صفحة 1
الكتاب: فتاوى الإمام الشيخ بيوض
ترتيب وتقديم وتخريج: بكير بن محمد الشيخ بالحاج أستاذ بمعهد الحياة بالقرارة - ولاية غرداية
الجزء: الأول
الناشر: [د. ن]
طبع: المطبعة العربية
تاريخ النشر: 1988
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) فتاوى الإمام الشيخ بيوض
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] (1/23)
صفحة 2
حقوق الطبع محفوظة (1/24)
صفحة 3
فتاوى الإمام الشيخ بيوض
الجزء الأول
ترتيب وتقديم وتخريج
بكير محمد الشيخ بالحاج
أستاذ بمعهد الحياة بالقرارة ـ ولاية غرداية (1/25)
صفحة 4
[صفحة بيضاء] (1/26)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين، ونصلي ونسلم على نبيه الكريم، محمد الهادي الأمين، وعلى آله وصحابته الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد، فيقول الله عز وجل في كتابه الكريم {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}
فإذا كان جهاد المشركين فرضا على المؤمنين فإن محاربة الجهل آكد عليهم وأوجب، لاسيما الجهل بالدين، وحري بكل مسلم حريص على سعادته في الدنيا والآخرة أن يتفقه في دينه وأن لا يألو في سبيل ذلك جهدا، وإن لم يستطع فواجب عليه أن لا يأتي أمرا إلا وهو على بصيرة من أمره وذلك بسؤال من أوجب الله سؤالهم، قال الله عز وجل {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}
هذا وممن أخذوا من فقه الدين بحظ وافر ونصيب كبير، فكانوا مرجع الناس في الفتوى وقبلتهم في حل معضلاتهم فقيد العربية والإسلام الشيخ الإمام إبراهيم بن عمر بيوض ـ رحمه الله ـ (1/27)
صفحة 6
إن ترجمتي هذه التي أضعها بين يدي القارئ الكريم والتي أقدم بها لمجموعة فتاوى شيخنا، ترجمة موجزة لا أقصد بها أن أحيط بتفاصيل حياته الحافلة بجليل الأعمال أو أن أتقصى بها كل جوانب شخصيته الفذة ... فإنه البحر الذي لا ساحل له والطود المنيف الذي يصعب مرتقاه، ولا يفي بذلك إلا كتاب مستقل وربما استغرق إعداده زمنا، وغرضي الآن التعجيل بإخراج فتاواه إلى الناس باكورة يقتطفها من هفت أنفسهم إلى الإطلاع على تراثه القيم.
ولد في 12 ذي الحجة 1318هـ، 22 أفريل 1899، وأنجبته عائلة كريمة عريقة في الفضل والصلاح من مدينة القرارة ولاية غرداية.
عاش في بيئة طبيعية اجتماعية طبعته بالنبل والعقل الراجح وحب العلم والصلاح فكان من طلائع العلماء الذين هيؤوا لأممهم أسباب عزتها وكرامتها بما بذلوه من جهد في نشر الوعي الديني والوطني وبما رفعوا من ألوية للإسلام واللغة العربية، فأيقظوا الشعوب واستنهضوا هممها للسير في طريق العزة والكرامة.
دراسته:
لما بلغ السادسة من عمره أدخله والده كتاب تحفيظ القرآن الكريم وتعليم مبادئ اللغة العربية عند المرحوم الفقيه محمد بن يوسف العطفاوي. (1/28)
صفحة 7
انتقل بعد ثلاث سنوات إلى معهد الشيخ الحاج إبراهيم بن عيسى لبريكي الذي كان ذا شخصية فذة وخلق كريم ولسان عربي فصيح مما حبب إليه طلبته وجعله قدوتهم فتعلقوا به وغمرهم بروحه العالية وانتفعوا بعلومه وتربيته وكان شيخنا إبراهيم بيوض أبرز الطلبة وأحبهم إلى معلمهم لما حباه الله من مواهب ممتازة وشمائل طيبة، فأعجب بمعهده أيما إعجاب وعمر أوقاته نشاطا وكذا في التحصيل وسرعان ما ظهر نبوغه وتفوقه على الأقران.
كان بعد حفظ حصته من القرآن الكريم يجلس وراء الحلقة التي لا يسمح بالجلوس فيها إلا لحملة القرآن فيصغي بانتباه إلى كل ما ييلقى إلى الطلبة من دروس وهو من أصغرهم سنا ولكنه كان لا يفلت عن فهمه ولا عن حافظته حديث نبوي شريف ولا مسألة فقهية ولا قاعدة نحوية ولا شاهد من شواهدها، يعي كل ذلك وعيا تاما، وكان شيخه حينما يشاهده وهو يزاحم طلبة الحلقة يشجعه ويقول له، زاحمهم بركبتيك، يا بني.
أتم حفظ القرآن الكريم واستظهره عن ظهر قلب وهو يناهز الحادية عشرة من السنين فانخرط في الحلقة وأقبل على الدروس يعب منها عبا.
تلقى على شيخه دروسا في العربية وأصول العقيدة والفرائض وسيرة الرسول (ص) وتاريخ الخلفاء الراشدين وفتوح الشام والعراق ومصر وإفريقيا. (1/29)
صفحة 8
بعد وفاة الشيخ لبريكي عام 1329هـ/1911م تولى التدريس في المعهد الشيخ عبد اللله بن إبراهيم أبو العلا، تتلمذ عليه الشيخ بيوض نحوا من سنتين وانتقل سنة 1913م إلى معهد الشيخ الحاج عمر بن يحي المليكي.
كان نظام هذا المعهد وسابقه واحدا تقريبا في المناهج فدرس عليه نحوا من سنتين ازدادت قدمه خلالها رسوخا في العلوم الشرعية والعربية، وما لبث أن رشحه للتدريس فعمل معه نحوا من خمس سنين إلى أن توفاه الله في سنة 1921م
ولكن الشيخ بيوض بقي يدرس في معهد شيخه نحو من أربع سنين بعدها إلى دار وقفها أبوه للتعليم.
تأسيس معهد الحياة:
كانت هذه الدار نواة لمعهد الجياة الذي تأسس بافتتاح الدروس فيها في يوم الجمعة 28 شوال عام 1343هـ، 21 ماي 1925م.
سار الشيخ بيوض بمعهده سيرا حثيثا في مضمار الرقي والازدهار وذاع صيته فازداد إقبال وفود الطلبة عليه من قرى وادي ميزاب وغيرها من القطر الجزائري وخارجه فتخرج على يديه أجيال من الرجال المثقفين المستنيرين الذين انبثوا في البلاد فكانوا حيثما حلوا نجوما ساطعة تشع بنور العلم والصلاح وبذور طيبة مباركة في شتى الميادين. (1/30)
صفحة 9
درّس في الحديث النبوي مسند الربيع بن حبيب بحاشية أبي ستة ثم صحيح البخاري بشرح فتح الباري لابن حجر في غضون خمس عشرة سنة، أقيم بمناسبة اختتامه حفل مشهود بتاريخ يوم الاثنين 22 ربيع الأول 1365هـ، 25 فيفري 1946م.
ودرّس في التفسير كتاب الشيخ البيضاوي ثم تفسير المنار فختمه ثم فسر جزء عم وواصل درس التفسير من حيث انتهى كتاب المنار مستعينا بتفاسير مشايخ الحاج أمحمد اطفيش والرازي والقرطبي والألوسي وغيرهم.
بدأ التفسير سنة 1934م، وختمه في يوم 25 ربيع الثاني 1400هـ، 12 فيفري 1980م، وأقفيم بمناسبة الختم مهرجان كبير حضرته وفود كثيرة من جهات شتى من القطر الجزائري.
درّس إلى جانب الحديث والتفسير أصول الدين وأصول الحديث وأصول الفقه كما درس البمنطق والنحو والصرف والبلاغة والأدب.
اتخذ من دروس التفسير والوعظ بالمسجد ومن التعليم ومن خطبه القيمة وتوجيهاته الحكيمة حيثما وجد وأينما حل وارتحل لنشر تعاليم الدين الإسلامي في المجتمع وطبعه بفضائل الأخلاق والعقيدة الإسلامية الراسخة وتعميق أسس شخصيته العربية المسلمة. (1/31)
صفحة 10
بين يدي الفتاوى
إن هذه مجموعة من الفتاوى ليست ثروة فقهية فقط ولكنها أيضا مجموعة مهمة من الآداب والتوجيهات التي يحتاجها من يبتلى مسؤولية الإفتاء للناس فعلى مثله لم يتثبت في فهم السؤال الموجه إليه ويتعمق فيه، ف‘ن لم يتضح له السؤال فلا يجرؤ على الفتوى ولا يستنكف عن قوله: لم افهم السؤال. وكثيرا ما صرح أستاذنا بذلك، وقد يضع السائل لفظة في غير موضعها لجهله باللغة فيصحح الشيخ السؤال وينبه السائل إلى ذلك ثم يفتيه على نحو ما تراءى له من عبارة السائل، وأحيانا يعيد صياغة السؤال بتعبيره هو ـ وهذا كثير ـ رغبة منه أن يكون الجواب منضبطا منبنيا على سؤال واضح محدد، وتترة يمتنع من الإجابة ويطلب من السائل إعادة الكتابة إليه بعد أن يستوضحه عن جوانب من مسألته أو مشكلته، كما يرشده إذا لم يتيسر له الاتصال المباشر ليفصح عن المراد ويبين المشكل فضل بيان.
وربما احتاج إلى أخذ رأي أهل الاختصاص من أطباء وخبراء في مجال المصارف المالية (البنوك) وغيرهم فلا يتردد عن مراجعتهم واستشارتهم قبل استصدار فتواه. (1/32)
صفحة 11
ومن خلال هذه الفاوى تدرك مدى فهم الشيخ لروح التشريع الإسلامي وصلاحيته بكل زمان فلم يكن يكتفي بحفظ النصوص الفقهية ـ وذلك شأن المقلدين ـ ولكنه تجاوزه إلى مناقشة فتاوى العلماء من قبله وترجيح بعضها على بعض، إلى إصدار فتوى في قضايا العصر مما جد في حياة الناس لأن المجتهد كما قيل لا يجتهد في فراغ بل في وقائع تنزل بالأفراد والمجتمعات ولابد من مراعاة القواعد الكلية والمقاصد الشرعية التي جاء الدين لتحقيقها، وهو مع ذلك ذو ثقافة عصرية جعلته يتفهم عصره ويسبر غوره ويواكب تطوره، ولذلك برزت أغلب فتاواه حللا من الفن البديع وقطعا من الأدب الرفيع تنسيك وأنت تقرأ واحدة منها أنك تطالع فتوى فقهية شرعية، وهو مع هذا لا يجري وراء الخيال ولكنه الوصف الأمين للواقع والتصور الدقيق للحياة. (1/33)
صفحة 12
ويشجع آخر على نهوضه من كبوة أتت على كل ماله ويثني عليه خيرا ويتمنى له الربح الوفير ويوحي إليه أن ما أتاه من عمارة دكانه معتمدا على قروض اقترضها إنما هو من خلق المؤمن الذي يرضى بالقضاء ولا يثني عزمه ما يصيبه من البلاء.
ومما ياسر قلبك ويملأ نفسك إعجابا بالشيخ روحه العالية التي تنأى به عن التعصب والنزعة الذاتية في أحكامه مهما انت هوية السائل له في إجابته هدف ولا رجاء إلا أن يكون في جوابه قد أصاب كبد الصواب كما يختم بهذه العبارة غالب فتاواه، ولا فرق في نظره بين موافق ومخالف في المذهب والمشرب، كما لا تأخذه في قول الحق رأفة ولا يخاف فيه لومة لائم، ولا قرابة قريب ولا مودة حبيب.
هذا وقد تعمدت عنه كتابة أسئلة الفتاوى عدم ذكر أسناء أصحابها خشية أن أحرج أحدا ولكن من الاطلاع على الرسائل الموجهة من الشيخ إلى أصحابها مفتيا إياهم ومجيبا لهم يتضح جليا أنه كان قبلة المستفتين من عدة أنحاء القطر وخارجه، ومن الموافق وغيره، من العالم الجليل ومن المثقف والعامي، ممن يطلب الفتوى وكفى وممن يشترطها مدعمة بالأدلة المقنعة ...
وهذا هو سر التفاوت بين الفتاوى طولا وقصرا، تركيزا وتبسيطا وبين الفتوى المؤيدة بالدليل وغيرها. (1/34)
صفحة 13
ولهذا السبب أيضا أثبت كل الفتاوى التي تجمعت لدي ولو تشابهت، غير أنك واحد في كل منها غالبا ما لا تجده في غيرها ففي كل منها زيادة إفادة. ومن أبرز الأسئلة التي تكررت كثيرا وتعددت أجوبتها تلك التي لها علاقة باستعمال حبوب منع الحمل وتنظيم النسل، أو التي يطلب أصحابها إرشادهم إلى كيفية التنصل مما جنت أيديهم من آثام وارتكبوا من ذنوب.
هذا وربما لاحظ القارئ الكريم شيئا من الاختلاف في بعض الفتاوى مما يوجبه تباعد ما بين القديم والجديد ولكن السبب الداعي لذلك تغير الظروف والأحوال.
وأخيرا ننبه القارئ الكريم إلى أن ما جمعناه في هذا الكتاب من الفتاوى هو ما كان عند الشيخ مما استبقى أصله وبعث بنسخة منه إلى السائل. وهذا ما لم يفعله إلا في أواسط الخمسينيات من هذا القرن وأما ما كان قبلها فقد ضاع أغلبه.
وهناك فتاوى مسجلة ضمن دروسه المتعددة في مناسبات شهور رمضان ومواسم الأعياد وفي دروس التفسير التي امتدت قرابة ستين سنة.
ونرجو ممن اطلع على ملاحظة أو خطإ أن يتفضل بالكتابة إلينا وينظر إلى عملنا المتواضع بعين الإنصاف والله ولي التوفيق، والحمد لله رب العالمين.
بكير بن محمد الشيخ بالحاج (1/35)
صفحة 14
[صفحة بيضاء] (1/36)
صفحة 15
أصول الدين (1/37)
صفحة 16
[صفحة بيضاء] (1/38)
صفحة 17
العدل الإلهي وخلق القرآن
سؤال: هل تبلورت فلسفة خاصة للإباضية في الإرادة الإنسانية والعدل الإلهي وخلق القرآن قبل ظهور المعتزلة والأشاعرة؟ وإذا كان ذلك فهل تعتبر الإباضية أستاذة الفرق الإسلامية في تأصيل قضايا العقيدة؟
الجواب: إن هذا ينبني على معرفة تاريخ غمام المذهب ولادة ووفاة، وإمام الإباضية بإجماع الإباضية وإجماع سائر الفرق الإسلامية هو جابر بن زيد، وكانت ولادته سنة ثماني عشرة للهجرة، وقيل لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب أي في سنة إحدى وعشرين للهجرة، أما وفاته فقيل كانت سنة ثلاث وتسعين وقيل سنة مائة وثلاث في خلافة يزيد بن عبد الملك، وشهر أن موته كان في جمعة واحدة مع موت أنس بن مالك سنة ست وتسعين وأرك مئات من الصحابة، منهم سبعوون بدريا، وقد روي عنه قال: لقيت سبعين رجلا من أهل بدر فحويت ما عندهم من العلم ما عدا ابن عباس فإني لم أحو ما عنده كله لأنه البحر. (شرح عقيدة التوحيد، طبع الجزائر صفحة 133)
وقال فيه الشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي في كتاب {السيير} ـ ص 70 طبع القاهرة ـ (جابر ابن زيد الأزدي رحمه الله بحر العلم وسراج الدين، أصل المذهب وأسه الذي قامة عليه آطامه، صاحب ابن عباس (1/39)
صفحة 18
رضي الله عنه وكان اشهر من صحبهن وقرأ عليه، وكان صديقا للحسن البصري، المتوفى سنة 109 للهجرة، وقال في صفحة 72: ودخل ثابت البناني على جابر بن زيد حين احتضر فقال: هل تشتهي شيئا فقال: إني لأشتهي أن ألقى الحسن البصري قبل أن أموت، فخرج ثابت فأعلمه بقول جابر وكان مستخفيا من الحجاج فركب بغلة ثابت على السرج وركب خلفه ثابت بطيلسانه فلما دخل على أبي الشعثاء وهو مضطجع انكب الحسن عليه وهو يقول: قل لا إله إلا الله فرفع جابر عينيه وهو يقول: أعوذ بالله من غدو ورواح إلى النتر فقال له: قل لا إله إلا الله فقال: أعوذ بالله من غدو ورواح إلى النار ثم قال: يا أبا سعيد {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا} (1) فقال الحسن: هذا والله الفقيه العالم ثم قال: يا ابا سعيد أخبرني عن حديث ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {إن المؤمن إذا حضرته الوفاة وجد على كبده برد} (2) فقال جابر: الله أكبر، اللهم غني أجد بردا على كبدي، ثم قبض رحمة الله عليه.
وكان الأصل أن ينسب المذهب الإباضي إلى جابر فيقال المذهب الجابري لكنه اشتهر يومئذ بلقب
__________
(1) - الآية 158 من سورة الأنعام
(2) - لم أجد هذا الحديث (1/40)
صفحة 19
الإباضي، والإباضية نسبة إلى عبد الله بن إباض الذي ذاع صيته واشتهر بمناظراته مع الخوارج وغيرهم كم الفرق وبقيادته لأتباعه في حروب التحرير، قال فيه صاحب ـ السير ـ ص 77: عبد الله بن إباض المري التميمي إمام أهل التحقيق والعمدة عند شغب أولي التفريق سلك بأصحابه محجة العدل وفارق سبل الضلالة والجهل، وكان رحمه الله على ما حفظت ممن خرج إلى مكة لمنع حرم رسول الله من مسلم عامل يزيد الملقب بمسرف، وكان كثيرا ما يبدي النصائح لعبد الملك بن مروان، وفي حفظي أنه يصدر في أمره عن رأي جابر بن زيد وله مناظرات مع الخوارج وغيره.
قال الشيخ اطفيش في رسالته "وإن لم تعرف الإباضية" مطبوعة بالقاهرة ص 25: وكانت الصفرية والنجدية والأزارقة واصحابنا يسمون كلهم بالإباضية ولما قالت الصفرية والنجدية والأزارقة بتحليل الدماء والأموال بالمعصية تبرّأ منهم أصحابنا وخرجا عنهم والحديث الوارد في الخوارج إنما في هؤلاء لأن في آخر الحديث أنهم يستحلون الدماء والأموال بالمعصية ونحن لا نستحلها بالمعصية.
وقال الشيخ السالمي في حواشيه على هذه الرسالة تعليقا على قوله: " يسمون كلهم إباضية" الظاهر أن تسمية بذلك حادثة بعد خروج الأزارقة والصفرية كما يعرف ذلك بالوقوف على سبب الافتراق، والاسم الشامل لهم قبل (1/41)
صفحة 20
الافتراق "المحكمة" سموا بذلك لقولهم "لا حكم إلا لله" وصار هذا القول شعارا لهم لعلمهم أنه لا يقول هذه المقالة إلا أهل طريقتهم المرضية، ثم لما كثر بذل نفوسهم في رضا ربهم وكانوا يخرجون للجهاد طوائف سموا "خوارج" وهو جمع خارجة، وهي الطائفة التي تخرج في سبيل الله أخذا من قوله تعالى {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله} (1) فهذا أصل تسميتهم بالخوارج وهي تسمية محمودة وسبب مشكور، ولهذا كان يفتخر به إبراهيم بن قيس في أشعاره. ولما فارقنا الأزارقة والصفرية أخذوا عنا اسم الخوارج فتركناه لهم وعرفوا به فانقلب المدح ذما، واختصصنا باسم أهل الاستقامة وهو الشهير في عبارات الشيخ ابي سعيد الكدمي رضي الله عنه وسمانا المخالفون بالإباضية فرضينا به إذ لم يكن فيه شيء من النقص واشتهر هذا الاسم عند الناس، فهذه أصل تسميتنا.
وقال الشيخ اطفيش في شرح التوحيد صفحة 125: كانت الإباضية والصفرية حزبا واحدا ولما ظهر من الصفرية القول بأن كل ذنب او كل كبيرة شرك تبرأ منهم الإباضية بأصنافها واعتزلوا عنهم.
وقال في صفحة 126: وكان أصحابنا والأزارقة جندا واحدا ولما ظهر منهم القول بإباحة الدم والمال بالذنب فارقهم أصحابنا كابن وهب عبد الله.
__________
(1) - الآية 100 من سورة النساء (1/42)
صفحة 21
وفي كتاب عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان:؛ إننا نبرأ من ابن الأزرق وأتباعه من الناس، لقد كانوا حين خرجوا على الإسلام، فيما ظهر لنا، ولكنهم ارتدوا عنه وكفروا بعد إسلامهم فبرئ الله منهم (شرح التوحيد ص 259)
قال ابن الأثير في الكامل: (طبع مصر سنة 1356هـ ج3 ص 336 - 337) عند الكلام على خروج نافع بن الأزرق: فلحق نافع بالأهواز في شوال سنة أربع وستين، وخرج من بقي منهم بالبصرة إلى ابن الأزرق إلا من لم يرد الخروج يومه ذلك. منهم عبد الله بن الصفار، وعبد اللله بن إباض، ورجال معهما على رأيهما. ونظر نافع فرأى أن ولاية من تخلف عن الجهاد من الذين قعدوا من الخوارج لا تحل له وأن من تخلف عنه لا نجاة له فقال لأصحابه ذلك ودعاهم إلى البراءة منهم وأنهم لا يحل لهم مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم ولا يجوز قبول شهادتهم وأخذ علم الدين عنهم ولا يحل ميراثهم ورأى قتل الأطفال والاستعراض وأن جميع المسلمين كفار مثل كفار العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل فأجابه وسار إلى اليمامة فأطاعه الخوارج الذين بها وتركوا أبا طالوت.
فكتب نافع إلى ابن إباض وابن الصفار يدعوهما ومن معهما إلى ذلك فقرأ ابن الصفار الكتاب ولم يقرأه على أصحابه خشية أن يتفرقوا ويختلفوا فأخذه ابن إباض فقرأه: (1/43)
صفحة 22
فقال: قاتله الله، أي رأي رأى؟ صدق نافع لو كان القوم مشركين كان أصوب الناس رأيا وكانت سيرته كسيرته في المشركين ولكنه قد كذب فيما يقول: إن القوم برآء من الشرك ولكنهم كفار بالنعم والأحكام ولا يحل لنا إلا دماؤهم وما سوى ذلك فهو حرام علينا، فقال له ابن الصفار برئ الله من فقد قصرت، وبرئ الله من ابن الأزرق فقد غلا، فقال الآخر: برئ الله منك ومنه، فتفرق القوم.
ولا يخفاكم أن جابر بن زيد معدود في أئمة التابعين وفقهائهم ومن مشاهير رواة الصحاح، وقد وثقه أئمة الحديث ورجال الجرح والتعديل، وتعلمون أن أول أول مسألة عقائدية افترق المسلمون بسببها (بعد الخلاف السياسي الذي بدأ في أواخر عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان) هي مسألة القدر التي عبرتم عنها في كتابكم "الإرادة الإنسانية في العدل الإلهي" والذي تولى كبرها واصل بن عطاء الغزال إمام الواصلية أو المعتزلة، ثم مسألة تحديد معنى الكفر والإيمان أو المنزلة بين المنزلتين ولا منزلة بين المنزلتين والذي تولى كبرهما هم الخوارج المستحلون لأموال البغاة من المسلمين وسبي ذراريهم تبعا لدمائهم إذا حلت بالبغي. ثم مسالة خلق القرآن أو قدمه التي أثارها أبو شاكر الديصاني الفارسي الذي تظاهر بالإسلام ليفتن المسلمين ويفرق كلمتهم، فاغتر به المغفلون من الدهماء وأثاروها فتنة شعواء، فأما واصل بن عطاء فقد (1/44)
صفحة 23
قال عنه الشهرستاني صاحب «الملل والنحل» الواصلية أصحاب أبي حذيفة واصل بن عطاء الغزال كان تلميذ الحسن البصري يقرأ عليه العلوم والأخبار، وكان في أيام عبد الملك وهشام بن عبد الملك، وولاية عبد الملك كما يذكر المؤرخون كانت سنة خمس وستين، ووفاته سنة ست وثمانين، وولاية هشام من 105 إلى 125 فيكون اتصاله بالحسن البصري في النصف الأخير من عمره، ويروى، كما ذكر الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم في كتابه «الدليل والبرهان» أن واصل بن عطاء لزم مجلس الحسن البصري عشرين سنة قبل أن يعتزله، ولا نعلم على وجه التحديد السنة التي اعتزل فيها واصل مجلس الحسن.
ويستفاد من مجموع الروايات والتواريخ أن ذلك كان في أواخر أيام الحسن وفي أواخر القرن الأول للهجرة، وعلى ذلك يكون إمام الإباضية متقدما كثيرا على إمام الواصلية المعتزلة، وتكون فلسفة الإباضية في الإرادة الإنسانية والعدل الإلهي، «القدر» قد تبلورت قبل أن يظهر واصل بن عطاء بمذهبه.
وملخص فلسفتهم الإيمان بالقدر خيره وشره وأنه من الله واعتقاد الإنسان أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الله عدل لا يجور، وأنه خالق لجميع المخلوقات أبدانها وأرواحها ونفوسها وأعمالها، وأنه أعطى المكلفين من خلقه إرادة حرة واختيارا في كسبهم وعملهم. (1/45)
صفحة 24
وحركاتهم وسكناتهم يستشعرونها من نفسوهم ويجدونها وجدانا ضروريا، ويدركون إدراكا يقينيا ضروريا وجدانيا الفرق بين حركتي الجبر والاختيار، وبين كسبي الإرادة والاضطرار، وبهذا الكسب الإرادي الاختياري يتعلق الثواب والعقاب، وعن هذه الفلسفة كان الإباضية ينافحون ويكافحون ضد الفرقتين الضالتين اللتين أحدثتا بدعة الجبر وبدعة خلق الأفعال، فأنت ترى أن المذهبين حادثان، وأن فلسفة الإباضية أقدم منهما، وهي متمسكة بالأصل الذي سبق الإجماع عليه.
وأما بدعة الخوارج الذين جعلوا المعاصي العملية كلها شركا يحل به الدم والمال وسبي الذرية، فإنها محدثة كذلك.
وكان جابر بن زيد وأبو عبيدة مسلم من أكبر تلامذته وعبد الله بن إباض وغيرهم من أتباع الإمام جابر يناظرون الخوارج، وقد نقلنا فيما نقلناه لك قبل قول صاحب السير في عبد الله بن إباض: وله مناظرات مع الخوارج وغيرهم، وفي السير أيضا ص76: قال ضمام كان جابر يأتي الخوارج فيقول لهم: أليس قد حرم الله دماء المسلمين بديانته؟ ... الخ. فأنت ترى أن جابرا سبق هذه الفرق وكان يناظرها وسلك تلامذته طريقته هذه في المناظرة في حياته وبعد وفاته. (1/46)
صفحة 25
وأما مسألة خلق القرآن أو قدمه، فلا نعلم على وجه التحقيق السنة التي أثيرت فيها، ويبدو أنها متأخرة عن مسألة القدر مسألة الكفر والإيمان، فإن فتنتها اشتدت في عهد العباسيين، ومهما يكن فأن مذهب الإباضية وإمامهم جابر بن زيد يرون أن صفة الكلام ذاتية كالحياة والعلم والسمع والبصر وهي عينية لا غيرية، أي صفة زائدة عن الذات، فهي بذلك قديمة قدم الذات، فالله تبارك وتعالى لم يزل حيا عليما قديرا سميعا بصيرا متكلما، ونقف عند هذا الحد ولا نزيد عليه، بيد أنه قد تفسر معانيه للعامة وقصار النظر كالنساء بنفي أضدادها ونقائصها فيقال حي ليس بميت، عليم ليس بجاهل، قدير ليس بعاجز، سميع ليس بأصم، بصير ليس بأعمى، متكلم ليس بأخرس، مريد ليس مستكره، فإن الحجة بنفي الأضداد والنقائص يسهل إدراكها واعتقادها، وبذلك ترسخ في النفس عقيدة ثبوت صفات الكمال المناقضة لصفات العجز، وبذلك تطمئن نفوس العجزة من الناس، ولولا ذلك لما كان ينبغي لنا أن نقتحم باب التفسير و التأويل، ولكفانا أن نعتقد ونفوض ونسلم، وأنت خبير أن هذه في الكلام النفسي الذاتي، وإذ يجب وصف الله تبارك وتعالى بأنه في متكلم، فكلامه بمعنى صفة، التكلم فيه قديم ولا شك فيه، ولا يجوز القول بخلافه وأما تكليمه ووضعه للناس كلاما يقرأ ويكتب تحويه الصحف وتفظه الصدور ويتصف بصفات أخرى لا يمكن أن يتصف (1/47)
صفحة 26
بها الكلام النفسي الذاتي فأمر آخر وشيء آخر، لا يخفى الفرق بينه وبين الكلام الذي هو صفة من صفات الذات العلية، أولا يجوز أن يقال إنه من وحي الله وخلق الله ووضع الله وصنع الله، وما إلى ذلك؟ وليت شعري هل يجوز أن يقال في التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى وسائر ما أوحى الله إلى أنبيائه ورسله إنه كلام قديم، أم أن هذا الوصف خاص بالقرآن؟ إن الموضوع شائك لا نريد الخوض فيه، ويسعنا السكوت عنه كما سكت الصحابة الأولون، وإنه لمذهب السلف لولا أن الضرورة تدعوهم إلى رد البدع إذا ظهرت، ودحض الشبه إذا أثيرت.
وبناء على ما تقدم يمكن أن تعتبر الإباضية أستاذة الفرق الإسلامية في تأصيل العقيدة.
وبعد، فهذا ما من الله به في الجواب، وأرجو لكم النجاح، كما أرجو أن تجدوا في هذا النزر اليسير الذي بعثنا به إليكم بعض العون على ما أنتم بصدده، وفقكم الله وسدد خطواتكم.
سؤال: أسألكم عن مسائل في علم الكلام الإباضي وخاصة:
1 - مسألة الولاية والبراءة (والولاية الخاصة) ما هي الجوانب التي تبدو لكم أساسية في الولاية؟ هل كانت الولاية متركزة على ضرورة تماسك المجتمع الإباضي أي (1/48)
صفحة 27
لأسباب اجتماعية (سوسيولوجية) أم متركزة على أسباب دينية صرفة (مثلا: الفطرة، الإيمان بالله، الانتماء إلى المذهب)؟ هل تطورت فكرة الولاية في الوقت الحديث؟.
2 - صفات الله: هل كانت صفات الله زائدة على الذات الإلهية أم هي الذات نفسها؟
مسألة العدل: اتفق علماء المذهب على أن الإنسان حر إلا أن بعض العلماء (مثل الشيخ عامر من نفوسة) يرى أن الإنسان جبل ليفعل أعماله بينما يرى الآخرون (مثل عمر التلاتي) أن للإنسان الاختيار والكسب ... فما هو الأرجح في رأيكم؟
3 - طالعت عند أحد المستشرقين أن اقتضاء الطهارة والكف عن الذنوب، والوعي بوجود الله وبمايقتضيه هذا الوعي قد بلغ أقصى الحد في المذهب الإباضي؟ أي المؤمن الذي عمل الصالحات طيلة حياته إذا ارتكب كبيرة ولم يتب قبل موته يدخل النار ولا ينفعه الخير الذي فعله في حياته ... هل هذا صحيح؟
وإذا صح ذلك فما هي المقتضيات التي يتضمنها هذا المبدأ؟ (1) 1 (
__________
(1) (1 (هذا هو نص الأسئلة التي وجهها السيد يبار كوبيرلي، المنتمي لمدرسة الآباء البيض بغرداية بتاريخ 17 جانفي1973. وقد أجابه الشيخ الإمام بيوض عن أسئلته وسجل الحديث في شريط ومنه أخذنا هذا الجواب بشيء من التصرف والاختصار. (1/49)
صفحة 28
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم.
تسألون عن الولاية والبراءة في المذهب الإباضي:
إن الولاية والبراءة مرتكزتان على أسباب دينية، فليست نظاما من النظم الاجتماعية، إنما أصلها ما ورد في القرآن الكريم من الأمر بولاية المؤمنين بعضهم لبعض والبراءة من الكفار والمنافقين، والآيات الواردة في هذا كثيرة جدا منها قوله تبارك وتعالى: (قد كانت لكم إسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذا قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء) (1) 1 (فهذا أصل من أصول دين أبينا إبراهيم عليه السلام والله تبارك وتعالى أمرنا بالاقتداء به- وبعد إبراهيم جاءت رسل ومنهم موسى وعيسى عليهما السلام- ثم جاء خاتم النبيئين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بكتاب مصدق لما بين يديه من الكتب وفيه قول الله تبارك وتعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) (2) 2 (
__________
(1) (1 (الآية 4 من سورة الممتحنة.
(2) (2 (الآية 71 من سورة التوبة. (1/50)
صفحة 29
وفي شأن البراءة يقول الله عز وجل: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب الله في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) (1) 1 (ومثل هذه في القرآن كثيرة فمحبة المؤمنين والدعاء لهم بخير الدنيا والآخرة هو معنى الولاية وبغض الكافرين وترك الدعاء لهم بذلك هو معنى البراءة وهذا ما يسمى بولاية الجملة براءة الجملة وهو متفق عليه بين جميع المسلمين.
أما النوع الثاني من الولاية والبراءة فيسمى ولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص وهذا مما تمسك به الإباضية اعتمادا على الأصول المتقدمة فمن رأينا منه خيرا وسمعنا عنه خيرا أحبناه ودعونا له بالخير وهذا معنى الولاية، ومن رأينا منه شرا أو سمعنا عنه شرا أبغضناه في قلوبنا لوجه الله وهذا معنى البراءة، يقصد بهما الأشخاص بأعيانهم.
أما من حيث معاملة مثل هؤلاء العصاة فيلاحظ ما يلي: إذا بلغنا عن شخص ما معصية ولكناه خاصة بنفسه ليس فيها ضرر كبير للمجتمع و لا هتك للحرمات جهارا بحيث لم ينزع
__________
(1) (1 (الآية 22 من سورة المجادلة. (1/51)
صفحة 30
جلباب الحياء عن نفسه فإن مثل هذا يترك لا يعلن عنه البراءة ما لم يجاهر بمعصيته، ففي الناس عصاة كثيرون نعاملهم معاملة دنيوية بالبيع والشراء والأخذ والعطاء ونعتقد بالقلب أنهم عصاة ونترك أمرهم إلى الله.
أما إذا كان العاصي قد جاهر بمعصيته بحيث تحدث ضررا في الناس رجالا ونساء وصبيانا يرون الفاحشة ترتكب والحرمات تنتهك جهارا فهذا يجب إعلان البراءة منه في المساجد، وهنا يدخل الاعتبار الاجتماعي السوسيولوجي للمحافظة على المجتمع فلو علمنا –مثلا- أن إنسانا يشرب الخمر في بيته أو في حانة ولم تظهر منه عربدة في الطرقات سكتنا عنه أعني لا نعلن براءته على رؤوس الملإ غير أننا نبغضه في قلوبنا لأنه عاص لله، ولكنه إذا مر في شارع وهو معربد يسب الله وينطق بالجهر أو يكشف عن عورته فهنا يجب إعلان البراءة منه في المساجد حفاظا على سلامة المجتمع، وقل مثل ذلك في السرقة والزنا وسائر الفواحش فمن واجب الهيئة الدينية القائمة بالمحافظة على الآداب العامة ومحاربة الآفات الاجتماعية أن توقفه عند حده.
هذا ملخص الكلام عن ولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص عند الإباضية وأظن أن فيما ذكرت كفاية وإذا كان لديك (1/52)
صفحة 31
سؤال في الموضوع فتفضل به قبل الانتقال إلى الموضوع الثاني.
سؤال: وجدت في بعض النصوص الإباضية أن مما يدخل في الولاية الخاصة ولاية الله لعباده ... أرجوكم توضيح ذلك.
الجواب: أما ولاية الله لعباده فمأخوذ من بعض الآيات القرآنية ومنها قوله تعالى: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبيء والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) (1) 1 (ومنها قوله تبارك وتعالى: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) (2) 2 (ومنها قوله تبارك وتعالى (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم) (3) 3 (فمعنى ولاية الله لعباده المؤمنين محبته لهم ورضاه عنهم ويترتب على هذا قبول دعائهم سواء دعاء الدنيا أم دعاء الآخرة، فقد يطلب العافية والولد المال والحسنة في الدنيا وغفران الذنوب والنجاة من النار ودخول الجنة في الأخرى، والله عز وجل يستجيب لدعائه لأنه ولي له ولكن يلاحظ في استجابة الله لدعاء عبده المؤمن إذا دعاه
__________
(1) (1 (الآية 68 من سورة آل عمران.
(2) (2 (الآية 257 من سورة البقرة.
(3) (3 (الآية 11 من سورة محمد صلى الله عليه وسلم. (1/53)
صفحة 32
أنها ليست واجبة على الله لأن الله مريد وليس بمستكره، ولأنه يمكن لأنسان أن يطلب من الله الولد وكان هو وليا لله يحبه ويرضاه، ولكن الله يعلم أن مصلحة عبده في غير الولد فلا يستجيب له وقد يعوضه الله خيرا من دعائه، وأيضا قد يطلب المال من الله إذا على الله أن المال لا يصلح به وأنه يطغيه فلا يقبل دعاءه ذلك ولكنه يعوضه عنه بنعمة أخرى.
2 - سؤال: هل صفات الله زائدة على الذات الإلهية أم هي الذات نفسها؟
الجواب: الله تبارك وتعالى له اسم سمى به نفسه وهو لفظ الجلالة (الله) في اللغة العربية، وبالطبع يوجد في كل لغة اسم يطلق على الذات العلية، والاسم عند علماء اللغة هو الذي تطلق عليه الصفات، والاسم في حد ذاته قد لا يكون له معنى، وهذا الاسم تجري عليه الصفات مثل عالم، جاهل، عاقل، مجنون، ذكي، بليد، صالح، طالح، أو نحوها، ... والله تبارك وتعالى وضع لنفسه أسماء لأنه يدعى بها تقول: يا الله، يا حي، يا قيوم، يا قدير، يا سميع، يا بصير، ...
قال الله تعالى (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) (1) 1 (وفي الحديث: «إن لله تسعة وتسعون اسما» (2) 2 (.
__________
(1) (1 (الآية 180 من سورة الأعراف.
(2) (2 (رواه البخاري في كتاب الدعوات ومسلم في كتاب الذكر. (1/54)
صفحة 33
وهذه الأسماء غير لفظ الجلالة، معقولة المعنى، يبقى لفظ الجلالة (الله) قد اختلفوا فيه هل هو مشتق أم جامد؟ واختار بعض العلماء أنه جامد اسم للذات العلية لا نتكلف البحث عن معناه والأسماء الأخرى كما في البسلمة بسم الله الرحمن الرحيم وغيرها إلى التاسع والتسعين كلها أوصاف لها معان كمعنى الرحمة في الرحيم ومعنى القدرة في المريد ... الخ.
هذه الصفات ذاتية في اعتقاد الإباضية بإجماع، وجمهور الأمة كذلك، لكنها عندنا معشر الإباضية ليست زائدة على الذات لأننا نؤمن بأن الله تبارك وتعالى واحد في ذاته وواحد في صفاته لا شريك له فيها وإن تشابهت الألفاظ ففرق بين سمع مخلوق وسمع الله وبين بصره وبصر الله، فإذا أضيف السمع والبصر والقدرة والرحمة والإرادة لغير الله كانت لها معان محدودة قاصرة بخلاف صفات الله تبارك وتعالى فهي كاملة الكمال المطلق، فالله قدير القدرة المطلقة التي لا يعتريها عجز ولم يسبقها عجز ولا يأتي بعدها عجز، والله مريد الإرادة المطلقة التي ليس فيها شائبة إكراه أبدا. أما المخلوق فإذا قال أقدر على كذا فهو يقدر على شيء ولا يقدر على شيء آخر، وقبل قدرته تلك كان عاجزا وبعد ذلك يكون العجز، كذلك قد أقول أنا مريد أفعل ما أريد ولكن (1/55)
صفحة 34
ما الأشياء التي أستطيع أن أريدها وتؤثر فيها إرادتي؟ فأنا في كثير من الأحيان مكره أعمل ما يجبرني على عمله سلطان أو أمير أو والد أو أستاذ أو غيرهم، وكذلك سمعنا وبصرنا وكلامنا وصفات حادثة بعد أن لم تكن وستزول ويعتريها قوة وضعف وهي هبة من الله.
وإنما قلنا صفات الله ذاتية وهي عين ذاته تعالى لأنها لو كانت خارجة عنه متعلقة به للزم تعدد القدماء، شيئان تعلق أحدهما بالآخر، الصفة خارجة وتعلقت بالموصوف وإذا كانت خارجة عنه فيمكن أن تنفصل إذا، ويمكن أن يمضي زمان لم تكن، ويمكن أن تزول بعد أن كانت، ولهذا نؤمن بأن صفات الله هي عين ذاته تعالى، ويقول العلماء في تفسير هذا ذات الله تبارك وتعالى كافية في انكشاف المسموعات والمبصرات لها، لا يعزب عنها تعالى شيء من المبصرات والمسموعات وغير ذلك فذاته كافية في كل ذلك وهذا هو معنى قول الإباضية ومن وافقهم في ذلك «الصفات عينية لا غيرية» فليست صفات الله زائدة على الذات تتعلق بها كما تتعلق صفات المخلوقين بذواتهم، ولهذا توجد الذات –ذات ما سوى الله من المخلوقات- وقد تنعدم الصفات، حتى ما كان منها طبيعيا فنذكر على سبيل المثال حجر المغناطيس الذي يجتذب الحديد ولعرض ما يصيب هذا المعدن تنعدم الجاذبية وتبقى المادة، كما تبقى العين (1/56)
صفحة 35
ويذهب البصر، وتبقى الأذن بصورتها وبصماخها وبكل أجزائها ولكن يذهب سمعها، وتذهب الحياة وتبقى الذات، وهكذا ما دامت الصفات غير ذاتية ففي الإمكان عقلا زوالها بعد وجودها، ووجودها بعد أن لم تكن، فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وهو تعالى لم يزل ولن يزال موجودا حيا عليما قديرا مريدا سميعا بصيرا ...
أما صفات الأفعال فمثل قولنا الله خالق، والخلق يدخل ضمن القدرة، والقدرة على الخلق صفة ذاتية ولكن يوصف الله بالخالق عندما يخلق الخلق. ومن هنا جاء الفرق بين صفات الفعل وصفات الذات.
هذا قول المذهب الإباضي المعتمد على قواعد في كتب الله وفي الديانات كلها، وهذا ما يقتضيه تنزيه الله تبارك وتعالى عن كل نقص قبل أو بعد، لأنه حي قيوم لم يزل ولن يزال كذلك، كما أن وجوده ذاتي لم يسبقه عدم ولا يأتي عليه عدم، وهنا يتوقف عقل البشر وعلم البشر ولا يستطيع مهما أوتي من قوة أن يتجاوز هذا الحد ويتساءل: من أوجد الله؟ أو كيف وجوده؟ هنالك حد تنتهي إليه وجوبا. وبالداهة ليس في إمكان المخلوق مهما أوتي من سعة عقل وغزارة علم أن يدرك حقيقة الخالق، بل لا بد له من حد ينتهي إليه العقل البشري ويقف عنده مستسلما لأمر الله، ويؤمن بهذه الحقيقة الأولى في الوجود (1/57)
صفحة 36
أو الحقيقة الكبرى كما تسمى، فالله مبدأ كل شيء ومصدر كل شيء إليه يرجع كل شيء، هذه خلاصة الجواب في المسألة.
سؤال: معاني صفات الله موجودة بالنسبة إلينا متمايزة في فكرنا نميز بين بعض الجوانب لأجل أن عقلنا ضعيف لا يستطيع غير ذلك لكن ذات الله تعالى ليس فيها تمايز؟
الجواب: بحسب عقولنا هناك سمع وبصر وقدرة وإرادة وحياة ... باعتبار الصفات كأنها متعددة متمايزة، ولكن كما أن عقولنا قاصرة كذلك لغتنا قاصرة أي لغة كانت عربية أم أعجمية، الله تبارك وتعالى يخبرنا ويعلمنا بلغات خلقها لنا، وهي قاصرة عن التعبير عن حقيقة الذات الكبرى، لذلك يبدو لنا أن هناك فوارق بين السمع والبصر والكلام والشم والذوق وغير ذلك، ولكن هذا أقصى ما يمكن أن تعبر عنه لغات البشر لأنها قاصرة لها حد تنتهي إليه مهما ارتقت، ولهذا كان التشابه، والله يعبر عن ذاته بما هو في ذواتنا ويقول عن ذاته إنه سميع بصير متكلم ... ونحن كذلك نسمع ونبصر ولكن التشابه في اللفظ فقط أما في حقيقة المعاني فليس سمعنا وبصرنا وكلامنا كسمعه تعالى وبصره وكلامه (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (1) 1 (.
__________
(1) (1 (الآية 11 من سورة الشورى. (1/58)
صفحة 37
سؤال: اتفق علماء المذهب الإباضي على أن الإنسان حر مختار إلا أن بعض العلماء منه مثل الشيخ عامر النفوسي يرى أن الإنسان جبل ليعمل أعماله بينما يرى آخرون –مثل الشيخ عمر التلاتي- أن للإنسان الاختيار والكسب ... فما هو الأرجح في رأيكم؟
الجواب: إن المسألة الكلامية المعبر عنها العدل، وبالقدر كذلك، مسألة كبيرة وقع فيها خلاف كبير بين المسلمين، أجمعوا كلهم بل وأرباب الديانات الأخرى-أهل الكتب السماوية- كلهم على أن الله عدل لا يجوز في أحكامه، وفي القرآن الكريم: (إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون) (1) 1 (، وفيه: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) (2) 2 (، فالله عدل العدل المطلق لا يحابي عبدا من عباده لنسب ولا للون ولا لجنس ولا لشيء مطلقا وإنما الجزاء على حسب العمل: (فمن يعمل مثقال ذرة خير يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) (3) 3 (، وهذه هي القاعدة الأساسية لجميع الديانات من آدم إلى آخر الأنبياء لا يتهم الله تبارك وتعالى بالجور أبدا، لكنه وقع الناس في حيرة في الجمع بين كون الله من جهة عادلا وبين كونه خالقا لكل شيء مقدرا له من ذوات العباد ومن
__________
(1) (1 (الآية 44 من سورة يونس.
(2) (2 (الآية 40 من سورة النساء.
(3) (3 (الآية 7،8 من سورة الزلزلة. (1/59)
صفحة 38
أعمالهم ففي القرآن الكريم (والله خلقكم وما تعملون) (1) 1 (، والعقيدة الصحيحة كذلك أنه لا يقع شيء في ملكه إلا بإرادته: هو الذي خلقه فقدره وأراده وليس معنى أراده أنه رضيه، ففرق بين الإرادة والرضا وليس معنى أراد الله ما يقع في هذه الأرض من الكفر أنه رضيه بل كما يقول في الآية القرآنية: (ولا يرضى لعباده الكفر) (2) 2 (، ولكن معنى أراده أنه لم يقع مغلوبا على أمره، فلو شاء الله لمنع الناس بالقهر إن أرادوا معصية أو هموا بها، فيميتهم أو يزيل أبصارهم أو سمعهم أو بأي شيء آخر ... ولكنه تعالى أعطاهم الحرية بفضله ولم يقهر أحدا منهم، وفرارا من الاضطراب الذي وقع فيه الناس ذهب المعتزلة إلى القول بخلق الأفعال محافظة على عقيدة العدل الإلهي، قالوا إن الله عدل لا يجور فالإنسان هو الخالق لأفعاله وبذلك يستحق الثواب إذا أحسن والعقاب إذا أساء، وليس من العدل أن يستحق الثواب من كان مجبورا على حسنة ولا أن يستحق العقاب من كان مجبورا على معصية، وتطرق فريق آخر إلى جهة أخرى فقالوا إن العبد مجبور على ما يفعل وهذا يقتضي نسبة الظلم إلى الله عز وجل، وهؤلاء هم المجبرة.
أما الإباضية وكافة الأشاعرة فذهبوا إلى الوسط وهو الحق فقالوا الخلق للأفعال من الله والاكتساب من العبد، قال
__________
(1) (3 (الآية 96 من سورة الصافات.
(2) (3 (الآية 7 من سورة الزمر. (1/60)
صفحة 39
العالم الجليل أبو نصر النفوسي من علماء الإباضية في نفوسة في قصيدته النونية:
فأفعالنا خلق من الله كلها ومنا اكتساب بالتحرك للبدن
أي أن هنالك خط دقيق فاصل بين الخلق والاكتساب، فللعبد اكتساب أي ممارسة وعمل باختياره في كل ما عمل وهذا القدر المسمى بالكسب هو متعلق الثواب والعقاب لأنه مكتسب باختياره فاستحق ثوابا على إحسانه واستحق عقابا على إساءته، وإن كان البشر لقصور عقولهم وقلة علومهم لا يستطيعون تحديد معنى الاكتساب تحديدا دقيقا يقينيا فهذا غير مستطاع ولكن يكفينا في هذا الباب الشعور اليقيني بالاختيار في العمل، فكل فرد عاقل من الناس منصف يعترف بالحق، يستشعر من نفسه ويدرك إدراكا يقينيا لا شك فيه و لا ريب أنه له حركتان قد يتحرك تحركا اضطراريا كالذي يصاب بمرض عصبي فتهتز أطرافه أو بعض أعضائه بدون إرادته، وكذا نبض قلبه ودوران دمه هذه كلها نماذج للحركات الاضطرارية.
وهنالك أعمال يزاولها الناس باختيارهم حتى يقول أحدهم أردت وهذه إرادتي وهذا قصدي، وإذا عارضه أحد قال أنا حر وأفعل ما أريد، وقد أصبح الإنسان اليوم أكثر من أي وقت مضى يعتز بإرادته وحريته فيقول: أنا أفكر كما أريد وأعتقد ما أريد وأفعل ما أريد، أنا حر وحريتي تثبت (1/61)
صفحة 40
وجودي وتفكيري وحركتي يثبتان حريتي كما يقول الوجوديون «سارتر» وجماعته.
إذن الإنسان يشعر من نفسه شعورا ضروريا بأن عنده إرادة واختيارا، لا يستشعر أبدا أن من ورائه ضغطا دفعه إلى العمل، فالمصلي إذا ذهب إلى المسجد أو الكنيسة أو البيعة ليصلي لا يستشعر في نفسه أبدا أن إنسانا جره بالسلاسل جرا أو دفعه إلى الصلاة وإنما إرادته وإيمانه دفعاه إليها.
وكذا لا يقال في الذي توجه إلى حانة ليشرب مسكرا جر إليها بالسلاسل أو دفع إليها بمقامع من حديد، ولو أراد الناس منعه جبرا عن الشراب لقال أنا حر أفعل ما أريد، وهكذا منذ خلق أول مخلوق على الأرض، فآدم لما أكل من الشجرة أكل منها باختياره، ولو كان ذلك بعد وسوسة الشيطان، ولذلك استحق الإخراج من الجنة.
هذه الممارسة للعمل بمطلق الحرية والاختيار اللذين يستشعرهما كل إنسان في تصرفاته خيرا كانت أم شرا هي متعلق الثواب أو العقاب.
ثم إن من القواعد الضرورية في كل دين سماوي اعتقاد أن الله تبارك وتعالى يعلم ما كان وما يكون وما هو كائن إلي يوم القيامة، ليس علم الله بالأشياء حادثا، يحدث له بعد وقوعها مثلنا نحن فلا نعلم شيئا إلا بعد أن يقع، وكل ما يمكن أن يحدث بعد هذه اللحظة التي نحن فيها وفي غير (1/62)
صفحة 41
هذا المكان الذي نحن فيه فهو بالنسبة إلينا غيب لا نعلمه إلا بعد مشاهدته أو بلوغ خبره.
ومحال أن يقال أن الله تبارك وتعالى لا يعلم ما يقع في هذا الكون إلا بعد أن يقع، هذه عقيدة ضرورية في جميع الديانات السماوية، وبناء على هذا فالله تبارك وتعالى يعلم ما يفعله العباد المكلفون من الجن والإنس والملائكة كل ما يصدر منهم معلوم لله تبارك وتعالى قبل خلق ذواتهم وقبل خلق أفعالهم، ومعلوم أن الذوات تتعاقب جيلا بعد جيل يخلقها الله وأعمالها وهو عليم بما سيفعله كل من خير أو شر، فهذا يتبع أمر الله ويجتنب نواهيه حتى يموت على الشكر والوفاء وذلك يعصى أمر الله ويكفر به ويرتكب المعاصي كبيرها وصغيرها حتى يموت على الكفر والجفاء، فلا يقال إن الله لا يعلم ما يكون من خلقه (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) (1) 1 (، ولهذا نعتقد أنه لا يمكن أن يصدر من العبد من خير أو شر إلا ما كان الله يعلمه، أي لا يحدث شيء على خلاف علم الله، وهذا ما دفع ببعض علماء الإباضية في جبل نفوسة إلى التعبير بالجبل أخذا من قوله تبارك وتعالى: (واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين) (2) 2 (، على أنهم لا يقولون بخلق الأفعال كالمعتزلة
__________
(1) (3 (الآية 14 من سورة الملك.
(2) (3 (الآية 184 من سورة الشعراء. (1/63)
صفحة 42
المتطرفين ولا بالجبر كالمجبرة، بل يقولون بالكسب والاختيار الذي هو القول الوسط بين خلق الأفعال وبين الجبر، قال الشيخ أطفيش رحمه الله تبارك وتعالى في تفسير قوله عز وجل: (والجبلة الأولين)، في تفسيره الذي سماه «تيسير التفسير» قال: (والجبلة) الأمم السابقة (الأولين) أي ذوي الطبيعة أو المجبولين على أحوالهم التي بنوا عليها مسالكهم ... ثم قال: شبهوا بالقطعة من الجبل. فالأمر يتعلق بعلم الله بأفعال العبد لا بجبره إياهم عليها، فلو كنت أعمل الآن عملا لا يعلمه الله من قبل لكان سبحانه لا يعلم ما سأفعله بعد دقيقة أو بعد عام، وهذا في حقه عز وجل محال.
على أن هذا الكلام الذي قاله بعض علماء الجبل لا يعدو عددا قليلا منهم، فمذهب الإباضية في الشرق والغرب ومنهم أهل الجبل أنفسهم، مذهبهم القول بالكسب.
وقد وقع بعض الصحابة رضي الله عنهم في مثل هذا الإشكال فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إذا كان السعيد من بطن أمه والشقي من بطن أمه ففيم العمل إذا يا رسول الله؟ فأجابهم: (اعملوا ولا تغتروا فكلكم مسير لما خلق له) (1) 1 (، فمن أراد الطاعة يسر الله له أسبابها ومن أراد المعصية واتبع
__________
(1) (1 (رواه البخاري في كتاب القدر بلفظ: قال رجل يا رسول الله أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم، قال: فلم يعمل العاملون؟ قال: كل يعمل لما خلق له أو لما يسر له. وفي حديث آخر: سئل صلى الله عليه وسلم ألا نتكل يا رسول الله؟ قال: لا اعملوا فكل ميسر) (1/64)
صفحة 43
طريقها وجد الأبواب مفتوحة والأسباب ميسرة. وليس معنى هذا أن الله أجبره وهو عز وجل يقول: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (1) 1 (، فلوا أراد الله لأهلك الظالمين والطغاة، بل لأهلكهم قبل مقارفتهم الذنوب ولمنع كل من أراد معصية ولكن شاءت حكمته أن يخلق خلقا مختارا كامل الاختيار حرا كامل الحرية، أما الجبل فكلمة بقيت مطوية في بطون بعض الكتب ولا أظن أن واحدا من الألف يعرفها.
والناس اليوم من إباضية وأشاعرة معتقدون أن الخلق لله وحده والكسب الاختياري منا وهو متعلق الثواب والعقاب، والعلماء يقولون ستة أمون تنفي الجبر والجبل معا: المدح والذم والأمر والنهي والثواب والعقاب، فأنت ترى مدح الله عز وجل للمحسنين وثناءه عليهم وذم المسيئين وإنكاره عليهم، والمدح والذم عند العقلاء لا يقعان إلا على فاعل مختار فيما يفعله لما أمره ولما نهاه من تجبره على الترك، وإذا كان العقلاء يتنزهون عن هذا فكيف بالعليم الحكيم؟.
4 - سؤال: طالعت عن أحد المستشرقين أن اقتضاء الطهارة هو الكف عن الذنوب، والوعي بوجود الله وما يقتضيه هذا الوعي قد بلغ أقصى حد في المذهب الإباضي.
__________
(1) (3 (الآية 29 من سورة الكهف. (1/65)
صفحة 44
أي أن المؤمن الذي عمل الصالحات طيلة حياته إذا ارتكب كبيرة ولم يتب قبل موته يدخل النار ولا ينفعه الخير الذي فعله في حياته ... هل ذلك صحيح؟ إذا صح فما هي مقتضيات هذا المبدأ؟
الجواب: حقا إن الإباضية أكثر الناس اعتناء بأمر دينهم فهم يمارسون الواجبات الشرعية ويجتنبون ما نهى عنه الشرع الحنيف، وعرفوا كذلك بالتوبة والرجوع بعد ما يصدر عن أحدهم من انحراف، هذه طبيعة معروفة عند الإباضية في المشرق والمغرب، فقد ينحرف بعضهم ويرتكبون ذنوبا ولكن أكثرهم سرعان ما يرجعون إلى الصراط المستقيم ويتوبون إلى الله من ذنوبهم ويتنصلون مما عليهم من حقوق العباد، ولا يموت إلا وقد أوصى بما وجب عليه من كفارات وحقوق مما يمكن أن يقضي عنه بعد وفاته، والفضل الأكبر في هذا يرجع إلى عقيدة الخلود لديهم فهم يعتقدون أن من مات مصرا على كبيرة ولم يتب منها خلد في النار لا يخرج منها أبدا الآبدين يقول قائلهم:
ومن عصى ولم يتب يخلد في النار دائما بهذا نشهد
ويقول غيرهم غير ذلك:
ومن عصى ولم يتب من ذنبه فأمره مفوض لربه
أي العاصي في نظرهم يعذب في النار على قدر ذنبه ثم يخرج منها وهذا ما جرأ العصاة من غير الإباضية على التمادي على المعصية حتى الموت (1/66)
صفحة 45
صحيح أن الله تعالى عدل لا يجور وأنه غفور رحيم يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، فمن أين تكون المغفرة والرحمة إذا لم يكن عصاة يذنبون فيتوبون ويستغفرون فيغفر لهم؟ ومن حكمته أن قسم الذنوب إلى كبائر وسيئات، يقول الله في القرآن الكريم: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهونا عنه نكفر عنكم من سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) (1) 1 (، أي الجنة فالسيئات التي هي مقدمات هذه المعاصي التي لا يقدر الإنسان أن يسلم منها تغفر باجتناب الكبائر وبعمل الحسنات ففي القرآن الكريم (إن الحسنات يذهبن السيئات) (2) 2 (، وفي الحديث «وأتبع السيئة الحسنة تمحها» (3) 3 (، لكن الفواحش الكبرى المسماة بالكبائر لا تغفر إلا بالتوبة، يغفرها الله لمن ارتكبها مرة أو ألف مرة وإنما الشرط أن تكون التوبة نصوحا وهي كما يفسرها العلماء: أن يعزم التائب أن لا يعود إلى الذنب كما لا يعود اللبن إلى الضرع، كما يشترط أن يكون ذلك منه قبل حضور الموت، وهذا ما نص عليه القرآن الكريم في قوله تبارك وتعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك
__________
(1) (3 (الآية 31 من سورة النساء.
(2) (3 (الآية 114 من سورة هود.
