صفحة 1
الكتاب: فتاوى الاعتكاف لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
الاعتكاف
فتاوى للشيخ أحمد بن حمد الخليلي
س1: رجلٌ أراد الاعتكاف ولكنه لم يَستطِع الحصولَ على إجازةٍ مِن عملِه، فهل له أن يَعتكِف ويَذهب إلى عملِه ثم يَرجِع رأسا إلى المسجد ؟
ج: إنّ لفظة " الاعتكاف " مِن حيثُ مَدْلُولُها اللغوي دالّة على الملازَمة .. يُقال: " عَكَفَ على الشيء " إذا أَقبَلَ عليه بِكُلِّيَّتِه مُنقَطِعا عمّا سِواه، ويُقال: " اعتَكَف بِالمكان " و " عَكَفَ بِالمكان " بِمعنى أقام فيه.
فإذن الاعتكافُ هو ملازَمةُ المسجِد مع عدم الخروجِ منه إلاّ لِضرورةٍ لا محيصَ عنها، ولِذلك شَدَّدَ العلماءُ في الخروجِ إلا لِقضاءِ الحاجةِ التي لا مناصَ لِلإنسانِ مِن قضائِها خارجَ المسجد، أما أن يَعتكِفَ الإنسانُ ثم يَخرُج لِيقْضِيَ سحابةَ نهارِه خارجَ مُعْتَكَفِه فذلك مِمّا يَتنافَى مع مدلولِ " الاعتكاف " لغةً فضْلا عن مدلولِه شرعا، والرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما كان يَعتكِف كان لا يَخرجُ إلا لِمَا لابد منه مِن حاجتِه، فهكذا يَجِب أن يَكون الاعتكاف.
... س2: كيف وأين يَكون اعتكافُ المرأة ؟
ج: الأصلُ في الاعتكاف أن يَكون في المسجد، فإن كان في المسجدِ قِسمٌ مُخَصَّصٌ لِلنساء فليكن اعتكافُها في ذلك القسمِ المُخصَّصِ لِلنساء الذي لا يُشارِكُ المرأةَ فيه الرَّجُل، وإن لم يَتيسَّر لَها ذلك فلا حرج أن تَعتكِفَ في مكانٍ تُخَصِّصُه في بيتِها كغرفةٍ تَكون خاصّة مِن أجْلِ قيامِها بِذِكْرِ الله-تبارك وتعالى-فيها وقيامِها بِتلاوةِ كتابِه وقيامِها بِالتقرّبِ إلى الله-تعالى-بِالصلواتِ وغيرِها؛ والله-تعالى-أعلم.
... س3: يَتبادَر في أذهانِ بعضِ الأوساط المثقّفة لماذا لا يتوَحَّد المسلمون في صيام شهر رمضان بحيث تصوم الأمّة معا وتفطر جميعا في يوم واحد، أي بمعنى آخر لماذا لا يتوَحَّدُون في هذه الفريضة كتوحّدهم في فريضة الحج ؟ (1/1)
صفحة 2
ج: هذه العبادات نِيطَتْ بأمورٍ طبيعية، لأنّ الله-تبارك وتعالى-أراد مِن خلال فَرْضِهَا على عبادِه أن يُذَكِّرَ عبادَه بمرور الزمن وأن يكون اتصالُهم بنظام هذا الكون اتصالا موصولا بعبادة الله بحيث لا يكون هذا الاتصال اتصالا سطحيا أو اتصالا ماديا وإنما يكون اتصالا روحيا، فالكون بأسره كلُّ ذرَّةٍ مِن ذرَّاتِه تُسَبِّحُ بِحمدِ الله وتَسجُدُ لِجلالِ الله كما يُنْبِئُ بذلك كتابُ الله، فالله-تعالى-يقول: { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ... } [ سورة الإسراء، من الآية: 44 ]، ويقول: { سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ... } [ سورة الحشر: من الآية: 1؛ سورة الصف، من الآية: 1 ] ويقول: { يُسَبِّحُ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ... } [ سورة الجمعة، من الآية: 1؛ سورة التغابن، من الآية: 1 ]، ويقول: { سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ... } [ سورة الحديد، من الآية: 1 ]، ويقول: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ... (1/2)
