث يقبلها أكثر مما قبل ضرتها، وهكذا ينبغي أن يكون.
والعلماء منهم من شدد في أمر الممارسة الجنسية إلى حد أن قال بأنه ليس له أن يواقع إحدى نسائه أكثر من مرة إلا بعدما يواقع الأخرى، إن واقع هذه لا يعود إلى مواقعتها مرة ثانية إلا بعدما واقع ضرتها وهكذا.
ومنهم من قال بأن هذا أمر فيه حرج لأن الرغبة تختلف بين وقت وآخر وبين حالة وأخرى، فقد يكون عند هذه ولا تكون الرغبة عنده متوفرة، وعندما ينتقل إلى الأخرى يكون قد استعاد نشاطه وتكون الرغبة عنده متوفرة، فلذلك مع عدم حرمان تلك من المواقعة لا يلزم أن تكون القسمة بينهن في المواقعة بينهن على السواء. (3/314)
صفحة 1301
وينبغي للإنسان في مثل هذه المواقف أن يستبرئ امرأته التي ربما أضر بشيء من حقوقها حتى تكون العلاقة بينهما علاقة صلح ووئام ووفاق ما بينهم لئلا يتحمل تبعة من التبعات.
ونحن دائماً نوصي بالعدل بقدر المستطاع، على الإنسان أن يعدل فيما يستطيعه (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني بما تملك ولا أملك)
السؤال (6)
هناك أخت متدينة تقرأ القرآن الكريم وتصلي الصلاة في أوقاتها بدون تأخير وتصلي قيام الليل وصلاة الضحى وتدرّس القرآن الكريم في بلاد غير بلادها التي تعيش فيها وتذهب إلى تلك البلد بالأقدام وهي تنصح الأخوات وتعطيهن دروس وأقوال مأثورة عن النبي صلى الله عليه سلّم. ومع كل هذه الأعمال والأفعال هي تهجر أختها فوق أكثر من أربع سنوات، وقلبها أسود وحقود على أختها، وتعطيها كلاما يجرح وهو قبيح، وأختها تريد أن تكلمها لكن هي لا تريد ذلك، فما توجيه سماحتكم؟
الجواب:
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قد كان من الواجب عليها أن تحسن إلى أختها، فإن قطيعة الأقربين من أنكر المنكرات وأكبر الكبائر وأفضع الأمور، كيف والله تبارك وتعالى ناط ذلك بالفساد عندما قال (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) (محمد:22)، فلا تكون القطيعة إلا مع الإفساد في الأرض، ومعنى ذلك أن هذه القطيعة ما بين الأخت وأختها، أو ما بين الأخ وأخيه، أو ما بين الأخ وأخته، أو ما بين أي قريب وقريبه إنما هذه القطيعة تعد من الفساد في الأرض والعياذ بالله.
فهي عليها أن تصلح ما بينها وبين أختها، وأن تسارع إلى بر أختها وتكليمها، ورفع الوحشة عنها، وإزالة ما نفسها حتى تعود بينهما الألفة، وتعود بينهما المودة.
ونحن نرى أن الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم عاتب الصدّيق رضي الله تعالى عنه بسبب من أساء إليه وإلى عرضه من قرابته. (3/315)
صفحة 1302
عندما شارك مسطح وهو من قرابة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في قصة الإفك التي كان فيها افتئات على أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، ورميت بما رميت به من الباطل الذي برأها الله تبارك وتعالى منه، وأنزل الله تعالى براءتها في كتابه الكريم، مع هذا كله ومع ما في آيات الكتاب العزيز من التحامل الشديد على أولئك الذين جنوا على أنفسهم إذ اقترفوا هذا الإثم العظيم بما قالوه في الصدّيقة بنت الصدّيق حرم رسول الله صلى الله عليه وسلّم، مع هذا كله عوتب أبو بكر رضي الله تعالى عنه عندما أراد أن يقطع المعونة التي كان يصرفها إلى مسطح وهو أحد الذين شاركوا في قصة الإفك، بسبب هذه الإساءة الشديدة أراد أن يقطع عنه المعونة التي كان يصرفها إليه، فأنزل الله تعالى (وَلا يَاتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا) (النور: من الآية22)، هكذا أمر الله تعالى بالعفو والصفح ومواصلة المعروف.
فكيف بهذه الأخت تقاطع أختها، مع أن الأمر الذي بينها وبينها قد لا يبلغ إلى هذا الحد إلى حد القذف أو إلى حد التجني على العرض كالذي وقع من مسطح في حق بنت أبي بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنهما وإنما قد يكون الأمر أهون من ذلك.
فما بال أختها تريد أن تتلطف بها وتريد أن تكلمها وتريد أن تعيد العلاقة بينها وبينها وهي تترفع عن ذلك، هذا يعتبر من الفساد في الأرض.
ومن وقع في مثل ذلك فلا عبرة بصلاة وصيامه ونسكه وحجه وصدقته وما يتقرب به، إذ الله تبارك وتعالى إنما يريد تزكية النفوس، ولا يريد هذه المظاهر من عباده، إنما يريد الله سبحانه وتعالى أن تتطهر هذه النفوس.
وكل من الصلاة والصيام والصدقة والزكاة وغيرها من الواجبات إنما هو سبيل إلى تطهير النفس من هذه الأكدار وتخليصها من هذه الشوائب. (3/316)
صفحة 1303
فعلى هذه المرأة أن تتقي الله تعالى، وأن تسارع إلى بر أختها والإحسان إليها، والله تعالى الموفق.
السؤال (7)
رجل أخرج زكاة من ماشية شاتان هل يذبحهما ويفرقهما أم يعطيهما لشخص، أم يبيعها ويعطي قيمتها؟
الجواب:
لا يخرج لحماً، وإنما يخرج شياهاً، فلما كان المفروض عليه أن يخرج شياهاً فليخرجهما حيتين كما هما من غير أن يذبحهما وليعطهما للفقراء، والفقراء يتصرفون فيهما كيفما شاءوا.
السؤال (8)
ما حكم الشك في الصلاة بخروج الريح؟
الجواب:
من شك في صلاته بعدما أحرم ودخل في الصلاة فلا يخرج إلا بتيقن ناقض، والنبي صلى الله عليه وسلّم أمر بهذا. أمر من ساوره الشك في صلاته بأن ريحاً خرجت منه أن لا يخرج من صلاته إلا إن سمع صوتاً أو شم ريحا، فما لم يسمع الصوت أو يشم الريح فلا يخرج، فإن هذه وسوسة الشيطان، والشيطان يريد أن يكيد للإنسان.
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلّم بقطع دابر هذه الوسوسة بالاستمرار على الصلاة وعدم الخروج منها إلا عندما يوجد أحد هذين السببين وهما شم الريح أو سماع الصوت.
السؤال (9)
هل يعتبر النوم ناقض من نواقض الوضوء؟
الجواب:
نعم، النوم ناقض للوضوء، فمن نام فليعد وضوئه ولا يصلي بوضوئه بعد النوم.
السؤال (10)
من قام لصلاة لفجر متأخراً هل يبدأ بصلاة السنة أم بالفريضة؟
الجواب:
إن كان في الوقت متسع بحيث يمكن أن يصلي السنة ويمكن أن يصلي الفرض قبل أن تطلع الشمس فليصلي السنة أولاً ثم ليصلي الفرض ثانياً. (3/317)
صفحة 1304
أما إن كان الوقت ضيقاً بحيث لا يتسع قبل طلوع الشمس إلا لإحدى الصلاتين إما أن يصلي السنة وإما أن يصلي الفريضة ففي هذه الحالة يؤمر أن يصلي الفريضة لأن الفريضة هي ذات الوقت وهي آكد وهي مرتبطة بالوقت (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء: من الآية103)، وليؤخر السنة إلى بعد طلوع الشمس، وعلى هذا يحمل حديث الترمذي من فاتته ركعة الصبح فليركعهما بعد طلوع الشمس.
السؤال (11)
هل يعتبر الضحك ناقض من نواقض الوضوء؟
الجواب:
أما الصلاة فينقضها، وأما الوضوء فلا ينقضه اللهم ما قيل من أن من ضحك في صلاته فليعد الوضوء والصلاة معا، ومنهم من ضعّف ذلك.
السؤال (12)
هل يجوز شراء إيصالات الأراضي من غير أن يعرف موقعها؟
الجواب:
هذا بيع فيه غرر كبير، وجميع بيوع الغرر محرمة، لا يجوز للإنسان أن يشتري شيئاً أو أن يبيع شيئاً غير معلوم، بل يجب أن يكون ما يباع وما يشترى هو معلوم.
ثم مع هذا أيضاً هناك لو كان أحد مالكاً لأرض ولو كان وارثاً لها من آبائه وأجداده وباعها لأحد آخر، أو كان مالكاً لشيء وباعه لشخص آخر فإن هذا المشتري لا يسوغ له أن يبيع ذلك إلا بعد القبض، والقبض في مثل الأرض إنما هي بالتخلية، لو سلّمه الأرض وسلّمه الملكية وكان متمكناً من التصرف فيها ففي هذه الحالة ليبعها.
أما في البيت مثلاً إن سلّمه مفتاحه وتمكن من التصرف فيه، من السكنى فيه أو من أي شيء كان فله أن يبيعه، أما قبل ذلك فلا يجوز لأحد أن يشتري شيئاً ويبيعه لآخر قبل قبضه، فكيف بهذا الذي يبيع أرضاً لم يُملّكها قط، ولم تصل إليه، النبي صلى الله عليه وسلّم نهى عن بيع ما ليس عندك.
السؤال (13)
ما حكم الخطيب الذي يبدأ بالاستعاذة والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلّم من غير أن يبدأ بالبسملة والحمدلة؟
الجواب: (3/318)
صفحة 1305
لا بد في الخطبة من الإتيان بالحمدلة وبالشهادتين وبالصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلّم، لا بد من ذلك، أما خطبة فليس فيها حمد لله وليس فيها إتيان بشهادتين فهي خطبة ناقصة خطبة بتراء، لا تعتبر خطبة جمعة.
السؤال (14)
هل يستحسن البدء في الخطبة بالاستعاذة جهراً؟
الجواب:
أما جهراً فلا، إن أراد فليستعذ سراً.
السؤال (15)
رجل كتب طلاقا وأشهد عليه ولم يخبر المرأة ثم بعد ذلك جامعها؟
الجواب:
هذا متعمد أن يزني بها، ولما كان متعمداً أن يزني بها فحكمه حكم الزاني ويقام عليه حد الزاني.
ولو كان طلاقاً رجعياً لا تحل له إلا برجعة. ما معنى الطلاق لو كانت تحل!
السؤال (16)
إذا كان هذا الجماع في أيام العدة؟
الجواب:
ما معنى الطلاق لو كان يسوغ له في أيام العدة أن يجامعها!
السؤال (17)
ألا تعتبرون الجماع مراجعة؟
الجواب:
لا، المراجعة تتوقف على إشهاد شاهدين، الله تعالى قال (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) (الطلاق: من الآية2)، وكما أن عقد الزواج لا يكون مجرد فعل، بل لا بد من أن يكون العقد قولاً بين العاقد والمعقود عليه، فكذلك المراجعة لا بد من أن تكون قولاً يصدر عمن راجع امرأته، ولا سيما أن القرآن الكريم دل على الأمر بإشهاد شاهدين.
السؤال (18)
رجل أودع مبلغ أمانة عند شخص آخر ووثق ذلك المبلغ في الوصية فكيف يزكى هذا المبلغ من المال؟
الجواب:
تجب تزكيته ولو كان أراد به الوصية لأحد، ولكن بما أنه في ملكه وهو لم يمت والوصية لا تستحق إلا بموت الموصي فإن على صاحب المال أن يزكيه إن بلغ النصاب وحال عليه الحول.
السؤال (19)
امرأة لديها زوج ينفق عليها نفقة ربما لا تكفي في كثير من الأحيان علماً بأن الزوج ينفق بقية أمواله أو راتبه الشهري فيما لا يرضي الله تعالى، فهل يجوز لهذه المرأة أن تأخذ شيئاً من ماله؟
الجواب: (3/319)
صفحة 1306
نعم لها أن تأخذ من ماله، وهذا مما نص عليه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم فإن هنداً بنت عتبة زوج أبي سفيان جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلّم وقالت له: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي بالمعروف، أفآخذ من ماله؟ قال: نعم خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
27 رجب 1425هـ، 12/ 9/2004م
الموضوع: الإسراء والمعراج
السؤال:
عند الحديث عن حادثة الإسراء والمعراج فإنه كأي حدث تاريخي لا يمكن ابتسارها أو اقتطاعها من سياقها التاريخي الذي مضت به الدعوة في مكة المكرمة. هل يمكن أن تضعوا لنا سماحة الشيخ هذه الحادثة في سياقها التاريخي وتؤطرونها بإطارها الزمني؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن حادثة الإسراء والمعراج مما لا يُختلف فيه، ذلك لأن الإسراء جاء منصوصاً عليه نصاً صريحاً في بداية السورة التي سيمت بهذا الاسم وهي قول الله سبحانه وتعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الإسراء:1).
أما حادثة المعراج فقد نُوه إليها وأشير إليها في سورة النجم في قوله تبارك وتعالى (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَاوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) (النجم:13 - 18)، فهذه الإشارات إنما تشير إلى حادثة المعراج التي تلت حادثة الإسراء. (3/320)
صفحة 1307
هذا، ولا ريب أنه مع هذا الاتفاق يعسر أن نحدد الزمن تحديداً دقيقاً، ذلك لأن هذه الحادثة لم يأت نص صريح يدل على ميقاتها الزمني لا في القرآن الكريم ولا في الأحاديث الثابتة الصحيحة التي يمكن أن يعتمد عليها في تحديد الزمن، ولذلك وقع الخلاف كثيراً بين أهل العلم سواء في الوقت أو في الميقات الشهري في أي شهر، منهم من قال بأن حادثة الإسراء كانت قبل الهجرة، وهذا هو المشهور، وهذا الذي تؤذن به أيضاً الدلائل لأن ذكر المسجد الحرام بأنه بداية لحادثة الإسراء دليل على أن ذلك كان قبل الهجرة، وقلة قالوا بأن ذلك كان بعد الهجرة.
ومنهم من قال بأن ذلك كان في شهر رمضان.
ومنهم من قال بأن ذلك كان في شهر ربيع الأول.
ومنهم من قال بأن ذلك كان في شهر رجب.
ومنهم من قال غير ذلك.
وأيضاً بالنسبة إلى اليوم اختلف في أي يوم ذلك، وإن كان المشهور عند أكثر الناس بأن ذلك كان في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب.
فنحن لا نستطيع أن نحدد الزمن تحديداً دقيقاً لهذه الحادثة.