(3) (3 (رواه الدارمي في باب حسن الخلق من كتاب الرقاق، والترمذي في باب ما جاء في معاشرة الناس من أبواب البر والصلة. (1/67)
صفحة 46
يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما، وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما) (1) 1 (، فالله أوجب على نفسه –ولا واجب عليه- أن يغفر للتائبين الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون قبل حضور الأجل أما الذين يعلمون السيئات ويسوفون بالتوبة ويتمادون على عصيانهم فلا وعد لهم عنده بالمغفرة، أما قوله عز وجل: (حتى إذا حضر أحدهم الموت)، فليس معناه المرض الذي يموت فيه فقد يمرض الإنسان شهرا مثلا ويتوب ويستغفر لأنه توقع أن الأجل قريب، إنما حضور الموت بمقدار يعلمه الله قبل خروج الروح عندما يرى بعض آيات ربه: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا) (2) 2 (، هذه لحظة المعاينة التي لا تقبل عندها توبة، ولنا شاهد آخر من القرآن هو توبة فرعون وقد أيقن أنه هالك بالغرق لا محالة، قال عز وجل في شأنه: (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين) (3) 3 (، قال ذلك في اللحظة التي رأى فيها
__________
(1) (1 (الآية 17،18 من سورة النساء.
(2) (2 (الآية 158 من سورة الأنعام.
(3) (3 (الآية 90 من سورة يونس. (1/68)
صفحة 47
ماء البحر آتيا إليه من كل جهة وأيقن بالموت ولكن الله عز وجل أجابه: (آلان وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) (1) 1 (، فهذه ساعة لا ينفع فيها إيمان ولا توبة، وهذا هو معتقدنا وهو القول الفصل في المسألة:
سؤال: هل الذي يرتكب ذنوبا حتى نهاية حياته يعتبر متحديا لله؟.
الجواب: إي نعم هو نوع من التحدي لخالقه ومالك ناصيته وكأنه نوع من السخرية والتهكم بالله، كأن الله تعالى بهذا الخطاب يقول له: أتسخر مني؟ حتى إذا حضر أجلك ورأيت الموت بعينيك قلت أني تبت الآن؟ أليسهذا تحديا منك لي طول عمرك ثم تطمع فيما لا مطمع فيه.
سؤال: إن الذي سلك مسلك الخير في حياته وله عثرات في بعض الأوقات، ألا يكون من المحتمل أن يحضره الموت وهو في حالة خيرة لأن نيته متجهة نحو الخير؟
الجواب: نعم (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم) (2) 2 (، فعلى المسلم أن يدوم على عمل الخير ولو كان تعتريه في طريقه عثرات فعسى أن يموت على الوفاء وعلى الصراط المستقيم، والله لا يضيع أجره، فإذا كان قلبه عامرا بالخير وزاغ بعض الوقت
__________
(1) (1 (الآية 91 من سورة يونس.
(2) (2 (الآية 9 من سورة يونس. (1/69)
صفحة 48
فالحسنات التي كان يأتيها وقلبه الطيب المؤمن بالله يهديانه إلى الطريق ويوفقه الله إلى التوبة ولا يخرج من هذه الدنيا إلا وقد تطهر من جميع ذنوبه ولا يموت إلا وهو من المسلمين.
سؤال: هل يجوز طلب النصر لغير المسلمين؟
الجواب: لا يجوز لمسلم أن يطلب النصر للمشركين على المسلمين أبدا، وليس في قلب فاعل ذلك ذرة من إيمان كيفما كان السبب الداعي، إلا إن كان من تقية باللسان، والقلب مطمئن بالإيمان، فاحذروا وتفقهوا معنى الولاية والبراءة.
سؤال: حملت إلي رسالتك سؤالا عما يشاع من تكفير الإباضية لمعسكر السلطان وعسكره حسب تعبيرك ...
الجواب: فاعلم أيها الأخ أولا أن الكفر عند الإباضية وعند المحققين من علماء الأمة وعند أصحاب الحديث على قسمين: كفر شرك، وكفر نفاق، وكما يقرر الإمام البخاري في صحيحه إذ قال: «باب كفر دون كفر»، فتكفير البغاة إنما هو كفر نفاق لا كفر شرك، ولتعلم ثانيا أن المراد بمعسكر السلطان هو الفئة الباغية والسلطان هو رئيسها وقائدها الباغي، وجنده هم أعوان الظلمة، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الظلمة وأعوانهم، ولا يقع اللعن إلا على كافر نفاقا (1/70)
صفحة 49
أو شركا، والبغي ظلم والفئة الباغية ظالمة، ولعن الظلمة ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وليس المراد بتكفير الإباضية للظلمة البغاة وأعوانهم إلا كفر النفاق فهم على ظلمهم وبغيهم موحدون غير مشركين، تجري عليهم أحكام المسلمين كلها لا أحكام المشركين، خلافا لما تزعم بعض الفرق الضالة من الخوارج.
سؤال: ما المراد بالكفر عند الإباضية؟
الجواب: كل المذاهب تأخذ أحكامها من كتاب الله وسنة رسوله، لكنهم قد يختلفون في طرق الاستنباطـ، والقرآن يطلق لفظ الكفر على من ارتكب ذنبا كبيرا.
فالكفر كفران: كفر شرك، وكفر نفاق، فالكفر بمعنى الشرك لا يطلق إلا على من أنكر وجود الله وأشرك به غيره أو أنكر الوحي والرسالة أو البعث، وكفر نفاق يطلق على كل من ارتكب كبيرة عملية السرقة والزنى والخمر، أو تركية كعدم صيام رمضان، وترك الصلاة وغيرها، والمذاهب التي لا تطلق الكفر على مرتكب المعصية الكبيرة إنما ذلك لأن الكفر عندها مرادف للشرك.
سؤال: نقل أشياخنا رضي الله عنهم عن العلامة الغزالي أنه رجع عن الرؤية ففي أي كتاب من كتبه هذا التصريح؟
الجواب: إنه لا علم لي بأي كتاب صرح فيه الغزالي بمثل هذا، ولم يتسع لي الوقت بمراجعة كتبه بحثا عن (1/71)
صفحة 50
هذا ولعل الله يمن بذلك فأفيدكم بما عثرت إن عثرت على شيء، وكل ما أعلمه هو ما قاله قطب الأئمة الشيخ أطفيش رحمه الله في رسالته: «إن لم تعرف الإباضية يا عقبى يا جزائري» إذ قال فيها: وإن لم تعرف الإباضية فهم الذين رجع الغزالي والسعد والسيد الشريف والفخر إلى قولهم إن الله لا يرى، وكل ما نعلم أيضا أن الإمام الغزالي استقامت فلسفته في أواخر عمره.
سؤال: ما معنى ما نسب لبعض المشايخ: يجوز أن يكلف الله عباده بالإلهام من غير كتاب ولا رسول مستدلين بقوله تعالى: (فألهما فجورها وتقواها).
الجواب: إعلم أيها الأخ الكريم أن هذا القول لا تصح نسبته إلى أهل الحق والاستقامة المتمسكين بكتاب الله وسنة رسوله لأنه مخالف لصريح كتاب الله الكريم فإن الله تبارك وتعالى يصرح في كتابه الكريم القرآن العظيم بما لا يدع مجالا للشك والارتياب بأنه تبارك وتعالى لم يقم الحجة على عباده إلا بالرسل وما جاءوا به من البينات كما قال في حقهم في سورة الحديد: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) (1) 1 (،
__________
(1) (1 (الآية 25 من سورة الحديد. (1/72)
صفحة 51
ودونك بعض الآيات الصريحة الواضحة في شأن قيام الحجة على العباد، قال في سورة القصص: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا) (1) 1 (، وقال في سورة الإسراء: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) (2) 2 (، وقال في سورة النساء: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا نوح والنبيئين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما، رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما) (3) 3 (، وقال في سورة طه: (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى) (4) 4 (، وقال في سورة القصص: (ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين) (5) 5 (، وقال في شأن أهل النار في سورة غافر:
__________
(1) (1 (الآية 59 من سورة القصص.
(2) (2 (الآية 15 من سورة الإسراء.
(3) (3 (الآية 163 - 164 - 165 من سورة النساء.
(4) (4 (الآية 134 من سورة طه
(5) (5 (الآية 47 من سورة القصص. (1/73)
صفحة 52
(وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب، قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى، قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) (1) 1 (، وقال في سورة الملك: (كلما ألقي في فوج سألهم خزنتها ألم ياتيكم نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء) (2) 2 (، فأنت ترى إذا تأملت هذه الآيات البينات الصريحة الواضحة القطعية الدلالة أن الله تبارك وتعالى لم يقم الحجة على عباده المكلفين إلا بالرسل وما جاؤوا به من البينات فلا يبقى في قلب مؤمن شك ولا ارتياب في أن الله أقام حجته على عباده بالرسل والكتب التي جاؤوا بها من عنده، فلا يجوز القول بغير هذا، ومن شك فيه أو ارتاب أو قال بغيره فقد كفر ومرق من الدين، فأن الدلالة هذه الآيات وما أشبهها في القرآن قطعية الدلالة لا تأويل لها إلا ما يدل عليه صريح لفظها.
وأما قوله تبارك وتعالى: (فألهما فجورها وتقواها) (3) 3 (، وما أشبه ذلك من قوله: (وهديناه النجدين) (4) 4 (، وقوله: (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) (5) 5 (، فإنها لا تفسر إلا بما يوافق ويطابق
__________
(1) (1 (الآيتان 49 - 50 من سورة غافر.
(2) (2 (الآية 9 من سورة الملك.
(3) (3 (الآية 8 من سورة الشمس.
(4) (4 (الآية 10 من سورة البلد.
(5) (5 (الآية 3 من سورة الإنسان. (1/74)
صفحة 53
صريح الآية المتقدمة، ولا يجوز أن تفسر بما يناقض تلك الآيات أو يخالفها لأنها محكمة صريحة قطعية الدلالة كما قدمنا والقرآن لا تناقض فيها ولا اختلاف، وهو يفسر بعضه بعضا ويرد متشابهه إلى محكمه، (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (1) 1 (، فتمسكوا أيها الإخوان بالعقيدة الحقة الصحيحة الصريحة من أن حجة الله لم يقمها على عباده المكلفين إلا برسله وكتبه التي جاؤوا بها من عنده.
وفقنا الله وإياكم جميعا إلى ما يحبه ويرضاه، وحفظ قلوبنا من الزيغ والزلل، وعقائدنا مما قد يلابسها من باطل، إنه سميع قريب مجيب.
حفظ الله لأخيكم الفقير إلى مولاه الغني.
سؤال: سألت عن الوسيلة في قوله تبارك تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون) (2) 2 (.
الجواب: اعلم أن الصحابة والتابعين وكبار المفسرين وأئمة الفقه في الدين مجمعون على أن الوسيلة في الآية إنما هي طلب رضا الله والتقرب إليه بتقواه، فهو يأمر بالتقوى ثم يقول: (وابتغوا إليه الوسيلة)، أي بتقواكم، والتقوى
__________
(1) (1 (الآية 82 من سورة النساء
(2) (2 (الآية 35 من سورة المائدة. (1/75)
صفحة 54
كما هو معلوم امتثال الأمر واجتناب النهي فلا وسيلة للعبد إلى ربه إلا عمله الصالح، وكل قول يخالف ذلك فهو باطل لا دليل عليه في كتاب ولا سنة، فلا ينفع عاصيا مقصرا في حق الله أن يقول: ربي اغفر لي وارحمني ببركة فلان أو بجاه فلان أو حرمة فلان، وكذلك معنى الوسيلة في آية الإسراء (1) 1 (، فإنما هي التقرب إلى الله بما شرعه ولم يرد في أدعية الكتاب والسنة توسل بمخلوق مطلقا بشر أو ملك أو غيرهما من سائر المخلوقات فالتوسل بالموتى كيفما كانت منزلتهم ممنوع مطلقا وغير جائز، فإنهم قد انقطعت أعمالهم فلا ينفعون أنفسهم ولا غيرهم بشيء ما، وأما الأحياء فإنه يجوز التوسل بدعائهم بأن تقول لأخيك المسلم: ادع الله لي، فإن دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب يرجى قبوله، سواء أكان المدعو له حيا أو ميتا، وفي أدعية المؤمنين والملائكة والنبيئين الواردة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة شرعا مما يمكن أن يسمى –تجوزا- وسيلة بمخلوق، ولا يجوز مطلقا أن تفسر به الوسيلة في آيتي المائدة والإسراء.
وما ورد من توسل الصحابة رضي الله عنهم بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنما هو بدعائه وهو حي، ولذلك توسل
__________
(1) (1 (يقصد الآية 57 من سورة الإسراء. (1/76)
صفحة 55
سيدنا عمر بن الخطاب في استسقائه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بعمه العباس بن عبد المطلب، أي بدعائه كما هو مشهور، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب وهو يودعه قاصدا العمرة: «لا تنسنا يا أخي من دعائك» (1) 1 (، فلا معنى ولا فائدة مطلقا في قول القائل: اللهم إني أسألك بحرمة كذا أو بحق كذا أو بجاه كذا، فإنه لغو من القول لا أثر له فإن التوسل إلى الله وطلب القرب منه ورضاه لا يكون إلا بتقواه واتباع ما شرعه، ومما شرعه أن تدعوه متجها إليه وحده مخلصا دعاءك بغير واسطة فإنه يقول لك: (أدعوني أستجب لكم) (2) 2 (، ويقول: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) (3) 3 (، أمعن النظر في قوله: (إذا دعاني) وتأمل هذا الشرط، ثم أمعن النظر في قوله: (فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون)، وتأمل جيدا هذا التفريع بالفاءيظهر لك فقه واسع دقيق في المسألة فتدرك أنه لا حاجة بالمسلم إلى أن يستعين في دعائه إلا بالتوجه الخالص إلى الله وحده معرضا عن كل ما سواه، ثم يشرك إخوانه المؤمنين أحياء وأمواتا في دعائه بالخير والمغفرة والرحمة ويطلب من الأحياء منهم أن
__________
(1) (1 (رواه أبو داود في باب الدعاء من كتاب الصلاة.
(2) (1 (الآية 60 من سورة غافر.
(3) (1 (الآية 186 من سورة البقرة. (1/77)
صفحة 56
يدعوا له بالخير والمغفرة والرحمة، ولو كان في التوسل بالجاه والحرمة والحق والبركة لبعض المخلوقات لورد شيء منه في أدعية الكتاب والسنة الكثيرة ولم يرد شيء من ذلك مطلقا وإنه ليشبه أن يكون شركا.
فإنه دعوة لما لا يملك ضرا ولا نفعا ومن لا يغنه دعاء الكتاب والسنة وما كان على غراره فلا أغناه شيء، هذا ما أمكن تحريره الآن وعليك بالاطلاع على ما كتبه الإمام الحجة الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار في آية المائدة: (اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة)، فإنك تجد فيه ما يشفي غليلك في مسألة الوسيلة وتجد فيه بيان ما اشتبه عليك أمره في المسألة مما أشرت إليه في كتابك، وإن أردت توسعا أكثر من ذلك فعليك بكتاب شيخ الإسلام «ابن تيمية»، المسمى «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة»، وهو مطبوع متداول.
حفظك الله وسلمك لأبيك: بيوض إبراهيم بن عمر. (1/78)
صفحة 57
إعجاز القرآن.
سؤال: ما هو رأي الإباضية في إعجاز القرآن؟
الجواب: أما سؤالك عن رأي الإباضية في إعجاز القرآن فقد جمعت لك في صفحات ثلاث ما تيسر لي نقله من بعض المصادر المعتبرة عند الإباضية قديما وحديثا ...
وأما عن رأي الإمام جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة –هكذا بالتحديد- فإني لم أعثر فيما بين يدي من مصادر مراجع ولا فيما حفظته عن أشياخنا من نص صريح بأن جابر بن زيد أو أبا عبيدة قالا كذا وكذا في إعجاز القرآن، ولكن ما تواتر عند علماء الإباضية مما تجده في الصفحات المشار إليها يدل على أن ذلك رأي أئمتهم الأولين.
قال قطب الأئمة العلامة الشيخ الحاج محمد بن يوسف طفيش في تفسيره الكبير «هميان الزاد إلى دار المعاد»، مخطوط في مكتبة القطب وفي بعض خزائن ميزاب وقد طبع قديما في زنجبار ولكن نسخ المطبوع نادرة جدا، لا تكاد ترى – قال في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله) (1) 1 (، بعد كلام طويل: وحكمة جعل
__________
(1) (1 (الآية 23 من سورة البقرة. (1/79)
صفحة 58
القرآن سورا تحقيق كون السورة بمجردها معجزة وآية من آيات الله عز وجل والإشارة إلى أن كل سورة طريق مستقل في نوعه، فسورة يوسف تترجم عن قصته، وسورة براءة تترجم عن أحوال المنافقين وأسرارهم والتنبيه على أن الطول ليس من شرط الإعجاز إذ كان منه طوال وقصار وأوساط وكلها معجز، وهذه سورة الكوثر آيات ثلاث وهي معجزة إعجاز سورة البقرة فلو تفاوت الإعجاز بالطول والقصر والتوسط لأمكن لهم أن يأتوا بمعجز قصير أو كادوا يأتون به، ولا يمكن لهم ذلك ولو اجتمع الخلق، فافهم.
ثم قال بعد كلام طويل جدا في تفسير الآية وفي حكمة تعدد السور واختلافها طولا وقصرا ما نصه: وقد اعترف الفصحاء بإعجاز القرآن وكان قد تحدى الله به من حيث تأليفه ومعانيه وإخباره بالغيب وكان في زمان هاجت فيه فحول الشعراء وفصحاء الكلام فتحداهم بتأليفه كما تحداهم بمعانيه وإخباره بالغيب وعجزوا كلهم وانكشفوا، وقد قال الوليد بن المغيرة في وصف القرآن: والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أصله لمغدق وإن أعلاه لمثمر، وقال أيضا في تفسير قوله تعالى في سورة يونس: (أم يقولون افتراه قل فاتوا بسورة مثله)، في الفصاحة والبلاغة فإنكم عربيون فصحاء مثلي و أكثر تناولا للكلام وتعاطي (1/80)
صفحة 59
أحسنه واختياره ... (وادعوا) للإعانة على الاتيان به (من استطعتم من دون الله)، ولو جميع الخلق (إن كنتم صادقين) (1) 1 (، في ادعائكم أن محمدا فتراه، فعجزوا كما قال الله سبحانه: (لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) (2) 2 (، وقال أيضا في تفسير قوله تعالى في سورة هود: (أم يقولون افتراه قل فاتوا بعشر سور مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) (3) 3 (، (مثله) في البلاغة والفصاحة والبيان وحسن النظم، وهذه السورة نزلت قبل سورة يونس تحداهم في سورة يونس بسور بعدما تحداهم في سورة هود بعشر، وعجزوا، وهذا كما يقول من يتعاطى الكتابة إن كتابته خير: اكتب عشرة أسطار مثل كتابي، وإذا بان له العجز سهل عليه فقال: اكتب سطر واحدا مثل كتابتي: إذ لا يصح أن يعجز في واحدة ثم يكلف عشرا، وعن بعض إن آية هود نزلت قبل سورة يونس، وأنكره المبرد وقال: إنه قال في يونس بسورة لأن المراد المماثلة في الإخبار عن الغيب وذكر الأحكام والوعد والوعيد، وقيل المراد هنا: المماثلة في حسن النظم، ولم يقل: بعشر سور أمثاله، لأن المراد
__________
(1) (1 (الآية 38 من سورة يونس.
(2) (2 (الآية 88 من سورة الإسراء.
(3) (3 (الآية 13 من سورة هود (1/81)
صفحة 60
أن كلا منهن تماثله، والإفراد في تأدية هذا المعنى أقرب من الجمع، والمراد حقيقة مماثلتهلا أن كل واحدة تماثل وحدها جميع القرآن، وأقول: لا مانع أن يتحداهم أولا بسورة ثم يتحداهم بأكثر على معنى أنكم عجزتم عن واحدة فكيف العشر؟ وقد يقال إنه مثل لهم بعشر إذ كان باب السور افتراء أي إن كان القرآن من الافتراء فالإتيان به سهل، فاتوا منه بعشر سور مفتريات فإنكم عرب فصحاء مثله، وألزم منه لطرق الكلام متدربون بالشعر والسجع ...
وقال أيضا في تفسير قوله تعالى في سورة الإسراء: (قل لئن اجتمعت الجب والإنس على أن ياتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) (1) 1 (، ... (ظهيرا) معينا على الإتيان بمثله مع ما في الناس من العرب الخالصة وأرباب البيان والتحقيق نزل ذلك لما قالت جماعة من قريش لو نشاء لقلنا مثل هذا فلو جئتنا بغير أية، والعرب لفصاحتها وبلاغتها اطلعت على ما فاق القرآن به سائر الكلام من البلاغة والفصاحة، وغير العرب يطلع على ذلك استدلالا ونظرا وحصل علم قطعي بذلك للكل متفاوت ليس في مرتبة واحدة، وتجد كثيرا من الناس
__________
(1) (1 (الآية 88 من سورة الإسراء. (1/82)
صفحة 61
بل أكثرهم لا يطلعون على ذلك وإن لقن لهم ظنوا أن سائر الكلام كذلك، والآية دليل على أن القرآن حادث مخلوق لأنه لو كان قديما لم يصح أن يتحداهم ويستعجزهمبالاتيان بمثله، لأن العجز إنما يكون حيث تكون القدرة بالفعل أو بالإمكان لا حيث يستحيل الإتيان بمثله، فلا مدخل عليه للعجز ولا للقدرة، ولو قيل ذلك لجاز وصف الله بالعجز لأنه لا يوصف بالقدرة على المحال، إلا أن يكابر القائلون بقدمه فيقولون: الله قادر على المحال، أو يقلب الحقيقة فيقول: إنه لو كان مخلوقا لأتوا بمثله ...
وقال في تفسيره المسمى «تيسير التفسير» وهو مطبوع طبعا حجريا في عاصمة الجزائر عام 1325هـ في سبعة مجلدات في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: (فأتوا بسورة من مثله)، أي بسورة هي مثل ما أنزلنا في البلاغة وحسن التأليف والإخبار بالغيب مع الصدق (ص26 ج1)، وقال في تفسير سورة يونس (فأتوا بسورة مثله) أي في الفصاحة والبلاغة (ص48 ج3)، وقال في تفسير سورة هود (فأتوا بعشر سور مثله)، في الفصاحة والبلاغة والحكمة والإخبار بالغيوب (ص145 ج3)، وقال في تفسير سورة الإسراء عند قوله تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن)، فصاحة وبلاغة (1/83)
صفحة 62
(ص780 ج3)، وفي نفس الصفحة: نزل ذلك ردا عليهم إذ قالوا: (لو نشاء لقلنا مثل هذا)، كذبوا لا طاقة لهم بفصاحته وبلاغته كما لا طاقة لهم في اخباره بالغيوب.
وقال في كتابه «شامل الأصل والفرع» المطبوع بالمطبعة السلفية بالقاهرة عام 1348هجري، بعد كلام طويل في عدة صفحات على ترتيب آي القرآن ونزوله على سبعة أحرف ما نصه: قيل كان معجزا لكونه بسعبة أحرف، والتحقيق عندي أنه معجز بنظمه ومعجزا أيضا بمعانيه، وقال بعض بنظمه، وبعض بمعانيه، وبعض بمجموعها (ص48 ج1) اهـ.
وقال القطب أيضا في كتابه «الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص» طبع بالمطبعة السلفية بالقاهرة عام 1343 هجري، عند الكلام على الإيمان بكتب الله عموما وبالقرآن خصوصا ما نصه: والإعجاز بالإيجاز والبلاغة والبيان والفصاحة، وبعدم كلال قارئه وملل مستمعه وبخرق العادة في نظمه، وبالإخبار بالغيب وبأخبار من مضى وبجمعه علوما لم يجمعها عن معارضته، وعارضه قليل فافتضحوا (ص21 - 22). (1/84)
صفحة 63
هذا ما أمكن نقله من كلام أكبر علماء إباضية المغرب في القرن الثالث عشر والرابع عشر، الشيخ محمد بن يوسف طفيش المولود عام 1236 هـ والمتوفى عام 1332هـ.
ودونك ما أمكن نقله كذلك من كلام أكبر علماء الإباضية بالمشرق (عمان) الشيخ عبد الله بن حميد السالمي المتوفى في نفس العام الذي توفي فيه عالم المغرب، هو عام 1332هـ، قال في منظومته الألفية المسماة «شمس الأصول»:
أما الكتاب فهو نظم نزلا على نبينا وعنه نقلا
توترا وكان في إنزاله إعجاز من ناواه في أحواله
وقال في شرح البيتين من شرحه نفسه لهذه المنظومة المسمى «طلعة الشمس» المطبوع في جزأين بمطبعة الموسوعات بشارع باب الخلق بالقاهرة في أوائل هذا القرن ما نصه: عُرف الكتاب والمراد به كتاب الله تعالى بأنه النظم المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم المنقول عنه تواترا، والحال أن في إنزاله إعجاز من قصد معارضته في شيء من أحواله من نحو بلاغته الباهرة وتراكيبه الظاهرة، وبراهينه القاهرة (ص27 ج1)، وقال: في منظومته في أصول الدين المسماة «أنوار العقول»: (1/85)
صفحة 64
والأصل للفقه كتاب الباري إجماع بعد سنة المختار
وقال في شرحه لهذا البيت في شرحه الصغير الذي وضعه هو نفسه لمنظومته «أنوار العقول» المسمى: «بهجة العقول»، وهو مطبوع على هامش الجزء الأول من «طلعة الشمس» الآنف الذكر ما نصه: أصول الفقه ثلاثة: كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع المهدتين من الأمة، فأما الكتاب فلأنه معجز وهو من عند الله ولا شك، ولا يسع جهله، بل ولا الشك فيه لمن قامت عليه حجته، واختلف في وجه إعجازه هل هو من حيث التركيب على أنه أفحم البلغاء فيها، أو من حيث الإخبار بالغيب، أو من حيث إخباره عن الأمم الخالية، أو من حيث عدم التناقض فيه، مع طوله؟ أقوال والظاهر أن كل ذلك معجز.
هذا ما أمكن نقله من أقوال بعض الأعلام الإباضية المتأخرين في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجري.
ودونك بعض ما قاله الأئمة المتقدمون، قال الشيخ الإمام أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفيالمارغني، وهو من علماء القرن الخامس والسادس الهجري في كتابه الذي وضعه في أصول الدين وعلم الكلام والتوحيد ويسمى «كتاب السؤالات» لأنه سلك في تأليفه طريقة السؤال والجواب، وهو مخطوط موجود في بعض الخزائن الخاصة والعامة ولم يطبع. قال في (1/86)
صفحة 65
السؤال التاسع والأربعين: الفرائض لا يصح عملها إلا بعلمها.
وبعضها حجة لبعض ... إلى أن قال: والحجة في التكليف العقل الصحيح والحجة التي يعتصم بها العباد من الضلال والكفر الكتاب والسنة، والحجة التي يثبت بها فرض الدين على العباد الكتب والرسل، والحجة في صواب المصيب وخطإ المخطئ الأصل المجتمع عليه من الكتاب والسنة، والحجة فيما يسع هو أن تعلمه من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مما أجمع عليه المسلمون مما دانوا به، ثم قال بعد كلام طويل في بيان أقسام الحجة ما نصه: والحجة في الكتاب الإجماع والإعجاز، وأقل ما يثبت الإعجاز به في القرآن سورة لقوله تعالى: (قل فأتوا بسورة مثله)، وأقلها ثلاث آيات وهي سورة الكوثر، فثبت أن الإعجاز يقع بثلاث آيات، فإن قال بماذا كان القرآن إعجاز فقل نظامه وسرده، وقيل علم الغيب، وإن قال بماذا جاز فيه التكرار ... وبعد كلام طويل في صفحات أقام فيها الحجة بإجماع أهل الملل كلهم بأن القرآن من قبل محمد صلى الله عليه وسلم ظهر فشهر، ومن قبله نجم فبهر ... قال ما نصه: فإن قال هب الأمر كما ذكرتم بأن من قبل محمد صلى الله عليه وسلم ظهر ومن قبله نجم وبهر فمن أي وجه صار معجزا؟ قلنا من ثمانية أوجه: (1/87)
صفحة 66
أحدها الإيجاز والبلاغة كقوله عز وجل: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب)، فجمع في كلمة عدد حروفها عشرة، فوائد كثيرة، ومتى عارض بعض اليهود هذه الكلمة بقول العرب: القتل أنفى للقتل، قيل له فأين هذا من هذا، الأول عشرة أحرف، وهذه أربعة عشر حرفا، والثاني البيان والفصاحة كالذي حكى أبو عبيدة قال: سمع رجلا يقرأ: (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا)، قال شهدت بأن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام، سمع آخر رجلا يقرأ: (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين)، فقال سجدت لفصاحة هذا الكلام، والثالث أن قارئه لا يكل ومستمعه لا يمل، والرابع كونه خارقا للعادة وخارجا عن سائر نظومات العرب من سجعهم وشعرهم وخطبهم، والخامس ما انطوى عليه من أخبار الغيوب ...
والسادس هو ما أخبر عنه من أخبار الماضين وأحاديث الأولين ... والسابع كونه جامعا لعلوم لم تكن في غيره من الكتب من الحلال والحرام والقصص والأخبار والمواعظ والأمثال ... والثامن الصرفة صرف همهم عن معارضته ولو عارضوه لما قدروا عليه بشيء ... (1/88)
صفحة 67
هذا ما قاله صاحب السؤالات وهو بعد كل وجه من وجوه الإعجاز يؤيده بأخبار وروايات، وقد نقل عنه من جاء بعد من المؤلفين هذه الأجوبة كما فعل الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن عمرو بن أبي ستة، في حواشيه على كتاب «قواعد الإسلام» لمؤلفه الشيخ أبي طاهر بن موسى الجيطالي، صاحب كتاب «القناطر» حيث قال في الحواشي المذكورة ما نصه: «وذكر أيضا في السؤالات أن إعجاز القرآن من ثمانية أوجه أحدها الإيجاز ... الخ».
وأظن أن في هذا القدر ما يكفي لبيان رأي الإباضية في وجوه إعجاز القرآن ولم نر من ذكر الصرفة من وجوه الإعجاز من الإباضية إلا الشيخ أبا عمرو صاحب «السؤالات» على أنه قد جعل الصرفة الوجه الثامن مضموما إلى الأوجه السبعة التي يقول بها الجمهور.
أما الاقتصار على الصرفة كسبب واحد للإعجاز فإنه لم يبلغنا عن إمام من أئمتنا المتقدمين والمتأخرين، وإذا ذكر في بعض كتبهم فإنما يذكر كقول منسوب لغيرهم.
سؤال: هل العبادات يرتبط بعضها ببعض؟.
الجواب: الصوم والصلاة والزكاة والحج وجميع فرائض الدين غير التوحيد مرتبطة ببعضها باعتبار، ومنفصلة باعتبار، فمن وجه وجوب القضاء وصحة الأداء، منفصلة تمام (1/89)
صفحة 68
الانفصال، فمن حافظ على صلاته وأضاع صومه ثم تاب، قضى الصوم دون الصلاة اتفاقا والعكس، وهكذا فيما عداهما، لا يبطل فرض بتضييع الآخر إلا إن كان شرط صحته، كالوضوء مثلا، أو كالوقوف في عرفات للحج، وأما من جهة النجاة في الآخرة فإن جميع الفرائض مرتبطة بعضها ببعض تمام الارتباط، فمن مات مضيعا لفريضة من الفرائض كالصلاة مثلا غير تائب ولا نادم، فإنه يخلد في النار ولا ينفعه سائر عمله، وقل مثل هذا في الذي مات مضيعا لزكاة ماله غير تائب ولا نادم ولا موص بها، وهذا معنى قول الشيخ أبي نصر رحمه الله:
ألا كل شيء ذاهب منه بعضه ففي بعضه مستمتع للمرقن
سوى الدين مهما زال منه أقله مضى كله والبعض من ذاك لا يغني
وهذا معنى نفي الإيمان عن تارك فريضة ومرتكب معصية كما تشهد به عشرات الآيات وعشرات الأحاديث في جميع كتب السنة، وما هي عن مثلكم بخافية.
سؤال: ما حقيقة الصراط في الآخرة؟
الجواب: قال تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه)، اختلف العلماء في معنى الصراط فقالت (1/90)
صفحة 69
الأشاعرة هو جسر يمر على جهنم أدق من السيف وأرق من الشعر، وقالت الإباضية هو طريق الحق، ولكن كلا منهم نظر إلى ناحية وترك الأخرى، والقول الحق أنهما صراطان: أما الصراط الذي ورد في القرآن في قوله تعالى (اهدنا الصراط المستقيم)، وقوله: (ويهديهم إليه صراطا مستقيما)، وغيرها من الآيات، فهو بمعنى طريق الحق. وقد ثبت كذلك بالقرآن والسنة، وأن الصراط جسر يمر على جهنم أو على حافتها كما في قوله تعالى: (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين في جثيا)، يعوزنا هنا بعض الأحاديث وقد ثبت أنهم يمرون عليها، أما أصحاب جهنم فيسقطون فيها، وأما الناجون فيمرون سالمين، وأما صفة هذا الصراط ومكانه فذلك من علم الله تعالى ولا دخل لعقول العباد فيه، وهذه المسألة ليست من الأصول التي يجب على العباد أن يكفر بعضهم بعضا لأجلها، لأنها لا تتعلق بصفة من صفات الله تعالى.
سؤال: وصلني كتابك تسأل في عما يشاع من نزول عيسى بن مريم في آخر الزمان، أصحيح هو أم خرافة؟
الجواب: قد روى بعض أصحاب الحديث في ذلك (1/91)
صفحة 70
أحاديث لا نعلم مبلغها من الصحة، وهي في مجموعها لا تفيد علما يقينيا، والاعتقاد في مثل هذه الأمور الغيبية لا يمكن أن يبنى إلا على أدلة قطعية، وأنى لمثل هذه الأدلة في مسألة نزول عيسى، وعليه فجوابنا عن سؤالك هذا هو: الله أعلم.
والسلام عليك أولا و آخرا، والاشتغال بغير هذا من المهمات الدينية والدنيوية أولى وأحرى، لأن البحث فيما سألت عنه لا يأتي بنتيجة مطلقا مهما طال وامتد فلا يعدو أن يكون تضييعا للعمر فيما لا فائدة فيه.
حفظك الله ورعاك لأخيك: بيوض إبراهيم بن عمر.
سؤال: حضرة الأستاذ الجليل: أرجوكم تحقيق القول فيما قرأته من بعض الكتب في سياق الحديث عن نزول القرآن الكريم وقد وردت فيه العبارة التالية: «فمنهم من قال إن الله أملاه (القرآن) على جبريل عليه السلام مرة واحدة وجبريل هو الذي ينزله حسب الأسباب والواقف على الرسول ... »، وما رأي الإباضية في المسألة؟.
الجواب: ما سمعنا قط بهذا القول الذي ذكرته في رسالتك، ونصه: «فمنهم من قال إن الله أملاه (القرآن) على جبريل عليه السلام مرة واحدة وجبريل هو الذي ينزله حسب الأسباب والواقف على الرسول». (1/92)
صفحة 71
وإننا لنستغفر الله من كتابتنا لهذا الكلام الذي لا نظن بمسلم مؤمن بالله حق الإيمان أن يجرؤ على مثل هذا القول، والله تبارك وتعالى منزل الكتاب يقول في وصفه: (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ) (1) 1 (، ويقول: (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين) (2) 2 (، وكل ما بلغنا من خلاف إنما هو في تأويل قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) (3) 3 (، (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) (4) 4 (، (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) (5) 5 (، مع العلم بأن القرآن نزل منجما في بضعة وعشرين عاما وهذا أمر يقيني لا شبهة فيه ولا ريب، فرأى بعض العلماء اعتمادا على بعض الروايات أن نزوله في ليلة القدر في رمضان إنما هو نزوله إلى السماء الدنيا جملة واحدة في ليلة القدر، ومنها إلى الأرض منجما كما هو معلوم، والمحققون على أن نزوله في ليلة القدر إنما هو ابتداء نزوله، والآية من القرآن تسمى قرآنا، ومهما يكن فإنه لا يجوز أن يقال إن جبريل هو الذي ينزله حسب الأسباب والمواقف على الرسول بعد أن كان
__________
(1) (1 (الآيتان 21 - 22 من سورة المعارج.
(2) (2 (الآية 77 - 80 من سورة الواقعة
(3) (3 (الآية 1 من سورة القدر.
(4) (4 (الآية 3 من سورة الدخان
(5) (5 (الآية 185 من سورة البقرة. (1/93)
صفحة 72
حفظه جملة قبل ذلك، فإن القرآن كلام الله وهو الذي ينزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل الروح الأمين، والله وحده عالم بالغيب والشهادة العليم بمقتضيات وأسباب النزول، فيوحي بما يشاء إلى الروح الأمين ليبلغه إلى الرسول الأمين الذي يبلغه إلى الناس أجمعين، وهذا من الأمور الغيبية التي لا ينبغي الخوض فيها لأن حقيقتها لا تعرف إلا بوحي من الله وقد انقطع الوحي وختمت الرسالة بموت خاتم النبيئين فلا مطمع في الوقوف على حقيقة ذلك.
فليست المسألة مسألة مذاهب فقهية حتى تسأل فيها عن مذهب الإباضية ونسبة التنزيل حسب الأسباب والمواقف إلى جبريل من محفوظه المنزل عليه قبل فيه من الخطر ما فيه فاتقوا الله وكفوا عن هذا.
سؤال: ما الفرق في الأصول بين عقيدة الجناوني وعقيدة الشيخ عمر بن جميع الجربي المترجمة عن البربرية؟.
الجواب: إنه لا فرق في الأصول بين عقيدة الجناوني وعقيدة الشيخ عمر بن جميع المترجمة عن البربرية، ولا أعرف على وجه التحقيق من هو مؤلف النص البربري، كما لا أعرف كذلك أيهما الأقدم. (1/94)
صفحة 73
الطهارات (1/95)
صفحة 74
[صفحة بيضاء] (1/96)
صفحة 75
الطهارات والنجاسات
سؤال: ما حكم الكحول طهارة ونجاسة؟ وما حكم العطور المختلطة به؟
الجواب: أما سؤالك عن طهارة الكحول أو نجاسته وعن حكم العطور المختلطة به، فاعلم أن أصل هذا إنما هو اختلاف الفقهاء في نجاسة عين الخمر وطهارتها، ونحن نحتار القول بطهارة العين ولا دليل قطعي على نجاستها، وأما الكحول المتخذ للوقود أو للتعقيم أو التطهير وقتل الجراثيم وللأدوية وللعطور، فليس في الاصطلاح يسمى خمر، ولا يمكن أبدا أن يعطى حكم الخمر في نجاسة العين حتى عند القائلين بنجاستها فإنه مطهر مزيل لكل خبث قاتل لجراثيم العفونات والأمراض فلا يمكن أن يقال فيما هذا طبيعته إنه نجس بالظن.
هذا مع عموم البلوى باستعماله بصورة واسعة جدا وضرورية، فقد أصبح من لوازم البيوت، تضمخ به الأيدي عند إرادة معالجة الجراح، وتغسل به عند التلوث ببعض هذه الجروح، كما تعقم به أدوات العمل واللفافات. (1/97)
صفحة 76
هذا وأنت تعلم أن لعموم البلوى اعتبارا في الشرع فيما لا قطع فيه، نعم إن شربه للسكر صرفا أو ممزوجا حرام قطعا لاريب فيه.
هذا ما من الله به في الجواب وأرجو أن يكون عين الصواب.
سؤال: ما حكم الكحول على اختلاف أنواعه؟ أطاهر هو أم نجس؟
الجواب: الكحول طاهرة العين سواء منه ما كان للوقود أو ما يدخل في الأدوية والعطور فلا نجاسة فيه ولا ينتقض الوضوء بمسه، وتجوز الصلاة بالأثواب المضمخة به.
سؤال: هل العطور التي فيها كحول نجسة؟.
الجواب: إنها طاهرة وإن مادة الكحول طاهرة مطهرة مذهبة لكل درن، معقمة لكل ما يخشى منه عدوى مضرة فلا وجه مطلقا للقول بنجاستها حتى عند من يرى نجاسة عين الخمر، وهو قول مرجوح. (1/98)
صفحة 77
فتوى أخرى في العطور
وأما الكحول (الألكول) الذي يمتزج مع العطور فإنه طاهر لا نجاسة فيه ولا تنجس الروائح الممتزجة به.
سؤال: ما حكم الرائحة الطهارة أم النجاسة؟
الجواب: الظاهر أنك تسأل عن الروائح الطيبة أعني العطور بمخلف أنواعها، فاعلم أنها طاهرة لا ريب في ذلك، وإنها من الطيبات لا من الخبائث، وقد يشتبه عليك الأمر بالكحول الذي يمزج بها، فاعلم أنه في أصله طاهر غير نجس، فلا ينجس ما مزج به.
سؤال: ما حكم الروائح التي تملأ واجهات أكثر متاجرنا من ناحية استعمالها أطاهرة أم نجسة؟.
الجواب: إننا لا نعلم أن شيئا من النجاسات المنصوص عليها شرعا يدخل في تركيب هذه الروائح العطرية التي تشير إليها، فمن أين تأتيها النجاسة أو يرتاب في طهارتها؟ فهي عندنا طاهرة طيبة.
سؤال: ما حكم الصابون فما تحققتم أنه خال من شحوم الحيوانات وودكها فهو طاهر، وما تيقنتم خلطه بها، فنجس. وما توقفتم فيه فدعوه واتركوه حتى تعلموا ما فيه، (1/99)
صفحة 78
واحتاطوا لأنفسكم، وتحروا لدينكم، فإن ترك الذنب أيسر من التوبة، ولا يعدل العاقل بالسلامة شيئا.
وأما الماء المعبر عنه (بالزاوق) فإنني لا أعرف أصله غير أنه اشتهر عند الناس أنه معدن، فإذا كان كذلك فهو طاهر، والظاهر أنه معدن كما يقول الناس، ومن السهل عليكم وأنتم قريبون من علماء الكيمياء أن تقفوا على أصله ولا يكلفكم ذلك تعبا ولا نفقة.
7صفر 1357ه الموافق لـ 29 مارس 1939م
فتاوى أخرى في الصابون ثم في العطور الممتزجة بالكحول.
وبعد، فإننا لم نحكم بطهارة ولا بنجاسة نوع خاص من الصابون كما نقل إليك عنا، وإنما قلنا بطهارة ما تحقق أنه خال من الشحوم، وأن ودكه زيت خالص معتصر من نبات زيوت أو غيره.
وأما الروائح فأصلها من الزهور ولكن بعضها يمزج بالكحول، فما لم يزج بهذه المادة فهو طاهر قطعا لا شبهة فيه، وما مزج بالكحول فإن خلاف العلماء في طهارته ونجاسته ثابت، وقد اختار الشيخ إبراهيم طفيش طهارته وأفتى بها، كبعض كبار العلماء من قومنا وليس عندنا ما ندفع به حجتهم من دليل قاطع فقبلناها.
القرارة: 11 ربيع الأول 1357ه (1/100)
صفحة 79
سؤال: ما حكم أثر النجاسة بعد تمام غسلها؟
الجواب: إذا أصابت الثوب نجاسة ما: منيا أم دما أو غيرها وجب غسله، فإذا اجتهد في غسله حتى كان ماء الغسيل ينزل نظيفا خاليا من لون النجس فإن الأثر الذي يبقى في الثوب بعد ذلك لا يمنع من الصلاة فيه.
سؤال: ما حكم البلل الخارج من العرق وليس بدم ولا بول ولا يخرج من أحد السبيلين؟
الجواب: إن حكمه الطهارة فإن النجاسة إنما هي فيما خرج من أحد السبيلين القبل أو الدبر وفي الدم المسفوح الخارج من أي جزء من أجزاء الجسم عرقا كان أو غيره، وأما ما لم يكن دما كالقيح وما يشبهه من مادة بيضاء أو صفراء مثلا فإنه طاهر غير نجس.
سؤال: ما حكم الثياب المتنجسة التي غسلت غسلا جيدا بالماء والصابون ولم يبق أثر للنجاسة بها وأزيلت رغوة الصابون بالماء أخيرا بيد أن الغاسل لم يقل: «بسم الله، الله أكبر» عند نهاية الغسل أطاهرة هي أم نجسة؟.
الجواب: إن إزالة النجس من الأبدان والثياب وغيرها من المتنجسات أمر معقول المعنى، لا تجب فيه نية، وتتم الطهارة بزوال أثر النجاسة، فيحكم بطهارة ذلك الشيء الذي كان متنجسا ولا يشترط في ذلك أي شرط غير التحقق من (1/101)
صفحة 80
زوال أثر النجاسة. أما ما يعتقده بعض الجهلة من النساء وأشباههن من أن الغاسل للشيء المتنجس لابد أن يقول عند إمراره الماء أخيرا على المغسول: «بسم الله، الله أكبر» وإن لم يقل ذلك فإن الشيء المغسول يبقى نجسا، فهذا لا أصل له في الشريعة وهو خطأ واعتقاد باطل، ولا يلتفت إليه مطلقا، فإن المقصود بالذات في التطهير إنما هو إزالة أثر النجاسة من المتنجس فقط بدون قيد ولا شرط، نعم ينبغي للمسلم إذا أراد أن يشرع في أي عمل ذي بال أن يقول «بسم الله»، حتى يبارك الله له في عمله ويعنيه عليه، وييسر له أسباب نجاحه، كما ورد في الحديث الشريف: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر» (1) 1 (، أي لا يبارك الله فيه.
سؤال: ما حكم ثوب المحتلم؟
الجواب: من استيقظ من نومه وقد أجنب فوجد أثر المني في بعض ثيابه فإنه لا ينجس من ثيابه التي كان لابسها في حال نومه إلا ما وجد فيه أثر المني، وأما غيره فطاهر، فلا يجب عليه إلا غسل النجاسة فقط.
__________
(1) (1 (رواه أحمد في صفحة 359 من الجزء الثاني من مسنده بلفظ: كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتتح بذكر الله عز وجل فهو أبتر، وقال أقطع. وأرده الألوسي في تفسير فاتحة الكتاب من تفسيره «روح المعاني». (1/102)
صفحة 81
دم الحيض والنفاس
سؤال: امرأة نفست قبل الصبح فهل تغتسل للظهر والعصر يوم الأربعين؟
الجواب: أما إذا رأت الطهر في يوم الأربعين أو قبله فإنها تغتسل وتصلي الصلاة التالية وجوبا إجماعا بلا خوف مطلقا بين علماء الأمة، فإن الطهارة لا تكذب، كما يقول الفقهاء، وأما إن دام بها الدم إلى تمام الأربعين ولم تر طهرا فإنها تنتظر ثلاثة أيام على القول المشهور المعتمد في الفتوى ثم تغتسل وتصلي، ومعلوم بالضرورة أنها إن رأت الطهر داخل ثلاثة أيام اغتسلت وصلت، للقاعدة المتقدمة.
تبقى مسألة حساب الأيام أين يبتدئ وأين ينتهي وهذا هو ما أشكل عليك على ما يبدو من نص سؤالك، فاعلم أن حساب الأيام في الحيض والنفاس، إما أن يكون من ساعة لساعة، أعني من ساعة نزول الحيض أو وقوع النفاس إلى مثلها، بعد الأيام المعدودة، وهذا هو الأظهر الموافق لطبيعة الأشياء والذي اختاره قطب الأئمة الشيخ اطفيش رحمه الله، وهذا لا إشكال فيه ولا لبس، وإما أن يكون من الطلوع والغروب، أعني أن المرأة إذا حاضت أو نفست بعد طلوع الفجر أو طلوع الشمس عند بعض، تلغى ذلك اليوم، ولا تعده من الأربعين في النفاس أو من أيامها المعتادة في الحيض، وإنما تبتدئ الحساب من غروب شمس ذلك اليوم (1/103)
صفحة 82
أي اليوم التالي، وإن حاضت أو نفست قبل طلوع الفجر أو قبل طلوع الشمس عند قوم، ابتدأت الحساب من ذلك اليوم، فمسألتكالتي نصصت فيها أن الولادة وقعت قبل الصبح فإن ذلك اليوم محسوب قطعا، أما اليوم الذي تكمل به الأربعين فليس عليها من ظهره ولا من عصره شيء، ويبدأ انتظارها من غروب ذلك اليوم عند من يقول بالانتظار وهو الجمهور، ومن لم يقل به فإنها عنده تغسل بعد المغرب للمغرب والعشاء وما بعدهما.
سؤال: امرأة تدعي أن في رحمها جنينا راقدا منذ مدة، ولكنها تحيض دائما كالمعتاد، فهل تعتبر هذا الحيض وتترك الصلاة في أيامه أم تصلي بالدم؟
الجواب: إننا لا نعترف بهذا الراقد، وانتظام الحيض دليل على بطلانه، فلتتبع طريقتها المعتادة المشروعة بأن تترك الصلاة أيام حيضها وتصلي أيام طهرها، لا يجوز لها غير ذلك.
سؤال: هل يجوز للنفساء أو الحائض أن تنقض شعرها وتغسل رأسها من شدة ودكها قبل يوم الغسل الشرعي، بعد رؤية الطهر، وإنما تغمز قرونها غمزا من غير نقض؟. (1/104)
صفحة 83
الجواب: نعم يجوز لها أن ذلك إن لم تطل المدة بين نقضه وغسله أولا، وغسل الطهارة الشرعي، ولم يقيد الفقهاء المدة بعدد معين من الأيام، فالمرأة هي الخبيرة بحالها وبطبيعة شعرها، فلها وحدها الحكم في ذلك، فإذا وجدت تلبدا أو ودكا نقضت وإلا غمزت.
سؤال: ما كيفية غسل شعر المرأة للجنابة، وهل يجب عليها في كل مرة نقض ضفائرها وإيصال الماء إلى أصول الشعر وجلد الرأس؟ مع ملاحظة أن كثرة الماء تحدث فيها تساقطا؟.
الجواب: إن الأفضل هو حل الشعر وإيصال الماء إلى أصوله، ويجوز لها أن تصب الماء عليه مضفورا كما هو وتغمز ضفائرها (أي تضغط عليها بيدها) وإن تحقق تضرر الشعر بغسله ولو بهذه الصورة، جاز لها أن تترك غسله وتتيم له بعد غسل سائر بدنها، هذا في الجنابة، وأما في النفاس والحيض الطويل المدة فلا بد من نقضه وإيصال الماء إلى جلدة الرأس، أما الحيض القصير المدة، كثلاثة أيام وأربعة مثلا، فحكمه الجنابة، يكفي فيه صب الماء مع غمز الضفائر. (1/105)
صفحة 84
في المني والمذي وما شاكلهما والاغتسال من الجنابة
سؤال: ما حكم من استمنى عمدا وضيع الغسل لجهله بوجوبه عليه في هذه الحال؟.
الجواب: خروج المني موجب للغسل قطعا نصا وإجماعا لا نعلم في ذلك خلافا، كيفما كان السبب، جماعا حلالا أو حراما أو استمناء بيد أو نحوها أو احتلاما أو حتى بالنظر أو التفكر، ومع بقاء الجنابة بعدم الاغتسال لا تصح الصلاة. ولا عذر بجهل الوجوب فالمستمني الذي ظن أن الغسل غير واجب عليه لأنه فعل ذلك بنفسه لا بغيره هو، والمعتمد لترك الغسل مع العلم بالوجوب، سواء في بطلان صلاتهما وصومهما إن وقع ذلك في رمضان ليلا أو نهارا.
على هذا المضيع غسل الجنابة جهلا بوجوب ذلك أو تعمدا، قضاء كل صلاة صلاها بجنابة مع القدرة على الاغتسال، وأما رمضان فإن جنابته في ليله فلم يغتسل فإنه عليه قضاء كل يوم صامه متلبسا بجنابة سابقة من ليلته أو مما قبلها من ليال، وليس عليه غير القضاء شيء، وكذلك إن حدثت الجنابة في نهار رمضان بالاحتلام من غير تعمد وضيع الغسل، فإن حكمه كحكم سابقه، القضاء فقط لسائر الأيام التي صامها بجنابته تلك. (1/106)
صفحة 85
وأما إن أجنب في نهار رمضان بمباشرة زوجته الحلال أو بأية طريقة أخرى متعمدة كالاستمناء ونحوه، فإن هذا هاتك لحرمة رمضان، فاسق عاص، ينهدم صومه كله ولا نجاة له إلا أن يستشعر الندم على ما بدر منه ويتوب ويستغفر مما مضى ويقلع ويتوب توبة نصوحا، وهي العزم ألا يعود إلى الذنب كما لا يعود اللبن إلى الضرع، ثم يقضي جميع رمضاناته التي ارتكب في أنهارها هذه الفاحشة، ثم يكفر عن كل رمضان كفارة مغلظة، وكذلك الحكم لمن انتهك حرمة رمضان بالأكل أو الشرب تعمدا، عليه التوبة والقضاء والكفارة لكل رمضان هتك حرمته.
يندب ويستحسن للمجنب القادر على الاغتسال إذا كان وقت الصلاة المفروضة بعيدا، أن يتطهر من النجاسة وأن يتمم فيباح له مس المصحف وتلاوة القرآن والسجود ودخول المسجد، وما لا ينبغي أن يمارسه من الأعمال على غير طهارة، حتى إذا جاء وقت الصلاة اغتسل الغسل التام للتطهر من الجنابة بل ينبغي هذا حتى لمن أراد أن ينام بعد الجنابة فيتطهر من الأنجاس، ويتيمم وينام على طهارة، وبذكر الله بالأذكار الواردة عند النوم وعند الاستيقاظ من النوم ففي ذلك فضل كبير وتطهير للروح وتسريح لها لتسبح في ملكوت الله وتكون رؤياها صادقة بفضل الله. (1/107)
صفحة 86
لا يجب الاغتسال من المذي وهو ما يخرج من الرجل عند التشهي أو المداعبة مع زوجته مثلا، وليس ذلك بجنابة ولا يجب منه الاغتسال.
لا مانع من حلق الشعر أو تقليم الأظافر قبل الاغتسال من الجنابة.
المسح على الخفين
سؤال: من أين تواتر مع قومنا المسح على الخفين حتى خفي على أوائل أصحابنا رضي الله عنه؟
الجواب: إن المسح على الخفين مما اشتهر فيه الخلاف في الصدر الأول، ولم يخف من ذلك شيء على أوائل أصحابنا رضي الله عنهم، فروى فيه الربيع رحمه الله عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس وعن عائشة ما يدل على المنع منه. وعلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعله.
وقال الربيع رحمه الله في مسنده بعد روايته لأحاديث المنع: (والله أعلم بما يرويه مخالفونا في أحاديثهم) وقال بعضهم في الجمع بين الروايتين المتعارضتين في مسح النبي صلى الله عليه وسلم على خفيه وعدمه، أنه كان قد مسح قبل نزول آية المائدة ثم ترك المسح لنسخه بقوله تعالى: (وأرجلكم إلى الكعبين) (1) 1 (، في الآية المذكورة، على أنه قد روي
__________
(1) (1 (الآية 6 من سورة المائدة. (1/108)
صفحة 87
عنه صلى الله عليه وسلم أنه ما ليس الخفين قد بعد نزول الآية، والخلاف بعد مشهور بين علماء الأمة قديما وحديثا في الجواز والمنع وفي شروط الجواز على القول به، وقد قال بعض العلماء في أحاديث المسح «أظنها كلها موضوعة لم تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم» ولا نرى نحن وضع هذه الأحاديث كلها، وإنما الذي نميل إليه هو أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح أولا وترك أخيرا، فروى كل صحابي ما رآه ولم يره غيره، أو علمه لم يبلغه بعد ذلك ما جد غير ما علمه، وقد تفرق الصحابة في الأمصار وأطراف الجزيرة العربية، فتحدث كل بما سبق إليه علمه وروى الناس عنهم ما سمعوا منهم من أحاديث، وهذا من أعظم الأسباب في اختلاف الأئمة في مسائل كثيرة لا تكاد تعد ولا تحصى ولعل في هذا الاختلاف رحمة بالأمة، وبعد كل هذا فما من شك في أن غسل الرجلين أولى وأحوط وأسلم. وقد ذهب جميع القائلين بالمسح إلى أن الغسل أفضل.
في الوضوء ونواقضه
سؤال: تاجر يتوضأ فيصلي الظهر ثم يفتح دكانه فتدخل النساء للشراء وهن سافرات ومتبرجات فيتعامل معهن ولكنه لا ينظر إليهن بشهوة، وإنما يعتبرهن مثل الرجال، فهل ينتقض وضوءه؟. (1/109)
صفحة 88
الجواب: إن مثل هذا لا ينتقض وضوءه وليس عليه إعادة، فليصل به العصر والمغرب والعشاء، ما لم ينقضه ناقض آخر، إنما الذي ينقض الوضوء هو النظر المتعمد المقصود بشهوة، كما صح به الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتقوا الله ما استطعتم، وغضوا من أبصاركم، واحفظوا فروجكم، ذلك أزكى لكم.
حفظكم الله وسلمكم
سؤال: إنسان أصيب بمرض تتكون منه غازات في بطنه تخرج منه ريح في كل وقت، فقد لا يكون بين نفس وآخر أكثر من خمس دقائق، فهل يسوغ له ترك الوضوء والاكتفاء بالتيمم؟.
الجواب: إذا كان الوضوء هو السبب في هذا المرض وأنه يزول عنه إذا ترك الوضوء، -وهذا ما لا نظنه- فإنه يجوز له ترك الوضوء، وإذا لم يكن للوضوء تأثير في المرض وإنما يشق عليه فقط تجديد الوضوء كلما انتقض بخروج الريح فإنه لا يجوز له ترك الوضوء، وإنما الذي يجوز له أن يجمع بين ا لصلاتين، الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، فيتوضأ ثم يقف لصلاتهما، ويجتهد في ضبط نفسه، ولا يضره بعد ذلك، ما خرج منه أثناء صلاته (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (1) 1 (.
__________
(1) (1 (الآية 286 من سورة البقرة. (1/110)
صفحة 89
في التيمم
سؤال: شخص ضعيف جهاز البول، يتطهر جيدا بإزالة قطرات البول ثم يستنجي ويتوضأ ولكن بعد ذلك بقليل تنزل منه قطرات بول، فيكيف يصنع بصلاته وطهارته، وهل يسقط عليه الاستنجاء والوضوء، ويكون واجبه التيمم؟.
الجواب: إذا كان ترك استعمال الماء في الاستنجاء والوضوء يزيل هذا الداء، داء قطر البول منه، وتحقق ذلك بتجارب متكررة، أعني أنه إذا استعمل الماء أصيب بهذا القطر، وإذا تركه ارتفع عنه، فإن هذا يسقط عنه فرض استعمال الماء فيتيمم، وأما إذا كان ترك استعمال الماء لا يؤثر في إزالة هذا المرض فإن عليه أن يستنجي ويتوضأ ويبادر إلى الصلاة ويجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، في أول الوقت أو وسطه أو آخره، كما يتيسر له، المهم أن يبادر إلى أداء الصلاة فور تطهره، قبل أن ينزل منه شيء، ولا يضره بعد هذا التحري ما يخرج منه.
الخلاصة: أنه يتوضأ لكل صلاتين ويجمع بينهما كما مر، وله أن يصلي جالسا ويضع تحت مخرج البول خرقة، ولا يضره ببطلان صلاته ما يخرج منه في تلك الحال، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
هذا ما من الله به في الجواب وأرجو أن يكون صوابا. (1/111)
صفحة 90
سؤال: هل يجب على من تيمم للجنابة لعذر شرعي أن يغتسل إذا وجد الماء؟.
الجواب: إذا تيمم المجنب للجنابة لعذر شرعي يسقط عنه الغسل ويبيح له التيمم ثم صلى بذلك التيمم صلاة فريضة من الصلوات الخمس فإن الجنابة ترتفع عنه ولا تبقى عالقة به فلا يجب عليه غسل لتلك الجنابة بعد ذلك إذا ارتفع المانع إلا أن تتجدد جنابة أخرى.
سؤال: ماذا يفعل من تعذر عليه الوضوء والاغتسال لسبب من الأسباب وهو يؤدي واجبه الوطني في الخدمة الوطنية؟.
الجواب: أما ما اشرتم إليه من بعض الصعوبات التي تعترضكم في سبيل الطهارة بالاغتسال والاستنجاء والوضوء فإنكم تعلمون أن من شروط صحة الصلاة طهارة البدن والثوب والمكان والاغتسال أو الوضوء، فإذا تعذر عليكم الاغتسال أو الوضوء لسبب من الأسباب فإن التيمم يجزيكم إن شاء الله وإياكم والتهاون أو الميل إلى الراحة والله معكم (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) (1) 1 (.