صفحة 3
} [ سورة الحج، من الآية: 18 ]، فإذن مِن أجل هذا جعل الله-تبارك وتعالى-بعضَ العبادات مرتبطةً بِظواهرَ طبيعية تكون في هذا الكون، كالصلاة التي نِيطَتْ بأحوالٍ يَمُرُّ بها الإنسان في يومِه وليلتِه، ودَلَّ على توقيت الصلاة بمواقيت هذه الأحوال قوله - سبحانه وتعالى - : { أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا - وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا } [ سورة الإسراء، الآيتان: 78-79 ]، وقال تعالى: { فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ - وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ } [ سورة الروم، الآيتان: 17-18 ]، والصيام نِيطَ برؤيةِ الهلال، فإنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته )، وفي رواية: ( لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه )، وظهورُ الهلال ظاهرةٌ طبيعية، لأنّ ظهورَ الهلال ميقاتٌ زمني يَتَجَدَّدُ به الزمن في كلِّ شهر بِحيثُ يَمُرُّ شهر ويأتي شهر بِمشيئةِ الله - سبحانه وتعالى - ، فعندما يَحُولُ الحَوْل أُمِرَ الإنسان بِأن يصومَ شهرا وهذا الصيام مَوْقُوتٌ بِميقاتٍ معروفٍ ومَنُوطٌ بِظاهرةِ هذا الميقات وهي رؤيةُ الهلال، فلذلك لا يَجوزُ تقديمُه على رؤيةِ الهلال ولا تأخيرُه عن رؤيةِ الهلال، فإن صام الناس جميعا في وقتٍ واحد فلا ريب أنه يَلزم أن يَصوموا إما قبل أن يَرَوا الهلال وإما أن يَصوموا بعد رؤيتِه بِحيثُ يَصومُ هذا الفريق قبل أن يَرى الهلال بِمجردِ أن يراه فريقٌ آخَر مِن البَشَر، لأنّه مِن المعلوم أنّ رؤيةَ الهلال تَختلِف بيْن مكانٍ وآخَر كما تَختلِف المواقيتُ الزمنية .. (1/3)
صفحة 4
مواقيت الليل والنهار التي تَلُفُّ على الكُرَة الأرضية، لأنّ الأرضَ هي كُرَة ولَمّا كانت كُرَة فإنّ الليلَ يَتقدَّمُ في مكانٍ ويَتأَخَّرُ في مكان، فقد يكونُ جزءٌ مِن الأرض ليلا والجزء الآخَر منه نهارا وقد يَشترِك الكثير مِن البلدان في جزءٍ مِن الليل أو في جزءٍ مِن النهار وقد لا يَكون هنالِك اشتراك وقد يَكون هنالك ليلٌ عند طائفة مِن أوّلِ ما يكونُ النهار عند طائفةٍ أخرى إلى آخِر ما يَنتهي النهار عندهم لِينتقِل النهار إليهم، ذلك لأنّ الله يُولِجُ الليلَ في النهارِ ويُولِجُ النهارَ في الليل، كما أَخبَرَ بذلك عندما قال - سبحانه وتعالى - : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ... } [ سورة لقمان، من الآية: 29 ]، وقال - سبحانه وتعالى - : { ... يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا ... } [ سورة الأعراف، من الآية: 54 ]، فالليل يُغْشِيهِ النهار، وهو وراءَه يَطْلُبُهُ طلَبا حثيثا، ولَمّا كان الأمْر كذلك فإذن رؤيةُ الهلال تَختلِف بيْن مكانٍ وآخَر، لأنه مِن المعلوم أنّ البلادَ إذا كانت أقربَ إلى جهةِ الغرْب كانت رؤيةُ الهلال فيها أَمْكَنَ في الوقتِ المُتَقَدِّم كلّما تَأَخَّرَ الليل، لأنّ البلادَ التي تَكون في الشرق يَتقدَّمُ فيها الليل ويَسقُطُ الهلال بِسرعة ولا يَمكِن أن يُعْتَبَرَ مرئيا وهو قد سَقَط أو أن يَكونَ قد تَقَدَّمَ الشمس .. (1/4)