هذا مع أن الدلائل تشير بأن ذلك إنما كان بعدما توفي عم النبي صلى الله عليه وسلّم أبو طالب الذي وقف أمام أعداء النبي صلى الله عليه وسلّم حاجزاً عن النيل من شخص الرسول صلى الله عليه وسلّم بالإيذاء، وبعد وفاة زوج النبي صلى الله عليه وسلّم السيدة أم المؤمنين خديجة الكبرى رضي الله تعالى عنها التي كانت تغمر النبي صلى الله عليه وسلّم بحنانها وعطفها وبرها وكانت تنسيه المشكلات والمصائب عندما يأوي إلى كنفها لما يجد منها من حسن الرعاية واللطف في المعاملة، فكانت المصيبة مصيبة كبيرة على شخص النبي صلى الله عليه وسلّم من خلال هاتين الرزيتين الكبيرتين، ولذلك سمى ذلك العام عام الحزن. (3/321)
صفحة 1308
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلّم بعدما وجد المضايقة الشديدة في مكة المكرمة والتحدي عن أن تصل هذه الدعوة إلى الناس رغب أن يجد لها متنفساً فذهب إلى الطائف وإذا بالأمر يضيق به، وبأهل الطائف تشتد معارضتهم له صلى الله عليه وسلّم أكثر مما هو الحال في مكة المكرمة، وهذا ما جعل صدر النبي صلى الله عليه وسلّم يضيق من هذه المعاملة القاسية حتى دعا دعائه المشهور (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت رب كل شيء، إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك). فغمرته ألطاف الله سبحانه وتعالى ولقي من اللطف الرحماني ما أنساه هذه الصعاب التي واجهها والمشكلات التي كان ينوء بها، ففتح الله تبارك وتعالى له الآفاق، إذ أول الأمر عند رجوعه آمن به نفر من الجن وذلك الذي يشير إليه قول الله سبحانه وتعالى (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ) (الأحقاف: من الآية29)، فكان ذلك إيذاناً بأن الإنس إن كانوا ضاقوا ذرعاً بهذه الدعوة التي تدعو إليها فإن الجن هم الذين يتقبلون هذه الدعوة.
ثم مع ذلك كانت تلكم الرحلة التي كان فيها إيذان بأن الله تبارك وتعالى فتح الكون لعبده ورسوله صلى الله عليه وسلّم فإن ضاقت به جهة من الأرض فإن أرجاء الكون لن تضيق به، هذا مع ما أكرمه الله سبحانه وتعالى به من الاطلاع على آياته الكبرى في تلكم الرحلة العظيمة التي رحلها رسول الله صلى الله عليه وسلّم في الملكوت الأعلى. (3/322)
صفحة 1309
هذا دلائله تدل على أنه كان حادثاً قبل هجرته صلى الله عليه وسلّم. وكما قلنا من خلال الأدلة والقرائن ندرك أن ذلك إنما كان بعد مأساته صلى الله عليه وسلّم بما أصابه من الحزن العميق بسبب فقده شخصين كانا محببين إلى قلبه وهما عمه أبو طالب لما كان منه من إحسان إلى شخصه صلى الله عليه وسلّم وصده مؤامرات المشركين، والسيدة خديجة رضي الله تعالى عنها مع ما كانت تغمره به من الحنان واللطف، فذلك كان لطفاً من الله سبحانه وتعالى ليشعره الله سبحانه أنه على مسمع منه ومرأى، وأنه ما ودعه ولا قلاه، وأنه يغمره سبحانه وتعالى بألطافه مهما ضاقت به الشدائد. فهذا هو الذي نستطيع أن نقوله بالنسبة إلى هذه الجزئية من هذا الحدث التاريخي العظيم.
السؤال:
قلتم بأن الإسراء ثبت بنص الكتاب العزيز أما بالنسبة للمعراج فثبت بإشارة القرآن الكريم، ما هو البعد العقائدي لحادثة الإسراء والمعراج، بمعنى هل يقع حادثي الإسراء والمعراج ضمن دائرة المعلوم من الدين بالضرورة؟
الجواب:
نعم، أما بالنسبة إلى الإسراء فلأجل النص القطعي في سورة الإسراء، وأما المعراج فمن حيث الإشارة إلى ذلك التي تكاد تكون صريحة في سورة النجم، مع الأحاديث المستفيضة، ولذلك قالوا بأن من أنكر الإسراء فهو كافر كفر شرك لأنه رد نصاً صريحاً لا يقبل الجدل، ومن أنكر المعراج فهو فاسق.
السؤال:
يتعامل البعض مع هذه الحادثة من خلال الحسابات الفلكية، والبعض الآخر من خلال الرجوع إلى القوانين الفيزيائية بغرض إثبات صحتها، الأمر الذي يرى فيه البعض خروجاً عن موضوع المعجزة أو الكرامة وهو الأمر الخارق للعادة إذ كيف يمكن أن يكون أمراً خارقاً للعادة إذا استطعنا تنزيله وفق الحسابات البشرية ووفق النواميس الكونية، ما هو رأيكم سماحة الشيخ؟
الجواب:
أولاً ينبغي أن نحدد ما يقصد بالمعجزة. (3/323)
صفحة 1310
لا ريب أن الله تبارك وتعالى يخلق ما يشاء ويفعل ما يريد. نحن علينا أن نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى وإن أوجد للكون نظماً وسنناً ونواميس إلا أنه عندما يريد خرق هذه النواميس وتبديل هذه السنن لا بد من أن يقع ذلك. تكون هنالك جزئيات تحدث فيها حوادث من هذا النوع وإن كان النظام العام إنما يسير وفق تلك النواميس والسنن التي طبع الله تبارك وتعالى عليها الوجود، ولذلك شواهد من القرآن الكريم منها قصة أصحاب الكهف، إذ لا يعقل حسب نواميس الوجود وسنن الحياة أن يبقى أناس على قيد الحياة لمدة ثلاثمائة وتسع سنوات مع أنهم لم يتغذوا بشيء في خلال هذه المدة، هذا أمر غير مألوف بحسب عوائد البشر التي اعتادوها.
وكذلك قصة الرجل الذي أماته الله تعالى مائة عام ثم أحياه، وقد نص على ذلك القرآن.
وكذلك بالنسبة إلى نقل صرح ملكة سبأ إلى سليمان عليه السلام، كل ذلك مما لا يدخل في مقاييس البشر.
فعلينا أن نؤمن بأن الله تبارك وتعالى على كل شيء قدير، يصرف هذا الوجود كما يشاء، ويقدم ويؤخر في هذا الوجود كما يريد.
ومعجزات الأنبياء إنما هي من هذا النوع، إنما هي أمور خارقة للعادة، غير مقدرو للبشر أن يأتوا بمثلها. هذا مما يجب علينا أن نؤمن به.
وعلينا أن نؤمن بأنه بجانب هذه المعجزات فإن هؤلاء الأنبياء قد يكرمهم الله سبحانه وتعالى بأمور تكون خارجة عن سنن هذه الحياة ذلك مما يتبين واضحاً.
فبالنسبة إلى هذه الحادثة هي خارجة عن سنن الحياة، ولكن هل نقول بأنها معجزة؟ هذه نقطة يجب أن نقف عندها.
نحن نؤمن بأن رسل الله تبارك وتعالى قرن الله عز وجل دعواتهم بمعجزات خارقة للعادات، بمعنى أنها خارجة عن مألوف البشر، وعن السنن التي عهدوها في هذه الحياة، إلا أن ذلك إنما كان في مقام التحدي.
في مقام التحدي كانت معجزة عيسى عليه السلام في إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى. (3/324)
صفحة 1311
كانت في مقام التحدي معجزة موسى عليه السلام وهي العصا التي لقفت كل ما جاء به سحرة فرعون.
في مقام التحدي كانت معجزة إبراهيم عليه السلام إذ لم تؤثر النار عليه احتراقا، هذا كله إنما كان في مقام التحدي.
أما بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فإن الله تبارك وتعالى أراد أن تكون معجزته معجزة أبدية باقية حتى يرث الله الأرض ومن عليها، لأن رسالته صلى الله عليه وسلّم لم تكن رسالة موقوتة كرسالات المرسلين من قبل، فلذلك كانت معجزته هي من ضمن رسالته، بل هي وعاء رسالته لأن رسالته اشتمل عليها القرآن الكريم، فإذا بهذا القرآن معجز، معجز إلى جميع طبقات الناس.
معجز بالنسبة إلى العرب الذين نزل بين ظهرانيهم، وهم كانوا في ذلك الوقت بلغوا شأواً بعيداً في البلاغة والفصاحة بحيث كانوا لا يشق لهم غبار في الكلام نظمه ونثره وسجعه ومرسله.
ومعجز أيضاً للأمم الأخرى، فهو معجز لأهل الكتاب بما كشف من أحوالهم، وبما عرّاه من دخائلهم التي كانوا يكتمونها.
وهو معجز للأمم الأخرى إلى قيام الساعة لما فيه أنباء بمغيبات لم تكن تدور ببال أحد فإذا بالواقع يأت طبق دل عليه القرآن.
وكذلك هو معجز بالنسبة إلى التشريع المتقن الدقيق.
وهو معجز بالنسبة إلى الكشف عن مخبآت هذا العالم التي كانت لا تدور بحسبان أحد. فمن كل هذه النواحي القرآن الكريم معجز.
وفي مقام التحدي نجد أن الناس عندما كانوا يطلبون الآيات يُردون إلى القرآن الكريم فالله سبحانه وتعالى يقول (وَقَالُوا لَوْلا يَاتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَاتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى) (طه:133)، ويقول (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) (العنكبوت: من الآية51)، ويقول سبحانه (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ) (الإسراء: من الآية59). (3/325)
صفحة 1312
فالله ما أراد أن يستأصل هذه الأمة بسبب تكذيبها، أراد أن يكون لهذه الأمة امتداد، وأن تستمر، وأن يكون لها عقب صالح يؤمن بالله ويحمل رسالة الإسلام فلذلك جعل هذه المعجزة معجزة لا تستأصل الناس، معجزة تبقى، يكون بها التحدي في أعقاب الزمن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، معجزة متنوعة في تحديها للخلق بحسب تنوع ثقافاتهم وتنوع وعيهم وتطور إدراكهم، هي معجزة بمطلق هذه الكلمة.
وهناك أمور كانت خارقة للعادات وقعت النبي صلى الله عليه وسلّم، فنحن لا ننكر ذلك ولكن هذه لم تكن في مقام التحدي. فقضية الإسراء والمعراج إنما كان فيها ترويح عن النبي صلى الله عليه وسلّم، هي خارقة للعادة، لم تكن من مألوف البشر ولكن فيها ترويح لشخص النبي صلى الله عليه وسلّم، ترويح لنفسه التي كانت تحمل هموماً مما أصاب هذه الدعوة من الجمود كما ذكرنا. وفيها إكرام للنبي صلى الله عليه وسلّم وتعريف بقدره، وفيها أيضاً تنبيه على أنه عليه أفضل الصلاة والسلام جاء ليورث هذه الأمة مواريث النبوات السابقة، وليورثها مقدسات الأمم السابقة، فكان الإسراء به صلى الله عليه وسلّم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى من أجل التنبيه بأن هذه الأمة وريثة الأمم في مقدساتها، فعليها أن تحافظ على هذه المقدسات من غير أن تفرط في أي شيء منها.
وهذا لم يكن في مقام التحدي، نفس الإسراء والمعراج لم يكن في مقام التحدي، ولو كان في مقام التحدي لطُلب من قريش مثلاً ومن معهم ومن كانوا في صفهم أن يكتبوا مثلاً إلى أهل القدس الشريف أو أن يذهب وفد منهم إلى هناك ليجد هل النبي صلى الله عليه وسلّم انتقل فعلاً إلى القدس.
لا، هذه الحادثة حدثت في غيبة منهم، بحيث لم يكونوا على اطلاع على ذلك قط، وإنما كان اطلاعهم بإخبار النبي صلى الله عليه وسلّم لا غير، فبهذا يتبين أن هذا مما لا يدخل في ضمن الإعجاز، وإن كان هو مما يدخل في ضمن خوارق العادات.
السؤال: (3/326)
صفحة 1313
ما حكم صوم يوم الإسراء والمعراج؟
الجواب:
هذا يوم كسائر الأيام، لم يأت بدليل بمسنونية صومه، ولم يأت دليل أيضاً بمنع صومه.
فمن أراد أن يصوم هذا اليوم على أنه صيام عادي، صيام لم تدل عليه سنة ثابتة فلا حرج عليه، لأن الحديث الذي روي باستحباب صومه إنما هو حديث ضعيف، ولكن مع ذلك لم يأت أي دليل يمنع من صومه.
فمن أراده أن يصومه على أنه كسائر الأيام، يصومه كما يصوم أي يوم يريد أن يصومه تقرباً إلى الله تبارك وتعالى فلا يقال بمنعه من هذا الصوم.
وأما اعتقاده بأن ذلك سنة فهذا مما يتوقف على ثبوت مسنونية صيام هذا اليوم وذلك مما لم يثبت.
السؤال:
ما هي الدروس والعبر التي يمكن أن يستفيدها المسلم من خلال هذه المناسبة؟
الجواب:
حقيقة الأمر المسلم يستفيد الكثير لأن المسلم دائماً يكون موصولاً بربه سبحانه وتعالى فإن واجهته شدة علم أن وراء هذه الشدة خيراً له، إذ لا يضيّق عليه إلا لخير يريده الله تعالى به أو بسبب معصية اقترفها وأراد الله أن يعجل عليه العقوبة، فهو يحاسب نفسه إن كان هنالك ضيق عليه، مع كونه يعوّل على ربه سبحانه راجياً من الله تعالى أن يفرّج كربته وينفّسها عنه، فهذا هو شأن المسلم. (3/327)
صفحة 1314
وهناك أيضاً من جملة العبر ما يؤذن بأن الشدائد وإن ضاقت فإن انتظار الفرج عبادة. النبي صلى الله عليه وسلّم ضاقت به الشدائد، وهو كغيره من الرسل، الرسل جميعاً تمر بهم أزمة شديدة بسبب بما يلقونه من التحدي، فالله سبحانه وتعالى أخبر النبي صلى الله عليه وسلّم بأنباء الرسل ليثبت بذلك فؤاده (وَكُلاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) (هود: من الآية120)، وعندما أمره الله سبحانه وتعالى أن يخبر عن سبيله بل وسبيل أتباعه وهو الدعوة إلى الله أتبع ذلك ما يثبت عزيمته مما قصه من أنباء من قبله من الرسل، فقد قال تعالى (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف:108)، ثم أتبع ذلك قوله (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ * حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَاسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ * لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف:109 - 111)، فهكذا كان شأن المرسلين مع أقوامهم عندما تضيق بهم الأزمات بحيث يشارفون اليأس بسبب هول الموقف يأتيهم فرج الله تبارك وتعالى.