حفظكم الله وردكم إلى أهليكم سالمين معافين.
سؤال: ما الذي أصنعه إذا لم يكن عندي إلا ماء قليل لا يكفي للاغتسال وإنما يكفي للوضوء وعلي جنابة؟.
__________
(1) (1 (الآية 128 من سورة النحل. (1/112)
صفحة 91
الجواب: إذا لزمتك جنابة ولم تجد إلا ماء قليلا لا يكفيك للاغتسال وإنما يكفيك للوضوء فقط، فتوضأ به وتيمم للجنابة فتجزيك صلاتك إن شاء الله. (1/113)
صفحة 92
[صفحة بيضاء] (1/114)
صفحة 93
الصلاة (1/115)
صفحة 94
اتخاذ الوطن
سؤال: ما قولكم في بلدتنا (الأصنام) وفي القطر الجزائري كله، هل هو دار شرك، أم دار إسلام، ودار حرب أم دار سلم، وهل يجب الإتمام على المتأهل والمالك في الصلوات إن كانت دار شرك، أم يجب على كل منهما القصر لا الإتمام، وكذا إن كانت دار إسلام وسلم أيجب الإتمام بها؟ (1) 1 (.
الجواب: المعتمد في المذهب والذي عليه الجمهور هو أن البلاد التي غلب عليها سلطان المشركين دار شرك، لا دار إسلام، وإن كان مسلموها يظهرون فيها شعائر دينهم، وعليه فلا يجوز توطينها لغير أهلها الذين سبقوا الشرك فيها، وأما أهلها الذين دخل عليهم الشرك فيجوز لهم البقاء فيها واستمرار توطينها ما وجدوا لإظهار دينهم سبيلا، ولا تجب عليهم الهجرة منها لأن الهجرة منسوخة بعد فتح مكة أعزها الله، فبلاد الجزائر اليوم بما فيها ميزاب وغيره ككل المستعمرات التي تحكمها الدول المشركة –أوروبية وغيرها- دار شرك من حيث أنه لا يجوز لمن كان في دار إسلام كعمان أو الحجاز أن يوطنها، أما أن ينزلها لطلب العلم أو قضاء حاجة فقط فجائز.
__________
(1) (1 (وجه هذا السؤال إلى الشيخ رحمه الله إبان حكم فرنسا للجزائر، وهذا ما يصور نظرة الناس إلى الاستعمار يومئذ. (1/116)
صفحة 95
وأما من حيث الحكم على أهلها بالشرك والبراءة والقتل والغنيمة والسبي فلا، لتيقن وجود المسلمين فيها –كما يحل لهم- بل المسلمون فيها هم الأكثرون عددا وإن غلبوا على أمرهم. إذا تقرر هذا، فنحن معشر المسلمين الميزابيين والجزائريين يجوز لنا توطين ما شئنا من هذه البلاد لأننا سبقنا الشرك فيها، فدخل علينا، ولم نرد عليها، ومن وطن شيئا منها أتم وجوبا ولم يقصر.
وأما قولكم هل يجوز الإتمام على من تزوج في بلد وملك فيها دارا أم يجوز له القصر؟.
فاعلموا أن مذهب إمامنا أبي عبيدة –رحمه الله- أن من ملك دارا في بلد وأتم فيه ولو لم يتزوج، وقال غيره إذا تزوج أتم ولو لم يملك، فما بالكم بمن تزوج وملك، فاتخذ أهلا ودارا، فهذا يجب عليه الإتمام ولا يجوز له القصر، ولو لم ينو التوطين إذا كان مقيما في أهله وماله، لأن مجرد التأهل واتخاذ الدار توطين ولو لم ينو، هذا ما حققه وقرره الشيخ نور الدين السالمي –رحمه الله- وكفى به حجة وهذا ما ندين به ونفتي به، فصوابه أظهر من أن يخفى على عاقل، فمن التهاون بالدين والعبث بالشريعة أن يقيم الإنسان آمنا مطمئنا في دار بين ظهراني أهله وأولاده السنين الطوال ثم يقصر بدعوى أنه مسافر، إنه إن لم يكن هذا إقامة وتوطينا، فلا إقامة قط ولا توطين. (1/117)
صفحة 96
وأما دعوى البعض أن القصر واجب عليهم وإن تأهلوا أو ملكوا خارج ميزاب لأنها دار شرك، لا يجوز توطينها ولا الإتمام فيها فخطأ وباطل، لأنها لو كانت كذلك بالنسبة إليهم لحرم التزويج بها عليهم، فإن دار الشرك لا يجوز فيها نكاح ولا تسر ولا عتق ولا توطين ولا بناء دار ولا مسجد، وقد بينا قبل، أن البلاد التي فيها أكثرية مسلمة وشعائر الإسلام فيها ظاهرة، ولكن غلب عليها سلطان المشركين إنما هي دار شرك بالنسبة إلى غير أهلها من أهل دول الإسلام، فإنهم لا يوطنونها، لأن ذلك منهم رضا عن اختيار لحكم الطاغوت بعد حكم الله، فكأنهم خرجوا من ربقة الإسلام إلى غل الكفر والعياذ بالله، ويلحق بهم من نزع وطنه من دار الشرك، وقد كان من أهلها، فإنه لا يجوز له رده فيها، فما يكون له أن يعود في دار الكفر بعد إذ نجاه الله منها، وإن فعل فقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.
هذا ما من الله به في الجواب على سؤالكم بعد الرجوع إلى ما حققه الأئمة في المسألة، وأرجو أن أكون قد وفقت إلى بيان وجه الحق فيها، فإن كان صوابا فمن المولى الكريم سبحانه، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان فلا عصمة إلا للأنبياء عليهم السلام.
جمادى الثانية 1354ه
الموافق لشهر سبتمبر 1936م (1/118)
صفحة 97
سؤال: ذكرت في رسالتك أنك اتخذت أوطانا أربعة تصلي فيها صلاة حضر: الحجاز وغرداية وعاصمة الجزائر وأولني، وسألتني عن الحدود التي تفصل عن غيره، حتى يكون من جاوز هذا الحد مسافرا يقصر الصلاة، فدونك بعض الأحكام العامة في حكم الحضر والسفر، تستفيد منها جواب سؤالك.
الجواب:
1 - لا بد للإنسان في هذه الحياة أن يكون له وطن يعتبر فيه حضريا، وأن يكون له موضع آخر يعتبر فيه مسافرا، أعني أنه لا يجوز له أن يكون في الأرض كلها حضريا، لا سفر له، أو يكون في جميع الأرض مسافرا لا حضر له، لأن الله تبارك وتعالى ذكر الحضر والسفر، وشرع لكل واحد منهما أحكاما في العبادات.
2 - وطن الإنسان الأول وطن آبائه وأجداده، وله أن يتخذ بعد بلوغه وطنا آخر.
3 - وطن المرأة وطن زوجها.
4 - يجوز للرجل أن يتخذ أربعة أوطان منفصلة، كما له أن يتزوج أربع نسوة.
5 - ليس للوطن حدود باعتبار السعة والضيق وإنما هذا راجع إلى نية المستوطن، فيجوز له أن يتخذ قطر بأكمله مثلا وطنا له، كأن يتخذ القطر الجزائري كله بحدوده الأربعة وطنا له، وإنما الذي لا يجوز هو أن يتخذ الأرض كلها وطنا بحيث لا يكون مسافرا في أي جزء منها. (1/119)
صفحة 98
6 - إذا جاوز حد عمران وطنه بمقدار اثني عشر كيلومترا إلى أي جهة كانت صار مسافرا، وجرت عليه أحكام السفر، من تقصير الصلاة، ورخصة الفطر في رمضان وغير ذلك، وأما في حالتك الخاصة، فإننا نستحسن لك للخروج من الحيرة والشكوك والريبة أن تنوي اتخاذ مكة والمدينة وما بينهما وطنا تتم فيها الصلاة، فإذا جاوزت عمران مكة جنوبا أو عمران المدينة شمالا، بمسافة مقدار القصر أصبحت مسافرا، وإن أضفت إليهما جدة كان أحسن في نظرنا والكل وطن واحد.
وأما غرداية فنستحسن لك أن تتخذ منطقة ميزاب بقراه السبع وطنا كله، فإذا دخلت أمياله من جهة بريان أو القرارة أو العطف أو النمراط أو غيرها من الجهات كنت داخل وطنك، وإذا خرجت من أمياله من أي جهة من هذه الجهات صرت مسافرا وجرى عليك حكم السفر، أما داخل هذه الحدود فأنت حضري تجري عليك أحكام الحضر.
وأما الجزائر فنستحسن لك أن تتخذ العاصمة وضواحيها مما يسمى اليوم عرفا بالجزائر الكبرى وطنا واحدا، ويدخل فيها مطار العاصمة بالدار البيضاء، ولا نرى البليدة داخلة فيها، وأما أولني فيبدو لنا أن تتخذ باريس كلها وضواحيها بما فيها أولني والمطارات ودار العرش وكليشي وطنا واحداـ تتم الصلاة فيه أينما كنت، ولا تعتبر نفسك في أي ضاحية (1/120)
صفحة 99
من هذه الضواحي مسافرا، خاصة إذا كان يكثر ترددك عليها لقضاء الحاجات، وأظن أنه بهذه الكيفية تزول حيرتك واضطرابك وتطمئن نفسك لعبادتك.
تنيبه: حد مسافة القصر الذي هو اثنا عشر كيلومترا، كما ذكر آنفا، قد أخذه العلماء من المسافة التي بين المدينة المنورة وذي الحليفة ميقات أهل المدينة الذي حدده النبي صلى الله عليه وسلم كما هو مشهور.
سؤال: هل يجوز للإنسان أن يعتبر القطر الجزائري كله من أدناه إلى أقصاه وطنا له حيث لا يعتبر نفسه مسافرا في أي مكان كان في أرجاء القطر كله. فيتم الصلاة الرباعية ولا يتمتع برخص الله للمسافر في الصلاة والصيام والطهارة وغيرها، هذا هو السؤال مع بعض الشرح.
الجواب: إن الله تبارك وتعالى ذكر في آيات كثيرة من كتابه الكريم، وخصه بأحكام صريحة واضحة، فعلم من ذلك أن الإنسان على ظهر هذه الأرض إما أن يكون مقيما في وطنه فتجري عليه أحكام الإقامة، وإما أن يكون خارج وطنه فتجري عليه أحكام السفر، فلا يجوز مطلقا أن يكون مقيما في الأرض كلها، ولا أن يكون مسافرا في الأرض كلها كذلك، فلا بد إذن من أن يكون له على ظهر هذه الأرض مكان له يعتبر فيه مقيما لتجري عليه أحكام الإقامة شرعا، فإذا خرج منه وتجاوز عمرانه بمقدار ستة (1/121)
صفحة 100
أميال مثلما بين المدينة المنورة وذي الحليفة، كان مسافرا تجري عليه أحكام السفر شرعا، وهذه المسافة هي التي حدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيان حد السفر للخارج من وطنه، ولكن الشريعة لم تحدد للوطن ضيقا ولا سعة، وقد يكون قرية صغيرة أو مدينة متوسطة أو كبيرة، هي موطن الآباء والأجداد، وقد يكون حوزة أعني مجموعة قرى متقاربة متشابكة المصالح، إذا خرج من عمرانها بالمسافة المذكورة كان مسافرا شرعا، ويجوز له أن يتخذ قطرا من الأقطار كله بحدوده الأربعة وطنا له، كالقطر الجزائري كله، ينوي ذلك ويعتقده، فيكون أينما وجد في أي جزء من أجزائه حضريا، مقيما شرعا، فإذا جاوز حده إلى المغرب الأقصى أو تونس أو ليبيا مثلا كان مسافرا. إنما الذي لا يجوز هو أن يوطن الأرض كلها، والفقهاء يقولون: «لا وطن لمن وطن الدنيا».
أما تيسر وسائل النقل وراحة المسافرين وزوال المشقة عنهم فلا دخل لها في أحكام السفر مطلقا. فقد علم الله تبارك وتعالى ذلك، خفف الأحكام عن المسافرين بدون قيد أو شرط.
سؤال: وصلتني رسالتك تسأل فيها عن تقصير الصلاة في السفر، وهل له مدة محدودة، وعن مفهوم الوطن، وحد السفر، وعن أحكام أخرى تتعلق بالمسألة، فدونك الجواب باختصار: (1/122)
صفحة 101
الجواب: تقصير الصلاة الرباعية في السفر واجب ما دام الإنسان خارج حدود وطنه ناويا الرجوع إليه غير متخذ المكان الذي هو فيه وطنا ثانيا، وغير متأهل فيه ولا متملك دارا فيه، فإذا اتخذ الأهل والدار وجب عليه الإتمام، وإلا فلا حد لاعتباره مسافرا يقصر الصلاة مهما طالت المدة، الأفضل في السفر أداء كل صلاة في وقتها مع تقصير الرباعية، ويجوز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، في وقت الأولى أو في وقت الثانية، أو في الوسط بينهما. والموظف العامل خارج وطنه الذي هو في حالة تنقل دائم، يعتبر مسافرا في كل بلد نقل إليه، غير وطنه الأصلي. والزوجة تابعة في الوطن لزوجها، فوطنه هو وطنها، تتم حيث يتم، وتقصر حيث يقصر، والوطن الأصلي للإنسان هو وطن آبائه وأجداده. وحدوده اثنا عشر كيلومترا تقريبا من كل جهة، ابتداء من حدود عمران القرية إن كانت منفردة، وإن كانت حوزة أي مجموعة قرى متقاربة، فإن الحساب الأثني عشر كيلومترا يبتدئ من آخر عمران كل قرية في جميع الجهات، وتلك هي المسافة التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم للسفر، وهي مقدار ما بين المدينة المنورة وبين ذي الحليفة، كما حفظناه عن أشياخنا، فمن تجاوز هذه المسافة من وطنه ضاربا في أرض الله كان مسافرا فرضه التقصير حتى يعود. وله أن يتخذ أي بلد من (1/123)
صفحة 102
بلاد الإسلام وطنا له مع وطنه الأصلي فيتم الصلاة في كل منهما، أو ينزع وطنه الأصلي، فإذا عاد إليه كان مسافرا فيه، ولا حد لمساحة الوطن، فيجوز أن يتخذ القطر الجزائري كله بحدوده الأربعة وطنا له، يتم فيه الصلاة. وإنما الذي لا يجوز مطلقا هو أن يتخذ الدنيا أي الأرض كلها وطنا. فإن الله تبارك وتعالى ذكر السفر وشرع له أحكاما فلا بد للإنسان إذن أن يكون في بعض البلاد حضريا، وفي بعضها مسافرا.
سؤال: ماذا يجب على إنسان يعمل في بلد غير وطنه، وهو يمكث فيه أكثر مما يمكثه في وطنه، هل يصلى صلاة حضر أم يصلي صلاة سفر؟ وهل تجب عليه صلاة الجمعة أم لا؟.
الجواب: إذا لم يتزوج في البلد الذي يعمل فيه ولم يملك فيه دارا، ولم يتخذه وطنا، بل يعتبر نفسه فيه مسافرا، وهو يتردد دائما بين وطنه وبلد عمله، ويأمل أن يعود إلى وطنه آخر الأمر للاستقرار فيه إن أمد الله في عمره، فإنه يعتبر مسافرا ولو كان مكثه في بلد عمله أطول من مكثه في وطنه فيصلي صلاة سفر لا حضر. ولا تجب عليه صلاة الجمعة لأنها لا تجب على المسافر، وإن صلاها في المسجد مع الذين يقيمونها فيه صحب صلاته وأجزته عن صلاة الظهر، وكان له بذلك فضل عظيم إن شاء الله. (1/124)
صفحة 103
سؤال: أنا طالب بجادو وليس لي فيها أهل، وبلدتي هي تندميرة أذهب إليها في أوقات العطل، فيكف أصلي بجادو أقصرا أم تماما؟.
الجواب: وطنك الأصلي هو وطن آبائك وأجدادك الذي تصلي فيه صلاة حضر، فإذا خرجت منه وتجاوزت حد السفر وجب عليك القصر حتى تعود إلى وطنك إلا إذا اتخذت جبل نفوسة كله من نالوت غربا إلى حدود الجبل شرقا وطنا لك أو اتخذت تراب الجمهورية الليبية وطنا لك فإنك حينئذ تصلي التمام أينما كنت في قرية أو مدينة أو فلاة داخل حدود وطنك، وتقصر إذا خرجت منه وتجاوزت حد السفر، ولاحد لكبر الوطن أو صغره فيجوز للإنسان أن يتخذ ما شاء من أرض الله غير دار الشرك وطنا له، وإنما الذي لا يجوز هو أن يتخذ الأرض كلها وطنا يتم فيه الصلاة فإن الله تبارك وتعالى جعل في الأرض حضرا وسفرا، وجعل لكل منهما حكما خاصا به فيما شرعه من عبادات، فاتخذ إن شئت أيها الأخ جادو أو الجبل أو ليبيا وطنا تخرج من حيرتك.
سؤال: موظف يعمل خارج وطنه وقد توفرت له وسائل الراحة في مقر عمله من مسكن تام المرافق كامل التجهيز وهو غير مستقر فيه طويلا حيث إنه يتردد على بلده (1/125)
صفحة 104
من حين لآخر، فهل يصلي في مقر عمله هذا تماما أن قصرا؟.
الجواب: لا بد للإنسان في هذه الدنيا من وطن يصلي فيه التمام وهو في الأصل وطن آبائه وأجداده، وبالنسبة للمرأة المتزوجة وطن زوجها، ولا بد له كذلك من مكان يعتبر فيه مسافرا وتجري عليه أحكام السفر، وقد ذكر الله في كتابه الكريم السفر وشرع له أحكاما خاصة، ومن هنا أجمع العلماء على أنه لا يجوز للإنسان أن يتخذ الأرض كلها وطنا له بحيث لا يكون مسافرا في أي جزء منها فإن هذا مناقض لحكم الله وشرعه للحضر والسفر، وعليه فالخارج من حدود وطنه مقدار ما بين المدينة المنورة ذي الحليفة إلي أي جهة كانت من جهات الأربع يكون مسافرا في حكم الشرع يصلي القصر ويباح له الفطر ما لم يعد إلى وطنه،
إلا إن نوى اتخاذ البلد الذي انتقل إليه للعمل فيه مثلا وطنا ثانيا له فإنه حينئذ يكون في وطنه، فيتم ولا يقصر ولا يباح له الترخص بالفطر في رمضان، ومن لم ينو اتخاذ البلد الذي يعمل فيه وطنا آخر له، بل يعتبر نفسه فيه مسافرا سينتقل عنه إلى وطنه الأصلي، فإنه لا يزول عنه وصف السفر فيصلي صلاة المسافر ويترخص بالفطر إن شاء، وإن طالت مدة إقامته، فليس طول الإقامة في أي بلد توطينا، وإنما التوطين يكون بالنية والقصد، ولا دخل. (1/126)
صفحة 105
لتوفر المرافق ولا لقلتها في التمام ولا في القصر، كما لا دخل لعدم المشقة في بعض الأسفار كأسفار الملوك مثلا في التمام والقصر ورخصة القصر، فمناط الحكم إنما هو مطلق السفر وهو الكون والوجود خارج الوطن.
سؤال: جاءني في كتابك الذي تسأل فيه بعض أسئلة شرعية ملخص كل منها والجواب عنه على التوالي: إنك اتخذت العاصمة الجزائر وطنا لك حيث ملكت وتزوجت وولدت وألغيت وطن آبائك الذي هو غرداية إلغاء تاما حسب تعبيرك، فهل يجوز لك أن تصلي في غرداية عند زيارتك لها صلاة سفر؟.
الجواب: إنه يجب عليك وجوبا شرعيا أن تصلي بغرداية صلاة سفر تقصر الرباعية، ولا تصليها تماما، إلا إذا صليت وراء إمام حضري.
سؤال: ما حكم صلاة السفر؟ وكيف يتحقق للإنسان أربعة أوطان.
الجواب: لا بد لأي إنسان أن تكون له على ظهر هذه الأرض حالة سفر وحالة حضر، ولا يمكن مطلقا أن يكون حضريا أبدا في جميع بقاع الأرض ولا مسافرا أبدا في جميع بقاع الأرض.
والحالتان ثابتتان بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وحكمهما في الصلاة والصوم وصلاة الجمعة وغير ذلك. (1/127)
صفحة 106
مختلف، ولاحد لاتساع الوطن وضيقه وإنما تحدده النية والقصد، وقد استنبط العلماء من إباحة الله تبارك وتعالى اتخاذ أربع زوجات جواز اتخاذ أربعة أوطان إذ له أن يتزوج الزوجات الأربع في أربعة أقطار متباعدة، فتكون له أوطانا يكون مسافرا في حالة تنقله بينهما، فإذا دخل أميال أي واحد منها كان داخل وطنه، وإذا خرج من أمياله كان مسافرا حتى يدخل أميال وطنه الآخر.
سؤال: إذا سافرت إلى الحج، فهل أصلي في جدة والمدينة ومكة قصرا أم التمام؟.
الجواب: إنك إذا سافرت من الجزائر التي هي وطنك فإنك تصلي في مكة والمدينة وجدة، أو في باريس ولندن ونيويورك. لا فرق بين بلد وبلد إلا بين الوطن وغيره، ففي الوطن صلاة حضر وتمام، وفي غير الوطن صلاة سفر وتقصير.
سؤال: هل يجوز لعامل أو تاجر في التل أن يصلي حضرية؟.
الجواب: يجوز لمن يعمل في أي بلد غير وطن آبائه وأجداده أن ينوي اتخاذ ذلك البلد وطنا له يصلي فيه التمام، وينبغي لمن اتخذ دارا مسكنا له في البلد الذي يعمل فيه، وكان له أهل أي زوجة فيه، أن يتخذه وطنا. (1/128)
صفحة 107
وقد اعتبر بعض العلماء اتخاذ الدار والأهل في أي بلد توطينا له، يكون فيه مقيما لا مسافرا. فيصلي التمام ولا يجوز له القصر.
سؤال: هل تستطيع أن تصلي صلاة حضر لأن معك عائلتك؟.
الجواب: نعم تستطيع أن تصلي حضرا ما دمت مقيما بعائلتك.
في أوقات الصلاة
سؤال: ما حدود وقت المغرب والعشاء وهل يجوز حقا تأخيرها إلى آخر الليل؟.
الجواب: أول وقت المغرب غروب الشمس وآخره غروب الشفق الأحمر، حيث يبتدئ وقت العشاء، وآخره ثلث الليل أو نصفه أو آخره، بحيث يدرك قبل طلوع الفجر، وعند كثير من العلماء ومنهم الإباضية أن وقتهما مشترك، فمن كان يجوز له الجمع في السفر أو لغيم أو لعلة كسلس البول أو انطلاق البطن أو نحو ذلك من العلل يسوغ له الجمع بينهما في أول الوقت الأولى بتقديم الآخرة، أو في وقت الآخرة بتوقيت الأولى، ويسمى ذلك جمع التقديم أو جمع التأخير، وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم كلا الأمرينـ فكلاهما سنة، والإفراد عند عدم الضرورة أفضل، ولا يحكم بعصيان (1/129)
صفحة 108
من أخرهما إلى آخر الليل ثم صلاهما قبل الفجر، للقول باشتراكهما في الليل كله، فإن طلع الفجر ولم يصلهما أو إحداهما كفر.
سؤال: هل يجوز تأخير صلاة المغرب والعشاء إلى الثامنة ونصف ليلا؟.
الجواب: إن تأخير العشاء لا بأس به وأما تأخير المغرب فمكروه شديد الكراهة، ومن أخره عن وقته الأول ليتهيأ له باللباس والطهارة الواجبين إن كان وقته لابسا لثياب نجسة وغير متوضأ ثم أداه بعد ذلك فلا شيء عليه إن شاء الله.
سؤال: متى ينتهي وقت صلاة العشاء أو صلاة المغرب والعشاء جمعا في سفر؟.
الجواب: إن المشهور المعتمد في آخر وقت العشاء هو ثلث الليل كما ثبت في حديث تعليم جبريل حدود أوقات الصلوات للنبي صلى الله عليه وسلم.
سؤال: رجل ثقيل النوم لا يستيقظ في الوقت فهر يصلي الفجر بعد طلوع الشمس أو مع طلوعها أو قبل طلوعها بدقائق، فما حكمه؟ وهل تصح صلاته؟.
الجواب: إن من نام عن صلاة ولم يستيقظ من نومه حتى خرج وقتها فإنه يصليها عند ذلك، أعني بعد إفاقته (1/130)
صفحة 109
مباشرة فذلك هو وقتها كما نص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس عليه في ذلك من حرج، فلا إثم ولا كفارة، بشرط أن يكون قد نام قبل دخول وقتها، وبشرط أن لا يكون أفاق من نومه بعد دخول الوقت ثم عاد إلى نومه، فإن ذهب إلى النوم بعد دخول الوقت وقبل أن يصلي أو أفاق من نومه في الوقت ثم عاد إلى النوم قبل أن يصلي فلم يستيقظ إلا بعد خروج الوقت، فإن حكمه حكم التارك المتعمد، عليه التوبة من ذنبه وقضاء صلاته وأداء الكفارة. وأما من أدرك صلاة الصبح قبل طلوع الشمس بدقائق، أو أدرك صلاة العصر قبل الغروب بدقائق فلا بأس عليه فإن الوقت لم يخرج بعد.
وأما حال الطلوع أو الغروب فقد نهي عن الصلاة فيهما، فعلى من أراد الصلاة في ذلك الوقت وقد بدأت الشمس تطلع أو تغرب أن ينتظر حتى يتم الطلوع أو الغروب، ذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
سؤال: ما هو الحد الزمني بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء؟.
الجواب: إن تحديد أوائل الأوقات وأواخرها على طرف التمام منك فيما بين يديك من كتب الفقه والمعتمد عليه اليوم والمفتي به هو اشتراك الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في الوقت، فما بين زوال الشمس وبين ما يكفي من الوقت لأداء الظهر والعصر قبل الغروب وقت لهما، وما بين الوقت لأداء الظهر والعصر قبل الغروب وقت لهما، وما بين (1/131)
صفحة 110
غروب الشمس وبين ما يكفي من الوقت لأداء المغرب والعشاء قبل ثلث الليل أو نصفه عند بعض وقت لهما أعني أنه لا يحكم بكفر تارك الأولى من الصلاتين إلا إذا لم يبق من الوقت ما يدركها فيه مع التي تليها، هذا هو أيسر الأقوال وأوفقها بحال زماننا، فلا يمكننا مطلقا أن نفتي بغير هذا وإلا كفرنا وكفرنا الناس جميعا، وأنت خبير أن هذه رخصة تمسكنا بها، وإلا فإن أول الوقت أفضل من وسطه وآخره، بما لا يقدر ولا يقوم، فأفضل الأعمال الصلاة لوقتها.
سؤال: هل الظهر والعصر مشتركتان في الوقت؟.
الجواب: صلاة الظهر والعصر مشتركتان في الوقت، وكذلك المغرب والعشاء، صحت بذلك السنة، وهو مذهب الأصحاب، ولكن الأفضل والأولى أن تصلى كل في وقتها إلا لعذر.
سؤال: سألت في كتابك عن جواز تقديم صلاة العصر عن وقتها، ويفهم بالضرورة أنك تريد بالتقديم صلاة العصر في وقت الظهر الذي يبتدئ بالزوال. إذ لا تصور غير ذلك، وهذا يدعونا إلى البحث في الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، وهل وقت العصرين مشترك، ووقت العشاءين مشترك كذلك؟ فدونك ما تيسر تحريره باختصار. (1/132)
صفحة 111
الجواب: في صحيح الربيع الجزء الأول في الباب الثالث والأربعين «باب القران في الصلاة» حديث 251 (أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء الآخرة جميعا في غير خوف ولا سفر، ولا سحاب ولامطر) اهـ. وقد استدل به صاحب الإيضاح حيث قال: وقال بعض أصحابنا، الظهر والعصر مشتركتان في الوقت وكذلك المغرب والعشاء، والدليل على هذا القول حديث ابن عباس وساق الحديث كما مر ... ثم قال: ويؤيد هذا الحديث ما روي أنه قال عليه الصلاة والسلام في قوله عز وجل: (أقم الصلاة لدلوك الشمس) قال: (يعني بدلوك الشمس الظهر والعصر) (إلى غسق اليل) (يعني المغرب والعشاء) (وقرآن الفجر) (يعني صلاة الفجر). هذا ما روي عنه عليه السلام دليل على اشتراك وقت الظهر والعصر وكذلك المغرب والعشاء، والدليل أيضا قوله تبارك وتعالى (فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ... ) (1) 1 (.
وفي رائية الشيخ أبي نصر رحمه الله:
فكل صلاة وقتها حاصل لها وشدد في ذا قائلوه على إصر
__________
(1) (1 (الآية 130 من سورة طه وكذلك الآية 39 من سورة ق. (1/133)
صفحة 112
قال شارحه: إن القائلين بذلك ضيقوا على المكلفين أمر الصلاة حيث لم يشركوا بين الظهر والعصر في الوقت وبين المغرب والعشاء فيه أيضا، وقالوا يأثم مؤخروها عن وقتها المختص بها إلى دخول وقت تاليتها، ويكفر كفر نفاق وتلزمه مغلظة وهو قول الربيع بن حبيب رحمه الله تعالى وجماعة، ثم قال بعد ذلك: «وحاصل معنى البيت وزيادة أن القائلين بانفراد كل صلاة بوقتها وبإثم مؤخرها عنه وكفرع ولزوم المغلظة له، ضيقوا على المكلفين أمر الصلاة مع قوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «بعثت بالحنيفية السمحة»، وقول بعض العلماء: "الدين يسر لا عسر" وفي الرائية بعد ذلك:
وأفرط ما قد قيل فيها باشتراكها نهارا وليلا فاطرح ذا على حجر
وأوسطها فالظهر والعصر شركة كذاك صلاة الليل وقت لها يسري
قال شارحه: إن عدل الأقوال في الخمس وأحسنها القول باشتراك الظهر والعصر في الوقت، وباشتراك المغرب والعشاء في الوقت أيضا، وبانفراد صلاة الصبح بوقتها، ثم قال وحاصل معنى البيت وزيادة أن القول باشتراك الظهر والعصر في الوقت، والمغرب والعشاء في آخر، هو الأحسن والأليق والمعتمد عليه والمعمول به عند أصحابنا رحمهم الله، والأرفق بضعف الأمة. (1/134)
صفحة 113
قال الشيخ المحشي رحمه الله في حاشيته على مسند الربيع: باب القران في الصلاة: اعلم أنه يجوز الجمع بين الصلاتين عند أصحابنا. لأسباب ذكر منها في الوضع خمسة حيث قال: وفي الأثر أنه يجوز جمع الصلاتين لخمسة أشياء: أحدهم المسافر، والثاني: المريض المدنف، والثالث: من خفيت عليه أوقات الصلاة بالسحاب، والرابع: الواقف بعرفة يوم عرفة للحج، والخامس: البائت بجمع إذا أفاض من عرفات ... وزد في القواعد: المستحاضة والمبطون. وزاد في الإيضاح: من له عذر بين يخاف منه الفوات في الأنفس والأموال وأشباه ذلك، فليراجع. قال في القواعد: وقد اتفق الناس على جواز الجمع بعرفة والمزدلفة واختلفوا في غير هذين الموضعين، فأجازه الجمهور من الناس ومنعه أبو حنفية وأشياعه ... وقال ابن حجر بعد كلام: وهذا مما وقع فيه الخلاف بين أهل العلم فقال بالإطلاق كثير من الصحابة والتابعين ومن الفقهاء الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأشهب. وقال قوم: لا يجوز الجمع مطلقا إلا بعرفة ومزدلفة وهو قول الحسن والنخعي وأبي حنيفة وصاحبيه، إلى أن قال: وأجابوا عما ورد من الأخبار في ذلك بأن الذي وقع جمع صوري ... ثم رد بما يطول ذكره، وهذا كله من كلام المحشي. ثم قال بعد ذلك: والذي عليه أصحابنا رحمهم الله أنه يجوز الجمع عند وجود (1/135)
صفحة 114
سببه تقديما وتأخيرا سائرا ونازلا، إلا أنه يختلف الحال في الأفضل من الجمع والإفراد. قال في الإيضاح ... الخ، ثم قال المحشي بعد بحث طويل ونقل عن ابن حجر وغيره من شراح الصحاح: وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى الأخذ بظاهر هذا، فجوز الجمع في الحضر للحاجة، لكن يشترط أن لا يتخذه عادة، وممن قال به ابن سيرين وربيعة وأشهب وابن المنذر والقفال الكبير وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث إلى أن قال: فقلت لابن عباس لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحد من أمته، وللنسائي من طريق عمرو بن هرم عن أبي الشعثاء أن ابن عباس صلى بالبصرة الأولى والعصر ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء ليس بينهما شيء، فعل ذلك من شغل وفيه رفعه إلى النبيء صلى الله عليه وسلم إلى أن قال: وما ذكره ابن عباس من التعليل بنفي الحرج جاء مثله عن ابن مسعود مرفوعا. أخرجه الطبراني ولفظه: «جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء فقيل له في ذلك، فقال: صنعت هذا لئلا تحرج أمتي» (1) 1 (، وهذا كله يؤيد ما ذكره صاحب الإيضاح رحمه الله من الاشتراك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء
__________
(1) (1 (ورواه الترمذي في باب الجمع بين الصلاتين من أبواب الصلاة. (1/136)
صفحة 115
ومثل هذا في حاشية الشيخ السالمي على الجامع الصحيح وفيه: وهو –
أي القول بالاشتراك- قول أبي الربيع سليمان بن يخلف رحمه الله.
وفي وفاء الضمانة ج أول ص 103: عن أبي هريرة موقوفا عليه لا مرفوعا إليه صلى الله عليه وسلم من خشي أن ينام قبل صلاة العشاء فلا بأس أن يصلي قبل أن يغيب الشفق، وقاس بعض العلماء بها العصر.
وبعد، فقد علمت أن الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في عرفات والمزدلفة والسفر والمرض وعند خفاء أوقات الصلوات بالسحاب والمطر وعند الخوف مما ثبتت به السنة النبوية الصحيحة أمرا وفعلا وانعقد عليه الإجماع، وإنما في جواز الجمع فيما عدا ذلك قال بالجواز مطلقا كثير من الصحابة والتابعين ومن الفقهاء الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأشهب على ما ذكر ابن حجر، وقال قوم بعد الجواز إلا فيما وردت به السنة، ثم قد علمت أن الربيع بن حبيب روى في صحيحه بسنده إلى ابن عباس «أن النبيء صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء الآخرة جميعا في غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر» (1) 1 (، وسمعت عن ابن مسعود أنه
__________
(1) (1 (رواه الربيع في الباب الثالث والأربعين من صحيحه (1/137)
صفحة 116
قيل له صلى الله عليه وسلم في ذلك فقال: «صنعت هذا لئلا تحرج أمتي» فالجمع مجمع عليه في حالات، مختلف فيه في غيرها، والغرض منه رفع الحرج عن الأمة سواء أكان جمعا حقيقيا بشروطه المنصوص عليها في كيفيته، أو جمعا صوريا كما يعبر عنه بعض الفقهاء والمحدثين، وهو أن يصلي الأولى ثم يقوم بعدها للثانية من غير نية جمع أو تقييد بكيفية معينة، سواء أكان في وقت الأولى أم في وقت الثانية أم بين الوقتين، فالجمع إذن تقديم كان أو جمع تأخير –وكلاهما ثابت في السنة- دليل قوي واضح على اشتراك الوقتين وإلا فكيف تصلى الأولى في وقت الضرورة أو الثانية في وقت الأولى، مهما كان السبب أو الضرورة. زد على هذا تعذر التحقق من الحد الفاصل بين الوقتين في الظهر والعصر وفي المغرب والعشاء، بخلاف الغروب الفاصل بين صلاة النهار وصلاة الليل، وبين طلوع الفجر الفاصل بين صلاة الليل وصلاة الصبح، وطلوع الشمس الذي يخرج به وقت صلاة الفجر. فإن التحقق بفواصل هذه الأوقات ممكن غير متعذر، لهذا رفع النبيء صلى الله عليه وسلم الحرج عن أمته باشتراك الظهر والعصر في الوقت، والمغرب والعشاء في الوقت، فالقول باشتراك هذه الأوقات هو الأصح والأقوى والذي يتعذر العمل بغيره في هذا الزمان إلا على المنقطعين للعبادة وإلا ما تقوم به المساجد من إقامة كل صلاة في (1/138)
صفحة 117
وقتها بأذانها وإقامتها، أما الأفراد في مساكنهم وفي ميادين أعمالهم المتشبعة المختلفة، فإن لهم أن يقدموا أو يؤخروا حسب ما تقتضيه ضرورة عملهم داخل إطار الوقت الشرعي للظهر والعصر من الزوال إلى الغروب. وللمغرب والعشاء من الغروب إلى الفجر، إن الذي عليهم إنما هو في هذا الحال أداء الصلاتين في وقتهما المشترك، إما في أوله وإما في وسطه، وإما في آخره، وإن المئات من طلبتنا اليوم الذين يدخلون إلى المدارس النظامية بعد دخول وقت الظهر وقبل دخول العصر بكثير، ولا يخرجون من المدرسة إلا في وقت متأخر بحيث لا يدركون العصر، أو لا يخرجون إلا وقد خرج العصر، كلهم يصلون العصر مباشرة بعد صلاة الظهر في أول الوقت بأمرنا وبإرشادنا، وكذلك كثيرون من العمال في الإدارات والجنود في الثكنات يدخلون في أعمالهم الرسمية الواجبة بعد الظهر بقليل ولا يؤذن لهم في الخروج منها إلا بعد فوات الوقت، أفلا يجوز لهؤلاء، بل أولا يجب عليهم وجوبا أن يصلوا العصر بعد الظهر مباشرة، أولا يحملهم التشديد عليهم بهذا على ترك العصر أو التهاون به والعبث بأركانه وشروطه؟ ولو قدر لك أن تشهد هذا الوقت بعد الظهر في مسجدنا لرأيت الشباب يتزاحمون في الميضأة للتطهر ويسارعون إلى أداء الصلاتين الظهر والعصر في المسجد ثم ينطلقون سراعا إلى مدارسهم وإننا لنحثهم على (1/139)
صفحة 118
هذا ونأمرهم به ونرجو بر ذلك وذخره عند الذي يقول في كتابه الكريم: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)، ويقول نبيه الكريم: «بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا»، جعلنا الله وإياكم من المبشرين الميسرين، و وقانا شر المنفرين المعسرين.
هذا ما من الله به في الجواب، وأرجو أن يكون مصيبا كبد الصواب.
سؤال: تقول في رسالتك إنك تصلي صلاة سفر وتجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، في البلد الذي أنت تتاجر فيه، ثم إنك اتخذت هذا البلد وطنا وصرت تصلي فيه التمام منذ مدة، لكن صعب عليك أن تصلي كل صلاة في وقتها، فهل يجوز لك أن تعود إلى صلاة السفر بالقصر والجمع؟.
الجواب: إن شروط صلاة التمام متوفرة فيك فعليك أن تداوم على صلاة الحضر تامة، ولا تعود إلى صلاة السفر، وأما عدم استطاعتك أن تصلي كل صلاة منفردة في وقتها من الصلوات الأربع الظهر والعصر والمغرب والعشاء لكثرة الأعمال، فاعلم أنه لا شك أن صلاة كل واحدة في أول وقتها أفضل. ولكن يقول كثير من العلماء اعتمادا على ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الظهر والعصر مشتركان في الوقت من الزوال إلى ما قبل غروب الشمس بمقدار أدائها، والمغرب (1/140)
صفحة 119
والعشاء مشتركتان في الوقت من المغرب إلى ثلث الليل أو نصفه أو آخره، وكذلك، فيجوز لك أن تصلي الصلاتين في أول الوقت أو وسطه أو آخره منفصلة إحداهما عن الأخرى لا على نية الجمع بحيث تصلي الأولى فإذا فرغت منها دعوت الله بما يتيسر لك لدنياك وأخراك، قمت إلى الثانية فأديتها كما يجب عليك، وهذه رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخفيف منه على أمته التي لا يريد أن يحرجها ولا يعنتها كما قال بتارك وتعالى في وصفه: (عزيز ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) (1) 1 (.
الإمامة وصلاة الجماعة
سؤال: أين تقف المرأة في صلاة الجماعة؟
الجواب: إذا صلت المرأة وحدها مع إمام ذي محرم منها وقفت عن يساره متأخرة عنه قليلا، بحيث يكون مسجدها حذاء منكب الإمام أو نحو ذلك، وإذا كان معها غيرها من الرجال فإن كانوا محارم جاز لها أن تصف معهم، وإن كانوا أجانب وجب عليها أن تقف خلفهم ولو لوحدها، والأفضل للمرأة أبدا أن تتأخر عن صفوف الرجال ما استطاعت.
__________
(1) (1 (الآية 128 من سورة التوبة. (1/141)
صفحة 120
سؤال: هل تصح صلاة الجمعة مع الإمام في أحد الحرمين؟.
الجواب: تصح صلاة الجمعة مع كل إمام مسلم يقيم صلاة الجمعة على وجهها في أي مسجد من أي بلد من بلاد الإسلام، فإذا أمكنك أن تصلي الجمعة في كل يوم جمعة في المسجد الذي تقام فيه في (حسين داي) فحسنا تفعل، وصلاتك صحيحة وتغنيك عن الظهر.
سؤال: هل يجوز للمتنفل أن يقيم الصلاة لجماعة تصلي الفريضة؟.
الجواب: نعم يجوز ذلك، أعني يجوز لمن أدى فريضة بعد، ثم أدرك جماعة تصلي صلاة الفريضة وأراد أن يصليها معهم نفلا أن يقيم الصلاة لتلك الجماعة لا حجر في ذلك ولا حرج، إنما لا يجوز هو أن يقيم الصلاة للجماعة ثم يذهب من غير صلاة.
سؤال: سألت عن صلاة الحضر والسفر وإمامة الحضري بالمسافر، وذكرت حالتك الخاصة في المسألة، فدونك الجواب:
الجواب: أنت مقيم تصلي الحضر بعد أن كنت مسافرا، فلا داعي مطلقا للرجوع إلى حالة السفر التي كنت عليها، فدم على صلاة الحضر، ويجوز لك أن تصلي إماما (1/142)
صفحة 121
صلاة حضر، وإن كان أكثر الذين يصلون معك مسافرين، فإن المسافر في أي بلد كان، إذا وجد إماما حضريا يصلي وراءه صلاة جماعة كما يصلي الإمام تماما لا قصرا. وهذا أفضل له من أن يصلي وحده صلاة سفر، فلا حرج مطلقا على جميع الإخوان المسافرين أن يكون إمامهم يصلي صلاة حضر ويصلون معه مثل صلاته، ولهم في ذلك الأجر الكبير، وإذا كان الإمام يصلي صلاة سفر، فإن من صلى معه من الحاضرين يجب عليه أن يزيد ركعتين بعد تسليم الإمام في الظهر والعصر والعشاء.
والسلام عليكم ورحمة الله.
سؤال: هل تجوز الصلاة وراء الإمام المخالف؟.
الجواب: تجوز الصلاة خلف المخالف إذا كان لا يدخل فيها ما يفسد واطمأنت النفس إلى طهارته.
سؤال: هل تصح الصلاة وراء الإمام المالكي أو الحنفي أو غيرهما من أئمة المذاهب الإسلامية غير الإباضية؟.
الجواب: إن الصلاة تجوز وراء كل مسلم من أي مذهب كان يقيم الصلاة على وجهها المشروع، في مكة أو المدينة أو الجزائر أو غيرها من سائر بلاد الإسلام.
سؤال: ما معنى قو النبيء صلى الله عليه وسلم: «صلوا خلف كل كافر وفاجر». وكيف يعرف المسلم كافرا ويصلي خلفه؟. (1/143)
صفحة 122
وكيف يجوز للكافر أن يصلي بالمسلمين؟.
الجواب: إنكم أخطأتم في لفظ الحديث، وصوابه أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «صلوا خلف كل بار وفاجر» (1) 1 (، ولم يقل أبدا «كافر» كما في كتابكم.
والبار في الحديث هو المؤمن المتقي، والفاجر هو المسلم الذي يرتكب الفجور وهو المعاصي العملية، ومعنى الحديث أن النبيء صلى الله عليه وسلم يحرض المسلمين على صلاة الجماعة وعمارة المساجد، فإذا كان إمام المسجد بارا فذلك هو المطلوب، والواجب المأمور به، فلتصل خلفه، وإذا كان إمام المسجد متهما ببعض المعاصي التي هي فجور فإن ذلك لا يبيح لنا هجران المساجد وتخريبها بترك صلاة الجماعة فيها، فعلينا أن نعمر المسجد ونصلي خلف ذلك الإمام، ولا يضرنا فجوره ولندع أمر فجوره إلى الله، وهذا كله بشرط أن لا يدخل في صلاته ما يفسدها، فإن من الناس من تكون صلاته تامة بطهارتها ووظائفها، ولكنه مع ذلك مبتلى ببعض المعاصي بينه وبين خالقه، وهذا الحكم إنما هو لعامة المسلمين، وأما من له السلطة على المسجد وتعيين الإمام فيه ليصلي بالناس فإنه لا يجوز له أن يقدم للصلاة إلا
__________
(1) (1 (رواه الربيع في الباب الخامس والثلاثين من صحيحه بلفظ «الصلاة جائزة خلف كل بار وفاجر ما لم يدخل فيها ما يفسدها».
ورواه أبو داود في الباب الثالث والستين من كتاب الصلاة بلفظ «الصلاة المكتوبة واجبة خلف كل مسلم برا كان أو فاجرا وإن عمل الكبائر» (1/144)
صفحة 123
المؤمن التقي البار، وإن قدك فاجرا للإمامة فإن عليه وزر ذلك، أعني على من بيده الحل والعقد والولاية والعزل، وأما سائر المسلمين فليعمروا المسجد وليحافظوا على صلاة الجماعة وليس عليهم في ذلك من حرج، بل إن ذلك هو المطلوب منهم، فإن المساجد بيوت الله وهي خالدة باقية لا يجوز هجرانها لوجود فاسق فيها، فإن زمن الفسق محدود، وهو ذاهب لا محالة.
سؤال: هل تجوز الصلاة خلف المخالف؟
الجواب: الصلاة خلف المخالف جائزة إذا كان لا يدخل في صلاته ما يفسدها من العبث الذي لم يكن عندهم سنة أو مندوبا كرفع الأيدي مثلا أو القبض أو تحريك السبابة أو القنوت، ولا أدري ما مرادك بالاستقامة في قولك «أو بشرط الاستقامة ... الخ»، فإن كان المراد توفر شروط الإمامة وشروط صحة الصلاة كطهارة البدن والثوب والمكان والقدرة التامة على القيام بالأركان، فهذا ما لا خلاف فيه، ولا يصح الإتمام بمن لم تتوفر فيه، موافقا كان أو مخالفا، وإن كان المراد استقامة العقيدة فهذا لا يستقيم.
سؤال: من دخل المسجد ووجد الجماعة قائمة لصلاة الفجر فهل يصلي الفريضة مع الجماعة ثم يقضي ركعتي السنة بعدها؟ (1/145)
صفحة 124
الجواب: نعم عليه أن يصلي فرض الفجر مع الجماعة ويقضي ركعتي السنة بعدها.
سؤال: ما حكم الصلاة خلف إمام يقص اللحية؟
الجواب: لا تبطل صلاة خلف إمام يقص لحيته إذا كان لا يدخل في صلاته ما يفسدها.
سؤال: ما حكم الصلاة خلف أئمة المخالفين؟
الجواب: الصلاة خلف أئمة المخالفين جائزة إذا كان يحسن الطهارة ويحسن الصلاة ويصلي بثياب طاهرة وأما إذا علمتم أنه لا يستبرئ من البول ويصلي بسرواله النجس –كما قلت في رسالتك- فإن الصلاة خلفه لا تصح مطلقا.
سؤال: هل يجوز للمرء أن ينتقل من صف إلى صف آخر وهو في الصلاة؟
الجواب: لا يجوز إلا إذا كان لسد فرجة في الصف الأمامي أو كان استجابة للذي جذبه من خلف ليصطف معه.
سؤال: هل يجوز سبق الإمام في الصلاة؟
الجواب: لا يجوز سبق الإمام في الركوع والسجود ولا في غيرهما، ومن فعل ذلك متعمدا بطلت صلاته، ومن فعله ساهيا بطل أجره. (1/146)
صفحة 125
سؤال: هل يجوز لمن دخل المسجد وقت صلاة الجماعة ووجد الصفوف متراصة ولم يجد فيها موضعا أن يسحب مصليا من الصفوف ليصلي بجانبه؟
الجواب: نعم له أن يجذب واحدا من المصلين ليصطف معه، بل هو مأمور بذلك شرعا، حتى لا يفوته فضل الجماعة، وليس له أن يصلي مع الجماعة منفردا خلف الصف وعلى المجذوب أن يستجيب له فيتأخر ليصطف معه.
صلاة الجمعة
سؤال: ما شروط صلاة الجمعة، وهل تجب أم لا؟
الجواب: إن شروط صلاة الجمعة وصحتها مبسوطة في جميع كتب الفقه التي بين أيديكم كالنيل وشرحه والإيضاح والقواعد وغيرها، مثل كتاب «الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة» للشيخ السالمي، وهو مطبوع على هامش كتاب: «طلعت الشمس» فراجعوا ما شئتم منها تجدوا مطلبكم. أما عن رأينا الخاص في حكمها اليوم في سائر البلاد الإسلامية غير العواصم الكبرى فإنها تصح ولا تجب.
11رمضان 1390ه الموافق لـ 10 نوفمبر 1970م. (1/147)
صفحة 126
سؤال: ما حكم صلاة الجمعة وما شروطها وما دليلنا في تركها؟
الجواب: إن لوجوب صلاة الجمعة شروطا مفصلة في كتب الفقه عند سائر المذاهب الإسلامية، ولا يمكنني الآن تفصيل هذه الشروط وهي مبسوطة في كتب الفقه التي بين أيديكم فيمكنكم الرجوع إليها بسهولة ويسر، والذي أراه اليوم أن شروط الوجوب غير متوفرة وأن شروط المنع غير متوفرة كذلك، لذلك أرى وأفتي بأن صلاة الجمعة اليوم تصح ولا تجب (1) 1 (، فمن أقيمت الجمعة قريبا منه فشهدها وصلاها صحت وأغنت عن الظهر، كما هو معروف، وحسنا فعل، ومن صلاها ظهر رجونا له الصحة والنجاة.
سؤال: لماذا لا نصلي الجمعة نحن الميزابيين؟
الجواب: إن لصلاة الجمعة شروطا إذا كملت وجبت الصلاة على كل مسلم مقيم بمحل الجمعة، وإذا نقص شرط لم تجب، لكنها تصح لمن صلاها، فإن شاء حسب الأيام الأخرى، فيجوز لك حيث أنت أن تصلي الجمعة في مسجد تقام فيه
__________
(1) (1 (هذا هو رأي الشيخ رحمه الله في هذه المسألة أول الأمر منذ عهد الاحتلال الفرنسي ثم رجع عن فتواه هذه وأمثالها مما كان منه قبل عام 1391 هجري فأوجبها على كل حضري، قيم ونفذها بالفعل بعد أن مهد لها الرأي العام بالقرارة بدرسين هامين في مشروعية صلاة الجمعة وشروطها وأهميتها –وذلك في أوائل محرم من عام 1391هجري. (1/148)
صفحة 127
كما يفعل كثير من إخوانك في الأماكن التي يسكنونها وتقام فيها الجمعة، وإن شئت صليتها ظهرا كسائر الأيام.
القرارة يوم فاتح ذي الحجة 1387ه
29 فيفري 1968م
سؤال: ما حكم الشريعة في صلاة الجمعة أفرض هي أم لا؟
الجواب: صلاة الجمعة فرض على الرجل المقيم دون المسافر إذا كان له إمام عادل أو جائر بنص الكتاب والسنة واتفاق جمهور الأمة وبهذا نقول في زمننا الذي لنا فيه إمام، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «من تركها استخفافا به وله إمام عادل أو جائر، فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا صوم له، ألا ولا بركة له، حتى يتوب فمن تاب تاب الله عليه» (1) 1 (، وقال أيضا: «من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر طبع الله على قلبه» (2) 2 (.
سؤال: هل تصح الجمعة في كل المساجد بأية مدينة في حالة عد وجود مسجد جامع يسع الجميع، وفي حالة وجود مسجد جامع يسع الجميع؟
__________
(1) (1 (رواه بن ماجة في باب فرض الجمعة من حديث قريب من هذا اللفظ.
(2) (2 (رواه النسائي في الباب الثاني من كتاب الجمعة بلفظ: من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه.
ورواه الترمذي في الباب السابع من أبواب الجمعة من كتاب الصلاة. (1/149)
صفحة 128
الجواب: لا خلاف بين المسلمين أن السنة العملية التي ردج عليها النبيء صلى الله عليه وسلم منذ فرضت صلاة الجمعة حتى لقي الله هي إقامتها في مسجد جامع واحد يسع الجميع يأتيه من كل أحياء المدينة كل من يؤويه الليل إلى أهله بعد صلاة الجمعة، مع وجود المساجد التي تقام فيها الجماعات للصلوات الخمس كل يوم في كل حي من تلك الأحياء، ولا خلاف بين المسلمين كذلك في أن هذا هو الأصل والأفضل، ولكن هل يؤخذ من هذا أن الجمعة لا تصح إلا في مسجد واحد فقط دون غيره من مساجد الأحياء؟ لا شك أن هنالك حالتين: إما أن يوجد مسجد يسع الجميع، وإما لا، فأما إذا لم يوجد مسجد يسع الجميع (الجمعة لا تصح إلا في المساجد كما هو معلوم)، فإنه لا يمكن بحال من الأحوال أن يقال لا يصلي الجمعة في هذا المصر إلا الذين يسعهم مسجده الجامع ويسقط فرض الجمعة عن غيرهم من بقية سكان المدينة وأحيائها مع وجود مساجد أخرى تسع في مجموعها الناس كلهم، فالظاهر في مثل هذه الحال جواز تعددها إن لم نقل بوجوبه في المصر الواحد، وأما إذا وجد مسجد يسع جميع من يمكنه أن يصلي الجمعة ويؤويه الليل إلى أهله، فإن الأصل والأفضل عدم التعدد ابتاعا للسنة إلا أن من الصعب الجرأة على القول بعدم صحة التعدد لعدم وجود الدليل القوي الذي يعتمد عليه في ذلك، (1/150)
صفحة 129
وعمل النبي صلى الله عليه وسلم يقبل التأويل بالترغيب فيما هو الأفضل والأولى من تعظيم هذه الشعيرة من شعائر الله وجمع أكثر عدد ممكن من المسلمين على الائتمام برسول الله صلى الله عليه وسلم والاستماع لخطبه والتلقي عنه مباشرة في ذلك اليوم العظيم، فلا يؤخذ منه الحكم بعدم صحة إقامتها في غير مسجده بعد زمانه، أي منع التعدد مطلقا، فالقول بصحة التعدد مع مفضوليته أقرب إلى الصواب، إلا إذا قصد بالتعدد الضرار وإحداث الفتنة والشقاق والتفريق بين المؤمنين، فيحرم بذلك.
سؤال: هل تجوز إقامة الجمعة في قرية؟
الجواب: أما حكم صلاة الجمعة في القرية، فإن القرية إذا كانت قريبة من مدينة تقام فيها الجمعة فإن على أهل القرية الذهاب إلى المدينة لصلاة الجمعة إذا كانوا يمكنهم الوصول إلى قريتهم عند الرجوع قبل دخول الليل، وإلاأقاموها في قريتهم ولا يحسن تركها، ولا يحسن التخلف عنها إذا كانت القرية تحت حكم سلطان مسلم كما هو الحال اليوم في أكثر البلاد الإسلامية ومنها بلدكم –ليبيا- وهذا هو الأحوط لمن يتحرى لدينه، فأقيموها ولكم الفضل والأجر فإن في إقامتها خيرا وبركة، وقد لمسنا ذلك منذ شرعنا في إقامتها بعد الاستقلال. (1/151)
صفحة 130
سؤال: هل تجوز صلاة الجمعة في مكان مخصص للدارسة، والغرض من ذلك تيسير الأمر على تلاميذ المبيت وجمع شتاتهم وغرس الإيمان في قلوبهم مع العلم أنه يصعب جمعهم بنفس العدد وبنفس تنوع المستويات؟
الجواب: نعم تجوز لمثل هذا الغرض النبيل من إعلاء كلمة الله ونشر دينه وتربية شباب المسلمين على القيام بشعائر الله وغرس الأخلاق الإسلامية في قلوبهم، بل نراها لهذا الغرض مستحبة وفضيلة وأنت خبير أن اشتراط المسجد لصحة الجمعة ليس مجمعا عليه، والخلاف في ذلك مشهور وقد قال باشتراطه جمهور الإباضية والمالكية وذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى عدم اشتراطه، فتصح في أي مكان من القرى والأمصار ويجوز تعددها وخاصة إذا عجز المسجد عن استيعاب المصلين أو كانت هناك جماعة ممن يعجزون عن الذهاب إلى المسجد، وقد قال الإمام أحمد بن تيمية: «لما بنيت بغداد ولها جانبان أقاموا فيها جمعة في الجانب الشرقي، وجمعة في الجانب الغربي، وجوز ذلك أكثر العلماء»، واستدل على ذلك بفعل الإمام علي بن أبي طالب في صلاة العيد التي سنتها البروز إلى الصحراء، فلما قيل له إن بالمدينة شيوخا وضعفاء يشق عليهم الخروج، استخلف علي رجلا يصلي بهم العيد في المسجد، وهو يصلي بالناس خارج المدينة، قال ابن تيمية: «ولم يكن يفعل هذا قبل (1/152)
صفحة 131
ذلك. وعلي من الخلفاء الراشدين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) (1) 1 (، فمن تمسك بسنة الخلفاء الراشدين فقد أطاع الله وسوله، والحاجة في هذه البلاد وفي هذه الأوقات تدعو إلى أكثر من جمعة إذ ليس للناس جامع واحد يسعهم، ولا يمكنهم جمعة واحدة إلا بمشقة عظيمة».
هذا ما قاله شيخ الإسلام في القرن السابع الهجري ونزيد عليه نحن الآن: ما أحوجنا اليوم إلى تكثير الجمعات وتعداد أماكن إقامتها وخاصة حيث تكثر تجمعات الشباب لنشر الوعي الإسلامي بينهم، وإعلاء كلمة الله، وبث الدعوة إلى دينه القويم ومجابهة السيول الجارفة من الدعوات المختلفة الوسائل إلى الكفر والزيغ والإلحاد التي تغزو بلاد المسلمين، وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى المسلمين يأمرهم بالجمعة حيث كانوا، وأن عبد الله بن عمر كان يمر بالمياه التي بين مكة والمدينة وهم يقيمون الجمعة فلا ينكر عليهم، وقد قال ابن عربي أحد أقطاب علماء المالكية لما حكى قولهم باشتراط المسجد لصحة الجمعة: «ولا أعلم وجهه».
وبعد فهذا ما من الله به في الجواب عن سؤالك باختصار غير مخل –فيما أقدر- ولم يتسع الوقت لبسط أوسع من
__________
(1) (2 (رواه أبو داود في الباب الخامس من كتاب السنة، ورواه الترمذي في الباب السادس عشر من أبواب العلم. (1/153)
صفحة 132
ذلك. فأجب لما دعيت إليه من إقامة هذه الشعيرة العظمى فإنها مكرمة ساقها الله إليك، وجزى الله الطالبين خيرا، فصل بهم واخطبهم وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وسيفتح الله لتقبل دعوتك والاستجابة لها، ولأن يهدي الله بك رجلا خير لك من الدنيا وما فيها، وفقك الله وأرشدك وأخذ بيدك وأيدي أبنائك الطلبة إلى ما يحبه ويرضاه.