صفحة 5
لا يُمكِن أن يَكونَ مرئيا في هذه الحالة قط، فكيف يُلْزَمُ هؤلاء بِأن يَصوموا بِرؤيةِ هؤلاء ؟! مع أنّ حديثَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - واضحٌ في ذلك، فقد أَخرجَ مُسلِمٌ وغيرُه مِن طريق كريب قال: أرسلتني أمّ الفضل بنت الحارث والدة عبد الله بن عباس إلى معاوية بالشام وقضيتُ حاجتها واستُهِلَّ عليَّ هلال رمضان وأنا بالشام فلما رجعتُ إلى المدينة سألني ابن عباس قال : " متى رأيتُم الهلال ؟ " قلتُ: " رأيناه ليلةَ الجمعة " وقال: " أنتَ رأيتَه ؟ " قلتُ: " نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية " فقال: " ولكنّا رأيناه ليلةَ السبت فلا نزال نصوم حتى نُكْمِلَ الثلاثين أو نرى الهلال " فقلتُ: " أَوَ مَا تكتفي برؤيةِ معاوية وصيامِه ؟ " قال: " لا، هكذا أَمَرَنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - "، ومِن المعلوم أنّ معاوية كان يومئذٍ على رأسِ الحكم في البلاد الإسلامية ثم بجانب ذلك لم تكن هذه الرؤية خاصّة بِمعاوية وحدَه وإنّما كانت رؤية مُطْبَقاً عليها كما يَدُلُّ على ذلك قول كريب: " ورآه الناس وصاموا وصام معاوية " ثم قوله بعد ذلك: " أوَ مَا تكتفي برؤيةِ معاوية وصيامِه ؟ " فدَلَّ هذا على أنّ هناك أمرٌ مِن قِبَلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - بِأن يُمْسِكَ الناس عن الصيام والإفطار حتى يَرَوا الهلال عندما يَكون هنالك سببٌ لإمكانِ حَجْبِ الرؤية عن أهل منطقةٍ مِن المناطق مع إمكانها بالنسبة إلى منطقةٍ أخرى، وقولُ الصحابي: " هكذا أَمَرَنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - " لا شَكَّ في أنه له حكمُ الرَّفْع .. (1/5)
صفحة 6
هو يَدُلُّ على أنّه سَمِعَ مِن ذلك حُكْماً صرِيحا مِن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولئن كان العلماء يَقولون بِأنّ قولَ الصحابي: " كنّا نُؤْمَر " أو " كنّا نُنْهَى " يُعْطَى حكمَ الرَّفْع فكيف بِقولِه: " أَمَرَنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " حيث نصَّ على أنّ الآمِر هو النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذن لِذلكَ حكمُ الرَّفْع، وكفى؛ والله-تعالى-أعلم.
... س4: رَجُلٌ معتكِفٌ وخرَج لِيجْلِبَ لِنفسِه الفطور فوَجَدَ والِدَه مريضا ولا يَستطِيعُ القيامَ ولا أَحدَ عندَه يُعينُه فقام المعتكِفُ بِإعدادِ القهوةِ وتَحضيرِ الفطورِ لِوالدِه، فهل يُؤَثِّر ذلك على اعتكافِه ؟
ج: بِما أنّ والِده مُضْطَرٌ إلى هذه الخدمة التي يُقدِّمُها له ولدُه فالضرورةُ تُرَاعى في هذا الجانب، إذ ليس له أن يَتركَ والِدَه ضائِعاً مِن غيْر أن يَقُومَ أحدٌ بِخدمتِه وهو في حالةٍ لا يَستطِيع أن يَقومَ فيها بِشأنِ نفسِه، فاعتكافُه مقبول وفِعلُه الذي فَعلَه في حقِّ والدِه هو بِرٌّ وقُربةٌ إلى الله تعالى.