فالمؤمن هكذا يتطلع إلى الفرج، يتطلع إلى النصر، يتطلع إلى اللطف الإلهي، يتطلع إلى الرحمات الربانية التي تغمره في كل موقف من المواقف. (3/328)
صفحة 1315
وبجانب هذا أيضاً المسلم يشعر دائماً أن الله تعالى على كل شيء قدير، وأنه سبحانه وتعالى أحاط بكل شيء علما فهو سبحانه سنّ سنناً لهذا الكون، ولكن عندما يريد خرق هذه السنن فهو تعالى لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، هو على كل شيء قدير، يصرف الكون كما يشاء، يقول للشيء كن فيكون.
السؤال:
ما هي أوصاف دابة البراق، وهل صحيح أنها طلبت من الرسول صلى الله عليه وسلّم الشفاعة؟
الجواب:
هذه الأوصاف إنما تتوقف على الأدلة الصحيحة الثابتة، وهذه أمور هي من الغيبيات التي نحن لم نكلف تفاصيلها، فلا داعي إلى التساؤل عنها أو الخوض فيها، إذ الإنسان في هذه الأمور الغيبية لا يتحدث إلا بدليل قاطع يعتمد عليه، أما الأدلة الضعيفة بل حتى الأدلة الصحيحة التي هي غير قطعية لا يعوّل عليها في مثل هذه القضايا إنما يعوّل على الأدلة القطيعة لأنها أمور غيبية.
السؤال:
هل كانت رحلته صلى الله عليه وسلّم بالروح أم بالروح والجسد؟
الجواب:
أما الإسراء فهو بالجسد والروح، ولذلك لو كان بمجرد الروح لما كان هنالك داع لتعجب قريش وإنكارهم وضجيجهم، ولكان ذلك مثل الرؤيا المنامية التي يراها، ولكن هذا الضجيج الذي أثاروه بسبب أنه قال بأنه انتقل، وانتقاله يعني بنفسه وجسده، وهذا ما يؤذن به قوله سبحانه وتعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ) (الإسراء: من الآية1)، فالعبد يشمل الجسد والروح معاً، ولا يكون خاصاً بالروح دون الجسد.
أما بالنسبة إلى المعراج من المحتمل أن تكون هذه الرحلة روحانية فحسب، ومحتمل أن تكون روحانية جسدية، فالله تعالى على كل شيء قدير، ولا ريب أن في مثل هذه الحالات عندما يكون العروج بالجسم والروح تكون الشفافية للروح، ويغلب الجانب الروحاني على الجانب الجسماني حتى يكاد يتلاشى الجانب الجسماني في الجانب الروحاني فيخف الجسم ويعرج حيث يريد الله تعالى عروجه.
السؤال: (3/329)
صفحة 1316
البعض يستدل بقوله تعالى (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى) (النجم: 13) أن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلّم رأى ربه ليلة المعراج، فما قولكم؟
الجواب:
ثبت في رواية الإمام الربيع وفي رواية الشيخين البخاري ومسلم ورواية غيرهم من أئمة الحديث من رواية مسروق أنه سمع أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها تقول: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. قال مسروق: وكنت متكئاً فجلست وقلت يا أم المؤمنين أمهليني ولا تعجليني، ألم يقل الله تعالى (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى) (النجم:13)، (وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ) (التكوير:23)؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن ذلك، فقال: ذلك جبريل لم أره في صورته التي خلقه الله عليها إلا مرتين رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض.
فهذا نص صريح على أن المرئي إنما هو جبريل عليه السلام، وأن ذلك من كلام الرسول صلى الله عليه وسلّم فهو المبلغ.
قال من قال بأن هذا مجرد كلام من عائشة رضي الله تعالى عنها، ليس كما قال، بل هي تروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلّم بصريح العبارة، على أنها استدلت بهذا النفي بقوله تعالى (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام:103). كما ثبت ذلك في رواية هؤلاء الأئمة، والله تعالى أعلم.
السؤال:
من الكتب التي يستقي بعض المسلمين تصوراتهم عن ليلة الإسراء والمعراج وما حدث فيها من أحداث والمشاهد التي رآها النبي صلى الله عليه وسلّم كتاب (المعراج) لابن عباس، وهو كتاب مليء بالقصص الخرافية مما وضعه القصاص بقصد جذب انتباه السامعين بالقصص الغريبة والأحاديث العجيبة. هل من كلمة تودون قولها حول هذا الكتاب؟ وهل تصح نسبته إلى ابن عباس؟
الجواب: (3/330)
صفحة 1317
أولاً نسبة هذا الكتاب إلى ابن عباس رضي الله عنهما لا تصح. ولا يمكن لابن عباس أن يقول مثل ذلك الكلام السخيف. فابن عباس هو ترجمان القرآن، وهو حبر الأمة الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلّم ربه سبحانه وتعالى أن يعلمه التأويل وأن يفقهه في الدين.
فليس من المعقول أن ينحدر ابن عباس وهو بهذا القدر العظيم عند ربه سبحانه وتعالى وعند رسوله صلى الله عليه وسلّم إلى هذا المستوى السخيف حتى يكون يقص من الأنباء ما هو في مستوى الجهلة العوام الذين لا يفرقون بين الذئب والحمل ولا يفرقون بين التمرة والجمرة.
إنما ابن عباس هو أسمى من ذلك بكثير وكثير وكثير، فهو حبر هذه الأمة وترجمان كتاب ربها سبحانه وتعالى، فكيف ينحدر إلى هذا المستوى.
ثم مع ذلك الأمور يجب أن تعرض على الأدلة. والأدلة متنوعة منها ما هو عقلي، ومنها ما هو نقلي.
الله تبارك وتعالى منح عباده عقولاً، هذه العقول يمكنهم بها أن يميزوا بين الكثير مما يقال، بين صحيحه وفاسده، بين ثابته وغير الثابت، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى جعل العقل هادياً إلى كثير من الحقائق. أنا لا أقول بأن العقل هو كل شيء وأنه يعتمد عليه في كل شيء، لأن العقل هو طاقة محدودة. ولكن بقدر ما أعطى الله تعالى عباده هذه الطاقة وجعلها محدودة، جعل فيها من القدرة على اكتناه كثير من الحقائق، ولذلك نجد أن الله سبحانه تعالى يبين أن هذه الآيات إنما هي لقوم يعقلون ولقوم يتفكرون. فيُطلب من الإنسان أن يستعمل فكره، وأن يستعمل عقله في كثير من القضايا.
أما لو تصادم العقل مع الدليل القطعي من الكتاب أو السنة المتواترة فلا مجال هنا لجعل العقل يرد النص القطعي لأن هذا كلام لا يُقبل، في هذا المقام يُتهم العقل، ولكن بالنسبة إلى الروايات التي تأتي من الناس من غير أن تثبت العقل يرجع إليه فيها. (3/331)
صفحة 1318
وأما بالنسبة إلى النقل فكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلّم. هذه الروايات تتعارض تمام التعارض مع ما جاء في كتاب الله ومع ما ثبت في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم فكيف يعوّل عليها.
على أنه كما يقول بعض العلماء المحققين: لئن كان من أسباب الحكم الحديث بالضعف وحطه من مرتبة الصحيح معارضته لما هو أقوى منه الروايات، فكيف إذا عارض الحديث النص القطعي من القرآن أو الحديث المتواتر، كيف يمكن لهذه الرواية أن يحكم بصحتها؟
وهكذا بالنسبة إلى ما يروى عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، أو يروى عن غيرهم من التابعين وغيرهم، فمهما كانت منزلة من يروى عنه ذلك.
أولاً نحن نحكم أنه ليس كل ما يروى عن أحد هو ثابتاً عن ذلك المروي عنه فضلاً عن كون المروي عنه إن كان غير معصوم عرضة للنسيان وغيره، فهذا مما يجب أن يتفطن له.
فالناس يُطلب منهم أن يعتبروا بالقصص التي في القرآن، وأن يعتبروا بالقصص الثابتة في حديث الرسول صلى الله عليه وسلّم وفي سيرته عليه أفضل الصلاة والسلام، لا أن يعولوا على الخرافات، فإن بناء الدين على الخرافة يؤدي إلى عدم إيمان الناس بهذا الدين عندما تنكشف هذه الخرافة عن حقيقتها.
السؤال:
البعض يشكك في الروايات حول حادثة المعراج ويقول أنها بعيدة عن التصديق من خلال تحليل متون تلك الروايات، فما حكم من أنكر المعراج استناداً إلى مثل تلك التحليلات؟
الجواب:
نحن كما قلنا سابقاً نعوّل على قول من قال بأن من أنكر المعراج يُفسّق، لأن الإشارة إليه واضحة في القرآن الكريم، ومن أنكر الإسراء يُشرّك. (3/332)
صفحة 1319
أما بالنسبة إلى الروايات ليست متونها كلها متساوية، طبعاً قد يكون في بعض المتون ما يدعو إلى النظر ويدعو إلى التأمل، ولكن هي في مجموعها قوية وتدل على أمر ثابت، هذا في مجموعها، لا أعني أن كل واحد من هذه المتون كذلك، ولكن في مجموعها تدل على ثبوت ما جاءت دالة عليه بمجموعها، فيعوّل على مثل هذه الرواية مع استفاضة هذه الروايات وشد بعضها أزر بعض.
السؤال:
يرى بعض العلماء أن المعراج حدث مرتين ويستدلون على ذلك بقول الله سبحانه وتعالى (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى) (النجم:13 - 14)، فما هو رأيكم سماحة الشيخ؟
الجواب:
هذا كلام من لم يطلع على الحديث أو من تجاهل الحديث، لأن حديث النبي صلى الله عليه وسلّم يقول بأن ذلك جبريل لم أره في صورته التي خلقه الله عليها إلا مرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض.
فالمرة الأولى التي رأى فيها النبي صلى الله عليه وسلّم جبريل كهيئته التي خلقه الله تعالى عليها إنما كانت في بداية الوحي عندما ناداه من السماء فرفع بصره إليه فرآه في السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض، فرجع النبي صلى الله عليه سلّم وهو ترجف بوادره مما ألم به من الخوف الطبيعي الذي ينتاب كل أحد عندما يرى أمراً كهذا الأمر الذي هو خارج عن المألوف، فهذا بطبيعة الحال روّع النبي صلى الله عليه وسلّم ورجع إلى أهله وقال زملوني زملوني كما ثبت ذلك، وأنزل الله تعالى فيه (يا أيها المدثر) و (يا أيها المزمل) إلى آخره.
والمرة الثانية هي هذه المرة التي وقع فيها هذا الحدث كما أخبر الله تعالى فيها بقوله (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَاوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) (النجم:13 - 18). (3/333)
صفحة 1320
فهذا مما دل عليه القرآن، والسنة جاءت موضحة لما أجمله القرآن الكريم.
فيعوّل على ذلك. أما أن يقال بأن الحدث تكرر مرتين. فالمرة الثانية متى كانت؟ هل بعدما فتح النبي صلى الله عليه وسلّم مكة؟ أو عندما سار في عمرة القضية بعدما صد عن الحديبية؟
لا. فإذا كان إنما كان هذا الحدث قبل الهجرة فليس هنالك دليل على وقوعه مرة أخرى، القرآن ذكر ذلك مرة واحدة، سورة النجم سورة مكية، سورة الإسراء سورة مكية، فكيف يقال بأن هذا الحدث وقع مرة بالمدينة ومرة بمكة، ليس هنالك من دليل على هذا قط.
السؤال:
هل صلى النبي صلى الله عليه وسلّم بالأنبياء إماماً؟ وهل معنى ذلك أنهم أحيوا؟
الجواب:
ورد ذلك في روايات وإن كانت هذه الروايات لم تبلغ مبلغ التواتر، ولذلك لا يُقطع بهذا الأمر، ولكن مهما يكن فإنه لا يجوز لأحد أن يقدم على رد ذلك. (3/334)
صفحة 1321
من المحتمل أن يكون الله تبارك وتعالى مثّل له أرواحهم، والأنبياء لا بد أن يعتقد الإنسان أن منزلتهم فوق منزل الشهداء، والله سبحانه وتعالى يقول (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران:169)، فمنزلة النبيين أكبر من هذه المنزلة، هم ماتوا بطبيعة الحال كما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلّم (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (الزمر:30)، وقال (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) (الأنبياء:34)، لكن هذا لا يمنع أن يكون هنالك لهم إحساس، وأن يكون لهم شيء من الطبيعة التي هي تتميز عن طبيعة غيرهم. فالله تعالى قادر على كل شيء، كما أخبر سبحانه أنه أحيا الذي أماته مئة عام، أليس قادراً على أن يحي هؤلاء، وأن يجمعهم بالنبي صلى الله عليه وسلّم، أو أن تتمثل له أرواحهم وهم يصلون ورائه صلى الله عليه وسلّم، إن الله على كل شيء قدير، القدرة الإلهية قدرة مطلقة، قدرة لا تحدها شيء، صفات الله تعالى صفات مطلقة، كما أن علم الله تعالى مطلق أحاط بكل شيء، كذلك قدرته الله سبحانه وتعالى قدرة مطلقة أحاطت بكل شيء، هو على كل شيء، كما أنه سبحانه وتعالى بكل شيء عليم.
فليس هنالك ما يمنع من هذا، ولا يجوز لأحد أن يرد مثل هذه الأخبار لمجرد خيال في نفسه بأن هذا يتصادم مع الواقع أو يتصادم مع المألوف عن الموتى، فالله سبحانه وتعالى أخبر عن المسيح عليه السلام أنه من معجزته أنه كان يحي الموتى، هذا مما نص عليه القرآن الكريم، وأمر الله تعالى أعظم شأناً، ما كان على يدي المسيح إنما هو من باب رفع قدره وإعلاء شأنه والدلالة على صدق قوله فيما يبلغه عن ربه، فكيف بالقدرة المطلقة لله سبحانه وتعالى.
السؤال:
ما هو المعراج؟
الجواب: (3/335)
صفحة 1322
المعراج يقصد به العروج إلى المقامات العلى، هذا هو المقصود. الأصل معراج مفعال، ومفعال يطلق على الآلة، ولكن يراد به هنا العروج.
السؤال:
ما هي وسيلة المعراج؟
الجواب:
نحن نعلم أن الله تعالى يصنع ما يشاء ويفعل ما يريد، الله تبارك وتعالى يدّبر هذا الكون كما يريده، ينقل الشمس من مكان إلى مكان كما يقول العلماء الآن بأنها تقطع في الثانية الواحدة اثني عشر ميلاً، والشمس هي أكبر من الأرض بمليون ضعف ومع ذلك تقطع هذه المسافة، ما هي الوسيلة؟ إنما هي قدرة الله تعالى التي أحاطت بكل شيء، فضلاً عن الأجرام الفلكية الأخرى التي هي أكبر من الشمس بكثير، وهي أسرع من الشمس بكثير، كل ذلك مما يدل على أن الله على كل شيء قدير.