سؤال: عدد أهل «تَنْدَمّيرة» (1) 1 (، كلهم ثمانمائة نسمة، عندما يخرج الناس إلى الحرث في فصل الحرث، أو إلى الحصاد في فصله، لا تبقى إلا قلة من الناس في القرية، فهل تجب الجمعة أم لا؟ وهل تصح إذا أقيمت أم لا؟
الجواب: الذي يؤخذ من أحكام صلاة الجمعة في الكتاب والسنة وأقوال الأئمة أن مثل هذه القرى الصغيرة لا تجب فيها جمعة، وإن كان مصر قريب منها تقام فيه الجمعة كان على القادر منهم أن يصليها في ذلك المصر القريب إذا آواه الليل إلى أهله، أعني يرجع إلى أهله بعد صلاة الجمعة بالوسائل العادية كالسير على الأقدام فيدركهم قبل دخول الليل، وإذا أقام أهل القرية الجمعة بشروطها من الخطبة والإمام والمسجد صحت وقبلت إن شاء الله، ولا ظهر عليهم بعدها.
__________
(1) (1 (قرية في جبل نفوسة (الجبل الغربي) من الجمهورية الليبية. (1/154)
صفحة 133
سؤال: جاءني سوال من عندكم تطلبون فيه الفتوى الشرعية، تقولون فيه إنكم في الخدمة الوطنية وإن عندكم مسجدا قريبا منكم تصلون فيه صلاة الجمعة وتستمعون إلى خطبة الإمام المشروعة قبل الصلاة وإن عندكم الوقت الكافي لصلاة الجمعة في المسجد مع الجماعة، وإنكم تواظبون عليها، فقال لكم بعض الإخوان لا تجوز صلاة الجمعة للمسافر فتحيرتم في الأمر.
الجواب: -والله الموفق للصواب- إن قول هذا القائل خطأ صريح وخطأ فاحش، فإن المسافر تجوز له صلاة الجمعة إذا وجد من يقيمها بشروطها التي هي المسجد والجماعة والخطبة، وهذه كلها متوفرة لديكم، فصلاتكم الجمعة صحيحة مقبولة عند الله إن شاء الله، فداوموا عليها ما وجدتم لها سبيلا، وهي أفضل من أن تصلوا صلاة الظهر والمسجد الذي تقام فيه الجمعة قريب منكم وقد أخطأ القائل لكم إنها لا تجوز، والصحيح عند العلماء أنها تصح ولا تجب، ولم يقل العلماء أنها لا تصح، وإنما قالوا لا تجب على المسافر وأنها تصح منه إذا صلاها جمعة كما تفعلون بارك الله فيكم، وإن هذا القائل أخطأ في قوله «لا تجوز» ولم يفرق بين قول العلماء «لا تجب» وزعم هو أنهم قالوا «لا تجوز» والحقيقة أن المسافر لا تجب عليه الجمعة ولكنها تصج منه إذا صلاها جمعة، بل إن هذا أفضل له (1/155)
صفحة 134
فدوموا على ما أنتم عليه بارك الله فيكم، وإن كثيرا من أبنائنا في مدن الشمال كالجزائر ونحوها يصلون الجمعة دائما في المساجد القريبة منهم، وإن المسافر إذا صلاها ظهرا لا جمعة لسبب ما، صحت منه ولا يحكم بخطئه، وهذا هو معنى قول العلماء: صلاة الجمعة في السفر تصح ولا تجب.
والسلام عليكم
سؤال: هل تستطيع أن تصلي صلاة الجمعة مع الإخوان المالكيين في مساجدهم؟
الجواب: نعم تصلي الجمعة في جميع مساجد المسلمين أينما كنت ولك فضل وأجر.
سؤال: أما سؤالك عن تحية المسجد للداخل إليه، والإمام يخطب يوم الجمعة، أيصليها أم لا؟
الجواب: فالجواب عنه أن المجمع عليه أن تحية المسجد سنة مرغب فيها مأمور بها، غير واجبة، وأن الإنصات إلى الخطبة كذلك مأمور به أمرا مؤكدا، حتى إن كلمة «أنصت» لغو يبطل الجمعة، وهذا التعارض أو شبه التعارض بين الأدلة سبب لاختلاف الناس في أيهما الأفضل: الصلاة أم الإنصات، فالكل جائز فلا يسوغ إنكار البعض على البعض، فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (1/156)
صفحة 135
سؤال: ما حكم من تكلم في خطبة الجمعة أو قام بعمل بين الخطبة والصلاة؟
الجواب: نهى عن الكلام ولو قليلا إذا شرع الإمام في خطبة الجمعة حتى يسلم من صلاتها، ومن تكلم فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له، وأما العمل بين الخطبة والدخول في الصلاة، فإذا كان لإصلاح الصلاة كأن ينتقل لسد فرجة في صف أو لتسوية الصفوف أو يسوي ثيابه مثلا ليتمكن من حسن القيام بحركات الصلاة، فلا بأس بذلك، بل هو مطلوب شرعا، وأما الاشتغال بغير ذلك فنخشى أن يفسد جمعته.
سؤال: ما الحكمة في ترك صلاة الجمعة إذا كان يومها يوم عيد فطر أو أضحى، والاستغناء عنها بصلاة العيد؟
الجواب: وجدنا في الأثر جواز ترك صلاة الجمعة يوم العيد والاستغناء عن إقامة شعيرتها بإقامة شعيرة العيد التي هي أعظم وأشمل كما يدل عليه الأمر بالبروز إليها خارج البيوت، وبخروج أهل القرية المكلفين جميعا حتى المخدرات من النساء، فأغنت هذه الشعيرة العيدية بركعتيها وخطبتيها عن ركعتي الجمعة وخطبتيها، فتصلى الجمعة ظهرا كسائر الأيام وليس معنى هذا عدم جواز إقامة صلاة الجمعة، وإنما المراد جواز تركها وتصلى صلاة الظهر (1/157)
صفحة 136
بدلها، ويبدو لنا أن الحكمة في ذلك هي التخفيف على الناس لما في إقامة الشعيرتين معا في يوم واحد بأركانها وسننها مع ما في العيدين من سنن وواجبات أخرى من مشقة على الناس لا تخفى، والمشقة تجلب التيسير كما يقول الفقهاء، والدين يسر ليس بعسر، ومن أقامهما معا العيد والجمعة، فحسنا فعل، ولكل نيته وأجر عمله.
سؤال: ما حكم من فاتته صلاة الجمعة؟
الجواب: من فاتته صلاة الجمعة قضاها ظهر إجماعا لأنها لا تصح إلا بإمام وجماعة وخطبة، ومن أدرك شيئا منها مع الإمام ولو التشهد، استدرك ما فاته منها ركعة أو ركعتين بفاتحة وسورة جهرا.
سؤال: ما حكم المتهاون بصلاة الجمعة؟
الجواب: التهاون بصلاة الجمعة قبيح جدا، وقد صح في الحديث أن من تركها ثلاث مرات متوالية طبع الله على قلبه، وفي ذلك وعيد شديد، وهذا لمن تجب عليه، أي غير المسافر والمرأة. (1/158)
صفحة 137
صلاة السفر
سؤال: ما حكم من سافر ولم يأت بنية لصلاة السفر؟
الجواب: القصر في السفر واجب قطعا وإجماعا ولا معنى لنية القصر ولا دخل لها في حكم القصر مطلقا كذلك. وإنما ذلك من أوهام العامة لم يدر به كتاب ولا سنة ولا شيء من أقوال الأئمة، والذي أوقع الناس في هذا الوهم هو قول بعض العلماء: إن للإنسان أن ينوي الجمع بين الصلاتين في سفره عند خروجه من حدود وطنه فتكفيه نيته تلك عن تجديد نية الجمع في أول الوقت لكل صلاتين يريد الجمع بينهما، وهذا خاص بالجمع لا بالقصر فإن القصر في السفر أمر شرعه الله تبارك وتعالى وأكدته وبينته السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمعت عليه الأمة ولا داعي ولا حاجة مطلقا لأن ينوي المسافر عند خروجه من الأميال في سفره هذا. وإلا لم يجز له القصر. فإن هذا وهم باطل وخطأ فاحش من قائله لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس. هذا فيما يخص القصر. وأما الجمع بين الصلاتين في السفر فإنه جائز مشروع وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع في سفره بين صلاتي الظهر والعصر وصلاتي المغرب والعشاء جمع تقديم تارة وجمع تأخير تارة أخرى، من غير اشتراط (1/159)
صفحة 138
نية مسبقة لذلك في أول السفر ولا في أول الوقت، ولم يرو عنه مطلقا أنه اشترط على أصحابه ذلك. فليس ذلك بواجب ولا مطلوب فإنه لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع و لا قياس صحيح، وكل ما في الأمر أن بعض العلماء استحسن هذه النية في أول وقت صلاة الأولى ثم ادعى أن نية الجمع عند أول السفر تغنيه وتكفيه للجمع مهما طال سفره فهو إذن مجرد استحسان لم نقف له على دليل من كتاب ولا سنة، فالحق إذن هو أن القصر واجب، والجمع جائز وسنة مطلقا بدون اشتراط لهذه النية المسبقة المدعاة.
سؤال: هل تسمح لك القواعد الشرعية للمذهب الإباضي أن تصلي صلاة سفر طوال غربتك، ولوا دامت أعواما؟
الجواب: إذا كنت بعيد مسافرا عن وطنك لأي غرض كان، فعليك أن تصلي صلاة سفر، أي تقصر الرباعية وهي الظهر والعصر والعشاء إلى ركعتين اثنتين، ما دمت في سفرك مغتربا عن وطنك إلا إذا نويت اتخاذ البلد الذي أنت فيه وطنا لك، واعتزمت الإقامة فيه دوما وإلا إذا تزوجت فيه واتخذت دارا ملكا لك لسكناك فإنك حينئذ تصلي صلاة حضر، أما الحالة التي أنت عليها اليوم بصفتك موظفا لوقت لا تدري مدته ولا نهايته ولا متى تنقل منه إلى بلد آخر، فإن هذا لا يقتضي التوطين ولا يرفع عنك حكم السفر فيكون الواجب عليك إذا أن تصلي صلاة سفر، وإن بدا لك (1/160)
صفحة 139
فاتخذت هذا البلد الذي أنت فيه وطنا دائما لك لا تنوي التنقل عنه أو تزوجت فيه كما مر آنفا فإنك تصبح مستوطنا، ويصبح بلدك الجديد هذا وطنا لك، تكون فيه حضريا تصلي صلاة الحضر.
أما سؤالك عما جد في صلاة الجمعة فإنه لم يجدَّ في القضية شيء، فهي تصلي في القرارة دون غيرها إلى هذا اليوم (1) 1 (، وإذا كانت الجمعة تقام في مسجد البلد الذي أنت فيه، فالأفضل لك أن تصلي مع الجماعة.
سؤال: ما وجه الجمع بين تحديد مسافة السفر بالفرسخين تحديد للمسافة، وإن الثلاثة الأيام تحديد للزمان، نحن نعلم يقينا أن النبي صلى الله عليه وسلم حدد مسافة السفر بفرسخين يوم خرج بأصحابه إلى ذي الحليفة يبين لهم حد السفر، وهو على فرسخين من المدينة المنورة، وهذا مما لا خلاف فيه، ويبقى بعد ذلك هل يعتبر كل من جاوز الفرسخين مسافرا؟ كيفما كان أمد مكثه خارجهما وكيفما كان قربه أو بعده من حدهما؟ الظاهر أن هناك فرقا كبيرا بين حال وحال، والمسألة تتحكم فيها اللغة
__________
(1) (1 (يوم 20 محرم 1391 أي بعد حوالي ثلاثة أسابيع من بدئها بالقرارة ولكن بعد ذلك تلاحق غالب قرى ميزاب إلى صلاتها. (1/161)
صفحة 140
والعرف، والله تبارك وتعالى يقول: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر) (1) 1 (، ويقول: (وإن كنتم على سفر) (2) 2 (، ويقول: (وإن كنتم مرضى أو على سفر) (3) 3 (، هكذا بإطلاق لفظ السفر لأن مدلوله مفهوم عرفا عند العرب النازل القرآن بلغتهم، فمن تجاوز الفرسخين لقضاء حاجة كجني كمأَة أو احتطاب أو نحو ذلك ثم يعود إلى بيته من يومه أو ليلته، هل يعتبر في اللغة أو يعد في العرف مسافرا يفطر إن أصبح خارج الفرسخين أو يقصر رباعية أدركته خارج الفرسخين؟ لا نظن أن أحدا يسمى هذا مسافرا ويطبق عليه حكم السفر في القصر أو الفطر، ولا هذا الشخص نفسه يرى نفسه مسافرا يترخص بما يترخص به المسافر، ومما جرت به العادة اليوم أن كثيرا من الناس يخرجون للنزهة والتمتع بجو البادية، ويتجاوزون الفرسخين إلى بعض الأودية أو الحياض يقضون يومهم ثم يعودون ولا يستشعر أحد منهم أنه مسافر ولا يسميهم أحد من الناس مسافرين، فلا بد إذن من اعتبار زمن يحد به السفر بعد تجاوز الفرسخين، وهذا هو الذي حده بعض الفقهاء بثلاثة أيام، وحده بعضهم بمسافة يوم وليلة، ولعل هذا هو الأرجح لقوله صلى الله عليه وسلم:
__________
(1) (1 (الآية 184 من سورة البقرة.
(2) (2 (الآية 283 من سورة البقرة.
(3) (3 (الآية 43 من سورة النساء و6 من سورة المائدة. (1/162)
صفحة 141
«لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم منها» (1) 1 (، فالفرسخان لتحديد المسافة فلا يكون من خرج من بيته إلى مكان دون حد الفرسخين من قريته مسافرا وإن أقام فيه شهورا كما لا يكون مسافرا من تجاوز الفرسخين لقضاء حاجة ثم يعود ولا يقيم أكثر من يوم وليلة أو ثلاثة أيام عند بعض، هذا ما نراه في فقه هذه المسألة، والله أعلم بالصواب.
سؤال: ما حكم القصر والإتمام في السفر؟
الجواب: قصر الصلاة في السفر فرض وإتمامها في الحضر فرض، فمن هو المسافر؟ هو من كان خارج وطنه يحس في نفسه ويشعر دائما بأنه مسافر يعتزم الرجوع إلى بلده عند انقضاء عمله، طال أمده أم قصر، ولم يحدد النبي صلى الله عليه وسلم أياما معدودة تنقطع بعدها حالة السفر، وقد مكث طوال أيام الحج مقصرا في مكة ومنى، ومكث كثير الصحابة زمنا طويلا مقصرين في الشام والعراق وهم موظفون يعلمون أن أعمالهم لا تتم إلا بعد شهور وشهور وذلك أكثر بكثير مما حدده بعض الفقهاء لانقطاع حالة السفر، ولقد
__________
(1) (1 (رواه مسلم في كتاب الحج، ورواه الدارمي (في باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره) في أحاديث كثيرة متقاربة الألفاظ غير أن في بعضها التحديد بيوم أو بليلة أو يومين أو ثلاث أو أكثر من ثلاث ليال. (1/163)
صفحة 142
قال فقهاؤنا إن من اتخذ أهلا وتأَثل ملا ببلد عد مستوطنا بالعمل، فإن الوطن يتخذ بالنية أي نية الاستيطان أو بالعمل كما ذكرنا، وهذا ما أفتي به. وبعد فالمسألة فرعية وبسيطة، فمن اضطره عمله في بلد ما خارج وطنه فلينو اتخاذه وطنا ويتم فيه، وإن شاء بعد ذلك نزعه بعد أن يرتحل عنه، وما نرى بأسا على من اختار قول الإمام مالك أو أبي حنيفة أو غيرهما من الأئمة فعمل به، أما حكم من صلى أربعا خارج وطنه وهو مقيم بحكم عمله سنة أو سنتين فإنا نرى أن هذا مستوطن لمقر عمله فإنه لم يتم الصلاة إلا وهو مستشعر معتقد أنه غير مسافر، وأي نية للتوطين أقوى من هذه؟ فهو بهذا الاعتبار حضري غير مسافر يتم ولا يقصر.
سؤال: ما حكم الشرع في القصر في السفر لمن كانت زوجته معه؟
الجواب: إن قصر المسافر للصلاة الرباعية أمر مشروع مأمور به والمسافر هو من جاوز الفرسخين بعد حد عمران وطنه، ناويا السفر غير متخذ المكان الذي وهب إليه وطنا آخر له فهذا يقصر ما دام يعتبر نفسه مسافرا معتزما الرجوع إلى وطنه فإذا اتخذ عملا قارا له وجاء بأهله ليطمئن وتسكن نفسه وجب عليه الإتمام لأن ذلك يعتبر اتخاذا للوطن، وأما من سافر بأهله لمداواة من مرض مثلا أو لزيارة أو عبادة أو (1/164)
صفحة 143
حج أو غير ذلك من أغراض السفر المؤقت، فإنه يقصر هو وزوجه لأنهما مسافران.
سؤال: تسأل عن صلاة السفر، وتقول إنك من وادي سوف، وإنك ذهبت إلى سطيف للتجارة بها ناويا الإقامة سنة أو سنة ونصف سنة، ثم تعود إلى وطنك الأصلي وادي سوف، وهل يجوز لك أن تقصر الصلاة طول هذه المدة، وتطلب الجواب المؤيد بالدليل الشرعي.
الجواب: رأيت أن أهدي إليك رسالة «أحكام السفر في الإسلام» أهديت لي من مؤلفها الفاضل، تجد فيها أحكام السفر مفصلة بأدلتها في مسافته وزمنه وغير ذلك، مأخوذة من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن عمل الصحابة رضي الله عنهم، فتدبرها جيدا واعمل بما اقتنعت به من أدلتها، والمسألة –مع ذلك- لا تخلو من خلاف بين الأئمة المجتهدين رحمهم الله، ومن اطمأن قلبه لقول واحد منهم فقلده غير متبع هواه رجونا له السلامة عند الله، ومن باب النصيحة الواجبة على المسلم لأخيه المسلم أنبهك إلى خلو كتابك من البسملة التي يجب أن تفتتح بها كتب المسلمين، أو الحمدلة التي تقوم مقامها، كما اعتاد الناس عندنا أن يكتبوا في صدر الكتاب، «الحمد لله وحده»، فلا ينبغي للمسلم أن يخالف هذه السنة المؤكدة التي ورد الأمر بها في السنة تصريحا وفي القرآن الكريم تلويحا، وأجمع علماء (1/165)
صفحة 144
على تأكيدها ثم إنك صدرت كتابك بكلمات «الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية» ومثل هذا التصدير -فيما نعلمه من نظم جميع الدول- لا يكون إلا في المكاتبات الرسمية الصادرة من الموظفين في مختلف الإدارات، لا في الرسائل الخاصة.
سؤال: هل يجوز لكم أن تقصروا الصلاة وتجمعوا في هذه البلدة البعيدة عن وطنكم بألف ومائة كيلومتر مع أنكم تقيمون فيها ثلثي العام؟
الجواب: اعلموا أنكم في مركز عملكم هذا مسافرون ولو طالت مدة إقامتكم فيه عاما أو أكثر من عام فالواجب عليكم قصر الصلاة أعني صلاة الرباعية ركعتين في الظهر والعصر والعشاء. وأما الجمع بين الصلاتين فإنه جائز وغير واجب، والأفضل أداء كل صلاة في وقتها منفردة مع قصر الرباعية منها، أعني تصلون الظهر في وقته ركعتين، هذا هو الأفضل، وإن جمعتم بين الظهر والعصر فجائز لكم، وكذلك بين المغرب والعشاء.
سؤال: متى يعتبر الإنسان مسافرا يجب عليه فيه قصر الصلاة؟
الجواب: إذا كنت مسافرا في بلد غير ناو الإقامة فيه أبدا، فإنه يجب عليك أن تصلي قصرا لا تماما، أعني تصلي (1/166)
صفحة 145
الرباعية اثنتين ويجوز لك الجمع بين الصلاتين في وسط الوقت، والإفراد أفضل، ولا يجوز الإتمام إلا لمن استوطن البلد الذي هو فيه.
سؤال: هل يجوز للمسافر أن يتخذ الجمع بين الصلاتين عادة؟
الجواب: إن القصر واجب على المسافر ما لم يتخذ وطنا بالعمل أو النية كما هو معروف من كتب الفقه، وأما الجمع بين الصلاتين فهو رخصة لا يحسن أن تخرج عن حدها، والإفراد للمسافر أفضل، بلا خلاف، لكن إذا جمع صحت صلاته فلا موجب لبطلانها وفسادها، ونرجو له النجاة والفوز عند الله وإن نقص أجره.
سؤال: جاءني منكم كتاب تسألون فيه عن أربعة أسئلة شرعية فدونكم الجواب عنها من غير ذكر نص السؤال تحفيفا علي. (1) 1 (
__________
(1) (1 (هذه الفتوى من أواخر ما كتب الشيخ رحمه الله في حياته وقد كتبها في مرضه الذي مات فيه، وذلك بتسعة أشهر وثلاثة أسابيع قبل وفاته، تغمده الله برحمته الواسعة ونفعنا بعلومه وجازاه الله عنا وعن الإسلام خير الجزاء. (1/167)
صفحة 146
1 - إفراد الصلوات في السفر أفضل من الجمع وإن كان الجمع جائزا ولقد أحسنت في إفراد كل صلاة في وقتها.
2 - صلاة الجمعة غير واجبة على المسافر ما لم يتخذ البلد الذي هو فيه وطنا، ولكن صلاته مع الجماعة التي تصليها بالمسجد القريب منك أفضل، فواظب على ما أنت عليه من صلاة الجمعة ولك الفضل والأجر العظيم عند الله، ولا تبال بأقوال الناس.
3 - يجوز للمسافر العامل في بلد غير وطنه أن يجمع بين الصلاتين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ولو طالت مدة إقامته في غير وطنه سنوات عديدة ما لم ينو اتخاذه وطنا.
4 - إذا كان المرء مع زوجته وأولاده في بلد غير بلده يعمل فيه فإنه يعتبر نفسه مسافرا ولو طالت إقامته فيصلي صلاة السفر إلا إذا نوى اتخاذه وطنا له، أو تزوج بزوجة من ذلك البلد فإنه يحسن له أن يتخذه وطنا يتم فيه الصلاة هذا ما من الله به في الجواب.
سؤال: هل يجوز الجمع في السفر بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء؟
الجواب: الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في السفر جائز، وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم وسنَّه، وخاصة في حال المسير، إما بتأخير الأولى إلى وقت الثانية، أو (1/168)
صفحة 147
بتقديم الثانية إلى وقت الأولى، حسبما تقتضيه الحال، فالكل جائز باتفاق العلماء، ولكن الإفراد أفضل باتفاقهم كذلك، فلا حرج في شيء من ذلك، وإنما الحرج كل الحرج في ترك الصلاة الذي ابتلي به أكثر المسلمين اليوم، فالحاجة اليوم ماسة إلى التيسير في طرق الأداء، فيسروا ولا تعسروا.
سؤال: ما المشروع في صلاة السفر الجمع أم الإفراد؟
الجواب: يجوز لكم في حالة السفر الجمع بين الصلاتين الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء، إما بتقديم الثانية إلى وقت الأولى، أو بتأخير الأولى إلى وقت الثانية، ويجوز لكم الإفراد، والإفراد أفضل إذا أمكن.
سؤال: سألت عن صلاة المغرب والعشاء جمعا حوالي الساعة السابعة حسبما اعتادت الجماعة أن تفعله، مع أن الجمع ينبغي أن يكون بين الوقتين، كما سألت عن صلاتك أنت منفردا المغرب وسنته ثم تعيده نفلا مع الجماعة، وتصلي العشاء معهم.
الجواب: إن كل ذلك جائز لا حرج فيه فللجماعة أن تصلي الصلاتين جمعا في الوقت المعتاد وإن لهم في ذلك لعذرا حيث يمكنهم التهيؤ للصلاة والتطهر لها، واستبدال ثياب الصلاة بثياب العمل، فلا حرج في ذلك مطلقا، (1/169)
صفحة 148
والصلاة صحيحة، وإن كان الإفراد أفضل، وصلاتك أنت المغرب مع جماعتهم نفلا بعد أن أديت فرضها أمر مستحب، وقد ورد في الأثر الصحيح أن من صلى فريضة ثم أدرك جماعة تريد أن تصليها فليصل معهم نفلا وذلك خير له من أن يبقى قاعدا والناس يصلون.
سؤال: هل يجوز في السفر صلاة المغرب ثم سنته المؤكدة، ثم العشاء ثم الشفع والوتر؟
الجواب: إن من الغريب أن يسأل مثل هذ السؤال، فإن الترتيب الذي ذكرته هو الأصل والعزيمة التي جاءت بها الشريعة الغراء، وإنما نشأ هذ السؤال من الخطأ الشائع بين الناس، إذ يظنون أن الجمع بين الصلاتين في السفر واجب مثل وجوب القصر، وهذا خطأ فاحش أعيذك بالله أن تقع فيه، وأنت طالب علم، فإن الحق أن القصر في السفر واجب، وأن إفراد كل صلاة في وقتها عزيمة في السفر كالحضر، وما الجمع بين الصلاتين في السفر إلا رخصة، لها حالات خاصة لا تتعداها، أما ما هو شائع بين تجارنا خارج ميزاب من الجمع بين الصلاتين دائما وأبدا فإنه ليس إلا رخصة ضعيفة قد التزموه ودرج عليه الصغير والكبير حتى أصبحوا يعتقدون أنه هو الواجب في حق المسافر، وهذا خطأ كبير فإن المأمور به هو الإفراد، وإنما العزيمة هي الإفراد، ومن ترخص فجمع بين المغرب والعشاء فإن له في سنة (1/170)
صفحة 149
المغرب المؤكدة طريقتين: أما علماء الإباضية المشارقة فيرون سقوط سنة المغرب في حال الجمع ولا قضاء لها، فيصلي الجامع المغرب ثم العشاء ثم الشفع والوتر، وأما علماء المغرب فيرون قضاء سنة المغرب بعد العشاء، فيصلي الجامع عندهم المغرب والعشاء، ثم سنة المغرب، ثم الشفع والوتر، وأيَّاما فعلت من هذا فأنت مصيب ولا حرج عليك.
سؤال: ما حكم الشرع في ركعتي سنة المغرب في حال الجمع بين المغرب والعشاء لسفر أو غيره أو نحوهما مما يشرع به الجمع بسببه؟
الجواب: يرى أصحابنا من أئمة المغرب أنهما تقضيان بعد العشاء فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقضي ما فاته من سننه الرواتب، ويرى أصحابنا من المشرق سقوطهما، وعلى هذين القولين يجري العمل اليوم في المغرب والمشرق.
سؤال: هل يجوز الدعاء أو الذكر بين المغرب والعشاء في حال الجمع بينهما؟
الجواب: من يجمع بين الصلاتين في السفر لا يأتي بأي عمل ولا بأي ذكر أو دعاء بعد التسليم من المغرب وإنما يقوم للعشاء في الحال. (1/171)
صفحة 150
في الآذان
سؤال: سمع رجل مؤذنا إباضيا ربع التكبير الأخير، وثنى كلمة الشهادة فقال: هذا غلط، والإباضية مخطئون فيه، فأرجوكم توضيح المسألة؟
الجواب: إن الخلاف في عدد كلمات الآذان وتكرارها وترجيعها كثير ومشهور في كتب الحديث والفقه بين أئمة المذاهب الإسلامية وبين علماء المذهب الواحد، يقول الشيخ أطفيش في كتابه شامل الأصل والفرع بالجزء الثاني ص9 ما نصه: وتربيع التكبير مذهب الشافعي وأبي حنيفة أولا وآخرا كما ذهب إليه بعضنا وذهب بعضنا والمالكية تثنية أولا وآخر ومذهب المالكية إفراد (لا إله إلا الله) آخر ...
ويروي صاحب الإيضاح الشيخ عامر الشماخي في الجزء الأول ص 397 حديث الأذان عن عبد الله بن زيد الأنصاري، وفيه تربيع التكبير الأخير وتثنية (لا إله إلا الله) أخيرا، وبهذا عمل بعض أصحابنا احتياطا وزيادة في الخير، وذهب بعضهم إلى تثنية التكبير الأخير وإفراد لا إله إلا الله، كما ذهب إليه الجمهور.
والقول الفصل في هذا أن المسالة فرعية فقهية مما يجوز فيه الخلاف ولا يجوز فيه تخطئة البعض للبعض. ودونك كلمة قالها الإمام ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح (1/172)
صفحة 151
البخاري في الجزء الثاني صفحة 67 طبع المطبعة البهية المصرية، بعد ذكر خلاف في ألفاظ الأذان والإقامة نصها: وقال ابن عبد البر ذهب أحمد وإسحاق وداود وابن جرير إلى أن ذلك من الاختلاف المباح، فإن ربّع التكبير الأول في الأذان أو ثناه أو رجع في التشهد أو لم يرجع أو ثنى الإقامة أو أفردها كلها أو إلا قد قامت الصلاة، فالجميع جائز، وأظن أن هذا يكفيك ويكفي أصحابك لتعلموا أنه لا تجوز التخطئة والتغليط في مثل هذا من المسائل الفرعية، وإنما المخطّأ هو الذي غيره، وقانا الله شر تخطئة المسلمين المتبعين للكتاب والسنة المعتمدين على أقوال الأئمة المجتهدين.
في المساجد
(وكل ما يصلي فيه أو عليه)
سؤال: إن في بلدنا زوارة ثمانية مساجد قديمة، منها ما جدد بناؤه ومنها ما بقي على حالته القديمة. ومحاريب المساجد القديمة متجهة إلى الجنوب أكثر منها إلى الشرق، أما الجديدة فقد عدلت محاربيها على حسب البوصلة، وقد اشتد الخلاف بين الناس حول هذه المسألة، كيف نصلي في مدينة واحدة إلى جهتين مختلفتين، وبدأ بعض يهجرون مساجدهم القديمة لعدم ثقتهم بقبلتها. فما رأي الإمام؟ (1/173)
صفحة 152
الجواب: إن من المعلوم من الدين بالضرورة أن أصل القبلة هي الكعبة البيت الحرام، وأنها قبلة لكل من يراها ممن كان في المسجد الحرام أو خارجه، وأن المسجد الحرام قبلة لأهل مكة، وأن مكة قبلة لأهل الحرم، وأن الحرم قبلة لأهل الآفاق في الأرض كلها. ولا يشترط على البعيد عنها إصابة عينها لتعذره، ولإجماع الأمة على صحة صلاة الصف الطويل، ولا حد لطوله، فقد يكون أضعاف أي ضلع من أضلاع بناية الكعبة في طولها وعرضها، فتكفي الجهة أي الاتجاه إلى الجهة التي توجد فيها الكعبة، وقد شرع الله تبارك وتعالى ذلك بقوله: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجهكم شطره) (1) 1 (، فقد أمرنا الله أن نتوجه حيثما كنا إلى جهة المسجد الحرام، ولم يكلفنا إصابة عينه تيسيرا وتحفيفا، لتعذر ذلك على كثير من أهل الأرض، ومن المعلوم أن الجهات الأصلية أربع: شرق، وغرب، وشمال وجنوب. فقد أخرج الترمذي من رواية أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» (2) 2 (، وقال حديث حسن صحيح، وبناء على هذا فإننا إذا قسمنا الأفق إلى أربع جهات، ورسمنا لكل جهة ضلعا وهميا فإن الضلع الذي يوجد
__________
(1) (1 (الآية 144 من سورة البقرة.
(2) (2 (رواه ابن ماجة في آخر باب القبلة من أبواب الصلاة. (1/174)
صفحة 153
فيه المسجد الحرام بالنسبة لكل قطر من أقطار الأرض هو الذي يتوجه إليه المصلي وبذلك يكون متوجها شطر المسجد الحرام كما أمر الله، ومستقبلا للقبلة كما دل عليه الحديث. هذا هو الحكم العام في الاستقبال والتحديد يختلف باختلاف الأقطار والجهات كما هو معلوم بالضرورة، فعلى أهل كل قطر وبلد أن يتحروا في تعيين سمت القبلة لبلدهم، وقد فعل علماء المسلمين ذلك في جميع الأمصار والأعصار. فأصلوا وفصلوا وأطالوا في بيان حدود القبلة بالنسبة لبلدهم، بمشارق الأرض ومغاربها في الصيف والشتاء ووقت الاعتدال وبالقطبين وبمطالع النجوم كسهيل وغيره وبخطوط الطول والعرض ودرجاتها. ولا علم لي أنا بشيء من ذلك ولا أقول فيه بغير علم، ومما جعلوه دليلا على القبلة مساجد المسلمين ثقة منهم بأن محاريبها لم توجه إلا بعلم، فيجزي المسلم إذا دخل بلدا إسلاميا أن يؤم مسجده ويصلي فيه إلى قبلته ويكون ناجيا إن شاء الله تعالى، لكن بعض المتأخرين قالوا: إن محاريب بعض البلاد الإسلامية غير صحيحة الاتجاه. وقد قال الشيخ أطفيش رحمه الله في شامل الأصل والفرع ما نصه: "ومحاريب القرى بالديار المصرية مختلفة جدا مطعون عليها، وليس فيها بلد يقلد محاريبها المشهورة إلا مصر والاسكندرية وبعض دمياط وأما المحلة ومنية ابن خطيب والفيوم فإن جوامعها في غاية الفساد. فإنها مستقبلة (1/175)
صفحة 154
بلاد السودان، وليس بينها وبين جهة الكعبة مناسبة" وبعد، فإن وسائل تصحيح الأوضاع الجغرافية للكرة الأرضية قد تيسرت في هذا العصر فيمكن لمن يهمهم الأمر أن يصححوا أوضاع بلدانهم، واتجاهها بالنسبة للمسجد الحرام، ويصلحوا أخطاء مساجدهم ومحاريبهم عند تيقن الخطأِ. وما لم يتمكنوا من ذلك ويتيقنوا بخطأِ الاتجاه، فإنهم يجوز لهم أن يعتمدوا على ما وضعه السلف، ومن جهة أخرى فإننا –نحن الآخرين- نرى في محاريب بلادنا بعض الاختلاف القليل في الاتجاه، ولا نرى في ذلك خروجا عن سمت القبلة كما حققه فقهاؤنا في القديم. ودلت عليه الأدلة التي نصبوها للتدليل على القبلة، ولعل في بلدكم زوراة بعض هذا الاخلاف الطفيف الذي لا يخرج أحد المحرابين عن سمت القبلة بمعنى الجهة فإذا لم يكن الخلاف الذي أشرتم إليه تدابرا، أو ما يقرب إلى التدابر كالانحراف الشديد، فربما يكون غير خارج عن تولية شطر المسجد الحرام، ويكون لا بأس به، ولا ينبغي أن يثور بسببه نزاع يشتت شمل الأمة، ويفرق كلمتها، فإذا أمكن إصلاحه فحسن، وما هذه إلا ملاحظات من عندي تعين على حل هذا المشكل وأهل مكة أدرى بشعابها.
سؤال: ما حكم اتخاذ المساجد على سقف مرفوع؟
الجواب: إننا لم نجد فيما اطلعنا عليه من كتب السنة (1/176)
صفحة 155
ما يصح الاعتماد عليه فيمنع اتخاذ المساجد على السقوف، بل ما وجدنا إلا العموم في الأمر ببناء المساجد بلا تحديد ولا تخصيص، من ذلك قول عائشة رضي الله عنها: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ببناء المساجد في الدور وأن تطيب وتنظف» (1) 1 (، وهو أول حديث في أربعين المساجد من وفاء الضمانة، ولا يعدو الأمر أن يكون رأيا لبعض الفقهاء مبنيا على مخاوف واحتياطات لا معنى لها، وليس من الحكمة في شيء أن نتقيد بآرائهم هذه فنمنع بناء المساجد عند مسيس الحاجة إليها على سقف مرفوعة، وخاصة إذا كان ما تحت السقوف تابعا لوقف المسجد يستغل لبعض أغراضها التي بني من أجلها كالمكاتب والمحاضر ونوادي الجمعيات للوعظ والإرشاد والنظر في مصالح الأمة، أو كان وقفا كذلك للمسجد يكرى لخزن أو تجارة أو صناعة، مما أبيح شرعا وليس فيه شبهة حرام، ويكون ريعه عائدا إلى مصالح المسجد وعماره، وإن الذي نراه الجواز المطلق بلا تحرج ولا تأثم مطلقا، وإن مساجدنا في ميزاب يوجد جزء كبير منها فوق سقوف يستغل ما تحتها لمصالح مهمة، أما سائر مساجدنا في مدن الشمال جميعها فإنها كلها فوق سقوف. إلا أن جميع ما تحتها تابع لها. وقد بنى بعضها في زمن المشايخ الكبار وعلى رأسهم الشيخ أطفيش رحمه الله
__________
(1) (1 (رواه أبو داود في الباب عشر من كتاب الصلاة بتقديم لفظ تنظف على تطيب، ورواه الترمذي بمثل عبارة أبي داود في كتاب الصلاة. (1/177)
صفحة 156
وما سمعنا نكير قط، وأرجو أن يكون في هذا الجواب كفاية فامضوا في عملكم (والله معكم ولن يتركم أعمالكم) (1) 1 (.
سؤال: إنسان شرع في اتخاذ مصلى في موضع من مسكنه فوجد فيه عظاما بالية آدمية، فهل تجوز له الصلاة في المكان على هذا الحال؟ أم يجب أن ينتزع هذه العظام وإلى أية مسافة؟
الجواب: إن كتابك من بلدة سطيف ويظهر أن هذا البيت داخل هذه البلدة، وسطيف بلد قديم في التاريخ قبل الفتح الإسلامي، يغلب على الظن أن هذه المدافن ليست للمسلمين وأنها قديمة وقبل عهده، فلتنزع هذه العظام التي عثر عليها من جميع المساحة التي أُريد اتخاذها مصلى، وتدفن في مكان آخر ثم يبنى المصلى ولا بأس بعد في الصلاة فيه.
سؤال: هل تجوز الصلاة فوق بيت أو دكان تبين أن تحت أرضها عظاما آدمية بالية؟
الجواب: إننا لا نرى بأس في الصلاة فوق البيوت والدكاكين وسائر المساكن التي وجدناها مبنية من عهد قديم لا نعلم بانيها ولا نعلم ما تحت أرضها، وما كان الله ليضيق
__________
(1) (1 (الآية 35 من سورة محمد صلى الله عليه وسلم. (1/178)
صفحة 157
علينا ويوجب علينا مثل هذا التفتيش، وما عثر عليه مصادفة واتفاقا من مثل ما ذكرت، فإنه يزال ويدفن في مكان آخر إن أمكنت إزالته، ولا شيء علينا وراء ذلك.
سؤال: ما حكم الصلاة في منزل عثر فيه على قبر عند بنائه؟
الجواب: لا تمنع الصلاة في منزل عثر فيه على قبر عند بنائه، إنما لا تجوز فوق القبر نفسه مباشرة.
سؤال: هل تجوز الصلاة على ما صنع من الصوف كسجادة وغيرها؟
الجواب: إن الصلاة على الصوف جائزة قطعا ولا خلاف في هذا بين العلماء. ولم يقل أحد ببطلانها مطلقا. وكل ما في الأمر أنه ورد استحباب الصلاة على الأرض وما أنبتت، ولا شيء وراء هذا.
سؤال: هل تجوز الصلاة على الصوف؟
الجواب: الأفضل في الصلاة أن تكون على الأرض وما أنبتت، وتجوز على الصوف وغيره من كل طاهر بلا كراهية وبدون حاجة إلى كتان أو حصير أو غيرهما مما أنبتت الأرض ليفرش على الصوف، فإن فعل ذلك فحسن وليس بواجب. (1/179)
صفحة 158
سؤال: هل تجوز الصلاة على الزرابي، وإذا كانت لا تجوز فما الدليل؟
الجواب: القاعدة الشرعية المشهورة هي: كل ما تجوز الصلاة به تجوز عليه، ولا خلاف بين الفقهاء في ذلك، ولا كلام فيه. وإنما الكلام في الأفضل من ذلك، والجمهور على أن الأفضل في الصلاة أن تكون على الأرض أو ما أنبتت كالقطن والكتان وغير ذلك من المواد النباتية التي تصنع منها الفرش والزرابي والحصر، فصلوا على زرابي الصوف الطاهرة، ولا حرج عليكم.
سؤال: مصلى اتخذه إنسان في بيته مسور ومسقف باللوح المسمى بالفرنسية «كونتربلاكي» وأرض المصلى مفروشة باللوح العادي وفوق اللوح حصير يصلى عليه والحصير يلامس «الكونترالبلاكي» المسور به المصلى، وقد قال له ناس إن الصلاة في هذا المكان باطلة لأن اللوح المسور به نجس بالغراء الذي بداخله الملتصقة به أجزاؤه، وحصير المصلي يمسه، أي يمس اللوح لا الغراء. فهل الصلاة في مثل هذا المكان صحيحة؟
الجواب: إن الصلاة صحيحة لا شك في ذلك، لا موجب لفسادها، ولا لنقضها فإن المصلى لا يمس نجسا لا ببدنه ولا بثوبه، وحتى لو صلى إنسان على حصير وفي طرف ذلك الحصير نجس ظاهر وهو يصلي فوق الجزء (1/180)
صفحة 159
الطاهر من الحصير ولا يمس النجس ولا يقع عليه ثوبه في حال ركوعه أو السجود مثلا، فإن صلاته صحيحة تامة لا موجب لبطلانها.
سؤال: بنينا على بركة الله مسجدا جديدا هنا (سطيف)، ومحراب الصلاة جاء لاصقا بحائط الأوتيل (فندق) ومن تحت المسجد بيوت ومخازن معدة لكراء، يوجد بها مثلا الصابون المائع وسلعة التجارة (البيسري) أتجوز الصلاة فوقها أم لا؟
الجواب: ما وضع تحت سقف من المتنجسات، لا يمنع الصلاة فوقه، لكن اتخاذ المساجد على السقوف خلاف المعمول به في المذهب، وإنما يكون على الأرض لعلل كثيرة، منها ما سألتم عنه، ثم إن المعروف عندنا إن غالب البيوت التي يتخذها أصحابنا للصلاة في التل إنما هي مصليات لا مساجد وإن عبرت عنها العامة بلفظ المساجد، وإنما اعتبرت كذلك لكونها في الأغلب عرضة للتبديل والتغيير بمختلف الأسباب، والثقة ببقائها مساجد ضعيفة، ولذا تراهم يلتزمون في تأسيها شروطا، وترى كثيرا منها مستأجرا لذلك غير ملك للذين اتخذوه مصلى، هذا وإن نوى منه مسجدا أو أسس على ذلك من أول يوم واستوفى شروط المسجد كان مسجدا، ووجبت له جميع حقوق المسجد. (1/181)
صفحة 160
سؤال: المسجد القديم بمحرابه هل يهان ويجعل بيوتا للسكنى، أم يحترم كالمساجد القديمة؟
الجواب: إن كان مصلاكم القديم بني مسجدا وأسس من أول يوم على نية المسجد فإنه يبقى مسجدا ما دامت السموات والأرض، وتبقى له حرمته، فلا يجوز أن يكرى بيوتا للسكنى أو للتجارة أو نحو ذلك، هذا ما نختاره وإن منع بعض (1) 1 (.
صلاة المريض أو المضطر إلى الإخلال ببعض أركانها
سؤال: نرجوكم الإرشاد إلى الطريقة المثلى التي يمكن أن تؤدى بها الصلوات الخمس المكتوبة مع عدم وجود الإمكانيات غالبا، وتعذر وجود وسائل الطهارة وضيق الوقت في بعض الحالات، كحالات التدريب الرسمي مثلا.
الجواب: اعلموا أن حالاتكم وحالات من يشبهكم أيها السائلون مختلفة جدا لا يمكن الجواب عنها، أي عن كل واحدة منها تفصيلا، وإنما الجواب يجب أن يكون عاما يطبقه كل واحد على نفسه حسبما تقتضيه حالته الخاصة،
__________
(1) (1 (لعل قصد الشيخ وإن جازه بعض. ليتأمل. (1/182)
صفحة 161
وذلك (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) (1) 1 (، وهي خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة: الفجر ووقته ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والظهر والعصر من الزوال إلى الغروب، وهما مشتركان في الوقت، والمغرب والعشاء من الغروب إلى آخر الليل وهما مشتركان في الوقت، ومن أخر صلاة منها عن وقتها عمدا بغير عذر فقد كفر، وطهارة البدن والثوب والمكان والوضوء وغسل الجنابة واستقبال القبلة شروط لصحتها، وعند تعذر الوضوء أو الاغتسال لسبب ما، يجزي التيمم. فلينظر كل واحد منكم إلى حالته وليتهيأ لصلاته إذا قرب وقتها أو دخل، وليكن مستعدا لأداء الصلاة عندما تسنح له الفرصة. وأطول صلاة كصلاة العشاء لا تقتضي أكثر من خمس دقائق إذا كان صاحبها مستعدا بالطهارة قبل ذلك، فعليكم أن تكونوا حذاقا في أمر دينكم حريصين على أداء فرض ربكم حتى يجعل لكم من أمركم فرجا ومخرجا، فاستعدوا للصلاة بالطهارة عندما تسنح الفرصة، ولو قبل الوقت، حتى يسهل عليكم القيام بها بعد دخول الوقت أينما كنتم، فلا يعجزن أحدكم أن يجد دقائق لأداء فرضه على أية حال، وإذا علم الله تبارك وتعالى صدق توجكم إليه
__________
(1) (1 (الآية 103 من سورة النساء. (1/183)
صفحة 162
وحرصكم على امتثال أمره وأداء فرضه، يسر لكم الأسباب وفتح لكم الأبواب.
سؤال: سألت في رسالتك عن حكم صلاتك في الحالات التي يتعذر عليك فيها الاستنجاء لضرورة ما فتتوضأ وتصلي ...
الجواب: اعلم أن صلاتك صحيحة، وقد أصبت في عملك واعلم أن الأصل في حكم الوضوء أن لا يصح مع وجود نجاسة في أي موضع في الجسم في الفروج أو في غيرها، ولكن إذا وجدت نجاسة في موضع ما من الجسم وتعذرت إزالتها لسبب ما فإن النجاسة يسقط حكمها فيتوضأ صاحبها ويصلي، فمن تعذر عليه غسل نجاسة البول أو الغائط بالماء لسبب ما كان عليه أن يحتاط جيدا في الاستبراء وإزالة أثر النجس بمطهر كحجارة أو تراب أو كاغد أو نحو ذلك، ثم يتوضأ ويصلي وليس عليه غير ذلك ولا يسقط عنه فرض الوضوء، كما أن الصلاة لا تصح مع وجود نجاسة في أي موضع من الجسم، ولكن إذا وجدت وتعذرت إزالتها صحت الصلاة معها فافهم! أما فيما عدا هذا فإن عليك أن تصلي في الوقت حسبما أمكنك بوضوء أو بتيمم بركوع وسجود أو بإيماء واقفا أو قاعدا إن تعذرت إقامة الأركان. المهم أن تؤدي الصلاة في وقتها ولك أن تجمع بين الظهر والعصر (1/184)
صفحة 163
وبين المغرب والعشاء، فالله تبارك وتعالى يقول: (فاتقوا الله ما استطعتم) (1) 1 (، ويقول: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (2) 2 (، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم» (3) 3 (.
سؤال: شخص مصاب بالبواسير فأخرجت له عرقا قرب دبره من الخارج فكان يستنجي ويطهر المحل ثم يتوضأ للصلاة ثلاث مرات في اليوم لأنه يجمع بين العصرين والعشاءين، لكن هذا العرق قد يطلق بللا أي مادة أثناء الصلاة أو بين الصلاتين فما حكمه؟ وهل تنتقض بذلك صلواته؟
الجواب: -والله أعلم- إن هذا الشخص قد وفق إلى العمل بما شرع لأمثاله من المصابين بسلس البول، أو إسهال البطن، أو الاستحاضة، فإن واجب هؤلاء التطهر للصلاة ثم القيام لها فورا، ولهم الجمع بين الصلاتين، ولا يضرهم بعد ذلك ما سال منهم أثناء الصلاة أو بين الصلاتين، وصلواتهم صحيحة تامة إن شاء الله.
سؤال: هل من قضاء على مريض صلى كيفما أمكنته الصلاة؟
__________
(1) (1 (الآية 16 من سورة التغابن.
(2) (2 (الآية 286 من سورة البقرة.
(3) (3 (رواه الربيع في الباب الأول من كتاب الحج، ورواه النسائي في أول كتاب الحج، ورواه ابن ماجة في الباب الأول من سننه. (1/185)
صفحة 164
الجواب: من اشتد به المرض فصلى حسبما أمكنه بتيمم قاعدا أو مضطجعا بإيماء أو بتكبير فتلك هي صلاته الواجبة في حقه فلا إعادة عليه مطلقا إذا شفي من مرضه، وله بفضل الله أجر الصلاة التامة كاملا غير منقوص، ولا عبرة بالفترة التي قضاها في مرضه، طالت أم قصرت، ولو لزم الفراش سنين.
سؤال: سألت عن طهارتك وصلاتك وصومك في حالة هذا المرض الشديد الذي أصبت به، وإني أشكرك على اهتمامك بأمر دينك وقد فهمت جميع ما وصفته من حالتك ...
الجواب: فاعلم أيها الابن الكريم أن طهارة المريض ووضوءه وتيممه وصلاته جميعا تجب عليه بحسب ما يمكنه ويقدر عليه، و (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (1) 1 (، فإن قدرت على الوضوء فتوضأ، وإن لم تقدر أو فقد الماء فتيمم لكل صلاة كما يمكنك، وإياك أن يغرك من يقول لك إن الصلاة غير واجبة عليك، فإن هذا ضلال مبين، فإن الصلاة واجبة في وقتها حسب الإمكان كيفما كانت حالة المريض ولا تسقط عليه أبد بل يجب عليه أداؤها في وقتها فإن استطاع أن يصليها ببدن طاهر وثوب طاهر وفراش طاهر فذلك من فضل الله، وإن عجز عن الثوب الطاهر أو لم
__________
(1) (1 (الآيو 286 من سورة البقرة. (1/186)
صفحة 165
يقدر على الانتقال من الفراش النجس فليصلها على ما هو عليه، فإنه معذور في الطهارة التي عجز عنها، ولا يعذر في ترك الصلاة أبدا، بل يصليها على الحالة التي هو فيها، والفراش الذي هو فيه، يصليها على ظهره أو على أحد جنبيه، والنجاسة التي يعجز عن إزالتها والابتعاد عنها، فإنها لا تعتبر في حقه نجاسة، والله يتقبل منه صلاته تلك لأنه معذور. وإنك أحسنت بصيامك رمضان على ما أنت فيه، أعانك الله عليه، وهذا خير لك من الإفطار وتحمل الإعادة يوما آخر، وإن كان الإفطار جائزا لك لسفرك ولمرضك لكن الصوم خير لك إن شاء الله، وأما النظر إلى عورة بعض المرضى الذين معك عند مناولة الأطباء لهم فإنه لا يجوز النظر تعمدا، فإذا وقع النظر مصادفة من غير قصد ولا تعمد فإنه لا بأس به، ولا ينقض صيامك، فإذا وقع النظر مصادفة من غير قصد فأغمض عينيك، أو تحول إلى جهة أخرى حتى لا تقع عينك على عورة غيرك، واحذر أن تعيد النظر وتتعمده بعد أن وقع منك أول مرة على غير قصد، وأخيرا اعلم أن الصلاة واجبة في وقتها بحسب الإمكان بتوجه القلب إلى الله، بالنية والتلاوة والركوع والسجود بالإيماء، ولا تضرها أبدا النجاسة التي لا يقدر على إزالتها، فلا تقطع الصلة بينك وبين ربك فإنه يتقبل منك صلاتك ويعذرك (1/187)
صفحة 166
فيما عجزت عنه من الطهارة، والله يقول في كتابه الكريم القرآن العظيم: (واستعينوا بالصبر والصلاة) (1) 1 (، واجتهد في تلاوة ما حفظته من سور القرآن ولو في سرك إن عجزت عن تحريك لسانك وأكثر من ذكر الله بقلبك، وقل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اشغل بها قلبك وفكرك ولسانك إن استطعت، تطرد بها الهواجس والخواطر ووسواس الشيطان، رزقك الله الصبر وعجل لك بالشفاء التام. هذا ما من الله به في الجواب على رسالتك.
سؤال: كيف يصلي من دخل عليه وقت صلاة مفروضة ولم يمكنه أداؤها حيث إنه عامل في مصنع أو سائق حافلة، وهل يجوز للإنسان أن يصلي العصر على إثر صلاة الظهر أعني في أول وقت الظهر على الساعة الواحدة مثلا؟
الجواب: أداء الصلاة في وقتها المحدد لها واجب مفروض، ومن أخرها عن وقتها طائعا مختارا غير مضطر ولا مكره فقد فسق عن أمر ربه وليس من العذر ولا من الاضطرار أن يكون عاملا في مصنع أو سائق حافلة لكي يؤدي واجبه، وإذا منعته في بعض الحالات الاستثنائية ضرورة
__________
(1) (1 (الآية 45 من سورة البقرة. (1/188)
صفحة 167
قاهرة على مواصلة العمل صلاها كما أمكنه ولو بالإيماء في وقتها ولا يجوز تأخيرها.
وأما صلاة العصر في وقت الظهر بعد صلاة الظهر فإنه جائز لأن وقتهما مشترك، كما دلت عليه السنة الصحيحة، بيد أن ذلك لا ينبغي إلا لأصحاب الأعذار كالمريض والمستاحضة والمصاب بسلس بول أو انطلاق بطن لا ينقطع، أو سيلان دم لا يرقأ، أو نحو ذلك مما هو مبسوط في كتب الفقه. ومن الأعذار المستحدثة في عصرنا والتي يجب اعتبارها في هذه المسألة دخول العمال في مصانعهم والطلبة في مدارسهم الرسمية والموظفون في دوائر عملهم بعد الظهر بقليل ولا يؤذن لهم بالخروج منها إلا في آخر الوقت أو عند الغروب بحيث لا يدركون الصلاة بأركانها الواجبة كالطهارة، فهؤلاء ينبغي لهم أن يصلوا العصر على إثر أداء فريضة الظهر، وليس هذا بجمع بين صلاتين فلا يشترط فيه ما يشترط في الجمع المسنون، وإنما هو أداء صلاة منفردة بعد أداء صلاة أخرى كذلك.
سؤال: من صلى في الحافلة بلا طهارة فهل يعيدها عند وصوله بلده؟
الجواب: إذا علم أنه سيصل بلده ووقت الصلاة باق فيؤخر الصلاة حتى يصليها تامة الأركان في البلد، وإذا كان يظن الوصول قبل خروج الوقت ظنا، أخر الصلاة إلى (1/189)
صفحة 168
آخر وقتها، فإذا خاف فوت الوقت صلاها في الحافلة أو على الأرض كما أمكن. فإن الوقت أهم الأركان وأما من دخل عليه وقت صلاة الرباعية وهو في سفر وخرج وقتها وهو في السفر، ولم يصلها حتى دخل وطنه يقضيها سفرية.
سؤال: كيف يصلي من أدركته الصلاة في حافلة أوطائرة؟
الجواب: من أدركته الصلاة في حافلة أو طائرة ولا يمكنه النزول إلا بعد خروج الوقت صلى كما أمكنه ولا إعادة عليه، وإن ركب بعد دخول الوقت وقبل أن يصلي أو أمكنه النزول للصلاة على الأرض فلم يفعل فإن عليه إعادة الصلاة إذا اطمأن بعد نزوله.
سؤال: كيف يصلي من كان على ظهر الطائرة؟
الجواب: الصلاة على الطائرة كالصلاة على السفينة تؤدى في وقتها بحسب الإمكان، ولا يجوز تأخيرها عن وقتها إلى النزول وليس لها كيفية خاصة إلا ما أمكن وإن كانت جماعة فليس على أصحابها صف كأصحاب السفينة.
سؤال: ما حكم من كان في الصحراء ولم يعرف القبلة؟ (1/190)
صفحة 169
الجواب: من كان في صحراء ولم يعرف القبلة فإن كان معه من يعرف الجهات وجب عليه سؤاله وتقليده، وإن لم يجد أحدا مطلقا يعرفه القبلة، اجتهد هو وتحرى الجهة التي يغلب على ظنه أنها قبلة، فيصلي إليها وتجزئه صلاته إن شاء الله.
التهاون بالصلاة وقضاؤها
سؤال: ما حكم تارك الصلاة في المذهب الإباضي؟ وما قول السلف فيه؟
الجواب: لا فرق بين المذهب الإباضي وسائر المذاهب الإسلامية، ولا خلاف بينهم في الحكم على تارك الصلاة، وقد حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة صحيحة وردت في الصحاح وفي كتب السنة وأجمع المسلمون عليها مصرحة كلها بكفر تارك الصلاة؟ منها قوله صلى الله عليه وسلم: «من ترك الصلاة كفر» (1) 1 (، وقوله: «العهد الذي بيننا وبينكم ترككم الصلاة فمن تركها فقد كفر» (2) 2 (، وقوله: «ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة» (3) 3 (، وعن علي بن أبي طالب وجماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء أنهم قالوا:
__________
(1) (1 (لم أجد بها اللفظ ولكن معناه يؤخذ من الأحاديث المذكورة بعده.
(2) (2 (رواه النسائي بلفظ إن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر، ورواه الترمذي بلفظ: العهد الذي بيننا وبينهم ... الخ.
(3) (3 (رواه الربيع بن حبيب في الباب الثامن والأربعين من الجزء الأول من الجامع الصحيح، ورواه النسائي بلفظ: ليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة، ورواه الدارمي والترمذي بزيادة لفظ «الشرك». (1/191)
صفحة 170
تارك الصلاة كافر، وعن علي أيضا: من ترك الصلاة فقد خرج من الإيمان، وقال عمر بن الخطاب حين قيل له: الصلاة يا أمير المؤمنين: قال وجرحه ينبعث دما: نعم ولا حظ في الإسلام لأحد ترك الصلاة. وقال ابن مسعود: من لم يصل فلا دين له. وقال صلى الله عليه وسلم: «الصلاة عماد الدين فمن تركها فقد هدم الإيمان» (1) 1 (، وقال أيضا: «من ترك الصلاة متعمدا فقد برئ من ذمة محمد صلى الله عليه وسلم» (2) 2 (، وأمثال هذه الأخبار كثيرة لا تكاد تحصى. وكلها تصرح بكفر تارك الصلاة وبما في معناه من هدم الإيمان والخروج من الإيمان وسقوط حظه في الإسلام ونفي الدين عنه وبراءته من ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم زيادة على ما في القرآن الكريم مما يستدل به على ذلك مما لا يتسع المقام لإيراده، نعم، إن الإجماع منعقد على كفر تارك الصلاة و إنما الخلاف في كفره هذا أهو كفر شرك أم كفر نعمة؟ فعندنا معشر الإباضية إنه إن تركها منكرا لفرضيتها مستحلا لتركها فإن كفره شرك والحكم فيه حكم المشركين، فلا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ويحكم عليه في سائر أحواله بحكم المشركين، وأما إن كان تركه الصلاة تهاونا وفتورا وكسلا
__________
(1) (1 (رواه الربيع في الباب السابع والأربعين من الجزء الأول بلفظ: لكل شيء عمود وعمود الدين الصلاة، ورواه الترمذي في باب الإيمان بلفظ: رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة.
(2) (2 (رواه ابن ماجة في باب الفتن من حديث قال فيه: فمن تركها متعمدا فقد برئت منه الذمة. (1/192)
صفحة 171
فقط مع الإيمان بفرضها والأمل في التوبة والقضاء فإن كفره كفر نعمة يعامل في سائر أحواله معاملة الموحدين مع البراءة منه، وأمره إلى الله، وأنت خبير بأن الكفر عند الإباضية على وجهين، كفر شرك وكفر نعمة كما هو عند أصحاب الحديث ومن أبواب صحيح البخاري، باب كفر دون كفر.