... س5: إذا اعتكفَت المرأةُ في بيتِها ولكنّها تَضطَرّ إلى إِعدادِ الطعامِ لِزوجِها وأبنائِها، فهل يُؤَثِّرُ ذلك على اعتكافِها ؟
ج: في هذه الحالة إن تَعَذَّرَ أن يُوجَدَ مَن يَقومُ بِهذا العملِ الذي لا مَنَاصَ عنه يُتَسَامَحُ فيه، أما إن وُجِدَ غيرُها لِيَقومَ بِه فإنّها يَلْزَمُ أن تَلْزَمَ مُعتكفَها وألاّ تَخْرُجَ عنه.
... س6: ما معنى الاعتكاف ؟ وأين يَتِم ؟ وهل يَجوز أثناءَه الأكل ؟
ج: الاعتكافُ هو مُلازَمَةُ المسجِد، وهو مأخوذٌ مِنْ " عَكَفَ بِالمكان " بِمعنى أقام فيه، أو " عَكَفَ على الشيء " بِمعنى لازَمَه، والفعلُ الذي هو " اعتَكَف " يَدُلُّ على المبالَغَة، لأنّ " افتَعَل " يَدُلُّ على المبالَغَة أحيانا في " فَعَل "، ولذلك يَقولُ كثيرٌ مِن علماءِ العربية بِأنّ زيادةَ المبنى تَدُلُّ على زيادةِ المعنى. (1/6)
صفحة 7
وعلى أيّ حال فالاعتكافُ الشرعي هو مُلازَمَةُ المسجد في وقتٍ مَحدود.
ويُشترَطُ له-عندنا وعند جماعةٍ مِن أصحابِ المذاهب الأخرى-الصيامُ بِحيثُ لا يَجوزُ لأحدٍ أن يَعتكِفَ وهو غيْرُ صائم، وعلى هذا فإنّ أقلَّ المُدَّة التي يَجوزُ فيها الاعتكافُ هي مِن قبلِ طلوعِ الفجرِ إلى غروبِ الشمس، لأنّه يَقضِي الإنسانُ يَومَه في هذه الحالة في مُعتكَفِه وهو في حالةِ صيام، وإن أرادَ أن يُكَمِّلَ اليومَ كلَّه فليَدخُل قبلَ غروبِ الشمسِ لِيُواصِلَ اعتكافَه إلى أن تَغرُبَ الشمسُ في اليومِ التالي لِيَكونَ قد اعتكفَ يوما وليلة، وإن أرادَ اعتكافَ عِدّةِ أيام فكذلك يَدخُلُ قبلَ غروبِ الشمسِ في مُستقْبَلِ الليلة التي أرادَ أن تَكونَ هي أَوّلَ اعتكافِه ويَستمِر بعدَ ذلك إلى غروبِ شمسِ آخِرِ يومٍ قَصَدَ فيه الاعتكاف، فمَن قَصَدَ اعتكافَ العَشْرِ الأواخِر-تَأسِّياً بِرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فليَدخُل في مُعتكفِه قبلَ غروبِ الشمسِ مِن اليومِ العشرين-كهذا اليومِ الذي مضى-لِتكونَ ليلةُ الحادي والعشرين هي أَوّل ليلةٍ مِن الليالي العشْرِ الأخيرة مِن رمضان لِيَكون مِن أوَّلِ هذه الليلة في داخِلِ معتكَفِه ويَستمِر على ذلك إلى أن يُرَى هلالُ شوال، واستحَبَّ بعضُ العلماء أن يُواصِلَ معتكَفَه-أي إذا اعتكَفَ في العشرِ الأواخِر-إلى أن يُصلِّيَ الفجرَ في معتكفِه .. أي صبيحةَ يومِ العيد. (1/7)
صفحة 8