فهل الله سبحانه وتعالى يعجزه أن يعرج بعبده ورسوله صلى الله عليه وسلّم من غير وسيلة، وهل هو بحاجة إلى الوسيلة، إنما علينا أن نسلّم الأمر لله تبارك وتعالى وأن لا نخوض في ذلك.
السؤال:
ما حكم من أنكر المعراج؟
الجواب:
من أنكر الإسراء فإنكاره للإسراء يعتبر ردة عن الإسلام، أما من أنكر المعراج فإنكاره للمعراج إنما يعتبر فسوقا. ولكن مع هذا كله نقول إن تأول المعراج بأنه عروج بالروح فلا يفضي به الأمر إلى أن يقال بأنه فاسق.
السؤال: (3/336)
صفحة 1323
قلتم بأنه ينبغي رد أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلّم إلى دلالات الكتاب العزيز، بالنسبة للحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلّم قوله: تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار. مما مدى صحة هذا الحديث خصوصاً إذا ما رد إلى آيات الكتاب العزيز كقوله تعالى (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) (النساء: من الآية32)، وقوله سبحانه وتعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل:97)، فكيف يمكن الجمع بين الحديث وهذه الآيات؟
الجواب:
مهما بلغ هذا الحديث فهو حديث آحادي، والله تبارك وتعالى وعد المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار، وإنما يؤخذ منه ومن غيره من الروايات ومن الأدلة الخاصة والعامة الدعوة إلى التصدق والإنفاق في سبيل الله، والدعوة إلى عمل الخير.
فالمرأة مطالبة أن لا تنساق وراء رغباتها، والرجل مطالب أن لا ينساق وراء رغباته. ومن غلب عقله شهوته ورغباته، فهو ترجى له السلامة، وترجى له السعادة، ويرجى له الخير، أما من غلبت شهواته ورغباته عقله فهو والعياذ بالله هوى إلى دركات الهون.
فعلى كل أن يكون متوكلاً على الله، معتمداً عليه، راجياً ثوابه، مشفقاً من عقابه، إذ الله تبارك وتعالى لا يجامل أحداً لأجل جنسه ولا لأجل نوعه، فلا يجامل الرجل لأجل أنه رجل، ولا المرأة من أجل أنها امرأة، فالكل عباد الله، (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ) (فصلت:46).
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
4 من شعبان 1425هـ، 19/ 9/2004م
الموضوع: عام
السؤال: (1) (3/337)
صفحة 1324
من ضمن التقنيات الشبكة العالمية للمعلومات ما يعرف بـ (الشات)، حيث يجتمع عدد من الأشخاص ضمن صفحة واحدة، وتدور بينهم أحاديث كتابية متفرقة، ولا يعرفون بعضهم بعضاً إلا من خلال رموز معينة، وقد أصبح الشات من الأمور التي تستهوي مستخدمي الانترنت، وهم يعتبرونها فرصة للتواصل مع الناس من مختلف الشعوب والدول فيمكن طرح الكثير من الأفكار ومناقشتها عبره.
فما هو حكم استخدام الفتاة للشات؟ وهل هناك ضوابط معينة لاستخدامه؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن من نعم الله سبحانه وتعالى على عباده أن سخر لهم جميع الكائنات من أجل ما فيه مصلحتهم، سواء كانت هذه المصلحة روحية أو كانت جسمية، كانت هذه المصلحة معنوية أو كانت مادية، كانت دنيوية أو أخروية، فإن الله تبارك وتعالى يمتن على عباده بقوله (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة: من الآية29)، وبقوله (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ) (الجاثية: من الآية13)، ومعنى ذلك أن كل وسيلة من الوسائل يمكن من خلالها أن يتوصل إلى بث معارف أو إلى دعوة إلى الخير أو إلى أي شيء فيه مصلحة للعباد فذلك مما يُطلب من الناس أن لا يفوتوا استخدامه لأجل الوصول إلى هذه الغاية المحمودة والهدف الطيب. (3/338)
صفحة 1325
ونجد أن الله سبحانه وتعالى يقرن بين المؤمنين والمؤمنات، ويجعل حبل الموالاة فيما بينهم إنما يكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله، فقد قال سبحانه (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة:71).
ولما كانت هذه الوظيفة هي وظيفة المؤمنين والمؤمنات جميعاً، فإن المرأة لا تمنع من استخدام هذه الآلة من أجل تحقيق هذه الغاية والقيام بهذه الوظيفة.
ولكن إن كانت النتيجة عكسية بحيث إن استخدام ذلك يؤدي إلى غرض غير طيب، يؤدي إلى ما يخدش الشرف ويهدم الدين ويبدد الأخلاق ويقضي على المروءة فإن ذلك ممنوع، يمنع منه الرجال والنساء جميعاً.
الرجل مطالب بأن يستغل هذه الوسيلة في المصلحة لا في المفسدة، وأن يسخرها لطاعة الله تعالى لا لمعصيته. وكذلك المرأة مطالبة أن تسخرها للمصلحة لا للمفسدة، وللطاعة لا للمعصية.
فلئن كانت هذه الفتاة آمنة على نفسها بحيث لا تنساق وراء أولئك الذين يريدون أن يصطاودها للشر، وأن يسخروها لشهواتهم ورغباتهم، فلا مانع من ذلك.
أما إن كانت ضعيفة الشخصية بحيث تنهار أمام المغريات التي تكون من كثير من ذئاب البشر ممن هم أشباه رجال وليسوا برجال، فإن عليها أن تتحفظ، وعليها أن تمتنع، فإن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
ولكن مع ذلك كله نحن نقول بأن هذه الوسائل إن كان الذي يستخدمها قادراً من حيث معرفته وعقله وتفكيره وسعة أفقه في الثقافة الإسلامية والوعي الديني، وبجانب ذلك أيضاً لا بد من أن يكون قوي الشخصية بحيث لا يؤثر عليه وإنما يؤثر ولا يتأثر ويقود ولا ينقاد، فذلك مطلب طيب. (3/339)
صفحة 1326
نحن ندعو إلى استخدام هذه الوسائل لكل ما فيه عمارة الدين والدنيا، وخدمة الدنيا والآخرة، فإن ذلك مما يؤدي إلى مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع ومصلحة الأمة، والله تبارك وتعالى من وراء القصد.
فعلى كل من يستخدم أي وسيلة من هذه الوسائل أن يشعر بأنها نعمة الله عليه، وإن نعمة الله يجب أن تشكر، وشكر النعمة هو استخدامها فيما يرضي من أنعم بها لا فيما يسخطه، والله تعالى الموفق.
السؤال (2)
أريد أن أذهب إلى الحج عن والدي هذا العام، وأنا لم أحج من قبل، ووالدي متوفى من العام الماضي، فما قولكم؟
الجواب:
نحن ندعو هذا الرجل إن كان قادراً على الحج بأن يحج أولاً عن نفسه قبل أن يحج عن غيره، فإن النبي صلى الله عليه وسلّم لما سمع ملبياً يلبي عن شبرمة وسأل عنه وما علاقته به أمره أولاً أن يلبي عن نفسه قبل أن يلبي عن غيره، ومعنى ذلك أن يؤدي هذه الفريضة عن نفسه قبل أن يؤديها عن غيره.
وأنا أعجب كثيراً ممن يسارع إلى الحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه مع أن الحج ركن من أركان الإسلام، وفريضة مقدسة من فرائض الدين، فإن الله سبحانه وتعالى فرضه كما فرض الصلاة والصيام والزكاة يقول سبحانه (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران: من الآية97).
فلماذا يسارع الإنسان إلى الحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه مع أنه لا يدري من يفجؤه ريب المنون. فلئن كان قادراً فما الذي يحول بينه وبين الحج عن نفسه وأداء هذه الفريضة، ثم بعد ذلك ليحج عن والده وعن والدته وعن من يريد الحج عنهم من قرابته وذوي الصلة به.
أما يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه فذلك يتنافى مع دلالة الحديث الشريف. (3/340)
صفحة 1327
على أن الحج ذهب كثير من العلماء بأنه وإن كان فريضة موقوتة بزمان معين إلا أن الإنسان متى أصبح قادراً على أداء هذا الحج وجاء ميقاته فعليه أن يخرج إن لم يكن هنالك عذر يمنعه.
فما الذي يمنع الإنسان من أن يسارع إلى الحج عن نفسه ليكون مسارعاً بذلك إلى مغفرة من ربه وجنة عرضها السماوات والأرض امتثالاً لأمره سبحانه وتعالى حيث قال (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران:133).
والناس كثيراً ما تساهلوا في هذا الواجب، يمهل الإنسان نفسه حتى إذا بلغ من الكبر عتيا، ولم يستطع السفر إلى الحج لشيخوخته وضعفه ووهنه، هنالك يحاول أن يوصي بهذه الفريضة، كأنما الواجب أن يوصى بهذا أن تؤدى. إنما الواجب على الإنسان أن يؤديها بنفسه، أما الوصية بها فلئلا يفجأه ريب المنون قبل أن يؤديها.
ويؤمر الإنسان أن يسارع إلى أداءها وهو في عنفوان شبابه، في فتوته وقوته بحيث يستطيع أن يؤدي الشعائر من غير أن يصيبه أي وهن وأي ضعف.
ومع ذلك فإن الفارغ قد يشتغل، والموسر قد يعسر، والقوي يضعف، والحي يموت، فلماذا لا يبادر الإنسان إلى أداء هذا الواجب.
فنحن ندعو أخانا هذا بأن يبادر إلى أداء هذه الفريضة عن نفسه، ثم بعد ذلك ليحج عن أبيه أو عن أي أحد آخر، والله تعالى الموفق.
السؤال (3)
ما هو تفسيركم للآية (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض) (الأنعام: من الآية75)، وما هي أبعادها الباطنية؟
الجواب:
إن الله تبارك وتعالى ألهم عباده ما ألهمهم من الخير، وأقام عليهم الحجة من خلال آياته التي في هذا الكون الواسع الأرجاء المترامي الأطراف، لأن هذا الكون كما يقول أحد علمائنا وهو الشيخ ناصر بن أبي نبهان يقول (كل ذرة من ذرات الوجود هي كلمة من كلمات الله، ناطقة بمعرفته سبحانه وما عداها فهو كالشرح لتلك الكلمة). (3/341)
صفحة 1328
يعني بذلك أن الوجود بأسره كل ذرة من ذراته إنما يعرب بلسان حاله عن افتقاره إلى واجب الوجود لذاته، فكل ما في هذا الكون من ذراته الدقيقة إلى مجراته الواسعة إنما يعرب بلسان حاله عن افتقاره إلى واجب الوجود لذاته.
فالذرات الدقيقة في تراكيبها العجيبة توحي بأنه لا يمكن أن تكون وجدت هكذا إلا من قبل صانع خبير عليم بكل شيء، محيط بكل موجود في هذا الكون، ثم بعد ذلك ما زاد على تلك الذرة، فالعناصر والمركبات والجزئيات قبل ذلك، كلها في تناسقها وترابط بعضها مع بعض يدل على وجود الله سبحانه.
فإبراهيم أراه الله تعالى ملكوته في السماوات والأرض، وقد كان عليه السلام على مقربة من قوم يقدسون النار ويعبدون الأجرام السماوية، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يجري على لسانه من دلائل الحق على أن هذه الكائنات التي يعبدونها من دون الله سبحانه وتعالى ليست هي من الألوهية في شيء، يقول الله سبحانه وتعالى فيما يحكيه عنه (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ) (الأنعام:76)، لما رأى الكوكب قال هذه الكلمة لا لأنه يعتقد أن الكوكب هو الإله، ولكنه أراد أن يقيم بذلك الحجة على هؤلاء بأن الكوكب يظهر ويختفي وما كان كذلك فليس هو بإله، لا يمكن للإله أن يكون بهذه الحالة، بحيث تعرض له العوارض وتمر به الحالات وتختلف معه الأعراض، بل الإله هو ثابت سبحانه وتعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: من الآية11)، (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام:103).
فلذلك قال (لا أُحِبُّ الآفِلِينَ) أي لا يمكن أن يكون هذا الآفل هو الإله، كيف ظهر أولاً ثم اختفى ثانياً، إختفاؤه دليل على أنه ليس بإله لأنه مرت به أحوال تدل على أنه تحول من حال إلى حال، فهذا التحول دليل على عدم ألوهيته. (3/342)
صفحة 1329
ثم بعد ذلك كذلك (فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) (الأنعام:77)، كيف يمكن أن يكون القمر هو الإله مع أنه يأفل كسائر الأجرام السماوية، أي تعرض له الحالات بحيث يظهر ثم يختفي.
ثم بعد ذلك عندما بزغت الشمس (فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام:78 - 79).
أراد بهذا كله عندما قال هذا ربي في رؤيته للكوكب وفي حال رؤيته للقمر وفي حال رؤيته للشمس أن يقيم الحجة على قومه.
هذا هو التفسير الصحيح، وإن ذهب آخرون إلى غير ذلك، ولكن هذا التفسير هو الذي يتفق مع دلائل العقل، فإن إبراهيم عليه السلام على الفطرة السليمة، ولما كان على الفطرة السليمة فلا يمكن أن يدّعي الألوهية لغير الله سبحانه وتعالى، ودليل ذلك قوله (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام:79)، فهو يعلم أن هنالك فاطراً للسماوات والأرض، وما هي السماوات إنما هذه الأجرام الفلكية هي أجزاء من هذه السماوات، فهو يعلم أن لهذه السماوات والأرض فاطراً، فالفاطر لهذه السماوات والأرض هو المعبود بحق، وكل ما يعبد مما عداه إنما يعبد بغير حق.
وهذه فيها دلالة للإنسان بأنه عليه أن يلتمس الحق من طريقه، وأن يسلك إلى الحقيقة نهجها الذي يؤدي إلى إليها، فالله سبحانه وتعالى جعل ما في هذا الكون بأسره بكل ما فيه شاهداً على وحدانية تعالى. (3/343)
صفحة 1330
الله سبحانه وتعالى عندما خاطبنا بأعظم حقيقة في هذا الوجود وهي وحدانيته حيث قال (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (البقرة:163)، أتبع ذلك ما يؤكد هذه الوحدانية ويدل عليها من دلائل هذا الكون حيث قال (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة:164).