سؤال: اطلعنا على قول السيد سابق في كتابه "فقه السنة" بأن من ترك الصلاة متعمدا بدون أي سبب ثم تاب وأناب، فلا يجب عليه قضاؤها، وإنما عليه أن يكثر من النوافل وفعل الخير، فما رأي فضيلتكم؟ وما قول أئمتنا في هذا؟
الجواب: نص كلام صاحب فقه السنة، هو بالحرف هكذا: "وأما تارك الصلاة عمدا فمذهب الجمهور أنه يأثم وأن القضاء عليه واجب، وقال ابن تيمية: تارك الصلاة عمدا لا يشرع له قضاؤها ولا تصح منه بل يكثر من التطوع، ثم نقل عن ابن حزم قوله: وأما من تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها هذا لا يقدر على قضائها أبدا فليكثر من فعل الخير وصلاة التطوع ليثقل ميزانه يوم القيامة وليت يستغفر الله عز وجل، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: يقضيها بعد خروج الوقت، حتى إن مالكا وأبا حنيفة قالا: من تعمد (1/193)
صفحة 172
ترك الصلاة أو صلوات فإنه يصليها قبل التي حضر وقتها إن كانت التي تعمد تركها خمس صلوات فأقل، سواء خرج وقت الحاضرة أو لم يخرج، فإن كانت أكثر من خمس صلوات بدأ بالحاضرة ... انتهى.
وقال قطب الأئمة في كتابه: «شامل الأصل والفرع» ما نصه: إن من تعمد تركها فقد اختلف فيه فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة يجب عليه القضاء وذلك قولنا، وقال ابن حبيب وابن حنبل: لا يجب. وهما قائلان بكفره على تركها ولو لم ينكرها لظاهر الأحاديث. اهـ. وبهذا تعلمون مذهب الإباضية ومذهب جمهور الأمة في وجوب القضاء على متعد ترك الصلاة إذا تاب من ذنبه، بل من كفره هذا، وأن قضاءها شرط لصحة توبته ما دام ذلك في دائرة الإمكان ولم يخرج إلى حد التعذر، وأما القائلون بعدم مشروعية القضاء كابن تيمية وابن حزم فإنهم يريدون بذلك تهويل أمر تعمد ترك الصلاة، وأن الإثم فيه كبير وكبير، وأن شأنه عند الله خطير وخطير، وإن فعله بعد تعمد تركه في وقته المحدود لا يغني عنه من الله شيئا. وإن فعله هذا بعد الوقت المعين، لا يقوم مقام الفعل الواجب في الوقت المعين، فإن هذا غير ذلك قطعا، لاحظوا قول ابن تيمية: "لا يشرع له قضاؤها ولا تصح منه"، ولاحظوا قول ابن حزم: "وأما من تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها هذا لا يقدر على قضائها (1/194)
صفحة 173
أبدا"، ولاحظوا أيضا استدلال ابن حزم بقوله تعالى: (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) (1) 1 (، وقوله تعالى: (فخلف من بعد خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) (2) 2 (، وقول ابن حزم بعد ذلك كما نقله صاحب «فقه السنة»: فلو كان العامد لترك الصلاة مدركها لها بعد خروج وقتها لما كان له الويل ولا لقي الغي، كما لا ويل ولا غي لمن أخرها إلى آخر وقتها الذي يكون مدركا لها. وأيضا فإن الله جعل لكل صلاة فرض وقتا محدود الطرفين، يدخل في حين محدود، ويبطل في وقت محدود، فلا فرق بين من صلاها قبل وقتها وبين من صلاها بعد وقتها، لأن كليهما صلى في غير الوقت وليس هذا قياسا لأحدهما على الآخر بل هما سواء في تعدي حدود الله تعالى، وقد قال الله: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) (3) 3 (.اهـ.
يظهر من كل هذا وخاصة من قولهم: لا تصح وقولهم: لا يقدر على قضائها أبدا، أن مرادهم أن من ترك الصلاة متهاونا بها متعمدا لتركها ثم قضاها بعد خروج وقتها فإن قضاءها هذا لا يسد أبدا أدائها في وقتها المعين، ولا يدرك فضل أدائها في وقتها المعين، ولا ينجو من تبعة ذنبه
__________
(1) (2 (الآية 4 و5 من سورة الماعون.
(2) (2 (الآية 59 من سورة مريم.
(3) (2 (الآية 1 من سورة الطلاق. (1/195)
صفحة 174
الكبير بتعمد تركها في وقتها. يعنون أن القضاء لا يدرك شأو الأداء أبدا، ولذلك قالوا: لا يصح منه القضاء أو لا يشرع له أو لا يقدر عليه، ثم قالوا: فليكثر من فعل الخير وصلاة التطوع لثقل ميزانه يوم القيامة، وليتب وليستغفر الله عز وجل، والعجب منهم أنهم أمروه بالإكثار من فعل الخير وصلاة التطوع والتوبة، وقالوا في هذه الصلاة التي تعمد تركها أنه لا يقضيها، أوليس قضاء الصلاة المضيعة المتروكة عمدا أولى وأحق بالإتيان به بعد التوبة والندم والاستغفار، ثم يأتي بعد ذلك صلاة التطوع وفضائل الأعمال والإكثار من فعل الخير لجبر النقص بين الأداء والقضاء. وقد قال العلماء في مثل هذه المسألة: «رب الدين لا يقبل الهدية» فإن كان لله عليك دين من فرض الله وحق له ضيعته فإنه لا يقبل منك نفلا حتى تقضي ما له عليك من دين، ثم إن لنا معهم كلاما في التوبة والاستغفار وقد أمروا هذا التارك للصلاة عمدا أن يتوب ويستغفر وهذا حق وأمر مجمع عليه، فلا نجاة من الذنب إلا بالاستغفار والتوبة النصوح، وللتوبة النصوح التي يرجى قبولها شروط ذكرها العلماء، ومما أجمعوا عليه منها فيما نعلمه قضاء ما ضيعه التائب المستغفر من حقوق الخالق والمخلوق والتنصل من تبعة ذلك، فقد قال الإمام علي كرم الله وجهه لأعرابي سمعه يقول: «اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك»: يا هذا إن سرعة اللسان بالتوبة توبة (1/196)
صفحة 175
الكذابين، فقال الأعرابي: وما التوبة؟ فقال علي كرم الله وجهه: يجمعها ستة أشياء: على الماضي من الذنوب الندامة وللفرائض الإعادة ورد المظالم واستحلال الخصوم وأن تعزم على أن لا تعود، وأن تذيب نفسك في طاعة الله كما ربيتها في المعصية، وأن تذيقها مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعاصي. وقال الشيخ إسماعيل الجيطالي: رحمه الله في باب شروط التوبة من «كتاب القناطر»: القسم الثاني من الذنوب هو ترك واجبات الله تعالى من صلاة أو صوم أو زكاة أو كفارة أو غيرها. فإن ترك صلاة واحدة أو أكثر أو صلى بثوب نجس أو على غير وضوء أو قبل الوقت أو بغير نية أو بإخلال شرط من شروطها أو ركن من أركانها مما يطول شرح تلك النواقض والمفسدات، فعليه قضاء ذلك كله مع الكفارة المغلظة إذا تركها عمدا، وقال الشيخ أبو نصر في منظومة الصلاة الرائية:
مُرِ الفاسق المِلِّيَّ إن تاب يقضها وأما أخو شرك يسامح في الدهر
قال شارحه: قل أيها المخاطب للعاصي الموحد التارك للصلاة عمدا أو الفاعل لها بما لا تصح به شرعا من غير عذر كنجاسة: اقض ما تركت عمدا أو ما أتيت منها بما لا تنعقد به شرعا، ولا تقل للمشرك بعد إسلامه اقض ما فاتك من الصلاة حال شركك لأنه لا يؤمر بقضائها وإن قلنا إنه (1/197)
صفحة 176
مخاطب بفروع الشريعة لكون الإسلام جبا لما قبله كما قال صلى الله عليه وسلم، ثم قال بعد ذلك: وحاصل معنى البيت وزيادة: أن الموحد التارك لها والفاعل لها بما لم يشرع فيها يؤمر بقضاء ما ترك منها فقد إن تاب، وبالتوبة والقضاء معا إن لم يتب ... وقال أيضا: إن عامد ترك الصلاة إلى خروج وقتها آثم ولازم له قضاؤها مع المغلظة خلافا لأهل الظاهر في نفيهم عنه لزوم قضائها، وإن قالوا بإثمه، وقال بعض المشارقة: لا تلزمه كفارة كما هو قول أهل الخلاف، وأكثر المشارقة على وجوبها عليه، كما أفاده الشارح رحمه الله تعالى.
وقال أبو الليث السمرقندي في باب التوبة من كتابع «تنبيه الغافلين» الذنب على وجهين: ذنب فيما بينك وبين الله تعالى فتوبته الاستغفار باللسان والندم بالقلب والإضمار أن لا تعود، فإن فعل ذلك لا يبرح من مكانه حتى يغفر الله له، إلا أن يترك شيئا من الفرائض فلا تنفعه التوبة ما لم يقض ما فاته ثم يندم ويستغفر.
وليت شعري هل يقول هؤلاء بسقوط القضاء في جميع حقوق الله وفرائضه المضيعة المتروكة عمدا كالصيام والزكاة والحج، وإن التوبة من ذنب تركها تجزي صاحبها وتقبل منه بدون قضائها. وقد ثبت الأمر بقضائها بل وبالوصية بها (1/198)
صفحة 177
إذا حضرت المنية وخيف الفوت؟ أو ليست الصلاة أولى بالقضاء للتائب المستغفر؟ ولا تصح فيها وصية لأنه لا يصلي أحد عن أحد كما صح به الأثر وانعقد عليه الإجماع، ثم ليت شعري ماذا يقول هؤلاء في تارك الصلاة عمدا ثم ندم وتاب واستغفر من ذنبه فقضى ما تعمد تركه من صلواته أيكون بذلك محسنا أم مسيئا؟ مطيعا أم عاصيا؟ أتقبل منه صلاته القضائية أم ترد؟ ثم إذا أكثر من صلاة التطوع و النفل بعد ذلك كما أمروه فهل يقبل تطوعه ونفله؟ ويرد قضاؤه؟ وهل يمكن أن يقال له: أسأت في قضائك لما تركت، وخير لك أن لو اقتصرت على النفل والتطوع؟ إن هذا والله غير مقبول ولا معقول. وإن خير ما يأتيه هذا أولا هو التوبة والندم والاستغفار ثم تدارك ما فات ثم الاجتهاد في فعل الخيرات، وهذا ما جعلنا نرى أن ما قاله ابن تيمية وابن حزم إنما أرادوا به تهويل شأن تعمد ترك الصلاة، وإن شيئا ما لا يقوم أبدا مقام ترك الصلاة في وقتها ولا يسد مسدها ولا يبلغ شأو فضلها وإن قضاءها لا يقدر عليه أبدا. ونربأ بهم أن يقولوا إن قضاء التائب المستغفر للصلاة التي تعمد تركها عبث وباطل من العمل، أو هو سيئة ومعصية، مع أنهم يأمرونه بالتكثير من فعل الخير وصلاة التطوع، أو ليس هذا القضاء بعد التوبة أعظم خير يثقل به الميزان؟ نعم إن هناك من فقهاء المسلمين من يرى كفر تارك الصلاة المتعمد (1/199)
صفحة 178
المتمادي كفر شرك يخرج به عن ملة الإسلام فيحكم عليه إذا تاب وأناب بحكم المشرك إذا أسلم ويطبق عليه قول الله تبارك وتعالى: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) (1) 1 (، وقوله صلى الله عليه وسلم: «الإسلام جب لما قبله» (2) 2 (، فلا يطلب بشيء مما عمله أو ضيعه وقت كفره، ولا يبعد أن القائلين بسقوط القضاء عن تارك الصلاة عمدا قد اعتبروا هذا الاعتبار وحكموا بصريح حديث: «ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة» (3) 3 (، فقد علمتم ما عليه سلف الأمة وجمهور الأئمة ومذهب أهل الاستقامة فاحتاطوا لأنفسكم وتحروا لدينكم وتوبوا إلى الله توبة نصوحا، وقد علمتم أن الله تبارك وتعالى ما ذكر في كتابه وعيد المذنبين إلا وأتبعه باستثناء من تاب وآمن وعمل صالحا، وهذا في القرآن الكريم كثير أذكركم بثلاث آيات منها ففي سورة مريم: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة وابتعوا الشهوات فسوف يلقون غيا إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا) (4) 4 (.
__________
(1) (1 (الآية 38 من سورة الأنفال.
(2) (2 (رواه أحمد بلفظ: بايع يا عمرو فإن الإسلام يجب ما كان قبله وإن الهجرة تجب ما كان قبلها، وذلك في مروياته عن عمرو بن العاص.
(3) (3 (رواه الربيع في الباب الثامن والأربعين من الجزء الأول من صحيحه، والدارمي والترمذي في سننها.
(4) (4 (الآيتان 59 و60 من سورة التحريم. (1/200)
صفحة 179
وفي سورة طه: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) (1) 1 (، وفي سورة الفرقان: (إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما) (2) 2 (، فمن ذا الذي لا يرى أن أول عمل صالح يجب أن يقوم به التائب من ذنبه على إثر توبته إنما هو تدارك ما فات بقضاء ما ضيع من فرائض الله والتنصل من تبعات حقوق العباد، ثم يأتي بعد ذلك النفل والتطوع مع الاستمرار على السير في الصراط المستقيم واتباعه كما دل عليه قوله: (ثم اهتدى) وذكر العمل الصالح بعد التوبة في سائر الآيات دليل على أنه شرط لقبولها، فتحروا لدينكم ولا تغرنكم الأقوال الرخيصة التي لا تعتمد على دليل بل تعارض كل دليل وتذكروا قول الله تبارك وتعالى: (سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين) (3) 3 (، وقوله تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله) (4) 4 (، واجعلوا الآيتين الكريمتين نصب أعينكم دائما، فسارعوا إلى مغفرة من ربكم بالتوبة من ذنوبكم
__________
(1) (1 (الآية 82 من سورة طه.
(2) (2 (الآية 70 من سورة الفرقان.
(3) (3 (الآية 133 من سورة آل عمران.
(4) (4 (الآية 29 من سورة الحديد. (1/201)
صفحة 180
وقضاء ما ضيعتم من حقوق ربكم والتنصل من حقوق العباد بقضائها أو المحاللة منها، فإن هذا وحده هو سبيل الفوز والنجاة.
وفقنا الله وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه.
سؤال: رجل مكث في السجن مدة ولم يصل في تلك المدة أي صلاة من الصلوات المكتوبة، فماذا عليه؟
الجواب: إنه عصى وكفر بتعمده ترك الصلاة المكتوبة من غير عذر، فعليه أولا أن يتوب لربه، ويستغفر من ذنبه، وثانيا أن يقضي جميع تلك الصلوات التي ضيعها، ولا يضيق عليه أن يعتكف مثلا في مكان حتى يقضيها كلها، بل له أن يقضي كل يوم بعضا منها، ولو خمس صلوات في كل يوم ويستمر على ذلك حتى يستكملها، وثالثا عليه كفارة مغلظة واحدة (إطعام ستين مسكينا أو الكيل لهم).
سؤال: رجل قضى أياما في المستشفى ولم يصل فيه صلاة قط، فماذا عليه؟
الجواب: إن عليه التوبة والاستغفار لأنه عاص بتركه الصلاة وقد رخص الله له أن يصلي كيفما أمكنه وعلى أية حال ولو بالتيمم والإيماء فلما لم يفعل عصى، فعليه التوبة وعليه قضاء جميع صلواته وعليه كفارة مغلظة لتركه الصلاة عمدا. (1/202)
صفحة 181
سؤال: ما حكم متعمد ترك الصلاة، أو مصليها مع إخلاله بركن من أركانها؟
الجواب: من تعمد ترك الصلاة أو فسدت عليه بترك ركن الطهارة والوقت والاستقبال أو بعمل مفسد ما، وجب عليه قضاؤها وإن كثرت، والقضاء جائز في كل وقت ولو بعد العصر أو الوتر، تقضي كل منها كما وجبت، فإذا سلم من إحداها قام للأخرى، ولا يجب الترتيب فيها الحضرية حضرية والسفرية سفرية، وإذا لم يستطع حصرها فليحتط في التقدير وليقض كل يوم ما تيسر له مع التوبة النصوح من ذنبه الكبير.
سؤال: رجل يتهاون بصلاة المغرب والعشاء وينام من غير أن يصليهما ولكنه يقضيها في اليوم التالي فما حكمه؟ وهل عليه الكفارة؟
الجواب: إن من ترك إحدى الصلوات الخمس ولم يصلها عمدا حتى خرج الوقت فهو فاسق عاص كافر كفر نعمة بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة فعليه التوبة من معصيته وقضاء ما ضيع من صلاته وكفارة مغلظة، وإن تكرر منه ذلك مرارا عديدة من غير أن يؤدي الكفارة بين مرة وأخرى، فإن عليه كفارة واحدة لجميع ما مضى، وأما الصلوات فلا بد من قضائها كلها مع التوبة النصوح. (1/203)
صفحة 182
سؤال: ما حكم من ترك الصلاة عمدا أو ضيع ركنا أو شرطا من شروطها؟
الجواب: تارك الصلاة كافر هالك للترك ومعاقب له أعني يترك المرة بعد المرة، ومضيع لركن منها أو شرط من شروط صحتها كالوضوء والقيام مع القدرة في حكم تاركها، وتوبة الكل لا تصح إلا مع القضاء، ومن تاب وندم واجتهد في القضاء وكان يقضي كل يوم ما استطاع رجونا له الرحمة إن شاء الله.
سؤال: رجل ترك الصلاة عدة سنوات ثم صار يصلي حينا ويترك حينا سنوات كذلك، وكان يشرب الخمر ويزني، وقد عزم على توبة نصوح فماذا عليه؟
الجواب: قد كفر بجميع أفعاله القبيحة هذه، فعليه أولا الإقلاع، أعني الترك المطلق لجميع ذلك، ثم التوبة والاستغفار لله، واستشعار الندم عما صدر منه ثم قضاء كل ما أضاع من الصلوات المكتوبة وذلك بأن يقضي كل يوم ما استطاعه وأمكنه من صلوات حتى تطمئن نفسه إلى أنه قد قضى جميع ما عليه من صلوات، ولا يجب عليه أن يحبس نفسه في مكان مثلا، يقضي فيه الصلاة طوال الليل أو النهار، وإنما يجتهد في قضاء ما أمكنه كل يوم، ثم عليه ثلاث كفارات مغلظات عن معاصيه الثلاث: ترك الصلاة، شرب الخمر، والزنى، هذا ما تصح به توبته إن (1/204)
صفحة 183
شاء الله، وعليه أن يجتهد في أعمال البر والإحسان من جميع أنواع الطاعات ويكثر من الحسنات فإن الحسنات يذهبن السيئات، ويستحسن العلماء أن ينفق في سبل الخير قدر ما أنفقه في الخمر والنساء حتى يطهر من جميع أدرانه.
سؤال: هل تصح صلاة تارك الصوم؟ وهل يقبل صوم تارك الصلاة؟
الجواب: تارك الصلاة كافر بإجماع المسلمين لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة» (1) 1 (، ومعنى هذا الكفر الفسوق والعصيان، وليس كفر شرك، وصيام تارك الصلاة لا يقبله الله منه ما دام تاركا للصلاة، لكنه إذا تاب من ترك الصلاة وقضى ما عليه منها فإنه لا يؤمر بقضاء الصوم إذا لم يفسده بإحدى المفسدات، وكذلك صلاة من يأكل رمضان لا تقبل منه لكنه إذا تاب وقضى ما عليه من صيام فإنه لا يجب عليه قضاء الصلاة الصحيحة التي لم يدخل فيها ما يفسدها.
سؤال: بنت ظهرت عليها أمارات البلوغ وتحققت ذلك ولم تخبر أهلها حياء وخجلا ومكثت على ذلك أياما لم تصل فيها فماذا عليها للأيام التي تركت الصلاة فيها؟
__________
(1) (1 (رواه الربيع والنسائي والدارمي بألفاظ متقاربة وقد تقدم. (1/205)
صفحة 184
الجواب: إنها تتوب إلى الله وتستغفره لأنها عاصية بتركها الصلاة ثم عليها أن تقضي جميع صلوات الأيام التي تركتها بأن تشرع في قضاء ما تستطيعه كل يوم حتى تأتي على عدد الصلوات التي عليها.
سؤال: بماذا يجب أن يبتدئ من نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس؟
الجواب: إن السنن لا يجب قضاؤها فإن أراد القضاء فليبدأ بالسنة ثم يثني بفريضة الصبح، وإن اقتصر على الفريضة فلا بأس.
سؤال: من فاتته صلاة الصبح وأراد أن يقضيها قبل الظهر، ماذا يقول في النية؟ وهل يقضي أيضا ركعتي الفجر أم لا؟
الجواب: من فاتته صلاة الصبح قضاها مع ركعتي الفجر وينوي أداء ما عليه من فرضها وسنتها. ولم يرد عن الشارع صلى الله عليه وسلم لفظ مخصوص للنية حتى يعتمد عليه، وإنما المقصود هو القصد القلبي، وما اللسان إلا تأكيد، فسيّان قلت: أداء لما علي من كذا، أو قضاء لما علي من كذا، فالكل سائغ، والقصد امتثال الأمر والخروج من عهدته. (1/206)
صفحة 185
سؤال: امرأة طهرت من حيض أو نفاس قبل الظهر فاشتغلت بإعداد وسائل الغسل، فلم تنته إلا عند الغروب، فهل تجب عليها صلاة الظهر والعصر فتقضيهما أم لا؟
الجواب: إنه لا خلاف فيما نعلم بين العلماء في وجوب قضاء الظهر والعصر.
هل تصح صلاتي
سؤال: هل تبطل صلاة من كان يمس جسده في صلاته معدن كالحديد مثلا، كمنظار على عينيه أو مساك في شعره أو ساعة في يده أو نحو ذلك؟
الجواب: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بالآنك والشبه أي القصدير والنحاس، وقاس بعض العلماء عليهما الحديد وما أشبهه من المعادن، وذهب كثير منهم إلى أن النهي للكراهة لا للتحريم، وحتى على القول بالتحريم فإن الصلاة لا تبطل بذلك عند جمهور الأمة، ولقد قال بذلك كثير من فقهاء الأمة حتى في الذهب والحرير المحرم لبسهما على الرجال، فيقولون فيمن صلى بهما «عصى وصحت»، والأمر في غيرهما من المعادن أهون وأيسر فلا يعدو المصلي بها أن يكون مرتكبا لمكروه فصلاته صحيحة ولا إعادة عليه، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر من صلى بشيء من (1/207)
صفحة 186
ذلك بإعادة الصلاة، والنهي لا يستدل به على فساد المنهي عنه عندنا وعند جمهور الأمة.
سؤال: هل تجوز صلاة رجل صلى مكشوف الرأس؟
الجواب: تجوز صلاة الرجل مكشوف الرأس، ولكن الأفضل تغطيتها وكلما كان المصلي أكمل هيئة، كان أعظم أجرا.
سؤال: ما حكم صلاة من اتخذ أسنانا من الذهب؟
الجواب: اتخاذ الأسنان من ذهب أو من معدن آخر لضرورة أو لحاجة لا للزينة جائز غير ممنوع. فمن اتخذها كذلك صحت صلاته وصحت إمامته لغيره. ولا شبهة في ذلك يسأل عنها.
سؤال: ما حكم من صلى وشيء من الحديد وغيره من المعادن يلمس جسده كخاتم مثلا أو مساك مسك به شعره أو نحو ذلك متعمدا أو ناسيا أو جاهلا، هل يعيد صلاته؟
الجواب: لا إعادة عليه متعمدا أو ناسيا أو جاهلا، فإن الصلاة جائزة بكل معدن إلا أنها. تكره بالقصدير والنحاس، لورود النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحمل العلماء النهي على الكراهة، فالصلاة بهما أيضا صحيحة، مع كراهة فلا إعادة على صاحبها. (1/208)
صفحة 187
سؤال: هل يجوز للمرأة أن تصلي بزينة من معدن غير الذهب والفضة؟
الجواب: يجوز للمرأة أن تتزين بأي زينة من معدن غير الذهب والفضة، خاصة إذا كانت فقيرة ويجوز لها أن تصلي بتلك الزينة، إلا أن بعض العلماء كرهوا لها أن تصلي بزينة معدنية غير الذهب والفضة، و لا نرى في ذلك بأسا ولا كراهة وخاصة للفقيرة المحتاجة، على أن الأمر كله لا يتجاوز الكراهة إلى البطلان، فلا تبطل الصلاة بذلك.
سؤال: هل يجوز للمرأة أن تصلي بحلي ذهبي يحمل صورة إنسان كما في قطع العملة الذهبية الإنجليزية والفرنسية أو غيرهما؟
الجواب: تجوز الصلاة بمثل ذلك الحلي ولا تبطل به، كما يجوز للرجل أن يحمل هذه الدراهم المعدنية مع حملها لصور آدمية أو حيوانية ويصلي بها ولا حرج عليه.
سؤال: هل تجوز الصلاة بثياب أو على فراش طبعت فيها أو نسجت صور حيوانات؟
الجواب: لا بأس بذلك ولا تبطل الصلاة به.
سؤال: هل يجوز للإنسان أن يصلي عاريا إذا كان وحيدا في بيته؟ (1/209)
صفحة 188
الجواب: أجمع العلماء على أن ستر العورة فرض وواجب في الصلاة، فلا تجوز صلاة العريان وإن كان في بيت مغلوق منفردا فيه لا يخشى أن يطلع عليه أحد فإن الصلاة قيام بين يدي رب العزة في أعظم شعيرة فرضه على عباده، فهل من الأدب مع الله تبارك وتعالى أن يقف بين يديه عريانا يركع ويسجد في صورة يستهجنها العاقل ويخجل منها وتشمئز نفسه، ولو كان وحيدا منفردا في بيته في غير صلاة. اللهم إلا أن يكون في حالة اغتسال. ومن حضرته صلاة وليس له شيء مطلقا ليستر به عورته صلى جالسا منكمشا على نفسه ويومئ إيماء حياء من الله، لا يركع ولا يسجد، وإن وجد ترابا جمعه حول بدنه، مبالغة في الستر، بل إن العلماء حكموا ببطلان صلاة من صلى في ثوب واسع الجيب غير مزرر بحيث يرى عورته (أي عورة نفسه) إذا ركع وهو منفرد في بيته، واللباس الساتر للعورة من معاني الزينة في قوله تبارك وتعالى: (وخذوا زينتكم عند كل مسجد) (1) 1 (، والمراد به الصلاة، كما لم يختلفوا في بطلان صلاة من صلى وعورته منكشفة لغيره من جيب قميصه أو كمه أو خرق فيه، وهذا هو اللائق بمقام الصلاة وحرمتها ومكانتها عند الله تبارك وتعالى، وهو الحق إن شاء الله.
__________
(1) (1 (الآية 31 من سورة الأعراف. (1/210)
صفحة 189
مسائل متفرقة
قراءة الفاتحة والسورة في العصرين
سؤال: هل الواجب في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر قراءة الفاتحة فقط أم الفاتحة وسورة؟
الجواب: إن الخلاف في القراءة ومقدارها في ركعات صلوات الفرض في صلاة الفرد وصلاة الجماعة كثير ومشهور، ودونك ما قاله صاحب الإيضاح عن مذهب الإباضية في ذلك في باب القراءة في الصلاة بالجزء الأول صفحة 473: غير أن الذي أخذ به علماؤنا رحمهم الله أن لا يقرأ في الركعتين الأوليين من الأولى والعصر بغير فاتحة الكتاب والدليل معهم إجماع الناس على أن صلاة الظهر والعصر لا جهر فيهما، ورأينا كل ركعة لا يقرأ فيهما إلا بفاتحة الكتاب يُسرُّ بها، لا في ليل ولا في نهار، ألا ترى إلى صلاة الجمعة وصلاة العيدين يجهر فيهما بالقراءة لأجل السورة ولو كان ذلك نهارا، ولذلك رجح أصحابنا قول من لم يقرأ في الركعتين الأوليين من الأولى والعصر، إلا بفاتحة الكتاب والله أعلم.
انتهى والمسألة فرعية خلافية فلا تجوز التخطئة فيها. (1/211)
صفحة 190
قراءة الفاتحة بعد الصلاة
سؤال: هل قراءة الفاتحة بعد كل صلاة سنة؟ وإن كانت سنة فبرهن على ذلك بحديث أو آية قرآنية. والذي دعانا إلى هذا السؤال هو أننا نقرأ الفاتحة بعد الصلاة في بلدنا وقد نهانا عن ذلك أحد المرشدين وقال إنها بدعة وإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
الجواب: -والله أعلم- أن الفاتحة هي أم الكتاب وهي السبع المثاني كما ثبت عنه عليه السلام في حديث أبي ابن كعب وكما ذهب إليه جمهور المفسرين وهي من أفضل الذكر، وتلاوتها من أعظم القربات إلى الله. وعظم شأنها عند الله تبارك وتعالى يبدو واضحا في اشتراط تلاوتها في أعظم القربات إلى الله بعد كلمة الاخلاص وهي الصلاة. فلا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فرضا كانت أو سنة أو نفلا فهي تغني في كثير من الركعات عن غيرها ولا يغني عنها شيء، من القرآن، فتلاوتها إذن في كل زمان وكل مكان من أفضل ما يتقرب به العبد إلى ربه إلا في الأماكن والحالات التي ورد النهي عن قراءة القرآن فيها كحالة المتلبس بالجنابة مثلا وفي بيوت الخلاء، وعند قضاء الحاجة، فقراءة المصلي للفاتحة دبر صلاته وهو جالس في مصلاه في بيت من بيوت الله أو في مكان آخر صلى فيه قربة من القربات، كقراءة غير (1/212)
صفحة 191
الفاتحة مما يتيسر له من كتاب الله وكالاستغفار والتسبيح والتكبير ونحو ذلك من سائر الأذكار، فقد وردت آثار كثيرة في فضل جلوس المصلي في مصلاه. فعنه صلى الله عليه وسلم: «الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث، يقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه» (1) 1 (، وفي حديث آخر عنه عليه السلام قال: «لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، تقول الملائكة: اللهم اغفر له اللهم ارحمه، حتى تنصرف أو يحدث قيل: وما يحدث؟ قال: يفسو أو يضرط» (2) 2 (، ومن المعلوم بالضرورة أن هذا الجلوس في المصلى دبر الصلاة أو في انتظار الصلاة بعد الصلاة لم يكن مطلوبا لذاته، وإنما لما يأتيه الجالس في المصلى من عبادة بدعاء أو استغفار أو تلاوة قرآن أو أي ذكر من الأذكار المشروعة، وقد وردت آثار كثيرة بأذكار كثيرة يذكرها المصلي دبر الصلاة، وقد كان صلى الله عليه وسلم بجلس في مصلاه فترى من الوقت وقد تطور وقد تقصر، وإذا صلى إماما لم يطل الاستقبال بعد التسليم بل يجلس هنيهة
__________
(1) (1 (رواه البخاري في الباب الحادي والستين من كتاب الصلاة بلفظ: لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة. انظر الباب السادس والثلاثين، كتاب الآذان.
(2) (1 (و (2) يبدو أن الحديثين أو العبارتين مأخوذتان من حديث واحد، أتى به البخاري مجزءا في أبواب الصلاة والآذان والوضوء، ورواه ابن ماجة في باب وقت صلاة العشاء من كتاب الصلاة بالعبارة التالية: وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة. (1/213)
صفحة 192
مستقبلا ثم يلتفت إلى أصحابه وهو في مجلسه، ولا يكون في تلك الحال إلا ذاكرا لربه كما يكون في عامة أحواله، ولم يرد عنه أنه كان يدعو بصوت مرتفع دبر الصلاة والناس يؤمنون ولم تصح في ذلك سنة كما لم تصح عنه سنة في قراءة الفاتحة بعد الصلاة وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بما يأمر الله به في كتابه من ذكر الله ذكرا كثيرا وتسبيحه بكرة وأصيلا، ثم يدع الناس وشأنهم في ذلك أحرارا فيما يختارونه لأنفسهم من الأذكار المشروعة والأعمال الصالحة أفرادا وجماعات في المسجد وغير المسجد، لا يشرع لهم في ذلك طقوسا معينة حتى لا يحرجهم، وخوف أن تفرض عليهم رأفة بأمته ورحمة لها، فإنه صلى الله عليه وسلم كما قال الله تبارك وتعالى في وصفه في سورة براءة: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) (1) 1 (، فالمسلمون في كل زمان ومكان أفرادا وجماعات أحرار فيما يأتونه من أنواع العبادات ذكرا باللسان وعملا بالأركان في أي وقت وفي أي مكان تقربا إلى الله تبارك وتعالى وطلبا لرضاه ما دامت في صورها مطابقة لما شرعه الله وسنه رسول الله فإنها فضائل أعمال ونوافل زيادة على الفرائض القطعية والسنن الصحيحة المؤكدة، بيد أنه لا يجوز أن يقال فيها إنها فرض ولا إنها سنة، كما أنه لا يجوز أن توصف بأنها بدعة بالمعنى الشرعي
__________
(1) (1 (الآية 129 من سورة التوبة. (1/214)
صفحة 193
للبدعة، وهو التقرب إلى الله بما يخالف شرعه القطعي، وتلك هي البدعة الضالة، وقد ثبت في الحديث الصحيح القدسي المتفق عليه، قول الله تبارك وتعالى: (ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه)، الحديث رواه البخاري في الباب الثامن والثلاثين من كتاب الرقاق، فمن ذا الذي يجرؤ أن يقول في هذه النوافل التي ترفع العبد إلى مقام محبة الله له إنها بدعة ضالة؟ ومن قال بذلك فإنه المبتدع الضال إذ نهى عما شرع الله وندب إليه وأمر به من التقرب إليه بنوافل الأعمال، بيان ذلك: أن الله تبارك وتعالى قال في كتابه الكريم: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا) (1) 1 (، (واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) (2) 2 (، (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذركم آباءكم أو أشد ذكرا) (3) 3 (.
__________
(1) (1 (الآية 42 من سورة الأحزاب.
(2) (2 (الآية 10 من سورة الجمعة.
(3) (3 (الآية 200 من سورة البقرة. (1/215)
صفحة 194
(فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون) (1) 1 (، (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم) (2) 2 (، (واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) (3) 3 (، (لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا) (4) 4 (، (كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا) (5) 5 (، (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) (6) 6 (، (واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار) (7) 7 (، (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى) (8) 8 (، (واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار) (9) 9 (، (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) (10) 10 (، (ومن الليل فسبحه وإدبار
__________
(1) (1 (الآية 239 من سورة البقرة.
(2) (2 (الآية 103 من سورة النساء.
(3) (3 (الآية 45 من سورة الأنفال والآية 10 من سورة الجمعة.
(4) (4 (الآية 9 من سورة الفتح.
(5) (5 (الآيتان 33 و 34 من سورة طه.
(6) (6 (الآيتان 36 و 37 من سورة النور.
(7) (7 (الآية 41 من سورة آل عمران.
(8) (8 (الآية 130 من سورة طه.
(9) (9 (الآية 55 من سورة غافر
(10) (10 (الآية 39 من سورة ق. (1/216)
صفحة 195
السجود) (1) 1 (، (وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم) (2) 2 (، (ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا) (3) 3 (، (فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا) (4) 4 (، (يتلون آيات الله آناء الليل وهو يسجدون) (5) 5 (، (والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما) (6) 6 (، (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) (7) 7 (، (تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا) (8) 8 (، (وطهر بيتي للطائفين والركع السجود) (9) 9 (، (والذاكرين الله كثيرا والذاكرات) (10) 10 (، (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون) (11) 11 (، (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) (12) 12 (، (واصبر نفسك
__________
(1) (1 (الآية 40 من سورة ق
(2) (2 (الآيتان 48 و 49 من سورة الطور.
(3) (3 (الآية 26 من سورة الإنسان.
(4) (4 (الآية 11 من سورة مريم.
(5) (5 (الآية 133 من سورة آل عمران.
(6) (6 (الآية 64 من سورة الفرقان.
(7) (7 (الآية 125 من سورة البقرة.
(8) (8 (الآية 29 من سورة الفتح.
(9) (9 (الآية 26 من سورة الحج.
(10) (10 (الآية 35 من سورة الأحزاب.
(11) (11 (الآيتان 16 و 17 من سورة الروم.
(12) (12 (الآية 52 من سورة الأنعام. (1/217)
صفحة 196
مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي) (1) 1 (، (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا) (2) 2 (، (كانوا قليلا من اليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون) (3) 3 (، (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) (4) 4 (.
هذه الآيات ونظائرها في القرآن الكريم كثير وكثير، تدل دلالة صريحة قطعية على أن المطلوب من المؤمنين أن يكونوا دائمي الاتصال بالله بكرة وأصيلا، بالغداة والعشي، آناء الليل وأطراف النهار، بتلاوة ما تيسر من كتابه الكريم، وبذكره بأسمائه الحسنى وحمده وتسبيحه وتكبيره واستغفاره، والصلاة الركوع والسجود، والصلاة والسلام على نبيه، وغير ذلك من أعمال البر والخير والباقيات الصالحات مما يدخل في عموم قوله تبارك وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) (5) 5 (، وجميع ذلك –بعد ما افترضه الله تبارك وتعالى- داخل في عموم كلمة النوافل التي وردت في الحديث القدسي: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، لا حد في ذلك ولا حجر ولا طريقة معينة يلزم الناس
__________
(1) (1 (الآية 28 من سورة الكهف.
(2) (2 (الآية 16 من سورة السجدة.
(3) (3 (الآيتان 17 و 18 من سورة الذرايات.
(4) (4 (الآية 45 من سورة البقرة.
(5) (5 (الآية 77 من سورة الحج. (1/218)
صفحة 197
بها، فكل يعمل حسبما أمكنه وبقدر ما تيسر له، وفي أي مكان أو زمان أراده ما لم يكن منهيا عنه، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم –وخاصة أهل الصفة منهم- يلزمون المسجد الأوقات الطويلة قبل الصلاة، وما كانوا يشتغلون بلغو ولا حديث باطل ولا عمل لدنيا، وإنما كانوا يذكرون الله ويعبدونه، كل على شاكلته فمنهم المصلي ومنهم التالي للقرآن ومنهم الذاكر والمسبح ومنهم من يتذاكرون في العلم، والرسول صلى الله عليه وسلم داخل خارج عليهم، عليم بأحوالهم، وهم أفراد وحلق وجماعات فيقرهم على ما هم عليه، وهو راض عنهم مغتبط، مبتهج بما يراه منهم، وكذلك كانت أحوالهم مختلفة في ذكرهم، وعبادتهم في بيوتهم، وفي أي مكان كانوا بعد خروجهم من المسجد، وكانوا يقصون أخبارهم في ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقرهم على ذلك إلا فيما قل ونذر، فإنه قد نهى عن أشياء بلغته ورآها غير حسنة، وقد دونها حملة السنة ورواتها، وهؤلاء الصحابة مصابيح الهدى، وهو أئمتنا وقدوتنا يسعنا ما وسعهم، وما كان بعضهم ينكر على بعض شيئا يختلفون فيه في القيام بنوافلهم، وعلى طريقتهم درج التابعون والسلف الصالحون، ولن يزال الأمر كذلك إلى يوم الوقت المعلوم، فالشريعة إنما هي فرائض افترضها الله تبارك وتعالى وعلمت من الدين بالضرورة وأجمعت عليها الأمة، فيجب أن تؤدى (1/219)
صفحة 198
كما شرعت بأركانها وشروطها في أوقاتها بلا زيادة ولا نقصان ولا تغيير في شيء منها، وسنن صحيحة مؤكدة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بإذن ربه كالوتر وركعتي الفجر وركعتي المغرب وصلاة العيدين وركعتي الطواف، عمل بها وواظب عليها وأمر بها فعلينا أن نقتدي به فيها بصفتها سنة مؤكدة، ثم هناك سنن أخرى دون هذه المؤكدات كصلاة الخوف والكسوف وبعض الركعات الرواتب قبل وبعد صلوات الفرض وقد ضبطتها كتب الحديث والفقه فهذه سنن دون المؤكدات، والقيام بها بنية إحياء السنة والاقتداء بالنبيء صلى الله عليه وسلم فيه فضل كبير، ويصح أن توصف بأنها سنة إلا أنه لا يقال فيها مؤكدة، وهذا الذي ذكرته في هذه الأقسام إنما هو تمثيل لا حصر، ومن أراد التفقه فعليه بكتب فقه العبادات كإحياء علوم الدين للإمام الغزالي، وكقناطر الخيرات للشيخ إسماعيل الجيطالي، وغيرهما وككتب السنة الصحاح لأئمة الحديث.
فقراءتكم للفاتحة بعد الصلاة أفرادا أو جماعات داخلة في عموم الذكر الكثير الذي أمر الله به في كتابه وندب إليه وفي عموم العبادات وما يتقرب به إلى الله من النوافل لعلو شأنها وعظيم فضلها، فإنها حمد لله وثناء عليه وتعبد له ودعاء. وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه يذكر الله ويستغفره ويدعوه (1/220)
صفحة 199
بعد الصلاة، وكذلك كان يفعل أصحابه وأزواجه رضي الله عنهم، وقد علم بعض أصحابه أدعية يدعون بها بعد الصلاة إما قبل التسليم وإما بعده كما نص عليه العلماء، وكان الصحابة يجلسون في مصلاهم بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس فيسبحون سبحة الضحى وكان بعض أزواجه يفعل ذلك والنبيء صلى الله عليه وسلم مقر لهم على ذلك، بل ورد في بعض الروايات أنه يأمر به وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: «الدعاء مخ العبادة» (1) 1 (، وقال في كتابه الكريم: (أدعوني أستجب لكم) (2) 2 (، ومدح الداعين بقوله: (يدعون ربهم بالغداة والعشي) (3) 3 (، وقوله: (يدعون ربهم خوفا وطمعا) (4) 4 (، في أمثال ذلك مما لا يخفى على التالين لكتاب الله، ومما يؤثر عن السلف الصالحين أنهم كانوا يتحرون ويأمرون بالتحري لضمان الإجابة في خير زمان ومكان ويرون أن الحالات لذلك آخر الصلاة، إما قبل التسليم وإما بعده، والمصلي في مجلسه لم يتحول عنه وهو مقبل على ربه يناجيه، وقد فسر المفسرون في القديم والحديث قوله تبارك وتعالى في آخر سورة الانشراح: (فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب)، بالفراغ من الصلاة
__________
(1) (1 (رواه السدي بهذا اللفظ في حاشيته على سنن ابن ماجة وأورده ابن ماجة بلفظ إن الدعاء هو العبادة.
(2) (2 (الآية 60 من سورة غافر.
(3) (3 (الآية 28 من سورة الكهف.
(4) (4 (الآية 16 من سورة السجدة. (1/221)
صفحة 200
والانتصاب للدعاء، قال الشيخ أبو الحواري من أئمة العلم بعمان في القرن الثالث الهجري في تفسير الآية: «إذا فرغت من القراءة والركوع والسجود وأنت جالس في آخر الصلاة قبل أن تسلم فانصب في الدعاء إلى الله وارغب إليه في المسألة» اهـ. هكذا اقتصر على هذا الوجه من التفسير ولم يذكر غيره، وصدر القرطبي بهذا الوجه حيث يقول: «قال ابن عباس وقتادة: فإذا فرغت من صلاتك فانصب أي بالغ في الدعاء وسله حاجتك» وقال الألوسي في تفسيره روح المعاني: «وأخرج ابن جرير وغيره من طرق ابن عباس أنه قال: أي إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء، وروى نحوه عن الضحاك وقتادة» اهـ. وذكر وجوها أخرى في التفسير يجمعها قوله فإذا فرغت أي من عبادة كتبليغ الوحي فانصب فاتعب في عبادة أخرى شكرا لما عددنا عليك من النعم السالفة ووعدناك من الآلاء الآنفة، كأنه عز وجل لما عدد عليه ما عدد ووعده صلى الله عليه وسلم بما وعد، بعثه على الشكر والاجتهاد في العبادة وألا يخلي وقتا من أوقاته منها فإذا فرغ من عبادة أتبعها بأخرى، وبعد أن ذكر وجوها أخرى في تفسير الآية قال: والأنسب حمل الآية على ما تقدم وأما قول ابن عباس ومن معه فهو تخصيص لبعض العبادات فراغا وشغلا إما مثالا لا أن اللفظ خاص وهو الأظهر، وكذا يقال فيما روي عن ابن مسعود، وأما لأن الصلاة أهم العبادات (1/222)
صفحة 201
البدنية والدعاء مخ العبادة فهما هما. اهـ. قال الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين: آداب الدعاء عشرة: أن يترصد لدعائه الأوقات الشريفة كيوم عرفة ... ثم قال: الثاني: أن يغتنم الأحوال الشريفة. قال أبو هريرة رضي الله عنه: إن أبواب السماء تفتح عند زحف الصفوف في سبيل الله تعالى وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلوات المكتوبة، فاغتنوا الدعاء فيها. وقال مجاهد: إن الصلاة جعلت في خير الساعات فعليكم بالدعاء خلف الصلاة. اهـ. فقراءة الفاتحة بعد الصلاة عبادة من العبادات وقربة من القربات ونافلة من النوافل المطلوبة من المؤمن في جميع الأوقات والحالات بيد أنه لا يقال إنها سنة كما لا يجوز أن يقال إنها بدعة ضالة.
والخلاصة أنه مما علم من الدين بالضرورة أن الله تبارك وتعالى أمر العباد بالذكر الكثير وبالدعاء والاستغفار والتسبيح والركوع والسجود وفعل الخير والصلاة بالبكرة والأصيل والغداة والعشي وقبل الطلوع وقبل الغروب وحين يمسون وحين يصبحون وآناء الليل وأطراف النهار وشرع الاعتكاف بالمساجد والاختلاف إليها وإطالة الجلوس فيها. وقال صلى الله عليه وسلم: «رهبانية أمتي عمارة المساجد» (1) 1 (. وقال:
__________
(1) (1 (لم أجد هذا الحديث وإنما في تفسير ابن كثير لقوله تعالى: (ورهبانية ابتدعوها) رواية عن الإمام أحمد: لكل نبيء رهبانية ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله عز وجل، وروى عن (1/223)
صفحة 202
«المساجد بيوت المتقين» (1) 1 (، وقال: «إنما جعلت لذكر الله والصلاة» (2) 2 (، ومن المعلوم من الدين بالضرورة أيضا أن الصلوات المكتوبة على العبد إنما هي خمس فقط بين اليوم والليلة، ومجموع ركعاتها سبع عشرة ركعة وأن السنن المؤكدة والسنن الرواتب في اليوم والليلة لا تكاد تتجاوز عدد ركعات الصلوات المفروضة وأن الوقت الذي تستغرقه جميع هذه الصلوات لا يتجاوز بضع عشرات من الدقائق مفرقة على أوقاتها لا تكاد تبلغ إذا جمعت مقدار ساعة في اليوم والليلة، ففيم يقضي العبّاد والمجتهدون والعاكفون وعمار بيوت الله الساعات الطوال في كل يوم وليلة بعد الساعات القليلة الضرورية لنومهم ومعيشتهم؟ إنهم من غير شك يقضونها في نوافل وأعمال البر من نوع ما شرع لهم حسبما يختارونه لأنفسهم وحسب ما يتيسر لهم وما يستطيعونه وهم في ذلك مختلفون لاختلاف طبائعهم وأمزجتهم فمنهم من يفض تلاوة القرآن ومنهم من يفضل الصلاة ومنهم من يفضل الذكر والتسبيح والأذكار المأثورة كثيرة لا تحصى، ومن المصلين من يفضل كثرة الركعات ومنهم من يفضل إطالة القراءة إلى
__________
(1) (1 (لم أجده أيضا وفي تفسير ابن كثير حديث للإمام أحمد يرويه عن عمرو بن ميمون الأودي: أدركت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهو يقولون: إن المساجد بيوت الله في الأرض وإنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها.
(2) (2 (ولم أجد أيضا: وفي سنن ابن ماجة في باب النهي عن إنشاد الضوال في المسجد قال في آخر الحديث: إنما بنيت المساجد لما بنيت له. كما رواه القطب الشيخ أطفيش رحمه الله في كتابه «وفاء الضمانة» في باب أحوال المساجد، وزاد فيه حديث: كان صلى الله عليه وسلم يقول: كل كلام في المسجد لغو إلا القرآن وذكر الله. (1/224)
صفحة 203
آخر ما لا يمكن حصره من النوافل والقربات. وتختم جميع العبادات بالدعوات الصالحات، فإن الدعاء هو ثمرتها جميعا وقد ورد الأثر بأن الدعاء ثمرة الصلاة، وأن من صلى ولم يدع كمن هز شجرة وترك ثمرتها لم يلتقطها. وهم في جميع ذلك أحرار يختار كل منهم ما يشاء، لم يحد الله لهم في ذلك حدا، ولم يضع لهم طريقة مرسومة معينة، ولم يشترط عليهم إلا الإخلاص في العمل، فجميع النوافل إذن مشروعة بالشرع العام داخلة تحت أوامر الله العامة. والقائمون بها بإخلاص داخلون في عموم الذين أثنى الله عليهم بالذكر الكثير والدعاء بالغداة والعشي والتسبيح بالبكرة والأصيل، بيد أنه لا يجوز لهم أن يدعوا فرضية ما لم يفترضه الله، ولا سنية ما يسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز لهم أن ينكروا على من لم يشاركهم فيما اختاروه لأنفسهم من نافلة ليست فرضا ولا سنة، ولا يجوز لأي أحد كان أن ينكر هذه النوافل أو يدعي أنها بدعة وضلالة، ولا أن يطبق عليها حديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (1) 1 (، فإن هذه النوافل كلها من أمر الله ومن شرعه العام، وإنما الإحداث المنهي عنه هو الزيادة أو النقصان في فرائض الله أو تحريم ما أحل الله بالنص، أو تحليل ما حرم الله
__________
(1) (1 (رواه مسلم في الباب الثامن من كتاب الأقضية، ورواه البخاري في الباب الخامس من كتاب الصلح بلفظ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، ورواه أبو داود في الباب السادس من كتاب السنة. (1/225)
صفحة 204
بالنص كذلك. وتعمد القول على الله بغير علم وتعمد الكذب على نبيه صلى الله عليه وسلم وقد أطلق الله الحرية لعباده المؤمنين في ذكره، ولم يشترط عليهم شيئا حتى في أوضاع أجسامهم عند الذكر فقال: (فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم) (1) 1 (.
وبعد فأظن أني قد بلغت بعض ما أردت تحقيقه في هذه المسألة، فاحذروا من الذين يهونون عليكم أمر العبادات من تلاوة وذكر وصلاة بدعوى أن هذا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فكفاكم دليلا على ما مر من بينات على أنكم أحرار فيما تأتون وتذرون، وأنكم على الصراط المستقيم وأن أعمالكم مشروعة بالشرع العام، مأمور بها بالأمر العام، واحذروا أن تنكروا على من خالفكم في شيء من ذلك مثل الإنكار على تارك الصلاة أو السنة المؤكدة فإن مثل هذا الإنكار خطأ كبير، وإذا كنتم في صلاة فريضة أو سنة مؤكدة أو في منسك من مناسك الحج المشروعة المحددة فالزموا حدود الله وسنة رسوله فيها فإنه القائل صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، والقائل: «خذوا عني مناسككم»، أما فيما عدا ذلك فأكثروا من النوافل حتى يحبكم الله واجتهدوا في العبادة والذكر وأنواع البر حتى يهديكم الله ويشملكم بمعيته ويدخلكم في زمرة المحسنين، فإنه تبارك
__________
(1) (1 (الآية 103 من سورة النساء. (1/226)
صفحة 205
وتعالى يقول: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) (1) 1 (.
ومن كان الله معه لم يضره شيء في الأرض ولا في السماء وقد هدي إلى صراط مستقيم.
هذا ما من الله به في الجواب وأرجو أن لا أكون بعيدا عن الصواب، كما أرجو أن ينفعكم الله به ويؤجرنا على اجتهادنا ويغفر لنا خطايانا ويوفقنا وإياكم جميعا إلى ما يحبه ويرضاه، إنه سميع قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، والسلام عليم ورحمة الله.
في صفة التشهد
سؤال: ما حد التشهد في الصلاة؟
الجواب: التحيات المشروعة في الصلاة تنتهي عند: «وأشهد أن محمد عبده ورسوله»، فلا يجوز في التحيات الأولى أن يزيد على هذا، وأما في التحية الأخيرة التي لا يبقى بعدها إلا التسليم فإنه يجوز له أن يزيد مثلا: وأن ما جاء به حق من عند ربه، أو يصلي على النبيء صلى الله عليه وسلم، أو يدعو لنفسه وللمؤمنين وخاصة إذا كانت الصلاة صلاة نفل.
__________
(1) (1 (الآية الأخيرة من سورة العنكبوت. (1/227)
صفحة 206
في سجود السهو
سؤال: لماذا يلتزم الميزابيون سجود سجدتين بعد كل صلاة فريضة أو سنة أو نافلة؟ ويسمونها سجدتي السهو؟ ويشدد بعض المتقدمين في المساجد الإنكار على من لم يسجدها، مما يدل على أنهما عنده فرض لا تتم الصلاة إلا به، والذي نجده في كتب الفقه أنهما تجبان على الساهي فقط؟
الجواب: مما ثبت في السنة النبوية وأجمعت عليه الأمة أن سجود السهو لا يجب إلا على من سها في صلاته كما يدل عليه إضافته إلى السهو. فمن سها في صلاته بزيادة أو بنقص بما لا تفسد به الصلاة سجد بعد الصلاة سجدتين جبرا لهذا السهو بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وعمله كما إذا أسر في موضع الجهر أو جهر في موضع السر أو أقام حيث يجب القعود أو العكس، ثم تذكر فعاد إلى الوضع الصحيح، أو شك في عدد الركعات فبنى على اليقين وأتم صلاته أو نحو ذلك –وهو كثير- مما يأتيه المصلي في صلاته خطأ من عمل خفيف لا يلبث أن يتذكر فيعود إلى الصواب، كتسليمه بعد اثنتين في الرباعية، ثم يتذكر فيقوم للإتمام حالا قبل أن يتكلم، ويعمل أي شيء، هذا فقط هو المأمور بسببه السجود للسهو، ولم يصح عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه سجد (1/228)
صفحة 207
بعد الصلاة لغير سهو أو أنه أمر بذلك، ولم يقل بهذا إمام من أئمة المسلمين فيما نعلم، وقد قامت الأدلة على أن الإمام يرفع السهو عن المأمومين فلا سجود عليهم إن سهوا، وإذا سها الإمام وجب عليه السجود وإلا فلا، ومن هذا نعلم أنه لا أصل لهذا الالتزام للسجود مطلقا دبر كل صلاة، ولا دليل عليه من كتاب ولا سنى ولا إجماع ولا أثر صحيح إلا ما يقوله بعض المتفقهة بغير استناد إلى دليل من المشرٍّع صلى الله عليه وسلم، ويتناقلونه بألسنتهم من أنه ينبغي على المصلي أن يسجد هاتين السجدتين بعد كل صلاة، فإن كان قد سها في صلاته تلك فهما للسهو، وإلا فهما إرغام للشيطان، بيد أن هذا لا يجوز أن يقال بالرأي المجرد عن الدليل، وخاصة في مثل هذا المقام المحدود، فإن سجدتي السهو شرعتا قطعا يقينا بأمر وعمل المشرع الأعظم الذي قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، لمن سها في صلاته. ولم يأمر غير الساهي بالسجود ولم يشرع له ذلك، ولم يفعله صلى الله عليه وسلم، فلم يرو عنه أنه صلى الله عليه وسلم سجد ولا أنه كان يسجد دبر كل صلاة لغير سهو، فمن أين جاء هذا الإلزام أو هذا الالتزام للناس حتى يعنفوا ويشدد الالزام عليهم على ترك ما لم تثبت مشروعيته بكتاب ولا سنة في أمر خاص متعلق بالصلاة التي لم يأل النبي صلى الله عليه وسلم جهدا في بيان أحكامها، حتى سهوها شرعا له هاتين السجدتين قولا وعملا، وما بعد بيانه بيان، وبعد هذا (1/229)
صفحة 208
نقول لنوفي الموضوع بعض حقه: إننا نعلم –وكل الناس يعلمون- أن المصلي مناج لربه وأن مقام المصلي بين يدي ربه من أعظم المقامات، وأنه ينبغي له بعد صلاته أن يذكر الله ويسبحه ويتلو بعض آيات من كتاب الله، ويصلي على رسول الله ويدعو الله لدنياه وأخراه، وهو في مصلاه حسبما هو مبسوط في كتب السنة والفقه والأخلاق، وكل ذلك حسب إرادة المصلي وهمته وعلمه وظروفه وإمكانياته ولا حجر في ذلك ولا تحديد إلا ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من إرشاد إلى تلاوة بعض آيات معينة وإلى بعض أذكار وأدعية، وكلما أطال المصلي مكثه في مصلاه ذاكرا داعيا أو مسبحا وتاليا كان ذلك أفضل له، ومن جملة ذلك السجود، فإنه من أعظم القربات إلى الله: (واسجد واقترب) (1) 1 (، وقد قال بعض المفسرين في قوله تعالى: (فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب) (2) 2 (، إذا فرغت من صلاتك فانصب للدعاء وأذكار بعد صلاته، فإن شاء تنفل بالصلاة، وإن شاء تلى القرآن وإن شاء سجد بعد تلاوة آية سجدة، أو بدون ذلك فأبواب البر كلها مفتحة أمامه، إلا الصلاة في الوقت المنهي عن الصلاة فيه، فليس لأحد أن يلزم آخر بشيء معين ولا أن ينكر عليه تركه، ولا أن ينكر عليه شيئا من ذكر أو
__________
(1) (1 (الآية الأخيرة من سورة العلق.
(2) (2 (آخر سورة الانشراح. (1/230)
صفحة 209
عبادة اخترها لنفسه إلا أن يشوش بذلك على المصلين مثلا، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يختلفون في أذكارهم وعباداتهم الخاصة اختلافا كثيرا، فلا ينكر أحدهم على الآخر، والخطر في هذا الالتزام العام لسجدتين بعد كل صلاة خطر عظيم جدا، ظهر أمره في اعتقاد العامة أنهما واجبتان وأن من تركهما فقد اتبع غير سبيل المؤمنين وأكد هذه العقيدة في نفوسهم الإنكار الشديد الذي يصدر من بعض أئمة المساجد على من تركهما، والتشهير به علنا، على رؤوس الملإ، كأنه ترك فريضة مكتوبة، حتى شاع سوء الظن بتاركيهما، والحق أن لا يعنف ساجد ولا تارك، وخاصة بعد صلاة الجماعة التي يرفع الإمام فيها السهو عن سائر المأمومين، وأما في غير صلاة الجماعة، فكل مصل مسؤول وحده عن حاله في صلاته صحة وفسادا وسهوا وغيره، فإن سها سجد وإلا فلا شيء عليه، على أننا نرى أن الالتزام هذا السجود بعد كل صلاة أصبح عادة تمارس في الأعم الأغلب من أحوال الناس بصورة آلية لا يقول المصلي (السلام عليكم) حتى يهوي للسجود غير آبه بسهو ولا بغيره، ولا متنبه لما بدر منها في صلاته مما تذهب معه فائدة السجود للسهو ويفوت الغرض منه، وهو نية جبر النقص الحادث بالسهو، حيث أصبح عادة فقط. بخلاف ما لو لم يكن هذا الالتزام المطلق فإن المصلي حينئذ يكون منتبها لما أتاه في صلاته، (1/231)
صفحة 210
ويتذكر بعد تمامها ما كان منه من سهو فيسجد له بنية مقصودة. وهذا هو المقصود من مشروعية هذا السجود المسمى بسجود السهو والمأمور به كما تقدم، فالواجب الاقتصار عليه إذا كان مطلوبا بوقوع السهو فقط. ولا يخلط بغيره فتذهب حكمته وثمرته وفائدته، وأما غيره من السجود فإنه من أعظم القربات، ويمكن التعبد به في سائر الأوقات، قبل الصلاة وبعد الصلاة. وقد كثر الطعن في المذهب من مخالفيه بسبب هذا السجود بصورة جماعية مطلقة بعد كل صلاة، مما يضطرنا إلى الدفاع بمختلف التأويلات، وما كان أغنانا عن هذا.