والاعتكافُ يُبَاحُ فيه الأكل، فإنّ الأكلَ لا يُمنَع، إذ مِن ضرورةِ الحياة أن يَأكلَ الإنسان، ولو مُنِعَ الإنسانُ أن يَأكلَ في معتكفِه فكيف في العشرِ الأواخِر ؟! أَيَبقى طوَالَها غيْرَ آكِلٍ لِشيء ؟! وهل يَستطِيعُ الحياةَ بِذلك ؟! ولكن تُمْنَعُ مُوَاقَعَةُ النساء وجميعُ مُقدِّماتِ الوِقَاع، فإن كان المعتكِفُ رَجُلا فعليه أن يَعْتَزِلَ أهلَه بِحيثُ لا يُواقِعُهُن، و-كذلك-إن كانت المعتكِفَة امرأة عليها-أيضا-أن تَمْتَنِع مِن الوِقَاع في خلالِ هذه الأيام، ومقدِّماتُ الوقاع هي-أيضا-مَمنوعة، كالقُبلة وغيْرِها، لئلا تَكونَ جارّةً إلى الوقوعِ فيما هو أعظمُ منها وهو الوقاع، والله-تبارك وتعالى-نَصَّ على حرمةِ الوقاع، عندما قال: { ... وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 187 ] .. هذا وقوله - سبحانه وتعالى - : { ... فِي الْمَسَاجِدِ ... } دليلٌ على أنّ المساجد هيَ أماكنُ الاعتكاف وإنما رُخِّصَ لِلمرأةِ إن كانتْ لا تَجِدُ مكانا خاصّا لائِقا بِها في المسجد تَعتكِف فيه بِحيثُ يَكونُ ذلك المكان بعيدا عن الرجال .. لا تُخَالِطُ فيه الرجال .. رُخِّص لَها أن تُخَصِّصَ مكانا في بيتها مِن أجل الذِّكْرِ والصلاة لِتعتكِفَ فيه .. أي يَكونُ ذلك المكان لَها مُصلًّى تُصَلِّي فيه وتَذْكُرُ الله-تبارك وتعالى-فيه وتَتهجَّد فيه وتَتْلُو كتابَ الله-تعالى-فيه وتُسَبِّحُ بِحمدِ الله وتَدْعُو الله تعالى، ولا مانع مِن أن تَبقَى في ذلك المكان عاكِفَةً حتّى تَنتهِيَ مِن الأيام التي نَوَت اعتكافَها؛ والله-تعالى-أعلم.
... س7: هل يَصِحّ لِلمرأةِ المستحاضَة أن تَقرأَ القرآنَ الكريم ؟ (1/8)
صفحة 9
ج: أنا لا أدري ما قَصْدُهَا بِـ " المستحاضة "، لأنّ كثيرا مِن الناس تَلْتَبِسُ عليهم الاستحاضة بِالحيض، مع أنّ النساءَ يَجِبُ عليهنّ أن يُفَرِّقْنَ بيْن الحيض والاستحاضة، فالعلماءُ نَصُّوا على أنّ المرأة يَجِبُ عليها أن تُفَرِّقَ بيْن الدِّماءِ الثلاثة .. بيْن دمِ الحيْض وبيْن دمِ النّفاس ودمِ الاستحاضة، فدمُ الحيْض هو الدم الطبيعي الذي تُفْرِزُهُ الطبيعة وهو دمٌ صِحي يُفْرِزُه جسمُ المرأة مِن قُبُلِها .. يَخرُجُ منها في مواقيتَ معيّنة بِشرْطِ أن تَكونَ جاوزتْ سِنَّ الصِّبا بِحيثُ تَكونُ قد بَلَغَتْ تِسْعَ سنوات أو زادتْ عليها وألاّ تَكونَ بلغتْ سِنَّ اليأس، فالذي يَخرجُ مِن