نعم في هذه الكائنات بأسرها آيات لقوم يعقلون، كيف والإنسان يرى أن هذه الكائنات على بعد ما بينها، على بعد ما بين هذا الكون الواسع الأرجاء المترامي الأطراف هو وحدة متكاملة، كل جزء منه مكمل لبقية الأجزاء لأنه في تناسقه البديع وترتيب نظامه العجيب يكمل بعضه بعضاً، فكان بمثابة الجسم الواحد الذي له أعضاء متعددة، كل عضو منها مكمل لسائر الأعضاء. (3/344)
صفحة 1331
فهكذا شأن هذا الكون في تباعده وفي ترامي أطرافه من حيث هذا التناسق العجيب الذي يشد بعضه إلى بعض، والترتيب في نظامه بحيث أصبح كله يشكل منظومة واحدة في سلك واحد، فلذلك كانت في ذلك آيات لقوم يعقلون، لأن الإنسان من خلال هذا يتوصل بأن هذا الكون وحدته تدل على وحدانية خالقه سبحانه، فهو وحدة متكاملة، ووحدته تدل وحدانية خالقه، فلو كان له أكثر من إله لأدى ذلك إلى أن يكون لكل إله من هؤلاء الإلهة إرادة مستقلة دون إرادة الآخر، وفي هذا ما يؤدي إلى التنازع والاختلاف والتنافر فيما بينهم وذلك يؤدي إلى أن تتغير هذه الصنعة عما عليه بحيث لا تكون متناسقة هذا التناسق العجيب، وهذا ما يعنيه قول الله سبحانه (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) (الانبياء: من الآية22).
فالسماوات والأرض هي عبارة عن هذا الكون الذي نراه والذي لا نراه من حيث إنه متناسق مترابط بعضه مع بعض بهذا الرباط الوثيق الذي هو بمثابة البناء الواحد كما قال سبحانه وتعالى (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) (البقرة: من الآية22).
وكذلك ما يجري في هذا الكون، فالله سبحانه وتعالى جعل أحوالاً نشاهدها في هذا الكون كلها تدل على وحدانيته تبارك وتعالى، فالله تعالى ينزل من السماء ماء، ثم بعد ذلك يترتب على نزول الماء النبات، هنالك خاصية الإنبات في الماء وخاصية النبات في التراب، وعندما تجتمع الخاصيتان يحصل النبات هذا مما فيه مصلحة (وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْض) (البقرة: من الآية164). (3/345)
صفحة 1332
كل من ذلك إنما يؤدي إلى إدراك الإنسان أن لهذا الكون مكوناً واحداً، وهذا الذي رآه إبراهيم من خلال رؤيته لملكوت السماوات والأرض، فهو ما كان مشركاً، وإنما أراد أن يقيم الحجة على المشركين الذين كانوا يتخذون مع الله آلهة أخرى.
وإن كان من المفسرين من يذهب إلى آراء مختلفة، منهم من يقول بأن هذه مراحل للتوصل إلى الحقيقة، ومنهم من يقول بأن الكلام إنما هو على تقدير أداة استفهام أي أهذا ربي، ومنهم من يقول غير ذلك. هذه أقوال ما عليها من دليل، وإنما القول الحق هذا الذي ذكرناه.
السؤال (4)
ما هو حكم رسم ذوات الأرواح عند الضرورة؟
الجواب:
أنا لا أدري ما هي هذه الضرورة حتى نقول فيها، أما الأصل في ذوات الأرواح التشديد فيها لحديث الرسول صلى الله عليه وسلّم عندما جاء إلى بيت عائشة رضي الله تعالى عنها فوجد نمرقة فيها تصاوير فامتنع من الدخول، فلما رأت الكراهة في وجهه قالت له: يا رسول الله أتوب إلى الله مما فعلت. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلّم: ما بال هذه النمرقة؟ قالت: اشتريتها لك لتتكئ عليها. قال: إن أصحاب هذه الصور ليعذبون بها يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم. فهذا حديث الرسول صلى الله عليه وسلّم.
فأنا لا أدري ما هذه الضرورة حتى نقول فيها رأياً، إنما على الإنسان أن يتفادى الوقوع في مناهي الشرع الشريف، وأن يحرص على طاعة الله وطاعة رسوله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (الأحزاب:36).
السؤال (5)
إني وأنا في سن المراهقة وفي أحد أيام رمضان مارست العادة السرية وبعد إدراكي لما فعلت ندمت أشد الندم لأنها كانت لحظة وسوسة الشيطان للإنسان في حال خلوة، فأتمنى من سماحتكم إفادتي بما يترتب عليّ فعله؟
الجواب: (3/346)
صفحة 1333
لا يخلو ذلك إما أن يكون في الليل وإما أن يكون في النهار.
فأما إن كان في الليل وأصبح مغتسلاً فإنما عليه التوبة إلى الله، ولا يؤثر ذلك على صيامه.
وأما إن كان فعل ذلك في النهار، فإنه في هذه الحالة عليه مع التوبة إلى الله أن يقضي الصيام الذي أضاعه، وعليه مع ذلك أن يكفّر وذلك بعتق رقبة فإن يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، والله تعالى أعلم.
السؤال (6)
ما حكم قول (عبّاد الشمس) و (قوس قزح)؟
الجواب:
الله تبارك وتعالى يقول (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) (الإسراء:44)، فلا يسمى شيء مما خلقه الله تعالى من هذا النوع من أنواع الجمادات أو أنواع النباتات عبّاد الشمس، إنما هو يعبد الله تبارك وتعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) (الحج: من الآية18)، فكثير من الناس يسجدون وكثير منهم لا يسجدون، أما بقية الكائنات فهي تسجد لله، ومعنى ذلك أن عبادة الله تبارك وتعالى تنتظمها جميعا، وقد يشذ عن ذلك الإنسان الذي يتمرد على طاعة الله ولا يرضى بأن ينقاد لحكم الله سبحانه، أما المنقادون لحكم الله فإنهم يسيرون في هذا النظام الذي يسير فيه الكون.
فما من شيء يعبد الشمس من هذه الكائنات. نعم هنالك عبّاد الشمس من البشر، ولعل هنالك أيضاً عبّاد الشمس من جنس الجن الذين تمردوا على طاعة الله وهم من الشياطين طبعاً، أما هذه النباتات والجمادات فإنها تعبد الله تبارك وتعالى كما يدل على ذلك القرآن الكريم. (3/347)
صفحة 1334
وكذلك قوس قزح إنما هو قوس الله، فقزح هو شيطان كما جاء في الحديث، وجاء النهي عن تسميته بهذا الاسم، فلا يسمى كذلك.
السؤال (7)
ما رأي أهل العلم في استخدام كلمة (لعمري) في القسم، حيث أجد كثيراً من الشعراء والناظمين يستخدمونها؟
الجواب:
كلمة لعمري عندما تأتي في ألفاظ الناس لا يريدون بذلك القسم، إنما هي كلمة جرت على الألسن، كما قال النبي صلى الله عليه وسلّم: أفلح وأبيه إن صدق. في قصة الأعرابي. فهو لم يرد بذلك القسم، وإنما هذه من الكلمات التي تجري على الألسن من غير يراد بها القسم.
هناك كلمات تجري على الألسن واعتادها الناس جميعاً ولكن مع ذلك لا تقصد معانيها كقولهم (تربت يداه)، تربت بمعنى افتقرت، فليس هنالك دعوة على هذا الذي يقال فيه هذا الكلام بأن تفتقر يداه.
وكذلك يقال قاتله الله في موضع لا يراد به الدعاء عليه، عندما يستعظم من أحد شيء يقال قاتله الله.
وكذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلّم (ما له ضرب الله عنقه). إلا أن الرجل طلب أن يكون ذلك دعاء، فقال: في سبيل الله يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: في سبيل الله.
الأصل لم يقصد النبي صلى اله عليه وسلّم الدعاء عليه بأن يضرب عنقه وإنما هذه كلمات جرت عادة الناس أن يتحدثوا بها.
فكذلك قول القائل لعمري ولعمرك، لا يريد به القسم، وإنما هو مما جرى على الألسن في معرض تأكيد الكلام، فلا مانع منه بهذا الاعتبار، وإن كان من العلماء من شدّد فيه إلا إن كانت الإضافة إلى الله بأن يقول لعمر الله أو نحو ذلك.
ونحن لا نرى التشدد في هذا، لكن من غير نية القسم، وإنما نية تأكيد الكلام واعتبار هذه الألفاظ من الألفاظ العارضة الجارية على الألسن.
السؤال (8)
هل توجد إقامة في صلاة السنة؟
الجواب:
لا. في صلاة السنة لا، وإنما يقام في الفرائض.
السؤال (9) (3/348)
صفحة 1335
رجل في حالة سفر دخل على جماعة يصلون الظهر وهم في الركعة الثالثة وهو لا يدري أنهم في الركعة الثالثة فصلى معهم ركعتين قصراً ظناً منه أنهم مسافرون، وعندما انتهى اكتشف أنهم قد صلوا أربع ركعات، فأعاد صلاته منفرداً وصلى ركعتين قصراً، فهل هذا الفعل صحيح؟
الجواب:
أصاب رأيا ًمن آراء العلماء، ولكن نحن نرى أنه إذا دخل على مقيم فإن عليه أن يصلي صلاة المقيم ولو فسدت عليه يعيدها أيضاً صلاة المقيم لأنه بدخوله مع الإمام أصبح فرضه أربع ركعات، ولو فسدت عليه الصلاة يعيدها صلاة الإمام، والله تعالى أعلم.
السؤال (10)
أنا أعمل في مسقط ونعيش أنا وأولادي في مسقط فكيف تكون صلاتي هل أصلي وطن أم سفر، وهل يجوز الجمع بين صلاتي الظهر والعصر والمغرب والعشاء؟
الجواب:
أما بالنسبة إلى من كان مقيماً في بلد مطمئناً فيه كشأن هذا السائل الذي هو مقيم مع أولاده عليه أن يتم الصلاة، وليس له أن يقصر الصلاة، فإن الاستقرار في بلد ما يكون بالسكون مع طمأنينة القلب، وهذا يتنافى مع السفر، من كان كذلك فليس بمسافر، فعليه أن يتم الصلاة، ولا يجوز له أن يقصرها.
وأما بالنسبة إلى المسافر إن كان مقيماً مع قصده الخروج من ذلك المكان الذي أقام فيه فإن الأفضل أن يصلي كل صلاة في وقتها، أي أن يفرد كل صلاة في وقتها، وإن كان يجوز له الجمع. والجمع هو أفضل للجاد في السير دون المقيم في البلد، فمن كان جاداً في السير، أي كان في طريقه وهو في سفره، فالجمع أفضل له من الإفراد، ومن كان مقيماً في بلد فالإفراد له أفضل من الجمع ولو كان في حالة السفر.
على أنه أجيز للإنسان حتى وهو في حالة استقراره، في حالة وطنه، في حال إتمامه الصلاة بحيث الرباعيات أربعاً أربعا، أجيز له أن يجمع ما بين صلاتي الظهر والعصر، وما بين صلاتي المغرب والعشاء في حالات الضرورة والحاجة الملحة، كما دل على ذلك حديث ابن عباس عند الربيع والشيخين وغيرهم، والله تعالى أعلم. (3/349)
صفحة 1336
السؤال (11)
المرأة إذا رأت الطهر من النفاس بعد أقل من أربعين يوماً هل تبدأ الصيام من ذلك اليوم؟
الجواب:
المرأة إذا رأت الطهر ولو من أول يوم عليها أن تغتسل وتصلي وتصوم، ولو رأت الطهر من أول يوم من أيام حيضها أو من أيام نفاسها، عليها أن تغتسل وتصلي وتصوم , وإنما يمنع الزوج من غشيان المرأة في حالة وضعها إلا بعد مضي أربعين يوماً من يوم ولادتها، وهذا إذا لم تستقر لها عادة فيما دون الأربعين، أما لو استقرت لها عادة فيما دون الأربعين فإنها لا مانع من أن تأخذ بموجب تلك العادة في غشيان زوجها إياها.
وأما بالنسبة إلى الصلاة والصيام فعليها أن تغتسل وتصلي وتصوم من أول يوم ترى فيه الطهر، والله تعالى أعلم.
السؤال (12)
إذا رأت الطهر أثناء النهار هل تصوم ذلك اليوم؟
الجواب:
إذا رأت الطهر أثناء النهار فإن ذلك اليوم عليها أن تعيده، وإن كان من العلماء من استحب لها أن تمسك عن الأكل فيه، ولكن هذا غير راجح، وإنما الراجح أنها تستمر على الأكل لأنها بدأته بإفطار، ولا يمكن أن يعتمد صيام نصف يوم. هذا اليوم مضى، وأفطرته بعذر شرعي، ولا مانع من ذلك.
ولذلك سوّغ العلماء لمن رجع من سفره وقد كان مفطراً في سفره بسبب عذر السفر، إذا رجع إلى بيته ووجد امرأته طاهراً في نفس اليوم من حيضها أو من نفاسها سوغوا له أن يجامعها في النهار، وقد روي عن الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد أنه فعل ذلك.
السؤال (13)
ما حكم صلاة الجمعة بالنسبة للمرأة؟
الجواب:
أما الوجوب فلا تجب عليها، ولكن إذا حضرت الخطبة والصلاة فلتصل ركعتين مع الإمام، والله تعالى يتقبل منها، وتسقط بذلك فريضة الظهر عنها، وفي ذلك خير كبير، لأن خطبة الجمعة فيها تذكير للرجال وللنساء معا.
السؤال (14)
من أفطر يوماً من رمضان وهو معتكف كيف يقضي ذلك اليوم، وكيف يقضي الاعتكاف؟
الجواب: (3/350)
صفحة 1337
يسوغ له أن يقضي الصيام والاعتكاف معا، ويسوغ له أن يقضي الصيام ويؤخر قضاء الاعتكاف، ويسوغ له أن يؤخر قضاء الاعتكاف إلى رمضان قابل، والله تعالى أعلم.
السؤال (15)
أقيم احتفال على حساب مركز صيفي ثم بقيت بعد ذلك بعض المواد الغذائية كيف يتم التصرف في هذه المواد؟
الجواب:
إن بقيت هذه المواد ولم يمكن أن ترجع إلى أصحاب الحفل ففي هذه الحالة أولى بها أن تدفع إلى فقراء المسلمين، ولو أكلها غير الفقير بسبب أنها تركت وأصبحت غير مطلوبة من قبل أهلها فلا حرج في ذلك، ولكن الأولى أن تدفع إلى فقراء المسلمين.
السؤال (16)
الملابس المعلقة في دورات المياه هل تنجس بالروائح؟
الجواب:
الملابس المعلقة في دورات المياه لا تنجس حتى تمسها النجاسة، فإن مستها النجاسة حينئذ تنجست وإلا فلا.