وبعد، فإننا لا ننكر على أي مصل قام بعد تمام صلاته ببعض عبادات قولية أو عملية كالسجود، وإنما ننكر على من يقول بوجوب هذا السجود للسهو على من لم يسه، وننكر أشد الإنكار على من يعنف التارك للسجود مطلقا، مع عدم علمه بأنه سها أو لم يسه، فإن هذا ظلم له وإيهام للناس بأن هذا فرض يجب تعنيف تاركه. وفي هذا من الخطر ما فيه.
وأما سؤالك عن مشروعية الدعاء بعد الصلاة، فإن الجواب عنه يعلم مما تقدم، أما عن عمل النبيء صلى الله عليه وسلم في ذلك فإنه لم يصح عنه –فيما نعلم- أنه كان يدعو بعد صلاته بالناس بصوت جهوري والناس من ورائه يؤمنون، فلا يمكن (1/232)
صفحة 211
أن يقال إن دعاء الإمام للناس وتأمينهم من ورائه سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذا ما من الله به في الجواب، وأرجو أن لا يكون بعيدا عن الصواب.
سؤال: ماذا يجب على من لم يدر كم صلى من صلاته؟
الجواب: إذا كنت في الصلاة فغاب خاطرك ولم تدر في أي ركعة أنت فاجلس وتشهد وسلم وأعد صلاتك، و أما إذا كنت شاكا فابن على اليقين وكمل صلاتك واسجد سجدتي السهو بعد التسليم.
سؤال: على من يجب سجود السهو؟
الجواب: إن سجود السهو يجب على من سها في صلاته بزيادة أو نقص مما لا تنتقض به الصلاة، وأما من لم يسه فلا يجب عليه السجود، ولا معنى لسجوده، بهذا جاءت السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سها سجد، وإلا فلا، ولا يتسع المقام لأكثر من هذا. والسلام. (1/233)
صفحة 212
صلاة التطوع
سؤال: ذكرت أنك تناقشت مع بعض إخوانك واحتد النقاش بينكم في موضوع «صلاة الوالدين» وسألت: ما هي قيمتها عند الله، وهل هي سنة مؤكدة أم مرغبة؟ وفي أي الأيام والأوقات تصلى، وما جزاؤها؟
الجواب: ليست بسنة مؤكدة ولم نجد لها أثرا في كتب الحديث الصحاح المعتبرة، والسنن المؤكدة معروفة متفق عليها عند أصحاب الحديث، وليست هذه الصلاة منها ولا ذكرت من بينها إلا أن الشيخ إسماعيل الجيطالي–رحمه الله- ذكرها في كتابه القناطر ولم يسند حديثها ولم يخرجه من المؤكدات ولا المرغبات وإنما جعلها في قسم التطوعات الذي نقله عن الغزالي، وأما قيمتها وجزاؤها عند الله فلا نعلمه، هذا أمر لا يعلمه إلا الله ولم يخبرنا بشيء عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه، وهذه الأمور الغيبية لا يعتمد فيها إلا على الصريح من كتاب الله أو الصحيح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إن السنن والنوافل والتطوعات لا تصلى جماعة وإنما تصلى فرادى إلا قيام رمضان وصلاة العيدين وصلاة الاستسقاء وصلاة الخسوف والكسوف، وما عدا ذلك فالصلاة فيه إفرادا خير وأفضل من الجماعة. (1/234)
صفحة 213
سؤال: هل يجوز أن نتطوع بالصلاة في الليل؟
الجواب: لا مانع من التطوع بالصلاة في الليل، وينبغي أن تختتم بوتر.
ما يجوز فعله
وما لا يجوز أثناء الصلاة
فيما يلي بعض أجوبة من غير كتابة أسئلتها:
- من تدلى قميصه إلى الوراء مثلا أو إلى الأمام بحيث يعطله عن الركوع أو السجود فإنه يجوز له أن يرتبه.
- من شرع في قراءة سورة في الركعة التي تقرأ فيها إلا الفاتحة فإنه يقطعها إذا تذكر ثم يركع، ويجب عليه أن يسجد سجود السهو بعد الصلاة.
- من تثاءب في الصلاة لا يجوز له أن يضع يده على فمه ولا أن يقول الحمد لله، فإن فعل ذلك بطلت صلاته.
- من كان يصلي فتكرَّعَ لا يجوز له أن يقول وهو في الصلاة «الحمد لله».
- الذي عطس في الصلاة لا يجوز له أن يقول «الحمد لله».
- لا يجوز لمن مسح عينيه في الصلاة تسكينا لوجعها أن يقبل يده بعد ذلك. (1/235)
صفحة 214
- من شرع في قراءة سورة في الصلاة غير التي من عادته أن يقرأها فإنه لا ينبغي له أن يترك السورة التي شرع فيها، بل يتممها أحسن له، ثم يقرأ الأخرى إن شاء. وإن قطعها وانتقل إلى السورة التي اعتادها فلا بأس عليه.
- لا تفسد صلاة من قرأ سورة مع الفاتحة حيث لا تجب، إلا أن عليه أن يسجد سجدتي السهو بعد التسليم. (1/236)
صفحة 215
الزكاة (1/237)
صفحة 216
[صفحة بيضاء] (1/238)
صفحة 217
الزكاة
في النصاب
سؤال: كم يقدر نصاب الزكاة؟
الجواب: يقدر نصاب الزكان اليوم (1) 1 (، بخمسين ألف فرنك قديم، فالأخير إذا جمع من أجرته مثل هذا المقدار فصاعدا وحال عليه الحول وهي في ملكه لم ينقص منها شيء، وجبت عليه الزكاة، أما إذا كانت نفقاته تأتي على أجرته فلم تسلم له خمسون ألفا سنة كاملة فليس عليه من الزكاة شيء.
سؤال: ما مقدر نصاب الذهب والفضة؟
الجواب: إن نصاب الذهب والفضة هو عشرون مثقالا بحسب الوزن المعروف الآن، وأما نصاب الفضة فمائتا درهم أي ستمائة وستة وستون غراما من الفضة الخالصة.
صرف الدينار والدرهم والمثقال
سؤال: ما تقدير صرف الدينار والدرهم والمثقال بالأوزان المستعملة في عصرنا؟
الجواب: إن تقدير صرف الدينار والدرهم الشرعيين بالقيمة إلى النقود التي يجري بها التعامل لمعرفة مقادير الزكاة وأروش الجروح والديات لا يمكن أن ينضبط في سعر
__________
(1) (1 (تاريخ هذه الفتوى هو يوم 28 من ذي الحجة عام 1385هـ الموافق لـ 19 أفريل 1966م. (1/239)
صفحة 218
محدود فإنه يختلف اختلافا بينا ظاهرا باختلاف الأمصار والأعصار والدول والقيم والأسعار وقد يختلف من ساعة لساعة ومن يوم ليوم بله الشهر والعام وقد يعرض له زمنا ما ضرب من الاستقرار وإذا فلا انضباط للدينار والدرهم إلا بالميزان، فعلى من تصدى للفتوى أو تصدر للحكم في أي بلد وفي أي زمان أن يعرف ميزانها ثم يعرف قيمتها بنقد بلده في يومه ثم يفتي أو يحكم فيصيب شاكلة الصواب لا على أن يلتزم ذلك طول عمره ولا على أن يلزم الناس العمل به من بعده فما إلى ذلك من سبيل إلا ما دامت فترة الاستقرار وقد عرف هذا فقهاء المسلمين فضبطوهما بالوزن وإن كانوا يذكرون قيمتها في بلدهم ويومهم لينتفع بها الشاهد لا ليعتمد عليها الغائب وقد ضل قوم وأضلوا بجمودهم على تقويم من سبقهم وإن ضاعفوا القيمة مرات باعتبار غلاء اليوم، فإن الفرق بين اعتبار الوزن أصلا وبين اعتبار القيمة القديمة أصلا عظيم جدا.
وبعد فإنكم تعلمون أن نصاب الذهب المجمع عليه في المسكك عشرون دينارا وفي غير المسكك عشرون مثقالا وفي الفضة مطلقا مائتا درهم وأن الذي عليه جمهور الأمة وهو المعتمد وعليه المعمول ببلاد المغرب هو أن المثقال وزن تسعين حبة شعير وسط مقطوع الطرفين من شعير وسط وأن الدينار وزن أربع وثمانين حبة كذلك فهو إذن مثال نقص (1/240)
صفحة 219
ثلث خمسه بالصهر والتسكيك وأن الدرهم وزن ستين حبة كذلك.
وقد اجتمعنا ذات يوم منذ عشرين عاما تقريبا بعض علماء وتلامذة نجباء وأعيانا وفضلاء وجمعنا أنواعا من الشعير مختلفة وبضعة موازين من موازين الحرير والذهب فاخترنا أخفها وأحكمها ثم عددنا الحبات وقطعنا وزنا من كل نوع وكان العد يعاد مرات تصحيحا والوزن يتولاه حذاق أهله فإذا تسعون حبة مقطوعة الأطراف من الشعير الوسط تساوي في الميزان خمسة غرامات، الغليظ يتجاوزها والدقيق يقصر عنها فأيقنا وحكمنا بأن المثقال الشرعي يساوي خمسة غرامات بالوزن الفرنسي وأيدنا على ذلك وملأ قلوبنا طمأنينة بصواب ما حفظناه يومئذ من اشتهار وزن المثقال خمس غرامات، عند جميع الناس ولا سيما باعة العطور والروائح والزعفران وما أشبهها في تونس والجزائر وغيرهما كان مبنيا على علم صحيح وتدقيق من حذاق الفقهاء، شاع أمره في الناس فاعتقدوه واستقر عندهم العمل به فلا معدل اليوم عنه وإذا اعتمدنا على هذه النسبة ولا مناص من ذلك بعد هذا التحقيق حكمنا بأن الدينار وزن أربع غرامات وثلثين وأن الدرهم وزن ثلاث غرامات وثلث فيكون نصاب زكاة الذهب غير المسكك كالحلي مائة غرام حاصلة من ضرب عشرين في خمسة ونصاب الذهب المسكك ثلاثا وتسعين غراما وثلثا (1/241)
صفحة 220
حاصلة من ضرب عشرين في أربعة غرامات وثلثين، ونصاب الفضة ستمائة وستة وستين غراما وثلثين حاصلة من ضرب مائتين في ثلاثة غرامات وثلث هذا ضبط الوزن وتحقيقه وتحريره.
فإذا أردتم معرفة النصاب بنقد اليوم فما عليكم إلا أن تسألوا عن سعر غرام الذهب الخالص وغرام الفضة النقية اليوم عندكم ثم تقوموا بعملية حساب بسيطة تلصون بها إلى النتيجة على أن مالك عين الذهب ومالك عين الفضة لا يحتاجان إلى التقويم لأنهما يعتبران النصاب بالوزن لا بالقيمة كما يعتبره مالك الثمار بالكيل ومالك الأنعام بالعد ولا شأن لهما بالقيمة إلا أن يريدوا إخراج الحق الواجب قيمة، لا عينا. وهذا ضعيف جدا كما تعلمون. لكننا نحتاج إلى تقدير النصاب بالقيمة لمال التجارة والديون ونقد اليوم ليس ذهبا ولا فضة وفي هذا يختلف الفقهاء في أي النصابين يعتبر؟
أنصاب الذهب أم نصاب الفضة؟ والذي يذهب إليه أكثر علمائنا نصاب الفضة لأنهم يرونها أصلا يحمل عليه الذهب إن لم يكمل النصاب في أحدهما عندا مالكها معا ولم يتعين الحمل على الذهب لتمام النصاب وعلى هذا يحمل الذهب على الفضة لاستكمال النصاب لا العكس. وبناء على هذا النصاب اليوم المعتبر لزكاة مال التجارة والديون وأوراق البنك هو قيمة مائتي درهم فضة التي تعد ميزان ستمائة (1/242)
صفحة 221
وستة وستين غراما وثلثين من الفضة النقية الخالصة، فمن ملك من أوراق البنك وعروض التجارة وكان له بذمم الناس ثمن ذلك وجب عليه إخراج ربع العشر زكاة أما ما دون ذلك فلا، ولا نستطيع أن نذكر لكم القيمة عندنا اليوم لأنها لا تستقر على حال من القلق على أنه لا فائدة فيه وقد يكون بين القيمتين عندنا وعندكم في يوم واحد اختلاف كبير.
هذا ما أمكن تحريره والكتابة إليكم ونرجو أن نكون موفقين فيه، وأن نكون منتفعين وإنا لحسن ظنكم بنا من الشاكرين ويسرنا أن يتصل حبل الرسائل بيننا فإن ذلك يعود علينا وعليكم بالنفع الجم والخير الجزيل.
(بتاريخ 21 - 4 - 1937)
هل تجب الزكاة على هذا؟ وفي هذا؟
سؤال: هل تزكى الأدوات والآلات المستعملة في التجارة مثل السيارات والثلاجات والموازين وماكينات الكتابة والحساب وما أشبه ذلك؟
الجواب: إنه لا تجب الزكاة في كل ما يستعمل في التجارة أعني ما ينتفع به في تسيير التجارة لكنه ليس من البضاعة التي تشترى لتباع ومال التجارة الذي تجب الزكاة فيه إنما هو ما يشترى ليباع طلبا للربح وإن كان صاحبه قد (1/243)
صفحة 222
يستعمله لحاجة عرضت مثلا لكن المقصود به هو بيعه وهو أبدا معروض للبيع وليست كذلك الأدوات المشار إليه فإنها لا تشترى إلا للاستعمال ومثلها في ذلك مثل محل التجارة نفسه الذي يشتريه التاجر لا لغرض إلا ليباشر فيه عمله التجاري ولا قائل أبدا بوجوب تقويمه وتزكيته.
سؤال: هل يزكى مال التجارة إذا أسفر التقويم السنوي عن خسارة مع العلم بأن ما بقي من المال في مستوى النصاب فما فوق؟
الجواب: إن الزكاة واجبة في كل مال بلغ حد النصاب سواء أكان نقدا أو كان عروض تجارة وكان مالا خالصا لمالكه أعني باقيا له صافيا بعد إسقاط جميع ما عليه من ديون فلا عبرة مطلقا بربح ولا بخسارة إنما الشيء الوحيد المعتبر بعد التقويم هو ما بقي خالصا لصاحبه بعد تصفية جميع حساباته وإسقاط جميع ديونه فإن بقي له نصاب فما فوق وجبت عليه فيه زكاة وإن كان الباقي له دون النصاب فلا زكاة عليه، وأذكرك بأن النصاب يستكمل ماله من نقد أو دين أو حلي خارج عن تجارته أعني أن هذا يضاف إلى ما عنده في التجارة فيزكى إن بلغ الجميع النصاب، هذا ما من الله به وهو الهادي إلى طريق الصواب. (1/244)
صفحة 223
سؤال: ما يدخره الوالدين لبناتهم مما يحتجن إليه لجهازهن عند الزواج هل تجب فيه الزكاة أم لا؟
الجواب: إذا كان هذا المدخر للتجهيز ثيابا وأدوات مثل الأسِرّة والفرش والأغطية ونحو ذلك مما تجهز به البنت فإنه لا زكاة فيه مطلقا بالغا ما بلغ، وأما إذا كان ذهبا أو فضة أو دراهم فإنه تجب فيه الزكاة إذا تم فيه النصاب وهو قيمة مائة غرام ذهبا لأن الذهب والفضة والدراهم تجب فيها الزكاة ولو كانت ملكا لصبي يتيم غير بالغ لأن الزكاة حق لله في المال وفريضة لا يشترط البلوغ لوجوبها ويؤدي الزكاة عن الصبي صاحب المال وليه أو وكيله الذي بيده ماله، فإذا أعطى لفتاة شيئا من ذهب أو فضة أو دارهم تدخره لجهازها عند زواجها فإن عليها زكاته تؤديها هي أو يؤديها عنها من كان ذلك المال بيده يحفظه لها، ومعلوم أن هذا إذا تم فيه النصاب وحال عليه الحول بعد أن تملكته.
سؤال: إنك بعد هذه الكارثة (1) 1 (، أصلحت دكانك وعمرته ونهضت بتجارته برأس مال جديد من عند ناس آخرين فحصلت من تجارتك على ربح بعد التقويم وعليك ديون أخرى سابقة غير رأس مال شركتك فهل عليك من زكاة فيما ربحت؟
__________
(1) (1 (المقصود بالكارثة المشار إليها الحريق الذي أضرمه غلاة الاستعمار الفرنسيون فأتى على كل شيء في الدكان وذلك قبيل الاستقلال بفترة وجيزة. (1/245)
صفحة 224
الجواب: عليك أن تحصي ربحك وتجمع ديونك التي عليك كلها ثم تطرحها من حصيلة ربحك فإن بقي لك من الربح قدر النصاب وجبت عليك فيه الزكاة، وإلا فلا ومقدار النصاب هو ما يعادل قيمة مائة (100) غرام ذهبا خالصا. ولا أختم كتابي قبل أن أثني على همتك في النهوض بتجارتك بعد الكارثة المؤلمة وهذا ما يليق بشأن المؤمن ينهض كلما عثر ويقوم كلما سقط لا يستكين للأحداث ولا ييأس من روح الله.
هذا ما من الله به في الجواب.
سؤال: تاجر ليس له مال وإنما يشتري البضاعة من تجار الجملة بالدين ثم يدفع لهم مالهم بعد البيع فهل عليه زكاة على ما في متجره؟
الجواب: ليس على المرء زكاة إلا فيما بقي له من مال نقودا كان أو بضاعة أو دينا له على حرفائه صافيا بعد دفع ما عليه للناس وإسقاط ما عليه من دين، هذا الباقي الصافي هو الذي تجب فيه الزكاة إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول فعلى هذا التاجر أن يقوم ما في متجره كله وماله وما عليه من ديون بعد تمام السنة الأولى من بدئه التجارة فإن وجد ربحا صافيا –كما ذكرت أولا- قد بلغ النصاب وجب عليه أن يتخذ ذلك الشهر وقتا لزكاته فيزكي ماله ذلك بعد أن يحول عليه الحول إلا إذا كان له مال آخر من نقود أو (1/246)
صفحة 225
حلي أو ذهب أو فضة تجب فيه الزكاة غير ما في متجره فإنه يجب عليه حمل ما ربحه في تجارته في سنته الأولى بالغا ما بلغ عليه فيزكيه في وقته أي وقت زكاته السابق ولا ينتظر به دوران الحول، وهكذا كل مال يحدث فإنه يحمل على المال المزكى من قبل فيزكى في وقته.
سؤال: إن الذهب والفضة إذا تم فيهما النصاب وهو وزن عشرين مثقالا في الذهب ووزن مائتي درهم في الفضة ولم يكونا من حلي المرأة الذي يحل لها اتخاذه تجب فيهما الزكاة بنص كتاب الله الكريم وصحيح سنة نبيه عليه أفضل الصلاة والتسليم وإجماع الأمة وهو ما علم من الدين بالضرورة وأما ما كان منهما حليا تتخذه المرأة لضرورة زينتها لزوجها غير متجاوزة حد المعتاد فيها فإن بين أئمة المذاهب الإسلامية فيها خلافا مشهورا فمذهب الإباضية والحنفية والظاهرية وجوب الزكاة في الحلي مطلقا متى تم فيه النصاب كغيره من سائر الذهب والفضة ولهم على ذلك أدلة قوية، ومذهب المالكية والشافعية والحنابلة عدم وجوب الزكاة في الحلي بشرط أن لا يكون فوق القدر الضروري المعتاد للزينة مما يكتسب ويتخذ كذخيرة مالية وإن كان قد تتزين به أحيانا وبشرط أن لا يكون هذا الحلي من (1/247)
صفحة 226
القطع المسككة كالدينار والدرهم والجنيه الإسترليني والليرة الفرنسية ونحوها من سائر العملات تجب فيها الزكاة مطلقا ولو اتخذتها المرأة حليا وزينة إجماعا كما تجب إجماعا كذلك فيما يتخذ من الحلي للادخار.
فما سمعتموه من الشيخ علي شنتير صحيح في مذهب الإمام مالك وقد صرح بذلك أيضا الشيخ عبد الرحمن الجيلالي في فتواه الشرعية المذاعة وأكد على وجوب الزكاة في الحلي المسكك وحلي الإدخار، وقد قال الخطابي (وهو من أكبر شراح الحديث) فيما ذكره صاحب «فقه السنة» بعد ذكر الخلاف في زكاة الحلي ما نصه: "الظاهر من الكتاب يشهد لقول من أوجبها والأثر يؤيد، ومن أسقطها ذهب إلى النظر ومعه طرف من الأثر والاحتياط أداؤها"، فأنت ترى أن ما ذهب إليه الإباضية والحنفية والظاهرية هو الأحوط والأقوى، وأحزم الناس من تحرى لدينه.
سؤال: هل تجب الزكاة على من ملك مقدار النصاب فأكثر ولكن ليست له دار يسكنها ولا دكان يتجر فيه ولا أي عقار آخر؟ وهل يجب على موظف أو عامل تجمع له من أجرته أو مرتبه بعد نفقته مقدار النصاب أو أكثر وحال عليه الحول؟ (1/248)
صفحة 227
الجواب: إن الزكاة تجب على كل من ملك من المال مقدار النصاب وحال عليه الحول وهو بيده سواء أكان من ميراث أو هبة أو أجرة عمل أو مرتب وظيف أو صدقة أو زكاة أو غير ذلك من وجوه الدخل ولا عبرة بعد ذلك بأن يكون له عقار أم لا حتى لو كان يجمع من دخله ويدخر ما يشتري به دارا لسكناه الضرورية فإنه يجب عليه أن يؤدي زكاة عن مدخره كل عام حتى ينفقه في زواجه أو في بعض ضرورياته، أما من كان له دين بذمة إنسان بسبب قرض أَقْرضهُ إياه أو ثمن بضاعة باعها له أو غير ذلك من وجوه التداين بين الناس فإنه يسحبه من جملة ماله ويزكي عنه كلما حال عليه الحول ما دام يرجو قبضه ولو مرت عليه سنوات. فإذا أيس منه بسبب إنكار الغريم مثلا أو بسبب إفلاسه أو ضياع ماله حتى لا يستطيع له وفاء، فإنه يسقطه ولا يحسبه من ماله ولا يؤدي عنه شيئا فإن أنعم الله عليه بقبضه بعد الإياس منه زكاه لعام واحد من الأعوام الماضية فقط ويدخل بعد ذلك في جملة ماله. (1/249)
صفحة 228
على من تجب الزكاة في هذا المال؟
سؤال: من أقرض لرجل مبلغا من المال سلف إحسان ومضى عليه عام أو أكثر فمن ذا الذي تجب عليه الزكاة؟
الجواب: تجب زكاته على رب المال ما داك يرجو قبضه.
هل يسوغ لي صرف الزكاة في هذا؟
سؤال: هل يجوز اللزوجة أن تعطي زكاتها لزوجها أو ولدها؟
الجواب: نعم يجوز للزوجة أن تغطي زكاتها لزوجها إذا كان من أهل الزكاة لتقواه بحيث لا يخاف منه أن ينفقها في حرام ولفقره، وذلك إذا كانت مداخليه لا تكفيه لضرورات نفقاته عائلته لسنته واحتاج لتجهيز بناته أو تزويج بنيه ولا يكفيه ماله لذلك وكذلك تعطى لولدها إذا كان للزكاة أهلا.
سؤال: رجل هرم مريض ملازم للدار لا يقدر على الكسب مطلقا ولا يستطيع الخروج إلى الشارع وهو فقير معدم لا يملك شيئا مطلقا ولكنه مبتلى ببعض «المشاق» (1) 1 (، وهو من أرحامنا بل ابن عمنا فهل يجوز أن نعيله ونكفله من زكاة مالنا؟
__________
(1) (1 (لفظة المشاق تعني عندنا باللهجة العامية: بعض الآفات الاجتماعية تعاطي الميسر وتناول الدخان والسعوط. (1/250)
صفحة 229
الجواب: عليكم أن تستتيبوه من ذنوبه إذا أردتم أن تعطوه، وأن لا تعطوه ما يستعين به على معصيته ولا ما يشتري به محرما بل أعطوه ما يأكله من طعام ومؤونة غذاء وما يقيه الحر والبرد من لباس وامنعوه أن يبيع شيئا منها ليشتري محرما، هذا ما توجبه صلة الرحم وأمره بعد ذلك إلى الله.
سؤال: هل يجوز الدفع من الزكاة في ثمن دار تشترى للتعليم وتوقف لذلك؟ وإن كان الجواب نعم فما هو المعتمد عليه؟
الجواب: إن مصارف الزكاة منصوص عليها في القرآن وهي الأصناف الثمانية المبنية في سورة التوبة آية (إنما الصدقات ... الخ) ليس لغيرها في الزكاة من حق أبدا وكلها مبينة لا تكاد تقبل توسعا في المدلول أو تأويلا إلا السابع منها وهو «في سبيل الله» فقد اختلف العلماء فيه فحمله الجمهور على ما يتبادر منه يومئذ وهو الجهاد وأدواته ومعداته وذخائره وأزواده ومطاياه، وما شاكلها مما تقتضيه طبيعة الجهاد، وتوسع في مدلوله علماء آخرون فأدخلوا فيه كل ما يعلي كلمة الله ويرفع منار الدين وينشر ألوية الإسلام على الأنام وإذن فأولي وأول ما يتناوله نشر العلم ومحاربة الأمية والجهالة وأنا أميل إلى هذا فإني وجدت العلم هو الدعامة الأولى للإسلام والجهاد دعامة ثانية وحاجة الجهاد (1/251)
صفحة 230
إلى العلم أشد من حاجة العلم إلى الجهاد ووجدت العلم الجناح الأيمن للإسلام والجهاد الجناح الأيسر وبهما معا طار إلى أعلى الذُّرا وقد كان النبيء صلى الله عليه وسلم معلما قبل أن يكون محاربا على أن العلم جهاد كل زمان وكل مكان دون السيف الذي له ظروف استثنائية خاصة يحكم العلم في تعيينها وتقدير ضرورتها ووجدت الله تبارك وتعالى يعلي من شأن العلم ويأمر جمهور المسلمين بلزوم بابه والرباط في ثغره ولا يأذن إلا لطائفة من كل فرقة في النفير إلى الجهاد بالسيف في أشد الأوقات حرجا وأقواها داعية إلى جهاد السيف فكأنه يقول: إن الجهاد بالسيف ضرورة تقدر بقدرها فلا ينفر إليه إلا من تقتضي الضرورة نفرتهم أو تدعو الحاجة إليها (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) (1) 1 (، فأي سبيل أولى أن يكون سبيل الله من سبيل العلم بعد الجهاد الذي قدمه عليه في دلالة الآية.
وما أظن بكم حاجة إلى بيان خطر العلم وقيمته في تشييد ركن الدين فإنه من البدهيات هذا في علم الدين وما يخدمه من علوم اللسان، وأما إذا نظرنا إلى علوم الطبيعة والكيمياء والتعدين وحرث الأرض والهندسة في مختلف
__________
(1) (1 (الآية 122 من سورة التوبة. (1/252)
صفحة 231
أنواعها وما إلى ذلك عند الأمم المتأهلة لها فإنا نجد الأمر أعظم من ذلك فلا عاقل في مشرق الأرض أو مغرب يستطيع أن يقول اليوم إن بناء حصن وتشييد قلعة أنفع لآية أمة أو دولة من بناء مدرسة وتشييد مختبر وما عمرت القلاع ولا دجج الجنود إلا بمبتكرات العلماء فثلة من العلماء المنزوين في زوايا مخابرهم أنفع لآية أمة ودولة من ملايين الجنود تحشد في القلاع أو تساق إلى الثغور، وبهذا الاعتبار نجد العلم داخلا دخولا أوليا في «سبيل الله» وفي الآية حتى على تفسير الجمهور أنه الجهاد أدواته ومعداته ولا تنس علم الطب وضرورته في هذا الباب بيد أن هذا لا ينفق فيه إلا الدول المستقلة المستعدة لذلك أو التي كانت بسبيل من ذلك وقصارى مثلنا اليوم أن ننفق على علوم الدين وما تقوم عليه علوم اللسان والحساب ونشيد لها المدارس والمعاهد ونخلص النية في العمل. وعلى من أنفق شيئا من زكاته أو زكاة غيره بإذنه في تشييد دار للعلم مثلا أن يحتاط ما استطاع لتبقى الدار وقفا للعلم فإنها من مال الله ولعلها أن تنقلب بعده ملكا خاصا يرثه وارثوه أو ورثتهم من بعدهم وليقم بكل ما تقتضيه الرسميات في هذا الشأن.
هذا ما بدا لي بعد استفراغ الوسع في بحث المسألة من طريق الفتوى وأما رأيي الخاص في مثل هذا –لا من جهة الفتوى- فتشييد المدارس أو شراؤها من تبرعات المحسنين (1/253)
صفحة 232
وأولى الفضل والغيرة، وتوفير مال الزكاة لتكفي حاجة المتعلمين والمعلمين والفقراء والمساكين وما ذلك على من يسره الله له ووفقه إليه بعسير، وفقنا الله وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه.
تاريخ هذه الفتوى هو يوم 03 - 02 - 1942م
سؤال: رجل فقير كثير العيال لا يكفي دخله من عمله الحالي لنفقاته الضرورية وبذمته دين لبعض شركائه السابقين من تجارة كانت بينهم فهل يجوز لصاحب هذا الدين أن يتركه له كله أو بعضه في مقابلة ما عليه من زكاة؟
الجواب: إذا كان هذا الفقير المدين تقيا لا يعلم منه إصرار على كبيرة من كبائر الذنوب فإنه يجوز أن يترك ما له عليه من دين زكاة.
سؤال: هل يجوز إعطاء الزكاة للزوجة؟
الجواب: يجوز إعطاء الزكاة للزوجة إذا كانت تصرفها فيما عليها من دين مثلا لله أو للناس أو في ضرورة من ضروراتها الخاصة، ولا يجوز أن تعطى لنفقتها فيها على الزوج كالنفقة والكسوة والسكن. (1/254)
صفحة 233
سؤال: هل تجوز الزكاة لتارك الصلاة؟
الجواب: لا يجوز إعطاء الزكاة لمن تحققت منه تعمد ترك الصلاة فإنه غير مؤمن للأدلة المشهورة المستفيضة منها قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة» (1) 1 (.
سؤال: رجل له أخوات مسلمات مؤمنات يقمن بجميع الواجبات وهن طاعنات في السن فقيرات يعلن أنفسهن بكد اليمين وعرق الجبين ولا يحصلن على قوتهن إلا بجهد جهيد وهن ساكنات في دار بالكراء وعاجزات عن دفع ثمن الكراء، فهل يجوز لأخيهن أن يدفع ثمن الكراء من زكاة ماله؟
الجواب: من ذا الذي تحق له الزكاة أكثر من هؤلاء النسوة المؤمنات فإنهن أولى من كل أحد بزكاة أخيهن لإيمانهن وتقواهن وفقرهن وقرابتهن ولأخيهن الأجر العظيم في البر بهن والإحسان إليهن بحقوق الله الواجبة عليه للطعام والشراب والملبس والمسكن.
أما قولك في كتاب السؤال: (ولكنهن لا يصمن ولا يفطرن مع جماعة المسلمين)، فإن المفهوم منه أنهن يتبعن فتوى بعض العلماء والطلبة في ميزاب ويقلدنهم في الصوم والإفطار لثقتهن بهم وحسن ظنهن بهم وما حملهن على ذلك إلا شدة التحري في صحة صومهن وشدة خوفهن من فساد
__________
(1) (1 (رواه الربيع والدارمي والترمذي. (1/255)
صفحة 234
صيامهن إذا اتبعن غيرهم ممن عبرت عنهم بجماعة المسلمين وليس لهن من قوة العلم والإدراك ما يمكنهن من التفرقة بين الجماعتين المختلفتين في وقت دخول شهر رمضان وشهر شوال وكلا الفريقين مسلمان فهؤلاء النساء المؤمنات الضعيفات علما وعقلا وإدراكا هن مقلدات يتبعن فتوى من يثقن به وبدينه وأمانته فهن إذا معذورات لا حرج ولا إثم عليهن فقد عملن بما يجب عليهن، ومن الكفر والفسوق والعصيان فررن في ظنهن، وإنما الإثم على من أضلهن فارفقوا بهن واعذروهن وأعطوهن من زكاة أموالكم وتعهدوهن بالحكمة والموعظة الحسنة وفقنا الله وإياكم جميعا إلى ما يحبه ويرضاه.
سؤال: هل يجوز إعطاء الزكاة لمن طلبها وهو فقير مستحق؟ وبأي قيمة تقوم السلعة إذا أراد المزكي أن يخرجها بضاعة أبقيمة الشراء أم بقيمة البيع؟
الجواب: لا ينبغي للفقير المستحق للزكاة أن يطلبها إلا لضرورة ولكن طلبه لا يسقط حقه في الزكاة فيجوز أن تعطى له، وأما البضاعة المعطاة فيجوز أن تقوم بقيمة بيعها يوم الإخراج، بشرط أن لا يغالي في ثمنها وأن لا يتجاوز به أقل ما يمكن أن يبيع به للمشتري المماكسالمشاحح في المبايعة، وإن قومها بما قامت له فخير له. (1/256)
صفحة 235
سؤال: شيخ كبير السن فقير عاجز عن العمل مؤمن إلا أنه يفطر أول رمضان ويصوم العيد فهل يجوز أن تعطى له الزكاة؟
الجواب: قد يختلف الناس كثيرا حتى في القرية الواحدة في إثبات هلال الصوم والإفطار فيعمل كل فريق بما يراه حقا واجبا عليه بينه وبين الله ويتحمل بمسؤوليته أمام الله فإن كان هذا الشيخ يعتمد في صومه وفطره على علمه إن كان عالما أو على من يثق به من علماء قومه والمتصدرين من رجال الدين فيهم إن كان عاميا فإننا نكل أمره إلى الله ولا نبرأ منه ولا نمنع عنه الزكاة، فإنه عمل بما يجب عليه من تقليد عالم يثق بعلمه ودينه ولم يقصد هتك حرمة رمضان بإفطار ولا هتك حرمة العيد بصيام، وأمرنا وأمرهم إلى الله، وأما الذي تجب البراءة منه ولا تحل له الزكاة فهو الذي يهتك حرمة رمضان بالإفطار ونحوه تشهيا وتعمدا وتحديا لأمر الله.
سؤال: هل يجوز للوالد أن يعطي لولده من زكاة ماله؟
الجواب: -باختصار- إذا كان الولد منحازا لنفسه مستقلا بمطبخه وكان ذا عيال ولم يكن له دخل ينفق منه فإنه يجوز لأبيه أن يعطيه من زكاة ماله ما يكفيه لنفقته كل سنة، كما يجوز له أن يعطيه ما ينفقه في سبيل تعلمه، (1/257)
صفحة 236
وهذا كله بشرط أن يكون تقيا مؤمنا لا يترك الفرائض ولا يرتكب الفواحش والمنكرات.
هذا ما من الله به في الجواب وأنا في حالة مرض ولا أستطيع أن أزيد على هذا.
سؤال: هل يجوز إعطاء الزكاة لفقراء ومساكين المخالفين وخاصة إذا كانوا جيرانا؟
الجواب: الزكاة حق الفقراء والمساكين المسلمين ممن كان مستور الحال لا يعلم أنه يستعين بها على معصية ولم يظهر فسقه بارتكاب الكبائر كالزنا والخمر والسرقة ونحوها من كبائر الإثم والفواحش وهذا شرط في الموافق والمخالف على حد سواء.
سؤال: رجل توفي جده وترك ذرية صغارا من امرأة غير جدته لا يتجاوز أكبرهم سنا الثانية عشرة ولم يترك لهم شيئا من الرزق فقرر أن يكفلهم وينفق عليهم من زكاة ماله بأن يخرج كل عام ما عليه من زكاة ويضعه جانبا للإنفاق عليهم فهل يجوز له ذلك؟
الجواب: هذا أفضل باب تصرف فيه الزكاة، فقراء مساكين يتامى ذوو أرحام اجتمعت فيهم كل الصفات المؤهلة لاستحقاق الزكاة بل هم أولى من غيرهم وهذا أعظم ما يتقرب به إلى الله وله كذلك أن يجهز بناته للزواج من (1/258)
صفحة 237
الزكاة إنما يجب عليه أن لا ينفق من مال الله فيما لا يعني مثل لعب الصبيان وما أشبهها فلا يشتري مثلا كرة وللبنت عروسا فإنما الزكاة للضروريات.
سؤال: هل يجوز لإدارة مدرسة أن تقبل الزكاة لإنفاقها على تجهيز المدرسة وتأثيثها؟
الجواب: إذا كانت المدرسة مؤسسة لغرض ديني تربوي أعني تعليم القراءة والكتابة وتحفيظ القرآن وتعليم تلاميذها واجباتهم الدينية وتربيتهم على الأخلاق الإسلامية ومراقبة سلوكهم فإن إنفاق الزكاة على تجهيزها بكل ما يعين على الوصول إلى الهدف المنشود جائز لأنه إنفاق في سبيل الله وإعلاء كلمة الله ونشر وتبليغ لما أنزل الله امتثالا أمر الله.
سؤال: هل تجوز الزكاة لمن لم يخبر بأنها زكاة؟
الجواب: يشترط الفقهاء إخبار من تعطى له الزكاة بأنها زكاة وعلتهم في ذلك معقولة وهي أنه ربما كان من أعطى الزكاة لا يقبلها وإن كان من أهلها المستحقين لها فإن المعلوم أن بعض فقراء المسلمين ومساكينهم من الصلحاء الأتقياء الذين هم أهل للزكاة يتنزهون عن قبولها تورعا واحتياطا لدينهم فإذا أعطوا شيئا برسم الصدقة أو الهدية قبلوه وإن كان برسم الزكاة ردوه، لذلك وجب الإخبار حتى يصح (1/259)
صفحة 238
الأداء ويكون المعطي مؤديا حقا لما عليه خارجا من عهدة الواجب عليه وإن لم يخبر بأنها زكاة وكان الآخذ لها ممن لا يقبل الزكاة وإنما أخذها ظنا منها أنها صدقة أو صلة أو هدية أو نحو ذلك فإن ذمة المعطي لم تبرأ مما عليه، فالمدار إذا على العلم بأن الآخذ ممن يقبل الزكاة، فإذا علمت أن من تعطيه زكاة مالك ممن يقبل الزكاة فلا بأس أن تعطيه شئت بدون إخبار.
سؤال: سألت وسأل إخوان لك كثيرون عن زكاة الحلي اليوم، وبأي القيمتين الرسمية الاسمية أم الحقيقية الواقعية يزكى؟
الجواب: تعلمون أن المنصوص عليه والذي لا خلاف بين الأمة فيه والذي جرى به العمل في قرن النبيء صلى الله عليه وسلم وخير القرون التي تليه أن الزكاة في أموال الزكاة كلها إنما تجب في أعيانها لا في قيمتها وأن الحق الواجب المعلوم إنما يخرج من عين كل مال وجبت فيه الوزن في الذهب والفضة والكيل في الحبوب والعد في الأنعام غير منظور إلى القيمة ولا ملتفت إليها ولا معتبرة في شيء من أمر الزكاة لا في النصاب ولا في الوقص ولا في الحق الواجب، فالنصاب خمسة أوسق وأربعون شاة وخمس ذود أو بقر وعشرون مثقالا ومائتا درهم، والحق العشر ونصف العشر وربع العشر وشاة من أربعين شاة لخمس ذود أو بقر وبنت مخاض أو ابن (1/260)
صفحة 239
لبون لخمسة وعشرين إلا ما اتخذ للتجارة وجعل فيه مال فإنه يقوم بالذهب أو الفضة ليلحق بهما في الزكاة فإن التجارة قد تكون في الأموال التي لا تجب في أعيانها الزكاة فلا يقاس عليها في اعتبار التقويم ما تجب الزكاة في عينه. وربما احتيج إلى اعتبار القيمة في باب واحد فقط هو باب صرف أحد العينين إلى الآخر لاستكمال النصاب إذا لم يكمل في كل منهما منفردا أو كمل في أحدهما فقط علي أنه إنما يعتبر في الاستكمال دون إخراج الحق على أن المعتمد حتى في هذا الصرف إنما هو الوزن ومهما يكن فإن هذا لا يؤثر في قضية إخراج الحق ولا يصح الحمل عليه في اعتبار القيمة مطلقا.
إذا تقرر هذا عملنا أن الواجب على من ملك نصابا من مال تجب في عينه أن يخرج من عينه الجزء الواجب فيه وما طلب الله منه بدلا ولا قيمة وما نظن أن بكم حاجة إلى نقل نصوص الآيات والأحاديث والآثار وعمل خير القرون الدالة على ذلك بيد أن بعض الفقهاء رخصوا في إخراج القيمة بشرط أن تكون عادلة وأن تراعى فيها مصلحة الفقير آخذ الزكاة وما رأينا عاملا بهذه الرخصة قط لغير الضرورة إلا في زكاة الحلي فإن إخراج شيء من عينه يتعذر على كثير من الناس فعمدوا إلى السكة الجاري بها التعامل وإعطاء قيمة الجزء الواجب وكان هذا يشبه إلجاء (1/261)
صفحة 240
الضرورة كما تعلمون فسكت عنه العلماء وربما كان للمرخصين سند صحيح من أقضية الرسول صلى الله عليه وسلم أو عمل الصحابة لا أذكره الآن، بيد أنه مهما يكن فلن ينهض للعزيمة ولن يقاومها إذا فهمتم هذا أدركتم وجوب اعتبار القيمة الواقعية العملية التي لا يجري إلا بها التعامل في بلد المزكي ذلك أنك تقيم الحجة على المزكي بقولك إن الله قد أوجب عليك في كل عشرين مثقالا نصف مثقال وفي كل أربعين شاة شاة وفي كل خمسة أوسق نصف وسق أو ربعه فأد الذي عليك إلى أهله غير ناظر إلى قيمته غلت أو رخصت ولا ماسك لعينه معط لقيمته لتطهر وتزكى فإن كنت ولا بد فاعلا فاعتبر القيمة التي لا تبيع–لو كانت بائعا- إلا بها ولا يبيعك الناس لو كنت مشتريا وكانوا باعة إلا بها فيما تقبض من مال الزكاة وما تدفع كما تعتبرها في غير الزكاة فيما تأخذ وما تعطي وفيما تبيع وما تشتري فغير معقول أن تخص الزكاة في باب التقويم للنصاب أو للإخراج بشيء لا يجري بين الناس فعلا فالتعامل هو الذي يقرر السعر والقيمة لا وضع السلاطين ولعل ذلك من معاني قول من أوتي جوامع الكلم: (المسعر هو الله) ولا تخفى الإشارة على لبيب وما قيل في تقويم الحق الواجب من الزكاة فيما يزكى عينه يقال في تقويم المال كله لإخراج الزكاة فيما تزكى قيمته لا عينه من أموال التجارة فيجب أن يعتبر فيه (1/262)
صفحة 241
أسعار السوق السوداء كما يسمونها اليوم مما سبيله سبيلها وأما ما توزعه الحكومة على التجار بسعرها الرسمي على أن يوزعوه هم الآخرون بسعرها الرسمي فإنه يقوم قطعا بهذه القيمة الرسمية وإذا أعطى شيء منها لفقير برسم الزكاة كان بنفس القيمة وإلا كان بخسا للزكاة وظلما للفقير كما أن حمل الناس على تقويم سلعهم السوداء بقيمة القانون عند إعطائها للفقير برسم الزكاة ظلم لهم. وأقبح أنواع الظلم في هذا الباب هو الظلم المزدوج ببخس الزكاة وآخذ الزكاة ذلك بأن يقوم سلعته بمائة ألف رسمية ليخرج منها ألفين وخمسمائة وقيمتها بين الناس مليون ويجب أن يخرج منه خمسة وعشرين ألفا، ثم يعطى الفقراء ألفين وخمسمائة فقط من الدراهم الجارية أو يعطيهم من سلعته في الألفين وخمسمائة ما يساوي هذا العدد في السوق السوداء لكنه في السعر الرسمي الذي جرى عليه في حساب المائة ألف لا يساوي إلا مائتين وخمسين فرنكا فقد بخس الزكاة والفقير معا ونرى أن المسألة من الظهور بحيث لا يلتبس أمرها لا يشتبه حكمها إلا على قصار النظر أو من لا ينعمه، أو الذين غلبتهم شهواتهم من المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون. ويوضح ذلك أمور:
أولها: أن تنظر في زكاة الذهب والفضة ومال التجارة والحبوب فتجدها شركة حقيقية في المال لأن الحق فيها جزء (1/263)
صفحة 242
مسمى منه عشر أو نصفه أو ربعه ثم لا يكون مصرف الزكاة ومستحقها إلا شريكا في المال بتلك النسبة ما في ذلك شك فإذا قاسمته لتخرج له حقه فإما أن تعطيه سهمه من عين المال بكيل أو وزن أو عد إن صح من غير اعتبار قيمة فتوفيه حقه فلا يكون له عليك سبيل وإما أن توفيه حقه من عير المال مع اعتبار القيمة فيأخذ ما يأخذ بالقيمة التي وقعت بها المقاسمة فلا بخس ولا ظلم غلت القيمة أم رخصت، وإما أن تستأثر بعين المال كله وتعطي شريكك قيمة سهمه فيجب أن تكون القيمة حقيقية عملية يجري بها التعامل بين الناس قبضا ودفعا وأخذا وعطاء وبيعا وشراء بطيب نفس ورضا قلب ولا تنظر إلى القيم المكره عليها فتأخذ مال أخيك بغير رضاه فإنه ظلم وبخس لحقه وما زال الناس يتشاركون ويتقاسمون وقد جرى عرفهم أنهم لا يسألون غلاء القيمة ورخصها إذا كان جميع أصحاب الحقوق يأخذون من عين المقسوم ويسألونها ويدققون النظر في تقديرها إذا كان بعضهم لا يأخذ من عين المال أو يأخذ بعض حقه من عينه ويستوفي الباقي من قيمته فهل تسمح نفس شريك في أي مال بأي صورة من صور الشركة أن يترك حقه في عين المال بقيمته دون التي يجري بها التعامل إلا قليلا مما يتغابن الناس فيه أو يتسامحون. (1/264)
صفحة 243
ثانيها: أن تعتبر مستحق الزكاة الذي تريد أن تعطيه قيمة حقه لا عينه بائعا لحقه وأنت مشتريه فهل تسمح نفسه –لو كان بيده- أن يبيعه منك بعشرة وهو يجد أن يبيعه من غيرك في ساعته من يومه بمائة.
ثالثها: أن الناس كلهم غنيا وفقيرا منتجا ومستهلكا صانعا وتاجرا حتى الذين يضعون لوائح الأسعار يرون القيمة الحقيقية لكل شيء هي ما يتعامل به الناس فيبذلون ما يبذلون طيبة نفوسهم به ويأخذون ما يأخذون طيبة نفوسهم به وقد تمكن هذا من النفوس رغم شدة المراقبة وصرامة العقاب، فأي مثبت للقيم أقوى من هذا؟
رابعها: إن أكثر ما بأيدي التجار اليوم قد اشتروه بقيمة أغلى بكثير من السعر الرسمي على تفاوت فيه طيبة بذلك نفوسهم بل شديدة الرغبة فيه، فلا يرون إلا أنهم مصيبون محسنون، قد وضعوا الحق في نصابه، وساروا بتجارتهم في طريق رابح هم به مغتبطون فإذا أهل شهر الزكاة قوموا سهمهم بأقل مما جعلوا فيها وما طرأ على القيمة نقص، وربما كانت فيها زيادة، فإن قالوا نعتبر السعر الرسمي اليوم قيل لهم فهل تبيعون به؟ وهل تخرجون الزكاة الواجب من عينه به؟ فإن قالوا نعم فحبذا وإنهم لعلى صراط مستقيم، وليت الناس كلهم عادوا إلى الأسعار الرسمية واتبعوا أوامر الحكومة فيها ونبذوا الاحتكار جانبا وإذن لسعدوا وارتفع (1/265)
صفحة 244
النزاع وزال الخلاف وانحلت جميع هذه المشاكل لكنهم أبوا إلا ركوب العرجاء فتحدث لهم أقضية بحسب ما أحدثوا من الفجور، وإن قالوا لا كانوا كالمطففين وكالذين نزل فيهم: (فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون) (1) 1 (.
خامسا: من كانت عنده أربعون ليرة ذهبية فرنسية من ذوات العشرين فرنكا وجب عليه إخراج واحدة منها زكاة فهل ترى بريء الذمة إذا أعطى فقيرا عشرين فرنكا من أوراق مصرف مالي بينما ليرة الذهب تتجاوز قيمتها الألفين من أوراق المصارف؟ وقل مثل هذا في دراهم الفضة، ما نظن أن كيسا يدين نفسه ويعمل لما بعد الموت يأتي بمثل هذا أو يقول به.
سادسها: من ملك عشرين ألف فرنك أوراق بنك ليس له مال غيرها وجب عليه إخراج خمسمائة فرنك ورقا منها قطعا ما في ذلك شك، فأن كان عنده ثوب قد اشتراه بخمسمائة فرنك وقد تجاوزت قيمته اليوم ذلك ورأى حاجة فقير قد اشتدت إلى ثوب مثله فأعطاه إياه في الخمسمائة، وربما خير الفقير بين الثوب والخمسمائة فاختار الثوب على أن قيمة الثوب الرسمية خمسون فرنكا فقط، فهل ترونه باخسا للزكاة أو ظالما للفقير؟ أفلا ترونه موفيا حق الزكاة محسنا إلى
__________
(1) (1 (الآية 136 من سورة الأنعام. (1/266)
صفحة 245
الفقير؟ وهل يبرئ ذمته إلا بذل خمسمائة فرنك ورقا أو عشرة أثواب يشتريها بخمسة آلاف ويعطيها بخمسمائة مع أن الفقير يختار ثوبا واحد على خمسمائة؟ إن هذا تحكم لا يقبله العقل.
سابعها: يتيمة لها حلي استغنت عنه وقضت المصلحة بيعه وشراء عقار لها أو شيء مما تحتاجه فله يبرئ وصيها أن يبيعه بثمن بخس غير مرغم عليه ولا مكره ولا خائف وهو قادر على بيعه بأضعاف أضعافه مما يجري به التعامل بين الناس بلا كلفة ولا مشقة ولا تعرض لخطر؟ وهل يكون ذلك من الإصلاح المأمور به في قوله: (قل إصلاح لهم خير) (1) 1 (.
ثامنها: يتيم اشتدت حاجته إلى طعام أو شراب أو لباس ولم تبلغ بعد حد الضرورة وفي ماله سعة ... أيمنع وصيه أن يشتري له شيئا بغير السعر الرسمي ويسلم اليتيم إلى العنت والمشقة وشظف العيش؟ وهل في هذا إصلاح له؟ وهل يصنع الوصي هذا بنفسه؟ وبولده؟
إن ميزان الشريعة الغراء في القضية لمحكم تريص (ضع يدك على صدرك فما تحبه لنفسك فأحبه لغيرك) (2) 2 (، (واستفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك) (3) 3 (، فقد
__________
(1) (1 (الآية 220 من سورة البقرة.
(2) (2 (لم أجد هذا وإنما روى الترمذي حديثا في كتاب الزهد جاء فيه ... وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما.
(3) (3 (رواه الدارمي بلفظ: استفت نفسك، استفت قلبك يا وابصة (الباب الثاني من كتاب البيوع). (1/267)
صفحة 246
رأيتم أن القيمة التي يجب أن تعتبر أبدا إنما هي التي يجري بها التعامل فعلا بين الناس وبها يقع التقاسم بين الورثة وبين الشركاء والتصرف في أموال الأوقاف والمساجد واليتامى لأن ذلك هو الواقع ما له من دافع.
وبعد فإن مسألة زكاة الحلي أبسط من جميع هذا فإن الزكاة تجب في عينه قطعا والواجب إخراج جزء منه بالوزن قطعا فمن عمل بالرخصة وأراد إخراج القيمة أنزل الفقير منزلة البائع ونفسه منزلة المشتري، والحق الواجب منزلو سلعة تباع، فيعطيه ما تسمح به نفسه بالبيع به لو كان بائعا، فمن ملك أربعين غراما ذهبا مثلا مع ما يكمل به النصاب من نقود وجب عليه في ذهنه إخراج غرام واحد زكاة فإن أعطاه قطعة ذهب فقد نجا وبرئت ذمته وإن أراد أن يمسكه لنفسه ويخرج قيمته فلا يبرئه إلا أن يعطى فيه مائة وخمسين فرنكا أو مائتين حسب السعر الجاري الذي يشتري ويبيع به، وكيف يمسك الغرام الذي هو حق لله لنفسه ثم لا يعطي فيه إلا عشرين فرنكا مثلا، حسب السعر الرسمي، للفقير وهو لا يجد أن يشتري بذلك ولا يسمح أن يبيع بذلك، ولعله قد اشترى هو نفسه ذلك الذهب عينه أو بعضه بأكثر من ذلك، فإن قيل إنه قد يجد أن يشتري بذلك من المؤسسات الرسمية بإذن من أولياء الأمر قيل له: (1/268)
صفحة 247
فيادارها بالخيف إن مزارها قريب ولكن دون ذلك أهوال
على أنه إن وجد لا يجد عشر حاجته وما بعد العيان بيان ومثل هذا لا يصح أن يعتبر ولا أن يتخذ مستندا للأحكام العامة فيما تعم به البلوى ولقد عمت البلوى بهذه الأسعار المشطة في السوق السوداء وطالما قاومناها وحاربناها بمختلف الوسائل لعظم ضررها فلم نفلح لأن ضرورات العيش دفعت الناس إليها دفعا فما أحد كائنا من كان يمكنه أن يسد حاجته وحاجى عياله في الطعام والشراب واللباس مما يعطاه بأوراق التموين، فأما أن يكون عنده احتياطي كبير مدخر من كل نوع وإما أن يقتحم السوق السوداء أحب أم كره وهذا هو الغالب فأنت ترى أن كثرة الطلب وقلة العرض ونضوب معين الموارد وانقطاع الأمداد وشلل حركة الإنتاج والإيصال بفقد الوقود وتحويل أكثر مصانع العالم إلى الإنتاج الحربي والخوف من طول أمد الحرب وعدم لوح بارقة أمل في سلم قريبة كلها عوامل طبيعية تظاهرت على الطيران بأسعار الحاجات إلى ما لم يكن يخطر ببال وإنها كما ترى لعوامل طبيعية في الغلاء وأسباب حقيقية له ولقد أحس الناس ثقلها وذاقوا مرارتها وما عرفوا آخرتها وما هي بأخيلة ولا أوهام فقد جاعت البطون وتعرت السوءات وما وجدوا لجوعه سدا ولا لعورة سترا، فكيف لا يغالبون بقيم (1/269)
صفحة 248
الضروريات والحاجيات ما وسعتهم أموالهم، وإن هذه التي تقرها الحاجة لهي القيم الحقيقية المعتبرة يا أخي وما على من يحاربها إلا أن يسد جميع حاجات الناس الحاضرة ويضمن لهم سد ما يجد منها حتى تضع الحرب أوزارها فتسقط هذه القيم الغالية من ذوات نفسها حتى تساوي القيم الرسمية أو تنزل عنها فيقع التباري في النقص من السعر الرسمي بدل التباري في الزيادة عليه كما كان يقع في بعض السلع المسعرة رسميا قبل الحرب.
والخلاصة: أننا نجتهد في تحذير الناس من عاقبة المغالاة وننهاهم عن رفع الأسعار بشطط وعن التعدي في استثمار حاجة الفقير ونأمرهم بالرحمة والرفق والشفقة والقناعة بقليل الربح ونشدد النهي عن الاحتكار واقتحام السوق السوداء لغير ضرورة اللهم إلا النهم والشره والرغبة في جمع الحطام ولو من الحرام لكننا عند تقويمنا الأموال لقسمتها بين ذوي الحقوق من ورثة وشركاء وغيرهم أو لتحويلها من مالك إلى مالك ببيع أو صداق أو إجارة أو مبادلة أو قضاء دين أو نحو ذلك من مختلف المعاملات لا نعتبر إلا القيمة التي تسمح به نفس المالك بالبيع بها ونفس المشتري بدفعها وقد تكون أموال غياب ويتامى ومساجد وأوقاف وسفهاء لا نتحرج في ذلك ولا نتأثم وما يمكن لتقويم الزكاة أن يشذ عن جميع هذا. (1/270)
صفحة 249
وبعد فلقد ظننت أني بلغت بك إلى الغاية من طريق معبد لاحب قريب وانتهيت بك إلى النتيجة من مقدمات لا تجادل فيها فضع يدك على صدرك واستفت قلبك فيما أحببته لمالك فأحببه لمال الله وما رضيته لنفسك فارضه للفقير وما كرهته لنفسك ومالك وولدك فاكرهه لمال الله وللفقير ولليتيم ولو رجع الناس إلى عزيمة الأمر فأعطوه من عين كل مال زكاته لكان خيرا لهم في الآخرة والأولى ولما وقعوا في حيرة ولا التباس ولكنهم أبوا إلا اتباع الشهوات وتحكيم الرغبات ووسمها بسمة الدين مخادعة لعقولهم وما الله عنهم بغافل ولا الدين بمقر لهم على باطل وإن له لحماة ينفون عنه تأويل الغالي وانتحال المبطل وتحريف الجاهل.
حفظكم الله ورعاكم لأخيكم بيوض إبراهيم بن عمر وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
سؤال: امرأة لها ذهب للزينة (مقاييس) وخواتم وجواهر زينة وما يشبه ذلك، هل عليها من زكاة؟
الجواب: إن حلي المرأة إذا كان من ذهب أو فضة وجبت فيه الزكاة إذا بلغ النصاب ونصاب الذهب ميزان 100 غرام ونصاب الفضة نحو 670 غرام وأما الجواهر الأخرى المتخذة للزينة غير الذهب والفضة كالعقيق وما أشبهه فليس فيها زكاة ويجوز للزوج أن يعطي لزوجته ما تؤدي به زكاة حليها إذا لم تكن غنية. (1/271)
صفحة 250
سؤال: امرأة توفي زوجها وهي فقيرة وذات أولاد وعيال كبير وعاجزة عن العمل ولها شيء من الذهب ادخرته لنفقتها ونفقة أولادها تبيع منه شيئا فشيئا حسب ضرورتها فهل عليها فيه زكاة أم لا؟
الجواب: كلما حال الحول على مقدار النصاب من الذهب فأكثر وجبت فيه الزكاة ربع العشر كما هو معلوم وهكذا في آخر كل عام حتى ينقص الذهب عن مقدار النصاب فلا يجب فيه شيء.
سؤال: هل يجب على المرأة أن تزكي ما عندها من حلي ذهب وفضة اتخذته للزينة لا للتجارة؟
الجواب: نعم الزكاة واجبة في الذهب والفضة لذاتهما كيفما كان غرض امتلاكهما لزينة أو لتجارة أو لادخار وسواء أكان حليا أو سبائك أو أواني أو تبرا أو عملة مسككة إذا بلغت النصاب وجبت فيها الزكاة.
سؤال: رجل فقير ذو أولاد ولا مسكن له ورث شيئا من الذهب من زوجته أو والدته أو غيرهما مثلا وادخر ذلك الذهب حتى يجمع بعض المال ويبيع ذلك الذهب ليشتري به دارا لسكناه وسكنى أولاده فهل تجب عليه الزكاة في ذلك الذهب أم لا؟ (1/272)
صفحة 251
الجواب: إذا كان ذلك الذهب مقدار النصاب فأكثر تجب فيه الزكاة مرة كلما حال عليه الحول وهكذا ما دام مكنوزا حتى ينقص عن النصاب أو يبيعه لشراء الدار أو لنفقاته الأخرى.
سؤال: فقيرة ذات زوج فقير ليس لها مال إلا حلي تتزين به: هل تجب عليها زكاة؟
الجواب: إن الزكاة واجبة عليها إن بلغ النصاب والاعتذار بأن الزكاة تفنيه إذا لم يكن لها ما تعطي منه غيره باطل غير مقبول لأنه إذا نقص عن النصاب لم تجب فيه الزكاة أبدا فيبقى عندها أبدا، فنصاب الذهب بوزن اليوم مائة غرام إذا نقصت لم تجب الزكاة فقد يكون للمرأة حلي مختلف لا يتجاوز خمسة وتسعين غراما لا تعطى منه شيئا إلا إذا كانت لها فضة إذا صرف إليها بلغ نصاب الفضة، ونصاب الفضة بوزن اليوم ستمائة وسبعة وستون غراما تقريبا والحاصل أن كل من ملك النصاب وجبت عليه الزكاة ولا اعتبار بفقر ولا غنى.