الصّبِية قبلَ أن تَبلغَ تِسْعَ سنوات أو الذي يَخرُج مِن المرأةِ التي بلغتْ سِنَّ اليأس بِحيثُ تَكونُ جاوزتْ سِتِّينَ عاما-في المشهور-يُعَدُّ استحاضة ولا يُعَدُّ حيْضا، وكذلك الذي يَأتِي مِن الدِّماء غيْرَ مُتَّصِفٍ بِصفةِ دمِ الحيْض وهو الدم ُالأسْودُ الغليظُ الذي له رائحة .. ذلك هو دمُ الحيض، فما كان بِخلافِ ذلك كأن يَكونَ رَقيقا أو يَكونَ أحمر أو لا تَكونُ له رائحة فذلك لا يُعْتَبَرُ دمَ حيض إلاّ إن كان مسبوقًا بِدمِ الحيْض مِن قبل، وكذلك إن جاء في وقتٍ يَتعَذَّرُ مَجيءُ الحيْض فيه وذلك عندما تكون لم تَستَوْفِ أيامَ طُهْرِهَا المعتادة على قولِ جماعةٍ مِن العلماء أو لم تَسْتَوْفِ الأيام التي يُمكِنُ أن تَكونَ طُهْراً لَها، وأقلُّ الأيام التي يُمكِنُ أن تَأخذَها وقتًا لَها في الطُّهْر هي عشرةُ أيام، فما كان دُون العشرةِ الأيام .. أي ما جاءها داخِلَ العشرةِ الأيام فإذن هو استحاضة وليس بِحيض. (1/9)
صفحة 10
والاستحاضة لا تَمْتَنِعُ المرأةُ معها مِن الصلاة ولا مِن الصيام، فأحرى بِها ألاّ تَمتنِعَ مِن قراءةِ القرآن .. يَجوزُ لَها أن تَقرأَ القرآنَ الكريم، إذ هي مُتعبَّدَة في أثناءِ استحاضتِها بِأن تُصلِّيَ الصلوات المفروضة التي فَرَضَها الله-تعالى-عليها ومِن المعلوم أنّ في الصلاة قراءةً لِلقرآنِ الكريم، والنبي-عليه أفضل الصلاة والسلام-عَلَّمَ المستحاضة كيف تَتصَرَّف عندما قال: ( إذا أَقْبَلَت الحيضة فدَعِي لَها الصلاة وإذا أَدْبَرَت فاغتسِلِي وصَلِّي ) .. يعني إذا أَقْبَلَت الحَيْضَة .. أي أيامُها المعتادة فلتَتْرُك هذه المرأة الصلاة، لأنّها جاءَت الأيامُ التي اعتادَت الحيْضَ فيها وهي تَرى الدم، وإن أَدْبَرَتْ فعليها أن تَغتسِلَ وتُصَلِّي، وجاءَ في رواية-وهي مِمّا أَعَلَّه بعضُ العلماء مِن الروايات-أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( اتْرُكِي الصلاةَ أيامَ أَقْرَائِكِ ) .. أي الأيامَ التي اعْتَدْتِ الحيْضَ فيها، أما دمُ النّفاس فهو الدمُ الخارِج على أَثَرِ الولادة، وأكثرُه أربعون يوما، وفي أقلِّه خلافٌ بيْن العلماء .. على المرأة أن تُفَرِّقَ بيْن هذه الدماءِ الثلاثة.
ودمُ النّفاس كَدَمِ الحيْض مِن حيثُ وجوبُ تَرْكِ الصلاة ووجوبُ تَرْكِ الصيام ووجوبُ عَدَمِ مباشَرةِ الزوجِ لَها في تلكم الفترة؛ والله-تعالى-أعلم.