السؤال (17)
ما حكم من قضى أياماً من رمضان بعد أن دخل عليه رمضان آخر؟
الجواب:
إن كان فعله الذي فعله لا لعذر فجاء في حديث أبي هريرة الموقوف كما في رواية البخاري والمرفوع كما في رواية الدارقطني، أنه يكفّر عن ذلك بحيث يطعم عن كل يوم مسكيناً كفارة لتهاونه بحيث أخّر قضاء رمضان إلى أن دخل شهر رمضان آخر، وفي هذا خير كبير إن شاء الله، ونرى العمل بهذا الموقوف إذ لم يعارضه من عمل الصحابة شيء لا سيما وأنه ورد في رواية أخرى رفعه كما ذكرنا.
السؤال (18)
هل يوجد دعاء أثناء الركوع في الصلاة؟
الجواب:
لا، لا يوجد دعاء في أثناء الركوع وإنما يعظّم فيه الرب.
السؤال (19)
هل يجوز تأخير صلاة التراويح عن وقت صلاة العشاء، وما هو وقت التأخير؟
الجواب: (3/351)
صفحة 1338
صلاة التراويح هي قيام رمضان، وقيام رمضان جميع الليل مإنة له، يمكن أن يؤخر الإنسان قيام رمضان بحيث يصليه في النصف الأخير من الليل، أو في الثلث الأخير من الليل، أو يصلي في أول الليل بعد صلاة العشاء. هو مخير إن أراد أن يقدّم أو أراد أن يؤخر، وإنما صلاة من يصلي تهجداً في آخر الليل أفضل من صلاة من يصلي أول الليل، وإن كان حضور التراويح في ذلك شعار، فلا ينبغي ترك ذلك لا سيما وأن الأمة أجمعت عليه من عهد الفاروق بل كان ذلك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم.
السؤال (20)
في طواف الوداع هل يجوز للمودع أن يطوف ثم بعد ذلك يشهد صلاة الجمعة؟
الجواب:
لا مانع من ذلك لأنه لم يخرج عن كونه جعل آخر عهده البيت، فهو بطوافه وبقائه في المسجد الحرام إلى شهود صلاة الجمعة لم يخرج عن كونه جعل آخر عهده بالبيت المحرم، فلا يؤثر ذلك على وداعه شيئا.
السؤال (21)
ما حكم ظاهرة ترك الهواتف النقالة مفتوحة أثناء الصلاة، وما تشكله من إزعاج للمصلين؟
الجواب:
الهواتف المفتوحة أثناء الصلاة من المزعجات، ونحن نبهنا أكثر من مرة، وحتى في هذا البرنامج نبهنا بأن هذا ما لا يجوز أبداً.
أولاً المساجد يجب أن تصان حتى عن الكلام الذي هو خارج عن ذكر الله تبارك وتعالى وما والاه فإن الله تعالى يقول (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ) (النور:36 - 37)، والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم شدّد حتى في نشدان الضالة. (3/352)
صفحة 1339
فإذا كان الحديث الخارج عن ذكر الله تبارك وتعالى وما والاه كطلب العلم ونشر العلم ونحو ذلك يمنع في المساجد، فما بالكم بما كان من هذه الأصوات الموسيقية التي تخرج المساجد عن طبيعتها حتى تكون أشبه الكنائس التي تضرب فيها الأجراس، هذا أمر لا يجوز.
وعلى الناس أن يتقوا الله تبارك وتعالى في ذلك، وأن يحرصوا على أن لا يشغلوا المصلين بهذه الترانيم التي يسمعونها من هذه الهواتف في أثناء الاتصال. هذا من المزعجات. عليهم أن يتقوا الله، وهذا مما يعد بطبيعة الحال أمراً مفروضاً على جميع الناس، وعلى الكل أن يتناصحوا به، وأن يحرصوا عليه.
السؤال (22)
ما حكم الحديث أثناء الوضوء؟
الجواب:
كونه ناقضاً للوضوء لا، هو لا ينقض الوضوء ولا يؤثر عليه، ولكن يكره، وينبغي للإنسان أن يشتغل بما هو مشغول به إلا إن كان الحديث لضرورة.
السؤال (23)
هناك فتاة تريد أن تعقد محاضرة في منزلها، أبوها يسمح بذلك، لكن قوبلت باعتراض من أخيها الأكبر؟
الجواب:
الأخ الأكبر يبدو أنه يقف حجر عثرة في سبيل الخير، ويريد أن يحول بينها وبين فعل الخير فلا تلتفت إليه ما دام ولي أمرها رضي بذلك، وذلك أمر فيه مرضاة الله تبارك وتعالى، وفيه دعوة إلى الخير وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر فلتمض قدماً. (3/353)
صفحة 1340
وإنما نحن ننصح الرجال والنساء معاً أن لا يتحدثوا فيما لا يعرفون حكم الله فيه، عليهم أن لا يتحدثوا إلا بالعلم، لأن التقول على الله بغير علم إنما هو مقرون بالإشراك بالله، فالله سبحانه وتعالى يقول (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:33)، وقد بيّن سبحانه وتعالى أن ذلك مما يدعو إليه الشيطان حيث قال (إِنَّمَا يَامُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:169).
المهم هي أن تدعو إلى الله على بصيرة، وأن تكون متفقهة في دينها لأن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلّم (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (يوسف: من الآية108)، وكذلك ناط الله سبحانه وتعالى التذكير بالفقه في الدين عندما قال (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة: من الآية122)، والله تعالى أعلم.
السؤال (24)
ما حكم جلوس الأخ مع زوجة أخيه في المنزل؟
الجواب: (3/354)
صفحة 1341
لا تجوز لهما الخلوة، الخلوة غير جائزة، وهذا مما يشدّد فيه، فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما. وقال: من كان يؤمن بالله واليوم ألآخر فلا يخلون بامرأة إلا مع ذي محرم. وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم , وقال: إياكم والدخول على النساء. فقال له رجل من الأنصار: أرأيت الحمو يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلّم: الحمو الموت. وحمو المرأة هو أخو زوجها. فلا يجوز لها أن تختلي به، أي أن تجلس معه أو تبدي له شيئاً من زينتها.
إن كانت بحاجة إلى الحديث معه فليكن معها زوجها أو ليكن معها ذو محرم منها، أما الخلوة بينها وبينه فهذا لا يجوز. وقد ترتبت على مثل هذه الخلوات مضار كبيرة، وأنا كثيراً ما تصلني مكالمات من نساء وقعن في ورطات بمثل هذه التصرفات الشائنة، وبعد ذلك يندمن على ما وقعن فيه.
فيجب على الكل أن يتقي الله، وأن لا يحوم حول الحمى، فمن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، والله تعالى أعلم.
السؤال (25)
ما الحكم إذا كان هذا الجلوس في مجلساً عاماً؟
الجواب:
أما الخلوة فلا تجوز حتى ولو كان في أي مكان، الخلوة غير جائزة.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه
11 من شعبان 1425 هـ، 26/ 9/2004م
الموضوع: عام
السؤال (1)
نعلم جميعاً عظم حق النبي صلى الله عليه وسلّم ووجوب اتّباعه والتمسك بالهدي الذي جاء به، لأنه يعبّر عن الإرادة الإلهية لهداية البشر وسعادة الإنسان في دنياه وأخراه، يقول الحق جل وعلا (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم:3 - 4)، ويقول أيضاً (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر: من الآية7)، وما إلى ذلك من الآيات التي تدعو إلى اتّباع أوامره صلى الله عليه وسلّم واجتناب منهياته. (3/355)
صفحة 1342
كيف يمكننا أن نوفق بين هذا وقول النبي صلى الله عليه وسلّم عندما قال (أنتم أعلم بأمور دنياكم)؟
وكيف يمكن أن نفرّق بين ما يمارسه النبي صلى الله عليه وسلّم ويدعو إليه باعتباره من صميم الدين ولب الرسالة، وما يمارسه صلى الله عليه وسلّم باعتباره بشراً يمارس شأناً من شئون الحياة اليومية؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فما من ريب أن اتّباع النبي صلى الله عليه وسلّم من صميم الإيمان، بل اتّباعه عليه أفضل الصلاة والسلام هو تجسيد من العبد لحبه لربه، وهو باب لدخوله إلى حب ربه له، فإن الله تبارك وتعالى يقول (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران:31)، فأوقع اتباع النبي صلى الله عليه وسلّم بين طرفي الحب، بين حب العباد لله الذي يأتي هذا الاتباع له عليه أفضل الصلاة والسلام تجسيداً وترجمة، وبين حب الحق سبحانه وتعالى لعباده الذي هو مُسَبب عن اتباعه صلوات الله وسلامه عليه. (3/356)
صفحة 1343
والله سبحانه وتعالى يقول (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (النور:54)، ويقول سبحانه وتعالى أيضاً (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ) (آل عمران: من الآية32)، ويقول سبحانه وتعالى (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) (النساء:80)، ويقول سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً) (النساء:59).
إن اتّباع النبي صلى الله عليه وسلّم هو اتّباع لأمر الله سبحانه وتعالى وانقياد لحكمه، إذ طاعة الله تعالى موقوفة على طاعة عبده ورسوله صلى الله عليه وسلّم، فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله، ومن أعرض عن طاعة الرسول فقد أعرض عن طاعة الله، لأن الله تعالى هو الذي أمرنا بطاعته. (3/357)
صفحة 1344
على أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلّم جاءت مطلقة غير مقيدة عندما قال سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول) (النساء: من الآية59)، وإنما عطف طاعة أولي الأمر على طاعة الرسول، وقيّد ذلك بأن يكون في حدود طاعة الله وطاعة رسوله عندما بيّن سبحانه وتعالى أنه مع الاختلاف لا بد من الاحتكام إلى الله والاحتكام إلى رسوله صلى الله عليه وسلّم وذلك عندما قال عز من قائل (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً) (النساء: من الآية59).
وفي عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم الرد إلى الله إنما هو بما يُتلقى من وحي الله سبحانه الذي ينزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلّم، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلّم بالتلقي عن الرسول صلى الله عليه وسلّم مما يأمر به أو ينهى عنه.
أما بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلّم فإن الاحتكام إنما يكون إلى الكتاب العزيز وإلى السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وبهذا يتميز الحق من الباطل، ويُفرّق بين الهدى والضلال، وبين الرشد والغي، وبين الصلاح والفساد، وبين الاعوجاج والاستقامة.
نعم إننا أُمرنا بالطاعة المطلقة لرسول الله صلى الله عليه وسلّم، وبُيّن لنا بأن ذلك إنما هو من طاعة الله سبحانه وتعالى، ولكن لا ريب أن الرسول صلى الله عليه وسلّم هو بشر يمارس أمور الحياة كما يمارسها غيره من البشر. هذه الممارسة لأمور الحياة قد تكون بتوجيه من الله تعالى سواءً كان ذلك بوحي أوحاه إليه أو كان ذلك بإلهام من الله سبحانه وتعالى. (3/358)
صفحة 1345
وقد يكون ذلك ناشئاً عن اجتهاده صلى الله عليه وسلّم ومحاولته الأخذ بتجارب هذه الحياة كما يأخذ غيره بتجارب الحياة، ولذلك عندما أمر أصحابه أن لا يؤبروا النخل فشاصت، أخبرهم بأنهم هم أخبر بأمور دنياهم وما أخبرهم به عن الله تعالى فهو حق.
الذي أخبرهم به عن الله هو حق، أما أمور الدنيا فهم أخبر بها، لأنهم يمارسونها، أي ما كانوا يمارسونه دونه صلى الله عليه وسلّم ولم ينزل عليه فيه وحي من الله سبحانه وتعالى، ففي هذا يكونون هم أولي خبرة في ذلك المجال.
هذا لأن أمور الحياة إنما هي موكولة إلى تجارب البشر عندما لا يكون فيها شرع من عند الله، أما عندما يكون فيها شرع من عند الله، عندما يكون هنالك أمر من قبل الله تعالى أو أمر من قبل الرسول صلى الله عليه وسلّم وهو أمر جازم وليس أمر إرشاد فحسب يسوغ للناس أن يأخذوا بتجارب حياتهم.
ويُمَيز ما بين الأمور التي لا يجوز للإنسان أن يخرج فيها عن توجيه النبي صلى الله عليه وسلّم والأمور الأخرى التي يمكن أن يأخذ فيها بتجاربه في حياته ولو كانت للنبي صلى الله عليه وسلّم في ذلك تجربة.
فمن الأمور التي لا يجوز للإنسان أن يعدل فيها عما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلّم ما كان متعلقاً بخطاب التكليف، ما كان متعلقاً بالأمر أو النهي، ما كان متعلقاً بالإيجاب أو التحريم أو الندب أو الكراهة أو الإباحة، ما كان متعلقاً بهذا كله لا يجوز للإنسان أن يعدل فيه عن توجيه النبي صلى الله عليه وسلّم.
وكذلك ما كان من خطابه متعلقاً بخطاب الوضع كالصحة والبطلان إنما يجب أن يلتزم الإنسان فيه بأمر الرسول صلى الله عليه وسلّم.
أما ممارسة شئون الحياة كبناء أو لبس - إن لم يخرج هذا اللبس عن حدود الشرع - أو ركوب أو غير ذلك، هنا يسوغ للإنسان أن يركب ما لم يركبه النبي صلى الله عليه وسلّم، وأن يسكن ما لم يسكنه النبي صلى الله عليه وسلّم. (3/359)
صفحة 1346
النبي صلى الله عليه وسلّم لم يسكن بيتاً كهذه البيوت التي نسكنها الآن، ولا يعد ذلك خروجاً عن أمره صلى الله عليه وسلّم.
كذلك بالنسبة إلى اللبس قد يكون لبسه يختلف نوعاً ما عن لبسنا، لأن اللباس من العادات لا من العبادات إلا ما كان فيه توجيه من النبي صلى الله عليه وسلّم، كنهيه عليه أفضل الصلاة والسلام عن لبس الحرير ونهيه عن لبس الذهب بالنسبة إلى الرجال، هذا من الأمور التي لا يجوز تجاوزها.
أما بالنسبة إلى سائر اللباس ما لم يكن هذا اللباس خارجاً عن الحد الذي حده الله تعالى أو حده الرسول صلى الله عليه وسلّم فيسوغ للناس أن يلبسوا أنواعاً من اللباس التي لم يلبسها النبي صلى الله عليه وسلّم، مثال ذلك البشوت التي نلبسها الآن ما لبسها النبي صلى الله عليه وسلّم، نعم لبس الجبة ولبس القميص ولبس الرداء ولبس الإزار، ولكن هذا لا يعني أن من لبس شيئاً من هذه البشوت خارجاً عن الهدي الذي كان عليه أفضل الصلاة والسلام.
كذلك بالنسبة إلى الركوب، النبي صلى الله عليه وسلّم ما ركب طائرة ولا ركب سيارة ولا ركب قطاراً ولا ركب شيئاً من هذه المركبات الجديدة، بل لم يركب النبي صلى الله عليه وسلّم سفينة، فهذا لا يعني أنه لا يسوغ للإنسان أن يركب هذه المركبات الحادثة باعتبارها بدعة لم تكن موجودة في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم.