سؤال: كثيرا ما نسمع أن زكاة الحلي في إعارته فهل هذا صحيح؟ وما قول الإباضية في ذلك؟ وما هو الأفضل إخراج الزكاة من عين الحلي أو من قيمته؟ (1/273)
صفحة 252
الجواب: أجمع الإباضية على أن الزكاة واجبة في الذهب والفضة لعينهما سواء كانا نقدا أو حليا أو آنية أو سبائك، إذا تم فيهما النصاب لأدلة كثيرة في الكتاب والسنة الصحيحة تثبيت ذلك فيهما إذا كانا حليا للمرأة بشرط أن لا يكونا مسككين أي مضروبين دنانير ذهبية أو دراهم فضية تتخذ منها المرأة قلادة أو نحوها لزينتها فإن هذا مجمع على وجوب الزكاة فيه وكذلك ما زاد على القدر الضروري المتعارف لزينة المرأة مما يكون في شكل حلي أقراطا أو أساورة أو قلائد أو نحوها تجمَّع منه للمرأة أو الرجل الشيء الكثير بقصد الادخار والكنز للإنفاق منه عند الحاجة والضرورة فإن هذا مما تجب فيه الزكاة إجماعا وإن كانت المرأة تستعمله كزينة عند بعض المناسبات سواء أكان مالكه امرأة أو رجلا ويبقى القدر الضروري المعتاد للزينة وهذا ما يقول فيه بعض الفقهاء من غير الإباضية: زكاة إعارته، ولا شك ولا خلاف في أن إخراج الزكاة من عين المال الذي وجبت فيه أفضل وأدعى لحصول البركة فيه ويجوز الإخراج من القيمة إذا تعذر الإخراج من عين المال كما هو الغالب في زكاة الحلي وكانت القيمة صحيحة. (1/274)
صفحة 253
في وقت الزكاة
سؤال: تقويم التاجر لتجارته يكون عادة حسبما تقتضيه الظروف في آخر شهر ديسمبر من كل عام فكيف يصنع بزكاته التي تجب بدوران العام القمري؟
الجواب: لا إشكال في ذلك فعلى التاجر أن يتخذ شهرا قمريا كرمضان أو محرم لزكاته دائما فإذا دخل هذا الشهر جمع ما عنده من مال تجب فيه الزكاة كذهب أو فضة أو دراهم أو ديون بذمة الغير ويضيف إليه ما كان عنده من رأس مال صاف في تجارته ثم يخرج ما وجب عليه من زكاة ولا يضره التفاوت بين شهر زكاته القمري وتقويمه الميلادي وبمحافظته على هذه الطريقة لا يضيع من زكاته شيء فيكون مؤديا لحق الله.
سؤال: تسأل في كتابك عن الشهر الذي يجب أن يتخذه التاجر وقتا لزكاته؟
الجواب: اعلم أنه يجب أن يتخذ شهر قمريا هجريا، وقد قلت إنك اخترت شهر رمضان فحسنا فعلت، فإذا وصل شهر رمضان المقبل فانظر ما عندك من أمانة في حانوتك في تقويم آخر ديسمبر الماضي ثم أجمع إليه ما يكون عندك في جيبك أو في خزانتك، أو في الشيك «الشيك بوسطال» مثلا، وما لك بذمة شخص، وأخرج مند مقدار الزكاة الواجب (1/275)
صفحة 254
في الحال، واعمل كذلك في كل رمضان يدخل عليك، ولا تعتبر شهر التقويم الرسمي لتقديم التصريح للحكومة ولا يضرك هذا التقويم الرسمي تقدم أم تأخر، لأنك تحسب ما تحصل لك فيه في كل شهر رمضان كما ذكرت لك هذا للمستقبل، وأما ما مضى لك من أعوام تزكي فيها بحسب التاريخ الميلادي فانظر ما مضى لك من السنين على هذه الحال وتخرج مبلغا من الزكاة احتياطا لذلك، وأنت تعلم أنه في نحو ثلاثة وثلاثين عاما ميلادية يتولد عام قمري هجري، فاحسب السنين التي مضت لك على هذه الحال وقدر مبلغا تدفعه احتياطا والله غفور رحيم.
وأما سؤالك عن حلي المرأة فإنه تجب فيه الزكاة سواء اتخذته للزينة أو لغيرها إذا بلغ النصاب، والنصاب هو مقدار قيمة عشرين مثقالا ذهبا أي قيمة مائة غرام ذهبا حسب السعر الحالي، ومقدار الزكاة كما تعلم هو ربع العشر أي اثنين ونصف في المائة.
وفقنا الله إلى ما يحبه ويرضاه والسلام عليك أولا وآخرا. (1/276)
صفحة 255
كيف أزكي هذا المال؟
سؤال: ما هو الأصل في إخراج الحق الواجب من زكاة الحلي؟ هل هو القيمة أم الوزن؟
الجواب: أما زكاة الحلي فإن الواجب فيها إخراج جزء من الحلي بالوزن، فمن عنده عشرون مثقالا ذهبا أعطى منه نصف مثقال ومن عنده مائتا درهم فضة أعطى منها خمسة دراهم وزنا فذلك ربع العشر الواجب في الذهب والفضة ويخرج من المزكى عينه كما تعطى شاة من أربعين شاة وكما تخرج زكاة الحبوب منها ذاتها بلا تقويم، هذا هو الأصل وليس إعطاء القيمة إلا رخصة فمن عمل بها في الذهب والفضة وأعطى ربع عشر القيمة ويجب أن تكون القيمة في الحقيقة هي التي يقع بها التعامل يجري بها الأخذ والرد والعطاء والقبض والأداء لا السعر الرسمي الذي لا يكاد يوجد من يتعامل به ومن عليه ذلك فليعط القدر الواجب وزنا لا قيمة ومن خالف هذا فقد سرق الزكاة ومن زعم خلاف هذا وقال باعتبار الرسمي في الزكاة كيف يصنع مثلا من يوجد عنده كتان يباع في السوق بخمسمائة فرنك وسعره الرسمي خمسون فرنكا فقط وأراد أن يعطيها لفقير زكاة لزمته أيرضى أن يعطيها لفقير بقيمة خمسين فرنكا فقط ما نظن أن أحدا يستطيع أن يفعل هذا أبدا فكيف إذا كانت (1/277)
صفحة 256
عندها للتجارة أيقومها بخمسين الرسمية فقط أم (هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب) (1) 1 (، وسبيل الحلي سبيل هذا بل هو أشد لأن الواجب فيه إخراج جزء من العين، وأما مال التجارة فإخراج جزء من القيمة وليس يتسع لبسطة أوفى أو أكمل وليس الأمر بخاف على من تحرى لدينه واحتاط لأمره واطرح الرغبة والشهوة جانبا.
سؤال: الأصل في زكاة الذهب والفضة أن يخرج منها بالوزن لا بالقيمة فإذا تم النصاب ففي كل أربعين غراما من ذهب أو فضة غرام من زكاة يعطى ذهبا أو فضة من نفس ذلك المال المزكى لا يقوم بغلاء ولا برخص ومن عنده مائة غرام منها غرامين ونصف غرام كذلك بالوزن ثم هكذا بالغا وزنه ما بلغ فإذا كان عنده كيلوغرام أعطى منه خمسة وعشرين غراما بالوزن، هذا هو الحق الواجب شرعا.
إلا أن بعض العلماء رخصوا في إخراج القيمة وهو ترخيص ضعيف لكن الناس مالوا إليه لسهولته، وعليه فيجب أن تكون القيمة هي التي يتعامل بها الناس والتي يمكن لصاحب الذهب والفضة أن يبيع ويشتري بها فإذا أجمع الناس كلهم على مخالفة السعر الرسمي فلا شراء ولا بيع به وكان
__________
(1) (1 (الآية 116 من سورة النحل. (1/278)
صفحة 257
التعامل جاريا مطردا متصلا باستمرار بسعر آخر وجب أن يعتبر هذا في مثل هذه الزكاة ومن لم تطب نفسه رجع إلى الأصل فأعطى الجزء الواجب بالوزن ولا عليه في القيمة غلت أم رخصت وهكذا البر والشعير والتمر وجميع ما يجب فيه الزكاة كالإبل والبقر والغنم لا يجوز أن يقبض لنفسه مال الزكاة ويخرج قيمة لا تطيب نفسه أن يبيع بها أبدا ولا يجد أن يشتري بها أبدا إلا بقهر حاكم. ومن زعم هذا فهل تطيب نفسه أن يعطي جبة قيمتها بين الناس خمسمائة فرنك لفقير في زكاة لزمته بقيمة خمسين فرنكا الرسمية مثلا؟ لا نظن أن أحدا يرضى بهذا ونرى هؤلاء الذين يريدون تقويم الحلي للزكاة بالسعر الرسمي يعطون للفقراء لباسا ومؤونة في سبيل الزكاة بالسعر الغالي الجاري بينهم في السوق السوداء، فما هذا التناقض؟
ولو أن أحدهم اضطر إلى إخراج ما عليه من زكاة قطعة ذهب كما تفعل النساء كثيرا لما طابت نفسه إلا أن يقومها بالسعر العملي الجاري لا بالسعر النظري الرسمي أو الأسمى والمخرج من هذا كله إنما هو بإخراج الزكاة من عين ما وجبت فيه الزكاة هو الأصل الذي وردت به الشريعة وبه تنزل البركة في المال ويحفظ من الآفات.
سؤال: رجل له نخيل تسقى بالزجر أو المحرك (الموتور) باع غلته على رؤوس النخل واشترط عليه المشتري (1/279)
صفحة 258
أيقطعها وينقيها ويجمعها ففعل جميع ذلك وأنفق فيه عددا وفيرا فهل تجب عليه الزكاة في ثمنها؟ وهل يطرح ما أنفق ثم يزكي الباقي؟ وكم هو المقدار الواجب في زكاته؟
الجواب: كل ما يسقى من النخيل والزروع بالزجر (آجباد) أو نحوه مثل محركات الكهرباء أو سائر أنواع الوقود فإن الواجب فيه ونصف العشر أي خمسة في المائة وإذا بيعت الغلة قبل إخراج الزكاة منها أُخرجت من ثمنها فإن تولى المشتري قطع الغلة وجمعها وتنقيتها بنفسه ونقلها فإن الزكاة تجب في جملة الثمن، وإن تولى البائع مالك الغلة تلك الخدمة جاز له أن يسقط ما أنفق في سبيل ذلك من جملة الثمن ثم يخرج من الباقي العشر إن كانت بورا أو نصف العشر إن كانت تسقى بالزجر كما ذكر أولا.
سؤال: شخص يمتلك سيارات أو عمارات أو أسهما في شركات فهل عليه زكاة في قيمتها أم في دخلها فقط؟
الجواب: إن الأمر يختلف فأما أسهم الشركات فإنها مال أودع على سبيل المضاربة في شركة تجارية أو صناعية تجب الزكاة فيه أعني في رأس المال المودع في الشركة وفيما نتج عنه قطعا لا خلاف فيه وأما العقارات كالعمارات التي تكرى والعروض المنتقلة كالسيارات التي تكرى لحمل المسافرين أو نقل البضائع والدواب التي تستعمل لمثل ذلك فإنه لا زكاة في قيمتها مطلقا إنما الزكاة فيما أنتجته من مال (1/280)
صفحة 259
إذا تم فيه النصاب أو جمع إلى مال وتم فيه النصاب وحال الحول، وأما إذا اشتريت العمارات أو السيارات أو الدواب للإتجار في أعيانها أعني تشتريها ليبيعها فإن هذا كيفما كان نوعه يعتبر مال تجارة تجب الزكاة في قيمته بالغة ما بلغت.
هل يجوز أن أصنع هذا بالزكاة؟
سؤال: هل يجوز إعطاء زكاة التجارة لباسا أو غيره مما يحتاج إليه غير دراهم؟ وبأي سعر يقوم إذا جاز إعطاؤه وعلى من تجب نفقة كرائه إذا أرسل إلى فقير في غير بلده؟
الجواب: يجوز أن تعطى زكاة أموال التجارة من نفس الأموال التي وجبت فيها بشرط أن لا يقصد إلى الخبيث منها فيعطى وبشرط أن تقوم بأقل ما يمكن أن تباع به في نفس اليوم والمكان الذي تعطى فيه. ولا يطرح من مقدار الزكاة الواجب مصروف النقل والحمل وإذا قبل الفقير الزكاة في عين المكان فعليه لا على غيره حملها وكراؤها.
سؤال: رجل أقرض آخر مبلغا من المال لأجل معين فعجز عن الوفاء فأجله مرة أخرى فعجز كذلك لأنه صاحب أولاد صغار بنين وبنات هو وحده الساعي عليهم فهل يجوز له أن يترك له هذا الدين ويحسبه من زكاة ماله؟ (1/281)
صفحة 260
الجواب: نعم يجوز ذلك إذا علم أنه إنما أنفق ما اقترضه منه على عياله لم ينفقه في حرام فإن مال الله لا يستعان به على معاصيه فليقل له إن مالي عليك من دين قد تركته لك وأبرأت ذمتك منه فتقبله مني زكاة.
سؤال: شخص أقرضته الحكومة مبلغا من المال مساعدة له على عمله في زراعة أو صناعة أو نحو ذلك يبدأ تسديده بعد خمس سنوات أقساطا لمدة خمسة عشر عاما فهل يعتبره دينا لا يزكى عليه؟
الجواب: -والله أعلم- إنه دين عليه ولا شك في ذلك إلا أنه مؤجل عليه آجالا طويلة فله أن يسقطه من ماله عند حساب الزكاة إذا كان هو الآخر يحسب من جملة ماله ما له من ديون على الناس ولو كانت مؤجلة وهذه هي الطريقة المتبعة عند التجار وأرباب الأموال يحسبون مالهم وإن كان مؤجلا ويسقطون ما عليهم وإن كان مؤجلا كذلك ولا عبرة بطول أو قصر.
سؤال: تاجر ظهرت عليه غرامة بعد أربع أو خمس سنوات وكان يخرج زكاته كل عام فهل يجوز له أن يطرح مقادير الزكاة الواجبة على مقادير الغرامة مما يجب عليه من الزكاة في المستقبل؟ (1/282)
صفحة 261
الجواب: لا نستحسن له هذا بل لا نراه يجوز له.
سؤال: هل يجوز للتاجر أن يخرج زكاة تجارته من كتان قديم عند مع وجود الجديد؟
الجواب: يجوز للتاجر أن يخرج الزكاة من عين المال الذي وجبت فيه الزكاة في قيمته سواء أكان قديما أم جديدا بشرط أن يقومه بقيمته الحقيقية التي يباع بها وقت إخراجه بدون زيادة.
سؤال: هل على الزوج قضاء دين على زوجته لخالق أو مخلوق؟
الجواب: ليس على الزوج قضاء دين زوجته لخالق أو مخلوق وبناء عليه فإذا لم تكن غنية وكانت تقية وكان عليها دين ولو زكاة أو كفارة جاز لزوجها أن يعطيها من زكاة ماله قدر ما تقضي به دينها وأما أن يعطيها لمأكل أو مشرب أو ملبس أو حلي فلا يجوز قطعا اتفاقا ولا تعتبر غنية بقليل من حلي تتزين به لزوجها حسب المعتاد في بلدها من غير إسراف كما هو الغالب عند نساء ميزاب.
سؤال: مات رجل وترك وصية بكفارات ولم يترك مالا فأنفذ أخ له هذه الكفارات من زكاة ماله فهل تجوز هذه الزكاة؟ (1/283)
صفحة 262
الجواب: -والله أعلم- إنه إن نوى بصدقته تلك أداء كفارات أخيه المتوفى فإن ما أنفقه في ذلك لا يجزيه عن زكاته الواجبة عليه وإن نواها فإنه لا يصح أداء واجبين ماليين مختلفين نوعا وموضوعا بمقدار واحد كما في الصورة المسؤول عنها، فلا تجزي عن الزكاة لأنها لم تنفق في أحد الوجوه الثمانية المنصوص عليها في كتاب الله، ولو كان أخوه الموصي حيا فأعطاه من زكاة ماله ليؤدي ما عليه من كفارات لجاز له ذلك لأن آخذ الزكاة شخص معين فقير وغارم. وأما إغناء هذا الأداء عن صاحب الكفارات الموصي فأمره إلى الله على أننا نرى أن لا شيء عليه إذا لم يترك مالا وقد برئت ذمته بالإيصاء بما عليه.
سؤال: تجارتنا خارج وطننا فهل يجوز لنا نقل زكاتنا إلى الفقراء والمساكين من أرحامنا في بلدنا؟
الجواب: إن زكاة الحبوب من البر والشعير والتمر أحق بها فقراء البلد الذي توجد فيه المزرعة فتفرق فيهم ويجوز نقل فضلها إلى فقراء ومساكين أرحام المزكي وأما زكاة أموال التجارة فيجوز صرفها حيث شاء المزكي من فقراء المسلمين في أي بلد من بلاد الإسلام ولا يستحسن أن يحرم فقراء أهله وأقاربه وأرحامه الذين ينظرون إليه في بلده وهو أولى ببره وصلته وإحسانه. (1/284)
صفحة 263
سؤال: ما حكم الشريعة فيمن أخرج زكاة ماله ووضعها جانبا ولم يدفعها لمستحقيها حتى حال عليه الحول والسبب هو عدم معرفته بمستحقيها؟
الجواب: إنه مقصر في أداء الواجب فإن أهل الزكاة موجودون في كل وقت وعليه أن يستعين في معرفتهم بمن يظن فيه الخير من إخوانه وأهل المعرفة من قومه ولا نرى عليه في ذلك تبعة أو عصيانا.
ماذا على من ضيع الزكاة؟
سؤال: رجل فتح دكانا للتجارة في سنة 1950 برأس مال قدره يومئذ ألف فرنك قديم ومضت ستة عشر عاما ولم يجر خلالها أي تقويم لتجارته ولم يخرج زكاة مطلقا واليوم تاب من ذنبه وأناب لربه وعزم على أداء ما عليه من زكاة فقوم ماله فإذا به قد بلغ نحو خمسة عشر مليونا فرنكا قديما فكيف يمكن أن يؤدي زكاة السنين الماضية ولم يكن له حسابات مضبوطة يمكنه الاعتماد عليها؟
الجواب: إنه ليست لهذا طريق لمعرفة مقدار الزكاة الواجب عليه كل عام إلا التقدير والتقريب ولا ينجيه بعد ذلك إلا الاحتياط فيستطيع ولو بمعونة بعض إخوانه الخبيرين بفن التجارة والمباشرين لها في بلده أن يقدر لكل (1/285)
صفحة 264
عام نصيبه من الربح ويحسب زكاته مع رأس ماله ابتداء من السنة الأولى وهكذا حتى السنة الأخيرة، وليس هذا بعسير ولو كان معنا أو كان معه لأعناه على هذا العمل بعد أن نلقي عليه أسئلة مختلفة تضيء أجوبتها لنا السبيل على أنه لا يعدم من إخوانه من يعينه وينير له الطريق ولا سيما إذا صحت توبته وصدق ندمه ووقاه الله شح نفسه. هذا ما من الله من به علينا في الجواب في هذه القضية العويصة وليس الجواب عليها إلا إرشادا وتوجيها وإعانة على طلب المخرج من هذا المأزق.
سؤال: كيف يفعل من ضيع إحصاء ماله وتقويم تجارته للزكاة سنوات عديدة وأراد أن يستدرك؟
الجواب: عليه أن يجتهد في تقدير المال لكل عام من أول سنة ظن أنه اجتمع عنده قدر النصاب إلى اليوم وليحتط ولا يبخل ولا يشاحح لعل الله يتقبل منه ويتوب عليه. (1/286)
صفحة 265
في زكاة الفطر
سؤال: هل يجب على الرجل أداء زكاة الفطر عن عائلته فقط أم تشمل الأجير (الخماس) مع العلم أنه قد يبقى مع العائلة السنوات الطويلة؟
الجواب: إن زكاة الفطر تجب على الرجل وعلى من تجب عليه نفقته من زوجة وولد غير بالغ ومن حكم عليه بنفقته، فيؤديها الرجل عن نفسه وعن هؤلاء جميعا، وأما الأجير والعامل في الحقل أو في الدار أو غيرهما فلا تجب زكاة الفطر على مستأجره ومستخدمه طال الزمن أو قصر وإنما زكاته على نفسه وفي ذمته فإن أداها عنه مستأجره كان له أن يقتطعها من أجرته إلا أن يتبرع. (1/287)
صفحة 266
[صفحة بيضاء] (1/288)
صفحة 267
الصوم (1/289)
صفحة 268
[صفحة بيضاء] (1/290)
صفحة 269
إثبات الأهلة بالرصد الفلكي
جناب الأخ الكريم مولود قاسم وزير التعليم الأصلي والشؤون الدينية، حفظه الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته من أخيكم بيوض إبراهيم بن عمر.
سيدي الوزير، تبعا لحديثي معكم منذ أسابيع في شأن إثبات الأهلة للقيام بالشعائر الدينية رأيت أن أذكركم –وقد اقترب شهر رمضان بما طلبته منكم وهو تكليف لجنة الأهلة التي تعمل تحت إشرافكم أن تطلب من المرصد الفلكي ببوزريعة أن يخبرها بموعد ولادة الهلال ووقت غروبه وغروب الشمس يوم ولادته حتى تتحقق بميلاده أولا ثم ببقائه في الأفق وراء الشمس بعد غروبها، ثم بمدة بقائه لتعلم هل تمكن رؤيته أو تستحيل، وعلى ضوء ذلك يمكنها أن تقبل الشهادة بالرؤية أو تردها، فإن حساب الفلك اليوم قطعي والشهادة ظنية فلا تقبل مطلقا إذا عارضت القطعي، ولسنا مع هذا بالقائلين باعتماد الحساب الفلكي وحد في إثبات الأهلة وإن كان ذلك مذهب بعض العلماء من السلف والخلف، بل نحن نقول بالجمع بين الدليلين: الرؤية والحساب، بيان ذلك أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال عن هلال رمضان: (1/291)
صفحة 270
«صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما» (1) 1 (، وهو حديث متفق عليه، وأجمع العلماء أن هذا حكم سائر الشهور، وكان النبيء صلى الله عليه وسلم يتراءئ الهلال ويأمر أصحابه بذلك ويسأل عن وؤيته، فالاعتناء برؤية الهلال شعيرة من شعائر الله، ولم يزل المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يحتفلون بها، وقد قال كثير من العلماء إنما فرض كفاية، فلا ينبغي إهمالها وتركها اكتفاء بالحساب الفلكي وكذلك لا ينبغي تجاهل الحساب وقد تيسرت سبله، وأمكنت معرفة الحقيقة بواسطته.
وطريقة الجمع بين الدليلين سهلة ميسورة: أن تعتني لجنة الأهلة بالرؤية وتحرض جميع المواطنين المؤمنين على الاعتناء بها ليلة الشك وإخبارها بما ثبت من شهادة وأن يكون عندها علم مسبق قبل ذلك من المرصد الفلكي بموعد ولادة الهلال وغروبه ومدة بقائه في الأفق بعد غروب الشمس، فإن جاءت الشهادة بالرؤية –وقد أثبت الحساب ولادته وبقاءه بعد غروب الشمس بحيث تمكن رؤيته- قبلت الشهادة وأعلن عن دخول الشهر، وإن جاءت شهادة بالرؤية والحساب يثبت أن الهلال لم يولد بعد أو أنه مولود ولكنه يغرب بعد غروبها بقليل جدا حيث تستحيل رؤيته ردت
__________
(1) (1 (رواه النسائي وأبو داود وغيرهما بألفاظ متقاربة. (1/292)
صفحة 271
الشهادة، ومن القواعد الفقهية المسلمة والتي لا جدال فيها أن الشهادة ترد إذا استريبت، والريبة أنواع ودرجات منها القوي ومنها الضعيف وأقواها ما يعبر عنه بالريبة المحققة وهذه ترد بها الشهادة قطعا بالغا ما بلغ عدد الشهود، أو عدالتهم ومن هذا النوع ما خالف قطعيا فإذا شهد شهود برؤية الهلال والعلم يثبت أنه لم يولد بعد ضرب بشهادتهم عرض الحائط، وقد ضرب العلماء لذلك أمثلة في القديم فقالوا: مثل أن يدعي رؤية الهلال في زمان لا تمكن فيه كما إذا ادعاها بعد ساعات من غروب الشمس أو في مكان لا تمكن فيه كما إذا ادعاها في أفق غير أفق الهلال أو من مكان لا تمكن منه كما إذا ادعاها وهو واقف في مكان محجوب عنه أفق الهلال ومطلعه بجبل شاهق أو بناء عال بحيث لا يرى منه إلا وسط السماء، مثلا، هذه كلها شهادات مردودة، وقد ردوا الشهادة بما هو أضعف من ذلك كما إذا اتهم الشاهد بجر نفع أو دفع ضر فأحرى أن ترد شهادة رؤية وليد وهو لا يزال جنينا في رحم أمه.
تبقى مسألة ما إذا أثبت العلم ولادة الهلال وإمكان رؤيته بعد غروب الشمس ولكنه لم ير في أي جهة من جهات القطر مطلقا فإن هذا لا نعمل به بل نكمل الثلاثين للشهر المنصرم وهذا يوم معفو عنه من الشارع الذي عبدنا بالعمل بالرؤية إلا أن تأتينا شهادة الرؤية من قطر مجاور (1/293)
صفحة 272
يعمل بالرؤية لا بالحساب فنعمل بها عملا بالقاعدة الفقهية المشهورة: إن البلاد إذا لم تختلف مطالعها كل الاختلاف وجب حمل بعضها على بعض، بهذا نكون متبعين للسنة المطهرة عاملين بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مخالفين للدليل القطعي. ولقد قال الإمام تقي الدين السبكي: إن دل الحساب على عدم إمكان الرؤية ويعرف ذلك بمقدمات قطعية ويكون القمر في هذه الحالة قريبا جدا من الشمس ففي هذه الحالة لا تمكن رؤيته لأنها مستحيلة، فلو أخبر به شخص أو أكثر –وهذا خبر يحتمل الصدق والكذب والغلط- فلا يجوز قبوله أو تقديمه على الحساب القطعي أو معارضته به، وهناك كثير من الناس يغلطون أو يخطئون في رؤية الهلال، وقد روي عن أنس بن مالك أنه حضر مع جماعة لرؤية الهلال وكان معهم إياس بن معاوية فلم يره أحد منهم غير أنس بن مالك الذي قال إنه رآه مع أنه كبير السن وأشار أنس إلى الجهة التي قال عنها إنه رأى الهلال فيها فتطلعوا جميعا إلى تلك الناحية فلم يروا شيئا ومنهم من هو أقوى نظرا من أنس وهنا التفت إياس وكان ذكيا حاضر البديهة ونظر إلى عيني أنس فرأى على إحداهما شعرة وقد تدلت من حاجبه فمسح إياس حاجب أنس بيده حتى سواه وقال له: أرني الهلال الآن، فقال أنس: لا أنظره الآن. وقد بلونا الشيء الكثير من هذه الأخطاء والتخيلات في مدى (1/294)
صفحة 273
نصف قرن كنا نباشر فيه التحقيق مع شهود الرؤية، ونحن اليوم أشد طمأنينة بقطعية نتائج الحساب الفلكي مما كان عليه الحال في صدر الإسلام، وفي عهد الأئمة الذين اعتمدوا الحساب.
فإن التقويم الفلكي اليوم عالمي-كما تعلمون- لا يتطرق إليه أي شك ولا تداخله أية ريبة، وقد بلغ من دقته في حساب سير الأجرام أنه يلاحظ الجزء من المليون من الثانية أو أقل من ذلك.
فمن السخف تعريض الشريعة الإسلامية الغراء للسخرية بزعم أنها تعارض القطعي من العلم وهي التي جاءت بتقديس العلم.
وبعد، فهذه ملاحظة أبديتها لكم رجاء أن يكون لها أثر فيما تقررون في طريقة إثبات الأهلة والإعلان عنها، ولا نكتمكم أننا نحن منذ زمن ومن قبل الاستقلال نعتبر التقاويم الفلكية ونطلبها من مصادرها لنستعين بها في تصحيح الشهادة ولا نزال، ولا نريد أن يكون بيننا خلاف في هذه المسألة المهمة وزحامة في هذا العهد الذي من الله علينا فيه بالوحدة التي لا نزال نعمل لتدعيمها بمختلف الوسائل جاهدين.
وأخيرا وقبل أن أختم كتابي أهنئكم بما وفقتم إليه في حديثكم مع مجلة «آفاق عربية» عدد سبتمبر المنصرم وفي (1/295)
صفحة 274
تلك الأجوبة السديدة التي أجبتم بها وخاصة فيما يتعلق بانحراف الشباب ومسؤولية أوليائهم وفي قضية المرأة وسلوكها ومشكلها المستعصي.
زادكم الله توفيقا وأخذ بأيديكم إلى ما فيه خيركم وصلاح أمتكم، وفي ذلك مغفرته ورضاه، ورضوان من الله أكبر، والله أكبر والحمد لله، والسلام عليكم ورحمة الله.
11شعبان 1391 - 8 أكتوبر 1971
ملاحظة على فتوى لجنة الإفتاء الجزائرية في العمل بالحساب الفلكي القطعي لتعيين مواقيت العبادات
22 رمضان المعظم 1392هـ
30 أكتوبر 1972م
سيدي وزير التعليم الأصلي والشؤون الدينية الأستاذ مولود قاسم، حفظه الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد، فقد قرأت نص الفتوى التي أصدرتها لجنة الإفتاء في العمل بالحساب الفلكي لتعيين مواقيت العبادات في جلستها المنعقدة مساء يوم 29 محرم 1392هـ 5 أكتوبر 1972م.
إنني موافق كل الموافقة على فتوى اللجنة في اعتماد الحساب الفلكي القطعي في تعيين مواقيت العبادات وعلى (1/296)
صفحة 275
الخصوص تعيين اليوم الأول من شهر رمضان لأداء فريضة الصيام، واليوم الأول من شهر شوال لأداء فريضة الإفطار. فكفانا ما بلوناه ونبلوه كل عام منذ عشرات السنين من الشهادات الزائفة الباطلة برؤية هلال الصوم وهلال الفطر والتي تتقبلها وتحكم بصحتها وتأمر بالعمل بمقتضاها هيئات مختصة ومسؤولة في سائر الأقطار الإسلامية العربية مع علمها أو إمكان علمها بما دل عليه الحساب الفلكي القطعي بعدم ولادة الهلال أو عدم وجوده قطعا على الأفق الغربي وراء الشمس بعد غروبها، الأمر الذي يسيء إلى قواعد الشريعة الإسلامية الغراء ويطلق ألسنة الخراصين بالطعن فيها والسخرية بها.
أريد سيدي الوزير، إبداء ملاحظة على المسألة أرجوكم عرضها على اللجنة والهيئة المكلفة بتحقيق دخول الشهر والإعلان به.
والملاحظة هي: أن تأخذ اللجنة بعين الاعتبار مسألة بقاء الهلال في الأفق الغربي بعد غروب الشمس بحيث تمكن رؤيته، فإذا دل الحساب على ولادة الهلال وبقائه بعد الغروب بحيث تمكن رؤيته أعلنت بدخول الشهر، ووجوب العمل به. وإن دل الحساب الهلال وعلى أنه يغرب بعد غروب الشمس بحيث لا يكون له وجود بعد الغروب ألغت ذلك ولم تعتبره، وبذلك نكون إن شاء الله (1/297)
صفحة 276
في سواء السبيل عاملين بالسنة معتبرين لأقوال الأئمة فالهلال موجود في أفق الرؤية قطعا ورؤيته ممكنة كذلك، وإن منع منها سحاب أو قطر أو غيم أو شفق قوي أو نحو ذلك.
وأظن أن الهيئة المحققة لأول رمضان هذا الذي نحن فيه قد أخذت بعين الاعتبار هذه المسألة فأعلنت بدخول رمضان بيوم الاثنين تاسع أكتوبر بينما أعلنت جارتنا الشرقية تونس التي تعتمد الحساب الفلكي هي الأخرى أن أول رمضان يوم الأحد 8 أكتوبر، ويبدو أنها اعتبرت ولادة الهلال فقط ولم تعتبر مع ذلك إمكان رؤيته وعدم إمكانها، وهذا ما نرجو أن نتفاداه نحن فتلتزم هيئة تحقيق الهلال بمراعاة إمكان رؤيته، ونكون بذلك إن شاء الله أقرب إلى الصواب والسلام عليكم ورحمة الله.
سؤال: هل العمل بالحساب الفلكي في الصيام والإفطار جائز أم لا؟
الجواب: إن العمل بالحساب الفلكي في الصيام والإفطار جائز فإنه قطعي يقيني والاعتماد عليه اليوم أوثق من الاعتماد على الرؤية التي كثر الكذب والتزوير والشبهة فيها، فإذا أعلنت الهيئة الرسمية بإذن الحكومة الشرعية بولادة الهلال وإمكان رؤيته في بعض آفاق الجمهورية وجب العمل به. (1/298)
صفحة 277
سؤال: ما حكم الذين أفطروا من رمضان الماضي في يوم الثلاثاء 7 نوفمبر عملا بالبلاغ الذي نشرته الحكومة ليلة الثلاثاء بولادة الهلال وإمكان رؤيته في بعض جهات القطر وأن يوم الثلاثاء هو أول شوال وهو عيد الفطر، وبعد أن أصبحوا مفطرين جاءهم الخبر من ميزاب أن يوم الثلاثاء هو الثلاثون من رمضان وليس عيدا وأن ميزاب كله صائم، فما حكم هؤلاء المفطرين وهل ينهدم صومهم كله أم يقضون يوما فقط أم ماذا عليهم؟
الجواب: إنه ليس عليهم شيء مطلقا وإن عملهم بالبلاغ الرسمي صحيح وإن إفطارهم يوم الثلاثاء حق وصواب فإنه يوم عيد من غير شك ولا ارتياب، وكذلك يجب عليهم في المستقبل.
24 شوال 1392ه
30 نفامبر 1972م
الصوم والإفطار بشهادة مسترابة
سؤال: في اليوم التاسع والعشرين من رمضان رأينا القمر ورآه جميع الناس قبل طلوع الشمس كبيرا ومنيرا وقد سبق الشمس بمقدار ساعة وربع بالتحديد ثم طلعت الشمس بعد المدة المذكورة، وبحسب المعهود لدى الجميع أن هلال تاسع وعشرين لا تمكن رؤيته بالشرق قبل طلوع وبعد (1/299)
صفحة 278
غروب شمس ذلك اليوم أعلنت الحكومة ثبوت رؤية هلال شوال وأمرت بالإفطار في اليوم التالي، ولهذه الظاهرة المريبة أصبح كثير من الناس متمسكين بصيامهم خفية. فما الحكم الشرعي في هذه المسألة؟
الجواب: المعهود لدى الجميع كما ذكرتم عندنا وعندكم أن القمر إذا رئي صباحا قبل طلوع الشمس لا تمكن رؤية الهلال بعد غروب شمس ذلك اليوم في نفس المنطقة وإذا أمكن شاذا كما يقول بعض العلماء فإنه إنما يكون في أطول أيام السنة بحيث يكون الفارق بين طلوع الشمس وغروبها خمس عشرة ساعة فأكثر أو في البلاد الشمالية التي يطول يومها أكثر من هذه المدة. أما في عرضنا فلا يمكن هذا مطلقا إلا في أطول أيام العام كأواسط شهر يونيو، أما رمضاناتنا من أوائل السبعينيات إلى اليوم فإنها أقصر أيام السنة، وخاصة رمضان هذا العام (1388ه). فإن أكثره في شهر ديسمبر وأقصر يوم فيه هو 21 ديسمبر الذي لا يكون الفرق فيه بين شروق الشمس وغروبها إلا نحو تسع ساعات فلا يرى الهلال بعد غروب شمس يوم رئي من المشرق قبل شروقها. فالواجب إذا على من يتحرى لدينه في مثل الصورة المسؤول عنها أن يمسك يوم الثلاثين ولا يفطر لأن الريبة محققة ترد بها شهادة مدعي الرؤية، ومثل هذا وقع لنا هذا العام في رمضان المنصرم حيث رأينا القمر من (1/300)
صفحة 279
المشرق قبل طلوع الشمس بنحو نصف ساعة ثم أعلن بعد الغروب أن الهلال قد رئي في بعض الجهات فأصبح الناس مفطرين تبعا لما أذيع وأصبحنا نحن ممسكين عملا بما نراه واجبا علينا دينا لتحقيق الريبة ولإعلان المراصد الفلكية أن الهلال لم يولد بعد في الوقت الذي أدعيت فيه الرؤية وإنما يولد بعد نحو خمس ساعات.
وهكذا الواجب على المسلم المتحري لدينه، هذا ما من الله به في الجواب وأرجو أن يكون أصاب كبد الصواب.
11 شوال 1390ه/ 12 - 12 - 1970
سؤال: هذه فتوى لجماعة من السائلين بعثوا رسالة من الأراضي المقدسة وقد صاموا فيها شهر رمضان المعظم وأفطروا فيها كذلك.
الجواب: أما إفطاركم يوم الثلاثاء مع ظهور الهلال فجر يوم الاثنين من القبلة اعتمادا على إعلان الحكومة فلا بأس عليكم فيه إلا قضاء يوم واحد فقط. ومثل هذا قد يقع نادرا كما ذكر الشيخ أطفيش في التيسير ج 3 ص 9 وصنه: ويستنر القمر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين وليلة إن كان تسعة وعشرين وهذا غالب وتحققت مرتين أنه رئي بعد الفجر وكان من تسعة وعشرين) وأما من صام على المألوف المعتاد من عدم استهلال الهلال مساء وقد ظهر يقينا من القبلة صباحا فلا بأس عليه ولا شيء عليه، فلا يخطئ بعضكم بعضا. ... 29 شوال 1389 – 7 جانفي 1970 (1/301)
صفحة 280
في قيام رمضان
سؤال: هل يجوز لي أن أصلي قيام رمضان في بيتي بجماعة؟ ولا أقرأ إلا الفاتحة وسورة الإخلاص؟
الجواب: نعم يجوز لك ذلك ولا يشترط في قيام رمضان قراءة سورة معينة ولا مقدار معين من الآيات، وإنما تقرأ الفاتحة وما تيسر من القرآن ولو سورة الإخلاص مرة واحد في كل ركعة.
سؤال: ما قولك في قيام رمضان الذي نحن عليه ثماني ركعات سنة النبيء صلى الله عليه وسلم وثمان سنة أبي بكر، وثمان سنة عمر رضي الله عنهما؟ أليس من المستحسن أن تنوي كلها سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟
الجواب: لا خلاف بين المسلمين في أن قيام رمضان سنة سنها النبيء صلى الله عليه وسلم عملا وقولا ورغب فيها وأن هذه السنة المجمع عليها هي أصل القيام، وأما عدد الركعات في القيام فمختلف فيه اختلافا كثيرا. إذا لك يرد عن النبيء صلى الله عليه وسلم أمر قولي صريح بعدد معين حتى يكون رافعا للخلاف، وأما من حيث عمله صلى الله عليه وسلم فإن الروايات تختلف عنه في عدد الركعات التي قام بها أو كان يقوم بها، والذي يظهر من تتبع الروايات المختلفة في ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن ملتزما لعدد معين في الركعات التي يقوم بها ليالي رمضان طول حياته (1/302)
صفحة 281
وأنه كان يزيد وينقص أعني أنه يصلي في كل ليلة ما أمكنه لسبب ويقتضي ذلك مما يعلمه هو ولا علم لنا نحن به، فروى كل راو ما نقل إليه أو شاهده من ذلك أي من عدد الركعات ويتضح من ذلك ما قلناه أولا من أن السنة هي في أصل القيام لا في عدد الركعات.
أما أصل ما ذكرته من أن الناس عندكم ينوون ثماني ركعات سنة النبيء صلى الله عليه وسلم وثمانيا سنة أبي بكر وثمانيا سنة عمر فهو ما ذكره صاحب الإيضاح رحمه الله حيث قال: «وقد بلغنا أن النبيء صلى الله عليه وسلم من قيام رمضان ثماني ركعات وهن أربع تسليمات، ثم زاد أبو بكر ثمانيا أخرى، ثم زاد عمر ثمانيا أخرى، وذلك كله أربع وعشرون ركعة، فكان ذلك سنة لمن بعدهم» لكن الشيخ رحمه الله قال بعد ذلك بقليل: روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في رمضان عشرين ركعة أربعا أربعا ويوتر بثلاث» (1) 1 (، (ذكره في الإيضاح وخرجه المعلق عن أحمد).
__________
(1) (1 (ذكره في الإيضاح وخرجه المعلق عن أحمد.
وفي صحيح البخاري في باب فضل من قام رمضان (من كتاب صلاة التراويح) في الحديث؟؟؟؟؟ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة رضي الله عنها كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقالت ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا ... وطولهن ثم يصلي أربعا فلا نسأل عن؟؟؟؟؟ وطولهن ثم يصلي ثلاثا ... الحديث ... وقال ابن حجر في فتح الباري في شرحه على هذا الباب، وروى مالك من طريق يزيد بن حصيفة عن السائب بن يزيد عشرين ركعة وهذا محمول على غير الوتر، وعن يزيد بن؟؟؟؟ قال: كان الناس يقومون زمان عمر بثلاث وعشرين وروى محمد بن نصر من طريق عطاء قال أدركتهم في رمضان يصلون عشرين ركعة وثلاث ركعات الوتر، اهـ (1/303)
صفحة 282
ويقول الشيخ أطفيش في «وفاء الضمانة» «ويوتر بخمس» فذلك خمسة وعشرون كما ترى. ويظهر بالمقارنة بين قول الشيخ أولا: «بلغنا أن النبيء صلى الله عليه وسلم» وقوله ثانية «روي عن عائشة» أن الرواية الثانية أرجح لتصريحه فيها بالصحابي الراوي وخاصة أن الراوي للحديث هو السيدة عائشة أعلم الناس بعمل النبيء صلى الله عليه وسلم في بيته خاصة في الليل وهو صلى الله عليه وسلم لا يقوم رمضان إلا في بيته باستثناء الليالي الثلاث الأولى التي قامها في المسجد ثم ترك ذلك بعد أن كثر الناس خوف أن يفرض عليهم كما هو المشهور.
أما الخليفتان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فإنهما من أحرص الناس على الاقتداء بالنبيء صلى الله عليه وسلم واتباع سنته واقتفاء أثره، فأن صح ما روي عنهما من عدد الركعات في قيامهما، ومن الصعب تصحيح ذلك، فإنا نحمل ذلك على أن السنة صحت عند كل منهما بما اعتمده وعمل به وإذا فيكون ذلك من سنة النبيء صلى الله عليه وسلم لا من سنتهما، وإما أن يكونا يعلمان بأن السنة إنما هي في أصل القيام وأما عدد الركعات فأمر مطلق العنان لا حصر فيه لطفا ورفقا بالمسلمين، فيصلي كل مسلم ما أمكنه من ركعات في قيامه كما هو الشأن في إحياء ليلة القدر وفي التهجد وصلاة السحر، وكثير من العبادات أصلها سنة ومقاديرها مفوضة إلى همة العاملين. وهذا هو الأوفق بيسر الدين. (1/304)
صفحة 283
ومهما يكن فإننا لا نرى ولا نستحسن أن تنسب السنة إلى غير النبيء صلى الله عليه وسلم وما نظن أن الخليفتين رضي الله عنهما يرضيان بهذه النسبة إليهما ولو سمعاها لأنكراها.
وقد وجدت هذه الطريقة متبعة عندنا كما هي عندكم اليوم فأبطلتها بعد درس في المسجد الجامع شرحت فيه أمرها تقبله الناس بارتياح ظاهر، وذلك منذ أن توليت التدريس بالمسجد من قرابة خمسين عاما، فلم يبق لهذا الأمر عندنا ذكر، وعفا الله عن الشيخ عامر رحمه الله ورضي عنه، فقد روى ما بلغه ولم يمحصه عن حسن نية وحسن ظن برواية، هذا ما من الله به في الجواب، وأرجو أن يكون مصيبا لكبد الصواب.
في قضاء الصيام
سؤال: رجل أطال النظر إلى غير ذات محرم حتى أمنى في رمضان فما ذا عليه وما حكم صيامه؟
الجواب: إن صيامه فاسد عليه قضاؤه وعليه كفارة مغلظة صيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، ولا فرق في هذا بين أن يكون نظر إلى ذات محرم أو غير ذات محرم، فإن النظر المفضي إلى الإمناء حرام أو غير ذات محرم، فإن النظر مفضي إلى الإمناء حرام قطعا وحكمه ما تقدم، كما أن النظر بشهوة في رمضان محرم قطعا مفسد للصوم أيا كان المنظور إليه، (1/305)
صفحة 284
وحكمه قضاء اليوم ولا كفارة عليه إن لم يفض إلى الإمناء.
وأما الفرق بين ذات المحرم والأجنبية فإنما هو في مطلق النظر من غير تشه، فإنه لذات المحرم مباح مطلقا وأما للأجنبية فإنه حرام إلا إذا أباحت ذلك من نفسها ومشت بين الرجال سافرة فإنها حينئذ كالرجل أو كذات المحرم، فإن كان النظر بشهوة أفسد الصوم وإلا فلا.
سؤال: ما حكم صيام فتى وفتاة أجنبية غير زوجة عبثا مع بعضهما مرارا في ليالي رمضان في غير الفرج حتى أمنيا، أيصح صومهما أم يفسد؟ وهل عليهما قضاء وكفارة أو كلاهما؟
الجواب: إنهما فاسقان عاصيان بإجماع الأمة لانتهاكهما حرمة رمضان بارتكاب هذه الفاحشة، تجب عليهما التوبة الإنابة إلى الله والاستغفار من ذنبهما، أما صومهما فباطل فاسد عند الله غير مقبول للأدلة الشرعية الكثيرة على ذلك وأما القضاء فليس عليهما منه شيء عند أكثر الفقهاء إذا اغتسلا من جنابتهما قبل الفجر ولم يقع منهما شيء من ذلك العبث في نهار رمضان، كلن قضاء صومهما وأدا ء الكفارة بإطعام ستين مسكينا أحوط لهما وأرجى لقبول توبتهما. (1/306)
صفحة 285
سؤال: ماذا على المحتلم في ليالي رمضان؟
الجواب: من استيقظ من نومه وتنبه لاحتلامه قبل الفجر وجب عليه أن يغتسل من الجنابة قبل طلوع الفجر وإن ضيع الغسل حتى طلع الفجر قضى يومه، وإن لم يستيقظ ولم ينتبه لاحتلامه إلا بعد طلوع الفجر وجبت عليه المبادرة إلى الاغتسال ولا يشتغل بغيره وغير إعداد وسائله كطلب الماء وتسخينه مثلا، ولا شيء عليه بعد ذلك وإن ضيع الغسل وأخره عن وقت الإمكان وجب عليه قضاء يومه.
سؤال: ما حكم صيام من وجبت عليه جنابة في ليلة من ليالي رمضان ولم يغتسل حت طلع الفجر أو أجنب باحتلام في نهار رمضان ولم يبادر إلى الاغتسال أول الوقت؟
الجواب: إن الجنابة حدث لا تصح معه عبادة أصلا فإن الجنب لا يصلي ولا يدخل المسجد ولا يقرأ القرآن ولا يمس المصحف ولا يحمله ولا يطوف بالبيت الحرام حتى يغتسل. ولما كان الصوم من أعظم العبادات ووقت عبادته من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنص القرآن وجب أن لا يدخل المسلم هذه العبادة إلا متطهرا من كل حدث كبير كالجنابة والحيض والنفاس.
لهذا ولقوله صلى الله عليه وسلم: من أصبح جنبا أصبح مفطر، ذهب كثير من العلماء وأجمع علماء الإباضية على أن من أصبح (1/307)
صفحة 286
جنبا بتضييع أو تقصير أو احتلم في النهار ولم يبادر إلى الغسل أول وقت الإمكان فسد صومه ووجب عليه قضاء ما مضى منه ولا كفارة عليه.
ورخص بعض العلماء في ذلك ولم يروا عليه قضاء لا لماضيه ولا ليومه، ومن المرخصين في ذلك الإمام مالك فيما روي عنه. والمسألة فرعية واختلاف العلماء رحمة.
سؤال: شاب مراهق يجهل حرمة العادة السرية كما يجهل وجوب الاغتسال من جنابتها فكان يمارسها زمنا معتقدا إباحتها ولا يغتسل لجله بوجوب الغسل، وقد مارسها في بعض ليالي رمضان ولم يغتسل من ذلك، وقد علم اليوم حكم ذلك فأقلع عنها وهو يسأل اليوم عن صلاته وصيامه في حكم الفترة، وعن ماذا يجب عليه بعد التوبة والاستغفار من قضاء أو كفارة؟
الجواب: إنه يجب عليه:
أولا: التوبة والاستغفار من ذنبه فإنه عاص بفعله ولا يعذر بجهله فإن الإنسان يكفر بالجهل حيث يكفر بالترك ومعنى ذلك باختصار أنه يسعه جهل الفرض ما لم يدخل وقت أدائه، فإذا دخل وقت الأداء وجب العلم بالفرض وبكيفية أدائه، ووجب عليه أداؤه. وكذلك يسع الجهل بالحرام ما لم يقارفه فإذا عزم على مقارفته، وجب عليه في (1/308)
صفحة 287
آن واحد العلم بحرمته ووجب عليه تركه، وذلك معنى قول الفقهاء: يكفر بالجهل حين يكفر بالترك.
ثانيا: يجب عليه تقدير الصلوات التي صلاها بجنابة العادة السرية فيقضيها كلها شيئا فشيئا حسب الإمكان، وليجتهد في القضاء خوف الفوت كأن يقضي كل يوم بعضا منها، ولا يضيق عليه أن يحبس نفسه لقضائها يوما كله مثلا أو أياما كذلك.
ثالثا: أن يتحرى تقدير الأيام التي صامها بجنابة العادة السرية فيقضيها كلها متتابعات أو متفرقات حسب إمكانه واستطاعته.
رابعا: أن يؤدي كفارتين مغلظتين إحداهما لما أضاع من صلاة والأخرى لما أفسد من صيام.
هذا أرخص ما وجدناه لك في المخرج من هذا المأزق والأهم في الأمر ندم القلب وتوبته والاستغفار ثم المبادرة إلى القضاء في أول وقت الإمكان.
سؤال: رجل أجنب في ليلة من ليالي رمضان وأخر الغسل إلى وقت السحر حيث إنه اعتاد القيام في السحر بمنبه يوقظه في الوقت المناسب المعين، لكنه في تلك الليلة لم يوقظه فأصبح جنبا وبادر إلى الغسل فور قيامه من نومه، فهل ينتقض صومه كله أو ماضيه أو يومه أم ماذا عليه؟ (1/309)
صفحة 288
الجواب: إن مثل هذا يقضي يومه فقط لا كفارة عليه ولا إثم لأنه نام بعد الجنابة قبل الاغتسال اعتمادا على ما تحققه من عادته في الاستيقاظ من نومه سحرا قبل الفجر، بما يكفي للاغتسال لكن هذه العادة تخلفت تلك الليلة بدون تضييع منه فليس عليه إذا إلا يوم يقضيه.
سؤال: ما حكم المحتلم في نهار رمضان ولم يبادر إلى الاغتسال؟
الجواب: من احتلم في نهار رمضان في نوم القائلة مثلا أو بعد الفجر ثم لم يبادر إلى الاغتسال بعد استيقاظه من نومه فإن عليه قضاء ما مضى من صيامه.
سؤال: إن رجلا ابتلى في سن المراهقة لمدة ثلاث أو أربع سنين بالاستمناء بيده أي العبث مع نفسه حتى يخرج منه وقد فعل هذا في ثلاثة أو أربعة رمضانات في النهار ولكن يسرع إلى الاغتسال من الجنابة، واليوم أصبح يبكي من ذنوبه ويخاف من عقاب ربه وهو عظيم الهم نادم متأسف تائب مستغفر يطلب النجاة بما يفرضه الشرع عليه في هذه القضية.
الجواب: اعلم أيها الأخ –أولا- أننا نشكر هذا الذي وفقه الله وهداه إلى التوبة والاستغفار من ذنبه، وطلب التخلص من تبعته وهذا واجب كل مسلم أن يبادر إلى التوبة (1/310)
صفحة 289
من ذنبه والتكفير عنه قبل فوات الأوان بمفاجأة الموت له قبل التوبة، وما أكثر موت الفجاءة الآن، ونحمد الله أن أكثر أبنائنا وإخواننا (إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) (1) 1 (، فيبادرون إلى التوبة والإنابة والاستغفار عفا الله عنهم.
أما ما يجب عليه فإنه قضاء عدد الرمضانات التي ارتكب هذه الفاحشة في نهارها، ولا يغنيه شيئا اغتساله من الجنابة –وهو واجب عليه- ثم أداء كفارة مغلظة واحدة عن جميع تلك الرمضانات كلها، وذلك أرخص قول للعلماء في هذه المسألة والسلام عليك ورحمة الله.
سؤال: هل المستمني في رمضان يعيده كله أو ما مضى أو يومه فقط؟
الجواب: إن المشهور في المذهب أن المستمني عمدا في نهار رمضان عليه قضاء الشهر كله وكفارة مغلظة مخيرا فيها بين العتق وصيام شهرين وإطعام ستين مسكينا، وهذا ما نرى الفتوى به نظرا لعظم حرمة رمضان، فلا ينجبر هتك حرمته بتعمد إفساده بأحد الأصول الثلاثة التي لا يتحقق الصيام إلا بالإمساك عنها وهي الطعام والشراب والجماع الذي يلحق به الاستمناء، إلا بقضاء الشهر كله وأداء الكفارة، هذا ما نعتمده في الفتوى في باب التعمد، وهناك من يقول
__________
(1) (1 (الآية 201 من سورة الأعراف. (1/311)
صفحة 290
بقضاء ما مضى مع الكفارة طبعا، وللمفتي أن يراعي حال المستفتي فإن كان صادق التوبة ويشق عليه قضاء الشهر كله أفتاه بقضاء ما مضى، ولا نتنزل إلى القول بقضاء اليوم فقط ولا نراه يصح من حيث الدليل فلا نفتي به لا سيما وهو يجرئ من ضعف إيمانه فيتكرر منه الفعل تعمدا لخفة عقوبته إذ يقول مثلا: ما قيمة صيام يوم في مقابلة قضاء شهوة وتمتع بلذة، أما أبواب التضييع فإن مجال الفتوى بالترخيص فيها واسع لا حرج فيه إن شاء الله.
هذا ما من الله به في الجواب عن أسئلتك، (1) 1 (وقد أطلت بعض الشيء في الجواب لأنه موجه لا لمن يعمل به لخاصة نفسه بل لمن يعلمه الناس ويفتي به المستفتين من طلاب حكم الشريعة الإسلامية الغراء فيما يعرض لهم من قضايا ويأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم وأرجو أن لا أكون فيما أجبت به بعيدا عن الصواب.
سؤال: إنك حارس في ثانوية داخلية في أوربا، وقضيت فيه ستة رمضانات في ست سنوات، لم تستطع أن تصومها لأن ساعات الأكل معينة، مقررة من طرف الإدارة فماذا عليك؟
الجواب: لا عذر لك مطلقا في عدم الصوم المفروض عليك، وليست مكرها ولا مجبورا على الإفطار، ويمكنك
__________
(1) (1 (لا يخفى أن هذه الإجابة خاصة بالصوم وفي رسالة المستفتي أسئلة غيرها. (1/312)
صفحة 291
لو كانت لك عزيمة صادقة وإرادة قوية أن تصوم مهما كانت الظروف وأن تحتال للتسحر ولو بشيء خفيف يعينك على الصوم قبيل الفجر الذي لا يخفى عليك وقته لما عندك من الساعات المدققة. وعليه فإنك مضيع تجب عليك: أولا التوبة من ذبنك والاستغفار لربك مما ارتكبته من ضياع فرضه، ثم يجب قضاء صومك كله أعني الستة الشهور التي أضعت صيامها، وليس بواجب عليك أن تقضيها كلها متتابعة حتى يشق عليك أو يتعذر عليك قضاؤها. فإنما هي 180 مائة وثمانون يوما تقضيها متفرقة حسب استطاعتك في كل شهر أو كل أسبوع حتى تتم العدد، ثم عليك بعد هذا كفارة مغلظة مقدارها ثمانون 80 كيلوغراما قمحا أو دقيق قمح تفرق على ستين مسكينا، وبذلك تبرأ ذمتك إن شاء الله، ويغفر الله لك ذنبك فإنه غفور رحيم، وهذا أرخص ما في مسألتك فلا تعد لمثل هذا، والسلام عليك ورحمة الله.
سؤال: ماذا يجب على من تعمد أكل يوم واحد من رمضان؟ وماذا يجب على من تعمد أكل عشرة أيام من رمضان كذلك؟
الجواب: من تعمد أكل يوم واحد أو عدة أيام من رمضان فإن عليه ثلاثة أشياء: الكفر والكفارة والقضاء.
أما الكفر فمعناه أنه ارتكب معصية كبيرة يجب عليه أن يتوب إلى الله ويستغفره منها. (1/313)
صفحة 292
وأما الكفارة فعليه أن يطعم ستين مسكينا بأن يصنع لهم طعاما غذاء وعشاء، بحيث يأكلون حتى يشبعوا أو يعطي كل واحد منهم مدين من قمح فذلك غذاؤه وعشاؤه.
وأما القضاء فمعناه أن عليه صيام شهر كامل قضاء لرمضان الذي أفسده بالأكل فيه معتمدا بلا عذر فإن رمضان كله فريضة واحدة إذا أفسد يوما منه بأكل أو شرب أو جماع أو استمناء تعمدا فسد الشهر كله ووجب قضاؤه كله والسلام.
سؤال: باشرت أهلك متعمدا في آخر ليلة من رمضان وأنت ترى الوقت متأخرا وتعلم أنك أنت وزوجتك لا تدركان الاغتسال قبل الفجر فقمت إلى الاغتسال والفجر قد بزغ وبعدك أهلك. فماذا عليكما؟
الجواب: إنكما مضيعان فعليكما قضاء ذلك اليوم وما مضى من ر مضان وليس عليكما كفارة ويجب التتابع في القضاء وإن تعذر فلا بأس بالتفرقة، واستغفروا الله من ذنبكم هذا يغفر لكم وهو الغفور الرحيم.
سؤال: رجل جامع امرأته في يوم من أيام شعبان وهي صائمة ولكنه هو مفطر فما الحكم؟
الجواب: إن صيام المرأة باطل منهدم عليها قضاؤه وأما هو فعاص بفعلته إذا كان يعلم أنها صائمة فليتب إلى الله من ذبنه. (1/314)
صفحة 293
سؤال: امرأة صائمة في رمضان نزل لها ماء أبيض مائل إلى الكدرة ظنته مقدمة للحيض فأسرعت إلى الإفطار مترقبة نزول دم الحيض لكنه لم ينزل وبعد يومين عادت إلى الصيام، وبعد يومين من صيامها جاءها دم الحيض المعتاد المألوف فأفطرت، فما الحكم في اليومين اللذين أفطرتهما قبل خروج الدم المعتاد؟
الجواب: إنه لا شيء عليها إلا قضاء اليومين الأولين مع قضاء أيام حيضها المعتاد، فلا كفارة عليها ولا انهدام لما مضى من صيامها لأنها أفطرت بشبهة غير منتهكة لحرمة رمضان ولا متهاونة به، وعليها ألا تعود مرة أخرى لمثل هذا فلا تعجل بالإفطار إلا إذا جاءها دم الحيض بقوته ولونه الكدر ورائحته، وإنها لتعلم طبعا طبيعة دمها المعتاد.
سؤال: امرأة أفطرت رمضان كله بسبب النفاس ولم تتمكن من القضاء إلا في شعبان فشرعت في القضاء فأدركها رمضان وقد بقي من قضائها أربعة أيام فماذا عليها؟
الجواب: لا شيء عليها إلا أن تقضي الأيام الأربعة الباقية بعد انقضاء شهر رمضان. (1/315)
صفحة 294
هل هذا ينقض صومي
سؤال: ما حكم النظر إلى الأجنبيات السافرات اللاء يغشين الدكاكين في رمضان؟
الجواب: إن كان النظر عاديا بقدر الضرورة وبغير شهوة فلا ينتقض به الصوم.