... س8: مُدَرِّسَةٌ أثناءَ شرحِها لِلدّرس تَضطر لِتلاوةِ بعضِ الآيات وهي حائض لِكي تُفْهِمَ الطالبات ؟
ج: نسأل الله أن يُعِينَها، و-حقيقة الأمر-كان يَنبغي أن يَكونَ هنالك نظام مِن قِبَل وزارة التربية والتعليم تُرَاعَى فيه حُرُمَاتُ القرآنِ الكريم بِحيثُ تَكونُ مادّةُ القرآنِ الكريم تُوكَلُ في أثناء حيْض المُدَرِّسَة إلى غيْرِها مِن المُدَرِّسَاتِ الأخرى .. يا ليْتَ الأمْر يَجرِي على هذا النّسَق. (1/10)
صفحة 11
و-على أيّ حال-هنا-في الحقيقة-نَحن نَجِد أنّ الأحاديث عن النبي-عليه أفضل الصلاة والسلام-تَمنعُ الحائض مِن قراءةِ القرآن وتَمنعُها مِن مَسِّ المصحف، وعندما تَضطَر اضطِرارا مِن العلماءِ مَن رَخَّصَ لها، فإذن-في هذه الحالة-عندما تَكون مُضْطَرَّة ولا تَجِد مناصا عن ذلك لِتأخذ بِرأيِ أولئك المُرَخِّصِين فعسى الله-تعالى-أن يَعْفُوَ عنها وأن يَتقبَّلَ منها.
... س9: هل يُمكِنُ لِلجنُب-سواءً كان رجلا أو امرأة-أن يُغسِّل الميت ؟ (1/11)
صفحة 12
ج: الجنُب ليس بِنَجَس، والحائض-أيضا-جسمُها غيْرُ نَجَس، بِخلاف ما يتصَوَّر الكثيرُ مِن الناس أنّ الحائض جسمُها نَجَس وأنّها تُنَجِّس ما باشرتْه، فقد جاء في الروايات أنّ النبي-عليه أفضل الصلاة والسلام-كان يُصلِّي في الثوب الذي يُبَاشِرُ بِه أهلَه، وكذلك جاء في الروايات عن أمهاتِ المؤمنين-رضي الله تعالى عنهن-أنه كانت إحداهن تُصلِّي في الثوب الذي تَحيضُ فيه، وكان ربما لَحِقَ ذلكَ الثوب شيءٌ مِن الدم فهي لا تَزيد على أن تُفِيضَ عليه مِن رِيقِها ثم تُطَهِّرُه بِظُفْرِها حتى يَزول أثَر ذلك الدم ويَنتهي الأمر وتَعتبِره طاهِرا، وهذا دليل على أنّ الجنُب غيْرُ نَجَس وعلى أنّ الحائض-أيضا-هي غيْرُ نَجَسة وعلى أنّ عَرَقَ الجنُب وعَرَقَ الحائض كلٌّ منهما طاهِر، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأمّ المؤمنين عائشة-رضي الله تعالى عنها-: ( نَاوِلِينِي الخُمْرَة ) .. أي الفراش الذي يُصَلِّي فيه فقالتْ له: " إنّي حائضٌ يا رسول الله " فقال: ( ليستْ حيضتُك في يدِكِ )، وجاء عنها أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يَشْرَبُ مِن الكأسِ التي كانتْ تَشْرَبُ منها ويَضَعُ فاه حيثُ ما كانتْ تَضَعُ فاها مع أنها حائض، وكذلك جاء أنه يَتَعَرَّقُ اللحم بعدما تَتَعَرَّقُهُ هي .. يَتَعَرَّقُهُ بِفِيهِ بعدما تَتَعَرَّقُهُ بِفِيهَا ويَضَعُ أسنانَه حيثُ ما وضعتْ أسنانَها وهي حائض، وجاء-أيضا-عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يَدْخُلُ مع الحائض في فراشٍ وفي لِحَافٍ واحد عندما تَكونُ إحدى نسائه حائضا .. كلُّ ذلك مِمّا يَدُل على أنّ جسدَ الحائض ليس بِنَجَس وكذلك جسد الجنُب.