هذه ليست من الأمور الدينية حتى تعد بدعة، نعم إنما الإنسان يؤمر ندباً أن يتقيد بهدي النبي صلى الله عليه وسلّم في ركوبه كأن يبدأ الركوب باليمين مثلاً، وكذلك بالنسبة إلى الدخول والخروج أن يقدّم بالنسبة إلى المسجد الرجل اليمنى في دخوله والرجل اليسرى في خروجه، وعكس ذلك دورات المياه والأماكن التي فيها النجاسات، إنما يكون دخوله فيها بعكس ذلك، هذا من اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلّم.
فالأمور إنما هي دقيقة ولا بد من مراعاة ذلك. (3/360)
صفحة 1347
النبي صلى الله عليه وسلّم من ناحية هو رسول، ورسالته صلى الله عليه وسلّم تعني أنه عليه أفضل الصلاة والسلام طبعه الله تبارك وتعالى بأحسن الطبائع وفطره بأحسن الفطر وزكاه تزكية، زكى ظاهره وباطنه وروحه وجسمه وعقله وقلبه ومشاعره وأحاسيسه، إلا أنه مع ذلك لا يخرج عن كونه بشرا يجرب هذه الحياة، يتعالج كما يتعالج غيره، يتداوى كما يتداوى الآخرون، فكل ذلك مما لا يعد خروجاً عن هدي النبي صلى الله عليه وسلّم.
لو تداوى أحد في وقتنا هذا بما لم يتداو به عليه أفضل الصلاة والسلام لم يعد ذلك خروجاً عن هديه صلى الله عليه وسلّم.
في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم ما كانت هنالك عملية جراحية تجرى للإنسان، وأحدثت هذه العمليات الجراحية وأقرها المسلمون، أقرها علماء الأمة من غير خلاف فيما بينهم.
كذلك بالنسبة إلى ما يحدث من العلاج كالعلاج بالليزر هذا مما يسوغ، بل هذا كله مما يدخل في عموم قول الله سبحانه وتعالى (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ) (الجاثية: من الآية13)، فإن كل ما يمكن أن ينتفع به مما هو في هذا الكون يسوغ للإنسان أن ينتفع به، فلا يعد شيء من ذلك خروجاً عن هديه عليه أفضل الصلاة والسلام.
السؤال (2) (3/361)
صفحة 1348
أنا شاب أبلغ من العمر واحداً وعشرين عاماً، كنت مهملاً في شئون ديني كثيراً، وكنت أستغفر الله تعالى عن هذا التهاون في صلاتي وفي أمور دينية أخرى، كنت أقضي معظم وقتي على الانترنت على المحادثات واختراق أجهزة الناس والتجسس عليهم إلى أن شاء القدر وساقني للتحدث مع فتاة عن طريق المحادثة الكتابية، فتاة طيبة الخلق متمسكة بدينها وعاقلة ورزينة، وكانت تنصحني يومياً بالصلاة وبأمور الدين، والحمد لله رب العالمين كانت الهداية من الله تعالى عن طريقها، فأصبحت أهتم بأمور ديني وباتت صلواتي جميعها في المسجد ومواظباً على قراءة القرآن وحفظه والأحاديث الشريفة ومدارسة مسائل الفقه وما شابه ذلك ومتابعة البرامج والمحاضرات الدينية، والفضل يعود لهذه الفتاة بعد الله سبحانه وتعالى والحمد لله.
ومع الوقت بدأت أعجب بها وقمت بالسؤال عنها وعن عائلتها واتضح لي بأنهم من عائلة محافظة جداً ونسبهم يشرف والحمد لله، ووجدتها الزوجة المناسبة ودعوت الله أن تكون شريكة حياتي في المستقبل على سنة الله ورسوله، حتى أصبح الاعجاب متبادلاً والحمد لله، لا زلنا نتحدث كتابياً ولكن لم نخالف الشرع في ما نكتب. ماذا يمكن أن تقول سماحة الشيخ.
الجواب:
نحن ذكرنا أكثر من مرة بأن دور المرأة في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى لا يقل عن دور الرجل عندما يوفقها الله وتستمسك بحبله المتين وتتبع نوره المبين وتسلك صراطه المستقيم، وهذا واضح في قول الله تعالى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة:71)، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي صفة المؤمنين والمؤمنات، لا يختص بها الرجل دون المرأة بدليل هذه الآية الكريمة. (3/362)
صفحة 1349
ومجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالنسبة إلى المرأة مجال واسع ولا سيما في هذا العصر، ومن جملة وسائله هذه الوسيلة التي هيأئها الله سبحانه وتعالى.
وهي مشكورة على هذا الجهد الطيب، وعلى هذا العمل الصالح، وعلى هذا التوجه السليم.
وإنما ندعوهما معاً إلى أن يتعجلا الارتباط فيما بينهما بحبل الزوجية، حتى لا تكون بينهما حواجز، وحتى يمكنهما أن يتعاونا على البر والتقوى، وأن لا يكون هنالك حرج في اتصال بعضهما ببعض، لأن اتصال الرجل بالمرأة مهما كان قد يفضي به إلى أمر خطير، نسأل الله تعالى لهما السلامة، وإلا قد يفضي الأمر إلى أن يهدما ما بنيا من قبل.
فلذلك نحن نحذرهما من الاستمرار في هذه العلاقة من غير أن يكون بينهما زواج.
أنا أعجب ما الذي يمنعها أن تتزوج من أول الأمر، وما الذي يمنعه؟
ما ينبغي لشاب وقد بلغ هذا العمر أن يتأخر عن الزواج وهو يجد سبيلاً إليه وقد وجد من هي في مخيلته شريكة حياته، كذلك بالنسبة إلى الفتاة أيضا لا ينبغي لها أن تتأخر عن ذلك، بل كل منهما ينبغي أن يبادر إلى هذا، فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه الصوم فإنه له وجاء.
فما داما قادرين على الزواج ما الذي يحول بينهما وبين هذا الزواج؟ ولماذا يؤخرانه من ساعة إلى أخرى ومن زمن إلى آخر.
إنما يجب – لا أقول ينبغي فحسب – بل يجب أن يسارعا إلى هذا الزواج ليقطعا على الشيطان الطريق، وليسدا عليه المنافذ حتى لا يستطيع أن يلج عليهما من أي باب من الأبواب، ومن أي نافذة من النوافذ، وبهذا يكونان قد أحرزا دينهما وضمنا حياتهما، ونسأل الله تبارك وتعالى لهما التوفيق.
السؤال (3)
ما حكم رسم الهيكل العظمي لإنسان أو حيوان لأغراض تعليمية.
الجواب: (3/363)
صفحة 1350
حقيقة الأمر الهيكل العظمي بنفسه ليست فيه صورة تمثل حياً، إنما هو هيكل لشيء داخل، لا تقوم به الحياة وحده، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى إذا كان ذلك لأسباب تعليمية بحيث إنه يتوقف تعليم الطب أو تهيئة لتعليم الطب على ذلك فهذا من الأمور التي ينبغي التسامح فيها.
السؤال (4)
ما حكم الفحص الطبي قبل الزواج، وهل يتنافى مع التوكل على الله؟
الجواب:
الفحص الطبي قبل الزواج مما يدخل في المصالح المرسلة، ولا سيما مع انتشار العدوى وكثرة البلوى ووجود الأمراض السلالية التي تتسلسل في الأعقاب.
ينبغي أن يكون هنالك فحص عندما يتصور أو عندما يخشى ويحذر أن يكون هذا المرض موجوداً في الزوجين أو موجوداً في أحد الزوجين مع إمكان الإضرار بالطرف الآخر، لا مانع من الفحص بل ذلك مما ينبغي، ولا ينافي ذلك التوكل على الله، فإن الأخذ بالأسباب مما لا ينافي التوكل على الله.
السؤال (5)
شخص أخذ كتاباً من شخص آخر وجعله وقفاً للمسجد فجاء هذا الشخص صاحب الكتاب يطالب الآن بكتابه؟
الجواب:
عليه أن يرد إليه كتابه، ولا تثبت الوقفية إن وقف الواقف شيئاً مما لا يملكه، فإن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: لا نذر فيما لا يملك ابن آدم. هذا مع أن الله تعالى وصف المؤمنين بأنهم يوفون بالنذر، لكن إن نذر ناذر بشيء لا يملكه فإنه يسقط عنه هذا النذر، ولا يجب عليه الوفاء به، بل ولا يجوز له أن يفي به، لأنه نذر بما لا يملك، وتصرف في مال غيره، ولا يجوز لأحد أن يتصرف في مال غيره.
ولئن كان هذا في النذر مع أن الوفاء بالنذر أمر واجب لأن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه. (3/364)
صفحة 1351
النذر الوفاء به واجب، ولكن مع ذلك عندما يكون بمال الغير لا يجب، بل ولا يجوز الوفاء به. فكيف إذا كان وقفاً، الوقف من أصله هو غير واجب، وإنما هو مرغب فيه عندما يكون الإنسان يقف ماله بنفسه في وجوه البر، لا يقف مال غيره، فإن الوقف صدقة جارية ولكن كيف يتصدق الإنسان بما لا يملك أو بما يملكه غيره، هذا من التصرف في مال الغير، والتصرف في مال الغير لا يجوز سواء كان أكلاً أو غير أكل.
الوعيد على أخذ أموال الناس وعيد شديد كما جاء في القرآن الكريم وفي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلّم، وإن عُبّر عنه في القرآن بالأكل فإن ذلك لا ينحصر في الأكل، بل أي تصرف في مال الغير سواءً كان إتلافاً أو كان اختلاساً إن كان عطاءً أو كان أي نوع من أنواع التصرف إنما هو محرم.
وكذلك أحاديث النبي صلى الله عليه وسلّم شددت في هذا كثيراً، فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: القليل من أموال الناس يورث النار. وهو عليه أفضل الصلاة والسلام يقول: ردوا الخيط والمخيط، وإياكم والغلول فإن عار على أهله يوم القيامة. وفي حديث آخر جاء عنه صلى الله عليه وسلّم أنه قال: لا يحل لأحد أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه. كل ذلك مما يدل على أن للأموال حرمات، ولا يجوز للإنسان أن يتعدى هذه الحرمات.
فكيف بهذا يتصرف في مال غيره، إن هذا تصرف أرعن، ولا يصدر إلا من أرعن، عليه أن يتقي الله، وأن يرد هذا الكتاب إلى صاحبه.
السؤال (6)
ما هي أفضل الأوقات لقيام الليل؟
الجواب:
الليل مإنة للقيام، كله قيامه خير فالله تعالى يقول (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) (الإسراء:79)، ولكن كلما تأخر القيام إلى آخر الليل كان أفضل، فإن كان بعد منتصف الليل فهو أفضل، وإن كان بعد مضي ثلثي الليل أي إن كان في الثلث الأخير من الليل فذلك أفضل وأفضل.
السؤال (7)
ما حكم الحجامة ومن يقوم بها؟
الجواب: (3/365)
صفحة 1352
الحجامة مما ثبت بالسنة القولية والفعلية عن النبي صلى الله عليه وسلّم، فقد احتجم وأرشد إلى الحجامة، ولكن لا بد من مراعاة أن تكون هذه الحجامة ممن يتقنها، وممن يعرف الدم الذي فيه ضرر بالجسم حتى يستخرجه، لا أن يخرج الدم الذي به قوام الجسم.
فإتقان الحجامة من ضرورات الاحتجام. أما إذا كان الإنسان لا يتقن الحجامة فليس له أن يحجم غيره، وليس لغيره أن يحتجم إليه أيضا.
السؤال (8)
ما معنى الأثر الوارد (من تطبب من غير أن يُعرف منه التطبب فهو ضامن)؟
الجواب:
لا ريب أنه ضامن، من تطبب بغير علم فهو ضامن، لأنه عرّض غيره للخطر، فقد يكون الطب عندما يكون من شخص لا يتقنه سبباً لهلاك أنفس، فقد يتسبب هذا الذي يتطبب بغير علم في إهلاك أنفس، وقد يتسبب في زيادة أمراض أنفس، لذلك كان من الضرورة بمكان أن يكون الطبيب متقناً، وأن لا يقدم على الطب إلا بعد الإتقان.
وفي كل شيء لم يتبين له الضرر من النفع عليه أن يتوقف عنه، فالمؤمن وقاف ولا سيما في مثل هذه الأحوال، فإن منافع الأبدان كمنافع الأديان، فالإنسان عليه أن يتصرف فيها عن علم وعن حكمة لا عن جهل وعن غباوة.
فقد يكون حتى من جرعة دواء عندما تكون هذه الجرعة غير مصادفة لداء قد تتحول إلى سم قد يكون قاتلاً أحياناً وقد يكون يزيد في الضرر، لذلك يجب على الإنسان أن لا يُقدم على العلاج إلا بعد المعرفة.
السؤال (9)
ما معنى قول الله تعالى (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران: من الآية173)؟
الجواب:
معنى (حسبنا الله ونعم الوكيل) كافينا الله تعالى، الحسب هنا بمعنى الكافي، بمعنى الحسيب وهو الكافي.
فالله تعالى حسيب بمعنى هو كاف لعباده.
أصل حسب بمعنى الكفاية، ولكن استعمل بمعنى الحسيب، فالله تبارك وتعالى فهو كافينا.
وهو نعم الوكيل لأن من وكل إليه أمره كان كافياً له. (3/366)
صفحة 1353
وهذه كلمة قالها المؤمنون في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم عندما حاول المشركون أن يرجفوا بهم وأن يزيدوهم خوفاً ورعباً بعدما حدث مما حدث في غزوة أحد، فأشاعوا عنهم أنهم أعدوا العدة المرعبة لمواجهة المسلمين، فقال المسلمون متوكلين على الله (حسبنا الله ونعم الوكيل)، وذهبوا إلى حمراء الأسد كما تواعدوا مع المشركين وأيدهم الله سبحانه وتعالى ونصرهم وألقى الرعب في قلوب أعداءه، الله تعالى يقول (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران:173 - 175).
فهكذا كان شأن أولئك، وهكذا من يتوكل على الله ويستمسك بحبله ويأوي إلى ركنه فالله تعالى يحميه ويعيذه من كل شر.
السؤال (10)
هل الاتصال عن طريق الهاتف يغني عن زيارة الأرحام خاصة في شهر رمضان المبارك؟
الجواب:
زيارة الأرحام من الأمور التي تعد في مقدمة الصلة، لأن الصلة إما أن تكون زيارة مع وصلهم بالهدايا والعطايا، وإما أن تكون الصلة بمجرد إرسال الهدايا إليهم، وإما أن تكون الصلة بإرسال رسائل إليهم، وإما أن تكون الصلة بإبلاغهم السلام، هذه هي الصلة الضعيفة، أقل الصلات أن يرسل الإنسان سلاماً عند من يلتقي بأرحامه، هذه أضعف الصلات، ولكن مع ذلك هي صلة.