سؤال: ما حكم صيام من نظر بشهوة إلى فتاة أو فتى أو استعمل فكره في أمر النكاح في نهار رمضان حتى أمذى أي خرج منه ما يسمى بالمذي ولم يخرج منه مني؟
الجواب: إن نظر الشهوة وما يشبهه من سائر أنواع الرفث (وهو كل ما يتعلق بشؤون الشهوة الجنسية) يبطل الصيام ويفسده بنص الأحاديث الواردة عن النبيء صلى الله عليه وسلم. وهذا الفساد والبطلان للصيام هما عند الله قطعا إجماعا، وأما في الحكم فللفقهاء في وجوب القضاء وعدمه خلاف هذا إذا لم يخرج منه مني، وأما إن خرج منه مني فإن عليه قضاء الشهر كله وكفارة مغلظة بالاتفاق.
سؤال: ما حكم صيام من ابتلي بالبيع والشراء مع سافرات متبرجات؟
الجواب: من ابتلي بالبيع والشراء مع نساء سافرات أو متبرجات ولا يستطيع أن يصرف نظره عنهن فإنه يجب عليه (1/316)
صفحة 295
أن يطهر قلبه من التشهي، أعني لا يجوز أن ينظر إليهن نظر شهوة، فإن فعل ذلك وهو صائم انتقض صومه، وأما إذا سلم قلبه وكان ينظر إليهن حسب ما تقتضيه المعاملة كأنما ينظر إلى رجل فلا بأس عليه.
سؤال: هل على الطبيب ومعاونيه من خطر على صيامهم من جراء لمس العورات والنظر إليها عند المعالجة في نهار رمضان؟
الجواب: إذا اقتضت ضرورة معالجة الأمراض أو ضرورة تنجية النفوس من الهلاك بغرق أو حرق أو هدم أو نحو ذلك لمس العورة أو النظر إليها لم يضر ذلك المباشر للتنجية والعلاج في دينه ولا ينهدم بذلك صومه بل لا يجوز له أن يمتنع من التنجية لما يضطر إليه من ذلك محافظة على صيامه، وإنما الذي عليه فقط أن يجتهد في مقاومة نوازع نفسه في التشهي باللمس والنظر. ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ولو شاء الله لأعنتكم، وما هو بشاء وله الحمد والمنة.
سؤال: هل يجوز معانقة الزوجة وتقبيلها في الخد أو الفم في حالة الوضوء والصيام؟ وهل ينتقض الوضوء والصيام بذلك؟ (1/317)
صفحة 296
الجواب: يجوز ذلك إذا أمن الرجل والمرأة من نزول المني بسبب ذلك واطمأنت نفسه بعدم حدوث ذلك، فإن في الإقدام عليه خطرا كبيرا، فإنه إذا حدث النزول بسبب ذلك كان على صاحبه الكفر والكفارة المغلظة وقضاء رمضان. فتجنبه احتراما لرمضان أولى.
سؤال: هل النظر إلى السافرات من نواقض الوضوء والصوم؟
الجواب: النظر بغير شهوة إلى النساء السافرات لا ينقض الصوم ولا الوضوء، وأما الاستماع إلى اللهو البريء كالموسيقى التي لا فجور معها، ولا خمر فإن الفقيه لا يفتي بانتقاض الصوم ووجوب قضائه ولكن أقل ما فيه نقص أجره فاجتنابه أولى.
سؤال: ما حكم صوم من اضطر إلى رؤية العورات أو مسها للتنحية أو غيرها؟
الجواب: من كان صائما فاضطر إلى رؤية امرأة أجنبية أو اضطر إلى النظر إلى عورة أي كان من ذكر أو أنثى صغير أو كبير للتنجية كالطبيب مثلا، أو المنقذ من حرق أو غرق أو هدم أو حيوان مفترس فإنه لا بأس عليه وصومه صحيح مهما نظر أو مس إلا أن عليه أن يجاهد نفسه (1/318)
صفحة 297
حتى لا يكون نظره أو مسه لشهوة (إن الله كان بكم رحيما) (1) 1 (.
سؤال: من استيقظ من نومه ووجد في ثوبه منيا من غير احتلام، فما حكمه؟
الجواب: من استيقظ من نومه ووجد في ثوبه مادة المني وجب عليه الاغتسال من الجنابة ولو لم ير في منامه شيئا مثل مباشرة زوجته أو غيرها أو نحو ذلك، وإذا كان ذلك في رمضان وجب عليه التعجيل بالاغتسال ولا يجوز له أن يشتغل بشيء غير الاغتسال ومقدماته.
سؤال: من رأى في منامه أنه قام بعملية جماع أو نحوه واستيقظ من نومه فلم يجد أي أثر لمادة خرجت منه فماذا عليه؟
الجواب: من رأى في منامه أنه قام بعملية جماع أو نحوه ولما استيقظ من نومه لم يجد أي أثر لمادة خرجت منه لا يجب عليه غسل وليست عليه جنابة.
سؤال: رجل أصابته جنابة في رمضان فتيمم ولم يغتسل لأن الطبيب منعه من استعمال الماء لحكة في يده (نوع من الجرب) وفي عشية اليوم لامه بعض أصحابه فقام واغتسل ولم يضره شيء فما حكم صومه؟
__________
(1) (1 (الآية 29 من سورة النساء. (1/319)
صفحة 298
الجواب: إن صومه صحيح ولا بأس عليه ولا إعادة، لصحة اعتماده على قول الطبيب، أما عدم إضرار الماء له بعد استعماله فذلك من فضل الله فليشكره على نعمته.
سؤال: ما حكم الاكتحال للتداوي في رمضان؟
الجواب: الاكتحال في رمضان جائز لا بأس به، وقد فعله النبيء صلى الله عليه وسلم ونحب ونستحسن إذا كان الدواء مائعا أن يكتحل به اكتحالا لا تفطيرا لأنه أخف والنفس إليه أسكن.
سؤال: هل استعمال الشمع في نهار رمضان مفطر؟
الجواب: إن استعمال الشمع حسب تعبير العامة هو المعروف في العربية بالاحتقان في الدبر وهو مفطر مفسد للصيام لأنه يوصل إلى الجوف فمن فعله جاهلا أعاد صوم يومه في أرخص الأقوال.
سؤال: رجل تلف من أسنانه نصفها فاضطر إلى اتخاذ أسنان صناعية فصنع له طبيب أسنانا من الفضة وكانت ثابتة لا يمكن نزعها ونجحت العملية نجاحا تاما وقد زعم له بعض الناس أن من كانت له أسنان فضية يفسد صومه فهل هذا صحيح؟
الجواب: إن هذه فتوى الجهلة الأميين من العامة أو أشباه العامة، لا حرج عليك أيها الأخ في اتخاذ الأسنان من (1/320)
صفحة 299
أي مادة صالحة حسب رأيك ورأي الطبيب فضة كانت أو ذهبا أو مادة أخرى.
ربما يتفلسف هؤلاء الذين أفتوك بأن مادة الفضة ربما خرج منها شيء من الصدإ فتوهموا أن هذا يفسد الصوم فاعلم أن هذا لا وزن له ولا قيمة في نظر الشرع مطلقا، فلا تلتفت إليهم واضرب بكلامهم عرض الحائط، والسلام عليك أولا وأخيرا.
سؤال: ما حكم تاجر صائم كذب تقية في نهار رمضان؟
الجواب: تاجر صائم قال لطالب حاجة لا توجد عندي وهي موجودة عنده ولكنه تعمد الكذب عليه لخوفه منه أعني كذب تقية لسبب معقول لا بأس عليه.
الصوم والمرض
سؤال: نهاك الطبيب عن الصوم ثلاث سنوات فأفطرت رمضانين وبقي ثالث فهل عليك إطعام وأنت فقير الحال، وهل يجوز لك تقسيط صوم القضاء بأن تصوم أياما ثم تفطر أياما حتى تتم العدة وتبرئ ذمتك من دين الصوم الثقيل؟ (1/321)
صفحة 300
الجواب: إنه لا إطعام عليك لأنك ترجو الشفاء وتعتزم القضاء، إنما الإطعام على من يئس من الشفاء لشدة المرض أو من يئس من الصحة لشدة الهرم، وعلى الحامل والمرضع كما هو مفصل في كتب الفقه.
وأما تقسيط القضاء فإنه يجوز ذلك لما أنت عليه من مرض فإن مواصلة الصوم تضرك وأما تقسيطه بصورة تخفف عنك ثقله ولا تحس معها بزيادة المرض واشتداد وطأته فإنه الأجدر بك، إذ تدرك به الحسنيين: براءة الذمة من فرض الصوم، والراحة من مرض البدن، فيمكنك أن تصوم مثلا من كل أسبوع يومين أو ثلاثة وهكذا حتى تتم العدة فليس لله علينا إلا تمام العدة عند الاضطرار كما قال: (فعدة من أيام أخر)، فاعمل ما تجد فيه راحتك ولا تحس فيه مشقة فلو صمتها كلها يوما بيوم لجاز وأنت طبيب نفسك ومفتي نفسك، وفقك الله لما خيرك دنيا وأخرى.
لقد أفتينا بهذا لبعض من أصيبوا بمثل مرضك فعملوا به فقضوا دينهم وسلمت صحتهم.
سؤال: رجل مصاب بقرحة المعدة وقد أوصاه الطبيب بعدم الصوم والطبيب ليس بمسلم وهو يائس من الشفاء لفترة طويلة على الأقل، فهل عليه فدية اليوم حال إفطاره؟ وماذا عليه إن شفي بعد عشر سنوات مثلا؟ أيجب عليه قضاء ما أفطر في السنوات الماضية أم لا؟ (1/322)
صفحة 301
الجواب: الحكم في هذه المسألة هو في قوله تعالى في سورة البقرة (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين)، وهو كما يقول العلماء: الشيخ الهرم الذي لا يرجو شبابا والمريض الذي لا يرجو شفاء يسقط عنهم فرص الصوم ويطعمون مسكينا عن كل يوم، ويبدو أن قضية صاحبك داخلة تحت هذا الحكم فواجبه إطعام مسكين عن كل يوم أفطره، لأن قرحة المعدة حسب ما في علمنا من أخطر الأمراض وأصعبها وأبعدها عن تحقق الشفاء، ومعالجتها إنما هي لتخفيف الألم وتسكينه هذا هو حكم المريض اليوم ما دام على هذا الحال، فإن قدر الله له الشفاء التام واستطاع الصيام وجب عليه القضاء لما أفطر في الماضي ولو متفرقا غير متتابع، ونظن أن القضاء لا يشق عليه، بل لو لم يكن واجبا لصام شكرا لله تبارك وتعالى الذي شفاه من مضر خطير.
أما كون الطبيب غير مسلم فإن الأمر فيه هين لوجود أطباء مسلمين فمن السهل أن يعرض نفسه على طبيب مسلم يثق به وإن تعذر فإن الاعتماد على قول الطبيب غير المسلم إذا وثق به واعتقد صحة قوله فلا بأس أن يعتمد عليه إن لم يكن يحس من نفسه ميلا إلى التهاون بالدي، ويستحسن لكي تقوى له الحجة أن يستشير طبيبا اختصاصيا آخر، فبالاثنين تقوى الحجة والله تبارك وتعالى رحيم بنا. ويقول (1/323)
صفحة 302
في كتابه الكريم: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) (1) 1 (، ويقول في الصوم نفسه: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (2) 2 (.
سؤال: إنك أكلت شهر رمضان الماضي كله ولم تصم منه ولو يوما واحدا بسبب المرض، واليوم إنك تسأل عما يجب عليك وتقول إنك إلى اليوم عاجز عن الصيام وإنك تتقيأ في كل يوم مرة أو عدة مرات، فما حكم الشرع في هذا؟
الجواب: اعلم أيها الأخ أنه يجب عليك أن تقضي صيام جميع الشهر الذي أكلته كله، ولكن إذا لم تستطع أن تصوم الشهر كله متتابعا فإنه يجوز لك أن تصومه متفرقا مثلا تصوم في كل أسبوع يوما أو يومين أو ثلاثة حسب استطاعتك، وهكذا تفعل في كل أسبوع تصوم وتفطر حتى تكمل أيام رمضان الذي أكلته ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما إذا قصر الشهر، وبذلك تخلص ذمتك من هذا الفرض الذي عليك.
وأما قولك أنك تتقيأ في كل يوم عدة مرات فاعلم أن القيء لا ينقض الصوم إذا لم يكن عمدا وبهذه الطريقة أعني صوم أيام رمضان متفرقة، يصح قضاؤك وتبرأ ذمتك
__________
(1) (1 (الآية 29 من سورة النساء.
(2) (2 (الآية 185 من سورة البقرة. (1/324)
صفحة 303
من هذا الدين الثقيل عليك، والله غفور رحيم، وأظن أنه لا يصعب عليك أن تصوم يوما واحدا من كل أسبوع على نية القضاء حتى يتم عدد الأيام التي أفطرتها، والسلام عليكم ورحمة الله.
سؤال: إنسان مصاب بمرض السل وهو في حالة المعالجة مضطر إلى تناول الدواء مرتين في كل أسبوع نهارا والدواء مغذ، فماذا يصنع في رمضان؟ أيفطر كل يوم يضطر فيه لتناول الدواء ويصوم الأيام الأخرى؟ ثم يقضي الأيام التي أفطرها فقط أم ماذا يفعل؟
الجواب: اعلم أيها الأخ أن الله تبارك وتعالى رحيم بعباده أباح للمريض وللمسافر أن يفطرا ويقضيا بعد الإقامة والراحة فقال في كتابه الكريم (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) (1) 1 (، وقال: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) (2) 2 (، ولعل صاحب السؤال اجتمع له السببان المرض والسفر، والسل من أخطر الأمراض التي يضر الصيام صاحبها، فالأحسن لهذا المريض المسلول أن يفطر رمضان كله أيام استعماله الدواء وغيرها ثم يقضي صيامه بعد شفائه واستطاعته الصوم، هذا هو الأفضل له والأنجح لمعالجته، والله تبارك وتعالى يحب أن
__________
(1) (1 (الآية 184 من سورة البقرة.
(2) (2 (الآية 29 من سورة النساء. (1/325)
صفحة 304
تؤتى رخصه كما يجب أن تؤتى عزائمه، وإن أراد أن يفطر الأيام التي يستعمل فيها الدواء فقط ويصوم غيرها فله ذلك، ويقضي ما أفطر فقط.
الصوم و السفر
سؤال: من كان صائما قضاء رمضان ثم عرض له سفر ضروري وكانت تصيبه دوخة في الطريق فهل يجوز له أن يفطر ثم يقضي ما أفطر فقط؟
الجواب: نعم يجوز له أن يفطر ويقضي ما أفطر ولا ينهدم صومه.
سؤال: هل الإفطار في السفر رخصة أم عزيمة واجبة؟
الجواب: إن الإفطار في السفر رخصة أنعم الله بها على عبده المؤمن لأن السفر كثير ما تحصل فيه أتعاب ومشقات يصعب معها الصوم، فرخص الله تبارك وتعالى لعبده المؤمن أن يفطر إذا شاء في سفره ويقضي عدة الأيام التي أفطرها إذا عاد إلى وطنه يجوز له هذا الإفطار ولو لم تحصل له مشقة في الصيام، فإن السفر والمرض سببان لرخصة الفطر في حكم الله كما قال في كتابه الكريم: (1/326)
صفحة 305
(فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) (1) 1 (، والله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه، فمن كان مسافرا فهو مخير بين الصوم والإفطار.
وأما قصر الصلاة في السفر فهو واجب كوجوب الإتمام في الحضر فيما شرع الله لعباده على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مما علم من الدين بالضرورة.
وأما ما تخيل لك من التناقض في حال المسلم إذا قلت في كتابك: وعند ذلك يكون في وضعية متناقضة يصلي صلاة مسافر ويصوم صوم حاضر، فإنما هو وهم باطل وخيال زائف وتحكيم للعقل فيما شرع الله وذلك ما لم يأذن به الله فإن كلا من الصوم والصلاة فريضة مستقلة بنفسها ولكل منهما أحكام خاصة به يجب حفظها كما وردت، والقيام بها كما وجبت، والعقل لا يدخل في الأحكام، فعليك باتباع الشارع ودع الوسواس والأوهام والسلام عليك ورحمة الله
__________
(1) (1 (الآية 184 من سورة البقرة. (1/327)
صفحة 306
[صفحة بيضاء] (1/328)
صفحة 307
الحج (1/329)
صفحة 308
متى يجب الحج على الإنسان
سؤال: متى يجب الحج على الإنسان في الوقت الحاضر؟
الجواب: إننا لم نفهم لهذا السؤال معنى، فإن المعلوم المحفوظ المنصوص عليه أن الحج على أن استطاع إليه سبيلا، والاستطاعة صحة بدن يتيسر معها السفر إلى الأماكن المقدسة والقيام بالمناسك ومقدار من المال يكفيه لنفقة رحلته ذهابا ونفقة من تلزمه ممن يتركه في وطنه مع أمن الطريق.
فعلى المكلف أن ينظر في حاله وماله فإن وجد هذه الشروط متوفرة لديه وجب عليه الحج اتفاقا وإجماعا ولا ينبغي له التأخير، فإذا أدركته المنية ولم يحج وجب عليه الإيصاء به.
الحج والزواج
سؤال: شاب أعزب يبلغ من العمر ثمانية عشر عاما يريد أداء فريضة الحج، فهل الأفضل أن يقدم الحج على الزواج أم يؤخر الحج إلى أن يتزوج؟ ما حكم الشرع في ذلك؟ (1/330)
صفحة 309
الجواب: لا تتعلق الأفضلية هنا بحكم شرعي ثابت لا معدل عنه وإنما تعتبر فيها الضرورات والإمكانات فإذا تحقق فرض الحج على هذا الشاب بتوفر شروطه ولم تكن داعية الزواج ضرورة ملحة لسبب ما، بحيث لا يترتب على تأجيله أي ضرر فإن تقديم أداء فرض الحج أولى وأفضل بدون ريب، لما يخشى من فقد استطاعته بعد. فيبقى دينا معلقا بالذمة، وإن دعت ضرورة أو حاجة ملحة لأمر ما إلى تعجيل الزواج دفعا لما يتوقع من ضرر للتأخير فإن تقديمه يكون خيرا ووجوب الحج ليس على الفور
الوصية بالحج والعمرة وإنابة الغير فيهما
سؤال: ما حكم الإنابة عن الغير في الحج؟ وما شروط الحاج عن غيره وكيف تقدر أجرته؟
الجواب: إن النيابة في الحج جائزة عندنا معشر الإباضية وعند كثير من المذاهب الإسلامية لصحة الحديث بذلك، لكنها لا تجوز إلا عن ميت أو عن عاجز بهرم، أو مرض لا يستطيع معه الحج بنفسه، ولا تجوز عن صحيح مستطيع مطلقا إلا إن منع بسجن مؤبد أو طويل الأمد خاف معه الفوت. (1/331)
صفحة 310
وأما شروط الحاج عن غيره فهي التقوى والأمانة والمعرفة بمناسك الحج واشترط بعض العلماء أن يكون قد حج عن نفسه والذي نراه ونميل إليه أن هذا شرط كمال لا شرط صحة فإن وجد حاج عن نفسه قبل فهو أفضل من غيره إذا استوفى الشروط الأخرى ما في ذلك شك، وإن وجد تقي ثقة أمين عارف بمناسك الحج صحت إنابته وقدم على غيره ممن سبق له الحج عن نفسه إذا كان أتقى وأورع فإن ملاك الأمر كله إنما هو التقوى والورع.
وأما الأجرة فإنما هي عبارة عما يكفيه لنفقته ذهابا وإيابا من غير تبذير ولا تقتير ولا ينضبط ذلك لاختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص، وإنما يتم بالتراضي بين الطرفين ولا يستحسن أن تعطى الحجة لمن يتخذها تجارة لا يريد منها إلا ما يوفر منها ربحا لنفسه فإن أولئك لا يريدون وجه الله وهم سيئو الأخلاق في الحج بحكم الشح الذي يستولي على نفوسهم وذلك مناقض لحكمة الحج العظمى وإنما تعطى لمن يرغب في العبادة في الحرمين المقدسين ولكنه لا يستطيع الوصول إليهما لقلة ذات يده فهذا هو الذي يحج حقا ويرجى قبول حجته وينطبق عليه الأثر الوارد (إن الله يدخل الجنة بالحجة الواحدة ثلاثة الموصي بها والمنفذ لها والحاج) (1) 1 (، هذا ما من الله به في
__________
(1) (1 (ذكره بمعناه في الايضاح وخرجه المعلق عن البيهقي (أنظر الايضاح ج2، ص236). (1/332)
صفحة 311
الجواب وأرجو أن يكون عين الصواب والحمد لله رب العالمين.
سؤال: هل يجوز لأحد أن يحج عن غيره كأبيه مثلا قبل أن يحج عن نفسه مع أن الحج قد وجب عليه؟
الجواب: إنه لا ينبغي لمن وجب عليه الحج أن يحج عن غيره قبل أداء فرضه هو، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، لكنه إن فعل أعني حج عن غيره قبل أداء فرضه صح حجه ذلك وبقي فرضه معلقا بذمته.
سؤال: هل تجوز العمرة عن قادر صحيح؟ وهل فرق بين المؤتجر والمتبرع؟ وهل القول فيها كالقول في الحج؟
الجواب: الحج والعمرة نيابة عن الغير إذا كان هذا ميتا أو غير مستطيع جائز شرعا وصحيح بنص الحديث وهو المشهور عند جميع أئمة المذاهب حتى حكى بعضهم الإجماع عليه. أما عن الصحيح القادر المستطيع فلا يجزئ في أداء الواجب اتفاقا، وأنت خبير أن الاستطاعة تشمل صحة البدن وتوفر الزاد وأمن الطريق وقد عد ابن عباد رحمه الله الإمام عبد الوهاب غير مستطيع فأسقط عنه الحج لعدم توفر شرط الأمن إذ كان المسودة في طريقه إلى الحج فأقام بجبل نفوسة ثم عاد منها إلى تاهرت، وأما الربيع بن حبيب رحمه الله فأفتاه بأن ينيب حاجا عنه، هذا في الحج والعمرة (1/333)
صفحة 312
الواجبين، وأما النفل فلا نراه إلا موسعا، فلا معنى للتضييق فيه، ولم يرد نص قاطع في منع النيابة في حج النافلة وعمرتها إلا ما كان من آراء بعض الفقهاء، والعمرة أوسع حالا من الحج فإنها في الوجوب تابعة له، وبالنظر والقياس يظهر أنه لما أجاز الشارع صلوات الله عليه وسلامه النيابة عن الميت والعاجز في الحج والعمرة الواجبين فقد فتح باب النيابة للمنفل مطلقا، ولم يزل سلفنا الصالحون يبعثون بعمر النوافل كل عام وما زال الحجاج يتبرعون بالاعتمار نفلا على آبائهم وأزواجهم وإخوانهم بمشهد علماء وفقهاء من غير منع منهم ولا إنكار، فإن تيسر لك أيها الأخ الكريم أن تتبرع بعمرة عنا فأننا نرجو أن يتقبلها الله تبارك وتعالى منك وأن ينالنا من بركتها خير كثير ونكون لك من الشاكرين.
سؤال: هل يجوز لك أن تنيب وأنت في قيد الحياة من يحج عنك حجة الفريضة التي وجبت عليك في حال استطاعة تامة من كل الوجوه فلم تؤدها وأنت اليوم في حالة عجز تام من حيث الاستطاعة الصحية؟
الجواب: أخي الكريم، لقد أحسنت إذ وصفت في رسالتك وصفا دقيقا عجزك التام عن أداء فريضة الحج بهرمك وأمراضك المتوالية عليك وعمر 74 سنة، وفقد بصر وخلل في العمود الفقري وأوجاع في الحوض ونزيف دموي وضعف (1/334)
صفحة 313
عام بسبب هذا النزيف الذي لم ينفع فيه دواء طبيب، وعدم استطاعتك التحكم في المشي.
نعم أيها الأخ أنت أحق من تجوز له الإنابة في الحج وهو في قيد الحياة، وإذا لم تجز لمثلك في هذه الحال فلمن تجوز؟ وقد أجاز النبيء صلى الله عليه وسلم لمن فقد الاستطاعة على أدائها بسبب أقل مما ابتليت به أنت. فأقدم على بركة الله واختر لنفسك –وأنت حي عاقل- ثقة أمينا يؤدي عنك فريضتك، وهذا خير لك من أن تتركها وصية تنفذ بعد مماتك ولا تدري أتنفذ أم لا؟ وإن تعذرت عليك الإنابة وأنت في قيد الحياة فعليك الوصية بها، وفقك الله وإيانا إلى ما يحبه ويرضاه.
سؤال: إن أبي أوصى بحجة وأريد أن أؤديها أنا بنفسي فأحج أنا عن أبي إلا أنني لم أحج بعد عن نفسي، فما العمل؟
الجواب: إن عدم حجك عن نفسك قبل لا يمنعك من الحج عن أبيك تنفيذا لوصيته، وأحق من يحج عن الموصي هم أولاده، نعم إن الأفضل أن لا يحج أحد عن غيره إلا إذا حج هو عن نفسه إن كان الحج قد وجب عليه، لكن للابن مع أبيه حالة خاصة، فإذا عزمن على التعجيل بإنفاذ وصية أبيك فأنفذها ييسر لك الله الطريق للحج عن نفسك قريبا إن شاء الله. (1/335)
صفحة 314
سؤال: رجل أوصى بحجة كاملة وكان ثلث ماله يسع نفقات حجة كاملة بحيث يمكن للحاج أن يخرج من بلده، فهل يجوز لوكيل وصيته أن يؤدي عنه حجة مكية أعني ينيب من يحج عن الموصي من أهل مكة أو المقيمين بها ثم ينفق باقي نفقات السفر إلى مكة من بلد الموصي في المشاريع الخيرية التي يراها أعظم أجرا؟
الجواب: إنه لا يجوز مثل هذا التصرف في الوصية بالحج مطلقا إذا كان ثلث ماله يسع أعني يكفي للحج عنه من بلده، والحج عنه من بلده تنفيذا لوصيته أعظم أجرا بلا ريب، فإن كان ثلث ماله لا يسع حجته أو كان ما ناب للحجة من الثلث بالمحاصصة مع باقي الوصايا لا يكفي للحج عنه من بلده أديب عنه الحجة من أقرب طريق أي من أقرب مكان ولا يجوز أن تشرك الحجة مع غيرها إلا إذا كانت النفقة لا تكفي ولو لحاج عنه من مكة ذاتها. (1/336)
صفحة 315
الإحرام والمواقيت
في إحرام الحجاج المغاربة الذاهبين
إلى الحج بالطائرة على طريق جدة
حضرة الأخ الكريم رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر الشيخ عباس الحسيني، سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وعلى الأخ الكريم الأستاذ العربي سعدوني وزير الأوقاف، وسائر الإخوان الكرام أعضاء المجلس، حفظكم الله جميعا وأيدكم بروح منه.
وبعد، فاستجابة لطلبكم مني فتوى في إحرام الحجاج المغاربة الذاهبين إلى الحج بالطائرة على طريق جدةن دونكم أولا مقتطفات من نصوص بعض أئمة الحديث والفقه في حكم الإحرام من المواقيت لمن مر بها ولئن لم يكن طريقه عليها، نستخلص منها ثانيا فتوانا في المسألة:
قال النووي في شرح مسلم في باب «مواقيت الحج» وأجمع العلماء على أن هذه المواقيت مشروعة. ثم قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد والجمهور: هي واجبة لو تركها وأحرم بعد مجاوزتها أثم ولزمه دم وصح حجه، وقال عطاء والنخعي: لا شيء عليه، وقال سعيد بن جبير: لا يصح حجه. (1/337)
صفحة 316
وروى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس قال: «إن النبيء صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هن لهم ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ» (1) 1 (، قال ابن حجر في فتح الباري عند شرح الحديث: وقوله: «ولمن أتى عليهن»، أي على المواقيت من غير أهل البلاد المذكورة، ويدخل في ذلك من دخل بلدا ذات ميقات ومن لم يدخل، فالذي لا يدخل لا إشكال فيه إذا لم يكن له ميقات معين، والذي يدخل فيه خلاف، كالشامي إذا أراد الحج فدخل المدينة فميقاته ذو الحليفة لاجتيازه عليها، ولا يؤخر حتى يأتي الجحفة التي هي ميقاته، فإن أخر أساء ولزمه دم عند الجمهور، وأطلق النووي الاتفاق ونفى الخلاف في شرحه لمسلم والمهذب في هذه المسألة فلعله أراد في مذهب الشافعي، وإلا فالمعروف من مذهب مالك أن الشامي مثلا إذا جاوز ذا الحليفة بغير إحرام إلى ميقاته الأصلي وهو الجحفة جاز له ذلك، وإن كان الأفضل خلافه، وبه قال الحنفية وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية.
__________
(1) (1 (رواه البخاري في الباب السابع من كتاب الحج. (1/338)
صفحة 317
وقال الشيخ نور الدين السالمي في شرح حديث المواقيت من الجامع الصحيح للربيع بن حبيب: «والجحفة ميقات لأهل الشام إن لم يمروا بالمدينة، فإن مروا بها لزمهم الإحرام من ذي الحليفة، قيل إجماعا وحكى بعضهم الترخيص عن أبي ثور والمالكية قالوا: له التأخير إلى الجحفة، وعن الحنفية يجوز للمدني أيضا تأخيره إلى الجحفة، والمشهور عندنا أنه إذا مر بميقات لا يجاوزه إلا محرما، والخلاف أيضا موجود في كتب المذهب» وقال أيضا بعد كلام طويل في المواقيت ما نصه: «قال أبو صفرة رحمه الله تعالى كنا نحرم من جدة في الصيف فلما جاء الشتاء شق ذلك بنا فصرنا نحرم من ذات عرق، وذلك أنه كان رحمة الله عليه من أهل العراق وكلامه هذا يدل على أن جدة كانت أبعد من مكة من ذات عرق فهم يحرمون منها قبل الميقات».
قال الشيخ أطفيش رحمه الله في شرح النيل عند قول صاحب النيل: «جاز لأهل كل ناحية أن يحرم وإن من ميقات غيره»، ما نصه: «سواء جاء من ناحية ميقات غيره بدون أن يجاوز ميقات نفسه أو جاوز ميقاته ثم أحرم من ميقات غيره، مثل أن يترك المدني ذا الحليفة ويحرم من الجحفة وهو الصحيح عندهم، وحملوا المواقيت التي وقتها النبيء صلى الله عليه وسلم ما إذا لا يجيء طريق أهلها بعد مجاوزتها (1/339)
صفحة 318
على غيرها، وأما إذا كان يجاوز ميقاته ويمر بعد ذلك في طريقه على ميقات آخر لحاجة أمرته عليه فله أن يؤخر الإحرام إلى الثاني، وكذا إن كان يدور من واحد لآخر ومن الآخر للثالث، وهكذا لحاجة، أو يحاذي فله أن يؤخر الإحرام إلى الأخير، وقال فيه أيضا: وأبعد ميقات أهل المدينة تعظيما لأجرهم، وقليل ذلك هو الأصل، وإنما قربت مواقيت غيرهم رفقا بأهل الآفاق» ومثل هذا التعليل لابن حجر في فتح الباري.
وفي الموطإ في باب ما لا يوجب الإحرام من تقليد الهدي، «وسئل مالك عمن خرج بهدي لنفسه فأشعره وقلده بذي الحليفة ولم يحرم هو حتى جاء الجحفة قال: لا أحب ذلك ولم يصب من فعله، ولا ينبغي أن يقلد الهدي ويشعره إلا عند الإهلال إلا رجل لا يريد الحج فيبعث به ويقيم في أهله».
وقال ابن حزم في المحلي: «مسألة وللحج والعمرة مواضع تسمى المواقيت واحدها ميقات لا يحل لأحد أن يحرم بالحج ولا بالعمرة قبلها». ثم قال بعد بيان المواقيت «فكل من خطر على أحد هذه المواضع وهو يريد الحج والعمرة فلا يحل له أن يتجاوزه إلا محرما فإن لم يحرم منه فلا إحرام له ولا حج له ولا عمرة له إلا أن يرجع إلى الميقات الذي مر عليه ... » ثم قال بعد كلام: «ومن كان طريقه لا تمر (1/340)
صفحة 319
بشيء من هذه المواقيت فيحرم من حيث شاء برا وبحرا» ثم شرع يذكر مواضع الخلاف في مسألة المواقيت فقال: «وفي بعض ما ذكرنا خلاف فمنه كذا وكذا»، إلى أن قال: «ومنه من كانت طريقه على المواقيت فإن قوما قالوا إذا حاذى الميقات لزمه أن يحرم وهو قول عطاء واحتجوا بما رويناه من طريق ابن عمر، قال إن أهل العراق شكوا إلى عمر في حجهم أن قرن المنازل جور عن طريقهم فقال لهم: انظروا حذوها من طريقكم فحد لهم ذات عرق» ثم بعد أن دحض هذه الحجة بإثباته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي وقت لأهل العراق ذات عرق، قال: وبرهان آخر هو أن جميع الأمة مجمعون إجماعا متيقنا على أن من كان طريقه لا يمر بشيء من المواقيت فإنه لا يلزمه الإحرام قبل محاذاة مواضع الميقات، ثم اختلفوا إذا حاذى موضع الميقات فقالت طائفة يلزمه أن يحرم وقال آخرون لا يلزم فلا يجوز أن يجب فرض بغير نص ولا إجماع» ثم بعد ذكره الخلاف في الإحرام قبل الميقات وترجيحه المنع وسرد روايات عن إحرام بعض الصحابة والتابعين قبل الميقات احتج بها المجيزون، قال: «أما سائر الروايات التي ذكرنا عن الصحابة التابعين فليس في شيء منها أنهم مروا على الميقات، وإذ ليس هذا فيها فكذلك نقول إن من لم يمر على الميقات فليحرم من حيث شاء وبهذا تتفق الأخبار عنهم مع ما صح عن النبيء صلى الله عليه وسلم». (1/341)
صفحة 320
يؤخذ من هذه النصوص أن المسألة خلافية في جميع صورها حتى فيمن جاوز ميقاته غير محرم ثم أحرم بعد ذلك غير مار على ميقات آخر متعمدا، فإن الجمهور على أن حجه صحيح وعليه دم، وقال آخرون لا شيء عليه والأمر بعد فيمن لم يمر على ميقات من هذه المواقيت وإنما حاذاها أو مر بعيدا عنها، في البر يسيرا، وأمر راكب الطائرة أو الباخرة أيسر وأيسر، ولم يبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الحاج والمعتمر عن طريق البحر شيء بله الجو، فالمسألة إذا اجتهادية خلافية، وقد علمنا من سنته صلى الله عليه وسلم أنه يرفق بالمؤمنين ويخفف عنهم المشقة ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وشهد الله بذلك بقوله تبارك وتعالى: (عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) (1) 1 (، وقد رفق بحجاج الآفاق فجعل مواقيتهم أقرب إلى مكة بكثير من ميقات أهل المدينة ومن أولى من حجاج الآفاق بالرفق والتخفيف من المشقة من حجاج المغاربة ومن كان مثلهم من حجاج البحر والجو من الأماكن البعيدة؟ ومشاق ركوب الطائرة والباخرة، وحمل الأمتعة والأزواد على الظهور، واقتحام صفوف المودعين والحراس من كل لون، واجتياز مراكز الجمرك ومكاتب جوازات السفر عند الركوب، أمر عظيم شديد، وأخطر منه وأشد حالة النزول بجدة واجتياز
__________
(1) (1 (الآية 128 من سورة التوبة. (1/342)
صفحة 321
مراصد هذا الصراط الذي لا يخلص منه إلا قوي، يعلم هذا ويتحققه كل من حج على طريق البحر أو الجو، زد على هذا ما يستقبل النازل بجدة من أعمال مختلفة شاقة كتهيئة منزله وحمل أمتعته وصرف شيكاته وتهيئه لدخول مكة، فهل يعقل أن يكلف بالقيام بجميع هذه الأعمال وهو محرم؟
أن هذا والله لعنت شاق وتكليف بما لا يطاق.
وبعد هذا فإن الحاج على الطائرة التي تنزل بجدة ينوي قطعا أنه يحج بيت الله الحرام على طريق جدة يعني أنه ينوي الذهاب إلى جدة بقصد الحج منها، ولا يمكن مطلقا أن تكون هناك نية غير هذه فأي حاج سئل على أي طريق تحج؟ سيجيب قطعا على طريق جدة، فحكمه في الإحرام إذا حكم أهل جدة؟ فإذا نزلها كان أحدهم من غير فرق، فجدة هي المرحلة الأولى من غير ريب، وفيها فقط يؤذن له أو لا يؤذن بدخوله مكة من طرف الحكومة القائمة.
فأي دليل له حظ من النظر يوجب عليه الإحرام قبل ميقات أهل جدة؟
إن الذهاب على الطائرة إلى جدة لا يمر بشيء من المواقيت قطعا حتى ينزل جدة وقد قال بعض الأئمة كما رأينا من كان طريقه لا تمر بشيء من هذه المواقيت فليحرم من حيث شاء برا أو بحرا فإن قيل إنه حاذى في طريقه الجوي أحد المواقيت وهو الجحفة فقد قال بعض العلماء في (1/343)
صفحة 322
المحاذي إنه لا يلزمه الإحرام بالمحاذاة بل يحرم من حيث شاء إذا لم يمر على الميقات، على أننا لا نعلم إذا كانت الطائرات المغربية الذاهبة إلى جدة تمر على سمت الجحفة فوقها أم لا؟ ويغلب على الظن أنها تمر بعيدا عنها غير محاذية لها. ثم إذا قلنا بوجوب الإحرام عند المسامتة أو المحاذاة اعترضنا تعذر القيام بواجبات الإحرام في الطائرة: ذلك أن الحاج في البر –سيرا على الأرض- يجب عليه التوقف عند الميقات، والقيام بمشروعات الإحرام من اغتسال ووضوء وصلاة ولبس ثوبي الإحرام، ثم الإهلال بالحج أو بالعمرة قبل مجاوزة الميقات كما فعل النبيء صلى الله عليه وسلم وأصحابه بذي الحليفة، وهذا متعذر على الطائرة فإن وقت وجوب الإحرام عليه يكون في اللحظة التي تكون فيها الطائرة فوق الميقات أو في سمته من أحد جانبيه فلا يكاد الحاج يشرع في القيام بشرائع (1) 1 (الإحرام حتى تكون الطائرة قد ابتعدت كثيرا وكثيرا عن الميقات ولا يمكنه الإهلال بنسكه حجا أو عمرة إلا بعد أميال كثيرة من الميقات، فنحن مضطرون إذا إلى القول بوجوب التقديم أو القول بجواز التأخير، وفي التقديم إيجاب لما لم يقم عليه دليل قطعي مع ما فيه من تعريض الحاج إلى مشقة كبيرة، ومع ما ثبت من كراهية كثير من الصحابة ومن العلماء لتقديم الإحرام على الميقات،
__________
(1) (1 (هكذا في النسخة الأصلية ولعل المقصود شعائر الإحرام. (1/344)
صفحة 323
بل منعه بعضهم ولم يجزه، وممن كرهه الإمام مالك فيما صح عنه فكانت الفتوى بجواز تأخير الإحرام إلى ميقات أهل جدة أولى لما فيه من تخفيف ورفق ورفع للمشقة عن الحجاج ولأن كثيرا من العلماء أجازوا لمن مر على ميقات –وهو يريد أن يمر على ميقات لحاجة- أن يؤخر الإحرام إلى الميقات الأخير ولا شيء عليه.
ومسألتنا من هذا النوع إذا قلنا إن ميقات الطائرة هو أول ميقات يحاذيه في طيرانه فإن بعده ميقاتا آخر هو ميقات أهل جدة التي هو مضطر إلى النزول فيها لا مختار فهو أولى بحكم الجواز.
بناء على هذا نقول: إن الفتوى المطابقة ليسر الشريعة الإسلامية الغراء وسماحتها والموافقة لهدي النبيء صلى الله عليه وسلم و أوامره ونواهيه هي أنه ليس على حجاج الطائرة الذاهبين إلى جدة إحرام إلا من ميقات أهل جدة، ولا نرى هذا رخصة بل نراه عزيمة فإنها لم تعارض دليلا معتبرا، ولقد ثبت عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه أمر الحاجين معه من الصحابة عام حجة الوداع وقد أهلوا بالحج أن يفسخوا حجهم إلى العمرة ليتمتعوا بالإحلال رفقا بهم وتيسيرا لهم وتخفيفا من كلفة الإحرام على من يأتي بعدهم، على أنه لم يبق بينهم وبين الوقوف بعرفات إلا أربع ليال كما ذكر جابر راوي الحديث. (1/345)
صفحة 324
على أن الصحابة أنفسهم وهو في مكة كأنهم لم يستشعروا مشقة وكرهوا الإحلال وراجعوا النبيء صلى الله عليه وسلم في أمره حتى غضب ولم يحلوا من إحرامهم حتى رأوا العزم والجد في أمره وحتى قال: لولا أني سقت الهدي لأحللت، أراد النبيء صلى الله عليه وسلم أن يشرع هذا اليسر لأمته فتتمتع بالعمرة إلى الحج، هذا مع ما في فسخ نية العبادة بعد الدخول فيها من حرج.
ولقد روينا عن شيوخنا الأمر بفتوى الناس بما يسعهم ومن أراد التضييق فليشدد على نفسه.
قال العلامة الجليل أبو أيوب وائل بن أيوب من طبقة الربيع بن حبيب رحمه الله: إنما الفقيه الذي يعلم ما يسع الناس فيه مما يسألونه عنه، وأما التضييق فمن شاء أخذ بالاحتياط». وقال الإمام أبو سعيد الكدمي من كبار أئمة العلم بعمان: «ليس العالم من حمل الناس على ورعه، إنما العالم من أفتى الناس بما يسعهم من العلم».
هذا ما من الله به في الجواب وأمكن اقتطافه من أقوال أئمة العلم والدين في مسألة المواقيت في هذا الوقت القصير الذي مكنتمونا منه، أرجو أن تكون فيه الكفاية لطلبكم المستعجل.
حفظكم الله وأيدكم وأعانكم على مهمتكم الكبيرة والسلام عليكم ورحمة الله.
16 ذو القعدة 1387ه
15 فيفري 1968م (1/346)
صفحة 325
الإحرام في الطائرة
سؤال: هل يجوز للحاج أن يحرم في الطائرة إذا حاذى ميقات الإحرام؟
الجواب: إن الحجاج على الطائرة إنما يذهبون إلى جدة رأسا، فهم كأهل جدة يحرمون من حيث يحرم أهل جدة، فلا يجب عليهم الإحرام في الطائرة، عند محاذاة أي ميقات ضرورة أن الطائرة لا تتوقف فوق الميقات ولا في محاذاته وإنما تمر عليه مسرعة كالبرق الخاطف وقد قال العلماء: إن الحاج إذا مر بميقات وهو قاصد ميقاتا آخر فإنما عليه الإحرام من الميقات الثاني، ثم إن الإحرام في الطائرة بما يقتضيه من حركات كثيرة مختلفة لأداء واجباته قد يؤدي إلى خطر كبير، فكيف تتصورون قيام مئات الراكبين في الطائرة وفي وقت واحد بالتحركات والتنقلات التي تقتضيها واجبات الإحرام من غير أن تتعرض الطائرة لخطر كبير؟ ولن يرضى المسؤولون عن سلامة الطائرة عن مثل ذلك، ولا يرضاه العقلاء كذلك، والحكم في ذلك إنما ينبني على اعتبار عامة الركاب، فيمتنع لهذا مطلقا ولا موجب له. ومن الخطإ أن ينظر في هذه المسألة بنظرة فردية إلى شخص واحد من عشرات أو مئات الركاب منفرد في زاوية يقوم بحركات الإحرام وحده، فإن هذا غلط فاحش وعلى مثل (1/347)
صفحة 326
هذا أن يتذكر لو قام جميع الركاب بمثل ما قام به هو في نفس اللحظة فماذا يحدث؟ فليتق الله وليترك التنطع في الدين التشدد فيه، ومع هذا فإن إحرامه صحيح إن فعله، والفتوى في ذلك مطبوعة فاطلبوها.
سؤال: من أين يكون الإحرام؟ وكيف يتأتى للمحرم القيام بمشاعر الإحرام من طهارة واغتسال وصلاة مع أن الحج على طريق الجو الذي يتعذر فيه القيام بمشاعر الإحرام؟
الجواب: إنه لا يجب عليك ولا على زوجك ولا على جميع حجاج الطائرة الإحرام إلا من جدة، فإنكم ذاهبون إلى جدة وإذا نزلتم جدة فإنكم تكونون كأهلها فيجب عليكم أن تحرموا من حيث يحرم أصحاب جدة لا يجب عليكم شيء قبل الوصول إليها مطلقا، وحينئذ تكونون على الأرض مطمئنين يمكنكم بسهولة القيام بجميع الشعائر.
أما عن العمرة فإنكم تحرمون من جدة بالعمرة فقط وتدخلون مكة وتفكون إحرامكم وتلك هي العمرة الواجبة مع الحج ثم تجددون الإحرام بالحج وحده يوم التروية الذي هو اليوم الثامن من ذي الحجة وتذهبون عشيته إلى منى، فالوقت متسع جدا –كما لا تظن- لأداء العمرة قبل الحج فإنكم كما قلت تدخلون جدة يوم 5 ذي الحجة وربما دخلتم مكة في نفس اليوم وربما في يوم 6 أو 7 ولا عمل في (1/348)
صفحة 327
العمرة إلا الطواف بالبيت سبعا والسعي بين الصفا والمروة سبعا ففي ساعة زمنية تقضون هذا.
أما ما يخص الحذاء فإنه يمكنكم أن تذهبوا بأحذيتكم المعتادة حتى الوقت الذي تحرمون فيه وحينئذ يجب عليكم ألا تلبسوا إلا النعال الشبيهة بالقبقاب التي لا تغطي الكعبين، وهذا هو الإحرام فيما يتعلق بالرجلين، والسلام عليكم ورحمة الله.
سؤال: هل من قول بلزوم الإحرام على داخل مكة لغير الحاج أو عمرة بل تحية للبيت أخذا بعموم: (لا يجاوز الميقات إلا محرم) (1) 1 (، وهل عبارة الذهب (2) 2 (تدل عليه؟
الجواب: لا خلاف بين الأمة في وجوب الإحرام على داخل مكة لحج أو عمرة، والخلاف في داخلها لغيرهما مشهور بين جميع أئمة المذاهب، فمنهم من أوجبه مطلقا على كل داخل وإن كثر تردده دخولا وخروجا كالحطاب مثلا. وبعضهم أوجبه على الداخل لغيرهما إن لم يكثر ترددا، وبعضهم لم يوجبه إلا على مريد الحج والعمرة فقط دون غيره ممن لا يريدهما كثر تردده أو لم يكثر، وهؤلاء القائلون بالقول الأخير يتأولون حديث: «لا يجاوز الميقات إلا محرم»، بأن المراد به مريد الحج والعمرة أو أحدهما،
__________
(1) (1 (ذكره في الإيضاح.
(2) (2 (يعني بالذهب –والله أعلم- كتاب «الذهب الخالص» لقطب الأئمة رحمه الله. (1/349)
صفحة 328
ويظهر للمتأمل أن هذا هو الموافق لسماحة الإسلام ويسره، والخلاف في المذهب كما هو في غيره كما في النيل وشرحه وغيرهما.
سؤال: هل للمحرم لبس الأسنان الصناعية التي يمكن خلعها وهو مضطر إليها.
الجواب: الإسنان الصناعية كالأنف الصناعية وسائر الأعضاء التي يضطر الإنسان إلى وضعها موضع العضو التالف من جسمه ولم يتخذها من أجل التزين فقط، هي جزء من جسمه كسائر أعضائه مطلقا سواء أكان يمكن خلعها أم لا؟ فلا بأس مطلقا على المحرم بسببها ولا يجب عليه أن يزيلها من مكانها بسبب إحرامه، وقد أجيز لبس الخاتم مع كراهيته ولا دم على لابسه مع أنه زينة فقط، فكيف بما هو ضروري كالأسنان الصناعية؟ (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (1) 1 (.
سؤال: ما حكم من شد الساعة على اليد والخاتم على الأصبع حالة الإحرام؟
الجواب: أما شد الساعة باليد والخاتم بالإصبع فلا يجوزان في الإحرام، وقد منع حتى عن شد السلاح على أي جزء من أجزاء الجسم، وإن اضطر إليه قبضه بيده قبضا كما
__________
(1) (1 (الآية 185 من سورة البقرة. (1/350)
صفحة 329
نص عليه العلماء. فكيف يجوز شد الساعة أو الخاتم، فعليكم بالاحتياط في كل شيء والزموا السنة المحمدية تفلحوا، وإياكم والابتداع وأحزم الناس من تحرى لدينه.
حرم المدينة
سؤال: ما قول أشياخنا في حرم المدينة؟ ومن وجد ينتهكه هل سلبه؟
الجواب: ثبت أن النبيء صلى الله عليه وسلم حرم المدينة وقال: (المدينة حرم ما بين عير إلى ثور اللهم بارك في مدهم وصاعهم) (1) 1 (، في أحاديث أخرى في هذا المعنى، واتفقت الأمة على ثبوت هذا الحرم ووجوب احترامه.
وروى الشيخ أطفيش رحمه الله في وفاء الضمانة «كان سعد بن أبي وقاص ساكنا بالعقيق وكان إذا رأى شخصا يقطع شجرة أو يخبطه في حرم المدينة الذي حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلب ثيابه فسلب يوما ثياب رجل فجاء أهله إليه يرد إليهم سلبه فأبى وقال: «إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لما حرم هذا الحرم: (من رأيتموه يصيد فيه شيئا فلكم سلبه) فلم أكن أرد عليكم طعمه أطعمنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن إذا شئتم ثمنه أعطيتكموه» ثم نقل من مسند
__________
(1) (1 (رواه البخاري ومسلم وأحمد بألفاظ متقاربة في بعضها زيادة وفي بعضها نقص. (1/351)
صفحة 330
أبي داود حديثا في حرم المدينة يقول في آخره: (من قطع منه شيئا فلمن أخذه سلبه) (1) 1 (، ولم يعلق الشيخ رحمه الله على الحديث بشيء، ولم نفق على قول أشياخنا رحمهم الله في حكم هذا السلب وهل يحل مطلقا لآخذه، مع أن سعدا رحمه الله امتنع من رده ولكنه قال: إن شئتم ثمنه أعطيتكموه، فهو إذا لا يرى إباحة تملكه مطلقا، ففي المسألة نظر، ونرى أن مثل هذا الأمر مما يرجع الحكم فيه إلى الإمام أو الخليفة أو السلطان أعني إلى ولاة الأمر، ولا يمكن أن يباح هذا لسائر الناس مطلقا، فإن فيه من إحداث الشغب والفتنة ما لا يخفى، فعل من أخذ منتهكا لحرمة الحرم أن يرفع أمره إلى الحاكم وتبرأ ذمته بذلك، وولاة الأمر هم المكلفون بحفظ الأمن وحماية الحرم والضرب على أيدي منتهكي الحُرَم في الحل والحرم.
هل يجوز لي هذا في الحج؟
سؤال: هل يجوز للحاج المتمتع بالهدي ترك ذبح الهدي والتصدق بقيمته؟
الجواب: إن الله تبارك وتعالى أوجب ما استيسر من الهدي نصا في كتابه الكريم لا يقبل التأويل فإذا كان الهدي
__________
(1) (1 (رواه أبو دواد في باب تحريم المدينة من كتاب المناسك. (1/352)
صفحة 331
موجودا وكان الحاج مالكا لقيمته فلا يجوز له إلا ذبحه ولا يعينه بعد ذلك ما يؤول إليه أمره (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) (1) 1 (، هذا حكم الله الذي لا معدل عنه فلا نفتي بسواه، السلام عليكم ورحمة الله.
سؤال: لقد لاحظت في الحج أن بعض الإخوان حلقوا قبل بلوغ الهدي محله والله تبارك وتعالى يقول: (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله) (2) 2 (، فهل هذا يجوز؟ وما معنى هذه الآية؟
الجواب: يقول الشيخ أطفيش رحمه الله في هميان الزاد: (حتى يبلغ الهدي محله) أي يبلغ بعلمكم بخبر أو مشاهدة من بعيد أو بمواعدة لوقت معلوم أو بمضي يوم النحر الهدي موضعه الذي ينحر فيه يوم النحر وهو الحرم كله أو منى، وهذا قول أبي حنيفة والشيخ هود. اهـ.
وقال أيضا في تفسير آية (فما استيسر من الهدي) والذبح بعد الإحرام والأفضل يوم النحر وأجاز الشافعي قلبه بعد ما أحرم بالحج لا قبل أن يحرم به، ومنع أبو حنيفة الذبح قبل يوم النحر، اهـ. فعلى من لا يتولى ذبح هديه بنفسه أن يتواعد مع من يذبح عنه وقتا معلوما يحلق بعده
__________
(1) (1 (الآية 196 من سورة البقرة.
(2) (2 (الآية 196 من سورة البقرة. (1/353)
صفحة 332
كما أشار إليه القطب رحمه الله، وعليه أن يحتاط في تقدير الوقت ما استطاع حت يكون حلقه بعد نحر هديه، ومحل الهدي زمانا ومكانا مسألة خلافية بين علماء الأمة من الخلف والسلف، فلا ضيق ولا حرج فيها إن شاء الله، وأحزم الناس من تحرى لدينه والسلام عليكم ورحمة الله.
سؤال: هل يجوز لي أن أقترض مالا لأحج به؟
الجواب: يجوز للمسلم أن يقترض مالا ليحج به إذا كان يعلم أن له ما يستطيع أن يرد به ما اقترضه بعد حجه. (1/354)
صفحة 333
فهرس الكتاب
مقدمة الكتاب وهي تتضمن ترجمة مختصرة لصاحب الفتاوى ....................................... 05
بين يدي الفتاوى ............................................................................. 10
أصول الدين ................................................................................. 15
العدل الإلهي وخلق القرآن ....................................................... 17
مسائل في علم الكلام من وجهة نظر الإباضية ................................................... 26
هل يحوز طلب النصر لغير المسلمين ............................................................ 48
مدلول لفظة الكفر عند الإباضية ............................................................... 49
هل يجوز أن يكلف الله عباده بالإلهام ........................................................... 50
تفسير لفظة الوسيلة ........................................................................... 53
إعجاز القرآن ................................................................................ 57
هل ترتبط العبادات بعضها ببعض؟ ............................................................. 67
معنى الصراط في الآخرة ............................................................... 68
نزول عيسى آخر الزمان ............................................................. 69
نزول القرآن على جبريل ............................................................. 70
عقيدة الجناويني وابن جميع ..................................................................... 72
الطهارات والنجاسات .............................................................. 73
هل الكحول طاهر أم نجس؟ .................................................................. 75
هل العطور طاهر أم نجس؟ ................................................................... 76 (1/355)
صفحة 334
ما حكم الصابون طهارة أو نجاسة؟ ................................................... 77
ما حكم أثر النجاسة بعد تمام غلسها؟ .......................................................... 79
ما حكم ثوب المحتلم؟ ......................................................................... 80
في الحيض والنفاس ............................................................................ 81
في الجنين الراقد ............................................................................... 82
في المني والودي والاغتسال من الجنابة .......................................................... 84
المسح على الخفين ............................................................................ 86
في الوضوء ونواقضه ............................................................... 87
حكم رجل مصاب بكثرة الغازات في بطنه تسبب له خروج الريح منه في كل وقت؟ ............. 88
التيمم ....................................................................................... 89
الصلاة ...................................................................................... 93
في اتخاذ الوطن، وقصر الصلاة ................................................................. 94
في أوقات الصلاة ........................................................................... 107
في الإمامة وصلاة الجماعة ................................................................... 119
هل تجوز الصلاة وراء الإمام المخالف في المذهب؟ ...................................... 121
الرجل ينتقل من صف إلى صف وهو في الصلاة ..................................... 124
هل يجوز سبق الإمام في الصلاة .............................................................. 124
صلاة الجمعة ............................................................................... 125
صلاة الجمعة في مكان مخصص للدارسة ....................................................... 130
هل تجوز صلاة الجمعة للمسافر ............................................ 133 (1/356)
صفحة 335
صلاة الجمعة يوم العيد ...................................................................... 135
حكم التهاون بصلاة الجمعة ........................................................ 136
صلاة السفر ................................................................................ 137
تحديد مسافة السفر ......................................................................... 139
حكم اتخاذ الجمع بين الصلاتين في السفر عادة؟ ............................................... 145
حكم ركعتي سنة المغرب في حال الجمع بين المغرب والعشاء ............................ 149
في الآذان للصلاة ........................................................................... 150
في المساجد وما يصلى عليه .................................................................. 151
اتخاذ المساجد على السقوف ................................................................. 154
الصلاة فوق بيت تبين أن تحت أرضه عظاما آدمية ............................................. 156
الصلاة على الصفوف ....................................................................... 157
صلاة المريض وشبهه ........................................................................ 160
هل من إعادة على من صلى في الحافلة بغير طهارة ............................................. 167
التهاون بالصلاة وقضاؤها ................................................. 169
حكم من تعمد ترك الصلاة .................................................................. 181
ما حكم صلاة تارك الصوم؟ ................................................................. 183
هل تصح صلاتي ........................................................................... 185
مسائل متفرقة تتعلق بالصلاة ................................................................. 189
قراءة السورة مع الفاتحة في الظهر والعصر ....................................... 189
قراءة الفاتحة بعد الصلاة، وأنواع من الأذكار ..................................... 190 (1/357)
صفحة 336
في صفة التشهد في الصلاة ................................................................... 205
في سجود السهو ............................................................................ 206
صلاة التطوع ............................................................................... 212
أشياء تجوز أثناء الصلاة وأخرى لا تجوز .................................... 213
الزكاة ..................................................................................... 215
في النصاب .............................................................. 217
صرف الدينار والدرهم والثقال ............................................... 217
هل تجب الزكاة في هذا .......................................................... 221
في زكاة الحلي .............................................................. 225
على من تجب زكاة هذا المال؟ .................................................. 228
هل يسوغ لي صرف الزكاة في هذا .............................................. 228
فتاوى أخرى في زكاة الحلي ..................................................... 232
في وقت الزكاة ............................................................. 253
كيف أزكي هذا المال ...................................................... 255
هل يجوز لي أن أصنع هذا بالزكاة .............................................. 259
ماذا على من ضيع الزكاة؟ ................................................................... 263
في زكاة الفطر ............................................................. 256
الصوم ..................................................................................... 267
إثبات الأهلة بالرصد الفلكي ................................................................. 269
ملاحظة على فتوى لجنة الإفتاء الجزائرية .................................... 274
الصوم والإفطار بشهادة مسترابة .......................................... 277 (1/358)
صفحة 337
في قيام رمضان ............................................................................. 280
في قضاء الصيام ............................................................................ 283
هل هذا ينقض صومي ...................................................................... 294
هل على الطبيب ومعاونيه من خطر على صيامهم من جراء لمس العورات والنظر إليها عند المعالجة؟ .. 295
الصوم المرض ............................................................................... 299
الصوم السفر ............................................................................... 304
الحج ...................................................................................... 307
متى يجب الحج على الإنسان ................................................................. 308
الوصية بالحج والعمرة وإنابة الغير فيهما ........................................................ 309
الإحرام والمواقيت ............................................................................ 315
فتوى في إحرام الحجاج المغاربة الذاهبين إلى الحج بالطائرة ........................................ 325
هل يلزم الإحرام على داخل مكة لغير حج أو عمرة؟ ........................................... 327
حكم من شد الساعة على اليد والخاتم على الإصبع حال الإحرام ................................ 328
حرم المدينة المنورة ........................................................................... 329
هل يجوز لي فعل هذا في الحج؟ ............................................................... 330 (1/359)
صفحة 338
المطبعة العربية
7نهج طالبي أحمد، غرداية
الإيداع القانوني رقم:*44* 12/ 1988 (1/360)