ولا يُمنَع الجنُب ولا تُمنَع الحائض مِن ذِكْرِ الله-تبارك وتعالى، فلهما أن يَذْكُرَا الله-وإنما يُمنعانِ مِن قراءةِ القرآن، وعلى هذا فلا مانع مِن تغسيلِهما لِلميت؛ والله-تعالى-أعلم. (1/12)
صفحة 13
... س10: طالبة مِن عُمان تَدرُس في دولة الإمارات في بعض الأحيان تَضطَر إلى جمْع الظهر والعصر لِضرورة الدروس أما إذا جاء وقتُ المغرب فتُفْرِدُها في وقتِها والعشاء في وقتِها، فهل يَصِح لَها تارةً تَجمَع وتارةً تُفْرِد ؟
ج: الجمعُ ليس هو عزيمة في السفر، وإنما هو رُخصة، وهو سنّةٌ مِن السنن ولكنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَهُ عندما كان يَجِدُّ في السيْر إلا أنه في غزوة تَبوك كان يَجمَع - صلى الله عليه وسلم - الصلوات في المدّة التي بقي فيها في تلكم الغزوة، ولعلّه راعى في ذلك بعضَ الظروف والأحوال التي كانت تَكْتَنِفُ وضعَه - صلى الله عليه وسلم - هنالك والله-تعالى-أعلم بِالأمر، إلا أنه عليه أفضل الصلاة والسلام بيَّن لنا أنّ الجمعَ رُخْصةٌ يُصارُ إليها مع الحاجة في أحوالٍ مُختلِفة حتّى ولو في غيْرِ حالةِ السفر، فقد يَجمعُ الإنسان بِسبب مرض، وقد يَجمعُ الإنسان بِسبب سحاب .. بِسبب غيْم وعدم معرفتِه بِالوقت، وقد يَجمعُ الإنسان-أيضا-بِسبب أمطار تَمنعُه مِن التردّدِ على المسجد، وقد تَجمعُ المرأة المستحاضة الصلاة مِن أجْل استحاضتها وكذلك صاحبُ السلس يَجمَع مِن أجل سَلَسِه، وهكذا .. هذا كلُّه يُسْتَفَاد مِن الحديثِ الذي أخرجَه الإمامُ الربيع-رحمه الله-مِن روايةِ ابن عباس-رضي الله عنهما-قال: " صلّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الظهرَ والعصر معا والمغربَ والعشاء الآخِرَة معا مِن غيْر خوف ولا سفَر ولا سحابٍ ولا مطر " (1) ،
__________
(1) -مسند الإمام الربيع بن حبيب، باب (43) القِرَان في الصلاة:
حديث رقم 251: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر والعصر جميعًا والمغرب والعشاء الآخرة (1) جميعًا في غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر.
حديث رقم 252: أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن معاذ بن جبل قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام تبُوك وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يجمع بين الظهر والعصر و المغرب والعشاء، قال معاذ: فأخّر الصلاة يومًا ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا ثم دخل فخرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا.
ـــــــــــــــــ
(1) في نسخة القطب إسقاط " الآخرة ". (1/13)
صفحة 14
وروى الحديثَ الشيخانِ وغيْرُهما مِن روايةِ ابنِ عباس، وجاء في هذه الرواية أنّه سُئِلَ .. أي ابن عباس: " ما أراد بذلك ؟ " فقال: " أراد ألاّ يُحْرِجَ أمّتَه "، فَفُهِمَ مِن ذلك أنّ هذا الجمع إنما يُباحُ في أوقاتِ الحرج، ولذلك نَصَّ العلماء على أنَّ لِلمريض أنْ يَجمَع وأنَّ لِصاحبِ السلس أنْ يَجمع وأنَّ لِلمستحاضة أنْ تَجمع وأنَّ لِلإنسانِ في حالِ الغَيْمِ والمطر أنْ يَجمع، وهكذا، وهذا الذي يَكون في حالة الدرس حالُهُ شبيهة بِحالةِ المريض وحالةِ صاحبِ السلس وحالة غيْرِ أولئك، فإذن لا مانع مِن الجمعِ، وأَحْرَى أن يَكونَ هذا الجمعُ جائزا في حالة السفر، ولا يُمْنَع الإنسان أن يُفْرِدَ تارةً ويَجمعَ أخرى بِحسب ما يَتَسَنَّى له؛ والله-تعالى-أعلم. (1/14)