ولا ريب أن المراسلة والمكالمة عبر الهاتف تعد صلة، فهي من جملة السؤال عن الأحوال والاطمئنان وإدخال الأنس في قلوب الأقربين وإدخال الأنس في قلب المحبين. (3/367)
صفحة 1354
فينبغي للإنسان أن لا يفرط في ذلك ويؤجر على ذلك إن شاء الله، ولكن إن تمكن من وصلهم بنفسه فذلك أفضل، وإن لم يتمكن فلا حرج عليه إن اقتصر على مكالمتهم عبر الهاتف.
السؤال (11)
هل يجوز حرق القرآن المبعثر على الأرض على شكل أوراق، وإذا لم يجز فما هي أفضل طريقة للتخلص من أوراق المصحف المبعثرة إذا لم يستطع صاحبها الاحتفاظ وخشي عليها من الضياع، وما عقاب من قام بحرق القرآن الكريم؟
الجواب:
حقيقة الأمر القرآن الكريم لا ريب أن له حرمات ولذلك اختار كثير من العلماء أن يكون التخلص من التبعية أو من المسئولية عن المحافظة على القرآن الكريم عندما تتعذر هذه المحافظة قالوا بأنه ينبغي أن تكون إما بإلقاء هذه الأوراق المبعثرة المقطعة في آبار مهجورة بعد وضعها في أكياس لأجل صونها، وإما أن تدفن على أسس مساجد أي أسس أماكن معظمة مقدسة، وإما أن تلقى في البحر، وإما أن تدفن في أماكن بعيدة في الصحاري بحيث تكون بعيدة عن وضع الأقدام، ولكن إن تعذر ذلك كله فلا مانع من الإحراق، وقد وقع الإحراق في عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وإن كان من الناس من أنكر ذلك، وقع ذلك في أيام الخليفة الثالث عثمان بن عفان عندما أراد أن يتخلص من المصاحف التي أراد أن لا تتشعب القراءات بها، وأن يجتمع الناس على مصحف واحد حتى لا يقول بعض الناس قراءتي خير من قراءتك، تخلص من هذه المصاحف بإحراقها وأيده في ذلك الكثير، ولا نرى حرجاً في الأخذ بذلك مع الضرورة.
السؤال (12)
ما يوجد الآن في المكاتب من آلات تمزيق وتقطيع الأوراق هل يغني ذلك عن الحرق والدفن؟
الجواب:
مهما قطعت هذه الأوراق ما دامت هي أوراق مصاحف تبقى لها حرماتها، لا يكفي أن تقطّع وترمى في الأماكن التي يمكن أن تدوسها فيها الأقدام وأن تنتهك فيها حرماتها، وإنما عندما تُقطّع إن رأوا أن يلقوها في آبار مهجورة فذلك خير أو يدفنوها تحت أسس مساجد مثلاً أو نحو هذا.
السؤال (13) (3/368)
صفحة 1355
امرأة قصّر زوجها في النفقة عليها ولديها أولاد منه، وفي يوم احتاجت لبعض المال ورفض أن يعطيها، ومرت ثلاثة أشهر وهي بلا نفقة فقالت له: إذاً اضطر إلى الذهاب إلى بيت أهلي. فقال لها: إذا ذهبت إلى بيت أهلك تكونين طالقة بالثلاث. فاشتدت بها الحاجة للذهاب إلى بيت أهلها لجلب بعض الأغراض اللازمة، وقبل الذهاب اتصلت به في العمل وفاتحته في نفس الموضوع، فقال لها: الكلام واحد ولن أتراجع عنه. فذهبت. فما الحكم في هذه المسألة؟
الجواب:
أعوذ بالله من هذا التصرف الأرعن، ومن هذه القلوب القاسية، ومن هذا المزاج المنحرف.
الرجل عليه أن يتقي الله تعالى في أهله، وأن يحسن معاملة أهله، (فخيركم خيركم لأهله) كما يقول النبي صلى الله عليه وسلّم، ويقول (وأنا خيركم لأهلي)، أي هو عليه أفضل الصلاة والسلام أحسن الناس في معاملة أهله.
فما كان للذي يريد أن يكون على هدي الرسول صلى الله عليه وسلّم أن يعامل أهله هذه المعاملة القاسية مع أن المرأة لها حقوق على الرجل (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف) (البقرة: من الآية228)، (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) (النساء: من الآية19).
لا يجوز للرجل أن يهضم المرأة حقها، لا يجوز أن يقتر عليها في النفقة حتى يضايقها ويلجئها إلى أن تسلك مسالك.
ثم مع ذلك لا يجوز أن يجعلها عرضة للطلاق بمثل هذه الكلمات الحمقاء وهذا التصرف الأرعن، عليه أن يتقي الله تبارك وتعالى في ذلك كله، وأن يحافظ على حرمات أهله.
ولا ريب أن تعليق الطلاق يؤدي إلى وقوع الطلاق عندما يقع المعلق عليه.
فالطلاق المعلق كالطلاق المنجز يقع بوقوع المعلق عليه، فإن علقه على أمر ما ففعلته فإنها في هذه الحالة تطلق كما قال. (3/369)
صفحة 1356
إن علق على فعل ذلك الشيء طلاقاً واحداً فهي طلقة واحدة، وإن علق عليه ثلاث طلقات فهي ثلاث طلقات، كما أن الطلاق المنجز يقع كذلك.
ولا يلومن إلا نفسه فإن هذا التصرف الأرعن هو الذي أدى إلى ذلك، هذا إن كان أطلق القول ولم يقيده بلفظ يدل على التقييد، ولم يقيده بقصد.
أما كان قيد ذلك في قرارة نفسه بأن يكون قاصداً لو سارت في تلكم الساعة أو في ذلك الوقت الذي هاجت فيه العواطف إلى أهلها فإنها تطلق ثلاثاً، فلا تطلق إن سارت بعد ذلك بعدما سكنت عاطفته.
أو كان قصده بذلك إن سارت بغير إذنه ثم أذن لها في المسير.
أما إذا كان لم يكن له قصد فإنها تطلق كما قال، ولا ينظر إلى أي شيء آخر إن لم يكن هنالك تقييد لفظي ولا تقييد قلبي، والله تعالى أعلم.
السؤال (14)
هل كونها حائض في ذلك الوقت له أثر في وقوع الطلاق أو عدمه؟
الجواب:
نحن نرى أن طلاق الحائض واقع، وهذا الذي عوّل عليه جمهور الأمور ودرج عليه السلف، حتى أن منهم من حكى الاتفاق عليه، درجوا على أن الطلاق واقع، ويدل على ذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، إذ جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فقال له: يا رسول الله إن عبدالله طلق امرأته وهي حائض. فقال له: مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإن شاء أمسك وإن شاء طلق فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء.
لو كان الطلاق غير واقع لقال له مره فليراجعها وكفى. فلماذا حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر. بحيث لم يبح له أن يطلقها بعد طهرها من تلك الحيضة، وإنما لا بد من أن يمسكها طهراً آخر، إلى أن تحيض مرة أخرى ثم تطهر، إنما ذلك لئلا تكون هذه المراجعة من أجل الطلاق، وإنما تكون هذه المراجعة من أجل إمساكها في وقت يتمكن فيه من الاستمتاع بها، ما كان يدعوه إلى أن يمسكها حتى تحيض حيضة أخرى ثم بعدما تطهر من تلك الحيضة يطلقها، ما كان الداعي إلى ذلك لو كان هذا الطلاق غير واقع.
السؤال (15) (3/370)
صفحة 1357
ما معنى قول الله تعالى عن الصلاة (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ) (البقرة: من الآية45)؟
الجواب:
نعم الصلاة كبيرة أي شاقة إلا على الخاشعين، فإن الخاشعين هم الذين يلتذون في صلاتهم وينعمون بمناجاتهم لربهم، ويحسون بعظم الموقف الذي يقفونه، فيجدون فيه من المتعة بجانب ما يجدونه من الخشية وما يجدونه من الخوف من الله تبارك وتعالى، لكنهم يجدون في ذلك متعة لأنهم يتلذذون بمناجاة الله تبارك وتعالى.
أما الذين هم غير خاشعين بحيث تكون ألبابهم مشغولة عندما يقبلون على صلاتهم بحيث يكون هذا الاقبال بالجسد وحده لا بالروح والعقل والقلب فإنهم لا يجدون هذه اللذة ولذلك تشق عليهم الصلاة، تكون كبيرة عليهم أي شاقة عليهم إذ لا يجدون فيها المتعة التي يجدها الخاشعون فيها.
السؤال (16)
رجل أوصى لفقراء الأقربين، فمن هم الأقربون؟
الجواب:
حقيقة الأمر الناس كثير ما يقعون في خطأ عجيب عندما يظنون بأن هذا الحق للفقراء ويقيدون هذه الوصية بالفقراء دون غيرهم مع أن هذه الوصية لا يراد بها إعطاء الفقراء فقط وإنما هي صلة لجميع الأقربين سواءً كانوا أغنياء أو فقراء، ولو كان منهم من هو أغنى الأغنياء فإن هذه الوصية حق له لأن الله تبارك وتعالى يقول (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) (البقرة:180).
نعم، (كتب عليكم) كتب بمعنى فرض، وقال (حقا) أي حق ذلك حقا أي صار واجباً من الحقوق الواجبة. وقوله (على المتقين) لا يعني ذلك أنه يسوغ لأحد أن يترك ذلك باعتباره من غير المتقين فإنه يجب على كل أحد أن يكون من المتقين. وقوله (حقاً على المتقين) إنما هو لأجل إلهاب الحماس لامتثال هذا الأمر والاستجابة لهذا الداعي.
فلذلك كان من الواجب على الإنسان عندما يحضره الموت أن يوصي لأقربيه الذين لا يرثونه. (3/371)
صفحة 1358
هذه الوصية بطبيعة الحال شرعت لأجل الصلة.
والوالدان هنا من الناس من قال بأن حقهما نسخ بما فُرض من حقهما في الإرث، ولأن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: لا وصية لوارث. وانعقد الاجماع على الأخذ بذلك الحديث. فالحديث مجمع عليه ولا يسوغ الخلاف فيه.
ومنهم من قال بأن المراد بالوالدين هنا الوالدان غير الوارثين، وهما الوالدان اللذان هما على غير ملة الإسلام، إذ لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم، لا يرث أحدهما الآخر. فكونهما على ملة الكفر لا يمنع أن يصلهما بعد مماته كما لا يمنع ذلك أن يصلهما في حياته، بل حقهما واجب في حياته وبعد مماته، وهذا قول قاله بعض المحققين وهو من القوة بمكان، فإن هذا القول يقتضي من أن يكون هذا باب العام الذي أريد به الخاص أو باب به المطلق الذي أريد به المقيد فلا بد من الأخذ بهذا الاعتبار، لا بد من هذا القيد حتى لا يكون هنالك تصادم ما بين هذه الآية الكريمة وبين الحديث الشريف الذي يقول (لا وصية لوراث)، والحديث أيضاً دل عليه القرآن الكريم فإن الله سبحانه وتعالى قسّم المواريث بين عباده بعدله لم يكلها إلى نبي مرسل ولا إلى ملك مقرب ثم أتبع ذلك قوله (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) (النساء:13 - 14)، فهذا يدل على أنه لا يجوز للإنسان أن يتصرف في أمر المواريث بغير ما شرع الله سبحانه وتعالى لأن ذلك يعتبر من تعدي حدود الله، (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) كأنما هي بنفسها حدود الله لأجل المبالغة في التشديد فيها بحيث لا يجوز للإنسان أن يخرج فيها عما شرعه الله تبارك وتعالى من حكم. (3/372)
صفحة 1359
فيجمع ما بين هذا وذاك وتعتبر هذه كلها قرائن تدل على أن الوالدين المقصودين هنا هما الوالدان اللذان لا يرثان لشركهما، وكذلك إن كانا رقيقين يمكن أن يوصي لهما بل يؤمر أن يوصي لهما بحيث لو عتقا مثلاً يكونان حقيقين بهذا الذي أوصى لهما به من صلة بعد موته، هكذا يتبين من معنى الآية الكريمة.
والمقصود بالأقربين كل من هو قريب ولا يرث، واختلف العلماء إلى أي جد يكون ذلك سواء من قبل الأب أو من قبل الأم، منهم من قال الأقربون هم الذين يلتقون بهم من ثلاثة جدود فنازلاً، ومنهم من قال من يلتقي بهم من خمسة جدود، ومنهم من قال من يلتقي بهم إلى سبعة، ومنهم من قال ما لم يفصل الشرك ما دام النسب معروفا، والله تعالى أعلم.
السؤال (17)
ما حكم من كان يستعمل أدوات ثم يبيعها بحجة أنه لا يظهر عليها أثر الاستعمال؟
الجواب:
هو غاش لهؤلاء الذين باعهم هذه الأدوات، والغش يتنافى مع الإيمان فإن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: من غشنا فليس منا.
فعلى هذا الإنسان أن يتقي الله، وأن يتخلص إلى هؤلاء بأن يدفع إليهم القيمة التي تفرق ما بين أصل ذلك المبيع لو بيع كما هو من غير أن يستعمله وبين ثمنه بعد الاستعمال، لا بد من أن يدفع إليهم ذلك.
وإن لم يجدهم بحيث كانوا موتى فيدفع ذلك إلى ورثتهم، وإن تعذر عليه ذلك فيوصي لهم، وإن لم يمكن أن يعرفهم بحيث صاروا مجهولين وتعذر الوصول إليهم وتعذرت معرفتهم فهو مال مجهول الأرباب، وما جهل أربابه فالتخلص منه بأدائه إلى فقراء المسلمين.
تمت الحلقة بعون الله تعالى وتوفيقه (3/373)
صفحة 1360
حول الحلقات
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمد ونستعينه ونشكره ولا نكفره، و نعادي من يكفره، و نشهد أن سيدنا و نبينا محمداً عبده و رسوله صلى الله عليه وسلم. وبعد فهذه ست وثمانون حلقة من حلقات " والتي أجاب عليها سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتى عام السلطنة - حفظه الله تعالى - و أبقاه ذخراً لأمتنا الإسلامية قاطبة. نسأل الله العلي القدير أن ينفع بهذا العمل الإسلام والمسلمين و أن يجعله في صالح أعمالنا وان يكون خالصاُ لوجهه الكريم انه سميع مجيب
و صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ...
مع تحيات
ناصر بن زاهر العبري و موسى بن علي العبري
نفعنا الله بما علمنا (3/374)